{"ً":{"ٌ":20593,"ٍ":"منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"العقيدة/منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة مع تحقيق ودراسة كتابه خصائص سيد - المطلق","files":["154979.pdf"]},"ّ":"الكتاب: منهج الإمام جمال الدين السُّرَّمَرِّي في تقرير العقيدة (مطبوع مع: تحقيق ودراسة كتابه «خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈»)\nالمؤلف: خالد بن منصور المطلق\nأصل الكتاب: رسالة ماجستير، قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة - كلية أصول الدين - جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية\nإشراف: أ. د. علي بن محمد الدخيل الله السويلم، الأستاذ في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة\nالناشر: (بدون)\nالطبعة: الأولى، ١٤٣٦ هـ - ٢٠١٥ م\nعدد الصفحات: ٢٨٣\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":2862,"ٕ":1,"ٖ":1770156152,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"المقدمة","level":1,"page":4},{"title":"- أهمية الموضوع وأسباب اختياره","level":2,"page":7},{"title":"- الهدف من الدراسة","level":2,"page":8},{"title":"خطة البحث: تشمل على مقدمة، وقسمين، وخاتمة.","level":2,"page":9},{"title":"منهجي في البحث","level":2,"page":11},{"title":"الفصل الأول عصر جمال الدين السرمري وحياته","level":1,"page":17},{"title":"المبحث الأول عصر جمال الدين السرمري","level":2,"page":18},{"title":"المطلب الأول: الحالة السياسية","level":3,"page":18},{"title":"١ - سقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية","level":4,"page":18},{"title":"٢ - حملة التتار على الشام ومصر","level":4,"page":21},{"title":"٣ - الحروب الصليبية","level":4,"page":22},{"title":"٤ - النزاعات الداخلية","level":4,"page":22},{"title":"المطلب الثاني: الحالة الإجتماعية","level":3,"page":26},{"title":"المطلب الثالث: الحالة الثقافية والعلمية","level":3,"page":29},{"title":"١ - وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد المغول","level":4,"page":30},{"title":"٢ - قتل العلماء وإتلاف الكتب العلمية","level":4,"page":30},{"title":"٣ - وفود العلماء والأدباء","level":4,"page":30},{"title":"٤ - غيرة السلاطين والأمراء","level":4,"page":31},{"title":"٥ - تعظيم المماليك لأهل العلم","level":4,"page":31},{"title":"٦ - انتشار المدارس ودور التعليم","level":4,"page":31},{"title":"المبحث الثاني حياته الشخصية","level":2,"page":33},{"title":"المطلب الأول: اسمه ونسبه","level":3,"page":34},{"title":"المطلب الثاني: مولده وموطنه","level":3,"page":35},{"title":"المطلب الثالث: أسرته","level":3,"page":35},{"title":"المطلب الرابع: وفاته","level":3,"page":38},{"title":"المبحث الثالث حياته العلمية","level":2,"page":39},{"title":"المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم","level":3,"page":40},{"title":"المطلب الثاني: مكانته وثناء العلماء عليه","level":3,"page":44},{"title":"المطلب الثالث: شيوخه","level":3,"page":47},{"title":"المطلب الرابع: تلاميذه","level":3,"page":51},{"title":"المطلب الخامس: مؤلفاته","level":3,"page":54},{"title":"١ - \"الأحاديث القدسية\" جزء.","level":4,"page":55},{"title":"٢ - أحاديث منقولة عن المصطفى - ﷺ - متضمنة شفاء من أصبح على شفى.","level":4,"page":55},{"title":"٣ - إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة.","level":4,"page":56},{"title":"٤ - الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة.","level":4,"page":57},{"title":"٥ - الأرجوزة الجلية في الفرائض الحنبلية.","level":4,"page":58},{"title":"٦ - الإفادات المنظومة في العبادات المختومة.","level":4,"page":59},{"title":"٧ - تخريج الأحاديث الثمانيات.","level":4,"page":59},{"title":"٨ - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية.","level":4,"page":60},{"title":"٩ - التشوف.","level":4,"page":60},{"title":"١٠ - الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية.","level":4,"page":61},{"title":"١١ - خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈.","level":4,"page":62},{"title":"١٢ - ذكر الجراد ومافي شأنه من الصلاح والفساد.","level":4,"page":62},{"title":"١٣ - رفع الباس في حياة الخضر وإلياس.","level":4,"page":62},{"title":"١٤ - الروضة المورقة في الترجمة المونقة.","level":4,"page":63},{"title":"١٥ - شرح اللؤلؤة في النحو.","level":4,"page":63},{"title":"١٦ - شفاء الآلام في طب أهل الإسلام.","level":4,"page":64},{"title":"١٧ - شفاء القلوب في دواء الذنوب.","level":4,"page":65},{"title":"١٨ - صحاح الأحكام وسلاح الحكام.","level":4,"page":65},{"title":"١٩ - عجائب الاتفاق وغرائب ماوقع في الآفاق.","level":4,"page":66},{"title":"٢٠ - عقود اللآلي في الأمالي.","level":4,"page":67},{"title":"٢١ - عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين.","level":4,"page":68},{"title":"٢٢ - غيث السحابة في فضائل الصحابة.","level":4,"page":69},{"title":"٢٣ - \"الفوائد السرمرية من المشيخة البدرية\"، أو \"مشيخة ابن الجوخي\".","level":4,"page":70},{"title":"٢٤ - فوائد مخرجه عن شيوخ العدل الأمين الثقة بقية السلف جمال الخلف شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي.","level":4,"page":71},{"title":"٢٥ - كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون.","level":4,"page":71},{"title":"٢٦ - الكلم الطيب والعمل الصالح.","level":4,"page":72},{"title":"٢٧ - مسلسلات السرمري.","level":4,"page":72},{"title":"٢٨ - مشيخة ابن السلار.","level":4,"page":72},{"title":"٢٩ - مشيخة ابن الكسار.","level":4,"page":73},{"title":"٣٠ - مشيخة محيي الدين أبي نصر محمد بن شرف الدين أحمد العباسي.","level":4,"page":73},{"title":"٣١ - المعسول في علوم حديث الرسول.","level":4,"page":73},{"title":"٣٢ - المقدمة اللؤلؤة في النحو.","level":4,"page":73},{"title":"٣٣ - المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ -.","level":4,"page":74},{"title":"٣٤ - نتيجة الفكر في الجهر بالذكر.","level":4,"page":75},{"title":"٣٥ - نشر القلب الميت بفضل أهل البيت.","level":4,"page":75},{"title":"٣٦ - نظم (الغريب أو التقريب) في علوم الحديث.","level":4,"page":76},{"title":"٣٧ - \"نظم مختصر ابن رزين\" في الفقه.","level":4,"page":76},{"title":"٣٨ - نهج الرشاد في نظم الاعتقاد.","level":4,"page":77},{"title":"الفصل الثاني منهج جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال","level":1,"page":78},{"title":"المبحث الأول مصادر جمال الدين السرمري في التلقي","level":2,"page":79},{"title":"المطلب الأول: القرآن الكريم","level":3,"page":80},{"title":"المطلب الثاني: السنة النبوية","level":3,"page":83},{"title":"تمهيد: تعريف السنة","level":4,"page":83},{"title":"السنة النبوية مصدر تلقي عند جمال الدين السرمري","level":4,"page":84},{"title":"المطلب الثالث: أقوال السلف في فهم الكتاب والسنة","level":3,"page":87},{"title":"تمهيد","level":4,"page":87},{"title":"اعتصام جمال الدين السرمري بفهم السلف","level":4,"page":88},{"title":"المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في الاستدلال","level":2,"page":91},{"title":"المطلب الأول: منهجه في الاستدلال بالقرآن الكريم","level":3,"page":92},{"title":"المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص القرآن","level":4,"page":92},{"title":"المسألة الثانية: تفسير القرآن بالقرآن","level":4,"page":95},{"title":"المسألة الثالثة: تفسير القرآن بالسنة","level":4,"page":95},{"title":"المسألة الرابعة: تفسير القرآن بأقوال السلف","level":4,"page":96},{"title":"المسألة الخامسة: عنايته بأسباب النزول","level":4,"page":97},{"title":"المسألة السادسة: عنايته بالقراءات الواردة في الآية","level":4,"page":99},{"title":"المسألة السابعة: اجتهاده في تفسير القرآن على طريقة أهل العلم","level":4,"page":100},{"title":"المطلب الثاني: منهجه في الاستدلال بالسنة النبوية","level":3,"page":101},{"title":"المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص السنة","level":4,"page":101},{"title":"المسألة الثانية: ظهور الصناعة الحديثية على مؤلفاته","level":4,"page":103},{"title":"المسألة الثالثة: شرح مفردات الحديث والكلام عليها","level":4,"page":104},{"title":"المسألة الرابعة: الجمع بين النصوص النبوية التي يوهم ظاهرها التعارض","level":4,"page":107},{"title":"المسألة الخامسة: تفسير السنة بالقرآن","level":4,"page":109},{"title":"المسألة السادسة: تفسير الحديث بالحديث","level":4,"page":110},{"title":"المسألة السابعة: تفسير السنة بأقوال السلف","level":4,"page":111},{"title":"المسألة الثامنة: إيراد الروايات والألفاظ الموضحة للحديث","level":4,"page":112},{"title":"المسألة التاسعة: تقديم الحديث على القياس","level":4,"page":113},{"title":"المطلب الثالث: موقفه من علم الكلام","level":3,"page":115},{"title":"تمهيد: تعريف علم الكلام","level":4,"page":115},{"title":"سبب تسميته","level":5,"page":115},{"title":"ذم جمال الدين السرمري لعلم الكلام","level":5,"page":117},{"title":"الفصل الثالث منهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد","level":1,"page":120},{"title":"تمهيد في تعريف التوحيد وأقسامه","level":2,"page":121},{"title":"١ - تعريف التوحيد","level":3,"page":121},{"title":"٢ - أقسام التوحيد","level":3,"page":124},{"title":"المبحث الأول منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية","level":2,"page":126},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية","level":3,"page":126},{"title":"المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية","level":3,"page":128},{"title":"١ - أدلة توحيد الربوبية","level":4,"page":128},{"title":"٢ - أثر توحيد الربوبية وثمراته","level":4,"page":132},{"title":"٣ - مسألة تسلسل الحوادث","level":4,"page":133},{"title":"المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية","level":2,"page":144},{"title":"المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية وخصائصه","level":3,"page":144},{"title":"المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية","level":3,"page":149},{"title":"١ - إثبات توحيد العبادة","level":4,"page":149},{"title":"٢ - مسائل تنافي توحيد الألوهية","level":4,"page":151},{"title":"أ- الطيرة","level":5,"page":151},{"title":"ب- التبرك الممنوع","level":5,"page":154},{"title":"ج- التوسل الممنوع","level":5,"page":158},{"title":"د- شد الرحال إلى القبور","level":5,"page":164},{"title":"المبحث الثالث منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات","level":2,"page":169},{"title":"- تمهيد","level":3,"page":169},{"title":"المطلب الأول: معنى توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":169},{"title":"المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات","level":3,"page":170},{"title":"١ - إثبات الصفات مع نفي العلم بالكيفية","level":4,"page":170},{"title":"٢ - تعطيل الصفات أو بعضها تكذيب للوحي","level":4,"page":173},{"title":"٣ - تنزيه صفات الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين","level":4,"page":176},{"title":"٤ - أزلية الصفات","level":4,"page":178},{"title":"٥ - التفسير السلفي لنصوص الصفات","level":4,"page":179},{"title":"٦ - تعداد بعض الأسماء والصفات","level":4,"page":181},{"title":"المسألة الأولى: تعداد بعض الأسماء","level":5,"page":181},{"title":"المسألة الثانية: تعداد بعض الصفات","level":5,"page":182},{"title":"الفصل الرابع منهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان","level":1,"page":185},{"title":"المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل","level":2,"page":186},{"title":"المطلب الأول: الإيمان بالملائكة","level":3,"page":186},{"title":"المطلب الثاني: الإيمان بالرسل","level":3,"page":193},{"title":"المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر","level":2,"page":195},{"title":"المطلب الأول: حياة البرزخ","level":3,"page":195},{"title":"المطلب الثاني: النفخ في الصور، والبعث من القبور","level":3,"page":198},{"title":"المطلب الثالث: الحشر","level":3,"page":200},{"title":"المطلب الرابع: الميزان","level":3,"page":201},{"title":"المطلب الخامس: الحوض","level":3,"page":205},{"title":"المطلب السادس: الصراط","level":3,"page":206},{"title":"المطلب السابع: الجنة والنار","level":3,"page":209},{"title":"المطلب الثامن: الشفاعة","level":3,"page":211},{"title":"المطلب الثامن: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة","level":3,"page":214},{"title":"المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر","level":2,"page":216},{"title":"المطلب الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر","level":3,"page":217},{"title":"المطلب الثاني: مراتب القدر","level":3,"page":218},{"title":"المطلب الثالث: أصلا الضلال في القدر","level":3,"page":221},{"title":"١) التسوية بين المشيئة والإرادة وبين الرضا والمحبة","level":4,"page":221},{"title":"٢) التسوية بين الفعل والمفعول","level":4,"page":224},{"title":"المطلب الرابع: الأحكام الشرعية والأحكام القدرية","level":3,"page":225},{"title":"المطلب الخامس: السبب والمسبب","level":3,"page":227},{"title":"المطلب السادس: آجال الخلائق","level":3,"page":229},{"title":"المطلب السابع: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي","level":3,"page":233},{"title":"الفصل الخامس منهج جمال الدين السرمري في مسائل الإيمان","level":1,"page":236},{"title":"المبحث الأول مسمى الإيمان ومفهومه","level":2,"page":237},{"title":"المبحث الثاني زيادة الإيمان ونقصانه","level":2,"page":240},{"title":"المبحث الثالث الاستثناء في الإيمان","level":2,"page":242},{"title":"المبحث الرابع الكبيرة وحكم مرتكبها","level":2,"page":245},{"title":"الفصل السادس منهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة","level":1,"page":250},{"title":"المبحث الأول منهج جمال الدين السرمري في الصحابة - ﵃ -","level":2,"page":251},{"title":"تمهيد: تعريف الصحابي","level":3,"page":251},{"title":"المطلب الأول: حق الصحابة - ﵃ -","level":3,"page":253},{"title":"المطلب الثاني: الإمساك عما شجر بين الصحابة - ﵃ -","level":3,"page":256},{"title":"المطلب الثالث: ترتيب الخلفاء في الفضل","level":3,"page":257},{"title":"المطلب الرابع: موقف أهل البدع من الصحابة","level":3,"page":259},{"title":"المبحث الثاني منهج جمال الدين السرمري في الإمامة","level":2,"page":263},{"title":"تعريف الإمامة","level":3,"page":263},{"title":"المطلب الأول: طاعة الأئمة، وحكم الخروج على الإمام الجائر","level":3,"page":264},{"title":"المطلب الثاني: موقف المخالفين لأهل السنة في مسألة الإمامة","level":3,"page":268},{"title":"الفصل السابع موقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع","level":1,"page":271},{"title":"المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة","level":2,"page":272},{"title":"مفهوم الجماعة","level":3,"page":272},{"title":"المبحث الثاني: موقف جمال الدين السرمري من أهل البدع","level":2,"page":277},{"title":"تمهيد","level":3,"page":277},{"title":"الموقف من أهل البدع","level":3,"page":279},{"title":"أولا: حراسة الدين، وإبطال البدع","level":4,"page":279},{"title":"ثانيا: الهجر","level":4,"page":281}],"ٛ":{"1,1":4,"1,2":5,"1,3":6,"1,4":7,"1,5":8,"1,6":9,"1,7":10,"1,8":11,"1,9":12,"1,10":13,"1,11":14,"1,12":15,"1,13":16,"1,14":17,"1,15":18,"1,16":19,"1,17":20,"1,18":21,"1,19":22,"1,20":23,"1,21":24,"1,22":25,"1,23":26,"1,24":27,"1,25":28,"1,26":29,"1,27":30,"1,28":31,"1,29":32,"1,30":33,"1,31":34,"1,32":35,"1,33":36,"1,34":37,"1,35":38,"1,36":39,"1,37":40,"1,38":41,"1,39":42,"1,40":43,"1,41":44,"1,42":45,"1,43":46,"1,44":47,"1,45":48,"1,46":49,"1,47":50,"1,48":51,"1,49":52,"1,50":53,"1,51":54,"1,52":55,"1,53":56,"1,54":57,"1,55":58,"1,56":59,"1,57":60,"1,58":61,"1,59":62,"1,60":63,"1,61":64,"1,62":65,"1,63":66,"1,65":67,"1,66":68,"1,67":69,"1,68":70,"1,69":71,"1,70":72,"1,71":73,"1,72":74,"1,73":75,"1,74":76,"1,75":77,"1,76":78,"1,77":79,"1,78":80,"1,79":81,"1,80":82,"1,81":83,"1,82":84,"1,83":85,"1,84":86,"1,85":87,"1,86":88,"1,87":89,"1,88":90,"1,89":91,"1,90":92,"1,91":93,"1,92":94,"1,93":95,"1,94":96,"1,95":97,"1,96":98,"1,97":99,"1,98":100,"1,99":101,"1,100":102,"1,101":103,"1,102":104,"1,103":105,"1,104":106,"1,105":107,"1,106":108,"1,107":109,"1,108":110,"1,109":111,"1,110":112,"1,111":113,"1,112":114,"1,113":115,"1,114":116,"1,115":117,"1,116":118,"1,117":119,"1,118":120,"1,119":121,"1,120":122,"1,121":123,"1,122":124,"1,123":125,"1,124":126,"1,125":127,"1,126":128,"1,127":129,"1,128":130,"1,129":131,"1,130":132,"1,131":133,"1,132":134,"1,133":135,"1,134":136,"1,135":137,"1,136":138,"1,137":139,"1,138":140,"1,139":141,"1,140":142,"1,141":143,"1,142":144,"1,143":145,"1,144":146,"1,145":147,"1,146":148,"1,147":149,"1,148":150,"1,149":151,"1,150":152,"1,151":153,"1,152":154,"1,153":155,"1,154":156,"1,155":157,"1,156":158,"1,157":159,"1,158":160,"1,159":161,"1,160":162,"1,161":163,"1,162":164,"1,163":165,"1,164":166,"1,165":167,"1,166":168,"1,167":169,"1,168":170,"1,169":171,"1,170":172,"1,171":173,"1,172":174,"1,173":175,"1,174":176,"1,175":177,"1,176":178,"1,177":179,"1,178":180,"1,179":181,"1,180":182,"1,181":183,"1,182":184,"1,183":185,"1,184":186,"1,185":187,"1,186":188,"1,187":189,"1,188":190,"1,189":191,"1,190":192,"1,191":193,"1,192":194,"1,193":195,"1,194":196,"1,195":197,"1,196":198,"1,197":199,"1,198":200,"1,199":201,"1,200":202,"1,201":203,"1,202":204,"1,203":205,"1,204":206,"1,205":207,"1,206":208,"1,207":209,"1,208":210,"1,209":211,"1,210":212,"1,211":213,"1,212":214,"1,213":215,"1,214":216,"1,215":217,"1,216":218,"1,217":219,"1,218":220,"1,219":221,"1,220":222,"1,221":223,"1,222":224,"1,223":225,"1,224":226,"1,225":227,"1,226":228,"1,227":229,"1,228":230,"1,229":231,"1,230":232,"1,231":233,"1,232":234,"1,233":235,"1,234":236,"1,235":237,"1,236":238,"1,237":239,"1,238":240,"1,239":241,"1,240":242,"1,241":243,"1,242":244,"1,243":245,"1,244":246,"1,245":247,"1,246":248,"1,247":249,"1,248":250,"1,249":251,"1,250":252,"1,251":253,"1,252":254,"1,253":255,"1,254":256,"1,255":257,"1,256":258,"1,257":259,"1,258":260,"1,259":261,"1,260":262,"1,261":263,"1,262":264,"1,263":265,"1,264":266,"1,265":267,"1,266":268,"1,267":269,"1,268":270,"1,269":271,"1,270":272,"1,271":273,"1,272":274,"1,273":275,"1,274":276,"1,275":277,"1,276":278,"1,277":279,"1,278":280,"1,279":281,"1,280":282,"1,281":283,"1,282":284,"1,283":285},"ٜ":{"1":[1,283]},"ٝ":[null,null,null,"1,1","1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283"],"ٞ":{"4":[1],"7":[2],"8":[3],"9":[4],"11":[5],"17":[6],"18":[7,8,9],"21":[10],"22":[11,12],"26":[13],"29":[14],"30":[15,16,17],"31":[18,19,20],"33":[21],"34":[22],"35":[23,24],"38":[25],"39":[26],"40":[27],"44":[28],"47":[29],"51":[30],"54":[31],"55":[32,33],"56":[34],"57":[35],"58":[36],"59":[37,38],"60":[39,40],"61":[41],"62":[42,43,44],"63":[45,46],"64":[47],"65":[48,49],"66":[50],"67":[51],"68":[52],"69":[53],"70":[54],"71":[55,56],"72":[57,58,59],"73":[60,61,62,63],"74":[64],"75":[65,66],"76":[67,68],"77":[69],"78":[70],"79":[71],"80":[72],"83":[73,74],"84":[75],"87":[76,77],"88":[78],"91":[79],"92":[80,81],"95":[82,83],"96":[84],"97":[85],"99":[86],"100":[87],"101":[88,89],"103":[90],"104":[91],"107":[92],"109":[93],"110":[94],"111":[95],"112":[96],"113":[97],"115":[98,99,100],"117":[101],"120":[102],"121":[103,104],"124":[105],"126":[106,107],"128":[108,109],"132":[110],"133":[111],"144":[112,113],"149":[114,115],"151":[116,117],"154":[118],"158":[119],"164":[120],"169":[121,122,123],"170":[124,125],"173":[126],"176":[127],"178":[128],"179":[129],"181":[130,131],"182":[132],"185":[133],"186":[134,135],"193":[136],"195":[137,138],"198":[139],"200":[140],"201":[141],"205":[142],"206":[143],"209":[144],"211":[145],"214":[146],"216":[147],"217":[148],"218":[149],"221":[150,151],"224":[152],"225":[153],"227":[154],"229":[155],"233":[156],"236":[157],"237":[158],"240":[159],"242":[160],"245":[161],"250":[162],"251":[163,164],"253":[165],"256":[166],"257":[167],"259":[168],"263":[169,170],"264":[171],"268":[172],"271":[173],"272":[174,175],"277":[176,177],"279":[178,179],"281":[180]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في العقيدة والمذاهب المعاصرة","vol":"1","page":null},{"text":"إعداد الطالب\nخالد بن منصور المطلق\n\nإشراف\nأ. د. علي بن محمد الدخيل الله السويلم\nالأستاذ في قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة","vol":"1","page":null},{"text":"الجزء الأول","vol":"1","page":null},{"text":"العام الجامعي ١٤٣٤ - ١٤٣٥\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1>المقدمة</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله؛\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١]\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠ - ٧١] أما بعد:\nفإن من سنن الله في خلقه أن الحق والباطل في صراع دائم وحرب مستمرة، وكانت الأمم السابقة إذا استشرى الضلال بينها واستحكم طوقه، آذن الله له بالزوال، ببعثة رسول من الرسل يجدد للناس ما اندرس من الدين، ويعيد للحق دولته وكيانه.\nوإن من رحمة الله بهذه الأمة، أن هيأ لها على مر العصور والدهور، واختلاف الأحوال والأمور، طائفة على الحق منصورة، متمسكة بدين ربها، ومنهج أسلافها، لايضرها من خالفها أو تخلف عنها، قادتها أئمة الهدى، ومصابيح الدجى، ممن حملوا على عواتقهم دعوة من ضل إلى الهدى، يحيون بكتاب الله الموتى، ويبصرون بهدي المصطفى أهل الضلالة والعمى، ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، بنور علمهم تحيا الأمة ويندحر ظلام البدعة، بهم نطق الكتاب وبه نطقوا، وبهم قام الكتاب وبه قاموا.\nويعد القرن الثامن - وهو القرن الذي عاش فيه الإمام يوسف السرمري - أحد القرون\nالعصيبة، والفترات التي استوى فيها سوق البدعة، وحلت الفرقة بين هذه الأمة، وتحقق في أهل","vol":"1","page":1},{"text":"السنة وصف الغربة.\nوفي هذا الجو المشحون بالبدع، كان للإمام جمال الدين أبي مظفر يوسف السرمري - ﵀ - جملة من المؤلفات في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة والدفاع عنها حتى تململ من منهجه فيها المتهالكون من أهل الأهواء والبدع، فقال عنه القِذِّيف الشَّغَّاب زاهد الكوثري (١): \"وكان صاحب الترجمة -يعني الإمام السرمري- بعيدًا عن علم الكلام وأصول الدين منصرفًا إلى مجالس الرواة يسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل كغالب مقلدة الرواة من أهل زمنه ... \" (٢).\nومن تلك المؤلفات منظومة [الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية] رد فيها على تقي الدين السبكي في أبياته التي لمز فيها شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد ذكرها الحافظ ابن ناصر الدين في [الرد الوافر] وقال: \"ولقد أحسن في هذا الرد المقبول وهدم تلك الأبيات بنظام المنقول وجلال المعقول\" (٣).\nومن مؤلفاته [نهج الرشاد في نظم الاعتقاد] وهي منظومة في عقيدة أهل السنة والجماعة، قد حوت دررًا ثمينة وجواهر نفيسة، مع عذوبة في النظم وجزالة في المعاني، أورد فيها عقيدة أهل السنة في (أسماء الله وصفاته، وكتاب الله، والقضاء والقدر، والمحرمات، والتعامل مع ولاة الأمر، واليوم الآخر، والإيمان بالنبي محمد - ﷺ -، والصحابة الكرام - ﵃ -).\nومن مؤلفاته كتاب [إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة] وهو كتاب في أدلة الأحكام من القرآن والسنة معًا، لكن قد بدأه المؤلف بكتاب الإيمان والسنة فقال: (وافتتحته بكتاب الإيمان\nوالسنة اتباعًا لطريقة السلف، وترغيبًا لمن بعدهم من الخلف) (٤).\n_________\n(١) سيأتي الحديث عنه -إن شاء الله-.\n(٢) انظر: هامش (لحظ الألحاظ بذيل طبقات الحفاظ لابن فهد) ص ١٦١، للكوثري، دار إحياء التراث العربي.\n(٣) الرد الوافر على من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر ص ٢٣٢، لابن ناصر الدين الدمشقي، تحقيق: زهير الشاويش، الطبعة الرابعة ١٤٢٦، المكتب الإسلامي، بيروت، دمشق، عَمان.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧٢، لجمال الدين السرمري، تحقيق: أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان، الطبعة الأولى ١٤٢٧، دار الكيان، الرياض.","vol":"1","page":2},{"text":"ومن مؤلفاته [كتاب نشر القلب الميت بفضل أهل البيت]، وكتاب [غيث السحابة في فضائل الصحابة]، وغيرها؛ إضافة إلى بعض المسائل العقدية التي أشار لها في كتبه المؤلفه في النحو والحديث والطب وغير ذلك، والإمام جمال الدين السرمري من المكثرين في التأليف، فمؤلفاته تزيد على المائة مصنف، قال ابن حجي (رأيت بخطه ماصورته: مؤلفاتي تنيف على مائة مصنف كبار وصغار، في بضعة وعشرين علمًا، ذكرتها على حروف المعجم في \"الروضة المورقة في الترجمة المونقة\") (١).\nوكان من جملة هذا المصنفات في باب الاعتقاد كتاب [خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈] الذي جمع فيه المؤلف ما من به الله ﵎ على رسولنا الكريم - ﷺ - من معجزات عظيمة لم يسبق لها مثيل، وآيات باهرات توضح وتبين لنا مقامه وفضيلته وعلو قدره، وأنه خاتم الأنبياء والمرسلين وأنه سيد الأولين والآخرين.\nوإن القارئ للمخطوطة ليشعر من صفحاتها الأولى بعظيم قدرها، فقد جمع فيها بين الرواية والدراية، كيف لا يكون وهو من أهل الحديث، كما أن موضوعها مهم في زمن كثر المخالفون فيه من أهل الديانات الباطلة والمنسوخة الطاعنون في الرسالة وفي القرآن بل وفي كل الشريعة والدين، وإن معرفة فضائله - ﷺ - وما أيده الله من الآيات وخوارق العادات من الأمور العظيمة التي تطمئن بها النفوس وتركن بها القلوب إلى تقبل ما جاء به وتطبيقه والسير على منهجه - ﷺ -.\nفلذلك - وبعد الاستخارة والاستشارة - اخترت أن يكون موضوع بحثي لمرحلة \"الماجستير\": [منهج الإمام جمال الدين السُّرَّمَرِّي في تقرير العقيدة، مع تحقيق ودراسة كتابه \"خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈\"].\n_________\n(١) شذرات الذهب (٥/ ٢٤٩)، والمنهج الأحمد للعليمي (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":3},{"text":"-<span data-type=\"title\" id=toc-2> أهمية الموضوع وأسباب اختياره:</span>\n١ - مكانة الإمام جمال الدين السرمري ﵀، والجهد العلمي الذي قدمه للأمة، ففي دراسة منهجه إبراز لهذا الجهد وإظهار له، ومحاولة جمع ماتفرق من هذه المادة العلمية ليسهل الرجوع إليها والاستفادة منها.\n٢ - أن الحافظ جمال الدين السرمري ﵀ من الأعلام في مدرسة شيخ الاسلام ابن تيمية كما كانت له جهود في الدفاع عن منهجه ﵀، ومن ذلك [الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية]، وهي منظومة يرد بها على أبيات السبكي، قال ابن ناصر الدين في [الرد الوافر]: \"ولقد أحسن في هذا الرد المقبول وهدم تلك الأبيات بنظام المنقول وجلال المعقول\" (١).\n٣ - أن دراسة منهج مثل هؤلاء الأئمة تبرز عقيدة السلف غضة طرية، بعيدة عن التعقيدات الكلامية والمقدمات المنطقية، وبهذا يرتبط المسلم بسلفه الصالح.\n٤ - هناك تشابه كبير بين الفترة التي عاشها هذا الإمام وبين عصرنا الحاضر، من حيث انتشار البدع، وغلبة الأهواء، فدراسة منهجه في تقرير العقيدة، قد تعين على تصحيح الواقع العقدي للأمة.\n٥ - كون الموضوع شاملًا لجل أبواب العقيدة، مما يستلزم من الباحث أن يمر أثناء بحثه على كثير من المسائل العقدية، فيعود ذلك عليه بالنفع الكبير.\n٦ - أن هذا الكتاب - حسب علمي - لم يسبق أن طبع أو حقق، فقد بحثت عنه في الجامعات والمكتبات العامة داخل السعودية وخارجها ولم أجد له تحقيقًا أو طباعة.\n٧ - حسن التقسيم ودقيق الاستنباط من المؤلف - ﵀ -، فقد جعل لكل نبي\nفصلًا يذكر فيه ما أوتي من المعجزات ثم يورد نظائر هذه المعجزات التي وقعت لنبينا ﷺ أو الكرامات لصالحين من أمته ثم يوازن بينها ويستنبط فضله ﷺ،\n_________\n(١) الرد الوافر ص ٢٣٢.","vol":"1","page":4},{"text":"ثم ذكر بعد ذلك فصلًا أورد فيه ما اختص به نبينا ﷺ من المعجزات والمزايا الكريمة مما فاق به عليهم.\n٨ - إيراد المؤلف لجملة من المسائل المشكلة والجواب عنها، مثال ذلك قال ﵀: \"فإن قيل: في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: من الآية ٢٦] وأن الله سبحانه استجاب له فأغرق الأرض ومَن عليها دليل على أن نوحًا ﵊ كان مُرسلًا إلى جميع أهل الأرض فكيف يقال: بأن محمدًا - ﷺ - وحده أُرسِل إلى الناس كافةً، فالجواب. . . \" (١)، والكتاب مملوء بـ (فإن قيل/ فالجواب).\n٩ - أن النسخة الأصل نفيسة جدًا وعليها قيد سماع المؤلف وإجازته، ونسخت في سنة (٧٧٠) أي قبل وفاة المؤلف بست سنوات.\n١٠ - لم يقتصر المؤلف - ﵀ - في كتابه على سرد الأحاديث والآثار وإنما كان له شرح وبيان في كثير من المواضع، والكتاب فيه تحقيق كبير فالمؤلف يمايز بين معجزات النبي ﷺ وبين معجزات كل نبي ثم يبين الأمور التي تميزت بها معجزاته ﷺ، ويورد المسائل المشكلة ويجيب عنها، إضافة إلى مايذكره من الفوائد والاستنباطات.\n\n-<span data-type=\"title\" id=toc-3> الهدف من الدراسة:</span>\n١ - التعريف بالإمام جمال الدين أبي المظفر يوسف السرمري - ﵀ - ومكانته وآثاره العلمية، وإبراز منهجه في تقرير عقيدة أهل السنة والجماعة، والدفاع عنها.\n٢ - إخراج هذا المخطوط الجليل ليكون في متناول أيدي الدارسين والباحثين للوقوف\nعليه، والاستفادة مما جاء فيه.\n_________\n(١) [ق ٧/ظ].","vol":"1","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-4>خطة البحث: تشمل على مقدمة، وقسمين، وخاتمة</span>.\nالمقدمة: وتشمل أهمية الموضوع، وأسباب اختياره، وخطة البحث، والمنهج المتبع فيه.\nالقسم الأول: منهج الإمام جمال الدين السرمري في تقرير العقيدة، وفيه سبعة فصول:\nالفصل الأول: عصر جمال الدين السرمري وحياته، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: عصر جمال الدين السرمري.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية.\nالمبحث الثالث: حياته العلمية.\nالفصل الثاني: منهج جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مصادر جمال الدين السرمري في التلقي.\nالمبحث الثاني: منهجه في الاستدلال.\nالفصل الثالث: منهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: توحيد الربوبية.\nالمبحث الثاني: توحيد الألوهية.\nالمبحث الثالث: توحيد الأسماء والصفات.\nالفصل الرابع: منهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان، وفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل.\nالمبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.\nالمبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.\nالفصل الخامس: منهج جمال الدين السرمري في مسائل الإيمان، وفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: مسمى الإيمان.\nالمبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.\nالمبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.","vol":"1","page":6},{"text":"المبحث الرابع: الكبيرة وحكم مرتكبها.\nالفصل السادس: منهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: الصحابة.\nالمبحث الثاني: الإمامة.\nالفصل السابع: موقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع، وفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة.\nالمبحث الثاني: موقفه من أهل البدع.\nالقسم الثاني: تحقيق كتاب \"خصائص سيد العالمين وما له من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈\"\nمقدمة التحقيق: وفيها ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: التعريف بالكتاب، وفيه سبعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسم الكتاب.\nالمطلب الثاني: توثيق نسبة الكتاب إلى المؤلف.\nالمطلب الثالث: موضوع الكتاب، ومجمل مباحثه.\nالمطلب الرابع: أهمية الكتاب، وقيمته العلمية.\nالمطلب الخامس: منهج المؤلف فيه.\nالمطلب السادس: مصادره في كتابه.\nالمطلب السابع: تقويم الكتاب.\nالمبحث الثاني: التعريف بالخصائص والمناقب والمعجزات.\nالمبحث الثالث: وصف النسخ الخطية.\nالخاتمة: وفيها النتائج التي توصلت إليها من خلال هذا البحث.","vol":"1","page":7},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-5>منهجي في البحث:</span>\nويكون على المنهج الوصفي التحليلي، ويتلخص في النقاط التالية:\n١ - استقراء المسائل العقدية التي نص جمال الدين السرمري - ﵀ - على رأيه فيها، في كتبه، أو الكتب الناقلة عنه، وترتيب هذه المسائل حسب خطة البحث.\n٢ - دراسة هذه المسائل ونقدها وفق مايلي:\nأعرض قول جمال الدين السرمري - ﵀ - في كل مسألة.\nب الاستدلال على المسائل بنصوص الكتاب والسنة وكلام أهل العلم.\nج بيان مدى موافقة جمال الدين السرمري - ﵀ - في المسألة لمذهب السلف.\n٣ - تحقيق المخطوط وفق مايلي:\nأمقابلة النسخ؛ وقد اتبعت فيها ما يلي:\n- اعتمدت نسخة \"أ\" أصلًا، بحيث أشير إلى كل ما زاد عليها؛ إلا إذا كان ما في \"ب\" صوابًا أو الأولى ففي هذه الحالة أثبته في المتن، وما رأيته خطأ أو خلاف الأولى في \"أ\" أثبته في الحاشية.\n- كل زيادة عن نسخة \"أ\" سواء من نسخة \"ب\" أو من أحد الكتب التي نقل عنها المؤلف أو من عندي، أضعها بين معقوفتين هكذا: [] وأشير في الحاشية إلى أنه زيادة من \"ب\" أو أحد الكتب أو من عندي.\nوإذا كانت الزيادة من عندي أقول: ولعل الصواب ما أثبتُّ أو ما أثبتُّه.\n- إذا كانت الكلمة في إحدى النسختين خطأ أو خلاف الأولى وفي الأخرى صوابًا أو الأولى إثباته، فإني أثبت الصواب أو الأولى في الأصل وأشير إلى الأخرى في الحاشية، دون أن أنص على النسخة التي أثبته منها اختصارًا.\nفإذا أشرت في الحاشية إلى ب فما أثبته في الأصل من أ\nوإذا أشرت في الحاشية إلى أفما أثبته في الأصل من ب","vol":"1","page":8},{"text":"- كل نص وجد في النسخة الأصل \"أ\" ولم يوجد في النسخة الأخرى \"ب\" أضعه بين قوسين هكذا () وأشير في الحاشية إلى أنه ليس في ب.\n- لم أذكر ضمن الفروق بين النسخ الاختلافات اليسيرة كالاختلاف في وضع النقط مثل \"يدركها، تدركها، يحيط، تحيط\"، والاختلاف في حرف العطف مثل: \"فكل، وكل، فكانتا، وكانتا\" مالم يترتب على ذلك اختلاف في المعنى.\nوأثبت ما كان فيه تغيير لمبنى الكلمة كزيادة حرف ونحوه.\n- لم أتقيد بالرواية على كِتْبَةِ الصلاة والسلام على رسول الله - ﷺ - عند ذكره، ولا الترضي على الصحابة - ﵃ - عند ذكرهم، وهكذا الأمر في الثناء على الله سبحانه عند ذكر اسمه نحو \"﷿\" و\"﷾\"؛ لأن ذلك دعاء وثناء أثبته لا كلام أرويه (١).\nب كتابة النص وضبطه وفق الرسم الإملائي.\nج وضع عناوين جانبية للفقرات.\nد التعليق على مايحتاج إلى تعليق.\n٤ - عزو الآيات، بذكر اسم السورة ورقم الآية، وجعلت ذلك في الأصل بين معقوفتين هكذا [] حتى لا أثقل الحواشي.\n٥ - تخريج الأحاديث، فما كان في الصحيحين أو أحدهما اكتفيت بالعزو إليه، وإلا خرجته من المصادر الأخرى، مع نقل حكم الأئمة عليه.\n٦ - تخريج الآثار ونقل الحكم عليها إن وجد، وعزو النقول والأمثال.\n٧ - يستثنى مما سبق في التخريج ما ذكر في قسم المنهج من الأحاديث والآثار ضمن نص\nمنقول عن كتاب فإني أكتفي فيها بالإحالة إلى الكتاب المنقول عنه، وذلك لأنها إما منقولة عن كتب قد خرجت تلك الأحاديث تخريجًا مستوفيًا ككتاب \"الأربعون الصحيحة فيما دون\n_________\n(١) هذه النقطة في المنهج استفدتها من العلامة عمدة المحققين الشيخ أحمد شاكر في مقدمة تحقيقه لسنن الترمذي ص ٢٦ - ٢٧.","vol":"1","page":9},{"text":"أجر المنيحة\" وكتاب \"إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة\" و\"كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون\"، وإما منقولة عن كتاب \"خصائص سيد العالمين\" وسيأتي تخريجها في قسم التحقيق.\n٨ - الترجمة لغير المشهورين من الأعلام، وممن تستدعي الحاجة التعريف بهم.\n٩ - اعتمدت التأريخ الهجري في التراجم وغيرها دون أن أرمز له بحرف (هـ) لأن التأريخ الهجري هو الأصل وهو تأريخ المسلمين، فإن ذكرت تأريخًا سواه أشرت إلى ذلك.\n١٠ - التعريف بالفرق والطوائف والأماكن والقبائل.\n١١ - التعريف بالمصطلحات والألفاظ الغريبة مع ضبطها.\n١٢ - أشرت إلى صفحات نسخة الأصل \"أ\" في داخل النص، فأضع معقوفين وبداخلهما رقم الورقة ورمز الصفحة، وقد استخدمت فيها الرموز التالية:\nق ... الورقة\nو... الوجه\nظ ... الظهر\nوقد قمت بترقيم جميع الأوراق ما عدا الورقة (٢٩) ففي أسفلها خرم.\n١٢ - وضع الفهارس المساعدة على الإفادة من البحث، وهي:\nأ. فهرس الآيات الكريمة.\nب. فهرس الأحاديث الشريفة.\nج. فهرس الآثار.\nد. فهرس الأعلام.\nهـ. فهرس الفرق والطوائف.\nو. فهرس الأماكن والبقاع.\nز. فهرس المصطلحات والغريب.\nح. فهرس الأشعار والأمثال.\nط. فهرس المصادر والمراجع.\nي. فهرس المحتوى.","vol":"1","page":10},{"text":"لقد كانت أولى الخطوات التي بدأها الباحث بعد تسجيل هذا الموضوع هي البحث عن كتب السرمري المطبوعة والمخطوطة، فبحث لدى المكتبات العامة المحلية والعالمية وفي دور النشر ولدى المهتمين بجمع الطبعات والمخطوطات، فوجد الباحث في مكتبة الأمير سلمان المركزية بجامعة الملك سعود مخطوطة للسرمري بعنوان (المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ -) وهي نسخة مصورة عن المكتبة الأحمدية بحلب، ثم سافر الباحث إلى المدينة فوجد في مكتبة الجامعة الإسلامية بالمدينة مخطوطة للسرمري بعنوان (فوائد مخرجه عن شيوخ العدل الأمين الثقة بقية السلف جمال الخلف شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي)، كما وجد في مكتبة المسجد النبوي كتابًا للسرمري بعنوان (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) وهو مطبوع لكنه قد نفد من المكتبات، ثم قام الباحث بالسفر إلى الكويت فوجد في مكتبة جامعة الكويت مخطوطة للسرمري بعنوان (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام)، ووجد في مركز المخطوطات للتراث والوثائق بالكويت مخطوطة بعنوان (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، بعد ذلك وجد الباحث في فهرس مكتبة الاسكندرية بالاسكندرية مخطوطًا للسرمري بعنوان (عجائب الاتفاق وغرائب ماوقع في الآفاق) فراسل المكتبة طالبًا منهم الحصول على المخطوط، ثم وجد الباحث رسالة علمية في الأردن قُدمت لنيل درجة الماجستير في الجامعة الأردنية سنة ١٩٩٥ م، وكان موضوعها دراسة وتحقيق (شرح اللؤلؤ في النحو للسرمري) لإبراهيم بن حمد الدليمي، وكان كتاب (شرح اللؤلؤ في النحو) موجود عند الباحث بتحقيق أمين عبدالله سالم قبل تسجيل الموضوع، لكنه حرص على تحقيق الدليمي لأنه رسالة علمية من عراقي، وقد يكون وقف على بعض مخطوطات السرمري في العراق فيذكرها في ترجمته، فاستعان الباحث بالشيخ شوكت بن رفقي شوكت من الأردن وهو محقق (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون للسرمري) للحصول على الرسالة، وقد قام الشيخ شوكت مشكورًا بتصويرها من الجامعة الأردنية وإرسالها إلى الرياض فجزاه الله خير الجزاء.\nثم شرع الباحث بالعمل بما لديه مستعينًا بالله طالبًا منه التيسير والإعانة والتوفيق، فاستقرأ جميع كتب السرمري المطبوعة والمخطوطة التي وجدها قبل تسجيل الموضوع وبعده، وحاول أن يستخرج","vol":"1","page":11},{"text":"منها ما يتعلق بمنهجه في تقرير العقيدة، كما عانى في بداية بحثه من جمع المتناثر في بطون الكتب عن ترجمة السرمري، وخاصة أن جمال الدين السرمري ممن خمل ذكرهم في العصور المتأخرة عند كثير من الباحثين، فالمادة العلمية في ترجمته تحتاج إلى بحث كثير، ووفِّق بحمد الله وهدايته إلى إثبات مادة وافية في ثبت شيوخه وتلاميذه ومصنفاته وحياته الشخصية، وهو جهد غير منظور لا يدركه إلا من عاناه أو من له باع طويل في هذا المجال.\nأما ما يتعلق بالتحقيق فقد كان الباحث حين تسجيل الموضوع لم يجد إلا نسخة فريدة لمخطوط (خصائص سيد العالمين) ثم هُدي بتوفيق الله بعد تسجيل الموضوع إلى نسخة أخرى لكتاب (خصائص سيد العالمين) موجودة في مركز جمعة الماجد للثقافة والتراث ومصورة عن مكتبة آستان قدس رضوي المركزية بمشهد الإيرانية باسم (الخصائص والمفاخر)، ولم يكن مركز جمعة الماجد قد أتم فهرسة المخطوطة، فالمخطوطة مسجلة عندهم بعنوانها فقط ولم يذكر اسم مصنفها، ولعلها من المخطوطات الحديثة في المركز، وقام الأخ عادل العوضي مشكورًا بإرسالها إلى الباحث فجزاه الله عنه خير الجزاء، وهذا قاد الباحث للبحث عن نسخ أخرى باسم (الخصائص والمفاخر) في المكتبات المحلية والعالمية فلم يجد إلا ما ذكره بروكّلمان في تاريخه عن نسخة موجودة في مكتبة برلين، فقام بمراسلة مكتبة برلين عن طريق مركز الملك فيصل فاعتذروا عن التصوير.\nثم شرع الباحث العمل في التحقيق بمقابلة النسختين لكتاب (خصائص سيد العالمين)، وقد بذل جهدًا في سبيل إبراز النص كما كتبه المؤلف أو في سبيل الترجمة لعلم التبس عليه أو أثر لم يقف على من خرجه، ودرس الباحث في دورة علمية تأهيلية بعنوان \"تحقيق المخطوط\" يحاضر فيها أ. د بشار عواد معروف وأ. د حاتم صالح الضامن، كما كان الباحث يستشير في كثير من موضوعات علم التحقيق: الشيخ عمار بن سعيد تمالت -الباحث في قسم المخطوطات بمركز الملك فيصل-، والشيخ صالح بن محمد عبدالفتاح -الباحث في علم المخطوط العربي بدار الكتب المصرية-، فجزاهما\nالله عنه خير الجزاء.\nثم قام في نهاية بحثه برحلة إلى مكتبة برلين علَّه أن يطلع على النسخة الموجودة فيها ولكنه لم","vol":"1","page":12},{"text":"يُمكن لأسباب سيأتي ذكرها -إن شاء الله- في وصف النسخ الخطية.\nوأخيرًا فأشكر الله أولًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا، فله الحمد والمنة من قبل ومن بعد على ما يسر لي ووفقني إليه من إتمام هذا البحث.\nثم أشكر بعد شكر الله لمن قرن الله حقهما بحقه، وهما والديَّ الكريمين على ما قاما وقدَّما وبذلا كل ما فيه نفع وخير وصلاح وإعانة، فاسأل الله أن يبارك فيهما، ويمتِّع بهما، ويطيل في أعمارهما على طاعته ومرضاته، ويُحسن لهما الختام.\nكما أتقدم بالشكر والعرفان لجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية على إتاحة الفرصة لي لمواصلة تعليمي العالي، وأخص بالشكر مجلس عمادة الدراسات العليا ومجلس كلية أصول الدين ومجلس قسم العقيدة والمذاهب المعاصرة على ما بذلوه من جهد في رعاية البحث.\nثم إن أقل ما يمكن أن أسديه لمن أعانني وغمرني بكريم معاملته وحسن معروفه أن أقدم له وافر الشكر وجزيل الامتنان، وعلى رأسهم فضيلة الأستاذ الدكتور علي بن محمد الدخيل الله السويلم، الذي تفضل بالإشراف على الرسالة، ولم يبخل عليّ بوقته، ولم يأل جهدًا في إسداء النصح والإرشاد وإبداء الملحوظات، ولقد استفدت كثيرًا من ثاقب رأيه وسديد توجيهاته وحسن درايته بالتحقيق، وهو الذي أخرج كتاب (الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة)، كل هذا وسط دماثة خلق عالية، وليس هذا غريبًا على مثله، فكل من عاشره وجالسه لمس منه هذا الشيء، أسأل الله بمنه وكرمه أن يجزيه عني خير ما جزى أستاذًا عن تلميذه.\nولا أستجيز إغفال شكري لأهل بيتي الأوفياء على ما لقيته منهم من مؤازرة ودعم وتشجيع فبارك الله لي فيهم، ولكل مشايخي وإخواني الذين استفدت مما عندهم ولم يبخلوا عليّ بنصح أو رأي أو توجيه أو إعانة.\nوفي الختام هذا هو جهد المقل، فإن أصبت فمن الله وحده لا شريك له، وإن اخطأت فمن\nنفسي والشيطان، واستغفر الله وأتوب إليه.\nوالله أعلم، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الفصل الأول\nعصر جمال الدين السرمري وحياته</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: عصر جمال الدين السرمري.\nالمبحث الثاني: حياته الشخصية.\nالمبحث الثالث: حياته العلمية.","vol":"1","page":14},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-7>المبحث الأول\nعصر جمال الدين السرمري</span>\nقبل الحديث عن ترجمة الإمام جمال الدين السرمري، لابد من نبذة مختصرة عن عصره، فإن الظروف التي تحيط بالشخص، والبيئة التي يعيش فيها، لهما أثر كبير في تكوين حياته، وطبعها بطابع خاص، وذلك لأن الإنسان كما يقال: ابن بيئته، فيتأثر - غالبًا - بما يدور حوله من أحداث سياسية وحروب ونزاعات، كما يتأثر بالوضع الإجتماعي والعلمي.\nولما لهذه الجوانب من أثر في حياة العالم أو إنتاجه العلمي، فإني سألقي الضوء باختصار على أهم هذه الجوانب.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-8>المطلب الأول: الحالة السياسية:</span>\nلقد ولد وعاش جمال الدين السرمري في أوضاع سياسية قلقة وغير مستقرة، فقد مُني العالم الإسلامي في هذه الفترة بأحداث جسام، كان من أبرزها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-9>١ - سقوط مدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسيّة:</span>\nكانت الخلافة الإسلامية في بغداد قبل وصول التتار (١) قد تداعت أركانها، ولم يكن زمام الأمور في بغداد في يد واحدة، فكان الوزراء كل منهم ينقم على الآخر.\nوكان سكان بغداد من أهل السنة والشيعة والنصارى واليهود، وبينهم من الخلاف الشيء الكثير.\n_________\n(١) التتار: شعب بدوي يعيش بأطراف بلاد الصين، وهم سكان البراري، ومشهورون بالشر والغدر، يعبدون الكواكب، ويسجدون للشمس أثناء شروقها، وتنتشر عندهم الإباحية، وتعرف ديانتهم القديمة بالشامانية، يقدمون الأضاحي لبعض الحيوانات الشريرة، ويقدسون أرواح الأجداد، والتتار هم أصل القبائل المتفرعة عنهم جميعًا من مغول وترك وسلاجقة وغيرهم، ولما سيطر المغول أيام جنكيز خان على قبائل التتار شمل الجميع اسم المغول، ولما سيطر التتار أيام تيمور لنك شمل الجميع اسم التتار. انظر: التاريخ الإسلامي (٦/ ٣٢٩)، محمود شاكر، الطبعة السادسة ١٤٢١، المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":15},{"text":"في هذه الظروف كان الوزير الشيعي ابن العلقمي (١) يدير مؤامرة كبرى للقضاء على دولة الخلافة، وإبادة أهل السنة، وإقامة دولة على مذهب الشيعة الرافضة، فاستغل منصبه، وحظوظه عند الخليفة، وبدأ ينفث سمومه رويدًا رويدًا في قلب الخلافة العباسية ليضعفها، وقد حاك خيوط المؤامرة بوسائل متعددة، ومن أهمها (٢):\n١ - تقليل قوام الجيش:\nقال ابن كثير - ﵀ -: \"وكان الوزير ابن العلقمي قبل هذه الحادثة يجتهد في صرف الجيوش وإسقاط اسمهم من الديوان، فكانت العساكر في آخر أيام المستنصر -والد المستعصم- قريبًا من مائة ألف مقاتل ... فلم يزل يجتهد في تقليلهم إلى أن لم يبق سوى عشرة آلاف\" (٣).\n٢ - معاداة أهل السنة:\nفقد زادت تحركات العناصر الشريرة في الدولة تحت وصاية الوزير ابن العلقمي ضد علماء السنة وأكابر البلد (٤).\n٣ - اتصالات سرية مع العدو:\nقال ابن كثير عنه: \"كاتب التتار وأطمعهم في أخذ البلاد وسهل عليهم ذلك، وحكى لهم حقيقة الحال، وكشف لهم ضعف الرجال، وذلك كله مطمعًا منه أن يزيل السنة بالكلية، وأن يظهر بدعة الرافضة، وأن يقيم خليفة من الفاطميين، وأن يبيد العلماء والمفتين ... \" (٥).\nوكان يناصره في هذه الخيانة نصير الشرك الطوسي (٦).\n_________\n(١) محمد بن أحمد (أو محمد بن محمد بن أحمد) بن علي، مؤيد الدين المعروف بابن العلقمي البغدادي الرافضي، كان غاليًا في التشيع إلى غاية ما يكون، وكان وزيرًا للمستعصم بالله، توفي سنة ٦٥٦. انظر: سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٣٦١ - ٣٦٢)، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة التاسعة ١٤١٣، مؤسسة الرسالة، بيروت؛ الأعلام (٥/ ٣٢١)، الطبعة الخامسة عشر، عام ٢٠٠٢ م، دار العلم للملايين، بيروت، وقد وصفه مؤلف الأعلام بقوله: \"صاحب الجريمة النكراء\".\n(٢) انظر: أسمى المطالب في سيرة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - (٢/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤)، لعلي الصلابي، مكتبة الصحابة، الإمارات، ١٤٢٥.\n(٣) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥)، تحقيق: علي شيري، الطبعة الأولى ١٤٠٨، دار إحياء التراث العربي.\n(٤) انظر: مقدمة تحقيق (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية) ص ١١، لصلاح الدين مقبول أحمد، الطبعة الأولى ١٤١٢، مجمع البحوث الإسلامية، الهند.\n(٥) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥).\n(٦) هو محمد بن محمد بن الحسن، أبو جعفر، وكان يقال له: نصير الدين، فيلسوف، توفي سنة ٦٧٢. انظر: الأعلام (٧/ ٣٠)، قال عنه ابن القيم في إغاثة اللهفان (٢/ ٢٦٧)، تحقيق: محمد حامد الفقي، الطبعة الثانية ١٣٩٥، دار المعرفة، بيروت: \"نصير الشرك والكفر وزير الملاحدة وزير هلاكو ... قتل الخليفة والقضاة والفقهاء والمحدثين واستبقى الفلاسفة والمنجمين والطبائعيين والسحرة ... \".","vol":"1","page":16},{"text":"وفي تلك الظروف، أرسل هلاكو إلى الخليفة رسالة، يهدده فيها، ويأمره بتسليم بغداد. فلم يكترث الخليفة للأمر.\nفقرر الزحف إلى بغداد مع مائتي ألف مقاتل إلى بغداد، وأول من برز إليه مهنئًا له ومرحبًا به هو ابن العلقمي ثم رجع وأشار على الخليفة بالمثول بين يديه لتقع المصالحة، فخرج الخليفة مع سبعمائة راكب من أعيان الدولة وأكابر البلد فسلم نفسه وعاصمته بلا قيد أو شرط بعد أن وعده هولاكو بالأمان - وأنَّى لكافر أمان - فغدر بهم.\nوأشار ابن العلقمي والنصير الطوسي وغيرهم من المنافقين على هولاكو بقتل الخليفة: \"فقتلوه رفسًا ... وقيل: بل خنق، ويقال بل أغرق\" (١).\nثم مالوا على البلد فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار، إما بالكسر وإما بالنار، ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، ولم ينج منهم سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار جاسوسهم ابن العلقمي الرافضي (٢).\nكما خربوا المساجد، وأتلفوا المكتبات، بإحراق الكتب، أو بإلقائها في نهر دجلة، ودخل كثير من الناس الآبار، وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أيامًا لايظهرون، وما زال السيف يقتل أهل بغداد أربعين يومًا، حتى قد قدر المؤرخون القتلى بمليون، وثمانمائة ألف! (٣)، وكان قصدهم إفناء النوع وإبادة العالم لا قصد الملك والمال (٤).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٤ - ٢٣٥).\n(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥).\n(٣) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٥)، العبر في خبر من غبر (٣/ ٢٧٨)، تحقيق: أبو هاجر محمد السعيد، الطبعة الأولى ١٤٠٥، دار الكتب العلمية، بيروت؛ حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة (١/ ٥٧)، د. جميل عبد الله المصري، الطبعة الأولى، ١٤٠٧، مطابع الجامعة الإسلامية، المدينة.\n(٤) انظر: تاريخ الخلفاء ص ٤٠٣، للسيوطي، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، الطبعة الأولى ١٣٧١، مطبعة السعادة، مصر.","vol":"1","page":17},{"text":"ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضًا، فلا يعرف الوالد ولده، ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى (١) فإنا لله وإنا إليه راجعون.\nوبعد الاستيلاء سنة ٦٥٦ صارت العراق تابعة إلى حكم المغول، ودام حكمهم إلى عام ٧٣٨ (٢).\nتلك هي حالة بغداد والعراق، وقد نتج من جراء ذلك السقوط، تعرض الوحدة السياسية للمسلمين لضربة قاسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-10>٢ - حملة التتار على الشام ومصر:</span>\nلم تسلم الشام ومصر من حملات التتار، فبعد أن سقطت بغداد نزل هولاكو على مدينة حلب وراسل متوليها على أن يسلمه البلد ويؤمنه ورعيته، فلم يجبه إلى طلبه وأبى إلا محاربته، فحاصرها التتار سبعة أيام وأخذوها بالسيف، وقتلوا خلقًا كثيرًا وأسروا النساء والذرية ونهبوا الأموال مدة خمسة أيام، وامتنعت قلعة حلب، فنازلها هولاكو حتى أخذها في عاشر صفر سنة ٦٥٨ (٣)، ثم توجهوا إلى دمشق ووجدوا المدافعين قد هجروها فأخذوا المدينة دون قتال، ثم استمر الجيش المغولي في زحفه نحو مصر ومعه بعض الصليبين، وكانت مصر تحت قيادة السلطان المظفر سيف الدين قطز (٤)، فخرج للقاء التتار بعدما سمع بمسيرهم إلى مصر، ووصولهم\nإلى غزة فالتقى معهم وهزمهم هزيمة منكرة في معركة عين جالوت، في رمضان، سنة ٦٥٨ (٥).\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٣/ ٢٣٦).\n(٢) انظر: تاريخ العراق بين احتلالين (١/ ٥٤٦)، لعباس العزاوي، مطبعة بغداد، ١٣٥٣.\n(٣) السلوك لمعرفة دول الملوك (١/ ٥١١)، للمقريزي، تحقيق: محمد عبدالقادر عطا، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(٤) المظفر سيف الدين قطز، من مماليك الأتراك، القائد الشجاع، أعز الله به الإسلام في كسر التتار، قتله الظاهر بيبرس! سنة ٦٥٨. انظر: الأعلام (٥/ ٢٠١ - ٢٠٢)، سير أعلام النبلاء (٢٣/ ٢٠٠ - ٢٠١)، شذرات الذهب (٧/ ٥٠٧ - ٥٠٨)، تحقيق: عبدالقادر الأرنؤوط ومحمود الأرناؤوط، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار ابن كثير، دمشق - بيروت.\n(٥) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٢٥٥ - ٢٥٦)، شذرات الذهب (٥/ ٢٩١).","vol":"1","page":18},{"text":"وفي ذلك الوقت أضحت القاهرة أهم المدن الإسلامية؛ باعتبارها عاصمة أقوى دولة في ذلك العصر؛ فوجد الهاربون إليها من أهل العراق والشام ملاذًا آمنًا من خطر المغول.\nواستمرت الحروب بين المسلمين والتتار طيلة تلك الفترة، ومنها معركة شقحب سنة ٧٠٢ (١) التي شارك فيها شيخ الإسلام أحمد بن تيمية رحمة الله عليه، ومجموعة من العلماء.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>٣ - الحروب الصليبية:</span>\nشهد العالم الإسلامي، قبل هذه المدة حروبًا عظيمة، ومحاولات لإزالة الدين الإسلامي، وعلى رأس ذلك ماعرف بالحملات الصليبية، التي استمرت من سنة (٤٩٠) إلى سنة (٦٩٠) (٢)، وهي وإن كانت قد انقضت قبل ولادة السرمري ﵀ إلا أنها تركت أثرًا في نفوس المسلمين في عصر السرمري ﵀.\n\nآثار هذه الحملات على العالم الإسلامي:\nهذه الحروب والحملات على العالم الإسلامي والتي راح ضحيتها الكثير والكثير من الأرواح والأموال، والتي دمرت فيها المدارس والمعاهد ودور العلم، وأحرقت فيها المكتبات، كان لها أثر إيجابي، رغم ذلك كله، فقد كان من آثارها، أن وجدت في المسلمين روح التحدي، والحماس لدينهم، ومقدساتهم، فأيقظت فيهم الإيمان، والجهاد والتضحية مما جعلهم يردون هذه الحملات على أعقابها، بعد سنوات قليلة، كما علمتهم الكثير من فنون الحرب والقتال (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-12>٤ - النزاعات الداخلية:</span>\nيدلنا على هذا كثرة السلاطين الذين تولوا زمام الأمور، والمدة الوجيزة التي يقضيها الواحد منهم حاكمًا.\n_________\n(١) البداية والنهاية (١٤/ ٢٩ - ٣٠).\n(٢) البداية والنهاية (١٣/ ٣٧٦).\n(٣) مقدمة تحقيق \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" (١/ ٣٥)، د. علي الدخيل الله، الطبعة الثالثة ١٤١٨، دار العاصمة، الرياض.","vol":"1","page":19},{"text":"ففي سنة ٦٩٣ تولى السلطان الناصر محمد بن قلاوون (١).\nوفي سنة ٦٩٤ اغتصب السلطان العادل كتبغا المنصوري السلطنة (٢).\nوفي سنة ٦٩٦ تولى السلطنة حسام الدين لاجين بعد أن عزل السلطان \"كتبغا\" (٣).\nوفي سنة ٦٩٨ عاد السلطان الناصر محمد إلى السلطة، وحكم إلى سنة ٧٠٨، حتى فسد مابينه وبين \"بيبرس\"، فرحل الناصر من القاهرة معلنًا بأنه يرحل للحج، ولكنه عندما وصل إلى الكرك، خلع نفسه (٤).\nوفي سنة ٧٠٨ اختار الأمراء بيبرس الجاشنكير سلطانًا (٥)، بعد تنازل السلطان الناصر محمد.\nوبعد أقل من عام، عاد السلطان الناصر محمد بن قلاوون إلى سلطنته العودة الثانية، ولما دخل القاهرة وصعد إلى القلعة، بايعه الخليفة المستكفي بالله، والقضاة الأربعة، وسائر الأمراء، ثم قبض على الملك السابق وأعدمه، وقد امتاز عهده بطول المدة الزمنية، إذ تولى من سنة ٧٠٩ حتى سنة ٧٤١ (٦).\nوبعد وفاة الناصر سنة ٧٤١ بويع بالسلطنة المنصور سيف الدين أبو بكر وهو ابن الناصر محمد بن قلاوون (٧).\nوفي سنة ٧٤٢ تولى السلطنة الأشرف علاء الدين كجك بعد خلع أخيه (٨).\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣١)، محمد رزق سليم، الطبعة الثانية ١٣٨١، مكتبة الآداب.\n(٢) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣١).\n(٣) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٢).\n(٤) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٢ - ٣٣).\n(٥) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٣).\n(٦) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٤).\n(٧) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٥).\n(٨) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٥).","vol":"1","page":20},{"text":"وفي سنة ٧٤٢ تولى السلطنة شهاب الدين أحمد وهو أكبر أبناء الناصر بن قلاوون بعد خلع أخيه (١).\nوفي سنة ٧٤٣ تولى السلطنة الصالح علاء الدين إسماعيل بعد عزل أخيه (٢).\nوفي سنة ٧٤٦ تولى السلطنة الكامل شعبان بن الناصر محمد بعد موت شقيقه بعهد منه (٣).\nوفي سنة ٧٤٧ جلس على سرير الملك المظفر حاجي بن الناصر محمد بعد خلع أخيه، وكانت سنه دون العشرين (٤).\nوفي سنة ٤٨٤ تولى السلطنة الناصر أبو المحاسن حسن بن الناصر محمد، بعد أن مات أخوه في السجن مخنوقًا، وكان عمره حينئذ ثلاث عشرة سنة، فعاونه بعض الأمراء في تدبير ملكه (٥).\nوفي سنة ٧٥٢ بويع بالسلطنة الصالح صلاح الدين بن الناصر محمد بعد خلع أخيه حسن (٦).\nوفي عام ٧٥٥ عاد الناصر حسن بن الناصر محمد بن قلاوون بعد خلع أخيه الصالح (٧).\nوفي سنة ٧٦٢ بويع بالسلطنة المنصور محمد بن المظفر حاجي وهو حفيد الناصر بن قلاوون، بعد مقتل عمه الناصر حسن (٨).\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٥).\n(٢) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٦).\n(٣) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٦).\n(٤) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٦).\n(٥) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/ ٣٦ - ٣٧).\n(٦) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٧).\n(٧) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٨).\n(٨) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٨).","vol":"1","page":21},{"text":"وفي سنة ٧٦٤ ولي الملك الأشرف شعبان بن حسين، وكانت سنه العاشرة، وقد حكم نحو أربع عشرة سنة، حتى خنق سنة ٧٧٨ (١).\n\nعلاقة هذه الأحداث في حياة السرمري:\nلقد عاش السرمري ﵀ بدمشق في فترة تولي أولاد وأحفاد الناصر محمد، وهي الفترة التي كان الصراع على السلطة فيها على أشده، وعاش قبل ذلك في العراق مايقارب الاثنين والأربعين سنة تحت حكم التتر، وقد لخص ما تقدم من الحالة السياسية في عصره فقال: \"وقد جاء الحديث عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولانقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا البهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وإذا لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتفكروا فيما أنزل الله إلا جعل الله ﷿ بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه في سننه (٢) -ثم علق على الحديث بقوله: - وهذه الأمور قد ظهرت عقوباتها -كما ترى- قد وقعت، وإنا لله وإنا إليه راجعون\" (٣) وفي هذا إشارة لما كان في عصره من جور السلطان وتسلط العدو والنزاعات الداخلية؛ ويُعدُّ نبوغه وسط هذه\nالظروف السيئة دليلًا قويًا على عبقرية هذا العالم الذي كان نجمًا يتلألأ في سماء ذلك الظلام الحالك في ذلك الزمان، الذي هو من أشد القرون فتنة واضطرابًا، فلا يمر عامٌ إلاَّ وقد تكرر فيه وقوع أحداثٌ مؤلمةٌ.\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (١/القسم الأول/٣٩ - ٤٠).\n(٢) أخرجه ابن ماجه (٣/ ٤٢٥ - ٤٢٦) بنحوه في كتاب الفتن، باب العقوبات، ح ٤٠١٩؛ قال الألباني: \"حسن\". انظر: صحيح سنن ابن ماجه (٣/ ٣١٦) ح ٤٠٩١، لمحمد ناصر الدين الألباني، الطبعة الأولى ١٤١٧، مكتبة المعارف، الرياض.\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون ص ٣٧، ليوسف السرمري، تحقيق: شوكت بن رفقي شوكت، الطبعة الأولى ١٤٢٤، دار الأثرية بعَمان، دار المحبة بدمشق.","vol":"1","page":22},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>المطلب الثاني: الحالة الإجتماعية:</span>\nمن بداهة الأمور أن تتأثر الحياة الاجتماعية بالحياة السياسية التي تحيط بها؛ فاستقرار الأحوال الاجتماعية مرهون باستقرار الأحوال السياسية، ويكون هناك مد وجزر، كما يكون في الأخرى.\nوقد تمثلت أهم ملامح الحالة الاجتماعية فيما يلي:\n١ - أدت الفتن والمنازعات الداخلية بين طوائف المماليك، إلى خلق فوضى اجتماعية، إذ كان مجرد إشاعة موت أحد السلاطين، يسبب فزعًا شديدًا للناس فتغلق الأسواق والحوانيت، وتبدو المدينة وكأن سكانها من الموتى (١).\n٢ - كثر الغش واحتكار الأقوات، والتطفيف في الكيل والميزان، فاشتد الغلاء، وانتشرت الفاقة وعم البؤس، فألف العلماء بسبب ذلك المؤلفات ليشاركوا في حل هذه المشكلة حلًا إسلاميًا، ودعوا إلى النظر في مصالح العامة وفرض التسعيرات الجبرية عند اشتداد الغلاء، والضرب على أيدي المطففين والمحتكرين (٢).\n٣ - حدثت في هذا العصر عدة مجاعات وأوبئة كان سببها في غالب الأحوال راجعًا إلى قصور فيضان نهر النيل (٣)، وكان أشدها ماحدث بين سنتي ٦٩٤ - ٦٩٥ فقد وصل الأمر بالناس إلى أكل الحمر والخيل والبغال والكلاب، ولم يبق شئ من هذه الحيوانات يلوح إلا\nأكلوه (٤)، وماحدث سنة ٧٤٩ من ذلك الوباء المروع الذي اجتاح الأرض من أقصاها إلى أقصاها، وقد تراوحت أعداد ضحاياه ما بين عشرة آلاف وعشرين ألف نسمة يوميًا (٥).\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك التاريخ السياسي والاجتماعي ص ٣٤٥، د. قاسم عبده قاسم، الطبعة الأولى ١٩٨٨، الناشر: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية.\n(٢) انظر: مقدمة تحقيق \"الانتصارات الإسلامية في كشف شبه النصرانية\" (١/ ٢٩)، لسالم محمد القرني، الطبعة الأولى ١٤١٩، مكتبة العبيكان، الرياض.\n(٣) انظر: عصر سلاطين المماليك التاريخ السياسي والاجتماعي ص ٣٤٧ - ٣٤٨.\n(٤) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٤٠٥).\n(٥) انظر: عصر سلاطين المماليك التاريخ السياسي والاجتماعي ص ٣٤٩.","vol":"1","page":23},{"text":"٤ - شهدت هذه المدة نزاعًا مذهبيًا عقديًا حادًا، حيث كان في بعض ملوك التتار ميل إلى عقيدة الرافضة، ففي سنة ٧٠٧ أظهر خدابنده (١) شعار الشيعة، وحذف ذكر الشيخين من الخطبة ونقش أسماء الأئمة الاثني عشر (٢).\nوفي المقابل كان سلاطين دولة المملاليك وأمرائهم يشجعون المذهب السني قولًا وعملًا ويحاربون المذهب الشيعي الباطني والعقائد الإسماعيلية التي خلفتها الدولة الفاطمية.\nكما انتشر أصحاب وحدة الوجود، يدل على ذلك ما كتبه أئمة ذلك العصر، يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ فيهم: \"ولولا أن أصحاب هذا القول كثروا وظهروا وانتشروا ... لم يكن بنا حاجة إلى بيان فساد هذه الأقوال وإيضاح هذا الضلال\" (٣).\n٥ - تفشت كثير من المنكرات والمعاصي بشكلٍ علني، كانتشار البغاء، والرشوة، والمخدرات وعرف الحشيش، كما انتشرت الأغاني، وآلات اللهو والطرب، وانتشرت الحيل في الأعمال، فظهر المحلل والمحلل له بشكل معلن، وقد أشار السرمري إلى ذلك بقوله: \"وقد جاء الحديث عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - أنه قال: «لم تظهر الفاحشة في قوم إلا ظهر فيهم الطاعون والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا، ولانقصوا المكيال والميزان إلا أخذوا بالسنين وشدة المؤنة وجور السلطان عليهم، ولم يمنعوا زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء ولولا\nالبهائم لم يمطروا، ولم ينقضوا عهد الله وعهد رسوله إلا سلط الله عليهم عدوهم فأخذ بعض ما في أيديهم، وإذا لم تحكم أئمتهم بكتاب الله ويتفكروا فيما أنزل الله إلا جعل الله ﷿ بأسهم بينهم» رواه ابن ماجه في سننه (٤) -ثم علق على الحديث بقوله: - وهذه الأمور قد\n_________\n(١) هو محمد بن أرغون بن أبغا بن هولاكو، خدابندا معناه بالعربي: عبدالله، وإنما الناس غيروه فقالوا: خربندا، ملك العراق وأذريبجان وخراسان بعد أخيه غازان، أظهر الرفض في بلاده سنة ٧٠٩ بعد أن كان على السنة، توفي سنة ٧١٦. انظر: الوافي بالوفيات (٢/ ١٢٩ - ١٣٠)، لصلاح الدين الصفدي، تحقيق: أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفى، ١٤٢٠، دار إحياء التراث، بيروت؛ العبر في خبر من غبر (٤/ ٤٤)؛ البداية والنهاية (١٤/ ٦٣).\n(٢) انظر: تاريخ العراق بين احتلالين (١/ ٤٠٧)، عباس العزاوي.