{"ً":{"ٌ":20587,"ٍ":"الإيمان الأوسط - ط ابن الجوزي","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: شرح حديث جبريل - ﵇ - في الإسلام والإيمان والإحسان المعروف باسم كتاب «الإيمان الأوسط»\nالمؤلف: أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية\nدراسة وتحقيق: الدكتور علي بن بخيت الزهراني\nأصل التحقيق: أطروحة دكتوراه - قسم الدراسات العليا الشرعية فرع العقيدة بجامعة أم القرى\nالناشر: دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية\nعام النشر: ١٤٢٣ هـ\nعدد الصفحات: ٦٧٠\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":54,"ٕ":1,"ٖ":1770153763,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"مقدمة التحقيق","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة","level":2,"page":3},{"title":"أما الأسباب العامة فهي","level":3,"page":4},{"title":"أما الأسباب الخاصة فهي","level":3,"page":4},{"title":"تمهيد","level":2,"page":10},{"title":"المبحث الأول ترجمة المؤلف ﵀","level":2,"page":14},{"title":"أولا: اسمه ونسبه","level":3,"page":15},{"title":"ثانيا: مكانة أسرته العلمية والاجتماعية","level":3,"page":16},{"title":"ثالثا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه","level":3,"page":22},{"title":"رابعا: دعوته وجهاده","level":3,"page":31},{"title":"خامسا: محنه وسجنه","level":3,"page":41},{"title":"سادسا: تلاميذه وأثره","level":3,"page":46},{"title":"سابعا: مصنفاته وكتبه","level":3,"page":52},{"title":"ثامنا: جوانب أخرى في حياة شيخ الإسلام","level":3,"page":63},{"title":"تاسعا: وفاته","level":3,"page":67},{"title":"المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب","level":2,"page":72},{"title":"القسم الأول دراسة المسائل الأصلية","level":3,"page":75},{"title":"المسألة الأولى أقسام الناس في عهد النبي - ﷺ -","level":4,"page":76},{"title":"المسألة الثانية تعريف النفاق والسلام عليه","level":4,"page":78},{"title":"سبب ظهور النفاق","level":5,"page":79},{"title":"أصل المنافقين","level":5,"page":79},{"title":"أقسام النفاق","level":5,"page":80},{"title":"الأول: نفاق اعتقادي","level":6,"page":80},{"title":"الثائي: نفاق عملي","level":6,"page":80},{"title":"خوف الصحابة والسلف من النفاق","level":5,"page":80},{"title":"قاعدة","level":5,"page":81},{"title":"حكم المنافقين","level":5,"page":82},{"title":"كيفية جهاد المنافقين","level":5,"page":83},{"title":"الكرامية يسمون المنافقين مؤمنين","level":5,"page":84},{"title":"المنافق هو الزنديق","level":5,"page":84},{"title":"الخلاف في قبول توبة الزنديق","level":5,"page":85},{"title":"المسألة الثالثة وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والباطن","level":4,"page":87},{"title":"المسألة الرابعة الخلاف في مسمى الإيمان","level":4,"page":89},{"title":"أولا: أصل الخلاف في الإيمان، وسبب التفرق في مفهومه","level":5,"page":89},{"title":"الشبهة الأولى","level":6,"page":90},{"title":"الشبهة الثانية","level":6,"page":90},{"title":"ثانيا: تقرير شبهتهم في الإيمان","level":5,"page":94},{"title":"ثالثا: الرد على شبهتم في الإيمان، وذلك من وجوه","level":5,"page":96},{"title":"القاعدة الأولى: أن شعب الإيمان ليست متلازمة في الانتفاء","level":6,"page":102},{"title":"القاعدة الثانية: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف","level":6,"page":102},{"title":"رابعا: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان","level":5,"page":103},{"title":"أولا: الرد على الخوارج","level":6,"page":103},{"title":"ثانيا: الرد على المعتزلة","level":6,"page":104},{"title":"ثالثا: الرد على الكرامية","level":6,"page":105},{"title":"رابعا: الرد علي مرجئة الفقهاء","level":6,"page":106},{"title":"خامسا: الرد على الجهمية والأشاعرة والماتريدية","level":6,"page":109},{"title":"الرد الإجمالي","level":7,"page":110},{"title":"الرد التفصيلي","level":7,"page":112},{"title":"خامسا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة من الجهمية ومن اتبعهم كالأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم، الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان","level":5,"page":118},{"title":"بعض المفاهيم والأصول الخاطئة العامة عند هؤلاء المرجئة، والرد عليها","level":6,"page":120},{"title":"خلاصة هامة","level":6,"page":136},{"title":"سادسا: الرد على من قال: إن دخول الأعمال في الإيمان على سبيل المجاز","level":5,"page":137},{"title":"الطريق الأول","level":6,"page":137},{"title":"الطريق الثاني","level":6,"page":138},{"title":"الأمر الأول","level":7,"page":138},{"title":"الأمر الثاني","level":7,"page":139},{"title":"سابعا: حكم ترك جنس الأعمال","level":5,"page":139},{"title":"ثامنا: موقف شيخ الإسلام من الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان","level":5,"page":164},{"title":"المسألة الخامسة تقرير مذهب السلف في الإيمان","level":4,"page":174},{"title":"المسألة السادسة الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان","level":4,"page":187},{"title":"أولا: زيادة الإيمان ونقصانه","level":5,"page":187},{"title":"ثانيا: الاستثناء في الإيمان","level":5,"page":193},{"title":"المسألة السابعة الفرق بين الإيمان والإسلام","level":4,"page":197},{"title":"الأقوال في الإسلام والإيمان والفرق بينهما","level":5,"page":199},{"title":"القول الأول","level":6,"page":199},{"title":"القول الثاني","level":6,"page":199},{"title":"القول الثالث","level":6,"page":199},{"title":"القول الرابع","level":6,"page":199},{"title":"القسم الثاني دراسة المسائل الفرعية","level":3,"page":204},{"title":"المسألة الأولى مناقشات المصنف لبعض أقوال الفلاسفة وغلاة المتصوفة","level":4,"page":205},{"title":"أولا: مناقشة الفلاسفة","level":5,"page":205},{"title":"ثانيا: مناقشة غلاة المتصوفة","level":5,"page":208},{"title":"المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان","level":4,"page":212},{"title":"(تابع المسائل الأصلية) الإحسان والكلام عليه","level":4,"page":216},{"title":"تعريف الإحسان","level":5,"page":216},{"title":"تعريف الإخلاص","level":5,"page":217},{"title":"الإحسان في العلم","level":5,"page":217},{"title":"الإحسان في أعمال الجوارح","level":5,"page":221},{"title":"فروض الكفاية","level":5,"page":223},{"title":"الإحسان في أعمال القلوب والجوارح","level":5,"page":225},{"title":"الإحسان في المعاملات","level":5,"page":226},{"title":"الإحسان في البيوع","level":5,"page":226},{"title":"إزالة الضرر من الإحسان الواجب","level":5,"page":230},{"title":"إطعام الطعام من الإحسان","level":5,"page":230},{"title":"النهي عن الرشوة من الإحسان","level":5,"page":232},{"title":"وضع الجوائح من الإحسان","level":5,"page":233},{"title":"الدعوة إلى الله ﷿ من الإحسان","level":5,"page":233},{"title":"طلب الرزق والمعاش من الإحسان","level":5,"page":234},{"title":"فقه الحلال والحرام من الإحسان","level":5,"page":234},{"title":"أكل الحلال من الإحسان","level":5,"page":235},{"title":"الورع واتقاء الشبهات من الإحسان","level":5,"page":235},{"title":"الحديث الأول","level":6,"page":235},{"title":"الحديث الثاني","level":6,"page":235},{"title":"مسك الختام للكتاب","level":5,"page":236},{"title":"المبحث الثالث المقارنة بين كتاب الإيمان الكبير وكتاب شرح حديث جبريل","level":2,"page":238},{"title":"أولا: أي الكتابين أسبق تصنيفا؟","level":3,"page":238},{"title":"ثانيا: عرض المسائل في الكتابين، وأبرز الفروق بينهما","level":3,"page":240},{"title":"أولا: الاختصار في شرح حديث جبريل، والإسهاب في الإيمان الكبير","level":4,"page":240},{"title":"ثانيا: كثرة مصادر \"الإيمان الكبير\"، وقلتها في \"شرح حديث جبريل\"","level":4,"page":241},{"title":"ثالثا: منهجه في \"شرح حديث جبريل\" يغلب عليه التقرير","level":4,"page":242},{"title":"رابعا: كثرة الاستطرادات والتكرار في \"الإيمان الكبير\" دون \"شرح حديث جبريل\"","level":4,"page":243},{"title":"خامسا: ورود بعض المصطلحات في كتاب دون الآخر","level":4,"page":244},{"title":"ثالثا: ما تميز به كتاب \"شرح حديث جبريل\" عن كتاب \"الإيمان الكبير\"","level":3,"page":245},{"title":"المبحث الرابع دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط","level":2,"page":249},{"title":"أولا: اسم الكتاب","level":3,"page":249},{"title":"ثانيا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف","level":3,"page":253},{"title":"ثالثا: المطبوع من نسخ الكتاب","level":3,"page":257},{"title":"الطبعة الأولى","level":4,"page":257},{"title":"الطبعة الثانية","level":4,"page":257},{"title":"رابعا: المخطوط من نسخ الكتاب","level":3,"page":261},{"title":"[مقدمة الكتاب]","level":1,"page":277},{"title":"فصل","level":1,"page":278},{"title":"[أصناف الناس في عهد النبي - ﷺ -]","level":1,"page":279},{"title":"[ما أنزل الله -﷿- في المنافقين]","level":1,"page":280},{"title":"[المراد بالزنديق عند الفقهاء]","level":1,"page":291},{"title":"[خيانة امرأة لوط ﵇ في الدين لا في الفراش]","level":1,"page":293},{"title":"[تحقيق المقام في الوصف بالإسلام]","level":1,"page":301},{"title":"[أول خلاف ظهر في الإسلام]","level":1,"page":301},{"title":"[ظهور الخوارج]","level":1,"page":302},{"title":"[مذهب الخوارج والرد عليهم]","level":1,"page":309},{"title":"[ثبوت الشفاعة بالتواتر في الآخرة]","level":1,"page":319},{"title":"[الحسنات تكفر الكبائر على القول الراجح]","level":1,"page":327},{"title":"[اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر]","level":1,"page":327},{"title":"[المغفرة قد تكون مع الكبائر]","level":1,"page":328},{"title":"[الصلاة أول الأعمال التي يحاسب عليها المرء]","level":1,"page":329},{"title":"[النافلة خاصة بالنبي - ﷺ -]","level":1,"page":330},{"title":"[التوحيد والعدل عند المعتزلة]","level":1,"page":333},{"title":"[الكفر محبط لجميع الحسنات والتوبة محبطة لجميع السيئات]","level":1,"page":333},{"title":"[احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم]","level":1,"page":334},{"title":"[مأخذ أكثر السلف في الاستثناء]","level":1,"page":337},{"title":"فصل [مذهب الناس في الوعد والوعيد]","level":1,"page":348},{"title":"[قول الفلاسفة في الوعد والعيد]","level":1,"page":350},{"title":"فصل [النزاع في مسائل الإيمان]","level":1,"page":354},{"title":"[مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان]","level":1,"page":354},{"title":"[اختلاف عبارة السلف في الإيمان، والمعنى واحد]","level":1,"page":356},{"title":"[معنى عبارات السلف في الإيمان]","level":1,"page":358},{"title":"[مذهب مرجئة الفقهاء]","level":1,"page":360},{"title":"[إنكار السلف على المرجئة، مع عدم تكفيرهم]","level":1,"page":361},{"title":"[تكفير الجهمية لا يقتضي تكفير أعيانهم]","level":1,"page":362},{"title":"[مذهب أبي حنيفة وابن كلاب في الإيمان]","level":1,"page":363},{"title":"[مذهب الجهمية في الإيمان وتكفير من قال به]","level":1,"page":364},{"title":"[لوازم مذهب الجهمية في الإيمان]","level":1,"page":365},{"title":"[مذهب الكرامية في الإيمان]","level":1,"page":366},{"title":"[مذهب الصالحي والأشعري في المشهور عنه]","level":1,"page":366},{"title":"[الأشاعرة من المرجئة]","level":1,"page":367},{"title":"[القول الثاني للأشعري الذي وافق فيه السلف]","level":1,"page":368},{"title":"[مأخذ الاستثناء عند الأشعري]","level":1,"page":370},{"title":"[مذهب الماتريدي في الإيمان]","level":1,"page":370},{"title":"[احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد]","level":1,"page":371},{"title":"[إبطال شبهة هذه الفروق في الإيمان]","level":1,"page":373},{"title":"[هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت]","level":1,"page":379},{"title":"[الإيمان له شعب، ويتبعض]","level":1,"page":382},{"title":"[اختلاف حقيقة الإيمان بالنسبة للمكلفين]","level":1,"page":384},{"title":"[قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر]","level":1,"page":386},{"title":"[قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف]","level":1,"page":390},{"title":"[تسمية الحسن البصري للفاسق منافقا]","level":1,"page":392},{"title":"[أنواع الشرك والكفر، وما ينقل عن الملة وما لا ينقل]","level":1,"page":393},{"title":"[تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب]","level":1,"page":394},{"title":"[هل يعاقب على الإرادة بغير عمل؟]","level":1,"page":395},{"title":"[الفرق بين الهم والإرادة]","level":1,"page":397},{"title":"[حقيقة الإرادة الجازمة]","level":1,"page":397},{"title":"[اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، وسبب ذلك]","level":1,"page":399},{"title":"[أصل الإيمان هو قول القلب وعمل القلب]","level":1,"page":400},{"title":"[لفظ النصارى ليس مرادفا للفظ الإيمان في اللغة]","level":1,"page":401},{"title":"[العلم التام بالله ﷿ ليس شرطا في الإيمان به، والعذر بالجهل]","level":1,"page":411},{"title":"[معنى العقل]","level":1,"page":413},{"title":"[معنى الجاهلية]","level":1,"page":413},{"title":"[الأعمال والأقوال الظاهرة هي موجب ما في القلب]","level":1,"page":415},{"title":"[القلب هو الأصل والبدن هو الفرع]","level":1,"page":416},{"title":"[جماهير المرجئة على أن عمل القلب من الإيمان]","level":1,"page":418},{"title":"[فرق المرجئة]","level":1,"page":418},{"title":"[الجهمية]","level":2,"page":418},{"title":"[الصالحين]","level":2,"page":420},{"title":"[السمرية]","level":2,"page":421},{"title":"[أصحاب شمر ويونس]","level":2,"page":421},{"title":"[أصحاب أبي ثوبان]","level":2,"page":422},{"title":"[النجارية]","level":2,"page":422},{"title":"[الغيلانية]","level":2,"page":423},{"title":"[أصحاب محمد بن شبيب]","level":2,"page":423},{"title":"[أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)]","level":2,"page":424},{"title":"[التومنية]","level":2,"page":425},{"title":"[المريسية أصحاب بشر المريسي]","level":2,"page":425},{"title":"[الكرامية]","level":2,"page":427},{"title":"[الجهمية والصالحية لا تدخلان عمل القلب في الإيمان]","level":1,"page":427},{"title":"[حكاية الأشعري مقالة أهل السنة]","level":1,"page":427},{"title":"[اختلاف دلالات الألفاظ بالإفراد والاقتران]","level":1,"page":430},{"title":"[اقتضاء الإيمان القلبي الاستسلام لله ﷿]","level":1,"page":432},{"title":"[أسباب انحراف الجهمية المرجئة في الإيمان]","level":1,"page":433},{"title":"[التلازم بين الظاهر والباطن]","level":1,"page":434},{"title":"[امتناع قيام الإيمان بالقلب من غير عمل ظاهر]","level":1,"page":436},{"title":"[سب الله ورسوله طوعا كفر باطنا وظاهرا]","level":1,"page":437},{"title":"[امتناع أبي طالب عن التوحيد]","level":1,"page":444},{"title":"[كفر إبليس وفرعون واليهود مع علمهم]","level":1,"page":445},{"title":"فصل [وجوه التفاضل في الإيمان]","level":1,"page":446},{"title":"[تفاضل الناس في حب الله]","level":1,"page":454},{"title":"[تفضيل صالحي البشر على الملائكة]","level":1,"page":455},{"title":"[المدلول المستلزم للدليل]","level":1,"page":468},{"title":"[إيمان القلب مستلزم لأعمال الجوارح]","level":1,"page":469},{"title":"[يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردا أو مقترنا]","level":1,"page":470},{"title":"[حقيقة الأسماء الشرعية]","level":1,"page":472},{"title":"[مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزما للإيمان النافع عند الله]","level":1,"page":478},{"title":"[امتناع وجود الإيمان التام في القلب بلا ظاهر]","level":1,"page":481},{"title":"[أخطاء الجهمية والمرجئة في الإيمان]","level":1,"page":481},{"title":"[قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق]","level":1,"page":482},{"title":"[فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة]","level":1,"page":484},{"title":"[فساد قول المتفلسفة]","level":1,"page":486},{"title":"[معنى الملائكة عند الفلاسفة]","level":1,"page":487},{"title":"[طلب بعض غلاة الصوفية النبوة، واعتقادهم أنها بالاكتساب]","level":1,"page":490},{"title":"[ادعاء ابن عربي أن الولاية أعلى من النبوة]","level":1,"page":493},{"title":"[خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء]","level":1,"page":494},{"title":"[قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي]","level":1,"page":495},{"title":"[تنازع ابن عربي والسهروردي في التجلي]","level":1,"page":497},{"title":"[حقيقة مذهب ابن عربي]","level":1,"page":498},{"title":"[ضلال ملاحدة المتصوفة]","level":1,"page":500},{"title":"[إبطال مذهب ابن عربي ومن تابعه بإثبات المباينة بين الخالق والمخلوق]","level":1,"page":505},{"title":"[شعر ابن الفارض في وحدة الوجود]","level":1,"page":506},{"title":"فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان]","level":1,"page":507},{"title":"[الكلام على حديث وفد عبد القيس]","level":1,"page":510},{"title":"[الكلام على حديث ضمام، الطريق الأولى]","level":1,"page":518},{"title":"[الطريق الثانية]","level":1,"page":521},{"title":"[الكلام على حديث الأعرابي]","level":1,"page":523},{"title":"[الكلام على حديث النعمام بن قوقل]","level":1,"page":523},{"title":"[الكلام على حديث ابن عمر]","level":1,"page":524},{"title":"[الجواب عن سبب اختلاف الروايات]","level":1,"page":529},{"title":"[فصل] [الخلاف في زمن فرض الحج]","level":1,"page":534},{"title":"[الكلام على حديث معاذ]","level":1,"page":538},{"title":"[كفر من ترك الشهادتين مع القدرة على التكلم بهما]","level":1,"page":540},{"title":"[كفر من جحد معلوما من الدين بالضرورة]","level":1,"page":540},{"title":"[ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في التكفير]","level":1,"page":540},{"title":"[امتناع وجود الإيمان في القلب من غير عمل في الظاهر]","level":1,"page":544},{"title":"[الأدلة على كفر تارك الصلاة]","level":1,"page":545},{"title":"[الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة]","level":1,"page":550},{"title":"[ضعف قول من قال: إن تارك الصلاة يقتل حدا]","level":1,"page":554},{"title":"[ارتباط الظاهر بالباطن]","level":1,"page":554},{"title":"[جنس الأعمال من لوازم الإيمان]","level":1,"page":555},{"title":"[قد يجتمع في العبد إيمان ونفاق]","level":1,"page":555},{"title":"[خطأ بعض الفقهاء في فهم ارتباط الظاهر بالباطن]","level":1,"page":555},{"title":"[أحكام المنافقين]","level":1,"page":556},{"title":"[قتال علي - ﵁ - للخوارج]","level":1,"page":556},{"title":"[فضل ما قام به الحسن بن علي من صلح بين المسلمين]","level":1,"page":557},{"title":"[قتال الخوارج ليس كالقتال في الجمل وصفين]","level":1,"page":557},{"title":"[علي لم يكفر الخوارج]","level":1,"page":559},{"title":"[تنازع الأئمة في تكفير أهل الأهواء وتخليدهم]","level":1,"page":560},{"title":"[القول الفصل في تكفير أهل الأهواء]","level":1,"page":560},{"title":"[التكفير المطلق والتكفير المعين]","level":1,"page":561},{"title":"[الأمر بجهاد الكفار والمنافقين]","level":1,"page":562},{"title":"[كيفية جهاد المنافقين]","level":1,"page":563},{"title":"فصل","level":1,"page":566},{"title":"[تعريف الإحسان]","level":2,"page":566},{"title":"[شروط قبول العمل]","level":2,"page":569},{"title":"[تعريف الإخلاص]","level":2,"page":570},{"title":"[مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة]","level":2,"page":571},{"title":"[كتب الله الإحسان على كل شيء]","level":2,"page":572},{"title":"[الإخلاص في العلم تعلما وتعليما]","level":2,"page":573},{"title":"[إحسان الظن بالشيخ]","level":2,"page":575},{"title":"[من حقوق العالم على المتعلم]","level":2,"page":575},{"title":"[العمل بالعلم]","level":2,"page":575},{"title":"[الإحسان في أعمال الجوارح]","level":2,"page":577},{"title":"فصل [العارية من الإحسان]","level":2,"page":577},{"title":"[من الإحسان بذل منافع البدن]","level":2,"page":582},{"title":"[الخلاف في أخذ الأجرة على الشهادة]","level":2,"page":583},{"title":"[الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية]","level":2,"page":584},{"title":"[فروض الكفاية]","level":2,"page":586},{"title":"[قيامه ﵊ بالولايات الدينية]","level":2,"page":586},{"title":"[متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان؟]","level":2,"page":588},{"title":"[جواز المزارعة]","level":2,"page":588},{"title":"[أمر النبي ﵊ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب]","level":2,"page":590},{"title":"[فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال]","level":2,"page":597},{"title":"[أكل المرء من عمل يده]","level":2,"page":597},{"title":"[الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف]","level":2,"page":598},{"title":"[احتياج البيوع إلى الصدق]","level":2,"page":599},{"title":"[النهي عن تلقي الركبان]","level":2,"page":599},{"title":"[دفع الضرر]","level":2,"page":602},{"title":"[إطعام المحتاج فرض كفاية]","level":2,"page":603},{"title":"[كسوة العرايا فرض كفاية]","level":2,"page":604},{"title":"[الصدقة بفضول الأموال]","level":2,"page":605},{"title":"[محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة]","level":2,"page":608},{"title":"[أصل مذهب أحمد في العقود الجواز]","level":2,"page":611},{"title":"فصل [رفع الجوائح من الإحسان]","level":2,"page":611},{"title":"[العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي ﵊]","level":2,"page":614},{"title":"[مكاتبة النبي ﵊ العالم، ودعوتهم إلى الإسلام]","level":2,"page":614},{"title":"[دعوة النبي ﵊ الناس، وإرساله الدعاة لذلك]","level":2,"page":617},{"title":"[اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان]","level":2,"page":618},{"title":"[اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام]","level":2,"page":629},{"title":"فهرس المصادر والمراجع","level":1,"page":637},{"title":"حرف الألف","level":2,"page":637},{"title":"حرف الباء","level":2,"page":639},{"title":"حرف التاء","level":2,"page":640},{"title":"حرف الثاء","level":2,"page":643},{"title":"حرف الجيم","level":2,"page":643},{"title":"حرف الحاء","level":2,"page":643},{"title":"حرف الخاء","level":2,"page":644},{"title":"حرف الدال","level":2,"page":644},{"title":"حرف الذال","level":2,"page":645},{"title":"حرف الراء","level":2,"page":645},{"title":"حرف الزاي","level":2,"page":646},{"title":"حرف السين","level":2,"page":646},{"title":"حرف الشين","level":2,"page":647},{"title":"حرف الصاد","level":2,"page":648},{"title":"حرف الضاد","level":2,"page":649},{"title":"حرف الطاء","level":2,"page":650},{"title":"حرف الظاء","level":2,"page":650},{"title":"حرف العين","level":2,"page":650},{"title":"حرف الغين","level":2,"page":651},{"title":"حرف الفاء","level":2,"page":651},{"title":"حرف القاف","level":2,"page":652},{"title":"حرف الكاف","level":2,"page":652},{"title":"حرف الميم","level":2,"page":653},{"title":"حرف النون","level":2,"page":657},{"title":"حرف الهاء","level":2,"page":658},{"title":"حرف الواو","level":2,"page":658}],"ٛ":{"1,3":2,"1,5":3,"1,6":4,"1,7":5,"1,8":6,"1,9":7,"1,10":8,"1,11":9,"1,13":10,"1,14":11,"1,15":12,"1,16":13,"1,17":14,"1,18":15,"1,19":16,"1,20":17,"1,21":18,"1,22":19,"1,23":20,"1,24":21,"1,25":22,"1,26":23,"1,27":24,"1,28":25,"1,29":26,"1,30":27,"1,31":28,"1,32":29,"1,33":30,"1,34":31,"1,35":32,"1,36":33,"1,37":34,"1,38":35,"1,39":36,"1,40":37,"1,41":38,"1,42":39,"1,43":40,"1,44":41,"1,45":42,"1,46":43,"1,47":44,"1,48":45,"1,49":46,"1,50":47,"1,51":48,"1,52":49,"1,53":50,"1,54":51,"1,55":52,"1,56":53,"1,57":54,"1,58":55,"1,59":56,"1,60":57,"1,61":58,"1,62":59,"1,63":60,"1,64":61,"1,65":62,"1,66":63,"1,67":64,"1,68":65,"1,69":66,"1,70":67,"1,71":68,"1,72":69,"1,73":70,"1,75":71,"1,77":72,"1,78":73,"1,79":74,"1,81":75,"1,83":76,"1,84":77,"1,85":78,"1,86":79,"1,87":80,"1,88":81,"1,89":82,"1,90":83,"1,91":84,"1,92":85,"1,93":86,"1,94":87,"1,95":88,"1,96":89,"1,97":90,"1,98":91,"1,99":92,"1,100":93,"1,101":94,"1,102":95,"1,103":96,"1,104":97,"1,105":98,"1,106":99,"1,107":100,"1,108":101,"1,109":102,"1,110":103,"1,111":104,"1,112":105,"1,113":106,"1,114":107,"1,115":108,"1,116":109,"1,117":110,"1,118":111,"1,119":112,"1,120":113,"1,121":114,"1,122":115,"1,123":116,"1,124":117,"1,125":118,"1,126":119,"1,127":120,"1,128":121,"1,129":122,"1,130":123,"1,131":124,"1,132":125,"1,133":126,"1,134":127,"1,135":128,"1,136":129,"1,137":130,"1,138":131,"1,139":132,"1,140":133,"1,141":134,"1,142":135,"1,143":136,"1,144":137,"1,145":138,"1,146":139,"1,147":140,"1,148":141,"1,149":142,"1,150":143,"1,151":144,"1,152":145,"1,153":146,"1,154":147,"1,155":148,"1,156":149,"1,157":150,"1,158":151,"1,159":152,"1,160":153,"1,161":154,"1,162":155,"1,163":156,"1,164":157,"1,165":158,"1,166":159,"1,167":160,"1,168":161,"1,169":162,"1,170":163,"1,171":164,"1,172":165,"1,173":166,"1,174":167,"1,175":168,"1,176":169,"1,177":170,"1,178":171,"1,179":172,"1,180":173,"1,181":174,"1,182":175,"1,183":176,"1,184":177,"1,185":178,"1,186":179,"1,187":180,"1,188":181,"1,189":182,"1,190":183,"1,191":184,"1,192":185,"1,193":186,"1,194":187,"1,195":188,"1,196":189,"1,197":190,"1,198":191,"1,199":192,"1,200":193,"1,201":194,"1,202":195,"1,203":196,"1,204":197,"1,205":198,"1,206":199,"1,207":200,"1,208":201,"1,209":202,"1,210":203,"1,211":204,"1,213":205,"1,214":206,"1,215":207,"1,216":208,"1,217":209,"1,218":210,"1,219":211,"1,220":212,"1,221":213,"1,222":214,"1,223":215,"1,224":216,"1,225":217,"1,226":218,"1,227":219,"1,228":220,"1,229":221,"1,230":222,"1,231":223,"1,232":224,"1,233":225,"1,234":226,"1,235":227,"1,236":228,"1,237":229,"1,238":230,"1,239":231,"1,240":232,"1,241":233,"1,242":234,"1,243":235,"1,244":236,"1,245":237,"1,246":238,"1,247":239,"1,248":240,"1,249":241,"1,250":242,"1,251":243,"1,252":244,"1,253":245,"1,254":246,"1,255":247,"1,256":248,"1,257":249,"1,258":250,"1,259":251,"1,260":252,"1,261":253,"1,262":254,"1,263":255,"1,264":256,"1,265":257,"1,266":258,"1,267":259,"1,268":260,"1,269":261,"1,270":262,"1,271":263,"1,272":264,"1,273":265,"1,275":266,"1,277":267,"1,278":268,"1,279":269,"1,280":270,"1,281":271,"1,282":272,"1,283":273,"1,284":274,"1,285":275,"1,287":276,"1,289":277,"1,290":278,"1,291":279,"1,292":280,"1,293":281,"1,294":282,"1,295":283,"1,296":284,"1,297":285,"1,298":286,"1,299":287,"1,300":288,"1,301":289,"1,302":290,"1,303":291,"1,304":292,"1,305":293,"1,306":294,"1,307":295,"1,308":296,"1,309":297,"1,310":298,"1,311":299,"1,312":300,"1,313":301,"1,314":302,"1,315":303,"1,316":304,"1,317":305,"1,318":306,"1,319":307,"1,320":308,"1,321":309,"1,322":310,"1,323":311,"1,324":312,"1,325":313,"1,326":314,"1,327":315,"1,328":316,"1,329":317,"1,330":318,"1,331":319,"1,332":320,"1,333":321,"1,334":322,"1,335":323,"1,336":324,"1,337":325,"1,338":326,"1,339":327,"1,340":328,"1,341":329,"1,342":330,"1,343":331,"1,344":332,"1,345":333,"1,346":334,"1,347":335,"1,348":336,"1,349":337,"1,350":338,"1,351":339,"1,352":340,"1,353":341,"1,354":342,"1,355":343,"1,356":344,"1,357":345,"1,358":346,"1,359":347,"1,360":348,"1,361":349,"1,362":350,"1,363":351,"1,364":352,"1,365":353,"1,366":354,"1,367":355,"1,368":356,"1,369":357,"1,370":358,"1,371":359,"1,372":360,"1,373":361,"1,374":362,"1,375":363,"1,376":364,"1,377":365,"1,378":366,"1,379":367,"1,380":368,"1,381":369,"1,382":370,"1,383":371,"1,384":372,"1,385":373,"1,386":374,"1,387":375,"1,388":376,"1,389":377,"1,390":378,"1,391":379,"1,392":380,"1,393":381,"1,394":382,"1,395":383,"1,396":384,"1,397":385,"1,398":386,"1,399":387,"1,400":388,"1,401":389,"1,402":390,"1,403":391,"1,404":392,"1,405":393,"1,406":394,"1,407":395,"1,408":396,"1,409":397,"1,410":398,"1,411":399,"1,412":400,"1,413":401,"1,414":402,"1,415":403,"1,416":404,"1,417":405,"1,418":406,"1,419":407,"1,420":408,"1,421":409,"1,422":410,"1,423":411,"1,424":412,"1,425":413,"1,426":414,"1,427":415,"1,428":416,"1,429":417,"1,430":418,"1,431":419,"1,432":420,"1,433":421,"1,434":422,"1,435":423,"1,436":424,"1,437":425,"1,438":426,"1,439":427,"1,440":428,"1,441":429,"1,442":430,"1,443":431,"1,444":432,"1,445":433,"1,446":434,"1,447":435,"1,448":436,"1,449":437,"1,450":438,"1,451":439,"1,452":440,"1,453":441,"1,454":442,"1,455":443,"1,456":444,"1,457":445,"1,458":446,"1,459":447,"1,460":448,"1,461":449,"1,462":450,"1,463":451,"1,464":452,"1,465":453,"1,466":454,"1,467":455,"1,468":456,"1,469":457,"1,470":458,"1,471":459,"1,472":460,"1,473":461,"1,474":462,"1,475":463,"1,476":464,"1,477":465,"1,478":466,"1,479":467,"1,480":468,"1,481":469,"1,482":470,"1,483":471,"1,484":472,"1,485":473,"1,486":474,"1,487":475,"1,488":476,"1,489":477,"1,490":478,"1,491":479,"1,492":480,"1,493":481,"1,494":482,"1,495":483,"1,496":484,"1,497":485,"1,498":486,"1,499":487,"1,500":488,"1,501":489,"1,502":490,"1,503":491,"1,504":492,"1,505":493,"1,506":494,"1,507":495,"1,508":496,"1,509":497,"1,510":498,"1,511":499,"1,512":500,"1,513":501,"1,514":502,"1,515":503,"1,516":504,"1,517":505,"1,518":506,"1,519":507,"1,520":508,"1,521":509,"1,522":510,"1,523":511,"1,524":512,"1,525":513,"1,526":514,"1,527":515,"1,528":516,"1,529":517,"1,530":518,"1,531":519,"1,532":520,"1,533":521,"1,534":522,"1,535":523,"1,536":524,"1,537":525,"1,538":526,"1,539":527,"1,540":528,"1,541":529,"1,542":530,"1,543":531,"1,544":532,"1,545":533,"1,546":534,"1,547":535,"1,548":536,"1,549":537,"1,550":538,"1,551":539,"1,552":540,"1,553":541,"1,554":542,"1,555":543,"1,556":544,"1,557":545,"1,558":546,"1,559":547,"1,560":548,"1,561":549,"1,562":550,"1,563":551,"1,564":552,"1,565":553,"1,566":554,"1,567":555,"1,568":556,"1,569":557,"1,570":558,"1,571":559,"1,572":560,"1,573":561,"1,574":562,"1,575":563,"1,576":564,"1,577":565,"1,578":566,"1,579":567,"1,580":568,"1,581":569,"1,582":570,"1,583":571,"1,584":572,"1,585":573,"1,586":574,"1,587":575,"1,588":576,"1,589":577,"1,590":578,"1,591":579,"1,592":580,"1,593":581,"1,594":582,"1,595":583,"1,596":584,"1,597":585,"1,598":586,"1,599":587,"1,600":588,"1,601":589,"1,602":590,"1,603":591,"1,604":592,"1,605":593,"1,606":594,"1,607":595,"1,608":596,"1,609":597,"1,610":598,"1,611":599,"1,612":600,"1,613":601,"1,614":602,"1,615":603,"1,616":604,"1,617":605,"1,618":606,"1,619":607,"1,620":608,"1,621":609,"1,622":610,"1,623":611,"1,624":612,"1,625":613,"1,626":614,"1,627":615,"1,628":616,"1,629":617,"1,630":618,"1,631":619,"1,632":620,"1,633":621,"1,634":622,"1,635":623,"1,636":624,"1,637":625,"1,638":626,"1,639":627,"1,640":628,"1,641":629,"1,642":630,"1,643":631,"1,644":632,"1,645":633,"1,646":634,"1,647":635,"1,648":636,"1,649":637,"1,650":638,"1,651":639,"1,652":640,"1,653":641,"1,654":642,"1,655":643,"1,656":644,"1,657":645,"1,658":646,"1,659":647,"1,660":648,"1,661":649,"1,662":650,"1,663":651,"1,664":652,"1,665":653,"1,666":654,"1,667":655,"1,668":656,"1,669":657,"1,670":658},"ٜ":{"1":[3,670]},"ٝ":[null,"1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,75","1,77","1,78","1,79","1,81","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,275","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,287","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529","1,530","1,531","1,532","1,533","1,534","1,535","1,536","1,537","1,538","1,539","1,540","1,541","1,542","1,543","1,544","1,545","1,546","1,547","1,548","1,549","1,550","1,551","1,552","1,553","1,554","1,555","1,556","1,557","1,558","1,559","1,560","1,561","1,562","1,563","1,564","1,565","1,566","1,567","1,568","1,569","1,570","1,571","1,572","1,573","1,574","1,575","1,576","1,577","1,578","1,579","1,580","1,581","1,582","1,583","1,584","1,585","1,586","1,587","1,588","1,589","1,590","1,591","1,592","1,593","1,594","1,595","1,596","1,597","1,598","1,599","1,600","1,601","1,602","1,603","1,604","1,605","1,606","1,607","1,608","1,609","1,610","1,611","1,612","1,613","1,614","1,615","1,616","1,617","1,618","1,619","1,620","1,621","1,622","1,623","1,624","1,625","1,626","1,627","1,628","1,629","1,630","1,631","1,632","1,633","1,634","1,635","1,636","1,637","1,638","1,639","1,640","1,641","1,642","1,643","1,644","1,645","1,646","1,647","1,648","1,649","1,650","1,651","1,652","1,653","1,654","1,655","1,656","1,657","1,658","1,659","1,660","1,661","1,662","1,663","1,664","1,665","1,666","1,667","1,668","1,669","1,670"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"4":[3,4],"10":[5],"14":[6],"15":[7],"16":[8],"22":[9],"31":[10],"41":[11],"46":[12],"52":[13],"63":[14],"67":[15],"72":[16],"75":[17],"76":[18],"78":[19],"79":[20,21],"80":[22,23,24,25],"81":[26],"82":[27],"83":[28],"84":[29,30],"85":[31],"87":[32],"89":[33,34],"90":[35,36],"94":[37],"96":[38],"102":[39,40],"103":[41,42],"104":[43],"105":[44],"106":[45],"109":[46],"110":[47],"112":[48],"118":[49],"120":[50],"136":[51],"137":[52,53],"138":[54,55],"139":[56,57],"164":[58],"174":[59],"187":[60,61],"193":[62],"197":[63],"199":[64,65,66,67,68],"204":[69],"205":[70,71],"208":[72],"212":[73],"216":[74,75],"217":[76,77],"221":[78],"223":[79],"225":[80],"226":[81,82],"230":[83,84],"232":[85],"233":[86,87],"234":[88,89],"235":[90,91,92,93],"236":[94],"238":[95,96],"240":[97,98],"241":[99],"242":[100],"243":[101],"244":[102],"245":[103],"249":[104,105],"253":[106],"257":[107,108,109],"261":[110],"277":[111],"278":[112],"279":[113],"280":[114],"291":[115],"293":[116],"301":[117,118],"302":[119],"309":[120],"319":[121],"327":[122,123],"328":[124],"329":[125],"330":[126],"333":[127,128],"334":[129],"337":[130],"348":[131],"350":[132],"354":[133,134],"356":[135],"358":[136],"360":[137],"361":[138],"362":[139],"363":[140],"364":[141],"365":[142],"366":[143,144],"367":[145],"368":[146],"370":[147,148],"371":[149],"373":[150],"379":[151],"382":[152],"384":[153],"386":[154],"390":[155],"392":[156],"393":[157],"394":[158],"395":[159],"397":[160,161],"399":[162],"400":[163],"401":[164],"411":[165],"413":[166,167],"415":[168],"416":[169],"418":[170,171,172],"420":[173],"421":[174,175],"422":[176,177],"423":[178,179],"424":[180],"425":[181,182],"427":[183,184,185],"430":[186],"432":[187],"433":[188],"434":[189],"436":[190],"437":[191],"444":[192],"445":[193],"446":[194],"454":[195],"455":[196],"468":[197],"469":[198],"470":[199],"472":[200],"478":[201],"481":[202,203],"482":[204],"484":[205],"486":[206],"487":[207],"490":[208],"493":[209],"494":[210],"495":[211],"497":[212],"498":[213],"500":[214],"505":[215],"506":[216],"507":[217],"510":[218],"518":[219],"521":[220],"523":[221,222],"524":[223],"529":[224],"534":[225],"538":[226],"540":[227,228,229],"544":[230],"545":[231],"550":[232],"554":[233,234],"555":[235,236,237],"556":[238,239],"557":[240,241],"559":[242],"560":[243,244],"561":[245],"562":[246],"563":[247],"566":[248,249],"569":[250],"570":[251],"571":[252],"572":[253],"573":[254],"575":[255,256,257],"577":[258,259],"582":[260],"583":[261],"584":[262],"586":[263,264],"588":[265,266],"590":[267],"597":[268,269],"598":[270],"599":[271,272],"602":[273],"603":[274],"604":[275],"605":[276],"608":[277],"611":[278,279],"614":[280,281],"617":[282],"618":[283],"629":[284],"637":[285,286],"639":[287],"640":[288],"643":[289,290,291],"644":[292,293],"645":[294,295],"646":[296,297],"647":[298],"648":[299],"649":[300],"650":[301,302,303],"651":[304,305],"652":[306,307],"653":[308],"657":[309],"658":[310,311]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"شرح حديث جبريل - ﵇ - في الإسلام والإيمان والإحسان\nالمعروف باسم كتاب «الإيمان الأوسط»\n\nتأليف\nشيخ الإسلام أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية\n\nدراسة وتحقيق\nالدكتور علي بن بخيت الزهراني","vol":"1","page":null},{"text":"[أصل هَذَا الْكتاب رِسَالَة علمية تقدَّم بهَا مؤلفها إِلَى قسم الدراسات الْعليا الشَّرْعِيَّة فرع العقيدة بجامعة أم الْقرى، وتمَّت مناقشتها بتاريخ ١٧/ ٢/ ١٤٢٠ هـ، ونال الْمُؤلف بهَا دَرَجَة الدكتوراه فِي الشَّرِيعَة الإسلامية فرع العقيدة بِتَقْدِير ممتاز مَعَ التوصية بطبع الرسَالَة]","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة</span>\nالحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم، يدعون من ضل إلى الهدى، ويصبرون منهم على الأذى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بنور الله أهل العمى، فكم من قتيل لإبليس قد أحيوه، وكما من ضال تائه قد هدوه، فما أحسن أثرهم على الناس، وأقبح أثر الناس عليهم، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين.\nوالصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين، أما بعد: فإن خير ما صرفت فيه الأوقات، وبذلت فيه الجهود العناية بكتب العلماء المحققين من أهل السنّة والجماعة، لا سيما المتقدمين منهم، كشيخ الإسلام ابن تيمية يرحمه الله، والعكوف على مؤلفاتهم دراسة وتحقيقًا وتوضيحًا، والعمل الدؤوب لإحياء تراثهم العظيم، وتقديمه للأمة لتستنير به في طريق عودتها.\nوقد منّ الله ﷿ في أثناء البحث عن موضوع، لتقديمه للحصول على درجة الدكتوراه، بالعثور على نسخة نادرة لكتاب عظيم من كتب شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أثرى المكتبة الإسلامية -كما هو معروف- بحظ وافر من المصنفات القيمة، ومجموعة من المؤلفات النافعة، والتي لم تتأت إلا لقلة قليلة من العلماء، وهذا الكتاب هو كتاب \"الإيمان الأوسط\"، وبعد أن استخرت الله ﷿، رغبت في تحقيق ودراسة هذا الكتاب الهام، لنيل درجة الدكتوراه من قسم العقيدة، وجعلت عنوان البحث هو: \"كتاب الإيمان الأوسط\" لشيخ الإسلام ابن تيمية: دراسة وتحقيق.","vol":"1","page":5},{"text":"ثم رأيت من خلال الدراسة أن اسم الكتاب الذي يترجح على غيره هو كتاب \"شرح حديث جبريل ﵇ في الإسلام والإيمان والإحسان\" فاستدلته بالعنوان المشهور \"الإيمان الأوسط\" وذلك لأسباب عدة موضحة في المبحث الأخير من مباحث الدراسة.\nأما الأسباب التي دعت إلى اختيار هذا الكتاب فهي على قسمين: أسباب عامة، وأسباب خاصة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-3>أما الأسباب العامة فهي:</span>\nأولًا: نفاسة المؤلفات التي خطتها يراعة شيخ الإسلام ابن تيمية، إذ كانت وما زالت مؤلفاته محط أنظار الباحثين، ومنتهى آمال الدارسين، بالإضافة أن ما كتبه شيخ الإسلام في موضوع الإيمان خصوصًا يتصدر قمة هذه المؤلفات أهمية ومكانة.\nثانيًا: أهمية موضوع الإيمان بين موضوعات العقيدة، وخطورته، وضلال كثير من الفرق في بابه، مما يجعل من الأهمية بمكان إبراز منهج السلف الصالح في هذا الموضوع، وتحديد معالم ذلك المنهج، وهو ما نجده مكنوزًا بين دفتي هذا السفر النفيس \"شرح حديث جبريل\".\nثالثًا: ضرورة تحديد كثير من المصطلحات المهمة المتصلة بالعقيدة، كمصطلح: الإيمان، والإسلام، والإحسان، والكفر، والنفاق، والزندقة، والفاسق وغيرها، والتي كثيرًا ما وقع اللبس وسوء الفهم فيها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>أما الأسباب الخاصة فهي:</span>\nأولًا: العثور على نسخة جديدة نسخت بعد موت المؤلف -﵀- بخمسة عشر عامًا فقط، أي في عام (٧٤٣ هـ).\nثانيًا: أن النسخة المطبوعة الموجودة في مجموع الفتاوى نسخة ناقصة ومخرومة من نهايتها، كما أشار إلى ذلك الشيخ عبد الرحمن بن قاسم ﵀ (١).\n_________\n(١) الإيمان الأوسط (٧/ ٦٢٢)، ضمن مجموع الفتاوى.","vol":"1","page":6},{"text":"وبالمقارنة بين النسختين، وُجد أن هناك خرمًا كبيرًا، ونقصًا كثيرًا، يبلغ تسع لوحات من الموضع الذي أشار إليه ابن قاسم حتى نهاية الكتاب، وبهذا النقص فإن كلام المصنف عن الإحسان يكتمل، وبالتالي يكون الكتاب كاملًا.\nوتمثل كل لوحة من المخطوط ثلاث صفحات من المطبوع، تكون هذه الزيادة في الكتاب على هذا الحساب (٢٧) صفحة طباعية.\nثالثًا: كثرة الفروق بين المطبوع والمخطوط، فبالإضافة إلى هذه الزيادة النادرة في آخر الكتاب، فإن هناك فروقًا كثيرة مختلفة، حيت يوجد سقط في المطبوع، يصل في بعض الأحيان إلى أربعة أسطر متتابعة، هذا عدا التحريفات في المطبوع.\nويتكون البحث من مقدمة وقسمين:\nالمقدمة: وفيها أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، ومنهج التحقيق.\nالقسم الأول: الدراسة، وتشتمل على تمهيد وعدة مباحث: التمهيد: موضوع الإيمان ومذاهب الطوائف فيه، وبيان الراجح منها، وقد تم فيه تعريف الإيمان في اللغة، وذكر مذاهب الناس فيه.\nالمبحث الأول: دراسة موجزة عن المؤلف، وقد قمت بترجمة مختصرة للمؤلف، وحاولت التركيز فيها على جوانب لم تلق حظها من العناية -حسب علمي- ومن ذلك التركيز على أسرته العلمية، وتلامذته الكثيرين.\nالمبحث الثاني: دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب، وهذا المبحث هو أهم مباحث الدراسة على الإطلاق، وقد جاء في سبع مسائل أصلية، وعدة مسائل فرعية.\nأما المسائل الأصلية فقد رتبت على النحو التالي:\nالمسألة الأولى: أقسام الناس في عهد النبي - ﷺ -، وهم المؤمنون والكافرون والمنافقون.","vol":"1","page":7},{"text":"المسألة الثانية: تعريف النفاق والكلام عليه.\nالمسألة الثالثة: وجوب التفريق بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن.\nالمسألة الرابعة: الخلاف في الإيمان، وكانت هذه المسألة أبرز المسائل الواردة في الكتاب، وقد تبلورت في تسعة موضوعات هي:\nأولًا: أصل الخلاف في الإيمان.\nثانيًا: تقرير شبهات المخالفين في الإيمان.\nثالثًا: تفنيد تلك الشبهات.\nرابعًا: الرد التفصيلي على آراء الفرق المخالفة في الإيمان.\nخامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان.\nسادسًا: الرد على من قال بالمجاز في الإيمان.\nسابعًا: حكم ترك جنس الأعمال.\nثامنًا: موقف المصنف من الخلاف بين السلف وبين مرجئة الفقهاء في الإيمان.\nتاسعًا: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان، وأبرز هذه الآثار: زيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان.\nالمسألة الخامسة: تقرير مذهب السلف في الإيمان.\nالمسألة السادسة: الفرق بين الإسلام والإيمان.\nالمسألة السابعة: الكلام على الإحسان.\nوأما المسائل الفرعية (الاستطرادية) فهي عبارة عن مسألتين:\nالأولى: تضمنت بعض الردود على الملاحدة من المتفلسفة وغلاة المتصوفة.\nالثانية: كلام المصنف عن الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان، وتأصيل فهمها.","vol":"1","page":8},{"text":"المبحث الثالث: المقارنة بين الكتاب، وبين كتاب \"الإيمان الكبير\"، وقد دارت معالم هذه المقارنة، حول الأسبق تأليفًا من الكتابين، وعرض المسائل فيهما، وما تميز به كتاب \"شرح حديث جبريل\" (الإيمان الأوسط) عن كتاب \"الإيمان الكبير\"، وختمت هذا المبحث بجواب على تساؤل يقول: هل هناك كتاب في الإيمان للمصنف يسمى \"الإيمان الصغير\"؟ .\nالمبحث الرابع: دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط.\nالقسم الثاني: نص الكتاب.\nوستكون هذه النسخة الجديدة هي النسخة الأصلية في البحث، بالإضافة إلى نسخة المكتبة المحمودية، هذا مع النسخة المطبوعة التي اعتمد عليها الشيخ عبد الرحمن بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ﵀.\nوهناك أيضًا نسخة تمثل \"مختصر الكتاب\" لم أتمكن من معرفة مؤلفها، استفدت منها في بعض الأحيان.\nوقد رمزت للنسخ بالرموز التالية: النسخة المحمودية: \"م\"، والنسخة المطبوع: \"ط\"، والنسخة المختصرة: \"ص\".\nأما عملي في المخطوط فقد كان على النحو التالي:\n١ - عزو الآيات، وتخريج الأحاديث من مصادرها الأصلية، والحكم عليها من خلال أقوال أهل العلم.\n٢ - إثبات الفروق بين المطبوع ونسخ المخطوط؛ وإكمال الناقص في المطبوع.\n٣ - تصحيح بعض الكلمات، وحل بعض العبارات المشكلة.\n٤ - التعليق الموجز على أصول المسائل المهمة الواردة في الكتاب.\n٥ - ترجمة الأعلام غير المشهورين الذين ورد ذكرهم في الكتاب، والتعريف ببعض الفرق والنحل والعقائد الباطلة الواردة كذلك.\n٦ - عمل الفهارس العلمية.\nوفي الختام: فلا يسعني إلا أن أرفع أكف الابتهال والحمد والشكر","vol":"1","page":9},{"text":"إلى الله ﷿ الذي وفقني لخدمة كتاب هام، في موضوع هو رأس الموضوعات، ولمؤلف يتسابق الدارسون إلى دراسة كتبه، وخدمة تراثه، هو شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nكما أدعو الله ﷿ للوالدين الحبيبين اللذين كان دعاؤهما -بعد توفيق الله ﷿- خير معين لي في فترة إعداد هذا البحث، أن يمد الله في عمرهما، وأن يبارك فيهما، وأن يكتب لهما موفور الصحة والعافية والسلامة، وأن يعينني على برهما، وأن يختم بالصالحات أعمالهما. كما أن الشكر والتقدير والعرفان في هذا البحث، لأستاذي وشيخي ومشرفي الفاضل الأستاذ الدكتور أحمدَ بنِ سعدٍ بنِ حمدانَ الغامدي حفظه الله ورعاه، الذي كانت توجيهاته وملاحظاته واستدراكاته تقود البحث إثراءً وفائدةً وتصحيحًا وتكملًا، فجزاه الله خير الجزاء، ورزقه الله الصحة والعافية، ونفع بعلمه الأمة، إنه سميع قريب.\nكلما أنني لا أنسى أبدًا الذين كان لهم سعي مشكور، في الحصول على النسخة الأصلية من المتحف التركي باستانبول فى تركيا، والذين ذللوا الصعوبات، وبذلوا الجهود، حتى وصلت إليّ، وعلى رأس هؤلاء أستاذنا الكبير محمد قطب، والشيخ أمين سراج، والدكتور حمدي أرسلان، فجزى الله الجميع أفضل الجزاء.\nكما لا يفوتني أن أشكر أيضًا أستاذنا الدكتور علي بن عباس الحكمي الذي تقضل مشكورًا غير مرة، بإعطائي بعض المراجع الهامة في البحث، ووفر لي صعوبة الحصول عليها، ولكل من مدَّ يد المساعدة والنصح.\nكما أشكر لِلشيخين الفاضلين، والأستاذين الكريمين تفضلهما مشكورين -مأجورين إن شاء الله تعالى- بقبول مناقشة هذه الرسالة مع كثرة الأعمال التي يقومان بها، وهما:\nفضيلة شيخنا: الأستاذ الدكتور علي بن نفيع العلياني، أستاذ العقيدة الإسلامية في جامعة أم القرى.\nوفضيلة الأستاذ الدكتور: عطية بن عتيق الزهراني، أستاذ العقيدة","vol":"1","page":10},{"text":"الإسلامية في الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام.\nكما أشكر كل من تكرَّم بحضور المناقشة، وأخص بالذكر منهم عمي الأستاذ خضران الزهراني الذي حببني في العلم منذ الصغر، فجزاه الله خير الجزاء.\nوالشكر أخيرًا لجامعة أم القرى -تلك الجامعة العريقة- التي يسرت للباحثين أيسر الوسائل للبحت والدراسة ممثلة في ذلك الصرح الشامخ، كلية الدعوة وأصول الدين، هذه الكلية المباركة التي خرَّجت وما زالت تخرج عشرات من الدعاة والدارسين والمتخصصين في الكتاب والسنّة والدعوة والعقيدة والقراءات والإعلام، ولكل من ائتمن عليها، وقام بخدمتها.\nاللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه.\nاللهم اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.\nاللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علمًا إنك أنت العليم الحكيم.\nاللهم إنا نسألك الإخلاص في القول والعمل.\nاللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك ونحن نعلم ونعوذ بك أن نشرك بك ونحن لا نعلم.\nسبحان ربك رب العزة عما يصفون، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين.","vol":"1","page":11},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>تمهيد</span>\nمسألة الإيمان، ومذاهب الطوائف فيها، وبيان الراجح منها:\nتعد مسألة الإيمان من أهم مسائل العقيدة الإسلامية على الإطلاق، ولا ريب أن أول خلاف وقع في الأمة كان فيها، وكان الخلاف فيها محورًا رئيسيًا تبلورت حوله آراء عدة فرق، وصار معلمًا بارزًا لكل منها.\nومسألة الإيمان هي الأصل العظيم، الذي يخرج به الناس من الظلمات إلى النور، وبه يتميز السعداء من الأشقياء، وأولياء الله من أعدائه، وبه تنال الحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الحسن، والأجر العظيم في جنات النعيم ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ [النحل: ٩٧].\nولقد أفسد الخلاف فيها بين الفرق المحدثة على المسلمين كثيرًا من معانيها العظيمة، وأحالوها في كثير من الأحيان إلى مجرد قضية عقلية باهتة، لا علاقة لها بالحياة، وعظم الخطب حين نادت بعض هذه الفرق بفصلها -فعلًا- عن الحياة، وذلك يوم أصرَّت على إخراج الأعمال من الإيمان.\nوإننا لنريد أن تعود هذه القضية الكبرى رائدةً للقضايا الإسلامية المعاصرة، على منهج خير القرون، وأن تكون هي الأصل الأصيل الذي نعتمد عليه في بعث الأمة من جديد.\nوقبل معرفة مذاهب الطوائف والفرق في مسألة الإيمان، لا بد من إطلالة موجزة على معنى هذه الكلمة في اللغة فنقول:\n\nالإيمان لغة:\nيقول الأزهرى: \"اتفق أهل العلم من اللغويين وغيرهم أن الإيمان","vol":"1","page":13},{"text":"معناه التصديق، قال تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ لم يختلف أهل التفسير أن معناه: وما أنت بمصدق لنا\" (١).\nويقول الجوهري في باب النون، فصل الألف، عن معنى كلمة أمن: \"الأمان والأمانة بمعنى، وقد أمِنْتُ فأنا آمن، وآمنت غيري، من الأمن والأمان، والإيمان: التصديق، والله تعالى المؤمن، لأنه آمن عباده من أن يظلمهم\" (٢).\nويقول الراغب الأصفهاني: \"آمن إنما يقال على وجهين: أحدهما: متعديًا بنفسه، يقال: آمنته، أي جعلت له الأمن، ومنه قيل لله مؤمن، الثاني: غير متعدٍ، ومعناه صار ذا أمن، قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ قيل معناه: بمصدق لنا، إلا أن الإيمان هو التصديق الذي معه أمن\" (٣).\nويقول صاحب القاموس المحيط: \"آمن به إيمانًا، صدقه، والإيمان الثقة، وإظهار الخضوع، وقبول الشريعة\" (٤).\nوذكر ابن فارس، وابن منظور، قريبًا من هذا الكلام (٥).\nوعلى هذا نجد أن من معاني هذه الكلمة في اللغة الأمن، والتصديق.\nوإلى ذلك أشار القاضي أبو بكر بن العربي، واستدل على المعنى الأول بقول النابغة:\nوالمؤمن العائذات الطير يمسحها. . . ركبان مكة بين الغَيل والسند (٦)\nويرى شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، أن هناك من يقول: إن معنى الإيمان في اللغة هو الإقرار (٧).\n_________\n(١) تهذيب اللغة (١٥/ ٥١٣).\n(٢) الصحاح (٥/ ٢٠٧١).\n(٣) المفردات في غريب القرآن (٢٦).\n(٤) القاموس المحيط (١٥١٨).\n(٥) لسان العرب (١٣/ ٢١)، مجمل اللغة (١/ ١٠٢).\n(٦) أحكام القرآن ٢١/ ٥٠٦).\n(٧) الإيمان الكبير (١٠١).","vol":"1","page":14},{"text":"بل إن شيخ الإسلام ليذهب في الكتاب الذي نقوم بتحقيقه إلى أن الإيمان \"مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن. . . فالمؤمن داخل في الأمن\" (١).\nوذكر صاحب لوامع الأنوار هذه الأقوال الثلاثة (٢).\nعلى أن بعض علماء اللغة ذكر الاتفاق على أن الإيمان في اللغة هو التصديق (٣)، وادعى بعض المتكلمين -كالباقلاني- الإجماع على ذلك (٤)، ودعوى الاتفاق ومن باب أولى دعوى الإجماع محل نظر، فقد رأينا أن بعض علماء اللغة ذكروا أن من معاني كلمة الإيمان في اللغة الأمن.\nعلى أن هناك مسألة هامة ينبغي التنبيه لها في أثناء الخوض في هذه القضية، وهي أن كثيرًا من علماء اللغة -خصوصًا المتأخرين منهم- متأثرون بعلم الكلام واصطلاحات المتكلمين، ومن هنا وجب الحذر في النظر فيما يتكلمون في من ألفاظ ومعانٍ تعلق بمصطلحات العقيدة.\n\nوأما الإيمان في الاصطلاح:\nفقد تعددت الأقوال فيه (٥):\n١ - فأهل السنّة والجماعة الذين هم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة يقولون: الإيمان قول وعمل، فالقول يشمل قول القلب وقول اللسان، والعمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، أو هو: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.\n٢ - والخوارج والمعتزلة يقولون كظاهر قول السلف: الإيمان اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤١٤).\n(٢) لوامع الأنوار البهية للشيخ محمد بن أحمد السفاريني (١/ ٤٠٤).\n(٣) كما ذكر ذلك ابن منظور على سبيل المثال في لسان العرب (١٣/ ٢١).\n(٤) سيأتي الكلام عن الرد على هذه القضية عند التعرض لمناقشة المذاهب في الإيمان.\n(٥) نود التنبيه إلى أن توثيق هذه الأقوال من مصادرها قد تم خلال تحقيق متن الكتاب.","vol":"1","page":15},{"text":"غير أنهم يحبطون الإيمان بالكبيرة، ويكفرون صاحبها -كما فعلت الخوارج- أو ينزلونه في منزلة بين المنزلتين -كما صنعت المعتزلة- مع اتفاق الفريقين على خلود صاحبها في النار.\nوهناك المرجئة على اختلاف طوائفها التي اتفقت على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان.\n٣ - فمرجئة الفقهاء يقولون: الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان.\n٤ - والكرامية يقولون: الإيمان قول باللسان.\n٥ - والجهمية يقولون: الإيمان هو المعرفة فقط.\n٦ - والأشاعرة والماتريدية يقولون: الإيمان هو التصديق (١).\nوسنعرض أثناء دراسة مسائل الكتاب -إن شاء الله- لآراء هذه الفرق بالتفصيل ومآخذها، ليظهر لنا جليًا أن مذهب السلف الذي عليه أهل السنّة والجماعة هو المذهب الحق لا ريب فيه، وأن ما سواه هو الباطل الذي لا شك في بطلانه.\nوأننا ما إن نقوم ببيان مذهب السلف وإظهاره حتى تتهاوى المذاهب الأخرى، فإذا هي زاهقة، قال تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾ [الأنبياء: ١٨].\n_________\n(١) الإيمان لأبي عبيد (٥٣)، الإيمان لابن منده (١/ ٣٣١)، التبصير في معالم الدين لأبي جعفر الطبري (١٨٨/ ١٨٩)، الانتصار في الرد على المعتزلة الأشرار للعمراني (٣/ ٧٣٦)، شرح العقيدة الطحاوية لابن أبي العز (٢/ ٤٥٩)، شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (٧٠٨ - ٧٠٩)، شرح العقائد النسفية (١٥٦)، فتح الباري (١/ ٤٦)، لوامع الأنوار (١/ ٤٠٥).","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>المبحث الأول ترجمة المؤلف ﵀</span>\nقلة من العلماء هم الذين لقوا عناية وافرة في حياتهم، وبعد مماتِهم، من قبل أهل العلم والرأي والفكر، ولعل من أبرز هؤلاء العلماء بلا منازع شيخ الإسلام ابن تيمية رحمة الله، وإن الباحث -فضلًا عن القارئ- يكاد يعجز عن أن يحيط بمؤلفات هذا العالم وبما كتب عنه، ومع كيد أعداء شيخ الإسلام له، واجتماعهم على النيل منه، واستماتتهم في طمس آثاره، ومصادرة دعوته، أو الحجر عليها، إلا أن الله ﷿ قد جعل له لسان صدق في الآخرين، ورد كيدهم في نحورهم، وضاعت أسماء لامعة في زمانها كانت تناصب شيخ الإسلام العداء، واعتلت في زمنه مناصب التدريس والفتوى والقضاء، ضاعت في مجاهيل التاريخ، وبقي علمه وآثاره شاهدة على أن الله ﷿ يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها أمر دينها، وإن لم يكن شيخ الإسلام ابن تيمية مجدد القرن الثامن الهجري، فمن يكون (١)؟ .\nولن تطول بنا الترجمة، فقد ترجم للشيخ الكثيرون (٢)، ولكن يكفي\n_________\n(١) الأعلام العلية (٩).\n(٢) وممن كتب عن شيخ الإسلام من الأقدمين ترجمة مستقلة: الحافظ عمر بن علي البزار في كتابه: \"الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية\"، والحافظ ابن عبد الهادي في كتابه: (العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية\"، وهما من تلاميذه، والشيخ مرعي بن يوسف الكرمي الحنبلي في كتابيه: \"الكواكب الدرية في مناقب المجتهد ابن تيمية\"، و\"الشهادة الزكية في ثناء الأئمة على ابن تيمية\"، وابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه \"الرد الوافر\"، وأما التراجم غير المستقلة فكثيرة منها، ما ترجمه الذهبي له في عدد من كتبه، منها: \"ذيول العبر\" =","vol":"1","page":17},{"text":"من ذلك ما أوجز وعرَّف، وقل ودل، وأبان وأوضح، فمعالم حياته الكبرى واضحة للعيان، وكثير من تفصيلات جهوده ودعوته ماثلة في الأذهان.\nوسيكون الحديث عن ترجمة شيخ الإسلام حسب العناوين التالية بمشيئة الله تعالى:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-7>أولًا: اسمه ونسبه:</span>\nهو شيخ الإسلام تقي الدين أبو العباس أحمد بن الشيخ العلامة شهاب الدين أبي المحاسن عبد الحليم بن الشيخ الإمام العلامة شيخ الإسلام مجد الدين أبي البركات عبد السلام بن عبد الله بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر بن علي بن عبد الله بن تيمية النميري الحراني (١)، نزيل دمشق.\n_________\n= (١٥٧)، و\"المعجم المختص\" (٢٥ - ٢٨)، و\"معجم الشيوخ\" (١/ ٥٥ - ٥٧)، و\"دول الإسلام\" (٢/ ٢٣٧)، و\"ذيل تاريخ الإسلام\" (٣٢٤ - ٣٣٠) وتذكرة الحفاظ (٤/ ٢٢٨)، وترجمته في البداية والنهاية (١٤/ ١٤١ - ١٤٥)، وقد أورد الحافظ ابن كثير ﵀ أحد تلاميذه كثيرًا من أخبار شيخ الإسلام المتفرقة في تاريخه على فترة زمنية استغرقت قرابة خمسة وثلاثين عامًا، وترجمته ني: \"الوافي بالوفيات\" (٧/ ١٥ - ٣٣)، و\"فوات الوفيات\" (١/ ٧٤ - ٨٠)، وذيل طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٧ - ٤٠٨)، والدرر الكامنة (١/ ١٤٤)، والنجوم الزاهرة لابن تغري بردي (٩/ ٢٧١)، وطبقات الحفاظ للسيوطي (٥١٦)، وشذرات الذهب (٨/ ١٤٢ - ١٥٠)، والبدر الطالع (١/ ٦٣)، وجلاء العينين للألوسي (٥ - ١٤). وقد كتب المحاصرون عن شيخ الإسلام كثيرًا، ومنهم الشيخ أبو زهرة، ومحمد كرد علي، ود. عمر فروخ، ود. محمد خليل هراس، والشيخ أبو الحسن الندوي، وغيرهم وقد أقيمت ندرة عالمية فى الجامعة السلفية ببنارس في الهند، عن شيخ الإسلام ابن تيمية، (٣/ ١٨ - ٢/ ٤ - ١٤٠٨ هـ)، وقدم فيها أكثر من أربعين بحثًا، تناولت جوانب رئيسية من حياته ﵀، لمجموعة من العلماء والباحثين.\n(١) الحرَّاني نسبة إلى حرَّان الواقعة في ديار بكر بين دجلة والفرات (وهي اليوم في كردستان تركيا) معجم البلدان (٢/ ٢٣٥).\nوأود التنبيه إلى أن أكثر المؤرخين -بل جلّهم- لم يذكروا القبيلة التي ينتسب إليها شيخ الإسلام ابن تيمية؛ وإنما نسب إلى حرَّان وإلى دمشق، وقد ذكر بعضهم -وهذا هو الصحيح- أنه عربي النسب، وذكروا في نسبته النميري من قبيلة بني =","vol":"1","page":18},{"text":"وأما السبب في انتساب الأسرة إلى اسم (تيمية) فقد ذكر المؤرخون في ذلك سببين اثنين:\nالأول: أن جده محمد بن الخضر حج على درب تيماء، فرأى هناك طفلة في طريقه، فلما رجع وجد امرأته قد ولدت له بنتًا، فقال: يا تيمية، يا تيمية، فلقبت بذلك، وانتسب إليها بنوها.\nالثاني: أن جده المذكور كانت أمه تسمى تيمية، وكانت واعظة فنسب إليها وعرف بها (١)، والله أعلم بحقيقة الحال.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>ثانيًا: مكانة أسرته العلمية والاجتماعية:</span>\nليس من الضرورة أن يكون النابغون من العلماء قد تربوا في أحضان أسر مشهورة بالعلم والفضل والمكانة والدين، فكم من أهل العلم الذين صاروا نابغين مشهورين قد ولدوا لآباء أميين، وأسلاف مغمورين، ولكن العلم رفع من شأنهم، وأعلى من قدرهم بين العالمين، ولكن حين يولد النبوغ في أسر الفضلاء، وتظهر العبقرية في بيوتات العلماء، فتلك مزية -لعمر الله- لا تعدلها مزية.\n_________\n= نمير، وقد مال بعض المعاصرين -كالشيخ أبي زهرة ﵀ في كتابه ابن تيمية (١٨) - إلى احتمال أن يكون أصله كرديًا، لأن ديار بكر موطن الأكراد -عشيرة السلطان العادل المجاهد الإمام الملك صلاح الدين الأيوبي ﵀- وممن ذكر من المعاصرين أنه نميري النسب المؤرخ الكبير خير الدين الزركلي في الأعلام (١/ ١٤٤).\nوقد صرَّح من الأقدمين بتلك النسبة العلامة ابن ناصر الدين الدمشقي في كتابه \"تراجم الأعيان المنظومين في بديعة الزمان\" (وهو مخطوط في مركز البحث العلمي في جامعة أم القرى برقم (١٧٦)، وقد ذكر هذه النسبة عند ترجمة جده مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، كما ذكرها عند ترجمة شيخ الإسلام في الطبقة الحادية والعشرين، وهي شرح لمنظومة اسمها \"بديعة الزمان عن موت الأعيان\"، وفيها قال عن شيخ الإسلام لما جاء إلى ترجمه: ثم فتى تيمية حرَّاني ذكرهم كلامه المعاني.\n(١) سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨٩)، العقود الدرية (٤)، وجاء في ذيل طبقات الحنابلة (٢/ ١٦١) للحافظ ابن رجب ﵀ أن الحافظ المنذري ذكر أن الفخر ابن تيمية سئل عن سبب تسميتهم بذلك، فذكر القصة السابقة عن جده.","vol":"1","page":19},{"text":"وقد كان لشيخ الإسلام من تلك المزية الفائقة أوفر الحظ والنصيب، فذكاء مفرط، ونبوغ باكر، وعبقرية عجيبة تألفت منها شخصية شيخ الإسلام، لتلقى الرعاية والعناية والاهتمام من رجالات هذه الأسرة العلمية النبيلة ونسائها على حد سواء.\nوما الظن حين يرعى الموهوبون، ويتعاهد بالعناية والتشجيع النابغون، وهذا حال شيخ الإسلام ﵀ في أسرته.\nولعل من المناسب أن أذكر طرفًا ميسورًا ونبذة موجزة عن بعض فروع هذه الدوحة الطيبة والشجرة المباركة من آل تيمية رحمهم الله تعالى، ليدرك المطالع سرًا من أسرار بعض ما ناله شيخ الإسلام -في حياته وبعد مماته- من رفعة وعلو وقبول ومكانة.\nولئن نالت دمشق ومصر -وغيرهما من البلدان- حظهما من علم شيخ الإسلام ودعوته، فلقد كانت حران -موطن أجداده- مهدًا لنشاط أسلافه من آل تيمية، ومركزًا بارزًا لعلومهم.\n* فمن آل تيمية -﵏- فخر الدين أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم الخضر بن محمد بن الخضر (ت سنة ٦٢٢ هـ) الذي نعته الإمام الذهبي بالشيخ الإمام العلامة المفتي المفسر الخطيب البارع عالم حران وخطيبها وواعظها، صاحب الديوان في الخطب، والتفسير الكبير الذي يبلغ ثلاثين مجلدًا، وله مختصر في مذهب الحنابلة -الذي درجت عليه هذه الأسرة- ولازم الإمام ابن الجوزي وقرأ عليه كثيرًا من مصنفاته، وهو عم المجد أبي البركات جد شيخ الإسلام، ووالده أبو القاسم كان من أهل العلم الصالحين وعليه قرأ القرآن، وقد أطال الحافظ ابن رجب في ترجمته (١)، وذكر أنه كانت بينه وبين الإمام موفق الدين ابن قدامة ﵀\n_________\n(١) وقد بلغت هذه الترجمة إحدى عشرة صفحة، وما التراجم المطولة في الذيل إلا لمشاهير علماء الحنابلة؛ والفخر ابن تيمية واحد من أبرزهم، وإن كان ليُؤخذ على ترجمة الفخر أن ثلاث صفحات منها قد سيقت في حال المرائي التي قيل إنها رؤيت له بعد موته، ولو خلت الترجمة منها لما أضر بها شيء، ولو اقتصر فيها على قصة أو قصتين لكفى، والله أعلم.","vol":"1","page":20},{"text":"مراسلات ومكاتبات، ووقوع نوع خلاف في بعض المسائل بينهما -وذلك دأب العلماء في كل زمان ومكان- وقد أورد بعضها، وتظهر مكانة الفخر ابن تيمية ﵀ في عبارات المدح والثناء من الحافظ ابن قدامة عليه، فهو يطلق عليه فيها: الأخ الإمام الكبير جمال الإسلام ناصر السنّة، الذي يرجع إليه في جميع العلوم (١)! ! .\n* ومن آل تيمية أبو محمد عبد الحليم بن محمد بن أبي القاسم الخضر، وهو ابن الشيخ فخر الدين -المتقدم ذكره- (المولود سنة ٥٧٣ هـ)، وأقام ببغداد مدة طويلة يتلقى الحديث وسائر العلوم، حتى برع في ذلك كله، وقد سمع منه الحافظ ضياء الدين بعض الأجزاء في الحديث، ولكن الأجل لم يمهله طويلًا، ومات في حياة أبيه عن عمر يناهز الثلاثين عامًا (سنة ٦٠٣ هـ).\nوقد ذكر والده -كما يقول الحافظ ابن رجب- أن ابنه عبد الحليم هذا له كتاب سماه \"الذخيرة\" فيه مسائل دقيقة، وأخرى عويصة (٢).\n* ومن آل تيمية أبو محمد سيف الدين عد الغني بن فخر الدين أبي عبد الله بن تيمية خطيب حرَّان وابن خطيبها فخر الدين، وأخو عبد الحليم السالف الذكر، وقد ولد (سنة ٥٨١ هـ) وقام مقام أبيه بعد وفاته، فكان يخطب ويعظ ويدرِّس ويلقي التفسير في الجامع على الكرسي، ومن مصنفاته \"الزوائد على تفسير الوالد\" و\"إهداء القرب إلى ساكني الترب\"، ومات ﵀ بحران (سنة ٦٣٩ هـ) (٣).\n_________\n(١) وفيات الأعيان (٤/ ٣٨٦)، ذيل تاريخ بغداد (١٥/ ٢٦)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٢٨٩)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ١٥١ - ١٦١) شذرات الذهب (٧/ ١٧٩)، مختصر طبقات الحنابلة لمحمد جميل الشطي (٥٤).\n(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٢٢)، شذرات الذهب (٧/ ٣٥٤)، جلاء العينين في محاكمة الأحمدين للشيخ نعمان خير الدين ابن الألوسي (٢٩)، مختصر طبقات الحنابلة (٥٥).","vol":"1","page":21},{"text":"* ومن آل تيمية الكرام شيخ الإسلام ابن تيمية مجد الدين أبو البركات عبد السلام بن عبد الله بن الخضر، وصفه الحافظ الذهبي بالشيخ الإمام العلامة فقيه العصر شيخ الحنابلة، تفقه على عمه فخر الدين الخطيب، ورحل مع ابن عمه سيف الدين وهو صغير إلى بغداد، وتفقه وبرع وصنف التصانيف وانتهت إليه الإمامة في الفقه.\nويقول عنه الشيخ جمال الدين ابن مالك (الإمام في النحو وصاحب الألفية الذائعة الصيت): أُلين للشيخ المجد الفقه، كما ألين لداود الحديد.\nوحين حج ومر ببغداد انبهر علماؤها بذكائه وعلمه وفضله، والتمس منه أستاذ دار الخلافة محيي الدين ابن الجوزي الإقامة عندهم، فتعلل بالأهل والوطن، وما زال المجد يصنف ويدرس وينشر العلم حتى قبضه الله ﷿ (سنة ٦٥٢ هـ)، ومن مصنفاته \"المنتقى من أحاديث الأحكام\" وهو كتاب مشهور، و\"المحرر\" و\"منتهى الغاية في شرح الهداية\" (١).\n* ومنهم أبو الفرج فخر الدين عبد القاهر بن سيف الدين عبد الغني (الذي سبقت ترجمته) ابن الشيخ فخر الدين بن تيمية (المولود بحرَّان سنة ٦١٢ هـ) سمع من جده الفخر ابن تيمية، وخطب بحرَّان، وحدث بدمشق، ومات بها (سنة ٦٧١ هـ)، وجاء في ترجمته: أن جد شيخ الإسلام المجد ابن تيمية لما مات ﵀، جاء أبو الفرج هذا -وهو ابن ابن عمه- فغلبهم على الصلاة عليه (٢).\n* ومنهم أخو أبي الفرج (المتقدم ذكره) علاء الدين علي بن عبد الغني بن الفخر بن تيمية، ومات (سنة ٧٠١ هـ) بمصر عن اثنتين وثمانين سنة، وممن روى عنه الحافظ الذهبي (٣).\n_________\n(١) سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٩١)، البداية والنهاية (١٣/ ١٩٨)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٩)، شذرات الذهب (٧/ ٤٤٣)، جلاء العينين (٢٨)، مختصر طبقات الحنابلة (٥٦).\n(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٢٨٢)، شذرات الذهب (٧/ ٥٨٣).\n(٣) شذرات الذهب (٨/ ٦).","vol":"1","page":22},{"text":"* ومن آل تيمية والد شيخ الإسلام عبد الحليم شهاب الدين أبو المحاسن بن عبد السلام بن عبد الله بن تيمية (المولود سنة ٦٢٧ هـ) تفقه على والده وأكثر عنه، وصار شيخ البلد بعد أبيه وخطيبه، وله اليد الطولى في كثير من الفنون، وكان -كما يقول الذهبي- من أنجم الهدى، وإنما اختفى بين نور القمر وضوء الشمس، يشير إلى أبيه وابنه، وقد عرفت دمشق له فضله لما قدمها مع أهله، وتولى المشيخة والتدريس في إحدى معاهدها العريقة، وهي دار الحديث السُّكَّرية، هذا عدا دروسه بالجامع، وقد خلفه فيهما بعد وفاته ابنه شيخ الإسلام، وقد مات ﵀ (سنة ٦٨٢ هـ) (١).\n* ومنهم شرف الدين أبو البركات عبد الأحد بن أبي القاسم بن عبد الغني ابن خطيب حرَّان فخر الدين ابن تيمية، كان تاجرًا، وروى عن جماعة من أهل العلم، وحدث زمانًا، وكان من خيار عباد الله، كما يقول الذهبي (٢).\n* ولئن كان شيخ الإسلام ابن تيمية هو سليل تلك الأسرة الماجدة، وأشهرها على الإطلاق، فقد كان منها فى فروع معاصرون لشيخ الإسلام أو جاؤوا بعده، ليظل اسم هذه الأسرة المباركة حيًا في عقل الأمة وفؤادها.\n* ومن هؤلاء شقيقا شيخ الإسلام عبد الرحمن وعبد الله، فأما الأول فهو زين الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن عبد الحليم (المولود سنة ٦٦٣ هـ) والمتوفى (سنة ٧٤٧ هـ)، أخذ العلم والحديث على جماعة من العلماء، وذكر المؤرخ الحافظ علم الدين البرزالي له ستة وثمانين شيخًا، وكان تاجرًا خيرًا دينًا، وقد حبس نفسه مع أخيه شيخ الإسلام محبة له وإيثارًا لخدمته (٣).\n_________\n(١) العبر (٥/ ٣٣٧)، البداية والنهاية (١٣/ ٣٢٠)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣١٠)، شذرات الذهب (٧/ ٦٥٦)، مختصر طبقات الحنابلة (٥٩).\n(٢) ذيل تاريخ الإسلام (١٤٠)، شذرات الذهب (٩/ ٥٤).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٢)، الدرر الكامنة (٢/ ٣٣٠)، شذرات الذهب (٨/ ٢٦٢).","vol":"1","page":23},{"text":"* وأما الثاني فهو أبو محمد شرف الدين عبد الله بن عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية (المولود سنة ٦٦٦ هـ) سمع خلقًا من العلماء، وتفقه في المذهب حتى برع، وبرع أيضًا في الفرائض والحساب وعلم الهيئة وفي الأصلين والعربية، وكان إمامًا في التاريخ، ودرَّس في دار الحنبلية مدة، وكان ﵀ ذا زهد وتأله وخوف، وقد ناظر بعض خصوم الشيخ في مصر فأفحمهم وقطع حجتهم، وكان قوالًا بالحق أمَّارًا بالمعروف، وكان أخوه شيخ الإسلام يتأدب معه ويحترمه، توفي بدمشق (سنة ٧٢٧ هـ) (١).\n* ومن آل تيمية المتأخرين ناصر الدين محمد بن عبد الله (ت سنة ٨٣٧ هـ) وقد كان تاجرًا عارفًا بالطب، وولي قضاء الإسكندرية مدة من الزمن (٢).\n* وأما النساء من تلك الأسرة الماجدة، فقد مر من قبل أن والدة جد شيخ الإسلام الأعلى محمد بن الخضر كانت واعظة (٣)، ومن هذه الأسرة العالمة بدرة بنت الشيخ فخر الدين ابن تيمية، جدة شيخ الإسلام، وزوجة جده المجد، وهي ابنة عمه، وماتت قبله بيوم واحد (سنة ٦٥٢ هـ) وروت بالإجازة عن بعض المحدثين، وكانت تكنى أم البدر (٤).\nومنها كذلك عمة شيخ الإسلام ست الدار بنت عبد السلام ابن تيمية، وقد روى عنها شيخ الإسلام (٥).\nومنها بنت أخي شيخ الإسلام زينب بنت عبد الله بن عبد الحليم ابن تيمية الحنبلية، روت الحديث عن بعض أهل العلم، وحدَّثت، وأجازت الحافظ ابن حجر ﵀، وماتت سنة (٧٩٩ هـ).\n_________\n(١) ذيل تاريخ الإسلام (٣٠٩)، العقود الدرية (٢٤١)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٢)، شذرات الذهب (٨/ ١٣٦).\n(٢) الضوء اللامع للسخاوي (٩/ ١٢٤)، شذرات الذهب (٩/ ٣٢٧).\n(٣) ممن ذكر هذا العلامة ابن ناصر الدين عند ترجمته لشيخ الإسلام في كتابه \"تراجم الأعيان المنظومين في بديعة الزمان\" في الطبقة الحادية والعشرين.\n(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢٥٣)، شذرات الذهب (٧/ ٤٤٦).\n(٥) تاريخ الإسلام للذهبي، نقلًا عن أعلام النساء لعمر رضا كحالة (٢/ ١٥٤).","vol":"1","page":24},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-9>ثالثًا: مولده ونشأته وشيوخه ومكانته العلمية في نظر معاصريه:</span>\nفي هذه الأجواء الأسرية العلمية ولد شيخ الإسلام ﵀ (سنة ٦٦١ هـ) بحرَّان في العاشر من شهر ربيع الأول، وفي (سنة ٦٦٧ هـ) ارتحل به أبوه وأهله وأقاربه خوفًا من جور التتار، يحملون الذرية والكتب على عجلة تجرها البقر، وقد كلَّت البقر من ثقل العجلة، وتوقفت عن السير، وكاد يدركهم العدو، ولجأوا إلى الله ﷿، فسارت البقر، وأنقذهم الله ﷿ من عدوهم، ووصلوا إلى دمشق آمنين (١).\nوقد مر أن والده الشيخ عبد الحليم ابن تيمية لما وصلوا إلى دمشق عرف الناس وأهل العلم فضله ومكانته، وأنه تولى مشيخة دار الحديث السُّكرية، وكان يلقي دروسًا في الجامع.\nوفي دمشق الفيحاء نشأ شيخ الإسلام في حجر والده، مكبًا على التعلم، وأخذ عنه كثيرًا، وقد كان والده حريصًا على تشجيعه، ورصد المكافآت المالية له في صغره، لترغيبه في الحفظ والعلم (٢)، وأخذ عن جمع كبير من العلماء في عصره، وقد ذكر أن عدد شيوخه الذين أخذ عنهم يربو على مائتي شيخ (٣)، ومن هؤلاء الشيوخ:\n١ - والده الشيح عبد الحليم بن عبد السلام ابن تيمية.\n٢ - زين الدين أحمد بن عبد الدائم المقدسي (ت ٦٨٨ هـ).\n٣ - تقي الدين إسماعيل بن إبراهيم بن أبي اليسر التنوخي (ت ٦٧٢ هـ).\n٤ - شمس الدين عبد الرحمن بن قدامة المقدسي الجماعيلي الحنبلي (ت ٦٨٢ هـ).\n٥ - شمس الدين عبد لله بن محمد بن عطاء الحنفي (ت ٦٧٣ هـ).\n٦ - شرف الدين محمد بن عبد المنعم بن القواس (ت ٦٨٣ هـ) (٤).\n_________\n(١) ذيل تاريخ الإسلام (٣٢٤).\n(٢) ذكر البزار في الإعلام العلية (٢١) قصة حول ذلك المعنى.\n(٣) العقود الدرية (٤).\n(٤) ذيل تاريخ الإسلام (٣٢٥)، فوات الوفيات (١/ ٧٤)، البداية والنهاية (١٤/\n١٤٢)، العقود الدرية (٤، ٢٤٨)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٧).","vol":"1","page":25},{"text":"ولم يكتف شيخ الإسلام بشيوخ عصره، بل أخذ عن الشيوخ المتقدمين، والعلماء السالفين، الذين لم يدركهم، فطالع مصنفاتهم، واستظهر مؤلفاتهم.\nويبدو للناظر أن سرَّ عظمة شيخ الإسلام وبلوغه في العلم والمكانة شأوًا لا يكاد يلحق فيه، ليس بسبب شيوخه ومعلميه، بقدر ما هو نبوغه وذكاؤه المفرطين اللذين كان يرعاهما توفيق الله ﷿ وعنايته.\nوقد أعطى الله هذا الإمام ذاكرة قد بلغت في الحفظ والقوة والإتقان غاية لم يكد يصل إليها أحد من الناس -إلا قليلًا- وزاد من ذلك حرص عجيب على التحصيل، وصرف الوقت والجهد في الطلب، ومتى اجتمع هذان الأمران في شخص كان من أكابر العلماء البارزين.\nيقول الإمام الذهبي ﵀: \"وبرع في الحديث وحفظه، فقلَّ من يحفظ ما يحفظه من الحديث .. \" (١).\nوقال أيضًا - ﷺ -: \"وكانت له خبرة تامة بالرجال وجرحهم وتعديلهم وطبقاتهم، ومعرفة بفنون الحديث مع حفظه لمتونه الذي انفرد به، وهو عجيب في استحضاره واستخراج الحجج منه، وإليه المنتهى في عزوه إلى الكتب الستة والمسند، بحيث يصدق عليه أن يقال: كل حديث لا يعرفه ابن تيمية فليس بحديث .. \" (٢).\nويقول عه تلميذه الحافظ البزار ﵀: \"وأمده الله بكثرة الكتب وسرعة الحفظ، وقوة الإدراك والفهم، وبطء النسيان .. \" (٣).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀ بعد أن ساق عبارة قريبة من عبارة الحفاظ البزار: \"حتى قال غير واحد: إنه لم يكن يحفظ شيئًا فينساه .. \" (٤).\n_________\n(١) شذرات الذهب (٨/ ١٤٤).\n(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩١)، وقال بها ابن الوردي كما ذكر صاحب جلاء العينين (١٠)، وقال ابن عبد الهادي مثل هذا في العقود الدرية (٢٠).\n(٣) الأعلام العلية (٩).\n(٤) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٨).","vol":"1","page":26},{"text":"وقد ظهرت مخايل الذكاء والنجابة والعبقرية على الشيخ وهو صغير، فقد ذكر أن أحد علماء حلب قدم دمشق لاستطلاع حال هذا الفتى الصغير الذي وصلت شهرته في الحفظ إلى خارج دمشق، وأجرى له امتحانًا عسيرًا في الحفظ، وأعاد الامتحان، وكانت النتيجة ذكاءًا مفرطًا وحفظًا عجيبًا وذاكرة نادرة، ثم تُوِّج ذلك الامتحان بشهادة زكية حين قال: إن عاش هذا الصبي ليكونن له شأن عظيم، فإن هذا لم ير مثله (١)! ! ! .\nوقد تحققت توقعات هذا الشيخ -وتوقعات كثيرين معه في هذا المجال- وصار لذلك الفتي الصغير شأن وأي شأن، وصدق الله حيث يقول: ﴿نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٦].\nولقد عرف شيخ الإسلام وهو صغير الدعوة إلى الله ﷿، ومن ذلك ما ذكر من إسلام يهودي على يديه، حيث كان يمر به ويثير عليه أسئلة وشبهات، وكان شيخ الإسلام يجيب عنها مع صغر سنه (٢).\nولقد برع شيخ الإسلام في كافة العلوم كالفقه والأصول، والتفسير وعلوم القرآن، والتوحيد والفرق والأديان والنحل، والحديث وعلومه، واللغة والبلاغة والأدب والشعر، والفلسفة والمنطق وعلم الكلام، والتاريخ وأيام الناس، بل إنه ليضرب بنصيب وافر في علم الحساب، والهندسة، والجبر والمقابلة، والفلك، والطب، والكيمياء، والجغرافيا، وغيرها من العلوم (٣).\n_________\n(١) العقود الدرية (٥).\n(٢) الأعلام العلية (١٧).\n(٣) العقود الدرية (٤، ٧)، الأعلام العلية (١٨)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٨٨)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٣)، ومن ذلك على جل المثال إجابته ﵀ شعرًا على اللغز الذي نظمه الشيخ رشيد الفارقي في عشرين بيتًا، حيث أجاب بنحو مائة بيت -وهو في العشرين من العمر- وجاء في هذه الإجابة ما يلي:\nالعلم لفظ ذو ثلاثة أحرف ... وهجاء كلٍ مثلُ ما مجموعه\nفإذا يكون مركبًا من تسعة ... جذرًا لها فانظر إلى تربيعه\nومربعًا ساواه جذر حسابه ... ومثلثًا بحدوده وضلوعه\nإلى أن قال: =","vol":"1","page":27},{"text":"ولكي ندرك شيئًا من المكانة العلمية التي وهبها الله ﷿ لشيخ الإسلام، فلا بأس بفسح المجال لرأي ثلة من علماء الأمة في علم شيخ الإسلام وتبحره في كافة العلوم على حد سواء.\nيقول الشيخ الحافظ العلامة تقي الدين بن دقيق العيد لما سئل عن ابن تيمية؛ وكاد قد اجتمع به: \"رأيت رجلًا سائر العلوم بين عينيه، يأخذ ما شاء منها، ويترك ما شاء .. \" (١).\nويقول عنه شيخ المحدثين في عصره؛ وأستاذ أئمة الجرح والتعديل في زمانه أبو الحجاج المزي: \"ما رأيت مثله، ولا أرى هو مثل نفسه، ما رأيت أحدًا أعلم بكتاب الله وسنّة رسوله، ولا أتبعه لهما منه\" (٢).\n_________\n= ثلثاه حرفا العين والميم هما ... في اللفظ من عدمٍ وفي تنويعه\nلو إذ جمعت حسابه في أكثر ... وأضفت خمسيه إلى مجموعه\nفمربعًا يضحي ويضحي جذره ... مع أربع عشرًا لذي تربيعه\nوكلمات المربع والأضلاع والمثلث والجذر والتربيع كلها مصطلحات رئيسية في الهندسة والحساب والجبر والمقابلة.\nوأود أن أشير بهذه المناسبة إلى أن شيخ الإسلام كان له نظم قليل وسط كما قال الحافظ ابن رجب في الذيل (٢/ ٣٩٥)، وقوله: وسط أي ليس بالفائق، دون القوي وفوق الضعيف، وهكذا نظم كثير الفقهاء والعلماء، ومن آخر نظمه ما قاله في السجن الأخير الذي مات فيه:\nأنا الفقير إلى رب السموات ... أنا المسكين في مجموع حالاتي\nأنا الظلوم لنفس وهي ظالمتي ... والخير إن جاءنا من عنده يأتي\nلا أستطيع لنفسي جلب منفعة ... ولا عن النفس في دفع المضرات\nوليس لي دونه مولى يدبرني ... ولا شفيع إلى رب البريات\nإلا بإذن من الرحمن خالقنا ... .......................\nوقد بالغ بعض الباحثين في إطراء نظم شيخ الإسلام ووصفه بأنه من أقوى الشعر، وأبلغ النظم والتصوير، وشيخ الإسلام لم يكن شاعرًا، وهو بحمد الله في غنى عن مثل هذا الإطراء الفجّ، ولو قيل بعض ذلك في تلميذه ابن القيم لكان الأمر قريبًا، ورحم الله الجميع.\n(١) الرد الوافر على من زعم من أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر لابن ناصر الدين الدمشقي (١٠٧).\n(٢) العقود الدرية (٧) شذرات الذهب (٨/ ١٤٧).","vol":"1","page":28},{"text":"ويقول الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني: \"كان إذا سئل عن فنٍّ من العلم ظن الرائي والسامع أنه لا يعرف غير ذلك الفن، وحكم أن أحدًا لا يعرفه مثله، وكان الفقهاء من سائر الطوائف إذا جالسوه استفادوا في مذاهبهم منه أشياء، ولا يُعرف أنه ناظر أحدًا فانقطع معه، ولا يتكلم في علم من العلوم سواء كان من علوم الشرع أو غيرها إلا فاق فيه أهله، واجتمعت فيه شروط الاجتهاد على وجهها .. \" (١).\nويقول الحافظ ابن سيد الناس: \"ألفيته ممن أدرك من العلوم حظًا، وكاد يستوعب السنن والآثار حفظًا، إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته، وإن أفتى في الفقه فهو مدرك غايته، أو ذاكر بالحديث فهو صاحب علمه، وذو روايته، أو حاضر بالنحل والملل لم يُر أوسع من نحلته، ولا أرفع من درايته.\nبرز في كل فنٍّ على أباء جنسه، ولم تر عين من رآه مثله، ولا رأت عينه مثل نفسه .. \" (٢).\nوقال الشيخ عماد الدين الواسطي، وقد تُوفي قبل الشيخ: \"فوالله، ثم والله، لم ير تحت أديم السماء، مثل شيخكم ابن تيمية، علمًا، وعملًا، وحالًا، وخلقًا، واتباعًا ... \" (٣).\nويقول عنه تلميذه شيخ المؤرخين الإمام الذهبي: \"كان آية في الذكاء وسرعة الإدراك، رأسًا في معرفة الكتاب والسنّة والاختلاف، بحرًا في النقليات، وهو في زمانه فريد عصره علمًا وزهدًا وشجاعة وسخاءً، وأمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر، وكثرة تصانيف، وقرأ وحصل، وبرع في\n_________\n(١) العقود الدرية (٧)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٠)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٤).\n(٢) العقود الدرية (٩)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩١)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٥).\n(٣) العقود الدرية (٢٠٥)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٣)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٦).","vol":"1","page":29},{"text":"الحديث والفقه، وتأهل للتدريس والفتوى، وهو ابن سبع عشرة سنة، وتقدم في علم التفسير والأصول، وجميع علوم الإسلام: أصولها وفروعها، ودقها وجلها سوى علم القراءات (١)، فإن ذكر التفسير فهو حامل لوائه،\n_________\n(١) فهم بعض ضعاف النظر من تلك العبارة للإمام الذهبي أن شيخ الإسلام لم يكن على معرفة بعلم القراءات، وذلك فهم مردود على صاحبه، وشيخ الإسلام أجل قدرًا وأعظم مكانة من أن يجهل علوم القراءات، كيف يجهلها وهي من العلوم الدينية، وقد اطلع وألمَّ بغالب العلوم الدنيوية من طب وهندسة وحساب وجبر ومقابلة وفلك وهيئة وكيمياء وجغرافيا، ولكن مقصود الإمام الذهبي أنه لم يكن متبحرًا للغاية في علم القراءات كبقية علوم أهل الإسلام، ولم يكن -كحاله في بقية العلوم- متقدمًا يها على أصحابها، ومعلوم أن الإمام الذهبي كان من أئمة القراءات في زمانه، وقد أخذ علم القراءات عن خلق من المقرئين في عصره؛ والمتتبع لما يكتبه في تراجمه يرى اهتمامه الفائق بذلك العلم، وإفاضته في تراجم القرَّاء على اختلاف طبقاتهم.\nأما شيخ الإسلام فلا يشك مطلع أنه قد درس علوم القراءات، وألم بها، وكان ذلك في أول حياته، كما جرت عادة. أهل العلم أن يبدأوا بحفظ القرآن الكريم وتجويده، ثم يُلموا بالقراءات المتواترة، وعلوم القراءات والتجويد ليست غاية في نفسها، بل هي من علوم الوسائل، والمراد منها إقامة اللسان في تلاوة القرآن، ومعرفة وجوه القراءات المختلفة، والاستفادة من ذلك في تفسير القرآن وبيان معانيه وإعجازه، وإظهار يسر القرآن وسهولته.\nيقول ﵀ في مجموع الفتاوى (١٦/ ٥٠): \"ولا يجعل همته فبما حجب به أكثر الناس من العلوم عن حقائق القرآن، إما بالوسوسة في خروج حروفه، وترقيقها، وتفخيمها، وإمالتها، والنطق بالمد الطويل، والقصير، والمتوسط، وغير ذلك، فإن هذا حائل للقلوب قاطع لها عن فهم مراد الرب من كلامه، وكذلك شغل النطق بـ ﴿أَأَنْذَرْتَهُمْ﴾، وضم الميم من ﴿عَلَيْهِمْ﴾ ووصلها بالواو، وكسر الهاء أو ضمها ونحو ذلك، وكذلك مراعاة النغم وتحسين الصوت! ! .. \".\nولكنه لم ينصرف لهذا العلم بالكلية، بل عبر منه إلى غيره، وهو عنده بمثابة علم النحو يتوصل به إلى غيره، وليس مقصودًا في نفسه.\nوقد سئل ﵀ في مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٨٩ - ٤٠٣) عن حديث إنزال القرآن على سبعة أحرف، وما معنى ذلك؟ فأجاب ﵀ إجابة مطولة بلغت أربع عشرة صفحة، تحدث فيها عن القراءات السبع، أو القراءات العشر، أو القراءات الإحدى عشرة، وذكر أمثلة عديدة على اختلاف هذه القراءات، وحكم القراءة بها، وتحدث كذلك عن القراءة الشاذة وحكم القراءة بها.\nومما جاء في جوابه ﵀؛ \"ولا نزاع بين المسلمين أن الحروف السبعة التي =","vol":"1","page":30},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أنزل القرآن عليها لا تتضمن تناقض المعنى وتضاده، بل قد يكون معناها متفقًا أو متقاربًا.\nوقد يكون معنى أحدهما ليس هو معنى الآخر، لكن كلا المعنيين حق، وهذا اختلاف تنوع وتغاير لا اختلاف تضاد وتناقض .. وهذا كما في القراءات المشهورة: ﴿ربنا باعِد وباعَد﴾، ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾، و﴿إِلَّا أَنْ يُخَافَا أَلَّا يُقِيمَا﴾، ﴿وإن كان مكرهم لتزول منه الجبال * وليزول منه الجبال﴾، و﴿بل عجبتَ * وبل عجبتُ﴾ ونحو ذلك ..\nومن القراءات ما يكون المعنى فيها متفقًا من وجه متباينًا من وجه آخر، كقوله: ﴿يخدعون ويخادعون﴾ و﴿يكذِبون ويكذِّبون﴾ و﴿لمستم ولامستم﴾ و﴿حتى يطْهُرْن ويطَّهرَن﴾ ونحو ذلك، فهذه القراءات التي يتغاير فيها المعنى كلها حق، وكل قراءة منها مع القراءة الأخرى بمنزلة الآية مع الآية يجب الإيمان بها كلها .. وأما ما اتحد لفظه ومعناه، وإنما يتنوع صفة النطق به كالهمزات، والمدات، والإمالات، ونقل الحركات، والإظهار، والإدغام، والاختلاس، وترقيق اللامات والراءات، أو تغليظها ونحو ذلك مما يسمى القراء عامته الأصول، فهذا أظهر وأبين في أنه ليس فيه تناقض ولا تضاد مما تنوع فيه اللفظ والمعنى، إذ هذه الصفات المتنوعة في أداه اللفظ لا تخرجه عن أن يكون لفظًا واحدًا.\nولهذا دخل في معنى قوله: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" تعليم حروفه ومعانيه جميعًا، بل تعلم معانيه هو المقصود الأول بتعليم حروفه، وذلك هو الذي يزيد الإيمان \".\nولشيخ الإسلام أيضًا في مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٢٢ - ٢٢٥) كلام عن مخارج الحروف وصفاتها يدل على دراية وعلم كبيرين بالتجويد والقراءات.\nوجد شيخ الإسلام المجد ابن تيمية ﵀ كان من أئمة القراءات، وله اليد الطولى فيها كما قال الحافظ الذهبي في كتابه \"معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار\" (٢/ ٦٥٤)، وقد ورد في ترجمته في السير (٢٣/ ٢٩٢) أنه كان على دراية تامة بعلم القراءات، وأنه صنف فيها أرجوزة؛ ومن المؤكد أن حفيده شيخ الإسلام قد سمع بذلك، أو اطلع عليها، ومما يقوي ذلك أن شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩٨) حين تكلم عن حكم القراءة بالقراءة الشاذة الخارجة عن رسم المصحف العثماني مثل قراءة ابن مسعود الثابتة، وذكر قولين في المسألة، وهما القول بالجواز، والقول بالمنع، ذكر قولًا ثالثًا قال فيه: \"ولهذا كان في المسألة قول ثالث، وهو اختيار جدي أبي البركات، أنه إن قرأ بهذه القراءات في القراءة الواجبة -وهي الفاتحة عند القدرة عليها- لم تصح صلاته، لأنه لم يتيقن أنه أدى الواجب من القراءة، لعدم ثبوت القرآن بذلك، وإن =","vol":"1","page":31},{"text":"وإن عبد في الفقهاء فهو مجتهدهم المطلق، وإن حضر الحفاظ نطق وخرسوا، وسرد وأبلسوا، استغنى وأفلسوا، وإن سُمي المتكلمون فهو فردهم، وإليه مرجعهم، وإن لاح ابن سينا يقدم الفلاسفة فلَّهم وتيَّسهم، وهتك أستارهم، وكشف عوراهم، وله يد طولى في معرفة العربية والصرف واللغة، وهو أعظم من أن يصف كلمي، أو ينبه على شأوه قلمي .. \" (١).\nوقد أنشد فيه الشيخ الحافظ كمال الدين ابن الزملكاني قوله:\nماذا يقول الواصفون له ... وصفاته جلت عن الحصر\nهو حجة لله قاهرة ... هو بيننا أعجوبة الدهر\nهو آية للخلق ظاهرة ... أنوراها أربت على الفجر (٢)\nولإمام النحاة في عصره الشيخ أبو حيان الأندلسي النحوي، شعر فائق يمتدح فيه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، لما دخل الشيخ مصر واجتمع به، ومنه:\nلما رأينا تقي الدين لاح لنا ... داعٍ إلى الله فردًا ما له وزر\nعلى محياه من سيما الأُلَى صحبوا ... خير البرية نور دونه القمر\nحبر تسربل منه دهره حِبَرًا ... بحر تقاذف من أمواجه الدرر\nقام ابن تيمية في نصر شرعتنا ... مقام سيد تيم إذ عصت مضر\nفأظهر الدين إذ آثاره درست ... وأخمد الشرك إذ طارت له شرر\nيا من تحدث عن علم الكتاب أصح ... هذا الإمام الذي قد كان ينتظر (٣)\n_________\n= قرأ بها فيما لا يجب لم تبطل صلاته\". فكيف يقال بعد كل هذا: إن شيخ الإسلام لم يكن على علم بالقراءات؟ ! ! سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوما أظن يقول مثل هذا إلا جاهل أو حاقد، والله أعلم.\n(١) العقود الدرية (١٩).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ١٤٣)، العقود الدرية (٨)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٢)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٥).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٢)، شذرات الذهب (٨/ ١٤٥)، ولكن ذُكر أن أبا حيان وقعت بينه وبين شيخ الإسلام جفوة، وقيل في ذكر السبب: إن شيخ الإسلام خطَّأ إمام النحاة سيبويه، وأغلظ القول فيه، وقال عنه: إنه لم يكن نبيًا =","vol":"1","page":32},{"text":"وأقوال العلماء في الثناء عليه والمبالغة في مدحه كثيرة، لا يتسع المجال لذكرها في هذا المقام، وما ذكرته غيض من فيض، واكتفيت بذكر كلام بعض المعاصرين له يرحمه الله.\nويخرج المطالع للأقوال السابقة بعدة خصائص انفرد بها شيخ الإسلام، وشهد له بها المخالفون في الموافقين، ومن هذه الخصائص:\n١ - الشمول والتبحر في جميع العلوم النقلية والعقلية، وإتقانه ﵀ لمعارف عصره.\n٢ - تفوقه في معرفة المذاهب الأخرى والمخالفة، حتى إنه ليكاد يتفوق على أصحاب كل مذهب ونحلة ومخالف، في معرفة مذاهبهم ونحلهم وأقوالهم، واستفادتهم منه في ذلك المجال.\n٣ - كثرة تصانيفه وانتفاع الأمة بها، وقد يجد المرء غيره من المكثرين في التصنيف من العلماء، أما أن يجد الكثرة الكاثرة من المصنفات، والنفع والفائدة والبركة في جل تلك المؤلفات، فليست تلك المزية خالصة إلا لشيخ الإسلام ﵀.\n٤ - قوة حافظته، وإملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، وفي ذلك يقول تلميذه الحافظ أبو حفص البزار: \"ومن أعجب الأشياء في ذلك، أنه في محنته الأولى بمصر، لما أخذ وسُجن، وحيل بينه وبين كتبه، صنف عدة كتب صغارًا وكبارًا، وذكر فيها ما احتاج إلى ذكره من الأحاديث والآثار، وأقوال العلماء وأسماء المحدثين والمؤلفين ومؤلفاتهم، وعزا كل شيء من ذلك إلى ناقليه وقائليه بأسمائهم، وذكر أسماء الكتب التي ذكر فيها، وأي موضع هو منها، كل ذلك بديهة من حفظه، لأنه لم يكن عنده حينئذٍ كتاب\n_________\n= في النحو، ولا معصومًا، فكبر ذلك على أبي حيان. يقول صاحب جلاء العينين (١٢): \"ثم دار بينهما كلام، فجرى ذكر سيبويه؛ فناظره أبو حيان بسببه، ثم عاد ذامًا له، وصيَّر ذلك ذنبًا لا يغتفر .. فكان ذلك سبب مقاطعته إياه، وذكره في تفسيره (البحر) بكل سوء، وكذا في مختصره (النهر) \". نعوذ بالله من الهوى والتعصب.","vol":"1","page":33},{"text":"يطالعه، ونُقِّبَت واختُبرَت واعتُبرت فلم يوجد فيها بحمد الله خلل ولا تغير، ومن جملتها كتاب (الصارم المسلول على شاتم الرسول) وهذا من الفضل الذي خصه الله تعالى به .. \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>رابعًا: دعوته وجهاده:</span>\nإن شيخ الإسلام ليعلم علم اليقين أن ثمرة العلم هو العمل، والعلماء هم ورثة الأنبياء في تطبيق العلم بالعمل وتعليم الناس ذلك عن طريق القدوة الحية في حياتهم، وما لم يكن العالم عاملًا بعلمه داعيًا إلى الله ﷿، فما فائدة العلم إذن؟ .\nلقد أدرك شيخ الإسلام ﵀ هذه الحقيقة تمام الإدراك، ولذا كانت حياته كلها صفحات مشرقة بالدعوة والتعليم والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، حتى قبضه الله إليه.\nفهو يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، وربما خرج مع أصحابه إلى أهل المنكرات، من مروجي أم الخبائث، وكسَّروا أواني الخمور، وقاموا بتعزير جماعة منهم، وفرح الناس بذلك (٢).\n\"ولقد أقام الفضيلة والأخلاق عندما صار رجل دمشق، وحاكمها غير المتوج، عندما فر حكامها في سنة (٦٩٩ هـ) وأصبح إنكار المنكر حقًا عليه بالفعل لا بالقول والقلب، إذ صار مبسوط اليد والسلطان فيها، فحطموا أوانى الخمر، وشقوا قربها، وأراقوا الخمور، وعزروا أصحاب الحانات المتخذة للفواحش، فلقي ذلك من العامة ترحابًا، إذ رأوا حكم القرآن ينفذ، وعهد الرسول يعود .. \" (٣).\nولم يفت في عضده تآلب الحسدة والفسدة عليه، والوشاية به وشكايته عند السلطان، بسبب أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر، بل ظل على حاله غير آبه بمعاداتهم وتألبهم عليه (٤).\n_________\n(١) الأعلام العلية (١٠).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ١٢).\n(٣) ابن تيمية للشيخ محمد أبو زهرة (٤١).\n(٤) البداية والنهاية (١٤/ ٢٠).","vol":"1","page":34},{"text":"وها هو يحارب البدعة، ويناجز المبتدعين في دين الله ﷿، ويعمل جهده لإقامة السنة، ونشرها بين الناس، فقد أنكر ﵀ بعض الصلوات المبتدعة التي كان يجتمع عليها بعض الناس (١).\nوحين يتعلق الناس بأثر مبتدع، لا يقر له قرار حتى يغدو عليه وأصحابه، فينسفوه نسفًا، ومن ذلك صخرة كانت بنهر تزار وينذر لها، فأمر الحجارين بقطعها، وزال الشرك من هناك بزوالها (٢).\nأما المبتدعة فهو ﵀ يقيم عليهم الحجة أولًا، فإن أبوا الانصياع، وأصروا على المضي في طريق الابتداع، نابذهم وزجرهم وقهرهم بقوة الحق والسنّة.\nفمن ذلك إحضاره لشيخ مبتدع فتان، يدعى المجاهد إبراهيم القطان، وأمره بحلق رأسه، وتقليم أظفاره -وكانت طويلة جدًا- وحف شاربه، واستتابه من أكل الحشيشة، ومن قول الفحش.\nوبعده استحضر المدعو بالشيخ محمد الخباز البلاسي، واستتابه من أكل المحرمات ومخالطة أهل الذمة، وكتب عليه مكتوبًا أن لا يتكلم في تعبير المنامات ولا في غيرها بما لا علم له به (٣).\nوأما إنكاره على المتصوفة فأمر أشهر من التفصيل فيه، فقد كبت متقدميهم وانتقدهم بالتأليف والتصنيف، وأما متصوفة عصره فقد لاقوا منه مقاومة عنيفة عصفت بهم في كثير من الأحيان، ومن ذلك إنكاره على دجاجلة البطائجة أو الأحمدية، الذين كانوا يتعاطون من الأحوال الشيطانية ما يحسبه الجهال والمعتقدون فيهم أنه من كرامات الصالحين، وبشارات المتقين، ففضح أسرارهم، وهتك أستارهم، وأظهر الله السنة على يديه، وأخمد بدعتهم، وأبطل فتنتهم (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (١٤/ ٤٣).\n(٢) المصدر السابق (١٤/ ٣٦).\n(٣) المصدر السابق (١٤/ ٣٦).\n(٤) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٤٥ - ٤٧٥)، البداية والنهاية (١٤/ ٣٨)، العقود الدرية (١٣١).","vol":"1","page":35},{"text":"ومع ذلك فالعصر قد غلبت عليه الصوفية، ولقد سعى أربابها جاهدين في الإيقاع بشيخ الإسلام، ورأوا أنه أكبر عدو لهم، وأنه ما لم يتخلص منه، فلن تقوم لهم بعد اليوم قائمة، وقد تحقق لهم في إحدى المرات ما أرادوا، وأدخل الشيخ السجن بسببهم، فلبث فيه قدر سنتين (١).\nوالعالم الرباني كالغيث متى وقع بأرض نفع، وهكذا كان شيخ الإسلام، ولم يكن لتضعف عزيمته في السجن، أو نفل إرادته، ولم يكن ليتخلى عن دعوته حتى وهو بين المجرمين وغيرهم من أصناف المحبوسين.\nيقول تلميذه ابن عبد الهادي ﵀: \"ولما دخل الحبس وجد المحابيس مشتغلين بأنواع من اللعب، يلتهون بها عما هم فيه، كالشطرنج والنرد، ونحو ذلك من تضييع الصلوات، فأنكر الشيخ عليهم ذلك أشد الإنكار، وأمرهم بملازمة الصلاة، والتوجه إلى الله بالأعمال الصالحة، والتسبيح، والاستغفار، والدعاء، وعلمهم من السنّة ما يحتاجون إليه، ورغبهم في أعمال الخير، وحضهم على ذلك، حتى صار الحبس بما فيه من الاشتغال بالعلم والدين خيرًا من الزوايا والربط والخوانق والمدارس، وصار خلق من المحابيس إذا أطلقوا يختارون الإقامة عنده، وكثر المترددون إليه، حتى كان السجن يمتلئ منهم .. \" (٢).\nأما الروافض والنصيرية فقد ذهب شيخ الإسلام إلى عقر دارهم في جماعة من أصحابه، واستتابوا خلقًا منهم، وألزموهم بشرائع الإسلام.\nوحين نكثوا ما التزموا به، خرج شيخ الإسلام مع جيش المسلمين بقيادة نائب السلطان لغزوهم وقتالهم، فأنزل الله النصر عليهم، ومنحهم أكتاف عدوهم، وأبادوا منهم خلقًا كثيرًا، وقاتل شيخ الإسلام في تلك الغزاة بنفسه (٣).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٤٧)، العقود الدرية (١٧٦).\n(٢) العقود الدرية (١٧٨).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٣٧)، وكانت الواقعة الأولى سنة (٧٠٤ هـ)، والواقعة الثانية سنة (٧٠٥ هـ).","vol":"1","page":36},{"text":"وأما دعوته وجهاده مع النصارى فإن واقعة عساف النصراني الذي سب النبي - ﷺ -، خير شاهد ودليل، ولئن أوذي شيخ الإسلام ﵀ بسبب تلك الواقعة، فلقد أسفرت عن تأليف سفره العظيم: \"الصارم المسلول على شاتم الرسول\" (١).\nوقد شارك ﵀ في فتح \"عكا\" واستنقاذها من أيدي الصليبيين، \"وحدثوا أنهم رأوا منه في فتح عكة أمورًا من الشجاعة يعجز الواصف عن وصفها، قالوا: ولقد كان السبب في تملك المسلمين إياها، بفعله ومشورته وحسن نظره .. \" (٢).\nولم تقف دعوة شيخ الإسلام عند حدود المخالفين من المنتسبين إلى المسلمين، بل كان لأصحاب الديانات الأخرى نصيب لا بأس به من دعوته، ومن ذلك إرساله كتابًا إلى ملك قبرص النصراني يدعوه فيه إلى الإسلام، ويبين فيه أن دين الأنبياء ﵈ واحد، ويذكر له تلبيسات القساوسة، وابتداعات الرهبان، ويناقشهم تفصيلات في دينهم، كإدخال الألحان في صلواتهم، وقد كان خطاب شيخ الإسلام لملك قبرص فياضًا باللين والسماحة والحكمة والموعظة الحسنة، فهو يبتدي خطابه للملك بقوله: \"من أحمد بن تيمية إلى سرجوان عظيم أهل ملته، ومن تحوط به عنايته من رؤساء الدين، وعظماء القسيسين .. سلام على من اتبع الهدى .. وإنما نبه الداعي لعظيم ملته وأهله، لما بلغني ما عنده من الديانة والفضل، ومحبة أهل العلم وطلب المذاكرة ... ونحن نحب الخير لكل أحد، ونحب أن يجمع الله لكم خير الدنيا والآخرة .. وأنا ما غرضي الساعة إلا مخاطبتكم بالتي هي أحسن، والمعاونة على النظر في العلم، واتباع الحق،\n_________\n(١) المصدر السابق (١٤/ ٣٥٥)، والجدير بالذكر أن شيخ الإسلام ضرب وسجن بسبب هذه الواقعة، ولكنه بعد ذلك أطلق وأكرم، وأما عساف هذا فقد لقي ختفه مقتولًا على يد ابن أخيه، وما ربك بظلام للعبيد.\n(٢) الأعلام العلية (٣٢)، وقد كان فتح عكا سنة (٦٩٠ هـ)، وقد كان عمر شيخ الإسلام وقتها لا يتجاوز الثلاثين.","vol":"1","page":37},{"text":"وفعل ما يجب .. وأصل ذلك أن تستعين بالله، وتسأله الهداية، وتقول: اللهم أرني الحق حقًا، وأعني على اتباعه، وأرني الباطل باطلًا، وأعني على اجتنابه .. والكتاب لا يحتمل البسط أكثر من هذا، لكن أنا ما أريد للملك إلا ما ينفعه في الدنيا والآخرة .. وأبو العباس (وهو أحد أسارى المسلمين) حامل هذا الكتاب، قد بث محاسن الملك وإخوته عندنا، واستعطف قلوبنا إليه، فلذلك كاتبت الملك لما بلغتني رغبته في الخير، وميله إلى العلم والدين، وأنا من نواب المسيح وسائر الأنبياء في مناصحة الملك وأصحابه .. والله المسئول أن يعين الملك على مصلحته التي هي عند الله المصلحة، وأن يخير له من الأقوال ما هو خير له عند الله، ويختم له بخاتمة خير، والحمد لله رب العالمين .. \".\nولم ينس شيخ الإسلام أن يذكر ملك القبارصة النصارى أنه سعى عند التتار في فك جميع الأسرى من أهل الملة، ومن أهل الذمة من اليهود والنصارى، وأن ليس جزاء الإحسان إلا الإحسان، وأن على الملك ومن معه إطلاق أسرى المسلمين.\nعلى أن شيخ الإسلام -وهو الداعي الحكيم- تأخذه العزة لله، والحرقة على مصاب أسرى المسلمين في قبرص، فيلجأ أحيانًا إلى لهجة التهديد، ونبرة الوعيد، وإن كان يحاول مزجها بشيء من الاعتذار، فهو يقول مثلًا: \"فيا أيها الملك! ! كف تستحل سفك الدماء، وسبي الحريم، وأخذ الأموال بغير حجة من الله، ورسله، ثم أما يعلم الملك أن بديارنا من النصارى أهل الذمة والأمن ما لا يحصي عددهم إلا الله، ومعاملتنا فيهم معروفة، فكيف يعاملون أسرى المسلمين بهذه المعاملات التي لا يرضى بها ذو مروءة ودين؟ لست أقول عن الملك وأهل بيته ولا إخوته، فإن أبا العباس شاكر للملك ولأهل بيته كثيرًا .. أفتأمنون مع هذا أن يقابلكم المسلمون ببعض هذا، وتكونون مغدورين؟ والله ناصرهم ومعينهم، لا سيما في هذه الأوقات، والأمة قد امتدت للجهاد، واستعدت للجلاد، ورغب الصالحون وأولياء الرحمن في طاعته، وقد تولى الثغور الساحلية أمراء ذوو","vol":"1","page":38},{"text":"بأس شديد .. ثم عبد المسلمين من الرجال الفداوية (١) الذين يغتالون الملوك في فرشها، وعلى أفراسها .. وأما ما عندنا في أمر النصارى، وما يفعل الله بهم من إدالة المسلمين عليهم، وتسليطه عليهم، فهذا مما لا أخبر به الملك، لئلا يضيق صدره \" (٢).\nوحين لاحظ شيخ الإسلام ازديادًا في النشاط التنصيري في عصره، ورأى أن بعض علمائهم قاموا يسيحون في الأرض لنشر ديانتهم، والتشكيك في دين الإسلام، ونشر الشبهات حوله، بادر ﵀ إلى تأليف كتابه العظيم \"الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح\" الذي قوض به معالم النصرانية، وأطاح يه بعبادة الصليب، وأبان بجلاء ما احتوت عليه هذه الديانة من أكاذيب وأباطيل وخرافات، وأن المسيح ﵇ بريء منها، وأنها مخالفة لدين الأنبياء جميعًا (٣).\n_________\n(١) لعلهم يقابلون الفدائين في عصرنا الحاضر.\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٠١ - ٦٣٠)، وتسمى هذه الرسالة بالقبرصية، وقد أطلت النقل بعض الشيء، لإعطاء بعض الضوء على عالمية الدعوة الإسلامية التي فهمها شيخ الإسلام، وعمل بمقتضاها.\n(٣) الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (١/ ١٩)، حيث ذكر ﵀ أنه ورد كتاب من قبرص فيه الاحتجاج لدين النصارى، وهو عبارة عن رسالة لأحد كبرائهم وهو أسقف صيدا بولس الراهب، الذي أكثر من التسيار لمناقشة الناس، ودعوتهم إلى النصرانية.\nويرى الباحث القدير الأستاذ الدكتور علي بن عودة الغامدي أستاذ التاريخ الإسلامي بجامعة أم القرى أن سبب إرسال ملك قبرص لهذه الرسالة إلى المسلمين في بلاد الشام هو الراهب الفرنسيسكاني ريموند لول (نسبة إلى منظمة الرهبان الفرنسيسكان إحدى المنظمات التنصيرية التي انبثقت منها حركة التنصير الأوربية، التي هدفت إلى تحويل العالم الإسلامى إلى النصرانية) وكان ريموند لول هذا قد وصل إلى قبرص سنة (٦٩٩) للهجرة، وطلب من ملكها الصليبي هنري الثاني دي لوزجنان أن يساعده في مهمة تنصير المسلمين، ويقول في ذلك: \"ويبدو أن ملك قبرص أطلع لول على رسالة شيخ الإسلام، وكان ريموند لول -حينذاك- يجمع مادة كتابه، فرد ريموند لول على رسالة شيخ الإسلام بأن بعث إليه بكتاب قديم ألفه أحد علماء الكنيسة الشرقية، ويدعى بولس الراهب أسقف صيدا الإنطاكي المتوفى سنة (١٥٤ هـ)، وقد أشار شيخ الإسلام إلى هذا الكتاب =","vol":"1","page":39},{"text":"وأما جهاده للتتار فهو الحلقة الأكثر بروزًا في صفحات جهاده المديدة، ولقد ظلت مأساة سقوط بغداد عام (٦٥٦ هـ) على أيدي التتار صدمة عنيفة محفورة في ذاكرة كثير من المسلمين، ومع كسر شوكة التتار في موقعة عين جالوت سنة (٦٥٨ هـ)، وانحسار موج التتار العاتي، إلا إن بعض فلولهم استطاعت من جديد أن توحد صفوفها، وبدأت بمحاولة لإعادة سلطان التتار الهمجي الذي يقوم على سفك الدماء، وإزهاق الأنفس، والسعي في إزالة دين الإسلام، بالتعاون مع أعداء المسلمين من يهود ونصارى وروافض ونصيريين.\nوقد قام التتار في أواخر القرن السابع الهجري وأوائل القرن الثامن الهجري بعدة حملات على بلاد الشام -مع إسلام بعض أسلافهم، وادعائهم أنهم مسلمون- وروعوا الآمنين، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء، وكانت وقعة قازان (ملك التتر) سنة (٦٩٩ هـ) هزيمة مروعة للمسلمين.\nوفي خضم هذه الأحداث العظام، والأمور الجسام كان شيخ الإسلام بلا منازع قائد الأمة في الملمات، ومرشدها إذا اشتدت الأزمات، ولم يكن شيخ الإسلام ليهن أو يحزن وهو يعلم أن المؤمنين هم الأعلون دومًا، حتى وإن وقعت الهزيمة، وتمزفت الجموع.\nفها هو يخرج في جماعة من العلماء والأعيان إلى قازان المنتصر لتلقيه، ويكون هو المتكلم الرسمي للوفد، والمفاوض باسمه، وشيخ الإسلام كشأن العلماء الربانيين في كل زمان ومكان لا تأخذه في الله لومة لائم، وهو وأمثاله ﵏ المعنيون بقول الحق في محكم الترتيل: ﴿الَّذِينَ\n_________\n= الذي بعث به ريموند لول من قبرص، إلا أنه لم يصرح باسم المرسل .. \" من بحث له بعنوان: الراهب الفرنسيسكاني ريموند لول، ومحاولاته نشر النصرانية في شمال إفريقية في مجلة المؤرخ العربي (١٣٥، ١٥٠) العدد السادس، المجلد الأول، مارس ١٩٩٨ م.\nوللدكتور علي بن عودة مشروع ضخم يعكف عليه هذه الأيام، لدراسة النشاط التنصيرى في العصور الوسطى، وربط ذلك بالتنصير في العصر الحديث، قال الله له التوفيق والنجاح.","vol":"1","page":40},{"text":"يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٣٩)﴾ [الأحزاب: ٣٩].\nوأخذ الشيخ في الكلام مع الخان الأعظم، وارتفع صوته، ووعظه وشدد عليه، واقترب منه وجثا على ركبتيه، وكان مما قاله للملك: \"أنت تزعم أنك مسلم، ومعك قاضٍ وإمام وشيخ ومأذون -على ما بلغنا- فغزوتنا، وأبوك وجدك كانا كافرين، وما عملا الذي عملت، عاهدا فوفيا، وأنت عاهدت فغدرت، وقلت فما وفيت وجرت .. \".\nوقد أنزل الله المحبة والهيبة للشيخ في قلب الخان قازان، وأعجب به أيما إعجاب، وسأل عن الشيخ، ولما عرف أن موطنه حران، عرض عليه أن يعمرها وأن يعتني بها، وأن ينقله أميرًا عليها، فبادر شيخ الإسلام إلى القول: \"لا والله، لا أرغب عن مهاجر إبراهيم - ﷺ -، وأستبدل به غيره .. \".\nوصدق الله القائل: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ [القصص: ٨٣].\nوقد خرج من عنده معززًا مكرمًا، قد حقن الله به دماء المسلمين، وكبت به قلوب الحاسدين (١).\nولكن التتار ما زالوا على أبواب دمشق المحروسة، وقد أسلمت قيادها لهم، وخطب لقازان على منابر الفيحاء نحوًا من مائة يوم (٢)، والمرجفون في المدينة لم ينتهوا عن نشر الفتنة والأراجيف بين الناس، وماجت الإشاعات أن التتار يوشكون على الهجوم، فزاغت الأبصار، وبلغت القلوب الحناجر، وكثرت الظنون، وزلزل الناس هنالك زلزالًا شديدًا.\nوفي تلك الأيام المعصية التي يضن كل شجاع فيها بنفسه، خرج شيخ الإسلام إلى معسكر التتار خارج دمشق، وكلم أحد أمراء التتار، واستنقذ مه عددًا كثيرًا من المسلمين (٣).\n_________\n(١) الأعلام الحلية (٣٣)، البداية والنهاية (١٤/ ٨).\n(٢) البداية والنهاية (١٢/ ١٤).\n(٣) المصدر السابق (١٤/ ١٢).","vol":"1","page":41},{"text":"بل إن شيخ الإسلام يرسل إلى المتولي على قلعة دمشق ينهاه أشد النهي عن تسليمها للتتار ويقول له: لو لم يبق فيها إلا حجر واحد فلا تسلمهم ذلك إن استطعت، وكان في ذلك مصلحة عظيمة لأهل الشام (١).\nوقبل أن يلفظ القرن السابع الهجري أنفاسه، و\"وردت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام، وأنهم عازمون على دخول مصر، فانزعج الناس لذلك، وازدادوا ضعفًا على ضعفهم، وطاشت عقولهم وألبابهم، وشرع الناس في الهرب .. \" (٢).\nوما كان شيخ الإسلام ليدع دمشق حاضرة الإسلام يفر الناس منها، وعز عليه أن يرى الخور والذل وحب الدنيا وكراهية الموت في سبيل الله يسيطر على كثير من الناس.\nفقام ﵀ وجلس في الجامع، وحرض الناس على القتال، ونهى عن الإسراع في الفرار، ورغب في الجهاد بالفى والحال؛ وأن ما ينفق في أجرة الهرب إذا أنفق في سبيل الله كان خيرًا ونصرًا بإذن الله، وفي هذا المجلس أوجب جهاد التتار حتمًا، وتتابعت دروس الشيخ وخطبه التي كان يوقظ بها جموع الأمة من سكرة الحياة الدنيا، ويسوقهم إلى دار القرار بالجهاد في سبيل الله، ويذكرهم أن الفرار الحقيقي هو في الآخرة من نار تلظى.\nوكان من بركة تلك المجالس الإيمانية العامرة صدور مرسوم سلطاني بمنع السفر إلا بورقة وإذن (٣).\nوكان ﵀ يدور على الأسوار كل ليلة يحرض الناس على الجهاد والقتال، ويأمرهم بالصبر، ويذكر لهم فضل الشهادة في سبيل الله (٤).\nولئن كان شيخ الإسلام ﵀ يطوف ين الجماهير داعيًا إلى الجهاد،\n_________\n(١) المصدر نفسه (١٤/ ٩).\n(٢) المصدر نفسه (١٤/ ١٥) وكان ذلك في المحرم من سنة (٧٠٠) هـ.\n(٣) المصدر السابق (١٤/ ١٦).\n(٤) المصدر نفسه (١٤/ ١٢).","vol":"1","page":42},{"text":"فلقد كان لحكام المسلمين وأمرائهم من دعوته المجال الرحب، فها هو يسافر إلى مصر حيث مقر السلطان، ويحثه على المسير إلى الشام لمناجزة التتار، والذب عن حياض المسلمين، وكان مما قاله للحكام هناك: \"إن كنتم أعرضتم عن الشام وحمايته، أقمنا له سلطانًا يحوطه ويحميه ويستغله زمن الأمن .. ولو قدر أنكم لستم حكام الشام ولا ملوكه، واستنصركم أهله، وجب عليكم النصر، فكيف وأنتم حكامه وسلاطينه وهم رعاياكم وأنتم مسؤولون عنهم .. \" (١).\nولقد توجت تلك الجهود الكبيرة التي بذلها شيخ الإسلام في جهاد التتار، بالمنقبة الحميدة والمأثرة الجليلة التي تجلت في معركة \"شقحب\" وكانت الكثرة في العدد والعدة تميل لصالح كفة التتار الجائرة أصلًا، واعتقد الناس أنه لا طاقة لجيش المسلمين بهذه الجيوش المتكاثرة من التتار، ولكن شيخ الإسلام يؤمن أن النصر لعباده المؤمنين، وأنه كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين، وبلغ التوكل واليقين بنصر الله وفضله وكرمه أن قام شيخ الإسلام يطوف بين صفوف المقاتلين من المجاهدين حالفا مؤكدًا أن النصر في هذه الكرة للمسلمين، فيقول له الأمراء: قل إن شاء الله! ! فيقول: إن شاء الله تحقيقًا لا تعليقًا، ويفتي الشيخ الناس بالفطر في رمضان للتقوي على مجاهدة أتباع قازان، وحين تردد بعض الناس في قتالهم لدعواهم الإسلام، بين ﵀ أن هؤلاء من جنس الخوارج المارقين الذين قاتلهم أمير المؤمنين علي - ﵁ - بأمر رسول الله - ﷺ - (٢).\nوقد تحقق ما وعد به الشيخ، وما انفك يحلف به، وأنزل الله النصر على المسلمين، فأوقعوا بالتتار يقتلون فريقًا، ويأسرون فريقًا، وكانت معركة مهولة ذكرت المسلمين بموقعة عين جالوت، ولم تكد تقم للتتار بعدها قائمة، وقاتل فيها شيخ الإسلام قتالًا عجيبًا، وكان الناس في\n_________\n(١) المصدر السابق (١٤/ ١٧).\n(٢) المصدر السابق (١٤/ ٢٥).","vol":"1","page":43},{"text":"استقبال الشيخ وأصحابه لما دخل دمشق، فرحين به، مهنئينه بالنصر، وداعين له بما يسر الله على يديه من النصر المبين (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>خامسًا: محنه وسجنه:</span>\nقضى الله ﷿ أن يمتحن العلماء الربانيون، وأن يعيش كثير منهم في هذه الدار على جناح الابتلاء والإيذاء من قبل أعداء حقيقيين، أو جهلاء متعين لغيرهم، وقد كان لشيخ الإسلام مكانة عند الناس أمراء وعامة، لا تكاد تعدلها مكانة، فكبر على طائفة من علماء عصره أن يتبوأ ابن تيمية تلك المكانة العليا.\nإن خصوم شيخ الإسلام هم في غالبهم ثلاثة أصناف: إما من علماء المذاهب الفقهية الذين يرون أن من خرج بقول عنها أتى بشيء عظيم، وإما من علماء الكلام الذين أفسدوا العقائد، وإما من المتصوفة الذين رأوا أن سلطانهم بين الناس بدأ في التأرجح وخافوا عليه من الاضمحلال.\nوبين هذه الأصناف الثلاثة دافع مشترك من حب الحطام، والرغبة في جمع الأموال، والظهور بين الأنام.\nولعلنا لا نجد خيرًا من الحافظ عمر بن علي البزار تلميذ شيخ الإسلام يفسر لنا الأسباب الكامنة وراء تآزر الخصوم في وجه الشيخ.\nيقول ﵀: \"ولما رأوا هذا الإمام العالم عالم الآخرة، تاركًا لما هم عليه من تحصيل الحطام، من الشبه الحرام، رافضًا الفضل المباح فضلًا عن الحرام، تحققوا أن أحواله تفضح أحوالهم، وتوضح خفي أفعالهم، وأخذتهم الغيرة النفسانية .. فحرصوا على الفتك به أين ما وجدوه .. \" (٢).\nوبعد أن ذكر بعض جهود شيخ الإسلام في جهاد التتار، ونصيحة\n_________\n(١) المصدر نفسه (١٤/ ٢٧)، وكانت هذه المعركة الفاصلة في الثاني من شهر رمضان المبارك من سنة (٧٠٢ هـ).\n(٢) الأعلام العلية (٢٠).","vol":"1","page":44},{"text":"سلطان المسلمين قال: \"ولم يزل المبتدعون أهل الأهواء، وآكلوا الدنيا بالدين، تعاضدين متناصرين في عدوانه، باذلين وسعهم في الفتك به، متخرصين عليه بالكذب الصراح، مختلقين عليه، وناسبين إليه ما لم يقله ولم ينقله، ولم يوجد له به خط، ولا وجد له في تصنيف ولا فتوى، ولا سمع منه في مجلس .. \" (١).\nثم يبين بجلاء سبب الخصومة من قبل هؤلاء العلماء فيقول: \"وسبب عداوتهم له: أن مقصودهم الأكبر طلب الجاه والرئاسة، وإقبال الخلق، ورأوه قد رقاه الله إلى ذروة السنام من ذلك بما أوقع له في قلوب الخاصة والعامة من المواهب التي منحه بها، وهم عنها بمعزل، فنصبوا عداوته، وامتلأت قلوبهم بمحاسدته، وأرادوا ستر ذلك عن الناس، حتى يفطن بهم، فعمدوا إلى اختلاق الباطل والبهتان عليه، والوقوع يه، خصوصًا عند الأمراء والحكام، وإظهارهم الإنكار عليه بما يقي به من الحلال والحرام، فشققوا قلوب الطغام بما اجترحوه من زور الكلام .. \" (٢).\nومن ذلك أنه زُوِّر على شيخ الإسلام مكتوب، زعم مزوره الكذوب أن شيخ الإسلام ومعه بعض أهل الفضل والعلم يكاتبون التتار، ولكن كشف الأمر، وظهر الحق، وقطعت يد الكاتب الأثيم (٣).\nويشير أحد تلامذة شيخ الإسلام -وهو الحافظ ابن كثير- إلى سبب عداوة الخصوم له بقوله: \"وكان للشيخ تقي الدين بن تيمية جماعة يحسدونه لتقدمه عند الدولة، وانفراده بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وطاعة الناس له، ومحبتهم له، وكثرة أتباعه، وقيامه في الحق، وعلمه وعمله .. \" (٤).\nوكان بلوغ شيخ الإسلام الذروة في المكانة والشهرة إيذانًا بابتداء نزول المحنة، بل المحن المتعاقبة التي لم يكن يخرج من محنة إلّا ليواجه\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٤).\n(٢) المصدر نفسه (٣٥).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣).\n(٤) المصدر السابق (١٤/ ٣٩).","vol":"1","page":45},{"text":"أخرى، حتى انتهت بمحنته الأخيرة التي أودع فيها السجن، وطويت آخر صفحاته المشرقة بموته ﵀.\nويا ليت السهام التي وجهت إلى شيخ الإسلام كانت من صوب أعداء الملة من اليهود والنصارى والمغول، ولكن كانت في غالبها من علماء مسلمين منتسبين إلى أهل السنّة، ضاقوا بآرائه النيرة، وأحكامه الموفقة، وفتاويه التي لم تخرج عن الكتاب والسنّة، فغدوا وعلى أعينهم غشاوة من الحسد والإحن، ولا هم لهم إلا الإيقاع بهذا العالم الرباني، حتى لو كان ذلك عن طريق التشهير المغرض، والافتراء الساقط.\nومن تلك المحن التي تعرض لها شيخ الإسلام ﵀:\n١ - محنته سنة (٦٩٨ هـ) بسبب كتابه \"العقيدة الحموية\"، وبلغ الأمر أن طافوا به، ونودي عليه بأن لا يُستفتى، ولكن سرعان ما انجلت هذه المحنة، وعوقب من تسبب بها (١).\n٢ - محنته ومسائلته عن عقيدته، سنة (٧٠٥ هـ)، ومناظرته للعلماء في \"العقيدة الواسطية\"، وخروجه معززًا مكرمًا منها، وإجازة تلك العقيدة (٢).\n٣ - محنته وسفره ﵀ إلى مصر في السنة نفسها، وامتحان العلماء له، وإدخاله السجن، وفي تلك الفترة هُدد الشيخ وتُوعد بالقتل، وما زاده إلا إيمانًا وتسليمًا، ومكث في السجن سنة ونصف السنة، حتى أخرجه ابن مهنا أمير العرب بعد استئذانه من أولي الأمر، وانمحت تلك المحنة، ومكث ﵀ قرابة ستة أشهر يقرئ العلم، وينشر العقيدة الصحيحة التي تكالب المتكلمون والمتصوفون على دفنها بين ركامات علم الكلام وجهالات التصوف (٣).\n٤ - محنته بسبب ثورة الصوفية وتظاهرهم ضده، وشكواهم من أنه\n_________\n(١) العقود الدرية (١٣٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٤).\n(٢) العقود الدرية (١٣٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٣٨).\n(٣) العقود الدرية (١٦٥ - ١٧١)، البداية والنهاية (١٤/ ٤٠، ٤٧).","vol":"1","page":46},{"text":"يسب مشايخهم، ويسفه أحلامهم، وجرت في ذلك أمور انتهت بدخوله سجن القضاة في شوال سنة (٧٠٧ هـ)، وكان ذلك أشبه بالإقامة الجبرية، حيث كان الناس يتوافدون إلى الشيخ لاستفتائه والاستفادة منه، ثم نقل ﵀ إلى الإسكندرية حيث حبس في برج مطل على البحر، وطلاب العلم والناس يترددون عليه، وبقي في الإسكندرية ثمانية أشهر، حتى طلبه السلطان الناصر الذي عاد إلى الحكم في الثامن من شهر شوال سنة (٧٠٩ هـ)، بعد أن تسلطن الجاشنكير مدة يسيرة، وأراد السلطان معاقبة أعداء شيخ الإسلام من العلماء، ليس انتصارًا للشيخ بقدر ما هو انتقام منهم، حين مالؤا عليه عدوه في الحكم، ففطن ﵀ للأمر، وتكلم في تعظيم أهل العلم، ونهاه أن يمسهم بسوء، حتى صفح السلطان عنهم، وفي ذلك قال خصمه العنيد القاضي ابن مخلوف المالكي: ما رأينا مثل ابن تيمية، حرضنا عليه فلم نقدر عليه، وقدر علينا فصفح عنا وحاجج عنا (١)، وقد استمرت هذه المحنة بالشيخ عامين، ومكت الشيخ بمصر يدرس ويفتي ويؤلف إلى سنة (٧١٢ هـ)، ولم تنسه المهام الصعبة التي كان يقوم بها حينذاك أن يكتب إلى أمه الرؤوم في دمشق يسلم عليها، ويعتذر لها من بقائه في مصر لمصالح في الدين والدنيا (٢).\n٥ - قيام جماعة من الغوغاء بالاعتداء المشين على شيخ الإسلام في جامع مصر، وضربه والنيل منه، ولكن الشيخ صبر وأمر أتباعه بالصبر والاحتساب، وأخمد الله به نار فتنة كادت تعصف بالقاهرة، مؤثرًا سلامة الناس وأمنهم على سلامته وأمنه (٣)، وقد عاد الشيخ إلى مسقط رأسه دمشق، بعد أن غاب عنها أكثر من سبعة أعوام في بلاد مصر (٤).\n٦ - محنته في دمشق بسبب فتياه في مسائل الطلاق (٥)، وكانت بداية\n_________\n(١) العقود الدرية (١٨٧)، البداية والنهاية (١٤/ ٥٦).\n(٢) العقود الدرية (١٧٦ - ١٨٦)، البداية والنهاية (٤٧ - ٥٥).\n(٣) العقود الدرية (١٨٩).\n(٤) العقود الدرية (١٩٢)، البداية والنهاية (١٤/ ٦٩).\n(٥) خالف الشيخ جمهور العلماء في ثلاث مسائل تختص بالطلاق، وهي أن الحلف =","vol":"1","page":47},{"text":"المحنة في منتصف شهر ربيع الأول من سنة (٧١٨ هـ)، حيث أشير عليه بترك الإفتاء في مسألة الحلف بالطلاق، فأجاب ﵀ إلى ذلك، وجاء مرسوم من السلطان بمنعه من الإفتاء في تلك المسألة، ونودي بذلك في البلد، ولكن الشيخ رأى بعد ذلك أنه لم يعد يسعه كتمان العلم، فعاد إلى الإفتاء بها، وكان ذلك سببًا عند متعصبة المذاهب وفاسدي البصائر لسجنه في القلعة نحوًا من ستة أشهر، وكان ذلك في الثاني والعشرين من شهر رجب عام (٧٢٠ هـ)، ثم عاد إلى سابق عهده من التدريس والتأليف والتصنيف والإفتاء (١).\n٧ - المحنة الأخيرة: وذلك بسبب فتواه في عدم جواز شد الرحل وفصد السفر إلى قبر الرسول - ﷺ -، وما زال أعداؤه يتربصون به الدوائر، وينقبون في كلامه وفتاويه حتى وجدوا ضالتهم المنشودة في تلك الفتوى التي أفتى بها منذ سبعة عشر عامًا، وفي اليوم السادس عشر من شهر شعبان من سنة (٧٢٦ هـ)، اعتقل شيخ الإسلام ﵀ في قلعة دمشق التي طالما حرص على حمايتها، فهو اليوم حبيس فيها، وكان آخر العهد به في حياة الناس العامة التي شغلها بفكره وعلمه ودعوته وجهاده (٢).\nوما كان موقفه في تلك المحن العصيبة والأحداث الكبيرة، غير الصبر والسلوان، بل الفرح والسرور والرضا والاطمئنان لعلمه بعواقب المحن، ولما جاء قرار الاعتقال ما زاد عن قوله: \"أنا كنت منتظرًا لذلك، وهذا فيه خير كثير ومصلحة كبيرة! ! \" (٣).\n_________\n= بالطلاق إذا كان بقصد اليمين، فحنث الحالف، لا يعد طلاقًا، وليس على الحالف سوى الكفارة، وأن الطلاق البدعي لا يقع البتة، وأن الثلاث تقع طلقة واحدة رجعة.\nوهذه المسائل إن لم تكن هي الراجحة في الخلاف، فليست بدعًا من القول حتى يمتحن ﵀ من أجلها، وينال منه بسببها.\n(١) العقود الدرية (٢١٥)، البداية والنهاية (١٤/ ١٠٠).\n(٢) العقود الدرية (٢١٨)، البداية والنهاية (١٤/ ١٢٧).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ١٢٨).","vol":"1","page":48},{"text":"وفي هذه المرة أوذي جماعة من أكابر أصحاب شيخ الإسلام وتلاميذه الأبرار، وحبسوا وأوذوا إيذاءًا عظيمًا، وعزروا وطيف بهم، وتم التشهير بهم، ثم أطلقوا كلهم سوى صفي شيخ الإسلام وتلميذه المقرب الحافظ الجليل ابن قيم الجوزية ﵀ (١).\nولما دخل شيخ الإسلام القلعة محبوسًا مأسورًا، وصار داخل سورها نظر إليه وفال: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣].\nوكان يقول في حبسه: لو بذلت ملء هذه القعلة ذهبًا ما عدل عندي شكر هذه النعمة.\nوقال مرة: المحبوس من حبس قلبه عن ربه، والمأسور من أسره هواه.\nأما كلماته العذبة المؤمنة التي أثمرها الإيمان، وزكاها الامتحان، وتناقلها الناس عبر الأجيال فهي التي يقول فيها: ما يصنع أعدائي بي؟ أنا جنتي وبستاني في صدري أين رحت فهي معي لا تفارقني، أنا حبسي خلوة، وقتلي شهادة، وإخراجي من بلدي سياحة (٢)! ! ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>سادسًا: تلاميذه وأثره:</span>\nلا شك أن شخصية نابغة فريدة متعددة الجوانب، ومتفوقة في جميع المواهب ستجذب إليها الكثيرين من التلاميذ والأصحاب والمناصرين، وهكذا كان شيخ الإسلام مصدر إعجاب وتلق وتتلمذ لمجموعة صاروا من العلماء البارزين، وطلاب العلم النابغين، وكان لهم الأستاذ والشيخ والمعلم والمربي والقدوة، ومن هؤلاء (٣):\n_________\n(١) المصدر السابق (١٤/ ١٢٨).\n(٢) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٢) وكل هذه الكلمات المؤثرة ذكرها عنه تلميذه الحافظ ابن القيم رحمهما الله جميعًا.\n(٣) آثرت ترتيب أسمائهم حسب تاريخ وفياتهم.","vol":"1","page":49},{"text":"١ - الشيخ عماد الدين أحمد بن إبراهيم الحزامي ابن شيخ الحزاميين (ت ٧١١ هـ)، وكان شيخ الإسلام يعظمه ويجله، وكتب له كتابًا من مصر أوله: \"إلى شيخنا الإمام العارف القدوة السالك\" وكان شديدًا على الاتحادية من غلاة المتصوفة (١).\n٢ - الشيخ الكبير محمد بن عمر بن قوام البالسي (ت ٧١٨ هـ) وكان شيخ الإسلام يحبه كثيرًا، وهو القائل: ما أسلمت معارفنا إلا على يد ابن تيمية (٢).\n٣ - الفقيه شرف الدين محمد بن محمد ابن النجيح الحراني (ت ٧٢٣ هـ)، وكان من كبار خواص شيخ الإسلام، ووقف معه في أشد المواطن خطورة، لا يستطيع الإقدام عليها إلا الأبطال، وأوذي بسبب شيخه مرات عديدة، فما زاده إلا قربًا من الشيخ، وتفانيًا في خدمته (٣).\n٤ - الشيخ شرف الدين محمد بن المنجى التنوخي الحنبلي (ت ٧٢٤ هـ)، وكان من خواص أصحاب شيخ الإسلام الذين ماتوا في حياته ﵀، ومن كبار تلامذته الذين لازموه حضرًا وسفرًا (٤).\n٥ - المحدث الشيخ عفيف الدين إسحاق بن يحيى الآمدي الحنفي (ت ٧٢٥ هـ) شيخ دار الحديث الظاهرية (٥).\n٦ - الشيخ الصالح عبد الله بن موسى الجزري (ت ٧٢٥ هـ)، وكان من أكثر\n_________\n(١) فوات الوفيات (١/ ٥٦)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٥٨)، الدرر الكامنة (١/ ٩١)، شذرات الذهب (٨/ ٤٥).\n(٢) معجم الشيوخ (٢/ ٢٦٠)، البداية والنهاية (١٤/ ٩١)، شذرات الذهب (٨/ ٨٩، ١٤٧).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ١١٤)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٦)، شذرات الذهب (٨/ ١١١).\n(٤) معجم الشيوخ (٢/ ٢٨٩)، البداية والنهاية (٤/ ١٢٠)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٧)، شذرات الذهب (٨/ ١١٨).\n(٥) البداية والنهاية (١٤/ ١٢٨)، الجواهر المضيئة في طبقات الحنفية (١/ ٣٧٤)، شذرات الذهب (٨/ ١١٩).","vol":"1","page":50},{"text":"الناس ملازمة لمجالس شيخ الإسلام -﵀- (١).\n٧ - الشيخ جمال الدين يوسف بن عبد المحمود البغدادي الحنبلي (ت ٧٢٦ هـ)، وقد امتحن في آخر عمره، وسجن في بغداد بسبب موافقة لشيخ الإسلام في مسألة شد الرحل لزيارة القبور (٢).\n٨ - الشيخ الواعظ علي بن أحمد المحارفي الهلالي (ت ٧٢٧ هـ) وهو من الملازمين لدروس شيخ الإسلام (٣).\n٩ - الشيخ أبو بكر بن شرف الصالحي (ت ٧٢٨ هـ) (٤).\n١٠ - الفقيه زين الدين عبد الرحمن بن محمود البعلي (ت ٧٣٤ هـ) (٥).\n١١ - الحافظ علم الدين البرزالي (ت ٧٣٩ هـ) مؤرخ الشام، وهو الذي حبب الإمام الذهبي في طلب الحديث يوم قال له: خطك يشبه خط المحدثين، كما ذكر ذلك الذهبي (٦).\n١٢ - عالم بغداد صفي الدين عبد المؤمن بن عبد الحق البغدادي الحنبلي (ت ٧٣٩ هـ)، وقد انتصر لشيخ الإسلام مع جملة من علماء بغداد الذين انتصروا للشيخ في مسألة شد الرحل للقبور، وله قصيدة حافلة بالمعاني الجمة يرثي فيها شيخ الإسلام لما بلغته وفاته (٧).\n١٣ - المفتي زين الدين عبادة بن عبد الغني الحراني الدمشقي (ت ٧٣٩ هـ) (٨).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ١٢٣).\n(٢) العقود الدرية (٢٣٢)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٧٩)، شذرات الذهب (٨/ ١٣٢).\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ١٣٥).\n(٤) المصدر السابق (١٤/ ١٤٧).\n(٥) المعجم المختص (١٤٠)، البداية والنهاية (١٤/ ١٧٦)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢٣)، شذرات الذهب (٨/ ١٨٧).\n(٦) معجم الشيوخ (٢/ ١١٥)، ذيل تاريخ الإسلام (٤٥٤) فوات الوفيات (٣/ ١٩٧)، البداية والنهاية (١٤/ ١٩٦).\n(٧) العقود الدرية (٢٣١، ٣٣٣)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٢٨)، الدرر الكامنة (٢/ ٤١٨)، شذرات الذهب (٨/ ٢١٣)، مختصر طبقات الحنابلة (٦٧).\n(٨) معجم الشيوخ (١/ ٣١٦)، المعجم المختص (١١٧)، الذيل على طبقات الحنابلة =","vol":"1","page":51},{"text":"١٤ - إمام الحفاظ أبو الحجاج جمال الدين المزي (ت ٧٤٢ هـ) شيخ الجامعة العريقة دار الحديث الأشرفية، التي لم يتولها أحد أحق بشرط الواقف منه، كما نص على ذلك شيخ الإسلام، وهو صاحب أكبر موسوعة موجودة في علم الرجال، وهي: تهذيب الكمال، وهو من أقران شيخ الإسلام الكبار، وقد استفاد كل منهما من الآخر، ولكن يبقى علم شيخ الإسلام ليس له نظير، ومن حسن حظ الحافظ المزي صحبته للإمام (١).\n١٥ - الشيخ عمر بن أبي بكر البسطي (ت ٧٤٢ هـ) من الملازمين لمجالس شيخ الإسلام والمنتفعين به (٢).\n١٦ - الفقيه الفرضي المفتي أبو الثناء محمود بن علي البعلي (ت ٧٤٤ هـ) مات عن أربعة وأربعين عامًا (٣).\n١٧ - الحافظ محمد بن أحمد بن محمد الهادي (ت ٧٤٤ هـ) صاحب \"العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية\" والتصانيف الكثيرة، أكمل بعضها، ولم يكمل بعضها الآخر، بسبب موته -﵀- ولم يبلغ الأربعين (٤).\n١٨ - الشريف عماد الدين الخشاب (ت ٧٤٤ هـ) وكان من أنصار شيخ الإسلام وكبار معاونيه في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن ذلك بعثه مرة للإنكار على النصارى (٥).\n_________\n= (٢/ ٤٣٢)، شذرات الذهب (٨/ ٢٠٧).\n(١) معجم الشيوخ للذهبي (٢/ ٣٨٩)، ذيل تاريخ الإسلام (٤٨٤)، فوات الوفيات (٤/ ٣٥٣)، البداية والنهاية (١٤/ ٢٠٣).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٢١٠).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٩)، شذرات الذهب (٧/ ٢٤٦).\n(٤) المعجم المختص (٢١٥)، الوافي بالوفيات (٢/ ١٦١)، البداية والنهاية (١٤/ ٢٢١)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٦).\n(٥) البداية والنهاية (١٤/ ٢٢٠).","vol":"1","page":52},{"text":"١٩ - مؤرخ الإسلام وحافظ العصر الإمام شمس الدين الذهبي (ت ٧٤٨ هـ) صاحب التصانيف السائرة في الحديث والرجال والتاريخ وغيرها (١).\n٢٠ - الشيخ علي المغربي (ت ٧٤٩ هـ) أحد أصحاب شيخ الإسلام ابن تيمية (٢).\n٢١ - الشيخ عبد الله بن رشيق المغربي (ت ٧٤٩ هـ) كاتب مصنفات شيخ الإسلام، وكان كما يقول ابن كثير: أبصر بخط الشيخ منه، إذا عزب شيء منه على الشيخ استخرجه أبو عبد الله هذا (٣).\n٢٢ - الحافظ أبو حفص عمر بن علي البزار البغدادي صاحب كتاب \"الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية\" (ت ٧٤٩ هـ) (٤).\n٢٣ - القاضي الحنبلي زين الدين أبو حفص عمر بن سعد الحراني (ت ٧٤٩ هـ) وهو -﵀- الذي يقول: لم أقض قضية إلا وأعددت لها الجواب بين يدي الله (٥).\n٢٤ - الإمام الرباني العلامة الحافظ محمد بن أبي بكر ابن قيم الجوزية (ت ٧٥١ هـ) الذي إذا ذكر شيخ الإسلام تبادر إلى الذهن ذكره، وهو أقرب تلاميذ شيخ الإسلام إليه روحًا وعلمًا وعملًا، وحسب الناظر مقالة خاتمة الحفاظ ابن حجر حين قال عنه: \"لو لم يكن للشيخ تقي الدين من المناقب إلا تلميذه الشهير شمس الدين ابن قيم الجوزية، صاحب التصانيف النافعة السائرة، التي انتفع بها الموافق\n_________\n(١) فوات الوفيات (٣/ ٣١٥)، البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٦)، الدرر الكامنة (٣/ ٣٣٧)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٢١٦)، شذرات الذهب (٨/ ٢٦٤).\n(٢) البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٩).\n(٣) العقود الدرية (٢١)، المصدر السابق (١٤/ ٢٤١).\n(٤) المعجم المختص (١٨٣)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٤)، شذرات الذهب (٨/ ٢٧٨).\n(٥) المعجم المختص (١٨١)، البداية والنهاية (١٤/ ٢٣٩)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٣)، شذرات الذهب (٨/ ٢٧٧).","vol":"1","page":53},{"text":"والمخالف، لكان غاية في الدلالة على عظم منزلته .. \" (١).\n٢٥ - الشيخ جمال الدين عبد الله بن يعقوب بن سيدهم الإسكندري (ت ٧٥٤ هـ) المعروف بابن أردبين، وكان من أكثر تلامذة شيخ الإسلام الذين جمعوا فتاويه، ونسخوا كتبه، وأوذي بسببه (٢).\n٢٦ - الشيخ الصالح المعمر أحمد بن موسى الزرعي (٧٦٢ هـ) أحد الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر (٣).\n٢٧ - القاضي شمس الدين محمد بن مفلح الحنبلي (ت ٧٦٣ هـ)، وكان أثيرًا عند شيخ الإسلام حتى إنه كان يقول له مداعبًا: ما أنت ابن مفلح، بل أنت مفلح، وكان من أخبر الناس بمسائل شيخ الإسلام واختياراته، حتى إن العلامة الحافظ ابن قيم الجوزية كان يراجعه في ذلك، وهو الذي قال عنه: ما تحت قبة الفلك أعلم بمذهب الإمام أحمد من ابن مفلح (٤)! ! .\n٢٨ - الحافظ الكبير عماد الدين إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي (ت ٧٧٤ هـ)، وقد أوذي بسبب شيخ الإسلام، وهو الذي ساق في كتابه الحافل \"البداية والنهاية\" كثيرًا من أخبار شيخ الإسلام بالتفصيل (٥).\n_________\n(١) الرد الوافر ٢٣١)، ومن مصادر ترجمة الحافظ ابن قيم الجوزية: المعجم المختص للذهبي (٢٦٩)، البداية والنهاية (١٤/ ٢٤٦)، الوافي بالوفيات (٢/ ٢٧١)، الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٤٧)، الدرر الكامنة (٣/ ٤٠٠)، شذرات الذهب (٨/ ٢٨٧).\n(٢) المعجم المختص (١٣٢)، الوفيات لابن رافع السلامي (٢/ ١٦٣)، الدرر الكامنة (٢/ ٣٠٧)، والجدير بالذكر أن هذا الكتاب الذي منّ الله عليَّ بتحقيقه أحد هذه الكتب التي قام بنسخها الشيخ جمال الدين هذا، فهو كاتب نسخة الأصل، وعنه نقل ابن مساور العامري ناسخ النسخة التي بين أيدينا.\n(٣) البداية والنهاية (١٤/ ٢٨٨)، شذرات الذهب (٨/ ٣٣٦).\n(٤) البداية والنهاية (١٤/ ٣٠٨)، الدرر الكامنة (٤/ ٢٦١)، شذرات الذهب (٨/ ٣٤٠)، الذيل على طبقات الحنابلة (٧).\n(٥) المعجم المختص (٧٤)، الدرر الكامنة (١/ ٣٧٣) النجوم الزاهرة (١١/ ١٢٣)، =","vol":"1","page":54},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>سابعًا: مصنفاته وكتبه:</span>\nلا أحسب أحدًا من العلماء كتب لمصنفاته وكتبه القبول عند الأمة -كمًا وكيفًا- كمثل شيخ الإسلام -﵀-.\nيقول الحافظ الذهبي: \"ولقد سارت بتصانيفه الركبان، في فنون العلم وألوانه، لعل تواليفه وفتاويه في الأصول والفروع والزهد واليقين والتوكل والإخلاص وغير ذلك تبلغ ثلاثمائة مجلد، بل أكثر .. \" (١).\nوقال في موضع آخر: \"وما أبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد .. \" (٢).\nوذكر -﵀- أنه جمع مصنفات شيخ الإسلام فوجدها ألف مصنف، ثم وجد له مصنفات أخرى (٣).\nويقول الحافظ ابن عبد الهادي: \"وللشيخ -﵀- من المصنفات والفتاوى والقواعد والأجوبة والرسائل وغير ذلك من الفوائد ما لا ينضبط، ولا أعلم أحدًا من متقدمي الأمة ولا متأخريها جمع مثل ما جمع، ولا صف نحو ما صنف، ولا قريبًا من ذلك، مع أن أكثر تصانيفه إنما أملاها من حفظه، وكثير منها صنفه في الحبس، وليس عنده ما يحتاج إليه من الكتب .. \" (٤).\nوقال كاتبه ابن رشيق المغربي: \"لو أراد الشيخ تقي الدين -﵀- أو\n_________\n= شذرات الذهب (٨/ ٣٩٦)، جلاء العينين (٣٤)، والحافظ ابن كثير والإمام الذهبي رحمهما الله تعالى ينطبق عليهما ما ذكره الحافظ ابن كثير نفسه حين قال في البداية والنهاية (١٢/ ١١٠) في ترجمة شيخ الحفاظ الخطيب البغدادي: وهو ممن قيل فيه وفي أمثاله:\nما زلت تدأب في التاريخ مجتهدا ... حتى رأيتك في التاريخ مكتوبا\nفهما رحمهما الله ما زالا يدأبان في التراجم وتواريخ الوفيات حتى جاء اليوم الذي أرخوا في، فسبحان من يبقى وجهه ذو الجلال والإكرام.\n(١) الذيل على تاريخ الإسلام (٣٢٦).\n(٢) العقود الدرية (٢٠) شذرات الذهب (٨/ ١٤٧).\n(٣) الرد الوافر (٧٢).\n(٤) العقود الدرية (٢١).","vol":"1","page":55},{"text":"غيره، حصرها -يعني مؤلفات الشيخ- لما قدورا، لأنه ما زال يكتب، وقد منّ الله عليه بسرعة الكتابة، ويكتب من حفظه من غير نقل .. \" (١).\nويقول تلميذه الحافظ البزار: \"وأما مؤلفاته ومصنفاته، فإنها أكثر من أن أقدر على إحصائها، أو يحضرني جملة أسمائها، بل هذا لا يقدر عليه غالبًا أحد، لأنها كثيرة جدًا، كبارًا وصغارًا، وهى منشورة في البلدان، فقلّ بلد نزلته إلا ورأيت فيه من تصانيفه ... \" (٢).\nويقول الحافظ ابن رجب -﵀-: \"وأما تصانيفه -﵀-، فهي أشهر من أن تذكر، وأعرف من أن تنكر، سارت مسير الشمس في الأقطار، وامتلأت بها البلاد والأمصار، قد جاوزت حد الكثرة، فلا يمكن أحد حصرها، ولا يتسع هذا المكان لعد المعروف منها، ولا ذكرها ... \" (٣).\nوقد جمع الحافظ ابن قيم الجوزية -﵀- طائفة من مصنفات شيخه في رسالة بعنوان \"أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية\".\nكما أفاض الحافظ ابن عبد الهادي -﵀- في \"العقود الدرية\" (٤) في سرد مؤلفات شيخ الإسلام، وكذلك صنع كل من المؤرخ ابن شاكر الكتبي (٥)، وصلاح الدين الصفدي (٦)، والحافظ ابن رجب الحنبلي (٧) وغيرهم (٨).\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٧).\n(٢) الأعلام العلية (١١).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٣).\n(٤) العقود الدرية (٢١ - ٤٩).\n(٥) فوات الوفيات (٧٥ - ٨٠).\n(٦) الوافي بالوفيات (٧/ ٢٢).\n(٧) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٣ - ٤٠٤).\n(٨) وقد قام الزميلان الفاضلان الدكتور محمد بن عبد الله الحلواني، والدكتور محمد كبير شودري في مقدسة كتاب \"الصارم المسلول\" (١/ ٧١ - ١٥٢) الذي قاما بتحقيقه في الماجستير بجهد مشكور في جمع مصنفات شيخ الإسلام من كتب ورسائل وأجوبة وردود وفتاوى ومسائل وقواعد، ورتبا كل ذلك وفق حروف المعجم، وتضمنت هذه القائمة أكثر من سبعمائة مصنف -وإن كان قد وقع فيها تكرار يسير- وقد أثنى العلامة الشيخ الدكتور بكر بن عبد الله أبو زيد في تقريضه للكتاب على عملهم هذا.","vol":"1","page":56},{"text":"وأجد لزامًا أن أشير إلى الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف، وطريقته في التصنيف، وأعود لأذكر بما سبق التنويه عنه عند الحديث عن مكانته العلمية، وأن من الخصائص التي تفرد بها إملاؤه لغالب مصنفاته من حفظه، ومن خصائصه في باب التأليف سرعة الكتابة والتصنيف.\nلكن المتأمل لا يستطيع إلا أن يجد أثر ما أحاط بشيخ الإسلام من وقائع وظروف، وما واجهه من محن وأحداث، وبالتالي يمكن إلى حد ما أن يفسر المرء بعض الملاحظات على مصنفاته -﵀-، ومنها:\nأولًا: كثرة المصنفات وتنوعها.\nثانيًا: اختلاف مسمياتها وتكرارها.\nثالثًا: أسباب تأليفها، ودواعي تصنيفها، وزمن كتابتها.\nرابعًا: تباين أحجامها وعدد أجزائها ومجلداتها (١).\nوكل هذه التساؤلات لا يمكن الإجابة عنها، إلا إذا ربطت بحياة شيخ الإسلام وما صاحبها من تقلبات متأرجحة بين السراء والضراء.\nفالشيخ -﵀- في ذهنه الشيء الكثير مما يود التصنيف فيه، وهو حين يطالع كتب المتقدمين يجد في كثير من الأحيان، دافعًا إلى التعقيب، خصوصًا إن كانت هذه الكتب شائعة في مدارس الفقهاء ومقروءة بين الناس، وقد تقع حادثة في المجتمع فيجد الشيخ نفسه ملزمًا ببيان الحق وحكم الدين من خلال تصنيف نافع، وقد ترد أسئلة من أقطار شتى، فتجد الجواب من بحر العلم في مصنف كبير، وربما كتب في شيء ما يحضره الساعة، ثم عاد إليه بعد زمن وأضاف إليه أشياء.\nوخلاصة القول أن جميع مصنفات شيخ الإسلام ومؤلفاته ورسائله وفتاويه عبارة عن أصداء لعصره الذي عاش فيه، وهي ترجمان لما فهم من\n_________\n(١) وإلى شيء من ذلك أشار الحافظ ابن عبد الهادي -﵀- في العقود الدرية (٢٣).","vol":"1","page":57},{"text":"حكم الله وحكم رسوله في القضايا والوقائع والأحداث والشخصيات، وليس بمعصوم -﵀-، ولكنه مجتهد مصيب في الغالب، وغالب أقواله إن لم تكن هي البرهان الراجح والموقف الصحيح، فليست أقوالًا شاذة، ولا مخالفة لصريح الكتاب والسنّة، وأين يجد المرء مثل شيخ الإسلام؟ ! ! .\nوخير من ينبئ عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف الحافظ ابن عبد الهادي حيث يقول: \"وكان يكتب الجواب، فإن حضر من يبيضه، وإلا أخذ المسائل خطه وذهب، ويكتب قواعد كثيرة في فنون العلم: في الأصول والفروع والتفسير وغير ذلك، فإن وجد من نقله من خطه، وإلا لم يشتهر، ولم يعرف، وربما أخذه بعض أصحابه، فلا يقدر على نقله، ولا يرده إليه فيذهب ..\nوكان كثيرًا ما يقول: قد كتبت في كذا وفي كذا، ويسأل عن الشيء فيقول: قد كتبت في هذا، فلا يدري أين هو، فيلتفت إلى أصحابه، ويقول لهم: ردوا خطي وأظهروه، لينقل، فمن حرصهم عليه لا يردونه، ومن عجزهم لا ينقلونه، فيذهب ولا يعرف اسمه ..\nفلهذه الأسباب وغيرها تعذر إحصاء ما كتبه وما صنفه .. \" (١).\nويلمح ابن عبد الهادي إلى دور الظروف والأحداث التي أحاطت بشيخ الإسلام في طبيعة مصنفاته فيقول: \"إلا أنه لما حبس تفرق أتباعه، وتفرقت كتبه، وخوّفوا أصحابه من أن يظهروا كتبه، ذهب كل أحد بما عنده وأخفاه، ولم يظهروا كتبه، فبقي هذا يهرب بما عنده، وهذا يبيعه، أو يهبه، وهذا يخفيه ويودعه، حتى إن منهم من تسرق كتبه أو تجحد، فلا يستطيع أن يطلبها، ولا يقدر على تخليصها، فبدون هذا تتمزق الكتب والتصانيف، ولولا أن الله تعالى لطف وأعان ومنّ وأنعم، وجرت العادة في حفظ أعيان كتبه وتصانيفه لما أمكن لأحد أن يجمعها .. (٢).\nويقول البزار في الأعلام العلية بعد أن تحدث عن كتبه: \"وأما فتاويه\n_________\n(١) العقود الدرية (٤٨).\n(٢) المصدر السابق (٤٨).","vol":"1","page":58},{"text":"ونصوصه وأجوبته على المسائل، فهي أكثر من أن أقدر على إحصائها، لكن دُوِّن بمصر منها على أبواب الفقه سبعة عشر مجلدًا، وهذا ظاهر مشهور، وجمع أصحابه أكثر من أربعين ألف مسألة، وقلّ أن وقعت واقعة وسئل عنها، إلا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله .. \" (١).\nومما سبق يتضح أن شيخ الإسلام -﵀- بسبب الظروف التي أحاطت به، وبسبب دواعي التأليف العامة لديه، ووجود عدد من العلماء المتتلمذين على يديه، الذين كانوا يبيضون ما يكتبه، ويحرصون أشد الحرص على اقتناء ما يكتب، تفرقت مؤلفاته، وربما تباينت وتعددت عناوين طائفة منها، وربما أيضًا تجزأت بعضها، وصار كل جزء منها رسالة مستقلة.\nكما يتضح أيضًا أن شيخ الإسلام في كثير من هذه المصنفات لم يعن بعناوينها، وربما لم يعنون طائفة منها، ولأن جملة كبيرة منها لم تبيض، ولم يراجعه -﵀-، وجاءت بعض العناوين إما من تلامذته الذين حازوا هذه الكنوز الثمينة من مصنفاته، وإما من أهل العلم أو النساخ الذين وصلت إلى أيديهم بعد ذلك.\nويقول الحافظ ابن محمد الهادي: \"وسأجتهد إن شاء الله في ضبط ما يمكنني من ضبط مؤلفاته في موضع آخر غير هذا، وأبين ما صنفه منها بمصر، وما ألفهُ منها بدمشق، وما جمعه وهو في السجن، وأرتبه ترتيبًا حسنًا غير هذا الترتيب، بعونه تعالى وقوته ومشيئته .. \".\nولا يدري الباحث هل وفَّى ابن عبد الهادي بما وعد به، وضاع ما صنفه في هذا الباب ولم يصل إلينا، أم أنه لم يؤلف في ذلك شيئًا، وإن كنت أميل إلى الاحتمال الثاني، لسببين:\nالأول: لم يذكر أن ابن عبد الهادي له مصنف مستقل عن مؤلفات شيخ الإسلام.\n_________\n(١) الأعلام العلية (١٢).","vol":"1","page":59},{"text":"الثاني: أنه مات في الأربعين من عمره، وله مؤلفات لم يكملها، كما ذكر الحافظ ابن رجب في الذيل (١).\nكما أن هناك ملاحظة عامة عن مصنفات شيخ الإسلام -﵀-، وهي أن كثيرًا منها لم يبيض، وبقيت مسودات المصنف كما هي (٢).\nوبعد هذه الإطلالة الموجزة عن أبرز الملامح العامة لمنهج شيخ الإسلام في التأليف والتصنيف، هذه أسماء بعض أهم مصنفاته:\n١ - الاستقامة (٣).\n٢ - اقتضاء الصراط المستقيم لمخالفة أصحاب الجحيم (٤).\n٣ - الإيمان (٥).\n٤ - بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (٦).\n_________\n(١) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٣٧).\n(٢) ممن أشار إلى ذلك الحافظ علم الدين البرزالي، ونقل عنه ذلك الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (١٤/ ١٤٢)، وقد تعرض ابن محمد الهادي في العقود الدرية لهذه القضية مرارًا، ومن ذلك قوله (٢٧): \"وله في مسألة القرآن مؤلفات كثيرة وقواعد وأجوبة وغير ذلك، إذا اجتمعت بلغت مجلدات كثيرة، منها ما بيض ومنها ما لم يبيض\"، وقوله (٢٩): \"وله في الطلاق ومسائل الخلع، وما يتعلق بذلك من الأحكام شيء كثير، ومصنفات عديدة، بيّض الأصحاب من ذلك كثيرًا، وكثير منها لم يبيض، ومجموع ذلك نحو العشرين جلدًا\" .. وقوله (٤٥): \"وله في الأحاديث وشرحها شيء كثير جدًا، منها ما بيّض، ومنها ما لم يبيض، ولو بيّض لبلغ مجلدات عديدة\".\n(٣) قال عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٣): \"في مجلدين، وهو من أجلْ الكتب وأكثرها نفعًا\" وقد قام بتحقيقه المتخصص في تراث شيخ الإسلام د. محمد رشاد سالم في مجلدين سنة ١٤٠٣ هـ.\n(٤) وقد طبع هذا الكتاب عدة مرات، ومن أوائل طبعاته الطبعة التى قام بتحقيقها الشيخ محمد حاسد الفقي في مجلد، ومن أجود هذه الطبقات الطبعة التي قام بتخريجها في مجلدين د. ناصر العقل (عام ١٤٠٤ هـ).\n(٥) قال عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٣): \"وهو كتاب عظيم لم يسبق إلى مثله\".\n(٦) قال عنه الحافظ ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام (١٩) رقم (٥): إنه يقع في سنة مجلدات.","vol":"1","page":60},{"text":"٥ - التدمرية (١).\n٦ - التسعينية (٢).\n٧ - التعليق على المحرر في الفقه (٣).\n٨ - التفسير (٤).\n_________\n= ويقول عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٢): \"في سنة مجلدات، وبعض النسخ منه في أكثر من ذلك، وهو كتاب جليل المقدار، ومعدوم النظير، كشف الشيخ فيه أسرار الجهمية وهتك أستارهم، ولو رحل طالب العلم لأجل تحصيله إلى الصين ما ضاعت رحلته! ! \".\nأما البزار فقد ذكر في الأعلام العلية (١٠): أنه يقع في إثني عشر مجلدًا.\nوقد أخرج بعضه في مجلدين الشيخ الجمَّاعة لتراث شيخ الإسلام محمد بن عبد الرحمن بن قاسم -﵀-.\n(١) وهي موجودة في مجموع الفتاوى (٣/ ١ - ١٢٨)، وذكرها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٩)، وقد قام بتحقيقها في الماجستير د. محمد بن عودة السعوي في جامعة الإمام، وهذه الرسالة من أعظم كتب شيخ الإسلام في الرد على الأشاعرة وإثبات الصفات والقدر، وتضمنت من القواعد الكبيرة ما لو قرأه من فيه بعض إنصاف من المخالفين في باب الصفات لأقر بأن ما سوى معتقد السلف باطل لا ريب فيه، وجاء فى أولها (٤) قول المصنف: \"أما بعد فقد سألني من تعنيت إجابتهم أن أكتب لهم مضمون ما سمعوه مني في بعض المجالس .. \".\n(٢) وهي ضمن مجموع الفتاوى (٥/ ٢ - ٢٨٨)، وقد طبعت طبقة قديمة في مصر سنة (١٣٢٩ هـ)، وهي رد على الأشاعرة في مسألة الكلام النفسي، وقال عنها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٧): \"وله كتاب في محنته بمصر، مجلدان، رد فيه على القائلين بالكلام النفسي من نحو ثمانين وجهًا\".\n(٣) وكتاب المحرر هو لجده الشيخ مجد الدين أبي البركات، قال عنه ابن عبد الهادى في العقود الدرية (٢٨): \"وله تعليقة على كتاب المحرر في الفقه لجده الشيخ مجد الدين في عدة جلدات\".\n(٤) ويبلغ ما ألفهُ شيخ الإسلام في التفسير أكثر من ثلاثين مجلدًا، كما ذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢١)، ويوجد طائفة منه في مجموع الفتاوى في المجلدات (١٥، ١٦، ١٧).\nوقد قام د. محمد الجليند بجمع بعض تفسير شيخ الإسلام، وسماه: دقائق التفسير، وطبع في ثلاثة مجلدات، ونشرته دار علوم القرآن في دمشق سنة (١٤٠٤) للهجرة.","vol":"1","page":61},{"text":"٩ - جواب الاعتراضات المصرية على الفتيا الحموية (١).\n١٠ - الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح (٢).\n١١ - الحموية (٣).\n١٢ - درء تعارض العقل والنقل (٤).\n_________\n(١) ذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (١٩) رقم (٣)، ويقول عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٢): \"في أربع مجلدات، وبعض النسخ منه في أقل، وهو كتاب عزيز الفوائد سهل التناول .. \"، وذكر ابن شاكر الكتبي مثل ذلك (١/ ٧٦)، وذكر ابن رجب في الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٣): إنه في يقع في أربع مجلدات، وهو من ضمن الكتب التي صنفها شيخ الإسلام في مصر، وهذا الكتاب لا يعرف له اليوم مكان، والله أعلم.\n(٢) قال عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٢): \"في مجلدين، وبعض النسخ منه في ثلاثة مجلدات، وبعضها في أكثر .. وهذا الكتاب من أجل الكتب وأكثرها فوائد، ويشتمل على تثبيت النبوات وتقريرها بالبراهين النيرة الواضحة، وعلى تفسير آي كثير من القرآن، وعلى غير ذلك من المهمات.\"، وذكر البزار في الأعلام العلية (١١): أنه يقع في ثلاثة مجلدات، غير أنه لم يصرح باسمه، وإنما ذكر أنه رد على النصارى، وأما ابن رجب فقد ذكر في الذيل (٢/ ٤٠٣) أنه في مجلدين، وقد طبع هذا الكتاب في مكتبة المدني في القاهرة في مجلدين ضخمين، ثم حقق في جامعة الإمام محمد بن محمود الإسلامية في عام (١٤١٤ هـ)، وطبع في ستة مجلدات.\n(٣) وهي الحموية الكبرى، وذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٢٠) رقم (٥)، وأفضل من يعطينا نبذة عن هذه الرسالة القيمة ابن عبد الهادي حِيث يقول في العقود الدرية (٤٩): \"فأما الحموية الكبرى، فأملاها بين الظهر والعصر، وهي جواب عن سؤال ورد من حماة سنة ثمان وتسعين وستمائة، وجرى بسبب تأليفها أمور ومحن، وتكلم الشيخ فيها على آيات الصفات والأحاديث الواردة في ذلك .. وهي عظيمة جدًا .. \" ولأهمتها فقد ساق -﵀- طرفًا صالحًا منها في العقود الدرية (٤٩ - ٦٧)، وهي في مجموع الفتاوى (٥/ ٥ - ١٢٠).\n(٤) ذكره ابن شاكر الكتبي (١/ ٧٦) وقال إنه أربعة مجلدات، وذكره ابن رجب في الذيل (٤٠٣) وقال: إنه أربعة مجلدات، والبزار في الأعلام العلية باسم: الجمع بين العقل والنقل، وقال إنه من مطولات شيخ الإسلام، ويقع في سبعة مجلدات، وسماه مرة أخرى (١٠): الموافقة بين العقل والنقل.\nوقد نشرته جامعة الإمام محمد بن سعود في عشرة مجلدات بتحقيق د. محمد =","vol":"1","page":62},{"text":"١٣ - الرد على البكري في الاستغاثة (١).\n١٤ - الرد على المنطقيين (٢).\n١٥ - السبعينية (٣).\n١٦ - شرح حديث جبريل في الإيمان والإسلام (٤).\n١٧ - شرح حديث النزول (٥).\n_________\n= رشاد سالم يرحمه الله، وفي هذا السفر الضخم أبطل شيخ الإسلام قانون المتكلمين وناموس المتفلسفين الذي يقوم على وهم كبير وملخصه: أن هناك تعارضًا بين العقل والنقل في بعض الأحيان، وإزاحة هذا التعارض وإبطال ذلك الخلل يقضي بتقديم العقل على النقل كما يزعمون، فهدمه من أساسه، ونقض بنيانه، وقوض أركانه، وأبطل فيه حجج المتكلمين من الأشاعرة وغيرهم، ودحض كثيرًا من مقولات الفلاسفة التي كان ينظر على أنها من المسلّمات.\n(١) ذكره ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (١٩) رقم (١٣)، وذكر ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٨) أنه في مجلد، وابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٣)، وقد طبعته الدار العلمية بالهند طبعة.\n(٢) قال ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٧): \"وله كتاب في الرد على المنطق، مجلد كبير، وله مصنفان آخران في الرد على المنطق، مجلد كبير\"، وذكر ابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٣) أن له كتابًا في الرد على المنطق في مجلد كبير، وقد طبع أول مرة بتحقيق عبد الصمد الكتبي في الهند سنة (١٣٦٨ هـ)، ثم طبع طبعة مصورة مع التصحيح في باكستان سنة (١٣٩٧ هـ).\n(٣) يقول ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٧): \"وكتاب مسائل الإسكندري في الرد على الملاحدة والاتحادية، وتعرف بالسبعبية لاشتمالها على الرد على ابن سبعين وأضرابه\"، وقد نشرته دار العلوم والحكم بالمدينة المنورة، بتحقيق د. مرسى الدويش عام (١٤٠٨ هـ).\n(٤) وهو كتاب الإيمان الأوسط الذي منّ الله بتحقيقه، ويقول عنه ابن عند الهادي في العقود الدرية (٤٦): \"وحديث جبريل في الإيمان والإسلام، غير كتاب الإيمان المتقدم، في مجلد لطيف .. \" ووصفه بأنه مجلد لطيف مطابق تمامًا لوصف الإيمان الأوسط، والله أعلم.\n(٥) يقول عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٣٩): \"وكتاب في نزول الرب ﵎ كل ليلة إلى سماء الدنيا، والجواب على اختلاف وقته باختلاف البلدان والمطالع\" .. وذكر أيضًا (٤٦): \"أن شيخ الإسلام شرح حديث نزول الرب ﵎ إلى السماء الدنيا عدة مرات\"، وهو في مجموع الفتاوى (٥/ ٣٢١ - ٥٨٢)، وقد طبع منفصلًا غير مرة.","vol":"1","page":63},{"text":"١٨ - شرح العقيدة الأصفهانية (١).\n١٩ - شرح العمدة (٢).\n٢٠ - الصارم المسلول على شاتم الرسول - ﷺ - (٣).\n٢١ - الصفدية (٤).\n_________\n(١) ذكره ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (١٩) رقم ١٦)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٨)، والبزار في الأعلام العلية (١١) وذكر أنها في مجلدين، وابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٤)، وذكر أنه في مجلد.\nوأصل هذا الكتاب شرح لعقيدة مختصرة وضعها شمس الدين الأصفهاني (ت ٦٨٨ هـ)، أحد رؤوس المتكلمين في عصره وقد قام شيخ الإسلام بشرح هذه العقيدة بطلب من بعض الفضلاء، وكان ذلك زمن إقامته في مصر، سنة (٧١٢ هـ)، كما ذكر ذلك في مقدمتها (٣) وفي خلال شرحها قام -﵀بإبطال ما تضمنته من أصول المتكلمين، ومخالفتها في كثير من مواطنها لعقيدة أهل السنّة والجماعة، وقد طبعت غير مرة، ثم حققت في جامعة الإمام محمد بن سعود، وقام بتحقيقها في مرحلة الدكتوراه د. محمد بن عودة السعوي.\n(٢) ذكره ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٢٦) رقم (١٣٩)، وقال ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٨): \"وله كتاب شرح فيه قطعة من كتاب العمدة في الفقه، للشيخ موفق الدين، في مجلدات\"، وذكره ابن رجب في الذيل أنه في أربعة مجلدات، ويفهم من كلام ابن عبد الهادي أنه لم يكمل شرح الكتاب، وإنما شرح بعضه، والموجود منه هو من أول الكتاب (كتاب الطهارة) إلى نهاية باب الوضوء، وكتابا الصيام والحج، وقد حقق كل من الجزئين، فقام بتحقيق الجزء الأول د. سعود العطشان، وقام بتحقيق الجزء الثاني في مجلدين د. صالح الحسن، وهذا الكتاب لو كمل لجاء كتابًا في غاية الضخامة والسعة والشمول في ذكر الأقوال ومناقشتها، ويشعر بذلك كل من طالع الموجود منه.\n(٣) ذكره ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٦)، والبزار في الأعلام العلية (١١)، وابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٤)، وقد طبع الكتاب عدة مرات، وحقق أخيرًا في جامعة أم القرى، وقام بتحقيقه الزميلان الفاضلان د. محمد بن عبد الله الحلواني، ود. محمد كبير شودري في رسالتيهما للماجستير، وقد أخرجته دار رمادي للنشر في ثلاثة مجلدات، والمجلد الأول فيه الدراسة، والكتاب في المجلدين الثاني والثالث.\n(٤) قال ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٨): \"وكتاب يعرف بالصفدية، في الرد على الفلاسفة في قولهم: إن معجزات الأنبياء -﵈- قوى نفسية، وفي إبطال قولهم بقدم العالم .. \"، وابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٢)، وقد طبقت في مجلدين سنة (١٣٩٦ هـ) بتحقيق د. محمد رشاد سالم -﵀-.","vol":"1","page":64},{"text":"٢٢ - العبودية (١).\n٢٣ - العقيدة الواسطية (٢).\n٢٤ - الفتاوى الكبرى المصرية (٣).\n٢٥ - الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان (٤).\n٢٦ - الفرقان بين الحق والباطل (٥).\n٢٧ - قاعدة جليلة في التوسل والوسيلة (٦).\n_________\n(١) قال ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٣٢): \"وقاعدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ تسمى العبودية، وهي جليلة القدر .. \" وذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٩) رقم (١٢)، وابن شاكر كتبي في فوات الوفيات (١/ ٧٥)، وقال: إنها في سبعة كراريس، وقد طبعت عدة طبعات، وهي ضمن مجموع الفتاوى (١٠/ ١٤٩ - ٢٣٦).\n(٢) وهي ضمن مجموع الفتاوى (٣/ ١٢٩ - ١٥٩)، وقد احتفل بها العلماء، وقام بشرحها بعض الأجلاء، ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي -﵀-، والشيخ عبد العزيز بن ناصر الرشيد -﵀-، والشيخ زيد بن فياض -﵀-، والشيخ الدكتور محمد خليل الهراس -﵀-، وفضيلة الشيخ العلامة محمد بن صالح العثيمين -﵀-، والشيخ الدكتور صالح بن فوزان الفوزان.\n(٣) يقول عنها ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٨): \"وقد جمع بعض أصحابه قطعة كبيرة من فتاويه الفروعية، وبوّبها على أبواب الفقه في مجلدات كثيرة، تعرف بالفتاوى المصرية، وسماها بعضهم: الدرر المضيئية من فتاوى ابن تيمية .. \"، وذكر ابن رجب أنها تقع في سبعة مجلدات، وقد طبعت في خمسة أجزاء.\n(٤) وهذا الكتاب ضمن مجموع الفتاوى (١١/ ١٥٦ - ٣١٠)، وذكره ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٢٤) رقم (٨٩)، وذكره ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٧)، والبزار في الأعلام العلية (١١)، وابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٤)، وقال إنه مجلد لطيف، وقد طبع عدة طبعات، ومن أجودها: طبعة مكتبة دار البيان بدمشق سنة (١٤٠٦) بتحقيق الشيخ عبد القادر الأرناؤوط.\n(٥) ذكره ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٣٠) رقم (٢٠)، وذكره ابن رجب في الذيل (٤٠٤) باسم: الفرقان بين الحق والبطلان، وقال إنه مجلد لطيف، وهو ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٥ - ٢٢٩)، وقد حققه حسين غزال، وأخرجته دار إحياء العلوم ببيروت سنة (١٤٠٣ هـ).\n(٦) وهي ضمن مجموع الفتاوى (١/ ١٤٢ - ٣٦٨)، وقال عنها ابن عبد الهادي في =","vol":"1","page":65},{"text":"٢٨ - الكلم الطيب (١).\n٢٩ - الكيلانية (٢).\n٣٠ - مقدمة في أصول التفسير (٣).\n٣١ - منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة والقدرية (٤).\n٣٢ - النبوات (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>ثامنًا: جوانب أخرى في حياة شيخ الإسلام:</span>\nما زالت العظمة تحوط بشخصية شيخ الإسلام من جميع جوانبها،\n_________\n= العقود الدرية (٣٢): \"وقاعدة فيما يتعلق بالوسيلة بالنبي - ﷺ - والقيام بحقوقه الواجبة على أمته في كل زمان ومكان، وبيان خصائصها التي امتاز بها على جميع العالمين، وبيان فضل أمته على جميع الأمم\"، وقد طبعت منفصلة أكثر من مرة، ومنها طبعة المكتب الإسلامي ببيروت سنة (١٣٩٠ هـ)، وطبعة بتاريخ (١٤٠٩ هـ)، بتحقيق د. ربيع المدخلي.\n(١) قال عنه ابن محمد الهادي في العقود الدرية (٤٦): \"وله مختصر في الكلم الطيب، جمع فيه الأذكار المستعملة طرفي النهار وغير ذلك .. \"، والبزار في الأعلام العلية (١٢)، وقد طبع عدة طبعات محققة، منها طبعة بتحقيق الشيخ ناصر الدين الألباني -﵀- سنة (١٣٨٥ هـ)، أخرجه بعنوان: صحيح الكلم الطيب، وأخرى بتحقيق الشيخ محمد القادر الأرناؤوط سنة (١٤٠٣ هـ).\n(٢) ذكرها ابن القيم في أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ص (٢٠) رقم (١)، وابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٧)، وهي ضمن مجموع الفتاوى (١٢/ ٣٢٣ - ٥٠١).\n(٣) وهي ضمن مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٢٩ - ٣٧٥)، وقد طبعت عام (١٣٩١ هـ) بتحقيق عدنان زرزور.\n(٤) قال عنه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٢): \"ومنها كتاب منهاج السنّة النبوية في نقض كلام الشيعة القدرية، في ثلاثة مجلدات، وبعض النسخ في أربعة مجلدات، رد فيه على ابن المطهر الرافضي، وبين جهل الرافضة وضلالتهم، وكذبهم وافتراءهم .. \"، وذكره ابن رجب في الذيل (٢/ ٤٠٣)، وقال: إنه في أربعة مجلدات.\nوقد نشرته جامعة الإمام محمد بن سعود سنة (١٤٠٦ هـ)، بتحقيق د. محمد رشاد سالم -﵀- في تسعة مجلدات.\n(٥) ولعل هذا الكتاب هو ما أشار إليه ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٤٨)، حيث ذكر أن من مؤلفات شيخ الإسلام قاعدة في تقرير النبوات بالعقل والنقل وقد طبع هذا الكتاب في دار الكتب العلمية في بيروت سنة (١٤٠٢ هـ).","vol":"1","page":66},{"text":"ويأتي الكلام باقتضاب عن جوانب هامة أخرى في حياته -وإن كانت خاصة بشخصيته- لم يتكلم عنها قبل ذلك في هذه الترجمة.\nولا يستطيع المطالع لحياته -﵀- إلا أن يجزم بعظمة دين الإسلام، الذي ما تمثله أحد من الناس في حياته، إلا جاء بما يبهر العقول والأبصار، ويكون قمة عالية في هذه الحياة، وقدوة رائعة في الواقع، فكيف بعالم من العلماء! ! .\nوشيخ الإسلام حياته من مبتدئها إلى منتهاها تفسير لقول الله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ [الذاريات: ٥٦]، وتطبيق دائم لقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦٢) لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ (١٦٣)﴾ [الأنعام: ١٦٢، ١٦٣].\nوالعبودية بمفهومها الشامل الواسع الذي لا يدع صغيرة ولا كبيرة من حياة الإنسان، ولا حركة ولا سكنة ولا ثانية إلا أدخلها فيها، هي العبودية التي عاشها مؤلفنا الكبير، ودعا إليها.\nوشخص كشيخ الإسلام وقف أمام الأمة يقودها مجاهدًا بالسيف والقلم، وصمد أمام جحافل التتار، وجاهد النصارى والروافض والنصيريين، وأخرس ألسن المبتدعين، من صوفية وطرقية ومتكلمين، وعلماء لاهثين وراء الحطام والأموال، ورماه جمع هؤلاء عن قوس واحدة، لا بد أن يأوي إلى ركن شديد، وهو إيمانه بالله، ولا بد أن يكون وثيق الصلة جدًا بخالقه ومولاه.\nوخير من ينبئ عن ذلك تلميذه أبو حفص البزار، حيث يعطي القارئ بيانًا تفصيليًا عن عادة شيخ الإسلام في قضاء ليله ونهاره، وكيف أنه قد حقق العبودية الكاملة الشاملة: \"أما تعبده - ﵁ -، فإنه قل أن سمع بمثله، لأنه كان قد قطع جل وقته وزمانه فيه، وكان في ليله متفردًا عن الناس كلهم، خاليًا بربه ﷿، ضارعًا مواظبًا على تلاوة القرآن العظيم، مكررًا لأنواع التعبدات الليلية والنهارية، وكان إذ ذهب الليل وحضر مع الناس بدأ بصلاة الفجر يأتي بسنتها قبل إتيانه إليهم، وكان إذا أحرم بالصلاة تكاد تتخلع القلوب لهيبة إتيانه بتكبيرة الإحرام ..","vol":"1","page":67},{"text":"وكان قد عرفت عادته لا يكلمه أحد بغير ضرورة بعد صلاة الفجر، فلا يزال في الذكر يسمع نفسه، وربما يسمع ذكره من إلى جانبه، مع كونه في خلال ذلك يكثر من تقليب بصره نحو السماء، هكذا دأبه حتى ترتفع الشمس ويزول وقت النهي عن الصلاة .. \".\nثم يذكر خروجه من المسجد وإقبال الناس عليه ويقول: \"وإذا رأى منكرًا في طريقه أزاله، أو سمع بجنازة سارع إلى الصلاة عليها، أو تأسف على فواتها، وربما ذهب إلى قبر صاحبها بعد فراغه من سماع الحديث فصلى عليه ..\nثم يعود إلى مسجده، فلا يزال تارة في إفتاء الناس، وتارة في قضاء حوائجهم، حتى يصلي الظهر مع الجماعة، ثم كذلك بقية يومه ..\nوكان مجلسه عامًا للكبير والصغير، والجليل والحقير، والحر والعبد، والذكر والأنثى، قد وسع على كل من يرد عليه من الناس، يرى كل منهم في نفسه أن لم يكرم أحدًا بقدره ..\nثم يصلي المغرب، ثم يتطوع بما يسره الله، ثم أقرأ عليه من مؤلفاته أو غيري، فيفيدنا بالطرائف ويمدنا باللطائف، حتى يصلي العشاء، ثم بعدها كما كنا وكان، من الإقبال على العلوم، إلى أن يذهب هوي من الليل طويل، وهو في خلال ذلك كله في النهار والليل، لا يزال يذكر الله تعالى، ويوحده ويستغفره ..\nوكان في كل أسبوع يعود المرضى، خصوصًا الذين بالبيمارستان ...\nوأخبرني غير واحد ممن لا يشك في عدالته: أن جميع زمن الشيخ ينقضي على ما رأيته، فأي عبادة وجهاد أفضل من ذلك؟ فسبحان الموفق من يشاء لما يشاء .. \" (١).\nويتحدث البزار عن زهده فيقول: \"أما زهده في الدنيا ومتاعها، فإن الله تعالى جعل ذلك به شعارًا من صغره، حدثني من أثق به عن شيخه الذي علمه القرآن المجيد، قال: قال لي أبوه وهو صبي -يعني الشيخ-: أحب إليك أن توصيه وتعده بأنك إن لم تنقطع عن القراءة والتلقين أدفع إليك كل شهر أربعين درهمًا، قال: ودفع إليّ -يعني أبوه- أربعين درهمًا،\n_________\n(١) الأعلام العلية (١٨).","vol":"1","page":68},{"text":"وقال: أعطه إياها، فإنه صغير، وربما يفرح بها فيزداد حرصه في الاشتغال بحفظ القرآن ودرسه، وقل له: لك في كل شهر مثلها، فامتنع من قبولها، وقال: يا سيدي، إني عاهدت الله تعالى، أن لا آخذ على القرآن أجرًا، ولم يأخذها ..\nولقد اتفق كل من رآه، خصوصًا من أطال ملازمته، أنه ما رأى مثله في الزهد في الدنيا، حتى لقد صار ذلك مشهورًا .. بل لو سئل عامي من أهل بلد بعيد من الشيخ: من كان أزهد أهل هذا العصر، وأكملهم في رفض فضول الدنيا، وأحرصهم على طلب الآخرة؟ لقال: ما سمعت بمثل ابن تيمية رحمة الله عليه .. \" (١).\nومع ذلك فقد كان - ﵁ - \"مع شدة تركه للدنيا ورفضه لها، وفقره فيها، وتقلله منها، مؤثرًا بما عساه يجده منها، قليلًا كان أو كثيرًا ..\nفقد كان يتصدق حتى إذا لم يجد شيئًا نزع بعض ثيابه المحتاج إله فيصل به الفقير، وكان يستفضل من قوته القليل الرغيف والرغيفين، فيؤثر بذلك على نفسه، وربما خبأهما في كمه ويمضي، ونحن معه لسماع الحديث، فيراه بعضنا وقد دفعه إلى الفقير مستخفيًا، يحرص أن لا يراه أحد .. \" (٢).\nأما شجاعة شيخ الإسلام وقوة جنانه ورباطة جأشه فأمر فوق الوصف، ولقد قال الذهبي: \"وأما شجاعته فيها تضرب الأمثال، وببعضها يتشبه أكابر الأبطال .. \" (٣).\nويقول البزار: \"كان - ﵁ - من أشجع الناس وأقواهم قلبًا، ما رأيت أحدًا أثبت جأشًا منه، ولا أعظم عناء في جهاد العدو منه، كان يجاهد في سبيل الله بقلبه ولسانه ويده، ولا يخاف في الله لومة لائم ..\nوكان إذ ركب الخيل يتحنك ويجول في العدو كأعظم الشجعان، ويقوم كأثبت الفرسان، ويكبر تكبيرًا أنكى في العدو من كثير من الفتك بهم، ويخوض فيهم خوض رجل لا يخاف الموت .. \" (٤).\nوكان -﵀- له نظرة في ذلك حيث كان يقول: \"لن يخاف الرجل\n_________\n(١) المصدر السابق (٢١).\n(٢) المصدر السابق (٢٢).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٣٩٥).\n(٤) الأعلام العلية (٣٢).","vol":"1","page":69},{"text":"غير الله إلا لمرض في قلبه، فإن رجلًا شكى إلى أحمد بن حنبل خوف من بعض الولاة، فقال: لو صححت لم تخف أحدًا، أي خوفك من أجل زوال الصحة من قلبك .. \" (١).\nوقد ذكرت طرفًا من شجاعة شيخ الإسلام عند الحديث عن جهاده ودعوته، ويذكر البزار قصته مع ملك مصر والشام السلطان الناصر حين أخبر الشيخ أنه سمع عنه أنه يعد العدة للإطاحة بملكه، فقال له بجنان راسخ، وصوت سمعه كثير من الحاضرين في المجلس: \"أنا أفعل ذلك؟ والله إن ملكك وملك المغل لا يساوي عندي فلسين .. \" (٢).\nوأختم الحديث بكلمة لتلميذه المقرب الحافظ ابن قيم الجوزية ملخصًا لحياة شيخه حيث يقول: \"وعلم الله ما رأيت أحدًا أطيب عيشًا منه قط، مع ما كان فيه من الحبس والتهديد والإرجاف، وهو مع ذلك أطيب الناس عيشًا، وأشرحهم صدرًا، وأقواهم قلبًا، وأسرهم نفسًا، تلوح نضرة النعيم على وجهه، وكنا إذا اشتد بنا الخوف، وساءت بنا الظنون، وضاقت بنا الأرض، فما هو إلا أن نراه، ونسمع كلامه، فيذهب عنا ذلك كله، وينقلب انشراحًا وقوة ويقينًا وطمأنينة، فسبحان من أشهد عباده جنته قبل لقائه، وفتح لهم أبوابها في دار العمل، فأتاهم من روحها ونسيمها وطيبها ما استفرغ قواهم لطلبها، والمسابقة إليها .. \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>تاسعًا: وفاته:</span>\n﴿يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (٢٧) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (٢٨) فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (٢٩) وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾ [الفجر: ٢٧ - ٣٠].\nلقد آن لهذا الجسد المُعنَّى أن يستريح، وحان لذلك القائد أن يترجل، فلكل أجل كتاب، ولقد قضى الله ﷿ أن تنتهي تلك الحياة العامرة الطيبة لشيخ الإسلام الحافلة بالجهاد والدعوة والكفاح عند السَّحر\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٤).\n(٢) المصدر السابق (٣٤).\n(٣) الذيل على طبقات الحنابلة (٢/ ٤٠٢).","vol":"1","page":70},{"text":"من ليلة الإثنين يوم الثاني والعشرين من شهر ذي القعدة الحرام سنة ثمان وعشرين وسبعمائة للهجرة.\nوفي القلعة الدمشقية قضى شيخ الإسلام -﵀- نحبه مسجونًا مظلومًا، وكان في جسه الأخير قد أقبل على تفسير كتاب الله، وقد ضيق عليه بآخره، وأخذوا منه الدواة والقلم، فكتب -﵀- بالفحم أوراقًا لبعض أصحابه (١)، وفي السجن ختم القرآن مدة إقامته في القلعة ثمانين ختمة، وفي الختمة الإحدى والثمانين انتهى إلى قول الحق تعالى ناصر المظلومين، وقامع المتجبرين: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].\nوكان قد مرض أيامًا يسيرة، ولم يعلم أكثر الناس بمرضه، ولم يفجأهم إلا موته، ولقد زلزلهم الحدث، واهتزت يومئذِ دمشق، فلئن كان شيخ الإسلام يهزها بالأمس بجهاده ودعوته، فهو اليوم يهزها بعد مماته، وتخرج دمشق التي أحبته بجميعها، برجالها وصغارها، بأمرائها وأعيانها، بأثريائها وفقرائها، تبكي على الشيخ وتتأسف عليه، وأغلقت الأسواق والحوانيت، وتجمع الخلق في حشد عظيم لم تعرف له مثيلًا في ذلك الزمان، وقد صلي عليه في القلعة، أولًا، ثم صلي عليه في جامع بني أمية الكبير عقب صلاة الظهر، ودفن ذلك اليوم، وقد صليت عليه صلاة الغائب في غالب أقطار الإسلام، في مصر والشام والعراق واليمن وغيرها، ولقد ذكر أنه صلي عليه صلاة الغائب حتى في الصين.\nوجنازة شيخ الإسلام التي تسابقت إلى حملها الأفئدة قبل الأيدي، تذكر الناس بمقولة إمام أهل السنّة والجماعة، الإمام المبجل أبو عبد الله أحمد بن حنبل - ﵁ - حين قال: قولوا لأهل البدع بيننا وبينكم الجنائز (٢).\n_________\n(١) أورد ابن عبد الهادي في العقود الدرية جملة من مضمون هذه الأوراق التي كتبها شيخ الإسلام بالفحم (٢٤٢ - ٢٤٥).\n(٢) كلمة الإمام أحمد رواها إمام الحفاظ في عصره أبو الحسن الدارقطني عن أبي سهل بن زياد القطان عن عبد الله بن أحمد عن أبيه، كما ذكر ذلك ابن عبد الهادي في العقود الدرية (٢٤٩).","vol":"1","page":71},{"text":"ولم تكن دمشق آنذاك كثيرة العدد مكتظة السكان، ولكن حسبها أنها أخرجت كل ما فيها، وكما قيل: الجود من الموجود، ولقد تراوحت تقديرات المؤرخين لأعداد الحاضرين بين الخمسين ألفًا وبين المائتي ألف.\nوها هو شيخ الإسلام يرحل عن هذه الحياة الدنيا، ويغيب عنها ليجتمع مع خصومه بين يدي ملك الملوك الذي لا يظلم مثقال ذرة.\nولئن غيبت الأرض شيخ الإسلام، فإن علمه حاضر بين العالمين، وقد جعل الله له لسان صدق في الآخرين، وها هم أعداؤه قد غادروا أيضًا هذه الحياة، فهلكوا لا يدري عنهم أحد، وأما شيخ الإسلام فذكره الطيب على كل لسان، من أهل العلم المنصفين، وجماهير أهل السنّة الصالحين.\nاللهم اغفر له وارحمه، وعافه واعف عنه، وأكرم نزله، ووسع مدخله، واغسله بالماء والثلج والبرد، ونقه من الذنوب كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس.\nاللهم اجعل ما قدمه في خدمة دينك وكتابك وأمتك في موازين حسناته، في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، إلا من أتى الله بقلب سليم.\nاللهم اجزه خير الجزاء، واجعله مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.\nاللهم اكتب له بكل حرت كتبه حسنة وضاعفها، وتجاوز عن سيئاته في أصحاب الجنة.\nاللهم عليك بمن خاصمه في الدين، وسعى لإطفاء نور السنّة، واستمات في نصر البدعة، وعليك اللهم بكل من نال منه من أعداء كتابك، وسنة نبيك - ﷺ -.\nاللهم انفع الأمة بعلمه وكتبه ويسر لها من يخدمها ويقوم على نشرها، واجعلها قذى في أعين المبتدعين، وشوكة تغص بها قلوب الحاقدين.","vol":"1","page":72},{"text":"واغفر لمن ساهم في ذلك، ولمن قام بتحقيق هذا الكتاب، ولمشايخه ووالديه والمسلمين أجمعين، برحمتك يا أرحم الراحمين.","vol":"1","page":73},{"text":"المبحث الثاني\nدراسة تحليلية وتفصيلية\nعن كتاب \"الإيمان الأوسط\"\nلقد آثرنا خلال هذه الدراسة أن نقسمها إلى قسمين:\nالأول: دراسة المسائل الأصلية.\nالثاني: دراسة المسائل الفرعية.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-16>المبحث الثاني دراسة تحليلية وتفصيلية عن الكتاب</span>\nلمحة عامة عن موضوعات الكتاب:\nاستهل المصنف مصنفه بالكلام عن حديث جبريل، وسؤاله النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجواب النبي - ﷺ - على ذلك، ثم تحدث عن أقسام الناس في عهد النبي - ﷺ -، من مؤمنين وكافرين ومنافقين، وأفاض في ذكر الآيات التي كشفت صفات المنافقين، وأبانت عن خصالهم، والحديث عنهم، وتحدث عن الفرق بين الإسلام والإيمان، ثم ذكر أن أول خلاف وقع في الملة هو الخلاف في الفاسق الملي، بعد ذلك تحدث عن نشأة الفرق مبتدئًا بالخوارج ثم المرجئة والمعتزلة والجهمية والكرامية وذكر مذاهبها في الإيمان، وتولى الرد على هذه المذاهب، وكشف الشبهات التي قامت عليها، وإن كان قد تركز أكثر رده على الجهمية ومن اتبعهم، وفي غمرة رده على المعتزلة كتب بحثًا مفيدًا عن أسباب سقوط العقوبة، وقد قام بتقرير عقيدة السلف الصالح التي هي معتقد أهل السنّة والجماعة، وتقريره لهذه العقيدة جاء منثورًا خلال مباحث الكتاب، وقام المصنف -﵀- بتجلية حقيقة الإيمان، وبيان أنه حقيقة مركبة من قول وعمل، مؤكدًا على أن القول يشمل قول القلب وقول اللسان، وأن العمل يشمل عمل القلب وعمل الجوارح، منبهًا على أهمية أعمال القلوب في هذا التركيب، على أن الكتاب -كما أشرنا عند الحديث عن الفرق بينه وبين كتاب \"الإيمان الكبير\"- لم يخل من بعض استطرادات، كاستطراد المصنف عن بعض مقالات الفلاسفة، وغلاة المتصوفة، وتوسعه في الكلام عن الأحاديث التي ورد فيها الإسلام والإيمان.","vol":"1","page":77},{"text":"ثم جاء الكلام عن المرتبة العليا من الدين، فتحدث أولًا عن تعريف الإحسان، وأبان أن الإحسان كما ذكر - ﷺ - قد كتبه الله ﷿ على كل شيء، وأنه شامل لجميع الأقوال والأعمال القلبية والبدنية والمالية، وتحدث عن الإحسان في العلم، والإحسان في العمل، والإحسان في الأقوال، والإحسان في البيوع، والإحسان في المعاملات، إلى غير ذلك.