{"ً":{"ٌ":20643,"ٍ":"تفسير ابن بدران = جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار","َ":1,"ُ":1,"ّ":"الكتاب: جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار\nالمؤلف: عبد القادر بن أحمد بدران\nالمحقق: زهير الشاويش [ت ١٤٣٤ هـ]\nالناشر: المكتب الإسلامي، بيروت - لبنان\nالطبعة: الأولى، ١٤٢٠ هـ - ١٩٩١ م\nعدد الصفحات: ٥٢٩\nأعده للشاملة: رابطة النساخ، تنفيذ (مركز النخب العلمية)، وبرعاية (مؤسسة سليمان الراجحي الخيرية)\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"1.0","ٔ":1007,"ٕ":3,"ٖ":1770155400,"ٗ":1},"٘":{"ٙ":["1"],"ٚ":[{"title":"[مقدمة التحقيق]","level":1,"page":3},{"title":"تفسير بدران","level":2,"page":3},{"title":"المطبوع هو الموجود من الكتاب","level":3,"page":3},{"title":"الناس بحاجة إلى تفسير القرآن دائما","level":3,"page":4},{"title":"اعتماد المؤلف على التفسير بالمأثور والرأي أحيانا","level":3,"page":4},{"title":"تركه للتأويل الصوفي والشيعي والإسرائيليات","level":3,"page":4},{"title":"مزجه بين العلوم الكونية","level":3,"page":4},{"title":"اتباعه لشيخ الإسلام ابن تيمية والقاسمي","level":3,"page":4},{"title":"عملي في الكتاب منذ سنة ١٣٨١ هـ - ١٩٦١ م","level":3,"page":5},{"title":"جهود المكتب الإسلامي في خدمة القرآن الكريم، وطبع تفاسيره، وكتب علومه","level":3,"page":5},{"title":"منهج الشيخ بدران مجملا","level":3,"page":6},{"title":"تفسيره القرآن بالقرآن ثم بالسنة وأقوال الصحابة والسلف الصالح، ثم اعتماده على اللغة","level":3,"page":6},{"title":"تقسيم التأويل","level":3,"page":7},{"title":"نقاشه لعلماء الكونيات","level":3,"page":9},{"title":"نقله عن كتب التفسير المطبوعة","level":3,"page":9},{"title":"كثرة استدلاله على وجوب الاجتهاد","level":3,"page":11},{"title":"نقاشه المقنع عقلا ونقلا","level":3,"page":11},{"title":"ترجمة المؤلف","level":2,"page":14},{"title":"تركه المذهب الشافعي وانتسابه إلى الحنبلي والأثري","level":3,"page":15},{"title":"حمله راية الفقه المقارن","level":3,"page":15},{"title":"ترجمة الشيخ عبد القادر بدران رحمه الله تعالى المتوفى سنة ١٣٤٦ هـ","level":2,"page":17},{"title":"أسماء مؤلفات بدران","level":3,"page":20},{"title":"مخطوطاته في خزانة زهير الشاويش","level":3,"page":21},{"title":"كلام بدران عن نفسه ومؤلفاته","level":3,"page":22},{"title":"صور مخطوطات الكتاب","level":3,"page":25},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":29},{"title":"الكلام على البسملة","level":2,"page":29},{"title":"تعلق الجار والمجرور في البسملة","level":2,"page":30},{"title":"معنى الاسم","level":2,"page":31},{"title":"معنى لفظ الجلالة ﴿الله﴾","level":2,"page":31},{"title":"الكلام على الحمد والشكر والفرق بينهما","level":2,"page":32},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿رب العالمين﴾","level":2,"page":33},{"title":"كيف يتأتى الوصف بصفة الرحمة مع عقاب الله","level":2,"page":34},{"title":"مناسبة قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ لقوله: ﴿الرحمن الرحيم﴾","level":2,"page":34},{"title":"بيان معنى \"الدين\" في قوله: ﴿مالك يوم الدين﴾","level":2,"page":35},{"title":"نكتة الإلتفات في قوله تعالى: ﴿إياك نعبد ..﴾","level":2,"page":36},{"title":"معنى قوله: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾","level":2,"page":36},{"title":"في الكلام على العبودية والاستعانة","level":2,"page":38},{"title":"معنى طلب الهداية في قوله: ﴿اهدنا الصراط﴾","level":2,"page":40},{"title":"المقصود بـ ﴿الصراط المستقيم﴾","level":2,"page":41},{"title":"فائدة في أقسام الهداية","level":2,"page":42},{"title":"حقيقة الذين أنعم الله عليهم، وحقيقة الضالين","level":2,"page":44},{"title":"معنى قول العبد: \"آمين\"","level":2,"page":44},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":45},{"title":"مكان وسبب نزول السورة","level":2,"page":45},{"title":"أقوال المفسرين في قوله تعالى: ﴿الم﴾","level":2,"page":46},{"title":"مدلول الإشارة في قوله: ﴿ذلك الكتاب﴾","level":2,"page":48},{"title":"حقيقة الريبة","level":2,"page":49},{"title":"الوقف على (فيه) في قوله: ﴿ذلك الكتاب لا ريب فيه﴾","level":2,"page":50},{"title":"معنى التقوى","level":2,"page":50},{"title":"الفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان","level":2,"page":50},{"title":"معنى الإيمان","level":2,"page":53},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿يؤمنون بالغيب﴾","level":2,"page":53},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وما أنزل من قبلك﴾","level":2,"page":54},{"title":"تعليق في تغاير النصارى في مفهومهم في الصفات","level":2,"page":55},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وبالآخرة هم يوقنون﴾","level":2,"page":56},{"title":"المقصود \"بالفلاح\" في قوله: ﴿أولئك هم المفلحون﴾","level":2,"page":57},{"title":"المراد بالكفر في قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا﴾","level":2,"page":60},{"title":"معنى ﴿سواء﴾ في الآية","level":2,"page":61},{"title":"فائدة في همزة التسوية","level":2,"page":62},{"title":"اختلاف المفسرين في صفة الختم على القلوب","level":2,"page":63},{"title":"الفرق بين العظيم والكبير","level":2,"page":64},{"title":"معنى المخادعة في قوله تعالى: ﴿يخادعون الله ..﴾","level":2,"page":67},{"title":"مخادعة النفس وأمراض القلب","level":2,"page":69},{"title":"الغل والحسد من أمراض القلب","level":2,"page":70},{"title":"مبحث في حقيقة أدب المنافقين","level":2,"page":71},{"title":"عاقبة المفسدين ومعنى الفساد","level":2,"page":72},{"title":"فائدة في معنى \"ألا\" الاستئنافية","level":2,"page":73},{"title":"لماذا سمى المولى سبحانه المنافقين بالسفهاء","level":2,"page":74},{"title":"مبحث في معنى السفه","level":2,"page":75},{"title":"معنى الاستهزاء","level":2,"page":77},{"title":"معنى شراء المنافقين الضلالة بالهدى","level":2,"page":78},{"title":"لماذا أسند عدم الربح إلى التجارة؟","level":2,"page":79},{"title":"الأمثال في القرآن الكريم","level":2,"page":80},{"title":"الفرق بين الضوء والنور","level":2,"page":81},{"title":"مبحث لابن القيم حول أقسام بصائر الناس","level":2,"page":83},{"title":"مبحث في الرعد والبرق والصواعق","level":2,"page":86},{"title":"قول منسوب إلى سيدنا علي بن أبي طالب","level":2,"page":87},{"title":"معنى الإحاطة في قوله: ﴿والله محيط بالكافرين﴾","level":2,"page":88},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه﴾","level":2,"page":89},{"title":"الأمر بالخضوع والطاعة والتذلل لله ﷾","level":2,"page":91},{"title":"نفي الواسطة والشريك","level":2,"page":92},{"title":"معنى السماء والرد على من زعم تسطيح الأرض","level":2,"page":94},{"title":"حول كروية الأرض وكونها مسطحة","level":2,"page":96},{"title":"الاختلاف حول سكون الأرض وحركتها","level":2,"page":97},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿والسماء بناء﴾","level":2,"page":99},{"title":"الأرض هي كالأم","level":2,"page":101},{"title":"تفسير السماء بالسحاب","level":2,"page":103},{"title":"الإشراك بالله ﷾ هو نهاية سخافة العقل","level":2,"page":105},{"title":"إعجاز القرآن","level":2,"page":108},{"title":"حكمة نزوله منجما","level":2,"page":110},{"title":"الدليل العقلي على أن القرآن الكريم معجز","level":2,"page":110},{"title":"أنماط إعجاز القرآن الكريم","level":2,"page":111},{"title":"القرآن الكريم معجز عبر العصور والدهور","level":2,"page":113},{"title":"مبحث لطيف حول \"من \"","level":2,"page":113},{"title":"تصحيح ما أخطأ به صاحب الكشاف","level":2,"page":113},{"title":"معنى الشهداء في قوله تعالى: ﴿وادعوا شهداءكم﴾","level":2,"page":115},{"title":"دليلان في إثبات نبوة سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":116},{"title":"لطيفة لغوية في قوله: ﴿فإن لم تفعلوا﴾","level":2,"page":117},{"title":"آية ﴿وقودها الناس والحجارة﴾ تفيد أمرين","level":2,"page":118},{"title":"وصف لأهل الجنة","level":2,"page":119},{"title":"معنى الجنة","level":2,"page":119},{"title":"نهر الكوثر","level":2,"page":121},{"title":"بحث هل النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة","level":2,"page":121},{"title":"الرد على حديث \"ابن عدي\"","level":2,"page":122},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿كلما رزقوا منها من ثمرة﴾","level":2,"page":122},{"title":"ما ذهب إليه المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿من قبل﴾","level":2,"page":123},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وأتوا به متشابها﴾ والأقوال فيها","level":2,"page":124},{"title":"معنى الأزواج المطهرة","level":2,"page":126},{"title":"معنى ﴿وهم فيها خالدون﴾ مع تفصيل وجه الاستثناء في سورة هود","level":2,"page":126},{"title":"إن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل، في القرآن الكريم هو على سبيل الحكم البالغة","level":2,"page":127},{"title":"إن آية ﴿إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما﴾ الآية، إنما وردت جوابا لنكير الكفار","level":2,"page":129},{"title":"المراد بالاستحياء في هذه الآية","level":2,"page":129},{"title":"ما يترتب على ضرب هذا المثل من آثار","level":2,"page":130},{"title":"مبحث في معنى الفسق","level":2,"page":131},{"title":"مبحث في معنى \"الضلال\"، المستفاد من قوله تعالى: ﴿يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا﴾ الآية","level":2,"page":131},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وما يضل به إلا الفاسقين﴾","level":2,"page":133},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿الذين ينقضون عهد الله﴾ وأن المقصود منها اليهود وأحبارهم خاصة","level":2,"page":134},{"title":"مبحث في معنى الميثاق والقطع المذكورين في قوله تعالى: ﴿من بعد ميثاقه، ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾ الآية","level":2,"page":135},{"title":"الحكمة من ذكر \"كيف\" في قوله تعالى: ﴿كيف تكفرون بالله﴾ الآية","level":2,"page":137},{"title":"المراد من تذكير الله تعالى للكافرين بنعمه","level":2,"page":138},{"title":"تمسك الكافرين بإنكار الخالق والبعث، وقولهم بالطبع المحيي، والدهر المفني","level":2,"page":138},{"title":"مبحث في عقيدة أصناف المعطلة","level":2,"page":140},{"title":"جواب القرآن الكريم للمعطلة","level":2,"page":144},{"title":"المراد من كلمة \"هو\" في قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ..﴾ الآية","level":2,"page":145},{"title":"مقتضى هذه الآية الكريمة وما فهمه الإباحيون والاشتراكيون ﴿الشيوعيون﴾","level":2,"page":145},{"title":"ما ترمي إليه هذه الفرقة","level":2,"page":146},{"title":"مبحث فيما يؤخذ من هذه الآية لمن هم مؤمنين بالله ورسوله","level":2,"page":147},{"title":"الحكمة من انتقال الكلام عن الأرض إلى الكلام عن السماء","level":2,"page":147},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿ثم استوى﴾","level":2,"page":148},{"title":"اعتراضان لعلماء الهيئة على القول بأن السماوات سبع والرد عليهم","level":2,"page":149},{"title":"مبحث فيما تتعلق \"إذ\" من قوله تعالى: ﴿إذ قال ربك للملائكة ..﴾","level":2,"page":151},{"title":"مبحث في المثبتين لوجود الجن والملائكة","level":2,"page":152},{"title":"مبحث في معنى \"خليفة\" من قوله تعالى: ﴿إني جاعل في الأرض خليفة﴾ والفائدة من هذا القول","level":2,"page":155},{"title":"هل اسم سيدنا آدم - ﵇ - هو لفظ مشتق وله معنى؟","level":2,"page":157},{"title":"ما هي حقيقة الأسماء التي علمها الله تعالى سيدنا آدم - ﵇ -","level":2,"page":158},{"title":"﴿باء البشرية","level":2,"page":158},{"title":"محاجة الله ﷿ للملائكة","level":2,"page":159},{"title":"إجابة الملائكة","level":2,"page":160},{"title":"تعليق: تصويب للشيخ محمود شاكر في تفسير الطبري","level":2,"page":161},{"title":"ثلاثة خواص يفارق بها علم الخلق علم الله تعالى","level":2,"page":162},{"title":"مبحث في معنى الحكيم","level":2,"page":163},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿يا آدم أنبئهم بأسمائهم﴾","level":2,"page":164},{"title":"فائدة في أقسام الأفعال","level":2,"page":165},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم ..﴾","level":2,"page":166},{"title":"حقيقة السجود في الآية الكريمة","level":2,"page":166},{"title":"تعليق في معنى الخلافة","level":2,"page":167},{"title":"هل الفاء في قوله تعالى: ﴿فسجدوا﴾ تدل على التعقيب","level":2,"page":168},{"title":"اختلاف العلماء في إبليس","level":2,"page":168},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿أبى واستكبر﴾ وحقيقة كونه من الكافرين","level":2,"page":169},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾","level":2,"page":170},{"title":"اختلاف المفسرين في تعيين الشجرة التي منع آدم وحواء منها","level":2,"page":171},{"title":"تصويب لتصحيف وقع فيه المؤلف","level":2,"page":171},{"title":"مسالك المفسرين في كيفية خلق حواء","level":2,"page":172},{"title":"مبحث في اختلاف الناس في الجنة","level":2,"page":172},{"title":"القول في أن الجنة التي هبط منها آدم - ﵇ - إنما هي في الأرض وليست جنة الخلد","level":2,"page":174},{"title":"المراد بالهبوط في الآية الكريمة","level":2,"page":174},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿فأزلهما﴾","level":2,"page":175},{"title":"مبحث في قوله جل وعلا: ﴿فأخرجهما مما كانا فيه﴾","level":2,"page":175},{"title":"فائدة في الفرق بين \"إبليس\" و\"شيطان\"","level":2,"page":176},{"title":"الكلام حول عصمة الأنبياء","level":2,"page":176},{"title":"وجوب الرجوع إلى تفسير العلامة ابن كثير","level":2,"page":176},{"title":"مقالات المفسرين المقتبسة عن أهل الكتاب حول دخول إبليس الجنة","level":2,"page":177},{"title":"معنى الهبوط في قوله تعالى: \"وقلنا اهبطوا منها\"","level":2,"page":178},{"title":"المقصود من قوله تعالى: ﴿ومتاع إلى حين﴾","level":2,"page":179},{"title":"حكمة إهباط آدم - ﵇ - إلى الدنيا","level":2,"page":179},{"title":"الحكمة في نهي آدم - ﵇ - عن الأكل من الشجرة","level":2,"page":181},{"title":"الدعاء الذي ألهم آدم - ﵇ - الدعاء به","level":2,"page":181},{"title":"مذاهب المفسرين حول تفسير الكلمات التي تلقاها آدم - ﵇ - من ربه","level":2,"page":182},{"title":"الإشارات المستخلصة من قوله ﵎: ﴿قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى ..﴾ الآية","level":2,"page":183},{"title":"المقصود بـ ﴿الذين كفروا وكذبوا بآياتنا﴾","level":2,"page":184},{"title":"من هو إسرائيل","level":2,"page":185},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿اذكروا نعمتي﴾ والعهد الذي أخذه عليهم","level":2,"page":185},{"title":"محاجة الله تعالى لبني إسرائيل","level":2,"page":187},{"title":"مبحث في فصول من التوراة تلزم اليهود بالإقرار بنبوة سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":188},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾","level":2,"page":191},{"title":"المعنى من أمر الله تعالى لبني إسرائيل بقوله جل وعز: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واركعوا مع الراكعين﴾","level":2,"page":192},{"title":"التوبيخ والتعجب من حالهم","level":2,"page":192},{"title":"دليل أن التوراة تأمرهم باتباع سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":193},{"title":"الإرشاد بعد الاستنكار","level":2,"page":193},{"title":"ما يفهم من أمر الله تعالى لبني إسرائيل بالصلاة وهم ينكرونها","level":2,"page":194},{"title":"المبالغة في اللطف بهم إثر التخويف والتوجيه في قوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ..﴾ الآية","level":2,"page":195},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿واتقوا يوما لا تجزي نفس عن نفس شيئا﴾ الآية","level":2,"page":196},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿ولا هم ينصرون﴾ الآية","level":2,"page":197},{"title":"وصف حال نجاة بني إسرائيل من فرعون وجنوده","level":2,"page":198},{"title":"بعض ما نقل من الإسرائيليات في هذا السياق والرد عليه","level":2,"page":199},{"title":"مبحث في ذكر الإنعام الثالث لله تعالى على بني إسرائيل","level":2,"page":201},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى﴾","level":2,"page":202},{"title":"هل لفظ موسى مشتق","level":2,"page":202},{"title":"ذكر قصة السامري والعجل وما يستفاد منها","level":2,"page":202},{"title":"مبحث في ذكر الإنعام الرابع والخامس لله تعالى على بني إسرائيل","level":2,"page":204},{"title":"تفسير القتل في قوله تعالى حكاية عن سيدنا موسى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾","level":2,"page":205},{"title":"الاعتقاد الفاسد الذي تمسك به بنو إسرائيل","level":2,"page":205},{"title":"مبحث في ذكر الإنعام السابع لله تعالى على بني إسرائيل","level":2,"page":205},{"title":"ماهية المن والسلوى","level":2,"page":207},{"title":"ما تحمله هذه الآية الكريمة من تحذير لمن يتلى عليهم القرآن الكريم ولا يلتزمون به","level":2,"page":207},{"title":"الإنعام الأعظم وهو تبيان ما تمحى به الذنوب","level":2,"page":208},{"title":"عصيان اليهود بعدما أمروا بالتوبة والاستغفار","level":2,"page":208},{"title":"معنى الرجز الذي أهلكوا به","level":2,"page":209},{"title":"انفجار الماء بعد عطشهم في التيه","level":2,"page":209},{"title":"معجزة سيدنا محمد - ﷺ - أظهر وأبلغ من معجزة سيدنا موسى - ﵇ -","level":2,"page":210},{"title":"تبيين ما كان عليه القوم من الدناءة في مطالبهم","level":2,"page":210},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿اهبطوا مصرا﴾","level":2,"page":211},{"title":"إيثارهم للعاجلة على الآجلة","level":2,"page":212},{"title":"الذل والمسكنة اللذان عوقب بهما بنو إسرائيل","level":2,"page":212},{"title":"مبحث في أنواع المعاصي والآثام التي ارتكبها بنو إسرائيل","level":2,"page":213},{"title":"مبحث في المراد بالذين آمنوا في قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا والذين هاد والنصارى ..﴾ الآية","level":2,"page":213},{"title":"مبحث في معنى \"الذين هادوا\" و\"النصارى\" و\"الصالحين\"","level":2,"page":214},{"title":"حكمة إدخال هذه الآية في أثناء قصة بني إسرائيل","level":2,"page":215},{"title":"بيان كيف أخذ الله ميثاق بني إسرائيل بالقوة","level":2,"page":215},{"title":"حقيقة رفع جبل الطور","level":2,"page":217},{"title":"بيان العذاب الذي عوقبوا به نتيجة لتعمدهم العدوان في يوم السبت","level":2,"page":218},{"title":"اختلاف المفسرين في معنى ﴿كونوا قردة﴾","level":2,"page":219},{"title":"بيان قساوة بني إسرائيل في مصالح أنفسهم","level":2,"page":219},{"title":"إخفاء قصة البقرة في التوراة وذكر ما وضع بدلا منها","level":2,"page":220},{"title":"بيان لماذا قال بنو إسرائيل: ﴿أتتخذنا هزوا﴾","level":2,"page":221},{"title":"مبالغتهم في الاستفسار عن أوصاف البقرة","level":2,"page":222},{"title":"بيان أن في القصة تقريعين لبني إسرائيل","level":2,"page":223},{"title":"ذكر قصة الشاة المسمومة التي أهدت إلى سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":224},{"title":"وصف حال قلوب بني إسرائيل بعد رؤيتهم للمعجزة","level":2,"page":225},{"title":"بيان الإشارات المستخلصة من قوله تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك ..﴾ الآية","level":2,"page":225},{"title":"أقوال المتقدمين من الحكماء","level":2,"page":226},{"title":"تسلية من الله ﵎ لنبيه محمد - ﷺ - جراء ما يكابده من أهل الكتاب","level":2,"page":227},{"title":"تصويب نقل من تفسير البقاعي","level":2,"page":227},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾ الآية","level":2,"page":228},{"title":"مبنى في المراد من ﴿كلام الله﴾","level":2,"page":228},{"title":"علاقة ﴿ثم يحرفونه﴾ بقوله تعالى: ﴿كلام الله﴾","level":2,"page":229},{"title":"فصل فيما حكاه السموأل عن ذكر السبب في تبديل التوراة","level":2,"page":230},{"title":"لمحة عن تاريخ اليهود ذكرها السموأل","level":2,"page":230},{"title":"سبب نزول قوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا ..﴾ الآية","level":2,"page":232},{"title":"مبحث في معنى كلمة الفتح في قوله تعالى: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾ الآية","level":2,"page":232},{"title":"أحكام تستنبط من هذه الآية","level":2,"page":234},{"title":"بيان تقسيم اليهود إلى أربع فرق","level":2,"page":234},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾ الآية","level":2,"page":235},{"title":"ما يؤخذ من أحكام في هذه الآية","level":2,"page":235},{"title":"معنى الويل في قوله تعالى: ﴿فويل للذين يكتبون الكتاب﴾ الآية","level":2,"page":236},{"title":"بيان عظم ذنب من باع آخرته بدنياه","level":2,"page":236},{"title":"إدعاؤهم الباطل في أن النار لن تمسهم إلا أياما معدودة","level":2,"page":237},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿من كسب سيئة وأحاطت به خطيئته﴾ الآية","level":2,"page":238},{"title":"مذاهب بعض المفسرين والمتكلمين في تفسير هذه الآية","level":2,"page":239},{"title":"بيان صفات أهل الجنة","level":2,"page":239},{"title":"الدليل على أن اليهود ممن أحاطت به خطيئته","level":2,"page":240},{"title":"مبحث في حقوق الوالدين","level":2,"page":241},{"title":"الحض على صلة الرحم","level":2,"page":242},{"title":"تعليق عن رواية المؤلف للأحاديث بالسند المتصل","level":2,"page":242},{"title":"الأمر بالعطف على اليتامى والمساكين","level":2,"page":244},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنا﴾ الآية","level":2,"page":245},{"title":"بيان أعظم جامع على الله من الأعمال","level":2,"page":246},{"title":"بيان أن آية ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم ..﴾ الآية هي خطاب لأسلاف اليهود، وتقريع لمن خلفهم من بعدهم، وزجر للمؤمنين","level":2,"page":247},{"title":"الآية ترشد إلى أن المؤمنين كالجسد الواحد","level":2,"page":248},{"title":"إقرار بني إسرائيل بميثاقهم وشهادتهم عليه","level":2,"page":249},{"title":"بيان أن اليهود قد خالفوا ما أخذ عليهم من الميثاق في قوله تعالى: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم ..﴾ الآية","level":2,"page":250},{"title":"اختلاف العلماء في قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾","level":2,"page":251},{"title":"بيان جزاؤهم في الدنيا وما ينتظره من عذاب يوم القيامة","level":2,"page":252},{"title":"بيان ما ستؤول إليه حالهم يوم القيامة","level":2,"page":252},{"title":"مبحث في سبب وقوع اليهود في تلك الخطايا","level":2,"page":253},{"title":"بيان ما كان حالهم مع الرسل","level":2,"page":255},{"title":"تبيين من الله تعالى عن شدة بهتان اليهود وقوة عنادهم","level":2,"page":256},{"title":"بيان نوع آخر من قبائح أفعالهم","level":2,"page":256},{"title":"إقامة الدليل على اليهود باستحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب","level":2,"page":259},{"title":"كشف ستر مقالتهم وذلك بأن الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان","level":2,"page":260},{"title":"شدة قبح ذنبهم باتخاذهم العجل في أيام موسى","level":2,"page":261},{"title":"تقريع اليهود في أنهم لم يزالوا دائما عبيدا لهوى أنفسهم","level":2,"page":262},{"title":"معنى قولهم سمعنا وعصينا","level":2,"page":263},{"title":"الدليل على أن اليهود لا يحبون لقاء الله ولا يتمنون الموت، مع وقاحتهم بالادعاء بالإيمان والاختصاص بالجنان","level":2,"page":264},{"title":"مبحث في أن الآية تدل على تجاسر اليهود وفيه وجوه","level":2,"page":265},{"title":"مبحث في أن الحق ﵎ أثبت أن اليهود يعلمون بسوء منقلبهم","level":2,"page":266},{"title":"عداوة بني إسرائيل لسيدنا جبريل - ﵇ -","level":2,"page":269},{"title":"الاختلاف في كيفية العداوة","level":2,"page":269},{"title":"تصويب من كلام الشيخ شاكر","level":2,"page":271},{"title":"تصويب من تفسير البقاعي \"نظم الدرر\"","level":2,"page":271},{"title":"مبحث في المقصود من قوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾","level":2,"page":272},{"title":"مبحث في وصف الكتاب المنزل","level":2,"page":273},{"title":"وصف الله تعالى القرآن بأنه هدى وبشرى للمؤمنين","level":2,"page":274},{"title":"مبحث في معنى العداوة في قوله تعالى: ﴿من كان عدوا لله﴾","level":2,"page":274},{"title":"بيان أن القرآن يميز أهل الحق عن أهل الباطل","level":2,"page":275},{"title":"بيان تفسير الفسق بالكفر","level":2,"page":277},{"title":"نقض اليهود للعهود من طبائعهم","level":2,"page":277},{"title":"كفر اليهود بالنبي محمد - ﷺ - وعدم تصديقهم له","level":2,"page":277},{"title":"مبحث في معنى النبذ في قوله تعالى: ﴿نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾","level":2,"page":278},{"title":"إقبال بني إسرائيل على كلام الشياطين واتباعه في قوله تعالى: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين﴾","level":2,"page":278},{"title":"عرض في اختلاف المفسرين في من هو المخبر عنه قوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾","level":2,"page":279},{"title":"مبحث فيمن هو المراد بـ ﴿الشياطين﴾","level":2,"page":280},{"title":"تنزيه سيدنا سليمان - ﵇ - عن السحر وما يتعلق به من كفر","level":2,"page":280},{"title":"تبيين من الله تعالى بأن الشياطين هم السحرة وهم الكافرون","level":2,"page":280},{"title":"مبحث في سبب كفر الشياطين","level":2,"page":281},{"title":"بيان ما أنزل على الملكين عطف على السحر وليس هو السحر","level":2,"page":281},{"title":"مبحث في موضع \"ما\" من قوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾","level":2,"page":281},{"title":"هجر الناس لكتاب الله وللعمل بأحكامه وتمسكهم بطلاسم وعزائم ابتدعوها","level":2,"page":282},{"title":"ما الذي أنزل على الملكين هاروت وماروت؟ وكيف أن الشياطين حرفوه","level":2,"page":282},{"title":"مبحث عن مدينة بابل","level":2,"page":283},{"title":"مسالك المفسرين في قوله تعالى: ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾","level":2,"page":283},{"title":"حقيقة معنى قوله تعالى: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾","level":2,"page":284},{"title":"تعلم السحر لا يحصد إلا الضرر","level":2,"page":285},{"title":"أثبت الله تعالى بأن اليهود يعلمون بضرر السحر وعدم نفعه","level":2,"page":285},{"title":"مبحث في الحكمة من إثبات العلم لليهود ثم نفيه عنهم بقوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾","level":2,"page":285},{"title":"تبيين من الله تعالى بأن اليهود أعرضوا عن الخير والثواب","level":2,"page":286},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾","level":2,"page":286},{"title":"استنباط الأحكام من هذه الآية","level":2,"page":289},{"title":"كيف حرف العلم الذي أنزل على هاروت وماروت","level":2,"page":289},{"title":"لمحة تاريخية عن أصول السحرة والمنجمين","level":2,"page":289},{"title":"العلاقة بين علماء بابل وعلماء مصر","level":2,"page":289},{"title":"كيف دس الإسرائيليون الخرافات في كتب الملة الإسلامية","level":2,"page":290},{"title":"الاستدلال في أن السحر يؤثر في أمور غريبة","level":2,"page":291},{"title":"اختلاف الفقهاء في حكم الساحر","level":2,"page":292},{"title":"تقسيم العلماء للسحر","level":2,"page":292},{"title":"بيان أن من تحصن بذكر الله لا يضره مكر ماكر ولا سحر ساحر","level":2,"page":294},{"title":"سبب نزول قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا﴾","level":2,"page":294},{"title":"بيان اختلاف المفسرين في معنى ﴿راعنا﴾","level":2,"page":295},{"title":"تحذير من الله تعالى للمسلمين بان أهل الكتاب والمشركين يستنبطون الضغن والحسد والبغضاء لهم","level":2,"page":296},{"title":"مبحث في الرحمة التي يختص الله تعالى بها من يشاء","level":2,"page":296},{"title":"طعن اليهود في الإسلام","level":2,"page":297},{"title":"موقف المفسرين من قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾","level":2,"page":297},{"title":"أصل النسخ في اللغة","level":2,"page":298},{"title":"المعنى من قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية﴾","level":2,"page":298},{"title":"بيان أن الله يفعل ما يشاء وهو على كل شيء قدير","level":2,"page":299},{"title":"تعليق من تفسير البقاعي","level":2,"page":299},{"title":"الآية تذم اليهود وتكذبهم","level":2,"page":300},{"title":"إقامة الحجة على اليهود في جواز النسخ وبأنه ورد في شريعتهم","level":2,"page":300},{"title":"وجه آخر للرد على اليهود","level":2,"page":302},{"title":"إقحام اليهود والرد عليهم","level":2,"page":303},{"title":"معنى النسيان في قوله تعالى: ﴿ما ننسخ من آية أو ننسها﴾","level":2,"page":305},{"title":"إشارة إلى فتاوى بدران","level":2,"page":305},{"title":"زجر وتأديب المؤمنين من أن يتعنتوا على نبيهم، كما فعل اليهود مع سيدنا موسى","level":2,"page":306},{"title":"اختلاف في من هو المخاطب في قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم ..﴾","level":2,"page":306},{"title":"معنى التبدل في قوله تعالى: ﴿ومن يتبدل الكفر بالإيمان﴾","level":2,"page":307},{"title":"تنبيه للفخر الرازي لمعنى الآية الكريمة","level":2,"page":308},{"title":"تحذير من الله تعالى للمؤمنين من الذين في قلوبهم زيغ","level":2,"page":309},{"title":"ذكر المراد بهم في قوله تعالى: ﴿ود كثير﴾","level":2,"page":309},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿يردونكم من بعد إيمانكم كفارا حسدا من عند أنفسهم﴾","level":2,"page":309},{"title":"المراد بالعفو والصفح في قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ وفي أنه منسوخ في موضع آخر من القرآن","level":2,"page":310},{"title":"أمر الله تعالى للمؤمنين بأن يلحظوا أنفسهم ويصلحوها بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة في قوله جل وعلا: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة﴾","level":2,"page":311},{"title":"دأب اليهود دوما إلقاء الشبه في قلوب المسلمين والتخليط عليهم وذلك في قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى﴾","level":2,"page":311},{"title":"رد الله تعالى عليهم ونقض دعواهم","level":2,"page":312},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿من أسلم وجهه لله وهو محسن﴾","level":2,"page":313},{"title":"الرد الآخر وهو قدح كل فريق منهم بالآخر وذلك في قوله تعالى: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾","level":2,"page":314},{"title":"معنى قول اليهود ليست النصارى على شيء","level":2,"page":314},{"title":"معنى قول النصارى ليست اليهود على شيء","level":2,"page":314},{"title":"المراد من قوله تعالى: ﴿وهم يتلون الكتاب كذلك قال الذين لا يعلمون مثل قولهم﴾","level":2,"page":315},{"title":"مبحث في اختلاف المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه﴾","level":2,"page":316},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿أن يذكر فيها﴾","level":2,"page":318},{"title":"المراد بالخراب في قوله تعالى: ﴿وسعى في خرابها﴾","level":2,"page":318},{"title":"بيان وصف الذين سعوا في خراب المساجد حال دخولها","level":2,"page":319},{"title":"مبحث في نوع الجزاء الذي سوف يلاقيه من يسعى في خراب المساجد","level":2,"page":320},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾","level":2,"page":321},{"title":"اختلاف المفسرين في سبب نزول قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾","level":2,"page":322},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾","level":2,"page":323},{"title":"المراد من قوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾","level":2,"page":323},{"title":"بيان سعة ملك الله ﵎ وسعة فضله","level":2,"page":324},{"title":"العطف في قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا﴾","level":2,"page":325},{"title":"مبحث في أصل التثليث عند النصارى ونسبة الولد عند اليهود","level":2,"page":325},{"title":"معنى ﴿سبحانه﴾","level":2,"page":327},{"title":"تنافي الولادة والملكية في معنى قوله تعالى: ﴿بل له ما في السماوات والأرض وكل له قانتون﴾","level":2,"page":327},{"title":"معنى الإبداع في قوله تعالى: ﴿بديع السماوات والأرض﴾","level":2,"page":328},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمرا﴾","level":2,"page":328},{"title":"اختلاف المفسرين في مخاطبة الله تعالى للمعدوم في قوله جل وعز ﴿كن فيكون﴾","level":2,"page":328},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يعلمون لولا يكلمنا الله﴾ الآية","level":2,"page":329},{"title":"بيان مراد المشركين وأهل الكتاب من وراء هذا الطلب","level":2,"page":330},{"title":"شهادة من الله ﵎ بصحة رسالته - ﷺ -","level":2,"page":330},{"title":"أهل الكتاب يقنطون رسول الله - ﷺ - من إسلامهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿ولن ترضى عنك اليهود والنصارى حتى تتبع ملتهم﴾","level":2,"page":331},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته﴾","level":2,"page":332},{"title":"مبحث في أن بعض المفسرين شمل المسلمين في هذه الآية","level":2,"page":332},{"title":"أعاد الله مخاطبة اليهود بالتذكير بنعمه والتحذير من حلول نعمه بقوله تعالى: ﴿يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾","level":2,"page":333},{"title":"معنى الابتلاء في قوله تعالى: ﴿وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن﴾","level":2,"page":334},{"title":"مبحث ما قيل في الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم","level":2,"page":334},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿قال إني جاعلك للناس إماما﴾ الآية","level":2,"page":335},{"title":"اختلاف المفسرين في معنى العهد في قوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾","level":2,"page":336},{"title":"التكليف الثاني لسيدنا إبراهيم وهو تطهير البيت","level":2,"page":336},{"title":"معنى المثابة والأمن من قوله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت مثابة للناس وأمنا﴾","level":2,"page":337},{"title":"قد يكون قول الله تعالى: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ على سبيل الأمر","level":2,"page":337},{"title":"تعليق عن خط سكة حديد الحجاز","level":2,"page":337},{"title":"سبب نزول قوله تعالى: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾","level":2,"page":338},{"title":"مناداة إبراهيم لربه والدعاء الذي دعا به","level":2,"page":339},{"title":"اختلاف كلام المفسرين في تقييد معنى الأمن","level":2,"page":339},{"title":"حرم الرسول - ﷺ - المدينة كما حرمت مكة","level":2,"page":340},{"title":"متى حرمت مكة المكرمة","level":2,"page":340},{"title":"اتباع الرزق بالأمن في قوله تعالى: ﴿وارزق أهله من الثمرات﴾","level":2,"page":341},{"title":"مبحث في معنى تخصيص الرزق بالثمرات","level":2,"page":341},{"title":"إجابة الله تعالى لدعاء إبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":342},{"title":"وصف لبناء البيت مع ذكر ماهية هذا البيت","level":2,"page":343},{"title":"اقتران الدعاء بالعمل إشعارا واعترافا بالتقصير","level":2,"page":344},{"title":"دعاء إبراهيم وإسماعيل ﵉ لذريتهما","level":2,"page":345},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم﴾","level":2,"page":345},{"title":"الدعوة الثالثة لإبراهيم - ﵇ - لما فيه خير الآخرة لذريته بعد دعوتي الأمن والخصب في قوله تعالى: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾","level":2,"page":346},{"title":"وصف النبي محمد - ﷺ - ولشريعته الغراء على لسان إبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":346},{"title":"توبيخ من الله تعالى لليهود والنصارى والمشركين لإنكارهم واستبعادهم النبوة عن سيدنا محمد - ﷺ -","level":2,"page":347},{"title":"المراد بالملة في قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾","level":2,"page":348},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾","level":2,"page":348},{"title":"بيان أن مخالفة محمد - ﷺ - مخالفة لإبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":349},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿إذ قال له ربه أسلم﴾ الآية","level":2,"page":349},{"title":"بيان الوصية التي وصى بها إبراهيم - ﵇ -","level":2,"page":349},{"title":"تأكيد الحجة على اليهود والنصارى بأن وصية إبراهيم - ﵇ - هي ذاتها قد وصى بها يعقوب بنيه","level":2,"page":351},{"title":"لمن الخطاب في قوله تعالى: ﴿أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت﴾","level":2,"page":351},{"title":"مبحث في حقيقة أم في قوله تعالى: ﴿أم كنتم﴾","level":2,"page":351},{"title":"التأكيد في الإيصاء بالسؤال بقوله تعالى حكاية عن يعقوب - ﵇ -: ﴿ما تعبدون من بعدي﴾","level":2,"page":352},{"title":"تنبيه في أن هذه الآية تمسك بها فريقان","level":2,"page":352},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿تلك أمة قد خلت لها ما كسبت﴾","level":2,"page":353},{"title":"دعوة اليهود والنصارى التي ما زالت حتى يومنا هذا وما فيها من باطل","level":2,"page":354},{"title":"خطر تلك الدعوة وأثرها على عالمنا الإسلامي، وأنه يجب أن نحمل على عاتقنا أمر محاربتها بكل ما أوتينا من قوة ونحن مسؤولون بذلك أمام الله ﷿","level":2,"page":355},{"title":"تحقيق الرجوع إلى عبادة الله وحده في قوله تعالى: ﴿بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين﴾","level":2,"page":355},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾ الآية","level":2,"page":356},{"title":"فائدة في معنى البسط","level":2,"page":357},{"title":"ميزة الإسلام