\n(٣) مجموع الفتاوى ٢/ ٣٥٧، جمع وترتيب: عبدالرحمن بن قاسم وابنه محمد، ١٤١٦، مجمع الملك فهد، المدينة.\n(٤) تقدم تخريجه، انظر: ص ٢٢.","vol":"1","page":24},{"text":"ظهرت عقوباتها -كما ترى- قد وقعت، وإنا لله وإنا إليه راجعون\" (١) وفي هذا إشارة لما كان في عصره من الفواحش ونقص المكيال والميزان ومنع الزكاة ونقض العهود وغير ذلك؛ ولكن ذلك لم يدم طويلًا بسبب جهود العلماء والدعاة والمصلحين (٢).\n٦ - لقد مكن التتار - إبّان غزوهم البلاد الإسلامية - كثيرًا من اليهود والنصارى، حتى تسلطوا على رقاب المسلمين، ولاسيما في الشام، فسارت مواكبهم تحمل الصلبان، وأُلزم المسلمون بالقيام لها واحترامها، ومن امتنع تعرض للسب والإهانة (٣)؛ وقد تمتع اليهود والنصارى في بداية عهد المماليك ببسطة العيش، فقد تولى كثير منهم مناصب الوزارة والمناصب الديوانية، وكان منهم كبار التجار والصيارفة والأطباء والصيادلة، وكانوا يلبسون أفخر الثياب.\nولم يدم ذلك، فقد مُنعوا من الركوب على الخيول والبغال ونحوها، تمييزًا لهم عن المسلمين: \"ونودي بدمشق في يوم عرفة أن لا يركب أحدٌ من أهل الذمّة خيلًا ولا بغالًا، ومن رأى من المسلمين أحدًا من أهل الذمّة قد خالف ذلك فله سلبُه! \" (٤)، وفي جمادى الأولى عام ٧٠٠ هـ \" ... في يوم الإثنين قُرئت شروط الذمّة على أهل الذمّة وألزم بها، واتفقت الكلمة على عزلهم عن الجهات، وأخذوا بالصغار، ونودي بذلك في البلد وأُلزم النصارى بالعمائم الزرق، واليهود بالصفر، والسامرة بالحمر، فحصل بذلك خيرٌ كثير، وتميزوا عن المسلمين\" (٥).\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون ص ٣٧.\n(٢) مقدمة تحقيق \"الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة\" (١/ ٤٠ - ٤١)، د. علي الدخيل الله.\n(٣) انظر: حاضر العالم الإسلامي وقضاياه المعاصرة (١/ ٥٨).\n(٤) انظر: البداية والنهاية (١٣/ ٤٠١).\n(٥) انظر: البداية والنهاية (١٤/ ١٩).","vol":"1","page":25},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-14>المطلب الثالث: الحالة الثقافية والعلمية:</span>\nمما سبق في عرض الحالة السياسية، تبين مدى الاضطراب والتزعزع في كيان الأمة، وهذا العصر رغم مافيه من زوابع وغوائل إلا أن الحالة الثقافية والعلمية في القطر العراقي لم تتأثر كبيرًا، أما في مصر والشام فقد وجدت نهضة علمية مباركة متميزة.\nفالعراق - وهو الذي ولد وعاش فيه السرمري حياته الأولى - بعد أن فقد استقلاله، وزال عنه الطابع الإسلامي ولو صورة، وبعد أن صار نهبًا بيد الغزاة، لم يبق ما يعول عليه، أو يركن إلى قوته سوى الأوقاف الإسلامية؛ وهذه كانت في عهدها العباسي مكينة، وتسابق الخلفاء ورجال الدولة إلى أعمال البر لتقوية الثقافة وتنميتها.\nولما لم يتعرض المحتل للمؤسسات الدينية - أيام احتلاله - كان من نتائج ذلك الاحتفاظ بالمعارف والعلوم ومن أوضح ظواهرها المدارس الكبرى مثل المستنصرية والنظامية والبشيرية، والرباطات ومشيخاتها، فصارت خير واسطة للم الشعث واستبقاء الحضارة، مما دعا أن ينبغ كثيرون ذاعت شهرتهم وطبقت الآفاق.\nوالعراق لم يقف عند مؤسساته القديمة أو بقاياها وإنما أسس معاهد جديد مثل المدرسة العصمتية إلا أنها قليلة ولا تقاس بما بقي إلى مابعد الاحتلال من المؤسسات العباسية.\nوالمدارس كانت إدارتها مودعة إلى رجالات العراق وغالب أيامها إلى قاضي القضاة أو إلى صدر الوقوف ينظر فيها وفي المعاهد الخيرية والدينية، ولم يستول على أوقافها غيرهم إلا في مدة يسيرة، وفي هذه أيضًا لم يهمل شأنها، غير أن المحتلين بسبب أنهم لم يكونوا مسلمين فقد راعوا مايوافق رغبتهم من العلوم والثقافات كالعلوم الفلكية والرياضية والطب، ومن الفنون الموسيقى\nوالرسم وأمثال ذلك، إضافة إلى أن كثيرًا من علماء العراق قد هاجروا أيام الواقعة وبعدها هربًا من المغول (١)، ووجدوا في مصر والشام ملاذًا لهم، ينهلون من معارفهما وتحيطهم رعاية الأمراء واهتمامهم.\n_________\n(١) انظر: تاريخ العراق بين احتلالين (١/ ٥٤٣ - ٥٤٥)، لعباس العزاوي.","vol":"1","page":26},{"text":"أما دمشق -وهي التي قضى فيها السرمري الثلاثون سنة الأخيرة من عمره - فقد كانت كالقاهرة وريثة لبغداد في رعاية العلم والعلماء (١)، ووجدت فيهما نهضة علمية مباركة متميزة، وأصبحت مصر والشام من ذلك الحين مركزًا للعلوم الإسلامية والعربية.\nوهناك عوامل متعددة طرأت كان لها الأثر الواضح في هذه النهضة العلمية من أبرزها:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>١ - وقوع كثير من البلاد الإسلامية في يد المغول:</span>\nبعد أن طغى سيل التتار الجارف من أواسط آسيا إلى شمالها مكتسحًا ما أمامه، كان لابد للمسلمين من أن تلتف قلوبهم حول المدافعين عنهم من سلاطين المماليك، وأن يشدوا أزرهم ويدعموا ملكهم، ومن أهم وسائل تدعيم الملك إحياء العلوم والمعارف، فجهد في ذلك علماء المسلمين، وأتوا بما يعد فريدًا في بابه، عجيبًا في صنعه (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>٢ - قتل العلماء وإتلاف الكتب العلمية:</span>\nنتيجة لما أصاب الأمة في أعز ما تملك وهو تراثها الفكري وذلك في حروبها مع أعدائها الذين خربوا المدارس والمساجد وأحرقوا الكتب والمعاهد ودور العلم، فقد شحذ العلماء والحكام هممهم لتعويض هذا الذي فات بكرة التأليف والتصنيف، وهكذا بدأ عصر الموسوعات والمتون العلمية والشروح على المتون، وهي السمات البارزة في النتاج الثقافي والعلمي خلال القرن الثامن الهجري (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-17>٣ - وفود العلماء والأدباء:</span>\nولاشك أن مما عاون على هذه النهضة العلمية في مصر والشام، كثرة من أمّهما من بني الأقطار الإسلامية الأخرى، سواء أكانوا فارين من وجه الطغيان والظلم، أم كانوا طامعين في كرم وحسن إفادتها (٤).\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي) ١/ القسم الثاني /٩) (بتصرف).\n(٢) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (٢/القسم الأول/١٧).\n(٣) سمات العطاء الأدبي والفكري في القرن الثامن الهجري، للأستاذ هلال ناجي، مجلة مجمع اللغة العربية الأردني - العدد ٦٣.\n(٤) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (٢/القسم الأول/١٨ - ١٩).","vol":"1","page":27},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>٤ - غيرة السلاطين والأمراء:</span>\nأبدى السلاطين والأمراء غيرة دينية بارزة، وقد تجلت فيهم في كفاحهم للتتار، ومحاربتهم للفرنجة، وفيما أفاضوا من معونة وما بذلوا من رعاية للبيت الحرام وسكان الحجاز، ولغيرهم من أهل البلاد الإسلامية القريبة والبعيدة.\nهذه الغيرة من دأبها أن توقظ أمثالها في نفوس العلماء، وتحفز أهل الدين إلى حياطته ورعايته، ونشر رايته، وأداتهم إلى ذلك: التعليم والتأليف ومواصلة البحث والاطلاع (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>٥ - تعظيم المماليك لأهل العلم:</span>\nقد أقام سلاطين المماليك وأمرائهم وزنًا كبيرًا لعلماء الدين وبجلوهم وقدموهم في مسائل كثيرة، ولا ريب أن تعظيم السلاطين والأمراء لهم، له الأثر المباشر في نفوسهم على أن يظلوا مجاهدين في سبيل الدين، حريصين على الشريعة، مستزيدين من العلم والفضل، باثين هذه الروح في طلابهم وناشئتهم (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>٦ - انتشار المدارس ودور التعليم:</span>\nلاشك أن انتشار المدارس ودور التعليم، يعتبر سببًا أساسيًا وحيويًا لتنشيط الحركة العلمية، وقد عمرت دمشق وبلاد الشام بكثير من المدارس ودور التعليم، فقد تنافس السلاطين وغيرهم على بناء المدارس وأجروا عليها الأوقاف، مما كان سببًا لاستمرارها في أداء رسالتها، فأقبل عليها الواردون من كل حدب وصوب ينهلون من معين المعرفة وأنواع العلوم.\nوسأذكر بعضًا من هذه المدارس على سبيل الإجمال:\n١ - المدرسة الأتابكية، أنشأتها زوجة الملك الأشرف موسى، وقد توفيت سنة ٧٤٠ (٣).\n٢ - المدرسة الأسدية، وقد بناها شيركوه بن شادي بن مروان الملقب أسد الدين سنة\n_________\n(١) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (٢/القسم الأول/٢٠ - ٢١).\n(٢) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (٢/القسم الأول/٢٢ - ٢٥).\n(٣) انظر: منادمة الأطلال ومسامرة الخيال ص ٧٧، لعبدالقادر بدران، تحقيق: زهير الشاويش، ١٩٨٥ م، المكتب الإسلامي، بيروت.","vol":"1","page":28},{"text":"٥٦٤ (١).\n٣ - المدرسة البدرية، وقد بناها الأمير بدر الدين حسن بن الداية في سنة ٦٣٨ (٢).\n٤ - المدرسة الجوزية: أنشأها الإمام يوسف بن عبدالرحمن ابن الجوزي، قتل مع الخليفة عند سقوط بغداد سنة ٦٥٦ بمكيدة ابن العلقمي الوزير الرافضي، وقد فرغ من بنائها سنة ٦٥٢ (٣).\n٥ - المدرسة الصاحبة، أنشأتها ربيعة خاتون الصاحبة أخت صلاح الدين والعادل، وقد توفيت سنة ٦٤٣ (٤).\n٦ - المدرسة الصدرية: أنشأها أسعد بن عثمان بن أسعد بن المنجا التنوخي صدر الدين الدمشقي، المتوفى سنة ٦٥٧، وهي مدرسة للحنابلة (٥).\n٧ - المدرسة الصلاحية، أنشأها صلاح الدين الأيوبي عام ٥٧٢ (٦).\n٨ - المدرسة الصمصأمية، وهي مدرسة المالكية (٧).\n٩ - المدرسة الضيائية المحمدية، وقد بناها الفقيه ضياء الدين محمد بن عبدالواحد المقدسي\nالحنبلي، المتوفى سنة ٦٤٣ (٨).\nوقد كتب عبدالقادر بن محمد النعيمي الدمشقي، المتوفي سنة ٩٢٧، كتابه \"الدارس في تاريخ المدارس\"، وعبدالقادر بدران، المتوفى سنة ١٣٤٦، كتابه \"منادمة الأطلال ومسامرة الخيال\"، في مدارس دمشق، ولولا كثرتها وتنوعها لما كانت محط أنظار المؤرخين والمؤلفين.\n_________\n(١) انظر: منادمة الأطلال ص ٧٩.\n(٢) انظر: منادمة الأطلال ص ١٥٣، الدارس في تاريخ المدارس (١/ ٣٦٥)، لعبدالقادر بن محمد النعيمي الدمشقي، تحقيق: إبراهيم شمس الدين، الطبعة الأولى ١٤١٠، دار الكتب العلمية.\n(٣) انظر: منادمة الأطلال ص ٢٢٧ - ٢٢٨.\n(٤) انظر: منادمة الأطلال ص ٢٣٧ - ٢٣٨.\n(٥) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٦٧ - ٦٨).\n(٦) انظر: عصر سلاطين المماليك ونتاجه العلمي والأدبي (٢/القسم الأول/٣٧).\n(٧) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٦).\n(٨) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (٢/ ٧١).","vol":"1","page":29},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>المبحث الثاني\nحياته الشخصية</span>\nوفيه أربعة مطالب:\nالمطلب الأول: اسمه ونسبه.\nالمطلب الثاني: مولده وموطنه.\nالمطلب الثالث: أسرته.\nالمطلب الرابع: وفاته.","vol":"1","page":30},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-22>المطلب الأول: اسمه ونسبه:</span>\nهو أبو المظفر (١)، يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي (٢) بن إبراهيم العُبَادي (٣) \"السُّرَّمَرِّي مولدًا ومنشأً، البغدادي دارًا، الدمشقي مهاجرًا، العُقَيلي محتدًا (٤) \" (٥)، الحنبلي.\nعُرف بجمال الدين (٦) السُّرَّمَرِّي (٧).\nوالسُّرَّمَرِّي نسبة إلى (سُرَّ من رأى) المدينة التي كانت اسمها قديمًا (ساميرا) سميت بسامير ابن نوح، ولما اتخذها المعتصم عاصمة له، بعد أن شيد فيها مدينة كبيرة (سنة ٢٢١) سمّاها (سُرَّ من رأى)، وقد خففها الناس فقالوا سامرّاء، وتقع بين بغداد وتكريت على شرقي دجلة (٨)، وعلى بعد حوالي ١٠٠ كم شمال بغداد.\n_________\n(١) في هدية العارفين (٢/ ٥٨٥)، طبع بعناية وكالة المعارف الجليلة في مطبعتها البهية، استانبول، سنة ١٩٥٥: \"أبو مظفر\" بدل (أبو المظفر) وهذا خلاف ما اتفق عليه في جميع المصادر ونساخ كتب السرمري.\n(٢) في رفع النقاب ص ٣٢٩، تحقيق عمر بن غرامة العمروي، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الفكر، بيروت: \"يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن محمد بن علي\" والصواب ماهنا نقلًا عن السرمري نفسه.\n(٣) ضبطت بضم العين: بخط السرمري نفسه على (مخطوط) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد (ل ٨/ب)، وضبطت أيضًا في: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، تحقيق عدنان درويش، المعهد العلمي الفرنسي للدراسات العربية، دمشق، ١٩٩٤ م؛ والدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، تحقيق محمد عبدالمعيد ضان، مجلس دائرة المعارف العثمانية، ١٣٩٢، الهند؛ وكتب فوقها ابن ناصر الدين في التبيان لبديعة البيان (٢/ ٣١٩)، تحقيق حسين بن عكاشة، الطبعة الأولى ١٤٢٩، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر: \"خف\": يعني أنها غير مشددة.\n(٤) المحتد: الأصل، يقال: إنه لكريم المحتِد. المعجم الوسيط (حتد) ص ١٥٤، الطبعة الرابعة ١٤٢٥، مكتبة الشروق الدولية، مصر.\n(٥) نقلته عن خط السرمري نفسه على ثبت النذرومي. انظر صورته في الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥).\n(٦) اتفق على هذا اللقب في جميع المصادر، وجاء في بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، تحقيق محمد أبو الفضل إبراهيم، المكتبة العصرية، بيروت؛ ووجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (١/ ٢١٠)، تحقيق بشار عواد وعصام الحرستاني وأحمد الخطيمي، الطبعة الأولى ١٤١٦، مؤسسة الرسالة: \"الجمال\" - بدون إضافة - ولعله اختصار.\n(٧) في البدر الطالع (١/ ٥٠)، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الكتب العلمية، بيروت: \"السرمدي\"؛ وفي كشف الظنون (١/ ٧٥٨)، تحقيق محمد شرف الدين يالتقيا ورفعت بيلكه الكليسي دار إحياء التراث العربي، بيروت: \"الترمذي\"، وهما تصحيف.\n(٨) انظر: معجم البلدان (٣/ ١٧٣ - ١٧٨)، لياقوت الحموي، الطبعة الثانية ١٩٥٥ م، دار الصادر، بيروت؛ معجم ما استعجم من أسماء البلاد والمواضع (٣/ ٧٣٤)، تحقيق: مصطفى السقا، الطبعة الثالثة ١٤٠٣، عالم الكتب، بيروت؛ الأنساب للسمعاني (٧/ ١٤ - ١٥)، تحقيق: محمد عوامة، الطبعة الأولى ١٣٩٦، مكتبة ابن تيمية، القاهرة.","vol":"1","page":31},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-23>المطلب الثاني: مولده وموطنه:</span>\nولد \"بسر من رأى\" (١) في يوم الثلاثاء (٢) سابع عِشْرِي رجب من سنة ست وتسعين وستمائة (٣)، كما حكى هو عن نفسه فقال: \"مولدي في سابع عشري رجب المعظم من سنة ست وتسعين وستمائة\" (٤).\nموطنه: عاش الإمام جمال الدين السرمري حياته متنقلًا بين \"سر من رأى\" وبغداد ودمشق، فموطنه الأصلي الأول هو: \"سر من رأى\"، وفيها نشأ، ثم انتقل إلى بغداد سنة ٧٢٩ (٥) وعمره آنذاك في حدود الثلاثة والثلاثين سنة، وابتنى بها دارًا (٦)، ثم رحل إلى دمشق سنة ٧٤٦ (٧) أسوةً بالعلماء الذين توافدوا عليها من مختلف بلدان العالم الإسلامي، فلقد كانت دمشق كالقاهرة وريثة لبغداد في رعاية العلم والعلماء خاصة بعدما حل ببغداد من تدمير على أيدي التتار وسقوط الخلافة العباسية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>المطلب الثالث: أسرته:</span>\nلقد كانت أسرة جمال الدين السرمري أسرة علم ودين\n_________\n(١) جاء في تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢٠)، أشرف على الترجمة: محمود فهمي جازي، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٥٥: \"ولد في بغداد\" وهذا خلاف ماحكى السرمري عن نفسه.\n(٢) نقلًا عن ترجمة جيدة كُتبت على طرة النسخة الخطية لكتابه: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة. انظر صورتها في المطبوع ص ٦٥، تحقيق: أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان، الطبعة الأولى ١٤٢٧، دار الكيان، الرياض.\n(٣) جاء في فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦)، بإعتناء: إحسان عباس، الطبعة الثانية ١٩٨٢، دار الغرب الإسلامي، بيروت: \"٢٧ رجب عام ٦٩٤\" وهذا خلاف ماحكى السرمري عن نفسه.\n(٤) الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.\n(٥) إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، تحقيق: د. محمد عبدالمعيد خان، الطبعة الثانية ١٤٠٦، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(٦) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.\n(٧) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية.","vol":"1","page":32},{"text":"أما والده فهو شمس الدين أبو عبدالله محمد بن مسعود بن محمد السرمري، ذكر العليمي وابن عماد والزركلي في ترجمة جمال الدين: \"ونظم الغريب في علوم الحديث لأبيه نحو ألف بيت\" (١).\nقال الدكتور الطريقي في هامش معجم مصنفات الحنابلة: \"نسبة كتاب (علوم الحديث) لوالد المترجم دليل على أنه من أهل العلم، ولم أقف له على ترجمه مستقلة \" (٢) وكذلك قال بنحو هذه العبارة الدكتور عبدالرحمن العثيمين في هامش (الدر المنضد) (٣).\nوعلق الأخ حسين بن عكاشة محقق كتاب إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة فقال: \"أخشى أن يكون وقع في اسم الكتاب تحريف وأن يكون الصواب (نظم التقريب في علوم الحديث لامية)، كما سبق عن الذهبي والله أعلم\" (٤).\nوالأمر مشكل والترجيح صعب إذ إن التصحيف محتمل في الجميع، ففي الترجمة التي كُتبت على طرة النسخة الخطية لكتاب إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة (٥) ذُكِر أن الذهبي في \"المعجم المختص\" (٦) قال: \"ونظم (التقريب) في علوم الحديث (لامية) نحو ألف بيت\"، وذكر ابن قاضي شهبة في تاريخه (٧) أن الذهبي في \"المعجم المختص\" قال: \"ونظم (الغريب) في علوم الحديث (لامية) نحو ألف بيت\"، والعليمي وابن عماد والزركلي قالوا في ترجمة جمال الدين: \"ونظم (الغريب) في علوم الحديث (لأبيه) نحو ألف بيت\" (٨)، والله أعلم بالصواب.\n_________\n(١) انظر: \"المنهج الأحمد\" (٥/ ١٤٤)، تحقيق حسن إسماعيل مروة وعبدالقادر الأرناؤوط، الطبعة الأولى ١٩٩٧ م، دار الصادر، بيروت؛ \"شذرات الذهب\" (٨/ ٤٢٩)، \"الأعلام\" (٨/ ٢٥١).\n(٢) انظر هامش \"معجم مصنفات الحنابلة\" (٤/ ١٨٣)، الطبعة الأولى ١٤٢٢.\n(٣) الدر المنضد في ذكر أصحاب الإمام أحمد، تحقيق: عبدالرحمن العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٢، مكتبة الناشر، السعودية.\n(٤) انظر: مقدمة كتاب \"إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة\" ص ٤٦.\n(٥) انظر صورتها في المطبوع ص ٦٥ تحقيق أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان.\n(٦) لم أقف على ترجمته في (المعجم المختص) المطبوع.\n(٧) \" تاريخ ابن قاضي شهبة\" (٣/ ٤٧٦).\n(٨) انظر: \"المنهج الأحمد\" (٥/ ١٤٤)، الدر المنضد (٢/ ٥٥٥)، \"شذرات الذهب\" (٨/ ٤٢٩)، \"الأعلام\" (٨/ ٢٥١).","vol":"1","page":33},{"text":"وقد ذُكِر والد السرمري في طبقة سماع شرح القلادة السمطية للإمام الصّغاني (١).\nوأما زوجه فهي تركان بنت خليل الشريفي سمعت بإفادة زوجها كثيرًا من صالح بن الكسار البغدادي وغيره وحدثت (٢).\nوأما أولاده الذين وقفت عليهم فأربعة، وهم: محمد وكان فقيهًا، وإبراهيم وكان محدثًا، ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، وأُسمع على ابن الخبَّاز وبشر بن إبراهيم البعلي، سمع منه الفضلاء، وأجاز لابن حجر، وتوفي ﵀ سنة ٨٠٣ (٣)، قال ابن ناصر الدين الدمشقي (٤) في ترجمة السرمري: حدثنا عنه ابنه إبراهيم.\nومن أولاده أيضًا فاطمة، وأسماء؛ وقد ذكرهم في طلبه الإجازة من الصَّلاح الصَّفدي (٥)\nوفيها:\nهل أنتم تتصدقون ليوسف الـ ... ـسُّرَّمرِّي وهو العقيلي المحتد\nولِعُرْسِهِ أمَة العزيزِ ووُلْدِه ... منها الأُلَى شرُفوا بِمَذهب أحمد\nالبَرِّ إبراهيم يتبع فاطمًا ... وكذلك أسْما والفقيه محمد\nوكذا ابن عمهم الشقيق تفضلًا ... بإجازةِ المرْويِّ عند النُّقَّد (٦)\nتلك هي أسرة جمال الدين السرمري أسرة علم ومعرفة وإرشاد.\n_________\n(١) نقله الدكتور عبدالرحمن العثيمين في مقدمة تحقيق: المقدمة اللؤلؤة في النحو عن نسخة مكتبة لاله لي رقم ١٨٩١/ ١. انظر: مقدمة تحقيق: المقدمة اللؤلؤة في النحو ص ١٧١، الطبعة الأولى ١٤١٠، مكتبة الخانجي، القاهرة.\n(٢) توضيح المشتبه (٥/ ١٨٤)، تحقيق: محمد نعيم العرقسوسي، الطبعة الأولى ١٩٩٣ م، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(٣) انظر: الضوء اللامع (١/ ١٨٢)، الطبعة الأولى ١٤١٢، دار الجيل، بيروت؛ السحب الوابلة (١/ ٧٨)، تحقيق: بكر أبو زيد وعبدالرحمن العثيمين، الطبعة الأولى ١٤١٦، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(٤) التبيان (٢/ ٣١٩).\n(٥) هو صلاح الدين خليل بن أيبك الصفدي ولد سنة ٦٩٩، كان إمامًا عالمًا أديبًا بليغًا، طلب العلم، وشارك في الفضائل، وقرأ الحديث، وجمع وصنف، أما عقيدته ومذهبه: فلقد كان شافعيًا متعصبًا، معظمًا لأئمة الأشاعرة والصوفية، توفي سنة ٧٦٤. انظر: المعجم المختص بالمحدثين (ص ٩١ - ٩٢ رقم ١٠٧)، تحقيق: محمد الحبيب الهيلة، الطبعة الأولى ١٤٠٨، مكتبة الصديق، الطائف؛ الأعلام (٢/ ٣١٥)؛ موقف خليل بن أيبك الصفدي من شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن عبدالحليم بن تيمية رحمة الله تعالى عليه (٥٠، ٧٤، ٧٧ - ٧٩)، محمد بن عبدالله أحمد، الطبعة الأولى ١٤٢٦، أضواء السلف، الرياض.\n(٦) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٤).","vol":"1","page":34},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-25>المطلب الرابع: وفاته:</span>\nتوفي جمال الدين السرمري وقد جاوز الثمانين (١) بعد حياة حافلة بالتصنيف والتأليف والرواية والإفادة والإملاء في علوم شتى نظمًا ونثرًا، ومدافعًا عن العقيدة الصحيحة، ومنافحًا عن منهج السلف الصالح، حتى بلغت مصنفاته المائة وزادت، في بضعة وعشرين علمًا (٢).\nوقد كانت وفاته ﵀ في يوم السبت (٣) واختلف في تعيين تأريخ اليوم من الشهر فقيل (الحادي والعشرين) (٤) ولعله الصواب إذ ممن ذكره: ابن ناصر الدين الدمشقي وابن حجر وهما\nممن لقي ابن السرمري \"إبراهيم\" وسمع منه، وقيل (العشرين) (٥) وقيل (الحادي عشر) (٦) من جمادى الأولى سنة ست وسبعين وسبعمائة (٧)، وصلي عليه بالجامع الأموي (٨)، ودفن بمقبرة الصوفية بظاهر دمشق جوار تربة الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمهما الله (٩) رحمة واسعة.\n_________\n(١) إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠).\n(٢) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥١)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٣) الرد الوافر ص ٢٣٢، تحقيق: زهير الشاويش، الطبعة الرابعة ١٤٢٦، المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق وعَمان؛ لحظ الألحاظ ص ١٦١، دار إحياء التراث العربي؛ درر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة (٣/ ٥٥٨)، تحقيق: د. محمود الجليلي، الطبعة الأولى ١٤٢٣، دار الغرب الإسلامي، بيروت.\n(٤) الرد الوافر ص ٢٣٢، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، لحظ الألحاظ ص ١٦١، فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(٥) نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية لكتابه: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، انظر صورتها في المطبوع ص ٦٥، تحقيق: أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان.\n(٦) بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢)، درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨).\n(٧) في تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢٠): \"وتوفي سنة ٧٣٦/ ١٣٣٥\" والصواب ماهنا نقلًا عن جميع من ترجم للسرمري، قال الحافظ ابن ناصر الدين الدمشقي: \"السُّرَّمَرِّيُّ يوسفُ القويمُ ... ذكيُّهم وَازنه عُلومُ ... إلى أن قال: وفي الذال والواو والعين الرمز المعمى إلى وفاة السرمري المسمى\". انظر: التبيان (٢/ ٣١٩)؛ والذال والواو والعين لو عددناها حسب الجُمّل صارت ٧٧٦، فإن الذال في حساب الجُمّل = ٧٠٠، والواو =٦، والعين = ٧٠. انظر: أسرار الحروف وحساب الجمُّل ص ٢٤، طارق القحطاني، رسالة ماجستير في قسم العقيدة بكلية الدعوة وأصول الدين في جامعة أم القرى، ١٤٢٩ - ١٤٣٠.\n(٨) نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية لكتابه: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، انظر: صورتها في المطبوع ص ٦٥، تحقيق: أبي عبدالله حسين بن عكاشة رمضان.\n(٩) الرد الوافر ص ٢٣٢.","vol":"1","page":35},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-26>المبحث الثالث\nحياته العلمية</span>\nوفيه خمسة مطالب:\nالمطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم.\nالمطلب الثاني: مكانته وثناء العلماء عليه.\nالمطلب الثالث: شيوخه.\nالمطلب الرابع: تلاميذه.\nالمطلب الخامس: مؤلفاته.","vol":"1","page":36},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>المطلب الأول: نشأته وطلبه للعلم:</span>\nنشأ جمال الدين السرمري ﵀ في سر من رأى، وحفظ القرآن في صباه، وتفقه على سراج الدين الحسين بن يوسف التستري وغيره (١)، وقد برز في شبابه حتى كتب إليه الصلاح الصفدي بقوله:\nأيا فاضلًا في سر من را حوى العلا ... فكان له بدر الدياجي مسامرا (٢)\nثم انتقل إلى بغداد سنة ٧٢٩ (٣) وعمره آنذاك في حدود الثلاثة والثلاثين سنة، وأخذ عن الأئمة والمسندين من شيوخ بغداد، منهم: محمود بن علي الدقوقي أبو الثناء، والصفي\nعبدالمؤمن بن عبدالحق وغيرهما من العلماء (٤)، كما أجازه من متقدمي شيوخ بغداد ابن الخراط الدواليبي، قال السرمري: \"ومن شيوخي العوالي بالإجازة المسند عفيف الدين أبو عبدالله محمد بن عبدالمحسن بن أبي الحسن الواعظ البغدادي، والمسند شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أبي طالب الحجار الصالحي وغيرهم\" (٥) وسمع الكتب الستة ومسند الإمام احمد والسنن الكبير للبيهقي وغير ذلك مما يطول ذكره (٦)، ثم انتقل إلى دمشق سنة ست وأربعين وسبعمائة، قال الإمام الذهبي في المعجم المختص \" تفقه على جماعة، ثم قدم علينا سنة ست وأربعين وسبعمائة، وقرأ علي، وله نظم جيد، ومعرفة بالمذهب وغيره، ونظم في الفقه مختصر ابن رزين،\n_________\n(١) انظر: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، وهو في الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، والسحب الوابلة (٣/ ١١٨٢): \"التبريزي\"، وفي إنباء الغمر (١/ ١٥٠): \"التستري\".\n(٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٥).\n(٣) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).\n(٤) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، التبيان (٢/ ٣١٩)، درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، لحظ الألحاظ ص ١٦٠، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، رفع النقاب ص ٣٢٩.\n(٥) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.\n(٦) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.","vol":"1","page":37},{"text":"ونظم التقريب في علوم الحديث لامية نحو ألف بيت\" (١) وسمع بها من جماعة من أصحاب الفخر ابن البخاري، وأصحاب ابن عبدالدائم المقدسي الصالحي وغيرهم (٢)، وقد كان من شيوخه ابن تيمية (٣) وابن القيم (٤)، وكانت بينه وبين الحافظ المزي مراسلات قال السرمري في شرح اللؤلؤة: \" ... حكاية طريفة في المعنى أخبرنا بها الحافظ أبو الحجاج يوسف بن الزكي عبدالرحمن المزي في كتابه لي بخطه مرارًا\" (٥)، فأكثر وبرع في علوم كثيرة منها الحديث والفقه والعربية والفرائض والطب، ونظم عدة أراجيز في عدة فنون، وخرج لغير واحد، وكتب بخطه\nالجميل (٦) كثيرًا، حتى بلغت مصنفاته المائة وزادت، في بضعة وعشرين علمًا (٧)، وقد تصدى جمال الدين السرمري للتدريس والدعوة فتتلمذ عليه نخبة من النابهين في سائر الفنون، منهم: الإمام المقرئ ابن الجزري (٨)، والإمام اللغوي الفيروزآبادي (٩)، وأخذ عنه ابن رافع مع تقدمه\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦) وفيهما: \"الغريب\" بدل (التقريب)، وجاء في إنباء الغمر (١/ ١٥٠ - ١٥١): \"قدم علينا سنة ست وأربعين وقرأ عليّ، وله معرفة بالمذهب، ونظم جيد في علوم الحديث وغيرها\".\n(٢) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٣) وصفه في الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية بـ: \"شيخنا\"، في البيت رقم (١٠٢) و(١٤٧).\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣ ب قال: \"قال شيخنا شمس الدين ابن القيم ﵀\" وقد وصفه بـ\"شيخنا\" في أكثر من موضع في كتابه هذا.\n(٥) انظر: حاشية المقدمة اللؤلؤة في النحو للسرمري ص ١٦٩، تحقيق: عبدالرحمن العثيمين.\n(٦) قال الدكتور: عبدالرحمن العثيمين في حاشية السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) في ترجمة السرمري \"ورأيت نماذج من خط السرمري وهو في غاية الإتقان والضبط\"، وقال في حاشية المقدمة اللؤلؤة في النحو ص ١٦٧: \"ويوجد نسخة من (القلادة السمطية في توشيح الدريدية) للحسن بن محمد الصغاني ... كلها بخط السرمري هذا، منسوخة سنة ٧٢٩ بخط جميل\".\n(٧) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥١)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٨) قال ابن الجزري في كتابه (أسنى المطالب في مناقب أمير المؤمنين علي بن أبي طالب): \"أخبرنا الإمام العالم المحدث الكبير أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري الحنبلي ﵀ مشافهة منه لي بمنزله من المدرسة الحنبلية داخل دمشق المحروسة في الثالثة عشرة من ذي الحجة سنة ست وستين وسبعمائة\". انظر: أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب ص ١١٧، تهذيب وتحقيق الرافضي: محمد باقر المحمودي، ١٤٠٣، بيروت؛ وجاء في طبعة أخرى للكتاب باسم (مناقب الأسد الغالب) ص ٤٥، تحقيق: طارق الطنطاوي، مكتبة القرآن، مصر: \"سنة ست وسبعين وسبعمائة\" وهو خطأ.\n؛ وروى الأيوبي في المناهل المسلسلة ص ٢٤ الحديث المسلسل بالمصافحة من طريق ابن الجزري عن السرمري.\n(٩) روى الأيوبي في المناهل المسلسلة الحديثَ المسلسل بمناولة السبحة من طريق الفيروز آبادي عن السرمري. انظر: المناهل المسلسلة في الأحاديث المسلسلة ص ٣٣ - ٣٤، لمحمد الأيوبي، الطبعة الأولى ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":38},{"text":"وحدث عنه ومات قبله (١)، وأجاز الخليفة العباسي المصري: المعتضد بالله (٢)، فقد جاء في كتابه (شرح اللؤلؤة) في قصة طريفة وقعت له في مجلس الخليفة، يقول: \"فصل كنا عند الإمام أمير المؤمنين المعتضد بالله، الخليفة المصري العباسي بدمشق حين قدمها في سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة فقرأت له جزءًا من مسموعاتي والتمسته أن يكتب الطبقة بخطه الشريف، فكتبها ثم كتب في آخرها: كتبه أبا - بالنصب - بكر بن سليمان، فتناول الجزء بعض الحاضرين من يده فقرأه، فالتفت إلى آخر عن جانبه فغمزه، فانتبهت لهما، وقد كنت رأيته حين كتب ذلك، ولم يحتمل المجلس تلحين الخليفة، ولا هان عليّ مادار بين ذينك الشخصين، فانشدت في الحال قولهم:\nإنَّ أباها وأبا أباها ... قد بلغا في المجد غايتها\nفطرب من في المجلس لذلك، أما الحاضرون فإنهم عجبوا لإستحضار دليل جواز ذلك بسرعة، وأما مولانا أمير المؤمنين فإنه اتخذه في معرض المدح له ولآبائه ... \" (٣).\nوكان ﵀ قائمًا بالمعروف والنهي عن المنكر متحملًا في سبيل ذلك مايلقاه من أذى، فقد رد بقصيدة على التقي السبكي في قصيدته البائية المشهورة دفاعًا عن شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية، فتململ بها المتهالكون من أهل البدع والأهواء لوقعها الشديد على قلوبهم، فرماه\n_________\n(١) انظر: الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩)، معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢)، لعمر كحالة، مكتبة المثنى ودار إحياء التراث، لبنان.\n(٢) هو المعتضد بالله الثاني أبو الفتح أبو بكر بن المستكفي بالله من خلفاء العباسيين بمصر، ولي الخلافة بعد وفاة أخيه سنة ٧٥٣ بعهد منه، وكان خيّرًا متواضعًا محبًا لأهل العلم، وقد توفي سنة ٧٦٣. انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٩٧)، تاريخ الخلفاء ص ٤٣٠، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: محمد محي الدين عبدالحميد، الطبعة الأولى ١٣٧١، مطبعة السعادة، مصر.\n(٣) شرح اللؤلؤ في النحو ص ٨٥، تحقيق: إبراهيم حمد الدليمي، رسالة ماجستير في اللغة العربية وآدابها بكلية الدراسات العليا في الجامعة الأردنية، ١٩٩٥ م.","vol":"1","page":39},{"text":"أحدهم بعميه في البصيرة وافتتانه بابن تيمية (١)، ونبزه ثان (٢) بالحشوي، ووصفه ثالث (٣) بأنه\nيسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل، ومن أبياته فيها:\nيا أيها المعتدي قولًا ومعتقدًا ... على ابن تيمية ظلمًا ومذهبه\nبيّن لنا بصريح القول معتمد ال ... إنصاف والعدل فيه ماتريد به (٤)\nوحين لمز السبكي ابن تيمية بعد موته وتعالى في لمزه فقال:\nلو كان حيًا يرى قولي ويسمعه ... رددت ما قال ردًا غير مشتبه\nكما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة أقفو إثر سبسبه (٥)\nرد عليه السرمري:\nفضحت نفسك في هذا المقال ولم ... تشعر وعجت عن المرعى وأخصبه\nعرفتنا أن ماقد قلت ليس لوجـ ... ـه الله بل للمرا أقبح بمنصبه\nإذ لو أردت بيان الحق قلت به ... في محضر الخصم إما في مغيبه (٦)\n_________\n(١) انظر: التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني ص ٧٧.\n(٢) وهو (النبهاني) في كتابه: شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق - ﷺ - ص ١٢٦، المطبعة الميمنية، مصر، ١٣٢٣؛ قال عنه الشيخ سليمان بن سحمان - ﵀ - \"مَن يوسف النبهاني وما يوسف؟ لا أكثر الله في الناس أمثاله ... صنَّف كتابًا في الاستغاثة بالنبي - ﷺ -، ورد عليه أئمة أهل الإسلام وبيَّنوا ما في كتابه من الأغلاط والأوهام والغلو المفرط الذي خرج به من دين الإسلام، إلى دين عبادة القبور من المشركين، وكان في عقيدته على طريقة أهل الاتحاد كابن عربي وأمثاله من أهل الكفر والعناد ﴿الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ (١١) فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ﴾ [الفجر: ١١ - ١٢]، وهم من أكفر خلق الله على الإطلاق، ومن أهل الزندقة والنفاق، وكان يجحد علو الله على خلقه واستواءه على عرشه، وأنه ليس فوق السماء إله يُعبد، ولا يُصلى له ويُسجد ... \". كشف غياهب الظلام عن أوهام جلاء الأوهام ص ٢٩٧ - ٢٩٨، الطبعة الأولى ١٤٢٦، أضواء السلف، الرياض.\n(٣) وهو (الكوثري) في هامش: لحظ الألحاظ ص ١٦١، ولا عجب أن يصف هذا القِذِّيف الشَّغَّاب السَّبَّاب الطَّعَّان الشَّتَّام هذا الوصف القبيح فقد اجتمعت فيه أمراض متنوعة من التقليد الأصم، والتمشعر بغلو وجفاء، والتصوف السادر، والقبورية المكِبَّة للمخلوق عن الخالق. انظر: براءة أهل السنة من الوقيعة في علماء الأمة ص ٦، ٣٤، لبكر أبو زيد، الطبعة الثانية ١٤٠٨، إدارة المطبوعات بوزارة الإعلام، الرياض.\n(٤) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية ص ٥٣.\n(٥) الحمية الإسلامية ص ٧٥.\n(٦) الحمية الإسلامية ص ٧٦.","vol":"1","page":40},{"text":"إلى أن قال:\nلكن إذا الأسد الضرغام غاب عن الـ ... ـالعرين تسمع فيه ضبح (١) ثعلبه\nكذا الجبان خلا في البر صاح ألا ... مبارز وتغالى في توثبه (٢)\nوكان - ﵀ - يسكن بالمدرسة الحنبلية وفي آخر عمره أقعد فصار الناس يقصدونه بها يقرؤن عليه (٣) حتى توفي ﵀ رحمة واسعة، وهكذا قضى السرمري حياته حافلة بالتفقه، والإستجازة، والسماع، والتدريس، والإملاء، والتصنيف في علوم شتى نظمًا ونثرًا، ومدافعًا عن العقيدة الصحيحة، ومنافحًا عن منهج السلف الصالح، ولا غرابة فهو القائل في مطلع اللؤلؤة:\n\"وبعد فالعلم زين فافن عمرك في ... تحصيل ما اسطعت منه واعص من عذلا\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-28>المطلب الثاني: مكانته وثناء العلماء عليه:</span>\nلقد تبوّأ الإمام جمال الدين السرمري مكانة رفيعة عند كثير ممن ترجم له، إذ نبغ في علوم شتى، وصنّف في أنواع كثيرة نثرًا ونظمًا، وخرّج وأفاد وأملى روايةً وعلمًا، فخلد الأئمة ذكرَه، وأثنوا عليه ثناء عاطرًا.\nقال عنه الحافظ ابن ناصر الدين: \"الشيخ الإمام العلامة الحافظ البركة القدوة، ذو الفنون البديعة والمصنفات النافعة، جمال الدين، عمدة المحققين ... كان إمامًا ثقةً عمدةً زاهدًا عابدًا محسنًا جهده، صنف في أنواع كثيرة نثرًا ونظمًا، وخرج وأفاد، وأملى روايةً وعلمًا ... وكان عمدةً في نقد رجال الحديث وضبطه\" (٥).\n_________\n(١) ضبحَ الثعلبُ ضَبْحًا، وضُبَاحًا: صوَّت. المعجم الوسيط ص ٥٣٣.\n(٢) الحمية الإسلامية ص ٧٧.\n(٣) انظر: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠).\n(٤) المقدمة اللؤلؤة في النحو ص ١٨٣، تحقيق: الدكتور عبدالرحمن العثيمين.\n(٥) الرد الوافر ص ٢٣٢.","vol":"1","page":41},{"text":"وقال عنه أيضًا في (بديعة البيان):\n\"السرمري يوسف القويمُ ... ذكيهم وازنه علوم\" (١).\nوقال أيضًا: \"كان إمامًا علامة ذا فنون ثقة عمدة، لم نر أكثر تصنيفًا منه بعده\" (٢).\nوقال الإمام تقي الدين المقريزي: \"كان إمامًا عالمًا ثقة عمدة، زاهدًا عابدًا ... وله نظم ونثر ومعرفة برجال الحديث وضبطه وبالعربية والفرائض\" (٣).\nوقال الإمام العليمي: \" الشيخ العالم المحدّث / المفنّن \" (٤).\nوقال العلامة ابن عماد: \"الشيخ العالم المفنّن الحافظ ... ذكره الذهبي في (المعجم\nالمختص) وأثنى عليه\" (٥).\nوكتب السرمري إلى الصلاح الصفدي استجازة فأجابه الصفدي بقوله:\n\"لبيك ياحلف النهى والسؤدد ... ومن امتطى بالعلم فوق الفرقد\nومن اغتدى فينا وثغر علومه ... عذب مقبَّله شهي المورد\nوإذا أفاض الطالبين مسائلًا ... يسقى بريّا ريقه العطش الصدي\nوإذا جلى نظمًا رأينا عقده ... من لؤلؤ متتابع متسرد\nشرفت ربع دمشق حين سكنته ... بفضائل بين الورى لم تجحد\nإلى أن قال الصفدي:\nأنت الإمام الحبر أمرك طاعة ... بك أقتفي سبل البيان وأقتدي\" (٦).\nوقال الإمام الذهبي: \"له نظم جيد، ومعرفة بالمذهب وغيره\" (٧)\n_________\n(١) التبيان لبديعة البيان (٢/ ٣١٩).\n(٢) التبيان لبديعة البيان (٢/ ٣١٩).\n(٣) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨).\n(٤) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٣)، الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(٥) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(٦) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٤ - ١١٨٥).\n(٧) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية.","vol":"1","page":42},{"text":"وقال عنه الحافظ ابن حجر: \"برع في العربية والفرائض، ونظم عدة أراجيز في عدة فنون، وخرج لغير واحد وحدث ... وتفقه\" (١).\nوقال الحافظ السخاوي: \"كان عارفًا بالمذهب ذا نظم جيد مع مشاركة في العربية والفرائض\" (٢).\nوقال العلامة ابن قاضي شهبة: \"العالم المحدّث المفنّن\" (٣).\nووصفه التقي ابن فهد: بـ\" الإمام العلامة الحافظ ... كان عمدة ثقة ذا فنون إمامًا\nعلامة، له مصنفات عدة في أنواع كثيرة نثرًا ونظمًا، خرج وأفاد وأملى رواية وعلمًا \" (٤).\nوقال العلامة شهاب الدين ابن حجي: \"كانت له مشاركة جيدة في العربية واللغة والفرائض\" (٥).\nوقال الكتاني: \"الحافظ الرحال\" (٦).\nوقال صالح آل عثيمين: \"الإمام العلامة الحافظ\" (٧).\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٢) وجيز الكلام (١/ ٢١٠).\n(٣) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦).\n(٤) لحظ الألحاظ ص ١٦٠.\n(٥) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦).\n(٦) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٥).\n(٧) تسهيل السابلة لمريد معرفة الحنابلة (٢/ ١١٧٠)، لصالح آل عثيمين، تحقيق: بكر أبو زيد، الطبعة الأولى ١٤٢١، مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":43},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>المطلب الثالث: شيوخه:</span>\nتتلمذ جمال الدين السرمري ﵀ على طائفة كبيرة من من علماء عصره في سائر الفنون، حتى صار من الصعب حصرهم، وسأذكر لك جملة من شيوخه:\n١ - أحمد بن أبي طالب بن نعمه بن حسن بن علي الصالحي الحجار، مسند الدنيا رحلة الآفاق أَبو العباس المعروف بابن الشحنة، حدّث بـ (صحيح البخاري) أكثر من سبعين مرة، وعمّر حتى ألحق الأحفاد بالأجداد، ورحل إليه من البلاد، وقد توفي سنة ٧٣٠ (١)؛ وقد صرح السرمري بأنه من شيوخه العوالي بالإجازة (٢).\n٢ - أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن تيمية النميري الحراني، شيخ الإسلام تقي الدين، المتوفى سنة ٧٢٨؛ وقد وصفه السرمري بـ (شيخنا) في موضعين من كتابه (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية) (٣).\n٣ - أحمد بن محمد المعروف بابن الجوخي ويقال له أيضًا ابن الزقاق، الحافظ بدر الدين، توفي سنة ٧٦٤ (٤)؛ خرّج له السرمري \"مشيخة\" وروى عنه (٥).\n٤ - الحسين بن يوسف بن محمد بن أبي السري الدجيلي البغدادي، سراج الدين، المتوفى سنة ٧٣٢ (٦)؛ أخذ السرمري عنه الفقه (٧).\n٥ - خليل بن أيبك الصفدي، صلاح الدين، المتوفى سنة ٧٦٤ (٨)؛ كتب إليه السرمري\n_________\n(١) الدرر الكامنة (١/ ١٥٢)، السحب الوابلة (٣/ ١٠٩٠).\n(٢) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.\n(٣) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، البيت رقم (١٠٢) و(١٤٧).\n(٤) الدرر الكامنة (١/ ٢٦٥)، الأعلام (١/ ٢١٦).\n(٥) معجم المعاجم والمشيخات (١/ ٤٦٤)، ليوسف المرعشلي، الطبعة الأولى ١٤٢٣، مكتبة الرشد، الرياض.\n(٦) ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ٣٠ - ٣٣)، لابن رجب، تحقيق: عبدالرحمن العثيمين، الطبعة الأولى ١٤٢٥، مكتبة العبيكان، الرياض.\n(٧) انظر: إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥ نقلًا عن ترجمة كُتبت على طرة النسخة الخطية، وهو في الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، والسحب الوابلة (٣/ ١١٨٢): \"التبريزي\" وفي إنباء الغمر (١/ ١٥٠): \"التستري\".\n(٨) الأعلام (٢/ ٣١٥).","vol":"1","page":44},{"text":"قصيدة يستجيزه فيها له ولزوجته ولأولاده ولابن أخيه فأجازهم الصلاح الصفدي شعرًا، وقد ذكرها الصفدي في كتابه (ألحان السواجع) (١).\n٦ - صالح بن الحافظ صدر الدين أحمد بن الأنجب ابن الكَسَّار الواسطي، القاضي المقرئ قوام الدين أبو الفضل، توفي سنة ٧٤٤ (٢)؛ خرّج له السرمري \"مشيخة\" وروى عنه (٣).\n٧ - عبدالله بن محمد بن أبي بكر بن إسماعيل بن أبي البركات الزريراني، تقي الدين، إمام من متقدمي علماء الحنابلة، المتوفى سنة ٧٢٩ (٤)؛ ذكره السرمري في شرح اللؤلؤة ووصفه بـ\n\"شيخنا الإمام العلامة\" (٥).\n٨ - عبدالرحمن ابن الشيخ الصالح نجم الدين عبدالله بن أحمد الدجيلي، ثم الدوري الحريري الأصولي الحنبلي، تاج الدين أبو الفرج؛ ذكر العليمي في (المنهج الأحمد) أنه من مشايخ جمال الدين السرمري، ولم يؤرِّخ لوفاته (٦).\n٩ - عبدالمؤمن بن عبدالحق بن عبدالله بن علي بن مسعود البغدادي الحنبلي، صفي الدين، صاحب \"مراصد الاطلاع\" وغيره، وهو ممن قام في الانتصار لابن تيمية عندما سجن في مسألة شد الرحال إلى قبر النبي - ﷺ -، وكتب بموافقته (٧)، توفي سنة ٧٣٩ (٨). أخذ السرمري عنه الفقه وسمع الحديث منه ببغداد (٩).\n١٠ - عبد المنعم بن التقي أحمد بن سليمان بن البوري ابو منصور؛ ذكره ابن ناصر الدين\n_________\n(١) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣ - ١١٨٥).\n(٢) معجم المعاجم والمشيخات (١/ ٤٣٨).\n(٣) معجم المعاجم والمشيخات (١/ ٤٣٨)، توضيح المشتبه (٥/ ١٨٤).\n(٤) ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١ - ٧).\n(٥) شرح اللؤلؤ ص ٤٧، تحقيق: إبراهيم الدليمي.\n(٦) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٥).\n(٧) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٩٩ - ٢٠٠).\n(٨) انظر: شذرات الذهب (٦/ ١٢١).\n(٩) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، التبيان (٢/ ٣١٩)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، لحظ الألحاظ ص ١٦٠، بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، رفع النقاب ص ٣٢٩.","vol":"1","page":45},{"text":"في (توضيح المشتبه) وقال: \"حدث عن أبيه وعنه أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري\" (١).\n١١ - المبارك بن بركات بن المبارك اللبناني ثم الحموي، الأمين أبو سعيد. ذكره ابن ناصر الدين في (توضيح المشتبه) وقال: \"حدث عن التاج عبد الخالق بن عبد السلام وغيره وعنه العلامة أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري\" (٢).\n١٢ - محمد بن إبراهيم بن عمر بن أبي البدر بن حسن الحنبلي الخالدي البغدادي، تقي\nالدين أبو البدر، توفي سنة ٧٤١ (٣)؛ ذكره السرمري في (شفاء الآلام) ووصفه بـ \"شيخنا الصالح\" (٤).\n١٣ - محمد بن إبراهيم بن محمد ابن أبي بكر بن إبراهيم الأنصاري الخزرجي، المعروف بابن إمام الصخرة، المتوفى سنة ٧٦٦ (٥)؛ قرأ عليه السرمري كتاب \"الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان\" لشيخ الإسلام ابن تيمية، مناولة من مؤلفه (٦).\n١٤ - محمد بن الشيخ الصالح أبي بكر بن أيوب بن سعد الزرعي ثم الدمشقي الحنبلي، المشهور بابن قيم الجوزية، المتوفى سنة ٧٥١ (٧)؛ قال السرمري في كتابه (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) قال: \"قال شيخنا شمس الدين ابن القيم ﵀\" (٨)، وقد وصفه بـ (شيخنا) في أكثر من موضع في هذا الكتاب.\n١٥ - محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز بن عبدالله التركماني الأصل، ثم الدمشقي،\n_________\n(١) في توضيح المشتبه (١/ ٦٣٤) المطبوع \"السرمسري\" وهو تصحيف، وقد نقله الشيخ عبدالرحمن المعلمي على الصواب في حاشية الإكمال للحافظ ابن ماكولا (١/ ٥٨٨)، الطبعة الثانية ١٩٩٣ م، دار الكتاب الإسلامي، القاهرة.\n(٢) توضيح المشتبه (٧/ ٣٦٤).\n(٣) المنتقى من معجم شيوخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي ص ٢٦، تحقيق: عبدالله الكندري، الطبعة الأولى ١٤٢٦، غراس، الكويت.\n(٤) شفاء الآلام (مخطوط) ورقة: ١٥٣ أ.\n(٥) الرد الوافر ص ٨٠، تحقيق: زهير الشاويش.\n(٦) انظر: الرد الوافر ص ٨١، تحقيق: زهير الشاويش.\n(٧) ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١٧٠ - ١٧٩).\n(٨) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣ ب.","vol":"1","page":46},{"text":"الحافظ شمس الدين الذهبي، المتوفى سنة ٧٤٨ (١)؛ وقد تقدم قول الذهبي أن السرمري قدم عليهم سنة ست وأربعين وقرأ عليه، وقال السرمري في كتابه (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام): \"فأخبرني شيخنا شمس الدين الذهبي ... وهو مسموم بين الطلبة والله المستعان\" (٢).\n١٦ - محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي، شمس الدين أبي عبدالله، توفي نحو ٧٥٠ (٣)؛ خرَّج له السرمري \"معجم\" ووصفه فيه بـ\"شيخنا العدل الأمين الثقة بقية\nالسلف\" (٤).\n١٧ - محمد بن عبدالمحسن بن أبي الحسن البغدادي، عفيف الدين الواعظ المعروف بابن الدواليبي، المتوفى سنة ٧٢٨ (٥)؛ وقد صرح السرمري بأنه من شيوخه العوالي بالإجازة (٦).\n١٨ - محمد بن محمد بن منصور اليزدي الخوزي أبو المجد، سمع على ابن الدواليبي وشرف الدين اليونيني والذهبي والمزي وغيرهم، وصحب شيخ الإسلام ابن تيمية، توفي سنة ٧٤٢ (٧)؛ ذكره ابن ناصر الدين في (توضيح المشتبه) وقال: \"حدث عن أبي الحسين علي بن اليونيني، وعنه الإمام أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري\" (٨).\n١٩ - محمد بن محمود العدل البغدادي الحنبلي، جمال الدين أبو طالب؛ قال جمال الدين السرمري في كتابه (الأربعون الصحيحة): \"أخبرني الشيخ أبو طالب محمد بن محمد بن محمود العدل بقراءتي عليه برباط الأرجوانية (٩) من درب زاخي شرقي بغداد في يوم الجمعة سادس عشر\n_________\n(١) السحب الوابلة (٣/ ١٠٩١).\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام: ورقة: ٢٠٤ أ.\n(٣) معجم المعاجم والمشيخات (١/ ٤٥٤).\n(٤) فوائد مخرجة عن شيوخ شمس الدين الوراق (مخطوط) ورقة: ٨٥ أ.\n(٥) الدرر الكامنة (٤/ ٢٧ - ٢٨).\n(٦) انظر: الأعلام للزركلي (٨/ ٢١٥) نقلًا عن نموذج خطه على ثبت النذرومي.\n(٧) المنتقى من معجم شيوخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي ص ٣٤.\n(٨) توضيح المشتبه (٢/ ٥٣٠).\n(٩) الأرجوانية: نسبة إلى أرجوان أم الخليفة المقتدي بأمر الله، كانت جارية أرمنية وكان لها بر ومعروف، بَنت ببغداد رباطًا (أي: وقفًا) كبيرًا للصوفية، أدركت خلافة ابنها المقتدي وخلافة ابنه المستظهر وخلافة ابنه المسترشد، توفيت سنة ٥١٢. انظر: المنتظم في تاريخ الملوك والأمم (٩/ ٢٠٠)، لابن الجوزي، الطبعة الأولى ١٣٥٨، دار صادر، بيروت؛ الوافي بالوافيات (٢٤/ ١٧٤).","vol":"1","page":47},{"text":"شعبان من سنة ثلاثين وسبعمائة\" (١)؛ وقد ذكر العليمي في (المنهج الأحمد) أنه من مشايخ جمال الدين السرمري، ولم يؤرِّخ لوفاته (٢).\n٢٠ - محمود بن علي بن محمود بن مقبل الدقوقي الحنبلي أبي الثناء، المتوفى سنة\n٧٣٣ (٣)؛ سمع السرمري الحديث منه ببغداد (٤).\n٢١ - يوسف بن إسماعيل بن إلياس بن أحمد البغدادي الشافعي، المعروف بابن الكتبي، صنف كتاب \"مالا يسع الطبيب جهله\"، وهو ممن قام في الانتصار لابن تيمية عندما سجن في مسألة شد الرحال إلى قبر النبي ﷺ، وكتب إلى السلطان يرجو منه إخراجه من السجن (٥)، وقد توفي سنة ٧٥٤ (٦)؛ قال جمال الدين السرمري في كتابه (شفاء الآلام): \"سمعت شيخنا نصير الدين بن الكتبي أستاذ الطب في وقته\" (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-30>المطلب الرابع: تلاميذه:</span>\n١ - ابنه: إبراهيم بن يوسف بن محمد السرمري، ولد في حدود الخمسين وسبعمائة، وأُسمع على ابن الخبَّاز وبشر بن إبراهيم البعلي، سمع منه الفضلاء، وأجاز لابن حجر، وتوفي ﵀\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة ص ١٥١ - ١٥٢، تحقيق: محمد خير رمضان يوسف، الطبعة الأولى ١٤٢١، المكتب الإسلامي، بيروت ودمشق وعَمان.\n(٢) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٥).\n(٣) الدرر الكامنة (٤/ ٣٣٠).\n(٤) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، التبيان (٢/ ٣١٩)، إنباء الغمر (١/ ١٥٠)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، لحظ الألحاظ ص ١٦٠، بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠)، رفع النقاب ص ٣٢٩.\n(٥) مجموع الفتاوى (٢٧/ ١٩٤ - ١٩٦).\n(٦) معجم المؤلفين (١٣/ ٢٧٤).\n(٧) شفاء الآلام (مخطوط) ورقة: ٩٠ أ.","vol":"1","page":48},{"text":"سنة ٨٠٣ بدمشق (١)؛ قال ابن ناصر الدين الدمشقي (٢) في ترجمة السرمري: \"حدثنا عنه ابنه إبراهيم\"، وقال ابن فهد في (لحظ الألحاظ): \"روى عنه جماعة منهم ابنه إبراهيم\" (٣).\n٢ - أحمد بن حجي بن موسى السَّعدي بن الحسباني الدمشقي الشافعي، مؤرخ الإسلام أبو العباس، توفي سنة ٨١٦ (٤)؛ نقل ابن قاضي شهبة في تاريخه عن ابن حجي أنه قال:\n\"سمعت منه\" (٥).\n٣ - أحمد بن يوسف البانياسي الدمشقي المقرئ، شهاب الدين أبو العباس، توفي سنة ٨٠٣ (٦)؛ روى السيوطي في \"الحاوي للفتاوي\" الحديث المسلسل بالسبحة من طريقه عن السرمري (٧).\n٤ - سعيد بن عبدالله الحريري الحنبلي، المحدث الحافظ المؤرخ نجم الدين أبو الخير، وتوفي سنة ٧٤٩ (٨)؛ سمع من السرمري منظومة (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد) في الرابع عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمائة ببغداد، وقد أجاز له روايتها عنه ورواية جميع ماله روايته من مسوعات ومجازات ومنظومات ومنثورات وجميع مايدخل تحت روايته من جميع الفنون، وكتب السرمري طبقة السماع بيده آخر النسخة الخطية (٩).\n٥ - صواب بن عبدالله الحر الهندي عتيق الشيخ جمال الدين السرمري، سمع منه (نهج الرشاد) في الرابع عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمائة ببغداد، وقد أجاز له روايتها عنه ورواية جميع ماله روايته من مسوعات ومجازات ومنظومات ومنثورات وجميع مايدخل تحت روايته من جميع الفنون، وكتب السرمري طبقة السماع بيده آخر النسخة الخطية (١٠).\n٦ - عبد الرحمن بن عمر بن عبد الرحمن بن حسن المصري الحموي الأصل القبابي ثم المقدسي الحنبلي، توفي سنة ٨٣٨ (١١)؛ ذكر السخاوي في ترجمته أنه سمع على الجمال يوسف السرمري.\n٧ - المأمون بن السعيد المرحوم مجد الدين إسماعيل بن الشيخ الصالح جمال الدنيا والدين أبي إسحاق إبراهيم بن محمد بن الرشيد الهاشمي العباسي؛ سمع من السرمري منظومة (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد) في الرابع عشر من صفر سنة ثلاثين وسبعمائة ببغداد، وقد أجاز له روايتها عنه ورواية\n_________\n(١) انظر: \"الضوء اللامع\" (١/ ١٨٢)، و\"السحب الوابلة\" (١/ ٧٨).\n(٢) \" التبيان\" (٢/ ٣١٩).\n(٣) لحظ الألحاظ ص ١٦٠.\n(٤) التبيان (٢/ ٣٢٩)، الأعلام (١/ ١١٠).\n(٥) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦).\n(٦) إنباء الغمر (٢/ ١٥٧).\n(٧) الحاوي للفتاوي (٢/ ٥)، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: عبداللطيف حسن عبدالرحمن، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وفيه \"الترمذي\" بدل (السرمري) وهو تصحيف.\n(٨) ذيل طبقات الحنابلة (٥/ ١٤٨ - ١٤٩).\n(٩) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد ص ٤٨ - ٤٩، تحقيق: مطلق الجاسر، الطبعة الأولى ١٤٣٠، دار التواصل، الكويت.\n(١٠) نهج الرشاد ص ٤٨ - ٤٩.\n(١١) الضوء اللامع (٤/ ١١٣ - ١١٤).","vol":"1","page":49},{"text":"جميع ماله روايته من مسوعات ومجازات ومنظومات ومنثورات وجميع مايدخل تحت روايته من جميع الفنون، وكتب السرمري طبقة السماع بيده آخر النسخة الخطية (١).\n٨ - محمد بن هجرس بن رافع السلامي المصري ثم الدمشقي الشافعي، الحافظ تقي الدين أبو المعالي، عمل لنفسه معجمًا في أربع مجلدات وهو في غاية الإتقان والضبط مشحون بالفوائد ويشتمل على أزيد من ألف شيخ، توفي سنة ٧٧٤ (٢)؛ قال ابن حجر: \"أخذ عنه ابن رافع مع تقدمه، وذكره في معجمه وحدَّث عنه، ومات قبله\" (٣).\n٩ - محمد بن محمد بن بن علي بن يوسف الجزري الدمشقي العمري الشيرازي الشافعي، الإمام المقرئ، المتوفى سنة ٨٣٣ بشيراز (٤)؛ قال ابن الجزري في كتابه (مناقب الأسد الغالب): \"أخبرنا الإمام العالم المحدث الكبير أبو المظفر يوسف بن محمد السرمري الحنبلي ﵀ مشافهة منه لي بمنزله من المدرسة الحنبلية داخل دمشق المحروسة في الثالثة عشرة من ذي الحجة\n_________\n(١) نهج الرشاد ص ٤٨ - ٤٩.\n(٢) الدرر الكامنة (٣/ ٤٣٩ - ٤٤٠).\n(٣) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).\n(٤) شذرات الذهب (٧/ ٢٠٤ - ٢٠٦).","vol":"1","page":50},{"text":"سنة ست وستين وسبعمائة\" (١)، وروى الأيوبي في \"المناهل المسلسلة\" (٢) والفاداني في \"العجالة في الأحاديث المسلسلة\" (٣) الحديث المسلسل بالمصافحة من طريق ابن الجزري عن السرمري.\n١٠ - محمد بن يعقوب الفيروزآبادي الشيرازي، الإمام اللغوي مجد الدين أبو طاهر، صاحب \"القاموس المحيط\"، المتوفى سنة ٨١٧ (٤)؛ وروى الأيوبي في \"المناهل المسلسلة\" (٥) الحديث المسلسل بمناولة السبحة من طريق الفيروزآبادي عن السرمري.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-31>المطلب الخامس: مؤلفاته:</span>\nتفنن جمال الدين السرمري - ﵀ - في التصنيف والتأليف نظمًا ونثرًا لتبحره في مختلف العلوم والفنون، فقد كتب في بضعةٍ وعشرين علمًا، وزادت مؤلفاته على المائة مصنف (٦).\nقال العلامة شهاب الدين ابن حجي: \"رأيت بخطه ماصورته: مؤلفاتي تزيد على مائة مصنف كبار وصغار في بضعة وعشرين علمًا، ذكرتها على حروف المعجم في (الروضة المورقة في الترجمة المونقة) \" (٧).\n_________\n(١) أسمى المناقب في تهذيب أسنى المطالب ص ١١٧؛ وجاء في طبعة أخرى للكتاب باسم (مناقب الأسد الغالب) ص ٤٥: \"سنة ست وسبعين وسبعمائة\" وهو خطأ فالسرمري في شهر ذي الحجة من سنة ست وسبعين وسبعمائة كان ميتًا كما ثبت في تأريخ وفاته.\n(٢) المناهل المسلسلة ص ٤٢.\n(٣) العجالة في الأحاديث المسلسلة ص ١١، لأبي فيض محمد ياسين الفاداني المكي، الطبعة الثانية ١٩٨٥ م، دار البصائر، دمشق.\n(٤) الضوء اللامع (١٠/ ٧٩).\n(٥) \"المناهل المسلسلة\" ص ٣٣ - ٣٤.\n(٦) انظر: تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧)، إنباء الغمر (١/ ١٥١)، وجيز الكلام (١/ ٢١٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٥ - ١٧٦).\n(٧) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).","vol":"1","page":51},{"text":"وقال ابن رافع في معجمه: \"بلغت مصنفاته مائة\" (١).\nوقال الحافظ ابن ناصر الدين: \"لم نر أكثر تصنيفًا منه بعده\" (٢).\nوقد ترجم له في (الرد الوافر) بقوله: \"ذو الفنون البديعة والمصنفات النافعة ... صنف في أنواع كثيرة نثرًا ونظمًا وخرّج وأفاد وأملى رواية وعلمًا\" (٣).\nوهذه قائمة بمؤلفاته التي وقفت عليها من خلال المصادر المثبتة:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-32>١ - \"الأحاديث القدسية\" جزء</span>.\nذكره ابن حميد في (السحب الوابلة) (٤) وابن ضويان في (رفع النقاب) (٥) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٦) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٧).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-33>٢ - أحاديث منقولة عن المصطفى - ﷺ - متضمنة شفاء من أصبح على شفى</span>.\nقال جمال الدين السرمري في (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام): \"فحينئذ جمعت أحاديث منقولة عن المصطفى ﷺ متضمنة شفاء من أصبح على شفى، جعلتها كالأصول، وتكلمت عليها بما فتح الله من المأثور والمعقول، وشرحت مشكلها، وفتحت مقفلها، وذكرت خلال ذلك ما قاله جهابذة الأطباء، ووافق عليه نحارير الحكماء الألباء، لتسكن إليه النفس بالكلية، فلما طال اشتغالي بالحديث ومطالعتي ومراجعتي كتب الطب والأطباء، وذاكرتهم في قواعده، وأخذت من أفواههم نُكَتًا عديدة من فوائده، توفرت\n_________\n(١) بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠).\n(٢) التبيان (٢/ ٣١٩).\n(٣) الرد الوافر ص ٢٣٢.\n(٤) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٥) رفع النقاب ص ٣٢٩.\n(٦) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧٢).\n(٧) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٦).","vol":"1","page":52},{"text":"الهمة على جمع كتاب أجمع من ذلك، وبناء أرفع وأوسع من ذلك، فجمعت هذا الكتاب ضمنته ما لم يتسع ذلك له، ووضعته على منهاج آخر، وأسلوب غير أسلوب الأول\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-34>٣ - إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة</span>.\nذكره الزركلي في (الأعلام) (٢) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٣) وبكر أبو زيد في (المدخل المفصل) (٤) وذُكِر أيضًا في (الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط) قسم مخطوطات الفقه وأصوله (٥).\nوقد طبع سنة ١٤٢٧ بتحقيق أبو عبدالله حسين بن عكاشة، وطبعه في دار الكيان بالرياض.\nقال السرمري في مقدمته: \"فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِن من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل، فلما كان الشأن والقصة هذا أحببت أن انتخب مما اشتملا عليه من الأحكام كتابًا لطيفًا، يرغب الطالب في حفظه لقلة لفظه، وينشرح صدره للأخذ بحكمة حُكمه لصغر حجمه، ويربح كلفة ترجيح أحد أقوال العلماء والانتصار لفلان وفلان من الفقهاء، فيقول: قال الله وقال الرسول وناهيك بما في ذلك من إدراك السؤال، فاستخرت الله - تعالى - في ذلك، وافتتحت كل باب بآية فصاعدًا من الكتاب العزيز تتعلق بأحكامِهِ، وتشهد بتهذيبه وإحكامِهِ، وتوخيت قصار الأخبار طلبًا للاختصار؛ وعزوت كل حديث إلى من رواه من الأئمة، وربما حذفت من الحديث قصة غير مهمة ... وافتتحته بكتاب الإيمان والسنة اتباعًا لطريقة السلف، وترغيبًا لمن بعدهم من\n_________\n(١) شفاء الآلام (مخطوط) ورقة: ٧ ب، ٨ أ.\n(٢) الأعلام (٨/ ٢٥٠).\n(٣) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٤) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (٢/ ٩٩٢)، دار العاصمة.\n(٥) الفهرس الشامل للتراث العربي المخطوط، مخطوطات الفقه وأصوله (١/ ١٨٢)، المجمع الملكي لبحوث الحضارة الإسلامية (مؤسسة آل البيت).","vol":"1","page":53},{"text":"الخلف\" (١).\nوقد رتب السرمري هذا الكتاب على الأبواب الفقهية، وافتتحه بكتاب الإيمان والسنة، ثم ذكر كتاب الطهارة فالصلاة فالزكاة فالحج فالبيوع إلى آخر الأبواب الفقهية، وقسم كل كتاب إلى أبواب وفصول، ولما انتهى من ذكر الأحكام الفقهية ذكر كتاب الأدب، وختم السرمري\nالكتاب بطائفة عطرة من الآيات القرآنية (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-35>٤ - الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (٣) وابن حجر في (إنباء الغمر) (٤) وفي (الدرر الكامنة) (٥) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (٦) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٧) وفي (الدر المنضد) (٨) وحاجي خليفة في (كشف الظنون) (٩) وابن عماد في (شذرات الذهب) (١٠) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١١) والبغدادي في (هدية العارفين) (١٢) وابن ضويان في (رفع النقاب) (١٣) والزركلي في (الأعلام) (١٤) والكتاني في (فهرس الفهارس) (١٥) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (١٦) وصالح\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧١ - ٧٢.\n(٢) انظر: مقدمة تحقيق (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) ص ٥٥ - ٥٧.\n(٣) التبيان (٢/ ٣٢٠).\n(٤) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).\n(٥) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٦) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(٧) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٨) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(٩) كشف الظنون (١/ ٥٦).\n(١٠) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(١١) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) ونقله باسم \"كتاب الأربعين الصحيحة فيما دون أجر المنيحة\".\n(١٢) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(١٣) رفع النقاب ص ٣٢٩ وفي المطبوع \"كتاب الأربعين الصحيحة فيما دون أجزاء المنتخبة\".\n(١٤) الأعلام (٨/ ٢٥٠) وذكره مختصرًا باسم \"كتاب الأربعين الصحيحة\".\n(١٥) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦) وذكره مختصرًا باسم \"كتاب الأربعين الصحيحة\".\n(١٦) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢٠).","vol":"1","page":54},{"text":"آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٢).\nوقد طبع سنة ١٤٢١ بتحقيق محمد خير رمضان يوسف، وطبعه في دار ابن حزم ببيروت.\nوقد بنى السرمري كتابه هذا على حديث أخرجه الإمام البخاري وهو: \"أربعون خصلة، أعلاهن منيحة العنز، مامن عامل يعمل بخصلة منها رجاء ثوابها وتصديق موعودها، إلا أدخله الله بها الجنة\".\nفالكتاب - باختصار - في موجبات الجنة (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-36>٥ - الأرجوزة الجلية في الفرائض الحنبلية</span>.\nذكره الزركلي في (الأعلام) (٤) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٥) وبكر أبو زيد في (المدخل المفصل) (٦) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٧).\nوقد طبع سنة ١٤٣١ بعناية فيصل بن يوسف أحمد العلي، وطبعه في دار البشائر الإسلامية ببيروت.\nوقد أراد أن يجمع في هذه المنظومة أصول علم الفرائض، وعدد أبياتها ١٦٧.\n_________\n(١) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٢) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٦).\n(٣) انظر: مقدمة تحقيق (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) ص ٥ - ٦، لمحمد خير رمضان يوسف.\n(٤) الأعلام (٨/ ٢٥١) وذكره باسم \"الأرجوزة الجلية في الفرائد الحنبلية\".\n(٥) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(٦) المدخل المفصل (٢/ ٩٩٢).\n(٧) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٧) وقد ذكره باسم \"الأرجوزة الجلية في الفرائد الحنبلية\".","vol":"1","page":55},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-37>٦ - الإفادات المنظومة في العبادات المختومة</span>.\nذكره حاجي خليفة في (كشف الظنون) (١) والبغدادي في (هدية العارفين) (٢) وكحالة\nفي (معجم المؤلفين) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-38>٧ - تخريج الأحاديث الثمانيات</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (٦) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٧) وابن حجر في (إنباء الغمر) (٨) وفي (الدرر الكامنة) (٩) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (١٠) والعليمي في (المنهج الأحمد) (١١) وفي (الدر المنضد) (١٢) وحاجي خليفة في (كشف الظنون) (١٣) وابن العماد في (شذرات الذهب) (١٤) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١٥) وابن ضويان في (رفع النقاب) (١٦) والكتاني في\n_________\n(١) كشف الظنون (١/ ١٣١).\n(٢) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(٣) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٧).\n(٦) التبيان (٢/ ٣٢٠).\n(٧) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(٨) إنباء الغمر (١/ ١٥٠) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(٩) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(١٠) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(١١) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(١٢) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(١٣) كشف الظنون (١/ ٥٢٤).\n(١٤) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(١٥) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) ونقله مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(١٦) رفع النقاب ص ٣٢٩ وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".","vol":"1","page":56},{"text":"(فهرس الفهارس) (١) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٢) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٣) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٤).\nوهو جزء في الحديث من تخريجه لنفسه، فيه خمسة عشر حديثًا سمعه منه القبابي، قال الحافظ ابن حجر في (المشيخة الباسمة): \"ثمانيات من رواية خراش عن أنس رضي الله - تعالى - عنه.\nوخراش: أحد الكذابين لايفرح بعلو حديثه إلا من قصر نظره في هذا الفن، والله المستعان \" (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>٨ - ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية</span>.