\nولقد آثرت خلال هذه الدراسة أن تكون على قسمين:\nالأول: دراسة المسائل الأصلية.\nالثاني: دراسة المسائل الفرعية.\nوقد قصدنا بالمسائل الأصلية ما له صلة مباشرة بموضوع الإيمان الذي هو عنوان الكتاب، وبالمسائل الفرعية ما اعتبرناه استطرادًا -وإن كان مفيدًا-.\nعلى أنه يحسن التنبيه إلى أمر ذي بال، وهو أنه ستتم الاستعانة خلال دراستنا هذه بكتاب \"الإيمان الكبير\" للمصنف، وذلك لأسباب عدة:\nمنها: على سبيل المثال لا الحصر: أن ما أجمل في كتاب، فقد فصّل في الكتاب الآخر، وما أطلق في كتاب قيّد في الآخر، في الغالب.\nومنها: أن هناك -كما ذكرنا في الفرق بين الكتابين- قضايا ومناقشات وردت في \"الإيمان الكبير\" لم ترد في كتاب \"شرح حديث جبريل\".\nفالكتابان يكمل كل منهما الآخر، ولا غنى -للمتخصصين على الأقل- عن كل منهما، ونستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن هذه الدراسة التي نقوم بها شاملة -بإذن الله تعالى- لأهم موضوعات الكتابين، مع الركيز على كتاب \"شرح حديث جبريل\" ما أمكن إلى ذلك سبيلًا.\nكما نود الإشارة إلى أننا سنستعين في بعض الأحيان بكلام للمصنف في غير هذين الكتابين، وربما ذكرنا كلامًا لغيره من أهل العلم، لتأييد كلامه -﵀-، أو توضيحه.","vol":"1","page":78},{"text":"وقد رتبنا المسائل الأصلية التي جاءت متناثرة في ثنايا الكتاب على النحو التالي:\nالمسألة الأولى: أقسام الناس في عهد النبي - ﷺ -.\nالمسألة الثانية: تعريف النفاق والكلام عليه.\nالمسألة الثالثة: وجوب التفريق بين الظاهر والباطن في أحكام الدنيا والآخرة.\nالمسألة الرابعة: وتلك هي لب المسائل، وهي الخلاف في الإيمان، وقد تناول المصنف خلاله جملة من القضايا، وقد رتبناها كالتالي:\nأولًا: أصل الخلاف في الإيمان.\nثانيًا: تقرير شبهات المخالفين في الإيمان.\nثالثًا: الرد على هذه الشبهات.\nرابعًا: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان.\nخامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان.\nسادسًا: الرد على من قال بالمجاز في قضية الإيمان.\nسابعًا: حكم ترك جنس الأعمال.\nثامنًا: موقف المصنف من الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان.\nتاسعًا: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان، وتمثلت في:\nزيادة الإيمان ونقصانه، والاستثناء في الإيمان.\nالمسألة الخامسة: تقرير مذهب السلف في الإيمان.\nالمسألة السادسة: الفرق بين الإسلام والإيمان.\nالمسألة السابعة: الإحسان والكلام عليه.","vol":"1","page":79},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>القسم الأول\nدراسة المسائل الأصلية</span>\nمن خلال دراسة الكتاب ظهر أن هناك عدة مسائل أصلية اعتنى بها المصنف، وقد اجتهدنا في ترتيبها وتنظيمها، لأن المصنف قد ذكرها في مواضع متعددة من كتابه","vol":"1","page":81},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>المسألة الأولى أقسام الناس في عهد النبي - ﷺ </span>-\nيذكر شيخ الإسلام أن الناس كانوا على عهد النبي - ﷺ - ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر.\nوهذا التقسيم دل عليه -كما يقول- الكتاب والسنّة والإجماع، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام (١).\nثم يذكر -﵀- أن هذا التقسيم قد أنزل الله ﷿ فيه أول سورة البقرة، فأنزل أربع آيات في المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة (٢) آية في المنافقين (٣).\nثم أفاض المصنف -﵀- في ذكر أسماء السور والآيات من الكتاب العزيز التي ذكر فيها المنافقون، ونبه على أن عامة السور المدنية يذكر فيها النفاق، ومن هذه السور: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة، وبراءة، والعنكبوت، والأحزاب، ومحمد، والفتح، والمجادلة، والحشر، والمنافقون، وغيرها (٤).\nوعلى هذا فأقسام الناس على عهد رسول الله - ﷺ - ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: مؤمن (مظهر للإسلام مبطن للإيمان).\nالقسم الثاني: كافر (مظهر للكفر مبطن للكفر).\nالقسم الثالث: منافق (مظهر للإسلام مبطن للكفر).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٢٩١).\n(٢) عدد الآيات التي ذكر فيها المنافقون بالتحديد ثلاث عشرة آية، من الآية (٨) وهي قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى آخر الآية (٢٠) وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\n(٣) المصدر السابق (٢٩١).\n(٤) المصدر نفسه (٢٩١ - ٢٩٨).","vol":"1","page":83},{"text":"إذن قد ظهر في الناس قسم جديد لم يكن له وجود في مكة، وهو المنافق، وإن كان هذا القسم في نهاية الأمر يعود إلى القسم الثاني، فمن هو المنافق؟ .\nوقد تحدث شيخ الإسلام المصنف -﵀- عن النفاق والمنافقين، فعرّف المنافق، وذكر سبب ظهور النفاق، وأشار إلى أن عز الإسلام وتمكن المسلمين سبب لأفول نجم النفاق، وضعفه، وبيّن الأصل الذي جاء منه المنافقون، وأشار إلى أقسام النفاق، وذكر خوف الصحابة رضوان الله عليهم من النفاق، ثم وضّح أحكام المنافقين، وأنهم لا يسمون مؤمنين عند أحد من أهل القبلة إلا الكرَّامية، وذكر أن الله ﷿ قد أمر بجهادهم، وبيّن كيفية مجاهدتهم، ونبه على أن الزنديق -في اصطلاح الفقهاء- هو المنافق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -، وفصل أقوال الفقهاء في حكم قبول توبته، وأخيرًا استنبط أصلًا عظيمًا يقوم على وجوب التفريق بين أحكام الظاهر وأحكام الباطن.\nوالآن نأتي إلى دراسة هذه المسائل بالتفصيل من خلال كلام المصنف.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-19>المسألة الثانية تعريف النفاق والسلام عليه</span>\nقال صاحب الصحاح: \"النفاق بالكسر فعل المنافق .... والنافقاء: إحدى جِحَرَة اليربوع، يكتمها ويظهر غيرها، وهو موضع يرققه، فإذا أتي من قبل القاصعاء ضرب برأسه فانتفق، أي خرج، والجمع النوافق، والنفقة أيضًا مثال الهمزة: النافقاء، تقول منه: نفق اليربوع تنفيقًا ونافق، أي أخذ في نافقاته، ومنه اشتقاق المنافق في الدين .. \". (١).\nوذكر صاحب القاموس المحيط مثل ذلك إلا أنه زاد عليه قوله: \"نافق في الدين: ستر كفره وأظهر إيمانه\" (٢).\nوذكر صاحب لسان العرب نحوًا من ذلك (٣).\nوعلى هذا فالنفاق في اللغة هو: إظهار شيء وإبطان شيء، أو بعبارة أخرى: إخفاء أمر، وإعلان ما يخالفه.\nوعلى هذا فالنفاق في الاصطلاح الشرعي هو: إظهار الإسلام، وإبطان الكفر.\nكما ذكر المصنف أن المنافق ظاهره الإسلام، وهو في الباطن كافر (٤).\nقال الحافظ ابن حجر -﵀-: \"النفاق لغة: مخالفة الباطن للظاهر، فإن كان في اعتقاد الإيمان فهو نفاق الكفر، وإلا فهو نفاق العمل\" (٥).\nوهو أمر قائم على الخداع والتضليل والمراوغة، قال الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ [البقرة: ٨، ٩].\nولذا كانت عاقبة المنافقين أنهم من أشد الناس عذابًا في الآخرة، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، كما قال الحق ﵎ في محكم التنزيل: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾ [النساء: ١٤٥].\n_________\n(١) الصحاح (٤/ ١٥٦٠).\n(٢) القاموس المحيط (١١٩٦)، وانظر الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٩٠).\n(٣) لسان العرب (١٠/ ٣٥٩).\n(٤) شرح حديث جبريل (٢٩١).\n(٥) فتح الباري (١/ ٨٩).","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-20>سبب ظهور النفاق:</span>\nهو قيام الدولة الإسلامية في المدينة، وتمكن المسلمين فيها، وتظاهُر جماعة من الكفار بالدخول في هذا الدين الجديد -الذي صارت مقاليد الأمور بأيدي أصحابه- رغبة في نفع أو مغنم أو في تحقيق بعض المكاسب الدنيوية التافهة، أو رهبة من إظهار المخالفة، وخوفًا أن يصيبهم عقاب أو تأديب.\nيقول المصنف -﵀- تعالى: \"فلما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم من أظهر الإسلام موافقة، رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>أصل المنافقين:</span>\nيذكر شيخ الإسلام -﵀- تعالى أن المنافقين قد تفرعوا من أصلين:\nالأصل الأول: من المشركين.\nالأصل الثاني: من أهل الكتاب.\nيقول -﵀-: \"وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب\" (٢).\nوقد ساق الحافظ ابن كثير -رحمه الله تعالى- نقلًا عن ابن إسحاق -﵀- أسماء كثير من المنافقين، من كلا الطائفتين، من المشركين، وأهل الكتاب الذين هم من اليهود في الغالب (٣).\nولذا كانت -كما ذكر المصنف من قبل- عامة السور المدنية في القرآن يذكر فيها النفاق والمنافقون، وأعظم هذه السور في ذكر النفاق وفضح أساليب المنافقين سورة براءة.\nكما تكاثر ذكر المنافقين في القرآن الكريم، وذلك لشدة خطرهم،\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٢٩٢).\n(٢) المصدر نفسه (٢٩٢).\n(٣) البداية والنهاية (٣/ ٢٣٦ - ٢٣٩).","vol":"1","page":86},{"text":"وعظيم ضررهم، وعدم التنبه لهم، وغفلة كثير من المؤمنين والصالحين عنهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>أقسام النفاق:</span>\nالنفاق قسمان:\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>الأول: نفاق اعتقادي:</span>\nوهو ما يتعلق بأصل الإيمان والاعتقاد فيه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الثائي: نفاق عملي:</span>\nوهو النفاق في الأعمال، كحديث: \"آية المنافق ثلاث .. \" (١).\nفالأول: هو النفاق الأكبر.\nوالثاني: هو النفاق الأصغر.\nوقد أشار المصنف -﵀- إلى ذلك بقوله: \"وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق (أصغر)، وبعض شعب الإيمان، وبعض شعب الكفر، كما في الصحيحين عن النبي - ﷺأنه قال: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب .... \" (٢).\nوذكر -﵀- أن هناك كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٣). ويقول: (والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق، ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان: أصغر وأكبر ...) (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>خوف الصحابة والسلف من النفاق:</span>\nوخير من يعبر عن ذلك ما ذكره المصنف عن التابعي الجليل ابن أبي مليكة -﵀- حيث يقول: \"أدركت ثلاثين من أصحاب محمد، كلهم يخاف النفاق على نفسه .. \" (٥).\n_________\n(١) أود أن أنبه إلى أن ما سأذكره في هذه الدراسة من أحاديث، سيأتي تخريجها أثناء تحقيق متن الكتاب إن شاء الله تعالى، إلا ما لم يرد هناك فيخرج هنا.\n(٢) شرح حديث جبريل (٣٩٨).\n(٣) المصدر نفسه (٤٠٢).\n(٤) المصدر نفسه (٤٠٥).\n(٥) المصدر نفسه (٣٠٠)، الإيمان (٣٣٣).","vol":"1","page":87},{"text":"وقد ذكر الحافظ ابن رجب -﵀- جمعًا من السلف الصالح كانوا يخشون النفاق على أنفسهم ثم قال: \"وأصل هذا يرجع إلى ما سبق ذكره من أن النفاق أصغر وأكبر، فالنفاق الأصغر هو نفاق العمل، وهو الذي خافه هؤلاء على أنفسهم، وهو باب النفاق الأكبر، فيخشى على من غلب عليه خصال النفاق الأصغر في حياته، أن يخرجه ذلك إلى النفاق الأكبر، حتى ينسلخ من الإيمان بالكلية .. \" (١).\nوذكر الحافظ ابن حجر أن النفاق الذي كان يخشاه السلف رضوان الله عليهم هو نفاق الأعمال، وليس نفاق الاعتقاد (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>قاعدة:</span>\nكما ازداد عز الإسلام وعظمت قوة المسلمين، كما ازداد التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة، وكلما ضعف أمر الإسلام، وتلاشت قوة المسلمين، كان إظهار المنافقين لنفاقهم أشد وأعظم، والتزامهم بأحكام الإسلام الظاهرة ضعيفًا.\nفهناك تناسب طردي بين عز الإسلام، والتزام المنافقين بالأحكام الظاهرة.\nوهناك تناسب عكسي بين ضعف الإسلام، وقوة المنافقين، بمعنى أنه كما ضعف الإسلام قري المنافقون، والعكس صحيح.\nهذه القاعدة استنبطت من كلام المصنف -﵀- في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، وذكر من كلام السلف ما يدل عليها، كقول حذيفة بن اليمان - ﵁ -: \"النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول اللهﷺ -\"، أو في الرواية الأخرى: \" كانوا على عهد النبي - ﷺ - يسرونه، واليوم يظهرونه\" (٣).\nيقول المصنف حول تلك القاعدة: \"وقد كان المنافقون يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر، ما لم يلتزمه كثير من\n_________\n(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري للحافظ ابن رجب (١/ ١٩٥).\n(٢) الفتح (١/ ١١١).\n(٣) شرح حديث جبريل (٣٠٠).","vol":"1","page":88},{"text":"المنافقين الذين من بعدهم، لعز الإسلام، وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف، تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ (١) \".\nويقول: \"ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من نفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك .. \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-27>حكم المنافقين:</span>\nكان النبي - ﷺ - يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله ﷿، وعلى هذا فحكمهم في الدنيا: أن تجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة.\nوأما حكمهم في الآخرة: فهم في الدرك الأسفل من النار، خالدون فيها وبئس المصير.\nوفي ذلك يقول المصنف في سياق الحكم على تاركي الصلاة الذين يصلون تارة ويدعون أخرى: \"فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة في المواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى .. \".\n\"وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت آتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم، حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته .. \" (٣).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٢٩٨).\n(٢) المصدر السابق (٤٠٤).\n(٣) المصدر نفسه (٥٦٧ - ٥٦٨).","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>كيفية جهاد المنافقين:</span>\nيذكر المصنف -﵀- أن الله ﷿ أمر نبيه الكريم أن يجاهد الكفار والمنافقين وأن يغلظ عليهم، فقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣].\nوجهاد الكافرين واضح للعيان، ولكن كيف يكون جهاد تلك الفئة التي تنتسب ظاهرًا إلى الإسلام، وتندس بين صفوف المسلمين تزرع الفتنة وتتربص بهم الدوائر، عليهم دائرة السوء؟\nويجيب على ذلك المصنف -﵀- بعد أن تساءل قائلًا: فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟ .\n\"قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق، لا بد أن يظهر موجبه في القول والعمل .. فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطن، بلا حجة ظاهرة\" (١).\nولكن التزام المنافقين بأحكام الإسلام الظاهرة لا ينفعهم أبدًا، لأن القاعدة الإيمانية التي تقوم عليها تلك الأحكام، وتقبل بسببها الأعمال ليست موجودة عندهم، وقد أخبر الله عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون وأنه لا يقبل منهم.\nوذكر الحافظ ابن كثير عن الحسن وقتادة ومجاهد أن جهاد المنافقين يكون بإقامة الحدود عليهم (٢)، وهذا قريب مما ذكره المصنف.\nوذكر كثير من السلف رضوان الله عليهم أن مجاهدة المنافقين تكون باللسان زجرًا وتأنيبًا، وإقامة الحجة عليهم (٣).\nيقول تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية -﵀-: \"وكذلك جهاد المنافقين، إنما هو بتبليغ الحجة، وإلا فهم تحت قهر أهل الإسلام، قال\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٧٥).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٧٢).\n(٣) تفسير ابن جرير (١٠/ ١٨٤)، أحكام القرآن لابن العربي (٢/ ٥٤٤)، أحكام القرآن للقرطبي (٨/ ١٢٩)، تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٧٢).","vol":"1","page":90},{"text":"تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ فجهاد المنافقين أصعب من جهاد الكفار، وهو جهاد خواص الأمة، وورثة الرسل .. \" (١).\nويقول في موضع آخر: \"وأما جهاد الكفار والمنافقين، فأربع مراتب: بالقلب، واللسان، والمال، والنفس، وجهاد الكفار أخص باليد، وجهاد المنافقين أخص باللسان\" (٢).\nويبين المصنف في موضع آخر بعض الأسباب التي كانت تدعو النبي - ﷺ - إلى ترك معاقبة المنافقين، فيقول: \"كان النبي - ﷺ - يمتنع من عقوبة المنافقين، فإن فيهم من لم يكن يعرفهم، كما أخبر بذلك (٣)، والذين كان يعرفهم لو عاقب بعضهم، لغضب له قومه، ولقال الناس. إن محمدًا يقتل أصحابه، فكان يحصل بسبب ذلك نفور عن الإسلام، إذ لم يكن الذنب ظاهرًا، يشترك الناس في معرفته .. \" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-29>الكرامية يسمون المنافقين مؤمنين:</span>\nيذكر شيخ الإسلام أنه لم يسبق لأحد من الفرق تسمية المنافق مؤمنًا، إلا ما كان من الكرامية، فهم يسمون المنافقين مؤمنين، مع تسليمهم بأنهم معذبون في الآخرة، وهذه منازعة منهم في اسم المنافق لا في حكمه.\nلكن شيخ الإسلام بيّن خطأ من زعم أن الكرامية جعلوا المنافقين من أهل الجنة (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المنافق هو الزنديق:</span>\nلقد بين شيخ الإسلام أن الزنديق الذي تكلم عنه الفقهاء من أرباب المذاهب هو المنافق الذي كان على عهد رسول الله - ﷺ -.\n_________\n(١) زاد المعاد (٣/ ٦).\n(٢) المصدر نفسه (٣/ ١١).\n(٣) يعني قول الحق ﵎ في [سورة التوبة، آية: ١٠١]: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾.\n(٤) الإيمان (٣٣٠).\n(٥) شرح حديث جبريل (٣٠٩).","vol":"1","page":91},{"text":"حيث يقول: \"والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء، هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ -، وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره، سواء أبطن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى، أو غيرهم، أو كان معطلًا جاحدًا للصانع، والمعاد، والأعمال الصالحة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>الخلاف في قبول توبة الزنديق:</span>\nاختلف الفقهاء ﵏ في قبول توبة الزنديق (المنافق) إذا عرف بالزندقة، ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته، هل تقبل توبته؟ .\nالمسألة خلافية، ويهمنا في هذا المقام أن من الفقهاء من نظر إلى الأصل العام في قبول التوبة، وهو أن الله ﷿ يقبل توبة كل تائب، مهما كان جرمه وخطيئته، ولذا قال هؤلاء بقبول توبته، ومنهم من رأى أن هذه مسألة خاصة، وهو أن الأمر فيها يقوم على المخادعة والتضليل، والتوبة في هذا المقام محل احتمال، فقد يكون المدفوع إلى ولي الأمر جن يظهر التوبة صادقًا، وقد يكون كاذبًا، وترجيح أحد الحالين ضرب من المحال، ولكن سابقته في الزندقة التي كان يحاول كتمانها تقضي بعدم قبول توبته، ولأنه يمكن أن يكون قد أظهر التوبة تقية، خوفًا من العقاب.\nيقول المصنف -﵀-: \"ولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقبل توبته في الظاهر، إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ .\nفمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه وطائفة من أصحاب الشافعي وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا تقبل.\nوالمشهور من مذهب الشافعي قبولها كالرواية الأخرى عن أحمد وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فصّل\" (٢).\nوالمصنف يميل في كتابه \"الصارم المسلول على شاتم الرسول\" وهو\n_________\n(١) المصدر نفسه (٣٠٢).\n(٢) المصدر السابق (٣٠٢).","vol":"1","page":92},{"text":"من مؤلفاته المتقدمة -حيث ألفه سنة ٦٩٣ هـ- إلى عدم قبول توبة الزنديق حيث يقول فيه: \"هذا الرجل قد قام الدليل على فساد عقيدته، وتكذيبه به (يعني: بالنبي - ﷺ -) واستهانته به، فإظهار الإقرار برسالته الآن، ليس فيه أكثر مما كان يظهر قبل هذا، وهذا القدر بطلت دلالته، فلا يجوز الاعتماد عليه، وهذه نكتة من لا يقبل توبة الزنديق، وهو مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، نصرها كثير من أصحابه، وعنهما يستتاب، وهو المشهور عن الشافعي .. \" (١).\nويقول في موضع آخر: \"والزنديق هو المنافق، وإنما يقتله من يقتله إذا ظهر منه أنه يكتم النفاق، قالوا: ولا تعلم توبته، لأن غاية ما عنده أنه يظهر ما كان يظهر، وقد كان يظهر الإيمان وهو منافق، ولو قبل توبة الزنادقة لم يكن سبيل إلى تقتيلهم، والقرآن قد توعدهم بالتقتيل\" (٢).\nويقول الحافظ ابن القيم -﵀-: \"فهذا الزنديق قد قام الدليل على فساد عقيدته وتكذيبه واستهانته بالدين وقدحه فيه، فإظهاره الإقرار والتوبة بعد القدرة عليه ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر قد بطلت دلالته بما أظهره من الزندقة، فلا يجوز الاعتماد عليه\" (٣).\nوعند هذا الفريق من الفقهاء لا تقبل توبته في الظاهر، ويقام عليه حد الردة، وأما بينه وبين الله، فإن كان صادقًا قبلت توبته بلا خلاف.\n_________\n(١) الصارم المسلول (٣/ ٦٥٠).\n(٢) الإيمان (١٧١) والقرآن قد توعد المنافقين بالتقتيل، فى قول الله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ [الأحزاب: ٦٠، ٦١].\n(٣) أعلام الموقعين (٣/ ١٣١).","vol":"1","page":93},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-32>المسألة الثالثة وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والباطن</span>\nهذا أصل عظيم قد قرره شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وقد وقع بسبب الجهل به، أو إغفاله خطأ كبير.\nيقول -﵀-: \"فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر -لتكفير أهل الأهواء- لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة، والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًّا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن\" (١).\nويزيد المصنف هذه المسألة توضيحًا فيقول: \"وبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يظن أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث لا يورث، ولا يناكح، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا ثلاثة أصناف: مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام، مبطن للكفر، وكان في المنافقين من يعلمه الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أتوهم ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة الشرعية على أحدهم بما يوجب عقوبته\" (٢).\nوهكذا استدل المصنف -﵀- على وجوب التفريق بين الحكم الظاهر والحكم الباطن، بما سبق أن ذكره من أحكام المنافقين، ومعاملته - ﷺ - لهم، فهم وإن كانوا في الآخرة في الدرك الأسفل من النار بسبب كفرهم ونفاقهم، إلا إن دماءهم وأموالهم معصومة بما أظهروه من الإسلام.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٠٤).\n(٢) المصدر نفسه (٥٦٨).","vol":"1","page":94},{"text":"ويقول بعد ذلك: \"وبالجملة فاصل هذه المسائل أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين\" (١).\nفيجب التفريق بين الأمرين عند الحكم على الناس، بين الحكم في الدنيا والحكم في الآخرة.\nويقول المصنف في موضع آخر: \"فإن كثيرًا من المتأخرين، ما بقي في المظهرين للإسلام عندهم إلا عدل أو فاسق، وأعرضوا عن حكم المنافقين، والمنافقون ما زالوا، ولا يزالون إلى يوم القيامة\" (٢).\nولذلك كان السلف رضوان الله عليهم يفرقون بين الحكم الظاهر والحكم الباطن، فقد روى الخلال بسنده عن وكيع عن سفيان الثوري قال: \"الناس عندنا مؤمنون في الأحكام والمواريث، نرجوا أن يكونوا كذلك، ولا ندري ما حالنا عند الله\" (٣)، وذكر المصنف هذا الأثر في \"الإيمان الكبير\" (٤).\nويقول الحافظ ابن القيم -﵀-: \"ولأن شرائع الإسلام على الأفعال الظاهرة، وأما حقائق الإيمان الباطنة، فتلك عيها شرائع الثواب والعقاب، فلّله تعالى حكمان: حكم في الدنيا على الرائع الظاهرة وأعمال الجوارح، وحكم في الآخرة على الظواهر والبواطن، ولهذا كان النبي - ﷺ - يقبل علانية المنافقين، ويكل أسرارهم إلى الله، فيناكحون، ويرثون ويورثون، ويعتد بصلاتهم في الدنيا، فلا يكون حكمهم حكم تارك الصلاة، إذ قد أتوا بصورتها الظاهرة، وأحكام الثواب والعقاب، ليست إلى البشر، بل إلى الله، والله يتولاه في الدار الآخرة .. \" (٥).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٥٧٦).\n(٢) الإيمان (١٦٨).\n(٣) السنة (٥٦٧).\n(٤) الإيمان (٢٠١).\n(٥) مدارج السالكين (١/ ٥٦٧).","vol":"1","page":95},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-33>المسألة الرابعة الخلاف في مسمى الإيمان</span>\nقد تقدم ذكر مذاهب الناس في الإيمان، وعلى العموم فالناس فيه فريقان:\nالفريق الأول: الذين يجعلون الأعمال من مسمى الإيمان.\nالفريق الثاني: الذي يخرجون الأعمال من مسمى الإيمان.\nفأهل السنة والجماعة، ومعهم الخوارج والمعتزلة هم الفريق الأول.\nوبقية الفرق وهم المرجئة من جهمية وكرامية وأشعرية وماتريدية ومرجئة الفقهاء هم الفريق الثاني.\nفالخوارج والمعتزلة وإن وافقوا أهل السنّة والجماعة في إدخال الأعمال في مسمى الإيمان، إلا أنهم خالفوهم في حكم مرتكب الكبيرة، حيث كفرته الخوارج، وحكمت عليه المعتزلة بأنه في منزلة بين المنزلتين، مع اتفاق الطائفتين على خلوده في النار.\nفالفرق بينهم وبين أهل السنَّة والجماعة في مرتكب الكبيرة أنهم سلبوه مطلق الإيمان، وأما أهل السنّة فلم يسلبوه سوى الإيمان المطلق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>أولًا: أصل الخلاف في الإيمان، وسبب التفرق في مفهومه:</span>\nيركز شيخ الإسلام -﵀- دائمًا في الحديث عن تنكب فرق المبتدعة لهداية الكتاب والسنة، وعدولهم عن منهج السلف الصالح رضوان الله عليهم، وفي هذا المعنى يقول عن المبتدعة في الإيمان: \"وقد عدلت المرجئة في هذا الأصل عن بيان الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة والتابعين لهم بإحسان، واعتمدوا على رأيهم، وعلى ما تأولوه بفهمهم اللغة، وهذه طريقة أهل البدع، ولهذا كان الإمام أحمد يقول: أكثر ما يخطئ الناس من جهة التأويل والقياس، ولهذا نجد المعتزلة والمرجئة والرافضة وغيرهم من أهل البدع يفسرون القرآن برأيهم ومعقولهم، وما تأولوه من اللغة، ولهذا تجدهم لا يعتمدون على أحاديث النبي - ﷺ - والصحابة التابعين وأئمة المسلمين، فلا يعتمدون لا على السنّة، ولا على إجماع السلف وآثارهم، وإنما يعتمدون على العقل واللغة، وتجدهم لا يعتمدون على كتب التفسير","vol":"1","page":96},{"text":"المأثورة والحديث وآثار السلف، وإنما يعتمدون على كتب الأدب وكتب الكلام التي وضعها رؤوسهم، وهذه طريقة الملاحدة أيضًا إنما يأخذون ما في كتب الفلسفة، وكتب الأدب واللغة ... وإذا تدبرت حججهم وجدت دعاوى لا يقوم عليها دليل ... \" (١).\nيذكر شيخ الإسلام أن أصل مقالة الفرق المخالفة في الإيمان -سواء كان القائلون بأن الأعمال من الإيمان، أو الذين ينفونها من الإيمان- يقوم على شبهتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>الشبهة الأولى: </span>اعتقادهم أن الإيمان كل لا يتجزأ، إما أن يوجد كله، وإما أن يذهب كله.\nيقول -﵀- عن هذه الشبهة: \"أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذ ثبت بعضه ثبت جميعه، فلم يقولوا بذهاب بعضه وبقاء بعضه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>الشبهة الثانية: </span>أنه لا يجتمع في الإنسان كفر وإيمان.\nويقول المصنف -﵀-: \"ومن العجب أن الأصل الذي أوقعهم في هذا، اعتقادهم أنه لا يجتمع في الإنسان بعض الإيمان وبعض الكفر، أو ما هو إيمان وما هو كفر، واعتقدوا أن هذا متفق عليه بين المسلمين\" (٣) \"وادعوا أن هذا خلاف الإجماع\" (٤).\nفاعتبار الإيمان حقيقة واحدة، لا يتجزأ، ولا يتبعض، ولا يزول منه جزء، ويبقى منه جزء، إما أن يوجد كله، أو يذهب كله، كان هو الشبهة الأولى والأصل الفاسد الكبير الذي شيدت عليه أقوال أهل البدع في الإيمان.\nوكذلك القول بأنه لا يجتمع في العبد إيمان وبعض من الكفر، واعتبار هذا الأصل الفاسد، أصلًا مجمعًا عليه بين المسلمين، مع أن الصحيح هو أن إجماع سلف الأمة بخلافه.\nفالخوارج والمعتزلة -الذين يدخلون الأعمال في مسمى الإيمان- قد\n_________\n(١) الإيمان (٩٨).\n(٢) شرح حديث جبريل (٣٨٣).\n(٣) الإيمان (٣١٦).\n(٤) شرح حديث جبريل (٣٨٥).","vol":"1","page":97},{"text":"بنوا مذهبهم في تصور حقيقة الإيمان، وفي حكم مرتكب الكبيرة في ضوء هاتين الشبهتين الفاسدتين.\nوطوائف المرجئة من مرجئة الفقهاء وجهمية وكرامية وأشعرية وماتريدية -وهم متفقون على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد أقاموا مذاهبهم في الإيمان على هاتين الشبهتين الفاسدتين أيضًا.\nيقول المصنف -﵀-: \"ثم قالت الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة ليس معه شيء من الإيمان.\nوقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا، لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة، قالوا: لأنا إذا أدخلنا يه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت ذهب بعضه، فيلزم إخراج ذي الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج\" (١)، فلهذا عمدوا إلى إخراج الأعمال من الإيمان.\nويقول أيضًا في موضع آخر: \"وأما قول القائل: إن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، فهذا ممنوع، وهذا هو الأصل الذي تفرعت عنه البدع في الإيمان، فإنهم ظنوا أنه متى ذهب بعضه ذهب كله، لم يبق منه شيء.\nثم قالت الخوارج والمعتزلة: هو مجموع ما أمر الله به ورسوله، وهو الإيمان المطلق كما قاله أهل الحديث، قالوا: فإذا ذهب شيء منه لم يبق مع صاحبه من الإيمان شيء فيخلد في النار.\nوقالت المرجئة على اختلاف فرقهم: لا تذهب الكبائر وترك الواجبات الظاهرة شيئًا من الإيمان، إذ لو ذهب شيء منه يبق منه شيء، يكون شيئًا واحدًا يستوي فيه البر والفاجر .. \" (٢).\nوعلى هذا فنقول:\nإن الخوارج والمعتزلة خالفوا أهل السُّنّة والجماعة في الاسم\n_________\n(١) المصدر نفسه (٣٨٤).\n(٢) الإيمان (١٧٦).","vol":"1","page":98},{"text":"والحكم، فنزعوا عن صاحب الكبيرة اسم المؤمن، وكفرته الخوارج، وجعلته المعتزلة في منزلة دين المنزلتين.\nأما في الحكم فقد حكمت عليه كلا الطائفتين -كما سبق- بالخلود في النار.\nوأما المرجئة فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم لا في الحكم، حيث يجعلون المرء مؤمنًا ولو لم يعمل شيئًا قط، فهم قد نازعوا في اسم الإيمان، ومن يستحقه.\nأما في الحكم فقد أجازوا أن يعذب أهل الكبائر، غير أن شيخ الإسلام -﵀- يذكر أن هناك فرقتين من المرجئة نازعوا في ذلك، وهما:\nفرقة الواقفة التي توقفت في أهل الكبائر، وقالوا: لا نعلم أن أحدًا منهم يدخل النار.\nوفرقة الغلاة الذين يجزمون أن النار لا يدخلها أحد منهم (١).\nأما الكرامية فيخالفون في الاسم لا في الحكم، فهم وإن سموا المنافقين مؤمنين، فإنهم يقولون إنهم مخلدون في النار.\nوأما الجهمية فقد خالفوا أهل السنَّة والجماعة في الاسم والحكم جميعًا (٢).\nويلخص المصنف -﵀- ذلك بقوله: \"وقول المعتزلة والخوارج والكرامية في اسم الإيمان والإسلام أقرب إلى قول السلف من قول الجهمية، لكن المعتزلة والخوارج يقولون بتخليد العصاة، وهذا أبعد، عن قول السلف من كل قول، فهم أقرب في الاسم وأبعد في الحكم، والجهمية وإن كانوا في قولهم: بأن الفساق لا يخلدون أقرب في الحكم إلى السلف، فقولهم في مسمى الإسلام والإيمان وحقيقتهما أبعد من كل قول عن الكتاب والسنّة .. \" (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٦١)، ويذكر -﵀- أن هذا القول لا يعرف له قائلًا.\n(٢) المصدر نفسه (٤٤١).\n(٣) الإيمان (١٢٩).","vol":"1","page":99},{"text":"وقد فهم علماء السلف الصالح رضوان الله عليهم شبهات المخالفين في الإيمان من قبل، وعرفوا أصولهم الفاسدة، وعلموا أن الإيمان عندهم شيء واحد، لا أكثر، لا يتجزأ، إما أن يذهب كله، وإما أن يبقى كله.\nومن أجل ذلك فقد كانت مناظراتهم مع المرجئة -على سبيل المثال- تنصب محطمة هذه الأصول الفاسدة، وكاشفة لهذه الشبهات الباطلة.\nيذكر المصنف -﵀- أن الإمام أحمد قد بعث بجواب إلى أبي عبد الرحيم الجوزجاني في خرسان يتضمن ردودًا على المرجئة، ومن هذه الردود:\n\"وأما من زعم أن الإيمان الإقرار، فما يقول في المعرفة؟ هل يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار؟ وهل يحتاج أن يكون مصدقًا بما عرف؟ فإن زعم أنه يحتاج إلى المعرفة مع الإقرار، فقد زعم أنه من شيئين، وإن زعم أنه يحتاج أن يكون مقرًا ومصدقًا بما عرف، فهو من ثلاثة أشياء، وإن جحد وقال: لا يحتاج إلى المعرفة والتصديق، فقد قال قولًا عظيمًا ولا أحسب أحدًا يدفع المعرفة والتصديق، وكذلك العمل مع هذه الأشياء\" (١).\nكما ينقل عن الإمام أبي ثور -﵀- قوله في رده على المرجئة: \"فأما الطائفة التي ذهبت إلى أن العمل ليس من الإيمان، فيقال لهم: ماذا أراد الله من العباد إذ قال لهم: أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، الإقرار بذلك أو الإقرار والعمل؟ فإن قالت: إن الله أراد الإقرار ولم يرد العمل، فقد كفرت، وإن قالت: أراد منهم الإقرار والعمل، قيل: فإذا كان أراد منهم الأمرين جميعًا، لم زعمتم أنه يكون مؤمنًا بأحدهما دون الآخر، وقد أرادهما جميعًا؟ أرأيتم لو أن رجلًا قال: أعمل جميع ما أمر به الله ولا أقر به، أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: لا، قيل لهم: فإن قال أقر بجميع ما أمر الله به، ولا أعمل به، أيكون مؤمنًا؟ فإن قالوا: نعم، قيل: ما الفرق؟ فقد زعمتم\n_________\n(١) ذكرها المصنف -﵀- في كتاب \"الإيمان\" (٣٠٧)، وذكر أن الخلال رواها في كتاب \"السنة\"، ولم أجدها في المطبوع منه.","vol":"1","page":100},{"text":"أن الله أراد الأمرين جميعًا، فإن جاز أن يكون أحدهما مؤمنًا إذا ترك الآخر، جاز أن يكون بالآخر إذا عمل به ولم يقر مؤمنًا. .\" (١).\nويعقب المصنف ﵀ على مناظرة الإمامين بقوله: \"قلت: أحمد وأبو ثور وغيرهما من الأئمة كانوا قد عرفوا أصل قول المرجئة، وهو أن الإيمان لا يذهب بعضه ويبقى بعضه، فلا يكون إلا شيئًا واحدًا، فلا يكون ذا عدد اثنين أو ثلاثة، فإنه إذا كان له عدد، أمكن ذهاب بعضه وبقاء بعضه. . فلهذا صاروا يناظرونهم بما يدل على أنه ليس شيئًا واحدًا. .\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-37>ثانيًا: تقرير شبهتهم في الإيمان:</span>\nبذكر المصنف أن من خالف في مسمى الإيمان يقولون: إن الحقيقة المركبة المكونة من أجزاء، تزول إذا زالت بعض أجزائها، ومثلوا لذلك بالرقم عشرة، ومركب السكنجبين، وغيرهما من المركبات (٣).\nفالعشرة إذا زال بعضها، لم تبق عشرة، فإذا زال منها واحد مثلًا، صارت تسعة، ولم تعد عشرة، والسكنجبين الذي يتكون من خل وعسل، إذا زال أحدهما، لم يبق سكنجبينًا؛ بل يصير إما خلًا أو عسلًا (٤).\nوبناء على هذا الأساس؛ فالإيمان إذا كان مركبًا من أقوال وأعمال، ظاهرة وباطنة، فإنه يزول إذا زالت بعض هذه الأقوال والأعمال.\nوهذا مأخذ كل من الخوارج والمعتزلة.\nوأما الجهمية والمرجئة فمأخذهم: أنه إذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال -ومرتكب الكبيرة خارج عنه، كما تقوله الخوارج والمعتزلة، وهو قول فاسد- فإنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٠٤)، وكلام أبي ثور ﵀ في \"شرح أصول اعتقاد أهل السنّة والجماعة\" (٤/ ٨٤٩).\n(٢) المصدر نفسه (٣٠٨).\n(٣) مثل مركب ملح الطعام، المعروف في الكيمياء بكلوريد الصوديوم، فهو مركب من عنصري الكلور والصوديوم.\n(٤) شرح حديث جبريل (٣٨٥).","vol":"1","page":101},{"text":"الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعت المرجئة أن هذا خلاف الإجماع.\nلذا كان إخراج الأعمال من الإيمان عندهم هو الطريق الصحيح، لتجنب قول الخوارج والمعتزلة من جهة، ولموافقة هذا الأصل الفاسد من جهة أخرى (١).\nويزيد شيخ الإسلام ﵀ في توضيح شبهة من مغ من أهل البدع أن يجتمع في الرجل شعبة من إيمان وشعبة من كفر، وتداعيات هذه الشبهة.\nحين قال بعضهم: لا يجتمع في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة من الإيمان، والمعصية من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان، وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض.\nوهذا الأصل الفاسد الذي شيدت عليه المرجئة مذهبهم في الإيمان، وهو أنه لا يجتمع في الإنسان ما هو إيمان وما هو كفر -وزعموا أن الإجماع عليه- طرده كثير من أهل البدع، واستعملوه في بعض القضايا الفلسفية.\nفقد نقل بعض هؤلاء حكم الواحد من الناس إلى الواحد من الأعمال، فقالوا:\nلا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه، مكروهًا من وجه.\nوغلا بعضهم فنقله إلى الواحد بالنوع، فقال:\nلا يجوز أن يكون جنس السجود أو جنس الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعض أنواعه معصية، وعلل ذلك بقوله: لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلقان بأعمال القلوب، وهو ما يقصده الساجد أو الراكع، ولا علاقة لهما بالعمل الظاهر (٢).\n_________\n(١) سبق من قرب إيراد هذه المآخذ البدعية.\n(٢) المصدر السابق (٣٨٥) بتصرف، وقائل هذا هو أبو هاشم الجبَّائي من كبار شيوخ المعتزلة، وذكر شيخ الإسلام ﵀ أن الناس اشتد نكيرهم عليه بما خالفه من إجماع، وبما جحده من ضروريات شرعة وعقلية.","vol":"1","page":102},{"text":"وقال شيخ الإسلام في موضع آخر موضحًا بعض الآثار المترتبة على هذا الأصل الفاسد المتعلقة بالإيمان: \"بل الخوارج والمعتزلة طردوا هذا الأصل الفاسد، وقالوا: لا يجتمع في الشخص الواحد طاعة يستحق بها الثواب، ومعصية يستحق بها العقاب، ولا يكون الشخص الواحد محمودًا من وجه، مذمومًا من وجه، ولا محبوبًا مدعوًا له من وجه، مسخوطًا ملعونًا من وجه، ولا يتصور أن الشخص الواحد يدخل الجنة والنار جميعًا عندهم، بل من دخل إحداهما لم يدخل الأخرى عندهم، ولهذا أنكروا خروج أحد من النار، أو الشفاعة في أحد من أهل النار، وحكي عن غالية المرجئة أنهم وافقوهم على هذا الأصل، لكن هؤلاء قالوا: إن أهل الكبائر يدخلون الجنة ولا يدخلون النار مقابلة لأولئك\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>ثالثًا: الرد على شبهتم في الإيمان، وذلك من وجوه:</span>\nوقد قام شيخ الإعلام رحمه الله تعالى بتفنيد شبهتهم التي تقوم على أن الإيمان حقيقة واحدة، إما أن يبقى كله، أو يذهب كله، وكان تفنيده في عدة وجوه:\nالأول: إن الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء (كالمركبات) -أعيانًا كانت أو أعراضًا- إذا زال بعض أجزائها، لم يلزم من ذلك زوال سائر الأجزاء.\nوالرد عليهم بما أوردوه من أمثلة، فإن الواحد من العشرة إذا زال لم يلزم زوال التسعة، بل التسعة باقية، وكذلك إذا زال أحد جزئي السكنجبين لم يلزم من ذلك زوال الجزء الآخر.\nالثاني: إن هذه الحقيقة الجامعة لأمور أو أجزاء إذا زال بعض أجزائها، فإن صورتها المجتمعة، وهيئتها الاجتماعية قد زالت.\nوبالتالي فإن الاسم الذي كان يطلق عليها بسبب هذه الأجزاء المجتمعة قد زال، كما زال اسم العشرة، واسم السكنجبين.\n_________\n(١) الإيمان (٢٧٨).","vol":"1","page":103},{"text":"الثالث: أن هذه الحقيقة، أو تلك المركبات لم تبق كما كانت، ولم تعد على تركيبها، كالشجرة إذا زال بعض أجزائها، لم تبق كما كانت قبل زوال تلك الأجزاء.\nوالإيمان والصلاة والحج من هذا الباب، فإذا زال بعضها لم تبق كما كانت قبل زوال بعضها.\nولكن لا يلزم -كما سبق- من زوال بعضها أن تزول بقية أجزائها.\nالرابع: هل يلزم من زوال بعض أجزاء المركبات زوال اسمها؟ .\nوالجواب: أن المركبات في ذلك على قسمين:\nقسم: ما يكون التركيب فيها شرطًا في إطلاق الاسم عليها.\nفإذا زالت بعض أجزاء التركيب، زال الاسم بزوالها، ومثال ذلك اسم العشرة واسم السكنجيين، واسم الإيمان المطلق إذا نظرنا إلى أنه مركب من قول وعمل.\nوقسم: ما لا يكون التركيب فيها شرطًا في الاسم.\nفهذه المركبات لا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها، لأن التركيب فيها ليس شرطًا في إطلاق الاسم عليها.\nوالأمثلة على هذا القسم كثيرة، \"وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك المخلفة الأجزاء\" (١).\nومن الأمثلة على هذا القسم:\nالعباد، والطاعة، والخير، والبر، والإحسان، والصدقة، والعلم، مما يدخل فيه أمور كثيرة، ويتكون من أجزاء عديدة، فإن الاسم في هذه الأشياء يطلق على القليل منها وعلى الكبير، ويطلق الاسم أيضًا عليها إذا زالت بعض أجزائها، وبقيت أجزاء أخرى منها.\nومن ذلك لفظ القرآن، فإنه يطلق على جميع القرآن، ويطلق على بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٩٣).","vol":"1","page":104},{"text":"وكذلك لفظ القول والكلام والذكر والدعاء، يطلق على القليل والكثير.\nوكذلك لفظ البحر والنهر والمدينة والقرية، يطلق عليها الاسم حتى ولو نقصت بعض أجزائها.\nوكذلك لفظ النبات والحيوان والإنسان، لو قطع شيء من النبات، أو من الحيوان، أو من الإنسان، لسمي المقطوع منه نباتًا وحيوانًا وإنسانًا.\nوهكذا نرى أنَّ كثيرًا من المركبات، إذا زالت بعض أجزائها، لا تزول أجزاؤها الأخرى، ولا يزول الاسم عنها بزوال بعض أجزائها.\nوعلى هذا فلا يصح قولهم: إن الشيء إذا زال جزء منه، لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الثاني.\nالخاص: اسم الإيمان من القسم الثاني من المركبات، التي يطلق الاسم فيها على قليله وغيره، باعتبار أن الإيمان بضع وسبعون شعبة، وعلى هذا لا يلزم أن يزول الإيمان كلها إذا زال بعض أجزائه، ولا يلزم أيضًا أن يزول اسم الإيمان بالكلية بزوال بعض الأجزاء.\nففي الحديث الصحيح: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\".\nومعلوم أنه إذا زالت الإماطة، لم يزل اسم الإيمان.\nوفي الحديث الآخر - ﷺ -: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان\".\nفأخبر في هذا الحديث أنه يتبعض، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه (١).\nالسادس: الإيمان له كمالان: كمال واجب، وكمال مستحب.\nكالصلاة والحج، فالصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٨٥ - ٣٩٤) بشيء من التصرف.","vol":"1","page":105},{"text":"الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب.\nوالحج فيه أجزاء ينقص بزوالها عن كماله الواجب، ولا يبطل بتركها؛ كرمي الجمار، والمبيت بمنى، وكير ذلك؛ وفيه أجزاء ينقص بزواله عن كماله المستحب.\nفتبين أن المركبات من القسم الثاني، لها كمال واجب، وكمال مستحب، بحسب الأجزاء الناقصة منها (١).\nالسابع: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة السواد والبياض؛ بل الإيمان -وكذلك الكفر- يختلف بسبب عدة أمور:\nمنها: اختلاف حال المكلف، واختلاف بلوغ التكليف له، وزوال الخطاب الذي به التكليف.\nوتفصيل ذلك بما يلي:\n١ - في بداية الدعوة كان الإيمان تامًا بما نزل فقط، فمن آمن قبل أن تفرض الصلوات الخمس، كان مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن بعد فرضها، وقبل أن يفرض الصيام كان أيضًا مؤمنًا تام الإيمان، ومن آمن قبل أن تحرم الخمر، ويحرم الربا كان مؤمنًا تام الإيمان، مع أن مثل هذا الإيمان لا يقبل بعد نزول الفرائض، وتحريم هذه الأمور، واكتمال الدين، الذي دل عليه قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾.\n٢ - بعد إكمال الدين، كما بلغ الإنسان شيء من الدين وجب عليه الإيمان به، وما لم يبلغه، ولم يمكنه معرفته، فلا يجب عليه، فصار الإيمان يختلف هنا بحسب حال المكلف.\n٣ - إذا آمن الإنسان ثم مات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال، فقد مات كامل الإيمان الذي وجب عليه.\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٩٤).","vol":"1","page":106},{"text":"٤ - ومن ذلك أن الأمر يختلف بحسب القدرة والعجز، فيجب على القادر مثلًا من واجبات الإيمان ما لا يجب على العاجز.\nوالخلاصة: أن ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف نزول الوحي من السماء، وباختلاف حال المكلف في البلاغ وعدمه (١).\nويقول المصنف بعد ذلكم: \"فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان، كتبعض سائر الواجبات\" (٢).\nوكل هذه الأمور من الأدلة على أن الإيمان يتبعض، وأنه ليس كلًا لا تجزأ، وأنه يذهب بعضه، ويبقى بعضه، وأنه كذلك يزيد وينقص.\nويقول المصنف في موضع آخر: \"وذلك أن أصل أهل السنّة أن الإيمان يتفاضل من وجهين: من جهة أمر الرب، ومن جهة فعل العبد.\nأما الأول: فإنه ليس الإيمان الذي أمر به شخص من المؤمنين هو الإيمان الذي أمر به كل شخص، فإن المسلمين في أول الأمر كانوا مأمورين بمقدار من الإيمان، ثم بعد ذلك أمروا بغير ذلك، وأمروا بترك ما كانوا مأمورين به كالقبلة، فكان من الإيمان في أول الأمر الإيمان بوجوب استقبال بيت المقدس، ثم صار من الإيمان تحريم استقباله ووجوب استقبال الكعبة، فقد تنوع الإيمان في الشريعة الواحدة.\nوأيضًا فمن وجب عليه الحج والزكاة أو الجهاد يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمر به ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره إلا مجملًا، وهذا يجب عليه الإيمان المفصل، وكذلك الرجل أول ما يسلم إنما يجب عليه الإقرار المجمل، ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها، فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان، وهذا من أصول غلط المرجئة، فإنهم ظنوا أنه شيء واحد، وأنه يستوي فيه جميع المكلفين، فقالوا: إيمان الملائكة والأنبياء وأفسق الناس سواء، كما\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٩٦).\n(٢) المصدر السابق (٣٩٧ - ٣٩٨).","vol":"1","page":107},{"text":"أنه إذا تلفظ الفاسق بالشهادتين، أو قرأ فاتحة الكتاب كان لفظه كلفظ غيره من الناس. . . .\nوالنوع الثاني هو تفاضل الناس في الإتيان به مع استوائهم في الواجب، وهذا هو الذي يظن أنه محل النزاع، وكلاهما محل النزاع، وهذا أيضًا يتفاضلون فيه، فليس إيمان السارق والزاني والشارب كإيمان غيرهم، ولا إيمان من أدى الواجبات كإيمان من أخل ببعضها. . \" (١).\nالثامن: قد تكون بعض الأجزاء المتروكة شرطًا في الأجزاء الأخرى، كمن آمن ببعض الكتاب وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل وكفر ببعضهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\nوقد تكون تلك الأجزاء المتروكة ليست شرطًا في وجود الأجزاء الأخرى، ومن ذلك الأمثلة الكثيرة التي ذكرناها سابقًا، كالعلم والخير والدعاء (٢).\nالتاسع: قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، ويجتمع فيه أيضًا بعض شعب الإيمان، وبعض شعب من الكفر، كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ -: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها. . \".\nوقوله - ﷺ -: \"من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق\".\nوقوله - ﷺ -: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\".\nوقوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥١).\n(٢) شرح حديث جبريل (٣٩٨).\n(٣) المصدر نفسه (٣٩١).","vol":"1","page":108},{"text":"ولكننا ننبه -وقد سبق ذلك- إلى أن هناك كفر دون كفر، ونفاق دون نفاق، فالكفر كفران، كفر أصغر وكفر أكبر، والنفاق نفاقان أيضًا، نفاق أصغر ونفاق أكبر.\nوبالتالي فإننا نخرج بعد كل هذه الردود باستخلاص قاعدتين هامتين وهما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>القاعدة الأولى: أن شعب الإيمان ليست متلازمة في الانتفاء </span>(١):\nوهذه القاعدة فيها رد على المعتزلة والخوارج، الذين يزعمون أن شعب الإيمان متلازمة تمامًا في الانتفاء، بمعنى إذا انتفت بعضها وزالت، انتفى بعضها الآخر، وزال.\nولكن هذه القاعدة ليست على إطلاقها، فإن من شعب الإيمان إذا انتفت انتفت بقية الشعب، وبالتالي ينتفي الإيمان كله.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>القاعدة الثانية: أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف</span>.\nفإذا قوي ما في القلب من التصديق والمحبة لله ورسوله أوجب ذلك بغض أعداء الله ورسوله، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾.\nفهذا تلازم بين شعب الإيمان عبد القوة.\nوأما عدم التلازم عند الضعف، فقد يحصل للرجل بعض مودة لأعداء الله بسبب رحم أو حاجة أو غير ذلك، فلا يكفر به، ويكون ذلك منه ذنبًا ينقص به إيمانه، كما وقع لحاطب بن أبي بلتعة حين كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٩١ - ٣٩٨).\n(٢) المصدر السابق (٤٠٢).","vol":"1","page":109},{"text":"العاشر: أن الشارع الحكيم ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب، فإن كان معه بعض أجزائه.\nكما نفى الإيمان عن بعض أهل الكبائر من الذنوب في الحديث الصحيح: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\".\nوالمعنى هنا أن الشارع ينفي الإيمان المطلق عمن ارتكب شيئًا من هذه الكبائر، ومن انتفى عنه الإيمان المطلق، فقد انتفى عنه الأمن المطلق، وهو متعرض للوعيد في الآخرة.\nأو -كما سيأتي- أن هذا العاصي خرج من الإيمان إلى الإسلام.\nوعلى ذلك تحمل النصوص الواردة في هذا الباب، كقوله - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا، ومن حمل السلاح علينا فليس منا\".\nفليس المعنى أنه خرج بالكلية من الإيمان، وصار كافرًا -كما تقول الخوارج، أو في منزلة بين المنزلتين، كما قالت المعتزلة- ولكن المعنى أنه خرج من الإيمان المطلق الذي يتناول النبي - ﷺ -، والمؤمنين معه، الذين يستحقون به الثواب بلا عقاب (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-41>رابعًا: الرد التفصيلي على آراء الفرق في الإيمان:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>أولًا: الرد على الخوارج:</span>\nيرد عليهم المصنف بما حكموا به في مرتكب الكبيرة بقوله: \"ومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنّة:\n١ - فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًا لوجب قتله، لأن النبي - ﷺ - قال: \"من بدل دينه فاقتلوه\".\n٢ - وقال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إسلام، وزنا بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها\".\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٠٦).","vol":"1","page":110},{"text":"٣ - وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما.\n٤ - وأمر سبحانه بأن يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة، ولو كان كافرًا لأمر بقتله.\n٥ - وكان النبي - ﷺ - يجلد شارب الخمر ولم يقتله.\n٦ - وأيضًا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ فقد وصفهم بالإيمان والأخوة وأمرنا بالإصلاح بينهم\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>ثانيًا: الرد على المعتزلة:</span>\nأما المعتزلة فيرد عليهم ﵀ بقوله: وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج.\n١ - فيقال لهم: كما أنهم \"يعني: الخوارج\" قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها محبطة وهو مخلد في النار، لاستحق المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق ..\n٢ - وأيضًا فقد تواترت الأحاديث عن النبي - ﷺ - في أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي - ﷺ - يشفع في أقوام دخلوا النار. . .\n٣ - وأيضًا فإن النبي - ﷺ - قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته، ومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك. . .\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٢٢).","vol":"1","page":111},{"text":"٤ - وأيضًا فإن الذين قذفوا عائشة أم المؤمنين كان فيهم مسطح بن أثاثة، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾.\n٥ - وكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - ﷺ -، فلما أراد عمر قتله، قال النبي - ﷺ -: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (١).\nوقد ذكر المصنف ﵀ فائدة في موضع آخر وهي أن المعتزلة لما ظهر لهم ضعف قول الخوارج في الحكم بكفر مرتكب الكبيرة خالفوهم في أحكام الدنيا، فحكموا بأنه في منزلة بين المنزلتين، ولم يستحلوا دمه وماله كما صنعت الخوارج (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>ثالثًا: الرد على الكرامية:</span>\nيذكر شيخ الإسلام ﵀ أن قول الكرامية في الإيمان: \"بدعة ابتدعوها مخالفة للكتاب والسنّة وإجماع سلف الأمة، وهذه الدعة الشنعاء هي التي انفرد بها الكرامية دون سائر مقالاتهم\" (٣).\nفكيف يعتبرون المنافقين الذين هم في الدرك الأسفل من النار مؤمنين كاملي الإيمان -مع تسليمهم على الصحيح بأنهم مخلدون في النار- بالتلفظ بالقول فقط.\nويرد المصنف على الكرامية بقوله:\n١ - \"وقد احتج الناس على فساد قول الكرامية بحجج صحيحة .. مثل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ قالوا: فقد نفى الإيمان عن المنافقين، فنقول: هذا حق، فإن المنافق ليس بمؤمن، وقد ضل من سماه مؤمنًا\" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٢٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٨).\n(٣) شرح حديث جبريل (٣٠٩).\n(٤) الإيمان (١١٦).","vol":"1","page":112},{"text":"٢ - ويقول ﵀ في موضع آخر: \"وبعض الناس يحكي عنهم أن من تكلم به (يعني: بالإيمان) بلسانه دون قلبه فهو من أهل الجنة، وهو غلط عليهم، بل يقولون: إنه مؤمن كامل الإيمان، وأنه من أهل النار، فيلزمهم أن يكون المؤمن الكامل الإيمان معذبًا في النار، بل يكون مخلدًا فيها، وقد تواتر عن النبي - ﷺ - أنه: \"يخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان\".\nوإن قالوا: لا يخلد وهو منافق، لزمهم أن يكون المنافقون يخرجون من النار، والمنافقون قال الله فيهم: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥)﴾، وقد نهى الله نبيه عن الصلاة عليهم والاستغفار لهم وقال له: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾.\n٣ - فإن قالوا: هؤلاء قد كانوا يتكلمون بألسنتهم سرًا فكفروا بذلك، وإنما يكون مؤمنًا إذا تكلم بلسانه ولم يتكلم بما ينقضه، فإن ذلك ردة عن الإيمان، قيل لهم: لو أضمروا النفاق ولم يتكلموا به كانوا منافقين قال تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ تُنَبِّئُهُمْ بِمَا فِي قُلُوبِهِمْ قُلِ اسْتَهْزِئُوا إِنَّ اللَّهَ مُخْرِجٌ مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾، وأيضًا قد أخبر الله عنهم أنهم يقولون بألسنتهم ما ليس في قلوبهم وأنهم كاذبون، فقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-45>رابعًا: الرد علي مرجئة الفقهاء:</span>\nلا بد أن نشير أولًا إلى أن هذه البدعة -يعني الإرجاء، وهي إخراج الأعمال من مسمى الإيمان- قد قال بها طائفة من فقهاء الكوفة وعبادها، وكانت هذه البدعة عندهم لم تبرح الجانب النظري في حياتهم، أما الجانب العملي فلم يتأثر بها مطلقًا، حيت كانوا يوصون بالأعمال، وهم أنفسهم كانوا من أكثر الناس عبادة وعملًا، ولكن هذا القول كان بعد ذلك ذريعة\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٦).","vol":"1","page":113},{"text":"إلى ظهور الفسق، وموطئًا لإرجاء الجهمية الغالي، \"فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في الإرجاء\" (١).\nويوضح شيخ الإسلام مذهب المرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الأعمال ليست من الإيمان، وما يترتب على ذلك، فيقول: \"إن الإيمان يزيد، بمعنى أنه كما أنزل الله آية واجب التصديق بها، فانضم هذا التصديق إلى التصديق الذي قبله، لكن بعد إكمال ما أنزل الله، ما بقي الإيمان يتفاضل عندهم، بل إيمان الناس كلهم سواء، إيمان السابقين الأولين كأبي بكر وعمر، وإيمان أفجر الناس، كالحجاج وأبي مسلم الخراساني وغيرهما. . \" (٢).\nغير أن شيخ الإسلام -وهو من هو في إنصاف المخالفين- يبين أن لهؤلاء أدلة شرعية أخطأوا في فهمها، وغلطوا في الاستدلال بها، واشتبه الأمر عليهم بسببها، ومن هذا الأدلة:\n١ - أن الله ﷿ قد فرّق في كتابه بين الإيمان والعمل، فقال في غير موضع: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، وما دام أنه قد عطف الأعمال الصالحة على الإيمان، ففي هذا دليل على أن الأعمال ليست من الإيمان، لأن العطف يقتضي المغايرة.\n٢ - أن الله سبحانه قد خاطب الإنسان بالإيمان قل وجود الأعمال، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾، ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾.\n٣ - قالوا: لو أن رجلًا آمن بالله ورسوله ضحوة، ومات قبل أن يجب عليه شيء من الأعمال لمات مؤمنًا، وكان من أهل الجنة، فدل على أن الأعمال ليست من الإيمان (٣).\n_________\n(١) الإيمان (٣٠٨).\n(٢) المصدر السابق (١٥٥).\n(٣) المصدر السابق (١٥٥).","vol":"1","page":114},{"text":"ويرد شيخ الإسلام على هذه الأدلة بما يلي:\nأولًا: أما قولهم إن الله قد فرق بين الإيمان والعمل فهذا صحيح، وقد أفاض ﵀ في بيان أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن الله به الأعمال، ونظائر ذلك كثيرة.\nويقول ﵀ موضحًا لتلك القضية: \"والمرجئة أخرجوا العلم الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر، قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن، أو لازم لمسمى الإيمان؟ .\nوالتحقيق أنه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون لازمًا للمسمى -بحسب إفراد الاسم واقترانه- فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل، كما في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، فإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه وعطف عليه عطف الخاص على العام\" (١).\nويقول ﵀ في موضع آخر: \"وقد بينا أن الإيمان إذا أطلق أدخل الله ورسوله فيه الأعمال المأمور بها، وقد يقرن به الأعمال، وذكرنا نظائر لذلك كثيرة، وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب، والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود إيمان القلب الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب، فصار الإيمان متناولًا للملزوم واللازم، وإن كان أصله ما في القلب، وحيث عطفت عليه الأعمال، فإنه أريد أنه لا يكتفي لإيمان القلب، بل لا بد معه من الأعمال الصالحة\" (٢).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٦).\n(٢) الإيمان (١٥٧).","vol":"1","page":115},{"text":"فتبين أن ذكر الأعمال بعد الإيمان هي من باب عطف الخاص على العام.\nوعلى هذا فالأمر -كما يفهم من كلام شيخ الإسلام- في هذه الصورة لا يخلو من حالين:\nإما أن يكون هذا الخاص (الأعمال) داخلًا في العام (الإيمان)، فيكون مذكورًا مرتين.\nإما أن يكون عطفه عليه يقضي أنه ليس داخلًا فيه هنا، وإن كان يدخل فيه منفردًا، كما هو الحال في الشهادتين، ولفظ الفقير والمسكين، وغيرها من الألفاظ التي تتنوع دلالاتها بالإفراد والاقتران (١).\nثانيًا: وأما قولهم: إنهم خوطبوا بالإيمان قبل الأعمال، \"فنقول: إن قلتم: إنهم خوطبوا به قبل أن تجب تلك الأعمال، فقبل وجوبها تكن من الإيمان، وكانوا مؤمنين الإيمان الواجب عليهم، قبل أن يفرض عليهم ما خوطبوا بفرضه، فلما نزل إن لم يقروا بوجوبه لم يكونوا مؤمنين\" (٢).\nثالثًا: وأما قولهم إن من آمن ومات قبل وجوب العمل عليه مات مؤمنًا ودخل الجنة \"فصحيح، لأنه أتى بالواجب عليه، والعمل لم يكن وجب عليه بعد\" (٣).\nكما يرد على هؤلاء بإجماع السلف الصالح قاطبة رضوان الله عليهم، أن الإيمان قول وعمل، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>خامسًا: الرد على الجهمية والأشاعرة والماتريدية:</span>\nقد سبق أن مذهب هؤلاء في الإيمان أنه المعرفة والتصديق، ونحن نذكر في هذا المقام كلام أحد أئمتهم، وهو القاضي أبو بكر الباقلاني،\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٢)، الإيمان (١٦٠).\n(٢) الإيمان (١٥٦).\n(٣) المصدر نفسه (١٥٧)، ونود أن نشير إلى أن هذا الوجه قد تقدم، كأحد الأدلة التي ذكرها شيخ الإسلام على تبعض الإيمان.","vol":"1","page":116},{"text":"حيث يقول: \"فإن قال قائل: خبرونا ما الإيمان عندكم؟ قلنا: الإيمان هو التصديق بالله تعالى، وهو العلم والتصديق يوجد بالقلب فإن قال قائل: وما الدليل على ما قلتم؟ .\nقيل له: إجماع أهل اللغة قاطبة على أن الإيمان في اللغة قبل نزول القرآن وبعثة النبي - ﷺ - هو التصديق، لا يعرفون في لغتهم إيمانًا غير ذلك.\nويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ أي: ما أنت بمصدق لنا. . فوجب أن يكون الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة، لأن الله ﷿ ما غير لسان العرب ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الأمة على نقله، ولغلب إظهاره، وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>الرد الإجمالي:</span>\nويجيب شيخ الإسلام عن ذلك بأجوبة مختصرة، منها ما يلي:\n١ - أن الإيمان في اللغة ليس مرادفًا لتصديق، وإنما هو بمعنى الإقرار.\n٢ - أن الإيمان فإن كان في اللغة هو التصديق، فالتصديق يكون بالقلب واللسان وسائر الجوارح، كما قال النبي - ﷺ -: \"والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\".\n٣ - أن الإيمان -إن ثبت ذلك- فليس هو مطلق التصديق، بل هو تصديق خاص مقيد بقيود اتصل اللفظ بها.\n٤ - أن الإيمان وإن كان هو التصديق، فالتصديق التام الذي يقوم بالقلب يستلزم -ولا بد- الواجب من أعمال القلوب والجوارح، فإنها لوازم الإيمان التام، وانتفاء اللازم دليل على انتفاء الملزوم.\n_________\n(١) تمهيد الأوائل (٣٨٨).","vol":"1","page":117},{"text":"٥ - إن لفظ الإيمان بقي على معناه في اللغة، ولكن الشارع زاد فيه أحكامًا.\n٦ - إن الشارع نقل المعنى من اللغة إلى الشرع (١).\n\nرد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن الإيمان في اللغة هو التصديق:\nويرد شيخ الإسلام على من ادعى الإجماع على أن معنى الإيمان في اللغة هو التصديق، ويورد بعض الأسئلة الي تقض ذلك الإجماع، ومن هذه الأسئلة:\nمن نقل هذا الإجماع؟ ومن أين يعلم هذا الإجماع وفي أي كتاب ذكر هذا الإجماع؟ .\nثم ماذا يعنون بأهل اللغة؟ هل هم نقلتها وعلماؤها، أم هم المتكلمون بها؟ .\nفإن كانوا يعنون الأول، فنقلة اللغة لا ينقلون ما قبل الإسلام بإسناد، وإنما ينقلون ما سمعوه من الرب في زمانهم، ولا نعلم أنهم قد نقلوا لفظ الإيمان على أنه التصديق، فضلًا على أن يكونوا قد أجمعوا عليه.\nوإن كانوا يعنون بأهل اللغة المتكلمين بهذا اللفظ، فهؤلاء لم نهدهم، ولم ينقل لا أحد عنهم.\nثم إنه لا يعرف عن هؤلاء جميعهم أنهم قالوا: الإيمان في اللغة هو التصديق، بل ولا عن بعضهم، وإن قدر أنه قاله بعضهم، فليس هذا إجماعًا.\nثم لو قدر أنهم نقلوا عن العرب كلامًا يفهم منه أن الإيمان هو التصديق، لم يكن ذلك أبلغ من نقل المسلمين كافة للقرآن عن النبي - ﷺ -، وإذا كان مع ذلك قد يظن بعضهم أنه أريد به معنى، ولم يرده، فظن هؤلاء ذلك فيما ينقلونه -إن صح النقل- عن العرب أولى.\n_________\n(١) الإيمان (١٠١).","vol":"1","page":118},{"text":"ثم أين التواتر الموجود عن العرب أنهم كانوا لا يعرفون للإيمان معنى غير التصديق؟ فإن دون ذلك خرط القتاد.\nثم إن هؤلاء لم يذكروا شاهدًا من كلام العرب على أن الإيمان في اللغة هو التصديق بالإجماع، ولم يذكروا إلا كلامًا -هو حجة عليهم وليس لهم-كقولهم: فلان يؤمن بالشفاعة، ويؤمن بالجنة والنار، ويؤمن بعذاب القبر.\nوليس معنى ذلك هو التصديق المجرد بهذه الغيبيات، بل المقصود أنه يؤمن بالجنة ويرجوها، ويؤمن بالنار ويخافها، أما من صدق بها، ولم يخف أو يرجو، فلا يسمى مؤمنًا بها (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>الرد التفصيلي </span>على من قال: إن الإيمان هو التصديق:\nتقوم ردود شيخ الإسلام في غالبها، على الإحاطة بفهم حجج الخصوم، واستقصاء أدلهم، وهو في أكثر الأحيان يستخدم الأدلة الإلزامية التي تلزم الخصوم، وتضعهم في أضيق المواقف، ويقوم رد شيخ الإسلام في القضية التي نحن بصددها على مقامين، المقام الأول يقوم على إبطال أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ويعتمد هذا المقام على عدة فروق في اللفظ والمعنى، وأما المقام الثاني فيقوم على أننا لو سلمنا جدلًا، أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فلا حجة فيه لمن جعله في الشرع كذلك، والآن نأتي إلى التفصيل:\n\nالمقام الأول: إبطال القول بأن الإيمان هو التصديق:\nيذهب شيخ الإسلام إلى أن الإيمان يفارق التصديق في اللفظ والمعنى، ونأتي الآن إلى توضيح ذلك:\n\nأولًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في اللفظ يكون من ناحيتين:\nالأولى: فإنك تقول لمن أخبرك بخبر: صدقته، فيتعدى الفعل بنفسه\n_________\n(١) المصدر السابق (١٠٢).","vol":"1","page":119},{"text":"إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل تقول: آمنت له.\nويقال لمن أخبر رجل بأمر: صدقه، ولا يقال: آمنه، بل يقال: آمن له.\nفلا يقال قط: آمنته، أو آمنه، كما لا يقال: صدقت له، أو صدق له.\nفهذا فرق في اللفظ (١) حيث يتعدى الفعل بنفسه بالنسبة إلى التصديق بخلاف الفعل في الإيمان.\nالثانية: أن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة، مثل: الواحد نصف الإثنين، والسماء فوق الأرض: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال له: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، لأن هذه الأخبار من الأمور المشهودة.\nأما لفظ الإيمان فلا يستعمل إلا في الإخبار عن الأمور الغائبة، كما قال تعالى على لسان إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ أي: بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن أمر غائب.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ أي: أقر له (٢).\n\nثانيًا: الفرق بين الإيمان والتصديق في المعنى:\nفإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن الإقرار مأخوذ من القرار، وهو قريب من آمن يأمن، فالمؤمن دخل في الأمن، كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، وهو على معنيين:\nأحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه شبيه بلفظ التصديق، والشهادة، وهذا هو معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتبهم باسم كتاب الإقرار.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤١٣).\n(٢) المصدر السابق (٤١٣).","vol":"1","page":120},{"text":"الثاني: إنشاء الالتزام، كما في قوله تعالى: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾، ولفظ الإقرار هنا ليس بمعنى الخبر المجرد، وإنما معناه إنشاء الالتزام بالإيمان بالرسول، والتعهد بنصرته، لأن الله ﷿ قال في أول الآية الكريمة: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ (١).\nفتبين أن لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، مثل لفظ الإقرار، بخلاف لفظ التصديق المجرد، وهذا الفرق الأول في المعنى.\nومن الفروق في المعنى: ما ذكره شيخ الإسلام من أن لفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فهو إخبار بصدق الخبر، كما أن التكذيب إخبار بكذب المخبر، والتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر.\nوأما لفظ الإيمان فإنه يستعمل في الحقائق، وفي الإخبار عن الحقائق، فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب، بخلاف لفظ الإيمان، وهذا الفرق الثاني في المعنى (٢).\nومن الفروق أيضًا: أن الذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالي تارة وتعادي أخرى، تختص بلفظ الإيمان، وأما لفظ التصديق فيستعمل في متعلقات هذه الذوات من الحب والبغض، والموالاة والمعاداة، وغير ذلك، فيقال: حب صادق، وبغض صادق.\nويدل على ذلك الدعاء المشهور عند استلام الحجر الأسود: \"اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنّة نبيك\".\nفقد قال: إيمانًا بك، ولم يقل تصديقًا بك، كما قال: تصديقًا\n_________\n(١) المصدر السابق (٤١٤).\n(٢) المصدر نفسه (٤١٥).","vol":"1","page":121},{"text":"بكتابك، وقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ فجعل التصديق بالكلمات والكتب.\nفإنه يقال: الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله، ويا أيها الذين آمنوا، فآمنوا بالله، ولا يقال: التصديق بالله، أو صدقوا بالله، أو يا أيها الذي صدق بالله، وهذا فرق ثالث في المعنى (١).\nومن الفروق الهامة أيضًا: أن لفظ الإيمان يقابله لفظ الكفر، وأما لفظ التصديق فيقابله لفظ التكذيب، لأن الكفر ليس محصورًا في التكذيب فقط، فوجب أن يكون ما يقابله -وهو الإيمان- ليس محصورًا في التصديق، وهذا فرق رابع في المعنى (٢).\n\nالمقام الثاني: مع التسليم بأن الإيمان هو التصديق:\nومع صحة القول بأن الإيمان هو التصديق، فالكلام لا يخرج -كما ذكر شيخ الإسلام- عن أمرين اثنين:\nالأول: أن التصديق ليس بالقلب فقط، بل بالقول والعمل أيضًا، كما في الحديث الصحيح عنه - ﷺ -: \"والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\".\nوكما قال الحسن البصري رحمه الله تعالى: \"ليس الإيمان بالتمنى، ولا بالتحلي، ولكنه ما وقر في المصدر، وصدقه العمل\" (٣).\nالثاني: أن الإيمان -وإن كان هو التصديق- فهو تصديق مخصوص، كالصلاة -وهي في اللغة الدعاء- إلا أنها في لغة الشارع دعاء وعمل مخصوص (٤).\nويقول شيخ الإسلام ﵀ موضحًا: \"أنه لو فرض أن الإيمان في اللغة التصديق، فمعلوم أن الإيمان ليس هو التصديق بكل شيء، بل بشيء مخصوص، وهو ما أخبر به الرسول - ﷺ -، وحينئذٍ فيكون الإيمان في كلام الشارع أخص من الإيمان في اللغة\" (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق (٤١٧).\n(٢) الإيمان (٢٢٩).\n(٣) المصدر نفسه (٢٣٠).\n(٤) المصدر نفسه (٢٣٢).\n(٥) المصدر نفسه (١٠٥).","vol":"1","page":122},{"text":"وعلى هذا فالإيمان كالصلاة، له أصل في لغة العرب، ولكن الشارع أضاف إليه أمورًا، وجعله بالقلب واللسان والجوارح.\nوما دام أننا لم نكتف بمعرفة الصلاة في اللغة حتى ذهبنا لننظر معناها في الشرع، فكذلك الحال في الإيمان.\nوحين نترك المعنى اللغوي للإيمان، ونرى معناه في القرآن، نجد أن الإيمان -كما يقول شيخ الإسلام- ورد فيه مقيدًا، أو مطلقًا مفسرًا، ولم يرد في القرآن أبدًا ذكر إيمان مطلق غير مفسر (١).\nومثال المقيد قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وقوله تعالى: ﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣].\nفقد قيد الإيمان في الآية الأولى بالغيب، وقيد في الآية الثانية بموسى ﵇.\nومثال المطلق المفسر: قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [الأنفال: ٢]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].\n\"وكل إيمان مطلق في القرآن فقد بين فيه أنه لا يكون الرجل مؤمنًا إلا بالعمل مع التصديق، فقد بين في القرآن أن الإيمان لا بد فيه من عمل مع التصديق، كما ذكر مثل ذلك في اسم الصلاة والزكاة والصيام والحج\" (٢).\nوعلى العموم فإننا إذا سلمنا أن الإيمان في اللغة هو التصديق، فليس\n_________\n(١) وهذا الذي ذكره شيخ الإسلام يحمل على الغالب، وإلا فقد وردت آيات قليلة، ذكر فيها الإيمان مطلقًا، والسياق يوضح المراد من الإيمان، ومن هذه الآيات قول الله تعالى: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: ٢٥٣]، فهنا أطلق الإيمان، لم يقيد أو يفسر بشيء.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١١٠].\n(٢) الإيمان (١٠٥).","vol":"1","page":123},{"text":"ذلك دليلًا على أنه في الشرع كذلك -كما ذهب إلى ذلك الأشاعرة والماتريدية- فلئن كان الإيمان في اللغة هو التصديق، فهو تصديق مخصوص كما سبق، أو أن الشارع أضاف إليه أمورًا هي أعمال القلب واللسان والجوارح، فصارت هذه الأمور المجتمعة هي الإيمان الشرعي.\nوفي ذلك يقول الحافظ ابن جرير الطبري ﵀ بعد أن ذكر مذاهب الناس في الإيمان: \"والصواب من القول في ذلك عندنا أن الإيمان اسم للتصديق كما قالته العرب، وجاء به كتاب الله تعالى ذكره خبرًا عن إخوة يوسف من قبلهم لأبيهم يعقوب: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا وَلَوْ كُنَّا صَادِقِينَ﴾ بمعنى: ما أنت بمصدق لنا على قيلنا، غير أن المعنى الذي يستحق به اسم المؤمن بالإطلاق هو الجامع لمعاني الإيمان، وذلك أداء جميع فرائض الله تعالى ذكره، من معرفة وقول وعمل\" (١).\nوقد ذكر الإمام ابن منده كلامًا قريبًا من ذلك وملخصه: أن الإيمان في اللغة هو التصديق، ولكنه في الشرع ما أمر الله به من اعتقاد وقول وعمل (٢).\n\nوالخلاصة: أنه من خلال ما سبق يظهر أن القول بأن الإيمان في اللغة هو التصديق قد يكون له أصل، ولكن الذي يترجح -والله أعلم- أن حصر معنى الإيمان في اللغة بالتصديق محل نظر، خصوصًا وقد ورد له عدة معانٍ أخرى في اللغة، ومناقشات المصنف ﵀ تدل على هذا (٣).\n_________\n(١) التبصير في معالم الدين (١٩٠).\n(٢) الإيمان (٢/ ٣٤٧).\n(٣) يقول ﵀ في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٦): \"ولفظ الإيمان: قيل: أصله التصديق -وليس مطابقًا له، لا بد أن يكون تصديقًا عن غيب، وإلا فالخبر عن مشهود ليس تصديقه إيمانًا لأنه من الأمن الذى هو الطمأنينة، وهذا إنما يكون في المخبر الذى قد يقع به ريب؛ والمشهودات لا ريب فيها- فإما تصديق القلب فقط، كما تقول الجهمية ومن اتبعهم من الأشعرية، وإما القلب واللسان كما تقوله المرجئة، أو باللسان كما تقوله الكرامية، وإما التصديق بالقلب والقول والعمل -فإن الجميع يدخل في مسمى التصديق على مذهب أهل الحديث. . - وقيل: بل هو الإقرار، لأن التصديق إنما يطابق الخبر فقط، وأما الإقرار فيطابق الخبر =","vol":"1","page":124},{"text":"وحتى لو ثبت أن معناه في اللغة كذلك، فليس فيه حجة -وهذا هو المهم- لمن جعل معناه في الشرع هو معناه في اللغة، كما سبق.\nوالمسألة ما تزال بحاجة إلى دراسة مستقصية مركزة في كتب اللغة، واستعمالات كلمة الإيمان، ومشتقاتها في لسان العرب، وكلام الشارع الحكيم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>خامسًا: مناقشة تحليلية لمذاهب المرجئة من الجهمية ومن اتبعهم كالأشاعرة، والماتريدية، وغيرهم، الذين أخرجوا الأعمال من الإيمان:</span>\nلم يكتف شيخ الإسلام ﵀ بالردود الإجمالية، على المخالفين في الإيمان، ولكنه قام يحلل الخلاف في مناقشات واعتراضات وإلزامات، ولكن قبل أن نلج إلى حلبة النقاش، لا بد لنا من تمهيدين هامين:\nالأول: نتسائل فيه ونقول: هل هناك فرق حقيقي بين مذهب الجهمية في الإيمان، وهو المعرفة، وبين مذهب الأشاعرة، والماتريدية، وهو التصديق؟ .\nيقول المصنف حول ذلك الإشكال: \"وأيضًا فإن الفرق بين معرفة القلب وبين مجرد تصديق القلب الخالي عن الانقياد -الذي يُجعل قول القلب- أمر دقيق، وأكثر العقلاء ينكرونه، وبتقدير صحته لا يجب على كل أحد أن يوجب شيئين لا يتصور الفرق بينهما، وأكثر الناس لا يتصورون الفرق بين معرفة القلب وتصديقه، ويقولون: إن ما قاله ابن كلاب والأشعري من الفرق كلام باطل، لا حقيقة له، وكثير من أصحابه اعترف بعدم الفرق ...\nوالمقصود هنا أن الإنسان إذا رجع إلى نفسه عسر عليه التفريق بين علمه بأن الرسول صادق، وبين تصديق قلبه تصديقًا مجردًا عن انقياد وغيره من أعمال القلب بأنه صادق\" (١).\n_________\n= والأمر كقوله: ﴿أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا﴾ ولأن قر وآمن متقاربان، فالإيمان دخول في الأمن، والإقرار دخول في الإقرار، وعلى هذا فالكلمة إقرار، والعلم بها إقرار أيضًا. . \".\n(١) الإيمان (٣١١).","vol":"1","page":125},{"text":"وعلى هذا الأساس نجد أن شيخ الإسلام عند حديثه عن مسألة الإيمان، ومناقشة الآراء والأقوال فيها يردد العبارات التالية في كتابه \"شرح حديث جبريل\" على سبيل المثال:\n\"وهذا وغيره تبين فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه، وأكثر أصحابه، وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي\".\n\"فليس مجرد التصديق الباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي\".\n\"وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان القلب بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة\".\n\"فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله والتكلم بالتثليث\".\n\"وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة\".\n\"وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه\".\nونخرج بعد كل هذا أن شيخ الإسلام لا يرى فرقًا حقيقيًا بين المعرفة والتصديق المجرد، وبالتالي فليس هناك فرق -على الصحيح- بين مذهب الجهمية من جهة، وبين مذهب الأشاعرة والماتريدية في الإيمان من جهة أخرى.\nومن أجل ذلك فهو يطلق أحيانًا اسم الجهمية على الأشاعرة والماتريدية في قضية الإيمان، كما يطلق ذلك الاسم أحيانًا كثيرة على كل من ينفي الصفات مثلًا.\nومن أجل ذلك فستكون مناقشتنا لمذهب الجهمية من خلال مناقشتنا لمذهب الأشاعرة والماتريدية.\nالثاني: أن الإيمان عند هؤلاء هو التصديق، فصن صدق بقلبه فهو","vol":"1","page":126},{"text":"مؤمن إيمانًا كاملًا، ولو لم يعمل شيئًا، فإنه ناج عند الله في الآخرة (١)، وافترضوا أنه يمكن للرجل أن يظهر من ضروب الكفر ما عنّ له، من سب لله ورسوله، وإهانة للمصحف، واستحلال للحرمات، وهو مع ذلك مؤمن كامل الإيمان.\nوفي ذلك يقول المصنف ﵀: \"وأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي، قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث وكل كلمة من كلام الكفر، لى هو كفرًا في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون هذا الساب الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافرًا باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب في الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-50>بعض المفاهيم والأصول الخاطئة العامة عند هؤلاء المرجئة، والرد عليها:</span>\nكعادة شيخ الإسلام دائمًا، يبين الأصول الخاطئة، والقواعد الفاسدة، التي يبني عليها المخالفون بدعهم، ومن هؤلاء: الذين خالفوا أهل السنّة والجماعة في مسمى الإيمان.\nوسوف نذكر هذه الأصول، ونتبعها بشيء من الردود التي رد بها المصنف عليهم.\nومن هذه الأصول الخاطئة التي اجتمعت عليها المرجئة ما ذكر ﵀:\n_________\n(١) فقد صرح جمهور الأشاعرة والماتريدية أن الركن الأول وهو الشهادتان ليس من الإيمان، كما نفى سعد الدين التفتازاني في شرح العقائد النسفية (٤٢٨) -وهو من أهم مصادرهم- أن تكون لا إله إلا الله جزءًا من الإيمان، لدلالة النصوص -كما يقول- على أن محل الإيمان القلب، فلا يكون الإقرار باللسان داخلًا فيه\"، وما دام أن شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قد أخرجت من الإيمان، فغيرها من باب أولى.\nوانظر حول تلك القضية: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤٩١ - ٥١٨).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٤٩)، كما ذكر التفتازاني في شرح العقائد النسفية (٤٢٧) أن السجود للصنم كفر في الظاهر، ولكن لا يحكم بكفره فيما بينه وبين الله.","vol":"1","page":127},{"text":"الأصل الأول: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي فرضه الله ﷿ على العباد متماثل في حق جميع العباد، وأن الإيمان الذي يجب على شخص يجب مثله على كل شخص.\n\nإبطال ذلك الأصل:\nويبطل شيخ الإسلام ذلك الأصل بما يلي:\n١ - إن لله ﷿ أوجب على أتباع الأنبياء المتقدمين من الإيمان ما لم يوجبه على أمة محمد - ﷺ -، وأوجب على أمة محمد - ﷺ - ما لم يوجبه على غيرهم.\n٢ - إن الإيمان الذي كان يجب قبل نزول جميع القرآن، ليس مثل الإيمان الذي وجب بعد نزول القرآن.\n٣ - إن الإيمان الذي وجب على من عرف ما أخبر به النبي - ﷺ - مفصلًا، ليس مثل الإيمان الذي يجب على من عرف ما أخبر به مجملًا.\n٤ - لا يجب على كل أحد من الناس أن يعرف كل ما أمر به النبي - ﷺ -، وكل ما نهى عنه، وكل ما أخبر به، بل عليه أن يعرف ما يجب عليه في حق نفسه هو، وما يحرم عليه، فمن لا مال له مثلًا لا يجب عليه أن يعرف أمر النبي - ﷺ - المفصل في الزكاة، ومن ليست له استطاعة في الحج، فليس عليه أن يعرف أمره المفصل في المناسك، ومن لم يتزوج ليس عليه أن يعرف ما يجب للزوجة ولا للأبناء من حقوق، فظهر أنه يجب من الإيمان -تصديقًا وعملًا- على أناس ما لا يجب على غيرهم (١).\n\nالأصل الثاني: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب هو التصديق فقط، وليس معه شيء آخر، ولم يلتفتوا إلى أعمال القلوب، وأخرجوها (٢).\n_________\n(١) الإيمان (١٥٦).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٤٥)، الإيمان (١٦٢).","vol":"1","page":128},{"text":"إبطال هذا الأصل:\nيكفي في ذلك أن جماهير فرق المرجئة قد أجمعوا على أن عمل القلب من الإيمان، وقد نقل المصنف أقوالهم في ذلك مفصلة عن أبي الحسن الأشعري في كتابه \"شرح حديث جبريل\" (١).\nوسيأتي مزيد من الرد على ذلك إن شاء الله عند التعرض لمناقشة الذين أخرجوا أعمال القلوب من الإيمان.\n\nالأصل الثالث: أنهم ظنوا أن الإيمان الذي في القلب، يكون تامًا بدون شيء من الأعمال، ولهذا يجعلون الأعمال ثمرة الإيمان ومقتضاه، بمنزلة السبب مع المسبب، ولا يجعلونها لازمة له.\n\nإبطال هذا الأصل:\nلا يمكن أبدًا، ولا يتصور مطلقًا أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون شيء من العمل الظاهر، وسيأتي أيضًا مزبد من الرد والإيضاح حول تلك القضية (٢).\n\nالأصل الرابع: أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء والصديقين، ولو لم يعمل خيرًا، لا صلاة، ولا صيامًا، ولا حجًا ولا صلة، ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، وحرمة إلا هتكها، ويكون الرجل عندهم إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا يسجد لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وبغي وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء.\nثم بين ﵀ أن هذا الإلزام الخطير يلزم كل من أخرج الأعمال الظاهرة من مسمى الإيمان (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٣٠ - ٤٣٩).\n(٢) الإيمان (١٦٢)، وانظر كذلك: شرح حديث جبريل (١٤٦) عند الحديث عن حكم ترك جنس العمل.\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٩٤).","vol":"1","page":129},{"text":"إبطال هذا الأصل:\nيستدل شيخ الإسلام على إبطال هذا الأصل بقوله - ﷺ - في الحديث الصحيح المتفق على صحته: \"ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح لها سائر الجسد، وإذا فسدت فسد لها سائر الجسد، ألا وهي القلب\".\nحيث يقول ﵀: \"ثم القلب هو الأصل، فإذا كان فيه معرفة وإرادة سرى ذلك إلى البدن بالضرورة، لا يمكن أن يتخلف البدن عما يريده القلب، ولهذا قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ألا وإن في الجسد مضغة. . \". . فإذا كان القلب صالحًا بما فيه من الإيمان علمًا وعملًا قلبيًا، لزم ضرورة صلاح الجسد بالقول الظاهر، والعمل بالإيمان المطلق. . والظاهر تابع للباطن لازم له، متى صلح الباطن صلح الظاهر، وإذا فسد فسد\" (١).\nوهذا الذي يعصي الله دومًا، ولم يطعه أبدًا، يستحيل أن يكون إيمانه كإيمان النبيين والصديقين، فإن القلب إذا كان فاسدًا، فاقدًا للإيمان، أو ذا إيمان ضعيف جدًا، امتنع أن يطيع صاحبه الله ﷿، بل وانبرى يرتكب كل حرام.\nوهذه الأصول متفق عليها بين الجهمية والأشاعرة والماتريدية ومرجئة الفقهاء كما سبق.\nوهناك أصول اختصت بها الجهمية والأشاعرة والماتريدية، دون غيرهم -كما يفهم من كلام المصنف- ومن هذه الأصول:\n\nالأصل الأول: أنهم قالوا: إن كل من حكم الشرع بأنه كافر مخلد في النار، فذلك لأن قلبه فاقد للتصديق والعلم.\nوفي ذلك يقول ﵀ أنهم: \"جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبليس وفرعون واليهود وأبي طالب وغيرهم- إنه إنما كان كافرًا، لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، وكذلك\n_________\n(١) الإيمان (١٤٩).","vol":"1","page":130},{"text":"جعلوا من يبغض الرسول ويحسده كراهة دينه مستلزمًا لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك\" (١).\n\nإبطال هذا الأصل:\nأولًا: إن هذا قول خالفوا به الحس والعقل والشرع وإجماع بني آدم من ذوي الفطر السليمة، والعقول المستقيمة.\nفالحس والواقع، وكذلك العقل والشرع، تدحض هذا الأصل وتبطله.\nفدليل الحس والواقع: أننا نشاهد كثيرًا من الناس -لا نشك في معرفتهم للحق، وعلمهم به، ولكنهم لا يتبعونه، بل ربما يعادونه، هذا أمر مشاهد، وأشهر من أن ينكر.\nومن هنا سميت الجاهلية، وهي تعني معنيين: عدم العلم، وعدم اتباع العلم.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦].\nفإن هذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه، بسبب بغضه ومعاداته لغيره، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية.\n\nودليل العقل: وهو أنه قد عرف في بدائه العقول السليمة أنه يمكن لأي إنسان -عقلًا- أن يعرف الحق وأن يعلم طريقه، ثم لا يتبع ما عرفه وعلمه من حق، ومن أنكر هذا كان مكابرًا أو مسفسطًا.\n\nودليل الشرع: أننا نجد عامة من كذب الرسل عليهم الصلاة والسلام قد علموا أن الحق معهم، وأنهم صادقون فيما جاءوا به، لكن بسبب حسدهم لهم، أو بسبب إرادتهم العلو والرياسة، أو بسبب الهوى وحب\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٩٤).","vol":"1","page":131},{"text":"الشهوات، أو بسبب حب دينهم الذي كانوا عليه، وما كان يحصل لهم به من أموال وجاه ومناصب، لم يتبعوا الحق الذي جاءت به الرسل صلوات وسلامه عليهم أجمعين، وكانوا يرون في اتباع الرسل ﵈ ترك الأهواء المحبوبة إليهم، أو حصول أمور مكروهة إليهم، فمن أجل ذلك فهم يكذبونهم، بل ويعادونهم ويقاتلونهم.\nوقد قال الله تعالى في محكم التنزيل عن فى عون وملإه: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾ [النمل: ١٣، ١٤].\nيقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ أي في ظاهر أمرهم، ﴿وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ أي علموا في أنفسهم أنها حق من عند الله، ولكن جحدوها وعاندوها وكابروها (ظلمًا وعلوًا) أي ظلمًا من أنفسهم، سجية ملعونة، وعلوًا، أي استكبارًا عن اتباع الحق. . \" (١).\nوحين ذكر الله عن فرعون بعد أن أدركه الغرق أنه قال: ﴿آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [يونس: ٩٠].\nلم يكن مؤمنًا ولا مسلمًا، بل قال الله ﷿ له: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ [يونس: ٩١] فوُصف بالمعصية والفساد، ولم يوصف بعدم العلم والتصديق في الباطن، كما قال تعالى: ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ [المزمل: ١٦].\nأما إبليس فقد قال الله ﷿ عنه: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ [البقرة: ٣٤].\nفلم يصفه إلا بالإباء والاستكبار ومعارضة الأمر، لم يصفه بعدم العلم، وقد أخبر الله ﷾ عن الكفار في غير موضع أنهم كانوا معترفين بالخالق في مثل قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [الزخرف: ٨٧].\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (٣/ ٣٥٨).","vol":"1","page":132},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٣٣)﴾ [الأنعام: ٣٣].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].\nولهذا لا يذكر الكفار حجة صحيحة تقدح في صدق الرسل ﵈، وإنما يعتمدون في كفرهم وجحودهم ومكابرتهم على مخالفة أهوائهم.\nكما قال الكفار من قوم نوح ﵇: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ [الشعراء: ١١١].\nوكما قال الملأ من قوم فرعون: ﴿فَقَالُوا أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾ [المؤمنون: ٤٧].\nوكما قال مشركو العرب: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا﴾ [القصص: ٥٧].\nوكقول عامة المشركين: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٣] (١).\nوبهذا يتبين أن القول بأن كل من حكم الشارع بكفره، فإن ذلك بسبب خلو قلبه من التصديق والمعرفة والعلم، قول باطل، دل على بطلانه الحس والواقع والعقل والشرع وإجماع العقلاء.\nومن الأدلة الشرعية على فساد هذا الأصل، أن هناك آيات كثيرة تدل على أن الكفار في الآخرة يعرفون ربهم، فإن كان مجرد المعرفة إيمانًا كانوا مؤمنين في الآخرة، ومن هذه الآيات: قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٠)﴾ [الأنعام: ٣٠]، وغيرها من الآيات (٢).\nثانيًا: يقول المصنف رحمه الله تعالى: \"وكفر إبليس وفرعون واليهود\n_________\n(١) الإيمان (١٥٢ - ١٥٣).\n(٢) الإيمان (١٢٤).","vol":"1","page":133},{"text":"ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبي واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما بتبع ذلك، لا لأجل تكذيب، وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال لموسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ [الإسراء: ١٠٢] (١).\nوفي كفر إبليس وفرعون واليهود أحد تفسيرين، كما ذكر المصنف:\nأحدهما: تفسير الجهمية والأشاعرة، الذين يقولون: إن التصديق والعلم منتف تمامًا عند هؤلاء.\nالثاني: أن هؤلاء قد علموا الحق وعرفوا صدقه، ولكن ما في قلوبهم من الحسد والكبر مانع من استسلام قلوبهم وانقيادها للحق ومحبتها له، وهذا هو التفسير الصحيح (٢).\n\nشبهة متعلقة بهذا الأصل الفاسد:\nوقد ذكر ﵀ شبهة لهؤلاء، وملخصها:\nأن من كان علمه وتصديقه تامًا أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، مثل الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أنه ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده واستسلامه، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هو شبهة وريب.\nفهؤلاء -كما يقول المصنف ﵀- لا يتصورون أن يكون هناك تصديق باطن مع كفر قط (٣).\n\nالجواب عن هذه الشبهة:\nإن تشبيههم ذلك بالإرادة الجازمة تشبيه باطل، لأن الإرادة الجازمة مع القدرة التامة مستلزمة لوجود المراد.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤١٨).\n(٢) المصدر نفسه (٤١٩).\n(٣) المصدر السابق (٤١٩).","vol":"1","page":134},{"text":"أما العلم بالحق والتصديق به مع القدرة، فليس موجبًا للعمل، بل لا بد من إرادة للحق ومحبة له (١).\nكما ذكر سابقًا أن الإنسان يمكن أن يعرف الحق ويصدق به، وهو قادر على اتباعه، ومع ذلك فلا يتبعه، بل يبغضه ويعاديه.\nثالثًا: يقول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].\nويقول تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦].\nفدلت هاتان الآيتان الكريمتان على أن الطاغوت يؤمن به ويكفر به، ومن المعلوم أن مجرد التصديق بوجوده والعلم بصفاته أمر يشترك فيه المؤمن والكافر على حد سواء.\nوكذلك العلم والتصديق بالأصنام والشيطان والحر أمر يشترك في العلم بحالها المؤمن والكافر.\nفالمؤمن بالجبت والطاغوت، لا يكون مؤمنًا بها بمجرد علمه بها، ولكنه كفر بعبادته لها.\nفبطل إذن أن يكون الإيمان هو مجرد علم وتصديق في القلب (٢).\n\nمقارنة أقوال أهل البدع بعضها ببعض:\nوكعادة المصنف رحمه الله تعالى في التمثيل على تشابه البدع، وبيان أصولها المشتركة فإنه يذكر جملة من الأقوال والعقائد الباطلة التي تشابه هذا الأصل الفاسد.\nفالجهمية والأشاعرة وغيرهم يجعلون الإيمان هو مجرد العلم والتصديق في القلب، ويجعلونه موجبًا للأعمال، فإذا انتفت كان ذلك دليلًا على انتفاء التصديق والعلم في القلب، وأن القلب كان خاليًا من ذلك.\n_________\n(١) المصدر نفسه (٤٢٠).\n(٢) المصدر السابق (٤٥١).","vol":"1","page":135},{"text":"١ - وهذا القول شبيه بقول من قال: إن القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة مستلزمة لوجود المراد المقدور.\n٢ - وشبيه كذلك بقول من قال: إن مجرد علم الله ﷿ بالمخلوقات موجب وجودها.\n٣ - وشبيه أيضًا بقول من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها.\n٤ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن سعادة النفس في مجرد علمها بالحقائق.\n٥ - وشبيه بقول القائل: إن كمال النفس أو كمال الجسم في الحب من غير اقتران حركة إرادية به.\n٦ - وشبيه أيضًا بقول من قال: إن اللذة في مجرد الإدراك والشعور (١).\nوكل هذه الأقوال باطلة:\nفلا بد في القول الأول من وجود الإرادة، ولا تكفي القدرة، فالإنسان الكسلان مثلًا لديه القدرة على العمل والحركة، ولكنه إيثارًا للكسل والبدعة، وعدم وجود الإرادة الجازمة عنده، لا يفعل شيئًا.\nولا بد في القول الثالث من إرادة الله تعالى لوجود المخلوقات مع علمه ﷾.\nولا بد في القول الثالث من وجود القدرة مع الإرادة، فلا تكفي الإرادة وحدها، فالإنسان مثلًا إذا كان عاجزًا عن صنع شيء، لم يستطع أن يصنع ما يريد.\nولا يكفي أبدًا في القول الرابع أن تعلم النفى الحقائق دون أن تتبعها، فلا يكفي أن يكون الإنسان عالمًا بالله ورسوله -حتى يكون سعيدًا- وهو معرض عن محبة الله وعادته ومتابعة رسوله.\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٢٠).","vol":"1","page":136},{"text":"كما أنه ليس صحيحًا في القول الخامس أن كمال النفس بالحب وحده، بل لا بد من حركة إرادية تصاحب هذا الحب، ويكتمل بها.\nوأخيرًا، فليست اللذة في مجرد الإدراك والشعور، بل لا بد من إدراك الملائم الذي هو عبارة عن علاقة بين المدرِك والمدرَك، وهذه العلاقة ليست هي الإدراك والشعور بالشيء.\nوعلى ذلك فاللذة حال يعقب إدراك الملائم، فإن الإنسان الذي يحب الحلوى مثلًا، لا تكون لذته بمجرد ذوقه لها، ولكن لذته تكون بأمر يجده من نفسه يحصل مع الذوق (١).\n\"فلا بد أولًا من أمرين، وآخرًا من أمرين، لا بد أولًا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن ينتهى، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقب ذلك اللذة والفرح مع ذلك\" (٢).\nونخلص من كل ما سبق إلى المعادلة التالية:\nالقدرة التامة + الإرادة الجازمة = وجود المراد المقدور (الفعل).\nإذن لا بد في الإيمان الذي في القلب من شيئين اثنين مجتمعين، وهما:\nتصديق الله ورسوله+ محبة الله ورسوله = إيمان القلب.\nقول القلب+ عمل القلب = إيمان القلب.\nويقول المصنف ﵀ حول ذلك: \"فلا بد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب لله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحسد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٢١).\n(٢) المصدر نفسه (٤٢١).","vol":"1","page":137},{"text":"الذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى النفوس السليمة من الله. . فليس مجرد العلم موجبًا لحب المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له. . \" (١).\n\nالأصل الثاني: أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله، ومن عقيدة التثليث، وغير ذلك قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحب ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة (٢).\n\nإبطال هذا الأصل:\nهذا الأصل ظاهر البطلان، والدليل على بطلانه -كما يقول المصنف- أمران معلومان بالضرورة:\n\nالأمر الأول: أمر معلوم بالاضطرار من الدين.\n\nوالأمر الثاني: أمر معلوم بالاضطرار من أنفسنا.\nفالأول: إننا نعلم أن من سب الله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وقد ذكر الله ﷿ كلمات الكفار في القرآن الكريم وحكم بكفرهم واستحقاقهم الوعيد بها.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١) لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ٧١، ٧٢].\nوقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣].\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٢٢).\n(٢) المصدر نفسه (٤٩٤).","vol":"1","page":138},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ [التوبة: ٦٥ - ٦٦].\nوقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَالُوا كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَكَفَرُوا بَعْدَ إِسْلَامِهِمْ﴾ [التوبة: ٧٤]، وغير ذلك من الآيات، التي يذكر الله فيها أن من تكلم بكلمات الكفر، أو سب الله ورسوله، أو استهزأ بالله وآياته ورسوله، فقد كفر كفرًا أكبر، وهو خالد مخلد في نار جهنم وبئس المصير.\nأما الجهمية ومن تابعهم من الأشعرية والماتريدية فقد جعلوا التكلم بكلمات الكفر، وسب الله ورسوله، والاستهزاء بالله وآياته ورسوله بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الذي قد يخطئ فيه المقر، ولو كان الأمر كذلك، لم يحكم الله بكفرهم، ولم يجعلهم من أهل الوعيد بالشهادة الي قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلا بشرط صدق الشهادة (١).\n\nوالثاني: إن القلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا -ولا بد- أن يلعنه أو يسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد الاعتقاد بأنه رسول الله، وبأنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته في القلب وتعظيمه (٢).\nولا يكتفي المصنف ﵀ بالدليلين السابقين، بل بضيف إليهما أدلة أخرى، ومن الأدلة التي ذكرها ما يلي:\n\nالثالث: أن الله ﷾ قال: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦)﴾ [النحل: ١٠٦].\nفقد ذكر الله ﷿ من كفر بالله من بعد إيمانه، وذكر وعيده في\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٥٠).\n(٢) المصدر نفسه (٤٥٠).","vol":"1","page":139},{"text":"الآخرة، ثم بين سبب ذلك الوعيد فقال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧)﴾ [النحل: ١٠٧].\nفالله ﷾ جعل سبب العذاب والخسران هو استحباب الدنيا على الآخرة، وهؤلاء يقولون: إنما استحقوا الوعد لزوال التصديق والعلم من قلوبهم، فإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة.\nوكلامهم هذا فاسد من وجهين:\n\nالوجه الأول: أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس من باب الحب والبغض، والآية لم تذكر جهل هؤلاء الكافرين أو عدم تصديقهم سببًا لكفرهم، وإنما ذكرت استحبابهم للحياة الدنيا على الآخرة.\n\nالوجه الثاني: أنه قد يجتمع -كما في حال من ذكرته الآية- العلم والتصديق مع استحباب الحياة الدنيا على الآخرة، ومعرفة هذا الكافر بأن الكفر يضر في الآخرة (١).\n\nالرابع: أن الله ﷾ قد استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، وعدم تصديقه لم يستثن المكره، لأن الإكراه على ما في القلب ممتنع، فدل على أن التكلم بالكفر كفر، إلا في حال الإكراه.\nودل على ذلك قوله تعالى في الآية السابقة من سورة النحل: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي كفر بجر إكراه، وفعل ذلك استحبابًا للحياة الدنيا على الآخرة.\nفمن تكلم بدون إكراه، لم يتكلم إلا وصدره منشرح بالكفر (٢).\n\nالخامس: قصة النفر من اليهود الذين جاءوا إلى النبي - ﷺ -، وقالوا له: نشهد إنك لرسول، لم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي أننا نعلم أنك رسول الله، وحين قال لهم: \"فلم لا تتبعونني؟ \" قالوا: نخاف من يهود.\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٥٣)، الإيمان (١٧٤).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٥٣).","vol":"1","page":140},{"text":"فدل ذلك على أن مجرد العلم والأخبار عنه ليس بإيمان، حتى يتكلم بالإيمان على سبيل الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد.\nفالمنافقون كفروا لأنهم قالوا مخبرين عن إيمانهم وهم كاذبون، فكانوا كفارًا في الباطن.\nوهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن (١).\n\nالسادس: أن عم النبي - ﷺ - أبا طالب قد استفاض عنه أنه كان يعلم بنبوة محمد - ﷺ -، ونسب إليه البيت المعروف:\nولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا\nلكنه امتنع -كما هو معلوم- من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أنه يعيره قومه بأنه ترك دين عبد المطلب، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا (٢).\n\nالأصل الثالث: أنهم جعلوا من لا يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة، مع وجوب ذلك عليه وقدرته، يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان سعيدًا في الدار الآخرة (٣).\n\nإبطال هذا الأصل:\nنستطيع أن نعتبر كل ما تقدم من ردود للمصنف على الأصلين السابقين ردودًا على هذا الأصل أيضًا.\nفإنه يمتنع ويستحيل أن يكون قلب الإنسان عامرًا بالإيمان التام، ثم لا يتكلم به ولو مرة في حياته، ولا يطيع الله ﷿ طاعة ظاهرة، فمن كان كذلك علم أن ليس في قلبه الإيمان الواجب.\n_________\n(١) المصدر نفسه (٤٥٥).\n(٢) المصدر نفسه (٤٥٦).\n(٣) المصدر نفسه (٤٩٤).","vol":"1","page":141},{"text":"يقول المصنف مفنِّدًا هذا الأصل: \"وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام. . \" (١).\n\nالأصل الرابع: وهذا أصل لازم لهم، وهو أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل من رآه يصلي، وسفك دم كل من يراه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين، يجوز أن يكون مع كل هذا مؤمنًا وليًا لله، إيمانه مثل إيمان النبيين والصديقين.\n\nإبطال هذا الأصل:\nنقول إن الإيمان الذي في القلب له مع هذه الأمور حالتين لا غير:\n\nالحالة الأولى: أن يكون منافيًا لها، ومضادًا لها.\n\nالحالة الثانية: أن لا يكون منافيًا لها، ولا مضادًا لها.\nفإن كان منافيًا لها كان ترك هذه الأمور موجب الإيمان الباطن ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من تركها، فمن لم تركها دل ذلك على فساد الإيمان الباطن.\nفإن لم يكن منافيًا لها أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها إلا مع عدم الإيمان الباطن.\nوبهذا يتبين أن الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن، وبالتالي فإنها من موجبه ومقتضاه، وبالتالي أيضًا فإنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، لأن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضاه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر موجب الباطن ومقتضاه لزم أن تكون زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه لنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب، كما يقول المصنف (٢).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٤).\n(٢) المصدر السابق (٤٩٥).","vol":"1","page":142},{"text":"ويقول ﵀ في موضع آخر: \"وقالوا: حيث حكم الشرع بكفر أحد بعمل أو قول، فلكونه دليلًا على انتفاء ما في القلب، وقولهم متناقض، فإنه إذا كان ذلك دليلًا مستلزمًا لانتفاء الإيمان الذي في القلب، امتنع أن يكون الإيمان ثابتًا في القلب، مع الدليل المستلزم لنفيه، فإن لم يكن دليلًا لم يجز الاستدلال به على الكفر الباطن\" (١).\nويعلق ﵀ بعد ذلك بقوله: \"وهذه الفضائح تختص بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-51>خلاصة هامة:</span>\nقد تقدم أن الإيمان عند أهل السنّة يشمل: قول القلب وقول اللسان، وعمل القلب وعمل الجوارح.\nوالقائلون بأن الإيمان هو المعرفة أو التصديق -وهم الجهمية والأشاعرة والماتريدية وغيرهم- يخرجون من مسمى الإيمان: عمل القلب، وقول اللسان، وعمل الجوارح، فكل هذه ليست عندهم من الإيمان.\nوأما القائلون بأن الإيمان هو التصديق والإقرار -وهم مرجئة الفقهاء- فقد ألزمهم شيخ الإسلام بأمرين لا محيص عنهما:\n\nالأمر الأول: إن أخرجوا أعمال القلوب من مسمى الإيمان، فقد لزمهم قول الجهمية ولا بد.\n\nالأمر الثاني: وإن أدخلوا أعمال القلوب في مسمى الإيمان لزمهم إدخال أعمال الجوارح، فإنها لازمة لها.\nيقول المصنف عن هؤلاء: \"لكنهم إذا لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان، لزمهم قول جهم، وإن أدخلوها في الإيمان لزمهم دخول أعمال الجوارح أيضًا، فإنها لازمة لها\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٦١٤).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٩٤).\n(٣) الإيمان (١٥٥).","vol":"1","page":143},{"text":"ويقول أيضًا: \"فإخراجهم العلم يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>سادسًا: الرد على من قال: إن دخول الأعمال في الإيمان على سبيل المجاز:</span>\nدأب كثير من المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، على أن الأعمال قد تدخل في الإيمان ولكن على سبيل المجاز، وليس على الحقيقة.\nيقول شيخ الإسلام ﵀ عن هؤلاء: \"والمرجئة المتكلمون منهم والفقهاء منهم يقولون: إن الأعمال قد تسمى إيمانًا مجازًا، لأن العمل ثمرة الإيمان ومقضاه، ولأنها دلل عليه. . \" (٢)، وذكر أن القول بدخول الأعمال في الإيمان مجاز، هو عمدة المرجئة، والجهمية، والكرامية، وكل من لم يدخل الأعمال في اسم الإيمان (٣).\nولشيخ الإسلام في الرد على هؤلاء طريقان:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-53>الطريق الأول: </span>إبطال الحجاز من أساسه، وبيان أن تقسيم الألفاظ في العربية إلى حقيقة ومجاز، قسمة محدثة لا أصل لها.\nيقول ﵀: \"وبكل حال فهذا التقسيم هو اصطلاح حادث بعد انقضاء القرون الثلاثة، لم يتكلم به أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان، ولا أحد من الأئمة المشهورين في العلم، كمالك والثورى والأوزاعي وأبي حنيفة والشافعي، بل ولا تكلم به أئمة اللغة والنحو، كالخليل وسيبويه وأبي عمرو بن العلاء ونحوهم، وأول من عرف أنه تكلم بلفظ المجاز أبو عبيدة معمر بن المثنى في كتابه، ولكن لم يعن بالمجاز ما هو قسيم الحقيقة، وإنما عنى بمجاز الآية: ما يعبر به عن الآية. . . ولم يقل ذلك أحد من\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٨).\n(٢) الإيمان (١٥٥).\n(٣) المصدر نفسه (٧٣).","vol":"1","page":144},{"text":"أهل اللغة، ولا من سلف الأمة وعلمائها، وإنما هذا اصطلاح حادث، والغالب أنه كان من جهة المعتزلة ونحوهم من المتكلمين. . \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-54>الطريق الثاني: </span>مع التسليم بأن هناك مجازًا في اللغة والشرع، فلا دليل فيه لمن أخرج الأعمال من مسمى الإيمان.\nوفي ذلك يقول ﵀: \"إن لم يصح التقسيم إلى حقيقة ومجاز، فلا حاجة إلى هذا، وإن صح فهذا لا ينفعكم، بل هو عليكم لا لكم، لأن الحقيقة هي اللفظ الذي يدل بإطلاق بلا قرينة، والمجاز إنما يدل بقرية، وقد تبين أن لفظ الإيمان حيث أطلق في الكتاب والسنّة، دخلت فيه الأعمال، وإنما يدعى خروجها منه عند التقييد، وهذا يدل على أن الحقيقة قوله: الإيمان بضع وسبعون شعبة\" (٢).\nأما في كتاب \"شرح حديث جبريل\" فيرد المصنف على من قال: إن الأعمال تدخل في الإيمان على سبيل المجاز بأمرين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-55>الأمر الأول: </span>القول بأن الأعمال تخرج منه على سبيل المجاز، وفي هذا المعنى يقول ﵀: \"فإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا، قبل: أولًا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا، بل هذا أقوى، لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\"، فإنما يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما بدل عند التجريد والإطلاق. . \" (٣).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٧٣)، وقد نصر شيخ الإسلام رحمه في ذلك الكتاب القول بإبطال المجاز في اللغة والقرآن والسنّة، وكان ذلك في نحو ست وعشرين صفحة، (٧٣ - ٩٨).\n(٢) المصدر السابق (٩٧).\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٨٣)، وهذا يقوي القول بأن كتاب \"شرح حديث جبريل\" سابق على الإيمان الكبير في التأليف، لاختصاره في الرد على القائلين بدخول الأعمال في الإيمان مجازًا ما وتوسعه في الإيمان الكبير في الرد عليهم، والله أعلم.","vol":"1","page":145},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-56>الأمر الثاني: </span>أن العمل الظاهر فرع للباطن، ولكن هل هو داخل في مسمى الإيمان وجزء منه؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟ .\nويقول المصنف ﵀ مستنتجًا بعد هذا: \"وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان نزاعك لفظيًا. . \" (١).\nويقول ﵀: \"وأيضًا فليس لفظ الإيمان في دلالته على الأعمال المأمور بها بدون لفظ الصلاة والصيام والزكاة والحج، في دلالته على الصلاة الشرعية والصيام الشرعي، والحج الشرعي، سواء قيل: إن الشارع نقله، أو أراد الحكم دون الاسم، أو أراد الاسم وتصرف فيه تصرف أهل العرف، أو خاطب بالاسم مقيدًا لا مطلقًا. . \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>سابعًا: حكم ترك جنس الأعمال:</span>\nأو بمعنى آخر: هل جنس الأعمال شرط لصحة الإيمان؟ .\nلقد سبق الحديث عن أهمية الأعمال من خلال الردود على آراء الفرق المخالفة في الإيمان، ونظرًا لأهمية تلك القضية الخطيرة، فقد استحقت أن تفرد بمبحث خاص، وتبرز من خلال آراء شيخ الإسلام المصنف رحمه الله تعالى، لأجل استنباط موقف أهل السنّة والجماعة من هذه القضية.\nومعلوم أن الإيمان قول وعمل، وهما ركنان لا يتم الإيمان إلا بهما، والمرجئة زعموا أن الإتيان بالركن الأول كافٍ في الإيمان، والسلف لا يرون ذلك أبدًا، وذلك هو موضوع هذا المبحث.\nوالمتأمل يرى بوضوح أن تلك القضية هي الفيصل بين أهل السنّة\n_________\n(١) المصدر نفسه (٤٩٠).\n(٢) الإيمان (٩٨)، وانظر حول ذلك أيضًا: شرح حديث جبريل (٤٨٣).","vol":"1","page":146},{"text":"والجماعة من جانب، وبين المرجئة -على اختلاف آرائهم- من جانب آخر، وهي تمثل الثمرة الحقيقية للخلاف بين الفريقين.\nولقد ركَّز المصنف ﵀ كثيرًا على هذه القضية في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، وأورد من الاستدلالات والبراهين الواضحة، ما يدحض حجج المرجئة، الذين يقولون: إنه يمكن أن يكون الإنسان مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل عملًا قط.\nوقد أورد المصنف ﵀ عدة صور لتارك جنس الأعمال على سبيل التعجب والاستدلال على فساد قول المرجئة وتهافته، ومن ذلك:\nيقول شيخ الإسلام في نص هام عن أهمية جنس العمل على صحة الإيمان: \"والسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم بتساوي إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.\nوأيضًا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن.\nوليس المقصود هنا ذكر عمل معيَّن، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يُتصور إذا رأى الرسول وأعداءه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحض على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة إلا أن يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع\" (١).\nويقول ﵀ في نص آخر لا يقل أهمية عن الأول: \"ومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنًا إيمانًا ثابتًا في قلبه، بأن الله فرض عليه الصلاة والزكاة\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٧ - ٤٤٨).","vol":"1","page":147},{"text":"والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة، ولا يصوم من رمضان، ولا يؤدي زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع.\nولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح. . \" (١).\nوكانت ساحة النزاع بين السلف والمرجئة في هذا المقام هي قضية تارك الصلاة، حيث حكم المرجئة والفقهاء المتأثرون بأصلهم بعدم كفره، بل قال جمهورهم: إنه يستتاب ويعرض على السيف، فإن صلَّى وإلا قتل حدًا.\nولنا في هذا المقام ثلاث وقفات:\n\nالأولى: أن جمهور السلف متفقون على كفر تارك الصلاة بالكلية، وسيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى.\n\nالثانية: أن هذا الافتراض افتراض باطل قطعًا، وهو لا يقع أبدًا إلا في الخيال، أما في الواقع فمن المستحيل وقوع ذلك.\nيقول المصنف ﵀ مبينًا بطلان ذلك الافتراض: \"ولا يُتصور في العادة أن رجلًا بكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، ملتزمًا لشريعة النبي - ﷺ - وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا.\nولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أني لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحش ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو جعل يقتل نبيًا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال، كان كاذبًا فيما أظهره من القول. . \" (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٥٧).\n(٢) المصدر السابق (٥٦٦)، وقد شعر بعض القائلين بعدم كفر تارك الصلاة بضعف هذا القول، وفساد هذا الافتراض، ومن هؤلاء الشيخ ناصر الدين الألباني ﵀ حيت يقول في \"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" (١/ ١٣٠ - ١٣٢): \"ومن المعلوم أن العلماء اختلفوا في حكم تارك الصلاة خاصة، مع إيمانه بمشروعيتها، =","vol":"1","page":148},{"text":"ويقول في موضع آخر: \"ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان مقرًا بوجوب الصلاة فدعي إليها، وامتنع واستتيب ثلاثًا، مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل، هل يموت كافرًا أو فاسقًا؟ على قولين.\nوهذا الفرض باطل قطعًا، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يُضرب أحد ممن يقر بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي به الأمر إلى القتل، وسبب ذلك أن القتل ضرر عظيم لا يصبر عليه الإنسان، إلا لأمر عظيم، مثل لزومه لدين يعتقد أنه إن فارقه هلك، فيصبر عليه حتى يقتل، وسواء كان الدين حقًا أو باطلًا، أما مع اعتقاده أن الفعل يجب عليه باطنًا وظاهرًا، فلا يكون فعل الصلاة أصعب عليه من احتمال القتل قط.\nونظير هذا: لو قيل: إن رجلًا من أهل السنّة قيل له: ترضَّ عن أبي بكر وعمر، فامتنع عن ذلك حتى قتل، مع محبته لهما واعتقاده فضلهما، ومع عدم الأعذار المانعة من الترضي عنهما، فهذا لا يقع قط. . \" (١).\n\nالثالثة: أن السلف رضوان الله عليهم إذا حكموا على تارك الصلاة بالكفر الأكبر -بل قد حكم بعضهم بالكفر على من ترك بقية الأركان الأخرى- هل يعقل عنهم أبدًا أنهم سيحكمون بالإيمان لمن عاش حياته كلها، لم يعمل من أعمال الإسلام شيئًا، لا صلاة، ولا صيامًا، ولا زكاة، ولا حجًا! ! ! .\n_________\n= فالجمهور على أنه لا يكفر بذلك، بل يفسق، وذهب أحمد إلى أنه يكفر، وأنه يقتل ردة لا حدًا. . . وأنا أرى أن الصواب رأي الجمهور. . \".\nثم قال: \"أما لو خير بين القتل والتوبة وبالرجوع إلى المحافظة على الصلاة، فاختار القتل عليها، فقتل، فهو في هذه الحالة يموت كافرًا، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ولا تجري عليه أحكامهم. . . لأنه لا يعقل -لو كان غير جاحد لها في قلبه- أن يختار القتل عليها، هذا أمر مستحيل، معروف بالضرورة من طبيعة الإنسان، لا يحتاج إثباته إلى برهان. . \".\n(١) الإيمان (١٧٣).","vol":"1","page":149},{"text":"فإنه من باب أولى سيحكمون على مثل هذا الشخص بالكفر البواح، ولن يترددوا في ذلك أبدًا.\nيقول شيخ الإسلام ﵀ في موضع آخر: \"ويعلم أنه لو قدر أن قومًا قالوا للنبي - ﷺ -: نحن نؤمن بما جئتنا به بقلوبنا من غير شك، ونقر بألسنتنا بالشهادتين، إلا أنا لا نطيعك في شيء مما أمرت به ونهيت عنه، فلا نصلي ولا نصوم ولا نحج، ولا نصدق الحديث، ولا نؤدي الأمانة، ولا نفي بالعهد، ولا نصل الرحم، ولا نفعل شيئًا من الخير الذي أمرت به، ونشرب الخمر، وننكح ذوات المحارم بالزنى الظاهر، ونقتل من قدرنا عليه من أصحابك وأمتك، ونأخذ أموالهم، بل نقتلك أيضًا، ونقاتلك مع أعدائك، هل كان يتوهم عاقل أن النبي - ﷺ - يقول لهم: أنتم مؤمنون كاملوا الإيمان، وأنتم من أهل شفاعتي يوم القيامة ويرجى لكم أن لا يدخل أحد منكم النار، بل كل مسلم يعلم بالاضطرار أنه يقول لهم: أنتم أكفر الناس بما جئت به، ويضرب رقابهم إن لم يتوبوا من ذلك\" (١).\nوحين يبطل المصنف رحمه الله تعالى القول بعدم كفر تارك الصلاة، واقتراض الفقهاء السابق، ينبه إلى أن الداعي لذلك الافتراض كان متمثلًا في شبهة من شبهات المرجئة.\nيقول ﵀: \"فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية. . \" (٢).\nوبعد أن وضح المصنف لوثة الإرجاء التي دخلت على كثير من الفقهاء الذين تكلموا على حكم تارك الصلاة، قال معقبًا ومنوهًا بأهمية جنس العمل، وأنه لازم للإيمان: \"ولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من\n_________\n(١) المصدر السابق (٢٢٥).\n(٢) شرح حديث جبريل (٥٦٦).","vol":"1","page":150},{"text":"الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع. . \" (١).\nويواصل المصنف الحديث عن حكم ترك جنس العمل، ومن ذلك ما قاله في آخر حديثه عن الإيمان، وقبل فصل الإحسان بقليل.\nيقول ﵀: \"وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا غير ذلك من الواجبات، ولو قدر أنه يؤدي الواجبات، لا لأجل أن الله أوجبها، منل من يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر.\nفإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد - ﷺ -، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ -. . \" (٢).\nوالمرجئة يرون أن اعتقاد القلب، وإقرار اللسان، هما تمام الإيمان، وبهما نجاة العبد في الآخرة، ورأى بعضهم أن قول اللسان يعد عملًا -لما رأوه من أهمية العمل في الشرع- ولهذا أنكر الإمام أحمد على من قال هذا إنكارًا شديدًا، واعتبره قولًا خبيثًا (٣).\nويقول المصنف: \"وهذا هو الحق، فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. . \" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٦٧).\n(٢) المصدر السابق (٥٧٧).\n(٣) روى الخلال في كتاب السنَّة (٥٧١) عن أبي بكر الأثرم ﵀ قال: سمعت أبا عبد الله وقيل له: شبابة أي شيء يقول فيه؟ فقال: شبابة كان يدعو إلى الإرجاء، قال: وقد حكي عن شبابة قول أخبث من هذه الأقاويل ما سمعت عن أحد مثله، قال: يقول شبابة: إذا قال فقد عمل، قال: الإيمان قول وعمل كما يقولون، فإذا قال فقد عمل بجارحته، أي بلسانه حين تكلم، ثم قال أبو عبد الله: هذا قول خبيث ما سمعت أحدًا يقول به، ولا يلغي.\n(٤) شرح حديث جبريل (٤٩٠)، وهذا النص رد على ما تظافر عليه مرجئة عصرنا من =","vol":"1","page":151},{"text":"والآن نأتي إلى الحديث عن حكم تارك الصلاة، كقضية متعلقة بقضية رئيسية، وهي حكم ترك جنس العمل.\n\nحكم تارك الصلاة:\nتارك الصلاة الذي نعنيه في هذا المقام ليس الجاحد لفرضيها، المنكر لوجوبها، فإن من جحد شيئًا معلومًا بالضرورة من الدين -صلاة أو غيرها- فهو كافر، لا خلاف في ذلك.\nوإنما نعني بالتارك هنا الذي يترك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا، مع إقراره بوجوبها.\nوالمصنف حين يتحدث في هذا المقام عن تارك الصلاة، فيقصد به تاركها بالكلية، الذي لا يصلي بالمرة، أما من كان يصلي أحيانًا، ويدع أحيانًا أخرى فهو عنده داخل تحت الوعيد.\nيقول ﵀ في موضع آخر: \"فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة، ويتركونها أخرى، فهؤلاء ليسوا محافظين عليها، وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة بن الصامت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة. . \" (١).\n_________\n= اعتقادهم وقولهم: إن من قال لا إله إلا الله، ولم يعمل شيئًا من أعمال الإسلام يكون مؤمنًا، ولحكم له بالإسلام، وغالى بعضهم فطرد هذا الحكم الباطل، وقال: إن من قال لا إله إلا الله، وحارب أحكام الشريعة الإسلامية بتطبيق وفرض القوانين الوضعية، فهو مسلم! !، وقد كانت هذه الدعوى الباطلة من أهم الدعاوى الشيطانية التي قاوم بها عباد القبور ومجاورة الأضرحة الدعوة السلفية التى جدد الله أمرها في أواسط القرن الثاني عشر الهجري، على يد الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمة الله عليه، وذلك حين قاموا ينعقون بأن مجرد التكلم بالشهادتين كاف في البقاء على الإسلام، حتى وهم يدعون من دون الله أربابًا، ويذبحون ويطوفون لمن لا يملك لهم ضرًا ولا نفعًا، وما زالت فلول المرجئة في هذا العصر تنافح عن بدعة الإرجاء التي بالغ السلف في ذمها، وتصر على أن الإسلام مجرد كلمة تقال باللسان، وأخرى توضع في سجلات الهوية! ! .\n(١) مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٩)، وسيأتي الحديث بتمامه بعد قليل إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":152},{"text":"ويقول ﵀: \"وبهذا نزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا، ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة كالمواريث ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبيّ وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى\" (١).\nوقد ساق المصنف رحمه الله تعالى عددًا لا بأس به من الأدلة التي تبين كفر تارك الصلاة، ومن هذه الأدلة:\n١ - قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٣)﴾ [القلم: ٤٢ - ٤٣].\nويقول ﵀ مُصدرًا لهذه الآية: \"ولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار كقوله. . \" وذكر الآية (٢).\n٢ - قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة، سجد له المؤمنون، وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة، مثل الطبق لا يستطيع السجود\".\nويعقب المصنف على هذا الحديث بقوله: \"فإذا كان هذا حال من كان سجد في الدنيا رياء وسمعة، فكيف حال من لم يسجد قط! ! \" (٣).\n٣ - قوله - ﷺ -: \"إن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله\".\nويستنبط المصنف ﵀ من هذا \"أن من لم يكن يجد لله تأكله النار كله! \" (٤).\n٤ - ما ثبت عنه - ﷺ -: \"أنه يعرف أمته يوم القيامة غرًّا محجلين من آثار الوضوء\".\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٦٧).\n(٢) المصدر نفسه (٥٥٧).\n(٣) المصدر نفسه (٥٥٨).\n(٤) المصدر نفسه (٥٥٨).","vol":"1","page":153},{"text":"ويقول ﵀ بعد هذا: \"فدل ذلك على أن من لم يكن غرًا محجلًا، لم يعرفه النبي - ﷺ -، فلا يكون من أمته\" (١)، وقال في موضع آخر: \"وأما من لم يوضأ قط ولم يصل، فإنه دليل على أنه لا يعرف يوم القيامة\" (٢).\n٥ - قوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩].\n٦ - قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ [٢٠ - ٢٣].\n٧ - قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة ٣١ - ٣٢].\n٨ - قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧].\n٩ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\n١٠ - قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].\nويقول المصنف عن هاتين الآيتين الكريمتين: \"وأيضًا فقد علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة. . \" (٣).\n١١ - قوله - ﷺ -: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر\" (٤).\n١٢ - قوله - ﷺ -: \"من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة\".\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٥٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢١/ ١٧١).\n(٣) شرح حديث جبريل (٥٥٩).\n(٤) وروى مسلم في صحيحه برقم (٨٢) ١/ ٨٥ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\"، والمصنف لم يذكر هذا الحديث، ولعله رأى أن حديث \"العهد الذي بيننا وبينهم\" يكفي عنه.","vol":"1","page":154},{"text":"١٣ - إن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر عنهم بها، فيقال: اختلف أهل الصلاة، واختلف أهل القبلة، والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: مقالات الإسلاميين، واختلاف المصلين.\n١٤ - قوله - ﷺ -: \"من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا، وعليه ما علينا\" (١).\n\nمناقشة المصنف لبعض أدلة الذين لم يكفروا تارك الصلاة:\nيذكر المصنف أن الذين لم يكفروا ترك الصلاة ونحوها، ليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها للتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع النصوص الشرعية الني علقت الكفر بالتولي.\nومن ذلك استدلال الذين لم يكفروا تارك الصلاة بالعمومات التي يحتج بها المرجئة، كقوله: \"من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه. . أدخله الله الجنة. . \"، ونحو ذلك من النصوص (٢).\nفإن هذه النصوص كما بين المصنف رحمه الله تعالى تتناول التارك للصلاة المقر بوجوبها، كما تتناول الجاحد لفرضيتها الفكر لوجوبها، سواء بسواء، ولا فرق بين الأمرين.\nأما الدليل الذي يحوم عليه القائلون بعدم كفر تارك الصلاة، ويحتج به المرجئون كما يقول المصنف، فهو قول النبي - ﷺ -:، خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة\" (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٥٩ - ٥٦٢).\n(٢) المصدر نفسه (٥٦٢).\n(٣) حديث صحيح رواه أهل السنن، ويأتي تخريجه بالتفصيل أثناء تحقيق المتن إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":155},{"text":"ويقول هؤلاء: قد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة.\nوقد ناقش المصنف رحمه هذا الدليل، وأبطل الاستدلال به على عدم كفر تارك الصلاة.\nوفي ذلك يقول ﵀: \"ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق بالمحافظة عليها، والمحافظ فعلها في أوقاتها كما أمر، كما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت. . \" (١).\nويقول أيضًا: \"وقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩].\nفقيل لابن مسعود وغيره: ما إضاعتها؟ فقال: تأخيرها عن وقتها، فقالوا: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا! ! .\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤ - ٥]، ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة\" (٢).\nثم ذكر حديث الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها، وعقب بعده بقوله: \"فنهى عن قتالهم، إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها، لا تركها. . \" (٣).\nويقول بعد ذلك ملخصًا وجه الاستدلال الصحيح، ومبطلًا حجة من استدل به على عدم كفر تارك الصلاة: \"وإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي - ﷺ - إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها، لا من تركها، ونفس ترك صفة المحافظة يقتضي أنهم صلوا، ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ. . \" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٦٣).\n(٢) المصدر نفسه (٥٦٤).\n(٣) المصدر نفسه (٥٦٤).\n(٤) المصدر نفسه (٥٦٥).","vol":"1","page":156},{"text":"والمصنف -كما سبق- يفرق بين تارك الصلاة بالكلية، وبين الذي بصلي أحيانًا، ويدعها أحيانًا أخرى.\nنعود لنذكر أن المصنف ﵀ قد أفاض في تلك القضية -أعني قضية تارك الصلاة بالكلية -تفريعًا للأصل الهام الذي دارت حوله تقريبًا جميع مباحث الإيمان في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، هذا الأصل هو أن جنس الأعمال من لوازم الإيمان الباطن، لا يصح إيمان باطن بدون أعمال ظاهرة.\nلذا نجد أن المصنف يختم حديثه عن الإيمان باعتبار قول القائلين -وهم المرجئة- إن الإيمان الواجب يكون بدون فعل شيء من الواجبات خطئًا بينًا، ويذكر بأن هذه البدعة المذمومة -وهي الإرجاء- قد أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف.\nثم ينبه إلى أن الصلاة هي آكد الأعمال التي لا يصح الإيمان بدون شيء منها، وهي أيضًا أعظم الواجبات وأولها وأجلها (١).\nومن تأمل الأمر وجد أن افتراض إيمان بلا عمل ظاهر، هو بدعة شنعاء لا حقيقة لها في واقع البشر، وإنما هي فكرة فلسفية دارت وتدور في عقول المرجئة قديمًا وحدثًا.\nأما واقع الحياة، وطبيعة البشر، والواقع التطبيقي للجيل الأول في هذه الأمة، والمنهاج الأسمى الذي تربى عليه المؤمنون في الصدر الأول، فكل هذه الأمور تبطل تصورات المرجئة، وتنسفها من أساسها.\nفالمنافقون كما أشار المصنف في أول الكتاب (٢) كانوا يصلون ويزكون وينفقون، ولكن لم يكن يقبل منهم، وكانوا يقاتلون مع المسلمين، ويغزون معهم، ويسافرون إلى الأماكن القاصية للغزو مع المسلمين، ويصابون في أنفهم وأموالهم، ومع ذلك لم يتقبل منهم، أفيعقل أن يقبل\n_________\n(١) المصدر نفسه (٥٧٧).\n(٢) المصدر نفسه (٣٠١).","vol":"1","page":157},{"text":"من إنسان عاش دهره كله، لم يسجد لله سجدة، ولا أطاع الله أبدًا، ثم يزعم أن قلبه عامر بالإيمان.\nهل يعقل أن هناك إنسانًا مؤمنًا محبًا لله ورسوله يعيش حياته لا يصلي ولا يصوم ولا بحج ولا يتصدق؟ .\nوالله ﷿ قد أقام الحجة على من ادعى حب الله تعالى، وجعل علامة بينة على هذا الحب، يعرف بها الصادق من الكاذب، وهذه العلامة هي اتباع النبي - ﷺ -، فقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣١)﴾ [آل عمران: ٣١].\nويقول الحافظ ابن كثير ﵀ عند هذه الآية الكريمة: \"هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية، فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي، في جميع أقواله وأعماله. . \" (١).\nوانظر كيف عقب ﷾ على الآية السابقة بقوله ﷿: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾ [آل عمران: ٣٢].\nفإن التولي عن طاعة الله ورسوله بالكلية كفر، وفي ذلك يقول الحافظ ابن كثير: (فإن تولوا: تخالفوا عن أمره، فإن الله لا يحب الكافرين، فدل على أن مخالفته في الطريقة كفر، والله لا يحب من اتصف بذلك، وإن ادعى وزعم في نفسه أنه محب لله، ويتقرب إليه حتى يتابع النبي الأمي خاتم الرسل، ورسول الله إلى جميع الثقلين الجن والإنس) (٢).\nوأي مخالفة أعظم من أن يعيش المرء دهره وعمره لا يطيع الله، ولا يطيع رسوله طاعة أبدًا! ! وأي قول أشد من هذا التولي! ! .\nوماذا تصنع المرجئة بنصوص الكتاب والسنّة المتظافرة المتواترة المستفيضة الصحيحة الصريحة التي توجب العمل، وتشيد بالعمل، وتحذر من التهاون في العمل، ولا تكاد تذكر الإيمان إلا ومعه العمل.\n_________\n(١) تفسير القرآن العظيم (١/ ٣٥٩).\n(٢) المصدر السابق (١/ ٣٥٩).","vol":"1","page":158},{"text":"والله ﷿ حين يقول في آيات كثيرة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ أو نحوها كقوله: ﴿آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ فجاءت هذه الآيات التي تربط صراحة بين الإيمان والعمل في أكثر من مائة آية، قد علم سبحانه أنه سيأتي أناس من هذه الأمة، يخرجون الأعمال من الإيمان، ويعتقدون باستنباطات فاسدة، أو تأويلات باطلة لتلك النصوص المتظافرة أن الإنسان يكون مؤمنًا كامل الإيمان، ناجيًا عند الله ﷿، ولو لم يحمل عملًا صالحًا قط! ! ! .\nيقول شيخ الإسلام ﵀ بعد أن نبه على أن الأعمال الصالحة المعطوفة على الإيمان دخلت في الإيمان: \"فإذا عطفت عليه ذكرت، لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، فكان ذكرها تخصيصًا وتنصيصًا، ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة -وهو الجنة بلا عذاب- لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحًا، لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل. . \" (١).\n\nنصوص للمصنف تبين أهمية الأعمال، وأن جنسها من لوازم الإيمان:\nقد سبق ذكر عدة نصوص للمصنف رحمه الله تعالى في ذلك الباب، وهناك بعض النصوص التي تحتوي على مناقشات واستدلالات على أهمية جنس العمل وأنه لازم لصحة الإيمان، والتي توضح بما لا يدع مجالًا للشك، أن العمل ركن الإيمان الثاني الذي إذا عدم انهدم بناء الإيمان، وزالت معالمه، وبطلت حقيقته، ويظهر جليًا ما عناه السلف وما تواتر من قولهم، يوم أن قالوا: الإيمان قول وعمل.\nوسوف تكون هناك وقفات يسيرة مع هذه النصوص الهامة التي فتح الله بها على المصنف. يقول المصنف ﵀: \"ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر، والعمل الظاهر ضرورة. . .\nفمن صَدق به وبرسوله، ولم يكن محبًا له ولرسوله، لم يكن مؤمنًا حتى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله.\n_________\n(١) الإيمان (١٦١).","vol":"1","page":159},{"text":"وإذا قام بالقلب الصديق به (أي بالله) والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب.\nفكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل، والبدن هو فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الإيمان. . \" (١).\nفما دام أن هناك في القلب حبًا تامًا مقترنًا بقدرة، فلابد أن يكون هناك عمل بالضرورة، أما إن فقد العمل، فلا يخلو ذلك من سببين: إما أن القدرة مفقودة غير حاصلة، وإما أن يكون الحب ليس تامًا، ولا صحيحًا، بل ليس حبًا في الحقيقة.\nفمن آمن بالله وأحبه فلابد أن يطيعه حتمًا ما دام قادرًا، كما قال الشاعر:\nتعصي الإله وأنت تظهر حبه. . . هذا محال في القياس بديع\nلو كان حبك صادقًا لأطعته. . . إن المحب لمن يحب مطيع (٢)\nكما أن هناك علاقة وثيقة بين أصل الإيمان وفرعه، بين إيمان القلب وإيمان الجوارح، فإذا ثبت الإيمان في القلب، أثمر الأعمال بحسبه ولابد.\nغير أننا ننبه إلى أمر ذي بال، قد نبه عليه المصنف رحمه الله تعالى، وهو أننا حين نقول: إن الأعمال ثمرات الإيمان فإننا نقصد بالطبع أنها لوازم للإيمان الباطن، متى وجد الإيمان الباطن وجدت، كما هو مذهب السلف وأهل السنة.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٢٧).\n(٢) هذه الأبيات منسوبة إلى الإمام الشافعي - ﵁ - وأرضاه، وهي في الديوان الصغير الذي جمعه محمد عفيف الزعبي (٥٨).","vol":"1","page":160},{"text":"أما ما يقصده المرجئة بقولهم: إن الأعمال ثمرات الإيمان الباطن، فيعنون بذلك أن الإيمان الباطن قد يكون سببًا، وقد يكون الإيمان الباطن تامًا كاملًا، وهي لم توجد، وهذا قول باطل (١).\nكما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال الظاهرة والباطنة له تأثير ولا شك في إيمان القلب، وكل منهما يؤثر في الآخر.\n\"غير أن من المهم هنا أن نعرج على الحالة المعاكسة -أي حالة المنافق الذي يستسلم ظاهرًا، وهو غير منقاد باطنًا- لنبين أن ذلك لا يتعارض مع هذه الحقيقة، وذلك أن أعمال المنافق هي بلا ريب أثر ما في قلبه، فقد يقال: لِمَ لَمْ يتلازم الظاهر والباطن في حقه، إذ نراه على ظاهر يخالف باطنه؟ .\nوالجواب: إن القاعدة صحيحة، وإن التلازم ثابت، فإن الالتواء أو التذبذب الخارجي هو أثر الالتواء والتذبذب الباطني المطابق له، والمنافق في الواقع ونفس الأمر ليس منقادًا لا ظاهرًا ولا باطنًا، فهذا هو حكمه عند الله الذي يعلم الأمور على حقائقها.\nومخالفة ظاهره لباطنه إنما هي في علمنا البشري القاصر، حيث يمكن أن يحجبنا بتصنعه وتكلفه أعمال الإيمان الظاهرة عما في قلبه من الكفر، ومع ذلك فليس الأمر على إطلاقه، فبصيرة المؤمنين لها أثر في معرفة المنافق، ولحن القول لا ينفك ينبئ عن المنافقين بين الحين والحين، كما أن اعوجاج المظهر من لوازمه المعلمة عن حقيقة المخبر، ولولا وجود ضعاف الإيمان من غير المنافقين، لكان أمرهم أجلى. . \" (٢).\nونأتي الآن إلى نص آخر للمصنف حيث يقول ﵀ فيه: \"ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ\n_________\n(١) الإيمان (٢٨٥).\n(٢) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٦٤٨).","vol":"1","page":161},{"text":"الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أن من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر، لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله، بل نفس الإيمان ينافي مودتهم، فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل في الإيمان.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨٠ - ٨١] (١).\nوهذه الآية التي أوردها المصنف من أظهر الأدلة على بطلان مذهب المرجئة، ومن أقوى الأدلة أيضًا على أن الإيمان الذي في القلب إذا لم يظهر منه شيء على البدن، فليس بإيمان صحيح، ولا نافع عند الله تعالى في الآخرة.\nفقد ذكر ﷾ أنه كتب الإيمان في قلوبهم، أي جعله في قلوبهم كما ذكر المفسرون (٢)، فنص على إيمان القلب، وقبل ذلك نفى الإيمان عن الذين يوادون من حاد الله ورسوله، حتى لو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم.\nفدل على أن إيمان القلب مرتبط بإيمان الجوارح، أو بعبارة أخرى: أن الإيمان الظاهر لازم للإيمان الباطن.\nوفي حين أنكر الناس على الكرامية قولهم في الإيمان، واعتبروا أن القول المجرد عن الاعتقاد هو الإيمان، فإن المصنف ﵀ لينكر قول الذين يرون أن الإيمان في القلب يكون تامًا بدون العمل.\nيقول عن هاتين الطائفتين التي اعتبرت إحداهما أن التصديق المجرد هو الإيمان، والأخرى التي اعتبرت أن القول المجرد هو الإيمان: \"بل\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٢٨).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٤/ ٣٣٠).","vol":"1","page":162},{"text":"القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، إلا من شذ من أتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ولرسله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي، وفي قولهما من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول: إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا\" (١).\nفالمصنف ﵀ يجعل من حصر الإيمان في القلب وجعله هو التصديق قولا شاذًا، بل يعتبره أبعد وأضل من قول الكرامية الذي اتفق الناس على شذوذه (٢).\nونأتي الآن إلى نص آخر يقول فيه المصنف: \"وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانً جازمًا، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم الماء الإيمان القلبي التام، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه في زعمهم أن مجرد إيمان بدون الإيمان الظاهر ينفع في الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلا ويحصل في الظاهر موجبه بحب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبًا جازمًا، وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك. \" (٣).\nويقول ﵀ في نص آخر: \"أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك، يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والأعمال\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤١).\n(٢) وهؤلاء هم الجهمية ومن تابعهم من الأشعرية وغيرهم، الذين حصروا الإيمان في التصديق، وقد سبق لنا ذكر مناقشة المصنف لهم.\n(٣) المصدر السابق (٤٤٤).","vol":"1","page":163},{"text":"الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد، وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه\" (١).\nويقول أيضًا في نص آخر: \"وإذا نقصت الأعمال الظاهرة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب، أن تعدم الأعمال الظاهرة الواجبة، بل يلزم من وجود هذا كاملًا وجود هذا كاملًا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا، إذ تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجب تام بلا موجبه، وعلة بلا معلولها، وهذا ممتنع\" (٢).\nوكل هذه النصوص التي نقلت عن المصنف رحمه الله تعالى، توضح أن الإيمان قول وعمل، كالبدن والروح، لا بدن إلا بروح، ولا روح إلا ببدن، فكذلك لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان (٣).\nومن المحال أن يوجد شخص في قلبه إيمان كامل -كما تقوله المرجئة- ويعيش الدهر كله عاصيًا لله، لا يقوم بطاعة أبدًا.\nولذلك أنكر السلف رضوان الله عليهم مقالة الإرجاء، واعتبروها من أخطر المقالات.\nويقول المصنف بعد كل المناقشات والردود على المخالفين في حقيقة الإيمان: \"وهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق، الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم، بصريح المعقول، وصحيح المنقول، كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة\" (٤).\n\nوالخلاصة: أن تارك جنس العمل ليس مؤمنًا، بل هو كافر بالله باطنًا وظاهرًا، حتى لو أجريت عليه أحكام المسلمين الظاهرة، كما أجريت على المنافقين.\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٨١).\n(٢) المصدر نفسه (٤٩٢).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٦٨).\n(٤) شرح حديث جبريل (٤٩٦).","vol":"1","page":164},{"text":"وقد مر كيف أن جمهور السلف قد أجمعوا على كفر تارك الصلاة، بل قد كفَّر كثير منهم تارك الزكاة والصيام والحج، فمن باب أولى أن الذي لم يعمل شيئًا مطلقًا كافر لا شك عندهم في كفره.\nعلى أننا يحسن التنبيه في هذا المقام إلى مسألتين متعلقتين بموضوع ترك جنس الأعمال.\n\nالمسألة الأولى: ما يتعلق بحديث حذيفة بن اليمان - ﵁ - وأرضاه، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يدرس الإسلام كما يدرس وشي الثوب، حتى لا يدرى ما صيام ولا صلاة ولا نسك ولا صدقة، وليسرى على كتاب الله ﷿ في ليلة، فلا يبقى في الأرض منه آية، وتبقى طوائف من الناس: الشيخ الكبير والعجوز، يقولون: أدركنا آباءنا على هذه الكلمة: لا إله إلا الله، فنحن نقولها\".\nفقال صلة بن زفر لحذيفة: ما تغني عنهم لا إله إلا الله، وهم لا يدرون ما صلاة ولا صيام ولا نسك ولا صدقة؟ فأعرض عنه حذيفة، ثم ردها عليه ثلاثًا، كل ذلك يعرض عنه حذيفة، ثم أقبل عليه في الثالثة فقال: يا صلة، تنجيهم من النار، ثلاثًا (١).\nفهذا الحديث قد يفهم منه بعض الناس أنه مخالف لما سبق تقريره عن السلف في حكم تارك جنس الأعمال، ويعتقد أن الأمر بخلاف ذلك، فيراه مؤمنًا ناجيًا عند الله، مستدلًا بقول حذيفة - ﵁ - في جوابه لصلة: يا صلة! ! تنجيهم من النار.\nوفي الواقع إن الحديث ليس فيه ما يؤيد هذا الفهم الخاطئ، ولا\n_________\n(١) رواه ابن ماجه برقم (٤٠٤٩) كتاب الفتن، والحاكم في المستدرك (٤/ ٤٧٣)، وقال: حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، ورواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١/ ٤٠٠)، وقال الحافظ في الفتح عن رواية ابن ماجه (١٣/ ١٦): سنده قوي.\nوحكم عليه الشيخ، الألباني بأنه على شرط مسلم في سلسلته الصحيحة (١/ ١٢٧)، وهو في كتابه صحيح سنن ابن ماجه برقم (٣٢٧٣).","vol":"1","page":165},{"text":"مانع أنه في فترات اندراس الإسلام، وخفوت أنواره ومعالمه، وانتشار الجهل، أن يكون تارك الصلاة، أو تارك جنس العمل، ليس كافرًا، ولا مخلدًا في النار، فإن العذر بالجهل مانع من موانع الكفر.\nوهذا الحديث يشير إلى اندراس الإسلام وانتشار الجهل، وعجز الناس عن معرفة فرائضه وأحكامه، والله ﷿ لا يكلف نفسًا إلا وسعها، وليس في وسعها -في ذلك الزمان- معرفة شيء منه إلا الشهادة، وهؤلاء معذورون بالعجز، وليس في الحديث أنهم يتركون الفرائض مع علمهم بها.\nوقد أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى إلى ذلك فقال: \"لكن من الناس من يكون جاهلًا ببعض الأحكام جهلًا يعذر به، فلا يحكم بكفر أحد حتى تقوم عليه الحجة من جهة بلاغ الرسالة، كما قال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: ١٦٥]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا﴾ [الأمراء: ١٥].\nولهذا لو أسلم رجل ولم يعلم أن الصلاة واجبة عليه، أو لم يعلم أن الخمر يحرم، لم يكفر بعدم اعتقاد إيجاب هذا وتحريم هذا، بل ولم يعاقب حتى تبلغه الحجة النبوية. .\nوكثير من الناس قد ينشأ في الأمكنة والأزمنة الذي يندرس فيها كثير من علوم النبوات، حتى لا يبقى من يبلغ ما بعث الله به رسوله من الكتاب والحكمة، فلا يعلم كثيرًا مما يبعث الله به رسوله، ولا يكون هناك من يبلغه ذلك، ومثل هذا لا يكفر.\nولهذا اتفق الأئمة على أن من نشأ ببادية بعيدة عن أهل العلم والإيمان، وكان حديث العهد بالإسلام، فأنكر شيئًا من هذه الأحكام الظاهرة المتواترة، فإنه لا يحكم بكفره حتى يعرف ما جاء به الرسول.\nولهذا جاء في الحديث: \"يأتي على الناس زمان لا يعرفون فيه صلاة ولا زكاة وصومًا ولا حجًا، إلا الشيخ الكبير، والعجوز الكبيرة، يقول: أدركا آباءنا وهم يقولون: لا إله إلا الله\" (١).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٤٠٦ - ٤٠٨).","vol":"1","page":166},{"text":"ثم ذكر ﵀ ما أورده في كتاب \"شرح حديث جبريل\" من حديث الرجل الذي أمر أهله بتحريقه وتذريته، ظانًا أن الله لا يقدر على بعثه وإعادته، فأنكر قدرة الله ﷿ على الإعادة، وأنكر معاد الأبدان، وكلاهما كفر، ولكنه كان مؤمنًا بالله، مؤمنًا بأمره وخشيته، جاهلًا بذلك، ضالًا في ظنه مخطئًا، فغفر الله له ذلك (١).\nفتبين أن حديث حذيفة - ﵁ - يحمل على ما قاله شيخ الإسلام، ألا ترى أن صلة ﵀ قد تعجب من مجرد قولهم لا إله إلا الله، وأن ذلك ينفعهم، لأنه قد رسخ في نفوس السلف رضوان الله عليهم أن الإيمان لا غنى له ولا قوام إلا بالعمل، أي أن جنس العمل لا يصح الإيمان إلا به، ولذلك تساءل صلة، فلما خفي عليه حكم بعض الحالات الاستثنائية وأراد تنزيلها على الأصل، بين له حذيفة - ﵁ -، أن تلك حالة خاصة.\n\nالمسألة الثانية: ما ورد في بعض الأحاديث الدالة على خروج عصاة الموحدين من النار، وفي بعض الروايات أن الله ﷿ بعد أن تشفع فيهم الملائكة، ويشفع النبيون، ويشفع المؤمنون، يقبض أرحم الراحمين قبضة من النار، فيخرج منها قومًا لم يعملوا خيرًا قط: \"فيخرجون منها كاللؤلؤ في رقابهم الخواتيم، يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله، الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه. . \" (٢).\nفقد جاء في الحديث: لم يعملوا خيرًا قط، وجاء فيه أيضًا: أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه، ولا خير قدموه.\nوربما احتج بعض الناس على أن ترك جنس الأعمال ليس كفرًا، وفي الواقع كيف يمكن لمستدل بنص واحد أن يقف في وجه عشرات، بل مئات النصوص التي تأمر بالعمل، وتجعل من الأعمال ركنًا من أركان الإيمان لا يتم إلا به.\n_________\n(١) المصدر نفسه (١١/ ٤٠٩).\n(٢) هذه رواية مسلم، رواها برقم (١٨٣١) ١/ ١٤٥، كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية.","vol":"1","page":167},{"text":"وقد بين إمام الأئمة ابن خزيمة رحمه الله تعالى أن قوله في الحديث (لم يعملوا خيرًا قط) جريًا على ما تعارفت عليه العرب، واستعملته في كلامها، من نفي الاسم عن الشيء لنقصه عن الكمال والتمام، لا لانتفائه نهائيًا (١).\nوقد وردت تلك الصيغة في غير حديث عن النبي - ﷺ -، منها الحديث الذي رواه النسائي وأحمد وابن حبان والحاكم، وأصله في الصحيحين، لكن ليس فيه: لم يعمل خيرًا قط، ولكنها ثابتة من الروايات الأخرى، في الرجل الذي لم يعمل خيرًا قط، وكان يداين الناس، ويأمر غلمانه بالتجاوز عن المعسرين، وفي رواية عند الحاكم من حديث ابن مسعود: حوسب رجل، فلم يوجد له خير، ثم ذكر الحديث، وكيف أنه كان ينظر المعسرين، ويتجاوز عنهم.\nولفظ النسائي: (إن رجلًا لم يعمل خيرًا قط، وكان يداين الناس، فيقول لرسوله: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز لعل الله تعالى، أن يتجاوز عنا، قلما هلك فال الله ﷿ له: هل عملت خيرًا قط؟، قال: لا، إلا أنه كان لي غلام، وكنت أداين الناس، فإذا بعثته ليتقاضى، قلت له: خذ ما تيسر، واترك ما عسر، وتجاوز، لعل الله يتجاوز عنا، قال الله تعالى: قد تجاوزت عنك) (٢).\nوالشاهد في هذا الحديث، قوله: لم يعمل خيرًا قط! ! فهل هذا النفي على عمومه، أي أن الرجل بالفعل ما صنع خيرًا أبدًا؟ .\nأم أن النفي قد جرى مجرى الأغلب، فيقال لمن غلب شره خيره: فلان لا خير فيه! ! .\n_________\n(١) التوحيد (٣٠٩).\n(٢) رواه النسائي برقم (٤٦٩٤) كتاب البيوع، ورواه في سننه الكبرى (٤/ ٦٠)، وأحمد برقم (٨٧١٥)، وابن حبان في صحيحه برقم (٥٠٤٣) ١١/ ٤٢٢، وقال محققه: \"إسناده حسن\"، والحاكم في المستدرك من طريقين، إحداهما (٢/ ٢٨) على شرط مسلم كما قال، والأخرى على شرط الشيخين (٢/ ٢٩)، ووافقه الذهبي في كلا الطريقين.","vol":"1","page":168},{"text":"والواقع أن الثاني هو المقصود بالطبع، كيف وقد صرح في الحديث بأنه كان يعمل الخير، وذلك حين كان يتجاوز عن المعسرين، وهذا من أعمال الجوارح، أو ما قام بقلبه حين كان يقول: لعل الله بتجاوز عنا، وهذه الكلمة تتضمن في طياتها خوفًا ورجاء، وهما من أعمال القلوب.\nولكن التساؤل المشكل الذي لا ينفك يطرح نفسه للنقاش، عند الحديث عن لزوم جنس العمل للإيمان، هو هل هناك حالات شاذة يضعف فيها إيمان القلب، حتى لا يستطيع التأثير على الجوارح؟ .\nأو بمعنى آخر: هل يمكن أن يكون في القلب إيمان ضعيف للغاية، ولا يظهر له أي أثر على الجوارح؟ .\nوالجواب: أنه لا بد أن يظهر يومًا من الأيام أثر لذلك الإيمان الضعيف جدًا الساكن في القلب، ولو مرة واحدة، ولو لم يشعر بذلك أحد البتة.\nولكن نتيجة للضعف الشديد لذلك الإيمان يضعف أثره حتى لكأنما يصير معدومًا، ولكن محال أن لا يصدر عنه حركة، ولو يسيرة، ولو لم يشعر بها أحد.\nومعتقد السلف الصالح، ينكر هذا أشد الإنكار ونصوص شيخ الإسلام المتظافرة تجمع على أنه يستحيل أن يوجد إيمان مجزئ في الآخرة، ولا يكون له أي أثر على الإطلاق، ولكن أن يضعف التأثير، ويضعف بالتالي الأثر حتى لكأنه شبه المعدوم شيء آخر.\nوزيادة في التوضيح \"قد تحصل حالة شاذة خفية، وهي أن يضعف إيمان القلب ضعفًا، لا يبقى معه قدرة على تحريك الجوارح لعمل خير (على الأقل في الظاهر)، مثله مثل المريض الفاقد الحركة والإحساس، إلا أن في قلبه نبضًا، لا يستطيع الأطباء معه الحكم بوفاته، مع أنه ميئوس من شفائه، فهو ظاهرًا في حكم الميت، وباطنًا لديه هذا القدر الضئيل من الحياة الذي لا حركة معه\" (١).\n_________\n(١) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٥٢٩).","vol":"1","page":169},{"text":"وهذه الحالات أضحت معروفة في عصرنا هذا، ووقع فيها نزاع بين الكثيرين من الفقهاء والأطباء في حكمها، هل يحكم على أصحابها بالموت، أم يحكم لهم بالحياة، ولكل منهما أحكام خاصة (١).\nوقد تعود إلى بعض هؤلاء ملامح الحياة الواضحة، وإن كان ذلك في النادر القليل (٢)، ولكن الشاهد أنه كما توجد مثل هذه الحالة التي ذكرت آنفًا، فإنه قد توجد حالات شاذة يضعف فيها ما في القلب من الإيمان حتى لا يقوى على تحريك صاحبه على فعل خير، على الأقل في الظاهر.\nوهناك مثال آخر، فقد تكون هناك شجرة قد قطعت أغصانها، فلم يبق منها سوى جذع يابس، كأنه خشب مغروس في الأرض، وقد تكون فيها حياة، ولكن لا أثر لها البتة، ولا يشعر بها أحد، ولكن بعد مضي عدة سنين، إذا بالجذع تخرج منه نبتة صغيرة، وتظهر فيه الحياة من جديد، وإن لم تعد الشجرة سيرتها الأولى.\n_________\n(١) يقول د. مختار المهدي في بحث قدمه إلى مؤتمر الطب الإسلامي في الكويت، بعنوان: نهاية الحياة الإنسانية، واصفًا للمثال الذي ذكر أعلاه: \"يكون هناك فقد كامل للوعي، يستمر هذا الإنسان في حياة يصفها البعض خطأ بالحياة النباتية، والبعض الآخر بالحياة الخلوية، وكلها تعبيرات غير دقيقة من الناحية العلمية، وقد يكون وصف (حياة جسدية) هو الوصف الأدق، ومن الناحية النظرية يمكن لإنسان من هذا النوع أن يعيش مدى حياة كامل على هذا الوضع، ويعتمد ذلك على مستوى كفاءة التمريض والرعاية الطبية وعلاج الأمراض العارضة والتي قد تصيبه نتيجة للرقاد الطويل وهذا المريض يحتاج إلى إطعام عن طريق أنبوب إلى المعدة بغذاء شبه سائل بنسب متوازنة، وعناية مستمرة بالجلد، وتقليب الجسد أو تغيير أوضاعه كل ساعتين تقريبًا لمنع قرح الفراش. . وإنسان مثل هذا يتنفس ذاتيًا، لأن جذع المخ سليم، ولكن حياة مثل هذا لا تكون إلا داخل مستشفى، وهي بالتأكيد كارثة اقتصادية، للتكلفة المادية الباهظة، وانعدام الأمل في عودة المريض إلى وعيه، وقد رأيت بنفسي إحدى هذه الحالات استمرت حياتها لمدة خمسة عشر عامًا على هذا الوضع في إحدى (أحد) المستشفيات الأوربية. . \" مجلة مجمع الفقه الإسلامى (٥٦٥) العدد الثالث، الجزء الثاني (١٤٠٨ هـ- ١٩٨٧ م).\nوانظر: أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها (٣٤٢ - ٣٥٤) للدكتور محمد بن محمد المختار الشنقيطي، حيث رجح عدم اعتبار الإنسان ميتًا بمجرد موت دماغه.\n(٢) المصدر نفسه (٦٨٥ - ٦٨٧).","vol":"1","page":170},{"text":"والمقصود أن هناك حالات شاذة، ولكن الشاذ لا حكم له، وإنما الحكم والعبرة بالعموم \"فلا أحد يقول بإخضاع أحكام الأحياء الأصحاء لحكم مثل هذه الحالة الشاذة، أو بعارض بها السنن الثابتة المعلومة في الحياة والأحياء.\nونخلص من هذا إلى أنه مع حفظ عموم دلالة الأصول الكلية، توجد حالات خاصة، يكون فيها تارك جنس العمل، أو تارك الصلاة غير مخلد في النار، وقد لا يدخلها أصلًا. . \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>ثامنًا: موقف شيخ الإسلام من الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء في الإيمان:</span>\nمن المعلوم أن السلف قد أجمعوا على ذم المرجئة الفقهاء، وأمروا بهجرهم وعدم مجالستهم، حين قالوا: إن الأعمال ليست من الإيمان، وقد كبر على السلف رضوان الله عليهم أن تكون الصلاة والزكاة وسائر الأعمال الفاضلة ليست من الإيمان، وأدركوا ما قد يترتب على تلك البدعة، من تهاون في الواجبات، وما قد ينطوي عليها من استشراء للفسق والفساد -وهو ما وقع بالفعل بعد ذلك- فقاموا يحاربونها بلا هوادة.\nوقد قال كثيرون قديمًا وحديثًا: إن الخطب يسير، والأمر محتمل، وأن حقيقة الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء من أمثال حماد بن أبي سليمان وأبي حنيفة ﵀ خلاف لفظي أو صوري، أو غير حقيقي (٢).\nوليس المقصود بهذا البحث هو تحرير حقيقة النزاع بين الفريقين (٣) بالدرجة الأولى، ولكن المقصود هو معرفة موقف المصنف تحديدًا من هذه القضية.\nولتكن عبارات المصنف هي المرجح الوحيد في تلك المسألة، ولا\n_________\n(١) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٧٥٧).\n(٢) ومن هؤلاء العلامة ابن أبي العز في شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٦٢).\n(٣) سيأتي الحديث عن تلك القضية -إن شاء الله- أثناء تحقيق المتن، عند الكلام على مذهب أبي حنيفة في الإيمان.","vol":"1","page":171},{"text":"بأس بعد ذلك أن نذكر عددًا لا بأس به من نصوصه في هذا المقام، ومن ثم نصل إلى نتيجة صحيحة بإذن الله.\nيقول ﵀: \"ثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان، نزاعًا كثيرًا، منه لفظي، وكثير منه معنوي. .\nوأنكر حماد بن أبي سليمان ومن اتبعه تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه، والاستثناء فيه، وهؤلاء من مرجئة الفقهاء. .\nثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم، ولم أعلم أحدًا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنهم لا يكفرون في ذلك. . \" (١).\nويقول في موضع آخر: \"إذا تبين هذا، وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة. . زالت الشبهة العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي، في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفعل الإيمان دالًا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم الإيمان ومعلول له وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق اللزوم؟ \" (٢).\nويقول في موضع آخر: \"وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترف بهذا كان النزاع لفظيًا\" (٣).\nويقول: \"فإذا قال: إنها (أي: الأعمال الظاهرة) من لوازمه، وأن الإيمان الباطن يستلزم عملًا صالحًا ظاهرًا، كان بعد ذلك قوله: ان تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان، أو جزءًا منه نزاعًا لفظيًا\" (٤).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٦٦ - ٣٧٢، ٣٧٧).\n(٢) المصدر السابق (٤٨١).\n(٣) المصدر السابق (٤٨٩).\n(٤) المصدر السابق (٤٩٤).","vol":"1","page":172},{"text":"ويقول: \"ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سراء جعل تلك الواجبات لازمًا له، أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأ بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف\" (١).\nويقول أيضًا: \"فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل، كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعًا لفظيًا، مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والله. . \" (٢).\nويقول: \"ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة يكفرون أنواعًا ممن يقول كذا وكذا، لما فيه من الاستخفاف، ويجعلونه مرتدًا ببعض هذه الأنواع، مع النزاع اللفظي الذي بين أصحابه وبين الجمهور في العمل: هل هو داخل في اسم الإيمان، أم لا؟ \" (٣).\nويقول: \"وهذا التصديق له لوازم صارت لوازمه داخلة في مسماه عبد الإطلاق، فإن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، ويبقى النزاع لفظيًا: هل الإيمان دال على العمل بالتضمن أو اللزوم؟ .\nومما ينبغي أن يعرف أن أكثر التنازع بين أهل السنّة في هذه المسألة هو نزاع لفظي، وإلا فالقائلون بأن الإيمان قول، من الفقهاء كحماد بن أبي سليمان، وهو أول من قال ذلك، ومن اتبعه من أهل الكوفة وغيرهم، متفقون مع جميع علماء السنّة على أن أصحاب الذنوب داخلون تحت الذم والوعيد، وإن قالوا: إن إيمانهم كامل إيمان جبريل، فهم يقولون: إن الإيمان بدون العمل المفروض، ومع فعل المحرمات يكون صاحبه مستحقًا للذم والعقاب، كما تقوله الجماعة، ويقولون أيضًا: بأن من أهل الكبائر من يدخل النار كما تقوله الجماعة\" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٧٧).\n(٢) الإيمان (١٤٥).\n(٣) المصدر السابق (١٧٣).\n(٤) المصدر السابق (٢٣٣).","vol":"1","page":173},{"text":"ويقول أيضًا: \"ولهذا دخل في إرجاء الفقهاء جماعة عند الأمة أهل علم ودين، ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحدًا من مرجئة الفقهاء، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال، لا من بدع العقائد، فإن كثيرًا من النزاع فيها لفظي، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنّة هو الصواب، فليس لأحد أن يقول بخلاف قول الله ورسوله، لا سيما وقد صار ذلك ذريعة إلى بدع أهل الكلام من أهل الإرجاء، وغيرهم، وإلى ظهور الفسق، فصار ذلك الخطأ اليسير في اللفظ سببًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال، فلهذا عظم القول في ذم الإرجاء\" (١).\nويقول أيضًا: \"وحدثت المرجئة. . وكانت أخف البدع، فإن كثيرًا من النزاع فيها نزاع في الاسم واللفظ دون الحكم، إذ كان الفقهاء الذين يضاف إليهم هذا القول. . هم مع سائر أهل السنّة متفقين على أن الله يعذب من يعذبه من أهل الكبائر بالنار، ثم يخرجهم بالشفاعة. . وعلى أنه لابد في الإيمان أن يتكلم بلسانه، وعلى أن الأعمال المفروضة واجبة، وتاركها مستحق للذم والعقاب، فكان في الأعمال، هل هي من الإيمان؟ وفي الاستثناء ونحو ذلك، عامته نزاع لفظي. . \" (٢).\nوبعد تأمل النصوص السابقة، وغيرها يظهر ما يلي:\nأولًا: أن علماء السلف رضوان الله عليهم أجمعين قد اشتد نكيرهم على المرجئة، وبالغوا في ذمهم والتنقير منهم.\n\"والقضية التي لا ينبغي أن تفوتنا هي أن كلمة المرجئة في اصطلاح هؤلاء العلماء إنما تعني هذا الإرجاء -أي إرجاء الفقهاء- وظل هذا قائمًا حتى بعد ظهور الجهمية. . فكل ذم أو عيب قيل في المرجئة، فهو منصرف لهم وحدهم حتى منتصف القرن الثاني تقريبًا، بل هو الأغلب إلى القرن الثالث\" (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٠٨).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢١٣/ ٣٨).\n(٣) ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٣٨٠).","vol":"1","page":174},{"text":"فمذهب المرجئة -من إخراج للأعمال من مسمى الإيمان، ونفيهم لزيادة الإيمان ونقصانه، ومنع الاستثناء فيه وتحريمه، واعتبار من استثنوا فيه شكاكًا، وقولهم إن إيمان الناس سواء لا يتفاضلون في، إيمان الفساق، وإيمان جبريل ﵇ - مذهب مبتدع في دين الإسلام.\nثانيًا: ومع ذم السلف لهؤلاء المرجئة وتبديعهم، فإنهم لم يكفروهم، بل اتفقوا على عدم تكفيرهم.\nثالثًا: أن المصنف -وهو غاية في إنصاف المخالفين- يعتذر لمرجئة الفقهاء، ويذكر أن لهم شبهات التبس الأمر عليهم بسببها (١)، ويذكر أن منهم أناسًا معروفين عند الأمة بالعلم والدين، وربما أطلق على بعضهم وصف الأكابر (٢).\nرابعًا: أن المصنف مع قوله بأن نزاع هؤلاء مع المرجئة لفظي، ومع اعتذاره لهم، فقد انتقدهم وخطأهم في أمور منها:\n١ - أن بدعتهم في الإيمان مخالفة للكتاب والسنّة.\n٢ - أن هذه البدعة قد صارت ذريعة إلى إرجاء أهل الكلام من الجهمية وغيرهم.\n٣ - أن هذه البدعة قد أدت إلى ظهور الفسق.\nوصار -كما يقول- ذلك الخطأ اليسير في اللفظ شيئًا لخطأ عظيم في العقائد والأعمال.\nوانظر إلى قوله ﵀: \"ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل تلك الواجبات لازمًا له، أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأ بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف. . \".\n_________\n(١) الإيمان (١٥٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٠).","vol":"1","page":175},{"text":"فهو ﵀ مع إقراره بأن النزاع لفظي في أن الأعمال لازمة للإيمان أو جزء منه، يعتبر خطأ المرجئة خطأ بينًا، ويعود ليذَكِّر مرة أخرى بأن السلف رضوان الله عليهم قد أعظموا الكلام عليها، وأغلظوا القول فيها.\nوكلام المصنف في هذا المقام يفهم منه -بلا ريب- أنه موافق للسلف الصالح في ذمهم للمرجئة والإرجاء.\nوقد سبقت الإشارة إلى حكم المصنف بتناقض مذهبهم في الإيمان، وأنهم إن لم يدخلوا أعمال القلوب في الإيمان لزمهم قول جهم، وإذا أدخلوها فيه لزمهم دخول أعمال الجوارح (١).\nوإذا أردنا أن نخرج برأي للمصنف في هذه القضية، فإن أمامنا عدة احتمالات:\nالأول: أن نقول: إن الخلاف معنوي وحقيقي، وليس فيه لفظي على الإطلاق، وهذا الاحتمال يضعفه كثرة ترديد المصنف لعبارة الخلاف اللفظي.\nالثاني: أن يقال: إن الخلاف لفظي عند المصنف بإطلاق، وهذا القول عكس القول الأول، وهذا الذي أثبته شارح العقيدة الطحاوية، وقال عنه: إنه خلاف لفظي أو صوري (٢).\nوهذا القول يضعِّفه أن المصنف أشار غير مرة أن كثيرًا من الخلاف في الإيمان معنوي، وكثيرًا منه لفظي.\nالثالث: أن يقال: إن إطلاق المصنف لعبارة النزاع اللفظي، هو من باب المناظرة مع المخالفين، وليس نفيًا لوجود الخلاف الحقيقي بين السلف ومرجئة الفقهاء.\nفالمصنف يقول: \"وقيل لمن قال: دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز، نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم،\n_________\n(١) الإيمان (١٥٥).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٦٢).","vol":"1","page":176},{"text":"فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيًا\"! .\nويقول أيضًا: \"فإذا عرف أن الذم والعقاب واقع في ترك العمل، كان بعد ذلك نزاعهم لا فائدة فيه، بل يكون نزاعًا لفظيًا، مع أنهم مخطئون في اللفظ، مخالفون للكتاب والسنة\".\nولعل من أقرب النصوص التي تؤيد هذا الاحتمال ما أشار إليه المصنف في موضع آخر: \"وكثير من منازعات الناس في مسائل الإيمان، ومسائل الأسماء والأحكام، هي منازعات لفظية، فإذا فصل الخطاب زال الارتياب، والله سبحانه أعلم بالصواب\" (١).\nفالمصنف يسائل هؤلاء المرجئة دومًا الذين أقروا أن تارك الأعمال مستحق للذم والعقاب: هل هذه الأعمال تدخل في الإيمان كجزء لا يتجزأ منه بطريق التضمن والعموم! ! أو أنها لازمة للإيمان لا تنفك عنه، فهي تابعة لمسمى الإيمان بطريق اللزوم؟ .\nوالمصنف -كما سبق- يذكر أن هذا يقع، وهذا يقع، بحسب إفراد، الألفاظ واقترانها.\nفالمصنف كأنه يريد أن يقول لهؤلاء المرجئة: ليس بيننا وبينكم خلاف، إذا أقررتم بأن الأعمال من لوازم الإيمان، والخلاف معكم لفظي في هذا الباب، ولكنكم مخطئون مخالفون للكتاب والسنّة، وما أحدثتموه في الإيمان من بدعة جرَّت شرًا عريضًا.\nوعلى هذا الاحتمال فالقول بأن الخلاف لفظي، جرى مجرى المناقشة وإقحام الخصم، والخلاف على هذا الأساس خلاف حقيقي.\nوهذا القول متجه لولا بعض النصوص التي سيقت على وجه الإخبار، وليس على وجه المناظرة، كقول المصنف مثلًا: \"ولهذا كان أصحاب أبي حنيفة يكفرون أنواعًا ممن يقول كذا وكذا، لما فيه من\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٧٩).","vol":"1","page":177},{"text":"الاستخفاف، ويجعلونه مرتدًا ببعض هذه الأنواع، مع النزاع اللفظي الذي بين أصحابه وبين الجمهور في العمل: هل هو داخل في اسم الإيمان، أم لا؟ \".\nالرابع: أن نقول: إن الخلاف بين السلف مرجئة الفقهاء، منه لفظي، ومنه معنوي، أي الجمع بين الأمرين، فاللفظي في الاسم، والمعنوي في الحكم، فهم وإن أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، وقالوا: إن إيمانهم كإيمان جبريل ﵇، وقالوا: إن الإيمان لا يزيد ولا ينقص، فقد اتفقوا على أن تاركها مذموم ومعرض للعقاب، وهذا الخلاف في اللفظ والاسم.\nأما المعنوي فهم يجعلون تارك جنس العمل -بالكلية- مؤمنًا كامل الإيمان، ناجيًا عند الله في الآخرة، والسلف -كما مر- يقولون بعكس ذلك.\nالخامس: أن المصنف يتحدث عن طائفتين من المرجئة، الخلاف مع إحداهما لفظي، الخلاف مع الأخرى معنوي، فالطائفة الأولى هم مرجئة الفقهاء وخلاف السلف معهم لفظي، لأنهم -وإن أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان- إلا أنهم يهتمون بالأعمال، ويرون أن تاركها متعرض للذم والوعيد والعقاب.\nأما الطائفة الأخرى من المرجئة فهم الذين يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، وقد يستأنس لهذا بقول المصنف عن أبي حنيفة وأصحابه: \"ويذمون المرجئة، والمرجئة عندهم الذين لا يوجبون الفرائض، ولا اجتناب المحارم، بل يكتفون بالإيمان\" (١).\nولكن يرد على هذا القول عدة أمور، منها:\n١ - أن المصنف كفر من قال بهذا، حيث قال: \"وإن قالوا: إنه لا يضره ترك العمل، فهذا كفر صريح\" (٢).\n٢ - أن المصنف لم ينسب هذا القول لأحد من المخالفين، وفي\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤١).\n(٢) الإيمان (١٤٥).","vol":"1","page":178},{"text":"ذلك يقول بعد نصه السابق: \"وبعض الناس يحكي هذا عنهم، وأنهم يقولون: إن الله فرض على العباد فرائض، ولم يرد منهم أن يعملوها، ولا يضرهم تركها، وهذا قد يكون قول الغالية الذين يقولون: لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، لكن ما علمت معينًا أحكي عنه هذا القول، وإنما الناس يحكونه في الكتب، ولا يعينون قائله، وقد يكون قول من لا خلاق له من الفساق والمنافقين (الذين) (١) يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب، أو مع التوحيد. . \".\nفليس هناك قائل معين لهذا القول، بل أشار المصنف إلى احتمال أن يكون كلامًا لمن لا خلاق له من الفساق والمنافقين، وفي هذه الحالة فليس من المعقول أبدًا أن يكون الخلاف المعنوي الذي تحدث المصنف عنه مرارًا مع قول لم يعلم قائله، أو مع طائفة من الفساق والمنافقين هم أقل وأرذل من أن تناقش شبهاتهم التي سببها شهواتهم وأهواؤهم.\n٣ - أن المصنف حين يذكر أن الخلاف منه لفظي ومعنوي، فإنه لا يذكر في هذا السياق أحدًا من طوائف المرجئة سوى مرجئة الفقهاء، فالخلاف الذي منه لفظي ومعنوي هو معهم دون غيرهم.\nوملخص هذه الاحتمالات: إما أن يكون الخلاف حقيقيًا معنويًا، وليس لفظيًا، وإما أن يكون الخلاف منه حقيقي معنوي، ومنه لفظي صوري، وإما أن يكون الخلاف لفظيًا صوريًا، وليس حقيقيًا أو معنويًا، وإما أن يكون الخلاف مع طائفتين من المرجئة، فاللفظي مع مرجئة الفقهاء، والمعنوي مع غالية المرجئة.\nوعبارات المصنف قد تؤيد بعض هذه الاحتمالات، ولكن الترجيح يميل لكفة القول الرابع في هذه المسألة الشائكة، وإن الخلاف مع مرجئة الفقهاء أنفسهم -كثير منه لفظي- حين يخرجون الأعمال من مسمى\n_________\n(١) زيادة لإيضاح سياق النص.","vol":"1","page":179},{"text":"الإيمان، ويوافقون أهل السنّة على وجوب هذه الأعمال، وأن تاركها مستحق للذم والعقاب، وأن الله ﷿ يعذب من يعذب من أهل الكبائر، ثم يخرجهم بالشفاعة.\nوأن الخلاف معهم معنوي حين يقولون: إن من آمن بقلبه، وأقر بلسانه، ولم يعمل خيرًا قط، مؤمن ناج عند ربه في الآخرة، والسلف يكفرون تارك العمل بالكلية، ولا يتصورون أن مثل هذا يقع أبدًا، إلا إن كان في أذهان المرجئة.\nولكن هناك تساؤلات هامة للغاية تطرح نفسها بإلحاح في هذه القضية، وهي: ما المراد بأن النزاع بين الفريقين لفظي أو صوري، هل هو تخطئة السلف رضوان الله عليهم أجمعين، حين اشتد نكيرهم، وعظم ذمهم لمرجئة الفقهاء؟ أو هو الاستدراك عليهم، وأنه تفطن لأمر لم يتفطنوا له، أو الوصول إلى اتهامهم بالتسرع أو الغلو وكل هذه التساؤلات تضع نفسها في طريق كل من قال: إن خلاف السلف مع مرجئة الفقهاء خلاف لفظي بإطلاق، ولا محيص عنها بحال من الأحوال! ! ! .\nوبكل حال فشيخ الإسلام المصنف، وإن ذكر مرات عديدة، أن الخلاف بين الطائفتين لفظي، فقد خطأهم -كما سبق- وبين أن خطاهم قد تسبب في حدوث مضاعفات خطيرة، سواء على مستوى الأعمال، بالتهاون فيها، وظهور الفسق، أو بتمهيد ذلك الخطأ للإرجاء الغالي المتمثل في إرجاء الجهمية ومن تابعهم كالأشاعرة وغيرهم.\nوأستطيع أن أقول بعد كل هذا: إن من المتفق عليه ذم المرجئة وابتداعهم في الدين ما ليس منه، ومخالفتهم ما عليه السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين، فيكون الخلاف حينئذٍ حقيقيًا ومعنويًا، ومن رأى خلاف هذا -واتفق على ما سبق ذكره (أي من ذم السلف للمرجئة والتحذير منهم والتشنيع عليهم) - يكون الخلاف معه حينئذٍ لفظيًا! !، والله أعلم.","vol":"1","page":180},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-59>المسألة الخامسة تقرير مذهب السلف في الإيمان</span>\nمذهب السلف كما سبق في الإيمان هو قول وعمل، والإيمان على وجه التفصيل يتكون من الأجزاء التالية:\n\nقول القلب وقول اللسان وعمل القلب وعمل الجوارح:\nأو يتركب من العناصر التالية: اعتقاد بالجنان وقول باللسان وعمل بالأركان.\nفقول القلب هو تصديقه وعلمه، وقول اللسان هو تهليله وذكره، وعمل القلب هو حبه وخوفه ورجاؤه وغيره، وعمل الجوارح هو الأعمال الظاهرة، من صلاة وصيام وحج وذبح ونذر ودعاء وغير ذلك.\nفالإيمان إذن يتكون من ظاهر وباطن، والظاهر يشمل قول اللسان وعمل الجوارح، وأما الباطن فيشمل قول القلب وعمل القلب.\nوقد قام المصنف ﵀ من خلال كتابه \"شرح حديث جبريل\" بتقرير مذهب أهل السنة والجماعة في قضايا الإيمان المختلفة، وسوف نعرض هذه القضايا المختلفة عرضًا موجزًا، وكما عرضها المصنف.\nونستطيع أن نقول: إن هذه القضايا تمثل جملة معتقد أهل السنّة والجماعة في الإيمان، وفيما يلي أهم القضايا التي تحدث عنها المؤلف:\n١ - أن الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية، أو قول وعمل ونية واتباع للسنّة، أو قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان وكل ذلك قد ورد عن السلف، والمعنى متقارب (١).\n٢ - أن الإيمان يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي (٢).\n٣ - أن العباد لا يتساوون في الإيمان، ولا يتماثلون فيه أبدًا، وأن القول بتساوي إيمان الناس بدعة شنعاء (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٦٨).\n(٢) المصدر نفسه (٣٦٦).\n(٣) المصدر نفسه (٤٤٧).","vol":"1","page":181},{"text":"٤ - أن تفاضل الناس في الإيمان يكون في أجزاء الإيمان الأربعة، في قول القلب، وهو التصديق، وفي قول اللسان وهو الذكر، وفي أعمال القلوب، وفي أعمال الجوارح.\n٥ - أن أعمال القلب وأعمال الجوارح من الإيمان، وقد شنَّع السلف على من أخرج الأعمال من مسمى الإيمان، وهم المرجئة -مع اهتمامهم بالعمل والعبادة في حياتهم- أيما تشنيع.\nيقول الإمام الأوزاعي ﵀: \"وكان من مضى من سلفنا لا يفرقون بين الإيمان والعمل، والعمل من الإيمان، والإيمان من العمل\" (١).\n٦ - أن الكفر كفران، كفر أصغر، وكفر أكبر، والنفاق نفاقان، نفاق أصغر، ونفاق أكبر، والشرك كذلك شركان، شرك أصغر وشرك أكبر، فالأصغر من هذه الأمور ليس مخرجًا من الملة، والأكبر هو المخرج منها (٢).\n٧ - أن الكفر يكون بالقلب وباللسان وبالجوارح، وليس محصورًا في كفر القلب، أو التكذيب بالحق -كما ذهب إلى ذلك كثير من طوائف أهل البدع-، والمصنف ﵀ كلامه في كتاب \"شرح حديث جبريل\" وغيره من كتبه، يدور على ذلك، أي على أن الكفر قد يكون تكذيبًا في القلب، أو قولًا باللسان، أو أعمالًا ظاهرة في الجوارح تناقض الإيمان (٣).\nأما أهل البدع فهم يجعلون الإيمان محصورًا في التصديق، ويجعلون ما يقابله وهو الكفر محصورًا في التكذيب.