الكمال وأنه منتهى سائر الأديان","level":2,"page":357},{"title":"التأمل بقوله تعالى: ﴿قولوا آمنا بالله﴾","level":2,"page":358},{"title":"الترغيب بالإيمان في قوله تعالى: ﴿فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا﴾","level":2,"page":359},{"title":"الضمان من الله ﷿ لإظهار الرسول - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿فسيكفيكهم الله﴾","level":2,"page":359},{"title":"مبحث في معنى الصبغة في قوله تعالى: ﴿صبغة الله﴾","level":2,"page":359},{"title":"الاحتجاج بين المسلمين وأهل الكتاب","level":2,"page":360},{"title":"تعليق: في الخلفاء والملوك الكثير من الشعراء والأدباء","level":2,"page":360},{"title":"الزجر والتوبيخ في قوله تعالى: ﴿أم تقولون إن إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط كانوا هودا أو نصارى﴾","level":2,"page":361},{"title":"سبة الجهل إلى أهل الكتاب في قوله تعالى: ﴿أأنتم أعلم أم الله﴾","level":2,"page":362},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله﴾","level":2,"page":362},{"title":"بيان أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ونهي وزجر لمن يقلد","level":2,"page":363},{"title":"الفراغ من تفسير الجزء الأول","level":2,"page":364},{"title":"تفسير الجزء الثاني من تفسير ابن بدران","level":2,"page":365},{"title":"سبب نزول قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾","level":2,"page":366},{"title":"فائدة الإخبار بقولهم قبل وقوعه","level":2,"page":367},{"title":"معنى السفهاء في قوله تعالى: ﴿سيقول السفهاء من الناس﴾","level":2,"page":367},{"title":"معنى قوله تعالى حكاية عن اليهود: ﴿ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها﴾","level":2,"page":367},{"title":"كلام المفسرين حول الحكمة من تحويل القبلة","level":2,"page":368},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾","level":2,"page":368},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿لتكونوا شهداء على الناس﴾","level":2,"page":369},{"title":"تخصيص أمة محمد - ﷺ - بالوسطية والشهادة","level":2,"page":370},{"title":"مبحث في الشهادة","level":2,"page":371},{"title":"تبيين العلة في التوجه إلى قبلتين","level":2,"page":371},{"title":"أوجه الاختلاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم﴾","level":2,"page":372},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿إلا لنعلم﴾","level":2,"page":372},{"title":"بيان بعض ما ظهرت به الأخبار عند تحول القبلة وفيه تمحيص للمؤمنين","level":2,"page":374},{"title":"تبيين الحكمة في ذلك التحويل","level":2,"page":374},{"title":"الفرق بين الرأفة والرحمة في قوله تعالى: ﴿إن الله بالناس لرؤوف رحيم﴾","level":2,"page":375},{"title":"تبيين الرأفة بالنبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾","level":2,"page":376},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿قد نرى تقلب وجهك في السماء﴾","level":2,"page":376},{"title":"مبحث في ما روي من أحاديث عن تحويل القبلة","level":2,"page":376},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾","level":2,"page":378},{"title":"تفسير قوله تعالى: ﴿شطر المسجد﴾","level":2,"page":378},{"title":"مبحث في اختلاف الفقهاء في مسألة التوجه شطر الكعبة","level":2,"page":379},{"title":"بعد البشرى الأولى وهي التحويل أتبعها المولى جل وعز بشرى ثانية وثالثة بقوله تعالى: ﴿فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيثما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾","level":2,"page":381},{"title":"مبحث فيما يترتب على قوله تعالى: ﴿وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره﴾","level":2,"page":381},{"title":"قاعدة للعالم بفن الميقات","level":2,"page":381},{"title":"اختلاف القراءة بقوله تعالى: ﴿وما الله بغافل عما يعملون﴾","level":2,"page":382},{"title":"تبيين شدة معاندة الذين أوتوا الكتاب ومكابرتهم عن اتباع الحق وفيه تسلية للرسول - ﷺ -","level":2,"page":383},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿وما بعضهم بتابع قبلة بعض﴾","level":2,"page":384},{"title":"ما يدل عليه قوله تعالى: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾","level":2,"page":384},{"title":"فضح ما يبطنه أهل الكتاب من معرفتهم للرسول - ﷺ - وذلك بقوله تعالى: ﴿الذين آتيناهم الكتاب يعرفونه كما يعرفون أبناءهم﴾","level":2,"page":385},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿وإن فريقا منهم ليكتمون الحق وهم يعلمون﴾ مع بيان أصناف الذين يكتمون معرفته","level":2,"page":386},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿ولكل وجهة هو موليها﴾","level":2,"page":386},{"title":"الحث على التسابق إلى الخير","level":2,"page":387},{"title":"آراء المفسرين حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية","level":2,"page":388},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا منهم﴾","level":2,"page":390},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿فلا تخشوهم واخشوني ولأتم نعمتي عليكم ولعلكم تهتدون﴾","level":2,"page":390},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿كما أرسلنا فيكم رسولا منكم﴾","level":2,"page":391},{"title":"معنى قوله: ﴿ويزكيكم﴾","level":2,"page":392},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ويعلمكم الكتاب والحكمة ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون﴾","level":2,"page":392},{"title":"تبيين أعظم نعمتين كلف الله عباده بهما الذكر والشكر في قوله تعالى: ﴿فاذكروني أذكركم واشكروا لي ولا تكفرون﴾","level":2,"page":392},{"title":"مبحث في معنى الذكر","level":2,"page":392},{"title":"معنى تخصيص الصبر والصلاة في قوله جل وعلا: ﴿يا أيها الذين آمنوا استعينوا بالصبر والصلاة إن الله مع الصابرين﴾","level":2,"page":393},{"title":"سبب نزول قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أمواتا﴾","level":2,"page":394},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿بل أحياء ولكن لا تشعرون﴾","level":2,"page":394},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم بشيء من الخوف والجوع﴾","level":2,"page":396},{"title":"ذكر ما في هذه الآية من أسرار","level":2,"page":397},{"title":"التعليق على ما قاله ابن جرير الطبري في شرحه على قوله تعالى: ﴿بشيء من الخوف﴾","level":2,"page":398},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿وبشر الصابرين﴾ الآية","level":2,"page":399},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة﴾","level":2,"page":399},{"title":"فائدة فيما يكون فيه الصبر محمود شرعا","level":2,"page":400},{"title":"مبحث في حقيقة الصبر","level":2,"page":401},{"title":"مقولة الإمام الرازي في الحكمين اللذين اشتملت عليهما هذه الآية","level":2,"page":401},{"title":"التحول من الكلام مع الطاعنين بالإسلام ومحاججتهم وختم ذلك بالهدى والخير والتكليف","level":2,"page":402},{"title":"بيان أن هناك ثلاثة أنواع من التكاليف في قوله تعالى: ﴿إن الصفا والمروة من شعائر الله﴾ الآية","level":2,"page":402},{"title":"سبب نزول هذه الآية","level":2,"page":403},{"title":"معنى الصفا والمروة ومعنى أنها من شعائر الله","level":2,"page":403},{"title":"تبيين الأحكام التي تستنبط من هذه الآية: الحكم الأول","level":2,"page":404},{"title":"اختلاف الفقهاء حول أن الأمر هنا بالسعي هل هو للوجوب أم للإستحباب","level":2,"page":405},{"title":"الاحتجاج بالأحاديث والرد عليها","level":2,"page":406},{"title":"بقية الأحكام المستنبطة من الآية","level":2,"page":407},{"title":"اختلاف فيمن نزلت آية ﴿إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات﴾","level":2,"page":408},{"title":"الإشارة إلى أن ما بينه الله تعالى في كتابه لا يحل كتمانه","level":2,"page":410},{"title":"جزاء من يكتم العلم","level":2,"page":410},{"title":"ذكر ما قاله الإمام الرازي في قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا من البينات﴾","level":2,"page":410},{"title":"ذكر طريق التوبة في قوله تعالى: ﴿إلا الذين تابوا وأصلحوا وبينوا﴾ الآية","level":2,"page":411},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار﴾ الآية","level":2,"page":412},{"title":"كيف يكون اللعن في قوله تعالى: ﴿أولئك عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين﴾","level":2,"page":412},{"title":"معنى التوحيد في قوله تعالى: ﴿وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم﴾","level":2,"page":414},{"title":"رأي البرهان البقاعي في عطف الواو في قوله تعالى: ﴿وإلهكم﴾","level":2,"page":415},{"title":"ذكر إشارة لطيفة لصاحب كتاب \"مفتاح الباب المقفل\" في قوله تعالى: ﴿وإلهكم﴾","level":2,"page":415},{"title":"مبحث في الوحدانية","level":2,"page":416},{"title":"ذكر ثمانية دلائل يستدل بها على وجوده تعالى وذلك بقوله تعالى: ﴿إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار﴾ الآية","level":2,"page":416},{"title":"بيان العلوم الأربعة التي أرشدت إليها هذه الآية الكريمة","level":2,"page":417},{"title":"الكلام عن الأفلاك والكواكب","level":2,"page":418},{"title":"ذكر بعض الدلالات الواضحات والآيات البينات على عظم قدرة الله ﷾","level":2,"page":420},{"title":"مبحث في علم الأرض مما تكونت وكيف تكونت","level":2,"page":422},{"title":"مبحث في خلق السماوات والأرض وما ينشأ عنهما من ليل ونهار","level":2,"page":423},{"title":"ذكر كيف جعل الله الليل سكنا ولباسا وعكسه النهار","level":2,"page":425},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس﴾","level":2,"page":425},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿وتصريف الرياح والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾","level":2,"page":428},{"title":"إجمال كل تلك الظواهر العجيبة بقوله تعالى: ﴿لآيات﴾","level":2,"page":429},{"title":"فائدة في معنى القوم","level":2,"page":429},{"title":"بيان أن هذه الآية قد اشتملت على جميع ما يجب اعتقاده في الله ﷾","level":2,"page":430},{"title":"مبحث في تقسيم الممكنات الموجودة إلى قسمين","level":2,"page":430},{"title":"معنى الند في قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا﴾","level":2,"page":431},{"title":"المراد من قوله تعالى: ﴿يحبونهم كحب الله﴾","level":2,"page":432},{"title":"تبيين سوء منقلب من يتخذ من دون الله أندادا","level":2,"page":433},{"title":"معنى التبرؤ في قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا﴾","level":2,"page":434},{"title":"البديع في قوله تعالى: ﴿اتبعوا من الذين اتبعوا﴾","level":2,"page":435},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿كذلك يريهم الله أعمالهم حسرات عليهم﴾","level":2,"page":435},{"title":"بيان أمن اتخذ من دون الله أندادا فهو خالد في النار","level":2,"page":435},{"title":"ذكر التلطف والاستعطاف بعد الزجر والتنبيه في قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالا طيبا﴾","level":2,"page":436},{"title":"سبب نزول هذه الآية","level":2,"page":436},{"title":"مبحث في معنى هذه الآية","level":2,"page":437},{"title":"معنى الحلال","level":2,"page":438},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾","level":2,"page":438},{"title":"ما يستفاد من هذه الآية","level":2,"page":439},{"title":"إشارة عن \"غاية المرام\" للألباني تخريج \"الحلال والحرام\" للقرضاوي","level":2,"page":439},{"title":"ما ذكر في ﴿مفاتيح الغيب﴾ حول قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون﴾","level":2,"page":440},{"title":"ذم المقلدين وتبكيتهم في قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل يتبع ما ألفينا عليه آباءنا﴾ الآية","level":2,"page":440},{"title":"مبحث فيمن خصوا بهذه الآية","level":2,"page":440},{"title":"مبحث في معنى هذه الآية","level":2,"page":441},{"title":"مبحث في بطلان التقليد في العقيدة إجماعا","level":2,"page":441},{"title":"وصف المقلدين دون نظر أو تدبر وهو عن قلة اهتمام بالدين في قوله: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل الذي ينعق بما لا يسمع إلا دعاء ونداء﴾","level":2,"page":444},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿ومثل الذين كفروا كمثل﴾","level":2,"page":444},{"title":"الزيادة على الكفار بالتبكيت بقوله تعالى: ﴿صم بكم عمي فهم لا يعقلون﴾","level":2,"page":446},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات من رزقناكم﴾ الآية","level":2,"page":447},{"title":"معنى الطيبات في قوله تعالى: ﴿كلوا من الطيبات﴾","level":2,"page":448},{"title":"بيان ما يحمل عليه هنا الأمر بالأكل","level":2,"page":448},{"title":"تبيين الخبيث حتى يجتنب وذلك بقوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم ..﴾ الآية","level":2,"page":449},{"title":"مبحث فيما يراد من كلمة \"إنما\"","level":2,"page":449},{"title":"اختلاف القراءات في هذه الآية","level":2,"page":451},{"title":"استثناء ميتة البحر بالحل دون سائر الميتة","level":2,"page":451},{"title":"بيان الأحكام المستفادة من الآية مثل ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة","level":2,"page":453},{"title":"حكم الجنين الذي في بطن أمه المذكاة واختلاف الفقهاء فيه","level":2,"page":454},{"title":"بيان الأقوال في المراد من لحم الخنزير","level":2,"page":455},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿وما أهل به لغير الله﴾","level":2,"page":456},{"title":"مبحث في الاضطرار ومعنى غير باغ ولا عاد في قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾","level":2,"page":458},{"title":"المراد من قوله تعالى: ﴿إن الله غفور رحيم﴾","level":2,"page":459},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى والعذاب بالمغفرة فما أصبرهم على النار﴾","level":2,"page":462},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله نزل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد﴾","level":2,"page":463},{"title":"اختلاف المفسرين في تأويل قوله تعالى: ﴿ليس البر﴾","level":2,"page":464},{"title":"بيان ما تضمنته هذه الآية","level":2,"page":466},{"title":"بيان ترتيب المذكور أن المتصفة بالبر في الآية الكريمة","level":2,"page":467},{"title":"مبحث في رجوع الضجر في قوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾","level":2,"page":468},{"title":"بيان من هو المسكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب","level":2,"page":468},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس﴾","level":2,"page":469},{"title":"مبحث في معنى كتب في قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى﴾","level":2,"page":470},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿كتب عليكم القصاص في القتلى الحر بالحر والعبد بالعبد والأنثى بالأنثى﴾","level":2,"page":471},{"title":"سبب نزول هذه الآية","level":2,"page":471},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿فمن عفي له من أخيه شيء﴾","level":2,"page":472},{"title":"المراد بالرحمة في الآية \"ذلك تخفيف من ربكم ورحمة\"","level":2,"page":474},{"title":"بيان المقصود من العذاب الأليم في قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى بعد ذلك فله عذاب أليم﴾","level":2,"page":474},{"title":"تبيين الحكمة البالغة في قوله تعالى: ﴿ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلكم تتقون﴾","level":2,"page":475},{"title":"ما يترتب من الحكمة في القصاص","level":2,"page":476},{"title":"اقتران مشروعية القصاص بذكر ذوي العقول والبصائر والحكمة منه","level":2,"page":477},{"title":"فرض الوصية في قوله تعالى: ﴿كتب عليكم إذ حضر أحدكم الموت﴾ الآية","level":2,"page":478},{"title":"سبب نزول الآية","level":2,"page":479},{"title":"مسالك الفقهاء في هذه الآية","level":2,"page":479},{"title":"المسلك الأول: أنها منسوخة في حق من يرث","level":2,"page":479},{"title":"المسلك الثاني: أنها منسوخة بآية المواريث","level":2,"page":481},{"title":"بيان فيمن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة","level":2,"page":482},{"title":"تبيين المختار من هذه المسألة","level":2,"page":483},{"title":"اختلاف المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿إن ترك خيرا﴾","level":2,"page":483},{"title":"مبحث في معنى قوله تعالى: ﴿فمن بدله بعدما سمعه فإنما إثمه على الذين يبدلونه﴾ الآية","level":2,"page":484},{"title":"تحقيق معنى الخوف من قوله تعالى: ﴿فمن خاف من موص جنفا﴾","level":2,"page":485},{"title":"مبحث في معنى الجنف وما يترتب عليه","level":2,"page":486},{"title":"معنى الصيام في اللغة","level":2,"page":487},{"title":"اختلاف أهل التأويل في الذين عنى الله بقوله: ﴿كما كتب على الذين من قبلكم﴾","level":2,"page":487},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿لعلكم تتقون﴾","level":2,"page":488},{"title":"المراد من قوله تعالى: ﴿أياما معدودات﴾","level":2,"page":488},{"title":"الاستثناء وما يترتب عليه في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾","level":2,"page":489},{"title":"الاختلاف في حقيقة وأنواع المرض","level":2,"page":489},{"title":"الاختلاف في المسافة التي يفطر بها المسافر","level":2,"page":490},{"title":"إشارة إلى \"مختصر زاد المعاد\" للشيخ محمد بن عبد الوهاب طبع المكتب الإسلامي","level":2,"page":491},{"title":"إشارة إلى \"صحيح ابن خزيمة\" طبع المكتب الإسلامي","level":2,"page":491},{"title":"القول فيمن أفطر عامدا في نهار رمضان","level":2,"page":494},{"title":"معنى الخيرية من قوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾","level":2,"page":497},{"title":"تبيين ما أبهمه ﷾ في الآية السابعة من قوله: ﴿أياما معدودات﴾ فجاء التبيين بقوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾","level":2,"page":497},{"title":"تقدير الابتداء في قوله تعالى: ﴿شهر رمضان﴾","level":2,"page":498},{"title":"مبحث في معنى الشهر في اللغة","level":2,"page":498},{"title":"ترغيب الله تعالى عباده بهذا الشهر","level":2,"page":499},{"title":"مبحث في قوله تعالى: ﴿هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان﴾","level":2,"page":500},{"title":"ما يترتب من معنى قوله تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصمه﴾","level":2,"page":500},{"title":"بيان التيسير وعدم الحرج في قوله تعالى: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾","level":2,"page":501},{"title":"اختلاف العلماء في هل يلزم إضمار فعل في قوله تعالى: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر﴾","level":2,"page":501},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون﴾","level":2,"page":503},{"title":"إشارة إلى أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقا بالثناء الجميل وذلك في قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب﴾ الآية لما فيها من تعقيب على الآية السابقة","level":2,"page":503},{"title":"معنى القرب في حقه ﷾","level":2,"page":506},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾","level":2,"page":507},{"title":"معنى الرشد في قوله تعالى: ﴿لعلهم يرشدون﴾","level":2,"page":509},{"title":"مبحث في الوطء ليلة الصيام ومعنى الرفث","level":2,"page":511},{"title":"تعليق للشيخ محمود شاكر","level":2,"page":511},{"title":"المقصود بالخيط الأبيض والخيط الأسود","level":2,"page":514},{"title":"زعم أبو مسلم الأصفهاني في المفطرات","level":2,"page":515},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ثم أتموا الصيام إلى الليل﴾","level":2,"page":518},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد﴾","level":2,"page":519},{"title":"المقصود بالمباشرة في الآية","level":2,"page":519},{"title":"فوائد في الاعتكاف وأحكامه","level":2,"page":520},{"title":"نكتة في قوله تعالى: ﴿فلا تقربوها﴾ مع قوله: ﴿فلا تعتدوها﴾","level":2,"page":521},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل﴾","level":2,"page":522},{"title":"معنى ﴿وتدلوا بها إلى الحكام﴾","level":2,"page":523},{"title":"معنى قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الأهلة﴾","level":2,"page":524}],"ٛ":{"1,2":2,"1,3":3,"1,4":4,"1,5":5,"1,6":6,"1,7":7,"1,8":8,"1,9":9,"1,10":10,"1,11":11,"1,12":12,"1,13":13,"1,14":14,"1,15":15,"1,16":16,"1,17":17,"1,18":18,"1,19":19,"1,20":20,"1,21":21,"1,22":22,"1,23":23,"1,24":24,"1,25":25,"1,26":26,"1,27":27,"1,29":28,"1,31":29,"1,32":30,"1,33":31,"1,34":32,"1,35":33,"1,36":34,"1,37":35,"1,38":36,"1,39":37,"1,40":38,"1,41":39,"1,42":40,"1,43":41,"1,44":42,"1,45":43,"1,46":44,"1,47":45,"1,48":46,"1,49":47,"1,50":48,"1,51":49,"1,52":50,"1,53":51,"1,54":52,"1,55":53,"1,56":54,"1,57":55,"1,58":56,"1,59":57,"1,60":58,"1,61":59,"1,62":60,"1,63":61,"1,64":62,"1,65":63,"1,66":64,"1,67":65,"1,68":66,"1,69":67,"1,70":68,"1,71":69,"1,72":70,"1,73":71,"1,74":72,"1,75":73,"1,76":74,"1,77":75,"1,78":76,"1,79":77,"1,80":78,"1,81":79,"1,82":80,"1,83":81,"1,84":82,"1,85":83,"1,86":84,"1,87":85,"1,88":86,"1,89":87,"1,90":88,"1,91":89,"1,92":90,"1,93":91,"1,94":92,"1,95":93,"1,96":94,"1,97":95,"1,98":96,"1,99":97,"1,100":98,"1,101":99,"1,102":100,"1,103":101,"1,104":102,"1,105":103,"1,106":104,"1,107":105,"1,108":106,"1,109":107,"1,110":108,"1,111":109,"1,112":110,"1,113":111,"1,114":112,"1,115":113,"1,116":114,"1,117":115,"1,118":116,"1,119":117,"1,120":118,"1,121":119,"1,122":120,"1,123":121,"1,124":122,"1,125":123,"1,126":124,"1,127":125,"1,128":126,"1,129":127,"1,130":128,"1,131":129,"1,132":130,"1,133":131,"1,134":132,"1,135":133,"1,136":134,"1,137":135,"1,138":136,"1,139":137,"1,140":138,"1,141":139,"1,142":140,"1,143":141,"1,144":142,"1,145":143,"1,146":144,"1,147":145,"1,148":146,"1,149":147,"1,150":148,"1,151":149,"1,152":150,"1,153":151,"1,154":152,"1,155":153,"1,156":154,"1,157":155,"1,158":156,"1,159":157,"1,160":158,"1,161":159,"1,162":160,"1,163":161,"1,164":162,"1,165":163,"1,166":164,"1,167":165,"1,168":166,"1,169":167,"1,170":168,"1,171":169,"1,172":170,"1,173":171,"1,174":172,"1,175":173,"1,176":174,"1,177":175,"1,178":176,"1,179":177,"1,180":178,"1,181":179,"1,182":180,"1,183":181,"1,184":182,"1,185":183,"1,186":184,"1,187":185,"1,188":186,"1,189":187,"1,190":188,"1,191":189,"1,192":190,"1,193":191,"1,194":192,"1,195":193,"1,196":194,"1,197":195,"1,198":196,"1,199":197,"1,200":198,"1,201":199,"1,202":200,"1,203":201,"1,204":202,"1,205":203,"1,206":204,"1,207":205,"1,208":206,"1,209":207,"1,210":208,"1,211":209,"1,212":210,"1,213":211,"1,214":212,"1,215":213,"1,216":214,"1,217":215,"1,218":216,"1,219":217,"1,220":218,"1,221":219,"1,222":220,"1,223":221,"1,224":222,"1,225":223,"1,226":224,"1,227":225,"1,228":226,"1,229":227,"1,230":228,"1,231":229,"1,232":230,"1,233":231,"1,234":232,"1,235":233,"1,236":234,"1,237":235,"1,238":236,"1,239":237,"1,240":238,"1,241":239,"1,242":240,"1,243":241,"1,244":242,"1,245":243,"1,246":244,"1,247":245,"1,248":246,"1,249":247,"1,250":248,"1,251":249,"1,252":250,"1,253":251,"1,254":252,"1,255":253,"1,256":254,"1,257":255,"1,258":256,"1,259":257,"1,260":258,"1,261":259,"1,262":260,"1,263":261,"1,264":262,"1,265":263,"1,266":264,"1,267":265,"1,268":266,"1,269":267,"1,270":268,"1,271":269,"1,272":270,"1,273":271,"1,274":272,"1,275":273,"1,276":274,"1,277":275,"1,278":276,"1,279":277,"1,280":278,"1,281":279,"1,282":280,"1,283":281,"1,284":282,"1,285":283,"1,286":284,"1,287":285,"1,288":286,"1,289":287,"1,290":288,"1,291":289,"1,292":290,"1,293":291,"1,294":292,"1,295":293,"1,296":294,"1,297":295,"1,298":296,"1,299":297,"1,300":298,"1,301":299,"1,302":300,"1,303":301,"1,304":302,"1,305":303,"1,306":304,"1,307":305,"1,308":306,"1,309":307,"1,310":308,"1,311":309,"1,312":310,"1,313":311,"1,314":312,"1,315":313,"1,316":314,"1,317":315,"1,318":316,"1,319":317,"1,320":318,"1,321":319,"1,322":320,"1,323":321,"1,324":322,"1,325":323,"1,326":324,"1,327":325,"1,328":326,"1,329":327,"1,330":328,"1,331":329,"1,332":330,"1,333":331,"1,334":332,"1,335":333,"1,336":334,"1,337":335,"1,338":336,"1,339":337,"1,340":338,"1,341":339,"1,342":340,"1,343":341,"1,344":342,"1,345":343,"1,346":344,"1,347":345,"1,348":346,"1,349":347,"1,350":348,"1,351":349,"1,352":350,"1,353":351,"1,354":352,"1,355":353,"1,356":354,"1,357":355,"1,358":356,"1,359":357,"1,360":358,"1,361":359,"1,362":360,"1,363":361,"1,364":362,"1,365":363,"1,366":364,"1,367":365,"1,369":366,"1,370":367,"1,371":368,"1,372":369,"1,373":370,"1,374":371,"1,375":372,"1,376":373,"1,377":374,"1,378":375,"1,379":376,"1,380":377,"1,381":378,"1,382":379,"1,383":380,"1,384":381,"1,385":382,"1,386":383,"1,387":384,"1,388":385,"1,389":386,"1,390":387,"1,391":388,"1,392":389,"1,393":390,"1,394":391,"1,395":392,"1,396":393,"1,397":394,"1,398":395,"1,399":396,"1,400":397,"1,401":398,"1,402":399,"1,403":400,"1,404":401,"1,405":402,"1,406":403,"1,407":404,"1,408":405,"1,409":406,"1,410":407,"1,411":408,"1,412":409,"1,413":410,"1,414":411,"1,415":412,"1,416":413,"1,417":414,"1,418":415,"1,419":416,"1,420":417,"1,421":418,"1,422":419,"1,423":420,"1,424":421,"1,425":422,"1,426":423,"1,427":424,"1,428":425,"1,429":426,"1,430":427,"1,431":428,"1,432":429,"1,433":430,"1,434":431,"1,435":432,"1,436":433,"1,437":434,"1,438":435,"1,439":436,"1,440":437,"1,441":438,"1,442":439,"1,443":440,"1,444":441,"1,445":442,"1,446":443,"1,447":444,"1,448":445,"1,449":446,"1,450":447,"1,451":448,"1,452":449,"1,453":450,"1,454":451,"1,455":452,"1,456":453,"1,457":454,"1,458":455,"1,459":456,"1,460":457,"1,461":458,"1,462":459,"1,463":460,"1,464":461,"1,465":462,"1,466":463,"1,467":464,"1,468":465,"1,469":466,"1,470":467,"1,471":468,"1,472":469,"1,473":470,"1,474":471,"1,475":472,"1,476":473,"1,477":474,"1,478":475,"1,479":476,"1,480":477,"1,481":478,"1,482":479,"1,483":480,"1,484":481,"1,485":482,"1,486":483,"1,487":484,"1,488":485,"1,489":486,"1,490":487,"1,491":488,"1,492":489,"1,493":490,"1,494":491,"1,495":492,"1,496":493,"1,497":494,"1,498":495,"1,499":496,"1,500":497,"1,501":498,"1,502":499,"1,503":500,"1,504":501,"1,505":502,"1,506":503,"1,507":504,"1,508":505,"1,509":506,"1,510":507,"1,511":508,"1,512":509,"1,513":510,"1,514":511,"1,515":512,"1,516":513,"1,517":514,"1,518":515,"1,519":516,"1,520":517,"1,521":518,"1,522":519,"1,523":520,"1,524":521,"1,525":522,"1,526":523,"1,527":524,"1,528":525,"1,529":526},"ٜ":{"1":[2,529]},"ٝ":[null,"1,2","1,3","1,4","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,29","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","1,514","1,515","1,516","1,517","1,518","1,519","1,520","1,521","1,522","1,523","1,524","1,525","1,526","1,527","1,528","1,529"],"ٞ":{"3":[1,2,3],"4":[4,5,6,7,8],"5":[9,10],"6":[11,12],"7":[13],"9":[14,15],"11":[16,17],"14":[18],"15":[19,20],"17":[21],"20":[22],"21":[23],"22":[24],"25":[25],"29":[26,27],"30":[28],"31":[29,30],"32":[31],"33":[32],"34":[33,34],"35":[35],"36":[36,37],"38":[38],"40":[39],"41":[40],"42":[41],"44":[42,43],"45":[44,45],"46":[46],"48":[47],"49":[48],"50":[49,50,51],"53":[52,53],"54":[54],"55":[55],"56":[56],"57":[57],"60":[58],"61":[59],"62":[60],"63":[61],"64":[62],"67":[63],"69":[64],"70":[65],"71":[66],"72":[67],"73":[68],"74":[69],"75":[70],"77":[71],"78":[72],"79":[73],"80":[74],"81":[75],"83":[76],"86":[77],"87":[78],"88":[79],"89":[80],"91":[81],"92":[82],"94":[83],"96":[84],"97":[85],"99":[86],"101":[87],"103":[88],"105":[89],"108":[90],"110":[91,92],"111":[93],"113":[94,95,96],"115":[97],"116":[98],"117":[99],"118":[100],"119":[101,102],"121":[103,104],"122":[105,106],"123":[107],"124":[108],"126":[109,110],"127":[111],"129":[112,113],"130":[114],"131":[115,116],"133":[117],"134":[118],"135":[119],"137":[120],"138":[121,122],"140":[123],"144":[124],"145":[125,126],"146":[127],"147":[128,129],"148":[130],"149":[131],"151":[132],"152":[133],"155":[134],"157":[135],"158":[136,137],"159":[138],"160":[139],"161":[140],"162":[141],"163":[142],"164":[143],"165":[144],"166":[145,146],"167":[147],"168":[148,149],"169":[150],"170":[151],"171":[152,153],"172":[154,155],"174":[156,157],"175":[158,159],"176":[160,161,162],"177":[163],"178":[164],"179":[165,166],"181":[167,168],"182":[169],"183":[170],"184":[171],"185":[172,173],"187":[174],"188":[175],"191":[176],"192":[177,178],"193":[179,180],"194":[181],"195":[182],"196":[183],"197":[184],"198":[185],"199":[186],"201":[187],"202":[188,189,190],"204":[191],"205":[192,193,194],"207":[195,196],"208":[197,198],"209":[199,200],"210":[201,202],"211":[203],"212":[204,205],"213":[206,207],"214":[208],"215":[209,210],"217":[211],"218":[212],"219":[213,214],"220":[215],"221":[216],"222":[217],"223":[218],"224":[219],"225":[220,221],"226":[222],"227":[223,224],"228":[225,226],"229":[227],"230":[228,229],"232":[230,231],"234":[232,233],"235":[234,235],"236":[236,237],"237":[238],"238":[239],"239":[240,241],"240":[242],"241":[243],"242":[244,245],"244":[246],"245":[247],"246":[248],"247":[249],"248":[250],"249":[251],"250":[252],"251":[253],"252":[254,255],"253":[256],"255":[257],"256":[258,259],"259":[260],"260":[261],"261":[262],"262":[263],"263":[264],"264":[265],"265":[266],"266":[267],"269":[268,269],"271":[270,271],"272":[272],"273":[273],"274":[274,275],"275":[276],"277":[277,278,279],"278":[280,281],"279":[282],"280":[283,284,285],"281":[286,287,288],"282":[289,290],"283":[291,292],"284":[293],"285":[294,295,296],"286":[297,298],"289":[299,300,301,302],"290":[303],"291":[304],"292":[305,306],"294":[307,308],"295":[309],"296":[310,311],"297":[312,313],"298":[314,315],"299":[316,317],"300":[318,319],"302":[320],"303":[321],"305":[322,323],"306":[324,325],"307":[326],"308":[327],"309":[328,329,330],"310":[331],"311":[332,333],"312":[334],"313":[335],"314":[336,337,338],"315":[339],"316":[340],"318":[341,342],"319":[343],"320":[344],"321":[345],"322":[346],"323":[347,348],"324":[349],"325":[350,351],"327":[352,353],"328":[354,355,356],"329":[357],"330":[358,359],"331":[360],"332":[361,362],"333":[363],"334":[364,365],"335":[366],"336":[367,368],"337":[369,370,371],"338":[372],"339":[373,374],"340":[375,376],"341":[377,378],"342":[379],"343":[380],"344":[381],"345":[382,383],"346":[384,385],"347":[386],"348":[387,388],"349":[389,390,391],"351":[392,393,394],"352":[395,396],"353":[397],"354":[398],"355":[399,400],"356":[401],"357":[402,403],"358":[404],"359":[405,406,407],"360":[408,409],"361":[410],"362":[411,412],"363":[413],"364":[414],"365":[415],"366":[416],"367":[417,418,419],"368":[420,421],"369":[422],"370":[423],"371":[424,425],"372":[426,427],"374":[428,429],"375":[430],"376":[431,432,433],"378":[434,435],"379":[436],"381":[437,438,439],"382":[440],"383":[441],"384":[442,443],"385":[444],"386":[445,446],"387":[447],"388":[448],"390":[449,450],"391":[451],"392":[452,453,454,455],"393":[456],"394":[457,458],"396":[459],"397":[460],"398":[461],"399":[462,463],"400":[464],"401":[465,466],"402":[467,468],"403":[469,470],"404":[471],"405":[472],"406":[473],"407":[474],"408":[475],"410":[476,477,478],"411":[479],"412":[480,481],"414":[482],"415":[483,484],"416":[485,486],"417":[487],"418":[488],"420":[489],"422":[490],"423":[491],"425":[492,493],"428":[494],"429":[495,496],"430":[497,498],"431":[499],"432":[500],"433":[501],"434":[502],"435":[503,504,505],"436":[506,507],"437":[508],"438":[509,510],"439":[511,512],"440":[513,514,515],"441":[516,517],"444":[518,519],"446":[520],"447":[521],"448":[522,523],"449":[524,525],"451":[526,527],"453":[528],"454":[529],"455":[530],"456":[531],"458":[532],"459":[533],"462":[534],"463":[535],"464":[536],"466":[537],"467":[538],"468":[539,540],"469":[541],"470":[542],"471":[543,544],"472":[545],"474":[546,547],"475":[548],"476":[549],"477":[550],"478":[551],"479":[552,553,554],"481":[555],"482":[556],"483":[557,558],"484":[559],"485":[560],"486":[561],"487":[562,563],"488":[564,565],"489":[566,567],"490":[568],"491":[569,570],"494":[571],"497":[572,573],"498":[574,575],"499":[576],"500":[577,578],"501":[579,580],"503":[581,582],"506":[583],"507":[584],"509":[585],"511":[586,587],"514":[588],"515":[589],"518":[590],"519":[591,592],"520":[593],"521":[594],"522":[595],"523":[596],"524":[597]},"ٟ":[]},"pages":[{"text":"جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار\n\nتأليف\nالعلامة الشيخ عبد القادر بن أحمد بدران\n\nتحقيق\nزهير الشاويش","vol":"1","page":null},{"text":"الطبعَة الأولى\nعَن النّسخَة المخطُوطَة الوَحَيدَة\n١٤٢٠ هـ - ١٩٩١ م\n\nجمَيُع الحُقوق مَحفوظَة\nيُمَنع طبْع هَذا الكِتَاب أو جُزء مِنهُ بأيّ مِن طُرق الطّبعَ والتّصْوير وَالنّقل وَالترجمَة وَالتسجِيل المَرئي وَالمسمُوع وَالحاسوُب وَغيرهَا مِن الحقوق إلّا بإذْنٍ خَطيّ مِنْ المكتب الإسلامي\n\nالمكتب الإسلامي\nبَيروت: صَ. بَ: ٣٧٧١/ ١١ - هَاتف: ٤٥٦٢٨٠ (٠٥)\nدمَشق: صَ. بَ: ١٣٠٧٩ - هَاتف: ١١١٦٣٧\nعَمّان: صَ. بَ: ١٨٢٠٦٥ - هَاتف: ٤٦٥٦٦٠٥","vol":"1","page":2},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nمُقَدَّمَة<span data-type=\"title\" id=toc-2> تَفْسير بَدْرَان</span>\nإن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.\nأما بعد:\nفإن كتاب الله عز شأنه، وجل علوه وقدره، وعظم وشرف مقداره وحكمه، أنزله على سيدنا محمد ﷺ وحيًا يتلا، وكان- وما يزال- سبيل الهداية لجميع الناس.\nواليوم شرفني الله بخدمة كتابه الكريم، بتقديم الموجود من تفسير لعالم سلفي معاصر، ومحقق جليل:\nالشيخ عبد القادر بن أحمد بدران\nوتفسيره هذا! وإن لم يكتمل، فقد جمع فيما فسر مهمات مسائل التفسير التي يحتاجها الناس- هذه الأيام- فقد فسر الفاتحة، ووصل إلى الآية ١٨٩ من سورة البقرة.\nوسوف يحتاج الناس كل الناس، إلى تفاسير كثيرة متتابعة، يهيئ الله لها من يلهمهم من أهل العلم من يخدم كتابه العزيز.\nلأن القرآن هو كتاب الله الخاتم للوحي، حتى أبد الأبد، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.\n* * *","vol":"1","page":3},{"text":"وتفسير بدران هذا جاء مطالع القرن الهجري الماضي، بعد أن بلغت الطباعة اتساعًا في طبع الكثير من التفاسير. فتنبه إلى ما في أكثرها من سقطات أحدثت حرجًا عند عامة الناس. بعد أن كانت (وهي مخطوطة) لا يكاد يطلع عليها إلا أهل العلم، وخاصة الخاصة.\nفقام بجمع تفسيره ملاحظًا فيه أمورًا أهمها:\nالأول: تصحيح ما وجده في التفاسير المتداولة، سواء منها التفسير بالمأثور، أو التفسير بالرأي، بشكل لطيف أصاب فيه الكثير من مواطن الإشكالات، وصحح الكثير أيضًا من مواطن التجاوزات.\nالثاني: رفع ما كان معتقدًا عند العامة مما يشبه العصمة عن بعض التفاسير التي تداخل فيها التأويل الصوفي، والمتناقل عن مصادر التشييع، والتوسع في الإسرائيليات، وما تناقله المفسرون عن بعضهم بعضًا مع المنقول عن سلفنا الصالح من الصحابة الكرام، والتابعين الملتزمين بالنقل الصحيح المعتمد ما أمكنهم ذلك.\nالثالث: المزج بين العلوم الكونية (حيث وصلت إليه في عصره) مع ما أشار إليه القرآن الكريم .. من غير إلزام بما فهمه بعض المفسرين المتأخرين من الذين انبهروا بما سمعوا من علوم تأثروا بها بعدما سمي- بقيام- النهضة الحديثة، واختراع الآلة البخارية، واستخدام الكهرباء، وما إليها من كشوفات حديثة- والتي ما زالت تتجدد.\nفكان الشيخ بدران وسطًا بين الأبعاد المختلفة، من غير الغلو في حشو المعلومات العلمية وشبه العلمية، مكتفيًا بشروح مبسطة.\nومنهج المؤلف هذا هو الأقرب إلى ما كان عليه علماء السلف، ومن تبعهم من أهل العلم المحققين- مثل شيخ الإسلام ابن تيمية. الذي فسر الكثير من آيات القرآن الكريم، وبعض سوره، وحل ما وصل إليه من مواضع أشكلت على الناس، وبعضها مما هو موجود في التفاسير المتداولة في عصره، ولكنه لم يكتب تفسيرًا كاملًا مع ما بلغه من العلم الواسع. وذلك من ابن تيمية مبني على أن القرآن الكريم يحتاج إلى تفسيرات دائمة لتسد حاجات الخلق في كل زمان.","vol":"1","page":4},{"text":"وفي تتبعي لما فسره الشيخ بدران، وجدت أنه سار على درب الشيخ جمال الدين القاسمي، وتجنب الكثير مما شعر أن شيخه انفرد فيه.\nوهذا التفسير بلغ فيه مؤلفه إلى تفسير الآية (١٨٩) من سورة البقرة ثم انقطع الذي عندنا، ونسأل الله أن نجد ما تبقى منه- إن كان موجودًا-.\nوإنني أنهيت إعداد الموجود للطبع منذ سنوات، منذ سنة ١٣٨١ الموافق لسنة ١٩٦١، وأعلنت عن ذلك في عدد من فهارس المكتب، وأشعته بين أهل العلم في بلدنا وغيرها، بانتظار أن أعثر على باقي الكتاب .. ولكن أخفقت في المساعي التي بذلتها، ولم أجد عند أحد من أهل العلم خبرًا يفيدنا في ذلك.