\nقال ابن ناصر الدين في (الرد الوافر): \"وترجم الشيخ تقي الدين بشيخ الإسلام فيما كتبه بخطه، وجمع في شمائله اللطيفة، ترجمة مؤنقة منيفة، إعلامًا بقدره وتنبيهًا، قال فيما وجدته بخطه فيها: حدثني غير واحد من الفضلاء ... \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-40>٩ - التشوف</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (النكت الأثرية) (٧).\n_________\n(١) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(٢) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٣) معجم المعاجم (١/ ٣٦، ٤٧٧) وذكره باسم \"ثمانيات السرمري\".\n(٤) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٧) وذكره مختصرًا باسم \"الثمانيات\".\n(٥) نقله الدكتور عبدالرحمن العثيمين في مقدمة (اللؤلؤة) ص ١٧٦.\n(٦) الرد الوافر ص ٢٣٢ - ٢٣٣ تحقيق: زهير الشاويش.\n(٧) النكت الأثرية على الأحاديث الجزرية ص ٤٤٨، تحقيق: مشعل بن باني المطيري، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار ابن حزم.","vol":"1","page":57},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-41>١٠ - الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (الرد الوافر) (١) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٢) والزركلي في\n(الأعلام) (٣) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٤) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٥) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٦) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٧) وبكر أبو زيد (المدخل المفصل) (٨) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٩).\nوقد طبع عدة طبعات، فطبع في مقدمة (منهاج السنة النبوية) لشيخ الإسلام ابن تيمية في طبعتيه: الطبعة البولاقية، وطبعة الدكتور / محمد رشاد سالم، وطبع بتحقيق: صلاح الدين مقبول أحمد، وطبعه في مجمع البحوث الإسلامية بالهند سنة ١٤١٢.\nوهي قصيدة يرد بها الإمام جمال الدين السرمري على التقي السبكي دفاعًا عن شيخ الإسلام ابن تيمية، وقد احتوت قصيدة السبكي على ستة عشر بيتًا، وجاء رد السرمري في مائة واثنين وخمسين بيتًا (١٠)، بحيث أورد أبيات السبكي ضمن قصيدته ورد على كل بيت منها على حدة.\nقال ابن ناصر الدين: \"ومن مؤلفاته النظامية كتاب (الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب\n_________\n(١) الرد الوافر ص ٢٣٢.\n(٢) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨)\n(٣) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(٤) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(٥) فهرس الفهارس (١/ ٢٧٦).\n(٦) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(٧) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٨) المدخل المفصل لمذهب الإمام أحمد (٢/ ٩٩٢).\n(٩) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٨).\n(١٠) وهم بروكّلمان في \"تاريخ الأدب العربي\" (٧/ ٢١) في عدة أبياتها فقال أنها في ١٤٩ بيتًا.","vol":"1","page":58},{"text":"ابن تيمية)\nمعارضًا فرقة قد قال أمثلهم ... إن الروافض قوم لاخلاق لهم\nوقد أحسن في هذا الرد المقبول، وهدم تلك الأبيات بنظام المنقول، وجلال المعقول\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-42>١١ - خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈</span>.\nوهو كتابنا هذا، وسيأتي - إن شاء الله تعالى - الكلام عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-43>١٢ - ذكر الجراد ومافي شأنه من الصلاح والفساد</span>.\nذكره حاجي خليفة في (كشف الظنون) (٢) والبغدادي في (هدية العارفين) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\nولعل أصل هذا الكتاب هو المجلس الذي وضعه السرمري في الجراد، الذي أشار إليه ابن المبرد بقوله \"وذكر السرمري بسند في المجلس الذي وضعه في الجراد ... \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-44>١٣ - رفع الباس في حياة الخضر وإلياس</span>.\nذكره ابن حميد في (السحب الوابلة) (٧) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٨).\n_________\n(١) الرد الوافر ص ٢٣٢.\n(٢) كشف الظنون (١/ ٨٥٧).\n(٣) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١) وقد نقله باسم \"رسالة في الجراد وما فيه من الصلاح والفساد\".\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٨) وذكره باسم \"رسالة في الجراد وما في شأنه من الصلاح والفساد\".\n(٦) محض الصواب لابن المبرد (٣/ ٩٦٧)، تحقيق عبدالعزيز الفريح، الطبعة الأولى ١٤٢٠، عمادة البحث العلمي بالجامعة الإسلامية، المدينة.\n(٧) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٨) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٨).","vol":"1","page":59},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-45>١٤ - الروضة المورقة في الترجمة المونقة</span>.\nذكره ابن قاضي شهبة في (تاريخه) (١) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٢) وابن العماد في\n(شذرات الذهب) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\nوقد تقدم قول ابن حجي: \"رأيت بخطه ماصورته: مؤلفاتي تزيد على مائة مصنف كبار وصغار في بضعة وعشرين علمًا، ذكرتها على حروف المعجم في (الروضة المورقة في الترجمة المونقة) \" (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-46>١٥ - شرح اللؤلؤة في النحو</span>.\nذكره بروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٧) والزركلي في (الأعلام) (٨) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٩) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٠)، وقد طبع عدة طبعات، فطبع سنة ١٩٨٨ بتحقيق الدكتور سعيد عرفة وسمّاها (الدرة البهية)، وطبع سنة ١٤١٢ بتحقيق الدكتور أمين عبدالله سالم وسمّاها: (اللؤلؤة في علم العربية وشرحها) وطبعه في مطبعة الأمانة بمصر، وقد حقق هذا الكتاب أيضًا إبراهيم حمد الدليمي في رسالة علمية لنيل درجة الماجستير بكلية\n_________\n(١) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦).\n(٢) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٣) شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠).\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٩).\n(٦) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦)، شذرات الذهب (٨/ ٤٣٠)، المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٧) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(٨) الأعلام (٨/ ٢٥١) وذكره باسم \"شرح اللؤلؤة في علم العربية\".\n(٩) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(١٠) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٢) وذكره باسم \"شرح اللؤلؤة في علم العربية\".","vol":"1","page":60},{"text":"الدراسات العليا في الجامعة الأردنية سنة ١٩٩٥ م.\nوالكتاب هو شرح لمنظومته (اللؤلؤة) في النحو، بلغت أبياتها ١٦٣.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-47>١٦ - شفاء الآلام في طب أهل الإسلام</span>.\nذكره ابن فهد في (لحظ الألحاظ) (١) وابن حميد في (السحب الوابلة) (٢) والبغدادي في (إيضاح المكنون) (٣) وفي (هدية العارفين) (٤) وابن ضويان في (رفع النقاب) (٥) والزركلي في (الأعلام) (٦) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٧) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٨) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٩) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٠) وبكر أبو زيد في (المدخل المفصل) (١١) وصلاح الدين المنجد في (معجم ما ألف عن رسول الله - ﷺ -) (١٢) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٣).\nقال ابن حميد (١٤) في (السحب الوابلة): \"رأيت له كتابًا عجيبًا في الطب سماه: (شفاء\n_________\n(١) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٣) إيضاح المكنون في الذيل على كشف الظنون (٢/ ٤٩)، تحقيق: رفعت بيلكه الكليسي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n(٤) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(٥) رفع النقاب ص ٣٢٩ وذكره باسم \"شفاء السقام في طب أهل الإسلام\".\n(٦) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(٧) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(٨) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(٩) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(١٠) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١١) المدخل المفصل (٢/ ٩٩٢) وذكره باسم \"شفاء السقام في طب أهل الإسلام\".\n(١٢) معجم ما ألف عن رسول الله - ﷺ - ص ٢٩٨، الطبعة الأولى ١٤٠٢، دار الكتاب الجديد، لبنان؛ وذكره باسم \"شفاء الأنام في طب أهل الإسلام\".\n(١٣) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٧٩ - ١٨٠).\n(١٤) هو الشيخ محمد بن عبدالله بن حُميد النجدي ثم المكي الحنبلي، كان قد بلغ من العلم مبلغًا وشدا، وأمَّ في المسجد الحرام وخطب ودرَّس وأفتى، وألف في المذهب الحنبلي وحقق وأسند وأرخ، توفي سنة ١٢٩٥. انظر: مقدمة تحقيق \"السحب الوابلة\" ص ٥، لبكر أبو زيد ود. عبدالرحمن العثيمين.","vol":"1","page":61},{"text":"السقام في طب أهل الإسلام) جمع فيه بين الطب النبوي والطب المتعارف مجلد\" (١)، عندي نسخة مصورة عن مكتبة جامعة الكويت برقم [٣١٥٠] في ٢٥٢ ق، وقد قرأت المخطوط\nفوجدته بحق كما وصفه ابن حميد ﵀.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-48>١٧ - شفاء القلوب في دواء الذنوب</span>.\nذكره ابن حميد في (السحب الوابلة) (٢) وابن ضويان في (رفع النقاب) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-49>١٨ - صحاح الأحكام وسلاح الحكام</span>.\nذكره حاجي خليفة في (كشف الظنون) (٦) والبغدادي في (هدية العارفين) (٧) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٨) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٩) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٠).\nجمعه في قوله ﵊ \"بني الإسلام على خمس ... \" (١١).\n_________\n(١) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٣) رفع النقاب ص ٣٢٩ وفي المطبوع \"شقاء القلوب في دواء الذنوب\" ولعله خطأ مطبعي.\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧٢) ونقله باسم \"شفاء القلوب من أدواء الذنوب\".\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٠).\n(٦) كشف الظنون (٢/ ١٠٧٠).\n(٧) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(٨) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(٩) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١٠) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٠).\n(١١) كشف الظنون (٢/ ١٠٧٠).","vol":"1","page":62},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-50>١٩ - عجائب الاتفاق وغرائب ماوقع في الآفاق</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (١) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٢) وابن حجر في\n(الدرر الكامنة) (٣) وفي (إنباء الغمر) (٤) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (٥) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٦) وفي (الدر المنضد) (٧) وحاجي خليفة في (كشف الظنون) (٨) وابن العماد في (شذرات الذهب) (٩) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١٠) والبغدادي في (هدية العارفين) (١١) وابن ضويان في (رفع النقاب) (١٢) والزركلي في (الأعلام) (١٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٥).\nوقد وقفت في فهرس مكتبة الاسكندرية على مخطوط باسم (عجائب الآفاق للسرمري) فراسلت المكتبة عن طريق مركز الملك فيصل طالبًا منهم المخطوط، فأرسلوا لي خطاب اعتذار، ذكروا فيه أنه بعد المراجعة والفهرسة تبين أن هناك خطأ سابق في الفهرسة، وأن الكتاب غير متوفر لديهم، وفيما يلي صورة الخطاب:\n_________\n(١) التبيان (٢/ ٣٢٠).\n(٢) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨) وذكره مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(٣) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧) وذكره مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(٤) إنباء الغمر (١/ ١٥٠) وذكره مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(٥) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(٦) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٧) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥) وذكره مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(٨) كشف الظنون (٢/ ١١٢٥).\n(٩) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(١٠) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) ونقله مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(١١) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(١٢) رفع النقاب ص ٣٢٩ وذكره مختصرًا باسم \"عجائب الاتفاق\".\n(١٣) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(١٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٠) وذكره باسم \"عجائب الاتفاق في غرائب ماوقع في الآفاق\".","vol":"1","page":63},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-51>٢٠ - عقود اللآلي في الأمالي</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (١) وابن حجر في (الدرر الكامنة) (٢) وفي (إنباء\nالغمر) (٣) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (٤) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٥) وفي (الدر المنضد) (٦) وحاجي خليفة في (كشف الظنون) (٧) وابن العماد في (شذرات الذهب) (٨) وابن حميد في (السحب الوابلة) (٩) والبغدادي في (هدية العارفين) (١٠) وابن ضويان في (رفع النقاب) (١١) والزركلي في (الأعلام) (١٢) والكتاني في (فهرس الفهارس) (١٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٥).\nقال ابن ناصر الدين في (الرد الوافر): \"وقال الإمام أبو مظفر السرمري في المجلس السابع والستين من (أماليه) في الذكر والحفظ: ومن عجائب ماوقع في الحفظ في أهل زماننا شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن عبدالحليم ابن تيمية، فإنه كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينقش في ذهنه فيذاكر به، وينقله في مصنفاته بلفظه ومعناه؛ ومن أعجب ماسمعته عنه ما حدثني به بعض أصحابه: أنه لما كان صبيًا في بداية أمره، أراد والده أن يخرج بأولاده يومًا إلى البستان\n_________\n(١) التبيان (٢/ ٣١٩).\n(٢) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٣) إنباء الغمر (١/ ١٥٠) وذكره باسم \"عقد اللآلي في الآمالي\".\n(٤) لحظ الألحاظ ص ١٦١ وذكره باسم \"عنقود اللآلي في الأمالي\".\n(٥) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٦) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(٧) كشف الظنون (٢/ ١١٥٧).\n(٨) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(٩) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢).\n(١٠) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(١١) رفع النقاب ص ٣٢٩.\n(١٢) الأعلام (٨/ ٢٥٠).\n(١٣) فهرس الفهارس (٢/ ٩٦٢).\n(١٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٠ - ١٨١).","vol":"1","page":65},{"text":"على سبيل التنزه.\nفقال له: يا أحمد تخرج مع إخوتك تستريح، فاعتلّ عليه، فألح عليه والده، فامتنع أشد\nالإمتناع.\nفقال: أشتهي أن تعفيني من الخروج، فتركه وخرج بإخوته، فظلوا يومهم في البستان، ورجعوا آخر النهار فقال: يا أحمد أوحشت إخوتك اليوم، وتكدّر عليهم، بسبب غيبتك عنهم فما هذا؟ فقال ياسيدي إنني اليوم حفظت هذا الكتاب، لكتاب معه، فقال: حفظته! ! كالمنكر المتعجب من قوله، فقال له: استعرضه عليّ، فاستعرضه، فإذا به قد حفظه جميعه، فأخذه وقبَّله بين عينيه، وقال: يابني لاتخبر أحدًا بما قد فعلت، خوفًا عليه من العين، أو كما قال\" (١) وقد أيضًا أورد هذا القول عن السرمري مختصرًا الشوكاني في (البدر الطالع) (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-52>٢١ - عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (٣) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (٤) والزركلي في (الأعلام) (٥) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٦) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٧) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٨).\n_________\n(١) الرد الوافر ص ٢٣٤ - ٢٣٥.\n(٢) البدر الطالع (١/ ٥٠).\n(٣) التبيان (٢/ ٣١٩).\n(٤) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(٥) الأعلام (٨/ ٢٥٠ - ٢٥١).\n(٦) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(٧) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٨) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨١).","vol":"1","page":66},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-53>٢٢ - غيث السحابة في فضائل الصحابة</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (١) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٢) وابن حجر في (الدرر الكامنة) (٣) وفي (إنباء الغمر) (٤) والسخاوي في (وجيز الكلام) (٥) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (٦) والسيوطي في (بغية الوعاة) (٧) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٨) وفي (الدر المنضد) (٩) وحاجي خليفة في (كشف الظنون) (١٠) وابن العماد في (شذرات الذهب) (١١) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١٢) والبغدادي في (هدية العارفين) (١٣) وابن ضويان في (رفع النقاب) (١٤) والزركلي في (الأعلام) (١٥) والكتاني في (فهرس الفهارس) (١٦) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٧) وصلاح الدين المنجد في (معجم ما ألف عن رسول الله - ﷺ -) (١٨) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (١٩).\n_________\n(١) التبيان (٢/ ٣١٩).\n(٢) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨)\n(٣) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٤) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).\n(٥) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (١/ ٢١٠).\n(٦) لحظ الألحاظ ص ١٦١.\n(٧) بغية الوعاة (٢/ ٣٦٠).\n(٨) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٩) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(١٠) كشف الظنون (٢/ ١٢١٣).\n(١١) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(١٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) ونقله باسم \"غيث السحابة في فضائل الصحابة\".\n(١٣) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(١٤) رفع النقاب ص ٣٢٩.\n(١٥) الأعلام (٨/ ٢٥٠).\n(١٦) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(١٧) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١٨) معجم ما ألف عن رسول الله - ﷺ - ص ١٥١ وذكره باسم \"غيث السحابة في فضائل الصحابة\".\n(١٩) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨١).","vol":"1","page":67},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-54>٢٣ - \"الفوائد السرمرية من المشيخة البدرية\"، أو \"مشيخة ابن الجوخي</span>\".\nذكره ابن رجب في (المنتقى من معجم شيوخ أحمد بن رجب الحنبلي) (١) وابن قاضي شهبة في (تاريخه) (٢) وابن حجر في (الدرر الكامنة) (٣) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٤) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٥) والزركلي في (الأعلام) (٦) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٧) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٨) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٩).\nقال الكتاني: \"خرجها الحافظ الرحال أبو مظفر يوسف بن محمد بن مسعود السرمري نزيل دمشق وبه مات، من مرويات الشيخ الحافظ بدر الدين أحمد بن محمد المعروف بابن الجوخي، فرغ منها مخرجها سنة ٧٥٧، وهي في نحو عشر كراريس، عندي منها نسخة عتيقة مسموعة على جماعة من المسندين، منهم البرهان بن أبي شريف وغيره؛ ترجم فيها ستة وأربعين شيخًا ... وقد افتتحها مخرجها بحديث الأولية، وختمها بقصيدة ميمية نبوية حلوة سلسة على نسق (غرامي صحيح) وهي للمخرج المذكور، قال: وقلت أمدح النبي ﷺ على لسان أهل الحديث، وما اصطلحوا عليه من العبارات، ورتبت ذلك على فصول منظومي (المعسول في علوم حديث الرسول) \" (١٠).\n_________\n(١) المنتقى من معجم شيوخ شهاب الدين أبي العباس أحمد بن رجب الحنبلي ص ١٤٤.\n(٢) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٢٥٥).\n(٣) الدرر الكامنة (١/ ٢٥٠).\n(٤) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦).\n(٥) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(٦) الأعلام (٨/ ٢٥٠) وذكره مختصرًا باسم \"الفوائد السرمرية\".\n(٧) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١) ونقله مختصرًا كما ذكر الزركلي في \"الأعلام\".\n(٨) معجم المعاجم (١/ ٤٦٤، ٤٧٧).\n(٩) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٢).\n(١٠) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٥ - ٩٢٦).","vol":"1","page":68},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-55>٢٤ - فوائد مخرجه عن شيوخ العدل الأمين الثقة بقية السلف جمال الخلف شمس الدين أبي عبدالله محمد بن عبدالعزيز بن علي ابن المؤذن الوراق البغدادي</span>.\nذكره المرعشلي في (معجم المعاجم) (١) وهو مخطوط في الظاهرية، المجموع ٥٢/ ٧، في ٩ ق (٨٥ - ٩٣) (٢)، عندي نسخة مصورة عنه، يقول فيه: \"فإني وقفت على إجازة بيد شيخنا العدل الأمين الثقة بقية السلف شمس الدين أبي عبد الله محمد بن عبد العزيز بن علي الوراق الدارقزي، بلغه الله أمله وختم بالصالحات عمله، فيها أسماء جماعة من المشايخ الصلحاء، قد أجازوا له فيها، وتحريرها في يوم الجمعة سابع عشر من شوال سنة ثمان وستين وست مائة، فأحببت أن أخرج له عن كل شيخ منهم شيئًا من مروياته، لتحصل فائدة هذه الإجازة المباركة لمن تصل إليه، وأن أذكر ما وقع إلي من مواليدهم ووفياتهم، وبالله التوفيق، نرتبهم على نسق حروف المعجم، وخرجت عن كل واحد حديثين في مكان واحد لتسهيله للطلبة\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-56>٢٥ - كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون</span>.\nوقد طبع سنة ١٤٢٤ بتحقيق شوكت بن رفقي بن شوكت، وطبعه في دار الأثرية بعَمان، ودار المحبة بدمشق.\nوقد جمع رسالة ذكر فيها الأحاديث الواردة في الطاعون، وبين كيف العمل عند وقوعه وحلوله، وعمل على التنبيه على مسائل أخرى مهمة مثل: العدوى والطيرة، والرضا بالقضاء\n_________\n(١) معجم المعاجم (١/ ٤٥٤، ٤٧٧) وذكره مختصرًا باسم \"فوائد مخرجة عن شيوخ شمس الدين الوراق\"، وذكر له أيضًا اسمًا آخر وهو \"معجم محمد بن عبدالعزيز ابن المؤذن الوراق\".\n(٢) انظر: الفهرس الشامل (٢/ ١٢١٦).\n(٣) فوائد مخرجة عن شيوخ شمس الدين الوراق (مخطوط) ورقة: ٨٥ أ.","vol":"1","page":69},{"text":"والتسليم لأمر الله تعالى، إلى غير ذلك (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-57>٢٦ - الكلم الطيب والعمل الصالح</span>.\nذكره السرمري في كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) في كتاب الأدب في فصل الإحسان إلى اليتامى والمساكين وغيرهم فقال: \"وقد استوفينا الكلام في هذا الباب في آخر كتاب (الكلم الطيب والعمل الصالح) فمن أراد الزيادة فليطالعه، ففيه الكفاية إن شاء الله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-58>٢٧ - مسلسلات السرمري</span>.\nذكرها المرعشلي في (معجم المعاجم) (٣)، وقال: \"ذكرها النجم ابن فهد في (معجمه) ص ١٤٢\".\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-59>٢٨ - مشيخة ابن السلار</span>.\nذكرها ابن حجر في (الدرر الكامنة) (٤) وفي (إنباء الغمر) (٥) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٦).\nخرجها من مرويات الإمام المقرئ أمين الدين أبو محمد عبدالوهاب بن يوسف بن إبراهيم ابن السلار الشافعي، توفي سنة ٧٨٢ (٧).\n_________\n(١) انظر: مقدمة تحقيق (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون) ص ٩، شوكت بن رفقي بن شوكت.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٦٥٨، تحقيق أبو عبدالله حسين عكاشة.\n(٣) معجم المعاجم (١/ ٤٧٧).\n(٤) الدرر الكامنة (٢/ ٤٣١).\n(٥) إنباء الغمر (١/ ٢٥٥).\n(٦) معجم المعاجم (١/ ٤٧٧، ٤٨٣).\n(٧) الأعلام (٤/ ١٨٦).","vol":"1","page":70},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-60>٢٩ - مشيخة ابن الكسار</span>.\nذكرها ابن حجر في (الدرر الكامنة) (١) والمرعشلي في (معجم المعاجم) (٢). خرجها من مرويات القاضي قوام الدين صالح بن أحمد بن الأنجب ابن الكسار الواسطي المقرئ، توفي سنة ٧٤٤ (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-61>٣٠ - مشيخة محيي الدين أبي نصر محمد بن شرف الدين أحمد العباسي</span>.\nذكرها الكتاني في (فهرس الفهارس) وقال: \"وهي في كراسة أرويها بالسند إلى القبابي عن يوسف السرمري الحافظ بقراءته على المخرجة له، وهي عندي في كراسة عليها سماعات وإجازات\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-62>٣١ - المعسول في علوم حديث الرسول</span>.\nنقل الكتاني في (فهرس الفهارس) عن السرمري أنه قال في آخر (الفوائد السرمرية): \"وقلت أمدح النبي - ﷺ - على لسان أهل الحديث، وما اصطلحوا عليه من العبارات، ورتبت ذلك على فصول منظومي (المعسول في علوم حديث الرسول) \" (٥)، ولعله هو (نظم \"التقريب أو الغريب\" في علوم الحديث) الآتي، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-63>٣٢ - المقدمة اللؤلؤة في النحو</span>.\nذكره الطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٦).\n_________\n(١) الدرر الكامنة (٢/ ١٩٩).\n(٢) معجم المعاجم (١/ ٤٣٨، ٤٧٧).\n(٣) معجم المعاجم (١/ ٤٣٨).\n(٤) فهرس الفهارس (٢/ ٦٢٨ - ٦٢٩).\n(٥) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦).\n(٦) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٢) وذكره باسم \"اللؤلؤة في علم العربية\".","vol":"1","page":71},{"text":"وقد طبع سنة ١٤١٠ بتحقيق الدكتور عبدالرحمن بن سليمان العثيمين وصدر عن مكتبة الخانجي بالقاهرة، وطبع سنة ١٤١٢ بتحقيق الدكتور أمين عبدالله سالم وسمّاها: (اللؤلؤة في علم العربية) وطبعه في مطبعة الأمانة بمصر.\nوهي منظومة على بحر البسيط، وقافية اللام المطلقة المفتوحة، نظم فيها المهم من قواعد النحو في (١٦٢) بيتًا وجعلها للمبتدئين في هذا الفن (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-64>٣٣ - المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ </span>-.\nله نسخة مصورة في جامعة الملك سعود بالرياض عن المكتبة الأحمدية بحلب/٣٠٨، برقم حفظ (٨٨٣/ ٢ م ص)، وعدد أوراقها: ١٦ ورقة، وقد ذُكِر في صفحة العنوان: \"المولد الكبير للبشير النذير ﷺ تأليف الشيخ الإمام العالم العامل المحدث الداعي إلى السنة الكريمة جمال الدين يوسف بن محمد بن مسعود بن محمد بن علي بن إبراهيم العُقيلي الحنبلي المذهب السرمري المولد والدار ثم البغدادي نزيل دمشق مولده سنة ست وتسعين وستمائة رحمه الله تعالى وجزاه خير الجزاء\"، والنسخة مصححة ومقابلة؛ وقد ذكر فيها الإمام جمال الدين السرمري حكم الاحتفال بالمولد النبوي فقال بعد حكايته للخلاف في أيّ شهر ولد وفيما مضى من الشهر فقال: \"وفي هذا الخلاف ما يدل على أن السلف لم يكونوا يجعلون ذلك موسمًا للاجتماع والولائم والاحتفال في صُنع الأطعمة والأشربة والسماعات إذ السلف كانوا أعظم الناس توقيرًا ومحبة وتعظيمًا للنبي - ﷺ - وأحرص الخلق على نشر محاسنه فلو كان يوم مولده عندهم موسمًا لتوفّرت هِمَمُهم على حفظه ولم يكن عندهم ولا عند غيرهم فيه خلافٌ ولاتفقوا عليه كما اتفقوا على يومي العيدين وأيام التشريق ويوم عرفة ويوم عاشوراء وليلة النصف من شعبان ونحو ذلك فإن هذه أيام مواسم الأعمال الصالحات مشروعةً منقولةً محفوظة، فلو كان المولد مثلها لحفظ كما حفظت، ولكن الاجتماع على قراءة القرآن ونشر معجزات النبي - ﷺ -\n_________\n(١) انظر: مقدمة تحقيق (المقدمة اللؤلؤة في النحو) ص ١٧٩، د. عبدالرحمن العثيمين.","vol":"1","page":72},{"text":"وذكر أخلاقه وآدابه والتعريف لحقوقه وامتثال أوامره والوقوف لزواجره وتعليم سننه مستحب في كل وقت بل واجب ... \" (١)\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-65>٣٤ - نتيجة الفكر في الجهر بالذكر</span>.\nذكر ابن حميد (السحب الوابلة) (٢) وابن ضويان في (رفع النقاب) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-66>٣٥ - نشر القلب الميْت بفضل أهل البيت</span>.\nذكره ابن ناصر الدين في (التبيان) (٦) والمقريزي في (درر العقود الفريدة) (٧) وابن حجر في (الدرر الكامنة) (٨) وفي (إنباء الغمر) (٩) والسخاوي في (وجيز الكلام) (١٠) وابن فهد في (لحظ الألحاظ) (١١) والعليمي في (المنهج الأحمد) (١٢) وفي (الدر المنضد) (١٣) وابن العماد في (الشذرات) (١٤) وابن حميد في (السحب الوابلة) (١٥) والبغدادي في (هدية العارفين) (١٦) وفي\n(إيضاح المكنون) (١٧)\n_________\n(١) المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ - (مخطوط) ورقة: ١٠ ب.\n(٢) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٣).\n(٣) رفع النقاب ص ٣٢٩ وفي المطبوع \"نتيجة الفكر في الخيم بالذكر\".\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧٢).\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٢).\n(٦) التبيان (٢/ ٣١٩) وقد ذكره باسم \"نشر القلب الميت بنشر فضل أهل البيت\".\n(٧) درر العقود الفريدة (٣/ ٥٥٨)\n(٨) الدرر الكامنة (٦/ ٢٤٧).\n(٩) إنباء الغمر (١/ ١٥٠).\n(١٠) وجيز الكلام في الذيل على دول الإسلام (١/ ٢١٠).\n(١١) لحظ الألحاظ ص ١٦١ وذكره باسم \"نشر القلب الميت بنشر فضل أهل البيت\".\n(١٢) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(١٣) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(١٤) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(١٥) السحب الوابلة (٣/ ١١٨٢) ونقله باسم \"بشرى القلب الميت بفضائل أهل البيت\".\n(١٦) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(١٧) إيضاح المكنون (١/ ٥٤٣).","vol":"1","page":73},{"text":"وابن ضويان في (رفع النقاب) (١) والزركلي في (الأعلام) (٢) والكتاني في (فهرس الفهارس) (٣) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٤) والطريقي في (معجم مصنفات الحنابلة) (٥).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-67>٣٦ - نظم (الغريب أو التقريب) في علوم الحديث</span>.\nوقد تقدم الكلام عنه (٦).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-68>٣٧ - \"نظم مختصر ابن رزين\" في الفقه</span>.\nذكره ابن قاضي شهبة في (تاريخه) (٧) والعليمي في (المنهج الأحمد) (٨) وفي (الدر المنضد) (٩) وابن العماد في (الشذرات) (١٠) والزركلي في (الأعلام) (١١) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (١٢) وبكر أبو زيد في (المدخل المفصل) (١٣) والطريقي في (معجم مصنفات\nالحنابلة) (١٤).\n_________\n(١) رفع النقاب ص ٣٢٩ وفي المطبوع \"سرى القلب الميت بفضائل البيت\".\n(٢) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(٣) فهرس الفهارس (٢/ ٩٢٦) وذكره باسم \"نشر القلب الميت بنشر فضائل أهل البيت\".\n(٤) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١) وقد نقله باسم \"نشر القلب الميت بنشر فضل أهل البيت\".\n(٥) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٣).\n(٦) انظر: ص ٣٣.\n(٧) تاريخ ابن قاضي شهبة (٣/ ٤٧٦).\n(٨) المنهج الأحمد (٥/ ١٤٤).\n(٩) الدر المنضد (٢/ ٥٥٥).\n(١٠) شذرات الذهب (٨/ ٤٢٩).\n(١١) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(١٢) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(١٣) المدخل المفصل (٢/ ٦٩٧، ٩٩٢).\n(١٤) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٣).","vol":"1","page":74},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-69>٣٨ - نهج الرشاد في نظم الاعتقاد</span>.\nذكرها البغدادي في (هدية العارفين) (١) والزركلي في (الأعلام) (٢) وبروكّلمان في (تاريخ الأدب العربي) (٣) وكحالة في (معجم المؤلفين) (٤) وصالح آل عثيمين في (تسهيل السابلة) (٥) والطريقي (معجم مصنفات الحنابلة) (٦).\nوقد طبعت في العدد الأول من مجلة جامعة صدام للعلوم الإسلامية- بغداد ١٩٩٣ - بتحقيق: هلال ناجي، وطبعت أيضًا بتحقيق مطلق بن جاسر الجاسر وطبعها في دار التواصل بالكويت سنة ١٤٣٠.\nوهي منظومة في عقيدة أهل السنة والجماعة، عدد أبياتها ١٥١ بيتًا (٧)، قد حوت دررًا ثمينة وجواهر نفيسة، مع عذوبة في النظم وجزالة في المعاني (٨)، أورد فيها عقيدة أهل السنة في (أسماء الله وصفاته، وكتاب الله، والقضاء والقدر، والمحرمات، والتعامل مع ولاة الأمر، واليوم الآخر، والإيمان بالنبي محمد ﷺ، والصحابة الكرام - ﵃ -).\n_________\n(١) هدية العارفين (٢/ ٥٥٨).\n(٢) الأعلام (٨/ ٢٥١).\n(٣) تاريخ الأدب العربي (٧/ ٢١).\n(٤) معجم المؤلفين (١٣/ ٣٣٢).\n(٥) تسهيل السابلة (٢/ ١١٧١).\n(٦) معجم مصنفات الحنابلة (٤/ ١٨٤).\n(٧) وهم البغدادي في \"هدية العارفين\" (٢/ ٥٥٨) في عدة أبياتها فقال أنها في ثلاثمائة بيت، وهذا خلاف مانص عليه السرمري في آخر المنظومة فقال: وأبياتها خمسون مع مائة لها ... سنا البدر مع صوب الغمام على البذر؛ إلا إن قصد البغدادي بالبيت الشطر، فهذا صحيح فإن عدد أشطر المنظومة ٣٠٢.\n(٨) انظر: مقدمة تحقيق (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد) ص ٥، لمطلق الجاسر.","vol":"1","page":75},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-70>الفصل الثاني\nمنهج جمال الدين السرمري في التلقي والاستدلال</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: مصادر جمال الدين السرمري في التلقي.\nالمبحث الثاني: منهجه في الاستدلال.","vol":"1","page":76},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-71>المبحث الأول\nمصادر جمال الدين السرمري في التلقي</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: القرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: السنة النبوية.\nالمطلب الثالث: أقوال السلف في فهم الكتاب والسنة.","vol":"1","page":77},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-72>المطلب الأول: القرآن الكريم:</span>\nاعتمد جمال الدين السرمري ﵀ في تلقي العقيدة اعتمادًا مباشرًا على كتاب الله ﷾، ومن تتبع مؤلفاته ﵀ وجدها تزخر بالنصوص القرآنية، فهو يعتبر القرآن أول المصادر التي تُتلقى منها مسائل العقيدة.\nيقول ﵀ في معرض كلامه عن الأدلة الشرعية:\n\"إذا سألوه عن دليل مقاله أجاب بقول الله في محكم الذكرِ\nوإن يستزيدوا قال: قال محمد وإن يستزيدوا قال: قال أبو بكرِ\" (١)\nويعتبر أن كتاب الله هو الصراط المستقيم الذي لاتزيغ به الأهواء، قال ﵀: \"فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِنَ من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل\" (٢).\nوالقارئ لكتب السرمري ﵀ يجد أنه غالبًا مايصدر الأدلة من القرآن الكريم، وهذا المنهج تجده واضحًا عند القراءة في كتبه، وانظر على سبيل المثال: كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة) فقد تميز كتابه هذا عن كثير من كتب أدلة الأحكام أن مؤلفه جعل من منهجه أن يستفتح أبواب الكتاب بذكر الآيات القرآنية المتعلقة بالأحكام الشرعية، قال جمال الدين السرمري في مقدمته: \"وافتتحت كل باب بآيةٍ فصاعدًا من الكتاب العزيز تتعلق بأحكامه، وتشهد بتهذيبه وإحكامه\" (٣)، فجعل معقد الترجيح فيه كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -، فكفى الطالب \"كلفة ترجيح أحد أقوال العلماء، والانتصار لفلان وفلانٍ من الفقهاء، فيقول: قال الله وقال الرسول، وناهيك بما في ذلك من إدراك السؤال\" (٤).\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٨.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١.\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١.","vol":"1","page":78},{"text":"وهذا المنهج من السرمري ﵀ هو منهج السلف الصالح الذين يسلمون لنصوص القرآن الكريم تسليمًا مطلقًا فلا يحرفون منها شيء، ولا يعارضونها بشيء، لا بعقل، ولا وجد ولاغير ذلك، يمتثلون قول الله ﷿: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [النور: ٥١].\nوقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحُجُرات: ١].\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: من الآية ١٠]\nوقوله تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ﴾ [المائدة: ٩٢]. وقول النبي - ﷺ -: «يا أيها الناس إني تركت فيكم ما إن اعتصمتم به فلن تضلوا أبدًا، كتاب الله وسنتي» (١)، وغيرها من النصوص التي يضيق المقام عن حصرها.\nقال الإمام أحمد ﵀: \"لست بصاحب كلام، ولا أرى الكلام في شيء من هذا، إلا ما كان في كتاب الله، أو حديث عن النبي - ﷺ -، أو عن أصحابه، أو عن التابعين، فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود\" (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية في بيان منهج السلف في ذلك: \"وكان من أعظم ما أنعم الله به عليهم اعتصامهم بالكتاب والسنة، فكان من الأصول المتفق عليها بين الصحابة والتابعين لهم بإحسان أنه لا يقبل من أحد قط أن يعارض القرآن، لا برأيه، ولا ذوقه، ولا معقوله، ولا قياسه، ولا وجده، فإنهم ثبت عنهم بالبراهين القطعيات، والآيات البينات أن\n_________\n(١) أخرجه مالك في الموطأ (٢/ ٨٩٩)، كتاب القدر، باب النهي عن القول بالقدر، ح ١٥٩٤.\n(٢) سير أعلام النبلاء (١١/ ٢٨٦).","vol":"1","page":79},{"text":"الرسول - ﷺ - جاء بالهدى ودين الحق، وأن القرآن يهدي للتي هي أقوم ... فكان القرآن هو الإمام الذي يقتدى به، ولهذا لايوجد في كلام أحد من السلف أنه عارض القرآن بعقل ورأي وقياس، ولا بذوق ووجد ومكاشفة\" (١).\nوقال أيضًا: \"فكل ما يحتاج الناس إلى معرفته واعتقاده والتصديق به من هذه المسائل فقد بينه الله ورسوله بيانًا شافيًا قاطعًا للعذر ... وإنما يظن عدم اشتمال الكتاب والحكمة على بيان ذلك من كان ناقصًا في عقله وسمعه، ومن له نصيب من قول أهل النار الذين قالوا: ﴿لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [الملك: من الآية ١٠] \" (٢).\nوقال ابن أبي العز: \"وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان ... ومن يتكلم برأيه وما يظنه من دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة، فهو مأثوم وإن أصاب، ومن أخذ من الكتاب والسنة فهو مأجور وإن أخطأ، لكن إن أصاب يضاعف أجره\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٣/ ٢٨ - ٢٩).\n(٢) درء تعارض العقل والنقل (١/ ٢٧ - ٢٨)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، إدارة الثقافة والنشر بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ١٤١١.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٥.","vol":"1","page":80},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-73>المطلب الثاني: السنة النبوية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-74>تمهيد: تعريف السنة:</span>\nالسنة في اللغة: هي الطريقة والسيرة حسنة كانت أو قبيحة (١)، ومنه قوله تعالى: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: ٧٧]، ومنه قوله - ﷺ -: «من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنّ في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها، ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شيء» (٢)، ومنه أيضًا قول خالد بن عتبة الهذلي:\n\"فلا تجْزَعَنْ من سيرةٍ أنت سرتها ... فأول راضٍ سنة من يسيرها\" (٣)\n\nأما في الاصطلاح: فتطلق على عدة معانٍ، بحسب اختلاف أغراض مستعمليها، والذي يهمنا هنا هو اصطلاح الأصوليين والمحدثين:\nفالسنة عند الأصوليين هي: ما صدر عن الرسول - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير، مما يصلح أن يكون دليلًا لحكم شرعي (٤).\nأما عند المحدثين فهي: كل ما أثر عن النبي - ﷺ - من قول أو فعل أو تقرير أو صفة خَلقية\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (١٣/ ٢٢٠)، الطبعة الأولى، دار الصادر، بيروت.\n(٢) أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٥)، كتاب الزكاة، باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة وأنها حجاب من النار، ح ١٠١٧.\n(٣) لسان العرب (١٣/ ٢٢٠).\n(٤) انظر: الإحكام في أصول الأحكام للآمدي (١/ ٢٢٣)، تحقيق: د. سيد الجميلي، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتاب العربي، بيروت؛ إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول للشوكاني (١/ ٩٥)، تحقيق: أحمد عزو عناية، الطبعة الأولى ١٤١٩، دار الكتاب العربي؛ السنة قبل التدوين ص ١٦، لمحمد عجاج الخطيب، الطبعة الثانية ١٤٠٨، مكتبة وهبة، مصر.","vol":"1","page":81},{"text":"أو خُلقية أو سيرة سواء أكان ذلك قبل البعثة كتحنثه في غار حراء أم بعدها (١).\nوالسنة بهذا التعريف هي المقصودة هنا في هذا المطلب، أما قبل النبوة فيستفاد منها في دلائل النبوة ونحوها، وأما بعد النبوة فالأمر فيها ظاهر.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-75>السنة النبوية مصدر تلقي عند جمال الدين السرمري:</span>\nاعتمد جمال الدين السرمري ﵀ على سنة النبي - ﷺ - في تلقي مسائل العقيدة، لأنها وحي من عند الله، وهي مخبرة عن القرآن الكريم ومبينة له، ومن محاسن كلام جمال الدين السرمري ﵀ قوله: \"فعليك باتباع الأخبار النبوية، والإعراض عن الآراء الجاهلية، فإنه متى بدرت فرسان النصوص في ميدان البحث، تنكست حينئذ رايات الرأي على وجه الثرى، وفرت صناديد الجدل لوجوهها ذُللًا لهيبة من يَرى ولا يُرى (٢) \" (٣).\nوقال أيضًا في بيان أن السنة هي الصراط المستقيم التي لا تزيغ بها الأهواء: \" فإن المنهل الصافي من الكدر، والمنهج الآمِنَ من الخطر، منهج الوحي المحفوظ بالتنزيل، ومنهج الرسول المحروس من التبديل\" (٤).\nوالقارئ لكتب السرمري ﵀ يجد أنه غالبًا مايصدر الأدلة من السنة النبوية، حتى كتبه المؤلفة في الطب والعربية وغيرها كان استشهاده بالحديث النبوي كثيرًا، وانظر على سبيل المثال: كتابه (شرح اللؤلؤة في النحو) تقف عليه تارة يذكر سند الحديث توثيقًا: \"عن ابن منية عن ابن\n_________\n(١) السنة قبل التدوين ص ١٦.\n(٢) أي في الدنيا بعينه سوى النبي - ﷺ -، يدل على ذلك إثبات السرمري للرؤية في الآخرة في منظومته (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد ص ٣٨) بقوله:\nولا يُمتَرى في رؤية الله ربِّنا ... وهل يُمترى في الشمس في ساعة الظهر؛ وسيأتي -إن شاء الله- ذكر السرمري للخلاف في مسألة رؤية النبي - ﷺ - لربه في الدنيا في كتابه: \"خصائص سيد العالمين\"\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعنون، ص ٨٣ - ٨٤.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١.","vol":"1","page":82},{"text":"أبي نجيح عن مجاهد ... \".\nوتارة يعنى فيه بذكر الروايات الأخرى للحديث -إن كانت تحمل شاهدًا لما هو بسبيله - كقوله: \"ومنها في حديث الملاعنة: إن جاءت به أحيمر، وفي رواية: أديعج\".\nولربما نص على الروايات الواردة في الحديث - وإن لم يختلف عليها شاهد - كقوله: \"كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أقطع، وفي رواية بحمد الله، وفي رواية: فهو أجذم\"\nوتتجلى علاقته بالحديث النبوي وقربه منه وعنايته به في الكشف عن درجة الحديث ومصدره من مثل قوله: \" ... حديث حسن رواه أبو داود وابن ماجة في سننهما\"، أو: \" ... متفق عليه\"، أو: \" ... حديث صحيح\"، أو: \" ... أخرجه مسلم في صحيحه\"، أو: \" ... كذا بخطه في غير موضع من مسند الإمام أحمد بن حنبل\" (١).\nهذا والكتاب مصنف في العربية فكيف بك لو قرأت كتبه في المقاصد، والسرمري -كما سبق في ترجمته- حافظٌ، ومؤلفٌ في علوم السنة، وناظمٌ ما يتعلق بها من تآليف.\nوهذا الاعتصام من السرمري بالسنة النبوية هو المنهج الذي سار عليه السلف الصالح - ﵏ - فكانوا معتصمين بالسنة، بها يحتجون وإليها يتحاكمون، ولم يعترضوا على ما جاء فيها، وليس لقول أحد منهم كائنًا من كان تقديم بين يديها، ملتزمين قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الحُجُرات: ١] وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: ٥٩]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر: من الآية ٧]\nقال الشافعي ﵀ في بيان منهج السلف في الاعتصام بالسنة: \"ولا أعلم من الصحابة ولا من التابعين أحدًا أخبر عن رسول الله - ﷺ - إلا قبل خبره وانتهى إليه، وأثبت ذلك سنة ...\n_________\n(١) انظر: مقدمة تحقيق \"اللؤلؤة في علم العربية وشرحها\" ص ١٩ - ٢٠، د. أمين عبدالله سالم، الطبعة الأولى ١٤١٢، مطبعة الأمانة، مصر.","vol":"1","page":83},{"text":"كلهم يثبت الأخبار ويجعلها سنة، يحمد من تبعها، ويعاب من خالفها، فمن فارق هذا\nالمذهب كان عندنا مفارق سبيل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وأهل العلم بعدهم إلى اليوم، وكان من أهل الجهالة\" (١).\nوقال ابن بطة: \"فإذا سمع أحدكم حديثًا عن رسول الله - ﷺ - رواه العلماء، واحتج به الأئمة العقلاء، فلا يعارضه برأيه وهوى نفسه، فيصيبه ما توعّده الله - ﷿ - به، فإنه قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: من الآية ٦٣]، وهل تدري ما الفتنة ههنا؟ هي والله الشرك بالله العظيم، والكفر بعد الإيمان، فإن الله - ﷿ - قال: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: من الآية ١٩٣]، يقول: حتى لا يكون شرك، فإنه قال تعالى: ﴿وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: من الآية ١٩١] يقول: الشرك بالله أشد من قتلكم لهم ... \" (٢).\nوقال ابن أبي العز ﵀: \"فالواجب كمال التسليم للرسول - ﷺ -، والانقياد لأمره، وتلقي خبره بالقبول والتصديق، دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولًا، أو نُحَمِّله شبهةً أو شكًا، أو نُقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم، فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان، كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل\" (٣).\n_________\n(١) مفتاح الجنة في الاحتجاج بالسنة للإمام السيوطي ص ٣٤ - ٣٥، الطبعة الثالثة ١٣٩٩، الجامعة الإسلامية، المدينة.\n(٢) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (١/ ٣٩)، رسالة دكتوراه (مخطوط)، لحمد بن عبدالمحسن التويجري، كلية أصول الدين بالرياض، ١٤١٧.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٦٦، تحقيق: أحمد شاكر، ١٤١٨، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد، المملكة العربية السعودية.","vol":"1","page":84},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-76>المطلب الثالث: أقوال السلف في فهم الكتاب والسنة:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-77>تمهيد:</span>\nإن صحة الفهم ركيزة رئيسة لصحة التلقي، ولا يستطيع المرء أن يعرف مراد الله ﷿، ومراد رسوله - ﷺ - إلا حينما يستقيم فهمه لدلائل الكتاب والسنة، وكثير من البدع والضلالات إنما حدثت بسبب غلط الفهم.\nقال ابن القيم ﵀: \"صحة الفهم وحسن القصد من أعظم نعم الله التي أنعم بها على عبده، بل ما أعطي عبد عطاء بعد الإسلام أفضل ولا أجل منهما، بل هما ساقا الإسلام، وقيامه عليهما، وبهما أمن العبد طريق المغضوب عليهم الذين فسد قصدهم، وطريق الضالين الذين فسدت فهومهم، ويصير من المنعم عليهم الذين حسنت أفهامهم وقصودهم وهم أهل الصراط المستقيم الذين أُمرنا أن نسأل الله أن يهدينا صراطهم في كل صلاة\" (١).\nوإن الرجوع إلى فهم السلف وأقوالهم وتفسيراتهم لنصوص القرآن والسنة متعين قطعًا في أمور الدين عامة، وفي نصوص العقيدة بصفة خاصة.\nفالصحابة هم خير القرون وأفضلها، ولا شك أن هذه الخيرية متمثلة في كمال العلم وتمام الفهم لما ورد عن الله ورسوله - ﷺ -، وقد حصل لهم ذلك لفضل صحبتهم، وكثرة ملازمتهم لرسول الله - ﷺ -.\nقال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: \"من كان منكم متأسيًا فليتأس بأصحاب محمد - ﷺ -، فإنهم كانوا أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، وأقومها هديًا، وأحسنها حالًا، قومًا اختارهم الله تعالى لصحبه نبيه - ﷺ - وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم فإنهم كانوا على الهدى المستقيم\" (٢).\n_________\n(١) إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٨٧)، تحقيق: طه عبدالرؤف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣.\n(٢) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٩٨)، لأبي عمر بن عبدالبر، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، الطبعة الأولى ١٤٢٤، مؤسسة الريان-دار ابن حزم.","vol":"1","page":85},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-78>اعتصام جمال الدين السرمري بفهم السلف:</span>\nقد اعتمد جمال الدين السرمري ﵀ في تلقي العقيدة اعتمادًا مباشرًا على فهم سلف الأمة، فهو يعتبر السنة والصراط المستقيم هو ما كان عليه النبي - ﷺ - والسلف الصالح، قال ﵀ في عقيدته:\n\"وما السنة البيضاء إلا التي قضى ... عليها رسول الله مع صحبه الغُرِّ\nوتَابِعُهُم فيها بإحسانٍ الأُلى ... رضوا ورضي عنهم بها عَالِمُ السِّرِّ\nوإنِّي على ما مات عنه محمد ... وأصحابه والتابعون إلى حشري\" (١).\n\nوقال ﵀ في معرض كلامه عن الأدلة الشرعية:\n\"إذا سألوه عن دليل مقاله أجاب بقول الله في محكم الذكرِ\nوإن يستزيدوا قال: قال محمد وإن يستزيدوا قال: قال أبو بكرِ\" (٢).\nوالمتتبع لمؤلفات السرمري ﵀ يجد السمة الواضحة والعلامة البارزة هي أثريَّة آرائه، حتى قال عنه القِذِّيف الشَّغَّاب زاهد الكوثري (٣): \"وكان صاحب الترجمة -يعني الإمام السرمري- بعيدًا عن علم الكلام وأصول الدين منصرفًا إلى مجالس الرواة يسير وراء ابن تيمية في شواذه حذو النعل بالنعل كغالب مقلدة الرواة من أهل زمنه ... \" (٤).\nوكان جمال الدين السرمري ﵀ حريصًا على تتبع منهج السلف حتى في طرائقهم في التأليف، قال ﵀ \"وافتتحته بكتاب الإيمان والسنة اتباعًا لطريقة السلف، وترغيبًا لمن\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٠.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٨.\n(٣) سبق الحديث عنه، انظر هامش ص ٤٠.\n(٤) انظر: هامش (لحظ الألحاظ) ص ١٦١.","vol":"1","page":86},{"text":"بعدهم في اتباعهم من الخلف\" (١)، وفي هذا يقول شيخ الإسلام ابن تيمية في معرض كلامه عن\nأن أول الواجبات هو الإيمان لا النظر: \"وتقرير الحجة في القرآن بالرسل كثير ... ولهذا كان طائفة من المصنفين للسنن على الأبواب، إذا جمعوا فيها أصناف العلم، ابتدءوها بأصل العلم والإيمان، كما ابتدأ (البخاري صحيحه) ببدء الوحي ونزوله، فأخبر عن صفة نزول العلم والإيمان على الرسول أولًا، ثم أتبعه بكتاب الإيمان الذي هو الإقرار بما جاء عنه، ثم بكتاب العلم الذي هو معرفة ما جاء به، فرتبه الترتيب الحقيقي، وكذلك الإمام أبو محمد الدرامي صاحب (المسند) ابتدأ كتابه بدلائل النبوة، وذكر في ذلك طرفًا صالحًا، وهذا الرجلان أفضل بكثير من مسلم والترمذي ونحوهما، ولهذا كان أحمد بن حنبل يعظم هذين ونحوهما، لأنهما فقهاء في الحديث أصولًا وفروعًا\" (٢).\nوهذا الاعتصام من جمال الدين السرمري بمنهج السلف هو ما كان عليه الأئمة والعلماء من قبله، فقد اعتبروا أن من أصول أهل السنة والجماعة هو تمسكهم بمنهج السلف والاقتداء بهم واتباع سبيلهم والنهي عن مخالفتهم.\nقال الأوزاعي: \"اصبر نفسك على السنة وقف حيث وقف القوم وقل بما قالوا وكف عما كفوا واسلك سبيل سلفك الصالح فإنه يسعك ما وسعهم ... ولو كان خيرًا ما خصصتم به دون أسلافكم فإنه لم يدخر عنهم خير خبئ لكم دونهم لفضل عندكم وهم أصحاب نبيه - ﷺ - الذين اختارهم وبعثه فيهم ووصفهم بما وصفهم به فقال: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا﴾ [الفتح: من الآية ٢٩] \" (٣). وقال الإمام أحمد ﵀: \"أصول السنة عندنا التمسك بما كان عليه أصحاب رسول الله\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧٢.\n(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ٣ - ٤).\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة للإمام اللالكائي (١/ ١٧٤).","vol":"1","page":87},{"text":"- ﷺ - والاقتداء بهم وترك البدع ... \" (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ثم من طريقة أهل السنة والجماعة اتباع آثار رسول الله - ﷺ - باطنا وظاهرًا، واتباع سبيل السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار ... \" (٢).\nوقال ابن عبدالهادي: \"ولايجوز إحداث تأويل في آية أو سنة، لم يكن على عهد السلف ولا عرفوه ولا بينوه للأمة، فإن هذا يتضمن أنهم جهلوا الحق في هذا وضلوا عنه، واهتدى إليه هذا المستأخر، فكيف إذا كان التأويل يخالف تأويلهم ويناقضه ... \" (٣).\nوقال ابن أبي العز: \"وكيف يتكلم في أصول الدين من لا يتلقاه من الكتاب والسنة، وإنما يتلقاه من قول فلان، وإذا زعم أنه يأخذه من كتاب الله لا يتلقى تفسير كتاب الله من أحاديث الرسول ولا ينظر فيها، ولا فيما قاله الصحابة والتابعون لهم بإحسان المنقول إلينا عن الثقات النقلة الذي تخيرهم النقاد، فإنهم لم ينقلوا نظم القرآن وحده، بل نقلوا نظمه ومعناه، ولا كانوا يتعلمون القرآن كما يتعلم الصبيان، بل يتعلمونه بمعانيه، ومن لا يسلك سبيلهم فإنما يتكلم برأيه، ومن يتكلم برأيه وما يظنه من دين الله ولم يتلق ذلك من الكتاب والسنة، فهو مأثوم وإن أصاب ... \" (٤).\n_________\n(١) طبقات الحنابلة (١/ ٢٤١)، لأبي الحسين محمد بن أبي يعلى، تحقيق: محمد حامد الفقي، دار المعرفة، بيروت؛ شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (١/ ١٧٦)، للإمام اللالكائي، تحقيق: د. أحمد الغامدي، الطبعة الرابعة ١٤١٦، دار طيبة، الرياض.\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٧).\n(٣) الصارم المنكي في الرد على السبكي ص ٣١٨، لابن عبدالهادي، تحقيق: عقيل بن محمد اليماني، الطبعة الأولى ١٤٢٤، مؤسسة الريان، بيروت.\n(٤) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٥.","vol":"1","page":88},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-79>المبحث الثاني\nمنهج جمال الدين السرمري في الاستدلال</span>\nوفيه ثلاثة مطالب:\nالمطلب الأول: منهجه في الاستدلال بالقرآن الكريم.\nالمطلب الثاني: منهجه في الاستدلال بالسنة النبوية.\nالمطلب الثالث: موقفه من علم الكلام.","vol":"1","page":89},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-80>المطلب الأول: منهجه في الاستدلال بالقرآن الكريم:</span>\nسبق بيان أن القرآن مصدر من مصادر التلقي عند جمال الدين السرمري ﵀، وقد سار على منهج أهل السنة في تقرير الاستدلال بنصوص القرآن، يتبين ذلك من خلال المسائل التالية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-81>المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص القرآن:</span>\nحتى إنه ﵀ يحشد في الموضع الواحد عدة آيات مقررًا ما يتعلق بها من مباحث، وما ذاك إلا لسعة علمه، واعتصامه بالكتاب العزيز.\nومن أمثلة ذلك ما ساقه في مسألة أن المقتول وغيره مات بأجله فقال: \"والدليل عليه الكتاب والسنة، فالكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٤] وذم سبحانه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٦] وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨] فرد الله عليهم وأكذبهم، وبيَّن لهم خطأهم بقوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤] وبقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] وبقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٧٨] وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران:","vol":"1","page":90},{"text":"من الآية ١٤٥] وبقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر: ٥] \" (١).\nوقال في موضع آخر في ذكر أحكام الشهادة: \"قال الله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٢] وقال: ﴿... كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ ...﴾ الآية [المائدة: من الآية ٨] وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: من الآية ٢] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ﴾ [النساء: من الآية ١٣٥] وقال: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٣] وقال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: ٣٦] وقال: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا﴾ [الفرقان: ٧٢] \" (٢).\nوقال في موضع آخر في بيان إخباره - ﷺ - بالغائبات: \" فمن ذلك ما أخبره الله تعالى به في القرآن كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٢] ...، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: من الآية ٧] فهزم الله المشركين، ومن ذلك قوله: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٧٩ - ٨٠.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦٣٠.","vol":"1","page":91},{"text":"يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: من الآية ٤٠] ...، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا﴾ [النور: من الآية ٥٥] ...، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ [الروم: ١ - ٤] ...، ومن ذلك قوله سبحانه تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] فدخلوه كذلك، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا﴾ [الفتح: من الآية ٢١] ...، ومن ذلك قوله سبحانه: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: من الآية ٧] ... ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [المائدة: من الآية ١٣] وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] يعني من بعث محمد - ﷺ - ﴿لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٧٦] فأعلمه الله تعالى بذلك فقال: ﴿أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ [البقرة: ٧٧] ومن ذلك قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ [الأحزاب: من الآية ١٨] ...، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٥] إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ﴾ [محمد: من الآية ٢٦] \" (١).\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ٣٢/و-ظ].","vol":"1","page":92},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-82>المسألة الثانية: تفسير القرآن بالقرآن:</span>\nوهذا من أفضل طرق تفسير القرآن، فإن كلام الله يبين بعضه بعضًا.\nومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀: \"وأما قوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧] أي وفى بما ابتلاه به من قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾ [البقرة: من الآية ١٢٤] \" (١).\nوقال في موضع آخر عند قوله تعالى: \" ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ [الأعراف: من الآية ١٢] فلا هنا زائدة بدليل قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ [ص: من الآية ٧٥] \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-83>المسألة الثالثة: تفسير القرآن بالسنة:</span>\nوعلى هذا سار أئمة الإسلام في تفسير كلام الله ﷿.\nومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀ في رفع قدر ومنزلة النبي - ﷺ -: \"روى أبو سعيد الخدري - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - في قوله: ﴿وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ﴾ [الشَّرح: ٤] قال: «قال لي جبريل: قال الله تعالى: إذا ذُكِرتُ ذُكِرتَ معي» \" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على العِدد: \"عن أبي بن كعب قال: قلت: يا رسول الله ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق: من الآية ٤] للمطلَّقة ثلاثًا أو للمتوفى عنها؟ فقال: هي للمطلقة ثلاثًا وللمتوفى عنها\" (٤).\nوقال في موضع آخر في أحكام المسافر: \"وقال يعلى بن أمية لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ\nعَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [النساء: من الآية ١٠١]\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ١١/و].\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ١٤٨ - ١٤٩.\n(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٣٧/ظ].\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٩٤.","vol":"1","page":93},{"text":"فقد أمِنَ الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله - ﷺ - عن ذلك فقال: «صدقة تصدق الله - ﷿ - بها عليكم فاقبلوا صدقته» \" (١).\nوقال في موضع آخر على قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦]: \"فلما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله قد علمنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم إنّكَ حميد مجيد، وبارك على محمد وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد» \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-84>المسألة الرابعة: تفسير القرآن بأقوال السلف:</span>\nوالمراد بهم هنا الصحابة والتابعون وتابعوهم، ومن أخذ عنهم وسار على نهجهم.\nومن شواهد هذا المنهج قول جمال الدين السرمري ﵀: \"وعن أبي جنيح قال: سمعت عمرو بن دينار يقول في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٤٣] قال: وقع الطاعون في قريتهم فخرج ناس وأقام ناس فنجا الذين خرجوا وهلك الذين أقاموا، فلما وقع الطاعون الثانية، خرجوا بأجمعهم فأماتهم الله تعالى\" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام الصيام: \"وعن عطاء سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٨٤] قال ابن عباس: ليست بمنسوخة هي للشيخ الكبير والمرأة الكبيرة، لا يستطيعان أن يصوما، فيطعمان مكان كل\nيوم مسكينًا\" (٤).\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ١٩٥.\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٤٢.\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٨١.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٢٧٢.","vol":"1","page":94},{"text":"وقال في موضع آخر في انتصار الله لرسول - ﷺ - بالريح: \" قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩]؛ روى أبو نعيم: عن ابن عباس ﵄ قال: لما كان يوم الأحزاب انطلقت الجَنُوبُ إلى الشَّمال فقالت: انطلقي بنا ننصر محمّدًا - ﷺ -، فقال الشمال: إن الحُرّة لا تسري إلا بليل، فأرسل الله عليهم الصَّبا، فذلك قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ [الأحزاب: من الآية ٩] \" (١).\nوقال في موضع آخر في باب الأيمان: \"عن عائشة قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٥] في قول الرجل: لا والله، وبلى والله\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-85>المسألة الخامسة: عنايته بأسباب النزول:</span>\nوذلك لأن معرفة سبب نزول الآية مؤثر عند أهل العلم في معرفة معناها ودلالة ألفاظها، مع الأخذ بالاعتبار أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، وقد اعتنى جمال الدين السرمري ﵀ بهذا الجانب في مؤلفاته.\nفمن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام عن الإيمان: \"وعن البراء قال: لما حولت القبلة قال رجل: كيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، فنزلت: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ [البقرة: من الآية ١٤٣] \" (٣).\nوقال في موضع آخر في أحكام المناسك: \"وعن كعب بن عُجْرَةَ قال: كان بي أذًى من رأسي، فحُملت إلى رسول الله - ﷺ - والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «ماكنت أرى أن الجُهْدَ بلغ بك ما أرى، أتجد شاةً؟»، قلت: لا، فنزلت الآية ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾\n[البقرة: ١٩٦] قال: «هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، نصف صاع طعام لكل\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ٣٧/ظ].\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦٠٠.\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧٦.","vol":"1","page":95},{"text":"مسكين» \" (١).\nوقال في موضع آخر في كتاب البيوع: \"وعن ابن عباس قال: ولما نزلت: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢] عزلوا أموال اليتامى حتى جعل الطعام يفسُدُ واللحم ينتن، ذكر ذلك للنبي - ﷺ - فنزلت: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٢٠] قال: فخالطوهم\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على اللعان: \"وقال رجل: يا رسول الله، أرأيت لو وجد\nأحدنا امرأته على فاحشةٍ كيف يصنع إن تكلم تكلم بأمر عظيم، وإن سكت سكت على مثل ذلك، فسكت النبي - ﷺ - فلم يجبه، فلما كان بعد ذلك أتاه فقال: إن الذي سألتك عنه ابتُليت به، فأنزل الله - ﷿ - هؤلاء الآيات في سورة النور ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ ... [النور: ٦] ... \" (٣).\nوقال في موضع آخر في صفة الكفارة: \"فقد كان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه سعة، وكان الرجل يقوت أهله قوتًا فيه شدة، فنزلت: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ ... [المائدة: ٨٩] \" (٤).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على عظم منزلة النبي - ﷺ - عند الله في المحبة: \" لما قال من قال من الكفّار حين اشتكى فلم يقم ليلة أو ليلتين أنه قد وُدِّع فأنزل الله - ﷿ -: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢) مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣) وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى﴾ [الضُّحى: ١ - ٥] \" (٥).\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٢٩٤.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٣٧١.