\nوقد ذكر الأشعري أن من مذهب الجهمية \"أن الإيمان والكفر، لا يكونان إلا في القلب دون غيره من الجوارح\" (٤).\n_________\n(١) الإبانة لابن بطة (٢/ ٨٠٧)، وقد ذكره شيخ الإسلام في الإيمان (٢٣٢).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٠٥).\n(٣) المصدر نفسه (٤٤٤ - ٤٥٠)، الإيمان (١٧٥).\n(٤) مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣).","vol":"1","page":182},{"text":"يقول المصنف ﵀: \"فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله وآياته ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا\" (١).\nويقول أيضًا: \"فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا لرسول الله معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، فلا يتصور ذلك منه إلا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنه صادق، لا يكون إيمانًا إلا مع محبته وتعظيمه بالقلب\" (٢).\nويقول في موضع آخر: \"وأيضًا فإنه سبحانه استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله، لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعُلم أن التكلم بالكفر كفر، لا في حال الإكراه. . . \" (٣).\nويقول الحافظ ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: \"وأما الكفر الأكبر، فخمسة أنواع:\nكفر تكذيب.\nوكفر استكبار وإباء، مع التصديق.\nوكفر إعراض.\nوكفر شك.\nوكفر نفاق.\nفأما كفر التكذيب: فهو اعتقاد كذب الرسل، وهذا القسم قليل في الكفار. . .\nوأما كفر الإباء والاستكبار: فنحو كفر إبليس، فإنه لم يجحد أمر الله، ولا قابله بالإنكار، وإنما تلقاه بالإباء والاستكبار، ومن هذا كفر من عرف صدق الرسول، وأنه جاء بالحق من عند الله، ولم ينقد له إباءًا واستكبارًا، وهو الغالب على كفر أعداء الرسل.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٩).\n(٢) المصدر نفسه (٤٥٠).\n(٣) المصدر نفسه (٤٥٣)، وانظر أيضًا نفس المصدر (٤٥٥).","vol":"1","page":183},{"text":"أما كفر الإعراض: فأن يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول، لا يصدقه، ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة.\nوأما كفر الشك، فإنه لا يجزم بصدقه، ولا يكذبه، بل يشك في أمره.\nوأما كفر النفاق، فهو أن يظهر بلسانه الإيمان، وينطوي قلبه على التكذيب. . \" (١).\n٨ - أن حكم مرتكب الكبيرة عند أهل السنة والجماعة في الدنيا، أنه مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته، ولا يخرج من الإيمان إلى الكفر، بل يقولون: إن صاحب الكبيرة خرج من الإيمان إلى الإسلام، وأما في الآخرة فهو في مشية الله ﷿، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له (٢).\nيقول المصنف ﵀: \"وبتحقيق هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ويعلم أن في المسلمين قسمًا، ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ [الأنفال: ٤]، فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاصٍ، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا يخلد معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب دخول النار، وهذا القسم قد يسميه بعض الناس: الفاسق الملي. . \" (٣).\n_________\n(١) مدارج السالكين (١/ ٣٦٦)، وانظر: كتاب \"نواقض الإيمان القولية والعملية\" (٣٦ - ٤٦) للدكتور عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، فقد ذكر نقولًا عن جمع من العلماء تبين أن الكفر يكون بالقلب واللسان والجوارح، ومن هؤلاء: محمد بن نصر المروزي، وابن الجوزي، وابن حزم، وشيخ الإسلام ابن تيمية الإمام المصنف، وتاج الدين السبكي، وابن القيم، وابن كثير، وابن الوزير، وابن نجيم الحنفي.\n(٢) شرح حديث جبريل (٣١١)، الإيمان (١٩٠) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٣).\n(٣) شرح حديت جبريل (٣١٣)، (٤٠٤).","vol":"1","page":184},{"text":"ويقول في موضع آخر عن حكم مرتكب الكبيرة: \"وهل يطلق عليه اسم مؤمن؟ هذا فيه القولان، والصحيح التفصيل، فإذا سئل عن أحكام الدنيا، كعتقه في الكفارة، قيل: هو مؤمن، وكذلك إذا سئل عن دخوله في خطاب المؤمنين.\nوأما إذا سئل عن حكمه في الآخرة، قيل: ليس هذا النوع من المؤمنين الموعودين بالجنة، بل معه إيمان يمنعه الخلود في النار، ويدخل به الجنة بعد أن يعذب في النار، إن لم يغفر الله له ذنوبه، ولهذا قال من قال: هو مؤمن بإيمانه، فاسق بكبيرته\" (١).\n٩ - أنه لا بد أن يدخل النار جمع من أهل القبلة، ثم يخرجون منها، كما تواترت بذلك الأحاديث عن النبي - ﷺ - (٢).\nويقول ﵀: \"بل السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة، ثم يخرجون منها\" (٣).\n١٠ - أن النبي - ﷺ - يشفع لأهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة (٤).\nوشفاعته - ﷺ - لقوم استحقوا دخول النار، فلا يدخلونها، ولقوم يخرجون منها بعد أن دخلوها (٥).\n١١ - أن الإيمان له شعب كثيرة، منها ما يزول الإيمان بزوالها، كالشهادتين (٦) ومنها من لا يزول الإيمان بزواله، كإماطة الأذى عن الطريق على سبيل المثال (٧).\nويقول ﵀ في موضع آخر شارحًا لحقيقة الإيمان: \"ثم هو في\n_________\n(١) الإيمان (٢٧٨).\n(٢) شرح حديث جبريل (٣٣١).\n(٣) المصدر نفسه (٣٦١).\n(٤) المصدر نفسه (٣٥٨).\n(٥) شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٨٨، ٢٩٠).\n(٦) وترك الصلاة بالكلية -على الصحيح-.\n(٧) المصدر نفسه (٣٧٦، ٣٧٨).","vol":"1","page":185},{"text":"الكتاب بمعنيين: أصل وفرع واجب. . وهو مركب من أصل لا يتم بدونه، ومن واجب ينقص بفواته نقصًا يستحق صاحبه العقوبة، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق، كالحج\".\nويقول الحافظ ابن القيم ﵀: \"إن الإيمان عند جمهور أهل السنّة له شعب متعددة، كما أخبر بذلك أعلم الخلق - ﷺ - في حديث شعب الإيمان\" (١).\nوكما أن الإيمان شعب وأجزاء، فكذلك الكفر، يقول الحافظ ابن القيم: \"الكفر ذو أصل وشعب، فكما أن شعب الإيمان إيمان، فشعب الكفر كفر\" (٢).\n١٢ - أنه يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان وشعبة من شعب الكفر (٣).\nوالمعنى: يجتمع إيمان مع نفاق أصغر، أي: عملي، ويجتمع إيمان وكفر أصغر لا ينقل عن الملة، أما الإيمان والكفر الأكبر، والإيمان والنفاق الأكبر، فلا يجتمعان في قلب عبد قط، لأن الإيمان والكفر الأكبر متضادان، إذا وُجد أحدهما بطل الآخر.\n١٣ - ليس من شرط الإيمان وجود العلم التام (٤)، ولهذا كان الصواب أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول - ﷺ -، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه (٥).\n_________\n(١) الصلاة (٥٣).\n(٢) المصدر نفسه (٥٣).\n(٣) شرح حديث جبريل (٣٩٨)، الإيمان (٢٧٥).\n(٤) نود أن نشير إلى وقوع خطأ كبير في المطبوع، وهو أن العبارة جاءت فيه كالتالي: \"فمن شرط الإيمان وجود العلم التام\"، وهو مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، ولا يلاءم مع سياق المصنف، وقد نبهنا عليه في مكانه من متن الكتاب المحقق.\n(٥) المصدر نفسه (٤٢٣).","vol":"1","page":186},{"text":"١٤ - أن الإيمان المطلق هو الذي يتناول القول المطلق، والعمل المطلق، أي يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح (١).\nفهو يتناول فعل الواجبات، وترك المحرمات (٢).\nوهو الذي يستحق به المؤمن الثواب بلا عقاب، والوعد بالجنة (٣)، وإذا أطلق فإنه يشمل الأعمال الظاهرة والباطنة (٤).\n١٥ - أن الإيمان الواجب يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه (٥).\n١٦ - أن العمل الظاهر لا يكون مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، فالعمل الظاهر ليس مستلزمًا لإيمان الباطن، وذلك كما في أعمال المنافق، وعلى العكس من ذلك تمامًا، فإذا وجد الإيمان الباطن وجدت الأعمال الظاهرة بحسبه (٦).\n١٧ - أن أصل الإيمان في القلب، والأعمال والأقوال الظاهرة من لوازمه التي لا تنفك عنه، كما قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" (٧).\n١٨ - أن اسم الإيمان يطلق تارة على ما في القلب من الأقوال القلبية والأعمال القلبية، وتكون الأعمال الظاهرة من لوازمها التي لا تنفك عنها، وتارة يطلق اسم الإيمان على ما في القلب والبدن جميعًا.\nوسبب ذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالإفراد والاقتران، فإذا أفرد اسم الإيمان دخلت فيه الأعمال الظاهرة، أما إذا قرن بالإسلام أو بالعمل الصالح فإن الإيمان بطلق في تلك الحال على ما في القلب (٨).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٣٧٠).\n(٢) الإيمان (٣٨).\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٠٦).\n(٤) المصدر نفسه (٤٨١).\n(٥) المصدر نفسه (٣٩٦)، الإيمان (١٥٦).\n(٦) شرح حديث جبريل (٤٩٠).\n(٧) المصدر السابق (٤٤٢)، الإيمان (١٤٩)، مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٤).\n(٨) شرح حديث جبريل (٤٤٢).","vol":"1","page":187},{"text":"١٩ - أن من لا يكلم بالشهادتين مع القدرة عليهما، فهو كافر باطنًا وظاهرًا باتفاق المسلمين.\nوفي هذا بقول المصنف ﵀: \"وبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم انتفاء الإيمان القلبي التام\" (١).\nويقول أيضًا: \"فأما الشهادتان إذا لم يتكلم بهما مع القدرة، فهو كافر باتفاق المسلمين، وهو كافر باطنًا وظاهرًا، عند سلف الأمة وأئمتها، وجماهير علمائها. . \" (٢).\nويقول في موضع آخر: \"وقد اتفق المسلمون على أنه من لم يأت بالشهادتين فهو كافر. . \" (٣).\n٢٠ - أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه (٤).\nفالزاني مثلًا حين يزني يكاد يكون عمل قلبه مفقودًا، ولكن قول القلب وهو التصديق عنده موجود (٥).\nويقول ﵀ في موضع آخر: \"كذلك الزاني والسارق والمنتهب، لم يعدم الإيمان الذي به يستحق أن لا يخلد في النار، وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة، وبه يستحق المناكحة والموارثة، لكن عُدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب، ويستحق به تكفير السيئات، وقبول الطاعات، وكرامة الله ومثبوته، وبه يستحق أن يكون محمودًا مرضيًا\" (٦).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٤٤٤).\n(٢) المصدر نفسه (٥٥٢).\n(٣) الإيمان (٢٣٧)، (١٧٤).\n(٤) شرح حديث جبريل (٤٠٦)، الإيمان (٣٧، ٣٨).\n(٥) الإيمان (٢٤٠).\n(٦) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٧٦).\nتنبيه هام: يقول الحافظ ابن رجب ﵀ في جامع العلوم والحكم (١/ ١١١): وأما اسم الإسلام فلا ينتفي بانتفاء بعض واجباته، أو انتهاك بعض محرماته، وإنما ينتفي بالإتيان بما ينافيه بالكلية، ولا يعرف في شيء من السنة الصحيحة نفي =","vol":"1","page":188},{"text":"٢١ - أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة (١).\nكما قال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\nوقوله - ﷺ - في حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ - (أو مسلم! !)، حين قال سعد: \"يا رسول الله أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا، وهو مؤمن\" (٢).\n٢٢ - لم يثبت المدح في الكتاب والسنة إلا على إيمان معه العمل، لا على إيمان خالٍ عن عمل (٣).\n٢٣ - أن اسم الإسلام يجري على المنافقين في الظاهر، لأنهم استسلموا ظاهرًا، بما أتوا به من الأعمال الظاهرة، وأما في الآخرة فهم في الدرك الأسفل من النار (٤).\n٢٤ - أن الكفر كفران: كفر ظاهر، وكفر باطن، أو كفر نفاق، من هنا فقد يحكم للشخص في الظاهر بالإسلام، وهو في الآخرة كافر من أهل النار، كالمنافقين (٥).\n٢٥ - أن الدين ثلاث مراتب: أعلاها الإحسان، وأوسطها الإيمان، وأدناها الإسلام، فمن حقَّق درجة الإحسان، فهو سابق بالخيرات بإذن ربه، ومن حقق الدرجة الثانية، وهي الإيمان، فهو مقتصد، ومن حقق الإسلام فهو ظالم لنفسه: \"وهكذا من أتى بالإسلام الظاهر مع تصديق القلب، لكن لم يقم بما يجب عليه من الإيمان الباطن، فإنه معرض للوعيد. . \" (٦).\n_________\n= الإسلام عمن ترك شيئًا من واجباته، كما ينفى الإيمان عمن ترك شيئًا من واجباته، وإن كان قد ورد إطلاق الكفر على فعل بعض المحرمات، وإطلاق النفاق أيضًا.\n(١) شرح حديث جبريل (٤٠٦).\n(٢) المصدر نفسه (٣٠٦).\n(٣) الإيمان (١٤٥).\n(٤) شرح حديث جبريل (٥٦٧ - ٥٨٥) الإيمان (٢٧٦).\n(٥) شرح حديث جبريل (٥٧٦).\n(٦) شرح حديث جبريل (٣٣٠، الإيمان (٢٩٠).","vol":"1","page":189},{"text":"كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [فاطر: ٣٢].\n٢٦ - أن الإيمان أفضل من الإسلام، وأن الإسلام يفترق عن الإيمان، فإذا اجتمعا افترقا، وكان الإسلام هو الأعمال الظاهرة، وكان الإيمان هو الأعمال الباطنة، وإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإسلام دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان دخل فيه الإسلام (١).\n٢٧ - أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد في الآخرة بنحو عشرة أسباب:\nالأول: التوبة.\nالثاني: الاستغفار.\nالثالث: الحسنات الماحية.\nالرابع: دعاء المؤمنين للعبد، وصلاتهم على جنازته.\nالخامس: ما يعمل للميت من أعمال البر، كالصدقة والحج ونحوهما.\nالسادس: شفاعة النبي - ﷺ -.\nالسابع: المصائب التي يكفّر الله بها الخطايا.\nالثامن: ما يقع في القبر من الفتنة والضغطة والروعة.\nالتاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.\nالعاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب (٢).\n٢٨ - أن هنالك نزاعًا في تكفير تارك الأركان الأربعة (الصلاة والزكاة والصيام والحج) أو أحدها بين علماء السلف - ﵁ -.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٤٢، ٤٤٦)، الإيمان (٢٠٤).\n(٢) شرح حديث جبريل (٣٣٦ - ٣٥٩)، وانظر: موانع إنفاذ الوعيد، للدكتور عيسى بن عبد الله السعدي، رسالة ماجستير مقدمة إلى قسم العقيدة بجامعة أم القرى، عام ١٤١١ هـ.","vol":"1","page":190},{"text":"فبعضهم قال: إن الإنسان يكفر بترك واحد من الأربعة، حتى الحج إن عزم على تركه بالكية.\nوبعضهم قال: إنه لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهذا هو أشهر الأقوال.\nوقال آخرون: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة.\nوقال غيرهم: إنه يكفر بترك الصلاة والزكاة إذا قاتل الإمام عليها.\nوقال كثير من الفقهاء من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي: لا يكفر بترك شيء من ذلك ما دام مقرًا بوجوبها (١).\nونود أن نشير في هذا المقام إلى قضيتين هامتين:\nالأولى: أن النزاع بين أهل السنّة في تكفير تارك المباني الأربعة، أو تارك بعضها، أمر مشهور وليس كما يعتقد كثير من الناس، من أنه لا نزاع في ذلك، أو يعتمدون أن النزاع محصور فقط بين جمهور الفقهاء والحنابلة في تارك الصلاة تكاسلًا، ويعدون القول بكفر تارك الصلاة قولًا لأحمد فقط، نعم إن أرادوا بذلك من أصحاب المذاهب الأربعة فنعم، وإن أرادوا غير ذلك فباطل قطعًا، لأن جمهور السلف رضوان الله عليهم متفقون مع أحمد ﵀ في ذلك.\nوإلى ذلك أشار شيخ الإسلام رحمه الله تعالى بقول: \"وأما الأعمال الأربعة، فاختلفوا في تكفير تاركها، ونحن إذا قلنا: أهل السنة متفقون على أنه لا يكفر بالذنب، فإنما نريد به المعاصي، كالزنى والشرب، وأما هذه المباني ففي تكفير تاركها نزاع مشهور. . \" (٢)، وقد ذكر مثل ذلك الحافظ ابن رجب ﵀ (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٥٤ - ٥٥٦)، مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٦).\n(٢) الإيمان (٢٣٧).\n(٣) الفتح (١/ ٢٣)، وقال المصنف في كتاب \"السياسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية\" (٢٨/ ٣٥٩): إن المنقول عن أكثر السلف أن حكم تارك الصلاة تكاسلًا وتهوانًا قتله كافرًا مرتدًا.","vol":"1","page":191},{"text":"ويقول أيضًا: \"أن مباني الإسلام الخمس المأمور بها، وإن كان ضرر تركها لا يتعدى صاحبها، فإنه يقتل بتركها في الجملة عند جماهير العلماء، ويكفر أيضًا عند كثير منهم، أو أكثر السلف. . \" (١).\nوروى الخلال أن سفيان بن عيينة سئل عن الإرجاء، فقال: \"يقولون: الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله، مصرًا بقلبه على ترك الفرائض، وجعلوه ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسا سواء، لأن ركوب المحارم عن غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر كفر. . \" (٢).\nالثانية: أن هذا دليل بقياس الأولى -على أن تارك جنس العمل ليس مؤمنًا، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، كما سبق بيانه.\n٢٩ - أن تارك الصلاة بالكلية عند جمهور السلف الصالح كافر كفرًا أكبر، يقول عبد الله بن شقيق: \"كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا تركه كفر إلا الصلاة\" (٣).\nوبذلك استفاضت كتب العقيدة السلفية، ككتاب الإيمان للحافظ ابن أبي شيبة (٤)، والسنّة للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل (٥)، وتعظيم قدر الصلاة للإمام محمد بن نصر المروزي (٦)، والشريعة لأبي بكر الآجري (٧)، والإبانة لأبي عبد الله بن بطة (٨)، وغيرها.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٥).\n(٢) السنة للخلال (لوحة ١٠٩) نقلًا عن ظاهرة الإرجاء (٢/ ٧٠٤)، وذكره الحافظ ابن رجب في الفتح (١/ ٢٣).\n(٣) رواه الترمذي برقم (٢٦٢٢)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٧) عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة - ﵁ -، وسكت عنه، وقال الذهبي في التلخيص: \"إسناده صالح\"، وصححه الشيخ ناصر الألباني ﵀ في سلسلته الصحيحة (١/ ١٣٠).\n(٤) الإيمان (٢٦، ٢٧، ٤٠، ٤٦، ٤٧، ٤٩).\n(٥) السنة (٦/ ٣٥٢ - ٣٥٩).\n(٦) تعظيم قدر الصلاة (٨٧٣ - ٩٣٦).\n(٧) الشريعة (٦٤٢ - ٦٥٥).\n(٨) الإبانة (٢/ ٦٦٩ - ٦٨٤).","vol":"1","page":192},{"text":"وقد صار الأمر في ذلك غريبًا، حين أخرجه كثير من العلماء -من كتب العقيدة إلى كتب الفقه، ولقد أثر ذلك في الحكم على تارك الصلاة، حتى صار القول بتكفيره قولًا مخالفًا لمذهب جمهور الفقهاء، بل عدَّه بعضهم غلوًا في الحكم، وإنا لنلمس أثر الإرجاء في هذه القضية، كما قال المصنف حين تحدث عن حكم تارك الصلاة فقال: \"فهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن، زالت عنه الشبهة في هذا الباب، وعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب وامتنع عن الفعل لا يقتل، أو يقتل مع إسلامه، فإنه دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية\" (١).\n٣٠ - أن أهل السنَّة لا يكفرون أحدًا من الناس، إلا بعد قام الحجة عليه، وذلك بتحقق الشروط، وانتفاء الموانع، وهم يفرقون بين التكفير المطلق، وبين تكفير المعين.\nيقول ﵀: \"والتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا، كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال: إن القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: إن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر، ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة. . \" (٢).\n٣١ - أن أهل السنة والجماعة يجيزون الاستثناء في ادعاء الإيمان، ويجيزون تركه، خلافًا لمن يحرمه، وخلافًا لمن يوجبه، فيمنعونه لمن أراد الشك، ويجيزونه لعدم تزكية أنفسهم، والحكم بأنهم قد حققوا الإيمان الكامل (٣).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٦٦).\n(٢) المصدر نفسه (٥٧٢).\n(٣) الإيمان (٣٤١).","vol":"1","page":193},{"text":"تاسعا [*]: الآثار المترتبة على الخلاف في الإيمان\nولسنا نعني بها تلك الآثار العملية الأليمة التي أصابت حياة الأمة الإسلامية، من غلو في فكر الخوارج، وتكفيرهم للمسلمين، واستحلالهم لدمائهم وأموالهم، وإقامتهم لعدة دويلات أسست على قواعد ذلك الفكر الغالي، أو ما وقع على الطرف الآخر من تهاون وتفريط ونكوص وخور في ساحة العمل بين أبناء الأمة، نتيجة لفكر المرجئة المدمر.\nولكن الذي نعنيه في هذا المقام بالدرجة الأولى، ما يتعلق بموضوع الخلاف في حقيقة الإيمان وما ترتب على تلك القضية.\nفمن شأن البدعة -كما هو معروف- أن تجر إلى بدعة مثلها، وهذا أصل يكاد يكون عامًا في جميع البدع.\nولابد من التذكير بأن الأصل الكبير الذي قامت عليه بدع الفرق في الإيمان، هو اعتبار الإيمان شيئًا واحدًا، لا يتبعض ويتجزأ، ولا يذهب بعضه، ويبقى بعضه -كما هو الحال عند أهل السنّة والجماعة- وكان من الآثار التي ترتبت على هذا الأصل: قضية زيادة الإيمان ونقصانه، ومسألة الاستثناء.\nفمن جعل الإيمان شيئًا واحدًا، أنكر زيادته ونقصانه، ومن جعله كذلك حرم الاستثناء فيه، وجعله شكًا، والآن نآتي إلى بيان ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>أولًا: زيادة الإيمان ونقصانه:</span>\nوتلك قضية تتمشى مع جميع طوائف المرجئة الذين اتفقت كلمتهم على إخراج الأعمال من مسمى الإيمان، إذ أن الإيمان عندهم شيء ثابت لا يتغير، ولا يزيد، ولا ينقص، وما دام أن الأعمال ليست منه، فكيف يزيد وينقص (١)؛ لأن الإيمان عندهم إما هو التصديق، وإما التصديق والإقرار، وهذا مما يتساوى فيه الناس، كما يقولون.\n_________\n(١) وعد الخوارج والمعتزلة يذهب الإيمان كله بالكبيرة.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: صوابه «المسألة السادسة»، وهي كذلك «المسألة السادسة» في فهرس المحتويات بآخر المطبوع","vol":"1","page":194},{"text":"وقد ذكر المصنف ﵀ عددًا لا بأس به من الأدلة المأثورة، من الكتاب والسنّة وأقوال الصحابة، ومن ذلك: قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢)﴾ [الأنفال: ٢].\nوقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا﴾ [الفتح: ٤].\nوقوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\".\nوقوله - ﷺ -: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".\nوقوله - ﷺ -: \"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا\".\nوقال عمير بن حبيب من صحابة رسول الله - ﷺ -: \"الإيمان يزيد وينقص، قيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ قال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا فتلك نقصانه\".\nولم يكتف المصنف بذلك، بل أورد وجوهًا تبين زيادة الإيمان ونقصانه وأن ذلك الحق لا ريب فيه.\nوهي عبارة عن أدلة وبراهين عقلية، لها أصولها الشرعية، تثبت بما لا يدع مجالًا للشك، أن الإيمان يزيد وينقص، وأن الناس يتفاضلون فيه تفاضلًا عظيمًا، وأنه لا شيء أعظم تفاوتًا من الإيمان، وهذه البراهين العقلية لها جميعًا مستندات شرعية، وقد ذكر المصنف في كتاب \"شرح حديث جبريل\" (١) سبعة وجوه، بينما ذكر في كتاب \"الإيمان الكبير\" ثمانية\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٥٨ - ٤٧٠).","vol":"1","page":195},{"text":"وجوه (١)، وغالب هذه الوجوه قد ذكرت في الكتابين، وسنذكر خلاصة ما ذكر في كل منهما، فنقول:\nأولًا: الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة والنقصان فيه.\nلكن وقع الخلاف في دخول هذه الأعمال في مسمى الإيمان، فالذين ينفون دخولها في الإيمان، يقولون: هي من ثمرات الإيمان، وقد يقولون: إنها تدخل في الإيمان مجازًا لا حقيقة، وهذا معنى زيادة الإيمان ونقصانه عندهم، أي زيادة ثمراته ونقصانها.\nوقد تقرر أن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن بكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازمًا أو جزءًا منه، فهذا يختلف -كما سبق- بحسب استعمال لفظ الإيمان مفردًا أو مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل، هذا من ناحية.\nومن ناحية أخرى فقولهم: إن الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه خطأ بين، فإن التفاضل معلول الأشياء، ومقتضاها يقتضي تفاضلها في نفسها، وإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجبها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك، وهو الإيمان الباطن (٢).\nثانيًا: أعمال القلوب، فإن دخول الزيادة والنقصان فيها، أمر يجده كل مؤمن، فإن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، كما يتفاضلون في سلامة القلوب من الرياء، والكبر والعجب، ونحو ذلك، كما يتفاضلون في الرحمة للخلق والنصح لهم.\nوهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه\n_________\n(١) الإيمان (١٨٣ - ١٨٧).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٥٨)، الإيمان (١٨٥).","vol":"1","page":196},{"text":"تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة (١).\nثالثًا: إن نفس التصديق والعلم في القلب يتفاضل ويتفاوت، ويكون بعضه أقوى من بعض، كما تفاضل وتفاوت سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام، بل وسائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض.\nوإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت، فكذلك الإخبار عنه يتفاوت، وهذا أمر يشهده كل أحد من نفسه، كما أن الحس الظاهر بالشيء الواحد، مثل رؤية الهلال، وإن اشترك الناس فيها، فإن رؤية بعضهم أتم من بعض، وكذلك سماع الصوت الواحد، وشم الرائحة الواحدة، وذوق الشيء الواحد من الطعام.\nوالإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه تفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، فكذلك في معرفة القلب وتصديقه، يتفاضل الناس فيها أعظم من تفاضلهم في تلك الأمور (٢).\nرابعًا: أن التصديق المستلزم لعمل القلب، أكمل وأتم من التصديق الذي لا يستلزم عمله، فالعلم الذي يعمل به صاحبه، أكمل من العلم الذي لا يعمل به، وإذا كان هناك رجلان يعلمان أن الله حق، ورسوله حق، والجنة حق، والنار حق، وهذا علمه أوجب له محبة الله، وخشيته، والرغبة في الجنة، والهرب من النار، والآخر علمه لم يوجب له ذلك، فعلم الأول وتصديقه أكمل، فإن قوة المسبب دال على قوة السبب.\nوذلك جاء في الحديث (ليس الخبر كالمعاينة) (٣)، فإن موسى ﵇\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٤٥٨)، الإيمان (١٨٥).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٦٠)، الإيمان (١٨٤).\n(٣) رواه أحمد برقم (١٨٤٢)، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٦٢١٣) ١٤/ ٩٦، وقال محققه: صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٢١)، وقال: على شرط الشيخين ولم يخرجاه، =","vol":"1","page":197},{"text":"لما أخبره ربه أن قومه عبدوا العجل، لم يلق الألواح، فلما رآهم قد عبدوه ألقاها (١)، وليس ذلك لك موسى في خبر الله، لكن المخبَر وإن جزم بصدق المخبِر، فقد لا يتصور المخبَر به في نفسه، كما يتصوره إذا عاينه، فهذا الصديق أكمل من ذلك الصديق (٢).\nخامسًا: أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، فالعالم بالشيء في حال غفلته عنه دون العالم بالشيء في حال ذكره له، والتصديق والعلم الذي يكون العبد ذاكرًا له مستحضرًا له، بحيث لا يكون غافلًا عنه، أكمل ممن صدق به وغفل عنه، وهذا يختلف بين الإنسان ونفسه، فإنه يجد أنه أحيانًا قد قرأ شيئًا من القرآن الكريم، وظهر له في أثناء قراءته من المعاني ما لم يكن يخطر له على بال، فيؤمن بتلك المعاني، ويزداد علمه وعمله.\nأما اختلاف ذلك من شخص إلى آخر فأمر واضح (٣).\nسادسًا: أن التفاضل في العلم والتصديق وعمل القلب يحصل من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان تصديقه ومحبته أدلة يقينية، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأدلة ظنية، ولا شك أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبه المعارضة لها، ليس كالعلم الحاصل عن دليل واحد، من غير أن يعلم الشبه المعارضة له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه وانتهت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه (٤).\nسابعًا: أن الإنسان قد يكون مكذبًا ومنكرًا لأمور لا يعلم أن الرسول - ﷺ - قد أخبر بها وأمر بها، ولو علم ذلك لم يكذب ولم ينكر، بل\n_________\n= ووافقه الذهبي، ورواه الطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٤٥)، وقال الشيخ ناصر الدين الألباني في تخريج أحاديث كتاب الإيمان الكبير (١٨٥): \"رواه أحمد بسند جيد\".\n(١) هذه القصة جاءت في أكثر روايات الحديث السابق.\n(٢) الإيمان (١٨٥).\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٦٢)، الإيمان (١٨٥).\n(٤) شرح حديث جبريل (٤٦٢).","vol":"1","page":198},{"text":"قلبه جازم بأنه لا يخبر إلا بصدق، ولا بأمر إلا بحق، ثم يسمع الآية أو الحديث، أو يتدبر ذلك، أو يُفسر له معناه، أو يظهر له ذلك بوجه من الوجوه، فيصدق بما كان مكذبًا به، ويعرف ما كان منكرًا له، وهذا تصديق جديد، وإيمان جديد ازداد به إيمانه، ولم يكن قبل ذلك كافرًا بل جاهلًا (١).\nثامنًا: الإجمال والتفصيل في ما أمروا به، فمعلوم أنه لا يجب في أول الأمر ما وجب بحد نزول القرآن كله، وكذلك لا يجب على من عرف ما أخبر به الرسول - ﷺ - مفصلًا، ما يجب على من لم يعرف ذلك إلا مجملًا، ومعلوم أن من مات مؤمنًا بالله والرسول، قبل أن يعرف شرائع الدين، أو يجب عليه شيء من الأعمال، مات مؤمنًا الإيمان الذي وجب عليه، وليس إيمان هذا كإيمان من عاش حتى عرف ذلك مفصلًا، وعمل بما عرف (٢).\nتاسعًا: الإجمال والتفصيل فيما وقع منهم، فمن آمن بما جاء به الرسول - ﷺ - مطلقًا، فلم يكذبه قط، لكن أعرض عن معرفة أمره ونهيه وخبره، وطلب العلم الواجب عليه، فلم يعلم الواجب عليه ولم يعمل به، بل اتبع هواه، وآخر قد طلب العلم الذي أمر به، فعمل به، وآخر طلب علمه فعلمه وآمن به ولم يعمل به، فهؤلاء وإن اشتركوا في الوجوب، فمعلوم أن الثاني الذي آمن وعلم وعمل إيمانه أكمل من الثالث الذي آمن وعلم ولكنه لم يعمل، كما أن الثالث أكمل من الأول الذي آمن ولم يعرف ما أمر به الرسول - ﷺ -، لم يعمل بذلك، فكلما علم القلب ما أخبر به الرسول - ﷺ - فصدقه، وما أمر به فالتزمه، كان ذلك زيادة في إيمانه على من لم يحصل له ذلك، وإن كان معه التزام عام وإقرار عام (٣).\n_________\n(١) الإيمان (١٨٧).\n(٢) شرح حديث جبريل (٤٦٠)، الإيمان (١٨٣).\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٦٠)، الإيمان (١٨٤).","vol":"1","page":199},{"text":"معنى زيادة الإيمان عند طوائف من المرجئة:\nقد سبق أن بعض المرجئة يرى أن زيادة الإيمان بزيادة ثمراته من الأعمال، وقد أورد شيخ الإسلام تساؤلًا لأبي المعالي -أحد متكلمي الأشاعرة- يقول فيه: \"فإن قال القائل: أصلكم يلزمكم أن يكون إيمان المنهمك في فسقه، كإيمان النبي - ﷺ -! ! ! \".\nثم ذكر ما أجاب به على ذلك، وهو: \"قلنا: الذي يفضل إيمانه على إيمان من عداه باستمرار تصديقه وعصمة الله إياه من مخامرة الشكوك، واختلاج الريب، والتصديق عرض من الأعراض لا يبقى، وهو متوالي للنبي - ﷺ -، ثابت لغيره في بعض الأوقات، وزائل عنه في أوقات الفترات، فيثبت للنبي - ﷺ - أعداد من التصديق، ولا يثبت لغيره إلا بعضها، فيكون إيمانه لذلك أكثر وأفضل! \".\nثم قال: \"ولو وصف الإيمان بالزيادة والنقصان، وأريد به ذلك كان مستقيمًا\".\nثم يعقب شيخ الإسلام على هذا الكلام الفاسد بقوله: \"قلت: فهذا هو الذي يفضل به النبي - ﷺ - غيره في الإيمان عندهم، ومعلوم أن هذا غاية في الفساد، من وجوه كثير\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>ثانيًا: الاستثناء في الإيمان:</span>\nوهو قول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله تعالى، وهل هذا الاستثناء جائز؟ أم لا؟ .\nوقبل أن نخوض في الموضوع لا بد من التذكير بأن السلف رحمهم الله تعالى قد كرهوا أن يسأل الرجل: أمؤمن، أو هل أنت مؤمن؟ واعتبروا ذلك بدعة (٢).\n_________\n(١) الإيمان (١٢٥).\n(٢) السنة للخلال (٦٠١ - ٦٠٢)، الإيمان (٣٥٠).","vol":"1","page":200},{"text":"لم يفصل المصنف ﵀ في كتاب \"شرح حديث جبريل\" الذي نعني بتحقيقه ودراسته القول في الاستثناء في الإيمان، وإنما أشار بإيجاز بالغ إلى أن أهل السنّة والجماعة يجيزون الاستثناء (١)، وإلى إنكار مرجئة الفقهاء له (٢)، ثم ذكره ثانية حين تحدث عن القول المشهور لأبي الحسن الأشعري ﵀ في الإيمان، وهو التصديق حيث قال: \"ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان، والإيمان المطلق عنده ما يحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك\" (٣).\n\nمذاهب الناس في الاستثناء:\n\nالمذهب الأول: الذين يجعلون الاستثناء واجبًا، وهؤلاء لهم مأخذان:\n\nالمأخذ الأول: أن الإيمان هو ما يموت عليه الإنسان، واعتبر هؤلاء أن الإنسان يكون مؤمنًا أو كافرًا بالموافاة، وما سبق في علم الله أنه يموت عليه، وقالوا: الإيمان الذي يتعقبه الكفر، فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وهذا مأخذ كثير من الكلابية، وعندهم: أن الله ﷿ يحب في أزله من كان كافرًا، إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله، وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه، وإن كان لم يكفر بعد (٤)، وهذا هو مأخذ الأشاعرة.\nوقد أنكر شيخ الإسلام أن يكون أحد من السلف الصالح رضوان الله عليهم قد علل بالموافاة الاستثناء (٥).\n\nالمأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل المأمورات كلها،\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣٤٩، ٣٦٦).\n(٢) المصدر نفسه (٣٧٢).\n(٣) المصدر نفسه (٣٨٠)، ونود أن نوضح إلى أننا أثناء تحقيق المتن قد نقنا نصوصًا بالكامل من كتاب \"الإيمان الكبير\" للمصنف، حول هذا الموضوع، ووضعناها في حاشية الكتاب، تتمة للفائدة.\n(٤) الإيمان (٣٣٥).\n(٥) الإيمان (٣٤١).","vol":"1","page":201},{"text":"وترك المحرمات جميعها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار، فقد شهد لنفسه بأنه من الأولياء الأبرار المتقين، القائمين بفعل جميع ما أمروا به، وترك كل ما نهوا عنه، وهذه من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادته لنفسه بما لا يعلم، ولو صحت هذه الشهادة، لكان يحق له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يهد لنفسه بالجنة، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون في الإيمان، مع أنهم يجوزون ترك الاستثناء لسبب آخر، كما سيأتي إن شاء الله تعالى (١).\n\nالمذهب الثاني: الذين يجعلون الاستثناء محرمًا، وهم المرجئة والجهمية، ومأخذهم في ذلك أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن، كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين، وكما أعلم أني فرأت الفاتحة، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يجوز أن يقال: أنا مؤمن إن شاء الله، وقالوا: من استثنى في إيمانه فقد شك فيه، وسموا من يستثني في الإيمان بالشكاكة (٢).\n\nالمذهب الثالث: من يجعل الاستثناء وتركه جائزًا، فمأخذهم حين أجازوا الاستثناء -كما سبق- أن الإيمان المطلق يتضمن فعل جميع المأمورات، وترك جميع المحرمات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، لأن ذلك من تزكية النفس بلا علم (٣).\nأما مأخذهم حين أجازوا ترك الاستثناء، فالمنع من الشك في أصل الإيمان، وليس يعني ذلك أن من ترك الاستثناء يكون إيمانه كاملًا، كالمرجئة (٤).\nويتبين بعد كل ما سبق، أن هذا المذهب هو أصح المذاهب (٥).\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٤٨).\n(٢) المصدر نفسه (٣٣٤).\n(٣) المصدر نفسه (٣٤١).\n(٤) المصدر نفسه (٣٥٠).\n(٥) المصدر نفسه (٣٣٤)، وما من قول من هذه الأقوال الثلاثة إلا قال به بعض أهل السنّة، ولكن القول الثالث هو الذي ذهب إليه الأكثرون منهم، والله أعلم، وإلى ذلك أشار المصنف فى مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٧٨).","vol":"1","page":202},{"text":"حكم الاستثناء في الإسلام:\nوهو قول الإنسان: أنا مسلم إن شاء الله تعالى، وفيه قولان:\nالأول: الجواز.\nوالثاني: المنع.\nيقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: \"والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد - ﵁ -، وقد روي عنه فيه الاستثناء. . \" (١).\nوالراجح في هذه المسألة التفصيل.\nفالاستثناء الممنوع هو الاستثناء في أصل الإسلام، الذي يتحقق بالشهادتين، وبهما يتم الدخول في الإسلام.\nوأما الاستثناء الجائز فهو الاستثناء في الإسلام الكامل (المطلق)، وهو الإتيان بالأركان الخمسة.\nوفي ذلك يقول ﵀: \"بل المراد أنه إذا أتى بالكلمة دخل في الإسلام، وهذا صحيح، فإنه يشهد له بالإسلام، ولا يشهد له بالإيمان الذي في القلب، ولا يستثنى في هذا الإسلام، لأنه أمر مشهور، لكن الإسلام الذي هو أداء الخمس كما أمر به يقبل الاستثناء، فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط، فإنها لا تزيد ولا تنقص، فلا استثناء فيه\" (٢).\nويقول في موضع آخر: \"وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها، فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان. . \" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٣).\n(٢) الإيمان (٢٠٤).\n(٣) المصدر نفسه (٣٢٤).","vol":"1","page":203},{"text":"المسألة السادسة [*] الفرق بين الإيمان والإسلام (١)\nهذه المسألة وقع فيها شيء من الخلاف بين أهل السنّة والجماعة، وإن كان جمهور أهل السنّة يقولون بالفرق بينهما، حتى قيل: \"إن السلف لم يرو عنهم كير التفريق\" (٢).\nوممن روي عنهم عدم التفريق البخاري ومحمد بن نصر وابن منده، ونصر هذا القول ابن حزم (٣).\nوممن نصر القول بأن الإسلام يفترق عن الإيمان الإمام الخطابي في معالم السنن، وفي أعلام الحديث (٤)، والإمام البغوي في شرح السنّة (٥)، والحافظ ابن رجب في جامع العلوم والحكم (٦).\nوقد تصدى المصنف رحمه اللهُ تعالى في كتاب \"شرح حديث جبريل\" لهذه المسألة وأورد من الأدلة الظاهرة من الكتاب والسنّة ما يبين أن الفرق بين الإسلام والإيمان هو القول الصواب، ولكن على أي حال فهذه المسألة ليست من المسائل التي يبدع فيها المخالف، والخطب فيها هين.\nومن الأدلة التي تدل على أن هناك فرقًا بين الإسلام والإيمان في القرآن الكريم -كما ذكر المصنف- ما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: ١٤].\n٢ - قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥ - ٣٦].\n_________\n(١) انظر كتاب السنة للخلال (٦٠٢ - ٦٠٨).\n(٢) الفتح لابن رجب (١/ ١٣٠).\n(٣) الدرة فيما يجب اعتقاده (٣٥٩).\n(٤) معالم السنن في تفسير كتاب السنن لأبي داود (٤/ ٣١٥)، أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري (١/ ١٦٠).\n(٥) شرح السنّة (١/ ١٠).\n(٦) جامع العلوم والحكم (١/ ١٠٦ - ١٠٧).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: صوابه «المسألة السابعة»، وهي كذلك «المسألة السابعة» في فهرس المحتويات بآخر المطبوع","vol":"1","page":204},{"text":"٣ - قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥].\nوأما السنّة فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ - قال: \"أعطى رسول الله - ﷺ - رجالًا، ولم يعط رجلًا، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ قال: ثم غلبني ما أجد، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانًا، وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم؟ مرتين أو ثلاثًا، وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا، ويدع من هو أحب إليه منهم، خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم\".\nفالنبي - ﷺ - أجاب عن عدم إعطاء الرجل الذي كلمه فيه سعد بجوابين: الأول: أن هذا الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا.\nالثاني: أنه - ﷺ - وإن كان هذا الرجل مؤمنًا -قد يعطي من هو أضعف إيمانًا منه، لئلا يحمله منع العطاء على الردة، فيكون من أهل النار.\nوالجواب الأول هو المطلوب، وهو إثبات الفرق بين الإسلام والإيمان.\nوعلى هذا فالإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا.\n\"ويقولون في قول النبي - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" أنه يخرج من الإيمان إلى الإسلام، ودوروا للإسلام دارة (يعني دائرة)، ودوروا للإيمان دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنى خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر\" (١).\nوالإحسان كذلك عبارة عن دائرة أصغر من دائرة الإيمان تقع في جوفها أيضًا، فكل محسن مؤمن، وليس كل مؤمن محسنًا.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٣١٠).","vol":"1","page":205},{"text":"ومثال ذلك أن الإسلام والإيمان والإحسان كمثل بيت واحد من ثلاث طبقات، فالطبقة العليا هي الإحسان، والطبقة الوسطى هي الإيمان، والطبقة الدنيا هي الإسلام، فإذا خرج من الإحسان لم يخرج من الإيمان، وإذا خرج من الإيمان لم يخرج من الإسلام (١).\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-64>الأقوال في الإسلام والإيمان والفرق بينهما </span>أربعة أقوال:\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>القول الأول: </span>أن الإسلام هو الإيمان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>القول الثاني: </span>أن الإسلام هو الكلمة، والإيمان العمل، ونقل هذا القول عن الإمام الزهري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>القول الثالث: </span>أن الإيمان خصلة من خصال الإسلام، وهذا قول الأشاعرة (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>القول الرابع: </span>أن الإسلام والإيمان، كالشهادتين، وكاسم الفقير والمسكين، إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا.\nفإذا اجتمعا افترقا، وصار الإيمان هو الأعمال الباطنة، والإسلام هو الأعمال الظاهرة.\nوإذا افترقا اجتمعا، فإذا ذكر الإسلام مفردًا، دخل فيه الإيمان، وإذا ذكر الإيمان مفردًا دخل فيه الإسلام.\nوهذا القول هو الذي نصره المصنف ﵀ كتاب \"شرح حديث جبريل\" (٣) وكذلك في كتابه \"الإيمان الكبير\" (٤)، وهو القول الراجح الذي تؤيده الأدلة الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنّة، وهو ما عليه جمهور السلف الصالح رضوان الله عليهم.\n_________\n(١) الإيمان (٢٨١).\n(٢) قال القاضي أبو بكر الباقلاني في تمهيد الأوائل (٣٩٠): \"فإن قال قائل: ما الإسلام عندكم؟ قل له: الإسلام هو الانقياد والاستسلام، وكل طاعة انقاد العبد بها لربه تعالى، واستسلم فيها لأمره فهي إسلام والإيمان خصلة من خصال الإسلام، وكل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا\".\n(٣) شرح حديث جبريل (٤٨٢ - ٤٨٣).\n(٤) الإيمان (٢٠٤).","vol":"1","page":206},{"text":"ولشيخ الإسلام ﵀ تفريق بين الإسلام والإيمان من حيث الأفضلية، يقول ﵀: \"ولهذا صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال:\n\nفالمرجئة يقولون: الإسلام أفضل، فإنه يدخل فيه الإيمان.\n\nوآخرون يقولون: الإيمان والإسلام سواء، وهم المعتزلة والخوارج، وطائفة من أهل الحديث والسنة، وحكاه محمد بن نصر عن جمهورهم، وليس كذلك.\n\nوالقول الثالث: أن الإيمان أكمل وأفضل، وهذا هو الذي دل عليه الكتاب والسنّة في غير موضع، وهو المأثور عن الصحابة، والتابعين لهم بإحسان (١).\n\nويفرق المصنف بين الإسلام والإيمان بقوله: \" وحقيقة الفرق أن الإسلام دين، والدين مصدر دان يدين دينًا، إذا خضع وذل، ودين الإسلام الذي ارتضاه الله، وبعث به رسله هو الاستسلام لله وحده، فأصله في القلب هو الخضوع لله وحده، بعبادته وحده دون ما سواه، فمن عبده وعبد معه إلهًا آخر، لم يكن ملمًا، ومن لم يعبده بل استكبر عن عبادته لم يكن مسلمًا، والإسلام هو الاستسلام لله، وهو الخضوع له، والعبودية له، هكذا قال أهل اللغة: أسلم الرجل إذا استسلم، فالإسلام في الأصل من باب العمل، عمل القلب والجوارح. وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة، فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب، والأصل فيه التصديق، والعمل تابع له، فلهذا فسر النبي - ﷺ - الإيمان بإيمان القلب وبخضوعه، وهو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله، وفسر الإسلام باستسلام مخصوص هو المباني الخمس. . \" (٢).\n\nفأما القول الأول: فقد رد المصنف عليه، ومن ذلك أن الله ﷿ لم يعلق دخول الجنة إلا باسم الإيمان، لا باسم الإسلام \"مع إيجابه الإسلام، وإخباره أنه دينه الذي ارتضاه، وأنه لا يقبل دينًا غيره، ومع هذا\n_________\n(١) المصدر السابق (٣٢٣).\n(٢) المصدر السابق (٢٠٧)","vol":"1","page":207},{"text":"فما قال: إن الجنة أعدت للمسلمين، ولا قال: وعد الله المسلمين بالجنة، بل إنما ذكر ذلك باسم الإيمان. . \" (١).\nولتوضيح العلاقة المتلازمة بين الإسلام والإيمان يشبه المصنف الإسلام والإيمان في تلازمهما بالروح والبدن، وليس يلزم من تلازمهما أن يكون أحدهما هو الآخر، \"إذا قيل: إن الإسلام والإيمان التام متلازمان، لم يلزم أن يكون أحدهما هو الآخر، كالروح والبدن، فلا يوجد عندنا روح إلا مع البدن، ولا يوجد بدن حي إلا مع الروح، وليس أحدهما الآخر، فالإيمان كالروح، فإنه قائم بالروح ومتصل بالبدن، والإسلام كالبدن، ولا يكون البدن حيًا إلا مع الروح، بمعنى أنهما متلازمان، لا أن مسمى أحدهما هو الآخر\" (٢).\nويذكر لذلك تشبيهًا آخر فيقول: \"وليس كل من صلى ببدنه يكون قلبه منورًا بذكر الله والخشوع وفهم القرآن، وإن كانت صلاته يثاب عليها، ويسقط عنه الفرض في أحكام الدنيا، فهكذا الإسلام الظاهر بمنزلة الصلاة الظاهرة، والإيمان بمنزلة ما يكون في القلب حين الصلاة من المعرفة بالله والخشوع وتدبر القرآن، فكل من خشع قلبه خشعت جوارحه، ولا ينعكس. . \" (٣).\n\nوأما القول الثاني: وهو قول من يقول: الإسلام الكلمة، والإيمان العمل، فينظر في المراد بذلك، فإن كان مراد من قال ذلك أنه بالكلمة يدخل في الإسلام، ولم يأت بتمام الإسلام فنعم، وإن كان مراده أنه أتى بجميع الإسلام فهذا غلط قطعًا.\nفمن قال: إن الأعمال الظاهرة ليست من الإسلام فقوله باطل أيضًا (٤).\n\nوأما القول الثالث: وهو قول الأشاعرة الذين جعلوا الإيمان خصلة\n_________\n(١) المصدر السابق (٢٧٢).\n(٢) الصدر السابق (٢٨٨).\n(٣) المصدر السابق (٢٨٨).\n(٤) المصدر السابق (٢٩٠).","vol":"1","page":208},{"text":"من خصال الإسلام، فقد تصدى له المصنف بالرد والإبطال، وبين تناقضهم، حيث قال بعد أن أورد كلام الباقلاني الذي تقدم قريبًا: \"وهذا الذي ذكروه مع بطلانه ومخالفته للكتاب والسنّة هو تناقض، فإنهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، فالطاعات كلها إسلام، وليس فيها إيمان إلا التصديق، والمرجئة وإن قالوا: إن الإيمان يتضمن الإسلام، فهم يقولون: الإيمان هو تصديق القلب واللسان، وأما الجهمية فيجعلونه تصديق القلب، فلا تكون الشهادتان، ولا الصلاة ولا الزكاة ولا غيرهن من الإيمان، وقد تقدم ما بينه الله ورسوله، من أن الإسلام داخل في الإيمان، فلا يكون الرجل مؤمنًا حتى يكون مسلمًا، كما أن الإيمان داخل في الإحسان، فلا يكون محسنًا حتى يكون مؤمنًا.\nوأما التناقض، فإنهم إذا قالوا: الإيمان خصلة من خصال الإسلام، كان من أتى بالإيمان إنما أتى بخصلة من خصال الإسلام، لا بالإسلام الواجب جميعه، فلا يكون مسلمًا حتى يأتي بالإسلام كله، كما لا يكون عندهم مؤمنًا حتى يأتي بالإيمان كله، وإلا فمن أتى ببعض الإيمان عنده لا يكون مؤمنًا، ولا فيه شيء من الإيمان، فكذلك يجب أن يقولوا في الإسلام، وقد قالوا: كل إيمان إسلام، وليس كل إسلام إيمانًا، وهذا إن أرادوا به أن كل إيمان هو الإسلام الذي أمر الله به، ناقض قولهم: إن الإيمان خصلة من خصاله، فجعلوا الإيمان بعضه ولم يجعلوه إياه، وإن قالوا: كل إيمان فهو إسلام، أي هو طاعة لله، وهو جزء من الإسلام الواجب، وهذا مرادهم، قيل لهم: فعلى هذا يكون الإسلام متعددًا بتعدد الطاعات، وتكون الشهادتان وحدهما إسلامًا، والصلاة وحدها إسلامًا، والزكاة إسلامًا، وكل تسبيحة في الصلاة أو غيرها إسلامًا.\nثم المسلم إن كان لا يكون مسلمًا إلا بفعل كل ما سميتموه إسلامًا، لزم أن يكون الفساق ليسوا مسلمين، مع كونهم مؤمنين، فجعلتم المؤمنين الكاملي الإيمان عندكم ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الكرامية، ويلزم أن الفساق من أهل القبلة ليسوا مسلمين، وهذا شر من قول الخوارج","vol":"1","page":209},{"text":"والمعتزلة وغيرهم، بل وأن يكون من ترك التطوعات ليس مسلمًا، إذ كانت التطوعات طاعة لله، إن جعلتم كل طاعة قرضًا أو نفلًا إسلامًا. . .\nوإن قلتم: بل كل من فعل طاعة سمي مسلمًا، لزم أن يكون من فعل طاعة من الطاعات ولم يتكلم بالشهادتين مسلمًا، ومن صدق بقلبه ولم يتكلم بلسانه أن يكون مسلمًا عندكم، لأن الإيمان عندكم إسلام، فمن أتى به فقد أتى بالإسلام، ويكون مسلمًا عندكم من تكلم بالشهادتين وما أتى بشيء من الأعمال\" (١).\n_________\n(١) المصدر السابق (١٢٦ - ١٢٧).","vol":"1","page":210},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>القسم الثاني\nدراسة المسائل الفرعية</span>\nوهي مسألتان","vol":"1","page":211},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>المسألة الأولى مناقشات المصنف لبعض أقوال الفلاسفة وغلاة المتصوفة:</span>\nوالداعي إلى هذه المناقشات عند المصنف، ليس الاستطراد الذي ينطلق بلا غاية أو هدف، ولكنه كما قال ﵀: \"التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم، أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات. . \" (١).\nولا بد أن نشير إلى أن هذه المناقشات جاءت سريعة موجزة في الغالب، لأنها جاءت من باب الاستطراد.\nوالذي حدا به إلى ذكر قول الفلاسفة في سبب تحقيق السعادة -على سبيل المثال- هو تشبيه لقول الجهمية ومن اتبعهم في الإيمان -حين قالوا: إن مجرد المعرفة والتصديق هي الإيمان- بقول الفلاسفة في السعادة إنها في المعرفة فقط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-71>أولًا: مناقشة الفلاسفة:</span>\nمن أهم القضايا التي ناقش المصنف فيها الفلاسفة قولهم: \"إن سعادة الإنسان أن بعلم الوجود على ما هو عليه\" (٢)، \"حتى يصير الإنسان عالمًا مطابقًا للعالم الموجود\" (٣) فالعلم هو الذي تتحقق به السعادة عند الفلاسفة، وليس هو العلم الشرعي المأثور عن الأنبياء والمرسلين، ولكنها الفلسفات العقيمة التي تورث الحيرة والشك.\nوبين ﵀ أن العلم وحده لا يكفي أبدًا في تحقيق السعادة، دون أن يقود صاحبه إلى محبة الله ﷿، والعمل بمرضاته.\nوفي هذا يقول ﵀: \"وليس صلاح الإنسان ونفسه في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥١٤).\n(٢) المصدر نفسه (٤٩٦).\n(٣) المصدر نفسه (٤٩٨).","vol":"1","page":213},{"text":"كما أنه ليست سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان مستحقًا من اللعنة -التي هي البعد عن رحمة الله- ما لا يستحقه من ليس مثله.\nولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦ - ٧]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون. . \" (١).\nبل إن المصنف -كعادته دائمًا- حين يقارن بين المذاهب والنحل والأديان والفرق، ويذكر أيها أقرب إلى الحق، ينتقد الفلاسفة انتقادًا عنيفًا، ويقول عنهم: إنهم أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، لأنهم جمعوا بين جهل النصارى وضلالهم، وبين فجور اليهود وظلمهم.\nثم يُذكِّر أن هؤلاء الفلاسفة بمعزل عن العلم الإلهي الذي تنال به السعادة، الذي جاء به الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وأن جهلهم أكبر من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم (٢).\nومن المسائل الهامة التي عرض لها المصنف خلال مناقشته، مسألة وجود الله، التي يسميها الفلاسفة واجب الوجود، ولم يفته -وهو العالم المنصف- أن يذكر أن كلامهم في هذا المقام لم يخل من بعض الحق رغم قلته، ولكن الباطل فيه أكثر، والفساد عليه مهيمن.\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٩٨).\n(٢) المصدر السابق (٤٩٨).","vol":"1","page":214},{"text":"ولقد أماط المصنف اللثام عن حقيقة كلام الفلاسفة في كثير من القضايا التي تكلموا فيها، وبين أن كلامهم لا حقيقة له في الواقع البتة، وإنما هو أفكار وأوهام تدور في العقول، ويظن أصحابها خطأً أنها واقعة في الوجود.\nوذكر أن كلامهم: \"يعود عند التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان\" (١).\nكما نبَّه المصنّف على أن كلام الفلاسفة -في العقول والنفوس (٢) - فيه من الشرك واتخاذ الأنداد، ما هو أقبح من كلام النصارى في التثليث بكثير (٣).\nأما النبوات، فيذكر المصنف أن المتقدمين منهم ليس لهم كلام فيها، وأما المتأخرون منهم فحائرون فيها، فبعضهم يكذب بها، وبعضهم يصدق بها، ومن هؤلاء مقدمهم ابن سينا، ولكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل، ويجعلون الوحي الذي تكون به النبوة من جنس ما يقع لبعض الصالحين من الكف والتأثير والتخيل (٤).\nوعند كثير من الفلاسفة يكون الفيلسوف أفضل من النبي كما قال الفارابي، وقد يقول بعض هؤلاء: إن النبوة قد تكون أفضل بالنسبة للجمهور والعامة، لا عند الخاصة (٥).\nوعند هؤلاء أن الرسل ﵈: \"خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن، وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم حال النفس بحد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد، وإن كان لا حقيقة له، فإنما تعلق لمصلحتهم في الدنيا، إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق. . \" (٦).\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٩٩).\n(٢) سيأتي الكلام عنها عند تحقيق متن الكتاب إن شاء الله.\n(٣) المصدر السابق (٤٩٩).\n(٤) المصدر السابق (٥٠٠).\n(٥) المصدر السابق (٥٠٨).\n(٦) المصدر السابق (٣٦٢).","vol":"1","page":215},{"text":"وأخيرًا يصف المصنف ﵀ كلامهم بأنه عبارة عن: \"لحم جمل غث، على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل. . \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-72>ثانيًا: مناقشة غلاة المتصوفة:</span>\nمن العقائد الكفرية التي يعتقد بها بعض المتصوفة، اعتقادهم أن المرء إذا وصل إلى درجة من العبادة والرياضة الروحية، تسقط عنه التكاليف، ولِم يعد يخاطب بحلال ولا بحرام، ويستدلون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ [الحجر: ٩٩].\nوقد رد المصنف على هؤلاء بأن اليقين في هذه الآية هو الموت، واستدل على ذلك، واعتبر هذا القول من أقوال ملاحدة الفلاسفة (٢).\nوحين عرج المصنف على موقف الفلاسفة من النبوات، عرج أيضًا على مواقف بعض غلاة المتصوفة الذين صدقوا بالنبوة، ولكن كان ذلك لغايات خبيثة في نفوسهم، وهي تواطؤهم على إلغاء عقيدة ختم النبوة، وإن اختلفت أساليبهم في ذلك.\nفبينما كان يحاول ويجهد ابن سبعين المغربي -وأمثاله- في الرياضات الشاقة، ويخلو في غار حراء، طالبًا للنبوة، وساعيًا في اكتسابها، حيث إن النبوة عند هؤلاء ليست اصطفاءًا واختيارًا، وإنما هي رياضة ومجاهدة واكتساب، نرى إمام الغلاة محيي الدين ابن عربي يلجأ إلى أسلوب آخر، أشد خطورة، وأخبث مسلكًا.\nوذلك باختراعه خاتم الأولياء بزعمه، فابن عربي يقر أن محمدًا - ﷺ - هو خاتم الأنبياء والمرسلين، ولكنه يقول: إن الأولياء كالأنبياء لهم خاتم، وكما أن خاتم الأنبياء هو أفضل الأنبياء، فكذلك خاتم الأولياء هو أفضل الأولياء، وليس ذلك فحسب، بل إن خاتم الأولياء أفضل وأعظم من خاتم الأنبياء، لأن النبي يأخذ بواسطة الملك، وأما الولي فيأخذ عن الله من غير واسطة، وقد ادعوا أن جميع الأنبياء والمرسلين يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء (٣).\n_________\n(١) المصدر السابق (٤٩٩).\n(٢) المصدر نفسه (٣٦٥).\n(٣) فصوص الحكم (٦٢).","vol":"1","page":216},{"text":"وقد بين المصنف أن حقيقة قول هؤلاء الغلاة من المتصوفة -وقول الفلاسفة الذي سبق ذكره- هو قول الدهرية الطبعية، الذين ينكرون واجب الوجود، ويقولون: إن العالم نفسه هو واجب الوجود (١).\nثم أطال المصنف النفس قليلًا لمناقشة مذهب ابن عربي، وبيَّن أن مذهبه يجمع بين التعطيل والاتحاد، وذكر أن حقيقة الرب عنده \"وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن يرى في الدنيا ولا في الآخرة، ولا له كلام قائم به، ولا علم، ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين وجود الموجودات\" (٢).\nويذكر المصنف أن الأصل الفاسد الذي بنى عليه ابن عربي مذهبه في وحدة الوجود، هو غلط المناطقة الذين اعتمد كلامهم.\nوبين أن قولهم في هذا المقام على عكس قولهم في النبوات.\nيقول عن ذلك: \"وإنما أتي فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء شاهدت أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم.\nوهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء مدعين أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء. . \" (٣).\nوهذا ملحظ رائع مهم في تناقض هؤلاء وعكسهم للحقائق، فقد تخيلوا أشياء في أنفسهم ظنوها حقائق خارجية.\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٠٨).\n(٢) المصدر السابق (٥١٠).\n(٣) المصدر السابق (٥١١).","vol":"1","page":217},{"text":"ولهم تشبيهات -أعني غلاة المتصوفة من أصحاب الحلول وأصحاب عقيدة وحدة الوجود- لوجود الله ﷿ بالنسبة لوجود المخلوقات، حيث يقول المصنف: \"ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود المادة في الصورة، أو الصورة في المادة، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو الصورة وتارة بالوجود المغاير لثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا\" (١).\nثم يبين ضلالهم وانحرافهم عن الحق من عدة وجوه:\nالأول: إن تمثيلاتهم السابقة -سواء تمثيلهم المادة مع الصورة، أو الكليات مع الجزئيات، أو الوجود مع الثبوت- ترجع عند التمحيص والتحقيق إلى شيء واحد، لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، والاثنين واحدًا (٢).\nأي أنهم جعلوا المادة والصورة، أو الكليات والجزئيات -وهي في الحقيقة شيء واحد- شيئين اثنين، وجعلوا وجود الله ﷿ ووجود مخلوقاته -وهما شيئان مختلفان- شيئًا واحدًا.\nالثاني: أنهم جعلوا وجود الله ﷿من خلال التمثيلات السابقة- مشروطًا بوجود غيره الذي ليس مبدعًا له، فإن وجود المادة مشروط بالصورة والعكس، ووجود الكليات مشروط في الخارج بالجزئيات، ووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل هذه التقديرات والتمثيلات أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس هو من مبتدعاته، ومعلوم أن ما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي\n_________\n(١) المصدر السابق (٥١٢).\n(٢) المصدر السابق (٥١٢).","vol":"1","page":218},{"text":"ليس هو مصنوعًا له لم يكن واجب الوجود بنفسه (١).\nالثالث: أن كلامهم يعود عبد التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق -جل وعلا- عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك، لكنهم يقولون: إن هناك تغايرًا بين الوجود والثبوت، أو بين الكل والجزء، أو المطلق والمعين، ولذلك كانوا يقولون بالحلول، فيجعلون الخالق تارة حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وعند التحقيق في قولهم وإبطال هذه المغايرة، يكون معنى قولهم وحقيقة أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه (٢).\nالرابع: أن هؤلاء يقرون بما يزعمونه من التوحيد عند التعدد في صفاته الواجبة وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ولكنهم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة الكائنة الفاسدة المتقذرة، ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك.\nوقالوا: إنه يظهر بصفات المحدثات، وبصفات النقص، وبصفات الذم.\nوقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال، ولكن ما هو الكمال يا ترى عند هؤلاء الغلاة من المتصوفة؟ .\nقالوا: إنه الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا، وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة (٣).\nوفي الختام فإن المصنف يرى أن دابر هؤلاء وكفرهم وضلالهم لا يقطعه إلا المباينة بين الخالق والمخلوق، وأن هناك خالقًا منفصلًا عن المخلوق ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج خاتم الأنبياء (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٥١٢).\n(٢) المصدر السابق (٥١٣).\n(٣) المصدر السابق (٥١٣).\n(٤) المصدر السابق (٥١٧).","vol":"1","page":219},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المسألة الثانية الكلام على الأحاديث التي ذكر فيها الإسلام والإيمان</span>\nيذكر المصنف بادئ ذي بدء أن حديث جبريل ﵇ في تعريف الإسلام، وهو قوله: \"الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت\"، متفق مع حديث ابن عمر الذي جاء فيه: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا).\nوقد تكلم المصنف ﵀ عن السبب في وقوع الاختلاف في بعض الأحاديث في هذا الباب، وكيف أن بعضها ذكرت بعض الأركان دون بعض، وتكلم في سبب ذلك.\nوالعمدة في السبب عند المصنف في هذا المجال هو تاريخ فرض هذه الأركان، وزمن وجوبها، وفي ذلك يقول: \"فإن الله تعالى لما بعث محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذٍ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل، فمن صدقه حينئذٍ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذٍ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا.\nقال الإمام أحمد: \"كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل\" (١).\nولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣] (٢).\n_________\n(١) سيأتي تخريجه أثناء تحقيق المتن إن شاء الله.\n(٢) المصدر السابق (٣٩٦).","vol":"1","page":220},{"text":"ويقول فى موضع آخر: \"ومعلوم أن الخمس المذكورة في حديث جبريل، لم تجب في أول الأمر، بل الصيام والحج وفرائض الزكاة، إنما وجبت بالمدينة، والصلوات الخمس إنما وجبت ليلة المعراج، وكثير من الأحاديث ليس فيها ذكر الحج لتأخر وجوبه إلى سنة تسع أو عشر على أصح القولين، ولما بعث الله محمدًا - ﷺ - كان من اتبعه وآمن بما جاء به، مؤمنًا مسلمًا، وإذا مات كان من أهل الجنة، ثم إنه بعد هذا زاد الإيمان والإسلام، حتى قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ \" (١).\nفالمصنف يريد من ذكر الكلام على هذه الأحاديث أمورًا منها:\nأولًا: الرد على طوائف المرجئة -وقد سبق هذا في أثناء الرد عليهم- الذين يعتقدون أن الإيمان لا يتبعض، أي يذهب بعضه ويبقى بعضه، ومعلوم أن التدرج في فرض شرائع الإسلام والإيمان لمن أعظم الردود عليهم.\nثانيًا: إثبات أن الإيمان كان في أول الأمر ناقصًا، ثم جعل يكتمل حتى صار كاملًا، ونزل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وحديث كل من جبريل ﵇ وابن عمر كانا في آخر الأمر، حيث اتفقا على ذكر المباني الخمسة، ومن أجل ذلك فهذا الأمر يعد ردًا أيضًا على المرجئة الذين أخرجوا الأعمال من مسمى الإيمان، وقالوا: إن الإنسان يكون مؤمنًا كامل الإيمان، ولو لم يعمل خيرًا قط، فإن من أخل بشيء من هذه الأمور فإيمانه ناقص أو معدوم، وقد مر أن كثيرًا من السلف الصالح رضوان الله عليهم أجمعين قد حكموا بكفر من ترك شيئًا من الأركان الأربعة -مع خلافهم في ذلك- وأما الشهادتان فهم متفقون على كفر تاركها إذا كان قادرًا، ولم يتلفظ بها.\nوكذلك رد على شبهة المرجئة حين قالوا: إن الله قد خاطب بالإيمان قبل نزول الأعمال، فدل على أنها ليست من الإيمان.\n_________\n(١) الإيمان (٣٣٤).","vol":"1","page":221},{"text":"ثالثًا: إزالة اللبس والغموض، وكف ما يبدو من خلاف في الأحاديث التي ورد فيها ذكر الإسلام والإيمان، وبيان أنه لا تناقض بينها.\n\nإشكال وجوابه:\nذكر المصنف إشكالًا مفاده: لماذا ذكرت بعض الأركان في بعض الأحاديث دون بعض؟ .\nفذكر أولًا: أن بعض الناس قد أجاب على هذا الإشكال بأن ذلك وقع من اختصار الرواة في متون بعض الأحاديث! ! .\nوضعف المصنف هذا القول، ورد عليه بأمرين:\nالأول: أن هذا طعن في الرواة، ونسبة لهم إلى الكذب.\nالثاني: أن هذا الجواب قد يسلم به في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، ولم يذكره بعضهم.\nوذكر ثانيًا: أن الاختصار لا يمكن أن يقع في الحديثين المنفصلين، لاسيما -كما يقول- والأحاديث قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما بين قطعًا أن النبي - ﷺ - قد تكلم بهذا تارة وبهذا تارة (١).\nأما حل المصنف لهذا الإشكال فمن جوابين:\n\nالجواب الأول: أن النبي - ﷺ - قد أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، حيث روي أنها فرضت في بادئ الأمر ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي، ثم فرضت الصلوات الخمس ليلة المعراج، فلما هاجر النبي - ﷺ - زيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، وكانت الصلاة تكمل شيئًا فشيئًا، وإن كانوا قد أمروا بالزكاة والإحسان في المدينة، لكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت في المدينة.\nوأما صوم شهر رمضان فقد فرض في السنة الثانية من الهجرة، وأما الحج فقد فرض على الصحيح سنة عشر للهجرة (٢).\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٤١).\n(٢) المصدر السابق (٥٤٧).","vol":"1","page":222},{"text":"الجواب الثاني: أن النبي - ﷺ - كان يذكر في كل مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي تقاتل عليها الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة، ويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام مثلًا، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون هذا قبل فرض الحج، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه (١).\nولكن قد يرد على هذين الجوابين مثل حديث معاذ - ﵁ -، وهو من آخر الأحاديث، ولا شك في ذلك، فإن النبي - ﷺ - مات ومعاذ في اليمن، ومع ذلك فلم يذكر في حديثه لا الصيام ولا الحج! ! ! .\nوقد أجاب المصنف بعدم ذكر الصيام لأنه تبع وهو باطن، ولم يذكر الحج لأن وجوبه خاص ليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة واحدة (٢).\nوالقول المتوجه في حديث معاذ - ﵁ - أن المقام لم يكن مقام فرض وتشريع، ولكنه كان مقام دعوة وتعليم، وأسلوب الحديث ينبئ عن صحة هذا القول، وبالله التوفيق (٣).\n_________\n(١) المصدر نفسه (٥٤٩).\n(٢) المصدر السابق (٥٥٠).\n(٣) وسيرد إن شاء الله تعالى مزيد من التوضيح عند الكلام على حديث معاذ - ﵁ - أثناء تحقيق متن الكتاب.","vol":"1","page":223},{"text":"المسألة السابعة [*] <span data-type=\"title\" id=toc-74>(تابع المسائل الأصلية) الإحسان والكلام عليه</span>\nهذا الباب يعد بحق من أكثر أبواب الكتاب شفافية وإمتاعًا، فلئن كان النقاش والاستدلال والحجاج هو الرائد فيما مضى من موضوعات الكتاب، فإن أسلوب المصنف في هذا الباب ليعتمد على الهدوء والتأصيل والتقرير.\nولئن كان الكلام هناك في الغالب مع المخالفين، فإن الكلام هنا توجيهات للمؤمنين ووقفات مع المحسنين.\nوإن كلام المصنف في هذا الباب بالإضافة على أنه تأصيل لدرجة الإحسان العليا من الدين، ليعد -بلا مبالغة- مرجعًا أصيلًا في التربية السليمة الشاملة على ضوء هذه الدرجة الرفيعة، وهي الإحسان.\nوسوف نرى ذلك واضحًا في الصفحات التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>تعريف الإحسان:</span>\nيذكر المصنف أن بعض العلماء قد عرف الإحسان بأنه الإخلاص، وقال بعد ذلك: \"والتحقيق أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله\" (١).\nوبعد أن ذكر جواب النبي - ﷺ - لجبريل ﵇ عن الإحسان، وهو قوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\".\nقال: \"ومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد\".\nوهذا الكلام يعد أيضًا تعريفًا للإحسان، وحين يرى المصنف أن الإحسان يجمع الإخلاص في العمل، والإتيان له على الوجه الحسن، فإنه يستشهد بتفسير الإمام الفضيل بن عياض رحمه الله تعالى لقول الله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢].\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٧٨).\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: صوابها «الثامنة»، وهي هكذا «الثامنة» في فهرس المحتويات بآخر المطبوع","vol":"1","page":224},{"text":"وذلك حين قال: أخلصه وأصوبه.\nفقيل له: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنّة رسول الله - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-76>تعريف الإخلاص:</span>\nذكر المصنف تعريفين للإخلاص، أحدهما لأبي القاسم القشيري وهو قوله: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة في القصد (١).\nوعقب المصنف على هذا بقوله: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (٢).\nويقدم المصنف بين يدي هذا الباب نبذة عن فضل الإحسان وأهميته، وأن استصحابه مطلوب في جميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية (٣)، مستشهدًا بالحديث الصحيح الذي جاء فيه: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة، وليحد أحدكم شفرته، وليرح ذبيحته\".\nكما يذكر ﵀ أن من عمل من الأعمال الصالحة التي يبتغى بها وجه الله، وأراد بذلك عرضًا من عرض الدنيا، لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله.\nإذ الإحسان -كما سبق- هو إخلاص العمل لله مقرونًا بالإتيان بالفعل على الوجه الحسن، أو اتباع النبي - ﷺ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>الإحسان في العلم:</span>\nويبدأ المصنف بالإحسان في العلم، ويعرف المصنف العلم بأنه كل ما قام عليه الدليل، وأن النافع منه ما كان عن رسول الله - ﷺ -، ثم يذكر أن من الأمور التي يتحقق بها الإحسان في العلم ما يلي:\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٨٢).\n(٢) المصدر السابق (٥٨٣).\n(٣) المصدر السابق (٥٨٣).","vol":"1","page":225},{"text":"أولًا: ابتغاء وجه الله ﷿ بهذا العلم، والإخلاص فيه، وطلب مرضاته به، فإن أول من تسعر به النار يوم القيامة رجل تعلم حتى يقال عنه: عالم، وقد قيل، كما جاء في الحديث الصحيح، أو الحديث الذي في السنن وفيه: \"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف الجنة يوم القيامة\" (١).\nثانيًا: أن يستعمل العدل في علمه الذي هو ميزان الأعمال، وفي ذلك يقول المصنف: \"فينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان\" (٢).\nواستعمال العدل في العلم -كما أشار المصنف- من أعلى درجات الإحسان فيه، ويمكننا أن نستخرج منه بعض الفوائد، منها على سبيل المثال: ما ينبغي على طالب العلم أن يكون عادلًا مع الله قبل أي شيء آخر، فلا يطلب بعلمه أحدًا غيره، ومن ذلك أن يبلغ ما تعلمه إلى الناس، ولا يخشى أحدًا إلا الله.\nومها: أن يكون طالب العلم عادلًا مع نفسه، وذلك بأن يختار من الشيوخ والعلوم ما يكون به صلاح أمره في دينه ودنياه، وأن يكون منصفًا لشيوخه.\nومنها: أن يعمل بما تعلم، وهذا الأمر -وهو العمل بالعلم- من أهم جوانب استعمال العدل في العلم.\nومها: أن يكون عادلًا مع إخوانه الآخرين من طلبة العلم، فلا يحسدهم ولا يزدريهم.\nومنها: أن يكون عادلًا مع الناس، فيعلمهم ويدعوهم بكل رفق ولين، ولا يتعالى عليهم، ويحتمل خطاهم، وغير ذلك من الفوائد.\nثالثًا: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، وفي ذلك يقول\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٨٤).\n(٢) المصدر السابق (٥٨٣).","vol":"1","page":226},{"text":"المصنف: \"فمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني\" (١).\nإن إحسان الظن بالمعلم أو الشيخ لمن الإحسان في العلم، وكيف يرجو طالب النفع والبركة في العلم، وهو سيئ الظن بشيخه، رديء الاعتقاد فيه، وليس معنى هذا أن يهرع الطالب إلى كل من قيل عنه: شيخ، ويتعامى عن بدعه ومخالفاته، بحجة حسن الظن بالشيخ، وحسن الظن في هذا المقام ليس هو ما يعنيه المتصوفة حين يقول بعضهم: كن بين يدي الشيخ كالميت بين يدي المغسل (٢)، ولكنه اختيار المعلم الصالح، واصطفاء الشيخ العالم العامل، عند ذلك يأتي حسن الظن مع حسن الاختيار.\nوفي إشارة المصنف ﵀ إلى البركة في العلم تنبيه لطيف، يغفل عنه كثير من الشيوخ والطلبة، فإن البركة تزيد في العلم وتنميه، وترسخه وتقويه، فلا ينساه صاحبه، ويعمل بما فيه، ويعلمه الله سواه.\nلأن كثيرًا منهم يعتمد على قدرته وحوله وحفظه ونشاطه ومذاكرته، ويغفل عن الله ﷿ إن لم يهبه البركة في علمه وتعليمه، فكل ذلك إلى ضياع.\nوإن الناظر إلى حال الناس اليوم ليرى أن البركة قد انتزعت من الحلم -إلا من رحم الله وقليل ما هم- كما نزعت في الأرزاق والأقوات والأولاد والأموال والثروات والأوقات.\nوإنه يخشى والله أن تكون شهادات زماننا هذا هي الآفة الكبرى لذهاب البركات من العلم، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٨٧).\n(٢) دراسات في الفرق: الصوفية (٧٨) محمد العبدة وغيره.","vol":"1","page":227},{"text":"وبعد أن ذكر المصنف أن من الإحسان في العلم أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، ذكر ببعض الآداب والتوجيهات والوصايا التي ينبغي لطالب العلم أن يتخلق بها مع شيخه، والتي تعد من حقوق العالم على المتعلم، ومنها:\n١ - التسليم على الشيخ خاصة.\n٢ - الجلوس أمامه.\n٣ - عدم الإشارة باليد عنده.\n٤ - عدم الغمز بالعين في حضرته.\n٥ - عدم الغيبة في مجلسه.\n٦ - عدم المساررة في مجلسه.\n٧ - عدم الإلحاح عليه إذا تعب.\n٨ - عدم الملل من طول صحبته.\n٩ - رد الغيبة عنه مع القدرة على ذلك (١).\nولو تأملنا هذه الآداب جميعًا لوجدنا جلها آدابًا عامة، ينبغي على المسلم أن يتأدب بها مع إخوانه المسلمين، ولكنها مع أهل العلم والعلماء أحرى بأن يعمل بها، وأولى من أن تنسى.\nرابعًا: أن يقف عندما يسمع ويكتب، وفي ذلك يقول ﵀: \"ومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عندما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة في عمره. . وإن كان أدبًا من آداب السنّة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢] \" (٢).\nووقوف المتعلم عند ما يسمعه أو يكتبه والعمل بذلك، ثمرة العلم والتعليم، وما فائدة علم لا يعمل به؟ وكم من الطلبة الذين يعلمون كثيرًا\n_________\n(١) شرح حديث جبريل (٥٨٧).\n(٢) المصدر السابق (٥٨٧).","vol":"1","page":228},{"text":"من الفضائل والسنن والمستحبات، ولكنهم لا يعملون بها، حتى ولو مرة واحدة في حياتهم.\nخامسًا: محاسبة النفس، وفي ذلك يقول ﵀: \"وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nوقال عبد الله بن مسعود: من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا. وهذا باب واسع\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-78>الإحسان في أعمال الجوارح:</span>\nبقسم المصنف الإحسان في أعمال الجوارح إلى فرض عين، وفرض كفاية، وسنّة مؤكدة، وفضيلة، وفي ذلك يقول: \"وأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنّة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩٠ - ٩١] \" (٢).\nثم شرع المصنف ﵀ في بيان التعاون بين المسلمين الذي هو من الإحسان في أعمال الجوارح، فتحدث عن وجوب بذل المسلم بعض المنافع التي لا يضره بذلها، ويحتاج غيره إليها، ومن ذلك الدلو والفأس والقدر، وما إلى ذلك، وذكر أن هناك خلافًا في بذلها، هل يكون بأجرة المثل، أو يكون تبرعًا مجانًا، ورجح القول الثاني، وقال: إنه مذهب الصحابة والتابعين وأهل الحديث، وما عليه الكتاب والسنّة.\nوقد استدل المصنف على ما رجحه بما يلي:\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٨٨).\n(٢) المصدر السابق (٥٨٩).","vol":"1","page":229},{"text":"قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧].\nوفي السنن عن ابن مسعود - ﵁ -: \"كنا نعد ذلك على عهد النبي - ﷺ - عارية، الدلو والقدر والفأس ونحوهن\" وفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - لما ذكر الخيل قال: \"هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها\".\nوفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها\".\nثم قال: فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان\" (١).\nوصدق ﵀، فلو قيل بوجوب دفع أجرة المثل، لانقطع المعروف بين الناس، وقل الإحسان فيهم، وسادت المادية بينهم.\nومن ذلك سماح الرجل لغيره بأن يجري ماؤه في أرضه ليعل إلى أرض صاحبه، من غير إضرار بصاحب الأرض، والراجح وجوب ذلك.\nومن ذلك أيضًا إعارة الحلي للمحتاجة من النساء، في نكاح أو عيد أو مناسبة، واستدل المصنف لذلك يقول عدة من أصحاب النبي - ﷺ - أن زكاة الحلي عاريته (٢).\nوبعد ذلك يأتي المصنف بقاعدة عظيمة شاملة لكل ما سبق، وهي ما عبر عنها بقوله: \"وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد.\nكما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه،\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٩٣).\n(٢) المصدر السابق (٥٩٣).","vol":"1","page":230},{"text":"والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان. . \".\nويفرع المصنف على منافع الأبدان منافع اللسان، ويذكر أن من منافع اللسان الشهادة بالحق، ويستطرد -حتمًا- إلى خلاف العلماء في جواز أخذ الأجرة على الشهادة، والأقوال في ذلك، ويختم بقوله عن الشهود: \"وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب. . \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-79>فروض الكفاية:</span>\nومن الإحسان في أعمال الجوارح ما ذكره المصنف وعده فرض كفاية، ومن ذلك: الفلاحة والزراعة، والصناعة، والنساجة، والبناية، والعمران، وكذلك الحرف اليدوية والمهنية، كالطحن، والعجن، والخبز وغير ذلك، وكذلك طلب العلم والجهاد في سبيل الله إذا لم يتعين، وكذلك غسل الموتى وتكفينهم والصلاة عليهم، وكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكذلك الولايات الدينية كإمرة المؤمنين، وما دونها من وزارة، وديونة، وإمرة حرب، وقضاء، وحسبة، وغير ذلك.\nوقد استدل المصنف على وجوب ذلك بأن النبي - ﷺ - كان يتولى الأحكام والفتاوى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وإقامة الحدود.\nوكان يقوم بكل ما تعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، ويؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة الذين يجبونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها، وكان ﵇ يحاسب العمال (٢).\nقاعدة: يذكر المصنف قاعدة مفادها أن فروض الكفايات قد تنقلب إلى\n_________\n(١) المصدر السابق (٥٩٥).\n(٢) المصدر السابق (٥٩٦ - ٥٩٩).","vol":"1","page":231},{"text":"فروض أعيان متى ألجأت الضرورات إليها، وفي ذلك يقول: \"والمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك. . \" (١).\nويضرب لتلك القاعدة مثالًا يقول فيه: \"فإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه.\nفإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منعهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة. . \".\nثم تحدث المصنف عن المزارعة وأنها سنة صحيحة ماضية، باعتبارها من الإحسان في أعمال الجوارح، لأنها تعاون بين صاحب الأرض من جهة، وبين من يزرع الأرض ويقوم عليها من جهة أخرى.\nوفي أثناء الاستدلال لصحتها ذكر ﵀ انشغال الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين بالجهاد ونشر الإسلام، ولذا فقد عهد بزراعة خيبر بعد فتحها -على سبيل المثال- إلى أهلها. مع أن المصنف ينبه على ضرورة الاستغناء عن الكفار في كل ما يحتاجه المسلمون، إذا كانوا قادرين على القيام به.\nثم تحدث المصنف عن وجوب الجهاد ووجوب صناعة آلاته، ووجوبه على كل مسلم حسب طاقته، وفي ذلك يقول: \"فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن عليه أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٠٠).","vol":"1","page":232},{"text":"ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه. . \" (١).\nويقول المصنف معقبًا على ما ذكره من فروض الكفايات، وأن القيام به من الإحسان: \"والغرض هنا إذا كان الكافر الذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر وإصلاح خبز وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-80>الإحسان في أعمال القلوب والجوارح:</span>\nويذكر المصنف في ذلك المقام ثلاثة أمور:\nالأول: نية نفع الخلق في كل يوم.\nالثاني: طاعة الله ﷿ بأخذ ما حل، وترك ما حرم.\nالثالث: التورع عن الشبهات ما استطاع.\nيقول ﵀: \"ومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينوِ في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسَّر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع. . \" (٣).\nثم شرع المصنف في بيان أهمية النفقة الحلال على الأهل والعيال، ويرى أنه باب عظيم، لا يعدله شيء من أعمال البر.\nثم ذكر فضيلة من يأكل من عمل يده، وأنه صنيع داود ﵇.\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٠٥).\n(٢) المصدر السابق (٦٠٩).\n(٣) المصدر السابق (٦٠٩).","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-81>الإحسان في المعاملات:</span>\nومن الإحسان في المعاملات ما أوجزه المصنف في بعض الوصايا النافعة، ومنها:\n١ - اجتناب البيوع الفاسدة.\n٢ - تنزيه اللسان عن الحلف في البيع.\n٣ - حفظ المعاملة عن المخادعة.\n٤ - حفظ المعاملة عن خلف الوعد.\n٥ - القناعة.\n٦ - حسن الظن بالله.\n٧ - الثقة بما قسمه الله من الرزق.\n٨ - خوف الحساب يوم القيامة.\n٩ - مراقبة الله ﷿ (١).\nوأيم الله لو سار الناس في معاملاتهم وشؤون حياتهم على ضوء هذه الوصايا -التي أصولها في الكتاب والسنة- لما ضاقوا ذرعًا من سوء المعاملات بينهم، ومن تفشي الخداع والغش والمكر والتدليس بين صفوفهم، ولتحسنت أحوالهم، وتباركت أرزاقهم، وعم الرخاء أوطانهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-82>الإحسان في البيوع:</span>\nلقد ذكر المصنف جملة من الأمور الهامة التي ينال بها الإحسان في البيوع، هذه الأمور تدور بين مأمورات ينبغي أو يجب العمل بها، وبين منهيات يكره عملها، أو لا يجوز ارتكابها، ومن هذه الأمور:\n١ - حاجة البيوع إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح.\n٢ - فسادها بالكذب.\n_________\n(١) المصدر السابق (٦١٠).","vol":"1","page":234},{"text":"٣ - فسادها أيضًا بكتمان العيب.\nوهو ما عبر عنه بقوله: \"فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش. . \" (١).\n٤ - النهي عن تلقي الركبان.\n٥ - النهي أن يبيع حاضر لباد.\n٦ - إثبات الخيار للمغبون.\nوفي ذلك يقول المصنف عارضًا لخلاف الفقهاء ﵏: \"ولهذا: (نهي عن تلقي الركبان) الحديث، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.\nولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنه نهي عن ذلك من أجل ضرر البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.\nوفي الخيار هنا أقوال: منها أنه ينبت له الخيار إذا غبن في البيع، وإليه ذهب أحمد، والثاني: أنه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوليه.\nوقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه، فكأنه ﵇ أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.\nوفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - ﷺ - نهى عن البيع الذي هو حلال الجنس، حتى يعرف السعر البائع، ويتحقق المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما يشاء أين شاء! ! وقد اشترى برضى البائع.\n_________\n(١) المصدر السابق (٦١١).","vol":"1","page":235},{"text":"والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . \" (١).\nويلاحظ في هذا المقام أن المصنف حين يطرق هذه القضايا الفقهية البحتة، لا يسلك في ذلك سبيل الفقهاء الذي ينصب في الغالب على بيان المسألة وصورها وأحكامها والاستدلال لها، بل إنه ليأتي به في ثوب جميل من النصح والتوجيه والتربية، والتذكير بأهمية الإحسان والتعاون بين المسلمين، والإشادة بالمحسنين، والتثريب واللوم على الذين ليس همهم في هذه الحياة إلا جمع المال من أي طريق كانت (٢).\nوانظر إلى قوله ﵀: \"وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور. . \" (٣).\n٧ - اجتناب البيوع الفاسدة، وينقل جملة كبيرة منها عن ابن عقيل الحنبلي، ويقول ﵀: \"ومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:\nيجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه،\n_________\n(١) المصدر السابق (٦١٢ - ٦١٣).\n(٢) وسيأتي مزيد بيان لهذه القضية أثناء تحقيق متن الكتاب إن شاء الله.\n(٣) المصدر السابق (٦١٣).","vol":"1","page":236},{"text":"فجاء الإسلام برده وبيان تحريمه، فمنها: تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد، والنجش هو من شرها موقعًا، وأذرعها للحق وفي القلوب، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم، ونهى عن بيع الملامسة، وعن بيع المنابذة، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة، وعن بيع الحصاة، وعن بيع الكلب، وعن بيع نقع البئر يعني: ماءه، وعن بيع وسلف، وعن بيع ما لم يقبض، وعن بيع ما ليس عندك، وعن بيع الحب حتى يفرك، وعن بيع الثمرة حتى تزهي، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في شبلها، وربح ما لم يضمن خسارته، ونهى عن بيعين في بيعة، وعن بيع المضامين، وحرم بيع الملاقيح، ونهى عن بيع وشرط، ونهى عن بيع الغرر، وعن بيع حبل الحبلة، وعن بيع اللحم بالحيوان، وعن عسب الفحل، وعن بيع الرطب بالتمر، ورخص في العرايا من أجل الفقراء، وعن بيع المجر، وعن بيع الكالئ بالكالئ\" (١).\nوكما قلنا قبل ذلك: إن المصنف ينهج نهجًا ليس كنهج الفقهاء في تعامله مع تلك القضايا الفقهية، ومن أجل ذلك فهو يعقب على ما ذكره ابن عقيل من بيوع فاسدة بقوله: \"فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.\nوقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] \" (٢).\nوأعجب من ذلك قوله بعد ذلك: \"وللعلماء من التصانيف الجليلة في\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٣٠ - ٦٣٨)، وسيأتي التعريف بهذه البيوع مقرونة بأدلتها أثناء تحقيق المتن إن شاء الله.\n(٢) المصدر السابق (٦٣٨).","vol":"1","page":237},{"text":"البيوع ما بين الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه\" (٢).\nوانظر إلى قوله ﵀: وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.\nوهل انتشر الربا والمعاملات الربوية، وفشا الغش والخداع، وظهرت المعاملات الفاسدة والبيوع الفاسدة بين الناس، وضج الأخيار، واشتكى الصالحون إلا يوم فرط المسلمون في معرفة أبواب الحلال والحرام، وصارت عند كثير منهم -على أحسن حال- نافلة وفضلة، وظن العوام الذين يتعاملون بالبيع والشراء وسائر المعاملات أنهم مستغنون عنها، وحسب التجار أنهم معذورون يوم تساهلوا في حفظها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>إزالة الضرر من الإحسان الواجب:</span>\nوهذه من القواعد الفقهية الهامة التي تعد من مفاخر الفقه في الإسلام، والمصنف أشار إلى هذه القاعدة، واستدل لها بقصة صاحب الشجرة التي كانت في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، والقصة في ذلك معروفة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>إطعام الطعام من الإحسان:</span>\nوذكر ﵀ إن إطعام الطعام للمحتاج إليه فرض كفاية باتفاق أئمة المسلمين، واستدل على ذلك بما يلي:\n١ - قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩].\n_________\n(١) الحالي: اسم فاعل من الحلي، قال صاحب القاموس المحيط (١٦٤٧): \"الحلي بالفتح: ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلي\".\nوالعاطل قال في القاموس (١٣٣٥): \"عطلت المرأة. . . وتعطلت: إذا لم يكن عليها حلي، فهي عاطل وعطل\".\n(٢) شرح حديث جبريل (٦٤٠).\n(٣) المصدر السابق (٦١٤).","vol":"1","page":238},{"text":"٢ - وفي البخاري أنه قال - ﷺ -: \"عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني\".\n٣ - وفي المسند: \"أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله\".\nويعقب على ذلك ﵀ بقوله: \"ولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمتهم ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . \" (١).\nفإطعام الطعام وكسوة العرايا وإغاثة الملهوف كلها من فروض الكفاية -كما ذكر المصنف- والأمر ليس بالخيار، فإذا كان هناك محتاج إلى شيء من ذلك، وجب على من علم بحاجته من الناس، وكان لديه فضل من مال أو طعام أو لباس أن يساعده، واستدل ﵀ بما وقع للصحابة من فاقة وحاجة شديدتين، وأمرهم النبي - ﷺ - أن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتى ظنوا رضوان الله عليهم أنه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله.\nوهذا هو الصحيح، وإلا فما معنى أن يوجد المحتاجون، وأن يجوع الفقراء، وأن يتعرى المنكوبون، والمجتمع متخم بالأغنياء والأثرياء، ومن لهم فضول كثيرة في الطعام والشراب والدواء والكساء، وهل لو تحقق هذا المعنى، أو شيء منه على الأقل، هل كنا سنرى هذه المجاعات الأليمة التي تفتك بكثير من المسلمين في كثير من بقاع العالم؟ وهل كان كثير من هؤلاء المساكين سيقعون ضحية لحملات التنصير ومنظماته التي لا ترقب فيهم إلَّا ولا ذمة؟ ! ! ! .\nوتأمل قول المصنف ﵀: \"ومتى رأى محتاجًا، وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه. . \".\nوكم من المسلمين الأغنياء الذين يرون إخوانهم -ليسوا محتاجين\n_________\n(١) المصدر السابق (٦١٦).","vol":"1","page":239},{"text":"فقط- ولكنهم يتضورون جوعًا بل يموتون جوعًا، يشاهدون كل هذا عبر وسائل الإعلام المختلفة، ويرون ما يندى له الجبين، ويتفطر له قلب كل مؤمن يرجو الله واليوم الآخر، من صور في المجلات، ويسمعون في ذلك الإذاعات، حتى تحدث أن بعضهم أكل بعض، والله يعفو عن تقصيرنا ويتجاوز عن سيئاتنا، إنه أكرم مسؤول.\nإن كلام شيخ الإسلام هذا، لهو تأصيل لواجب العمل الإغاثي، ونبراس لهيئات الإغاثة التي تنتشر بين المسلمين، وتذكير لكل مجتمع مسلم آمن مطمئن يعيش رخاءً ورغدًا، بواجبه تجاه مجتمع مسلم آخر، تسربل بلباس الجوع والخوف، والله لا يضيع أجر المحسنين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>النهي عن الرشوة من الإحسان:</span>\nوقد أشار المصنف إلى حرمتها، واستدل على ذلك بحديث: (لعن الله الراشي والمرتشي)، وبقصة عبد الله بن رواحة حين أراد اليهود رشوته لما بعثه النبي - ﷺ - لخرص ثمارهم، فأرادوه أن يحابيهم، فأبى - ﵁ - وقال لهم: \"يا معشر يهود! أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي\".\nفما كان منهم -وهم القوم البهت- إلا أن قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذناها، قال: فأخرجوا عنا (١).\nوفي أثناء الحديث عن المعاملات يذكر المصنف بمزية فريدة لمذهب الإمام المبجل أحمد بن حنبل - ﵁ - من حيث السعة والشمول قائلًا: \"وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة\" (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٢٠).\n(٢) المصدر السابق (٦٢٣).","vol":"1","page":240},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>وضع الجوائح من الإحسان:</span>\nيقول المصنف: \"وأما الجائحة (١) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف.\nوقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! \".\nوأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-87>الدعوة إلى الله ﷿ من الإحسان:</span>\nوفي ذلك المقام يذكر المصنف بعث النبي - ﷺ - الرسائل والكتب إلى ملوك الأرض، لدعوتهم إلى الإسلام، ومن هؤلاء: كسرى وقيصر والمقوقس وأكيدر دومة وغيرهم. وهذا الأمر من أكبر الأدلة على عالمية الدعوة، وأنه - ﷺ - بعث إلى الناس كافة، بل إلى الثقلين جميعًا، ويقول في ذلك: \"وإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. .﴾ [النساء: ١٦٥] الآيات.\nفإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث ﵇ إلى الناس كافة.\nوإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله. . \" (٣).\nوكان - ﷺ - يبعث الدعاة لدعوة الناس إلى الإسلام، وتعليمهم إذا\n_________\n(١) مراد الفقهاء ﵏ بالجائحة أنها كل ما أصاب الزرع والثمر والمال بغير جناية آدمي كريح ومطر وغير ذلك، وسيأتي التعريف بها أثناء تحقيق المتن إن شاء الله.\n(٢) المصدر السابق (٦٢٣).\n(٣) المصدر السابق (٦٢٨).","vol":"1","page":241},{"text":"دخلوا في الإسلام، ومن ذلك بعث علي بسورة براءة، وبعث معاذ إلى اليمن.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-88>طلب الرزق والمعاش من الإحسان:</span>\nويذكر أن الأنصار - ﵁ - كان غالب عملهم هو الزراعة، وذكر الحديث الصحيح في فضل الغرس والازدراع، وهو قوله - ﷺ -: \"ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا، فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلا كان له صدقة\".\nكما ذكر أن الصحابة رضوان الله عليهم كانت لهم أسباب ومعايش شتى، مع كثرة جهادهم وغزوهم، ولكنهم كانوا كما قال قتادة ﵀: \"كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع عن ذكر الله، حتى يؤدونه إلى الله. . \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>فقه الحلال والحرام من الإحسان:</span>\nوقد سبق طرف من الكلام في ذلك، والمصنف هنا يركز على حال الصحابة الأبرار رضوان الله عليهم أجمعين فيقول: \"ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب، ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - ﷺ - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم. . \" (٢).\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٤٢).\n(٢) المصدر السابق (٦٤١).","vol":"1","page":242},{"text":"فأما سؤال الصحابة رضوان الله عليهم للنبي - ﷺ - في حياته، فيضرب له المصنف مثالًا بقصة ذي النورين عثمان بن عفان - ﵁ -، حين سأل النبي - ﷺ - عن أجرة الكيل، هل هي على البائع أو على المشتري؟ (١).\nوأما سؤالهم رضوان الله عليهم لبعضهم عن سنته وهديه بعد موته، فيستشهد المصنف بقصة البراء بن عازب وزيد بن أرقم في الصرف (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-90>أكل الحلال من الإحسان:</span>\nبذكر المصنف في هذا المقام الحديث العظيم الذي رواه البخاري في صحيحه، وبوَّب به له بابًا قال فيه: باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - ﷺ -: \"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال\" (٣).\nوإن المتأمل اليوم ليجد أن هذا الحديث الريف من أمارات نبوته - ﷺ -، حين يرى تكالب الناس والشركات على تحصيل الربح وأخذ المال من أي طريق كان، وإن آخر شيء يفكر فيه هؤلاء القوم هو أحلال ما صنعوه أو حرام! ! .\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>الورع واتقاء الشبهات من الإحسان:</span>\nويدل المصنف لذلك بحديثين صحيحين هما:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-92>الحديث الأول: </span>حديث النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي - ﷺ -: \"الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ على ما يشك فيه من الإثم، أوشك أن بواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه\".\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-93>الحديث الثاني: </span>عن عقبة بن الحارث: \"أن امرأة دخلت عليه،\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٤١).\n(٢) المصدر السابق (٦٤٣).\n(٣) المصدر السابق (٦٤٢).","vol":"1","page":243},{"text":"فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! ! \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>مسك الختام للكتاب:</span>\nيناقش المصنف لعن الدنيا، وما يذم منها وما يحمد، فينتقد لعن الدنيا بإطلاق، وذمها باستمرار، ثم يفصل في ما يذم منها وهو لا يخرج عن أمرين:\nإما أن يكون حرامًا أخذ من غير وجهه، وإما أن يكون حلالًا قصد به التكاثر والمباهاة، ويقول ﵀ موضحًا ذلك: \"وكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلا على ظهرها.\nوقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وإنما يذم منها: حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الذي هو ممقوت عند ذوي الألباب. . \" (٢).\nثم يذكر المصنف كيف أن بعض الصحابة حازوا من الأموال الشيء الكثير -مع معرفة حق الله فيها- ومن هؤلاء الزبير - ﵁ -، وذكر أن كثيرًا من الصحابة كانوا أهل تجارة ومال، ومن هؤلاء الصديق - ﵁ - (٣).\nثم تحدث ﵀ عن فشو المال وازدياد الثروات حين اتسع الإسلام في زمن - ﵁ -، وكل ذلك يستشعر معه المرء بعظمة الإسلام التي يريد المتصوفة ومن شاكلهم أن يغتالوها، بتخرصاتهم الباطلة وتعبداتهم المبتدعة وزهدهم المنحرف.\nويختم المصنف كتابه بمقالة لأحد العلماء: \"من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص. . \" (٤).\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٤٤).\n(٢) المصدر السابق (٦٤٥).\n(٣) المصدر السابق (٦٤٦).\n(٤) المصدر السابق (٦٤٨).","vol":"1","page":244},{"text":"وأخيرًا فإن المصنف يوصي بوجوب الاعتصام بالكتاب والسنة حتى الممات، والتجافي والتباعد عن البدع والمحدثات، فيقول مختتمًا كتابه العظيم: \"فما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله - ﷺ -، أو عن جميع أصحابه الطاهرين ﵃ أجمعين، أخذناه باليدين، وعضضنا عليه بالناجذين، وتمسكنا به حتى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها حق عند الله تعالى نفرنا منه، ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين\" (١).\n_________\n(١) المصدر السابق (٦٤٨).","vol":"1","page":245},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-95>المبحث الثالث المقارنة بين كتاب الإيمان الكبير وكتاب شرح حديث جبريل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>أوَّلًا: أي الكتابين أسبق تصنيفًا</span>؟\nإن المتأمل لهذين الكتابين، والمطالع لهما يصعب عليه أن يجزم أيهما كان الأسبق تأليفًا، ومن خلال القراءة المتأنية للكتابين، ومقارنة الموضوعات المشابهة فيهما، لم يتبين لا أيضًا معلم بارز يمكن أن يرشدنا إلى ما نريد الوصول إليه، وخصوصًا أن المصنف لم يشر إلى شيء من ذلك البتة.\n\nغير أننا يمكن أن نرجح ترجيحًا -غير جازمين به تمامًا- فنقول:\nإن كتاب \"شرح حديث جبريل\" الذي قمنا بتحقيقه هو الأول تأليفًا والسابق تصنيفًا على كتاب \"الإيمان الكبير\"، والأسباب التي دعتنا إلى القول بهذا هي:\nأولًا: توسع شيخ الإسلام ﵀ في كتاب \"الإيمان الكبير\" وتطرقه لمسائل عديدة لم يعرض لها في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، وهذا منهج درج عليه كثير من العلماء والمصنفين، حيث ينالون ما يريدون من موضوعات في مؤلفات موجزة، ثم يعودون لسبب أو آخر، لمناقشة تلك القضايا، والإفاضة حولها في مصنفات كبيرة، تروي الغليل، وتشفي العليل، وهكذا كان الحال في هذين الكتابين على الراجح، حيث أحاط المؤلف في \"شرح حديث جبريل\" بأغلب القضايا المتعلقة بالإيمان، أما في \"الإيمان الكبير\" فقد تناول نلك القضايا بشيء من الإسهاب، وزاد عليها جملة وافرة من المناقشات والاعتراضات والردود.","vol":"1","page":246},{"text":"ثانيًا: لقد ظهر من خلال النظر في النسختين المخطوطتين التركيتين للكتابين المذكورين، أن كتاب \"شرح حديث جبريل\" سمي \"كتاب الإيمان\"، وأن كتاب \"الإيمان الكبير\" قد سمي \"كتاب شرح الإيمان\"، وهاتان التسميتان تتفقان مع ما قررناه آنفًا من إيجازه ﵀ في \"شرح حديث جبريل\"، وتوسعه في \"الإيمان الكبير\"، وتوحيان للباحث أن \"شرح حديث جبريل\" متقدم في التأليف على \"الإيمان الكبير\".\nفقد وجدت في مقدمة النسخة التركية لكتاب \"الإيمان الكبير\" في أعلى الصفحة العنوان التالي: \"كتاب فيه شرح كتاب الإيمان تأليف الشيخ الإمام. . . \" ولعل في هذا ترجيحًا على أن كتاب \"شرح حديث جبريل\" متقدم على \"الإيمان الكبير\".\nوليس المقصود بالطبع بكلمة الشرح هنا ما تعارف عليه أهل الفنون خصوصًا المتأخرين منهم، حيث تطلق هذه الكلمة على توضيح لعبارات متن موجز، وإنما المقصود ما ذكرناه في السبب الأول.\nومما تجدر الإشارة إليه أن النسختين التركيتين لناسخ واحد، وفي مخطوط واحد، وهما أقدم نسخ الكتابين على الإطلاق.\nثالثًا: أن كتاب \"شرح حديث جبريل\" كتاب كامل انتهى منه مؤلفه كما ظهر ذلك من النسخة التركية للكتاب.\nأما كتاب \"الإيمان الكبير\" فهو كتاب ناقص من آخره، كما ذكر الناسخ في آخر النسخة التركية \"للإيمان الكبير\" أن مؤلفه ﵀ قد مات قبل أن يتمه، وذلك حين أشار ﵀ في بعض المواقع أنه سوف يقوم ببسطها في الكتاب، ولكن الأجل حال دون ذلك الأمر.\nكما يشعر بذلك كل من اعتنى بمطالعة الكتاب، بل إننا نستطيع أن نقول بعد كل هذا: إن كتاب \"الإيمان الكبير\" من آخر ما ألفه ﵀ في حياته، وذلك لما ذكرناه آنفًا، ولما احتواه هذا السفر العظيم من علم غزير، وطرق نفيس لموضوع من أهم بل هو أهم الموضوعات التي تتناولها الدراسات العقدية.","vol":"1","page":247},{"text":"أما كتاب \"شرح حديث جبريل\" فلا نستطيع أن نجزم بتاريخ تأليفه على وجه التحديد، وإن كنا نظن أن الشيخ رحمه الله تعالى قد ألفه في المرحلة الأخيرة من حياته، وخصوصًا أننا نؤكد أن آخر الكتاب لم يبيضه المؤلف، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>ثانيًا: عرض المسائل في الكتابين، وأبرز الفروق بينهما:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-98>أولًا: الاختصار في شرح حديث جبريل، والإسهاب في الإيمان الكبير:</span>\nإن أبرز الفروق التي تتعلق بعرض المسائل في الكتابين هو الاختصار في \"شرح حديث جبريل\" والإسهاب في \"الإيمان الكبير\"، وهذا أمر يراه واضحًا كل من طالع الكتابين المذكورين. على أن ذلك الفرق البارز ليس على الإطلاق، فقد أثار إلى مسائل في \"الإيمان الكبير\" إشارة موجزة -وإن كانت ليست كثيرة- وتوسع في الحديث عنها في شرح حديث جبريل.\nومن ذلك إشارة المؤلف في كتاب \"الإيمان الكبير\" إلى فرق المرجئة، وبسط الكلام عنها في كتاب \"شرح حديث جبريل\".\nبل إن هناك بعض الموضوعات التي تطرق إليها المصنف في كلا الكتابين، ولكنه أفاض في الحديث عنها في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، وأسهب في الكلام عليها أكثر مما صنعه في كتاب \"الإيمان الكبير\" ومن هذه الموضوعات: الوجوه التي يعرف بها زيادة الإيمان ونقصانه، وتفاضل الناس في الإيمان.\nفقد تحدث عنها في كتاب \"شرح حديث جبريل\" في قرابة عشر صفحات، بينما لم يزد حديثه عنها في كتاب \"الإيمان الكبير\" عن خمس صفحات.\nولكن تبقى الصورة العامة التي توضح الملامح الخاصة لكل من الكتابين، حيث الإسهاب والتوسع والإطالة في \"الإيمان الكبير\"، والإيجاز والاقتضاب والتركيز في \"شرح حديث جبريل\".\nفعلى سبيل المثال: عندما أورد آية الحجرات: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ","vol":"1","page":248},{"text":"لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا. .﴾ [الحجرات: ١٤]، وهي الآية التي استدل بها على أن الإيمان غير الإسلام، نجد أنه في \"شرح حديث جبريل\" قد تحدث عنها في قرابة ست صفحات، أما في \"الإيمان الكبير\" فقد زاد حديثه عنها عشر صفحات، متعرضًا للروايات المتعددة في سبب نزولها، وكلام المفسرين عنها، وهو ما لم يتطرق إليه في \"شرح حديث جبريل\".\nأما مسألة الفرق بين الإسلام والإيمان فقد أوجز الكلام عنها في \"شرح حديث جبريل\" في عدة صفحات، وأطال فيها في \"الإيمان الكبير\".\nوفي حين أشار في \"شرح حديث جبريل\" إلى ذم السلف للإرجاء إشارة عابرة، فقد نقل عن بعض السلف كلامًا في ذمهم للإرجاء في \"الإيمان الكبير\".\nوتبقى جملة من المسائل والقضايا التي عرض لها في الكتابين مستوية الطرفين، بمعنى أن عرضه لها يكاد يكون عرضًا متماثلًا في كل منهما، مع وجود فروق صغيرة بين هذه المسائل في بعض الأحيان.\nومن هذه المسائل على سبيل المثال لا الحصر، مسألة التعريف بالزنديق والخلاف بين العلماء في قبول توبته.\nوكذلك مسألة التكفير بترك المباني الأربعة أو بعضها، وخلاف أهل العلم في ذلك.\nومن المسائل الهامة التي اعتنى بها المؤلف ﵀ في الكتابين مسألة اختلاف دلالات الأسماء والألفاظ بالأفراد والاقتران، والإطلاق والتقييد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>ثانيًا: كثرة مصادر \"الإيمان الكبير\"، وقلّتها في \"شرح حديث جبريل</span>\":\nومن الفروق البارزة بين الكتابين، والتي تنسجم تمامًا مع حجم الكتابين كثرة مصادر \"الإيمان الكبير\"، وكثرة نقول المؤلف عن طائفة من العلماء الموافقين له والمخالفين.\nأما مصادر \"شرح حديث جبريل\" فهي أقل من ذلك، ونكاد نوجزها في التالي:","vol":"1","page":249},{"text":"رسالة الإمام أحمد في الصلاة، كتاب الأم للإمام الشافعي، فضائل الشافعي للفخر الرازي، مقالات الإسلاميين للأشعري، كتاب الموجز للأشعري أيضًا، عقيدة السهروردي، نظم السلوك لابن الفارض.\nأما مصادر \"الإيمان الكبير\" فهي تربو على العشرين مصدرًا، على أن نقوله من المصادر في \"شرح حديث جبريل\" تعد قليلة، لا سيما إذا قورنت بنقوله من المصادر في \"الإيمان الكبير\" التي تسم بالطول في مجملا كما ذكرنا من قبل.\nومن العلماء الذي نقل عنهم المصنف في \"الإيمان الكبير\": الإمام الشافعي، وأبو الحسن الأشعري، والإمام أحمد وأكثر عنه خاصة، وأبو عبيد القاسم بن سلام، ومحمد بن نصر، وأبو القاسم البغوي، وأبو بكر الباقلاني، والإمام الخطابي، وأبو إسحاق الشيرازي، وأبو عمرو بن الصلاح، وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>ثالثًا: منهجه في \"شرح حديث جبريل\" يغلب عليه التقرير:</span>\nومن الفروق البارزة بين الكتابين ما يتعلق بمنهج العرض للمسائل، حيث يغلب المنهج التقريري على كتاب \"شرح حديث جبريل\"، مع احتوائه على جملة لا بأس بها من الردود.\nأما كتاب \"الإيمان الكبير\" فقد تميز بكثرة الردود على المخالفين، وغلب عليه جانب المناقشات والاعتراضات والاستدلالات، مع احتوائه أيضًا على شيء من التقرير في بعض الأحيان.\nفإلى جانب الردود على الجهمية ومن تابعهم، وعلى مرجئة الفقهاء في مسألة الإيمان، والتي ذكرت في الكتابين، فقد ناقش المؤلف في \"الإيمان الكبير\" جملة من المفاهيم الخاطئة.\nومن مناقشاته المستفيضة التي أخذت حيزًا وافرًا من الكتاب، تلك التي ناقش خلالها الإمام محمد بن نصر المروزي رحمه الله تعالى، الذي أطال في الانتصار على أن الإسلام والإيمان شيء واحد، فتعقبه المؤلف، وبين الراجح في تلك المسألة الشائكة، وأطال النفس فيها.","vol":"1","page":250},{"text":"وكذلك نذكر في هذا الباب مناقشة للأشاعرة الذين جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام، وبيان تناقضهم في ذلك.\nومن ذلك أيضًا رده على الباقلاني الذي قرر مذهبه في الإيمان بأنه التصديق، وجاء هذا الرد القوي في ستة عشر وجهًا واعتراضًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>رابعًا: كثرة الاستطرادات والتكرار في \"الإيمان الكبير\" دون \"شرح حديث جبريل</span>\":\nومن الفروق التي ظهرت بين الكتابين ورود التكرار في \"الإيمان الكبير\" أكثر من مرة، نجد ذلك واضحًا في مسألة الاستثناء، وفي مناقشة الإمام محمد بن نصر، وإن كان لذلك دواعي رآها المؤلف، كما وقع في مسألة الاستثناء، حين بحثها عبد مناقشة لمسمى الإيمان عند الأشاعرة، مستدلًا بها على تناقضهم، ثم عاد وبحثها ثانية بحثًا مستفيضًا في آخر الكتاب.\nأما كتاب \"شرح حديث جبريل\" فلم يقع فيه أي تكرار تقريبًا.\nأما الاستطرادات فلم يخل منها الكتابان، وقد جاءت متفقة مع حجم كل منهما تقريبًا، على أننا نؤكد في هذا المقام أهمية هذه الاستطرادات، وعظيم نفعها، فمن الاستطرادات التي وقعت في كتاب \"الإيمان الكبير\" ما بحث فيه المؤلف مسألة المجاز، والأقوال فيها، وقد بلغ هذا الاستطراد ستًا وعشرين صفحة، وكذلك مسألة الكلام النفسي، \"والعجيب أنَّ شيخ الإسلام استوفى مباحث هذه المسألة -مسألة الكلام النفسي والرد على الأشاعرة فيه- في كتاب الإيمان أكثر من غيره من كتبه ورسائله\" (١).\nوهناك أيضًا الاستطراد الذي وقع في مسألة \"القدر\" في نحو ست\n_________\n(١) موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٣٦٤) للدكتور عبد الرحمن المحمود.","vol":"1","page":251},{"text":"صفحات، والاستطراد عن \"الظلم وأنواعه\" الذي بلغ أكثر من عشر صفحات.\nأما الاستطرادات الواقعة في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، فمنها ما وقع في معرض رده على الفلاسفة وغلاة المتصوفة، وهو استطراد كبير، لا سيما إذا قورن بحجم الكتاب، حيث بلغ أكثر من عشر صفحات.\nعلى أنَّ لشيخ الإسلام رحمه الله تعالى من وراء هذه الاستطرادات النافعة أهدافًا يريد الوصول إليها، وهي ما عبر عنه في كتاب \"شرح حديث جبريل\" بقوله: \"ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم وبيّن ضلالهم، لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات\" (١).\nوهذه ميزة لكتاب \"شرح حديث جبريل\" حيث نبه المؤلف -﵀- على الأسباب التي تدعوه في كثير من الأحيان أن يستطرد، وأن غالب استطرادات شيخ الإسلام -إنَّ لم تكن كلها- كانت بقصد بيّنه -﵀- في ذلك الكتاب، وقمنا بإبراز هذه القضية والتعليق عليها أثناء التحقيق.\nوهذا منهج عظيم في البحث والتقصي، يعتمد على أساليب التمثيل والمقارنة بين عقائد الفرق والطوائف المنحرفة، وينتفع به العالم والمتعلم على حد سواء.\nولم يكد يظفر بهذا المنهج سوى أفراد قلائل، أوتوا حظًا عظيمًا من العلم والمعرفة والتحقيق -كشيخ الإسلام ﵀- الذي يعد بحق فارس هذا الميدان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-102>خامسًا: ورود بعض المصطلحات في كتاب دون الآخر:</span>\nولو نظرنا إلى المصطلحات الواردة في الكتابين، لرأينا أنَّ المؤلف -﵀- قد تناول منها جملة لا بأس بها في كل منهما.\n_________\n(١) كتاب شرح حديث جبريل (٥١٤).","vol":"1","page":252},{"text":"وهذه المصطلحات التي بحثت في الكتابين هي الأهم بالنسبة لموضوعاتهما.\n\nومن هذه المصطلحات:\nالإيمان، والإسلام، والإحسان، والمؤمن، والمسلم، والمحسن، والكفر، والنفاق، والكافر، والمنافق، والزنديق، والفاسق، والإيمان المطلق، وغيرها.\nلأن كان أحيانًا يتوسع في الحديث عن بعض هذه المصطلحات في أحد الكتابين دون الآخر، فعند كلامه عن الزنديق مثلًا، كان حديثه في كتاب \"شرح حديث جبريل\" أشمل وأكمل منه في الإيمان الكبير.\nأما الإيمان المطلق فقد توسع في بحثه في كتاب \"الإيمان الكبير\" أكثر من توسعه في الحديث عنه في كتاب \"شرح حديث جبريل\"، وإن كان توسعه في الحديث عن هذه المصطلحات يكاد يغلب على \"الكبير\".\nعلى أنَّ هناك مصطلحات تعرض لها في أحد الكتابين دون الآخر.\nومن هذه المصطلحات التي تحدث عنها أو أشار إليها في \"شرح حديث جبريل\"، ولم ترد في \"الإيمان الكبير\":\nالجاهلية، والطاغوت، والنبوة، والسحر، والروح، وغيرها.\nومن المصطلحات التي تناولها المؤلف في \"الإيمان الكبير\"، ولم يتعرض لها في \"شرح حديث جبريل\": الجهاد، والصالح، والشهيد، والصديق، والظلم، وغيرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-103>ثالثًا: ما تميز به كتاب \"شرح حديث جبريل\" عن كتاب \"الإيمان الكبير</span>\":\nإنه على الرغم من إقرارنا بنفاسة كتاب \"الإيمان الكبير\"، وما حواه من علم غزير، وبحثه في قضايا كثيرة، وتحقيقات مطولة، ينهل منه العلماء، ويصدر عنه الباحثون، في أهم باب من أبواب العقيدة، وبالرغم من طول النفس العلمي الذي صاحبه في جميع موضوعاته -وهو النفس الذي عرف به شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، والذي تفرد به- يظل كتاب","vol":"1","page":253},{"text":"\"شرح حديث جبريل\" فريدًا في بابه، متميزًا في أسلوبه، يلبي حاجة ملحة للدارسين في مجال العقيدة وعلومها، ويجيب عن قضايا شائكة في الفكر الإسلامي المعاصر، كثر الخوض فيها، وهذه بعض الخصال والخصائص التي تميز بها \"شرح حديث جبريل\" عن \"الإيمان الكبير\":\nالأولى: الاختصار والتركيز، مما يجعله في متناول أيدي الباحثين والقراء، ونستطيع أن نقول واثقين: إنَّ المصنف -﵀- قد جمع أطراف ذلك الموضوع، وأحاط بأصوله في هذا الكتاب الموجز النافع.\nالثانية: من أبرز الخصال التي تفرد بها كتاب \"شرح حديث جبريل\" أنه يقوم بسرد شبه تاريخي لظهور البدع، ونشوء الفرق، فيتعرض لنشأة الخوارج، ثم المعتزلة، ثم المرجئة، والجهمية، ثم الكرامية، وهذا السرد مهم في بحث قضية الإيمان وموقف الفرق منها.\nالثالثة: توسع شيخ الإسلام في ذكر أحاديث الخوارج، وفي ذكر بعض أسمائهم، وطوائفهم، وكذلك في الرد عليهم، وإبطال مذهبهم في تكفير مرتكب الكبيرة، وحبوط عمل صاحبها، وخلوده في النار.\nالرابعة: أنَّ الكتاب قد احتوى على مبحث عظيم، وهو أسباب سقوط العقوبة عن العبد، وهي عشرة أسباب كما ذكرها المؤلف -﵀-.\nالخامسة: أنه تضمن نقاشًا قويًا مع الفلاسفة وغلاة المتصوفة، هذا وإن كان يعد استطرادًا، نقد ذكرنا سابقًا غرض المصنف من ورائه.\nالسادسة: تقرير قاعدة عامة عظيمة، وهذه القاعدة تقول: (إنَّ المدلول إذا كان وجوده مستلزمًا لوجود دليله، كان انتفاء دليله دليلًا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته، لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلًا على عدمه).\nوهذه القاعدة وقع بسبب إغفالها، والجهل بها، كثير من الوهم والخطأ والزلل عند كثير من الناس.\nالسابعة: أنَّ فيه بحثًا فريدًا عن بعض الإشكالات التي وقعت في فهم بعض الأحاديث المتعلقة بموضوع الإيمان والإسلام، كحديث وفد","vol":"1","page":254},{"text":"عبد القيس، وغيره، والجواب عن ذكر بعض أركان الإسلام دون بعض في الأحاديث الواردة، وإزالة اللبس الواقع في فهمها، وهو منهج أصيل في التعامل مع النصوص الشرعية، لا يسلكه إلَّا المحققون الكبار من أهل العلم، فيصلون إلى الحقيقة من أقرب طرقها، وأيسر منافذها، في الوقت الذي يراعون فيه النصوص، ويحفظون مكانتها، وهذا هو المحور الرئيسي لأهل السنة والجماعة في الاستدلال بنصوص الشرع وأدلته.\nالثامنة: أنَّ فيه بحثًا لطيفًا موجزًا عن حكم تارك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا، مع ذكر الأدلة على ذلك.\nالتاسعة: أنَّ فيه بحثًا مهمًا للغاية في قضية التكفير، وضوابطها، وتوضيح بعض الشبه حولها، فين كان قد تعرض لتلك القضية الخطيرة في كتاب \"الإيمان الكبير\" في مواضع متفرقة، إلَّا أنَّ معالجته لها في كتاب \"حديث جبريل\"، ولمِّ أطرافها في موضع واحد تبقى سمة مميزة للكتاب.\nالعاشرة: ومن أبرز ما تميَّز به كتاب \"شرح حديث جبريل\" احتواؤه على مبحث نفيس مطول، عن المرتبة العليا، والدرجة الأولى في هذا الدين، وهي الإحسان، بكل أبوابه وأنواعه، سواء كان في الأقوال، أو في الأفعال، الباطنة منها والظاهرة.\nوإن من يقرأ هذه المبحث الرائع ليرى عظمة هذا الدين الذي أنعم الله به علينا، ويرى أنَّ العقيدة الإسلامية ليست في القلب فقط، أو أنَّ مكانها في الكتب والعقول، ولا علاقة لها بالحياة، بل هي الطاقة الحقيقة الفعالة التي تغير مجرى الحياة، وتنهض بالأمة من عثراتها، وتوقظها من سباتها، وتعيدها إلى موقع الريادة والتمكين.\nوبهذا يظل كتاب \"شرح حديث جبريل\" مصدرًا ضروريًا لا غنى لدارسي العقيدة الإسلامية عنه، وكذلك يظل بما طرحه من قضايا، وطرقه من موضوعات، وبما تميز به من تركيز واختصار، علاجًا لكثير من المشكلات التي نشأت في الساحة الإسلامية المعاصرة، وعلى رأس تلك القضايا، قضية التكفير، وأصولها وضوابطها.","vol":"1","page":255},{"text":"هل هناك كتاب لشيخ الإسلام يسمى \"الإيمان الصغير\"؟:\nيعتقد بعض الباحثين أنَّ لشيخ الإسلام ثلاثة مصنفات في الإيمان، كبير وأوسط (شرح حديث جبريل) وصغير، ويقول بعض هؤلاء: إنَّ المجلد السابع من مجموع الفتاوى يحتوي على هذه المصنفات الثلاثة، حيث تقع فيه مرتبة كالتالي: الإيمان الكبير، وشرح حديث جبريل، والإيمان الصغير، وفي الواقع فإن جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم -﵀- لم يشر في الهوامش إلى أسماء شيء من هذه المصنفات سوى شرح حديث جبريل، ولعل تسمية الإيمان الكبير جاءت بسبب ما أثبته الشيخ من اسم للإيمان الأوسط، ومقارنته به من حيث الحجم، ثم وجدوا أنَّ هناك في آخر المجلد السابع كلامًا يتعلق بالإيمان، في صفحات معدودة، فاعتقد بعضهم أنَّ هذا هو الإيمان الصغير، وفي الحقيقة فإن هذا كله لا يعتمد إلَّا على الظن، ولا يستطيع الباحث أن يجزم بشيء من ذلك، وعلى العموم فإننا نستطيع أن نخرج من تلك القضية بما يلي:\nأولًا: أنَّ هذه التسميات هي من وضع بعض النساخ في الغالب، أو بعض أهل العلم، لأن المؤلف أو أحدًا من تلامذته لم يشر إليها بتاتًا.\nثانيًا: أنَّ النسختين التركيتين -وهما أقدم النسخ على الإطلاق- سمي شرح حديث جبريل فيهما باسم: \"كتاب الإيمان\"، وسمي الإيمان الكبير باسم: \"كتاب شرح الإيمان\"، وعلى هذا فلا مانع من إطلاق التسميتين المشهورتين على الكتابين، لشهرتهما أولًا، ومطابقتهما لحجم الكتابين ثانيًا.\nثالثًا: بالنسبة للإيمان الصغير، فقد جاء في بعض النسخ للإيمان الأوسط -كالنسخة المحمودية على سبيل المثال- تسميته بالإيمان الصغير، وهي تسمية ملائمة تقابل الإيمان الكبير، وبناء على هذا فلا يوجد للمصنف كتاب يسمى بالإيمان الصغير، وإن وجدت بعض النسخ فهي للإيمان الأوسط، هذا ما نرجحه في هذا المقام، اللهم إلَّا إذا اعتبرنا ما وجد في آخر المجلد السابع من كلام هو الإيمان الصغير، ولا دليل على ذلك، فإن للمصنف كلامًا كثيرًا في الإيمان منثورًا في مجموع الفتاوى وغيرها من الكتب الأخرى التي صنفها.","vol":"1","page":256},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-104>المبحث الرابع دراسة عن نسخ الكتاب المطبوع منها والمخطوط</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>أولًا: اسم الكتاب:</span>\nاشتهر هذا الكتاب باسم \"الإيمان الأوسط\"، وقد قال الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم في مجموع فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، في هامش مقدمة الكتاب: \"هذا كتاب الإيمان الأوسط\" (١)، ويبدو أنَّ هذه التسمية قد أخذها الشيخ عبد الرحمن من نسخة الكتاب المخطوطة التي اعتمدها في مجموع الفتاوى (٢)، وربما أطلق على هذا الكتاب اسم: \"الإيمان الصغير\" كما ذُكر ذلك في النسخة المحمودية للكتاب (٣).\nوقد سبقت الإشارة -عند الحديث عن منهج شيخ الإسلام في التصنيف- إلى تعدد أسماء كثير من مصنفاته، ولا يملك الباحث في هذا المقام إلَّا أن يجزم أنَّ هذا الكتاب الذي بين أيدينا، من هذه المصنفات التي تعددت أسماؤها، ولا يُدرى أيضًا هل قام شيخ الإسلام بتسمية هذا الكتاب، أم أنَّ أحدًا من تلامذته أو النسّاخ هو الذي قام بذلك؟ .\nولكن الحقيقة التي توصلت إليها بعد بحث، أن الكتاب عبارة عن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٦١).\n(٢) لم أتمكن من الحصول على هذه النسخة بعد محاولات عديدة، ثم بلغني عن بعض أهل العلم أنَّ كثيرًا من نسخ الفتاوى قد فقدت، واعتمد من جمعها بعد ذلك على المطبوع منها.\n(٣) في آخر لوحة من لوحات الكتاب.","vol":"1","page":257},{"text":"جواب للمصنف شرح خلاله حديث جبريل - ﵇ - في الإسلام والإيمان والإحسان.\nوقد ذكر ابن عبد الهادي أنَّ من بين مصنفات شيخ الإسلام -﵀-، مصنف باسم: شرح حديث جبريل - ﵇ -، ووصفه بأنه في مجلد لطيف (١)، وممن ذكر ذلك أيضًا ابن شاكر الكتبي (٢)، وإن لم يكن كتابنا هذا هو الذي ذكره ابن عبد الهادي، فأي كتاب يكون إذن؟ . والكتاب كذلك متفق مع أسلوب شيخ الإسلام الموسوعي الذي عُرف به، حيث ترد إليه الأسئلة، فربما أجاب عن السؤال الواحد منها بجواب مطول (٣)، يبلغ مجلدًا في بعض الأحيان.\nومما يدل على أنَّ هذا الكتاب الذي قمت بتحققه، هو شرح لحديث جبريل - ﵇ - ما يلي:\n١ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة ب) من النسخة التركية، ونصه كالتالي: \"كتاب الإيمان، يتضمن الحديث سؤال جبريل - ﵇ - النبي عليه أفضل الصلاة والسلام، عن الإسلام والإيمان، والإحسان، وجوابه - ﷺ - عن ذلك بأفصح بيان، أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية. . \".\n٢ - ما جاء في اللوحة الثانية (صفحة أ) من النسخة التركية أيضًا، ونصه: \"قال الفقيه أبو الليث السمرقندي -﵀-: فإن قيل: الإيمان مخلوق، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهداية، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.\n_________\n(١) العقود الدرية (٤٦).\n(٢) فوات الوفيات (١/ ٧٧)، وقال إنه في مجلد.\n(٣) يقول البزار في الأعلام العلية (١٢): \"وقلَّ أن وقعت واقعة، وسئل عنها، إلَّا وأجاب فيها بديهة بما بهر واشتهر، وصار ذلك الجواب كالمصنف الذي يحتاج فيه غيره إلى زمن طويل ومطالعة كتب، وقد لا يقدر مع ذلك على إبراز مثله. . \".","vol":"1","page":258},{"text":"قال كاتبه -﵀-: والدليل على الهداية قول الله -﵀-: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. .﴾.\nقلت: قال شيخ الإسلام في أثناء كتابه الذي أملاه في الإيمان على سؤال جبريل - ﵇ -. . \" ثم شرع في نقل نص كبير من الكتاب المعروف \"بالإيمان الأوسط\".\nوهذان الأمران يكفيان في بيان أنَّ كتاب \"الإيمان الأوسط\" هو الكتاب الذي شرح شيخ الإسلام خلاله حديث جبريل - ﵇ -، ويؤكدان ذلك أشد التأكيد.\n٣ - استهلالة الكتاب التي تنبئ أنه عبارة عن جواب لسؤال ورد إلى المصنف، ونص هذه الاستهلالة كما جاء في النسخة التركية: \"يتضمن الحديث سؤال النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه - ﷺ - عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم. . \" (١).\n٤ - قول المصنف بعد أن مضى غالب الكتاب: فصل: أول ما في الحديث سؤاله عن الإسلام، فأجابه بأن الإسلام أن تشهد أن لا إله إلَّا الله. . . وهذا برهان آخر على أنَّ المصنف قد جعل كتابه هذا شرحًا لحديث جبريل - ﵇ -، بدليل أنه عاد إلى الحديث بعد كلام طويل، وذكر العبارة الآنفة التي تشبه العبارات التي يستخدمها شرَّاح الحديث.\n٥ - قول المصنف في آخر الكتاب: \"فصل: وأمّا الإحسان، فقوله: أن تعبد الله كأنك تراه. . . فإحسان الدين هو -والله أعلم- الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان. . \" (٢).\nوكل هذه الأمور تجعل الباحث يطمئن إلى أنَّ هذا الكتاب هو \"شرح شيخ الإسلام لحديث جبريل - ﵇ -، وهو ما عناه الحافظ ابن عبد الهادي -﵀-.\n_________\n(١) لوحة (٣) صفحة (١).\n(٢) لوحة (٥٥) صفحة (ب)، وفي المطبوع من مجموع الفتاوى (٧/ ٦٢٢).","vol":"1","page":259},{"text":"ومن خلال ما سبق يتضح أنَّ هناك أربعة أسماء للكتاب، وهي:\nالإيمان الأوسط، والإيمان الصغير، والإيمان، وشرح حديث جبريل - ﵇ -، ولا يهم اختلاف هذه الأسماء، على أنَّ هناك تساؤلًا حولها -خاصة الاسم الرابع- وهل هي اسم للكتاب، أم هو وصف لكلام المصنف؟ .\nفالكتاب لا شك أنه شرح مستفيض لحديث جبريل - ﵇ -، ولكن الشك يقع في هذه التسميات، هل هي من وضع المصنف، أو من وضع أحد من تلاميذه أو النساخ؟ .\nلكن بعد بحث وجدت شيخ الإسلام قد أشار إلى كتابه هذا في موضع آخر، حيث يقول: \"وهذا التفصيل في الإيمان هو كذلك في لفظ البر والتقوى والمعرفة وفي الإثم والعدوان والمنكر، تختلف دلالتها في الإفراد والاقتران لمن تدبر القرآن، وقد بسط هذا بسطًا كبيرًا في الكلام على الإيمان، وشرح حديث جبريل. . \" (١).\nومن المعلوم أنَّ الكلام على اختلاف دلالات الألفاظ وسبب ذلك، وفائدته، قد أفاض شيخ الإسلام فيه في كل من \"الإيمان الكبير\" و\"الإيمان الأوسط\".\nثم عاد شيخ الإسلام ثانية، وأشار إلى حديث جبريل، حيت قال: \"والمشهور عند أهل الحديث أنه لا يستثنى في الإسلام، وهو المشهور عن أحمد - ﵁ -، وقد روي عنه فيه الاستثناء، كما قد بسط هذا في شرح حديث جبريل وغيره من نصوص الإيمان. . \".\nولكن ما ذكره شيخ الإسلام عن موضوع الاستثناء في الإسلام لم يرد مطلقًا في كتاب \"الإيمان الأوسط\" الذي هو بالفعل شرح لحديث جبريل - ﵇ -، بل إنَّ شيخ الإسلام في كتاب \"الإيمان الأوسط\" لم يذكر الاستثناء في الإيمان -وهو أشهر من بحث الاستثناء في الإسلام- إلا لمامًا.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٣٩).","vol":"1","page":260},{"text":"والمتابع لما يكتبه شيخ الإسلام يلحظ أنه لا يعير في كثير من الأحيان الدقة في الأسماء، فيذكر الكتاب باسمه، ثم يعود ويذكره باسم آخر.\nوليس أدل على ذلك من قول المصنف في مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٧) بعد أن تكلم عن مذهب جهم، وتكفير وكيع وأحمد من قال بذلك: \"وقد بسط الكلام على أقوالهم وأقوال غيرهم في الإيمان\".\nوكذلك قوله في مجموع الفتاوى (١٣/ ٥٨) بعد أن تكلم عن مذاهب الناس في الإيمان: \"وبسط الكلام في هذا له مواضع أخر، وقد صنفت في ذلك مجلدًا غير ما صنفت فيه غير ذلك\"، وقد يقال: إنَّ كلًا من كتاب الإيمان الكبير، وكتاب الإيمان الأوسط، شرح لحديث جبريل - ﵇ -، وليس ذلك ببعيد، على أنَّ الأوّل هو الراجح.\nوالنتيجة بعد كل هذا، أنَّ اسم الكتاب الذي قمت بتحقيقه هو: شرح حديث جبريل - ﵇ -، وهو الاسم الذي ذكره بعض من ترجم لشيخ الإسلام من تلاميذه (١)، وهو المتفق مع صفة الكتاب وموضوعاته.\nكما أنه الاسم الذي أشار إليه المؤلف نفسه -﵀-، وذكره أكثر من مرة.\nولكن اسم \"الإيمان الأوسط\" للكتاب، قد اشتهر وذاع على الألسنة والأقلام، وهو مناسب لحجم الكتاب إذا قيس بكتاب \"الإيمان الكبير\".\nفإذا أُخذ بالأول وافق الأصل، وإن أُخذ بالثاني وافق المشهور عند المشايخ وطلبة العلم والباحثين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-106>ثانيًا: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف:</span>\nكتاب \"الإيمان الأوسط\" أو كتاب \"شرح حديث جبريل\" من أجل مصنفات شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-، ولا شك في ذلك أبدًا، ويدل على ذلك ما يلي:\nأولًا: الكتاب -كما قُرر آنفًا- هو شرح مستفيض لحديث\n_________\n(١) ومنهم ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات (١/ ٥٧).","vol":"1","page":261},{"text":"جبريل - ﵇ -، وقد أشار إليه مصنفه -كما ذُكر- غير مرة، في مواضع أخرى، وذكره كذلك بعض من ترجم لشيخ الإسلام كابن عبد الهادي، وابن شاكر الكتبي.\nثانيًا: تضمنت نسختا الكتاب الخطيتان (التركية والمحمودية)، والنسخة المطبوعة، نسبة الكتاب إلى شيخ الإسلام -﵀-.\nثالثًا: أنَّ النسخة التركية وهي أقدم نسخ الكتب سنة (٧٤٣ هـ)، منقولة عن نسخة للكتاب للشيخ جمال الدين الإسكندري، وهو من تلامذة شيخ الإسلام -﵀-، ومن أكثر المتخصصين في نقل كلامه، وتحرير مؤلفاته.\nقال عنه الإمام الذهبي: \"جمال الدين عبد الله بن يعقوب بن سيدهم الإسكندري ثم الصالحي أبو محمد، الشيخ المحدث العالم، نزل دمشق سنة (٧٠٧ هـ)، سمع وقرأ الكثير وبالغ، ونسخ وحصَّل على ضعف في خطه ولفظه ووعظه، وفي الجملة على جنانه بقية مروءة وكيس، وعلى ذهنه فوائد مهمة وحكايات، وله جامع وتعاليق، أوذي من أجل ابن تيمية وقُطع رزقه، وبالغوا في التحريز عليه، ثم انصلح حاله. . \" (١).\nوقد ترجم له الحافظ جمال الدين ابن رافع السلامي (٧٧٤ هـ) وقال عنه: \"وقرأ المواعيد بخطه من كلام ابن تيمية كثيرًا\" (٢).\nكما ترجم له الحافظ ابن حجر في الدرر الكامنة، وكان مما قاله عنه: (وكتب الكثير من فتاوى ابن تيمية، تكلم فيه الذهبي. . \" (٣).\nقلت: قوله: تكلم فيه الذهبي، يعني قول الذهبي السابق: على ضعف في خطه ووعظه ولفظه، ومهما يكن من شيء فهو على آية حال من المتخصصين في نقل كلام شيخ الإسلام ونسخ كتبه وتحريرها، والمكثرين في ذلك المجال، وبمثل الشيخ جمال الدين الإسكندري حفظ الله مؤلفات\n_________\n(١) المعجم المختص (١٣٢).\n(٢) في كتابه الوفيات (٢/ ١٦٣)، وقد ذكر تاريخ وفاته تحديدًا، وذلك في السابع من ذي القعدة، سنة ٧٥٤ هـ.\n(٣) الدرر الكامنة (٢/ ٣٠٧).","vol":"1","page":262},{"text":"شيخ الإسلام، التي استمات أعداؤه في إتلافها وطمسها، وحرمان الناس منها.\nرابعًا: أن الكتاب متفق مع أسلوب شيخ الإسلام، في طرحه للقضايا، ومعالجته لها، وقد عالج شيخ الإسلام خلاله كثيرًا من الموضوعات التي عني بها في مؤلفاته الأخرى، بأسلوب يكاد يكون واحدًا، بل بعبارات متشابهة، بل مكررة في بعض الأحيان، كما أن شيخ الإسلام في مواضع متفرقة من مؤلفاته الأخرى، يحيل -بطريقة غير مباشرة- على كتابه هذا، فيقول مثلًا -جريًا على عادته-: وقد بسطناه في موضع آخر، أو يقول: ولبسط هذا مواضع أخرى، ونحو ذلك، وبالتتبع وجدت أن بسط هذه المواضع قد تم في كتاب \"الإيمان الأوسط\" أو كتاب \"شرح حديث جبريل\"، ومن ذلك:\n١ - ما ورد في مجموع الفتاوى (٤/ ٤٨٤) من كلام عن بعض موانع إنفاذ الوعيد، وقال بعد ذلك: \"فلا نشهد على معين، بأنه من أصحاب النار، لجواز تخلف المقتضى عن المقتضي لمعارض راجح، إما توبة، وإما حسنات ماحية، وإما مصائب مكفرة، وإما شفاعة مقبولة، وإما غير ذلك كما قررناه في غير هذا الموضع\".\nقلت: ومن المعلوم أنَّ أوسع موضع بحث المؤلف فيه هذه القضية هي الإيمان الأوسط.\n٢ - قوله في مجموع الفتاوى (١٠/ ٧٤٨): \"وقد بسط الكلام في الإيمان وما يتعلق بذلك في غير هذا الموضع\"، وقد كان كلامه في جواب لسؤال عن العزم على الفعل والإرادة والهم، وهذه المسألة أفاض فيها في الإيمان الأوسط، ولم يتطرق إليها في الإيمان الكبير إلَّا إشارة، وكذلك عقب بذكر الوجوه التي أخطأت فيها الجهمية، وهو ما صنعه في الإيمان الأوسط.\n٣ - قول المؤلف في مجموع الفتاوى (١٤/ ١٢١) بعد أن ذكر بطلان مذهب جهم في الإيمان: \"كما قد بسط في غير هذا الموضع\".","vol":"1","page":263},{"text":"ومعلوم إنَّ المصنف قد أبطل مذهب جهم في كتاب \"الإيمان الأوسط\" من وجوه كثيرة.\n٤ - كلامه في مجموع الفتاوى (١٦/ ١٨) عن آية: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ. . .﴾ ثم قوله: \"وقد ذكرنا في غير موضع أنَّ هذه الآية في حق التائبين. . . \" وقد تكلم عن تلك الآية في الإيمان الأوسط.\nوقال أيضًا: \"وقد ذكرنا في غير موضع أنَّ هذه كما ترد على الوعيدية من الخوارج والمعتزلة فهي ترد أيضًا على المرجئة الواقفة الذين يقولون. . \".\nوقد ذكر قريبًا من ذلك في كتاب \"الإيمان الأوسط\".\n٥ - قول المؤلف في مجموع الفتاوى (٨/ ١٠) بعد أن تكلم عن مذهب الخوارج والمعتزلة في الإيمان: \"ليس هذا موضعه، وقد بسطناه في مواضعه. . \".\nومعلوم أن المصنف قد تحدث عن مذهب كل من الخوارج والمعتزلة في كتاب \"الإيمان الأوسط\".\n٦ - قوله في مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٧٧): \"ومنهم من يقول: ليس الإيمان في اللغة هو التصديق، بل هو الإقرار، وهو في الشرع الإقرار أيضًا، والإقرار يتناول القول والعمل، وليس هذا موضع بسط ذلك، فقد بسطته في غير هذا الموضع\"، وقد بُسط ذلك بالدرجة الأولى في الإيمان الأوسط.\n٧ - قوله في مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٧٧) بعد أن ذكر كلام السلف في أنَّ الإيمان قول وعمل، أو قول وعمل ونية: \"وهذا فيه رد على المرجئة الذين يجعلون مجرد القول كافيًا، فأخبر أنه لا بد من قول وعمل. . كما قد بسطناه في غير هذا الموضع، وبينا أن مجرد تصديق القلب واللسان مع البغض والاستكبار لا يكون إيمانًا -باتفاق المؤمنين- حتى يقترن بالتصديق عمل. .\" ومعلوم أنَّ تلك القضية قد أفاض فيها في كتاب الإيمان الأوسط.","vol":"1","page":264},{"text":"٨ - قوله في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٤٦): \"كما غلط آخرون في جواز وجود إرادة جازمة مع القدرة التامة بدون الفعل، حتى تنازعوا: هل يعاقب على الإرادة بلا عمل، وقد بسطنا ذلك في غير هذا الموضع\".\nومعلوم أنَّ المؤلف قد بسط ذلك في الإيمان الأوسط\".\n٩ - وهناك موضع كبير مبسوط في الكلام عن الإيمان (١٩/ ٢٩٤ - ٢٩٥)، ويكاد يكون بعينه في كتاب \"الإيمان الأوسط\".\nخامسًا: اتفاق جميع الباحثين المحدثين في عصرنا هذا، على نسبة هذا الكتاب إلى شيخ الإسلام، ونقلهم منه، وعزوهم إليه في بحوثهم العلمية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>ثالثًا: المطبوع من نسخ الكتاب:</span>\nلا أعرف -حسب علمي- نسخًا مطبوعة للكتاب إلَّا اثنتين:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>الطبعة الأولى: </span>وهي الأشهر والأهم، وهي الموجودة ضمن مجموع الفتاوى، في المجلد السابع (٧/ ٤٦١ - ٦٢٢) باسم الإيمان الأوسط.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>الطبعة الثانية: </span>وهي طبعة تجارية مصرية طبعتها دار الفرقان في القاهرة، وهي طبعة مصورة عن الطبعة الأولى تمامًا، بل إنَّ مصورتها قد شملت أيضًا بقية الكلام الذي أورده جامع الفتاوى بعد كتاب \"الإيمان الأوسط\"، والذي بلغ نحوًا من خمس وستين صفحة، ويبدو أنَّ صاحب هذه الطبعة -كغالب الطبعات التجارية- لم يميز بين كتاب \"الإيمان الأوسط\" وما بعده، وظن أنَّ الجميع تابع للكتاب.\nوسوف يكون الحديث عن الأولى باعتبارها الطبعة الأصلية للكتاب، ولست في مقام النقد لهده الطبعة بقدر ما يهمني إبراز شيء من الفروق بين المطبوع والمخطوط من نسخ الكتاب.\nوالملاحظة العامة -أعني التي تنطبق على مجموع الفتاوى ككل- خلو النص تمامًا من آية خدمة، لا من حيث عزو الآيات، ولا من حيث تخريج الأحاديث، فضلًا عن الحكم عليها، لا من حيث نسبة الأقوال إلى قائليها، هذا فضلًا عن التعريف بالأعلام، والفرق والمذاهب والأماكن.","vol":"1","page":265},{"text":"ولئن كانت مرحلة جمع الفتاوى في زمن مضى، هدفًا وغاية سعى إليها الكثيرون من أهل العلم، وحقق هذه الغاية مشكورًا مأجورًا -إنَّ شاء الله تعالى- الشيخ الفاضل عبد الرحمن بن محمد بن قاسم -﵀-، وساعده ابنه الشيخ محمد -﵀- (١)، فما عاد يكفي ذلك في هذا العصر، بل وجب أن تنصب الجهود على ما قام بجمعه الشيخان، وأن يحقق تحقيقًا علميًا متميزًا، وقد قامت الجامعات في هذه البلاد الطيبة بحظ وافر في ذلك المجال، وخدم كثير من تراث شيخ الإسلام، مما ورد في مجموع الفتاوى، أو ورد خارجه، وكان ذلك عبر الدراسات العليا في تلك الجامعات، من خلال رسائل الماجستير والدكتوراه، ولعل هذه الرسالة بإذن الله واحدة من تلك الرسائل.\nأما الملاحظات الخاصة بالمطبوع من الكتاب، فهي تدور على ما يلي:\nأولًا: وقوع الأخطاء والتحريف في المطبوع، وبعضها أخطاء فاحشة تلحق بالمعنى خللًا كبيرًا، وهذه بعض الأمثلة:\n\nالمثال الأول: جاء في المطبوع (٧/ ٥٩٠) عند الحديث عن مذهب ابن عربي: \"ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات، وهو عنده غير وجود الموجودات وشبهه، وتارة بظهور الكلي في جزئياته. . \"، وتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية لوحة ٤٥، صفحة أ)، \"ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات، متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين وجود الموجودات، وشبهه تارة بظهور الكلي في جزئياته. . . \".\nومعلوم أنَّ التحريف السابق في النص يقلب القضية، ويعكس مذهب ابن عربي في وحدة الوجود، ليوافق فيه المسلمين.\n\nالمثال الثاني: جاء في المطبوع (٧/ ٥٩٥) ما يلي: \"وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي الذي كان بهمدان عن يعد الدين ابن حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! ولكن نور المتابعة النبوية التي على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر.\n_________\n(١) توفي يوم الاثنين ٢٧/ ٦/ ١٤٢١ هـ عن نحو ستة وسبعين عامًا. فجزاه الله وأباه عن طلبة العلم خير الجزاء.","vol":"1","page":266},{"text":"فقلت له: هذا كما يقال كان هؤلاء أوتو [من] ملك الكفار ملكًا عظيمًا، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين شيء آخر. . \".\nوتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية، لوحة ٤٦، صفحة أ): \"فقلت له: هذا كما يقال فإن هولاكو ملك الكفار ملكًا عظيمًا، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي صاحب ميافارقين شيء آخر. . \".\n\nالمثال الثالث: جاء في المطبوع (٧/ ٦٠١) ما يلي: \"لأن سعد بن بكر هم من هوازن، وهم أصهار رسول الله - ﷺ - .. \".\nوتصحيحه في المخطوط (النسخة التركية، لوحة ٤٨، صفحة ب): \"لأن سعد بن بكر من هوازن، وهم أظْآر (١) رسول الله - ﷺ - .. \".\nوهو تصحيف، وخطأ بيِّن، إذ كيف تكون هوازن أصهارًا له - ﷺ -، وهو لم يتزوج منهم قط، وإنما هم أظأره، أي مرضعوه، لأنه - ﷺ - استرضع في بني سعد بن بكر، وهم من هوازن.\nوسيرد مزيد من الأمثلة خلال تحقيق متن الكتاب.\nثانيًا: كثرة السقط في المطبوع، ويتفاوت هذا السقط بين كلمة وكلمتين، إلى عبارة وعبارتين، بل إلى أربعة أسطر في بعض الأحيان، وهذه بعض الأمثلة:\n\nالمثال الأول: ورد في المطبوع من الكتاب (٧/ ٥٩٤) ما يلي: \"فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده شهود مطلق، هو وجود الموجودات .. \".\nوالتكملة من المخطوط (لوحة ٤٦، صفحة أ): \"فابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود وجود مطلق، هو وجود الموجودات .. \".\n\nالمثال الثاني: ورد في المطبوع (٧/ ٦١٥) ما يلي: \"ونفس المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها .. \".\n_________\n(١) قال في القاموس المحيط (ص ٥٥٥): \"الظِّئر بالكسر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس وغيرهم للذكر والأنثى، وجمعه: أظْؤر، وأظْآر. . \".","vol":"1","page":267},{"text":"وتصحيحه في المخطوط (لوحة ٥٣، صفحة أ): \"ونفس ترك المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها ... \".\n\nالمثال الثالث: ورد في المطبوع (٧/ ٥٩١) ما يلي: \"فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، أو كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول المعدوم شيء فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها .. \".\nوتكملة السقط كما جاء في المخطوط (لوحة ٤٥، صفحة أ): \"فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء، مدعين أنَّ ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك، كوجود المادة في الصورة، أو الصورة في المادة، أو كوجود الوجود في الثبوت عند من يقول المعدوم شيء فإنهم أرادوا أن يجعلوه شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها. . \".\n\nالمثال الرابع: ورد في المطبوع (٧/ ٦٠٣) ما يلي: \"وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.\nورواه مسلم عن جابر قال: \"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها\".\nفقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.\nفكان من فقه أبي بكر - ﵁ - أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أنَّ القتال على الزكاة قتال على حق المال. . \".\nوتكملته كما ورد في المخطوط (لوحة ٤٩، صفحة أ) كالتالي: \"وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.","vol":"1","page":268},{"text":"ورواه مسلم عن جابر قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله، فمن قال لا إله إلَّا الله، عصم مني ماله ونفسه إلَّا بحقه، وحسابه على الله).\nوفي لفظ لمسلم: (حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به).\nوهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلَّا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلَّا بحقها\".\nفقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرَّق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال.\nفكان من فقه أبي بكر - ﵁ - أنه فهم من ذلك الحديث المختصر أنَّ القتال على الزكاة قتال على حق المال. . \".\n\nثالثًا: وجود خرم كبير في المطبوع يبلغ تسع لوحات من المخطوط، وهو بقدر سبع وعشرين صفحة طباعية، وقد أشار جامع الفتاوى الشيخ عبد الرحمن بن محمد بن قاسم -﵀- إلى ذلك الخرم في آخر صفحة من المطبوع (٧/ ٦٢٢)، فقال في الهامش بعد نهاية الموجود منه في حوزته: \"آخر ما وجد في الأصل\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>رابعًا: المخطوط من نسخ الكتاب:</span>\nالنسخة التركية: لقد منَّ الله -﷿- بالعثور على نسخة فريدة للكتاب، يعود تاريخ نسخها إلى وقت قرب من زمن المؤلف سنة (٧٤٣ هـ)، أى بعد موت المؤلف -﵀- بنحو خمس عشرة سنة، وهذا وصف عام لها: هذه النسخة موجودة ضمن الذخائر العلمية في المتحف التركي (طبق سراي) باستانبول في تركيا، ورقمها (٣٠١ - ٥٣٩) وقد بذلت جهدًا كبيرًا حتى حصلت عليها، ولولا فضل الله -﷿- ثم جهود بعص أهل الفضل والعلم لتعسر الوصول إليها، حيث تم تذليل الصعوبات والعقبات، حتى تم","vol":"1","page":269},{"text":"تصويرها في (ميكروفيلم) وإرسالها إلى عنواني في مكة المكرمة. وقد كتب على الورقة الأولى في الركن الأيسر العلوي ما يلي: هذا من جانب التجليد، والله يفعل ما يريد كتاب الإيمان، ثم كتب أعلى الصفحة اليسرى في وسطها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، ثم كتب تحته دعاء بخط غير واضح في مجمله، وفيه: أعوذ بعزة الله من شر حر النار. . ثم كتب بعد ذلك بخط أصغر بشكل مائل ما يلي: قال أبو الفتح الشيرازي في كتاب \"التبصرة في أصول الدين\": ويجب أن يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله، وكذلك جميع أفعال الإيمان، ولا يجوز أن يقول: أنا مؤمن حقًا، وقال المخالفون لا في الإيمان: يقول: أنا مؤمن حقًا.\nأما الورقة الثانية: ففي أعلى الصفحة اليمنى منها كتب ما يلي: قال الفقيه أبو الليث السمرقندي -﵀-: فإن قيل: الإيمان مخلوق أم غير مخلوق؟، فقل: الإيمان إقرار بوحدانية الله وهدايته، وأما الإقرار فهو صنع العبد وهو مخلوق، وأما الهداية فهو صنع الرب، وهو غير مخلوق.\nقال كاتبه -﵀-: والدليل على الهداية قول الله -﷿-: ﴿يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا. .﴾ قلت: قال شيخ الإسلام في أثناء كتابه الذي أملاه في الإيمان على سؤال جبريل - ﵇ -. . ثم شرع في نقل جملة من النصوص من كتاب \"الإيمان الأوسط\".\nوأما الصفحة اليسرى للورقة الثانية، فقد كتب بخط جانبي في أعلاها على اليمين: ملكه وما بعده كاتبه محمد المظفري لطف الله به.\nوأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين -الخبير في المخطوطات- أنَّ المظفري هذا مشهور باقتناء الكتب وجمع النوادر منها، ولم أجد له ترجمة.\nثم كتب أعلى الصفحة: توكلت على الله، وكتب تحت ذلك: كتاب الإيمان، يتضمن الحديث عن سؤال جبريل - ﵇ - النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان، وجوابه - ﷺ - عن ذلك بأفصح بيان.\nوكتب تحته. أملاه الشيخ الإمام العالم العامل، الورع الناسك، شيخ","vol":"1","page":270},{"text":"الإسلام، بقية السلف الكرام، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الرحمن بن عبد السلام بن تيمية تغمده الله منه بالرحمة والرضوان، وأسكنه الفردوس أعلى الجنان، الذي أخبر عنها الصادق المصدوق عيه أفصل صلاة وأزكى سلام، حين قال: إذا سألتم الله، فاسألوه الفردوس الأعلى، إنَّ سقفها عرش الرحمن، اللهم إنا نسألك الفردوس الأعلى، لنا ولوالدينا وأحبابنا وسائر الإخوان أهل الإسلام والإيمان، آمين يا رب العالمين، اللهم صل وسلم على النبي الأمي وآله وأصحابه وأزواجه وسائر النبيين والمرسلين، وآل كلٍّ وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين، والحمد لله رب العالمين.\nثم وضع ختم مدور في وسط الصفحة مكتوب فيه: الحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، ثم توقيع.\nوأفاد الدكتور عبد الرحمن العثيمين أنَّ هذا ختم السلطان العثماني، والتوقيع له.\nوأول الكتاب: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ، وما توفيقي إلَّا بالله، عليه توكلت وإليه أنيب، الحمد لله نحمده ونستعينه ونستعيذه ونستهديه. . . . فصل: يتضمن الحديث. . .\nوقد كتب في ذيل الصفحة الأخيرة من الكتاب: بلغ مقابلة وتصحيحًا بحضور الشيخ أحمد صهر عبد الله الإسكندري، وهو المجلس الأخير، والله أعلم.\nأما آخر صفحة من المخطوط فقد كتب فيها: ووافق الفراغ منه يوم الاثنين ثامن شهر شعبان المبارك من شهور سنة ثلاث (١) وأربعين وسبعمائة، وهو سادس كانون الثاني سنة. . . (٢) تعليق العبد المذنب الخاطئ المقصر المعترف بذنبه الراجي عفو ربه ومغفرته ومسامحته ورحمته أفقر الخلق إلى ذلك كنور بن كنور بن صخر بن كنور بن صخر بن أبي\n_________\n(١) والصواب: ثلاثة.\n(٢) كلمة لم أتبينها.","vol":"1","page":271},{"text":"الحسن بن خالد بن بقاء بن مساور العامري، تجاوز الله عنه وعنهم بفضله وكرمه هو أهل التقوى والمغفرة، والحمد لله وحده وصلواته على خير خلقه محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين.\nأما نوع خط هذه النسخة فهو خط نسخ جميل في غالبه، ولم تسلم من الأخطاء، وإن كانت قليلة نسبيًا، وقد جعلت حواشي هذه النسخة لتصحيح خطأ، أو إكمال سقط، كما أنها قد احتوت على بعض العناوين الجانبية، وإن كانت معدومة في الثلث الأول منها تقريبًا، وكثيرة إلى حد ما في الثلث الأخير.\nأما متوسط عدد الأسطر فهو خمسة وعشرون سطرًا، وعدد الكلمات في كل سطر خمس عشرة كلمة تقريبًا، وأما عدد لوحات المخطوط فهو ثلاث وستون لوحة، أو مائة وسنة وعشرون صفحة.\nالنسخة المحمودية: هذه النسخة من المكتبة المحمودية الموجودة ضمن محتويات المكتبة العامة بالجامعة الإسلامية، ورقمها (٢٦٤٧).\nوقد أطلق عليها اسم: الإيمان الصغير، ولا توجد معلومات عن الناسخ ولا عن تاريخ النسخ، وعدد لوحاتها أربع وثلاثون لوحة، ولكن امتازت هذه النسخة بصغر الخط، وتزاحم الأسطر، التي يترواح عددها بين الثلاثين والستة والثلاثين سطرًا، وأما عدد الكلمات في السطر الواحد فهو ثلاث عشرة كلمة تقريبًا.\nوأما نوع الخط فاللوحات (من ١ - ٢٨) كتبت بخط رقعة، ومستواه من حيث الجودة متوسط، وهو مقروء في غالب الأحيان، وأما اللوحات (من ٢٩ - ٣٤) فقد كتبت بخط جميل واضح، ومن أجل ذلك فالراجح أن هذه النسخة قد كتبها ناسخان، والدليل اختلاف الخط تمامًا من حيث الجودة والوضوح.\nوالملاحظة على هذه النسخة قلة الأخطاء فيها، وهي إنَّ خلت من السقط الكثير، فلم تسلم من الخرم الكبير الذي وقع في آخر الكتاب، شأنها في ذلك شأن النسخة المطبوعة.","vol":"1","page":272},{"text":"ملاحظة أخرى: فقد امتازت هذه النسخة باختصار الآيات الكريمة، فهي لا تكاد تذكر إلَّا أول الآية.\nوقد كتب في آخر لوحة منها: هذا آخر الموجود من كتاب الإيمان الصغير، وقد قوبل فصحَّ إنَّ شاء الله تعالى.\nثم كتب تحت ذلك عنوان كبير جاء فيه: كتاب السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية علقها الشيخ الإمام أحمد بن تيمية، حين سأله الأمير الكبير. . . (١) المنصوري، لما نزل غزة المحروسة أن يعلق له شيئًا من سياسة الرعايا، وما ينبغي للمتولي أن يسلكه معهم، فأجابه إلى ذلك، وعلقها له في ليلة واحدة إلى الصباح، - ﵁ - وأرضاه، وجعل الجنة منزله ومثواه، بمنّه وكرمه، آمين آمين.\nولعل كتاب السياسة الشرعية قد كتب مع كتاب الإيمان الأوسط في نسخة واحدة، والله أعلم.\n_________\n(١) كلمة لم أستبن قراءتها.","vol":"1","page":273},{"text":"صور المخطوطات","vol":"1","page":275},{"text":"صفحة العنوان ويظهر الختم السلطاني في أسفل الصفحة","vol":"1","page":277},{"text":"أول كتاب شرح حديث جبريل في النسخة التركية","vol":"1","page":278},{"text":"نهاية الكتاب في النسخة التركية","vol":"1","page":279},{"text":"الصفحة الأولى من مختصر كتاب شرح حديث جبريل ﵇","vol":"1","page":280},{"text":"الصفحة الثانية من مختصر كتاب شرح حديث جبريل ﵇","vol":"1","page":281},{"text":"بداية النسخة المحمودية","vol":"1","page":282},{"text":"اختلاف الخط في النسخة المحمودية بعد مضي أكثر من نصف المخطوط","vol":"1","page":283},{"text":"بداية الزيادة التي سقطت من المطبوع ومن نسخة المكتبة المحمودية","vol":"1","page":284},{"text":"نهاية النسخة المحمودية","vol":"1","page":285},{"text":"النص المحقق للكتاب","vol":"1","page":287},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>[مقدمة الكتاب]</span>\nبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وما توفيقي إلَّا بالله وعليه توكلت.\nالحمد لله نحمده ونستعينه، ونستعيذه ونستهديه ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، وسيئات أعمالنا، من يهدي الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلَّا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بين يدي الساعة بشيرًا ونذيرًا، وداعيًا إلى الله بإذنه، وسراجًا منيرًا، ففتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صمًا وقلوبًا غلفًا، فبصَّر به من العمى، وأرشد به من الغي، وأنقذ به من الضلالة، صلى الله عليه وعلى آله وسلم تسليمًا كثيرًا (١) [قال الشيخ العالم العامل الورع الناسك شيخ الإسلام بقية السلف الكرام أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام الشامي -﵀-] (٢).\n_________\n(١) هذه مقدمة نسخة الأصل، ولا تكاد تختلف عن النسخة (م).\n(٢) هذه الزيادة وردت في (ط) والنسخة (م) ولم ترد في نسخة الأصل.","vol":"1","page":289},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>فصل</span>\nيتضمن الحديث (١) سؤال النبي - ﷺ - عن الإسلام والإيمان والإحسان وجوابه - ﷺ - عن ذلك، وقوله في آخر الحديث: \"هذا جبريل جاءكم (٢) يعلمكم دينكم\" (٣).\nفجعل هذا كله من الدين، وللناس في الإسلام والإيمان من الكلام الكثير -مختلفين تارة ومتفقين أخرى- (٤) ما يحتاج الناس معه إلى معرفة الحق في ذلك (٥).\nوهذا يكون بأن نبين الأصول المعلومة المتفق عليها ثم بذلك يتوصل إلى معرفة الحقيقة المتنازع فيها فنقول:\n_________\n(١) في (م): \"تضمن الحديث\"، وفي (ط): \"تضمن حديث\"، والكلام يوحي بأن هذا كان جوابًا لسؤال سئل عنه المؤلف.\n(٢) في (ط): \"أتاكم\".\n(٣) هذا هو حديث جبريل المشهور الذي جمعت فيه مراتب الدين كلها، أخرجه من طريق أمير المؤمن عمر بن الخطاب - ﵁ - مسلم في صحيحه برقم (٨) ١/ ٣٦ كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، والترمذي برقم (٢٦١٠) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٤٩٩٠) كتاب الإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (٤٦٩٥) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (٦٣) في المقدمة، وأحمد برقم (١٨٥)، وأخرجه من حديث أبي هريرة - ﵁ - البخاري برقم (٥٠) كتاب الإيمان باب سؤال جبريل النبي - ﷺ - عن الإيمان والإسلام والإحسان، ومسلم برقم (٩) ١/ ٣٩ كتاب الإيمان باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان، والنسائي برقم (٤٩٩١) كتاب الإيمان وشرائعه، وابن ماجه برقم (٦٤) في المقدمة، وأحمد برقم (٩٢١٧)، ورواه أحمد أيضًا من حديث أبي عامر الأشعري - ﵁ - برقم (١٦٧١٦)، ومن حديث ابن عباس - ﵄ - برقم (٢٧٨٤٨).\n(٤) في (م): \"وهم مختلفون تارة ومتفقون أخرى\".\n(٥) يشر -﵀- إلى المسائل المتعلقة بالإيمان التي وقع فيها الخلاف في الأمة وأشهرها أربع مسائل هي:\n١ - تعريف الإيمان.\n٢ - الفرق بين الإيمان والإسلام.\n٣ - الاستثناء في الإيمان.\n٤ - زيادة الإيمان ونقصانه.\nوستأتي هذه المسائل من كلام المؤلف ومذاهب الطوائف فيها بإذن الله تعالى.","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-113>[أصناف الناس في عهد النبي - ﷺ </span>-]\nما علم بالكتاب (١) والسنة والإجماع، وهو المنقول نقلًا متواترًا عن النبي - ﷺ -، بل هو من المعلوم بالاضطرار من دين الإسلام دين النبي - ﷺ - أنَّ الناس كانوا على عهده بالمدينة ثلاثة أصناف:\nمؤمن.\nوكافر مظهر للكفر.\nومنافق ظاهره الإسلام وهو في الباطن كافر (٢).\nولهذا التقسيم أنزل الله تعالى في أول سورة البقرة ذكر الأصناف الثلاثة، فأنزل أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في صفة المنافقين.\nفقوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (٤) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾ [البقرة: ٢ - ٥] في صفة المؤمنين.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة: ٦، ٧] الآيتين في صفة الكافرين (٣) الذين يموتون كفارًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨). .﴾ [البقرة: ٨ - ١٦] الآيات في صفة المنافقين إلى أن ضرب [الله] (٤) لهم مثلين أحدهما بالنار والآخر بالماء (٥) كما ضرب المثل\n_________\n(١) في نسخة الأصل و(ط): \"ما علم الكتاب\" والتصحيح من (م).\n(٢) هذه الأصناف الثلاثة جاء ذكرها عند الحافظ أبي بكر بن أبي شيبة بسنده في كتاب الإيمان (٣٢)، وقد صحح الشيخ الألباني إسناده إلى عبد الله بن مغفل - ﵁ -، وأما إلى ابن مسعود فضعيف كما قال.\n(٣) في نسخة الأصل و(ط): \"الكفار\". والتغيير من (م): \"وآثرنا ذلك تحاشيًا للتكرار\".\n(٤) لفظ الجلالة ليس في نسخة الأصل و(ط)، وهو في (م).\n(٥) المثلان هما قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧) صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ =","vol":"1","page":291},{"text":"بهذين للمؤمنين في قوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا. .﴾ [الرعد: ١٧] الآية.\nوأما قبل الهجرة فلم يكن الناس إلَّا مؤمن أو كافر، فلم يكن هناك منافق، فإن المسلمين كانوا مستضعفين، فكان من آمن آمن باطنًا وظاهرًا، ومن لم يؤمن فهو كافر.\nفلما هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وصار للمؤمنين بها عز وأنصار، ودخل جمهور أهلها في الإسلام طوعًا واختيارًا، كان بينهم من أقاربهم ومن غير أقاربهم، من أظهر الإسلام موافقة رهبة أو رغبة، وهو في الباطن كافر، وكان على (١) رأس هؤلاء عبد الله بن أبي بن سلول، وقد نزل فيه وفي أمثاله من المنافقين آيات.\nوالقرآن يذكر المؤمنين والمنافقين في غير موضع، كما ذكرهم في سورة البقرة، وآل عمران، والنساء، وسورة العنكبوت، والأحزاب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-114>[ما أنزل الله -﷿- في المنافقين]</span>\nوكان هؤلاء في أهل المدينة والبادية كما قال تعالى: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾ [التوبة: ١٠١] وكان في المنافقين من هو في الأصل من المشركين، وفيهم من هو في الأصل من أهل الكتاب، وسورة الفتح، والقتال، والحديث، والمجادلة، والحشر، والمنافقين، بل عامة السور المدنية يذكر (٢) فيها المنافقين.\nقال تعالى في سورة آل عمران: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا قَالُوا لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَاتَّبَعْنَاكُمْ هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإِيمَانِ\n_________\n= [البقرة ١٧، ١٨]، وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ [البقرة: ١٩]- إلى قوله - ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٩، ٢٠].\n(١) ليست في (م) و(ط).\n(٢) الضمير هنا يعود على القرآن.","vol":"1","page":292},{"text":"يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ (١٦٧)﴾ [آل عمران: ١٥٦ - ١٦٧] الآيات.\nوقال تعالى فيها أيضًا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا وَدُّوا مَاعَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآيَاتِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (١١٨) هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١١٩) إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾ [آل عمران: ١١٨ - ١٢٠].\nوقال تعالى في سورة النساء: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ إلى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾ [النساء: ٦٠ - ٦٥].\nوقال تعالى: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨) وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ [النساء: ٨٨ - ٩٠] الآيات.\nوقال تعالى: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢) مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ","vol":"1","page":293},{"text":"لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (١٤٣)﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُولَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)﴾ [النساء: ١٣٨ - ١٤٦].\nوقال تعالى في سورة المائدة: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ﴾ [المائدة: ٤١].\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥١) فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾ [المائدة: ٥١ - ٥٣].\nوقال تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَ (٦١) وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٦٢)﴾ [المائدة: ٦١، ٦٢].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾ إلى قوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ [المائدة: ٧٧ - ٨١].\nوأما سورة براءة فأكثرها في وصف المنافقين وذمهم، ولهذا سميت الفاضحة (١)\n_________\n(١) روى الشيخان عن سعيد بن جبير قال: \"قلت لابن عباس: سورة التوبة. قال: التوبة هي الفاضحة ما زالت تنزل: ومنهم ومنهم حتى ظنوا أنها لن تبقي أحدًا =","vol":"1","page":294},{"text":"والمبعثرة (١). وهي نزلت عام تبوك (٢) وكانت تبوك سنة تسع من الهجرة (٣)، وكانت غزوة تبوك آخر مغازي النبي - ﷺ - التي غزاها بنفسه (٤)، وتميز فيها من المنافقين من تميز، فذكر الله تعالى من صفاتهم ما ذكره في هذه السورة.\n_________\n= منهم إلَّا ذكر فيها\". رواه البخاري برقم (٤٨٨٢) كتاب تفسير القرآن الكريم ورواه مسلم برقم (٣٠٣١) كتاب التفسير.\n(١) ذكر الشوكاني في فتح القدير (٢/ ٣٣٢٢) أن ابن المنذر أخرج عن ابن إسحاق قال: \"كانت براءة تسمى في زمن النبي - ﷺ - المبعثرة، لما كشف من سرائر الناس\"، وسميت بالمبعثرة لأنها بعثرت أحوال المنافقين، وكشفت خباياهم، يقال: بعثرت المتاع، إذا جعلت أعلاه أسفله، وقلبت جميعه، وقلبته، ومنه: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾ [الانفطار: ٤].\nقلت: وقد ذكر أهل العلم -ومنهم المصنف- عدة أسماء لسورة براءة - ﵁ - غير الاسمين الذين ذُكرا - ﵁ - فمن تلك الأسماء: سورة التوبة، سميت بذلك لأن الله -﷿- ذكر فيها توبة الثلاثة الذين خلفوا بتبوك.\nوتسمى سورة المقشقشة من الجمع، فإنها جمعت أوصاف المنافقين، وكشفت أستارهم.\nوتسمى سورة البحوث، من بحث، إذا اختبر واستقصى، وذلك لما تضمنت من ذكر المنافقين والبحث عن أسرارهم.\nوتسمى سورة العذاب، وتسمى المنقرة لأنها نقرت عما في قلوب المشركين والمنافقين.\nوقد عدد المصنف في موضع آخر أسماء هذه السورة العظيمة، وزاد غير ما ذكرنا: اسم المثيرة.\nانظر: أحكام القرآن للقاضي ابن عربي (٢/ ٤٤٤)، تفسير القرطبي (٨/ ٣)، العقود الدرية (٩٣)، مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٣٦)، فتح القدير (٢/ ٣٣٢).\n(٢) تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٣٢)، والبداية والنهاية (٥/ ٣٣)، وروى البخاري في صحيحه عن البراء - ﵁ - يقول: \"آخر آية نزلت: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ﴾، وآخر سورة نزلت سورة براءة\" رقم (٤٦٥٤) كتاب التفسير باب (براءة من الله ورسوله. . .)، وقال الحافظ -﵀- في الفتح (٨/ ٣١٦): \"الظاهر أنَّ المراد معظمها (أي السورة)، ولا شك أنَّ غالبها نزل في غزوة تبوك وهي آخر غزوات النبي - ﷺ -\".\n(٣) كانت في شهر رجب منها، سيرة ابن هشام (٤/ ١٢٨)، طبقات ابن سعد (٢/ ١٦٥)، المغازي للواقدي (٣/ ٩٨٩)، تاريخ الطبري (٣/ ١٠٠)، دلائل النبوة (٥/ ٢١٣)، والبداية والنهاية (٥/ ٣).\n(٤) البداية والنهاية (٥/ ٣٢).","vol":"1","page":295},{"text":"وقد قال تعالى في سورة النور: ﴿وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١)﴾ [النور: ٤٧ - ٥١] الآيات.\nوقال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠) وَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْمُنَافِقِينَ (١١)﴾ [العنكبوت: ١٠، ١١].\nوقال تعالى في سورة الأحزاب: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ [الأحزاب: ١]، وذكر فيها (١) شأنهم في الأحزاب، وذكر من أقوال المنافقين وجبنهم وهلعهم كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨) أَشِحَّةً عَلَيْكُمْ فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ أَشِحَّةً عَلَى الْخَيْرِ أُولَئِكَ لَمْ يُؤْمِنُوا فَأَحْبَطَ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (١٩) يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا وَإِنْ يَأْتِ الْأَحْزَابُ يَوَدُّوا لَوْ أَنَّهُمْ بَادُونَ فِي الْأَعْرَابِ يَسْأَلُونَ عَنْ أَنْبَائِكُمْ وَلَوْ كَانُوا فِيكُمْ مَا قَاتَلُوا إِلَّا قَلِيلًا (٢٠)﴾ [الأحزاب: ١٢ - ٢٠].\nوقال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا (٦٠) مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾ إلى قوله: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٦٠ - ٧٣].\nوقال تعالى في سورة القتال: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ\n_________\n(١) في (ط): \"فيه\" وهو خطأ.","vol":"1","page":296},{"text":"يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩) وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٢٩، ٣٠] إلى ما في السورة من نحو ذلك.\nوقال تعالى في سورة الفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٤) لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾ [الفتح: ٤ - ٦].\nوقال تعالى في سورة الحديد: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢) يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤) فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [الحديد: ١٢ - ١٥].\nوقال تعالى في سورة المجادلة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٥) اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾ [المجادلة: ١٤ - ١٦] إلى آخر السورة وقوله: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ كقوله: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].\nوقال النبي - ﷺ -: \"مثل المنافق كمثل الشاة العائرة (١) بين الغنمين تعير\n_________\n(١) العائرة هي المترددة الحائرة لا تدري أيهما تتبع، قاله النووي في شرح مسلم (١٧/ ١٢٨)، وقال في النهاية (٥/ ٢٧٩): العائرة هي التي تذهب كذا وكذا.","vol":"1","page":297},{"text":"إلى هذه مرة وإلى هذه مرة\" (١).\nوقال تعالى في سورة الحشر (٢): ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نَافَقُوا يَقُولُونَ لِإِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَئِنْ أُخْرِجْتُمْ لَنَخْرُجَنَّ مَعَكُمْ وَلَا نُطِيعُ فِيكُمْ أَحَدًا أَبَدًا وَإِنْ قُوتِلْتُمْ لَنَنْصُرَنَّكُمْ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١١) لَئِنْ أُخْرِجُوا لَا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ وَلَئِنْ قُوتِلُوا لَا يَنْصُرُونَهُمْ وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبَارَ ثُمَّ لَا يُنْصَرُونَ (١٢) لَأَنْتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِمْ مِنَ اللَّهِ﴾ [الحشر: ١١ - ١٣].\nوقد ذكر في سورة المنافقين قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١] إلى آخر السورة.\nوالمقصود بيان كثرة ما في القرآن من ذكر المنافقين وأوصافهم.\nوالمنافقون هم في الظاهر مسلمون.\nوقد كان المنافقون على عهد رسول الله - ﷺ - يلتزمون أحكام الإسلام الظاهرة، لا سيما في آخر الأمر [ما] (٣) لم يلتزمه كثير من المنافقين الذين من بعدهم لعز الإسلام وظهوره إذ ذاك بالحجة والسيف تحقيقًا لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ [التوبة: ٣٣، الصف: ٩].\nولهذا قال حذيفة بن اليمان - ﵁ -، وكان من أعلم [الصحابة] (٤) بصفات المنافقين وأعيانهم، وكان النبي - ﷺ - قد أسر إليه عام تبوك أسماء جماعة من المنافقين بأعيانهم (٥)، فلهذا كان يقال هو صاحب السر الذي لا\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧٨٤) ٤/ ٢١٤٦ كتاب صفات المنافقين من حديث عبد الله بن عمر - ﵄ - ورواه النسائي برقم (٥٠٣٧) كتاب الإيمان وشرائعه، وأحمد برقم (٥٠٥٩)، (٥٥٧٨)، (٥٧٥٦)، (٦٢٦٢).\n(٢) قوله في سورة الحشر: في نسخة الأصل فقط.\n(٣) ليست في نسخة الأصل، وهي مضافة من (م)، (ط).\n(٤) ليست في نسخة الأصل، وهي مضافة من (م)، (ط).\n(٥) روى مسلم في صحيحه عن قيس بن عباد قال: قلت لعمار: أرأيتم صنيعكم هذا فيما كان من أمر علي أرأيًا رأيتموه أو شيئًا عهده إليكم رسول الله - ﷺ -؟ فقال: ما =","vol":"1","page":298},{"text":"يعلمه غيره (١).\nويروى أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - لم يكن يصلي على أحد حتى يصلي عليه حذيفة لئلا يكون من المنافقين الذين نهى [الله] (٢) عن الصلاة عليهم (٣).\n_________\n= عهد إلينا رسول الله - ﷺ - شيئًا لم يعهده إلى الناس كافة ولكن حذيفة أخبرني عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"في أصحابي اثنا عشر منافقًا منهم ثمانية لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط. . \" كتاب صفات المنافقين وأحكامهم برقم (٢٧٧٩) ٢١٤٣، وروى البيهقي في دلائل النبوة (٥/ ٢٥٦): قصة طويلة في رجوع النبي - ﷺ - من تبوك، وفي تآمر جماعة من المنافقين بطرحه - ﷺ - في عقبة على الطريق وكيف أنَّ الله أظهر كيدهم لنبيه - ﷺ - ومما جاء في تلك القصة أنه - ﷺ - سمى هؤلاء النفر لحذيفة وعمار - ﵄ - وأمرهما أن يكتما أسماءهم، ورواها الإمام أحمد في المسند بسند جيد عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا الوليد بن عبد الله بن جميع عن أبي الطفيل - ﵁ -.\nويدل على صحة أصل القصة ما رواه مسلم في صحيحه عن الوليد بن عبد الله بن جميع قال: حدثنا أبو الطفيل قال: \"كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس فقال: أنشدك بالله كم كان أصحاب العقبة؟ قال: فقال له القوم: أخبره إذ سألك، فقال: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت منهم فقد كان القوم خمسة عشر، وأشهد بالله أنَّ اثني عشر منهم حرب لله ورسول الله - ﷺ - في الحياة الدنيا، ويوم يقوم الأشهاد وعذر ثلاثة. . \" كتاب صفات المنافقين برقم (٢٧٧٩) / ٢١٤٤.\nوكون عمار - ﵁ - علم أسماء المنافقين يخالف ما في الصحيح الذي يبين أنَّ أسماءهم لم يعلمها إلَّا حذيفة - ﵁ -.\nروى البخاري عن إبراهيم النخعي قال: \"ذهب علقمة إلى الشام، فلما دخل المسجد قال: اللهم يسر لي جليسًا صالحًا، فجلس إلى أبي الدرداء، فقال أبو الدرداء: ممن أنت؟ قال من أهل الكوفة، قال: أليس فيكم أو منكم صاحب السر الذي لا يعلمه غيره؟ يعني: حذيفة، قال: قلت: بلى. . \" كتاب فضائل الصحابة باب مناقب عمار وحذيفة - ﵁ - برقم (٣٧٤٢) وفي مناقب عبد الله بن مسعود - ﵁ - برقم (٣٧٦١) ورواه أحمد برقم (٢٦٠٩٩) ورقم (٢٧٠٠١).\n(٢) ليست في (م) و(ط).\n(٣) ذكر الإِمام ابن عبد البر -﵀- في الاستيعاب (١/ ٢٧٨) عند ترجمته لحذيفة - ﵁ - أنَّ عمر بن الخطاب - ﵁ - كان يسأله عن المنافقين وكان ينظر إليه عند موت من مات مهم فإن لم يشهد جنازته حذيفة لم يشهدها عمر. =","vol":"1","page":299},{"text":"قال حذيفة - ﵁ -: \"النفاق اليوم أكثر منه على عهد رسول الله\" وفي روية: \"كانوا على عهد النبي - ﷺ - يسرونه، واليوم يظهرونه\" (١).\nوذكر البخاري في صحيحه عن ابن أبي مليكة (٢) قال: \"أدركت ثلاثين من أصحاب محمد - ﷺ - كل منهم يخاف النفاق على نفسه\" (٣).\n_________\n= وقال المؤلف في منهاج السنة (٥/ ٢٣٧): \"وكان إذا مات الميت المجهول حاله لا يصلي عليه عمر حتى يصلي عليه حذيفة خشية أن يكون من المنافقين. . \".\nوقال الحافظ ابن كثير عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾: \"وكان عمر بن الخطاب لا يصلي على جنازة من جهل حاله حتى يصلي عليها حذيفة بن اليمان لأنه كان يعلم أعيان المنافقين قد أخبره بهم رسول الله - ﷺ -\"، ثم نقل عن أبي عبيد من كتابه الغريب أنَّ عمر أراد أن يصلي على جنازة رجل فمرزه حذيفة كأنه أراد أن يصده عن الصلاة عليها، ثم حكى عنه أنَّ بعضهم يقول إنَّ المرز بلغة أهل اليمامة هو القرص بأطراف الأصابع. تفسير القرآن العظيم (٢/ ٣٨١)، والقصة في غريب القرآن لأبي عبيد (٢/ ٣٦).\n(١) روى البخاري نحوه عن حذيفة - ﵁ - قال: \"إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي - ﷺ - كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون\" كتاب الفتن برقم (٧١١٣) باب إذا قال عند قوم شيئًا ثم خرج فقال بخلافه.\nوروى عنه أيضًا قوله: \"إنما كان النفاق على عهد النبي - ﷺ - فأما اليوم فإنما هو الكفر بعد الإيمان\". وكل هذه الألفاظ متقاربة المعنى، وهي تدل على تفشي النفاق وإظهار أهله له دون مواراة، وهذا في زمن حذيفة - ﵁ - الذي هو من خير الأزمان، كيف لو أدرك زماننا هذا! !، ورأى أنَّ المنافقين فيه أشر وأخطر وأكثر عددًا وعدة من المنافقين في عصره، بل رأى الزنادقة والملاحدة وهم يجهرون بزندقتهم وإلحادهم بدعوى حرية الفكر والتعبير، والله المستعان.\n(٢) هو عبد الله بن عبيد الله بن أبي مليكة زهير بن عبد الله بن جدعان أبو بكر الأحول، وقيل: أبو محمد القرشي التيمي المكي الإِمام الحجة الحافظ القاضي المؤذن، كان عالمًا مفتيًا قاضيًا لابن الزبير ومؤذنًا له، من كبار التابعين، أدرك خلقًا من الصحابة نحوًا من ثمانين صحابيًا، وهو معدود في طبقة عطاء بن أبي رباح، مات سنة سبع عشرة ومائة. طبقات ابن سعد (٥/ ٤٧٣)، التاريخ الكبير للبخاري (٥/ ١٣٧)، الجرح والتعديل (٥/ ٩٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٠١)، العبر (١/ ١٤٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٨٨)، تهذيب التهذيب (٥/ ٢٦٨)، شذرات الذهب (٢/ ٨٠).\n(٣) ذكره البخاري في كتاب الإيمان وعنون به بابًا (١/ ٣٢).","vol":"1","page":300},{"text":"وقد أخبر الله تعالى عن المنافقين أنهم يصلون ويزكون، وأنه لا يقبل ذلك منهم فقال (١) تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾ [النساء: ١٤٢].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَنْفِقُوا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا لَنْ يُتَقَبَّلَ مِنْكُمْ إِنَّكُمْ كُنْتُمْ قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٣) وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾ [التوبة: ٥٣، ٥٤].\nفقد (٢) كانوا يشهدون مع النبي - ﷺ - مغازيه، كما شهد عبد الله بن أبي بن سلول وغيره من المنافقين الغزوة التى قال فيها ابن أبي: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ [المنافقون: ٨] وأخبر بذلك زيد بن أرقم النبي - ﷺ -، وكذبه قوم حتى أنزل الله القرآن بتصديقه (٣).\n_________\n(١) في (ط): \"وقال\".\n(٢) في (م) و(ط): \"وقد\".\n(٣) رواها البخاري في صحيحه برقم (٤٩٠٠) كتاب تفسير القرآن باب قوله: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ - إلى قوله- لَكَاذِبُونَ﴾ ومسلم برقم (٢٧٧٢) كتاب صفات المنافقين وأحكامهم (٤/ ٢١٤٠)، والترمذي برقم (٣٣١٢) كتاب تفسير القرآن، وأحمد برقم (١٨٧٩٩).\nوالغزوة التي عناها المؤلف رحمه الله تعالى هي غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، وقد كانت في شهر شعبان سنة خمس على الراجح من أقوال أهل العلم، خلافًا لما ذهب إليه ابن إسحاق وغيره من أهل السير والمغازي الذين ذهبوا إلى أنها كانت سنة ست للهجرة، وممن رجح أنها سنة خمس موسى بن عقبة، كما ذكر الحافظ ابن كثير في البداية والنهاية (٣/ ٢٤١) والواقدي في مغافله (١/ ٤٠٤) وابن سعد (٢/ ٦٣) والإمام الذهبي في العبر في خبر من غبر (١/ ٧)، وقال في كتابه السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (١/ ٤٦٨): \"غزوة المريسيع، وتسمى غزوة بني المصطلق، كانت في شعبان سنة خمس على الصحيح، بل المجزوم به. . \"، والحافظ ابن القيم في زاد المعاد (٣/ ٢٥٦)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٧/ ٤٣٠)، ومقالة ابن أبي وإخبار زيد بن أرقم النبي - ﷺ - بها كانت في هذه الغزوة وهو الصحيح، وذكر بعض أهل العلم أن هذه المقالة قالها ابن أبي في غزوة تبوك، والصحيح الأول، وهو ما ذكره الواحدي في أسباب النزول (٢٧٨)، وقال: إنه قول أهل التفسير وأصحاب السير.\nولمزيد من الاطلاع على هذه الغزوة انظر: مرويات غزوة بني المصطلق لإبراهم بن إبراهم قريبي من إصدارات المجلس العلمي بالجامعة الإسلامية.","vol":"1","page":301},{"text":"والمقصود أن الناس ينقسمون في الحقيقة إلى مؤمن، ومنافق كافر في الباطن مع كونه مسلمًا في الظاهر، وإلى كافر باطنًا وظاهرًا.