\nولهذا قدمته للطباعة، بما تيسّر لي من جهد وممارسة، أرجو أن يكون مني مقبولًا عند الله، ولمن ساعدني من الأخوة في قسم التصحيح في المكتب الإسلامي ببيروت. وكان ذلك بعد أن شرفني الله بفضله حفظ عدد كبير من مخطوطات المصاحف، والمجموعات العديدة من التفاسير، وتحقيق أو الإشراف أو المشاركة بالطبع على إصدار عدد منها مثل:\n\"زاد المسير\" تفسير الإمام ابن الجوزي، بالتعاون مع الشيخين عبد القادر، وشعيب الأرناؤوط، و\"مختصر تفسير المنار\" للسيد محمد رشيد رضا، و\"قرة العينين على تفسير الجلالين\"، و\"الناسخ والمنسوخ من كتاب الله ﷿\" لهبة الله المقري، و\"قبضة البيان في ناسخ ومنسوخ القرآن\" للشيخ جمال الدين البذوري، مع الشيخ محمد كنعان، و\"التفسير العصري القديم\" للشيخ عبد الفتاح الإمام، و\"البرهان على سلامة القرآن\" للعلامة الشيخ سعدي ياسين، و\"الفلم القرآني\" للأستاذ الجليل عبد الرحمن الباني، و\"لمحات في علوم القرآن\" للدكتور محمد الصباغ، و\"علوم القرآن\" و\"مقدمة في أصول التفسير لابن تيمية\" للدكتور عدنان زرزور، و\"التجويد وعلوم القرآن\" للأستاذ عبد البديع صقر، و\"فوائد قرآنية\" للشيخ عبد الرحمن بن سعدي، و\"تفسير جزء عم\" و\"تبارك\" للأستاذ أحمد مظهر العظمة، و\"إقامة الدليل والبرهان حول تعليم القرآن\" للعلامة محمد بن عبد العزيز المانع، و\"تحفة الأريب بما في القرآن من الغريب\" لأبي حيان الأندلسي للدكتور","vol":"1","page":5},{"text":"سمير المجذوب، و\"الدستور القرآني والسنة النبوية في شؤون الحياة\" و\"اليهود في القرآن\"، و\"القرآن والمبشرون\" للأستاذ محمد عزة دروزة، و\"مفاهيم قرآنية\" للأستاذ فاروق الدسوقي، و\"قصص القرآن\" للأستاذ موفق سليمة، و\"ما دل عليه القرآن\" للآلوسي، و\"الآيات القرآنية والأحاديث النبوية في المال والاقتصاد والتعامل المادي والخلقي\" للدكتور محمود محمد بابللي، و\"آية وحديث\" للدكتور علي شاكر، و\"ابن تيمية وجهوده في التفسير\" للدكتور إبراهيم خليل بركة، و\"الإعجاز التشريعي في القرآن والسنة\" للدكتور علي محيي الدين القره داغي، و\"الإنسان في القرآن الكريم\" للدكتور الشيخ محمد الصباغ، و\" تأملات قرآنية\" للدكتور موسى إبراهيم الإبراهيم، و\"تفسير سفيان بن عيينة\" للدكتور أحمد صالح محايري، و\"تفسير سورة الرعد\" و\"فصلت\" للدكتور محمد صالح علي مصطفى، و\"تنوير المقباس من تفسير ابن عباسً\"، و\"روائع البيان في علوم القرآن\" للدكتور صابر أبو سليمان، و\"الفاصلة في القرآن\" للدكتور الشيخ محمد الحسناوي، و\"المختصر في علم التجويد\" للشيخ عبد القادر قويدر العربيلي، و\"دعاء ختم القرآن\" المنسوب لابن تيمية، وكتاب \"أحكام من القرآن\" للأستاذ عبد الجبار الراوي، و\"القرآن أو الطوفان\" للشيخ محمد علي قطب، و\"القرآن الكريم وبدعية ترجمة ألفاظه ومعانيه وتفسيره\" للشيخ عثمان صافي، و\"مجالس التفسير\" للدكتور محمد علي الضناوي وغير ذلك.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-11>منهج الشيخ بدران مجملًا:</span>\nأوضح أن الخلاف بين الصحابة والتابعين في تفسير القرآن ما كان إلا من خلاف التنوع، وليس من خلاف التضاد في غالبه. في حين أصبح الخلاف فيما بعد في كتب التفسير المتأخرة متناقضًا في كثير من قضاياه.\nالأمر الذي جعله يلتزم في التفسير بالمأثور في كل القضايا التي لا تعرف إلا بالدليل، أو من لغة القرآن ..\nوالأخذ بالرأي في أكثر ما وصل إليه فيما يتعلق بما يفهم من السنن الكونية وتطور الحياة.\nوتعرّض إلى ما دخل التفاسير من آراء الفرق التي أدخلت معتقداتها","vol":"1","page":6},{"text":"بتفصيلات وتوسعات ما أنزل الله بها من سلطان، ولا دليل عليها عندهم، مثل المعتزلة، والمتشيعة، والقرامطة، والصوفية، - فيما بعد-.\nووصل إلى أن يفسر القرآن بالقرآن، متبعًا ما أجمل في مكان، إلى ما فصّل في مكان آخر ..\nثم التفسير بالسنة الشارحة للقرآن، والمبينة له.\nثم بأقوال الصحابة ﵃ أجمعين، وأخيرًا بالرجوع إلى أقوال التابعين وإلى من بعدهم بحذر واضح فيما نقل عنهم.\nوأخيرًا يكاد أن يحرِّم التفسير بالرأي، تبعًا لمن سبقه من علماء السلف الصالح، لما وجد في الآراء من بعد عن روح الشريعة.\nوطبعًا استعان باختلاف القراءات لفهم المعنى، إذا وافقت رسم مصحف سيدنا عثمان بن عفان ﵁. وأحيانًا وإن خالفت ذلك مما يعتبر من قراءات الصحابة الشاذة .. لأنها عنده أوجه للمعنى المراد، ودالة على استقامته.\nوهو في كل ذلك يحاول- ما أمكنه- أن يكون تفسيره، بما وجد في أقوال الأقدمين، موافقًا بينه وبين المعقول المقبول.\nوخصوصًا فيما يختص بعلم التاريخ، وأخبار الأمم الماضية، وما نقل من الإسرائيليات، وعلم الغيب، وما ألحق به من السحر والخزعبلات، وما طال من القصص والأخبار والحكايات فلم يسترسل فيها.\nوالتفسير عند الشيخ بدران كما هو واضح في ثنايا الكلام يعتمد على اللغة أولًا، لأن المقصود في التفسير الإيضاح والكشف والإفهام والتبيين، وهو الدلالة على مراد الله بما ينفع البشر والابتعاد عن التأول.\nوالتأول ينقسم إلى قسمين يشمل كل واحد منهما الكثير من المعاني.\nفالقسم الأول: هو التأويل المنطبق على ما ورد، وهذا لا يكاد يختلف عن التفسير بالمأثور في جوهره.","vol":"1","page":7},{"text":"والقسم الثاني: هو الذي يباين معاني القرآن الكريم، وهو مردود مرفوض، والشيخ بدران نزّه كتابه عنه.\nوالتأويل له شروط كثيرة حتى يقبل، ولكن أكثر الذين فسّروا القرآن بالآراء لم يلتزموها، ونجد الشيخ بدران يحط عليهم في هذا التفسير، وانظر إليه في الصفحة ٨٨ يقول عن الرعد والبرق والصواعق:\n(وأما الرعد والبرق، فليس في هذه الآية إشارة إلى أن منشأهما من أي شيء، غاية الأمر أنهما وقعا في تركيب التشبيه، فكان من اللازم أن نلوي عنان البحث عن الكلام عليهما؛ وعن الصواعق أيضًا، بل كان من اللائق أن لا نفسر شيئًا من ألفاظها، لأن أحدًا يعلم اللغة العربية لا يجهلها؛ غير أن المفسرين استطردوا هنا في ذكر أسبابها بحسب ما لاح لهم، فلزمنا أن نذكر منها شيئًا، وإن كان سيأتي في كتابنا هذا أكثر مما ذكرناه، فنقول:\nتكلم الناس قديمًا وحديثًا على السبب الذي فيه البرق والرعد، والصواعق كلامًا كثيرًا، وأطالوا في الأدلة وأخذ كل متأخر ينقض قول من تقدمه إلى يومنا.\nوسيجيء قوم ينقضون جميع ما ذكره القوم من الأدلة، ويظهر لهم غير ما نحن عليه اليوم، وما ذلك إلا لأن علام الغيوب هو المظهر لما في الكائنات، ولا يمكن لمخلوق أن يطلع على حقيقة الموجودات، وأن يعلمها علمًا يقينيًا لا يقبل النقض بحال من الأحوال، ويعلم ما قلناه مسلمًا به، من يطالع كتب الحكماء، فإنه يرى كثرة اختلافهم في أسباب الأمور المشهودة، واستدراك المتأخر منهم على المتقدم، ونقض أدلته وزعمه أن السبب غير ما ذكره مَنْ سلف، أو أن السبب المذكور غير تام السببية، وغير ذلك مما يدل على أن أقوالهم رجم بالغيب).\nثم يقول في الصفحة ٨٩:\n(وأما البرق، فروى ابن جرير عن علي بن أبي طالب﵁- أنه قال: \"إنه مخاريق الملائكة\").","vol":"1","page":8},{"text":"مع أن التفصيلات التي يوردها بعضهم معتمدين على حديث، أو مشاهد من ظواهر الكون، ليس بالضرورة هو الصحيح فقط.\nوأورد أقوالًا أخرى متباينة وختم ذلك بقوله:\n(وهذا يشبه ما ذكره أهل عصرنا: من أن سببَ البرقِ الكهربائيةُ السارية في السحاب، ونحن بحسب ما عرفناه اليوم، يمكن أن يكون هدا القول صحيحًا، اللهم إلا أن يأتي بعدنا أو في زمننا قوم يكتشفون خلاف هذا، فإن هذه الفنون سائرة إلى الأمام).\nويلاحظ هنا أنه روى ما ثبت عنده من المأثور، ورجع إلى ما شاهده من مخترعات مبنية على المكتشف من العلم، وأخبر أثر ذلك لما يأتي به العلم من مكتشفات .. وقد صدق في ذلك.\n* * *\n\nوفعلًا فإن ما يذكره العلماء- اليوم- ونحن في مطالع القرن الخامس عشر الهجري، وأواخر القرن العشرين الميلادي يناقض تقريبًا كل ما ذكره العلماء مطلع هذا القرن أيام كتابة الشيخ بدران تفسيره.\nوفي الصفحة ١٠٩ وجد ما أحدث الناس في عبادة الأوثان فعرج عليها ببيان مفيد.\nوانتهزت أنا ذلك وعلقت على ما نشاهد في المسلمين وغيرهم من ذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n* * *\n\nوقد توسّع في بعض الأماكن كما فعل في الصفحة ١٩١ في نقض أقوال اليهود.\nولكثرة نقوله من كتب التفسير السابقة، سواء منها المأثور أو التفاسير المؤولة، فإنه قد نقل أمورًا لعلها محل نظر، لو قدر له معاودة الكتابة لحذفها أو غيرها. وقد وضعت عند بعضها أو في الحواشي كلمات تدل على وجهة نظري،","vol":"1","page":9},{"text":"من غير أن أغيِّر كلمة واحدة مما قاله المؤلف، كما هي عادتي ومنهجي. وإن في الحواشي والتعليقات سعة لكل رأي.\nوقد رجعنا إلى المواطن التي نقل عنها من المطبوع من تلك التفاسير، ووجدنا بعض الخلاف في شيء كثير منها. ولعل سببه أنه اختصر ما نقله، أو أنه كان ينقل عن نسخ مخطوطة، أو ذات طبعات غير متقنة.\nويقول في الصفحة ٣٦٦ وفيها تاريخ تفسيره واسم الذي اختاره، ومن ذلك يعلم بأن تفسيره هذا من أواخر ما كتبه ﵀ فقد قال:\n(يقول الفقير عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران:\nإلى هنا انتهى بنا المجال على سبيل الاختصار، في تفسير الجزء الأول من كتاب الله تعالى، مع العجز والتقصير، وكنت ابتدأت به من قبل بسنين تعد بالسبع أو الثمان، فكتبت منه قطعة ثم منعتني عنه موانع، وصرفتني عنه أمور، منها اشتغالي بتهذيب تأريخ الإمام أبي القاسم علي بن عساكر، الذي يربو تهذيبه عن الثلاثة عشر مجلدًا، ومنها بعض مؤلفات اقتضت الضرورة تقديمها، ومنها أشغال تشغل القلب وتعلّه، ليس هنا مواضع ذكرها، ثم لما فرغت من \"تهذيب تاريخ ابن عساكر\"، صرفت العناية نحو إتمامه، حتى وقع الفراغ منه يوم الجمعة الحادي عشر من شهر شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة بعد الألف، أيام كانت نار الحرب مشتعلة في جميع أقطار المعمور (١)، وغلاء ما يحتاجه الإنسان يفوق التصور، والأكدار تصب صبًا، وريح التقلبات يعلو على النكباء، فالله حسبنا ونعم الوكيل، وقد خطر لي أن أسمي الكتاب كله \"جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار\" أسأله تعالى الإعانة على إتمامه بفضله وكرمه).\n* * *\n_________\n(١) يشير الى الحرب العالمية الأولى سنة ١٩١٤ - ١٩١٨ م، والتي هزمت فيها الدولة العثمانية مع ألمانيا وحلت بنا في شرقنا العربي النكبات بعدها.","vol":"1","page":10},{"text":"وعند تفسيره الجوع والخوف من الآية: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾ قال في الصفحة ٤٠٠:\n(ففي الآية سر عجيب، يظهر هذا السر في كل زمان، ولا سيما في زماننا، فإن الأمة الإسلامية لا زالت تتخلف عن الجهاد، وعن إعداد العدة له، فلم تسابق أعداءها في الفنون الحربية، وفي المخترعات التي اخترعوها لهلاكها، حتى كثر غزو الأعداء لها في عقر دارها، فأخذوا ينقصون أرضها من أطرافها، تارة بالحيل والدسائس، وإثارة الفتن، وتفريق الكلمة؛ وتارة بالتهويل والإرهاب، وتارة بالحرب في عقر الديار، حتى أمسى معظم بلاد المسلمين في أيدي الأعداء، والمسلمون معانقون للبله، مخلدون للسكون كالأرقاء، فطمع العدو بهم، ونظر إليهم نظر الاحتقار، وتألب بأجمعه على كيدهم، حتى غزاهم في عقر دارهم في البقية الباقية لهم من البلاد.\nوفي أثناء كتابتي لهذه الأسطر، وقبلها بثلاث سنين (١)، اشتعلت نيران الحرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وما ذلك إلا للقضاء على البقية الباقية من البلاد بأيدي المسلمين، فابتلوا بـ ﴿الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فلم يكن لهم ملجأ إلا الصبر على الجهاد، نسأله تعالى حسن العاقبة).\n* * *\n\nوقد استدل على وجوب الاجتهاد في موضع لا يظن أنه محل ذلك، فقال في الصفحة ٣٨٤:\n(وقد ذكر كثير من المفسرين هنا أحكام استقبال القبلة، وخلاف الأئمة في ذلك، وإيراد الأدلة ونقضها، مما محله كتب الفروع والخلاف؛ وإننا لا نتعرض في كتابنا لهذا، ولكننا نذكر الأحكام المستنبطة من الآيات خاصة.\nوحيث كان الأمر كذلك نقول:\n_________\n(١) كانت كتابة هذه (كما في مكان آخر) في ٢٠ شعبان سنة ١٣٣٥ هـ.","vol":"1","page":11},{"text":"إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يوجب الاستقبال، وقد ثبت عقلًا أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل: أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنيًا على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة، ودلت الآية أيضًا على وجوب تعلم أدلة القبلة).\nوفي الصفحة ٨٤ وعند تفسيره الآية الكريمة:\n(﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾. قال:\nهذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحق مهتدين؛ بل هم ﴿صُمٌّ﴾ عن السماع النافع الموصل إليهما، فلا يسمعون بها لغلبة خذلان الله عليهم، ﴿بُكْمٌ﴾ عن النطق بهما، فلا ينطقون بهما لأن قلوبهم مختوم عليها، فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة؛ والبكم: الخرس، وهو جمع أبكم. ﴿عُمْيٌ﴾ عن أن يبصروهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون.\nوقد سبق لي أثناء الكلام على تفسير هذه الآية في الدرس، أن قلت:\nإن السمع والبصر ينقسمان إلى قسمين:\nالأول: سمع وبصر طبيعيان موجودان من أصل الخلقة والفطرة، وهذان يشئرك فيهما جميع الحيوانات إلا النادر.\nوالثاني: سمع وبصر موهوبان من الله تعالى، وبهما يطلع صاحبهما على أسرار الكون واستجلاء الحقائق، ولهما مَعين، وهو الفكر المستنير بنور من الله تعالى، المستمد من حكمة آثار الكون وعجائبه بواسطة البصر، ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بواسطة السمع.\nفإذا اهتدت النفس الناطقة، بسبب هذه الثلاثة، انطلق اللسان بالحق، وأنبأ عن تفجر ينابيع الحكمة في القلب، وإلا أصبح اللسان أبكم عن النطق بتلك","vol":"1","page":12},{"text":"المواهب، والأعين عميًا عن رؤية الآثار الإلهية في الكون، والآذان صمًّا عن سماع كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء.\nفالمنافقون وإن وُهبوا القسم الأول، فإنهم لم يوهبوا القسم الثاني).\nأقول: ومن هنا نرى نقاشه عقلي منطقي مقنع.\n* * *\n\nوختامًا أرجو الله سبحانه أن يغفر لي وللشيخ بدران وأن يجعل أعمالنا خالصة لوجهه الكريم. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.\nغرة شوال المبارك ١٤١٩\nالموافق لـ ١٨/ ١/ ١٩٩٩\nزهَير الشّاويش","vol":"1","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-18>ترجَمة المؤَلف</span>\nالشَيخ عَبد القَادر بن أحمد بَدرَان الدّومي الدّمَشِقي ﵀\nإن الشيخ عبد القادر من أكبر دعاة السلفية في مطلع القرن الرابع عشر الهجري في بلاد الشام.\nوهو عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم المشهور كأسلافه بـ (ابن بدران) السعدي الدومي (الدوماني) الدمشقي.\nوكان ينسب نفسه إلى (الأثر) فيقول: الأثري، وأحيانًا إلى مذهب الإمام أحمد فيقول: (الحنبلي).\nوالحق في هاتين النسبتين تجاوز قد يغفل عنه بعضهم، وذلك لأن الانتساب إلى (الأثر) بمعنى أنه يتبع للأثر والاقتداء بالرسول - ﷺ - مباشرة، ليقابل به المقلدة أتباع المذاهب.\nوهذا في الحق هو الذي كان عليه أئمة المذاهب، المتبعة أمثال أبي حنيفة، ومالك، والشافعي وأحمد. وداود الظاهري والعشرات وغيرهم. فكلهم اتبع الأثر الذي وصل إليه.\nوغالب من يسمي نفسه بـ (الأثري) لا يكاد يعرف من الأحاديث ما كان عليه الرسول ﵌، إلا بتقليد من سبقه من أهل العلم.\nونسبته إلى (الحنبلي) فهي متأخرة، فقد نشأ متفقهًا على مذهب الإمام الشافعي، رغم وجود المذهب الحنبلي في بلدته، دُوْمًا وبعض القرى وبقايا عوائل في دمشق ..","vol":"1","page":14},{"text":"وعندما انتقل عن مذهب الشافعية، كان قد بلغ درجة الاجتهاد، ويفتي بما وصل إليه علمه.\nوانتسابه إلى دوما لأنها بلدة أهله وأسلافه.\nوالدمشقي لأنه أقام بها أكثر حياته.\nوكانت ولادته ١٢٦٥ هـ.\nوكان﵀- غير مقلد في زمن بلغ فيه التقليد أوجّه، أواخر الدولة العثمانية (الحنفية). والتي كانت منذ تولت بلاد الشام مدة أربعمئة سنة تلزم الناس بتقليد المذهب الحنفي بالترغيب وأحيانًا بالترهيب.\nولكنه خرج عن تقليده مذهب الإمام الشافعي إلى طريقة السلف الصالح في التفكير والدعوة والمعتقد، حاملًا سيف الدفاع عن ذلك، وقد تعرض للأذى من المقلدة، مما أدى إلى خروجه من بلدته دوما إلى دمشق. وكان أحيانًا ينتسب للمذهب الحنبلي على اعتبار أنه مذهب متبع، والقريب من عقائد السلف .. مع أنه لم يكن من أهل الالتزام بهذا المذهب أيضًا. ولكن القول: إنه حنبلي يبعد عنه الكثير من مسائلة الحكومة، أو يتخذ ذلك درأ أمام خصومه من المشايخ .. مع أن بعضهم من حنابلة زمانه، ومنهم بعض مشايخه ومشايخي أيضًا.\nبل وفيه أيضًا تقرب للدولة العربية السعودية، وكانت تربطه بها صلات طيبة، وكان بعض العلماء فيها يحبذون الانتساب والالتزام بمذهب الإمام أحمد ﵀.\nمع اهتمامه بالدليل، والترجيح بين أقوال المذهب الواحد، فضلًا عن المذاهب الأخرى.\nوكان بحق حامل لواء الفقه المقارن في دمشق وضواحيها، مع المشاركة الموسعة في الأدب ومختلف الثقافات السائدة مطلع القرن الرابع عشر الهجري الذي ظهر في آثاره بالمؤلفات والمقالات في الصحف والمجلات، ورسائل الردود التي سادت عصره بينه وبين المخالفين له ولمنهجه. وقد اشترك معه في بعضها أستاذنا العلامة الشيخ محمد بهجة البيطار وجماعة من أهل العلم أمثال المشايخ: كامل القصاب، وتوفيق البزرة، وعبد الفتاح الإمام وغيرهم.","vol":"1","page":15},{"text":"وله في التفسير كتابنا هذا:\n\"جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار\".\nوالذي وصل إلينا منه هذا المطبوع، ويشمل الفاتحة وسورة البقرة حتى الآية ١٨٩، وله﵀- المؤلفات الكثيرة.\nوأختم هذه الترجمة بما ترجم له أستاذنا الشيخ البيطار﵀- من مقدمة كتابنا \"منادمة الأطلال في تاريخ ووصف مساجد ومدارس دمشق\" فقد قال عنه:","vol":"1","page":16},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-21>ترجَمة الشَيخ عَبْد القَادِر بَدرَان رَحِمهُ الله تعَالى المتَوفى سَنَة ١٣٤٦ ه</span>ـ\nكنا أيام الطلب والتحصيل على علَّامة الشام الشيخ محمد جمال الدين القاسمي نقرأ العلوم العربية والدينية والعقلية في فصل الخريف والشتاء في داره، أو في السُّدة الغربية من جامع السنانية، وفي فصلي الربيع والصيف في غرفة عالية من مدرسة عبد الله باشا العظم. وكنا نرى العلَّامة الجليل الشيخ عبد القادر بدران عنده بعض الطلبة يقرؤون عليه، إذ كان مقامه طعامًا ومنامًا وتدريسًا في غرفة كبيرة من المدرسة المذكورة، وكان يقرأ درسًا عامًا في جامع بني أمية، يميل فيه إلى التجديد والفلسفة، وكانت صلته بالسيد القاسمي حسنة، وكان له ولشيخنا القاسمي أمل كبير، وسعي عظيم في تجديد النهضة الدينية العلمية في هذه الديار، فقد أشبها رحمهما الله تعالى أئمة السلف تعليمًا للخواص، وإرشادًا للعوام، وتأليفًا للكتب النافعة، وزهدًا في حطام الدنيا الزائلة، وقد ترك القاسمي أكثر من مئة مصنف، كثير منها جدير بأن يكون لنا منار هدى في سبيل إصلاحنا الديني، ورائد رشاد في سيرنا الاجتماعي.\nولما تمّ إصلاح المدرسة السميساطية، في عهد الحكومة العربية- (وهي خلف الجامع الأموي) وطلبوا لها مناهج الكليات الإسلامية، ونظم دروسها كنظام الأزهر، ومدرسة القضاء الشرعي في مصر، وشعبة الإلهيات في كلية دار الفنون في الأستانة. سر الشيخان القاسمي وبدران، عليهما الرحمة والرضوان، آملين أن تقتفي أثر هذه الكليات في التربية والتعليم، وأن تعنى بتخريج رجال يستطيعون أن ينشروا الدعوة الإسلامية بعقل وعلم،","vol":"1","page":17},{"text":"ويدافعوا عنها بالتي هي أحسن. وتكون حينئذ قد سدَّت فراغًا في بناء الإصلاح الإسلامي، وحفظت شيئًا من مقام دمشق الديني والاجتماعي، ولكن الذين عهد إليهم بها، قد تنازعوا أمرهم بينهم، فمنهم من كان يرى وجوب السعي في جعلها مدرسة نظامية جامعة بين الدروس الدينية والعلوم الكونية على وجه يزيد الطالب في دينه بصيرة ونورًا، ويجعله أهلًا للدعوة إليه بالحكمة والموعظة الحسنة، وتكون تلك الكلية روضة علوم وفنون زاهرة، تخرّج لنا من تلاميذها زهرات ناضرة، تزدان بها معاهد الإفتاء والقضاء، والوعظ والخطابة والتدريس، وتستعيد بهم سيرتها الأولى. ومنهم من كان يرى الاكتفاء ببعض الدروس العربية والشرعية ولا يقيم للعلوم الكونية وزنًا، ولا يرفع بها رأسًا، وهذا خطأ لا يحتمل الصواب، لأن الذي أبرز الصحيفتين الدينية والكونية، وأقام كلا منهما مشيرًا إليه، ودالًّا عليه هو الله جلَّت حكمته، جعل الأولى منهما وحيًا معجزًا، والثانية خلقًا معجزًا. وعلى هذه الطريقة الأولى السلفية الجامعة نشأ الأستاذ بدران وهاكم البيان:\nدرس على جدّه الشيخ مصطفى وعلى مشاهير علماء الشام كالشيخ سليم العطار، والشيخ الطنطاوي، والشيخ علاء الدين عابدين، واتصل بالأمير الكبير عبد القادر الجزائري، وعين مصححًا ومحررًا بمطبعة الولاية وجريدتها، ثم صار مدرسًا، وكتب في صحف دمشق.\nوقد أفصح في طليعة كتابه \"المدخل إلى مذهب الإمام أحمد ابن حنبل\" عن عقيدته السلفية فقال:\nوجعلت عقيدتي كتاب الله، أكِلُ علم صفاته إليه، بلا تجسيم ولا تأويل، ولا تشبيه ولا تعطيل.\nوجعل شغله كتاب الله تدريسًا وتفسيرًا، وسنة نبيه المختار قراءة أيضًا وشرحًا وتحريرًا (قال): ثم إني زججت نفسي في بحار الأصول والفروع والبحث","vol":"1","page":18},{"text":"عن الأدلة حتى لا أكون منقادًا لكل قائد- فوجدت كلا منهم قدَّس الله أسرارهم، وجعل في عليين منازلهم- قد اجتهد في طلب الحق.\nفهذا يدل على إنصافه وإخلاصه ﵀، وعلَّل دخوله في المذهب الحنبلي من بعد أن كان شافعيًا بأن هذا الإمام الأخير أوسعهم معرفة بحديث رسول الله ﵌ كما يعلم ذلك من اطَّلع على مسنده المشهور (حتى كأنه ظهر في القرن الأول لشدة اتباعه للقرآن والسنة) (١) ثم وصف الإمام أحمد ومذهبه، وورعه وتقواه، ومسائله وفتاواه، بما هو جدير به، ونعى على أسراء الوهم والخيالات الفاسدة، الذين يطعنون في أهل الاتباع، لا الابتداع، وينفّرون الناس منهم، وهم يردِّدون بألسنتهم:\nوكل خير في اتباع من سلف ... وكل شر في ابتداع من خلف\nاللهم إياك نعبد وإياك نستعين، فألهمنا رشدنا، واجمع كلمتنا على الحق، وألّف بين قلوبنا، وأيدنا بروح من عندك واهدنا إلى سواء السبيل. وإنك لتجد في مقدمة \"المدخل\" - الذي اشتمل على أصول الفقه وأصول الدين وفن الجدل، وطبع في مصر (٢) وتجد في خاتمته أيضًا نبذة من ترجمة المؤلف وطرفًا من أخباره وآثاره، وذكر طائفة من مؤلفاته. (قال) فيما ترجم به نفسه تحدثًا بالنعمة:\nثم منَّ الله عليَّ فحبَّب إليَّ الاطلاع على كتب التفسير والحديث وشروحها، وأمهات كتب المذاهب الأربعة وعلى مصنفات شيخ الإسلام (ابن تيمية) وتلميذه الحافظ ابن القيم وعلى كتب الحنابلة، فما هو إلا أن فتح الله بصيرتي وهداني للبحث عن الحق من غير تحزب لمذهب دون مذهب، فرأيت أن مذهب الحنابلة\n_________\n(١) بل هذا أظهر في \"مسائله\" ومنها: \"مسائل أبي داود\" التي حققها أستاذنا البيطار والشيخ محمد رشيد رضا رحمهما الله، و\"مسائل ابن هانئ\" و\"مسائل ابنه عبد الله\" وهي من تحقيقي ونشر المكتب الإسلامي.- زهير.\n(٢) طبع في المنار باسم \"روضة الناظر وجنة المناظر\". وعندي أشياء أخرى من تأليفه.","vol":"1","page":19},{"text":"أشد تمسكًا بمنطوق الكتاب العزيز والسنة المطهَّرة ومفهومهما، فكنت حنبليًا من ذلك الوقت.\nقلت: وكان لي شرف ضيافة الأستاذ المترجم ليلة مع صديقه الرَّحالة الجليل الأستاذ الشيخ خليل الخالدي المقدسي، فأخذ الأستاذ بدران يسأله عما رأى من نفائس الكتب الإسلامية الخطية في ديار المغرب لا سيما الأندلس، والأستاذ الخالدي يجيبه من حفظه بلا تلعثم ولا تريث كأنما كان يملي من كتاب، وقد كنت معجبًا بالسؤال والجواب غاية الإعجاب، وأسفت أسفًا شديدًا أني لم أسجل عندي تلك الذخائر والمفاخر الخالدة للعرب والمسلمين.\nوهذه هي أسماء مؤلفات الفقيد المترجم التي نقلناها من آخر كتاب المدخل المطبوع: ألف المؤلفات النافعة التي تشهد له بالفضل وسعة الاطلاع، غير أن بعضها لم يكمل؛ ووجهه فيما يظهر ما أصيب به من داء الفالج في آخر عمره حتى خدرت يمناه عن الكتابة واستعان عليها باليسرى، فمنها كتاب \"جواهر الأفكار ومعادن الأسرار في التفسير\" لم يكمل (١)، وكتاب شرح سُنَن النسائي لم يكمل، وشرح العمدة سماه مورد الأفهام من سلسبيل عمدة الأحكام جزءان، وشرح ثلاثيات مسند الإمام أحمد، وشرح الأربعين حديثًا المنذرية في جزء، وشرح الشهاب القصاعي في الحديث في جزء، وشرح النونية لابن القيِّم في التوحيد، وشرح روضة الأصول لشيخ المذهب موفق الدين في مجلدين، وله كتاب المدخل إلى مذهب الإمام أحمد بن حنبل في الأصلين والجدل وبعض أسماء الكتب المشهورة لمشاهير الأصحاب، وحاشية على شرح المنتهى جزءان بلغ فيها إلى باب السَّلم وحاشية على شرح الزاد، وحاشية على أخصر المختصرات (٢) وتعليق على مختصر الإفادات، وكلا الكتابين للشيخ بدر الدين البلباني، ودرة الغواص في حكم الزكاة بالرَّصاص، وحاشية على رسالة الشيخ\n_________\n(١) وهو هذا المطبوع بفضل الله ومنته.- زهير.\n(٢) طبع في دمشق في حياة المؤلف.","vol":"1","page":20},{"text":"الموفق في ذم الموسوسين، وشرحان على منظومتي الفرائض، وله كتاب طبقات الحنابلة لم يكمل، وكتاب سبيل الرشاد إلى حقيقة الوعظ والإرشاد جزءان، وتهذيب (١) تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر في ثلاثة عشر مجلدًا اعتني فيه بتخريج أحاديثه، وكتاب الآثار الدمشقية والمعاهد العلمية في جزء (٢)، وإيضاح المعالم من شرح الألفية لابن الناظم جزءان، ولخَّص الفرائد السنية في الفوائد النحوية للشيخ أحمد المنيني الدمشقي في رسالة سماها آداب المطالعة، وله شرح الكافي في العروض والقوافي جزء لطيف (٣) والعقود الدرية في الفتوى الكونية في مجلَّد، والعقود المرجانية في جيد الأسئلة القازانية كبرى وصغرى في مجلد، وتلخيص كتاب (الدارس في المدارس) للنعيمي، ورسالتان في أعمال الربعين المجيب والمقنطَر، وديوان خطب منبرية، وديوان شعر اسمه: تسلية الكئيب عن ذكرى الحبيب (٤). يسَّر الله تعالى ما لم يتم منها، وطبع ما لم يطبع ليعمَّ نفعها، بمنه وكرمه.\nوقد قال﵀- فيما يختص عمله في أحد كتبه، مما له علاقة بترجمته ما ينطبق على عمله في التفسير قال:\nوقد نجز بحمد الله تعالى ما ألهمناه من الكلام على هذا الكتاب، وما\n_________\n(١) طبع بعض أجزائه في دمشق، وأشرف على بعضها الأستاذ الفاضل أحمد عبيد.\n(٢) قال الشيخ محمد دهمان: هذا الكتاب هو منادمة الإطلال سماه بذلك قبل وفاته.\n(٣) قرظه جدي لوالدتي وشقيق جدي لوالدي العلامة الشيخ عبد الرزاق البيطار بعبارات جيدة، أثنى فيها على المؤلف الثناء العاطر.\n(٤) وقد اطلعني ولدي الروحي محمد زهير الشاويش، على رسائل لم تذكر منها:\n١ - الصحيح من حديث المعراج.\n٢ - تشنيف الإسماع في بيان تحرير المد والصاع.\n٣ - الكشف عن حال قصة هاروت وماروت.\n٤ - شرح حديث أم هانئ في صلاة الضحى.\n٥ - رسالة في علم البديع لم تكمل.\n٦ - أوراق على شرح ديوان الحماسة.","vol":"1","page":21},{"text":"قاسيناه من التعب في فتح مقفله وحل معضله. ولقد اقتحمت بحره الزاخر وخضت لجته ولا سابق لي جعل لطرقه منارًا، ولا شارح له من قبل يكشف عن خرائده أستارًا. بل كان من الحور المقصورات في الخيام والدرة التي لم تجعل على طرف التمام منذ تأليفه إلى أن شرعت في الكلام عليه واستضأت بنجوم ما لدي من كتب هذا الفن. وبينما أنا كذلك إذ بصرت بمختصر هذا الكتاب للعلامة الفقيه الأصولي سليمان بن عبد القوي الطوفي الصرصري ثم البغدادي وشرحه له، فكنت كثيرًا ما استضئ بنبراس هذا الشرح وأفكر فيه وفي مقاصده، وأشاركه في الكتب التي استمد شرحه منها، فربما وافقته في كثير من العبارات كما وافق غيره فيها، وأكثر النظر في المستصفى للإمام الغزالي لأن جُل ما في الروضة مأخوذ منه، وأراجع كتاب التمهيد للإمام أبي الخطاب وذلك عندما ينقل المصنف عنه.\nوأما بقية كتب الأصول كشرح مختصر التحرير للعلامة الفتوحي، وشروح مختصر ابن الحاجب، وشرح الإسنوي على منهاج البيضاوي، وأصول الحنفية والشافعية، وكتاب الواضح للإمام أبي الوفاء علي بن عقيل البغدادي فقد كانت مراجعتي بها قليلة، لأن الموفق رحمه الله تعالى سلك طريق صاحب المستصفى ولم يسلك طرق هؤلاء، فلذلك لم ترجع مراجعة تلك الكتب بكثير فائدة بالنسبة إلى حل عقد عباراته، وما يذكره من الدليل والتعليل، وأما بالنسبة إلى القواعد فإن تلك الكتب بحر زاخر ومطر مدرار. فرحم الله الجميع منهم.\nثم إني مارست هذا الكتاب منفردًا عن كثرة المواد، والخل الصادق المواد.\nمع ترادف بلايا ومحن وحسد حتى على الوجود في هذا الكون، واندراس العلم وقبض العلماء، وارتفاع راية الجهل والتضليل، وهضم حقوق الحق. فطالما كنت أتوقف في الجملة من كلام الشيخ أيامًا وأستعين بالله تعالى.\nولا يخفى علو مكانة هذا الفن ولطف مداركه وصعوبة معتركه، فإنه فن","vol":"1","page":22},{"text":"أولي الجد والاجتهاد، وخلاصة طرق أقوام هم نجوم الهدى وأئمة الاقتداء، وعلماء المنقول والمعقول، وروضة الناظر وجنة المناظر، ومنتهى السول، والورد المستصفى وتنقيح مسالك المجتهدين من أئمة الدين، ومحصول الحاصل، وعدة المستعد لاستنباط الأحكام من الكتاب السنة، والمقترح الذي يحوم حوله كل مقترح، ونهاية الجدل ولباب القياس.\nوإنني كنت أيام الطلب صحبته منذ البداية ونزهت الطرف في حدائقه الغناء، ونادمته منادمة العاشق لمعشوقه، والتقطت فرائده من أفواه الشيوخ الذي كان الزمن سمح ببقائهم، ولم يكن يومئذ أحد من الطلبة يذكر هذا الفن أو يتكلم به بشفتيه، زاعمين أنه يفتح باب الاجتهاد وذلك الباب قد أوصد منذ قرون متطاولة، حتى كنت أسمع من كثير ممن يدعي العلم يقول: ما ضر الأمة إلا فن الأصول، لأنه يعلم الناظر فيه الأخذ بالدليل. فكنت لا أعبأ بالواشي ولا أميل إلى اللاحي مهما كانت رتبته، فشرعت بقراءة شرح الورقات، وشرح شرحها للعبادي، وحصول المأمول من فن الأصول، ثم بشرح جمع الجوامع للمحلي، مع مطالعة حواشيه وشرحه للعراقي، وبشرح المنهاج للبيضاوي، وبشرح العضد على مختصر ابن الحاجب، وبمطالعة شروحه، وبالتوضيح شرح التنقيح، وحاشيته التلويح، وبشرح المرآة مع مطالعة حواشيها، هذا مع ما كنت أشتغل به من الفنون التي هي مواد هذا الفن، ولا يخفى مكانها ومواد الكتاب والسنة.\nوإني بحمد الله تعالى لم أقرأ على الشيوخ إلا مدة لا تزيد عن خمس سنين مع الإشراف على فنون المعقول، ومنها الهيئة وفن المواقيت، وغير ذلك، ولا أذكر هذا تبجحًا وافتخارًا وإنما أذكره شكرًا لله على ما أنعم وفتح علي به، فله الحمد حمدًا يدوم على الدوام وأساله تعالى أنه كما عودني لطفه وإحسانه الجزيل فيما مضى أن يديم ذلك علي فيما بقي، وأن يعينني على نشر العلم ويجعل بيني وبين القواطع سدًا مسدودًا ويمنع عني مراوغة الأعداء وكيد الحساد، ومكر أعداء العلم وأهله، فإنه لا مال لي ولا بنون، إلا معونته ﷾ ورزقه الذي","vol":"1","page":23},{"text":"تفضل به علي كفافًا. هذا وما كان في هذا الكتاب وغيره مما ألفته من صواب فمن الله تعالى، وما كان من خطأ فمني فإني عاجز مقصر.\nوقد نجزت كتابة هذا الشرح ضحوة يوم الخميس الثامن عشر من ربيع الثاني سنة إحدى وأربعين وثلاثمائة بعد الألف من هجرة الموصوف بالقرآن الكريم سيدنا ونبينا محمد - ﷺ -.\nوأنا الفقير الضعيف العاجز عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بن عبد الرحيم بن محمد بن عبد الرحيم بن محمد المعروف بابن بدران عامله الله تعالى باللطف والعفو والإحسان.\nوحسبنا الله ونعم الوكيل نعم المولى ونعم المصير.\nوصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. والحمد لله رب العالمين.\n* * *\n\nوقد يسر الله لنا هذه الطبعة الأولى للتفسير\nبتاريخ غرة شوال المبارك ١٤١٩ الموافق لـ ١٨/ ١٩٩٩/١\nوالحمد لله رب العالمين\nزهير الشَاويش","vol":"1","page":24},{"text":"مطلع التفسير وقد كتب الآيات بالحبر الأحمر، ويلاحظ أنني قدمت طلب الإذن للطباعة في دمشق في ٢٢/ ٤/ ٦١ وتوقيع مدير المطبوعات الصديق الأستاذ أحمد قدامه ﵀، وقد استدركت آية ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾","vol":"1","page":25},{"text":"القسم الأول من المجلد الأول ويلاحظ أنه اعتمد تسميته \"جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار\" بدلًا مما كان سماه من قبل \"معارج الأفكار الي فهم آيات الفرقان\"","vol":"1","page":26},{"text":"القسم الأخير من التفسير ويلاحظ الاضطراب في خط المؤلف بعد الشلل الذي أصابه ﵀","vol":"1","page":27},{"text":"جَوَاهِرُ الأفكَار وَمَعَادِنُ الأسْرَار المُسْتخرجَة مِنْ كَلَام العَزيز الجَبَّار\nتَفْسِير بَدْرَان","vol":"1","page":29},{"text":"تَفسْير<span data-type=\"title\" id=toc-26> سُوَرة الفَاتِحَة</span>\n﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١) الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٣) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤) إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥) اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ آمين.\n\nلا يخفى على أحد ممن له أدنى إلمام بعلم العربية، أن \"الباء\" من ﴿بسم﴾ حرف جر، متعلقة بمحذوف، وأن<span data-type=\"title\" id=toc-27> الكلام على البسملة </span>امتلأت به بطون المؤلفات، فلا نشتغل بنقله، لكننا نقول: قدر علماء البلاغة هذا المحذوف متأخرًا، وهو مما يعول عليه، ويناسب ما لأجله كان نزول القرآن، لأنه نزل لدحض حجج المخالفين، وإبطال عبادة ما سوى الله تعالى، وكان المشركون يبتدئون في جميع أفعالهم باسم آلهتهم، فيقولون حينما يشرعون في أمر: باسم اللات، وباسم العزى، وكان كل عابدِ شيء مما سوى الله تعالى، يبتدئ باسم إلهه الذي يعبده بزعمه، وكان التقديم منهم لمجرد الاهتمام الناشئ من قصد التبرك والتعظيم.\nولم يكن قصدهم به الاختصاص، لأنهم لم يكونوا ينفون التبرك به تعالي، لأنهم كانوا يقرون به بدليل: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥].\nوأخبر تعالى عنهم بأنهم يقولون عن أصنامهم:\n﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].\nبل كانوا يتبركون به أيضًا، فأرشد ﷾ بالبسملة الموحَّدَة، إلى أنَّه يجب عليه أن يقصد بعبارته قطع شركة الأصنام، بل قطع شركة كل ما سوى الله","vol":"1","page":31},{"text":"تعالى، كيلا يتوهم منه تجويز الابتداء باسم سوى اسم الله تعالى.\nوعلى هذا فيكون في الكلام قصر إفراد، والمقصود من الابتداء، الفعل الذي يبدأ به، فإن المشرك لمَّا كان يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم آلهته، وجب على الموحد أن يبتدئ في أفعاله المخصوصة باسم الله تعالى، ردًا على المشرك، وإظهارًا للتوحيد الذي هو المقصود من بعثة الرسل عليهم الصلاة والسلام، وإنزال الكتب، وليس هذا المعنى مقصودًا على ما تقدم من الرد على المشركين، ولكنَّه عام لغيرهم أيضًا، ممن استند إلى الأسباب.\nوذلك أن الله لمَّا أظهر حكمة التسبيب، وأرى الخلق أن بعض الأشياء مستفادة من أشياء أخر، مرتبة عليها ومتقدمة عليها، حتى صارت كأنها أسبابها، كما يُرَى أن النبات لا يكون إلا بالمطر، وأن البذار مثلًا لا ينبت إلا بالماء، إذا كانت الأرض التي هو فيها مساعدة على إنباته، وقف بعض الناس عند أول سبب فلم ير ما قبله، ومنهم من وقف عند سبب السبب، كالذي يعتقد: أن منشأ الأشياء الكونية من الأثير، وأنه هو السبب الفاعل لما نشاهده، ومنهم من وقف عند أسباب بحسب ما انتهى إليه عقله.\nفلا جرم، طوى الحق تعالى تلك الأسباب، وأظهر بتقديم الجار والمجرور من البسملة، أن كل شيء ظهر في الوجود، إنما كان باسمه ﷾ ... (١) إن أمثال هذه المعاني نلحظها ولا نلقي لها بالًا، وربما يغرب عن خاطرنا المقصود منها، فلا بد لنا من تقريرها بما يقرب من معنى ما تقدم، لترسخ في النفس فنقول:\nإن كثيرًا منا من يقول: عملت هذا العمل باسم فلان، يقصد بذلك التباعد عنه والانسلاخ من عمله، ويقول: بنيت هذه الدار باسم الأمير فلان، أو باسم كذا وكذا، فإذا كان العمل خالصًا لله تعالى، وجب على العامل أن يقول عند الابتداء به: بسم الله، فكأنه يقول: إنما عملي هذا هو بأمر الله، وهو خالص له، وليس\n_________\n(١) هنا عبارة غير واضحة لذلك حذفناها، والكلام لا يتضرر بحذفها، ولعل تتمة العبارة: (لا بسبب سواه) كما ني \"نظم الدرر\" للبقاعي ١/ ٢٥.","vol":"1","page":32},{"text":"لي منه شيء، طارحًا الرياء والافتخار به، لأنني عبد مملوك له تعالى، فلا أعمل شيئًا لنفسي، وهل أنا ونفسي إلا ملك له تعالى، وليست القدرة التي أنشات بها هذا العمل، إلا منه تعالى، ولولا أنه تفضل عليّ بها، لما كنت قادرًا على فعل شيء، ولا على صدوره، ولست أستمد القوَّة إلا منه، ولا أرجو الإحسان إلا منه، فلفظ \"الاسم\" مراد هنا.\nو\"الاسم\" من السمو، لأن التسمية تنويه بالمسمَّى، أي الارتفاع، ورفع الصوت به، ومعناه: رفع المسمَّى عن حضيض الخفاء إلى منصة الظهور، ليتجلى لأعين البصائر، وإعلاء قدره حيث جُعل معتدًا به، ونصب علامة بإزائه أي: بجانبه.\nفالتسمية: وضع اللفظ بإزاء المعنى، ويليق بقول من قال: إن الاسم مأخوذ من السمة، وهي العلامة، أي: ينطبق على هذا المعنى، ولسنا الآن بصدد بيان الاشتقاق.\nولفظ الجلالة مختص بالمعبود بحق، لم يطلق على غيره، قالوا: هو مشتق من \"أَله إلهة\"، بمعنى: عبد عبادة، أو: من \"أَله\" إذا تحير، لأن العقول تتحير في معرفته، أو: من \"ألهت إلى فلان\" إذا سكنت إليه، لأن القلوب تطمئن بذكره، والأرواح تسكن إلى معرفته، وقال بعضهم: هو علم لذاته المخصوصة، لأنه يوصف ولا يوصف به، ولأنه لا بد له من اسم تجري عليه صفاته، ولا يصلح له مما يطلق عليه سواه، وترجيح أحد القولين على الآخر محل مناقشات تكفل بها من كتب على البيضاوي و\"الكشاف\" (١) فلا نطيل بها، لعلمنا أن كل أحد يعلم من لفظ \"الله\" أنه علم على الذات، التي لا يسع العقل إنكار وجودها، المستحقة لجميع المحامد، المتصفة بالأسماء الحسنى والصفات العليا.\nو﴿الرحمن الرحيم﴾ اسمان بنيا للمبالغة، فوزن الأول فعلان: كغضبان وعطشان، وهذا الباب يأتي للصفات العارضة، ألا ترى أن الغضب والعطش صفات تعرض وتزول، ووزن الثاني فعيل: كعليم وجميل وحليم، وهو يدل على المعاني الثابتة؛ ألا ترى أن الحلم صفة ثابتة، وكذا العليم، وهما من جملة\n_________\n(١) أي أصحاب الحواشي عليهما.","vol":"1","page":33},{"text":"الأخلاق والسجايا: فلفظ ﴿الرحمن﴾، لما كان يدل على من تصدر منه آثار الرحمة بالفعل، التي هي إفاضة النعم والإحسان، اختلج في قلب السامع، أن هذا الوزن للصفات العارضة التي ربما لا تدوم، أردفه بقوله: ﴿الرحيم﴾، الدال على الصفات الثابتة، إشارة إلى أنه تعالى مفيض لجميع النعم، سواء كانت عارضة، أو ثابتة، فالوصف الثاني دال على منشأ هذه الرحمة والإحسان، وعلى أن هذه الصفة ثابتة واجبة، فليس الثاني تأكيدًا للأول، بل هو كذكر الدليل بعد المدلول؛ والرحمة معناها في اللغة: العطف والحنو، وليس هذا المعنى مقصودًا هنا، وإنما المقصود غايته، فالرحمة مجاز عن إنعام الله على عباده، لأن الملك إذا عطف على رعيته ورَّق لهم، أصابهم بمعروفه وإنعامه كما أنه إذا أدركته الفظاظة والقسوة، عنف بهم ومنعهم خيره ومعروفه.\nو﴿الحمد﴾ هو القول الدال على كون المحمود مختصًا بفضيلة معينة، وهي فضيلة الإنعام والإحسان، ويقال في حده: هو النعت بالجميل على الجميل، اختياريًا كان، أو مبدأ له على وجه يشعر ذلك، بتوجيهه إلى المنعوت، فالحمد أخص من المدح، وهو أعم منه، لأنه عبارة عن القول الدال على كون الممدوح مختصًا بنوع من أنواع الفضائل، ولأن المدح قد يكون قبل الإحسان، وقد يكون بعده، والحمد لا يكون إلا بعد الإحسان، ويفرَّق بين الشكر والحمد، بأن الحمد يعم ما إذا وصل الإنعام إليك أو إلى غيرك، وأما الشكر فهو مختص بالإنعام الواصل إليك، ومن هنا تعلم وجه اختيار الحمد هنا، لأنه يدل على أن المحمود فاعل مختار، وعلى أن القائل، مقر بأنَّ إلَه العالم، ليس موجبًا بالذات كما يقوله قدماء الفلاسفة، بل هو فاعل مختار، وهذا المعنى لا يدل عليه لفظ المدح، لأنه يكون للفاعل المختار ولغيره، وأما الشكر؛ فكما علمت من أنه مختص بالإنعام الواصل إليك، والحمد ثناء عليه تعالى، بسبب كل إنعام صدر منه ووصل إلى غيره، ولا شك أنّه أفضل، لأن التقدير كان العبد يقول: يا الله أنت مستحق للحمد العظيم، سواء أعطيتني أم لم تعطني، فإنعامك واصل إلى كل العالمين.\nو\"الـ\" في الحمد، يجوز أن يكون للاختصاص اللائق، لأن الحمد لا يليق إلا به تعالى؛ لغاية جلاله؛ وكثرة فضله وإحسانه، وأنْ يكون للملك لأنه تعالى","vol":"1","page":34},{"text":"مالك للكل، فوجب أن يملك منهم كونهم مشتغلين بحمده، وأن تكون للقدرة، والاستيلاء، على حد قولك: \"البلد للسلطان\"، والله ﷾ له القدرة، لأنه واجب لذاته، وما سواه ممكن لذاته، والواجب لذاته مستول على الممكن لذاته، فالحمد بمعنى: أن الحمد لا يليق إلا به، وبمعنى: أنه هو المستولي على الكل، والمستعلي على الكل.