\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٨٩.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦١٣.\n(٥) خصائص سيد العالمين [ق ٢٦/و-ظ].","vol":"1","page":96},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-86>المسألة السادسة: عنايته بالقراءات الواردة في الآية:</span>\nقد اعتنى جمال الدين السرمري ﵀ بهذا الجانب، فكان يوضح القراءات الواردة في الآية عند الحاجة لذلك.\nومن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام على حروف الجزم: \"إلا أنَّ الأفصح التسكين مع الواو والفاء، والكسر مع ثم، وعلى هذا قراءة أبي عمرٍ ﴿ثم ليقطع فلينظر﴾ [الحج: من الآية ١٥] وقرأ ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق﴾ [الحج: من الآية ٢٩] \" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الاستثناء: \"وعلى اللغتين قُرئ قوله تعالى: ﴿مافعلوه إلا قليلٌ منهم﴾ [النساء: من الآية ٦٦] رفعًا وإلا ﴿قليلًا﴾ نصبًا\" (٢).\nوقال أيضًا: \"أن تنصبهما جميعًا بلا تنوين كما قرئ ﴿لا بيعَ فيه ولا خلالَ﴾ \" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الترخيم: \"روى البخاري في صحيحه: عن علي بن عبدالله، نبأنا سفيان عن عمرو عن عطاء عن صفوان بن علي عن أبيه قال: سمعت النبي - ﷺ - يقرأ على المنبر ﴿ونادوا يا مالِ﴾ [الزخرف: من الآية ٧٧]، قال سفيان: في قراءة عبدالله ﴿ونادوا يا مالِ﴾ \" (٤).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الممنوع من الصرف: \"وللتناسب يجوز الصرف أيضًا كقراءة نافع والكسائي ﴿سلاسلًا﴾ [الإنسان: من الآية ٤] ﴿وقواريرًا﴾ [الإنسان: من الآية ١٥ - ١٦] وقراءة الأعمش ﴿ولايغوثًا ويعوقًا﴾ [نوح: من الآية ٢٣] مصروفين ليناسبا ودًّا وسواعًا ونسرًا\" (٥).\n_________\n(١) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٢٢٠ - ٢٢١.\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ١٤٤.\n(٣) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ١٥١.\n(٤) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ١٧٥.\n(٥) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٢٠٦ - ٢٠٧.","vol":"1","page":97},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-87>المسألة السابعة: اجتهاده في تفسير القرآن على طريقة أهل العلم:</span>\nوبهذا تظهر قوة جمال الدين السرمري ﵀ العلمية، وتوفر آلة الاجتهاد لديه، وتمكنه من العلوم الأصلية وعلوم الآلة.\nومن شواهد هذا المنهج قوله عند الكلام على جمع المذكر السالم: \"فأمّا قوله عن السماء والأرض: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فُصِّلَت: من الآية ١١] فإنّه لما وصفهما بالقول الذي هو من خصائص من يعقل، جمعهما جمعَ من يعقل ليطابق أول الكلام آخرة ونظائره كثيرة في القرآن وغيره\" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الخبر الذي يتنزل منزلة المبتدأ على وجه التشبيه: \"ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ [الأحزاب: من الآية ٦] يعني أنّ زوجات النبي - ﷺ - يتنزلن عند المسلمين في احترامهن وتحريم نكاحهنَّ بمنزلة أمهاتهم لا أنَّهُنَّ أمهاتهم حقيقةً\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على (كان): \"وقد يقصد بها الداوم كما يقصد بـ (لم يزل) كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٢٧] \" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الآل: \"وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: من الآية ٤٦] وأراد بذلك قومه كلهم\" (٤).\n_________\n(١) شرح اللؤلؤ في النحو، ٩١.\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ١١٦ - ١١٧.\n(٣) شرح اللؤلؤ في النحو، ١٦٤.\n(٤) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٢٣٠.","vol":"1","page":98},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-88>المطلب الثاني: منهجه في الاستدلال بالسنة النبوية:</span>\nسبق أن السنة هي أحد مصادر التشريع وهي مصدر من مصادر التلقي عند جمال الدين السرمري ﵀، وقد سار ﵀ على معالم واضحه في تقرير استدلاله بالسنة النبوية، فمن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-89>المسألة الأولى: الإكثار من الاستدلال بنصوص السنة:</span>\nحتى إنه ﵀ يحشد في الموضع الواحد عدة آحاديث مقررًا ما يتعلق بها من مباحث، وما ذاك إلا لسعة علمه، واعتصامه بالسنة النبوية.\nومن أمثلة ذلك ما ساقه عند الكلام على فضل المنيحة (١) وعِظَم أجرها فقال: \"روى أبو سعيد - ﵁ - قال: جاء أعرابي إلى النبي - ﷺ -، فسأله عن الهجرة فقال: «ويحك الهجرة شأنها شديد، فهل لك من إبل» قال: نعم، قال: «فتعطي صدقتَها» قال: نعم، قال: «فهل تمنحُ منها» قال: نعم، قال: «فتحلبُها يومَ ورودها» قال: نعم، قال: «فاعملْ من وراءِ البحار، فإن الله تعالى لن يَتِرَك من عملك شيئًا» متفق عليه.\nومنها عن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «نعمَ الصدقةُ اللقحةُ الصَّفِيُّ مِنْحَةً، والشاةُ الصفيُّ مِنْحَةً، تغدو بإناء، وتروح بإناء» أخرجه البخاري.\nومنها عن كُدير الضبِّي: أن رجلًا أعرابيًّا أتى رسولَ الله - ﷺ - فقال: أخبرني بعلمٍ يُقرِّبني من طاعتهِ ويُباعدني من النار، قال: «أوَ تعملُ بما أعلمناك»، قال: نعم، قال: «تقولُ العدلَ، وتُعطي الفضلَ»، قال: والله ما أستطيعُ أن أقولَ العدلَ كلَّ ساعة، وما أستطيعُ أن أعطيَ فضلَ مالي، قال: «فتُطعم الطعام، وتُفشي السلام»، قال: هذه شديدةٌ، قال: «فهل لكَ من إبل»،\nقال: نعم، قال: «فانظر بعيرًا من إبلِكَ وسِقاء، ثم اعمدْ إلى أبياتٍ لا يشربونَ الماءَ إلا غِبًّا،\n_________\n(١) المنيحة المقصودة هنا: هي أن يمنح الرجلُ صاحبَه شاةً أو ناقةً ينتفع بلبنها ووَبَرها زمانًا ثم يردّها. انظر: النهاية في غريب الحديث والأثر (٤/ ٧٩٨)، تحقيق: طاهر الزاوي - محمود الطناحي، ١٣٩٩، المكتبة العلمية، بيروت.","vol":"1","page":99},{"text":"فلعلَّكَ أن لا يهلِكَ بعيرُك، ولا يَنخرِقُ سِقاؤك، حتى تجبَ لك الجنة» قال: فانطلق الأعرابي يكبِّر، قال: فما تخرَّق سِقاؤه، ولا هَلَك بعيرُهُ حتى قُتِلَ شهيدًا؛ أخرجه عبدالرزاق بن همام في جامعه عن معمر عن أبي إسحاق عن كُدير.\nومنها عن البراء - ﵁ - قال: جاء رجلٌ إلى النبيِّ - ﷺ - فقال: دُلَّني على عمل يقرِّبني من الجنةِ ويُباعدني من النار، قال: «لئن كنتَ أقصرتَ الخُطبةَ لقد أعرضْتَ المسألة، أعتق النَّسَمة، وفُكَّ الرَّقَبة» قال: يا رسول الله، أو ليستا واحدة، قال: «لا عِتقُ النسمة أن تفرد بعتقها، وفكُّ الرقبةِ أن تعينَ في ثمنها، والمِنْحَةُ الوكوفُ، والفيءُ على ذي الرَّحِمِ الظالم، فإن لم تُطِق ذلك فكفَّ لسانك إلا من خير» رواه الدارقطني في سننه.\nومنها عن أبي هريرة - ﵁ - يبلغُ به النبيَّ - ﷺ - قال: «ألا رجلٌ يمنح أهل بيتٍ ناقةً تغدو بعُس وتروح بعُس، إن أجرَها لعظيم» أخرجه مسلم.\nومنها عن ابن مسعود - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «أتدرون أيُّ الصدقةِ أفضل» قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: «المنيحةُ: أن تمنحَ أخاكَ الدرهمَ، أو ظهرَ الدابَّةِ، أو لبنَ الشاة، أو لبنَ البقرة» رواه الإمام أحمد في المسند \" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: \"عن سهل بن سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من توكَّل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري، وفي رواية: «من يضمن لي» وفيها: «أضمن له» ... وقد جاء الحديث: «طوبى لمن أمسك الفضل من لسانه» ... وفي حديث وصيَّة النبي - ﷺ - معاذًا - ﵁ -: «احفظ عليك لسانك» وفيه: «وهل يكبُّ الناسَ على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» ... وقد جاء الحديث:\n«احفظ فرجك إلا ما ملكت يمينُك أو من زوجتك» أو كما جاء، وفي الحديث أيضًا: «أكثر ما يُدخلُ الناسَ النارَ الأجوفان: البطنُ والفرج» \" (٢).\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ١٨ - ٢٢.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٥٢ - ٥٣.","vol":"1","page":100},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-90>المسألة الثانية: ظهور الصناعة الحديثية على مؤلفاته:</span>\nفكثيرًا ما يُتبع جمال الدين السرمري ﵀ الحديث بالحكم عليه، أو الكلام على رواته أو نحو ذلك، ولا غرو فالسرمري -كما سبق في ترجمته- محدث حافظ، ومؤلف في علوم السنة، وناظم ما يتعلق بها من تآليف.\nومن أمثلة ذلك قوله ﵀ في مقدمة كتابه (إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة): \"وعزوت كل حديثٍ إلى من رواه من الأئمة ... فما كان من مسند الإمام أحمد وصحيحي البخاري ومسلم وسنن أبي داود والنسائي وابن ماجه والترمذي قلت: رواه الجماعة، وما كان من المسند والصحيحين: متفق عليه، وما كان من الصحيحين: أخرجاه، وما كان ممَّا عداهما: رواه الخمسة، وما لم يتفق كذلك سميت من رواه\" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على مكان الصلاة: \"وعن زيد بن جَبِيرَةَ، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر - ﵁ -: «أن رسول الله - ﷺ - نَهَى أن يصلى في سبع مواطن: في المزبلَة، والمجزَرَة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي معاطن الإبل، وفوق ظهر بيت الله» رواه عبد بن حميد في مسنده، وابن ماجه، والترمذي وقال: ليس إسناده بذاك القوي، قد تُكُلِّم في زيد بن جَبِيرَةَ مِن قِبَلِ حفظهِ، ورواه الليث بن سعد، عن عبدالله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، عن النبي - ﷺ - مثلَهُ، وحديث داود، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أشبه وأصح من حديث الليث بن سعد، وعبدالله بن عمر العمري ضعَّفه بعض أهل الحديث من قِبَلِ حفظِه، منهم: يحيى بن سعيد\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على ترك الحسد والغش للمسلمين: \"عن أنس - ﵁ - قال: كنا جلوسًا مع رسول الله - ﷺ - فقال: «يطلع الآن عليكم رجل من أهل الجنة» ... رواه الإمام\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧١ - ٧٢.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ١٥١ - ١٥٢.","vol":"1","page":101},{"text":"أحمد بن حنبل ﵀ في مسنده عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري قال: أخبرني أنس بن مالك؛ وهذا الإسناد على شرط الصحيحين\" (١).\nوساق في آخر كتابه (الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة) حديثًا مسندًا فقال: \"فأرودته بإسنادٍ لئلا يخلوَ كتابي من حديث مسند؛ وهو ما أخبرني الشيخ أبو طالب محمد بن محمد بن محمود العدل بقراءتي عليه برباط الأرجوانية من درب زاخي شرقيِّ بغداد في يوم الجمعة سادسَ عشرَ شعبانَ من سنةِ ثلاثين وسبعمائة قال: أنبأنا أبو أحمد عبدالصمد بن أحمد بن عبدالقادر بن أبي الجيش المقرئ قال: أخبرنا أبو الفرج عبدالرحمن بن علي بن محمد بن الجوزي إذنًا، حدثنا أبو جعفر زيد بن جامع الشامي الحموي من لفظهِ في شعبان من سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة قال: أخبرنا أبو طالب عبدالقادر بن محمد اليوسفي قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي الجوهري قال: أخبرنا أبو الحسن علي بن لؤلؤ الوراق قال: أخبرنا أبو حفص عمر بن أيوب السَّقَطي، وحدثنا أبو الوليد بشر بن الوليد القاضي، حدثنا الفرج بن فضالة، وحدثنا هلال أبو جبلة، عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسولُ الله - ﷺ - ذاتَ يومٍ ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيتُ الليلةَ عجبًا» ... \" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على ما يطول الأعمار: \"وعن عبدالله بن عباس ﵄ أنه قال: «إن البر والصلة ليطولان الأعمار ويعمران الديار، ويثريان الأموال، وإن كان القوم فُجارًا، وإن البر والصلة ليخفقان السوء سوء الحساب يوم القيامة» رواه الحافظ ابن الجوزي في كتاب البر والصلة تأليفه وأدْرَجَ عليهما\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-91>المسألة الثالثة: شرح مفردات الحديث والكلام عليها:</span>\nفقد كان جمال الدين السرمري ﵀ يعلق على المفردات المشكلة في الحديث، ويوضح\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١١٠ - ١١١.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٥١ - ١٥٢.\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ١١٢ - ١١٣.","vol":"1","page":102},{"text":"المراد منها، وهذا دليل على سعة علمه ودرايته بالحديث.\nومثال ذلك قوله عند الكلام على أحاديث المنيحة: \"أما حديث عبدالله بن عمرو ﵄ الذي أسَّسنا عليه الكتاب، فقوله: «منيحة»، المنيحة: هي الناقة أو البقرة أو الشاةُ يُعطيها الرجلُ الرجلَ يحتلبُها ويشربُ لبنَها ويُعيدها إليه، والمنيحة في اللغة: العطية، يُقال: مَنَحَهُ كذا إذا أعطاه؛ وأما حديث أبي سعيد فقوله: «ويحك إن الهجرةَ شأنُها شديد» يعني أن الالتزام لأحكامها مُشِقٌّ: من ترك الأهل، والولد، والوطن، والتغرُّب، والفقر، والخوف، لاسيَّما وهو صاحب ماشيةٍ، والافتتان بها أسرع، فخشيَ عليه أن لا يصبرَ على اللأواء، فيرفضَ الهجرةَ ويرتدَّ، فدلَّه على الأسهل ليقوى إيمانُه، وربما آمنَ بإيمانهِ إذا رجعَ إلى أهله غيرُه، والذي دلَّه عليه فيه أجرٌ عظيم: التصدُّقُ، والإمناح، وسقيُ اللبنِ على المورد؛ وقوله: «فاعمل من وراءِ البحار» أي إذا كانَ هذا عملَكَ فدُمْ عليه، ولو أنكَ غائبٌ عني، بعيدٌ مني، ولو خلفَ البحار، لأن اللهَ تعالى «لن يَتِرَكَ» أي يَظْلِمُكَ ويُنْقِصُكَ مما عملتَ له شيئًا، ولكنَّهُ يؤتيكَ أجرَهُ موفورًا والله أعلم؛ وأما حديث أبي هريرة - ﵁ - «اللِّقحةُ»: الناقة التي تُحلب، والجمع لقاح؛ و«الصفيُّ»: الناقة الكثيرةُ اللبن؛ و«النحلة» الكثيرة الحمل، وقوله: «تغدو بإناء وتروح بآخر» يعني أنها تُحلبُ غُدْوَةً وعشيَّة، فنعم المنحةُ ما كان على هذه الصفة\nو«نعم» للمدح، يقال: نعمَ الرجلُ زيدٌ؛ وأما حديث كُدير فقوله: «تقولُ العدل» أي الحقَّ والصدق ولا تقلْ غيرَ ذلك، وقوله: ما أستطيعُ أن أقولَ الحقّ كل ساعة؛ وذلك لأن الحقَّ ثقيل، ومنه الأمانة التي عجزت السمواتُ والأرضُ عن حملها وأشفقنَ منها، وسُمِّي الإنسانُ بتحمُّلِها ﴿ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٧٢] لأنه أقدمَ على ما أحجم عن حَمْلهِ السمواتُ والأرض والجبال وقال الله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٢]؛ وقوله «وتعطي الفضل» أي تتفضَّلُ بالإعطاءِ من مالِكَ، ويجوز أن\nيكون: تعطي الفضلَ من مالِكَ عن قدرِ كفايتِكَ وكفايةِ من تعول لأنه قد جاء في الحديث أن النَّبي - ﷺ - حضَّ الناسَ على التصدق بفضل الزاد والظهر وأصناف من المال في بعض سفراته،","vol":"1","page":103},{"text":"قال الرواي: حتى رأينا أن لا حق لأحد منّا في فضل أو كما جاء، وقد روي «طوبى لمن أعطى الفضل من ماله، وأمسك الفضلَ من لسانه» وهذا على سبيل الندب والاستحباب ألا تراه عدل عنه إلى ما هو أسهل منه، وهو قوله: «فتطعم الطعام، وتُفشي السلام» ... \" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على شرح صدر النبي - ﷺ -: \" كما ذكره مسلم في حديثه وبيّن فيه أنه «أخرَج منه علقة فألقاها وقال: هذا حظ الشيطان منك» والعلقة: قطعةُ دم تكون في تجويف القلب وتسمّى السُويداء والشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم ومن القلب تَجري الحياةُ في البدن وهي التي يقول لها الأطباء الروح والقوة والشهوة والحياة تنبعث من القلب ولهذا كان القلب ملك البدن وكان إذا صلح صلح الجسد كله وإذا فسد فسد الجسد كله والقلب ما دامت فيه تلك العَلقَة يدخل الشيطان فيه فهي بَيْتُه منها يتصرف بالوسوسة فأُخرِجت من النبي - ﷺ - وغُسل مكانها فلم يبق للشيطان عليه سبيل أصلًا ولا بقي له بيت يدخل فيه ولا مسكن وكان يقول - ﷺ -: «ما من أحد إلا وقد وكل به قرينه، قالوا: وأنتَ يا رسول الله، قال: وأنا لكن الله أعانني عليه فأسلم فلا يأمرني إلا بخير» وليس المراد أسلم أنا بل أسلم هو من الاستسلام لا من إيمان لأنه قال: «فلا يأمرني إلا بخير» لأنه انقاد وانطاعَ فبقي لا يأمره إلا بما يناسبُ حاله من الخير - ﷺ - \" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: \"عن حارثة بن وهب الخزاعي - ﵁ - قال: سمعتُ رسولَ الله - ﷺ - يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة، كل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وقوله في الحديث «عُتُلِّ» العتلُّ: الشديد الخصومة الجافي، اللئيمُ الضريبة، وقال\nابن عرفة: هو الفظُّ الغليظُ الذي لا ينقادُ لخير؛ وقوله: «جوَّاظ» الجواظ: هو الكثيرُ اللحم، المختالُ في مشيته\" (٣).\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٢٢ - ٢٤.\n(٢) خصائص سيد العالمين [ق ٧٩/ظ]-[ق ٨٠/و].\n(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٤٠، ١٣٧ - ١٤١.","vol":"1","page":104},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-92>المسألة الرابعة: الجمع بين النصوص النبوية التي يوهم ظاهرها التعارض:</span>\nفمن منهج جمال الدين السرمري ﵀ دفع إيهام تعارض أحاديث النبي - ﷺ - كما هو منهج أهل السنة، وعدم ضرب بعضها ببعض كما هو منهج أهل البدعة فقد قال في كتابه (شفاء الآلام في طب أهل الإسلام) في باب الجذام عند ذكر المرأة التي تزوجها النبي - ﷺ - فوجد البياض بكشحها فقال لها: «الحقي بأهلك» قال: \"وقد ظن طائفة من العلماء أن هذه الأحاديث معارضة بأحاديث أخر تبطلها وتناقضها منها ما رواه الترمذي: أن رسول الله - ﷺ - أخذ بيد مجذوم فأوصلها معه في القصعة وقال: «كل باسم الله ثقة بالله وتوكلًا على الله» وبما في الصحيح أنه قال: «لا عدوى ولا طيرة» - قال: - ونحن نقول: لا تعارض بحمد الله في أحاديثه الصحيحة، فإذا وقع التعارض فإما أن يكون أحد الحديثين ليس من كلامه - ﷺ -، أو قد غلط فيه بعض الرواة مع كونه ثقة ثبتًا فالثقة يغلط، أو يكون التعارض في فهم السامع لا في نفس كلامه - ﷺ -، فلا بد من خروجه من هذه الوجوه الثلاثة، فأما حديثان صحيحان صريحان متعارضان من كل وجه ليس أحدهما ناسخًا للآخر فهذا لا يوجد أصلًا، ومعاذ الله أن يوجد في كلام الصادق المصدوق إلا الحق، فالآفة من التقصير في معرفة المقول والتمييز بين الصحيح والمعلول، أو من القصور في فهم مراده - ﷺ - وحمل كلامه على غير ما قصد به، أو منهما معًا، ومن هنا وقع في الاختلاف والفساد ما وقع\" (١).\nومن أمثلة ذلك قوله عند الكلام على التواضع والمسكنة لله تعالى وترك التكبُّر والتجبُّر: \"عن حارثة بن وهب الخزاعي - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «ألا أخبركم بأهل الجنة،\nكل ضعيفٍ متضعِّف، لو أقسمَ على الله لأبرَّهُ، ألا أخبركم بأهلِ النار، كل عُتُلِّ جوَّاظٍ مستكبر» ... وأما الحديثُ الذي وردَ أن: المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف، فليس هذا بالمناقض لما نحن فيه، فإن المقصودَ هنا بالقوةِ القوةُ في دين الله تعالى وعبادتهِ وامتثالِ أوامرهِ\n_________\n(١) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٥٧ ب - ٢٥٨ أ؛ بلوغ المُنى والظفر في بيان لاعدوى ولا طيرة ولا هامة ولا صفر، ص ٦١ - ٦٣، جار الله محمد بن عبدالعزيز ابن فهد، تحقيق: أحمد المصلحي، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار الأندلس الخضراء، جدة، نقلًا عن كتاب السرمري (شفاء الآلام).","vol":"1","page":105},{"text":"بالوجباتِ تضاعفًا والانزجارِ عما نهى\" (١).\nوقال في موضع آخر في سياق الكلام على الطيرة: \"وأما ما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة الفرس» فالجواب عنه: أن عائشة ﵂ طعنت عليه وبيَّنت تثبيت الحديث وذنك أنها ذُكر لها قول أبي هريرة فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، دخل علينا ورسول الله - ﷺ - يقول: «قاتل الله اليهود؛ يزعمون أن الشؤم في الدار والمرأة والفرس» فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله؛ وفي رواية: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس» فغضبت عائشة ﵂ غضبًا شديدًا، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما قاله، إنما قال: «أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك» فقد بيَّنت عائشة وجه الحديث وسببه، وأن ذلك من قول اليهود والجاهلية، وبيَّنت أن أبا هريرة لم يسمع أول الحديث؛ وقد تأول قوم حديث أبي هريرة في أن الشؤم في المرأة إذا كانت لا تلد أو سيئة الخلق، وفي الدار إذا كانت بعيدة عن المسجد أو ضيقة وجيرانها جيران سوء، وفي الدابة إذا كانت تعضُّ أو ترفُس، أو كانت مربوطة للفخر والخيلاء ...؛ فأما ما روى أنس أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالنا، وقل فيه عددنا، فقال رسول الله - ﷺ -: «فَذَرُوها ذميمةً» فالجواب: أنه قال لهم: «فَذَرُوها ذميمةً» لما كان استقر في أنفسهم في زمان الجاهلية من شؤم الدار، فأمرهم بالنقلة عنها ليزول ما توهموه في قلوبهم من أن الشؤم في المسكن وما لحقهم من الاستيحاش فيها، والتثاقل بها، يستعجلوا الراحة ويزول عنهم توقع البلاء الذي قد استشعروه من نزول الحوائج،\nوإن لم يكن لذلك في الحقيقة أصل، ولئلا يعتقدوا التشاؤم بالدار، ويفهم من قوله: «فَذَرُوها ذميمةً» وعدم التصريح لهم والتعريف بذكر الشؤم أن ذلك قد كان قدَّره لهم بقوله: «لا عدوى ولا طيرة» وكان سؤال السائل في ذلك على سبيل الاستفهام لما أشكل عليه وقوع النقص\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٤١، ١٣٧.","vol":"1","page":106},{"text":"بسكن الدار الثانية دون الأولى، كما قال ذلك الرجل: إن النُقبة تكون في مشفر البعير، فتدخل في الإبل فتجرب، فقال له: «فَمن أعدى الأوَّل» وقال هنا: «فَذَرُوها ذميمةً» حسمًا لوهم صاحب البعير أن بعيره خالط غيره فأعداه، ويتسلسل ذلك في ظنه، فقطعه بهذا الجواب، وقال لصاحب الدار: «فَذَرُوها ذميمةً» خوفًا عليه أن يقوى وهمه باستمرار النقص عليه بالمقام بها، فيؤدي ذلك إلى سوء اعتقاده فيما أخبره به أولًا أنه لا عدوى ولا طيره\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-93>المسألة الخامسة: تفسير السنة بالقرآن:</span>\nقد سلك الإمام جمال الدين السرمري مسلك الأئمة الأعلام في التعامل مع نصوص السنة، فالتمس من آيات القرآن ما يقوي به وجه الاستشهاد بالسنة؛ تارةً تأكيدًا، وتارة بيانًا.\nومثال ذلك قوله عند الكلام على تفسير الآل: \"في الصحيح أنَّ النبي - ﷺ - سئل فقيل: يا رسول الله قد عَلِمْنا كيف السلام عليك، فكيف الصلاة عليك؟ فقال: «قولوا: اللهم صلِّ على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وآل إبراهيم إنّك حميد مجيد، وبارك لي محمدٍ وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم وآل إبراهيم إنَّك حميد مجيد» واختلف الناس في آله من هم، فقيل: أهل بيته، وهذا هو الصحيح إن شاء الله، وقيل: جميع أمته فيدخل فيه أهله وأزواجُهُ وكل مؤمن به وقد قال تعالى: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: من الآية ٤٦] وأراد بذلك قومه كُلهم\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: \"عن سهل بن سعد - ﵁ - عن\nالنبي - ﷺ - قال: «من توكَّل لي ما بين لحييه وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... والمراد بما بين الرجلين الفرج، وقد أمر الله تعالى بحفظه في كتابه ووعد على حفظه بالفلاح في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [المؤمنون: ١] ثم قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٥٧ - ٦٦.\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٢٣٠.","vol":"1","page":107},{"text":"(٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ﴾ [المؤمنون: ٥ - ٦] \" (١).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على عظم أجر الصائم: \"وجاء في الحديث أيضًا: «إن الله تعالى يقول: الصومُ لي وأنا أجزي به» يشيرُ إلى عظم ثوابه لأنه لم يُحِدَّهُ، ولم يوقفْ عليه بشرًا فهو من قبيل: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة: من الآية ١٧] \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-94>المسألة السادسة: تفسير الحديث بالحديث:</span>\nوهذا من أولى ما فُسرت به النصوص الشرعية، لأن الشارع أعلم من غيره بالمراد من النص الشرعي، وعلى هذا سار أئمة الإسلام.\nومثال ذلك قوله عند الكلام على حفظ اللسان والفرج: \"عن سهل بن سعد - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «من توكَّلَ لي ما بين لَحْيَيْه، وما بين رجليه توكلتُ له بالجنة» أخرجه البخاري ... وقد جاء الحديث: «طوبى لمن أمسكَ الفضل من لسانه» وقد سبق وذلك لأن «كلام ابن آدم كلَّهُ عليه لا له، إلا أمرٌ بالمعروف، أو نهيٌ عن منكر، أو تلاوةُ كتابِ الله» كذا جاء الحديث\" (٣).\nوقال في موضع آخر: \"قوله: «فإن لم تُطق فأمسك لسانك إلا من خير» وهذا من جوامع الخير؛ لأنه قد جاء الحديث «كل كلام ابن آدم عليه لا له إلا أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، أو قراءة القرآن» فإذا سَلِمَ الإنسانُ من غائلة اللسانِ سَلِمَ من غائلة الإثم والعصيان كما\nقال: «وهل يكبُّ الناس على مناخرهم في نار جهنم إلا حصائد ألسنتهم» \" (٤).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على ترك التهاجر والتشاجر: \"عن أبي هريرة - ﵁ - أن\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٥٢ - ٥٣.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨١.\n(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٥٢.\n(٤) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٢٦.","vol":"1","page":108},{"text":"رسول الله - ﷺ - قال: «تُفتح أبواب الجنة يوم الاثنين ويوم الخميس، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، إلا رجلًا كانت بينه وبين أخيه شحناء، فيقال: انظروا هذين حتى يصطلحا» أخرجه مسلم، يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلمًا غير مبتدع ... لأنه ورد أن: «من سلَّم على صاحب بدعةٍ فقد أعانَ على هدم الإسلام» \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-95>المسألة السابعة: تفسير السنة بأقوال السلف:</span>\nلا ريب أن السلف كانوا أدرى الناس بأحكام السنة وألفاظها، وأن أقوالهم مقدمة على أقوال غيرهم في فهم النصوص الشرعية، وقد نقل الإمام جمال الدين السرمري بعض الآثار عن السلف الدالة على تفسيرهم للسنة، ومن ذلك قوله عند الكلام على حسن الخلق: \"وسئل رسول الله - ﷺ - عن أكثر ما يُدخلُ الناسَ الجنة فقال: «تقوى الله وحسن الخلق» ووصف ابنُ المبارك رحمة الله عليه حسن الخلق فقال: هو بسط الوجه، وبذل المعروف، وكفُّ الأذى\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على الإيمان: \"وعن عامر بن سعد عن أبيه: أن النبي - ﷺ - أعطى رجالًا ولم يعط رجالًا، قال: فقلت: أعطيت فلانًا وتركت فلانًا لم تعطه وهو مؤمن، فقال النبي - ﷺ -: «أو مسلم» فأعدتها عليه ثلاثًا وهو يقول: «أو مسلم» ثم قال: «إني لأعطي رجالًا وأمنع رجالًا ممن هو أحبُّ إلي منهم مخافة أن يكَبُّوا في النارِ على وجوههم» أو قال: «على مناخرهم»؛ قال الزهري: فيرى أن الإسلام الكلمة، والإيمان العمل\" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام بيع الأصول والثمار: \"وفي لفظ قال: «إن بعت من أخيك ثمرًا فأصابتها جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئًا، بِمَ تأخذ مال أخيك\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٧١.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٩٣.\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٧٥.","vol":"1","page":109},{"text":"بغير حق» رواه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه. فصل، قال عطاء: الجوائح كل ظاهرٍ مفسدٍ من مطرٍ أو بردٍ أو جرادٍ أو ريحٍ أو حريقٍ\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-96>المسألة الثامنة: إيراد الروايات والألفاظ الموضحة للحديث:</span>\nفجمع روايات الحديث الواحد، وذكر ألفاظه مما يبين المراد منه.\nمثال ذلك قوله عند الكلام على أحكام الهبة والهدية: \"عن النعمان بن بشير أن أباه أتى به النبي - ﷺ -، فقال: إني نحلت ابني هذا غلامًا كان لي، فقال رسول الله - ﷺ -: «أكُلُّ ولدكَ نحلتَهُ مثل هذا» فقال: لا، فقال: «فارجعه» متفق عليه؛ وفي روايةٍ «فليس يصلح هذا، وإني لا أشهد إلا على حق»؛ وفي روايةٍ: «لا تشهدني على جور، إن لبَنِيك عليك من الحق أن تعدلَ بينهم»؛ وقال في روايةٍ: «فاتقوا الله واعْدِلوا بين أولادكم» قال: فرجع فردَّ عطيتَهُ\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على أحكام صلاة الكسوف: \"و«صلَّى في كسوف قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، ثم قرأ ثم ركع، والأخرى مثلها» وفي رواية: «ثماني ركعات في أربع سجدات» روى ذلك أحمد ومسلم والنسائي وأبو داود؛ و«جَهَر في صلاة الخسوف بقراءَته، فصلى أربع ركعات في ركعتين، وأربع سجدات» أخرجاه، وفي روايةٍ: «فجَهَر بالقراءة، وأطال القيام» رواه أحمد\" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على إحياء الموات: \"وقال النبي - ﷺ -: «من أحيا أرضًا ميتةً فهي له» رواه أحمد والترمذي وصححه، وفي رواية: «من أحاط حائطًا على أرض فهي له» رواه أحمد وأبو داود، وفي رواية أخرى زاد: «وليس لِعِرْقٍ ظالمٍ حقٌ» رواه أحمد وأبو داود والترمذي\" (٤).\n_________\n(١) إحكام الشريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٣٤٥.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٠٧ - ٤٠٨.\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٢١٣ - ٢١٤.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٣٩٢.","vol":"1","page":110},{"text":"وقال في موضع آخر عند الكلام على فضل المشي إلى المساجد: \"وقال لقوم أرادوا أن يحوِّلوا بيوتَهم إلى قربِ المسجد: «دياركم تُكتب آثاركم» يعني الزموا دياركم البعيدة من المسجد لتكثُرَ حسناتكم بكثرةِ الخُطا إلى المسجد، والله أعلم؛ وفي روايةٍ قال لهم: «إن لكم بكلِّ خطوة درجة» والقوم هم بنو سلمة من الأنصار، وفي أفراد البخاري من حديث أبي بن كعب - ﵁ - قال: كان رجلٌ لا أعلم رجلًا أبعدَ من المسجدِ منه، وكان لا تُخطئه صلاةً - يعني في المسجد جماعة - قال: فقيل له، أو قلتُ له: لو اشتريتَ حمارًا تركبهُ في الظلماء أو في الرمضاء، قال: ما يسرُّني أن منزلي إلى جنب المسجد، إني أريدُ أن يُكتَبَ لي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعتُ إلى أهلي، فقال رسول الله - ﷺ -: «قد جمع اللهُ لك ذلك كله» وفي رواية: «إن لك ما احتسبت» \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-97>المسألة التاسعة: تقديم الحديث على القياس:</span>\nليس أحد من الأئمة إلا وهو يقدم الحديث على القياس، فقدم أبو حنيفة حديث القهقهة في الصلاة على محض القياس وأجمع أهل الحديث على ضعفه، وقدم الشافعي خبر جواز الصلاة بمكة وقت النهي مع ضعفه ومخالفته لقياس غيرها من البلاد، وأما مالك فإنه يقدم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس (٢)، وقال عبدالله بن أحمد سمعت أبي يقول: الحديث الضعيف أحب إلي من الرأي، فقال عبدالله: سألت أبي عن الرجل يكون ببلد لا يجد فيه إلا صاحب حديث لا يعرف صحيحه من سقيمه وأصحاب\nالرأي فتنزل به النازلة، فقال أبي: يسأل أصحاب الحديث ولا يسأل أصحاب الرأي، ضعيف الحديث أقوى من الرأي (٣).\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٤٧ - ٤٨.\n(٢) انظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين (١/ ٣١ - ٣٢)، تحقيق: طه عبدالرؤوف سعد، دار الجيل، بيروت، ١٩٧٣ م.\n(٣) إعلام الموقعين (١/ ٧٦ - ٧٧).","vol":"1","page":111},{"text":"وقد سلك جمال الدين السرمري ﵀ مسلك السلف في الاعتصام بالسنة وتقديمها والاعتناء بها، ومن أمثلة ذلك قوله عند الكلام على الطب النبوي وتقديمه على طب الفلاسفة: \"ليس حال من وصّل إلينا الحديث النبوي من أهل الإسلام ولو كان مهما كان من الوهن بأدنى مقالة ممن وصل إلينا عنه طب بقراط وجالينوس\" (١).\nوقال في موضع آخر: \" ومن هنا توسعنا في الرواية عن الصغار في الأحاديث الطبية عن النبي - ﷺ - مالم نتوسعه في الأحاديث الدينية لأنا وجدنا بين ما نقلنا عنه بعض الأحاديث الطبية من الضعفاء وبين من نقلها عن بقراط وجالينوس ونحوهما بونًا عظيمًا بل غالبهم كفار\" (٢).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على العدوى: \"وقد زعم قوم جهال ينتسبون إلى العلم وليسوا من أهله، ويجرون في ميدانه وليسوا بخيله ولا رجله، أن هذا الداء وغيره من بقية الأدواء يُعدي ... وهذا خُلف من القول وزيف من النقل، لا يجوز استماعه، ولا يَحِلُّ اعتقاده لما جاء في ذلك من الأحاديث الصحيحة بالعبارات الواضحة الصريحة\" (٣).\nوقال في موضع آخر عند الكلام على أن لبس الحرير يمنع تولد القمل: \"ولما روى أنس - ﵁ -: «أن النبي - ﷺ - رخّص لعبدالرحمن بن عوف والزبير في لبس الحرير لحكة كانت بهما»، وفي رواية: «أنهما شكوا إليه القمل فرخص لهما في قمص الحرير في غزاة لهما» أخرجاه في الصحيحين؛ فلبس الحرير يمنع تولد القمل خلافًا لابن سينا فإنه يزعم أن لبسه يولد القمل وقول النبي - ﷺ - أصدق وأولى بالقبول\" (٤).\n_________\n(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٠٦ أ.\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٧٠ ب.\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ٤٤ - ٥٠.\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٩٤ أ.","vol":"1","page":112},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-98>المطلب الثالث: موقفه من علم الكلام:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-99>تمهيد: تعريف علم الكلام:</span>\nتعددت تعريفات علم الكلام، وبيان حده وحقيقته.\nفقال الإيجي والتهانوي أنه: \"علم يقتدر معه على إثبات العقائد الدينيّة بإيراد الحجج ودفع الشبه\" (١).\nوقال التفتازاني أنه: \"العلم بالقواعد الشرعيّة الاعتقاديّة المكتسب من أدلتها اليقينيّة\" (٢).\nوقال الجرجاني أنه: \"علم يبحث فيه عن ذات الله وصفاته وأحوال الممكنات من المبدأ والمعاد على قانون الإسلام\"، ثم قال: \"والقيد الأخير - على قانون الإسلام- لإخراج العلم الإلهي للفلاسفة\" (٣).\nوأولى التعريفات به أن يعرف بأنه: \"علم يقتدر به على المخاصمة والمناظرة والمجادلة في العقائد بإيراد الحجج والشبه ودفع إيرادات الخصوم\" (٤) فهو مراء متعلق بإظهار المذاهب والانتصار لها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-100>سبب تسميته:</span>\nتعددت أسباب تسمية هذا الجدل المذموم بعلم الكلام، وأكثر من جمع هذه الأسباب هو التفتازاني في شرح العقائد النسفية، وهي (٥):\n_________\n(١) كتاب المواقف (١/ ٣١)، لعضد الدين الإيجي، تحقيق د. عبدالرحمن عميرة، الطبعة الأولى ١٩٧٧ م، دار الجيل، بيروت؛ كشاف اصطلاحات الفنون والعلوم (١/ ٢٩)، لمحمد التهانوي، تحقيق: د. علي دحروج، الطبعة الأولى ١٩٩٦ م، مكتبة لبنان، بيروت.\n(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (١/ ٦)، لسعد الدين التفتازاني، ١٤٠١، دار المعارف النعمانية، باكستان.\n(٣) التعريفات ص ٢٣٧، لعلي الجرجاني، تحقيق: إبراهيم الأبياري، الطبعة الأولى ١٤٠٥، دار الكتاب العربي، بيروت.\n(٤) علم الكلام والتأويل وأثرهما على العقيدة الإسلامية، مجلة البحوث الإسلامية - العدد ٦٨، ص ٢٨١، الرئاسة العامة للبحوث العلمية والإفتاء، المملكة العربية السعودية.\n(٥) انظر: حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين ص ٤٧ - ٤٨، لعبدالرحيم السلمي، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار المعلمة، الرياض.","vol":"1","page":113},{"text":"١ - لأن عنوان مباحثه كان قولهم: الكلام في كذا وكذا.\n٢ - لأن مسألة الكلام كانت أشهر مباحثه، وأكثرها نزاعًا وجدالًا، حتى إن بعض المتغلبة قتل كثيرًا من أهل الحق، لعدم قولهم بخلق القرآن؛ وهذا السبب قد نقده شيخ الإسلام ابن تيمية بقوله: \"وأيضًا فما ذكره الشهرستاني ليس بصحيح في اسم المتكلمين كانوا يسمون بهذا الاسم قبل منازعتهم في مسألة الكلام، وكانوا يقولون عن واصل بن عطاء أنه متكلم، ويصفونه بالكلام، ولم يكن الناس اختلفوا في مسألة الكلام\" (١).\n٣ - لأنه يورث قدرة على الكلام في تحقيق الشرعيات، وإلزام الخصم كالمنطق للفلسفة؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل علم الكلام يورث صاحبه العيَّ والسفسطة العقلية بشهادة أئمته.\n٤ - لأنه أول ما يجب من العلوم التي إنما تُعلم وتُتعلم بالكلام، فأطلق عليه هذا الاسم لذلك ثم خص به، ولم يطلق على غيره تمييزًا؛ قال الباحث: وهذا السبب باطل، بل أول واجب من العلوم هو الإيمان بالكلام الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\n٥ - لأنه إنما يتحقق بالمباحثة وإدارة الكلام من الجانبين، وغيره قد يتحقق بالتأمل ومطالعة الكتب.\n٦ - لأنه أكثر العلوم خلافًا ونزاعًا فيشتد افتقاره إلى الكلام مع المخالفين، والرد عليهم.\n٧ - لأنه لقوة أدلته صار كأنه هو الكلام دون ما عداه من العلوم كما يقال للأقوى من الكلامين: هذا هو الكلام؛ قال الباحث: وهذا السبب واضح البطلان، فأيُّ قوة توصل\nصاحبها إلى الشك والحيرة.\n٨ - لأنه لابتنائه على الأدلة القطعية المؤيدة أكثرها بالأدلة السمعيّة أشد العلوم تأثيرًا في القلب، وتغلغلًا فيه، فسُمي بالكلام المشتق من الكَلْم وهو الجرح؛ قال الباحث: وهذا السبب كسابقه.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٨٤).","vol":"1","page":114},{"text":"٩ - لأن المتكلمين كانوا يتكلمون حيث ينبغي الصمت اقتداء بالصحابة والتابعين الذين سكتوا عن المسائل الاعتقادية لا يخوضون فيها، فأصبح الكلام هنا ضد السكوت؛ قال الباحث: وهذا السبب إن أريد به أن المتكلمين خاضوا بالكيفيات حتى عطلوا الصفات فهذا صحيح، وإن أريد أن الصحابة والتابعين صمتوا في معاني الصفات وفوضوها فهذا باطل.\n١٠ - لأن المتكلمين قوم يقولون في أمور ليس تحتها عمل، فكلامهم نظري لفظي لا يتعلق به فعل، فأصبح الكلام - هنا - ضد الفعل؛ قال الباحث: وهذا السبب ضعيف، فكثير من العلوم الخبرية لا يتعلق بها فعل ومع ذلك لا تسمى علم كلام، ثم القول بأن المتكلمين يقولون في أمور ليس تحتها عمل غير دقيق، فبعض المسائل التي يذكرها أهل الكلام يتعلق بها فعل، فالمتكلم الذي ينفي العلو مثلًا ويقول بالحلول فسيعبد الخلق، والمتكلم الذي ينفي الرؤية في الآخرة لن يدعو بها، والترك عمل.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-101>ذم جمال الدين السرمري لعلم الكلام:</span>\nإن الإمام جمال الدين السرمري جعل قطب الرحى في التلقي الكتاب والسنة، وهما الركيزة الأساسية، ومن الأمور التي انحرف بسببه كثير من أهل الزيغ والضلال عن منهج الكتاب والسنة، بل يعد منعطفًا خطيرًا زلت فيه أقدامهم، ألا وهو علم الكلام.\nففي بيان خطر هذا المزلق يقول ﵀:\n\"ولاخير في علم الكلام لأنَّه ... خلافُ كلامِ المصطفى الطَّاهر الطُهْرِ\nأدِلَّتُهُ لا مِنْ كتابٍ وسنةٍ ... بَلى مِن كلامِ الأخطل الفَاجرِ العِرِّ (١)\nيدورُ على التعطيل لا دَرّ دَرُّه ... بتمويهِ قولٍ في المَخارجِ مُزْوَرِّ\nوما قصْده نفيُ المَخارج ويحه ... بلى قصْدُهُ نَفْيُ الكلام من السِّفْرِ\n_________\n(١) العر: الجرب، وقولهم فلان عرة: العرة الذي يجني على أهله وإخوانه ويلحقهم من الجناية والأذى مثل ما يلحق العر صاحبه، وقال قوم: العرة عند العرب القذر الدنس الذي يلحق أهله دنسًا وقذرًا. انظر: الزاهر في معاني كلمات الناس (١/ ١٣٣)، لأبي بكر الأنباري، تحقيق: د. حاتم الضامن، الطبعة الأولى ١٤١٢، مؤسسة الرسالة، بيروت.","vol":"1","page":115},{"text":"فتبًّا لهذا المَذهبِ المُذهبِ الذي ... أقَلُّ أذى فيه بصاحبِهِ يُزْري\" (١).\n\nوذم أهله وبَيَّن الفرقان بينه وبينهم في التلقي، وأن مصدرهم آراء الرجال وزبالة أذهانهم فيقدمون العقل على القرآن والسنة فقال:\n\"ويكفي سُواي أنَّه مُتمسِّكٌ ... بتعليم عِلْم المنطقِ السَّيئ النَّشْرِ\nعقيدته أنَّ الكتاب وسُنَّـ ... ـة النَّبي معًا ليسا دليلًا على أمْرِ\nولكن دليلُ الأمر والنهي عنده ... نتيجة أفكارٍ على عقْله يَحْري\" (٢).\n\nوقد حذر السلف من هذا المنهج الباطل وأجمعوا على ذم الكلام وأهله.\nقال أبو عمر بن عبدالبر: \"أجمع أهل الفقه والآثار من جميع الأمصار أن أهل الكلام أهل بدع وزيغ، ولا يعدون عند الجميع في جميع الأمصار في طبقات العلماء، وإنما العلماء أهل الأثر والتفقه فيه، ويتفاضلون فيه بالإتقان والميز والفهم\" (٣).\nوقال الشافعي ﵀: \"حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد، ويُطاف بهم في\nالعشائر والقبائل، هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام\" (٤).\nوقال أيضًا: \"اعلم أني اطلعتُ من أهل الكلام على شيء ماظننته قط، ولأن يبتلى المرء بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام\" (٥).\nوقال الإمام أحمد: \"لا يفلح صاحب كلام أبدًا، علماء الكلام زنادقة\" (٦).\nوقال الإمام البربهاري: \"واعلم أنها لم تكن زندقة، ولا كفر، ولا شكوك، ولا بدعة، ولا\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٩ - ٣٠.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٨.\n(٣) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٩٣).\n(٤) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٩٣).\n(٥) جامع بيان العلم وفضله (٢/ ١٩٢).\n(٦) تلبيس إبليس ص ٧٥، لابن الجوزي، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار الفكر، بيروت.","vol":"1","page":116},{"text":"ضلالة، ولا حيرة في الدين إلا من الكلام وأهل الكلام والجدل والمراء والخصومة والعجب، وكيف يجترئ الرجل على المراء والخصومة والجدال والله يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [غافر: ٤] \" (١).\nوقال ابن حجر ﵀: \"وقد توسع من تأخر عن القرون الثلاثة الفاضلة في غالب الأمور التي أنكرها أئمة التابعين وأتباعهم، ولم يقتنعوا بذلك حتى مزجوا مسائل الديانة بكلام اليونان، وجعلوا كلام الفلاسفة أصلًا يردون إليه من خالفه من الآثار بالتأويل ولو كان مستكرهًا، ثم لم يكتفوا بذلك حتى زعموا أن الذي رتبوه هو أشرف العلوم وأولاها بالتحصيل، وأن من لم يستعمل ما اصطلحوا عليه فهو عامي جاهل، فالسعيد من تمسك بما كان عليه السلف واجتنب ما أحدثه الخلف\" (٢).\n_________\n(١) شرح السنة ص ٣٨، للحسن البربهاري، تحقيق: د. محمد القحطاني، الطبعة الأولى ١٤٠٨، دار ابن القيم، الدمام.\n(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١٣/ ٢٥٣)، لابن حجر، ١٣٩٧، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":117},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-102>الفصل الثالث\nمنهج جمال الدين السرمري في تقرير التوحيد</span>\nوفيه تمهيد وثلاثة مباحث:\nتمهيد: تعريف التوحيد وأقسامه.\nالمبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية.\nالمبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية.\nالمبحث الثالث: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات.","vol":"1","page":118},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-103>تمهيد\nفي تعريف التوحيد وأقسامه</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-104>١ - تعريف التوحيد:</span>\nأ- التوحيد لغة: هو تفعيل وحد يقال: \"وحده توحيدًا: أي جعله واحدًا\" (١).\nقال ابن فارس: \"الواو والحاء والدال: أصل واحد يدل على الانفراد\" (٢).\nوقال أبو القاسم الأصبهاني (٣): \"التوحيد على وزن التفعيل وهو مصدر وحّدته توحيدًا ... ومعنى وحّدته: جعلته منفردًا عما يشاركه أو يشبهه في ذاته وصفاته، والتشديد فيه للمبالغة أي بالغت في وصفه بذلك، وقيل: الواو فيه مبدلة من الهمزة، والعرب تبدل الهمزة من الواو، وتبدل الواو من الهمزة كقولهم: وشاح وأشاح ... ويقال: جاؤوا أحاد أحاد، أي واحدًا واحدًا، فعلى\nهذا: الواو في التوحيد أصلها الهمزة، قال الهذلي:\nليث الصريمة أحدان الرجال له صيد ومجتزئ بالليل هجّاس\nوتقول العرب: واحد وأحد ووحد ووحيد، أي: منفرد، فالله تعالى واحد، أي منفرد عن الأنداد والأشكال في جميع الأحوال.\nفقولهم: وحّدت الله، من باب عظمت الله، وكبرته، أي علمته عظيمًا وكبيرًا، فكذلك وحّدته، أي علمته واحدًا، منزهًا عن المثل في الذات والصفات\" (٤).\n_________\n(١) القاموس المحيط ص ٣٢٤، تحقيق: مكتب تحقيق التراث في مؤسسة الرسالة، الطبعة الثامنة ١٤٢٦، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(٢) معجم مقاييس اللغة (٦/ ٩٠)، تحقيق: عبدالسلام هارون، ١٣٩٩، دار الفكر.\n(٣) هو إسماعيل بن محمد بن الفضل التيمي الأصبهاني الملقب بقوام السنة، قال عنه الذهبي: \"الإمام العلامة الحافظ شيخ الإسلام\"، توفي سنة ٥٣٥. سير أعلام النبلاء (٢٠/ ٨٠ - ٨١).\n(٤) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة (١/ ٣٠٥ - ٣٠٦)، لأبي القاسم الأصبهاني، تحقيق: محمد بن ربيع بن هادي المدخلي، دار الراية.","vol":"1","page":119},{"text":"وقال الجرجاني: \"التوحيد في اللغة: الحكم بأن الشيء واحد والعلم بأنه واحد\" (١).\nوقال السفاريني: \"والتوحيد تفعيل للنسبة كالتصديق والتكذيب لا للجعل، فمعنى وحدت الله نسبت إليه الوحدانية، لا جعلته واحدًا، فإن وحدانية الله تعالى ذاتية له ليست بجعل جاعل\" (٢).\n\nب- التوحيد اصطلاحًا:\nتقسمت الطوائف في مفهوم التوحيد، وسمّى كل طائفة باطلهم توحيدًا.\nفأتباع الفلاسفة، عندهم التوحيد: إثبات وجود مجرد عن الماهية والصفة، بل هو وجود مجرد مطلق، لا يعرض لشيء من الماهيات ولا يقوم به وصف، ومن فروع هذا التوحيد: إنكار ذات الرب، والقول بقدم الأفلاك؛ فتوحيد هؤلاء: هو غاية الإلحاد والجحد والكفر (٣).\nوأما الاتحادية، فالتوحيد عندهم: أن الحق المنزه هو عين المشبه، وأنه سبحانه هو عين\nوجود كل موجود وحقيقته وماهيته، فهو عندهم عين الناكح وعين المنكوح، وعين الذابح وعين المذبوح (٤)، تعالى الله عن قولهم علوًا كبيرًا.\nوأما أهل الكلام، فالتوحيد عندهم: \"إفراد القديم من الحدث\" (٥).\nوقيل: \"اعتقدته منفردًا بذاته وصفاته لا نظير له ولا شبيه\" (٦).\n_________\n(١) التعريفات، ص ٩٦.\n(٢) لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية غي عقد الفرقة المرضية (١/ ٥٦ - ٥٧)، للسفاريني، الطبعة الثانية ١٤٠٢، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق.\n(٣) مدارج السالكين بين منازل \"إياك نعبد وإياك نستعين\" (٣/ ٤٦٦)، لابن القيم، الطبعة الأولى، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(٤) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٦).\n(٥) فتح الباري (١٣/ ٣٤٤)؛ إرشاد الساري لشرح صحيح البخاري (١٠/ ٣٥٧)، للقسطلاني، الطبعة السابعة ١٣٢٣، المطبعة الكبرى الأميرية ببولاق، مصر.\n(٦) فتح الباري (١٣/ ٣٤٥)، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (٢٥/ ١٢٢)، لبدر الدين العيني، ضبط وتصحيح: عبدالله عمر، الطبعة الأولى ١٤٢١، دار الكتب العلمية، بيروت؛ إرشاد الساري (١٠/ ٣٥٧).","vol":"1","page":120},{"text":"وقيل: \"سلبت عنه الكيفية والكمية فهو واحد في ذاته لا انقسام له، وفي صفاته لا شبيه له، وفي إلهيته وملكه وتدبيره لا شريك له ولا رب سواه ولا خالق غيره\" (١).\nوقيل: \"إثبات ذات غير مشبهة بالذوات ولا معطلة عن الصفات\" (٢).\nوقيل: \"نفي التقسيم لذاته ونفي التشبيه عن حقه وصفاته ونفي الشريك معه في أفعاله ومصنوعاته فلا تشبه ذاته الذوات ولا صفته الصفات\" (٣).\nوقيل: \"تجريد الذات الإلهية عن كل ما يتصور في الأفهام ويتخيل في الأوهام والأذهان وهو ثلاثة أشياء: معرفة الله تعالى بالربوبية والإقرار بالوحدانية ونفي الأنداد عنه جملة\" (٤).\nوقيل: \"إن الله تعالى واحد في ذاته لا قسيم له، وواحد في صفاته الأزلية لا نظير له، وواحد في أفعاله لا شريك له\" (٥).\nوقيل: \"واحد في ذاته لا قسمه له ولا صفة له، وواحد في أفعاله لا شريك له، فلا قديم\nغير ذاته، ولا قسيم له في أفعاله\" (٦).\nوقيل: \"إثبات الوحدة لله في الذات والفعل في خلق الأكوان وأنه وحده مرجع كل كون ومنتهى كل قصد\" (٧).\nوفي الجملة فمفهوم التوحيد عند أهل الكلام هو نفي الصفات بدعوى التشبيه، وغالب تعريفات أهل الكلام لا تتعرض لتوحيد العبادة ولا تعرج عليه، وبخاصة الأشاعرة فهم مرجئة في التوحيد كما أنهم مرجئة في الإيمان (٨)، فلا يرون أن توحيد الألوهية من حقيقة التوحيد الذي يقع\n_________\n(١) فتح الباري (١٣/ ٣٤٥).\n(٢) عمدة القاري (٢٥/ ١٢٢).\n(٣) إرشاد الساري (١٠/ ٣٥٧).\n(٤) التعريفات، ص ٩٦.\n(٥) الملل والنحل (١/ ٤٠)، للشهرستاني، تحقيق: محمد كيلاني، ١٤٠٤، دار المعرفة، بيروت.\n(٦) الملل والنحل (١/ ٤٠)، للشهرستاني.\n(٧) رسالة التوحيد ص ٥، لمحمد عبده، دار الكتاب العربي ١٩٦٦ م.\n(٨) حقيقة التوحيد بين أهل السنة والمتكلمين ص ١٢٦، لعبدالرحيم السلمي.","vol":"1","page":121},{"text":"فيه الشرك، وذلك بسبب اعتقادهم أن توحيد الربوبية الذي قرروه هو توحيد الألوهية الذي جاءت به النصوص، وأن معنى لا إله إلا الله لا خالق إلا الله أو لا قادر على الاختراع إلا الله، فأفنوا أعمارهم بما لم ينازع فيه المشركون.\nوأما القدرية فالتوحيد عندهم: هو إنكار قَدَر الله، وعموم مشيئته للكائنات وقدرته عليها، ومتأخروهم ضموا إلى ذلك: توحيد الجهمية، فصار حقيقة التوحيد عندهم: إنكار القدر، وإنكار حقائق الأسماء الحسنى والصفات العلى (١).\nوأما الجبرية، فالتوحيد عندهم: هو تفرد الرب تعالى بالخلق والفعل، وأن العباد غير فاعلين على الحقيقة، وأن الرب تعالى لم يفعل لحكمة، ولا غاية تطلب بالفعل، بل ما ثم إلا مشيئة محضة (٢).\nوأما مفهوم التوحيد الذي دعت إليه رسل الله، ونزلت به كتبه، فوراء ذلك كله وهو: \"أن الله واحد في ملكه وأفعاله لا شريك له، وواحد في ذاته وصفاته لا نظير له، وواحد في إلهيته وعبادته لا ند له\" (٣).\nوهذا ما فسر به جمال الدين السرمري التوحيد بقوله: \"وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدس عن الصاحبة والوزراء، المبرئ عن الآباء والأبناء\" (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-105>٢ - أقسام التوحيد:</span>\nمن العلماء من قسّمه إلى ثلاثة أقسام وهو المشهور (٥)، ومنهم من قسّمه إلى قسمين.\n_________\n(١) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٧).\n(٢) مدارج السالكين (٣/ ٤٦٧).\n(٣) تيسير العزيز الحميد في شرح كتاب التوحيد (١/ ١٢٠)، لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، تحقيق: أسامة العتيبي، الطبعة الأولى ١٤٢٨، دار العصيمي، الرياض.\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١ ب.\n(٥) انظر: شرح العقيدة التدمرية ص ٤٦، لعبدالرحمن البراك، إعداد: سليمان الغصن، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار كنوز إشبيليا، الرياض.","vol":"1","page":122},{"text":"فالقسمة الثلاثية هي:\n١ - توحيد الأسماء والصفات.\n٢ - توحيد الربوبية.\n٣ - توحيد الألوهية (١).\nأما القسمة الثنائية فهي:\n١ - توحيد الإثبات والمعرفة.\n٢ - توحيد القصد والطلب (٢).\nولامشاحة بين الطريقتين في التقسيم، ولا منافاة بينهما فمن جعله ثنائيًا فقد أجمل ومن جعله ثلاثيًا فقد فصل.\nأما منهج الإمام جمال الدين السرمري في ذلك فمنهج من ذهب إلى القسمة الثلاثية، دل على هذا قوله في معرض كلامه على علاج الكرب والهم والغم والحزن: \"ويحتاج إلى استفراغ\nكلّي:\nالأول: توحيد الربوبية.\nالثاني: توحيد الإلهية.\nالثالث: توحيد العلمي الاعتقادي\" (٣).\nوقال في موضع آخر في معرض كلامه على سورة الفاتحة: \"المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي: الله، والرب، والرحمن؛ وإثبات المعان، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية\" (٤).\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٠/ ٢٨٤، ٣٣١)، التدمرية ص ٦، تحقيق: د. محمد السعوي، الطبعة السادسة ١٤٢١، مكتبة العبيكان، الرياض؛ شرح الطحاوية ص ٢٧، تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠ - ١٢٤).\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى (١٧/ ١٠٧)، التدمرية ص ٤ - ٥، مدارج السالكين (١/ ٣٣، ٣/ ٤٦٨)، شرح العقيدة الطحاوية ص ٤١، تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠)،\n(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.","vol":"1","page":123},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-106>المبحث الأول\nمنهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-107>المطلب الأول: تعريف توحيد الربوبية:</span>\nأ- تعريفه لغة: توحيد الربوبية مركب من كلمتين: \"توحيد\" وتقدم تعريفها، و\"الربوبية\" وهي مأخوذة من الرب.\nيقول ابن فارس -﵀-:\n\"الراء والباء يدل على أصول:\nفالأول: إصلاح الشيء والقيام عليه. فالرّبُّ: المالك، والخالق، والصاحب؛ والرب: المصلح للشيء، يقال: ربَّ فلان ضَيعتَه، إذا قام على إصلاحها.\nوالأصل الآخر: لزوم الشيء، والإقامة عليه. وهو مناسب للأصل الأول، يقال: أربَّت\nالسّحابة بهذه البلدة، إذا دامت.\nوالأصل الثالث: ضم الشيء للشيء، وهو أيضًا مناسبٌ لما قبله. يقال للخرقة التي يُجعل فيها القداح: رِبابَةٌ، وسمي العهد رِبابة لأنه يجمع ويؤلِّف.\nومتى أنعم النظر كان الباب كله قياسًا واحدًا\" (١).\nولا يطلق غير مضاف إلا على الله تعالى، فلا يقال \"الرب\" إلا عليه سبحانه، وإذا أطلق على غيره أضيف، فيقال: رب كذا (٢).\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (٢/ ٣٨٣).\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٢/ ٤٥٠).","vol":"1","page":124},{"text":"ب- تعريفه في الاصطلاح:\nقال الشيخ سليمان بن عبدالله: \"هو الإقرار بأن الله تعالى رب كل شيء، ومالكه، وخالقه، ورازقه، وأنه هو المحيي والمميت، النافع الضار، المتفرد بإجابة الدعاء عند الاضطرار، الذي له الأمر كله، وبيده الخير كله، القادر على ما يشاء، ليس له في ذلك شريك\" (١).\nوقد أشار جمال الدين السرمري ﵀ إلى هذا المعنى، فمن ذلك قوله في بيان وحدانية الباري - ﷻ - بالخلق والرزق: \"فالله تعالى لم يخلق شيئًا فقدِر الخلق أن يعملوا مثله، فإنه تعالى أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض وأخرج به من كل الثمرات، ولا يقدر أحد من الخلق على فعل شيء من ذلك، وخلق الحيوانات والهوام وغير ذلك من ذوات الأرواح فلا يستطيع أحد من الخلق أن يعملوا مثلها ... فلا يمكنهم نقل نوع مخلوق من الحيوان والنبات والمعدن إلى آخر مخلوق\" (٢).\nوقال في موضع آخر في مقدمة (كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون): \"الحمد لله القدير الصانع، المعطي المانع، الضار النافع، المفرق الجامع، الخافض الرافع، الذي ليس لما قضاه دافع، ولا له في حكمه منازع\" (٣).\nوقال في موضع آخر في معرض كلامه على شروط العبودية: \"وإلقاء مقاليد الأمور كلها إليه، وأن يعترف له بالقدرة على جميع المخلوقات، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] ... \" (٤).\nوقال في في موضع آخر في معرض كلامه على نفي العدوى: \"فبطل أن يقال: حدث هذا المرض بالإعداء، وثبت أنه فعل الله تعالى، فَعَلَه بالقدرة والاختيار، إن شاء فعله مع ملابسته ذي الداء والعامة، وإن شاء فعله منفردًا عنه ابتداءً واستقلالًا ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٠ - ١٢١).\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٣٠ أ.\n(٣) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ١٩.\n(٤) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٣٨.","vol":"1","page":125},{"text":"[الأعراف: من الآية ٥٤]، ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] إنما قوله لشيء إذا أراد أن يكون أن يقول له: كن فيكون، لا راد لقضائه ولا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب\" (١).\nوقال في موضع آخر: \"والغرض هاهنا أنه لا يُمرض إلا الله، ولا يُعافي سواه، ولا يحيي ولا يميت إلا إياه، وهذه الأسباب التي تحصل منها التأثيرات من حمة وسقم كلها خلق من خلق الله، جارية بمشيئته وواقعة بإرادته، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين، وكل يجري لأجل مسمى ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا\" (٢).\n\nالمناسبة بين المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي:\nإن كل معاني لفظ الرب في اللغة صادقة على الله ﷾، فهو المالك لها، والسيد عليها، والمدبر لمصالحها، والقائم بحفظها، والمؤلف بينها، لا يشاركه فيها أحد من خلقه، تعالى\nالله الواحد الفرد الصمد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-108>المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الربوبية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-109>١ - أدلة توحيد الربوبية:</span>\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم، ونفى أن يكون الدليل العقلي متقدم عليها كما يزعم أهل الكلام، بل إنه أبطل دلالة العقل من القياس في الرب على معرفة الله، وقرر أنه لا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٥٧.\n(٢) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٣٦.","vol":"1","page":126},{"text":"العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحًا، يقول ﵀:\nويكفي سُواي أنه متمسك ... بتعليم علم المنطق السَّيئِ النَّشْرِ\nعقيدته أن الكتاب وسُنَّـ ... ـة النَّبي معًا ليسا دليلًا على أمْرِ\nولكن دليلُ الأمر والنَّهي عنده ... نتيجةُ أفكارٍ على عقله يحري\nوذاك دليلٌ في الشريعةِ باطِلٌ ... لأنّا عرفنا الله بالنَّقل لا الفِكْرِ\nومعرفةُ الرحمن بالعقل فِريَةٌ ... عليه وليس العُرْفُ بالشيء كالنُّكرِ\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو قول الأئمة في هذا الباب، فأما كون أن العقل لا يحصل له من القياس في الرب إلا السلب فقد قال شيخ الإسلام ﵀: \"لكن هذا القدر يعرف انتفاء غيره أن يكون إياه، وأما عينه فلا يعرف بمجوع تلك القضايا الكلية، فلا يحصل للعقل من القياس في الرب إلا العلم بالسلب، والعدم؛ إذا كان القياس صحيحًا. ولهذا جاءت الأمثال المضروبة في القرآن -وهي المقاييس العقلية- دالة على النفي في مثل قوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ ...﴾ الآية [الروم: ٢٨] ومثل قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ ...﴾ الآيات [النحل: ٧٦] وقوله:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ...﴾ الآية [الحج: ٧٣] وقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ ...﴾ الآية [الإسراء: ٤٢] وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [المؤمنون: من الآية ٩١] وأمثال ذلك من الأمثال -وهي القياسات- التي مضمونها نفي الملزوم لانتفاء لازمه، أو نحو ذلك؛ ولهذا كان الغالب على أهل القياس من أهل الفلسفة، والكلام، في جانب الربوبية: إنما المعارف السلبية\" (١).\nوأما أن الإيمان بوجود الله قد دلت عليه بعثة الأنبياء وآياتهم فقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"قال القاضي أبو يعلى في عيون المسائل: [مسألة] ومثبتو النبوات حصل لهم المعرفة بالله\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢/ ٦١ - ٦٢).","vol":"1","page":127},{"text":"تعالى بثبوت النبوة من غير نظر واستدلال في دلائل العقول، خلافًا للأشعرية في قولهم: لا تحصل حتى تنظر وتستدل بدلائل العقول ... وقال البيهقي في كتاب الاعتقاد ماذكره الخطابي أيضًا في \"الغنية عن الكلام وأهله\": وقد سلك بعض من بحث في إثبات الصانع وحدوث العالم طريق الاستدلال بمقدمات النبوة ومعجزات الرسالة، لأن دلائلها مأخوذة من طريق الحس لمن شاهدها، ومن طريق استفاضة الخبر لمن غاب عنها، فلما ثبتت النبوة صارت أصلًا في وجوب قبول ما دعا إليه النبي، وعلى هذا الوجه كان إيمان أكثر المستجيبين للرسول؛ وذكر قصة جعفر وأصحابه مع النجاشي، وقصة الأعرابي الذي قال: من خلق السماء، وغير ذلك. -ثم قال شيخ الإسلام-: وأما الطريقة التي ذكرها المتقدمون فصحيحة إذا حررت، وقد جاء القرآن بها في قصة فرعون فإنه كان منكرًا للرب، قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧) قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾ [الشعراء: ١٦ - ١٨]-إلى قوله-: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَالَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَالَ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي\nلَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ﴾ [الشعراء: ٢٣ - ٣٣] فهنا قد عرض عليه موسى الحجة البينة التي جعلها دليلًا على صدقه في كونه رسول رب العالمين، وفي أن له إلهًا غير فرعون يتخذه. وكذلك قال تعالى: ﴿فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ وَأَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [هود: من الآية ١٤] فبين أن المعجزة تدل على الوحدانية والرسالة\" (١).\nوقال في موضع آخر: \"قيل لابن عباس: بماذا عرفت ربك؟ فقال: من طلب دينه بالقياس لم يزل دهره في التباس، خارج عن المنهاج، ظاعنًا في الاعوجاج، عرفته بما عرف به نفسه،\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١١/ ٢٧٧ - ٢٧٩).","vol":"1","page":128},{"text":"ووصفته بما وصف به نفسه؛ فأخبر أن معرفة القلب حصلت بتعريف الله: وهو نور الإيمان، وأن وصف اللسان حصل بكلام الله: وهو نور القرآن\" (١).\nوقال ابن القيم: \"وهذه الطريق -يعني دلالة بعثة الأنبياء وآياتهم على وجود الله- من أقوى الطرق وأصحها وأدلها على الصانع وصفاته وأفعاله، وارتباط أدلة هذه الطريق بمدلولاتها أقوى من ارتباط الأدلة العقلية الصريحة بمدلولاتها، فإنها جمعت بين دلالة الحس والعقل، ودلالتها ضرورية بنفسها، ولهذا يسميها الله آيات بينات\" (٢).\nوبيان هذا الدليل من وجهين:\nالوجه الأول: الآيات والبراهين -وهي المعجزات:\nمن المعلوم أن الرسول إذا جاء قومه وادعى أنه رسول الله يُوحَى إليه بأنه لا إله إلا الله، أيده الله وصدقه بآية، فههنا أمور:\nالأول: دعواه أنه رسول.\nالثاني: أن الله هو الذي أرسله سواء كان المُخاطَب يقر بوجوده أو لا يقر.\nالثالث: أنه مرسل لدعوة الناس إلى إفراد الله بالألوهية.\nفإذا جاء الرسول بآية وهي العلامة التي تدل على صدقه ثبتت الرسالة وكذلك الربوبية ضمنًا.\nالوجه الثاني: العلوم والأحكام المتضمنة لمصالح الخلق التي جاءوا بها:\nأولا: العلوم:\nلا يُعقل أن يتحدث الإنسان ويخبر بأشياء غيبية ويصدق فيها دائمًا دون تردد، ودون أن يجرب عليه كذب إلا إذا كان مُوحى إليه، فيدل ذلك على صدقه في الرسالة، وعلى وجود الخالق سبحانه، لأنه هو الذي أطلعه على ذلك.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢/ ١٨).\n(٢) الصواعق المرسلة على الجهمية والمعطلة (٣/ ١١٩٧).","vol":"1","page":129},{"text":"ثانيًا: الأحكام المتضمنة لمصالح الخلق:\nفقد تضمنت شريعة النبي - ﷺ - أمورًا عظيمة، يقطع الإنسان أنها لا يمكن أن تكون إلا من خالق عليم حكيم (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-110>٢ - أثر توحيد الربوبية وثمراته:</span>\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ أثر توحيد الربوبية وثمراته على العبد مما يبين أهمية هذه المسألة.\nومن أمثلة ذلك ما ذكره في أول دواء الهم والغم والحزن فقال: \"وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعًا من الدواء فإن لم يقوى على إذهاب الهم والغم والحزن فهو ذا قد استحكم وتمكنت أسبابه ويحتاج إلى استفراغ كلي: الأول: توحيد الربوبية ... \" (٢).\nوقال في موضع آخر في بيان أن السحر أكثر ما يصيب ضعيف التوحيد: \"وعند السحرة إنما يتم سحرهم في القلوب الضعيفة المنفعلة والنفوس الشهوانية التي معلقة بالسّفليات، ولهذا\nغالب ما يؤثر في النساء والصبيان والجهال وأهل البوادي، ومن ضعف حظه من الدين والتوكل والتوحيد ... \" (٣).\nوقال في موضع آخر في أن التوحيد من أعظم الوسائل إلى الله تعالى: \"فالاعتراف بالعبودية والإخلاص في الخضوع والذل وإظهار الفقر والحاجة من أعظم الوسائل إلى الله تعالى\" (٤).\n_________\n(١) منهج أهل السنة والجماعة ومنهج الأشاعرة في توحيد الله (١/ ٢٩٢ - ٢٩٧)، لخالد بن عبداللطيف بن محمد نور، مكتبة الغرباء الأثرية، المدينة النبوية.\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.\n(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٤ ب.\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٤٦ ب.","vol":"1","page":130},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-111>٣ - مسألة تسلسل الحوادث:</span>\nوهذه المسألة من المسائل الطويلة التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية مبينًا فيها بطلان مذهب الفلاسفة، وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، وهي مباحث عويصة قال عنها شيخ الإسلام: إنها من محارات العقول (١)، بل قال عن بعض مسائلها وفروعها: إنها من الكلام المذموم (٢)، ولا شك أن شيخ الإسلام خاض فيها مضطرًا؛ ليبين خطأ وضلال أولئك الذين خاضوا فيها مخالفين لمنهج الرسل -صلوات الله وسلامه عليهم-؛ وإلا فمسألة إثبات الصانع وحدوث المخلوقات من المسائل البدهية التي يعرفها عوام المسلمين.\nوقد اشتهر عن ابن تيمية أنه يقول بجواز حوادث لا أول لها، وتلقفها مناوئوه وحساده من أعداء مذهب السلف فرموه صراحة بأنه يقول بقدم العالم كالفلاسفة، وممن اتهمه بذلك تقي الدين السبكي، فإنه لما اطلع على كتابه \"منهاج السنة النبوية\" أنشد أبياتًا مدح فيها الكتاب إلا إنه ناقره بأبيات فيها مغالطات واتهامات مختصرة، ومما قال فيها:\n\"يحاول الحشو أنّى كان فهو له ... حثيث سيرٍ بشرقٍ أو بمغربه\nيرى حوادث لا مبدا لأولها ... في الله سبحانه عما يُظنّ به\" (٣)\n\nوكان قد كتب التقي السبكي قصيدته البائية المذكورة بعد وفاة شيخ الإسلام كما يدل عليه قوله:\nلو كان حيًّا يرى قولي ويسمعه رددتُ ما قال ردًا غير مشتبه\nفتصدى للتشنيع على شيخ الإسلام بذلك، والرد عليه بمثل البحر والقافية جمال الدين السرمري ﵀، ومما جاء فيها:\n_________\n(١) منهاج السنة النبوية (١/ ٢٠٧)، تحقيق: د. محمد رشاد سالم، الطبعة الأولى، مؤسسة قرطبة.\n(٢) المصدر السابق (١/ ١٣٣).