\nولما كثرت الأعاجم في المسلمين تكلموا بلفظ الزنديق (١)، وشاعت في لسان الفقهاء، وتكلم الناس في الزنديق هل تقل توبته في الظاهر، إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ .\nفمذهب مالك، وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة أن توبته لا تقبل.\nوالمشهور من مذهب الشافعي قبولها، كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة، ومنهم من فضل (٢).\n_________\n(١) قال صاحب لسان العرب: \"الزنديق: القائل ببقاء الدهر، فارسي معرب، وهو بالفارسية: زند كراي، يقول بدوام بقاء الدهر، والزندقة الضيق، وقبل الزنديق منه لأنه ضيق على نفسه\".\nقال في القاموس المحيط (١١٥١): \"الزنديق بالكسر: في الثنوية، أو القائل بالنور والظلمة، أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان، أو هو معرب: زن دين، أي دين المرأة. . . \"\n(٢) قال في البحر الرائق شرح كنز الدقائق -وهو من كتب الحنفية- لا تقبل توبة الزنديق في ظاهر المذهب وهو من لا يتدين بدين، وذكر قولًا آخر وهو إن جاء الزنديق قبل أن يؤخذ فأقر أنه زنديق فتاب ذلك تقبل توبته، وإن أخذ ثم تاب لم تقل توبته (٥/ ١٣٦).\nوذكر النووي ﵀ في روضة الطالبين (٨/ ٣٣٩) أحد مصادر فقه الشافعية في قبول توبة الزنديق خمسة وجوه وهي: (الأول): قبول توبة الزنديق، وذكر أن هذا الوجه هو الصحيح المنصوص للشافعي، و(الثانى): عدم قبول توبته، و(الثالث): أن المتناهين في الخبث كدعاة الباطنية لا تقبل توبتهم ويقبل من عوامهم، و(الرابع): أنه إن أخذ لقتل فتاب لم تقل، وإن جاء تائبًا ابتداء وظهرت أمارات الصدق قبلت، و(الخاص) لا يقبل إسلام من تكررت ردته.\nوانظر أيضًا نهاية المحتاج إلى شرح المنهاج (٧/ ٣٩٩) لشهاب الدين الرملي.\nوقال الخرشي في شرحه على مختصر خليل المالكي (٨/ ١٦٧) \"أن المستسر هو الزنديق يقتل ولا تقبل توبته، ولكن إذا جاء تائبًا في الظهور عيه فإن توبته تقبل\".\nوذكر علي بن سليمان المرداوي في الإنصاف أحد مصادر الفقه الحنبلي =","vol":"1","page":302},{"text":"والمقصود هنا أن الزنديق في عرف هؤلاء الفقهاء هو المنافق الذي كان على عهد النبي - ﷺ - (١) وهو أن يظهر الإسلام ويبطن غيره سواء أبطن دينًا من الأديان كدين اليهود والنصارى أو غيرهم أو كان معطلًا جاحدًا للصانع والمعاد والأعمال الصالحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>[المراد بالزنديق عند الفقهاء]</span>\nومن الناس من يقول: الزنديق هو الجاحد المعطل، وهذا يسمى الزنديق في اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة ونقلة مقالات الناس.\nولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول، لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد وغير المرتد، ومن أظهر ذلك [أو] (٢) أسره، وهذا الحكم يشترك فيه جميع أنواع الكفار والمرتدين وإن تفاوتت درجاتهم في الكفر والردة، فإن الله أخبر بزيادة الكفر، كما أخبر بزيادة الإيمان بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] أو (٣) تارك الصلاة وغيرها من الأركان أو مرتكبي\n_________\n= (١٠/ ٣٣٢) روايتين: إحداهما: لا تقبل توفي، ويقتل بكل حال، وهو المذهب، والأخرى: تقل توبته كغيره، وعنه لا تقل إن تكررت ردته ثلاثًا فأكثر وإلا قبلت، وانظر كذلك كشاف القناع (٦/ ١٧٧)، والمغني لابن قدامة (١٠/ ٧٦ - ٧٨)، وأحكام القرآن لابن العربي (١/ ٢٠ - ٢١)، ونيل الأوطار (٩/ ٥٦ - ٥٩).\nوقال المصنف في الصارم المسلول (٣/ ٦٥٠) عن الزنديق: \"فإظهاره الإقرار برسالته الآن ليس فيه أكثر مما كان يظهره قبل هذا، وهذا القدر بطلت دلالته، فلا يجوز الاعتماد عليه، وهذه نكتة من لا يقبل توبة الزنديق، وهو مذهب أهل المدينة، ومالك وأصحابه، والليث بن سعد، وهو المنصور من الروايتين عن أبي حنيفة، وهو إحدى الروايات عن أحمد، نصرها كثير من أصحابه، وعنهما أنه يستتاب، وهو المشهور عن الشافعي. . \".\nويقول المصنف في موضع آخر عن أهل الاتحاد والحلول: \"فرؤوسهم هم أئمة كفر يجب قتلهم، ولا تقبل توبة أحد منهم، إذا أخذ قبل التوبة، فإنهم من أعظم الزنادقة، الذين يظهرون الإسلام، ويبطنون أعظم الكفر. . \" مجموع الفتاوى (٢/ ١٣١).\n(١) قال الإمام الحافظ ابن قدامة المقدسي ﵀ في المغني (٧/ ١٧٢): الزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويستسر بالكفر وهو المنافق كان يسمى في عصر النبي - ﷺ - منافقًا ويسمى اليوم زنديقًا.\n(٢) في نسخة الأصل: \"و\" والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (ط): \"و\"، وقبل الواو بياض في نسخة الأصل بقدر كلمة.","vol":"1","page":303},{"text":"الكبائر كما أخبر بزيادة عذاب [بعض] (١) الكفار على بعض في الآخرة بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ [النحل: ٨٨].\nفهذا أصل ينبغي معرفته فإنه مهم في هذا الباب، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسائل الإيمان والكفر لتكفير أهل الأهواء لم يلحظوا هذا الباب، ولم يميزوا بين الحكم الظاهر والباطن، مع أن الفرق بين هذا وهذا ثابت بالنصوص المتواترة والإجماع المعلوم، بل هو معلوم بالاضطرار من دين الإسلام (٢)، ومن تدبر هذا علم أن كثيرًا من أهل الأهواء والبدع، قد يكون مؤمنًا مخطئًا جاهلًا ضالًا عن بعض ما جاء به الرسول - ﷺ -، وقد يكون منافقًا زنديقًا يظهر خلاف ما يبطن.\nو[هنا] (٣) أصل آخر، وهو أنه جاء في الكتاب والسنة وصف أقوام بالإسلام دون الإيمان فقال تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾ [الحجرات: ١٤].\nوقال تعالى في قصة لوط: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦].\nوقد ظن طائفة من الناس أن هذه الآية تقتضي أن مسمى الإسلام والإيمان (٤) واحد، وعارضوا بين الآيتين، وليس كذلك، بل هذه الآية توافق الآية الأولى، لأن الله تعالى أخبر أنه أخرج من كان فيها مؤمنًا وأنه لم يجد إلا أهل بيت من المسلمين، وذلك لأن امرأة لوط كانت في أهل البيت الموجودين، ولم تكن من المخرجين الذين نجوا، بل كانت من الغابرين الباقين في العذاب.\n_________\n(١) ليست في نسخة الأصل.\n(٢) هذا هو أحد الأصول المهمة في قضية الإيمان وإحدى القضايا التي ركز عيها المؤلف في هذا الكتاب.\n(٣) في نسخة الأصل: \"وهذا\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٤) في (ط): \"سمى الإيمان والإسلام.","vol":"1","page":304},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>[خيانة امرأة لوط ﵇ في الدين لا في الفراش]</span>\nوكانت في الظاهر مع زوجها على دينه، وفي الباطن مع قومها على دينهم خائنة لزوجها، تدل قومها على أضيافه كما قال تعالى فيها: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا﴾ [التحريم: ١٠].\nوكانت خيانتهما لهما في الدين لا في الفراش، فإنه ما بغت امرأة نبي قط، إذ نكاح الكافرة قد يجوز في بعض الشرائع، ويجوز في شريعتنا نكاح بعض الأنواع، وهن الكتابيات (١).\nوأما نكاح البغي فهو دياثة، وقد صان الله النبي عن أن يكون ديوثًا، ولهذا كان الصواب قول من قال من الفقهاء بتحريم نكاح البغي حتى تتوب (٢).\nوالمقصود أن امرأة لوط لم تكن مؤمنة، ولم تكن من الناجين المخرجين، فلم تدخل في قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥)﴾ وكانت من أهل البيت المسلمين، وممن وجد فيه، ولهذا قال تعالى: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.\n_________\n(١) قال تعالى مبيحًا نكاح الكتابيات: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥].\n(٢) خلافًا لمذهب الجمهور من الحنفية والمالكية والشافعية الذين ذهبوا إلى أنه لا تشترط التوبِة، وذهب أحمد وهو الصحيح إلى اشتراط التوبة لقوله تعالى: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور: ٣] قال الموفق: \"لأنها إذا كانت مقيمة على الزنا لم يأمن أن تلحق به ولد غيره وتفسد فراشه\". انظر هذه المسألة وأقوال الفقهاء فيها وأدلة كل فريق في \"المغني\" (٧/ ٥١٥ - ٥١٧).\nوقال المؤلف في موضع آخر: \"وذلك أن الزانية فيها إفساد فراش الرجل، وفي مناكحتها معاشرة الفاجرة دائمًا ومصاحبتها، والله قد أمر بهجر السوء وأهله ما داموا عليه. . \" ثم قال بعد كلام: \"فأما تحريم نكاح الزانية فقد تكلم فيه الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، وفيه آثار عن السلف، وإن كان الفقهاء قد تنازعوا فيه، وليس من أباحه ما يعتمد عليه\" دقائق التفسير (٤/ ٤٠٣)، وانظر: تفسير ابن كثير (٣/ ٢٦٣) عند قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً. . .﴾.","vol":"1","page":305},{"text":"وبهذا تظهر حكمة القرآن حيث ذكر الإيمان لما أخبر بالإخراج، وذكر الإسلام لما أخبر بالوجود.\nوأيضًا فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥]. وفرق (١) بين هذا وهذا، فهذه [ثلاثة] (٢) مواضع في القرآن (٣).\nوأيضًا فقد ثبت في الصحيحين عن سعد بن أبي وقاص - ﵁ -: (أعطى رسول الله - ﷺ - رجالًا ولم يعط رجلًا (٤)، فقلت: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن، فقال: أو مسلم، قال: ثم غلبني ما أجد فقلت: يا رسول الله أعطيت فلانًا وفلانًا وتركت فلانًا وهو مؤمن،\n_________\n(١) في (ط): \"ففرق\".\n(٢) في نسخة الأصل و(م): \"ثلاث\" وهو خطأ.\n(٣) المقصود بهذه المواضع الثلاثة هي آية الحجرات: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]، وآيتا الذاريات: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦] والآية الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] وهي التي يستدل بها المؤلف ﵀ على الفرق بين الإسلام والإيمان.\n(٤) هذا الرجل اسمه جعيل بن سراقة الضميري، قال الحافظ في الفتح: سماه الواقدي في المغازي، وذكر في الإصابة أن ابن إسحاق روى في المغازي عن محمد بن إبراهيم التيمي قال: \"قيل: يا رسول الله أعطت عيينة بن حصن والأقرع بن حابس مائة مائة وتركت جعيلًا\" فقال: (والذي نفسي بيده لجعيل بن سراقة خبر من طلاع الأرض مثل عينة والأقرع لكني أتألفهما وأكل جعيلًا إلى إيمانه). وقال الحافظ: (هذا مرسل حسن لكن له شاهد موصول روى الروياني في مسنده وابن عبد الحكم في فتوح مصر من طريق بكر بن عوادة عن أبي سالم الجيشاني عن أبي ذر أن رسول الله - ﷺ - قال له: كيف ترى جعيلًا؟ قلت: مسكينًا كشكله من الناس يعني من المهاجرين قال: وكيف ترى فلانًا؟ قلت: سيدًا من سادات المسلمين قال: لجعيل خير من ملء الأرض مثل هذا قال: قلت: يا رسول الله ففلان هكذا وتصنع به ما تصنع قال: إنه رأس قومه فأتألفهم). وإسناده صحيح، وذكر الحافظ أن البخاري أخرجه من حديث سهل بن سعد وأبهم جعيلًا وأبا ذر، وقد رواه البخاري برقم (٥٠٩١) كتاب النكاح، ورواه أيضًا ابن ماجه برقم (٤١٢٠) كتاب الزهد، انظر: الفتح ١/ ٨٠ والإصابة ١/ ٢٣٩.","vol":"1","page":306},{"text":"فقال: أو مسلم، مرتين أو ثلاثًا. وذكر في تمام الحديث أنه يعطي رجالًا ويدع من هو أحب إليه [منهم] (١) خشية أن يكبهم الله في النار على مناخرهم) (٢) قال الزهري: \"فكانوا يرون أن الإسلام الكلمة والإيمان العلم\" (٣).\nفأجاب سعدًا بجوابين:\nأحدهما: أن هذا الذي شهدت له بالإيمان قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا (٤).\nالثاني: إن كان مؤمنًا وهو أفضل من أولئك، فأنا قد أعطي من هو أضعف إيمانًا لئلا بحمله الحرمان على الردة، فيكبه الله في النار على وجهه، وهذا من إعطاء المؤلفة قلوبهم (٥).\nوحينئذ فهؤلاء الذين أثبت لهم القرآن والسنة الإسلام دون الإيمان،\n_________\n(١) في نسخة الأصل: \"منه\" والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٧) كتاب الإيمان باب إذا لم يكن الإسلام على الحقيقة، ورواه مسلم برقم (١٥٠) ١/ ١٣٢ كتاب الإيمان باب تألف قلب من يخاف على إيمانه لضعفه، والنهي عن القطع بالإيمان من غير دليل قاطع، ورواه النسائي برقم (٤٩٩٢) كتاب الإيمان وشرائحه، وأبو داود برقم (٤٦٨٣) كتاب السنة، وأحمد برقم (١٥٨٣).\n(٣) أثر الزهري رواه أبو داود برقم (٤٦٨٤) كتاب السنة، وإسناده صحيح، ولم يظهر لي وجه إيراد المؤلف هذه العبارة في هذا المكان.\n(٤) قال الحافظ ابن رجب رحمه الله تعالى: (فهذا الحديث محمول عند البخاري على أن هذا الرجل كان منافقًا، وأن الرسول - ﷺ - نفى عنه الإيمان وأثبت له الاستسلام دون الإسلام الحقيقي.\nثم قال: إن هذا في غاية البعد وآخر الحديث يرد عليه وهو قول النبي - ﷺ -: \"إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه\") فتح الباري شرح صحيح البخاري (١/ ١٣١).\n(٥) قال ابن رجب ﵀ عند كلامه على هذا الحديث: \"والظاهر والله أعلم أن - ﷺ - زجر سعدًا عن الشهادة بالإيمان لأن الإيمان باطن في القلب لا اطلاع للعبد عليه فالشهادة به شهادة على ظن فلا ينبغي الجزم بذلك\" الفتح لابن رجب (١/ ١٣٢) وذكر الحافظ ابن حجر الوجهين الذين ذكرهما المؤلف عند شرحه للحديث. الفتح (١/ ٨٠).","vol":"1","page":307},{"text":"هل هم المنافقون الكفار في الباطن؟ أم يدخل فيهم قوم فيهم بعض الإيمان؟ .\nفقالت طائفة من أهل الحديث (١) والكلام وغيرهم: بل هم المنافقون الذين استسلموا وانقادوا في الظاهر، ولم يدخل إلى قلوبهم شيء من الإيمان، وأصحاب هذا القول قد يقولون: الإسلام المقبول هو الإيمان، ولكن هؤلاء أسلموا ظاهرًا لا باطنًا، فلم يكونوا مسلمين في الباطن، فلا يكونوا مؤمنين (٢)، وقالوا إن الله يقول: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، بيانه كل مسلم مؤمن، فما ليس من الإسلام فليس [مقبولًا] (٣) يوجب أن يكون الإيمان منه، وهؤلاء يقولون كل مؤمن مسلم، وكل مسلم مؤمن إذا كان مسلمًا في الباطن.\nوأما الكافر المنافق في الباطن، فإنه خارج عن المؤمنين المستحقين للثواب باتفاق المسلمين.\nولا يسمون بمؤمنين عند أحد من سلف الأمة وأئمتها، ولا عند أحد من طوائف المسلمين، إلا عند طائفة من المرجئة وهم الكرامية (٤)، الذين\n_________\n(١) هذا مروي عن طائفة من السلف منهم: مجاهد، وابن زيد، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، ورجحه البخاري، ومحمد بن نصر المروزي في \"تعظيم قدر الصلاة\" (٢/ ٥١٠)، وهو اختيار ابن عبد البر وحكاه عن أكثر أهل السنة من أصحاب مالك والشافعي وداود، وهؤلاء لا يفرقون بين الإسلام والإيمان. انظر فتح الباري لابن رجب (١/ ١٢٦).\n(٢) في (م): \"فلم يكونوا\"، وفي (ط): \"ولم يكونوا\".\n(٣) في نسخة الأصل و(م): \"مقبول\"، والتصحيح من (ط).\n(٤) المرجئة: اسم فاعل من الإرجاء يأتي بمعنيين في اللغة: (الأول): التأخير قال تعالى في قصة موسى﵇ -: ﴿قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾ [الأعراف: ١١١] أي أخره وأمهله، و(الثاني): إعطاء الرجاء، والمرجئة إذًا على هذين المعنيين هم الذين يؤخرون العمل عن الإيمان، ويعطون العصاة الرجاء في ثواب الله، لأنهم كانوا يقولون: \"لا تضر مع الإيمان معصية كما لا تنفع الكفر طاعة\".\nوبدعة الإرجاء من أشد البدع التى كان لها آثار وخيمة في حياة المسلمين. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٣)، الملل والنحل (١٣٩)، الفرق بين الفرق =","vol":"1","page":308},{"text":"قالوا: إن الإيمان هو مجرد التصديق في الظاهر، فإذا فعل ذلك كان مؤمنًا، وإن كان مكذبًا في الباطن، وسلموا أنه معذب مخلد في الآخرة، فنازعوا في اسمه لا في حكمه (١).\nومن الناس من يحكي عنهم أنهم جعلوهم من أهل الجنة، وهو غلط عليهم (٢)، ومع هذا فتسميتهم له مؤمنًا بدعة ابتدعوها مخالفة [للكتاب] (٣) والسنة وإجماع سلف الأمة.\nوهذه البدعة الشنعاء هي التي انفردت (٤) بها الكرامية دون سائر مقالاتهم.\n_________\n= (١٢٢)، الفصل لابن حزم (٥/ ٧٣)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٤٩).\nوالكرامية: هم أنباع محمد بن كرام أبو عبد الله السجستاني المتوفى عام ٢٥٥ هـ، الذين بالغوا في إثبات الصفات حتى وصلوا إلى التجسيم والتشبيه، ولهم بدع كثيرة خالفوا بها ما عليه أهل السنة، ووافقوا في بعضها المعتزلة وغيرهم من أهل البدع، وكان لهذه الفرقة أتباع في خرسان البلد الأصلي لابن كرام وفي فلسطين التي توفي بها، وقد تولى محمود بن سبكتكين السلطان نصر هذه الفرقة، واعتبر الشهرستاني أن مذهبهم أقرب المذاهب إلى الخوارج، ولكن الكرامية اندثرت بعد ذلك ولله الحمد والمنة. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٣)، والملل والنحل (١٠٨)، الفرق بين الفرق (١٣٠)، والفصل (٤/ ٥، ١١١).\n(١) لا بد من التذكير بأن كتب الكرامية قد اندرست، ولم يكد يصلنا منا شيء، انظر: موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الكرامية (٦٠٧) للدكتور عبد القادر بن محمد عبد الله، وهي رسالة ماجستير في قسم العقيدة بجامعة أم القرى قدمت عام ١٤٠٩ هـ.\nيقول الشهرستاني عن الكرامية: فالمنافق عندهم مؤمن في الدنيا على الحقيقة، مستحق للعقاب الأبدي في الآخرة.\nالملل والنحل (١١٣).\n(٢) كما ذكر ذلك الأشعري عنهم في المقالات (١/ ٢٣٣)، والبغدادي في الفرق بين الفرق (٢٢٣)، وابن حزم في الفصل (٥/ ٧٤) على أن ابن حزم قد ذكر عنهم قولًا آخر يوافق ما ذهب إليه المصنف جث قال: \"المنافقون مؤمنون مشركون من أهل النار\" الفصل (٥/ ٧٤).\n(٣) في نسخة الأصل: مخالفة الكتاب.\n(٤) في (ط): \"انفرد\".","vol":"1","page":309},{"text":"و(١) قال الجمهور من السلف والخلف (٢): بل هؤلاء الذين وصفوا بالإسلام دون الإيمان، قد لا يكونون كفارًا في الباطن، بل معهم بعض الإسلام المقبول، وهؤلاء يقولون: الإسلام أوسع من الإيمان، فكل مؤمن مسلم، وليس كل مسلم مؤمنًا، ويقولون في قول النبي - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (٣) أنه يخرج من الإيمان إلى\n_________\n(١) الواو ليست في (ط).\n(٢) قال الحافظ ابن رجب -﵀- \"وأما من يفرق بين الإسلام والإيمان، فإنه يستدل بهذه الآية (يعني آية الحجرات) على الفرق بينهما، ويقول: \"نفي الإيمان عنهم لا يلزم مه نفي الإسلام، كما نفى الإيمان عن الزاني والسارق والشارب، وإن كان الإسلام عنهم غير منفي\". الفتح (١/ ١٢٦) وقال أيضًا: \"والقول بالفرق بين الإسلام والإيمان مروي عن الحسن، وابن سيرين، وشريك، وعبد الرحمن بن مهدي، ويحيى بن معين، ومؤمل بن إهاب، وحكي عن مالك أيضًا وقد سبق حكايته عن قتادة، وداود بن أبي هند، والزهري، وابن أبي ذئب، وحماد بن زيد، وأحمد، وكذلك حكاه أبو بكر السمعاني عن أهل السنة جملة. . \".\nثم قال: \"فحكاية ابن نصر وابن عبد البر عن الأكثرية التسوية بينهما غير جيد، بل قد قيل: إن السلف لم يرو عنهم غير التفريق. . \"الفتح (١/ ١٣٠).\nوقال الحافظ ابن كثير في تفسير القرآن العظيم (٤/ ٢٢٠): \"وقد استفيد من هذه الآية الكريمة، أن الإيمان أخص من الإسلام، كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل ﵊، حين سأل عن الإسلام والإيمان والإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص ثم للأخص منه. . \".\nثم أورد حديث سعد - ﵁ - السابق فقال بعد ذلك: \"فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم فادعوا لأنفسهم مقامًا أعلى مما وصلوا إليه فأدبوا في ذلك وهذا معنى قول ابن عباس - ﵄- وإبراهيم النخعي وقتادة واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري -﵀- ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يظهرون الإيمان وليسوا كذلك\".\n(٣) رواه البخاري برقم (٦٧٧٢) كتاب الحدود باب الزنا وشرب الخمر، ومسلم برقم (٥٧) كتاب الإيمان باب نقصان الإيمان بالمعاصي، والترمذي برقم (٢٦٤٥) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٤٨٧٠) كتاب قطع يد السارق، وأبو داود برقم (٤٦٨٩) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (٣٩٣٦) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٢٧٤١٩).","vol":"1","page":310},{"text":"الإسلام، ودوروا [للإسلام] (١) دارة، ودوروا [للإيمان] (٢) دارة أصغر منها في جوفها، وقالوا: إذا زنا خرج من الإيمان إلى الإسلام، ولا يخرجه من الإسلام إلى الكفر، ودليل ذلك أن الله تعالى قال: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥) قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٦) يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧)﴾ [الحجرات: ١٤ - ١٧] فقد قال تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.\nوهذا [الحرف] (٣) [أي لمّا] (٤) ينفى به ما قرب وجوده وانتظر وجوده (٥) ولم يوجد بعد، فنقول (٦) لمن ينتظر غائبًا، وتقول (٧) قد جاء، لما يجيء بعد، فلما قالوا: آمنا قيل: لم تؤمنوا بعد، بل الإيمان مرجو منتظر منهم، ثم قال تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ﴾: أي لا ينقصكم من\n_________\n(١) في نسخة الأصل: الإسلام.\n(٢) في نسخة الأصل: الإيمان.\n(٣) في نسخة الأصل: الخوف بدل الحرف والصواب ما أثبتاه.\n(٤) ليست في نسخة الأصل و(م) وهي من (ط).\nومعنى (لما) في اللغة كما قال ابن هشام في معرض كلام عن الفرق بين (لم) و(لما) الجازمتين: \"أن منفي لما متوقع ثبوته بخلاف منفي لم، ألا ترى أن معنى (بل لما يذوقوا عذاب) أنهم لم يذوقوه إلى الآن، وأن ذوقهم له متوقع. . \" مغني اللبيب عن كتاب الأعاريب لابن هشام.\nوقال أبو هلال العسكري في كتابه \"الفروق في اللغة\" (٣٠٦) في معنى لما يأتي زيد: \"معناه أنه لم يأت وإنما يتوقعه\".\nوقال السيوطي عند كلامه على (لما): \"حرف وجود لوجود\" همع الهوامع في شرح جمع الجوامع (٣/ ٢١٩)، وانظر \"الكواكب الدرية على متممة الأجرومية\" (٢/ ٤٨٨) لمحمد بن أحمد بن عبد الباري الأهدل.\n(٥) ليست فى (م).\n(٦) فى (ط): \"فيقول\".\n(٧) في (م، و(ط): \"يقول\".","vol":"1","page":311},{"text":"أعمالكم المثبتة شيئًا، أي في هذه الحال، فإنه لو أراد (١) طاعة الله ورسوله بعد دخول الإيمان في قلوبهم، لم يكن في ذلك فائدة لهم ولا لغيرهم، إذ كان من المعلوم أن المؤمنين يثابون على طاعة الله ورسوله، وهم كانوا مقرين به فإذا قيل لهم: المطيع (٢) يثاب والمراد به المؤمن الذين يعرف أنه مؤمن لم تكن (٣) فيه فائدة جديدة.\nوأيضًا فالخطاب لهؤلاء المخاطبين قد أخبر عنهم لما يدخل الإيمان (٤) في قلوبهم، وقيل لهم: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾ فلو لم يكونوا في هذه الحال [مثابين] (٥) على طاعة الله ورسوله، لكان خلاف مدلول الخطاب، وبين (٦) ذلك أنه وصف المؤمنين الذين أخرج هؤلاء منهم فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ وهذا نعت المحقق للإيمان (٧)، لا نعت من معه مثقال ذرة من إيمان، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ [الأنفال: ٢ - ٣].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ أُولَئِكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [النور: ٦٢].\nومنه قوله - ﷺ -: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن. . \" وأمثال ذلك.\nفدل البيان (٨) على أن الإيمان المنفي عن هؤلاء الأعراب هو هذا\n_________\n(١) في (ط): \"أرادوا\".\n(٢) في (ط): \"المطاع\".\n(٣) في (م) و(ط): \"يكن\".\n(٤) ليست في (ط).\n(٥) في نسخة الأصل: \"مثابون\" والصحيح ما أثبتناه من (م) و(ط).\n(٦) في (م) و(ط): \"فبين\".\n(٧) في (ط): \"محقق الإيمان\".\n(٨) أطال المصنف رحمه الله تعالى في \"الإيمان الكبير\" (١٨٧ - ٢٠٠) الكلام على هذه الآية الكريمة، وذكر أقوال المفسرين فيها، وما روي في أسباب نزولها، والاستدلال بها على التفريق بين الإسلام والإيمان.","vol":"1","page":312},{"text":"الإيمان الذي نفي عن فساق أهل القبلة الذين لا يخلدون في النار، بل قد يكون مع أحدهم مثقال ذرة من إيمان، ونفي هذا الإيمان لا يقتضي ثبوت الكفر الذي يخلد صاحبه في النار (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>[تحقيق المقام في الوصف بالإسلام]</span>\nو<span data-type=\"title\" id=toc-118>[أول خلاف ظهر في الإسلام]</span>\nوبتحقيق (٢) هذا المقام يزول الاشتباه في هذا الموضع، ونعلم (٣) أن في المسلمين قسمًا ليس هو منافقًا محضًا في الدرك الأسفل من النار، وليس هو من المؤمنين الذين قيل فيهم: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ ولا من الذين قيل فيهم: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا﴾ فلا هم منافقون، ولا هم من هؤلاء الصادقين المؤمنين حقًا، ولا من الذين يدخلون الجنة بلا عقاب، بل له طاعات ومعاص، وحسنات وسيئات، ومعه من الإيمان ما لا [يخلد] (٤) معه في النار، وله من الكبائر ما يستوجب وروده (٥) دخول النار، وهذا القسم قد (٦) يسميه بعض الناس الفاسق الملي، وهذا مما تنازع الناس في اسمه وحكمه، والخلاف فيه أول خلاف ظهر في الإسلام في مسائل أصول الدين (٧).\n_________\n(١) يريد أن يبين -﵀- أن الطائفة التي نفى القرآن عنها الإيمان، وأثبت لها الإسلام أن منهم من معه إيمان قليل يصحح عمله، ولكنه لم يأت بالإيمان المطلوب، وما يعمله بذلك الإيمان الناقص لا يضيعه الله ﷿، وهذه الطائفة وسط بين من حقق الإيمان وبين من فقد الإيمان.\n(٢) في (ط): \"وبتحقق\".\n(٣) في (م) و(ط): \"ويعلم\".\n(٤) في نسخة الأصل: \"يخلدون\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٥) ليست في (م) و(ط).\n(٦) في نسخة الأصل: \"وقد\".\n(٧) يقول المصنف رحمه الله تعالى في منهاج السنة (١/ ٣٠٦، ٣٠٨): \"وكان المسلمون على ما بعث الله به رسوله من الهدى ودين الحق، الموافق لصحيح المنقول وصريح المعقول، فلما قتل عثمان - ﵁ -، ووقعت الفتنة، فاقتتل المسلمون بصفين مرقت المارقة -يعني الخوارج- وكان مروقها لما حكم الحكمان، وافترق الناس على غير اتفاق، وحدثت أيضا بدعة التشيع. . . \" ثم يقول في موضع آخر: \"فهاتان البدعتان بدعة الخوارج والشيعة، حدثتا في ذلك الوقت لما وقعت الفتنة. . \" فكانت الخوارج أول الفرق ظهورًا، وكانت بدعتها الشنيعة في تكفير من اعتقدوا فسقه البدعة الرئيسية الأولى في تاريخ الأمة، والتي قابلتها بعد ذلك المرجئة ببدعة لا تقل خطورة عنها. انظر: مقالات الإسلاميين (١/ ٦٤)، الملل والنحل (١١٤).","vol":"1","page":313},{"text":"فنقول: فصل (١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>[ظهور الخوارج]</span>\nلما قتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وصار (٢) علي بن أبي طالب إلى العراق، وحصل بين الأمة من الفتنة والفرقة يوم الجمل (٣)، ثم يوم\n_________\n(١) ليست في (م) و(ط).\n(٢) في (م) ر (ط): \"وسار\".\n(٣) يوم الجمل هو يوم عصيب من أيام الفتنة التي وقعت في عصر الصحابة، وقد بدأت الفتنة بمقتل أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -، على أيدي زمرة باغية ظالمة، وكان قد نقم عليه أمور -هو فيها مجتهد ﵁ - وثار الثائرون عليه وما كان يظن أحد من المسلمين أن الأمر سيصل إلى قتل هذا الخليفة الراشد البار، فلما قتل - ﵁ - شهيدًا، وبويع علي - ﵁ -، أراد جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم المسارعة في الأخذ بالقصاص من قتلة عثمان، ورأى أمير المؤمنين علي التريث قليلًا، حتى تهدأ العاصفة، وتتضح الحقائق، ويتتبع قتلة عثمان - ﵁ - للقصاص منهم، فإن المحيطين بالدار يوم قت عثمان كانوا أعدادا غفيرة، وهم من قبائل شتى ولهم شوكة ومنعة.\nويوم الجمل هو اليوم الذي وقع فيه القتال بين معسكر أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، وبين هذه الجماعة من الصحابة المطالبين بدم عثمان - ﵁ -، وعلى رأسهم أم المؤمنين عائشة الصديقة - ﵂ - وطلحة والزبير رضي الله عن الصحابة أجمعين.\nوقد كانت مصيبة مقتل ذي النورين عثمان بن عفان - ﵁ - مأساة مريرة دفعت بهؤلاء الصفوة من الصحابة للتعجل في الطلب بدم عثمان - ﵁ -، ووقع الخلاف مع أمير المؤمنين علي - ﵁ - بسب ذلك الذي كان يرى التريث ريثما تهدأ الأمور، وقد كاد يتم الصلح بين الفريقين بل قد تم فعلًا، إلا أن دعاة الفتنة من قتلة عثمان تفرقوا في المعسكرين وقاموا بمناوشات بين الجانبين، وظن كل فريق أن الفريق الآخر قد نكث ما أبرمه من صلح، فدارت رحى معركة عنيفة ذهب ضحية لها أكثر من عشرة آلاف من الجيشين، وقتل طلحة والزبير - ﵄ - على أيدي مؤججي الفتنة، وكانت الغلبة فيها لعلي - ﵁ -، والجمل نسبة إلى جمل أم المؤمنين عائشة الصديقة - ﵂ -، وكانت هذه الوقعة عام ستة وثلاثين للهجرة.\nوقد اعتزل كثير من الصحابة رضوان الله عليهم هذه الفتنة وما جرى بعدها من فتن، فلم يشتركوا في قتال أحد من المسلمين، ومن هؤلاء جمع من أكابر الصحابة وفضلائهم، منهم سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن زيد، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، ومحمد بن مسلمة، وأسامة بن زيد، وأبو هريرة، وأبو مسعود الأنصاري، وأبو موسى الأشعري، وأبو بكرة، وسلمة بن الأكوع، وغيرهم ﵃ وأرضاهم. تاريخ الطبري (٤/ ٥٠٦)، الكامل لابن الأثير (٣/ ٢٣٢)، البداية والنهاية (٧/ ٢٥١).","vol":"1","page":314},{"text":"صفين (١) ما هو مشهور، خرجت الخوارج (٢) المارقون على الطائفتين جميعًا، وكان النبي - ﷺ - قد أخبر بهم، وذكر حكمهم.\nقال الإمام أحمد: \"صح الحديث في الخوارج من عشرة أوجه\" (٣).\nوهذه العشرة أخرجها مسلم في صحيحه موافقة لأحمد (٤).\n_________\n(١) صفين: موضع يقرب الرقة على شاطئ الفرات، وقعت فيه حرب طاحنة بين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -، وبين أهل الشام بقيادة معاوية - ﵁ - سنة سبع وثلاثين للهجرة، وقد استمرت رحى هذه المعركة الطاحنة أكثر من مائة يوم، وقتل فيها عدد من الصحابة، وكان الظفر في جل أيامها لجيش علي - ﵁ -، وانتهت أخيرًا بما عرف في التاريخ بالتحكيم، الذي نادى به أهل الشام بعد أن رأوا أن الدائرة عليهم، وفي هذه المعركة نبتت شجرة الخوارج منابذين عليًا - ﵁ - لقبوله بالتحكيم، وهم الذين كانوا يطالبون به، وقد كان علي أحق الطائفتين بالحق، بخبر النبي الأمي - ﷺ -، ونصوصه التي سيورد المؤلف بعضًا منها.\nوأقول: لقد غدت حادثة التحكيم تلك أسطورة كبرى يتوالى على نسج خيوطها الواهية وحبك أجزائها المتداعية الأفاكون والذين في قلوبهم مرض، ويتلقفها كثير من الدارسين على أنها حقائق مسلمة، وكانت الروايات الموضوعة والضعيفة محورًا جوهريًا أقام عليه المستشرقون وأذنابهم كثيرًا من الدراسات الباطلة، والتحقيقات الوهمية، والنتائج المغلوطة، ومن ذلك الزعم بأن معاوية - ﵁ - قام بكل ما قام به طلبًا للخلافة، واستئثارًا بالملك، مع أن الثابت تاريخيًا أن معاوية لم يطلب الخلافة إلا بعد استشهاد علي - ﵁ -، وإنما كان يطالب بدم عثمان - ﵄ -، ولعن من قصد النيل من أحد صحابة رسول الله - ﷺ -، وتعمد تلك الأقلام الحاقدة على تصوير الصحابة رضوان الله عليهم بأبشع الصور، وتحاول الحط من قدرهم، وإلصاق كل نقيصة بهم، وأنه لم يكن لهم شغل سوى الاقتتال والتناحر من أجل مقاعد الحكم. ولقد آن الأوان أن يماط اللثام عن تلك الأقلام المسمومة التي تحاول التخفي وراء أقنعة النزاهة والموضوعية، وأن تنسف مناهجهم -التى ظاهرها البحث والتحري وباطنها الدس والطعن- ليخر ما شيد عليها من دراسات مزورة وكتابات مفتراة. . والله ﷿ هو المسؤول أن يرد كيد أعداء الأمة في نحورهم، وأن يوفق الباحثين المخلصين من أبناء المسلمين لخدمة دينه والذب عن حرماته. .\n(٢) سموا بالخوارج لأنهم خرجوا على أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ -. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٠٧).\n(٣) كلمة الإمام أحمد رواها الخلال في كتاب السنة برقم (١١٠)، وقال محققه د. عطية بن عتيق الزهراني (١٤٤): \"إسناده صحيح\".\n(٤) رواها مسلم في صحيحه في كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم وأورد فيه =","vol":"1","page":315},{"text":"وروى البخاري منها عدة أوجه (١).\nوروى أحاديثهم أهل السنن والمسانيد من وجوه [أخرى] (٢).\nومن أصح حديثهم حديث علي [بن أبي طالب] (٣) وأبي سعيد [الخدري] (٤).\nففي الصحيحين عن علي بن أبي طالب - ﵁ - أنه قال: إذا حدثكم عن رسول الله - ﷺ - حديثًا فوالله لئن أخر من السماء إلى الأرض أحب إلي من أن أكذب عليه، وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة، وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"سيخرج في آخر الزمان [أحداث] (٥) الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة\" (٦).\n_________\n= الأحاديث من رقم (١٤٢) إلى (١٥٣) ٢/ ٧٤٠ - ٧٤٦.\nوروى أيضًا في كتاب الزكاة باب التحريض على قتال الخوارج الأحاديث من رقم (١٥٤) إلى رقم (١٥٧) ثم روى فيه أيضًا باب الخوارج شر الخلق والخليقة الأحاديث برقم (١٥٨) و(١٥٩) و(١٦٠).\n(١) قال المؤلف في منهاج السنة (١/ ٦٨): \"روى البخاري ثلاثة منها\" والأوجه أو الأحاديث الثلاثة التى رواها البخاري هي: الحديث رقم (٣٣٤٤) كتاب أحاديث الأنبياء باب قول الله تعلى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا. .﴾ والحديثان الآخران هما برقمي (٣٦١٠) و(٣٦١١) كتاب المناقب باب علامات النبوة في الإسلام.\n(٢) في (م) و(ط): \"أخر\"، وقد ساق الحافظ ابن كثير الأحاديث التي جاءت في الخوارج، من رواية أكثر من أربعة عشر صحابيًا واستقصى جميع الروايات في ذلك الشأن في البداية والنهاية (٧/ ٣١٦).\n(٣) ليست في النسخة الأصلية.\n(٤) ليست في النسخة الأصلية.\n(٥) فى النسخة الأصلية و(م): \"حداث\".\n(٦) رواه البخاري برقم (٣٦١١) كتاب المناقب باب علامات النبوة فى الإسلام، ورواه مسلم برقم (١٠٦٦) كتاب الزكاة باب التحريض على قتل الخوارج، والترمذي برقم (٢١٨٨) كتاب الفتن، والنسائي برقم (٤١٠٢) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٤٧٦٧) كتاب السنة، وأحمد برقم (٦١٧).","vol":"1","page":316},{"text":"وفي الصحيحين عن أبي سعيد قال: \"بعث علي بن أبي طالب إلى النبي - ﷺ - من اليمن [بذهيبة] (١) في أدم مقروض (٢) لم تحصل من ترابها (٣) فقال: فقسمها بين أربعة نفر، فقال رجل من أصحابه: كنا أحق بهذا من هؤلاء، قال: فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فقال: \"ألا تأمنوني وأنا أمين من في السماء يأتيني خبر السماء صباحًا ومساء\" قال: فقام رجل غائر العينين (٤)، مشرف الوجنتين (٥)، ناشز الجبهة (٦)، كث اللحية، محلوق الرأس، مشمر الإزار، فقال: يا رسول الله اتق الله! ! ! فقال: \"ويلك أولست أحق أهل الأرض أن يتقي الله؟ \" قال: ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله ألا أضرب عنقه، فقال: (لا لعله أن يكون يصلي) قال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أشق بطونهم\" قال: ثم نظر وهو مقف فقال: \"إنه يخرج من ضئضيء (٧) هذا قوم يتلون كتاب الله رطبًا، لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية\" قال أظنه قال:\n_________\n(١) في النسخة الأصلية: بذهيبته، والصحيح ما أثبتناه، وقد جاء في بعض الروايات: بذهبة ولكن غالبها جاءت كما ذكرناه في المتن، والذهيبة كما قال الحافظ في الفتح (٨/ ٦٨): \"تصغير ذهبة، وكأنه أنثها على معنى الطائفة أو الجملة، وقال الخطابي: على معنى القطعة، وفيه نظر، لأنها كانت تبرًا، وقد يؤنث الذهب في بعض اللغات. . \".\n(٢) أدم وأديم كما جاء في بعض الروايات هو الجلد، ومقروض أي مدبوغ بالقرظ وهو نبات معروف. فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٨).\n(٣) أي: لم تخلص من تراب المعدن فكأنها كانت تبرًا وتخليصها بالسبك. فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٨).\n(٤) أي: أن عينيه داخلتان في محاجرهما لاصقتين بقعر الحدقة وهو ضد الجحوظ. فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٨).\n(٥) مشرف الوجنتين أي: بارز الوجنتين، والوجنتان هما العظمان المشرفان على الخدين. فتح الباري لابن حجر (٨/ ٨٦).\n(٦) ناشز الجبهة أي مرتفعها. فتح الباري لابن حجر (٨/ ٦٨).\n(٧) الضئضيء هو العقب كما جاء ذلك في بعض روايات الحديث عند البخاري برقم (٣٣٤٤).","vol":"1","page":317},{"text":"لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد\" اللفظ لمسلم (١).\nولمسلم في بعض الطرق عن أبي سعيد أن النبي - ﷺ -: \"ذكر قومًا يكونون في أمته يخرجون في فرقة من الناس سيماهم التحليق، ثم قال: شر الخلق أو من شر الخلق تقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق\" قال أبو سعيد: (أنتم قتلتوهم يا أهل العراق) وفي لفظ [له] (٢): (تقتلهم أقرب الطائفتين إلى الحق) (٣).\nوهذا الحديث مع ما ثبت في الصحيح عن أبي بكرة أن النبي - ﷺ - قال للحسن بن علي - ﵄-: \"إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به بين طائفتين عظيمتين من المؤمنين\" (٤).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٤٣٥١) كتاب المغازي باب بعث علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد إلى اليمن، ومسلم برقم (١٠٦٤) كتاب الزكاة باب ذكر الخوارج وصفاتهم. والنسائي برقم (٢٥٧٨) كتاب الزكاة، وأبو داود برقم (٧٦٤٤) كتاب السنة. وأحمد برقم (١١٢٥٤).\n(٢) ما بين المعكوفتين ساقطة من النسخة الأصلية، وهي في (م)، و(ط).\n(٣) هذه الروايات كلها من مسلم وقد سبق تخريجها، ومما ينبه له إلى أن لفظة (التحليق) أجدها في مسلم كما ذكر المصنف رحمه الله تعالى وإنما الذي في مسلم (التحالق)، وأما (التحليق) فقد جاء في حديث البخاري برقم (٧٥٦٢) كتاب التوحيد بغير قول أبي سعيد - ﵁ -، وجاءت هذه الرواية كاملة عند أحمد برقم (١٠٦٣٥).\n(٤) رواه البخاري برقم (٢٧٠٤) كتاب الصلح باب قول النبي - ﷺ - للحسن بن علي -﵄- \"إن ابني هذا سيد\"، والترمذي برقم (٣٧٧٣) كتاب المناقب، والنسائي برقم (١٤١٠) كتاب الجمعة، وأبو داود برقم (٤٦٦٢) كتاب السنة، وأحمد برقم (١٩٩٨٦). وقد ساق البخاري بسنده عن الحسن البصري -﵀- في الحديث الآنف الذكر قصة الصلح الذي تم بين الحسن بن علي - ﵄-، ومعاوية - ﵁ -. وقد كان هذا الصلح المبارك الذي يعد من دلائل نبوة المصطفى - ﷺ - في أوائل سنة إحدى وأربعين على ما رجحه شيخ المؤرخين ابن جرير الطبري، ووافقه عليه الحافظ ابن كثير رحمهما الله، وذكر أن هذا هو المشهور عند علماء السير، ونقله عن علي بن المديني، وسمي هذا العام عام الجماعة لاجتماع الكلمة على معاوية - ﵁ -.\nوقد كان تنازل الحسن - ﵁ - منقبة عظيمة، وحسنة فريدة، امتدحه بها جده المصطفى رسول الله - ﷺ -، وأقر بفضلها المسلمون، حين حقن الدماء، وجمع الكلمة، وسلك سيل الرشاد. البداية والنهاية (٨/ ٢٠).","vol":"1","page":318},{"text":"فبين أن كلا الطائفتين كانت مؤمنة، وأن اصطلاح الطائفتين كما فعله الحسن، كان أحب إلى الله ورسوله من اقتتالهما، وأن اقتتالهما وإن لم يكن مأمورًا به فعلي بن أبي طالب وأصحابه أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتل (١) الخوارج مما أمر به النبي (٢) - ﷺ - ولذلك اتفق على قتالهم الصحابة والأئمة (٣).\nوهؤلاء الخوارج لهم أسماء (٤) يقال لهم الحرورية، لأنهم خرجوا بمكان يقال له حروراء (٥)، ويقال لهم أهل النهروان (٦) لأن عليًا قاتلهم\n_________\n(١) في (ط): \"قتال\"، والعبارة من قوله: (وأن قتل الخوارج. . إلى قوله الأئمة) ساقطة من (م).\n(٢) ليست في (ط).\n(٣) قال المؤلف في منهاج السنة (٨/ ٥٢٢): \"والذي عليه أكابر الصحابة والتابعين أن قتال الجمل وصفين لم يكن من القتال المأمور به، وأن تركه أفضل من الدخول فيه، بل عدّوه قال فتنة، وعلى هذا جمهور أهل الحديث، وجمهور أئمة الفقهاء. . . . -إلى أن قال- وهو قول جمهور أئمة السنة كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة في هذا الباب بخلاف قال الحرورية والخوارج أهل النهروان، فإن قتال هؤلاء واجب بالسنة المستفيضة عن النبي - ﷺ -، وباتفاق الصحابة وعلماء السنة\".\n(٤) وذكر الأشعري -﵀- من أسمائهم الأخرى: (الشراة) لقولهم: إنا شرينا أنفسنا في طاعة الله، أي بعناها بالجنة، و(المحكمة) لإنكارهم الحكمين وقولهم: لا حكم إلا لله. و(المارقة) لأنهم مرقوا من الدين كما يمرق السهم من الرمية. وذكر أنهم يرضون بهذه الأسماء كلها إلا المارقة. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٠٧).\n(٥) حروراء بفتح الحاء وضم الراء المهملتين وبعد الواو الساكنة راء أيضًا بلدة على ميلين من الكوفة بالعراق، وكانت أول فرقة من الخوارج قد انحازت إلى هذه البلدة. فتح الباري لابن حجر (١/ ٤٢٢).\nوقد وقع في حديث عائشة - ﵂- في الصحيح أن امرأة سألتها: أتقضي إحدانا الصلاة أيام محيضها؟ فقالت عائشة - ﵂-: أحرورية أنت؟ قد كانت إحدانا تحيض على عهد رسول الله - ﷺ - ثم لا تؤمر بقضاء الصلاة. رواه البخاري برقم (٣٢١) كتاب الحيض، ورواه مسلم برقم (٣٣٥) كتاب الحيض، ورواه غيرهما.\nوقد يفهم من هذا أن الحرورية هؤلاء كانوا يأمرون الحائض بقضاء الصلاة بعد طهرها كالصيام، أو أن عائشة - ﵂- شعرت أن سؤال المرأة ينبئ عن تشدد شبيه بتشدد الحرورية، والله أعلم.\n(٦) النهروان موضع بالعراق اقتتل فيه أمير المؤمنين علي - ﵁ - والمسلمون مع الخوارج، ووقع فيهم مقتلة عظيمة فلم يكد ينجو منهم أحد، وكان قتال علي - ﵁ =","vol":"1","page":319},{"text":"هناك، ومن أصنافهم الإباضية أتباع عبد الله بن إباض (١) والأزارقة أتباع نافع بن الأزرق (٢)، والنجدات أصحاب نجدة الحروري (٣).\n_________\n= لهم بعدما أفسد هؤلاء في الأرض واستحلوا الدماء وانتهكوا الحرمات، وكانت هذه الوقعة عام ثمانية وثلاثين من الهجرة على الراجح من أقوال المؤرخين. البداية والنهاية (٧/ ٣٢١).\n(١) الإباضية فرقة من الخوارج نسبة إلى عبد الله بن إباض المري التميمي، وقع في سيرته وتاريخ وفاته خلاف كثير بين المؤرخين، ورأى الشهرستاني أنه خرج في أيام مروان بن محمد في آخر دولة بني أمية، ورأى آخرون غير ذلك وأنه أدرك عصر معاوية - ﵁ - وعاش إلى أواخر عصر عبد الملك بن مروان، وأن وفاته على الأرجح كانت سنة ست وثمانين للهجرة، وهذا هو الأقرب، والإباضية تعد أقل فرق الخوارج غلوًا في العقائد، ولعل هذا من أسباب بقائها إلى يومنا هذا، وانقراض كافة الفرق الأخرى، ويرى المبرد أن قول ابن إباض أقرب الأقاويل إلى السنة، ويرى الإباضية أن مخالفيهم من أهل القبلة كفار غير مشركين، وأن دارهم دار توحيد إلا معسكر السلطان فإنه دار بغي، وأجمعوا على أن من ارتكب كبيرة من الكبائر فإنه يكفر كفر نعمة لا كفر ملة، ويحاول بعض الإباضية المعاصرون أن يزيلوا وصمة الخوارج عنهم، وإظهار أنهم عبارة عن مجرد مذهب فقهي كالمذاهب الأربعة التي عند المسلمين، وهو قول باطل، ومخالف لحقيقة مذهبهم، ويرد هذا الزعم الباطل أن مؤسس مذهبهم وأئمتهم المتقدمين يتولون المحكمة الأولى الذين كفروا عليًا والصحابة - ﵃-، وقاتلوهم واستحلوا دمائهم، وكشأن أهل الابتداع والضلال في الدين فقد انقسمت الإباضية إلى عدة فرق منها الحفصية واليزيدية والحارثية، وموطنهم اليوم في عمان والجزائر وغيرهما. مقالات الإسلاميين (١/ ١٨٤)، الملل والنحل (١٣٤)، الفصل في الملل والنحل (٥/ ٥١)، الفرق بين الفرق (٦١)، الكامل للمبرد (١٧٩٢)، ميزان الاعتدال (٢/ ٢٠٩)، لسان الميزان (٣/ ٢٤٨)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٥).\n(٢) الأزارقة أتباع نافع بن الأزرق بن قيس الحنفي البكري الوائلي، من أهل البصرة، قيل إنه كان يتردد على ابن عباس بمكة ويلح في كثرة الأسئلة حتى مَله ابن عباس، كان من رؤوس الخوارج دهاء وغلظة وتجبرًا وشجاعة، وذكر الأشعري أن نافعًا أول من أحدث الخلاف بين الخوارج، وقتل سنة خمس وستين من الهجرة، والأزارقة من أشد فرق الخوارج غلوًا وتطرفًا، وهم يكفرون عثمان وعليًا وطلحة والزبير، ويكفرون القعدة عن القتال معهم، وكفروا أصحاب الكبائر وقضوا بخلودهم في النار، وقالوا إن دار مخالفيهم دار كفر. تاريخ الطبري (٥/ ٥٢٨ - ٥٦٥ - ٥٦٦)، لسان الميزان (٦/ ١٤٤)، الكامل لابن الأثير (٤/ ٦٥)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٧٤)، الفرق بين الفرق (٥٢)، الملل والنحل (١/ ١١٠)، الفصل في الملل والنحل (٥/ ٣٥)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٤).\n(٣) النجدات أتباع نجدة بن عامر الحنفي كان من أنصار نافع بن الأزرق، ثم خالفه =","vol":"1","page":320},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>[مذهب الخوارج والرد عليهم]</span>\nوهم أول من كفَّر أهل القبلة بالذنوب، واستحلوا دماء أهل القبلة بذلك فكانوا كما نعتهم النبي - ﷺ -: \"يقتلون أهل الإسلام، ويدعون أهل الأوثان\" (١) وكفروا علي بن أبي طالب، وعثمان بن عفان ومن والاهما (٢)، وقتلوا علي بن أبي طالب مستحلين لقتله، قتله عبد الرحمن بن ملجم المرادي (٣) منهم، وكان هو وغيره من الخوارج مجتهدين في العبادة، لكن\n_________\n= واستقل بمذهب انفرد فيه بآراء عن سائر الخوارج، وكانت فتنته أيام ابن الزبير، واستقر بالبحرين، وتسمى بأمير المؤمنين، وروى مسلم وغيره أن نجدة كتب إلى ابن عباس يسأله عن أشياء، منها هل يضرب للمرأة والعبد بسهم من الغنيمة إذا شهدا المعركة، وعن جواز قتل الصبيان -حين كان الأزارقة يجيزون قتلهم- كما ذكره الأشعري عنهم، وأن ابن عباس - ﵄- أجابه عليها خوفًا من كتمان العلم. صحيح مسلم برقم (١٨١٢) كتاب الجهاد والسير.\nوقتل نجدة سنة تسع وستين من الهجرة، والنجدات كما حكى الأشعري عنهم لا يقولون مثل سائر الخوارج إن كل كبيرة كفر، ولا يقولون إن الله يعذب أصحاب الكبائر عذابًا دائمًا، وقالوا إن من فعل صغيرة وأصر عليها فهو مشرك، وربما سموا بالعاذرية لأنهم عذروا بالجهالات في أحكام الفروع، وأجمعوا كما ذكر الشهرستاني على أنه لا حاجة للناس إلى إمام قط، وإنما عليهم أن يتناصفوا بينهم. الكامل للمبرد (٢/ ١٢٩)، الكامل لابن الأثير (٤/ ٧٨)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٤)، لسان الميزان (٦/ ١٤٨)، مقالات الإسلاميين (١/ ١٧٤)، الملل والنحل (١٧٤)، الفرق بين الفرق (٥٢)، الفصل في الملل والنحل (٥/ ٥٣).\n(١) هو جزء من حديث تقدم تخريجه.\n(٢) يقول الشهرستاني في الملل والنحل (١١٥): \"ويجمعهم (أي الخوارج) القول بالتبري من عثمان وعلي - ﵂-، ويقدمون ذلك على كل طاعة، ولا يصححون المناكحات إلا على ذلك، وذكر الأشعري أن الخوارج أجمعوا على كفر علي - ﵁ - مع اختلافهم هل كفره شرك أم لا.\n(٣) هو عبد الرحمن بن ملجم المرادي الحميري الكندي، من فرسان الخوارج، قيل إنه أدرك الجاهلية، وكان من أشد الخوارج زهدًا وعبادة، في وجهه أثر السجود، تآمر مع رجلين من الخوارج على قتل كل من علي ومعاوية وعمرو بن العاص - ﵃-، واتفقوا على قتلهم غيلة في ليلة واحدة وهي ليلة السابع عشر من رمضان، وتولى ابن ملجم أخزاه الله قتل علي، وكمن له مع اثنين في صلاة الفجر، وتمكن من إصابته إصابة بليغة، وتوفي - ﵁ - متأثرًا بها، وكان ذلك سنة أربعين للهجرة، وقبض على ابن ملجم وقتل، فأما صاحباه فتمكن أحدهما من جرح معاوية - ﵁ -، وعوفي بعد ذلك، وقتل الخارجي، وأما الآخر الذي =","vol":"1","page":321},{"text":"كانوا جهالًا فارقوا السنة والجماعة، فقال هؤلاء: ما الناس إلا مؤمن وكافر، والمؤمن من فعل جميع الواجبات، وترك جميع المحرمات، فمن لم يكن كذلك فهو كافر مخلد في النار (١)، ثم جعلوا كل من خالف قولهم كذلك، فقالوا:\nإن عثمان وعليًا ونحوهما حكموا بغير ما أنزل الله وظلموا فصاروا كفارا (٢).\nومذهب هؤلاء باطل بدلائل كثيرة من الكتاب والسنة، فإن الله سبحانه أمر بقطع يد السارق دون قتله، ولو كان كافرًا مرتدًا لوجب قتله، لأن النبي - ﷺ - قال: \"من بدل دينه فاقتلوه\" (٣).\nوقال: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، وزنى بعد إحصان، أو قتل نفس يقتل بها\" (٤).\n_________\n= انتدبه الخوارج لقتل عمرو بن العاص، فلم يتمكن من قتله - ﵁ -، لأنه لم يخرج لصلاة الفجر بسبب مرض أصابه، وخرج بدله نائبه خارجة فقتله الخارجي وظنه عمرًا، فقال: أردت عمرًا وأراد الله خارجة، وصارت مثلًا، وقتل هو أيضًا. الكامل للمرد (٢/ ١٣٦)، طبقات ابن سعد (٣/ ٢٣)، لسان الميزان (٣/ ٤٣٩)، البداية والنهاية (٧/ ٣٣٨).\n(١) ومما استدل به الأزارقة على مذهبهم كفر إبليس، وقالوا: ما ارتكب إلا كبيرة حيث أمر بالسجود لآدم -﵇- فامتنع. الملل والنحل (١٢٢).\n(٢) لا بد من التنبيه إلى أن الخوارج ليست لهم مصادر لمذهبهم، وقد أشار المصنف -﵀- إلى ذلك في غير هذا الموضوع حيث قال في مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٩): \"وأقوال الخوارج إنما عرفناها من نقل الناس عنهم، لم نقف لهم على كتاب مصنف، كما وقفنا على كتب المعتزلة، والرافضة، والزيدية، والكرامية، والأشعرية، والسالمية، وأهل المذاهب الأربعة، والظاهرية، ومذاهب أهل الحديث، والفلاسفة، والصوفية، ونحو هؤلاء. . \".\n(٣) رواه البخاري برقم (٣٠١٧) كتاب الجهاد والسير باب لا يعذب بعذاب الله، والترمذي برقم (١٤٥٨) كتاب الحدود، والنسائي برقم (٤٠٥٩) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٤٣٥١) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (٢٥٣٥) كتاب الحدود، وأحمد برقم (١٨٧٤).\n(٤) رواه قريبًا من هذا اللفظ الترمذي برقم (٢١٥٨) كتاب الفتن، وأبو داود برقم (٤٥٠٢) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٠١٩) كتب تحريم الدم، وابن ماجه =","vol":"1","page":322},{"text":"وأمر سبحانه أن يجلد الزاني والزانية مائة جلدة (١)، ولو كانا كافرين لأمر بقتلهما، وأمر سبحانه أن (٢) يجلد قاذف المحصنة ثمانين جلدة (٣)، ولو كان كافرًا لأمر بقتله.\nوكان النبي - ﷺ - يجلد شارب الخمر (٤) ولم يقتله، بل قد ثبت عنه - ﷺ -\n_________\n= برقم (٢٥٣٣) كتاب الحدود، وأحمد برقم (٤٣٩)، وجاءت هذه الروايات بلفظ الإسلام بدل الإيمان فرواية الترمذي جاء فيها \"ارتداد بعد إسلام\"، ورواية أبي داود جاء فيها \"كفر بعد إسلام\"، ورواية النسائي جاء فيها \"كفر بعد إسلامه\"، ورواية ابن ماجه جاء فيها \"رجل ارتد بعد إسلامه\"، ورواية أحمد جاء فيها \"كفر بعد إسلامه\"، ورواه أبو داود برقم (٤٣٦٣) كتاب الحدود بلفظ \"كفر بعد إيمان\"، وجاء لفظ الإيمان في نسخة الأصل، ولفظ الإسلام في (م)، (ط)، وجميع هذه الروايات من رواية أمير المؤمنين عثمان بن عفان - ﵁ -، ورواه البخاري برقم (٦٨٧٨) كتاب الديات باب إذا قتل بحجر أو بعصا، ورواه مسلم برقم (١٦٧٦) كتاب القسامة والمحاربين باب ما يباح به دم المسلم (٣/ ١٣٠٢)، والترمذي برقم (١٤٠٢) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٦٤٢) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٣٧٨٨) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (٢٥٢٥) كتاب الحدود، وأحمد برقم (٣٦١٤)، والدارمي برقم (٢٢٩٨) كتاب الحدود، من رواية عبد الله بن مسعود - ﵁ - بلفظ: (لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة).\n(١) في قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ [النور: ٢].\n(٢) في (م)، (ط): \"بأن\".\n(٣) في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ [النور: ٤].\n(٤) روى البخاري عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"أتى النبي - ﷺ - بسكران فأمر بضربه، فمنا من يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، وما من يضربه بثوب، فلما انصرف قال رجل: ما له أخزاه الله؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تكونوا عون الشيطان على أخيكم\" برقم (٦٧٨١) كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال، ورواه أبو داود برقم (٤٤٧٧) كتاب الحدود، وأحمد برقم (٧٩٢٦)، وروى البخاري أيضًا عن عقبة بن الحارث - ﵁ -: \"أن النبي - ﷺ - أتي بنعيمان -أو بابن نعيمان- وهو سكران، فشق عليه، وأمر من في البيت أن يضربوه فضربوه بالجريد والنعال، وكنت فيمن ضربه\" برقم (٦٧٧٥) كتاب الحدود باب الضرب بالجريد والنعال، =","vol":"1","page":323},{"text":"في صحيح البخاري وغيره (١) أن رجلًا كان يشرب الخمر، وكان اسمه عبد الله حمارًا، وكان يضحك النبي - ﷺ -، وكان كلما أتي به إليه جلده فأتي به إليه مرة فلعنه رجل، فقال النبي - ﷺ -: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" (٢) فنهى عن لعنته (٣) بعينه، وشهد له بحب الله ورسوله، مع أنه قد لعن شارب الخمر عمومًا، وهذا من أجود ما يحتج به على أن الأمر بقتل الشارب (٤) في\n_________\n= وروى البخاري عن أنس - ﵁ - أن النبي - ﷺ - ضرب في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، برقم (٦٧٧٣) كتاب الحدود باب ما جاء في ضرب شارب الخمر، وروى مسلم عن أنس - ﵁ - قال: \"أتي النبي - ﷺ - برجل قد ضرب الخمر فجلده بجريدتين نحو أربعين\" برقم (١٧٠٦) ٣/ ١٣٣٠ كتاب الحدود باب حد الخمر.\n(١) لفظة \"وغيره\" ساقطة من (ط).\n(٢) رواه البخاري برقم (٦٧٨٠) كتاب الحدود باب ما يكره من لعن شارب الخمر، وأنه ليس بخارج من الملة، ولفظه \"لا تلعنوه فوالله ما علمت أنه يحب الله ورسوله\".\n(٣) في (ط): \"لعنه\".\n(٤) الأمر بقتل شارب الخمر جاء في أكثر الروايات في المرة الرابعة، وقد روي ذلك عن جماعة من الصحابة - ﵃-، منهم معاوية وأبو هريرة وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو بن العاص وجرير بن عبد الله وشرحبيل بن أوس وقبيصة بن ذؤيب والشريد بن سويد رضي الله عن الصحابة أجمعين. فحديث معاوية رواه الترمذي برقم (١٤٤٤) كتاب الحدود، وأبو داود برقم (٤٤٨٢) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (٢٥٧٣) كتاب الحدود، وأحمد برقم (١٦٤٠٥)، والحاكم في المستدرك ٤/ ٢٧٢، والطحاوي في شكل الآثار ٢/ ٩١، وحديث أبي هريرة رواه النسائي برقم (٥٦٦٢) كتاب الأشربة، وأبو داود برقم (٤٤٨٤) كتاب الحدود، وابن ماجه برقم (٢٥٧٢) كتاب الحدود، والطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٩١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧١) وصححه. ورواه النسائي برقم (٥٦٦١) كتاب الأشربة، وأحمد برقم (٦١٦٢)، وأبو داود برقم (٤٤٨٣) كتاب الحدود، وحديث عبد الله بن عمرو بن العاص رواه أحمد برقم (٦٧٥٢) وكان - ﵁ - يقول: ائتوني برجل قد شرب الخمر في الرابعة فلكم علي أن أقتله، ورواه الطحاوي في مشكل الآثار (٢/ ٩١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧٢)، وحديث جرير رواه الحاكم (٤/ ٣٧١)، وحديث شرحبيل بن أوس رواه أحمد برقم (١٧٥٩١)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧٢)، وحديث قبيصة رواه أبو داود برقم (٤٤٨٥) كتاب الحدود، والطحاوى في مشكل الآثار (٢/ ٩٢)، وحديث الشريد رواه أحمد =","vol":"1","page":324},{"text":"الثالثة أو (١) الرابعة منسوخ، لأن هذا أتي به ثلاث مرات، وقد أعيا الأئمة الكبار جواب هذا الحديث، ولكن نسخ الوجوب لا يمنع [الجواز] (٢) فيجوز أن يقال: يجوز قتله إذا رأى الإمام المصلحة في ذلك، فإن ما بين الأربعين إلى الثمانين ليس حدًا مقررًا في أصح قولي العلماء، كما هو مذهب الشافعي، وأحمد في إحدى الروايتين (٣)، بل الزيادة على الأربعين إلى الثمانين يرجع (٤) إلى اجتهاد الإمام، فيفعلها عند المصلحة كغيرها في (٥) أنواع التعزير (٦)، وكذلك صفة الضرب، فإنه يجوز جلد الشارب بالجريد والنعال وأطراف الثياب، بخلاف الزاني والقاذف، فيجوز أن يقال: قتله في الرابعة من هذا الباب.\nوأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٩) إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ\n_________\n= برقم (١٨٩٦٦)، وكذلك روى الحاكم في مستدركه عن أحد أصحاب رسول الله - ﷺ - يدعى النضر الحديث المذكور (٤/ ٣٧٣).\nوالحديث بمجموعه حديث صحيح ثابت عن رسول الله - ﷺ -، وممن ذكر أن الحديث منسوخ الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام (٢٦٤)، والصنعاني في سبل السلام (٤/ ٦٢).\n(١) في (ط): \"و\".\n(٢) في نسخة الأصل: الجواب، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) انظر: المغني (١٠/ ٣٢٥).\n(٤) في (ط): \"ترجع\".\n(٥) في (ط) \"من\".\n(٦) قال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى: \"من تأمل الأحاديث رآها تدل على أن الأربعين حد، والأربعون الزائدة عليها تعزير اتفق عليه الصحابة - ﵁ -، والقتل إما منسوخ، وإما أنه إلى رأي الإمام بحسب تهالك الناس فيها واستهانتهم بحدها، فإذا رأى قتل واحد لينزجر الباقون فله ذلك. زاد المعاد (٥/ ٤٨).\nوالقول بنسخ القتل في الرابعة هو مذهب الأئمة الأربعة، واتفق أهل العلم كافة إلا من شذ على عدم القتل، وذكر الإمام الترمذي في سننه (٤/ ٤٩) حديثًا لجابر بن عبد الله وقبيصة بن ذؤيب وفيه أنه - ﷺ - أتي برجل قد شرب الخمر في الرابعة فضربه ولم يقتله، قال الراوي: فرفع القتل وكان رخصة. ثم قال: والعمل على هذا الحديث عند عامة أهل العلم لا نعلم بينهم اختلافًا في ذلك القديم والحديث.","vol":"1","page":325},{"text":"فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ [الحجرات: ٩، ١٠] فقد وصفهم بالإيمان والأخوة، وأمرنا بالإصلاح بينهم (١).\nفلما شاع في الأمة أمر الخوارج، و(٢) تكلمت الصحابة فيهم، ورووا عن النبي - ﷺ - الأحاديث فيهم، وبينوا ما في القرآن من الرد عليهم، ظهرت (٣) بدعتهم في العامة.\nفجاء (٤) بعدهم المعتزلة (٥) الذين اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري وهم:\n_________\n(١) كلمة \"بينهم\" ساقط من (م).\n(٢) الواو ليست في (ط)، وفي (م): \"فتكلمت\".\n(٣) في (ط): \"وظهرت\".\n(٤) في (م) و(ط): \"فجاءت\".\n(٥) المعتزلة من الفرق الإسلامية الكبرى التي ظهرت في أوائل عصر بني العباس، أوصلهم بعض العلماء إلى عشرين فرقة، واستطاعوا في عهد الخليفة العباسي المأمون (المتوفى سنة ٢١٨ هـ) أن يصلوا إلى أرفع المناصب في الدولة كرئاسة الوزراء ورئاسة القضاء وغيرها، وأن يلحقوا الأذى بعلماء الأمة حيث أكره الناس على الإيمان بمعتقدهم الخبيث، وامتحنوا العباد على القول ببدعتهم الشنيعة في القول بخلق القرآن، وسار المعتصم والواثق على طريق المأمون في نصر أهل الاعتزال، والتنكيل بأهل السنة، وأوذي الإمام المبجل أحمد بن حنبل إيذاء بليغًا، وسجن وجلد واضطهد، فما زاده إلا ثباتًا ورسوخًا في الحق بإذن ربه، حتى جاء المتوكل فأظهر السنة وأكرم أهلها، وقمع أهل البدعة والاعتزال، فانكمش المعتزلة، ولكنهم ظلوا محافظين على وجودهم عدة قرون ثم ما لبثوا أن انقرضوا اسمًا، وتبنى عقيدتهم طوائف أخرى كالرافضة والزيدية وغيرهما.\nوقد اختلف في سبب تسميتهم بالمعتزلة، ويرى الشهرستاني أنهم سموا بذلك حين اعتزل واصل بن عطاء -المؤسس الحقيقي- حلقة الحسن البصري لتقرير بدعته في الحكم في مرتكب الكبيرة، وقال أبو الحسين الملطي في \"التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع\" (٣٦): \"وهم سموا أنفسهم معتزلة، وذلك عندما بايع الحسن بن علي -﵇-! ! (كذا في المطبوع) معاوية، وسلم إليه الأمر، اعتزلوا الحسن ومعاوية وجميع الناس، وذلك أنهم كانوا من أصحاب علي، ولزموا منازلهم ومساجدهم، وقالوا: نشتغل بالعلم والعبادة، فسموا معتزلة. . \".\nويجب أن يؤخذ هذا القول من باب انتحال المعتزلة له، ومحاولتهم إثبات تقدمهم وأصالتهم، وأن لهم سابقة في نصرة أمير المؤمنين علي - ﵁ -، ومما يدحض هذ القول وقيعة كثير من المعتزلة في علي وغيره من الصحابة - ﵃-، ورد شهادة علي وشهادة من قاتله، كما هو معروف من مذهبهم، ولعل هذا يفهم من قول الملطي -﵀-: \"وهم سموا أنفسهم معتزلة\". =","vol":"1","page":326},{"text":"عمرو بن عبيد (١) وواصل بن عطاء الغزال (٢) وأتباعهما فقالوا: أهل الكبائر يخلدون (٣) في النار كما قالت الخوارج (٤)، ولا نسميهم لا مؤمنين ولا كفارًا، بل فساق ننزلهم منزلة بين منزلتين (٥)، وأنكروا شفاعة النبي - ﷺ -\n_________\n= وأصول بدعتهم هي الأصول الخمسة، وهي العدل والتوحيد والمنزلة بين المنزلتين والوعد والوعد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتتضمن هذه الأصول جملة من البدع المذمومة منها القول بخلق القرآن، ونفي الصفات، وإنكار رؤية الله بالأبصار في الدار الآخرة، وأن الله لا يخلق أفعال العباد، والطعن في الصحابة - ﵃-، وبالغ المستشرقون وتلامذتهم في المسلمين في الإشادة بالمعتزلة، ووصفهم بأنهم أهل التحرر العقلي من قيود النص، وبالغوا في تضخيم دورهم في الرد على الدهرية والملحدين في عهد بني العباس. مقالات الإسلاميين (١/ ١٢٣)، الملل والنحل (٤٣)، والفرق بين الفرق (٧٠)، وانظر كذلك: شرح الأصول الخمسة، والمغني، للقاضي عبد الجبار المعتزلي، وهما المصدران الرئيسيان لمذهب المعتزلة.\n(١) عمرو بن عبيد بن باب أبو عثمان، من أئمة المعتزلة بل من مؤسسيها الأوائل، كان ينسب إلى نوع من الزهد والورع لعله رأى في ذلك دعاية لبدعته -وكل شيء ليس على سنة فلا خير فيه- ووافق واصل بن عطاء في أكثر من بدعة، ونسب إليه البغدادي فرقة العمروية، له مؤلفات في تقرير مذهبه الفاسد ذكر منها الإمام الذهبي: العدل والتوحيد والرد على القدرية يعني أهل السنة، توفي سنة ١٤٤ هـ. تاريخ بغداد (١٢/ ١٦٦)، سير أعلام النبلاء (٦/ ١٠٤)، البداية والنهاية (١٠/ ٨١)، تهذيب التهذيب (٨/ ٦٢)، شذرات الذهب (١/ ٢١٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٢٧٣)، وفيات الأعيان (٣/ ١٣٠) طبقات المعتزلة (٣٥)، مروج الذهب للمسعودي (٣/ ٣١٣)، الفرق بين الفرق (٧٠).\n(٢) واصل بن عطاء أبو حذيفة المخزومي مولاهم البصري المعروف بالغزال رأس المعتزلة ومؤسسها الأول، كان بليغًا رغم أنه كان يلثغ بالراء، ويخطب طويلًا فلا يذكر الراء في كلامه، تقدم مخالفته للحسن واعتزاله مجلسه، ذكر الذهبي من مؤلفاته: التوحيد والمنزلة بين المنزلتين. توفي عام ١٣١ هـ.\nسير أعلام النبلاء (٥/ ٤٦٤)، الملل والنحل (٤/ ٦)، الخطط للمقريزي (٣٤٥٢)، وفيات الأعيان (٢/ ١٧٠)، لسان الميزان (٦/ ٢١٤)، شذرات الذهب (١/ ١٨٢)، مرآة الجنان (١/ ٢٧٤).\n(٣) في (ط): \"مخلدون\".\n(٤) انظر: شرح الأصول الخمسة (٦٦٦).\n(٥) يقول القاضي عبد الجبار من شيوخ المعتزلة الذين أصلوا منهجهم: \"صاحب الكبيرة لا يسمى مؤمنًا، ولا كافرًا، ولا منافقًا، بل يسمى فاسقًا، وكما سماه الله، =","vol":"1","page":327},{"text":"لأهل الكبائر من أمته (١).\nوأن يخرج أحد (٢) من النار بعد أن دخلها (٣).\nوقالوا: ما الناس إلا رجلان: سعيد لا يعذب، أو شقي لا ينعم، والشقي نوعان: كافر وفاسق، ولم يوافقوا الخوارج على تسميتهم كفارًا (٤).\n_________\n= وأجمع عليه أهل الملة، وهذا هو القول بالمنزلة بين المنزلتين\" فضل الاعتزال (٤).\nويقول أحمد بن يحيى المرتضى في \"طبقات المعتزلة\" (٨): \"فقد أجمعت المعتزلة على أن للعالم محدثًا. . . وأن الإيمان قول ومعرفة وعمل، وأن المؤمن من أهل الجنة، وعلى المنزلة دين المنزلتين، وهو أن الفاسق لا يسمى مؤمنًا ولا كافرًا. . \". وقال في موضع آخر: وأ\n(١) يقول القاضي عبد الجبار: \"فأما قولنا في الشفاعة فهو معروف، ونزعم أن من أنكره فقد أخطأ الخطأ العظيم، ولكننا نقول: لأهل الثواب دون أهل العقاب، ولأولياء الله دون أعدائه، ويشفع - ﷺ - فيهم يزيدهم تفضلًا عظيمًا\" فضل الاعتزال (٢٠٧).\nوالمعتزلة والخوارج وغيرهم من أهل البدع أجمعوا على إنكار شفاعته - ﷺ - لقوم استحقوا دخول النار فلم يدخلوها، وفي إخراج أهل الكبائر المعذبين في النار منها، يقول المؤلف رحمه الله تعالى في موضع آخر: \"وأما شفاعته لأهل الذنوب من أمته فمتفق عليها. . \". وأنكرها كثير من أهل البدع من الخوارج والمعتزلة والزيدية وقال هؤلاء: من يدخل النار لا يخرج منها لا بشفاعة وغيرها\" مجموع الفتاوى (١/ ١٤٨)، وقال في موضع آخر: \"وأما الخوارج والمعتزلة فأنكروا شفاعته لأهل الكبائر، ولم ينكروا شفاعته للمؤمنين\" مجموع الفتاوى (١/ ١٠٨).\nوقال القاضي أبو بكر الباقلاني عن المعتزلة: \"واتفقوا بأسرهم على أنه لا شفاعة للنبي - ﷺ - في أحد يستحق أقل العقاب في الآخرة، وأنه إن سأل الله تعالى لم يقبل شفاعته ولم يجب مسألته\" تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل (٢٩٣).\nوالشفاعة أنواع مثل الشفاعة العظمي وهي الشفاعة العامة، والشفاعة في زيادة درجات بعض أهل الجنة، وهاتان الشفاعتان لا تنكرهما المعتزلة كما ذكر الإمام القرطبي -﵀-. التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة (٢٧٦). وكما ذكر ذلك أيضًا القاضي عياض فيما نقله عنه الحافظ ابن حجر في الفتح. فتح الباري (١١/ ٤٢٨). وإنما أنكرت المعتزلة من الشفاعة ما ذكرناه سابقًا وهو شفاعته - ﷺ - لأهل الكبائر من أمته مع تواتر الأحاديث بذلك كما قال ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٢٩٠)، والشيخ السفاريني في لوامع الأنوار (٢/ ٢١٢).\n(٢) كلمة \"أحد\" ساقطة من (ط).\n(٣) في (ط): \"يدخلها\".\n(٤) عدم تسمية المعتزلة لمرتكب الكبيرة كافرًا -كما صنع الخوارج- هو أحد أصولهم =","vol":"1","page":328},{"text":"وهؤلاء يرد عليهم بمثل ما ردوا به على الخوارج، فيقال لهم: كما أنهم قسموا الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وكافر لا حسنة له، قسمتم الناس إلى مؤمن لا ذنب له، وإلى كافر وفاسق لا حسنة له، فلو كانت حسنات هذا كلها حابطة (١) وهو مخلد في النار [لاستحق] (٢) المعاداة المحضة بالقتل والاسترقاق، كما يستحقها المرتد، فإن هذا قد أظهر دينه بخلاف المنافق.\nوقد قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ١١٦] فجعل ما دون الشرك (٣) معلقًا بمشيئة.\nولا يجوز أن يحمل هذا على التائب فإن التائب لا فرق في حقه بين الشرك وغيره.\nكما قال تعالى في الآية الأخرى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ [الزمر: ٥٣] فهنا عمَّ (٤) وأطلق لأن المراد به التائب، وهناك خص وعلَّق.\nوقال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ [فاطر: ٣٢ - ٣٥].\nفقد قسم [الله] (٥) سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب، واصطفاها ثلاثة\n_________\n= الخمسة المشهورة، وهو أنه لا مؤمن ولا كافر بل هو في منزلة بين منزلتين، وذكر الشهرستاني أن المعتزلة اتفقوا على خلود صاحب الكبيرة في النار لكن يكون عذابه أخف من عذاب الكافر. الملل والنحل (٥).\n(١) في (م)، (ط) \"محبطة\".\n(٢) في نسخة الأصل: لا يستحق، والتصحيح من (م)، (ط).\n(٣) في (ط): \"ما دون ذلك الشرك\".\n(٤) في (م)، (ط): \"عمم\".\n(٥) لفظ الجلالة مضاف من (م).","vol":"1","page":329},{"text":"أصناف: ظالم لنفسه، ومقتصد، وسابق للخيرات (١).\nوهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث (٢) المذكورة في حديث جبريل -﵇-: الإسلام والإيمان والإحسان كما سنذكره إن شاء الله تعالى.\nومعلوم أن الظالم لنفسه (٣) إن أريد به من اجتنب الكبائر، أو (٤) التائب من جميع الذنوب، فذلك مقتصد أو سابق، فإنه ليس أحد من بني آدم يخلو عن ذنب، لكن من تاب كان مقتصدًا [أو] (٥) سابقًا.\nو(٦) كذلك (٧) من اجتنب الكبائر كفرت عنه السيئات، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١].\nفلا بد أن يكون هناك ظالم لنفسه موعود بالجنة، ولو بعد عذاب يطهر من الخطايا.\nفإن النبي - ﷺ - ذكر أن ما يصيب المؤمن في الدنيا من المصائب هو (٨) مما يجزى به ويكفر به من (٩) خطاياه، كما في الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"ما يصيب المؤمن من وصب، ولا نصب (١٠)، ولا هم، ولا حزن، ولا غم، ولا أذى، حتى الشوكة يشاكها، إلا كفر الله بها من خطاياه\" (١١).\nوفي المسند وغيره أنه لما نزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾\n_________\n(١) أطال الحافظ ابن القيم رحمه الله تعالى في وصف هؤلاء الأصناف الثلاثة وبيان حالهم في كتابه: طريق الهجرتين (١٨٦) وما بعدها.\n(٢) في نسخة الأصل: الثلاثة، والصحيح من (م)، (ط).\n(٣) \"لنفسه\" ليست في (م).\n(٤) في (ط): \"و\".\n(٥) في نسخة الأصل: \"و\". والصحيح من (م) و(ط).\n(٦) الواو ساقطة من (ط).\n(٧) في (م): \"ولذلك\".\n(٨) هو ليست في (ط).\n(٩) في (ط): \"ويكفر عنه\".\n(١٠) النص هو التعب، والوصب هو دوام الوجع ولزومه، النهاية في غريب الحديث (٥/ ٦٢، ١٩٠).\n(١١) رواه البخاري برقم (٥٦٤٢) كتاب المرضى باب ما جاء في كفارة المرض، ومسلم برقم (٢٥٧٣) كتاب البر والصلة والآداب باب ثواب المؤمن فيما يصيب من مرض أو حزن أو نحو ذلك حتى الشوكة يشاكها ٤/ ١٩٩٢، والترمذي برقم (٩٦٦) كتاب الجنائز وأحمد برقم (٧٩٦٧).","vol":"1","page":330},{"text":"[النساء: ١٢٣] قال أبو بكر: (يا رسول الله! جاءت قاصمة الظهر، وأينا لم يعمل سوءًا؟) فقال: (يا أبا بكر ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء (١)؟ فذلك مما تجزون به) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-121>[ثبوت الشفاعة بالتواتر في الآخرة]</span>\nوأيضًا فقد تواترت (٣) الأحاديث عن النبي - ﷺ - من (٤) أنه يخرج أقوام من النار بعدما دخلوها، وأن النبي - ﷺ - يشفع في أقوام دخلوا النار (٥).\n_________\n(١) اللأواء هي: الشدة وضيق المعيشة، قاله في النهاية (٤/ ٢٢١).\n(٢) رواه أحمد برقم (٦٨)، وروى الترمذي قريبًا من لفظه برقم (٣٠٣٩) كتاب تفسير القرآن، ورواه سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٩٥)، وذكر له عدة طرق، ورواه ابن حبان برقم (٢٩١٠) ٧/ ١٧٠، والحاكم في المستدرك (٣/ ٧٤) وصححه ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٩٧)، وقد استقصى كثيرًا من طرقه الحافظ ابن كثير فى تفسيره (١/ ٥٥٨ - ٥٦٠).\nوالحديث ضعفه الشيخ أحمد شاكر (١/ ١٨١) لانقطاعه بين راويه أبي بكر بن أبي زهير من صغار التابعين، وبين الصديق - ﵁ -.\nوقد أطال محقق كتاب \"سنن سعيد بن منصور\" د/ سعد بن عبد الله آل حميد في تخريج هذا الحديث، وخلص إلى أن الحديث صحيح لغيره (٤/ ١٣٨٦)، وهو حكم قريب من الصحة، فإن معناه صحيح، وتشهد له النصوص الصحيحة الأخرى، والله أعلم.\n(٣) في (م): \"تواتر من الأحاديث\".\n(٤) في (ط): \"في\".\n(٥) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١١/ ٤٦٢) عن أحاديث الشفاعة التي أعرض عنها المبتدعة من الوعيدية: \"والنصوص الصريحة متضافرة متظاهرة بثبوت ذلك. . \". ومن هذه الأحاديث المتواترة حديث عمران بن الحصين - ﵁ - عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"يخرج قوم من النار بشفاعة محمد - ﷺ - فيدخلون الجنة يسمون الجهنميين\" رواه البخاري برقم (٦٥٦٦) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار. وجاء في حديث الشفاعة الطويل: (يقول: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان فأخرجه) رواه البخاري برقم (٧٥١٠) كتاب التوحيد باب كلام الرب ﷿ يوم القيامة مع الأنبياء وغيرهم، ورواه مسلم برقم (١٩٣) كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها ١/ ١٨٣. وحديث (إني لأعلم آخر أهل النار خروجًا منها، وآخر أهل الجنة دخولًا فيها) الحديث رواه البخاري برقم (٦٥٧١) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار، ومسلم برقم (١٨٦) كتاب الإيمان باب آخر أهل النار خروجًا ١/ ١٧٣، وغير ذلك من الأحاديث الكثيرة المستفيضة التي أخرجها أهل الصحاح والسنن والأسانيد والمعاجم.","vol":"1","page":331},{"text":"وهذه الأحاديث حجة على الطائفتين الوعيدية (١) الذين يقولون: من دخلها من أهل التوحيد لم يخرج مها، وعلى المرجئة الواقفة الذين يقولون: \"لا ندري هل يدخل من أهل التوحيد النار أحد، أم لا؟ \" كما يقول ذلك طوائف من الشيعة (٢) والأشعرية (٣) كالقاضي\n_________\n(١) المراد بالطائفتين الوعيدية: المعتزلة والخوارج، وسموا بالوعيدية لأنهم قالوا على الله بلا علم من أن الله لا بد أن ينفذ وعيده بمن توعدهم بالعذاب من العصاة والمذنبين.\n(٢) الشيعة إحدى الفرق التي ظهرت بداياتها في منتصف القرن الأول الهجري، ثم تبلورت عقائدهم بعد ذلك، وردوا غلو الخوارج وتكفيرهم بغلو مبين في أهل البيت بدءًا باعتقاد إمامتهم نصًا وتعيينًا، والطعن في إمامة غيرهم، وسموا بالشيعة لأنهم شايعوا عليًا - ﵁ -، وقدموه على سائر الصحابة رضوان الله عليهم، وهم ثلاثة أصناف كما قال الأشعري رحمه الله تعالى: \"غالية (غلاة) وإمامية وزيدية\" وإلا فالفرق المتفرعة منها كثيرة عد الأشعري منها خمسًا وأربعين فرقة. من عقائدهم إثبات العصمة لأئمتهم، وتفضيل غالبهم لهم على الأنبياء، والقول بالتقية التى تقوم على جرف هار من الكذب والخداع، وجواز متعة النساء، والوقيعة في كبار أصحاب رسول الله - ﷺ -، والقول بالرجعة، وردد كثير من علمائهم أن القرآن الكريم قد طالته يد التحريف والتبديل، افتراء منهم على الله، وطعنًا في صحابة رسول الله - ﷺ -، وجل هذه العقائد هي للروافض الإمامية (الاثني عشرية) وهم السواد الأعظم من الشيعة، وفي أيام دولتهم أذاقوا المسلمين صنوف الذل والهوان، بل إنهم في كثير من الأحيان تحالفوا مع أعداء المسلمين من الصليبيين والتتار من أجل القضاء على أهل السنة، كما يظهر ذلك بأدنى مطالعة للتاريخ.\nمقالات الإسلاميين (١/ ٦٥)، الملل والنحل (١٤٦)، الفصل في الملل والنحل (٢/ ١١٥)، خطط المقريزي (٢/ ٢٥٦)، والفرق بين الفرق (١٢٣).\n(٣) الأشعرية أو الأشاعرة أتباع أبي الحسن الأشعري -وسترد ترجمته إن شاء الله- فرقة من أهل الكلام، استمدوا أكثر أصولهم من مذهب الكلابية أتباع عبد الله بن سعيد بن كلاب (المتوفى سنة ٢٤١ هـ تقريبًا) حيث ذكر أن الأشعري مؤسس المذهب ترك مذهب المعتزلة -بعد أن اعتنقه طويلًا- وأخذ بمذهب ابن كلاب بعد ذلك، وقد نشأ مذهبهم منذ البداية متأرجحًا بين مذهب السلف، والرد على المعتزلة، ودراسة العقيدة في ضوء علم الكلام، ولذا كثرت اجتهادات أئمة المذهب بعد ذلك كالباقلاني الذي يعتبر المؤسس الثاني للمذهب، وابن فورك (المتوفى سنة ٤٠٦ هـ)، وأبي منصور البغدادي (المتوفى سنة ٤٢٩ هـ)، والقشيري =","vol":"1","page":332},{"text":"أبي بكر (١)، وغيره (٢).\nوأما ما يذكر عن غلاة المرجئة أنهم قالوا: (لا (٣) يدخل النار من\n_________\n= (المتوفى سنة ٤٦٥ هـ)، والجويني (المتوفى سنة ٤٧٨ هـ)، والغزالي (المتوفى سنة ٥٠٥ هـ)، والرازي (المتوفى سنة ٦٠٦ هـ).\nوقد اعتنى أئمتهم بالرد على المعتزلة، ولكنهم في كثير من الردود ردوا البدعة بالبدعة، ووقعوا في كثير من التناقض والحيرة كما صرح بذلك طائفة منهم، وقالوا بالقانون العقلي وهو تقديم العقل على النقل عند تعارضهما، وأن خبر الآحاد لا يفيد اليقين، والتوحيد عندهم هو توحيد المتكلمين وهو توحيد الربوبية، أما الألوهية فلا يكادون يلوون عليه بشيء، والمشهور عندهم إثبات الصفات العقلية السبع، وتأويل الباقي أو تفويضه، وقالوا بالكلام النفسي، والكسب، وإنكار التعليل، وفي الإيمان قالوا بمذهب المرجئة -كما سيرد معنا إن شاء الله- ولم يكد يوافقوا أهل السنة والجماعة إلا في مسألة الإمامة والتفضيل بين الخلفاء الأربعة.\nالفصل في الملل والنحل (٣/ ٢٥)، الملل والنحل (٩٤)، الخطط للمقريزي (٢/ ٣٥٩)، تاريخ المذاهب الإسلامية لأبي زهرة (١/ ١٨٠)، موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٢/ ٤٩٣)، تاريخ الفرق الإسلامية لعلي الغرابي (٢١١)، وانظر أيضًا: تبيين كذب المفتري لابن عساكر.\n(١) هو محمد بن الطيب بن محمد أبو بكر المعروف بالباقلاني أو ابن الباقلاني القاضي، من كبار علماء الكلام، وأئمة المتكلمين، وانتهت إليه الرياسة في مذهب الأشاعرة، كان يضرب المثل بفهمه وذكائه، قال الذهبي: \"انتصر لطريقة أبي الحسن الأشعري وقد يخالفه في مضائق فإنه من نظرائه. . \" له مؤلفات كثيرة منها: إعجاز القرآن، الاستصبار، تمهيد الدلائل، التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والخوارج والمعتزلة، الملل والنحل، الأصول الكبير في الفقه، وغيرها من المؤلفات. توفي سنة ٤٠٣ هـ.\nتاريخ بغداد (٥/ ٣٧٩)، وفيات الأعيان (١/ ٤٨١)، الوافي بالوفيات (٥/ ١٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ١٩٠).\n(٢) يقول الباقلاني رحمه الله تعالى في تمهيد الدلائل (٤٠٤): \"وإذا كان الأمر كذلك، وجب تفويض أمر عصاة أهل الملة إلى الله سبحانه، وتصحيح غفرانه لهم، وترك القطع بعقابهم، وإيجاب القول بأنه لا يخلد في النار أحد منهم وإن أدخلها مع أنا لو صرنا إلى ظاهر مقتضى القرآن لوجب أن لا يدخل النار إلا كافر. . \" وهذا النص يؤيد ما ذكره المؤلف عن الباقلاني من توقفه في الحكم بدخول أحد من أهل الكبائر النار.\n(٣) في (ط): \"لن\".","vol":"1","page":333},{"text":"أهل التوحيد أحد) [فلا] (١) نعرف قائلًا مشهورًا من المنسوبين إلى العلم يذكر عنه هذا القول (٢).\nوأيضًا فإن النبي - ﷺ - قد شهد لشارب الخمر المجلود مرات بأنه يحب الله ورسوله، ونهى عن لعنته (٣).\nومعلوم أن من أحب الله ورسوله أحبه الله ورسوله بقدر ذلك.\nوأيضًا فإن الذي قذفوا عائشة أم المؤمنين - ﵂-، كان فيهم مسطح بن أثاثة (٤)، وكان من أهل بدر، وقد أنزل الله فيه لما حلف أبو بكر أن لا يصله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ\n_________\n(١) في نسخة الأصل: ولا. والتصحيح من (م)، (ط).\n(٢) ذكر أبو الحسن الأشعري في مقالات الإسلاميين (١/ ٢٢٨) هذا القول عن الفرقة الخامسة من المرجئة في باب الوعد والوعد، وقال: \"وزعم هؤلاء أنه كما لا ينفع مع الشرك عمل، كذلك لا يضر مع الإيمان عمل، ولا يدخل النار أحد من أهل القبلة. . \".\nوحكى الشهرستاني في الملل والنحل (١٤٣) عن مقاتل بن سليمان أحد رؤوس المشبهة أنه قال: \"إن المعصية لا تضر صاحب التوحيد والإيمان، وأنه لا يدخل النار مؤمن\" ولكنه عاد وقال: \"إن النقل الصحيح عنه أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم، يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها، فيتألم بذلك على قدر معصيته ثم يدخل الجنة، ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار. . \".\nوالمتأمل يرى أنه لا فرق في الحقيقة بين القولين المنسوبين إليه.\nوقد كفر المصنف من قال: إن ترك العمل لا يضر في الإيمان الكبير (٧/ ١٨١).\n(٣) انظر: (٣٢٤).\n(٤) هو مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب بن عبد مناف، كان اسمه عوفًا وأما مسطح فهو لقبه، وأمه بنت خالة أبي بكر الصديق - ﵁كما قال ابن عبد البر وابن حجر رحمهما الله تعالى، وذكر ابن أبي حاتم أنه ابن خالة أبي بكر الصديق - ﵁ -، شهد بدرًا، أسلمت أمه وأسلم أبوها، وكان أبو بكر - ﵁ - ينفق عليه لقرابته منه. اختلف في سنة وفاته أكانت سنة (٣٤ هـ) أم سنة (٣٧ هـ).\nالاستيعاب على هامش الإصابة (٣/ ٤٩٤)، والإصابة (٣/ ٤٠٨)، الجرح والتعديل","vol":"1","page":334},{"text":"فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [النور: ٢٢] (١).\nوإن قيل إن مسطحًا وأمثاله تابوا لكن الله تعالى لم يشترط (٢) في الأمر بالعفو عنهم والصفح والإحسان إليهم التوبة.\nوكذلك حاطب بن أبي بلتعة كاتب المشركين بأخبار النبي - ﷺ -، فلما أراد عمر قتله قال النبي - ﷺ -: \"إنه قد شهد بدرًا، وما يدريك أن الله قد اطلع على أهل بدر، فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم\" (٣).\nوكذلك ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: \"لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة\" (٤).\nوهذه النصوص تقتضي أن السيئات مغفورة بتلك الحسنات، ولم يشترط مع ذلك توبة، وإلا فلا اختصاص لأولئك بهذا، والحديث يقتضي المغفرة بذلك العمل (٥).\n_________\n(١) سبب نزول هذه الآية جزء من حديث الإفك الطويل الذي رواه البخاري برقم (٣٦٦١) كتاب المغازي باب حديث الإفك، ومسلم برقم (٢٧٧٠) ٤/ ٢١٢٩ كتاب التوبة باب في حديث الإفك وقبول توبة القاذف، والترمذي برقم (٣١٨٠) كتاب تفسير القرآن، وأحمد برقم (٢٣١٨١).\n(٢) في (م) و(ط) \"يشرط\".\n(٣) رواه البخاري برقم (٣٠٠٧) كتاب الجهاد والسير باب الجاسوس، ومسلم برقم (٢٤٩٤) ٤/ ١٩٤١ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أهل بدر - ﵃- وقصة حاطب بن أبي بلتعة، والترمذي برقم (٣٣٠٥) كتاب تفسير القرآن، وأبو داود برقم (٢٦٥٠) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٦٠١)، والدارمي برقم (٢٦٤٣) كتاب الرقاق.\n(٤) رواه بهذا اللفظ الترمذي برقم (٣٦٨٠) كتاب المناقب، وأبو داود برقم (٤٦٥٣) كتاب السنة، وأحمد برقم (١٤٣٦٤) وفي صحيح مسلم عن جابر - ﵁ - قال: أخبرتني أم مبشر -وهي امرأة زيد بن ثابت- أنها سمعت النبي - ﷺ - يقول عند حفصة: \"لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها\" ورقمه (٢٤٩٦) ٤/ ١٩٤٢ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان - ﵃-.\n(٥) يقول الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٤٢٣) بعد أن ذكر قصة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ - وذكر شيئًا من فقهها ولطائفها وأحكامها: \"وفيها: أن =","vol":"1","page":335},{"text":"وإذا قيل: إن هذا لأن أحدًا من أولئك لم يكن له إلا صغائر، لم يكن ذلك من خصائصه أيضًا، و[على] (١) هذا يستلزم تجويز الكبيرة من هؤلاء المغفور لهم.\nوأيضًا قد دلت نصوص الكتاب والسنة على أن عقوبة الذنوب تزول عن العبد بنحو عشرة أسباب:\nأحدها: التوبة، وهذا متفق عليه بين المسلمين، قال تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾ [الزمر: ٥٣].\nوقال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾ [التوبة: ١٠٤].\nوقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾ [الشورى: ٢٥] (٢) وأمثال ذلك.\nالثاني: الاستغفار، كما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إذا أذنب عبد ذنبًا فقال: أي رب! أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به، قد غفرت لعبدي، ثم أذنب ذنبًا آخر فقال: أي رب! أذنبت ذنبًا فاغفره لي، فقال ربه: علم عبدي أن له ربًا يغفر الذنب ويأخذ به قد غفرت لعبدي، فليفعل ما شاء، قال ذلك: في الثالثة أو الرابعة\" (٣).\nوفي صحيح مسلم عنه - ﷺ - أنه قال: \"لو لم تذنبوا لذهب الله بكم،\n_________\n= الكبيرة العظيمة مما دون الشرك قد تكفر بالحسنة الكبيرة الماحية، كما وقع الحس من حاطب مكفرًا بشهوده بدرًا\".\n(١) في نسخة الأصل: وعن، وفي (ط): \"أن\".\n(٢) في نسخة الأصل و(م): قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ بالخلط بين الآيتين الكريمتين والتصحيح من (ط).\n(٣) رواه البخاري برقم (٧٥٠٧) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، ومسلم برقم (٢٧٥٨) ٤/ ٢١١٢ كتاب التوبة باب قبول التوبة من الذنوب وإن تكررت الذنوب والتوبة، وأحمد برقم (٧٨٨٨).","vol":"1","page":336},{"text":"ولجاء بقوم يذنبون، ثم يستغفرون فيغفر لهم\" (١).\nوقد يقال على [هذا] (٢) الوجه: الاستغفار هو مع التوبة كما جاء في حديث: (ما أصر من استغفر، وإن عاد في اليوم مائة مرة) (٣).\nوقد يقال: بل الاستغفار بدون التوبة ممكن واقع، وبسط هذا له موضع آخر، فإن هذا الاستغفار إذا كان مع التوبة [فما] (٤) يحكم به عام في كل تائب، وإن لم يكن مع التوبة فيكون في حق بعض المستغفرين، الذين قد يحصل لهم عند الاستغفار من الخشية والإنابة ما يمحو الذنب (٥) كما في حديث البطاقة بأن قول: لا إله إلا الله ثقلت بتلك السيئات، لما قالها بنوع من الصدق والإخلاص الذي يمحو السيئات (٦).\nوكما غفر للبغي بسقي الكلب، لما حصل في قلبها إذ ذلك من الإيمان (٧)، وأمثال ذلك كثير.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٧٤٩) ٤/ ٢١٠٦ كتاب التوبة باب سقوط الذنوب بالاستغفار، وأحمد برقم (٨٠٢١).\n(٢) ليست في نسخة الأصل و(م).\n(٣) رواه الترمذي برقم (٣٥٥٩) كتاب الدعوات، وأبو داود برقم (١٥١٤) كتاب الصلاة، ولفظهما: (وإن عاد في اليوم سبعين مرة) وقال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث غريب إنما نعرفه من حديث أبي نصيرة وليس إسناده بالقوي. ومع ذلك فقد حسنه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره (١/ ٤٠٩) وقال: \"وقول علي بن المديني والترمذي: ليس إسناد هذا الحديث بذاك، فالظاهر أنه لأجل جهالة مولى أبي بكر، ولكن جهالة مثله لا تضر، لأنه تابعي كثير، ويكفيه نسبته إلى أبي بكر فهو حديث حسن والله أعلم\".\n(٤) في نسخة الأصل و(ط): \"مما\"، وآثرنا هذه اللفظة من (م) لأنها أقرب إلى المعنى.\n(٥) في (م) و(ط): \"الذنوب\".\n(٦) حديث البطاقة رواه الترمذي برقم (٢٦٣٩) كتاب الإيمان، وابن ماجه برقم (٤٣٠٠) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٦٩٥٥)، والحاكم (١/ ٦)، وقال الترمذي: حديث حسن غريب، وقال الحاكم: صحيح على شرط مسلم ووافقه الذهبي وهو كما قالا.\n(٧) الحديث رواه البخاري برقم (٣٣٢١) كتاب بدء الخلق باب إذا وقع الذباب في شراب أحدكم، ومسلم برقم (٢٢٤٥) ٤/ ١٧٦١ كتاب السلام باب فضل ساقي البهائم المحترمة وإطعامها، وأحمد برقم (١٠٢٠٥).\n٣٣٧","vol":"1","page":337},{"text":"السبب الثالث: الحسنات الماحية كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: ١١٤].\nوقال - ﷺ -: \"الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان، [مكفرات] (١) لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر\" (٢).\nوقال: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٣).\nوقال: \"من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه\" (٤).\nوقال: \"من حج هذا البيت فلم يرفث، ولم يفسق، رجع من ذنوبه ولدته أمه\" (٥).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: كفارات، والتصحيح من (م) و(ط)، وهي المتفقة مع رواية مسلم، وجاءت لفظة (كفارات) في غير هذا الحديث عند مسلم وغيره.\n(٢) رواه بهذا اللفظ مسلم برقم (٢٣٣) ١/ ٢٠٩ كتاب الطهارة باب الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة ورمضان إلى رمضان مكفرات لما بينهن ما اجتنبت الكبائر، وأحمد برقم (٨٩٤٤).\n(٣) رواه البخاري برقم (٣٨) كتاب الإيمان باب صوم رمضان احتسابًا من الإيمان، ومسلم برقم (٧٦٠) كتاب صلاة المسافرين باب، والنسائي برقم (٢٢٠٣) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (١٣٧٢) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٦٤١) ١/ ٥٢٣ كتاب الصيام باب الترغيب في قام رمضان وهو التراويح، وأحمد برقم (٧١٣٠).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٩٠١) كتاب الصوم باب من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا ونية، ومسلم برقم (٧٦٠) ١/ ٥٢٣ كتاب صلاة المسافرين باب الترغيب في قيام رمضان وهو التراويح، والترمذي برقم (٦٨٣) كتاب الصوم، والنسائي برقم (٢١٩٣) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (١٣٧٢) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٧٢٣٨).\n(٥) رواه البخاري برقم (١٨١٩) كتاب الحج باب قول الله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ﴾، ومسلم برقم (١٣٥٠) ٢/ ٩٨٣ كتاب الحج باب في فضل الحج والعمرة ولوم عرفة، والترمذي برقم (٨١١) كتاب الحج، والنسائي برقم (٢٦٢٧) كتاب مناسك الحج، وابن ماجه برقم (٢٨٨٩) كتاب المناسك، والدارمي برقم (١٧٢٨)، وأحمد برقم (٧٠٩٦).","vol":"1","page":338},{"text":"وقال: \"فتنة الرجل في أهله وماله وولده، تكفرها الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\" (١).\nوقال: \"من أعتق رقبة مؤمنة، أعتق الله بكل عضو منها عضوًا منه من النار حتى فرجه بفرجه\" (٢)، وهذه الأحاديث وأمثالها في الصحاح.\nوقال: \"الصدقة تطفئ الخطيئة، كما يطفئ الماء النار، والحسد يأكل الحسنات، كما تأكل النار الحطب\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-122>[الحسنات تكفر الكبائر على القول الراجح]</span>\nوسؤالهم على هذا الوجه أن يقولوا: الحسنات إنما تكفر الصغائر فقط، فأما الكبائر فلا تغفر إلا بالتوبة، كما قد جاء في بعض الأحاديث؛ (ما اجتنبت الكبائر) فيجاب عن هذا بوجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>[اجتناب الكبائر سبب لتكفير الصغائر]</span>\nأحدها: أن هذا الشرط جاء في الفرائض، كالصلوات الخمس، والجمعة، وصيام شهر رمضان، وذلك أن الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ [النساء: ٣١] فأداء (٤) الفرائض مع ترك الكبائر مقتض (٥) لتكفير السيئات، وأما الأعمال الزائدة من التطوعات، فلا بد أن يكون لها ثواب آخر، فإن الله تعالى يقول: ﴿فَمَن\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٨٩٥) كتاب الصوم باب الصوم كفارة، ومسلم برقم (١٤٤) ١/ ١٢٨ كتاب الإيمان باب بيان أن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبا، والترمذي برقم (٢٢٥٨) كتاب الفتن، وابن ماجه برقم (٣٩٥٥) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٢٢٧٦٩).\n(٢) رواه بنحوه البخاري برقم (٢٥١٧) كتاب الحق باب في الحق وفضله، ومسلم برقم (١٥٠٩) ٢/ ١١٤٧ كتاب الحق باب فضل العتق، والترمذي برقم (١٤٤١) كتاب النذور والأيمان، والنسائي برقم (٣١٤٢) كتاب الجهاد، وأبو داود برقم (٣٩٦٦) كتاب الحق، وأحمد برقم (٩١٥٤).\n(٣) الحديث رواه ابن ماجه برقم (٤٢١٠) كتاب الزهد، وهو حديث ضعيف حيث إن في إسناده أحد المتروكين، وروى الجزء الأول منه الترمذي برقم (٢٦١٦) كتاب الإيمان ضمن حديث طويل عن معاذ - ﵁ - وقال عنه: حديث صحيح، وروى أبو داود الجزء الثاني منه المتعلق بالحسد برقم (٤٩٠٣) كتاب الأدب وراويه عن أبي هريرة مجهول.\n(٤) هذه الكلمة ساقطة من (ط).\n(٥) في (ط): \"مقتضية\".","vol":"1","page":339},{"text":"﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ [الزلزلة: ٧، ٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>[المغفرة قد تكون مع الكبائر]</span>\nالثاني: أنه قد جاء التصريح في كثير من الأحاديث، بأن (١) المغفرة قد تكون من الكبائر كما في قوله - ﷺ -: \"غفر له وإن كان قد فر من الزحف\" (٢).\nوفي السنن: \"أتينا رسول الله - ﷺ - في صاحب لنا قد أوجب، فقال: \"أعتقوا عنه يعتق الله بكل عضو مه عضوًا من النار\" (٣).\nوفي الصحيحين في حديث أبي ذر: (وإن زنا، وإن سرق) (٤).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: \"فإن\" وهو خطأ.\n(٢) رواه الترمذي برقم (٣٥٧٧) كتاب الدعوات وقال عنه: حديث غريب، لا يعرف إلا من هذا الوجه، ورواه أبو داود برقم (١٥١٧) كتاب الصلاة، ولفظهما (من قال: أستغفر الله الذي لا اله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفر له وإن كان قد فر من الزحف\" ورواه الطبرانى (٩/ ١٠٣)، وقال محققة: \"قال في المجمع (١٠/ ٢١٠) ورجاله وثقوا، وفيه بلال بن يسار بن زيد لم يوثقه غير ابن حبان، وقال عنه الحافظ في التقريب (من ١٢٩): مقبول\".\nوقد رواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥١١) وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، وتعقبه الذهبي بقوله: أبو سنان هو ضرار بن مرة لم يخرج له البخاري.\nلكنه عاد فرواه أيضًا في المستدرك (٢/ ١١٨) وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (١٣٤٣).\n(٣) رواه أبو داود برقم (٣٩٦٤) كتاب العتق وأحمد برقم (١٥٥٨٠) وإسناده لا بأس به، وتشهد له الأحاديث الكثيرة التي وردت في فضل العتق، ومنها قوله - ﷺ - أيما رجل أعق امرءًا مسلمًا استنقذ الله بكل عضو منه عضوًا من النار رواه البخاري برقم (٢٥١٧) كتاب العتق، ومسلم برقم (١٥٠٩) كتاب العتق، والترمذي برقم (١٥٤١) كتاب النذور والإيمان، وأحمد برقم (١٠٤٢٢) وغيرها من الأحاديث.\n(٤) رواه البخاري برقم (١٢٣٧) كتاب الجنائز باب في الجنائز ومن آخر كلامه لا إله إلا الله، ومسلم برقم (٩٤) ١/ ٩٤ كتاب الإيمان باب من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة ومن مات مشركًا دخل النار، والترمذي برقم (٢٦٤٤) كتاب الإيمان، وأحمد برقم (٢٠٩٠٥).","vol":"1","page":340},{"text":"[الثالث:] (١): أن قوله لأهل بدر ونحوهم: (اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم) إن حمل على الصغائر، أو على المغفرة مع التوبة، لم يكن فرق بينهم وبين غيرهم، فكما (٢) لا يجوز حمل الحديث على الكفر، لما قد علم أن الكفر لا يغفر إلا بالتوبة، لا يجوز حمله على مجرد الصغائر المكفرة باجتناب الكبائر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>[الصلاة أول الأعمال التي يحاسب عليها المرء]</span>\nالرابع: أنه قد جاء في غير حديث: (أنه أول ما يحاسب عليه العبد من عمله يوم القيامة الصلاة، فإن أكملها، وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت به الفريضة، ثم يُصنع بسائر عمله كذلك) (٣).\nومعلوم أن ذلك النقص المكمل لا يكون [لترك] (٤) مستحب، فإن ترك المستحب لا يحتاج إلى جبران، ولأنه حينئذ لا فرق بين ذلك المستحب المتروك والمفعول، فعلم أنه يكمل نقص الفرائض من التطوعات، وهذا لا ينافي ما ورد (٥) من (أن الله لا يقبل النافلة، حتى تؤدى الفريضة) (٦) مع أن هذا لو كان معارضًا للأول لوجب تقديم الأول، لأنه أثبت وأشهر، وهذا غريب رفعه، وإنما المعروف أنه في وصية أبي\n_________\n(١) نشير هنا أنه قد وقع لبس في هذا المقام في نسخة الأصل حيث أخطأ الناسخ واعتبر هذا الوجه وما بعده من باب سقوط العقوبة، وهو في الحقيقة أحد الوجوه الخمسة التابعة للسبب الثالث من أسباب سقوط العقوبة، وبالتالي وقع خلط في الأعداد، وصححنا ذلك من (م) و(ط).\n(٢) في (م): \"وكما\".\n(٣) الحديث رواه الترمذي برقم (٤١٣) كتاب الصلاة، والنسائي برقم (٤٦٦) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٨٦٤) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٤٢٥) كتاب إقامة الصلاة والسنة، والدارمي برقم (١٣٥٥) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٩٢١٠) وهو حديث صحيح.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): \"ترك\".\n(٥) كلمة (ما ورد) ليست في (ط).\n(٦) رواه أبو نعيم في الحلية (١/ ٣٦) بسند لا بأس به عن عبد الرحمن بن سابط مرسلًا، وهو تابعي ثقة فقيه، ورفعه غريب كما أشار المصنف رحمه الله تعالى، وابن سابط صاحب مراسيل عن أبي بكر وعمر كما ذكر الحافظ الذهبي ﵀ (الكاشف ٢/ ١٤٧) أنه روى عن عمر - ﵁ - وجمع من الصحابة الأجلاء رضوان الله عليهم. (التهذيب ٦/ ١٦٣).","vol":"1","page":341},{"text":"بكر لعمر - ﵄ -، وقد ذكره أحمد في رسالته في الصلاة (١)، وذلك لأن قبول النافلة يراد به الثواب، ومعلوم أنه لا يثاب على النافلة حتى تؤدى الفريضة، فإنه إذا فعل النافلة مع نقص الفريضة كانت جبرًا له (٢) وإكمالًا لها، فلم يكن فيها ثواب نافلة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>[النافلة خاصة بالنبي - ﷺ </span>-]\nولهذا قال بعض السلف: \"النافلة لا تكون إلا لرسول الله - ﷺ - (٣)، لأن الله قد كفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وغيره يحتاج إلى المغفرة، وتأول على هذا قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَكَ﴾ [الإسراء: ٧٩]، وليس إذا فعل نافلة، وضيع فريضة، تقوم النافلة مقام الفريضة\n_________\n(١) ذكره الإمام أحمد في رسالة الصلاة (١/ ٣٧٢) وهي مسوقة بكاملها في طبقات الحنابلة، وتسمى رسالة في المسيء صلاته، وقد أنكر الإمام الذهبي في سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٧٨) نسبتها إلى الإمام أحمد، ولكن شيخ الإسلام -كما ترى يثبت نسبتها للإمام، وممن أثبتها كذلك ابن أبي يعلى في كتاب الطبقات، وقد جزم بنسبتها وصحتها -من المعاصرين- الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد في كتابه \"المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل\" (٢/ ٦١٧).\n(٢) في (ط): \"لها\".\n(٣) روى الإمام أحمد في المسند برقم (٢١٦٩٢) عن أبي غالب البصري قال: سمعت أبا أمامة يقول: \"إذا وضعت الطهور مواضعه قعدت مغفورًا لك، فإن قام يصلي كانت له فضيلة وأجرًا، لأن قعد قعد مغفورًا له، فقال له رجل: يا أبا أمامة أرأيت إن قام فصلى تكون له نافلة؟ قال: لا، إنما النافلة للنبي - ﷺ -، كيف تكون له نافلة وهو يسعى في الذنوب والخطايا! تكون له فضيلة وأجرًا\". ورجاله ثقات إلا أن أبا غالب هذا صاحب أبي أمامة مختلف فيه بين أئمة الشأن، قال عنه الذهبي: صالح الحديث (الكاشف ٣٢٢)، وقال عنه ابن حجر: صدوق يخطئ (التقريب ٦٦٤)، ولكنه يتقوى أيضًا بما رواه أحمد برقم (٢١٧٠٧) عن شهر بن حوشب عن أبي أمامة - ﵁ - قال عند قوله تعالى: ﴿نَافِلَةً لَكَ﴾: إنما كانت النافلة خاصة لرسول الله - ﷺ -. وشهر بن حوشب كثر الخلاف فيه بين أئمة الجرح والتعديل، ولكن الاحتجاج به مترجح كما قال الإمام الذهبي رحمه الله تعالى (السير ٤/ ٣٧٨) خصوصًا إذا تابعه غيره، وقد احتج به الإمام مسلم في صحيحه وأخرج له مقرونًا، فالأثر على ذلك لا يقل عن درجة الحسن لغيره.\nوقال الحافظ ابن القيم في مدارج السالكين (١/ ٣٢٣): \"ولهذا كان قيام الليل نافلة للنبي - ﷺ - خاصة، فإنه يحمل في زيادة الدرجات، وغيره يحمل في تكفير السيئات، وأين هذا من هذا؟ . \".","vol":"1","page":342},{"text":"مطلقًا، بل قد تكون عقوبته على ترك الفريضة أعظم من ثواب النافلة.\nفإن قيل: العبد إذا نام عن صلاة أو نسيها، كان عليه أن يصليها إذا ذكرها بالنص (١) والإجماع، فلو كان لها بدل من التطوعات لم يجب القضاء، قيل: هذا خطأ.\nفإن قيل هذا يقال في جميع مسقطات العقاب فيقال: إذا كان العبد يمكنه رفع العقوبة بالتوبة لم ينه عن الفعل، ومعلوم أن العبد عليه أن يفعل المأمور ويترك المحظور، لأن الإخلال بذلك سبب للزوم العقاب (٢)، وإن جاز مع إخلاله أن يرتفع العقاب بهذه الأسباب، كما عليه أن يحتمي من السموم القتَّالة (٣)، وإن كان مع تناوله لها يمكن رفع ضررها بأسباب من الأدوية، والله عليم حكيم رحيم، أمرهم بما يصلحهم، ونهاهم عما يفسدهم، ثم إذا وقعوا في أسباب الهلاك لم يؤيسهم من رحمته، بل جعل لهم أسبابًا يتوصلون بها إلى رفع الضرر عنهم (٤).\nولهذا قيل: إن الفقيه كل الفقيه الذي لا يؤيس الناس من رحمة الله،\n_________\n(١) النص المشار إليه روي بألفاظ مختلفة، رواه البخاري برقم (٥٩٧) كتاب مواقيت الصلاة باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها، ومسلم برقم (٦٨٤) ١/ ٤٧٧ كتاب المساجد باب فضل تعجيل الصلاة الفائتة واستحباب تعجيل قضائها، والترمذي برقم (١٧٧) كتاب الصلاة، والنسائي برقم (٦١٣) كتاب المواقيت، وأبو داود برقم (٤٣٥) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٦٩٦) كتاب الصلاة، والدارمي برقم (١٢٩٩) كتاب الصلاة.\n(٢) في (م) و(ط): \"للذم والعقاب\".\n(٣) في (ط): \"القاتلة\".\n(٤) وجدت في حاشية هذه الصفحة ما يلي: [قلت: أبو هريرة روى عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أنزل الله داء إلا وأنزل له شفاء\" وقال: \"تداووا عباد الله فإن الله لم يضع داء إلا وضع له شفاء إلا السام\". قال كاتب نسخة الأصل في أصله: هكذا وجد حاشية في الأصل والله أعلم].\nقلت: ولم يتبين لي هل هي من المؤلف أم من الناسخ أم من أحد تلامذة المصنف، ثم إن هناك نصًا صغيرًا آخر جاء في أوله: وقال خبيب، ولم أستطع قراءة ما تبقى منه. والحديث الأول رواه البخاري برقم (٥٧٧٨) كتاب الطب، وابن ماجه برقم (٣٤٣٨) كتاب الطب، وأحمد برقم (٣٣٩٧). والثاني رواه الترمذي برقم (٢٠٣٨) كتاب الطب، وأبو داود برقم (٣٨٥٥) كتاب الطب، وابن ماجه برقم (٣٤٤٦) كتاب الطب، وأحمد برقم (١٧٧٢٧).","vol":"1","page":343},{"text":"ولا يجرئهم على معاصي الله، ولهذا يؤمر العبد بالتوبة كلما أذنب، قال بعضهم لشيخه: إني أذنبت، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: ثم أعود، قال: تب، قال: إلى متى، قال: إلى أن تحزن الشيطان. وفي المسند عن علي عن النبي - ﷺ - أنه قال: (إن الله يحب العبد المفتَّن التواب) (١)، وأيضًا كان (٢) من نام عن صلاة، أو نسيها فصلاته إذا استيقظ أو ذكرها كفارة لها تبرأ بها الذمة من المطالبة، ويرتفع عنه الذم والعقاب، ويستوجب بذلك المدح والثواب، وأما ما يفعله من التطوعات فلا يعلم القدر الذي يقوم ثوابه مقام ذلك، ولو علم فقد لا يمكن فعله مع سائر الواجبات، ثم إذا قدر أنه أمر بما يقوم مقام ذلك صار واجبًا فلا يكون تطوعًا، والتطوعات شرعت لمزيد التقرب إلى الله تعالى كما قال تعالى في الحديث الصحيح: (ما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه، ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه) (٣) الحديث.\nفإذا لم يكن العبد قد أدى الفرائض كما أمر، لم يحصل له مقصود النوافل ولا يظلمه الله، فإنه تعالى (٤) لا يظلم مثقال ذرة، بل يقيمها مقام نظيرها من الفرائض، كمن عليه ديون لأناس يريد أن يتطوع لهم بأشياء، فإن وفاهم وتطوع لهم كان عادلًا محسنًا، وإن وفا (٥) ولم يتطوع كان عادلًا، وإن أعطاهم ما يقوم مقام دينهم، وجعل ذلك تطوعًا كان غالطًا في جعله تطوعًا (٦)، بل يكون من الواجب الذي يستحقونه.\n_________\n(١) هو في المسند برقم (٥٧١) وهو من زيادات عبد الله، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده ضعيف جدًا (٢/ ٣٩)، وأبو يعلى في مسنده (١/ ٣٧٦)، والحديث ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١٠/ ٢٠٠)، وقال: رواه عبد الله وأبو يعلى وفيه من لم أعرفه، ولفظه: إن الله يحب العبد المؤمن المفتن التواب، والمفتن بفتح التاء المشددة هو: الذي يفتن ويمتحن بالذنوب. قاله الشيخ أحمد شاكر رحمه الله تعالى.\n(٢) في (م) و(ط): \"فإن\".\n(٣) رواه البخاري برقم (٦٥٠٢) كتاب الرقاق باب، ورواه أحمد بنحوه برقم (٢٥٦٦١).\n(٤) في (م) و(ط): \"فإن الله\".\n(٥) في (م) و(ط): \"وفاهم\".\n(٦) كلمة \"تطوعًا\" ليست في (ط).","vol":"1","page":344},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-127>[التوحيد والعدل عند المعتزلة]</span>\nومن العجب أن المعتزلة يفتخرون بأنهم أهل التوحيد والعدل (١)، وهم في توحيدهم (٢) نفوا الصفات نفيًا يستلزم التعطيل والإشراك، وأما العدل الذي وصف الله به (٣) فهو أن لا يظلم مثقال ذرة، وأنه من يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره، وهم يجعلون جميع حسنات العبد وإيمانه حابطًا بذنب واحد من الكبائر، وهذا من الظلم الذي نزه الله نفسه عنه، وكان وصف الرب تعالى بالعدل الذي وصف به نفسه أولى من جعل العدل هو التكذيب بقدر الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>[الكفر محبط لجميع الحسنات والتوبة محبطة لجميع السيئات]</span>\nالخامس (٤): أن الله لم يجعل شيئًا يحبط [جميع] (٥) الحسنات إلا الكفر، كما أنه لم يجعل شيئًا يحبط جميع السيئات إلا التوبة، والمعتزلة مع الخوارج يجعلون الكبائر محبطة لجميع الحسنات حتى الإيمان قال [الله] (٦) تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧]، فعلق الحبوط بالموت على الكفر، وقد ثبت أن هذا ليس بكافر، والمعلق شرط يعدم عند عدمه (٧).\nوقال تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ [المائدة: ٥].\n_________\n(١) هذان أصلان من أصول المعتزلة الخمسة، والثلاثة الأخرى هي: الوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، طالع على سبيل المثال: شرح الأصول الخمسة للقاضي عبد الجبار المعتزلي (١٤٩، ٣٠١، ٦٠٩، ٦٩٥، ٧٣٩).\n(٢) في نسخة الأصل: وهم في توحيدهم هم نفوا، وأثبتنا ما في (م)، (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٣) في (ط): \"وصف الله به نفسه\"، الذي ثبت في القرآن أن الله ﷿ لا يظلم مثقال ذرة، ولكن ثبت في السنة في الحديث المتفق عليه من حديث ابن مسعود - ﵁قوله - ﷺ - للذي قال: والله إن هذه قسمة ما عدل فيها، قال النبي - ﷺ -: \"فمن يعدل إذا لم يعدل الله ورسوله\". . والحديث رواه البخاري برقم (٣١٥٠) ومسلم برقم (١٠٦٢) إذن فقد ثبتت هذه الصفة بالسنة الصحيحة، وانظر: صفات الله ﷿ الواردة في الكتاب والسنة لعلوى السقاف ص (١٧٧).\n(٤) في نسخة الأصل (السادس) وهو خطأ.\n(٥) مضافة من (م) و(ط).\n(٦) مضافة من (م) و(ط).\n(٧) في نسخة الأصل: والمعلق شرط عدمه عند عدمه، وفي (م): والمعلق بشرط عدم عند عدمه، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أصح.","vol":"1","page":345},{"text":"وقال تعالى لما ذكر الأنبياء: ﴿وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧) ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾ [الأنعام: ٨٧، ٨٨].\nوقال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [الزمر: ٦٥] مطابق لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ [النساء: ١١٦] فإن الشرك (١) إذا لم يغفر، وأنه موجب للخلود في النار لزم من ذلك حبوط حسنات صاحبه (٢)، ولما ذكر سائر الذنوب غير الكفر لم يعلق بها حبوط جميع الأعمال.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ [محمد: ٢٨]، لأن ذلك كفر، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ [الحجرات: ٢]، لأن ذلك يتضمن الكفر فيقتضي الحبوط، وصاحبه لا يدري، والمعنى (٣) كراهية أن يحبط أو (٤) خشية أن يحبط، فنهاهم عن ذلك لأنه يفضي إلى الكفر المقتضي للحبوط، ولا ريب أن المعصية قد تكون سببًا للكفر، كما قال بعض السلف: المعاصي بريد الكفر، فينهى عنها خشية أن تفضي إلى الكفر المحبط، كما قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ [وهى الكفر] (٥) أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: ٦٣] وإبليس خالف أمر الله فصار كافرًا، وغيره أصابه عذاب أليم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>[احتجاج الخوارج والمعتزلة على مذهبهم]</span>\nوقد احتجت الخوارج والمعتزلة بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ (٦) [المائدة: ٢٧] قالوا: فصاحب الكبيرة ليس من المتقين، فلا\n_________\n(١) في (ط): \"الإشراك\".\n(٢) في نسخة الأصل لفظة زائدة وهي: وإلا لزم.\n(٣) هذه الكلمة ليست في (م) و(ط).\n(٤) في نسخة الأصل: و.\n(٥) هذه الزيادة من (ط).\n(٦) قال المؤلف في منهاجِ السنة (٦/ ٢١٦): \"والناس لهم في هذه الآية وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ ثلاثة أقوال: طرفان ووسط، فالخوارج والمعتزلة يقولون: لا يتقبل الله إلا ممن اتقى الكبائر، وعندهم صاحب الكبيرة لا يقبل منه حسنة بحال، والمرجئة يقولون: من اتقى الشرك، والسلف والأئمة =","vol":"1","page":346},{"text":"يتقبل الله منه عملًا، فلا تكون (١) له حسنة، وأعظم الحسنات الإيمان، فلا يكون معه إيمان فيستحق (٢) الخلود [في النار] (٣).\nوقد أجابتهم المرجئة بأن المراد بالمتقين: من يتقي الكفر، فقالوا: اسم المتقين في القرآن يتناول المستحقين للثواب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤) فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾ [القمر: ٥٤، ٥٥].\nوأيضًا فابنا آدم حين قربا قربانًا، لم يكن المقرب المردود قربانه حينئذ كافرًا، وإنما كفر بعد ذلك، إذ لو كان كافرًا لم يتقرب.\nوأيضًا فما زال السلف يخافون من هذه الآية، ولو أريد بها من يتقي الكفر لم يخافوا، وأيضًا فإطلاق لفظ المتقين والمراد به من ليس بكافر، لا أصل له في خطاب الشارع، فلا يجوز حمله عليه.\nوالجواب الصحيح: أن المراد من اتقى الله في ذلك العمل، كما قال الفضيل بن عياض (٤) في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ\n_________\n= يقولون: لا تقبل إلا ممن اتقاه في ذلك العمل ففعله كما أمر به خالصًا لوجه الله تعالى\" ثم أفاض ﵀ في تقرير هذه القضية.\nكما توسَّع في هذه القضية أيضًا قبل ذلك، وأبطل مذهب المرجئة وأطال في الاستدلال لذلك من الكتاب العزيز، وأورد حجج المرجئة التى وافقوا فيها أهل السنة في الرد على ما ذهب إليه المعتزلة والخوارج في هذا المقام، وهذه سمة ظاهرة من أبرز سمات شيخ الإسلام ﵀ حيث ينقض هذه المذاهب ببعضها، ويبطل حجج مذهب بحجج مذهب آخر، وقال بعد ذلك (٥/ ٣٨٦): \"وليس مقصودنا هنا استيفاء الكلام في المسألة، وإنما الغرض التمثيل بالمناظرات من الطرفين، وأهل السنة والحديث وأئمة الإسلام المتبعون للصحابة متوسطون بين هؤلاء وهؤلاء. . \" وما بعدها.\n(١) في (م) و(ط): \"يكون\".\n(٢) في نسخة الأصل: يستحق.\n(٣) هذه ساقطة من نسخة الأصل.\n(٤) هو الفضيل بن عياض بن مسعود بن بشر التميمي اليربوعي الخرساني نعته الذهبي بشيخ الإسلام، من سادات العلماء زهدًا وورعًا وعبادة، ومن أئمة أهل الحديث، ولد بسمرقند ونشأ بأبيورد، وارتحل في طلب العلم، ثم جاور في مكة، له مواعظ وحكم كثيرة، توفي بمكة سنة ١٨٧ هـ.\nالتاريخ الكبير (٧/ ١٢٣)، التاريخ الصغير (٢/ ٢٤١)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٧)، حلية الأولياء (٨/ ٨٤)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٢١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٤٥)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٦٤).","vol":"1","page":347},{"text":"عَمَلًا﴾ (١) [الملك: ٢] قال: \"أخلصه وأصوبه، قيل يا أبا علي: ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا\" والخالص: أن يكون لله والصواب: أن يكون على السنة، فمن عمل لغير الله كأهل الرياء لم يقل منه ذلك، كما في الحديث الصحيح: (يقول الله ﷿: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من عمل عملًا أشرك فيه غيري، فأنا بريء منه وهو كله للذي أشركه) (٢).\nوقال - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"لا يقبل الله صلاة بغير طهور، ولا صدقة من غلول\" (٣).\nوقال: \"لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار\" (٤).\n_________\n(١) رواه أبو نعيم في الحلية (٨/ ٩٥) عن أبيه قال: حدثنا أحمد بن محمد بن يزيد ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا إسماعيل بن يزيد حدثنا إبراهيم بن الأشعث قال: سمعت الفضيل بن عياض. . .\nقلت: محمد بن أحمد بن يزيد لم يكن بالقوي في حديثه، طبقات المحدثين بأصبهان (٣/ ٥٤٢)، ونقل الحافظ عن أبي نعيم أنه كان كثير الخطأ، ولكن روى معه محمد بن جعفر الأشعري، وهو ثقة، (طبقات المحدثين بأصبهان (٤/ ١٢٦)، لسان الميزان (٥/ ٤١)، وإبراهيم بن الأشعث البخاري هو خادم الفضيل، يروي عن الفضيل الغرائب، قال ابن أبي حاتم: سألت أبي عن حديث رواه إبراهيم بن الأشعث، فقال: هذا حديث باطل موضوع، كنا نظن بإبراهيم بن الأشعث خيرًا، فقد جاء بمثل هذا، الجرح والتعديل (٢/ ٨٨)، وذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٦٦)، لسان الميزان (١/ ٣٦)، وعلى أية حال فما نقل عن الفضيل معنى عظيم تلقاه العلماء الربانيون من أمثال المصنف بالإجلال والقبول، وما انفكوا يحتجون به في كلامهم ومصنفاتهم.\n(٢) رواه مسلم بنحوه برقم (٢٩٨٥) ٤/ ٢٢٨٩ كتاب الزهد والرقائق باب من أشرك في عمله غير الله، وابن ماجه برقم (٤٢٠٢) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٧٦٥٨).\n(٣) رواه مسلم برقم (٢٢٤) ١/ ٢٠٤) كتاب الطهارة باب وجوب الطهارة للصلاة، ولفظه: (لا تقبل صلاة بغير طهور. .)، والنسائي برقم (١٣٩) كتاب الطهارة، وأبو داود برقم (٥٩) كتاب الطهارة، وابن ماجه برقم (٢٧٣) كتاب الطهارة وسننها، والدارمي برقم (٦٨٣) كناب الطهارة، وأحمد برقم (٤٤٧٠).\n(٤) رواه أبو داود برقم (٦٤١) كتاب الصلاة، والترمذي برقم (٣٧٧) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٦٥٥) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٤٦٥٠).","vol":"1","page":348},{"text":"وقال في الحديث الصحيح: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" (١) أي: فهو مردود غير مقبول.\nفمن اتقى الكفر وعمل عملًا ليس عليه أمر النبي - ﷺ - يقبل منه، وإذا (٢) صلى بغير وضوء لم يقبل منه لأنه ليس متقيًا في ذلك العمل، وإن كان متقيًا للشرك وقد (٣) قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ [المؤمنون: ٦٠]، وفي حديث عائشة - ﵂ - عن النبي - ﷺ - أنها قالت: يا رسول الله أهو الرجل يزني ويسرق ويشرب الخمر ويخاف أن يعذب؟ فقال: \"لا يا بنت (٤) الصديق، ولكنه الرجل يصلي ويصوم ويتصدق، ويخاف أن لا يقبل منه\" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>[مأخذ أكثر السلف في الاستثناء]</span>\nوخوف من خاف من السلف أن لا يتقبل منه، لخوفه أن لا يكون أتى بالعمل على الوجه (٦) المأمور، وهذا أظهر الوجوه في استثناء من استثنى منهم في الإيمان، وفي أعمال الإيمان، كقول أحدهم: أنا مؤمن إن شاء الله، وصليت إن شاء الله (٧)، لخوف أن لا يكون أتى بالواجب على\n_________\n(١) هذا هو أحد لفظي مسلم رواه برقم (١٧١٨) ٣/ ١٣٤٣ كتاب الأقضية باب نقض الأحكام الباطنة، ورد محدثات الأمور، ورواه البخاري برقم (٢٦٩٧) كتاب الصلح باب إذا اصطلحوا على جور فالصلح مردود، ولفظه: (من أحدث في أمرنا هذا. . .) وأحمد برقم (٢٤٢٩٨).\n(٢) في (ط): \"وإن\".\n(٣) \"قد\" ليست في (م).\n(٤) في (ط): \"يا ابنة\". وهو خلاف ما في نسخة الأصل و(م) الموافق للفظ الحديث.\n(٥) رواه الترمذي برقم (٣١٧٥) كتاب تفسير القرآن، وابن ماجه برقم (٤١٩٨) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٢٤٥٢٣)، والحاكم (٢/ ٤٢٧) وصححه ووافقه الذهبي، وسكت عنه الحافظ في الفتح (٨/ ٤٤٦)، (١١/ ٣٠١) وحسنه الشيخ الألباني في السلسلة الصحيحة برقم (١٦٢) وفي كتابه صحيح ابن ماجه برقم (٣٣٨٤).\n(٦) في (ط): \"على وجهه\".\n(٧) هذه مسألة الاستثناء في الإيمان وهي من أصول مسائل الإيمان، ولم يناقشها المؤلف في هذا الكتاب كثيرًا، وإنما ناقشها وأطال فيها في كتاب (الإيمان الكبير) في عدة مواضع، ويعتبر كلامه في هذه الحالة من أبرز الفروق بين =","vol":"1","page":349},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الكتابين، وقد آثرت أن أنقل قطوفًا من ذلك الكتاب حتى تتضح الصورة حول هذا الموضوع الهام:\nقال المؤلف في الإيمان الكبير ما نصه: \"وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين، وهذا أصح الأقوال. فالذين يحرمونه هم المرجئة والجهمية ونحوهم، ممن جعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه، كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه. . . قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة.\nوالذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان:\nأحدهما: أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا، باعتبار الموافاة، وما سبق في علم الله أنه يكون عليه، وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر يموت صاحبه ليس بإيمان، كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر. وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه، وإنما يشك في المستقبل، قالوا: والله يحب في أزله من كان كافرًا إذا علم أنه يموت مؤمنًا، فالصحابة ما زالوا محبوبين لله وإن كانوا قد عبدوا الأصنام مدة من الدهر، وإبليس ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد. . . فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرًا، لم يزل مريدًا لعقوبته، فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه، بل وجوده كعدمه فليس هذا بمؤمن أصلًا، وإذا علم أنه يموت مؤمنًا لم يزل مريدًا لإثابته، وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه، فلم يكن هذا كافرًا عندهم أصلًا، فهؤلاء يستثنون في الإيمان على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر، مثل أبي منصور الماتريدي، فإن ما ذكروه مطرد فيهما، ولكن جماهير الأئمة على أنه لا يستثنى في الكفر، والاستثناء فيه بدعة لم يعرف عن أحد من السلف، ولكن هو لازم لهم.\nوالذين فرَّقوا من هؤلاء قالوا: نستثني في الإيمان رغبة إلى الله في أن يثبتنا عليه إلى الموت، والكفر لا يرغب فيه أحد، لكن يقال: إذا كان قولك: مؤمن كقولك: في الجنة، فأنت تقول عن الكافر: هو كافر، ولا تقول: هو في النار، إلا معلقًا بموته على الكفر، فدل على أنه كافر في الحال قطعًا، وإن جاز أن يصير مؤمنًا، كذلك لمؤمن، وسواء أخبر عن نفسه أو عن غيره. . . وهذا القول =","vol":"1","page":350},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= قاله كثير من أهل الكلام أصحاب ابن كلاب، ووافقهم على ذلك كثير من أتباع الأئمة، لكن ليس هذا قول أحد من السلف، لا الأئمة الأربعة ولا غيرهم، ولا كان أحد من السلف الذين يستثنون في الإيمان يعللون بهذا، لا أحمد ولا من قبله.\nومأخذ هذا القول طرده طائفة ممن كانوا في الأصل يستثنون في الإيمان اتباعًا للسلف، وكانوا قد أخذوا الاستثناء عن السلف، وكان أهل الشام شديدين على المرجئة. . . . وكانوا يستثنون في الإيمان اتباعًا للسلف، واستثنوا أيضًا في الأعمال الصالحة، كقول الرجل: صليت إن شاء الله ونحو ذلك، بمعنى القبول، لما في ذلك من الآثار عن السلف. ثم صار كثير من هؤلاء بآخرة يستثنون في كل شيء، فيقول: هذا ثوبي إن شاء الله، وهذا حبل إن شاء الله، فإذا قيل لأحدهم: هذا شك فيه، قال: نعم لا شك فيه، لكن إذا شاء الله أن يغيره غيره، فيريدون بقولهم: إن شاء الله جواز تغييره في المستقبل، وإن كان في الحال لا شك فيه، كأن الحقيقة عندهم التى لا يستثنى فيها ما لم تتبدل، كما يقوله أولئك في الإيمان: إن الإيمان ما علم الله أنه لا يتبدل حتى يموت صاحبه عليه. لكن هذا القول قاله قوم من أهل العلم والدين باجتهاد ونظر، وهؤلاء الذين يستثنون في كل شيء تلقوا ذلك عن بعض أتباع أشياخهم، وشيخهم الذي ينتسبون إليه يقال له: أبو عمرو بن مرزوق، لم يكن ممن يرى هذا الاستثناء، بل كان في الاستثناء على طريقة من كان قبله، ولكن أحدث ذلك بعض أصحابه بعده، وكان شيخهم منتسبًا إلى الإمام أحمد. . . . وهؤلاء كلهم وإن كانوا منتسبين إلى الإمام أحمد، فهم يوافقون ابن كلاب على أصله الذي كان أحمد ينكره على الكلابية. . . . . وهذه الطائفة المتأخرة تنكر أن يقال: قطعًا في شيء من الأشياء، مع غلوهم في الاستثناء، حتى صار هذا اللفظ منكرًا عندهم، وإن قطعوا بالمعنى فيجزمون بأن محمدا رسول الله، وأن الله ربهم، ولا يقولون: قطعًا.\nوأما مذهب سلف أصحاب الحديث كابن مسعود وأصحابه، والثوري وابن عيينة وأكثر علماء الكوفة، ويحيى بن سعيد القطان فيما يرويه عن علماء أهل البصرة، وأحمد بن حنبل وغيره من أئمة السنة، فكانوا يستثنون في الإيمان، وهذا متواتر عنهم، لكن ليس في هؤلاء من قال: أنا أستثنى لأجل الموافاة، وإن الإيمان هو اسم لما يوافي به العبد ربه، بل صرح أئمة هؤلاء بأن الاستثناء إنما هو لأن الإيمان يتضمن فعل الواجبات، فلا يشهدون لأنفسهم بذلك، كما لا يشهدون لها بالبر والتقوى، فإن ذلك مما لا يعلمونه وهو تزكية لأنفسهم بلا علم. . . وأما الموافاة فما علمت أحدًا من السلف علل بها الاستثناء، ولكن كثير من المتأخرين يعلل بها من أصحاب الحديث من أصحاب أحمد ومالك والشافعي وغيرهم، كما =","vol":"1","page":351},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يعلل بها نظارهم كأبى الحسن الأشعري وأكثر أصحابه، لكن ليس هذا قول سلف أصحاب الحديث. . .\nوالمأخذ الثاني في الاستثناء (لمن يوجبونه): أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله، وترك المحرمات كلها، فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار فقد شهد لنفسه بأنه من الأبرار المتقين القائمين بفعل جميع ما أمروا به وترك كل ما نهوا عنه، فيكون من أولياء الله، وهذا من تزكية الإنسان لنفسه، وشهادة لنفسه بما لا يعلم، ولو كانت هذا الشهادة صحيحة لكان ينبغي له أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال، ولا أحد يشهد لنفسه بالجنة، فشهادته لنفسه بالإيمان كشهادته لنفسه بالجنة إذا مات على هذا الحال، وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون، وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر. . . وقد كان أحمد وغيره من السلف مع هذا يكرهون سؤال الرجل لغيره: أمؤمن أنت؟ ويكرهون الجواب؛ لأن هذه بدعة أحدثها المرجئة ليحتجوا بها لقولهم، فإن الرجل يعلم من نفسه أنه ليس بكافر، بل يجد قلبه مصدقًا بما جاء به الرسول، فيقول: أنا مؤمن، فيثبت أن الإيمان هو التصديق، لأنك تجزم بأنك مؤمن، ولا تجزم بأنك فعلت كل ما أمرت به، فلما علم السلف مقصدهم صاروا يكرهون الجواب، أو يفصلون في الجواب، وهذا لأن لفظ الإيمان فيه إطلاق وتقييد، فكانوا يجيبون بالإيمان المقيد الذي لا يستلزم أنه شاهد فيه لنفسه بالكمال؛ ولهذا كان الصحيح أنه يجوز أن يقال: أنا مؤمن بلا استثناء إذا أراد ذلك، لكن ينبغي أن يقرن كلامه بما يبين أنه لم يرد الإيمان المطلق الكامل، ولهذا كان أحمد يكره أن يجيب على المطلق بلا استثناء يقدمه. . . فعلم أن أحمد وغيره من السلف كانوا يجزمون ولا يشكون في وجود ما في القلب من الإيمان في هذه الحال، ويجعلون الاستثناء عائدًا إلى الإيمان المطلق المتضمن فعل المأمور، ويحتجون أيضًا بجواز الاستثناء فيما لا يشك فيه، وهذا مأخذ ثان، وإن كنا لا نشك فيما في قلوبنا من الإيمان، فالاستثناء فيما يعلم وجوده قد جاءت به السنة لما فيه من الحكمة\" مجموع الفتاوى (٧/ ٤٢٩) وما بعدها. وأعتذر عن الإطالة في النقل ولكن المقصود أن تكتمل الموضوعات الهامة في هذا الكتاب الذي نقوم بتحقيقه من نفس كلام المؤلف ومما تضمنه شقيقه الأكبر (الإيمان الكبير).\nوقال ابن أبي العز رحمه الله تعالى في شرحه للعقيدة الطحاوية (٢/ ٤٩٨): \"وأما من يجوز الاستثناء وتركه فهم أسعد بالدليل من الفريقين (وهما من يوجبه ومن يحرمه) وخير الأمور أوسطها، فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منع من الاستثناء، وهذا مما لا خلاف فيه، وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين =","vol":"1","page":352},{"text":"الوجه المأمور به، لا على جهة الشك فيما بقلبه من التصديق، لا يجوز أن يراد بالآية أن الله لا يقبل (١) العمل إلا ممن اتقى (٢) الذنوب كلها، لأن الكافر والفاسق حين يريد أن يتوب ليس متقيًا، فإن كان قبول العمل مشروطًا يكون الفاعل حين فعله (٣) لا ذنب له، امتنع قبول التوبة، بخلاف ما إذا اشترط التقوى في العمل، فإن التائب حين يتوب يأتي بالتوبة الواجبة، وهو حين شروعه في التوبة منتقل من الشر إلى الخير، لم يخلص من الذنب، بل هو متقٍ في حال الخلصة (٤) منه.\nوأيضًا فلو أتى الإنسان بأعمال البر وهو مصر على كبيرة، ثم تاب لوجب أن تسقط سيئاته بالتوبة، وتقبل منه تلك الحسنات، وهو حين أتى بها كان فاسقًا.\nوأيضًا فالكافر إذا أسلم وعليه للناس مظالم من قتل وغصب وقذف، وكذلك الذمي إذا أسلم قبل إسلامه مع بقاء مظالم العباد عليه (٥)،\n_________\n= وصفهم الله في قوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٢) الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣) أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤)﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ فالاستثناء حينئذ جائز، وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة، وكذلك من استثنى تعليقًا للأمر بمشيئة الله لا شكًا في إيمانه، وهذا القول في القوة كما ترى\".\nوهنا مسألة أخرى نبَّه عليها المؤلف في (الإيمان الكبير) (٧/ ٢٥٩) وهي الاستثناء في الإسلام، إنه إن أراد بالإسلام الكلمة على قول الزهري وهي الشهادتان فلا استثناء فيها، يقول -﵀-: (فالإسلام الذي لا يستثنى فيه الشهادتان باللسان فقط فإنها لا تزيد ولا تنقص فلا استثناء فيها) وقال أيضًا: (وتعليل أحمد وغيره من السلف ما ذكروه في اسم الإيمان يجيء في اسم الإسلام، فإذا أريد بالإسلام الكلمة فلا استثناء فيه، كما نص عليه أحمد وغيره، وإذا أريد به من فعل الواجبات الظاهرة كلها فالاستثناء فيه كالاستثناء في الإيمان).\n(١) في (ط): \"يقبل\".\n(٢) في (ط): \"يتقي\".\n(٣) في (م): \"يفعله\".\n(٤) في (ط): \"تخلصه\".\n(٥) تعرَّض المصنف في مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٢٣) لمسألة وهي: هل تغفر ذنوب الكافر إذا أسلم ولم يتب منها؟ وقال: \"إن فيها قولين معروفين: =","vol":"1","page":353},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أحدهما: يغفر له الجميع، لإطلاق قوله - ﷺ -: \"الإسلام يهدم ما قبله\" رواه مسلم، مع قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.\nالقول الثاني: أنه لا يستحق أن يغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه، فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون الكفر، فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر، وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص، فإن في الصحيحين أن النبي - ﷺ - قال له حكيم بن حزام: (يا رسول الله، أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: \"من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر\") فقد دل هذا النص على أنه إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التى فعلت في حال الجاهلية عمن أحسن، لا عمن لا يحسن، وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر، ومن لم يتب منها فلم يحسن، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه، لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره. . .\nوأما قول النبي - ﷺ -: \"الإيمان يهدم ما قبله\" وفي رواية: (يجب ما قبله): فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص، وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه، فقال له: \"يا عمرو، أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن التوبة تهدم ما كان قبلها، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها\" ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه، لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب\".\nوهذه المسألة ذكرها الحافظ ابن حجر في فتح الباري (١٢/ ٢٦٦) عند شرحه للحديث السابق -الذي ذكر شيخ الإسلام أن حكيم بن حزام سأل رسول الله - ﷺ - وليس في الصحيحين أو الروايات الأخرى ذكر له، وإنما الحديث عن عبد الله بن مسعود أن رجلًا سأل النبي - ﷺ -، قال الحافظ: (ولم أقف على اسمه) وفي رواية: سألنا النبي - ﷺ - ولعل شيخ الإسلام عرض له حديث حكيم بن حزام في الصحيحين عندما ذكر للنبي - ﷺ - أمورًا كان يصنعها في الجاهلية من صلة وصدقة وعتق، فقال له النبي - ﷺ -: \"أسلمت على ما أسلفت من خير\" رواه البخاري برقم (٥٩٩٢) كتاب الأدب، ومسلم برقم (١٢٣) كتاب الإيمان.\nوقد ذكر الحافظ أقوالًا فىِ شرح المقصود بالإساءة في هذا الحديث:\nمنها ما ذهب إليه القرطبي أنها إسلام الرجل رياء وسمعة، ومال إلى قول من قال: إنها الكفر، وأن الكافر إذا أسلم ثم ارتد ومات على كفره كان كمن لم يسلم، فيعاقب على جميع ما قدمه، وذكر أن الخطابي وابن بطال نقلا الإجماع على أن المسلم لا يؤاخذ بما عمل في الجاهلية، ثم ذكر أنه وجد في \"كتاب السنة\" لعبد العزيز بن جعفر أحد رؤوس الحنابلة ما يدفع دعوى الخطابي =","vol":"1","page":354},{"text":"فلو كان العمل لا يقبل إلا ممن لا كبيرة عليه، لم يصح إسلام الذمي حتى يتوب من الفواحش والمظالم، بل يكون مع إسلامه مخلدًا.\nوقد كان الناس يسلمون (١) على عهد رسول الله - ﷺ - ولهم ذنوب معروفة، وعليهم تبعات، فيقبل إسلامهم، ويبرؤون إلى الله من التبعات، كما ثبت في الصحيح: \"أن المغيرة بن شعبة لما أسلم، وكان قد رافق قومًا في الجاهلية فغدر بهم، وأخذ أموالهم، وجاء فأسلم، فلما جاء عروة بن مسعود عام الحديبية، والمغيرة قائم على رأس النبي - ﷺ - بالسيف، دفعه المغيرة بالسيف، فقال: من هذا؟ فقالوا: ابن أختك المغيرة فقال: يا غدر [ألست] (٢) أسعى في غدرتك! ! فقال النبي - ﷺ -: \"أما الإسلام فأقبله، وأما المال فلست منه في شيء\" (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ [الأنعام: ٥٢].\nوقال لنوح -﵇-: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١) قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢) إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣)﴾ [الشعراء: ١١١].\n_________\n= وابن بطال في الإجماع، وهو ما نقل عن الميموني عن أحمد أنه قال: بلغني أن أبا حنيفة يقول: إن من أسلم لا يؤاخذ بما كان في الجاهلية، ثم رد عليه بحديث ابن مسعود.\nففيه أن الذنوب التي كان الكافر يفعلها في جاهليته إذا أصر عليها في الإسلام، فإنه يؤاخذ بها، لأنه بإصراره لا يكون تاب منها، وإنما تاب من الكفر، فلا يسقط عنه ذنب تلك المعصية لإصراره عليها، وإلى هذا ذهب الحليمي من الشافعية، ولكن هذا القول هو خلاف قول الجمهور.\n(١) في (ط): \"مسلمين\".\n(٢) في نسخة الأصل: \"أو لست\"، والتصحيح من (م) و(ط)، وهو الموافق لرواية البخاري.\n(٣) هو جزء من حديث الحديبية الطويل رواه البخاري برقم (٢٧٣١ - ٢٦٣٢) كتاب الشروط باب الشروط في الجهاد، وأحمد برقم (١٨١٦٦).","vol":"1","page":355},{"text":"ولا يعرف (١) أحد من المسلمين جاءه ذمي يسلم فقال له: لا يصح إسلامك حتى لا يكون عليك ذنب، وكذلك سائر أعمال البر من الصلاة والزكاة والصيام (٢).\n\nالسبب الرابع: الدافع للعقاب دعاء المؤمنين للمؤمن، مثل صلاتهم على [جنازته] (٣) فعن عائشة وأنس بن مالك عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ما من ميت يصلي عليه أمة من المسلمين يبلغون مائة كلهم يشفعون له (٤) إلا شفعوا فيه \" (٥).\nوعن ابن عباس - ﵄ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"ما من رجل مسلم يموت، فيقوم على جنازته أربعون رجلًا، لا يشركون بالله شيئًا إلا شفعهم الله فيه\" (٦) رواهما مسلم.\nوهذا دعاء له بعد الموت، فلا يجوز أن تحمل المغفرة على المؤمن التقي الذي اجتنب الكبائر، وكفِّرت عنه الصغائر وحده، فإن ذلك مغفور له عند المنازعين (٧)، فعلم أن هذا الدعاء من أسباب المغفرة للميت.\n\nالسبب الخامس: ما يعمل عنه (٨) من أعمال البر كالصدقة ونحوها، فإن هذا (٩) ينتفع به بنصوص السنة الصحيحة الصريحة واتفاق الأئمة، وكذلك العتق والحج.\n_________\n(١) في (ط): \"نعرف أحدًا\".\n(٢) \"الصيام\" ساقطة من (م) و(ط).\n(٣) في نسخة الأصل و(م): جنازة، وآثرنا ما أثبتناه من (ط) لأنه أقرب وأدق.\n(٤) \"له\": ليست في (ط).\n(٥) رواه مسلم برقم (٩٤٧) ٢/ ٦٥٤ كتاب الجنائز باب من صلى عليه مائة شفعوا فيه، والترمذي برقم (١٠٢٩) كتاب الجنائز، والنسائي برقم (١٩٩١) كتاب الجنائز، وأحمد برقم (٢٢٩٩٧).\n(٦) رواه مسلم برقم (٩٤٨) كتاب الجنائز باب من صلى عليه أربعون شفعوا فيه، وأبو داود برقم (٣١٧)، وأحمد برقم (٢٣٧٩).\n(٧) في (ط): \"المتنازعين\".\n(٨) في (ط): \"يعمل للميت\".\n(٩) في (م): \"فهذا\".","vol":"1","page":356},{"text":"بل قد ثبت في الصحيحين أنه قال: (من مات وعليه صيام صام عنه وليه) (١).\nوثبت مثل ذلك في الصحيح في صوم النذر من وجوه أخرى (٢).\nولا يجوز أن يعارض هذا بقوله: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى (٣٩)﴾ [النجم: ٣٩] لوجهين:\n\nأحدهما: أنه قد ثبت بالنصوص المتواترة وإجماع سلف الأمة، أن المؤمن ينتفع بما ليس من سعيه، كدعاء الملائكة واستغفارهم له كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ [غافر: ٧ - ٩] (٣).\nودعاء النبيين والمؤمنين واستغفارهم كما في قوله تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٠٣].\nوقوله سبحانه: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ [يؤمن بالله واليوم الآخر و] (٤) يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ [التوبة: ٩٩].\nوقوله -﷿-: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [محمد: ١٩] وكدعاء المصلين للميت ولمن زار قبره من المؤمنين.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٩٥٢) كتاب الصوم باب من مات وعليه صوم، ومسلم برقم (١١٤٧) ٢/ ٨٠٣ كتاب الصيام باب قضاء الصيام عن الميت، وأبو داود برقم (٢٤٠٠) كتاب الصوم.\n(٢) روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"جاءت امرأة إلى رسول الله - ﷺ - فقالت: يا رسول الله! إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: أرأيت لو كان على أمك دين فقضيتيه، أكان يؤدي ذلك عنها؟ قالت: نعم، قال: فصومي عن أمك\" ورقمه (١١٤٨) ٢/ ٨٠٤ كتاب الصيام باب قضاء الصيام عن الميت.\n(٣) الآية فى (ط) ليست كاملة.\n(٤) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل.","vol":"1","page":357},{"text":"الثاني: أن الآية ليس (١) في ظاهرها إلا أنه ليس له إلا سعيه، وهذا حق فإنه لا يملك و(٢) يستحق إلا سعي نفسه، وأما سعي غيره فلا يملكه، لا يستحقه لكن هذا لا يمنع أن ينفعه الله ويرحمه به، كما أنه دائمًا يرحم عباده بأسباب خارجة عن مقدورهم، وهو سبحانه بحكمته ورحمته يرحم العباد بأسباب [تفعلها] (٣) العباد ليثيب أولئك على تلك الأسباب، فيرحم الجميع كما في الحديث الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"ما من رجل يدعو لأخيه بدعوة إلا وكل الله به ملكًا كلما دعا لأخيه قال الملك الموكل به: آمين ولك بمثل\" (٤).\nوذلك (٥) كما ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال: \"من صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان أصغرهما مثل أحد\" (٦). فهو قد يرحم المصلي على الميت بدعائه [له] (٧)، ويرحم الميت أيضًا بدعاء هذا الحي له.\n\nالسبب السادس: شفاعة النبي - ﷺ - وغيره في أهل الذنوب يوم القيامة، كما قد تواترت عنه أحاديث الشفاعة، مثل قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: (شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي) (٨).\n_________\n(١) في (ط): \"ليست\".\n(٢) في (ط): \"ولا يستحق\".\n(٣) في (م) و(ط): \"يفعلها\".\n(٤) رواه مسلم برقم (٢٧٣٢) ٤/ ٢٠٩٤ كتاب الذكر والدعاء باب فضل الدعاء للمسلمين بظهر الغيب، وأبو داود برقم (١٥٣٤) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٢٨٩٥) كتاب المناسك، وأحمد برقم (٢٠٧١٧).\n(٥) \"ذلك\" ساقطة من (م) و(ط).\n(٦) رواه البخاري بنحوه برقم (٤٧) كتاب الإيمان باب، ومسلم برقم (٩٤٥) ٢/ ٦٥٢ كتاب الجنائز باب فضل الصلاة على الجنازة واتباعها، والترمذي برقم (١٠٤٠) كتاب الجنائز، والنسائي برقم (١٩٩٤) كتاب الجنائز، وابن ماجه برقم (١٥٣٩) كتاب ما جاء في الجنائز، وأحمد برقم (٤٦٣٥).\n(٧) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل.\n(٨) رواه الترمذي برقم (٢٤٣٥) كتاب صفة القيامة، وقال: حديث حسن صحيح غريب من هذا الوجه، وأبو داود برقم (٤٧٣٩) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (٤٣١٠) كتاب الزهد، وأحمد برقم (١٢٧٤٥)، والحاكم ١/ ٦٩، والطيالسي في مسنده برقم (٢٥٩٦)، وهو حديث صحيح.","vol":"1","page":358},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"خيرت بين أن يدخل نصف أمتي الجنة، وبين الشفاعة فاخترت الشفاعة لأنها أعم وأكفى (١) أترونها للمتقين؟ لا، ولكنها للمذنبين المتلوثين الخطائين\" (٢).\n\nالسبب السابع: المصائب التي يكفر الله بها الخطايا في الدنيا كما في الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولا هم ولا حزن ولا غم ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه\" (٣).\n\nالسبب الثامن: ما يحصل في القبر من الفتنة والضغطة والروعة فإن هذا مما تكفَّر (٤) به الخطايا.\n\nالسبب التاسع: أهوال يوم القيامة وكربها وشدائدها.\n\nالسبب العاشر: رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد.\nفإذا ثبت أن الذم والعقاب قد يدفع عن أهل الذنوب بهذه الأسباب العشرة كان دعواهم أن عقوبات الكبائر لا تندفع إلا بالتوبة مخالف لذلك (٥).\n_________\n(١) في (ط): \"أكثر بدل أكفى\".\n(٢) رواه الترمذي برقم (٢٤٤١) كتاب صفة القيامة، وابن ماجه برقم (٤٣١١) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٥١٩٥) بألفاظ مختلفة، والحديث قال عنه الهيثمي في مجمع الزوائد: إسناده صحيح ورجاله ثقات.\n(٣) الحديث في الصحيحين، وقد تقدم تخريجه ص ٣٣٠ من هذا الكتاب.\n(٤) في (م) و(ط): \"يكفر\".\n(٥) هذه الأسباب العشرة تحدث عنها المؤلف -﵀- كثيرًا في بعض مؤلفاته الأخرى، من ذلك كلامه عنها في منهاج السنة (٤/ ٣٢٥) حيث أفاض فيها فى أكثر من موضع، وذكر فيها فائدة جديدة وهي توضيح مصادر هذه الأسباب، وأن ثلاثة منها وهي التوبة والاستغفار والحسنات الماحية مصدرها من العبد نفسه، وثلاثة منها وهي دعاء المؤمنين وإهداؤهم العمل الصالح له وشفاعة النبى - ﷺ - من الناس، والأربعة الباقية وهي المصائب المكفرة في الدنيا وفي البرزخ وفي عرصات القيامة ومغفرة الله له بفضل الله ورحمته من الله -﷿- يبتدأ بها الله العبد.\nوقد توسَّع فيها بعد ذلك وأطال فيها جدًا (٦/ ٢٠٦ - ٢٣٨) واستقصى كثيرًا من =","vol":"1","page":359},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-131>فصل\n[مذهب الناس في الوعد والوعيد]</span>\nفهذان القولان (١) قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب، ويخلدون في النار، وقول من يخلدهم في النار، ويجزم بأن الله لا يغفر لهم إلا بالتوبة، ويقول: ليس معهم من الإيمان شيء، لم يذهب إليهما أحد من أئمة الدين أهل الفقه والحديث بل هما من الأقوال المشهورة عن أهل البدع.\nوكذلك قول من وقف في أهل الكبائر من غلاة المرجئة، وقال: لا أعلم أن أحدًا منهم يدخل النار (٢)، هو أيضًا من الأقوال المبتدعة، بل\n_________\n= أدلتها، غير أنه ذكر في السبب العاشر أمرًا جديدًا وهو: \"ما ثبت في الصحيحين أن المؤمنين إذا عبروا الصراط، وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة\" ولم يذكر ما ذكره هنا وهو: \"رحمة الله وعفوه ومغفرته بلا سبب من العباد\".\nوهذا مما حدا بشارح العقيدة الطحاوية أن يضيفه إلى الأسباب العشرة، فتصبح أحد عشر سببًا تدفع بها العقوبة عن العبد، (٢/ ٤٥٥). وهو صنيع حسن منه -﵀-، اللهم إذا اعتبرنا أن المقاصة على القنطرة بين الجنة والنار تعد من أهوال يوم القيامة وكربه فلا تعتبر على هذا الوجه سببًا زائدًا.\nبقي أن نشير إلى أن الحديث الذي ذكره المؤلف في منهاج السنة لم يروه إلا البخاري، وأما مسلم فلم أجده فيه، على أنه -﵀- ذكره فى موضع آخر (٥/ ٣١٤) على أنه في الصحيح وليس في الصحيحين، وهذا هو الصواب، لأنه إذا أطلق هكذا في الصحيح يحمل على أن الحديث ورد في الصحيحين أو أحدهما، والحديث المذكور رواه البخاري برقم (٢٤٤٠) كتاب المظالم والغصب باب قصاص المظالم.\n(١) يقصد المؤلف بالقولين: قول الخوارج وقول المعتزلة.\n(٢) هؤلاء هم المرجئة الواقفة، وقد سبق أن أشار إليهم المؤلف -﵀- في هذا الكتاب، وذكر أن من هؤلاء المرجئة طوائف من الشيعة والأشعرية كالقاضي أبي بكر وغيره، وذكر في بعض مؤلفاته أن الأشعري من هذه الطائفة الواقفة. مجموع الفتاوى (١٣/ ١٣٩).\nوقد أطلق عليهم هنا غلاة المرجئة، مع أنه هناك سماهم بالمرجئة الواقفة، وأطلق لقب غلاة المرجئة هناك على الذين قالوا: لن يدخل النار أحد من أهل التوحيد. وعلى أي حال فإن المرجئة الواقفة على قدر كبير من الغلو، وما بدعتهم تلك =","vol":"1","page":360},{"text":"السلف والأئمة متفقون على ما تواترت به النصوص، من أنه لا بد أن يدخل النار قوم من أهل القبلة [ثم يخرجون منها.\nوأما من جزم بأنه لا يدخل النار أحد من أهل القبلة] (١) فهذا لا أعرفه (٢) قولًا لأحد.\nوبعده قول من يقول: ما ثم عذاب أصلًا، وإنما هو (٣) تخويف بما (٤) لا حقيقة له، وهذا من أقوال الملاحدة الكفار، وربما احتج بعضهم بقوله: ﴿ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾ [الزمر: ١٦] فيقال لهذا: التخويف إنما يكون تخويفًا، إذا كان هناك مخوف يمكن وقوعه بالمخوَّف، فإن لم يكن هناك ما يمكن وقوعه امتنع التخويف، لكن يكون حاصله إيهام الخائفين بما لا حقيقة له كما يوهم (٥) الصبي الصغير، ومعلوم أن مثل هذا لا (٦) يحصل به تخويف للعقلاء المميزين، لأنهم إذا علموا أنه ليس هناك شيء مخوف زال الخوف.\nوهذا شبيه بما تقول (٧) ملاحدة المتفلسفة (٨) والقرامطة (٩) ونحوهم:\n_________\n= ببعيدة عن بدعة الذين جزموا بأنه لا يدخل النار من أهل التوحيد أحد، فحق للمؤلف أن ينعتهم بغلاة المرجئة في هذا المقام.\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في النسخة الأصلية، وهو في (م) و(ط).\n(٢) في (ط): نعرفه.\n(٣) في (م): هذا.\n(٤) (بما) ليست في (ط).\n(٥) في (م) و(ط): \"توهم\".\n(٦) \"لا\" ساقطة من (م).\n(٧) في (م): \"يقول\".\n(٨) في (م) و(ط): بما تقول الملاحدة المتفلسفة.\n(٩) القرامطة: فرقة باطنية تنتسب إلى رجل يدعى حمدان قرمط، وكان أول أمره مائلًا إلى الزهد، ثم استجاب لأحد دعاة الباطنية، والتف الأتباع حوله حتى شكل خطرًا محققًا على الخلافة العباسية، وأقاموا دولة لهم في البحرين (الأحساء) استمرت قرابة مائة عام، وفي خلالها روعوا الآمنين، وهتكوا حرمات المسلمين -كما أشار المؤلف إلى بعض صنيعهم وقبيح فعلهم في الحرم- وهم زنادقة ملحدون لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ولا يحلون حلالًا، ولا يحرمون =","vol":"1","page":361},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-132>[قول الفلاسفة في الوعد والعيد]</span>\nمن أن الرسل خاطبوا الناس بإظهار أمور من الوعد والوعيد لا حقيقة لها في الباطن وإنما هي أمثال مضروبة لتفهيم (١) حال النفس بعد المفارقة، وما أظهروه لهم من الوعد والوعيد وإن كان لا حقيقة له (٢) فإنما تعلق (٣) لمصلحتهم في الدنيا إذ كان لا يمكن تقويمهم إلا بهذه الطريق (٤).\nوهذا القول مع أنه معلوم الفساد بالضرورة من دين الرسل، فلو كان الأمر كذلك لكان خواص الرسل الأذكياء يعلمون ذلك، وإذا علموا زالت محافظتهم على الأمر والنهي، كما يصيب خواص ملاحدة المتفلسفة والقرامطة من الإسماعيلية (٥)، والنصيرية (٦) ونحوهم، فإن البارع منهم في\n_________\n= حرامًا، وهدفهم إبطال الشرائع، ونشر الإلحاد، وهم غاية في الخبث والمكر، ويلبسون على العوام حتى يوقعوهم في شراكهم -كما ذكر ابن الجوزي في كتابه القرامطة (٥١). فضائح الباطنية لأبي حامد الغزالي (٢٢)، الفرق بين الفرق (٢٩٨)، وذكر الأشعري في المقالات (١/ ١٠١) فرقة من فرق الرافضة سماها القرامطة، ولم يذكر من عقائدهم سوى عقيدتهم في الأئمة، وأن الإمام الغائب عندهم هو محمد بن إسماعيل بن جعفر.\n(١) في (م): \"ليفهم \"، وفي (ط): \"لتفهم\".\n(٢) \"له\" ليست في (م).\n(٣) في (م) و(ط): \"يعلق\".\n(٤) في (ط): \"الطريقة\".\n(٥) الإسماعيلية: فرقة باطنية تنسب إلى إسماعيل بن جعفر الصادق -الذي توفي في حياة والده- وأقاموا لهم عدة دول، منها الدولة العبيدية بمصر والمغرب -المسماة زورًا بالدولة الفاطمية- التى استمرت زهاء ثلاثمائة عام، والدولة الصليحية في اليمن، وهي كبقية الفرق الباطنية الأخرى تسعى إلى هدم الدين، وإلغاء الشرائع، واستباحة المحرمات، وعقائدهم في الألوهية والنبوة والمعاد تكاد تكون صدى لآراء الفلاسفة، ومتفقة معها كما يقول الغزالي، ومن فروع الإسماعيلية البهرة والحشاشين والآغاخانية، وقد كانوا مصدر فتنة وحرب وكيد على المسلمين، وذاق المسلمون أيام دولهم الويلات.\nمقالات الإسلاميين (١/ ١٠٠)، فضائح الباطنية (٣٨)، الفرق بين الفرق (١٧٨)، الملل والنحل (١/ ٢٢٦).\n(٦) النصيرية: فرقة باطنية اختلف في نسبتها، والأقرب أنها تنسب إلى محمد بن نصير النميري أحد أصحاب الحسن العسكري الإمام الحادي عشر عند الشيعة الاثني عشرية، وتقوم عقيدتها على تأليه علي بن أبي طالب - ﵁ -، واستحلال =","vol":"1","page":362},{"text":"العلم والمعرفة يزول عنه عندهم الأمر والنهي، وتباح له المحظورات، وتسقط عنه الواجبات، فتظهر أضغانهم، وتنكشف أسرارهم، ويعرف عموم الناس حقيقة دينهم الباطل، حتى سموهم باطنية لإبطانهم خلاف ما يظهرون، فلو كان والعياذ بالله دين الرسل كذلك، لكان خواصه قد عرفوه، ولظهر (١) باطنه، وكان عند أهل المعرفة والتحقيق من جنس دين الباطنية (٢)، ومن المعلوم بالاضطرار أن الصحابة رضوان الله عليهم الذين كانوا أعلم الناس بباطن الرسول وظاهره، وأخبر الناس بمقاصده ومراداته كانوا أعظم الأمة لزومًا لطاعة أمره سرًا وعلانية ومحافظة على ذلك إلى الموت، وكل من كان منهم إليه أقرب (٣) وبه أخص وبباطنه أعلم كأبي بكر وعمر - ﵄ - كان أعظمهم (٤) لزومًا لطاعته سرًا وعلانية، ومحافظة على أداء الواجب، واجتناب المحرم باطنًا وظاهرًا، وقد أشبه هؤلاء في بعض الأمور ملاحدة المتصوفة، الذين يجعلون فعل المأمور وترك المحظور\n_________\n= المحرمات، والقول بتناسخ الأرواح، وإنكار البعث والنشور، وتقديس عبد الرحمن بن ملجم قاتل علي لأنه كما يقولون خلص اللاهوت من الناسوت، وهم وسائر فرق الباطنية أكفر من اليهود والنصارى وكثير من المشركين -كما نص عليه المؤلف ﵀- وقد كان النصيرية -كسائر فرق الباطنية- عونًا لأعداء الإسلام من التتار والصليبيين والمستعمرين ضد المسلمين.\nالملل والنحل (١/ ٢٢٠)، الفصل لابن حزم (٤/ ١٨٨)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ١٤٥).\n(١) فى (ط): \"وأظهروا\".\n(٢) الباطنية: اسم عام تنضوي تحته عدة طوائف تجتمع كلها على أن الدين باطن وظاهر، ولها تأويلات -وإن اختلفت- إلا أنها جميعًا تهدف إلى إبطال الدين، وهدم الشرائع، وإنكار العقائد، ولها عدة أسماء: الإسماعيلية والملاحدة والقرامطة والخرمية والبابكية والنصيرية والمحمرة، وهذه الأسماء وإن كانت عامة إلا أنها قد تخص بعض فرقها، وسموا بالباطنية لأن نصوص الشرع عندهم لها ظواهر عند العامة والجهال، وبواطن لا يفهمها إلا العقلاء بزعمهم. فضائح الباطنية (١١)، القرامطة لابن الجوزي (٣٥)، الملل والنحل (١/ ٢٢٨).\n(٣) \" أقرب \" ساقطة من (ط).\n(٤) في (ط): \"كانوا\".","vol":"1","page":363},{"text":"واجبًا على السالك، حتى يصير عارفًا محققًا في زعمهم وحينئذ يسقط عنه التكليف، ويتأولون على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (١) [الحجر: ٩٩] زاعمين أن اليقين هو ما يدعونه من المعرفة،\n_________\n(١) قال المؤلف في درء التعارض ما نصه (٣/ ٢٧٠): \"ودخل في ذلك طائفة من المتصوفة ظنوا أن غاية العبادات هو حصول المعرفة، فإذا حصلت سقطت العبادات، وقد يحتج بعضهم بقوله: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ ويزعمون أن اليقين هو المعرفة، وهذا خطأ بإجماع المسلمين -أهل التفسير وغيرهم- فإن المسلمين متفقون على أن وجوب العبادات -كالصلوات الخمس ونحوها- وتحريم المحرمات -كالفواحش والمظالم- لا يزال واجبًا على كل أحد ما دام عقله حاضرًا ولو بلغ ما بلغ. . . فالمقصود من هذا أن الصلوات الخمس لا تسقط عن أحد له عقل، سواء كان كبيرًا أو صالحًا أو عالمًا.\nوما يظنه طوائف من جهال العباد وأتباعهم وجهال النظار وأتباعهم وجهال الإسماعيلية والنصيرية -وإن كانوا كلهم جهالًا- من سقوطها عن العارفين أو الواصلين أو أهل الحضرة أو عمن خرقت لهم العادات أو عن الأئمة الإسماعيلية أو بعض أتباعهم أو عمن عرف العلوم العقلية أو عن المتكلم الماهر في النظر أو الفيلسوف الكامل في الفلسفة فكل ذلك باطل باتفاق المسلمين، وبما علم بالاضطرار من دين الإسلام\".\nولقول الحافظ ابن القيم -﵀- في مدارج السالكين (١/ ١١٧) في إشارة لطيفة لعبوديتين أخريين في البرزخ ويوم القيامة: \"واليقين هاهنا: الموت بإجماع أهل التفسير. . .، فلا ينفك العبد من العبودية ما دام في دار التكليف، بل عليه فى البرزخ عبودية أخرى لما يسأله الملكان: من كان يعبد؟ وما يقول في رسول الله - ﷺ - ويلتمسان منه الجواب، وعليه عبودية أخرى يوم القيامة، يوم يدعو الله الخلق كلهم إلى السجود، يسجد المؤمنون، ويبقى الكفار والمنافقون لا يستطيعون السجود، فإذا دخلوا دار الثواب والعقاب انقطع التكليف هناك، وصارت عبودية أهل الثواب تسبيحًا مقرونًا بأنفاسهم لا يجدون له تعبًا ولا نصبًا. . .\nومن زعم أنه يصل إلى مقام يسقط عنه فيه التعبد؛ فهو زنديق كافر بالله وبرسوله، وإنما وصل إلى مقام الكفر بالله، والانسلاخ من دينه. . . \".\nوقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير القرآن العظيم (٢/ ٥٦١) عند هذه الآية: \"ويستدل بها على تخطئة من ذهب من الملاحدة إلى أن المراد باليقين المعرفة، فمتى وصل أحدهم إلى المعرفة سقط عنه التكليف عندهم، وهذا كفر وضلال وجهل، فإن الأنبياء - ﵈ - كانوا هم وأصحابهم أعلم الناس بالله وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع هذا أعبد وأكثر الناس عبادة ومواظبة على فعل الخيرات إلى حين الوفاة. . . \".","vol":"1","page":364},{"text":"واليقين هنا الموت (١) وما بعده كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ (٢) [المدثر: ٤٥ - ٤٧] قال الحسن البصري: (إن الله لم يجعل لعباده المؤمنين أجلًا دون الموت) وتلا هذه الآية.\nومنه قول النبي (٣) - ﷺ - لما توفي عثمان بن مظعون: (أما عثمان بن مظعون فقد أتاه اليقين من ربه) (٤).\nوهؤلاء قد يشهدون القدر أولًا، وهي الحقيقة الكونية، ويظنون أن غاية العارف أن يشهد القدر ويفنى عن هذا الشهود، وذلك المشهد لا تميز (٥) فيه بين المأمور والمحظور، وموجبات الله ومكروهاته، وأوليائه وأعدائه وقد يقول أحدهم: العارف شهد أولًا الطاعة والمعصية، ثم شهد طاعة بلا معصية، يريد بذلك طاعة القدر، كقول بعض شيوخهم: أنا كافر برب يعصى! !\nوقيل له عن بعض الظالمين: هذا ماله حرام، فقال: إن كان عصى الأمر فقد أطاع الإرادة، ثم ينتقلون إلى المشهد الثالث، لا طاعة ولا معصية، وهو مشهد أهل الوحدة القائلين بوحدة الوجود، وهذا غاية إلحاد المبتدعة جهمية الصوفية، كما أن القرمطة آخر إلحاد الشيعة، وكلا الإلحادين يتقاربان، وفيهما من الكفر ما ليس في دين اليهود والنصارى ومشركى العرب والله أعلم.\n_________\n(١) قال البخاري في صحيحه: قال سالم عند هذه الآية: \"اليقين هو الموت\" كتاب تفسير القرآن باب: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ (٣/ ٢٤٨) وسالم هذا هو سالم بن عبد الله بن عمر، كما رواه ابن جرير -﵀- فى تفسيره (١٤/ ٧٤).\n(٢) في (ط): قوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ بعد الآيات الثلاث.\n(٣) كلمة النبي ليست في (ط).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٢٤٣) كتاب الجنائز باب الدخول على الميت إذا أدرج في أكفانه، وأحمد برقم (٢٦١٨٦).\n(٥) في (ط): \"تمييز\".","vol":"1","page":365},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>فصل\n[النزاع في مسائل الإيمان]</span>\nثم بعد ذلك تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعًا كثيرًا منه لفظي، وكثير منه معنوي، فإن أئمة الفقهاء لم ينازعوا في شيء مما ذكرناه من الأحكام، وإن كان بعضهم أعلم بالدين وأقوم به من بعض، ولكن تنازعهم في الأسماء كتنازعهم في الإيمان: هل يزيد وينقص؟ وهل يستثنى فيه أم لا؟ وهل الأعمال من الإيمان أم لا؟ وهل الفاسق الملي مؤمن كامل الإيمان أم لا؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-134>[مذهب أهل السنة في مسائل الإيمان]</span>\nوالمأثور عن الصحابة وأئمة التابعين وجمهور السلف، وهو مذهب أهل الحديث، وهو منسوب إلى أهل السنة أن الإيمان: قول وعمل، يزيد وينقص، يزيد بالطاعة، وينقص بالمعصية، وأنه يجوز الاستثناء فيه كما قال عمير بن [حبيب] (١) الخطمي (٢) وغيره من الصحابة: (الإيمان يزيد وينقص، فقيل له: وما زيادته وما نقصانه؟ فقال: إذا ذكرنا الله وحمدناه وسبحناه فتلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (٣)، فهذه الألفاظ المأثورة عن جمهورهم.\n_________\n(١) في نسخة الأصل: جبير وهو خطأ، والصَّحيح من (م) و(ط).\n(٢) هو عمير بن حبيب بن خماشة الأنصاري الخطمي، له صحبة، ذكر البخاري أنه بايع تحت الشجرة، وقال ابن عبد البر: \"روى عن النبي - ﷺ - لكن لم تعرف له عن النبي - ﷺ - رواية من وجه ثابت، كما ذكر ذلك بعض العلماء، الإصابة (٣/ ٣٠)، والاستيعاب على هامش الإصابة (٢/ ٤٩٠).\n(٣) هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة (١١/ ١٣) وذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الإصابة أن البغوي رواه بسنده موقوفًا، قال: حدثنا أبو نصر التمار حدثنا حماد بن سلمة عن أبي جعفر الخطمي عن أبيه عن جده عمير بن حبيب، (٣/ ٣٠)، وعزاه كذلك إلى ابن شاهين، وقد رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة برقم (٦٢٤) وقال محققه الدكتور محمد بن سعيد القحطانى: \"في سنده من لم أقف له على ترجمة وهو يزيد بن عمير\" (السنة ١/ ٣١٥)، ورواه الإمام الآجري في كتاب الشريعة برقم (٢١٥)، (٢١٦) ص ٥٨٣ - ص ٥٨٤، وقال محققه الدكتور عبد الله بن عمر الدميجي: \"إسناده حسن إن سمع أبو جعفر من جده، وإلا ففي الحديث التالي عن أبيه عن جده؛ ولم يذكر المزي ولا ابن حجر =","vol":"1","page":366},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أنه روى عن جده\"، ورواه أيضًا الإمام أبو القاسم اللالكائى في شرح أصول اعتقاد أهل السنة برقم (١٧٢١) وقال عنه محققه الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان: \"سنده ضعيف لأن ابن عمير واسمه يزيد لا يعرف له ترجمة، ذكره الشيخ الألباني، حاشية الإيمان/ ٧/ ٥/ ١٩٤٩.\nقلت: أبو جعفر الخطمي ثقة، وهو حفيد عمير بن حبيب - ﵁ - وثقه ابن معين والنسائى والعجلي والطبراني وابن حبان (تهذيب التهذيب ٨/ ١٣٥) وقال عنه الذهبي: \"ثقة\" (الكاشف ٢/ ٣٠٣) مع أن الحافظ في التقريب قال عنه: \"صدوق\" ولا أدرى ما وجه عدول الحافظ -﵀- عن توثيقه فى هذا المقام، مع أنه لم يذكر فيه جرحًا عن أحد من العلماء، اللهم إلا قولًا لأبي الحسن ابن المديني حيث قال عنه: \"هو مدني قدم البصرة وليس لأهل المدينة عنه أثر ولا يعرفونه\" فهل يكون هذا سببًا في عدول الحافظ عن توثيقه؟ أتوقف في ذلك!\nأما يزيد بن عمير فهو والد أبي جعفر الخطمي (عمير بن يزيد) لم أجد له أيضًا ترجمة، وإنما ذكر العلماء رواية ابنه أبي جعفر عنه عن أبي عمير بن حبيب - ﵁ -، وهو مجهول الحال، وهو من التابعين لأنه روى عن أبيه الصحابي، وقد ذكر الحافظ في الإصابة أن ابن شاهين أخرج هذا الأثر من وجه آخر عن حماد بن سلمة قال: حدثنا أبو جعفر الخطمي قال: \"كان جدي عمير بن حبيب -وكانت له صحبة- يقول: أي بني! الإيمان يزيد وينقص\" فعلى هذا يكون قد سمع من جده، وهذه الرواية تصرح بسماع أبي جعفر من جده، ويؤيد هذا ما ذكره ابن أبي حاتم أنه روى عن جده (الجرح والتعديل ٦/ ٣٧٩)، فعلى هذا يكون الأثر صحيحًا، أو لا يقل عن درجة الحسن بأي حال -وبهذا يكون أبو جعفر من التابعين-، ومما يقوي هذا أن الإمام عبد الله بن أحمد رواه بنفس الطريق الأولى يرقم (٦٢٥) \" قال عفان: سمعت حمادًا عن عمير بن حبيب ليس فيه عن أبيه، فقلت له: إنك حدثتني عن أبيه عن جده؟ قال: أحسب أنه عن أبيه عن جده فحماد قد شك في ذلك، ورواه عنه بروايتين، إحداهما: عن عمير عن جده، والأخرى: عن عمير عن أبيه عن جده، والغالب أن روايته عن أبيه عن جده أكثر وأشهر من روايته عن جده مباشرة، لذا شك حماد، ومال في هذا الباب أن روايته هنا عن أبيه عن جده، والذي يظهر أن أبا جعفر عمير بن يزيد قد روى هذا مرة عن أبيه عن جده، ومرة عن جده، ويقوي هذا أيضًا أن الإمام اللالكائي قد أخرجه مرة عن أبي جعفر عن أبيه عن جده، ومرة عن أبي جعفر عن جده، وكذلك أخرجه الإمام الآجري بنفى الطريقين، وقد ذكر هذا الاختلاف الدكتور أحمد بن سعد بن حمدان، والله أعلم. =","vol":"1","page":367},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-135>[اختلاف عبارة السلف في الإيمان، والمعنى واحد]</span>\nوربما قال بعضهم وكثير من المتأخرين: قول وعمل ونية، وربما قال آخر: قول وعمل ونية واتباع للسنة، وربما قال: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان، أي بالجوارح، وروى بعضهم هذا مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - (١)،\n_________\n= والمصنف -﵀- ممن يرى أن رواية أبي جعفر عن جده عمير صحيحة ثابتة، لذا فهو يقول في كتاب \"الإيمان الكبير\" (١٧٧): \"فروى الناس من وجوه كثيرة مشهورة عن حماد بن سلمة عن أبي جعفر عن جده عمير بن حبيب الخطمي. . . \" ثم ذكر الأثر.\n(١) حديث موضوع كما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى، وقد رواه ابن ماجه برقم (٦٥) في المقدمة، ورواه الخطيب البغدادي عن طريق أبي الصلت الهروي عن طريق الأمير محمد بن عبد الله بن طاهر عن أبي الصلت حدث به في مجلس أبيه -وكان أمير بغداد-، وكان فيه جماعة من المحدثين، فأنكروا على أبي الصلت هذا الإسناد، فقال أبوه: \"هذا سعوط المجانين، إذا سعط به المجنون برأ\" (٥/ ٤١٩)، وفي سنن ابن ماجة أن الذي قال هذا هو أبو الصلت نفسه (سنن ابن ماجه ١/ ٢٦).\nكما رواه الخطيب من ثلاثة طرق ليس فيها أبو الصلت وهي:\nالطريق الأولى: عن عبد الله بن أحمد بن عامر عن أبيه عن علي بن موسى الرضا، وقال: إنه روى عن أبيه عن علي بن موسى الرضا عن آبائه نسخة، ولكنه نقل عن بعض العلماء ما يشير إلى توهين عبد الله هذا، وأنه كان أميًا؛ ولم يكن مرضيًا (تاريخ بغداد ٩/ ٣٨٦).\nالطريق الثانية: عن محمد بن إسحاق الهروي قال: حدثنا عبد الله بن عروة قال: حدثنا علي بن غراب قال: حدثني علي بن موسى الرضا.\nالطريق الثالثة: عن إسحاق بن أحمد بن زيرك عن محمد بن سهل بن عامر البجلي عن علي الرضا (تاريخ بغداد ١/ ٢٥٥).\nوقد اتهم أبا الصلت الهروي بوضع هذا الحديث الحافظ الدارقطني فيما ذكره الخطيب البغدادي عنه، وقال: \"لم يحدث به إلا من سرقه منه، فهو الابتداء في هذا الحديث\" (تاريخ بغداد ١١/ ٥١)، وانظر ضعيف سنن ابن ماجه برقم (١١)، والسلسلة الضعيفة برقم (٢٢٧٠) وقول الشيخ الألباني عنه إنه موضوع. ونقل الأستاذ محمد فؤاد عبد الباقى -﵀- من الزوائد قوله: \"إسناد هذا الحديث ضعيف لاتفاقهم على ضعف أبي الصلت الراوي\".\nفهذه الطرق الثلاثة كما ترى للحديث ليس فيها أبو الصلت الهروي المتهم بوضع هذا الحديث، فيحتمل أن الوضع ليس من أبي الصلت، بل من نفس النسخة التى نسبت إلى علي الرضا، ونحلها بعض الوضاعين باسمه، وقد نسب له الحافظ عدة نسخ تلقاها منه بعض من سمعه، ومن أشهرها نسخة أبي الصلت هذه، وقد =","vol":"1","page":368},{"text":"في النسخة المنسوبة إلى أبي الصلت الهروي (١) عن علي بن الرضا (٢)، وذلك من الموضوعات على النبي - ﷺ - باتفاق أهل العلم\n_________\n= ضعف العلماء هذه النسخة بسبب ما احتوته على جملة وافرة من الموضوعات والأكاذيب، قال المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في منهاج السنة (٤/ ٥٨): \"هذا ولم يأخذ عنه -يعني علي الرضا- أحد من أهل السنة، ولا روي له حديث في الكتب الستة (ما عدا الحديث المشار إليه الذي حكم عليه المؤلف نفسه بالوضع الذي أخرجه ابن ماجه) وإنما يروي له أبو الصلت وأمثاله نسخًا عن آبائه، فيها من الأكاذيب ما قد نزه الله عنه الصادقين من غير أهل البيت، فكيف بالصادقين منهم\". ويقول الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى في سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٩٢): \"وهو -أي علي الرضا- بريء من عهدة تلك النسخ الموضوعة عليه\" وقال عنه أيضًا (٩/ ٣٨٨): \"روى عنه ضعفاء أبو الصلت الهروي. . . ولا تكاد تصح الطرق إليه\"، ونقل الحافظ عن ابن السمعاني قوله: \"والخلل في رواياته -يعني علي الرضا- عن رواته، فإنه ما روى عنة إلا متروك\" (التهذيب ٧/ ٣٤٠). وقال الحافظ العراقى في تخريج الإحياء (١/ ١٤٣): \"حديث الإيمان يزيد وينقص أخرجه ابن عدي في الكامل وأبو الشيخ في كتاب الثواب من حديث أبي هريرة، وقال ابن عدى: باطل، فيه أحمد بن حرب الملحي يتعمد الكذب، وهو عند ابن ماجه موقوف على أبي هريرة وابن عباس وأبي الدرداء\"، فهذه طريق رابعة ليس فيها أبو الصلت.\nفتبين بهذا أن هذا الحديث موضوع على رسول الله - ﷺ -.\n(١) هو عبد السلام بن صالح بن سليمان القرشي مولاهم، نعته الإمام الذهبي بشيخ الشيعة، خدم علي بن موسى الرضا، أعجب به المأمون لزهده وعبادته فأدناه وجعله من خاصته، وروى عن جماعة من الأئمة، منهم الفضيل بن عياض وابن المبارك ومالك بن أنس وهشيم وغيرهم، ضعفه أهل الحديث، وبالغ بعضهم في ذمه والطعن فيه، وانفرد يحيى بن معين بتوثيقه، وعلق الذهبي على ذلك بقوله: \"جبلت القلوب على حب من أحسن إليها، وكان هذا -يعني أبا الصلت- بارًا بيحيى، ونحن نسمع من يحيى دائمًا، ونحتج بقوله في الرجال، ما لم يتبرهن لنا وهن رجل انفرد بتقويته، أو قوة من وهاه\" اتهمه العلماء بوضع بعض الأحاديث، ورواية المناكير، مات سنة ٢٣٦ هـ. الجرح والتعديل (٦/ ٤٨)، تاريخ بغداد (١١/ ٤٦) السير (١١/ ٤٤٦)، ميزان الاعتدال (٢/ ٦١٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٣٢٩)، التهذيب (١١/ ٢٨٥)، النجوم الزاهرة (٢/ ٢٨٧).\n(٢) هو أبو الحسن علي بن موسى الكاظم بن جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين الهاشمي العلوي الملقب بالرضا، أراد المأمون -وهو من عجيب ما اتفق- أن ينزل له عن الخلافة، فأبى عليه ذلك فجعله ولي العهد من بعده، =","vol":"1","page":369},{"text":"بحديثه (١)، وليس بين هذه العبارات اختلاف معنوى، ولكن القول المطلق والعمل المطلق في كلام السلف، يتناول قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-136>[معنى عبارات السلف في الإيمان]</span>\nوقول اللسان بدون اعتقاد القلب هو قول المنافقين، وهذا لا يسمى قولًا إلا [بالتقييد] (٢) كقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ بِأَلْسِنَتِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ [الفتح: ١١] وكذلك عمل الجوارح بدون أعمال القلوب، هي من أعمال المنافقين التي لا يتقبلها (٣) الله، فقول السلف يتضمن القول والعمل الباطن\n_________\n= وزوجه ابنته، وضرب اسمه على النقود، ومن أجله غير شعار العباسيين من اللون الأسود إلى الأخضر، فثار أهل بغداد وخلعوا المأمون، وولوا عمه إبراهيم بن المهدي، ولكن المأمون تمكن من القضاء على ثورتهم، ومات الرضا في حياة المأمون سنة ٢٠٣ هـ، وهو ثامن الأئمة المنسوبين عند الرافضة.\nتاريخ الطبري (٨/ ٥٤٤ - ٥٦٨)، كتاب المجروحين والضعفاء (٢/ ١٠٦)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٣٢٦)، وفيات الأعيان لابن خلكان (٣/ ٢٦٩)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣٨٧)، الكاشف (٢/ ٢٥٨)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٥٨)، التهذيب (٧/ ٢٠٨). ونشير إلى أن اسمه ورد في نسخة الأصل هكذا: علي بن الرضا، وفي (ط): علي بن أبى موسى الرضا، وفي (م): علي بن موسى الرضا، وهو الصحيح الذي أثبتناه.\n(١) لكن النصوص عن الصحابة والتابعين وأتباعهم مستفيضة على أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، منها ما رواه ابن ماجه عن جندب - ﵁ - قال: \"كنا مع رسول الله - ﷺ - فكنا فتيانًا حزاورة، فتعلمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا به إيمانًا\" (٦١) كتاب المقدمة، وقال عنه الشيخ الألباني في صحيح ابن ماجه: صحيح (١/ ١٦)، وأخرجه كذلك الإمام عبد الله فى السنة برقم (٧٩٩) وقال عنه محققه: إسناده حسن.\nومن أراد الاستزادة فعليه بكتب السنة المتقدمة، ككتاب السنة لعبد الله بن أحمد، والسنة للخلال، وشرح أصول اعتقاد أهل السنة للالكائي، والإبانة الكبرى والصغرى لابن بطة، والإيمان لابن منده، والشريعة للآجري، وتعظيم قدر الصلاة للمروزى، وغيرها من كتب السلف رضوان الله عليهم أجمعين، وعلى من تبعهم إلى يوم الدين.\n(٢) في نسخة الأصل: بالتقليد، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (م): يقبلها.","vol":"1","page":370},{"text":"والظاهر، لكن لما كان بعض الناس قد لا يفهم دخول النية في ذلك، قال بعضهم: ونية، ثم بين آخرون أن مطلق القول والعمل والنية لا يكون مقبولًا إلا بموافقة السنة، وهذا حق أيضًا فإن أولئك قالوا: قول وعمل [ليبينوا] (١) اشتماله على الجنس، ولم يكن مقصودهم ذكر صفات الأقوال والأعمال، وكذلك قول من قال: اعتقاد بالقلب وقول باللسان وعمل بالجوارح، جعل القول والعمل اسمًا لما يظهر، فاحتاج أن يضم إلى ذلك اعتقاد القلب، ولا بد أن يدخل في قوله: اعتقاد القلب أعمال القلب المقارنة لتصديقه، مثل حب الله، وخشية الله، والتوكل على الله، ونحو ذلك، فإن دخول أعمال القلوب (٢) في الإيمان أولى من دخول أعمال الجوارح باتفاق الطوائف كلها.\nوكان بعض الفقهاء من أتباع التابعين لم يوافقوا في إطلاق النقصان عليه لأنهم وجدوا ذكر الزيادة في القرآن، ولم يجدوا ذكر النقص، وهذا أحد (٣) الروايتين عن مالك، والرواية الأخرى عنه (٤)، وهو المشهور عند أصحابه كقول سائرهم أنه يزيد وينقص، وبعضهم عدل عن لفظ الزيادة والنقصان إلى لفظ التفاضل، فقال: أقول: الإيمان يتفاضل ويتفاوت، ويروى هذا عن ابن المبارك (٥)، وكان مقصوده الإعراض عن لفظ وقع فيه\n_________\n(١) في نسخة الأصل: ليتبينوا، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"القلب\".\n(٣) في (م) و(ط): \"إحدى\".\n(٤) روى الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة برقم (٦٣٦) عن عبد الله بن نافع قال: كان مالك يقول: \"الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\". وقال محقق الكتاب: \"إسناده صحيح\" (السنة ١/ ٣١٧)، وقد رواه الإمام اللالكائى برقم (١٧٤٢) والإمام الآجري في الشريعة (ص ١١٨).\nوممن ذكر القولين عن الإمام مالك، الحافظ أبو عمر ابن عبد البر في التمهيد (٩/ ٢٥٢).\nوذكر الإمام الذهبي عن القاضي عياض قوله: \"وقال غير واحد عن مالك: الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، وبعضه أفضل من بعض\" ونقل أيضًا رواية أخرى عن ابن القاسم وهي: \"كان مالك يقول: الإيمان يزيد، وتوقف عن النقصان\" سير أعلام النبلاء (٨/ ١٠٢).\n(٥) هو عبد الله بن المبارك بن واضح أبو عبد الرحمن المروزي الحنظلي مولاهم، نعته الإمام الذهبي بشيخ الإسلام، عالم زمانه، وأمير الأتقياء فى وقته، كان -﵀- =","vol":"1","page":371},{"text":"النزاع إلى معنى لا ريب في ثبوته (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-137>[مذهب مرجئة الفقهاء]</span>\nوأنكر حماد بن أبي سليمان (٢) ومن اتبعه تفاضل الإيمان، ودخول الأعمال فيه والاستثناء فيه، وهؤلاء هم (٣) مرجئة الفقهاء.\nوأما إبراهيم النخعي (٤) إمام أهل الكوفة شيخ حماد بن أبي سليمان\n_________\n= من أئمة المسلمين وعلمائهم، اتفقت الأمة على توثيقه وإمامته وفضله، روى عن خلق من التابعين، وأكثر من الترحال في طلب العلم، وأخذ عنه الحديث والعلم خلق كثير، وصنف التصانيف النافعة، كان - ﵁ - كثير الغزو والجهاد والرباط في الثغور، ذا مال كثير ورزق واسع وتجارة رابحة، ينفق منه على علماء عصره، وطلاب الحديث، قال عنه سفيان بن عيينة: \"نظرت في أمر الصحابة، وأمر عبد الله، فما رأيت لهم عليه فضلًا إلا بصحبتهم النبي - ﷺ -، وغزوهم معه\" قال أبو عمر بن عبد البر: \"أجمع العلماء على قبوله وجلاله وإمامته وعدله\" وفضائله -﵀- كثيرة، فإنه من أئمة السلف، وأعلام الأمة، وتوفي سنة ١٨١ هـ، حلية الأولياء (٨/ ١٦٢)، الجرح والتعديل (٥/ ١٧٩)، تاريخ بغداد (١٠/ ١٥٢)، وفيات الأعيان (٣/ ٣٢)، تذكرة الحفاظ (١/ ١٧٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٣٧٨)، البداية والنهاية (١٠/ ١٨٤)، تهذيب التهذيب (٢/ ١٧٧).\n(١) روى الإمام عبد الله في كتاب السنة برقم (٦٣١) ممن سمع ابن المبارك يقول: \"الإيمان قول وعمل، والإيمان يتفاضل\" (١/ ٣١٦)، ورواه الإمام اللالكائي برقم (١٧٤٧) وروى الإمام عبد الله مثل ذلك عن النضر بن شميل برقم (٦٣٢) ١/ ٣١٦. وانظر هذه الأقوال في فتح الباري للحافظ ابن رجب -﵀- (١/ ٨).\n(٢) هو أبو إسماعيل حماد بن مسلم الكوفي مولى الأشعريين، أصله من أصبهان، روى عن أنس بن مالك، وتفقه بإبراهيم النخعي، وهو من كبار شيوخ أبي حنيفة -﵀-، وهو من أئمة مرجئة الفقهاء، ولذا نفر منه السلف واجتنبوه، توفي سنة ١٢٠ هـ.\nالجرح والتعديل (٣/ ١٤٦)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٣١)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٤).\n(٣) في (ط): \"من\" بدل \"هم\".\n(٤) هو أبو عمران إبراهيم بن يزيد النخعي اليماني الكوفي، فقيه العراق، أحد أعلام السلف، من كبار أتباع التابعين، ويعد من صغار التابعين لأنه أدرك بعض الصحابة لكنه لم يرو عنهم، وإنما روايته عن كبار التابعين، تتلمذ عليه خلق كثير، منهم حماد بن أبي سليمان، ولكنه لم يأذن له في مجالسته بعد أن قال بالإرجاء.\nالجرح والتعديل (٢/ ١٥٥)، حلية الأولياء (٤/ ٢١٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٦٩)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢٠)، البداية والنهاية (٩/ ١٤٦)، تهذيب التهذيب (١/ ١٥٥).","vol":"1","page":372},{"text":"وأمثاله، ومن قبله من أصحاب ابن مسعود كعلقمة (١) والأسود (٢)، فكانوا من أشد الناس مخالفة للمرجئة، وكانوا يستثنون في الإيمان، لكن حماد بن أبي سليمان خالف سلفه، واتبعه من اتبعه، ودخل في هذا طوائف من أهل الكوفة ومن بعدهم.\nثم إن السلف والأئمة اشتد إنكارهم على هؤلاء وتبديعهم وتغليظ القول فيهم ولم أعلم أحدًا منهم نطق بتكفيرهم، بل هم متفقون على أنه (٣) لا يكفرون في ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>[إنكار السلف على المرجئة، مع عدم تكفيرهم]</span>\nوقد نص أحمد وغيره من الأئمة على عدم تكفير هؤلاء المرجئة (٤)، ومن نقل عن أحمد أو غيره من الأئمة تكفيرًا لهؤلاء، أو جعل هؤلاء من\n_________\n(١) هو علقمة بن قيس النخعي الهمداني أبو شبل، من فقهاء التابعين في العراق، وهو من كبار أصحاب ابن مسعود - ﵁ -، وهو عم الأسود بن يزيد -الآتية ترجمته- يعتبر من المخضرمين، وحدث عن كبار الصحابة مثل عمر وعثمان وعلي وسعد وحذيفة، ولازم ابن مسعود وتفقه عليه، وجود القرآن عليه، تصدر للإمامة والفتيا بعد علي وابن مسعود - ﵄ -، اختلف في زمن وفاته -﵀-، وأقرب الأقوال في ذلك سنة ٦٢ هـ.\nالجرح والتعديل (٦/ ٤٠٤)، حلية الأولياء (٢/ ٩٨)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٥)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٢)، البداية والنهاية (٨/ ٢١٩)، تهذيب التهذيب (٧/ ٢٤٧).\n(٢) هو الأسود بن يزيد بن قيس النخعي أبو عمرو الكوفي، من كبار التابعين، كان عالم الكوفة في عصره، وهو من أعيان أصحاب ابن مسعود وأكابرهم، وهو ابن أخي علقمة، وخال إبراهيم النخعي، وهو من المخضرمين أدرك الجاهلية والإسلام، وروى عن خلق من الصحابة، كان عابدًا زاهدًا، يضرب بعبادته المثل، مات على الأرجح سنة ٧٥ هـ.\nالجرح والتعديل (٢/ ٢٩١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٤٨)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٥٠)، البداية والنهاية (٩/ ١٣)، تهذيب التهذيب (١/ ٢٩١).\n(٣) في (م) و(ط): \"أنهم\".\n(٤) روى الخلال بسنده عن إسماعيل بن سعيد قال: سألت أحمد: هل تخاف الكفر على من قال: الإيمان قول بلا عمل؟ فقال: لا يكفرون بذلك، ورقمه (٩٨٨) ص ٥٧٤، وقال محقق الكتاب: \"في إسناده موسى بن سهل\" وذكر قبل ذلك أنه لم يجد ترجمته ص ٥٦١. ولكن عدم تكفير هؤلاء المرجئة مستفيض عن السلف رحمهم الله تعالى كما ذكر المؤلف.","vol":"1","page":373},{"text":"أهل البدع المتنازع في تكفيرهم، فقد غلط غلطًا عظيمًا، والمحفوظ عن أحمد وأمثاله من الأئمة إنما هو تكفير الجهمية المشبهة (١) وأمثال هؤلاء، ولم يكفر أحمد الخوارج ولا القدرية إذا أقروا بالعلم، وأنكروا خلق الأفعال، وعموم المشيئة (٢)، لكن حكي عن أحمد (٣) في تكفيرهم [روايتان] (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>[تكفير الجهمية لا يقتضي تكفير أعيانهم]</span>\nوأما المرجئة فلا يختلف قوله في عدم تكفيرهم، مع أن أحمد لم\n_________\n(١) لم يتبين لي مراد المؤلف -﵀- بالجهمية المشبهة، اللهم إلا إذا كان من باب أن كل معطل مشبه، والجهمية أشد الناس تعطيلًا، فشبهوا الله حينئذ بالمعدوم تعالى الله عن قول الظالمين والجاهلين علوًا كبيرًا.\nيقول المصنف في رسالته التدمرية (١٦) بعد أن ذكر مذهب الجهمية وغيرهم في الصفات: \"فقولهم يستلزم غاية التعطيل، وغاية التمثيل، فإنهم يمثلونه بالممتنعات والمعدومات والجمادات. . . فإنهم شبهوه بالممتنعات\". أو قد تكون العبارة كالتالي: الجهمية والمشبهة، فتكون الواو ساقطة، لأن السلف كفروا المشبهة أيضًا، والله أعلم.\n(٢) القدرية قسمان: القدرية الأوائل أتباع معبد الجهني وغيلان الدمشقي الذين قالوا: لا قدر والأمر أنف، أي أن الله -﷿- عن قول الظالمين- لا يعلم بالأمر إلا بعد وقوعه، وهؤلاء أنكروا العلم، فلم يختلف السلف في تكفيرهم، ونقل الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى عن الإمام القرطبي أن هؤلاء قد انقرضوا، وأما القدرية المتأخرون فهم المعتزلة، وأقر جمهورهم بالعلم، ولكنهم أنكروا خلق أفعال العباد، وعموم المشيئة، وهؤلاء الراجح عند أهل العلم عدم تكفيرهم، كما بين المصنف ذلك.\nويقول المصنف عن هاتين الطائفتين في الإيمان الكبير: \"وقول أولئك (يعني القدرية الأوائل) كفرهم عليه مالك والشافعي وأحمد وغيرهم، وأما هؤلاء (ويعني بهم المعتزلة) فهم مبتدعون ضالون، لكنهم ليسوا بمنزلة أولئك\" مجموع الفتاوى (٧/ ٣٨٥)، وانظر كذلك المصدر السابق (٧/ ٣٨١)، وفتح الباري (١/ ١١٩).\n(٣) في (م) و(ط): \"حكي عنه\".\n(٤) في نسخة الأصل: روايتين وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\nوقال الخلال: وأخبرني أبو بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله يسأل عن من قال: إن من الأشياء شيئًا لم يخلق الله! هذا يكون مشركًا؟ قال: إذا جحد العلم فهو مشرك يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، إذ قال: إن الله -﷿- لا يعلم الشيء حتى يكون. ورقمه (٩٣٩) ص ٥٥٨.","vol":"1","page":374},{"text":"يكفر أعيان الجهمية (١)، ولا كل من قال: إنه جهمي كفره، ولا كل من وافق الجهمية في بعض بدعهم كفره، بل صلى خلف الجهمية الذين دعوا إلى قولهم وامتحنوا الناس، وعاقبوا من لم يوافقهم بالعقوبات الغليظة، لم يكفرهم أحمد وأمثاله، بل كان يعتقد إيمانهم وإمامتهم، ويدعو لهم، ويرى لهم (٢) الائتمام بهم في الصلاة خلفهم، والحج، والغزو معهم، والمنع من الخروج عليهم، ما يراه لأمثالهم من الأئمة، وينكر ما أحدثوه (٣) من القول الباطل، الذي هو كفر عظيم، وإن لم يعلموا هم أنه كفر، كان (٤) ينكره، ويجاهدهم على رده بحسب الإمكان، فيجمع بين طاعة الله ورسوله في إظهار السنة والدين، وإنكار بدع الجهمية الملحدين، وبين رعاية حقوق المؤمنين من الأئمة والأمة، وإن كانوا جهالًا مبتدعين، وظلمة فاسقين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>[مذهب أبي حنيفة وابن كلاب في الإيمان]</span>\nوهؤلاء المعروفون من الفقهاء (٥) مثل حماد بن أبي سليمان، وأبي حنيفة (٦) وغيرهما من فقهاء الكوفة، كانوا يجعلون قول اللسان، واعتقاد\n_________\n(١) هذا من أهم أصول عقيدة أهل السنة والجماعة في التكفير، وهو أن تكفير المعينين أو لعنهم لا بد فيه من تحقق شروط، وانتفاء موانع، فقد يطلق الحكم بالتكفير، أو اللعن مجملًا، لمن فعل ما يعد كفرًا، أو لعن فاعله، ولكن تكفير المعين أو لعنه يتوقف فيه كما قلنا على أمور أخرى، فالرسول الكريم - ﷺ - لعن عمومًا شارب الخمر وعاصرها ومعتصرها وبائعها ومشتريها، ولكنه نهى عن لعن عبد الله حمار الذي أتي به فجلده، فلعنه بعضهم، فنهاه النبي - ﷺ -، وأخبر أنه يحب الله ورسوله، وقد تقدم هذا الحديث. ويقول المؤلف رحمه الله تعالى في مجموع الفتاوى (١٠/ ٣٧٢): \"فإن نصوص الوعيد التي في الكتاب والسنة، ونصوص الأئمة بالتكفير والتفسيق ونحو ذلك لا يستلزم ثبوت موجبها في حق المعين، إلا إذا وجدت الشروط وانتفت الموانع\".\n(٢) كلمة \"لهم\" ساقطة من (ط).\n(٣) في (م) و(ط): \"أحدثوا\".\n(٤) في (ط): \"وكان\".\n(٥) \"من الفقهاء\" ليست في (ط).\n(٦) قد ثبت عن جماعة من السلف رحمهم الله تعالى أن أبا حنيفة كان من مرجئة الفقهاء الذين يقولون: إن الإيمان تصديق بالقلب، وإقرار باللسان، انظر على سبيل المثال بعض الآثار في كتاب السنة للإمام عبد الله بن أحمد وهي بأرقام: (٢٣٣)، (٢٥٨)، (٣٠٣)، (٣٦٨) وغيرها، وأسانيدها بين الصحيح والحسن كما فال محقق الكتاب.\nولعل أبا حنيفة رحمه الله تعالى قد رجع عن هذا القول، ومما يستأنس به لهذا =","vol":"1","page":375},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-141>[مذهب الجهمية في الإيمان وتكفير من قال به]</span>\nالقلب من الإيمان، وهو قول أبي محمد بن كلاب (١) وأمثاله (٢)، ولم يختلف قولهم في ذلك، ولا نقل عنهم أنهم قالوا: الإيمان مجرد تصديق القلب، لكن هذا القول حكوه عن الجهم بن صفوان (٣) ذكروا أنه قال:\n_________\n= القول ما ذكره ابن أبي العز عن الطحاوي أن أبا حنيفة ناظره حماد بن زيد وذكر له حديث: (أي الإسلام أفضل) إلى آخره، وقال له: ألا تراه يقول: أي الإسلام أفضل؟ قال: الإيمان، ثم جعل الهجرة والجهاد من الإيمان! ! فسكت أبو حنيفة، فقال له أصحابه: ألا تجيبه يا أبا حنيفة؟ قال: بم أجيبه؟ وهو يحدثني بهذا عن رسول الله - ﷺ -. شرح العقيدة الطحاوية (٢/ ٤٩٤) وهذه القصة قد رواها الإمام ابن عبد البر في \"التمهيد\" (٩/ ٢٤٧).\n(١) هو عبد الله بن سيد بن كلاب القطان البصري أبو محمد، مؤسس فرقة الكلابية، قال عنه الإمام الذهبي: \"رأس المتكلمين في البصرة في زمانه\" كان كثير المناظرة للمعتزلة، وصنف في الرد عليهم، وربما وافقهم في بعض بدعهم، اتهم بأنه ابتدع ما ابتدعه ليظهر دين النصرانية، وضعف ذلك شيخ الإسلام والحافظ الذهبي، وذكر المؤلف أن هذا كذب افتراه عليه المعتزلة والجهمية الذين رد عليهم ويقول -﵀-: \"وصار ينقل هذا من ليس من المعتزلة من السالمية، ويذكره أهل الحديث والفقهاء الذين ينفرون عنه لبدعته في القرآن، ويستعينون بمثل هذا الكلام الذي هو من افتراء الجهمية والمعتزلة عليه، ولا يعلم هؤلاء أن الذين ذموه بمثل هذا هم شر منه، وهو خير وأقرب إلى السنة منهم\" له من التصانيف كتاب \"الصفات\" وكتاب \"خلق الأفعال\"، وكتاب \"الرد على المعتزلة\" اختلف في سنة وفاته، والمؤكد أنها كانت بعد عام ٢٤٠ هـ.\nمجموع الفتاوى (٥/ ٥٥٥)، لسان الميزان (٣/ ٢٩٠)، سير أعلام النبلاء (١١/ ١٧٤).\n(٢) يذكر البغدادي عن ابن كلاب أنه كان يقول: \"إن الإيمان هو الإقرار بالله -﷿- وبكتبه وبرسله إذا كان ذلك عن معرفة وتصديق بالقلب، فإن خلا الإقرار عن المعرفة بصحته لم يكن إيمانًا\" أصول الدين (١٤٩).\n(٣) هو الجهم بن صفوان أبو محرز الراسبي مولاهم، السمرقندي، رأس الضلالات، وأسُّ الابتداعات، له في كل أصل من أصول البدع الشنيعة أوفر الحظ والنصيب، كان منكرًا للصفات، يقول بخلق القرآن، وينكر رؤية الله في الدار الآخرة بالأبصار، وأن الله -تعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- في كل مكان، وقال بالجبر الخالص، وأن الجنة والنار تفنيان، إلى آخر هذه البدع الغليظة، والمحدئات الفظيعة، وقتل سنة ١٢٨ هـ في أواخر دولة بني أمية بسبب خروجه مع الحارث بن سريج، قتله نصر بن سيار، وقيل إن الذي قتله هر سلم بن أحوز لأنه أنكر عليه بعض بدعه ومفترياته كإنكار الجهم أن الله -﷿- كلم موسى، ذكر ذلك الحافظ الذهبي، والأول أشهر، ذكره من المؤرخين ابن جرير =","vol":"1","page":376},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>[لوازم مذهب الجهمية في الإيمان]</span>\nالإيمان مجرد معرفة القلب، وإن لم يقر بلسانه، واشتد [نكيرهم] (١) لذلك (٢)، [حين] (٣) أطلق وكيع بن الجراح (٤)، وأحمد بن حنبل وغيرهما كفر من قال ذلك، فإنه من أقوال الجهمية (٥)، وقالوا: إن فرعون وإبليس\n_________\n= وابن كثير، لكن روى الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتاب السنة عن يزيد بن هارون (برقم ١٨٩) أن الجهم ترك الصلاة أربعين يومًا يزعم أنه يرتاد دينًا، شكًا منه في الإسلام، فقتله سلم بن أحوز على هذا القول، وسنده صحيح كما قال محقق الكتاب، وذكر الأشعري هذا القول، وقال الإمام البخاري في \"خلق أفعال العباد\" (٢٢): \"يقال: سلم بن أحوز هو الذي قتل جهمًا\".\nوقد أطال الحافظ ابن حجر -﵀- في ترجمة الجهم، والله أعلم.\nفتح الباري (١٣/ ٣٤٥)، تاريخ ابن جرير (٧/ ٢٢٠) وما بعدها، مقالات الإسلاميين (١/ ٢٣٨)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٦)، ميزان الاعتدال (١/ ٤٢٦)، الملل والنحل (٨٦)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٨).\n(١) في نسخة الأصل: نكرهم، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) ذكر أبو الحسن الأشعري -﵀- في المقالات (١/ ٢١٤) الجهمية في أول فرق المرجئة وأن الإيمان بالله عندهم: \"هو المعرفة بالله وبرسله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما، والخوف منهما -كذا قال وهو خطأ، فالخوف عبادة لا تصرف إلا الله- والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل، وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده\" وذكر الشهرستاني نحوًا من ذلك (٨٨)، وذكر الذهبي أن جهمًا أخزاه الله كان يقول: \"الإيمان عقد بالقلب، وإن تلفظ بالكفر\" سير أعلام النبلاء (٦/ ٢٧).\n(٣) في (م) و(ط): \"حتى\".\n(٤) هو وكيع بن الجراح بن مليح بن عدي الرؤاسي، الإمام الحافظ، كان من بحور العلم وأئمة الحفظ كما قال الذهبي، روى عن عدد كبير من التابعين، وروى عنه جماعة من الأئمة على رأسهم الإمام أحمد وابن معين وعبد الرحمن بن مهدي وغيرهم، كان الإمام أحمد يعظمه ويجله، ويعجب من قوة حفظه. مات -﵀- سنة ١٩٦ هـ. الجرح والتعديل (١/ ٢١٩)، حلية الأولياء (٨/ ٣٦٨)، تاريخ بغداد (١٣/ ٤٦٦)، تذكرة الحفاظ (١/ ٣٠٦)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٤٠)، ميزان الاعتدال (٤/ ٣٣٥).\n(٥) ذكر الإمام البخاري عن وكيع رحمة الله عليهما في كتابه \"خلق أفعال العباد\" (٣٤) قوله: \"والجهمية كفار والمريسي جهمي وعلمتم كيف كفروا، قالوا: يكفيك المعرفة، وهذا كفر\"، وروى الحافظ ابن بطة في \"الإبانة\" (٢/ ٩٠٣) نحوًا منه.\nوروى الخلال -﵀- بسنده رقم (٩٨٠) أن حمدان الوراق قال: سألت أحمد وذكر =","vol":"1","page":377},{"text":"وأبا (١) طالب واليهود وأمثالهم، عرفوا بقلوبهم، وجحدوا بألسنتهم فهل (٢) كانوا مؤمنين؟\nوذكروا قول الله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤].\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ [البقرة: ١٤٦].\nوقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣]. وقالوا: إبليس لم يكذب خبرًا، ولم يجحد، فإن الله أمره بلا رسول، ولكن عصى واستكبر، فكان (٣) كافرًا من غير تكذيب في الباطن، وتحقيق هذا مبسوط في غير هذا الموضع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>[مذهب الكرامية في الإيمان]</span>\nوحدث بعد هذا قول الكرامية (٥): إن الإيمان قول اللسان، دون تصديق القلب مع قولهم: إن مثل هذا يعذب في الآخرة، ويخلد في النار.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>[مذهب الصالحي والأشعري في المشهور عنه]</span>\nوقال أبو عبد الله الصالحي (٦): إن الإيمان هو مجرد تصديق القلب\n_________\n= عنده المرجئة، فقلت له: إنهم يقولون: إذا عرف الرجل ربه بقلبه فهو مؤمن، فقال: المرجئة لا تقول هذا، بل الجهمية تقول بهذا، المرجئة تقول: حتى يتكلم بلسانه، وتعمل جوارحه، والجهمية تقول: إذا عرف ربه بقلبه وإن لم تعمل جوارحه، وهذا كفر، إبليس قد عرف ربه فقال: ﴿رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ [الحجر: ٣٩] وقال محققه الدكتور عطية الزهراني: \"إسناده صحيح\". السنة (٥٧١).\nواعتبر الإمام أبو عبيد في كتاب الإيمان (٣١) قول القائلين في الإيمان بأنه المعرفة منسلخًا من أقوال أهل الملة.\n(١) في نسخة الأصل: أبو، وهو خطأ.\n(٢) في (ط): \"فقد\".\n(٣) في (ط): \"وكان\".\n(٤) انظر: \"الإيمان الكبير\" (١٨٩ - ١٩٣).\n(٥) تقدم التعريف بالكرامية وتوضيح مذهبهم ص ٣٠٩ من هذا الكتاب.\n(٦) نسب الشهرستاني فرقة الصالحية -ضمن كلامه عن فرق المرجئة- إلى صالح بن عمر الصالحي، وأما الأشعري فقد نسب الفرقة الثانية من المرجئة إلى أبي الحسين الصالحي، ولا أدري هل هذان اسمان لشخص واحد، أم لشخصين! وقد قال الشهرستاني عند كلامه على الصالحية: \"أصحاب صالح بن عمر الصالحي، والصالحي، ومحمد بن شبيب، وأبو شمر، وغيلان، كلهم جمعوا بين القدر =","vol":"1","page":378},{"text":"ومعرفته، لكن له لوازم، فإذا ذهبت دل ذلك على عدم تصديق القلب، وإن كل قول أو عمل ظاهر دل الشرع على أنه كفر، كان ذلك، لأنه دلل على عدم تصديق القلب ومعرفته، وليس الكفر إلا تلك الخصلة الواحدة، وليس الإيمان إلا مجرد التصديق الذي في القلب والمعرفة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>[الأشاعرة من المرجئة]</span>\nوهذا أشهر قولي (١) أبى الحسن الأشعري (٢)، وعليه أصحابه\n_________\n= والإرجاء\" والذي يظهر من هذا أنهما شخصان، والله أعلم، والمتبادر إلى الذهن أن المؤلف يقصد هنا أبا الحسين الصالحي الذي ذكره الأشعري، لأنه أورد كلام الأشعري عن فرق المرجئة بالتفصيل بعد ذلك، والله أعلم.\n(١) في نسخة الأصل: قول، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) أبو الحسن الأشعري هو علي بن إسماعيل بن أبي بشر إسحاق، ينتهي نسبه إلى الصحابي الجليل أبي موسى الأشعري، - ﵁ -، نعته الذهبي بإمام المتكلمين، اختلف في سنة ولادته، والأكثرون على أنها كانت في سنة ٢٦٠ هـ، عاش في البصرة وبغداد، نشأ على مذهب الاعتزال، وتتلمذ على بعض شيوخ المعتزلة، منهم زوج أمه أبو علي الجبائى، وذكر أنه بقي على مذهب المعتزلة أربعين عامًا، ذكر ذلك أبو نصر السجزي عن خلف المعلم أحد فقهاء المالكية. انظر: \"رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت\" (١٤٠).\nوذكره كذلك ابن عساكر في \"التبيين\" (١٩)، ثم أظهر التوبة وانخلع من مذهبهم، وتابع ابن كلاب في أكثر مسائله، وحاول جاهدًا نصرة أهل السنة، وأن يعود إلى مقالتهم، ولكن رجوعه إلى مذهبهم لم يكن كاملًا، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية -﵀-: \"وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب، ومال إلى أهل السنة والحديث، وانتسب إلى الإمام أحمد، كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها، كالإبانة والموجز والمقالات وغيرها، وكان مختلطًا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم\" درء التعارض (٢/ ١٦) وهذا هو الرأي الذي نصره ابن حزم وابن تيمية وابن القيم وابن أبي العز شارح الطحاوية، ورأى بعضهم أنه قد رجع إلى مذهب أهل السنة رجوعًا كاملًا، والله أعلم، وانظر حول ذلك تحقيق الدكتور عبد الرحمن المحمود لهذه القضية الهامة فى كتابه \"موقف ابن تيمية من الأشاعرة\" (١/ ٣٧٧) وما بعدها، وقد ألف الأشعري رحمه الله تعالى جملة وافرة من المؤلفات، من أهمها: مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، رسالة إلى أهل الثغر، الإبانة عن أصول الديانة، وكتاب تفسير القرآن، اللمع في الرد على أهل الزيغ والبدع وغيرها، وقد توفي أبو الحسن سنة ٣٣٠ هـ على ما رجحه الحافظ ابن عساكر -﵀-.\nتبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، تاريخ بغداد =","vol":"1","page":379},{"text":"كالقاضي أبي بكر، وأبي المعالي (١)، وأمثالهما، ولهذا عدهم أهل المقالات من المرجئة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>[القول الثاني للأشعري الذي وافق فيه السلف]</span>\nوالقول الآخر عنه كقول السلف وأهل الحديث: أن الإيمان قول وعمل وهو اختيار طائفة من أصحابه (٢)، ومع هذا فهو وجمهور أصحابه على قول أهل الحديث في الاستثناء في الإيمان (٣).\n_________\n= (١١/ ٣٤٦)، الكامل (٨/ ٣٩٢)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٨٥)، العبر (٢/ ٢٠٢)، الملل والنحل (٩٤)، البداية والنهاية (١١/ ١٨٧)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ٣٤٧).\n(١) هو عبد الملك بن عبد الله بن يوسف الجويني النيسابوري، أبو المعالي، الملقب بإمام الحرمين، نعته الذهبي بالإمام الكبير شيخ الشافعية، ولد سنة ٤١٩ هـ، وتتلمذ على جماعة منهم والده أبو محمد الجوينى، وأبو نعيم الأصبهاني وغيرهما، وقد تتلمذ على يديه أبو حامد الغزالي، وأبو القاسم الأنصاري -صاحب شرح \"الإرشاد\" لشيخه أبي المعالي-، وأبو نصر القشيري، والكيا الهراسي، وغيرهم، نفي من نيسابور، وتصدر للتدريس في نظاميتها، له من التصانيف: الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد، الشامل في أصول الدين، العقيدة النظامية، الورقات في أصول الفقه، البرهان في أصول الفقه، نهاية المطلب في المذهب، وغيرها، وقد أظهر الندم على توغله في علم الكلام، وأسف على ذلك غاية الأسف، وأنه ما جنى إلا حيرة وجهلًا، وأوصى في بعض كتبه باتباع مذهب السلف، توفي أبو المعالي سنة ٤٧٨ هـ.\nتبيين كذب المفتري (٥٧٨ - ٢٨٥)، الكامل (١٠/ ١٤٥)، العبر (٣/ ٢٩١)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٤٦٨)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٦٥)، شذرات الذهب (٣/ ٣٥٨)، ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (١٦/ ٨٥)، البداية والنهاية (١٢/ ١٣٦).\n(٢) ذهب الأشعري في كتابه \"الإبانة\" ص (٢٧) إلى موافقة السلف والقول بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، وذهب في اللمع (ص ٧٥) وغيره من كتبه، وهو المشهور من مذهبه، وعليه أكثر أصحابه كما قال المؤلف، إلى أن الإيمان مجرد التصديق.\n(٣) الأشاعرة مختلفون في الاستثناء في الإيمان منهم من يستثني، ومنهم من لا يستثني، وإن كان المؤلف -﵀- قد ذكر أن جمهور أصحاب الأشعري على جواز الاستثناء في الإيمان أو وجوبه، وقد حكى هذا الخلاف أبو منصور البغدادي من علماء الأشاعرة فقال: \"والقائلون بأن الإيمان هو التصديق من أصحاب الحديث (أي من الأشاعرة) مختلفون في الاستثناء فيه: فمنهم من يقول به، وهو اختيار شيخنا أبي سهل محمد بن سليمان الصعلوكي، وأبي بكر محمد بن الحسين بن =","vol":"1","page":380},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= فورك، ومنهم من ينكره، وهذا اختيار جماعة من شيوخ عصرنا، منهم أبو عبد الله بن مجاهد، والقاضي أبو بكر محمد بن الطيب الأشعري، وأبو إسحاق إبراهيم بن محمد الإسفرايني\" أصول الدين ص (٢٥٣)، والغزالي يصحح الاستثناء، وله عنده أربعة وجوه: أولًا: عدم تزكية النفس، وثانيًا: التأدب مع الله تعالى، وإحالة الأمور كلها إلى مشيئته -﷿-، وثالثًا: الشك في كمال الإيمان لا في أصله، ورابعًا: باعتبار الموافاة وخاتمة الإيمان، وبعد أن ذكر هذه الوجوه الأربعة قال: \"فهذه وجوه حسن الاستثناء في الجواب عن الإيمان\" إحياء علوم الدين (١/ ١٤٨)، ويقول عمر بن محمد النسفي في العقائد النسفية (١٦٢): \"الأولى ترك الاستثناء للشك في العاقبة والمآل\"، وذكر في موضع آخر (١٦٣) أن بعض الأشاعرة قال به، بناء على أن العبرة في الإيمان والكفر والسعادة والشقاوة بالخاتمة، ويقول الشيخ محمد بن أحمد السفاريني في \"لوامع الأنوار البهية\": \"ونحن معشر الأثرية ومن وافقنا من الأشعرية وغيرهم في إيماننا الذي تقدم تعريفه نستثني\" (١/ ٤٣٢).\nبقي أن نشير في هذا المقام إلى قضيتين هامتين مترابطتين:\n(الأولى): تناقض الأشاعرة الذين يستثنون في الإيمان كما بين المؤلف بين المشهور من مذهبهم في الإيمان وهو التصديق، وبين قولهم بالاستثناء فيه، وإيضاح تناقضهم هو أنهم قالوا: إن الإيمان هو التصديق، ثم أنهم يقولون بالاستثناء فيه، بزعمهم أن الإيمان في الشرع هو: ما يوافي به العبد ربه، يقول المؤلف رحمه الله تعالى في \"الإيمان الكبير\": \"ثم أكثر المتأخرين الذين نصروا قول جهم (أي في الإيمان وهو القول بأنه التصديق) يقولون بالاستثناء في الإيمان ويقولون: الإيمان في الشرع هو: ما يوافي به العبد ربه. . . وإن كان في اللغة أعم من ذلك، فجعلوا في مسألة الاستثناء مسمى الإيمان ما ادعوا أنه مسماه في الشرع، وعدلوا عن اللغة، فهلا فعلوا هذا في الأعمال\" مجموع الفتاوى (٧/ ١٤٣).\nالثانية: أن الأشاعرة في قولهم بالاستثناء في الإيمان ظنوا أن مأخذهم فيه، هو نفس مأخذ السلف، وهذا خطأ، يقول المؤلف -﵀- أيضًا في \"الإيمان الكبير\" (٧/ ١٤٣): \"ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة، بخلاف دلالته على أنه لا يسمى إيمانًا، إلا ما مات الرجل عليه، فإنه ليس في الشرع ما يدل على هذا، وهو قول محدث لم يقله أحد من السلف، لكن هؤلاء ظنوا أن الذين استثنوا في الإيمان من السلف كان هذا مأخذهم\".\nوقد ذكرنا سابقًا أن مأخذ عامة السلف الذين جوزوا الاستثناء هو الخوف من نسبة الإنسان نفسه إلى الإيمان المطلق الذي هو فعل كل المأمورات، وترك كل المحرمات، وأنه بهذا الاعتبار يشهد لنفسه بأنه من الأبرار، وهذه من تزكية النفس التي لا تجوز.","vol":"1","page":381},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>[مأخذ الاستثناء عند الأشعري]</span>\nوالإيمان المطلق عنده ما تحصل به الموافاة، والاستثناء عنده يعود إلى ذلك، [لا] (١) إلى الكمال والنقصان والحال، وقد منع أن [يطلق] (٢) القول بأن الإيمان مخلوق، أو غير مخلوق (٣)، وصنف في ذلك مصنفًا معروفًا ذلك (٤) عند أهل السنة في كتاب \"المقالات\"، وقال إنه يقول بقولهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>[مذهب الماتريدي في الإيمان]</span>\nوقد ذهب طائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة، كأبي منصور الماتريدي (٥) وأمثاله إلى نظير هذا القول في الأصل، وقالوا: إن الإيمان هو ما في القلب، وأن القول الظاهر شرط لثبوت أحكام الدنيا، لكن هؤلاء يقولون بالاستثناء ونحو ذلك، كما عرف من أصلهم (٦).\n_________\n(١) \"لا\" ليست في نسخة الأصل.\n(٢) في نسخة الأصل: \"مطلق\". والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) ذكر الأشعري هذا القول في معرض حكايته لقول أصحاب الحديث وأهل السنة، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٧)، أما الماتريدي فقد مال إلى أنه مخلوق، كتاب التوحيد (٣٨٦)، ولشيخ الإسلام ابن تيمية -﵀- تفصيل في مجموع الفتاوى (٧/ ٦٦٤) حيث يقول: \"وإذا قال: الإيمان مخلوق أو غير مخلوق؟ قيل له: ما تريد بالإيمان؟ أتريد به شيئًا من صفات الله وكلامه، كقوله لا إله إلا الله، وإيمانه الذي دل عليه اسمه المؤمن، فهو غير مخلوق، أو تريد شيئًا من أفعال العباد وصفاتهم، فالعباد كلهم مخلوقون، وجميع أفعالهم وصفاتهم مخلوقة. . . \".\n(٤) كلمة \"ذلك\" ليست في (ط).\n(٥) أبو منصور الماتريدي هو محمد بن محمد بن محمود، من أئمة علماء الكلام، وسمي بالماتريدي نسبة إلى محلة ماتريد بسمرقند، تنتسب له الطائفة الماتريدية، وجلهم من الأحناف، لأن أبا منصور كان حنفيًا كما ذكر المؤلف، له من التصانيف \"التوحيد\"، و\"أوهام المعتزلة\" و\"الجدل\" و\"تأويلات أهل السنة\" وغيرها من المؤلفات، توفي بسمرقند عام ٣٣٣ هـ.\nالفوائد البهية في تراجم الحنفية للكنوي (١٩٥) كشف الظنون (٦/ ٣٦)، وانظر ترجمة الدكتور فتح الله خليف له في مقدمة كتابه \"الوحيد\".\n(٦) من الغريب حقًا أن الماتريدية وهم أحناف، خالفوا ما عرف عن إمامهم أبي حنيفة وأئمتهم الأوائل، الذين يجعلون الإيمان ركنين اثنين: تصديق القلب، وقول اللسان، فأزالوا هذا الركن الثاني وهو قول اللسان، وجعلوه دليلًا على تصديق القلب، وشرطًا لثبوت أحكام الدنيا على العبد كما قال المؤلف.\nيقول أبو منصور الماتريدي في كتاب \"التوحيد\" نافيًا أن يكون قول اللسان من =","vol":"1","page":382},{"text":"وأصل نزاع هذه الفرق في الإيمان، من الخوارج، والمرجئة، والمعتزلة، والجهمية، وغيرهم، أنهم جعلوا الإيمان شيئًا واحدًا، إذا زال بعضه زال جميعه، وإذا ثبت بعضه ثبت جميعًا (١)، فلم يقولوا بذهاب بعضه، وبقاء بعضه كما قال النبي - ﷺ -: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان (٢) \" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>[احتجاج الخوارج والمعتزلة والمرجئة والجهمية بهذا الأصل الفاسد]</span>\nثم قال الخوارج والمعتزلة: الطاعات كلها من الإيمان، فإذا ذهب بعضها، ذهب بعض الإيمان، فذهب سائره، فحكموا بأن صاحب الكبيرة، ليس معه شيء من الإيمان.\nوقالت المرجئة والجهمية: ليس الإيمان إلا شيئًا واحدًا لا يتبعض، إما مجرد تصديق القلب، كقول الجهمية، أو تصديق القلب واللسان كقول المرجئة.\nقالوا: لأنا إذا أدخلنا فيه الأعمال صارت جزءًا منه، فإذا ذهبت\n_________\n= الإيمان: \"وليس بما يقاتلون إلى أن يشهدوا باللسان دليل على أن ذلك هو الإيمان أو لا إيمان القلوب، بل ذلك منهم دليل الإيمان وعبارة عنه، فيقبل قولهم في الأحكام الظاهرة بحق العبارة بما لا سبيل لنا إلى حقيقة العلم به. . . ثم يقال لهم في الخبر: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . . \" وقيل: يشهدوا، فيكون الشهادتان سبب منع القتل لا حقيقة الإيمان\" ص (٢٧٦).\n(١) هذا هو الأصل الأول الذي بنى عليه المبتدعة على اختلاف طوائفهم بدعهم في الإيمان، وهو اعتقادهم الخاطئ كما بين المؤلف أن الإيمان حقيقة لا تقبل التركيب والتجزيء، إما أن توجد كلها، أو تذهب كلها، وتفرع من هذا الأصل المذموم سائر البدع في باب الإيمان، مخالفين بذلك صحيح المنقول وصريح المعقول.\n(٢) فى (ط): \"من الإيمان\".\n(٣) يشير إلى الحديث الذي رواه البخاري في كتاب الإيمان رقم (٢١) بلفظ: (أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان)، وروى الترمذي برقم (١٩٢١) كتاب البر والصلة، وأحمد برقم (٣٦٠٠) حديثًا بلفظ: (لا يدخل النار من كان فى قلبه مثقال حبة من إيمان)، وروى نحوه مسلم برقم (١٣٢) كتاب الإيمان، لكن جاء فيه: (مثقال حبة من خردل من إيمان).","vol":"1","page":383},{"text":"ذهب بعضه فيلزم إخراج [ذي] (١) الكبيرة من الإيمان، وهو قول المعتزلة والخوارج، لكن قد يكون له لوازم ودلائل، فيستدل بعدمه على عدمه.\nوصار (٢) كل من الطائفتين بعد السلف والجماعة وأهل الحديث متناقضين، حيث قالوا: الإيمان قول وعمل، وقالوا: مع ذلك لا يزول بزوال بعض الأعمال، حتى أن ابن الخطيب (٣) وأمثاله، جعلوا الشافعي متناقضًا في ذلك، فإن الشافعي كان من أئمة السنة، وله في الرد على المرجئة كلام مشهور، وقد ذكر في كتاب الطهارة من الأم إجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم على قول أهل السنة (٤) فلما (٥) صنف ابن الخطيب تصنيفًا فيه (٦)، وهو يقول في الإيمان بقول جهم والصالحي واستشكل قول\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وأضفناه من (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"وكان\".\n(٣) ابن الخطيب هو فخر الدين الرازي المتكلم المشهور محمد بن عمر بن الحسين القرشي البكري الطبرستاني، وصفه الذهبي بالعلامة الكبير الأصولي المفسر كبير الأذكياء والحكماء والمصنفين، وكان والده ضياء الدين خطيب الري، فلذا أطلق عليه ابن الخطيب، صنف مصنفات كثيرة، وانتشرت تواليفه في البلاد شرقًا وغربًا، يقول عنه الذهبي: \"وقد بدت منه في تواليفه بلايا وعظائم وسحر وانحرافات عن السنة، والله يعفو عنه، فإنه توفي على طريقة حميدة، والله يتولى السرائر\" من مؤلفاته: \"مفاتيح الغيب\" و\"محصل أفكار المتقدمين والمتأخرين من العلماء والحكماء والمتكلمين\" و\"أساس التقديس\" و\"المحصول في علم الأصول\" و\"تهذيب الدلائل\" و\"النفس\" و\"النبوات\" و\"لباب الإشارات\" و\"مناقب الإمام الشافعى\" و\"شرح أسماء الله الحسنى\" ومصنفات شتى، توفى بهراة سنة ٦٠٦ هـ.\nالكامل في التاريخ (١٢/ ١٢٠)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٤٨)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٥٠٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ٣٣)، البداية والنهاية (١٣/ ٦٠)، لسان الميزان (٤/ ٤٢٦)، النجوم الزاهرة (٦/ ١٩٧).\n(٤) الأم (١/ ٩٩)، وما قاله الشافعي ليس في كتاب الطهارة، وإنما هو في كتاب النية في الصلاة، وقد صحح ذلك المصنف في \"الإيمان الكبير\" (١٦٦).\n(٥) في نسخة الأصل و(م): فقال فلما صنف، وهي ليست في (ط)، وهذه اللفظة توحي بأن هناك نقصًا في الكلام، ورأينا حذفها لأنه يمكن الاستغناء عنها، ولا معنى لورودها في هذا المقام.\n(٦) هو \"مناقب الشافعي\"، ويقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى عن هذا الكتاب =","vol":"1","page":384},{"text":"الشافعي ورآه متناقضًا (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>[إبطال شبهة هذه الفروق في الإيمان]</span>\nوجماع شبهتهم في ذلك أن الحقيقة المركبة تزول بزوال بعض أجزائها، كالعشرة فإنه إذا زال بعضها، لم تبق (٢) عشرة، وكذلك الأجسام المركبة كالسكنجبين (٣) إذا زال أحد جزئيه خرج عن كونه سكنجبينًا.\nقالوا: فإذا كان الإيمان مركبًا من أقوال وأعمال ظاهرة وباطنة، لزم زواله، بزوال بعضها، وهذا قول الخوارج والمعتزلة.\nقالوا: ولأنه يلزم أن يكون الرجل مؤمنًا بما فيه من الإيمان، كافرًا بما فيه من الكفر، فيقوم به كفر وإيمان، وادعوا أن هذا خلاف الإجماع.\nولهذه الشبهة -والله أعلم- امتنع من امتنع من أئمة الفقهاء أن يقول: ينقص (٤) كأنه ظن إذا قال ذلك يلزم ذهابه كله بخلاف ما إذا زاد.\nثم إن هذه الشبهة هي شبهة من منع أن يكون في الرجل الواحد طاعة ومعصية، لأن الطاعة جزء من الإيمان، والمعصية جزء من الكفر، فلا يجتمع فيه كفر وإيمان وقالوا: ما ثم إلا مؤمن محض، أو كافر محض، أو مؤمن وكافر وفاسق (٥).\nثم نقلوا حكم الواحد من الأشخاص إلى الواحد من الأعمال، فقالوا: لا يكون العمل الواحد محبوبًا من وجه مكروهًا من وجه.\n_________\n= في البداية والنهاية (١٣/ ٦٠): \"وصنف ترجمة الشافعي في مجلد مفيد، وفيه غرائب لا يوافق عليها، وينسب إليه أشياء عجيبة\".\n(١) يقول الفخر الرازي في كتاب \"مناقب الشافعي\" (١٤٦): \"لكن الشافعي يقول: إن العمل داخل في مسمى الإيمان، ثم يقول: الإيمان باق بعد فوات العمل، فكان هذا مناقضة\".\n(٢) في (م): \"لم يبق\".\n(٣) السكنجبين: هو شراب مشهور مركب من الخل والعسل، وهو معرب عن \"سركا\" و\"انكبين\" الفارسي، ومعناها خل وعسل، وقال صاحب القانون عن السكنجبين: \"يؤخذ عسل جيد يجعله على حجر لين، وتأخذ رغوته، وتلقي عليه الخل\" القانون لابن سينا.\n(٣/ ٣٦٤)، الحاوي في الطب هامش (٢١/ ٤٥).\n(٤) في (ط): \"بنقصه\".\n(٥) قوله\" أو مؤمن وكافر وفاسق، ليس في (ط) و(م).","vol":"1","page":385},{"text":"وغلا فيه أبو هاشم (١) فنقله إلى الواحد بالنوع فقال: لا يجوز أن يكون جنس السجود أو الركوع أو غير ذلك من الأعمال بعض أنواعه طاعة، وبعضها معصية، لأن الحقيقة الواحدة لا توصف بوصفين مختلفين، بل الطاعة والمعصية تتعلق بأعمال القلوب، وهو قصد الساجد دون عمله الظاهر، واشتد نكير الناس عليه في هذا القول، وذكروا من مخالفته للإجماع وجحده للضروريات شرعًا وعقلًا ما يتبين به فساده (٢).\n_________\n(١) هو عبد السلام بن محمد بن عبد الوهاب بن سلام بن خالد بن حمران بن أبان مولى عثمان بن عفان - ﵁ - الجبائى، من كبار شيوخ المعتزلة هو ووالده، له آراء انفرد بها، قال عنه أبو الحسين الملطي بعد أن تحدث عن والد أبي هاشم: \"فخرج ابنه أبو هاشم فوضع مائة وستين كتابًا فى الجدل فى أيام قلائل، شيء ما وصل إلى مثله أحد قبله ولا أبوه، وخالف أباه في تسع وعشرين مسألة\" له مصنفات، منها: \"الشامل\" و\"العدة\" وهذان في الفقه وأصوله، وغيرها من المؤلفات، وإليه تنسب أحوال أبي هاشم التى يكاد يجمع العقلاء على إنكارها، وممن أنكرها عليه والده، يقول شيخ الإسلام في درء التعارض (٣/ ٤٤٤): \"وصار الناس يقولون: عجائب الكلام: طفرة النظام، وأحوال أبي هاشم، وكسب الأشعري، ولهم في ذلك من الكلام ما يطول وصفه\"، يقول الشهرستاني في الملل والنحل: \"فأثبت أحوالًا هي صفات لا موجودة، ولا معدومة، ولا معلومة، ولا مجهولة، أي هي على حيالها لا تعرف كذلك، بل مع الذات\" (٨٢)، وإليه تنسب فرقة البهشمية من فرق المعتزلة، توفي أبو هاشم سنة ٣٢١ هـ. التنبيه والرد (٤٠)، الفرق بين الفرق (١١١)، تاريخ بغداد (١١/ ٥٥)، الملل والنحل (٧٨)، العبر (٢/ ١٨٧)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٣١)، وفيات الأعيان (١/ ٢٩٢)، البداية والنهاية (١١/ ١٨٨)، طبقات المعتزلة (٩٤).\n(٢) لأبي هاشم الجبائي المعتزلي مصنفات كثيرة، ولكن لم يصل منها شيء إلى الأيدي، حيث فقدت، كما ذكر علي فهمي خشيم صاحب كتاب \"الجبائيان: أبو علي وأبو هاشم\" (٣٢٢)، وعلى هذا فلا يمكننا أن نقف على كلامه بنفسه فى هذا المجال.\nوقال أبو منصور البغدادي في \"الفرق بين الفرق\" (١١٥) متحدثًا عن أبي هاشم: \"والفضيحة الخامسة من فضائحه: قوله في الإرادة المشروطة وأصلها عنده قوله: لا يجوز أن يكون الشيء واحدًا مرادًا من وجه مكروهًا من وجه آخر. . . \".\nوذكر إمام الحرمين فى البرهان (١/ ٣٠٤) أن أبا هاشم لا يرى تحريم السجود بين يدي الصنم، وإنما المحرم عنده القصد، وقال معقبًا: \"وهذا لم أطلع عليه من مصنفات الرجل مع طول بحثي عنه، فالذي ذكره من نقل مذهبه أن السجود لا يختلف صفته وإنما المحظور القصد، وهذا يوجب ألا يقع السجود طاعة من =","vol":"1","page":386},{"text":"وهؤلاء منتهى نظرهم أن يروا حقيقة مطلقة مجردة تقوم في أنفسهم فيقولون: الإيمان من حيث هو [هو] (١)، والسجود من حيث هو هو، لا يجوز أن يتفاضل، ولا يجوز أن يختلف، وأمثال ذلك.\nولو اهتدوا لعلموا أن الأمور الموجودة في الخارج عن الذهن متميزة بخصائصها، وأن الحقيقة المجردة المطلقة لا تكون إلا في الذهن (٢)، وأن الناس إذا تكلموا في التفاضل والاختلاف فإنما تكلموا في تفاضل الأمور الموجودة واختلافها لأن تفاضل أمر مطلق مجرد في الذهن لا وجود له في الخارج.\nومعلوم أن السواد مختلف، فبعضه أشد من بعض، وكذلك البياض، وغيره من الألوان، وأما إذا قدرنا السواد المجرد المطلق الذي يتصوره الذهن فهذا لا يقبل الاختلاف والتفاضل، لكن هذا هو في الأذهان لا في الأعيان.\nومثل هذا الغلط وقع فيه كثير من الخائضين في الأصول والفقه (٣)، حيث أنكروا تفاضل العقل، أو الإيجاب و(٤) التحريم.\nوإنكار التفاضل في ذلك قول القاضي أبي بكر وابن عقيل (٥)\n_________\n= جهة وقوعه مقصودًا على وجه التقرب إلى الصنم، ومساق ذلك يخرج الأفعال الظاهرة قاطبة عن كونها قربًا، وهذا خروج عن دين الأمة ثم لا يمتنع أن يكون الفعل مأمورًا به مع قصد منهيًا عنه مع نقيضه\"، وانظر ما قاله عنه صاحب كتاب \"الجبائيان\" (٣٣٧) حول تلك المسألة.\n(١) \"هو\" ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٢) هذه المسألة -وتسمى عند المناطقة والمتكلمين الماهية- من أهم المسائل التي يركز علبها شيخ الإسلام في كثير من مباحثه وردوده على أهل البدع، حيث إن الجهل بها أوقعهم في كثير من التناقضات والأخطاء، ومن أجل ذلك يحاول المصنف -﵀- أن يجلي هذه المسألة الهامة، ويبين أن هناك فرقًا واضحًا بين وجود الشيء في الذهن ووجوده خارج الذهن، فالفروق والاختلافات لا تكون إلا في وجود الشئ في الخارج، وليس للذي في الذهن.\n(٣) في (ط): \"فى أصول الفقه\".\n(٤) في (م) و(ط): \"أو\"، وتوضيح العبارة كالتالي: حيت أنكروا تفاضل العقل، أو نفاضل الإيجاب والتحريم.\n(٥) ابن عقيل هو أبو الوفا علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن عبد الله البغدادى =","vol":"1","page":387},{"text":"وأمثالهما، لكن الجمهور على خلاف ذلك، وهو قول أبي الحسن التميمي (١)، وأبي محمد البربهارى (٢)، والقاضي أبي يعلى (٣)، وأبي\n_________\n= الظفري الحنبلى، المتكلم صاحب التصانيف، وصفه الذهبي بالإمام العلامة البحر شيخ الحنابلة، ولد سنة ٤٣١ هـ، إلا أنه خالف السلف، ووافق المعتزلة في بعض بدعهم، ودرس على بعض شيوخهم، فلذلك نقمت عليه الحنابلة، كان من أذكياء العالم كما وصفه المصنف في \"درء التعارض\"، من مؤلفاته كتاب \"الفنون\" وهو أكثر من أربعمائة مجلد، فيه فوائد كثيرة جليلة -كما قال الحافظ ابن رجب- في الوعظ والتفسير والفقه والأصلين والنحو واللغة والشعر والتاريخ والحكايات، وبه مناظراته ومجالسه التي وقعت له، وخواطره، ونتائج فكره قيدها فيه، له من المصنفات أيضًا \"الواضح في الأصول\" و\"الفرق\" و\"الفصول\" في الفقه الحنبلي، وغيرها، توفي أبو الوفا عام ٥١٣ هـ.\nذيل طبقات الحنابلة لابن رجب (١/ ١٤٣) وقد أطال ترجمته، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٤٤٣)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٤٦)، العبر (٤/ ٢٩)، الكامل (١/ ٥٦١)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٢١)، مرآة الزمان (١/ ١٤٢)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٤)، لسان الميزان (٤/ ٢٤٣)، شذرات الذهب (٤/ ٣٥).\n(١) أبو الحسن التميمي هو عبد العزيز بن الحارث بن أسد بن الليث الفقيه الحنبلي، له كلام ومصنف في الخلاف، كما قال الحافظ ابن كثير، وصنف في الأصول والفروع والفرائض، اتهمه الخطيب البغدادي بوضع حديث في فتح مكة عنوة، وأنكر ذلك ابن الجوزي، وقال: إن هذا دأب الخطيب في أصحاب أحمد، وقال: إن شيخ الخطيب الذي روى عنه القصة كان معتزليًا وليس من أهل الحديث، توفي التميمي سنة ٣٧١ هـ.\nتاريخ بغداد (١/ ٤٦١)، المنتظم (٧/ ١١٠)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٣٩)، البداية والنهاية (١١/ ٣١٨).\n(٢) أبو محمد البربهاري هو الحسن بن علي بن خلف شيخ الحنابلة القدوة الإمام الفقيه كما قال الإمام الذهبي في ترجمته، كان قوالًا بالحق داعية إلى الأثر، لا يخاف في الله لومة لائم، حصل له ولأصحابه تضييق ومحن، وأرادوا حبسه فاختفى، وأخذ كبار أصحابه، صنف مصنفات منها \"شرح كتاب السنة\"، وغيره، توفي سنة ٣٢٨ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ١٨)، المنتظم (٦/ ٣٢٣)، العبر (٢/ ٢١٦)، سير أعلام النبلاء (١٥/ ٩٠)، البداية والنهاية (١١/ ٢٠١)، الوافي بالوفيات (١٢/ ١٤٦)، شذرات الذهب (٢/ ٣١٩).\n(٣) أبو يعلى هو محمد بن الحسين بن محمد بن خلف بن أحمد بن الفراء الإمام العلامة شيخ الحنابلة صاحب التعليقة الكبرى والتصانيف المفيدة في المذهب كما يقول الحافظ الذهبي، لازم أبا عبد الله بن حامد شيخ الحنابلة في عصره، وحدث =","vol":"1","page":388},{"text":"الخطاب (١)، وغيرهم (٢).\n_________\n= عنه الخطيب وأبو الخطاب الكلوذاني وأبو الوفاء بن عقيل وجماعة، ومنهم ابنه القاضي أبو الحسين محمد -صاحب طبقات الحنابلة- أفتى ودرس، وتخرج به الأصحاب، وانتهت إليه الإمامة في الفقه، وكان عالم العراق في زمانه، صنف مصنفات وافرة، منها: \"أحكام القرآن\" و\"مسائل الإيمان\" و\"المعتمد\" و\"المقتبس\" و\"عيون المسائل\" و\"الرد على الكرامية\" و\"الرد على السلمية والمجسمة\" و\"الكلام في الاستواء\" و\"العدة\" في أصول الفقه، و\"فضائل أحمد\" وغيرها من المؤلفات الكثيرة، وكانت له مكانة وحظوة ورفعة عند خلفاء بني العباس في زمانه، ولما جمع كتابه \"إبطال تأويل الصفات\" قاموا عليه لما فيه من الواهيات والموضوعات، وجرت أمور وفتن، مات في سنة ٤٥٨ هـ.\nتاريخ بغداد (٢/ ٢٥٦)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٩٣)، المنتظم (٨/ ٢٤٣)، الكامل (١٠/ ٥٢)، العبر (٣/ ٢٤٣)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٨٩)، الوافي بالوفيات (٣/ ٧)، البداية والنهاية (١٢/ ١٠١)، شذرات الذهب (٣/ ٣٠٦).\n(١) أبو الخطاب هو محفوظ بن أحمد بن حسن العراقى الكلوذاني البغدادي الأزجي، من كبار تلامذة القاضي أبي يعلى الفراء، نعته الذهبي بالشيخ الإمام العلامة الورع شيخ الحنابلة، له مصنفات عديدة منها \"الهداية\" في الفقه، و\"الخلاف الكبير\" المسمى \"بالانتصار في المسائل الكبار\" و\"الخلاف الصغير\" المسمى \"برؤوس المسائل\" و\"التهذيب\" في الفرائض، و\"التمهيد\" في أصول الفقه و\"العبادات الخمس\" و\"مناسك الحج\" وقد انفرد عن أصحابه الحنابلة بجملة من المسائل، ذكر ذلك الحافظ ابن رجب، توفي أبو الخطاب سنة ٥١٠ هـ.\nالمنتظم لابن الجوزي (٩/ ١٩٠)، الكامل (١٠/ ٥٢٤)، العبر (٤/ ٢١)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٤٨)، مرآة الزمان (٨/ ٤١)، المستفاد من ذيل تاريخ بغداد لابن النجار (١٩/ ٢٢٦)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٠)، ذبل طبقات الحنابلة (١/ ١١٦)، النجوم الزاهرة (٥/ ٢١٢)، شذرات الذهب (٤/ ٢٧).\n(٢) ذكر إمام الحرمين أبو المعالي أن القاضي أبا بكر الباقلاني يعرف العقل بأنه العلوم الضرورية بجواز الجائزات، واستحالة المستحيلات. البرهان في أصول الفقه (١/ ١١١)، ومن المعلوم أن كافة العقلاء يتفقون على مثل هذا، وبالتالي فإن العقل بهذا التعريف لا يتفاضل عنده، وقد تعقبه صاحب البرهان في تلك المسألة، وأبطل قوله.\nوذهب أبو يعلى إلى اختلاف العقل، وتفاوت الناس فيه. العدة في أصول الفقه (١/ ٢٤).\nونقل أبو الخطاب عن أبي الحسن التميمي أن العقل ليس بجسم ولا عرض، وإنما هو نور في القلب، وأما البربهاري فالعقل عنده فضل من الله يؤتيه من =","vol":"1","page":389},{"text":"ولذلك (١) وقع نظير هذا لأهل المنطق والفلسفة ولمن تابعهم من أهل الكلام والإلحاد (٢) في توحيد واجب الوجود ووحدته حتى أخرجهم الأمر إلى ما يستلزم التعطيل المحض كما بيناه في غير هذا الموضع (٣).\nوأهل المنطق اليونان مضطربون في هذا المقام، يقول أحدهم القول،\n_________\n= يشاء، التمهيد في أصول الفقه (١/ ٤٤)، وهذان التعريفان للعقل يدلان على مذهبهما في تفاوته بين الناس كما ذكر ذلك المصنف عنهما.\nأما أبو الخطاب فيقول في التمهيد مستدلًا على تفاضل العقل: \"قال أصحابنا إن العقل يختلف، فمن الناس من يكون عقله كثيرًا، ومنهم من يكون عقله قليلًا، ويزيد وينقص\" خلافًا للأشعرية والمعتزلة في قولهم هو شئ واحد في جميع الناس لا يزيد ولا ينقص\" (١/ ٥٢) واستدل على ذلك بالإجماع وببعض الأحاديث التى وردت في العقل، وإن كان لا أصل لها.\nوذكر حجة من لم يقل بتفاوت العقل كالقاضي أبو بكر الباقلاني وغيره فقال: \"واحتج المخالف بأن قال: أجمعنا أن العقل هو بعض العلوم الضرورية، من استحالة اجتماع الضدين، وكون الجسم في مكانين، والعقلاء في هذا متساوون\" ثم شرع في الرد على ذلك (١/ ٥٦).\nأما المقصود بالإيجاب والتحريم فيوضحه المصنف في موضع آخر من كتبه قائلًا: \"ولهذا ذهب جمهور الفقهاء إلى تفاضل أنواع الإيجاب والتحريم، وقالوا: إن إيجاب أحد الفعلين قد يكون أبلغ من إيجاب الآخر، وتحريمه أشد من تحريم الآخر، فهذا أعظم إيجابًا، وهذا أعظم تحريمًا، ولكن طائفة من أهل الكلام نازعوا في ذلك كابن عقيل وغيره، فقالوا: التفاضل ليس في نفى الإيجاب والتحريم، لكن في متعلق ذلك، وهو كثرة الثواب والعقاب، والجمهور يقولون: بل التفاضل في الأمرين، والتفاضل في المسببات دليل على التفاضل في الأسباب، وكون أحد الفعلين ثوابه أعظم وعقابه أعظم: دليل على أن الأمر به والنهي عنه أوكد، وكون أحد الأمرين والنهيين مخصوصًا بالتوكيد دون الثاني مما لا يستريب فيه عاقل، ولو تساويا من كل وجه لامتنع الاختصاص بتوكيد أو غيره من أسباب الترجيح، فإن التسوية والتفضيل متضادان، وجمهور أئمة الفقهاء على التفاضل في الإيجاب والتحريم. . \" مجموع الفتاوى\" (١٧/ ٥٩).\nويوضح ذلك باختصار في \"الإيمان الكبير\" (٣١٨) قائلًا: \"ولهذا كان العقل يقبل التفاضل، والإيجاب والتحريم يقبل التفاضل، فيكون إيجاب أقوى من إيجاب، وتحريم أقوى من تحريم. .\".\n(١) في (ط): \"وكذلك\".\n(٢) في (م) و(ط): \"الاتحاد\".\n(٣) منها على سبيل المثال ما ورد في التدمرية (١٥ - ٢٢).","vol":"1","page":390},{"text":"ويقول نقيضه كما هو مذكور في موضعه، ونحن نذكر ما يتعلق بهذا الموضع فنقول: -ولا حول ولا قوة إلا بالله- الكلام في طرفين:\n(أحدهما): أن شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء؟\nوالثاني: هل هي متلازمة في الثبوت؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>[هل شعب الإيمان متلازمة في الانتفاء والثبوت]</span>\nأما الأول: فإن الحقيقة الجامعة لأمور- سواء كانت في الأعيان أو الأعراض- إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها، وسواء سميت مركبة أو مؤلفة أو غير ذلك، لا يلزم من زوال بعض الأجزاء زوال سائرها، وما مثلوا به من العشرة والسكنجبين مطابق لذلك.\nفإن الواحد من عشرة (١) إذا زال لم يلزم زوال التسعة، [بل قد تبقى التسعة] (٢) وإذا زال (٣) أحد جزئي المركب لم (٤) يلزم زوال الجزء الآخر، لكن أكبر (٥) ما يقولون زالت [الصورة] (٦) المجتمعة، وزالت الهيئة الاجتماعية، وزال ذلك الاسم الذي استحقته الهيئة بذلك الاجتماع والتركيب، كما يزول اسم العشرة والسكنجبين.\nفيقال لهم: أما كون ذلك المجتمع المركب ما بقي على تركيبه فهذا لا ينازع فيه عاقل، ولا يدعي عاقل أن الإيمان أو الصلاة أو الحج أو غير ذلك من العبادات المتناولة لأمور إذا زال بعضها [بقي] (٧) ذلك المجتمع المركب كما كان قبل [زوال بعضه] (٨).\nولا يقول أحد: إن الشجرة أو الدار إذا زال بعضها بقيت مجتمعة\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"العشرة\" معرفة.\n(٢) ما بين المعكوفتين ساقط من نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط)، غير أن في (م): \"يبقى\"، وآثرنا ما في (ط).\n(٣) في (ط): \"فإذا\".\n(٤) في (ط): \"لا\".\n(٥) في (م) و(ط): \"أكثر\".\n(٦) في نسخة الأصل: الضرورة، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٧) هذه اللفظة ساقطة من نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٨) في نسخة الأصل. زواله بعض، والتصحيح من (م) و(ط).","vol":"1","page":391},{"text":"كما كانت، ولا أن الإنسان أو غيره من الحيوان إذا زال بعض أعضائه بقي مجموعًا.\nكما قال النبى - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، و(١) ينصرانه، ويمجسانه، كما تنتج البهيمة جمعاء (٢)، هل تحسون فيها من جدعاء؟ (٣) \" (٤).\nفالمجتمعة الخلق بعد الجدع لا تبقى مجتمعة، ولكن لا يلزم زوال بقية الأجزاء. وأما زوال الاسم فيقال لهم: هذا أولًا بحث لفظي، إذا قدر أن الإيمان له أبعاض وشعب كما قال رسول الله في الحديث المتفق عليه: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (٥).\nكما أن الصلاة والحج له أجزاء وشعب، ولا يلزم من زوال شعبة من شعبه زوال سائر الأجزاء والشعب، كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء\n_________\n(١) وردت بعض الروايات بلفظ (و) وبعضها (بالواو) كرواية مسلم وبعض روايات الإمام أحمد، وهي التي وافقتها نسخة الأصل، أما النسختان (م) و(ط) فقد جاءتا بلفظة (أو).\n(٢) معنى جمعاء: أي مجتمعة الخلقة، قال في الفتح (٣/ ٢٥٠): \"أي لم يذهب من بدنها شيء، سميت بذلك لاجتماع أعضائها\".\n(٣) الجدعاء هي: مقطوعة الأذن، الفتح (٣/ ٢٥٠).\n(٤) رواه البخاري برقم (١٣٨٥) كتاب الجنائز باب ما قيل في أولاد المشركين، ومسلم برقم (٢٦٥٨) ٤/ ٢٠٤٧ كتاب القدر باب معنى كل مولود يولد على الفطرة، والترمذي برقم (٢١٣٨) كتاب القدر، وأبو داود برقم (٤٧١٤) كتاب السنة، وأحمد برقم (٧١٤١) ومالك برقم (٥٦٩)، وقد جاء هذا الحديث بألفاظ متقاربة.\n(٥) رواه البخاري برقم (٩) كتاب الإيمان باب أمور الإيمان، بلفظ: \"بضع وستون بابًا\"، ومسلم برقم (٣٥) ١/ ٦٣ كتاب الإيمان باب بيان عدد شعب الإيمان، والترمذي برقم (٢٦١٤) كتاب الإيمان، بلفظ بضع وسبعون بابًا، والنسائي برقم (٥٠٠٤) بالإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (٤١٧٦) كتاب السنة، وابن ماجه برقم (٥٧) كتاب المقدمة، وأحمد برقم (٩٠٩٧).","vol":"1","page":392},{"text":"الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء (١)، فدعواهم أنه إذا زال بعض المركب زال البعض الآخر ليس بصواب، ونحن نسلم لهم أنه ما بقي إلا بعضه لا كله، وأن الهيئة الاجتماعية ما بقيت كما كانت.\nيبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء؟ فيقال لهم: المركبات في ذلك على وجهين، منها: ما يكون التركيب شرطًا في إطلاق الإسم، ومنها: ما لا يكون كذلك، فالأول: كاسم العشرة، وكذلك السكنجبين، ومنها: ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء، وجميع المركبات المتشابهة الأجزاء من هذا الباب، وكذلك من المختلفة الأجزاء، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص تسمى حنطة، وكذلك التراب والماء ونحو ذلك.\nوكذلك لفظ العبادة، والطاعة، والخير، والحسنة، والإحسان، والصدقة، والعلم، ونحو ذلك مما تدخل (٢) فيه أمور كثيرة يطلق الاسم عليها قليلها وكثيرها، وعند زوال بعض الأجزاء وبقاء بعض، وكذلك لفظ القرآن فيقال على جميعه وعلى بعضه، ولو نزل قرآن أكثر من هذا لسمي قرآنًا، وقد تسمى الكتب القديمة قرآنًا كما قال النبي - ﷺ -: \"خفف على داود القرآن\" (٣).\nوكذلك لفظ القول والكلام والنطق (٤) ونحو ذلك تقع (٥) على القليل من ذلك وعلى الكثير. وكذلك لفظ الذكر والدعاء يقال على كل القليل والكثير (٦)، وكذلك لفظ الجبل يقال على الجبل، وإن ذهب منه أجزاء كثيرة، ولفظ البحر والنهر يقال عليه وإن نقصت أجزاؤه. وكذلك المدينة\n_________\n(١) يوجد في (م) سقط وهو قوله: \"كما لا يلزم من زوال بعض أجزاء الحج والصلاة زوال سائر الأجزاء\".\n(٢) في (م) و(ط): \"يدخل\".\n(٣) هو جزء من حديث صحيح سيورده المؤلف كاملًا بعد ذلك.\n(٤) في (م) و(ط): \"المنطق\".\n(٥) في (م) و(ط): \"يقع\".\n(٦) في (م) و(ط): \"يقال للقليل والكثير\".","vol":"1","page":393},{"text":"والدار والقرية والمسجد ونحو ذلك يقال على الجملة المجتمعة، ثم ينقص كثير من أجزائها والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الحيوان والنبات كلفظ الشجرة يقال على جملتها، فتدخل (١) فيه الأغصان وغيرها، ثم يقطع منها ما يقطع والاسم باق، وكذلك لفظ الإنسان والفرس والحمار يقال على الحيوان المجتمع الخلق، ثم يذهب كثير من أعضائه والاسم باق، وكذلك أسماء بعض الأعلام، كزيد وعمرو يتناول الجملة المجتمعة، ثم يزول بعض أجزائها والاسم باق.\nوإذا كانت المركبات على نوعين بل غالبها من هذا النوع، لم يصح قولهم: إنه إذا زال جزؤه لزم أن يزول الاسم، إذا أمكن أن يبقى الاسم مع بقاء الجزء الباقي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>[الإيمان له شعب، ويتبعض]</span>\nومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب، فإن النبى - ﷺ - قال: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى من الطريق والحياء شعبة من الإيمان\" ثم من المعلوم أنه (٢) إذا زال (٣) الإماطة ونحوها لم يزل اسم الإيمان.\nوقد ثبت عنه في الصحيحين أنه قال: \"يخرج من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان\" (٤). فأخبر أنه يتبعض ويبقى بعضه، وأن ذاك من الإيمان، فعلم أن بعض الإيمان يزول ويبقى بعضه، وهذا ينقض مآخذهم الفاسدة، ويبين أن اسم الإيمان مثل اسم القرآن والصلاة والحج ونحو ذلك، أما الحج ونحوه ففيه أجزاء ينقص الحج بزوالها عن كماله الواجب ولا يبطل، كرمي الجمار، والمبيت بمنى، ونحو ذلك (٥)، وفيه أجزاء\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"فيدخل\".\n(٢) في نسخة الأصل عبارة لا فائدة منها وهي: \"إذا لم يزل، حذفناها لأنها ربما أخلت بالمعنى.\n(٣) في (ط): \"زالت\".\n(٤) سبق تخريج هذا الحديث ص ٣٨٣ من هذا الكتاب.\n(٥) هذا على مذهب الجمهور بالنسبة للمبيت في منى إلا الأحناف فإنه عندهم سنة، وأما الرمي فقد وافق الأحناف الجمهور على وجوبه، المغنى (٣/ ٤٨٢، ٥٢٤).","vol":"1","page":394},{"text":"ينقص بزوالها عن كماله المستحب، كرفع الصوت بالإهلال، والرمل والاضطباع في الطواف الأول (١).\nوكذلك الصلاة فيها أجزاء تنقص بزوالها عن كمال الاستحباب، وفيها أجزاء واجبة تنقص بزوالها عن الكمال الواجب مع الصحة في مذهب أبي حنيفة وأحمد ومالك (٢)، وفيها [ماله] (٣) أجزاء إذا زالت جبر نقصها بسجود السهو (٤)، وأمور ليست كذلك (٥)، فقد رأيت أجزاء الشئ تختلف أحكامها شرعًا وطبعًا، فإذا قال المعترض: هذا الجزء داخل في الحقيقة، وهذا خارج عن (٦) الحقيقة، قيل له: ماذا تريد بالحقيقة؟ فإن قال: أريد بذلك ما إذا زال\n_________\n(١) هذه الأمور متفق على مشروعيتها بين أهل العلم، إلا ما نقل عن مالك رحمه الله تعالى أنه أنكر أن يكون الاضطباع سنة، والحجة مع الجمهور في ذلك.\n(٢) يقول المصنف -﵀- في موضع آخر من مجموع الفتاوى (١٨/ ٦٩) موضحًا لتلك العبارة: \"وكذلك الصلاة عند الجمهور كمالك، وأحمد وغيرهم، فيها واجب لا تبطل الصلاة بتركه عندهم، كما يقول أبو حنيفة في الفاتحة والطمأنينة، وكما يقول مالك وأحمد في التشهد الأول، لكن مالك وأحمد يقولان: ما تركه من هذا سهوًا فعليه أن يسجد للسهو، وأما إذا تركه عمدًا فتبطل صلاته كما تبطل الصلاة بترك التشهد الأول عمدًا في المشهور من مذهبيهما، لكن أصحاب مالك يسمون هذا سنة مؤكدة، ومعناه: الواجب عندهم، وأما أبو حنيفة فيقول: من ترك الواجب الذي ليس بفرض عمدًا أساء ولا إعادة عليه، والجمهور يقولون: لا نعهد في العبادة واجبًا فيما يتركه الإنسان إلى غير بدل ولا إعادة عليه، فلا بد من وجوب البدل للإعادة، ولكن مع هذا اتفقت الأئمة على أن من ترك واجبًا في الحج ليس بركن ولم يجبره بالدم الذى عليه لم يبطل حجه ولا تجب إعادته. . . \". وله كلام قريب من هذا في مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٢).\n(٣) في نسخة الأصل و(م): ما لا يقال. والعبارة بهذا اللفظ غير مفهومة، وأثبتنا ما في (ط).\n(٤) مثل التشهد الأول، والجلوس له، وهذا عند الشافعية والحنابلة، وقراءة سورة الفاتحة، وسورة بعدها، وهذا عند الأحناف، وترك الإسرار، أو الجهر وهذا عند المالكية، وكل هذه الأمور مختلف عليها بين الفقهاء رحمهم الله تعالى.\n(٥) هذه هي السنن كرفع اليدين عند التكبير، واستحباب التأمين مع خلافهم في الجهر به، والدعاء بعد الصلاة على النبي - ﷺ -، والزيادة في التسبيح في الركوع والسجود، وغيرها من السنن المتفق عليها بين الفقهاء.\n(٦) في (ط): \"من\".","vol":"1","page":395},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-153>[اختلاف حقيقة الإيمان بالنسبة للمكلفين]</span>\nصار صاحبه كافرًا، قيل له: ليس للإيمان حقيقة واحدة، مثل حقيقة [مسمى مسلم] (١) في حق جميع المكلفين في جميع الأزمان بهذا الاعتبار، مثل حقيقة السواد والبياض، بل الإيمان والكفر يختلف باختلاف المكلف، وبلوغ التكليف له، ونزول (٢) الخطاب الذي به التكليف ونحو ذلك.\nوكذلك الإيمان الواجب على غيره مطلقًا (٣) و(٤) لا مثل الإيمان الواجب عليه في كل وقت، فإن الله تعالى [لما] (٥) بعث محمدًا - ﷺ - رسولًا إلى الخلق، كان الواجب على الخلق تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، ولم يأمرهم حينئذ بالصلوات الخمس، ولا صيام شهر رمضان، ولا حج البيت، ولا حرم عليهم الخمر والربا، ونحو ذلك، ولا كان أكثر القرآن قد نزل [فمن] (٦) صدقه حينئذ فيما نزل من القرآن، وأقر بما أمر به من الشهادتين وتوابع ذلك، كان ذلك الشخص حينئذ مؤمنًا تام الإيمان الذي وجب عليه، وإن كان مثل ذلك الإيمان لو أتى به بعد الهجرة لم يقبل منه، ولو اقتصر عليه كان كافرًا.\nقال الإمام أحمد: \"كان بدء الإيمان ناقصًا فجعل يزيد حتى كمل\" (٧).\nولهذا قال تعالى عام حجة الوداع: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي﴾ [المائدة: ٣].\n_________\n(١) في نسخة الأصل: مثل حقيقة تسمى مسلمة، وفي (م): مثل حقيقة مسلمة، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٢) في (ط): (وبزوال).\n(٣) في (ط): \"وكذلك الإيمان والواجب على غيره مطلق\".\n(٤) الواو ليست في (م) و(ط).\n(٥) كلمة \"لما\" ليست في نسخة الأصل و(م)، وهي في (ط).\n(٦) في نسخة الأصل: بين فيه، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٧) رواه بنحوه الخلال في كتاب السنة برقم (٩٥٨)، وقال عنه محققه: إسناده صحيح\"، وروى كذلك أن أبا الحارث حدثهم قال: \"سألت أحمد بن محمد بن حنبل قلت: إذا قال الرجل: لا إله إلا الله فهو مؤمن؟ قال: كذا كان بدء الإيمان ثم نزلت الفرائض: الصلاة والزكاة وصوم رمضان وحج البيت\" ورقمه (٩٥٥) ص ٥٦٤، وقال محققه: \"إسناده صحيح\".","vol":"1","page":396},{"text":"وأيضًا فبعد نزول القرآن كله (١) وإكمال الدين إذا بلغ الرجل بعض الدين دون بعض، كان عليه أن يصدق ما جاء به الرسول جملة وما بلغه عنه مفصلًا، وأما ما لم يبلغه ولم يمكنه معرفته، فذاك إنما عليه أن يعرفه مفصلًا إذا بلغه (٢).\nوأيضًا فالرجل إذا آمن بالرسول إيمانًا جازمًا، ومات قبل دخول وقت الصلاة، أو وجوب شيء من الأعمال، مات كامل الإيمان الذي وجب عليه، فإذا دخل وقت الصلاة فعليه أن يصلي، وصار يجب عليه ما لم يجب [عليه] (٣) قبل ذلك.\nوكذلك القادر على الحج والجهاد، يجب عليه ما لم يجب على غيره من التصديق المفصل، والعمل بذلك، فصار ما يجب من الإيمان يختلف باختلاف حال نزول الوحي من السماء، وبحال المكلف في البلاغ وعدمه، وهذا مما يتنوع به نفى التصديق، ويختلف حاله باختلاف القدرة والعجز، وغير ذلك من أسباب الوجوب، وهذه يختلف بها العمل أيضًا.\nومعلوم أن الواجب على كل من هؤلاء لا يماثل الواجب على الآخر، فإذا كان نفس ما وجب من الإيمان في الشريعة الواحدة يختلف ويتفاضل، وإن كان بين [جميع] (٤) هذه الأنواع قدر مشترك موجود في الجميع، كالإقرار بالخالق وإخلاص الدين له، والإقرار برسله، واليوم الآخر، على وجه الإجمال، فمن المعلوم أن بعض الناس إذا أتى ببعض ما\n_________\n(١) \"كله\" ليست في (ط).\n(٢) يقول الحافظ أبو عبيد القاسم بن سلام -﵀- في كتاب الإيمان (١٠): \"فوجدناه قد جعل بدء الإيمان شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -، فأقام في مكة بعد النبوة عشر سنين أو بعض عشر سنة، يدعو إلى هذه الشهادة خاصة، وليس الإيمان المفترض على العباد يومئذٍ سواها، فمن أجاب إليها كان مؤمنًا، لا يلزمه اسم في الدين غيره، وليس يجب عليهم زكاة ولا صيام ولا غير ذلك من شرائع الدين. . . \".\n(٣) ما بين المعكوفتين مضاف من (م) و(ط).\n(٤) في نسخة الأصل \"جمع\" وهو خطأ، والصحيح من (م) و(ط).","vol":"1","page":397},{"text":"يجب عليه دون بعض، كان قد تبعض ما أتى فيه من الإيمان كبعض سائر الواجبات.\nيبقى أن يقال: فالبعض الآخر قد يكون شرطًا في ذلك البعض، وقد لا يكون [شرطًا فيه] (١)، [فالشرط] (٢) كمن آمن ببعض القرآن (٣)، وكفر ببعضه، أو آمن ببعض الرسل، وكفر ببعضهم.\nكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (١٥١)﴾ [النساء: ١٥٠] وقد يكون البعض المتروك ليس شرطًا في وجود الآخر ولا قبوله، وحينئذٍ فقد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وبعض شعب الإيمان، وشعبة من شعب الكفر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>[قد يجتمع في الإنسان إيمان ونفاق، وإيمان وشعبة من شعب الكفر]</span>\nكما في الصحيحين عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن [كانت] (٤) فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدّث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (٥) وفي الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"من مات ولم يغز ولم يحدث نفسه بالغزو مات على شعبة نفاق\" (٦).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: (ما شرط في) هكذا، وكتب أمامه في الهامش: سقط ينظر، وأثبتنا ما في (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: (وأما ما شرط) وفي (م): وأما شرط، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب.\n(٣) في (ط): الكتاب.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): كان، وأثبتنا ما فى (ط) لأنها الموافقة لروايات الحديث.\n(٥) رواه البخاري برقم (٣٤) كتاب الإيمان باب علامة المنافق، ومسلم برقم (٥٨) ١/ ٧٨ كتاب الإيمان باب بيان خصال المنافق، والترمذي برقم (٢٦٣٢) باب الإيمان، والنسائي برقم (٥٠٢٠) كتاب الإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (٤٦٨٨) كتاب السنة، وأحمد برقم (٦٧٢٩).\n(٦) رواه مسلم برقم (١٩١٠) ٣/ ١٥١٧ كتاب الإمارة باب ذم من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، والنسائي برقم (٣٠٩٧) كتاب الجهاد، وأبو داود برقم (٢٥٠٢) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٨٦٤٨).","vol":"1","page":398},{"text":"وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه قال لأبي ذر: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" (١).\nوفي الصحيح عنه - ﷺ - قال: \"أربع في أمتي من أمر الجاهلية لن يدعوهن: الفخر بالأحساب، والطعن في الأنساب، والنياحة، والاستسقاء بالنجوم\" (٢).\nوفي الصحيحين عنه أنه قال: \"سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر\" (٣).\nوفي صحيح مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال رسول الله - ﷺ - \"اثنتان في الناس [هما بهم كفر] (٤): الطعن في الأنساب، والنياحة على الميت\" (٥).\nوفي الصحيحين عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم\" (٦).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٠) كتاب الإيمان باب المعاصي من أمر الجاهلية، ومسلم برقم (١٦٦١) ٣/ ١٢٨٢ كتاب الإيمان باب إطعام المملوك مما يأكل، وأبو داود برقم (٥١٥٧) كتاب الأدب، وأحمد برقم (٢٠٩٢١).\n(٢) رواه مسلم برقم (٩٣٤) ٢/ ٦٤٤ كتاب الجنائز باب التشديد في النياحة، والترمذي برقم (١٠٠١) كتاب الجنائز، غير أن فيه ذكر العدوى دون ذكر الأنساب، وأحمد برقم (٢٢٣٩٦).\n(٣) رواه البخاري برقم (٤٨) كتاب الإيمان باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر، ومسلم برقم (٦٤) ١/ ٨١ كتاب الإيمان باب بيان قول النبى - ﷺ -: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، والترمذي برقم (١٩٨٣) كتاب البر والصلة، والنسائى برقم (٤١٠٥) كتاب تحريم الدم، وابن ماجه برقم (٣٩٣٩) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٣٦٣٩).\n(٤) في نسخة الأصل: \"هم بهما\" وأثبتنا ما في (م) و(ط) وهو الموافق لروايات الحديث.\n(٥) رواه مسلم برقم (٦٧) ١/ ٨٢ كتاب الإيمان باب إطلاق اسم الكفر على الطعن في النسب والنياحة، وأحمد برقم (١٠٠٥٧).\n(٦) رواه أحمد بهذا اللفظ برقم (١٠٤٣٢)، ورواه البخاري ومسلم ولفظهما: (لا ترغبوا عن آبائكم، فمن رغب عن أبيه فهو كفر)، البخاري (٦٧٦٨) كتاب الفرائض باب من ادعى إلى غير أبيه، ومسلم (٦٢) ١/ ٧٩) كتاب الإيمان باب بيان حال إيمان من رغب عن أبيه وهو يعلم.","vol":"1","page":399},{"text":"وهذا من القرآن الذي نسخت تلاوته: (لا ترغبوا عن آبائكم، فإن كفرًا بكم أن ترغبوا عن آبائكم) (١).\nوفي الصحيحين عن أبي ذر سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليس من رجل ادعى إلى غير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا، وليتبوأ مقعده من النار، ومن رمى رجلًا بالكفر، أو قال: عدو (٢) الله، وليس كذلك إلا رجع (٣) عليه \" (٤)، وفي لفظ البخاري: \"ليس من رجل ادعى لغير أبيه، وهو يعلمه إلا كفر بالله، ومن ادعى قومًا ليس منهم، فليتبوأ مقعده من النار\" (٥).\nوفي الصحيحين من حديث جرير، وابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال في حجة الوداع: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (٦)، ورواه البخاري من حديث ابن عباس.\n_________\n(١) روى البخاري من رواية ابن عباس عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - ﵁ - في حديث طويل أن عمر قال: \"ثم إنا كنا نقرأ فيما نقرأ من كتاب الله أن لا ترغبوا عن آبائكم فإنه كفر بكم أن ترغبوا عن آبائكم\" ذكر ذلك بعدما تحدث - ﵁ - عن آية الرجم التي نسخت، وأظهر خشيته من أن يأتي زمان على الناس ينكرون فيه الرجم لعدم وجود هذه الآية في كتاب الله، ورواه البخاري برقم (٦٨٣٠) كتاب الحدود باب رجم الحبلى من الزنا إذا أحصنت، ورواه أحمد مختصرًا برقم (٣٣٣).\n(٢) في (ط): \"يا عدو الله\".\n(٣) في صحيح مسلم ومسند أحمد (حار عليه).\n(٤) هذا لفظ مسلم رواه برقم (٦١) ١/ ٧٩ كتاب الإيمان باب بيان حال من رغب عن أبيه وهو مؤمن، ورواه أحمد برقم (٢٠٩٥٤).\n(٥) لفظ البخاري كما في صحيحه: (. . . . ليس له فيهم نسب. . .) ورواه برقم (٣٥٠٨) كتاب المناقب باب! هكذا بلا ترجمة.\n(٦) حديث جرير - ﵁ - رواه البخاري برقم (١٢١) كتاب العلم باب الإنصات للعلماء، ومسلم برقم (٦٥) ١/ ٨١ كتاب الإيمان باب بيان معنى قول النبى - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\"، والنسائي برقم (٤١٣١) كتاب تحريم الدم، وابن ماجه برقم (٣٩٤٢) كتاب الفتن، وأحمد برقم (١٨٦٨٦)، وحديث عبد الله بن عمر رواه البخاري برقم (٤٤٠٣) كتاب المغازي باب حجة الوداع، ومسلم برقم (٦٦) ١/ ٨٢ كتاب الإيمان باب بيان معنى قول النبي - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا. . . \"، ورواه النسائي برقم (٤١٢٥) كتاب تحريم الدم، =","vol":"1","page":400},{"text":"وفي البخاري عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما\" (١).\nوفي الصحيحين عن زيد بن خالد قال: (صلى بنا رسول الله - ﷺ -[صلاة الصبح بالحديبية] (٢) في أثر سماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: \"أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؛ قالوا: الله ورسوله أعلم! قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذاك مؤمن بي كافر بالكواكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا، فذاك كافر بي مؤمن بالكواكب\") (٣).\nوفي صحيح مسلم قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألم تروا إلى ما قال ربكم؟ قال: ما أنعمت على عبادي من نعمة، إلَّا أصبح فريق منهم بها\n_________\n= أبو داود برقم (٤٦٨٦) كتاب السنة، وابن ماجة برقم (٣/ ٣٩) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٥٥٥٣)، والدارمي برقم (١٩٢١) كتاب المناسك. وحديث ابن عباس رواه البخاري برقم (١٧٣٩) كتاب الحج باب الخطبة أيام منى، والترمذي برقم (٢١٩٣) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٢٠٣٧)، ورواه البخاري كذلك من حديث أبي بكر -﵁ - برقم (١٧٤١) كتاب الحج باب الخطبة أيام منى، ومسلم برقم (١٦٧٩) ٣/ ١٣٠٥ كتاب القسامة باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال، والنسائي برقم (٤١٣٠) كتاب تحريم الدم، وأحمد برقم (١٩٨٧٣)، ورواه أحمد عن عم أبي حرة الرقاشي -﵁ - برقم (٢٠١٧٢)، ورواه أيضًا عن الصنابح بن الأغر -﵁ - برقم (١٨٦٠٧).\n(١) رواه البخاري برقم (٦١٠٣) كتاب الأدب باب من أكفر أخاه بغير تأويل فهو كما قال، ومسلم برقم (٦٠) ١/ ٧٩ كتاب الإيمان باب بيان حال إيمان من قال لأخيه المسلم: يا كافر، والترمذي برقم (٢٦٣٧) كتاب الإيمان، وأحمد برقم (٤٦٧٣).\n(٢) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط)، وهو الموافق لروايات الحديث.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٠٣٨) كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾، ومسلم برقم (٧١) ١/ ٨٣ كتاب الإيمان باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، والنسائي برقم (١٥٢٥) كتاب الاستسقاء، وأبو داود برقم (٣٩٠٦) كتاب الطب، وأحمد برقم (١٦٦١٣)، ومالك برقم (٥٤١) كتاب الداء للصلاة.","vol":"1","page":401},{"text":"كافرين يقولون: بالكوكب با لكوكب\" (١). ونظائر هذا موجودة في الأحاديث.\nوقال ابن عباس وغير واحد من السلف، في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧]، كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق (٢). وقد ذكر ذلك أحمد والبخاري وغيرهما (٣).\n\nالأصل الثاني:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>[قد تتلازم شعب الإيمان عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف]</span>\nأن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ﴾ [المائدة: ٨١].\n_________\n(١) هذه رواية المسند رواها أحمد برقم (٨٥٢٢)، والنسائي برقم (١٥٢٤) كتاب الأشقاء، ورواه مسلم برقم (٧٢) ١/ ٨٤ كتاب الإيمان باب بيان كفر من قال: مطرنا بالنوء، وفيه: (يقولون الكواكب وبالكواكب) وهذه الرواية موافقة لما في (ط)، وأما نسخة الأصل و(م) ففيها لفظ الكوكب بالإفراد وهي موافقة لرواية النسائي وأحمد. وكذلك جاءت رواية عبد مسلم بالإفراد بعد الرواية السابقة التي ذكرناها.\n(٢) في (م) و(ط): \"فأولئك هم الفاسقون، فأولئك هم الظالمون؛ كفر دون كفر، وفسق دون فسق، وظلم دون ظلم\"، وهو مخالف لنسخة الأصل، ومخالف كذلك لترتيها في السورة الكريمة.\n(٣) روى الحاكم بسنده عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"إنه ليس بالكفر الَّذي يذهبون إليه، إنه ليس كفرًا ينقل عن الملة، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ كفر دون كفر\" وقال عنه: \"هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه\" ووافقه الذهبي. وذكر الحافظ ابن حجر -﵀- أن الإمام أحمد قد روى هذا الأثر (كفر دون كفر. . .) في كتاب الإيمان من طريق عطاء بن رباح، وقد جعل البخاري في هذا الأثر ترجمة لبعض أبواب صحيحه، فتح الباري (١/ ٨٣)، وتفسير ابن كثير (٢/ ٦٢).","vol":"1","page":402},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، وقد يحصل من الرجال نوع من موادتهم (١) لرحم أو حاجة، فيكون (٢) ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي - ﷺ -، وأنزل الله فيه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ﴾ الآية (٣) [الممتحنة: ١].\nوكما حصل من (٤) سعد بن عبادة لما انتصر لابن أبو نوبة (٥) الإفك، فقال لسعد بن معاذ: (كذبت لعمر الله لا تقتله، ولا تقدر على قتله). قالت عائشة: (وكان قبل ذلك رجلًا صالحًا، ولكن احتملته الحمية) (٦).\nولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق، فقال له: (إنه قد شهد بدرًا)، فكان عمر متأولًا في تسميته منافقًا للشعبة (٧) التي فعلها، وكذلك قول أسيد بن حضير لسعد بن عبادة: كذبت لعمر الله لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب.\nوكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشن (٨) منافق،\n_________\n(١) في (ط): \"وقد تحصل للرجل موادتهم\".\n(٢) في (ط): \"فتكون\".\n(٣) كلمة الآية لا توجد في نسخة الأصل، والآية في (ط) تقف عند قوله تعالى: ﴿تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾، وقد تقدم تخريج قصة حاطب - ﵁ -: ص ٣٣٥.\n(٤) في (ط): \"لسعد\".\n(٥) في (ط): \"في قصة\".\nومعى النوبة العودة والرجوع والإقبال، يقال: أناب إلى الله أي أقبل وتاب، ويقال لنحل نوب لأنها ترعى وتنوب إلى مكانها، قاله في \"مختار الصحاح\" (١/ ٢٢٩).\n(٦) تقدم تخريج هذه القصة ص ٣٣٥.\n(٧) في (ط): \"للشبهة\".\n(٨) في (ط): ابن الدخشم هكذا بالميم، خلافًا لما في صحيح البخاري الَّذي ورد فيه الاسم بالنون كما أثبتنا، وأما الدخشم فهو موافق لبعض روايات مسلم (١/ ٦١)، =","vol":"1","page":403},{"text":"إن (١) كان قال ذلك لما رأي فيه من نوع معاشرة، ومودة للمنافقين.\nولهذا لم يكن المتهومون (٢) بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوي الإيمان. وظهور (٣) الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يتعاقبون (٤) من النفاق على ما لم يكونوا يتعاقبون (٥) عليه قبل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-156>[تسمية الحسن البصري للفاسق منافقًا]</span>\nومن هذا الباب ما يروى عن الحسن البصري، ونحوه من السلف، أنهم يسمون (٦) الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا القول مخالفًا لأقوال (٧) الجمهور، إذ حكوا تنازع الفسق الملي، هل (٨) هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق؟ (٩) والحسن رحمة الله\n_________\n= وجاء في بعض روايات مسلم الدخشن بالنون (١/ ٤٥٦)، ونقل الحافظ رحمه الله تعالى عن الطبراني عن أحمد بن صالح أن الصواب \"الدخشم\" بالميم وقال إنها رواية الطيالسي، الفتح (١/ ٥٢١)، وترجمه بهذا الاسم في الإصابة (٣/ ٣٤٣)، وقد ترجمه بذلك أبو عمرو ابن عبد البر (٣/ ٣٧٣) (على هامش الإصابة)، وقد ورد في اسمه \"الدخيشن\"، بالتصغير، والشك من الراوي كما قال الحافظ -﵀-، الفتح (١/ ٥٢١)، وقد آثرنا أن نثبت ما ورد في نسخة الأصل و(م)، لأنه موافق لروايتي الصحيحين.\n(١) في (ط): \"وإن\".\n(٢) في (م) و(ط): \"المتهمون\"، وأصل التاء واو كما قال الجوهري في \"مختار الصحاح\" (٥/ ١٨٤٥)، ٢٠٥٤).\n(٣) في (طا): \"وظهر\".\n(٤) في (م): ويتعاتبون\"، وفي (ط) \"يعاتبون\"، وفي (ص) (مختصر الكتاب): يتعاتبون\"، والمعنى على جميع هذه الألفاظ واحد تقريبًا، وهو المعاتبة والعقاب على من أظهر شيئًا من خصال المنافقين، وذلك لظهور الإسلام، وتمكن المؤمنين، والله أعلم.\n(٥) في (م): \"يتعاتبون\"، وفي (ط): \"يعاتبون\"، وفي (ص): \"يتعاتبون\".\n(٦) في (م) و(ط): \"سلموا\".\n(٧) كلمة \"لأقوال\" ليست في (ط).\n(٨) كلمة \"هل\" ليست في (م).\n(٩) ومن هؤلاء ابن الخياط المعتزلي، حيث ذكر ذلك في كتابه \"الانتصار والرد على =","vol":"1","page":404},{"text":"عليه لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقًا على الوجه الَّذي ذكرناه، والنفاق كالكفر، نفاق دون نفاق.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-157>[أنواع الشرك والكفر، وما ينقل عن الملة وما لا ينقل]</span>\nولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر كما يقال: الشرك شركان: شرك أكبر وأصغر (١).\nوفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي - ﷺ - قال: \"الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل، فقال أبو بكر: يا رسول الله كيف ننجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله، قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم\" (٢).\nوفي الترمذي وغيره (٣) عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"من حلف بغير الله فقد أشرك\" (٤) قال الترمذي: \"حديث حسن\".\n_________\n= ابن الراوندي الملحد\" (١١٨)، وقد ذكر القاضي عبد الجبار المعتزلي في \"شرح الأصول الخمسة\" (٧١٤) أن عمر بن عبيد أحد رؤوس المعتزلة الكبار قد ناظر الحسن البصري -﵀- في تلك المسألة، والله أعلم بحقيقة الحال.\n(١) في (ط): \"أصغر وأكبر\".\n(٢) هذا الحديث من رواية صحابيين جليلين، وهما أبو بكر الصديق، وأبو موسى الأشعري - ﵄ -، فرواية أبي بكر رواها بالإضافة إلى ابن أبي حاتم، أبو يعلى في مسنده برقم (٥٨) ١/ ٦٠، والبخاري في الأدب المفرد برقم (٧١٦) ٢٥٠، ورواه الحافظ أبو القاسم إسماعل بن محمد الأصبهاني في كتابه \"الترغيب والترهيب\" برقم (٢٠٦)، وقال عنه محققه: \"في إسناده بحر بن كنيز وهو ضعيف، انظر التقريب (١/ ٩٣) \"، وذكره الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٣٧٣١).\nورواه أحمد في مسنده برقم (١٩١٠٩) عن أبي موسى الأشعري - ﵁ - قال: (خطبنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم فقال: \"أيها الناس اتقوا هذا الشرك، فإنه أخفى من دبيب النمل، فقال له من شاء الله أن يقول: وكيف نتقيه وهو أخفى من دبيب النمل يا رسول الله؟ قال: قولوا: اللهم إنا نعوذ بك أن نشرك بك شيئًا نعلمه، ونستغفرك لما لا نعلمه، إسناده لا بأس به. ورواه كذلك البخاري في الكنى برقم (٥٠٩) ص ٥٨.\n(٣) كلمة (وغيره) ليست في (ط).\n(٤) رواه الترمذي برقم (١٥٣٥) كتاب النذور والأيمان، ولفظه: (من حلف بغير الله فقد كفر أو أشرك)، وأبو داود برقم (٣٢٥١) كتاب الإيمان والنذور، وأحمد =","vol":"1","page":405},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>[تفي اسم الإيمان بسبب انتفاء كماله الواجب]</span>\nوبهذا تبين (١) أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: \"لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن\" (٢).\nومنه قوله: \"من غشنا فليس منا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا\" (٣) فإن صيغة \"أنا\" و\"نحن\" ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي - ﷺ -، والمؤمنين معه الإيمان المطلق، الَّذي يستحقون به الثَّواب بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق الملي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس بمؤمن (٤) باعتبار.\nوبهذا يتبين (٥) أن الرجل قد يكون مسلمًا، لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله - ﷺ -: \"ليس منا\"، أي (٦) ليس منا، أو ليس من خيارنا، وقال: \"هذا تفسير المرجئة\" (٧)، وقالوا: لو لم يفعل\n_________\n= برقم (٦٠٣٦). وهو حديث صحيح كما قال الشيخ الألباني \"صحيح الترمذي رقم ١٥٩٠) \" و\"صحيح أبي داود رقم ٢٧٨٧\".\n(١) (ط): \"يتبين\".\n(٢) سبق تخريج هذا الحديث ص ٣١٠.\n(٣) رواه مسلم برقم (١٠١) ١/ ٩٣ كتاب الإيمان باب قول النبي - ﷺ -: \"من غشنا فليس منا\" ولفظه: \"من حمل علينا السلاح فليس منا، ومن غشنا فليس منا\"، ورواه أحمد برقم (٢٧٥٠٠) ولفظه كمسلم.\n(٤) (ط): \"ليس منا\".\n(٥) (ط): \"تبين\".\n(٦) كلمة (أي) ليست فى (م) و(ط).\n(٧) السنة للخلال (٥٧٦ - ٥٧٧)، ونقل مثل ذلك عن الإمام الجليل عبد الرحمن بن مهدي، وقد حكى الحافظ رحمه الله تعالى بعض الأقوال في تفسير تلك العبارة، ورجح ما قيل إن المعنى: \"ليس على ديننا الكامل، أي أنَّه خرج من فرع من فروع الدين وإن كان معه أصله، حكاه ابن العربي\" الفتح (٣/ ١٦٥).\nوأولى من ذلك ما ذكره المؤلف أعلاه ووضحه في موضع آخر حيث قال: (وكذلك قوله: \"من غشنا فليس منا ونحو ذلك، لا يجوز أن يقال فيه: ليس من خيارنا كما تقوله المرجئة؛ ولا أن يقال: صار من غير المسلمين فيكون كافرًا كما تقوله الخوارج، بل الصواب أن هذا الاسم المضمر ينصرف إطلاقه إلى المؤمنين =","vol":"1","page":406},{"text":"هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي - ﷺ -، وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية [و] (١) يستحق به الخلود في النار، تأويل منكر كما تقدم، فلا هذا، ولا هذا.\nومما [يبين] (٢) ذلك أنَّه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب، [تقتضي] (٣) حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم، والتصديق بالله، وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى، توجب (٤) محبة القلب له، وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته، وكراهة (٥) معصيته.\nوالإرادة الجازمة مع القدرة، تستلزم وجود المراد، ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-159>[هل يعاقب على الإرادة بغير عمل</span>؟]\nوبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك، فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي - ﷺ - الَّذي في الصحيحين: \"إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به\" (٦).\n_________\n= الإيمان الواجب الَّذي يتحقون الثَّواب بلا عقاب، ولهم الموالاة المطلقة، والمحبة المطلقة، وإن كان لبعضهم درجات في ذلك بما فعله من المستحب، فإذا غشهم لم يكن منهم حقيقة، لنقص إيمانه الواجب الَّذي به يستحقون الثواب المطلق بلا عقاب، ولا يجب أن يكون من غيرهم مطلقًا، بل معه من الإيمان ما يستحق به مشاركتهم في بعض الثواب، ومعه من الكبيرة ما يستحق به العقاب، كما يقول من استأجر قومًا ليعملوا عملًا، فعمل بعضهم بعض الوقت، فعند التوفية يصلح أن يقال: هذا ليس منا، فلا يستحق الأجر الكامل، وإن استحق بعضه) مجموع الفتاوى (١٩/ ٢٩٥).\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: يتبين؛ وأثبتنا في في (م) و(ط) لأنها أقرب إلى الصواب.\n(٣) في نسخة الأصل و(م): يقتضي، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أولى بالمعنى.\n(٤) في (م) و(ط): يوجب.\n(٥) في (ط): \"كراهية\".\n(٦) رواه البخاري برقم (٥٢٦٩) كتاب الطلاق باب إذا قال لامرأته وهو مكره: هذه =","vol":"1","page":407},{"text":"وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وابن عباس - ﵄ -، أن النبي - ﷺ -[قال] (١): \"إذا هم العبد بسيئة، لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة، كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات، إلى سبعمائة ضعف\" (٢).\nوفي رواية: \"فإن تركها فاكتبوها (٣) له حسنة، فإنها تركها من جراي\" (٤).\nومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" (٥).\nوبالحديث الَّذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كبشة الأنصاري (٦)\n_________\n= أختي، فلا شيء عليه، ومسلم برقم (١٢٧) ١/ ١١٦ كتاب الإيمان باب تجاوز الله عن حديث النفس والخواطر بالقلب إذا لم تستقر، والترمذي برقم (١١٨٣) كتاب الطلاق، والنسائي برقم (٣٤٣٣) كتاب الطلاق، وأبو داود برقم (٢٢٠٩) كتاب الطلاق، وابن ماجة برقم (٢٠٤١) كتاب الطلاق، وأحمد برقم (٨٨٦٤).\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) رواه البخاري بنحوه برقم (٧٥٠١) كتاب التوحيد باب قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، ومسلم برقم (١٢٨) ١/ ١١٧ كتاب الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة كتبت، وإذا هم بسيئة لم تكتب، والترمذي بنحوه برقم (٣٠٧٣) كتاب تفسير القرآن، وأحمد بنحوه (٧١٥٥).\n(٣) في نسخة الأصل و(م): قال اكتبوها، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الموافق لرواية مسلم.\n(٤) هذه رواية لمسلم رواها برقم (١٢٩) ١/ ١١٨ كتاب الإيمان باب إذا هم العبد بحسنة. . .\n(٥) رواه البخاري برقم (٣١) كتاب الإيمان باب: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فساهم المؤمنين، ومسلم برقم (٢٨٨٨) ٤/ ٢٢١٣ كتاب الفتن وأشراط الساعة باب إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، والنسائي برقم (٤١١٨) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٤٢٦٨) كتاب الفتن والملاحم، وابن ماجة برقم (٣٩٦٤) كتاب الفتن، وأحمد برقم (١٩٠٩٣).\n(٦) في نسخة الأصل: عن أبي كبشة الأنماري، وهو تصحيف، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه الصحيح، وهو الموافق لاسمه - ﵁ - في كتب الرجال، كالإصابة (٤/ ١٦٤).","vol":"1","page":408},{"text":"عن النبي -ﷺ -: في الرجلين اللذين أوتي أحدهما علمًا ومالًا، فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علمًا ولم يؤت مالًا، فقال: لو أن لي مثل مال فلان، لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: فهما في الأجر سواء، ورجل آتاه الله مالًا، ولم يؤته علمًا، فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالًا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت مثلما يعمل فلان، فهما في الوزر سواء\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-160>[الفرق بين الهم والإرادة]</span>\nوالفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك، كما أثيب يوسف - ﷺ -، ولهذا قال أحمد: (الهم همان: همّ خطرات، وهمّ إصرار).\nولهذا كان الَّذي دل عليه القرآن، أن يوسف لم يكن له في هذه القصة (٢) ذنب أصلًا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء، إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأصابه (٣) الله برحمته في الدنيا، ﴿وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٧)﴾ [يوسف: ٥٧]\n<span data-type=\"title\" id=toc-161>[حقيقة الإرادة الجازمة]</span>\nوأما الإرادة الجازمة، فلا بد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور، ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطرة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله - ﷺ -: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار\" (٤)، فإن المقتول أراد قتل صاحبه، فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الَّذي قال: لو أن لي مثلما لفلان، لعملت فيه مثل\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٢٣٢٥) كتاب الزهد، وقال عنه: \"حديث حسن صحيح\"، وابن ماجة برقم (٤٢٢٨)، وأحمد برقم (١٧٤٧٠) وقال عنه الشيخ الألباني: \"صحيح\" في صحيح ابن ماجة (٢/ ٤١٣).\n(٢) في (م) و(ط): \"القضية\".\n(٣) في (طا): \"فأثابه\".\n(٤) سبق تخريج هذا الحديث قريبًا.","vol":"1","page":409},{"text":"ما يعمل فلان، فإنه أراد [فعمل] (١) ما يقدر عليه، وهو الكلام، ولم يقدر علي غير (٢) ذلك (٣).\nولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا (٤)، لأنه أراد ضلالهم [ففعل] (٥) ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلَّا على ذلك (٦).\nوإذا تبين هذا في الإرادة والعمل، فالتصديق الَّذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية، لأن النفس فيها قوتان: قوة [الشعور بالملائم] (٧) والمنافي، والإحساس بذلك، والعمل.\n_________\n(١) في نسخة الأصل: يعمل، وفي (ط): \"فعل\"، وأثبتنا ما في (م) لأنه أقرب إلى المعنى.\n(٢) كلمة \"غير\" ليست في (ط).\n(٣) انظر: مجموع الفتاوي (١٤/ ١٢٢ - ١٢٨).\n(٤) هذا جزء من حديث لرسول الله - ﷺ - ولفظه عند مسلم: من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" ورواه برقم (٢٦٧٤) ٤/ ٢٠٦٠ كتاب العلم باب من سن حسنة أو سيئة، ومن دعا إلى هدى أو ضلالة، والترمذي برقم ٢٦٧٤) كتاب العلم، وأبو داود برقم (٤٦٠٩) كتاب السنة، وابن ماجة برقم (٢٠٦) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٩١٥)، والدارمي برقم (٥١٣) في المقدمة).\n(٥) في نسخة الأصل: (فعل)، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه الصواب.\n(٦) مسألة المؤاخذة بالهم والإرادة مسألة جليلة القدر، وقد بحثها الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى بحثًا واسعًا في الفتح عند شرح كتاب الرقاق، وأورد كلام العلماء، وخلافهم في تلك المسألة التي بحثها المؤلف، وأضاف عليها مسائل أخرى كقول من يقول بالمؤاخذة بالهم الجازم أن عقاب صاحبه يكون في الدنيا بالغم والهم ونحوهما، أو يكون في الآخرة بالعتاب لا العذاب، ومسألة استثناء الحرم عند من قال: إنه لا يؤاخذ بالهم، وغيرها من المسائل المفيدة، الفتح. (١١/ ٣٢٣ - ٣٢٩)، ويبني كلام المؤلف رحمه الله تعالى فيصلًا في هذه القضية الشائكة، وتفصيله هو الَّذي يزيح الإشكال فيها، وأن هناك إرادة جازمة، وأخرى غير جازمة، وأن الجازمة. لا بد أن يصحبها شيء مما ذكره من الأعمال الظاهرة من نظرة أو التفاتة أو حركة، وهذه الإرادة هي التي يؤاخذ عليها.\n(٧) في نسخة الأصل: قوة الشعوب فالملائم. وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه الصواب.","vol":"1","page":410},{"text":"والتصديق به، وقوة الحب [للملائم والبغض للمنافي] (١) والحركة عن الحس، بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم، يوجب اللذة والفرح والسرور، وإدراك المنافي يوجب الألم والغم.\nوقد قال النبي - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، ويمجسانه كما تنتج البهيمة [بهيمة] (٢) جمعاء، هل تحسون فيها من جدعاء؟ \" (٣).\nفالقلوب مفطورة على الإقرار بالله تصديقًا به، ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق، وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه، ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-162>[اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون، وسبب ذلك]</span>\n[و] (٤) قال النبي - ﷺ -: \"اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون\" (٥). لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما\n_________\n(١) في نسخة الأصل: قوة الحب الملائم والمنافي، وفي (م): قوة الحب الملائم وبغض المنافي، وأثبتنا ما في (ط) لأنها أقرب إلى الصواب.\n(٢) هذه الزيادة من (ط)، وهي الموافقة لروايات الحديث.\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث ص ٣٩٠.\n(٤) حرف الواو ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٥) رواه أبو داود الطيالسي (١٤٠)، وسعيد بن منصور في، سننه برقم (١٧٩) ٢/ ٥٣٧، عن اسماعيل بن أبي خالد مرسلًا، وقال محققه الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد: سنده ضعيف لإرساله. . . لكن للحديث شواهد، ومعناه صحيح، وعليه اتفق المفسرون، وقد استقصى محقق الكتاب طرق الحديث وتكلم عليها بما فيه الكفاية، ورواه الترمذي برقم (٢٩٥٤) كتاب تفسير القرآن الكريم، ولفظه: (اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضلال) وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من حديث سماك بن حرب، ورواه أحمد برقم (١٨٨٩١)، والطبراني في الكبير (١٧/ ٩٨)، وابن حبان في صحيحه برقم (٢٦٤٦) ١٤/ ١٣٩، وقال محققه الشيخ =","vol":"1","page":411},{"text":"فيهم من الكبر والحسد، الَّذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضلال، هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة به، وينضم إلي ذلك، الظن واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة لهم (١) معرفة نافعة، ولا قضد نافع، بل يكونون (٢) كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب (٣): ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا في أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ [الملك: ١٠].\nوقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ [الأعراف: ١٧٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-163>[أصل الإيمان هو قول القلب وعمل القلب]</span>\nفالإيمان الَّذي (٤) في القلب، لا يكون إيمانًا بمجرد ظن (٥) تصديق ليس معه عمل القلب [و] (٦) موجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما\n_________\n= شعيب الأرناؤوط: حديث حسن لغيره، والبيهقي في سننه (٦/ ٣٣٦)، والهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٣٣٥)، وقال بعد أن عزاه إلى المسند: رجاله رجال الصحيح، غير عباد بن حبيش وهو ثقة، وأورده الشيخ الألباني في صحيح الترمذي، وذكر الحافظ في الفتح أن ابن مردويه رواه عن أبي ذر بسند حسن (٨/ حديث عبد الله بن شقيق عن رجل من بني القين سأل النبي - ﷺ - عن المغضوب عليهم وعن الضالين، فالحديث ثابت إن شاء الله.\nيقول الإمام القرطبي في تفسيرة سورة الفاتحة عند قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ﴾ بأنهم اليهود والنصاري: وشهد لهذا التفسير أيضًا قوله سبحانه في اليهود: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقال: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ [الفتح: ٦]، وقال في النصاري: ﴿قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾ [المائدة: ٧٧] ١/ ١٤٦.\n(١) كلمة لهم ليست في (م) و(ط).\n(٢) في (ط): يكون.\n(٣) لم يتبين لي وجه حصر المؤلف الكلام عن مشركي أهل الكتاب خاصة دون غيرهم من الكفار، ومن المحتمل أن تكون العبارة: المشركين وأهل الكتاب، والله أعلم بالصواب.\n(٤) كلمة \"الَّذي\" ليست في (ط).\n(٥) كلمة \"ظن\" ليست في (م) و(ط).\n(٦) الواو ليست في نسخة الأصل، و(م) وهي في (ط).","vol":"1","page":412},{"text":"أنَّه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهوى، بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب، وعمل القلب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>[لفظ النصارى ليس مرادفًا للفظ الإيمان في اللغة]</span>\nوليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق كما تظنه (١) طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهودة (٢) مثل قوله (٣): الواحد نصف الاثنين، والسماء فوق الأرض مجيبًا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتَّى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به آمنا به، كما قال إخوة يوسف: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُؤْمِنٍ لَنَا﴾ [يوسف: ١٧] أي بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب.\nومن قوله تعالى: ﴿قَالُوا (٤) أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ﴾ [الشعراء: ١١١].\nوقوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ [التوبة: ٦١].\nوقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ﴾ [المؤمنون: ٤٧].\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ (٢١)﴾ [الدخان: ٢١].\n﴿فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ﴾ [يونس: ٨٣] أي: أقر له.\nوذلك أن لفظ الإيمان [يفارق التصديق] (٥) لفظًا ومعنى، فإنه أيضًا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: آمنته، إلَّا من الأمان الَّذي هو ضد الإخافة، بل يقال (٦): آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؛ لأن الفعل المتعدي بنفسه، إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل ونحوه، مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا، ورأيته وأنا له سامع\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"يظنه\".\n(٢) في (م) و(ط): \"المشهورة\".\n(٣) كلمة \"قوله\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) كلمة \"قالوا\" ليست في (م) و(ط).\n(٥) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط)، غير أن في (ط) كلمة \"أي\" بعد كلمة \"التصديق\".\n(٦) كلمة \"يقال\" ليست في (ط).","vol":"1","page":413},{"text":"وراء، كذلك يقال: صدقته، وأنا له مصدق، ولا يقال: صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه [لا] (١) يقال إذا أردت التصديق آمنته، كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.\nوالفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار (٢)، بل فى الإخبار عن الأمور الغائبة ونحوها، مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع، قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار (٣)، وأما المعنى فإن الإيمان مأخوذ من الأمن الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار مأخوذ من قر يقر، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال للصدق (٤) طمأنينة، والكذب ريبة، فالمؤمن داخل (٥) في الأمن، كما أن المقر دخل في القرار (٦)، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام، ثم إنه يكون على وجهين:\n(أحدهما): الإخبار وهو من هذا الوجه، كلفظ التصديق والشهادة ونحوهما، وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.\nو(الثاني): إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: ﴿قَالَ (٧) أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ﴾ [وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد فإنه سبحانه قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي﴾] (٨) [آل عمران: ٨١] فهذا التزام (٩) للإيمان، والنصر للرسول - ﷺ -، وكذلك لفظ الإيمان، فيه إخبار\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"الإخبار\".\n(٣) في (ط): \"الإخبار\".\n(٤) في (م) و(ط). \"الصدق\".\n(٥) في (م) و(ط): \"دخل\".\n(٦) في (ط): \"الإقرار\".\n(٧) كلمة \"قال\" ليست في (م) و(ط).\n(٨) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٩) في (ط): \"الالتزام\".","vol":"1","page":414},{"text":"وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر، لا يقال فيه: آمن له، بخلاف الخبر الَّذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلَّا مجرد الطمأنينة [إلى صدقه] (١) فإذا تضمن طاعة المستمع، لم يكن مؤمنًا للمخبر إلَّا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان، كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد، فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين.\nوأيضًا فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الأخبار (٢)، وأن (٣) التصديق إخبار بصدق المخبر، والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، والصادق أخرى (٤)، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر.\nفالحقائق الثابتة في نفسها، التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضًا.\nوأيضًا [فالذوات] (٥) التي تحب تارة، وتبغض تارة، وتوالي تارة، وتعادي أخرى (٦)، وتطاع (٧) تارة، وتعصى أخرى، ويذل لها تارة، ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك.\nوأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها، كالحب\n_________\n(١) في نسخة الأصل و(م): التي صدقه. وقد أثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب.\n(٢) في (ط): الإخبار.\n(٣) في (ط): (فإن).\n(٤) في (ط): العبارة هكذا بين معكوفتين [وقد يكذب الرجل] الصادق أخرى.\n(٥) في نسخة الأصل: \"والذوات\".\n(٦) في (ط): \"وتوالي تارة وتعادي تارة\".\n(٧) في (ط): \"وتطاوع\".","vol":"1","page":415},{"text":"والبغض، فيقال: حب صادق، وبغض صادق، فكما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها، متعلق بالخبر المنافي (١) والمثبت دون الحقيقة ابتداء، فكذلك في الحب والبغض ونحو ذلك، يتعلق بالحب والبغض دون الحقيقة ابتداء، بخلاف لفظ الإيمان والكفر، فإنه يتناول الذوات بلا واسطة [إقرارًا] (٢)، أو [إنكارًا] (٣)، أو حبًا، أو بغضًا، أو طمأنينة، أو نفورًا (٤).\nويشهد [لهذا] (٥) الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: (اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد - ﷺ -) (٦).\nفقال: إيمانًا بك ولم يقل تصديقًا بك كما قال: تصديقًا بكتابك.\nوقال تعالى عن مريم: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ﴾ [التحريم: ١٢] فجعل التصديق بالكلمات والكتب.\nومنه الحديث الَّذي في الصحيح عن النبي - ﷺ -: \"تكفل الله لمن خرج في سبيل الله (٧)، لا يخرجه إلَّا إيمان بي، وتصديق كلماتي (٨) \" ويروي:\n_________\n(١) في (ط): \"النافي\".\n(٢) في نسخة الأصل و(ط): إقرار، وأثبتنا ما في (م) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٣) في نسخة الأصل و(ط): \"إنكار\"، وأثبتنا ما في (م) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٤) في (ط): \"أو حب\"، \"أو بغض\"، \"أو طمأنينة\" أو نفور\".\n(٥) في نسخة الأصل و(م): لها، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب.\n(٦) أخرجه ابن أبي شيبة (٤/ ١٠٥) وعبد الرزاق برقم (٨٨٩٨) والطيالسي ص ٢٥، والبخاري في التاريخ الكبير (١/ ٢٣٠) عن ابن عمر وقال: لا يتابع عليه، والطبراني في المعجم الأوسط (١/ ٣٠٣) والبيهقي في سننه الكبري (٥/ ٧٩)، وابن عدي في الكامل (٦/ ٢٤٦)، والعقيلي في الضعفاء (٤/ ١٣٥)، وقال الحافظ ابن حجر في تلخيص الحبير (٢/ ٢٤٧): وروى البيهقي والطبراني في الأوسط الدعاء من حديث ابن عمر. . . سنده صحيح\"، والحديث عن علي - ﵁ - في أكثر الروايات، ويشعر كلام الحافظ إلى أن الرواية عن علي رواية ضعيفة.\n(٧) في (ط): \"في سبيله\"، وقد وردت الروايات بذلك، وبما أثبتناه في المتن.\n(٨) في (م) و(ط): \"بكلماتي\" وقد وردت الروايات بذلك، وربما أثبتناه أيضًا في المتن، ووردت بعض الروايات بلفظ: \"كلمات الله\".","vol":"1","page":416},{"text":"\"إيمان بي وتصديق برسلي\" ويروي: \"لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله، وتصديق كلماته\" (١).\nففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل، وكذلك قوله في الحديث الَّذي في الصحيح، ذكر النبي - ﷺ - منازل عالية في الجنّة، فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلَّا الأنبياء، فقال: \"بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين\" (٢).\nوما [يحصى] (٣) الآن [الاستعمال المعروف] (٤) في كلام السلف، صدقت بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله، ونحو ذلك، كما جاء فلان يؤمن بالله، وآمن بالله إيمانًا (٥) بالله، ونؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، ونؤمن بالله وحده، ونحو ذلك، فإن القرآن والحديث، وكلام الخاصة والعامة، مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ويؤمن بالله، فآمنوا بالله (٦)، ويا أيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل التصديق بالله، [أو] (٧) أن (٨) صدقوا بالله و(٩) يا أيها النبي صدق بالله (١٠)، ونحو ذلك، اللهم إلَّا\n_________\n(١) هذه الألفاظ كلها وردت في الصحيحين والسنن، والحديث رواه البخاري برقم (٣٦) كتاب الإيمان باب الجهاد من الإيمان، ومسلم برقم (١٨٧٦) ٣/ ١٤٩٤ كتاب الإمارة باب فضل الجهاد والخروج في سبيل الله، والنسائي برقم (٣١٢٢) كتاب الجهاد، وابن ماجة برقم (٢٧٥٣) كتاب الجهاد، ومالك برقم (٩٧٤) كتاب الجهاد، والدارمي برقم (٢٣٩١) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٨٧٥٧).\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٢٥٦) كتاب بدء الخلق باب ما جاء في صفة الجنّة وأنها مخلوقة، ومسلم برقم (٢٨٣١) ٤/ ٢١٧٧ كتاب الجنّة وصفة نعيمها باب ترائي أهل الجنّة أهل الغرف، كما يرى الكوكب في السماء.\n(٣) في نسخة الأصل: \"يخصون\" وفي (م): \"يحصون\"، وأثبتنا ما في (ط): لأنه الأولى.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): \"استعمال معروف\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الأولى.\n(٥) في نسخة الأصل: \"أمانًا\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٦) العبارتان: (يؤمن بالله، فآمنوا بالله) ليست في (ط).\n(٧) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٨) كلمة (أن) ليست في (ط).\n(٩) في (م) و(ط): \"أو\".\n(١٠) العبارة في (م) و(ط): \"يا أيها الَّذي صدق بالله\".","vol":"1","page":417},{"text":"أن [يكون] (١) في ذلك [شيء] (٢) لا يحضرني الساعة وما أظنه (٣).\nولفظ الإيمان يستعمل في الخبر أيضًا كما يقال: ﴿كُلُّ آمَنَ بِاللهِ﴾ أي: أقر له، والرسول يؤمن له من جهة أنَّه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه.\nفالإيمان متضمن للإقرار للرسول والإقرار (٤) بما أخبر به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه، ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر [بكليهما] (٥)، ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنًا، ولا ظاهرًا، ولا محبة لله، ولا تعظيم له، لم يكن ذلك إيمانًا.\nوكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب.\n_________\n(١) في نسخة الأصل: تكون، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٢) في نسخة الأصل: \"شيئًا\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) هذا الكلام يدل على أمرين اثنين: (الأول): سعة علم المؤلف رحمه الله تعالى، وتبحره في جميع العلوم سواء علوم غاية كالعلوم الشرعية بفروعها المتشعبة، أو علوم وسائل كعلوم اللغة بفنونها المختلفة، وليس هذا غريبًا على شيخ الإسلام ابن تيمية الَّذي كان يتحدى المخالفين ويفحمهم، بل يتعمق في مذاهبهم ويفهم، أدلتهم أكثر من كثيرين منهم.\n(الثاني): تواضعه رحمة الله عليه، فهو يستثني بعد أن نفى وجود مثل هذه الألفاظ (صدقوا بالله. . .)، وتلك هي سيما العلماء الربانيين: التواضع، ومقت العجب، والحذر من الغرور، ومع ذلك فثقة شيخ الإسلام بعلمه وأنه على الحق تبقى ظاهرة، ويتضح هذا من قوله: \"وما أظنه\".\n(٤) عبارة (للرسول والإقرار) ليست في (م) و(ط).\n(٥) في نسخة الأصل: كلاهما، والتصحيح من (م) و(ط).","vol":"1","page":418},{"text":"وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها، واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال له موسى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الإسراء: ١٠٢]، فالذي يقال هنا أحد أمرين:\nإما أن يقال: الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك، مما كفر (١) به مستلزم لعدم العلم والتصديق الَّذي هو الإيمان، وإلا فمن كان علمه وتصديقه تامًا، أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أن (٢) ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم، من حب القلب وانقياده، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هناك (٣) شبهة وريب، كما يقول ذلك طوائف من الناس، وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه، ممن يجعل الأعمال الباطنة والظاهرة [من] (٤) موجبات الإيمان، لا من نفسه، ويجعل ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق، لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط.\nأو أن يقال (٥): قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن مما (٦) في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك، مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته، وليس هذا كالإرادة مع العمل، لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل، بل لا بد مع ذلك من إرادة الحق والحب له.\nفإذا قال القائل: القدرة التامة [بدون] (٧) الإرادة الجازمة مستلزمة\n_________\n(١) في (ط): \"الكفر\".\n(٢) في (م) و(ط): \"أنَّه\".\n(٣) في (ط): \"هنا\".\n(٤) هذه الإضافة من (ط).\n(٥) هذا هو الأمر الثاني مما رد به المؤلف على مرجئة الجهمية الذين لا يتصورون أصلًا وجود الكفر مع التصديق والعلم.\n(٦) في (م) و(ط): \"ما\".\n(٧) في نسخة الأصل: من، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.","vol":"1","page":419},{"text":"لوجود المراد المقدور، [موجبة] (١) لحصول المقدور، لم يكن مصيبًا، بل لا بد من الإرادة، وبهذا [يتبين] (٢) خطأ من قال: إن مجرد علم الله - ﷿- قد بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسلفة، كما يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها، وكما خطأوا من قال: إن مجرد القدرة كافية، بل لا بد من العلم والقدرة والإرادة في وجود المقدور والمراد، والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به، والعلم والإرادة (٣) والقدرة ونحو ذلك، وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي، أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب أنَّه ليس كل معلوم مرادًا محبوبًا ولا مقدورًا، ولا كل مقدور مرادًا محبوبًا، وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الشيء معلومًا مصدقًا به، أن يكون محبوبًا معبودًا، بل لا بد من العلم وأمر آخر به يكون هذا محبًا وهذا محبوبًا.\nفقول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان، وأنه موجب لأعمال القلب، فإذا انتفت دل على انتفاء العلم، بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده، بدون وجود إرادة منه، وهو [شبيه] (٤) بقول المتفلسفة: إن سعادة النفس في [مجرد] (٥) أن تعلم الحقائق، ولم يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا به (٦)، وهو نظير من يقول: كمال الجسم أو النفس في الحس (٧) من غير\n_________\n(١) في نسخة الأصل و(م): موجب، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الأولى بسياق الكلام.\n(٢) في نسخة الأصل: يبين، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٣) في (م) سقطت العبارة التالية: \"في وجود المقدور والمراد، والإزادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به والعلم والإرادة\".\n(٤) في نسخة الأصل: \"شبه\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٥) في نسخة الأصل: \"تجرد\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٦) في (ط): بها، وكلا الأمرين صحيح، فما أثبتناه في المتن يعود الضمير المذكر فيه إلى حب الله تعالى، وما ورد في (ط) يعود الضمير المؤنث فيه إلى عبادته ﷾، على أن هذه اللفظة \"إلَّا بها\" قد سقطت من (م).\n(٧) في (ط): \"الحب\".","vol":"1","page":420},{"text":"اقتران الحركة الإرادية به (١)، يقول: اللذة في مجرد الإدراك والشعور، وهذا غلط باتفاق العقلاء، بل لا بد من إدراك الملائم، والملائمة لا تكون إلَّا بمحبة بين المدرِك والمدرَك، وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه والشعور به.\nوقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم: إن اللذة إدراك الملائم، وهذا تقصير منهم، بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم، كالإنسان الَّذي يحب الحلو ويشتهيه، فيدركه بالذوق والأكل، فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر يجد من نفسه يحصل مع الذوق، فلا بد أولًا من أمرين، وآخرًا من أمرين، لا بد أولًا من شعور بالمحبوب ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهي، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك.\nولهذا قال النبي - ﷺ - في الدعاء المأثور: \"اللهم إني أسالك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، من غير ضراء مضرة، ولا فتنة مضلة\" (٢).\nوفي الحديث الصحيح: \"إذا دخل أهل الجنّة الجنّة، نادى مناد: يا أهل الجنّة! إن لكم عند الله موعدًا يريد أن ينجزكموه، فيقولون: ما هو؟ ألم يبيض وجوهنا، ويئقل موازيننا، ويدخلنا الجنّة، ويجرنا من النار؟ قال: فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه\" (٣) رواه مسلم وغيره.\n_________\n(١) في (م) و(ط): ومن، وبهذه اللفظة يعد هذا قولًا جديدًا يذكره المؤلف، وبدونها يحد هذا القول تفسيرًا للقول الَّذي قبله.\n(٢) رواه النسائي برقم (١٣٠٥) كتاب السهو؛ وأحمد برقم (١٧٨٦١)، والحاكم برقم في المستدرك (١/ ٥٢٤)، وصححه ووافقه الذهبي، وهو كما قالا، وكذا صححه الألباني في كتابه صحيح النسائي (١/ ٢٨٠).\n(٣) رواه مسلم بنحوه برقم (١٨١) ١/ ١٦٣ كتاب الإيمان باب إثبات رؤية المؤمنين =","vol":"1","page":421},{"text":"فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه لما يقترن بذلك من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة.\nوفي الجملة فلا بد في الإيمان الَّذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب لله (١) ورسوله، والا فمجرد التصديق مع البغض لله ورسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلَّا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحد والكبر، لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الَّذي يلائمها، ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم -﵇- الَّذي اتخذه الله خليلًا.\nوقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾ [الشعراء: ٨٨، ٨٩]، فليس مجرد العلم [موجبًا لحب] (٢) المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس، وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوى بالعمل، والعمل يقوى بالعلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له، ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسله (٣)، وحاد الله ورسوله، كان ذلك مقتضيًا [لإعراضه] (٤) عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة [فيضعف] (٥) علمه به حتَّى قد ينساه، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ﴾ [الحشر: ١٩]\n_________\n= في الآخرة ربهم ﷾، والترمذي برقم (٢٥٥٢) كتاب صفة الجنة، وابن ماجة برقم (١٨٧) المقدمة: وأحمد برقم (١٨٤٥٦).\n(١) في (ط): \"الله\".\n(٢) في نسخة الأصل: \"موجب الحب\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (ط): \"رسوله\".\n(٤) في نسخة الأصل: \"لأغراضه\"، التصحيح من (م) و(ط).\n(٥) في نسخة الأصل: \"يضعف\"، والتصحيح من (م) و(ط).","vol":"1","page":422},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٥٧]، وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم، مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة، لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصيرب مؤمنًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>[العلم التام بالله ﷿ ليس شرطًا في الإيمان به، والعذر بالجهل]</span>\nفما من شرط الإيمان بالله تعالى وجود العلم التام (١)، ولهذا كان الصواب أن الجهل يعض أسماء الله وصفاته، لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًّا بما جاء به الرسول - ﷺ -، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضي كفره إذا لم يعلمه، لحديث الَّذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته (٢).\nبل العلماء يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [النساء: ١٧]، قال أبو العالية (٣): (سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل) (٤)، وكل من\n_________\n(١) العبارة في (ط) هكذا: فمن شرط الإيمان وجود العلم التام، وهو تحريف يتناقض مع ما بعده من كلام المؤلف.\n(٢) انظر تخريجه صفحة ٥٧٤، لأن المؤلف أورده هناك كاملًا.\n(٣) هو رفيع بن مهران الرياحي، أحد كبار التابعين، أدرك زمن النبي - ﷺ -، وأسلم في خلافة الصديق - ﵁ - ودخل عليه، وسمع من عمر وعلي وابن مسعود وعائشة وكبار الصحابة - ﵃ -، كان من أعلام القراء، حيث قرأ القرآن وحفظه على أبي بن كعب - ﵁ -، وكان من أئمة التفسير، توفي سنة ٩٣ هـ على ما ذكره البخاري في تاريخه الكبير.\nالتاريخ الكبير (٣/ ٣٢٦)، الجرح والتعديل (٣/ ٥١٠)، حلية الأولياء (٢/ ٢١٧)، سير أعلام النبلاء (٤/ ١٠٧)، تهذيب التهذيب (٣/ ٢٨٤).\n(٤) رواه ابن جرير (٤/ ٢٩٤)، وابن حبان في الثقات (٧/ ٦٥٨) بلفظ: ما عصي الله إلَّا من جهالة.\nوانظر في تفير هذه الآية: الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٨٠)، تفسير ابن كثير (١/ ٤٦٤)، فتح القدير (١/ ٤٣٩).","vol":"1","page":423},{"text":"تاب قبل الموت، فقد تاب من قريب، ومنه قول ابن مسعود: (كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلًا) (١)، وقيل للشعبي (٢) أيها العالم فقال: العالم من يخشى الله (٣).\nوقال (٤): قد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nوقال أبو حيان [التيمي] (٥): (العلماء ثلاثة: عالم بالله، وعالم (٦) بأمر الله، وعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، فالعالم بالله الَّذي يخشاه والعالم بأمر الله الَّذي يعلم حدوده وفرائضه) (٧).\n_________\n(١) رواه الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٨٩)، ونسبة الشوكاني هذا القول في فتح القدير لمسروق، ومسروق من كبار تلامذة ابن مسعود، فلعله حدث بهذا دون أن يسنده إلى ابن مسعود (٥/ ٣٤٩)، وروى أبو نعيم في الحلية عن ابن مسعود قوله: \"ليس العلم بكثرة الرواية، ولكن العلم الخشية\" (١/ ١٣١).\n(٢) هو عامر بن شراحيل الهمداني، ولد في خلافة عمر - ﵁ -، ورأى عليًا وصلى خلقه، وسمع من سعد بن أبي وقاص وسعيد بن زيد وأبي موسى الأشعري، وأبي هريرة وابن عمر وعائشة وعمران بن الحصين، وخلق من الصحابة، كان من أوعية العلم والفتوى والحفظ، وهو في طبقة الحسن المصري، نعته الذهبي بعلامة العصر، مات سنة ١٠٤ هـ على المشهور.\nالجرح والتعديل (٦/ ٣٢٢)، التاريخ الكبير (٦/ ٤٥٠)، حلية الأولياء (٤/ ٣١٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٧٧)، تذكرة الحفاظ (١/ ٧٤)، سير أعلام النبلاء (٤/ ٢٩٤)، تهذيب التهذيب (٥/ ٦٥).\n(٣) انظر: حلية الأولياء (٤/ ٣١١).\n(٤) كلمة \"قال\" ليست في (م) و(ط).\n(٥) في نسخة الأصل: التميمي، والتصحيح من (م) و(ط)، وأبو حيان التيمي هو يحيى بن سعيد بن حيان الكوفي، نعته الحافظ ابن حجر بالعابد، روى عن الشعبي وأبيه وعمه يزيد بن حيان والضحاك وغيرهم، وعنه أيوب السختياني والأعمش وشعبة والثوري وابن المبارك ويحيى القطان وآخرون، كان سفيان يعظمه ويجله، مات سنة ١٤٥ هـ.\nالجرح والتعديل (٩/ ١٤٩)، الكاشف (٣/ ٢٢٥)، البداية والنهاية (١٠/ ٩٨)، تهذيب التهذيب (١١/ ١٨٨).\n(٦) كلمة (على) ليست في (ط).\n(٧) لم أجده عن أبي حبان فيما توفر لي من المصادر، ولكن روى الدارمي عن سفيان قوله: \"كان يقال: العلماء ثلاثة. . . \" وذكر نحوه، وهو في مسند الدارمي برقم (٣٦٣).","vol":"1","page":424},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨]، وهذا يدل على أن كل من خشي الله فهو عالم، وهو حق، ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، لكن لما كان العلم به موجبًا للخشية عند عدم المعارضة، كان عدمه دليلًا على ضعف الأصل، إذ لو قوي لدفع المعارض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>[معنى العقل]</span>\nوهكذا لفظ العقل، يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم (١)، كما قال النبي - ﷺ -: \"إذا كان أحدكم صائمًا، فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه، أو قاتله، فليقل إني امرؤ صائم\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>[معنى الجاهلية]</span>\nوالجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر:\nألا لا يجهلن أحد علينا ... فنجهل فوق جهل الجاهلينا (٣)\nومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم، أو لعدم\n_________\n(١) انظر على سبيل المثال ما أورده الغزالي عن تعريف العقل في الإحياء (١/ ١٠١)، وهو قريب من كلام المؤلف.\n(٢) رواه البخاري برقم (١٨٩٤) كتاب الصوم باب فضل الصوم، ومسلم برقم (١١٥١) ٢/ ٨٠٦ كتاب الصيام باب حفظ اللسان للصائم، وأبو داود برقم (٢٣٦٣) كتاب الصوم، وابن ماجة برقم (١٦٩١) كتاب الصيام، وأحمد برقم (٧٢٩٥)، ومالك برقم (١٨٩٤) كتاب الصوم.\n(٣) هذا البيت جزء من معلقة الشاعر الجاهلي المعروف عمرو بن كلثوم التغلبي، ومعلقته إحدى المعلقات السبع -على قول من يقول إنها سبع-، وتسمى أيضًا المذهبات، لأن العرب كتبتها بماء الذهب وعلقتها بين أستار الكعبة، وعمرو بن كلثوم شاعر جاهلي من فحول الشعراء الجاهليين، وهو في طبقة امرئ القيس، وزهير بن أبي سلمى، والنابغة، وغيرهم؛ وهو الَّذي قتل عمرو بن هند ملك الحيرة، ويقال إن معلقته تربو على الألف بيت، ولكن لم يبق منها إلَّا ما حفظه منه الرواة وتناقلوه، وأولها؛ ألا هبي بصحنك فاصبحينا، ومات عمرو قبل البعثة بنحو ثلاثين عامًا: شرح المعلقات العشر (٢٨٩) للخطيب التبربزي، خزانة الأدب للبغدادي (١/ ٥١٩)، الأغاني (١١/ ٥٢)، العقد الفريد (٥/ ٣١٣، ٦/ ١٠٣).","vol":"1","page":425},{"text":"العمل به (١)، ومنه قول النبي - ﷺ - لأبي ذر: \"إنك امرؤ فيك جاهلية\" (٢)، لما ساب الرجل وعيره بأمه.\nإذ (٣) قال تعالى: ﴿إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ﴾ [الفتح: ٢٦]، فإن الغضب والحمية يحمل المرء على فعل ما يضره، وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الَّذي هو عمل بخلاف العلم، حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنَّه يضره، وترك ما يعلم أنَّه ينفعه، لما في نفسه من البغض والمعاداة لأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه، ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا يوجد (٤) عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الَّذي تناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنَّه يضره.\nقلت: هذا معنى ما روي عن النبي - ﷺ -: \"إن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات\" رواه البيهقي مرسلًا (٥).\n_________\n(١) الصحاح للجوهري (٤/ ١٦٦٣ - ١٦٦٤).\n(٢) سبق تخريج هذا الحديث ص ٣٩٩.\n(٣) في (ط): \"وقد\".\n(٤) في (ط): \"توجد\".\n(٥) لم أجده في السنن الكبرى للبيهقي، وإذا أطلقت رواية البيهقي فإنها تنصرف إلى السنن الكبرى ولعلها في بعض كتب البيهقي الأخرى، وقد رواه أبو نعيم في الحلية (٦/ ١٩٩) من حديث عمران بن حصين، ورواه محمد بن سلامة بن جعفر القضاعي في مسند الشهاب عن عمران بن حصين - ﵁ - بلفظ أطول برقم (١٠٨٠) ٢/ ١٥٢ أن النبي - ﷺ - أخذ بطرف عمامتي وقال: \"يا عمران إن الله ﵎ يحب الإنفاق، ويبغض الإقتار، فأنفق وأطعم، ولا تصر صرًا فيعسر عليك الطلب، واعلم أن الله يحب البصر النافذ عند ورود الشبهات، والعقل الكامل عند حلول الشبهات، ويحب السماحة ولو على تمرات، ويحب الشجاعة ولو على قتل حية\" وذكره المؤلف كاملًا في درء التعارض (٥/ ١٣١)، وفيه عمرو بن حفص =","vol":"1","page":426},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾ [ص: ٤٥]، فوصفهم بالقوة [في] (١) العمل، والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه، وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه، وضعفه في قلبه، فالإيمان لا بد نيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، وهذا (٢) أصل القول، وهذا أصل العمل، ثم الحب التام مع القدرة، يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبًا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما يسمى (٣) إيمانًا فقد غلط، بل لا بد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته، إن لم يكن بين العلم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله، ومعنى في المحبوب كان محبوبًا لأجله (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>[الأعمال والأقوال الظاهرة هي موجب ما في القلب]</span>\nولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويحلمها وهو يبغضها، كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم، فنفس (٥) التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته، كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به، فمن صدق به وبرسوله، ولم يكن محبًا له ولرسوله، لم يكن مؤمنًا حتَّى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله، وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له، لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة، فما (٦) يظهر على البدن من\n_________\n= العبدي، قال عنه ابن معين: ليس حديثه بشيء؛ وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، ليس بقوي، الجرح والتعديل (٦/ ١٠٣).\n(١) في نسخة الأصل: \"فمن\"، والصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"فهذا\".\n(٣) في (ط): \"سمي\".\n(٤) هذه العبارة: \"ومعنى في المحبوب كان مجوبًا لأجله ساقطة من (م) و(ط).\n(٥) في (م) و(ط): \"ونفس\".\n(٦) في نسخة الأصل: \"مما\"، وفي (م) في المتن: \"فمما\"، وكتب في الهامش =","vol":"1","page":427},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>[القلب هو الأصل والبدن هو الفرع]</span>\nالأقوال والأعمال هو موجب ما في القلوب (١) ولازمه، ودليله ومعلوله، كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضًا تأثير فيما في القلب، فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له، والفرع يستمد من أصله، والأصل يثبت ويقوى بفرعه، كما في الشجرة التي يضرب المثل لكلمة الإيمان بها (٢).\nقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ (٢٤) تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا﴾ (٣) [إبراهم: ٢٤، ٢٥]، وهو (٤) كلمة التوحيد، فالشجرة كلما قوي أصلها وعروقها (٥) وروي، قويت فروعها، وفروعها أيضًا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها.\nوكذا (٦) الإيمان في القلب، والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطة، كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ﴾ [المجادلة: ٢٢]، فأخبر أن من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله؛ بل نفس الإيماد ينافي موادتهم (٧)، فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان.\n_________\n= أمامها: لعله \"فما\"، وهو موافق لما في (ط) وهو الَّذي أثبته حتى تستقيم العبارة.\n(١) في (ط): \"القلب\".\n(٢) العبارة في (ط) كالتالي: \"التي يضرب بها المثل لكلمة الإيمان\".\n(٣) وقع في الآية الكريمة خطأ في جميع النسخ، ففي نسخة الأصل و(م) جاءت الآية هكذا: ﴿مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً. . . .﴾ وفي (ط): ﴿وضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا. . .﴾.\n(٤) في (ط): وهي، حيث يعود الضمير على الشجرة، وأما ما أثبتناه فيعود الضمير على الأصل الَّذي يقوى بفرعه والعكس.\n(٥) في (م) و(ط): \"وعرق\".\n(٦) في (م) و(ط). \"وكذلك\".\n(٧) في (ط): \"مودتهم\".","vol":"1","page":428},{"text":"وكذلك قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ [المائدة: ٨٠، ٨١].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥]، فأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم: آمنا، ودل ذلك على أن الناس في تولهم آمنا: صادق وكاذب، والكاذب قيه نفاق بحسب كذبه.\nقال تعالى في المنافقين: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾ [البقرة: ٨ - ١٠] و(١) يكذبون هما (٢) قراءتان مثسهورتان (٣).\nوفي الحديث: \"أساس النفاق الَّذي بني عليه الكذب\" (٤).\n_________\n(١) في (ط): \"وفي\".\n(٢) كلمة \"هما\" ليست في (ط).\n(٣) القراءة بالتخفيف (يكذبون) قرأ بها حمزة وعاصم والكسائي، وأما القراءة بالتشديد (يكذّبون) فقد قرأ بها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر، وأبو جعفر، ويعقوب. الحجة في القراءات السبع لابن خالويه (٦٨)، النشر في القراءات العشر لابن الجوزي (٢/ ٢٠٧)، وانظر: تفسير ابن كثير (١/ ٤٩)، فتح القدير (١/ ٤٢)، القراءات العشر المتواترة من طريقي الشاطبي والدرة في هامش القرآن الكريم (٣) مراجعة وتدقيق الشيخ محمد كريم راجح.\n(٤) لم أعثر على هذا الحديث فيما بحثت فيه من مصادر حديثية سترد في فهارس الكتاب بمشيئة الله تعالى، وقد ذكره المصنف مرة في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٧٧) قائلًا: كما جاء في الأثر، وذكره غير مرة في مجموع الفتاوى منها: (١٠/ ١٢)، (٢٠/ ٧٥) دون أن يقول إنه حديث.\nلكن روى الفريابي في \"صفة المنافق\" (٥٢) عن الحسن قال: وكان يقال: \"الأس الَّذي يبنى عيه النفاق الكذب\" ورواته ثقات، فهو أثر صحيح على أية حال، وأما كونه حديثًا فلم يظهر لي فيه شيء حتَّى الآن، والله أعلم.","vol":"1","page":429},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ (١)﴾ [المنافقون: ١].\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٧٦) فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧﴾ [التوبة: ٧٥ - ٧٧].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>[جماهير المرجئة على أن عمل القلب من الإيمان]</span>\nوقال تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ﴾ [التوبة: ٥٨] الآية (١) ومل هذا كثير. وبالجملة فلا يستريب من تدبر ما نقول في أن الرجل لا يكون مؤمنًا بمجرد تصديق في القلب مع بغض (٢) لله ورسوله، واستكبار عن عبادته، ومعاداة (٣) له ولرسله (٤).\nولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان، كما نقله أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري فإنه قال في كتابه في المقالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>[فرق المرجئة]</span>\nاختلفت (٥) المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم [اثنتا عشرة] (٦) فرقة:\n\n١ - فالفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله (٧) وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان والخضوع بالقلب، والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم (٨)،\n_________\n(١) كلمة \"الآية\" ليست في (ط).\n(٢) في (ط): \"بغضه\".\n(٣) في (ط): \"ومعاداته\".\n(٤) في (ط): \"لرسوله\".\n(٥) في (ط): \"اختلف\"، وفي (م): \"الكلمة غير واضحة\".\n(٦) في نسخة الأصل و(م)؛ \"اثنتا عشر\"، والتصحيح من (ط).\n(٧) في مقالات الإسلاميين \"برسله\".\n(٨) في (ط): \"والتعظيم لهما\"، وكذلك جاءت في كتاب المقالات بين معكوفتين هكذا: والتعظيم [لهما]، مما يضع أمامنا احتمالين:\nالأول: أن المصنف -﵀- قد اطلع على نسخة لم يطلع عليها محقق المقالات، والثاني: أن تكون هذه الزيادة من المحقق نفسه، ومع هذا فقد آثرنا أن نثبت ما ورد في نسخة الأصل والنسخة (م)؛ لأن المعنى مكتمل بدون هذه الزيادة.","vol":"1","page":430},{"text":"والخوف فيهما (١)، والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به، وهذا قول يحكى عن جهم بن صفوان (٢).\nقال: \"وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا بكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلَّا في القلب دون الجوارح\".\n\nقال: ٢ - \"والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلَّا المعرفة به، ولا كفر بالله إلَّا الجهل به، وأن قول القاتل: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ ليس بكفر، ولكنه لا يظهر إلَّا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنَّه لا يقوله إلَّا كافر، وزعموا أن معرفة الله [هي] (٣) المحبة له، وهي الخضوع لله -﷿- (٤).\nوأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إذا جاء الرسول (٥) إلَّا من آمن بالرسول، ليس ذلك لأن ذلك مستحيل (٦)، ولكن الرسول قال: \"من لم يؤمن بي فليس\n_________\n(١) كلمة \"فيهما\" ليست في (ط)، وفي المقالات ورد عوضًا عنها كلمة \"منهما\" لتصبح العبارة هكذا: \"والخوف منهما\"؛ ومعلوم أن العبارة هذه باطلة، لأن الخوف عادة قلبية، بل من أهم العبادات القلبية، ولا يجوز صرف شيء منها لغير الله - ﷿ -، ويغلب على ظني أن هذا التحريف الَّذي وقع إما من الناسخ أو من محقق الكتاب، وليس بإمكاننا أن نرجح أحد الأمرين، لأنه لا توجد لدينا نسخ خطية للكتاب.\nأما العبارة التي أثبتناها وهي \"الخوف فيهما\" فمختلفة المعنى تمامًا عن العبارة النبي وردت في كتاب المقالات، والمعنى والله أعلم: الخوف من معصيتها، وعدم طاعة أوامرهما، وقد يعترض على هذه أيضًا؛ ولكن لا يوجد بها محذور شرعى على أية حال.\n(٢) في (ط): \"الجهم\"، وما أثبتناه موافق لما جاء في المقالات.\n(٣) في نسخة الأصل و(م): \"هو\"، والتصحيح من (ط) وهو الموافق للمقالات.\n(٤) عبارة الله -﷿- ليست في (ط) ولا في المقالات.\n(٥) عبارة \"إذا جاء الرسول\" ليست في (ط)، وهي في المقالات.\n(٦) في المقالات: يستحيل.","vol":"1","page":431},{"text":"بمؤمن بالله\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-173>[الصالحين]</span>\nوزعموا أيضًا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلَّا الإيمان\n_________\n(١) هذا جزء من حديث رواه أحمد برقم (٢٢٧٢٥) ولفظه: (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه، ولا يؤمن بالله من لم يؤمن بي، ولا يؤمن بي من لم يحب الأنصار)، ورواه الطيالسي برقم (٢٤٢)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٦٦) وسكت عنه الذهبي، ورواه الدارقطني في السنن برقم (٥) ١/ ٧٢، والطبراني في الكبير برقم (٧٥٥) ٢٢/ ٢٩٦، والبيهقي في سننه (١/ ٤٣)، والعقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٧) وقال: \"والأسانيد في هذا الباب فيها لين\" قلت: يعني في باب التسمية على الوضوء.\nأما الشطر الأول من الحديث وهي (لا صلاة لمن لا وضوء له، ولا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه) فقد حسنها جماعة من أهل العلم، كما ذكر الشيخ ناصر الألباني، منهم الحافظ ابن الصلاح والحافظ ابن كثير، وقواها الحافظ المنذري، والحافظ ابن حجر، وحسنها الشيخ الألباني أيضًا في الإرواء برقم (٨١)، وفي كتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٢٠)، وقد روى ابن ماجة رواية أخرى برقم (٤٠٠) زاد فيها: ولا صلاة لمن لا يصلي على النبي، ولا صلاة لمن لا يحب الأنصار، وقال الشيخ الألباني: إن الحديث بهذه الزيادة منكر، كما ذكر ذلك في كتاب صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٢١).\nوأما الحديث الَّذي أورده المصنف فهو من رواية أبي ثفال ثمامة بن وائل المري عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته أسماء بنت سعيد بن زيد بن عمرو العدوية القرشية، عن أبيها سعيد بن زيد -أحد العشرة المبشرين بالجنّة- وقد اختلف في صحبتها، كما اختلف في هذا الحديث، فقد روي عن رباح بن عبد الرحمن عن جدته أسماء عن أبيها عن النبي - ﷺ -، وروي عن رباح عن جدته أسماء أنها سمعت رسول الله - ﷺ -، ذكر هذا الاختلاف الدارقطني في العلل (٤/ ٤٣٣) وإن كان الأكثرون على الأول، وهو ما صححه الدارقطني.\nوالحديث مداره على أبي ثفال، وهو ثمامة بن وائل بن حصين المري، قال عنه الحافظ في التقريب (١٣٤): مقبول، لكن قال الذهبي في الكاشف (١/ ١٩٩): في حديثه نظر، وكذا قال البخاري (تهذيب الكمال ٤/ ٤١٠)، (تهذيب التهذيب ٢/ ٢٧) وذكره العقيلي في الضعفاء (١/ ١٧٧)، وذكر أن الإمام أحمد سئل عن حديث أبي ثفال هذا، فقال: لا يثبت، وذكره ابن حبان في الثقات كما ذكر الحافظ، (تهذيب التهذيب ١٢/ ٥٣). كما روي هذا الحديث عن أبي ذر من طريق المنذر بن زياد، رواه ابن عدي في (الكامل ٦/ ٣٦٧) وقال: \"وهذا الإسناد غير محفوظ\"، وأخرجه أبو الشيخ في (طبقات المحدثين بأصبهان ٢/ ٩٨) من طريق أبي ثفال أيضًا عن أبي هريرة.\nوقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\" (١/ ٢٢٨): \"فيه يحيى بن أبي يزيد بن عبد الله بن أنيس ولم أر من ترجمه\".","vol":"1","page":432},{"text":"به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر، والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي (١) \".\nوقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره ثم قال: \"والذي اختاره في الأسماء قول الصالحي، وفي الخصوص والعموم أي (٢) لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ (٣) كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصًا، ويحتمل أن يكون عامًا، وأقف في ذلك فلا (٤) أقطع على عموم ولا خصوص إلَّا [بتوقيف] (٥) أو إجماع\" (٦).\nثم قال في المقالات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-174>[السمرية]</span>\n٣ - والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله، والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه، والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله، غير أنَّه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس [المري] (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>[أصحاب شمر ويونس]</span>\n٤ - والفرقة الرابعة وهم أصحاب أبي شمر (٨) ويونس يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والمحبة له، والخضوع له بالقلب، والإقرار به أنَّه واحد ليس كمثله شيء، ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قامت عليه حجة الأنبياء (٩)، فالإيمان بهم والتصديق لهم والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان حتَّى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها\n_________\n(١) انظره: ص ٣٧٨.\n(٢) في (م) و(ط): \"إني\".\n(٣) في (م): \"إن\".\n(٤) في (ط): \"ولا\".\n(٥) في نسخة الأصل: \"بتوفيق\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٦) لم أستطع توثيق هذا القول لأن الموجز من كتب أبي الحسن الأشعري التي لم تصل إلينا.\n(٧) في نسخة الأصل و(م): الشمري، وأثبتنا ما في (ط) لأنه موافق لما في المقالات، ونسب الشهرستاني هذه المقالة إلى يونس بن عون النميري في الملل والنحل (١/ ١٦٢).\n(٨) في (م): \"شمر\"، وما أثبتناه موافق للمقالات.\n(٩) عبارة: \"وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء\" ليست في (م).","vol":"1","page":433},{"text":"إيمانًا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لا يسمى بلقا إلّا مع السواد وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرًا، ولم يجعلوا الإيمان متبعضًا ولا محتملًا للزيادة والنقصان (١). وذكر عن:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-176>[أصحاب أبي ثوبان]</span>\n٥ - الخامسة: أصحاب أبي ثوبان أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله، وما لا يجوز في [العقل] (٢) إلَّا أن يفعله.\n\nوذكر عن:\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>[النجارية]</span>\n٦ - الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجتمع عليها (٣) والخضوع له [بجميع] (٤) ذلك، والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منه طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى، لم تكن طاعة، كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقًا من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار (٥) وأصحابه.\n_________\n(١) في (ط) والمقالات فالإيمان (الأقرار) بهم ولم نثبت ذلك واكتفينا بما ورد في نسخة الأصل و(م).\nقال في الصحاح: البلق سواد وبياض (٤/ ١٤٥١)\nفي (ط) وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء إلا مع السواد وفي المقالات العبارة كالتالي: وشبّهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بلقاء ولا بيض أبلق حتَّى يجتمع السواد والبياض فإذا اجتمعا في الدابة سمي ذلك بلقًا إذا كان بيض فإن كان في جمل أو كلب يسمى بقعة (١/ ٢١٥).\n(٢) في نسخة الأصل و(م): الفحل، والتصحيح من (ط) وهو موافق للمقالات.\n(٣) في (م) و(ط): المجمع، وما جاءت به نسخة الأصل موافق لما في المقالات.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): مجتمع، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب، وهو موافق لما في المقالات.\n(٥) هو الحسين بن محمد بن عبد الله الجار الرازي، إليه تنسب الفرقة النجارية من فرق المعتزلة، وتسمى بالحسينية أيضًا كما ذكر الأشعري، وهي ثلاث فرق أيضًا: البرغوثية، والزعفراية، والمستدركة، وذكر الشهرستاني أن أكثر معتزلة الري وما حواليها كانوا على مذهبه، وافق أهل السنة في أشياء، منها قوله: إن أعمال العباد =","vol":"1","page":434},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-178>[الغيلانية]</span>\nو٧ - الفرقة السابعة: الغيلانية أصحاب غيلان (١) يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله [الثانية] (٢) والمحبة، والخضوع، والإقرار بما جاه به الرسول - ﷺ -، وبما جاء من عند الله سبحانه، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان.\nوكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشمرية، والجهمية، والغيلانية، والنجارية، ينكرون أن يكون في الكفار إيمان، وأن يقال فيهم بعض إيمان، إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>[أصحاب محمد بن شبيب]</span>\nقال: ٨ - والفرقة الثامنة من المرجئة: أصحاب محمد بن شبيب، يزعمون: أن الإيمان الإقرار بالله، والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء، والإقرار والمعرفة بأنبياء الله وبرسله، وبجميع ما جاءت به من عند الله، مما نص عليه المسلمون، ونقلوه عن النبي - ﷺ - من الصلاة والصيام ونحو ذلك، مما (٣) لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله، وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا الاستكبار (٤) ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعض، ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها\n_________\n= مخلوقة، وهم فاعلون لها، عقد مع النظام عدة مناظرات، له مؤلفات، منها: \"الإرجاء\" و\"القضاء والقدر\" و\"الثواب والعقاب\" وغيرها من المصنفات، توفي في الربع الأول من القرن الثالت الهجري، مقالات الإسلاميين (١/ ٢١٦)، (١/ ٣٤٠)، الفرق بين الفرق (١٢٧)، الملل والنحل (٨٨)، الفهرست لابن النديم، الإمتاع والمؤانسة لأبي حيان التوحيدي (١/ ٥٨)، الخطط للمقريزي (٢٠/ ٣٥٠).\n(١) هو غيلان بن مروان كما ذكر ذلك الشهرستاني في الملل والنحل، والمعرفة على أصله نوعان: فطرية، وهي علمه بأن للعالم صانعًا، ولنفسه صانعًا، وهذه المعرفة لا تسمى إيمانًا، إنما الإيمان هو المعرفة الثابتة المكتسبة (١٤٦).\n(٢) في نسخة الأصل و(م): \"التامة\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب، وموافق لما في المقالات، مع أن في (ط) كتب هامش جاء فيه: نسخة \"التامة\"، وقال محقق المقالات في هامشها: يريد بالمعرفة الثانية المعرفة الناشئة عن نظر واستدلال (١/ ٢١٧) والدليل على أن ما أثبتناه هو الصواب قول صاحب المقالات بعد العبارة السابقة مباشرة: وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان.\n(٣) كلمة (مما) ليست في (ط).\n(٤) في (ط) والمقالات: \"استكباره\".","vol":"1","page":435},{"text":"كافرًا بترك بعض إيمان (١)، ولا يكون مؤمنًا إلَّا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله تعالى واحد ليس كمثله شيء، ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء، وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله - ﷿ -.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>[أبو حنيفة وأصحابه (مرجئة الفقهاء)]</span>\n٩ - الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه، يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله، والإقرار بالله، والمعرفة بالرسول (٢)، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير (٣).\n_________\n(١) في (ط) والمقالات: \"بعض الإيمان\".\n(٢) في (م) العبارة: المعرفة بالله والمعرفة بالرسول والإقرار بما جاء من عند الله، وفي (ط) العبارة ناقصة وهي كالتالي: المعرفة بالله وبالرسول والإقرار بما جاء من عند الله. . .، ويتضح مما سبق أن العبارتين ناقصتان عن نسخة الأصل الموافقة للمقالات.\n(٣) هذا هو إرجاء الفقهاء الَّذي ذمه السلف، وشنعوا على من قال به، والمرجو كما قدمنا أن يكون أبو حنيفة رحمه الله تعالى قد رجع عنه، وقد ذكر محقق كتاب المقالات محمد محي الدين عبد الحميد في غمرة دفاعه عن أبي حنيفة أن مذهه في الإيمان هو الَّذي تدل عليه آيات الكتاب العزيز، وأحاديث الرسول - ﷺ -، (١/ ٢٢٠).\nقلت: وقد ثبت عن كثير من السلف، أنهم عدوا أبا حنيفة مرجئًا، -وقد ذكرت ذلك من قبل- وفي الحقيقة أن إطلاق القول بأن الخلاف بين السلف ومرجئة الفقهاء كأبي حنيفة في الإيمان خلاف لفظى كما ذهب إليه بعض أهل العلم فيه نظر، والقول بأن الخلاف لفظي بإطلاق فيه تخطئة -ولو بغير قصد- لعلماء السلف رحمهم الله تعالى الذين أجمعوا على إنكار هذه البدعة، وشنعوا على قائليها، وأمروا بهجر أصحابها -وكتب العقيدة المسندة مليئة بهذا- وكيف يكون الخلاف لفظيًا، وبين السلف ومرجة الفقهاء خلاف له آثار واضحة وأحكام مترتبة، ومن ذلك ما يلي:\n١ - السلف يقولون بزيادة الإيمان ونقصانه، وهؤلاء يقولون بعدمها.\n٢ - إطلاقه على الفاسق أو عدمه، فالسلف لا يطلقونه على الفاسق إلَّا مقيدًا، وهؤلاء بعكسهم.\n٣ - هل يقع تامًا في القلب مع عدم الحمل أم لا؟ عند السلف لا يقع تامًا في القلب مع عدم العمل، وعند هؤلاء يقع.\n٤ - وعند السلف أعمال القلب هي من الإيمان، وعند هؤلاء خشية وتقوى لا تدخل في حقيقته.\n٥ - وعند السلف الإيمان يتنوع باعتبار المخاطبين به، فيجب على كل أحد بحسب حاله وعلمه ما لا يجب على الآخر من الإيمان، وعند هؤلاء لا يتنوع.\n٦ - السلف يقولون إنه يستثنى فيه باعتبار، وهؤلاء يقولون لا يجوز ذلك لأنه شك.","vol":"1","page":436},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-181>[التومنية]</span>\n١٠ - الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التومني (١) يزعمون: أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها التارك، أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على كفره (٢)، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق، ولا يسمى بالفسق، ولا يقال فاسق، وليس (٣) تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرًا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، والاستخفاف بها، [كافر] (٤) بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها مشاغلًا مسوفًا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يومًا ووقتًا من الأوقات، ولكن نفسقه.\nوكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-182>[المريسية أصحاب بشر المريسي]</span>\nو١١ - الفرقة الحادية عشرة (٥) من المرجئة: أصحاب بشر المريسي (٦)\n_________\n= ٧ - إطلاق نصوص الإيمان على العمل أهو حقيقة أم مجاز؟ فالسلف يقولون: حقيقة وهؤلاء يقولون: مجاز.\n٨ - وهؤلاء يقولون: يجوز أن يقول أحد: أن إيماني كإيمان جبريل، والسلف يقولون: لا يجوز.\nظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي (٢/ ٤١٦).\nولب الخلاف بين السلف وهؤلاء المرجئة: أن السلف يرون أن تارك العمل (جنس العمل) بالكلية كافر باطنًا وظاهرًا، أما هؤلاء يرونه مؤمنًا ناجيًا في الآخرة.\nوقد سبق الحديث أثناء الدراسة التحليلية عن موقف المصنف رحمه الله تعالى من هذا الخلاف.\n(١) أبو معاذ التومني من أئمة المرجئة، وإمام الفرقة التومنية من فرقها، لم أجد من أفاض في ترجمته أكثر من كتاب الفرق والنحل، مقالات الإسلاميين (١/ ٣٢١)، الفرق بين الفرق (٣٠٣)، الملل والنحل (١٤٤).\n(٢) في (ط): \"تكفيره\".\n(٣) في (ط): \"وليست\".\n(٤) في نسخة الأصل: \"كافرًا\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٥) في (ط): الحادية عشرة.\n(٦) هو بشر بن غياث بن أبي كريمة العدوي المريسي، من كبار رؤوس الابتداع =","vol":"1","page":437},{"text":"[مذهب ابن الراوندي]\nيقولون: إن الإيمان هو التصديق لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق (١) فليس بإيمان، ويزعمون (٢) أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي (٣).\nوكان ابن الرواندي يزعم أن الكفر هو الجحد والإنكار والستر و[التغطية] (٤)، وليس يجوز أن يكون كفرًا (٥) إلَّا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز أن يكون (٦) إيمانًا إلَّا ما كان في اللغة إيمانًا، وكان يزعم أن\n_________\n= والضلال، ومن أئمة الاعتزال، لم يدرك جهم بن صفوان، بل تلقف مقالاته من أتباعه، اشتد نكير السلف عليه، حتى كفره كثير منهم بسبب جملة من بدعه ومفترياته، بل اتهمه بعضهم بالزندقة -وقد كان أبوه يهوديًّا- وهو الَّذي قرر القول بخلق القرآن، ودعا إليه، وهو إمام لهذه الفرقة من المرجئة التي ذكرها الأشعري، ذكر له الذهبي مصنفات، منها: \"الإرجاء\" و\"الرد على الخوارج\" و\"الاستطاعة\" و\"كفر المشبهة\" و\"المعرفة\" و\"الوعيد\" وغيرها التي بث خلالها معتقداته الباطلة، هلك بشر سنة ٢١٨ هـ. الفرق بين الفرق (١٩٢)، تاريخ بغداد (٧/ ٥٦)، وأطال الخطيب في ترجمته، وفيات الأعيان (١/ ٢٧٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ١٩٩)، ميزان الاعتدال (١/ ٣٢٢)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٩٤)، لسان الميزان (٢/ ٢٩)، شذرات الذهب (٢/ ٤٤).\n(١) عبارة \"وما ليس بتصديق\" ليست في (م).\n(٢) في (م) و(ط) والمقالات: \"يزعم\".\n(٣) هو أحمد في يحيى بن إسحاق الراوندي -أو الريوندي كما قال بعضهم-، الملحد عدو الدين، صاحب التصانيف في الحط على الملة، كما يقول الحافظ الذهبي، كان أبوه يهوديًا فأظهر الإسلام -كحال بشر المريسي وهذه مسألة ينبغي تتبعها، وليس هذا بغريب على اليهود وغيرهم من أعداء الإسلام أن يتظاهروا بالدخول فيه حتَّى يفسدوا المسلمين-، وذكر أنَّه كان معتزليًا حتَّى وصل إلى ما وصل إليه، صنف كتبًا تنضح بالكفر والزندقة والإلحاد، منها كتابه \"الدامغ\" في الرد على القرآن الكريم، وكتابًا في الرد على الشريعة والاعتراض عليها، سماه \"الزمردة\"، يقول ابن الجوزي -﵀- \"كنت أسمع عنه بالعظائم، حتَّى رأيت له ما لم يخطر على قلب\" وألف مؤلفًا يثبت فيه قدم العالم ونفي الصانع، وقد تولى جماعة من المعتزلة الرد عليه، ونقض كثير مما أبرمه في مصنفاته هلك سنة: ٢٩٨ هـ، وقيل إنه أخذ وصلب، والأول أشهر. مقالات الإسلاميين (١/ ٢٤٠)، المنتظم لابن الجوزي (٦/ ٩٩)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٥٩)، البداية والنهاية (١١/ ١٢٠)، لسان الميزان (١/ ٣٢٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٥).\n(٤) في نسخ الأصل الكلمة غير واضحة، وتقرأ كأنها القطيعة، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٥) في (ط) والمقالات: \"الكفر\".\n(٦) كلمة \"يكون\" ليست في (ط).","vol":"1","page":438},{"text":"ترك السجود ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر ولكنه علم على الكفر لأن الله تعالى بين أنَّه لا يسجد للشمس إلَّا كافر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-183>[الكرامية]</span>\nقال: ١٢ - والفرتة الثانية عشرة (٢) من المرجئة: الكرامية أصحاب محمد بن كرام (٣) يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب أو شيء غير الصديق باللسان إيمانًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-184>[الجهمية والصالحية لا تدخلان عمل القلب في الإيمان]</span>\nفهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة، يتضمن أكثرها أنَّه لا بد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم، وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة كجهم والصالحي.\nوقد ذكر أيضًا في المقالات جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة قال:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-185>[حكاية الأشعري مقالة أهل السنة]</span>\nجملة ما عليه أصحاب الحديث [و] (٤) أهل السنة، الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله - ﷺ -، ولا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله - ﷺ -، وأن الجنّة حق، وأن (٥) النار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه: ٥]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: ٧٥]، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة: ٦٤]، وإن له عينين كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾ [القمر: ١٤]، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ\n_________\n(١) هنا تفاوت يسير بين نسخة الأصل و(م) وهو ما أثبتاه أعلاه، وبين ما في (ط)، وعبارتها كالتالي: وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر، ولكنه علم على الكفر. . .، وأما العبارة في المقالات فهي كالتي في (ط) غير أن فيها نقصًا وهو: ولا السجود لغير الله كفر. وهذا يقوي ما ذكرناه سابقًا من أن المصنف -﵀- قد اطلع على نسخة تخالف ما اعتمد عليه محقق كتاب المقالات.\n(٢) في (ط): \"الثانية عشر\".\n(٣) تقدم التعريف بابن كرام وأتباعه الكرامية ص ٣٠٩ من هذا الكتاب.\n(٤) ما بين المعكوفتين لي في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٥) كلمة \"أن\" ليست في (ط).","vol":"1","page":439},{"text":"رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ [الرحمن: ٢٧]، وأن أسماء الله لا يقال إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج إلى أن قال:\nويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال غير مخلوق، إلى أن قال: ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك، من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون، وإن ارتكبوا الكبائر.\nوالإيمان عندهم هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وأن ما أصابهم لم يكن ليخطأهم. والإسلام هو أن تشهد (١) أن لا إله إلَّا الله على ما جاء في الحديث، والإسلام عنده غير الإيمان إلى أن قال:\nويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون مخلوق ولا غير مخلوق، وذكر كلامًا طويلًا ثم قال في آخره:\nوبكل ما ذكرنا من قولهم نقول إليه نذهب (٢).\nفهذا قوله في هذا الكتاب، وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث، بخلاف القول الذي نصره في الموجز.\nوالمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب (٣)، حتَّى عامة فرق المرجئة تقول بذلك (٤).\nوأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف (٥)، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة.\n_________\n(١) في (م): \"نشهده\"، وفي المقالات: \"يشهد\".\n(٢) مقالات الإسلاميين (١/ ٣٤٥ - ٣٥٠).\n(٣) أي في مسمى الإيمان، كما ذكر ذلك قل أن يسوق كلام الأشعري عن فرق المرجئة.\n(٤) أي تقول بما ذكره المصنف من دخول عمل القلب في الإيمان.\n(٥) حيث إن مذهب الخوارج والمعتزلة في الإيمان عندهم هو: اعتقاد بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح، وما دام أنهم قد أدخلوا أعمال الجوارح في الإيمان، فمن باب أولى أن يدخلوا أعمال القلوب.","vol":"1","page":440},{"text":"وهذا القول شاذ كما أن قول الكرامية الذين يقولون [هو] (١) مجرد قول اللسان شاذ أيضًا.\nوهذا (٢) مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسألة الإيمان هل تدخل فيه) (٣) الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن (٤) أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط، بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، إلَّا من شذ من اتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الَّذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ولرسله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عبد عامة المسلمين، إلَّا من شذ من أتباع جهم والصالحي (٥)، وفي قولهما (٦) من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم (٧) وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا.\n_________\n(١) هذه الزيادة من (ط) أضفناها لزيادة توضح المعنى.\n(٢) في (م) و(ط): وهذا أيضًا.\n(٣) في (م): \"فيها\".\n(٤) في نسخة الأصل: فظن، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٥) وقع في (ط) تقديم وتأخير في الكلام، ترتب عليه خلل كبير في المعنى، والنص الَّذي في (ط) هو: بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين، إلَّا من شذ من أتباع جهم والصالحي، وفي قولهم من السفطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام إلا من شذ من أتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الَّذي ليس معه حب لله ولا تعظيم، بل في بغض وعداوة لله ورسله؛ ليس إيمانًا باتفاق المسلمين.\n(٦) في (ط): \"قولهم\".\n(٧) تقدم بيان هذه القضية، وذكرنا بعض من أخطأ في فهم مذهبهم حين قالوا: إن المنافق مؤمن، فظن أن حكمه في الآخرة كذلك؛ والصحيح خلاف ذلك، فإنهم وإن سموه مؤمنًا، إلَّا أنهم حكموا عليه في الآخرة بالخلود في النار، كما ذكر ذلك المصنف.","vol":"1","page":441},{"text":"فصل\nإذا عرف أن أصل الإيمان في القلب، فاسم الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية، والأعمال القلبية، من الصديق والمحبة والتعظيم ونحو ذلك، وتكون الأقوال الظاهرة والأعمال الظاهرة لوازمه وموجباته ودلائله، وتارة على ما في القلب والبدن، جعلا لموجب الإيمان ومقتضاه داخلًا في مسماه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-186>[اختلاف دلالات الألفاظ بالإفراد والاقتران]</span>\nوبهذا يتبين أن الأعمال الظاهرة تسمى إسلامًا، فإنها (١) تدخل في مسمى الإيمان تارة، ولا تدخل فيه تارة.\nوذلك أن الاسم الواحد تختلف دلالته بالأفراد والاقتران، فقد يكون عند الأفراد فيه عموم لمعنيين، وعند الاقتران لا يدل إلَّا على أحدهما، كلفظ الفقير والمسكين، إذا أفرد أحدهما تناول الآخر، وإذا جمع بينهما كان لكل واحد مسمى يخصه، وكذلك لفظ المعروف والمنكر إذا أطلقا كما في قوله تعالى: ﴿يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الأعراف: ١٥٧]، دخل فيه الفحشاء والبغي، وإذا قرن بالمنكر أحدهما كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥] أو كلاهما كما في قوله تعالى: ﴿وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾ [النحل: ٩٠]، كان اسم المنكر مختصًا بما خرج عن (٢) ذلك على قول، أو متناولًا للجميع على قول بناء على أن الخاص المعطوف على العام هل يمنع شمول العام له، أو يكون قد ذكر مرتين؟ فيه نزاع! والأقوال والأعمال الظاهرة موجب (٣) [الأعمال] (٤) الباطنة ولازمها، وإذا أفرد اسم الإيمان فقد يتناول هذا وهذا، كما في قول النبي - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلَّا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\" (٥).\n_________\n(١) في (ط): \"وأنها\".\n(٢) في (ط): \"من\".\n(٣) في (ط): \"نتيجة\".\n(٤) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط) و(ص).\n(٥) هذا الحديث متفق عليه، وقد تقدم تخريجه ص ٣٩٢ من هذا الكتاب.","vol":"1","page":442},{"text":"وحينئذ فيكون الإسلام داخلًا في مسمى الإيمان وجزءًا منه، فيقال حينئذٍ: إن الإيمان اسم لجميع الطاعات الباطة والظاهرة.\nومنه قوله - ﷺ - لوفد عبد القيس: \"آمركم بالإيمان بالله، أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وأن تؤدوا (١) خمس المغنم\" (٢) أخرجاه في الصحيحين.\nففسر الإيمان هنا بما فسر به الإسلام؛ لأنه أراد بالشهادتين هنا أن يشهد [بهما] (٣) باطنًا وظاهرًا، وكان الخطاب لوفد عبد القيس، وكانوا من خيار الناس، وهم أول من صلى الجمعة ببلدهم بعد جمعة أهل المدينة؛ كما قال ابن عباس: \"أول جمعة جمعت في الإسلام بعد جمعة المدينة جمعة بجواثا (٤)، قرية من قرى البحرين، (٥) وقالوا: يا رسول الله:\n_________\n(١) لفظة (أن) ساقطة من (ط).\n(٢) رواه البخاري برقم (٥٣) كتاب الإيمان باب أداء الخمس من الإيمان، ومسلم برقم (١٧) ١/ ٤٦ كتاب الإيمان باب الأمر بالإيمان بالله تعالى ورسوله - ﷺ - وشرائع الدين والدعاء إليه، والسؤال عنه، وحفظه وتبليغه من لم يبلغه، والترمذي برقم (٢٦١١) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٥٠٣١) كتاب الإيمان وشرائعه؛ وأبو داود برقم (٣٦٩٢) كتاب السنة وأحمد برقم (٢٠٢١).\n(٣) في نسخة الأصل: \"بها\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٤) يقول ابن الأثير في النهاية أنها اسم لحصن بالبحرين (١/ ٣١١)، وهي بضم الجيم وتخفيف الواو وقد تهمز ثم مثلثة خفيفة، كما ضبطها الحافظ ابن حجر في الفتح (٢/ ٣٨٠)، وقال: وهذا لا ينافي كونها قرية؛ وعند أبي داود جاءت بلفظ: جوثاء.\n(٥) رواه البخاري برقم (٨٩٢) كتاب الجمعة باب الجمعة في القرى والمدن، وابن خزيمة في صحيحه برقم (١٧٢٥) ٣/ ١١٣ كتاب الجمعة باب ذكر الجمعة التي جمعت بعد الجمعة التي جمعت بالمدينة وذكر الموضع الذي جمعت فيه، والنساني في سننه الكبرى (١/ ٥١٥)، وأبو داود برقم (١٠٦٨) كتاب الصلاة، والحاكم في المستدرك (١/ ٤١٧) وقال: على شرط مسلم، ووافقه الذهبي.\nويقول الحافظ ابن رجب في الفتح (٨/ ٦٣): \"وليس معناه أن الجمعة التي جمعت بجواثا كانت في الجمعة الثانية من الجمعة التي جمعت. . بالمدينة، كما قد يفهم من بعض ألفاظ الروايات، فإن عبد القيس إنما وفد على رسول الله - ﷺ - عام الفتح كما ذكره ابن سعد\".","vol":"1","page":443},{"text":"إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، وإنا لا نصل إليك إلَّا في شهر حرام، فمرنا بأمر فصل نعمل به، وندعو إليه من وراءنا، وأرادوا بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان وغيرهم كانوا كفارًا، فهؤلاء كانوا صادقين راغبين في طلب الدين فإذا أمرهم النبي - ﷺ - بأقوال وأعمال ظاهرة فعلوها باطنًا وظاهرًا فكانوا بها مؤمنين. وأما إذا قرن الإيمان بالإسلام فإن الإيمان في القلب والإسلام ظاهر كما في المسند عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"الإسلام علانية والإيمان في القلب\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-187>[اقتضاء الإيمان القلبي الاستسلام لله ﷿]</span>\nوالإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والبعث بعد الموت، وتؤمن بالقدر خيره وشره، ومتى حصل له هذا الإيمان، وجب ضرورة أن يحصل له الإسلام، الَّذي هو الشهادتان والصلاة والزكاة والصيام والحج، لأن إيمانه بالله وملائكته ورسله يقضي الاستسلام لله والانقياد له، وإلا فمن الممتنع أن يكون قد حصل له الإقرار والحب والانقياد باطنًا، ولا يحصل ذلك في الظاهر مع القدرة عليه، كما يمتنع وجود الإرادة الجازمة مع القدرة بدون وجود المراد.\nوبهذا تعرف أن من آمن قلبه إيمانًا جازمًا، امتنع أن لا يتكلم بالشهادتين مع القدرة، فعدم الشهادتين مع القدرة مستلزم لانتفاء (٢) الإيمان\n_________\n(١) رواه أحمد برقم (١١٩٧٣)، وأبو يعلى برقم (٢٩٢٣) ٥/ ٣٠١، وقال محققه الشيخ حسين أسد: \"إسناده حسن\"، ورواه ابن عدي في الكامل (٥/ ٢٠٧)، وابن حبان في المجروحين من المحدثين (٢/ ١١١)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٥٠)، ومدار الحديث على علي بن مسعدة، اختلف فيه، فقد وثقه أبو داود الطيالسي، وقال عنه ابن معين: صالح (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٣٤)، وقال أبو حاتم؛ لا بأس به (٦/ ٢٠٤)، وقال عنه الحافظ ابن حجر في التقريب: صدوق له أوهام (٤٠٥) لكن قال البخاري: فيه نظر (تهذيب التهذيب ٦/ ٣٣٤)، وقال الثاني: ليس بالقوي، وقال أبو داود: فيه ضعف (تهذيب الكمال ٢١/ ١٢٩)، وقال ابن حبان في المجروحين من المحدثين (٢/ ١١١): لا يتابع عليه، فاستحق ترك الاحتجاج به بما لا يوافق الثقات من الأخبار، وقال الذهبي: فيه ضعف، وأما أبو حاتم فقال: لا بأس به (الكاشف ٢/ ٤٧)، وما دام أن علي بن مسعدة قد انفرد بهذا الحديث، فالحديث ضعيف، ولكن ضعفه ليس شديدًا، وبهذا يشعر صنيع المؤلف حين ساق الحديث.\n(٢) في (ط): \"انتفاء\".","vol":"1","page":444},{"text":"القلبي التام، وبهذا يظهر خطأ جهم ومن اتبعه (١) في زعمهم أن مجرد إيمان القلب) (٢) بدون الإيمان الظاهر ينفع لي الآخرة، فإن هذا ممتنع، إذ لا يحصل الإيمان التام في القلب إلَّا ويحصل في الظاهر موجبه بحسب القدرة، فإن من الممتنع أن يحب الإنسان غيره حبًا جازمًا، وهو قادر على مواصلته، ولا يحصل منه حركة ظاهرة إلى ذلك.\nوأبو طالب إنما كانت محبته للنبي - ﷺ - لقرابته منه لا لله، وإنما نصره وذب عنه لحمية النسب والقرابة، ولهذا لم يتقبل الله ذلك منه، وإلا فلو كان ذلك عن إيمان في القلب، لتكلم بالشهادتين ضرورة، والسبب الَّذي أوجب نصره للنبي - ﷺوهو الحمية- هو الَّذي أوجب امتناعه من الشهادتين، بخلاف أبي بكر الصديق - ﵁ - وأرضاه ونحوه.\nقال تعالى: ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى (١٨) وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ [الليل: ١٧ - ٢١] (٣).\nومنشأ الغلط في هذه المواضع من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-188>[أسباب انحراف الجهمية المرجئة في الإيمان]</span>\n(أحدهما): أن العلم والتصديق مستلزم لجميع موجات الإيمان.\n(الثاني): ظن الظان أن ما في القلب (٤) لا يتفاضل الناس فيه.\n(الثالث): ظن الظان أن ما في القلب من الإيمان المقبول، يمكن تخلف القول الظاهر والعمل الظاهر عنه.\n(الرابع): ظن الظان أن ليس في القلب إلَّا التصديق، وأن ليس الظاهر إلَّا عمل الجوارح، والصواب أن القلب له عمل مع التصديق، والظاهر قول ظاهر، وعمل ظاهر، وكلاهما مستلزم لباطن.\n_________\n(١) في (م): \"اتبعهم\".\n(٢) كلمة: \"القلب\" ليست في (ط).\n(٣) ذكر القرطبي وغيره من المفسرين أنها نزلت في الصديق - ﵁ -، الجامع لأحكام القرآن (٢٠/ ٧٩)، وقال الحافظ ابن بكر في تفسيره: \"وقد ذكر غير واحد من المفسرين أن هذه الآيات نزلت في أبي بكر الصديق - ﵁ -، حتى إن بعضهم حكى الإجماع من المفسرين على ذلك، ولا شك أنَّه داخل فيها، وأولى الأمة بعمومها\" (٤/ ٥٢٢).\n(٤) في (م) و(ط): \"القلوب\".","vol":"1","page":445},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-189>[التلازم بين الظاهر والباطن]</span>\nوالمرجئة أخرجوا العمل الظاهر عن الإيمان، فمن قصد منهم إخراج أعمال القلوب أيضًا، وجعلها هي التصديق فهذا ضلال بين، ومن قصد إخراج العمل الظاهر قيل لهم: العمل الظاهر لازم للعمل الباطن لا ينفك عنه، وانتفاء الظاهر دليل انتفاء الباطن، فبقي النزاع في أن العمل الظاهر هل هو جزء من مسمى الإيمان يدل عليه بالتضمن؟ أو هو لازم لمسمى الإيمان؟\nوالتحقيق أنَّه تارة يدخل في الاسم، وتارة يكون (١) لازمًا للمسمى بحسب إفراد الاسم واقترانه، فإذا قرن الإيمان بالإسلام كان مسمى الإسلام خارجًا عنه، كما في حديث جبريل - ﵇ -، وإن كان لازمًا له، وكذلك إذا قرن الإيمان بالعمل كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ (٢) فقد يقال: اسم الإيمان لم يدخل فيه العمل، وإن كان لازمًا له، وقد يقال: بل دخل فيه، وعطف عليه عطف الخاص على (٣) العام، وبكل حال فالعمل تحقيق لمسمى الإيمان وتصديق له، ولهذا قال طائفة من العلماء كالشيخ أبي إسماعيل الأنصاري (٤) وغيره: \"الإيمان\n_________\n(١) كلمة \"يكون\" ليست في (م).\n(٢) هذا المقطع جزء من آيات كثيرة تبتدئ به في القرآن الكريم.\n(٣) كلمة \"على\" ليست في \"م\".\n(٤) هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي بن محمد الأنصاري الهروي، نعته الذهبي بشيخ الإسلام -وذكر ابن أبي يعلى أنَّه كان يدعى شيخ الإسلام- الإمام القدوة الحافظ الكبير شيخ خرسان، سمع الحديث عن خلق كبير من المحدثين، وكان قويًا في الحق، لا يخاف في الله لومة لائم، شديدًا على أهل البدع منكرًا عليهم، امتحن غير مرة، وأوذي في الله، ونفي من بلده، من كبار شيوخ الحنابلة في عصره، له مؤلفات منها \"ذم الكلام\" و\"منازل السائرين\" شرحه الحافظ، بن قيم الجوزية -﵀- في \"مدارج السالكين\"، وعلى المنازل ملاحظات حتى قال الإمام الذهبي: \"ويا ليته لا صنف ذلك\" وله أيضًا: \"الفاروق في الصفات\" ذكر فيه أحاديث لا تصح كما قال الحافظ الذهبي، و\"كتاب الأربعين\" في \"التوحيد\" و\"كتاب الأربعين في السنة\"، و\"سيرة الإمام أحمد\"، توفي أبو إسماعيل بهراة سنة ٤٨١ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٧)، المنتظم لابن الجوزي (٩/ ٤٤)، الكامل لابن الأثير (١٠/ ١٦٨)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٥٠٣)، العبر (٣/ ٢٩٧)، البداية =","vol":"1","page":446},{"text":"تصديق كله\"، فالقلب يصدق ما جاءت به الرسل، واللسان مصدق (١) ما في القلب، والعمل يصدق القول، كما يقال: صدق قوله عمله (٢).\nومن قول النبي - ﷺ -: \"العينان تزنيان، وزناهما النظر، والأذنان تزنيان، وزناهما السمع، واليدان تزنيان، وزناهما البطش، والرجلان تزنيان، وزناهما المشي، والقلب يتمنى ويشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\" (٣).\nوالتصديق يستعمل في الخبر وفي الإرادة، يقال: فلان صادق العزم، وصادق المحبة، وحملوا حملة صادقة.\nوالسلف اشتد نكيرهم على المرجئة لما أخرجوا العمل من الإيمان، وقالوا: إن الإيمان يتماثل الناس فيه، ولا ريب أن قولهم: يتساوى (٤) إيمان الناس من أفحش الخطأ، بل لا يتساوى الناس لا (٥) في التصديق، ولا في الحب، ولا في الخشية، ولا في العلم، بل يتفاضلون من وجوه كثيرة.\n_________\n= والنهاية (١٢/ ١٤٤)، واختصر ترجمته الحافظ ابن كثير جدًّا، النجوم الزاهرة (٥/ ١٢٧)، شذرات الذهب (٥/ ٣٤٩).\n(١) في (م) و(ط): يصدق.\n(٢) في (م): صدق قوله، وفي (ط): صدق عمله قوله.\n(٣) رواه البخاري مختصرًا برقم (٦٦١٢) كتاب القدر باب ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾، ولفظه: إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا حالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك ويكذبه، ورواه مسلم برقم (٢٦٥٧) ٤/ ٢٠٤٧ كتاب القدر باب قدر على ابن آدم حظه من الزنى وغيره، ولفظه: كتب على ابن آدم نصيبه من الزنا، مدرك ذلك لا محالة، فالعينان زناهما النظر، والأذنان زناهما الاستماع، واللسان زناه الكلام، واليد زناها البطش، والرجل زناها الخطا، والقلب يهوى ويتمنى، ويصدق ذلك الفرج أو يكذبه، وأحمد برقم (٨٣٢١) بنحوه، وأبو داود بنحوه برقم (٢١٥١) كتاب النِّكَاح، والحاكم في المستدرك ٢/ ٤٧١، والبيهقي في سننه برقم (١٣٢٨٩) ٧/ ٨٩.\n(٤) في (م) و(ط): \"بتساوي\".\n(٥) كلمة \"لا\" ليست في (ط).","vol":"1","page":447},{"text":"وأيضًا فإخراجهم العمل يشعر أنهم أخرجوا أعمال القلوب أيضًا، وهذا باطل قطعًا، فإن من صدق الرسول وأبغضه وعاداه بقلبه وبدنه، فهو كافر قطعًا بالضرورة، وإن أدخلوا أعمال القلوب في الإيمان أخطأوا أيضًا، لامتناع قيام الإيمان بالقلب من غير حركة بدن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-190>[امتناع قيام الإيمان بالقلب من غير عمل ظاهر]</span>\nوليس المقصود هنا ذكر عمل معين، بل من كان مؤمنًا بالله ورسوله بقلبه، هل يتصور إذا رأى الرسول وأعداؤه يقاتلونه، وهو قادر على أن ينظر إليهم، ويحضر على نصر الرسول بما لا يضره، هل يمكن مثل هذا في العادة أن لا يكون منه حركة ما إلى نصر الرسول؟ فمن المعلوم أن هذا ممتنع! فلهذا كان الجهاد المتعين بحسب الإمكان من الإيمان، وكان عدمه دليلًا على انتفاء حقيقة الإيمان، بل قد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ -: \"من مات ولم يغز، ولم يحدث نفسه بالغزو، مات على شعبة نفاق\" (٢)، وفي الحديث دلالة على أنَّه يكون فيه بعض [شعب] (٣) النفاق مع ما معه من الإيمان.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].\nوأيضًا فقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنَّه قال: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\" (٤)، وفي رواية (٥): \"وليس وراء ذلك من الإيمان حبة\n_________\n(١) وفي هذا دليل على ما سبق ذكره من أن الخلاف بين من يسمون بالمرجئة الفقهاء والسلف خلاف حقيقي له أسبابه وآثاره، على الأقل في مسألة تارك جنس العمل.\n(٢) الحديث في صحيح مسلم، وقد تقدم تخريجه.\n(٣) في نسخة الأصل شعبة، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى المعنى.\n(٤) رواه مسلم برقم (٤٩) ١/ ٦٩) كتاب الإيمان باب كون النهي عن المنكر من الإيمان، وأن الإيمان يزيد وينقص، وأن الأمر بالعمروف والنهي عن المنكر واجبان، والترمذي برقم (٢١٧٣) كتاب الفتن، والنسائي برقم (٥٠٠٨) كتاب الإيمان وشرائعه، وأبو داود برقم (١١٤٠) كتاب الملاحم، وابن ماجة برقم (١٢٧٥) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وأحمد برقم (١٠٦٨٩).\n(٥) في (م): \"لفظ\".","vol":"1","page":448},{"text":"خردل\" (١)، فهذا يبين أن القلب إذا لم يكن فيه بغض ما يكرهه الله من المنكرات كان عادمًا للإيمان، والبغض والحب من أعمال القلوب.\nومن المعلوم أن إبليس ونحوه يعلمون أن الله -﷿- حرم هذه الأمور ولا يبغونها، بل يدعون إلى ما حرمه الله ورسوله.\nوأيضًا فهؤلاء القائلون بقول جهم والصالحي قد صرحوا بأن سب الله ورسوله، والتكلم بالتثليث، وكل كلمة من كلمات (٢) الكفر، ليس هو كفر في الباطن، ولكنه دليل في الظاهر على الكفر، ويجوز مع هذا أن يكون السباب (٣) الشاتم في الباطن عارفًا بالله موحدًا له مؤمنًا به، فإذا أقيمت عليهم حجة بنص أو إجماع أن هذا كافر باطنًا وظاهرًا، قالوا: هذا يقتضي أن ذلك مستلزم للتكذيب الباطن، وأن الإيمان يستلزم عدم ذلك، فيقال لهم: معنا أمران معلومان:\n(أحدهما): بالاضطرار من الدين، و(الثاني): معلوم بالاضطرار من أنفسنا عند التأمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-191>[سب الله ورسوله طوعًا كفر باطنًا وظاهرًا]</span>\nأما (الأول): فإنا نعلم أن من سب الله ورسوله طوعًا بغير كره، بل من تكلم بكلمات الكفر طائعًا غير مكره، ومن استهزأ بالله أو آياته، (٤) ورسوله فهو كافر باطنًا وظاهرًا، وأن من قال: إن مثل هذا قد يكون في الباطن مؤمنًا بالله، وإنما هو كافر في الظاهر، فإنه قال قولًا معلوم الفساد بالضرورة من الدين.\nوقد ذكر الله تعالى كلمات الكفار في القرآن، وحكم بكفرهم\n_________\n(١) هذا جزء من حديث آخر رواه مسلم عقب الحديث الَّذي سبق، ولفظه: (ما من نبي بعثه الله في أمة قبلي، إلَّا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته، ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خلوف، يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراه ذلك من الإيمان حبة خردل) صحيح مسلم ١/ ٧٠.\n(٢) في (ط): \"كلام\".\n(٣) في (م) و(ط) \"الساب\".\n(٤) هذه الكلمة ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).","vol":"1","page":449},{"text":"واستحقاقهم الوعيد، ولو كانت أقوالهم الكفرية بمنزلة شهادة الشهود عليهم، أو بمنزلة الإقرار الَّذي يغلط فيه المقر، لم يجعلهم الله - ﷿ - من أهل الوعيد بالشهادة التي قد تكون صدقًا، وقد تكون كذبًا، بل كان ينبغي أن لا يعذبهم إلَّا بشرط صدق الشهادة.\nوهذا كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ﴾ [المائدة: ٧٣] ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ [المائدة: ١٧، ٧٢] وأمثال ذلك.\nوأما (الثاني): فالقلب إذا كان معتقدًا صدق الرسول، وأنه رسول الله، وكان محبًا للرسول معظمًا له، امتنع مع هذا أن يلعنه ويسبه، بل (١) لا يتصور ذلك منه إلَّا مع نوع من الاستخفاف به وبحرمته، فعلم بذلك أن مجرد اعتقاده أنَّه صادق لا يكون إيمانًا إلَّا مع محبته وتعظيه بالقلب.\nوأيضًا فإن الله تعالى قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٥١].\nوقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: ٢٥٦]، فتبين أن الطاغوت يؤمن به، ويكفر به، ومعلوم أن مجرد التصديق [بوجوده] (٢) وما هو عليه من الصفات، يشترك فيه المؤمن والكافر، فإن الأصنام والشيطان والسحر يشترك في العلم بحاله (٣) المؤمن والكافر.\nوقد قال الله تعالى في السحر: ﴿حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾ [البقرة: ١٠٢]، فهؤلاء الذين اتبعوا ما تتلو الشياطين\n_________\n(١) في (ط): \"فلا يتصور\".\n(٢) في نسخة الأصل: \"موجود\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٣) أي بحال ذلك أي المتقدم ذكره.","vol":"1","page":450},{"text":"على ملك سليمان، ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون، يعلمون أنه لا خلاق لهم في الآخرة ومع هذا يكفرون.\nوكذلك المؤمن بالجبت والطاغوت (١) إذا كان عالمًا بما يحصل\n_________\n(١) قال صاحب \"القاموس المحيط\": الجبت: الصنم، والكاهن، والساحر، والسحر، والذي لا خير فيه، وكل ما عبد من دون الله تعالى (١٩١)، وقال صاحب \"الصحاح\": \"كلمة تقع على الصنم والكاهن والساحر ونحو ذلك\" (١/ ٢٤٥)، والطاغوت يقول عنه صاحب \"القاموس\" اللات والعزى والكاهن والشيطان وكل رأس ضلال، والأصنام، وكل ما عبد من دون الله، ومردة أهل الكتاب، للواحد والجمع، . . . طواغيت وطواغ\" (١٦٨٥)، ويقول صاحب \"الصحاح\" عن الطاغوت: \"الكاهن والشيطان، وكل رأس في الضلالة، قد يكون واحدًا، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ وقد يكون جميعًا، قال تعالى: ﴿أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ﴾. . . والجمع الطواغيت\" (٦/ ٢٤١٣).\nوقد روى البخاري معلقًا عن عمر - ﵁ - قال: \"الجبت: السحر، والطاغوت: الشيطان\"، وقال عكرمة: \"الجبت بلسان الحبشة الشيطان، والطاغوت الكاهن\"، وقال الحافظ ﵀ في الفتح (٨/ ٢٥٢): \"وصله جد بن حميد في تفسيره، ومسدد في مسنده، وعبد الرحمن بن رستة في كتاب الإيمان، كلهم من طريق أبي إسحاق عن حسان بن فائد عن عمر مثله، وإسناده قوي \"، وذكر مثل ذلك في التهذيب (٢/ ٢٢٠)، وقد أخرجه الحافظ في تغليق التعليق (٤/ ١٩٦)، ورواه أيضًا سعيد بن منصور في سننه برقم (٦٤٩) ٤/ ١٢٨٣ وقال محققه الدكتور سعد بن عبد الله آل حميد: \"سنده ضعيف لأن حسان العبسي لم يوثقه أحد ممن يعتمد قوله، ولم أجد له متابعًا\".