\nثم لما أثبت له الحمد، لاستحقاقه لجميع المحامد، لاتصاف ذاته بجميع الكمالات، أشار إلى أنه يستحقه أيضًا من جهة كونه ربًا مالكًا، فقال: ﴿رب العالمين﴾، مشيرًا به إلى ابتداء الخلق تنبيهًا على الاستدلال، بالمصنوع على الصانع، وبالبداءة على الإعادة، فالرب بمعنى: المالك، كما يقال: رب الدار لمالكها، ويكون بمعنى التربية، ويصح إرادة المعنيين هنا؛ فيكون معناه: المالك الذي يسوس من يملكه، ويربيه، ويدبره، والمربي، إما أن يربي شيئًا ليربح عليه بسبب تربيته، وإما أن يربيه ليربح المربي، وتربية جميع الخلق من القسم الأول، فهم يربون غيرهم ليربحوا عليه، إما ثوابًا أو ثناءً، والله تعالى يربي العالمين، ليربحوا عليه لا ليربح عليهم، فهو تعالى يربي، ويحسن، يربي العالمين لا لغرض نفسه، بل لغرضهم، يربيهم ولا تنقص تربيتهم شيئًا من خزائنه، وإذا ألحوا عليه في الطلب أحبهم، يعطي قبل السؤال ولا ينقطع إحسانه.\nو﴿العالمين﴾ جمع عالم، وهو كل موجود سوى الله، سواء كان متحيزًا قابلًا للقسمة، كالجسم، سواء كان علويًا، كالأفلاك والكواكب، وغيرها من العلويات، كالعرش والكرسي. أو سفليًا كالهواء والأرض والماء والنبات والمعادن والحيوانات، على كثرة أقسامها، وتباين أنواعها. أو غير قابل للقسمة، كالجزء الذي لا يتجز، وهو الجوهر الفرد.\nوسواء كان ممكنًا صفة للمتحيزات، كالأعراض من الألوان والطعوم والروائح، أو ممكنًا ليس متحيزًا ولا صفة لمتحيز، كالأرواح، وهي إما سفلية خيرة كصالحي الجن، أو شريرة كالمردة والشياطين، وإما علوية، كالملائكة، ولا يحقق بعض هذا المقام إلا من برع في فن طبقات الأرض، وفي فنون أحوال الجو والفلك والنبات، فإن هذه الفنون يضطر المفسر إليها، وكل من كان أكثر إحاطة بها كان أكثر إحاطة ووقوفًا","vol":"1","page":35},{"text":"على تفسير رب العالمين، وإذا تأملت في أحوال عجائب النبات والمعادن والحيوان، وآثار حكمة الرحمن في خلق الإنسان، قضى صريح عقلك بأن أسباب تربية الله كثيرة، ودلائل رحمته لائحة ظاهرة، وعند ذلك يظهر لك قطرة من معنى الحمد لله رب العالمين، وأن المراد بالعالمين ما سوى الله، ولكنه جُمِعَ جمْع مذكر سالمًا على سبيل التغليب، لأن العرب لا يطلقون هذا اللفظ، إلا على الجمل التي تتمايز أفرادها، ويكون لها صفات تقرّبها من العاقل الذي جعلت له هذا الجمع، وقد نبه تعالى الحامد بقوله: ﴿رب العالمين﴾، على أنه يملك عبادًا غيره.\nولما كانت مرتبة الربوبية، لا تُستجمع الصلاحَ إلَّا بالرحمة، أتبع ذلك بصفتي: الرحمن الرحيم، ترغيبًا في لزوم حمده، وذلك لأنه ربما يختلج في خاطر البعض أن لفظ \"الرب\"، يفهم منه الجبروت والقهر، فأراد تعالى أن يذكرهم برحمته وإحسانه، فذكر هذين الاسمين الشريفين، ليبين له أن ربوبيته تعالى لهم، ربوبية رحمة وإحسان، وليعرفهم أن هذه الصفة، هي التي ربما يرجع إليها معنى الصفات، وما ذلك إلا لتتعلق القلوب به، وتقبل على ما فيه اكتساب مرضاته بانشراح واطمئنان.\nفإن قال قائل: كيف يتأتى الوصف بصفة ﴿الرحمن الرحيم﴾ مع ما شرعه الله من العقوبات في الدنيا، ومع ما أعده لخلقه من العذاب في الآخرة لمن يتعدى حدوده، وينتهك محارمه، أجيب بأن هذا وإن سمي قهرًا ظاهرًا، فإنه في الحقيقة تربية للناس، وزجرٌ لهم عن الوقوع فيما يخرج عن حدود الشريعة الإلهية، وفي الانحراف عنها شقاؤهم وبلاؤهم، وفي الوقوف عندها سعادتهم ونعيمهم، فهو في حقيقته وغايته، رحمة لمن تأمله ببصيرته، فهو تعالى مُرَبٍّ رؤوف، يربي عبده بالترغيب فيما ينفعه، والإحسان إليه إذا قام به، وربما لجأ إلى الترهيب والعقوبة، إذا اقتضت ذلك الحال، وهذا من تمام معنى ﴿الرحمن الرحيم﴾.\nولما كان الرب المنعوت بالرحمة قد لا يكون مالكًا، وكانت الربوبية لا تتم إلا بالملك المفيد للعزة، المقرون بالهيبة، المشعر بالبطش والقهر المنتج لنفوذ الأمر أتبع ذلك بقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ ترهيبًا من سطوة مجده، و\"اليوم\" ما يتم فيه مقدار أمر ظاهر، ومنه خلق السماوات والأرض في ستة أيام، فإن المراد","vol":"1","page":36},{"text":"بالأيام ليس ما يفهم من أن اليوم من طلوع الشمس إلى غروبها، كما نصت عليه التوراة التي بأيدي اليهود اليوم، لأنه قبل خلق السماوات لم تكن شمس ولا نهار ولا ليل، ولكن المراد بها الأطوار التي تقلبت على السماوات والأرض، واليوم الذي يتم به أمر ظاهر، من أنها كانت موجًا مكفوفًا، ثم صار الكل رتقًا، ثم فتق كل منها عن الأخرى، فانفصلت الأرض، ثم بردت بعد أن كانت ملتهبة، ثم تكونت فيها الجبال والوهاد والسهول والأبحر، ثم صارت صالحة لسكنى الحيوان، فانتهاء كل طور من هذه الأطوار يسمى: يومًا، و﴿يوم الدين﴾ هو: مقدار ما يتم به جزاء العباد وحسابهم، و﴿الدين﴾ يطلق على الجزاء والمكافأة، وعلى الطاعة وعلى الإخضاع وعلى السياسة، ومعناها هنا: مالك يوم البعث والجزاء، يوم يخضع الخلق خضوعًا كاملًا لعزته وعظمته، يوم يفرق بين المحسن والمسيء، والمطيع والعاصي، والموافق والمخالف، وذلك لا يظهر إلا يوم الجزاء.\nواعلم أن من سلّط الظالم على المظلوم، ثم لا ينتقم منه، فإن ذلك لا يكون إلا لعجز أو لجهل، أو لرضاء منه بذلك الظلم، وهذه الصفات الثلاث محال على الله تعالى، فوجب أن ينتقم للمظلومين من الظالمين، ولما لم يحصل هذا الانتقام في دار الدنيا، علم أنه لا بد من حصوله في الآخرة، وهذا هو المراد بقوله: ﴿مالك يوم الدين﴾ وخص بالذكر لامتيازه عن غيره من سائر الأيام، لأن الجزاء على الأعمال، وإن كان يقع في الدنيا، لكنه ربما لم يظهر لأربابه إلا للبعض دون الآخر، وأما يوم الجزاء فإنه يظهر ظهورًا تامًا لعموم الخلق، فمن ثم سمي ذلك اليوم يوم الجزاء دون غيره، والأولى أن يجعل الجزاء عامًا لما في الدنيا والآخرة، بمعنى أنه تعالى مالك ليوم الجزاء المطلق، فلا جزاء في الدنيا ولا في الآخرة، إلا وهو مالك له، إن شاء صرفه عن المجازى، وإن شاء أوصله إليه.\nوهذه الأوصاف التي أجريت على الله (١) تعالى من كونه ربًا مالكًا للعالمين، لا يخرج منهم شيء من ملكوته وربوبيته، ومن كونه منعمًا بالنعم كلها، الظاهرة\n_________\n(١) كذا الأصل، ولو قلنا: \"التي وصف بها الله\" لعله يكون أولى.","vol":"1","page":37},{"text":"والباطنة، والجلائل والدقائق، ومن كونه مالكًا للأمر كله في العاقبة يوم الثواب والعقاب، بعد الدلالة على اختصاص الحمد به، وأنه به حقيق في قوله: ﴿الحمد لله﴾، دليل على أن من كانت هذه صفاته، لم يكن أحد أحق منه بالحمد والثناء عليه بما هو أهله.\nولما استجمع الأمر استحقاقًا بالحمد، وتحبيبًا بصفة الرحمة، والترغيب بها، وترهيبًا بمالكيته يوم الدين، قال عادلًا عن أسلوب الغيبة إلى الخطاب، مقدمًا للوسيلة على طلب الحاجة، لأنه أجدر بالإجابة: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾ وذلك أنه لما ذكر الحقيق بالحمد، وأجرى عليه تلك الصفات العظام، تعلق العلم بمعلوم عظيم الشأن، حقيق بالثناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمات، فخوطب ذلك المعلوم المتميز بتلك الصفات، فقيل: إياك يا من هذه صفاته، نخص بالعبادة والاستعانة، لا نعبد غيرك، ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدل على أن العبادة له، لذلك التميز الذي لا تحق العبادة إلا به، فهذه نكتة أرباب المعاني، وأشار إليها في \"الكشاف\".\nوللعدول عن الغيبة إلى الخطاب، نكتة تدق عن فهم أرباب المعاني، وهي: أنه أتى بالكاف إشارة إلى مقام الإحسان الذي أشار إليه النبي - ﷺ - بقوله، لما سئل عن الإحسان: \"أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم [تكن] تراه فإنه يراك\" رواه البخاري عن أبي هريرة، ومسلم عن عمر بن الخطاب، ومعناه: أن يعبد المؤمن ربه في الدنيا على وجه الحضور والمراقبة، كأنه يراه بقلبه، وينظر إليه في حال عبادته، فإذا تحقق هذا المقام صح له أن يخاطبه بخطاب الحضور، فيقول: ﴿إياك نعبد واياك نستعين﴾، ويكون جزاؤه وراء ذلك، النظر إلى وجه الله تعالى عيانًا في الآخرة.\nوأما الذين اتخذوا دونه حجب الوسائط، ورأوا سواه حين العبادة، وتمسكوا بأناس بجعلونهم أربابًا من دون الله، فيقولون: إن فلانًا يتصرف في ربع المعمور، وفلانًا يتصرف في بلدة، وفلانًا أُعطي قوة التصرف حيًا وميتًا، إلى غير ذلك من أحوالهم، فإن الران (١) يتراكم على قلوبهم حتى يحجبهم عن\n_________\n(١) الزان والرين سواء: هو الطَّبَعُ والدّنس، كالصَّدَاء يغشى القلب.","vol":"1","page":38},{"text":"معرفة الله، ومراقبته في الدنيا، وأنى تصح المعرفة والمراقبة لمن يعتقد التصرف في الكون لغير الله تعالى؟ أم كيف يحصل التجلي، لمن يعتقد أن ثَمَّةَ ضارًا ونافعًا، ورازقًا ومتصفًا بصفات الكمال غير الله تعالى؟ أم كيف يتجاسر بالكذب على الله تعالى فيقول: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ من جعل من دونه أولياء اغتصب صفات الله فجعلها لهم، إن هؤلاء قد خاطبهم تعالى بقوله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤].\nإن العبد إذا عبد الله كأنه يراه ولا يرى سواه، بأن استحضر قربه، وأنه بين يديه، أوجب ذلك له الخشية والخوف، والهيبة والتعظيم، والنصح في العبادة، وبذل الجهد في تحسينها، وإتمامها، وإكمالها، فإذا لم يتيسر للمؤمن هذا المقام، فليجعل نفسه في المقام الذي هو أدنى منه، وهو ما أشار إليه - ﷺ - بقوله: \"فإن لم تكن تراه فإنه يراك\"، وذلك أن الأمور في عالم الحس ثلاثة: معاصي، وطاعات، ومباحات المعايش، والسالك إذا علم أن الله يراه في جميع حالاته، فإذا همَّ بمعصية وتذكر رؤية الله له كف ورجع عنها بحصول البرهان الإحساني عنده، وذلك هو البرهان الذي رآه يوسف ﵇، وإذا كان في طاعة، وقام عنده البرهان بأن الله يراه، انجذب سره إلى الخضوع والخشوع، وإخلاص العمل. اللهم إلا أن يكون زنديقًا جاحدًا للربوبية جحدًا حقيقيًا كالزنادقة والدهريين. أو يكون من أرباب الوسائط الذين لا يعرفون الله، إلا معرفة تقليدية مشوبة بإقامة ما لا يحصى من الأرباب.\nوإذا كان في مباحات المعايش استحيا أن يعطيها جهده، ثم هو ينسى ما أوجبه عليه خالقه ﵎، ألا ترى أن العبد إذا فكر في مواطن الآخرة، من موت، وقبر، وحشر وغير ذلك، وعلم أنه معروض على الله تعالى في ذلك ومواطنه، تهيأ لذلك العرض بزينة أهل الآخرة ما استطاع، وإذا علم أن سره موضع نظر الله وجب عليه تصفيته لمولاه، وإصلاحه وتصفيته مما يكره الله أن يراه، وينظر إليه في قلوب أوليائه، فيزيل الصفات المهلكات ويطهره منها، ويتصف بالمحمودات حتى يجعل سره كالمرآة المجلوة.","vol":"1","page":39},{"text":"وأين هذه الدقائق ممن تركوا هذه الأذواق واستعانوا بغير الله، وشبهوه بخلقه فقالوا: إنا نرى السلاطين والأمراء لا نصل إلى خيرهم وبرهم إلا بواسطة الشفعاء، فكذلك الله لا يوصل إلى خلقه إلا بواسطة من ندعوهم. وهذا القياس فاسد، لأن من ذكروا من السلاطين والأمراء لا يسمعون نداء الداعين، ولا يعرفون المحق من المبطل، ولا المحتاج من غيره، إلا بواسطة مبلغ لهم، والله بخلاف ذلك فإنه يسمع السرّ وأخفى، و﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾ [غافر: ١٩] ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤]، فأتوا بسلطان هذه صفته، ولم تجعلوا له واسطة؛ وأتوا بميت يسمع نداءكم أينما كنتم، ثم هو يقدر على إنقاذكم مما ألم بكم من حزن وسقم، فيا لندمكم يوم تبلى السرائر، ويا لخجلتكم يوم العرض على رب العالمين، مالك يوم الدين، ويا لكذبكم حينما تقفون بين يديه، ثم تقولون: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.\nما أبعدكم عن مقام المشاهدة حيث يعمل العبد على مقتضى مشاهدته لله تعالى بقلبه، وهو أن يتنور القلب بالإيمان وتنفذ البصيرة بالعرفان، حتى يصير الغيب كالعيان، ويصح قول الصادق ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بكاف الخطاب، ولم يحم حول قلبه حلول ولا اتحاد، فالعبادة نوع من الخضوع بلغ نهايته، فوصل العابد به إلى مقام الإحسان، فاستشعر قلبه عظمة للمعبود لا يعرف منشأها، واعتقد أن فوق قدرته سلطة لا يدرك ماهيتها وكنيتها، ولا يعرف منها إلا أنها محيطة به وهي فوق إدراكه.\nوالعبادة شرعت في كل الشرائع السماوية لتذكر بهذا الشعور، الذي هو منشأ التعظيم والخضوع المُؤثر في تقويم أخلاق القائم بها، وتهذيب نفسه، فكل عبادة خالية من هذا المعنى ليست بعبادة.\nولما كان هذا المعنى لا يتهيأ للعبد إلا بمعونته تعالى، ناسب أن يطلب ذلك من حضرة مولاه فيقول: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، مقرًا بالعجز واستشعار الافتقار والاعتصام بحوله وقوته، وتقديم المفعول للتعظيم والاهتمام به، والدلالة على الحصر، وأطلقت الاستعانة فلم تتقيد بالمفعول الثاني، كأن يقال: وإياك نستعين على كذا، لتتناول كل مستعان فيه، لأن العبد عاجز عن الاستقلال بجلب","vol":"1","page":40},{"text":"مصالحه، ودفع مضاره، ولا معين له على مصالح دينه ودنياه إلا الله، فمن أعانه الله فهو المعان، ومن خذله فهو المخذول، ومن ترك الاستعانة بالله واستعان بغيره، وكله الله إلى من استعان به، فصار مخذولًا.\nوالاستعانة طلب المعونة التي هي سد العجز، والمساعدة على إتمام العمل الذي يعجز عنه المستعين بنفسه، ولذلك كان أهل الإيمان الكامل لا يطلبون ذلك إلا من القادر عليه كما أرشدهم الله إلى ذلك في كتابه المنزل على نبيه، ولكن أهل المقت أبوا أن يسمعوا لله تعالى، ومالوا إلى قوم من الموتى حسًا ومعنى، كالذين في قبورهم، أو معنى فقط كالأحياء الذين لا يقدرون على دفع الضر عن أنفسهم، فجعلوهم حجبًا ووسائط بينهم وبين الله تعالى، فاستعانوا بهم، وطلبوا منهم المساعدة على إتمام أعمال هم عاجزون عن إتمامها، فوكلهم الله إلى من يدعونه، وأبعدهم عن جناب القرب إليه.\nنعم إنه قال: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٢]، ولكنه ليس من جنس ما يفعله هؤلاء، لأن معنى هذه الآية أن نقوم بالأعمال جهدنا، ونبذل في إتقانها جهد المستطاع، جملة وفرادى، ويساعد بعضنا بعضًا، ثم نفوض الأمر فيما وراء كسبنا إلى حضرة القادر على كل شيء، ونلجأ إليه وحده ونطلب منه المعونة المتممة للعمل، والموصلة لثمرته. إذ لا يقدر علي الأسباب الممنوحة لكل البشر على السواء إلا هو تعالى، وأما الميت فأي معونة له للحي، وأيّ تصرف له مع الله تعالى، وأي معونة موصلة لثمرة الأعمال من حي سوى الله تعالى، فالعارف يحقق هذا المقام، ويعلم أن هذه الجملة ترشدنا إلى أن نعمل الأعمال النافعة، ونجتهد في إتقانها قدر وسعنا، لأن طلب المعونة لا يكون إلا على عمل قد بذل فيه المرء غاية جهده، فلم يوفّه حقه، أو يخاف من أن لا يحصل له النجاح به، فيطلب المعونة على إتمامه وإكماله، وهذا عدا عما أفاده الحصر من تخصيص الاستعانة به تعالى كما تقدم.\nوأيضًا فيه تحرير العبد من رق الشيوخ الدجالين، والرؤساء الروحيين، الذين يزخرفون الأقوال، ويتقلبون في أنواع الخداع ليجعلوا البسطاء أرقَّاء لهم، فكأنه","vol":"1","page":41},{"text":"تعالى يقول: إن المؤمن من لم تتوجه رغباته إلا إلى خالقه، فهو مع جناب الحق عبد خاضع، ومع الناس حر خالص.\nولما ابتدأ ﷾ في هذه السورة بأسماء الذات، ثم دل عليها بأسماء الأفعال، ثم رقي إلى الصفات، ثم رجع إلى الذات إيماءً إلى أنه الأول والآخر، ثم ندب إلى اعتقاد العجز والاستشعار بالافتقار، والاعتصام بحوله وقوته اقتضى ذلك توجيه الرغبات إليه بالسؤال، فقال: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾ قال علّامة خوارزم في \"الكشاف\": معنى طلب الهداية وهم مهتدون، طلب زيادة الهدى بمنح الألطاف، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ [محمد: ١٧] ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: ٦٩] وعن علي وأُبيّ ﵄: (ثبتنا) (١)، وصيغة الأمر والدعاء واحدة، لأن كل واحد منهما طلب، وإنما يتفاوتان في الرتبة، انتهى.\nوكلامه كلام مدقق، أخذ بمعصم البَلاغة، فانقادت إليه لكنّها لم تكشف له الحجاب عن جميل محيّاها، وإن شئت التمتع بنظرة من ذلك الجمال الباهر، فقل: إن آخر كل سورة له مناسبة وتعلق بأول السورة التي بعدها، وآخر سورة الناس التي هي آخر القرآن في الترتيب، له مناسبة بسورة الفاتحة التي هي أوله.\nولما طلب الله تعالى من عبده في سورة الناس الاستعاذة من شر الوسواس الذي يوسوس في صدور الناس، ثم عمم ذلك الموسوس، فقال: ﴿مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ وقف العبد وقفة المنتبه، وعلم أن له أعداء من الجن والناس، لا يريدون منه أن يكون منفصلًا عنهم تاركًا لسبيلهم، فإذا رأوه على الصراط المستقيم، احتالوا كل لحظة في رجوعه عنه، وجدّوا في جذبه إلى طريق المغضوب عليهم والضالين، فهو ملعبة للأهواء، وللنفس الأمارة بالسوء، وأراد الخلاص من هذا الأمر الملم به، فلم يجد مرشدًا حقيقيًا إلا مَنْ أمره\n_________\n(١) أي تفسير اهدنا (ثبتنا).","vol":"1","page":42},{"text":"بالاستعاذة به، والالتجاء إليه، فسأله عن كيفية التخلص قائلًا: يا من أفاض الإحسان على سائر الموجودات، إليك ألتجئ في عبادتي للتخلص ممن يريد صرفي عنها، وبك أستعين عليه. فأجاب تعالى طلبه، وقال له: قل في أكثر أحيانك: ﴿اهدنا الصراط المستقيم﴾.\nفكأنه يقول: إني كلما سلكت طريقًا من شأنه أن يوصلنا إلى رضاك، فوسوس لي الوسواس الخناس في العدول عنه، وزين لي غيره، فإنى ألتجئ إليك لتهديني إلى صراطك المستقيم، وحينئذ لا حاجة إلى أن يقال: إن من خصَّ الحمد بالله تعالى، وأجرى عليه الصفات المشتملة على أحوال المبدأ والمعاد وما بينهما، وحصر العبادة والاستعانة فيه كان مهتديًا، فكيف يطلب الهداية، والهدى مرجع الضال إلى ما ضل عنه.\nو﴿الصراط﴾: الطريق الخطر السلوك لتشعبه، وكثرة الصادّين عنه، ولذا وصفه بـ ﴿المستقيم﴾، أي المستوي، وهو طريق الحق، قال تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الشورى]، وهذا تفسير للمستقيم، وقال لنبيه المصطفى - ﷺ -: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأنعام: ١٥٣].\nولما كان السائر على صراط الله ﷾ لابد وأن يتحمل المشاق العظيمة، وتتسلط عليه أعداء الحق بنسبة النقائص إليه زورًا وبهتانًا، كما جرى ذلك للأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كما يعلمه من اطلع على تاريخ حياتهم، وعلى سيرة النبي - ﷺ -، وكما جرى للصحابة والعلماء الذين صدعوا بالحق، وكان من جملة الهداية إلى الطريق المستقيم إرشاد الخلق إلى الحق، وكان فيه من المشاق ما يعلمه من اطلع على سيرتهم لا جرم وصف الله تعالى الصراط المستقيم بقوله: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ ليتأسى طالب الهداية بهم، إذا حصل له من أعدائه الضرر والرمي بالزور والبهتان، فيقول إذا أصيب بشيء: لي أسوة بالذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، فيذهب عنه ما يجده من الوحشة والقلق، ويصبح نشيطًا منشرح الصدر، غير متوان عن قصده.","vol":"1","page":43},{"text":"ثم إن بعض الحكماء جعل الهداية أربعة أقسام:\nأولها: هداية الوجدان والإلهام الفطري، وهذه تكون للأطفال فإنهم عندما يولدون، يهديهم الله إلى الشعور بألم الحاجة إلى الغذاء، فيصرخ طالبًا الثدي بفطرته، فإذا وصل إليه امتصه والتقمه.\nوالثانية: هداية الحواس والمشاعر، هما من متممات الهداية الأولى في الحياة الحيوانية، وهذه يشترك فيها الإنسان والحيوان الأعجم، إلا أنها تكون للحيوانات العجم كاملة بالنسبة لاستعداده بزمن قليل، وتكون للإنسان بالتدريج في زمن غير قصير، وما ذلك إلا لأنه مستعد للوصول إلى الكمالات فلا يقف عند حد، فلذلك تزداد فيه كلما ازداد عقلًا وإدراكًا، إلا أن عقله أكثر نموًا منها، ولذلك كثيرًا ما يغلط الحس.\nوالثالثة: هداية العقل، وهي للإنسان، لأنه ما خلق ليعيش منفردًا، بل خلق ليعيش مجتمعًا، ولم يعط من الإلهام والوجدان ما يكفي مع الحس الظاهر لهذه الحياة الاجتماعية، كما أُعطي النحل والنمل، فكان كل واحد مؤديًا وظيفة العمل للجميع، ووظيفة العمل للواحد، كما هو مشاهد، فمن ثم أعطى الله الإنسان هداية هي أعلى من هداية الحس والإلهام، ألا وهي العقل المصحح لغلط الحواس والمشاعر، فإذا أدركت الحواس شيئًا وأخطات في إدراكها له، قام العقل حاكمًا بفساد ذلك الإدراك.\nوالرابعة: هداية الدين، وهي المهيمنة على الكل، لأن العقل قد يغلط أيضًا، وربما يهوي في دركات الزلل، لتسلط القوة الشهوانية عليه، وحكم العادة عليه أيضًا، فإذا وقعت المشاعر في مزالق الزلل، وصار العقل رفيقًا للحظوظ استنبط لها أنواع الحيل، واسترسل في ذلك استرسالًا يمنع الإنسان من أن يعيش سعيدًا، لأن هذه الحظوظ والأهواء ليس لها حدّ تقف عنده، ولا يمكن صاحبها أن يعيش منفردًا، فتستطيل يده بالتعدي على مال غيره وعلى نفسه، فتحصل المدافعة والمجادلة، والمواثبة، والحروب، والسلب والنهب، حتى يكاد الجنس","vol":"1","page":44},{"text":"البشري يفني بعضه بعضًا، ولا تغني عنهم هدايات الوجدان والحواس شيئًا، فاحتاجوا إلى هداية ترشدهم في ظلمات أهوائهم إذا غلبت على عقولهم، وتبين لهم حدود أعمالهم ليقفوا عندها، ويكفوا أيديهم عما وراءها. ثم إن مما أُودع في غرائز الإنسان، الشعور بسلطة غيبية متسلطة على الأكوان، ينسب إليها كل ما لا يعرف له سببًا، لأنها هي الواهبة كل موجود ما به قوام وجوده، وبأن له حياة وراء هذه الحياة المحدودة، فهل يستطيع أن يصل بتلك الهدايات الثلاث إلى تحديد ما يجب عليه لصاحب تلك السلطة الذي خلقه وسواه، ووهبه هذه الهدايات وغيرها، وما فيه سعادته من تلك الحياة الثانية؟ كلا إنه في أشد الحاجة إلى هذه الهداية الرابعة التي هي الدين؛ وقد منحه الله تعالى إياها.\nوبقي بعد هذا هداية خامسة، وهي الإعانة والتوفيق، والسير في طريق مع الهداية الرابعة التي هي الدلالة، وهي بمنزلة إيقاف الإِنسان على رأس الطريقين: المهلك والمنجي، مع بيان ما يؤدي كل منهما إليه.\nولما كان العبد محتاجًا إلى تلك المعونة في كل وقت، احتاج أن يطلبها دائمًا من حضرة مفيضها، قائلًا: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ وتقدم أن المقصود من الصراط الأول، صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والشهداء، والصديقين، وهذا الصراط وإن كان معناه مجملًا في الفاتحة، فهو مفسر في القرآن لمن تدبر معناه، بأن نتتبع تاريخ الأمم السابقة وننظر في أحوالها، فنعلم أسباب سعادتها فنتمسك بها، ونعلم أسباب شقاوتها، ودمارها، وفنائها، فنتباعد عنها لئلا يصيبنا ما أصابهم، وإلى هذا المعنى الإشارة بأن النبي - ﷺ - لما مر على ديار قوم ثمود أسرع وقال: \"لا تمروا على هؤلاء القوم إلا وأنتم باكون\" فليس الأمر بالبكاء للحزن عليهم، ولكن مخافة أن نسلك مسالكهم فيصيبنا ما أصابهم.\nوحذف المنعَمَ به لحكمة بينها بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، والنحل: ١٨].\nوإذا نظرنا إلى تفصيل هذا المجمل في أوائل سورة \"البقرة\"، تبين لنا أن الذين أنعم الله عليهم، هم: المتقون الموصوفون بالصفات المعلومة، وأن ﴿المغضوب","vol":"1","page":45},{"text":"عليهم﴾ هم المشار إليهم بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ (١) الآيتين، وأن ﴿الضالين﴾ هم المشار إليهم بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ (٢) الآيات؛ وذلك لأنهم ضلوا الطريق، فلا يعرفون كيف يسيرون، والمغضوب عليهم ساروا على الطريق المعوج، وهم ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨ و١٧١]، لم تنفعهم هداية الحواس شيئًا، ولم يريدوا هداية الدين، فخرجوا عن الحق مع العلم به، ورفضوا اتباعه ولم يتقبلوه انصرافًا عن الدليل، وساروا بسير الأسلاف وإن كانوا على غير هدى، فعمهم الله بآثار غضبه التي هي العقوبة والانتقام.\nوأما الضالون فكانوا مع هؤلاء، ومع هؤلاء، أي: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣].\nوفي الآية إشارة إلى أن طريق المنعم عليهم واحد، منذ أرسل الله الرسل، إلى يوم القيامة كما قال تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٩٠]: وأن طريق غيرهم متشعب متعدد كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ [الأنعام: ١٥٣] وقيل: ﴿المغضوب عليهم﴾، هم: الذين ظهرت منهم المراغمة، وتعمد المخالفة الموجب للغضب من الأعلى، والبغض من الأدنى، و﴿الضالين﴾: الذين وُجّهوا وجهة هدى، فراغوا عنها من غير تعمد لذلك.\nوقول: \"آمين\" مأخوذة من الأمين، مدلولها أن المدعوّ مأمون منه أن يرد من دعاه، لأنه لا يعجزه شيء ولا يمنعه، وهي لا تصلح إلا لله، لأن ما دونه لا ينفك عن عجز أو منع.\n_________\n(١) سورة البقرة وتمامها: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.\n(٢) سورة البقرة وتمامها: ﴿وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨) يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩) فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣) وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤) اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.","vol":"1","page":46},{"text":"تَفسير<span data-type=\"title\" id=toc-44> سُوَرة البقَرَة</span>\nروى المفسرون عن ابن عباس ﵄، أن هذه السورة نزلت بالمدينة، وهي أول ما نزل بها، ولا ينافي هذا ما قيل من أن قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ (١) الآية نزلت بمكة، لأننا نقول على تسليم هذا القيل: نعم، إنها نزلت بمكة، ولكن في حجة الوداع، وكان النبي - ﷺ - مقيمًا بالمدينة، غاية الأمر أنها نزلت في إحدى أسفاره؛ ومئل ذلك لا تحصل به المنافاة، وحصولها إنما يكون لو قيل: إنها نزلت بمكة قبل الهجرة، ومما يؤكد أنها مدنية اشتمالها على أوصاف المنافقين، وهم لم يظهروا إلا في المدينة، وبيان هؤلاء يظهر مما يأتي:\nوهو أن النبي - ﷺ -، لما أتى المدينة صار الكفار معه ثلاثة أقسام:\nقسم صالحهم ووادعهم على أن لا يحاربوه، ولا يظاهروا عليه، ولا يوالوا عليه عدوه، وهم على كفرهم آمنون على دمائهم، وأموالهم.\nوقسم حاربوه، ونصبوا له العداوة.\nوقسم تاركوه، فلم يصالحوه، ولم يحاربوه، بل انتظروا ما يؤول إليه أمره وأمر أعدائه، ئم من هؤلاء من كان يحب ظهوره وانتصاره في الباطن، ومنهم من كان يحب ظهور عدوه عليه، وانتصاره، ومنهم من دخل معه في الظاهر وهو مع عدوه في الباطن، ليأمن الفريقين، وهؤلاء هم المنافقون الذين ذكر الله أوصافهم في أوائل هذه السورة، وهذا من جملة الأدلة على أن هذه السورة مدنية.\n﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ٢٨١ وتمامها: ﴿ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾.","vol":"1","page":47},{"text":"ذهب المتكلمون في التفسير في كلامهم على ﴿آلم﴾ وأمثالها من فواتح السور مذهبين:\nأَوَّلهما وأَوْلاهما: أن هذا علم مستور، وسر محجوب، استأثر الله تعالى بعلمه، فلا حظَّ للبشر من الوصول إلى حقيقته، إلّا أن يقولوا: الله أعلم بمراده بذلك، وإلى هذا أشار أبو بكر الصديق ﵁ بقوله:\n\"لله في كل كتاب سر، وسره في القرآن أوائل السور\"، ونُقِل قريب من هذا عن علي كرم الله وجهه.\nوأنت إذا رأيت ما بقي من التوراة والإنجيل، مما يغلب على الظن أنه غير مبدل وجدت فيهما رموزًا، منها ما أشير به إلى ما سيأتي بعد نزولهما، كالإعلام بنبوة النبي - ﷺ -، ومنها ما استغلق معناه على أفهام أهله، فلا التفات لاعتراض بعض ما يدعي أتباعهما على القرآن، لأنهم إن قالوا ذلك قابلناهم بالمثل، أو نجيبهم بما قاله أهل المذهب الثاني، وهذا القول مروي عن أكابر الصحابة والتابعين.\nوقد قال ابن عباس ﵁: \"إن الحروف المذكورة في فواتح السور، عجزت العلماء عن إدراكها\"، ويمكن أن يكون المروي عنه خلافَ هذا - من قوله: \"الألف آلآء الله، واللام لطفه، والميم ملكه\" - شيءٌ ابتدعه بعض القصاصين الكذابين ونسبه إليه، لأن ابن عباس لم يفسر القرآن في صحيفة، وإنما نقله عنه جماعة ممن كانوا ملازمين له، منهم الثقات كمجاهد وأضرابه؛ ومنهم غير الثقات كما أوضحناه في المقدمة (١).\nفإن قال قائل: إن هذا المذهب يبطله العقل والنقل، لأنه لا يجوز أن يرد في كتاب الله ما لا يكون مفهومًا للخلق، فمن النقل قوله تعالي: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ [محمد: ٢٤] وقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ [الشعراء: ١٩٣ - ١٩٥]، والمحتج بذلك هم المتكلمون، قالوا: أمرهم في\n_________\n(١) كانت العبارة في الأصل مضطربة، وفيها مسح وإضافة ... ولم نجد (تكملة الحاشية في المتن).","vol":"1","page":48},{"text":"الآية الأولى أن يتدبروا القرآن، ولو كان غير مفهوم لما أمرهم بتدبره، لأنه حينئذ تكليف بما لا يطاق؛ والآية الثانية تنفي كون القرآن غير مفهوم، لأنه لو كان كذلك لبطل كون الرسول منذرًا به، وإذا كان بلسان عربي مبين وجب أن يكون مفهومًا؛ ومما استدلَّ به المتكلمون من الأدلة العقلية قولهم: لو ورد شيءٌ في القرآن لا سبيل إلى العلم به، لكانت المخاطبة به تجري مجرى مخاطبة العربي باللغة الزنجية؛ ولما لم يجز ذلك فكذا هذا، وأيضًا إنما المقصود من الكلام إفهام المخاطب، فلو لم يكن الكلام مفهومًا لكانت المخاطبة عبثًا وسفهًا، وذلك لا يليق بالحكيم، وأيضًا فإن التحدي وقع بالقرآن وما لا يكون معلومًا لا يجوز وقوع التحدي به.\nقلنا في الجواب: لا ينكر أحد أن الأفعال التي كلفنا الله بها قسمان:\nأحدهما: ما عرفنا وجه الحكمة فيها على الجملة، كالصلاة التي هي تواضع محض، وتضرع للخالق؛ والزكاة التي هي سعي في دفع حاجة الفقير؛ والصوم الذي هو سعي في كسر الشهوة، وتذكر الجوع والعطش، ليتعلم الغني ما يقاسيه الفقير منهما.\nوثانيهما: ما لا نعرف وجه الحكمة فيه، كأفعال الحج، فإن عقولنا لا تعرف وجه الحكمة في رمي الجمرات؛ والسعي بين الصفا والمروة؛ والطواف حول الكعبة؛ والوقوف على عرفات؛ وتقبيل الحجر الأسود.\nفإذا كان هذا في الأفعال، وكان المقصود من أولاهما: أن فاعلهما لا يدل على انقياده بفعله، لاحتمال أنّه السنة، أتى بما أتى به لمعرفته وجه المصلحة فيه، ومثل هذا لا يكون دليلًا على الإخلاص بالعبودية، وكان المقصود من ثانيهما: دلالة الفاعل على كمال انقياده، ونهاية تسليمه، لأنه لما لم يعرف فيه وجه مصلحة ألبتة، لم يكن إتيانه به إلا لمحض الانقياد والتسليم، فلِمَ لا يجوز أن يأتي مثل ذلك في الأقوال، وهو أن يأمرنا الله تارة أن نتكلم بما نقف على معناه، وتارة بما لا نقف على معناه، ويكون المقصود من ذلك ظهور الانقياد والتسليم من المأمور للآمر؟\nوفيه فائدة أخرى، وهي أن الإنسان إذا وقف على المعنى وأحاط به، سقط وقعه عن القلب، واذا لم يقف على المقصود مع قطعه بأن المتكلم بذلك أحكم","vol":"1","page":49},{"text":"الحاكمين، بقي قلبه ملتفتًا إليه أبدًا، ومتفكرًا فيه أبدًا، وباب التكليف هو إشغال السر بذكر الله، والتفكر في كلامه، فلا يبعد أن يعلم الله، أن في بقاء العبد ملتفت الذهن، مشتغل الخاطر بذلك أبدًا، مصلحة عظيمة له، فيتعبده بذلك تحصيلًا لهذه المصلحة.\nوثاني المذهبين: أن المراد بهذه الفواتح معلوم، ثم إنك تجد في تعيينهم لذلك المعلوم اختلافًا كثيرًا، وأقرب ما قالوه إلى القبول قولان:\nأحدهما: أنها أسماء للسور، وهو قول النحاة، وقد أفرد لها سيبويه في كتابه بابًا في حد ما لا ينصرف، ولكن هؤلاء لم يقصدوا إلا البحث عن الإعراب، ولم يلتفتوا إلى جانب المعنى، ويرجع هذا القول القهقرى عند اعتراضك عليه، إذا وجدنا السور الكثيرة اتفقت في آلم وحم، فالاشتباه حاصل فيها، والمقصود من اسم العلم إزالة الاشتباه، وأيضًا لو كانت هذه الألفاظ أسماءً للسور، لوجب أن يعلم ذلك بالتواتر، لأن هذه الأسماء ليست على قوانين أسماء العرب، والأمور العجيبة تتوفر الدواعي على نقلها، لا سيما فيما لا يتعلق بإخفائه رغبة أو رهبة، ولو توفرت الدواعي على نقلها لصار ذلك معلومًا بالتواتر، وارتفع الخلاف فيه، فلما لم يكن الأمر كذلك، علمنا أنها ليست من أسماء السور، وأيضًا لو كانت أسماء لهذه السور، لوجب اشتهار هذه السور بها، لا بسائر الأسماء، لكنها إنما اشتهرت بسائر الأسماء، كقولهم سورة البقرة، وسورة آل عمران.\nوثانيهما: ما ذكره المبرد، وجمع عظيم من المحققين: أن الله تعالى إنما ذكرها احتجاجًا على الكفار، وذلك أن الرسول لما تحداهم أن يأتوا بمثل هذا القرآن، أو بعشر سور، أو بسورة واحدة، فعجزوا عنه، أنزلت هذه الحروف تنبيهًا على أن القرآن ليس إلا من هذه الحروف، وأنتم قادرون عليها وعارفون بقوانين الفصاحة، فكان يجب أن تأتوا بمثل هذا القرآن، فلما عجزتم عنه دل ذلك على أنه من عند الله لا من البشر.\nوقوله: ﴿ذلك الكتاب﴾ ينحى في اسم الإشارة هنا طريقان:\nأولها: ما تقدمت الإشارة إليه في سورة الفاتحة، وبيانه أنهم لما قالوا في الفاتحة: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ إلى آخرها، صاروا كأنهم في حيرة وشوق","vol":"1","page":50},{"text":"إلى بيانه وإيضاحه، وتوجهت رغبات السالكين في ذلك إليه تعالى، فبين لهم تعالى في أوائل السورة التي تليها، أن الهدى المسؤول عنه هو ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، ثم وصفه بأوصافه اللائقة به وبأنه ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، ثم ندد بالمرتابين، وبأنه ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، فكأنه قال: ذلك الصراط المستقيم الذي تطلبونه، هو هذا الكتاب.\nوثانيهما: أن اسم الإشارة، راجع إلى ما نزل من القرآن، قبل نزول هذه السورة، وقد يسمَّى بعض القرآن قرآنًا مجازًا، قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ [الأعراف: ٢٠٤] وقال تعالى حاكيًا عن الجن: ﴿إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١)﴾ [الجن: ١] وهم لم يسمعوا إلا بعضه، والأقرب في إعراب هذه الجملة، أن يجعل ﴿ذا﴾ مبتدأ خبره ﴿الْكِتَابُ﴾، أي: ذلك الكتاب المنزل هو الكتاب الكامل، أو \"الكتاب\" صفته، والخبر ما بعده.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-48>حقيقة الريبة: </span>قلق النفس واضطرابها، ومنه حديث الحسن بن علي مرفوعًا: \"دع ما يريبك إلى ما لا يُريبك\" (١)، ثم أطلق الريب على الشك لأنه يقلق النفس، ويزيل الطمأنينة، والمعنى: أن العاقل إذا تأمل براهينه السّاطعة، وآياته الواضحة، لا يبقى عنده ريب في أنه من عند الله تعالى، وأنه بالغ حد الإعجاز، وليس الأمر ههنا على سبيل الفرض، بل هو على سبيل القطع واليقين، فإن العرب مع بلوغهم النهاية في الفصاحة، عجزوا عن معارضة أقصر سورة من القرآن، وذلك يشهد بأنه بلغت هذه الحجة في الظهور، إلى حيث لا يجوز للعاقل أن يرتاب فيه، فالمقصود نفي الريب عنه في حد ذاته، لا نفي أن أحدًا لا يرتاب فيه، وهذا كقولك: إن العسل لا ريب في أنه حلو، فهو في حد ذاته حلو بلا ريب، ولكن قد يأتي صاحب فم مريض فيجده مرًّا، فتكون الآفة من الفم لا من العسل.\nثم إن قراءة نصب ريب التي هي المشهورة، توجب ارتفاع الريب بالكلية، لأن هذا التركيب يدل على نفي الماهية، ونفي الماهية يقتضي نفي كل فرد من أفرادها، لأنه لو ثبت فرد من أفراد الماهية لثبتت الماهية، وذلك يناقض نفي الماهية، والدليل\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" للألباني، ترتيب زهير الشاويش. رقم (٣٣٨٨).","vol":"1","page":51},{"text":"على أن المقصود نفي الريب في حد ذاته، لا على أن المقصود نفي أن أحدًا لا يرتاب فيه، ما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ﴾ (١) الآية، فإنه ما أبعد بها الريب عنهم، بل عرفهم الطريق الذي إذا سلكوه انزاح عنهم الريب، وهو أن يجتهدوا في معارضة أقصر سورة منه، ويبذلوا فيها غاية جهدهم، حتى إذا عجزوا عن المعارضة، تحقق لهم أن ليس ثم مجال للشبهة، ولا مدخل للريبة.\nوالوقف الصحيح على ﴿فيه﴾، فهي خبر لا النافية للجنس، و﴿هدى﴾ خبر لمبتدأ محذوف تقديره هو هدى، أي: أن الكتاب نفسه هدى، كما وصفه تعالى بذلك في مواضع من أنه نور وهدى، على طريقة التشبيه البليغ، ووضع المصدر الذي هو ﴿هدى﴾ موضع الوصف الذي هو هادٍ، وأتى به منكرًا، إشارة إلى أنه هديً عظيم لا يُكتنه كنهه، ولا تحيط العبارة به، والهدى هو: الدلالة مطلقًا سواء أوصلت إلى المطلوب أم لم تصل إليه، قال تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: ١٧]، ومعناه: دللناهم على طريق النجاة، فلم يتبعوه.\nوالتقوى: الخشية، وقد فسر الله المتقين بأوصافهم التي وصفهم بها في هذه الآية، فلا حاجة لذكر أوصاف لهم غيرها، لأنه ليس بعد بيان الله بيان.\nوبهذه الآية أيضًا يفرق بين أولياء الرحمن، وأولياء الشيطان، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ [يونس: ٦٢] ثم بيَّن مجمل وصفهم بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾ [يونس: ٦٣] وأجمل وصفهم أيضًا مع الحصر، بقوله: ﴿إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٣٤] ومن المعلوم أن النفي إذا جاء بعده الاستثناء أفاد الحصر، فيكون المعنى: ليس أولياؤه إلا المتقين، ثم بيّن ذلك المجمل هنا بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣] فدل أنه لا يكون العبد وليًا حتى يتصف بهذه الصفات، فإن حاد عنها، كان من أولياء الشيطان لا من أولياء الرحمن.\nوجازف بعض المدعين للولاية في زمننا، فقال: هذا وصف للولاية العامة، وفقها ولاية أعلى خاصة. فقلنا له: إن أردت التفاوت في درجات الإيمان\n_________\n(١) سورة البقرة: ٢٣ وتمام الآية ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.","vol":"1","page":52},{"text":"بالغيب، وبما بعده، وبعبارة أخصر، إن أردت التفاوت في درجات التقوى، فهذا صحيح، لأن التقوى لها درجات بعضها أعلى من بعض، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾ [آل عمران: ١٠٢] وإن أردت غير ذلك من أنواع الزندقة، ككون الولي هو من يتصرف في الكون كيف شاء، وأنه أعلى مقامًا من الأنبياء والرسل، وأنه يشارك الله في أفعاله المنفرد بها، فقد خالفت صريح الكتاب العزيز، وافتريت على الله وعلى رسله وأنبيائه، وأتيت بصفة لا يوجد أحد في الكون متصف بها، فأنكرت الولاية من حيث هي، لأن وجود شخص بأوصاف مستحيلة مستحيل، وسجلت على نفسك بالكذب لأنك تدعي الولاية، ولم تتصف بشروطها التي وصفت، وكذلك ادعيت الولاية لبعض من تعتقدها فيهم عندك، ثم إنك نفيتها عنهم بشروطك التي اشترطتها، فما أشد انسلاخك عن العلم، وغرقك في بحر الجهل، فارتد مبهوتًا.\nوفي قوله: ﴿هدى للمتقين﴾ إشارة إلى أنهم المهتدون به، والمنتفعون بنصبه، وإن كانت دلالته عامة لكل ناظر فيه من أفراد البشر، كما قال تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ (١)، فالناظرون فيه، منهم من يكون على قلبه غطاء التعامي المورث عن الآباء والأجداد، أو يكون منطمس البصيرة، لا يفقه الحق ولا يمكنه أن يرجع إليه، فهؤلاء لا يهتدون به، وإن كان هو في الحقيقة هدىً، ومنهم من منّ الله عليه بصقال العقل، فاستعمله في تدبر الآيات، والدلائل، والنظر في المعجزات، وتعرف النبوات، فجعل هذا الكتاب إمامًا له، وهاديًا في كل طريق يريد سلوكه، وكلما أشكل عليه أمر في سيره رجع إليه، فاقتبس من أنواره، فكان له كالغذاء الصالح لحفظ الصحة.\nفالدواء المذكور، كما أنه يحفظ صحة الجسم، كذلك الهداية والعرفان المستفادان من القرآن، كل منهما صالح لحفظ صحة الروح، وكما أن الدواء المذكور لا يجلب نفعًا إلا إذا كانت الصحة حاصلة، كذلك هدى القرآن، لا ينفع إلا إذا كانت العقول سليمة، وأما العقول المريضة، فإن دواء الصحة لا ينفعها، وإلى هذا السر أشار تعالى بقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ\n_________\n(١) سورة البقرة: الآية ١٨٥، وسورة آل عمران: الآية ٤، وسورة الأنعام: الآية ٩١.","vol":"1","page":53},{"text":"وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: ٨٢].\nولما كان المراد بالمتقين هم الذين جبلوا على التقوى من أصل الخلقة، وأنهم هم الذين يهتدون به ولا يرتابون بيّن أوصافهم، بقوله:\n﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.\nأي يصدقون بالأمر الغائب الذي لا ينفع في الإيمان غيره، وهو قسمان:\nقسم لا دليل عليه، وهو المعني بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ [الأنعام: ٥٩] وقسم نصب عليه دليل، كالصانع وصفاته، واليوم الآخر وأحواله، فيصدقون بكلا القسمين مما لا يدركه الحس، ولا تقتضيه بديهة العقل، لأن الله ورسوله أخبرا بذلك، تصديقًا حقيقيًا ليس كتصديق المنافقين الذين يقولون بأفواههم ما ليس بقلوبهم. وقوله:\n﴿ويقيمون الصلاة﴾ يديمون فعلها من غير خلل في أركانها وشروطها، وهذا كقولهم فلان قيم بأرزاق الجند، ولا يوصف بذلك إلا إذا أعطى الحقوق من غير بخس، وفيه إشارة إلى أن الحقيق بالمدح، من راعى حدودها الظاهرة من الفرائض والسنن، وحقوقها الباطنة من الخشوع والإقبال على الله تعالى، لا المصلون الذين هم عن صلاتهم ساهون، ولذلك ذكر في سياق المدح: ﴿وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ﴾ [النساء: ١٦٢]، وفي معرض الذم: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ [الماعون: ٤، ٥].