\n(٣) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في \"طبقات الشافعية الكبرى\" (١٠/ ١٧٦)، تحقيق: د. محمود الطناحي ود. عبدالفتاح محمد الحلو، الطبعة الثانية ١٤١٣، دار هجر.","vol":"1","page":131},{"text":"\"أما حوادثُ لا مبدا لأوّلها ... فذاك من أغرب المحكي وأعجَبِهِ\nقصَّرت في الفهم فاقصر في الكلام فما ... ذا عُشُّك ادرُجْ فما صقرٌ كعُنْظُبِهِ (١)\nلو قلتَ قال كذا ثم الجواب كذا ... لبان مُخطِئُ قولٍ من مُصَوِّبِهِ\nأجْمَلْتَ قولًا فأجملتُ الجوابَ ولو ... فصَّلتَ فصَّلتُ تبيانًا لأغرَبِهِ\nإن قلتَ كان ولا علم لديه ولا ... كلام لا قدرةٌ أصلًا كفرتَ بهِ\nأو قلتَ أحدثها بعد استحالتها ... في حقه سَمْتُ نقصٍ ما احتججت بهِ\nوكيف يوجدها بعد استحالتها ... منه أيقدر ميتٌ رفع مَنْكِبِهِ\nأو قلتَ فعل اختيار منه ممتنع ... ضاهيتَ قول امرئ مُغوٍ بأنصُبِهِ\nولم يزل بصفات الفعل مُتَّصفًا ... وبالكلام بعيدًا في تقرُّبِهِ\nسبحانه لم يزل ما شاء يفعلُهُ ... في كلِّ ما زمن ما من معقِّبِهِ\nنوعُ الكلام كذا نوعُ الفعالِ قديـ ... ـم لا المعيَّنُ منه في ترتُّبِهِ\nوليس يفهمُ ذو عقلٍ مقارنة الـ ... ـمفعولِ مع فاعلٍ في نفس مَنْصبِهِ\nيُحبُّ يبغض يرضى ثم يغضب ذا ... من وصفه، أرضه، بُعدًا لِمُغضِبِه\nوالخلقُ ليس هو المخلوق تحسبه ... بل مصدر قائم بالنفس فادر به\nوقول كن ليس بالشيء المكوَّن والصـ ... ـغير يعرفُ هذا مع تلعُّبِهِ\nفالمصطفى قال كان الله قبل ولا ... شيء سواه تعالى في تحجُّبِهِ\" (٢).\n\nويمكن تلخيص المسألة كما يأتي:\nأولًا: مذاهب أهل القبلة في تسلسل الحوادث:\n١ - استدل المتكلمون بدليل حدوث العالم على توحيد الربوبية، وزعموا أن مساق دليلهم\n_________\n(١) العنظب: الجراد الذكر. انظر: لسان العرب (١/ ٦٣١).\n(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٨ - ٧٥.","vol":"1","page":132},{"text":"يقتضي:\nأ- القول بأن الفعل كان ممتنعًا على الله - ﷾ - ثم صار ممكنًا، لأنه لو قيل بجواز أن يكون قادرًا على الخلق قبل ذلك لأدى ذلك إلى صحة القول بقدم العالم، لأنه ما من زمن يفترض فيه خلق العالم إلا وجائز أن يقع الفعل قبله، لأن الله قديم -عندهم-، وهذا ممتنع - بزعمهم -.\nب- نفي عن الله تعالى أن تقوم به صفات الأفعال، لأنه لما قيل لهم: إن قولكم إن الله خالق العالم بعد أن لم يكن العالم موجودًا هو قول بحلول الحوادث به تعالى، أجابوا بمذهبهم المشهور: إن الخلق هو المخلوق، أما أهل السنة يقولون: إن الفعل غير المفعول؛ فيفرق أهل السنة بين ثلاثة أشياء: الخالق تعالى، وصفة الخلق التي قامت به تعالى كغيرها من الصفات، والمخلوق المنفصل عنه تعالى.\nوبناء على شبه المتكلمين في منع التسلسل، صارت أقوالهم في التسلسل في الآثار على قسمين:\n- منعه في الماضي والمستقبل، وهذا قول جهم والعلاف، وحجة هؤلاء أنه إذا كان ممتنعًا في الماضي فيجب أن يكون ممتنعًا في المستقبل، فقال الجهم: بفناء الجنة والنار، وقال العلاف:\nبفناء حركات أهلهما.\n- منعه في الماضي وتجويزه في المستقبل، وهذا القول المشهور عند أهل الكلام الذين يقولون بدوام نعيم الجنة (١).\n\n٢ - قال الفلاسفة: إن العلة التامة التي تسمى المؤثر يجب أن يقارنه معلوله في الزمان بحيث لا يتأخر عنه، وهذا سبب قولهم بقدم العالم (٢).\n_________\n(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ٩٩٦ - ٩٩٨)، د. عبدالرحمن المحمود، الطبعة الأولى ١٤١٥، مكتبة الرشد، الرياض.\n(٢) انظر: درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٠).","vol":"1","page":133},{"text":"ولما رأى الفلاسفة دليل المتكلمين في إثبات حدوث العالم اعترضوا عليهم بأن في ذلك -لم يكن قادرًا ثم صار قادرًا- ترجيحًا لأحد طرفي الممكن بلا مرجح، والترجيح لابد له من مرجح تام يجب به، ثم قالوا: والقول بوجود سبب يقتضي الترجيح يحتاج إلى سبب آخر وهكذا إلى غير نهاية فيلزم التسلسل وهو ممتنع عندكم، فوقع المتكلمون في مأزق لم يستطيعوا التخلص منه وقامت عليهم الشناعات في هذا الموضع، يقول شيخ الإسلام: \"وهذا قول أكثر المعتزلة والأشعرية وغيرهم: يقرون بالصانع المحدث من غير تجدد سبب حادث، ولهذا قامت عليهم الشناعات في هذا الموضع وقال لهم الناس: هذا ينقض الأصل الذي أثبتم به الصانع، وهو أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح؛ فإذا كانت الأوقات متماثلة، والفاعل على حال واحدة لم يتجدد فيه شيء أزلًا وأبدًا، ثم اختص أحد الأوقات بالحدوث فيه، كان ذلك ترجيحًا بلا مرجح\" (١).\n\n٣ - لما رأى شيخ الإسلام ابن تيمية بطلان مذهب الفلاسفة وأدلة المتكلمين حول إثبات الصانع وحدوث العالم، خاض فيها مضطرًا لبيان الحق في المسألة، فقال: \"والمقصود هنا أن\nهؤلاء المتكلمين الذين جمعوا في كلامهم بين حق وباطل، وقابلوا الباطل بباطل، وردوا البدعة ببدعة، لما ناظروا الفلاسفة وناظروهم في مسألة حدوث العالم ونحوها استطال عليهم الفلاسفة لما رأوهم قد سلكوا تلك الطريق التي هي فاسدة عند أئمة الشرع والعقل، وقد اعترف حذاق النظار بفسادها، فظن هؤلاء الفلاسفة الملاحدة أنهم إذا أبطلوا قول هؤلاء بامتناع حوادث لا أول لها، وأقاموا الدليل على دوام الفعل، لزم من ذلك قدم هذا العالم ومخالفة نصوص الأنبياء وهذا جهل عظيم، فإنه ليس للفلاسفة ولا لغيرهم دليل واحد عقلي صحيح يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء، وهذه مسألة حدوث العالم وقدمه، لا يقدر أحد من بني آدم أن يقيم دليلًا على قدم الأفلاك أصلًا، وجميع ما ذكروه ليس فيه ما يدل على قدم شيء بعينه من العالم\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ١٠٧).","vol":"1","page":134},{"text":"أصلًا، وإنما غايتهم أن يدلوا على قدم نوع الفعل، وأن الفاعل لم يزل فاعلًا، وأن الحوادث لا أول لها، ونحو ذلك مما لا يدل على قدم شيء بعينه من العالم، وهذا لا يخالف شيئًا من نصوص الأنبياء، بل يوافقها؛ وأما النصوص المتواترة عن الأنبياء بأن الله خلق السموات والأرض وما بينهما في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء، فكل ما سواه مخلوق كائن بعد أن لم يكن، فلا يمكن أحدًا أن يذكر دليلًا عقليًا يناقض هذا ... \" (١).\nوقال في موضع آخر: \"أنهم -أي المتكلمين- لما اعتقدوا أن هذا هو دين الإسلام أخذوا يحتجون عليه بالحجج العقلية المعروفة لهم، وعمدتهم التي هي أعظم الحجج، مبناها على امتناع حوادث لا أول لها، وبها أثبتوا حدوث كل موصوف بصفة، وسموا ذلك إثباتًا لحدوث الأجسام، فلزمهم على ذلك نفي صفات الرب - ﷿ -، وأنه ليس له علم ولا قدرة ولا كلام يقوم به، بل كلامه مخلوق منفصل عنه ... وكان ذلك مما سلط الدهرية القائلين بقدم العالم، لما علموا حقيقة قولهم وأدلتهم وبينوا فساده، ثم لما ظنوا أن هذا قول الرسول - ﷺ - واعتقدوا أنه باطل، قالوا: إن الرسول لم يبين الحقائق، سواء علمها أو لم يعلمها، وإنما خاطب الجمهور بما يخيل لهم وما ينتفعون به، فصار أولئك المتكلمون النفاة مخطئين في السمعيات والعقليات، وصار\nخطؤهم من أكبر أسباب تسلط الفلاسفة، لما ظن أولئك الفلاسفة الدهرية أنه ليس في هذا المطلوب إلا قولان: قول أولئك المتكلمين وقولهم؛ وقد رأوا أن قول أولئك باطل، فجعلوا ذلك حجة في تصحيح قولهم، مع أنه ليس للفلاسفة الدهرية على قولهم بقدم الأفلاك حجة عقلية أصلًا، وكان من أعظم أسباب هذا أنهم لم يحققوا معرفة ما بعث الله به رسوله - ﷺ - \" (٢).\nوموقف شيخ الإسلام ابن تيمية إجمالًا هو: جواز تسلسل المخلوقات في الماضي والمستقبل، وأنه تعالى لم يزل مريدًا، خالقًا، فاعلًا، فما من زمن يفترضه العقل حدًّا لابتداء الخلق إلا أمكنه أن يتصور قبله زمانًا وقع فيه الخلق، فيكون هذا الزمان الآخر سابقًا له،\n_________\n(١) درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٩ - ٢٨٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٨/ ٢٢٤ - ٢٢٥).","vol":"1","page":135},{"text":"وماتصوره العقل في الثاني يصدق عليه ما صدق على الأول، وهكذا إلى ما لا نهاية، مع القطع بأن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن (١).\n\nثانيًا: أقوال أهل السنة في تسلسل الحوادث:\nأما أقوال أهل السنة في المسألة فهي على ما يأتي:\nالقول الأول: أن جنس الحوادث لا أول له، وأن القول بأن جنس الحوادث له أول يلزم منه أنه سبحانه كان معطلًا عن الصنع في الماضي -تعالى عن ذلك-، فصفة الخلق لابد لها من مفعول، وأنه كما أن صفة الكلام قديمة النوع حادثة الآحاد فكذلك صفة الخلق قديمة النوع حادثة الآحاد، وأن من عسر عليه فهم هذا فليعتبر بما لا يزال يخلق في الجنة من أنواع النعيم كقوله تعالى: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥] فثمرها الذي يؤكل لا ينقطع، ثمرة بعد ثمرة، وإن كان أعيان الثمار فانيًا، فكذلك جنس الحوادث لا أول له وإن كان أعيانها حادثة، وأن الأحاديث الواردة في أول الخلق المقصود فيها هو: أول هذا العالم المشهود لا جنس الحوادث، وذهب إلى هذا شيخ الإسلام ابن تيمية، وابن القيم فقال:\n\"والآخرون أولو الحديث كأحمد ... ذاك ابن حنبل الرضى الشيباني\nقد قال إن الله حقًا لم يزل ... متكلمًا إن شاء ذو إحسان\nجعل الكلام صفات فعل قائم ... بالذات لم يفقد من الرحمن\nوكذا نص على دوام الفعل بالـ ... إحسان أيضًا في مكان ثان\nوكذا ابن عباس فراجع قوله ... لما أجاب في مسائل القرآن\nوكذا جعفرٌ الإمام الصادق الـ ... ـمقبول عند الخلق ذي العرفان\nقد قال لم يزل المهيمن محسنًا ... برًا جوادًا عند كل أوان\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٨/ ٢١٠ - ٢٤٣)؛ النبوات ص ٤٣، المطبعة السلفية، ١٣٨٦، القاهرة؛ درء تعارض العقل والنقل (٨/ ٢٧٠).","vol":"1","page":136},{"text":"وكذا الإمام الدرامي فإنه ... قد قال ما فيه هدى الحيران\nقال الحياة مع الفعال كلاهما ... متلازمان فليس يفترقان\nصدق الإمام فكل حي فهو فعا ... ل وذا في غاية التبيان\nإلا إذا ما كان ثم موانع ... من آفة أو قاسر الحيوان\nوالرب ليس لفعله من مانع ... ما شاء كان بقدرة الديان\nومشيئتة الرحمن لازمة له ... وكذاك قدرة ربنا الرحمن\nهذا وقد فطر الإله عباده ... أن المهيمن دائم الإحسان\nأولست تسمع قول كل موحد ... يا دائم المعروف والسلطان\nوقديم الإحسان الكثير ودا ... ئم الجود وصاحب الغفران\nمن غير إنكار عليهم فطرة ... فطروا عليها لا تواص ثان\nأو ليس فعل الرب تابع وصفه ... وكماله أفذاك ذو حدثان\nوكماله سبب الفعال وخلقه ... أفعالهم سبب الكمال الثاني\nأو ما فعال الرب عين كماله ... أفذاك ممتنع على المنان\nأزلًا إلى أن صار فيما لم يزل ... متمكنًا والفعل ذو إمكان\nتالله قد ضلت عقول القوم إذ ... قالوا بهذا القول ذي البطلان\nماذا الذي أضحى له متجددًا ... حتى تمكن فانطقوا ببيان\nوالرب ليس معطلًا عن فعله ... بل كل يوم ربنا في شان (١)\nإلى أن قال:\nهذا وما دون المهيمن حادث ... ليس القديم سواه في الأكوان\nوالله سابق كل شيء غيره ... ما ربنا والخلق يقترنان (٢)\n_________\n(١) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٤٥ - ٣٤٦)، لأحمد بن عيسى، الطبعة الثالثة ١٤٠٦، المكتب الإسلامي، بيروت.\n(٢) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٥٣).","vol":"1","page":137},{"text":"ثم قال:\nفلئن زعمتم أن ذاك تسلسل ... قلنا صدقتم وهو ذو إمكان\nكتسلسل التأثير في مستقبل ... هل بين ذينك قط من فرقان\nوالله ما افترقا لذي عقل ولا ... نقل ولا نظر ولا برهان\nفي سلب إمكان ولا في ضده ... هذي العقول ونحن ذو أذهان\nفليأت بالفرقان من هو فارق ... فرقًا يبين لصالح الأذهان\nوكذاك سوى الجهم بينهما كذا ... العلاف في الانكار والبطلان\nولأجل ذا حكما بحكم باطل ... قطعًا على الجنات والنيران\nفالجهم أفنى الذات والعلاف ... للحركات أفنى قاله الثوران\nوأبو علي وابنه الأشعري ... وبعده ابن الطيب الرباني\nوجميع أرباب الكلام الباطل الـ ... مذموم عند أئمة الإيمان\nفرقوا وقالوا ذاك فيما لم يزل ... حق وفي أزل بلا إمكان\nقالوا لأجل تناقض الأزلي والـ ... أحداث ما هذان يجتمعان\nلكن دوام الفعل في مستقبل ... ما فيه محذور من النكران\nفانظر إلى التلبيس في ذا الفرق تر ... وريجًا على العوران والعميان\nما قال ذو عقل بأن الفرد ذو ... أزل لذي ذهن ولا أعيان\nبل كل فرد فهو مسبوق بفر ... د قبله أبدًا بلا حسبان\nونظير هذا كل فرد فهو ملـ ... ـحوق بفرد بعده حكمان\nالنوع والآحاد مسبوق وملـ ... ـحوق وكل فهو منها فان\nوالنوع لا يفنى أخيرًا فهو لا ... يفنى كذلك أولًا ببيان\" (١).\nوممن قال بهذا القول جمال الدين السرمري ﵀ كما تقدم، وغيرهم.\n_________\n(١) توضيح المقاصد في شرح قصيدة الإمام ابن القيم (١/ ٣٦٨ - ٣٦٩).","vol":"1","page":138},{"text":"وأما الفرق بين هذا القول وقول الفلاسفة فمن وجوه:\nمنها: أن أصحاب هذا القول يقررون أن الله متصف بصفات الكمال، كالعلم والإرادة والقدرة والخلق والكلام وغيرها، أما الفلاسفة فينكرون هذه الصفات جميعها، وهذا غاية التعطيل والنقص، ولذلك آلت أقوالهم في التسلسل إلى القول بقدم العالم، وإذا أقروا بوجود الله سموه علة فاضت منها نفوس وعقول وأفلاك بلا إرادة منه، إلى غير ذلك من أقوالهم الفاسدة.\nومنها: أن الفلاسفة لم يفرقوا بين الآحاد والنوع في المفعولات، وقالوا بقدم الآحاد، وهذا هو التسلسل الباطل الممتنع.\nومنها: أنه يلزم على قول الفلاسفة أن لا يحدث في العالم شيء، وهذا باطل مخالف للمحسوس، وقولهم: إن الفلك أزلي مقارن لفاعله بالزمان، وهذا باطل لأن الخالق لابد أن يتقدم على مخلوقة (١).\n\nالقول الثاني: منع تسلسل الحوادث في الماضي، وأنه لا يلزم من هذا القول أنه كان معطلًا عن الصنع، فليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق، ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري، وأن القول بأن جنس الحوادث لا أول لها يلزم منه القول بأن أعيان الحوادث لا أول\nلها، فإن الجملة ليست شيئًا أكثر من الأفراد مجتمعة (٢)، وأن الكلام في أن جنس الحوادث لا أول لها دون الأعيان شبيه بالفلسفة وعلم الكلام، وممن ذهب إلى هذا القول -منع تسلسل الحوادث في الماضي- الشيخ الألباني ﵀ في تعليقه على حديث «إن أول شيء خلق الله تعالى القلم» فقال: \"وفيه ردٌّ أيضًا على من يقول بحوادث لا أول لها، وأنه ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بمخلوق قبله، وهكذا إلى ما لا بداية له، بحيث لا يمكن أن يقال: هذا أول مخلوق، فالحديث يبطل هذا القول، ويعين أن القلم هو أول مخلوق، فليس قبله قطعًا أي\n_________\n(١) انظر: موقف ابن تيمية من الأشاعرة (٣/ ١٠٠٣ - ١٠٠٤)\n(٢) انظر: ابن تيمية السلفي ص ١٢٢، ١٢٧ - ١٢٨، لمحمد خليل هراس، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":139},{"text":"مخلوق؛ ولقد أطال ابن تيمية ﵀ في الكلام في رده على الفلاسفة محاولًا إثبات حوادث لا أول لها، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنه يقول بأن المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنه يقول ويصرح بأن ما من مخلوق إلا وهو مسبوق بالعدم، ولكنه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له، كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بل مرفوض بهذا الحديث، وكم كنا نود أن لا يلج ابن تيمية ﵀ هذا المولج، لأن الكلام فيه شبيه بالفلسفة وعلم الكلام الذي تعلمنا منه التحذير والتنفير منه، ولكن صدق الإمام مالك ﵀ حين قال: ما منا من أحد إلا رَدَّ ورُدَّ عليه إلا صاحب هذا القبر - ﷺ - \" (١).\nوقال في موضع آخر: \"قلت: ذكر الشارح هنا أن العلماء اختلفوا: هل القلم أول المخلوقات أو العرش؟ على قولين لا ثالث لهما، وأنا وإن كان الراجح عندي الأول، كما كنت صرحت به في تعليقي عليه ... فإني أقول الآن: سواء كان الراجح هذا أم ذاك، فالاختلاف المذكور يدل بمفهومه على أن العلماء اتفقوا على أن هناك أول مخلوق، والقائلون بحوادث لا أول لها، مخالفون لهذا الاتفاق، لأنهم يصرحون بأن ما من مخلوق إلا وقبله مخلوق، وهكذا إلى ما لا أول له، كما صرح بذلك ابن تيمية في بعض كتبه، فإن قالوا: العرش أول مخلوق، كما هو\nظاهر كلام الشارح، نقضوا قولهم بحوادث لا أول لها، وإن لم يقولوا بذلك خالفوا الاتفاق، فتأمل هذا فإنه مهم، والله الموفق\" (٢).\nولعل من الذين ذهبوا إلى هذا القول الإمام الطحاوي ﵀ كما رجح ذلك الإمام ابن أبي العز عند شرحه على قول الإمام الطحاوي: \"ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بإحداثه البرية استفاد اسم الباري\" (٣) يشير أنه موصوف بهذه الصفات وإن لم تظهر آثارها، وأنه لا يلزم من القول بأن جنس الحوادث لها أول أنه كان معطلًا عن الصنع، وهذا مخالف لقول\n_________\n(١) سلسلة الأحاديث الصحيحة (١/ ٢٥٨)، لمحمد ناصر الدين الألباني، مكتبة المعارف، الرياض.\n(٢) العقيدة الطحاوية شرح وتعليق ص ٢٠ - ٢١، لمحمد ناصر الدين الألباني.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٨٧.","vol":"1","page":140},{"text":"من يقول: أن صفة الخلق تستلزم المفعول.\n\nالقول الثالث: التوقف في المسألة، وأن هذه من الغيبيات التي لم يخبرنا الله تعالى عنها، وممن ذهبوا إلى هذا الشيخ ابن جبرين ﵀ فقال: \"ونتوقف عن تسلسل الحوادث في الماضي، ونقول: الأمر غيبٌ، ولم يخبرنا الله تعالى بشيء من ذلك، وليس لنا التدخل في هذه الأمور، لأنها من الأمور التي لا يضر جهلها، ولا يفيد علمها، وقد توقع في شيء من الحيرة والاضطراب، والمسلم عليه أن يقتصر على ما فيه فائدة له في العقيدة، وأنه يعتقد ما ينفعه، ويكون دافعًا له لمعرفة ربه بأسمائه وصفاته، وإلى التقرب إلى الله تعالى بموجب تلك الأسماء\" (١).\nهذا ما وقفت عليه من أقوال أهل السنة في مسألة تسلسل الحوادث، وقد قصدت توضيح الأقوال باختصار، وليس حصر القائلين.\nرأي الباحث في مسألة تسلسل الحوادث:\nلا ريب أن المسألة بتفصيلاتها ولوازمها دقيقة المنزع، وعرة المسلك، بعيدة الغور، إلا أن هناك أصلين من أقر بهما فقد برئ من البدعة، وهما مما أجمع عليه أهل السنة حتى المختلفون في\nبعض تفاصيل المسألة، وإنما وقع الخلاف في لوازم الأقوال أنها تقدح في أحد هذين الأصلين:\n١ - أن الله تعالى لم يزل مريدًا، خالقًا، فاعلًا، فلم يأت عليه زمن كان معطلًا فيه عن صفة الخلق؛ وهذا الأصل ضل فيه المتكلمون.\n٢ - أن أعيان الحوادث مخلوقة كائنة بعد أن لم تكن؛ وهذا الأصل ضل فيه الفلاسفة.\n_________\n(١) الرياض الندية على شرح العقيدة الطحاوية (١/ ٤٥٤)، تعليق: د. عبدالله عبدالرحمن الجبرين، الطبعة الأولى ١٤٣١، دار الصميعي، الرياض.","vol":"1","page":141},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-112>المبحث الثاني\nمنهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-113>المطلب الأول: تعريف توحيد الألوهية وخصائصه:</span>\nأ- تعريفه لغة: توحيد الألوهية مركب من كلمتين: \"توحيد\" وتقدم تعريفها، و\"الألوهية\" وهي مأخوذة من إله كفعال بمعنى مألوه أي معبود، وكل ما اتُّخذ معبودًا إلهٌ عند متخذه، ومنه قرأ بن عباس ﵄: ﴿ويذرك وإلاهَتَكَ﴾ بكسر الهمزة أي: وعبادتك، وكان يقول: إن فرعون كان يُعبد، ومنه اشتق -على الراجح- قولنا: الله (١).\nوالتأله: التنسك والتعبد قال رؤبة (٢):\nلله در الغانيات المُدَّهِ (٣) سبحن واسترجعن من تألهي (٤).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"والإله المعبود الذي تألهه القلوب، وكونه يستحق الإلهية مستلزم لصفات الكمال، فلا يستحق أن يكون معبودًا محبوبًا لذاته إلا هو، وكل عمل لا يراد به وجهه فهو باطل، وعبادة غيره وحب غيره يوجب الفساد، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط ص ١٦٠٣، تاج العروس من جواهر القاموس (٣٦/ ٣٢١)، للمرتضى الزبيدي، دار الهداية؛ لسان العرب (١٣/ ٤٦٧)، مختار الصحاح ص ٢٠، لمحمد الرازي، تحقيق: محمود خاطر، ١٤١٥، مكتبة لبنان، بيروت.\n(٢) هو: رؤبة -بضم أوله وسكون الواو بعدها- بن العجاج الراجز المشهور التميمي ثم السعدي، لين الحديث فصيح، مات بالبادية سنة ١٤٥. انظر: تقريب التهذيب ص ٢١١، لابن حجر العسقلاني، تحقيق: محمد عوامة، ١٤٠٦، دار الرشيد، سوريا.\n(٣) التمده: التمدح. انظر: الصحاح (٦/ ٢٢٤٩)، لإسماعيل الجوهري، تحقيق: أحمد عطار، الطبعة الرابعة ١٩٩٠ م، دار العلم للملايين، بيروت.\n(٤) الصحاح (٦/ ٢٢٢٤، ٢٢٤٩).","vol":"1","page":142},{"text":"آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٢] ... \" (١).\nهذا هو معنى الإله لغة وشرعًا.\n\nب- تعريفه في الاصطلاح:\nعرفه الشيخ عبدالرحمن بن سعدي ﵀ بتعريف جامع، ذكر فيه حد هذا التعريف، وتفسيره، وأركانه، فقال: \"أن يعلم العبد ويعترف على وجه العلم واليقين أن الله هو المألوه وحده، المعبود على الحقيقة، وأن صفات الإلهية ومعانيها ليست موجودة بأحدٍ من المخلوقات، ولا يستحقها إلا الله تعالى.\nفإذا عرف ذلك واعترف به حقًا أفرده بالعبادة كلها الظاهرة والباطنة، فيقوم بشرائع الإسلام الظاهرة كالصلاة والزكاة والصوم والحج والجهاد والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وبر الوالدين وصلة الأرحام وقيام بحقوق الله وحقوق خلقه، ويقوم بأصول الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ويقوم بحقائق الإحسان وروح الأعمال الصالحة والأخلاق الفاضلة، مخلصًا ذلك كله لله، لا يقصد به غرضًا من الأغراض غير رضا ربّه وطلب ثوابه، متابعًا في ذلك رسول الله - ﷺ -، فعقيدته ما دلّ عليه الكتاب والسنّة، وأعماله وأفعاله ما\nشرعه الله ورسوله، وأخلاقه وآدابه الاقتداء بنبيه - ﷺ - في هديه وسمته وكل أحواله\" (٢).\nوقال الشيخ حافظ الحكمي ﵀ في منظومته:\n\"هذا وثاني نوعي التوحيد إفراد رب العرش عن نديد\nأن تعبد الله إلهًا واحدًا معترفًا بحقه لا جاحدًا\" (٣).\n_________\n(١) اقتضاء الصراط المستقيم، تحقيق: د. ناصر العقل، الطبعة السابعة ١٤١٩، دار عالم الكتب، بيروت.\n(٢) الحق الواضح المبين في شرح توحيد الأنبياء والمرسلين ص ١١٢ - ١١٣، لعبدالرحمن السعدي، الطبعة الثانية ١٤٠٧، دار ابن القيم، الدمام.\n(٣) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (١/ ٣١)، لحافظ الحكمي، تحقيق: عمر بن محمود، الطبعة الأولى ١٤١٠، دار ابن القيم.","vol":"1","page":143},{"text":"جـ- خصائص توحيد الألوهية:\n١ - أنه الغاية من خلق الثقلين الجن والإنس كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: ٥٦].\nفتوحيد العبادة غاية محبوبة لله تعالى لأجلها خلق الثقلين.\n٢ - أنه المقصود الأعظم من إرسال الرسل وإنزال الكتب وهو مفتاح دعوتهم وزبدة رسالتهم، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [النحل: ٣٦]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥]، وأخبر عن رسله نوح، هود، صالح، شعيب، أنهم قالوا لقومهم: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: من الآيات ٥٩، ٦٥، ٧٣، ٨٥ / هود: من الآيات ٥٠، ٦١، ٨٤ / المؤمنون: من الآيات ٢٣، ٣٢].\n٣ - أنه أول واجب على المكلف فإن توحيد الألوهية هو معنى لا إله إلا الله، وهي أول دعوة الرسل، ولهذا قال النبي - ﷺ - لمعاذ بن جبل - ﵁ - حين بعثه إلى اليمن: «إنك تقدم على قومٍ\nأهل كتاب، فليكن أول ما تدعوهم إليه عبادة الله ...» (١).\nقال ابن أبي العز: \"ولهذا كان الصحيح أن أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله، لا النظر، ولا القصد إلى النظر، ولا الشك، كما هي أقوال أرباب الكلام المذموم، بل أئمة السلف كلهم متفقون أن أول ما يؤمر به العبد الشهادتان ... \" (٢).\n٤ - أن الشارع احتاط لهذا التوحيد أعظم الحيطة عن كل قول وفعل وقصد يكون شركًا أو\n_________\n(١) رواه البخاري (٢/ ١١٩) ح ١٤٥٨، كتاب الزكاة، باب لا تؤخذ كرائم أموال الناس في الصدقة، تحقيق: محمد الناصر، الطبعة الأولى ١٤٢٢، دار طوق النجاة.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧.","vol":"1","page":144},{"text":"وسيلة إلى الشرك، كالرياء والحلف بغير الله والطيرة وبناء المساجد على القبور والعكوف عندها، وكذلك الألفاظ التي توهم الندية بين الله وبعض خلقه؛ كل ذلك حياطة لجناب التوحيد ورعاية له.\nفهذا النوع من التوحيد له أهمية عظيمة، قال الشيخ سليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب: \"وهذا التوحيد، هو أول الدين وآخره، وباطنه وظاهره، وهو أول دعوة الرسل وآخرها، وهو معنى قول (لا إله إلا الله) ... ولأجل هذا التوحيد خلقت الخليقة، وأرسلت الرسل، وأنزلت الكتب، وبه افترق الناس إلى مؤمنين وكفار، وسعداء أهل الجنة، وأشقياء أهل النار ... \" (١).\nوقال الشيخ عبدالرحمن السعدي ﵀: \"يكاد القرآن أن يكون كله لتقرير التوحيد ونفي ضده، وأكثر الآيات يقرر الله فيها توحيد الإلهية وإخلاص العبادة لله وحده لا شريك له، ويخبر أن جميع الرسل تدعو قومها إلى أن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئًا، وأن الله تعالى إنما خلق الجن والإنس ليعبدوه، وأن الكتب والرسل اتفقت على هذا الأصل الذي هو أصل الأصول كلها، وأن من لم يدن بهذا الدين الذي هو إخلاص العمل لله فعمله باطل ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزُّمَر: من الآية ٦٥]، ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: من الآية ٨٨].\nويدعو العباد إلى ما تقرر في فطرهم وعقولهم، من أن المنفرد بالخلق والتدبير والمتفرد بالنعم الظاهرة والباطنة هو الذي لا يستحق العبادة إلا هو، وأن سائر الخلق ليس عندهم خلق ولا نفع ولا دفع، ولن يغنوا عن أحد من الله شيئًا، ويدعوهم أيضًا إلى هذا الأصل بما يمتدح به ويثني على نفسه الكريمة، من تفرده بصفات العظمة والمجد والجلال والكمال، وأن من له هذا الكمال المطلق الذي لا يشاركه فيه مشارك أحق من أخلصت له الأعمال الظاهرة والباطنة.\nويقرر هذا التوحيد بأنه هو الحاكم وحده فلا يحكم غيره شرعًا ولا جزاء ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد (١/ ١٢٤ - ١٢٥).","vol":"1","page":145},{"text":"لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [يوسف: من الآية ٤٠].\nوتارة يقرر هذا بذكر محاسن التوحيد وأنه الدين الواجب شرعًا وعقلًا وفطرة على جميع العبيد، وبذكر مساوئ الشرك وقبحه، واختلال عقول أصحابه بعد اختلال أديانهم وتقليب أفئدتهم وكونهم في شك وأمر مريج.\nوتارة يدعو إليه بذكر ما رتب عليه من الجزاء الحسن في الدنيا والآخرة والحياة الطيبة في الدور الثلاث، وما رتب على ضده من العقوبات العاجلة والآجلة، وكيف كانت عواقبهم أسوأ العواقب وشرها.\nوبالجملة: فكل خير عاجل وآجل فإنه من ثمرات التوحيد، وكل شر عاجل وآجل، فإنه من ثمرات ضده، والله أعلم\" (١).\n_________\n(١) القواعد الحسان لتفسير القرآن ص ٢٠ - ٢١، لعبدالرحمن السعدي، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مكتبة الرشد، الرياض.","vol":"1","page":146},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-114>المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الألوهية:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-115>١ - إثبات توحيد العبادة:</span>\nأثبت جمال الدين السرمري ﵀ في مؤلفاته توحيد العبادة، فقال في معرض كلامه عن أدوية الهم والغم والحزن: \"وهذه الأدوية تتضمن خمسة عشر نوعًا -وذكر منها-:\nالثاني: توحيد الإلهية.\nالسابع: الاستعانة به وحده.\nالتاسع: تحقيق التوكل عليه\" (١).\nوقال في موضع آخر في معرض كلامه على فضل الترياق بسورة الفاتحة: \"المتضمنة لجميع معاني كتب الله، المشتملة على ذكر أصول أسماء الرب ومجامعها وهي: الله، والرب، والرحمن؛ وإثبات المعان، وذكر التوحيدين: توحيد الربوبية، وتوحيد الإلهية، وذكر الافتقار إلى الرب سبحانه في طلب الإعانة وطلب الهداية، وتخصيصه سبحانه بذلك، وذكر أفضل الدعاء على الإطلاق وأنفعه وأفرضه وأحوج العباد إليه وهو الهداية إلى الصراط المستقيم، المتضمن كمال\nمعرفته، وتوحيده، وعبادته ... \" (٢).\nوقال أيضًا في موضع آخر: \"فما تضمنه من إخلاص العبودية، والثناء على الله، وتفويض الأمر كله، والاستعانة به، والتوكل عليه، وسؤاله مجامع النعم كلها، وهي: الهداية التي تجلب النعم وتدفع النقم من أعظم الأدوية الشافية الكافية، وقيل: إن موضع الرقية منها قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الفاتحة: ٥] ولا ريب أن هاتين الكلمتين من أقوى أجزاء هذا الدواء، فإن فيهما من عموم التفويض والتوكل والإلتجاء والاستعانة والافتقار والقلب والاجماع بين أعلى الغايات: وهي عبادة الرب وحده، وأشرف الوسائل: وهي الاستعانة به على عبادته،\n_________\n(١) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.","vol":"1","page":147},{"text":"ما ليس في غيرها\" (١).\nوقال في موضع آخر في شرح حديث: «سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله ...» (٢): \"وأما مخفي الصدقة فلأنَّ النفس تحب الثناء العاجل، فإذا حسم النفس عن هذه المرتبة كان بالمنزلة التي وصفها الله تعالى، لأن ذلك إنما يحصل لذي الجأش القوي، والإيمان المتين ... وأما ذكر الله تعالى خاليًا فهو على حال عظيم، قال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: من الآية ٤٥] وإنما خصه هاهنا بالخلوة لأنه يكون في الخلوة عريًّا عن الرياء والسمعة، والبكاء حينئذ أفضل من البكاء في الملأ، لأنه خلا عن النفاق، وبعد عن الظنة، وتمحص لله تعالى جده، فلذلك عظم شأنه، قال الله تعالى: ﴿مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ (٣٣) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُلُودِ﴾ [ق: ٣٣ - ٣٤]، وقد ذكر النبي - ﷺ - جماعة لا تمسهم النار، منهم: «عين بكت من خشية الله - ﷿ -»، فإذا كانت عين بكت من خشية الله محرمة على النار في الجملة، فهذه التي لم يشب بكاءها ريبة أولى من أن تكون من\nربها قريبة، وكذلك سائر أعمال النوافل، كلما أُخفي منها كان أعظم أجرًا، لأنه النفس تسلم حينئذ من عجب ورياء، ولأن القلب يكون بالعبادة في الخلوة أشغل، وإلى الخشوع والخضوع بين يدي الرب تعالى أميل\" (٣).\nوقال في موضع آخر أن إخلاص الخضوع من أعظم الوسائل إلى الله تعالى: \"فالاعتراف بالعبودية والإخلاص في الخضوع والذل وإظهار الفقر والحاجة من أعظم الوسائل إلى الله تعالى\" (٤).\n_________\n(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.\n(٢) رواه البخاري (١/ ١٣٣) ح ٦٦٠، كتاب الأذان، باب من جلس في المسجد ينتظر الصلاة، (٢/ ١١١) ح ١٤٢٣، كتاب الزكاة، باب الصدقة باليمين؛ ورواه مسلم (٢/ ٧١٥) ح ١٠٣١، كتاب الزكاة، باب فضل إخفاء الصدقة، تحقيق: محمد فؤاد عبدالباقي، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٦٤ - ٦٥.\n(٤) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٤٦ ب.","vol":"1","page":148},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-116>٢ - مسائل تنافي توحيد الألوهية:</span>\nتعرض جمال الدين السرمري ﵀ لبعض المسائل التي تنافي أصل توحيد الألوهية، أو تنافي كماله، مفصلًا في بعضها، ومكتفيًا بذكر الأدلة في أكثرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-117>أ- الطيرة:</span>\n- مفهوم الطيرة:\nقال النووي ﵀: \"الطيرة: فبكسر الطاء وفتح الياء على وزن العنبة، هذا هو الصحيح المعروف في رواية الحديث وكتب اللغة والغريب ... والتطير: التشاؤم، وأصله الشيء المكروه من قول أو فعل أو مرئي، وكانوا يتطيرون بالسوانح والبوراح (١)، فينفرون الظباء والطيور، فإن أخذت ذات اليمين تبركوا به، ومضوا في سفرهم وحوائجهم، وإن أخذت ذات الشمال رجعوا عن سفرهم وحاجتهم، وتشاءموا بها، فكانت تصدهم في كثير من الأوقات عن مصالحهم، فنفى الشرع ذلك وأبطله، ونهى عنه، وأخبر أنه ليس له تأثير بنفع ولا ضر\" (٢).\nوقال ابن عبدالبر: \"أصل التطير واشتقاقه عند أهل العلم باللغة والسير والأخبار هو: مأخوذ من زجر الطير، ومروره سانحًا أو بارحًا، منه اشتقوا التطير، ثم استعلموا ذلك في كل شيء من الحيوان وغير الحيوان، فتطيروا من الأعور والأعضب والأبتر ... \" (٣).\n- حكم الطيرة:\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ أن الطيرة محرمة، وأجاب عن الإشكال فيما جاء عن أبي هريرة وفيما جاء عن أنس ﵄ في صحة الطيرة، يقول جمال الدين السرمري\n_________\n(١) السانح: ما ولاك ميامنه، والبارح: ما ولاك مياسره. الصحاح في اللغة (١/ ٤٠٠).\n(٢) شرح صحيح مسلم (١٤/ ٣٨٢)، للإمام النووي، إعداد: علي عبدالحميد أبو الخير، الطبعة الخامسة ١٤٢٠، دار الخير، بيروت.\n(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٩/ ٢٨٢)، لابن عبدالبر، تحقيق: مصطفى العلوي ومحمد البكري، مؤسسة قرطبة.","vol":"1","page":149},{"text":"﵀ في سياق حديثه على النهي عن اعتقاد العدوى: \"وكذلك الطيرة التي هي قرينة العدوى ... وممن روى: «لا طيرة» ابن عباس، وأنس، وأبو هريرة، وغيرهم؛ وعن عمرو بن العاص عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «من أرجعته الطيرة من حاجة فقد أشرك» قالوا: فما كفارة ذلك يا نبي الله؟ قال: «أن يقول أحدهم: اللهم لا طير إلا طيرك ولا خير إلا خيرك، ولا إله غيرك، ثم يمضي في حاجته» ... وأما ما روي عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس»، فالجواب عنه: أن عائشة ﵂ طعنت عليه وبيَّنت تثبيت الحديث، وذنك أنها ذُكر لها قول أبي هريرة، فقالت: لم يحفظ أبو هريرة، ودخل علينا رسول الله - ﷺ - يقول: «قاتل الله اليهود، يزعمون أن الشؤم في الدار والمرأة والفرس» فسمع أبو هريرة آخر الحديث ولم يسمع أوله، وفي رواية: أن رجلين دخلا على عائشة فقالا: إن أبا هريرة يحدث عن النبي - ﷺ -: «إن الطيرة في ثلاث: في الدار والمرأة والفرس» فغضبت عائشة ﵂ غضبًا شديدًا، وقالت: والذي أنزل القرآن على أبي القاسم ما قاله، إنما قال: «أهل الجاهلية يتطيرون من ذلك»؛ فقد بينت عائشة وجه الحديث وسببه، وأن ذلك من قول اليهود والجاهلية، وبينت أن أبا هريرة لم يسمع أول الحديث.\nوقد تأول قوم حديث أبي هريرة في أن الشؤم في المرأة إذا كانت لا تلد أو سيئة الخلق، وفي\nالدار إذا كانت بعيد عن المسجد أو ضيقة وجيرانها جيران سوء، وفي الدابة إذا كانت تعضُّ أو ترفس أو كانت مربوطة للفخر والخيلاء، كما جاء في الحديث: «الخيل ثلاثة: لرجل أجر، ولرجل ستر، ولرجل وزر، فأما الذي عليه وزر فرجل ربطها فخرًا ورياءً وبطرًا لأهل الإسلام فهي له وزر» وأعظم الشؤم ما جرَّ لصاحبه الوزر، ولقوله - ﷺ -: «من سعادة المرء: المرأة الصالحة، والمسكن الصالح، والمركب الصالح، ومن شقوة المرء: المرأة السوء، والمسكن السوء، والمركب السوء».\nفأما ما روى أنس أن رجلًا جاء إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نزلنا دارًا فكثر فيها عددنا وكثرت فيها أموالنا، ثم تحولنا عنها إلى أخرى، فقلَّت فيها أموالنا، وقل فيها عددنا، فقال","vol":"1","page":150},{"text":"رسول الله - ﷺ -: «فذروها ذميمة»، فالجواب: أنه قال لهم: «فذروها ذميمة» لما كان استقر في أنفسهم في زمان الجاهلية من شؤم الدار، فأمرهم بالنقلة عنها ليزول ما توهموه في قلوبهم من أن الشؤم في المسكن وما لحقهم من الاستيحاش فيها، والتثاقل بها، يستعجلوا الراحة ويزول عنهم توقع البلاء الذي قد استشعروه من نزول الحوائج، وإن لم يكن لذلك في الحقيقة أصل، ولئلا يعتقدوا التشاؤم بالدار، ويفهم من قوله: «فذروها ذميمة» وعدم التصريح لهم والتعريف بذكر الشؤم أن ذلك قد كان قدَّره لهم بقوله: «لا عدوى ولا طيرة»، وكان سؤال السائل في ذلك على سبيل الاستفهام لما أشكل عليه وقوع النقص بسكن الدار الثانية دون الأولى ... وقال لصاحب الدار: «فذروها ذميمة» خوفًا عليه أن يقوى وهمه باستمرار النقص عليه بالمقام بها، فيؤدي ذلك إلى سوء اعتقاده فيما أخبره به أولًا أنه لا عدوى ولاطيرة\" (١).\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من تحريم التطير هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.\nقال ابن عبدالبر: \"من تطير فقد أثم، وإثمه على نفسه في تطيره لترك التوكل وصريح الإيمان، لأنه يكون ما تطير به على نفسه في الحقيقة، لأنه لا طيرة حقيقة ولا شيء إلا ما شاء\nالله في سابق علمه، والذي أقول به في هذا الباب تسليم الأمر لله - ﷿ - وترك القطع على الله بالشؤم في شيء ... قال الله تبارك اسمه: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ [التوبة: ٥١] وقال: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] فما قد خط في اللوح المحفوظ لم يكن منه بد، وليست البقاع ولا الأنفس بصانعة شيئًا من ذلك ... \" (٢).\nوقال ابن القيم ﵀: \"فالطيرة باب من الشرك، وإلقاء الشيطان وتخويفه ووسوسته\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٥٠ - ٦٦.\n(٢) التمهيد (٩/ ٢٨٥).","vol":"1","page":151},{"text":"يكبر ويعظم شأنها على من اتبعها نفسه، واشتغل بها، وأكثر العناية بها، وتذهب وتضمحل عمن لم يلتفت إليها، ولا ألقى إليها باله، ولا شغل بها نفسه وفكره، واعلم أن من كان معتنيًا بها، قائلًا بها، كانت إليه أسرع من السيل إلى منحدره، وتفتحت له أبواب الوساوس فيما يسمعه ويراه ويعطاه، ويفتح له الشيطان فيها من المناسبات البعيدة والقريبة في اللفظ والمعنى ما يفسد عليه دينه، وينكد عليه عيشه. . . \" (١).\nقال ابن رجب ﵀: \"والطيرة من أعمال أهل الشرك والكفر، وقد حكاها الله تعالى في كتابه عن قوم فرعون، قوم صالح، وأصحاب القرية التي جاءها المرسلون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-118>ب- التبرك الممنوع:</span>\n- مفهوم التبرك:\nالتبرك: مصدر تبرَّك يتبرَّك تبرُّكًا، وهو طلب البركة، والتبرك بالشيء طلب البركة\nبواسطته (٣).\nوأصل البركة: الثبوت واللزوم، قال ابن فارس ﵀: \"بَرَكَ: الباء والراء والكاف أصل واحد، وهو ثبات الشيء، ثم يتفرع فروعًا يقارب بعضها بعضًا\" (٤).\nوتطلق أيضًا على النماء والزيادة، جاء في كتاب جمهرة اللغة: \"يقال: لا بارك الله فيه: أي لا نمّاه\" (٥).\nوفي معجم مقاييس اللغة: \"قال الخليل: البركة من الزيادة والنماء\" (٦).\n_________\n(١) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة (٢/ ٢٢٩ - ٢٣٠)، لابن القيم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(٢) لطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص ١٤٢، لابن رجب الحنبلي، تحقيق: ياسين السواس، الطبعة الخامسة ١٤٢٠، دار ابن كثير، دمشق.\n(٣) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٣٠، لناصر الجديع، الطبعة الخامسة ١٤٢١، مكتبة الرشد، الرياض.\n(٤) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٢٧).\n(٥) جمهرة اللغة (١/ ٣٢٥)، لابن دريد، تحقيق: رمزي بعلبكي، الطبعة الأولى ١٩٨٧ م، دار العلم للملايين، بيروت.\n(٦) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢٣٠).","vol":"1","page":152},{"text":"وتطلق أيضًا على السعادة، قال الفراء في قوله تعالى: ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ [هود: من الآية ٧٣] قال: \"البركات: السعادة\" (١).\nوقال أبو منصور الأزهري بعد ذكره قول الفراء: \"وكذلك قوله في التشهد: (السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته)، لأن من أسعده الله بما أسعد به النبي ﵌ فقد نال السعادة المباركة الدائمة\" (٢)، وأما معنى السعادة فهي التوفيق للخير (٣).\nأما التبرك الممنوع: طلب حصول الخير بمقاربة شيء وملابسته بما لم يقم عليه دليل من الشرع.\n- صورة التبرك الممنوع:\nللتبرك الممنوع صور عديدة، لكن الصورة التي تطرق لها جمال الدين السرمري ﵀ هي: التبرك بقبور الصالحين، قال جمال الدين السرمري ﵀ بعد كلامه عن التداوي\nبالأتربة: \"وإذا كان هذا في هذه التربات فما ظنك بأطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق رسول الله ﵌، وقارنت رقيته باسم ربه وتفويض الأمر إليه ... وأبلغ من هذا ما رأيته من شيخنا الصالح تقي الدين محمد بن إبراهيم الخالدي (٤)، فإنه جاء إليّ يومًا ومعه قليل من طين من قبر الإمام أبي عبدالله أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، فقال لي: كنت في زيارة الإمام، وقد أخذت هذا من طين قبره، وهو مشدود في طرفي منديله، فقلت: ما تصنع به؟ فقال: أداوي به عيني، فإن لي مدة ما تشتكي عيني إلا أخذت من تراب قبره فاكتحلت به، فأبرأ بإذن الله؛ وأظن أنه أثر مثل هذا عن بعض أشياخه، فإذا كان تراب قبر الإمام أحمد يبرئ أمراض العين، فما ظنك بتراب قبر سيد الرّسل وأفضل الخلق عليه الصلاة\n_________\n(١) معاني القرآن (٢/ ٢٣)، لأبي زكريا الفراء، تحقيق: أحمد نجاتي ومحمد نجار وعبدالفتاح شلبي، دار المصرية، مصر.\n(٢) تهذيب اللغة (١٠/ ١٣١)، لأبي منصور الأزهري، تحقيق: محمد عوض مرعب، الطبعة الأولى ٢٠٠١ م، دار إحياء التراث العربي، بيروت.\n(٣) التبرك أنواعه وأحكامه ص ٢٥ - ٢٧، لناصر الجديع.\n(٤) تقدمت ترجمته في شيوخ السرمري.","vol":"1","page":153},{"text":"والسلام، فحينئذٍ إما أن يكون نفع هذه الأطيان بالطبع أو بالبركة الحاصلة فيها بمن أثر فيها أو بهما، فإن كان الأول فلا شك أن للبقاع من الأرض خواص ومنافع كالأتربة والمعادن وما يتولد فيها، إن كان الثاني فضيلة بركة النبي ﵌ أشهر وأظهر من أن يحتاج إلى أدلة، وكل ذلك إن كان منهما، وبركة الإمام أحمد قد ثبتت من غير وجهٍ في حياته وبعد وفاته ... \" (١).\nوقال في موضع آخر: \"فما ظنك بتربة هي أطيب تربة على وجه الأرض وأبركها، وقد خالطت ريق الرسول ﵌، وقارنت ريقه باسم ربه وتفويض الأمر إليه، ولا يستعب الشفاء ببعض الترب المضافة إلى بعض الأنبياء والصالحين والأئمة على هذا التقدير، فقد دخل علي بعض شيوخنا ببغداد، وكان في زيارة قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵀، وفي منديل الشيخ شيء مصرور، فقلت: ما هذا؟ فقال: شيء من تربة قبر الإمام أحمد، فقلت: ما يفعل به، فقال: اكتحلت به، فقلت: وهل يكتحل بالتراب؟ فقال: إني منذ سنين ما ترمد عيني إلا اكحلها بتراب قبره فتبرأ؛ وأظنه أثر مثل ذلك عن بعض شيوخه، وقد بعد عهدي\nبالحكاية\" (٢).\nوقد أعاد نفس الحكاية في موضع آخر بعد ذكره حديث «تربة أرضنا، بريقة بعضنا، تشفي سقيمنا، بإذن ربنا» فقال: \"وإذا كان قد تبرك بتراب قبر بعض صالحي أمته واستشفى به من الرمد ونحوه كما ذكرنا عن بعض مشائخنا أنه كان يستشفي من وجع عينيه بتراب قبر الإمام أحمد بن حنبل ﵁، فتراب أرض قبره فيها الأولى وأحرى أن يكون شفاء من كل داء، والله أعلم\" (٣).\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من فضل التداوي بتربة قبور الصالحين لتناله بركتهم غير صحيح، ومحل التبرك الممنوع في كلام جمال الدين السرمري ليس التداوي بالتراب، وإنما\n_________\n(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٥٦ ب - ١٥٧ أ.\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٣ أ.\n(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٥٨ ب.","vol":"1","page":154},{"text":"تفضيل تربة قبور الصالحين على سائر الأتربة بالتداوي، وهذا من التبرك الممنوع المخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من عدة أوجه:\nأ- أن هذا التبرك لم يرد فيه شيء عن النبي - ﷺ -، ولم ينقل عن الصحابة، ولا عمن تبعهم بإحسان، وإنما فعله بعض المتأخرين من غير دليل شرعي.\nب- أن ذلك ناشئ عن اعتقاد في ذات صاحب ذلك القبر أنها سبب للنفع، ولم يجعلها الله سببًا شرعيًا ولا قدريًا في هذا المسبب -الاستشفاء بها من الرمد-.\nج- أن في المنع من ذلك سدًا لذريعة الغلو في قبور الصالحين.\nقال العلامة حافظ الحكمي في الاستشفاء بتربة القبور: \"تربة القبور وما أكثر ما يستشفى بها لا شفاهم الله، واستعمالهم لها على أنواع: فمنهم من يأخذها ويمسح بها جلده، ومنهم من يتمرغ على القبر تمرغ الدابة، ومنهم من يغتسل بها مع الماء، ومنهم من يشربها، وغير ذلك، وهذا كله ناشئ عن اعتقادهم في صاحب ذلك القبر أنه ينفع ويضر، حتى عدوا ذلك الاعتقاد فيه إلى تربته، فزعموا أنها فيها شفاء وبركة لدفنه فيها، حتى إن منهم من يعتقد في تراب بقعة لم\nيدفن فيها ذلك الولي بزعمه، بل قيل له: إن جنازته قد وضعت في ذلك المكان، وهذا وغيره من تلاعب الشيطان بأهل هذه العصور، زيادة على من تلاعب بمن قبلهم، نسأل الله العافية\" (١).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما التمسح بقبر النبي - ﷺ - وتقبيله فكلهم -أي الفقهاء- كره ذلك ونهى عنه، وذلك لأنهم علموا ما قصده النبي ﵌ من حسم مادة الشرك، وتحقيق التوحيد وإخلاص الدين لله رب العالمين\" (٢).\nوقد أنكر الإمام أحمد إنكارًا شديدًا على من تمسح به طلبًا للبركة بله بمن يتبرك بتربة قبره: \"روى الخلال في أخلاق أحمد عن علي بن عبدالصمد الطيالسي قال: مسحت يدي على\n_________\n(١) معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول (٢/ ٤٩٨ - ٤٩٩).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٨٠).","vol":"1","page":155},{"text":"أحمد بن حنبل، ثم مسحت يدي على بدني وهو ينظر، فغضب غضبًا شديدًا وجعل ينفض يده، ويقول: عمن أخذتم هذا؟ وأنكره إنكارًا شديدًا\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-119>ج- التوسل الممنوع:</span>\n- مفهوم التوسل:\nقال ابن الأثير: \"هي في الأصل: ما يتوصل به إلى الشيء ويتقرب به، وجمعها وسائل، يقال: وَسَلَ إليه وسيلة وتَوَسَّل\" (٢).\nوقال ابن فارس: \"الواو والسين واللام كلمتان متباينتان جدًا.\nالأولى: الرغبة والطلب، يقال: وسل، إذا رغب، والواسل: الراغب إلى الله - ﷿ -، وهو في قول لبيد:\nبلى كل ذي دين إلى الله واسل\nومن ذلك القياس الوسيلة ... \" (٣).\nوقال الجوهري: \"الوسيلة: ما يتقرب به إلى الغير، والجمع الوسيل والوسائل، والتوسيل والتوسل واحد، يقال: وسل فلان إلى ربه وسيلة، توسل بوسيلة: أي تقرب إليه بعمل ... \" (٤).\nأما التوسل الممنوع: هو التقرب إلى الله - ﷻ - بوسيلة بدعية أو شركية.\n\n- صورة التوسل الممنوع:\nللتوسل الممنوع صور عديدة، لكن الصورة التي أشار لها جمال الدين السرمري ﵀\n_________\n(١) الآداب الشرعية (٢/ ٢٢٥)، لابن مفلح، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعمر القيام، الطبعة الثالثة ١٤١٩، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(٢) النهاية في غريب الحديث والأثر (٥/ ٤٠٢)، لابن الجزري.\n(٣) معجم مقاييس اللغة (٦/ ١١٠)، لابن فارس.\n(٤) الصحاح في اللغة (٥/ ١١٩)، للجوهري.","vol":"1","page":156},{"text":"هي:\nالتوسل بغير الله من المخلوقين، وذلك بأن يدعوهم ويستغيث بهم ويطلب منهم ما لا يقدر عليه إلا الله، ولو بزعم أنهم واسطة فيما يطلبه من الله، وهذا الصورة من التوسل هي من الشرك الأكبر، لأنها دعاء لغير الله والتجاء إليه فيه المهمات، وهي من صرف العبادة لغير الله كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الأحقاف: ٥].\nوفي هذا يقول جمال الدين السرمري في (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، وهي رؤى فيها الثناء على منهج ابن تيمية في الاعتقاد، وأنه سالك طريق النبي - ﷺ - وعلى قدمه، وقد ذكرها السرمري في سياق فضائله، وفي ذلك إشارة لتأييد السرمري لما جاء فيها، فلو كان يعتقد السرمري مخالفة المعاني العقدية التي تضمنتها هذه الرؤى لما ذكرها في سياق شمائله، قال جمال الدين السرمري في الرؤيا الرابعة: \"حدثني الشيخ الصالح شهاب الدين أبو العباس أحمد بن علي\nبن محمد الأنصاري البعلبكي الخياط قال: رأيت في المنام في أول شوال من سنة نيف وخمسين وسبعمائة بدمشق، وقد كنت أنكرت على بعض الفقراء التوسل بغير الله من المخلوقين، وكان قال: إني كنت مريضًا فاستغثت بالشيخ فلان والشيخ فلان فلم يجبني منهم أحد، فاستغثت بالشيخ فلان والشيخ فلان وسماهم، قال: فرأيت الشيخ فلانًا وهو راكب فيلًا والشيخ الآخر وهو راكب فرسًا، فقالا لي: قم، فقمت معافًا في الحال، قال: فقلت له: هذا خطأ منك، لو أنك استغثت بالله أصبت، فإن الشيخ فلانًا وغيره من المخلوقين لا يمكلون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فقال: أنت مالك اعتقاد في الفقراء؟ ! وجرى بيني وبينه في هذا الكلام، فرأيت تلك الليلة شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في النوم وهو يكلمني كلامًا خفيًا، فقلت: يا سيدي الشيخ والله ما أفهم ما تقول، فقال: هل عندك لوح؟ فقلت: نعم، وأتيته به، فكتب لي في سطرين، فأخذته وجعلت أنظر فيه، فما عرفت اقرأ شيئًا منه إلا قوله: صَحِّحْ تَصِحُّ، وبقيت مفكرًا فيه","vol":"1","page":157},{"text":"(...) (١)، ومضى علي هذا مدة نحو من خمسة وثمانين يومًا، فجرى بيني وبين فقير آخر شيء من الكلام من جنس ما جرى بيني وبين ذلك الرجل، فنمت تلك الليلة فرأيت الشيخ تقي الدين وهو على صورة طائر أخضر عظيم المنظر أكبر من الطاووس، فقال لي: يا فلان أما حفظت الذي كتبت لك، فعرفت أنه الشيخ تقي الدين، فقلت: يا سيدي والله ما حفظت منه إلا قولك: صحح تصح، فقال لي: قل:\nصحح تصح لك الأمور جميع ... إياك عن طرق الهداة تضيع\nوامحوا واثبت ما تحقق يا فتى ... إن الإله على القلوب طليع\nلا تصحبن الأرذلين فإنهم ... يوم التغابن جيلهم مقطوع (٢) \" (٣).\nوما أشار إليه جمال الدين السرمري ﵀ في هذه الرؤيا من منع التوسل بغير الله من المخلوقين هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا المسألة كما سيأتي بيانه.\nلكن الإشكال ورود في المقابل بعض الألفاظ الموهمة في كلام جمال الدين السرمري، والتي ظاهرها التوسل الممنوع بالنبي - ﷺ - وبآله - ﵃ - والاستعانة بهم في حصول المنفعة ودفع المضرة، كقوله في النبي - ﷺ -:\n\"يا خيرة الرسل ويا من له ... في حضرة القدس المحل الرفيع\nأنت المُرَجَّى لدفاع الأذى ... وكل خطب للبرايا فظيع\" (٤).\nوهذا غلو بالنبي - ﷺ -، بزعم أن دفع الأذى يكون بالتوسل بذاته - ﷺ -.\nوقد يكون تأثر في ذلك بالشيخ يحيى الصرصري (٥) ﵀، وبخاصة إذا رجحنا أن ثناء\n_________\n(١) كلمة غير واضحة.\n(٢) ذكرت هذه الأبيات أيضًا في آخر (جامع الرسائل لابن تيمية) المجموعة الأولى ص ٢٩٠، تحقيق: محمد رشاد سالم، ١٤٠٥، دار المدني، جدة.\n(٣) منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية (مخطوط) ورقة: ٢ ب. وقد ذكر ابن ناصر الدين الدمشقي أنه وجد بخط السرمري ستة منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية، انظر: الرد الوافر ص ٢٣٣، تحقيق: زهير الشاويش.\n(٤) المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ - (مخطوط) ورقة: ١ ب.\n(٥) هو يحيى بن يوسف بن يحيى الصرصري، الفاضل المادح الحنبلي الضرير البغدادي، معظم شعره في مدح رسول الله - ﷺ -، توفي سنة ٦٥٦. انظر: الذيل على طبقات الحنابلة (٤/ ٣٢)، البداية والنهاية (١٣/ ٢٤٤).","vol":"1","page":158},{"text":"السرمري العاطر للشيخ حسان في مقدمة منظومته (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد) أنه يقصد الصرصري (حسان السنة) (١)، وتخصيص السرمري للصرصري -على الراجح (٢) - بالذكر مع عدم إدراكه له، وتصريحه بأنه متبع لمنهاجه في الاعتقاد وأنه مقتفي أثره، يشعر بشدة تأثر السرمري به، يقول جمال الدين السرمري:\n\"فلولا مكان الشيخ حسان أصبحت ... مدينة سامراء في غاية الضر\nولولا خلال سدها لتعطلت ... رسوم الهدى واستوسقت دولة الشر (٣)\nهو العالم المرضي والقثم الذي ... يفتح أقفال المسائل بالسبر\" (٤).\nإلى أن قال:\n\"كفاني أني أنتمي بعقيدتي ... إليه وأني في طريقته أجري\" (٥).\n_________\n(١) وقد وصفه بـ (حسان السنة) عدد من العلماء، كابن القيم في \"اجتماع الجيوش الإسلامية على غزو المعطلة والجهمية\" ص ٢٠٠، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار الكتب العلمية، بيروت؛ وابن رجب في \"الذيل على طبقات الحنابلة\" (٤/ ٣٢)، وابن كثير في \"البداية والنهاية\" (٦/ ٣٣١)، وصديق حسن خان في \"التاج المكلل من جواهر مآثر الطراز الآخر والأول\" ص ٢٣٦، الطبعة الثانية ١٤٢٨، وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية، قطر؛ وقد يكون\n(٢) وقد يكون قصد السرمري بـ\"حسان\" هو شيخه (أبا محمد حسان بن أحمد السرّمرّي) وقد ذكره في موضعين من كتابه: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٧ ب، ٢٩٥ أ، ولم أقف له على ترجمه، والثناء الذي سيأتي ذكره في الأبيات يرجح أن يكون المقصود به \"حسان السنة: الصرصري\" كما سيأتي في التعليق على الأبيات.\n(٣) كان الصرصري ﵀ شديدًا في السنة، مدافعًا عنها، منحرفًا على المخالفين لها، وهو القائل:\nبالله يا أنصار دين محمد ... نوحوا على الدين الحنيف وعددوا\nلعبت بدينكم الروافض جهرة ... وتألبوا في دحضه وتحشدوا.\nوقد توفي ﵀ شهيدًا عند اجتياح التتار لبغداد، فقد دخل عليه التتار وكان ضريرًا، فطعن بعكّازه بطن أحدهم فقتله، ثم قُتل، وهو القائل:\nطوبى لمن قتلوه منّا إنّه ... أبدًا مع الشهداء حي يرزق. انظر: اجتماع الجيوش الإسلامية ص ٢٠٤، مقدمة تحقيق \"الدرة اليتيمة والمحجة المستقيمة\" للصرصري ص ٢٥، جاسم الدوسري، الطبعة الأولى ١٤٢٤، دار ابن حزم، بيروت.\n(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٧ - ٢٨.\n(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٢٨.","vol":"1","page":159},{"text":"وقد كان الصرصري ﵀، شديدًا في السنة، منحرفًا عن المخالفين لها، وشعره مملوء بذكر أصول السنة ومدح أهلها، وذم مخالفيها (١)، غير أنه له أبيات في التوسل والاستغاثة بالنبي - ﷺ - أنكرها العلماء، ومن ذلك قوله في النبي - ﷺ -:\n\"أنت جاري وعدّتي ونصيري وعمادي في شدتي ورخائي\nفأعني على زمان فظيع الخط ... ـب في أهله شديد العناء\nوأسألِ اللهَ حين تُعرض أعما ... لي عليك الغفران لي يا رجائي\" (٢).\nوقوله:\n\"نصحت له نصحًا برئيًا من القذى إذا شاب قومٌ نصحهم بالعبائث\nفقلتُ له إن رُمتَ أمنًا وعزة ... فعُذ من عوادي النائبات الكوارث\nبأفضل مبعوث إلى خير أمة ... بخير كتاب جاء من خير باعث\" (٣).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ولهذا أنكرنا على الشيخ يحيى الصرصري ما يقوله في قصائده في مدح الرسول - ﷺ - من الاستغاثة به مثل قوله: بك أستغيث وأستعين وأستنجد\" (٤)، والله أعلم بالصواب.\nومن الألفاظ الموهمة التي وردت في كلام جمال الدين السرمري قوله في آل بيت النبي - ﷺ -:\n\"عليهم سلامي ما حييت وإن أمت ... تحييهم عني عظامي من قبري\nهم عدتي في شدتي وذخيرتي ... لآخرتي مصباح ديني غنى فقري\" (٥).\nوهذا أيضًا من الغلو في آل بيت النبي - ﷺ -، فالعدة في الشدة، والذخيرة للآخرة ليست التوسل بذواتهم - ﵃ -، بل ظاهر هذا القول هو من قبيل قول المشركين: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا\n_________\n(١) وصفه بذلك ابن رجب في \"الذيل على طبقات الحنابلة\" (٤/ ٣٤).\n(٢) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢٥٩)، لليونيني، الطبعة الأولى ١٣٧٤، مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، حيدر اباد.\n(٣) ذيل مرآة الزمان (١/ ٢٦٦ - ٢٦٧).\n(٤) مجموع الفتاوى (١/ ٧٠).\n(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٤٤.","vol":"1","page":160},{"text":"لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزُّمَر: من الآية ٣].\nلكن لعل الإمام جمال الدين السرمري عفا الله عنه لم يرد هذا، وإنما قصد محبتهم التي هي من العمل الصالح، لا سيما أن هذه الألفاظ الموهمة جاءت في سياق نظم، والوزن أحيانًا يعيق عن الإفصاح.\nأما منهج أهل السنة والجماعة في هذه المسألة هو منع التوسل بغير الله من المخلوقين:\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وإن أراد بالواسطة: أنه لابد من واسطة في جلب المنافع ودفع المضار مثل: أن يكون واسطة في رزق العباد، ونصرهم، وهداهم، يسألونه ذلك، ويرجون إليه فيه، فهذا من أعظم الشرك الذي كفر الله به المشركين، حيث اتخذوا من دون الله أولياء وشفعاء، يجتلبون بهم المنافع ويجتنبون المضار\" (١).\nوقال الإمام العز بن عبد السلام: \"ومن أثبت الأنبياء وسواهم من مشايخ العلم والدين وسائط بين الله وبين خلقه كالحجّاب الذين بين الملك ورعيته، بحيث يكونون هم يرفعون إلى\nالله تعالى حوائج خلقه، وأن الله تعالى إنما يهدي عباده ويرزقهم وينصرهم بتوسطهم، بمعنى أن الخلق يسألونهم، وهم يسألون الله كما أن الوسائط عند الملوك يسألون الملك حوائج الناس لقربهم منهم، والناس يسألونهم أدبًا منهم أن يباشروا سؤال الملك، ولأن طلبهم من الوسائط أنفع لهم من طلبهم من الملك، لكونهم أقرب إلى الملك من الطلب، فمن أثبتهم وسائط على هذه الوجه فهو كافر مشرك يجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل، وهؤلاء مشبِّهون لله، شبهوا الخالق بالمخلوق، وجعلوا لله أندادًا ... \" (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١/ ١٢٣ - ١٢٤).\n(٢) التوسل أنواعه وأحكامه ص ٩٧، لمحمد ناصر الدين الألباني، تنسيق: محمد عيد عباسي، الطبعة الخامسة ١٤٠٦، المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":161},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-120>د- شد الرحال إلى القبور:</span>\n- تمهيد:\nزيارة القبور مشروعة، وكان رسول الله - ﷺ - قد نهى عنها أولًا من باب سد الذرائع، لأن الأمم السابقة فتنت بقبور أنبيائها وصالحيها حتى أوقعهم الشيطان كرات ومرات في هوة الشرك واتخاذهم أندادًا مع الله.\nفمن أجل صيانة لجانب التوحيد، وقطعًا للتعلق بالأموات، وسدًا لذريعة الشرك نهى رسول الله أولًا عن زيارة القبور، ولما رسخت عقيدة التوحيد في قلوب أصحابه الكرام وأمن عليهم الفتنة رخص لهم في زيارتها، وبين لهم الغاية من زيارتها وهي أنها تذكر الآخرة، هذه واحدة، والأخرى ليستفيد الأموات من دعاء إخوتهم الأحياء.\nوإذا كان الأمر كذلك، والهدف الأول وهو تذكر الآخرة أمر يتحقق بزيارة القبور القريبة والمجاورة، اكتفى الشارع الحكيم بالحد الأدنى الذي يحقق الغرض الشرعي مع تحفظات كثيرة\nتسد ذرائع الفتنة والشرك: منها أن لا تتخذ مساجد، ومنها أن لا يبنى عليها، ولا تجصص، ولا يصلى عليها، ولا إليها، وغير ذلك.\nولم يشرع أبدًا السفر إليها، لا بقوله ولا بفعله، وآية ذلك: أن هذا الأمر لم ينزل فيه قرآن، ولم يثبت فيه حديث من قول رسول الله - ﷺ - أو فعله، فلو كان مشروعًا لتحقق فيه كل ذلك، ولسنَّ لنا رسول الله - ﷺ - ذلك برحلات ورحلات إلى الأنبياء والصالحين، ولملئت الدواوين برحلات الصحابة الكرام والتابعين لهم بإحسان، ونحن نجد دواوين الإسلام من صحاح وسنن ومسانيد وكتب فقه السلف الصالح قد سجلت كل حقوق الأموات: من عيادتهم وهم مرضى، إلى غسلهم، وتشييعهم، ودفنهم، وزيارتهم، والدعاء لهم، والنهي عن الجلوس على قبورهم.\nكل هذا قد طفحت به دواوين الإسلام، خالية خلوًا كاملًا من حديث نبوي صحيح أو حسن، ومن أقوال الصحابة والقرون المفضلة، ومن أقوال أئمة الهدى من الحث على شد","vol":"1","page":162},{"text":"الرحال إلى القبور (١).\n- قول جمال الدين السرمري في المسألة:\nلما تطرقت البدع إلى أوساط المسلمين، وبدأوا يعتقدون في المشاهد والقبور والأضرحة والمزارات مالم ينزل الله به سلطانًا، من شد الرحال إليها والاستغاثة بأهلها، صارت هذه القضية مفروغًا من الكلام فيها عند العلماء، فضلًا عن العامة من الناس، واعتُبرت من القضايا الحساسة التي تستغل لإثارة غضب الجماهير ضد من يتكلم فيها.\nولكن شيخ الإسلام ابن تيمية الذي أشرب قلبه بالإيمان الخالص، والعقيدة الصحيحة، لما سُئل عن شد الرحال إلى غير المساجد الثلاثة حينما كان في القاهرة، فردّ عليه ردًا مستنبطًا من الكتاب والسنة، ونهى عنه استدلالًا بحديث النبي - ﷺ -: «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول - ﷺ - ومسجد الأقصى» (٢).\nفاستغل هذه الفتيا سنة ٧٢٦ القاضي المالكي الإخنائي (ت ٧٥٠) بعد صدورها ببضع عشرة سنة، وزاد فيها ونقص، ورماه بالتنقيص بمنزلة النبي - ﷺ -، وحرض السلطان عليه تقرّبًا إليه، وكسبًا لعواطف الجماهير من الناس أيضًا، وألف رسالة أسماها \"المقالة المرضية في الرد على من ينكر الزيارة المحمدية\"، فرد شيخ الإسلام على الإخنائي وغيره ممن رد عليه في هذه المسألة (مثل الزملكاني، والسبكي، وابن الحاج، وغيرهم) في عديد من كتبه، ومنها: \"الرد على الإخنائي واستحباب زيارة خير البرية الزيارة الشرعية\"، \"المنسك القديم والجديد\"، \"الجواب الباهر في زوار المقابر\" (٣)، فأوضح الحق في المسألة، ودحض الشبه التي كانت تشنع عليه، إلا أن السبكي عفا الله عنه أعاد التشغيب على ابن تيمية بعد موته في التعريض بهذه المسألة، فقال:\n_________\n(١) انظر: كشف زيف التصوف وبيان حقيقته وحال حملته ٢٠٦ - ٢٠٧، لربيع بن هادي المدخلي، الطبعة الأولى ١٤٢٧، مجالس الهدى، الجزائر.\n(٢) رواه البخاري (٢/ ٦٠) ح ١١٨٩، كتاب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة، باب فضل الصلاة في مسجد مكة والمدينة؛ ورواه مسلم (٢/ ١٠١٤) ح ١٣٩٧، كتاب الحج، باب لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد، بمثله.\n(٣) انظر: التعليق على \"الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية\" ص ٨٠ - ٨١، لصلاح الدين مقبول أحمد.","vol":"1","page":163},{"text":"\"لو كان حيًّا يرى قولي ويسمعه ... رددت ما قال ردًّا غير مشتبه\nكما رددت عليه في الطلاق وفي ... ترك الزيارة أقفو إثر سبسبه (١) \" (٢).\nفتصدى للتشغيب على شيخ الإسلام بذلك، والرد عليه جمال الدين السرمري ﵀، فقال:\n\"وفي الزيارة لم تُنْصف رددتَّ على ... ما لم يقلهُ ولم تَمرر بِسَبْسَبِه (٣)\nردًّا ملخصه أشياء أذكرها ... إما حديث ضعيف عند مطلبه\nإما صحيح ولكن لا دليل به ... على مُرادك بل هدم لمنصبه\nإما بمجمل لفظٍ قولُ خصمكَ من ... أقوى المقال به قسرًا وأصوبه\nإما بلا علم لي والجهل غايته ... أيعذر الشخص فيما لا أحاط به\nفأيُّ رد لعمري قد رَدَدْتَّ وما ... ذا قلتَ إذ قلتَ أقفو إثر سبسبه\nإن كان عندك في شد الرحال إلى الـ ... ـقبور نقل فعارضه بموكبه\nليعرف الحق من كان أخا نظر ... خالٍ من العلم ناءٍ عن تعصبه\nأنَّى وذلك كالعنقاء (٤) في عدم ... وكالسَّمندل (٥) يحكى مع تغيبه\nما أنت إلا كما قد قيل في مثل ... خالف لتعرف مشهور لِضُرَّبِهِ\nفشيخنا بصريح الحق حجته ... ونقد نقلك زيف في تقلبه\nفمن أحق بحق القول إن ظهر الـ ... إنصاف مرتفعًا من فوق مرقبه\" (٦).\n_________\n(١) السبسب: المفازة أو الأرض المستوية البعيدة. القاموس المحيط ص ١٢٣، ويقصد بـ\"أقفو إثر سبسبه\": أتتبع غرائبه وشوارده.\n(٢) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في \"طبقات الشافعية الكبرى\" (١٠/ ١٧٦).\n(٣) يشير إلى قول السبكي المتقدم آنفًا.\n(٤) العنقاء: طائر عظيم معروف الاسم مجهول الجسم. الصحاح في اللغة (٤/ ٢٢٠).\n(٥) السمندل: قيل: \"طائر إذا انقطع نسله وهرم ألقى نفسه في الجمر فيعود إلى شبابه\"، وقيل: \"هو دابة يدخل النار فلا تحرقه\". انظر: لسان العرب (١١/ ٣٤٨).\n(٦) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٨٠ - ٨٣.","vol":"1","page":164},{"text":"ويبين كلام السرمري ويؤيده قول العلامة ابن عبدالهادي في كتابه (الصارم المنكي في الرد على السبكي) من إهمال السبكي النظر في الحديث صحة وضعفًا، وإلزام شيخ الإسلام بما لا يلزم، فقال: \"فإني وقفت على الكتاب الذي ألفه بعض قضاة الشافعية في الرد على شيخ الإسلام تقي الدين أبي العباس أحمد ابن تيمية في مسألة شد الرحال وإعمال المطيّ إلى القبور، وذكر أنه كان قد سمّاه (شن الغارة على من أنكر سفر الزيارة) ثم زعم أنه اختار أن يسميه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام) فوجدت كتابه مشتملًا على تصحيح الأحاديث المضعفة والموضوعة، وتقوية الآثار الواهية والمكذوبة، وعلى تضعيف الأحاديث الصحيحة الثابتة والآثار القوية المقبولة، وتحريفها عن مواضعها، وصرفها عن ظواهرها بالتأويلات المستنكرة المردودة، ورأيت مؤلف هذا الكتاب المذكور رجلًا مماريًا معجبًا برأيه متبعًا لهواه\" (١).\nوما قرره جمال الدين السرمري هو قول الأئمة في هذه المسألة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأما السفر إلى قبور الأنبياء والصالحين فهذا لم يكن\nموجودًا في الإسلام في زمن مالك، وإنما حدث هذا بعد القرون الثلاثة، قرن الصحابة والتابعين وتابعيهم، فأما القرون التي أثنى عليها رسول الله - ﷺ - فلم يكن هذا ظاهرًا فيها، ولكن بعدها ظهر الإفك والشرك ... \" (٢).\nوقال في موضع آخر: \"وأما إذا كان قصده بالسفر زيارة قبر النبي دون الصلاة في مسجده فهذه المسألة فيها خلاف، فالذي عليه الأئمة وأكثر العلماء أن هذا غير مشروع، ولا مأمور به، لقوله - ﷺ - «لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى» \" (٣).\nوقال الشيخ سليمان بن عبدالوهاب تعليقًا على حديث: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا\n_________\n(١) الصارم المنكي في الرد على السبكي، ص ١٣.\n(٢) الجواب الباهر في زوار المقابر ص ٥٠، لابن تيمية، تحقيق: سليمان الصنيع وعبدالرحمن المعلمي، ١٤٠٤، الرئاسة العامة لإدارة البحوث العلمية والافتاء، الرياض.\n(٣) مجموع الفتاوى (٢٧/ ٢٦ - ٢٧).","vol":"1","page":165},{"text":"بيوتكم قبورًا، وصلوا علي فإن صلاتكم تبلغني حيث كنتم»: \"وفي الحديث دليل على منع شد الرحال إلى قبره - ﷺ -، وإلى غيره من القبور والمشاهد، لأن ذلك من اتخاذها أعيادًا، بل من أعظم أسباب الإشراك بأصحابها، كما وقع من عباد القبور الذين يشدون إليها الرحال، وينفقون في ذلك الكثير من الأموال، وليس لهم مقصود إلا مجرد الزيارة للقبور تبركًا بتلك القباب والجدران فوقعوا في الشرك\" (١).\n\nهـ- أما المسائل التي اكتفى فيها جمال الدين السرمري ﵀ بذكر الأدلة في النهي عنها، فهي: السحر، الحلف بغير الله، تجصيص القبور، والبناء عليها، واتخاذها مساجد، ونحو ذلك من المسائل.\nوبالجملة لم أقف على كلام كثير للإمام جمال الدين السرمري ﵀ في تقرير مسائل\nهذا النوع من أنواع التوحيد، حتى إنه أهمل ذكره في منظومته البديعة (نهج الرشاد في نظم الاعتقاد)، مع أنه ذكر فيها جل مباحث الاعتقاد، وقد يكون توسع في تقرير مسائل توحيد الألوهية في كتبه الأخرى التي لم أقف عليها، ككتابه (صحاح الأحكام وسلاح الحكام) فإنه \"جمعه في قوله ﵊: «بني الإسلام على خمس ... الخ» \" (٢)، والله أعلم.\n_________\n(١) تيسير العزيز الحميد، ص ٣١٢.\n(٢) كشف الظنون (٢/ ١٠٧٠).","vol":"1","page":166},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-121>المبحث الثالث\nمنهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات</span>\n-<span data-type=\"title\" id=toc-122> تمهيد:</span>\nيعتبر هذا المبحث من أوسع المباحث التي تطرق لها جمال الدين السرمري، وذلك -والله أعلم- بسبب أن أهل البدع في عصره قد استشرى شرهم، وانتشر مذهبهم، كما أن هذه المسألة -مسألة الأسماء والصفات- تعتبر محكًا للتمييز بين أهل السنة ومخالفيهم، خاصة لما كثر أهل الأهواء، وأرباب المقالات الفاسدة.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-123>المطلب الأول: معنى توحيد الأسماء والصفات:</span>\nعرفه الشيخ عبدالرحمن السعدي بتعريف جامع حيث قال: \"هو اعتقاد انفراد الرب - ﷻ - بالكمال المطلق من جميع الوجوه، بنعوت العظمة والجلال والجمال التي لا يشاركه فيها مشارك\nبوجه من الوجوه، وذلك بإثبات ما أثبته الله لنفسه، أو أثبته له رسوله - ﷺ - من جميع الأسماء والصفات، ومعانيها وأحكامها، الواردة في الكتاب والسنة على الوجه اللائق بعظمته وجلاله من غير نفي لشيء منها ولا تعطيل، ولا تحريف ولا تمثيل؛ ونفي ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله - ﷺ - من النقائص والعيوب وعن كل ما ينافي كماله\" (١).