\nوقد رواه أيضًا ابن جرير الطبري في تفسيره، وأما أثر عكرمة فقد وصله عبد بن حميد بإسناد صحيح كما بين الحافظ في الفتح (٨/ ٢٥٢).\nوالطاغوت مشتق من الطغيان وهو مجاوزة الحد، تيسير العزيز الحميد (٤٩) للشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، وذكر عن الحافظ ابن القيم أنه قال: \"الطاغوت ما تجاوز به العبد حده من معبود، أو متبوع، أو مطاع، فطاغوت كل قوم من يتحاكمون إليه غير الله ورسوله، أو يعبدونه من دون الله، أو يتبعونه على غير بصيرة من الله، أو يطيعونه فيما لا يعلمون أنه طاعة الله\" المصدر نفسه (٥٠).\nوقد أورد الإمام المجدد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ﵀ في كتاب التوحيد أثر عمر في تفسير الجبت في باب ما جاء في السحر، وذكر ﵀ أن الطاغوت قد =","vol":"1","page":451},{"text":"بالسحر من التفريق بين المرء وزوجه، ونحو ذلك من الجبت، وكان عالمًا بأحوال الشيطان والأصنام وما يحصل بها من الفتنة، لم يكن مؤمنًا بها مع العلم بأحوالها، ومعلوم أنه لم يعتقد أحد فيها أنها تخلق الأعيان، وأنها تفعل ما تشاء، ونحو ذلك من خصائص الربوبية، ولكن كانوا يعتقدون أنه يحصل بعبادتها لهم نوع من المطالب، كما كانت الشياطين تخاطبهم من الأصنام، وتخبرهم بأمور، وكما يوجد مثل ذلك في هذه الأزمان في الأصنام التي يعبدها أهل الهند والصين والترك وغيرهم، وكان كفرهم بها الخضوع لها والدعاء والعبادة واتخاذها وسيلة ونحو ذلك، لا مجرد التصديق بما يكون عند ذلك من الآثار، فإن هذا يعلمه العالم من المؤمنين ويصدق بوجوده، لكنه يعلم ما يترتب على ذلك من الضرر في الدنيا والآخرة فيبغضه، والكافر قد يعلم وجود ذلك الضرر لكنه يحمله حب العاجلة على الكفر.\nيبين ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠٦) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (١٠٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨) لَا جَرَمَ أَنَّهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٠٩)﴾ [النحل: ١٠٦ - ١٠٩]، فقد ذكر تعالى من كفر بالله من بعد إيمانه وذكر وعيده في الآخرة ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ﴾، وبين تعالى أن الوعيد استحقوه بهذا.\nومعلوم أن باب التصديق والتكذيب والعلم والجهل ليس هو من باب\n_________\n= يكون من الجن وقد يكون من الإنس، كتاب التوحيد (١٣٥)، (١٣٧)، ضمن رسائل الجامع الفريد. وذكر الشيخ محمد بن صالح بن عثيمين في \"القول المفيد على كتاب التوحيد\" (١/ ٤٦٩): أن المراد بالطاغوت من كان راضيًا باتخاذه طاغوتًا، أو يقال: هو طاغوت باعتبار عابديه وتابعيه ومطيعيه. وانظر كلام الحافظ ابن كثير في تفسيره (١/ ٣١٢)، والقرطبي في تفسيره (٢/ ٢٥٧، ٣/ ٢١٥)، والسيوطي في \"الدر المنثور\" (٢/ ٥٦٤)، وغيرهم من المفسرين.","vol":"1","page":452},{"text":"الحب والبغض وهؤلاء (١) يقولون: إنما استحقوا الوعيد لزوال التصديق والإيمان من قلوبهم، وإن كان ذلك قد يكون سببه حب الدنيا على الآخرة، والله تعالى جعل استحباب الدنيا على الآخرة هو الأصل الموجب للخسران (٢)، واستحباب الدنيا على الآخرة قد يكون مع العلم والتصديق بأن الكفر يضر في الآخرة، وبأنه ما له في الآخرة من خلاق (٣).\nوأيضًا فإنه ﷾ استثنى المكره من الكفار، ولو كان الكفر لا يكون إلا بتكذيب القلب وجهله لم يستثن منه المكره، لأن الإكراه على ذلك ممتنع، فعلم أن التكلم بالكفر كفر إلا (٤) في حال الإكراه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا﴾ أي: لاستحبابه الدنيا على الآخرة ومنه قوله - ﷺ -: \"يصبح [الرجل] (٥) مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا، يبيع دينه بعرض من الدنيا\" (٦).\nوالآية نزلت في عمار بن ياسر وبلال بن رباح، وأمثالهما من المؤمنين المستضعفين، لما أكرههم المشركون على سب النبي - ﷺ -، ونحو ذلك من كلمات الكفر، فمنهم من أجاب بلسانه كعمار، ومنهم من صبر\n_________\n(١) المقصود بهؤلاء الجهمية والصالحية ومن تابعهم على مذههم كالأشاعرة والماتريدية.\n(٢) في (م) سقطت العبارة التالية: والله ﷾ جعل استحباب الدنيا على الآخرة وهو الأصل الموجب للخسران.\n(٣) الخلاق: النصيب، يقال: لا خلاق له في الآخرة، الصحاح (٤/ ١٤٧١)، ويخطئ كثير من الناس في فهم هذه الكلمة، حيث يعتقدون أن لها علاقة بموضوع الأخلاق.\n(٤) في (ط): \"لا\".\n(٥) هذه الكلمة ليست في نسخة الأصل و(م)، وهي في (ط).\n(٦) رواه مسلم برقم (١١٨) ١/ ١١٠ كتاب الإيمان باب، والترمذي برقم (٢١٩٥) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٧٩٧٠)، ورواه أبو داود برقم (٤٢٥٩) كتاب الفتن والملاحم، وابن ماجه برقم (٣٩٦١) كتاب الفتن، وأول الحديث قوله - ﷺ -: \"بادروا بالأعمال فتنًا كقطع الليل المظلم. . . \" ورواية أبي داود وابن ماجه ليس فيهما قوله: (يبيع دينه بعرض من الدنيا).","vol":"1","page":453},{"text":"على المحنة كبلال (١)، ولم يكره واحد (٢) منهم على خلاف ما في قلبه، بل أكرهوا على التكلم به (٣) فمن تكلم به (٤) بدون الإكراه، لم يتكلم به (٥) إلا وصدره منشرح به.\nوأيضًا فقد جاء نفر من اليهود إلى النبي - ﷺ - فقالوا: إنشهد إنك رسول الله) (٦) ولم يكونوا مسلمين بذلك، لأنهم قالوا ذلك على سبيل الإخبار عما في أنفسهم، أي: نعلم ونجزم أنك رسول الله، قال: \"فلم لا تتبعوني؟ \"، قالوا: (نخاف من يهود) (٧).\n_________\n(١) روى الحاكم بسنده في المستدرك عن أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر عن أبيه قال: \"أخذ المشركون عمار بن ياسر فلم يتركوه حتى سب النبي - ﷺ -، وذكر آلهتهم بخير، فلما أتى النبي - ﷺ - قال: ما وراءك؟ قال: شر يا رسول الله! ما تركت حتى نلت منك وذكرت آلهتهم بخير، قال كيف تجد قلبك؟ قال: مطمئن بالإيمان، قال: إن عادوا فعد\". وقال صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، (٣/ ٣٥٧)، ورواه ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٤٦)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٠).\nوروى ابن ماجه (رقم ١٥٠) في المقدمة عن عبد الله بن مسعود قال: \"كان أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله - ﷺ -، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد، فأما رسول الله - ﷺ - فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلالًا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأخذوه فأعطوه الولدان، فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة، وهو يقول: أحد أحد\"، وذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح ابن ماجه برقم (١٢٢)، والحاكم في المستدرك (٣/ ٢٨٤)، وأبو نعيم في الحلية (١/ ١٤٩)، والبيهقي في دلائل النبوة (٢/ ٢٨١)، وذكر الحافظ في الإصابة أن أبا إسحاق الجوزجاني روى في تاريخه من طريق منصور عن مجاهد قال: قال عمار: كل قد قال ما أرادوا يعني المشركين غير بلال، (١/ ١٦٥). وانظر تفسير الآيات الكريمة في تفسير القرطبي (١٠/ ١٦٣) وما بعدها، تفسير ابن كثير (٢/ ٥٨٨)، فتح القدير (٣/ ١٩٦).\n(٢) في (م) و(ط): \"أحد\".\n(٣) كلمة \"به\" ليست في (ط).\n(٤) كلمة \"به\" ليست في (م) و(ط).\n(٥) كلمة \"به\" ليست في (م) و(ط).\n(٦) في (م): \"لرسول الله\"، وفي (ط): \"لرسول\".\n(٧) روى الترمذي (رقم ٢٧٣٣) في كتاب الاستئذان عن صفوان بن عسال - ﵁ - قال: قال يهودي لصاحبه: اذهب إلى هذا النبي، فقال صاحبه: لا تقل نبي، إنه لو =","vol":"1","page":454},{"text":"فعلم أن مجرد العلم والإخبار عنه ليس بإيمان حتى [يتكلم] (١) بالإيمان على وجه الإنشاء المتضمن للالتزام والانقياد، مع تضمن ذلك للإخبار (٢) عما في أنفسهم، فالمناففون قالوا مخبرين كاذبين، فكانوا كفارًا في الباطن، وهؤلاء قالوها غير ملتزمين ولا منقادين، فكانوا كفارًا في الظاهر والباطن.\n_________\n= سمعك كان له أربعة أعين، فأتيا رسول الله - ﷺ - فسألاه عن تسع آيات بينات، فقال لهم: \"لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببريء إلى ذي سلطان ليقتله، ولا تسحروا، ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا محصنة، ولا تولوا يوم الزحف، وعليكم خاصة اليهود أن لا تعتدوا في السبت\"، قال: فقبلوا يده ورجله، فقالا: نشهد إنك نبي، قال: \"فما يمنعكم أن تبعوني؟ \" قالوا: \"إن داود دعا ربه أن لا يزال في ذريته نبي، وإنا نخاف إن تبعناك أن تقتلنا اليهود\" وقال عنه: \"حديث حسن صحيح\"، ورواه النسائي بنحوه برقم (٤٠٧٨) كتاب تحريم الدم. ورواه ابن ماجه مختصرًا جدًا برقم (٣٧٠٥) كتاب الأدب، وأحمد برقم (١٧٦٢٦)، وأبو داود الطيالسي (١٦٠)، ورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٣/ ٢١٥)، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٩) وقال: هذا حديث صحيح لا نعرف له علة بوجه من الوجوه ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، ورواه الطبراني في المعجم الكبير برقم (٨/ ٦٩)، ورواه العقيلي في الضعفاء (٢/ ٢٦٠)، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٣/ ٦٨): \"وهو حديث مشكل، وعبد الله بن سلمة في حفظه شيء، وقد تكلموا فيه، ولعله اشتبه عليه التسع الآيات بالعشر كلمات، فإنها وصايا في التوراة لا تعلق لها بقيام الحجة على فرعون، والله أعلم\"، وضعفه الشيخ الألباني ﵀ في كتابه ضعيف الترمذي برقم (٥١٧)، وكتابه ضعيف النسائي برقم (٢٧٥)، وكتابه ضعيف ابن ماجه برقم (٨٠٨).\nقلت: ومن ضعف الحديث من أهل العلم فلأجل عبد الله بن سلمة هذا، ضعفه جماعة من أهل العلم، ورأى بعضهم أنه يصلح للاحتجاج، قال عنه البخاري: لا يتابع في حديثه، وقال ابن عدي: أرجو أنه لا بأس به (تهذيب التهذيب ٥/ ٢١٣)، وقال الذهبي: صويلح، (الكاشف ٢/ ٨٣)، وقال الحافظ عنه: صدوق تغير حفظه، (التقريب ٣٠٦)، وقال بشار عواد معروف وشعيب الأرناؤوط في \"تحرير تقريب التهذيب\" (٢/ ٢١٧) بعد أن ذكر قول الحافظ فيه: صدوق تغير حفظه: \"بل ضعيف يعتبر به، . . . وقال شعبة وأبو حاتم والنسائي: تعرف وتنكر، وقال الدارقطني: ضعيف، . . . وما وثقه سرى يعقوب بن شيبة والعجلي\".\nقلت: ولعل أصل القصة صحيح، وإنما وهم ابن سلمة وخلط بين التسع آيات والوصايا العشر، كما بين ذلك الحافظ ابن كثير، والله تعالى أعلم.\n(١) في نسخة الأصل: \"تتكلم\" وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٢) في (ط): \"الإخبار\".","vol":"1","page":455},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-192>[امتناع أبي طالب عن التوحيد]</span>\nوكذلك أبو طالب (١) قد استفاض عه أنه كان يعلم نبوة (٢) محمد - ﷺ - وأنشد عنه:\nولقد علمت بأن دين محمد. . . من خير أديان البرية دينا (٣)\nلكن امتنع من الإقرار بالتوحيد والنبوة حبًا لدين سلفه، وكراهة أن (٤) يعيره قومه، فلما لم يقترن بعلمه الباطن الحب والانقياد الذي يمنع ما يضاد ذلك من حب الباطل وكراهة الحق لم يكن مؤمنًا (٥).\n_________\n(١) أبو طالب هو عبد مناف -على المشهور- بن عبد العطلب، عم النبي - ﷺ -، ذكر أنه ولد قبل النبي - ﷺ - بخمس وثلاثين سنة، ولما مات عبد المطلب أوصى بمحمد - ﷺ - إلى أبي طالب، فكفله وأحسن تربيته، وسافر بصحبته إلى الشام وهو شاب، ولما بعث - ﷺ - قام في نصرته، وذب عنه من عاداه، ومدحه عدة مدائح، ولم تخلص قريش إلى أذى النبي - ﷺ - إلا بعد موته، الإصابة (٤/ ١١٥)، وأطال ترجمته، وذلك ضمن القسم الرابع الذين ذكروا في الصحابة على سبيل الوهم والغلط، وما هم منهم.\n(٢) في (ط): \"بنبوة\".\n(٣) هكذا لفظ الإصابة، وأما في البداية والنهاية (٣/ ٤١) فالبيت كالتالي:\nوعرضت دينا قد عرفت بأنه. . . من خير أديان البرية دينا\nوفي الإصابة البيت كما ذكره المؤلف (٤/ ١١٦).\nويشير المصنف ﵀ بقوله: وأنشد عنه، أنه لم يثبت هذا البيت لأبي طالب، وإن كان قد اشتهر عنه، وقد نسب لأبي طالب كثير من الشعر، وأكثره منحول عليه، كما بين ذلك بعض أهل العلم.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): أن لا، وأثبتنا ما في (ط)، (ص).\n(٥) ثبت في الصحيح أن أبا طالب مات على الإشراك، خلافًا لما يتوهمه بعض من لا عقل له من الرافضة والمتصوفة وغيرهم من أهل البدع الذين يقوم دينهم على تقديس الأشخاص والغلو فيهم، فقد روى الشيخان من حديث سعيد بن المسيب عن أبيه: أن أبا طالب لما حضرته الوفاة، دخل عليه النبي - ﷺ -، وعنده أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية، فقال: يا عم قل لا إله إلا الله، كلمة أحاج لك بها عند الله، فقال أبو جهل وعبد الله بن أبي أمية: يا أبا طالب أترغب عن ملة عبد المطلب، فلم يزالا به حتى قال آخر ما قال: هو على ملة عبد المطلب فقال النبي - ﷺ -: لأستغفرن لك ما لم أنه عنك، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ. . . الآية﴾ [التوبة: ١١٣]، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: ٥٦]، وروى ذلك البخاري برقم (٣٨٨٤) كتاب المناقب باب قصة أبي طالب، ومسلم برقم (٢٤) ١/ ٥٤ كتاب =","vol":"1","page":456},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-193>[كفر إبليس وفرعون واليهود مع علمهم]</span>\nوأما إبليس وفرعون واليهود ونحوهم، فما قام بأنفسهم من الكفر وإرادة العلو والحسد منع من حب الله، وعبادة القلب له الذي لا يتم الإيمان إلا به، وصار في القلب من كراهة (١) رضوان الله واتباع ما أسخطه ما كان كفرًا لا ينفع معه العلم.\n_________\n= الإيمان باب الدليل على صحة إسلام من حضره الموت، ما لم يشرع في النزع، وهو الغرغرة، ونسخ جواز الاستغفار المشركين، والدليل على أن من مات على الشرك، فهو من أصحاب الجحيم، ولا ينقذه من ذلك شيء من الوسائل، والنسائي برقم (٢٠٣٥) كتاب الجنائز، وأحمد برقم (٢٣١٦٢)، وابن حبان في صحيحه برقم (٩٨٢) ٣/ ٢٦٢. وقد أورد الحافظ في الإصابة (٤/ ١١٧) رواية ابن إسحاق التي يرويها عن ابن عباس، والتي يها أن العباس أصغى إلى أبي طالب فسمعه يلفظ الشهادة، وساق بعدها حديث الصحيحين الذي يخالفها ثم قال: \"فهذا هو الصحيح برد الرواية التي ذكرها ابن إسحاق، إذ لو كان قال كلمة التوحيد، ما نهى الله تعالى نبيه عن الاستغفار له\".\nوقال الحافظ في الإصابة (٤/ ١١٦): \"وذكر جمع من الرافضة أنه مات مسلمًا، وتمسكوا بما نسب إليه من قوله. . .\" وذكر البيت السابق وبيتًا قبله.\nثم قال: \"إنه نظير ما حكى الله تعالى عن كفار قريش: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ [النمل: ١٤] فكان كفرهم عنادًا ومنشؤه من الأنفة والكبر، وإلى ذلك أشار أبو طالب بقوله: لولا أن تعيرني قريش (٤/ ١١٧)، على أننا ننبه أن هذه الآية جاءت في معرض قصة آل فرعون، ليست من كفار قريش، وإن كان المعنى يشمل الجميع، ولعل الأنسب هنا ذكر قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ [الأنعام: ٣٣].\nوروى الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - أنه سمع النبي - ﷺ - وذكر عنده عمه يقول: \"لعله تنفعه شفاعتي يوم القيامة فيجعل في ضحضاح من النار يبلغ كعبيه، يغلي منه أم دماغه\" رواه البخاري برقم (٦٥٦٤) كتاب الرقاق باب صفة الجنة والنار، ومسلم برقم (٢١٠) ١/ ١٩٥ كتاب الإيمان باب شفاعة النبي - ﷺ - لأبي طالب والتخفيف عنه بسببه، وأحمد برقم (١٠٦٧٤).\nوروى مسلم في صحيحه برقم (٢١٢) (١/ ١٩٦) كتاب الإيمان باب أهون أهل النار عذابًا عن ابن عباس - ﵄ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أهون أهل النار عذابًا أبو طالب، وهو منتعل بنعلين يغلي منهما دماغه\"، ورواه أحمد برقم (٢٦٣١)، وابن حبان في صحيحه برقم (٦٣٧١) ١٤/ ١٦٨، وأبو يعلى في مسنده برقم (١٣٦٠) ٢/ ٥١٢.\nوقد تولى الحافظ ﵀ في كتاب \"الإصابة\" (٤/ ١١٦ - ١١٩) إبطال ما نسبه بعض الرافضة من صحة إسلام أبي طالب، وقال: \"فهذا شأن من مات على الكفر، فلو كان مات على الوحيد لنجا من النار أصلًا، والأحاديث الصحيحة والأخبار المتكاثرة طافحة بذلك\".\n(١) في (ط): \"كراهية\".","vol":"1","page":457},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-194>فصل [وجوه التفاضل في الإيمان]</span>\nوالتفاضل في الإيمان بدخول زيادة الإيمان والنقص فيه يكون من وجوه متعددة: (أحدها): الأعمال الظاهرة، فإن الناس يتفاضلون فيها، وتزيد وتنقص (١)، وهذا مما اتفق الناس على دخول الزيادة فيه والنقصان، لكن نزاعهم في دخول ذلك في مسمى الإيمان، فالنفاة يقولون: هو من ثمرات الإيمان ومقتضاه، فأدخل يه مجازًا بهذا الاعتبار، وهذا معنى زيادة الإيمان عندهم ونقصه، أي زيادة ثمراته ونقصانها، فيقال: قد تقدم أن هذا من لوازم الإيمان وموجباته، فإنه يمتنع أن يكون إيمان تام في القلب بلا قول ولا عمل ظاهر، وأما كونه لازمًا له أو جزءًا منه فهذا يختلف بحسب حال استعمال لفظ الإيمان مفردًا [أو] (٢) مقرونًا بلفظ الإسلام والعمل كما تقدم.\nوأما قولهم: الزيادة في العمل الظاهر لا في موجبه ومقتضيه فهذا غلط، فإن تفاضل (٣) معلول الأشياء ومقتضاها يقتضي تفاضلها في أنفسها، وإلا فإذا تماثلت الأسباب الموجبة لزم تماثل موجها ومقضاها، فتفاضل الناس في الأعمال الظاهرة يقتضي تفاضلهم في موجب ذلك ومقتضيه، ومن هذا يبين (٤):\n(الوجه الثاني): في زيادة الإيمان ونقصه: وهو زيادة أعمال القلوب ونقصها، فإنه من المعلوم بالذوق الذي يجده كل مؤمن، أن الناس يتفاضلون في حب الله ورسوله، وخشية الله (٥)، والإنابة إليه، والتوكل عليه، والإخلاص له، وفي سلامة القلوب من الرياء والكبر والعجب، ونحو ذلك، والرحمة للخلق، والنصح لهم، ونحو ذلك من الأخلاق الإيمانية.\n_________\n(١) في (م): \"يزيد وينقص\".\n(٢) في نسخة الأصل و(م): \"و\".\n(٣) في (ط): \"التفاضل\".\n(٤) في (م): \"تبين\"، وفي (ط): \"يتبين\".\n(٥) في (م): \"وخشيته\".","vol":"1","page":458},{"text":"وفي الصحيحين عنه - ﷺ - أنه قال: \"ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان، من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار\" (١).\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ [التوبة: ٢٤].\nوقال - ﷺ -: \"والله إني لأخاشكم لله وأعلمكم بحدوده\" (٢).\nوقال - ﷺ -: \"لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين\" (٣).\nوقال له عمر - ﵁ -: (يا رسول الله لأنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي)، قال: \"لا يا عمر حتى أكون أحب إليك من نفسك\"، قال:\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (١٦) كتاب الإيمان باب، ومسلم برقم (٤٣) كتاب الإيمان باب، والترمذي برقم (٢٦٢٤) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٤٩٨٧) كتاب الإيمان وشرائعه، وابن ماجه برقم (٤٠٨٢)، وأحمد برقم (١١٥٩١).\n(٢) جاء عند البخاري في حديث الرهط الذين سألوا عن عبادة النبي - ﷺ - فكأنهم تقالوها: \"أما والله إني لأخشاكم لله وأنقاكم له\" رواه برقم (٥٠٦٣) كتاب النكاح باب الترغيب في النكاح، وروى مالك ﵀ في الموطأ برقم (٦٤٥) كتاب الصيام حديث الذي قبَّل امرأته في رمضان، وأرسل يسأل عن ذلك، فلما علم أن النبي - ﷺ - يفعل ذلك، قال: ومن منا مثل رسول الله، فغضب - ﷺ - حين بلغه ذلك وقال: \"والله إني لأتقاكم لله وأعلمكم بحدوده\"، ورواه مسلم في صحيحه مختصرًا برقم (١١٠٨) ٢/ ٧٧٩ كتاب الصيام باب بيان أن القبلة في الصوم ليست محرمة على من لم تحرك شهوته.\n(٣) رواه البخاري برقم (١٥) كتاب الإيمان باب حب الرسول - ﷺ - من الإيمان، ومسلم برقم (٤٤) كتاب الإيمان باب وجوب محبة رسول الله - ﷺ - أكثر من الأهل والولد والوالد والناس أجمعين، وإطلاق عدم الإيمان على من لم يحبه هذه المحبة، والنسائي برقم (٥٠١٣) كتاب الإيمان وشرائعه، وابن ماجه برقم (٦٧) المقدمة، وأحمد برقم (٣/ ١٢٤٠).","vol":"1","page":459},{"text":"فلأنت أحب إلي من نفسي، قال: \"الآن يا عمر\" (١).\nوهذه الأحاديث ونحوها في الصحاح، وفيها بيان تفاضل الحب والخشية.\nوقد قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥]، وهذا أمر يجده الإنسان في نفسه، فإنه قد يكون الشيء الواحد يحبه تارة أكثر مما يحبه تارة، ويخافه تارة أكثر مما يخافه تارة، ولهذا كان أهل المعرفة من أعظم الناس قولًا بدخول الزيادة والنقصان فيه، لما يجدون من ذلك في أنفسهم.\nومن هذا قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ [آل عمران: ١٧٣]، وإنما زادهم طمأنينة وسكونًا.\nوقال - ﷺ -: \"أكمل المؤمنين إيمانًا أحسنهم خلقًا\" (٢).\n(الوجه الثالث): أن نفس التصديق والعلم الذي (٣) في القلب يتفاضل باعتبار الإجمال والتفصيل، فليس تصديق من صدق الرسول مجملًا من غير معرفة منه بتفاصيل أخباره، كمن عرف ما أخبر به عن الله وأسمائه وصفاته والجنة والنار والأمم وصدقه في ذلك كله، وليس من التزم طاعته مجملًا ومات قبل أن يعرف تفصيل ما أمره به كمن عاش حتى عرف ذلك مفصلًا وأطاعه فيه.\n(الوجه الرابع): أن نفس العلم والتصديق يتفاضل ويتفاوت، كما يتفاضل سائر صفات الحي من القدرة والإرادة والسمع والبصر والكلام،\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٦٦٣٢) كتاب الإيمان والنذور باب كيف كانت يمين النبي - ﷺ - وأحمد برقم (١٨٤٨٢).\n(٢) رواه الترمذي برقم (١١٦٢) كتاب الرضاع وقال: \"حديث حسن صحيح\"، وأبو داود برقم (٤٦٨٢) كتاب السنة، وأحمد برقم (٧٣٥٤)، والدارمي برقم (٢٧٩٢) كتاب الرقاق، وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبي داود برقم (٣٩١٧).\n(٣) كلمة \"الذي\" ليست في (ط).","vol":"1","page":460},{"text":"بل سائر الأعراض من الحركة والسواد والبياض ونحو ذلك، فإذا كانت القدرة على الشيء تتفاوت (١) وكذلك (٢) الإخبار عنه يتفاوت، وإذا قال القائل: العلم بالشيء الواحد لا يتفاضل، كان بمنزلة قوله: القدرة على المقدور الواحد لا [تتفاضل] (٣)، وقوله: ورؤية الشيء الواحد لا [تتفاضل] (٤)، ومن المعلوم أن الهلال المرئي يتفاضل الناس في رؤيته، وكذلك سمع الصوت الواحد يتفاضلون في إدراكه، وكذلك الكلمة الواحدة يتكلم بها الشخصان ويتفاضلون في النطق بها، وكذلك شم الشيء الواحد وذوقه يتفاضل الشخصان فيه.\nفما من صفة من صفات الحي وأنواع إدراكاته وحركاته، بل وصفات غير الحي (٥) إلا وهي تقبل التفاضل والتفاوت إلى ما لا يحصره البشر، حتى يقال: ليس أحد من المخلوقين يعلم شيئًا من الأشياء مثلما يعلمه الله من كل وجه، بل علم الله تعالى بالشيء أكمل من علم غيره به كيف ما قدر الأمر، وليس تفاضل العلمين من جهة الحدوث والقدم فقط، بل من وجوه أخرى.\nوالإنسان يجد في نفسه أن علمه بمعلومه يتفاضل حاله فيه، كما يتفاضل حاله في سمعه لمسموعه، ورؤيته لمرئيه، وقدرته على مقدوره، وحبه لمحبوبه، وبغضه لبغيضه، ورضاه لمرضيه (٦)، وسخطه بمسخوطه (٧)، وإرادته لمراده، وكراهته (٨) لمكروهه، ومن أنكر التفاضل في هذه الحقائق كان مسفسطًا (٩).\n_________\n(١) في (م): \"يتفاوت\".\n(٢) في (ط): \"فكذلك\".\n(٣) في نسخة الأصل و(م): \"تفاضل\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى المعنى.\n(٤) في نسخة الأصل و(م): \"يتفاضل\"؛ وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى المعنى.\n(٥) العبارة في (م) و(ط): \"بل وغير صفات الحي\".\n(٦) في (م) و(ط): \"بمرضيه\".\n(٧) في (م) و(ط): \"لمسخوطه\".\n(٨) في (ط): \"وكراهيته\".\n(٩) يقول الفارابي في كتاب \"إحصاء العلوم\" (تحقيق الدكتور عثمان أمين) عن اسم السوفسطائية أو المسفسطة: \"وهذا الاسم اسم للمهنة التي بها بقدر الإنسان على =","vol":"1","page":461},{"text":"(الوجه الخامس): أن التفاضل يحصل من هذه الأمور من جهة الأسباب المقتضية لها، فمن كان مستند تصديقه ومحبته أدلة توجب اليقين، و[تبين] (١) فساد الشبهة العارضة، لم يكن بمنزلة من كان تصديقه لأسباب دون ذلك، بل من حصل (٢) له علوم ضرورية لا يمكن دفعها عن نفسه لم يكن بمنزلة من تعارضه الشبهة (٣)، ويريد إزالتها بالنظر والبحث.\nولا يستريب عاقل أن العلم بكثرة الأدلة وقوتها، وبفساد الشبهة (٤) المعارضة لذلك، وبيان بطلان حجة المحتج عليها، ليس كالعلم الذي هو الحاصل عن دليل واحد من غير أن يعلم الشبهة (٥) العارضة (٦) له، فإن الشيء كلما قويت أسبابه وتعددت، وانقطعت موانعه واضمحلت، كان أوجب لكماله وقوته وتمامه.\n(الوجه السادس): أن التفاضل يحصل في هذه الأمور من جهة دوام ذلك وثباته وذكره واستحضاره، كما يحصل البغض من جهة الغفلة عنه،\n_________\n= المغالطة والتمويه والتلبيس بالقول والإيهام. . \" ص ٢٤، ثم بين أن هذه اللفظة يونانية وأنها مركبة من كلمتين، من كلمة \"سوفيا\" وتعني الحكمة، وكلمة \"اسطس\" وتعني المموهة، ص ٢٥، فيتلخص مما سبق أن السفسطة هي التمويه، أو الحكمة المموهة.\nوقال الجرجاني في \"التعريفات\" ص ٦٣: \"السفسطة قياس مركب من الوهميات، والغرض منه تغليط الخصم وإسكانه، كقولنا: الجوهر موجود في الذهن، وكل موجود في الذهن قائم بالذهن عرض، لينتج أن الجوهر عرض\".\nوذكر المصنف في موضع آخر من مجموع الفتاوى (١٩/ ١٣٥) قولين فى سبب هذه التسمية:\nالأول: أنه نسبة إلى مقدم لهم يقال له: سوفسطا، كما يذكره فريق من أهل الكلام.\nالثاني: أنها كلمة معربة من اللغة اليونانية، ومعناها؛ الحكمة المموهة، يعنون الكلام الباطل الذي قد يشبه الحق.\n(١) في نسخة الأصل: يتبين، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٢) في (ط): \"جعل\".\n(٣) في (ط): \"الشبه\".\n(٤) في (م) و(ط): \"الشبه\".\n(٥) في (م) و(ط): \"الشبه\".\n(٦) في (م) و(ط): \"المعارضة\".","vol":"1","page":462},{"text":"والإعراض والعلم والتصديق والحب والتعظيم وغير ذلك [فما] (١) في القلب، هي صفات وأعراض وأحوال تدوم وتحصل بدوام أسبابها وحصول أسبابها، والعلم وإن كان في القلب [فالغفلة] (٢) تنافي تحقيقه (٣)، والعالم بالشيء في حال غفلته عنه حاله فيه (٤) دون حال (٥) العالم بالشيء في ذكره له.\nقال عمير بن حبيب الخطمي من أصحاب النبي - ﷺ -: (الإيمان يزيد وينقص قالوا وما زيادته ونقصه؟ قال: إذا حمدنا الله وذكرناه وسبحناه فذلك زيادته، وإذا غفلنا ونسينا وضيعنا فذلك نقصانه) (٦).\n(الوجه السابع): أن يقال ليس فيما يقوم بالإنسان من جميع الأمور أعظم تفاضلًا وتفاوتًا من الإيمان، فكلما [تقرر إثباته] (٧) من الصفات والأفعال مع تفاضله فالإيمان أعظم تفاضلًا من ذلك.\nمثال ذلك: أن الإنسان يعلم من نفسه تفاضل الحب الذي يقوم بقلبه، سواء كان حبًا لولده أو لامرأته أو لرياسته أو وطنه أو صديقه أو صورة من الصور أو خيله أو بستانه أو ذهبه أو فضته وغير ذلك من أمواله.\nفكما أن الحب أوله علاقة (٨) لتعلق القلب بالمحبوب.\nثم صبابة (٩) لانصباب القلب نحوه.\n_________\n(١) في نسخة الأصل: \"مما\" وأثبتنا ما في (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل، و(م): \"والغفلة\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب.\n(٣) في (ط): تحققه.\n(٤) كلمة (حاله فيه) ليست في (م) و(ط).\n(٥) كلمة (حال) ليست فى (ط).\n(٦) تقدم تخريج هذا الأثر ص ٣٦٦.\n(٧) في نسخة الأصل و(م): يقدر بإيمانه، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب.\n(٨) قال في \"القاموس المحيط\" (١١٧٦): العلاقة يفتح ويكسر: الحب اللازم للقلب، وقال فى \"الصحاح\" (٤/ ١٥٣١): بالفتح علاقة الحب.\n(٩) قال في \"القاموس المحيط (١٣٣) \": صبابة الشوق أو رقة الهوى، وقال في \"الصحاح\": الصبابة رقة الشوق وحرارته، يقال: رجل صب عاشق مشتاق، (١/ ١٦١).","vol":"1","page":463},{"text":"ثم غرام (١) للزومه القلب كما يلزم الغريم غريمه.\nثم يصير عشقًا (٢).\nإلى أن يصير تتيمًا، والتتيم التعبد، وتيم الله عبد الله (٣)، فيصير القلب [عبد]، (٤) للمحبوب مطيعًا له، لا يستطيع الخروج عن أمره.\nوقد آل الأمر بكثير من عشاق الصور إلى ما هو معروف عند الناس، مثل من حمله ذلك على قتل نفسه وقتل معشوقه، أو الكفر والردة عن الإسلام، أو أفضى به إلى الجنون وزوال العقل، أو أوجب خروجه عن المحبوبات العظيمة من الأهل والمال والرياسة، أو أمرض جسمه وأضناه (٥).\nفمن قال: الحب لا يزيد ولا ينقص، كان قوله من أظهر الأقوال فسادًا، ومعلوم أن الناس يتفاضلون في حب الله أعظم من تفاضلهم في حب كل محبوب، فهو سبحانه اتخذ إبراهيم خليلًا، واتخذ محمدًا - ﷺ - أيضًا خليلًا.\nكما استفاض عنه أنه قال: \"لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا\n_________\n(١) الغرام: الولوع، القاموس المحيط (١٤٧٥)، وفي الصحاح مثله، وقال: الغرام الشر الدائم والعذاب (٥/ ١٩٩٦).\n(٢) العشق: إفراط في الحب أو مرض وسواسي يجلبه إلى نفسه بتسليط فكره على استحسان بعض الصور، القاموس المحيط (١١٧٤)، وقال في \"الصحاح\" (٤/ ١٥٢٥)، العشق فرط الحب.\n(٣) التتيم: تيمته تتيمًا عبّدته وذللته، القاموس المحيط (١٤٠٠)، وفي الصحاح: تيم الله عبد الله وأصله من قولهم تيمه الحب أي عبده وذلّله فهو متيم، (٥/ ١٨٧٩).\n(٤) في نسخة الأصل: عبد، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٥) في (ط): أمراض جسمه وأسنانه. وأضناه من الضنا وهو المرض يقال: ضني بالكسر يضني ضنىً شديدًا، وأضناه المرض أي أدنفه وأثقله، الصحاح (٦/ ٢٤١٠)، وفي القاموس المحيط ضني مرض مرضًا مخامرًا كلما ظن برؤه نكس (١٦٨٣).","vol":"1","page":464},{"text":"لاتخذت أبا بكر خليلًا، ولكن صاحبكم خليل الله\" (١)، يعني نفسه - ﷺ -.\nوقال: \"إن الله اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا \" (٢)، والخلة (٣) أخص من مطلق المحبة، فإن الأنبياء ﵈ والمؤمنون يحبون الله، ويحبهم الله، كما قال تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ الآية [المائدة: ٥٤].\nوقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٦٥].\nوقد أخبر الله تعالى إن الله (٤) يحب المتقين، ويحب المقسطين، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفًا كأنهم بنيان مرصوص.\nوقد (٥) كان النبي - ﷺ - يخبر بحبه لغير واحد، كما ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح أنه قال للحسن وأسامة: \"اللهم إني أحبهما فأحبهما، وأحب من يحبهما\" (٦).\nوقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: \"عائشة\"،\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٢٣٨٣) كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، والترمذي برقم (٣٦٥٥) كتاب المناقب، وابن ماجه برقم (٩٣) المقدمة، وأحمد برقم (٣٥٧٠) وقد رواه البخاري برقم (٣٦٥٤) كتاب المناقب باب قول النبي - ﷺ -: \"سدوا الأبواب كلها إلا باب أبي بكر. . .، وليس فيه قوله: ولكن صاحبكم خليل الله، وهذا الحديث قد استفاضت طرقه كما ذكر المؤلف، وحسبنا أنه من رواية جمع من الصحابة، منهم أبو سعيد الخدرى، وابن عباس، وعبد الله بن مسعود، وجندب بن عبد الله البجلي، وابن الزبير، وهؤلاء روايتهم في الصحيح، وأبو هريرة، وأبو المعلى الأنصاري، وغيرهما في غير الصحيحين. وهذه الاستفاضة شاهدة على مكانة الصديق - ﵁ - وأرضاه، وأنه أفضل الأمة بعد نبيها - ﷺ -.\n(٢) رواه مسلم برقم (٥٣٢) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب، وابن ماجه برقم (١٤١) المقدمة.\n(٣) قال في \"القاموس المحيط\": الخل والخلة بكسرهما أي: المصادقة والإخاء، والخلة أيضًا: الصديق، للذكر والأنثى، والخل بالكسر والضم: الصديق المختص (١٢٨٥).\n(٤) في (ط): \"أنه\".\n(٥) كلمة \"قد\" ليست في (ط).\n(٦) رواه البخاري برقم (٣٧٤٧) كتاب المناقب باب مناقب الحسن والحسين - ﵄ -، وأحمد برقم (٢١٣٢١).","vol":"1","page":465},{"text":"قال: فمن الرجال؟ قال: \"أبوها\" (١).\nوقال للأنصار (٢): \"والله إني لأحبكم\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-195>[تفاضل الناس في حب الله]</span>\nوالناس في حب الله يتفاضلون (٤) ما بين أفضل الخلق محمد وإبراهم صلى الله عليهما وسلم إلى أدنى الناس درجة، مثل من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان، وما بين هذين الحدين من الدرجات لا يحصيه إلا الله (٥) رب الأرض والسماوات، فإنه ليس في أجناس المخلوقات ما يتفاضل بعضه على بعض كبني آدم، فإن الفرس الواحدة ما تبلغ أن تساوي ألف ألف.\nوقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي ذر - ﵁ -: أنه كان جالسًا عند النبي - ﷺ -، إذ مر به رجل من أشراف الناس، فقال: \"يا أبا ذر أتعرف هذا؟ \"، قلت: نعم يا رسول الله، هذا حري إن خطب أن ينكح، وإن قال يستمع (٦) لقوله، وإن غاب أن يسأل عنه، ثم مر رجل من ضعفاء المسلمين فقال: \"يا أبا ذر أتعرف هذا؟ \"، قلت: نعم يا رسول الله، هذا رجل من ضعفاء الناس، هذا حري إن خطب أن لا ينكح، وإن قال أن لا يستمع (٧) لقوله، وإن غاب لا يسأل عنه، فقال:\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٦٦٢) كتاب المناقب باب فضل أبي بكر بعد النبي - ﷺ -، ومسلم برقم (٢٣٨٤) كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل أبي بكر الصديق - ﵁ -، والترمذي برقم (٣٨٨٥) كتاب المناقب، وابن ماجه برقم (١٠١) المقدمة، وأحمد برقم (١٧٣٥٥).\n(٢) كلمة \"للأنصار\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) رواه بهذا اللفظ الإمام أحمد في المسند برقم (١٢١١٣)، ورواه البخاري برقم (٣٧٨٥) كتاب المناقب باب قول النبي - ﷺ - للأنصار: أنتم أحب الناس إلي، ومسلم برقم (٢٥٠٨) ٤/ ١٩٤٨ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل الأنصار رضي الله تعالى عنهم، ولفظهما: اللهم أنتم من أحب الناس إلي، قالها مرتين، وفي رواية ثلاثًا، والروايتان كلتاهما في الصحيحين.\n(٤) في (م) و(ط): \"يتفاوتون\".\n(٥) لفظ الجلالة ليس في (م) (ط).\n(٦) في (م) و(ط): \"يسمع\".\n(٧) في (ط): يسمع، ومما ينبه إليه أن الروايات في صحيح البخاري جاءت باللفظين: يستمع، ويسمع، ولكننا أثبتنا ما ورد في نسخة الأصل.","vol":"1","page":466},{"text":"\"يا أبا ذر هذا خير من ملء الأرض مثل هذا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-196>[تفضيل صالحي البشر على الملائكة]</span>\nفقد أخبر النبي - ﷺ - الصادق الذي لا يجازف (٢) فيما يقول: أن الواحد من بني آدم يكون خيرًا من ملء الأرض من الآدميين، وإذا كان الواحد منهم أفضل من الملائكة (٣)، والواحد منهم\n_________\n(١) هذا الحديث لم أجده في صحيح مسلم، وإنما هو في صحيح البخاري من حديث سهل بن سعد الساعدي - ﵁ - رواه برقم (٦٤٤٧) كتاب الرقاق، باب فضل الفقر، ولفظه:\n\"مر رجل على رسول الله - ﷺ - فقال لرجل عنده جالس: ما رأيك في هذا؟ فقال: رجل من أشراف الناس، هذا والله حري إن خطب أن ينكح، وإن شفع أن يشفع، قال: فسكت رسول الله - ﷺ - ثم مر رجل فقال له رسول - ﷺ -، ما رأيك في هذا؟ فقال: يا رسول الله هذا رجل عن فقراء المسلمين، هذا حري أن خطب أن لا ينكح وإن شفع أن لا يشفع وإن قال أن لا يسمع لقوله، فقال رسول الله - ﷺ -: هذا خير من ملء الأرض عن مثل هذا\". ورواه ابن ماجه برقم (٤١٢٠) كتاب الزهد.\nوروى الإمام أحمد عن أبي ذر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أرفع رجل تراه في المسجد، قال: فنظرت فإذا رجل جالس عليه حلة قال: فقلت: هذا، قال: فقال: يا أبا ذر ارفع بصرك فانظر أوضع رجل تراه في المسجد، فنظرت فإذا رجل ضعيف عليه أخلاق، قال: فقلت: هذا، قال: فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لهذا أفضل عند الله يوم القيامة من قراب الأرض مثل هذا\"، ورقمه (١٢٤٧٥).\nوحديث سهل قال فيه: مر رجل على رسول الله - ﷺ - فقال لرجل عنده: \"ما رأيك في هذا؟ . . . الحديث\"، يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: \"فعلم منه (أي من حديث أبي ذر عند أحمد) أن المسؤول هو أبو ذر، ويجمع بينه وبين حديث سهل أن الخطاب وقع لجماعة منهم أبو ذر، ووجه إليه فأجاب ولذلك نسبه لنفسه\" الفتح (١١/ ٢٧٧).\n(٢) في (ط): يجاوز، ومعنى يجازف، من الجزف وهو الأخذ بكثرة، وأصلها فارسي، مجمل اللغة لابن فارس (١٨٧)، والجزاف والجزافة والمجازفة الحدس في البيع والشراء، معرب، والجزوف من الحوامل: المتجاوزة حد ولادتها، القاموس المحيط (١٠٢٩)، وهو قريب عن معنى المجاوزة في غير موقعها.\n(٣) مسألة التفضيل بين الملائكة والناس مسألة مشهورة، تكلم فيها الكثيرون، وإن كانت تعد من فضول المسائل، وممن تكلم فيها الإمام أبو عبد الله القرطبي في تفسيره (١/ ٢٧٤)، وللمؤلف ﵀ كلام طويل في مجموع الفتاوى (٤/ ٣٥٠ - ٣٩٢) في هذه المسألة، والتفضيل له عدة وجوه ينبغي النظر إليها بعين الاعتبار، =","vol":"1","page":467},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وهذه الوجوه هي: هل يكون كل واحد من آحاد الناس أفضل من كل واحد من آحاد الملائكة؟ وقال شيخ الإسلام: وهذا لا يقوله عاقل (٤/ ٣٥٠)، وهذا وجه، أو أيهما أفضل: الأنبياء أو الملائكة؟ أو أيهما أفضل صالحو البشر أو الملائكة؟ أو أن الملأ الأعلى من الملائكة أفضل بأية حال؟ أو أن حقيقة الملك والطبيعة الملكية أفضل من حقيقة البشر وطبيعتهم؟ (٤/ ٣٥٣)، وبعضهم خصَّ الرسول - ﷺ - واستثناه من عموم البشر وفضله على جميع الملائكة؟ أو التوقف في ذلك؟\nوقال شيخ الإسلام في أثناء كلامه في التفضيل بين الملائكة والبشر: \"وقد ذكر جماعة من المنتسبين إلى السنة أن الأنبياء وصالحي البشر أفضل من الملائكة، وذهبت المعتزلة إلى تفضيل الملائكة على البشر، وأتباع الأشعري على قولين: منهم من يفضل الأنبياء والأولياء، ومنهم من يقف ولا يقطع فيهما بشيء، وحكي عن بعض متأخريهم أنه مال إلى قول المعتزلة. . . \" (٤/ ٣٥٦).\nومال شيخ الإسلام إلى تفضيل صالحي البشر على الملائكة، وذكر في ذلك وجهًا لطيفًا جدًا وهو قوله: \"وأيضًا فإنا إنما تكلمنا في تفضيل صالحي البشر إذا كملوا ووصلوا إلى غايتهم وأقصى نهاينهم، وذلك إنما يكون إذا دخلوا الجنة، ونالوا الزلفى، وسكنوا الدرجات العلى، وحياهم الرحمن، وخصهم بمزيد قربه، وتجلى لهم، يتمتعون بالنظر إلى وجهه الكريم، وقامت الملائكة في خدمتهم بإذن ربهم، فلينظر الباحث في هذا الأمر، فإن أكثر الغالطين لما نظروا في الصنفين رأوا الملائكة بعين التمام والكمال، ونظروا الآدمي وهو في هذه الحياة الخسيسة الكدرة، التي لا تزن عند الله جناح بعوضة، وليس هذا بالإنصاف\" (٤/ ٣٧٢) ثم قال في آخر كلامه: \"كما يكون الشيخ العاقل أفضل من عامة الصبيان، لأنه إذ ذاك فيه من الفضل ما ليس في الصبيان، ولعل في الصبيان -من يكون- في عاقبته أفضل منه بكثير، ونحن إنما نتكلم على عاقبة الأمر ومستقره\" (٤/ ٣٩٢) وهذا يكون وجهًا جديدًا يضاف على الوجوه السابقة، ويكاد يرجحها جميعًا، والله أعلم، وممن أطال في هذه المسألة ابن أبي العز الحنفي ﵀ عند شرحه للطحاوية (٢/ ٤١٠ - ٤٢٣)، وذكر أن الشيعة يقولون بتفضيل أئمتهم على الملائكة -وهذا أمر مشهور عنهم- وذكر أيضًا أن الشيخ تاج الدين الفزاري له مصنف في ذلك سماه \"الإشارة في البشارة في تفضيل البشر على الملك\" وقال إنه ذكر في آخرها أنها مسألة من بدع علم الكلام التي لم تكلم فيها الصدر الأول من الأمة، ولا من بعدهم من أعلم الأئمة، ولا يتوقف عليها أصل من أصول العقائد، ولا يتعلق بها من الأمور الدينية كثير من المقاصد، ولهذا خلا عنها طائفة من مصنفات هذا الشأن، وامتنع من الكلام فيها جماعة من الأعيان (٢/ ٤١٣).\nويقول المصنف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: \"وكنت أحسب أن القول فيها =","vol":"1","page":468},{"text":"[شرًا] (١) من البهائم، كان التفاضل [الذي] (٢) فيهم أعظم من تفاضل الملائكة، وأصل تفاضلهم إنما هو بمعرفة الله ومحبته، فعلم أن تفاضلهم في هذا لا يضبطه إلا الله تعالى، وكل ما يعلم من تفاضلهم في حب شيء من محبوباتهم، فتفاضلهم في حب الله أعظم.\nوهكذا تفاضلهم في خوف ما يخافونه، وتفاضلهم في الخضوع والذل (٣) لما يذلون له ويخضعون، وكذلك تفاضلهم فيما يعرفونه من المعروفات، ويصدقون به، ويقرون به، وإن كانوا يتفاضلون في معرفة الملائكة وصفاتهم، والتصديق بهم، فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق به أعظم.\nوكذلك إن كانوا يتفاضلون في معرفة روح الإنسان وصفاتها، والتصديق بها، أو في معرفة الجن وصفاتهم، وفي التصديق بهم، أو في معرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب -كما أخبروا به من المأكولات والمشروبات والملبوسات والمنكوحات والمسكونات- فتفاضلهم في معرفة الله وصفاته والتصديق بذلك (٤) أعظم من تفاضلهم في معرفة الروح التي هي النفس الناطقة، ومعرفة ما في الآخرة من النعيم والعذاب، بل إن كانوا متفاضلين في معرفة أبدانهم وصفاتها وصحتها ومرضها وما يتبع ذلك، فتفاضلهم في معرفة الله ﵎ أعظم وأعظم فإن كل ما يعلم ويقال يدخل في معرفة الله تعالى، إذ لا موجود إلا وهو خلقه، وكل ما في المخلوقات من الصفات والأسماء والأقدار والأفعال فإنها شواهد ودلائل على ما لله ﷾ من الأسماء الحسنى والصفات العلى، إذ كل كمال في المخلوقات فمن أثر كماله، وكل كمال ثبت لمخلوق فالخالق\n_________\n= محدث حتى رأيتها أثرية سلفية صحيحة، فانبعثت الهمة إلى تحقيق القول بها فقلنا حينئذٍ بما قاله السلف\" ثم ذكر آثارًا عن بعض الصحابة والتابعين في المسألة، والله أعلم.\n(١) في نسخة الأصل: \"تر\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: \"التي\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (ط): \"الذل والخضوع\".\n(٤) في (ط): \"به\".","vol":"1","page":469},{"text":"أحق به، وكل نقص تنزه (١) عنه مخلوق فالخالق أحق بتنزيهه منه (٢)، وهذا على طريق كل طائفة واصطلاحها، فهذا يقول كمال المعلول من كمال علته، وهذا يقول: كمال المصنوع المخلوق من كمال صانعه وخالقه (٣).\nوفي الحديث الذي رواه أحمد في المسند، ورواه ابن حبان في صحيحه عن ابن مسعود عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ما أصاب عبدًا هم ولا حزن فقال: اللهم إني عبدك ابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي إلا أذهب الله همه وحزنه، وأبدله مكانه قرحًا، قالوا: يا رسول الله ألا نتعلمهن؟ قال: بلى ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن\" (٤).\n_________\n(١) في (م): \"ينزه\".\n(٢) في (م) و(ط): \"عنه\".\n(٣) هذه قاعدة عظيمة ذكرها المؤلف في التدمرية (٥٠) بقوله: \"والله ﷾ لا تضرب له الأمثال التي فيها مماثلة لخلقه، فإن الله لا مثل له، بل له المثل الأعلى، فلا يجوز أن يشترك هو والمخلوق في قياس تمثيل، ولا في قياس شمول تستوي أفراده ولكن يستعمل في حقه المثل الأعلى وهو أن كل ما اتصف به المخلوق من كمال فالخالق أولى به، وكل ما تنزه عنه المخلوق بالنقص فالخالق أولى بالتنزيه عنه، فإذا كان المخلوق منزهًا عن مماثلة المخلوق مع الموافقة في الاسم فالحق أولى أن ينزه عن مماثلة المخلوق، وإن حصلت موافقة في الاسم\". وبالطبع فإن مراد المصنف ﵀ هو إثبات الكمالات التي تليق بالله ﷿، وهي كل ما ثبت في القرآن والسنة، وأما ما عداها فلا تطلق إلا من باب الأخبار، لا من باب الصفات، مع التحرز الشديد.\n(٤) رواه أحمد برقم (٣٧١٢) وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: \"إسناده صحيح\"، وابن حبان في صحيحه رقم (٩٧٢) ٣/ ٢٥٣، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: \"إسناده صحيح\"، ورواه الحاكم في المستدرك (١/ ٥٠٩)، وقال: \"هذا حديث صحيح على شرط مسلم إن سلم من إرسال عبد الرحمن بن عبد الله عن أبيه، فإنه مختلف في سماعه عن أبيه\"، وتعقبه الحافظ الذهبي بقوله: \"وأبو سلمة لا يدرى من هو، ولا رواية له في الكتب الستة\"، ورواه أبو يعلى في المسند برقم (٥٢٩٧) ٩/ ١٩٨، والطبراني في المعجم الكبير برقم (١٠٣٥١) ١٠/ ١٦٩، وذكره الشيخ الألباني في سلسلته الصحيحة برقم (١٩٩)، وذكر الجاحظ ابن حجر أن ابن حبان =","vol":"1","page":470},{"text":"فقد أخبر في هذا الحديث أن لله تعالى أسماء استأثر بها في علم الغيب عنده، وأسماء الله متضمنة لصفاته، [ليست] (١) أسماء أعلام محضة، بل أسماؤه تعالى: كالعليم والقدير والسميع والبصير والرحيم والحكيم ونحو ذلك كل اسم يدل على معاني صفاته على ما لم يدل عليه الاسم الآخر (٢)، مع اشتراكها كلها في الدلالة على ذاته ﷾ (٣).\nوإذا كان من أسمائه ما اختص هو بمعرفته، ومن أسمائه ما خص به من شاء من عباده، علم أن تفاضل الناس في معرفته أعظم من تفاضلهم في معرفة كل ما يعرفونه.\n_________\n= صححه ولم يتعقبه بشيء، ذكر ذلك مرة في الفتح، ومرة في تلخيص الحبير (٤/ ١٧٢)، وأجاب الشيخ أحمد شاكر - ﵁ - عن كلام الحافظ الذهبي بقوله: بأن أبا سلمة هذا هو موسى بن عبد الله أو ابن عبد الرحمن الجهني ويكنى أبا سلمة، فإنه من هذه الطبقة، ووافقه الشيخ الألباني في ذلك وقال: \"وليس في الرواة من اسمه موسى الجهني إلا موسى بن عبد الله الجهني وهو الذي يكنى بأبي سلمة وهو ثقة من رجال مسلم، وكان الحاكم ﵀ أشار إلى هذه الحقيقة حين قال في الحديث: صحيح على شرط مسلم\"، وأما الإرسال فقد قال الشيخ الألباني يرحمه الله: \"هو سالم منه، فقد ثبت سماعه منه بشهادة جماعة من الأئمة، منهم سفيان الثوري، وشريك القاضي، وابن معين، والبخاري، وأبو حاتم. . . \" السلسلة الصحيحة (١/ ٣٣٨)، وانظر التاريخ الكبير للبخاري (٧/ ١٥٨)، تهذيب الكمال للمزي (٢٣/ ٣٧٩)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٨٨)، لسان الميزان (٧/ ٣٣٩).\n(١) في نسخة الأصل: بسبب، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) العبارة في (ط): كل اسم يدل على ما لم يدل عليه الاسم الآخر من صفاته.\n(٣) قال المؤلف ﵀ في \"التدمرية\" (١٨) في أثناء كلامه عن مذهب المعتزلة في أسماء الله وصفاته: \"فأثبتوا له الأسماء دون ما تضمنته من الصفات، فمنهم من جعل الحليم والقدير والسميع والبصير كالأعلام المحضة المترادفات، ومنهم من قال: عليم بلا علم، قدير بلا قدرة، سميع بصير، بلا سمع ولا بصر، فأثبتوا الاسم دون ما تضمنه من الصفات\"، وقال في موضع آخر (١٠٠): \"والله ﷾ أخبرنا أنه عليم قدير سميع بصير غفور رحيم، إلى غير ذلك من أسمائه وصفاته، فنحن نفهم معنى ذلك، ونميز بين العلم والقدرة، وبين الرحمة والسمع والبصر، ونعلم أن الأسماء كلها اتفقت في دلالتها على ذات الله، مع تنوع معانيها\".","vol":"1","page":471},{"text":"وبهذا يتبين (١) لك أن من زعم من أهل الكلام والنظر أنهم عرفوا الله تعالى حق معرفته، بحيث لم يبق له صفة إلا عرفوها، وأن ما لم يعرفوه ولم يقم لهم دليل على ثبوته كان معدومًا منتفيًا في نفس الأمر، قوم غالطون مخطئون متدعون ضالون، وحجتهم في ذلك داحضة، فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم (٢)، فليس (٣) عدم العلم القطعي أو الظني على الشيء دليلًا على انتفائه، إلا أن يعلم أن ثبوته مستلزم لذلك الدليل، مثل أن يكون الشيء لو وجد لتوفرت الهمم والدواعي على نقله، فيكون هذا لازمًا لثبوته، فيستدل بانتفاء اللازم على انتفاء الملزوم، كما يعلم أنه لو كان بين الشام والحجاز مدينة عظيمة مثل بغداد ومصر لكان الناس ينقلون خبرها، فإذا نقل ذلك واحد واثنان وثلاثة علم كذبهم.\nوكما يعلم أنه لو ادعى النبوة أحد على عهد (٤) النبي - ﷺ - مثل مسيلمة الكذاب (٥)\n_________\n(١) في (م): \"تبين\".\n(٢) في (ط) سقط وهو قوله: \"فإن عدم الدليل لا يستلزم عدم المدلول عليه، وعدم العلم ليس علمًا بالعدم\".\n(٣) في (ط): \"فإن\".\n(٤) يقول الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح في أثناء شرحه لحديث: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج ثلاثون كذابًا. . . \" \"فوقع مصداق ذلك في آخر عهد النبي - ﷺ -، فخرج مسيلمة باليمامة، والأسود العنسي باليمن، ثم خرج في خلافة أبي بكر طليحة بن خويلد في بني أسد بن خزيمة، وسجاح التميمية في بني تميم. . .، وقتل الأسود قبل أن يموت النبي - ﷺ -، وقتل مسيلمة في خلافة أبي بكر، وتاب طلحة ومات على الإسلام على الصحيح في خلافة عمر، ونقل أن سجاح أيضًا ثابت، (٦/ ٦١٧). فتبين أن الأسود ومسيلمة هما اللذان خرجا على عهد النبي - ﷺ -، وأما طليحة وسجاح فخروجهما في أوائل خلافة الصديق، وعلى هذا يحمل كلام المؤلف على التغليب والتعميم، ولقرب خروج الأخيرين من وفاته - ﷺ -.\n(٥) هو مسيلمة بن ثمامة بن كبير بن حبيب المشهور بالكذاب، من بني حنيفة، وفي الصحيحين عن ابن عباس - ﵁ - أن مسيلمة قدم على عهد النبي - ﷺ - فجعل يقول: إن جعل محمد الأمر لي من بعده تبعه، وقدم المدينة في بشر كثير من قومه، فأقبل إليه رسول الله - ﷺ - ومعه ثابت بن قيس بن شماس، وفي يد رسول الله - ﷺ - =","vol":"1","page":472},{"text":"والعنسي (١) وطليحة (٢) وسجاح (٣) لنقل الناس خبره كما نقلوا أخبار\n_________\n= قطعة جريد، حتى وقف على مسليمة في أصحابه، فقال: لو سألتني هذه القطعة ما أعطيتكها، ولن نعدو أمر الله فيك، ولئن أدبرت ليعقرنك الله، وإني لأراك الذي أريت فيك ما رأيت، يقول ابن عباس، فأخبرني أبو هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: بينما أنا نائم رأيت في يدي سوارين من ذهب، فأهمي شأنهما، فأوحي إلي في المنام أن أنفخهما فنفختهما فطارا، فأولهما كذابين يخرجان بعدي، فكان أحدهما العنسي والآخر مسيلمة الكذاب صاحب اليمامة.\nوكان ذلك في أواخر عهد النبي - ﷺ -، فلما استخلف أبو بكر بعث إليه جيشًا كبيرًا بقيادة خالد بن الوليد، والتف حول مسيلمة أكثر من أربعين ألفًا، ودارت رحى معركة عنيفة -هي معركة اليمامة- انتهت بمقتل مسيلمة وهزيمة قومه، وقد استشهد من الصحابة في هذه المعركة أكثر من خمسمائة بل قيل سبعمائة، منهم ثمانية وستون من المهاجرين والأنصار رضوان الله عليهم أجمعين، وكان ذلك في سنة ١١ هـ، وقيل سنة ١٢ هـ، وجمع الحافظان الذهبي وابن كثير بين ذلك، بأن ابتداء الوقعة كان في آخر سنة ١١ هـ، وانتهائها كان في سنة ١٢ هـ، وكان مسيلمة لعنه الله يكثر من الأسجاع السخيفة يحاول مضاهاة القرآن، إلى غير ذلك مما دل على قلة عقله، وعقل من اتبعه، صحيح البخاري رقم (٤٣٧٨)، صحيح مسلم رقم (٢٢٧٣) ٤/ ١٧٨٠، سيرة ابن هشام (٣/ ٧٤)، تاريخ ابن جرير (٢/ ٢٧٥)، سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء للذهبي (٤٧)، البداية والنهاية (٦/ ٣٢٨)، الفتح (٨/ ٩٠).\n(١) هو عبهلة بن كعب بن غوث، من بني عنس كان كاهنًا مشعوذًا يقال له: ذو الخمار لأنه كان يخمِّر وجهه، خرج في آخر عهد النبي - ﷺ -، وناصرته عامة مذحج، وكثير من أهل نجران، فاستولى عليها، ثم غلب على صنعاء، وقتل شهر بن باذام أحد عمال النبي - ﷺ - في اليمن، وهزم الأبناء -وهم أبناء الفرس في اليمن الذين دخلوا في الإسلام- واستولى على غالب اليمن، وما زال شره في تعاظم حتى تمكن فيروز الديلمي من قتله سنة ١١ هـ كما ثبت في الصحيح، وانتهت فتنته بمقتله. صحيح البخاري رقم (٤٣٧٩)، تاريخ الطبري (٢/ ٢٢٥، ٢/ ٢٤٧)، سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء للذهبي (٢٨)، البداية والنهاية (٦/ ٣١٠)، الفتح (٨/ ٩٣).\n(٢) هو طليحة بن خويلد بن نوفل الأسدي، ارتد عن الإسلام بعد موت النبي - ﷺ -، وادعى النبوة، واجتمعت عليه أسد غطفان، وكثير من الأعراب، والتقى بهم المسلمون بقيادة خالد بن الوليد فهزموهم شر هزيمة؛ وفرَّ طليحة إلى الشام، ثم عاد إلى الإسلام: وقيل: حسن إسلامه، وشهد القادسية ونهاوند مع المسلمين، ويقال إنه استشهد بنهاوند سنة ٢١ هـ. تاريخ ابن جرير (٢/ ٢٦٠)، سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء للذهبي (٤٠)، البداية والنهاية (٦/ ٣٢١)، الإصابة (٢/ ٢٣٤).\n(٣) هي سجاح بنت الحارث بن سويد بن عقفان، ذكر ابن جرير وابن حجر أنها =","vol":"1","page":473},{"text":"هؤلاء، ولو عارض القرآن معارض أي (١) بما يظن الناس أنه مثل القرآن لنقل كما نقل قرآن مسيلمة الكذاب (٢)، وكما نقلوا الفصول\n_________\n= تميمية، وذكر ابن كثير أنها تغلبية من نصارى العرب -والأشهر الأول- ادعت النبوة، والتف حولها خلق من الرعاع وسارت بجيش قاصدة اليمامة، ثم تصالحت مع مسيلمة الكذاب، وتزوجت به، وأقامت عنده أيامًا، ثم رجحت إلى قومها، وذكر أنها عادت بعد مقتل مسيلمة إلى الإسلام، وماتت في خلافة معاوية. تاريخ الطبري (٢/ ٢٦٨)، البداية والنهاية (٦/ ٣٢٤)، الإصابة (٤/ ٣٤٠).\n(١) في (م) و(ط): \"أتى\".\n(٢) روى أحمد في المسند برقم (٣٨٣٧) والطبراني في الكبير برقم (٨٩٦٠) والحاكم في المستدرك (٣/ ٥٣)، أن رجلًا جاء إلى عبد الله بن مسعود - ﵁وكان واليًا على الكوفة- فقال: يا أبا عبد الرحمن إن هاهنا قومًا يقرؤون من قراءة مسيلمة، فقال عبد الله: أكتاب غير كتاب الله أو رسول غير رسول الله بعد فشو الإسلام! ! فرده، فجاء إليه بعد فقال: يا عبد الله والذي لا إله غيره إنهم في الدار ليقرؤون على قراءة مسيلمة، وإن معهم لمصحفًا فيه قراءة مسيلمة -وذلك في زمن عثمان- فأمر عبد الله قرظة -وكان صاحب خيل- فأحاط بهم، وقبض عليهم، وكانوا ثمانين رجلًا، فاستتابهم غير رئيسهم ابن النواحة أبى أن يتوب فضرب عنقه. وقال الحاكم بعد أن رواه: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده حسن، وإسناد الطبراني والحاكم غير إسناد أحمد، فعندهما الحديث من رواية القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، ولكن عند الحاكم عنه عن أبيه عن جده، وعند الطبراني عنه قال: \"جاء رجل إلى عبد الله. . . القصة\"، ولكن سماعه ثابت من أبيه كما في التهذيب (٨/ ٢٩٢)، فلهذا صحح إسناده الحاكم والذهبي، وأما إسناد أحمد فهو عن أبي معيز السعدي وهو تابعي كما يقول الشيخ أحمد شاكر ولم يذكر بجرح، فهو على الستر ويكون حديثه حسنًا على الأقل.\nوأقول: القصة ثابتة إن شاء الله وتتقوى بالطريقين.\nومما يقوي ذلك أيضًا ما رواه أبو داود في سننه برقم (٢٧٦٢) أن حارثة بن مضرب أتى عبد الله بن مسعود وقال له: إني مررت بمسجد لبني حنيفة، فإذا هم يؤمنون بمسيلمة، فأرسل إليهم عبد الله، فجيء بهم فاستتابهم غير ابن النواحة قال له: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لولا أنك رسول لضربت عنقك\" فأنت اليوم لست برسول، فأمر قرظة بن كعب فضرب عنقه في السوق. وذكره الشيخ الألباني في صحيح أبي داود برقم (٢٤٠٠)، ورواه أحمد أيضًا برقم (٣٦٤٢) وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح.\nوروى عبد الرزاق في مصنفه برقم (١٨٧٠٨) والطبراني في الكبير برقم (٨٩٦٥) =","vol":"1","page":474},{"text":"والغايات (١)\n_________\n= عن قيس بن أبي حازم قال: جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال: إني مررت بمسجد من مساجد بني حنيفة فسمعتهم يقرؤون شيئًا لم ينزله الله: الطاحنات طحنًا، العاجنات عجنًا، الخابزات خبزًا، اللاقمات لقمًا. . . وذكر قصة ابن النواحة. وهذا بعض ما كان يهذر به مسيلمة الكذاب، ويقرؤه الذين في قلوبهم زيغ، وهذا الذي ذكره المؤلف من تناقل بعض قرآن مسيلمة الكذاب، ومن سجع مسيلمة الذي هو خرص وتخمين ووحي شياطين ما ذكره المؤرخون كقوله: يا ضفدع بنت الضفدعين نقي كم تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشارب تمنعين، رأسك في الماء وذنبك في الطين، وقوله: والمبذرات زرعًا، والحاصدات حصدًا، والذاريات قمحًا، والطاحنات طحنًا، والخابزات خبزًا؛ والثاردات ثردًا، واللاقمات لقمًا، إهالة وسمنًا، لقد فضلتم على أهل الوبر، وما سبقكم أهل المدر، رفيقكم فامنعوه، والمعتر فآووه، والناعي فواسوه، وقوله: والليل الدامس، والذئب الهامس، ما قطعت أسد من رطب ولا يابس، إلى آخر هذا السقط من الكلام الذي يأنف من قوله الصبيان وهم يلعبون كما يقول الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى. تاريخ ابن جرير (٢/ ٢٣٤)، البداية والنهاية (٦/ ٣٣١).\n(١) هذا أحد كتب أبي العلاء المعري -الآتية ترجمته- يقول ابن الجوزي: \"وقد رأيت لأبي العلاء المعري كتابًا سماه الفصول والغايات في معارضة السور والآيات على حروف المعجم في آخر كلماته، وهو غاية الركاكة والبرودة، فسبحان من أعمى بصره وبصيرته\"، وذكر الذهبي أن اسم الكاب نقلًا عن الباخرزي: الفصول والغايات في محاذاة السور والآيات، ولكن محقق الجزء الذي عثر عليه من كتاب الفصول والغايات -وهو محمود حسن زناتي- أسماء: الفصول والغايات في تمجيد الله والمواعظ، ولا أدري على أي شيء قد اعتمد هذه التسمية، خصوصًا أنه صرح أن النسخة التي أخرج الكتاب عيها مخرومة من أولها، وهل تسمية الكتاب من عند نفسه، أم من بعض النساخ، أم من المعري نفسه، الواقع أنه لم يبين لنا شيئًا يذكر في هذا المقام، مع أن هذا الأمر قد تكلم فيه جل من كتب عن المعري، وهذا الكتاب كما وقع الاختلاف حول المعري بين مادح وقادح، وبين ممجد غال ورام له بالزندقة والإلحاد، فقد وقع الاختلاف في هذا الكتاب، وهل أراد به حقًا محاكاة القرآن الكريم أو معارضته؟ أم أنه ليس كذلك وإنما هو عمل أدبي مجرد لا هدف من ورائه، وأراد مؤلفه أن يتخذ من صعب اللغة وغريبها طريقًا لبث فلسفته ونظرته للعالم من حوله؟ وصنيع المؤلف شيخ الإسلام رحمه الله تعالى يشير إلى الاحتمال الأول، وهو الاحتمال المشهور عند كثير من الفقهاء والعلماء والمؤرخين، وهو أن المعري أراد بمؤلفه أن يحاكي كتاب الله العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم =","vol":"1","page":475},{"text":"لأبي العلاء المعري (١)\n_________\n= حميد، وذكر الذهبي بإسناده عن السِّلفي أن المعري سئل عن كتابه الفصول والغايات، فقيل له: أين هذا من القرآن؟ فقال: لم تصقله المحاريب أربع مئة سنة! ! !، أما محقق الكتاب فينفي هذه التهمة بشدة ويقول: \"وأحسب أن من ذكر ذلك لم ير الكتاب. . . أما القول بأنه قصد به مجاراه القرآن الكريم أو معارضته فذلك من قول حساده\" وقول المحقق هذا يرده اطلاع ابن الجوزي وغيره من العلماء على هذا الكتاب، وكذلك صنع قبله عبد العزيز الميمني في كتابه \"أبو العلاء وما إليه\" حيث نفى هذه التهمة (٢٧٣).\nقلت: والمطالع للفصول والغايات (أعني المطبوع منه) يجد غالبه محشوًا بغريب اللغة ووحشها، وألفاظًا ناشزة، وأسجاعًا منمقة كأسجاعٍ مسيلمة حذو القذة بالقذة، ولا يبعد أن صاحبه قصد ما رماه به من ذكرنا سابقًا، والله أعلم بالسرائر والأحوال. المنتظم (٨/ ١٨٥)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٣١) الفصول والغايات تحقيق محمود محمد زناتي، أبو العلاء وما إليه لعبد العزيز الميمني.\n(١) هو أحمد بن عبد الله بن سليمان الأعمى المعري القضاعي التنوخي الشاعر اللغوي صاحب الدواوين والمصنفات في الشعر واللغة، المتهم في نحلته كما يقول الذهبي، والمشهور بالزندقة كما يقول ابن كثير، ولد في المعرة سنة ٣٦٣ هـ، وذهب بصره وهو صغير بسبب جدري أصابه، كان إليه المنتهى في حفظ اللغات، وكان نباتيًا لا يأكل اللحم ولا شيئًا نتج من الحيوان، وكان ذكيًا ولم يكن زكيًا، ومصنفاته أكثرها في الشعر، وفي بعضها ما يدل على زندقته، وانحلاله من الدين، وقد نقل عنه ابن الجوزي أشعارًا كثيرة تدل كل قطعة منها على كفره وزندقته وإلحاده كما يقول الحافظ ابن كثير، وذكر أنه أوصى أن يكتب على قبره:\nهذا جناه أبي عليَّ. . . وما جنيت على أحد\nقال ابن خلكان: هذا أيضًا باعتقاد الحكماء، فإنهم يقولون: اتخاذ الولد وإخراجه إلى هذا الوجود جناية عليه، لأنه يتعرض للحوادث والآفات، وقال الحافظ ابن كثير: وهذا يدل على أنه لم يتغير عن اعتقاده، مع أنه قال: إن بعضهم ذكر أنه أقلع وتاب منه وأنشأ قصيدة يعتذر فيها من ذلك كله، ويقول الحافظ الذهبي في العبر: لعله مات على الإسلام وتاب من كفرياته وزال عنه الشك، والناس في أبي العلاء مختلفون، منهم من يكفِّره ويصمه بالإلحاد والزندقة لما نضحت به بعض كتبه من أشعار تضاد دين الإسلام، ومنهم من يبرئه ويتأول ما يصدر عنه وينافح من أجله، وأن ما كان يصدر منه هو مجون وأنه مسلم في باطنه، وقد أجاد أبو الوفا ابن عقيل -كما نقله عنه ابن كثير- لما بلغه بعض ما كان يتهم به المعري بقوله: \"وما الذي ألجأه أن يقول في دار الإسلام ما يكفره به الناس؟ والمنافقون مع قلة عقلهم وعلمهم أجود سياسة منه، لأنهم حافظوا على قبائحهم في الدنيا =","vol":"1","page":476},{"text":"وكما نقلوا غير ذلك من أقوال المعارضين له (١) بخرافات لا يظن عاقل أنها مثله، فكان النقل لما يظهر (٢) فيه المشابهة والمماثلة أقوى في العادة والطباع في ذلك (٣) أرغب سواء كانوا محبين أو مبغضين، هذا أمر جبل عليه [بنو] (٤) آدم كما يعلم أن علي بن أبي طالب - ﵁ - لو طلب الخلافة على عهد أبي بكر وعمر وعثمان رضوان الله عليهم وقاتل عليها لنقل ذلك الناس كما نقلوا ما جرى بعد هؤلاء.\n_________\n= وستروها، وهذا أظهر الكفر الذي تسلط عليه الناس وزندقوه، والله يعلم أن ظاهره كباطنه\".\nوقد خرج الدكتور طه حسين وهو الذي ما فتئ يفخر بأبي العلاء ويراه قدوة له -وشاركه غيره في بعض هذه الملاحظات- من دراسته للمعري بأنه كان لا يرى لغير العقل سلطانًا، وأنه كان يقول بقدم العالم، وأنه ينكر النبوات، والبعث والمعاد، ولفت إلى ملاحظة مهمة لعلها تزيل بعض الغموض الذي كان يكتنف شخصية المعري، إلى أنه كان يأخذ بالتقية، ويقول في ذلك:\nأهوى الحياة وحسبي من معايبها. . . أني أعيش بتمويه وتدليس\nفاكتم حديثك لا يشعر به أحد. . . من رهط جبريل أو من رهط إبليس\nويقول طه حسين معلقًا على ذلك: \"فهذه الأبيات كلها (على كثرة أمثالها في اللزوميات) تدل على شدة إحتياطه في إظهار آرائه، والظفر بهذه النصوص ظفر يحل المغلق من فلسفة أبي العلاء فإن الرجل لا يحتاط ولا يصطنع المجاز إلا إذا قال شيئًا لم يألفه الناس. . . \" (٢٦٢).\nومن مؤلفات المعري: لزوم ما لا يلزم، سقط الزند، الأيك والغصون، ورسالة الغفران -وهي من أردأ تواليفه كما قال الذهبي- ومختلف الفصول، وشرح ديوان المتنبي، والفصول والغايات الذي ذكره المؤلف، وغيرها من المؤلفات الكثيرة، التي شرها أكبر من نفعها.\nتاريخ بغداد (٤/ ٢٤٠)، المنتظم (٨/ ١٨٤)، الكامل في التاريخ (٩/ ٦٣٦)، معجم الأدباء لياقوت (٣/ ١٠٧) وأطال ترجمته جدًا، وفيات الاعيان (١/ ١١٣)، العبر (٣/ ٢٢٠)، ميزان الاعتدال (١/ ١١٢)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٣)، الوافي بالوفيات (٧/ ٩٤)، البداية والنهاية (١٢/ ٧٧)، شذرات الذهب (٥/ ٢٠٩)، تجديد ذكرى أبي العلاء لطه حسين، وأبو العلاء وما إليه لعبد العزيز الميمني -الذي أجهد نفسه كثيرًا في محاولة تبرئة المعري، أبو العلاء المعري للدكتور زكي المحاسني.\n(١) في (ط): \"لو\".\n(٢) في (ط): \"تظهر\".\n(٣) في (ط): \"وأرغب\".\n(٤) في نسخة الأصل: \"بني\"، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).","vol":"1","page":477},{"text":"و(١) كما يعلم أن النبي - ﷺ - لو أمره أن يصلي بالناس صلاتهم لنقلوا ذلك، كما نقلوا أمره أبي بكر - ﵁ - وصلاته بالناس (٢)، وكما يعلم أنه لو عهد له بالخلافة لنقلوا ذلك كما نقلوا ما هو (٣) دونه.\nبل كما يعلم أن لم يكن يجتمع هو وأصحابه على استماع دف أو كف ولا على رقص وزفن (٤).\nبل كما أنه لم يكن بعد الصلوات يجتمع هو وهم على دعاء ورفع [أيد] (٥) ونحو ذلك، إذ لو فعل ذلك لنقلوه، بل كما يعلم أنه لم يصل في السفر الظهر والعصر والعشاء أربعًا، وأنه لو صلى في السفر أربعًا بعض الأوقات لنقل الناس ذلك، كما نقلوا جمعه بين الصلاتين بعض الأوقات.\nبل كما يعلم أنه لم يكن يصلي المكتوبات وحده، بل إنما كان يصليهن في الجماعة، بل كما يعلم أنه لم يكن هو وأصحابه يحملون التراب في السفر للتيمم، ولا يصلون كل ليلة على من يموت من المسلمين، ولا ينوون الاعتكاف كلما دخلوا مسجدًا للصلاة، بل كما يعلم أنه لم يصل على غائب غير النجاشي (٦)، بل كما يعلم أنه لو كان دائمًا\n_________\n(١) الواو ليست في (م) و(ط).\n(٢) ثبت في الصحيح واستفاض -وهو أمر متواتر- أن النبي - ﷺ - أمر أبا بكر أن يصلي بالناس في مرض وفاته -بأبي وأمي هو - ﷺ - روى ذلك البخاري برقم (٦٦٤) كتاب الأذان باب حد المريض أن يشهد الجماعة، ومسلم برقم (٤١٨) ١/ ٣١١ كتاب الصلاة باب استخلاف الإمام إذا عرض له عذر من مرض وسفر وغيرهما من يصلي بالناس، والنسائي برقم (٨٣٣) كتاب الإمامة، والترمذي برقم (٣٦٧٢) كتاب المناقب، وابن ماجه برقم (١٢٣٣) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وأحمد برقم (٢٣٥٤١).\n(٣) كلمة \"هو\" ليست في (ط).\n(٤) في (ط): \"زمر\". والزفن هو الرقص. الصحاح (٥/ ٢١٣١)، القاموس المحيط (١٥٥٣).\n(٥) في نسخة الأصل: \"وأيدي\"، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٦) إخبار النبي - ﷺ - بموت النجاشي، وصلاته بأصحابه عليه صلاة الغائب رواها البخاري في صحيحه برقم (١٢٤٥) كتاب الجنائز، باب الرجل ينعى إلى أهل بيته بنفسه، ومسلم برقم (٩٥١) كتاب الجنائز باب في التكبير على الجنائز، والنسائي برقم (١٨٧٩) كتاب الجنائز، والترمذي برقم (١٠٢٢) كتاب الجنائز، وأبو داود برقم (٣٢٠٤) كتاب الجنائز، وابن ماجه برقم (١٥٣٤) كتاب ما ذكر في الجنائز، وأحمد =","vol":"1","page":478},{"text":"يقنت في الفجر و(١) غيرها بقنوت مسنون يجهر به لنقل الناس ذلك، كما نقلوا قنوته العارض الذي دعا فيه لقوم وعلى قوم (٢)، وكان نقلهم لذلك أوكد، وكما يعلم أنه لما صلى بالناس بعرفة ومزدلفة قصرًا وجمعًا و(٣) لو أمر أحدًا خلفه أن يتم صلاته، أو أن لا يجمع معه لنقل الناس ذلك، كما نقلوا ما دون ذلك، وكما يعلم أنه لم يأمر الحيّض في زمانه المبتدآت بالحيض أن يغتسلن عند انقضاء يوم وليلة، وأنه لم يأمر أصحابه أن يغسلوا ما يصيب أبدانهم وثيابهم من المني، وأنه لم يوقت للناس لفظًا معينًا لا في نكاح ولا (٤) بيع ولا إجارة ولا غير ذلك، ولما حج حجة الوداع لم يعتمر عقيب الحج، وأنه لما أفاض من منى إلى مكة يوم النحر\n_________\n= برقم (٧١٠٧)، والمؤلف يرمي من كلامه ذلك الرد على الشافعية والمشهور عند الحنابلة حيت يرون جواز الصلاة على الميت الغائب الذي صلي عيه في بلده، خلافًا للحنفية والمالكية الذين لا يرون مشروعية الصلاة على الغائب، ويقولون: إن صلاته - ﷺ - على النجاشي خاص به، المجموع (٥/ ٢٥٢)، الروض المربع (١٤٢)، والمؤلف ﵀ يرى التفصيل في ذلك، فإن كان الميت لم يصل عليه كالنجاشي صلي عليه، وإن كان صلي عليه في بلده فلا يصلى عليه، كما نقله عنه تلميذه الحافظ ابن القيم ونصره في زاد المعاد (١/ ٥٢٠).\n(١) في (م) و(ط): \"أو\".\n(٢) ثبت في الصحيحين أنه - ﷺ - مكث شهرًا يدعو على قبائل رعل وذكوان وغيرهما التي عدت على القراء الذين أرسلهم النبي - ﷺ - لتعليم الناس في بعض الجهات، وغدرت بهم وقتلوهم، روى ذلك البخاري في صحيحه برقم (٤٠٩٠) كتاب المغازي باب غزوة الرجيع ورعل وذكوان، ومسلم برقم (٦٧٧) ١/ ٤٦٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب القنوت في جميع الصلاة إذا نزلت بالمسلمين نازلة، والنسائي برقم (١٠٧٧) كتاب التطبيق، وأبو داود برقم (١٤٤٣) كتاب، وأحمد برقم (٢٧٤١)، وثبت في الصحيح أنه - ﷺ - دعا للمستضعفين وبعض الصحابة بمكة، للوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعياش بن أبي ربيعة، ودعا على مضر بسبع سنين كسني يوسف، رواه البخاري برقم (٦٣٩٣) كتاب الدعوات باب تكرير الدعاء، ومسلم برقم (٦٧٥) ١/ ٤٦٦ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب القنوت في جميع الصلاة. .، والنسائي برقم (١٠٧٠) كتاب التطبيق، وأبو داود برقم (١٤٤٢) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٧٤١٥).\n(٣) الواو ليست في (م) و(ط).\n(٤) في (ط): \"في بيع\".","vol":"1","page":479},{"text":"ما طاف وسعى أولًا، ثم طاف ثانيًا إلى غير ذلك مما يطول ذكره.\nومن تتبع كتب الصحيحين ونحوها من الكتب المعتمدة، ووقف على أقوال الصحابة والتابعين، ومن قفا منهاجهم من الأئمة المرضيين -قديمًا وحديثًا- علم صحة ما أوردناه في هذا الباب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-197>[المدلول المستلزم للدليل]</span>\nوالمقصود هنا أن المدلول إذا كان وجوده مستلزمًا لوجود دليله كان انتفاء دليله دليلًا على انتفائه، أما إذا أمكن وجوده وأمكن أن لا نعلم نحن دليل ثبوته لم يكن عدم علمنا بدليل وجوده دليلًا على عدمه.\nفأسماء الله ﵎ وصفاته إذا لم يكن عندنا ما يدلنا عليها لم يكن ذلك مستلزمًا لانتفائها، إذ ليس في الشرع ولا في العقل ما يدل على أنا لا بد أن نعلم كل ما هو ثابت له تعالى من الأسماء والصفات.\nبل قد قال أفضل الخلق وأعلمهم بالله ﷿ في الحديث الصحيح: (لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك) (١).\nوفي الحديث الصحيح حديث الشفاعة: \"فأخرّ ساجدًا فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي لا أحصيها الآن\" (٢).\nفإذا كان أعلم (٣) الخلق بالله تعالى (٤) لا يحصي ثناء عليه، ولا يعرف الآن محامده التي يحمده بها عند السجود للشفاعة، فكيف يكون غيره عارفًا بجميع محامد الله والثناء عليه، وكل ما له من الأسماء الحسنى فإنه\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (٤٨٦) ١/ ٣٥٢ كتاب الصلاة باب ما يقال في الركوع والسجود والترمذي برقم (٣٤٩٣) كتاب الدعوات، والنسائي برقم (١٦٩) كتاب الطهارة، وأبو داود برقم (٨٧٩) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١١٧٩) كتاب إقامة الصلاة، ومالك برقم (٤٩٧) كتاب النداء للصلاة، وأحمد برقم (٢٢٧٩١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٧٤١٠) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ومسلم برقم (١٩٣) ١/ ١٨٢ كتاب الإيمان باب أدنى أهل الجنة منزلة فيها، والطيالسي (٢٦٨)، والنسائي برقم (١١٤٠) كتاب التطبيق، والترمذي برقم (٢٤٣٤) كتاب صفة القيامة، وأحمد برقم (٢٥٧٩).\n(٣) في (ط): \"أفضل\".\n(٤) عبارة \"بالله تعالى\" ليست في (م) و(ط).","vol":"1","page":480},{"text":"داخل في محامده وفي ما يثنى عليه، وإذا كان كذلك فمن كان بما له من الأسماء والصفات أعلم وأعرف [كان بالله أعلم وأعرف] (١)، بل من كان بأسماء النبي - ﷺ - وصفاته أعلم كان بالنبي - ﷺ - أعلم، فليس من علم أنه نبي كمن علم أنه رسول، ولا من علم أنه رسول كمن يعلم أنه خاتم الرسل، ولا من علم أنه خاتم الرسل كمن علم أنه سيد ولد آدم، ولا من علم ذلك كمن علم ما خصه الله به من الشفاعة والحوض والمقام المحمود والملة وغير ذلك من فضائله - ﷺ -، وليس كل من جهل شيئًا [من خصائصه] (٢) يكون كافرًا، بل كثير من المؤمنين لم يسمع بكثير من فضائله وخصائصه، فكذلك ليس كل من جهل بعض أسماء الله وصفاته يكون كافرًا، إذ كثير من المؤمنين لم يسمع كثيرًا مما وصفه به رسوله وأخبر به عنه، فهذه الوجوه (٣) ونحوها مما تبين (٤) تفاضل الإيمان الذي في القلب، وأما تفاضلهم في الأقوال والأعمال الظاهرة فلا يشبه (٥) على أحد والله أعلم.\nفصل <span data-type=\"title\" id=toc-198>[إيمان القلب مستلزم لأعمال الجوارح]</span>\nإذا تبين هذا وعلم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة من الأقوال الظاهرة والاعمال الظاهرة، كما أن القصد التام مع القدرة يستلزم وجود المراد وأنه يمتنع مقام الإيمان الواجب في القلب من غير ظهور موجب ذلك ومقتضاه، زالت الشبهة (٦) العلمية في هذه المسألة، ولم يبق إلا نزاع لفظي في أن موجب الإيمان الباطن هل هو جزء منه داخل في مسماه، فيكون لفظ الإيمان دالًا عليه بالتضمن والعموم؟ أو هو لازم للإيمان، ومعلول له، وثمرة له، فتكون دلالة الإيمان عليه بطريق [للزوم] (٧)؟ .\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٣) هي الوجوه السبعة التي ذكرها المؤلف فيما مضى.\n(٤) في (م): \"يبين\".\n(٥) في (م) و(ط): \"تشتبه\".\n(٦) في (ط): \"الشبه\".\n(٧) في نسخة الأصل: \"الملزوم\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى المعنى.","vol":"1","page":481},{"text":"وحقيقة الأمر أن اسم الإيمان يستعمل تارة هكذا وتارة هكذا كما قد تقدم، فإذا قرن اسم الإيمان بالإسلام أو العمل كان دالًا على الباطن فقط، وإن أفرد اسم الإيمان فقد يتناول الباطن والظاهر، وبهذا تأتلف النصوص.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-199>[يختلف لفظ الإيمان بحسب وروده مفردًا أو مقترنًا]</span>\nفقوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (١) أفرد لفظ الإيمان فدخل فيه الباطن والظاهر.\nوقوله - ﷺ - في حديث جبريل ﵇: \"الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وفي ورسله واليوم الآخر\" ذكره مع قوله - ﷺ -: \"أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت\" (٢).\nفلما قرنه باسم الإسلام ذكر ما يخصه، فالاسم في ذلك الحديث مجرد عن الاقتران (٣)، وفي هذا الحديث مقرون باسم الإسلام.\nوكذلك اسم الإسلام إذا جرد كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩] (٤).\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥] دخل فيه الباطن، فلو أتى بالعمل الظاهر دون الباطن لم يكن ممن أتى بالدين الذي هو عند الله الإسلام.\nوأما إذا قرن الإسلام بالإيمان كما في قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤].\n_________\n(١) تقدم تخريج هذا الحديث وهو في الصحيحين.\n(٢) هذا حديث جبريل المشهور، وقد تقدم تخريجه، وفي نسخة الأصل و(م). جاءت الرواية بلفظ: وإيقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وحج البيت، وقد أثبتنا ما في (ط) لأن أول الحديث في النسخ الثلاث هو قوله: أن تشهد، والروايتان كلتاهما في الصحيح.\n(٣) في (ط): قوله: فلما أفرده عن اسم الإيمان ذكر ما يخصه الاسم في ذاك الحديث مجردًا عن الاقتران، وهو عكس ما ذكره المؤلف وأراد تأصيله وهو أن الإسلام والإيمان كالفقير والمسكين وغيرهما من تلك المصطلحات المتقاربة إذا اجتمعا افترقا وإذا افترقا اجتمعا.\n(٤) في (ط): سقط قوله: وكذلك الإسلام. . . إلى نهاية الآية.","vol":"1","page":482},{"text":"وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ [الذاريات: ٣٥، ٣٦].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ [الأحزاب: ٣٥] فقد يراد بالإسلام الأعمال الظاهرة كما في حديث أنس الذي في المسند عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"الإسلام علانية والإيمان في القلب\" (١).\nومن علم أن دلالة اللفظ تختلف بالإفراد والاقتران، كما في اسم الفقير والمسكين، والمعروف والمنكر والبغي، وغير ذلك من الأسماء، كما في لغات سائر الأمم عربها وعجمها زاحت عنه الشبهة في هذا الباب والله أعلم بالصواب (٢).\nفإن قال قائل: اسم الإيمان إنما يتناول الأعمال مجازًا قيل له (٣): أولًا ليس هذا بأولى ممن قال: إنما تخرج عنه الأعمال مجازًا، بل هذا أقوى لأن خروج العمل عنه إنما هو إذا كان مقرونًا باسم الإسلام والعمل، وأما دخول العمل فيه فإذا أفرد كما في قوله - ﷺ -: \"الإيمان بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان\" (٤).\nومعلوم (٥) إنما (٦) يدل مع الاقتران أولى باسم المجاز مما يدل عند التجريد والإطلاق (٧).\n_________\n(١) تقدم تخريج هذا الحديث، ص ٤٤٤ من هذا الكتاب.\n(٢) كلمة (الصواب) ليست في (م) و(ط).\n(٣) كلمة \"له\" ليست في (ط).\n(٤) تقدم تخريجه، وهو في الصحيحين مع اختلاف في اللفظ.\n(٥) كلمة \"ومعلوم\" ليست في (ط).\n(٦) في (ط): \"فإنما\".\n(٧) لا يفهم من هذا النص أن شيخ الإسلام ﵀ يقول بالمجاز كما فهم ذلك بعض من نصروا المجاز ونافحوا عه، وذكروا أنه رفض المجاز في مواضع من كتبه، وقال بالمجاز في مواضع أخرى، وعدوا ذلك تناقضًا، وفهموا هذا الفهم الخاطئ من مثل هذا النص، والحقيقة التي لا ريب فيها أنه لا يقول بالمجاز، وأنه لم يتناقض أيضًا، وإنما كما هو المعروف عن شيخ الإسلام أنه يرد على المخالفين بنفس مصطلحاتهم، وهذا ما أراده ﵀ في هذا المقام، وإنكار المؤلف للمجاز ونقضه له من وجوه كثيرة أمر مشهور، والمؤلف لرحمه الله أطال في رد المجاز بعامة وفي قضية الإيمان خاصة في كتابه \"الإيمان الكبير\" (٧/ ٨٧ - ١١٩).","vol":"1","page":483},{"text":"وقيل له ثانيًا: لا نزاع في أن العمل الظاهر هو فرع [عن] (١) الباطن وموجب له ومقتضاه، لكن هل هو داخل في مسمى الاسم وجزء منه؟ أو هو لازم للمسمى كالشرط المفارق والموجب التابع؟\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-200>[حقيقة الأسماء الشرعية]</span>\nومن المعلوم أن الأسماء الشرعية والدينية، كاسم الصلاة والزكاة والحج ونحو ذلك، هي باتفاق الفقهاء اسم لمجموع الصلاة الشرعية (٢)، والزكاة الشرعية، والحج الشرعي، ومن قال إن الاسم إنما يتناول ما يتناوله عند الإطلاق في اللغة، وأن ما زاده الشارع إنما هو زيادة في الحكم وشرط فيه لا داخل في الاسم، كما قال ذلك القاضي أبو بكر بن الطيب (٣)، والقاضي أبو يعلى (٤)، ومن وافقهما على أن الشرع زاد أحكامًا شرعية جعلها شروطًا في القصد و[الأعمال] (٥) والدعاء، ليست داخلة في مسمى الحج والصيام والصلاة، فقولهم مرجوح عند الفقهاء وجماهير المنسوبين إلى العلم، ولهذا كان الجمهور من أصحاب الأئمة الأربعة على خلاف هذا القول (٦).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: \"عند\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٢) عبارة \"والزكاة الشرعية\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) هو الباقلاني ويقول في التمهيد عند تعريفه للإيمان. \"الإيمان في الشريعة هو الإيمان المعروف في اللغة لأن الله ﷿ ما غير لسان العرب ولا قلبه، ولو فعل ذلك لتواترت الأخبار بفعله، وتوفرت دواعي الحرب على نقله، ولغلب إظهاره وإشهاره على طيه وكتمانه، وفي علمنا بأنه لم يفعل ذلك، بل أقر أسماء الأشياء والتخاطب بأسره على ما كان فيها دليل على أن الإيمان في الشرع هو الإيمان اللغوي\" (٣٩٠)، وممن نقل مذهب الباقلاني في ذلك إمام الحرمين في البرهان (١/ ١٧٤)، والطوفي في شرح مختصر الروضة (١/ ٤٩٢).\n(٤) يقول القاضي أبو يعلى في العدة في أصول الفقه: \"وكذلك الحج عبارة عن القصد في اللغة، وهو في الشريعة: عبارة عن أفعال مخصوصة، فهو في الشريعة كما كان في اللغة. وضمت إليه شروط شرعية، ولا نقول بأنها (يعني الأسماء) منقولة من اللغة إلى معاني أحكام شرعية\" (١/ ١٠٨).\n(٥) في نسخة الأصل: الأمال، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٦) هذه المسألة هي من المسائل المهمة، وتسمى مسألة الأسماء الشرعية، وهي من المسائل التي يشترك البحث فيها بين علماء العقيدة والمتكلمين من جانب، وعلماء أصول الفقه من جانب آخر. =","vol":"1","page":484},{"text":"فإذا قال قائل: إن اسم الإيمان إنما يتناول مجرد (١) ما هو تصديق،\n_________\n= يقول أبو الخطاب الكلوذاني في كتابه التمهيد في أصول الفقه (٢/ ٢٥٢): \"الأسماء المنقولة من اللغة إلى الشرع حقيقة في مسمياتها مثل الصلاة والزكاة والصيام والحج، فيكون حد الاسم الشرعي ما استفيد بالشرع وضعه للمعنى سواء عرفه أهل اللغة أو لم يعرفوه، فإذا أطلق الشرع الأمر بالصلاة أو الزكاة أو الصوم أو الحج حمل على الشرعية، وبه قال عامة المعتزلة، وأصحاب أبي حنيفة.\nوقالت الأشعرية: لم ينقل شيء من الأسماء في اللغة إلى الشرع، ولا يجوز ذلك، بل الاسم باق على ما كان عليه في اللغة، وضم الشرع إليه أفعالًا، فالصلاة اسم الدعاء، وضم الشرع إليها ركوعًا وسجودًا وقيامًا وجلوسًا وذكرًا. . . \" ثم شرع في الرد عليهم.\nويقتضي على مذهب هؤلاء أن الركوع والسجود وبقية أجزاء الصلاة ليست منها حقمة، وإنما مجازًا، وكذلك فعلوا في الإيمان. مجموع الفتاوى (٧/ ٢٨٩).\nوهذه المسألة طرقها علماء الأصول، وقد ذكرنا بعض من تكلم فيها كأبي يعلى وإمام الحرمين وأبي الخطاب والطوفي، وانظر كذلك: شرح الكوكب المنير لابن النجار (٤٧)، روضة الناظر (١٣٥) حيث نصر مؤلفه العلامة ابن قدامة المقدسي ﵀ القول الأول، وضعف القول الثاني الذي هو قول الباقلاني وأبي يعلى، وانظر: إرشاد الفحول للشوكاني (٢١)، ونزهة الخاطر للشيخ عبد القادر بن بدران (٢/ ١٠)، وذكر أن القول الأول هو مذهب الجمهور.\nوالمؤلف ﵀ بحث المسألة في الإيمان الكبير، مجموع الفتوى (٧/ ٢٩٨ - ٣٠٢)، وحكى فيها ثلاثة أقوال: (الأول): أنها منقولة من اللغة إلى الشرع، و(الثاني) أنها باقية في الشرع على ما كانت عليه في اللغة، و(الثالث) أنه حقيقة في الشرع مجاز في اللغة، ثم قال: \"والتحقيق أن الشارع لم ينقلها ولم يغيرها، ولكن استعملها مقيدة لا مطلقة، كما يستعمل نظائرها. . . \" (٧/ ٢٩٨)، وقال: \"وقد بين الرسول - ﷺ - تلك الخصائص، والاسم دل عليها، فلا يقال: إنها منقولة، ولا أنه زيد في الحكم دون الاسم، بل الاسم إنما استعمل على وجه يختص بمراد الشارع، لم يستعمل مطلقًا، وهو إنما قال: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ بعد أن عرفهم الصلاة المأمور بها، فكان التعريف منصرفًا إلى الصلاة التي يعرفونها، لم يرد لفظ الصلاة وهم لا يعرفون معناه. . \" (٧/ ٣٠٠).\nويقول أيضًا: \"وكذلك الإيمان والإسلام وقد كان معنى ذلك عندهم من أظهر الأمور، وإنما سأل جبريل النبي - ﷺ - عن ذلك وهم يسمعون، وقال: هذا جبريل جاءكم يعلمكم دينكم، ليبين لهم كمال هذه الأسماء وحقائقها التي ينبغى أن تقصد لئلا يقصروا على أدنى مسمياتها. . . \" (٧/ ٣٠١).\n(١) في (م): \"مجردًا\".","vol":"1","page":485},{"text":"وإما كونه تصديقًا بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله، وكون ذلك مستلزمًا لحب الله ورسوله ونحو ذلك هو شرط في الحكم لا داخل في الاسم، إن لم يكن أضعف من ذلك القول فليس بدونه (١) في الضعف.\nفكذلك من قال: الأعمال الظاهرة لوزام للباطن، لا تدخل في الاسم عند الإطلاق، يشبه قوله قول هؤلاء.\nوالشارع إذا قرن بالإيمان العمل فكما يقرن بالحج ما هو من تمامه كما إذا قال: من حج البيت وطاف وسعى [و] (٢) وقف بعرفة ورمى الجمار، ومن صلى فقرأ وركع وسجد، كما قال: \"من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا. . . \" (٣)، ومعلوم أنه لا يكون (٤) صومًا شرعيًا إن لم يكن إيمانًا واحتسابًا.\n[و] (٥) قال: \"من حج هذا البيت، فلم يرفث ولم يفسق رجع من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" (٦)، ومعلوم أن الرفث (٧) الذي هو الجماع يفسد الحج، والفسوق ينقص ثوابه، وكما قال: \"من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا\" (٨)، فلا يكون مصليًا إن لم يستقبل قبلتنا في الصلاة.\n_________\n(١) في (ط): \"دونه\".\n(٢) الواو ليست في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٤) في (ط): \"لم يكن\".\n(٥) الواو ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٦) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٧) الرفث هو الجماع، الفحش من القول، وكلام النساء في الجماع، الصحاح (١/ ٢٨٢)، القاموس المحيط (٢١٨).\n(٨) رواه البخاري برقم (٣٩١) كتاب الصلاة باب، والنسائي برقم (٤٩٩٧) كتاب الإيمان وشرائعه، وتمامه: (. . . فذلك المسلم الذي له ذمة الله وذمة رسوله، فلا تخفروا الله في ذمته)، وروى البخاري أيضًا برقم (٣٩٣) كتاب الصلاة باب من قال: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا واستقبلوا قبلتنا وذبحوا ذبيحتا فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله\" رواه أيضًا الترمذي برقم (٢٦٥٨) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٣٩٦٧) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٢٦٤١) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (١٢٦٤٣).","vol":"1","page":486},{"text":"وكما قال - ﷺ -: \"خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة، من حافظ عليهن كان له عهد عند الله أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له\" (١)، فذكر المحافظة (٢) عليها، ومعلوم أنه لا يكون مصليًا لها على الوجه المأمور إلا بالمحافظة عليها، ولكن بين أن الوعيد مشروط بذلك، ولهذا لم (٣)\n_________\n(١) رواه النسائي برقم (٤٦١) كتاب الصلاة، ورواه في السنن الكبرى (١/ ١٤٢)، وأبو داود برقم (١٤٢٠) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٤٠١) كتاب إقامة الصلاة، ومالك برقم (٢٧٠) كتاب النداء للصلاة، وأحمد برقم (٢٢٧٤٥)، والدارمي برقم (١٥٧٧) كتاب الصلاة، وابن حبان في صحيحه برقم (١٧٣٢) ٥/ ٢٣، وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: رجاله ثقات رجال الشيخين، والبيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٦٦)، وكلهم عن عبادة بن الصامت - ﵁ -، وصححه الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (٤٢٥) وغيره من كتبه الأخرى.\nوالحديث فيه المخدجي اختلف في اسمه، قيل: رفيع وقيل: أبو رفيع وهو الأشهر، وهو من بني كنانة، حيث جاء في بعض الروايات أن رجلًا من بني كنانة سأل عبادة بن الصامت عن رجل يدعى أبا محمد وزعم أن الوتر واجب، (تهذيب الكمال ٣٣/ ٣١٥) (تهذيب التهذيب ١٢/ ١٠٥، ٣٥٣)، والمخدجي هذا قال فيه الحافظ في (التقريب ص ٦٤٠): مقبول، وذكره ابن حبان في (الثقات ٥/ ٥٧٠)، وقال الذهبي في (الكاشف ٣/ ٢٩٥): وثق.\nوقد روى أبو داود برقم (٤٢٥) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٢١٩٦) عن عبد الله بن الصنابحي قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب، فقال عبادة بن الصامت: كذب أبو محمد، أشهد أن سمعت رسول الله - ﷺ - وذكر الحديث. . .، وعبد الله بن الصنابحي مختلف في صحبته، وهو على الراجح عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي ثقة من كبار التابعين، (تهذيب التهذيب ٦/ ٨٣، ٢٠٨)، فالحديث صحيح إن شاء الله، ولا تضره جهالة المخدجي عند بعضهم، حيث ذكرنا من وثقه، بالإضافة إلى طريق الصنابحي، والمصنف يفهم من سوقه له أنه يصححه، وقد صححه الحافظان النووي وابن عبد البر كما ذكر الشيخ الألباني (مشكاة المصابيح ١/ ١٨٠)، وذكر الحافظ ابن حجر أن هذا الحديث من أقوى ما استدل به على عدم كفر تارك الصلاة (الفتح ١٢/ ٢٠٤)، وليس فيه حجة في الواقع، وسوف يناقش المصنف هذه القضية لاحقًا إن شاء الله.\n(٢) في (ط): \"المحافظ\".\n(٣) في (ط): \"لا\".","vol":"1","page":487},{"text":"يلزم من عدم المحافظة عليها أنه (١) لا يصليها، بل قد يصليها (٢) بعد الوقت، فلا يكون محافظًا عليها، إذ المحافظة تستلزم فعلها في الوقت (٣).\nكما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨] نزلت لما أخرت العصر عام الخندق قال النبي - ﷺ -: \"ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارًا، كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس\" (٤).\nوبهذا يظهر أن الاحتجاج بذلك (٥) على أن تارك الصلاة لا يكفر حجة ضعيفة، لكنه يدل على أن تارك المحافظة عليها (٦) لا يكفر، فإذا صلاها بعد الوقت لم يكفر (٧).\nولهذا جاءت في الأمراء الذين يؤخرون الصلاة عن وقتها قيل له (٨): يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: (لا ما صلوا) (٩).\nوكذلك لما سئل ابن مسعود عن قوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ [مريم: ٥٩]\n_________\n(١) في (ط): \"أن\".\n(٢) عبارة \"بل قد يصليها\" ليست في (ط).\n(٣) عبارة \"في الوقت\" ليست في (ط).\n(٤) رواه البخاري برقم (٤٥٣٣) كتاب التفسير باب ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾، ورواه مسلم برقم (٦٢٨) ١/ ٤٣٦ كتاب المساجد باب الدليل لمن قال الصلاة الوسطى هي صلاة العصر، والترمذي برقم (١٨١) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٦٨٦) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٣٧٠٨)، وانظر: الجامع لأحكام القرآن (٢/ ١٩٤)، تفسير ابن كثير (١/ ١٢٢)، فتح القدير (١/ ٢٥٦).\n(٥) أي بالحديث السابق.\n(٦) كلمة \"عليها\" ليست في (م) و(ط).\n(٧) المؤلف ﵀ في موضع آخر حمل هذا الحديث على كثير من الناس، من الذين يصلون تارة ويتركون تارة وقال عنهم: \"وهؤلاء تحت الوعيد، وهم الذين جاء فيهم الحديث الذي في السنن حديث عبادة عن النبي - ﷺ - أنه قال: خمس صلوات كتبهن الله على العباد. . . \" مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٩).\n(٨) كلمة (له) ليست في (ط).\n(٩) الحديث في صحيح مسلم، وسيأتي الكلام عنه مستوفى إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":488},{"text":"قال: هو تأخيرها عن وقتها، فقيل له: كنا نظن ذلك تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا (١).\nوالمقصود أنه يدخل في الاسم المطلق أمور كثيرة وإن كانت تخص بالذكر، وقيل لمن قال دخول الأعمال الظاهرة في اسم الإيمان مجاز: نزاعك لفظي، فإنك إذا سلمت أن هذه لوازم الإيمان الواجب الذي في القلب وموجباته، كان عدم اللازم موجبًا لعدم الملزوم، فيلزم من عدم هذا الظاهر عدم الباطن، فإذا اعترفت بهذا كان النزاع لفظيًا.\nوإن قلت: ما هو حقيقة قول جهم وأتباعه من أنه قد (٢) يستقر الإيمان التام الواجب في القلب مع إظهار ما هو كفر، وترك جميع الواجبات الظاهرة.\nقيل لك: فهذا يناقض قولك إن الظاهر لازم له، وموجب له، بل (٣) حقيقة قولك: إن الظاهر يقارن الباطن تارة ويفارقه أخرى، فليس بلازم له ولا موجب ومعلول له، ولكنه دليل إذا وجد دل على وجوب (٤) الباطن،\n_________\n(١) رواه عبد الله بن أحمد في كتاب السنة برقم (٧٧١) ١/ ٣٥٩، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ١٩٠)، وقال محققه: \"قال في المجمع (١٠/ ١٩٨): والقاسم لم يسمع من ابن مسعود\" وقال الحافظ ابن كثير ﵀: \"وقال وكيع عن المسعودي عن القاسم بن عبد الرحمن والحسن بن سعيد عن ابن مسعود أنه قيل له: إن الله يكثر ذكر الصلاة في القرآن ﴿الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ و﴿عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ فقال ابن مسعود: على مراقيتها، قالوا: ما كنا نرى ذلك إلا على الترك، قال: ذلك الكفر\" تفسير القرآن العظيم (٣/ ١٢٨)، وقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الآية، فذهب بعضهم أن المراد بإضاعة الصلاة هنا: تركها بالكلية، وذهب غيرهم وهو الصحيح -وهو ما ذهب إليه المؤلف-: إلى أن المقصود بإضاعتها، تأخيرها عن وقتها. تفسير ابن جرير (١٦/ ٩٨)، معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (٤/ ٣٤٠)، أحكام القرآن للقرطبي (١١/ ٤٦)، دقائق التفسير لشيخ الإسلام ابن تيمية (٤/ ٣٣٨) جمع د. محمد السيد الجليند، تفسير ابن كثير (٣/ ١٢٨)، تفسير أبي السعود (٥/ ٢٧٢)، فتح القدير (٣/ ٣٤٠)، أضواء البيان (٤/ ٣٣٢).\n(٢) كلمة \"قد\" ليست في (ط).\n(٣) في (ط): \"بل قيل\"، وأظن كلمة قيل مقحمة، والله أعلم.\n(٤) في (م) و(ط): \"وجود\"، وهي أيضًا ملائمة للسياق.","vol":"1","page":489},{"text":"وإذا عدم لم يدل عدمه على العدم، وهذا حقيقة قولك، وهو أيضًا خطأ عقلًا، كما هو خطأ شرعًا، وذلك أن هذا ليس بدليل قاطع، إذ هذا يظهر من المنافق [فإنه يبقى] (١) دليلًا في بعض الأمور المتعلقة بدار الدنيا، كدلالة اللفظ على المعنى، وهذا حقيقة قولك.\nفيقال لك: فلا يكون ما يظهر من الأعمال لا (٢) ثمرة للإيمان الباطن، ولا موجبًا له، ولا (٣) من مقتضاه، وذلك أن المقتضي لهذا الظاهر إن كان هو نفس الإيمان الباطن لم يتوقف وجوده على غيره، فإن ما كان [معلولًا] (٤) للشيء وموجبًا له لا يتوقف على غيره، بل يلزم من وجوده وجوده، فلو كان الظاهر موجب الإيمان الباطن لوجب أن لا يتوقف على غيره، بل إذا وجد الموجَب وجد الموجِب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-201>[مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله]</span>\nوأما إذا وجد معه تارة، وعدم أخرى، أمكن أن يكون من موجب ذلك الغير، وأمكن أن يكون موقوفًا عليهما جميعًا، فإن ذلك الغير إما مستقل بالإيمان، أو مشارك للإيمان، وأحسن أحواله أن يكون الظاهر موقوفًا عليهما معًا: على ذلك الغير، وعلى الإيمان، بل قد علم أنه يوجد بدون الإيمان، كما في أعمال المنافق، فحينئذٍ لا يكون العمل الظاهر مستلزمًا للإيمان، ولا لازمًا له، بل يوجد معه تارة، ومع نقيضه تارة، ولا يكون الإيمان علة له، ولا موجبًا، ولا مقتضًا، فيبطل حينئذٍ أن يكون دليلًا عليه، لأن الدليل لا بد أن يستلزم المدلول، وهذا هو الحق فإن مجرد التكلم بالشهادتين ليس مستلزمًا للإيمان النافع عند الله. ولهذا قال النبي - ﷺ - لسعد لما قال له: هو مؤمن، قال: أو مسلم! (٥).\nوقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ\n_________\n(١) في نسخة الأصل: \"فإنما ينبغي\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٢) كلمة \"لا\" ليست في (ط).\n(٣) كلمة \"لا\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) في نسخة الأصل و(م): معلومًا، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب.\n(٥) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.","vol":"1","page":490},{"text":"اللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنَّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فدل ذلك على أن مجرد إظهار الإسلام لا يكون دليلًا على الإيمان في الباطن، إذ لو كان كذلك لم تحتج المهاجرات اللاتي جئن مسلمات إلى الامتحان، ودل ذلك على أنه بالامتحان والاختبار يتبين باطن الإنسان، فيعلم أهو مؤمن أم ليس بمؤمن.\nكما في الحديث المرفوع: \"إذا رأيتم الرجل يعتاد المساجد فاشهدوا له بالإيمان\".\nفإن الله يقول: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨] (١).\nفإن قيل (٢): الأعمال الظاهرة تكون من موجب الإيمان تارة، ومن موجب غيره أخرى، كالتكلم بالشهادين: تارة يكون من موجب إيمان القلب، وتارة يكون للتقية (٣) كإيمان المنافقين.\nقال تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (٣٠٩٣) كتاب الإيمان، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه برقم (٨٠٢) كتاب المساجد والجماعات، والدارمي برقم (١٢٣٣) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (١١٦٦٩)، وابن خزيمة في صحيحه برقم (١٥٠٢) ١/ ٣٣٢ وقال محققه د. محمد الأعظمي: إسناده صحيح، وابن حبان في صحيحه برقم (١٧٢١) وقال محققه الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده ضعيف، والحاكم في المستدرك (١/ ٢١٢)، وتعقبه الذهبي بقوله: دراج صاحب مناكير، وذكره الشيخ الألباني في كتابه \"ضعيف سنن الترمذي\" برقم (٤٩٠)، وفي ضعيف ابن ماجه برقم (٨٠٢)، والحديث علته درَّاج أبو السمح ضعفه الأئمة، وعدوه من أصحاب المناكير، وخالف ابن معين فوثقه، وأما أبو داود فقال: إن حديثه عن غير أبي الهيثم مستقيم، والحديث هنا من روايته عن أبي الهيثم، الجرح والتعديل (٣/ ٤٤١)، الكامل في الضعفاء لابن عدي (٣/ ١١٢)، الضعفاء للعقيلي (٢/ ٤٣)، تهذيب الكمال (٨/ ٤٧٧)، تهذيب التهذيب (٣/ ١٨٠)، تحرير تقريب التهذيب (١/ ٣٨٠).\n(٢) في (ط): \"فإذا\".\n(٣) في (م): \"للبقية\"، وهو خطأ، وفي (ط): \"تقية\".","vol":"1","page":491},{"text":"بِمُؤْمِنِينَ﴾ [البقرة: ٨]، ونحن إذا قلنا هو (١) من ثمرة الإيمان إذا كانت صادرة عن إيمان القلب لا عن نفاق، قيل: فإذا كانت صادرة عن إيمان، إما أن يكون نفس الإيمان موجبًا لها، واما أن يقف (٢) على أمر آخر، فإن (٣) كان نفس [الإيمان] (٤) موجبًا لها ثبت أنها لازمة لإيمان القلب معلولة له (٥) لا تنفك عنه، وهذا المطلوب، وإن توقفت (٦) على أمر آخر كان الإيمان جزءًا لسبب (٧) جعلها ثمرة للجزء الآخر ومعلولة له، إذ حقيقة الأمر أنها معلولة لهما وثمرة لهما.\nفتبين أن الأعمال الظاهرة الصالحة لا تكون ثمرة للإيمان الباطن ومعلولة له، إلا إذا كان [موجبًا] (٨) لها ومقتضيًا لها، وحينئذٍ فالموجَب لازم لموجِبِه، والمعلول لازم لعلته، وإذا [نقصت] (٩) الأعمال الظاهرة الواجبة كان ذلك لنقص ما في القلب من الإيمان، فلا يتصور مع كمال الإيمان الواجب الذي في القلب أن تعدم الأعمال الواجبة الظاهرة (١٠)، بل يلزم من وجود هذا كاملًا، وجود هذا كاملًا، كما يلزم من نقص هذا نقص هذا و(١١) تقدير إيمان تام في القلب بلا ظاهر من قول وعمل، كتقدير موجِب تام بلا موجه، وعلة تامة بلا محلولها، وهذا ممتنع (١٢).\n_________\n(١) في (ط): \"هي\"، والضمير أعلاه يعود على التكلم بالشهادتين.\n(٢) في (م) و(ط). \"تقف\".\n(٣) في (ط): \"فإذا\".\n(٤) في نسخة الأصل و(م): \"إيمان\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٥) كلمة \"له\" ليست في (ط).\n(٦) في (م): \"توقف\".\n(٧) في (ط): \"جزء السبب\".\n(٨) في نسخة الأصل: \"موجب\"، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٩) في نسخة الأصل: \"نقضت\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أكثر اتفاقًا مع السياق.\n(١٠) في (م) و(ط): \"الظاهرة الواجبة\".\n(١١) في (ط): إذ بدلًا من الواو.\n(١٢) وخلاصة ما تقدم: أن الأعمال الظاهرة من لوزام الإيمان الباطن، فمتى وُجد الإيمان الباطن وجدت الأعمال الظاهرة بحسبه، ولا يلزم من وجود الأعمال الظاهرة وجود الإيمان الباطن، كما في أعمال المنافق، ولا يتصور أصلًا أن هناك إيمان في الباطن، ولا يظهر على البدن شيء من الأعمال الظاهرة، إلا عند الجهمية ومن اتبعهم.","vol":"1","page":492},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-202>[امتناع وجود الإيمان التام في القلب بلا ظاهر]</span>\n[و] (١) بهذا وغيره تبين (٢) فساد قول جهم والصالحي ومن اتبعهما في الإيمان كالأشعري في أشهر قوليه وأكثر أصحابه وطائفة من متأخري أصحاب أبي حنيفة كالماتريدي (٣) ونحوه، حيت جعلوه مجرد تصديق في القلب تساوى (٤) فيه العباد، وأنه إما أن بعدم، وإما أن يوجد لا يتبعض، وأنه يمكن وجود الإيمان تامًا في القلب مع وجود التكلم بالكفر والسب لله ورسوله طوعًا من غير إكراه، وأن ما علم من الأقوال الظاهرة أن صاحبه كافر، فلأن ذلك مستلزم عدم ذلك التصديق الذي في القلب (٥)، وأن الأعمال الصالحة الظاهرة ليست لازمة للإيمان الباطن (٦) في القلب، بل يوجد إيمان القلب تامًا بدونها، فإن هذا القول فيه خطأ من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-203>[أخطاء الجهمية والمرجئة في الإيمان]</span>\n(أحدها): أنهم أخرجوا ما في القلب (٧) من حب الله وخشيته ونحو ذلك أن يكون من نفس الإيمان.\n(وثانيها): جعلوا ما علم أن صاحبه كافر -مثل إبيس وفرعون واليهود وأبي طالب و[غيرهم] (٨) - أنه إنما كان كافرًا لأن ذلك مستلزم لعدم تصديقه في الباطن، وهذا مكابرة للعقل والحس، ولذلك جعلوا من يبغض الرسول ويحسده لكراهة دينه [مستلزمًا] (٩) لعدم العلم بأنه صادق ونحو ذلك.\n_________\n(١) الواو ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"يتبين\".\n(٣) سبق الحديث عن مذاهب هؤلاء والتعريف بهم.\n(٤) في (ط): \"يتساوى\".\n(٥) بعد كلمة القلب، وردت كلمة الأفعال في نسخة الأصل و(م)، وفي (ط): في الأفعال، وكتب في الهامش: بياض في الأصل، وقد رأيت حذف هذه الكلمة، لأن المعنى مكتمل بغيرها، ووجودها في متن العبارة مشْكِل، وقد تكون العبارة هكذا: فكذلك الأفعال، لأن المؤلف رحمه الله تعالى قدم الحديث عن الأقوال الظاهرة التي يعلم بكفر صاحبها، وأن التلفظ بها مستلزم لعدم إيمان القلب، فكذلك الأفعال، والله أعلم بالصواب.\n(٦) في (ط): كلمة \"الذى\" بعد كلمة الباطن.\n(٧) في (ط): \"القلوب\".\n(٨) فى نسخة الأصل: غيره، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٩) في نسخة الأصل و(م): مستلزم، وهو خطأ، وأثبتنا ما في (ط).","vol":"1","page":493},{"text":"(وثالثها): أنهم جعلوا ما يوجد من التكلم بالكفر من سب الله ورسوله والتثليث وغير ذلك، قد يكون مجامعًا لحقيقة الإيمان الذي في القلب، ويكون صاحبه ذلك مؤمنًا عند الله حقيقة، سعيدًا في الدار الآخرة، وهذا مما (١) يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام.\n(ورابعها): أنهم جعلوا من لم (٢) يتكلم بالإيمان قط مع قدرته على ذلك، ولا أطاع الله طاعة ظاهرة مع وجوب ذلك عليه وقدرته عليه (٣) قد (٤) يكون مؤمنًا بالله تام الإيمان، سعيدًا في الدار الآخرة، وهذه الفضائح تختص (٥) بها الجهمية دون المرجئة من الفقهاء وغيرهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-204>[قولهم بتساوي إيمان الأنبياء مع الفساق]</span>\n(وخامسها): وهو يلزمهم ويلزم المرجئة أنهم قالوا: إن العبد قد يكون مؤمنًا تام الإيمان، إيمانه مثل [إيمان] (٦) الأنبياء والصديقين و[لو] (٧) لم يعمل خيرًا [لا صلاة] (٨) ولا صلة ولا صدق حديث، ولم يدع كبيرة إلا ركبها، فيكون الرجل عندهم، إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان، وهو مصر على دوام الكذب والخيانة ونقض العهود، لا سجد (٩) لله سجدة، ولا يحسن إلى أحد حسنة، ولا يؤدي أمانة، ولا يدع ما يقدر عليه من كذب وظلم وفاحشة إلا فعلها، وهو مع ذلك مؤمن تام الإيمان، إيمانه مثل إيمان الأنبياء، وهذا يلزم كل من لم يقل إن الأعمال الظاهرة من لوازم الإيمان الباطن، فإذا قال: إنها من لوازمه، وأن إيمان الباطن (١٠) يستلزم عملًا صالحًا ظاهرًا، كان بعد ذلك قوله: إن تلك الأعمال لازمة لمسمى الإيمان، أو جزءًا مه نزاعًا لفظيًا كما تقدم.\n(وسادسها): أنه يلزمهم أن من سجد للصليب والأوثان طوعًا، وألقى\n_________\n(١) كلمة \"مما\" ليست في (ط).\n(٢) في (ط): \"لا\".\n(٣) كلمة \"عليه\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) كلمة \"قد\" ليست في (ط).\n(٥) في (م): \"يختص\".\n(٦) ما بين المعكوفتين مضاف من (ط).\n(٧) ما بين المعكوفتين مضاف من (ط).\n(٨) ما بين المعكوفتين مضاف من (م) و(ط).\n(٩) في (م) و(ط): \"يسجد\".\n(١٠) في (ط): \"الإيمان الباطن\".","vol":"1","page":494},{"text":"المصحف في الحش عمدًا، وقتل النفس بغير حق، وقتل كل (١) من رآه يصلي، وسفك دم كل من رآه يحج البيت، وفعل ما فعلته القرامطة بالمسلمين (٢)، يجوز أن يكون مع ذلك مؤمنًا وليًا لله، إيمانه كإيمان النبيين والصديقين.\nلأن الإيمان الباطن إما أن يكون منافيًا لهذه الأمور، وإما أن لا يكون منافيًا.\nفإن لم يكن منافيًا لها (٣) أمكن وجودها معه، فلا يكون وجودها دالًا على (٤) عدم الإيمان الباطن.\nوإن كان منافيًا للإيمان الباطن كان ترك هذه من موجب الإيمان ومقتضاه ولازمه، فلا يكون مؤمنًا في الباطن الإيمان الواجب إلا من ترك هذه الأمور، فمن لم يترك (٥) دل ذلك على فساد إيمانه الباطن.\nلماذا كانت الأعمال والتروك الظاهرة لازمة للإيمان الباطن كانت من موجبه ومقتضاه، وكان من المعلوم أنها تقوى بقوته، وتضعف بضعفه (٦)، وتزيد بزيادته، وتنقص بنقصانه، فإن الشيء المعلول لا يزيد إلا بزيادة موجبه ومقتضيه، ولا ينقص إلا بنقصان ذلك، فإذا جعل العمل الظاهر\n_________\n(١) كلمة \"كل\" ليست في (م).\n(٢) يشير المؤلف ﵀ إلى بلوغ فتنة القرامطة غايتها باجتياحهم مكة المكرمة، ودخولهم المسجد الحرام، وقتلهم للطائفين والركع السجود، وذبحهم الحجيج، وردمهم بئر زمزم بالجثث، وقلعهم الحجر الأسود وأخذه إلى ديارهم، حيث ظل عندهم قرابة سبعة وعشرين عامًا، وقد كان ذلك سنة ٣١٧ هـ، ولمزيد من الاطلاع على أخبارهم، انظر: الكامل لابن الأثير (٦/ ٢٠٤)، وفيات الأعيان (٣/ ٤٥٩)، البداية والنهاية (١١/ ١٧٠)، شذرات الذهب (٤/ ٨١).\n(٣) كلمة \"لها\" ليست في (ط).\n(٤) في (ط): بدلًا من قوله: \"دالًا على\"، قوله: \"إلا مع\".\n(٥) في (ط): \"يتركها\".\n(٦) عبارة \"وتضعف بضعفه\" ليست في (ط)، وفي (م): كلمة \"وتضعف\" دون كلمة \"بضعفه\".","vol":"1","page":495},{"text":"موجب الباطن ومقتضاه لزم أن يكون (١) زيادته لزيادة الباطن، فيكون دليلًا على زيادة الإيمان الباطن ونقصه (٢)، ولنقص الباطن، فيكون نقصه دليلًا على نقص الباطن، وهو المطلوب.\nوهذه الأمور كلها إذا تدبرها المؤمن بعقله، تبين له أن مذهب السلف هو المذهب الحق الذي لا عدول عنه، وأن من خالفهم لزمه فساد معلوم بصريح المعقول، وصحيح المنقول كسائر ما يلزم الأقوال المخالفة لأقوال السلف والأئمة والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-205>[فصل] [مشابهة الجهمية للفلاسفة معنى السعادة عند الفلاسفة]</span>\nوقول جهم ومن وافقه أن الإيمان مجرد العلم والتصديق، وهو بذلك وحده مستحق (٣) الثواب والسعادة، يشبه قول من قال من الفلاسفة المشائين وأتباعهم (٤): إن سعادة الإنسان في مجرد أن يعلم الوجود على ما هو عليه (٥)، كما أن قول الجهمية وهؤلاء الفلاسفة في مسائل \"الأسماء والصفات\" و\"مسائل الجبر والقدر\" متقاربان، وكذلك في مسائل الإيمان، وقد بسطنا الكلام على ذلك وبينا بعض ما فيه من الفساد في غير هذا الموضع (٦)، مثل أن العلم هو أحد قوتي النفس، فإن النفس لها قوتان:\n_________\n(١) في (ط): \"تكون\".\n(٢) كلمة \"نقصه\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) في (ط): \"يستحق\".\n(٤) يقصد المؤلف بالفلاسفة المشائين أرسطو وأتباعه، وسموا بالمشائين لأن أرسطو كان من عادته أن يلقي الدروس على تلاميذه وهو يتمشى، وهم يمشون خلفه، وأراد باتباعهم الذين اتبعوهم من الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام كالفارابي وابن سينا، مجموع الفتاوى (٥/ ٩)، تاريخ الفلسفة اليونانية لأحمد أمين (١١٣).\n(٥) أحوال النفس لابن سينا (١١٣)، الشفا لابن سينا (٢/ ٤٢٥)، النجاة لابن سينا (٢٩٣).\n(٦) انظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (٢/ ٩٥)، وكتاب الرد على المنطقيين (١٤٥)، ويذهب شيخ الإسلام في موضع آخر في درء التعارض (٣/ ٢٧٤) إلى أن ضلال هؤلاء جاء من وجوه: منها ظنهم أن الكمال في مجرد الحلم، والثاني: ظنهم أن ما حصل لهم علم، والثالث: ظنهم أن ذلك العلم هو الذي يكمل النفس، ويقول بعد ذلك: \"وكل من هذه المقدمات كاذبة\" ثم شرع يفندها وجهًا بعد آخر.","vol":"1","page":496},{"text":"قوة العلم والتصديق، وقوة الإرادة والعمل، كما أن الحيوان له قوتان: قوة الحس وقوة الحركة بالإرادة (١).\nوليس صلاح الإنسان ونفسه (٢) في مجرد أن يعلم الحق دون أن لا يحبه ويريده ويتبعه.\nكما أنه ليست (٣) سعادته في أن يكون عالمًا بالله مقرًا بما يستحقه، دون أن يكون محبًا لله عابدًا لله مطيعًا لله، بل أشد الناس عذابًا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه (٤)، فإذا علم الإنسان الحق وأبغضه وعاداه كان مستحقًا من غضب الله وعقابه ما لا يستحقه من ليس كذلك، كما أن من كان قاصدًا للحق طالبًا له -وهو جاهل بالمطلوب وطريقه- كان فيه من الضلال، وكان متحقًا من اللعنة- التي هي البعد عن رحمة الله (٥) - ما لا يستحقه من ليس مثله.\n_________\n(١) مقاصد الفلاسفة للغزالي (٣٤٧)، (٢٥٩) تحقيق د. سليمان دنيا، الملل والنحل (٢/ ٥٦٢، ٥٦٥).\n(٢) كلمة \"ونفسه\" ليست في (ط).\n(٣) في (ط): \"ليس\".\n(٤) لعل المؤلف يريد الإشارة إلى ما جاء في الحديث الصحيح أن أول من يقضى فيهم يوم القيامة ثلاثة: رجل تعلم العلم وعلمه، وقرأ القرآن، فأتي به فعرفه نعمه فعرفها، قال: فما عملت فيها، قال: تعلمت العلم وعلمته، وقرأت فيك القرآن، قال: كذبت، ولكنك تعلمت العلم ليقال عالم، وقرأت القرآن ليقال قارئ، فقد قيل، ثم أمر به فسحب على وجهه حتى ألقي في النار، والحديث رواه مسلم رقم (١٩٠٥) ٢/ ١٥١٣ كتاب الإمارة باب من قاتل للرياء والسمعة استحق النار، والترمذي برقم (٢٣٨٢) كتاب الزهد، والنسائي برقم (٣١٣٧) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٨٠٨٧).\n(٥) أصل اللعن في اللغة: الطرد والإبعاد من الخير، الصحاح (٦/ ٢١٩٦)، القاموس المحيط (١٥٨٥)، وقال القرطبي في تفسيره (٢/ ٢٦): \"وأصل اللعن في كلام العرب الطرد والإبعاد، ويقال للذئب: لعين، وللرجل الطريد: لعين، وقال الشماخ:\nذعرت به القطا ونفيت عنه. . . مقام الذئب كالرجل اللعين\nووجه الكلام: مقام الذئب اللعين كالرجل، فالمعنى أبعدهم الله عن رحمته، وقيل: من توفيقه وهدايته، وقيل: من كل خير، وهذا عام\" وانظر أيضًا: تفسير ابن كثير (١/ ١٢٤)، تفسير الجلالين (١٩)، تفسير أبي السعود (١/ ١٢٨)، فتح القدير (١/ ١١١).","vol":"1","page":497},{"text":"ولهذا أمرنا الله تعالى أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ [الفاتحة: ٦، ٧]، والمغضوب عليهم علموا الحق فلم يحبوه ولم يتبعوه، والضالون قصدوا الحق لكن بجهل وضلال به وبطريقه، فهذا بمنزلة العالم الفاجر، وهذا بمنزلة العابد الجاهل، وهذا حال اليهود فإنهم (١) مغضوب عليهم، وهذا حال النصارى فإنهم ضالون (٢).\nكما ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-206>[فساد قول المتفلسفة]</span>\nوالمتفلسفة أسوأ حالًا من اليهود والنصارى، فإنهم جمعوا بين جهل هؤلاء وضلالهم، وبين فجور هؤلاء وظلمهم، فصار فيهم من الجهل والظلم ما ليس في اليهود ولا النصارى، حيث جعلوا السعادة في مجرد أن يعلموا الحقائق، حتى يصير الإنسان عالمًا معقولًا مطابقًا للعالم الموجود (٤).\nثم لم ينالوا من معرفة الله وأسمائه وصفاته وملائكته وكتبه ورسله وخلقه وأمره إلا شيئًا نزرًا (٥) قليلًا، فكان جهلهم أعظم من علمهم، وضلالهم أكبر من هداهم، وكانوا مترددين بين الجهل البسيط والجهل المركب (٦)، فإن كلامهم في الطبيعات والرياضات (٧) لا يفيد كمال النفس وصلاحها وزكاها (٨)، وإنما يحصل ذلك بالعلم الإلهي، [وكلامهم] (٩) فيه\n_________\n(١) في (ط): \"فإنه\".\n(٢) انظر: الجامع لأحكام القرآن (١/ ١٤٦)، تفسير ابن كثير (١/ ٢٩).\n(٣) حديث ثابت بمجموع طرقه، وقد تقدم تجريجه.\n(٤) النجاة لابن سينا (٣/ ٢٩٢).\n(٥) النزر هو: القليل التافه، الصحاح (٢/ ٨٢٦)، القاموس المحيط (٦١٩).\n(٦) الجهل البسيط هو عدم العلم، أو عدم معرفة الحق كجهل النصارى، والجهل المركب هو عدم اتباع العلم، ومعرفة الحق وعدم اتباعه كجهل اليهود. اقتضاء الصراط المستقيم (٧٧).\n(٧) في (ط): \"الرياضيات\".\n(٨) كلمة \"وزكاها\" ليست في (ط).\n(٩) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو (م) و(ط).","vol":"1","page":498},{"text":"لحم جمل غث (١) على رأس جبل وعر، لا سهل فيرتقى، ولا سمين فينتقل، فإن كلامهم في \"واجب الوجود\" ما بين حق قليل، وباطل فاسد كثير.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-207>[معنى الملائكة عند الفلاسفة]</span>\nوكذلك كلامهم (٢) في \"العقول\" و\"النفوس\" (٣) التي تزعم أتباعهم من أهل الملل أنها الملائكة التي أخبرت بها الرسل (٤)، وليس الأمر كذلك، بل زعمهم أن هؤلاء هم الملائكة من جنس زعمهم أن \"واجب الوجود\" هو الوجود المطلق بشرط الإطلاق، مع اعترافهم بأن المطلق بشرط الإطلاق لا يكون إلا في الأذهان (٥).\nوكذلك كلامهم في \"العقول\" و\"النفوس\" يعود على (٦) التحقيق إلى أمور مقدرة في الأذهان، لا حقيقة لها في الأعيان، ثم فيه من الشرك بالله، وإثبات رب مبدع لجميع العالم سواه -لكنه معلول له- وإثبات رب مبدع لكل ما تحت فلك القمر هو معلول لرب (٧) فوقه، و(٨) ذلك الرب معلول لرب فوقه ما هو أقبح من كلام النصارى في قولهم: إن المسيح ابن (٩) الله\n_________\n(١) الغث هو: المهزول، القاموس المحيط (٢٢١)، وقال في الصحاح: \"غثت الشاة هزلت فهي غثة، وغث اللحم. . فهو غث وعثيت إذا كان مهزولًا\" (١/ ٢٢٨).\n(٢) كلمة \"كلامهم\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) العقول والنفوس: من مصطلحات الفلاسفة الفاسدة، حيث يقسمون الموجودات إلى ما هي في محال كالأعراض والصور، وإلى ما ليست في محال، وهذه قسمان: إلى ما هي في محال لغيرها كالأجسام، وإلى ما ليست بمحال كالموجودات التي هي جواهر قائمة بنفسها، وهي تنقسم بدورها إلى ما يؤثر في الأجسام وتسمى نفوسًا، وإلى ما لا يؤثر في الأجسام بل في النفوس، وتسمى عقولًا مجردة. انظر: تهافت الفلاسفة للغزالي (١٤٤).\n(٤) يقول الغزالي في \"تهافت الفلاسفة\" (٢٩٢): \"وقد زعموا (أي الفلاسفة) أن الملائكة السماوية هي نفوس السماوات، وأن الملائكة الكروبيين المقربين هي العقول المجردة\".\n(٥) انظر: مقاصد الفلاسفة للغزالي (١٧٤)، الملل والنحل (٢/ ٤١٠).\n(٦) في (م) و(ط): \"عند\".\n(٧) في (ط): \"الرب\".\n(٨) الواو ليست في (ط).\n(٩) في (ط): \"بن الله\".","vol":"1","page":499},{"text":"بكثير كثير، كما بسط في غير هذا الموضع (١).\nوليس لمقدميهم كلام في \"النبوات\" البتة، ومتأخروهم حائرون فيها، فمنهم من يكذب بها، كما فعل ابن زكريا الرازي (٢) وأمثاله مع قولهم\n_________\n(١) هذه النظرية التي حكاها المصنف رحمه الله تعالى هي نظرية الفيض أو الصدور أو التولد أو الإبداع التي يقول بها ملاحدة المتفلسفة سواء منهم المتقدمون كأفلاطون وأرسطو أو المتأخرون، كالفارابي وابن سينا، وكذلك الإسماعيلية وإخوان الصفا، على اختلاف بينهم في تقريرها وإظهارها، وإن كانت النتيجة واحدة، وهي أن الله لم يخلق الخلق وليس له أسماء وصفات كما جاءت بذلك الشرائع السماوية، وأخبرت به الأنبياء، وقد يقولون: إن الله صانع العالم، وإن العالم صنعه، ومرادهم بذلك أنه صادر عنه، وفائض منه، كالمعلول من العلة، وهذا نفي لخلق الله العالم حقيقة -كما يقول الغزالي- وإنما صنعوا ذلك تلبيًا على المسلمين. تهافت الفلاسفة (١٣٤ - ١٣٨).\nويقول شيخ الإسلام في موضع آخر من مجموع الفتاوى (٣/ ٢٠٥) عن مذهب بعض هؤلاء الفلاسفة: \"إن الحاكم مفعول ومصنوع لشيء يسميه العقل الأول، فجعله هو رب الكائنات\" ومبدع الأرض والسماوات، ولكنه لازم للواجب بنفسه ومعلول له، وأنه يلزمه عقل ونفس وفلك، ثم يلزم ذلك العقل عقل ونفس وفلك، حتى ينتهي الأمر إلى العقل العاشر الذي أبدع بزعمه جميع ما تحت السماء. . . وهو الذي يفيض عنه العلم والنبوة والحكمة\" ومعنى ذلك كما ذكر شيخ الإسلام في موضع آخر: أنهم يجعلون لله أندادًا، بل يتخذونها آلهة وأربابًا من دون الله ﷿، ويجعلون هذه العقول هي المبدعة لما سواها. المصدر نفسه (٤/ ١٣٤)، ولمزيد من الاطلاع انظر: درء التعارض (٧/ ٣٦٨)، (٨/ ٢٦٧)، (٩/ ٣٣٩).\n(٢) هو أبو بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب الفيلسوف، من أئمة الأطباء، وكبار المصنفين في الطب، وذكر المصنف رحمه الله تعالى أنه مع إلحاده في الإلهيات والنبوات ونصرته القول بالقدماء الخمسة من أعلم الناس بالطب، حتى قيل له: جالينوس الإسلام\"، له مؤلفات أعظمها كتابه في الطب \"الحاوي\"، ولد ونشأ في الري، واشتغل في صباه بالغناء والموسيقى، ثم أقبل على الطب والفلسفة، قال عنه الحافظ الذهبي: \"بلغ الغاية في علوم الأوائل نسأل الله العافية\" له من المصنفات غير ما ذكرنا \"الطب الروحاني\" و\"إن للعبد خالقًا\" و\"المدخل إلى المنطق\" و\"هيئة العالم\"، وقد تولى رئاسة الأطباء في البيمارستان (المستشفى) المقتدري ببغداد، ومات فيها سنة ٣١١ هـ، وقيل سنة ٣١٣ هـ، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٧٢)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٣٥٤)، العبر (٢/ ١٥٠)، عيون الأنباء في طبقات الأطباء (٤١٥)، الوافي بالوفيات (٣/ ٧٥).","vol":"1","page":500},{"text":"بحدوث العالم، لكن (١) أثبتوا القدماء [الخمسة] (٢) (٣)، وأخذوا من المذاهب ما هو شرها وأفسدها، ومتهم من يصدق بها مع قوله بقدم العالم، كابن سينا (٤) وأمثاله، لكنهم يجعلون النبي بمنزلة ملك عادل،\n_________\n(١) كلمة \"لكن\" ليست في (ط).\n(٢) في نسخة الأصل: الجهمية، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) القدماء الخمسة كما ذكرها المصنف في موضع آخر هي: الرب، والنفس، والمادة، والدهر، والفضاء، وذكر رحمه الله تعالى أن هذا القول هو قول ديمقراطيس والحرانيين، مجموع الفتاوى (٦/ ٣٠٨)، منهاج السنة النبوية (٢/ ٥٧٢)، وذكرها ﵀ في موضع آخر بقوله: الواجب بنفسه، والمادة، والمدة، والنفس، والهيولي، منهاج السنة النبوة (١/ ٢٠٩)، ونلحظ أنه لا فرق بين الموضعين إلا في أمر واحد، حيث ذكر في الموضع الأول الفضاء، وذكر في الموضع الثاني الهيولي، وأما الرازي نفسه فالقدماء الخمسة عنده هي: الباري والنفى والهيولي والمكان والزمان، هو قريب مما ذكره شيخ الإسلام، رسائل فلسفية (١٩١) لأبي بكر الرازي.\nأما تكذيب الرازي الطبيب بالنبوات كما ذكر المصنف فهو أمر قد ذكر عنه، وإن حاول بعض المعاصرين أن ينفي تلك التهمة، ويرمي شيخ الإسلام بعدم التثبت، كما صنع الدكتور عبد اللطيف محمد العبد في كتابه \"دراسات في الفلسفة الإسلامية\" (٢٩١) ولم يكن صنيع المصنف بدعًا من القول، بل سبقه إلى ذلك ابن حزم في الفصل حيث ذكر أنه رد عليه في مصنف مفرد (١/ ١٠).\n(٤) وأبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا البلخي، الملقب بالشيخ الرئيس، صاحب التصانيف في الطب والفلسفة والمنطق، كان أبوه من دعاة الإسماعيلية، أما هو فقد كان رأس الفلاسفة المنتسبين إلى الإسلام، له من المصنفات أكثر من مئة، منها: \"القانون\" في الطب، و\"الشفاء\" في الحكمة، و\"أسرار الحكمة المشرقية، و\"الإشارات\" \"عنقاء مغرب\" وغيرها، وقد عده المصنف رحمه الله تعالى في مواضع كثيرة من ملاحدة الفلاسفة، وكفره الغزالي مع الفلاسفة القائلين بقدم العالم، وعدم علم الله بالجزئيات، وإنكارهم للمعاد الجثماني.\nقلت: وقد أولع به الغرب، وبالغوا في إطرائه -كما أطروا الفارابي وابن زكريا الرازي الطبيب والكندي وابن رشد وغيرهم ممن رمي في دينه واتهم في عقيدته- وكان إطراء الغرب لتراث هؤلاء جملة وتفصيلًا، سواء كان في الطب والعلوم أو في الفلسفة والضلالات؛ وكأنهم يريدون أن يوصلوا رسالة للمسلمين بطريق غير مباشر، بأن التقدم في العلوم التجريبية مرهون بالفلسفة التي غرق فيها هؤلاء المنتسبون إلى الإسلام، أو بمعنى آخر بتنحية الدين جانبًا، والخروج عن تعاليمه ومبادئه، فإن المستشرقين من الغربيين، وتلامذتهم من بني جلدتنا لم يسلطوا =","vol":"1","page":501},{"text":"ويجعلون (١) النبوة كلها من جنس ما يحصل لبعض الصالحين من الكشف والتأثير والتخييل (٢)، فيجعلون خاصة النبي ثلاثة أشياء:\nقوة الحدس الصائب التي يسمونها القوة القدسية.\nوقوة التأثير في العالم بنفسه (٣).\nوقوة الحس التي بها يسمع ويبصر المعقولات متخيلة في نفسه (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>[طلب بعض غلاة الصوفية النبوة، واعتقادهم أنها بالاكتساب]</span>\nفكلام الله عندهم هو ما في نفسه من الأصوات، وملائكته هي ما في أنفسهم من الصور والأنوار، وهذه الخصال تحصل لغالب أهل الرياضة والصفاء. فلهذا كانت النبوة عندهم مكتسبة (٥).\n_________\n= الأضواء إلا على مثل هؤلاء الذي طفحت مؤلفاتهم بالإلحاد، وفاحت منها رائحة الزندقة والفساد، وتناسوا -وجهلنا نحن- عشرات من علماء المسلمين الذي أثروا العلوم التجريبية، وقامت على مؤلفاتهم وجهودهم حضارة المسلمين التي استفاد منها الغرب في نهضته الحديثة، دون أن ينجرفوا مع الفلسفات الهدامة، أو يتخلوا عن تعاليم دينهم، ويتجاهلون عن عمد أن هؤلاء الفلاسفة إنما تعلموا العلوم التجريبية وبرعوا فيها تحت ظل الحضارة الإسلامية، ورعاية دولها، فالفضل لحضارتنا ودولنا لا لهم، فمتى يأتي اليوم الذي تبعث فيه أسماء هؤلاء الرجال الأفذاذ، ونسلط الأضواء على جهودهم ومنجزاتهم، وتعرف الأمة بعض من ساهم في بناء مجدها الغابر، وإن كانت هناك محاولات في هذا المجال، إلا أنها تبقى محدودة الأثر.\nتوفي ابن سينا سنة ٤٢٨ هـ بهمذان، تهافت الفلاسفة (٣٠٦)، الكامل في التاريخ (٩/ ٤٥٦)، وفيات الأعيان (٢/ ١٥٧)، الرد على المنطقيين (١٤٣)، ميزان الاعتدال (١/ ٥٣٩)، سير أعلام النبلاء (١٧/ ٥٣١)، البداية والنهاية (١٢/ ٤٢)، لسان الميزان (٢/ ٢٩١)، شذرات الذهب (٥/ ١٣٢).\n(١) في (ط): \"فيجعلون\".\n(٢) في (م) و(ط): \"التخيل\".\n(٣) كلمة \"بنفسه\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) الإشارات لابن سينا (٢/ ٣٦٨)، الشفاء لابن سينا (٢٤٢)، مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٦).\n(٥) ويقول كما في موضع آخر: \"يجعلون النبوة فيضًا من العقل الفعال على نفس النبي، ويجعلون ما يقع في نفسه من الصور هي ملائكة الله، وما يسمعه في نفسه من الأصوات هو كلام الله، ولهذا يجعلون النبوة مكتسبة، فإذا استعد الإنسان بالرياضة والتصفية فاض عليه ما فاض على نفوس الأنبياء\" مجموع الفتاوى (٥/ ٣٥٣)، ويقول في موضع آخر: (فيجعلون ما يراه الأنبياء من الملائكة ويسمعونه منهم إنما وجوده في أنفسهم لا في الخارج\" المصدر نفسه (٥/ ٣٥٦).","vol":"1","page":502},{"text":"وصار كل من سلك سبيلهم كالسهروردي المقتول (١)، وابن سبعين المغربي (٢) وأمثالهما يطلب النبوة، ويطمع أن يقال له: قم فأنذر، هذا يقول: لا أموت حتى يقال لي: ﴿قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ (٣)، وهذا يجاور بمكة\n_________\n(١) هو أبو الفتوح يحيى بن حبش بن أميرك شهاب الدين السهروردي نسبة إلى سهرورد من العراق العجمي (الكردي) نعته الحافظ الذهبي \"بالعلامة الفيلسوف السيماوي المنطقي، من كان يتوقد ذكاء، إلا أنه قليل الدين\"، كان مزدريًا للعلماء مستهزئًا رقيق الدين، حكم بكفره فقهاء حلب، وكتبوا بذلك كتابًا إلى السلطان العادل صلاح الدين الأيوبي رحمه الله تعالى، فأرسل إلى ولده الملك الظاهر غازي ملك حلب يأمره بقتله -وكان السهروردي قد لبس على الظاهر وحظي عنده بمكانة خاصة- فذكر أنه خيره بين أنواع القتل، فاختار أن يموت جوعًا، فمنع عنه الطعام حتى هلك، وقيل إنه مات مخنوقًا، والأول أشهر، من مؤلفاته \"التلويحات\" و\"اللمعة\" و\"هياكل النور\" و\"حكمة الإشراق\" وكلها في الفلسفة والضلالات، مات سنة ٥٨٧ هـ عن ستة وثلاثين عامًا وقول المصنف رحمه الله تعالى: السهروردي المقتول تفريق بينه وبين معاصره شهاب الدين السهروردي الصوفي الشافعي صاحب عوارف المعارف المتوفى سنة ٦٣٢ هـ -الآتية ترجمت-، وفيات الأعيان (٦/ ٢٦٨)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٢٠٧)، العبر (٤/ ٢٩٠)، النجوم الزاهرة (٦/ ١١٤)، شذرات الذهب (٦/ ٤٧٦).\n(٢) هو عبد الحق بن إبراهيم بن محمد بن نصر بن سبعين الإشبيلي المرسي، من أئمة الفلاسفة المتصوفين القائلين بوحدة الوجود، وكان يعرف السيميا (نوع من السحر) وكان يلبس بذلك على الأغبياء من الأمراء والأغنياء، أقام بمكة، وجاور في بعض الأوقات بغار حراء، يرتجي فيما ينقل عنه أن يأتيه وحي كما أتى النبي - ﷺ -، وذلك على ما كان يعتقده -قبحه الله- من العقيدة الفاسدة من أن النبوة مكتسبة، وأنها فيض على العقل إذا صفا، فما حصل له إلا الخزي في الدنيا والآخرة، أن كان مات على ذلك، له مؤلفات منها كتاب \"الهو\" وكتاب \"الحروف الوضعية في الصور الفلكية\"، مات بمكة سنة ٦٦٩ هـ، العبر (٥/ ٢٩١)، الوافي بالوفيات (١٨/ ٦٠)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٧٥)، نفح الطيب للمقري (٢/ ١٩٥).\n(٣) يذكر ابن العماد الأصفهاني في كتابه \"البستان الجامع لتواريخ الزمان\" أن الفقهاء في حلب ناظروا السهروردي حول إمكان الله خلق نبي جديد، وأنه قال بذلك، وأن هذا من أسباب قتله (٥٩٢) نقلًا عن الفلسفة الصوفية في الإسلام للدكتور عبد القادر محمود (٤٤٢)، ويوافق الدكتور محمد علي أبو ريان في كتابه \"أصول الحكمة الإشراقية\" (١٩) على ذلك، ولكنه يدافع عن السهروردي بأنه قال ذلك \"حفظًا للقدرة الإلهية من إلحاق النقص بها يقرر إمكان خلق نبي جديد\"، على أن ما نسبه المصنف رحمه الله تعالى إلى السهروردي من قوله: لا أموت حتى يقال =","vol":"1","page":503},{"text":"ويعمر (١) غار حراء، ويطلب أن ينزل عليه فيه الوحي كما نزل على المزمل المدثر مثله (٢)، وكل منهما ومن أمثالهما يسعى بأنواع من (٣) السيمياء (٤)\n_________\n= لي: قم فأنذر، لم أستطع الاطلاع عليه، غير أن السهروردي نفسه يذهب في كتابه \"حكمة الإشراق\" (٣٧١) إلى \"وجود قطب متوغل في التأله لا يخلو العالم منه، يكون خليفة الله في أرضه، ويتلقى عنه. . . \" ويقول في كتابه \"هياكل النور\" (٤٤): \"فإذا ما تجردنا عن الملذات الجسمية، تجلى لنا نور إلهي لا ينقطع مدده عنا. .. \" نقلًا عن الفلسفة الصوفية (٤٤٦)، وكل هذه النصوص تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك ما ذهب إليه شيخ الإسلام في هذا المقام وحكاه عن السهروردي المقتول، ويؤيده في ذلك الدكتور عبد القادر محمود في كتابه \"الفلسفة الصوفية في الإسلام\" (٤٤٢).\n(١) في (م) و(ط): \"ويعمد إلى\".\n(٢) في (ط): \"المزمل والمدثر\"، وقد نقل المؤرخون عن ابن سبعين أنه كان قد اختلى بنفسه في غار حراء -كما أوردنا في ترجمته- وقام برياضات نفسية شاقة حتى تصفو نفسه وينزل عليه الوحي بزعمه الباطل، ونقل عنه أيضًا قوله: \"لقد تحجر ابن آمنة واسعًا بقوله: لا نبي بعدي\" انظر: المصادر التي ذكرناها في ترجمته.\nوالمقصود بالمزمل والمدثر النبي - ﷺ - القائل حين نزل عليه الوحي وأخذته - ﷺبأبي وأمى هو- رعدة: زملوني دثروني كما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة - ﵂ -، رواه البخاري برقم (٤٩٥٧) كتاب التفسير، ومسلم برقم (٧٣) كتاب الإيمان، والمعنى ألبسوني وغطوني.\n(٣) كلمة \"من\" ليست في (ط).\n(٤) يقول صاحب كتاب \"كشف الظنون\" (٢/ ١٠٢٠): \"علم السيمياء يطلق هذا الاسم على ما هو غير الحقيقي من السحر، وهو المشهور، وحاصله إحداث مثالات خيالة في الجو لا وجود لها في الحس. . وحاصله أن يركب الساحر أشياء من الخواص أو الأذهان والمائعات أو كلمات خاصة توجب بعض تخيلات خاصة. . . وفي هذا الباب حكايات كثيرة عن ابن سينا والسهروردي المقتول\".\nوجاء أيضًا في الحاشية في نفس الصفحة عن لفظ السيمياء: \"لفظ عبراني معرب، أصله سيم يه أي اسم الله\".\nوانظر أيضًا: أبجد العلوم (٢/ ٣٣٢) لصديق حسن خان القنوجي.\nويرى د. محمد يحيى الهاشمي في كتابه \"الكيمياء في التفكير الإسلامي\" (٢١): أن السيميا تحتوي على كيفية تحويل المعادن وأكسير الحياة تلك المادة التي تطيل الحياة بزعمهم، وأن الكيمياء بمعنى السيميا تتمشى مع الأفلاطونية الحديثة جنبًا إلى جنب، ولها ناحيتان: ناحية تجريبية، وأخرى نظرية شديدة العلاقة بفكرة الوحي والإلهام، وهذا هو السر على ما يظهر بعلاقة السيمياء بالصوفية والتدين الشرقي، وكل من الصوفية والأفلاطونية يميل إلى الإلهام والباطن والفيض. وقد =","vol":"1","page":504},{"text":"التي هي من السحر، ويتوهم أن معجزات الأنبياء كانت من جنس سحر السيماوي (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-209>[ادعاء ابن عربي أن الولاية أعلى من النبوة]</span>\nومن لم يمكنه طلب النبوة وادعاؤها لعلمه بقول الصادق المصدوق: (لا نبي بعدي) (٢)، أو غير ذلك كابن عربي (٣) وأمثاله طلب ما هو أعلى من\n_________\n= يطلق بعضهم السيمياء على الكيمياء القديمة التي كانت تهدف إلى تحويل المعادن الرخيصة إلى ذهب \"نشأة العلوم الطبيعية عند المسلمين في العصر الأموي\" (٩٩).\nولذا فقد ارتبط هذا العلم بالسحر والشعوذة لدى شيوخ المتصوفة ملبسين على الناس، ومظهرين لهم أنهم أهل الكرامات والخوارق والحقائق، كما وقع للمصنف رحمه الله تعالى مع طائفة الرفاعية الأحمدية، ويسمون بالبطائحية، حين ناظرهم وتحداهم بأن يدخل معهم النار، ولكن بعد أن يغسلوا جسومهم بالخل، والماء الحار، وبين أنهم يطلون جسومهم بأدوية يصنعونها من دهن الضفادع وباطن قشر النارنج وحجر المطلق وغير ذلك من الحيل المعروفة لهم، مجموع الفتاوى (١١/ ٤٥٩)، وذكر رحمه الله تعالى أيضًا أن مخاريق هؤلاء المتصوفة نوعان: حيل طبيعية كالأدهان التي استخدمها البطائحية، وأحوال شيطانية تستخدم فيها الشياطين، المصدر نفسه (١١/ ٦١٠).\n(١) في (م): من جنس السيماوي، وفي (ط) \"من جنس السحر السيمائي\".\n(٢) حديث متفق على صحته، رواه البخاري برقم (٣٤٥٥) كتاب أحاديث الأنبياء باب ما ذكر عن بني إسرائيل، ومسلم برقم (١٨٤٢) ٣/ ١٤٧١ كتاب الإمارة باب وجوب الوفاء ببيعة الخلفاء الأول فالأول، والترمذي برقم (٢٢١٩) كتاب الفتن، وأبو داود برقم (٤٢٥٢) كتاب الفتن والملاحم، وابن ماجه برقم (١٢١) المقدمة، وأحمد برقم (١٥٣٥).\n(٣) هو أبو بكر محي الدين محمد بن علي بن محمد بن عربي الحاتمي الطائي الأندلسي الملقب عند المتصوفة بالشيخ الأكبر، من ملاحدة المتصوفة، وهو إمام القائلين بوحدة الوجود -عياذًا بالله من ذلك- طاف البلدان، وأقام بمكة مدة، وصنف فيها كتابه المسمى \"الفتوحات المكية\"، من أوسع مصادر المتصوفة على الإطلاق، وله كتاب \"الفصوص\" يقول الذهبي: \"فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر\"، ويقول ابن كثير عن كتاب الفصوص: \"فيه أشياء كثيرة ظاهرها كفر صريح\"، واختلف الناس فيه، فمن قائل إنه زنديق، وغال فيه يقول: هو صديق، وقال بعضهم: باعتقاد ولايته، وتحريم النظر في كتبه -وهو قول غريب- وما وثقه أو تولاه إلا كل صوفي أثيم، أو جاهل قد اغتر بكثرة الناعقين، ولابن عربي نحو أربعمائة كتاب، وله من المؤلفات غير ما ذكرنا، \"مفاتيح الغيب\" و\"روح القدس\" =","vol":"1","page":505},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-210>[خاتم الأولياء أعظم عند ابن عربي من خاتم الأنبياء]</span>\nالنبوة في زعمه (١)، فادعى أن الولاية أعظم من النبوة (٢)، وأن خاتم الأولياء أعظم من خاتم الأنبياء، وأن الولي يأخذ (٣) عن الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة الملك، وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة بأن الملائكة عندهم: ما يتصور في نفس النبي، أو الولي من الأشكال النورانية الخيالية (٤)، فالملائكة عندهم ما يتخيله في نفسه، والنبي عندهم يتلقى (٥) بواسطة هذا التخيل، والولي يتلقى المعارف العقلية بدون هذا التخيل، ولا ريب أن من تلقى المعارف بلا تخيل كان أكمل ممن يتلقاها بتخيل.\nفلما اعتقدوا في النبوة (٦) ما يعتقده هؤلاء المتفلسفة صاروا يقولون\n_________\n= و\"عتقاء مغرب\"، توفي بدمشق سنة ٦٣٨ هـ، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٤٨)، البداية والنهاية (١٣/ ١٦٧)، لسان الميزان (٥/ ٣١١)، شذرات الذهب (٧/ ٣٣٢).\n(١) كلمة \"في زعمه\" ليست في (م) و(ط)، وهو سقط خطير، قد يفهم منه أن المصنف ﵀ يؤيد غلاة المتصوفة فيما يذهبون إليه من تفضيلهم الولاية على النبوة.\n(٢) عبارة \"فادعى أن الولاية أعظم من النبوة\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) في (م): \"أخذ\".\n(٤) العبارة في (ط) كالتالي: وبنى ذلك على أصل متبوعيه الفلاسفة فإن عندهم ما يتصور في نفس النبي أو الولي هي الملائكة.\n(٥) في (ط): \"ما يتلقى\".\n(٦) يرى ابن عربي أنه خاتم الأولياء -الذي هو بزعمه أفضل من خاتم الأنبياء- يقول في كتابه \"عنقاء مغرب\" (١٥): \"أنا الختم لا ولي بعدي ولا حامل لعهدى\" نقلًا عن \"الحياة الصوفية في الإسلام\" (٥٨٥).\nويصرح ابن عربي في كتابه \"فصوص الحكم\" (٦٢) بأن الرسل لا يرون العلم إلا من مشكاة الأولياء، لأن الرسالة والنبوة تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبدًا، ويقول في موضع آخر (١٣٤): \"واعلم أن الولاية هي الفلك المحيط العام، ولهذا لم تنقطع، وله الإنباء العام، وأما نبوة التشريع والرسالة فمنقطعة، وفي محمد - ﷺ - قد انقطعت فلا نبي بعده، يعني مشرعًا أو مشرعًا له، ولا رسول وهو المشرع، وهذا الحديث قصم ظهور أولياء الله لأنه يتضمن انقطاع ذوق العبودية الكاملة التامة، فلا ينطلق عليها اسمها الخاص بها، فإن العبد يريد ألا يشارك سيده -وهو الله- في اسم، والله لم يتسم بنبي ورسول، وتسمى بالولي، واتصف بهذا الاسم فقال: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ٢٥٧] وقال: ﴿وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ﴾ [الشورى: ٢٨] وهذا الاسم باق جار على عباد الله دنيا وآخرة، فلم يبق اسم يختص به العبد دون =","vol":"1","page":506},{"text":"إن الولاية أعظم من النبوة، كما يقول كثير من الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي، فإن هذا قول الفارابي (١) ومبشر بن [فاتك] (٢) وغيرهما،\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-211>[قول بعض الفلاسفة: إن الفيلسوف أعظم من النبي]</span>\n_________\n= الحق بانقطاع النبوة والرسالة، إلا أن الله لطف بعباده فأبقى لهم النبوة العامة التي لا تشريع فيها، وأبقى لهم التشريع في الاجتهاد في ثبوت الأحكام، وأبقى لهم الوراثة في التشريع فقال: العلماء ورثة الأنبياء، وما ثم ميراث في ذلك إلا فيما اجتهدوا فيه من الأحكام فشرعوه، فإذا رأيت النبي يتكلم بكلام خارج عن التشريع، فمن حيث هو ولي وعارف، ولهذا مقامه من حيث هو عالم أتم وأكمل من حيث هو رسول أو ذو تشريع وشرع، فإذا سمعت أحدًا من أهل الله يقول أو ينقل إليك عنه أنه قال: الولاية أعلى من النبوة، فليس يريد ذلك القائل إلا ما ذكرناه، أو يقول: إن الولي فوق النبي والرسول. . \".\nقلت: وكل هذه النصوص تؤكد ما ذكره المصنف عن ابن عربي أنه يرى أن الولي أفضل من النبي، وأنه يرى نفسه خاتم الأولياء -الذي هو بزعمه أفضل من خاتم الأنبياء- لتعليلات فاسدة منها: أن النبوة تنقطع والولاية لا تنقطع، والولي يأخذ عن الله بلا واسطة، والنبي يأخذ بواسطة الملك، بل الأنبياء لا يأخذون علمهم إلا من مشكاة خاتم الأولياء.\nوقد قام المصنف ﵀ في الرسالة التي تسمى \"حقيقة مذهب الاتحاديين أو وحدة الوجود\" الموجودة ضمن مجموع الفتاوى (٢/ ٢٠٧) بنقل نصوص كثيرة من كتب ابن عربي، من كتابه \"فصوص الحكم\" و\"الفتوحات المكية\" وغيرها، وانظر أيضًا مجموع الفتاوى (٢/ ٢٢٨)، (٥/ ٣٥٥).\nويؤيد الدكتور عبد القادر محمود ما ذهب إليه المصنف في مذهب ابن عربي في الولاية والنبوة في كتاب \"الفلسفة الصوفية في الإسلام\" (٥١٤)، (٦٣٢).\n(١) هو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان التركي الفارابي -نسبة إلى فاراب إحدى المدن بأطراف فارس- أحد الفلاسفة الكبار، له مصنفات مشهورة، من ابتغى الهدى منها ضل وحاد -كما قال الذهبي- ومن مصنفاته تخرج ابن سينا -كما قال ابن خلكان- وقد حكم بكفره الغزالي أيضًا مع ابن سينا، وكان من أعلم الناس بالموسيقى، ويقول بالمعاد الروحاني لا الجثماني، اتصل بسيف الدولة الحمداني -الشيعي- فأعجب به وأكرمه، له نحو مئة مصنف منها: آراء المدينة الفاضلة، الموسيقى الكبير، النواميس، وغيرها، ومات بدمشق سنة ٣٣٩ هـ، وفيات الأعيان (٥/ ١٥٣) سير أعلام النبلاء (١٥/ ٤١٦)، العبر (٢/ ٢٥٧)، البداية والنهاية (١١/ ٢٣٨)، شذرات الذهب (٤/ ٢٠٩).\nولمعرفة مذهب الفارابي في النبوة انظر: آراء المدينة الفاضلة (٢١)، (١١٤).\n(٢) جاء في نسخة الأصل: \"ماتك\"، وهر خطأ، وما بين المعكوفتين من (م) و(ط).\nومبشر بن فاتك هو أبو الوفاء مبشر بن فاتك الملقب بالأمير، فيلسوف اشتغل =","vol":"1","page":507},{"text":"وهؤلاء يقولون: إن النبوة أفضل الأمور عند الجمهور، لا عند الخاصة، ويقولون: خاصة النبي جودة [التخييل و] (١) التخيل.\nفجاء هؤلاء (٢) الذين أخرجوا الفلسفة في قالب الولاية، وعبروا عن المتفلسف بالولي، وأخذوا معاني الفلاسفة وأبرزوها في صورة المكاشفة والمخاطبة، قالوا (٣): إن الولي أعظم من النبي، لأن المعاني المجردة يأخذها عن الله بلا واسطة تخيل لشيء في نفسه، والنبي يأخذها عن الله بواسطة ما يتخيل في نفسه من الصور والأصوات، ولم يكفهم هذا البهتان، حتى ادعوا أن جميع الأنبياء والرسل يستفيدون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء، الذي هو من أجهل الخلق بالله، وأبعدهم عن دين الله، والعلم بالله هو عندهم العلم (٤) بأنه الوجود المطلق الساري في الكائنات، فوجود كل موجود هو عين وجود واجب الوجود.\nوحقيقة هذا القول هو (٥) قول \"الدهرية الطبيعية\" (٦) الذين ينكرون أن يكون للعالم مبدع أبدعه، وهو واجب الوجود بنفسه، بل يقولون: العالم نفسه واجب الوجود بنفسه، فحقيقة قول هؤلاء شر من قول \"الدهرية الإلهيين\" (٧)،\n_________\n= بالأدب، أصله من دمشق، وعاش في مصر، من مؤلفاته \"مختار الحكم ومحاسن الكلم\"، وقد نقل منه كثيرًا ابن أبي أصيبعة في كتاب \"عيون الأنبياء في طبقات الأطباء\"، وكتاب في الطب، واعتنى بكتب الأوائل وفلسفاتهم، وملك من الكتب ما لا يحصى كثرة، مات سنة ٥٠٠ هـ؛ وقيل سنة ٤٨٠ هـ، تاريخ الحكماء (٣٩٩).\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) يعني بذلك ابن عربي ومن تبعه على مذهبه الفاسد.\n(٣) في (ط): \"وقالوا\".\n(٤) كلمة \"العلم\" ليست في (ط).\n(٥) كلمة \"هو\" ليست فى (ط).\n(٦) في (ط): \"الطبيعة\".\nوالفلاسفة الطبيعية هم الذين لا يقرون بواجب أبدع الممكن، وهو قول فرعون، درء التعارض (٥/ ٤)، وهم يقولون بالمحسوس، ولا يقولون بالمعقول، الملل والنحل (٢/ ٣٠٧)، ويجعلون المحسوس واجبًا بنفسه، درء التعارض (٩/ ٢٥٦)، وربما أطلق عليهم الدهرية المحضة، المصدر نفسه (٩/ ٢٥٥).\n(٧) الفلاسفة الدهرية قسمان:\n(الأول): الدهرية الطبيعية، وقد مضى الحديث عنهم. =","vol":"1","page":508},{"text":"وهو يعود عند التحقيق (١) إلى قول الدهرية الطبيعيين.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-212>[تنازع ابن عربي والسهروردي في التجلي]</span>\nوقد حدثونا أن ابن عربي تنازع هو والشيخ أبو حفص السهروردي (٢) هل يمكن كل (٣) وقت تجلي الحق لعبد مخاطبته (٤) له أم لا؟ .\nفقال الشيخ أبو حفص السهروردي: نعم يمكن ذلك.\nفقال ابن عربي: لا يمكن ذلك، وأظن الكلام كان في غيبة كل منهما عن صاحبه، فقيل لابن عربي إن السهروردي يقول: كذا وكذا، فقال: مسكين! ! نحن تكلمنا في مشاهدة الذات، وهو يتكلم في مشاهدة الصفات.\nوكان كثير من أهل التصوف والسلوك والطالبين لطريق التحقيق والعرفان -مع أنهم يظنون أنهم متابعون للرسول، وأنهم منفون (٥) للبدع\n_________\n= (الثاني): الدهرية الإلهية، وهم الذين يقولون بقدم العالم، ومن ذلك يثبتون له مبدعًا واجبًا بنفسه أبدعه، أي يثبتون واجب الوجود، على رأس هؤلاء يأتي أرسطو والفارابي وابن سينا، وذكر المصنف في موضع آخر أنهم يسمون أنفسهم بالفلاسفة الإلهيين، وأنهم يتصدون للرد على الفلاسفة الطبيعيين، ولكن ردودهم في الغالب واهية، لأنها عن أنوار الوحي معزولة، درء التعارض (٥/ ٩)، (٦/ ١٩٠)، (٧/ ٧٢، ١٧٥، ٣٨٤)، (٩/ ٢٥٥، ٢٥٦).\n(١) في (ط): \"التحقق\".\n(٢) هو أبو حفص عمر بن محمد بن عبد الله بن محمد القرشي التيمي البكري السهروردي الصوفي البغدادي -من ذرية الصديق﵁ وأرضاه- نعته الذهبي بقوله: الإمام العالم القدوة الزاهد العارف المحدث شيخ الإسلام أوحد الصوفية، صاحب عوارف المعارف -من مصادر الصوفية- كان كثير الصدقة والإنفاق على الفقراء، وصحب الشيخ عبد القادر قليلًا، وأملى في آخر حياته كتابًا في الرد على الفلاسفة، وكان مجلس وعظه عظيمًا، ويتوب على يديه خلق كثير، مات سنة ٦٣٠ هـ، وقيل سنة ٦٣٢ هـ، ورجح سبط ابن الجوزي وابن كثير الأول، والذهبي الثاني، مرآة الزمان (٨/ ٦٧٩)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٧٣) العبر (٥/ ١٢٩)، وفيات الأعيان (٣/ ٤٤٦)، البداية والنهاية (١٣/ ١٤٩)، طبقات الشافعية للسبكي (٥/ ١٤٣)، شذرات الذهب (٧/ ٢٦٨).\n(٣) كلمة (كل) ليست في (م) و(ط).\n(٤) في (ط): \"مخاطبة\".\n(٥) في (م) و(ط). \"متقون\".","vol":"1","page":509},{"text":"المخالفة له يقولون هذا الكلام ويعظمونه، ويعظمون ابن عربي لقوله مثل هذا، ولا يعلمون أن هذا الكلام بناه على أصله الفاسد في الإلحاد، الذي يجمع بين التعطيل والاتحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-213>[حقيقة مذهب ابن عربي]</span>\nفإن حقيقة الرب عنده وجود مجرد لا اسم له ولا صفة، ولا يمكن أن ترى ذاته (١) لا في الدنيا، ولا في الآخرة، ولا له كلام قام به (٢)، ولا علم ولا غير ذلك، ولكن يرى ظاهرًا في المخلوقات متجليًا في المصنوعات، وهو عنده عين (٣) وجود الموجودات، وشبهه (٤) تارة بظهور الكلي في جزئياته، كظهور الجنس في أنواعه، والنوع في الخاصية (٥) كما تظهر الحيوانية في كل حيوان، والإنسانية في كل إنسان (٦).\n_________\n(١) كلمة \"ذاته\" ليست في (م) و(ط)، وكلمة \"يرى\" بدلًا من \"ترى\".\n(٢) في (ط): \"قائم به\".\n(٣) في (م) و(ط): \"غير\".\n(٤) في (ط): \"وشبهه وتارة\"، والواو كما ترى مقحمة.\n(٥) في (م) و(ط): \"الخاصة\".\n(٦) عقيدة وحدة الوجود: خلاصتها أن الوجود واحد، ليس هناك وجود للخالق ووجود للمخلوق، بل وجود هذا هو عين وجود هذا، وهذه هي حقيقة تلك العقيدة، ولكن لأصحابها في تقريرها عدة مذاهب:\nالأول: مذهب ابن عربي، ويقوم على أصلين: أحدهما: أن المعدوم شيء ثابت في العدم، مع أنه ثابت في العلم، والمظاهر: هي عنده الأعيان الثابتة في العدم، وأما الظاهر: فهو وجود الخلق، والثاني: قوله إن وجود الأعيان نفس وجود الحق الذي فاض عليها، وابن عربي يفرق بين وجود الشيء وماهيته.\nالثاني: مذهب الصدر الفخر الرومي، الذي لا يفرق بين الوجود والماهية، وعنده أن الله هو الوجود المطلق الذي لا يتعين ولا يتميز.\nالثالث: مذهب التلمساني، وهو لا يفرق بين ماهية ووجود، ولا بين مطلق ومعين، بل عنده ما ثم سوى، ولا غير بوجه من الوجوه، وإنما الكائنات أمواج البحر في البحر، وهذه المذاهب رتبها شيخ الإسلام حسب أبعدها عن الحق وأشدها كفرًا، وبعد أن ذكر شيخ الإسلام الأقوال الثلاثة قال: \"ولا ريب أن هذا القول (يعني قول التلمساني) هو أحذق في الكفر والزندقة، فإن التميز بين الوجود والماهية، وجعل المعدوم شيئًا (وهو مذهب ابن عربي)، أو التمييز في الخارج بين المطلق والمعين، وجعل المطلق شيئًا وراء المعينات في الذهن (وهو قول الصدر الرومي)، قولان ضعيفان باطلان. . \" مجموع الفتاوى (٢/ ١٤٣، ١٦٠، ١٦١، ١٦٩).","vol":"1","page":510},{"text":"وهذا بناه على غلط أسلافه \"المنطقيين اليونانيين\" حيث ظنوا أن الموجودات العينية تقارنها جواهر عقلية [بحسب] (١) ما يحمل عليها (٢) من الكليات، فيظنون أن في الإنسان المعين إنسانًا عقليًا، وحيوانًا عقليًا، وناطقًا عقليًا، و[حساسًا] (٣) عقليًا، وجسمًا عقليًا، وذاك هو الماهية التي يعرض لها الوجود، وتلك الماهية مشتركة بين جميع المعينات.\nوهذا الكلام له روعة (٤) عند من لم يفهمه ويتدبره، فإذا فهم [حقيقته] (٥) تبين له أنه بكلام المجانين أشبه منه بكلام العقلاء، وإنما ذلك مخالفة (٦) للحس والعقل، وإنما [أتي] (٧) فيه هؤلاء من حيث إنهم تصوروا في أنفسهم معاني كلية مطلقة، فظنوا أنها موجودة في الخارج، فضلالهم في هذا عكس ضلالهم في أمر الأنبياء، فإن الأنبياء (٨) [شاهدت] (٩) أمورًا خارجة عن أنفسهم، فزعم هؤلاء الملاحدة أن تلك كانت في أنفسهم.\nوهؤلاء الملاحدة شهدوا في أنفسهم أمورًا كلية مطلقة فظنوا أنها في الخارج، وليست إلا في أنفسهم، فجعلوا ما في أنفسهم في الخارج وليس فيه، وجعلوا ما أخبرت به الأنبياء في أنفسهم، وإنما هو في الخارج، فلهذا كانوا مكذبين بالغيب الذي أخبرت به الأنبياء # [مدعين] (١٠) أن ما يبصرونه في خيالهم هو من جنس الغيب الذي أخبرت به الأنبياء # (١١)، ثم جعلوا وجود الرب الخالق للعالمين، البائن عن مخلوقاته أجمعين، هو من\n_________\n(١) في نسخة الأصل: بجنس، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"ما تحمل لها\".\n(٣) في نسخة الأصل: \"حسابًا\" والتصحيح من (م) و(ط).\n(٤) في (ط): وقع.\n(٥) في نسخة الأصل: حقيقة، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٦) في (ط): \"لمخالفته\".\n(٧) في نسخة الأصل: \"أوتي\"، وأثبتنا ما فى (م) و(ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٨) عبارة \"فإن الأنبياء\" ليست في (ط).\n(٩) في نسخة الأصل و(م): \"شاهدة\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(١٠) في نسخة الأصل: \"من غير\"، وما بين المعكوفتين أثبت من (م).\n(١١) ما بين العلامتين (#) ساقط من (ط).","vol":"1","page":511},{"text":"جنس وجود الإنسانية في الأناسي، والحيوانية في الحيوان، أو ما أشبه ذلك # كوجود المائدة في الصورة، أو الصورة في المائدة # (١)، أو كوجود الوجود في الثبوت -عند من يقول: المعدوم شيء- فإنهم أرادوا [أن يجعلوه] (٢) شيئًا موجودًا في المخلوقات مع مغايرته لها، فضربوا له مثلًا تارة بالكليات، وتارة بالمادة أو (٣) الصورة وتارة بالوجود المغاير للثبوت، وإذا مثلوه بالمحسوسات مثلوه بالشعاع في الزجاج، أو بالهواء في الصوفة، فضربوا لرب العالمين الأمثال، فضلوا فلا يستطيعون سبيلًا.\nوهم في هذه الأمثال ضالون من وجوه:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-214>[ضلال ملاحدة المتصوفة]</span>\n(أحدها): أن ما مثلوا به من المادة مع الصورة، والكليات مع الجزئيات، والوجود مع الثبوت، كل ذلك يرجع عند التحقيق إلى شيء واحد لا شيئين، فجعلوا الواحد اثنين، كما جعلوا الاثنين واحدًا، في مثل صفات الله، يجعلون العلم هو العالم، والعلم هو المعلوم، والعلم هو القدرة، والعلم هو الإرادة، وأنواع هذه الأمور التي إذا تدبرها العاقل تبين له أن هؤلاء من أجهل الناس بأمور الإلهية (٤)، وأعظم الناس قولًا للباطل، مع ما في نفوسهم ونفوس أتباعهم من الدعاوي الهائلة الطويلة العريضة، كما يدعي إخوانهم القرامطة الباطنية أنهم أئمة معصومون مثل الأنبياء، وهم من أجهل الناس وأضلهم وأكفرهم.\n(الثاني): أنهم على كل تقدير من هذه التقديرات يجعلون وجوده مشروطًا بوجود غيره الذي ليس هو مبتدعًا (٥) له، فإن وجود الكليات في الخارج مشروط بالجزئيات، ووجود المادة مشروط بالصورة، وكذلك بالعكس.\nووجود الأعيان مشروط بثبوتها المستقر في العدم، فيلزمهم على كل\n_________\n(١) ما بين العلامتين ساقط من (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: الذي يجعلوا، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (ط): \"واو\" بدلًا من \"أو\".\n(٤) في (ط): \"بالأمور الإلهية\".\n(٥) في (ط): \"مبدعًا\".","vol":"1","page":512},{"text":"تقدير أن يكون واجب الوجود مشروطًا بما ليس من مبتدعاته (١)، وما كان وجوده موقوفًا على غيره الذي هو ليس مصنوعًا له (٢) لم يكن واجب الوجود بنفسه، وهذا بين.\n(الثالث): أن هذا الكلام يعود عند التحقيق إلى أن يكون وجود الخالق عين وجود المخلوقات، وهم يصرحون بذلك لكن يدعون المغايرة بين الوجود والثبوت، أو بين الوجود والماهية أو (٣) بين الكلي والجزئي، وهو المغايرة، و(٤) بين المطلق والمعين (٥)، فلهذا كانوا يقولون بالحلول، تارة يجعلون الخالق (٦) حالًا في المخلوقات، وتارة محلًا لها، وإذا حقق الأمر عليهم بعدم المغايرة كان (٧) حقيقة قولهم أن الخالق هو نفس المخلوقات، فلا خالق ولا مخلوق، وإنما العالم واجب الوجود بنفسه.\n(الرابع): أنهم يقرون بما يزعمونه من \"التوحيد\" عند (٨) التعدد في صفاته الواجبة، وأسمائه، وقيام الحوادث به، وعن كونه جسمًا أو جوهرًا، ثم هم عند التحقيق يجعلونه عين الأجسام المتخيلة (٩) الكائنة الفاسدة المتقذرة (١٠) ويصفونه بكل نقص كما صرحوا بذلك.\nو(١١) قالوا ألا ترى الحق يظهر بصفات المحدثات؟ وأخبر بذلك عن نفسه، وبصفات النقص (١٢)، وبصفات الذم، وقالوا: العلي لذاته هو الذي يكون له الكمال الذي يستغرق به جميع الأمور الوجودية والنسب العدمية، سواء كانت محمودة عرفًا وعقلًا وشرعًا، أو مذمومة عرفًا وعقلًا وشرعًا،\n_________\n(١) في (ط): \"مبدعاته\".\n(٢) في (م) العبارة كالتالي: \"الذي هو مصنوع له\".\n(٣) في (ط): \"واو\" بدلًا من \"أو\".\n(٤) \"الواو\" ليست في (ط).\n(٥) سبقت الإشارة إلى بعض هذه المذاهب قريبًا.\n(٦) في نسخة الأصل و(م) في هذا الموضع كلمة \"تارة\"، وقد حذفناها لعدم فائدتها.\n(٧) في نسخة الأصل و(م): \"وكان\"، وقد حذفنا الواو لتستقيم العبارة.\n(٨) في (م) و(ط): \"عن\".\n(٩) كلمة \"المتخيلة\" ليست في (ط).\n(١٠) في (ط): \"المستقذرة\".\n(١١) \"الواو\" ليست في (ط).\n(١٢) عبارة \"وبصفات النقص\" ليست في (م).","vol":"1","page":513},{"text":"وليس ذلك إلا لمسمى الله خاصة، فهو متصف عندهم بكل صفة مذمومة، كما هو متصف بكل صفة محمودة، وقد بسط الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع (١)، فإن أمرهم أعظم من أن يبسط هنا، ولكن المقصود التنبيه على تشابه رؤوس الضلال، حتى إذا فهم المؤمن قول أحدهم أعانه على فهم قول الآخر، واحترز منهم، وبين ضلالهم لكثرة ما أوقعوا في الوجود من الضلالات (٢).\nفابن عربي بزعمه: إنما تجلي الذات عنده هو شهود (٣) وجود (٤) مطلق، هو وجود الموجودات مجردًا مطلقًا لا اسم له ولا نعت، ومعلوم أن من تصور هذا لا يمكن أن يحصل له عنه خطاب، فلهذا زعم أن عند تجلي الذات لا يحصل خطاب، وأما أبو حفص السهروردي فكان أعلم بالسنة، وأتبع للسنة من هذا، وخيرًا منه، وقد رأى أن ما جاءت به الأحاديث من أن الله يتجلى لعباده، ويخاطبهم حين تجليه لهم (٥)، فآمن بذلك (٦) لكن ابن عربي في فلسفته أشهر من هذا في سنته.\n_________\n(١) انظر على سبيل المثال: مجموع الفتاوى (٢/ ١٢٢ - ١٢٣، ١٤٢، ١٨٦، ٣٥٦).\n(٢) بهذا الأصل العظيم يكشف لا شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن سر استطراداته الكثيرة -التي يؤاخذه عليها بعض الناس- وأنها استطرادات نافعة، بل ضرورية في كثير من الأحيان، ولذلك عدة فوائد كما بين ﵀، منها على سبيل المثال: التنبيه على تشابه رؤوس الضلال والبدع، وأنها وإن بدت مختلفة متباعدة فإن أصولها واحدة، ومآخذها متقاربة، ومنها: فهم أقوال كل فريق بفهم أقوال فريق آخر -وهذه فائدة منهجية هامة- ومنها: الاحتراز والحذر بسبب كثرة بدعهم وضلالاتهم التي تروج على بعض الناس، وتلك لعمر الله منقبة لهذا الكتاب الذي نقوم بتحقيقه ودراسته، أن بيّن مصنفه بعض الغايات التي يرمي إليها من وراء مل هذه الاستطرادات، ولسنا بحاجة بعد الآن أن ندافع عن تلك القضية أمام الناقدين، فقد كفانا ذلك بنفسه ﵀.\n(٣) كلمة \"هو\" ليست في (ط).\n(٤) كلمة \"وجود\" ليست في (م) و(ط).\n(٥) الأحاديث في ثبوت تجلي الحق سبحانه لعباده المؤمنين متواترة، ورؤية المؤمنين له تعالى ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع.\n(٦) هنا يفسر المصنف رحمه الله تعالى ما ورد قبل ذلك من خلاف بين السهروردي وابن عربي في مسألة: هل يمكن كل وقت تجلي الحق لعبد مخاطبته أم لا؟","vol":"1","page":514},{"text":"ولهذا كان أتباعهما (١) يعظمون ابن العربي (٢) عليه، مع إقرارهم بأن السهروردي أتبع للسنة، كما حدثني الشيخ الملقب بحسام الدين (٣) القادم علينا (٤) السالك طريق ابن حمويه (٥) الذي يلقبه أصحابه سلطان الأقطاب، وكان عنده من التعظيم لابن عربي وابن حمويه والغلو فيهما أمر عظيم، فبينت له كثيرًا مما يشتمل عليه كلامهما من الفساد والإلحاد والأحاديث المكذوبة على النبي - ﷺ -، وجرى في ذلك فصول، لما كان عنده من التعظيم مع عدم فهم حقيقة أقوالهما، وما تضمنته من الضلالات، وكان مما حدثني عن شيخه الطاووسي (٦) الذي كان بهمدان عن سعد الدين ابن\n_________\n(١) يعني من المتصوفة.\n(٢) في (ط): \"ابن عربي\"، وهو الأشهر، ويطلق عليه أيضًا ابن العربي -خصوصًا عند الأندلسيين- وأثبتنا ما في نسخة الأصل و(م) لأنه صحيح أيضًا.\n(٣) لم أجد ترجمة لحسام الدين هذا، خصوصًا أن اسم أبيه لم يذكر.\n(٤) كلمة \"علينا\" ليست في (ط).\n(٥) ابن حمويه: هو أبو عبد الله محمد بن حمويه بن محمد الجويني الصوفي، شيخ الصوفية في خراسان، نعته الذهبي بالإمام العارف، له في التصوف تأليف، قرأ الفقه والأصول على إمام الحرمين، له من المؤلفات \"لطائف الأذهان في تفسير القرآن\" و\"سلوة الطالبين في سير سيد المرسلين\" وغيرهما، مات سنة ٥٣٠ هـ. سير أعلام النبلاء (١٩/ ٥٩٧)، العبر (٤/ ٨٣)، الوافي بالوفيات (٣/ ٢٧)، البداية والنهاية (١٢/ ٢٢٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٥٦).\n(٦) لعل المقصود به الشيخ أبو الفضل ركن الدين عزيز بن محمد القزويني الطاووسي المتكلم المتوفى بهمدان سنة ٦٠٠ هـ، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٥٣)، العبر (٤/ ٣١٣)، شذرات الذهب (٦/ ٥٦٣)، مع أن هذا مشكل جدًا، فكيف يكون شيخًا لحسام الدين الذي حاور المصنف، وقد توفي في هذه السنة، لأن ولادة المصنف بعد موت الطاووسي هذا بإحدى وستين سنة، إلا إن كان الطاووسي من المعمرين الذين تجاوزوا المئة، وهو ما لم يذكره أحد، أو أن يكون قصد المؤلف بكلمة (شيخه) أنه على نفس طريقته، وهذا احتمال بعيد.\nوقد يكون المقصود بالطاووسي هو ركن الدين أحمد بن عبد المنعم بن أبي الغنائم القزويني الطاووسي، المعمر، كبير الصوفية في دمشق، المتوفى سنة ٧٠٤ هـ، شذرات الذهب (٨/ ٢٠)، وهذا شيخ أدركه المصنف، ولكن يبقى الإشكال أن المصنف ذكر أن الطاووسي هو الذي بهمدان، ولم يذكر هذا إلا عن الأول، والله أعلم.","vol":"1","page":515},{"text":"حمويه أنه قال: محي الدين ابن عربي بحر لا تكدره الدلاء! ! و(١) لكن نور المتابعة النبوية التي (٢) على وجه الشيخ شهاب الدين السهروردي شيء آخر.\nفقلت له: هذا كما يقال: كان هولاكو (٣) ملك الكفار ملكًا عظيمًا (٤)، لكن نور الإسلام الذي على شهاب الدين غازي (٥) صاحب ميافارقين شيء (٦) آخر.\n_________\n(١) \"الواو\" ليست في (م) و(ط).\n(٢) كلمة \"التي\" ليست في (ط).\n(٣) في (ط): \"هؤلاء أوتوا من\" وهو تصحيف فاحش.\n(٤) هو هولاكو بن تولي بن جنكيز خان، ملك التتار، بعثه ابن عمه القان الكبير على جيش المغول، فطوى الممالك، واستباح البلدان، وقتل جنوده من الخلق ما لا يحصيهم إلا الله ﷿، وعلى يديه كان سقوط الدولة العباسية في العراق عام ٦٥٦ هـ، وكانت كارثة لم تعرف لها الأمة مثيلًا، حين قتل خليفة الوقت المسعتصم وأمراء بني العباس وبني هاشم وكبار القواد وجمع غفير من العلماء والفقهاء والأعيان -ولا حول ولا قوة إلا بالله- وبلغ عدد القتلى في بغداد ما يزيد على المليون -على أقل التقديرات- وما زال أمر هذا الجبار في علو، وطغيانه في ازدياد حتى هزمه ابن عمه الأمير بركة خان -الذي أسلم- عام ٦٦١ هـ، وقتل كثير من رجاله، وضعف شأنه، ثم أصيب بعلة الصرع، حتى كان يصرع في اليوم مرتين، حتى أهلكه الله عام ٦٦٣ هـ، وقيل عام ٦٦٤ هـ، عن ستين عامًا، بمراغة ونقل إلى قلعة تلا، وبنوا عليه قبة، وتملك بعده ابنه أبغا بعد أن خلف سبعة عشر ولدًا، وذاق من خزي الدنيا، ولعذاب الآخرة أشد وأبقى، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ١٨١)، العبر (٥/ ٢٢٥)، فوات الوفيات (٤/ ٢٤٠)، البداية والنهاية (١٣/ ٢١٣، ٢٥٢، ٢٥٩)، شذرات الذهب (٧/ ٤٦٨، ٥٥٠ د ٥٢٩).\n(٥) هو السلطان الملك المظفر شهاب الدين غازي ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب، صاحب ميافارقين، كان ملكًا جوادًا حازمًا شهمًا شجاعًا مهيبًا، مات سنة ٦٤٥ هـ، وتملك بعده ابنه الشهيد الملك الكامل ناصر الدين الذي قتله هولاكو غدرًا، مرآة الزمان (٨/ ٧٦٨)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ١٣٣)، العبر (٥/ ١٨٧)، البداية والنهاية (١٣/ ١٨٦)، شذرات الذهب (٧/ ٤٠٢).\n(٦) ميافارقين: مدينة كبيرة عند آمد من بلاد الجزيرة. كما قال السمعاني في \"الأنساب\" (٥/ ٤٢٤)، وقال ياقوت عنها: \"أشهر مدينة في ديار بكر\" وأطال في سبب تسميتها وفي وصفها، وذكر أنها -على بعض الأقوال- فتحت في عهد عمر - ﵁ - \"معجم البلدان\" (٨/ ٢٤١).","vol":"1","page":516},{"text":"فإنهم كانوا يعظمون ابن عربي، لأن الشيخ شهاب الدين لم يكن متمكنًا من معرفة السنة ومتابعتها، وتحقيق ما جاءت به الرسل كتمكن ابن عربي في طريقه التي سلكها، وجمع فيها بين الفلسفة والتصوف، وهؤلاء إنما يقطع دابرهم المباينة لله (١) بين الخالق والمخلوق، وإثبات تعينه منفصلًا عن المخلوق، ترفع إليه الأيدي بالدعاء، وإليه كان معراج الأنبياء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-215>[إبطال مذهب ابن عربي ومن تابعه بإثبات المباينة بين الخالق والمخلوق]</span>\nوفد ذكر السهروردي في عقيدته المشهورة قوله: \"بلا إشارة ولا تعيين\".\nوهذه التي استطال بها عليه هؤلاء، فإنه متى نفيت الإشارة والتعيين لم يبق إلا العدم المحض، والتعطيل (٢) أو الإلحاد و[الوحدة] (٣) والحلول.\nوابن سبعين وأمثاله من هؤلاء الملاحدة يقول (٤): هكذا لا إشارة ولا تعيين، بل عين ما ترى ذات لا ترى، وذات لا ترى عين ما ترى، ويقولون في أذكارهم: ليس إلا الله، بدل قول المسلمين، لا إله إلا الله، لأن معتقدهم أنه وجود كل موجود، فلا موجود إلا هو.\nوالمسلمون يعلمون أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وأنه ليس هو المخلوقات، ولا جزءًا منها، ولا صفة لها، بل هو بائن عنها ﷾ ويقولون: إنه هو الإله الذي يستحق العبادة دون ما سواه من الموجودات، فلا إله إلا هو كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾ [الشعراء: ٢١٣].\nوكما قال تعالى: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ (٦٤)﴾ [الزمر: ٦٤].\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٤].\n_________\n(١) لفظ الجلالة ليس في (ط).\n(٢) في (م): \"التعديل\".\n(٣) في نسخة الأصل \"الوجود\" والتصحيح من (م) و(ط).\n(٤) في (ط): \"يقولون\".","vol":"1","page":517},{"text":"وهؤلاء الملاحدة ما عندهم غير يمكن أن يعبد، ولا غير يمكن أن يتخذ وليًا، ولا إلهًا، بل هو العابد والمعبود، والمصلي والمصلى له، كما قال شاعرهم ابن الفارض (١) في قصيدته نظم السلوك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-216>[شعر ابن الفارض في وحدة الوجود]</span>\nلها صلواتي بالمقام أقيمها ... وأشهد فيها أنها لي صلتي\nكلانا مصل واحد ساجد إلى ... حقيقته بالجمع في كل سجدة\nإلى قوله:\nوما كان لي صلى سواي ولم تكن ... صلاتي لغيري في أدا كل ركعة (٢)\nإلي رسولا كنت مني مرسلا ... وذاتي بآياتي علي استدلتي (٣)\nوقوله:\nوما زلت إياها وإياي لم تزل ... ولا فرق بل ذاتي لذاتي أحبت (٤)\n_________\n(١) ابن الفارض هو: شرف الدين عمر بن علي بن مرشد الحموي المصري، صاحب الاتحاد الذي قد ملأ به التائية - القصيدة التي أورد المصنف جزءًا منها -كما قال الذهبي، وقال أيضًا: فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلالة. . انتهى، ويلقبه الصوفية بسلطان العشاق والمحبين، أصله من حماة، ومولده ونشأته ووفاته بمصر، له ديوان شعر، ومات سنة ٦٣٢ هـ، وفيات الأعيان (٣/ ٤٥٤)، سير أعلام النبلاء (٢٢/ ٣٦٨)، ميزان الاعتدال (٢/ ٢٦٦)، العبر (٥/ ١٢٩)، البداية والنهاية (١٣/ ١٥٤)، لسان الميزان (٤/ ٣١٧)، شذرات الذهب (٧/ ٢٦١).\n(٢) الأبيات السابقة في ديوان ابن الفارض (٦١)، مراجعة كرم البستاني.\n(٣) المصدر نفسه (٨٩).\n(٤) المصدر نفسه (٧١).\nويلاحظ أن البيت الأخير ترتيبه في الديوان المطبوع قبل البيت الذي قبله، وهذه القصيدة تسمى \"نظم السلوك\"، وتسمى التائية الكبرى، لأن له أيضًا في ديوانه تائية صغرى، والتائية الكبرى كما في الديوان المطبوع تبلغ نحو سبعمائة وستين بيتًا، وقد حشاها ابن الفارض -كما ذكر الذهبي بالاتحاد- من عقائد المارقة من المتصوفة، ودعا إلى وحدة الأديان كما في قوله:\nوإن نار بالتنزيل محراب مسجد ... فما بار بالإنجيل هيكل بيعة\nوأسفار توراة الكليم لقومه ... يناجي بها الأحبار في كل ليلة\nوإن خر للأحجار في البد عاكف ... فلا وجه للإنكار بالعصبية =","vol":"1","page":518},{"text":"فهؤلاء \"الجهمية\" من المتكلمة والصوفية في قولهم: إن الإيمان هو مجرد المعرفة والتصديق يقولون: المعروف هو الموجود الموصوف بالسلب والنفي، كقولهم: لا هو داخل العالم ولا خارجه، ولا مباين للعالم ولا محايث، ثم يعودون فيجعلونه حالًا في المخلوقات، أو محلًا لها أو هو عينها، أو يعطلونه بالكلية، فهم في هذا نظير المتفلسفة المشائين، الذين يجعلون كمال الإنسان بالعلم، والعلم الأعلى عندهم والفلسفة الأولى عندهم [النظر] (١) في الوجود ولواحقه، يجعلون واجب الوجود وجودًا مطلقًا بشرط الإطلاق، لكن أولئك [يغيرون العبارات] (٢) ويعبرون بالعبارات الإسلامية القرآنية عن الإلحادات الفلسفية واليونانية، وهذا كله قد قرر، وبسط القول فيه في غير هذا الموضع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-217>فصل [الكلام على الأحاديث التي تبين حقيقة الإسلام والإيمان]</span>\nأول ما في الحديث سؤاله عن \"الإسلام\" فأجابه (٣): بأنّ الإسلام: أن تشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت (٤).\nوهذه الخمس هي المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه: (بني الإسلام على خمس شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام\n_________\n= وما زاغت الأبصار عن كل ملة ... وما راغت الأفكار من كل نحلة\nالمصدر نفسه (١١٤).\n(١) نسخة الأصل و(م): \"الناظر\".\n(٢) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٣) المقصود سؤال جبريل ﵇ للنبي - ﷺ -، وقد تقدم تخريج هذا الحديث في أول الكتاب.\n(٤) قول المصنف: أول ما في الحديث سؤاله عن الإسلام، دليل كما قدمنا في الدراسة على أن الكتاب شرح لحديث جبريل ﵇، والمصنف بعد أن قطع شوطًا كبيرًا في الكلام على مسائل الإيمان وموقف الفرق منها، عاد إلى حديث جبريل ليقوم بشرحه في ضوء الأحاديث الأخرى.","vol":"1","page":519},{"text":"الصلاة، وإيتاء الزكاة وصيام رمضان، وحج البيت من استطاع إليه سبيلًا) (١).\nوهذا قاله النبي - ﷺ - بعد أن فرض الله الحج، فلهذا ذكر الخمس، وأكثر الأحاديث لا يوجد فيها ذكر الحج كما (٢) في حديث وفد عبد القيس (٣): \"آمركم بالإيمان بالله وحده، أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٨) كتاب الإيمان باب دعاؤكم إيمانكم، ومسلم برقم (١٦) ١/ ٤٥ كتاب الإيمان باب بيان أركان الإسلام ودعائمه العظام، والترمذي برقم (٢٦٠٩) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٥٠٠١) كتاب الإيمان وشرائعه، وأحمد برقم (٤٥٦٧).\n(٢) كلمة \"كما\" ليست في (ط).\n(٣) كذا قال المصنف رحمه الله تعالى، بأن الحج لم يذكر في حديث وفد عبد القيس، وهذا محمول عنده على عدم صحة الروايات في هذا الباب، أو شذوذها.\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح (١/ ١٣٤) أن الحج قد ورد ذكره في حديث وفد ابن عبد القيس في السنن الكبرى للبيهقي (٤/ ١٩٩) من طريق أبي قلابة الرقاشي عن أبي زيد الهروي عن قرة بن خالد ولفظه: \"وتحجوا البيت الحرام\" ولم يتعرض في هذه الرواية لعدد (أي لم يذكر فيها أنه - ﷺ - قال: \"آمركم بأربع وأنهاكم عن أربع. . \") وقال: إنها رواية شاذة، وقال: \"وقد أخرجه (أي الحديث) الشيخان ومن استخرج عليهما والنسائي وابن خزيمة وابن حبان من طريق قرة، ولم يذكر أحد منهم الحج، وأبو قلابة تغير حفظه في آخر أمره، فلعل هذا مما حدث به في التغير\".\nوقال أيضًا: \"وقد ورد ذكر الحج أيضًا في مسند الإمام أحمد من رواية أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة عن سعيد بن المسيب -وعن عكرمة- عن ابن عباس في قصة وفد عبد القيس\".\nقلت: هذه الرواية في المسند برقم (٣٣٩٦)، وقال: حدثنا بهز حدثنا أبان بن يزيد العطار حدثنا قتادة عن سيد بن المسيب، وعن عكرمة عن ابن عباس، ورجالها رجال الشيخين وقد أخرجها أيضًا الطبراني في (المعجم الكبير) برقم (١٠٦٨٨) ١٠/ ٢٨٩ من طريق مسلم بن إبراهيم عن أبان بن يزيد العطار أيضًا، فالرواية تدور على رجلين:\nالأول: أبو قلابة وهو عبد الملك بن محمد بن عبد الله الرقاشي لم يرو له أحد من أصحاب الكتب الستة غير ابن ماجه، ونقل الخطيب البغدادي عن الدارقطني قوله في أبي قلابة الرقاشى: صدوق كثير الخطأ في الأسانيد والمتون، كان يحدث من حفظه فكثرت الأوهام منه، وذكر عن ابن خزيمة قوله: حدثنا =","vol":"1","page":520},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= أبو قلابة -بالبصرة- قبل أن يختلط ويخرج إلى بغداد، وذكر أيضًا أن أبا داود -صاحب السنن- قال عنه: رجل صدوق، أمين مأمون، كتبت عنه بالبصرة، تاريخ بغداد (١٠/ ٤٢٥)، وقال عنه الذهبي في الكاشف (٢/ ١٨٨): \"صدوق يخطئ، قال ابن جرير: ما رأيت أحفظ منه\"، وذكر الحافظ عن الدارقطني أنه لا يحتج بما انفرد به، تهذيب التهذيب (٦/ ٣٧٢)، وقال عنه في القريب (٣٦٥): صدوق يخطئ تغير حفظه لما سكن بغداد.\nقلت: فلعل هذا الحديث روي عنه بعد تغيّر حفظه في بغداد، ومما يقوي هذا الاحتمال ما ذكره الحافظ أن الحديث رواه جماعة عن قرة (شيخ أبي قلابة في هذا الحديث) ولم يذكروا الحج في رواياتهم كما ذكر الحافظ.\nوالثاني: هو أبان بن يزيد العطار وهو ثقة من رجال الشيخين، ولكنه في رواية تلك خالف من هو أوثق منه وأثبت، كمثل شعبة وحماد بن زيد وغيرهما عن أبي جمرة الضبعي.\nعلى أننا نرجح شذوذ هذه الرواية، ولكننا لا نستطيع الجزم بذلك، وذلك للأسباب التالية:\n١ - أن الروايات -كما ذكرنا سابقًا وأشار إلى ذلك المصنف- اختلفت، فبعضها ذكر فيه الصوم، وبعضها الآخر لم يذكر فيه، وإن كان أكثرها ذكر فيه الصوم، فيكون ذكر الحج في الحديث وعدم ذكره من هذا الباب.\n٢ - أن قدوم وفد عبد القيس مختلف في سنة وقوعه، وبعض العلماء يرى أن قدومهم كان بعد فرض الحج، وإن كان الراجح غير ذلك.\n٣ - أنها جاءت من طريقين، عن أبي قلابة، وعن أبان بن يزيد العطار.\n٤ - قول الحافظ في الفتح (١/ ١٣٤): \"وعلى تقدير أن يكون ذكر الحج فيه محفوظًا فيجمع بين الجوابين المتقدمين. . . \"، وهذا يثمر بأن الحافظ لم يجزم بشذوذ الرواية التي ذكر فها الحج.\nوممن وافق المصنف في تلك القضية القاضي عياض رحمه الله تعالى حيث ذكر أن إسقاط الصوم في هذا الحديث وهم، وأما الحج فلم يكن فرض بعد، لأن وفادة عبد القيس كانت عام الفتح قبل خروج النبي - ﷺ - إلى مكة، وفريضة الحج بعدها سنة تسع على الأشهر، كتاب الإيمان من إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم (١/ ١٥٥) تحقيق الدكتور الحسين بن محمد شواط.\nوالحافظ النووي في شرحه على صحيح مسلم (١/ ١٨٤)، وذكر أن عدم ذكر الصوم إغفال من الراوي.\nوالحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٦٠٧).\nوكذلك الحافظ ابن حجر حيث قال: \"وما ذكره القاضي عياض في أن السبب في =","vol":"1","page":521},{"text":"شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وصيام رمضان، وأن تعطوا من المغنم الخمس\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-218>[الكلام على حديث وفد عبد القيس]</span>\nوحديث وفد عبد القيس من أشهر الأحاديث وأصحها، وفي بعض طرق البخاري لم يذكر الصيام لكن هو مذكور في كثير من طرقه، وفي مسلم، وهو أيضًا مذكور في حديث أبي سعيد الذي ذكر فيه قصة وفد عبد القيس، رواه مسلم في صحيحه عنه، واتفقا على حديث ابن عباس (٢)، وفيه: أنه أمرهم بإيتاء الخمس من المغنم، والخمس إنما فرض في غزوة بدر (٣)، وشهر\n_________\n= كونه لم يذكر الحج في الحديث لأنه لم يكن فرض هو المعتمد\" الفتح (١/ ١٣٤). وقد أورد الحافظ أقوالًا أخرى في عدم ذكر الحج في هذا الحديث وضعفها، كقول من قال: إنه ترك ذكره لكونه على التراخي، والقول إنما ترك ذكره لشهرته عندهم، أو لأنه لم يكن لهم إليه سبيل من أجل كفار مضر، الفتح (١/ ١٣٤)، وذكر ﵀ جوابًا أحسن من الأجوبة فقال: \"لكن يمكن أن يقال: إنه إنما أخبرهم ببعض الأوامر لكونهم سألوه أن يخبرهم بما يدخلون بفعله الجنة، فاقتصر لهم على ما يمكنهم فعله في الحال، ولم يقصد إعلامهم بجمع الأحكام التي تجب عليهم فعلًا وتركًا، ويدل على ذلك اقتصاره في المناهي على الانتباذ في الأوعية، مع أن في المناهي ما هو أشد في التحريم من الانتباذ انتهى.\n(١) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٢) ورد ذكر الصوم عبد البخاري في حديث وفد عبد القيس في ست روايات وأرقامها هي (٣٥، ٨٧، ١٥٨٨، ٤١١٠، ٥٨٢٢، ٦٨٣٨)، ولم يرد ذكره أيضًا في خمس روايات وأرقامها هي (٥٠٠، ١٣٣٤، ٣٣١٩، ٤١١١، ٧١١٧)، وعند مسلم أورد الروايتين التي ذكرت الصوم برقم (١٧) ١/ ٤٧، والتي لم تذكره برقم (١٧) ١/ ٤٦، وقد تتبعت الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم في الصحيحين وعند ابن خزيمة وابن حبان والترمذي وأبي داود والنسائي -في سننه الصغرى والكبرى- والبيهقي في سننه الكبرى، والمسند، ومسند الطيالسي، والمعجم الكبير، فوجدت أن الروايات التي ورد فيها ذكر الصوم بلغت ستًا وعشرين رواية، والتي لم يرد فيها ذكر الصوم بلغت ثمانية عشر رواية.\n(٣) الدليل على فرضية الخمس قول الحق ﵎: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ. . .﴾ الآية [الأنفال: ٤١] الآية، وذلك بعد وقعة بدر، وما وقع من اختلاف في الرأي حول تقسيم الغنائم، معاني القرآن لأبي جعفر النحاس (٣/ ١٢٧)، أحكام القرآن [٧/ ٣٢٣]، تفسير ابن كثير [٢/ ٢٨٣، ٣١١] فتح القدير [٢/ ٢٨٣، ٣٠٩].","vol":"1","page":522},{"text":"رمضان فرض قبل ذلك (١).\nووفد عبد القيس من خير (٢) الوفد الذين وفدوا على النبي - ﷺ -، وقدومهم على النبي - ﷺ - كان قبل فرض الحج، وقد قيل: إنهم (٣) قدموا سنة الوفود سنة تسع (٤).\nوالصواب أنهم قدموا قبل ذلك، فإنهم قالوا: بيننا (٥) وبينك هذا الحي من كفار مضر (٦) -يعنون أهل نجد- وإنا لا نصل إليك إلا في شهر حرام.\n_________\n(١) سيأتي الحديث عن فرض الصوم قريبًا إن شاء الله.\n(٢) في (م) و(ط): \"خيار\".\n(٣) كلمة \"إنهم\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) المصنف ﵀ يهدف من وراء كل هذا إثبات أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل فرض الحج وقد اختلف أهل العلم -كما ذكر المصنف- في السنة التي قدم فيها وفد عبد القيس، فذهب ابن جرير إلى أن قدومهم كان في السنة العاشرة للهجرة، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٩٩)، وذهب القاضي عياض إلى أن قدومهم كان سنة ثمان للهجرة، كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ١٥٥)، وذهب تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية إلى أن قدومهم كان سنة تسع للهجرة، زاد المعاد (٣/ ٦٠٧)، وأشار المصنف إلى ذلك القول، أما الحافظ ابن كثير فيذهب إلى أن قدومهم كان قبل سنة تسع للهجرة، ومال إلى أنه كان قبل فتح مكة، البداية والنهاية (٥/ ٤٤)، وقال: \"لكن في سياق ابن عباس (يعني حديث وفد بني عبد القيس الذي رواه ابن عباس) ما يدل على أن قدوم وفد عبد القيس كان في فتح مكة لقولهم: وبيننا وبينك هذا الحي من مضر لا نصل إليك إلا في شهر حرام\" وقد انتقد ما درج عليه كثير من المؤرخين وأصحاب المغازي والسير والمحدثين مثل محمد بن إسحاق، والواقدي، والبخاري، والبيهقي، وغيرهم، حين ساقوا قصص الوفود سنة تسع للهجرة، مع أن بعض هذه الوفود قد تقدم مجيئهم قبل العام التاسع من الهجرة، بل بعضهم قبل فتح مكة\"، وقال: \"وقد ذكر محمد بن إسحاق ثم الواقدي والبخاري ثم البيهقي بعدهم من الوفود ما هو متقدم تاريخ قدومهم على سنة تسع، بل وعلى فتح مكة، وقد قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ﴾، وتقدم قوله - ﷺ - يوم الفتح: (لا هجرة ولكن جهاد ونية) فيجب التمييز بين السابق من هؤلاء الوافدين على زمن الفتح ممن يعد وفوده هجرة، وبين اللاحق لهم بعد الفتح ممن وعد الله خيرًا وحسنى، ولكن ليس في ذلك كالسابق له في الزمان والفضيلة، والله أعلم\" \"البداية والنهاية\" (٥/ ٣٧).\n(٥) في (م) و(ط): \"إن بيننا\".\n(٦) هو مضر بن نزار بن معد بن عدنان -من أجداد النبي - ﷺ -، وهو الجد السابع عشر =","vol":"1","page":523},{"text":"وسنة تسع كانت العرب قد ذلت وتركت الحرب، وكانوا بين مسلم أو معاهد خائف، لما فتح الله مكة (١)، ثم هزم هوازن يوم حنين (٢)، وإنما كانوا ينتظرون بإسلامهم فتح مكة (٣).\nوقد بعث النبي - ﷺ - أبا بكر - ﵁ - أميرًا على الحج سنة تسع، وأردفه بعلي بن أبي طالب - ﵁ -، لتنفيذ العهود التي كانت بين النبي - ﷺ - وبين العرب، إلا أنه أجلهم أربعة أشهر من حين حجة أبي بكر (٤) وكانت\n_________\n= -وإليه تنسب قبيلة قريش، وقيل إنه أول من حدا للإبل، ومضر هو أخو ربيعة بن نزار، ويقال لهما: الصريحان، ومن ربيعة بنو عبد القيس، ومضر وربيعة قبيلتان عربيتان عظيمتان مشهورتان، تاريخ ابن جرير (١/ ٥١٤)، جمهرة أنساب العرب لابن حزم (١٠)، الأنساب للسمعاني (٥/ ٣١٨)، البداية والنهاية (١٨٥، ٢٣٧).\n(١) فتحت مكة المكرمة بالاتفاق في رمضان سنة ثمان للهجرة، سيرة ابن هشام (٢/ ٣٩٢)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٥٢)، زاد المعاد (٣/ ٣٩٢)، البداية والنهاية (٤/ ٢٧٧).\n(٢) قبيلة هوازن تنسب إلى جدها هوازن بن منصور بن عكرمة، من قيس عيلان، من ولد عدنان، وبنو هوازن بطون كثيرة، وقبائل عديدة، منهم بنو سعد قبيلة حليمة السعدية مرضعة النبي - ﷺ -، جمهرة أنساب العرب (٢٥٢)، الأنساب (٣/ ٢٥٥)، وقد كانت غزوة حنين في شوال سنة ثمان، بعد أن فتحت مكة. وحنين واد معروف بين مكة والطائف، جرت فيه معركة مشهورة -جاء ذكرها في القرآن الكريم (سورة التوبة ٢٥، ٢٦) - بين المسلمين بقيادة الرسول - ﷺ -، وبين الكافرين من قبائل هوازن وثقيف وغيرها، وكانت الدائرة في أولها على المسلمين، حين أعجبوا بكثرتهم فلم تغن عنهم شيئًا، وثبت النبي - ﷺ - فى نفر قليل من أصحابه، حتى أنزل الله سكينته ونصره على رسوله والمؤمنين، وهزم جموع الكافرين، سيرة ابن هشام (٢/ ٤٣٦)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٦٥)، زاد المعاد (٣/ ٤٦٥)، البداية والنهاية (٤/ ٣٢١).\n(٣) جاء في حديث عمرو بن سلمة في صحيح البخاري برقم (٤٢٠٢): \"وكانت العرب تلوم بإسلامهم الفتح\" ومعنى تلوم: تنتظر، النهاية في غرب الأثر (٤/ ٢٧٨)، وأصل الفعل بتائين: تتلوم، قاله الحافظ في الفتح (٨/ ٢٣)، وقال الجوهري: التلوم: الانتظار والتمكث، الصحاح (٥/ ٢٠٣٤)، وروى ذلك الطبراني في المعجم الكبير برقم (٦٣٤٩) ٧/ ٤٨، والدارقطني في السنن (٢/ ٤٢)، والبيهقي في سننه (٣/ ٩١).\n(٤) روى البخاري برقم (٣٦٩) كتاب الصلاة عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف أن =","vol":"1","page":524},{"text":"في ذي القعدة (١)\n_________\n= أبا هريرة - ﵁ - قال: بعثني أبو بكر - ﵁ - في تلك الحجة في مؤذنين يوم النحر، نؤذن بمنى: أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان، قال حميد بن عبد الرحمن: ثم أردف رسول الله - ﷺ - عليًا، فأمره أن يؤذن ببراءة، قال أبو هريرة: فأذن معنا علي في أهل منى يوم النحر. . .