\nولما ذكر وصلة الخلق بالخالق، وكانت النفقة مع أنها أعظم دعائم الدين صلة بين الخلائق، أَتبَعَها بها تنبيهًا بـ ﴿مِن﴾ التي للتبعيض، على النهي عن الإسراف، وعلى طيب النفقة، لأن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وآمرًا بالورع وزاجرًا عما فيه شبهة فقال:\n﴿ومما رزقناهم ينفقون﴾ أي: ومما مكناهم من الانتفاع به على عظمة","vol":"1","page":54},{"text":"خزائننا، وهو لنا دونهم، ينفقون في مرضاتنا، مما هو لازم لهم، من الزكاة، والحج، والجهاد، والنفقات الواجبة، ومما يتطوعون به من الصدقات وغيرها؛ والمراد من هذه الأفعال، إيجاد حقائقها على الدوام، لأن المضارع، وهو قوله: ﴿ينفقون﴾ هنا، قد لا يلاحظ به زمان معين، من حال أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، قاله: \"أبو حيان\" في تفسيره في سورة الحج. وعمم بعض المفسرين في قوله: ﴿ومما رزقناهم﴾ فجعله شاملًا لجميع النعم الظاهرة، كالمال، والباطنة كالعلم، والجاه وحسن الأخلاق، فقال: ومما خصصناهم به من أنواع المعرفة، يفيضون على غيرهم. وهو معنى حسن وتعميم لطيف.\nولما وصفهم بإيمان جملة، أشار إلى بعض تفصيله على وجه يدخل فيه أهل الكتاب دخولًا أوليًا فقال:\n﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾.\nالإيمان إذا عدي بالباء كان معناه التصديق، وهنا يراد به التصديق مع المعرفة، لأنه خرج مخرج المدح، والمصدق مع الشك، ولا يؤمَنُ أن يكون كاذبًا، فهو إلى الذم أقرب، والآية متصلة بما قبلها اتصال الصفات بعضها ببعض، والصفات إذا تكررت جاز توسط العاطف بينها، قال الشاعر:\nإلى الملك القَرْمِ وابنِ الهمام ... وليثِ الكتيبة في المزدَحَمْ (١)\nفعطف الصفات بالواو، والمعنى: أن المتقين هم الجامعون بين تلك الصفات، وعلى هذا، فهذه الآية بيان للإجمال الواقع في قوله تعالى: ﴿يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾، لأن الايمان بالكتب المنزلة، يندرج تحت الإيمان بالغيب، وأيضًا فإن الإيمان بما أُنزل إلى النبي - ﷺ -، وبما أنزل من قبله، مشترك بين المؤمنين قاطبة، فلا وجه لقول بعض المفسرين: أراد بالذين يؤمنون مؤمني أهل الكتاب، كعبد الله بن سلام وأصحابه، ومما يُبْعِدُ، أَنَّا لا نعلم أن هذه الآية\n_________\n(١) هو في \"تفسير الكشاف\" ١/ ١٠٢.","vol":"1","page":55},{"text":"نزلت قبل إيمان ابن سلَّام، أو بعده، لأن غاية ما نعلمه أن نزول الآية، وإسلام ابن سلام، كل منهما مدني، ولكن لا نعلم السابق منهما حتى يصح لنا ذلك القول، على أن ألفاظ القرآن في مثل هذا تحمل على العموم.\nوالمعنى: أن هؤلاء هم الجامعون بين الإيمان بما يدركه العقل جملة، والإتيان بما يصدقه من العبادات البدنية والمالية؛ وبين الإيمان بما لا طريق إليه غير السمع.\nوالضمير في ﴿إليك﴾ للنبي - ﷺ -، وعنى به القرآن بأسره، والشريعة عن آخرها، وعبر عنه بلفظ الماضي، وإن كان بعضه يومئذ مترقبًا نزوله، تغليبًا للموجود على ما لم يوجد، فجعله كله كأنه قد نزل وانتهى نزوله، لتحقق وقوعه، وأراد بـ ﴿ما أنزل من قبلك﴾، التوراة والإنجيل، وغيرهما من الكتب السالفة، فإن الاعتقاد بأنها منزلة من عند الله تعالى فرض عين، والإيمان بها إجمالًا كذلك، وأما الإيمان بما أُنزل على النبي - ﷺ -، فإنه يفترض علينا الإيمان به تفصيلًا لا إجمالًا، وفي هذه الآية الإشارة إلى معنى لطيف، وهو الإشارة إلى أن اليهود، لم يؤمنوا بنزول التوراة من عِند الله، نزولًا حقيقيًا، لأن أكثرهم يقول: إن الله ألهم البشر الذين هم أنبياء بني إسرائيل، بما تكلموا به، وجعلهم واسطة لإنفاذ مقاصده، من غير أن يجردهم من صفاتهم الذاتية، ومن غير أن يخرجوا عن النفوذ الإلهي، وأنهم لم يزالوا حين ذلك الإلهام، في حالة حسنة من الشعور والوجدان، فجمعت أقوالهم من بعدهم في أسفار.\nوبهذا الاعتبار قيل: إن الله أوحى بهذه الأسفار، وقال بعضهم: إن للوحي بالتوراة ثلاثة طرق.\nأولها: بتبليغ الأنبياء لأفكار الله بصفة نواب عنه نيابة مطلقة.\nالثاني: بالتخاطب المتبادل بين الله والإنسان.\nالثالث: بأن ينطق الكاتب بما عنده مهما رأى ذلك بالروح الإلهي.\nوأما النصارى فإنهم يقولون: إن كلمة \"إنجيل\" مأخوذة عن اللغة اليونانية، ومعناها: بشارة مفرحة، ويدعون أن طريقة وصول هذه البشارة للبشر ما استنتجوه من اعتقادهم، من أن الله الآب، وكلمته الأزلية، وروح القدس، هم ثلاثة في واحد، وواحد في ثلاثة، ذات واحدة في ثلاثة أقانيم، وهذا الإله ليس منفصلًا عن","vol":"1","page":56},{"text":"كائناته، بل إنه أعلن ذاته للبشر بطرق مختلفة، بواسطة كلمته التي كون بها العالم، ثم إن تلك الكلمة عندهم صارت جسدًا، وحلت في العالم، وذلك الجسد هو ابنه الذي جعله وارثًا لكل شيء، قالوا: وهذه هي كلمته المنزلة، وهي ليست كتابًا أو غيره من الجماد، بل كيان حي، ذو وجدان وحياة تجسد وتأنس، وحل بينهم مدة قصيرة، ثم إن أفعاله وأقواله دونت في الأناجيل، التي هي بين أيدي النصارى اليوم، وهذا الاعتبار لما كان المسيح كلمة الله على زعمهم، كانت جميع أقواله وأفعاله موحى بها، حتى نفس أقواله غير المنطوق بها، فليس الإنجيل على رأيهم كتاب منزل من الله تعالى، وإنما هو نفس كلام عيسى، ونفس حكاية أحواله، فهو منزل عندهم منزلة الأحاديث، فينكرون أن يكون الإنجيل، أو أي كتاب آخر، نزل على عيسى، لأنه هو نفسه كان الكلمة، فلم تكن الكلمة عنده، وهو كان نفسه إعلان الله، فكيف يصح القول بأن كتابًا ما، أو غيره من وسائط الإعلان، أُنزل عليه؟\nوخلاصة القول عندهم، أن هذه الكلمة لم تنقطع بعد صعوده إلى السماء، بل هي باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس وإلهامه، فأعمال بولس وبطرس ويعقوب ويوحنا، وغيرهم، وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح.\nهذا ما علمناه من رأي الفريقين مما هم عليه الآن، ولكن ويا للأسف إن هذه الكلمة نزلت إلى الأرض، فتسلط عليها أناس ضعاف فصلبوها بزعمهم، ولم تقدر على خلاص نفسها، واستجارت فلم تجد مجيرًا، بل بقيت تحت قهر قوم، لو عادَوا مثل عنترة لأبادهم عن آخرهم، فوا رحمتاه كيف رأى الآب ابنه مصلوبًا وهو ساكت لا يتحرك، وقلبه يتفطر على ولده، حيث لم يكن له حيلة في خلاصه، فما أفظع هذه المقولة، وما أجمد ذهن معتقدها (١).\nوأنت علمت مما تقدم أن أهل الكتابين، لم يعتقدوا نزولهما من عند الله\n_________\n(١) إن مثل هذا القول يتبرأ منه النصارى في زماننا هذا، لأنهم يقولون: إنّ الأب أنزل ابنه - أحد الأقانيم الثلاثة - إلى الأرض ليكون فداءً للناس، ولو أراد منعه من الصلب لاستطاع، ولكن الفداء عندهم أمر أساسي رئيسي وعلى كل حال فإن هذه الأمور لا تخص المسلم في شيء.","vol":"1","page":57},{"text":"نزولًا حقيقيًا، فلذلك اشترط الله علينا في كتابه،: أن نؤمن بأن الله تعالى أنزل على الأنبياء كتبًا فيها شرائعه وأحكامه، وأن ذلك التنزيل صحيح، وأنه أنزل هذا الكتاب على محمد - ﷺ -، نزولًا حقيقيًا، والمؤمن من صدق بجميع ما فيه، تصديقًا تفصيليًا، لأنه هو الذي يجب علينا العمل بما أمر به، والتباعد عما نهى عنه فيه.\nولما كان الإيمان بالبعث من الدين بمكان عظيم، بينه بالتقديم، إظهارًا لمزيد الاهتمام، فقال: ﴿وبالآخرة﴾ التي هي دار الجزاء، ومحل التجلي وكشف الغطاء، ونتيجة الأمر، ﴿هم يوقنون﴾، أي: يعلمون ذلك علمًا صافيًا من شوائب الشك والشبهة، مقترنًا بالاستدلال.\nولما كان الإيقان لا يكون إلا بعد الشك، لم يوصف به الباري تعالى، وكذلك لم توصف به العلوم الضرورية، وفي الآية تعريض بكل من لم يؤمن بالمعاد، الذي وصفه تعالى بقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ [الأنبياء: ١٠٤]، وإشارة إلى أن كل من لم يوقن به لا يكون مؤمنًا.\nولما أخبر تعالى عن أفعال المتقين الظاهرة، من أنهم هم الذين يقيمون الصلاة، ويحافظون على خشوعها، ومعانيها، فيتحلون لأجلها بكل خير، ويتخلون عن كل شر، حتى تصير صلاتهم تنهاهم عن الفحشاء والمنكر، وينفقون أموالهم ابتغاء مرضاة الله، والأعمال الباطنة من الإيمان بالغيب وبما أنزل على الأنبياء، وباليوم الآخر، وبما يكون فيه من ثواب وعقاب وحساب، أخبر بثمرة تلك الأعمال فقال:\n﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥)﴾.\nأي: أن الموصوفين بتلك الصفات، يستحقون الوصف بأنهم متمكنون من الهدى، ومستقرون عليه، ومستمسكون به، فشبهت حالهم بحال من اعتلى على الشيء وتمكن منه، تمكنًا جعله في قبضته، فهم متمكنون من هدى عظيم، مُنحوه وأُعطوه من ربهم الذي هو خالقهم، ومثله لا يحصل إلا باستفراغ الفكر، وإدامة النظر في حجج القرآن وبراهينه، والمواظبة على محاسبة النفس في العمل، وأتى بـ ﴿هدى﴾ منكرًا، ليفيد نوعًا مبهمًا لا يقدر قدره، قال \"عون بن عبد الله\": \"الهدى","vol":"1","page":58},{"text":"من الله كثير، ولا يبصره إلا بصير، ولا يعمل به إلا يسير، ألا ترى أن نجوم السماء يبصرها البصراء، ولا يهتدي بها إلا العلماء؟ \".\nولما لم يكن الهدى دالًا على الفلاح بدلالة الالتزام، عطف عليه قوله: ﴿وأولئك هم المفلحون﴾، أي: أن أصحاب تلك الرتبة هم أهل الظفر بالمطلوب، كأنهم هم الذين انفتحت لهم وجوه الظفر، ولم تستغلق عليهم، وفي تكرير ﴿أولئك﴾، إشارة إلى أنه كما يثبت لهم الأثرة، وهي التقدم بالهدى، فهي ثابتة لهم بالفلاح، فجعلت كل واحدة من الأثرتين في تميزهم بها عن غيرهم، بالمثابة التي لو انفردت كفت مميزة على حياتها، وأنت خبير بأن أرباب تلك المرتبة، الموصوفين بالصفات المتقدمة اتصافًا كاملًا، هم المخصوصون بالفلاح، ولا يختص بذلك، إلا أولو النباهة والذكاء، الذين ينفون عن كتاب الله انتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين، وتحريف الضالين، وهؤلاء لا يخلو منهم زمان، ولا يضرهم من خالفهم حتى يأتي أمر الله، كما أخبرت بذلك الأحاديث الصحيحة، وأتباعهم هم المفلحون أيضًا، لأن السائر بسير المفلح مفلح، وهؤلاء هم الأبدال.\nوقد روى ابن ماجه عن أبي عنبة الخولاني- بالنون بعد العين-، وكان قد صلى إلى القبلتين مع رسول الله - ﷺ -، أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"لا يزال الله يغرس في هذا الدين غرسًا يستعملهم في طاعته\" (١) ومعناه: لا يزال الله يوجد في أهل هذا الدين ولدًا ينبته إنباتًا كما قال: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا (١٧)﴾ [نوح: ١٧]، وهذا الولد يستعمل أهل الدين في طاعته، أي: في طاعة الدين، والدّين إنما هو الإيمان بالغيب، وفعل ما عطف عليه في هذه الآية، وحكى \"ابن مفلح\" في كتابه \"الآداب الشرعية الكبرى\" عن الإمام أحمد رحمه الله تعالى، أنه قال في شرح \"لا يزال الله يغرس\" إلى آخره، هم: أصحاب الحديث. ونص أحمد على أن لله أبدالًا في الأرض، وقال أيضًا عنهم: إن لم يكونوا، يعني: الأبدال، هؤلاء\n_________\n(١) هو في \"صحيح سنن ابن ماجه - باختصار السند\" رقم (٨) للألباني- إشراف زهير الشاويش. طبع مكتب التربية العربي لدول الخليج بالرياض.","vol":"1","page":59},{"text":"الناس، يعني: أصحاب الحديث، فلا أدري مَنْ من الناس. انتهى.\nوأنت إذا نصرت الحق، علمت أن هؤلاء الأبدال حقيقة، لا كما يقوله المبطلون، من أن الأبدال هم الذين يتصرفون في الكون أحياء وأمواتًا، وأن لهم رئيسًا يقال له: القطب، وأنهم يجتمعون كل سنة في غار حراء أو غيره، فيكون القطب في الصدر، وقدامه الأوتاد، ووراءه الأبدال والنجباء، وتأتي الأموات لذلك الديوان، ثم إن القطب يتلقى الأمر مباشرة عن الله تعالى، ثم يلقيه إلى الأوتاد، فتلقيه الأوتاد إلى الأبدال، ثم يصدعون بما أمروا به، فهم يديرون رحى الكون، ويبصرون ما كان وما سيكون، ويرون كل شيء في مشارق الأرض ومغاربها، حتى إنهم يعلمون بزعمهم ما تخفي الصدور، وما تضمره الأنفس، وليت شعري، أي عاقل يتجاسر على أن يجعل القطب، أعلى مقامًا من النبي - ﷺ -، ثم لا يكتفي بذلك، حتى يجعل أولئك القوم الذين لا وجود لهم متصفين بهذه الصفات، إلا في مخيلة هذا المبطل، شركاء لله تعالى في الألوهية.\nثم هو يعترض على النصارى بالتثليث، فكأن لسان حاله يقول: لا يجوز أن يكون الله ثالث ثلاثة فقط، بل هو على زعمه ثاني اثنين، وخامس أربعة الذين هم الأوتاد، والواحد بعد الأربعين الذين هم الأبدال، والواحد بعد الستين والثلاثمئة الذين هم الأنجاب، تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا، وأيضًا فقد أخبر القرآن أن سيدنا محمدًا رسول الله - ﷺ - هو خاتم النبيين، وأن الوحي انقطع من بعده، وهؤلاء يقولون: إن القطب يوحى إليه مباشرة، ومشافهة عن الله تعالى، وأنه ثاني اثنين لواجب الوجود، وأن قومه شركاء مع الله تعالى، فاليهود والنصارى أسعد حالًا من هؤلاء، فأي فرق بين قولهم هذا وبين قول اليهود: إن كاتبهم ينطق بما عنده مهما رأى ذلك بالروح الإلهي، وبين قول النصارى: إن عيسى هو الكلمة، وأنها لم تنقطع بعد صعوده إلى السماء، بل هي باقية مستمرة تؤخذ بواسطة الروح القدس، وإن أفعال بولس وجماعته وأقوالهم، هي جزء من إعلان الله بالمسيح، وهؤلاء جعلوا مقالتهم هذه تمهيدأ لمعتقدات اليهود والنصارى، فوصفوا القطب بما وصفت النصارى به عيسى، ووصفوا قومه بما وصفت به اليهود أحبارهم، وبما وصفت به النصارى بولس وجماعته، وزادوا عليهم بالتمهيد لمذهب عبادة الأوثان، وإذا طالبتهم بالدليل قالوا:","vol":"1","page":60},{"text":"إن علومنا لدنية ذوقية، وكذلك النصارى إذا طالبتهم بالدليل العقلي قالوا: إن معرفة اللاهوت ذوقية، لا يعرفها إلا من ذاقها، فمصيبة الفريقين واحدة.\nوإلى بيان حال هذه الفرق أشار تعالى بقوله:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦) خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٧)﴾.\nأي: إن الذين ثبتوا قلبًا ولسانًا على معتقداتهم الباطلة، فكفروا بالله تعالى، وحكم بكفرهم حكمًا مؤبدًا، إنذارك إياهم في هذا الكتاب، وفي هذا الوقت وعدمه فيه، وفيما بعده سواء، وكذلك إنذار هذا الكتاب لهم، في كل وقت، وعدمه سواء، لأنهم إما لا يصدقون بأنه كتاب منزل من الله تعالى، وما أنهم يحرفونه عن مواضعه، ويتلاعبون به، حتى يجعلوه تابعًا لما ذهبوا إليه، ولا يجعلونه متبوعًا كما هو شأن الممقوتين، وإذا ناداهم إلى التمسك به، قالوا: لا نترك ما ألفينا عليه آباءنا لندائك، وهل أنت إلا تابع لنحلتنا، وخادم لمقالاتنا، وما ذلك إلا لأن الله تعالى ختم بجلاله ختمًا مستعليًا على قلوبهم، وعلى سمعهم، فهي لا تعي حق الوعي، ولا تسمع حق السمع، لأن الختم على الشيء يمنع الدخول إليه، والخروج منه.\nوأفرد السمع، لأن التفاوت فيه نادر، وشركه في الختم مع القلب لأن أحدًا لا يسمع إلا ما عقل، وجعل على أبصارهم غشاوة عظيمة، فهم لا ينظرون بالتأمل، ولما وصفهم بذلك أخبر عن عاقبتهم بقوله: ﴿ولهم عذاب عظيم﴾، ومن هنا تعلم أن التعريف بالذي، والذين، من بين سائر الموصولات، كتعريف ذي باللام، في كونه للعهد تارة، وللجنس أخرى، سواء جعلت من المعرف باللام كما ذهب إليه شرذمة من النحاة، أو لا، كما عليه المحققون، وعليه فإن التعريف هنا للجنس، فهو متناول كل من صمم على كفره تصميمًا لا يرعوي بعده، سواء كان المتصف بذلك في زمن نزول القرآن، أو كان بعده، حتى آخر الأمر، لأن القرآن يبقى حكمه إلى آخر الدوران، ودل على تناوله للمُصِرّين قوله: ﴿سواء عليهم﴾ الآية، ومعناها: أن الذين كفروا مستو عندهم الإنذار وعدمه، فالقائل بأن التعريف","vol":"1","page":61},{"text":"للعهد، وأن المراد به ناس بأعيانهم، كأبي جهل وأبي لهب، والوليد بن المغيرة، وأضرابهم، قول لا حظ له في شيء من التحقيق، بل هو قول من لا يرى أن القرآن عام لجميع الأزمان.\nوالكفر في اللغة الستر، وأصله الفتح، ومنه قيل للزارع: كافر، لأنه يستر الحب في الأرض، قال تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ﴾ [الحديد: ٢٠] وسمي الليل كافرًا لأنه يستر المبصرات بظلمته، قال الشاعر (١):\n\"في ليلة كَفَرَ النجومَ غَمَامُها\"\nأي: ستر النجومَ غمامُها، والمتكلمون استصعبوا حد الكفر، والذي انتهى إليه كلامهم: أن جميع ما ينقل عن النبي - ﷺ -، أنه ذهب إليه، أو قال به، فإما أن يعرف صحة ذلك النقل بالضرورة، والا بالاستدلال، أو بخبر الواحد.\nفإن كان الأول: فإن من صدق الرسول في جميع ما جاء به، فهو مؤمن، ومن لم يصدقه في ذلك، فإما أن لا يصدقه في جميع ما أتى به، وإما أن لا يصدقه في البعض دون البعض، وعلى كل فهو كافر؛ إذ الكفر عدم تصديق الرسول في شيء مما علم بالضرورة مجيؤه به، كمن أنكر وجود الصانع أو أنكر كونه واحدًا في ذاته، وفي صفاته، وفي أفعاله، أو جعل له شريكًا في أفعاله، أو ادعى حلوله في الأجسام، أو أنكر نبوة النبي - ﷺ -، أو أنه خاتم الأنبياء، أو أنكر صحة القرآن الكريم.\nوإن كان الثاني: وهو الذي عرف بالاستدلال بأنه من دين النبي - ﷺ -، مثل كونه تعالى خالقًا لأفعال العباد أم لا، وكونه مرئيًا أو لا، وكونه عالمًا للعلم أو لذاته وغير ذلك مما لم ينقل فيه النص على أحد القولين عن النبي - ﷺ -، بل كان ترجيح أحدهما على الآخر بالاستدلال (٢) فإن مثل هذا لمّا لم يكن إنكاره، ولا الإقرار به داخلًا في ماهية الإيمان، لم يكن موجبًا للكفر، لأنه لو كان داخلًا في\n_________\n(١) هو الشطر الثاني من البيت ٤٢ من معلقة لبيد:\nيَعلُو طريقةَ مَتْنِها متواترٌ\n(٢) في الأصل اضطراب ولعل العبارة هي: \"بالاستنتاج لأن مثل هذا مما ... \".","vol":"1","page":62},{"text":"ماهية الإيمان، لكان الواجب على الرسول - ﷺ -، أن لا يحكم بإيمان أحد إلا بعد أن يعرف الحق في تلك المسألة، ولو كان الأمر كذلك، لاشتهر قوله في تلك المسألة بين جميع الأمة، ولنقل ذلك على سبيل التواتر، فلما لم ينقل ذلك دل على أنه ﵊ لم يوقف الإيمان عليها، وإذا كان لم يوقف الإيمان عليها، وجب أن لا تكون معرفتها من الإيمان، ولا إنكارها موجبًا للكفر.\nوإن كان الثالث: وهو الذي لا سبيل إلى معرفته إلا بأخبار الآحاد وروايتهم، فظاهر أنه لا يمكن توقف الكفر والإيمان عليه، وهذا هو الذي اطمأن إليه الفخر الرازي، وقال: \"إنه هو القول الحق\"، وأنت خبير بأن ما جاء به الرسول: اعتقاد، وقول، وعمل، وأن كل فرد من أفراد ما علم أنه من الدين بالضرورة، لا يتم إلا إذا أقرّ به المكلف إقرارًا شاملًا للثلاثة؛ فالإيمان بوجود الله تعالى، لا بد من أن يعتقده المكلف بقلبه، وإلا كان منافقًا، ولا بد أن تكون أقواله وأفعاله، أقوال وأفعال من يصدق بوجود الله تعالى، وإلا كان مستهزئًا، وكذلك الصلاة، إذا لم يعتقد المكلف بها وجوبها، كان ممن أخبر تعالى عنهم بقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ﴾ [الماعون: ٤ - ٧] وإذا اعتقد وجوبها، ولم يصرح به، ولم يفعلها، اختل شطران من الإيمان بها، وحينئذ لا محيص عن قول السلف: الإيمان قول وفعل، ويزيد وينقص، قال الله: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ [الفتح: ٤] ﴿وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ [المدثر: ٣١] إلى غير ذلكم من الآيات، الدالة نصًا وتصريحًا على أن الإيمان يزيد وينقص.\nوقال \"ابن أبي مليكة\": أدركت ثلاثين من أصحاب النبي - ﷺ -، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبرائيل، وميكائيل.\nو﴿سواء﴾ اسم بمعنى: الاستواء، جرت على ما اتصف بها، كما تجري المصادر على ما اتصف بها، كأنه قيل: إن الذين كفروا مستو عليهم إنذارك وعدمه، وهذا بناء على أن ﴿سواء﴾ خبر ﴿إن﴾، وقوله: ﴿أأنذرتهم أم لم تنذرهم﴾، في","vol":"1","page":63},{"text":"موضع رفع على الفاعلية، ويصح أن يكون ﴿أأنذرتهم﴾ في موضع رفع على الابتداء، و﴿سواء﴾ خبرًا مقدمًا، بمعنى: سواء عليهم إنذارك وعدمه، والجملة خبر لـ ﴿إن﴾، وصح جعل الفعل هنا مبتدأ، لأن الفعل أريد به الحدث المدلول عليه ضمنًا على الاتساع، فصار كالاسم في الإضافة والإسناد إليه كقوله تعالى: ﴿يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ [المائدة: ١١٩] وقول بعض العرب: \"تسمع بالمُعَيدي خير من أن تراه\" (١)، والهمزة هنا للتسوية، وضابطها: أنها الداخلة على جملة يصح حلول المصدر محلها، والإنذار هو: التخويف من عقاب الله بالزجر عن المعاصي، وجعل الرازي هذه الآية دليلًا على صحة تكليف ما لا يطاق، وقرر وجه الدليل بقوله: إنه تعالى كلف هؤلاء الذين أخبر عنهم أنهم لا يؤمنون، بالإيمان ألبتة والإيمان يعتبر فيه تصديق الله تعالى في كل ما أخبر عنه، ومما أخبر عنه أنهم لا يؤمنون قط، فقد صاروا مكلفين بأن يؤمنوا بأنهم لا يؤمنون قط، وهذا تكليف بين النفي والإثبات.\nوقال أيضًا: إنه تعالى عاب على الكفار، أنهم حاولوا فعل شيء على خلاف ما أخبر الله عنه في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ قُلْ لَنْ تَتَّبِعُونَا كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ [الفتح: ١٥]، فثبت أن القصد إلى تكوين ما أخبر الله عن عدم تكوينه، قصد لتبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، ثم ههنا أخبر الله عنهم بأنهم لا يؤمنون ألبتة، فمحاولة الإيمان منهم، تكون قصدًا إلى تبديل كلام الله، وذلك منهي عنه، وترك محاولة الإيمان يكون أيضًا مخالفة لأمر الله فيكون الذم حاصلًا، على الترك والفعل، قال: وهذا الكلام هو الهادم لأصول الاعتزال.\nوالحق: أن التكليف بالممتنع لذاته، وإن جاز عقلًا من حيث إن الأحكام لا تستدعي غرضًا غير الامتثال، لكنه غير واقع للاستقراء، والإخبار بوقوع الشيء أو عدمه، لا ينفي القدرة عليه، كإخباره سبحانه وتعالى عما يفعله هو أو العبد باختياره.\nوفائدة الإنذار، بعد العلم بأنه لا ينجع، إنما هو إلزام الحَجة، وحيازة الرسول فضل الإبلاغ، ولهذا قال ﴿سواء عليهم﴾، ولم يقل: سواء عليك، كما\n_________\n(١) هو من أمثال العرب.","vol":"1","page":64},{"text":"قال لعبدة الأصنام: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣)﴾ [الأعراف: ١٩٣].\nثم إنه تعالى، لما بين شأن الذين كفروا، أردف البيان ببيان السبب الذي لأجله لم يؤمنوا، وهو الختم، وأصله الطبع، والخاتم هو الطابع، يقال منه: ختمت الكتاب إذا طبعته، واستعماله في الأوعية، والظروف، والغلف، ولما كانت القلوب بمعنى الأوعية لما أودعت من العلوم، وبمعنى الظروف لما جعل فيها من المعارف بالأمور، كان الختم عليها وعلى الأسماع التي بها تدرك المسموعات، ومن قبلها يتوصل إلى معرفة حقائق الأشياء من المغيبات، نظير الختم على الأوعية والظروف.\nواختلف المفسرون في صفة ذلك الختم على أقوال كثيرة، الحق فيها ما صح من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن المؤمن إذا أذنب ذنبًا، كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر، صُقل قلبه، فإن زاد زادت حتى يغلف قلبه، فذلك الران الذي قال جل ثناؤه: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ [المطففين: ١٤] ورواه الترمذي (١) وقال: حديث حسن صحيح، ولفظه: \"إن العبد إذا أخطأ خطيئة، نُكتت في قلبه نُكتة سوداء، فإن هو نزع واستغفر وتاب صقل قلبه، وإن عاد زيد فيها حتى تعلو قلبه وهو الران الذي ذكر الله: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ فأخبر - ﷺ -، أن الذنوب إذا تتابعت على القلوب أغلفتها، وإذا أغلفتها أتاها حينئذ الختم من قبل الله ﷿، والطبع، فلا يكون للإيمان إليها مسلك، ولا للكفر منها مخلص، فذلك هو الطبع والختم الذي ذكره الله تعالى، نظير الطبع والختم على ما تدركه الأبصار من الأوعية والظروف، التي لا يوصل إلى ما فيها إلا بفض ذلك عنها، ثم حلها، فكذلك لا يصل الإيمان إلى قلوب من وصف الله أنه ختم على قلوبهم إلا بعد فض الخاتم، وحل الرباط عنها، وإلى هذا المعنى ركن أبو جعفر الطبري في تفسيره وقال: إنه الحق في ذلك.\n_________\n(١) \"صحيح سنن الترمذي- باختصار السند\" ٢٦٥٤.","vol":"1","page":65},{"text":"وقوله: ﴿وعلى أبصارهم غشاوة﴾ ابتداء كلام، والغشاوة في كلام العرب الغطاء، قال الحارث بن خالد بن العاص:\nهَوِيتُكَ إِذ عَينِي عليها غِشاوةٌ ... فلمّا انْجَلَتْ قَطَّعْتُ نَفْسِي أَلُومُها (١)\nوالمعنى: أن أبصارهم، لأنها لا تجتلي آيات الله المعروضة، ودلائله المنصوبة كما تجتليه أعين المعتبرين المستبصرين، كأنما غطي عليها، وحجبت وحيل بينها وبين الإدراك.\nوالعذاب مثل \"النَّكال\" وزنًا ومعنى، لأنك تقول: أعذبت عن الشيء إذا أمسكت عنه، كما تقول: نَكَل عنه، ومنه العذب لأنه يقمع العطش ويردعه، ثم اتسع فيه فسمي كل ألم فادح عذابًا، وإن لم يكن نكالًا، أي: عقابًا يرتدع به الجاني عن المعاودة.\n\nو<span data-type=\"title\" id=toc-62>الفرق بين ﴿العظيم﴾ والكبير</span>، أن العظيم نقيض الحقير، والكبير نقيض الصغير، فكان العظيم فوق الكبير، كما أن الحقير دون الصغير، ومعنى التنكير، أن على أبصارهم غشاوة، هي نوع من الأغطية غير ما يتعارفه الناس، وهو غطاء التعامي عن آيات الله، ولهم من بين الآلام العظام نوع عظيم لا يعلم كنهه إلا الله.\nولما وصف الله سبحانه في مفتتح السورة، الذين أخلصوا دينهم لله، ووافقت فيه قلوبهم ألسنتهم، وواطأ سرهم علنهم، وفعلهم قولهم، وثنَّى بالذين محضوا الكفر ظاهرًا وباطنًا، قلوبًا وألسنة، ثلَّث بالذين آمنوا بأفواههم ولم تؤمن قلوبهم، وأبطنوا خلاف ما أظهروا، وهم الذين قال فيهم ﴿مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾ [النساء: ١٤٣]، وسماهم المنافقين، وكانوا أخبث الكفرة، وأبغضهم إليه، وأمقتهم عنده، لأنهم خلطوا بالكفر تمويهًا وتدليسًا، وبالشرك استهزاءً وخداعًا، فوصف حال الذين كفروا في آيتين، وحال الذين نافقوا في ثلاث عشرة\n_________\n(١) لسان العرب، ٢/ ٩٩١ وفيه: (صَحِبتكَ بدلًا من (هويتك).\nوهو في مجاز القرآن لأبي عبيدة ١/ ٣١ تبعتك، والطبري (٣٠٦) تبعتك وقبل ١٤٣٨٤ صحبتك، والأغاني (١١٦٣) دار الشعب في ترجمته (صحبتك).","vol":"1","page":66},{"text":"آية، نعى عليهم فيها خبثهم، ومكرهم، وفضحهم وسفههم، واستجهلهم واستهزأ بهم، وتهكم بفعلهم، وسجل بطغيانهم وعمههم، ودعاهم صمًا بكمًا عميًا وضرب لهم الأمثال الشنيعة فقال:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾.\nأجمع أهل التأويل، على أن هذه الآية نزلت في قوم من أهل النفاق، وأن هذه صفتهم، وقد مرت الإشارة إلى هذا في مفتتح تفسير هذه السورة، ومما ذكر إجمالًا هناك، ما يليق بنا هنا أن نشير إلى شيء من تفصيله، وهو أن الله تعالى لما جمع لرسوله أمره في المدينة التي هي دار هجرته، وجعل كلمته هي العليا وكلمة مخالفيه هي السفلى، فأعز الله المسلمين، فقهروا من كان بها من أهل الشرك من عبدة الأوثان، وأذلوا من كان بها من أهل الكتاب الذين لم يذعنوا لما جاء به - ﷺ -، أظهر أحبار يهود المدينة لرسول الله - ﷺ - الضغائن؛ وأبدوا له العداوة حسدًا وبغيًا، إلا نفرًا منهم هداهم الله للإسلام فأسلموا، ووافقهم سرًا على معاداة النبي - ﷺ -، [قوم من المنافقين] (١) كانوا قد عتوا في شركهم وجاهليتهم، وظاهروهم على ذلك خفاء غير جهار، حذرًا من القتل على أنفسهم، والسباء من رسول الله - ﷺ - وأصحابه وركونًا إلى اليهود لما هم عليه من الشرك، وسوء البصيرة بالإسلام، فكان منهم ما قص الله علينا من قصصهم في هذه الآيات، تبكيتًا لهم ولمن كان على شاكلتهم، معاديًا لهذا الدين القويم باطنًا، ومدعيًا للتمسك به ظاهرًا.\nوجوّز أهل المعاني في ﴿من﴾ أن تكون موصوفة، فيكون المعنى: ومن الناس ناس يقولون آمنا، وعليه فاللام في الناس للجنس، أتى بها للتنبيه على أن الصفات المذكورة تنافي الإنسانية، فينبغي أن يجهل كون المتصف بها من الناس، ويتعجب منه، وأن تكون موصولة، واللام للعهد، كقوله: ﴿وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ﴾ [التوبة: ٦١]، ولكن هذا يعترض بأن يقال: كيف يجعلون بعضًا من الذين كفروا\n_________\n(١) كان في العبارة اضطراب، وسبق قلم من المؤلف﵀- بتعريف المنافقين أوجزناه بهذه الجملة.","vol":"1","page":67},{"text":"المحدث عنهم بالختم على قلوبهم، والمنافقون غير من أخبر عنهم فيما تقدم بالختم، ويجاب بأن الكفر جمع الماحضين المصرّين، والمنافقين المصممين معًا، وجعلهم جنسًا واحدًا، وكون المنافقين نوعًا من نوعي هذا الجنس، مغايرًا للنوع الآخر، بزيادة زادوها على الكفر الجامع بينهما من الخديعة والاستهزاء، لا يخرجهم من أن يكونوا بعضًا من الجنس، كما أشار إلى هذه المعاني صاحب الكشاف، فإن الأجناس، إنما تنوعت لمغايرات وقعت بين بعضها البعض، وتلك المغايرات إنما تأتي بالنوعية ولا تأبى الدخول تحت الجنسية، وقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿آمنا﴾ أي: صدقنا ﴿بالله وباليوم الآخر﴾، أي: بالبعث يوم القيامة الذي هو يوم لا يوم بعده سواه، فادعوا أنهم حازوا الإيمان من جانبيه، وأحاطوا بقطريه، فقال تعالى تكذيبًا لهم: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ لأنهم يبدون بأفواههم خلافًا لما في ضمائر قلوبهم، وضد ما في عزائم نفوسهم، فهم غير مصدقين فيما يزعمون أنهم به مصدقون.\nوقد يلوح لفكر المتامل لهذه الآية إشكال، وهو: أن الأخبار عن المنافقين، وكانوا مشركين ويهود، فأما المشركون فهم غير مؤمنين بالله واليوم الآخر، فقوله: ﴿وما هم بمؤمنين﴾ منطبق عليهم، وأما اليهود فقد كانوا يؤمنون بالله، وهم أهل كتاب، فكيف نفى عنهم الإيمان، وعند الاطلاع على نحلة اليهود، يتلاشى هذا الإشكال، لأن الإيمان بالله يجب أن يكون على حقيقته، وعلى وفق ما جاء عن رسله، واليهود ليسوا كذلك، لأن فرقة منهم تزعم أن العُزَير ابن الله، وجميعهم يعتقد أن الله جسم، وكذلك اعتقادهم باليوم الآخر، ليس على ما جاءت به الرسل، وكل من كان إيمانه على غير ما جاءت به الرسل فليس بمؤمن، ومَن راجع التوراة التي بأيديهم اليوم، ورأى هذياناتهم ومفترياتهم جزم بذلك، وسيمر بك في هذا الكتاب إن شاء الله تعالى، ما يتبين به حقيقة ما هم عليه من الكفر، وعدم الإيمان بالله تعالى، كقولهم كل يوم في صلاتهم ما معنَاه بالعربية: أنّه لا يظهر أن الملك لله، إلا إذا صارت الدولة لليهود، الذين هم أمته وصفوته، فأما ما دامت الدولة لغير اليهود، فإن الله خامل الذكر عند الأمم، وأنه مطعون في ملكه، مشكوك في قدرته. وكقولهم بالعبرانية ما معناه بالعربية: انتبه لِمَ تنام يا رب؟ استيقظ من رقدتك، ومنه","vol":"1","page":68},{"text":"أيضًا: أن الله ندم على خلق البشر في الأرض، وشق عليه، إلى غير ذلك مما هو مصرح به في توراتهم، فأي إيمان لهم بالله وباليوم الآخر، مع وجود هذه الكفريات.\nويندرج في هذا القسم من يقول بأنه مؤمن بالله ثم ينتحل الزندقة والإلحاد، ويدعي الحلول، وأنه تعالى حال في جميع الأشياء، أو في بعضها، أو أن له مشاركًا في أفعاله من جماد أو حي، أو ميت. كما هو زعم كثير من الفرق المنتمية إلى الإسلام في زمننا هذا، بل ضرر هؤلاء على الدين أشد من ضرر غيرهم عليه، لأنهم يتلبسون به، ويدعون الزهد والتقى والصلاح، ثم يبثون مقاصدهم لأولي العقول السقيمة، فيأخذونها على أنها من الأسرار الربانية المفاضة عليهم من عالم القدس، فهؤلاء أعظم ضررًا من المنافقين.\nثم إنه تعالى بيَّن علة عقول أولئك الذين نعتهم وخفة حلومهم، بأنهم يخادعون من لا يخادَعُ، ولو كان عندهم نوع من الشعور، أو شيء من الإدراك لما فعلوا ذلك، فقال:\n﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَمَا يَخْدَعُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾.\nوالخديعة: إظهار ما يوهم السلامة والسداد، وإبطان ما يقتضي الإضرار بالغير، والتخلص منه، فهو بمنزلة النفاق في الكفر، والرياء في الأفعال الحسنة، ولما كان هؤلاء لا يعرفون الله تعالى حق معرفته، ولا يعلمون بأنه عالم بخائنة الأعين، وما تخفي الصدور، قادهم الجهل إلى تشبيهه تعالى بخلقه، فظنوا أن الخداع يروج عليه كما يروج على المخلوقين، فكذب ظنهم تعالى بقوله: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾، وفضحهم وأبان ما استكن في نفوسهم، بأن ما يظهرونه بألسنتهم من القول والتصديق، خلاف الذي في قلوبهم من الشك والتكذيب ليدرؤوا عن أنفسهم، بما أظهروا بلسانهم حكم الله ﷿، اللازم من كان بمثل حالهم من التكذيب، لو لم يظهر بلسانه ما أظهر من التصديق والإقرار من القتل والسباء، فذلك معنى خداع المنافق ربه، وأهل الإيمان بالله تعالى، وهذا أولى من قول من قال: إن الله ذكر نفسه في قوله: ﴿يخادعون الله﴾، وأراد به رسوله على عادته في تفخيم أمره، وتعظيم شأنه، قال:","vol":"1","page":69},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ﴾ [الفتح: ١٠]، وهذا المعنى ليس بكثير البعد عن معنى الآية، لأنهم لما خادعوا النبي - ﷺ -، كانوا كالمخادعين لله تعالى، ولكن ما ذكرناه أقرب إلى المرام، ومن قول من قال أيضًا: إن صورة حالهم مع الله حيث يظهرون الإيمان، وهم كافرون، صورة من يخادع، وصورة صنيع الله معهم حيث أمر بإجراء أحكام المسلمين عليهم، وهم عنده في عداد الكفرة صورة صنيع المخادع، وكذلك صورة صنيع المؤمنين معهم، حيث امتثلوا أمر الله فيهم، فأجروا أحكامه عليهم.\nوقد أبدى أبو جعفر الطبري سؤالًا فقال: إن قال قائل: وكيف يكون المنافق لله وللمؤمنين مخادعًا، وهو لا يظهر بلسانه خلاف ما هو له معتقد إلا تقية؟ وأجاب بما حاصله: أن العرب لا تمتنع من أن تسمي مثل هذا خداعًا، ولما كان المنافقون يظهرون ذلك، ليتخلصوا من القتل والسباء في العاجل، وطمعوا في أموال الغنائم، وهم لغير ما أظهروا مستبطنون، كان فعلهم هذا خداعأ لأنفسهم في الحقيقة، لأنهم يظهرون لما يفعلون من ذلك بها، أنه يعطيها أمنيتها، ويسقيها كأس سرورها، وهم يوردونها به حياض عطبها، ويجرعونها به كؤوس عذابها، ويزيدونها من غضب الله، وأليم عقابه ما لا قبل لها به، فذلك خديعتهم أنفسهم، ظنًا منهم مع إساءتهم إليها في أمر معادها، أنهم إليها محسنون، كما قال تعالى:\n﴿وما يخدعون إلا أنفسهم ولا يشعرون﴾ إعلامًا منه عباده المؤمنين، أن المنافقين بإساءتهم إلى أنفسهم، وإسخاطهم ربهم بكفرهم، وشركهم وتكذيبهم، غير شاعرين، ولا دارين، ولكنهم على عمياء من أمرهم مقيمون، ومن هنا تعلم أن المفاعلة أتت على بابها، من كونها بين اثنين، والمعنى: أن المنافق يخادع الله، ويكذبه بلسانه، على ما قد تقدم وصفه، والله تعالى يجري عليه أحكام الدنيا فيوصله إلى مقصده من النجاة، من القتل والسباء، ولكنه يخذله عن حسن البصيرة بما فيه نجاة نفسه، في أجل معاده، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ","vol":"1","page":70},{"text":"نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ﴾ (١) الآية.\nوقوله: ﴿وما يخدعون إلا أنفسهم﴾، معناه: أن المنافقين خادعوا الله والمؤمنين فلم يخدعوهم، بل كان الخداع لأنفسهم دون غيرها، لأن من خادع العالم بخداعه، لا يكون خداعه إلا لنفسه، وهذا كقولك: فلان يضار فلانًا، وما يضار إلا نفسه، أي: دائرة الضرار راجعة إليه، وغير متخطية إياه، ويصح أن يكون المعنى: وهم في ذلك يخدعون أنفسهم حيث يمنونها الأباطيل، ويكذبونها فيما يحدثونها به، وأنفسهم كانت تمنيهم وتحدثهم بالأماني، ونفس الشيء ذاته، والشعور: علم الشيء على حس، والمعنى: أن لحوق ضرر ذلك بهم كالمحسوس، وهم لتمادي غفلتهم كالذي لا حس له.\nثم بين سبحانه أن سبب الغفلة عن هذا الظاهر، كون آلة إدراكهم شغلها المرض عن إدراك ما ينفعها، فهي لا تجنح إلا لما يؤذيها، فقال:\n﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (١٠)﴾.\nأي: إن في قلوبهم مرضًا من أصل الخلقة، يوهن قوى الإيمان التي فيها، كذا حكاه \"البقاعي\" في كتابه \"نظم الدرر\"، والذي لاح لي، أن ذلك المرض وإن كان مرضًا حقيقيًا متصلًا بهم من أصل الخلقة، وهو الذي سبَّب لهم سوء الاعتقاد والكفر، إلا أنه لما كان ذلك متأصلًا في نفوسهم، وجاءهم الكتاب العزيز بالبينات والهدى، ودين الحق، وقفوا حائرين بين أحد أمرين، إما أن يتبعوا ذلك الهدى ويطيعوا النبي - ﷺ -، فيسلموا من عذابي الدنيا والآخرة، وإما أن يجاهروا بالعصيان والامتناع، فيحصل لهم المقت دنيا وأُخرى، فمنعهم مرض قلوبهم من اتباع الخطة الأولى، ولضعفهم لم يستطيعوا المجاهرة بالثانية، فمزجوا بينهما، ولبسوا ثوب الخداع، فأظهروا الإيمان بالله وبرسوله، وأبطنوا الكفر، وارتقبوا حلول السوء بالنبي - ﷺ -، ولما رأوا أنه هو الغالب، وأن أمره لا يزال في ازدياد، وشأنه لم يزل في اعتلاء، امتلأت صدورهم حسدًا وحقدًا، وغلت صدورهم على رسول الله - ﷺ -،\n_________\n(١) سورة الحديد: الآية ١٣، وتمامها: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾.","vol":"1","page":71},{"text":"والمؤمنين، غلًا وحنقًا، و﴿بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ﴾ [آل عمران: ١١٨]، فأثر ذلك في أوهامهم فامتلكها، وسرى إلى قلوبهم فأثر فيها، والحسود المبغض، كلما ازدادت نعمة المحسود ازداد حسرة، وقلقًا ومرضًا، فازداد مرض قلوبهم الطبيعي لذلك، زيادة ترتقي كلما علا شأن الإسلام، وسرى نوره في الأقطار، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾ بإظهار الله هذا الدين على جميع الأديان، وتفضل الله على نبيه حتى أظهره على الدين كله.\nكانوا يعللون أنفسهم، ويداوون مرض قلوبهم، بما يتحدثون به في نواديهم، بأن ريح الإسلام تهب حينًا، ثم تسكن، ولواءه يخفق أيامًا ثم يقر، فأكذب الله أمانيهم، فرجعوا بصفقة المغبون، وقطع آمالهم، فضعفت قلوبهم حين ملكها اليأس، عندما أنزل الله على رسوله النصر، وأظهر دين الحق، واعتراها مرض لا يزال في ازدياد وعذاب أليم، من الحسرة، واتقاد نيران الحسد في الدنيا، وعذاب أليم يوم تجد كل نفس ما أحضرت، يوم ينكشف الغطاء، وتزدلف الجنة للمتقين، غير بعيد، ولشبه هذا المعنى، يرمي قول \"ابن عباس\": ﴿في قلوبهم مرض﴾، المرض: النفاق، وقول جمع من الصحابة: في قلوبهم شك، وقد لاح لك مما قدمناه، أنا حملنا المرض في الآية على حقيقته، وهو الموافق لبلاغة القرآن الكريم، ولا مانع من أن يحمل المرض على معناه المجازي، فتجعله استعارة لبعض أعراض القلب، كسوء الاعتقاد والغل والحسد، والميل إلى المعاصي، والعزم عليها، واستشعار الجبن، والضعف، وغير ذلك مما هو فساد وآفة، شبهه بالمرض، كما استعيرت الصحة والسلامة في ضد هذه المذكورات.\nوالمراد به هنا ما في قلوبهم من سوء الاعتقاد والكفر، أو من الغل والحسد والبغضاء، وإذا تأملت هذا المعنى وجدته مندرجًا في المعنى الذي قبله، لأن ذلك نتيجة هذا، أو تقول: إن في هذا بيان السبب، وفي ذاك بيان ما تسبب عنه.\nوقوله جل شأنه: ﴿فزادهم الله مرضًا﴾، معناه: على مرضهم، وزادهم من الأسباب التي أنتجت له ذلك المرض، فزادهم غمًا على غمهم، وزادهم من نظير ما في قلوبهم من الشك والحيرة.\nو﴿الأليم﴾ الموجع، على حد قول الشاعر:","vol":"1","page":72},{"text":"وخيل قد دلفت لها بخيلٍ ... تحيةُ بينهم ضَرْبٌ وَجيعُ (١)\nومعناه: ولهم عذاب مؤلم، فصرف مؤلم إلى أليم.\nقال الضحاك: وكل شيء في القرآن من الأليم فهو الموجع.\nوقوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾، رمز إلى قبح الكذب وسماجته، وتخيل أن العذاب الأليم لاحق بهم من أجل كذبهم، في قولهم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا المعنى يناسب قراءة \"يَكْذبون\" بفتح المثناة التحتية، وسكون الكاف، وهي قراءة معظم أهل الكوفة، وقرأ معظم أهل المدينة والحجاز والبصرة \"يُكَذبون\" بضم المثناة التحتية، وفتح الكاف، وكأنهم رأوا أن الله تعالى أوجب للمنافقين العذاب الأليم، بتكذيبهم نبيهم محمدًا - ﷺ -، وليس هذا المعنى بجيد لما جرت سنة الله به في كتابه، أن يفتتح ذكر محاسن أفعال قوم، ثم يختم ذلك بالوعد على ما افتتح به ذكره من أفعالهم، ويفتتح ذكر مساوئ أفعال آخرين، ثم يختم ذلك بالوعيد على ما ابتدأ به ذكره من أفعالهم، وهنا أخبر الله عن المنافقين في أول الخبر عنهم في هذه السورة، بأنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾ [البقرة: ٨]، وما كان قولهم هذا إلا خداعًا وكذبًا، فالواجب إعادة قوله: ﴿بما كانوا يكذبون﴾ إلى هذا،\n_________\n(١) \"الكتاب\" لسيبويه ١/ ٣٦٥، ٤٢٩، و\"الخزانة\" ٤/ ٥٣ قال البغدادي: وهذا البيت نسبه شراح أبيات الكتاب وغيرهم إلى عمرو بن معد يكرب الصحابي ولم أره في شعره. انتهى. ونسبه لعمرو أبو زيد الأنصاري في \"نوادره\" ص ١٤٩ - ١٥٠، وفي \"العمدة\" لابن رشيق: ٢/ ٢٩٢ ومما يعد سرقًا وليس بسرَقٍ اشتراك اللفظ المتعارف، كقول عنترة:\nوخيلٍ قد دلفت لها بخيلٍ ... عليها الأُسْدُ تهتصر اهتصارًا\nوقول عمرو بن معد يكرب:\nوخيل قد دلفت لها بخيلٍ ... تحية بينهم ضربٌ وجيع\nوالخيل: اسم جمع الفرس لا واحد له من لفظه، والمراد به الفرسان، وأراد بالخيل الأول: خيل الأعداء، وبالثاني: خيله، والضمير في \"بينهم\" للخيلين ودلفت: دنوت وزحفت. ووجيع: بمعنى موجع، يقول: إذا تلاقوا جعلوا بدلًا من تحية بعضهم لبعض الضرب الوجيع. وهذا على سبيل التهكم.