\nوقد أشار جمال الدين السرمري ﵀ إلى هذا المعنى، فمن ذلك قوله عن أهل الحق:\n\"قوم أتاهم صحيح النقل فاتبعوا ... سبيله وحموه من مكذبهِ\nوأثبتوا لإله العرش ما ثبتت ... فيه النقول بلا شبه يُقاس بهِ\nفرام بعض أولي التعطيل دحضهم ... فآب من قصده الأدنى بأخيبهِ\" (٢).\n_________\n(١) القول السديد شرح كتاب التوحيد ص ٤٠، لعبدالرحمن السعدي، تحقيق: صبري شاهين، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار الثبات، الرياض.\n(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٦.","vol":"1","page":167},{"text":"وقال في موضع آخر في معرض كلامه على قوله - ﷺ - «لوجدتني عنده»: \"ولا يجوز أن يُتعدَّى في هذه الأحاديث ونحوها ما وردت به السنة، لأنها من أحاديث الصفات التي لا يجوز تأويلها بما ينافي مقتضاها، نسأل الله تعالى العصمة والعافية من التأويل والتعطيل والتحريف والتكييف والتبديل\" (١).\nوهذا التوحيد أجل المعارف لأنه معرفة الله بأسمائه وصفاته، وعلى هذه المعرفة تبنى العبادة، فإذا لم يعرف العبد ربه فكيف يعبده؟ كيف يعبد إلهًا يجهله؟ لذا استفاضت الأدلة بذكره والتنويه به لأنه كلما كان الأمر مهمًا كثر إيضاحه وبيانه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-124>المطلب الثاني: منهج جمال الدين السرمري في تقرير توحيد الأسماء والصفات:</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-125>١ - إثبات الصفات مع نفي العلم بالكيفية:</span>\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ إثبات الصفات وإمرارها كما جاءت بلا كيف، وأنه لا تلازم بين إثبات الصفات وبين تكييفها، وقد أولى هذه المسألة اهتمامًا كبيرًا، إذ أكد عليها في مواضع متعددة فقال:\n\"وينزل لا تكييف لي في نزوله ... تعالى سما الدنيا يقول سلو سَتري\nوذلك إذ يبقى من الليل ثلثه ... كذلك حتى يُفصل الليل بالفجرِ\nوربي كما قد جاء في قوله استوى ... على العرش أما كيف ذاك فلا أدري\nومذهبنا لا كيف لا مثل لا لما ... بالاقرار والإمرار من غير ما فسرِ\" (٢).\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٤.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.","vol":"1","page":168},{"text":"وقال في موضع آخر:\n\"وإن أحاديث الصفات وآيُها ... تمر كمر السحب من غير ما نشر\nوما جاء عن القرآن أوضح نقله ... عن السيد المختار من ناقلي الأثر\nتلقته منَّا بالقبول قلوبنا ... وذلّت له الأسماع في العُسر واليسر\" (١).\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.\nقال سفيان بن عيينة: \"سئل ربيعة عن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ومن الله الرسالة، وعلى الرسول البلاغ المبين، وعلينا التصديق\" (٢).\nوروي هذا الكلام بنحوه عن الإمام مالك، واشتهر عنه فعن جعفر بن عبدالله قال: \"جاء رجل إلى مالك بن أنس فقال: يا أبا عبدالله ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: ٥] كيف استوى؟ قال \" فما رأيت مالكًا وجد من شيء كموجدته من مقالته وعلاه الرحضاء -يعنى\nالعرق- قال: واطرق القوم وجعلوا ينتظرون ما يأتى منه فيه، قال: فسُرِّي عن مالك فقال: الكيف غير معقول، والاستواء منه غير مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، فإني أخاف أن تكون ضالًا وأمر به فأخرج\" (٣).\nقال الإمام الذهبي عقبه: \"هذا ثابت عن مالك، وتقدم نحوه عن ربيعة شيخ مالك، وهو قول أهل السنة قاطبة أن كيفية الاستواء لا نعقلها، بل نجهلها، وأن استواءه معلوم كما أخبر في كتابه، وأنه كما يليق به، لا نعمق ولا نتحذلق ولا نخوض في لوزام ذلك نفيًا ولا إثباتًا، بل نسكت ونقف كما وقف السلف، ونعلم أنه لو كان له تأويل لبادر إلى بيانه الصحابة والتابعون، ولما وسعهم إقراره وإمراره والسكوت عنه، ونعلم يقينًا مع ذلك أن الله - ﷻ - لا مثل له\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٢.\n(٢) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٤٤٢، للإمام اللالكائي.\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ص ٤٤١، للإمام اللالكائي.","vol":"1","page":169},{"text":"في صفاته ولا في استوائه ولا في نزوله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا\" (١).\nوقال الحافظ أبو القاسم التيمي: \"وإثبات الذات إثبات وجود لا إثبات كيفية فكذلك إثبات الصفات ... وعلى هذا مضى السلف\" (٢).\nوقال الوليد بن مسلم: \"سألت الأوزاعي وسفيان الثوري ومالك بن أنس والليث بن سعد عن هذه الأحاديث التي جاءت في الصفات، فقالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف\" (٣).\nقال شيخ الإسلام: \"فقولهم - ﵃ -: (أمروها كما جاءت) رد على المعطلة، وقولهم: (بلا كيف) رد على الممثلة ... -إلى أن قال: - فقول ربيعة ومالك: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب موافق لقول الباقين: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإنما نفوا علم الكيفية، ولم ينفوا حقيقة الصفة.\nولو كان القوم قد آمنوا باللفظ المجرد من غير فهم لمعناه - على ما يليق بالله - لما قالوا:\nالاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، ولما قالوا: أمروها كما جاءت بلا كيف، فإن الاستواء حينئذ لا يكون معلومًا بل مجهولًا بمنزلة حروف المعجم.\nوأيضًا: فإنه لا يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا لم يفهم عن اللفظ المعنى؛ وإنما يحتاج إلى نفي علم الكيفية إذا أثبتت الصفات.\nوأيضًا: فإن من ينفي الصفات الخبرية - أو الصفات مطلقًا - لا يحتاج إلى أن يقول بلا كيف، فمن قال: إن الله ليس على العرش، لا يحتاج أن يقول بلا كيف، فلو كان مذهب السلف نفي الصفات في نفس الأمر لما قالوا بلا كيف.\nوأيضًا: فقولهم: أمروها كما جاءت يقتضي إبقاء دلالتها على ماهي عليه، فإنها جاءت\n_________\n(١) العلو للعلي الغفار ص ١٣٩، للإمام الذهبي، تحقيق: أشرف بن عبدالمقصود، الطبعة الأولى ١٩٩٥ م، مكتبة أضواء السلف، الرياض.\n(٢) الحجة في بيان المحجة وشرح عقيدة أهل السنة (١/ ١٦٦ - ١٦٣)، لأبي القاسم التيمي، تحقيق: محمد بن ربيع المدخلي، ١٤١٩، دار الراية، الرياض.\n(٣) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (٧/ ١٤٩).","vol":"1","page":170},{"text":"ألفاظ دالة على معاني، فلو كانت دلالتها منتفية لكان الواجب أن يقال: أمروا لفظها مع اعتقاد أن المفهوم منها غير مراد، أو أمروا لفظها مع اعتقاد أن الله لا يوصف بما دلت عليه حقيقة، وحينئذ فلا تكون قد أمرت كما جاءت، ولا يقال حينئذ بلا كيف، إذ نفي الكيف عما ليس بثابت لغو من القول\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-126>٢ - تعطيل الصفات أو بعضها تكذيب للوحي:</span>\nالمعطلة: هم الذين عطلوا الرب - ﷾ - عما يجب أن يثبت له من الأسماء والصفات، وهم على ثلاثة أقسام:\n- أهل التخييل: وهم المتفلسفة ومن سلك سبيلهم من متكلم ومتصوف، فإنهم يقولون: إن ما ذكره الرسول - ﷺ - إنما هو تخييل للحقائق، لينتفع به الجمهور، لا أنه بين به الحق، ولا هدى به الخلق، ولا أوضح الحقائق؛ وليس فوق هذا الكفر كفر.\n- أهل التأويل: هم الذين يقولون: إن النصوص الواردة في الصفات، لم يقصد بها الرسول - ﷺ - أن يعتقد الناس الباطل، ولكن قصد بها معاني، ولم يبين لهم تلك المعاني، ولا دلهم\nعليها، ولكن أراد أن ينظروا فيعرفوا الحق بعقولهم، ثم يجتهدوا في صرف تلك النصوص عن مدلولها، ومقصوده امتحانهم وتكليفهم وإتعاب أذهانهم وعقولهم في أن يصرفوه كلامه عن مدلوله ومقتضاه، ويعرفوا الحق من غير جهته، وهذا قول الجهمية والمعتزلة ومن دخل معهم في شيء من ذلك؛ ولا يخفى ما في ضمن كلام هؤلاء من قصد الإضلال، وعدم النصح، ومناقضة ما جاء به النبي - ﷺ -، وما وصفه الله به من الرأفة والرحمة.\n- أهل التجهيل: هم الذين يقولون: إن الرسول - ﷺ - لم يعرف معاني ما أنزل الله عليه من آيات الصفات، ولا جبريل يعرف معاني الآيات، ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك (٢).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٥/ ٣٩ - ٤٢).\n(٢) انظر: الفتوى الحموية الكبرى ص ٢٧٧ - ٢٨٥، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق د. حمد التويجري، الطبعة الثانية ١٤٢٥، دار العصيمي، الرياض.","vol":"1","page":171},{"text":"وقد قرر جمال الدين السرمري ﵀ بطلان هذا المذهب، وبين أن مقصود أصحابه تكذيب الوحي، فقال:\n\"يدور على التعطيل لا دَرّ دَرُّه بتمويه قولٍ في المخارج مُزْورِّ\nوما قصده نفي المخارج ويحه بلى قصده نفيُ الكلام من السِّفر\nفتبًّا لهذا المذهب المُذهب الذي ... أقلُّ أذى فيه بصاحبه يُزري\" (١).\n\nكما رد على من شنع على أهل السنة لإثباتهم معاني الصفات وعدم تعطيلها بالحشو، وأن العبرة بالحقائق لا بالألقاب والشناعات، فقال في رده على السبكي:\n\"وسمت بالحشو أهل الحق إذ ملأوا ... وظائف العلم من قولٍ بأطيبه\nقومٌ أتاهم صحيح النقل فاتبعوا ... سبيله وحموه من مكذبه\nوأثبتوا لإله العرش ما ثبتت ... فيه النقول بلا شبه يُقاس به\nفرام بعض أولي التعطيل دحضهم ... فآب من قصده الأدنى بأخيبه\nفكل من قصرت في العلم رتبته ... وقلَّ دينًا تجرَّا في توثبه\nفأحمد المصطفى عُودي وقيل له ... مُذمَّمٌ وتعالوا في تجنُّبه\nوقيل ساحرٌ أو مجنون أو رجل ... معلمٌ كاهنٌ يسمو بأكعُبه\nلو كان الاسم يشين الفعل في رجل ... لشان خير البرايا من ملقبه\" (٢).\n\nوقال أيضًا في (منامات رؤيت لشيخ الإسلام ابن تيمية)، وهي رؤى فيها الثناء على منهج ابن تيمية في الاعتقاد، وبطلان مذهب المعطلة: \"وجدت بخط المحدّث الفاضل العالم نجم الدين\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٠.\n(٢) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٥ - ٦٧.","vol":"1","page":172},{"text":"إسحاق ابن أبي بكر بن ألْمى التركي (١)، قال: أخبرنا فقير يعرف بعبدالله، وذهب عني اسم والده، ورأيت جماعة من أصحابنا يثنون على دينه، ويذكرونه بالصلاح والخير، قال: رأيت بدمشق في النوم ليلة الجمعة في رجب سنة خمس وسبعمائة، وكأنني خرجت من بيتي، لبعض حاجة، وكأن قائلًا يقول لي: إن رسول الله - ﷺ - في المدينة، فأتيت إليه فرأيته جالسًا على دكان خباز، فسلمت عليه وذهبت لأتكلم فلم أُطق الكلام، فقال لي النبي - ﷺ -: يا عبدالله قل ما عندك، فقلت: يا رسول الله ما تنظر ما الناس فيه من الاختلاف وكثرة الأهواء والفتن؟ قال: فتبسم رسول الله - ﷺ -، وقال لي: يا عبدالله الحق مع أحمد ابن تيمية، وهو سالك على طريقي، وعلى قدمي، وما جئت إلا لأفصل بينهم، ثم إن رسول الله - ﷺ - غضب وتكلم بكلام لم أفهمه، إلا أنني فهمت في آخره وهو يقول: أيقدرون أن ينكروا معراجي؟ فوالذي نفسي بيده لقد أُسري بي من سماء إلى سماء، ورأيت ربي، ووضع - ﷺ - إصبعه اليمنى تحت عينه اليمنى، أو كما قال\" (٢).\nيشير بهذا إلى بطلان مذهب من يعطل صفة العلو لله - ﷾ -.\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من بطلان مذهب التعطيل هو ما صرح به الأئمة.\nقال عبدالرحمن بن مهدي: \"إن الجهمية أرادوا أن ينفوا أن الله كلّم موسى وأن يكون على العرش، أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم\" (٣).\nوقال علي بن عاصم شيخ الإمام أحمد: \"ما الذين قالوا: إن لله سبحانه ولدًا أكفر من الذين قالوا: إن الله سبحانه لم يتكلم\" وقال أيضًا: \"احذروا من المريسي وأصحابه فإن كلامهم من الزندقة، وأنا كلمت أستاذهم فلم يثبت أن في السماء إلهًا\" (٤).\n_________\n(١) هو الشيخ المحدث، العالم الفقيه نجم الدين أبو الفضل إسحاق بن ابن أبي بكر ابن ألمى بن أطُز التركي، توفي بعد ٧٢٠. انظر: الرد الوافر، ص ١٥٩ - ١٦٠.\n(٢) الرد الوافر، ص ٢٣٤.\n(٣) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٤.\n(٤) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٥.","vol":"1","page":173},{"text":"وقال وهب بن جرير: \"إياكم ورأي جهم فإنهم يحاولون أن ليس في السماء شيء وما هو إلا من وحي إبليس وما هو إلا الكفر\" (١).\nوقال الإمام ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: \"ورابعها: تعطيل الأسماء عن معانيها، وجحد حقائقها، كقول من يقول من الجهمية وأتباعهم: إنها ألفاظ مجردة لا تتضمن صفات ولا معاني، فيطلقون عليه اسم السميع والبصير والحي والرحيم والمتكلم والمريد ويقولون: لا حياة له، ولا سمع، ولا بصر، ولا كلام، ولا إرادة تقوم به، وهذا من أعظم الإلحاد فيها عقلًا وشرعًا ولغةً وفطرة، وهو يقابل إلحاد المشركين، فإن أولئك أعطوا أسماءه لآلهتهم، وهؤلاء سلبوه صفات كماله، وجحدوها، فكلاهما ملحد في أسمائه ... وكل من جحد شيئًا عما وصف الله به نفسه، أو وصف به رسوله فقد ألحد في ذلك فليستقل أو ليستكثر\" (٢).\nوالأقوال في ذلك من السلف متواترة، ويضيق المقام عن حصرها.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-127>٣ - تنزيه صفات الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين:</span>\nمن قواعد أهل السنة والجماعة تنزيه الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين، وهذه المسألة تكلم فيها أهل السنة بناءًا على النصوص الواردة في نفي التمثيل، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: من الآية ١١]، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ [مريم: من الآية ٦٥]، ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ٤] وغيرها من الأدلة.\nوبينوا بطلان مذهب المشبهة: وهم الذين يمثلون صفات الله بصفات المخلوقين كقول بعضهم: لله سمع كسمعي، وبصر كبصري؛ وأن هذا نوع من الإلحاد في أسماء الله وصفاته الوارد في قوله - ﷿ -: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأعراف: ١٨٠].\n_________\n(١) اجتماع الجيوش الإسلامية، ص ١٣٦.\n(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٨٠)، لابن القيم، تحقيق: هشام عطا وعادل العدوي وأشرف أحمد، الطبعة الأولى ١٤١٦، مكتبة نزار مصطفى الباز، مكة.","vol":"1","page":174},{"text":"وقد قرر جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل في أكثر من موضع، ومن ذلك قوله:\n\"أقرُّ بأنَّ الله ﷻ ... تعالى عن التشبيه والوصف والحصر (١)\nسميع بصير ليس شيء كمثله ... كما جاء في القرآن إن كنت من تدري\nفسبحانه من مالكٍ متكبرٍ ... تفرَّد دون الخلق بالعزِّ والقهر\" (٢).\nويقصد بقوله: \"تعالى عن الوصف\" أي مما هو من خصائص المخلوقين.\nوقال في موضع آخر: \"وأشهد أن لا إله إلا الله الغني عن الشركاء، المنزه عن الأشباه والنظراء، المقدّس عن الصاحبة والوزارء، المبرئ عن الآباء والأبناء ... \" (٣).\nوقال في موضع آخر عن أهل الحق -أهل السنة-:\n\"وأثبتوا لإله العرش ما ثبتت ... فيه النقول بلا شبه يُقاس به\" (٤).\n\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ من تنزيه صفات الله - ﷻ - عن مماثلة صفات المخلوقين هو معتقد أهل السنة والجماعة - كما تقدم -.\nقال الحافظ المقدسي ﵀ ناقلًا اتفاق السلف على نفي التشبيه والتمثيل: \"اعلم وفقنا الله وإياك لما يرضيه من القول والنية والعمل، وأعاذنا وإياك من الزيغ والزلل، أن صالح السلف، وخيار الخلف، وسادة الأئمة، وعلماء الأمة، اتفقت أقوالهم، وتطابقت آراؤهم على الإيمان بالله - ﷿ -، وأنه أحد فرد صمد، حي قيوم، سميع بصير، لا شريك له ولا وزير، ولا شبيه له ولا نظير،\n_________\n(١) أسماؤه تعالى ليست محصورة بعدد، يدل لذلك قوله - ﷺ - في دعاء الهم: «أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك» فهذا يدل على أن لله أسماء استأثر بعلمها، وهذه الأسماء متضمنة لصفات لا يعلمها العباد، فأسماؤه تعالى وصفاته لا يحيط بها إلا هو، وأما العباد فلا يحيطون بها علمًا، فتبين بهذا أن صفاته تعالى وأسماءه ليست محصورة بعدد، وقد قال - ﷺ -: «لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك» فالعباد لا يحصون الثناء على الله، لأنهم لا يعلمون كل ما لله من الأسماء والصفات التي يكون بها الثناء عليه سبحانه.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١ ب.\n(٤) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٦٦.","vol":"1","page":175},{"text":"ولا عدل ولا مثل\" (١).\nوقال ابن القيم في معرض ذكره لأنواع الإلحاد في أسمائه تعالى: \"وخامسها: تشبيه صفاته بصفات خلقه، تعالى الله عما يقول المشبهون علوًا كبيرًا، فهذا الإلحاد في مقابلة إلحاد المعطلة فإن أولئك نفوا صفات كماله وجحدوها، وهؤلاء شبهوها بصفات خلقه، فجمعهم الإلحاد، وتفرقت بهم طرقه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-128>٤ - أزلية الصفات:</span>\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ هذه المسألة تقريرًا بينًا واضحًا، لا لبس فيه ولا غموض، إذ كان منهجه في ذلك إثبات أن الله متصف بهذه الصفات منذ الأزل، لم يخل - ﷿ - من هذه الصفات طرفة عين، قائمة به أزلًا وأبدًا، وأن من قال أن الله وصف بصفة بعد أن لم\nيكن متصفًا بها فقد كفر.\nقال ﵀ في معرض رده على السبكي:\n\"إن قلتَ كان ولا علم لديه ولا ... كلام لا قدرة أصلًا كفرتَ به\nأو قلتَ أحدثها بعد استحالتها ... في حقه سمت نقصٍ ما احتججت به\nأو قلتَ فعلُ اختيارٍ منه ممتنعٌ ... ضاهيت قول امرئٍ مُغوٍ بأنصُبِهِ\nولم يزل بصفات الفعل متصفًا ... وبالكلام بعيدًا في تقربه\" (٣).\n\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"وأن الله لم يزل متكلمًا إذا شاء، وهذا قول أئمة السنة،\n_________\n(١) الاقتصاد في الاعتقاد ص ٧٨، لعبدالغني المقدسي، تحقيق: أحمد الغامدي، الطبعة الأولى ١٤١٤، مكتبة العلوم والحكم، المدينة.\n(٢) بدائع الفوائد (١/ ١٨٠).\n(٣) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١ - ٧٣.","vol":"1","page":176},{"text":"وهو الحق الذي يدل عليه العقل والنقل؛ وكذلك أفعاله، فإن الفعل والكلام صفة كمال، فإن من يتكلم أكمل ممن لا يتكلم، ومن يخلق أكمل ممن لا يخلق، قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل: ١٧]، وحينئذ فهو ما زال متصفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الإكرام والجلال\" (١).\nوقال الإمام ابن أبي العز: \"أن الله - ﷾ - لم يزل متصفًا بصفات الكمال: صفات الذات وصفات الفعل، ولا يجوز أن يعتقد أن الله وصف بصفة بعد أن لم يكن متصفًا بها، لأن صفاته -سبحانه- صفات كمال، وفقدها صفة نقص، ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفًا بضده\" (٢).\nوهذه المسألة لها ارتباط مباشر بمسألة تسلسل الحوادث -وقد تقدم الكلام عنها-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-129>٥ - التفسير السلفي لنصوص الصفات:</span>\nتكلم جمال الدين السرمري ﵀ على تفسير بعض نصوص الصفات، وكان في تفسيره سائرًا على منهج أهل السنة والجماعة، ومن ذلك قوله في تفسير حديث «إن الله تعالى يقول يوم القيامة: يا ابن آدم، مرضت فلم تعدني، قال: أي رب كيف أعودك وأنت رب العالمين؟ قال: أما علمت أن عبدي فلانًا مرض فلم تعده، أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده ...»: \"وأما قوله: «لوجدتني عنده» فهو مثل قوله: «أنا عند المنكسرة قلوبهم من أجلي» وقوله: «أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما الآخر»، ويجوز أن يكون أراد (قريب) من العائد والمطعم والساقي بالقبول والإنابة على ما نووه وأمَّلوه من الأجر فيما فعلوه، ويكون المراد بقوله: «لوجدتَ ذلك عندي» أي وجدتَ أجرَ ذلك، أو أجر ذلك مكتوبًا، أو موفورًا عندي، والله أعلم.\n_________\n(١) مجموع الفتاوى، ص ٣٨٤.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٧٩.","vol":"1","page":177},{"text":"وهو من قبيل: «من تقرَّب إليَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا، ومن تقرَّب إليَّ ذراعًا تقرَّبت منه باعًا، ومن أتاني يمشي أتيتُه هرولة» ولا يجوز أن يتعدَّى في هذه الأحاديث ونحوها ما وردتْ به السنة، لأنها من أحاديث الصفات التي لا يجوز تأويلها بما ينافي مقتضاها، نسأل الله العصمة والعافية من التأويل والتعطيل والتحريف والتكييف والتبديل\" (١).\nوقال في موضع آخر عند كلامه على صفة التردد في قبض نفس المؤمن والكراهية لله - ﷻ - الواردة في الحديث القدسي «ما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي عن نفس عبدي المؤمن، يكره الموت وأنا أكره مساءته»: \"وليس هذا التردد كتردد الجاهل الذي لا يعرف العاقبة، ولا كراهيته كراهة العاجز الذي لا يمكنه دفع ما يكره، فإنه سبحانه عالم بالعواقب، قادر على ما يشاء، لا يكون إلا ما شاء، ولا يشاء إلا ما يكون، وهو سبحانه يقدِّر مع كراهته أشياء من مقدوراته التي يبغضها ويقضيها ويشاؤها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، فتجتمع الإرادة والكراهة في شيء واحد، فهو يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ\nيُسْأَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٣] \" (٢).\nوما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من تفسير هذا الحديث صحيح موافق لمنهج السلف.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية حينما سئل عن هذا الحديث: \"هذا حديث شريف رواه البخاري من حديث أبي هريرة وهو أشرف حديث روي في صفة الأولياء، وقد رد هذا الكلام طائفة وقالوا: إن الله لا يوصف بالتردد وإنما يتردد من لا يعلم عواقب الأمور والله أعلم بالعواقب، وربما قال بعضهم: إن الله يعامل معاملة المتردد، والتحقيق: أن كلام رسوله حق وليس أحد أعلم بالله من رسوله ولا أنصح للأمة منه ولا أفصح ولا أحسن بيانًا منه فإذا كان كذلك كان المتحذلق والمنكر عليه من أضل الناس، وأجهلهم وأسوئهم أدبًا بل يجب تأديبه\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٣ - ١٢٤.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.","vol":"1","page":178},{"text":"وتعزيره، ويجب أن يصان كلام رسول الله - ﷺ - عن الظنون الباطلة، والاعتقادات الفاسدة، ولكن المتردد منا وإن كان تردده في الأمر لأجل كونه ما يعلم عاقبة الأمور، لا يكون ما وصف الله به نفسه بمنزلة ما يوصف به الواحد منا فإن الله ليس كمثله شيء لا في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، ثم هذا باطل، فإن الواحد منا يتردد تارة لعدم العلم بالعواقب، وتارة لما في الفعلين من المصالح والمفاسد فيريد الفعل لما فيه من المصلحة ويكرهه لما فيه من المفسدة، لا لجهله منه بالشيء الواحد الذي يُحب من وجه ويكره من وجه ... ومن هذا الباب يظهر معنى التردد المذكور في هذا الحديث ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-130>٦ - تعداد بعض الأسماء والصفات:</span>\nتعرض جمال الدين السرمري ﵀ في مواضع من كتبه إلى ذكر عدد من أسماء وصفات الله - ﷾ - إجمالًا من غير تعليق عليها، وهو يذكرها عرضًا في سياق مسائل أخرى، وفيما يلي\nذكر لبعض تلك الأسماء والصفات:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-131>المسألة الأولى: تعداد بعض الأسماء:</span>\n١) اسم الله (٢).\n٢) اسم الرب (٣).\n٣) اسم الرحمن، وذكر أن الأسماء الثلاثة السابقة هي أصول أسماء الرب ومجامعها (٤).\n٤) الحي (٥).\n٥) القيوم، ورجح أن اسم الله الأعظم هو (الحي القيوم) لما تضمنته صفة الحياة لجميع\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (١٨/ ١٢٩).\n(٢) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.\n(٣) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.\n(٤) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٢٩٩ ب.\n(٥) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.","vol":"1","page":179},{"text":"صفات الكمال، وصفة القيومية لجميع صفات الأفعال (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-132>المسألة الثانية: تعداد بعض الصفات:</span>\n١) صفة العَجَب (٢).\n٢) صفة الحلم (٣).\n٣) صفة القرب (٤).\n٤) صفة المحبة (٥).\n٥) صفة الكره (٦).\n٦) صفة التردد في قبض نفس المؤمن (٧).\n٧) صفة المشيئة (٨).\n٨) صفة العلم (٩).\n٩) صفة القدرة (١٠).\n١٠) صفة البغض (١١).\n١١) صفة الإرادة (١٢).\n_________\n(١) انظر: شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ٣٠٥ أ.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٦٣.\n(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.\n(٤) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٣.\n(٥) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٧.\n(٦) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(٧) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(٨) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(٩) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.\n(١٠) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.\n(١١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(١٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.","vol":"1","page":180},{"text":"١٢) صفة الحكم (١).\n١٣) صفة السمع (٢).\n١٤) صفة البصر (٣).\n١٥) صفة العزة (٤).\n١٦) صفة القهر (٥).\n١٧) صفة النزول (٦).\n١٨) صفة الاستواء (٧).\n١٩) صفة الكلام (٨).\n٢٠) صفة الكبر (٩).\n٢١) صفة الرؤية (١٠).\n٢٢) صفة الحياء (١١).\n٢٣) صفة الستر (١٢).\n٢٤) صفة العلو (١٣).\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٥) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٦) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٧) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣١.\n(٨) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٣؛؛ الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧١.\n(٩) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٣.\n(١٠) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(١١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ١٢٠.\n(١٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ١٢٠.\n(١٣) خصائص سيد العالمين [ق ٧٩/و].","vol":"1","page":181},{"text":"٢٥) صفة الأناة (١).\nوما ذكره جمال الدين السرمري ﵀ من إثبات هذه الأسماء والصفات هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة عدا الصفة الأناة لله - ﷻ -، فإني لم أقف على نص صريح في إثباتها، والسرمري قد استدل عليها بدليلين:\nالأول: قول النبي - ﷺ - لأشج عبدالقيس «إن فيك خصلتين يحبها الله تعالى: الحلم والأناة» فالأناة صفة يحبها الله تعالى (٢).\nالثاني: أدلة صفة الرفق لله - ﷾ -، وذلك لأن الرفق والأناة مترادفان في المعنى.\nوما ذكره جمال الدين السرمري في إثبات صفة الأناة لله - ﷻ - مخالف لمنهج أهل السنة والجماعة من أن صفات الله توقيفية، والله أعلم.\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.\n(٢) انظر: الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٨٧.","vol":"1","page":182},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-133>الفصل الرابع\nمنهج جمال الدين السرمري في سائر أصول الإيمان</span>\nوفيه ثلاثة مباحث:\nالمبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل.\nالمبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر.\nالمبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر.","vol":"1","page":183},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-134>المبحث الأول: الإيمان بالملائكة والإيمان بالرسل</span>\nلما كانت المادة العلمية لدى جمال الدين السرمري فيما يتعلق بالملائكة قليلة، أما ما يتعلق بالرسل فأكثرها سيأتي الكلام عليه في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-، جعلت هذه المادة في مطلبين تحت مبحث واحد.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-135>المطلب الأول: الإيمان بالملائكة:</span>\nالملائكة خلق من خلق الله تعالى خلقهم من نور، يجب الإيمان بوجودهم، وأنهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٦ - ٢٧]، ويجب الإيمان بالملائكة جملة وتفصيلًا، جملة فيما أجمل، وتفصيلًا فيما فصل من أسمائهم، وأوصافهم، وأعمالهم التي كلفهم الله بها، كما دلت على ذلك النصوص الكثيرة من الكتاب والسنة.\nفالإيمان بالملائكة: أحد أركان الإيمان وأصوله الذي لا يصح اعتقاد مسلم ولا يتم إيمانه إلا به، قال - ﷻ -: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧].\nوقال - ﷾ -: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٨٥].\nوقال - ﷿ -: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: من الآية ١٣٦].\nوفي حديث جبريل المشهور عندما سأل النبي - ﷺ - عن الإيمان، قال: «الإيمان: أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خير وشره ...» الحديث (١).\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٣٩)، كتاب الإيمان، باب الإيمان ماهو وبيان خصائله، ح ٩.","vol":"1","page":184},{"text":"وقد أجمل الإمام جمال الدين السرمري القول في هذا الأصل، ولم يتطرق -فيما وفقت عليه من كتبه- إلى الذين تخبطوا فيه كما هي الحال عند من يسمون بـ\"فلاسفة الإسلام\" الذين أنكروا حقيقة الملائكة، وزعموا أنها خيالات وأشكال نورانية يتخيّلها النبي في نفسه، وهي مجردات ليست داخل العالم ولا خارجه، ولا فوق السماء، ولا تحتها، وليست موصوفة بالصعود، ولا النزول، وليس لها تدبير البتة، ولا تتكلم، ولا تنتقل من مكان إلى مكان ... ونحو ذلك؛ وإنما ذكر السرمري بعضًا من أخبار الملائكة كما دلت عليها النصوص من الكتاب أو السنة، والتي تتضمن إيمانه بوجودهم حقيقة، وما ثبت من أسمائهم وصفاتهم وما وكلوا به من أعمال، وأنهم أحياء ناطقون، لا كما تزعم الفلاسفة.\nفمن ذلك قوله في الإيمان بإسرافيل - ﵇ -، وأنه الموكل بالنفخ بالصور:\n\"وينفخ إسرافيل في الصور نفخة ... لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر\" (١).\nومن ذلك ذكره لخبر الملائكة السيارة، فقال في فضل مجالسة أهل الذكر:\n\"عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «إن لله ﵎ ملائكة سيارة فُضلًا يتتبعون مجالس الذكر، فإذا وجدوا مجلسًا فيه ذكرٌ قعدوا معهم، وحف بعضهم بعضًا بأجنحتهم، حتى يملؤوا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا افترقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله - ﷿ - وهو أعلم، من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض، يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك، قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك، قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا يا رب، قال: فكيف لو رأوا جنتي؟ قالوا: ويستجيرونك، قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يارب، قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا، قال: فكيف لو رأوا ناري؟ قالوا: ويستغفرونك، قال: فيقول: قد غفرتُ لهم، وأعطيتهم ما سألوا، وأجرتهم مما استجاروا، قال: فيقولون: رب فيهم فلانٌ عبدٌ خطّاء، إنما مر فجلس معهم، قال: فيقول: وله\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":185},{"text":"قد غفرت، هم القوم لا يشقى بهم جليسهم» متفق عليه\" (١).\nومن ذلك ذكره لخبر تأمين الملائكة خلف الإمام، فقال في فضل التأمين خلف الإمام عند قوله ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧]: \"عن أبي هريرة - ﵁ -، أن رسول الله - ﷺ - قال: «إذا أمن الإمام فأمنوا، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه» متفق عليه، وذلك أنه جاء في الحديث: إن الملائكة إذا سمعت الإمام يقول: ﴿وَلَا الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: من الآية ٧] تقول: آمين، فإذا قال العبد: آمين، فقد وافق الملائكة في التأمين، فيغفر له ما تقدم من ذنبه، كما قال - ﷺ - \" (٢).\nومن ذلك ذكره لخبر ملك الموت، فقال: \"عن سعيد بن المسيب عن عبدالرحمن بن سمرة قال: خرج علينا رسول الله - ﷺ - ذات يوم ونحن في مسجد المدينة فقال: «إني رأيت الليلة عجبًا» فقالوا: وما هو يا رسول الله؟ قال: «رأيت رجلًا من أمتي جاءه ملك الموت ليقبض روحه، فجاءه بره بوالديه فرده عنه ...» (٣).\nومن ذلك ذكره لخبر لعن الملائكة للمرأة الممتعنة عن الفراش لغير عذر، فقال في باب عشرة النساء: \"وقال: «إذا دعا الرجل امرأته إلى فراشه فأبت أن تجيء، فبات غضبان عليها لعنتها الملائكة حتى تصبح» متفق عليه\" (٤).\nومن ذلك قوله في محبة الملائكة للرائحة الطيبة: \"وفي الطيب خاصية أن الملائكة تحبه، والشياطين تنفر منه، وأحب شيء إلى الشياطين الرائحة الكريهة والمنتنة، فلهذا كانت المساجد ومواضع الذكر مهابط الملائكة ومجتمعهم، والحشوش مأوى الشياطين، والأرواح الطيبة تحب الرائحة الطيبة، والأوراح الخبيثة تحب الأرواح الخبيثة، فالخبيثات للخبيثين، والطيبات للطيبين،\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ٩٤.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١١٨.\n(٣) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٥٢.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٤٧٣.","vol":"1","page":186},{"text":"والطيبون للطيبات\" (١).\nومن ذلك قوله في صلاة الملائكة على النبي - ﷺ -: \"وقد أمر الله سبحانه المؤمنين بالصلاة والسلام عليه، وأخبر أنه وملائكته يصلون عليه فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: ٥٦] \" (٢).\nومن ذلك ذكره لخبر صف الملائكة مع الأنبياء في الإسراء وصلاتهم خلف النبي - ﷺ -، فقال: \"ففي حديث الإسراء عنه - ﷺ -: «إن الله تعالى جمع الأنبياء والملائكة صفوفًا قال فقدّمني وأمرني أن أصلّي بهم فصليت بهم ركعتين ... \" (٣).\nومن ذلك ذكره لخبر تغسيل الملائكة لحنظلة بن أبي عامر - ﵁ -، فقال: \"قال رسول الله - ﷺ -: «إني رأيت الملائكة تغسل حنظلة بن أبي عامر بين السماء والأرض بماء المزن في صحاف الفضّة» قال أبو أسيد الساعديّ: فذهبنا فنظرنا فإذا رأسه يقطر ماء فرجعت إلى رسول الله - ﷺ - فأخبرته فأرسل إلى امرأته يسألها فأخبرته أنه خرج وهو جنب فولده يقال لهم بنو غسيل\nالملائكة\" (٤).\nومن ذلك ذكره لخبر دنو الملائكة لسماع قراءة ابن خضير - ﵁ -، فقال: \"قال: «تلك الملائكة دنت لصوتك ولو قرأت لأصبح الناس ينظرون إليها لا تتوراى منها» وكان حسن الصّوت، فدنوّ السكينة والملائكة لسماع قراءة ابن خضير أعظم من تسمّع الجبال والطير والوحش لصوت داود ﵊\" (٥).\nومن ذلك قوله في نصرتهم للنبي - ﷺ -: \"فقال تعالى: ﴿وَإِنْ تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾ [التحريم: من الآية ٤] فأيّ\n_________\n(١) شفاء الآلام في طب أهل الإسلام (مخطوط) ورقة: ١٥٤ ب.\n(٢) شرح اللؤلؤ في النحو، ص ٤١.\n(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٢/ظ].\n(٤) خصائص سيد العالمين [ق ٣٦/ظ].\n(٥) خصائص سيد العالمين [ق ٤٠/و].","vol":"1","page":187},{"text":"ظهير أعظم من هذا وأيّ ناصر أقوى من هذا فكانت الملائكة المقرّبون أنصاره - ﷺ - وأعوانه يقاتلون بين يديه في الحروب كفاحًا ويمنعون عنه ويدافعون دونه ولمّا تواعدت قريش ليأخذوه فيقتلوه وقد دخل المسجد يصلّي فسمعوا صوتًا ما ظنّوا أنّه بقي بتهامة جبل إلا نتق فغشي عليهم فما عقلوا حتى قضى صلاته ثم رجع إلى أهله سالمًا ثم تواعدوا عليه مرّة أخرى فنهضوا عليه فجاء الصَّفا والمروة حتى التقى أحدهما بالأخرى فحالتا بينه وبينهم ولمّا حلف أبو جهل ليطأنّ عنقه إن رآه مصلّيًا فلما همّ بذلك لم يفجأهم إلا وهو ينكص على عقبيه وقال: رأيت بيني وبينه خندقًا من نار وأهوالًا وأجنحة فقال رسول الله - ﷺ - لو دنا منّي لاختطفته الملائكة عضوًا عضوًا ... \" (١).\nومن ذلك ذكره لخبر ملك الجبال، فقال: \"على أنّ محمّدًا - ﷺ - أعطي من تسخير الجبال ما لو شاء لصارت جبال مكّة معه ذهَبًا وقال له مَلَكُ الجبال: إن شئت أن أُطْبِقَ عليهم الأخْشَبَينِ يعني جَبلي مكّة على الكفّار فقال - ﷺ -: «بل أرجو أن يُخْرِجَ اللهُ من أصلابهم من يعبد الله تعالى لا يشرك به شيئًا» \" (٢).\nومن ذلك ذكره لخبر سؤال الملكين في القبر: \"وذلك أن الميت إذا وضع في قبره جاءه ملكان فيُقعدانِه ويسألانه: من ربك، ومن نبيك، وما دينك ... \" (٣).\nومن ذلك ذكره لخبر وصف ملك من الملائكة، فقال: \"وقد قال - ﷺ - لعائشة ﵂: «يا عائشة لو شئتُ لسارت معي جبال الذّهب، جاءني ملك إنّ حُجزته لَتُسَاوِي الكعبةَ ... \" (٤).\nوقال في موضع آخر: \"وعن عمار بن ياسر - ﵁ - قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «إن الله أعطى ملكًا من الملائكة أسماع الخلائق فهو قائم على قبري إلى يوم القيامة لا يصلي عليّ\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ٤٤/و-ظ].\n(٢) خصائص سيد العالمين [ق ٤١/و].\n(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٢٩/ظ].\n(٤) خصائص سيد العالمين [ق ٤١/ظ].","vol":"1","page":188},{"text":"أحد إلا سمّاه باسمه واسم أبيه وقال: يا أحمد صلّى عليك فلان بن فلان وتكفّل لي الربّ - ﷿ - أن أردّ عليه بكل صلاة عليه عشرًا - ﷺ -» \" (١).\nومن ذلك ذكره لخبر وصف الملائكة الذين مر عليهم النبي - ﷺ - في ليلة المعراج، فقال: \"قال: ثم مررت بملك آخر جالس على كرسي قد جُمِعَ له الدنيا بين ركبتيه وفي يديه لوح مكتوب من نور ينظر فيه لا يلتفت يمينًا وشمالًا ينظر فيه كهيئة الحزين فقلت: من هذا يا جبريل وما مررت بملك أنا أشدّ خوفًا منه مني من هذا، قال: وما يمنعك كلنا بمنزلتك هذا ملك الموت دائبٌ في قبض الأرواح وهو من أشد الملائكة عملًا وأدأبهِم، قلت: يا جبريل كل من مات ينظر فيه إلى هذا، قال: نعم، قلت: كفى بالموت طامةً، فقال: يا محمّد ما بعد الموت أطمّ وأعظم، قلت: يا جبريل ادنني من ملك الموت أُسَلِّم عليه وأسأله فأدناني منه فسلمت عليه فأومئ إلي فقال له جبريل: هذا محمد نبيّ الرحمة ورسول العرب فرحّب بي وحيّاني وأحسن بشارتي وإكرامي وقال: أبشر يا محمد فإني أرى الخير كله في أمتك، فقلت: الحمد لله المنّان بالنعم، ما هذا اللوح الذي بين يديك؟ قال: مكتوب فيه آجال الخلائق، قلت: فأين أسماء من قبضت أرواحهم في الدهور الخالية؟ قال: تلك الأرواح في لوح آخر قد أعلمت عليها وكذلك\nأصنع بكل ذي روح إذا قبضتُ روحَه حَلَّقتُ عليها، فقلت: يا ملك الموت سبحان الله كيف تقدر على قبض أرواح جميع أهل الأرض وأنت في مكانك هذا لا تبرح، قال: ألا ترى أن الدنيا كلها بين ركبتيّ وجميع الخلائق بين عينيّ ويداي تبلغان المشرق والمغرب وخلفهما فإذا نفدَ أجل عبد من عباد الله نظرت إليه وإلى أعواني فإذا نظر أعواني من الملائكة أني نظرت إليه عرفوا أنه مقبوض فعمدوا إليه يعالجون نزع روحه فإذا بلغ الروحُ الحلقومَ علمتُ ذلك ولا يخفى عليّ شيء من أمري مَددت يدي إليه فقبضتُه فلا يَلِي قبضَه غيري فذلك أمري وأمر ذوي الأرواح من عباد الله، قال: فأبكاني حديثُه وأنا عنده ثم جاوزنا فمررنا بملك آخر ما رأيت من الملائكة خلقًا مثله عابس كالح الوجه كريه المنظر شديد البطش ظاهر الغضب فلما نظرت إليه رُعبت\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ٦١/و].","vol":"1","page":189},{"text":"منه جدًّا، فقلت: يا جبريل من هذا فإنّي رُعبت منه رعبًا شديدًا، قال: فلا تعجب أن تُرعَب منه كلّنا بمنزلتك في الرّعب منه هذا مالك خازن جهنم لم يتبسّم قط ولم يزل منذ ولّاه الله جهنّم يزداد كلّ يوم غضبًا وغيظًا على أعداء الله تعالى وأهل معصيته لينتقم منهم، قلت: ادنني منه فأدناني منه فسلم عليه جبريل فلم يرفع رأسه، فقال: جبريل يا ملك هذا محمّد رسول العرب فنظر إليّ وحيّاني وبشّرني بالخير، فقلت: مُذ كَم أنت وَاقِدٌ على جهنم، فقال: منذ خُلقتُ حتى الآن وكذلك حتى تقوم الساعة، قلت: يا جبريل مُره فليُرني طريقًا من النار فأمره ففعَل فخرج منه لهبٌ ساطع أسوَد معه دخان كدر مُظلم امتلأ منه الآفاق فرأيت هولًا عظيمًا وأمرًا فظيعًا أعجز عن صفته لكم فغشي علي وكاد يذهب نفسي فضمّني جبريل إليه وأمره أن يَرُدّ النارَ فردّها فجاوزناها ... \" (١).\nإلى نحو ذلك من الأخبار التي ذكرها جمال الدين السرمري، والتي تتضمن إيمانه -كما تقدم- بوجودهم حقيقة.\nوما ذكره جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص وقال به أهل السنة الجماعة.\nقال شيخ الإسلام ﵀: \"إنه من المتواتر عن الأنبياء صلوات الله عليهم أن الملائكة أحياء ناطقون يأتونهم عن الله بما يخبر به ويأمر به تارة، ويقاتلون معهم تارة، وكانت الملائكة أحيانًا تأتيهم في صورة البشر والحاضرون يرونهم، وقد أخبر الله عن الملائكة في كتاب بأخبار متنوعة، وذلك يناقض ما يزعمونه من أن الملك إنما هو الصورة الخيالية التي ترتسم في الحس المشترك أو أنها العقول والنفوس\" (٢).\n_________\n(١) خصائص سيد العالمين [ق ٧١/و]-[ق ٧٢/و].\n(٢) الرد على المنطقيين ص ٤٨٩ - ٤٩٠، لابن تيمية، دار المعرفة، بيروت.","vol":"1","page":190},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-136>المطلب الثاني: الإيمان بالرسل:</span>\nلقد بعث الله إلى خلقه ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ [النساء: من الآية ١٦٥] وأمر بالإيمان بهم جميعًا: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦] فيجب الإيمان بهم جملة وتفصيلًا، وذلك يتضمن الإيمان بمن سمى الله في كتابه وعلى لسان رسوله - ﷺ - من الأنبياء وبما ثبت من أخبارهم، ومن لم يقص علينا خبرهم يجب الإيمان بهم جملة لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾ [غافر: من الآية ٧٨] ويجب الإيمان بأن الأنبياء جميعًا بشر ليس لهم من خصائص الربوبية شيء، فهم من عباد الله، يجري عليهم ما يجري على البشر، يأكلون ويشربون ويتزوجون ويمرضون ويموتون ويقتلون، ولا يعلمون الغيب، قال سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ [الفرقان: من الآية ٢٠] وأن كلهم جاءوا بالدعوة إلى توحيد الله ونبذ الشرك وإن اختلفت بعض شرائعهم ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: من\nالآية ٣٦] وأن من كفر بنبي واحد منهم فقد كفر بهم جميعًا، قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا﴾ [النساء: ١٥٠ - ١٥١].\nفالإيمان بالرسل أحد أركان الإيمان الذي لا تصح عقيدة المسلم إلا بتحقيقه.\nهذا ما يتعلق بالإيمان بالأنبياء والرسل جملة، أما نبينا محمد - ﷺ - فيجب الإيمان به على وجه الخصوص، مع الاعتقاد بوجوب طاعته في جميع ما أمر به وشرعه، والانتهاء عن جميع ما عنه نهى وزجر، والإيمان بعموم رسالته، وأنه مبعوث للناس عامة قال - ﷿ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ","vol":"1","page":191},{"text":"إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ: من الآية ٢٨] والإيمان بأن الرسالة والنبوة ختمت به، إذا لا نبي بعده، قال تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ [الأحزاب: من الآية ٤٠].\nهذا من أهم ما تضمنه الإيمان بالرسل جملة، والإيمان بالنبي - ﷺ - على وجه الخصوص.\nوقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ عددًا من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وما ورد من أخبارهم، وذكر أيضًا ما اختص به المصطفى - ﷺ - في كتابه \"خصائص سيد العالمين وماله من المناقب العجائب على جميع الأنبياء ﵈\" كما سيأتي دراسته في القسم الثاني من خطة البحث -قسم التحقيق-.","vol":"1","page":192},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-137>المبحث الثاني: الإيمان باليوم الآخر</span>\nالإيمان باليوم الآخر أصل من أصول الإيمان التي لا يصح إيمان عبد إلا بتحقيقه، كما دل على ذلك الكتاب والسنة، قال تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [البقرة: ٦٢]، وقال تعالى: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٣٢]، وقال تعالى: ﴿وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: من الآية ٣٩]، وقال - ﷺ - في حديث جبريل: «الإيمان أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والقدر خيره وشره» (١)، والنصوص في ذلك كثيرة.\nويجب الإيمان باليوم الآخر جملة وتفصيلًا، فيجب الإيمان بكل ما ورد في الكتاب والسنة من التفصيلات المتعلقة باليوم الآخر، من حياة البرزخ، والنفخ في الصور، والبعث، والحشر،\nوالميزان، والحوض، والصراط، والجنة والنار، والشفاعة، ورؤية المؤمنين لربهم.\nوقد تطرق جمال الدين السرمري ﵀ لهذه المسائل، وفيما يلي تقسيم لهذه المسائل وعرض لها بمشيئة الله تعالى.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-138>المطلب الأول: حياة البرزخ:</span>\nالبرزخ: هو الحائل بين الشيئين، ومنه قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ﴾ [الرحمن: ١٩ - ٢٠] والمراد به هنا: الفترة من وقت الموت إلى القيامة، فهي برزخ\n_________\n(١) تقدم تخريجه، انظر: ص ١٨٤.","vol":"1","page":193},{"text":"بين الدنيا والآخرة (١)، قال تعالى: ﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾ [المؤمنون: من الآية ١٠٠].\nومن أصول مذهب أهل السنة والجماعة، ولوازم الإيمان باليوم الآخر، الإيمان بما يحصل في حياة البرزخ.\nوقد أشار الإمام جمال الدين السرمري إلى هذه الحياة، ونص على ما ورد فيها من ضمة القبر، وتسمية الملكين اللذين يسألان العبد في القبر أنهما منكر ونكير، وأنه يستثنى من هذا السؤال الرسل ﵈.\nفقال في منظومته في الاعتقاد:\n\"وموت الورى حق ومن بعد بعثهم ... وبينهما لا شك في عصرة القبر\nويسألهم فيه نكير ومنكر ... عدا الرسل أرجوا الله يلهمني عذري\" (٢).\nوما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري من إثبات حياة البرزخ وما يحصل فيها هو مذهب أهل السنة والجماعة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"مذهب سائر المسلمين بل وسائر أهل الملل إثبات (القيامة الكبرى) وقيام الناس من قبورهم والثواب والعقاب هناك، وإثبات الثواب والعقاب في البرزخ -مابين الموت إلى يوم القيامة- هذا قول السلف قاطبة وأهل السنة والجماعة، وإنما أنكر ذلك في البرزخ قليل من أهل البدع، لكن من أهل الكلام من يقول: هذا إنما يكون على البدن فقط كأنه ليس عنده نفس تفارق البدن، كقول من يقول ذلك من المعتزلة والأشعرية، ومنهم من يقول: بل هو على النفس فقط بناء على أنه ليس في البرزخ عذاب على البدن ولا نعيم كما يقول ذلك ابن مسرة وابن حزم، ومنهم من يقول: بل البدن ينعم ويعذب بلا حياة فيه كما\n_________\n(١) انظر: معجم مقاييس اللغة (١/ ٣٣٣)؛ لوامع الأنوار البهية وسواطع الأسرار الأثرية لشرح الدرة المضية في عقد الفرقة المرضية (٢/ ٤)، لشمس الدين السفاريني، الطبعة الثانية ١٤٠٢، مؤسسة الخافقين ومكتبتها، دمشق؛ إعانة المستفيد بشرح كتاب التوحيد، لصالح الفوزان، الطبعة الثالثة ١٤٢٣، مؤسسة الرسالة.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":194},{"text":"قاله طائفة من أهل الحديث وابن الزاغوني يميل إلى هذا في مصنفه في حياة الأنبياء في قبورهم وقد بسط الكلام على هذا في مواضع، والمقصود هنا: أن كثيرًا من أهل الكلام ينكر أن يكون للنفس وجود بعد الموت ولا ثواب ولا عقاب ويزعمون أنه لم يدل على ذلك القرآن والحديث كما أن أن الذين أنكروا عذاب القبر والبرزخ مطلقًا زعموا أنه لم يدل على ذلك القرآن وهو غلط، بل القرآن قد بين في غير موضع بقاء النفس بعد فراق البدن وبيَّن النعيم والعذاب في البرزخ ... \" (١).\nوقد أنكر بعض المعتزلة وغيرهم سؤال الملكين، قال التفتازاني: \"اتفق الإسلاميون على حقيقة سؤال منكر ونكير في القبر وعذاب الكفار وبعض العصاة فيه ونسب خلافه إلى بعض المعتزلة قال بعض المتأخرين منهم حكي إنكار ذلك عن ضرار بن عمرو وإنما نسب إلى المعتزلة وهم براء منه لمخالطة ضرار إياهم وتبعه قوم من السفهاء المعاندين للحق\" (٢).\nأما قول جمال الدين السرمري: \" وبينهما لا شك في عصرة القبر\" (٣)، فصحيح موافق لما ثبت في النصوص، وعصرة القبر هي: هي أول ما يلاقيه الميت حين يوضع في قبره، وقد روي عن النبي - ﷺ - أنه قال: «إن للقبر ضغطة، ولو كان أحد ناجيًا منها نجا منها سعد بن\nمعاذ» (٤)، وقد علق الألباني على هذا الحديث في الصحيحة (١٦٩٥) فقال: \"وجملة القول أن الحديث بمجموع طرقه وشواهده صحيح بلا ريب، فنسأل الله تعالى أن يهون علينا ضغطة القبر إنه نعم المجيب\" (٥).\nوأما قول جمال الدين السرمري أنه يستثنى الرسلُ ﵈ من فتنة القبر وسؤال الملكين، فلعل ما ذهب إليه السرمري هو الظاهر في المسألة، ويدل على ذلك الأحاديث\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٤/ ٢٦٢).\n(٢) شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ٢٢٠).\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٤) أخرجه الإمام أحمد في مسنده (٤٠/ ٣٢٧) ح ٢٤٢٨٣، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وآخرون، الطبعة الثانية ١٤٢٠، مؤسسة الرسالة.\n(٥) سلسلة الأحاديث الصحيحة (٤/ ٢٧١).","vol":"1","page":195},{"text":"الصحيحة التي وردت في أن الشهيد لا يسأل، وألحق به من مات مرابطًا لظاهر حديث: «كل ميت يختم على عمله إلا المرابط، فإنه ينمو عمله إلى يوم القيامة، ويؤمَّن من فتان القبر» (١)، وألحق القرطبي بالشهيد الصديق لأنه أعلى مرتبة من الشهيد، ومنه يؤخذ انتفاء السؤال في حقه - ﷺ - وفي حق سائر الأنبياء (٢).\nوعلى كل حال فمسألة استثناء الرسل ﵈ من سؤال الملكين ليس وراءها كثير فائدة، وليست من أصول الإيمان، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-139>المطلب الثاني: النفخ في الصور، والبعث من القبور:</span>\nالصور: هو القرن الذي ينفخ فيه إسرافيل - ﵇ - عند بعث الموتى إلى المحشر (٣)، ومن أصول الإيمان باليوم الآخر ومستلزماته: الإيمان بالنفخ في الصور.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال:\n\"وينفخ إسرافيل في الصور نفخة لصعق وأخرى فيه ينفخ للنشر\nوموت الورى حق ومن بعد بعثهم وبينهما لا شك في عصرة القبر\" (٤).\nوما قرره جمال الدين السرمري من النفخ في الصور هو الحق الذي دلت عليه النصوص، ومنها:\nقوله - ﷻ -: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا﴾ [الكهف: ٩٩]\n، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: ١٠٢]، وقوله\n_________\n(١) أخرجه أبو داود (٣/ ٩)، كتاب الجهاد، باب في فضل الرباط، ح ٢٥٠٠؛ وقال الألباني: \"إسناده صحيح، وصححه ابن حبان\". صحيح أبي داود (٧/ ٢٦٠).\n(٢) الإيمان والرد على أهل البدع ص ٨٢، لعبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب، الطبعة الثالثة ١٤١٢، دار العاصمة، الرياض.\n(٣) انظر: النهاية في غريب الأثر (٣/ ١٢٢)، لسان العرب (٤/ ٤٧١).\n(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":196},{"text":"تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾ [النمل: ٨٧]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ﴾ [يس: ٥١]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزُّمَر: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ﴾ [ق: ٢٠]، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ﴾ [الحاقة: ١٣ - ١٥]، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا﴾ [النبأ: ١٨].\nأما ما ذكره جمال الدين السرمري من أن صاحب الصور من الملائكة هو إسرافيل فصحيح موافق لمذهب السلف.\nقال القرطبي: \"والأمم مجمعة على أن الذي ينفخ في الصور إسرافيل ﵇ \" (١)، وقد نقل الحليمي أيضًا الإجماع على ذلك (٢).\nوقد أشار الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق إلى عدد النفخات في الصور أنها\nاثنتان، وهذا أصح الأقوال في النفخات، وقد قيل: إن عددها ثلاث، وقيل: أربع (٣).\nوأما ما يتعلق بالشق الثاني مما قرره جمال الدين السرمري وهو البعث، أي قيام الناس من قبورهم لرب العالمين، فهذا من المعلوم من الدين بالضرورة، بل من الأديان السماوية جميعًا.\nوقد قرر القرآن هذا الأصل العظيم بأساليب متعددة، قال ابن القيم: \"وقد أعاد الله سبحانه هذا المعنى وأبداه في كتابه، وبأوجز العبارات، وأدلها، وأفصحها، وأقطعها للعذر،\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ٢٠)، تحقيق: هشام البخاري، ١٤٢٣، دار عالم الكتب، الرياض.\n(٢) انظر: فتح الباري (١١/ ٣٦٨).\n(٣) انظر: فتح الباري (٦/ ٤٤٦)، التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة ص ٢٠٠، للإمام القرطبي، تحقيق: الصادق بن محمد بن إبراهيم، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار المنهاج، الرياض.","vol":"1","page":197},{"text":"وألزمها للحجة\" (١).\nبل لم يكن إثبات هذا مقتصرًا على ورود الشرع وحده، إذا قد ثبت بدلالة العقل، والفطر السليمة (٢).\nولقد ألحد في عقيدة البعث، وقيام الناس من قبورهم لرب العالمين، ليجازي كل إنسان بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، وتخبطوا فيها بعض من يتسمون (بفلاسفة الإسلام) وزعموا أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري، قال ابن أبي العز: \"ومحمد - ﷺ - لما كان خاتم الأنبياء، وكان قد بعث هو والساعة كهاتين، وكان هو الحاشر المقفي، بيَّن تفصيل الآخرة بيانًا لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء، ولهذا ظن طائفة من المتفلسفة ونحوهم أنه لم يُفصح بمعاد الأبدان إلا محمد - ﷺ -، وجعلوا هذا حجة لهم في أنه من باب التخييل والخطاب الجمهوري ... وهذا كذب، فإن القيامة الكبرى هي معروفة عند الأنبياء، من آدم إلى نوح، إلى إبراهيم وموسى وعيسى وغيرهم ﵈\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-140>المطلب الثالث: الحشر:</span>\nقال القرطبي: \"الحشر: ومعناه الجمع؛ وهو على أربعة أوجه: حشران في الدنيا وحشران في الآخرة.\nأما الذي في الدنيا، فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر: من الآية ٢] ...\nالثاني: ما رواه مسلم عن أبي هريرة - ﵁ - عن النبي - ﷺ - قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين وراهبين واثنان على بعير وثلاثة على بعير وتحشر بقيتهم النار تبيت معهم حيث باتوا وتقيل معهم حيث قالوا وتصبح معهم حيث أصبحوا وتمسي معهم حيث أمسوا» ...،\n_________\n(١) إعلام الموقعين (١/ ١٤٠ - ١٤١).\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧٢.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٧٢.","vol":"1","page":198},{"text":"قال القاضي عياض: هذا الحشر في الدنيا قبل قيام الساعة، وهو آخر أشراطها ...\nوالحشر الثالث: حشرهم إلى الموقف ... قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٧].\nوالرابع: حشرهم إلى الجنة والنار، قال تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾ [مريم: ٨٥] ... وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾ [طه: من الآية ١٠٢] \" (١).\nوالإيمان بالحشر من أصول الإيمان باليوم الآخر.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:\n\"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر\" (٢).\nوقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري في هذا البيت بعض من أحوال ومواقف ومقامات الحشر، فحالات الناس في الحشر خمسة: حال البعث من القبور، وحال السوق إلى مواضع الحساب، وحال المحاسبة، وحال السوق إلى دار الجزاء، وحال مقامهم في الدار التي يستقرون فيها (٣)؛ وسيأتي بيان وتفصيل المواقف التي ذكرها الإمام جمال الدين السرمري في البيت السابق في المطالب القادمة -إن شاء الله تعالى-.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-141>المطلب الرابع (*): الميزان:</span>\nدل الكتاب، والسنة، وإجماع أهل السنة على إثبات الميزان يوم القيامة، وهو ميزان حقيقي له لسان وكفتان.\nقال تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ﴾ [الأعراف: ٨ - ٩]، وقال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا\n_________\n(١) التذكرة، ص ٢٢٥.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٣) انظر: التذكرة، ص ٢٣٢.\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (الخامس)","vol":"1","page":199},{"text":"وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠٢ - ١٠٣]، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة: ٦ - ٩].\nأما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الميزان قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١).\nكما أن أهل السنة أجمعوا على القول بإثباته كما ورد في النصوص.\nقال الزجاج: \"أجمع أهل السنة على الإيمان بالميزان، وأن أعمال العباد توزن يوم القيامة، وأن الميزان له لسان وكفتان، ويميل بالأعمال\" (٢).\nوقال السفاريني: \"والحاصل أن الإيمان بالميزان كأخذ الصحف ثابت بالكتاب والسنة\nوالإجماع ... - إلى أن قال: - وانعقد إجماع أهل الحق من المسلمين عليه ... \" (٣).\nفالإيمان بالميزان من أصول الإيمان باليوم الآخر.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:\n\"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر\" (٤).\nوقال في موضع آخر: \"وقد جاء أن الله تعالى يوقفُ عبدًا في الحساب، فتوزن حسناته وسيِّئاته ... \" (٥).\n_________\n(١) نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٣١، لمحمد بن جعفر الكتاني، الطبعة الثانية، دار الكتب السلفية، مصر؛ لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٨٥)؛ السلسلة الصحيحة (١/ ١٣٤) غير أن الألباني -﵀- لم يجزم ببلوغها حد التواتر، وإنما قال: \"والأحاديث في ذلك -أي الميزان- متضافرة إن لم تكن متواترة\".\n(٢) فتح الباري (١٣/ ٥٣٨).\n(٣) لوامع الأنوار (٢/ ١٨٤ - ١٨٥).\n(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٥) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٠٦.","vol":"1","page":200},{"text":"وما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالميزان هو مذهب أهل السنة والجماعة -كما تقدم-، وقد خالف في هذا الأصل الجهمية وجمهور المعتزلة، بل إن بعض العلماء ذهب إلى أن جميع المعتزلة تنكره، فنفوا أن يكون الميزان حقيقي، إذ زعموا أن الأعمال أعراض، والأعراض لا توزن، وإن أمكن إعادتها فلا يمكن وزنها إذ لا توصف بالخفة والثقل، وقالوا أيضًا: الوزن للعلم بمقدارها، وهي معلومة لله تعالى، فلا فائدة فيه، فيكون قبيحًا تنزه عنه الرب تعالى، وتأولوا النصوص الواردة في الميزان بأنه العدل (١)،\nوقد رد عليهم العلماء وأوضحوا خطأهم في هذا التأويل الباطل، حتى إن أحد كبار أئمتهم -وهو القاضي عبدالجبار- رد على من يؤول ذلك التأويل.\nيقول القاضي عبدالجبار: \"أما وضع الموازين فقد صرح الله تعالى في محكم كتابه، قال الله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: من الآية ٤٧] وقوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ ...﴾ الآية ... [الأعراف: ٨] إلى غير ذلك من\nالآيات التي تتضمن هذا المعنى، ولم يرد الله تعالى بالميزان إلا المعقول منه المتعارف فيما بيننا دون العدل وغيره على ما يقوله بعض الناس، لأن الميزان وإن ورد بمعنى العدل في قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ [الحديد: من الآية ٢٥] فذلك على طريق التوسع والمجاز، وكلام الله تعالى مهما أمكن حمله على الحقيقة لا يجوز أن يعدل به عنه إلى المجاز؛ يبين ذلك ويوضحه، أنه لو كان الميزان إنما هو العدل، لكان لا يثبت للثقل والخفة فيه معنى، فدل على أن المراد به الميزان المعروف الذي يشتمل على ما تشمل عليه الموازين فيما بيننا ... \" (٢).\n_________\n(١) انظر: شرح المقاصد في علم الكلام (٢/ ٢٢٣) للتفتزاني؛ التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص ٩٨، لأبي الحسين الملطي، تحقيق: محمد زاهد الكوثري، الطبعة الثانية ١٩٧٧ م، المكتبة الأزهرية للتراث، القاهرة؛ فتح الباري (١٣/ ٥٣٨)؛ مقالات الإسلاميين ص ٤٧٢ - ٤٧٣، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: هلموت ريتر، الطبعة الثالثة، دار إحياء التراث، بيروت؛ كتاب المواقف (٣/ ٥٢٤)؛ روح المعاني في تفسير القرآن والسبع المثاني (١٧/ ٦)، محمود الألوسي، دار إحياء التراث، بيروت.\n(٢) شرح الأصول الخمسة ص ٧٣٥، للقاضي عبدالجبار بن أحمد، تحقيق: عبدالكريم عثمان، الطبعة الثالثة ١٤١٦، مكتبة وهبة، القاهرة.","vol":"1","page":201},{"text":"وقال الزجاج بعد أن ذكر الأقوال في معنى الميزان، -ومنها قول من قال: إنه العدل-: \"هذا سائغ من جهة اللسان والأولى أن يتبع ما جاء في الأسانيد الصحاح من ذكر الميزان\" (١)،\nقال القشيري تعليقًا على كلام الزجاج: \"وقد أحسن الزجاج فيما قال، إذ لو حمل هذا فليحمل الصراط على الدين الحق، والجنة والنار على ما يرد على الأرواح دون الأجساد، والشياطين والجن على الأخلاق المذمومة، والملائكة على القوى المحمودة - ثم قال: - وقد أجمعت الأمة في الصدر الأول على الأخذ بهذه الظواهر من غير تأويل، وإذا أجمعوا على منع التأويل وجب الأخذ بالظاهر، وصارت هذه الظواهر نصوصًا\" (٢).\nوقال الإمام ابن أبي العز الحنفي: \"ويا خيبة من ينفي وضع الموازين القسط ليوم القيامة كما أخبر الشارع لخفاء الحكمة عليه، ويقدح في النصوص بقوله: لا يحتاج إلى الميزان إلا البقال والفوال! وما أحراه بأن يكون من الذين لا يقيم الله لهم يوم القيامة وزنًا، ولو لم يكن من الحكمة في وزن الأعمال إلا ظهور عدله سبحانه لجميع عباده، فإنه لا أحد أحب إليه العذر من الله، من أجل ذلك أرسل الرسل مبشرين ومنذرين، فكيف ووراء ذلك من الحكم ما لا اطلاع لنا عليه\" (٣).\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٧/ ١٤٧)، للإمام القرطبي؛ فتح القدير (٢/ ٢١٦)، للإمام الشوكاني، الطبعة الأولى ١٤١٤، دار ابن كثير - دار الكلم الطيب، دمشق -بيروت.\n(٢) المصدران السابقان.\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٨٢.","vol":"1","page":202},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-142>المطلب الخامس (*): الحوض:</span>\nالحوض في اللغة: مجتمع الماء (١)، المراد بالحوض هنا: هو المورد الموعود به النبي - ﷺ - في عرصات القيامة، ماؤه أشد بياضًا من اللبن، وأحلى من العسل، آنيته عدد نجوم السماء، طوله شهر، وعرضه شهر، من يشرب منه شربة لم يظمأ بعدها أبدًا (٢).\nومن أصول الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالحوض.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في منظومته في الاعتقاد، فقال:\n\"وللمصطفى حوض لورد أولى التقى أباريقه في العدِّ كالأنجم الزهر\" (٣).\nوما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو الحق الذي دلت عليه النصوص، وأجمع عليه أهل السنة والجماعة.\nقال ابن كثير ﵀: \"ذكر ما ورد في الحوض المحمدي سقانا الله منه يوم القيامة من الأحاديث المشهورة المتعددة من الطرق المأثورة الكثيرة المتضافرة، وإن رغمت أنوف كثير من المبتدعة المكابرة القائلين بجحوده، المنكرين لوجوده ... \" (٤).\nوقال الإمام ابن أبي العز: \"الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر، رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابيًا - ﵃ - ... \" (٥).\nوقال القاضي عياض - ﵀ - فيما ينقله النووي: \"أحاديث الحوض صحيحة، والإيمان به فرض، والتصديق به من الإيمان، وهو على ظاهره عند أهل السنة والجماعة، لا يتأول ولا يختلف فيه -وقال القاضي: - وحديثه متواتر النقل رواه خلائق من الصحابة ... \" (٦).\nويقول ابن حجر: \" وقال القرطبي في (المفهم) تبعًا للقاضي عياض في غالبه -أي أغلب الكلام الآتي-: مما يجب على كل مكلف أن يعلمه ويصدق به أن الله ﷾ قد خص نبيه محمدًا - ﷺ - بالحوض المصرح باسمه وصفته وشرابه في الأحاديث الصحيحة الشهيرة التي\n_________\n(١) لسان العرب (٧/ ١٤١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ١٤٦).\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٤) النهاية في الفتن والملاحم (١/ ٣٧٤)، لابن كثير، تحقيق: محمد أحمد عبدالعزيز، الطبعة ١٤٠٨، دار الجيل، بيروت.\n(٥) شرح العقيدة الطحاوية ص ١٤٥، وانظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر ص ٢٣٦ - ٢٣٨.\n(٦) شرح صحيح مسلم (١٥/ ٥٣).\n\n(*) قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بالمطبوع (السادس)","vol":"1","page":203},{"text":"يحصل بمجموعها العلم القطعي ... وأجمع على إثباته السلف وأهل السنة من الخلف، وأنكرت ذلك طائفة من المبتدعة وأحالوه على ظاهره وغلوا في تأويله من غير استحالة عقلية ولا عادية تلزم من حمله على ظاهرة وحقيقته ولا حاجة تدعو إلى تأويله فخرق من حرفه إجماع السلف وفارق مذهب أئمة الخلف\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-143>المطلب السادس: الصراط:</span>\nالصراط: وهو جسر ممدود على ظهر جهنم مدحضة مزلة، أحدّ من السيف وأدق من الشعر، وأحر من الجمر، عليه خطاطيف تأخذ الأقدام، وعبوره بقدر الأعمال، مُشاة وركبانًا وزحفًا، يمر عليه المسلم والكافر، فيجوزه المؤمن كالبرق والريح وأجاويد الخيل والركبان والمشاة، فناج مسلم ومخدوش ومكردس في النار (٢).\nوقد دلت الأدلة في الكتاب والسنة على إثبات الصراط\nقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧١ - ٧٢] ذهب أكثر المفسرين أن المقصود بورود النار هنا: المرور على الصراط، وهو منقول عن ابن مسعود وجابر والحسن وقتادة وعبدالرحمن بن زيد بن أسلم والكلبي وغيرهم (٣).\nوقال ابن جرير ﵀ بعد أن حكى الخلاف في تفسير الآية: \"وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: يردها الجميع ثم يصدر عنها المؤمنون، فينجيهم الله، ويهوي فيها الكفار، وورودها هو ما تظاهرت به الأخبار عن رسول الله - ﷺ - من مرورهم على الصراط المنصوب على متن جهنم، فناج مسلم، ومكدس فيها\" (٤).\n_________\n(١) فتح الباري (١١/ ٤٦٧).\n(٢) التوضيح عن توحيد الخلاق في جواب أهل العراق وتذكرة أولي الألباب في طريقة الشيخ محمد بن عبدالوهاب (١/ ١٢٦)، لسليمان بن عبدالله بن محمد بن عبدالوهاب، الطبعة الأولى ١٤٠٤، دار طيبة، الرياض.\n(٣) التخويف من النار والتعريف بحال دار البوار ص ٢٤٩، لابن رجب الحنبلي، ١٣٩٩، مكتبة دار البيان، دمشق.