\nورواه مسلم برقم (١٣٤٧) كتاب الحج، وروى البخاري أيضًا برقم (١٦٢٢) كتاب الحج عن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن أبا بكر الصديق - ﵁ - بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله - ﷺ - قبل حجة الوداع يوم النحر. . (أي: سنة تسع).\nوأول الحديث مرسل كما بيّن الحافظان ابن رجب، الفتح (٢/ ٤٠١)، وابن حجر، الفتح (٨/ ٣١٨)، ولكن ثبت هذا الإرسال عن علي - ﵁ - من وجوه أخرى كما بيّن ذلك الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى.\nورواه الترمذي برقم (٣٠٩١) كتاب تفسير القرآن، والنسائي برقم (٢٩٥٧) كتاب مناسك الحج، وأبو داود برقم (١٩٤٦) كتاب المناسك.\nوأما بالنسبة لتنفيذ العهود فقد روى الترمذي برقم (٣٠٩٢) كتاب تفسير القرآن عن زيد بن يشيع قال: سألنا عليًا بأي شيء بعثت في الحجة؟ قال: بعثت بأربع: أن لا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين النبي - ﷺ - عهد فهو إلى مدته، ومن لم يكن له عهد فأجله أربعة أشهر، ولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة، ولا يجتمع المشركون والمسلمون بعد عامهم هذا، وقال: حديث حسن صحيح.\nورواه الدارمي برقم (١٩١٩) كتاب المناسك، ورواه سعيد بن منصور في سننه برقم (١٠٠٥، ٥/ ٢٣٣: وقال محققه: سنده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك ٤/ ١٧٨ وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\n(١) هذا هو أحد القولين في المسألة، وهو أن حجة أبي بكر الصديق - ﵁ - كانت في ذي القعدة سنة تسع، وهو قول مجاهد، والقول الثاني: أنها كانت في ذي الحجة من السنة نفسها، وبه قال جمع من أهل العلم وقد ذكر البيهقي في السنن الكبرى (٥/ ١٦٦) رواية عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى بسنده إلى مجاهد ﵀ أن حجة الصديق كانت في ذي القعدة، وذكر عنه أيضًا رواية أخرى عن الزهري أنها كانت في ذي الحجة.\nوقال البيهقي: قال أبو عبد الله (أي: الإمام أحمد): \"نزلت سورة براءة قبل حجة أبي بكر رضي الله تعالى عنه، وفيها: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ وفيها: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا﴾ [التوبة: ٣٦، ٣٧]، فهل كان يجوز أن يحج أبو بكر على حج العرب، وقد أخبر الله أن فعلهم ذلك كان كفرًا\".\nوقال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٥٩٥): \"هل كانت حجة =","vol":"1","page":525},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الصديق - ﵁ - في ذي الحجة، أم وقعت في ذي القعدة من أجل النسيء الذي كان الجاهلية يؤخرون له الأشهر ويقدمونها؟ على قولين، والثاني قول مجاهد وغيره، وعلى هذا فلم يؤخر النبي - ﷺ - الحج بعد فرضه عامًا واحدًا، بل بادر إلى الامتثال في العام الذي فرض فيه\"، وفهم من ذلك أن ابن القيم يميل إلى قول مجاهد.\nوقد ورد في تفسير النسيء أكثر من وجه، منها وجهان تتغير فيهما أشهر الحج، وقد ذكر جمع من المفسرين أن حجة الصديق - ﵁ - كانت في ذي القعدة، عند تفسيرهم لقول الحق ﷾: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، ومن هؤلاء القاضى أبو بكر بن العربي ﵀ في أحكام القرآن (٢/ ٥٠٣)، والقرطبي في تفسيره (٨/ ٦٩)، والحافظ ابن كثير في تفسيره (٢/ ٣٥٨).\nوروى البيهقي بسنده عن الإمام الشافعي ﵀ أنه قال عن أهل الجاهلية: \"ينسئون فيحجون في شهر، وعامًا في غيره، ويقولون: إن أخطأنا موضع الحرم في عام أصبناه في غيره، فأنزل الله جل ثناؤه: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ. .﴾ \" السنن الكبرى (٥/ ١٦٥).\nأما الحافظ الذهبي رحمه الله تعالى فقال عن أحداث السنة التاسعة من الهجرة: \"وفيها حج بالناس أبو بكر الصديق - ﵁ -، بعثه النبي - ﷺ - على الموسم في أواخر ذي القعدة، يقيم للمسلمين حجهم، ونزلت براءة إثر خروجه\" السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٦٢)، ووقع عنده ﵀ في حديث زيد بن يثيع المتقدم قال: سألت عليًا - ﵁ -، بأي شيء بعثت في ذي الحجة؟ . . .، وهذا اللفظ إن كان محفوظًا فهو نص في الخلاف في هذه المسألة، ولكن لم أجد هذه اللفظة في روايات الحديث، وإنما الذي ورد هو قوله: في الحجة، أي في تلك الحجة التي أمر النبي - ﷺ - أبا بكر على الموسم، ولعل ما وقع تحريف أو تصحيف.\nوأما الحافظ ابن كثير، فبعد أن أورد قول مجاهد عقب عليه قائلًا: \"وهذا الذي قاله مجاهد فيه نظر أيضًا، وكيف تصح حجة أبى بكر، وقد وقعت في ذي القعدة، وأنّى هذا؟ ! ! وقد قال الله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَرَسُولُهُ. .﴾ [التوبة: ٣] وإنما نودي به في حجة أبي بكر، فلو لم تكن في ذي الحجة لما قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ. .﴾ تفسير ابن كثير (٢/ ٣٥٨)، وهو استدلال قوي ظاهر.\nوذكر الحافظ ﵀ في الفتح (٨/ ٨٢) أن ابن سعد روى بإسناد صحيح عن مجاهد أن حجة أبي بكر وقعت في ذي القعدة، ووافقه عكرمة بن خالد، ثم قال: \"ومن عدا هذين (يعني مجاهدًا وعكرمة) إما مصرح بأن حجة أبي بكر كانت في ذي الحجة، كالداودي، وبه جزم من المفسرين الرماني، والثعلبي، والماوردي، وتبعهم جماعة، وإما ساكت، والمعتمد ما قاله مجاهد وبه جزم الأزرقي. . . \"، =","vol":"1","page":526},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ الآية [التوبة: ٥]، وهذه الأربعة التي أجلوها هي الأربعة الحرم.\nولهذا غزا النبي - ﷺ - النصارى بأرض الروم عام تبوك سنة تسع قبل إرسال أبي بكر - ﵁ - أميرًا على الموسم (١)، وإنما أمكنه غزو النصارى لما اطمأن من جهة مشركي العرب، وعلم أنه لا خوف على الإسلام منهم.\nولهذا لم يأذن لأحد ممن يصلح للقتال في التخلف، فلم يتخلف إلا منافق، أو الثلاثة الذين تيب عليهم (٢)، أو معذور.\nولهذا لما استخلف عليًا على المدينة (٣) عام تبوك طعن المنافقون فيه\n_________\n= ثم أورد بعض ما يؤيد أنها كانت في ذي الحجة.\nوذكر الإمام الشوكاني رحمه الله تعالى أن الطبراني وأبا الشيخ وابن مردويه قد أخرجوا عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"كانت العرب يحلون عامًا شهرًا، وعامًا شهرين، ولا يصيبون الحج إلا في كل سنة وعشرين سنة مرة، وهي النسيء الذي ذكره الله في كتابه، فلما كان عام حج أبو بكر بالناس وافق ذلك العام، فسماه الله الحج الأكبر، ثم حج رسول الله - ﷺ - من العام القابل. . . \" فتح القدير (٢/ ٣٦٠).\nومما يتبين بعد كل هذه الأقوال التي أوردناها أن القول بأن حجة الصديق - ﵁ - وافقت ذا الحجة قد يكون هو القول الأقرب، والله أعلم.\n(١) كانت غزوة تبوك في شهر رجب سنة تسع للهجرة، سيرة ابن هشام (٢/ ٥١٥)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨١)، البداية والنهاية (٥/ ٣).\n(٢) وهم الذين قال الله فيهم: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾ [التوبة: ١١٨]، وهم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومرارة بن الربيع، وقصة كعب بن مالك وصاحبيه - ﵃ - في الصحيح رواها البخاري في صحيحه برقم (٤٤١٨) كتاب المغازي، ومسلم برقم (٦٧٦٩) كتاب التوبة، والنسائي برقم (٣١٠٢) كتاب تفسير القرآن،، وأحمد برقم (٢٦٦٣٤).\n(٣) المشهور عند أهل المغازي والسير أن النبي - ﷺ - في غزوة تبوك استخلف عليًا على أهله، أما الذي استخلفه على المدينة ففيه قولان، الأول: أنه محمد بن مسلمة الأنصاري، والثاني: سباع بن عرفطة، وحكى الحافظ ابن في الجوزية القولين في =","vol":"1","page":527},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الزاد، وقال: إن القول الثاني هو قول ابن هشام، ورجح الأول، وقال: إنه أثبت (٣/ ٥٢٩).\nوقال ابن جرير بالقول الثاني، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٣)، وإلى مثله ذهب ابن حبان في كتاب الثقات (٢/ ٧٣).\nوقال الحافظ أبو الحجاج المزي أن النبي - ﷺ - خلف عليًا على المدينة وعلى أهله، تهذيب الكمال (٢٠/ ٤٧٢) وأما الذهبي فقال في السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢٣٥) بالقول الأول، مع أنه حين ترجم لمحمد بن مسلمة - ﵁ - في السير (٢/ ٣٦٩) قال: \"وقيل إن النبي - ﷺ - استخلفه مرة على المدينة\"، وكان الأمر لم يثبت عنده، وذكر ابن كثير القولين فلم يرجح منهما شيئًا البداية والنهاية (٥/ ٧).\nأما الحافظ ابن عبد البر فقد قال عن محمد بن مسلمة: \"استخلفه رسول الله - ﷺ - على المدينة في بعض غزواته. . وقيل إنه استخلفه عام تبوك\" الاستيعاب على هامش الإصابة (٣/ ٣٣٥)، وذكر عن سباع أن النبي - ﷺ - استعمله على المدينة حين خرج إلى خيبر وإلى دومة الجندل، الاستيعاب (٢/ ١٢٨).\nوذكر الحافظ ابن حجر فى الإصابة (٣/ ٣٨٣) عند ترجمته لمحمد بن مسلمة أنه شهد المشاهد إلا غزوة تبوك، فإنه تخلف بإذن النبي - ﷺ - له أن يقيم بالمدينة، وذكر عن سباع في الإصابة أيضًا (٢/ ١٣) أن النبي - ﷺ - استخلفه على المدينة عام خيبر، وقال: إن أبا حاتم ذكر أن النبي - ﷺ - استعمله على المدينة في غزوة دومة الجندل.\nأما المصنف فيرى أن النبي - ﷺ - قد استخلف على المدينة عليًا - ﵁ -، وقال في موضع آخر: \"لأن النبي - ﷺ - كان في كل غزاة يترك بالمدينة رجالًا من المهاجرين والأنصار، إلا في غزوة تبوك، فإنه أمر المسلمين جميعهم بالنفير، فلم يتخلف بالمدينة إلا عاص، أو معذور غير النساء والصبيان، ولهذا كره علي الاستخلاف، وقال: أتخلفني مع النساء والصبيان؟ . . . فبين له النبي - ﷺ - أن الاستخلاف ليس نقصًا ولا غضاضة، فإن موسى استخلف هارون على قومه لأمانته عنده. . . \" منهاج السنة (٥/ ٤٣)، (٧/ ٣٢٨).\nقلت: لكن ما جاء في الأحاديث يخالف ذلك، ويؤيد ما ذهب إليه المصنف ﵀، فقد روى البخاري في صحيحه (سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله) عن سعد - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - خرج إلى تبوك، واستخلف عليًا على المدينة، وثبت في المسند (١٥٣٢) من حديث سعد - ﵁ - قال: إن رسول الله - ﷺ - حين خرج في غزوة تبوك استخلف عليًا على المدينة. .، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، (المسند ٣/ ٦٦).","vol":"1","page":528},{"text":"لضعف هذا الاستخلاف، وقالوا إنما خلفه لأنه يبغضه، فأتبعه علي وهو يبكي فقال: (أتخلفني مع النساء والصبيان؟) فقال: \"أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي\" (١).\nوكان قبل ذلك يستخلف على المدينة من يستخلفه، وفيها رجال من أهل القتال وذاك لأنه لم يكن حينئذ بأرض العرب، لا بمكة، ولا بنجد ونحوهما، من يقاتل أهل دار الإسلام -مكة والمدينة وغيرهما- ولا يخيفهم.\nثم لما رجع من تبوك أمر (٢) أبا بكر على الموسم، يقيم الحج والصلاة، ويأمر أن لا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان (٣)، وأتبعه بعلي لأجل نقض العهود، إذ كانت عادة العرب أنهم لا يقبلون (٤)\n_________\n(١) حديث صحيح متفق على صحته، رواه البخاري برقم (٤٤١٦) كتاب المغازي باب غزوة تبوك، ومسلم برقم (٢٤٠٤) ٤/ ١٨٧٠ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل علي بن أبي طالب - ﵁ -، والترمذي برقم (٣٧٢٤) كتاب المناقب، والنسائي في سننه الكبرى (٥/ ٤٤)، وابن ماجه برقم (١١٥) في المقدمة، وأحمد برقم (١٣٣٥)، وأبو يعلى برقم (٣٤٤) ١/ ٢٨٥، وغيرهم، وهو من حديث سعد بن أبي وقاص - ﵁ -، ورواه أحمد برقم (١٠٨٧٩) من طريق أبي سعيد الخدري، وبرقم (٢٦٥٤١) من طريق أسماء بنت عميس، وابن حبان برقم (٦٦٤٣) ١٥/ ١٥ من طريق أم سلمة، والطبراني في المعجم الكبير (٥/ ٢٠٣) من طريق زيد بن أرقم والبراء بن عازب، وكذلك أخرجه برقم (١١٠٨٧) ١١/ ٧٤ من طريق ابن عباس ﵃ أجمعين.\nوأما بكاء علي - ﵁ - فقد روى الإمام أحمد في مسنده برقم (١٤٦٣) عن سعد - ﵁ - أن عليًا خرج مع النبي - ﷺ - حتى جاء ثنية الوداع، وعلي يبكي يقول: تخلفني مع الخوالف ...، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، وروى مثل ذلك النسائي في السنن الكبرى (٥/ ١٢٠) وأما شكواه - ﵁ - من الطعن في استخلافه فقد روى النسائي في السنن الكبرى (٥/ ٤٤) أن النبي - ﷺ - لما غزا تبوك خلف عليًا بالمدينة فقالوا: ملّه، وكره صحبته. .، وروى ابن سعد في الطبقات (٣/ ٢٣) مثل ذلك، وذكر ذلك أيضًا ابن هشام في سيرته (٢/ ٥١٩).\n(٢) في (ط): \"أقر\".\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٤) في (ط): \"أن لا يقبلوا\".","vol":"1","page":529},{"text":"إلا من المطاع الكبير، أو من رجل من أهل بيته (١).\nوالمقصود أن بهذا يتبين (٢) أن قدوم وفد عبد القيس كان قبل ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-219>[الكلام على حديث ضمام، الطريق الأولى]</span>\nوأما حديث ضمام (٣) فرواه مسلم في صحيحه عن أنس بن مالك: نهينا أن نسأل رسول الله - ﷺ - عن شيء، فكان يعجبنا أن يجيء الرجل من أهل البادية العاقل يسأله ونحن نسمع، فجاء رجل من أهل البادية فقال: يا محمد أتانا رسولك فزعم أن الله أرسلك، قال: \"صدق\".\nقال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\".\nقال: فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\".\nقال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \"الله\".\nقال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: \"نعم\".\nقال: وزعم رسولك [أنك تزعم] (٤) أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: \"صدق\".\n_________\n(١) روى الإمام أحمد برقم (٤) عن زيد بن يثيع عن أبي بكر لما قدم المدينة من تلك الحجة بكى، وقال: يا رسول الله حدث فىَّ شيء! ! قال ما حدت فيك إلا خير، ولكن أمرت أن لا يبلغه إلا أنا أو رجل من أهل بيتي. .، وقال محققه الشيخ أحمد شاكر ﵀: إسناده صحيح.\nونقل القاضي أبو بكر ابن العربي عن الشيخ أبي المظفر طاهر بن محمد شاه بور قوله: \"وكانت سيرة العرب أنه لا يحل العقد إلا الذي عقده، أو رجل من أهل بيته، فأراد النبي - ﷺ - أن يقطع ألسنة العرب بالحجة، وأن يرسل ابن عمه الهاشمي من بيته بنقض العهد، حتى لا يبقى لهم متكلم، وهذا بديع في فنه\" أحكام القرآن (٢/ ٤٥٤).\n(٢) في (م) و(ط): \"أن هذا يبين\".\n(٣) هو ضمام بن ثعلبة السعدي، من بني سعد بن بكر، قدم على النبي - ﷺ - سنة خمس، وقيل: سنة تسع، ورجح الحافظ الثاني. الإصابة (٢١٠/ ٢).\n(٤) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط)، وموافق لروايات الحديث.","vol":"1","page":530},{"text":"قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\".\nقال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: \"صدق\".\nقال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\".\n[قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: \"صدق\".\nقال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\"] (١).\nقال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إله سبيلًا، قال: \"صدق\".\nثم ولى الرجل، وقال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\" (٢).\nوعن أنس قال: بينما نحن جلوس مع النبي - ﷺ - في المسجد، إذ دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله، ثم قال لهم: أيكم محمد؟ والنبي - ﷺ - متكئ بين ظهرانيهم.\nفقلنا: هذا الرجل الأبيض المتكئ.\nفقال الرجل: ابن عبد المطلب، فقال له النبي - ﷺ - \"قد أجبتك\". فقال الرجل للنبي - ﷺ -: إنني سائلك فمشدد عليك في المسألة، فلا تجد علي في نفسك، فقال: \"سل عما بدا لك\".\nفقال: أسالك بربك ورب من قبلك آلله أرسلك إلى الناس كلهم؟ .\nفقال: \"اللهم نعم\".\nوذكر أنه سأله عن الصلاة والزكاة، ولم يذكر الصيام (٣) والحج فقال\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين سقط من جميع النسخ التي بين أيدينا، وهي في صحيح مسلم.\n(٢) هذا الوجه رواه مسلم برقم (١٢) كتاب الإيمان باب السؤال عن أركان الإسلام، والترمذي برقم (٦١٩) كتاب الزكاة، والنسائي برقم (٢٠٩١) كتاب الصيام، وأحمد برقم (١٢٠٤٨)، والدارمي برقم (٦٥٠) كتاب الطهارة.\n(٣) كذا قال، لكن الصوم مذكور في هذا الحديث، فقد جاء فيه: \"قال: أنشدك بالله آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة؟ قال: اللهم نعم\".","vol":"1","page":531},{"text":"الرجل: آمنت بما جئت به، وأنا رسول من ورائي من قومي، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر (١).\nهذان الطريقان في الصحيحين، لكن البخاري لم يذكر في الأول الحج، بل ذكر الصيام، والسياق الأول أتم، والناس جعلوا (٢) الحديثين حديثًا واحدًا.\nو[يشبه] (٣) والله أعلم أن يكون البخاري رأى أن ذكر الحج فيه وهمًا، لأن سعد بن بكر (٤) هم من هوازن، وهم أظْآر (٥) رسول الله - ﷺ -، وهوازن كانت معهم وقعة حنين بعد فتح مكة، فأسلموا كلهم بعد الوقعة، ودفع إليهم النبي - ﷺ - النساء والصبيان بعد أن قسمها على العسكر (٦)\n_________\n(١) هذا الوجه رواه البخاري برقم (٦٣) كتاب العلم باب ما جاء في العلم، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾، والنسائي برقم (٢٠٩٢) كتاب الصيام، وأبو داود برقم (٤٨٦) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٤٠٢) كتاب إقامة الصلاة والسنة يها، وأحمد برقم (١٢٣٠٨).\nوقد اختلف في السنة التي قدم فيها ضمام على رسول الله - ﷺ -، فقيل: سنة خمس قاله الواقدي، وقيل: سنة سبع، وقيل: سنة تسع، وهو قول ابن إسحاق وأبي عبيدة فيما ذكره الحافظ عنهما، أما الحافظ نفسه فقد اختلف قوله، فقال عند شرحه للحديث في كتاب العلم أن قدومه كان سنة تسع، الفتح (١/ ١٥٢)، وحين عاد إليه في كتاب الزكاة ذكر أن قدومه في سنة خمس، الفتح (٣/ ٢٦٦)، أما في الإصابة فقد رجح القول بأن قدومه كان سنة تسع، الإصابة (٢/ ٢١١)، وانظر الاستيعاب (٢/ ٢١٥)، وهذا القول هو الراجح.\n(٢) في (ط): \"يجعلون\".\n(٣) في نسخة الأصل: \"يشتبه\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب إلى المعنى.\n(٤) في (ط): \"بن أبي بكر\"، وهو خطأ.\n(٥) في (ط): \"أصهار\"، وهو تصحيف، وخطأ بين، إذ كيف تكون هوازن أصهارًا له - ﷺ -، وهو لم يتزوج منهم قط، وإنما هم أظآره، أي مرضعوه، لأنه - ﷺ - استرضع في بني سعد بن بكر، وهم من هوازن، قال في القاموس المحيط (ص ٥٥٥): \"الظئر بالكسر: العاطفة على ولد غيرها، المرضعة له في الناس، وغيرهم للذكر والأنثى، وجمعه: أظؤر، وأظآر. . \".\n(٦) في (ط): \"المعسكر\".","vol":"1","page":532},{"text":"واستطاب أنفسهم في ذلك (١).\nفلا تكون هذه الزيادة (٢) إلا قبل فتح مكة، والحج لم يكن فرض إذ ذاك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-220>[الطريق الثانية]</span>\nوحديث طلحة بن عبيد الله ليس فيه إلا الصلاة والزكاة والصيام، وقد قيل: إنه حديث ضمام، وهو في الصحيحين عن طلحة بن عبيد الله قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع (٣) دوي صوته (٤)، ولا يفقه (٥) ما يقول، حتى دنا من رسول الله - ﷺ -، فإذا هو يسأل\n_________\n(١) روى البخاري فى صحيحه برقم (٤٣١٩) كتاب المغازي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا﴾. . . عن مروان والمسور بن خرمة أن رسول الله - ﷺ - قام حين جاءه وفد هوازن مسلمين، فسألوه أن يرد إليهم أموالهم وسبيهم، فقال لهم رسول الله - ﷺ -: معي من ترون، وأحب الحديث إلي أصدقه، فاختاروا إحدى الطائفتين: إما السبي، وإما المال، وقد كنت استأنيت بكم -وكان أنظرهم رسول الله - ﷺ - بضع عشرة ليلة حين قفل من الطائف- فلما تبين لهم أن رسول الله - ﷺ - غير راد إليهم إلا إحدى الطائفتين، قالوا: فإنا نختار سبينا، فقام رسول الله - ﷺ - في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإن إخوانكم قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيت أن أرد إليهم سبيهم، فمن أحب منكم أن يطيب ذلك فليفعل، ومن أحب منكم أن يكون على حظه حتى نعطيه إياه من أول ما يفيء الله علينا فليفعل، فقال الناس: قد طيبنا ذلك لهم يا رسول الله. . . الحديث، (أي نرد الأسرى بطيب نفس)، ورواه أبو داود برقم (٢٦٩٣) كتاب الجهاد، وروى القصة البخاري مختصرة في التاريخ الأوسط (١/ ٧٢)، وأحمد برقم (١٨٤٣٥)، ورواه ابن إسحاق بسنده، سيرة ابن هشام (٢/ ٤٨٩)، ورواه ابن جرير من طريق ابن إسحاق، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٧٣)، والقصة في السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء (٢/ ٢١٨)، وزاد المعاد (٣/ ٤٧٥)، البداية والنهاية (٤/ ٣٥٣)، غير أن سياق ابن إسحاق دل إلى أن رده - ﷺ - للسبي كان قبل القسمة، وهو خلاف لما في الصحيح، وما في الصحيح أولى، وقد أشار الحافظ ابن كثير ﵀ إلى ذلك.\n(٢) في (ط): \"الزيارة\".\n(٣) في (ط): \"نسمع\".\n(٤) قال القاضي عياض ﵀: دوي صوته: بفتح الدال، أي بعده في الهواء، مأخوذ من دوي الرعد \"كتاب الإيمان من إكمال المعلم\" (١/ ١٣٩)، وقال الحافظ في الفتح (١/ ١٠٦)، \"وقال الخطابي: الدوي: صوت مرتفع مكرر ولا يفهم، وإنما كان كذلك لأنه نادى من بعد\".\n(٥) في (م) و(ط): \"نفقه\".","vol":"1","page":533},{"text":"عن الإسلام فقال رسول الله - ﷺ -: \"خمس صلوات في اليوم والليلة\"، قال: هل علي غيرهن (١)؟ قال: \"لا إلا أن تطوع\".\nقال: وذكر له رسول الله - ﷺ - الزكاة قال: هل علي غيرها؟ قال: \"لا إلا إن تطوع\"، قال: فأدبر الرجل وهو يقول: والله لا أزيد على هذا ولا أنقص منه، فقال رسول الله - ﷺ -: أفلح إن صدق\" (٢).\nوليس في شيء من طرقه ذكر الحج، بل فيه ذكر الصلاة والزكاة والصيام، كما في حديث وفد عبد القيس.\nوفي الصحيحين أيضًا عن أبي هريرة: أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله دلني على عمل إذا عملته دخلت الجنة.\nقال: \"تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة المكتوبة، وتؤدي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان\".\nقال: والذي نفسي بيده لا أزيد على هذا شيئًا أبدًا، ولا أنقص منه.\nفلما ولى قال النبي - ﷺ -: \"من سره أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا\" (٣).\nوهذا يحتمل أن يكون هو ضمامًا (٤).\n_________\n(١) في (ط): \"غير ذلك\".\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٦) كتاب الإيمان باب الزكاة من الإسلام، ورقم (١٨٩١) كتاب الصوم باب وجوب صوم رمضان، ورقم (٢٦٧٨) كتاب الشهادات باب كيف يستحلف، قال تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾، ورقم (٦٩٥٦) كتاب الحيل باب في الزكاة، وأن لا يفرق بين مجتمع، ولا يجمع بين متفرق خشية الصدقة، ومسلم برقم (١١) ١/ ٤٠ كتاب الإيمان باب بيان الصلوات التي هي أحد أركان الإسلام، والنسائي برقم (٤٥٨) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٣٩١) كتاب الصلاة، ومالك برقم (٤٢٥) كتاب النداء للصلاة، والدارمي برقم (١٥٧٨) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (١٣٩٣).\n(٣) رواه البخاري برقم (١٣٩٧) كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم (١٤) كتاب الإيمان بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. .، وأحمد برقم (٨٣١٠).\n(٤) ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ أن هذا الأعرابي الذي ورد ذكره في حديث أبي هريرة قد اختلف فى اسمه، فقيل: عبد الله بن المنتفق اليشكري (الإصابة ٤/ ٢٤٥)، =","vol":"1","page":534},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-221>[الكلام على حديث الأعرابي]</span>\nوقد جاء في بعض الأحاديث ذكر الصلاة والزكاة فقط كما في الصحيحين عن أبي أيوب الأنصاري: أن أعرابيًا عرض لرسول الله - ﷺ - وهو في سفر، فأخذ بخطام ناقته، أو بزمامها (١)، ثم قال: يا رسول الله! أو يا محمد! أخبرني بما يقربني من الجنة، وما يباعدني من النار، قال: فكف رسول الله - ﷺ - ثم نظر إلى أصحابه ثم قال: \"لقد وفق، أو لقد هدي\".\nثم قال: \"كيف قلت\"؟\nفأعاد، فقال النبي - ﷺ -: \"تعبد الله لا تشرك به شيئًا، وتقيم الصلاة، وتؤتي (٢) الزكاة، وتصل الرحم\"، فلما أدبر قال رسول الله - ﷺ -: \"إن تمسك بما أمرته به دخل الجنة\" (٣)، هذه الألفاظ في مسلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-222>[الكلام على حديث النعمام بن قوقل]</span>\nوقد جاء ذكر الصلاة والصيام في حديث النعمان بن قوقل (٤)، رواه مسلم عن جابر بن عبد الله قال: سأل رجل النبي - ﷺ - قال: أرأيت إذا صليت الصلوات المكتوبات، وصمت رمضان، وأحللت الحلال، وحرمت الحرام، ولم أزد على ذلك شيئًا، أأدخل الجنة؟ قال: \"نعم\".\nقال: والله لا أزيد على ذلك شيئًا.\nوفي لفظ: أتى النبي - ﷺ - النعمان بن قوقل (٥).\n_________\n= وقيل: صخر بن القعقاع الباهلي (الإصابة ٢/ ١٨١)، وقيل بتعدد القصة، (الفتح ٢٦٤/ ٣).\n(١) الخطام: هو كل ما وضع في أنف البعير ليقتاد به، قاله في القاموس المحيط (ص ١٤٢٦)، الصحاح (٥/ ١٩١٤)، والزمام بنفس المعنى تقريبًا، الصحاح (٥/ ١٩٤٤).\n(٢) في (ط): \"تؤدي\".\n(٣) رواه البخاري برقم (١٣٩٦) كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم (١٣) ١/ ٤٢ كتاب الإيمان باب بيان الإيمان الذى يدخل به الجنة. .، والنسائي برقم (٤٦٨) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٣٠٢٧).\n(٤) الاستيعاب على هامش الإصابة (٣/ ٥٤٨)، الإصابة (٣/ ٥٦٤).\n(٥) رواه مسلم برقم (١٥) كتاب الإيمان باب بيان الإيمان الذي يدخل به الجنة. .، وأحمد برقم (١٣٩٨٥).","vol":"1","page":535},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-223>[الكلام على حديث ابن عمر]</span>\nوحديث النعمان [هذا] (١) قديم، فإن النعمان بن قوقل قتل قبل فتح مكة، قتله بعض بني سعيد بن العاص كما ثبت ذلك في الصحيح (٢).\nفهذه الأحاديث خرجت جوابًا لسؤال السائلين (٣)، إلا (٤) حديث ابن عمر (٥) فإنه مبتدأ.\nوأحاديث الدعوة والقتال (٦) فيها الصلاة والزكاة كما في الصحيحين عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا [ذلك] (٧)، عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله \" (٨).\n_________\n(١) كلمة \"هذا\" ليست في نسخة الأصل، وهي في (م) و(ط).\n(٢) روى البخاري في صحيحه برقم (٢٨٨٢٦) كتاب الجهاد والسير باب الكافر يقتل المسلم عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"أتيت رسول الله - ﷺ - وهو بخيبر بعدما افتتحوها فقلت: يا رسول الله! أسهم لي، فقال بعض بني سعيد بن العاص: لا تسهم له يا رسول الله، فقال أبو هريرة: هذا قاتل ابن قوقل، فقال ابن سعيد بن العاص: وا عجبًا لوبر تدلى علينا من قدوم ضأن، ينعي علي قتل رجل مسلم أكرمه على يدي، ولم يهني على يديه. . \"، وهذا الذي قتل النعمان بن قوقل هو أبان بن سعيد بن العاص كما جاء مصرحًا بذلك في كتاب المغازي برقم (٤٢٣٩)، والقصة رواها أيضًا أبو داود برقم (٢٧٢٤) كتاب الجهاد.\nوذكر الحافظ أن إسلام أبان كان قبل خيبر بعد الحديبية، الفتح (٦/ ٤١).\n(٣) في (ط): \"سائلين\".\n(٤) في (ط): \"أما\".\n(٥) يعني قول النبي - ﷺ - \"بني الإسلام على خمس. . . الحديث\" وهو في الصحيحين.\n(٦) في (م): \"القتل\".\n(٧) ما بين المعكوفتين مضافة من (ط).\n(٨) رواه البخاري برقم (٢٥) كتاب الإيمان باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾، والتاريخ الكبير (١/ ٨٤)، ومسلم برقم (٢٢) ١/ ٥٠ كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة. .، وابن حبان في صحيحه برقم ١٧٥) ١/ ٤٠١، والدارقطني في سننه (١/ ٢٣٢)، والبيهقي (٣/ ٩٢)، وهذا الحديث ليس في مسند أحمد كما بين الحافظ ﵀، والفتح (١/ ٧٦)، ولكن من حديث ابن عمر، كما سنذكره إن شاء الله.","vol":"1","page":536},{"text":"وقد أخرجاه في الصحيحين من حديث أبي هريرة (١).\n_________\n(١) حديث أبي هريرة - ﵁ - لفظه: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا بحقه، وحسابه على الله\" وليس فيه ذكر الصلاة والزكاة كحديث ابن عمر، وقد رواه البخاري برقم (٢٩٤٦) كتاب الجهاد والسير باب دعاء النبي - ﷺ - الناس إلى الإسلام والنبوة. . .، ومسلم برقم (٢١) ١/ ٥٢ كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس. . . والترمذي برقم (٢٦٠٦) كتاب الإيمان، والنسائي، برقم (٣٠٩٠) كتاب الجهاد، وأبو داود برقم (٢٦٤٠)، وابن ماجه برقم (٧١) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٦٨٧).\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٧٦): \"ولم ينفرد ابن عمر بالحديث المذكور، بل رواه أبو هريرة أيضًا بزيادة الصلاة والزكاة فيه كما سيأتي الكلام عليه إن شاء الله في كتاب الزكاة\".\nقلت: قد رجعت إلى كتاب الزكاة فلم أجد فيه سوى حديث أبي هريرة في ذكر الخلاف بين الصديق وعمر ﵃ أجمعين في قال المرتدين، واستدلال عمر بنفس حديث أبي هريرة المتقدم، وليس في ذكر للصلاة والزكاة.\nوحين جاء الحافظ على حديث أبي هريرة في كتاب الزكاة قال: \"وأما حديث أبي هريرة في قصة أبي بكر في قتال مانعي الزكاة فقد تقدم الكلام عليه في شرح حديث ابن عمر. . . \" الفتح (٣/ ١٦٦) ولم يشر إلى ورود الصلاة والزكاة في حديثه، لكن حين جاء عليه جاء عليه في كتاب الجهاد والسير قال: \"لكن في حديث ابن عمر زيادة إقامة الصلاة، وإيتاه الزكاة، وقد وردت الأحاديث بذلك زائدًا بعضها على بعض، ففي حديث أبي هريرة الاقتصار على قول لا إله إلا الله. . . \" الفتح (٦/ ١١٢).\nوقد تبين بعد هذا أن زيادة الصلاة والزكاة لم ترد في الصحيحين إلا من طريق ابن عمر - ﵁ -، وقد ذكر الصلاة دون الزكاة من حديث أنس عند البخاري برقم (٣٩٣) كتاب الصلاة باب فضل استقبال القبلة، ولفظه: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها وصلوا صلاتنا، واستقبلوا قبلتنا، وأكلوا ذبيحتنا، فقد حرمت علينا دماؤهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله\" ورواه الترمذي برقم (٢٦٥٨) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٣٩٦٦) كتاب تحريم الدم، وأبو داود برقم (٢٦٤١) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (١٢٦٤٣)، والبيهقي ٣/ ٩٢.\nوقد يكون مراد الحافظ ﵀ بقوله المتقدم أن ابن عمر لم ينفرد بزيادة الصلاة والزكاة، وأن أبا هريرة قد روى الحديث بهذه الزيادة في غير الصحيح.\nفقد رويت زيادة الصلاة والزكاة عن أبي هريرة عند ابن ماجه برقم (٧١) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٥٢٥)، وإسحاق بن راهوية في مسنده (١/ ٢٩٤)، =","vol":"1","page":537},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= وابن خزيمة برقم (٢٢٤٨) ٤/ ٨، والدارقطني في السنن (٢/ ٨٩)، والحاكم (١/ ٣٧٨)، والبيهقي (٧/ ٤).\nورويت من حديث معاذ - ﵁ - عند ابن ماجه برقم (٧٢) في المقدمة، وأحمد برقم (٢٢١٧٥)، والطبراني في الكبير (٢٠/ ٦٣)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٣٢).\nكما رويت أيضًا في حديث أنس - ﵁ - عند النسائي برقم (٣٠٩٤) في الصغرى (المجتبى)، وفي الكبرى (٢/ ٢٨٠)، وأبي يعلى برقم (٦٨) ١/ ٦٩، والبيهقي (٤/ ٧).\nفثبت أن ابن عمر لم ينفرد بهذا الزيادة، وتابعه أبو هريرة لكن في غير الصحيحين، وقد تابعهما أيضًا -كما بينا- معاذ بن جبل، وأنس بن مالك ﵃ أجمعين.\nلكن هنا إشكال كبير، وهو أنه ورد في بعض الأحاديث السابقة التي رويت فيها زيادة الصلاة والزكاة في غير الصحيحين -كالنسائي والحاكم وابن خزيمة وغيرهما- قول أبي بكر: \"إنما قال رسول الله - ﷺ -: أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة\" حين استدل عمر بقوله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها فقد عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها وحسابهم على الله\"، وهو خلاف الذي في الصحيحين وهو قوله - ﵁ - \"والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عقالًا. . . \".\nيقول القاضي عياض ﵀ بعد أن ذكر الخلاف بين الصديق وعمر - ﵄ -، ثم ساق حديث ابن عمر في الصحيحين الذي في الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة: \"هذا هو نص في قال من لم يصلِّ ولم يؤت الزكاة، وأن من لم يفعل ذلك لم يعصم دمه وماله، كمن لم يشهد بالشهادتين، لكن يدل على احتجاج عمر على أبي بكر بالحديث، وليس فيه غير ذكر الشهادتين دون غيرهما أنهما لم يسمعاه، وأن ابن عمر سمع ذلك في موطن آخر، والله أعلم، ولو سمع ذلك عمر لما احتج بالحديث دونها، إذ تلك الزيادة عليه حجة، ولو سمعها أبو بكر لاحتج بها على عمر، ولم يحوج إلى الحجة بالقياس، ولا بعموم فوله: إلا بحقها\". كتاب الإيمان من إكمال المعلم (٢/ ١٩١)، ووافقه الحافظ، ونقل في الفتح (١٢/ ٢٧٧) كلامه هذا مختصرًا.\nوقال الحافظ أيضًا في الفتح (١/ ٧٦) عن حديث ابن عمر الذي فيه ذكر الصلاة والزكاة: \"ولو كانوا يعرفونه لما كان أبو بكر يقر عمر على الاستدلال بقوله ﵊: أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، وينتقل عن الاستدلال بهذا النص إلى القياس، إذ قال: لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، =","vol":"1","page":538},{"text":"[و] (١) رواه مسلم عن جابر قال #: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فمن قال: لا إله إلا الله، عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه، وحسابه على الله\" (٢).\nوفي لفظ لمسلم: \"حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويؤمنوا بي، وبما جئت به\" (٣).\nوهذا اللفظ الذي كان قد سمعه عمر، وناظر فيه أبا بكر، لما أراد\n_________\n= لأنها قرينتها في كتاب الله. . . ولم يستدل أبو بكر بالقباس فقط، بل أخذه أيضًا من قوله ﵊ في الحديث الذي رواه: إلا بحق الإسلام، قال أبو بكر: والزكاة حق الإسلام. . . وفي القصة دليل على أن السنة قد تخفى على بعض أكابر الصحابة، ويطلع عليها آحادهم. . \".\nوللمصنف كلام بعد ذلك يوافق ما ذكره القاضي عياض والحافظ ابن حجر.\nفالثابت في الصحيحين أن الصديق - ﵁ - استدل بالقياس الصحيح -كما ذكر القاضي عياض- وبالقياس والاستنباط من قوله ﵊: إلا بحقها - كما قال الحافظ ابن حجر.\nقلت: وحل الإشكال بأحد أمرين: إما أن يقدم ما ثبت في الصحيحين، ويضرب صفحًا عما سواهما، ويصبح ما خالفهما شاذًا، وإما إن يقال: إن الصديق - ﵁ - استدل أولًا بالقياس والاستنباط، ثم بلغه النص بعد ذلك فاستدل به.\nثم وجدت أن الحافظ ابن رجب الحنبلي ﵀ قد أورد هذا الإشكال في جامع العلوم والحكم (١/ ٢٣٣)، ونبه إلى أن هناك خطأ في هذه الروايات، وقال: \"ولكن هذه الرواية أيضًا أخطأ فيها عمران القطان إسنادًا ومتنًا، قاله أئمة الحفاظ، منهم علي بن المديني، وأبو زرعة، وأبو حاتم، والترمذي، والنسائي، ولم يكن هذا الحديث عن النبي - ﷺ - بهذا اللفظ عند أبي بكر، وإنما قال أبو بكر والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، وهذا أخذه -والله أعلم- من قوله في الحديث: إلا بحقها. . \".\n(١) هذه الواو ليست في النسخ، وأضفناها ليتضح المعنى.\n(٢) حديث جابر رواه مسلم (١/ ٥٣) كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله. . .، والترمذي رقم (٣٣٤١)، وابن ماجه برقم (٣٩٢٨) كتاب الفتن، برقم (١٣٧٩٧).\n(٣) هذا اللفظ في مسلم (١/ ٥٢) من رواية أبي هريرة - ﵁ -، ورواه أيضًا الدارقطني في سننه (٢/ ٨٩).","vol":"1","page":539},{"text":"قتال مانعي الزكاة، فقال له: كيف تقاتل الناس، وقد قال رسول الله - ﷺ - # (١): \"أمرت أن أقاتل الناس، حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، فإذا قالوا عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\".\nفقال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال (٢).\nفكان من فقه أبي بكر - ﵁ - أنه فهم من ذلك الحديث [المختصر] (٣) أن القتال على الزكاة [قتال] (٤) على حق المال.\nوقد بين النبي - ﷺ - مراده بذلك في اللفظ المبسوط الذي رواه ابن عمر (٥).\nوالقرآن صريح في موافقة حديث ابن عمر قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوحديث معاذ (٦) لما بعثه إلى اليمن لم يذكر فيه النبي - ﷺ - إلا الصلاة والزكاة.\nفلما كان في بعض الأحاديث ذكر بعض الأركان دون بعض، أشكل ذلك على بعض الناس.\n_________\n(١) ما بين العلامتين # سقط كبير من (ط) و(م).\n(٢) خلاف عمر مع الصديق - ﵁ - في قتال مانعي الزكاة رواه البخاري برقم (١٣٩٩) و(١٤٠٠) كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم (٢٠) كتاب الإيمان باب الأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله محمد رسول الله. .، والترمذي برقم (٢٦١٧) كتاب الإيمان، والنسائي برقم (٢٤٤٣) كتاب الزكاة، وأبو داود برقم (١٥٥٦) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (١٠٤٥٩)، وابن حبان برقم (٢١٦) ١/ ٤٤٩، والبيهقي (٤/ ١٠٤).\n(٣) في نسخة الأصل: \"المختص\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٤) في نسخة الأصل: \"فقال\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٥) هو الحديث الذي تقدم تخريجه، وورد فيه الأمر بالقتال حتى يقولوا لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة.\n(٦) يأتي بتمامه بعد ذلك إن شاء الله.","vol":"1","page":540},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-224>[الجواب عن سبب اختلاف الروايات]</span>\n[فأجاب بعض الناس] (١) أن (٢) سبب هذا أن الرواة اختصر بعضهم الحديث الذي رواه، وليس الأمر كذلك، فإن هذا طعن في الرواة و[نسبة لهم] (٣) إلى الكذب (٤)، إذ هذا الذي ذكره إنما يقع في الحديث الواحد، مثل حديث وفد عبد القيس، حيث ذكر بعضهم الصيام، وبعضهم لم يذكره، وحديث ضمام حيث ذكر بعضهم الخمس، وبعضهم لم يذكره، وحديث النعمان بن قوقل حيث ذكر بعضهم فيه الصيام، وبعضهم لم يذكره (٥).\nفهنا (٦) يعلم أن أحد [الراويين] (٧) اختص بالنقص (٨) أو غلط في الزيادة.\nفأما الحديثان المنفصلان (٩) فليس الأمر كذلك، لا سيما والأحاديث\n_________\n(١) ما بين المعكوفتين ليس في نسخة الأصل، وهو في (م) و(ط).\n(٢) في (ط): \"بأن\".\n(٣) في نسخة الأصل: \"ونسبته إليهم\".\n(٤) قول المصنف هذا يحتاج إلى وقفة وتأمل، فلطالما ذكر شراح الأحاديث أن بعض الرواة قد اختصر الحديث، وقد ذكر الحافظ ابن حجر ﵀ في هدي الساري في الفصل الثالث الذي جعله في بيان تقطيع الإمام البخاري - ﵁ - للحديث، واختصاره وفائدة إعادته. . (١٥) في سبب ذلك: \"ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة، ويرويها بعضهم مختصرة، فيوردها كما جاءت، ليزيل الشبهة عن ناقليها. . \".\nوذكر الحافظ أيضًا في الفتح (١/ ١٣٣) قولًا لبعض العلماء عند كلامه على حديث وفد عبد القيس، وأن الراوي ترك بعض الأركان اختصارًا أو نسيانًا.\nوقال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٦٥) في حديث الأعرابي الذي أخذ بخطام ناقة النبي - ﷺ -، ولم يذكر فيه الحج: \"لم يذكر الحج لأنه حينئذٍ كان حاجًا، ولعله ذكره له فاختصره. . . \".\nفتبين أن القول بأن بعض الرواة قد يختصرون الحديث الواحد -كما ترى- قول معروف عند أهل العلم، وهو ما أشار إليه المصنف.\n(٥) وقد تقدم الكلام على هذه الأحاديث ورواياتها المختلفة.\n(٦) في (ط): \"فبهذا\".\n(٧) في نسخة الأصل: \"الروايتين\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٨) في (م): \"اختصر بالبعض\"، وفي (ط): اختصر البعض.\n(٩) في (م): \"المفصلان\".","vol":"1","page":541},{"text":"قد تواترت بكون الأجوبة كانت مختلفة، وفيها ما يبين (١) قطعًا أن النبي - ﷺ - تكلم بهذا تارة، وبهذا تارة.\nوالقرآن يصدق ذلك فإن الله سبحانه في بعض الآيات علق الأخوة الإيمانية بالصلاة والزكاة فقط (٢) كما في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١].\nكما أنه (٣) علق ترك القتال على ذلك في قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥].\nوقد تقدم حديث ابن عمر الذي في الصحيحين موافقًا لهذه الآية.\nوأيضًا فإن في حديث وفد عبد القيس ذكر خمس المغنم، لأنهم كانوا طائفة ممتنعة يقاتلون، ومثل هذا لا يذكر جواب سؤال سائل بما يجب عليه في حق نفسه.\nولكن عن هذا (جوابان):\n(أحدهما): أن النبي - ﷺ - أجاب بحسب نزول الفرائض، وأول ما فرض الله الشهادتين، ثم الصلاة، فإنه أمر بالصلاة في أول أوقات الوحي (٤).\nبل قد ثبت في الصحيح أنه أول ما نزل عليه: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾ [العلق: ١ - ٥] (٥).\nثم أنزل عليه بعد ذلك: ﴿يَاأَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ [المدثر: ١، ٢] (٦)، فهذا الخطاب إرسال له إلى الناس، والإرسال بعد الإنباء، فإن\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"بين\".\n(٢) في (ط): تقديم وتأخير، والعبارة فيها كالتالي: فإن الله علق الأخوة الإيمانية في بعض الآيات بالصلاة والزكاة.\n(٣) في (ط): \"أن\".\n(٤) ومال إلى هذا القول الإمام الخطابي في أعلام الحديث (١/ ١٥٧ - ١٥٩).\n(٥) روى ذلك البخاري في حديث نزول الوحي الطويل برقم (٣) و(٤) كتاب بدء الوحي، ورواه مسلم برقم (١٦٠) كتاب الإيمان باب بدء الوحي إلى رسول الله - ﷺ -.\n(٦) كلمة (هو) ليست في (م) و(ط).","vol":"1","page":542},{"text":"الخطاب الأول ليس فيه إرسال وآخر سورة اقرأ: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: ١٩]، فأول السورة هو أمر [بالقراءة] (١)، وآخرها أمر بالسجود، والصلاة مؤلفة من أقوال وأعمال، وأفصل أقوالها القراءة، وأفضل أعمالها السجود، والقراءة أول أقوالها المقصودة، وما بعده تبع له.\nوقد روي أن الصلاة أول ما فرضت كانت ركعتين بالغداة، وركعتين بالعشي (٢)، ثم فرضت الخمس ليلة المعراج (٣)، وكانت ركعتين ركعتين، فلما هاجر أقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر (٤).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: من القرآن.\n(٢) لعل المؤلف يشير إلى ما رواه البيهقي (١/ ٣٥٩) عن قتادة قال: \"كان بدء الصلاة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي\".\nوقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٦٥): \"ذهب جماعة إلى أنه لم يكن قبل الإسراء صلاة مفروضة، إلا ما كان وبالأمر به من صلاة الليل من غير تحديد، وذهب الحربي إلى أن الصلاة كانت مفروضة ركعتين بالغداة وركعتين بالعشي. . . \"، وذكر الحافظ هذا القول في غير موضع (٢/ ٥٣)، (٧/ ٢٠٣).\nكما حكى ﵀ عن القاضي أبي بكر ابن العربي (١٢/ ٢٨٦) أن قومًا من الخوارج أنكروا الصلوات الخمس، وقالوا: الواجب صلاة بالغداة وصلاة بالعشي.\n(٣) رواه البخاري برقم (٣٤٩) كتاب الصلاة باب كيف فرضت الصلوات في الإسراء، ومسلم برقم (١٦٢) ١/ ١٤٥ كتاب الإيمان باب الإسراء برسول الله - ﷺ - إلى السماوات، وفرض الصلوات، والنسائي برقم (٤٥٠) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٣٩٩) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وأحمد برقم (١٢٠٩٦).\n(٤) يشير المؤلف ﵀ إلى إحدى روايات عائشة في ذلك المقام، فقد روى البخاري برقم (٣٩٣٥) كتاب المناقب من حديث عائشة قالت: \"فرضت الصلاة ركعتين، ثم هاجر النبي - ﷺ -، ففرضت أربعًا، وتركت صلاة السفر على الأولى\".\nورواه أحمد برقم (٢٥٥١١) بلفظ أطول عن عائشة قالت: \"فرضت الصلاة ركعتين ركعتين بمكة، فلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، زاد في كل ركعتين ركعتين، إلا المغرب فإنها وتر النهار، وصلاة الفجر لطول قراءتهما\" ورواه البيهقي في سننه الكبرى (١/ ٣٦٢).\nأما الرواية الأكثر ورودًا فقد جاءت مطلقة دون ذكر لمكة أو المدينة، ولفظها: \"فرض الله الصلاة حين فرضها، ركعتين في الحضر والسفر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر\" رواها البخاري برقم (٣٥٠) كتاب الصلاة، وسلم برقم (٦٨٥) كتاب صلاة المسافرين وقصرها، والنسائي برقم (٤٥٣) كتاب الصلاة، =","vol":"1","page":543},{"text":"وكانت الصلاة تكمل [شيئًا] (١) بعد شيء، فكانوا أولًا يتكلمون في الصلاة، ولم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد (٢)، وحرم عليهم الكلام (٣).\n_________\n= وأبو داود برقم (١١٩٨) كتاب الصلاة، ومالك برقم (٣٣٧) كتاب النداء للصلاة، والدارمي برقم (١٥٠٩) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٥٤٣٦).\n(١) في نسخة الأصل و(م): شيء، وأثبتنا ما في (ط) لأنه أقرب إلى الصواب.\n(٢) روى الشيخان عن ابن مسعود قال: \"كنا نقول إذا كنا في الصلاة خلف النبي - ﷺ -: السلام على الله، السلام على فلان، فقال لنا رسول الله - ﷺ - ذات يوم: إن الله هو السلام، فإذا قعد أحدكم في الصلاة فليقل: التحيات لله. . \" واللفظ لمسلم، وقد رواه البخاري برقم (٨٣١) كتاب الأذان باب التشهد في الآخرة، ومسلم برقم (٤٠٢) ١/ ٣٠١ كتاب الصلاة باب التشهد في الصلاة، وأبو داود برقم (٩٦٨) كتاب الصلاة وابن ماجه برقم (٨٩٩) كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، والدارمي برقم (١٣٤٠) كتاب الصلاة.\nومن أقوى ما يؤيد كلام المصنف ما رواه النسائي في سننه الصغرى برقم (١٢٧٧) كتاب السهو، وفي الكبرى برقم (١٢٠٠) ١/ ٣٧٨ عن عبد الله بن مسعود - ﵁ - قال: \"كنا نقول في الصلاة قبل أن يفرض التشهد: السلام على الله. . . \" الحديث، ورواه الدارقطني في سننه وصححه (١/ ٣٥٠)، والبيهقي وصححه في السنن الكبرى (٢/ ١٣٨).\nوقال السندي في حاشيته على سنن النسائي (٣/ ٤١): \"قبل أن يفرض التشهد، ظاهره أن التشهد محله فرض، ويحتمل أن المراد قبل أن يشرع التشهد. . . \"، وكل ما ذكرناه يؤيد كلام المصنف أن الصلاة لم يكن فيها تشهد، ثم أمروا بالتشهد.\n(٣) يشير المؤلف رحمه إلى حديث عبد الله بن مسعود وحديث زيد بن أرقم في الصحيحين، فحديث ابن مسعود رواه البخاري برقم (١١٩٩) كتاب العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، ولفظه: \"كنا نسلم على النبي - ﷺ - وهو في الصلاة فيرد علينا، فلما رجعنا من عند النجاشي سلمنا عليه فلم يرد علينا، وقال: إن في الصلاة شغلًا\"، ورواه مسلم برقم (٥٣٨) ١/ ٣٨١ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة، ونسخ ما كان من إباحة، والنسائي برقم (١٢٢٠) كتاب السهو، وأبو داود برقم (٩٢٣) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٠١٩)، كتاب إقامة الصلاة والسنة فيها، وكلهم بألفاظ متقاربة، ورواه أحمد برقم (٤١٣٤) ولفظه: \"كنا نتكلم في الصلاة، ويسلم بعضنا على بعض، ويوصي أحدنا بالحاجة، فأتيت النبي - ﷺ -، فسلمت عليه وهو =","vol":"1","page":544},{"text":"وكذلك لم يكن بمكة لهم أذان، وإنما شرع الأذان بالمدينة بعد الهجرة (١)، وكذلك صلاة الجمعة (٢)، والعيد، والكسوف، والاستسقاء،\n_________\n= يصلي فلم يرد علي، فأخذني ما قدم وما حدث، فلما صلى قال: إن الله ﷿ يحدث من أمره ما شاء، وإنه قد أحدث أن لا تكلموا في الصلاة\".\nأما حديث زيد بن أرقم - ﵁ - فرواه البخاري برقم (١٢٠٠) كتاب العمل في الصلاة باب ما ينهى من الكلام في الصلاة، ولفظه: \"إن كنا لنتكلم فى الصلاة على عهد النبي - ﷺ -، يكلم أحدنا صاحبه بحاجته، حتى نزلت: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ. . .﴾ الآية فأمرنا بالسكوت\"، ورواه مسلم برقم (٥٣٩) كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب تحريم الكلام في الصلاة. .، ولفظ مسلم: \"كنا نتكلم في الصلاة، يكلم الرجل صاحبه وهو إلى جنبه في الصلاة، حتى نزلت: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ فأمرنا بالسكوت، ونهينا عن الكلام\"، ورواه أيضًا النسائي برقم (١٢١٩) كتاب السهو، والترمذي برقم (٤٠٥) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٩٤٩) كتاب الصلاة\" وأحمد برقم (١٨٧٩٢).\nوقد اختلف أهل العلم في تحريم الكلام في الصلاة، هل كان بمكة أو بالمدينة، وقد ذكر الخلاف الحافظ ابن رجب في الفتح (٩/ ٢٩٢)، والحافظ ابن حجر في الفتح (٣/ ٧٢).\n(١) روى الشيخان أن ابن عمر كان يقول: كان المسلمون حين قدموا المدينة يجتمعون فيتحينون الصلاة، ليس ينادى لها، فتكلموا يومًا في ذلك، فقال بعضهم: اتخذوا ناقوسًا مثل ناقوس النصارى، وقال بعضهم: بل بوقًا مثل قرن اليهود، فقال عمر: أولا تبعثون رجلًا ينادي بالصلاة؟ فقال رسول الله - ﷺ -: يا بلال، قم فناد بالصلاة\"، رواه البخاري برقم (٦٠٤) كتاب الأذان باب بدء الأذان، ومسلم برقم (٣٧٧) ١/ ٢٨٥ كتاب الصلاة باب بدء الأذان.\nوقد رواه ابن المنذر في كتابه (الأوسط) برقم (١١٦٠) ٣/ ١١ وقال: \"هذا الحديث يدل على أن بدء الأذان إنما كان بعد أن هاجر النبي - ﷺ - إلى المدينة، وأن صلاته بمكة إنما كانت بغير نداء ولا إقامة. . . \".\nوالأصل في بدء الأذان حديث عبد الله بن زيد الأنصاري - ﵁ -، ورؤياه في ذلك، وحديثه رواه الترمذي برقم (١٨٩) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (٤٩٩) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (٧٠٦) كتاب الأذان والسنة فيه، وأحمد برقم (١٦٠٤١).\n(٢) ذكر الحافظ ابن رجب ﵀ أن الجمعة فرضت بالمدينة، وذكر أن هذا قول جمهور العلماء، قال: \"ويدل عليه - أيضًا- أن سورة الجمعة مدنية، وأنه لم يثبت أن النبي - ﷺ - كان يصلي بالجمعة بمكة قبل هجرته، ونص الإمام أحمد على أن أول جمعة جمعت في الإسلام هي التي جمعت بالمدينة مع مصعب بن عمير، وكذا =","vol":"1","page":545},{"text":"وقيام رمضان، وغير ذلك إنما شرع بالمدينة بعد الهجرة، وأمروا بالزكاة والإحسان فى مكة أيضًا، ولكن فرائض الزكاة ونصبها إنما شرعت بالمدينة (١)، وأما صوم رمضان فهو إنما فرض في السنة الثانية من الهجرة (٢)، وأدرك النبي - ﷺ - تسع رمضانات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-225>[فصل] [الخلاف في زمن فرض الحج]</span>\nوأما الحج فقد تنازع الناس في وجوبه فقالت طائفة: فرض سنة ست من الهجرة # وعمدتهم في ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، نزلت سنة ست # (٣) عام الحديبية باتفاق الناس قالوا: وهذه الآية تدل على وجوب الحج، ووجوب العمرة أيضًا، لأن الأمر بالإتمام\n_________\n= قال عطاء، والأوزاعي، وغيرهما\" الفتح (٨/ ٦٢)، وانظر: زاد المعاد (١/ ٣٧٢)، والفتح لابن حجر (٢/ ٣٥٤).\n(١) قال الحافظ في الفتح (٣/ ٢٦٦): \"اختلف في أول وقت فرض الزكاة، فذهب الأكثر أنه وقع بعد الهجرة، فقيل: كان في السنة الثانية قبل فرض رمضان. .، وادعى ابن خزيمة في صحيحه أن فرضها كان قبل الهجرة. . ومما يدل على أن فرض الزكاة وقع بعد الهجرة اتفاقهم على أن صيام رمضان إنما فرض بعد الهجرة، لأن الآية الدالة على فرضيته مدنية بلا خلاف، وثبت عند أحمد وابن خزيمة أيضًا، والنسائي وابن ماجه والحاكم من حديث قيس بن سعد بن عبادة قال \"أمرنا رسول الله - ﷺ - بصدقة الفطر قبل أن تنزل الزكاة، ثم نزلت فريضة الزكاة، فلم يأمرنا ولم ينهنا ونحن نفعله\" إسناده صحيح رجاله رجال الصحيح إلا أبا عمار الراوي له عن قيس بن سعد، وهو كوفي اسمه عريب بالمهملة المفتوحة ابن حميد، وقد وثقه أحمد وابن معين، وهو دال على أن فرض صدقة الفطر كان قبل فرض الزكاة، فيقتضي وقوعها بعد فرض رمضان، وذلك بعد الهجرة، وهو المطلوب\".\nوما ذهب إليه المصنف من أنهم أمروا بالزكاة في مكة، لكن فرائض الزكاة ونصبها وأحكامها لم تشرع إلا في المدنية، هو المتوجه في هذا الباب، وقد ذكر الحافظ مثل ذلك، الفتح (٣/ ٢٦٦).\n(٢) قال الحافظ ابن القيم ﵀ في زاد المعاد (٢/ ٣٠) عن صوم رمضان: \"وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، فتوفي رسول الله - ﷺ - وقد صام تسع رمضانات. . . \"، وانظر تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨)، والبداية والنهاية (٣/ ٢٥٤).\n(٣) ما بين العلامتين (#) ساقط من (ط).","vol":"1","page":546},{"text":"يضمن الأمر بابتداء الفعل وإتمامه، وقال الأكثرون: إنما وجب الحج متأخرًا، قيل: سنة تسع، وقيل: سنة عشر، وهذا هو الصحيح (١).\nفإن آية الإيجاب إنما هي قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] (٢)، وهذه الآية في سورة (٣) آل عمران في سياق مخاطبته لأهل الكتاب، وصدر آل عمران، وما فيها من مخاطبة أهل الكتاب، نزل لما قدم على النبي - ﷺ - وفد نجران النصارى، وناظروه في أمر المسيح، وهم أول من أدى الجزية من أهل الكتاب (٤).\n_________\n(١) اختلف أهل العلم في وقت ابتداء فرض الحج فقل:\n١ - قبل الهجرة، وهو قول شاذ -كما قال الحافظ في الفتح (٣/ ٣٧٨).\n٢ - وقيل: سنة خمس للهجرة.\n٣ - وقيل: سنة ست للهجرة، وذكر الحافظ أن هذا قول الجمهور لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الفتح (٣/ ٣٧٨).\n٤ - وقيل: سنة سبع للهجرة.\n٥ - وقيل: سنة ثمان للهجرة.\n٦ - وقيل: سنة تسع للهجرة.\n٧ - وقيل: سنة عشر للهجرة، وهو ما رجحه المصنف.\nوهذه الأقوال ذكرها الشيخ أبو القاسم الرافعي في كتابه، فتح العزيز على هامش المجموع (٧/ ٣)، وذكرها المصنف ﵀ في كتابه شرح العمدة (١/ ٢١٨)، وقد أطال البحث فيها، ورد على من قال: إن الحج فرض سنة خمس، أو ست، غير أنه رجح أن يكون فرضه سنة تسع، شرح العمدة (١/ ٢٢٢).\nأما تلميذ المصنف الحافظ ابن القيم، فقد ذكر أن فرض الحج كان سنة تسع أو عشر، ولم يجزم بشيء، زاد المعاد (٢/ ١٠١).\nومن آثار هذا الخلاف المسألة المشهورة في وجوب الحج، هل هو على الفور أو التراخي، وخلاف الفقهاء في ذلك.\n(٢) قال الحافظ ابن كثير ﵀ عند هذه الآية: \"هذه آية وجوب الحج عند الجمهور\" ورجح ذلك القول، تفسير ابن كثير (١/ ٣٨٦).\n(٣) كلمة \"سورة\" ليست في (م) و(ط).\n(٤) وردت قصة وفد نجران مختصرة في الصحيح من رواية حذيفة - ﵁ - قال: \"جاء العاقب والسيد صاحبا نجران إلى رسول الله - ﷺ - يريدان أن يلاعناه، قال: فقال أحدهما لصاحبه: لا تفعل، فوالله لئن كان نبيًا فلاعننا لا نفلح نحن ولا عقبنا من بعدنا، قالا: إنا نعطيك ما سألتنا، وابعث معنا رجلًا أمينًا، ولا تبعث معنا =","vol":"1","page":547},{"text":"وكان ذلك بعد إنزال سورة براءة، التي شرع فيها الجزية، وأمر فيها بقتال أهل الكتاب، وحتى يعطوا الجزية عن يد وهو صاغرون.\nوغزا النبي - ﷺ - غزوة تبوك، التي غزا فيها النصارى لما أمر الله بذلك في قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ [التوبة: ٢٩].\nولهذا لم يذكر وجوب الحج في عامة الأحاديث، وإنما جاء في الأحاديث المتأخرة، وقد قدم على النبي - ﷺ - وفد عبد القيس، وكان قدومه قبل فتح مكة على الصحيح كما قدمناه (١)، وقالوا: يا رسول الله، إن بيننا وبينك هذا الحي من كفار مضر، يعنون بذلك أهل نجد من تميم وأسد وغطفان، لأنهم بين البحرين وبين المدينة، وعبد القيس من ربيعة ليسوا من مضر، ولما فتحت مكة زال هذا الخوف، ولما قدم عليه وفد عبد القيس أمرهم بالصلاة والزكاة وصيام رمضان وخمس المغنم، ولم يأمرهم بالحج.\nوحديث ضمام قد تقدم أن البخاري لم يذكر فيه الحج، كما لم يذكر (٢) في حديث طلحة، وأبي هريرة، وغيرهما (٣)، مع قولهم: إن هذه الأحاديث هي من قصة ضمام، وهذا ممكن، مع أن تاريخ قدوم ضمام هذا ليس متيقنًا.\n_________\n= إلا أمينًا، فقال: لأبعثن معكم رجلًا أمينًا، حقَّ أمين، فاستشرف له أصحاب رسول الله - ﷺ -، فقال: قم يا أبا عبيدة بن الجراح، فلما قام: قال رسول الله -ﷺ -: هذا أمين هذه الأمة\"، ورواه البخاري برقم (٤٣٨٠) كتاب المغازي باب قصة أهل نجران، ومسلم برقم (٢٤٢٠) ٤/ ١٨٨٢ كتاب فضائل الصحابة باب فضائل أبي عبيدة بن الجراح، والترمذي برقم (٣٧٩٦) كتاب المناقب، وابن ماجه برقم (١٣٥) في المقدمة، وأحمد برقم (٣٩٢٠).\nوجاءت قصة الوفد مطولة فى كتب المغازي والسير من رواية ابن إسحاق، سيرة ابن هشام (١/ ٥٧٣)، ومن رواية سلمة بن عبد يسوع بن يونس، عن أبيه عن جده يونس -وكان نصرانيًا فأسلم- عند الحافظ البيهقي في دلائل النبوة (٣٨٢)، وانظر: البداية والنهاية (٥/ ٤٨)، وتفسير القرآن العظيم (١/ ٣٧٠).\n(١) في (م) و(ط): \"بيناه\" وانظر: ص ٥٢٣.\n(٢) فى (ط): \"يذكره\".\n(٣) وقد تقدم الكلام على ذلك فيما سبق.","vol":"1","page":548},{"text":"وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، فليس في لفظ (١) الآية إلا الأمر بإتمام ذلك، وذلك يوجب إتمام ذلك على من دخل فيه، فنزل الأمر بذلك لما أحرموا بالعمرة عام الحديبية، ثم أحصروا فأمروا بالإتمام، وبين لهم حكم الإحصار (٢)، ولم يكن حينئذ قد وجب عليهم لا عمرة ولا حج.\n(الجواب الثاني): أنه كان - ﷺ - يذكر في مقام ما يناسبه، فيذكر تارة الفرائض الظاهرة التي يقاتل (٣) على فعلها (٤) الطائفة الممتنعة، كالصلاة والزكاة.\nويذكر تارة ما يجب على المسائل، فمن أجابه بالصلاة والصيام، لم يكن عليه زكاة يؤديها، ومن أجابه بالصلاة والزكاة والصيام، فإما أن يكون قبل فرض الحج، وهذا هو الواجب في مثل حديث عبد القيس ونحوه، وإما أن يكون المسائل ممن لا حج عليه.\nوأما الصلاة والزكاة فلهما شأن ليس لسائر الفرائض، ولهذا ذكر الله تعالى في كتابه القتال عليهما (٥)، لأنهما عبادتان ظاهرتان (٦) بخلاف الصوم، فإنه أمر باطن وهو مما ائتمن الناس عليه، فهو من جنس الوضوء والاغتسال من الجنابة ونحو ذلك، مما يؤتمن عليه العبد، فإن الإنسان يمكنه أن لا ينوي الصوم، وأن يأكل سرًا، كما يمكنه أن يكتم حدثه وجنابته.\nوأما الصلاة والزكاة فأمر ظاهر، لا يمكن الإنسان بين المؤمنين أن يمتنع من ذلك وهو - ﷺ - يذكر في الإسلام الأعمال الظاهرة، التي يقاتل عليها الناس، ويصيرون مسلمين بفعلها، فلهذا علق ذلك بالصلاة والزكاة\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"هذه\".\n(٢) انظر: تفسير ابن كثير (١/ ٢٣٢).\n(٣) في (ط): \"تقاتل\".\n(٤) في (ط): \"تركها\".\n(٥) يعني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥]، وقد تقدم الكلام عنها.\n(٦) كلمة (ظاهرتان) ليست في (م) و(ط).","vol":"1","page":549},{"text":"دون الصيام، وإن كان الصوم واجبًا، كما في آيتي براءة (١)، فإن براءة نزلت بعد فرض الصيام باتفاق الناس.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-226>[الكلام على حديث معاذ]</span>\nوكذلك لما بعث معاذ بن جبل - ﵁ - إلى اليمن قال له: \"إنك تأتي قومًا أهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة ألا إله إلا الله، وأني رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة، فإن هم أطاعوك بذلك (٢)، فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم، فإن هم أطاعوا لك بذلك (٣) فإياك وكرائم أموالهم، واتق دعوة المظلوم، فإنه ليس بينها وبين الله حجاب\" أخرجاه في الصحيحين (٤).\nومعاذ أرسله إلى اليمن في آخر الأمر بعد فرض الصيام، بل بعد فتح مكة، بل بعد تبوك، وبعد فرض الحج والجزية، فإن النبي - ﷺ - مات ومعاذ باليمن، وإنما قدم المدينة بعد موته (٥)، ولم يذكر في هذا الحديث الصيام\n_________\n(١) المقصود بآيتي براءة هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ [التوبة: ٥]، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَنُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١١)﴾ [التوبة: ١١].\n(٢) في (م) و(ط): \"لذلك\"، وقد جاءت الروايات بالأمرين.\n(٣) في (ط): \"أطاعوك لذلك\"، وقد جاءت الروايات بالأمرين أيضًا.\n(٤) رواه البخاري برقم (١٣٩٥) كتاب الزكاة باب وجوب الزكاة، ومسلم برقم (١٩) ١/ ٥٠، كتاب الإيمان باب الدعاء إلى الشهادتين وشرائع الإسلام، والترمذي برقم (٦٢٥) كتاب الزكاة، والنسائى برقم (٢٤٣٥) كتاب الزكاة، وأبو داود برقم (١٥٨٤) كتاب الزكاة، وابن ماجه برقم (١٧٨٣) كتاب الزكاة، والدارمي برقم (١٦١٤) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (٢٠٧٢).\n(٥) قال الحافظ ابن حجر ﵀ في الفتح (٣/ ٣٥٨): \"وكان بعث معاذ إلى اليمن سنة عشر قبل حج النبي - ﷺكما ذكره المصنف في أواخر المغازي، وقيل: كان ذلك في أواخر سنة تسع عند منصرفه - ﷺ - من تبوك. . وقيل عام الفتح سنة ثمان، واتفقوا على أنه لم يزل على اليمن إلى أن قدم في عهد أبي بكر، ثم توجه إلى الشام فمات بها\". =","vol":"1","page":550},{"text":"لأنه تبع، وهو باطن، ولا ذكر الحج، لأن وجوبه خاص، وليس بعام، وهو لا يجب في العمر إلا مرة (١).\n_________\n= وقصد الحافظ أن البخاري ﵀ بوب بابًا قال فيه: \"باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن قبل حجة الوداع\" صحيح البخاري (٣/ ١٦٠).\n(١) قال الحافظ ﵀ في الفتح (٣/ ٣٦٠) عن حديث معاذ ما نصه: \"لم يقع في هذا الحديث ذكر الصوم والحج، ومع أن بعث معاذ كما تقدم وإن في آخر الأمر، وأجاب ابن الصلاح بأن ذلك تقصير من بعض الرواة، وتعقب بأنه يفضي إلى ارتفاع الوثوق بكثير من الأحاديث النبوية، لاحتمال الزيادة والنقصان، وأجاب الكرماني بأن اهتمام الشارع بالصلاة والزكاة أكثر، ولهذا كررا فى القرآن، فمن ثم لم يذكر الصوم والحج في هذا الحديث مع أنهما من أركان الإسلام، والسر في ذلك أن الصلاة والزكاة إذا وجبا على المكلف لا يسقطان عنه أصلًا، بخلاف الصوم فإنه قد يسقط بالفدية، والحج فإن الغير يقوم مقامه فيه كما في المعضوب، ويحتمل أنه حينئذ لم يكن شرع، انتهى. وقال شيخنا شيخ الإسلام: إذا كان الكلام في بيان الأركان لم يخل الشارع بشيء كحديث ابن عمر: \"بني الإسلام على خمىس\"، فإذا كان في الدعاء إلى الإسلام اكتفى بالأركان الثلاثة الشهادة والصلاة والزكاة، ولو كان بعد وجود فرض الصوم والحج كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ في موضعين من براءة، مع أن نزولها بعد فرض الصوم والحج قطعًا، وحديث ابن عمر أيضًا: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة\"، وغير ذلك من الأحاديث، قال: والحكمة في ذلك: أن الأركان الخمسة، اعتقادي وهو الشهادة، وبدني وهو الصلاة، ومالي وهو الزكاة، اقتصر في الدعاء إلى الإسلام عليها لتفرع الركنين الأخيرين عليها، فإن الصوم بدني محض، والحج بدني مالي، وأيضًا فكلمة الإسلام هي الأصل، وهي شاقة على الكفار، والصلوات شاقة لتكررها، والزكاة شاقة لما في جبلة الإنسان من حب المال، فإذا أذعن المرء لهذه الثلاثة كان ما سواها أسهل عليه بالنسبة إليها، والله أعلم\".\nوقد يقال: إن النبي - ﷺ - قال ذلك في مقام الدعوة إلى الله، ولم يقله في بأن أركان الإسلام، وألفاظ الحديث تدل على ذلك، كقوله ﵊: \"إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب\"، وقوله: \"فليكن أول ما ندعوهم إليها شهادة أن لا إله إلا الله. . . فإن هم أجابوك فأعلمهم\"، ثم حذره - ﷺ - من الظلم، فالحديث يعرض لكيفية الدعوة، ومنهج التعليم، لا لتعليم أركان الإسلام، وعلى ذلك فلم يستكمل ذكر أركان الإسلام، لأن ذكرها ليس هو المقصود، فلا إشكال إذن في الحديث، والله أعلم، وهذا القول قريب من القول الذي قبله.\nقلت: وهذا القول، وهو أن حديث معاذ كان في مقام الدعوة والتعليم، وليس في =","vol":"1","page":551},{"text":"ولهذا تنازع العلماء في تكفير من يترك شيئًا من هذه الفرائض [الأربع] (١) بعد الإقرار بوجوبها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-227>[كفر من ترك الشهادتين مع القدرة على التكلم بهما]</span>\nفأما الشهادتان إذا لم يتكلم بها مع القدرة، فهو كافر باطنًا وظاهرًا عند سلف الأمة، وأئمتها، وجماهير علمائها.\nوذهبت طائفة من المرجئة، وهم جهمية المرجئة، كجهم والصالحي وأتباعهما، إلى أنه إذا كان مصدقًا بقلبه كان كافرًا في الظاهر دون الباطن، وقد تقدم التنبيه على أصل هذا القول، وهو قول مبتدع في الإسلام، لم يقله أحد من الأئمة، وقد تقدم أن الإيمان الباطن يستلزم (٢) الإقرار الظاهر، بل وغيره، وأن وجود الإيمان الباطن تصديقًا وحيًا وانقيادًا بدون الإقرار الظاهر ممتنع.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-228>[كفر من جحد معلومًا من الدين بالضرورة]</span>\nوأما الفرائض [الأربع] (٣): فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر، وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها، كالفواحش والظلم والكذب والخمر ونحو ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-229>[ثبوت الشروط وانتفاء الموانع في التكفير]</span>\nوأما من لم تقم عليه الحجة، مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام، أو نشأ ببادية بعيدة لم تبلغه فيها شرائع الإسلام ونحو ذلك، أو غلط فظن أن الذين آمنوا وعملوا الصالحات يستثنون من تحريم الخمر، كما غلط في ذلك الذين استتابهم عمر، وأمثال ذلك فإنهم يستتابون، وتقام عليهم الحجة، فإن أصروا كفروا حينئذٍ، ولا يحكم بكفرهم قبل ذلك، كما لم\n_________\n= بيان أركان الإسلام، قد أشار إليه المصنف في كتابه هذا (شرح حديث جبريل) بقوله: \"وقد كان إذا أنزل الله وحيًا، أو أحدث نسخًا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه، كما بعث عليًا - ﵁ - بسورة براءة، مناديًا ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة. وبعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن\". انظر: ص ٦٢٩ من هذا الكتاب.\n(١) في نسخة الأصل: \"الأربعة\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في (م): \"مستلزم\".\n(٣) في نسخة الأصل و(م): \"الأربعة\"، والتصحيح من (ط).","vol":"1","page":552},{"text":"يحكم الصحابة بكفر قدامة بن [مظعون] (١) وأصحابه لما غلطوا (٢) فيه من التأويل (٣).\n_________\n(١) في نسخة الأصل: بياض، وما بين المعكوفتين من (م) و(ط).\n(٢) كلمة \"غلطوا\" كررت فى نسخة الأصل مرتين، وقد حذفناها لأنها خطأ.\n(٣) روى عبد الرزاق في المصنف برقم (١٧٠٧٦) والبيهقي في السنن الكبرى (٨/ ١٨) في قصة طويلة ملخصها: عن الزهري عن عبد الله بن عامر بن ربيعة أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، فشهد بعضهم أنه شرب فسكر، فاستدعاه عمر ليقيم عليه الحد، فقال قدامة: لو شربت كما يقولون ما كان لكم لتجلدوني، فقال عمر: ولم؟ قال قدامة: قال الله ﷿: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . .﴾ الآية [المائدة: ٩٣] فقال عمر: أخطأت التأويل، إن اتقيت الله اجتنبت ما حرم عليك، تم أقام عيه الحد.\nوقد روى البخاري برقم (٤٠١١) كتاب المغازي عن عبد الله بن عامر بن ربيعة -وكان من أكبر بني عدي، وكان أبوه شهد بدرًا مع النبي - ﷺ - أن عمر استعمل قدامة بن مظعون على البحرين، وكان شهد بدرًا، وهو خال عبد الله بن عمر وحفصة - ﵃ -، وقال الحافظ في الفتح ٧/ ٣٢٠) عند ذلك: \"ولم يذكر البخاري القصة لكونها موقوفة ليست على شرطه\".\nقلت: وقد روى النسائي القصة موصولة عن ابن عباس في السنن الكبرى (٣/ ٢٥٣).\nوروى أيضًا النسائي في السنن الكبرى (٣/ ٢٥٢)، والدارقطني في السنن (٣/ ١٦٦)، والحاكم في المستدرك (٤/ ٣٧٥)، والبيهقي في سننه الكبرى (٨/ ٣٢٠) عن ابن عباس قال: أن عمر - ﵁ - أتي برجل من المهاجرين الأولين، وقد كان شرب فأمر به أن يجلد فقال لم تجلدني، بيني وبينك كتاب الله ﷿، فقال عمر - ﵁ -: في أي كتاب الله تجد أني لا أجلدك، فقال: إن الله تعالى يقول: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية، فأنا من الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، شهدت مع رسول الله - ﷺ - بدرًا والحديبية والخندق والمشاهد، فقال عمر: ألا تردون عليه ما يقول، فقال ابن عباس: إن هذه الآيات أنزلت عذرًا للماضين، وحجة على الباقين، لأن الله ﷿ يقول: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ. . .﴾ ثم قرأ حتى أنفذ الآية الأخرى، ومن الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم اتقوا وآمنوا، ثم اتقوا وأحسنوا، فإن الله ﷿ قد نهى أن يشرب الخمر، ثم استشار عمر الصحابة، فأشار علي بجلده ثمانين جلدة، وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي.\nغير أنه في تلك الرواية لم يسم قدامة بعينه، ولكن القصة واحدة، والدليل على =","vol":"1","page":553},{"text":"وأما مع الإقرار بالوجوب، إذا ترك شيئًا من هذه الأركان الأربعة، ففي التكفير أقوال للعلماء هي روايات عن أحمد:\n(أحدها): أنه يكفر بترك واحد من الأربعة حتى الحج، وإن كان في جواز تأخيره نزاع بين العلماء، فمتى عزم على تركه بالكلية كفر، وهذا قول طائفة من السلف (١)، وهي إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (٢) أبو بكر (٣).\n_________\n= ذلك ما ذكره الحافظ في الإصابة (٣/ ٢٢٩) عن عبد الرزاق عن ابن جريج عن أيوب السختياني أنه لم يحد أحد من أهل بدر في الخمر إلا قدامة، وقد رواه عبد الرزاق عن أيوب برقم (١٧٠٧٥).\nوروى البيهقي في سننه (٩/ ١٠٥) واقعة جاء فيها أن ناسًا في الشام شربوا الخمر متأولين، منهم عبد بن الأزور، وضرار بن الأزور، وأبو جندل بن سهيل بن عمرو، فيهب أبو عبيدة إلى عمر - ﵄ -، فأمره أن يقيم الحد عليهم، فحدهم إلا عبد بن الأزور، فإنه استشهد في قتال الروم، وقد أشار الحافظ في الإصابة (٢/ ٢٠٩) في ترجمة ضرار وقال: \"ويقال إنه ممن شرب الخمر مع أبي جندب (كذا في المطبوع، والمعروف أنه أبو جندل، ولعلها تصحفت في المطبوع) فكتب فيهم أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب إليه، ادعهم فسائلهم، فإن قالوا إنها حلال، فاقتلهم، وإن زعموا أنها حرام فاجلدهم، ففعل، فقالوا: إنها حرام فجلدهم\".\nوذكر ابن قدامة في المغني (١٠/ ٣٢٢) أن الخلال روى بإسناده عن محارب بن دثار أن أناسًا بالشام شربوا الخمر، ولم يسمهم، وذكر أن الذي كتب إلى عمر هو يزيد بن أبي سفيان.\n(١) ونقل المصنف هذا القول في الإيمان الكبير عن الحكم بن عتبة، وسعيد بن جبير، وغيرهما، وذكر أن ابن جب من المالكية قال به.\n(٢) في نسخة الأصل: \"أجازها\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٣) انظر: المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في المقيدة (٢/ ٣٦، ٤٨، ٥١) للدكتور عبد الإله بن سلمان الأحمدي.\nوإذا أطلق عند الحنابلة أبو بكر، فالمقصود به هو صاحب الإمام أحمد أبو بكر المروذي -كما ذكر ذلك صاحب كشاف القناع (١/ ٢٢) - وهو أبو بكر أحمد بن محمد بن الحجاج المروذي نسبة إلى مرو الروذ، كانت أمه مروذية، وأبوه خوارزميًا، نعته الإمام الذهبي بالإمام القدوة الفقيه المحدث شيخ الإسلام، وهو المقدم من أصحاب الإمام أحمد لورعه وفضله، وكان الإمام أحمد يأنس به، =","vol":"1","page":554},{"text":"و(الثاني) (١): أنه لا يكفر بترك شيء من ذلك مع الإقرار بالوجوب، وهذا هو المشهور عند كثير من الفقهاء، من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي، وهو إحدى الروايات عن أحمد [اختارها] (٢) ابن بطة (٣) وغيره.\nو(الثالث): لا يكفر إلا بترك الصلاة، وهي الرواية الثالثة عن أحمد، وقول كثير من السلف، وطائفة من أصحاب مالك والشافعي، وطائفة من أصحاب أحمد (٤).\n_________\n= وينبسط إليه، وكان كثير التصانيف، إمامًا في الحديث والفقه، روى عن الإمام أحمد مسائل كثيرة، وأسند عنه أحاديث صالحة، ومات سنة ٢٧٥ هـ، تاريخ بغداد (٤/ ٤٢٣)، طبقات الحنابلة (١/ ٥٦)، الأنساب للسمعاني (٥/ ٢٦٣)، سير أعلام النبلاء (١٣/ ١٧٣)، العبر (٢/ ٥٤)، البداية والنهاية (١١/ ٥٨)، شذرات الذهب (٣/ ١٣).\n(١) في نسخة الأصل: \"الثانية\"، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: \"أجازها\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) وإنه أقرب.\n(٣) هو أبو عبد الله عبيد الله بن محمد بن حمدان العبكري، وابن بطة نسبة إلى بيع البط، لقب لبعض أجداده، نعته الذهبي بالإمام العابد الفقيه المحدث شيخ العراق، أحد كبار علماء الحنابلة، والمصنفين في نصرة عقيدة السلف، والمتصدين لأهل البدع، تتلمذ على البغوي، والخرقي، والنجاد، وابن صاعد، والآجري، ونجرهم، وكان أمارًا بالمعروف، وما سمع بمنكر إلا سعى في تغييره، له مصنفات كثيرة، قال بعضه: إنها تربو على المائة مصنف، أشهرها الإبانة الكبرى، والإبانة الصغرى، والسنن، والمناسك، والإمام ضامن، وذم البخل، والتفرد والعزلة، وغيرها.\nوقد طعن فيه الخطيب البغدادي، وتولى الرد عليه الإمام ابن الجوزي في تاريخه (المنظم) فأجاد ﵀، فإن جل من طعن في ابن بطة أهل بدعة، من أشعرية ومعتزلة، وقد توفي سنة ٣٨٧ هـ، وقد أربى على الثمانين، تاريخ بغداد (١٠/ ٣٧١)، طبقات الحنابلة (٢/ ١٤٤)، الأنساب للسمعاني (١/ ٣٦٨)، المنتظم (٧/ ١٩٥)، سبر أعلام النبلاء (١٦/ ٥٢٩)، العبر (٣/ ٣٥)، ميزان الاعتدال (٣/ ١٥)، البداية والنهاية (١١/ ٣٤٣)، شذرات الذهب (٤/ ٤٦٣).\n(٤) وهذا هو القول الراجح الذي تنصره الأدلة، وتأتلف به النصوص، وهو الذي رجحه المؤلف حيث قال في موضع آخرة \"وتكفير تارك الصلاة هو المشهور المأثور عن جمهور السلف من الصحابة والتابعين\" مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٧)، ويتضح ذلك أيضًا من صنيع المصنف بعد ذلك في هذا الكتاب، حيث أورد الأدلة التي تبين كفر تارك الصلاة. =","vol":"1","page":555},{"text":"و(الرابع): يكفر بتركها وترك الزكاة فقط (١).\nو(الخامس): بتركها وترك الزكاة إذا قاتل الإمام عليها، دون ترك الصيام والحج (٢).\nوهذه المسألة لها طرفان:\n(أحدهما): في إثبات الكفر الظاهر.\nو(الثاني): في إثبات الكفر الباطن.\n[فأما] (٣) الطرف الثاني، فهو مبني على مسألة كون الإيمان قولًا وعملًا كما تقدم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-230>[امتناع وجود الإيمان في القلب من غير عمل في الظاهر]</span>\nومن الممتنع أن يكون الرجل مؤمنً إيمانًا ثابتًا في قلبه، بأن الله\n_________\n= وهذا ما ذكره الحافظ اللالكائي في كتابه \"شرح أصول اعتقاد أهل السنة\" (١/ ١٥٩) عند سياقه لاعتقاد الإمام أحمد ﵀ حيث قال: \"ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله\".\nوقال الحافظ ابن رجب في الفتح (١/ ٢٣) بعد أن ذكر الخلاف في تارك هذه المباني أو أحدها: \"وكثير من علماء أهل الحديث يرى تكفير تارك الصلاة، وحكاه إسحاق بن راهويه إجماعًا منهم، حتى إنه جعل قول من قال: لا يكفر بترك هذه الأركان مع الإقرار بها من أقوال المرجئة. . \".\nوقول إسحاق كما ذكره الإمام محمد بن نصر ﵀ في تعظيم قدر الصلاة (٢/ ٩٢٩) هو: \"قد صح عن رسول الله - ﷺ - أن تارك الصلاة كافر، وكذلك كان رأي أهل العلم من لدن النبي - ﷺ - إلى يومنا هذا: أن تارك الصلاة عمدًا من غير عذر حتى يذهب وقتها كافر. . \".\n(١) قال المصنف في موضع آخر من مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٦) بعد هذا القول: \"وهي رواية أخرى عن أحمد، كما دل عليه ظاهر القرآن فى براءة، وحديت ابن عمر وغيره، ولأنهما منتظمان لحق الحق، وحق الخلق، كانتظام الشهادتين للربوبية والرسالة، ولا بد لهما من غير جنسهما، بخلاف الصيام والحج\".\n(٢) انظر: المغني (٢/ ٢٩٧)، كتاب الإيمان من إكمال المعلم للقاضي عياض (١/ ١٩٣)، المجموع (٣/ ١٦)، الإيمان الكبير (٧/ ٣٠٢)، نيل الأوطار (٢/ ١٢).\nوقد تحدق المصنف عن الخلاف في تكفير تارك المباني الأربعة أو أحدها في غير موضع من كتبه، ومن ذلك كلامه في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٦).\n(٣) في نسخة الأصل و(م): فهو، والصحيح من (ط).","vol":"1","page":556},{"text":"فرض عليه الصلوات (١) والزكاة والصيام والحج، ويعيش دهره لا يسجد لله سجدة (٢)، ولا يصوم يومًا (٣) من رمضان، ولا يؤدي لله زكاة، ولا يحج إلى بيته، فهذا ممتنع، ولا يصدر هذا إلا مع نفاق في القلب وزندقة، لا مع إيمان صحيح.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-231>[الأدلة على كفر تارك الصلاة]</span>\nولهذا إنما يصف سبحانه بالامتناع من السجود الكفار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٤٢) خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ وَقَدْ كَانُوا يُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ وَهُمْ سَالِمُونَ (٤٢)﴾ [القلم: ٤٢، ٤٣].\nوقد ثبت في الصحيحين وغيرهما، من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد، وغيرهما في الحديث الطويل، حديث التجلي: \"أنه إذا تجلى تعالى لعباده يوم القيامة سجد له المؤمنون، وبقي من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة ظهره (٤) مثل الطبق، لا يستطيع السجود\" (٥)، فإذا كان هذا حال من\n_________\n(١) في (ط): \"الصلاة\".\n(٢) يقول المصنف رحمه الله تعالى في موضع آخر من مجموع الفتاوى (٢٢/ ٤٩): \"فمن كان مصرًا على تركها حتى يموت لا يسجد لله سجدة قط، فهذا لا يكون قط مسلمًا مقرًا بوجوبها، فإن اعتقاد الوجوب واعتقاد أن تاركها يستحق القتل هذا داع تام إلى فعلها، والداعي مع القدرة يوجب وجود المقدور، فإذا كان قادرًا ولم يفعل قط علم أن الداعي في حقه لم يوجد، والاعتقاد التام لعقاب التارك باعث على الفعل. . فأما من كان مصرًا على تركها لا يصلي قط، ويموت على هذا الإصرار والترك، فهذا لا يكون مسلمًا، لكن أكثر الناس يصلون تارة ويتركونها تارة، فهؤلاء ليسوا يحافظون عليها، وهؤلاء تحت الوعيد. . . \".\n(٣) كلمة (يوم) ليست في (ط).\n(٤) العبارة في (ط) كالتالي: وبقي ظهر من كان يسجد في الدنيا رياء وسمعة. . .\n(٥) رواه البخاري برقم (٧٤٤٠) كتاب التوحيد باب قول الله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾، كما رواه مختصرًا برقم (٤٩١٩) كتاب تفسير القرآن باب: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ. . .﴾، ومسلم برقم (١٨٢) ١/ ١٦٣ كتاب الإيمان باب معرفة طريق الرؤية، ورواه الإمام أحمد، برقم (١٠٧٤٣) غير أنه قال فيه: \"ولا يبقى أحد كان يجد رياء وسمعة إلا رفع على قفاه\" ورواه الطيالسي (ص ٢٩٠)، وابن حبان برقم (٧٣٧٧) ١٦/ ٣٧٧، والحاكم في المستدرك (٤/ ٥٨٣)، ولقول الحافظ ابن كثير رحمه لله: \"وهذا الحديث مخرج في الصحيحين، وفي غيرهما من طرق، وله ألفاظ، وهو حديث طويل مشهور، تفسير ابن كثير (٤/ ٤٠٨).","vol":"1","page":557},{"text":"سجد رياء، فكيف حال من لم يسجد قط. وثبت أيضًا في الصحيح: \"أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا موضع السجود، فإن الله حرم على النار أن تأكله\" (١)، فعلم أن من لم يكن يسجد لله تأكله النار كله.\nوكذلك ثبت في الصحيح أن النبي - ﷺ - يعرف أمته يوم القيامة (٢) [بأنهم] (٣) غر محجلون من آثار الوضوء (٤)، فدل ذلك على أن من لم يكن غرًا محجلين (٥) لم يعرفه النبي - ﷺ -، فلا يكون من أمته.\nوقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩)﴾ [المرسلات: ٤٦ - ٤٩].\nوقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١) بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا يُكَذِّبُونَ (٢٢) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُوعُونَ (٢٣)﴾ [القيامة: ٢٠ - ٢٣]، وكذلك قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ [القيامة: ٣١ - ٣٢].\nوكذلك قوله تعالى: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ [المدثر: ٤٢ - ٤٧]، فوصفه بترك الصلاة، كما وصفه بترك التصديق، ووصفه بالتكذيب والتولي.\n_________\n(١) هو جزء من الحديث المتقدم، وقد رواه البخاري بهذا اللفظ برقم (٦٥٧٤) كناب الرقاق باب الصراط المستقيم.\n(٢) عبارة \"يوم القيامة\" ليست في (م).\n(٣) في نسخة الأصل: فإنكم، والتصحيح من (م)، والجارة في (ط) كالتالي: يعرف أمته يوم القيامة غرًا محجلين.\n(٤) رواه البخاري برقم (١٣٦) كتاب الوضوء باب فضل الوضوء، والغر المحجلون من آثار الوضوء، ومسلم برقم (٢٤٦) ١/ ٢١٦ كتاب الطهارة باب استحباب إطالة الغرة، والتحجيل في الوضوء، ولفظ البخاري: \"إن أمتي يدعون يوم القيام غرًا محجلين من آثار الوضوء، ولفظ مسلم مثله إلا أنه قال: أثر بدل آثار، ورواه مسلم بلفظ آخر برقم (٢٤٧)، وبلفظ أطول برقم (٢٤٩) كتاب الطهارة، ورواه أيضًا النسائي برقم (١٥٠) كتاب الطهارة، وابن ماجه برقم (٤٢٨٢)، كتاب الزهد، ومالك برقم (٦٠) كتاب الطهارة، وأحمد برقم (٨٩٤٢).\n(٥) في (ط): \"محجلًا\".","vol":"1","page":558},{"text":"والمتولي: هو العاصي الممتنع من الطاعة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُخَلَّفِينَ مِنَ الْأَعْرَابِ سَتُدْعَوْنَ إِلَى قَوْمٍ أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ فَإِنْ تُطِيعُوا يُؤْتِكُمُ اللَّهُ أَجْرًا حَسَنًا وَإِنْ تَتَوَلَّوْا كَمَا تَوَلَّيْتُمْ مِنْ قَبْلُ يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦)﴾ [الفتح: ١٦].\nوكذلك وصف أهل سقر بأنهم لم يكونوا من المصلين، المطيعين، كما وصفهم بالخوض مع الخائضين، والتكذيب # (١).\nوكذلك قرن التكذيب بالتولي في قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يَنْهَى (٩) عَبْدًا إِذَا صَلَّى (١٠) أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَ عَلَى الْهُدَى (١١) أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى (١٢) أَرَأَيْتَ إِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٣) أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (١٤) كَلَّا لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ لَنَسْفَعًا بِالنَّاصِيَةِ (١٥) نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ [العلق: ٩ - ١٦].\nوأيضًا في القرآن علق الأخوة في الدين على نفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما علق ذلك على التوبة من الكفر، فإذا انتفى ذلك انتفت الأخوة.\nوأيضًا فقد ثبت عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" (٢).\n_________\n(١) ما بين العلامتين # ساقط من (م) و(ط).\n(٢) رواه الترمذي برقم (٢٦٢١) كتاب الإيمان، وقال عنه: \"حديث حسن صحيح غريب\"، والنسائي برقم (٤٦٣) كتاب الصلاة، وفي الكبرى (١/ ١٤٥) وابن ماجه برقم (١٠٧٩) كتاب إقامة الصلاة، وأحمد وقم (٢٢٤٢٨)، والدارقطني في السنن (٢/ ٥٢)، وابن حبان برقم (١٤٥٤) ٤/ ٣٠٥، وقال محققه: إسناده جيد، والبيهقي في سننه (٣/ ٣٦٦)، والحاكم في المستدرك (١/ ٧)، وقال: \"هذا حديث صحيح الإسناد لا تعرف له علة بوجه من الوجوه، فقد احتجا جميعًا بعبد الله بن بريدة، عن أبيه، واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ، ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا\"، وقد وافقه الذهبي.\nقلت: أراد الحاكم بالشاهد ما أخرجه بعد الحديث السابق مباشرة (١/ ٧) وهو عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة قال: \"كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة\"، وقال الذهبي: لم تكلم عليه، وإسناده صالح، وقال الشيخ الألباني: \"فيه قيس بن أنيف، ولم أعرفه، وقد خالفه الترمذي فلم يذكر أبا هريرة، وهو الصواب، لكني وجدت شاهدًا عن جابر بن عبد الله بنحوه، أحتجه ابن نصر في الصلاة (١/ ١٣٨) بسند حسن\".\nقلت: والحديث الذي أورده المصنف مداره على الحسين بن واقد وثقه يحيى بن =","vol":"1","page":559},{"text":"وفي المسند: \"من ترك الصلاة متعمدًا فقد برئت منه الذمة\" (١).\n_________\n= معين، أما جمهور المحدثين فقد قالوا: لا بأس به، ومن هؤلاء الإمام أحمد وأبو زرعة والنسائي وأبو داود وغيرهم، وأما أحمد فقد قال فيه أيضًا: أحاديثه ما أدري أيش هي، وقال ابن حبان: ربما أخطأ في الروايات، ومع ذلك فقد أخرج له أكثر من ثلاثين حديثًا في صحيحه، وقال الساجي: فيه نظر، وهو صدوق يهم، وأخرج له مسلم متابعة، الجرح والتعديل (٣/ ٦٦)، تهذيب الكمال (١٦/ ٤٩٧)، تهذيب التهذيب (٢/ ٣٢١)، ومع ذلك فقد قال الحافظ في التقريب (ص ١٦٩): ثقة له أوهام، وقد مر أنه لم يوثقه أحد غير ابن معين، فالحديث صحيح لغيره، أو حسن بنفسه، وقد صححه الشيخ الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (٢٩٨).\n(١) هذا الحديث روي مختصرًا ما ذكره المصنف، وروي ضمن وصايا كثيرة أخرى، بألفاظ مختلفة، وقد روي عن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم، منهم معاذ بن جبل، وأميمة مولاة رسول الله - ﷺ -، وأبو الدرداء، وأم أيمن، وابن عباس، وعمر بن الخطاب.\nفأما حديث معاذ فقد رواه أحمد في المسند برقم (٢٢١٢٨) عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن معاذ، وقال الشيخ الألباني ﵀ في الإرواء: \"وهذا إسناد رجاله ثقات كلهم، وابن عياش ثقة في رواية الشاميين، وهذا منها، ولكنه منقطع، قال المنذري في الترغيب (١/ ١٩٦): رواه أحمد والطبراني في الكبير، وإسناد أحمد صحيح لو سلم من الانقطاع، فإن عبد الرحمن بن جبير بن نفير لم يسمع من معاذ\".\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٠/ ٨٢) عن أبي إدريس الخولاني عن معاذ، قال في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٥)؛ \"وإسناد الطبراني متصل، وفيه عمرو بن واقد القرشي، وهو كذاب\".\nورواه أيضًا (٢٠/ ١١٧) عن حريث بن عمرو الحضرمي عن معاذ، وقال محققه: \"قال في المجمع (١/ ١٩٥): وفيه بقية بن الوليد وهو مدلس، وقد عنعنه، قلت: قد شرح بقية في الرواية الثانية بالتحديث، والعلة ليست منه، وإنما العلة من أبي بكر بن أبي مريم فإنه ضعيف\".\nورواه عن معاذ أيضًا أبو نعيم في الحلية (٩/ ٣٠٦) وفيه هارون بن واقد لم أجد له ترجمة، وموسى بن عيسى بن المنذر الحمصي، كتب عنه النسائي وقال: حمصي لا أحدث عنه شيئًا، ليس هو شيئًا، لسان الميزان (٦/ ١٢٦).\nوأما حديث أميمة - ﵂ - فقد رواه ابن أبي عاصم في كتابه الآحاد والمثاني (٦/ ٢١٥) عن جبير بن نفير عن أميمة مولاة رسول الله - ﷺ -، وفيه يزيد بن سنان يأتى الكلام عليه إن شاء الله.","vol":"1","page":560},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٤/ ١٩٠)، وقال في مجمع الزوائد (٤/ ٢١٧): \"وفيه يزيد بن سنان الرهاوي وثقه البخاري، وغيره، والأكثر على تضعيفه، وبقية رجاله ثقات\".\nورواه الحاكم في المستدرك (٤/ ٤١)، وقال الذهبي في التلخيص: وسنده واه.\nقلت: يزيد بن سنان هو أبو فروة التيمي الرهاوي، قال عنه ابن معين: ليس بشيء، وضعفه أحمد وعلي بن المديني وأبو زرعة، وقال عنه النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: محله الصدق، والغالب عليه الغفلة، يكتب حديثه ولا يحتج به الجرح والتعديل (٩/ ٢٦٦)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ٣٨٢)، الكامل في الضعفاء (٧/ ٢٦٩)، الكاشف (٣/ ٢٤٤)، التقريب (ص ٦٠٢).\nوأما حديث أبي الدرداء فقد رواه البخاري في الأدب المفرد برقم (١٨) وابن ماجه برقم (٤٠٣٥) كتاب الدعاء، كلاهما عن شهر بن حوشب عن أم الدرداء عن أبي الدرداء، وقال الشيخ الألباني في مشكاة المصالح (١/ ١٨٣): \"وفيه شهر بن حوشب وهو ضعيف لسوء حفظه، ومن طريقه رواه البخاري في الأدب المفرد، وهو عندي من إن شاء الله تعالى، لأن له شاهدًا من حديث معاذ عند أحمد (٥/ ٢٣٨)، وآخر من حديث أميمة مولاة رسول الله - ﷺ -\".\nقلت: شهر بن حوشب اختلف فيه، وقد أخرج له الإمام مسلم مقرونًا، وقال الإمام الذهبي في السير (٤/ ٣٧٨): \"الرجل غير مدفوع عن صدق وعلم، والاحتجاج به مرجح\"، والشاهدان اللذان أشار إليهما الشيخ الألباني ضعيفان، وشهر أشهر وأجل من أبي فروة الرهاوي، ومن عمرو بن واقد القرشي، ومن أبي بكر بن أبي مريم.\nوأما حديث أم أيمن فقد رواه أحمد في المسند برقم (٢٧٤٠٢)، وعبد بن حميد في المنتخب برقم (١٥٩٢) ٣/ ٢٧٤، والبيهقي في سننه (٧/ ٣٠٤) عن مكحول عن أم أيمن، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: \"ورجاله رجال الصحيح إلا أن مكحولًا لم يسمع من أم أيمن\"، ومكحول عالم الشام في عصره، أرسل عن عدة من الصحابة ولم يدركهم، ومنهم أم أيمن، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٦).\nوأما حديث ابن عباس فرواه الطبراني في المعجم الكبير (١٢/ ٢٥٢)، وقال محققه: \"قال في المجمع (٧/ ١١٦) وإسناده حسن، قلت: هو منقطع كما قال\".\nقلت: لأن علي بن أبي طلحة مولى بني العباس أرسل عن ابن عباس ولم يره، كما ذكر الحافظ في التقريب (٤٠٢).\nوأما حديث عمر بن الخطاب فقد رواه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب برقم (١٩٠٠)، ولفظه: \"من ترك صلاة عمدًا متعمدًا أحبط الله عمله، وبرئت منه ذمة الله حتى يراجع الله ﷿ توبة\"، وفيه عمرو بن عبد الغفار الفقيمي، =","vol":"1","page":561},{"text":"وأيضًا فإن شعار المسلمين الصلاة، ولهذا يعبر بها عنهم، فيقال: اختلف أهل الصلاة، و[اختلف] (١) أهل القبلة والمصنفون لمقالات المسلمين يقولون: \"مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين\" (٢).\nوفي الصحيح: \"من صلى صلاتنا، واستقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، فذلك المسلم له ما لنا وعليه ما علينا\" (٣)، وأمثال هذه النصوص كثيرة في الكتاب والسنة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-232>[الجواب على أدلة من لم ير كفر تارك الصلاة]</span>\nوأما الذين لم يكفروا بترك الصلاة ونحوها، فليست لهم حجة إلا وهي متناولة للجاحد كتناولها لتارك، فما كان جوابهم عن الجاحد كان جوابًا لهم عن التارك، مع أن النصوص علقت الكفر بالتولي كما تقدم.\nوهذا مثل استدلالهم بالعمومات التي يحتج بها المرجئة كقوله: \"من\n_________\n= ولكنه متروك منكر الحديث، متهم بالرفض ووضع الحديث، ومع ذلك فقد ذكره ابن حبان في الثقات (٨/ ٤٧٨)، وأخرج له الحاكم في المستدرك، الجرح والتعديل (٦/ ٢٤٦)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٠١)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٢٨٦)، الكامل في الضعفاء (٥/ ١٤٦)، لسان الميزان (٤/ ٣٦٩).\nفهذه كما ترى أربعة عشر طريقًا عن ستة من الصحابة، ولم يسلم طريق منها من مقال، ولكنها تبين أن للحديث أصلًا، وتشهد له الأحاديث الصحيحة والنصوص المستفيضة التي تدل على كفر تارك الصلاة، فالحديث على أقل الأحوال حسن لغيره.\nوذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١٤٨) رواية ابن ماجه، والحاكم، وأحمد، والبيهقي، والطبراني، وحكم بضعف بعض هذه الطرق، وانقطاع بعضها، غير أنه ذكر أن الحديث روي أيضًا عن عبادة بن الصامت عند الطبراني، فبحثت عنه فلم أجده.\nوالحديث صححه الشيخ الألباني في كتبه، ومنها: صحيح ابن ماجه برقم (٣٢٥٩)، والإرواء برقم (٢٠٢٦)، وصحيح التركيب والترهيب برقم (٥٦٤)، وغيرهما، وتصحيحه بإطلاق فيه نظر، وذلك لما ذكرناه أعلاه، وصنيع المصنف في إيراده للحديث يشعر بنقيض ذلك، والله أعلم.\n(١) في نسخة الأصل: \"اختلفوا\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنها الأكثر ورودًا في الكتاب والسنة واللسان العربي.\n(٢) ولعل من أشهرها ما صنفه أبو الحسن الأشعري بهذا العنوان.\n(٣) تقدم تخريجه، وهو في صحيح البخاري.","vol":"1","page":562},{"text":"شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن عيسى عبد الله، وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، أدخله الله الجنة\" (١) ونحو ذلك من النصوص.\nوأجود ما اعتمدوا عليه قوله - ﷺ -: \"خمس صلوات كتبهن الله على العباد في اليوم والليلة، من (٢) حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة، ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد، إن شاء عذبه، وإن شاء أدخله الجنة\" (٣).\nقالوا: فقد جعل غير المحافظ تحت المشيئة، والكافر لا يكون تحت المشيئة، ولا دلالة في هذا، فإن الوعد تعلق (٤) بالمحافظة عليها، والمحافظ (٥) فعلها في أوقاتها كما أمر.\nكما قال تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ [البقرة: ٢٣٨]، وعدم المحافظة يكون مع فعلها بعد الوقت، كما أخر النبي - ﷺ - صلاة العصر يوم الخندق، فأنزل الله [آية] (٦) الأمر بالمحافظة عليها، وعلى غيرها من الصلوات (٧).\nوقد قال تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ [مريم: ٥٩]، فقيل لابن مسعود: ما كنا نظن ذلك إلا تركها، فقال: لو تركوها لكانوا كفارًا! ! (٨) /.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤٣٥) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ. .﴾، ومسلم برقم (٢٨) ١/ ٥٧ كتاب الإيمان باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا، وأحمد برقم (٢٢١٦٧).\n(٢) في (ط): \"فمن\".\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو حديث صحيح في السنن وغيرها.\n(٤) كلمة \"تعلق\" ليست في (ط).\n(٥) في (ط): \"المحافظة\".\n(٦) ما بين المعكوفتين مضاف من (م) و(ط).\n(٧) تقدم تخريج ذلك، والقصة في صحيح مسلم وغيره.\n(٨) تقدم تخريج ذلك.","vol":"1","page":563},{"text":"سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥] ذمهم مع أنهم يصلون، لأنهم سهوا عن حقوقها الواجبة، من فعلها في الوقت، وإتمام أفعالها المفروضة.\nكما ثبت في صحيح مسلم عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، تلك صلاة المنافق، يجلس (١) يرقب الشمس، حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر (٢) أربعًا، لا يذكر الله فيها إلا قليلًا\" (٣).\nفجعل هذه صلاة المنافقين، لكونه أخرجها (٤) عن الوقت ونقرها.\nوقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - أنه ذكر الأمراء بعده الذين يفعلون ما ينكر وقالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم! قال: \"لا ما صلوا\" (٥).\nوثبت عنه أنه قال: \"سيكون أمراء يؤخرون الصلاة عن وقتها، فصلوا الصلاة لوقتها، ثم اجعلوا صلاتكم معهم نافلة\" (٦).\nفنهى عن قتالهم إذا صلوا، وكان في ذلك دلالة على أنهم إذا لم\n_________\n(١) كلمة \"يجلس\" ليست في (م) و(ط).\n(٢) في نسخة الأصل: \"ينقر\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لموافقته روايات الحديث.\n(٣) رواه مسلم برقم (٦٢٢) ١/ ٤٣٤ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب استحباب التبكير بالعصر، والترمذي برقم (١٦٠) كتاب الصلاة، والنسائي برقم (٥١١) كتاب المواقيت، وأبو داود برقم (٤١٣) كتاب الصلاة، ومالك برقم (٥١٢) كتاب النداء للصلاة، وأحمد برقم (١٢١٠٠).\n(٤) في (ط): \"أخرها\".\n(٥) رواه مسلم برقم (١٨٥٤) ٣/ ١٤٨٠ كتاب الإمارة باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا، ونحو ذلك، والترمذي برقم (٢٢٦٥) كتاب الفتن، وأبو داود برقم (٤٧٦٠) كتاب السنة، والدارمي برقم (٢٧٩٧) كتاب الرقاق، وأحمد برقم (٢٥٩٨٩)، ولفظ مسلم: \"ستكون أمراء، فتعرفون وتنكرون، فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا\".\n(٦) رواه مسلم برقم (٦٤٨) ١/ ٤٤٨ كتاب المساجد ومواضع الصلاة باب كراهية تأخير الصلاة عن وقتها المختار. .، والنسائي، برقم (٨٥٩) كتاب الإمامة، وأبو داود برقم (٤٣١) كتاب الصلاة، وابن ماجه برقم (١٢٥٧) كتاب إقامة الصلاة، والدارمي برقم (١٢٢٧) كتاب الصلاة، وأحمد برقم (٢٠٩٧٠).","vol":"1","page":564},{"text":"يصلوا قوتلوا، وبين أنهم يؤخرون الصلاة عن وقتها، وذلك ترك المحافظة عليها لا تركها.\nوإذا عرف الفرق بين الأمرين، فالنبي - ﷺ - إنما أدخل تحت المشيئة من لم يحافظ عليها لا من تركها (١)، ونفس ترك صفة (٢) المحافظة يقتضي أنهم صلوا ولم يحافظوا عليها، ولا يتناول من لم يحافظ، فإنه لو يتناول (٣) ذلك قتلوا كفارًا مرتدين بلا ريب (٤).\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"ترك\".\n(٢) كلمة \"صفة\" ليست في (م) و(ط).\n(٣) في (م) و(ط): \"تناول\".\n(٤) وقال المصنف شيخ الإسلام ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٩٧) في موضع آخر عن تارك الصلاة بتفصيل دقيق في هذه المسألة الخطيرة: \"وليس الأمر كما يفهم من إطلاق بعض الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم، أنه إن جحد وجوبها كفر، وإن لم يجحد وجوبها فهو مورد النزاع، بل هنا ثلاثة أقسام:\nأحدها: إن جحد وجوبها فهو كافر بالاتفاق.\nوالثاني: أن لا يجحد وجوبها، لكنه ممتع من التزام فعلها كبرًا أو حدًا، أو بغضًا لله ورسوله، فيقول: أعلم أن الله أوجبها على المسلمين، والرسول صادق في تبليغ القرآن، ولكنه ممتنع عن التزام الفعل استكبارًا أو حدًا للرسول، أو عصية لدينه، أو بغضًا لما جاء به الرسول، فهذا أيضًا كافر بالاتفاق، فإن إبليس لما ترك السجود المأمور به لم يكن جاحدًا للإيجاب، فإن الله تعالى باشره بالخطاب، وإنما أبى واستكبر وكان من الكافرين، وكذلك أبو طالب كان مصدقًا للرسول فيما بلغه، لكنه ترك اتباعه حمية لدينه، وخوفًا من عار الانقياد، واستكبارًا عن أن تعلو أسته رأسه، فهذا ينبغي أن يتفطن له.\nوالثالث: أن يكون مقرًا ملتزمًا تركها كسلًا ونهاونًا، أو اشتغالًا بأغراض له عنها، فهذا مورد النزاع، كمن عليه دين، وهو مقر بوجوبه، ملتزم لأدائه، لكنه يمطل بخلا أو تهاونًا.\nوهنا قسم رابع: وهو أن يتركها ولا يقر بوجوبها، ولا يجحد وجوبها، لكنه مقر بالإسلام من حيث الجملة، فهل هذا من موارد النزاع، أو من موارد الإجماع؟ ولعل كلام كثير من السلف متناول لهذا، وهو المعرض عنها لا مقرًا ولا منكرًا. . \".\nقلت: وقد يقال: هناك قسم خامس: وهم الذين يصلون تارة، ويتركون أخرى، وقد ذكر المصنف هذا القسم بعد ذلك، وقال إن فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليهم أحكام الإسلام الظاهرة.","vol":"1","page":565},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-233>[ضعف قول من قال: إن تارك الصلاة يقتل حدًّا]</span>\nولا يتصور في العادة أن رجلًا يكون مؤمنًا بقلبه، مقرًا بأن الله أوجب عليه الصلاة، و(١) [ملتزمًا] (٢) بشريعة (٣) النبي - ﷺ - وما جاء به، يأمره ولي الأمر بالصلاة، فيمتنع حتى يقتل، ويكون مع ذلك مؤمنًا في الباطن قط، لا يكون إلا كافرًا، ولو قال: أنا مقر بوجوبها غير أن (٤) لا أفعلها، كان هذا القول مع هذه الحال كذبًا منه، كما لو أخذ يلقي المصحف في الحق، ويقول: أشهد أن ما فيه كلام الله، أو لو (٥) جعل يقتل نبيًا من الأنبياء، ويقول: أشهد أنه رسول الله، ونحو ذلك من الأفعال التي تنافي إيمان القلب، فإذا قال: أنا مؤمن بقلبي مع هذه الحال كان كاذبًا فيما أظهره من القول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-234>[ارتباط الظاهر بالباطن]</span>\nفهذا الموضع ينبغي تدبره، فمن عرف ارتباط الظاهر بالباطن زاحت (٦) عنه الشبهة في هذا الباب، واعلم أن من قال من الفقهاء: إنه إذا أقر بالوجوب، وامتنع عن الفعل، لا يقتل أو يقتل مع إسلامه (٧)، فإنه\n_________\n(١) حرف \"الواو\" ليس في (ط).\n(٢) في نسخة الأصل: \"ملتزم\"، وهو خطأ، والتصحيح من (م) و(ط).\n(٣) في (م) و(ط): \"لشريعة\".\n(٤) في (ط): \"أني\".\n(٥) كلمة \"لو\" ليست في (م) و(ط).\n(٦) في (ط): \"زالت\".\n(٧) ذهب الأحناف إلى أن تارك الصلاة لا يقتل، بل يعزر، ويحبس حتى يصلي أو يموت، وذهب المالكية والشافعية إلى أن تارك الصلاة يستتاب، فإن تاب وإلا قتل حدًا، وذهب الحنابلة في المشهور عنهم إلى استتابته، فإن أبى قتل كفرًا وردة، وهذا القول هو الذي نصره المصنف، وهو الحق الذي لا مرية فيه، وقد قال به حتى من لم يكفر تارك الصلاة تكاسلًا وتهاونًا، فإنه يكفره في هذه الحالة. حاشية ابن عابدين (١/ ٢٣٥)، حاشية الدسوقي (١/ ١٨٩)، مغني المحتاج (١/ ٣٢٧)، كشاف القناع (١/ ٢٢٧).\nوقال المصنف في الإيمان الكبير (٧/ ٢١٩): \"ولهذا فرض متأخرو الفقهاء مسألة يمتنع وقوعها، وهو أن الرجل إذا كان مقرًا بوجوب الصلاة فدعي إليها، وامتنع واستتيب ثلاثًا مع تهديده بالقتل، فلم يصل حتى قتل، هل يموت كافرًا، أو فاسقًا؟ على قولين: وهذا الفرض باطل، فإنه يمتنع في الفطرة أن يكون الرجل يعتقد أن الله فرضها عليه، وأنه يعاقبه على تركها، ويصبر على القتل، ولا يسجد لله سجدة من غير عذر له في ذلك، هذا لا يفعله بشر قط، بل ولا يضرب أحد ممن بقر بوجوب الصلاة إلا صلى، لا ينتهي الأمر به إلى القتل. . . ونظير =","vol":"1","page":566},{"text":"دخلت عليه الشبهة التي دخلت على المرجئة والجهمية، والتي دخلت على من جعل الإرادة الجازمة مع القدرة التامة لا يكون بها شيء من الفعل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-235>[جنس الأعمال من لوازم الإيمان]</span>\nولهذا كان الممتنعون من قتل هذا من الفقهاء بنوه على قولهم في مسألة الإيمان، وأن الأعمال ليست من الإيمان، وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان، أو جزءًا (١) من الإيمان كما تقدم بيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-236>[قد يجتمع في العبد إيمان ونفاق]</span>\nوحينئذٍ فإذا كان العبد يفعل بعض المأمورات، ولترك بعضها، كان معه من الإيمان بحسب ما فعله، والإيمان يزيد وينقص، وقد (٢) يجتمع في العبد إيمان ونفاق.\nكما ثبت عنه في الصحيح أنه قال: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كان فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا حدث كذب، وإذا ائتمن خان، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر\" (٣).\nوبهذا تزول الشبهة في هذا الباب، فإن كثيرًا من الناس، بل أكثرهم في كثير من الأمصار، لا يكونون محافظين على الصلوات الخمس، ولا هم تاركيها بالجملة، بل يصلون أحيانًا، ويدعون أحيانًا، فهؤلاء فيهم إيمان ونفاق، وتجري عليم أحكام الإسلام الظاهرة كالمواريث (٤) ونحوها من الأحكام، فإن هذه الأحكام إذا جرت على المنافق المحض -كابن أبي وأمثاله من المنافقين- فلأن تجري على هؤلاء أولى وأحرى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-237>[خطأ بعض الفقهاء في فهم ارتباط الظاهر بالباطن]</span>\nوبيان هذا الموضع مما يزيل الشبهة، فإن كثيرًا من الفقهاء يظنون (٥)\n_________\n= هذا لو قيل: إن رجلًا من أهل السنة قيل له: ترض عن أبي بكر وعمر، فامتنع عن ذلك حتى قتل، مع محبته لهما واعتقاد فضلهما. . \".\n(١) في (ط): \"جزء\".\n(٢) كلمة \"قد\" ليست في (ط).\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٤) في (م): \"والمواريث\"، وفي (ط): \"في المواريث\".\n(٥) في (م) و(ط): \"نطن\".","vol":"1","page":567},{"text":"أن من قيل هو كافر، فإنه يجب أن تجري عليه أحكام المرتد ردة ظاهرة، فلا يرث ولا يورث، ولا يناكح (١)، حتى أجروا هذه الأحكام على من كفروه بالتأويل من أهل البدع، وليس الأمر كذلك، فإنه قد ثبت أن الناس كانوا على عهد النبي - ﷺ - # (٢) ثلاثة أصناف: <span data-type=\"title\" id=toc-238>[أحكام المنافقين] </span>مؤمن، وكافر مظهر للكفر، ومنافق مظهر للإسلام مبطن للكفر، وكان في المنافقين من تعلمه (٣) الناس بعلامات ودلالات، بل من لا يشكون في نفاقه، ومن نزل القرآن ببيان نفاقه -كابن أبي وأمثاله- ومع هذا فلما مات هؤلاء ورثهم ورثتهم المسلمون، وكان إذا مات لهم ميت أعطوا (٤) ميراثه، وكانت تعصم دماؤهم حتى تقوم البينة (٥) الرعية على أحدهم بما توجب (٦) عقوبته.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-239>[قتال علي - ﵁ - للخوارج]</span>\nولما خرجت الحرورية على علي بن أبي طالب - ﵁ -، فاعتزلوا (٧) جماعة المسلمين، قال لهم:\nإن لكم علينا أن لا نمنعكم المساجد، ولا نمنعكم نصيبكم من الفيء (٨)، فلما استحلوا قتل المسلمين وأخذ أموالهم، قاتلهم بأمر النبي - ﷺ - حيث قال: \"يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم، وصيامه مع صيامهم، وقراءته مع قراءاتهم، يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون\n_________\n(١) انظر: المبسوط للسرخسي (٥/ ٨٤)، (٥/ ٤٩)، (١٠/ ١٠٦)، حاشية الدسوقي (٢/ ٢٧٠)، (٤/ ٣٠٧)، الأم (٥/ ٥١)، (٦/ ١٥٣)، تكملة المجموع (١٩/ ٢٢١)، المغني (٨/ ٥٤٦)، منتهى الإرادات (٢/ ١٩٨).\n(٢) ما بين العلامتين (#) ساقط من (م) و(ط).\n(٣) في (م) و(ط): \"يعلمه\".\n(٤) في (ط): \"آتوهم\".\n(٥) في (ط): \"السنة\".\n(٦) في (م) و(ط): \"يوجب\".\n(٧) في (م) و(ط): \"واعتزلوا\".\n(٨) رواه ابن أبي شيبة في المصنف برقم (١٩٧٧٦) ١٥/ ٣٢٧، والبيهقي في سننه (٨/ ١٨٤)، وذكره عن الشافعي بلاغًا (٨/ ١٤٨)، وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٤/ ٤٥): \"وأصله في مسلم\"، وذكر الحديث الذي رواه مسلم في صحيحه برقم (١٠٦٦) ٢/ ٧٤٩ أن الحرورية لما خرجت، قالوا: لا حكم إلا لله، فقال علي: كلمة حق أريد بها باطل، إن رسول الله - ﷺ - وصف ناسًا. .، وانظر: الفتح (١٢/ ٢٨٦).","vol":"1","page":568},{"text":"من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، أينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرًا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-240>[فضل ما قام به الحسن بن علي من صلح بين المسلمين]</span>\nفكانت الحرورية قد ثبت قتالهم بسنة النبي - ﷺ -، واتفاق أصحابه، ولم يكن قتالهم قتال فتنة، كالقتال الذي جرى بين فئتين عظيمتين في المسلمين، بل قد ثبت عن النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح الذي رواه البخاري أنه قال للحسن ابنه - ﵁ -: \"إن ابني هذا سيد، وسيصلح الله به فئتين عظيمتين من المسلمين\" (٢).\nوقال في الحديث الصحيح: \"تمرق مارقة على فرقة من المسلمين، فيقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-241>[قتال الخوارج ليس كالقتال في الجمل وصفين]</span>\nفدل بهذا أن ما فعله الحسن - ﵁ - من ترك القتال [لو كان] (٤) واجبًا أو مستحبًا، لم يمدحه النبي - ﷺ - على ترك واجب أو مستحب (٥)، ودل الحديث الآخر على أن الذين قاتلوا الخوارج، وهم علي وأصحابه كان أقرب إلى الحق من معاوية وأصحابه، وأن قتال الخوارج أمر به النبي - ﷺ -، ليس قتالهم كالقتال في الجمل وصفين الذي [ليس] (٦) فيه أمر من النبي - ﷺ - (٧).\n_________\n(١) تقدم تخريج هذا الحديث، وهو في الصحيحين.\n(٢) تقدم تخريج هذا الحديث.\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث.\n(٤) ما بين المعكوفتين مضاف من (م).\n(٥) قال الحافظ في الفتح (١٣/ ٦٧) عن حديث: \"إن ابني هذا سيد. . . \": \"واستدل به على تصويب رأي من قعد عن القتال مع معاوية وعلي، وإن كان أحق بالخلافة وأقرب إلى الحق، وهو قول سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، ومحمد بن سلمة\".\n(٦) كلمة \"ليس\" ليست في نسخة الأصل، وهي فى (م) و(ط).\n(٧) سبق أن أشار المصنف إلى هذه القصة في أول الكتاب (٣١٨ - ٣١٩) ويفهم من كلام المصنف رحمه الله تعالى أنه يقسم الناس فيما وقع من فتنة إلى ثلاثة أقسام: (القسم الأول): وهم الذين تبوّؤا المرتبة الأولى، وهم الطائفة الفضلى، والأكثرية من أكابر الصحابة رضوان الله عليهم، وهؤلاء امتنعوا عن الفتنة، وكفوا أيديهم عما جرى من قتال بين المسلمين، وكثير منهم رغب في قتال الخوارج، وبعضهم قاتلهم فعلًا، أما قتال الفتنة فلم يشتركوا فيه، وآثروا البعد والاعتزال، =","vol":"1","page":569},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= للنصوص الكثيرة الصحيحة الصريحة التي تأمرهم بمثل ذلك، ومن هؤلاء سجد بن زيد، وسعد بن أبي وقاص -وهما من العشرة المبشرين بالجنة- ولم يكن من الصحابة من يفوقهم صحبة وفضلًا -غير علي- وأسامة بن زيد، وأبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وأبو مسعود الأنصاري، ومحمد بن سلمة، وعمران بن الحصين، وعبد الله بن عمر بن الخطاب، وأبو بكرة، وسلمة بن الأكوع، وأبو برزة الأسلمي، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن مغفل، وغيرهم رضوان الله عليهم. (القسم الثاني) المرتبة الثالثة: وهم الطائفة الفاضلة، وهم علي وأصحابه رضي الله عن الصحابة أجمعين، وهم لا شك -بنص الحديث- أقرب إلى الحق وأدنى إليه من معاوية وأصحابه رضي الله عن الصحابة أجمعين.\n(القسم الثالث): المرتبة الثالثة: وهم الطائفة المفضولة، وهم معاوية - ﵁ -، وأصحابه، وهم مجتهدون مخطئون في اجتهادهم.\nوقد أفاض المصنف في هذه القضية كثيرًا وأطال في الاستدلال على ما ذهب إليه في مواضع شتى من كتبه الأخرى. يقول ﵀ في منهاج السنة (٦/ ٢٣٦): \"وأما الصحابة فجمهورهم وجمهور أفاضلهم ما دخلوا في فتنة\"، وذكر ما رواه عبد الله بن أحمد عن أبيه بسنده إلى محمد بن سيرين ﵀ قال: \"هاجت الفتنة، وأصحاب رسول الله - ﷺ - عشرة آلاف، فما حضرها منهم مائة، بل لم يبلغوا ثلاثين\"، وقال المصنف عقب ذلك: \"وهذا الإسناد من أصح إسناد على وجه الأرض، ومحمد بن سيرين من أورع الناس في منطقه، ومراسيله من أصح المراسيل\".\nوقال ﵀ أيضًا في مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥٣): \"وأما جمهور أهل العلم، فيفرقون بين الخوارج المارقين، وبين أهل الجمل وصفين، وغير أهل الجمل، وصفين، ممن يعد من البغاة المتأولين، وهذا هو المعروف عن الصحابة، وعليه عامة أهل الحديث والفقهاء والمتكلمين، وعليه نصوص أكثر الأئمة وأتباعهم من أصحاب مالك وأحمد والشافعي وغيرهم. . وأكثر أكابر الصحابة لم يقاتلوا، لا من هذا الجانب، ولا من هذا الجانب، واستدل التاركون للقتال بالنصوص الكثيرة عن النبي - ﷺ - في ترك القتال في الفتنة، وبينوا أن هذا قتال فتنة، وكان علي - ﵁ - مسرورًا لقتال الخوارج، ويروي الحديث عن النبي - ﷺ - في الأمر بقتالهم، وأما قتال صفين فذكر أنه ليس معه فيه نص، وإنما هو رأي رآه، وكان أحيانًا يحمد من لم ير القتال. . \".\nمنهاج السنة (٤/ ٤٦٣، ٤٦٦، ٥٠١، ٥٠٢، ٥٠٦، ٥٣٥)، (٦/ ٢٠٩، ٢٣٧، ٣٣٣)، مجموع الفتاوى (٣٥/ ٥٣، ٧١).\nقلت: وقد درج جمع من الكتاب المعاصرين، وهم أحد فريقين، إما فريق متحامل موتور، أخذ طريقة المستشرقين ومنهجهم في محاولة تشويه تاريخ الصحابة =","vol":"1","page":570},{"text":"والمقصود: أن علي بن أبي طالب وغيره من الصحابة، لم يحكموا بكفرهم، ولا قاتلوهم حتى بدأوهم بالقتال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-242>[علي لم يكفر الخوارج]</span>\n_________\n= المجيد، أو فريق جاهل مغرور ينعق بتلك الأباطيل ويرددها دون وعي وتفكير، وتدور غالب تلك الأباطيل على خلط الأمور، ولبس الحق بالباطل، وكتمان الحقيقة، وتشبيه قتال علي - ﵁ - للخوارج -الذي أجمع عليه الصحابة- بقتال الفتنة الذي وقع بين بعض الصحابة، وأمسك عنه أكابرهم، سبحانك هذا بهتان عظيم، وقد نبغ في هذه الأيام بعض الكتاب ينافحون بالباطل، ويدندنون حول هذه الفضية، ويثيرون هذه المزاعم الظالمة على صفحات بعض الجرائد والمجلات، بزعم الدفاع عن أمير المؤمنين علي - ﵁ -، في الوقت الذى يوجهون فيه طعناتهم المسمومة إلى أئمة الصحابة الذين لم يشتركوا في القتال، ولم يكونوا -أصلًا- يرون القتال في الفتنة. . وجل همهم الخوض فيما شجر بين الصحابة من فتنة، أمام العامة والجهلاء والذين في قلوبهم مرض، ومحاولة خلخلة مكانة الصحابة الأبرار في نفوس المسلمين، وقد حاول بعضهم لمز شيخ الإسلام ابن تيمية، والنيل من كتابه العظيم \"منهاج السنة النبوية\"، لأنه أبان الحق في تلك القضية أتم بيان، ودحر به فلول المبتدعة المتقدمين منهم والمتأخرين، وكان قذى في أعين المستشرقين، ومن تابعهم -كأمثال هؤلاء المغرضين والجهال الذين أثرنا إلى بعضهم- وغصة في حلوقهم لا يجاوزونها مهما كانوا يحاولون، ومع كثرة دراساتهم وشدة إرجافهم، إلا أن كيدهم في تباب، وجهودهم في سراب، إن الله لا يصلح عمل المفسدين ..\n(١) قال المصنف في الإيمان الكبير (٧/ ٢١١٧): \"والخوارج كانوا من أظهر الناس بدعة وقتالًا للأمة وتكفيرًا لها، ولم يكن في الصحابة من يكفرهم، لا علي بن أبي طاب ولا غيره، بل حكموا بهم بحكمهم في المسلمين الظالمين المعتدين، كما ذكرت الآثار عنهم بذلك في غير هذا الموضع\"، وقال في مجموع الفتاوى (٣/ ٢٨٢) في موضع آخر: \"والخوارج المارقون الذين أمر النبي - ﷺ - بقتالهم .. ولم يكفرهم علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وغيرهما من الصحابة، بل جعلوهم مسلمين مع قتالهم، ولم يقاتلهم علي حتى سفكوا الدم الحرام، وأغاروا على أموال المسلمين، فقاتلهم لدفع ظلمهم وبغيهم، لا لأنهم كفار، ولهذا لم يسب حريمهم، ولم يغنم أموالهم\".\nوقال في موضع آخر (٢٨/ ٥١٨): \"فإن الأمة متفقون على ذم الخوارج وتضليلهم، وإنما تنازعوا في تكفيرهم، على قولين مشهورين في مذهب مالك وأحمد، وفي مذهب الشافعي أيضًا نزاع في تكفيرهم. . \".\nوقد ذكر الحافظ ابن حجر في الفتح (١٢/ ٢٩٩) خلاف العلماء في تكفير الخوارج، وأن مقتضى ما صنعه البخاري في صحيحه يدل على أنه يكفر =","vol":"1","page":571},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-243>[تنازع الأئمة في تكفير أهل الأهواء وتخليدهم]</span>\nوالعلماء قد تنازعوا في تكفير أهل البدع والأهواء وتخليدهم في النار، وما من الأئمة إلا من حكي عنه في ذلك قولان، كمالك والشافعي وأحمد وغيرهم (١).\nوصار بعض أتباعهم يحكي هذا النزاع في جميع أهل البدع، وفي تخليدهم حتى التزم تخليد (٢) كل من يعتقد أنه مبتدع بعينه، وهذا فيه من الخطأ (٣) ما لا يحصى، وقابله بعضهم فصار يظن أنه لا يطلق بكفر (٤) واحد من أهل الأهواء، وإن كانوا قد أتوا من الإلحاد وأقوال أهل التعطيل والاتحاد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-244>[القول الفصل في تكفير أهل الأهواء]</span>\nوالتحقيق في هذا: أن القول قد يكون كفرًا كمقالات الجهمية الذين قالوا: إن الله لا يتكلم، ولا يرى في الآخرة، ولكن قد يخفى على بعض الناس أنه كفر، فيطلق القول بتكفير القائل، كما قال السلف: من قال:\n_________\n= الخوارج، حيث قرنهم بالملحدين، وبوب بابًا قال فيه: باب قتل الخوارج والملحدين بعد إقامة الحجة عليهم، وممن شرح بتكفيرهم القاضي أبو بكر ابن العربي، وتقي الدين المبكي، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، ومن هؤلاء الخطابي حيث حكى الإجماع على ذلك، وابن بطال، وذكر أنه قول الجمهور، وقد توقف في هذا أبو المعالي، والباقلاني، والغزالي.\n(١) يقول المصنف ﵀ في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٥٠٠) عن الخوارج والرافضة والحكم فيهم: \"وأما تكفيرهم وتخليدهم، ففيه أيضًا للعلماء قولان مشهوران، وهما روايتان عن أحمد، والقولان في الخوارج والمارقين من الحرورية والرافضة ونحوهم، والصحيح أن هذه الأقوال التي يقولونها التي يعلم أنها مخالفة لما جاء به الرسول كفر، وكذلك أفعالهم التي هي من جنس أفعال الكفار بالمسلمين هي كفر أيضًا. . . لكن تكفير الواحد المعين منهم والحكم بتخليده في النار موقوف على ثبوت شروط التكفير وانتفاء موانعه. . \"، وقد تقدم كلام للمصنف قريب من ذلك في أول الكتاب.\nانظر: حاشية ابن عابدين (٣/ ١٣٠)، المغني (١٠/ ٤٧)، تكملة المجموع (١٩/ ٢٣٢)، الفتح (١٢/ ٣٨٥).\n(٢) في (ط): \"تخليدهم\".\n(٣) العبارة في (م) و(ط): \"وفي هذا من الخطأ\".\n(٤) في (ط): \"كفر\".","vol":"1","page":572},{"text":"القرآن مخلوق فهو كافر، ومن قال: أن الله لا يرى في الآخرة فهو كافر (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-245>[التكفير المطلق والتكفير المعين]</span>\nولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة، كما تقدم ممن (٢) جحد وجوب الصلاة والزكاة، واستحل الخمر والزنا [وتأول فإن] (٣) ظهور تلك الأحكام بين المسلمين أعظم من ظهور هذه، فإذا كان المتأول يخطئ (٤) في تلك لا يحكم بكفره إلا بعد البيان له واستتابته، كما فعل الصحابة في الطائفة الذين استحلوا الخمر، ففي غير ذلك أولى وأحرى، وعلى هذا يخرج الحديث الصحيح حديث (٥) الذي قال: \"إذا أنا مت فأحرقوني، ثم اسحقوني، ثم ذروني (٦) في اليم، فوالله لئن قدر الله علي\n_________\n(١) كتاب السنة (١/ ١١١ - ٢٣٢)، شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ٢١٦ - ٣٢٢). وقال المصنف ﵀ في موضع آخر من مجموع الفتاوى (١٢/ ٤٨٥): \"المشهور من مذهب الإمام أحمد، وعامة أئمة السنة تكفير الجهمية، وهم المعطلة لصفات الرحمن، فإن قولهم صريح في مناقضة ما جاءت به الرسل من الكتاب، وحقيقة قولهم جحود الصانع، ففيه جحود الرب، وجحود ما أخبر به عن نفسه على لسان رسله، ولهذا قال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى، ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية، وقال غير واحد من الأئمة: إنهم أكفر من اليهود والنصارى، يعنون من هذه الجهة، ولهذا كفروا من يقول: القرآن مخلوق، وأن الله لا يُرى في الآخرة، لأن الله ليس على العرش، وإن الله ليس له علم، ولا قدرة، ولا رحمة، ولا غضب، ونحو ذلك من صفاته. . \".\nوللمصنف بعد ذلك كلام نفيس -ينبغي مراجعته- في الحكم على غالب الفرق والطوائف المشهورة التي حادت عن طريق أهل السنة والجماعة، مع تنبيهه ﵀ إلى أصل عظيم، وهو أن التكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين، لأن هناك شروط لا بد من ثبوتها، وموانع لا بد من انتفائها في حق المعين حتى يحكم عليه بالكفر.\nوفد تكلم المصنف ﵀ في تلك الحالة الهامة مرات عديدة، ومن ذلك ما ذكره في مجموع الفتاوى في عدة مواضع، منها (٢٨/ ٥٠٠)، (٣٥/ ١٦٥).\n(٢) في (م) \"فمن\"، وفي (ط): \"كمن\".\n(٣) في نسخة الأصل: \"وأولى بأن\"، وفي (م): \"وأولى فإن\"، وأثبتنا ما في (ط) لأنه الصواب.\n(٤) في (م) و(ط): \"المخطئ\".\n(٥) كلمة \"حديث\" ليست في (ط).\n(٦) عبارة \"ثم ذروني\" ليست في (م) و(ط).","vol":"1","page":573},{"text":"ليعذبني عذابًا ما عذبه أحدًا من العالمين\" (١)، وقد غفر الله لهذا مع (٢) ما حصل له من الشك في قدرة الله وإعادته إذا حرقوه (٣).\nوهذه المسائل مبسوطة في غير هذا الموضع (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-246>[الأمر بجهاد الكفار والمنافقين]</span>\nفإن قيل: فالله تعالى قد أمر بجهاد الكفار والمنافقين في آيات من القرآن (٥)، فإذا كان المنافق تجري عليه أحكام الإسلام في الظاهر، فكيف يمكن مجاهدته؟\n_________\n(١) هذا الحديث روي بألفاظ مختلفة، منها ما رواه البخاري برقم (٣٤٨١) كتاب أحاديث الأنبياء، ومسلم برقم (٢٧٥٦) كتاب التوبة، والنسائي برقم (٢٠٨٠) كتاب الجنائز، وابن ماجه برقم (٤٢٥٥) كتاب الزهد، وأحمد برقم (٢٢٧٤٢)، ومالك برقم (٥٦٨) كتاب الجنائز.\n(٢) كلمة \"مع\" ليست في (م).\n(٣) وقد ذكر الحافظ الأقوال في الفتح (٦/ ٥٢٣) في حصول المغفرة لذلك الرجل مع شكه في قدرة الله على بعثه ومحاسبته، ومنها:\n١ - ما قاله الإمام الخطابي بأنه لم ينكر البحث، وإنما جهل، فظن أنه إذا فعل به ذلك لا يعاد فلا يعذب، وقد ظهر إيمانه باعترافه بأنه إنما فعل ذلك من خشية الله.\n٢ - أن معنى (لئن قدر علي) أي ضيق، وهي كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾، وقد أنكر ذلك المصنف رحمه الله تعالى، من مجموع الفتاوى (١١/ ٤١٠، ٤١١) وأفاض في الرد على من قال بهذا القول، ورآه قد أبعد النجعة جدًا.\n٣ - أن الرجل كان مثبتًا للصانع وكان في زمن الفترة، فلم تبلغه شرائط الإيمان.\n٤ - أنه كان في شرعهم جواز المغفرة للكافر، وهذا أبعد الأقوال كما قال الحافظ.\n٥ - أن الرجل قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله لما يقول، ولم يقله قاصدًا لحقيقة معناه، بل في حالة كان فيها كالغافل والذاهب والناسي، الذي لا يؤاخذ بما يصدر منه، وهذا أظهر الأقوال كما ذكر الحافظ.\nقلت: وما ذكره المصنف ﵀ هو أولى الأقوال، وهو ما وافق فيه الإمام الخطابي، وهو أن الرجل قد جهل وخفي عيه الحق في تلك المسألة.\n(٤) انظر: مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١، ٢٢٩، ٢٨٢، ٣٧٤)، (٤/ ٣٤٥، ٤٧٤، ٤٨٦)، (١١/ ٤٠٨ - ٤١٣)، (١٠/ ٣٧٢، ٦٣٧)، (٢٠/ ٩٠)، (٢٣/ ٣٤٦)، (٢٨/ ٤٦٨، ٥٠١، ٥١٨) درء التعارض (٥/ ٣٠٨) وغيرها.\n(٥) كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ [التوبة: ٧٣] [التحريم: ٩].","vol":"1","page":574},{"text":"قيل: ما يستقر في القلب من إيمان ونفاق فلا (١) بد أن يظهر موجبه في القول والعمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-247>[كيفية جهاد المنافقين]</span>\nكما قال بعض السلف: \"ما أسر أحد سريرة، إلا أبداها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه\" (٢).\nوقد قال الله تعالى في حق المنافقين: ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَأَرَيْنَاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمَاهُمْ وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ [محمد: ٣٠] # فأقسم أنه لا بد أن يعرفهم في لحن القول# (٣) فإذا أظهر المنافق من ترك الواجبات، وفعل المحرمات ما يستحق عليه العقوبة، عوقب على الظاهر، ولا يعاقب على ما يعلم من باطنه بلا حجة ظاهرة. ولهذا كان النبي - ﷺ - يعلم من المنافقين من عرفه الله\n_________\n(١) في (م) و(ط): \"لا\".\n(٢) لم أجد هذا الأثر بهذا اللفظ إلا فيما ذكره الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨١) أنه من كلام عثمان - ﵁ -، ولكن قد روي نحوًا من ذلك في غير حديث ضعيف، منها ما رواه الطبراني في المعجم الكبير (٢/ ١٧١) عن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أسر عبد سرية إلا ألبسه الله رداءها، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر\"، وقال محققه: \"قال في المجمع (١٠/ ٢٢٥): وفيه حامد بن آدم وهذا كذاب، قلت: ومحمد بن عبيد الله العرزمي متروك\"، وذكره الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (٥٠٠٠)، وفي السلسلة الضعيفة برقم (٢٣٧)، وذكر فيها (١/ ٤١٠) أن أبا بكر الذكواني أخرجه في \"اثنا عشر مجلسًا\" (٧/ ٢).\nورواه محمد بن سلامة القضاعي في مسند الشهاب (١/ ٣٠٦) عن عثمان بن عفان - ﵁ -، وفيه حفص بن سليمان الأسدي، متروك الحديث، العرب (١٧٢)، ورواه ابن عدي في الكامل (٢/ ٢٨٠)، وذكره الدارقطني في كتاب العلل (٥/ ٣٣٣).\nوحد روى الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (١٠/ ٢٧٠) بسنده إلى أبي جعفر المنصور أنه خطب الناس بعد قل أبي مسلم الخرساني فقال: \"ولا تسروا غش الأئمة، فإن أحدًا لا يسر منكرًا، إلا ظهر في فلتات لسانه، وصفحات وجهه، وطوالع نظره\".\n(٣) ما بين العلامتين (#) ساقط من (م) و(ط)، ومعنى لحن القول: فحواه ومعناه، معاني القرآن الكريم لأبي جعفر النحاس (٦/ ٤٨٥)، القاموس المحيط (ص ١٥٨٧)، وقال الحافظ ابن كثير في تفسيره (٤/ ١٨٣) عند قوله تعالى ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾: \"أي فيما يبدو من كلامهم الدال على مقاصدهم\".","vol":"1","page":575},{"text":"بهم، وكانوا يحلفون له وهم كاذبون، وكان يقبل علانيتهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى.\nوأساس النفاق الذي يبنى (١) عليه الكذب، والمنافق لا بد أن تختلف سريرته وعلانيته، وظاهره وباطنه.\nولهذا يصفهم الله [في كتابه] (٢) بالكذب كما يصف المؤمنين بالصدق.\nقال الله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾ [البقرة: ١٠].\n#وقال تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾ [التوبة: ٧٧] # (٣).\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: ١]، ومثل (٤) هذا كثير.\nوقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ (١٥)﴾ [الحجرات: ١٥].\nوقال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. وبالجملة: فأصل هذه المسائل، أن تعلم أن الكفر نوعان، كفر ظاهر، وكفر نفاق، فإذا تكلم في أحكام الدار (٥) الآخرة، كان حكم المنافق حكم الكفار، وأما في أحكام الدنيا، فقد تجري على المنافق أحكام المسلمين.\n_________\n(١) في (ط): \"بني\".\n(٢) في نسخة الأصل: \"بكتابه\"، وأثبتنا ما في (م) و(ط) لأنه أقرب.\n(٣) ما بين العلامتين (#) ليس في (ط).\n(٤) في (م) و(ط): \"أمثال\".\n(٥) كلمة \"الدار\" ليست في (م) و(ط).","vol":"1","page":576},{"text":"وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل، وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله، بقلبه أو بقلبه ولسانه، ولم يؤد واجبًا ظاهرًا لا (١) صلاة، ولا زكاة، ولا صيامًا، ولا عير ذلك من الواجبات # ولو قدر أنه يؤدي الواجبات# (٢) لا لأجل أن الله أوجبها، مثل من (٣) يؤدي الأمانة، أو يصدق الحديث، أو يعدل في قسمه وحكمه، من غير إيمان بالله ورسوله، لم يخرج بذلك من الكفر.\nفإن المشركين وأهل الكتاب يرون وجوب هذه الأمور، فلا يكون الرجل مؤمنًا بالله ورسوله محمد - ﷺ - (٤)، مع عدم شيء من الواجبات التي يختص بإيجابها محمد - ﷺ -.\nومن قال بحصول الإيمان الواجب، بدون فعل شيء من الواجبات، سواء جعل فعل تلك الواجبات لازمًا للإيمان (٥) أو جزءًا منه، فهذا نزاع لفظي، كان مخطئًا خطأً بينًا، وهذه بدعة الإرجاء التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها، وقالوا فيها من المقالات الغليظة ما هو معروف (٦)، والصلاة فهي (٧) أعظمها وأعمها (٨)، وأولها وأجلها (٩).\n_________\n(١) في (ط): \"ولا\".\n(٢) ما بين العلامتين (#) ساقط من (ط).\n(٣) في (ط): \"أن\".\n(٤) عبارة \"محمد - ﷺ - \" ليست في (م) و(ط).\n(٥) كلمة \"للإيمان\" ليست في (م).\n(٦) ذم السلف رحمهم الله تعالى لبدعة الإرجاء والمرجئة أمر استفاضت به أمات كتب العقيدة (تطلق أمات على غير العقلاء، وأمهات على العقلاء)، ومن ذلك ما رواه الإمام عبد الله بن الإمام أحمد في كتابه \"السنة\" عن شريك برقم (٦١٤) أنه قال وقد ذكر عده المرجئة: \"هم أخبث قوم، وحسبك بالرافضة خبثًا، ولكن المرجئة يكذبون على الله تعالى\"، وقال محققه: إسناده صحيح، وروى بسنده برقم (٦١٦) عن التابعي الجليل سعيد بن جبير ﵀ أنه قال: \"مثل المرجئة مثل الصابئين\"، وقال محقق: إسناده حسن، وروى أيضًا برقم (٦٤١) عن الأوزاعي أنه قال: \"كان يحيى وقتادة يقولان: ليس في الأهواء شيء أخوف عندهم على الأمة من الإرجاء\"، وقال محققه: رجاله ثقات.\n(٧) في (م) و(ط): \"هي\".\n(٨) هكذا في جميع النسخ، ولعلها: \"أهمها\"، والله أعلم.\n(٩) الضمير يعود هنا إلى الواجبات، وقد سبق للمصنف ﵀ أن تحدث عن أهمية =","vol":"1","page":577},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-248>فصل</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-249>[تعريف الإحسان]</span>\nوأما الإحسان فقوله - ﷺ -: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" (١).\nقد قيل: إن الإحسان هو الإخلاص (٢).\nوالتحقيق: أن الإحسان يتناول الإخلاص وغيره، والإحسان يجمع كمال الإخلاص لله، ويجمع الإتيان بالفعل الحسن الذي يحبه الله تعالى.\nقال الله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)﴾ [البقرة: ١١٢].\n_________\n= الصلاة، وذكر حشدًا من الأدلة على كفر تاركها، وكان ذلك كله في سياق أهمية العمل، وأن جنس الأعمال لازم لإيمان القلوب.\n(١) هذا جزء من حديث جبريل ﵇ المشهور، وقد تقدم تخريجه في أول الكتاب.\n(٢) قال القاضي عياض في معنى الإحسان: \"الإخلاص ومراقبة الله في السر والإعلان\" كتاب الإيمان من إكمال المعلم (١/ ١٠٠)، وقال الخطابي في معالم السنن نحوًا من ذلك (٥/ ٧١).\nوقال الحافظ ابن رجب ﵀ في الفتح (١/ ٢١١) عن معنى الإحسان في حديث جبريل: \"وأما الإحسان ففسره بنفوذ البصائر في الملكوت حتى يصير الخبر للبصيرة كالعيان، فهذه أعلى درجات الإيمان. . . قيل: المراد: أن نهاية مقام الإحسان أن يعبد المؤمن ربه كأنه يراه بقلبه، فيكون مستحضرًا ببصيرته وفكرته لهذا المقام، فإن عجز عنه وشق عليه انتقل إلى مقام آخر، وهو أن يعبد الله على أن الله يراه ويطلع على سره وعلانيته، ولا يخفى عليه شيء من أمره. . . قال بعض السلف: من عمل لله على المشاهدة فهو عارف، ومن عمل على مشاهدة الله إياه فهو مخلص، فهذان مقامان:\nأحدهما: مقام المراقبة، وهو أن يستحضر العبد قرب الله منه واطلاعه عليه فيتخايل أنه لا يزال بين يدي الله يراقبه في حركاته وسكناته وسره وعلانيته، فهذا مقام المراقبين المخلصين، وهو أدنى مقام الإحسان.\nوالثاني: أن يشهد العبد بقلبه ذلك شهادة فيصير كأنه يرى الله ويشاهده، وهذا نهاية مقام الإحسان، وهو مقام العارفين. . \".\nوقال الحافظ ابن حجر في الفتح (١/ ١٢٠): \"الإحسان هو مصدر، تقول أحسن يحسن إحسانًا، ويتعدى بنفسه وبغيره، نقول: أحسنت كذا إذا أتقنته، وأحسنت إلى فلان إذا أوصلت إليه النفع. . \".","vol":"1","page":578},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النساء: ١٢٥]، فذكر إحسان الدين أولًا، ثم ذكر الإحسان ثانيًا، فإحسان الدين هو والله أعلم الإحسان المسؤول عنه في حديث جبريل ﵇، فإنه سأله عن الإسلام والإيمان ففي # (١) إحسان هذا\n_________\n(١) من هنا يبدأ السقط الكبير في (م) و(ط)، لتنفرد نسخة الأصل بذلك إلى نهاية الكتاب.\nإننا لنُرجِّح، بل نكاد نجزم أن هذه الزيادة الهامة التي تتعلق بالمرتبة العليا من الدين -وهي الإحسان- هي من كتاب \"شرح حديث جبريل\" المعروف بالإيمان الأوسط، وهي من نفيس كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، وتوضيح ذلك بالأدلة كما يلي:\nأولًا: ما قبل (فصل الإحسان) كتب بخط شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.\nثانيًا: أما (فصل الإحسان) فقد أملاه شيخ الإسلام، ولم يكتبه بخط يده.\nوهاتان القضيتان يؤكدهما ما ورد في الهامش، وما ذكرناه أعلاه.\nثالثًا: أن بعض النصوص التي وردت في هذه الزيادة قد جاءت في رسالة الحسبة للمصنف نفسه، مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٠ - ١٢٠)، لكن مع اختلاف بيِّن وفرق واضح جلي.\nكما أن هذا الفصل عن الإحسان فصل متكامل، وقد وردت في ثناياه الإشارة مرات عدة إلى الإحسان، ووردت كلمات الإحسان ومكانها فيه أكثر من ثلاثين مرة، وفيه عدة فصول لم نرد في رسالة الحسبة على الإطلاق، وهي متعلقة تمامًا بالإحسان، وما ورد فيه، وجاء في رسالة الحسبة، في اختلاف، من حيث التقديم والتأخير، وتنوع في العبارة في بعض الأحيان.\nوفي الواقع فإن هذا ليس بغريب على منهج المصنف، والمتابع له ﵀ يعرف ذلك جيدًا، فهو يذكر نصوصًا كثيرة -تكاد تكون بعينها- في مواضع شتى من كتبه، وكل هذا يدل على درجة عزيزة من الحفظ، وحدة في الذهن.\nرابعًا: أننا إذا لم نقل بذلك فالكتاب يعتبر ناقصًا، على أن هذا الأمر يرجح بأن هذه الزيادة للمصنف، ولكن يبقى النقاش، هل هي من كتاب \"شرح حديث جبريل\" المعروف باسم \"الإيمان الأوسط\" أم لا؟ وهذا ما نود إثباته.\nخامسًا: أن هذه أقدم نسخة للكتاب عثر عليها -حتى الآن- على الإطلاق.\nسادسًا: أن النسختين الأخريين للكتاب، سواء النسخة المطبوعة في مجموع الفتاوى، أو النسخة المخطوطة في مكتبة المحمودية، قد ذكر فيهما أول هذا الفصل، ولكنه فيهما ناقص مخروم، ولم تشر أي منهما إلى شيء يمكن أن =","vol":"1","page":579},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= يشكك في صلة هذا الفصل بالكتاب، وهذا من أقوى الأدلة على ما أردنا إثبات وتقريره.\nسابعًا: أن ما نقول به هو الأصل، ونعني بذلك أن هذه الزيادة في الأصل من الكتاب، والشك في نسبتها إليه يخالف ذلك الأصل، وإذا لم نقل بذلك، فكيف نفسّر الأمر إذن؟\nثامنًا: أن الحواشي على هذه الزيادة لم تفتأ تذكر أن الكتاب بها قد بلغ مقابله وتصحيحًا، وقد وردت هذه العبارة نحو أربع مرات، (في الألواح ٥٧ أ، ٦٠ ب، ٦٢ ب، ٦٣ ب)، وجاء في هامش (اللوحة ٦١ ب): تابع كتاب الإيمان.\nتاسعًا: أن الشيخ أبا محمد الإسكندري -كما ذكرنا في ترجمته- من تلامذة شيخ الإسلام الذين أوذوا بسببه، بل من المتخصصين المشتهرين في نقل ونسخ كلام شيخ الإسلام ابن تيمية وفتاويه، ومن المستبعد تمامًا أن يضيف شيئًا إلى الكتاب وهو ليس منه، أو أن يقحم فيه حتى من كلام المؤلف ما ليس منه.\nعاشرًا: أن ناسخ هذه النسخة هو الذي نسخ نسخة \"الإيمان الكبير\" وكان ذلك سنة ٧٤٣ هـ، وقد نص هذا الناسخ على أن المصنف لم يكمل كتاب \"الإيمان الكبير\"، بينما لم يشر إلى شيء يتعلق بكتاب \"شرح حديث جبريل\".\nالحادي عشر: ومما يقوي القول إلى ما ذهبنا إليه أن ابن عبد الهادي قد ذكر في كتابه \"العقود الدرية\" (٣٤): أن من بين مؤلفات شيخ الإسلام ﵀ قاعدة في الإحسان، ولعلها هذه الواردة في كتابنا هذا، وقام أحد من الناس بإفرادها، كما هو الحال في بعض مصنفات شيخ الإسلام.\nالثاني عشر: وقد ذكر أحد تلامذة شيخ الإسلام المعروفين، وهو علم الدين البرزالي، فيما نقله عنه الحافظ ابن كثير يرحمهما الله، وأورده في البداية والنهاية (١٤/ ١٤٢) عبد ترجمته لشيخ الإسلام ما يلي: \"وله تصانيف كثيرة، وتعاليق مفيدة، في الأصول والفروع، كمل منها جملة وبيضت وكتبت عنه وقرئت عليه أو بعضها، وجملة كبيرة لم يكملها، وجملة كملها ولم تبيض إلى الآن\".\nالثالث عشر: أن الكتاب شرح لحديث جبريل ﵇، وقد أفاض في الحديث عن الإسلام والإيمان، فلم يبق غير الإحسان، وقد تكلم عنه في آخر الكتاب، وقد أشار المصنف في الكتاب (٧/ ٤٨٥) إلى شيء من ذلك، حيث قال: \"فقد قسم سبحانه الأمة التي أورثها الكتاب واصطفاها ثلاثة أصناف، ظالم لنفسه، ومقصد، وسابق بالخيرات، وهؤلاء الثلاثة ينطبقون على الطبقات الثلاث المذكورة في حديث جبريل: الإسلام، والإيمان، والإحسان، كما سنذكره إن شاء الله\".\nوإننا لنرجح أن كتاب \"شرح حديث جبريل\" الذي وفق الله ﷿ إلى تحققه هو من =","vol":"1","page":580},{"text":"الإسلام والدين الذي يكون صاحبه حسنًا، وتابعًا لما فيه رضوان الله في الأقوال والأفعال، هو المقام الذي أشار إليه النبي - ﷺ - حين قال: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\".\nومراقبة الله هي السر المطلوب في جميع أحوال العبد (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-250>[شروط قبول العمل]</span>\nقال الإمام أبو زكريا يحيى النووي (٢) ﵀ روينا عن أبي القاسم\n_________\n= القسم الثالث من مؤلفات شيخ الإسلام، ونعني بذلك: المؤلفات التي أكملها المصنف ﵀ ولم يبيضها، ونكاد نلمس ذلك عند مطالعة أول الكتاب وآخره.\nوقد سألت فضيلة الدكتور عبد الرحمن العثيمين الخبير المعروف في علم المخطوطات، وأطلعته على تلك الزيادة، وكان رأيه حفظه الله كالتالي:\nإن نص الكتاب إلى هذه الزيادة بقلم شيخ الإسلام ﵀، وأما بقية النص المذكور إلى آخر الكتاب فقد يكون ثبت من نسخ أخرى منقولة عن مسودة المؤلف، ويدل على ذلك اتفاق منهج المؤلف من أوله إلى آخره، وموافقة ما جاء في آخر هذا الكتاب لآراء شيخ الإسلام ابن تيمية في مؤلفاته الأخرى.\nكما أننا نشير إلى أن الكتاب كان إملاءً -كما نصت النسخة التركية على ذلك في مقدمتها- بمعنى أن شيخ الإسلام أملاه على أحد تلامذته، أو قد يكون أملى بعضه وكتب بعضه.\nوأسلوب هذه الزيادة يكاد يتفق في مجمله مع أسلوب الوصية الصغرى (مجموع الفتاوى ١٠/ ٦٥٣ - ٦٦٦) التي كتبها شيخ الإسلام لأبي القاسم المغربي، وهو أسلوب غير الأسلوب الذي اشتهر به ﵀ في كثير من كتبه، وقام على مقارعة الخصوم والمخالفين بالحجج القوية، والبراهين العظيمة، وعرض الآراء بأدلتها، ثم نسفها بالحق المبين وأدلته الواضحة، إذ أن أسلوبه في هذه الزيادة، وفي الوصية الصغرى يتسم بالهدوء والرفق والطمأنينة، إذ المقام مقام توجيه ونصح وتعليم، وليس مقام رد وزجر للمخالفين. وبهذه الأدلة والتوضيحات نستطيع أن نرجح مطمئنين أن هذه الزيادة من الكتاب، والله أعلم.\n(١) هنا في الحاشية عنوان (فصل ليس من الأصل) وبعده تعليق للناسخ قال فيه: (قال كاتب نسخة الأصل وهو الشيخ الإمام أبو محمد جمال الدين عبد الله الإسكندري: هذا آخر ما وجدته بخط شيخ الإسلام ﵀) وبعده كلمة كأنها (المملى) ولعلها تشير إلى هذه الزيادة ليست بخط المؤلف، ولكنها مما أملاه، لأنها مرتبطة به من حيث المعنى كما هو واضح.\n(٢) هو الشيخ الإمام محي الدين يحيى بن شرف بن حسن أبو زكريا، النووي الدمشقي الشافعي، من كبار علماء الشافعية، وصاحب المصنفات المشهورة -ولو لم يكن =","vol":"1","page":581},{"text":"القشيري أنه قال: سئل الفضيل بن عياض عن قوله: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: ٢] قال: أخلصه وأصوبه.\nقيل: ما أخلصه وأصوبه؟ فقال: إن العمل لا يكون مقبولًا حتى يكون خالصًا صوابًا، فالخالص ما كان لله، والصواب ما كان على سنة رسول الله (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-251>[تعريف الإخلاص]</span>\nوروي أن أبا القاسم القشيري (٢) قال: الإخلاص إفراد الحق بالطاعة\n_________\n= منها إلا كتابه المبارك رياض الصالحين لكفاه ذلك، نشأ محبًا للعلم شغوفًا به، حتى إنه وإن له اثنا عشر درسًا في اليوم على مشايخه، وكان ورعًا زاهدًا، كثير العبادة والتنفل، وقد ولي المعهد العريق دار الحديث الأشرفية، فقام بها أحسن قيام، وكان يأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر للملوك وغيرهم، كما يقول الحافظ ابن كثير -شأنه في ذلك شأن كل العلماء العاملين- ومن مصنفاته: شرح مسلم، وروضة الطالبين، والمنهاج، والمجموع شرح المهذب وصل فيه إلى أثناء الربا والإيضاح في المناسك، والتبيان في آداب حملة القرآن، وغيرها من المصنفات النافعة، مات ﵀ سنة ٦٧٦ هـ.\nتذكرة الحفاظ (٤/ ١٤٧٠)، طبقات الشافعية (٨/ ٣٨٥)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٩٤)، شذرات الذهب (٧/ ٦١٨).\n(١) ولشيخ الإسلام ﵀ كلام في مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٧٥) متعلق بهذا الكلام، حيث يقول: \"والإسلام يجمع معنيين: أحدهما الاستسلام والانقياد، فلا يكون الرجل متكبرًا، والثاني الإخلاص. . فلا يكون الرجل مشركًا. . . والإسلام يستعمل لازمًا. . . ويتحمل متحديًا مقرونًا بالإحسان. . . ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. . .﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ. .﴾ فقد أنكر أن يكون دين أحسن من هذا الدين، وهو إسلام الوجه لله مع الإحسان، وأخبر أن كل من أسلم وجهه لله وهو محسن فله أجره عنده ربه. . . وهذان الوصفان -وهما إسلام الوجه والإحسان- هما الأصلان المتقدمان، وهما: كون العمل خالصًا لله، صوابًا: موافقًا للسنة والشريعة. . . ولهذا كان أئمة السلف يجمعون هذين الأصلين، كقول الفضيل بن عياض في قوله تعالى: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ قال: أخلصه وأصوبه. . . \".\n(٢) هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك القشيري الخرساني الشافعي الصوفي، نعته الإمام الذهبي بالإمام القدوة الأستاذ، من كبار علماء الأشاعرة، وكان عديم النظر في الوعظ والتذكير، وحج مع أبي محمد الجويني، والحافظ أبي بكر البيهقي، وجرى له مع الحنابلة خصام بسبب الاعتقاد، لأنه تعصب =","vol":"1","page":582},{"text":"في القصد، وهو أن العبد يريد بطلبته وجه الله دون شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح، أو معنى من المعاني، سوى التقرب إلى الله ﷿.\nقلت: ويصح أن يقال: الإخلاص هو تصفية الفعل عن ملاحظة المخلوقين (١).\nفينبغي لمن علم علمًا أن يستعمل في علمه العدل الذي هو ميزان الأعمال، ولا ينسى حظه من الإحسان الذي به يستحق القرب والرضوان.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-252>[مدح الإحسان وشموله لجميع الأعمال الظاهرة والباطنة]</span>\nقال تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: ٥٦].\nوقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ [المائدة: ٩٢].\nوقد مدح الله الإحسان، ورغب في استصحابه لجميع الأعمال القلبية والبدنية والمالية، في غير موضع في كتابه (٢).\n_________\n= للأشاعرة، وانتهى الأمر إلى فتنة، قتل فيها جماعة من الفريقين، وترك القشيري البلد من أجل ذلك، ثم عاد إليها فيما بعد، من مصنفاته: الرسالة القشيرية في التصوف، والتفسير الكبير، لطائف الإشارات، المنتهى في نكت أولي النهى، وغيرها من المصنفات، توفي سنة ٤٦٥ هـ عن تسعين عامًا.\nتاريخ بغداد (١١/ ٨٣)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٥٠٣)، وفيات الأعيان (٣/ ٢٠٥)، الكامل (١٠/ ٨٨)، المنتظم (٨/ ٢٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٨/ ٢٢٧)، البداية والنهاية (١٢/ ١١٤)، شذرات الذهب (٥/ ٢٧٥).\n(١) وقال المصنف في مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٤٢)، حين كان يتحدث عن الجهاد: وأعظم مراتب الإخلاص: تسليم النفس والمال للمعبود.\nوقد ذكر الحافظ ابن القيم ﵀ في مدارج السالكين (٢/ ٩٥) تعريفات أخرى للإخلاص غير ما ذكر، منها: \"قيل: التوقي من ملاحظة الخلق حتى عن نفسك، وقيل: من شهد في إخلاصه الإخلاص، احتاج إخلاصه إلى إخلاص، وقيل: الإخلاص استواء أعمال العبد في الظاهر والباطن، والرياء يكون ظاهره خيرًا من باطنه. .، وقيل: الإخلاص نسيان رؤية الخلق بدوام النظر إلى الخالق. . \".\n(٢) يقول الحافظ ابن رجب عند شرح حديث (إن الله كتب الإحسان على كل شيء)، في جامع العلوم والحكم (١/ ٣٨١ - ٣٨٢): \"فهذا الحديث نص في وجوب =","vol":"1","page":583},{"text":"قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ البقرة: ١٩٥].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-253>[كتب الله الإحسان على كل شيء]</span>\nفينبغي لمن علم هذه القواعد، أن يتيقن أن الله كتب الإحسان على كل شيء، كما جاء في الحديث الصحيح (١)، ومن عمل صالحًا، وأراد به عرضًا من عرض الدنيا، مع علمه بسرعة زوالها وهوانها عند العقلاء العالمين بالله لا يعد محسنًا، بل يكون متعرضًا لسخط الله.\nقال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ [لشورى: ٢٠].\n_________\n= الإحسان، وقد أمر الله تعالى به، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقال: ﴿وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾ وهذا الأمر بالإحسان تارة يكون للوجوب، كالإحسان إلى الوالدين والأرحام بمقدار ما يحصل به البر والصلة، والإحسان، إلى الضيف بقدر ما يحصل به تراه على ما سبق ذكره. .\nوتارة يكون لندب كصدقة التطوع ونحوها.\nوهذا الحديث يدل على وجوب الإحسان في كل شيء من الأعمال، لكن إحسان كل شيء بحسبه، فالإحسان في الإتيان بالواجبات الظاهرة والباطنة: الإتيان بها على وجه كمال واجباتها، فهذا القدر من الإحسان فيها واجب، وأما الإحسان فيها بإكمال مستحباتها فليس بواجب.\nوالإحسان في ترك المحرمات: الانتهاء عنها، وترك ظاهرها وباطنها، كما قال تعالى: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ﴾ فهذا القدر من الإحسان فيها واجب.\nوأما الإحسان في الصبر على المقدورات، فأن يأتي بالصبر عليها على وجهه من غير تسخط ولا جزع.\nوالإحسان الواجب في معاملة الخلق ومعاشرتهم: القيام بما أوجب الله من حقوق ذلك كله، والإحسان الواجب في ولاية الخلق وسياستهم، القيام بواجبات الولاية كلها، والقدر الزائد على الواجب في ذلك كله إحسان ليس بواجب. . \".\n(١) رواه مسلم برقم (١٩٥٥) ٣/ ١٥٤٨ كتاب الصيد والذبائح، باب الأمر بإحسان الذبح والقتل، وتحديد الشفرة، والترمذي برقم (١٤٠٩) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٤٠٥) كتاب الضحايا، وأبو داود برقم (٢٨١٥) كتاب الضحايا، وابن ماجه برقم (٣١٧٠) كتاب الذبائح، والدارمي برقم (١٩٧٠)، وأحمد برقم (١٦٦٧٩)، ولفظ مسلم: \"إن الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القتلة، وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبح، وليحد أحدكم شفرته، فليرح ذبيحته).","vol":"1","page":584},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية [الإسراء: ١٨].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-254>[الإخلاص في العلم تعلمًا وتعليمًا]</span>\nوقد روى أبو داود بإسناد صحيح عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من تعلم علمًا مما يبتغى به وجه الله، ولم يتعلمه إلا ليصيب به عرضًا من عرض الدنيا، لم يجد عرف (١) الجنة يوم القيامة\"، رواه بأسانيد صحيحة (٢).\n_________\n(١) عرف الجنة يعني: ريحها، قال في القاموس المحيط (١٠٨٠): \"والعرف الريح طيبة أو منتنة، وأكثر استعماله في الطيبة\".\n(٢) رواه أبو داود برقم (٣٦٦٤) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٥٢) في المقدمة، وأحمد برقم (٨٢٥٢)، وابن حبان في صحيحه وصححه، وقال محققه: \"حديث صحيح\"، وأبو يعلى في مسنده (١١/ ٢٦٠) وقال محققه: إسناده حسن، والحاكم في المستدرك (١/ ٥٨)، وقال: \"هذا حديث صحيح سنده ثقات رواته على شرط الشيخين، ولم يخرجاه\"، ووافقه الذهبي، والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٥/ ٣٤٦)، وكلهم من طريق فليح بن سليمان الخزاعي عن ابن طوالة عن سعيد بن يسار عن أبي هريرة.\nقلت: فليح بن سليمان من رجال الشيخين، أكثر عنه البخاري، وأما مسلم فما روى له غير حديث الإفك، وفليح هذا تكلم فيه أهل الجرح والتعديل، قال عنه ابن معين: \"ليس بالقوي، ولا يحتج بحديثه\"، وكان يقشعر منه يحيى إذا ذكر عنده -كما نقلوا ذلك عنه، وقال أبو حاتم: \"ليس بالقوي\"، وقال النسائي: \"ضعيف\"، وقال في موضع آخر: \"ليس بالقوي\"، وقال أبو داود: \"لا يحتج بفليح\"، وذكره العقيلي في الضعفاء، وكذلك صنع ابن عدي في الكامل غير أنه أنصف حين قال: \"ولفليح أحاديث صالحة يرويها. . . وقد اعتمده البخاري في صحيحه، وروى عنه الكثير، وهو عندي لا بأس به\"، وقال الحافظ عقب ذلك: \"لم يعتد عليه البخاري اعتماده على مالك وابن عيينة وأضرابهما، وإنما أخرج له أحاديث أكثرها في المناقب، وبعضها في الرقاق\"، وقال الدارقطني: \"يختلفون فيه، وليس به بأس\"، وقال الساجي: \"من أهل الصدق وبهم\"، وقال الحاكم أبو عبد الله: \"اتفاق الشيخين عليه يقوي أمره\"، وقال الحافظ في التقريب: \"صدوق كثير الخطأ\".\nقلت: ما قاله الحاكم وجيه، واتفاق الشيخين عليه -خصوصًا الإمام البخاري، بل وأصحاب السنن- يرفع منزلته في الرواية ولا شك، غير أن من منهج الشيخين في الصحيحين، كما هو معلوم- أنهما ينتقيان في كثير من الأحيان لبعض الرواة =","vol":"1","page":585},{"text":"وكذلك روى الترمذي عن كعب بن مالك أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من تعلم العلم ليماري (١) به السفهاء، أو يكاثر به العلماء، أو يصرف به وجوه الناس إليه، أدخله الله النار\" (٢).\nوفي رواية غير الترمذي: \"فليتبوأ مقعده من النار\" (٣).\n_________\n= الذين اخلف فيهم، وما أخرجاه في صحيحيهما هو من هذا الباب، وأما ما سوى الصحيحين فينظر فيه، وبناء على هذا فالحديث الذي ذكره المصنف حديث حسن، وقد صححه الإمام النووي في رياض الصالحين (٥٦١).\nوجود إسناده الحافظ العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (١/ ٧٦)، وذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبو داود برقم (٣١١٢)، وصحيح ابن ماجه برقم (٢٠٤).\nوقد ذكر الحافظ ﵀ في الإصابة (٣/ ٥٢٧) أن ابن شاهين أخرجه من حديث روح عن عبد العزيز بن أبي سلمة عن عبد الله بن معمر، وهو أبو طوالة الذي روى عنه فليح بن سليمان.\nقلت: عبد العزيز بن سلمة لا بأس به كما قال الحافظ في التقريب (٣٥٧).\nوقول المصنف: رواه بأسانيد صحيحة، لم أجد أبا داود رواه أكثر من مرة في سننه، اللهم إن كانت الكلمة: روي، فتصحفت إلى رواه الجرح والتعديل (٧/ ٨٤)، ضعفاء العقيلي (٣/ ٤٦٦)، الكامل في الضعفاء (٦/ ٣٠)، الثقات (٧/ ٣٢٤)، تهذيب الكمال (٢٣/ ٣٦٧)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٥١)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٢٣)، تهذيب التهذيب (٨/ ٢٧٢)، تقريب التهذيب (٤٤٨)، هدي الساري (٤٣٥).\n(١) معنى تماري: تجادل، قال في الصحاح (٦/ ٢٤٩١): \"ماريت الرجل أماريه مراء، إذا جادلته\".\n(٢) رواه الترمذي برقم (٢٦٥٤) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٥٣) في المقدمة، والدارمي برقم (٣٦٩)، وابن حبان في صحيحه برقم (٧٧) ١/ ٢٧٨، وصححه، وقال محققه: رجاله ثقات رجال الصحيح، والطبراني في المعجم الكبير (١٩/ ١٠٠)، والحاكم في المستدرك (١/ ٨٦)، وقال العقيلي في الضعفاء (١/ ١٠٣): \"وفي الباب عن جماعة من الصحابة لينة الأسانيد كلها\"، وصححه الحافظ العراقي فى تخريج أحاديث الإحياء للغزالي (١/ ٧٣).\nوالحديث صحيح الشيخ الألباني ﵀ بعض رواياته، وحسن الأخرى، ومنها ما ذكره في كتابه صحيح سنن ابن ماجه برقم (٢٠٥)، (٢٠٦)، والحديث وإن كانت غالب رواياته لا تخلو من ضعف، إلا أن له طرقًا يتقوى بها كما ذكر الشيخ في صحيح الترغيب والترهيب (١/ ٦٦).\n(٣) لم أجد هذا اللفظ في جميع روايات الحديث التي اطلعت عليها.","vol":"1","page":586},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-255>[إحسان الظن بالشيخ]</span>\nفمن الإحسان: أن يحسن الطالب ظنه بمن يتعلم منه العلم، أو يسمع عليه الحديث، لينال بذلك بركة العلم، فقد كان بعض المتقدمين إذا خرج إلى شيخه تصدق في طريقه بشيء من المال، وقال: اللهم استر عيب معلمي عني، ولا تذهب بركة علمه مني (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-256>[من حقوق العالم على المتعلم]</span>\nوروى النواوي (٢) أن الإمام عليًا - ﵁ - قال: \"من حق العالم أن تسلم على الناس عامة، وتخصه وحده بالتحية\" (٣) رواه أبو داود.\nواعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه، ولا تشيرن عنده بيدك، ولا تغمزن بعينك، ولا تغتابن عنده أحدًا، ولا تسارر (٤) في مجلسه، ولا تلح عليه إذا كسل، ولا تشبع من طول صحبته، ومن حقه أن ترد غيبته إن قدرت على ذلك (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-257>[العمل بالعلم]</span>\nومن حق العلم لمن استعمل الإحسان فيه أن يقف عند ما يسمع ويكتب، فإذا بلغ فضيلة أخذ بحظه منها، فإن كانت نافلة عمل بها ولو مرة\n_________\n(١) ذكره ابن جماعة الكناني في كتابه \"تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم\" (١٣٧).\n(٢) يصح بإضافة الألف وحذفها، كما ذكر ذلك كثير ممن ترجم له ﵀.\n(٣) لم أجد هذا الأثر عن علي - ﵁ - عند أبي داود، وإنما رواه الخطيب البغدادي في كتاب \"الفقيه والمتفقه\" برقم (٨٥٦) ٢/ ١٩٧، وقال محققه عادل العزازي: إسناده ضعيف، ورجاله ثقات إلا أنه منقطع بين ابن الأعرابي وسهل بن هارون وبين علي بن أبي طالب - ﵁ -.\nوكذلك روي نحو ذلك عن الحسن - ﵁ -، وقد رواه الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٧/ ٤١٣) عن الحسن قال: (يجب للعالم ثلاث، تخصه بالتحية، وتعمه بالسلام مع الجماعة. . . \".\n(٤) من السر، والمعنى: لا تناجي أحدًا في مجلسه، الصحاح (٢/ ٦٨٤).\n(٥) روى الترمذي برقم (١٩٣١) كتاب البر والصلة، وأحمد برقم (٢٦٩٩٥) عن أبي الدرداء - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من رد عن عرض أخيه رد الله عن وجهه النار يوم القيامة\"، وقال الترمذي: حديث حسن، وهو كما قال، وصححه الشيخ الألباني في صحيح الجامع برقم (٦٢٦٢).\nوقول المصنف: واعلم رحمك الله أن من حقه أن تجلس أمامه -إلى قوله- وترد غيبته. .، هي من كلام الأثر السابق الذي رواه الخطيب عن علي - ﵁ -.","vol":"1","page":587},{"text":"في عمره، فقد أوصى بذلك بشر بن الحارث (١) وأخبر أن ذلك كان سبب هدايته في بدايته.\nوإن كان أدبًا من آداب السنة أخذ نفسه بذلك، فقد قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٨٢].\nولهذا كان يقال: \"من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم\" (٢)، وأن يحاسب نفسه، ويطالبها بالخشية لله والحذر والمراقبة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: ٢٨].\nوقال عبد الله بن مسعود: \"من ازداد علمًا ولم يزدد هدى، لم يزدد من الله إلا بعدًا، (٣) وهذا باب واسع.\n_________\n(١) هو أبو نصر بشر بن الحارث بن عبد الرحمن المروزي البغدادي المشهور بالحافي، نعته الإمام الذهبي بشيخ الإسلام، الإمام العالم المحدث الزاهد الرباني القدوة، كان ﵀ رأسًا في الورع والزهد والإخلاص، وكان يعمل المغازل مع أخته ويبيعها، فذاك كسبه، مات ولم يتزوج، وخرج أهل بغداد في جنازته، يتقدمهم العلماء والمحدثون والفقهاء والأعيان، وقال عنه الإمام أحمد: لو كان بشر تزوج لتم أمره، مات ﵀ سنة ٢٢٧ هـ، وقد أفرد ابن الجوزي مناقبه في كتاب.\nحلية الأولياء (٨/ ٣٣٦)، تاريخ بغداد (٧/ ٦٧)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٤٦٩)، البداية والنهاية (١٠/ ٣١٠)، شذرات الذهب (٣/ ١٢٢).\n(٢) ذكره أبو حامد الغزالي في الإحياء (١/ ٨٧) على أنه من حديث رسول الله - ﷺ -، وقال الحافظ العراقي مخرجًا له: \"أخرجه أبو نعيم في الحلية من حديث أنس وضعفه\".\nقلت: ما ذكره الحافظ العراقي ﵀ يحتاج إلى بيان، فقد روى أبو نعيم في الحلية (١٠/ ١٤) بسنده عن يحيى بن معين أن أحمد بن حنبل التقى بأحمد بن أبي الحواري فسأله أن يسمعه حكاية عن شيخه أبي سليمان الداراني، فذكر له بعض ذلك، ثم ذكر أحمد بن حنبل عن يزيد بن هارون عن حميد الطويل عن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال: من عمل بما يعلم ورثه الله علم ما لا يعلم، وقال أبو نعيم عقب هذا: \"ذكر أحمد بن حنبل هذا الكلام عن بعض التابعين عن عيسى ابن مريم ﵇، فوهم بعض الرواة أنه ذكره عن النبي - ﷺ -، فوضع هذا الإسناد لسهولته، وقربه، وهذا الحديث لا يحتمل بهذا الإسناد عن أحمد بن حنبل\".\n(٣) ذكره الغزالي في الإحياء (١/ ٧٣) على أنه من حديث رسول الله - ﷺ -، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: أخرجه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس، وحديث علي بإسناد ضعيف إلا أنه قال: زهدًا، وروى ابن حبان في روضة =","vol":"1","page":588},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-258>[الإحسان في أعمال الجوارح]</span>\nوأما الإحسان في أعمال الجوارح بعد إحكام قاعدة العلم فعلى أنواع: منه فرض عين، ومنه فرض كفاية، ومنه سنة مؤكدة، ومنه فضيلة لا يسع من له عقل ومروءة أن يفوت نفسه حظها من ذلك، وذلك يختلف باختلاف الأحوال.\nقال الله ﷿: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠) وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ [النحل: ٩٠] الآيات.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-259>فصل [العارية من الإحسان]</span>\nوعلى المسلم بذل دلو يستقى به، وقدر يطبخ فيها، وفاس يحفر [بها] (١) ونحو ذلك، وهل يجب أن يبذل بأجرة المثل؟ قولان للعلماء:\nفمذهب الصحابة، ومن بعدهم كمالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق (٢) والسفيانين الثوري (٣).\n_________\n= العقلاء موقوفًا على الحسن: \"من ازداد بالله علمًا ثم ازداد على الدّنيا حرصًا لم يزدد من الله إلا بعدًا\"، وروى أبو الفتح الأزدي في الضعفاء من حديث علي: \"من ازداد بالله علمًا ثم ازداد للدنيا حبًا ازداد الله عليه غضبًا\"، وكلها أحاديث ضعيفة، وبعضها لا أصل لها، ولعل الموقوف هو الأصح، ولكني لم أجد هذا الأثر عن ابن مسعود فيما بحثت فيه من مصادر.\n(١) كتب في نسخة الأصل: \"بها\"، ثم شطب عليها وكتب: \"به\"، والصحيح ما شطب عليه، وأثبتناه، لأن الفأس مؤنثة، القاموس المحيط (٧٢٤).\n(٢) هو إسحاق بن إبراهيم بن مخلد بن راهويه، نعته الذهبي بالإمام الكبير، وشيخ المشرق، سيد الحفاظ، من كبار أئمة الحديث والسنة، كان أقوى الناس حفظًا، وقد كان مع حفظه إمامًا في التفسير، رأسًا في الفقه، من أئمة الاجتهاد، وهو من العلماء الذين دفنوا كتبهم -وعلل الذهبي ذلك، لأنهم كانوا لا يرون نقل العلم وجادة، وهو شيخ الإمام البخاري، وأحد الأسباب الباعثة له على تصنيف كتابه المبارك الصحيح، فلعل الإمام ابن راهويه ينال أجر هذا الكتاب العظيم إن شاء الله، توفي إسحاق بنيسابور سنة ٢٣٨ هـ.\nالجرح والتعديل (٢/ ٢٠٩)، حلية الأولياء (٩/ ٢٣٤)، تاريخ بغداد (٦/ ٣٤٥)، سير أعلام النبلاء (١١/ ٣٥٨)، البداية والنهاية (١٠/ ٣٣٣)، شذرات الذهب (٣/ ١٧٢).\n(٣) هو أمير المؤمنين في الحديث، أبو عبد الله سفيان بن مسروق الثوري الكوفي =","vol":"1","page":589},{"text":"وابن عيينة (١) والليث بن سعد (٢) والأوزاعي (٣)،\n_________\n= المجتهد مصنف كتاب الجامع، قال عنه الذهبي: شيخ الإسلام، إمام الحفاظ، سيد العلماء العاملين في زمانه، يل إنه أخذ العلم والحديث عن ست مئة شيخ، وذكر الحافظ الذهبي منهم أكثر من ثلاثمائة شيخ، كان غاية في الزهد والورع، رأسًا في الحفظ والحديث والفقه، لا يخاف في الله لومة لائم، ينكر على الملوك، ولا يرى الخروج عليهم أصلًا، وأقام زمنًا مختفيًا عن أعين السلطان، وكان ذا مكانة في قلوب العلماء والخلق، حتى قال عنه الإمام أحمد: لا يتقدمه في قلبي أحد، وقد أوصى ﵀ أن تدفن كتبه، وكان صاحب مذهب حتى القرن الرابع، مات سنة ١٦١ هـ.\nالجرح والتعديل (٤/ ٢٢٢)، حلية الأولياء (٦/ ٣٥٦)، تاريخ بغداد (٩/ ١٥٢)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٢٢٩)، تذكرة الحفاظ (١/ ٢٠٣)، البداية والنهاية (١٠/ ١٣٧)، شذرات الذهب (٢/ ٢٧١).\n(١) هو أبو محمد سفيان بن عيينة بن أبي عصران ميمون الهلالي ولاء، نعته الذهبي بالإمام الكبير، حافظ العصر، شيخ الإسلام، وإن من أئمة الحديث، وسادات المسلمين، أدرك ستة وثمانين من التابعين، وذكر أنه حجّ اثنتين وسبعين حجة، وهو من أقران سمان الثوري والليث بن سعد وابن المبارك وغيرهم، توفي سنة ١٩٦ هـ بمكة المكرمة.\nالجرح والتعديل (٤/ ٢٢٥)، حلية الأولياء (٧/ ٢٧٠)، تاريخ بغداد (٩/ ١٧٤)، سير أعلام النبلاء (٨/ ٤٥٤)، ميزان الاعتدال (٢/ ١٧٠)، البداية والنهاية (١٠/ ٢٥٥)، شذرات الذهب (٢/ ٤٦٦).\n(٢) هو الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي بالولاء أبو الحارث، نعته الذهبي بالإمام الحافظ شيخ الإسلام وعالم الديار المصرية، كان ذا كلمة مسموعة عند ولاة الأمر في زمانه، كان سخيًا كريمًا جوادًا، بلغ الغاية في ذلك، وصاحب دخل من المال عظيم، وما وجبت عليه فيه زكاة كما ذكر، لأنه كان ينفقه في القربات والخيرات، وصلة العلماء والمحدثين، بل ربما تحمل شيئًا من الدين، وكان من كبار الفقهاء، وقد استقل بالفتوى في زمانه، حتى نال من قال من العلماء: إنه أفقه من مالك، ولكن ضيعه أصحابه -أي لم يحملوا علمه من بعده- ولم ير له نظير في البذل والجود اللهم إن كان ابن المبارك، ومات الليث سنة ١٧٥ هـ بمصر.\nالجرح والتعديل (٧/ ١٧٩)، حلية الأولياء (٧/ ٣١٨)، تاريخ بغداد (١٣/ ٣)، الأنساب للسمعاني (٤/ ٤١٣)، سير أعلام النبلاء (٨/ ١٣٦)، البداية والنهاية (١٠/ ١٧١)، شذرات الذهب (٢/ ١٣٩).\n(٣) هو أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن يحمد الأوزاعي نسبة إلى محلة الأوزاع =","vol":"1","page":590},{"text":"وحماد بن سلمة (١)، ومكحول (٢)، أن بذله حق على المسلم يجب مجانًا كما دل عليه الكتاب والسنة.\nقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾ [الماعون: ٤ - ٧] (٣).\n_________\n= بدمشق، نعته الذهبي بشيخ الإسلام وعالم أهل الشام، جمع بين العبادة والعلم والقول بالحق، وكان رجل عامة يسير في نفعهم، أديبًا بارعًا في الكتابة والإنشاء والترسل، وكان له مذهب فقهي مستقل مشهور، عمل به فقهاء الشام مدة، وفقهاء الأندلس ثم فني، وهو أول من دون العلم بالشام، وله موقف عظيم مع عبد الله بن علي -عم السفاح- حين استولى على بلاد الشام، وقتل من أهلها خلقًا لا يحصون -خصوصًا بني أمية- واستفتاه في دمائهم وأموالهم، فأفتاه على غير هواه، فأنجاه الله بإخلاصه وقوله كلمة الحق، مات في بيروت بعد أن أقام فيها مرابطًا في سبيل الله سنة ١٥٧ هـ.\nالجرح والتعديل (٥/ ٢٦٦)، حلية الأولياء (٦/ ١٣٥)، الأنساب للسمعاني (١/ ٢٢٧)، سير أعلام النبلاء (٧/ ١٠٧)، البداية والنهاية (١٠/ ١١٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٥٦).\n(١) هو حماد بن سلمة بن دينار، قال عنه الذهبي: الإمام القدوة شيخ الإسلام، كان بحرًا من بحور العلم، وإمامًا في الحديث والعربية والفقه، صاحب تصانيف، كثير العبادة والذكر، يظهر السنة، وينتصر لها، شديدًا على المبتدعة، وضعف حفظه في آخر عمره، ومات وهو يصلي في المسجد سنة ١٦٧ هـ.\nالجرح والتعديل (٣/ ١٤٠)، حلية الأولياء (٦/ ٢٤٩)، سير أعلام النبلاء (٧/ ٤٤٤)، ميزان الاعتدال (١/ ٥٩٠)، البداية والنهاية (١٠/ ١٥٤)، شذرات الذهب (٢/ ٢٩٦).\n(٢) هو مكحول بن أبي مسلم شهرزاب بن شاذل الدمشقي، عالم أهل الشام، من فقهاء التابعين، أرسل عن النبي - ﷺ - أحاديث، وعن عدة من أصحاب النبي - ﷺ - لم يدركهم كأبي هريرة وأبي بن كعب وعبادة بن الصامت، وروى عن أبي أمامة الباهلي وواثلة بن الأسقع وأنس بن مالك، وعداده في أوساط التابعين، وكان من أئمة الفتيا، وقد اختلف في سنة وفاته، وأقربها ما ذكر أنها سنة ١١٣ هـ.\nالجرح والتعديل (٧/ ٤٠٨)، حلية الأولياء (٥/ ١٧٧)، سير أعلام النبلاء (٥/ ١٥٥)، البداية والنهاية (٩/ ٣١٧)، شذرات الذهب (٢/ ٦٦).\n(٣) تفسير ابن كثير (٤/ ٥٥٩)، والماعون هو \"اسم لما يتعاوزه الناس بينهم، من الدلو والفأس والقدر، وما لا يمنع كالماء والملح\" فتح القدير (٥/ ٥٠٠)، وانظر الصحاح (٦/ ٢٢٠٤)، =","vol":"1","page":591},{"text":"وفي السنن عن ابن مسعود - ﵁ -: (كنا نعد ذلك على عهد النبي - ﷺ - عارية، الدلو والقدر والفأس و[نحوهن (١)]) (٢).\nوفي الصحيح مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - لما ذكر الخيل قال: (هي لرجل أجر، ولرجل ستر، فأما الذي هي له أجر، فرجل ربطها في سبيل الله، فشبعها وريها وبولها وروثها حسنات، وأما الذي هي له ستر، فرجل ربطها تعففًا وتغنيًا، فهو يرى حق الله في بطونها وظهورها) (٣).\n_________\n= وقال المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٨): \"والصحيح وجوب بذل ذلك مجانًا إذا كان صاحبها مستغنيًا عن تلك المنفعة وعوضها كما دل عليه الكتاب والسنة\". وقال ابن قدامة في المغني (٥/ ٣٥٤): \"وأجمع المسلمون على جواز العارية واستحبابها، . . إذا ثبت هذا فإن العارية مندوب إليها وليست بواجب في قول أكثر أهل العلم، وقيل هي واجبة للآية. . . \"، وكلاهما روايتان عن أحمد، واختار المصنف الثانية.\nوقال الإمام الشوكاني في الدراري المضية (ص ٢٨٩): \"وأما كونه لا يجوز منع الماعون كالدلو والقدر، فلحديث ابن مسعود قال: \"كنا نعد على عهد رسول الله - ﷺ - عارية الدلو والقدر\"، أخرجه أبو داود، وحسنه المنذري. . \".\nوقد أفاض العلامة الشيخ عطية بن محمد سالم ﵀ في تتمته لأضواء البيان (٩/ ٥٥٤) في ذكر الخلاف في حكم العارية، وأن فيها أقوالًا ثلاثة: فقيل: جائز، وقيل: بل واجب، وقيل: مستحب، وقال بعد ذلك: \"فتحصل من هذا أن العارية مستحبة شرعًا ومروءة عرفًا في حالة الاختيار، وواجبة في حالة الاضطرار، مع ملاحظة أن حالات الاستعارة أغلبها اضطرار، إلا أن حالات الاضطرار تتفاوت ظروفها\".\nومن تدبر الأمر رأى وجاهة ما ذهب إليه المصنف والشوكاني، وهو ما يقويه قول الشيخ عطية بن محمد سالم.\n(١) فى نسخة الأصل: \"ونحوهم\"، واستبدلناها بالكلمة المثبتة أعلاه.\n(٢) رواه بنحو أبو داود برقم (١٦٧٥) كتاب، والنسائي في السنن الكبرى (٦/ ٥٢٢)، والطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٠٧)، والبيهقي في سننه (٤/ ١٨٣)، وقال الحافظ في الفتح (٨/ ٨٣١): \"إسناده صحيح\"، وقال عنه الشيخ الألباني: حديث حسن، في كتابه صحيح سنن أبي داود برقم (١٤٥٩).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٣٧١) كتاب المساقاة باب شرب الناس وسقي الدواب من الأنهار، ومسلم برقم (٩٨٧) ٢/ ٦٨٥ كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، والترمذي برقم (١٦٣٦) كتاب فضائل الجهاد، والنسائي برقم (٣٥٦٢) كتاب =","vol":"1","page":592},{"text":"وفي الصحيح خرجه البخاري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"ومن حق الإبل إعارة ذكرها، وإطراق فحلها (١) \" (٢).\nفلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان.\nولو طلب أن يجري ماؤه في أرض غيره من غير إضرار بصاحب الأرض، هل يجبر على ذلك؟ على قولين للعلماء.\nوالمختار في ذلك ما قد روي عن عمر بن الخطاب - ﵁ - إذ قال للممتنع: (والله لنجرينها ولو على بطنك) (٣).\nوقد نقل عن غير واحد من أصحاب النبي - ﷺ - أن زكاة الحلي عاريته بغير أجرة (٤).\n_________\n= الخيل، وابن ماجه برقم (٢٧٨٨) كتاب الجهاد، ومالك برقم (٩٧٥) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (٧٥٠٩).\n(١) قال في الصحاح (٤/ ١٥١٤) والقاموس المحيط (ص ١١٦٦): \"الطرق: ماء الفحل\".\n(٢) لم أجده في البخاري، وإنما هو في مسلم رواه برقم (٩٨٨) كتاب الزكاة باب إثم مانع الزكاة، والنسائي برقم (٢٤٥٤) كتاب الزكاة، والدارمي برقم (١٦١٦) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (١٤٠٣٣).\n(٣) رواه مالك برقم (١٤٣١) كتاب الأقضية، والشافعي في مسنده (٢٢٤)، والبيهقي في سننه (٦/ ١٥٧) وفيه: \"أن الضحاك بن خليفة ساق خليجًا له من العريض، فأراد أن يمره في أرض محمد بن مسلمة، فأبى محمد، فكلم فيه الضحاك عمر بن الخطاب، فدعا محمد بن سلمة فأمره أن يخلي سبيله، فقال محمد بن مسلمة: لا، فقال عمر: لم تمنع أخاك ما ينفعه وهو لك نافع، تشرب به أولًا وآخرًا ولا يضرك؟ فقال محمد: لا، فقال عمر: لم تمنع؟ والله ليمرن به ولو على بطنك\".\nوقال البيهقي: هذا مرسل بمعناه، رواه أيضًا يحيى بن سعيد الأنصاري، وهو أيضًا مرسل، وقد روي في معناه حديث مرفوع.\nوقال الحافظ في الفتح (٥/ ١١٢): \"ورواه عن مالك بسند صحيح\" يعني الشافعي.\nوقال في الإصابة (٢/ ٢٠٥) في ترجمة الضحاك - ﵁ -: \"وهو الذي تنازع هو ومحمد بن مسلمة في الساقية، فترافعا إلى عمر، فقال لمحمد: ليمرن بها ولو على بطنك\".\n(٤) روى البيهقي في سننه (٤/ ١٤٠) عن ابن عمر قال: \"زكاة الحلي عارية\"، وروي =","vol":"1","page":593},{"text":"وبذل هذه الأشياء يستحب تارة، ويجب أخرى بحسب الحاجة إليها، وكذلك بذل منافع البدن يجب تارة، فلا يحل منعها، كنصر المظلوم باللسان وباليد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-260>[من الإحسان بذل منافع البدن]</span>\nكما يجب بذل العلم، وإفتاء الناس، وتعليم الأمي ما وجب عليه، والحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد، وغير ذلك من منافع الأبدان.\n_________\n= من حديث جابر أيضًا، وضعفه الحافظ في تلخيص الحبير (٢/ ١٧٨).\nوقد اختلف أهل العلم في زكاة الحلي على قولين مشهورين:\nأحدهما: أنه لا زكاة يه، وهو مذهب المالكية والحنابلة والمعتمد عند الشافعية.\nالثاني: وجوب الزكاة يه، وذهب إليه الحنفية والشافعي في القول الآخر في الجديد. يقول المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٩): \"ومذهب غير واحد من الصحابة والتابعين أن زكاة الحلي عاريته، وهو أحد الوجهين في مذهب أحمد وغيره\".\nويقول في موضع آخر (١٦/ ٢٥): \"وأما الحلي فإن كان للنساء فلا زكاة فيه عند مالك والليث والشافعي وأحمد وأبي عبيد، وروي ذلك عن عائشة وأسماء وابن عمر وأنس وجابر - ﵃ - وعن جماعة من التابعين، وقيل: فيه الزكاة، وهو مروي عن عمر وابن مسعود وابن عباس وابن عمر وجماعة من التابعين، وهو مذهب أبي حنيفة والثوري والأوزاعي. . . \".\nقلت: لكل من الفريقين أدلته، وليس هذا مكان إيرادها وتفصيلها، والمصنف بقوله هذا يميل إلى القول الأول، ولكن إن أخرجها الإنسان فهو الأحوط والأبرأ للذمة، لأن المسألة خلافية، فمن أخرجها فقد سقط عنه الإثم عند من يقول بالوجوب، ولا شيء عليه عند من لم يوجبها، لكن لا يطالب المرء بإخراج زكاة السنن الماضية لجهله بالحكم.\nوممن اختار القول بوجوب الزكاة في حلي المرأة من المعاصرين سماحة العلامة الشيخ عبد العزيز بن باز -مفتي عام المملكة العربية السعودية السابق- يرحمه الله، وفضيلة العلامة الشيخ محمد بن صالح العثيمين يرحمه الله، وللشيخ العلامة عبد الله البسام رسالة مطبوعة في تلك المسألة استقصى فيها أطرافها، ورجح القول بعدم وجوب الزكاة. . .\nلكن ما الحال في المرأة التي لا تخرج زكاة حليها ولا تعيره لمحتاجة من النساء تطلبه لتستعمله في يوم نكاح أو عبد أو غير ذلك؟ وما الشأن في المرأة التي تستكثر من اتخاذ الحلي كوسيلة لحفظ المال لنوائب الدهر كما تقول؟\nانظر: حاشية ابن عابدين (٢/ ٣٠)، حاشية الدسوقي (١/ ٤٦٠)، المجموع (٦/ ٣٥)، المغني (٣/ ١٣)، كشاف القناع (٢/ ٢٣٥).","vol":"1","page":594},{"text":"فإذا تقرر هذا، فلأن لا يمنع منافع الأقوال (المضرة بها) (١) غيره أولى.\nوقد قال تعالى: ﴿. . . وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ. . . وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا. . .﴾ [البقرة: ٢٨٢] (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-261>[الخلاف في أخذ الأجرة على الشهادة]</span>\nوللعلماء في أخذ الأجرة على النهاية أربعة أقوال: أشهرها أنها حلال عند الحاجة، وقيل تؤخذ حلالًا إن لم يتعين المحتاج، ولغير محتاج.\nووجه هذا أيضًا أنها يجوز تعيينها، ولا يكره تناولها بحال، والمنصوص عليه أنه من أخذ عند الإشهاد، لم يأخذ شيئًا عند الأداء، وعلى الجملة فإنهم يكرمون، لأن الله بهم حفظ الحقوق، وأقام الحدود، وصان بهم الفروج والأنساب (٣).\n_________\n(١) هكذا في نسخة الأصل، ولم يتبين لي المراد بها، وقد يمكن الاستغناء عن قوله: المضرة بها، ولعل المعنى يقصد منافع الأقوال التي لو امتنع عنها لألحقت ضررًا بمن يحتاجونها، والله أعلم.\n(٢) وننبه إلى أن هذا الجزء من الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَأْبَ كَاتِبٌ. . .﴾ وقد ورد في نسخة الأصل قبل الجزء: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا. . .﴾، وقد تم تعديل ذلك حب الآية الكريمة.\n(٣) قال المصنف في رسالة الحسبة (٢٨/ ٩٩): \"وللفقهاء في أخذ الجعل على الشهادة أربعة أقوال، هي أربعة أوجه في مذهب أحمد وغيره: أحدها: أنه لا يجوز مطلقًا، والثاني: لا يجوز إلا عند الحاجة، والثالث: يجوز إلا أن يتعين عليه، والرابع: يجوز، فإن أخذ أجرًا عند العمل (هكذا في مجموع الفتاوى ولعل الأصح: التحمل) لم يأخذ عبد الأداء، وهذه المسائل لبسطها مواضع أخر\".\nقلت: ولم أجد بعد بحث أن المؤلف تكلم عن هذه المسألة إلا في هذا الكتاب الذي وفقنا الله للقيام بتحقيقه، فقد تكلم فيها المصنف أكثر من كلامه عليها في رسالة الحسبة.\nوذهب ابن العربي في أحكام القرآن (١/ ٣٣٨) والقرطبي في تفسيره (٣/ ٣٦١) إلى أنه يجوز للإمام أن يقيم للناس شهودًا، ويجعل لهم من بيت المال كفايتهم، فلا يكون لهم شغل إلا تحمل حقوق الناس حفظًا لها، وإن لم يكن ذلك ضاعت الحقوق، وبطلت. .\nوجمهور العلماء على أن تحمل الشهادة مندوب، وأداءها فرض.\nحاشية الدسوقي (٤/ ١٩٩)، المغني (١٢/ ٩)، الإنصاف (١٢/ ٦).","vol":"1","page":595},{"text":"ومن ذلك أن الناس يحتاجون إلى الصناعات، كالفلاحة، والبناية، والنساجة، إذ لا تتم أمورهم إلا بأقوات ومساكن ولباس ونحو ذلك، فإذا لم يجب لهم من المصالح ما لا بد لهم منه أضر بهم ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-262>[الصناعات والتجارات والزراعات من فروض الكفاية]</span>\nفإن المسلمين لم يكن لهم بالمدينة إلا ما يجلب من الثياب، فكانوا يجلبون من اليمن ومن الشام ومصر، وأهل تلك الأمصار كفار، فكانوا يلبسون ما جاءهم من ذلك ولا يغسلونه، ويأكلون ما جاءهم من طعام ودهن ونحوه، ولا يتحرجون في شيء من ذلك، فحاجة الناس إلى خبز يخبز، وطعام يصنع، أكثر من حاجتهم إلى ثياب تلبس، وحاجتهم إلى بيوت يسكنونها، أعظم من القسمين الأولين.\nفلذلك ذهب جماعة من الأئمة كمالك، والأوزاعي، وسفيان، والليث بن سعد، وإسحاق بن راهويه، وبه قال أبو حامد الغزالي (١) وأبو الفرج بن الجوزي (٢)،\n_________\n(١) هو محمد بن محمد بن محمد الطوسي أحد الأعلام، من كبار المتصوفة في عصره، ومن أئمة الأشاعرة، قال عنه الذهبي: \"الإمام البحر، حجة الإسلام، أعجوبة الزمان\"، من كبار أئمة الشافعية، تتلمذ على يد إمام الحرمين، وولاه نظام الملك الوزير السلجوقي المشهور مدرسته العريقة النظامية ببغداد، ثم إنه تصوف، وترك ذلك بالكلية، له مصنفات كثيرة متداولة، من أهمها: إحياء علوم الدين، وقد ذمه طائفة من أهل العلم، وقال فيه الذهبي: \"أما الإحياء ففيه من الأحاديث الباطلة جملة، وفيه خير كثير، لولا ما فيه من آداب ورسوم وزهد من طرائق الحكماء ومنحرفي الصوفية\"، ومن مصنفاته: المستصفى في أصول الفقه، وإلجام العوام عن علم الكلام، والرد على الباطنية، ومقاصد الفلاسفة، وتهافت الفلاسفة، وغيرها، مات أبو حامد بطوس سنة ٥٠٥ هـ.\nالكامل (١٠/ ٤٩١)، المنتظم (٩/ ١٦٨)، وفيات الأعيان (٤/ ٢١٦)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٣٢٢)، طبقات الشافعية للسبكي (٦/ ١٩)، البداية والنهاية (١٢/ ١٨٦)، شذرات الذهب (٦/ ١٨).\n(٢) هو جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي عبد الرحمن بن علي بن محمد القرشي التيمي البكري البغدادي، ينتهي نسبه إلى القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق - ﵁ -، وذكر هو أنه منسوب إلى محلة الجوز بالبصرة، من كبار علماء الحنابلة، صاحب التصانيف الكثيرة الشهيرة في جميع الفنون، من التفسير والحديث والفقه والزهد والوعظ والأخبار والتاريخ والطب وغير ذلك، نعته الذهبي بقوله: الشيخ الإمام العلامة الحافظ المفسر شيخ الإسلام مفخر العراق =","vol":"1","page":596},{"text":"أن هذه الصنائع فرض كفاية (١)، فإنه لا تتم المصالح بين الناس بدون ذلك، كالجهاد، وطلب العلم الشرعي الذي يجب على كل أحد أن يتعلم ما يجب عليه من ذلك، فإن هذا شيء مبني على الأعيان، وكل من وجبت عليه الصلاة كان عليه أن يتعلم ما يتيقن به سقوط الفرض عنه، وكذلك في سافر العبادات المشروعة.\nقال - ﷺ - في الصحيح عنه: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" (٢)،\n_________\n= اشتهر بالوعظ وهو دون العشرين، وهو حامل لواء الوعظ بين علماء الأمة بلا مدافع، وكاد مجلس وعظه حافلًا هائلًا، يجتمع فيه في أقل الأحوال عشرة آلاف، وقد يزيدون فيبلغون أكثر من ذلك بكثير، وكان يحضر مجلس وعظه الخلفاء والملوك والوزراء والأمراء والعلماء والفقراء وسائر أصناف الناس، يقول عنه المصنف في أجوبته المصرية: \"كان الشيخ أبو الفرج مفتيًا كثير التصنيف والتأليف، وله مصنفات في أمور كثيرة، حتى عددتها فرأيتها أكثر من ألف مصنف، ورأيت بعد ذلك ما لم أره\"، وقال عنه الذهبي: ما علمت أن أحدًا من العلماء صنف ما صنف هذا الرجل، وذكر أكثر أهل العلم أن له أكثر من ثلاثمائة مصنف، منها زاد المسير في التفسير، وجامع المسانيد، والمنتظم في التاريخ، والأحاديث الموضوعة، والعلل المتناهية، وصيد الخاطر، وصفة الصفوة، وتلبيس إبليس، وساق الذهبي وابن رجب جملة وافرة منها، وقد نقم عليه ﵀ ميله في بعض المسائل إلى التأويل، وتأثره بأبي الوفا ابن عقيل، ومات ﵀ سنة ٥٩٧ هـ عن سبعة وثمانين عامًا.