\nوينظر \"زاد المسير في علم التفسير\" ٢/ ٢٢٦، طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":73},{"text":"وأن يقرأ \"يَكذبون\" بفتح الياء، ليكون الوعيد منه لهم، على ما افتتح به الخبر عنهم من قبيح أعمالهم، وذميم أخلاقهم، دون ما لم يجر له ذكر من أفعالهم، ولك أن تأخذ هذه القاعدة وتسير بها في تفسير كل ما رأيته من هذا النمط، ليتضح لك دقائق الختام من ملاءمته للبدء، كان جعل \"يُكذبون\" بضم الياء، من \"كَذَّب\" بتشديد الذال المعجمة، على معنى الدلالة على قوة الكذب، وعظمه، كما يدل بين المشدد والياء، على كمال ظهور الشيء واتضاحه كأنه قيل: يكذبون كذبًا عظيمًا، أو جعل \"يكذبون\" بمعنى الكثرة، في الفاعل، كقولهم: \"مَوَّت الإبل\"، بتشديد الواو، استقام المعنى، وعاد التكذيب إلى كذبهم الذي كذبوه في أول الخبر.\nولما أخبر تعالى عن بواطنهم، أتبعه من وصف الظاهر ما يدل على الباطن، فبين أنهم إذا نهوا عن الفساد العام ادعوا الصلاح العام فقال:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١)﴾.\nوالمعطوف بالواو هنا، يصح أن يكون معطوفًا على \"يكذبون\"، ويكون المعنى: ﴿ولهم عداب أليم بما كانوا يكذبون﴾، وبالذي ﴿إذا قيل لهم لا تفسدوا﴾، ومعناه: أن العذاب الأليم الذي وُعدوا به، مسبب عن كذبهم، وعن فسادهم في الأرض، لما في تينك الخصلتين من القبح الواجب على كل عاقل أن يحترز عنه، والصناعة النحوية لا تمنعك من عطفه على ﴿آمنا﴾، ويكون المعنى: ومن الناس ناس إذا قيل لهم لا تفسدوا، وعلى هذا الوجه تكون الآيات على نمط تعديد قبائحهم، وإفادتها اتصافهم بكل من تلك الأوصاف استقلالًا، وقصدًا، ودلالتها على أن لحوق العذاب الأليم بسبب كذبهم الذي هو أدنى أحوالهم في كفرهم ونفاقهم، فما ظنك بسائرها، ولطافة هذا المعنى لم ترتق إلى درجة حسن المعنى الأول، ولا إلى لطافته، حيث إنه لم يجعل المفسدين في الأرض مشاركين لمن قبلهم في العذاب الأليم، بخلاف المعنى الثاني، فإنه جعلهم مشتركين فيه.\nوالفساد: خروج الشيء عن حال استقامته، وعن كونه منتفعًا به، ونقيضه الصلاح، وهو: الحصول على الحالة المستقيمة النافعة، والفساد في الأرض: العمل فيها بما نهى الله عنه، وتضييع ما أمر الله بحفظه، كما قال الله تعالى","vol":"1","page":74},{"text":"حكاية عن الملائكة أنهم قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠] كأنهم يقولون: أتجعل في الأرض من يعصيك ويخالف أمرك، ألا ترى أن الكاذب ينتج كذبه غش الناس وخداعهم، والذي لم يقف عند حدود الله كيف يغتصب مال هذا، ويتوصل بالزور والبهتان إلى ضرر هذا، والحاكم بغير ما أنزل الله، كيف يوقع الناس في تضييع الحقوق، وإعطاء المال لغير مالكه، يتصرف فيه مع حرمان المالك عنه، إلى غير ذلك من الموبقات التي من جملتها إثارة الحروب والفتن، وانتفاء الاستقامة عن أحوال الناس، والزروع والمنافع الدينية والدنيوية، فكذلك صفة أهل النفاق بمعصيتهم في الأرض ربهم، وركوبهم فيها ما نهى الله عن ركوبه، وتضييعهم فرائضه، وشكهم في دين الله الذي لا يقبل عملًا من أحد إلا بالتصديق به، والإيقان بحقيقته، وكذبهم المؤمنين بدعواهم، غير ما هم عليه مقيمون من الشك والريب، وبمظاهرتهم أهل التكذيب بالله وكتبه ورسله، على أولياء الله، إذا وجدوا إلى ذلك سبيلًا، فذلك إفساد المنافقين في أرض الله، وهم يحسبون أنهم بفعلهم ذلك مصلحون فيها، فلم يسقط الله عنهم عقوبته، ولا خفف عنهم أليم ما أعد من عقابه لأهل معصيته، بحسبانهم أنهم فيما أتوا من معاصي الله مصلحون، بل أوجب لهم الدرك الأسفل من ناره، والأليم من عذابه.\nوردّ عليهم إفكهم بقوله:\n﴿أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ (١٢)﴾.\nفأتى بـ ﴿ألا﴾ الدالة على التنبيه، على أن ما بعدها محقق، وهي مركبة. من الهمزة التي للاستفهام، و\"لا\" النافية، وهمزة الاستفهام إذا دخلت على النفي أفادت التحقيق، ومن أجل ذلك لا تكاد تقع الجملة بعدها، إلا مصدرة بنحو ما يتلقى به القسم، فرد الله ما ادعوه من الانتظام في سلك المصلحين أبلغ رد، وأدلّه على سخط عظيم، و﴿ألا﴾ ملغيّة جاءت من جهة الاستئناف، ومن جهة ما في ﴿ألا﴾، و\"إنّ\"، من معنى التأكيد، ومن جانب تعريف الخبر، وتوسيط ضمير الفصل بين اسم إن وخبرها.","vol":"1","page":75},{"text":"ثم ختم الرد بقوله: ﴿ولكن لا يشعرون﴾ أي: لم يحصل لهم شعور بأنهم كذلك، لأنهم يظنون أن الذي هم عليه من إبطان الكفر صلاح، فالشعور ذاهب عنهم، والتفريق بين الرشاد والغي ليس من شأنهم، ولا من شأن من كان على شاكلتهم، في كل زمان ومكان.\nوالآية وإن كان ظاهرها التنديد بأفعال المنافقين، الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ -، فإنها شاملة لكل من حذا حذوهم وسلك طريقهم، وقد أشار \"سلمان الفارسي\" إلى هذا المعنى فيما روي عنه من قوله: \"لم يجيء هؤلاء الموصوفون بهذه الصفات بعد\" ومعناه: أن أصحاب هذه الصفة لم ينقرضوا، بل كلما ذهب فوج منهم خلفه فوج آخر، وإذا تأملت سبيل الوجود، وسنة الله في خلقه، وجدت هؤلاء في كل زمان، ولم تتأخر الأمم ويأتيها الفساد إلا من جهتهم، ثم إن المصلحين إذا فاتحوهم بالنصيحة قالوا: إنما نحن مصلحون، وهم لعدم شعورهم يعتقدون الفساد إصلاحًا، والغيّ نجاحًا، فإذا قبّح لهم أحد ما كانوا عليه لبعده من الصواب، وجره إلى الفساد والفتنة، أو بضرهم بالطريق المستقيم، وأنه في اتباع ذوي العقول، وفي الدخول في عدادهم، قابلوا النصيحة بالتسفيه والتجهيل، فما أشد ضررهم على الأمة، وما أعظم ما يجرونه إليهم من الضرر وتخريب البلاد.\nولما بيّن ﷾ حالهم إذا أمروا بالصلاح العام، بين أنهم إذا دُعوا إلى الصلاح الخاص، الذي هو قبل كل صلاح، حملتهم الجلافة على النفور وعدم الانقياد، فسموا سفهاء فقال:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾.\nوالمعنى: أنه إذا قيل لهم: ﴿آمنوا﴾ ظاهرًا وباطنًا، ﴿كما آمن الناس، قالوا: أنؤمن كما آمن السفهاء﴾ الذين استدرجهم إلى ما دخلوا فيه، بعد ترك ما كان عليه آباؤهم، كان ذلك منهم لخفة نشات عن ضعف عقولهم، فحصر سبحانه السفه فيهم، حيث قال: ﴿ألا إنهم هم السفهاء﴾ لا غيرهم، لجمودهم على","vol":"1","page":76},{"text":"رأيهم، مع أن بطلانه أظهر من الشمس ليس فيه لبس، ولكن ليس لهم علم أصلًا بذلك، ولا بغيره، ولا يمكن أن يكون لهم علم، لأن جهلهم مركب، وهو أسوأ الجهل، والعلم: ما أُخذ بعلامة أو أمارة نصبت عليه، ولما كان الفساد يكفي في معرفته، والصد عنه، أدنى تأمل، والسفه لا يكفي في إدراكه والنهي عنه إلا رزانة العلم، ختمت كل آية بما يناسب ذلك من الشعور والعلم، ولما كان العام جزءًا من الخاص، قدم عليه.\nفقوله: ﴿كما آمن الناس﴾، \"ما\" مصدرية، والمراد بـ ﴿الناس﴾ الكاملون في الإنسانية، وهم الجامعون لما يعد من خواص الإنسان وفضائله، فهم لذلك يستحقون أن يحصر فيهم الجنس كأنهم الجنس كله، فهذا الحصر بالنظر إلى كمالهم، وإذا لوحظ أن غير المؤمنين كالبهائم، في فقد التمييز بين الحق والباطل، بل أدنى مرتبة منها، فلا يندرجون في الناس، بل كان منحصرًا في المؤمنين إيمانًا حقيقيًا، الآخذين بأساليب الإصلاح وطرقه الحقيقية، الناجحين في جميع مساعيهم بمساعدة العناية الربانية، كان هذا حصرًا بالنظر إلى نقصان من عداهم، وقصورهم عن رتبة الإنسانية، ومعنى الإنكار في ﴿أنؤمن﴾، أن ذلك لا يكون أصلًا.\nو﴿السفهاء﴾: جمع سفيه، وهو الجاهل الضعيف الرأي، القليل المعرفة بمواضع المنافع والمضار، وإنما نسبوا المؤمنين إلى السفه، وإلى ركاكة العقل وخفته، لأنهم بجهلهم وإخلالهم بالنظر، وبإنصاف أنفسهم، اعتقدوا أن ما هم فيه هو الحق، وأن ما عداه باطل، ومن ركب متن الباطل كان سفيهًا، ولأن المنافقين كانوا في رياسة وبسطة في قومهم، وكانوا في يسار، وكان أكثر المؤمنين فقراء، وفيهم الموالي، فدعوهم سفهاء تحقيرًا لشأنهم.\nلقد قص الله علينا نبأ المنافقين في هاته الآيات ليعلّمنا العلم الاجتماعي، ويرشدنا إلى مسالك البشر، ويرشدنا إلى أن الاعتماد على النفس من السبل الناجحة الموصلة إلى المطلوب، وأن الركون إلى العادة التي كان عليها الآباء هي العثرة العظيمة في سبيل السير، وأن المصلح لا بد له من أن يخلع لباس اتباع العادات، ولا يبالي باستهزاء أعداء الإصلاح، ولا بما يوقعونه في سبيله من","vol":"1","page":77},{"text":"العقبات، معتمدًا في ذلك على الله، سائلًا منه أن يوفقه لمقاصده، لئلا يزيغ كما زاغ أولئك الذين إذ قيل لهم: ﴿لا تفسدوا﴾، جعل العادة هاديًا لهم، فاختلط عليهم الحق بالباطل، فقالوا: ﴿إنما نحن مصلحون﴾، ومثل هؤلاء موجود في كل زمان، وفي كل مكان، وإذا نصحهم الناصح بأن يتبعوا طريق الحق، ويجعلوا النور المبين ضياء لهم في سيرهم، بدلًا من ظلام اتباع العوائد، أخذتهم الأنفة، وقادهم الكبر إلى الغرور، فقالوا: أنتخذ من الكتاب المنزل مأمنًا كما اتخذه السفهاء، لاعتقادهم أن عقولهم أوفى العقول وأشرفها، وأن ما كان عليه أسلافهم لا ينبغي العدول عنه بوجه من الوجوه، وأن من عدل عنه كان ضعيف الرأي سفيهًا، ولم يدروا أن ما هم عليه هو السفه بذاته، فعلى العاقل أن يتدبر أسرار هذا الموضع، وما فيه من الإرشاد إلى علم الاجتماع، ولا يقرأه قراءة من يقرأ القصص، ولا يعلم ما ترمي إليه، كما هو شأن المقلدين لأسلافهم، المغترين بما عندهم من نقطة ماء يحسبونها بحرًا، واتخذوا التلون شرعةً ومنهاجًا، وعدم الثبات ديدنًا لهم، كما أخبر عنهم تعالى بقوله:\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ (١٤)﴾.\nيقال: لقيته ولاقيته، إذا استقبلته قريبًا منه، والمعنى: أنه إذا حصل منهم استقبال للذين آمنوا، ﴿قالوا﴾ لهم: ﴿آمنا﴾ بمحمد، وبما جاء به من عند الله، ولم يكن قولهم ذلك، إلا خداعًا عن دمائهم وأموالهم، وذراريهم، ﴿واذا خلوا إلى شياطينهم﴾ أي: انفردوا مع مودتهم وأهل العتوّ والشر، والخبث منهم، ومن سائر أهل الشرك الذين هم على مثل الذي هم عليه من الكفر بالله، وبكتابه، ورسوله، وهم شياطينهم، ﴿قالوا﴾ لهم: ﴿إنا معكم﴾ على دينكم وظهراؤكم على من خالفكم فيه، وأولياؤكم دون أصحاب محمد - ﷺ -، و﴿إنما نحن مستهزؤون﴾ بالله وبكتابه، وبرسوله، وساخرون بذلك وبالمؤمنين، ولاعبون بهم، وأنت خبير بأن مثل هؤلاء لا يكيدون عدوًا، ولا يعينون في أمرٍ مهم ولا يحصل منهم إلا الضرر.\nولما كان فعلهم ليس على مقتضى أفعال الإنسانية أجابهم تعالى بقوله:","vol":"1","page":78},{"text":"﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٥)﴾.\n\nالاستهزاء في كلام العرب: إظهار المستهزئ للمستهزأ به، من القول والفعل ما يرضيه ويوافقه ظاهرًا، وهو بذلك من قوله وفعله، مورثه مساءةً باطنًا، وكذلك معنى الخداع والسخرية والمكر، وحيث إن هذا<span data-type=\"title\" id=toc-71> معنى الاستهزاء</span>، وكان الله تعالى قد جعل لأهل النفاق في الدنيا من الأحكام، بما أظهروا بألسنتهم من الإقرار بالله ورسوله، وبما جاء به من عند الله المدخل لهم في عداد من يشمله اسم الإسلام، وإن كانوا مستبطنين خلاف ذلك، منطوية ضمائرهم على خلاف ما عليه أهل الإيمان الصحيح، مع علم الله تعالى بكذبهم، وإطلاعه على خبث اعتقادهم، وشكهم فيما ادعوا بألسنتهم، أنهم به مصدقون، حتى ظنوا أنهم يحشرون في الآخرة في عداد من كانوا في عدادهم في الدنيا، وأنهم واردون موردهم وداخلون مدخلهم، والله تعالى، مع إظهاره ما قد أظهر لهم من الأحكام التي ألحقتهم بالمؤمنين، جعل تمييزًا بينهم وبين أوليائه، وتفريقًا بينهم وبينهم، وأعد لهم في الآخرة من العقاب والنكال ما أعده لأعدى أعدائه، وأشر عباده، وأعد لهم الدرك الأسفل من النار، ثم هم فيه لا يجدون وليًا ولا نصيرًا، كما كانوا يجدون ذلك في الدنيا، وأعد لهم في الدنيا نكالًا خفيًا، وهو أنهم لا يزالون في حسرة وحزن واتقاد نار الحسد في قلوبهم، يزداد ذلك بازدياد فوز المؤمنين على أعدائهم، وبإعلاء كلمة الإيمان، ويتجدد بذلك تجددًا لا يرجى انقاطعه، وما فعله بهم، وإن كان مجازاة لهم على أفعالهم، فإنه منه ﷾ عدل، لاستحقاقهم إياه بعصيانهم له، وكان بما أظهر لهم من الأمور التي أظهرها لهم، من إلحاقه أحكامهم في الدنيا باحكام أوليائه، وهم له أعداء، وحشره إياهم في الآخرة مع المؤمنين، وهم به من المكذبين، إلى أن ميز بينهم وبينهم مستهزئًا وساخرًا، ولهم خادعًا وبهم ماكرًا، إذ كان معنى الاستهزاء، والسخرية، والمكر والخديعة، ما وصفنا قبل، دون أن يكون ذلك معناه في حال فيها المستهزئ بصاحبه له ظالم، أو عليه فيها غير عادل، بل ذلك معناه في كل أحواله، إذا وجدت الصفات التي قدمنا ذكرها في معنى الاستهزاء، وروى أبو جعفر الطبري عن ابن عباس أنه قال في قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾، قال: يسخر منهم للنقمة منهم.","vol":"1","page":79},{"text":"ومعنى ﴿يمدهم﴾: يزيدهم، ويملي لهم ويتركهم ﴿في طغيانهم﴾، أي: في ضلالهم وكفرهم، وتجاوز الحد في ذلك ﴿يعمهون﴾، أي: يترددون حيارى (١) ضلالًا لا يجدون إلى المخرج سبيلًا، قد طبع الله على قلوبهم، وختم عليها فأعمى أبصارهم عن الهدى، وأغشاها فلا يبصرون رشدًا، ولا يهتدون سبيلًا، فقوله: ﴿يمدهم﴾، مضارع \"مَدَّ\" الجيش، وأمده إذا زاده، وألحق به ما يقويه ويكثره، و\"الطغيان\": الغلو في الكفر، ومجاوزة الحد في العتو، ومعنى ﴿يعمهون﴾ يتخبطون تخبط الذي لا بصيرة له أصلًا، مأخذوة من العمه، وهو: انبهام الأمور التي فيها دلالات ينتفع بها عند فقد الحس، فلا يبقى لصاحبه سبب يرجعه عن طغيانه، فلا يتعدى حدًا إلا عَمِهَ، فلم يرجع عنه، فهو أبدًا متزايد الطغيان. ولما تقرر ذلك كله كانت فذلكته بدون توقف:\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٦)﴾.\nإن قال قائل: كيف اشترى هؤلاء القوم الضلالة بالهدى، وقد كانوا منافقين لم يتقدم نفاقهم إيمان فيقال فيهم: باعوا هداهم الذي كانوا عليه بضلالتهم التي استبدلوها منه، والشراء اعتياض شيء، ببذل شيء مكانه عوضًا منه، والمنافقون الذين وصفهم الله بهذه الصفة، ألم يكونوا قط على هدى فيتركوه ويعتاضوا منه كفرًا ونفاقًا؟ أجيب بما روي عن ابن عباس وابن مسعود، أنهما قالا: أخذوا الضلالة وتركوا الهدى، وذلك أن كل كافر بالله مستبدل بالإيمان كفرًا، باكتسابه الكفر الذي وجد منه، بدلًا من الإيمان الذي أمر به، لأن كل مشتر شيئًا فإنما يستبدل مكان الذي يؤخذ منه من البدل آخر بدلًا منه، فكذلك المنافق والكافر، استبدلا بالهدى، الضلالة والنفاق، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾ [البقرة: ١٠٨] فأضل الله أولئك وسلبهم نور الهدى، فترك جميعهم ﴿فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ﴾ [البقرة: ١٧]، فخسروا بذلك، ﴿فما ريحت تجارتهم﴾، لأن\n_________\n(١) الأصل (حيالًا) والتصويب من تفسير ابن كثير.","vol":"1","page":80},{"text":"الرابح من التجار، هو: المستبدل من سلعته المملوكة عليه بدلًا هو أنفس من سلعته التي هي بضاعته، أو أفضل من ثمنها الذي يبتاعه به، فأما المستبدل من سلعته بدلًا دونها، ودون الثمن الذي يبتاعها به، فهو الخاسر في تجارته لا شك، فكذلك الكافر والمنافق لأنهما اختارا الحيرة والعمى، على الرشاد والهدى، والخوف والرعب على الحفظ والأمن، فاستبدلا في العاجل، بالرشاد الحيرة، وبالهدى الضلالة، وبالحفظ الخوف، وبالأمن الرعب؛ مع ما قد أعد لهما في الآجل من أليم العقاب، وشديد العذاب، فخابا وخسرا، ذلك هو الخسران المبين، استبدلوا الدين القيم الذي هو فطرة الله التي فطر الناس عليها، بالضلال، فكل من ضل فهو مستبدل خلاف الفطرة.\nفإن قلت: كيف أسند عدم الربح إلى التجارة، وإنما هو لأصحابها لا لها.\nقيل: هو من الإسناد المجازي، وهو أن يسند الفعل إلى شيء يتلبس بالذي هو في الحقيقة له، كما تلبست التجارة بالمشترين، وذلك أن الله تعالى خاطب عربًا فسلك في خطابه إياهم وبيانه لهم، مسلك خطاب بعضهم بعضًا، وبيانهم المستعمل بينهم، وأنت إذا تأملت الكتاب العزيز، وجدته سالكًا هذا الأسلوب البديع من التعبير بالحقيقة، حيث تكون البلاغة في جانبها، وبالمجاز حيث تكون البلاغة في جانبه، وبالأوصاف التي تعرفها العرب، كما في أوصاف الجنة، من أن فيها: فاكهة ونخلًا ورمانًا، والنار من أن فيها سلاسل، وأغلالًا وسعيرًا، وإن كانت حقيقة ما فيهما وراء ذلك، وما هو إلا وصف للشيء بما يقربه إلى العقول، وهذه القاعدة تنفع في كثير من تفسير الكتاب العزيز.\nوقوله: ﴿وما كانوا مهتدين﴾، معناه: أنهم ما كانوا رشداء في اختيارهم الضلالة على الهدى، واستبدالهم الكفر بالإيمان، واشترائهم النفاق بالإقرار والتصديق، فلم يهتدوا لطرق التجارة، كما يكون التجار المتصرفون العالمون بما يربح فيه ويخسر.\nتلك أوصاف المنافقين، قصها الله علينا لنعتبر بها، ونعلم أن كل من خادع في شرع الله وفي دينه، مندرج مع أولئك خاسر في تجارته، وغير مهتد إلى","vol":"1","page":81},{"text":"السلوك في طريق الحق، كل من أظهر التقى والصلاح، ليوقع الناس في شباك مكره وحيلته، وكل من دلس عليهم، يبتغي الاستفادة من أموالهم سفهًا وظلمًا، فذلك خاسر في تجارته، غير مهتد إلى سواء، متصف بأوصاف المنافقين، أولئك الذين كانوا يقفون عقبة، أمام ترقي النوع الإنساني ليستفيدوا جر مغنم خاص إليهم، ولا يبالون بهلاك غيرهم، لأن الشرائع لم تأتِ إلى البشرية لترقي ذلك النوع، وتفيض عليه أنواع العلوم بخالقه، وبما يرشده إلى سلوك سبيل الهدى في معاشه ومعاده، ليكون سعيدًا في الدارين.\nفإذا صادمها مصادم، أو صادَّها صاد، كان خارجًا عن فطرة الله التي فطر الناس عليها، فوجه الله اللوم إليه وغمره بعظيم عقابه، وخيب مساعيه، وكان مثله ومثل من هم على شاكلته، كما أخبر تعالى بقوله:\n﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾.\nضرب الأمثال في الكلام نوع عال من أنواع البلاغة، وكلما كان المثل مطابقًا لمقتضى الحال، ارتقى الكلام رتبة في درجات البلاغة، لأن الأمثال تؤثر في القلوب، ما لا يؤثره وصف الشيء في نفسه، لما فيها من تشبيه الخفي بالجلي، والغائب بالشاهد، فيتأكد الوقوف على ماهيته، ويصير الحس مطابقًا للعقل، ألا ترى أن الإيمان، إذا مُثل بالنور، يتأكد وقوعه في القلب، تأكدًا لا يكون كذلك إذا ذكر مجردًا بدون تشبيه؟ وأن الكفر إذا ذكر مجردًا عن التمثيل لم ينفر القلب منه، مثل نفرته عنه إذا شبه بالظلمة؟ ولا تتأكد النفرة مثل تأكدها إذا مثل بها؟ ولهذا مثل تعالى حالة المنافقين في تحيرهم وتلاعبهم، وما هم عليه من الأحوال العجيبة الشأن بحالة الذي استوقد نارًا، ولما كانوا بأجمعهم متفقين على حالة واحدة، ومسلك واحد من النفاق، وسالكين قانونًا واحدًا لا يتجاوزونه، عُدَّ فعلهم كانه فعل رجل واحد منهم، فمثل بحالة شخص استوقد نارًا، وهو نوع من البلاغة يعد في طبقة الإعجاز، وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿مثلهم﴾ فكان المعنى: أن مثلهم في أفعالهم، وأحوالهم التي وإن تعدد الفاعلون لها كانت لاتفاقهم عليها،","vol":"1","page":82},{"text":"كفعل رجل واحد، ﴿كمثل الذي استوقد نارًا﴾ ووقود النار: سطوعها وارتفاع لهبها، و﴿استوقد﴾ بمعنى أوقد كما قال الشاعر:\nوداعٍ دعا يا من يُجيب إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبْهُ عند ذاك مجيبُ (١)\nيريد: فلم يجبه، وهذا المسلك الذي سلكناه أولى ببلاغة الكتاب العزيز، وبعض المفسرين سلك في الآية مسلكًا، ارتكب به نقل الكلمة عن معناها الذي هو الأغلب في استعمال العرب إلى غيره، من غير حجة ولا برهان، ولا موجب يقتضي ذلك، فجعل ﴿الذي﴾ بمعنى \"الذين\"، ولم يدر أن التشبيه إذا كان للذوات لزم تشبيه المتعدد بالمتعدد، فتقول: كأن أجسام هؤلاء النخل، ولا تقول كأن أجسامهم النخلة، وإذا كان التشبيه للأخلاق والأفعال، كان الأفصح تشبيه أخلاق الجماعة أو أفعالهم بالواحد، كما أشرنا إليه، فتقول: إن أخلاق هؤلاء كطعم الحنظلة، وإن فعلهم كمثل الذي اقتدى بفرعون.\nوأما النار فعلى مصطلح أهل اللغة هي: جوهر لطيف، مضيء حار محرق والنور ضوؤها وضوء كل نير، وهو نقيض الظلمة، واصطلح الحكماء على أن الضوء: ما يكون للشيء لذاته، كما للشمس، والنور: ما يكون من غيره، كما للقمر، فإن نوره مستفاد من نور الشمس، وهذا مما يشهد له الكتاب العزيز في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا﴾ [يونس: ٥] وفي قوله: ﴿فلما أضاءت ما حوله﴾ لأن ضوء النار ما يكون لها لذاتها، والمعنى: أن ذلك المستوقد لما أوقد النار، وأراد أن ينتفع بضوئها في إبصار ما يريد إبصاره، ﴿ذهب الله﴾ الذي له كمال العلم والقدرة ﴿بنورهم﴾ المستفاد من النار، ولا نور لهم سواه، ﴿وتركهم﴾ أي: صيرهم ﴿في ظلمات لا يبصرون﴾ يخبطون في ظلمة، ويتورطون في حيرة، وما أصعب سلب الشيء بعد الوصول إليه، وأسند تعالى الإضاءة إلى النار، على سبيل المجاز العقلي على نمط أنبت\n_________\n(١) والبيت لكعب بن سعد الغنوي، وهو من قصيدة أصمعية جيدة، يرثي بها أخاه أبا المغوار، قال الأصمعي: ليس في الدنيا مثلها. ينظر \"زاد المسير في علم التفسير\" ١/ ١٨٩، ٥٠٤. طبع المكتب الإسلامي. وسيكرره المصنف عند تفسيره الآية ١٨٦ من سورة البقرة.","vol":"1","page":83},{"text":"الربيع البقل، ثم بيّن بقوله: ﴿ذهب الله بنورهم﴾، أنه هو الفعال المطلق، والقادر الذي لا يعجزه شيء، إن شاء سلب الأشياء خصائصها، والملزومات لوازمها، فيسلب النار ضوءها إذا شاء، ويهبها إياه إذا أراد.\nلما فرغ من المثل، كشف المراد بظلماتهم، بأنها ما في آذانهم من الثقل المانع من الانتفاع بالسماع، وما في ألسنتهم من الخرس عن كلام الخير، الناشئ عن عدم الإدراك، الناشئ عن عمى البصائر، وفساد الضمائر والسرائر، وما على أبصارهم من الغشاوة المانعة من الاعتبار، وعلى بصائرهم من الأغطية المنافية للادّكار، فقال:\n﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾.\nهذا خبر من الله جل ثناؤه عن المنافقين، أنهم باشترائهم الضلالة بالهدى لم يكونوا للهدى والحق مهتدين؛ بل هم ﴿صم﴾ عن السماع النافع الموصل إليهما، فلا يسمعون بها لغلبة خذلان الله عليهم، ﴿بكم﴾ عن النطق بهما، فلا ينطقون بهما لأن قلوبهم مختوم عليها، فلا ينبعث منها خير تقذفه إلى الألسنة؛ والبكم الخرس، وهو جمع أبكم. ﴿عمي﴾ عن أن يبصروهما فيعقلوهما، لأن الله قد طبع على قلوبهم بنفاقهم فلا يهتدون، وقد سبق لي أثناء الكلام على تفسير هذه الآية في الدرس، أن قلت: إن السمع والبصر ينقسمان إلى قسمين؛ الأول: سمع وبصر طبيعيان موجودان من أصل الخلقة والفطرة، وهذان يشترك فيهما جميع الحيوانات إلا النادر؛ والثاني: سمع وبصر موهوبان من الله تعالى، وبهما يطلع صاحبهما على أسرار الكون واستجلاء الحقائق، ولهما مَعين، وهو الفكر المستنير بنور من الله تعالى، المستمد من حكمة آثار الكون وعجائبه بواسطة البصر، ومن كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، بواسطة السمع.\nفإذا اهتدت النفس الناطقة، بسبب هذه الثلاثة، انطلق اللسان بالحق، وأنبأ عن تفجر ينابيع الحكمة في القلب، وإلا أصبح اللسان أبكم عن النطق بتلك المواهب، والأعين عميًا عن رؤية الآثار الإلهية في الكون، والآذان صمًّا عن سماع كلام الأنبياء، وحكمة الحكماء.\nفالمنافقون وإن وُهبوا القسم الأول فإنهم لم يوهبوا القسم الثاني، كما أخبر","vol":"1","page":84},{"text":"تعالى عنهم بذلك، وجعله علة لعدم رجوعهم عن غيِّهم وضلالهم، وإلى هذا الإشارة يقول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن جرير، حيث قال: لا يسمعون الهدى ولا يبصرونه، ولا يعقلونه.\nثم رأيت للحافظ شمس الدين محمد ابن قيم الجوزية، في كتابه \"مفتاح دار السعادة\" عند الكلام على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] كلامًا من هذا الموضوع حسنًا، وذلك أنه قال: وبصائر الناس في نور القرآن الباهر تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nأحدها: مَنْ عُدِم بصيرة الإيمان جملة، فهو لا يرى من محاسن هذا الدين إلا الظلمات والرعد والبرق، فهو يجعل أصبعيه في أذنيه من الصواعق، ويده على عينيه من البرق، خشية أن يخطف بصره، ولا يجاوز نظره ما وراء ذلك من الرحمة، وأسباب الحياة الأبدية، فهذا القسم هو الذي لم يرفع بهذا الدين رأسًا، ولم يقبل هدى الله الذي هدى به عباده، ولو جاءته كل آية، لأنه ممن سبقت له الشقاوة، وحقت عليه الكلمة، ففائدة إنذار هذا إقامة الحجة عليه، ليعذب بذنبه، لا بمجرد علم الله فيه.\nالقسم الثاني: أصحاب البصيرة الضعيفة الخفاشية، الذين نسبة أبصارهم إلى نور الشريعة الغراء، كنسبة أبصار الخفاش إلى جرم الشمس، فهم تبع لآبائهم وأسلافهم، دينهم دين العادة والمنشأ، وهم الذين قال فيهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: \"أو منقادًا للحق لا بصيرة له في إصابة\" فهؤلاء إذا كانوا منقادين لأهل البصائر، لا يتخالجهم شك ولا ريب، فهم على سبيل النجاة.\nالقسم الثالث: وهم خلاصة الوجود، ولباب بني آدم، وهم أولو البصائر النافذة، الذين شهدت بصائرهم نور الحق المبين، فكانوا منه على بصيرة ويقين، ومشاهدة لحسنه وكماله، بحيث لو عرض على عقولهم ضده لرأوه كالليل البهيم الأسود، وهذا هو المحك والفرقان بينهم وبين الذين قبلهم، فإن أولئك بحسب داعيهم، ومن يقرن بهم، كما قال فيهم علي بن أبي طالب: \"أتباع كل ناعق، يميلون مع كل صائح، لم يستضيؤوا بنور العلم، ولم يلجؤوا إلى ركن وثيق\"،","vol":"1","page":85},{"text":"وهذا علامة عدم البصيرة، فإنك تراه يستحسن الشيء وضده، ويمدح الشيء ويذمه بعينه، إذا جاء في قالب لا يعرفه، فيعظم طاعة الرسول ويرى عظيمًا مخالفته، ثم هو من أشد الناس مخالفة له، ونفيًا لما أثبته، ومعاداة للقائمين بسنته، وهذا من عدم البصيرة؛ ثم قال: وتحت كل من هذه الأقسام أنواع لا يحصي مقادير تفاوتها إلا الله، قال بعض السلف: وما أوتي أحد أفضل من بصيرة في دين الله، وكان بعض السلف الصالح يقول عن الدين الإسلامي: \"يا له من دين لو أن له رجالًا\".\nثم إنه تعالى، أخبر عن القوم، بأنهم لا يرجعون عن اشترائهم الضلالة بالهدى، إلى ابتغاء الهدى وإبصار الحق من غير حصر منه جل ذكره، من حالهم إلى وقت دون وقت، وحال دون حال، فقال: ﴿فهم لا يرجعون﴾، أي: لا يقلعون عن ضلالتهم، ولا يثوبون إلى الإنابة من نفاقهم، فأيس المسلمون من أن يبين هؤلاء رشدًا، ويقولوا حقًا، أو يسمعوا داعيًا إلى الهدى، أو أن يذكروا فيتوبوا من ضلالتهم، كما آيس من توبة قادة كفار أهل الكتاب والمشركين، وأحبارهم الذين وصفهم بأنه قد ختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وغشي على أبصارهم.\nثم ضرب لهم مثلًا آخر في سماعهم القرآن فقال:\n﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ فِيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبَرْقٌ يَجْعَلُونَ أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ الْمَوْتِ وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩) يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٠)﴾.\nالتمثيل الأول والثاني، من جملة تشبيه هيئة بهيئة، دون تشبيه مفرد بمفرد، والتمثيلات المركبة أبلغ من التمثيلات المفردة، وذلك لأنه يحصل في النفس من تشبيه الهيئات المركبة ما لا يحصل من تشبيه مفرداتها، فإنك إذا تصورت حال من أخذهم الصيب، وهو المطر النازل المنحدر المدرار، في ليلة أرخت سدولها وتكاثفت ظلماتها، بما تراكم بها من السحب، وصارت قطراتها منتسجة مع بعضها بعضًا، وتواترت فيها الرعود الهائلة، والبروق المخيفة، والصواعق المختلفة","vol":"1","page":86},{"text":"المهلكة، وهم في أثناء ذلك يزاولون غمرات الموت، حصل في نفسك هيئة عجيبة، توصلك إلى معرفة حال المنافقين، على وجه يتقاصر عنه تشبيهك الدين بالصيب، والشبهات بالظلمات، والرعد والبرق، بالوعد والوعيد، والتكاليف الشاقة. قال السكاكي: \"كلما كان التركيب خياليًا أو عقليًا، من أمور أكثر، كان حاله في البعد والغرابة أقوى\"، والتمثيل في هذه الآية أدل على فرط الحيرة، وشدة الأمر وفظاعته من التمثيل الأول، جريًا على قوانين البلاغة في التدرج في نحو هذا من الأهون إلى الأغلظ، وإنما أردف الصيب بقوله: ﴿من السماء﴾، وهو لا يكون إلا من جهتها، لأنه لما صح إطلاق لفظ سماء على كل ناحية وأفق منها، جيء بها هنا معرفة باللام لتفيد العموم، ويدل على أنه غمام مطبق أخذ بآفاق السماء، ولو نكرت لجاز أن يكون الصيب من بعض الآفاق، لأن كل أفق من آفاقها سماء، ولما كان قوله: ﴿أو كصيب﴾، معطوفًا على ما قبله، حذف لفظ المثل إيجازًا واختصارًا، والتقدير: أو كمثل صيب، أي: ذوي صيب نازل ﴿من السماء فيه ظلمات﴾، جمع ظلمة؛ والسحاب إذا كان أسود مطبقًا، فظلماته: سواده وتطبيقه، مضمومة إليهما ظلمة الليل، والمطر إذا تكاثف كانت له ظلمة، ويزيدها تهطاله وانسجامه بتتابع القطر، وتشتد بإظلال الغمامة مع ظلمة الليل، ولهذا أتى بلفظ الظلمات بالجمع.","vol":"1","page":87},{"text":"الرّعد وَالبرق وَالصّوَاعِق\nوأما الرعد والبرق، فليس في هذه الآية إشارة إلى أن منشأهما من أي شيء، غاية الأمر أنهما وقعا في تركيب التشبيه، فكان من اللازم أن نلوي عنان البحث عن الكلام عليهما؛ وعن الصواعق أيضًا، بل كان من اللائق أن لا نفسر شيئًا من ألفاظها، لأن أحدًا يعلم اللغة العربية لا يجهلها؛ غير أن المفسرين استطردوا هنا ذكر أسبابها بحسب ما لاح لهم، فلزمنا أن نذكر منها شيئًا، وإن كان سيأتي في كتابنا هذا أكثر مما ذكرناه، فنقول:\nتكلم الناس قديمًا وحديثًا على السبب الذي فيه البرق والرعد، والصواعق كلامًا كثيرًا، وأطالوا في الأدلة وأخذ كل متأخر ينقض قول من تقدمه إلى يومنا.\nوسيجيء قوم ينقضون جميع ما ذكره القوم من الأدلة، ويظهر لهم غير ما نحن عليه اليوم، وما ذلك إلا لأن علام الغيوب هو المظهر لما في الكائنات، ولا يمكن لمخلوق أن يطلع على حقيقة الموجودات، وأن يعلمها علمًا يقينيًا لا يقبل النقض بحال من الأحوال، ويعلم ما قلناه مسلمًا به، من يطالع كتب الحكماء، فإنه يرى كثرة اختلافهم في أسباب الأمور المشهودة، واستدراك المتأخر منهم على المتقدم، ونقض أدلته وزعمه أن السبب غير ما ذكره مَنْ سلف، أو أن السبب المذكور غير تام السببية، وغير ذلك مما يدل على أن أقوالهم رجم بالغيب.\nوإليك نموذجًا من ذلك:\nذكر المتقدمون من المفسرين، كابن جرير الطبري، وأضرابه، ومتابعيه:\n\"أن الرعد ملك يزجر السحاب بصوته\".\nوروي عن ابن عباس، ومجاهد: أنه ملك موكل بالسحاب، يسوقه كما","vol":"1","page":88},{"text":"يسوق الحادي الإبل، يسبح كلما خالفت سحابة أختها صاح بها، فإذا اشتد غضبه طارت النار من فيه (١)، فهي الصواعق التي رأيتم (٢).\nوروي عن ابن عباس، أن الصواعق تخرج من اصطكاك السحاب بعضه ببعض.\nوقال بعض من المفسرين الأقدمين: إن الرعد ريح تختنق تحت السحاب، فتتصاعد فيكون منه ذلك الصوت.\nوأما البرق، فروى ابن جرير عن علي بن أبي طالب أنه قال: \"إنه مخاريق الملائكة\" (٣) وقال آخرون: إنه سوط من نور يزجر به الملك السحاب، وهو مروي عن ابن عباس؛ وقال أبو الجَلْد: هو ماء، إلى غير ذلك من الأقوال التي لا شك بأنها مأخذوة عن الإسرائيليات.\nوأما غير هؤلاء فلهم مذاهب شتى، فذهب بعض المتقدمين إلى أن البرق شعاع الشمس يحتبس في السحاب، أو أنه قطعة من نار الأثير تختنق فيه، وقيل هو عكس شعاعي، وقيل: لما خلق الله السائل الذي تكونت منه الأرض، جعل منه عنصرًا شعاعيًا ناريًا سيالًا في غاية اللطافة، منتشرًا في جميع الأجسام بمقادير مختلفة، وله أوصاف وألوان كأوصاف الشمس وألوانها، وتنشا عنه أمور عجيبة، وسبب تكون هذا السائل ينشأ دائمًا على سطوح البحار الواسعة، المتأثرة دائمًا بأشعة الشمس، ومن ذلك التأثر ينشأ هذا السائل، ويصعد إلى الجو من غير انقطاع، كما أن البخار يتصاعد من غير انقطاع.\nوهذا يشبه ما ذكره أهل عصرنا من أن سببَ البرقِ الكهربائيةُ السارية في السحاب، ونحن بحسب ما عرفناه اليوم، يمكن أن يكون هذا القول صحيحًا، اللهم إلا أن يأتي بعدنا أو في زمننا قوم يكتشفون خلاف هذا، فإن هذه الفنون\n_________\n(١) فيه: أي فمه.\n(٢) الأصل (ترى) والتصحيح من الطبري.\n(٣) إنّ مثل هذا القول لا نظن صحته منسويًا لسيدنا علي﵁- ولا هو مما يدرك إلا من قول الله جلّ وعلا، أو قول المعصوم سيدنا محمد ﷺ.","vol":"1","page":89},{"text":"سائرة إلى الأمام، ولقد شاهدنا الشرر الكهربائي ليلًا من سلك في بيروت ونحن في جبل لبنان، فرأينا لا فرق بينه وبين البرق بوجه من الوجوه، إلا بالعلو والسفل، وهذا يتبين بما قاله الحكماء المتأخرون من أن الكهربائية موجودة في كل شيء بلا فرق، بين السحاب وغيره، فإذا تقاربت سحابتان كهربائيتان، إحداهما مثبتة والأخرى منفية (١)، لم يقو الهواء على الفصل بينهما تجاذبتا حتى تصيرا على بعد محدود، فتقدم كل واحدة منهما إلى الأخرى بشدة، فيظهر منهما نور هو البرق، ويسمع بعده دوي هو الرعد، فإن قوي الهواء على الفصل بينهما، وقاربت السحب من الأرض انقضت الشرارة الكهربائية أحيانًا منهما، فتنزل صاعقة تهلك ما تصيبه.\nوبالجملة فإن هذا من فعل القادر المختار، ومن آثار قدرته الباهرة ﷾.\nوقوله تعالى: ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾، جوابٌ عما عسى قائل يقول:\nكيف حالهم مع مثل ذلك البرق والرعد والظلمات؟ .\nفقيل: يجعلون أصابعهم في آذانهم، أي: أناملهم، فأطلق الكل وأراد البعض، على سبيل الاتساعات في اللغة، وفي ذكر الأصابع من المبالغة ما لا يوجد في الأنامل، و﴿من الصواعق﴾ متعلق بـ ﴿يجعلون﴾، أي: من أجل الصواعق، و﴿حذر الموت﴾، مفعول له للجعل المعلل بقوله: ﴿من الصواعق﴾ وقوله: ﴿والله محيط بالكافرين﴾، جملة اعتراضية، فائدتها التنبيه على أن الحذر من الموت لا يفيد، وإنما قال: ﴿محيط بالكافرين﴾، مع أن المقام للضمير، فكان حق المقال أن يقال: والله محيط بهم، للدلالة على أن المشبه حالهم بحال أصحاب الصيّب كفار، ليظهر استحقاقهم شدة الأمر عليهم، وإحاطة الله بالكافرين، مجاز شبه شمول قدرته تعالى إياهم، بإحاطة المحيط بما أحاط به، في امتناع الفوات، على سبيل الاستعارة التبعية، في الصفة التي هي محيط سارية إليها من مصدرها، ويصح أن يكون على سبيل الاستعارة التمثيلية بأن شبه حاله تعالى\n_________\n(١) المعبر عنه بالسالب والموجب.","vol":"1","page":90},{"text":"معهم، بحال المحيط مع المحوط، أي: شبه هيئة منتزعة من عدة أمور، بهيئة مثلها، وحينئذ لا تصرف في شيء من ألفاظ مفرداتها، إلا أنه لم يصرح ههنا إلا بلفظ ما هو العمدة في الهيئة المشبه بها، أعني: الإحاطة، والبواقي من الألفاظ منوية في الإدارة.\nثم استأنف تعالى الحديث عن بقية حالهم فقال: ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾، بكسر الطاء، والفتح أفصح، والخطف الآخذ بسرعة.\nولما كان من المعلوم أن البرق ينقضي لمعانه بسرعة، كان كأنه قيل: ماذا يصنعون عند ذلك؟، فقال:\n﴿كلما﴾ أضاء لهم، الآية، وهذا من تمام التمثيل لشدة الأمر على المنافقين، بشدته على أصحاب الصيب، وما هم فيه من غاية التحير، والجهل بما يأتون وما يذرون، إذا صادفوا من البرق لمعانًا، مع خوف أن يخطف أبصارهم انتهزوا ذلك اللمعان فرصة، فخطوا خطوات يسيرة، لأن زمان اللمعان قصير جدًا، فإذا خفي لمعانه وفتر، بقوا واقفين متقيدين عن الحركة، ولو شاء الله لزاد في قصيف الرعد فأصمهم وأعماهم.\nوفي جملة ﴿لو شاء الله﴾ حذف، والتقدير: ولو شاء الله أن يذهب بسمعهم وأبصارهم لذهب بها، وقد تكاثر هذا الحذف في: \"شاء\" و\"أراد\"، لا يكادون يبرزون المفعول، إلا في الشيء المستغرب، كما في قول الشاعر (١):\nولو شئت أن أبكي دمًا لبكيته ... عليه ولكن ساحةُ الصبر أوسَعُ\nثم إنه تعالى لما حذر المنافقين بأسه وسطوته، وأخبرهم بأنه محيط بهم وقدير على إذهاب أسماعهم وأبصارهم، وصف نفسه بالقدرة على كل شيء، بقوله: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، أي: إن الله على كل شيء يصح أن تقع عليه المشيئة، قدير بقدرة لا تتقيد بالأسباب.\nوهنا مباحث للمتكلمين من المعتزلة والأشعرية، وخلاف بينهم، في أن\n_________\n(١) لإسحاق بن حسان الخُرَيمي كما في \"الكامل\" ١٣٦٢.","vol":"1","page":91},{"text":"الشيء هل يتناول الموجود والمعدوم، كما ذهب إليه المعتزلة؟ أو: لا يتناول إلا الموجود؟ على معنى أن القدرة تتعلق بإيجاده.\nوكلا البحثين محلهما كتب الكلام، ومسلكنا أن كل ما تعلق قدرة الباري تعالى بإيجاده، ظهر من عالم الخفاء، إلى عالم الوجود، فهو تعالى الفاعل المختار.\nوليعلم: أن الله تعالى بسط في أوائل هذه السورة أحوال المنافقين، وضرب لهم الأمثال، ليظهر المعقول في صورة المحسوس، ليعلمنا بأنهم لما أضربوا عن سماع الحق، وعن النطق به، وعموا عن رؤية النور الباهر والبرهان الساطع، أمسوا في حيرة وجزع، ولم ينفعهم التملق ولا شقشقة اللسان بالقول بأنهم من أهل الإيمان، وليست هذه الإخبارات مقصورة على الذين كانوا حين نزول القرآن، بل هي غاية لكل من كان على صفتهم، وحذا حذوهم، وأخلد إلى التقليد المحض، ولم يفرض ما فهمه على كتاب الله، وعلى ما قاله رسول الله - ﷺ -، وإذا حدقت ببصيرتك رأيت جمًا غفيرًا من تلك الطائفة، في كل زمان ومكان، وعلمت أن القول بوجوب التقليد لمن قال واجب، ولا يليق عرضه على هذين الأصلين قول بأن العلم لا يمكن أن يعلم، وبأن الوصول إلى حقائق الأحكام، تعلقت قدرة الله تعالى بإفاضته على المتقدمين، ثم صار من بعدهم مستحيلًا، يمتنع تعلق قدرة الله به، والقرآن يناديهم فلا يسمعون، ويتلونه ولا يفهمون، كلما سمعوا نداءه كان الوقر في آذانهم، وكلما أضاءت لهم إضاءة توافق مشربهم مشوا، فتأتي آية بعدها تقبح أفعالهم، فيقفون حائرين ﴿يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق﴾ ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣] ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠] وأعظم من هذا، أن يقرؤوا ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾، ثم يصرحون بمقالتهم التي ينحل معناها إلى دعواهم، أن خزائن المواهب العلمية الإلهية، كانت ملأى في أيام المتقدمين، ثم نضب ماؤها وفرغت، فلم يبق بها شيء يفيض منه على المتأخرين، وكل ذلك كفر صريح ودخول في عداد المنافقين، الذين بين تعالى أحوالهم في هذه الآيات.","vol":"1","page":92},{"text":"ولما عدد الله فرق المكلفين من المؤمنين، والكفار والمنافقين، وذكر صفاتهم وأحوالهم، ومصارف أمورهم وما اختصت به كل فرقة، مما يسعدها، ويشقيها ويحظيها، عند الله تعالى، ويرديها، أقبل عليهم بالخطاب على سبيل الالتفات، ليرشدهم إلى الطريقة الحميدة في مجاري الأمور، وليستووا على جادة السداد في المصادر والموارد، فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾.\nأمرهم بالخضوع له بالطاعة، والتذلل له بالاستكانة، وإفراد الربوبية له والعبادة، دون الأصنام والأوثان والآلهة، لأنه جلّ ذكره هو خالقهم، وخالق من قبلهم من آبائهم، وأجدادهم، وخالق أصنامهم وأوثانهم وآلهتهم، والقادر على نفعهم وضرهم فهو أولى بالطاعة ممن لا يقدر لهم على نفع، ولا ضر، ﴿لعلكم تتقون﴾ بعبادتكم ﴿ربكم الذي خلقكم﴾، وطاعتكم إياه فيما أمركم به ونهاكم عنه، وإفرادكم له بالعبادة لتتقوا سخطه وغضبه أن يحل عليكم، وتكونوا من المتقين الذين رضي عنهم ربهم.\nوالإشارة في الآية إلى ما كأنه تعالى يقول: جعلت الرسول واسطة بيني وبينك أيها المنادي أولًا، ثم إني الآن أزيد في إكرامك وتقريبك، فأخاطبك من غير واسطة، ليحصل لك مع التنبيه على الأدلة شرف المخاطبة والمكالمة.\nوأتى بـ ﴿يا﴾ التي هي في الأصل حرف وضع لنداء البعيد، تنزيلًا لمن ناداهم منزلة الساهي والغافل، وإعلامًا بأن الخطاب الذي يتلوه معني به غاية العناية، لأنهم لو فطنوا إلى أن الله هو الذي خلقهم والذين من قبلهم، وجعل لهم الأرض فراشًا إلى غير ذلك مما هو مذكور، لم يكن لهم نفس تطيعهم على البقاء على حالتهم التي وصفها تعالى في الآيات السابقة، ولهذا تجد كل ما نادى الله له عباده، من أوامره ونواهيه، وعظاته وزواجره، ووعده ووعيده، واقتصاص أخبار الأمم الماضية، وغير ذلك مما نطق به كتابه، أمورًا عظامًا، وخطوبًا جسامًا، ومعاني عليهم أن يتيقظوا لها، ويميلوا بقلوبهم وبصائرهم إليها، وهم عنها غافلون.\nفاقتضى الحال أن ينادوا مناداة الساهي الغافل، ليستيقظوا من رقدة غفلتهم، ويتنبهوا لما نودوا لأجله.","vol":"1","page":93},{"text":"ولما كان المشركون يعتقدون ربوبيتين، ربوبية الله، وربوبية آلهتهم، وكان لفظ الرب يشترك فيه الربوبيتان، على نحو ما كانوا يزعمونه، وصفه بقوله: ﴿الذي خلقكم﴾، أي: اعبدوا الرب الحقيقي، الذي خلقكم، فإن ما سواه ليس بخالق فلا يستحق العبادة، وجملة ﴿لعلكم تتقون﴾، حال من فاعل ﴿خلقكم﴾، والمعنى: اعبدوا ربكم طالبًا منكم التقوى، ويصح أن تكون حالًا من المفعول، وما عطف عليه بطريق تغليب المخاطبين على الغائبين، لأنهم المأمورون بالعبادة، والمعنى: خلقكم وإياهم مطلوبًا منكم التقوى.