\n(٤) جامع البيان في تأويل القرآن (١٨/ ٢٣٤)، لابن جرير الطبري، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الأولى ١٤٢٠، مؤسسة الرسالة.","vol":"1","page":204},{"text":"وقال ابن أبي العز: \" واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط، قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]، وفي الصحيح أنه - ﷺ - قال: «والذي نفسي بيده، لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة»، قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله، أليس الله يقول: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] فقال: «ألم تسمعيه قال: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا﴾ [مريم: ٧٢]» أشار - ﷺ - إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها، وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله، بل تستلزم انعقاد سببه، فمن طلبه عدوه ليهلكوه ولم يتمكنوا منه، يقال: نجاه الله منهم ... وكذلك حال الوارد في النار، يمرون فوقها على الصراط، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيًا، فقد بين - ﷺ - في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط\" (١).\nأما من السنة: فقد حكى بعض العلماء أن أحاديث الصراط بلغت حد التواتر المعنوي (٢).\nوالإيمان بالصراط من أصول الإيمان باليوم الآخر.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل بقوله:\n\"وفي الحشر ميزان ونار وجنة وفيه صراط للمزلة والعبر\" (٣).\nوما قرره جمال الدين السرمري من الإيمان بالصراط المنصوب على متن جهنم هو مذهب أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة الذين يأولون النصوص الواردة في الصراط عن ظاهرها.\nقال السفاريني: \"اتفقت الكلمة على إثبات الصراط في الجملة، لكن أهل الحق يثبتونه على ظاهره من كونه جسرًا ممدودًا على متن جهنم، أحد من السيف وأدق من الشعر، وأنكر هذا الظاهر القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكثير من أتباعه زعمًا منهم أنه لا يمكن عبوره، وإن أمكن ففيه تعذيب، ولا عذاب على المؤمنين والصلحاء يوم القيامة، وإنما المراد طريق الجنة\n_________\n(١) شرح العقيدة الطحاوية، ص ٢٨٠.\n(٢) انظر: نظم المتناثر من الحديث المتواتر، ص ٢٣١.\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":205},{"text":"المشار إليه بقوله تعالى: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ [محمد: ٥]، وطريق النار المشار إليه بقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: من الآية ٢٣].\nومنهم من حمله على الأدلة الواضحة، والمباحات والأعمال الرديئة ليسأل عنها ويؤاخذ بها،\nوكل هذا باطل وخرافات، لوجوب رد النصوص على حقائقها، وليس العبور على الصراط بأعجب من المشي على الماء أو الطيران في الهواء، والوقوف فيه، وقد أجاب - ﷺ - عن سؤال حشر الكافر على وجهه بأن القدرة صالحة لذلك، وأنكر العلامة القرافي كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف، وسبقه إلى ذلك شيخه العز بن عبد السلام، والحق أن الصراط وردت به الأخبار الصحيحة، وهو محمول على ظاهره بغير تأويل كما ثبت في الصحيحين والمسانيد والسنن والصحاح مما لا يحصى إلا بكلفة من أنه جسر مضروب على متن جهنم يمر عليه جميع الخلائق، وهم في جوازه متفاوتون.\nوقال المنكر لكون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف: هذا إن ثبت حمل على غير ظاهره لمنافاته للأحاديث الأخر من قيام الملائكة على جنبتيه، وكون الكلاليب والحسك فيه، وإعطاء كل من المارين عليه من النور قدر موضع قدميه.\nقال القرافي: والصحيح أنه عريض، وقيل: طريقان يمنى ويسرى، فأهل السعادة يسلك بهم ذات اليمين، وأهل الشقاوة يسلك بهم ذات الشمال، وفيه طاقات كل طاقة تنفذ إلى طبقة من طبقات جهنم، وجهنم بين الخلق وبين الجنة، والجسر على ظهرها منصوب فلا يدخل أحد الجنة حتى يمر على جهنم، وهو معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: من الآية ٧١] على أحد الأقوال.\nثم قال القرافي تبعًا للحافظ البيهقي: كون الصراط أدق من الشعر وأحد من السيف لم أجده في الروايات الصحيحة، وإنما يروى عن بعض الصحابة، فيؤول بأن أمره أدق من الشعر، فإن يسر الجواز عليه وعسره على قدر الطاعات والمعاصي، ولا يعلم حدود ذلك إلا الله تعالى، وقد جرت العادة بضرب دقة الشعر مثلا للغامض الخفي، وضرب حد السيف لإسراع الملائكة في المضي لامتثال أمر الله، وإجازة الناس عليه.","vol":"1","page":206},{"text":"ورد هذا الإمام القرطبي وغيره من أئمة الآثار، وقد أخرج مسلم تلك الزيادة في صحيحه عن أبي سعيد بلاغًا، وليست مما للرأي والاجتهاد فيه مجال فهي مرفوعة، وقد مر من الأخبار ما يوجب الإيمان بذلك، ثم إن القادر على إمساك الطير في الهواء قادر على أن يمسك عليه المؤمن ويجريه ويمشيه، على أنه أخرج الإمام عبد الله بن المبارك، وابن أبي الدنيا عن سعيد بن أبي هلال قال:\nبلغنا أن الصراط يوم القيامة يكون على بعض الناس أدق من الشعر، وعلى بعض مثل الوادي الواسع، وأخرج أبو نعيم عن سهل بن عبد الله التستري قال:\nمن دق الصراط عليه في الدنيا عرض عليه في الآخرة، ومن عرض عليه الصراط في الدنيا دق له في الآخرة\" (١).\nوقال أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا -يعني: أهل الحديث- على أن الصراط جسر ممدود على جهنم، يجوز عليه العباد بقدر أعمالهم، وأنهم يتفاوتون في السرعة والإبطاء على قدر ذلك\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-144>المطلب السابع: الجنة والنار:</span>\nمن لوازم الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وأنهما مخلوقتان موجودتان، وأن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول، وأن أهل النار خالدين فيها.\nوقد دل على ذلك الكتاب والسنة.\nفمن أدلة الكتاب: الآيات الكثيرة التي دلت على أن آدم وحواء أسكنهما الله الجنة، وأهبطهما منها، كقوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا﴾ [البقرة: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى: ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ [الأعراف: ١٩]، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي\n_________\n(١) لوامع الأنوار البهية (٢/ ١٩٢ - ١٩٤).\n(٢) رسالة إلى أهل الثغر ص ٢٨٦، لأبي الحسن الأشعري، تحقيق: عبدالله شاكر الجنيدي، الطبعة الأولى ١٩٨٨ م، مكتبة العلوم والحكم، دمشق.","vol":"1","page":207},{"text":"آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ [الأعراف: من الآية ٢٧]، وقوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى﴾ [طه: ١١٧].\nومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران: ١٣٣]، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾ [آل عمران: ١٣١] فالجنة والنار بدلالة الآيتين قد أعدتا وفرغ من إعدادهما، مما يقتضي أنهما مخلوقتان موجودتان الآن.\nوأما الأدلة على أن الجنة لا تفنى ونعيمها لا يزول فكثيرة، ومن ذلك:\nقوله تعالى في الجنة: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ [الرعد: من الآية ٣٥]، وقوله تعالى:\n﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾ [ص: ٥٤]، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ [الدخان: من الآية ٥٦].\nوأما الأدلة على خلود أهل الجنة والنار فيهما، فقد جاء في غير آية من القرآن الكريم ﴿خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا﴾ [النساء: ٥٧/ ١٢٢/١٦٩، المائدة: ١١٩، التوبة: ٢٢/ ١٠٠، الأحزاب: ٦٥، التغابن: ٩، الطلاق: ١١، الجن: ٢٣، البينة: ٨]، إلى غير ذلك من الأدلة.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري الإيمان بالجنة والنار وخلود أهلهما فيهما في منظومته في الاعتقاد، فقال:\n\"ويدخل ناس بالمعاصي جهنمًا ... فيأخذهم منها على قدر الوزر\nإلى أن قال:\nويُذبَح كبش الموت فالناس بعده ... فريقان ذو ربح وآخرُ ذو خسر\" (١).\nولا شك أن ما قرره الإمام جمال الدين السرمري هو مذهب أهل السنة والجماعة قاطبة.\nقال الإمام الصابوني: \"ويشهد أهل السنة: أن الجنة والنار مخلوقتان، وأنهما باقيتان لا\n_________\n(١) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":208},{"text":"يفنيان أبدًا، وأن أهل الجنة لا يخرجون منها أبدًا، وكذلك أهل النار الذين هم أهلها خلقوا لها، لايخرجون منها أبدًا، وأن المنادي ينادي يومئذ \"يا أهل الجنة خلود ولا موت، ويا أهل النار خلود ولا موت\" على ما ورد به الخبر الصحيح عن رسول الله - ﷺ - \" (١).\nوقد قال ابن حزم ﵀ في المسائل التي أجمع عليها أهل السنة: \"وأن الجنة حق، وأنها دار نعيم أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها بلا نهاية ... وأن النار حق، وأنها دار عذاب أبدًا، لا تفنى ولا يفنى أهلها أبدا بلا نهاية ... \" (٢).\nأما قول جمال الدين السرمري: \" ويُذبَح كبش الموت\" (٣) فصحيح ثابت في السنة، فقد روى البخاري ومسلم وغيرهما عن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «يجاء\nبالموت يوم القيامة كأنه كبش أملح فيوقف بين الجنة والنار، فيقال: يا أهل الجنة هل تعرفون هذا؟ فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال ويقال: يا أهل النار هل تعرفون هذا؟ قال: فيشرئبون وينظرون ويقولون: نعم هذا الموت، قال: فيؤمر به فيذبح، قال: ثم يقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت» قال: ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: «﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [مريم: ٣٩] وأشار بيده إلى الدنيا» واللفظ لمسلم (٤).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-145>المطلب الثامن: الشفاعة:</span>\nالشفاعة في اللغة كما قال الراغب: \"الانضمام إلى آخر ناصرًا له، وسائلًا عنه، وأكثر ما يستعمل في انضمام من هو أعلى حرمة ومرتبة إلى من هو أدنى. ومنه الشفاعة في القيامة\" (٥).\n_________\n(١) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص ٢٦٤، لأبي عثمان الصابوني، تحقيق: ناصر الجديع، الطبعة الثانية ١٤١٩، دار العاصمة، الرياض.\n(٢) مراتب الإجماع في العبادات والمعاملات والاعتقادات ص ١٧٣، لابن حزم، دار الكتب العلمية، بيروت.\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٤) رواه البخاري (٦/ ٩٣)، كتاب تفسير القرآن، باب قوله: (وأنذرهم يوم الحسرة)، ح ٤٧٣٠؛ ورواه مسلم (٤/ ٢١٨٨)، كتاب الجنة وصفة نعيمها وأهلها، باب النار يدخلها الجبارون والجنة يدخلها الضعفاء، ح ٢٨٤٩.\n(٥) المفردات في غريب القرآن ص ٢٦٣، للراغب الأصفهاني، تحقيق: محمد سيد كيلاني، دار المعرفة، لبنان.","vol":"1","page":209},{"text":"وقال القرطبي: \"أصل الشفاعة والشفعة ونحوها من الشفع وهو الزوج في العدد، ومنه الشفيع، لأنه يصير مع صاحب الحاجة شفعًا، ومنه ناقة شفوع إذا جمعت بين محلبين في حلبة واحدة، وناقة شفيع إذا اجتمع لها حمل وولد يتبعها، والشفع ضم واحد إلى واحد، والشفعة ضم ملك الشريك إلى ملكك؛ فالشفاعة إذا ضم غيرك إلى جاهك ووسيلتك، فهي على التحقيق إظهار لمنزلة الشفيع عند المشفع وإيصال المنفعة إلى المشفوع له\" (١).\nأما الشفاعة في الاصطلاح كما قال ابن الأثير: \"هي السؤال في التجاوز عن الذنوب والجرائم بينهم\" (٢).\nوقد دل الكتاب والسنة على وقوع الشفاعة يوم القيامة، وهي تقع بشرطين:\nأحدهما: أن يكون بعد إذن الله تعالى للشافع.\nوالثاني: أن يرضى الله عن المشفوع له.\nوقال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٥] وقال تعالى: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ [الأنبياء: من الآية ٢٨]. أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الشفاعة قد بلغت حد التواتر (٣).\nوالإيمان بالشفاعة من أصول الإيمان باليوم الآخر التي أجمع عليها أهل السنة والجماعة، خلافًا للمعتزلة والخوراج.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"إن أحاديث الشفاعة في أهل الكبائر ثابتة متواترة عن النبي - ﷺ -، وقد اتفق عليها السلف من الصحابة وتابعيهم بإحسان وأئمة المسلمين، وإنما نازع في ذلك أهل البدع من الخوارج والمعتزلة ونحوهم\" (٤).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري هذا الأصل في غير ما موضع.\n_________\n(١) الجامع لأحكام القرآن (٥/ ٢٩٥).\n(٢) النهاية في غريب الأثر (٢/ ١١٨٤).\n(٣) انظر: نظم المتناثر ص ٢٣٤ - ٢٣٦.\n(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٣٠٩).","vol":"1","page":210},{"text":"ومن ذلك قوله في منظومته في الاعتقاد:\n\"ويدخل ناس بالمعاصي جهنمَّا ... فيأخذهم منها على قدر الوزر\nويشفع فيهم سيد الخلق أحمد ... عليه صلاة الله ما غرد القمري\nويخرج من في قلبه وزن ذرة ... بلا شك منها من مقارفة البر\" (١).\nوقال في موضع آخر في ذكر ما خص الله به نبيه محمد - ﷺ - في الآخرة: \"ومنها شفاعاته في الآخرة فإن له - ﷺ - عدّة شفاعات، الأولى: الشفاعة في عموم الخلق ليحاسَبُوا ويُراحُوا من الموقف كما سبق، وشفاعَةٌ في أهل الكبائر من أمّته، وشفاعة لمن في قلبه مثقال ذرّة من إيمان؛\nإلى ما دون ذلك من الشفاعات الخاصّة والمشتركة هو وغيره فيها\" (٢).\nوقال في موضع آخر: \"فجملة الشفاعة خمسة مقامات، المقام الأول: في أهل الموقف لفصل القضاء وهي الشفاعة العظمى، وهي من خصائصه - ﷺ -، والمقام الثاني: في من يدخل الجنة بغير حساب وهي من خصائصه أيضًا - ﷺ -، والمقام الثالث: فيمن يخرج من النّار وابتداؤها له - ﷺ - فإنه أول شافع وأول مشفع كما سَبَق، المقام الرابع: فيمن يدخل الجنة واختصاصه منها أنه لا يدخل الجنة أحد بالشفاعة أكثر ممن يدخلها بشفاعته، المقام الخامس: شفاعته في قوم لرفع درجاتهم من الجنة\" (٣).\nوهذه المقامات السابقة التي ذكرها جمال الدين السرمري سوى المقام الثالث ليست هي التي جرى فيها الخلاف بين الأمة، وإنما أكثر ما وقع الخلاف والإشكال والتنازع فيه هو في الشفاعة فيمن يخرج من النار، وهذا هو المحل الذي ذكر العلماء لأجله موضوع الشفاعة في كتب العقيدة وكرروا ذلك لأهميته بالنسبة للرد على أهل البدع، ولا يزال أهل البدع إِلى اليوم ينكرون هذا النوع، وهو شفاعته - ﷺ - في أهل الكبائر من أمته ممن دخل النار أن يخرجوا منها،\nفالمعتزلة والخوارج ينكرون الشفاعة لأهل الكبائر وأن الله ﷾ لا يأذن لأحد أن\n_________\n(١) نهج الرشد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٢) خصائص سيد العالمين [ق ٦٢/و].\n(٣) خصائص سيد العالمين [ق ٨٥/و].","vol":"1","page":211},{"text":"يشفع في أهل الكبائر فيخرجون من النار، والسبب في ذلك لأنهم يرون فيها تعارضًا مع ما أصَّلوه وهو: أن صاحب الذنب لا بد أن يُجازى بذنبه وجوبًا، فيدخل النار ولا يخرج منها، هكذا قررت عقولهم دون الرجوع إِلى الآيات وإلى الأحاديث.\nيقول ابن القيم ﵀: \"رد الخوارج والمعتزلة النصوص المتواترة الدالة على خروج أهل الكبائر من النار بالشفاعة وكذبوا بها، وقالوا: لا سبيل لمن دخل النار إلى الخروج منها بالشفاعة ولا غيرها، ولما بهرتهم نصوص الشفاعة وصاح بهم أهل السنة وأئمة الإسلام من كل قطر وجانب ورموهم بسهام الرد عليهم أحالوا بالشفاعة على زيادة الثواب فقط لا على الخروج من النار فردوا السنة المتواترة قطعًا ... \" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-146>المطلب الثامن: رؤية المؤمنين لربهم في الآخرة:</span>\nوهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلها، وهي الغاية التي شمَّر إليها المشمرون، وتنافس المتنافسون، وحُرمها الذين هم عن ربهم محجوبون، وعن بابه مردودون (٢)، فإن أعظم نعيم وعده الله عباده المؤمنين هو رؤيته تعالى في الآخرة، وقد دل على ذلك الكتاب، والسنة، وأجمع عليه سلف الأمة.\nفمن أدلة الكتاب:\nقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢ - ٢٣] وهي من أظهر الأدلة، فإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية، وتعديته بأداة إلى الصريحة في نظر العين، وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه، حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب - ﷻ - (٣).\n_________\n(١) طريق الهجرتين وباب السعادتين ص ٥٦٨ - ٥٦٩، لابن القيم، تحقيق: عمر بن محمود أبو عمر، الطبعة الثانية ١٤١٤، دار ابن القيم، الدمام.\n(٢) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.\n(٣) انظر: شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.","vol":"1","page":212},{"text":"أما من السنة: فإن الأحاديث التي جاءت في إثبات الرؤية قد بلغت حد التواتر، حكى ذلك غير واحد من العلماء (١).\nوقد أجمع السلف وأئمة المسلمين على إثبات رؤية المؤمين لربهم سبحانه في الآخرة عيانًا بأبصارهم، وممن نقل ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية (٢)، وابن أبي العز (٣).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب السلف في هذه المسألة فقال:\nولا يُمتَرى في رؤية الله ربِّنا ... وهل يُمترى في الشمس في ساعة الظهر (٤).\nوأما من خالف في إثبات الرؤية: فهم الجهمية والمعتزلة ومن تبعهم من الخوارج والإمامية (٥)، وأما الأشاعرة: لما لم يمكنهم إنكار الأدلة من الكتاب والسنة أثبوا الرؤية وقالوا: يُرى ولكن ليس في جهة، وهذا من التناقض العجيب، إذ ليس هناك شيء يُرى وهو ليس في جهة.\n\nنقل شيخ الإسلام عن ابن رشد قوله: \" أنكرها -أي الرؤية- المعتزلة، وردت الآثار الواردة في الشرع بذلك مع كثرتها وشهرتها، فشنع الأمر عليهم، وسبب وقوع هذه الشبهة في الشرع أن المعتزلة لما اعتقدوا انتفاء الجسمية عنه ﷾، واعتقدوا وجوب التصريح بها لجميع المكلفين، ووجب عندهم إذا انتفت الجسمية أن تنتفي الجهة، وإذا انتفت الجهة انتفت الرؤية، إذ كل مرئي في جهة من الرائي، فاضطروا لهذا المعنى لرد الشرع المنقول، واعتلوا للأحاديث بأنها أخبار آحاد وأخبار الآحاد لا توجب العلم ... وأما الأشعرية فراموا الجمع بين الاعتقادين أعني بين انتفاء الجسمية وبين جواز الرؤية لما ليس بجسم بالحس فعسر ذلك عليهم ولجؤوا في ذلك إلى حجج سوفسطائية مموهة\" (٦).\n_________\n(١) انظر: نظم المتناثر، ص ٢٤٢ - ٢٤٣.\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٧).\n(٣) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.\n(٤) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٨.\n(٥) شرح العقيدة الطحاوية، ص ١١٠.\n(٦) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (١/ ٣٦١)، لشيخ الإسلام ابن تيمية، تحقيق: محمد بن عبدالرحمن بن قاسم، الطبعة الأولى ١٣٩٢، مطبعة الحكومة، مكة.","vol":"1","page":213},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-147>المبحث الثالث: الإيمان بالقضاء والقدر</span>\nالإيمان بالقضاء والقدر من أصول الإيمان الستة التي لا يتم الإيمان إلا بها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة.\nومن أدلة الكتاب قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ﴾ [القمر: ٤٩] وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا﴾ [الأحزاب: من الآية ٣٨].\nومن السنة حديث جبريل وفيه أن النبي - ﷺ - قال في جواب سؤاله عن الإيمان: «أن تؤمن بالله، وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره» (١).\nوالإيمان بالقضاء والقدر هو نظام التوحيد، فمتى اختل هذا الأصل العظيم، اختل توحيد العبد.\nقال ابن عباس ﵄: \"القدر نظام التوحيد فمن وحَّدَ الله سبحانه وكذَّب بالقدر كان تكذيبه للقدر نقضًا للتوحيد، ومن وحَّد الله وآمن بالقدر كانت العروة الوثقى\" (٢).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري -﵀- هذا الأصل في عدة مواضع، ومن ذلك قوله في منظومته في الاعتقاد:\n\"وما لم يقدره المهيمنُ لم يكن ... وما قدَّره الرحمن لا بد أن يجري\nإلى أن قال:\nوما جاء من خير وشر مقدَّرٌ ... كذلك ما يأتي من الحُلو والمُرِّ\" (٣).\nوقال في موضع آخر: \"ومجمل شروط العبودية تلقي أوامر السيد بالقبول -إلى أن قال: -\n_________\n(١) رواه مسلم (١/ ٣٦) ح ١، كتاب الإيمان، باب معرفة الإيمان، والإسلام، والقدر وعلامة الساعة.\n(٢) كتاب الشريعة (٦/ ٨٧٧)، للإمام أبي بكر الآجري، تحقيق: عبدالله الدميجي، الطبعة الأولى ١٤١٨، دار الوطن، الرياض.\n(٣) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.","vol":"1","page":214},{"text":"وأن يعترف له بالقدرة على جميع المخلوقات، وأن ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن ... \" (١).\nكما اعتنى الإمام جمال الدين السرمري -﵀- ببيان هذا الأصل، وقرر بعض مسائله بما يتفق مع دلالة الكتاب والسنة، كما سيتضح من خلال المطالب التالية.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-148>المطلب الأول: معنى الإيمان بالقضاء والقدر:</span>\nالقضاء لغة: أصله من قضى، قال ابن فارس: \"القاف والضاد والحرف المعتل أصل صحيح يدل على إحكام أمر وإتقانه وإنفاذه لجهته\" (٢).\nأما القضاء شرعًا فيأتي على عدة أوجه، ومنها (٣):\n١ - الأمر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: من الآية ٢٣]\n٢ - الإنهاء، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ﴾ [الحِجر: من الآية ٦٦]، أي: تقدمنا إليه وأنهينا.\n٣ - الحكم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ [طه: من الآية ٧٢]\n٤ - الفراغ، ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ [فُصِّلَت: من الآية ١٢].\n٥ - الإعلام، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ﴾ [الإسراء: من الآية ٤].\n\nأما القدر لغة: قال ابن فارس: \"القاف والدال والراء أصل صحيح يدل على مبلغ الشيء\n_________\n(١) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة ص ١٣٧ - ١٣٨.\n(٢) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٩٩)؛ وانظر: لسان العرب (١٥/ ١٨٦)، المفردات في غريب القرآن ص ٤٠٦ - ٤٠٧.\n(٣) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس فيه ص ٣٤ - ٣٥، د. عبدالرحمن المحمود، الطبعة الثانية ١٤١٨، دار الوطن.","vol":"1","page":215},{"text":"وكُنهه ونهايته\" (١).\nويطلق القدر على الحكم والقضاء، ويطلق على التقدير، ويأتي على وجوه أخرى كذلك (٢).\n\nأما معنى الإيمان بالقضاء والقدر في الشرع: \"فهو الإيمان بتقدير الله تعالى الأشياء في القدم، وعلمه سبحانه أنها ستقع في أوقات معلومة عنده، وعلى صفات مخصوصة، وكتابته لذلك، ومشيئته له، ووقوعها على حسب ما قدرها، وخلقه لها (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-149>المطلب الثاني: مراتب القدر:</span>\nإن حقيقة الإيمان بالقدر لابد أن يشتمل على الإيمان والتصديق بمراتبه، بل إن هذه المراتب تمثل أركان الإيمان بالقدر، ومتى اختل ركن فقد اختل إيمان الشخص بهذا الأصل العظيم.\nقال الإمام ابن القيم: \"الباب العاشر: في مراتب القضاء والقدر التي من لم يؤمن بها لم يؤمن بالقضاء والقدر ... \" (٤).\nوهي أربع مراتب (٥):\n١): العلم\nيجب الإيمان بعلم الله عز المحيط بكل شيء، وأنه علم ما كان، وما يكون، وما لم يكن لو كان كيف يكون، وأنه علم ما الخلق عاملون قبل أن يخلقهم، وأنه يعلم كل شيء بعلمه القديم\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (٥/ ٦٢)؛ وانظر: لسان العرب (٥/ ٧٤)، المفردات في غريب القرآن ص ٣٩٥ - ٣٩٦.\n(٢) انظر: القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس ص ٣٦ - ٣٩، د. عبدالرحمن المحمود.\n(٣) القضاء والقدر في ضوء الكتاب والسنة ومذاهب الناس ص ٣٩ - ٤٠، د. عبدالرحمن المحمود.\n(٤) شفاء العليل، ص ٢٩.\n(٥) انظر: شفاء العليل ص ٢٩ - ٦٥؛ القضاء والقدر ص ٥٤ - ٨٣، د. عبدالرحمن المحمود.","vol":"1","page":216},{"text":"المتصف به أزلًا وأبدًا.\nوأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [الطلاق: من الآية ١٢]، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ﴾ [الأنعام: من الآية ٧٣]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ [طه: ٩٨]، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [الأنعام: ٥٩].\nوقد اتفق على الإيمان بالعلم السابق الرسلُ عليهم الصلاة والسلام من أولهم إلى خاتمهم، واتفق عليه جميع الصحابة ومن تبعهم من الأمة، ولم يخالف إلا مجوس الأمة -غلاة القدرية- (١).\n٢) الكتابة:\nوهي أن الله تعالى كتب مقادير المخلوقات، والمقصود بهذه الكتابة: الكتابة في اللوح المحفوظ، وهو الكتاب الذي لم يُفرِّط فيه الله من شيء، فكل ما جرى ويجري فهو مكتوب عند الله.\nوأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: من الآية ٣٨]، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّ ذَلِكَ فِي كِتَابٍ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحج: ٧٠]، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ [يونس: ٦١].\nقال ابن القيم: \"وأجمع الصحابة والتابعون وجميع أهل السنة والحديث أن كل كائن إلى يوم\n_________\n(١) شفاء العليل، ص ٢٩","vol":"1","page":217},{"text":"القيامة فهو مكتوب في أم الكتاب\" (١).\n\n٣) المشيئة:\nكل ما يجري في هذا الكون فهو بمشيئة الله - ﷾ - فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، فلا يخرج عن إرادته الكونية شيء.\nوقد وردت أدلة كثيرة جدًا لهذه المرتبة، منها قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ\nعَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٦]، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾ [المائدة: من الآية ٤٨]، والله - ﷾ - وجَّه نبيه قائلًا: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٣ - ٢٤].\nقال الإمام الصابوني: \"ومن مذهب أهل السنة والجماعة: أن الله - ﷿ - مريد لجميع أعمال العباد خيرها وشرها، ولم يؤمن أحد إلا بمشيئته، ولو شاء لجعل الناس أمة واحدة، ولو شاء أن لا يُعصى ما خلق إبليس، فكفر الكافرين، وإيمان المؤمنين، بقضائه - ﷾ - وقدره، وإرادته ومشيئته، أراد كل ذلك وشاءه وقضاه\" (٢).\n٤) الخلق:\nيجب الإيمان بأن الله خالق كل شيء، ومن ذلك أفعال العباد، فلا يقع في هذا الكون شيء إلا وهو خالقه.\nوأدلة هذه المرتبة كثيرة، منها قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ [الصافات: ٩٥ - ٩٦]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزُّمَر: من الآية\n_________\n(١) شفاء العليل، ص ٤١\n(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٨٥ - ٢٨٦.","vol":"1","page":218},{"text":"٦٢]، وفي آية أخرى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [غافر: من الآية ٦٢].\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: \"ومما اتفق عليه سلف الأمة وأئمتها مع إيمانهم بالقضاء والقدر وأن الله خالق كل شيء، وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه يضل من يشاء، ويهدي من يشاء ... \" (١).\n\nتقرير الإمام جمال الدين السرمري لمراتب القدر:\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مراتب القدر الأربع في عدة مواضع، علمًا بأنه لم يتحدث عنها مرتبة، أو بعناوين مستقلة، بل جاء الحديث عنها في ثنايا كلامه، ومن ذلك قوله: \"والغرض ها هنا أنه لا يُمرض إلا الله ولا يُعافي سواه، ولا يحيي ولا يميت إلا إياه، وهذه الأسباب التي تحصل منها التأثيرات من حمة وسقم كلها خلق من خلق الله -قال الباحث: في هذه إشارة إلى مرتبة الخلق-، جارية بمشيئته وواقعة بإرداته -مرتبة المشيئة-، ولا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء -مرتبة العلم-، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين -مرتبة الكتابة- ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-150>المطلب الثالث: أصلا الضلال في القدر:</span>\nوهذا الأصلان قد زلت فيهما أقدام، وضلت فيهما أفهام، ونشأ بسببهما الضلال في القدر، وهما مما اتفق عليهما الجبرية والقدرية بالقول بهما على اختلاف مذاهبهم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-151>١) التسوية بين المشيئة والإرادة وبين الرضا والمحبة:</span>\nموضوع الإرادة وهل هي مستلزمة للرضا والمحبة مما خاض فيه أهل الأهواء، وضلوا فيه عن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٥٩).\n(٢) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٣٦.","vol":"1","page":219},{"text":"الحق، وأدى بهم ضلالهم إلى انحراف خطير جدًا في مسألة القضاء والقدر، وهي مسألة الأمر والنهي، وعلاقة هذه بتلك، والخلاف: هل الإرادة تستلزم الرضا والمحبة؟ وقع على قولين:\nالقول الأول: إن الإرادة تستلزم الرضا والمحبة:\nوهذا قول المعتزلة، والجهمية، وأغلب الأشاعرة، ولكن اتفاق هؤلاء في هذا، لم يجعلهم يتفقون فيما يترتب على ذلك من كون ما يقع من الكفر والمعاصي محبوبًا لله لكونه مرادًا له، بل اختلفوا:\nأ- فقالت المعتزلة القدرية: قد علم بالكتاب والسنة وإجماع السلف أن الله يحب الإيمان\nوالعمل الصالح، ولا يحب الفساد، ولا يرضى لعباده الكفر، ويكره الكفر والفسوق والعصيان، ولما كان هذا ثابتًا لزم أن تكون المعاصي ليست مقدرة له ولا مقضية، فهي خارجة عن مشيئته وخلقه.\nيقول عبدالجبار الهمذاني المعتزلي: \"ولا يصح أن يقال: إن المحبة غير الإرادة، وإنما استحال ما ذكرناه، لأن كل واحد منهما يحتاج إلى صاحبه\" (١)، ثم يقول: \"أن كل مَن جازت عليه الإرادة، جازت عليه المحبة، وأنه تعالى إذا صح كونه مريدًا، فيجب كونه محبًا، وكل ما صح أن يريده صح أن يحبه، وكل ما أوجب قبح محبته، أوجب قبح إرادته\" (٢).\nويقول في الرضا: \"وإنما قلنا في الرضا أنه الإرداة، لأنه لو كان غيرها لم يمتنع أن نرضى الشيء وإن لم نُرِده على وجه، أو نريده ويقع على ما أراده، ولا نرضى به على وجه، فإذا بطل ذلك صح أنه الإرادة\" (٣).\nب- وقالت الجهمية، ومن معها من الأشاعرة: قد علم بالكتاب والسنة والإجماع أن الله خالق كل شيء وربه ومليكه، وما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، وكل ما في الوجود فهو بمشيئته وقدرته، وعلى هذا فالكون كله، قضاؤه وقدره، وطاعته ومعاصيه، وخيره وشره، فهو\n_________\n(١) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥١، لعبدالجبار الأسد آبادي، تحقيق: محمود قاسم.\n(٢) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥٤.\n(٣) المغني في أبواب التوحيد والعدل - الإرادة- ص ٥٦.","vol":"1","page":220},{"text":"محبوب لله، لأنه مريده وخالقه.\nيقول الباقلاني: \"واعلم: أنه لا فرق بين الإرادة، والمشيئة، والاختيار، والرضى، والمحبة ... واعلم: أن الاعتبار في ذلك كله بالمآل لا بالحال، فمن رضى سبحانه عنه لم يزل راضيًا عنه لا يسخط عليه أبدًا، وإن كان في الحال عاصيًا، ومن سخط عليه فلا يزال ساخطًا عليه ولا يرضى عنه أبدًا، وإن كان في الحال مطيعًا\" (١).\nالقول الثاني: إن الإرادة لا تستلزم الرضا والمحبة، بل بينهما فرق:\nوهذا قول أهل السنة المثبتين للقدر، وقد دل على ذلك الشرع والفطرة والعقل.\nقال تعالى: ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [الأنعام: من الآية ٣٩] وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ [الأنعام: من الآية ١٢٥]، هذا من نصوص المشيئة والإرادة.\nومن نصوص المحبة قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: من الآية ٢٠٥] وقوله: ﴿كُلُّ ذَلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهًا﴾ [الإسراء: ٣٨] فالآيات الأولى تدل على أن ما شاء الله كان، ومالم يشأ لم يكن -كما هو إجماع المسلمين- ثم تدل النصوص الأخرى أن هناك أشياء يكرهها الله، ولا يحبها، ولا يرضاها، فدل ذلك على افتراق المشيئة عن المحبة، والآيات في ذلك كثيرة جدًا.\nوقد فطر الله عباده على أن يقولوا: هذا الفعل يحبه الله، وهذا يكرهه الله، وفلان يفعل ما يغضب الله ... والكل واقع بقدرة الله ومشيئته، فدل على أن هناك فرقًا بينهما.\nوأما العقل: فلا يمتنع في بداهة العقول أن يريد الإنسان شيئًا وهو لا يحبه كما في الدواء\n_________\n(١) الإنصاف فيما يجب اعتقاده ولا يجوز الجهل به ص ١٣، للباقلاني","vol":"1","page":221},{"text":"وغيره (١).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال: \"وهو سبحانه يقدِّر مع كراهته أشياءَ من مقدوراته التي يبغضها ويقضيها ويشاؤها من أنواع الكفر والفسوق والعصيان، فتجتمع الإرادة والكراهة في شيء واحد ... \" (٢).\nوهذا القول الذي ذهب إليه أهل السنة من التفريق بين المشيئة والمحبة هو الذي ينجي من الورطة في هذا الأصل العظيم، كما قال ابن القيم: \"والذي يكشف هذه الغمة، ويبصر من\nهذه العماية، وينجي من هذه الورطة: إنما هو التفريق بين ما فرق الله بينه، وهو المشيئة والمحبة، فإنهما ليسا واحدًا، ولا هما متلازمين\" (٣).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-152>٢) التسوية بين الفعل والمفعول:</span>\nوهذا الأصل الثاني الذي نشأ بسببه الخلاف في القدر، وهو هل الخلق هو المخلوق أو غيره؟ فالذين يقولون بنفي الصفات الاختيارية بناءًا على منع حلول الحوادث، أجابوا عن ذلك بأن قالوا: إن الخلق هو المخلوق، والفعل هو عين المفعول، وهذا الأصل مما اتفق عليه الجبرية والقدرية، والتزموا بسببه لوازم باطله على اختلاف أقوالهم، فقالت المعتزلة: الكفر والفسوق والعصيان أفعال قبيحة، والله منزه عن القبيح باتفاق المسلمين، فلا تكون فعلًا له، وزعمت الجهمية ومن تبعهم من الأشاعرة أن العبد مجبور على أفعاله، دون أن يكون له اختيار أو أي فعل ينسب إليه، وإنما فعل العبد هو فعل الله، وقد دخل من بابهم أهل الاتحاد والحلول.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ثم من هؤلاء -أي المائلون إلى الجبر- من قال: إنه ليس لله فعل يقوم به فلا فرق عنده بين فعله ومفعوله وخلقه ومخلوقه ... وأكثر المعتزلة يوافقون هؤلاء على أن فعل الرب تعالى لا يكون إلا بمعنى مفعوله، مع أنهم يفرقون في العبد بين الفعل\n_________\n(١) انظر: القضاء والقدر ص ٢٩١ - ٢٩٨، د. عبدالرحمن المحمود.\n(٢) الأربعون الصحيحة فيما دون أجر المنيحة، ص ١٢٨.\n(٣) مدارج السالكين بين منازل \"إياك نعبد وإياك نستعين\" (١/ ١٣)، لابن القيم.","vol":"1","page":222},{"text":"والمفعول، فلهذا عظم النزاع، وأشكلت المسألة على الطائفتين وحاروا فيها\" (١).\nوقال في موضع آخر: \"ولكن طائفة من أهل الكلام -المثبتين للقدر- ظنوا أن الفعل هو المفعول والخلق هو المخلوق، فلما اعتقدوا أن أفعال العباد مخلوقة مفعولة لله، قالوا فهي فعله، فقيل لهم مع ذلك: أهي فعل العبد؟ فاضطربوا؛ فمنهم من قال: هي كسبه لا فعله ولم يفرقوا بين الكسب والفعل بفرق محقق، ومنهم من قال: بل هي فعلٌ بين فاعلين، ومنهم من قال: بل الرب فعل ذات الفعل والعبد فعل صفاته؛ والتحقيق ما عليه أئمة السنة وجمهور الأمة من الفرق\nبين الفعل والمفعول والخلق والمخلوق، فأفعال العباد هي كغيرها من المحدثات مخلوقة مفعولة لله، كما أن نفس العبد وسائر صفاته مخلوقة مفعولة لله وليس ذلك نفس خلقه وفعله، بل هي مخلوقة ومفعولة، وهذه الأفعال هي فعل العبد القائم به ليست قائمة بالله، ولا يتصف بها، فإنه لا يتصف بمخلوقاته ومفعولاته، وإنما يتصف بخلقه وفعله كما يتصف بسائر ما يقوم بذاته، والعبد فاعل لهذه الأفعال وهو المتصف بها، وله عليها قدرة وهو فاعلها باختياره ومشيئته، وذلك كله مخلوق لله، فهي فعل العبد ومفعولة للرب ... \" (٢).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة الجماعة من التفريق بين الفعل والمفعول، فقال في معرض رده على السبكي:\n\"والخلق ليس هو المخلوق تحسبه ... بل مصدر قائم بالنفس فادر به\nوقول كن ليس بالشيء المكوَّنِ والصَّـ ... ـغيرُ يعرفُ هذا مع تلَعُّبِه\" (٣)\nوقد تقدم الإشارة إلى ما يتعلق بهذا الأصل في مسألة (تسلسل الحوادث).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-153>المطلب الرابع: الأحكام الشرعية والأحكام القدرية:</span>\nومن مزلات الأقدام ومضلات الأفهام منازعة الأحكام الشرعية بالأحكام القدرية، وقد\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ١٢٢ - ١٢٣).\n(٢) مجموع الفتاوى (٢/ ١١٩ - ١٢٠).\n(٣) الحمية الإسلامية في الانتصار لمذهب ابن تيمية، ص ٧٤.","vol":"1","page":223},{"text":"حارت القدرية في الجمع بينهما، وقد فصل شيخ الإسلام أقوالهم فيها إلا ثلاثة أصناف:\n١ - القدرية المشركية: وهم الذين اعترفوا بالقضاء والقدر، وزعموا أن ذلك يوافق الأمر والنهي، وقالوا: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: من الآية ١٤٨]، فهؤلاء يئول أمرهم إلى تعطيل الشرائع والأمر والنهي، حتى يخرج من يخرج منهم إلى الإباحة للمحرمات وإسقاط الواجبات ورفع العقوبات، ويكثر هذا المذهب عند غلاة الصوفية، وهذا حاصل مذهب الجبرية، وهؤلاء شر الخلق.\n٢ - القدرية المجوسية: الذين يجعلون لله شركاء في خلقه، فيقولون: خالق الخير غير خالق الشر، ويقولون: إن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى، وغلا بعضهم فقال: ولا يعلمها، ويقولون: إن جميع أفعال الحيوان واقع بغير قدرة الله ولا صنعه، فيجحدون مشيئته النافذة وقدرته الشاملة، ويزعمون أن هذا هو العدل، وهذا قول المعتزلة، والشيعة المتأخرين، وهؤلاء أقرب إلى الكتاب والسنة والدين من القدرية المشركية، المعطلة للأمر والنهي.\n٣ - القدرية الإبليسية: وهم الذين صدقوا بأن الله صدر عنه الأمران الشرعي والقدري، لكن عندهم هذا تناقض وهم خصماء الله كما جاء في الحديث، ويكثر هذا عند بعض سفهاء الشعراء، ونحوهم من الزنادقة (١).\nوأما مذهب أهل السنة والجماعة فهو التصديق بالقدر والخلق، والتصديق بالشرع والوعيد، فقوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾ [الشمس: ٨] إثبات للقدر بقوله: ﴿فَأَلْهَمَهَا﴾، وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه، لِيعلم أنها هي الفاجرة والمتقية، وقوله بعد ذلك: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: ٩ - ١٠] إثبات لفعل العبد والوعد والوعيد بفلاح من زكى نفسه، وخيبة من دساها، وهذا صريح في الرد على القدرية المجوسية وعلى الجبرية، وأما المظلمون للخالق فإنه قد دل على عدله بقوله: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا﴾ [الشمس: ٧] والتسوية: التعديل، فبيَّن أنه عادل في تسوية النفس التي ألهمها\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٢٥٦ - ٢٦٠)، (١٦/ ٢٣٩).","vol":"1","page":224},{"text":"فجورها وتقواها (١).\nوقد قرر جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة من الإيمان بالأحكام الشرعية والأحكام القدرية والتسليم لهما، فقال في منظومته في الاعتقاد:\n\"وما جاء من خير وشر مقدَّر ... كذلك ما يأتي من الحلو والمر\nولو شاء لا يعصى تقدس ذكره ... لما خلق الشيطان في سالف العصر\nولا أمر إلا من كتاب وسنة ... كذا الضد كالتحليل للشيء والحِظر\" (٢).\nفالبيت الأول والثاني فيه رد على القدرية المجوسية الذين قالوا: خالق الخير غير خالق الشر، وأن الذنوب الواقعة ليست واقعة بمشيئة الله تعالى؛ والبيت الثالث فيه رد على القدرية المشركية الذين عطلوا الشرائع والأمر والنهي.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-154>المطلب الخامس: السبب والمسبب:</span>\nتأثير الأسباب في المسببات أمر معلوم بالعقل والمشاهدة، وقد ذكر الله ذلك في كتابه، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ [الأعراف: من الآية ٥٧]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ [البقرة: من الآية ١٦٤]، وقال تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ﴾ [التوبة: من الآية ١٤] وغيرها من الآيات.\nوالله ﷾ هو خالق السبب والمسبَّب، فلا يجوز نسبة الانفراد بالخلق في صفة الفعل لغير الله تعالى، فمثل هذه الإضافة بالانفراد لا تخرج في حكمها عن كونها شركًا في الربوبية.\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (١٦/ ٢٤٢ - ٢٤٤).\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.","vol":"1","page":225},{"text":"وعلى الضد من ذلك يدخل في الانحراف -أيضًا- نفي التأثير للأشياء التي جعلها الله تعالى أسبابًا ووسائط على المسبّبات.\nوقد ضل في هذه المسألة الأشاعرة والمعتزلة على اختلاف مذاهبهم.\nفأما الأشاعرة فقد نحوا منحى الجبرية، حيث لا يثبتون في المخلوقات قوًى وطبائع، ويقولون: إنَّ الله فعل عندها لا بها، وإنَّ قدرة العبد لا تأثير لها في الفعل، فليس في النار قوة الإحراق لكن عند وجود النار يخلق الله الإحراق بلا تأثير من النار، وليس في الماء قوة الإغراق، وإنما عند وجود الماء يخلق الله الإغراق بلا تأثير من الماء، ولا في السكِّين قوة القطع، وإنما عند\nوجود السكين يخلق الله القطع بلا تأثير من السكين، ولا في الماء والخبز قوة الرَّي والتغذِّي به، وإنما عند وجود الماء والخبز يخلق الله الرَّي والتغذيةَ بلا تأثير من الماء والخبز، ونحو ذلك مما قد أجرى الله العادة بخلق المسبَّبات عند وجود هذه الأسباب.\nوهذا المعنى -بلا شك- طردٌ لعقيدة الجبرية على قاعدة: «أنه لا فاعل إلا الله».\nوعلى النقيض من هذا المذهب ما قررته القدرية من أنَّ العبد هو الموجِد لفعله، ويضاف إليه الانفراد بالتأثير، وكذا الأسباب فهي مؤثرة بذاتها من غير أن يكون لله تقدير ومشيئة.\nوأما وأهل السنة لا ينكرون تأثير القوى والطبائع في مسبَّباتها، والله تعالى خالق السبب والمسبَّب، وحدوث المسبَّب بالسبب لا عند السبب، فرجع الكل إلى محض خلق الله وأمره وفضله ورحمته، وضمن هذا المعنى يقول ابن تيمية -﵀-: \"فالذي عليه السلف وأتباعهم وأئمة أهل السنة وجمهور أهل الإسلام المثبتون للقدر المخالفون للمعتزلة إثبات الأسباب، وأن قدرة العبد مع فعله لها تأثير كتأثير الأسباب في مسبَّباتها، والله تعالى خلق الأسباب والمسبَّبات، والأسباب ليست مستقلة بالمسبَّبات، بل لا بدَّ لها من أسباب أُخَر تعاونها، ولها -مع ذلك- أضداد تمانعها، والمسبَّب لا يكون حتى يخلق الله جميع أسبابه، ويدفع عنه أضداده المعارضة له، وهو سبحانه يخلق جميع ذلك بمشيئته وقدرته، كما يخلق سائر المخلوقات، فقدرة العبد سبب من الأسباب، وفعل العبد لا يكون بها وحدها، بل لا بد من الإرادة الجازمة مع القدرة، وإذا أريد بالقدرة القوة القائمة بالإنسان فلا بد من إزالة الموانع كإزالة القيد والحبس ونحو ذلك، والصاد عن السبيل كالعدو وغيره\" (١).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٤٨٧ - ٤٨٨).","vol":"1","page":226},{"text":"وقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال:\n\"واعلم أن الأسباب تؤثر في المخلوقات بما أودع الله تعالى فيها من الحكم الغامضة، إذا شاء أن يُؤثر، وقد أجرى العادة بأشياء من ذلك كما جعل حرَّ الشمس منضجًا للثمار، وبرد الليل والرياح الشمال مربية للزروع والحبوب، ونور القمر منضج للخضروات ... ونحوها، وجعل رياح الجنوب مؤذية لذلك، مع أنها لواقح للسحاب والشجر في منافع أخر، وهذه أمور قد عرفها من يباشرها من أرباب الزراعات.\nواعلم أنه ليس كلما وقعت هذه الحوادث أثرت هذا التأثير، لأنها ليست لها قوة تفعلها بنفسها، ولكن إذا شاء الله أن يفعل بها شيئًا من ذلك فعله إذا شاء، ألا ترى أن العادة قد جرت بأن المطر يُنبت به النباتُ فإذا لم يُرد الله أن يُنبت لم ينفع كثرة المطر، كما جاء في الحديث عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: «ليس السنة أن لا تمطروا، إنما السنة أن تمطروا ثم تمطروا ولا تنبت الأرض شيئًا»، فهذه الأشياء كذلك، على أن المؤثرات في العالم من أكل الأشياء وشربها وشم أريجها ومقارنتها وملابستها واستعمالها، كذلك بمشيئة الله تعالى ... وهذه الأشياء في كثير من هذا الباب قد عُرفَت بالاستقراء والتتبع في العادات، تفعل هذه الأفعال غالبًا، وقد تختل هذه فيها، ولو كان ذلك من فعلها أنفُسها لما انخرمت القاعدة فيها، ولكن بمشيئة الله تعالى، فإذا شاء أن يمضي حكمه في شيء أمضاه\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-155>المطلب السادس: آجال الخلائق:</span>\nالأجل: هو الوقت المضروب المحدود في المستقبل (٢)، فإن أجل الشيء هو نهاية عمره، وعمره مدة بقائه، فالعمر مدة البقاء، والأجل نهاية العمر بالانقضاء (٣).\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٢٧ - ٢٩.\n(٢) لسان العرب (١١/ ١١).\n(٣) مجموع الفتاوى) ٨/ ٥١٦).","vol":"1","page":227},{"text":"ولقد وقع النزاع بين أهل السنة وأهل البدع في هذه المسألة امتدادًا للنزاع في أفعال المخلوقين، واختلفوا بالجواب عن مسائلها، وهي: إذا كان الله قد قدر لعبدٍ من عباده أجلًا ما فقتل قبل غاية أجله، فهل كانت حياته تمتد به حتى أجلها لو لم يقتل؟ بمعنى هل القاتل خرم على المقتول حياته ولولا القتل لعاش أجله؟ وهل صحيح لو صبر القاتل على المقتول لمات لوحده؟ .\nفقال بعض المعتزلة: إنه كان يعيش، وأن المقتول مقطوع عليه أجله، وقالوا: لو كان المقتول\nقُتل بأجله فأين الظلم ممن قد استوفى كل أجله وفنيت حياته، وقال بعض نفاة الأسباب من الجبرية: إنه يموت وجزموا في ذلك (١)، وكلاهما خطأ.\nوأجاب أهل السنة: بأنه لا فرق بين أجل من مات حتف أنفه وبين من مات قتلًا، فأجلهما في علم الله واحد لا يتقدم ولا يتأخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [النحل: ٦١]، وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، وأن القتل هو سبب من أسباب كثيرة وذريعة من ذرائع الموت لا يقع بها الموت إلا بإذن الله، ولهذا ورد في تأويل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، قال الشوكاني: \"هذا كلام مستأنف يتضمن الحث على الجهاد والإعلام بأن الموت لا بد منه ومعنى ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بقضاء الله وقدره، وقيل: إن هذه الجملة متضمنة للإنكار على من فشل بسبب ذلك الإرجاف بقتله - ﷺ - فبين لهم أن الموت بالقتل أو بغيره منوط بإذن الله\" (٢).\nوأما القاتل إن كان قَتل بغير حق فإنه ظالم لتعديه على الحكم الشرعي.\nوأما قول نفاة الأسباب من الجبرية: \"لو صبر القاتل على المقتول لمات وحده\" فغير\n_________\n(١) انظر: مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٧).\n(٢) فتح القدير (١/ ٥٨١).","vol":"1","page":228},{"text":"صحيح، والصواب عدم القطع، والحكم بالإمكان والجواز.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"المقتول كغيره من الموتى لا يموت أحد قبل أجله ولا يتأخر أحد عن أجله ... والله يعلم ما كان قبل أن يكون، وقد كتب ذلك، فهو يعلم أن هذا يموت بالبطن، أو ذات الجنب أو الهدم أو الغرق أو غير ذلك من الأسباب، وهذا يموت مقتولًا: إما بالسم وإما بالسيف وإما بالحجر وإما بغير ذلك من أسباب القتل، وعلم الله بذلك وكتابته له بل مشيئته لكل شيء وخلقه لكل شيء لا يمنع المدح والذم والثواب والعقاب، بل القاتل: إن\nقتل قتيلًا أمر الله به ورسوله كالمجاهد في سبيل الله أثابه الله على ذلك، وإن قتل قتيلًا حرمه الله ورسوله كقتل القطاع والمعتدين عاقبه الله على ذلك ... ولو لم يقتل المقتول فقد قال بعض القدرية إنه كان يعيش، وقال بعض نفاة الأسباب: إنه يموت، وكلاهما خطأ؛ فإن الله علم أنه يموت بالقتل، فإذا قدر خلاف معلومه كان تقديرًا لما لا يكون لو كان كيف يكون، وهذا قد يعلمه بعض الناس وقد لا يعلمه، فلو فرضنا أن الله علم أنه لا يُقتل، أمكن أن يكون قدَّر موته في هذا الوقت، وأمكن أن يكون قدَّر حياته إلى وقت آخر، فالجزم بأحد هذين التقدرين على التقدير الذي لا يكون جهل، وهذا كمن قال: لو لم يأكل هذا ما قدر له من الرزق كان يموت أو يرزق شيئًا آخر\" (١).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري -﵀- مذهب أهل السنة والجماعة في هذه المسألة، فقال: \"وكل من مات بمرض أو غرق أو جرف أو هدم أو قتل أو في وباء أو بطاعون أو غير ذلك من أسباب الهلاك، فإنما يموت بأجله، لم يكن ليتأخر عن أجله ولا ليتقدم قبل أجله، والدليل عليه الكتاب والسنة.\nفالكتاب قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾ [الأعراف: من الآية ٣٤] وذمَّ سبحانه بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٨/ ٥١٦ - ٥١٨).","vol":"1","page":229},{"text":"قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٦]، وبقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، فرد الله عليهم وأكذبهم وبيَّن خطأهم بقوله تعالى: ﴿فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [آل عمران: من الآية ١٦٨]، وبقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: من الآية ١٥٤]، وبقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢]، وبقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: من الآية ٧٨]، وبقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٤٥]، وبقوله تعالى: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ﴾ [الحِجر: ٥].\nوهذه الآيات -كما ترى- قد دلت على أن الإنسان لا يتأخر ولا يتقدم عن أجله، ولا يقع إلا على الوجه الذي أعلمه الله تعالى أن يموت فيه.\nوأما السنة: فما روى ابن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: «يمكث خلق أحدكم نطفة أربعين يومًا، ثم علقة أربعين يومًا -إلى أن قال: - ثم يقول الملك: ما رزقه؟ ما أجله؟ أشقي أم سعيد؟ فيقضي الله، ويكتب الملك».\nوقوله - ﵇ -: «فرغ ربنا من أربع: الخَلق والخُلق والأجل والرزق» ... فعليك باتباع الأخبار النبوية، والإعراض عن الآراء الجاهلية، فإنه متى بدرت فرسان النصوص في ميدان البحث، تنكست حينئذ رايات الرأي على وجه الثرى، وفرت صناديد الجدل لوجوهها ذُللًا لهيبة من يَرى ولا يُرى، فنسأل الله تعالى السلامة من بلائه، والتسليم لأمره وقضاءه، والقبول لما أنزله على رسله وأنبيائه، والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه من أوله إلى انتهائه\" (١).\n_________\n(١) كتاب فيه ذكر الوباء والطاعون، ص ٧٩ - ٨٤.","vol":"1","page":230},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-156>المطلب السابع: الاحتجاج بالقدر على فعل المعاصي:</span>\nمن المعلوم أن كثيرًا من الكافرين والمشركين الضالين، والمقصرين في عبادة الله، والمنحرفين عن منهج الله، قد وجدوا مجالًا للاحتجاج به على كفرهم وفسادهم وتقصيرهم، وتوهموا التعارض بين الشرع -المقتضي للتكليف ثم الحساب والجزاء- والقدر المقتضي لكمال ربوبيته تعالى ونفوذ مشيئته وكمال قدرته في خلقه، ولذلك ورد في أقوال العلماء ما يرد على هؤلاء جميعًا ويدحض حججهم كلها، ومن ذلك ما يلي:\n١ - أنه قد علم بالاضطرار أن الاحتجاج بالقدر حجة باطلة وداحضة باتفاق كل ذي عقل، ودين من جميع العالمين، ويوضح هذا: أن الواحد من هؤلاء إما يرى القدر حجة للعبد، وإما أن لا يراه حجة للعبد، فإن كان القدر حجة للعبد فهو حجة لجميع الناس، فإنهم كلهم مشتركون في القدر، فحينئذ يلزم أن لا ينكر على من يظلمه ويشتمه، ويأخذ ماله، ويفسد حريمه، ويضرب عنقه، ويهلك الحرث والنسل، وهؤلاء جميعًا كذابون متناقضون، فإن أحدهم لا يزال يذم هذا، ويبغض هذا، ويخالف هذا، حتى إن الذي ينكر عليهم يبغضونه ويعادونه، وينكرون عليه، فإن كان القدر حجة لمن فعل المحرمات، وترك الواجبات، لزمهم ألا يذموا أحدًا، ولا يبغضوا أحدًا، ولا يقولوا في أحد: إنه ظالم ولو فعل ما فعل، ومعلوم أن هذا لا يمكن أحدًا فعله، ولو فعل الناس هذا لهلك العالم، فتبين أن قولهم فاسد في العقل كما أنه كفر في الشرع.\nوهذا يدل على ما يختلج في النفوس من شهوات وشبهات، ولذلك تراهم يحتجون بالقدر على أفعالهم ومعاصيهم، وفي نفس الوقت ينتقمون ممن اعتدى عليهم أو ظلمهم، ولو احتج عليهم بالقدر لما قبلوا، بل لو كان الاعتداء بما يحسن الاحتجاج بالقدر عليه كالمصائب التي يقدرها الله ﷾ لاعترضوا ولم يقبلوا أن يحتج بالقدر من كانت على يديه هذه المصائب دون عمد منه أو تفريط، وعند الاستقراء تجد أن هؤلاء يحتجون بالقدر في ترك حق ربهم، ومخالفة أمره، لا في ترك ما يرونه حقًا لهم، ولا مخالفة أمرهم.","vol":"1","page":231},{"text":"٢ - أنه يلزم على الاحتجاج بالقدر لازم باطل ألا وهو تعطيل الشرائع، وحين تعطل الشرائع يلزم عليها أن يكون إبليس، وفرعون، وقوم نوح، وعاد وكل من عذبه الله بسبب مخالفته أمره معذورًا، ويلزم أيضًا ألا يفرق بين المؤمنين والكفار، ولا بين أولياء الله وأولياء الشيطان، وهذه كلها لوازم معلوم بطلانها بالضرورة.\nولو كان القدر حجة للعباد لم يعذب أحد من الخلق لا في الدنيا ولا في الآخرة، ولم تقطع يد سارق، ولا أقيم حد على زان، ولا جوهد في سبيل الله.\n٣ - أن الله ﷾ خلق الإنسان وهو متمكن من الإيمان قادر عليه، وكما هو معلوم فإن القدرة التي هي شرط في الأمر تكون موجودة قبل الفعل لكل مكلف، ومن ثم فالإنسان قادر متمكن، وقد خلق الله فيه القدرة على الإيمان، وحينئذ فحين لا يؤمن يكون هو الذي لا يريد الإيمان، ومادام الأمر كذلك فليس لأحد أن يقول: لماذا لم يجعلني الله مريدًا للإيمان، لأنه لو أراد الإيمان لقدر عليه، ومادام الإنسان مريدًا قادرًا فاحتجاجه بالقدر باطل.\nوينبغي أن يعلم أن الاحتجاج بالقدر إنما يَرِد على من لا يقر للإنسان بإرادة ولا قدرة كالجهمية والأشاعرة، أما على مذهب أهل السنة الحقيقي فلا يَرِد، لأنهم يقولون إن الإنسان مريد وفاعل حقيقة، وله قدرة يقع بها الفعل.\n٤ - وأقرب مثال على بطلان الاحتجاج بالقدر أن يقال: إذا كان معلومًا أن الله قد علم وكتب أن فلانًا يتزوج امرأة ويطؤها ويولد له، وأن فلانًا يبذر البذر فينبت الزرع ... إلخ، ولا يمكن لأحد أن يحتج بالقدر هنا فيقول: أنا لا أتزوج أو أطأ امرأة، فإن كان قدر الله أن يولد لي ولد فسيولد، أو يقول: أن لا أبذر البذر، فإن كان قدر الله أن تنبت أرضي زرعًا فستنبت، لأن من قال هذا عد من أجهل الجاهلين؛ إذا وضح هذا المثال فنقول: إن الله تعالى علم وكتب أن فلانًا يؤمن ويعمل صالحًا فيدخل الجنة، وفلانًا يعصي ويفسق فيدخل النار، وحينئذ فمن قال: إن كنت من أهل الجنة فأنا سأدخلها بلا عمل صالح، كان قوله قولًا باطلًا متناقضًا، لأنه علم أنه يدخل الجنة بعمله الصالح، فلو دخلها بلا عمل كان هذا مناقضًا لما علمه الله وقدره، وهذا","vol":"1","page":232},{"text":"شبيه بمن قال: أنا لا أطأ امرأة، وإن كان قد قدر أن يأتيني منها ولد فسيأتيني.\nومن ثم فالاحتجاج بعلم الله السابق باطل، وبهذا تبطل كثير من الشبه التي تثار حول الاحتجاج بالقدر (١).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري مذهب أهل السنة والجماعة من التسليم والاستسلام لله تعالى في كل ما يقضيه ويقدره، وفي كل ما يشرعه ويأمر به وينهى عنه، ومن التحذير من\nالاحتجاج بالقدر، ومن ذلك قوله:\n\"ولا نجعل التقدير للذنب حجة ... لنا بل علينا حجة الله بالنذر\" (٢).\n_________\n(١) انظر: القضاء والقدر، ص ٤١٣ - ٤٢٠.\n(٢) نهج الرشاد في نظم الاعتقاد، ص ٣٤.","vol":"1","page":233},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-157>الفصل الخامس\nمنهج جمال الدين السرمري في مسائل الإيمان</span>\nوفيه أربعة مباحث:\nالمبحث الأول: مسمى الإيمان.\nالمبحث الثاني: زيادة الإيمان ونقصانه.\nالمبحث الثالث: الاستثناء في الإيمان.\nالمبحث الرابع: الكبيرة وحكم مرتكبها.","vol":"1","page":234},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-158>المبحث الأول\nمسمى الإيمان ومفهومه</span>\nالإيمان في اللغة:\nقال ابن فارس ﵀: \"الهمزة والميم والنون أصلان متقاربان: أحدهما الأمانة التي هي\nضد الخيانة، ومعناها سكون القلب، والآخر التصديق؛ والمعنيان متدانيان ... \" (١).\nوقال الراغب: \"أصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف\" (٢).\nوقال شيخ الإسلام: \"فإن اشتقاقه من الأمن الذي هو القرار والطمأنينة وذلك إنما يحصل إذا استقر في القلب التصديق والانقياد\" (٣).\nولشيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله تعالى- رأي سديد في معنى الإيمان اللغوي، وهو من آرائه الدقيقة، واختياراته الموفقة؛ حيث اختار معنى (الإقرار) للإيمان على معنى التصديق، لأنه رأى أن لفظة (أقر) أصدق في الدلالة والبيان على معنى الإيمان الشرعي من غيرها، قال ﵀: \" ومعلوم أن الإيمان هو الإقرار، لا مجرد التصديق، والإقرار ضمن قول القلب الذي هو التصديق، وعمل القلب الذي هو الانقياد\" (٤).\nوقال ﵀ في رده على من ادعى الترادف بين الإيمان والتصديق: \" أنه -أي الإيمان- ليس مرادفًا للتصديق في المعنى، فإن كل مخبر عن مشاهدة أو غيب، يقال له في اللغة: صدقت، كما يقال: كذبت؛ فمن قال: السماء فوقنا، قيل له: صدق، كما يقال: كذب، وأما لفظ الإيمان، فلا يستعمل إلا في الخبر عن غائب، لم يوجد في الكلام أن من أخبر عن\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ١٣٣).\n(٢) المفردات في غريب القرآن ص ٢٥.\n(٣) الصارم المسلول على شاتم الرسول (١/ ٥١٩)، لابن تيمية، تحقيق: محمد عبدالله الحلواني ومحمد كبير أحمد شوردي، الطبعة الأولى ١٤١٧، دار ابن حزم، بيروت.\n(٤) مجموع الفتاوى (٧/ ٦٣٨).","vol":"1","page":235},{"text":"مشاهدة، كقول: طلعت الشمس وغربت أنه يقال: آمناه، كما يقال: صدقناه، ولهذا المحدثون والشهود ونحوهم، يقال: صدقناهم، وما يقال: آمنا لهم؛ فإن الإيمان مشتق من الأمن، فإنما يستعمل في خبر يؤتمن عليه المخبر؛ كالأمر الغائب الذي يؤمن عليه المخبر، ولهذا لم يوجد قط في القرآن وغيره لفظ: آمن له؛ إلا في هذا النوع\" (١).\nوقال أيضًا: \"أن لفظ الإيمان في اللغة لم يقابل بالتكذيب، كلفظ التصديق؛ فإنه من\nالمعلوم في اللغة أن كل مخبر يقال له: صدقت أو كذبت، ويقال: صدقناه، أو كذبناه، ولا يقال: لكل مخبر: آمنا له أو كذبناه، ولا يقال: أنت مؤمن له أو مكذب له؛ بل المعروف في مقابلة الإيمان لفظ الكفر، يقال: هو مؤمن أو كافر، والكفر لا يختص بالتكذيب\" (٢).\n\nتعريف الإيمان شرعًا:\nيحدد الإمام جمال الدين السرمري مفهوم الإيمان شرعًا: بأنه تصديق بالجنان، وقول باللسان، وعمل بالأركان، يزيد بكثرة العمل والطاعة وينقص بترك العلم والمعصية.\nيقول في ذلك:\n\"وإيمانُنا قول وفعل ونيّة ... فقولٌ كمن يقرا وفعل كمن يقري\nيَقل بعصيان وينمو يضده ... وإن قل حتى كان في زنة الذَّر\" (٣)\nوقال في كتاب الإيمان من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: \"وهو -أي الإيمان- قول وعمل يزيد وينقص\" (٤).\nوهذا الذي قرره هو مذهب أهل السنة.\nقال الإمام الشافعي: \"وكان الإجماع من الصحابة والتابعين مِن بعدهم ممن أدركناهم: أن\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩١).\n(٢) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٩٢).\n(٣) نهج الرشاد ص ٣١ - ٣٢.\n(٤) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧٤.","vol":"1","page":236},{"text":"الإيمان: قول وعمل ونية، ولا يجزي واحد من الثلاثة إلا بالآخر\" (١).\nوقال الإمام البخاري: كتبت عن ألف نفر من العلماء وزيادة ولم أكتب إلا عن من قال: الإيمان قول وعمل\" (٢).\nوقال يحيى بن سليم: \"سألت عشرة من الفقهاء -وذكر منهم: الثوري، وابن جريج، وافع،\nومالك، وابن عيينة، وغيرهم- عن الإيمان؟ فقالوا: قول وعمل\" (٣).\nوقال الآجري ﵀: \"باب القول بأنَّ الإيمان تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح، لا يكون مؤمنًا إلا بأن تجتمع فيه هذه الخصال الثلاث -ثم قال: - اعلموا رحمنا الله وإياكم أن الذي عليه علماء المسلمين: أن الإيمان واجب على جميع الخلق، وهو تصديق بالقلب وإقرار باللسان وعمل بالجوارح؛ ثم اعلموا أنه لا تجزئ المعرفة بالقلب والتصديق إلا أن يكون معه الإيمان باللسان نطقًا، ولا تجزئ معرفة بالقلب ونطق اللسان حتى يكون عمل بالجوارح، فإذا كمُلت فيه هذه الخصال الثلاث كان مؤمنًا دلَّ على ذلك القرآن والسنة وقول علماء المسلمين\" (٤).\nوقال ابن عبدالبر: \" أجمع أهل الفقه والحديث على أن الإيمان قول وعمل، ولا عمل إلا بنية والإيمان عندهم يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية، والطاعات كلها عندهم إيمان ... \" (٥).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"ومن أصول أهل السنة: أن الدين والإيمان قول وعمل: قول القلب واللسان، وعمل القلب واللسان والجوارح، وأن الإيمان يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية\" (٦).\n_________\n(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٥/ ٩٥٧) ح ١٥٩٣.\n(٢) المصدر السابق (٥/ ٩٥٩) ح ١٥٩٨.\n(٣) المصدر السابق (٤/ ٩٣٠) ح ١٥٨٤.\n(٤) الشريعة (٣/ ٦١١).\n(٥) التمهيد (٩/ ٢٣٨).\n(٦) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١).","vol":"1","page":237},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-159>المبحث الثاني\nزيادة الإيمان ونقصانه</span>\nالكلام في هذا الفصل مترتب على الكلام في الفصل السابق، ونتيجة للخلاف في تحديد حقيقة الإيمان، وهل الأعمال داخلة فيه أم لا؟\nفمن قال إن الأعمال داخلة في حقيقة الإيمان ذهب إلى أن الإيمان يزيد وينقص، وهذا ما قرره جمال الدين السرمري وانتصر له بذكر الأدلة عليه.\nقال ﵀ في ذلك:\n\"وإيمانُنا قول وفعل ونيّة ... فقولٌ كمن يقرا وفعل كمن يقري\nيَقل بعصيان وينمو يضده ... وإن قل حتى كان في زنة الذَّر\" (١).\nوقال في كتاب الإيمان من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: \"وهو -أي الإيمان- قول وعمل يزيد وينقص، وقال الله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: من الآية ٤]، وقوله: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى﴾ [الكهف: من الآية ١٣]، وقوله: ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدَّثر: من الآية ٣١]، وقوله: ﴿أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ [التوبة: من الآية ١٢٤] \" (٢).\nوهذا الذي قرره هو مذهب أهل السنة.\nقال عبدالرزاق الصنعاني: \"لقيت اثنين وستين شيخًا ... كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" (٣).\nوقال عقبة بن علقمة: \"سألت الأوزاعي عن الإيمان أيزيد؟ قال نعم حتى يكون كالجبال،\n_________\n(١) نهج الرشاد ص ٣١ - ٣٢.\n(٢) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة ص ٧٤.\n(٣) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٢٩) ح ١٧٣٧.","vol":"1","page":238},{"text":"قلت: فينقص؟ قال: نعم، حتى لا يبقى منه شيء\" (١).\nوقال يعقوب بن سليمان: \"الإيمان عند أهل السنة: الإخلاص لله بالقلوب والألسنة والجوارح وهو قول وعمل يزيد وينقص، على ذلك وجدنا كل من أدركنا من عصرنا بمكة والمدينة والشام والبصرة والكوفة\" (٢).\nوقال سهل بن المتوكل: \"أدركت ألف أستاذ وأكثر كلهم يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص\" (٣).\n_________\n(١) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٠) ح ١٧٤٠.\n(٢) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٥) ح ١٧٥٣.\n(٣) رواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة (٥/ ١٠٣٦) ح ١٧٥٤.","vol":"1","page":239},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-160>المبحث الثالث\nالاستثناء في الإيمان</span>\nالمراد بالاستثناء في الإيمان: هو قول الرجل: \"أنا مؤمن إن شاء الله\"، وهذه المسألة مرتبط بالكلام في المبحثين السابقين، وثمرة من ثمرات الخلاف فيهما، وحاصل الأقوال التي قيلت في\nالمسألة على ثلاثة أقوال قد جلاها شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، فقال: \"وأما الاستثناء في الإيمان بقول الرجل: أنا مؤمن إن شاء الله، فالناس فيه على ثلاثة أقوال: منهم من يوجبه، ومنهم من يحرمه، ومنهم من يجوز الأمرين باعتبارين وهذا أصح الأقوال.\nفالذين يحرمونه: هم المرجئة والجهمية ونحوهم ممن يجعل الإيمان شيئًا واحدًا يعلمه الإنسان من نفسه كالتصديق بالرب ونحو ذلك مما في قلبه، فيقول أحدهم: أنا أعلم أني مؤمن كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين وكما أعلم أني قرأت الفاتحة وكما أعلم أني أحب رسول الله وأني أبغض اليهود والنصارى، فقولي: أنا مؤمن كقولي: أنا مسلم وكقولي: تكلمت بالشهادتين وقرأت الفاتحة وكقولي: أنا أبغض اليهود والنصارى، ونحو ذلك من الأمور الحاضرة التي أنا أعلمها وأقطع بها، وكما أنه لا يجوز أن يقال: أنا قرأت الفاتحة إن شاء الله، كذلك لا يقول: أنا مؤمن إن شاء الله، لكن إذا كان يشك في ذلك فيقول: فعلته إن شاء الله، قالوا: فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه وسموهم الشكاكة.\nوالذين أوجبوا الاستثناء لهم مأخذان: أحدهما أن الإيمان هو ما مات عليه الإنسان، والإنسان إنما يكون عند الله مؤمنًا وكافرًا باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه وما قبل ذلك لا عبرة به، قالوا: والإيمان الذي يتعقبه الكفر فيموت صاحبه كافرًا ليس بإيمان كالصلاة التي يفسدها صاحبها قبل الكمال، وكالصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب، وصاحب هذا هو عند الله كافر لعلمه بما يموت عليه، وكذلك قالوا في الكفر، وهذا المأخذ مأخذ كثير من المتأخرين من الكلابية وغيرهم ممن يريد أن ينصر ما اشتهر عن أهل السنة","vol":"1","page":240},{"text":"والحديث من قولهم: أنا مؤمن إن شاء الله، ويريد مع ذلك أن الإيمان لا يتفاضل، ولا يشك الإنسان في الموجود منه وإنما يشك في المستقبل، وانضم إلى ذلك أنهم يقولون: محبة الله ورضاه وسخطه وبغضه قديم ... فهؤلاء يقولون: إذا علم أن الإنسان يموت كافرًا لم يزل مريدًا لعقوبته فذاك الإيمان الذي كان معه باطل لا فائدة فيه بل وجوده كعدمه، فليس هذا بمؤمن أصلًا، وإذا علم أنه يموت مؤمنًا لم يزل مريدًا لإثابته وذاك الكفر الذي فعله وجوده كعدمه، فلم يكن هذا\nكافرا عندهم أصلًا، فهؤلاء يستثنون في الإيمان بناء على هذا المأخذ، وكذلك بعض محققيهم يستثنون في الكفر مثل أبي منصور الماتريدي فإن ما ذكروه مطرد فيهما ... \" (١).\nوقال في موضع آخر مبينًا مأخذ أهل السنة والجماعة: \"والقول الثالث أوسطها وأعدلها: أنه يجوز باعتبار وتركه باعتبار، فإذا كان مقصوده أني لا أعلم أني قائم بكل ما أوجب الله علي وأنه يقبل أعمالي، ليس مقصوده الشك فيما في قلبه، فهذا استثناؤه حسن، وقصده أن لا يُزكي نفسه بأنه عمل عملًا كما أُمر فقبل منه، والذنوب كثيرة والنفاق مخف على عامة الناس\" (٢).\nوقال أيضًا: \"والذين استثنوا من السلف والخلف لم يقصدوا في الإنشاء وإنما كان استثناؤهم في إخباره عما قد حصل له من الإيمان فاستثنوا إما أن الإيمان المطلق يقتضي دخول الجنة وهم لا يعلمون الخاتمة كأنه إذا قيل للرجل: أنت مؤمن، قيل له: أنت عند الله مؤمن من أهل الجنة، فيقول: أنا كذلك إن شاء الله، أو لأنهم لا يعرفون أنهم أتوا بكمال الإيمان الواجب\" (٣).\nواستدل أهل السنة على جواز الاستثناء على الأمور اليقينية بأدلة منها:\nقوله تعالى: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] مع العلم أن الله يعلم أنهم سيدخلون لا محالة.\nوقال الفضل بن زياد: \"سمعت أبا عبد الله يقول: إذا قال: أنا مؤمن إن شاء الله فليس هو\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٧/ ٢٢٩ - ٢٣١).\n(٢) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤١).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٣/ ٤٢).","vol":"1","page":241},{"text":"بشاك، قيل له: إن شاء الله، أليس هو شكًا؟ فقال: معاذ الله، أليس قد قال الله تعالى ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ [الفتح: من الآية ٢٧] وفي علمه أنهم يدخلونه، وصاحب القبر إذا قيل له: وعليه تبعث إن شاء الله، فأي شك هاهنا؟ وقال النبي - ﷺ -: «وإنا إن شاء الله بكم لاحقون» \" (١).\nوعن الأثرم قال: \"حدثنا أبو عبدالله -يعني الإمام أحمد- بحديث عائشة عن النبي - ﷺ -: «إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله»، فقال: هذا أيضًا أرجو، أي هو حجة في الاستثناء في الإيمان، أي: إنه قال أرجو وهو أخشاهم\" (٢).\nولم أقف على كلام صريح للإمام جمال الدين السرمري ﵀ في مسألة الاستثناء في الإيمان، لكنه ممن يرى أن الإيمان قول وعمل ويزيد وينقص كما تقدم، ومن قال بهذين الأصلين قال بالاستثناء في الإيمان.\nقال الخلال: \"دخل عليه -أي الإمام أحمد- شيخ فسأله عن الإيمان، فقال له: قول وعمل، يزيد وينقص، فقال له: أقول: مؤمن إن شاء الله؟ قال: نعم، فقال له: إنهم يقولون لي: إنك شاك، قال: بئس ما قالوا، ثم خرج، فقال: ردوه، فقال: أليس يقولون: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص؟ قال: نعم، قال: هؤلاء يستثنون، قال له: كيف يا أبا عبد الله؟ قال: قل لهم: زعمتم أن الإيمان قول وعمل، فالقول قد أتيتم به، والعمل لم تأتوا به، فهذا الاستثناء لهذا العمل\" (٣).\n_________\n(١) الشريعة للآجري (٣/ ٦٦٠).\n(٢) رواه الخلال في السنة (٣/ ٥٩٦ - ٥٩٧) ح ١٠٥٥، قال محقق الكتاب -د. عطية الزهراني-: \"إسناده صحيح\".\n(٣) مجموع الفتاوى (٧/ ٤٥١).","vol":"1","page":242},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-161>المبحث الرابع\nالكبيرة وحكم مرتكبها</span>\nإن مسألة حكم مرتكب الكبيرة من المسائل الكبار التي زلت فيها بعض الأقدام، وجرى\nبسببها خلاف كبير بين أهل السنة وبين الفرق الأخرى، وصار الناس فيها طرفين ووسطًا:\nفمنهم من غلب جانب نصوص الوعد، وأهمل نصوص الوعيد، وهؤلاء هم المرجئة، حيث زعموا أن من قال لا إله إلا الله محمدًا رسول الله وحرم ما حرم الله وأحل ما أحل الله دخل الجنة إذا مات، وإن سرق وقتل وشرب الخمر وقذف المحصنات وترك الصلاة والزكاة والصيام إذا كان مقرًا بها يُسوِّف التوبة لم يضره وقوعه على الكبائر وتركه للفرائض وركوبه الفواحش، وإن فعل ذلك استحلالًا كان كافرًا بالله مشركًا وخرج من إيمانه وصار من أهل النار، وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص وإيمان الملائكة والأنبياء والأمم وعلماء الناس وجهالهم واحد لا يزيد منه شيء على شيء أصلًا (١).\nوقابل هؤلاء من غلَّب جانب نصوص الوعيد وأهمل نصوص الوعد، وهؤلاء هم الوعيدية -الخوارج والمعتزلة-، وزعموا أن مرتكب الكبيرة حكمه في الدنيا كافرٌ كفرًا أكبر -على حد زعم جمهور الخوارج- (٢)، وفي منزلة بين المنزلتين -على حد زعم المعتزلة- (٣)؛ أما في حكمه في الآخرة -إن لم يتب- فهو خالد مخلد في النار وقولهما في هذا واحد، غير أن الخوارج يقولون إن مرتكبي الكبائر ممن ينتحل الاسلام يعذبون عذاب الكافرين والمعتزلة يقولون إن عذابهم ليس كعذاب الكافرين (٤).\n_________\n(١) التنبيه والرد، ص ٤٣.\n(٢) الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية ص ٥٦، لعبدالقاهر بن طاهر البغدادي، الطبعة الثانية ١٩٧٧ م، دار الآفاق الجديدة، بيروت.\n(٣) مقالات الإسلاميين ص ٢٧٠.\n(٤) مقالات الإسلاميين ص ١٢٤.","vol":"1","page":243},{"text":"وهدى الله أهل السنة للجمع بين النصوص فكان منهجهم وسطًا بين الإفراط والتفريط، فقالوا: إن مرتكب الكبيرة -عدا الشرك- لا يكفر -إذا لم يستحل ذلك- ولا يخرج من الإسلام بهذه المعصية، بل هو مؤمن ناقص الإيمان، أو مؤمن بإيمانه فاسق بمعصيته، وإذا مات من غير توبة فهو تحت المشيئة، إن شاء الله غفر له ابتداءًا وأدخله الجنة رحمه منه وفضلًا، وإن\nشاء عذبه بقدر ذنوبه ثم أدخله الجنه بعدله وحكمته.\n\nولا شك أن هذا المعنى هو ما تواترت عليه أدلة الكتاب والسنة:\nقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٨].\nقال ابن جرير في تفسير هذه الآية: \"وقد أبانت هذه الآية أن كل صاحب كبيرة ففي مشيئة الله، إن شاء عفا عنه، وإن شاء عاقبه عليه، ما لم تكن كبيرة شركًا بالله\" (١).\nوقال تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحُجُرات: ٩].\nفسمى الله تعالى كلا من الطائفتين المقتتلتين مؤمنة وأمر بالاصلاح بينهما ولو بقتال الباغية (٢).\nوكذلك في آية القصاص أثبت الإيمان للقاتل والمقتول من المؤمنين وأثبت لهم أخوة الإيمان فقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ [البقرة: من الآية ١٧٨].\n_________\n(١) تفسير الطبري (٨/ ٤٥٠).\n(٢) معارج القبول (٣/ ١٠١٨).","vol":"1","page":244},{"text":"وحديث أبي ذر - ﵁ - الطويل، وفيه أن النبي - ﷺ - ذكر أن جبريل عرض له في جانب الحرة، فقال: «بشر أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئًا دخل الجنة، قلت يا جبريل، وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم، قال: قلت: وإن سرق؟ وإن زنى؟ قال: نعم وإن شرب الخمر» (١).\nوعن عمر بن الخطاب - ﵁ -، أن رجلًا كان على عهد النبي - ﷺ - كان اسمه عبدالله وكان\nيُلقب \"حمَارًا\"، وكان يُضحك رسول الله - ﷺ -، وكان النبي - ﷺ - قد جلده في الشراب، فأُتي به يومًا فأمَر به فجُلِد، فقال رجلٌ من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي - ﷺ -: «لا تلعنوه، فوالله ما علمت إلا أنه يحب الله ورسوله» (٢).\nوأحاديث الشفاعة لأهل الكبائر جميعها دالة على هذا المعنى، وقد تقدمت في مطلب الشفاعة.\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا الأصل، وبيَّن أن لا يكفر أحد من أهل القبلة بكل ذنب، ولا يخرج من الإسلام بمعصية، وأنه يُرجى للمحسن، ويُخاف على المسيء، فقال:\n\"ولا يخرج الإيمان من قلب مؤمن مصرٍّ على فعل المآثم مستجري\nونرجوا الرِّضا عمَّن قضى وهو مؤمن ويُخشى على من مات وهو على شرِّ\" (٣).\nوقال في موضع آخر في بيان عدم خلود أهل الكبائر في النار:\n\"ويدخل ناسٌ بالمعاصي جهنمًا ... فيأخذهم منها على قدر الوزر\nويشفع فيهم سيد الخلق أحمد ... عليه صلاة الله ما غرَّد القمري\nويخرج مَن في قلبه وزن ذرة ... بلا شك منها مِن مُقارفة البِرِّ\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٨/ ٩٤)، كتاب الرقاق، باب المكثرون هم المقلون، ح ٦٤٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ١٥٨)، كتاب الحدود، باب ما يكره من لعن شارب الخمر وإنه ليس بخارج من الملة، ح ٦٧٨٠.\n(٣) نهج الرشاد، ص ٣٦.\n(٤) نهج الرشاد، ص ٣٨.","vol":"1","page":245},{"text":"وما قرره الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هو ما أجمع عليه أهل السنة والجماعة في هذه المسألة.\nقال ابن بطة: \"وقد أجمعت العلماء لا خلاف بينهم أنه لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنب، ولا نخرجه من الإسلام بمعصية، نرجو للمحسن، ونخاف على المسيء\" (١).\nوقال أبو الحسن الأشعري: \" وأجمعوا -يعني أهل السنة- على أن المؤمن بالله تعالى وسائر ما دعاه النبي إلى الإيمان به لا يخرجه عنه شيء من المعاصي ولا يحبط إيمانه إلا الكفر، وأن العصاة من أهل القبلة مأمورين بسائر الشرائع غير خارجين عن الإيمان بمعاصيهم\" (٢).\nوقال الإمام الصابوني: \"ويعتقد أهل السنة أن المؤمن وإن أذنب ذنوبًا كثيرة صغائر وكبائر فإنه لا يكفر بها، وإن خرج من الدنيا غير تائب منها ومات على التوحيد والإخلاص، فإن أمره إلى الله ﷿ إن شاء عفا عنه وأدخله الجنة يوم القيامة سالمًا غانمًا غير مبتلى بالنار ولا معاقب على ما ارتكبه واكتسبه ثم استصحبه إلى يوم القيامة من الآثام والأوزار، وإن شاء عفا عنه وعذبه مدة بعذاب النار، وإذا عذبه لم يخلده فيها، بل أعتقه وأخرجه منها إلى نعيم دار القرار\" (٣).\nوقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة: \"وهم مع ذلك لا يكفرون أهل القبلة بمطلق المعاصي والكبائر كما يفعله الخوارج، بل الأخوة الإيمانية ثابتة مع المعاصي ... ولا يسلبون الفاسق الملِّي الإيمان بالكلية ولا يخلدونه في النار كما تقوله المعتزلة ... ويقولون: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته، فلا يعطى الاسم المطلق ولا يسلب مطلق الاسم\" (٤).\n_________\n(١) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٣٩)، د. حمد بن عبدالمحسن التويجري.\n(٢) رسالة إلى أهل الثغر، ص ٢٧٤.\n(٣) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٢٧٦.\n(٤) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥١ - ١٥٢).","vol":"1","page":246},{"text":"وقال ابن أبي العز الحنفي: \"أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا ينقل عن الملة بالكلية ... ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام، ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود مع الكافرين\" (١).\n_________\n(١) شرح الطحاوية، ص ٣٠١ - ٣٠٢.","vol":"1","page":247},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-162>الفصل السادس\nمنهج جمال الدين السرمري في الصحابة والإمامة</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: منهج جمال الدين السرمري في الصحابة - ﵃ -.\nالمبحث الثاني: منهج جمال الدين السرمري في الإمامة.","vol":"1","page":248},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-163>المبحث الأول\nمنهج جمال الدين السرمري في الصحابة - ﵃ </span>-\n<span data-type=\"title\" id=toc-164>تمهيد: تعريف الصحابي:</span>\nلغة: الصاد والحاء والباء، أصل واحد، يدل على مقارنة شيء ومقاربته من ذلك الصَّاحب، والجمع: الصَّحْب؛ ومن الباب: أصحب فلان: إذا انقاد، وكل شيء لائم شيئًا فقد استصحبه (١).\nقال الباقلاني: \"لا خلاف بين أهل اللغة في أن القول صحابي مشتق من الصحبة وأنه ليس بمشتق من قدر منها مخصوص بل هو جار على كل من صحب غيره قليلًا كان أو كثيرًا كما أن القول مكلم ومخاطب وضارب مشتق من المكالمة والمخاطبة والضرب وجار على كل من وقع منه ذلك قليلًا كان أو كثيرًا وكذلك جميع الأسماء المشتقة من الأفعال وكذلك يقال: صحبت فلانًا حولًا ودهرًا وسنة وشهرًا ويومًا وساعة، فيوقع اسم المصاحبة بقليل ما يقع منها وكثيره وذلك يوجب في حكم اللغة إجراء هذا على من صحب النبي - ﷺ - ولو ساعة من نهار هذا هو الأصل في اشتقاق الاسم ... \" (٢).\nوقال السخاوي: \"الصحابي لغة: يقع على من صحب أقل ما يطلق اسم الصحبة فضلًا عمن طالت صحبته وكثرت مجالسته\" (٣).\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (٣/ ٣٣٥).\n(٢) الكفاية في علم الرواية ص ٥١، للخطيب البغدادي، تحقيق: أبو عبدالله السورقي وإبراهيم حمدي المدني، المكتبة العلمية، المدينة.\n(٣) فتح المغيث شرح ألفية الحديث، لشمس الدين السخاوي (٣/ ٩٣)، الطبعة الأولى ١٤٠٣، دار الكتب العلمية، لبنان.","vol":"1","page":249},{"text":"أما تعريفه في الاصطلاح:\nفقد تنوعت عبارات العلماء في ذلك مع اتفاق المعنى في الجملة:\nقال الواقدي: \"ورأينا أهل العلم يقولون: كل من رأى رسول الله - ﷺ - وقد أدرك الحلم فأسلم وعقل أمر الدين ورضيه فهو عندنا ممن صحب رسول الله - ﷺ - ولو ساعة من نهار ولكن أصحابه على طبقاتهم وتقدمهم في الإسلام\" (١).\nقال الإمام أحمد: \"كل من صحبه سنة أو شهرًا أو يومًا أو ساعة أو رآه فهو من\nأصحابه، له من الصحبة على قدر ما صحبه، وكان سابقته معه، وسمع منه، ونظر إليه\" (٢).\nوقال البخاري: \"من صحب النبي - ﷺ - أو رآه من المسلمين فهو من أصحابه\" (٣).\nولعل من أدق التعاريف ما ذكره الحافظ ابن حجر بقوله: \"وأصح ما وقفت عليه من ذلك أن الصحابي: من لقي النبي - ﷺ - مؤمنًا به ومات على الإسلام -ثم شرح التعريف بقوله: - فيدخل فيمن (لقيه): من طالت مجالسته له أو قصرت ومن روى عنه أو لم يرو ومن غزا معه أو لم يغز ومن رآه رؤية ولو لم يجالسه ومن لم يره لعارض كالعمى، ويخرج بقيد (الإيمان): من لقيه كافرًا ولو أسلم بعد ذلك إذا لم يجتمع به مرة أخرى، وقولنا (به): يخرج من لقيه مؤمنًا بغيره كمن لقيه من مؤمني أهل الكتاب قبل البعثة، وهل يدخل من لقيه منهم وآمن بأنه سيبعث أو لا يدخل محل احتمال ومن هؤلاء بحيرا الراهب ونظراؤه، ويدخل في قولنا (مؤمنًا به): كل مكلف من الجن والإنس فحينئذ يتعين ذكر من حفظ ذكره من الجن الذين آمنوا به بالشرط المذكور ...، وهل تدخل الملائكة محل نظر قد قال بعضهم إن ذلك ينبني على أنه هل كان مبعوثا إليهم أو لا ...، وخرج بقولنا (ومات على الإسلام): من لقيه مؤمنًا به ثم ارتد ومات على ردته والعياذ بالله ... ويدخل فيه من ارتد وعاد إلى الإسلام قبل أن يموت سواء اجتمع به - ﷺ - مرة أخرى أم لا وهذا هو الصحيح المعتمد والشق الأول لا خلاف في دخوله وأبدى\n_________\n(١) أسد الغابة (١/ ٧).\n(٢) الكفاية، ص ٥٢.\n(٣) فتح الباري (٧/ ٣).","vol":"1","page":250},{"text":"بعضهم في الشق الثاني احتمالًا وهو مردود لإطباق أهل الحديث على عد الأشعث بن قيس في الصحابة وعلى تخريج أحاديثه في الصحاح والمسانيد وهو ممن ارتد ثم عاد إلى الإسلام في خلافة أبي بكر، وهذا التعريف مبني على الأصح المختار عند المحققين كالبخاري وشيخه أحمد ابن حنبل ومن تبعهما\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-165>المطلب الأول: حق الصحابة - ﵃ </span>-:\nيقرر جمال الدين السرمري ﵀ تولي جميع أصحاب النبي - ﷺ -، ومحبتهم، والترضي عنهم، وأنهم خير قرون الخلق.\nأما على الخصوص: فمعرفة لكل فضله ومنزلته وسابقته بحسب ورود النص فيه على خصوصه، والشهادة له وفق ما جاء في هذا النص، كالخلفاء الأربعة، وبقية العشرة، وأهل بدر، وبيعة الشجرة، وعائشة، وسائر أمهات المؤمنين.\nيقول ﵀:\n\"وخير القرون الخلق قرن نبيّنا ... وأفضله عشرون مع عشر مع عشر\nهم الأربعون المسلمون الألى بهم ... جرى القمر الإيمان في فلك النَّصر\nوأفضلهم عشر عن النار زحزحوا ... فكل ثَوى من جنة الخلد في قَصْر\nوأفضل هذا العشر أربعة لهم ... على الخلق فضل كالنُّضار على الصُّفْر (٢)\n-ثم قال: -\nوأن نترضى عن صحاب محمد ... كما أمر الرحمن في سورة الحشر\n-إلى أن قال: -\nوأن لأهل البيت فضلًا على الورى ... نحققه فيهم للفقير وللمثري\n_________\n(١) الإصابة (١/ ٤ - ٥).\n(٢) النضار: الذهب. لسان العرب (١/ ٦٤٢)؛ والصُّفْر: النحاس. انظر: لسان العرب (٤/ ٤٦٠).","vol":"1","page":251},{"text":"وأن ابنة الصدّيق عائشة الرضى ... منزهة عما يقول أولو الأشر\nوكل نساء المصطفى أمهاتنا ... ورادِدُ هذا القول مستوجب الهجر\" (١).\nوقد تقدم أن من مؤلفات السرمري: كتاب \"عمدة الدين في فضل الخلفاء الراشدين\"، وكتاب \"غيث السحابة في فضائل الصحابة\"، وكتاب \"نشر القلب الميْت بفضل أهل البيت\".\nوما قرره جمال الدين السرمري ﵀ موافق للنصوص الشرعية ومنهج أهل السنة والجماعة.\nقال - ﷾ -: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: ١٠٠].\nوقال - ﷿ -: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: ١٨].\nوقال - ﷻ -: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾ [الفتح: ٢٩].\nوعن عمران بن حصين - ﵁ - أن رسول الله - ﷺ - قال: «خيركم قرني، ثم يلونهم، ثم الذين يلونهم» (٢).\nوعن أبي سعيد الخدري - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق\n_________\n(١) نهج الرشاد، ص ٤٢ - ٤٣.\n(٢) أخرجه البخاري (٨/ ٩١)، كتاب الرقاق، باب ما يحذر من زهرة الدنيا والتنافس فيها، ح ٦٤٢٨؛ ومسلم (٤/ ١٩٦٤)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضل الصحابة ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم، ح ٢٥٣٥؛ واللفظ للبخاري.","vol":"1","page":252},{"text":"مثل أحد ذهبًا، ما بلغ مدَّ أحدهم ولا نصيفه» (١).\nوحديث جابر - ﵁ - أن النبي - ﷺ - قال: «لا يدخل النار إن شاء الله من أصحاب الشجرة أحد الذين بايعوا تحتها» (٢).\nوحديث علي بن أبي طالب - ﵁ - الطويل في قصة حاطب بن أبي بلعتة - ﵁ -، وفيه: فقال\nالنبي - ﷺ -: «إنه شهد بدرًا، وما يدريك لعل الله اطلع على من شهد بدرًا فقال: اعملوا ما شئتم قد غفرت لكم» (٣).\nوالأدلة من السنة كثيرة جدًا، حتى أن أئمة أهل الحديث عقدوا لهذا الموضوع مباحث مستقلة في كتبهم.\nقال شيخ الإسلام -بعد أن ذكر جملة من أحاديث فضائل الصحابة-: \"وهذه الأحاديث مستفيضة بل متواترة في فضائل الصحابة والثناء عليهم وتفضيل قرنهم على من بعدهم من القرون\" (٤).\nوقال ابن كثير: \"والصحابة كلهم عدول عند أهل السنة والجماعة، لما أثنى الله عليهم في كتابه العزيز، وبما نطقت به السنة النبوية في المدح لهم في جميع أخلاقهم وأفعالهم، وما بذلوه من الأموال والأرواح بين يدي رسول الله - ﷺ -، رغبة فيما عند الله من الثواب الجزيل، والجزاء الجميل\" (٥).\nوقد حُكي الإجماع على عدالتهم، قال السفاريني: \"فمعتمد القول عند أئمة السنة أن\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٥/ ٨)، كتاب أصحاب النبي - ﷺ -، باب قول النبي - ﷺ -: «لو كنت متخذًا خليلًا»، ح ٣٦٧٣؛ ومسلم (٤/ ١٩٦٧)، كتاب فضائل الصحابه - ﵃ -، باب تحريم سب الصحابة - ﵃ -، ح ٢٥٤١.\n(٢) أخرجه مسلم (٤/ ١٩٤٢)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب فضائل أصحاب الشجرة أهل بيعة الرضوان - ﵃ -، ح ٢٤٩٦.\n(٣) أخرجه البخاري (٥/ ١٤٥)، كتاب المغازي، باب غزوة الفتح، ح ٤٢٧٤؛ ومسلم (٤/ ١٩٤١)، كتاب فضائل الصحابة - ﵃ -، باب من فضائل أهل بدر - ﵃ - وقصة حاطب بن أبي بلتعة، ح ٢٤٩٤.\n(٤) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣٠).\n(٥) اختصار علوم الحديث ص ١٨١ - ١٨٢، لابن كثير، تحقيق: أحمد شاكر، الطبعة الثانية، دار الكتب العلمية، بيروت.","vol":"1","page":253},{"text":"الصحابة رضوان الله عليهم كلهم عدول بالكتاب والسنة وإجماع أهل الحق المعتبرين\" (١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-166>المطلب الثاني: الإمساك عما شجر بين الصحابة - ﵃ </span>-:\nقرر جمال الدين السرمري ﵀ الإمساك عما شجر بينهم، مع سلامة القلوب، وكف الألسن عن الخوض في ذلك، فقال:\n\"ونمسك عمّا شجر بينهم من تشاجر ... ونعلم أن الله لكل ذو غفر\" (٢).\nوما قرره جمال الدين السرمري هو أصل من أصول مذهب أهل السنة والجماعة تجاه أصحاب النبي - ﷺ -.\nقال ابن عباس - ﵁ -: \"لا تسبوا أصحاب محمد - ﷺ - فإن الله - ﷿ - قد أمر بالاستغفار لهم وهو يعلم أنهم سيقتتلون\" (٣).\nوقال الإمام الصابوني في عقيدة السلف وأصحاب الحديث: \"ويرون الكف عما شجر بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، وتطهير الألسنة عن ذكر ما يتضمن عيبًا لهم ونقصًا فيهم، ويرون الترحم على جميعهم والموالاة لكافتهم\" (٤).\nوقال أبو الحسن الأشعري: \"وأجمعوا -يعني أهل السنة- على الكف عن ذكر الصحابة ﵈ إلا بخير ما يذكرون به، وعلى أنهم أحق أن ينشر محاسنهم ويلتمس لأفعالهم أفضل المخارج وأن نظن بهم أحسن الظن وأحسن المذاهب ممتثلين في ذلك لقول رسول الله: «إذا ذكر أصحابي فأمسكوا» وقال أهل العلم: معنى ذلك لا تذكروهم إلا بخير الذكر ... \" (٥).\nوقال شيخ الإسلام في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: \"ويمسكون عما شجر\n_________\n(١) لوامع الأنوار (٣/ ٣٧٧).\n(٢) نهج الرشاد، ص ٤٣.\n(٣) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (٧/ ١٣١٨ - ١٣١٩).\n(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.\n(٥) رسالة إلى أهل الثغر، ص ٣٠٣ - ٣٠٤.","vol":"1","page":254},{"text":"بين الصحابة، ويقولون: إن هذه الآثار المروية في مساويهم منها ماهو كذب ومنها ما قدر زيد ونُقص وغُيِّر عن وجهه، والصحيح منه: هم فيه معذورون، إما مجتهدون مصيبون، وإما مجتهدون مخطئون ... \" (١).\nولا يعني الإمساك عما شجر بين الصحابة ادعاء العصمة لهم، بل هم بشر يجري عليهم\nما يجري على سائر البشر من الخطأ والسهو والغفلة.\nقال شيخ الإسلام: \"ومما ينبغي أن يُعلم أنه وإن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة والاستغفار للطائفتين جميعًا وموالاتهم، فليس من الواجب اعتقاد أن كل واحد من العسكر لم يكن إلا مجتهدًا متأولًا كالعلماء، بل فيهم المُذنب والمُسيء، وفيهم المُقصر في الاجتهاد لنوع من الهوى لكن إذا كانت السيئة في حسنات كثيرة كان مرجوحة مغفورة، وأهل السنة تُحسن القول فيهم وتترحم عليهم وتستغفر لهم، لكن لا يعتقدون العصمة من الإقرار على الذنوب وعلى الخطأ في الاجتهاد ... \" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-167>المطلب الثالث: ترتيب الخلفاء في الفضل:</span>\nإن التفاضل بين الخلق سنة من سنن الله في هذا الكون:\nقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: من الآية ٣٢].\nوقال - ﷿ -: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ [النحل: من الآية ٧١].\nولقد فضل الله بعض النبيين على بعض، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ [البقرة: من الآية ٢٥٣].\nوقال - ﷾ -: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ﴾ [الإسراء: من الآية ٥٥].\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٥).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ٤٣٤).","vol":"1","page":255},{"text":"كما أنه ﷾ فاضل بين الأمم، فقال - ﷾ -: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة من الآية: ٤٧].\nوكذلك الصحابة - ﵃ - كسائر الخلق بينهم التفاضل، قال تعالى: ﴿لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا﴾ [الحديد: من الآية ١٠].\nوأهل السنة والجماعة يقرون بما تواتر به النقل ودلت عليه الآثار من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر، ووقع الخلاف من بعضهم في عثمان وعلي - ﵃ - في الفضل مع إجماعهم على تقديم عثمان - ﵁ - في مسألة الخلافة.\nثم استقر قول أهل السنة على تقديم عثمان على علي في الفضل، وأن ترتيب الخلفاء الأربعة في الفضل كترتيبهم في الخلافة.\nقال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ في معرض ذكره لأصول أهل السنة والجماعة: \"ويقرون بما تواتر به النقل عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب - ﵁ - وعن غيره من أن خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ويثلثون بعثمان ويربِّعون بعلي - ﵃ - كما دلت عليه الآثار وكما أجمع الصحابة - ﵃ - على تقديم عثمان في البيعة مع أن بعض أهل السنة كانوا قد اختلفوا في عثمان وعلي -﵄ بعد اتفاقهم على تقديم أبي بكر وعمر- أيها أفضل، فقدم قوم عثمان وسكتوا أو ربعوا بعلي، وقدَّم قوم عليًا، وقوم توقفوا؛ لكن استقر أمر أهل السنة على تقديم عثمان، وإن كانت هذه المسألة -مسألة عثمان وعلي- ليست من الأصول التي يضلل المخالف فيها عند جمهور أهل السنة، لكن المسألة التي يضلل المخالف فيها هي مسألة الخلافة، وذلك أنهم يؤمنون بأن الخليفة بعد رسول الله - ﷺ - أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي، ومن طعن في خلافة أحد من هؤلاء الأئمة فهو أضل من حمار أهله\" (١).\nوهذا ما قرره جمال الدين السرمري ﵀ حيث قال:\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٣).","vol":"1","page":256},{"text":"\"وأفضلهم صدِّيقه ووزيره ... أبو بكر ذو الإنفاق في اليسر والعسر\nومن بعده الفاروق لا يُنسى فضله ... وعثمان ذو النورين ذو القرب بالصهر\nومن بعده زوج البتول عليّ الذي ... جاهد الكفار بالبيض والسُمر\" (١).\nوقال في تقدمة كتابه (المولد الكبير للبشير النذير - ﷺ -) بعد الصلاة على النبي - ﷺ -: \"وعلى صاحبه الصدّيق وخليفته بالتحقيق، والمُنفق عليه ماله في الضيق، أبي بكر عبدالله بن عثمان الذي قاتل أهل الردة، وألحق العاصي بالمطيع؛ وعلى صاحبه الفاروق، المكلَّم والمكاشف، المحدث الملهم، والعادل المعظم المكرم، أبي حفص عمر بن الخطاب، كافل الأرملة واليتيم، والعظيم والرّضيع؛ وعلى ذو النورين، صهره على الابنتين، وختنه على الكريمتين، وأمينه على البضْعتين، أبي عمرو عثمان بن عفان المقتول ظلمًا، أفضل أهل البقيع؛ وعلى المرتضى البطل الهمام، والأسد الهزبر الضرغام، كاثر الأوثان والأصنام، أبي الحسن علي بن أبي طالب الذي ما بارزه بطل إلا سقاه كأس النَّجيع\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-168>المطلب الرابع: موقف أهل البدع من الصحابة:</span>\nعدالة الصحابة ثابتة معلومة بتعديل الله لهم وإخباره عن طهارتهم، واختياره لهم في نص القرآن في آيات كثيرة يكثر إيرادها ويطول تعدادها، ووصف رسول الله الصحابة مثل ذلك، وأطنب في تعظيمهم، وأحسن الثناء عليهم؛ وهؤلاء الصفوة الذين يعتبرون تاجًا في رأس الأمة الإسلامية، لم تسلم من كيد بعض أصحاب القلوب المريضة ممن وجدوا في هذه الصفوة الطاهرة بغيتهم، فذهبوا يكيدون لها بالكذب والافتراء، حتى طعنوا في عدالتهم ورموهم بالعظائم زورًا وبهتانًا، يحدوهم في هذا كله الجهل حينًا والهوى أحيانًا.\n_________\n(١) نهج الرشاد، ص ٤٣.\n(٢) المولد الكبير للبشير النذير (مخطوط) ورقة: ١ ب.","vol":"1","page":257},{"text":"وممن تولى كبر ذلك وحمل لواءه:\n١ - الخوارج: قالوا بتكفير علي وعثمان، وأصحاب الجمل والحكمين ومن صوبهما أو صوب أحدهما أو رضي بالتحكيم (١).\n٢ - الروافض: قالوا بتكفير أبي بكر وعمر وعثمان ومن عقدوا خلافتهم وبايعوهم (٢).\nولقد عَرَضَ الإمام جمال الدين السرمري لكل الطائفتين، وبين فساد مذهبهم بالعموم، ولم يعرض لشيء من شبههم، فمن ذلك قوله: \"ومحبة أحد من أهل الجنة لا ينفعه ذلك مع مجانبة الكتاب والسنة، ممن أحب أبا بكر وعمر وعثمان وأبغض عليًا، أو أحب عليًا وأبغض أبا بكر وعمر وعثمان ... وقد جاء الحديث أن: «من أبغض أبا بكر وعمر فقد كفر» فلا تنفعه محبة علي، ومَثلُ ذلك كما قال الصرصري رحمه الله تعالى:\nمثل الذي جحد ابن مريم وادَّعى حب الكليم وتلك دعوى تفسدُ\nوروي في الحديث: أن عليًا - ﵁ - لا يبغضه إلا منافق ولا يحبه إلا مؤمن، قال بعض الصحابة: إنْ كنَّا لنعرف المنافقين منا معاشر الأنصار ببغضهم علي بن أبي طالب؛ وأما ما يدعيه الرافضة من حبهم عليًا - ﵇ -، فليس من هذا في شيء، ودعواهم أن محبته ومحبة أهل البيت حسنة لا يضرها معها سيئة فهي دعوى فاسدة، لأنهم كما زعموا يحبونهم ويبغضون أهلهم وأصحابهم وأختانهم وأحماهم ومواليهم، ويسبونهم ويلعنونهم، وقد قال النبي - ﷺ -: «المؤمن لا يكون لعانًا»، وليس أحد ممن لعنوه أو سبوه إلا وقد سبقت له سابقة صالحة في الإسلام، وأبلى بلاءً حسنًا، وقد نص النبي - ﷺ - في جماعة منهم بأنهم في الجنة، كأبي بكر وعمر وعثمان وعلي ونحوهم، فمن أبغض عليًا وأحب أبا بكر وعمر وعثمان لم ينفعه حبهما\" (٣).\nوقال في موضع آخر في بيان ضلال الرافضة:\n\"هم أكذب الناس في قول وفي عمل وأعظم الخلق جهلًا في توثبه\n_________\n(١) انظر: الفرق بين الفرق، ص ٥٦.\n(٢) انظر: مجموع الفتاوى (٢٨/ ٤٧٧).\n(٣) الأربعون الصحيحة، ص ٦٨ - ٦٩.","vol":"1","page":258},{"text":"وهم أقل الورى عقلًا وأغفلهم ... عن كل خير وأبطا عن تكسبه\nوكل عيب يَرُدُّ الشرع قد جمعوا ... هم جند إبليس بل فرسان مِقْنبه (١) \" (٢).\nوقال في موضع آخر عند رده على السبكي حين شنع على شيخ الإسلام رده على ابن مطهر الحلي، وأوضح السرمري وجوب الرد على الرافضة، فقال:\n\"والله لا غنية عن رد إفكهم ... بل رده واجب أعظم بمُوجبه\nأيتركون يسبون الصحابة والـ ... إسلام يختال زهوًا في تصلبه\nهذا مقال شنيع لم يقل أحد ... به ولا رهط جهم في تحزبه\" (٣).\nوما ذكره السرمري من بيان ضلالهم وفساد مذهبهم هو قول أهل الأئمة في هذا الباب.\nقال الإمام الصابوني: \"ومن أبغضهم -يعني الصحابة- وسبهم، ونسبهم إلى ما تنسبهم الروافض والخوارج، فقد هلك في الهالكين\" (٤).\nوقال الإمام النووي: \"واعلم أن سب الصحابة - ﵃ - حرام من فواحش المحرمات سواء من لابس الفتن منهم وغيره لأنهم مجتهدون في تلك الحروب متأولون ... قال القاضي عياض: وسب أحدهم من المعاصي الكبار\" (٥).\nوقال الإمام أحمد: \"من تنقص أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - فلا ينطوي إلا على بلية وله خبيئة سوء\" (٦).\nوقال شيخ الإسلام في حكم تكفير الصحابة: \"وأما من جاوز ذلك إلى أن زعم أنهم ارتدوا بعد رسول الله ﵊ إلا نفرًا قليلًا يبلغون بضعة عشر نفسًا أو أنهم فسقوا عامتهم فهذا لا ريب أيضًا في كفره لأنه كذب لما نصه القرآن في غير موضع: من الرضى\n_________\n(١) المِقنب -بالكسر-: جماعة الخيل. لسان العرب (١/ ٦٩٠).\n(٢) الحمية الإسلامية، ص ٥٦.\n(٣) الحمية الإسلامية، ص ٥٨.\n(٤) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.\n(٥) شرح النووي على مسلم (١٦/ ٩٣).\n(٦) السنة للخلال (٢/ ٤٧٧) ح ٧٥٨.","vol":"1","page":259},{"text":"عنهم والثناء عليهم بل من يشك في كفر مثل هذا فإن كفره متعين فإن مضمون هذه المقالة أن نقلة الكتاب والسنة كفار أو فساق وأن هذه الآية التي هي: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: ١١٠] وخيرها هو القرن الأول، كان عامتهم كفارًا أو فساقًا ومضمونها أن هذه الأمة شر الأمم وأن سابقي هذه الأمة هم شرارهم وكفر هذا مما يعلم باضطرار من\nدين الإسلام\" (١).\n_________\n(١) الصارم المسلول (١/ ٥٩٠).","vol":"1","page":260},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-169>المبحث الثاني\nمنهج جمال الدين السرمري في الإمامة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-170>تعريف الإمامة:</span>\nالإمامة في اللغة: مصدر من الفعل (أمَّ) تقول: أمَّهم وأمَّ بهم: تقدَّمهم، والإمام: ما ائتم به من رئيس أو غيره (١).\nوقال ابن منظور: \" والإمام ما ائتم به من رئيس وغيره، والجمع: أئمة ... وإمام كل شيء قيِّمُه والمصلح له، والقرآن إمام المسلمين، وسيدنا محمد رسول الله - ﷺ - إمام الأئمة، والخليفة إمام الرعية\" (٢).\nأما تعريف الإمامة في الاصطلاح: فقد عرفها العلماء بعدة تعريفات، وكلها متقاربة في المعنى\nفيعرفها الماوردي بأنها: \"خلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا\" (٣).\nوقال الجويني: \"رياسة تامة وزعامة عامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا، متضمنها حفظ الحوزة ورعاية الرعية وإقامة الدعوة بالحجة والسيف وكف الجنف والحيف والانتصاف للمظلومين من الظالمين واستيفاء الحقوق من الممتنعين وإيفاؤها على المستحقين\" (٤).\nوقال ابن خلدون: \"هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة،\n_________\n(١) انظر: القاموس المحيط، ص ١٣٩٢.\n(٢) لسان العرب (١٢/ ٢٢).\n(٣) الأحكام السلطانية والولايات الدينية (١/ ٣)، لأبي الحسن الماوردي، تحقيق: د. أحمد مبارك البغدادي، الطبعة الأولى ١٤٠٩، دار ابن قتيبة، الكويت.\n(٤) غياث الأمم والتياث الظلم ص ١٥، لأبي المعالي الجويني، تحقيق: د. فؤاد عبدالمنعم ود. مصطفى حلمي، ١٩٧٩ م، دار الدعوة، الاسكندرية.","vol":"1","page":261},{"text":"فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به\" (١).\nوقال الإيجي: \"هي خلافة الرسول في إقامة الدين وحفظ حوزة الملة بحيث يجب اتباعه\nعلى كافة الأمة\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-171>المطلب الأول: طاعة الأئمة، وحكم الخروج على الإمام الجائر:</span>\nهذه المسألة من أبرز المسائل المتعلقة بمبحث الإمامة، وذلك لما حصل فيها من خلاف بين أهل السنة وبين بعض أهل البدع.\nوقد ذهب عامة أهل السنة إلى وجوب طاعة الأئمة، وعدم جواز الخروج على ولاة الأمر حتى ولو جاروا وظلموا، مالم يُرَ كفرًا بواحًا فيه من الله برهان، لما يترتب على الخروج عليهم من المفاسد التي لا يقدر قدرها إلا الله، من سفك الدماء، وانتهاك الأعراض، وانتهاب الأموال.\nبل وأوجب العلماء إقامة الشعائر العامة معهم مع جورهم وظلمهم، كإقامة الجمع، والحج، والعيدين، والجهاد، ونحو ذلك.\nوهذا ما قرره الإمام جمال الدين السرمري وبينه بيانًا لا لبس فيه، حيث قال:\n\"وإن نحن بايعنا الإمام ببيعة ... وَفينا ولم نغدرْ ولا خير في الغدرِ\nونَلقى ولاة الأمر منا بطاعة ... ولا يُلتقى بالسيف منا أولى الأمرِ\nوننصرهم إن جاهدوا ونطيعهم ... وإن ظلموا عُدنا من الظلم بالصبرِ\" (٣).\nوكلام جمال الدين السرمري هذا، وكلام الأئمة قبله وبعده قد استند في ذلك إلى النصوص الصحيحة الصريحة من الكتاب والسنة.\nومما ورد في هذا المعنى:\n_________\n(١) مقدمة ابن خلدون (١/ ٣٦٥)، لولي الدين عبدالرحمن بن خلدون، تحقيق: عبدالله الدرويش، الطبعة الأولى ١٤٢٥، دار يعرب، دمشق.\n(٢) كتاب المواقف (٣/ ٥٧٩).\n(٣) نهج الرشاد، ص ٣٧.","vol":"1","page":262},{"text":"قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٥٩].\nوعن أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم\nعبد حبشي، كأنَّ رأسه زبيبة» (١).\nوعن أبي هريرة - ﵁ - أن رسول - ﷺ - قال: «من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني» (٢).\nوعن عبدالله بن عمر -﵄- عن النبي - ﷺ - قال: «السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإذا أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة» (٣).\nوعن عوف بن بن مالك - ﵁ - عن رسول الله - ﷺ - قال: «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ فقال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئًا تكرهونه، فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يدًا من طاعة» (٤).\nوعن أم سلمة ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: «ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برئ، ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع» قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: «لا، ما صلَّوا» (٥).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩/ ٦٢)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٢.\n(٢) أخرجه البخاري (٩/ ٦١)، كتاب الأحكام، باب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: من الآية ٥٩]، ح ٧١٣٧؛ ومسلم (٣/ ١٤٦٦)، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، وتحريمها في المعصية، ح ١٨٣٥.\n(٣) أخرجه البخاري (٩/ ٦٣)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٤؛ ومسلم (٣/ ١٤٦٩)، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية وتحريمها في المعصية، ح ١٨٣٩؛ واللفظ للبخاري.\n(٤) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨١)، كتاب الإمارة، باب خيار الأئمة وشرارهم، ح ١٨٥٥.\n(٥) أخرجه مسلم (٣/ ١٤٨٠)، كتاب الإمارة، باب وجوب الإنكار على الأمراء فيما يخالف الشرع وترك قتالهم ما صلوا ونحو ذلك، ح ١٨٥٤.","vol":"1","page":263},{"text":"وعن ابن عباس -﵄- قال: قال النبي - ﷺ -: «من رأى من أميره شيئًا فكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد يُفارق الجماعة شبرًا فيموت، إلا مات ميتة جاهلية» (١).\nهذه بعض نصوص الكتاب والسنة الدالة على وجوب طاعة الأئمة في غير معصية الله أبرارًا كانوا أو فجارًا، وتحريم الخروج عليهم.\nأما الآثار عن السلف في هذا المعنى فكثيرة جدًا.\nفمن ذلك قول أبو إسماعيل الصابوني: \"ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم برًا كان أو فاجرًا، ويرون جهاد الكفرة معهم وإن كانوا جورة فجرة، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، ولا يرون الخروج عليهم وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف\" (٢).\nوقال ابن بطال: \"وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه لما في ذلك من حقن الدماء وتسكين الدهماء ... ولم يستثنوا من ذلك إلا إذا وقع من السلطان الكفر الصريح فلا تجوز طاعته في ذلك بل تجب مجاهدته لمن قدر عليها\" (٣).\nوقال حنبل: \"اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبدالله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقم وفشا -يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك- ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدًا من طاعة ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح بر أو يستراح من فاجر، وقال: ليس هذا بصواب، هذا خلاف الآثار\" (٤).\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٩/ ٦٢)، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام مالم تكن معصية، ح ٧١٤٣؛ ومسلم (٣/ ١٤٧٨)، كتاب الإمارة، باب الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن وتحذير الدعاة إلى الكفر، ح ١٨٤٩؛ واللفظ للبخاري.\n(٢) عقيدة السلف وأصحاب الحديث، ص ٣٢.\n(٣) فتح الباري (١٣/ ٧).\n(٤) الآداب الشرعية (١/ ١٩٦).","vol":"1","page":264},{"text":"وقال النووي: \"أجمع العلماء على وجوبها -يعني طاعة الأمراء- في غير معصية وعلى تحريمها في المعصية\" (١).\nوقد بين الإمام النووي أن العلة من الحكم بالحرمة والتي من أجلها تظاهرت الأحاديث وانعقد إجماع أهل السنة: هو ما يترتب على ذلك من المفاسد الكثيرة، فقال: \"وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض أصحابنا أنه ينعزل وحكى عن المعتزلة أيضًا فغلط من قائله مخالف للإجماع، قال العلماء: وسبب عدم انعزاله وتحريم الخروج عليه ما يترتب على ذلك من الفتن وإراقة الدماء وفساد ذات البين فتكون المفسدة في عزله أكثر منها في بقائه\" (٢).\nوأما من يقول بجواز الخروج على أئمة الجور محتجًا بفعل بعض السلف، فالجواب عليه: أن القول بعدم جواز الخروج على أئمة الجور كان من مسائل الخلاف بين أهل السنة ثم انعقد الإجماع على الحرمة، ثم ليس كل خروجهم كان بمجرد الفسق، قال القاضي عياض: \"وقد ادعى أبو بكر بن مجاهد في هذا الإجماع وقد رد عليه بعضهم هذا بقيام الحسن وابن الزبير وأهل المدينة على بني أمية وبقيام جماعة عظيمة من التابعين والصدر الأول على الحجاج مع ابن الأشعث، وتأول هذا القائل قوله أن لا ننازع الأمر أهله في أئمة العدل، وحجة الجمهور أن قيامهم على الحجاج ليس بمجرد الفسق بل لما غير من الشرع وظاهر من الكفر، قال القاضي: وقيل أن هذا الخلاف كان أولًا ثم حصل الإجماع على منع الخروج عليهم\" (٣).\nقال الباحث: وإن كان ظاهر قول القاضي عياض أنه يضعف انعقاد الإجماع على ذلك، لكن قد تقدم عن غير واحد من أهل العلم من حكى الإجماع عليه.\n_________\n(١) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(٢) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).\n(٣) شرح النووي على مسلم (١٢/ ٢٢٩).","vol":"1","page":265},{"text":"وأما من ينفي من العلماء صحة الإجماع أصلًا على ذلك، كابن حزم (١) وابن الوزير (٢)\nوالشوكاني (٣) وغيرهم، فمنزع قول أكثرهم مبني على مسألة أصولية، إذ لا يثبتون الإجماع الذي يقع بعد الخلاف، والله أعلم.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-172>المطلب الثاني: موقف المخالفين لأهل السنة في مسألة الإمامة:</span>\nلم يكن إدخال العلماء هذه المسألة في صلب مسائل العقيدة، أو الإسهاب في الحديث عنها عبثًا، بل إن مما دعاهم إلى ذلك ما جنح إليه بعض أهل الأهواء والبدع من التخبط والانحراف في هذا الأصل العظيم، حتى صار ضلالهم فيه من الأصول التي يتفقون عليها في الغالب.\nومن أبرز الفرق التي خالفت أهل السنة في هذه المسألة: الخوارج، والمعتزلة، والرافضة.\nوالفرقة التي أشار إليه جمال الدين السرمري من بين هذه الفرق هي الخوارج وأشار إلى جانب من انحرافهم فيما يتعلق بهذا الأصل بكونهم أوجبوا الخروج على الإمام (٤).\nأما المعتزلة: فإن من أصولهم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومن المعاني التي ستروها تحت مسمى هذا الأصل، الخروج على الولاة إذا خالفوهم فيما ذهبوا إليه.\nقال أبو الحسن الأشعري: \" فقالت المعتزلة: إذا كنا جماعة وكان الغالب عندنا أنا نكفي مخالفينا، عقدنا للإمام، ونهضنا فقتلنا السلطان وأزلناه وأخذنا الناس بالانقياد لقولنا، فإن دخلوا في قولنا الذى هو التوحيد وفى قولنا في القدر وإلا قتلناهم، وأوجبوا على الناس الخروج على\n_________\n(١) مراتب الإجماع، ص ١٧٨.\n(٢) انظر: العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم (٨/ ٧٦)، لابن الوزير، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، الطبعة الثالثة ١٤١٥، مؤسسة الرسالة، بيروت.\n(٣) انظر: نيل الأوطار (٧/ ٢٠٨)، لمحمد بن علي الشوكاني، تحقيق: عصام الدين الضابطي، الطبعة الأولى ١٤١٣، دار الحديث، مصر.\n(٤) الفرق بين الفرق، ص ٥٥.","vol":"1","page":266},{"text":"السلطان على الإمكان والقدرة إذا أمكنهم ذلك وقدروا عليه\" (١).\nوأما جمهور الرافضة فمخالفتهم لأهل السنة في هذا الأصل من وجوه متعددة منها على سبيل المثال: أنهم جعلوا الإمامة أحد أركان الإيمان بل هي أفضل هذه الأركان، وأهم المطالب\nفي أحكام الدين وأشرف مسائل المسلمين.\nوأيضًا القول بعصمة الأئمة، وأن الإمامة نص من الله لا تكون إلا في المنصوص عليهم أو من ينوبنهم، وما سواهم فمغتصب يجب الخروج عليه، وإزالته بالقوة كائنًا من كان (٢).\nوالذي يهمنا هنا من هذه الطوائف الثلاث: فرقة الخوارج، لأن الإمام جمال الدين السرمري قد تناولها بالإشارة والحديث من بين هذه الطوائف، واكتفى في الرد عليهم بإيراد بعض النصوص الدالة على الحث على قتالهم بسبب خروجهم على الإمام، فقال في كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: \"فصل في قتال الخوارج والبغاة.\nقال علي - ﵁ -: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: «سيخرج قوم في آخر الزمان حُدَّاث الأسنان سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدِّين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قلتهم أجرًا لمن قتلهم يوم القيامة» متفق عليه.\nوقال: «يكون من أمتي فرقتين فيخرج من بينهما مارقة يلي قتلَهم أولاهما بالحق».\nوفي لفظ: «تمرق مارقة عند فُرقة من المسلمين يقتُلُها أولى الطائفتين بالحق» رواهما أحمد ومسلم.\nوقال: «من رأى من أميره شيئًا يكرهه فليصبر فإنه من فارق الجماعة فمات فميتته جاهلية» متفق عليه.\nوقال: «من أتاكم وأمرُكم جميعٌ على رجل، يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم\n_________\n(١) مقالات الإسلاميين، ص ٤٦٦.\n(٢) منهج الإمام ابن بطة في تقرير عقيدة السلف والرد على أهل الأهواء والبدع (٢/ ٦٩١)، د. حمد بن عبدالمحسن التويجري.","vol":"1","page":267},{"text":"فاقتلوه» رواه أحمد ومسلم.\nوقال: «من حمل علينا السلاح فليس منا» رواه أحمد\" (١).\nومذهب الخوارج على الأئمة إذا ظلموا وجاروا مبني على مذهبهم في حكم مرتكب\nالكبيرة، حيث كفروه بذلك.\nفيرد عليهم في مسألة الإمامة بنقض قولهم في حكم مرتكب الكبيرة أولًا، وهذا قد سبقت الإشارة إليه في مبحث الكبيرة وحكم مرتكبها (٢).\nويرد عليهم أيضًا بالنصوص الآنفة الذكر، المتضمنة تحريم الخروج على الولاة، وعدم نزع اليد من طاعتهم عند ظلمهم وجورهم، إذ النصوص صريحة في النهي عن ذلك والتشديد فيه، ويرد عليهم أيضًا بالإجماع الذي حكاه غير واحد من أهل العلم -وقد تقدم نقله- (٣) على حرمة الخروج على الأئمة وإن كانوا فسقة ظالمين.\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٥٤٧ - ٥٤٨.\n(٢) انظر: ص ٢٤٥ - ٢٤٩.\n(٣) انظر: ٢٦٦ - ٢٦٧.","vol":"1","page":268},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-173>الفصل السابع\nموقف جمال الدين السرمري من أهل الأهواء والبدع</span>\nوفيه مبحثان:\nالمبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة.\nالمبحث الثاني: موقفه من أهل البدع.","vol":"1","page":269},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-174>المبحث الأول: لزوم الجماعة وذم الفرقة</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-175>مفهوم الجماعة:</span>\nالجماعة في اللغة: مأخوذة من الاجتماع، وهو ضد التفرق، يقال: جمع الشيء عن تفرقة فاجتمع، وجمعت الشيء إذا جئت به من هاهنا وهاهنا، وأجمع أمره أي جعله جميعًا بعدما كان متفرقًا، والجمع اسم لجماعة الناس، والجماعة والجميع والمجمع كالجمع، وقد تستعمل الجماعة في غير الناس حتى قالوا: جماعة الشجر، وجماعة النبات (١).\nوقال ابن فارس: \"الجيم والميم والعين أصل واحد، يدل على تضام الشيء، يقال: جمعت الشيء جمعًا، والجُمَّاع الأُشابه من قبل شتى\" (٢).\nوقال شيخ الإسلام ابن تيمية: \"الجماعة هي الاجتماع وضدها الفرقة، وإن كان لفظ الجماعة قد صار اسمًا لنفس القوم المجتمعين\" (٣).\nأما مفهوم الجماعة بالمعنى الخاص، فقد اختلف العلماء في المقصود بها على أقوال (٤):\n١ - أن الجماعة هم السواد الأعظم من أهل الإسلام، يقول أبو غالب: إن السواد الأعظم هم الناجون من الفرق، فما كانوا عليه من أمر دينهم فهو الحق، ومن خالفهم مات ميتة جاهلية، سواء خالفهم في شيء من الشريعة أو في إمامهم وسلطانهم، فهو مخالف للحق.\nوممن قال بهذا عبدالله بن مسعود - ﵁ -، فقد روي أنه لما قُتل عثمان سُئل عن الفتنة فقال: \"عليك بالجماعة فإن الله لم يكن ليجمع أمة محمد - ﷺ - على ضلالة، واصبر حتى يستريح بر أو\n_________\n(١) انظر: لسان العرب (٨/ ٥٣).\n(٢) معجم مقاييس اللغة (١/ ٤٧٩).\n(٣) مجموع الفتاوى (٣/ ١٥٧).\n(٤) انظر: الاعتصام (٣/ ٢٠٩ - ٢١٧)، للإمام الشاطبي، تحقيق: د. هشام الصيني، الطبعة الأولى ١٤٢٩، دار ابن الجوزي، الدمام؛ فتح الباري (١٣/ ٣٧).","vol":"1","page":270},{"text":"يستراح من فاجر\" (١).\nفعلى هذا القول يدخل في الجماعة مجتهدو الأمة وعلماؤها وأهل الشريعة العاملون بها، ومن سواهم داخلون في حكمهم، لأنه تابعون لهم ومقتدون بهم، فكل من خرج عن جماعتهم\nفهم الذين شذوا، ويدخل في هؤلاء جميع أهل البدع لأنهم مخالفون لمن تقدم من الأمة، لم يدخلوا في سوادهم بحال.\n٢ - أن الجماعة هي جماعة أئمة العلماء المجتهدين، فمن خرج عما عليه جماعة علماء الأمة مات ميتة جاهلية، لأن الله تعالى جعلهم حجة على العالمين، وأما العامة فعنها تأخذ دينها، وإليها تفزع في النوازل، وهي تبع لها، وممن قال بهذا عبدالله بن المبارك وإسحاق بن راهويه وجماعة من السلف وهو رأي الأصوليين، فقيل لعبدالله بن المبارك من الجماعة الذين ينبغي أن يقتدى بهم؟ قال: \"أبو بكر وعمر، فلم يزل يحسب حتى انتهى إلى محمد بن ثابت والحسين بن واقد، فقيل: هؤلاء ماتوا، فمن الأحياء؟ قال: أبو حمزة السكري\" (٢).\nفعلى هذا القول لا مدخل في هذا السواد لمن ليس بعالم مجتهد، لأنه داخل في أهل التقليد، فمن عمل منهم بما يخالفهم فهو صاحب الميتة الجاهلية، ولا يدخل فيهم أيضًا أحد المبتدعين، لأن البدعة قد أخرجته عن نمط من يعتد بأقواله.\n٣ - أن الجماعة هي جماعة الصحابة على الخصوص، فإنهم الذين أقاموا عماد الدين وأرسوا أوتاده، وهم الذين لا يجتمعون على ضلالة أصلًا، ولأنهم المتلقون لكلام النبوة الذين فهموا مراد الله بالتلقي من نبيه مشافهة، على علم وبصيرة بمواطن التشريع وقرائن الأحوال بخلاف غيره، فإن فيه لأهل الاجتهاد مجالًا للنظر ردًا أو قبولًا، فأهل البدع إذًا غير داخلين فيه، وممن قال بهذا القول عمر بن عبدالعزيز.\n٤ - أن الجماعة هي جماعة أهل الإسلام، إذا أجمعوا على أمر فواجب على غيرهم من\n_________\n(١) الاعتصام (٣/ ٢٠٩).\n(٢) الاعتصام (٣/ ٢١١).","vol":"1","page":271},{"text":"أهل الملل اتباعهم، وهم الذين ضَمِن الله لنبيه ﵊ أن لا يجمعهم على ضلالة.\nوكأنَّ هذا القول راجع إلى الثاني وهو يقتضي ما يقتضيه، أو يرجع إلى القول الأول وهو الأظهر، وفيه من المعنى ما في الأول من أنه لابد من كون المجتهدين فيهم، وعند ذلك لا يكون\nمع اجتماعهم على هذا القول بدعة أصلًا.\n٥ - أن الجماعة هي جماعة المسلمين إذا اجتمعوا على أمير، وقد اختار هذا القول الإمام الطبري؛ وحاصل هذا القول أن الجماعة راجعة إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهر في أن الاجتماع على غير سنة خارج عن معنى الجماعة كالخوارج ومن جرى مجراهم.\n\nوالذي يظهر أنه لا تعارض بين هذه الأقوال إذ الجماعة هي من كان على مثل ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه الكرام والتابعون ومن تبعهم بإحسان، فمن وافقهم فهو من الجماعة، وإن كان فردًا، ومن خالفهم فهو من أهل الشذوذ والفرقة وإن كثر عددهم.\nقال عبدالله بن مسعود - ﵁ -: \"إنما الجماعة ما وافق طاعة الله وإن كنت وحدك\" (١).\nوقال أبو شامة: \"وحيث جاء الأمر بلزوم الجماعة فالمراد به لزوم الحق واتباعه وإن كان المتمسك بالحق قليلًا والمخالف كثيرًا لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي - ﷺ - وأصحابه - ﵃ - ولا نظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم\" (٢).\nوقال ابن القيم: \" واعلم أن الإجماع والحجة والسواد الأعظم هو العالم صاحب الحق وإن كان وحده وإن خالفه أهل الأرض ... وقال بعض أئمة الحديث وقد ذكر له السواد الأعظم فقال: أتدري ما السواد الأعظم هو محمد بن أسلم الطوسي وأصحابه! فمُسخ المختلفون الذين\n_________\n(١) شرح أصول اعتقاد أهل السنة (١/ ١٢٢) ح ١٦٠.\n(٢) الباعث على إنكار البدع والحوادث ص ٢٢، لأبي شامة المقدسي، تحقيق: عثمان أحمد عنبر، الطبعة الأولى ١٣٩٨، دار الهدى، القاهرة.","vol":"1","page":272},{"text":"جعلوا السواد الأعظم والحجة والجماعة هم الجمهور وجعلوهم عيارًا على السنة وجعلوا السنة بدعة والمعروف منكرًا لقلة أهله وتفردهم في الإعصار والأمصار وقالوا: من شذ شذ الله به في النار، وما عرف المختلفون أن الشاذ ما خالف الحق وإن كان الناس كلهم عليه إلا واحدًا منهم فهم الشاذون، وقد شذ الناس كلهم زمن احمد بن حنبل إلا نفرًا يسيرًا فكانوا هم الجماعة،\nوكانت القضاة حينئذ والمفتون والخليفة وأتباعه كلهم هم الشاذون، وكان الإمام أحمد وحده هو الجماعة\" (١).\n\nالحث على لزوم الجماعة وذم التفرق:\nجاءت النصوص الدالة على لزوم الجماعة والتمسك بها كثيرة ومتضافرة، قال تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٣].\nوقوله - ﷻ -: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ [آل عمران: من الآية ١٠٥].\nوقوله - ﷻ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: من الآية ١٥٣].\nوقوله - ﷿ -: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: من الآية ١٣].\nوعن عبدالله بن عمر ﵄ قال: خطبنا عمر بالجابية فقال: يا أيها الناس، إني قمت فيكم كمقام رسول الله - ﷺ - فينا فقال: «أوصيكم بأصحابي، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يفشو الكذب حتى يحلف الرجل ولا يستحلف، ويشهد الشاهد ولا يستشهد، ألا\n_________\n(١) إعلام الموقعين (٣/ ٣٩٨).","vol":"1","page":273},{"text":"لا يخلون رجل بامرأة إلا كان ثالثهما الشيطان، عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو مع الاثنين أبعد، من أراد بحبوبة الجنة فيلزم الجماعة ...» (١).\nوعن أبي ذر - ﵁ - قال: قال رسول الله - ﷺ -: «من فارق الجماعة شبرًا فقد خلع ربقة\nالإسلام من عنقه» (٢).\nوقد ذكر الإمام جمال الدين السرمري فيما يندرج تحت هذا المبحث الأحاديث الواردة بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة في فصل قتال الخوارج والبغاة (٣).\nوما أشار إليه الإمام جمال الدين السرمري هو منهج أهل السنة والجماعة في هذا الباب.\nقال الإمام البربهاري: \"اعلموا أن الإسلام هو السنة، والسنة هي الإسلام، ولا يقوم أحدهما إلا بالآخر، فمن السنة لزوم الجماعة، فمن رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه، وكان ضالًا مضلًا\" (٤).\nوقد عقد الإمام الآجري بابًا في ذكر الأمر بلزوم الجماعة والنهي عن الفرقة، ومما قال فيه: \" أمرنا - ﷿ - بلزوم الجماعة، ونهانا عن الفرقة، وكذلك حذرنا النبي - ﷺ - من الفرقة وأمرنا بالجماعة، وكذلك حذرنا أئمتنا ممن سلف من علماء المسلمين كلهم يأمرون بلزوم الجماعة، وينهون عن الفرقة\" (٥).\nكما عقد أيضًا الإمام اللالكائي فصلًا في سياق ما ورد عن النبي - ﷺ - في الحث على اتباع الجماعة والسواد الأعظم والوعيد عن مفارقة الجماعة.\n_________\n(١) أخرجه الترمذي (٤/ ٤٦٥) ح ٢١٦٥، وقال: \"هذا حديث حسن صحيح غريب\".\n(٢) أخرجه أبو داود (٤/ ٢٤١)، كتاب السنة، باب في قتل الخوارج، ح ٤٧٥٨؛ قال الألباني: \"صحيح\". انظر: صحيح سنن أبي داود (٣/ ١٦٧).\n(٣) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٥٤٧ - ٤٥٨.\n(٤) شرح السنة، ص ٢١.\n(٥) الشريعة (١/ ٢٧٦).","vol":"1","page":274},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-176>المبحث الثاني: موقف جمال الدين السرمري من أهل البدع</span>\n<span data-type=\"title\" id=toc-177>تمهيد</span>\nأهل البدع نسبة إلى البدعة:\nوالبدعة في اللغة:\nمصدر (بَدَعَ)، قال ابن فارس: \" الباء والدال والعين أصلان: أحدهما ابتداء الشيء وصنعُه لا عن مثال، والآخر الانقطاع والكلال\" (١).\nوالمعنى الثاني داخل في المعنى الأول، كما أشار إلى ذلك ابن الأثير حيث قال: \"أبدعت الناقة إذا انقطعت عن السير بكلال أو ظلع كأنه جعل انقطاعها عما كانت مستمرة عليه من عادة السير إبداعًا أي إنشاء أمر خارج عما اعتيد منها\" (٢).\nوقال ابن منظور: \"البدعة: الحَدَث، وما ابتُدع من الدين بعد الإكمال، -وقال- ابن السكيت: البدعة كل مُحدثة -إلى أن قال: - وفلان بِدْع في هذا الأمر: أي أول لم يسبقه أحد\" (٣).\nوعليه فإن البدعة بالمفهوم اللغوي العام: ابتداء الشيء وإنشاؤه لأول مرة على غير مثال سابق، ومنه قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: من الآية ٩]، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: من الآية ١١٧]، وقوله تعالى: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا﴾ [الحديد: من الآية ٢٧].\n\nأما البدعة في الاصطلاح:\nفقد اختلفت عبارات العلماء في ذلك، علمًا بأنها تلتقي في معنى عام كلي في الجملة.\n_________\n(١) معجم مقاييس اللغة (١/ ٢١٠).\n(٢) النهاية في غريب الأثر (١/ ٢٦٧).\n(٣) لسان العرب (٨/ ٦).","vol":"1","page":275},{"text":"فقد عرفها الإمام الشاطبي بأنها: \"طريقة في الدين مخترعة، تضاهي الشرعية، يُقصد بالسلوك عليها المبالغة في التعبد لله سبحانه\" (١).\nويعرفها شيخ الإسلام بأنها: \"ما لم يشرعه الله ورسوله وهو مالم يأمر به أمر إيجاب ولا استحباب\" (٢).\nوقال في موضع آخر: \"والبدعة: ما خالفت الكتاب والسنة أو إجماع سلف الأمة من الاعتقادات والعبادات، كأقوال الخوارج والروافض والقدرية والجهمية وكالذين يتعبدون بالرقص والغناء في المساجد والذين يتعبدون بحلق اللحى وأكل الحشيشة وأنواع ذلك من البدع التي يتعبد بها طوائف من المخالفين للكتاب والسنة\" (٣).\nويعرفها ابن رجب بأنها: \"ما أحدث مما لا أصل له في الشريعة يدل عليه، وأما ما كان له أصل من الشرع يدل عليه فليس ببدعة شرعًا وإن كان بدعة لغة\" (٤).\nويعرفها السيوطي بأنها: \"عبارة عن فعلة تصادم الشريعة بالمخالفة، أو توجب التعاطي عليها بزيادة أو نقصان\" (٥).\nوكما سبق فإن هذه الضوابط والحدود التي ذكرها العلماء للبدعة لا تخرج في مفهومها العام من كون البدعة إحداث في الدين ماليس له أصل في الشرع، سواء كان ذلك في العمل أو القول أو في الاعتقاد.\nومفهوم مسمى (أهل البدع) يطلق غالبًا على كل من اشتهر ببدعة وخاصة منها الاعتقادية.\nقال الإمام الشاطبي: \"إن لفظ أهل الأهواء وعبارة أهل البدع إنما تطلق حقيقة على الذين\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٤٧).\n(٢) مجموع الفتاوى (٤/ ١٠٨).\n(٣) مجموع الفتاوى (١٨/ ٣٤٦).\n(٤) جامع العلوم والحكم، ص ٢٦٦.\n(٥) الأمر بالاتباع والنهي عن الابتداع ص ٨٨، لجلال الدين السيوطي، تحقيق: ذيب القحطاني، ١٤٠٩، مطابع الرشيد.","vol":"1","page":276},{"text":"ابتدعوها، وقدَّموا فيها شريعة الهوى بالاستنباط والنصر لها، والاستدلال على صحتها في زعمهم، حتى عُدّ خلافهم خلافًا، وشبههم منظورًا لها، ومُحتاجًا إلى ردِّها والجواب عنها، كما تقول في ألقاب الفرق من المعتزلة والقدرية والمرجئة والخوارج والباطنية ومن أشبههم فإنها ألقاب لمن قام بتلك النحل، ما بين مستنبط لها، وناصر لها، وذاب عنها\" (١).\nوقال شيخ الإسلام: \"ومما ينبغي أيضًا أن يُعرف أن الطوائف المنتسبة إلى متبوعين في أصول الدين والكلام على درجات: منهم من يكون قد خالف السنة في أصول عظيمة، ومنهم من يكون إنما خالف السنة في أمور دقيقة ... ومثل هؤلاء إذا لم يجعلوا ما ابتدعوه قولًا يُفارقون به جماعة المسلمين، يُوالون عليه ويعادون، كان من نوع الخطأ ... بخلاف من والى موافقه وعادى مخالفه وفرَّق بين جماعة المسلمين وكفَّر وفسَّق مخالفه دون موافِقِه في مسائل الآراء والاجتهادات، واستحل قتال مخالفه دون موافقه من أهل التفرق والاختلافات، ولهذا كان أوَّل من فارق جماعة المسلمين من أهل البدع الخوارج المارقون\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-178>الموقف من أهل البدع:</span>\nلقد وضع أهل السنة والجماعة قواعد وضوابط في التعامل مع أهل الأهواء والبدع، ومن ذلك:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-179>أولًا: حراسة الدين، وإبطال البدع:</span>\nأول موقف لأهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو نفيرهم الدائم لحراسة الدين وإبطال البدع، فما كان يطلع للبدعة قرن إلا ويهب الرجال العاملون والعلماء المخلصون لاستئصال شأفة هذه البدعة وإماتتها وقطعها عن طريق الأمة.\n_________\n(١) الاعتصام (١/ ٢٨٠).\n(٢) مجموع الفتاوى (٣/ ٣٤٩).","vol":"1","page":277},{"text":"وكان أول بدعة ظهرت في الدين التفريق بين الصلاة والزكاة، والادعاء أن الزكاة لا تؤدى إلا للرسول ولا تعطي لخلفائه من بعده، فتصدى الصديق - ﵁ - لهذه البدعة، وقاتل القائلين بها، ووأدها في مهدها قبل أن يستفحل ضررها وشرها، ولو ترك أبو بكر ذلك فلم يقاتلهم لانْثَلَم الإسلام، ولما التأم بعد ذلك أبدًا، ولأصبحت هذه البدعة سنة مُتّبعةً يأخذ بها الناس بعدهم فيؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض، ويفعلون ما يحلو لهم من الدين ويتركون ما لا يشتهون.\nوفي عهد الفاروق - ﵁ - حصلت بعض البدع الصغيرة فأماتها كاتباع متشابه القرآن، واستحلال الخمر بزعم أن القرآن يبيح ذلك، والزعم أن الصحابة لا يطبقون القرآن كله.\nوفي عهد عثمان ﵁ حدثت أوائل الفتنة الكبرى وهي الخروج على الإمام الحق بالسيف، وانتهت بدعتهم بمقتله - ﵁ -، وكان هذا بداية فتنة عظمى في الإسلام وظهور بدعة الخوارج التي لا تزال إلى يوم القيامة، ولقد قام أهل السنة والجماعة فردوا هذه البدعة بالعلم والبرهان والدليل.\nثم توالت البدع فجاءت القدرية، وجاءت المرجئة، وجاءت الرافضة، وجاء الزنادقة، والفرق الباطنية، وجاءت الجهمية منكروا الصفات والأسماء، وكلما ظهرت بدعة من هذه البدع كان أهل الإسلام الحق لها بالمرصاد، فأما الأمراء الصالحون فقد وضعوا السيف في أصحابها ومروجيها، وأما العلماء الأبرار فقد قاموا بالرد والإبطال لها.\n\nولا تكاد توجد بدعة أو مقالة من مقالات الخارجين عن الكتاب والسنة إلا ولعلماء السنة والجماعة جهاد مشكور وردود تدحض هذه البدعة، وتبين زيفها وبعدها عن الحق.\nوالخلاصة أن موقف أهل السنة والجماعة من البدع والمبتدعة هو أنهم كشفوا اللثام عن كل قول أو فعل يخالف القرآن والسنة ويخرج عن إجماع الأمة، وصاحوا بأهل البدع من كل مكان في الأرض يبينون زيف مقالاتهم، وكذب ادعاءاتهم، وخروجهم ببدعتهم عن الإسلام","vol":"1","page":278},{"text":"الصحيح، والدين الخالص.\nولقد سار الإمام جمال الدين السرمري على هذا النهج في حراسة الدين وإبطال البدع،\nيوضح ذلك رده على تقي الدين السبكي لما شنع على شيخ الإسلام ابن تيمية رده رفض ابن مطهر الحلي، حين قال السبكي:\n\"والناس في غُنية عن ردِّ إفكهمُ ... لهجنة الرفض واستقباح مذهبه\" (١).\nفرد عليه الإمام جمال الدين السرمري ببيان وجوب حراسة الدين وإبطال البدع، وأن هذا هو منهاج الأئمة، بل هذا داخل دخولًا أوليًا في شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقال:\n\"والله لا غنية عن رد إفكهم ... بل رده واجب أعظم بموجبه\nأيتركون يسبون الصحابة والـ ... إسلام يختال زهوًا في تصلبه\nهذا مقال شنيع لم يقل أحد ... به ولا رهط جهم في تحزبه\nوالله لولا سيوف من أئمتنا ... في كاهل الرفض لا تُلْوى ومنكبه\nلأضحت السنة الغراء دائرة ... بين البرية كالعنقا وأغربه\nإلى أن قال:\nأيترك الأمر بالمعروف مطرحًا ... والنهي عن منكر ما من يقول به\nكلا ومن رفع السبع الطباق على ... وجه الثرى وتعالى في تحجبه\" (٢).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-180>ثانيًا: الهجر:</span>\nالأصل في الشرع هو هجر المبتدع، لكن ليس عامًا في كل حال ومن كل إنسان ولكل مبتدع، ومشروعية الهجر هي في دائرة ضوابطه الشرعية المبنية على رعاية المصالح ودرء المفاسد،\n_________\n(١) ذكرها التاج السبكي في ترجمة أبيه التقي السبكي في \"طبقات الشافعية الكبرى\" (١٠/ ١٧٦).\n(٢) الحمية الإسلامية، ص ٥٨ - ٦٠.","vol":"1","page":279},{"text":"وهذا مما يختلف باختلاف البدعة نفسها واختلاف مبتدعها واختلاف أحوال الهاجرين، واختلاف المكان والقوة والضعف، والقلة والكثرة، وهكذا من وجوه الاختلاف والاعتبار التي\nيرعاها الشرع.\nوميزانها للمسلم الذي به تنضبط المشروعية هو: مدى تحقق المقاصد الشرعية من الهجر: من الزجر، والتأديب، ورجوع العامة، وتحجيم المبتدع وبدعته وضمان السنة من شائبة البدعة.\nويحسن هنا أن أنقل بالنص فتوى شيخ الإسلام ﵀ حول أحكام الهجر، وحكمته، فقد سئل ﵀ عمن يجب أو يجوز بغضه أو هجره أو كلاهما لله تعالى؟ وماذا يشترط على الذي يبغضه أو يهجره لله تعالى من الشروط؟ وهل يدخل ترك السلام في الهجران؟ وإذا بدأ المهجور بالسلام فهل يجب الرد عليه أم لا؟ وهل يستمر البغض والهجران لله - ﷿ - حتى يتحقق زوال الصفة المذكورة التي أبغضه وهجره عليها؟ أم هل يكون لذلك مدة معلومة؟ فإن كان لها مدة معلومة فما حدها؟\nفأجاب ﵀: \"الهجر الشرعي نوعان: أحدهما بمعنى الترك للمنكرات، والثاني: بمعنى العقوبة عليها.\nفالأول: هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [الأنعام: ٦٨]، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ [النساء: من الآية ١٤٠].\nفهذا يراد به أنه لا يشهد المنكرات لغير حاجة مثل قوم يشربون الخمر يجلس عندهم، وقوم دعوا إلى وليمة فيها خمر وزمر لا يجيب دعوتهم، وأمثال ذلك؛ بخلاف من حضر عندهم للإنكار عليهم، أو حضر بغير اختياره، ولهذا يقال: حاضر المنكر كفاعله، وفي الحديث: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يشرب عليها الخمر»، وهذا الهجر من","vol":"1","page":280},{"text":"جنس هجر الإنسان نفسه عن فعل المنكرات، كما قال - ﷺ -: «المهاجر من هجر ما نهى الله عنه»\nومن هذا الباب الهجرة من دار الكفر والفسوق إلى دار الإسلام والإيمان، فإنه هجر للمقام بين الكافرين والمنافقين الذين لا يمكنونه من فعل ما أمر الله به، ومن هذا قوله تعالى: ﴿وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ﴾ [المدَّثر: ٥].\nالنوع الثاني: الهجر على وجه التأديب، وهو هجر من يظهر المنكرات، يُهجر حتى يتوب منها، كما هجر النبي ﷺ والمسلمون الثلاثة الذين خلفوا حتى أنزل الله توبتهم حين ظهر منهم ترك الجهاد المتعيّن عليهم بغير عذر، ولم يهجر من أظهر الخير وإن كان منافقًا، فهنا الهجر هو بمنزلة التعزير.\nوالتعزير يكون لمن ظهر منه ترك الواجبات وفعل المحرمات: كتارك الصلاة والزكاة والتظاهر بالمظالم والفواحش والداعي إلى البدع المخالفة للكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة التي ظهر أنها بدع.\nوهذه حقيقة قول من قال من السلف والأئمة: إن الدعاة إلى البدع لا تقبل شهادتهم، ولا يصلى خلفهم، ولا يؤخذ عنهم العلم، ولا يناكحون.\nفهذه عقوبة لهم حتى ينتهوا؛ ولهذا يُفرقون بين الداعية وغير الداعية، لأن الداعية أظهر المنكرات فاستحق العقوبة بخلاف الكاتم فإنه ليس شرًا من المنافقين الذين كان النبي - ﷺ - يقبل علانيتهم ويكل سرائرهم إلى الله مع علمه بحال كثير منهم، ولهذا جاء في الحديث: «إن المعصية إذا خفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا أعلنت فلم تنكر ضرت العامة»، وذلك لأن النبي - ﷺ - قال: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوْشَك أن يعمهم الله بعقاب منه»، فالمنكرات الظاهرة يجب إنكارها، بخلاف الباطنة فإن عقوبتها على صاحبها خاصة، وهذا الهجر يختلف باختلاف الهاجرين في قوتهم وضعفهم وقلتهم وكثرتهم، فإن المقصود به زجر المهجور وتأديبه ورجوع العامة عن مثل حاله، فإن كانت المصلحة في ذلك راجحة بحيث","vol":"1","page":281},{"text":"يُفضي هجره إلى ضعف الشر وخفيته كان مشروعًا، وإن كان لا المهجور ولا غيره يرتدع بذلك بل يزيد الشر والهاجر ضعيف بحيث يكون مفسدة ذلك راجحة على مصلحته لم يشرع الهجر،\nبل يكون التأليف لبعض الناس أنفع من الهجر، والهجر لبعض الناس أنفع من التأليف، ولهذا كان النبي يتألف قومًا ويهجر آخرين ... وإذا عرف هذا فالهجرة هي من الأعمال التي أمر الله بها ورسوله، فالطاعة لابد أن تكون خالصة لله وأن تكون موافقة لأمره فتكون خالصة لله صوابًا، فمن هجر لهوى نفسه أو هجر هجرًا غير مأمور به، كان خارجًا عن هذا، وما أكثر ما تفعل النفوس ما تهواه ظانة أنها تفعله طاعة لله ... \" (١).\nوقد نقل ابن حجر ﵀ أقوال الأئمة في هذه المسألة عند تبويب البخاري (باب من لم يُسلم على من اقترف ذنبًا)، فقال: \"وقد ذهب الجمهور إلى أنه لا يسلم على الفاسق ولا المبتدع، قال النووي: فإن اضطر إلى السلام بأن خاف ترتب مفسدة في دين أو دنيا إن لم يسلم سلم، وكذا قال ابن العربي وزاد: وينوي أن السلام اسم من أسماء الله تعالى، فكأنه قال: الله رقيب عليكم، وقال المهلب ترك السلام على أهل المعاصي سنة ماضية وبه قال كثير من أهل العلم في أهل البدع، ... وحكى ابن رشد قال: قال مالك: لا يسلم على أهل الأهواء، قال ابن دقيق العيد: ويكون ذلك على سبيل التأديب لهم والتبري منهم\" (٢).\nوقد قرر الإمام جمال الدين السرمري ﵀ هذا المنهج في التعامل مع أهل البدع في أكثر من موضع؛ فمن ذلك قوله عند الحديث الوارد في النهي عن التهاجر والتشاجر: \"يشترط في هذه الهجرة أن تكون في غير ذات الله تعالى، كمن هجر مسلمًا غير مبتدع، بل لحظ النفس، فذلك الذي لا يجوز هجره أكثر من ثلاثة أيام، وهو الذي يُحبس عن دخول الجنة؛ وأما إن كان الهجر لبدعة، فهو مندوب إليه، ويثاب المسلم عليه، ولا يجوز أن يُسَلَّم عليه ما دام على بدعته، لأنه ورد أن: من سلَّم على صاحب بدعة فقد أعان على هدم الإسلام\" (٣).\n_________\n(١) مجموع الفتاوى (٢٨/ ٢٠٣ - ٢٠٧).\n(٢) فتح الباري (١١/ ٤٠).\n(٣) الأربعون الصحيحة، ص ٧١.","vol":"1","page":282},{"text":"وقال في كتاب الأدب من كتابه إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة: \"ولا تهجر مسلمًا\nفوق ثلاث إلا لبدعة\" (١).\nوقال في منظومته في الاعتقاد:\n\"ومن كان بدعيًّا أُمرنا بهجره ... وقلنا لهم لا قوه بالزجر لا البشر\" (٢).\n_________\n(١) إحكام الذريعة إلى أحكام الشريعة، ص ٦٦٨.\n(٢) نهج الرشاد، ص ٣٦.","vol":"1","page":283}]}