\nوفيات الأعيان (٣/ ١٤٠)، مرآة الجنان (٨/ ٤٨١)، مجموع الفتاوى (٥/ ٤٠٠)، سير أعلام النبلاء (٢١/ ٣٦٥)، العبر (٤/ ٢٩٨)، البداية والنهاية (١٣/ ٣)، ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٣٩٩)، شذرات الذهب (٦/ ٥٧٣).\n(١) يقول الغزالي ﵀ في إحياء علوم الدين (١/ ٢٧): \"وأما فرض الكفاية فهو علم لا يستغنى عنه في قوام أمور الدنيا كالطب، إذ هو ضروري في حاجة بقاء الأبدان، وكالحساب فإنه ضروري في المعاملات وقسمة الوصايا والمواريث وغيرهما، وهي العلوم التي لو خلا البد عمن يقوم بها حرج أهل البلد، وإذا قام بها واحد كفى، وسقط الفرض عن الآخرين، فلا بتعجب من قولنا: إن الطب والحساب من فروض الكفايات، فإن أصول الصناعات أيضًا من فروض الكفايات، كالفلاحة والحياكة والسياسة، بل والحجامة والخياطة. . \".\nوقد ذكر المصنف كلامًا قريبًا من ذلك في مجموع الفتاوى (٤/ ١١٤)، وكذلك في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨٠).\n(٢) روى البخاري برقم (٧١) كتاب العلم باب، ومسلم برقم (١٠٣٧) كتاب الزكاة =","vol":"1","page":597},{"text":"فكل من أراد الله به خيرًا يفقهه في الدين، فمن لم يفقهه في الدين ليس كذلك.\nوالدين هو ما بعث الله به رسوله، وهو ما يجب على المرء تصديقه فيه، والعمل به، وعلى كل أحد أن يصدق محمدًا - ﷺ - فيما أخبر به تصديقًا عامًا، ويطيعه فيما أمر طاعة عامة، وإذا ثبت عنه خبر كان عليه أن يصدقه به تصديقًا مفصلًا، فإن كان مأمورًا فيه بأمر كان عليه أن يطيعه طاعة مفصلة. وكذلك غسل الموتى، وتكفينهم، والصلاة عليهم، وهو من<span data-type=\"title\" id=toc-263> فروض الكفاية</span>.\n\n[فروض الكفاية]\nوكذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض على الكفاية، وكذلك الولايات الدينية مثل إمرة المؤمنين وما دونها، من وزارة وديونة (١)، سواء (٢) كانت كتابة خطاب، أو حساب، أو مقبوض، أو مصروف، من أرزاق المقاتلة، وغيرهم من إمرة حرب، وقضاء، وحسبة، فقد كان - ﷺ - يتولى الأحكام، والفتاوى، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-264>[قيامه ﵊ بالولايات الدينية]</span>\nوكان ﵇ يقوم بكل ما يتعلق بالولايات الدينية، ويولي ما بعد عنه، كما ولى مكة عتاب بن أسيد (٣)، وعلى الطائف عثمان بن أبي العاص (٤)،\n_________\n= باب، والترمذي برقم (٢٦٤٥) كتاب العلم، وابن ماجه برقم (٢٢٠) في المقدمة، ومالك برقم (٩٦٦٧) كتاب الجامع، والدارمي برقم (٣٣٤) في المقدمة، وأحمد برقم (٢٧٨٦)، والحديث من رواية معاوية - ﵁ - في الصحيحين، ومن رواية أبي هريرة وابن عباس في غيرهما.\n(١) ديونة: تعني الديوان والدواوين، قال في الصحاح (٥/ ٢١١٥): \"الديوان أصله دوان، فعوض من إحدى الواوين، لأنه يجمع على دواوين، ولو كانت الياء أصلية لقالوا دياوين\"، وقال في القاموس (١٥٤٥): \"الديوان مجتمع الصحف، والكتاب يكتب فيه أهل الجيش وأهل العطية، وأول من وضعه عمر رضي الله تعالى عنه\".\n(٢) في نسخة الأصل: \"سواء أن\".\n(٣) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٦٧)، زاد المعاد (١/ ١٢٥).\n(٤) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٠).","vol":"1","page":598},{"text":"وبعث عليًا ومعاذًا وأبا موسى الأشعري إلى اليمن (١).\nوكذلك كان يؤمر على السرايا، ويبعث على الصدقة السعاة يجبون الأموال الزكواتية (٢)، يأخذونها ممن هي عليه، ويدفعونها إلى مستحقيها الذين سماهم الله في القرآن (٣)، فيرجع الساعي إلى المدينة ليس معه إلا سوطه.\nوكان ﵇ يحاسب العمال ويستوثق، ويحاسبهم على المستخرج والمصروف (٤).\nكما في الصحيحين عن أبي حميد الساعدي: (أن النبي - ﷺ - استعمل رجلًا من الأسد (٥) على الصدقة، فلما رجع حاسبه، فقال: هذا لكم، وهذا أهدي إلي! ! . .) الحديث، وفيه: \"من استعملناه على عمل، فكتمنا مخيطًا فما فوقه، كان غلولًا يأتي به يوم القيامة -وفيه نشير بأصبعه نحو السماء- اللهم هل بلغت مرتين\" (٦).\n_________\n(١) انظر: تاريخ ابن جرير (٢/ ١٩٧، ٢٤٧)، وذكر الحافظ ابن القيم ﵀ في الزاد (١/ ١٢٥) أن النبي - ﷺ - ولى أبا موسى الأشعري على زبيد وعدن والساحل، وولى علي بن أبي طالب على الأخماس والقضاء بها، وولى معاذ بن جل الجند.\n(٢) في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨١): الزكوية.\n(٣) يشير إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٦٠)﴾ [التوبة: ٦٠].\n(٤) يعني المصنف بالمستخرج: أي بالزكاة المستخرجة والمتحصلة من أربابها، والمصروف: فيمن أعطت لهم وصرفت عليهم.\n(٥) في رسالة الحسبة (٢٨/ ٨١): الأزد، وقد جاء اللفظان في روايات الحديث، وفي صحيح مسلم: الأسد موافق لما رود في نسخة الأصل.\nوالأزد والأسد: اسم لقبيلة مشهورة، تنسب إلى أزد بن غوث بن نبت بن مالك بن زيد بن كهلان بن سبأ بن يشحب بن يعرب بن قحطان، منها أزد سنوءة، وأزد السراة، وأزد عمان، والأوس والخزرج.\nجمهرة الأنساب لابن حزم (٤٥٨)، الأنساب للسمعاني (١/ ١٣٨).\n(٦) رواه البخاري برقم (٦٩٧٩) كتاب الحيل باب احتيال العامل ليهدى له، ومسلم برقم (١٨٣٢) كتاب الإمارة باب تحريم هدايا العمال، وأبو داود برقم (٢٩٤٦) =","vol":"1","page":599},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-265>[متى تصبح فروض الكفاية فروض أعيان</span>؟]\nوالمقصود هنا أن هذه الأعمال التي هي فرض كفاية متى وقعت الضرورات إلى شيء منها تعينت، وصارت من الواجبات، لا سيما إن كان الذي تلجئ الضرورة إليه غير عاجز عن القيام بالقدر المطلوب من ذلك.\nفإذا كان الناس يحتاجون إلى نساجة قوم، أو فلاحتهم، صار ذلك العمل واجبًا عليهم، يجبرهم ولي الأمر عليه، فإذا قاموا بما وجب عليهم من الفلاحة، وجب عليه منهم أن يظلموا، ولا يمكن الجند من انتقاصهم من حقهم، فإن الجند لا بد لهم من الفلاحين، فيلزمون أن لا يمنعوا الفلاح حقه، كما أنهم يلزمون أن يقوموا بالفلاحة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-266>[جواز المزارعة]</span>\nوالمزارعة (١) صحيحة ماضية، وهي عمل المسلمين على عهد نبيهم، وخلفائه الراشدين، وعليها عمل آل أبي بكر، وآل عمر، وآل عثمان، وآل علي - ﵃ -، وهو مذهب عامة المهاجرين والأنصار، وهو قول أكابر\n_________\n= كتاب الخراج والإمارة والفيء، والدارمي برقم (١٦٦٩) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (٢٣٠٧٨).\n(١) يقول الحافظ الفقيه ابن قدامة الحنبلي في المغني (٥/ ٥٨١): \"المزارعة هي دفع الأرض إلى من يزرعها، أو يحمل عليها، والزرع بينهما، وهي جائزة في قول كثير من أهل العلم\".\nوقد اختلف أهل العلم في حكمها، فذهب المالكية والحنابلة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن من الأحناف إلى جوازها، وذهب أبو حنيفة إلى عدم جوازها مطلقًا، وأما الشافعية فأجازوها في الأرض ذات الشجر، ومنعوها في الأرض البيضاء.\nحاشية الدسوقي (٣/ ٣٧٢)، كشاف القناع (٣/ ٥٣٢)، حاشية ابن عابدين (٦/ ٢٧٥)، روضة الطالبين (٥/ ١٦٨)، وقد نصر المصنف القول بجوازها في مواضع كثيرة، وأطال في الاستدلال على جوازها، ومن هذه المواضع في مجموع الفتاوى: (٢٥/ ٦٠ - ٦٢) (٢٩/ ٨٨ - ٩٠)، (٣٠/ ١٢١ - ١٢٥).\nيقول الحافظ ابن القيم الجوزية ﵀ في زاد المعاد (٣/ ٣٤٥) في بعض أحكام غزوة خيبر الفقهية: \"ومنها جواز المساقاة والمزارعة بجزء مما يخرج من الأرض من ثمر أو زرع، كما عامل رسول الله - ﷺ - أهل خيبر على ذلك، واستمر ذلك إلى حين وفاته لم ينسخ البتة، واستمر عمل خلفائه الراشدين عليه، وليس هذا من باب المؤاجرة في شيء، بل من باب المشاركة، وهو نظير المقاربة سواء، فمن أباح المضاربة، وحرم ذلك، فقد فرق بين متماثلين\".","vol":"1","page":600},{"text":"الصحابة، كابن مسعود وأمثاله، وهو مذهب علماء الحديث، كأحمد، وإسحاق، وأبي بكر بن المنذر (١)، والليث بن سعد، وابن أبي ليلى (٢)، وأبي يوسف (٣)، ومحمد (٤)، وغيرهم من فقهاء المسلمين، كان النبي - ﷺ -\n_________\n(١) هو الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام أبو بكر محمد بن إبراهيم بن المنذر النيسابوري الفقيه نزيل مكة -كما قال الذهبي-، وكان يلقب بشيخ الحرم وفقيه مكة، من الأئمة المجتهدين، والشافعية يعتبرونه أحد أكابر علمائهم، ومصنفاته في الخلاف لم يسبق إليها، صاحب التصانيف النافعة، ومنها: السنن، اختلاف العلماء، المبسوط، الأوسط، الإشراف على مذاهب العلماء، الإقناع، الإجماع، اختلف في تاريخ وفاته على أقوال، أقربها أنها كانت في سنة ٣١٨ هـ.\nمرآة الجنان (٢/ ٢٦١)، وفيات الأعيان (٤/ ٢٠٧)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٤٩٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٥٠)، طبقات الشافعية للسبكي (٣/ ١٠٢)، لسان الميزان (٥/ ٢٠٧)، شذرات الذهب (٤/ ٨٩).\n(٢) هو محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، قال عنه الذهبي: العلامة الإمام مفتي الكوفة وقاضيها، أبو عبد الرحمن الأنصاري الكوفي، مات أبوه وهو صبي، وحدث عنه شعبة والثوري وابن عيينة، وكان نظيرًا للإمام أبي حنيفة في الفقه، ولكنه كان سيء الحفظ في الحديث، مات سنة ١٤٨ هـ.\nالتاريخ الكبير (١/ ١٦٢)، سير أعلام النبلاء (٦/ ٣١٠)، ميزان الاعتدال (٣/ ٦١٣)، البداية والنهاية (١٠/ ١٠٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٢٢).\n(٣) هو أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن حبب البجلي نسبًا الأنصاري حلفًا الكوفي الصلاة، قال عنه الذهبي: \"هو الإمام المجتهد العلامة المحدث، قاضي القضاة\"، وهو أول من لقب بقاضي القضاة، وكان يقال له: قاضي قضاة الدنيا، روى عن هشام بن عروة ويحيى بن سعيد الأنصاري، ولزم أبا حنيفة وتفقه به، وهو أكبر أصحابه وأنبل تلامذته، وحدث عنه جميع من المحدثين، ومنهم يحيى بن معين وأحمد بن حنبل وغيرهما، وكان أكثر أصحاب أبي حنيفة ميلًا إلى الحديث، وكان الخليفة العباسي الرشيد يبالغ في إجلاله وإكرامه، مات أبو يوسف سنة ١٨٢ هـ.\nالجرح والتعديل (٩/ ٢٠١)، تاريخ بغداد (١٤/ ٢٤٢)، الأنساب للسمعاني (١/ ٢٨٤)، وفيات الأعيان (٦/ ٣٧٨) سير أعلام النبلاء (٨/ ٥٣٥)، النهاية والنهاية (١٠/ ١٨٢)، شذرات الذهب (٢/ ٣٦٧).\n(٤) هو محمد بن الحسن بن فرقد الشيباني بالولاء، قال الذهبي: \"العلامة فقيه العراق صاحب أبي حنيفة، أخذ الفقه على الإمام أبي حنيفة وأبي يوسف، والحديث عن الإمام مالك وروى عنه الموطأ، وروايته له من أجود الروايات، وأخذ عنه الإمام الشافعي كثيرًا، وامتدحه وبالغ في إطرائه، وقد ولي القضاء للرشيد بعد موت أبي =","vol":"1","page":601},{"text":"عامل أهل خيبر (١) لشطر ما تخرج الأرض من ثمر وزرع (٢)، حتَّى مات الرسول - ﷺ - والأمر كذلك، وما زالوا حتَّى أجلاهم عمر بن الخطاب - ﵁ - عن خيبر، وكان قد شارطهم أن يعمروها من أموالهم، وكان -﵇- قد قال: \"نقرّكم فيها ما شئنا\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-267>[أمر النبي ﵊ بإخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب]</span>\nوما سمع منه قل وفاته أنَّه قال: \"أخرجوا اليهود والنصارى من جزيرة العرب\" (٤).\n_________\n= يوسف، وكان فصيحًا عالمًا بالعربية، ومات سنة ١٨٩ هـ.\nالجرح والتعديل (٧/ ٢٢٧)، تاريح بغداد (٢/ ١٧٢)، الأنساب للسمعاني (٣/ ٤٨٣)، سير أعلام النبلاء (٩/ ١٣٤)، العبر (١/ ٣٠٣)، شذرات الذهب (٢/ ٤١١).\n(١) قال الإمام الذهبي في السيرة النبوية (٢/ ٦١): \"خيبر بليدة على ثمانية برد من المدينة\"، وقد اختلف في سنة فتحها، قال الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٣١٦): \"وقال مالك: كان فتح خيبر في السنة السادسة. والجمهور على أنها في السابعة، وقطع أبو محمد بن حزم بأنها كانت في السادسة بلا شك، ولعل الخلاف مبني على أول التاريخ، هل هو شهر ربيع الأول شهر مقدمه المدينة، أو من المحرم في أول السنة. . \"، وذكر الذهبي مثل هذا الجمع في السيرة النبوية (٢/ ٦١)، وحكى الخلاف قبل ذلك الحافظ البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ١٩٥)، وإلى القول بأنها كانت في السنة السابعة ذهب ابن هشام في سيرته (٢/ ٣٢٨)، وابن جرير في تاريخه (٢/ ١٣٥)، وابن كثير في البداية والنهاية (٤/ ١٩٣).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٣٢٨) كتاب المزارعة باب المزارعة بالشطر ونحوه، ومسلم برقم (١٥٥١) ٣/ ١١٨٦ كتاب المساقاة باب المساقاة والمعاملة بجزء من الثمر والزرع، والترمذي برقم (١٣٣٠) كتاب الأحكام، وأبو داود برقم (٣٤٠٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٤٦٧) كتاب الأحكام، والدارمي برقم (٢٦١٤) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٦٤٩).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٧٣٠) كتاب الشروط باب إذا اشترط في المزارعة: إذا شئت أخرجتك، وأبو داود برقم (٣٠٠٧) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (٩١).\nقلت: قد أجلى عمر - ﵁ - يهود خيبر سنة عشرين للهجرة كما ذكره ابن جرير والذهبي وابن كثير، تاريخ ابن جرير (٢/ ٥١٦)، سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء (ص ١٢٥)، البداية والنهاية (٧/ ١٠٣).\n(٤) رواه البخاري برقم (٣٠٥٣) كتاب الجهاد والسير باب هل يستشفع إلى أهل =","vol":"1","page":602},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= الذمة، ومسلم برقم (١٦٣٧) ٣/ ١٢٥٦ كتاب الوصية باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه، والنسائي في السنن الكبرى (٣/ ٤٣٤)، وأبو داود برقم (٣٠٢٩) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (١٩٣٦)، وأبو يعلى في مسنده (٤/ ٢٩٨)، والبيهقي في سنه (٩/ ٢٠٧) من حديث ابن عباس - ﵄ - أن النبي - ﷺ - أوصى عند موته بثلاث، وذكر منها قوله - ﷺ -: \"أخرجوا المشركين من جزيرة العرب\".\nورواه مسلم بلفظ آخر: (لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب حتَّى لا أدع إلا مسلمًا) عن عمر بن الخطاب - ﵁ - برقم (١٧٦٧) ٣/ ١٣٨٨ كتاب الجهاد والسير باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب، ورواه الترمذي برقم (١٦٠٦) كتاب السير، والنسائي في السنن الكبرى (٥/ ٢١٠)، وأبو داود برقم (٣٠٣٠) كتاب الخراج والإمارة والفيء، وأحمد برقم (١٤٣٠٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٣٧٥٣) ٩/ ٦٩، والحاكم (٤/ ٢٧٤)، والبيهقي في سننه (٩/ ٢٠٧).\nورواه أيضًا أحمد برقم (١٧٠١)، والدارمي برقم (٢٤٩٨) كتاب السير، وأبو يعلى في مسنده (٢/ ١٧٧)، والبيهقي في سننه (٩/ ٢٠٨) عن أبي عبيدة - ﵁ - قال: إن آخر ما تكلم به النبي - ﷺ - قال: \"أخرجوا يهود الحجاز وأهل نجران من جزيرة العرب\"، وقد ذكره السيوطي بهذا اللفظ في الجامع الصغير، وهو في صحيح الجامع للشيخ الألباني برقم (٩٣).\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٢٥٦) عن أم سلمة قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"أخرجوا اليهود عن جزيرة العرب\"، ورواه ابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني (١/ ١٨٤) باللفظ الَّذي أورده المصنف.\nوجزيرة العرب تعددت الأقوال في تحديدها: فقيل: هي مكة والمدينة واليمامة واليمن، وذكر البيهقي في سننه (٩/ ٢٠٨) عن الأصمعي أنها من أقصى أبين إلى ريف العراق في الطول، وأما العرض فمن جدة وما والاها من ساحل البحر إلى أطراف الشام، ونقل الحافظ في الفتح (٦/ ١٧١) عن الزبير بن بكار قولًا عن ابن شهاب، ثم قال: وقال غيره: جزيرة العرب ما بين العذيب إلى حضرموت، وقال الخليل بن أحمد الفراهيدي: سميت جزيرة العرب لأن بحر فارس وبحر الحبشة والفرات ودجلة أحاطت بها، وهي أرض العرب ومعدنها، ونقل السيوطي في كتابه تنوير الحوالك شرح موطأ مالك (ص ٢٥٠) قولًا لابن حبيب المالكي قريبًا من قول الأصمعى.\nوانظر في ذلك أيضًا: النهاية لابن الأثير (١/ ٢٦٦)، الصحاح (٣/ ٦١٣)، نصب الراية (٣/ ٤٥٤)، أحكام أهل الذمة لابن القيم (١/ ٣٧٧ - ٣٨٢).","vol":"1","page":603},{"text":"وقد كان أصحابه مشغولين بالجهاد، لأنهم فرض عليهم الجهاد بأموالهم وأنفسهم حتَّى كانوا يتلذذون بقولهم:\nنحن الذين بايعوا محمدًا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا (١)\nفلأجل ذلك أقر اليهود على أن يعملوا ولهم شطر ما أخرجت الأرض، فإن الذين شهدوا فتح خيبر كانوا أهل بيعة الرضوان، الذين بايعوا تحت الشجرة، نحو ألف وأربع مائة، وانضم إليهم أهل سفينة جعفر (٢)، فهؤلاء الذين قسم النبي - ﷺ - فيهم خيبر، فلو أقام طائفة من هؤلاء، وهم أبطال الموحدين، وحماة المسلمين، وشغلوا بفلاحتها لتعذرت مصالح الإسلام من قبل قوم لا يقوم بها غيرهم.\n_________\n(١) روى البخاري برقم (٢٨٣٤) كتاب الجهاد والسير باب الصبر عند القتال، ومسلم برقم (١٨٠٥) ٣/ ١٤٣١ كتاب الجهاد والسير باب غزوة الأحزاب وهي الخندق، وأحمد برقم (١٢٥٣٩) عن أنس بن مالك - ﵁ - قال: خرج رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، فإذا المهاجرون والأنصار يحفرون الخندق في غداة باردة، فلم يكن لهم عبيد يعملون ذلك لهم، فلما رأى ما بهم من النصب والجوع قال:\nاللهم لا عيش إلَّا عيش الآخرة. . . فاغفر للأنصار والمهاجرة\nفقالوا مجيبين له:\nنحن الذين بايعوا محمدا. . . على الجهاد ما بقينا أبدا\nوجاء في بعض الروايات: قولهم: (على الإسلام) بدلًا (على الجهاد)، وجاء في بعضها الآخر أنهم هم الذين قالوا ذلك أولًا، فأجابهم النبي - ﷺ -، فلعلهم كانوا يتجاوبون بذلك، مرة يبدأ بالقول فيجيبونه، ومرة يبتدؤونه بالقول فيجيبهم، وإلى هذا المعنى أشار الحافظ -﵀- في الفتح (٧/ ٣٩٥).\n(٢) خبر قدوم أصحاب السفينة وعلى رأسهم جعفر بن أبي طالب - ﵁ - كان بعد فتح خيبر بأيام، وقد أسهم لهم - ﷺ -، والقصة رواها البخاري برقم (٣١٣٦) كتاب فرض الخمس باب ومن الدليل على أن الخمس لنوائب المسلمين ما سأل هوازن النبي - ﷺبرضاعه فيهم- فتحلل من المسلمين. . .، ومسلم برقم (٢٥٠٣) ٤/ ١٩٤٦ كتاب فضائل الصحابة باب من فضائل جعفر بن أبي طالب وأسماء بنت عميس وأهل سفينتهم - ﵃ -، والترمذي برقم (١٥٥٩) كتاب السير، وأبو داود برقم (٢٧٢٥) كتاب الجهاد، وأحمد برقم (١٩١٣٨).\nوانظر في قدوم جعفر إلى ما تقدم: دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ٢٤٤)، زاد المعاد (٣/ ٣٣٢)، البداية والنهاية (٤/ ٢٠٦).","vol":"1","page":604},{"text":"فلما كان في زمن عمر - ﵁ - كثر أهل الإسلام، وأغنى الله عن اليهود وغيرهم من الكفار فأجلوهم، وكان -﵇- قد قال قبل موته ما تقدم (١)، وعلى ما تقرر من هذه الأصول، فكما أن الجهاد واجب، فعمل آلاته وبيعها إذا اضطر إليها عند قوم تعين وجوب العمل بأجرة المثل، وبذل الآلة بثمن المثل، أو بالمشترى الأول، وما يقع عليه الرضا من الكسب، فإنه إن بذل ذلك تبرعًا كان مجاهدًا، فإن المؤمن [عليه] (٢) أن يجاهد بيده وبلسانه وبقلبه، وعليه النفقة في عسره ويسره، ومنشطه ومكرهه، وأثرة عليه، فمن عجز عن الجهاد ببدنه، لم يسقط عنه الجهاد بماله، وعكس ذلك، ومن لم يطق أن يجاهد بيده، فليس بمعذور إن ترك الجهاد بلسانه وقلبه.\nوإذا كان الناس وهم أهل العلم، وأهل الجهاد، وأهل التجارة، وأصناف البيوع المباحة لا بد لهم ممن يطحن ويعجن ويخبز، كما كان أهل الإسلام بالمدينة على عهد النبي - ﷺ -، فإنه لم يكن عندهم من يطحن ويخبز، وإنما كانوا كالأعاريب في بواديهم، ولا من يبيع خبزًا ولا دقيقًا، وإنما كانوا يشترون الحب ويطحنونه بأيديهم، ويخبزونه في بيوتهم، ولا يجدون من يتولى ذلك بأجرة، حتَّى إن المنخل (٣) لم يعرف بينهم على عهد النبي - ﷺ -، ولا رأى النقي، وكانوا يجدون لذلك مشقة، مع شغلهم بالغزو والعلم والعبادة. فلهذا لما غلا السعر قال له رجل: يا رسول الله سعر لنا!، قال: \"بل أدعو الله لكم\" (٤)، فلما كثر ذلك منهم قال: \"إن الله هو الخافض الرافع المسعر القابض الباسط، وإني أحب أن ألقى الله وليس\n_________\n(١) يشير إلى أمره - ﷺ - بإخراج اليهود والنصارى والمشركين من جزيرة العرب.\n(٢) إضافة لتوضيح السابق.\n(٣) قال في الصحاح (٥/ ١٨٢٧): \"نخل الدقيق غربلته، والنخالة: ما يخرج منه، والمنخل: ما ينخل به. . \".\n(٤) رواه أبو داود برقم (٣٤٥٠) كتاب البيوع، وإسناده حسن كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٤)، وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (٢٩٤٤).","vol":"1","page":605},{"text":"أحد منكم يطالبني بمظلمة\" (١).\nفلم يكونوا يحتاجون إذ ذاك إلى الشعير، وكان من قدم بالحب مؤمنًا أو كافرًا أو يهوديًا أو نصرانيًّا باعه، وتيسر به الناس، فكانوا يفرحون بالجالبين.\nولهذا قال - ﷺ -: \"الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون\" (٢).\nوقال: \"لا يحتكر إلَّا خاطئ\" رواه مسلم (٣).\nوأما ما جاء في قفيز الطحان من النهي فهذا لا أصل له (٤)، لأنه لم\n_________\n(١) رواه الترمذي برقم (١٣١٤) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٥١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢٠٠) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٥) كتاب البيوع، وأحمد برقم (١٢١٨١)، وهو حديث صحيحًا وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه صحيح أبي داود برقم (٢٩٤٥)، وفي كتابه صحيح ابن ماجة برقم (١٧٨٧).\n(٢) حديث ضعيف، رواه ابن ماجة برقم (٢١٥٣) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٤) كتاب البيوع، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢١٣)، والعقيلي في الضعفاء (٣/ ٢٣١) وفيه علي بن زيد بن جدعان، وعلي بن سالم بن شوال، وقيل: ابن ثوبان، وهما ضعيفان، تهذيب التهذيب (٧/ ٢٨٣، ٢٨٦)، وضعفه الحافظ ابن حجر في الفتح (٤/ ٣٤٨)، وفي تلخيص الحبير (٣/ ١٣)، وذكره الألباني في كتابه ضعيف أبي داود برقم (٤٧١)، وضعفه في مشكاة المصابيح (٢/ ٨٧٤).\n(٣) رواه مسلم برقم (١٦٠٥) ٣/ ١٢٢٧ كتاب المساقاة باب تحريم الاحتكار في الأقوات، والترمذي برقم (١٢٦٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٤٧) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٤٥) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٤٣) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٦٧٠٣).\n(٤) القفيز هو: مكيال، كما في الصحاح (٣/ ٨٩٢)، والقاموس المحيط (٦٧٠)، وقال الإمام النووي في المجموع: \"القفيز مكيال معروف. . . وأصل القفيز مكيال يسع اثني عشر صاعًا، والصاع خمسة أرطال وثلث بالغدادي\".\nوقد ورد النهي عنه في حديث رواه الدارقطني في سننه (٣/ ٤٧)، والبيهقي في السنن الكبرى (٥/ ٣٣٩) عن أبي سعيد الخدري نهى عن عسيب الفحل وعن قفيز الطحان، وذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٤١) أن أبا يعلى أخرجه في مسنده، وذكره عبد الحق في أحكامه، وقال الذهبي في ميزان الاعتدال (٤/ ٤١٦) إنه منكر وراويه لا يعرف، وقال الحافظ في لسان الميزان (٦/ ١٩٨) إنه منكر، وذكر نحو ذلك في تلخيص الحبير (٣/ ٦٠) عن ابن القطان والذهبي.\nوذكره الحافظ في المطالب العالية برقم (١٤٢٠) من مسند مسدد عن =","vol":"1","page":606},{"text":"يكن يومئذ بالمدينة طحان ولا خباز، لعدم حاجتهم إلى ذلك، كما أن المسلمين لما فتحوا البلاد كان الفلاحون (١) كفارًا، فاستعملوهم فيها حتَّى أغناهم الله عنهم.\nولهذا ذهب طائفة من أهل العلم كمحمد بن جرير الطبري (٢)، أن الكفار لا يقرون في دار الإسلام بالجزية، إلَّا إذا كان أهل القبلة يحتاجون إليهم، فإذا استغنوا عنهم أجلوهم (٣)، كما أجلى النبي -ﷺ - بني\n_________\n= عبد الرحمن بن أبي نعيم، وقال: \"هذا مرسل حسن، أخرجه الدارقطني موصولًا بذكر أبي سعيد من وجه آخر عن عبد الرحمن\".\nوقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ٩٠): \"وفيه أنَّه نهى عن قفيز الطحان، وهو أن يستأجر رجلًا ليطحن له حنطة معلومة بقفيز من دقيقها، والقفيز مكيال يتواضع الناس عليه\".\nفثبت أن المرفوع لم يصح، وهذا ما جزم به المصنف رحمه الله تعالى.\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٦٠): \"وقفيز الطحان فسره ابن المبارك أحد رواة الحديث بأن صورته أن يقال للطحان: اطحن كذا وكذا بزيادة قفيز من نفس الطحين، وقبل هو طحن الصبرة لا يعلم مكيلها\".\n(١) في نسخة الأصل: الفلاحين، وهو خطأ.\n(٢) هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، نعته الذهبي بقوله: (الإمام العلم المجتهد، عالم العصر، أبو جعفر الطبري، صاحب التصانيف البديعة من أهل آمل طبرستان. . وكان من أفراد الدهر علمًا وذكاء وكثرة تصانيف، قل أن ترى العيون مثله\"، وقال عنه أيضًا: وكان من كبار أئمة الاجتهاد، وهو إمام في التفسير والحديث والفقه والتاريخ، وغيرها من العلوم، وله تفسيره المعروف جامع البيان والتأويل أجل كتب التفسير وأوفرها حظًا عند أولي العلم، قال عنه ابن كثير: \"وله التفسير الكامل الَّذي لا يوجد له نظير\"، وتاريخه المشهور تاريخ الأمم والملوك، وتهذيب الآثار لولا أنَّه لم يتمه، وكان قويًّا في الحق لا تأخذه في الله لومة لائم، مع كثرة ما كان يلقاه من الأذى من الجهال والحاسدين، وقد نسب إلى بعض تشيع، ولا يثبت ذلك عنه، مات -﵀- سنة ٣١٠ هـ، وقد قارب التسعين عامًا.\nتاريخ بغداد (٢/ ١٦٢)، المنتظم لابن الجوزي (٦/ ١٧٠)، وفيات الأعيان (٤/ ١٩١)، سير أعلام النبلاء (١٤/ ٢٦٧)، ميزان الاعتدال (٣/ ٤٩٨)، البداية والنهاية (١١/ ١٥٦)، لسان الميزان (٥/ ١٠٠)، شذرات الذهب (٤/ ٥٣).\n(٣) جامع البيان والتأويل (١٠/ ٦٣). =","vol":"1","page":607},{"text":"النضير (١)، وأجلى عمر - ﵁ - أهل خيبر (٢)، وهو موضع خلاف بين أهل العلم، ليس هذا موضع بسطه.\nوالغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطى أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر (٣) وإصلاح خبز (٤) وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض\n_________\n= ويقول تلميذ المصنف الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد (٣/ ٣٤٨) في سياق أحكام غزوة خيبر: \"ومنها: جواز إجلاء أهل الذمة من دار الإسلام إذا استغني عنهم، كما قال النبي - ﷺ -: \"نقركم ما أقركم الله\" وقال لكبيرهم: \"كيف بك إذا رقصت بك راحلتك نحو الشام يومًا ثم يومًا\"، وأجلاهم عمر بعد موته - ﷺ -، وهذا مذهب محمد بن جرير الطبري، وهو قول قوي يسوغ العمل به إذا رأى الإمام فيه المصلحة\".\nقلت: وإن كان أكثر أهل العلم على خلاف هذا القول، حتَّى حكى بعضهم الاتفاق على ذلك، وأن أهل الذمة يقرون بالجزية في غير جزيرة العرب، وليس لأحد أن يخرجهم ما لم ينقضوا العهد، وهذه المسألة معروفة في كتب الفقهاء، حتى إنهم لم يكادوا يذكروا قولًا غيره.\n(١) روى البخاري (٣/ ٩٧) تعليقًا عن عروة بن الزبير أن إجلاء بني النضير كان بعد ستة أشهر من غزوة بدر في غزوة أحد، وذكر ابن جرير أن ذلك وقع سنة أربع للهجرة، وتبعه ابن كثير على ذلك، وقد كان إجلاء يهود بني النضير بعد أن نقضوا العهد، وأرادوا قتل النبي - ﷺ - بإلقاء الرحا عليه - ﷺ -، وهو جالس تحت جدار، حين ذهب إليهم يستعين بهم في دية من قتلهما عمرو بن أمية الضمري، فأظهر الله غدرهم وفضح كيدهم لنبيه - ﷺ -، فخرج مسرعًا إلى المدينة، ثم أرسل إليهم يأمرهم بالخروج، فأبوا، فغزاهم النبي - ﷺ - وأصحابه، وحاصروهم وقطعوا نخلهم وحرقوه، فخذلهم الله، ووافقو على الخروج صاغرين، فكانت أموالهم فيئًا خالصة للنبي - ﷺ -، لم يخمسها، لأن المسلمين لم يوجفوا عليها بخيل ولا ركاب، وأنزل الله خبرهم في سورة الحشر.\nانظر حول ذلك: سيرة ابن هشام (٢/ ١٩٠)، تاريخ ابن جرير (٢/ ٨٣)، دلائل النبوة (٣/ ٣٥٤) السيرة النبوية للذهبي (١/ ٣٧٨) البداية والنهاية (٤/ ٧٦).\n(٢) قد تقدم بيان ذلك.\n(٣) في نسخة الأصل: \"بره\"، وقد حذفنا الهاء ليستقيم المعنى.\n(٤) في نسخة الأصل: \"خبزه\"، وقد حذفنا الهاء أيضًا يستقيم المعنى.","vol":"1","page":608},{"text":"كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض.\nفقد قال - ﷺ -: \"خيركم أحسنكم قضاء\" (١).\nوهؤلاء الذين يبيعون سائر أصناف الحلال، فعليهم فيما يبيعون فيه ويشترون الزكاة إذا بلغ النصاب، وحال عليه الحول.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-268>[فضائل نية نفع الخلق، والنفقة على العيال]</span>\nومن أحب أن يلحق بدرجة الأبرار، ويتشبه بالأخيار، فلينو في كل يوم تطلع فيه الشمس نفع الخلق، فيما يسر الله من مصالحهم على يديه، وليطع الله في أخذ ما حل، وترك ما حرم، وليتورع عن الشبهات ما استطاع، فإن طلب الحلال والنفقة على العيال باب عظيم لا يعدله شيء من أعمال البر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-269>[أكل المرء من عمل يده]</span>\nوقد روينا عن الصديقة عائشة - ﵂ - مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"أحل ما أكل العبد من كسب يده، وإن ولده من كسبه\" (٢).\nوللبخاري: (خفف على داود القرآن، فكان يأمر بدوابه فتسرج،\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٣٩٠) كتاب الاستقراض وأداء الديون باب استقراض الإبل، ومسلم -وهذا لفظه- برقم (١٦٠١) ٣/ ١٢٢٥ كتاب المساقاة باب من استلف شيئًا فقضى خيرًا منه، وخيركم أحسنكم قضاء، والترمذي برقم (١٣١٧) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢/ ٢٣) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (٨٨٦٢).\n(٢) رواه النسائي برقم (٤٤٤٩) كتاب البيوع، ورواه أيضًا في سننه الكبرى (٤/ ٤)، والترمذي برقم (١٣٥٨) كتاب الأحكام وحسنه، وأبو داود برقم (٣٥٢٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٣٧) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٣٧) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٣٥١٢) والطيالسي (٢٢١)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤٢٥٩) ١٠/ ٧٢ وصححه، وقال حققه: حديث صحيح، والحاكم (٢/ ٤٦) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والبيهقي (٤٧٩)، بلفظ: (إن أطيب ما أكل الرجل من كسبه، وإن ولد الرجل من كسبه)، ولم أجد هذه اللفظة (أحل) في جميع روايات الحديث التي عثرت عليها، والحديث صححه أبو حاتم وأبو زرعة كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٤/ ٩)، وصححه الشيخ الألباني -﵀- كما ذكر ذلك في كتابه صحيح أبي داود برقم (٣٠٣١)، وغيره من كتبه.","vol":"1","page":609},{"text":"فيختم القرآن قبل أن يفرغ من شأنها، وكان يأكل من عمل يده) (١).\nوقال ابن المبارك لأصحابه وهو في الغزو: هل تعلمون عملًا أفضل من هذا؟ قالوا: لا نعلمه، قال: بلى أنا أعلمه، رجل متعفف محترف أبو عيال، قام من الليل، فوجد صبيانه مكشفين فغطاهم، وثار إلى صلاته (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>[الإحسان في البيع اجتناب البيوع الفاسدة، والحلف]</span>\nومن اجتنب البيوع الفاسدة، ونزه لسانه عن الحلف في البيع، روى البخاري مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"اجتنبوا الحلف في البيع، فإنه ينفق، ثم يمحق\" (٣).\nومن حفظ معاملته عن المخادعة في البيع وخلف الوعد فقد وفق لأمر عظيم، وأفضل ما يستعين به من له عناية بدينه القناعة، وحسن الظن بالله، والثقة بما ضمن من الرزق، وخوف الحساب، ومراقبة الجليل، فإنه قال وقوله الحق: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾ [البقرة: ١٥٢].\n\n[فصل]\nقوله - ﷺ -: \"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا\" (٤) الحديث رواه ابن عمر، وحكيم بن حزام، وغيرهما - ﵄ -.\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٣٤١٧) كتاب أحاديث الأنبياء باب قوله تعالى: (وَآتَيْنَا دَاودَ زَبُورًا﴾، وأحمد برقم (٢٧٣٧٧)، غير أن فيه: (وكان لا يأكل إلَّا من عمل يده).\n(٢) لم أجد هذه الحكاية، وقد ذكر الإمام الذهبي في السير في ترجمة ابن المبارك (٨/ ٣٩٩) كلامًا لابن المبارك قريبًا مما ذكره المصنف عنه من معنى، قال فيه: (لا يقع موقع الكسب على العيال شيء، ولا الجهاد في سبيل الله).\n(٣) هذا اللفظ قريب من لفظ مسلم الَّذي رواه برقم (١٦٠٧) ٣/ ١٢٢٨، كتاب المساقاة باب النهي عن الحلف في البيع، وهو (إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق)، ورواه النسائي في سننه الصغرى برقم (٤٤٦٠) كتاب البيوع، وفي الكبرى (٤/ ٦)، وأحمد برقم (٢١٥٠٤)، والبيهقي (٥/ ٢٦٥).\nأما البخاري فلفظه: (الحلف منفقة للسلعة، ممحقة للبركة) رواه برقم (٢٠٨٧) كتاب البيوع باب: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ. . .﴾.\n(٤) رواه البخاري برقم (٢٠٧٩) كتاب البيوع باب إذا بيَّن البيعان ولم يكتما ونصحا، ومسلم برقم (١٥٣٢) كتاب البيوع باب الصدق في البيع والبيان، والترمذي برقم =","vol":"1","page":610},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-271>[احتياج البيوع إلى الصدق]</span>\nفعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة، وأصل الغش.\nوالبيع تارة يكون مباحًا، كرجل احتاج إلى ثمن شيء فباعه، لا يريد بذلك إلَّا الثمن، لنفقة واجبة، أو مصلحة ظاهرة، وتارة يكون البيع واجبًا، كطعام يجب بذله لمحتاج إليه بثمن المثل، لا وكس (١) ولا شطط (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-272>[النهي عن تلقي الركبان]</span>\nولهذا: \"نهي عن تلقي الركبان\" الحديث (٣)، وأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.\nولهذا كان مذهب أكثر الفقهاء على أنَّه نُهي عن ذلك من أجل ضرر\n_________\n= (١٢٤٥) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٤٥٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٥٧) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٨٢٩) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٤٣٥٩) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٢٥٤).\n(١) الوكس: النقص، والنقصان، وقد وكس الشيء يكس، وفي الحديث: (لها مهر مثلها لا وكس ولا شطط)، الصحاح (٣/ ٩٨٩) والقاموس المحيط (٧٤٨).\n(٢) الشطط: مجاوزة القدر في كل شيء، قاله في الصحاح (٣/ ١١٣٨)، وقال في القاموس المحيط (ص ٨٧٠): \"اشتط في سلعته: جاوز المقدار المحدود، وتباعد عن الحق\".\nوانظر في معنى الوكس والشطط: النهاية لابن الأثير (٥/ ٢١٩)، (٢/ ٤٧٤)، والفتح (٥/ ١٥٤) وشرح السيوطي على صحيح مسلم (٤/ ٢٦٠)، وأما الحديث الَّذي أشار إليه صاحب الصحاح، فقد رواه النسائي برقم (٣٣٥٤)، والترمذي برقم (١١٤٥)، وأحمد برقم (٤٢٧٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤١٠٠) ٩/ ٤٠٩، وقال محققه: \"صحيح على شرط مسلم\"، والطبراني في المعجم الكبير\n(٢٠/ ٢٣١).\nقلت: قد جاء ذكر الوكس والشطط في صحيح مسلم برقم (١٥٠١) ٣/ ١٢٨٧ ولفظه: (من أعتق عبدًا بينه وبين آخر، قوّم عليه في ماله قيمة عدل، لا وكس ولا شطط. . .).\n(٣) رواه البخاري برقم (٢٢٧٤) كتاب الإجارة باب أجر السمسرة، ومسلم برقم (١٥٢١) كتاب البيوع باب تحريم بيع الحاضر للبادي، والنسائي برقم (٤٥٠٠) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٤٣) كتاب البيوع، ومالك برقم (١٣٩١) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٣٣٠٢).","vol":"1","page":611},{"text":"البائع هنا، لأنه إذا لم يكن عرف قيمة المثل، ولا درى السعر بالحاضر، وتُلقيت منه السلعة، فاشتريت بمبلغ لعله دون القيمة، فأثبت له الخيار إذا بلغ السوق.\nوفي الخيار هنا أقوال: منها أنَّه يثبت له الخيار إذا غبن في البيع، واليه ذهب أحمد، والثاني: أنَّه يثبت مطلقًا، وبه قال الشافعي وأكثر أهل العلم، وهو أظهر قوله (١).\nوقال طائفة: إنما نهى من أجل ضرر المشتري، لأنه إذا اشتراه بثمن لا يبيعه في السوق إلَّا بزيادة، فيغلو على المحتاج إليه (٢)، فكأنه - ﵇ - أراد أن يشتريه من يحتاجه بغير واسطة، لئلا يتضاعف الربح فيغلو.\nوفي الجملة فقد نهى فضلًا للمصلحة، فإذا كان رسول الله - ﷺ - نهى عن البيع الَّذي هو حلال الجنس، حتَّى يعرف السعر البائع، ويتحقق\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٧٤)، وذكر الخلاف مرة أخرى فيها (٢٨/ ١٠٢) وأشار إلى أن أظهر قولي أحمد هو ثبوت الخيار بالغبن، وهو ما يتعارض مع ما حكاه في كتابنا هذا، من أن أظهر القولين عنده هو ثبوت الخيار مطلقًا، وليس من تفسير لذلك إلَّا أن المصنف رجح هذا مرة، وهذا مرة، إلَّا إن كان يعني الشافعي بذلك، فقد ذكر الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢) أن الأصح عند الشافعية هو القول بثبوت الخيار مطلقًا، فدل أن هناك قولًا آخر لهم في هذه المسألة.\nوقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٧٤) بعد أن أورد حديث مسلم: (لا تلقوا الجلب، فمن تلقاه فاشترى منه، فإذا أتى سيده السوق فهو بالخيار): \"قوله: (فهو بالخيار) أي إذا قدم السوق وعلم السعر، وهل يثبت له مطلقًا، أو بشرط أن يقع له في البيع غبن؟ وجهان، أصحهما الأول، وبه قال الحنابلة\"، وذكر الشوكاني في نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢) مثل ذلك، وما ذكره الحافظ والشوكاني عن الحنابلة هو قول عندهم، ولكن المذهب كما ذكر ابن قدامة في الكافي (٢/ ٢٣) هو أن الخيار لا يثبت له إلَّا إذا غبن، وهو المتفق مع قول المصنف، وانظر: الشرح الكبير على هامش المغني (٤/ ٨٧).\n(٢) الحكمة في النهي عن تلقي الركبان، هل هي لمصلحة البائع، أو لمصلحة المشتري وأهل السوق؟ فيه خلاف كما ذكره المصنف، ولا مانع من اجتماع الأمرين، ووقوع النهي لمصلحة جميع الأطراف، القادمين والمقيمين على حد سواء، وانظر في هذه المسألة: مجموع الفتاوى (٢٨/ ١٠٢) الفتح (٤/ ٣٧٤)، نيل الأوطار (٦/ ٢٥٢).","vol":"1","page":612},{"text":"المشتري السلعة، وصاحب القياس الفاسد يقول للمشتري: أن يشتري ما شاء أين شاء! ! وقد اشترى يرضى البائع.\nوالشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غرَّه، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور.\nولذلك ألحق مالك وأحمد كل سليم الصدر في الفهم، لا يساوم، ولا يماكس (١) بالجالب، فلا يؤخذ من هؤلاء إلَّا قيمة المثل، وأن يقنع في معاملتهم بأيسر الربحين، لأنهم جاهلون (٢) بالسعر، والبيع يعتبر فيه الرضا، والرضا تبع للعلم، وأما إذا لم يعلم المشتري بسعر المبيع، ولا الجيد من جنسه، فاستسلم للبائع، فإنما رضاه باختياره له، وليس ذلك الرضا المشترط في صحة البيع.\nوأما إذا علم أنَّه غبن في المشترى، ودلس عليه في جنسها ورضي، فهذا لا بأس به، لأنه يجوز للعبد أن يترك بعض حقه، وهو يقدر على استيفائه، وإذا أخذ منه ثمن المثل ولم يرض، لم يلتفت إلى سخطه.\nولهذا أثبت الشارع الخيار لمن يعلم العيب والتدليس (٣)، فإن الأصل في السلعة الصحة، وأن يكون الظاهر كالباطن، فإذا اشترى على ذلك اعتبر رضاه، فإذا اطلع على عيب أو غبن، فهو كالجالب الجاهل بقيمة المثل إن\n_________\n(١) قال في القاموس المحيط (٧٤٢): \"مكس في البيع يمكس إذا جبى مالًا، والمكس النقص والظلم\"، وانظر الصحاح (٣/ ٩٧٩).\n(٢) في نسخة الأصل: \"جاهلين\"، وهو خطأ.\n(٣) انظر في خيار العيب: المغني لابن قدامة (٤/ ٩٢)، بداية المجتهد لابن رشد (٢/ ١٧٣).","vol":"1","page":613},{"text":"وجد عيبًا، وكالمشتري من الجالب جاهل الصفة، فثبت له الخيار حفظًا للجانبين، فإن المشتري إذا علم عيبًا في المبيع، أو غبن في الثمن، قد يرضى وقد لا يرضى، فإن لا يرضى فله فسخ البيع.\nففي الصحيحين عن حكيم بن حزام: (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبينا بورك لهما) الحديث (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-273>[دفع الضرر]</span>\nوفي السنن: (أن رجلًا كانت له شجرة في أرض غيره، وكان صاحب الأرض يتضرر بدخول صاحب الشجرة، فشكى ذلك إلى النبي - ﷺ -، فأمر صاحب الجرة أن يتبرع إن شاء، أو يأخذ من ملك الرجل شجرة بدلها، فأبى إلَّا قطعها، أو الدخول عليه من أجلها، فقال له النبي - ﷺ -: \"إنما أنت مضار\") (٢).\nوحاجة الناس إلى الطعام والشراب واللباس وآلات الحرب، مما يستعان به على الجهاد، وما لا تتم المصالح إلَّا به، أكبر من حاجة هذا الرجل إلى حفظ أرضه.\nفلهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات، ليكون ذلك سبب سماح نفس صاحب السلعة ببيعها، ورغبة المحتاج إلى شرائها، فهذا وجه الحكمة في قوله: \"بورك لهما في بيعهما\".\nفلو أن إنسانًا غبن في سوق مرة على إثر أخرى، حمله ذلك على أن لا يحمل إليه سلعة، ولا يعامل فيه مخلوقًا، فجر ذلك ضررًا وأثر فسادًا.\nولهذا يعين على الإمام أنهم إذا كانوا لا يتبايعون الطعام بثمن معروف، سعر لهم فيما يحفظ حرمة البائع والمشتري، وهو بيع الطعام بثمن المثل، وقيمة العدل، لا شطط ولا وكس.\n_________\n(١) تقدم قريبًا تخريجه.\n(٢) رواه أبو داود برقم (٣٦٣٦) كتاب الأقضية، والبيهقي (٦/ ١٥٧) عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر عن جابر بن سمرة، وإسناده منقطع، لأن رواية أبي جعفر الباقر عن سمرة مرسلة، كما ذكر المزي في تهذيب الكمال (٢٦/ ١٣٦)، والذهبي في السير (٤/ ٤٠١)، والحافظ في تهذيب التهذيب (٩/ ٣١٢)، وقد ذكره الشيخ الألباني في كتابه ضعيف سنن أبي داود برقم (٧٨٥٩).","vol":"1","page":614},{"text":"فصل قوله تعالى: ﴿وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا (٨) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩)﴾ [الإنسان: ٨، ٩].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-274>[إطعام المحتاج فرض كفاية]</span>\nوإطعام الطعام للمحتاج فرض على الكفاية باتفاق أئمة المسلمين.\nوفي البخاري أنَّه قال - ﷺ -: \"عودوا المريض، وأطعموا الجائع، وفكوا المعاني\" (١).\nوفي المسند: (أيما رجل مات في قوم جوعًا، فقد برئت منهم ذمة الله وذمة رسوله) (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٥٦٤٩) كتاب المرضى، وأبو داود برقم (٣١٠٥) كتاب الجنائز، والنسائي في سننه الكبرى (٤/ ٣٥٤)، وأحمد برقم (١٨٦٩٦)، والطيالسي (٦٦)، وابن حبان في صحيحه برقم (٢٤٦٥) ٨/ ١١٦، وأبو يعلى في مسنده (٩/ ٣٠١٣)، والبيهقي في سننه (٣/ ٣٧٩).\n(٢) أجده بهذا اللفظ، وإنما اللفظ المعروف هو: (من احتكر طعامًا أربعين ليلة فقد برئ من الله تعالى، وبرئ الله تعالى منه، وأيما أهل عرصة أصبح فيهم امرؤ جائع، فقد برئت منهم ذمة الله تعالى) رواه أحمد برقم (٤٨٨٠)، وصححه الشيخ أحمد شاكر -﵀- (٧/ ٤٨)، والحاكم في المستدرك (٢/ ١٢) وتعقبه الذهبي بقوله: \"عمرو تركوه، وأصبغ فيه لين\"، ورواه أيضًا أبو يعلى في مسنده (١٠/ ١١٥) وقال محققه: \"إسناده ضعيف\"، وأبو نعيم في الحلية (٦/ ١٠١).\nوذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ٢٦٢) أنَّه رواه غير ما ذكرنا ابن أبي شيبة، والبزار، والدارقطني في غرائب مالك، والطبراني في المعجم الأوسط، كلهم رووه عن يزيد بن هارون عن أصبغ بن زيد، إلَّا الحاكم فإنه أخرجه عن عمرو بن الحصين عن أصبغ بن زيد.\nقلت: ما قاله الذهبي عن عمرو بن الحصين مستقيم، فإنه متروك كما في التقريب (٤٢٠)، أما أصبغ فالاحتجاج به هو المترجح عند أئمة هذا الشأن، فقد وثقه ابن معين، وقال أحمد عنه: ليس به بأس، ما أحسن رواية يزيد بن هارون عنه، وقال أبو حاتم والنسائي: لا بأس به، وقال أبو زرعة، شيخ، وقال الذهبي: صدوق، وهذا الَّذي قاله الذهبي أقل ما يقال فيه، تهذيب الكمال (٣/ ٣٠١)، الكاشف (١/ ٢٥٤)، تهذيب التهذيب (١/ ٣١٥).\nوقد ضعفه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٣١٢)، وابن حبان في المجروحين (١/ ١٧٤) حيث قال عنه: يخطئ كثيرًا، لا يجوز الاحتجاج بخبره إذا انفرد\"، وقال =","vol":"1","page":615},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-275>[كسوة العرايا فرض كفاية]</span>\nولو مات فيهم رجلًا جوعًا لزمته ديته، وكذلك كسوة العرايا فرض كفاية، وهذا الفرض على من له فضل من ماله، ومتى رأى محتاجًا وغلب على ظنه أن غيره لا يقوم بحاجته، تعين عليه أن يطعمه.\nوفي الأثر: (لو صدق المسائل، لا أفلح من رده) (١).\nقال المروذي (٢): قلت لأحمد بن حنبل: إذا علمت أن المسائل صادق أيجب علي؟ قال: نعم.\n_________\n= ابن عدي في الكامل (١/ ٤٠٨) بعد أن ذكر ثلاثة أحاديث لأصبغ: \"وهذه الأحاديث لأصبغ عير محفوظة، يرويها عنه يزيد بن هارون، ولا أعلم روى عن أصبغ هذا غير يزيد بن هارون\"، وتعقبه الحافظ في التهذيب (١/ ٣١٥) وقال: \"بل روى عنه غيره كما تقدم\"، وذكر الحافظ منهم محمد بن الحسن المزني، وهشيم، وإسحاق الأزرق، وقال في القول المسدد في الذب عن مسند أحمد (٢٠): \"وليس كذلك، فقد روى عنه نحو من عشرة، ولم أر للمتقدمين فيه كلامًا إلَّا لمحمد بن سعد، وأما الجمهور فوثقوه\".\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير عن هذا الحديث: \"وفي إسناده أصبغ بن زيد اختلف فيه، وكثير بن مرة جهله ابن حزم، وقد وثقه ابن سعد، ورواه عنه جماعة، واحتج به النسائي، ووهم ابن الجوزي فأخرج هذا الحديث في الموضوعات، وأما ابن أبي حاتم فحكى عن أبيه أنَّه قال: هو حديث منكر\".\nقلت: كثير بن مرة وثقه ابن سعد في الطبقات (٧/ ٤٤٨) كما ذكر الحافظ، ووثقه أيضًا العجلي والنسائي، تهذيب الكمال (٢٤/ ١٥٨)، وغيرهما كالذهبي من المتأخرين في الكاشف (٣/ ٦)، وذكره ابن حبان في الثقات (٥/ ٣٣٢).\nوقال الحافظ العراقي في تخريجه لإحياء علوم الدين (٢/ ٨٢): رواه أحمد والحاكم بسند جيد.\nوأقول: أما أحمد فنعم، وأما الحاكم فلا، وقد تقدم الكلام عن ذلك، وأما الحافظ ابن حجر فقد تصدى في القول المسدد (٢٠) لابن الجوزي وغيره ممن تعجل فأدخله في الموضوعات، وقال في آخر ذلك: \"ثم إن للمتن شواهد تدل على صحته\"، وقد أطال الشيخ أحمد شاكر في تخريج هذا الحديث، وتبين بعد كل هذا أن الحديث لا يقل عن درجة الحسن لذاته.\n(١) هذا الأثر ذكره ابن قتيبة في تأويل مختلف الحديث (٧٣) على أنَّه من الأحاديث التي درجت على ألسنة الناس، وليس لها أصل، وذكره الغزالي في الإحياء (١/ ٢٦٧)، وقال الحافظ العراقي في تخريجه: \"أخرجه العقيلي في الضعفاء، وابن عبد البر في التمهيد من حديث عائشة، قال العقيلي: لا يصح في هذا الباب شيء وللطبراني نحوه من حديث أبي أمامة بسند ضعيف\".\n(٢) هو أبو بكر المروذي من كبار تلامذة: أحمد، وقد تقدت ترجمته.","vol":"1","page":616},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-276>[الصدقة بفضول الأموال]</span>\nوقد كان الصحابة رضوان الله عليهم أصابتهم مرة حاجة، فأمرهم النبي - ﷺ - بأن يتصدقوا بفضول أموالهم، حتَّى يفضل من كل جنس من منافعهم، حتى ظنوا أنَّه لا حق لأحد في شيء من فضل ماله (١).\nولو قام أحدهم فجمع فضول أموالهم لكان حسن، وعلى ولي الأمر أن يجبرهم على مواساة من علموا احتياجه إليها.\n\nفصل (٢)\n_________\n(١) روى مسلم في صحيحه برقم (١٧٢٨) ٣/ ١٣٥٤ كتاب اللقطة باب استحباب المواساة بفضول المال عن أبي سعيد الخدري قال: \"بينما نحن في سفر مع النبي - ﷺ -، إذ جاء رجل على راحلة له، قال: فجعل يصرف بصره يمينًا وشمالًا، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له، ومن كان له فضل من زاد فليمد به على من لا زاد له\"، قال: فذكر أصناف المال حتى رأينا أنَّه لا حق لأحد منا في فضل\"، ورواه أبو داود برقم (١٦٦٣) كتاب الزكاة، وأحمد برقم (١١٣١١)، ورواه ابن عباد في صحيحه برقم (٥٤١٩) ١٢/ ٢٣٨، والبيهقى (٤/ ١٨٢).\n(٢) نود أن نشير في هذا المقام: إلى أن هذا الفصل وما ورد قبله وبعده، مما يبدو أنها استطرادات فقهية، لها تعلق بموضوع الإحسان، الَّذي يتحدث عنه المؤلف، فإن الله قد كتب الإحسان على كل شيء، كما ثبت في الحديث الصحيح عنه - ﷺ - الَّذي استهل به المصنف هذا الفصل من الإحسان والمصنف -﵀- وإن طال به الاستطراد الفقهي كما يبدو في بعض الأحيان - إلَّا أنَّه لم يجعل حديثه فقهيًا صرفًا كما يصنع الفقهاء، فهو يربط كل موضوع في الغالب بالإحسان، ويحاول إظهار روح التشريع وسمو أحكامه، وينبه على أهمية تعاون المسلمين فيما بينهم، وفيما يلي بعض الأمثلة التي توضح المراد:\nفهو بعد أن تحدث -﵀- عن عارية الدلو والفأس والقدر بين الناس، وكذلك عارية الخيل لمن احتاج إليها، وإعارة فحل الإبل قال: \"فلا يمنع المعروف من الناس بطلب الأجرة على مثل هذه الأشياء، فإن الله يأمر بالعدل والإحسان\".\nوهو مثلًا يقول: \"والغرض هنا إذا كان الكافر الَّذي هو عدو الملة، يجاور ويعامل ويعطي أجرة المثل عند الحاجة، ولا يحل ظلمه في شيء، فكيف المسلم إذا قام بما يجب عليه من مصالح إخوانه، من طحن بر، وإصلاح خبز، وتسوية طعام، وإحكام بناء، ونسج ثوب، وغير ذلك، مما هو فرض كفاية، فحقه أن من احتاج إلى أخيه في شيء من ذلك الإحسان إليه، يدفع ما يتعين له من أجرة أو ثمن أو قرض أو عوض\".","vol":"1","page":617},{"text":". . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .\n_________\n= ويقول: \"فعامة البيوع المباحة تحتاج إلى الصدق، وهو محض الحق، وبذل النصح، وتفسد بالكذب، وكتمان العيب أو النقص، وهذا عين الخيانة وأصل الغش\".\nويقول أيضًا: \"ولهذا أمروا بالعدل في البيوع، والصدق في المعاملات\".\nويقول أيضًا: \"وأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة\".\nويقول أيضًا: \"من الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب (التذكرة) في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة فقال: يجتنب منها خمسة وعشرون بيعًا. . . \".\nوقال بعد ذلك: \"فهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث وجمله النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا، وقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون للآكل حجة، إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال. . . \". ثم يقول: \"ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه، وللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع، ما بين الحالي من العاطل، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه\".\nويقول -﵀-: \"ولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب، ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، يستفتون رسول الله - ﷺ - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتَّى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم\".\nويقول أيضًا: \"وكذلك تصح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يحيى في الأرض.\nومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر: ٢٠]. ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]. =","vol":"1","page":618},{"text":"المغارسة والمناصبة (١) تجوز في ظاهر مذهب أحمد، ذكرها العكبري (٢) والقاضي وجوزها، وقاسها على المزارعة، فإن المزارعة تقتضي المشاركة في الثمرة.\nوقد ورد عنه - ﷺ - أنَّه قال: \"نقركم ما شئنا\" رواه مسلم (٣).\nثم (٤) إذا كان الغرس من صاحب الأرض، فهو كما لو كان البذر من العامل، فيشتركان فيما يحدثه الله من الثمر والزرع.\n_________\n= ومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣). . .﴾ [الواقعة: ٦٣]. . . \".\nوأخيرًا يقول: \"والشارع رعى المصلحة العامة، لأن الجالب إذا لم يعرف السعر، ولا أخبر بثمن المثل، كان المشتري قد غره، وليس ذلك من الصدق والنصح في شيء، إنما هو خيانة وغش، فإن أضاف إليها كذبًا صريحًا مثل أن يقول: قد أعطيت فوق ما يساوي في سوقه، لأجل حاجتي إلى ذلك، ونحو هذا مما يستعمله من لا عناية له بمطعمه ومشربه، ومن جل قصده تثمير المال، والمفاخرة والمكاثرة بحسن المخادعة في البيوع، وكل ذلك محرم محذور\".\nوبعد كل هذه الأمثلة يظهر لنا جليًا روعة الأسلوب الَّذي صاغ به المصنف تلك القضايا الفقهية، وربطها بموضوع الإحسان، وتركيزه على جانب التعاون والصدق والأمانة والورع في المعاملات والبيوع بين المسلمين، وكل هذا يدخل ولا شك -في مرتبة الإحسان، وهذا ما أراده المصنف، والله أعلم.\nويا ليت كثيرًا من الفقهاء عنوا بالجانب الروحي والتربوي عند مناقشتهم للمسائل الفقهية، وتوضيح المقاصد العظيمة والغايات السامية من وراء هذه التشريعات الإسلامية.\n(١) هما بمعنى واحد، وهو: دفع أرض بيضاء مدة معلومة ليغرس فيها، وتكون الأرض والشجر بينهما، حاشية ابن عابدين (٥/ ١٨٣) كشاف القناع (٣/ ٥٣٢)، شرح منتهى الإرادات (٢/ ٣٤٣).\n(٢) هو شيخ الحنابلة القاضي أبو علي يعقوب بن إبراهيم بن أحمد العكبري البرزيني -وهي قرية كبيرة على خمسة فراسخ من بغداد- من كبار تلامذة القاضي أبي يعلى، وكان من أعرف القضاة في عصره بأحكام القضاء، ذو هيبة كبيرة، وقرأ عليه عامة الحنابلة ببغداد، وانتفعوا به، من مصنفاته: \"التعليقة في الفقه\" في عدة مجلدات، مات سنة ٤٨٦ هـ. طبقات الحنابلة (٢/ ٢٤٥)، الأنساب (٤/ ٤٢٦)، المنتظم (٩/ ٨٠)، سير أعلام النبلاء (١٩/ ٩٣)، ذيل طبقات الحنابلة (١/ ٧٣)، شذرات الذهب (٥/ ٣٨٠).\n(٣) تقدم تخريج هذا الحديث (ص ٦٠٢).\n(٤) كتب قبل \"ثم\" في نسخة الأصل: (وفي الأصل) وقد حذفناها، لأننا نرجح أنها مقحمة من الناسخ.","vol":"1","page":619},{"text":"ومالك وأحمد وأبو حنيفة يصححون شركة الأبدان، والشافعي لا يجوز هذا (١).\nوقد كان النبي - ﷺ - يبعث عبد الله بن رواحة، ليقسم الثمار المشتركة بين المسلمين وبين أهل خيبر، فإنه كان قد عاملهم بنصف ما تخرج الأرض، فدل على جواز العقد لا وجوبه، على أن يعمروها من أموالهم، وكان للمسلمين نصف الثمار والزرع، فكان يبعث ابن رواحة ليعرف حق الشركاء، ويعرف مقدار الزكاة الواجبة، فكان إذا خرصها سلمها إلى اليهود.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-277>[محاولة اليهود رشوة عبد الله بن رواحة]</span>\nولقد قالوا له مرة: يا عبد الله لقد زدت علينا، ورشوه بشيء من حلي نسائهم، فقال: يا معشر يهود كيف نقض العهد فيكم؟ قالوا: شديد، قال: فإني عاهدت محمدًا - ﷺ - أن لا أكتم حقًّا، أو أواطئ على باطل، فرد إليهم الحلي، فأيسوا مه، ولم يجدوا بدًا من دفع الحق إلى المسلمين (٢).\n_________\n(١) قال في المغني (٥/ ١١١): \"معنى شركة الأبدان أن يشترك اثنان أو أكثر فيما يكتسبونه بأيديهم، كالصناع يشتركون على أن يعملوا في صناعاتهم، فما رزق الله تعالى فهو بينهم. . . وبهذا قال مالك، وقال أبو حنيفة: يصح في الصناعة، ولا يصح في اكتساب المباح كالاحتشاش. .، وقال الشافعي: شركة الأبدان كلها فاسدة، لأنها شركة: على غير مال، فلم تصح، كما لو اختلفت الصناعات\"، وانظر: بدائع الصنائع للكاساني (٦/ ٥٨)، شرح الخرشي على المختصر الجليل (٤/ ٢٦٧)، مغني المحتاج للشربيني (٢/ ٢١٢)، إحياء علوم الدين (١/ ٨٠).\n(٢) قصة ابن رواحة رواها مالك في الموطأ برقم (١٤١٣) كتاب المساقاة، والبيهقي في سننه (٤/ ١٢٢) عن سليمان بن يسار أن رسول الله - ﷺ - كان يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص بينه وبين يهود. . القصة، وهو مرسل، سليمان بن يسار تابعي كبير، لم يدرك النبي - ﷺ -، ولا عبد الله بن رواحة.\nلكن يشهد لهذا المرسل ما رواه أحمد في مسنده برقم (١٤٥٣٦)، والدارقطني في سننه (٢/ ١٣٣)، قال أحمد: حدثنا محمد بن سابق حدثنا إبراهيم بن طهمان عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله قال: \"أفاء الله خيبر على رسوله، فأقرهم رسول الله - ﷺ -، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم، ثم قال: يا معشر يهود أنتم أبغض الخلق إلي، قتلتم أنبياء الله، وكذبتم على الله، وليس يحملني بغضي إياكم أن أحيف عليكم، قد خرصت عشرين ألف وسق من =","vol":"1","page":620},{"text":"وروي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - أنَّه قال: لعن الله الراشي والمرتشي\" (١).\nولقد مر علي - ﵁ - يهودي، فنظر من ثلمة (٢) في الحائط، فبصر باليهودي يستقي ببكرة (٣)، فقال: يا أخا العرب هل لك في كل دلو تمرة! قال: نعم، فدخل علي - ﵁ - فأخذ الدلو، قال: فجعلت كلما نزعت دلوًا رمي لي بتمرة، حتى جمعت ملئي كفي، تركت الدلو وذهبت، قال: ما بدا لك، قلت: حسبي، فأخذت التمر فأكلته، ثم أتيت المسجد، فما أن غزونا خيبر، فأغنمها الله لرسوله - ﷺ -، وقتل اليهودي، وقسمت\n_________\n= تمر، فإن شئتم فلكم، وإن أبيتم فلي، قالوا: بهذا قامت السماوات والأرض، قد أخذناها، قال: فاخرجوا عنا. . . \".\nقلت: وهذا إسناد صحيح على شرط مسلم، ولولا أن البخاري أخرج لأبي الزبير مقرونًا، لكان على شرطهما.\nورواه ابن جرير في تاريخه (٢/ ١٤٠) عن عبد الله بن أبي بكر، وفيه عنعنة ابن إسحاق، وانظر سيرة ابن هشام (٢/ ٣٤٥).\n(١) رواه الترمذي برقم (١٣٣٧) كتاب الأحكام، وقال: حديث حسن صحيح، وأبو داود برقم (٣٥٨٠) كتاب الأقضية، وأحمد برقم (٦٥٣٢)، وابن حبان في صحيحه برقم (٥٠٧٦) ١١/ ٤٦٧، والحاكم (٤/ ١٠٣) وقال: هذا حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، وأبو يعلى في مسنده برقم (٤٦١٠) ٨/ ٧٤، والبيهقي (١٠/ ١٣٨)، وكلهم بلفظ: (لعن رسول الله - ﷺ - الراشي والمرتشي. . .)، ورواه أحمد برقم (٩٠١١)، والطبراني في المعجم الكبير (٢٣/ ٣٩٨) بلفظ: (لعن الله الراشي. . .)، ورواه ابن ماجة برقم (٢٣١٣) كتاب الأحكام، ولفظه: (لعنة الله على الراشي والمرتشي).\nوانظر: تلخيص الحبير (٥/ ٢٢١)، إرواء الغليل برقم (٢٦٢٠).\nوقال الحافظ في الفتح (٥/ ٢٢١): \"وقد ثبت حديث عبد الله بن عمرو في لعن الراشي والمرتشي. . \"، والحديث صححه الشيخ الألباني في كتابه صحيح سنن أبي داود برقم (٣٠٥٥)، وكتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (١٨٧١).\n(٢) قال في الصحاح (٥/ ١٨٨١): الثلمة الخلل في الحائط وغيره، وقال في القاموس المحيط (١٤٠٢): الثلمة فرجة المكسور والمهدوم.\n(٣) قال في الصحاح (٥/ ١٨٨١): بكرة البئر يستقى عليها، وقال في القاموس المحيط (٤٥٠): خشبة مستديرة في وسطها محز يستقى عليها، أو المحالة السريعة.","vol":"1","page":621},{"text":"أمواله ورباعه في أهل بيعة الرضوان وأصحاب السفينة (١).\nولا خلاف أن عمل فلاحي (٢) المسلمين أنفع لأرضهم، واشتراكهم فيما يرزقهم الله من ثمر وزرع أصلح في دينهم ودنياهم، من أن يفلحها الكفار، ويبقى فلاحو (٣) المسلمين فقراء محتاجين.\nوإذا أراد صاحب الأرض أن يغرسها، فعامله إنسان على أن يكون له نصف الثمر ويقوم بمصالحها، ونصف الثمر لصاحب الأرض جاز ذلك (٤).\n_________\n(١) خبر علي - ﵁ - حديث خيبر، روي بوجوه متقاربة، فقد رواه الترمذي برقم (٢٤٧٣) كتاب صفة القيامة عن محمد بن كعب القرظي عمن سمع من علي - ﵁ -: وقال: حديث حسن غريب، وأبو يعلي في مسنده برقم (٥٠٢) ١/ ٣٨٧ عن يزيد بن رومان القرظي عن رجل عن علي - ﵁ -، وقال محققه: إسناده ضعيف، والبيهقي في سننه (٦/ ١١٩) عن حنش عن عكرمة عن ابن عباس، ورواه مختصرًا ابن ماجة برقم (٢٤٤٦) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (٦٨٧) عن مجاهد، وضعفه الشيخ أحمد شاكر.\nقلت: في إسناد الترمذي رجل لم يسم، وهو التابعي الَّذي سمع عليًا، وكذلك الحال في إسناد أبي يعلى، وأما إسناد ابن ماجة والبيهقي ففيهما حنش، وهو الحسين بن قيس الرحبي متروك كما في التهذيب (٢/ ٣١٣)، إلَّا الحاكم فقد وثقه كما ذكر الزيلعي في نصب الراية (٤/ ١٣٢)، وأما إسناد أحمد ففيه انقطاع، فإن مجاهدًا على الراجح لم يلق عليًّا كما في السير (٤/ ٤٥٤) والتهذيب (١٠/ ٤٠)، ونصب الراية (٤/ ١٣٢)، وبهذه العلة أعل الشيخ أحمد شاكر الرواية التي في المسند (١/ ٦٨٨)، وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٦١): \"ورواه أحمد من طريق علي بسند جيد، ورواه ابن ماجة بسند صححه ابن السكن مختصرًا. . \".\nقلت: هذا يحمل من الحافظ على أنَّه يقول بسماع مجاهد من علي، وأما ما ذكر من تصحيح ابن السكن فهو مردود بتضعيف الأئمة لحنش الرحبي كما ذكرنا من قبل.\nوالخبر ضعفه الشيخ الألباني في كتابه ضعيف سنن الترمذي برقم (٦٨٩) وكتابه ضعيف سنن ابن ماجة برقم (٥٣٥)، وفي الإرواء برقم (١٤٩١) حيث أطال في تخريجه، وقال في آخره (٥/ ٣١٣): وجملة القول أن الحديث ضعيف، لشدة ضعف طرقه. . . \".\nقلت: ومن المحتمل أن يكون للقصة أصل، والله أعلم.\n(٢) في نسخة الأصل: \"فلاحين\"، وهو خطأ.\n(٣) في نسخة الأصل: \"فلاحين\"، وهو خطأ.\n(٤) هذه هي المغارسة، وقد تقدم الحديث عنها.","vol":"1","page":622},{"text":"ولو قال: اسق هذه الثمرة بعد ظهورها، على شيء معلوم من الثمر، وأن يخرصها جاز ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-278>[أصل مذهب أحمد في العقود الجواز]</span>\nوأصل مذهب أحمد في العقود الجواز، فلا يحرم منها إلَّا ما حرمه الله ورسوله، ومذهبه أوسع المذاهب في باب المزارعة والمناصبة والمساقاة، وكل ما كان من المعاملات المباحة (٢).\nوعلى العامل الحرث وآلته، وبقره، وإصلاح طرق الماء، وقطع الشوك والشجر اليابس، وزبار الكرم (٣)، وتسوية الثمرة، والحفظ والتشميس، وإصلاح موضعه، وقيل: ما يتكرر كل عام فهو على العامل، وما عداه فعلى رب الأرض (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-279>فصل [رفع الجوائح من الإحسان]</span>\nوأما الجائحة (٥) في بيع الثمار ففيها نزاع مشهور، فلو اشترى ثمرًا قد\n_________\n(١) هذه هي المساقاة، وهي كالمزارعة والمغارسة، ولكن السقي فيها يقوم مقام الغرس والزرع.\n(٢) انظر حول ذلك: مجموع الفتاوي (٢٩/ ١٢٥ - ١٥٠).\n(٣) لم يتبين لي المقصود بزبار الكرم، والكرم هوا: العناب، الصحاح (٥/ ٢٠٢٠)، وقال في الصحاح (٢/ ٦٦٨): \"ازبأر النبت والوبر، إذا نبت\"، أو يكون المقصود بذلك حشرة الزنبور أو الزنبار التي تكثر في شجر العنب كما هو معروف، والله أعلم.\nقلت: وقد ورد عند الشيخين النهي عن تسمية العنب كرمًا، وأن الكرم قلب المؤمن، رواه البخاري برقم (٦١٨٢) ومسلم برقم (٢٢٤٧)، وقد اختلفت أنظار الشراح في معنى ذلك، وهل النهي للتحريم أو للكراهة، وممن تولى هذه المسألة الحافظ في الفتح (١٠/ ٥٦٧).\n(٤) انظر: مجموع الفتاوي (٢٩/ ٨٨ - ١٢٥).\n(٥) الجائحة في اللغة: من الجوح وهو الاستئصال، قال في الصحاح (١/ ٣٦٠): \"ومنه الجائحة وهي الشدة التي تجتاح المال من سنة أو فتنة\"، وانظر: القاموس المحيط (٢٧٦).\nومراد الفقهاء ﵏ بالجائحة أنها كل ما أصاب الزرع والثمر والمال بغير جناية آدمي كريح ومطر وغير ذلك، ويقول ابن قدامة في المغني (٤/ ٢٣٤): \"الجائحة كل آفة لا صنع للآدمي فيها كالريح والبرد والجراد والعطش. . \".","vol":"1","page":623},{"text":"بدا صلاحها، فأصابته جائحة، كان من ضمان البائع في مذهب مالك، والإمام أحمد، وجماعة من علماء السلف.\nوقد صح النقل وثبت الخبر في صحيح مسلم مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"إن بعت من أخيك ثمرة، فأصابتها جائحة، فلا يحل لك أن تأخذ من مال أخيك شيئًا! أيأخذ أحدكم مال أخيه بغير حق! ! \" (١).\nوأما أبو حنيفة فلا يفرق بين ما بيع قبل بدو الصلاح أو بعده (٢).\nوأما ضمان البساتين عامًا أو أعوامًا، ليستغلها الضامن بسقيه وعمله، كالإجارة، وكذلك إذا بدا الصلاح في جنس من الثمر (٣) إذا أكل منه، وبيع جميع ثمر البستان فأظهر الأقوال جواز ذلك (٤).\nوكذلك لو أعطى ماء ليسقي به زرعه، ويكون له الربع منه، أو أقل أو أكثر جاز، سواء كان الماء من صاحب البذر العامل فيها، أو من صاحب الأرض، أو من غيرهما، كل هذا جائز، وهذا من جنس المشاركة، لا من جنس الإجارة، وهو بمنزلة المساقاة والمزارعة.\nوالصحيح على مذهب أهل الحديث، أن المزارعة جائزة، سواء كان البذر من المالك، أو من الفلاح، أو منهما، وسواء كان على أرض بيضاء، أو ذات شجر، وكذلك تصبح المساقاة على جميع الأشجار، ويورث من كل منهم، وتقسم الشجرة أو الزرع في ورثته قسمة شرعية، فإن هذا كله من فضل الله الَّذي يبتغى في الأرض.\n_________\n(١) رواه مسلم برقم (١٥٥٤) ٣/ ١١٩٠ كتاب المساقاة باب وضع الجوائح، والنسائي برقم (٤٥٢٧) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٧٠) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢١٩) كتاب التجارات، والدارمي برقم (٢٥٥٦) كتاب البيوع، وكلهم بألفاظ متقاربة.\n(٢) هذه الأقوال في: الأم (٣/ ٥٦)، المبسوط (١٣/ ٩١)، روضة الطالبين (٣/ ٤٧٠)، بداية المجتهد (٢/ ١٨٦)، المغني (٤/ ٢٣٣).\n(٣) هنا كلمة غير واضحة في نسخة الأصل.\n(٤) والمصنف ذكر الخلاف في مجموع الفتاوي (٣٠/ ٢٤٠)، ورجح القول بالجواز، وقال: إنه الأصح، وذكر مآخذه وأدلته.","vol":"1","page":624},{"text":"ومن قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ [الحجر: ٢٠]. ومن قوله تعالى: ﴿فَامْشُوا في مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥].\nومن قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣). . .﴾ [الواقعة: ٦٣].\nوقد كان إبراهيم بن أدهم (١) وشقيق (٢) بعد ما كانا فيه من سعة الرزق، يقومان على الكروم، ويسترزقان الله من العمل في البساتين، ويتقوتان (٣) من الحصاد، وهو سنة ماضية من عهد رسول الله -ﷺ -، وخلفائه الراشدين، فمن بعدهم.\n_________\n(١) هو إبراهيم بن أدهم بن منصور بن يزيد بن جابر العجلي، وقيل: التميمي البلخي نزيل الشام، نعته الذهبي بسيد الزهاد، وقال عنه ابن كثير: أحد مشاهير العباد وأكابر الزهاد، روى عن أبيه وأبي إسحاق السبيعي ومنصور بن المعتمر ومالك بن دينار والأعمش ومقاتل بن حيان، وروى عنه رفيقه سفيان الثوري وشقيق البلخي وبقية بن الوليد ومحمد بن يوسف الفريابي وأبو إسحاق الفزاري، وذكر أبو نعيم وغيره أنَّه كان من أبناء الملوك، يعيش في ثراء ورغد عيش، فخرج من ذلك كله، وانصرف للزهد والعبادة والجهاد، وكان طيلة إقامته في الشام -مع أصحابه كشقيق البلخي- يعمل في الحصاد وحفظ البساتين، كما ذكر أبو نعيم وغيره، وكان سخيًا جوادًا كريم النفس، يقوم على خدمة إخوانه ويكرمهم، وهو القائل العبارة المشهورة: \"والله لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من النعيم لجالدونا عليه بالسيوف\"، توفي مرابطًا في إحدى الجزر ببحر الروم في صائفة سنة ١٦٢ هـ.\nالجرح والتعديل (٢/ ٨٧)، حلية الأولياء (٧/ ٣٦٧)، الكامل لابن الأثير (٦/ ٥٦) سير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٧)، البداية والنهاية (١٠/ ١٣٨)، شذرات الذهب (٢/ ٢٨٢).\n(٢) هو شقيق بن إبراهيم الأزدي البلخي، قال عنه الذهبي: الإمام الزاهد شيخ خرسان، صحب إبراهيم بن أدهم كثيرًا وتأثر به، وهو نزر الرواية -كما قال الذهبي - وكان صاحب ثروة ومال، فتزهد وتصدق بها، وأقبل على طلب العلم، وكان مع زهده من رؤوس الغزاة والمجاهدين، واستشهد -﵀- في غزاة كولان سنة ١٩٤ هـ.\nالجرح والتعديل (٤/ ٣٧٣)، حلية الأولياء (٨/ ٥٨)، سير أعلام النبلاء (٩/ ٣١٣)، شذرات الذهب (٢/ ٤٤٢).\n(٣) في نسخة الأصل: يتقوتون، وأثبتنا ما في أعلاه ليتفق مع ما ورد قبله بصيغة التثنية.","vol":"1","page":625},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-280>[العلم النافع هو ما قام عليه دليل عن النبي ﵊]</span>\nواعلم رحمك الله أن كل ما قام عليه الدليل فهو علم، والنافع من ذلك ما كان عن رسول الله -ﷺ - (١)، لقوله - ﵇ -: \"من سلك طريقًا يلتمس فيه علمًا سهل الله له به طريقًا إلى الجنّة\" الحديث (٢).\nوكان شيخنا يقول (٣): الشريعة المحمدية، والآداب النبوية، نور الله في أرضه وعدله بين خلقه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-281>[مكاتبة النبي ﵊ العالم، ودعوتهم إلى الإسلام]</span>\nولقد بعث رسول الله - ﷺ - الرسل إلى ملوك الأرض (٤)، فبعث إلى\n_________\n(١) يقول المصنف في مجموع الفتاوى (٢٠/ ٦٦٤) في وصيته لأبي القاسم المغربي: \"لكن جماع الخير أن يستعين بالله سبحانه في تلقي العلم الموروث عن النبي -ﷺ -، فإنه هو الَّذي يستحق أن يسمى علمًا، وما سواه إما أن يكون علمًا فلا يكون نافعًا، إما أن لا يكون علمًا، وإن سمي به، ولئن كان علمًا نافعًا فلا بد أن يكون في ميراث محمد - ﷺ - ما يغني عنه مما هو مثله وخير منه. . . وليجتهد أن يعتصم في كل باب من أبواب العلم بأصل مأثور عن النبي -ﷺ -. . . . \".\n(٢) رواه مسلم في صحيحه برقم (٢٦٩٩) ٤/ ٢٠٧٤ كتاب الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر، والترمذي برقم (٢٦٤٦) كتاب العلم، وابن ماجة برقم (٢٥٥) في المقدمة، وأحمد برقم (٧٣٧٩) وهو جزء، من حديث أوله: (من نفس عن مؤمن كربة. . .)، ورواه أحمد مختصرًا برقم (٨١١٧)، ورواه ابن ماجة برقم (٢٢٣) في المقدمة والدارمي برقم (٣٤٢) في المقدمة، من حديث طويل معروف جاء فيه: (وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضى بما يصنع. . . .).\n(٣) لعلها مقحمة من أحد تلامذة شيخ الإسلام الَّذي بيض هذه النسخة من مسودة المؤلف، والله أعلم.\n(٤) روي مسلم في صحيحه برقم (١٧٧٤) ٣/ ١٣٩٧ كتاب الجهاد والسير عن أنس - ﵁ -: \"أن نبي الله - ﷺ - كتب إلى كسرى وإلى قيصر وإلى النجاشي وإلى كل جبار يدعوهم إلى الله. . \"، ورواه الترمذي برقم (٢٧١٦) كتاب الاستئذان والآداب، ورواه البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٧٦)، وزادا فيه: كتب قبل موته.\nوروى ابن أبي عاصم في كتاب الآحاد والمثاني (١/ ٤٤٥)، والطبراني في المعجم الكبير (٨/ ٢٠) عن المسور بن مخرمة - ﵁ - أن النبي - ﷺ - خطب أصحابه يومًا، وأنه أراد أن يبعثهم بكتب لدعوة ملوك الناس إلى الإسلام، وأنه يخشى اختلافهم، كما اختلاف الحواريون على عيسي بن مريم، فبعث دحية التي قيصر، وبعث شجاع بن وهب الأسدي إلى المنذر بن الحارث ملك الغساسنة، وعبد الله بن حذافة السهمي إلى كسرى، وحاطب بن أبي بلتعة إلى المقوقس، والعلاء بن =","vol":"1","page":626},{"text":"كسرى (١)، وقيصر (٢)، وملك الإسكندرية (٣)،\n_________\n= الحضرمي إلى المنذر صاحب هجر، وسليط بن عمرو إلى هوذة بن علي صاحب اليمامة، وعمرو بن العاص إلى ملك عثمان، وعمرو بن أمية الضمري إلى النجاشي، فمضوا لذلك ثم رجعوا إلى رسول الله - ﷺ -، وإن كان في إسنادهما مقال.\nوقد اختلف أهل العلم والتواريخ والسير في وقت إرسال ذلك، فذهب الواقدي وابن جرير إلى أن ذلك وقع أواخر سنة ست للهجرة، وذهب ابن سعد وابن قيم الجوزية إلى أن ذلك كان سنة سبع من الهجرة في المحرم، ومال البيهقي وابن كثير إلى وقوع ذلك بعد غزوة مؤتة سنة ثمان للهجرة، ولا خلاف بينهم جميعًا في أن ذلك كان قبل فتح مكة وبعد صلح الحديبية، لما ثبت في الصحيح من قول أبي سفيان لهرقل: \"ونحن منه في مدة، لا ندري ما هو صانع فيها\"، ومن المحتمل أن بعض هذه الكتب قد تقدم على بعض في التاريخ، وإلى ذلك أشار ابن جرير -﵀-، وقال: إنه مذهب ابن إسحاق والله أعلم، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨)، الطبقات الكبري لابن سعد (١/ ٢٥٧)، الثقات لابن حبان (٢/ ١)، دلائل النبوة (٤/ ٣٧٧)، زاد المعاد (١/ ١١٩)، البداية والنهاية (٤/ ٢٦٢).\n(١) ثبت في صحيح البخاري برقم (٤٤٢٤) كتاب المغازي أن النبي - ﷺ - بعث كتابًا إلى كسرى مع عبد الله بن حذافة السهمي - ﵁ -، فدفعه إلى عظيم البحرين، فدفعه إلى كسرى فمزقه، فدعا عليه النبي - ﷺ - بأن يمزق الله ملكه، فكان ذاك، وذكر أن اسم كسرى هو أبرويز بن هرمز بن آنوشروان، وخبر كتاب النبي - ﷺ - في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٣٢)، ودلائل النبوة (٤/ ٣٨٧)، وزاد المعاد (١/ ١٢٠)، (٣/ ٦٨٨)، والبداية والنهاية (٤/ ٢٦٨).\n(٢) ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - بعث كتابًا إلى قيصر مع دحية بن خليفة الكلبي - ﵁ -، كما في حديث ابن عباس، وقصة أبي سفيان مع قيصر الروم هرقل، الَّذي هم بالإسلام وكاد ولم يفعل، وقال: \"ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه، ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه، وليبلغن ملكه ما تحت قدمي\"، والحديث رواه البخاري برقم (٧) كتاب بدء الوحي، ومسلم برقم (١٧٧٣) ٣/ ١٣٩٣ كتاب الجهاد والسير باب كتاب النبي - ﷺ - إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام، وخبر كتاب النبي - ﷺ - إلى قيصر في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨)، ودلائل النبوة (٤/ ٣٧٧)، وزاد المعاد (١/ ٦٨٨)، (٣/ ١٢٠)، البداية والنهاية (٤/ ٢٦٢).\n(٣) ملك الإسكندرية هو المقوقس جريج بن ميناء عظيم القبط، وقد بعث إليه - ﷺ - كتابًا صحبة حاطب بن أبي بلتعة - ﵁ -، فقال خيرًا، وقارب الأمر ولم يسلم، وأهدى للنبي - ﷺ - عدة جوار، منهن مارية التي أصبحت فيما بعد أم ولد النبي - ﷺ - إبراهيم - ﵁ - وأرضاه، وغلامًا خصيًا، وجملة هدايا أخرى، وأخطأ من قال: إنه =","vol":"1","page":627},{"text":"وإلى أكيدر دومة (١)، وغيرهم من ملوك الأطراف، وكب إليهم كتبًا، وذلك ما عرف ونقل واشتهر.\nوإنما بعث إلى كل واحد منهم رجلًا من أصحابه، ودعاهم إلى الله وإلى التصديق برسالته لإقامة (٢) الحجة وظهور الدعوة وقطع العذر لقوله\n_________\n= قد أسلم، بل حاله في ذلك كحال رئيسه هرقل.\nوقد ورد ذكر بعث حاطب خاصة في رواية عند الحاكم في المستدرك (٣/ ٣٠٠)، وعند البيهقي في دلائل النبوة (٤/ ٣٩٥)، وخبر كتاب النبي - ﷺ -: إلى المقوقسي ملك الإسكندرية في طبقات ابن سعد (١/ ١٣٣)، (٣/ ١١٤)، وتاريخ ابن جرير (٢/ ١٢٨، ١٣٤)، وزاد المعاد (١/ ١٢٢)، (٣/ ٦٩١)، البداية والنهاية (٤/ ٢٧١) الإصابة (١/ ٣٠٠)، (٣/ ٥٣٠)، (٤/ ٤٠٤).\n(١) آكيدر دومة هو: أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي، وكان نصرانيًا، وأكيدر تصغير لأكدر، ودومة هي دومة الجندل، مدينة بقرب تبوك بين الشام والحجاز، كما ذكر الحافظ، وذكر أيضًا أن النبي - ﷺ - كتب إليه كتابًا، وأرسل إليه سرية كما في الفتح (٥/ ٢٣١).\nوالمعروف في السير أن النبي - ﷺ - كتب له كتابًا بعد وقوعه في الأسر وإطلاقه، وإقراره على بلدة، كما ذكر موسى بن عقبة، فيما نقله عنه الحافظ ابن قيم الجوزية في زاد المعاد.\nكما أن ذكر أكيدر دومة هذا، ورد في سياق غزوة تبوك، عند أهل المغازي والسير والتاريخ، ولم يرد ذكره -فيما اطلعت عليه من مصادر- في باب مكاتبة النبي - ﷺ - لملوك ورؤساء الدول في ذلك الزمن، ولعل النبي - ﷺ - كاتبه فيمن كاتب قبل ذلك، والله أعلم.\nوقد ثبت في الصحيحين أن أكيدر دومة أرسل إلى النبي - ﷺ - بهدية جميلة من لباس، وعجب الصحابة منها، وأخبرهم النبي - ﷺ - أن مناديل سعد بن معاذ، - ﵁ - في الجنّة خير منها، وروي ذلك البخاري برقم (٢٤٧٣)، ومسلم برقم (٢٠٧١) ٣/ ١٦٤٥، وابن حبان في صحيحه برقم (٧٠٣٧) ١٥/ ٥٠٩.\nوروى أبو داود برقم (٣٠٣٧)، والنسائي برقم (٥٣٠٢)، وأحمد برقم (١٢٢٤٥)، والبيهقي (٩/ ١٨٧) وسياقه أطولها، أن النبي - ﷺ - أرسل إلى أكيدر دومة سرية مع خالد بن الوليد، وأنه أسر ثم أطلق.\nوقال ابن منده وأبو نعيم: إنه أسلم، وهذا خطأ كما ذكر الحافظ في الإصابة (١/ ١٢٦). وخبر أكيدار دومة في سيرة ابن هشام (٢/ ٥٢٦)، الثقات لابن حبان (٢/ ٧٣)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٨٥)، زاد المعاد (٣/ ٥٣٨)، البداية والنهاية (٥/ ١٦).\n(٢) الكلمة في نسخة الأصل غير واضحة تمامًا، وأقرب ما تكون المثبتة أعلاه.","vol":"1","page":628},{"text":"تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ. . .﴾ [النساء: ١٦٥] الآيات. فإن الأنبياء كانوا يبعث النبي إلى قومه، وبعث - ﵇ - إلى الناس كافة (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-282>[دعوة النبي ﵊ الناس، وإرساله الدعاة لذلك]</span>\nوإنما قصد ببعث هذه الرسل إلى الملوك، بث الدعوة في جميع الممالك، ودعا الناس عامة إلى دينه، على حسب ما أمره الله.\nوقد كان إذا أنزل الله وحيًا، أو أحدث نسخًا، فيه تأكيد بحجة أو رخصة تدل على سعة الرحمة، بعث الأمناء الأمراء النجباء يعلمون من بعد عنه.\nكما بعث عليًّا - ﵁ - بسورة براءة، مناديًا ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان، وكل من كان بينه وبين النبي عهد فمدته إلى أربعة أشهر، وأنه لا يدخل الجنّة إلَّا نفس مسلمة.\nوبعث معاذًا - ﵁ - إلى اليمن (٢).\nوبعث إلى أهل خيبر من يقول: \"إما أن تؤدوا القتيل، أو فأذنوا بحرب من الله ورسوله\" (٣).\n_________\n(١) هذا جزء من حديث روي بوجوه متقاربة، وأوله: (أعطيت خمسًا. . .)، ورواه البخاري، برقم (٣٣٥) كتاب التيمم، ومسلم برقم (٥٢١) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، ولفظه: (وبعثت إلى كل أحمر وأسود. . .)، وفي رواية له: (وبعثت إلى الخلق كافة. .)، ورواه الترمذى برقم (١٥٥٣) كتاب السير، والنسائي برقم (٤٣٢) كتاب الغسل والتيمم، وأحمد برقم (١٣٨٥٢٩)، والدارمي برقم (١٣٨٩) كتاب الصلاة.\n(٢) بعث علي إلى الحج بسورة براءة، وبعث معاذ إلى اليمن تقدم تخريج ذلك والكلام عليه.\n(٣) هذا جزء من حديث القسامة المشهور، حين قتل عبد الله بن سهل - ﵁ - في خيبر، وقد رواه البخاري برقم (٧١٩٢) كتاب الأحكام، ومسلم برقم (١٦٦٩) كتاب القسامة، والترمذي برقم (١/ ٢٢) كتاب الديات، والنسائي برقم (٤٧١٠) كتاب القسامة، وأبو داود برقم (٤٥٢١) كتاب الديات، وابن ماجة برقم (٢٦٧٧) كتاب الديات، وأحمد برقم (٢٧٧٥١) ومالك في الموطأ برقم (١٦٣٠) كتاب القسامة، والدارمي برقم (٢٣٥٣) كتاب الديات.","vol":"1","page":629},{"text":"وبعث إلى بني قريظة أبا لبابة - ﵁ - يستنزلهم على حكمه (١).\nوجاء أهل قباء واحد من أصحاب النبي - ﷺ - وهم في مسجدهم يصلون، فأخبرهم بصرف القبلة إلى المسجد الحرام، فاستداروا وهم في صلاتهم (٢).\nوبعث العلاء بن الحضرمي - ﵁ - إلى أعمال البحرين (٣).\nوبعث عدي بن حاتم - ﵁ - على صدقة طيء (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-283>[اجتناب البيوع الفاسدة من الإحسان]</span>\nومن الإحسان في البيوع، والتزام العقود الشرعية، والورع في المعاملات المباحة، ما ذكره الإمام أبو الوفا بن عقيل البغدادي في كتاب التذكرة، في باب ما يجتنب من البيوع الفاسدة، فقال:\n_________\n(١) قصة بعث أبي لبابة إلى بني قريظة رواها إسحاق بن راهويه في مسنده (٣/ ٥٤٤)، وأحمد برقم (٢٥١٤٠)، وابن حبان في صحيحه رقم (٧٠٢٨) ٣/ ٣٥٠ وصححه، وقال محققه: حديث حسن.\nوخبرها في سيرة ابن هشام (٢/ ٢٣٤)، تاريخ ابن جرير (٢/ ١٠٠)، دلائل النبوة للبيهقي (٤/ ١٣)، زاد المعاد (٣/ ١٣٣)، السيرة النبوية للذهبي (١/ ٥٠٩)، البداية والنهاية (٤/ ١٢١).\n(٢) رواه البخاري برقم (٤٤٨٨) كتاب، ومسلم برقم (٥٢٧) كتاب المساجد ومواضع الصلاة، والنسائي برقم (٤٩٣) كتاب الصلاة، وأبو داود برقم (١٠٤٥)، وأحمد برقم (٤٧٩٤)، ومالك برقم (٤٥٨)، كتاب الصلاة، وابن خزيمة برقم (٤٣٥) ١/ ٢٢٥، والدارمي برقم (١٢٣٤) كتاب الصلاة، والطبراني في المعجم الكبير (٦/ ١٦٢)، والدارقطني في سننه (١/ ٢٧٣).\n(٣) ثبت في الصحيحين أن النبي - ﷺ - بعث العلاء إلى البحرين أو هجر -وهي الأحساء حديثًا- وصالح أهلها، وأمره عليهم، وقد رواه البخاري برقم (٣١٥٨) كتاب الجزية والموادعة، ومسلم برقم (٢٩٦١) ٤/ ٢٢٧٣، رواه ابن ماجة برقم (٣٩٩٧) كتاب الفتن، وأحمد برقم (١٦٧٨٣).\nوخبر بعث العلاء في تاريخ ابن جرير (٢/ ١٤٥، ١٩٩، ٢٠٤)، سير أعلام النبلاء. (١/ ٢٦٢)، زاد المعاد (١/ ١٢٣)، (٣/ ٦٩٢)، الإصابة (٢/ ٤٧٢).\n(٤) روى مسلم في صحيحه برقم (٢٥٢٣) كتاب فضائل الصحابة، وأحمد برقم (٣١٨) عن عدي بن حاتم - ﵁ - قال: \"أتيت عمر بن الخطاب، فقال: إن أول صدقة بيضت وجه رسول الله - ﷺ - ووجوه أصحابه صدقة طيء. جئت بها إلى رسول الله - ﷺ -\".","vol":"1","page":630},{"text":"(يجتنب منها خمسة وعشرون شيئًا، كلها كانوا في الجاهلية يجيزونه، فجاء الإسلام برده وكان تحريمه، فمنها تلقي الركبان، وأن يبيع حاضر لباد (١)، والنجش (٢) هو من شرها موقعًا، وأذرعها (٣) للحق وفي القلوب (٤)، وأن يسوم الرجل على سوم أخيه المسلم (٥)، ونهى عن بيع\n_________\n(١) روى البخاري برقم (٢١٥٨) كتاب البيوع باب هل بيع حاضر لباد بغير أجر. .، ومسلم برقم (١٥٢١) ٣/ ١١٥٧ كتاب البيوع باب تحريم بيع الحاضر للبادي، عن ابن عباس - ﵄ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تلقوا الركبان، ولا يبيع حاضر لباد، قال: قلت (أي طاووس): ما قوله: (لا يبيع حاضر لباد)؟ قال: لا يكون له سمسارًا.\nويبين ابن قدامة في المغني (٤/ ٣٠٢) معنى بيع الحاضر لبادي فيقول: (وهو أن يخرج إلى البادي وقد جلب السلعة، فيعرفه السعر، ويقول: أنا أبيع لك).\nوقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٧١) بعد أن تعقب على الحنفية تفسيرهم لبيع الحاضر للبادي زمن الغلاء: (وقال غيرهم: وصورته أن يجيء البلد غريب بسلعته، يريد بيعها بسعر الوقت في الحال، فيأتيه بلدي فيقول له: ضعه عندي لأبيعه لك على التدريج بأغلى من هذا السعر. .)، وهل يدخل غير البدوي في ذلك؟ وهل النهي لتحريم أم للكراهة؟ مسألتان بحثهما أهل العلم، ومجال تفصيلهما في كتب شروح الحديث، وكتب الفقه.\n(٢) روى البخاري برقم (٢١٤٢) كتاب البيوع باب النجش، ومسلم برقم (١٥١٦) ٣/ ١١٥٦ كتاب البيوع باب تحريم بيع الرجل على بيع أخيه، وسومه على سومه، وتحريم النجش. . عن ابن عمر قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن النجش).\nوقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٥): (النجش في اللغة تنفير الصيد واستثارته من مكانه ليصاد. . . وفي الشرع: زيادة في ثمن السلعة ممن لا يريد شراءها ليقع غيره فيها، سمي بذلك لأن الناجش يثير الرغبة في السلعة، ويقع ذلك بمواطأة البائع فيشتركان في الإثم، ويقع ذلك بغير علم البائع فيختص بذلك الناجش، وقد يختص به البائع كمن يخبر بأنه اشترى سلعة بأكثر مما اشتراها به ليغر غيره بذلك. .).\n(٣) أذرعها: أفرطها، الصحاح (٣/ ١٢١٠).\n(٤) هكذا العبارة في نسخة الأصل.\n(٥) روى البخاري برقم (٢٧٢٧) كتاب البيوع باب الشروط في الطلاق، ومسلم برقم (١٤١٣) ٢/ ١٠٣٣ كتاب النكاح باب تحريم الخطبة على خطبة أخيه. . عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن التلقي، وأن يبتاع المهاجر للأعرابي، وأن تشرط المرأة طلاق أختها، وأن يستام الرجل على سوم أخيه. .).","vol":"1","page":631},{"text":"الملامسة، وعن بيع المنابذة (١)، ونهى عن المحاقلة، وهي مما يقع فيه كثير من الجند، الذين يعاملون الفلاحين، ولا يعرفون شرطه، ونهى عن المزابنة (٢)، وعن بيع الحصاة (٣)، وعن بيع الكلب (٤)، وعن بيع نفع البئر\n_________\n(١) النهي عن بيع الملامسة والمنابذة رواه البخاري برقم (٢١٤٦) كتاب البيوع باب بيع المنابذة عن أبي هريرة - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن الملامسة والمنابذة)، وقد رواه أيضًا مفسرًا برقم (٢١٤٤) كتاب البيوع باب بيع الملامسة، عن أبي سعيد الخدري - ﵁ -: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المنابذة، وهي طرح الرجل ثوبه بالبيع إلى رجل قبل أن يقلبه أو ينظر إليه، ونهى عن الملامسة، والملامسة لمس الثوب لا ينظر إليه)، وجاء في الحديث الَّذي رواه مسلم برقم (١٥١٢) ٣/ ١١٥٢ تفسير أوضح من هذا، عن أبي سعيد قال: \"نهى الرسول - ﷺ - عن الملامسة والمنابذة، والملامسة لمس الرجل ثوب الآخر بيده بالليل أو النهار، ولا يقلبه إلَّا بذلك، والمنابذة أن ينبذ الرجل إلى الرجل بثوبه وينبذ الآخر إليه ثوبه، ويكون ذلك بيعهما من غير نظر ولا تراض)، وللملامسة والمنابذة صور عدة، ذكرها الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٩).\n(٢) روى البخاري برقم (٢١٨٧) كتاب البيوع باب بيع المزابنة عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن المحاقلة والمزابنة)، وقد فسرتا في الحديث الَّذي رواه مسلم برقم (١٥٣٦) ٣/ ١١٧٥ كتاب البيوع باب النهي عن المحاقلة والمزابنة. . عن جابر قال: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن المحاقلة والمزابنة. .، والمحاقلة أن يباع الحقل بكيل من الطعام معلوم، والمزابنة أن يابع النخل بأوساق من التمر)، والمزابنة مأخوذة من الزبن، وهو الدفع، قاله في الصحاح (٥/ ٢١٣٠)، وسمي بيع الرطب بالتمر مزابنة، لأن كل واحد من المتبايعين إذا وقف على ما فيه من الغبن أراد دفع البيع بفسخه، قاله الحافظ في الفتح (٤/ ٣٨٤).\n(٣) روى مسلم برقم (١٥١٣) ٣/ ١١٥٣ كتاب البيوع باب بطلان بيع الحصاة. . عن أبي هريرة - ﵁ -: قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع الحصاة. . .)، ورواه الترمذي برقم (١٢٣٠) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٥١٨) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٩٤) كتاب التجارات، وأحمد برقم (٩٣٤٥).\nوقال الترمذي (٣/ ٥٢٣) بعد أن أورد الحديث السابق: (ومعنى بيع الحصاة أن يقول البائع للمشتري: إذا نبذت إليك بالحصاة فقد وجب البيع. . وهذا شبه ببيع المنابذة، وكان هذا من بيوع الجاهلية).\n(٤) روى البخاري برقم (٢٢٣٧) كتاب البيوع باب ثمن الكلب، ومسلم برقم (١٥٦٧) ٣/ ١١٩٨ كتاب المساقاة باب تحريم ثمن الكلب عن أبي مسعود الأنصاري - ﵁ - قال: (أن رسول الله - ﷺ - نهى عن ثمن الكلب، ومهر البغي، وحلوان الكاهن).","vol":"1","page":632},{"text":"يعني: مائه (١)، وعن بيع وسلف (٢)، وعن بيع ما لم يقبض (٣)، وعن بيع ما ليس عندك (٤) وعن بيع الحب حتَّى يفرك (٥)، وعن بيع الثمرة حتَّى\n_________\n(١) أورده الحميدي في مسنده (٢/ ٤٠٥)، والنقع هو الماء لأنه ينقع به العطش أي يروي، قاله ابن الأثير في النهاية (٥/ ١٠٨)، وانظر الصحاح (٣/ ١٢٩٢)، وروى مسلم برقم (١٥٦٥) ٣/ ١١٩٧ كتاب المساقاة باب تحريم بيع الماء الَّذي يكون في الفلاة، ويحتاج إليه لرعي الكلأ، وتحريم منع بذله. . عن جابر - ﵁ - قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيع فضل الماء\"، وعن بيان ذلك: انظر شرح النووي على صحيح مسلم (١٠/ ٢٢٩).\n(٢) روى أحمد برقم (٦٥٧١) عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة، وعن بيع وسلف، وعن ربح ما لم يضمن، وعن بيع ما ليس عندك)، والترمذي بنحوه برقم (١٢٣٤) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١١) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٤) كتاب البيوع، وذكر الترمذي (٣/ ٥٢٦) عن إسحاق بن منصور: \"أنَّه سأل أحمد: ما معنى نهى عن سلف وبيع؟ قال: أن يكون يقرضه قرضًا ثم يبايعه عليه بيعًا يزداد عليه، ويحتمل أن يكون يسلف إليه في شيء، فيقول: إن لم يتهيأ عندك فهو بيع عليك\".\n(٣) روى البخاري برقم (٢١٣٥) كتاب البيوع باب بيع الطعام قبل أن يقبض، ومسلم برقم (١٥٢٥) ٣/ ١١٥٩ كتاب البيوع باب بطلان بيع المبيع قبل القبض عن ابن عباس - ﵄ - قال: (أما الَّذي نهى عنه النبي - ﷺ - فهو الطعام أن يباع حتَّى يقبض) قال ابن عباس: \"ولا أحسب كل شيء إلَّا مثله\"، وانظر في معنى ذلك الفتح (٤/ ٣٤٩).\n(٤) روى الترمذي برقم (١٢٣٣) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦١٣) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٣) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٨٧) كتاب التجارات، وأحمد برقم (١٤٨٨٧) عن حكيم بن حزام - ﵁ -، أن النبي - ﷺ - قال له: \"لا تبع ما ليس عندك\"، وقد ورد النهى عنه أيضًا ضمن الحديث المخرج في الحاشية رقم (٢).\n(٥) روى أحمد برقم (١٢٦٥٩) عن أنس - ﵁ - قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن بيع النخل حتى يزهو، والحب حتَّى يفرك. . .)، وفي إسناد أحمد رجل لم يسم، ورواه البيهقي في سننه (٥/ ٣٠٣) عن حماد بن سلمة عن حميد عن أنس، ورواه أيضًا عن سفيان عن أبان عن أنس، وقال: (والصحيح في هذا الباب رواية أيوب السختياني، ثم رواية حماد بن سلمة)، وروى الترمذي برقم (١٢٢٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٧١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢١٧) كتاب التجارات، أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع الحب حتَّى يشتد، ومعنى يفرك: قال في الصحاح (٤/ ١٦٠٢): (فركت الثوب والسنبل بيدي أفركه فركًا. وأفرك السنبل، أي صار فريكًا، وهو حين يصلح أن يفرك فيؤكل. .).\nوقال الحافظ البيهقي يرحمه الله عقب رواية هذا الحديث (٥/ ٣٠٣): (وقوله: =","vol":"1","page":633},{"text":"تزهي (١)، أي: يبدو صلاحها، وهو أن تحمر أو تصفر، وعن بيع الحنطة في سنبلها (٢)، وربح ما لم يضمن خسارته (٣).\nونهى عن بيعين في بيعة (٤)، وعن بيع المضامين، وحرم بيع\n_________\n= حتَّى يفرك، إن كان بخفض الراء على إضافة الإفراك إلى الحب، وافق رواية من قال: حتَّى يشتد، وإن كان بفتح الراء ورفع الياء، على إضافة الفرك إلى من لم يسم فاعله، خالف رواية من قال فيه: حتى يشتد، واقتضى تنقيته عن السنبل، حتَّى يجوز بيعه، ولم أر أحدًا من محدثي زماننا ضبط ذلك، والأشبه أن يكون بخفض الراء الموافقة معني من قال فيه: حتى يشتد، والله أعلم).\n(١) روي البخاري برقم (١١٩٨) كتاب البيوع باب إذا باع الثمر قبل أن يبدو صلاحها، ومسلم برقم (١٥٥٥) ٣/ ١١٩٠ كتاب البيوع باب وضع الجوائح عن أنس بن مالك - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - نهى عن بيع الثمار حتَّى تزهي، فقيل له: وما تزهي؟ قال: حتى تحمر).\n(٢) ذكر البيهقي في سننه (٥/ ٣٠٨) أن معنى النهي عن بيع الحنطة في سنبلها أن تشتري الحنطة في السنبل بالحنطة، وقال الإمام الطحاوي -﵀- في شرح معاني الآثار (٤/ ٣٦١) في حديث: (وعن الحب حتَّى يشتد. .): (فدل ذلك على إباحة بيعه بعدما يشتد وهو في سنبله، لأنه لو لم يكن ذلك كذلك لقال: حتَّى يشتد ويبرأ عن سنبله).\n(٣) هو جزء من حديث تقدم تخريجه في الحاشية رقم (٢)، ورواه أيضًا النسائي برقم: (٤٦٢٩) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٥٠٤) كتاب البيوع، والطيالسي (٢٩٨)، وابن حبان في صحيحه برقم (٤٣٢١) ١٠/ ١٦١، والحاكم (٢/ ١٧)، والطبراني في المعجم الأوسط (٢/ ٢٩٨)، وابن الجارود في المنتقي من السنن المسندة (١٥٤).\nوقال السندي في حاشيته على سنن النسائي (٧/ ٢٦٩) عن بيع ما لم يضمن: (هو ربح مبيع اشتراه فباعه قبل أن ينتقل من ضمان البائع الأول إلى ضمانه بالقبض)، وقال المباركفوري في تحفة الأحوذي (٤/ ٤٣١): (يريد به الربح الحاصل من بيع ما اشتراه قبل أن يقبضه، وينتقل من ضمان البائع إلى ضمانه).\n(٤) روي الترمذي برقم (١٢٣١)، كتاب البيوع عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نهى رسول الله - ﷺ - عن بيعتين في بيعة)، وقال الترمذي عقب ذلك: (حديث أبي هريرة حديث حسن صحيح، وقد فسر بعض أهل العلم، قالوا: بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك هذا الثوب بنقد بعشرة، وبنسيئة بعشرين، ولا يفارقه على أحد البيعين، فإذا فارقه على أحدهما فلا بأس، إذا كانت العقدة على أحد منهما، قال الشافعي: ومن معنى نهي النبي - ﷺ - عن بيعتين في بيعة، أن يقول: أبيعك داري هذه بكذا، على أن تبيعني غلامك بكذا، فإذا وجب لي غلامك، وجب لك =","vol":"1","page":634},{"text":"الملاقيح (١)، ونهى عن بيع وشرط (٢)، ونهى عن بيع الغرر (٣)، وعن بيع\n_________\n= داري، وهذا يفارق عن بيع بغير ثمن معلوم، ولا يدري كل واحد منهما على ما وقعات عليه صفقته)، ولمزيد من التوضيح، انظر: تحفة الأحوذي (٤/ ٤٢٧)، ورواه أيضًا النسائي برقم (٤٦٣٢) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٩٣٠١).\n(١) رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٤) عن سعيد بن المسيب مرسلًا، رواه الطبراني في المعجم الكبير (١١/ ٢٣٠)، والدارقطني في العلل (٩/ ١٨٣) وقال: (والصحيح غير مرفوع من قول سعيد)، والبيهقي في سننه (٥/ ٢٨٧)، وابن عدي في الكامل (٥/ ٢٤٥)، وقال الحافظ في تلخيص الحبير: (رواه إسحاق بن راهويه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة، وفي إسناده صالح بن أبي الأخضر عن الزهري وهو ضعيف، وقد رواه مالك في الموطأ عن الزهري عن سعيد مرسلًا، قال الدارقطني في العلل: تابعه معمر، ووصله عمر بن قيس عن الزهري، والصحيح قول مالك، وفي الباب عن عمران بن حصين: وهو في البيوع لابن أبي عاصم كما تقدم، وعن ابن عباس في الكبير للطبراني والبزار، وعن ابن عمر أخرجه عبد الرزاق، وإسناده قوي).\nوالمضامين -كما فسرت في حديث سعيد في الموطأ- بيع ما في بطون إناث الإبل، والملاقيح بيع ما في ظهور الجمال، وقال في النهاية عكس ذلك حيث قال عن المضامين (٣/ ١٠١): (المضامين ما في أصلاب الفحول، وهي جمع مضمون)، وقال عن الملاقيح (٣/ ١٢): (الملاقيح جمع ملقوح، وهو جنين الناقة)، وانظر ما في الصحاح: (١/ ٤٠١)، (٦/ ٢١٥٦).\n(٢) رواه الطبراني في المعجم الأوسط -كما ذكر الزيلعي في نصب الراية (١٧/ ٤)، وذكر أن الحاكم رواه في كتاب علوم الحديث، في باب الأحاديث المتعارضة، ومن جهة الحاكم ذكره عبد الحق في أحكامه، وسكت عنه، وقال ابن القطان: وعلته ضعف أبي حنيفة في الحديث ذكره الحافظ ابن قدامة -﵀- في المغاني (٤/ ٣٠٨) دليلًا لما ذهب إليه الشافعية والحنفية، من عدم جواز الشرط الواحد في البيع، وقال بعد ذلك: (وحديثهم لم يصح، وليس له أصل، وقد أنكره أحمد، ولا نعرفه مرويًا في مسند، ولا يعول عليه)، وقال أيضًا: (قال الأثرم: قيل لأبي عبد الله: إن هؤلاء يكرهون الشرط في البيع، فنفض يده، وقال: الشرط الواحد لا بأس به في البيع، إنما نهى رسول الله - ﷺ - عن شرطين في البيع، وحديث جابر يدل على إباحة الشرط حين باعه جمله وشرط ظهره إلى المدينة). وقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٢): (وقد رواه ابن حزم في المحلى، والخطابي في المعالم، والطبراني في الأوسط، والحاكم في علوم الحديث، من طريق محمد بن سليمان الذهلي عن عبد الوارث بن سعيد عن أبي حنيفة عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده به في قصة طويلة مشهورة. . .).\nوممن ذكر الخلاف الإمام الترمذي في سننه (٣/ ٥٤٥) بعد سوقه لحديث جابر - ﵁ -.\n(٣) روي مسلم في صحيحه برقم (١٥١٣) كتاب البيوع باب بطلان بيع الحصاة والبيع =","vol":"1","page":635},{"text":"حبل الحبلة (١)، وعن بيع اللحم، لحيوان (٢).\n_________\n= الَّذي فيه غرر عن أبي هريرة - ﵁ - قال: \"نهى رسول الله -ﷺ - عن بيع الحصاة، وعن بيع الغرر)، ورواه الترمذي برقم (١٢٣٠) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٥١٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٧٦) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢١٩٤) كتاب التجارات، وأحمد برقم (٢٧٤٧)، ومالك برقم (١٢٧٠) كتاب البيوع، والدارمي برقم (٢٥٤٤).\nوقال الإمام النووي في شرحه على صحيح مسلم (١٠/ ١٥٦): (وأما النهي عن بيع الغرر، فهو أصل عظيم من أصول كتاب البيوع، ولهذا قدمه مسلم، ويدخل فيه مسائل كثيرة غير منحصرة، كبيع الآبق، والمعدوم، والمجهول، وما لا يقدر على تسليمه، وما لم يتم ملك البائع عليه، وبيع السمك في الماء الكثير، واللبن في الشرع، وبيع العمل في البطن، وبيع بعض الصبرة، وبيع ثوب من أثواب، وشاة من شياه، ونظائر ذلك، وكل هذا بيعه باطل).\n(١) روي البخاري برقم (٢١٤٣) كتاب البيوع باب بيع الغرر وحبل الحبلة، ومسلم برقم (١٥١٤) ٣/ ١١٥٣ كتاب البيوع باب تحريم بيع حبل الحبلة عن ابن عمر -﵄-: (أن رسول -ﷺ -: \"نهى عن بيع حبل الحبلة\" وكان بيعًا يتبايعه أهل الجاهلية، كان الرجل يبتاع الجزور إلى أن تنتج الناقة، ثم تنتج التي في بطنها)، وحبل الحبلة في الصحاح (٤/ ١٦٦٥) هو: نتاج النتاج، وولد الجنين، وهو الموافق لتفسير ابن عمر - ﵄ -، وقال النووي في شرح صحيح مسلم (١٠/ ١٥٧): (واتفق أهل اللغة على أن الحبل مختص بالآدميات، ويقال في غيرهن الحمل. . قال أبو عبيد: لا يقال لشيء من الحيوان حبل إلَّا ما جاء في هذا الحديث. . .)، وقد تعقبه الحافظ في الفتح (٤/ ٣٥٧).\nقلت: نقل صاحب الصحاح (٤/ ١٦٦٥) قولًا عن بعض أهل اللغة في أنَّه يقال حبلى في كل ذات ظفر، فيشمل حينئذ الآدمية وغيرها.\n(٢) حديث النهي عن بيع اللحم بالحيوان رواه مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٤)، والحاكم (٢/ ٣٥)، عن سعيد بن المسيب مرسلًا، ورواه الدارقطني في سننه (٣/ ٧٠) عن سهل بن سعد، وقال: \"تفرد به يزيد بن مروان عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه، وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا، ورواه البيهقي (٥/ ٢٩٦)، عن ابن المسيب: (أن النبي - ﷺ - نهى عن بيع اللحم بالحيوان) وقال: (هذا هو الصحيح، ورواه يزيد بن مروان الخلال عن مالك عن الزهري عن سهل بن سعد عن النبي - ﷺ - قلت: يزيد بن مروان الخلال، قال فيه ابن معين: كذاب، وقال أبو داود: ضعيف، وقال الدارقطني: ضعيف جدًّا، الجرح والتعديل (٩/ ٢٩١)، ضعفاء العقيلي (٤/ ٣٨٩)، لسان الميزان (٦/ ٢٩٣). =","vol":"1","page":636},{"text":"وعن عسب الفحل (١)، وعن بيع الرطب بالتمر (٢)، ورخص في العرايا من أجل الفقراء (٣)،\n_________\n= ورواه الشافعي في مسنده (ص ٢٥٠) قال: أخبرنا ابن أبي نجيح عن أبي صالح مولى التوأمة عن ابن عباس عن أبي بكر الصديق - ﵁ - أنَّه كره بيع اللحم بالحيوان، وإسناده لا بأس به.\nوقال الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٠): (وله شاهد من حديث ابن عمر رواه البزار، وفيه ثابت بن زهير وهو ضعيف، وأخرجه من رواية أبي أمية بن يعلى عن نافع أيضًا، وأبو أمية ضعيف، وله شاهد أقوى منه من رواية الحسن عن سمرة، وقد اختلف في صحة سماعه منه، أخرجه الحاكم والبيهقي وابن خزيمة).\nفتبين أن أصح ما فيه هو مرسل سعيد بن المسيب -﵀-، وقد قال الإمام أحمد فيما نقله عنه الخطيب البغدادي في الكفاية في علم الرواية (ص ٤٠٤): (مرسلات سعيد بن المسيب أصح المراسيل)، والحديث حسنه الشيخ ناصر الألباني في إرواء الغليل برقم (١٣٥١).\n(١) روي البخاري برقم (٢٢٨٤) كتاب الإجارة باب عسب الفحل عن ابن عمر - ﵄ - قال: \"نهى النبي - ﷺ - عن عسب الفحل)، والترمذي برقم (١٢٧٣) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٦٧١) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٤٢٩) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٤٦١٦) بلفظ: \"نهى عن ثمن عسب الفحل\".\nوعسب الفحل كما في الصحاح (١/ ١٨١): هو ضرابه، وقيل: ماؤه.\nوفي جواز إجارة الفحل خلاف بين أهل العلم، وذكر الحافظ في الفتح (٤/ ٤٦١) طرفًا من ذلك.\n(٢) رواه الترمذي برقم (١٢٢٥) كتاب البيوع، وقال: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي برقم (٤٥٤٥) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٦٠) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٢٢٦٤) كتاب التجارات، ومالك برقم (١٣١٦)، وأحمد برقم (١٥١٥)، وقال الشيخ أحمد شاكر: إسناده صحيح، ورواه الحاكم (٢/ ٣٨).\n(٣) روي البخاري برقم (٢٣٨٢) كتاب المساقاة باب الرجل يكون له ممر أو شرب في حائط أو في نخل. . .، ومسلم برقم (١٥٤١) ٣/ ١١٧١ كتاب البيوع باب تحريم بيع الرطب بالتمر إلَّا في العرايا، عن أبي هريرة - ﵁ - قال: (رخص النبي - ﷺ - في بيع العرايا بخرصها من الثمر فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) شك داود في ذلك، وداود هو ابن الحصين أحد رواة الحديث.\nقال في الصحاح (٦/ ٤٢٢٣): (العرية: النخلة يعريها صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل له ثمرها عامًا، فيعروها، أي يأتيها. . . وفي الحديث أنَّه رخص في العرايا بعد نهيه عن المزابنة، لأنه ربما تأذى المعري بدخوله عليه، فيحتاج أن يشتريها منه بثمن، فرخص له في ذلك). =","vol":"1","page":637},{"text":"وعن بيع المجر (١)، وعن بيع الكالئ بالكالئ) (٢).\nفهذه بيوع كثيرة عرف تفصيلها، ووجه الاحتراز منها، من مشهور الأحاديث، وجملة أحاديث النهي عن البيوع الفاسدة ثلاثة وخمسون حديثًا.\nوقد بوب العلماء على أكثرها، وأحسنوا التنبيه على ذلك، لئلا يكون\n_________\n= وقال الخرقي في مختصره: (العرايا التي أرخص فيها رسول الله - ﷺ - هو أن يوهب للإنسان من النخيل ما ليس فيه خمسة أوسق فيبيعها بخرصها من التمر لمن يأكلها راطبًا) المغاني (٤/ ١٩٦).\n(١) رواه البيهقي (٥/ ٣٤١)، وقال: تفرد به موسي بن عبيدة، وضعف بسببه، وتعقبه الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ١٦) بأن قوله تفرد به معترض بما أخرجه عبد الرزاق عن الأسلمي عن عبد الله بن دينار، لكن الأسلمي أضعف من موسى عند الجمهور.\nومعنى المجر كما ذكر البيهقي: أن يباع البعير أو غيره بما في بطن الناقة، وقال في النهاية (٤/ ٢٩٨)، والصحاح (٢/ ٨١١) مثل ذلك.\n(٢) قال مالك في الموطأ (٢/ ٦٥٩): (الكالئ بالكالئ أن يبيع الرجل دينًا له على رجل بدين علي رجل آخر)، وقال ابن الأثير في النهاية (٤/ ١٩٤): \"نهى عن بيع الكالئ بالكالئ أي النسيئة بالنسيئة، ذلك أن يشتري الرجل شيئًا إلى أجل، فإذا حل الأجل لم يجد ما يقضي به، فيقول: بعنيه إلى أجل آخر بزيادة شيء، فيبيعه منه، ولا يجري بينهما تقابض).\nورواه الطحاوي في شرح معاني الآثار (٤/ ٢١)، والدارقطني في سننه (٣/ ٧١)، والحاكم (٢/ ٥٧)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي، وابن عدي في الكامل (٦/ ٣٣٣)، وأعله البيهقي بعلة نقلها عنه الحافظ في تلخيص الحبير (٣/ ٢٦) حيث ورد في سند الحديث موسى بن عقبة، والصواب هو موسى بن عبيدة الربذي، ونقل عن الإمام أحمد قوله عن موسى بن عبيدة هذا: لا تحل عندي الرواية عنه، ولا أعرف هذا الحديث عن غيره، وقال أيضًا: ليس في هذا حديث يصح، لكن إجماع الناس على أنَّه لا يجوز بيع دين بدين.\nقلت: موسى بن عبيدة سبق فيه ما نقله الحافظ عن الإمام أحمد، وقد قال فيه أيضًا: منكر الحديث، وقال أبو حاتم مثل ذلك، وضعفه علي بن المديني والنسائي، وقال فيه يحيى بن معين: ليس بشيء، الجرح والتعديل (٨/ ١٥١)، التاريخ الكبير (٧/ ٢٩١)، الضعفاء للعقيلي (٤/ ١٦٠)، تهذيب الكمال (٢٩/ ١٠٤)، وذكره صاحب الكشف الحثيث لمن رمي بوضع الحديث (٢٦٤).\nفالحديث ضعيف جدًا من أجل موسى بن عبيدة.","vol":"1","page":638},{"text":"للآكل حجة إذا أخذ الحرام، وسماه بغير اسمه، واحتج لغلبة هواه، ورغبته في تثمير المال بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥]، ولا يعلم أن من العلم جهلًا، وهو: أن يتكلف العالم الكلام فيما لا يعلم تأويله، ولا يعرف صحته، فينسب إلى الجهل مع علمه بفنون من العلم.\nقيل لعفان بن مسلم (١)، وقد سئل في حضرة الخليفة مسألة فقال: لا أعلم.\nفقيل له: أيصرف إليك من بيت المال في كل شهر ألف درهم، وأنت لا تعلم! ! فقال: إنما آخذ على ما أعلم، وإلا فلو أخذت على ما لا أعلم لفني بيت المال، قبل أن يفنى ما لا أعلم (٢).\nفمن العلم جهلًا، ومن القول عيلًا، وهو أن تقبل بحديثك على من لا يسمعه، وتخص به من لا يفهمه (٣).\n_________\n(١) هو عفان بن مسلم بن عبد الله، قال عنه الإمام الذهبي: (الإمام الحافظ محدث العراق أبو عثمان الصفار بقية الأعلام)، من كبار المحدثين، كان له موقف عظيم في محنة القول بخلق القرآن، وهو أول من امتحن من العلماء، وهدد بقطع جرايته من بيت المال -وقطعت فيما بعد- وأهل بيته كثير، فلم يجب إلَّا بقول الحق ﵎ في محكم التنزيل: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ [الذاريات: ٢٢]، وكان الإمام أحمد يعرف له هذا، ويجله من أجل موقفه في المحنة، وكان عفان غاية في الحفظ والضبط والإتقان، ومات سنة ٢٢٠ هـ، كما نص عليه البخاري.\nالتاريخ الصغير (٢/ ٣٤٢)، الجرح والتعديل (٧/ ٣٠)، تاريخ بغداد (١٢/ ٢٩٦)، سير أعلام النبلاء (١٠/ ٢٤٢)، شذرات الذهب (٣/ ٩٦).\n(٢) هذه القصة مشهورة عن إبراهيم بن طهمان عالم خراسان (المتوفي سنة ١٦٨ هـ)، وذكر مرة عند الإمام أحمد وكان متكئًا من علة، فجلس وقال: لا ينبغي أن يذكر الصالحون فيتكأ، ولم أجدها في ترجمة عفان بن مسلم، فيما بحثت فيه من مصادر، وممن ذكر هذه القصة عن إبراهيم بن طهمان، الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (٦/ ١٥٠)، والمزي في تهذيب الكمال (٢/ ١٠٨)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (١/ ٢١٣)، وسير أعلام النبلاء (٧/ ٣٨٢).\n(٣) قال في القاموسي المحيط (١٣٤٠): (العيل محركة: عرضك حديثك وكلامك على من لا يريده، وليس من شأنه، كأنه لم يهتد لمن يريده، فعرضه على من لا يريده).","vol":"1","page":639},{"text":"ومن البيوع فاسد، لا يحل ربحه، ولا يصح العقد فيه.\nوللعلماء من التصانيف الجليلة في البيوع ما بيّن الحالي من العاطل (١)، وأوضح الحق من الباطل، وليس هذا مما يستغني عنه العوام، بل هو مما لا يسعهم جهله، ولا يعذر التجار في التساهل في حفظه.\nفقد قال قتادة (٢) في قوله تعالى: ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: ٣٧] الآية قال: (ليس هو أنَّه لم يكن لهم معايش، وأسباب، وتجارة وأعمال، بل كانت عامة أقواتهم من التجارة، والصناعة) (٣).\nوكان فيهم أعني: الأنصار، من يعيش من عمل النخيل، والتصدي لازدراع ونحوه.\nوقد جاء في الصحيح: (ما من مسلم يزرع زرعًا، أو يغرس غرسًا،\n_________\n(١) الحالي: اسم فاعل من الحلي، قال صاحب القاموس المحيط (١٦٤٧): (الحلي بالفتح: ما يزين به من مصوغ المعدنيات أو الحجارة، جمعه حلي).\nوالعاطل قال في القاموس (١٣٣٥): (عطلت المرأة. . . وتعطلت: إذا لم يكن عليها حلي، فهي عاطل وعطل).\n(٢) هو قتادة بن دعامة بن قتادة السدوسي البصري الضرير، قال عنه الذهبي: (حافظ العصر، قدوة المفسرين والمحدثين)، أرسل عن عمران بن الحصين، وأبي هريرة، وروي عن أنس بن مالك، وعبد الله بن سرجس، وأبي الطفيل الكناني، وسعيد بن المسيب، والحسن البصري، وأبي العالية وعكرمة مولى ابن عباس، كان من أوعية العلم، وممن يضرب به المثل في قوة الحفظ، لكنه مدلس، وإذا صرح بالسماع فحديثه حجة بالإجماع، ونقل عنه أنَّه كان يقول بالقدر، وكان إمامًا في اللغة والأنساب وأيام العرب، وله في التفسير اليد الطولى، فهو من أئمته وعلمائه الكبار، مات ﵀ سنة ١١٧ هـ.\nالجرح والتعديل (٧/ ١٣٣)، الأنساب للسمعاني (٣/ ٢٣٥)، وفيات الأعيان (٤/ ٨٥)، سير أعلام النبلاء (٥/ ٢٦٩)، طبقات المفسرين (٢/ ٤٣)، البداية والنهاية (٩/ ٣٢٥)، شاذرات الذهب (٢/ ٨٠).\n(٣) لم أجد هذا القول، وسيورد المصنف لقتادة قولًا قريبًا من هذا بعد قليل إن شاء الله.","vol":"1","page":640},{"text":"فيأكل منه طير، أو سبع، أو حيوان، إلَّا كان له صدقة) (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-284>[اهتمام الصحابة رضوان الله عليهم بفقه الحلال والحرام]</span>\nولا خلاف أن الصحابة كانت لهم أسباب ومعائش شتى، مع كثرة اشتغالهم بالغزو، الَّذي هو من أشد الأعمال على النفوس، وكان تورعهم واجتهادهم وفقههم الَّذي يتدارسونه بينهم معرفة الحلال والحرام، في المآكل، والمشارب، والملابس، والمساكن، والمناكح، ونحو ذلك، وكانوا يرجعون في ذلك كله إلى الكتاب والسنة، ويستفتون رسول الله - ﷺ - في حال حياته، ويسأل بعضهم بعضًا عن سنته بعد وفاته، حتى حفظ عنهم في باب المعاملات ما قطع حجة كل أفاك أثيم، وعرف من شعارهم ما لو تمسكنا به لم نعدل عن النهج القويم، ومن يعتصم بالله فقد هدي إلى صراط مستقيم.\nباع عثمان بن عفان - ﵁ - طعامًا، فجاء فاستفتى النبي - ﷺ - في الرجل يبيع الطعام، أجرة الكيل على البائع، أم على المشتري، فأفتاه أنها على البائع (٢).\n_________\n(١) رواه البخاري برقم (٢٣٢٠) كتاب المزارعة باب فضل الزرع والغرس إذا أكل منه، ومسلم برقم (١٥٥٣) ٣/ ١١٨٩ كتاب المساقاة باب فضل الغرس والزرع، والترمذي برقم (١٣٨٢) كتاب الأحكام، وأحمد برقم (١٢٠٣٨).\n(٢) لم أجد هذا الحديث فيما بحثت عنه من مصادر حديثية، غير أن الإمام البخاري في جامعه الصحيح (٢/ ٩٦) بوب بابًا قال له: باب الكيل على البائع والمعطي. . إلى أن قال: ويذكر عن عثمان - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال له: \"إذا بعت فكل، وإذا بعت فاكتل\".\nوقال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٢) شارحًا ما ذكره البخاري آنفًا: (أي مؤنة الكيل على المعطي بائعًا كان أو موفي دين أو غير ذلك. . . وهو قول فقهاء الأنصار. .).\nقلت: وحديت عثمان أخرجه أحمد برقم (٤٤٤)، والبخاري في التاريخ الكبير (٨/ ١٨)، والطحاوي في شرح معانى الآثار (٤/ ١٦)، والدارقطني في سننه (٣/ ٨)، والبيهقي في سننه (٥/ ٣١٥).\nوالحديث من رواية منقذ مولى ابن سراقة عن عثمان - ﵁ -، ومنقذ مجهول الحال كما قال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٤٤)، وروي الحديث أيضًا من رواية عبد الله بن لهيعة عن موسى بن وردان عن سعيد بن المسيب عن عثمان - ﵁ -، وقال الحافظ =","vol":"1","page":641},{"text":"وجاء رجل يوم خيبر، فقال: (يا رسول الله، ما ربح أحد من أهل الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية من الذهب، أو قال من الفضة) رواه أبو داود (١).\nوقد خرَّج البخاري في باب من لم يبال من أين يكسب المال، عن أبي سعيد المقبري عن أبي هريرة يرفعه إلى النبي - ﷺ -: \"يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء من أين أخذ المال، من حرام، أم من حلال (٢).\nوفي باب التجارة في البز (٣) وغيره قال قتادة: (كان القوم يتبايعون، ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة، ولا بيع\n_________\n= في الفتح (٤/ ٣٤٥) معقبًا على هذه الطريق: (وفيه ابن لهيعة، ولكنه من قديم حديثه، لأن ابن عبد الحكم أورده في (فتوح مصر) من طريق الليث عنه)، وقد أشار قبله الحافظ البيهقي (٥/ ٣١٥) إلى أن هذا الحديث قد رواه عن ابن لهيعة عبد الله ابن المبارك، ومعلوم أن رواية ابن المبارك عنه كانت قبل الاختلاط.\nومراد المصنف رحمه الله تعالى من ذكر قصة عثمان - ﵁ - الاستدلال على ما ذكره من هدي الصحابة - ﵃ - أجمعين، من سؤالهم النبي - ﷺ - عن كل ما يشكل عليهم في البيع والمعاملات، وأما استدلاله على سؤال الصحابة لبعضهم بعضًا عن سنته - ﷺ - بعد وفاته، فبذكر حديث زيد بن أرقم والبراء بن عازب الَّذي يأتي قريبًا -إن شاء الله- في الصرف.\n(١) رواه أبو داود برقم (٢٧٨٥) كتاب الجهاد، والبيهقي في سننه (٦/ ٣٣٢)، ورواته كلهم ثقات غير عبد الله بن سليمان راوي الحديث عن الصحابي صاحب القصة، فإنه مجهول كما قال الحافظ في التقريب (٣٧١)، والحديث ذكره الشيخ الألبانى في كتابه ضعيف أبي داود برقم (٩٥٣).\n(٢) رواه البخاري برقم (٢٠٥٩)، كتاب البيوع باب من لم يبال من حيث كسب المال، والنسائي برقم (٤٤٥٤) كتاب البيوع، والدارمي برقم (٢٥٣٦) كتاب البيوع، وأحمد برقم (٢٥٣٦).\n(٣) في نسخة الأصل: في البحر، والصحيح ما أثبتناه موافقة لما في الصحيح، وهو الباب الَّذي ذكر قول قتادة بعده، وقد مر معنا في المثبت من المطبوع من الصحيح (٢/ ٧٧) بالزاي، وهو باب التجارة في البز وغيره، ولقول الحافظ في الفتح (٤/ ٢٩٧): (واختلف في ضبط البز، فالأكثر على أنَّه بالزاي، وليس في الحديث ما يدل عليه بخصوصه. . . وصوب ابن عساكر أنَّه بالراء، وهو أليق بمؤاخاة الترجمة التي بعد هذه باب، وهو التجارة في البحر\".","vol":"1","page":642},{"text":"عن ذكر الله، حتَّى يؤدونه إلى الله) (١).\nوفيه عن عمرو بن دينار عن أبي المنهال قال: كنت أتجر في الصرف (٢)، قال: قالت زيد بن أرقم فقال: كنت أنا والبراء بن عازب تاجرين في الصرف على عهد رسول الله - ﷺ -، فسألناه في الصرف فقال: \"إن كان يدًا بيد فلا بأس، وإن كان إلى أجل لا يصلح\" (٣).\n_________\n(١) قال البخاري في جامعه الصحيح (٢/ ٧٧) في كتاب البيوع باب التجارة في البز وغيره: (قال قتادة: كان القوم يتبايعون ويتجرون، ولكنهم إذا نابهم حق من حقوق الله، لم تلههم تجارة ولا بيع عن ذكر الله حتَّى يؤدوه إلى الله).\nوقال الحافظ في الفتح (٤/ ٢٩٧) عن أثر قتادة: (لم أقف عليه موصلًا عنه، وقد وقع لي من كلام ابن عمر أخرجه عبد الرزاق عنه أنَّه كان في السوق، فأقيمت الصلاة، فأغلقوا حوانيتهما ودخلوا المسجد، فقال ابن عمر: فيم نزلت فذكر الآية، وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن مسعود نحوه، وفي الحلية عن سفيان الثوري: كانوا يتبايعون ولا يدعون الصلوات المكتوبات في الجماعة).\nقلت: قد روى الطبراني في المعجم الكبير (٩/ ٢٢٢) عن ابن مسعود - ﵁ - أنَّه رأى ناسًا من أهل السوق سمعوا الأذان، فتركوا أمتعتهم، وقاموا إلى الصلاة، فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم ﴿رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾ وقال محققه: قال في المجمع (٧/ ٨٣): وفيه راو لم يسم، وبقية رجاله رجال الصحيح.\nوروى الحاكم في المستدرك (٢/ ٣٩٨) عن عكرمة عن ابن عباس - ﵄ -: كانوا أتجر الناس وأبيعهم، ولكن لم تكن تلهيهم تجارتهم ولا بيعهم عن ذكر الله، وصححه، ووافقه الذهبي.\n(٢) معنى الصرف في المال لغة كما في القاموس المحيط (١٠٦٨)، (فضل بعضه على بعض في القيمة)، وأما عند الفقهاء فيعرفه ابن عابدين بقوله في حاشيته (٤/ ٣٣٤): (بيع الثمن بالثمن، جنسًا بجنس، أو بغير جنس)، ويقول ابن قدامة في المغني (٤/ ١٩٢): \"الصرف بيع الأثمان بعضها ببعض، والقبض في المجلس شرط لصحته بغير خلاف\".\n(٣) رواه البخاري برقمي (٢٠٦٠)، (٢٠٦١) كتاب البيوع باب التجارة في البز وغيره، ومسلم بنحوه برقم (١٥٨٩) ٣/ ١٢١٢ كتاب البيوع باب النهي عن بيع الورق بالذهب دينًا، والنسائي برقم (٤٥٧٦) كتاب البيوع، وفي سننه الكبرى (٤/ ٣١)، وأحمد برقم (١٩٣٣٦)، والدارقطني في سننه (٣/ ١٧)، والبيهقي في سننه (٥/ ٢٨٠).","vol":"1","page":643},{"text":"وروى الشعبي عن النعمان بن بشير يرفعه إلى النبي - ﷺ -: \"الحلال بين، والحرام بين، وبينهما أمور مشتبهة، فمن ترك ما اشتبه عليه من الإثم كان لما استبان أترك، ومن اجترأ [على] ما يشك فيه [من الإثم]، أوشك أن يواقع ما استبان، والمعاصي حمى الله، من يرتع حول الحمى يوشك أن يواقعه\" (١).\nوعن عقبة بن الحارث (٢): (أن امرأة دخلت عليه، فأخبرته أنها أرضعت امرأته، الحديث، وفيه: فكيف وقد قيل! !) (٣).\nوقد روي مرفوعًا إلى النبي - ﷺ -: \"غبن المسترسل ربا\" (٤)،\n_________\n(١) هذا حديث عظيم، وأصل كبير من أصول الدين الإسلامي، وقد رواه بهذا اللفظ البخاري في صحيحه برقم (٢٠٥١) كتاب البيوع باب الحلال بين، والحرام بين، وبينهما مشتبهات، ورواه بنحوه الإمام أحمد برقم (١٧٩١٧)، وقد رواه البخاري بلفظ قريب من هذا برقم (٥٢) كتاب الإيمان باب فضل من استبرأ لدينه، ورواه مسلم برقم (٥١٩٩) ٣/ ١٢١٩ كتاب المساقاة باب أخذ الحلال وترك الشبهات، والترمذي برقم (١٢٠٥) كتاب البيوع، والنسائي برقم (٤٤٥٣) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٢٠٥١) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٣٩٨٤) كتاب الفتن، وأحمد برقم (٢٧٦٣٨)، والدارمي برقم (٢٥٣١) كتاب البيوع.\n(٢) في نسخة الأصل: عقبة بن عامر، وما أثبتناه هو الَّذي يوافق ما في الصحيح والروايات الأخرى، وهو ما ذكره الإمام أبو عمر ابن عبد البر في الاستيعاب (٣/ ١٠٧) على هامش الإصابة.\n(٣) رواه البخاري برقم (٨٨) كتاب العلم باب الرحلة في المسألة النازلة وتعليم أهله، ورواه أيضًا برقم (٢٠٥٢) كتاب البيع باب ما يتنزه من الشبهات، والترمذي برقم (١١٥١) كتاب الرضاع، والنسائي برقم (٣٣٣٠) كتاب النِّكَاح، وأبو داود برقم (٣٦٠٣) كتاب الأقضية، والدارمي برقم (٢٢٥٥) كتاب النكاح، وأحمد برقم (١٥٧١٦).\nولفظ البخاري كما في كتاب العلم: عن عبد الله بن أبي مليكة عن عقبة بن الحارث أنَّه تزوج ابنة لأبي إهاب بن عزيز، فأتته امرأة فقالت: إني قد أرضعت عقبة والتي تزوج، فقال لها عقبة: ما أعلم أنك أرضعتني، ولا أخبرتني، فركب إلى رسول الله - ﷺ - بالمدينة، فسأله فقال رسول الله - ﷺ -: كيف وقد قيل؟ ففارقها عقبة ونكحت زوجًا غيره.\n(٤) رواه ابن عدي في الكامل (٦/ ٣٤٠)، وقال عن متنه: منكر، ورواه البيهقي (٥/ ٣٨٤) عن موسى بن عمير عن مكحول عن أبي أمامة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من استرسل إلى مؤمن فغبنه كان غبنه ذلك ربا\"، وقال بعد أن رواه: \"موسى بن =","vol":"1","page":644},{"text":"والمسترسل: الَّذي لا يماكس، بل يقول: خذ أعطني (١)، فيرجع في بيعه إلى قيمة المثل، أو يكسب عليه القدر المعارف من غير شطط، ولا جور.\nوكيف يصح أن الدنيا ملعونة، وليس من رزق، ولا من نعمة، ينالها العبد إلَّا على ظهرها.\nوقد قال تعالى: ﴿فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ﴾ [الملك: ١٥]، وإنما يذم منها حرام من غير وجهه، أو حلال على سبيل التكاثر والتفاخر، وما يقتنى قصد المباهاة والمماراة، فذلك الَّذي هو ممقوت عند ذوي الألباب (٢).\n_________\n= عمر القرشي هذا تكلموا فيه، وقال أبو أحمد بن عدي الحافظ: موسى بن عمير عامة ما يرويه مما لا يتابعه الثقات عليه\"، ثم قال: (وقد روي معناه عن يعيش بن هشام القرقيساني عن مالك، واختلف عليه في إسناده، وهو أضعف من هذا).\nورواه أيضًا من طريق يعيش بن هشام -كما أشار- عن مالك عن الزهري عن أنس - ﵁ -، ومن طريق يعيش أيضًا عن مالك عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي - ﵁ -، ورواه بمثله لكن عن جابر - ﵁ -.\nورواه الطبراني في المعجم الكبير (٨/ ١٢٦) بلفظ: (غبن المسترسل حرام).\nوقال الحافظ العراقى في تخريج كتاب الإحياء (٢/ ٩٠): (أخرجه الطبراني من حديث أبي أمامة بسند ضعيف، والبيهقي من حديث جابر بسند جيد. . .).\nفالحديث يدور على رجلين ضعيفين جدًّا، بل متروكين، هما موسى بن عمير القرشي، ويعيش بن هشام، فلا يصح البتة، وقد ضعفه الشيخ الألباني في ضعيف الجامع الصغير برقم (٣٩٠٨)، وقال عنه في سلسلته الضعيفة برقم (٦٦٨): باطل، وتعقب الحافظ العراقي في قوله: والبيهقي من حديث جابر بسند جيد.\n(١) قال ابن قدامة -﵀- في المغني (٤/ ٩٣): (قال أحمد: المسترسل الَّذي لا يحسن يماكس، وفي لفظ: الَّذي لا يماكس).\n(٢) قول المصنف: وكيف يصح أن الدنيا ملعونة. . . يحمل على أحد معنيين:\nالأول: أن الأحاديث في هذا الباب لم تصح عنده، فالنفي هنا على حقيقته.\nوالثاني: أن المقصود عنده هو نفي لعن الدنيا بإطلاق، ويؤيد هذا الاحتمال تفصيله بعد ذلك فيما يحمد ويذم منها.\nوقد جاءت عدة أحاديث بلفظ: (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها، إلَّا ذكر الله وما والاه، أو عالمًا أو متعلمًا) وفي بعضها: (إلَّا ما ابتغي به وجه الله - ﷿ -) وفي بعضها الآخر: (إلا ما كان منها لله - ﷿ -) وورد: \"إلا أمرًا بمعروف أو نهيًا عن منكر أو ذكر الله)، وقد روى الوجه الأول منه الترمذي برقم (٢٣٢٢) في كتاب الزهد، وقال: هذا حديث حسن غريب، وابن ماجة برقم (٤١١٢) كتاب الزهد، والدارمي =","vol":"1","page":645},{"text":"وقد جاء رجل يوم خيبر فقال: (يا رسول الله ما ربح أحد من أهل هذا الوادي ما ربحت اليوم، ما زلت أبيع وأشتري حتَّى ربحت ثلاثمائة أوقية) (١).\nوقد بعث النبي - ﷺ - عروة براي أبي الجعد البارقي، يشتري له شاة بدينار، فاشتري شاتين بدينار، ثم رجع التي النبي - ﷺ - بشاة ودينار، وقال: (إني اشتريت شاتين بدينار، فبعت إحداهما بدينار، وهذه شاة ودينار)، فقال له النبي - ﷺ -: \"أربح الله بيعك\" رواه البخاري.\nوفيه: (وكان عروة البارقي لو اتجر في التراب لربح) (٢).\nوكان أبو بكر الصديق - ﵁ - تاجرًا (٣).\n_________\n= برقم (٣٢٤) في المقدمة عن كعب الأحبار، والحديث حسنه الشيخ ناصر الدين الألباني في كتابه صحيح سنن ابن ماجة برقم (٣٣٢٠).\n(١) تقدم تخريج هذا الحديث ص ٦٤٢.\n(٢) رواه البخاري برقم (٣٦٤٣) كتاب المناقب، والترمذي برقم (١٢٥٨) كتاب البيوع، وأبو داود برقم (٣٣٨٤) كتاب البيوع، وابن ماجة برقم (٣٤٠٢).\n(٣) هذا أمر مشهور من سيرة الصديق - ﵁ - في الجاهلية والإسلام، فقد ذكر الذهبي في كتابه سير الخلفاء الراشدين من سير أعلام النبلاء (٨) عن عروة بن الزبير أنَّه قال: (أسلم أبو بكر يوم أسلم، وله أربعون ألف دينار).\nوروي البخاري برقم (٢٠٧٠) كتاب البيوع باب كسب الرجال وعمله بيده عن عائشة قالت: (لما استخلف أبو بكر الصديق قال: لقد علم قومي أن حرفتي لم تكن تعجز عن مؤنة أهلي، وشغلت بأمر المسلمين، فسيأكل آل أبي بكر من هذا المال، وأحترف للمسلمين فيه).\nوروي ابن سعد (٣/ ١٨٢) بإسناد مرسل رجاله ثقات -كما قال الحافظ في الفتح (٤/ ٣٠٥) - قال: (لما استخلف أبو بكر أصبح غاديًا إلى السوق، على رأسه أثواب يتجر بها، فلقيه عمر بن الخطاب وأبو عبيدة بن الجراح، فقال: كيفت تصنع هذا وقد وليت أمر المسلمين؟ قال: فمن أين أطعم عيالي؟ قالوا: نفرض لك، ففرضوا له كل يوم شطر شاة).\nوروي ابن سعد أيضًا (٣/ ١٨٣) قال: (لما استخلف أبو بكر جعلوا له ألفين، قال: زيدوني فإن لي عيالًا، وقد شغلتموني عن التجارة، فزادوه خمسمائة)، وسنده صحيح كما ذكر الحافظ في تلخيص الحبير (٤/ ١٩٤).\nوقد كانت تجارته وماله كل ذلك في سبيل الله، وفي نصرة رسول الله - ﷺ -.\nولقد قال - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر رواه الترمذي برقم (٣٦٦١) كتاب المناقب، وابن ماجة برقم (٩٤) في =","vol":"1","page":646},{"text":"وقد روى أهل العلم بأحوال الصحابة وأيام الناس، أن الزبير - ﵁ - مات وعليه ثمانون ألف دينار، فقضيت من تركته، ثم كان الثمن من تركته بعد ذلك ستين ألف دينار، وكان مما ترك من كراع وسلاح وأثاث ألف فرس (١).\nوقد عاد رسول الله - ﷺ - رجلًا وهو ممن شهد بدرًا وفتح خيبر فقال: يا رسول الله إنك زوجتني فلانة ولم أسم لها مهرًا وإني قد جعلت لها من ذلك سهمي الَّذي بخيبر فأجاز ذلك رسول الله - ﷺ - فباعته بمائة ألف، خرجته العلماء في كتب الأحكام\"، واتسع الإسلام في زمن عمر - ﵁ -، وفشى\n_________\n= المقدمة، وأحمد برقم (٧٣٩٧)، فرضي الله عن الصديق وعن الصحابة أجمعين، (١) روي البخاري في صحيحه برقم (٣١٢٩) كتاب فرض الخمس باب بركة الغازي في ماله حيًا وميتًا، مع النبي - ﷺ - وولاة الأمر عن عبد الله بن الزبير قصة وصية الزبير لابنه عبد الله في وقعة الجمل من أجل قضاء دينه، وفيه أن دينه قد بلغ ألفي ألف ومائتي ألف درهم، (أي مليونين ومائتي ألف درهم) وأنه باع أرضًا لأبيه تدعى الغابة، وقضى دين أبيه، وما أوصى به، وكان للزبير أربع نسوة، فأصاب كل واحدة منهن ألف ومائتا ألف، (أي مليون ومائتا ألف).\nويقتضي على هذا التقسيم أن يكون مال الزبير - ﵁ - قد بلغ كله خمسين ألف ألف ومائتا ألف، (أي خمسين مليونًا ومائتا ألف) كما قال الذهبي في السير (١/ ٦٧)، أو يكون قد بلغ تسعة وخمسين ألف ألف وثمانمائة ألف، (أي تسعة وخمسين مليونًا وثمانمائة ألف) كما قال ابن كثير في البداية (٧/ ٢٦١)، وقد تولي الحافظ -﵀- في الفتح (٦/ ٢٣٢) الإجابة عن اختلاف الأرقام في تقدير تركة الزبير - ﵁ -.\nومراد المصنف هنا أن الصحابة لم يمنعهم زهدهم في الدنيا من المشي في مناكب الأرض، وتحصيل أسباب الرزق والمعائش، ولكن كانت هذه الأموال العظيمة والثروات الهائلة تنفق في سبيل الله، فقد روى أبو نعيم في الحلي: (١/ ٩٠)، والبيهقي في سننه (٨/ ٩) عن مغيث بن سمي قال: (كان للزبير ألف مملوك يؤدون إليه الخراج، ما يدخل بيته من خراجهم شيئًا)، وسنده حسن، ومغيث لم يلق الزبير، لكنه لقي ابنه عبد الله وروى عنه.\nوالشاهد من هذا إنفاق الزبير - ﵁ - خراج هؤلاء المماليك في سبيل الله، وهكذا كان أثرياء الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين كعثمان وطلحة وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم.\n(١) رواه أبو داود برقم (٢١١٧) كتاب النكاح، ورواه ابن حبان في صحيحه برقم (٤٠٧٢) وقال محققه: إسناده صحيح، ورواه الحاكم في المستدرك (٢/ ١٩٨) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه ووافقه الذهبي، ورواه البيهقي في السنن الكبرى =","vol":"1","page":647},{"text":"المال حتَّى تحدث أن نخلة بيعت بألف واشترى علي فيه فرسًا بمائة ناقة.\nوقد قال حاتم الأصم (١): (من اكتفى بتحسين المقال دون التفقه والعمل به تزندق، ومن عمل بغير علم وقع في البدع، ومن تفقه ولم ينشر العلم ولم ير العمل به من شرطه فسق، ومن تفنن في الأبواب كلها تخلص) (٢).\nفما وجدناه من كتاب الله تعالى، وعن رسول الله - ﷺ -، أو عن جميع أصحابه الطاهرين ﵃ أجمعين، أخذناه باليدين، وعضضنا عليه بالناجذين (٣)، وتمسكنا به حتَّى نلقى الله به معتصمين، وما لم نجده في هذه الأنوار الساطعة، والطرق المأمونة، والسبيل المضمونة المقطوع على أنها حق عند الله تعالى نفرنا منه ولم نجسر عليه ووليناه من تولاه وحسبنا الله ونعم الوكيل.\nوصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه تسليمًا كثيرًا إلى يوم الدين# (٤).\n_________\n= (٧/ ٢٣٢) والحديث ذكره الشيخ الألباني ﵀ في كتاب صحيح أبي داود برقم (١٨٥٩).\n(١) هو حاتم بن عنوان بن يوسف البلخي، نعته الذهبي بقوله: (الزاهد القدوة الرباني. . . الواعظ الناطق بالحكمة. . له كلام جليل في الزهد والمواعظ والحكم، كان يقال له: لقمان هذه الأمة)، وهو أحد الذين صحبوا شقيقًا البلخي، وذكر أنَّه اجتمع بالإمام أحمد ﵀ ببغداد، وأن الإمام سأله عن أشياء، ومات ﵀ سنة ٢٣٧ هـ.\nالجرح والتعديل (٣/ ٢٦٠)، حلية الأولياء (٨/ ٧٣)، تاريخ بغداد (٨/ ٢٤١) سير أعلام النبلاء (١١/ ٤٨٤) شذرات الذهب (٣/ ١٦٨).\n(٢) هذا القول نسبه أبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء (١٠/ ٢٣٦) إلى أبي بكر محمد بن عمر الوراق البلخي، ولفظه كما ورد في الحلية: (من اكتفى بالكلام دون الزهد تزندق، ومن اكتفى بالزهد دون الكلام والفقه ابتدع، ومن اكتفى بالفقه دون الزهد والورع تفسق، ومن تفنن في هذه الأمور كلها تخلص).\n(٣) قال في الصحاح (٢/ ٥٧١): (الناجذ آخر الأضراس. . . ويسمى ضرس الحلم، لأنه ينبت بعد البلوغ وكمال العقل).\nوقال في القاموس المحيط (٤٣٢): (النواجذ أقصى الأضراس، وهي أربعة، أو هي الأنياب، أو التي تلي الأنياب، أو هي الأضراس كلها جمع ناجذ).\n(٤) ما بين العلامتين (#) أي من (ص ٥٧٩ - ص ٦٤٨) ساقط من النسخة المطبوعة للكتاب ومن نسخة المكتبة المحمودية، وهو ما انفردت به نسخة الأصل.\nوبذلك تم الكتاب ولله الحمد والمنة أولًا وأخيرًا وفي كل حين، وقد كتب في الحاشية: (بلغ مقابلة وتصحيحًا بحضور الشيخ أحمد صهر عبد الله الإسكندري، وهو المجلس الأخير، والله أعلم).","vol":"1","page":648},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-285>فهرس المصادر والمراجع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-286>حرف الألف</span>\n- الإبانة عن أصول الديانة: لأبي الحسن الأشعري، تحقيق د. فوقية حسين محمود، دار الأنصار القاهرة، ط ١، ١٣٩٧ هـ -١٩٧٧ م.\n- الإبانة الكبرى: لأبي عبد الله عبيد الله بن بطة العكبري، تحقيق د. رضا نعسان ط ٢، دار الراية الرياض ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م.\n- أبجد العلوم: لصديق حسن خان، دار الكب العلمية بيروت.\nالآحاد والمثاني: لابن أبي عاصم، تحقيق د. باسم الجوابرة، دار الراية، الرياض ١٤١١ هـ -١٩٩١ م.\n- إحصاء العلوم: لأبي نصر الفارابي، تحقيق د. عثمان أمين، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٥٠ هـ.\n- أحكام أهل الذمة: للإمام ابن قيم الجوزية، تحقيق يوسف بن أحمد البكري، وشاكر بن توفيق العارودي، ط ١، دار رمادي ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م.\n- أحكام الجراحة الطبية والآثار المترتبة عليها: الدكتور محمد بن محمد المختار الشنقطي، ط ٢، مكتبة الصحابة جدة ١٤١٥ هـ -١٩٩٤ م.\n- أحكام القرآن: للقاضي أبي بكر محمد بن عبد الله بن العربي، راجعه محمد عبد القادر عطا، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- أحوال النفس: لابن سينا، تحقيق د. أحمد فؤاد الأهواني، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة ١٣٧١ هـ -١٩٥٢ م.\n- إحياء علوم الدين: لأبي حامد الغزالي، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- الأدب المفرد: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، دار البشائر الإسلامية، بإشراف محمد فؤاد عبد الباقي، بيروت ١٤٠٩ هـ -١٩٨٩ م.\n- آراء المدينة الفاضلة: لأبي نصر الفارابي.\n- إرشاد الفحول: للإمام محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر.\n- إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٢، المكتب الإسلامية، بيروت ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":649},{"text":"- أسباب النزول: لعلي بن أحمد الواحدي، ط ١، بيروت، دار الفكر، ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.\n- الاستيعاب في أسماء الأصحاب: للحافظ أبي عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر، على حاشية الإصابة، دار الفكر، بيروت ١٣٩٧ هـ.\n- أسماء مؤلفات شيخ الإسلام ابن تيمية: للإمام ابن القيم الجوزية، تحقيق د. صلاح الدين المنجد، ط ٣، دار الكتاب الجديد، بيروت ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- الإشارات والتنبيهات: لابن سينا، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف، مصر ١٩٦٠ م.\n- الإصابة في تمييز أسماء الصحابة: للحافظ ابن حجر العسقلاني، بيروت، دار الفكر ١٣٩٧ هـ.\n- أصول الدين: لأبي منصور البغدادي، مطبعة الدولة، استانبول ١٣٤٦ هـ - ١٩٢٨ م.\n- أصول الحكمة الإشراقية د. محمد علي أبو ريان، مكتبة الأنجلو مصرية، القاهرة ١٩٧٧ م.\n- أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن: للشيخ محمد الأمين الشنقيطي، مكتبة ابن تيمية، القاهرة ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- الأعلام: لخير الدين الزركلي، ط ٢، دار العلم للملايين ١٩٨٩ م.\n- أعلام الحديث في شرح صحيح البخاري: للإمام الخطابي تحقيق د. محمد بن سعد بن عبد الرحمن آل سعود، ط ١، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.\n- الأعلام العلية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية: للزار، طبعة ملحقة بمقدمة الفتاوى الكبرى، دار الريان للتراث، القاهرة.\n- أعلام الموقعين: للإمام ابن القيم، تعليق طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت.\n- أعلام النساء في عالمي الرب والإسلام: لعمر رضا كحالة، ط ٣، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٣٩٧ هـ -١٩٧٧ م.\n- الأغاني: لأبي الفرج الأصفهاني، دار الفكر، بيروت ١٩٨١ م.\n- اقتضاء الصراط المستقيم: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت.\n- الأم: للإمام محمد بن إدريس الشافعي، دار الفكر، بيروت ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.","vol":"1","page":650},{"text":"- الإمتاع والمؤانسة: لأبي حيان التوحيدي، ط ٢، لجنة التأليف والترجمة والنشر، القاهرة.\n- الانتصار في الرد على المعتزلة القدرية الأشرار: للشيخ يحيى بن أبي الخير العمراني، تحقيق د. سعود الخلف، ط ١، مكتبة أضواء السلف، الرياض ١٤١٩ هـ - ١٩٩٩ م.\n- الانتصار والرد على ابن الراوندي الملحد: لعبد الرحيم بن محمد بن عثمان المعروف بابن الخياط المعتزلي، معهد الآداب الشرقية، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ١٩٥٧ م.\n- الأنساب: لعبد الكريم بن محمد السمعاني، تعليق عبد الله عمر البارودي، دار الجنان، ط ١، بيروت، ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف: لعلي بن سليمان المرداوي، تعليق محمد حامد الفقي، مطبعة السنة المحمدية، القاهرة، ١٣٧٥ هـ -١٩٥٦ م.\n- الأوسط في السنن والإجماع والاختلاف: للحافظ ابن المنذر، تحقيق د. صغير أحمد بن محمد حنيف، ط ٢، دار طيبة، الرياض ١٤١٤ هـ -١٩٩٣ م.\n- الإيمان: لأبي عبيد القاسم بن سلام، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي، دمشق ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- الإيمان: لأبي بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي، دمشق ١٤٠٣ هـ - ١٩٨٤ م.\n- الإيمان: لمحمد بن إسحاق بن مسنده، تحقيق د. علي بن ناصر فقيهي، الجامعة الإسلامية، المدينة المنورة ١٤٠٠ هـ - ١٩٨١ م.\n- الإيمان: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تعليق وتصحيح د. محمد خليل الهراس، دار الطباعة المحمدية، الأزهر، القاهرة.\n- الإيمان: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٥، المكتب الإسلامي، ١٤١٦ هـ -١٩٩٦ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-287>حرف الباء</span>\n- البحر الرائق شرح كنز الدقائق: لزين الدين ابن نجيم الحنفي، ط ٢، بيروت، دار المعرفة.\n- بحوث الندوة العالمية عن شيخ الإسلام ابن تيمية: إعداد: الدكتور عبد الرحمن الفريوائي، ط ٢، دار الصميعي، الرياض ١٤١٨ هـ -١٩٩٧ م.\n- بداية المجتهد ونهاية المقتصد: لمحمد بن أحمد بن رشد، دار المعرفة، بيروت، ط ٦، ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.","vol":"1","page":651},{"text":"- البداية والنهاية: للحافظ ابن كثير، تحقيق د. أحمد أبو ملحم وغيره، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n- بديعة البيان عن موت الأعيان: لابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق د. أكرم البوشي، ط ١، دار ابن الأسير، الكويت ١٤١٨ هـ.\n- البرهان في أصول الفقه: لإمام الحرمين، تحقيق د. عبد العظيم الديب، طبع على نفقة أمير دولة قطر الشيخ خليفة آل ثاني.\n- بلوغ المرام من أدلة الأحكام: للحافظ ابن حجر، تصحيح محمد حامد الفقي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-288>حرف التاء</span>\n- تاريخ الأمم والملوك: لابن جرير الطبري، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n- التاريخ الأوسط: للإمام البخاري، تحقيق د. محمد بن إبراهيم اللحيدان، ط ١، دار الصميعي، الرياض ١٤١٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- تاريخ بغداد: للخطيب الغدادي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- تاريخ جرجان: لحمزة بن يوسف الجرجاني، تحقيق د. محمد عبد المعين خان، عالم الكتب، بيروت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٤ م.\n- تاريخ الحكماء مختصر الزوزني من كتاب إخبار العلماء بأخبار الحكماء: مكتبة المثنى، بغداد.\n- التاريخ الصغير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق د. محمد زايد، ط ١، دار الوعي بحلب، ودار التراث بالقاهرة ١٣٩٧ هـ -١٩٧٧ م.\n- تاريخ الفرق الإسلامية: علي الغرابي، مكتبة محمد علي صبيح، مصر.\n- تاريخ الفلسفة الإسلامية: لأحمد أمين.\n- التاريخ الكبير: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، مراجعة السيد هاشم الندوي، دار الفكر، بيروت.\n- تاريخ المذاهب الإسلامية: لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة.\n- تأويل مختلف الحديث: لابن قتيبة، صححه محمد زهري النجار، دار الجيل، بيروت ١٣٩٣ هـ.\n- التبصير في معالم الدين: لأبي جعفر الطبري، تحقيق د. علي بن عبد العريز الشبل، ط ١، دار العاصمة، الرياض ١٤١٦ هـ - ١٩٩٦ م.\n- تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري: للحافظ ابن عساكر، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م.","vol":"1","page":652},{"text":"- تجديد ذكرى أبي العلاء: طه حسين.\n- تحرير تقريب التهذيب: بشار معروف، وشعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، ط ١، بيروت ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n- تحفة الأحوذي شرح جامع الترمذي: للمباركفوري، تصحيح عبد الوهاب عبد اللطيف، دار الفكر، بيروت.\n- التدمرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحيق د. محمد بن عودة السعوي، ط ١، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n- تذكرة الحفاظ، للإمام الذهبي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- تذكرة السامع والمتكلم في أدب العالم والمتعلم: لابن جماعة الكناني، تحقيق د. محمد هاشم الندوي، ط ٣، دار المعالي، الأردن - عمان، ١٤١٩ هـ - ١٩٩٨ م.\n- التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة: للحافظ القرطبي، تحقيق د. أحمد حجازي السقا، المكتبة العلمية، بيروت ١٤٠٢ هـ.\n- تراجم الأعيان المنظومين في بديعة الزمان: للحافظ ابن ناصر الدين، مخطوط، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث العلمي، رقم (١٧٦).\n- الترغيب والترهيب: لأبي القاسم إسماعيل بن محمد الأصبهاني، تحقيق د. محمد السعيد بن بسيوني زغلول، مؤسسة الخدمات الطباعية، بيروت.\n- الترغيب والترهيب: للحافظ زكي الدين عبد العظيم بن عبد القوي المنذري، تحقيق د. محمد محيي الدين عبد الحميد، ط ٢، ١٣٩٣ هـ.\n- التعريفات: لعلي بن محمد الجرجاني، الدار التونسية للنشر، ١٩٧١ م.\n- تعظيم قدر الصلاة: للإمام محمد بن نصر المروزي، تحقيق د. عبد الرحمن الفريوائي، ط ١، مكتبة الدار، المدينة المنورة ١٤٠٦ هـ.\n- تغليق التعليق: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق د. سعيد القزقي، ط ١، المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، الأردن، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n- تفسير الجلالين: للجلال المحلي، والجلال السيوطي، دار الفكر.\n- تفسير أبي السعود: (إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم): لأبي السعود محمد بن محمد العمادي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- تفسير القرآن العظيم: للحافظ ابن كثير، دار الفكر، بيروت ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n- التفكير الفلسفي في الإسلام: د. عبد الحليم محمود، ط ١، دار الكتاب اللبناني، بيروت ١٩٧٤ م.","vol":"1","page":653},{"text":"- تقريب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق د. محمد عوامة، ط ١، دار الرشيد، حلب، سوريا ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- تلخيص الحبير في تخريج أحاديث الرافعي الكبير: للحافظ ابن حجر العسقلاني، صححه عبد الله هاشم اليماني، شركة الطباعة الفنية المتحدة، القاهرة ١٣٨٤ هـ - ١٩٦٤ م.\n- تلخيص المستدرك: للحافظ الذهبي، مطبوع في ذيل المستدرك، دار المعرفة، بيروت.\n- تمهيد الأوائل وتلخيص الدلائل: لأبي بكر الباقلاني، تحقيق د. عماد الدين أحمد حيدر، ط ١، مؤسسة الكتب الثقافية، بيروت ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م.\n- التمهيد في أصول الفقه: لأبي الخطاب الكلوذاني، تحقيق د. مفيد أبو عمشة، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي، ط ١، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n- التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد: للحافظ ابن عبد البر، تحقيق د. سعيد أحمد عراب، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، المغرب ١٣٩٧ هـ.\n- التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع: لأبي الحسين محمد بن أحمد الملطي، تعليق محمد زاهد الكوثري، مكتبة المثنى، بغداد، مكتبة المعارف، بيروت ١٣٨٨ هـ - ١٩٦٨ م.\n- تنوير الحوالك شرح موطأ مالك: للحافظ جلال الدين السيوطي.\n- تهافت الفلاسفة: لأبي حامد الغزالي، تحقيق د. سليمان دنيا، ط ٤، دار المعارف، مصر.\n- تهذيب التهذيب: للحافظ ابن حجر العسقلاني، ط ١، دار الفكر، بيروت.\n- تهذيب الكمال: للحافظ جمال الدين يوسف بن عبد الرحمن المزي، تحقيق د. بشار عواد معروف، دار الرسالة، بيروت ١٩٨٠ م.\n- تهذيب اللغة: لأبي منصور الأزهري، تحقيق د. أحمد البردوني، الدار المصرية لتأليف والترجمة، القاهرة.\n- التوحيد: للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق د. محمد خليل هراس، دار الباز، مكة المكرمة ١٣٩٨ هـ.\n- التوحيد: لأبي منصور الماتريدي، تحقيق د. فتح الله خليف، دار الجامعات المصرية.\n- التوحيد: للإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب، ضمن رسائل الجامع الفريد.","vol":"1","page":654},{"text":"- تيسير العزيز الحميد: لشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب، ط ٦، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n- ابن تيمية: لمحمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، القاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-289>حرف الثاء</span>\n- الثقات: لابن حبان البستي، دار الفكر، بيروت ١٣٩٥ هـ -١٩٧٥ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-290>حرف الجيم</span>\n- جامع البيان والتأويل: لأبي جعفر الطبري، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، دار المعارف، مصر.\n- جامع العلوم والحكم في شرح خمسين حديثًا من جوامع الكلم: للحافظ ابن رجب الحنبلي، تحقيق د. شعيب الأرنؤوط، إبراهيم باجس، ط ٧، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤١٧ هـ.\n- الجامع لأحكام القرآن: للحافظ القرطبي، دار الفكر، بيروت ١٤١٥ هـ - ١٩٩٥ م.\n- الجبائيان أبو علي وأبو هاشم: علي فهمي خشيم، ط ١، دار مكتبة الفكر، طرابلس، ليبيا ١٩٦٨ م.\n- الجرح والتعديل، لابن أبي حاتم الرازي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- جلاء العينين في محاكمة الأحمدين: (أحمد بن حجر الهيتمي، وشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية): لخير الدين نعمان ابن الألوسي، مطبعة المدني، القاهرة، ط ١، ١٤٠١ هـ - ١٩٨١ م.\n- جمهرة أنساب العرب: لابن حزم الأندلسي، دار المعارف، مصر.\n- الجواب الصحيح لمن بدل دين المسيح، لشيخ الإسلام ابن تيمية، أشرف على طبعه علي صبح مدني، مطبعة المدني، القاهرة.\n- الجواهر المضية في طبقات الحنفية، لعبد القادر بن محمد القرشي، تحقيق د. عبد الفتاح الحلو، دار العلوم، الرياض ١٣٩٨ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-291>حرف الحاء</span>\n- حاشية ابن عابدين: لابن عابدين الدمشقي الحنفي، دار الفكر، بيروت، ١٣٨٦ هـ -١٩٦٦ م.\n- حاشية الدسوقي: للشيخ محمد الدسوقي المالكي، وهي على الشرح الكبير للدردير، المطبعة الأزهرية، القاهرة.\n- حاشية السندي على سنن النسائي: لنور الدين بن عبد الهادي السندي، مراجعة د. عبد الفتاح أبو غدة، مكتب المطبوعات الإسلامية، حلب، ١٤٠٦ - ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":655},{"text":"- الحاوي في الطب: لمحمد بن زكريا الطبيب.\n- الحجة في القراءات السبع: لابن خالويه، تحقيق د، عبد العال سالم مكرم، دار الشروق.\n- حلية الأولياء وطبقات الأصفياء: لأبي نعيم الأصفهاني، دار الكتب العلمية، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-292>حرف الخاء</span>\n- خزانة الأدب، لعبد القادر بن عمر البغدادي، ط ١، دار صادر، بيروت.\n- الخطط: للمقريزي، دار صادر، بيروت.\n- خلق أفعال العباد: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري، تحقيق د. بدر البدر، الدار السلفية، الكويت، ط ١، ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-293>حرف الدال</span>\n- درء تعارض العقل والنقل: شيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٩٨٠ م.\n- الدراري المضية: للإمام محمد بن علي الشوكاني، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م.\n- دراسات في الفرق: الصوفية، نشأتها وتطورها، محمد العبدة، وطارق عبد الحليم، ط ٢، مكتبة الكوثر، الرياض ١٤١٢ هـ -١٩٩١ م.\n- دراسات في الفلسفة الإسلامية: د. عبد اللطيف محمد العبد.\n- دراسات في الفلسفة الإسلامية: د. محمود قاسم، مكتبة الأنجلو المصرية، القاهرة، ط ١، ١٣٨٥ هـ - ١٩٦٦ م.\n- الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة: للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعارف العثمانية، الهند، ط ٢، ١٣٩٥ هـ -١٩٧٥ م.\n- الدر المنثور في التفسير المأثور: جلال الدين السيوطي، دار الفكر، بيروت ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- الدرة فيما يجب اعتقاده: للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي، تحقيق د، أحمد بن ناصر الحمد، د. سيد القزقي، ط ١، مطبعة المدني، ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- دقائق التفسير من تفسير شيخ الإسلام ابن تيمية: جمع د. محمد الجليند، دار الأنصار، مصر.\n- دلائل النبوة: للحافظ أبي بكر أحمد بن الحسين البيهقي، تحقيق د. عبد المعطي قلعجي، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.","vol":"1","page":656},{"text":"- ديوان الإمام الشافعي: جمع محمد عفيف الزعبي، ط ٣، مكتبة المعرفة، حمص، دار العلم، جدة ١٣٩٢ هـ.\n- ديوان ابن الفارض: لعمر بن علي ابن الفارض، إشراف كرم البستاني، دار صادر، بيروت ١٣٧٦ هـ -١٩٥٧ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-294>حرف الذال</span>\n- ذيل تاريخ الإسلام: للإمام الذهبي تحقيق مازن بن سالم باوزير، ط ١، دار المغني، الرياض، ١٤١٩ هـ -١٩٩٨ م.\n- ذيل تاريخ بغداد: لابن النجار، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- ذيل طبقات الحنابلة: للحافظ ابن رجب الحنبلي، دار المعرفة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-295>حرف الراء</span>\n- الرد على المنطقيين: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ط ٣، لاهور، باكستان، ١٣٩٧ هـ.\n- الرد الوافر على من زعم أن من أطلق على ابن تيمية شيخ الإسلام كافر، لابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق زهير الشاويش، ط ١، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n- رسائل فلسفية: لأبي بكر الرازي، جمع بول كرواس، نشر كلية الآداب، جامعة فؤاد الأول، القاهرة.\n- رسالة الحسبة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، ضمن مجموع الفتاوى (٢٨/ ٦٠ - ١٢٠).\n- رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت: لأبي نصر السجزي، تحقيق د. محمد باكريم باعبد الله، ط ١، المجلس العلمي، الجامعة الإسلامية ١٤١٣ هـ.\n- رسالة في الصلاة: للإمام أحمد، وهي ضمن طبقات الحنابلة (١/ ٣٤٩ - ٣٨٠).\n- روضة الطالبين وعمدة المفتين: للإمام النووي، إشراف زهير الشاويش، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n- الروض المربع، لشيخ منصور البهوتي، تحقيق بشير محمد عيون، ط ٢، مكتبة المؤيد، الرياض ١٤١٤ هـ -١٩٩٣ م.\n- روضة الناظر وجنة المناظر: للإمام ابن قدامة المقدسي، مراجعة سيف الدين الكاتب، ط ٣، دار الكتاب العربي، بيروت ١٤١٣ هـ -١٩٩٢ م.","vol":"1","page":657},{"text":"- رياض الصالحين: للإمام النووي، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٣، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-296>حرف الزاي</span>\n- زاد المعاد في هدي خير العباد: للإمام ابن القيم، تحقيق شعيب وعبد القادر الأرنؤوط، ط ٧، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-297>حرف السين</span>\n- سبل السلام شرح بلوغ المرام: للشيخ محمد بن إسماعيل الأمير الصنعاني، تحقيق فواز أحمد زمرلي، إبراهيم محمد الجمل، ط ١، دار الكتاب العربي، بيروت، ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- سلسلة الأحاديث الصحيحة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٤، المكتب الإسلامي، بيروت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n- سلسلة الأحاديث الضعيفة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ١، مكتبة المعارف، الرياض ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n- سنن الترمذي: للحافظ أبي عيسى الترمذي، تحقيق الشيخ أحمد شاكر، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- السنن للحافظ علي بن عمر الدارقطني: مراجعة السيد عبد الله هاشم يماني، دار المعرفة، بيروت ١٣٨٦ هـ -١٩٦٦ م.\n- سنن الدارمي: للإمام عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، تحقيق فوَّاز زمرلي وغيره، ط ١، دار الكتاب العربي، ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م.\n- سنن أبي داود: للحافظ أبي داود السجستاني، تعليق عزت الدعاس، ط ١، بيروت، دار الحديث، ١٣٩٤ هـ - ١٩٧٤ م.\n- سنن سعيد بن منصور: للحافظ سعيد بن منصور، تحقيق د. سعد بن عبد الله آل حميد، ط ١، دار الصميعي، الرياض ١٤١٤ هـ -١٩٩٣ م.\n- السنن الكبرى: للإمام أحمد بن شعيب النسائي، مراجعة د. عبد الغفار سليمان البنداري وغيره، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- السنن الكبرى: للحافظ البيهقي، مكتبة الباز، مراجعة محمد عبد القادر عطا، مكة المكرمة ١٤١٤ هـ -١٩٩٤ م.\n- سنن ابن ماجة: للحافظ محمد بن يزيد ابن ماجة القزويني، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n- سنن النسائي: للإمام أحمد بن شعيب النسائي، المكتبة العلمية، بيروت.","vol":"1","page":658},{"text":"- السنة، للإمام عبد الله بن الإمام أحمد بن في الشيباني، تحقيق د. محمد بن سعيد القحطاني، رمادي للنشر، الدمام، ط ٢، ١٤١٤ هـ -١٩٩٤ م).\nالسنة: لأبي بكر الخلال، تحقيق د. عطية بن عتيق الزهراني، ط ١، دار الراية، ١٤١٠ هـ - ١٩٨٩ م.\n- الساسة الشرعية لإصلاح الراعي والرعية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، وهي ضمن مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٤٤ - ٣٩٧).\n- سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي، خرج أحاديثه شعيب الأرنؤوط، وحققه مجموعة من الباحثين، ط ١، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٢ هـ-١٩٨٢ م.\n- سير الخلفاء الراشدين: من سير أعلام النبلاء، للإمام الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n- السيرة النبوية: لعبد الملك بن هشام الحميري، تحقيق مصطفى السقا وغيره، دار القبلة الإسلامية، جدة، مؤسسة علوم القرآن، دمشق.\n- السيرة النبوية من سير أعلام النبلاء: للإمام الذهبي، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-298>حرف الشين</span>\n- شذرات الذهب: لشهاب الدين ابن العماد الحنبلي، تحقيق عبد القادر الأرنؤوط، ومحمود الأرناؤوط، دار ابن كثير، ط ١، دمشق، بيروت ١٤١٣ هـ ١٩٩٢ م.\n- شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: لأبي القاسم اللالكائي، تحقيق د. أحمد بن سعد بن حمدان الغامدي، دار طيبة، الرياض.\n- شرح الأصول الخمسة: القاضي عبد الجبار المعتزلي، تحقيق د. عبد الكريم عثمان، ط ١، مكتبة وهبة، القاهرة ١٣٨٤ هـ -١٩٦٥ م.\n- شرح الخرشي على مختصر خليل المالكي: ط ٢، المطبعة الكبرى الأميرية، ١٣١٧ هـ، مصر.\n- شرح السنة: للإمام البغوي، تحقيق زهير الشاويش، وشعيب الأرنؤوط، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- شرح السيوطي على صحيح مسلم: للحافظ جلال الدين السيوطي، مكتبة المطبوعات الإسلامية، مراجعة عبد الفتاح أبو غدة، ١٤٠٦ هـ-١٩٨٦ م.\n- شرح العقائد النسفية: لسعد الدين التفتازاني، القاهرة.\n- شرح العقيدة الأصفهانية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق محمد حسنين مخلوف.","vol":"1","page":659},{"text":"- شرح العقيدة الطحاوية: لابن أبي العز الحنفي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، وتخريج شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة.\n- شرح العمدة: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. صالح محمد الحسن، مكتبة الحرمين، الرياض ١٤٠٩ هـ.\n- الشرح الكبير على هامش المغني: دار الفكر، بيروت ١٤٠٤ هـ -١٩٨٤ م.\n- شرح الكوكب المنير: لابن النجار، تحقيق د. محمد الزحيلي، د. نزيه حماد، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث، ١٤٠٠ هـ -١٩٨٠ م.\n- شرح مختصر الروضة: سليمان بن عبد القوي الطوفي، تحقيق د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، ط ١، مؤسسة الرسالة، ١٤١٠ هـ -١٩٩٠ م.\n- شرح مسلم: للإمام أبو زكريا النووي.\n- شرح معاني الآثار: للإمام الطحاوي، تحقيق محمد زهري النجار، ط ٢، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٧ هـ -١٩٨٧ م.\n- شرح المعلقات العشر: للخطيب التبريزي، تحقيق فخر الدين قباوة، دار الفكر، سوريا، ط ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n- شرح منتهى الإرادات: للشيخ منصور البهوتي، مكتبة الرياض الحديثة.\n- الشريعة: للإمام الآجري، تحقيق د، عبد الله بن عمر الدميجي، دار الوطن، الرياض.\n- الشفاء: لابن سينا، تحقيق جورج قنواتي، وسعيد زايد، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب، القاهرة، ١٣٩٥ هـ، ١٩٧٥ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-299>حرف الصاد</span>\n- الصارم المسلول على شاتم الرسول: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. محمد بن عبد الله الحلواني، ود. محمد بن كبير شودري، ط ١، دار رمادي، الدمام ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n- الصحاح: إسماعيل بن حماد الجوهري، تحقيق أحمد بن عبد الغفور عطار، ط ٢، دار العلم للملايين، بيروت ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م.\n- صحيح البخاري: لأمير المؤمنين في الحديث الإمام محمد بن إسماعيل البخاري: ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، المطبعة السلفية، القاهرة.\n- صحيح الترغيب والترهيب: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت.\n- صحيح الجامع الصغير وزيادته: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩٩ هـ -١٩٧٩ م.","vol":"1","page":660},{"text":"- صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، لأبي حاتم محمد بن حبان البستي، تحقيق شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n- صحيح ابن خزيمة، للإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة، تحقيق د. محمد مصطفى الأعظمي، ط ١، المكتب الإسلامي، بيروت، ١٣٩٩ هـ - ١٩٧٩ م.\n- صحيح سنن الترمذي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية العربي لدول مجلس التعاون الخليجي، ط ١، الرياض ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.\n- صحيح سنن أبي داود: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ١، مكتب التربية، الرياض ١٤٠٩ هـ - ١٩٨٨ م.\n- صحيح سنن ابن ماجة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، ط ٣، مكتب التربية، الرياض ١٤٠٨ هـ -١٩٨٨ م.\n- صحيح سنن النسائي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، مكتب التربية، ط ١، الرياض ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.\n- صحيح مسلم: للإمام مسلم بن الحجاج القشيري النيسابوري، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي.\n- صفات الله - ﷿- الواردة في الكتاب والسنة: علوي بن عبد القادر السقاف، ط ١، دار الهجرة، الرياض، (١٤١٤ هـ- ١٩٩٤ م).\n- صفة المنافق وذم المنافقين: لأبي بكر الفريابي، تحقيق محمد عبد القادر عطا، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٧ هـ.\n- الصلاة وحكم تاركها: للحافظ ابن القيم، دار الحديث مصر.\n- الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة: للحافظ ابن القيم، تحقيق د. على بن محمد الدخيل الله، ط ١ العاصمة، الرياض ١٤٠٨ هـ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-300>حرف الضاد</span>\n- الضعفاء: لأبي جعفر العقيلي، تحقيق د. عبد المعطي القلعجي، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٤ هـ-١٩٨٤ م.\n- ضعيف الجامع الصغير وزيادته: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ص ٣، ١٤١٠ هـ - ١٩٩٠ م.\n- ضعيف سنن الترمذي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩١ م.\n- ضعيف سنن أبي داود: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١٢ هـ - ١٩٩١ م.\n- ضعيف سنن ابن ماجة: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤٠٨ هـ، ١٩٨٨ م.","vol":"1","page":661},{"text":"- ضعيف سنن النسائي: للشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، بيروت، ط ١، ١٤١١ هـ - ١٩٩٠ م.\n- الضوء اللامع لأهل القرن التاسع: شمس الدين السخاوي، مكتبة الحياة بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-301>حرف الطاء</span>\n- طبقات الأولياء: عمر بن علي بن الملقن، تحقيق نور الدين شريبة، ط ١، مكتبة الخانجي، القاهرة ١٣٩٣ هـ -١٩٧٣ م.\n- طبقات الحنابلة: لابن أبي يعلى، دار المعرفة، بيروت.\n- طبقات الشافعية الكبرى: للسبكي، تحقيق د. محمود الطناحي وغيره، طبعة عيسى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٨٤ هـ -١٩٦٥ م.\n- الطبقات الكبرى: لابن سعد، دار صادر، بيروت، دار إحياء التراث الإسلامي، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.\n- طبقات المحدثين بأصبهان: أبو الشيخ.\n- طبقات المعتزلة: أحمد بن يحيى بن المرتضى، تحقيق بوسنة ديفلد فلزر، المطبعة الكاثوليكية، بيروت ١٣٨٠ هـ - ١٩٦١ م.\n- طريق الهجرتين وباب السعادتين: للحافظ ابن القيم، المطبعة المنيرية، مصر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-302>حرف الظاء</span>\n- ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي: د، سفر بن عبد الرحمن الحوالي، مكتب الطيب، القاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-303>حرف العين</span>\n- العبر في أخبار من غبر: للإمام الذهبي، تحقيق د. صلاح الدين المجد، الكويت، المطبعة الحكومية، ١٩٦٠ م.\n- العدة في أصول الفقه: للقاضي أبي يعلى الحنبلي، تحقيق د. أحمد بن علي المباركي، مؤسسة الرسالة، بيروت ١٤٠٠ هـ - ١٩٨٠ م.\n- العقائد النسفية: لعمر بن محمد النسفي، وهي ضمن مجموعة أمهات المتون، ط ٤، مصر.\n- العقد الفريد: لابن عبد ربه الأندلسي، تحقيق محمد سعيد العريان، دار الفكر، بيروت.\n- العقود الدرية من مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية: للحافظ محمد بن أحمد بن عبد الهادي الحنبلي، مطبعة المدني، القاهرة.\n- أبو العلاء المعري: د. زكي المحاسني.","vol":"1","page":662},{"text":"- أبو العلاء وما إليه: عبد العزيز الميمني.\n- العلل: للحافظ أبي علي الدارقطني، تحقيق محفوظ الرحمن السلفي، ط ١، دار طيبة، الرياض ١٤٠٥ هـ.\n- العواصم من القواصم: للقاضي أبي بكر ابن العربي، تحقيق محب الدين الخطيب، محمود مهدي الاستانبولي، ط ٥، مكتبة السنة، القاهرة ١٤٠٨ هـ.\n- عيون الأنباء في طبقات الأطباء: لموفق الدين أحمد بن القاسم، المعروف بابن أبي أصيبعة، تحقيق د. نزار رضا، مكتبة الحياة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-304>حرف الغين</span>\n- غريب الحديث: للإمام أبي عبيد القاسم بن سلام، دار الكتاب العربي، بيروت ١٣٩٦ هـ - ١٩٧٦ م.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-305>حرف الفاء</span>\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن رجب الحنبلي، تحقيق مجموعة من المحققين، ط ١، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة المنورة، ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n- فتح الباري شرح صحيح البخاري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت.\n- فتح العزيز شرح الوجيز: لأبي القاسم الرافعي، وهو مطبوع مع المجموع للنووي، دار الفكر.\n- فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير: للإمام محمد بن علي الشوكاني، دار الفكر، بيروت ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- الفرق بين الفرق: لأبي منصور البغدادي، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، مكتبة محمد علي صبح، القاهرة.\n- الفروق في اللغة: لأبي هلال العسكري، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n- الفصل في الملل والأهواء والنحل: لابن حزم الأندلسي، تحقيق د. إبراهيم نصر، وعبد الرحمن عميرة، ط ١، شركة عكاظ، ١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م.\n- فصوص الحكم: لابن عربي الحاتمي، تحقيق د. أبو العلاء عفيفي، مطبعة عيسى الحلبي، القاهرة ١٩٤٦ م.\n- الفصول والغايات: لأبي العلاء المعري، تحقيق محمود حسن زناتي.\n- فضائح الباطنية: لأبي حامد الغزالي، تحقيق عبد الرحمن بدوي، الدار القومية للنشر، القاهرة ١٣٨٣ هـ -١٩٦٤ م.","vol":"1","page":663},{"text":"- فضائل الصحابة: للإمام أحمد بن حنبل، تحقيق د. وصي الله محمد عباس، ط ١، جامعة أم القرى، ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة: أبو القاسم البلخي، والقاضي عبد الجبار المعتزلي، والحاكم الجشمي، تحقيق فؤاد سيد، الدار التونسية، ١٣٩٣ هـ.\n- الفقيه والمتفقه: للخطب البغدادي، تحقيق عادل بن يوسف العزازي، ط ١، دار ابن الجوزي، الدمام ١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م.\n- الفلسفة الصوفية في الإسلام: د. عبد القادر محمود.\n- الفهرست: لابن النديم، تحقيق رضا تجدد، طهران ١٣٩١ هـ.\n- الفوائد البهية في تراجم الحنفية: عبد الحي اللكنوي الهندي، تصحيح محمد بدر الدين.\n- فوات الوفيات: لمحمد بن شاكر الكتبي، تحقيق د. إحسان عباس، دار الثقافة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-306>حرف القاف</span>\n- القاموس المحيط: لمحمد بن يعقوب الفيروز آبادي، بيروت، دار الفكر.\n- القانون في الطب: لابن سينا، دار الفكر، بيروت.\n- القراءات العشر المتواترة محمد كريم راجح، ط ١ مكتبة دار المهاجر، ١٤١١ هـ - ١٩٩٢ م.\n- القرامطة: للإمام ابن الجوزي، تحقيق محمد الصباغ، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م.\n- القول المسدد في الذب عن مسند أحمد: للحافظ ابن حجر العسقلاني.\n- القول المفيد على كتاب التوحيد: للشيخ محمد بن صالح بن عثيمين، ط ١، دار العاصمة، الرياض.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-307>حرف الكاف</span>\n- الكاشف في أسماء الرجال: للإمام الذهبي، تحقيق عزت علي عطية وغيره، مصر، دار الكتب الحديثة.\n- الكافي في فقه الإمام أحمد بن حنبل: للإمام ابن قدامة المقدسي، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت ١٣٩٩ هـ -١٩٧٧ م.\n- الكامل: للمبرد، مكتبة الحلبي، القاهرة ١٣٥٥ هـ.\n- الكامل في التاريخ: لابن الأثير، دار الكتاب العربي، ١٤٠٠ هـ -١٩٨٠ م.\n- الكامل في ضعفاء الرجال: لابن عدي، ط ٢، بيروت دار الفكر، ١٤٠٥ هـ - ١٩٨٥ م.","vol":"1","page":664},{"text":"- كتاب الإيمان من إكمال المعلم بفوائد صحيح مسلم: القاضي عياض، د. الحسين بن محمد شواط، ط ١، دار الوطن، ١٤١٧ هـ.\n- كتاب المجروحين من المحدثين: لابن حبان البستي، مراجعة محمود إبراهيم زايد، حلب ١٣٩٦ م.\n- كشاف القناع: لمنصور البهوتي، مكتبة النصر الحديثة، الرياض.\n- الكشف الحثيث لمن رمي بوضع الحديث: إبراهيم بن محمد بن سبط ابن العجمي، تحقيق صبحي السامرائي، ط ١، عالم الكتب، مكتبة النهضة الحديثة ١٤٠٧ هـ.\n- كشف الظنون عن أسامي الكتب والفنون: مصطفى عبد الله المشهور بالملا كاتب الجلبي، دار الفكر، بيروت ١٤٠٢ هـ -١٩٨٢ م.\n- الكفاية في علم الرواية: للخطيب البغدادي، مراجعة عبد الحليم محمد، دار الكتب الحديثة، مصر.\n- الكنى: للإمام محمد بن إسماعيل البخاري.\n- الكواكب الدرية على متممة الأجرومية: لمحمد بن عبد الباري الأهدل.\n- الكيمياء في التفكير الإسلامي: د. محمد يحيى الهاشمي، دار الفكر العربي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-308>حرف الميم</span>\n- المبسوط: للسرخسي، ط ٣، دار المعرفة، بيروت ١٣٩٨ هـ -١٩٧٨ م.\n- مجلة المؤرخ العربي: العدد السادس، المجلد الأول، مارس ١٩٩٨ م، تصدر عن رابطة المؤرخين العرب.\n- مجلة مجمع الفقه الإسلامي: العدد الثالث، الجزء الثاني، ١٤٠٨ هـ - ١٩٨٩ هـ.\n- مجمع الزوائد: للحافظ الهيثمي، ط ٢، دار الكتاب العربي، بيروت ١٩٦٧ م.\n- مجمل اللغة: لابن فارس، تحقيق هادي حمودي، ط ١، منشورات معهد المخطوطات العربية، الكويت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٥ م.\n- المجموع شرح المهذب: للإمام النووي، وتكملته لمحمد نجيب المطيعي.\n- مجموع الفتاوى لشيخ الإسلام ابن تيمية: جمع وترتيب الشيخ عبد الرحمن بن قاسم، ومساعدة ابنه محمد، توزيع الرئاسة العامة لشؤون الحرمين الشريفين، على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود.\n- المحلى: لأبي محمد بن حزم الأندلسي، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n- مختار الصحاح: لمحمد بن أبي بكر الرازي، مكتبة لبنان، بيروت، ١٩٨٦ م.","vol":"1","page":665},{"text":"- مختصر الصواعق المرسلة: للحافظ ابن القيم، اختصره محمد بن الموصلي، تصحيح زكريا يوسف ١٤٠٠ هـ.\n- مختصر طبقات الحنابلة: محمد جميل الشطي، ط ١، دار الكتاب العربي، بيروت ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- مدارج السالكين: للحافظ ابن القيم، تحقيق الشيخ محمد حامد الفقي، ط ٣، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٣ هـ -١٩٨٣ م.\n- المدخل المفصل إلى فقه الإمام أحمد بن حنبل: للشيخ د. بكر بن عبد الله أبو زيد، مطبوعات المجمع الفقهي، ط ١، دار العاصمة، الرياض ١٤١٧ هـ - ١٩٩٧ م.\n- مرآة الجنان وعبرة اليقظان: لسبط ابن الجوزي، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت.\n- مروج الذهب: المسعودي، الجامعة اللبنانية، بيروت ١٩٦٥ م.\n- مرويات غزوة بني المصطلق: لإبراهيم بن إبراهيم قريبي، المجلس العلمي، الجامعة الإسلامية.\n- المسائل والرسائل المروية عن الإمام أحمد في العقيدة: د. عبد الإله بن سلمان الأحمدي، ط ٢، دار طيبة، الرياض ١٤١٦ هـ - ١٩٩٥ م.\n- المستدرك على الصحيحين: للحاكم النيسابوري، دار الكتاب العربي، بيروت.\n- المستصفى من علم الأصول: لأبي حامد الغزالي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n- المسند للإمام أحمد بن حنبل: تحقق الشيخ أحمد شاكر، ط ٤، دار المعارف، مصر، ١٣٨٣ هـ -١٩٥٤ م.\n- المسند للإمام أحمد بن حنبل: تحقيق مجموعة من المحققين، بإشراف حسن بن عباس بن قطب، ط ١، مؤسسة قرطبة، القاهرة ١٤١٧ هـ -١٩٩٧ م.\n- المسند: للإمام إسحاق بن راهويه، تحقيق د. عبد الغفور عبد الحق، مكتبة الإيمان، المدينة المنورة.\n- المسند: للحميدي، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، ط ١، بيروت، دار الكتب العلمية، ١٤٠٩ هـ.\n- المسند: للإمام الشافعي، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٠ هـ.\n- مسند البزار: تحقيق د. محفوظ الرحمن زين الله، ط ١، مؤسسة علوم القرآن، ١٤٠٩ هـ -١٩٨٨ م.","vol":"1","page":666},{"text":"- مسند الشاميين: لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي بن عبد المجيد السلفي بيروت ١٤٠٥ هـ -١٩٨٤ م.\n- مسند الشهاب: للقاضي محمد بن سلامة القضاعي، تحقيق حمدي السلفي، ط ٢، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n- مسند أبي داود الطيالسي: دار المعرفة، بيروت.\n- مسند أبي يعلى الموصلي: تحقيق حسين أسد، ط ١، دار المأمون للتراث، دمشق.\n- مشكاة المصابيح: للخطيب التبريزي، تحقيق الشيخ محمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي.\n- مشكل الآثار: للإمام الطحاوي تحقيق شعيب الأرنؤوط، ط ١ مؤسسة الرسالة ١٤٠٨ هـ -١٩٨٧ م.\n- المصحف: للحافظ ابن أبي شيبة، تحقيق عامر الأعظمي، الدار السلفية الهند.\n- المصنف: للإمام عبد الرزاق الصنعاني، تحقيق عبد الرحمن الأعظمي، ط ٢، المكتب الإسلامي، بيروت.\n- المطالب العالية في زوائد المسانيد الثانية: للحافظ ابن حجر العسقلاني، تحقيق غنيم بن عباس بن غنيم، ياسر بن إبراهيم بن محمد، ط ١ دار الوطن، الرياض ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م.\n- معالم السنن في تفسير كتاب السنن لأبي داود: للإمام الخطابي، ط ٢، المطبعة العلمية، بيروت ١٤٠١ هـ -١٩٨١ م.\n- معاني القرآن الكريم: لأبي جعفر النحاس، تحقيق محمد علي الصابوني، ط ١، جامعة أم القرى، مركز إحياء التراث الإسلامي ١٤٠٨ هـ-١٩٨٨ م.\n- معجم الأدباء: لياقوت الحموي، دار الفكر، بيروت.\n- المعجم الأوسط: لأبي القاسم الطبراني، تحقيق د. محمود الطحان، ط ١، مكتبة المعارف، الرياض ١٤٠٧ هـ.\n- معجم البلدان: لياقوت الحموي، دار الكتاب العربي، بيروت.\n- معجم الشيوخ: للإمام الذهبي، تحقيق د. محمد الحبيب الهيلة، ط ١، مكتبة الصديق، الطائف، ١٤٠٨ هـ.\n- المعجم الصغير: لأبي القاسم الطبراني، مراجعة محمد شكور وغيره، المكتب الإسلامي، بيروت، دار عمار، عمان ١٤٠٥ هـ -١٩٨٠ م.\n- المعجم الكبير: لأبي القاسم الطبراني، تحقيق حمدي عبد المجيد السلفي، دار العربية، بغداد ١٣٩٩ هـ- ١٩٧٩ م.","vol":"1","page":667},{"text":"- المعجم المختص بالمحدثين: للإمام الذهبي، د. تحقيق محمد الحبيب الهيلة، ط ١، مكتبة الصديق، الطائف ١٤٠٨ هـ.\n- معجم مقاييس اللغة: لابن فارس، تحقيق عبد السلام هارون، ط ٢، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، القاهرة ١٣٨٩ هـ -١٩٦٩ م.\n- معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار: للإمام الذهبي، تحقيق د. بشار عواد، وشعيب الأرنؤوط، وصالح مهدي عباس، مؤسسة الرسالة ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- المغني، للإمام ابن قدامة المقدسي، ط ١، دار الفكر، بيروت ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- المغازمي: لمحمد بن عمر الواقدي، ط ٣، عالم الكتب، بيروت ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- المغني عن حمل الأسفار في الأسفار في تخريج ما في الإحياء من الأخبار: للحافظ العراقي، مطبوع على هامش الإحياء.\n- مغني اللبيب عن كتب الأعاريب: لابن هشام، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت، ١٤٠٧ هـ.\n- مغني المحتاج إلى معرفة ألفاظ المنهاج: للشربيني الخطيب، مطبعة مصطفى البابي الحلبي، ١٣٧٧ هـ، مصر.\n- المفردات في غريب القرآن: للراغب الأصفهاني، تحقيق محمد سيد كيلاني، مطبعة مصطفى البابي الحلبي وأولاده بمصر ١٣٨١ هـ -١٩٦١ م.\n- مقاصد الفلاسفة: لأبي حامد الغزالي، تحقيق د. سليمان دنيا، دار المعارف، مصر ١٩٦٢ م.\n- مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين: لأبي الحسن الأشعري، تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد، ط ٢، القاهرة، مكتبة النهضة المصرية، ١٣٨٩ هـ -١٩٦٩ م.\n- الملل والنحل: للشهرستاني تحقيق عبد العزيز الوكيل، بيروت، دار الفكر.\n- الملل والنحل: للشهرستاني، تحقيق أمير علي مهنا، علي حسن فاعور، ط ٥، ١٤١٦ هـ -١٩٩٦ م.\n- مناقب الشافعي: للفخر الرازي، تحقيق د. أحمد حجازي السقا، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة.\n- المنتخب من مسند عبد بن حميد: للحافظ عبد بن حميد بن نصر، تحقيق صبحي البدري السامرائي، ومحمود محمد الصعيدي، القاهرة ١٤٠٨ هـ.","vol":"1","page":668},{"text":"- المنتظم في تاريخ الملوك والأمم: للإمام ابن الجوزي، ط ١، مطبعة دائرة المعارف العثمانية، حيدر آباد، ١٣٥٧ هـ.\n- المنتقى من السنن المسندة: لابن الجارود.\n- منتهى الإرادات: محمد بن أحمد الفتوحي، مكتبة دار العروبة ١٣٨١ هـ.\n- منهاج السنة في نقض كلام الشيعة والقدرية: لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. محمد رشاد سالم، ط ١، جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- الموطأ: للإمام مالك بن أنس، ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء الكتب العربية، القاهرة.\n- موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الأشاعرة: د. عبد الرحمن المحمود، ط ١، مكتبة الرشد، الرياض ١٤١٥ هـ -١٩٩٥ م.\n- موقف شيخ الإسلام ابن تيمية من الكرامية: رسالة مقدمة إلى قسم العقيدة في جامعة أم القرى، د. عبد القادر بن محمد عبد الله، ١٤٠٩ هـ.\n- ميزان الاعتدال للإمام الذهبي، تحقيق علي محمد البجاوى، دار المعرفة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>حرف النون</span>\n- النبوات: لشيخ الإسلام ابن تيمية، دار الكتب العلمية، بيروت ١٤٠٢ هـ - ١٩٨٢ م.\n- النجاة في الحكمة المنطقية والطبيعية والإلهية: لابن سينا، ط ٢، ١٣٥٧ هـ - ١٩٣٨ م.\n- النجوم الزاهرة في ملوك مصر والقاهرة: لابن تغري بردي، ط ١، دار الكتب المصرية، القاهرة ١٣٤٨ هـ.\n- نزهة الخاطر العاطر: للشيخ عبد القادر بن بدران الدمشقي الحنبلي، دار الكتب العلمية، بيروت.\n- نشأة العلوم الطبيعية عند المسلمين في العصر الأموي: لطف الله قاري، ط ١، دار الرفاعي، الرياض ١٤٠٦ هـ -١٩٨٦ م.\n- نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام: د. علي سامي النشار، ط ٧، دار المعارف، مصر ١٩٧٧ م.\n- النشر في القراءات العشر: لابن الجزري، تحقيق علي محمد الضباع، المكتبة التجارية، مصر.\n- نصب الراية في تخريج أحاديث الهداية: لجمال الدين عبد الله بن يوسف الزيلعي، مراجعة محمد يوسف البنوري، دار الحديث، مصر.","vol":"1","page":669},{"text":"- نفح الطيب من غصن الأندلس الرطب: أحمد بن محمد المقري، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت ١٣٨٨ هـ -١٩٦٨ م.\n- النهاية في غريب الحديث: لابن الأثير، مراجعة طاهر أحمد وغيره، دار الفكر، بيروت ١٣٩٩ هـ، ١٩٧٩ م.\n- نهاية المحتاج في شرح المنهاج: شهاب الدين الرملي، دار الفكر، بيروت ١٤٠٤ هـ - ١٩٨٤ م.\n- نواقض الإيمان القولية والعملية: د. عبد العزيز بن محمد العبد اللطيف، ط ٢، دار الوطن، الرياض ١٤١٥ هـ.\n- نيل الأوطار شرح منتقى الأخبار: للإمام الشوكاني، تحقيق طه عبد الرؤوف سعد، مصطفى محمد الهواري، مكتبة الكليات الأزهرية، الأزهر، القاهرة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-310>حرف الهاء</span>\n- همع الهوامع في شرح جمع الجوامع: للحافظ جلال الدين السيوطى.\n- هدي الساري مقدمة فتح الباري: للحافظ ابن حجر العسقلاني، دار المعرفة، بيروت.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-311>حرف الواو</span>\n- الوافي بالوفيات: لصلاح الدين الصفدي، سلسلة النشرات الإسلامية.\n- الوفيات: لابن رافع السلامي، تحقيق صالح مهدي عباس، ط ٢، مؤسسة الرسالة، ١٤٠٢ هـ.\n- وفيات الأعيان: لابن خلكان، تحقيق د. إحسان عباس، دار صادر، بيروت.","vol":"1","page":670}]}