\nوالأوجه عندي: أن تكون الجملة علة لما قبلها.\nومعنى ﴿لعل﴾ هنا التعليل، وهذا المعنى أثبته لها جماعة، منهم الأخفش، والكسائي، وحملوا عليه قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه: ٤٤] وإنما أثبتنا هذا لأن المفهوم من الآية أن خلقهم على تلك الحال في معنى: خلقهم لأجل التقوى، كأنه تعالى يقول: أنتم تعبدون الأوثان والأصنام، والنجوم وغيرهم من المعبودات، لتقربكم إلينا زلفى، وتجعلونهم واسطة، كأن أبواب الرحمة عليها حارس لا يدخل إلا الأفراد، وأن ما تعبدونهم لا يدفعون عن أنفسهم ضرًا، ولا يجلبون لها نفعًا، فكيف ينفعون غيرهم؛ أو يضرونهم، وحيث أنكم عبدتموهم لعلة الواسطة، فانظروا إلى الحقيقة الأصلية، فاعبدوا الذي خلقكم وخلق أسلافكم، وأصنامكم، لأجل هذه القدرة الباهرة، والحكمة العظيمة، ولما كانت التقوى قصارى أمر العابد، ومنتهى جهده قال هنا: ﴿لعلكم تتقون﴾، لأن التقوى إذا لزمتهم كان ما هو أدنى منها أكرم، والإتيان به أهون.\nثم اعلم أن الآية الكريمة مع كونها بعبارتها ناطقة بوجوب توحيده تعالى، وتحتم عبادته على كافة الناس، مرشدة لهم بطريق الإشارة، إلى أن مطالعة آيات الكون، المنصوبة في الأنفس والآفاق، مما يقضي بذلك قضاء متقنًا، وقد بين فيها أولًا من تلك الآيات ما يتعلق بأنفسهم من خلقهم، وخلق أسلافهم، لما أنه أقوى شهادة وأظهر دلالة، ثم عقب بما يتعلق بمعاشهم فقال:","vol":"1","page":94},{"text":"﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾.\nلفظة ﴿الذي﴾ كلمة موضوعة للإشارة إلى مفرد، عند محاولة تعريفه بقضية معلومة له، ولهذا تسمع علماء البيان يقولون: والمقام الصالح للموصولية هو: أن يصح إحضار الشيء بواسطة جملة معلومة الانتساب إلى مشار إليه، بحسب الذهن، لأن وضع الموصول على أن يطلقه المتكلم على ما يعتقد أن المخاطب يعرفه بكونه محكومًا عليه بحكم حاصل له، فقوله: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾، الآية يقتضي أن المخاطبين كانوا عالمين بأن هذه الأشياء المذكورة لم توجد لذاتها، وأنها موجودة بإيجاد موجد لها، وذلك تحقيق قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥، والزمر: ٣٨].\nولما كان العقل يقضي بأن العبادة والانقياد، يقتضيان أن يكونا للموجد الحقيقي، وأن ما يعبدونه من دونه محض افتراء وضلال، ذكر هنا خمسة أنواع من الدلائل، الدالة على أن العبادة لا تكون إلا لخالق الأكوان على الإطلاق، فذكر من الأدلة اثنين من الأنفس، وثلاثة من الآفاق، فبدأ أولًا بقوله: ﴿خلقكم﴾، ثم ثنى بالآباء والأمهات بقوله: ﴿والذين من قبلكم﴾، ثم ثلث بكون ﴿الأرض فراشًا﴾، ثم أتى بالدليل الرابع، وهو كون ﴿السماء بناء﴾، ثم أتى بالدليل الخامس المتضمن للأمور الحاصلة من السماء والأرض، فقال: ﴿وأنزل من السماء ماءً﴾ الآية، ثم ندد عليهم بقوله: ﴿فلا تجعلوا لله أندادًا﴾ ثم وبخهم على جريهم على غير مقتضى العلم، بقوله: ﴿وأنتم تعلمون﴾.\nإن في كلامه تعالى إرشادًا للضالين، وهداية للمستدلين، وبيانًا للمتعلمين.\nوقد خاطبت هذه الآية الأصناف الثلاثة، وأرشدت المتعلمين إلى كيفية ترتيب الأدلة، وذلك أنه لما كان أقرب الأشياء إلى الإنسان نفسه، وعلمه بأحوالها أظهر من علمه بأحوال غيره، وكان الغرض من الاستدلال إفادة العلم، فكلما كان أظهر دلالة، كان أقوى إفادة، وكان أولى بالذكر، فلهذا السبب، قدم ذكر نفس","vol":"1","page":95},{"text":"الإنسان، ثم ثناه بآبائه وأمهاته، ثم ثلث بالأرض لأنها أقرب إلى الإنسان من السماء، والإنسان أعرف بحال الأرض منه بأحوال السماء، ثم لما كان نزول الماء من السماء، وخروج الثمرات بسببه، كالأمر المتولد من السماء والأرض، والأثر متأخر عن المتأثر، قدم ذكر السماء عليهما، وأوضح هذا البيان بتقديم سابقة النعم، ومقدمتها، والسبب من التمكن في العبادة والشكر، وهو أنه خلقهم أحياء قادرين، ثم نبههم إلى أنه تعالى جعل لهم الأرض التي هي مكانهم، ومستقرهم الذي لا بد لهم منه فراشًا، أي: بمنزلة عرصة المسكن (١)، ومتقلبه ومفترشه، وروي عن ابن عباس، وجماعة من الصحابة، أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿جعل لكم الأرض فراشًا﴾، هي فراش يمشي عليها، وهي المهاد والقرار، ثم ذكر بآية ثانية من آلائه فقال: ﴿والسماء بناء﴾ أي: جعلها كالقبة المضروبة، والخيمة المطنبة، على هذا القرار؛ قال ابن جرير الطبري في تفسيره: سميت السماء سماء، لعلوها على الأرض، وعلى سكانها من خلقه، وكل شيء كان فوق شيء آخر فهو لما تحته سماء، ولذلك قيل لسقف البيت: سماؤه، لأنه فوقه، مرتفع عليه، ولذلك قيل: سما فلان لفلان، إذا أشرف له وقصد نحوه، عاليًا عليه، كما قال \"الفرزدق\":\nسَمَوْنا لِنَجْران اليماني وأَهْلِهِ ... وَنَجْرانُ أَرْضٌ لم تدب مَغاوِلُةْ (٢)\nوكما قال \"نابغة بني ذبيان\": سمت لي نظرة فرأيت منها (٣) ....\nيريد بذلك أشرفت لي نظرة وبدت، فكذلك السماء، سميت للأرض سماء\n_________\n(١) في الأصل: \"عرضة للسكن\" والتصويب من \"تفسير الكشاف\".\n(٢) شرح ديوان الفرزدق، تعليق عبد الله الصاوي، ط (١) ١٣٥٤/ ١٩٣٦. ٢/ ٧٣٥ ويختلف معه في عجز البيت. وهي كذلك في الطبري:\nونجران أرضٌ لم تدَيَّثْ مَقاوِلُةْ\nتديث: توطأ وتذلل. والمقاول: الملوك. ونجران: من بلاد اليمن على ساحل البحر الأحمر.\n(٣) في ديوانه بتحقيق د. شكري فيصل ص ١٥٩:\nصَفَحتُ بنظرة فرأيت منها ... تُحَيتَ الخِدْرِ واضِعَةَ القِرَامِ","vol":"1","page":96},{"text":"لعلوها وإشرافها عليها، وإنما ذكر السماء والأرض جل ثناؤه، فيما عدد عليهم من نعمه التي أنعمها عليهم، لأن منهما أقواتهم وأرزاقهم، ومعايشهم، وبها قوام دنياهم، فأعلمهم أن ذلك الذي خلقهما وخلق جميع ما فيهما، وما فيهم من النعم هو المستحق عليهم الطاعة، والمستوجب منهم الشكر والعبادة، دون الأصنام والأوثان التي لا تضر ولا تنفع، قال صاحب \"الكشاف\": فإن قلت هل في قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض فراشًا﴾، دليل على أن الأرض مسطحة، وليست بكروية؟ قلت: ليس فيه إلا أن الناس يفترشونها، كما يفعلون بالمفارش، وسواء كانت على شكل السطح؛ أو شكل الكرة، فالافتراش غير مستنكر ولا مدفوع لعظم حجمها، واتساع جرمها، وتباعد أطرافها، وإذا كان الافتراش متسهلًا في الجبل، وهو وتد من أوتاد الأرض، فهو في الأرض ذات الطول والعرض أسهل، قال: والبناء مصدر، سمي به المبني، بيتًا كان أو قبة، أو خباء أو طرافًا، وأبنية العرب أخبيتهم، ومنه: بنى على امرأته، لأنهم كانوا إذا تزوجوا ضربوا عليها خباءً جديدًا، انتهى.\nفقد علمت، أن الآية لا تشير إلى شكل الأرض، ولا إلى دورانها وعدمه، ولا إلى أن السماء ما هي وما شكلها. فما يقوله بعض المتفلسفين من أن القرآن الكريم يخالف ما علم بالأدلة القطعية إنما هو محض افتراء، وكذا ما يدعيه الجامدون من أنه مصادم لفني الهيئة، وطبقات الأرض، إنما هو لعدم علمهم، وبعد فهمهم لمدارك التنزيل، فالجامدون أعداء للدين (١) .... ويرحم الله القائل:\nومن البلية عَذْلُ من لا يرعوي ... عن جهله وخطابُ من لا يفهم\nوإني ذاكر في هذا الموضع إجمال الكلام في هذا المقام، ليكون كالمقدمة لما يأتي في مواضع كثيرة من هذا الكتاب، فأقول:\nحيث إن الصانع جل وعلا، هو الموجد لجميع الكائنات، فالبحث عن أشكالها وأوضاعها مع الإقرار بوجود صانعها لا يضرنا، بل هو من جملة التفكر في خلق السموات والأرض والاستدلال على قدرته الباهرة بآثارها الظاهرة.\n_________\n(١) حذفنا مقدار ثلاثة أسطر لأنه غير واضح ولا مستقيم.","vol":"1","page":97},{"text":"ومن جملة الذين استخدموا أفكارهم في معرفة بدائع خلق السموات والأرض، وما في الأولى من الكواكب، علماء الهيئة، فلما نظروا في شكل الأرض اختلفوا على قولين: الأول: أنها مسطحة، والثاني: أنها كروية الشكل.\nواستدل أصحاب القول بالكروية فقالوا: هي كروية من جهة الطول ومن جهة العرض، أما من جهة الطول فيما بين المشرق والمغرب، فلأن البلاد المتوافقة في العرض، أو التي لا عرض لها، كلما كانت أقرب إلى الغرب، كان طلوع الشمس وسائر الكواكب عليها متاخرًا بنسبة واحدة، وكذا الحال في الغروب، ولا يعقل ذلك التأخر في الطلوع والغروب بتلك النسبة، إلا في الكرة، ودليل هذا المدعي أننا لما رصدنا خسوفًا بعينه في وقت من الليل، وجدناه في بلاد شرقية مثلًا آخر الليل. وفي بلاد غربية تبعد عنها بنحو ألف ميل. قبل آخر الليل بساعة، وفي بلاد تبعد عنها إلى الغرب بالف ميل أيضًا، قبل الأول بساعتين، وقبل الثاني بساعة، وعلى هذا القياس فعلمنا أن طلوع الشمس على الغربية متأخر بنسبة واحدة، وأما كُرويتها من جهة العرض فيما بين الشمال والجنوب، فلأن السالك في الشمال كلما توغل فيه ازداد القطب ارتفاعًا عليه، بحسب إيغاله فيه، على نسبة واحدة، حتى يصير بحيث يراه قريبًا من سمت راْسه، ولذلك تظهر له الكواكب الشمالية التي كانت مختفية عليه، وتختفي عنه الكواكب الجنوبية التي كانت ظاهرة عليه، والسالك الواغل في الجنوب بالعكس من ذلك.\nوأما فيما بين الطول والعرض، فإن السالك فيما بين الشرق والشمال، يتقدم عليه الطلوع بمقدار قربه من المشرق، ويزداد ارتفاع القطب عليه بمقدار وغوله في الشمال، وقس على هذا حال السالك فيما بين المغرب والشمال، وحال السالك في السمتين المقابلين لهما.\nومن الأدلة أيضًا، أن الدليل التجريبي دل على أن غاية الأشكال التدوير، وهوالشكل الطبيعي للمادة، وعلى أن كل شيء مائل بطبعه للشكل الكروي ما لم يعرض عليه سبب خارجي يؤثر فيه، إلى غير ذلك من الأدلة الواضحة الدالة على كرويتها، مما ترى كثيرًا منها أثناء هذا الكتاب؛ وقال المعارضون: إن على سطح","vol":"1","page":98},{"text":"الأرض وهادًا وجبالًا شاهقة، وانخفاضًا وارتفاعًا، وهو مناف لكرويتها فأجاب المثبتون بأن أعظم جبل على وجه الأرض نسبته إلى مساحتها، كنسبة سُبع عرض شعيرة إلى كرة قطرها ذراع، ومثل هذا لا ينافي كرويتها، وبيَّن المتأخرون الجواب، بأن أعظم ارتفاع الجبال، لم يتجاوز التسع كيلومترات، والانخفاض لم يتجاوز ثلاث كيلومترات، وهذا لا يعد شيئًا بالنسبة إلى نصف قطر الأرض البالغ طوله ستة آلاف وثلاثمئة وستة وستين كيلو مترًا.\nثم اختلفوا في كونها متحركة أو ساكنة، وهذا الخلاف قديم، فإن \"فيثاغورث\" (١) كان قبل سيدنا عيسى بخمسمئة عام، وكان يعلم تلامذته في مدرسة \"كورتونيا\" على طريقة أن الأرض متحركة، فلما جاء بطليموس الرومي قبل ميلاد المسيح بمئة وأربعين سنة، اختار القول بأن الأرض ساكنة، وأنّ الشمس تدور عليها، وبنى مذهبه على ذلك، فشاعت قاعدته بين الناس، واشتهرت في البلاد لاستيلاء الروم على أقطار الأرض، فلما جاء الإسلام وترجمت الكتب، وقع في أيديهم كتب الهيئة على ما ذهب إليه الروم، فاعتنى بنقلها وهذبها كثير، منهم \"الفارابي\" في أوائل القرن الرابع من الهجرة، وتبعه \"ابن سينا\" وغيره ممن جاء بعده، وهجرت الطريقة التي كان عليها فيثاغورث.\nثم نبغ ببلاد لهستان رجل يقال له \"كوبر نيكوس\" (٢) وكان ماهرًا بالعلوم الرياضية، واشتغل بالهيئة والرصد والحكمة من سنة خمسمئة وألف إلى سنة ثلاثين وخمسمئة بعد الألف على التاريخ المسيحي، وهي سنة سبع وثلاثين وتسعمئة من\n_________\n(١) فيثاغورث: أحد حكماء اليونان تفرغ من صغره إلى درس الحكمة، وطلبها في مصر والشام وبابل. إليه يعزى تقويم الحساب المعروف بجدول فيثاغورث في الضرب. قال بتناسخ الأوراح. توفي نحو ٦٠٠ ق. م.\n(٢) هو عالم فلكي بولوني (١٤٧٣ - ١٥٤٣) برهن عن دوران الكرة الأرضية على ذاتها وحول الشمس، فغير النظرية القديمة بأن الأرض ثابتة وأن الشمس تدور حولها. وانظر كتاب \"ما دلّ عليه القرآن مما يعضد الهيئة الجديدة القويمة البرهان\" للعلامة الشيخ محمود شكري الآلوسي. طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":99},{"text":"الهجرة النبوية، فرجع إلى الطريقة التي كان عليها فيثاغورث- بالثاء آخره أو بالسين - المؤسسة على حركة الأرض، وقرر أن الشمس مركز، وأن الأرض وجميع السيارات تدور عليها، وأيد هذه الطريقة بتطبيقها على العلوم الرياضية، وألف في ذلك كتابًا سماه \"حركات الأجرام السماوية\" فقام عليه يومئذٍ علماء دين النصرانية، ورموه بالزيغ والإلحاد، ونهوا عن مطالعة كتابه، وكان ذلك في مجمع كنيسة رومية، ثم اشتهر كتابه وشاع هذا المذهب فنسب إليه، وقام يناصر هذه الطريقة جماعة في أوقات مختلفة، حتى صارت هي المتعارفة والمعول عليها، وسميت بالهيئة الجديدة، وأنت خبير بأنها ليست بجديدة بل هي قديمة، وموجودة في الكتب الإسلامية، وقد فصلها كثير من علماء الهيئة، ومن جملتهم \"القاضي عضد الدين الإيجي\" في كتاب \"المواقف\"، فإنه تكلم عليها في المقصد السادس من القسم الثالث، المشتمل على الكلام على العناصر، وكانت وفاته سنة ست وخمسين وسبعمئة من الهجرة النبوية، وحكاها أيضًا الإمام \"فخر الدين الرازي\" في مواضع من تفسيره، وأطال عند تفسير هذه الآية بما حاصله:\nاعلم أنه تعالى ذكر ههنا أنه جعل الأرض فراشًا، وكونها كذلك مشروط بأمور من جملتها كونها ساكنة، إذ لو كانت متحركة لكانت حركتها إما بالاستقامة أو بالاستدارة، فإن كانت بالاستقامة لما كانت فراشًا على الإطلاق لأن من قفز من موضع عال، كان يجب عليه أن لا يصل إلى الأرض لأن الأرض هاوية، وكذلك الإنسان هاوٍ، والأرض أثقل من الإنسان، والثقيلان إذا نزلا كان أثقلهما أسرعهما، والأبطأ لا يلحق الأسرع، فكان يجب أن لا يصل الإنسان إلى الأرض، فثبت أنها لو كانت هاوية لما كانت فراشًا، أما لو كانت حركتها بالاستدارة لم يكتمل انتفاعنا بها، لأن حركة الأرض مثلًا إذا كانت إلى المشرق والإنسان يريد أن يتحرك إلى جانب المغرب، ولا شك أن حركة الأرض أسرع، فكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه وأنه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، فلما أمكنه ذلك علمنا أن الأرض غير متحركة، لا بالاستدارة، ولا بالاستقامة، فهي ساكنة.\nوعجيب من الإمام الرازي ذكر مثل هذا الدليل الضعيف، إذ لا علاقة، بين","vol":"1","page":100},{"text":"حركة الأرض وبين حركة الماشي عليها، لأن الماشي يقصد نقطة من الأرض معينة، فمهما سارت الأرض بسرعة، كان هو عليها سائرًا إلى النقطة التي يقصدها، كالراكب في السفينة، بخارية كانت أو هوائية، فإنه يسير إلى جهة الغرب، أو الشرق على ظهرها، ويبلغ مكان قصده بلا عناء، وإن كانت السفنية سائرة إلى غير جهة قصده، وكذلك النملة تمشي على حجر الرحى وهو متحرك بالاستدارة، فتعاكس حركته وتبلغ مكان قصدها، ولا يؤخرها دوران الرحى شيئًا، نعم إنما يتم استدلال الإمام، فيما إذا كان السائر على الأرض، يطلب نقطة معينة من غير الأرض، فإنه حينئذ لا يبلغها، كالراكب في السفينة البرية، فإنها إذا كانت في سرعة سيرها، وأراد أن يلقي نفسه في نقطة معينة من الأرض، فإنه يعسر عليه أن يصل إلى النقطة التي قصدها، ومثل هذا ثابت بالمشاهدة والعيان، فلا حاجة إلى تطويل الكلام فيه، وحيث انتفى الدليل انتفى المدلول.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، فقد تقدم قول ابن جرير الطبري: إن العرب تطلق السماء على كل شيء فوق شيء. وقول صاحب الكشاف: إن البناء مصدر سمي به المبني. وأنت إذا تأملت الجو من جهة العلو، ومن جهاته الأربع، رأيت نظرك قد انتهى إلى منظر بديع، فإنك ترى قبة زرقاء قد أرخت أطرافها على الأرض، وهذا المرئي وإن لم يكن جسمًا، لكن يخيل للناظر أنه جسم حقيقي لا وهمي، ومن ثم قال \"الجاحظ\":\nإذا تأملت في هذا العالم وجدته كالبيت المعد فيه كلُّ ما يحتاج إليه، فالسماء مرفوعة كالسقف، والأرض محدودة كالبساط، والنجوم منورة كالمصابيح، والإنسان كمالك البيت المتصرف فيه، وضروب النباتات مهيآت لمنافعه، وضروب الحيوان مصرفة في مصالحه، فهذه جملة واضحة دالة، على أن المراد من السماء، ما نراه من الأشياء المحيطة بنا، بواسطة أن شعاع المبصر يخرج على شكل مخروطي متسع الأسفل، ضيق الأعلى، ولذلك نرى الجمل إذا كان أمامنا على هيئة، وإذا بعد عنا نراه صغيرًا على نسبة بعده عنا، إلى أن يبعد بمسافة ما يمكن البصر أن يشاهده بها فيختفي، وكذلك إذا نظرنا إلى الجو من جهاته","vol":"1","page":101},{"text":"الخمس، ينتهي بصرنا إلى غاية محدودة على التساوي، فيرتسم لنا قبة محيطة بنا، وحيث إن الله تعالى يخاطبنا على مقدار ما نفهم ونعقل، ونحن بحسب الرؤية نرى أن تلك القبة كأنها بناء فوقنا لا جرم، قال تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ فقد علمت: أنه ليس المراد بالبناء هنا ما يفهم عند العامة من أنه وضع لبنة فوق لبنة، كيف يكون وقد فسر تعالى ذلك البناء في موضع آخر في قوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩)﴾ [النازعات].\nفبين أن معنى بنائها، إنما هو جعل مقدار ارتفاعها، وذهابها في سمت العلو مديدًا رفيعًا، وأفاض عليها ما يتم به كمالها من الكواكب، والتداوير، من قولهم: سوى فلان أمره إذا أصلحه، وكذلك فسر دحو الأرض بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا﴾ [النازعات] وهذا لا ينافيه ما ذهب إليه أهل الهيئة في هذه الأعصار المتأخرة، من أن الأرض تدور حول الشمس، وأن هذا المرئي الذي نسميه سماء أو فلكًا هو فضاء واسع، وزرقته من اكتناف الأشعة الشمسية، ومن أنهم سموا كل كوكب ثابت شمسًا، وقالوا: إن لكل واحدة من هذه الشموس دائرة، وعدة متعلقات كثيرة، تدور حولها من السيارات والملتزمات، وذوات الأذناب، وكل واحد من هذه المتعلقات عالم مثل كرة أرضنا، ومن جملة هاتيك الشموس هذه الشمس المشهورة، ولها دائرة مخصوصة بها، وعدة متعلقات تدور حولها من السيارات والملتزمات، ومن جملة السيارات الدائرة حولها هذه الأرض، التي نحن عليها، والقمر ملتزم لها، ويدور عليها ومعها على الشمس، وفوق ذلك صفوف دوائر شمسية متكاثرة بعضها فوق بعض، إلى حيث لا يحيط به النظر، ولا يدركه الفكر، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١]، قال \"أبو العلاء المعري\":\nيا أيها الناس كم لله من فلك ... تجري النجوم به والشمس والقمر\nهين على الله ماضينا وغابرنا ... فما لنا في نواحي غيره خطر","vol":"1","page":102},{"text":"فالسماوات عندهم عبارة عن هذه الدوائر بما فيها من الكواكب الكثيرة، وأرجعوا كونها طباقًا إلى معنى، أن الكواكب الثابتة سبع طبقات، فما كان منها يرى في غاية الظهور والإضاءة فهو الطبقة الأولى، ويسمونها بالمرتبة الأولى، والقدر الأول، وما كان أبعد منها غير كثير وأقل في الظهور والإضاءة، بمقدار يسير، فهو الطبقة الثانية، وهكذا إلى الطبقة السادسة، كل طبقة ترى كواكبها أبعد من التي تحتها، وأقل منها ظهورًا واستنارة، والطبقة السابعة هي التي لا ترى كواكبها إلا بالمنظرة المعظمة، فهذه الطبقات عندهم هي طباق السماوات، وإذا أورد عليهم قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ [الملك: ٥] قالوا: السماء الدنيا، عبارة عن الدوائر الشمسية التي نحن فيها، المزينة بما فيها من السيارة، وسيارة السيارة، وذوات الأذناب، وغيرها، من متعلقاتها.\nعلى أننا لسنا الآن بصدد بيان علم الهيئة، ولا أننا نبين أمثال هذا لنوضح به اعتقادنا، ولكننا نورد أمثاله، لبيان أن البحث عن أشكال الأرض وأوضاعها، والسماوات ونجومها وأفلاكها، لا ينافيه القرآن، كما يعلمه من تدبره بعقل وفهم، والحقيقة ربما تكون على خلاف ما يقره علماء الهيئة وغيرهم، والله أعلم بحقائق الأمور.\nوأما قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ فإنه يشير إلى شيء عجيب في القدرة العظيمة، وذلك أنه تعالى لما خلق الأرض، وكانت كالدخان، ثم صارت ماء، وإليه الإشارة بقوله: ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧]، ثم صارت كالصدف والدرة المودعة فيه هي آدم وأولاده، وخلق في تلك الأرض أصناف حاجاتهم، وعلم آدم أسماءها كلها، وألهمه إلى أنها مخلوقة له، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] فكأنه قال: يا آدم لا أحوجك إلى شيء غير هذه الأرض، التي هي لك كالأم، فانظر يا عبدي، إن أعز الأشياء عندك الذهب والفضة، ولو أني خلقت الأرض منهما، هل كان يحصل منها هذه","vol":"1","page":103},{"text":"المنافع، ثم إني جعلت هذه الأشياء في هذه الدنيا، مع أنها موصوفة ومعروفة بكونها سجنًا، فكيف حال الجنة التي جعلتها دار القرار والنعيم الأبدي؟ وكذلك جعلت باطن هذه الأرض نارًا تلظى، وأقمت شاهدًا عليها البراكين، وهي الجبال التي تقذف من جوفها نارًا، وهذه النار تذيب المعادن وتنضجها، فكيف حال النار التي جعلتها دار المستقر والعذاب؟\nفالحاصل: أن الأرض أمك بل أشفق من الأم، لأن الأم تسقيك لونًا واحدًا من اللبن، والأرض تطعمك ألوانًا ربما لا تقدر على استقصائها، ثم أكد أنها أعظم من الأم بقوله في مكان هذا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ [طه].\nومعناه: نردكم إلى هذه الأم، ثم نخرجكم منها مرة ثانية، وهذا ليس بوعيد، لأن المرء لا يوعد بأمه، وذلك لأن مكانك من الأم التي ولدتك أضيق من مكانك من الأرض، ثم إنك مكثت في بطن الأم تسعة أشهر، فما مسّك جوع ولا عطش، فكيف إن دخلت بطن الأم الكبرى، ولكن الشرط أن تدخل بطن هذه الأم الكبرى، كما كنت في بطن الأم الصغرى، ما كانت لك زلة فضلًا عن أن تكون لك كبيرة، بل كنت مطيعًا لله بحيث دعاك مرة أخرى إلى الخروج إلى الدنيا، فخرجت إليها بالرأس طاعة منك إلى ربك، واليوم يدعوك للانقياد له، وإفراده بالوحدانية، وأنت تتلاهى عنه وربما اتخذت إلهًا غيره، وعظمت ذلك الغير حتى أردت أن تجعله مكانه، فناداك وخاطبك بهذه الآي وغيرها لعلك تنتبه من رقدتك.\nثم بسط لك الدليل فأعلمك بما يكون من شبه الاتصال (١) بين السماء والأرض، بإنزال الماء من السماء على الأرض، وإخراج ما في بطنها به مما يشبه النسل الحاصل من الحيوان، من أنواع الثمرات رزقًا لبني آدم ليتفكروا في أنفسهم، وفي أحوال ما فوقهم وما تحتهم ويعرفوا أن شيئًا من هذه الأشياء لا يقدر على\n_________\n(١) لم تكن واضحة في الأصل وقدرتها كذلك.","vol":"1","page":104},{"text":"تكوينها وتخليقها، إلا من كان مخالفًا لها في الذات والصفات، وذلك هو الصانع الحكيم ﷾.\nوقد يدعي متفلسفة زمننا، أن في الماء طبيعة مؤثرة، وفي الأرض طبيعة قابلة، فإذا اجتمعا حصل الأثر من تلك القوى، فما وجه نسبة الإيجاد إلى الله تعالى؟؟\nفنقول:\nإن وجود تلك الآثار على هذه الصفة، لا ينافي كونه بإيجاد الله تعالى، لأنه هو الموجد في الماء تلك الطبيعة، وفي الأرض تلك القابلية، كما يشير إليه ضمير ﴿بِهِ﴾ العائد إلى الماء، في قوله: ﴿فَأَخْرَجَ بِهِ﴾ أي: بالماء.\nفإن ادعى القائل نسبة الإخراج إلى طبيعة الماء، وقابلية الأرض قلنا له: هل هذه الطبيعة وتلك القابلية، وجدتا بأنفسهما؟ أم بإيجاد موجد، فإن قال: وجدتا بأنفسهما، قلنا: هذا ترجيح بلا مرجح، لم لا يجوز أن يكون النبات وجد نفسه، وكانت الأرض سكنًا له لاحتياجه إلى مكان يستقر به؟ وإن قال: إنهما وجدتا بإيجاد موجد، نقلنا الكلام إلى ذلك الموجد، وقلنا: لا يخلو إما أن يكون وجد بنفسه أم لا؟ فإن كان الأول، انقطع النزاع وعاد الأمر إلى تسليم الخالق الفعال لما يريد، وإن كان الثاني توقف الموجد على موجد، وهكذا، فيدور الأمر أو يتسلسل، والدور والتسلسل باطلان، فما لزم منهما باطل.\nعلى أنه سيمر بك في هذا الكتاب ما هو أوضح من هذا وأوسع مجالًا.\nوقد يشكل قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾، وغيره من الآيات المشابهة لها، على بعض علماء الهيئة من جهة كونه يقتضي نزول المطر من السماء، فيقول: الأمر ليس كذلك، لأن الأمطار إنما تتولد من أبخرة ترتفع من الأرض، وتتصاعد إلى الطبقة الباردة من الهواء، فتجتمع هناك بسبب البرد، ثم تتقاطر بعد اجتماعها وذلك هو المطر، فيقال له: قد علمت مما سبق أن العرب تطلق السماء على كل ما سما، أي: علا، وحيث إنه يصح إطلاق السماء على","vol":"1","page":105},{"text":"السحاب، والمطر ينزل منه فلا إشكال، على أن كثيرًا من المفسرين حتى الخازن والسيوطي، فسر السماء هنا بالسحاب، وهما أشد الناس نفرة من العلوم الطبيعية، وقال \"البيضاوي\" في تفسيره: و﴿مِنَ﴾ الأُولى، أي: في قوله تعالى: ﴿مِنَ السَّمَاءِ﴾ للابتداء، سواء أريد بالسماء السحاب فإن ما علاك سماء، أو الفلك، فإن المطر يبتدئ من السماء إلى السحاب، ومنه إلى الأرض على ما دلت عليه الظواهر، أو من أسباب سماوية تثير الأجزاء الرطبة من أعماق الأرض إلى جوّ الهواء، فتنعقد سحابًا ماطرًا، انتهى.\nقال \"الشهاب الخفاجي\" في حاشيته المسماة بـ \"عناية القاضي\": وتفصيل هذا الكلام، كما في كتب الحكمة الطبيعية، أن الشمس إذا سامتت بعض البحار والبراري، أثارت من البحار بخارًا رطبًا، ومن البراري بخارًا يابسًا والبخار أجزاء هوائية، يمازجها أجزاء صغار مائية، لطفت بالحرارة حتى لا تتمايز في الحس، لغاية صغرها، فإذا صعد البخار إلى طبقة الهواء الثالثة، تكاثف، فإن لم يكن البرد قويًا، اجتمع ذلك البخار وتقاطر لثقله بالتكاثف، فالمجتمع هو السحاب، والمتقاطر هو المطر، وإن كان البرد قويًا كان ثلجًا وبردًا، وقد لا يعقد سحابًا ويسمى ضبابًا، انتهى.\nوأيًا ما كان، فقد اتفق كل من علماء فن العلوم الطبيعية، والمفسرون على أن المطر ينزل من جهة العلو، وإذا كان بخارًا ارتفع إلى حيث شاء الله تعالى، فإذا تكاثف انحط عن مرتبته، ثم كان مطرًا أو ثلجًا أو بردًا، ولما كان السحاب جرمًا عظيمًا، كان كأنه جبل بين السماء والأرض.\nوالإشارة في هذه الآية إلى أن ما سَوَّاه ﷿، من شبه [الاتصال] (١) بين الأرض والسماء، بإنزال الماء من السماء على الأرض، والإخراج به من بطنها أشباه النسل الذي ينتج من الحيوان، من ألوان الثمار رزقًا لبني آدم، لتكون تلك الإشارة اعتبارًا في مخلوقاته تعالى، وسلمًا يصعدون به إلى النظر الموصل إلى\n_________\n(١) زيادة مني اقتضاها السياق.","vol":"1","page":106},{"text":"توحيده تعالى، وإفراده بالربوبية، والخلق والتدبير، وليعلموا أن هذه الأشياء نعمة منه تعالى، فيقابلونها بدوام الشكر، ويتفكرون في خلق أنفسهم وخلق ما فوقهم وما تحتهم، وأن شيئًا من هذه المخلوقات كلها لا يقدر على إيجاد شيء منها، فيتيقنوا عند ذلك، أنه لا بد لها من خالق، ليس كمثلها، حتى لا يجعلوا المخلوقات أندادًا له، وهم يعلمون أنها لا تقدر على نحو ما هو عليه قادر، ولذلك ختم هذه الآية بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، فهو مفرع على قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ﴾ على معنى: أن من خصكم بهذه النعم الجسام، والآيات العظام، ينبغي أن لا يشرك به، و\"الند\" المثل، ولا يقال إلا للمثل المخالف المعادي، قال \"جرير\" (١):\nأَتَيْمٌ تجعلونَ إليَّ نِدًّا ... وما تَيْمٌ لِذي حَسَبٍ نَديدُ\nفإن قلت: كان المشركون يسمون أصنامهم باسمه ويعظمونها، بما يعظم به من القرب، ولم يكونوا زاعمين أنها تخالف الله وتعاديه، بل كانوا يجعلونها شفعاء عنده، فلا تصلح تسميتها أندادًا له! قيل في الجواب:\nإنهم لما تقربوا إليها، وعظموها، وسموها آلهة، أشبهت حالهم حال من يعتقد أنها آلهة مثله، قادرة على مخالفته ومضادته، فقيل لهم ذلك على سبيل التهكم بهم، بتنزيلهم منزلة من يعتقد أنها آلهة حقيقية، والخطاب عام لكل من كانت حالته كحالتهم، ممن يفزع في الشدائد إلى مخلوق ما، مدعيًا أنه يجعله واسطة بينه وبين خالقه.\nثم إنه تعالى ختم هذا البيان بقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، ومعناه: وحالكم وصفتكم أنكم من صحة تمييزكم بين الصحيح والفاسد، والمعرفة بدقائق الأمور وغوامض الأحوال، والإصابة في التدابير والدهاء، والفطنة، بمنزل لا تدفعون عنه، وهكذا كانت العرب، خصوصًا ساكني الحرم من قريش وكنانة، لا تنال نارهم ليصطلى بها في استحكام المعرفة في الأمور، وحسن الإحاطة بها، وقد نزل\n_________\n(١) ديوان جرير بن عطية الخطفي: ١٢٩.","vol":"1","page":107},{"text":"تعالى: ﴿تَعْلَمُونَ﴾ منزلة اللازم، قصدًا إلى إثبات حقيقته في مقام المبالغة، فكأنه قيل: وأنتم من أهل العلم والمعرفة، والتوبيخ فيه آكد، أي: أنتم العارفون المميزون، ثم إن ما أنتم عليه من أمر ديانتكم من جعل الأصنام لله أندادًا هو غاية الجهل، ونهاية سخافة العقل، هذا التفسير على تقدير تنزيل الفعل المتعدي منزل اللازم، ويجوز أن تجعل المفعول محذوفًا لقرينة تدل عليه، وتقديره: وأنتم تعلمون أنه لا يماثل، أو أنتم تعلمون ما بينه وبينها من التفاوت، أو: أنتم تعلمون أنها لا تفعل مثل أفعاله، كما قال في موضع آخر: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الروم: ٤٠] وهذه التقديرات ذكرها صاحب الكشاف، وهي في غاية اللطافة.\nوللسلف في تفسير الآية مسالك، إيرادها يزيد المقام إيضاحًا، وهي:\nقال ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة، في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، معناه: أكفاء من الرجال تطيعونهم في معصية الله تعالى.\nوقال ابن وهب، قال ابن زيد (١): الأنداد الآلهة التي جعلوها معه، وجعلوا لها مثل ما جعلوا له.\nوقال أبو جعفر الطبري: إن الله تعالى عنى بهذه الآية كل مكلف عالم بوحدانية الله، وأنه لا شريك له في خلقه، مشرّك له في عبادته غيره كائنًا من كان من الناس، عربيًا كان أو أعجميًا، كاتبًا أو أميًا، وإن كان الخطاب لكفار أهل الكتاب، الذين كانوا حوالي دار هجرة رسول الله - ﷺ -، وأهل النفاق منهم: وممن بين ظهرانيهم، ممن كان مشركًا، فانتقل إلى النفاق بمقدم رسول الله - ﷺ -، انتهى.\nوبه يتضح أنه ليس في العالم أحد يثبت لله شريكًا يساويه في الوجود والقدرة، والعلم والحكمة، وهذا مما لم يوجد، حتى إن المنكرين لوجوده يحومون حول إثبات صانع سواه، فيتحيرون ولا يجدون إليه سبيلًا، ولكن الجهل\n_________\n(١) كانت في الأصل (يزيد) والتصويب من تفسير الطبري بتحقيق العلامة الأستاذ محمود شاكر.","vol":"1","page":108},{"text":"تلاعب بعباد الأوثان، فزين عبادتها لهم باستنباطات عديدة، تلاعب بها بكل قوم على قدر عقولهم، فطائفة دعاهم إلى عبادتها من جهة تعظيم الموتى، الذين صوروا تلك الأصنام على صورهم، وهذا هو الغالب على عوام المشركين، وأما خواصهم فإنهم اتخذوها بزعمهم على صور الكواكب المؤثرة في العالم عندهم، وجعلوا لها بيوتًا وسدنة وحجابًا وحجًا وقربانًا (١).\nولم يزل موجودًا في الدنيا، وآثاره بادية للعيان، وجاءت الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لإنكاره ومناظرة أهله، وأولهم سيدنا نوح ﵇، وقد أمر قومه بترك عبادة \"وَدّ ويغوث ويعوق ونسرًا\"، وهم أسماء لأصنامهم.\nثم سيدنا إبراهيم ﵇، فإنه ناظر قومه في بطلان الشرك، وكسر حجتهم بعلمه، وآلهتهم بيده، وآخرهم سيدنا محمد ﵊.\n_________\n(١) السدنة والحَسَكيَّة خدام تلك القبور والأوثان كما جعلوا لها أيامًا مخصوصة للحج. والعياذ بالله.\nومن المؤسف أن هذه العناية في بيوت الشرك، والمدافن التي يعظمها عباد القبور انتقلت من الكفار وعباد الصور والأوثان إلى المجتمعات الإسلامية في مختلف البلاد، ولا يكاد ينجو منها إلا القليل. فهذه قبور مزعومة للأنبياء، أو لغيرهم من الصحابة والعلماء عليها من الأبنية الشواهق، والكسو المزخرفة، ويتوجه الناس إليها بالسفر والحج والعبادة، وطلب الحاجات، وأحيانًا بالطواف حولها والسجود إليها، والنذور بالأموال والأنعام تُحمل من الأماكن البعيدة. ونرى أن علماء السوء، والحجاب والسدنة خدام تلك الأماكن هم الذين يزينون للجهال هذا الضلال بزخرف القول وبهرج الأفعال، ونقل الروايات المكذوبة عن المنامات والمشاهدات ...\nولعل أبرز مظاهر هذا عند المسلمين ما يشاهد فيما يسمى: \"مسجد سيدنا الحسين\" و\"مسجد السيدة زينب\" في القاهرة. وعند قبر أحمد البدوي في طنطا، وفي قرية راوية جنوبي دمشق عند قبر الست. وعند قبر ابن عربي في دمشق وقبر الشيخ عبد القادر في بغداد ... وإن ما يجري في النجف وإيران شيء لا يمكن وصفه. ولا حول ولا قوة إلا بالله، وكل هذا باسم الدين.\nوأما ما يفعل باسم القومية والزعامة الدنيوية فأشد وأخطر كما عند أتاتورك - مصطفى كمال- وجمال عبد الناصر في مصر، وسلطان المغرب، وقبر الشاه رضا بهلوي في طهران، ومن العجيب وجدت معلقًا فوقه صورة لساداتنا علي بن أبي طالب وولديه الحسن والحسين وفاطمة الزهراء بنت المصطفى - ﷺ -. وما يطلق عليه اسم \"قبر الجندي المجهول\" في أكثر من بلد.","vol":"1","page":109},{"text":"وطائفة زعموا أن الشمس ملك من الملائكة لها نفس وعقل، وهي أصل نور القمر والكواكب، ومنها تكونت الموجودات السلفية كلها، فعبدوها بحجة أنها ملك فتستحق التعظيم، والسجود والدعاء.\nوقوم عبدوا القمر بحجة أنه مدبر للعالم السفلي، ومنهم من يعبد أصنامًا اتخذوها على صورة الكواكب وروحانيتها، بزعمهم، وبنوا لها هياكل ومتعبدات، فوضع الصنم إنما كان في الأصل على شكل معبود غائب، فجعلوا الصنم على شكله وهيئته وصورته، ليكون نائبًا منابه، وقائمًا مقامه، وإلا فمن المعلوم أن عاقلًا لا ينحت خشبة أو حجرًا بيده، ثم يعتقد أنه إلهه ومعبوده.\nوبالجملة فإن أكثر أهل الأرض مفتونون بعبادة الأوثان والأصنام، ولم يتخلص منها إلا الحنفاء، أتباع ملة إبراهيم ﵇، وعبادتها في الأرض من قبل نوح ﵇، كما تقدم وهياكلها ووقوفها وسدنتها وحجابها، والكتب المصنفة في شرائع عبادتها، طبق الأرض والأمم التي أهلكها الله بأنواع الأهلاك، كلهم كانوا يعبدون الأوثان.\nوالقرآن، بل وسائر الكتب الإلهية، من أولها إلى آخرها مصرحة ببطلان هذا الدين، وكفر أهله، وأنهم أعداء الله ورسله، وأنهم أولياء الشيطان وعباده، وأنهم هم أهل النار.\nومن أسباب عبادة الأوثان الغلو في المخلوق، وإعطائه فوق منزلته، حتى جعل فيه حظ من الإلهية، وشبه بالله سبحانه، وهذا هو التشبيه الواقع في الأمم الذي أبطله الله ﷾، وأقام الأدلة على جهل مدعيه، ووبخهم هنا بقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾.\nولما أقام تعالى الدلائل القاهرة على إثبات الصانع، وأبطل القول بالشريك، عقبه بما يدل على النبوة، ولما كانت نبوة محمد - ﷺ -، مبنية على كون القرآن معجزًا، أقام الدلالة على إعجازه بقوله:\n﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٣)﴾.","vol":"1","page":110},{"text":"هذا احتجاج لنبيه - ﷺ -، على مشركي قومه من العرب، ومنافقيهم، وكفار أهل الكتاب، وضلالهم الذين افتتح بقصصهم قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ [البقرة] وإياهم يخاطب بهذه الآيات، ويدحض الشبهة عنهم في كون القرآن معجزة، ويريهم كيف يتعرفون أهو من عند الله كما يدعي، أم هو من عند نفسه، كما يدعون؟ بإرشادهم إلى أن يقدروا أنفسهم، ويذوقوا طباعهم، وهم أبناء جنسه وأهل جلدته.\nفقال: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ﴾ أيها المشركون من العرب، والكفار من أهل الكتابين، أنتم ومن كان على شاكلتكم، ﴿فِي رَيْبٍ﴾ أي: في شك ﴿مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾ محمد - ﷺ -، من النور الساطع، والبرهان القاطع، وآيات القرآن، وأني أنزلته إليه فلم تؤمنوا به، ولم تصدقوه فيما يقول: ﴿فَأْتُوا﴾ بحجة تدفع حجته، لأنكم تعلمون أن حجة كل صاحب نبوة على صدقه في دعواه النبوة، أن يأتي ببرهان يعجز جميع الخلق عن أن يأتوا بمثله، ومن حجة محمد - ﷺ - على صدقه، وبرهانه على نبوته، وأن ما جاء به من عندي، عجز جميعكم وجميع من تستعينون به من أعوانكم وأنصاركم، عن أن يأتوا بسورة من مثله، وإذا عجزتم عن ذلك وأنتم أهل البراعة في الفصاحة، والبلاغة والدراية، فقد علمتم أن غيركم عما عجزتم عنه من ذلك أعجز، كما كان برهان من سلف من رسلي وأنبيائي على صدقه، وحجته على نبوته، من الآيات ما يعجز عن الإتيان بمثله جميع خلقي، فتقرر حينئذ عندكم أن محمدًا لم يتقوله، ولم يختلقه، لأن ذاك لو كان منه اختلاقًا وتقولًا، لم يعجز جميع خلقي عن الإتيان بمثله، لأن محمدًا - ﷺ -، لم يتجاوز أن يكون بشرًا مثلكم، وفي مثل حالكم في الجسم، وبسطة الخلق، وذرابة اللسان، فيمكن أن يكون به اقتدار على ما عجزتم عنه، أو يتوهم منكم عجز عما اقتدر عليه.\nوالعدول عن \"أنزلنا\" المزيد في أوله الهمزة، إلى ﴿نَزَّلْنَا﴾ المضاعف العين، لأن المراد النزول على سبيل التدريج والتنجيم، وهو من مقاطعه (١) لمكان\n_________\n(١) هكذا العبارة عند الشيخ بدران، وبالرجوع إلى \"الكشاف\" ١/ ١٨٤ فوجدناها محازه: أي من أصحاب المحز ومكان القطع.","vol":"1","page":111},{"text":"التحدي، وذلك أنهم كانوا يطعنون في القرآن، ويرتابون فيه، من حيث أنه كان مدرجًا على قانون الخطابة والشعر، فكان ينزل سورة بعد سورة وآيات غب آيات، على قدر النوازل وعددها، وعلى مماثلة الحوادث، فكانوا يظنونه على مذهب أهل الخطابة والشعر، من وجود ما يوجد منهم مفرقًا موزعًا على الأحيان، حسب ما يبدو ويظهر لهم من الأحوال المتجددة، والحاجات السانحة، لا يلقي الناظم ديوان شعره دفعة، ولا يرمى الناثر بمجموع خطبه أو رسائله ضربة، ويقولون: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: ٣٢] فقيل لهم: إن ارتبتم في هذا الذي أنزل تدريجًا، فهاتوا أنتم بنجم من نجومه، وسورة من سوره، فإنه أيسر عليكم من أن تنزل الجملة دفعة واحدة، ويتحدى بمجموعه، فقد جعل ما اتخذوه ريبة قادحة، وسيلة إلى كونه حقًا لا يجول حول حماه شك، تقوية للتحدي، ودفعًا لما في صدورهم من الشبه، وهذا غاية الإلزام والتبكيت لهم، ولمن يأتي بعدهم من الطوائف التي تدعي أن القرآن اخترعه محمد من تلقاء نفسه، ولمن يقول بأنه اخترعه بإعانة جماعة من أصحابه، وينسبون رواية أخبار الماضين إلى سلمان الفارسي، إلى غير ذلك من المطاعن التي يتشبث بها بعض الضالين من أهل زمننا وغيره.\nوتقرير الدليل على المناهج العقلية، أن يقال: إن هذا القرآن لا يخلو حاله من ثلاثة وجوه لا زائد عليها، وهي: إما أن يكون مساويًا لسائر كلام الفصحاء؛ أو زائدًا على سائر كلامهم، بقدر لا ينقض العادة؛ أو زائدًا عليه بقدر ينقض العادة، والقسمان الأولان باطلان، لأنه لو كان كذلك لكان من الواجب أن يأتوا بمثل سورة منه، إما منفردين، وإما مجتمعين، داعين شهداءهم من دون الله، أو غير داعين لهم، فإن حصل التنازع وحصل الخوف من عدم القبول، فالشهود والحكام يزيلون الشبهة، وذلك لغاية الاحتجاج لأنهم كانوا في معرفة اللغة، والاطلاع على قوانين الفصاحة، في الدرجة القصوى، وكانوا في محبة إبطال أمره في الغاية، حتى بذلوا النفوس والأموال، وارتكبوا ضروب المهالك والمحن، وكانوا في الحمية والأنفة على حد لا يقبلون الحق، فكيف الباطل؟ وكل ذلك يوجب الإتيان بما يقدح في قوله، والمعارضة أقوى","vol":"1","page":112},{"text":"القوادح، فلما لم يأتوا بها، علمنا عجزهم عنها، وبهذا البيان ظهر بطلان القسمين الأولين، وثبت القسم الثالث، وأن القرآن لا يماثل قولهم، وأن التفاوت بينه وبين كلامهم ليس تفاوتًا معتادًا، فهو إذن تفاوت ناقض للعادة، فوجب أن يكون معجزًا، فهذا هو المراد من تقرير هذه الدلالة. فظهر أنه سبحانه كما لم يكتف في معرفة التوحيد بالتقليد، فكذا في معرفة النبوة لم يكتف بالتقليد.\nويقال في تقرير الدليل وجه آخر، وهو أن هذا القرآن لا يخلو من أن يكون بلغ في الفصاحة حد الإعجاز، وإما أن لا يكون قد بلغ هذا الحد، فإن كان الأول ثبت أنه معجز، وإن كان الثاني كانت المعارضة ممكنة على تقديره، فعدم إتيانهم بها مع كونها ممكنة، ومع توفر دواعيهم على الإتيان بها أمر خارق للعادة، يثبت كونه معجزًا على جميع الوجوه.\nواعلم أن القرآن العظيم مشتمل على أنماط من الإعجاز كثيرة، لكن يمكن اندماج أصنافها، واندراج أجناسها في أربعة أصول:\nالأصل الأول: حسن تأليفه، وانتظام كلماته، في سلك مبانيها المتناسبة لمقتضى معانيها، المتناسقة بين أعاليها وأدانيها، وفصاحته ووجوه إيجازه، وبلاغته في عجائب التراكيب وغرائب الأساليب، وبدائع العبارات وروائع الإشارات، الخارقة عادة العرب وهم، هم: في الفصاحة والبلاغة.\nالأصل الثاني: صورة نظمه العجيب، والأسلوب الغريب، المخالف لأساليب العرب في كلامهم، ومناهج نظمها ونثرها التي جاء القرآن عليه، ووقفت مقاطع آياته، وانتهت فواصل كلماته إليه، ولم يوجد قبله ولا بعده نظير له، ولا استطاع أحد مماثلة شيء منه، بل تحيرت فيه عقولهم، واندهشت دونه أحلامهم، ولم يهتدوا إلى مثله في جنس كلامهم من نثر أو نظم، أو سجع أو رجز أو شعر، ومن علم فنون البلاغة، وصنوف الفصاحة، وأرهف خاطرَه ولسانَه أدَبُ هذه الصناعة، ونطق بالشعر وأبدع في النثر، لم يخف عليه ما قلناه، فمن كان في شك من ذلك، فليقتحم هذا الميدان، ليرى نفسه كيف ترجع بالخيبة والحرمان.","vol":"1","page":113},{"text":"الأصل الثالث: ما انطوى عليه من الإعلام بالمغيبات الكائنات في الأزمنة السابقة، وما لم يكن ولم يقع بعد، فوجد في الأيام اللاحقة مطابقًا لما ورد، ومن أهمها: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ [الحجر] فكان كذلك لا يكاد يُعدُّ من سعى في تغييره، وتبديل محكمه من الحلولية والاتحادية، وأمثالهما، والمعطلة القائلين بتعطيل الكون عن المكون، لا سيما القرامطة، فأجمعوا كيدهم، وجهدهم وقوتهم، إلى يومنا هذا، فما قدروا على إطفاء شيء من نوره، ولا تغيير كلمة من كلامه، ولا تشكيك المسلمين في حرف من حروفه، على أنه لا عبرة بمن اغتر بشيء من كلام الملحدين، فظنه تصوفًا، فخرج من العقل إلى الجنون.\nالأصل الرابع: ما أنبأ به من أخبار القرون الماضية، والأمم الهالكة الفانية، والشرائع الدارسة، مما كان لا يعلم منه القصة الواحدة إلا الفرد الواحد، من أحبار أهل الكتاب الذي قطع عمره في تعلم ذلك، فيورده النبي - ﷺ - على وجهه، ويأتي به كما قرأه من غير تصرف في لفظه، فيعترف العالم بذلك بصحته وصدقه، وأن مثله لم ينله بتعليم، وقد علم جميعهم أنه - ﷺ - أميّ لا يقرأ ولا يكتب، في جميع عمره، ولا اشتغل بمدارسة مع العلماء، ولا مجالسة مع الشعراء والفضلاء، ولم يغب عنهم غيبة يمكنه التعلم فيها من غيرهم، ولا جهل أحد منهم حاله منذ كان صغيرًا إلى أن بعث كبيرًا، وقد كان أهل الكتاب كثيرًا ما يسألونه عن أشياء، فينزل عليه من القرآن ما يتلو عليهم منه ذكرًا، فلم يقدروا على تكذيب ما ذكره، بل كانوا يذعنون لذلك، فمن توفق آمن، ومن شقي تولى حسدًا وعنادًا، ومن لم ينكر ولم يكذب، وادعى أن عنده مخالفة لما في الذكر الحكيم، أقام عليه الحجة، وكشف دعوته وقال له: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [البقرة: ١١١، والنمل: ٦٤].\nومما ينتظم في سلك هذه الأصول، الروعة التي تلحق قلوب سامعي القرآن وأسماعهم عند سماعه، والهيبة التي تعتريهم عند تلاوته لقوة حاله ورفعة قدره، وعظمة أمره، وهي على المكذبين به أعظم، حتى إنهم يستثقلون سماعه،","vol":"1","page":114},{"text":"ويزيدهم نفورًا ويودون انقطاعه لكراهتهم له، وأما المؤمن به، فلا تزال روعته به وهيبته إياه مع تلاوته، توليه انجذابًا، وتكسبه هشاشة لميل قلبه إليه، وتصديقه به، ويدل على أن هذا شيء خص به هذا الكتاب، أنه يصيب بهذه الروعة من لا يفهم معانيه، ولا يعلم تفاسيره، فكيف بمن علمها.\nثم هو يناديهم قائلًا: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾، من يوم نزلت هذه الآية إلى الآن، وقد مضى على نزولها ثلاثة عشر قرنًا (١)، ويسمع هذا النداء علماء اللسان، وأئمة البلاغة، وفلاسفة العالم، وفرسان الكلام، وجهابذة البلاغة، وفيهم الملحد والزنديق والمخالف، فما منهم من أتى بشيء يروى في معارضته، ولا ألف كلمتين في مناقضته، ولا قدر فيه على مطعن صحيح، ولا قدح من تكلف ذلك من ذهنه إلا بزند شحيح، بل المروي عن كل من قصد ذلك إلقاؤه في العجز بيديه، والنكوص على عقبيه، وهو يدعوهم إلى المعارضة، ويسفه رأيهم، ويذم نِحَلهم، ويبكتهم وينذرهم ويحذرهم، وهم ساكتون، وإذا اعترضوا عليه بشيء، لم يلبث أن يذهب أدراج الرياح، ويأتيه من إعجازه ريح عقيم لا تمر على شيء من المفتريات إلا جعلته كالرميم، فقوله تعالى:\n﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾، متعلق ﴿بِسُورَةٍ﴾ صفة لها، والتقدير: فأتوا بسورة كائنة من مثل ما نزلنا على عبدنا، فـ ﴿مِنْ﴾ هنا للبيان، لأن السورة المفروضة التي تعلق بها الأمر التعجيزي، مثل المنزل في حسن النظم، وغرابة الشأن، فالعجز عن الإتيان بالمثل الذي هو المأتي به، وهذا لا يتبين إلا بجعل ﴿مِنْ﴾ للبيان، ولا يصح من جهة المعنى أن تجعل ﴿مِنْ﴾ تبعيضية، لأنها توهم حينئذ أن للمنزل مثلًا عجزوا عن الإتيان ببعضه، فيصير التقدير كأنه قيل: ﴿فَأْتُوا﴾ ببعض ما هو مثل للمنزل، فالمماثلة المصرح بها ليست من تتمة المعجوز عنه، حتى يفهم أنها منشأ العجز.\nوجوز صاحب الكشاف، أن يكون ضمير ﴿مِنْ مِثْلِهِ﴾ عائدًا على ﴿عَبْدِنَا﴾، وفيما جوزه غلط من وجوه:\n_________\n(١) ونحن الآن في مطلع القرن الخامس عشر الهجري.","vol":"1","page":115},{"text":"أحدها: أنا لو صرفنا الضمير إلى محمد ﵊، لأوهم ذلك أن صدور مثل القرآن ممن لم يكن مثل محمد، في كونه أميًّا ممكن، ولو صرفنا إلى القرآن كما قلنا به سابقًا، لدل على أن صدور مثله من الأميّ، وغير الأميّ ممتنع، فكان القول بذلك أحقّ بالاعتبار.\nوثانيها: أن الصرف المذكور يؤدي إلى كون القرآن معجزًا، إنما يكمل بتقرير كمال حاله - ﷺ -، في كونه أميًا بعيدًا عن العلم، لا يكتب ولا يقرأ المكتوب، وهذا وإن كان معجزًا أيضًا، إلا أنه لما كان لا يتم إلا بتقرير نوع من النقصان في حقه ﵊، كان ما رقمناه سابقًا أولى، لأن إرجاع الضمير إلى القرآن، يعلمنا أنه هو المعجوز، عن الإتيان بمثله، لكمال حاله في الفصاحة والبلاغة.\nوثالثها: أن صرف الضمير لما نزلنا مطابق لسائر الآيات الواردة في باب التحدي، لا سيما لقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ [يونس].\nفإنك ترى ضمير ﴿مِثْلِهِ﴾ هنا عائدًا إلى القرآن قطعًا، ودالًا على أن الضمير هنا عائد لما نزلنا، لأن البحث إنما وقع في المنزل، لأن الآية يصرح معناها، بأانه إن ارتبتم بأن القرآن منزل من عند الله، فهاتوا أنتم شيئًا مما يماثله.\nولو كان الضمير مردودًا إلى رسول الله - ﷺ -، لكان المعنى أن يقال:\nوإن ارتبتم في أن محمدًا منزل عليه فهاتوا قرآنًا من مثله.\nورابعها: أن عود الضمير إلى القرآن، يقتضي كونهم عاجزين عن الإتيان بمثله، سواء اجتمعوا أو انفردوا، وسواء كانوا أميين أو كانوا عالمين، وهذا المعنى لا يتم لو أرجعنا الضمير إلى محمد - ﷺ -، لأنه يصير حينئذ أن الآحاد من الأميين","vol":"1","page":116},{"text":"عاجزون عنه، لأنه لا يكون مثل محمد إلا الشخص الواحد الأمي، فأما لو اجتمعوا وكانوا قارئين لم يكونوا مثل محمد، لأن الجماعة لا تماثل الواحد، والقارئ لا يماثل الأمي، ولا شك أن الإعجاز على الوجه الأول أولى.\nوقوله تعالى: ﴿وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ﴾، الآية، فمعناه: فأتوا بسورة من مثل القرآن، واستنصروا واستعينوا على ذلك بأعوانكم، الذين يشاهدونكم، ويعاونونكم على تكذيبكم الله ورسوله، ويظاهرونكم على كفركم ونفاقكم، واستعينوا أيضًا بأوثانكم وبرؤسائكم، وأكابركم إن كنتم محقين في ادعائكم، أن ما جاءكم به محمد - ﷺ -، اختلاق وافتراء لتمتحنوا أنفسكم وغيركم، هل يقدرون على أن يأتوا بسورة من مثله، فيقدر محمد على أن يأتي بجميعه من قبل نفسه اختلاقًا.\nوإنما قلنا بالتعميم في معنى الشهداء، فجعلناه شاملًا للأوثان والرؤساء والأعوان، لأن الشهداء جمع شهيد، بمعنى: الحاضر، أو القائم بالشهادة، ولا مانع من جعله مجازًا على المعين والناصر وأوثانهم وأكابرهم، مشتركة في أنهم كانوا يعتقدون فيهم كونهم أنصارًا لهم، وأعوانًا، وإذا حمل اللفظ على هذا المفهوم المشترك دخل الكل فيه، واستعمل لفظ دون هنا، وفي أمثاله في كل ما يجاوز حدًا إلى حد.\nفمعناه هنا: وادعوا إلى المعارضة من شئتم غير الله ﷾، فإنه لا يقدر أن يأتي بمثله إلا هو ﷾، ثم أحضروا من شئتم إذا أتيتم بشيء، وزعمتم أنه مثل القرآن ليشهد لكم أنه مثله، فإنكم لا تقدرون على ذلك، وهذا نوع من التبكيت لهم غريب، حيث أطلق لهم العنان في المعارضة، وأعطاهم الحرية فيها، ليقروا بالعجز من تلقاء أنفسهم، ويوضحه أن يقال: لو أن إنسانًا ادعى قلب الحقائق، وجعل ينازع في إثبات دعواه، ويشاغب، فتترك أنت شغبه، وتقول له: اقلب حقيقة هذه الشجرة، من حقيقة الشجرية إلى حقيقة الذهبية، فإنك متى طلبت له ذلك نكص على عقبه، وانقطع شغبه، وختم ذلك التبكيت بقوله:\n﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، بأن هذا القرآن من كلام البشر، وإلا فارعواؤكم عن غيكم أولى لكم.","vol":"1","page":117},{"text":"ولما أرشدهم إلى الجهة التي يتعرفون بها أمر النبي - ﷺ -، وما جاء به حتى يعثروا على حقيقته وسره، وامتياز كونه حقًا من كونه باطلًا قال لهم:\n﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ (٢٤)﴾.\nأي: فإن لم تعارضوه، ولم يتسهل لكم مطلوبكم الذي تطلبونه، وبغيتكم التي تبغونها، وظهر لكم أن القرآن معجوز عن الإتيان بمثله، فقد انكشف الحق عن خالصه، ووجب التصديق. ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾ أي: آمنوا وخافوا العذاب المعد لمن كذب؛ ففي الآية دليلان على إثبات نبوة النبي ﷺ:\nأحدهما: كون المُتحدى به معجزًا، لأن تلك الطائفة التي عجزت عن الإتيان بمثله مع تكاثر عددها، وتهالكها على المغالبة، كانت في غاية البلاغة، ونهاية الفصاحة، فلما عجزت عن ذلك، علم عادة أنه معجوز عن الإتيان بمثله أبد الدهر، إذ لا يتصور زيادة عما كانوا عليه من العدد التي تؤهلهم للمعارضة وأسبابها.\nوالثاني: الإخبار بقوله: ﴿وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾، وهو غيب لا يعلمه إلا الله تعالى، ويمكن في هذا المقام أن يقال: إن صدق الأخبار إنما يعلم بعد انقراض الأعصار كلها، ويوضح بما ينفي هذا المقول، بأن الخطاب إنما كان خطاب مشافهة، فيختص بالموجودين، فإذا انقرضوا ولم يفعلوا تبين صدقه، وكان معجزة، وكذا قبل انقراضهم للقطع بأن قدرتهم لا تزيد بعد ذلك الزمان الذي تحدوا فيه.\nوقد حرر هذا الجواب جماعة من المفسرين المتأخرين، منهم السيد الشريف الجرجاني في حاشية أوائل الكشاف، والذي أراه أن هذه الآية حجة على المعارضين في كل عصر، وفي كل جيل، والقرآن ينادي كل من يروم المعارضة، ويقيم الحجة على الموجودين، فإذا وجد المعدومون أقام عليهم الحجة مجددًا، وأظهر المعجزة، وهكذا في كل جيل ليكون الإيمان بأن القرآن منزل من عند الله اجتهادًا لا تقليدًا، وبعلم كل فرد وجد، بأنه كما أن من قبله لم يفعل المعارضة،","vol":"1","page":118},{"text":"والإتيان بمثل هذا القرآن، كذلك هو ومن في عصره لم يقدروا على المعارضة ولم يفعلوا ولن يفعلوا، ويوضحه أنه من أيامه ﵊، إلى عصرنا هذا، لم يخل وقت من الأوقات ممن يعادي الدين والإسلام، وتشتد دواعيه في الوقيعة فيه، ثم إنه مع هذا الحرص الشديد، لم توجد المعارضة قط، وهذا يدل على فساد قول الجهال الذين يقولون: إن كتاب الله لا يشتمل على الحجة والاستدلال.\nوههنا لطيفة لغوية، وهي: أنه لو قيل إن المقام في قوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا﴾ \"إذا\" لأنها للجزم في المعنى، دون ﴿إِنْ﴾ التي هي للشك، فلِمَ لَمْ يؤت بإذا، ويقال: وجه العدول عن \"إذا\" إلى \"إن\" إنما هو للتهكم بهم، وكما يقول الموصوف بالقوة، الواثق من نفسه بالغلبة، على من يقاومه: إن غلبتك ماذا تفعل؟ وهو يعلم أنه غالبه، ولكنه يقول له ذلك تهكمًا به، ولأن يساق القول معهم على حسب حسبانهم، فإنهم كانوا بعد غير جازمين بالعجز عن المعارضة، هم وكل من أتى على شاكلتهم لاتكالهم على فصاحتهم، واقتدارهم على الكلام.\nووجه اتصال ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ﴾، وفائدة اشتراطه يظهر من ترتيب مقدماته، وهي: أنهم إذا ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق الرسول، وإذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، فاتقاء النار يوجب ترك العناد، وهذا هو الإيجاز الذي هو أحد أبواب البلاغة، وفيه تهويل لشأن العناد، وإنابة اتقاء النار منابه، متبعًا ذلك بتهويل صفة النار وتفظيع أموها.\nوالوَقود: ما ترتفع به النار، وهو بفتح أوله الحطب، وبضمه الاتقاد.\nوالمعنى: أنها نار ممتازة عن النيران، بأنها لا تتقد إلا بالناس والحجارة، فهي لإفراط حرها تتقد في الحجر، فليست كنار الدنيا التي نشاهدها، لأن سائر النيران إذا أريد إحراق الناس بها، أو إحماء الحجارة، أوقدت أولًا بوقود، ثم طرح فيها ما يراد إحراقه أو إحماؤه، وتلك أعاذنا الله منها برحمته الواسعة، توقد بنفس ما تحرق.\nوفي الآية إشارة إلى أمرين:","vol":"1","page":119},{"text":"أحدهما: يدل على الإخبار بغيب، وهو أن من الحجارة ما هو قابل لأن يكون وقودًا الآن، والآية، وإن كانت مسوقة لتهويل أمر النار في الآخرة، إلا أن الحكمة الإلهية اقتضت أن يكون كثير مما في الآخرة له نموذج في الدنيا، ولما كان الأمر كذلك، وكانت الحجارة الفحمية مخبوءة في خزائن الأسرار، حين نزول القرآن إلى أن ظهرت تلك الإشارة إلى الوجود، وأظهر لهم تعالى حجارة تقوم مقام الحطب في الاشتعال، ليزدادوا يقينًا بوعده تعالى ووعيده، ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾ [البقرة].\nوثانيهما: أن المشركين لما قرنوا أنفسهم في الدنيا بالحجارة حيث نحتوها أصنامًا فعبدوها من دون الله تعالى، وقالوا: إنها الشفعاء والشهداء، الذين يستشفعون بهم، ويستدفعون بهم المضار عن أنفسهم تمسكًا بهم، جعلها تعالى عذابهم، فقرنهم بها محماة في نار جهنم إبلاغًا وإغرابًا في تحسرهم، وقد جاء هذا المعنى مفسرًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ [الأنبياء: ٩٨] والحصب هو: الوقود، وعلى طريق هذا المعنى قوله تعالى في الذين يكنزون الذهب والفضة، ولا ينفقونها في سبيل الله: ﴿يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ﴾ [التوبة: ٣٥].\nهذا وقد قارب المعنى الذي أشرنا إليه سابقًا، ما رواه ابن جرير الطبري، عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي ﷺ:\nأن الحجارة هي حجارة في النار من كبريت أسود. وبه قال ابن جريج.\nوالحجر الفحمي، يشبه الكبريت في كونه مشتعلًا، ويفارقه في اللون، ولا\nمانع من أن تكون العرب وضعت لفظ الكبريت لكل حجر من شأنه الاشتعال، فيكون الحجر الفحمي منه.\nوقوله: ﴿أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، أي: هيئت للجاحدين أن الله ربهم المتوحد","vol":"1","page":120},{"text":"بخلقهم، وخلق الذين من قبلهم؛ المشركين معه في عبادته الأنداد والآلهة، وهو المنفرد لهم بالإنشاء، والمتوحد بالأقوات والأرزاق.\nولما تكلم سبحانه في التوحيد والنبوة، تكلم بعدهما في المعاد، ولما كان من عادته ﷾ في كتابه، أن يذكر الترغيب مع الترهيب، ويشفع البشارة بالإنذار إرادة التنشيط لاكتساب ما يقرب من رضائه تعالى، والتثبيط عن اقتراف ما يبعد عنه، فلما ذكر الكفار وأعمالهم، وأوعدهم بالعقاب، ذكر بعد ذلك بشارة عباده الذين جمعوا بين التصديق والأعمال الصالحة، من فعل الطاعات وترك المعاصي، قال:\n﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)﴾.\n\nلم يأمر تعالى بقوله: ﴿وَبَشِّرِ﴾ واحدًا بعينه، وإنما كل أحد مأمور به، والبشارة أصلها: الخبر بما يسر المخبر به، إذا كان سابقًا به كل مخبر سوى مخبره الأول. و﴿الصَّالِحَاتِ﴾: كل ما استقام من الأعمال، فصلح لترتب الثواب عليه، بدليل العقل والكتاب والسنة، و<span data-type=\"title\" id=toc-102>معنى ﴿الْجَنَّةَ﴾ </span>في اللغة: البستان من النخل والشجر المتكاثف، المظلل بالتفاف أغصانه، كأنه يستر ما تحته سترة واحدة، قال \"زهير\" (١):\nكأنَّ عَينَيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَّلَةٍ ... مِنَ النَّواضحِ تَسْقي جَنَّةً سُحُقَا\nشبه عينيه في تذارف الدموع بالغرب، وهي: الدلو العظيمة، والمقتل من الدواب: الذي ذل ومرن على العمل، والناضح: الجمل الذي يسقى عليه، وقوله: \"تسقي جنة سحقًا\"، معناه: نخل طوال.\nثم وصف الجنات بكونها تجري من تحتها الأنهار، إشارة إلى أن المراد بالجنة أشجارها وثمارها وغروسها، وأن الماء يجري تحت هذه المذكورات، ولم\n_________\n(١) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى لثعلب - مصر. الصفحة ٣٧.","vol":"1","page":121},{"text":"يرد أرضها، وأن الماء يجري تحتها، لأنه إذا كان جاريًا تحتها، لم يكن للعيون حظ منه إلا بكشف الساتر بينها وبينه، وقد تكرر وصف أنهار الجنة في القرآن المجيد، فقال تعالى في هذه الآية: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقال في موضع آخر: ﴿تَجْرِي تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ [التوبة: ١٠٠] وفي موضع آخر: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾ [الأعراف: ٤٣، ويونس: ٩، والكهف: ٣١]. وهذا يدل بظاهره على أمور:\nأحدها: وجود الأنهار فيها حقيقة.\nالثاني: أنها جارية لا واقفة.\nالثالث: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم، كما هو المعهود في أنهار الدنيا.\nوقد ظن بعض المفسرين، أن معنى ذلك جريان الأنهار بأمر أهل الجنة، وتصريفهم لها كيف شاؤوا، وكأن الذي حمل ذلك القائل على ذلك، أنه لما سمع أن أنهارها تجري بغير أخدود، فهي جارية على وجه الأرض، حمل قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ على أنها تجري بأمرهم، إذ لا يكون فوق المكان تحته، وهؤلاء أتوا من ضعف الفهم، فإن أنهار الجنة، وإن قيل: إنها تجري في غير أخدود، فهي تحت القصور والمنازل والغرف، وتحت الأشجار، والله تعالى لم يقل: من تحت أرضها، وقد أخبر سبحانه عن جريان الأنهار تحت الناس في الدنيا، فقال: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ﴾ [الأنعام: ٦] فهذا على ما هو المعهود المتعارف، وكذا ما حكاه من قول فرعون: ﴿وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف: ٥١].\nهذا، ومما ينبغي أن يتنبه له العاقل أمران:\nأحدهما: ما أخرجه \"أبو نعيم الفضل بن دكين\" أن \"عائشة\" قالت - في","vol":"1","page":122},{"text":"تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ (١)﴾ [الكوثر]-: \"هو نهر في الجنة، ليس أحد يدخل إصبعيه في أذنيه إلا سمع خرير ذلك النهر\" وهذه الرواية على فرض صحتها، متنافية الظاهر، وليس معناها إلا أن خرير ذلك النهر يشبه الخرير الذي يسمعه حين يدخل إصبعيه في أذنيه، وإلا فكل من طالع شيئًا من فن خواص الأعضاء، يعلم سبب الدويّ الذي يحصل في الأذن عند سدها بالأصبع ونحوها.\nوثانيهما: أن بعض البسطاء يروون قوله ﷺ:\n\"النيل والفرات وسيحان وجيحان من أنهار الجنة\" ثم هم لا يوفونه حقه من الشرح والبيان، فيجعلون للطاعن مكانًا، ويفتحون له بابًا للطعن، كما أنهم يفتحون كثيرًا من هذه الأبواب بالجهل، وهم غافلون عن النتائج، فيقول الطاعن حينئذٍ: إن هذه الأنهار الأربعة قد علم مخرجها، وعرف من أين تجيء مياهها، فكيف يمكن أن يقال: إنها من الجنة؟ وبيان حق الحديث من الشرح، أن يقال: إن معناه على ظاهره، بلا تكلف تأويل أصلًا، وهو: أن هذه الأربعة أسماء لأنهار في الجنة، كالكوثر والسلسبيل، وليس في الحديث ما يدل على أن الفرات والنيل، وسيحان وجيحان الموجودين في الدنيا هم من أنهر الجنة حتى يكون للطاعن مجال للطعن، فإن تمسك الطاعن بما رواه عثمان بن سعيد الدارمي، حدثنا سعيد بن سابق، حدثنا مسلمة بن علي، عن مقاتل بن حيان، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:\n\"أنزل الله من الجنة خمسة أنهار سيحون وهو نهر الهند، وجيحون وهو نهر بلخ، ودجلة والفرات، وهما نهرا العراق، والنيل وهو نهر مصر، أنزلها الله من عين واحدة من عيون الجنة، من أسفل درجة من درجاتها على جناح جبريل، فاستودعها الجبال وأجراها في الأرض، وجعل فيها منافع للناس في أصناف معايشهم فذلك قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ [المؤمنون] فإذا كان عند خروج يأجوج أرسل جبريل، فرفع من الأرض القرآن والعلم كله، والحجر الأسود","vol":"1","page":123},{"text":"من ركن البيت، ومقام إبراهيم، وتابوت موسى بما فيه، وهذه الأنهار الخمسة فرفع ذلك كله إلى السماء، فذلك قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ﴾، فإذا رفعت هذه الأشياء من الأرض، فقد حرم أهلها خيري الدنيا والآخرة\".\nويجاب بأن هذا الحديث موضوع لا أصل له، ولا تحل روايته إلا على سبيل بيان وضعه، والعقل يشهد بأنه لا صحة له، ورواه \"ابن عدي\" في ترجمة مسلمة، وقال: عامة أحاديثه غير محفوظة، وبالجملة فهو من الضعفاء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال النسائي: متروك، وقال أبو حاتم: لا نشتغل به، وأما عكرمة فمجهول هنا، فإن كان هو مولى ابن عباس، وهو الأقرب، فقد تكلم فيه علماء الجرح والتعديل لقوله بالرأي (١).\nولما ذكر تعالى، أن جزاء الذين آمنوا وعملوا الصالحات جنات تجري من تحتها الأنهار، وكان لا يخلو قلب السامع أن يقع فيه، هل ثمار تلك الجنات أشباه ثمار جنات الدنيا، أم هي أجناس أخر، لا تشابه هذه الأجناس، بين تعالى أنها نوع آخر مغاير لثمرات الدنيا بقوله:\n﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ﴾ أي: كلما رزقوا من الجنات من أي ثمرة، كانت من تفاحها أو رمانها أو عنبها، قالوا ذلك، فمن الأولى والثانية لابتداء الغاية، لأن الرزق قد ابتدئ من الجنات، قد ابتدئ من ثمره، فـ \"من\" الأولى متعلقة بالرزق، مطلقًا عن أي قيد كان، و﴿مِنْ﴾ الثانية متعلقة به مقيدًا بكونه من الجنات، والمراد من الـ ﴿ثَمَرَةٍ﴾ هنا، النوع من أنواع الثمار، والضمير في قوله ﴿مِنْهَا﴾ يرجع إلى الجنات، وإنما المعنى لأشجارها، وقولهم: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، معناه: شبيهه ونظيره لا عينه.\nوذهب المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ مذهبين:\n_________\n(١) عجيب من المؤلف ﵀ أن يقول مثل هذا في إمام عظيم في التفسير روى حديثه الأئمة، واحتج به البخاري في صحيحه، ولم يثبت عن أحد تكذيبه. وأما تكلمه بالرأي فإنه إن صح فليس من الرأي المؤاخذ به.","vol":"1","page":124},{"text":"أولهما: أن المعنى: رزقنا من قبل من ثمار الجنة، لأن المرزوق ثانيًا لشدة مشابهته للأول في اللون والطعم، جعلوه كأنه هو، ومما تمسك به أرباب هذا القول، ما رواه ابن جرير وغيره، عن أبي عبيدة أنه قال: نخل الجنة نضيد من أصلها إلى فرعها، وثمرها مثل القلال، كلما نزعت منها ثمرة عادت مكانها أخرى، قالوا: فإنما اشتبهت عند أهل الجنة، لأن التي عادت نظيرة التي نزعت فأكلت، بكل معانيها، قالوا: ولذلك قال تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ لاشتباه جميعه في كل معانيه.\nوثانيهما: أن معنى الآية، هذا الذي رزقنا من قبل في الدنيا، ورجح هذا القول ابن جرير الطبري وقال: إنه قول ابن عباس وابن مسعود وناس من أصحاب النبي - ﷺ -. وعمدة المرجح أن الله تعالى لم يخصص بقوله: ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، بأن ذلك من قِيلهم في بعض دون بعض، فإذا كان قد أخبر عنهم، أن ذلك من قيلهم في كل ما رزقوا من ثمرها، فلا شك أن ذلك من قيلهم في أول رزق رزقوه من ثمارها أتوا به بعد دخولهم الجنة، واستقرارهم فيها، الذي لم يتقدمه عندهم من ثمارها ثمرة، فإذا كان لا شك أن ذلك من قيلهم في أوله، كما هو من قيلهم في وسطه، وما يتلوه، فمعلوم أنّه محال أن يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمار الجنة: ﴿هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ﴾، هذا من ثمار الجنَّة، وكيف يجوز أن يقولوا لأول رزق رزقوه من ثمارها هذا هو الذي رزقناه من قبل، ولما يتقدمه عندهم مثال؟ إلا أن ينسبهم ذو غرة وضلال إلى قيل الكذب الذي قد طهرهم الله منه؛ أو يدفع دافع أن يكون ذلك من قيلهم لأول رزق يرزقونه من ثمارها، فيدفع صحة ما أوجب الله صحته بقوله: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا﴾ من غير نصب دلالة على أنه معنيٌّ به حال من أحوالهم دون حال.\nفقد تبين بما بينا أن معنى الآية: كلما رزق الذين آمنوا وعملوا الصالحات، من ثمرة من ثمار الجنة في الجنة رزقًا، قالوا: هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا، وأنت خبير بأن ما قاله ابن جرير لا يلزم أصحاب القول الأول، لأنهم يخصون هذا العام، بما عدا الرزق الأول، لدلالة العقل والسياق عليه، وليس هذا","vol":"1","page":125},{"text":"ببدع من طريقة القرآن، وأنت مضطر إلى تخصيصه ولا بد، بأنواع من التخصيصات:\nأحدها: أن كثيرًا من ثمار الجنة، وهي التي لا نظير لها في الدنيا، لا يقال فيها ذلك.\nالثاني: أن كثيرًا من أهلها، لم يرزقوا جميع ثمرات الدنيا التي لها نظير في الجنة.\nالثالث: أنه من المعلوم أنهم لا يستمرون على هذا القول أبد الآباد، كلما أكلوا ثمرة واحدة قالوا: هذا الذي رزقنا في الدنيا، ويستمرون على هذا الكلام دائمًا إلى غير نهاية، والقرآن العظيم لم يقصد إلى هذا المعنى، ولا هو مما يعتني بهم من نعيمهم ولذتهم، وإنما هو كلام مبين خارج عن المعتاد المفهوم من الطيب، ومعناه: أنه يشبه بعضه بعضًا، ليس أوله خيرًا من آخره، ولا هو مما يفرض له ما يفرض لثمار الدنيا عند تقادم الشجر وكبرها، من نقصان حملها وصغر ثمرها، وغير ذلك. بل أوله مثل آخره وآخره مثل أوله، وهو خيار كله، يشبه بعضه بعضًا، فهذا وجه قولهم، ولا يلزم مخالفة ما نصه الله ﷾، ولا نسبة أهل الجنة إلى الكذب بوجه، والذي يلزمهم من التخصيص، يلزم على ما قاله ابن جرير نظيره وأكثر منه.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، فالضمير عائد إلى الرزق المفهوم من ﴿رُزِقُوا﴾، وقال الحسن البصري في معنى التشابه: خيار كلها لا رذل (١) فيها، وقال أيضًا: ألم تروا إلى ثمار الدنيا كيف ترذلون بعضه، وإن ذلك ليس فيه رذل، وقال قتادة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾، أي: خيارًا لا رذل فيه، وإن ثمار الدنيا ينقّى منها ويرذل منها، وثمار الجنة خيار كله لا يرذل منها شيء. وعلى هذا فالمراد بالتشابه، التوافق والتماثل.\n_________\n(١) الرذل: هو الرديء من كل شيء.","vol":"1","page":126},{"text":"وقالت طائفة أخرى: التشابه إنما هو في اللون، والطعم مختلف، وهو مروي عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من أصحاب النبي - ﷺ -؛ وبه قال مجاهد، والربيع بن أنس.\nوقال بعضهم: تشابهه في اللون والطعم، وهو مروي عن مجاهد ويحيى بن سعيد.\nوقال بعضهم: تشابهه، تشابه ثمر الجنة وثمر الدنيا، في اللون، وإن اختلف طعومهما، وهو قول قتادة وعكرمة.\nوقال بعضهم: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا الأسماء، وهو قول لابن عباس، ومحمد بن بشار (١)، وعبد الرحمن بن زيد، واختار ابن جرير الطبري هذا القول، وإليه جنح المتأخرون من علماء اللغة والبيان، فقال العلامة في \"الكشاف\":\nإنما تشابه كل من ثمر الدنيا وثمر الآخرة، لأن الإنسان بالمألوف آنس، وإلى المعهود أميل، واذا رأى ما لم يألفه نفر عنه طبعه، وعافته نفسه، ولأنه إذا ظفر بشيء من جنس ما سلف له به عهد، وتقدم له معه إلف، ورأى فيه مزية ظاهرة، وفضيلة بينة، وتفاوتًا بليغًا بينه وبين ما عهد، أفرط ابتهاجه واغتباطه، وطال استعجابه واستغرابه، وتبين كنه النعمة فيه، وتحقق مقدار الغبطة به، ولو كان جنسًا لم يعهده، وإن كان فائقًا، حسب أن ذلك الجنس لا يكون إلا كذلك، فلا يتبين موقع النعمة حق التبين، فحين أبصروا الرمانة من رمان الدنيا، ومبلغها في الحجم، وأن الكبرى لا تفضل عن حد البطيخة الصغيرة، ثم يبصرون رمانة الجنة تشبع السكن، كان ذلك أبين للفضل، وأظهر للمزية وأجلب للسرور، وأزيد في التعجب من أن يفاجؤوا بذلك الرمان من غير عهد سابق بجنسه، هذا كلامه.\nونحن قد سردنا هنا الأقوال، وتكلمنا بحسب ما تقتضيه اللغة، مع علمنا بأن الأمر غيب، وأنه لا شيء مما في الدنيا يشبه شيئًا مما في الآخرة شبهًا تامًا،\n_________\n(١) محمد بن بشار إنما روى تفسير ابن عباس فقط.","vol":"1","page":127},{"text":"كما يرشد إليه قوله تعالى: ﴿مُتَشَابِهًا﴾، فإن المتشابهين لا تكون حقيقتهما واحدة، وإلا لعدّا متماثلين، والله تعالى أعلم بحقيقة الحال.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾. فالضمير في ﴿لَهُمْ﴾ لـ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، والمعنى: وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات، بأن لهم في الجنة أزواجًا مطهرة مما يختص بالنساء من الحيض والاستحاضة، وما لا يختص بهن من الأقذار والأدناس، ومطهرة أيضًا من دنس الطباع، وطبع الأخلاق التي عليه نساء الدنيا، مما يكتسبن بأنفسهن ومما يأخذنه من أعراق السوء والمناشئ المفسدة، ومن سائر عيوبهن ومثالبهن، وخبثهن وكيدهن، والعموم مستفاد من حذف المتعلق، حيث لم يقل: مطهرة من كذا وكذا، فقد جمع الله تعالى في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات، وما فيها من الأنهار والثمار، ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ثم ختم بنعيم القلب، وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد، وعدم انقطاعه، فقال: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، وخلودهم في الجنات دوام بقائهم فيها، على ما أعطاهم الله فيها من الخيرة والنعيم المقيم، واعلم أن أبدية الجنة، وأنها لا تفنى ولا تبيد، مما نادى به الكتاب المنزل، وصرحت به أحاديث النبي المرسل.\nفإن قال قائل: إن الله تعالى استثنى في قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ [هود] أي: مقطوع، فما وجه الاستثناء هنا؟ !\nقلنا: \"إن الذين سعدوا\" مراد به العموم، وهم في الجنة خالدون فيها، إلا مدة كونهم يوم القيامة في الموقف، وعلى هذا فليس في الآية تخصيص، لأنه من المعلوم: أن إحيائهم هو أول يوم من أيام قيامهم، وهم لا يدخلون الجنة من أول الأمر، بل لا بد لهم من الوقوف في الموقف.\nوأما أهل العربية، فقال سيبويه والفراء: إن ﴿إِلَّا﴾ هنا بمعنى \"لكن\"، نظير قولك: لي عليك ألف إلا الألفين اللذين قبلها، والمعنى على هذا: سوى ما","vol":"1","page":128},{"text":"شاء الله من الزيادة على مدة دوام السماوات والأرض، وحينئذ تتضح المناسبة بين أول الآية وبين قوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ﴾. واختار ابن قتيبة: أن ﴿إِلَّا﴾ بمعنى سوى، وقال: المعنى خالدين فيها مدة العالم، سوى أن يزيدهم من الخلود على مدة العالم، وقيل: إن ﴿مَا﴾ في ﴿مَا دَامَتِ﴾ بمعنى \"مَن\"، والمعنى نظير قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ [النساء: ٣]، والمعنى: إلا من شاء ربك أن يدخله النار بذنوبه من السعداء، وهذه الأقوال متقاربة.\nوالقول الحق: أن الله سبحانه أخبر عن خلودهم في الجنة كل وقت، إلا وقتًا يشاء أن لا يكونوا فيها، وهذا يتناول وقت كونهم في الدنيا وفي البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصراط، وكون بعضهم في النار مدة.\nثم إنه تعالى لما بين بالدليل كون القرآن معجزًا، أورد هنا شبهة أوردها الكفار قدحًا في ذلك، وأجاب عنها فقال:\n﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾.\nوتقرير الشبهة: أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب، والعنكبوت والنمل، وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء، فاشتمال القرآن عليها قدح في فصاحته، فضلًا عن كونه معجزًا.\nفأجاب الله تعالى بأن صغر هذا الأشياء، لا يقدح في الفصاحة، إذا كان ذكرها مشتملًا على حِكَم بالغة.\nفهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها، وسبب نزولها أن اليهود لما نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ﴾ [العنكبوت: ٤١]","vol":"1","page":129},{"text":"قالوا: أي قدر للذباب والعنكبوت حتى يضرب الله المثل بهما، وكذلك طعن المنافقون في ضرب الأمثال بالنار والظلمات، والرعد والبرق، في قوله تعالى: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وطعن المشركون أيضًا كما طعن المنافقون، فأنزل الله هذه الآية، نداء على جهلهم بأساليب البلاغة وبيانًا، لأن ما استنكره الجهلة والسفهاء وأهل العناد والمراء من الكفار، واستغربوه من أن تكون المحتقرات من الأشياء مضروبًا بها المثل، ليس هو مما يستنكر ويستغرب، من جهة أن التمثيل، إنما يصار إليه لما فيه من كشف المعنى ورفع الحجاب عن الغرض المطلوب، وجعل المتوهم قريبًا من المشاهد، فإذا كان المتمثل له عظيمًا كان المتمثل به مثله، وإن كان حقيرًا كان المتمثل به كذلك، فليس العظم والحقارة في المضروب به المثل، إذًا إلا أمرًا (١) تستدعيه حالة المتمثل له، وتستجره إلى نفسها، فيعمل الضارب للمثل على حسب تلك القضية، وعلى هذا درج البلغاء في محاوراتهم ومخاطباتهم، وهذه أمثال العرب قد تمثلوا فيها بأحقر الأشياء، فقالوا: \"أجمع من ذَرَّة، وأجرأ من الذباب، وأسمع من قراد\". ولقد ضربت الأمثال في الإنجيل بالأشياء المحقرة كالزؤان والنخالة، وحبة الخردل، والدود والزنابير. ولكن سجية المحجوج المبهوت الذي لم يبق له متمسك بدليل ولا متشبث بأمارة ولا إقناع، أن يرمي لفرط الحيرة والعجز عن إعمال الحيلة بدفع الواضح، وإنكار المستقيم والتعويل على المكابرة والمغالطة، إذا لم يجد سوى ذلك معولًا.\nوأنت إذا تأملت سوابق هذه الآية ولواحقها، وجدت أن هذه الآية تشير إلى أنها وردت جوابًا لنكير الكفار والمنافقين ما ضرب لهم من الأمثال، في هذه السورة، وليست جوابًا لنكيرهم ما ضرب من الأمثال في سائر السور، لأن الأمثال التي ضربها الله لهم ولآلهتهم في سائر السور، أمثال موافقة للمعنى لما أخبر عنه\n_________\n(١) في الأصل: (إذًا الأمر) والتصويب من \"الكشاف\".","vol":"1","page":130},{"text":"أنه لا يستحيي أن يضرب مثلًا إذ كان بعضها تمثيلًا لآلهتهم بالعنكبوت وبعضها تشبيهًا لها بالضعف والمهانة بالذباب، وليس ذكر شيء من ذلك بموجود في هذه السورة، فيجوز أن يقال: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما فإن هذا بخلاف ما ظن، وذلك أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، إنما هو خبر منه تعالى أنه لا يستحي أن يضرب في الحق من الأمثال صغيرها وكبيرها، ابتلاء بذلك لعباده واختبارًا منه لهم، ليميز به أهل الإيمان والتصديق به، من أهل الضلال والكفر به، إضلالًا منه لقوم وهداية منه لآخرين.\nوقد روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وعن ناس من أصحاب النبي - ﷺ - أنهم قالوا: إن الله لما ضرب هذين المثلين للمنافقين يعني قوله: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ [البقرة: ١٧] وقوله: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: ١٩] الآيات الثلاث، قال المنافقون: الله أعلى وأجل من أن يضرب هذه الأمثال، فإنزل الله تعالى هذه الآية.\nفإن قال قائل: أين الإشارة إلى ما زعمت من أن الآية وردت جوابًا لنكير الكفار؟ وأين ما يدل على ذلك النكير؟\nقلنا: أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ ...﴾ إلى آخر الآية.\nوالاستحياء هنا: الخشية، والمعنى: أن الله لا يخشى أن يصف شبهًا لما شبه به، و﴿مَا﴾ بمعنى: الذي، أي: الذي هو بعوضة في الصغر والقلة، فما فوقها مثلًا، وهذا على قراءة من قرأ ﴿بَعُوضَةً﴾ بالرفع، وأما على قراءة النصب فـ ﴿مَا﴾ هذه إبهامية، وهي التي إذا اقترنت باسم نكرة أبهمته إبهامًا، وزادته شيوعًا وعمومًا، كقولك: أعطني كتابًا ما تريد: أيَّ كتاب كان، و﴿بَعُوضَةً﴾ عطف بيان لـ ﴿مَثَلًا﴾، أو مفعول لـ ﴿يَضْرِبَ﴾، و﴿مَثَلًا﴾ حال من النكرة مقدمة عليه، وقوله: ﴿فَمَا فَوْقَهَا﴾ معناه: ما تجاوزها وزاد عليها في المعنى الذي ضربت فيه مثلًا، وهو القلة والحقارة، ونظيره قولك لمن يقول فلان أسفل الناس وأنذلهم: هو فوق ذاك، تريد هو أبلغ وأعرق فيما وصف به من السفالة والنذالة، ولك أن","vol":"1","page":131},{"text":"تقول: معناه فما فوقها بالحجم، أي: ما زاد عليها في الجسم، ويكون القصد بذلك رد ما استنكروه من ضرب المثل، وهذا الوجه هو الذي تتراءى من خلال التنزيل صحته، وتنادي بلاغته بالتعويل، وبيان بعض أسراره: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به علمًا إلا علّام الغيوب، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير، ولا يتنبه إلى الحقائق إلا من خلع ربقة التقليد من عنقه، وأطاع البراهين والحجج الدامغة فكان مع الحق يدور معه حيثما دار، وهناك يتبين العاقل من الجاهل، وتختبر العقول ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي: نظروا فيما نصبه الله تعالى من البراهين في أنفسهم وفي الآفاق، فصدقوا الله ورسوله، ﴿فَيَعْلَمُونَ﴾، أي: فيعرفون أن المثل الذي ضربه الله تعالى لما ضربه، هو الحق من ربهم، ويذعنون للحقيقة، وينكشف به الغطاء عن بصائرهم. ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: جحدوا آيات الله كفرًا وعنادًا كالمنافقين، أو تقليدًا لسلفهم كالمشركين، أو غلطًا في تأويل كتابهم وتقليدًا لمن سلف منهم، كأهل الكتاب، فأولئك حجبهم ما هم فيه، عن اتباع الحق، وحملهم على أن يقولوا: ﴿مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا﴾، أي: ما الذي أراده الله بهذا المثل، لأن ما هم عليه من التقليد المحض، والاستكبار عن اتباع الحق، أقفل أبواب أذهانهم، وأجمدها، وحصر عقولهم ضمن دائرة صغيرة، فلا يتعدونها ولا يفهمون الإشارات، ولا يدركون مرامي الأدلة والبراهين. والله تعالى ﴿يُضِلُّ بِهِ﴾، أي: بذكر المثل ﴿كَثِيرًا﴾ من أهل النفاق والكفر، فيزيدهم ضلالًا إلى ضلالهم، وتكذيبًا إلى تكذيبهم، ﴿وَيَهْدِي بِهِ﴾: أي: بالمثل كثيرًا من أهل الإيمان، والتصديق، فيزيدهم هدى إلى هداهم، وإيمانًا إلى إيمانهم، لتصديقهم بما قد علموه حقًا يقينًا أنه موافق لما ضربه الله له مثلًا، وإقرارهم به، وذلك هداية الله لهم به، ألا ترى أن طالب الحق كلما قدمت له البراهين نظر بها، فعزل غثّها عن سمينها، وازداد بها معرفة وعرفانًا، وكلما ازدادت عنده البراهين، ازداد عرفانًا، وأما المقلد والمستكبر عن اتباع الحق حسدًا، فإن البراهين القاطعة لا تزيده إلا نفورًا، ولا تفيده إلا زيادة في الضلال، ونفورًا عن طريق الهدى.","vol":"1","page":132},{"text":"ثم إنه تعالى استأنف الكلام، فقال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ وأصل الفسق في كلام العرب: الخروج عن الشيء، والمنافقون والكفار أطلق عليهم الفسق لخروجهم عن طاعة ربهم، ولذلك قال تعالى في صفة إبليس: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ [الكهف: ٥٠] يعني به: خرج عن طاعته واتباع أمره.\nوقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ﴾ الآية، صفة للفاسقين، وكشف عن معناهم، وفي الآية بحث طويل ومقام طالما رددته أفهام الفحول، فأصبحت العقول به حيرى، وسيرد عليك أثناء الكتاب حججه ودلائله في مواضعها إن شاء الله تعالى، ولكننا نكتب هنا حاصله، وما ذاك إلا في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، فإنه بظاهره يفهم منه بطلان ما أجمعت عليه الأمة (١) بأسرها، من أنه تعالى لم يدع إلى الكفر، ولم يرغب فيه، بل نهى عنه وزجر وتوعد بالعقاب عليه، وإذا أمعنت النظر في الآية، وجدتها لا تفيد هذا المعنى أصلًا لوجوه:\nأولها: أن القرآن إنما نزل بلغة العرب، فيجب تأويله على مقتضى كلامهم، وقد استعمل الضلال في كلامهم بمعنى: الضلال في العلوم التي تستفاد من جهة النظر والاستدلال، ولما كان ضرب الأمثال يحتاج المراد منه إلى النظر نزلت منزلة العلوم النظرية، وأطلق على عدم معرفتهم ما يراد منها أضلال، ثم نسب إلى من ضرب المثل لصدوره منه، ألا تَراكَ أنك إذا ناظرت ضالًا عن طريق الهدى فأوردت له البراهين على الحق، وأوضحت له الأدلة الناطقة به، فلم يصغ إليها، ولامَك لائم على صنيعك معه، قلت له: أنا أبرهن على الهدى، وبرهاني إما أن يهدي الذي أناظره واما أن يضله، بمعنى: أنه إما أن يوقعه في الشك فيضله عن طريق قصده، وإما أن يزيده بعدًا ونفورًا واستكبارًا، فلا يذعن لناصح، ولا يصغي لمحق، وعلى كلا التقديرين فلا إشارة في الآية للجبر أصلًا، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: ١٣٦].\n_________\n(١) في الأصل (اللغة) ولعله سبق قلم من المؤلف﵀-.","vol":"1","page":133},{"text":"وثانيهما: قال ابن السكيت: يقال للشيء الثابت في موضعه إلا أنك لم تهتد إليه: ضللته؛ قال \"الفرزدق\" (١):\nوَلَقَدْ ضَلَلْتَ أَبَاكَ يَدْعُو دارِمًا ... كَضلالِ مُلتَمِسٍ طَرِيقَ وَبَارِ\nوعليه فمعنى الآية: أن الله أورد لهم من الأمثال، ما علم كثير منهم ما هو المراد منها فاهتدى، وخفي على كثير منهم فَضَلَّ، ولم يهتد إلى ما هو الواجب عليه أن يعرفه، فيحكم الله بذلك في الدنيا، ويعدل به عن طريق الجنة إلى النار، في الآخرة.\nثالثها: أن الرجل إذا ضل باختياره عند حصول شيء، من غير أن يكون لذلك الشيء أثر في إضلاله، يقال لذلك الشيء: إنه أضله، قال تعالى في حق الأصنام: ﴿رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ﴾ [إبراهيم: ٣٦] ومعناه: ضلوا بهن، وقال في حقهم أيضًا: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوا كَثِيرًا﴾ [نوح: ٢٤] أي: ضل كثير من الناس بهم.\nوفي هذه الآية، لما قال الكفار: ما الحاجة إلى هذه الأمثال؟ وما الفائدة منها؟ واشتد عليهم هذا الامتحان، حسن أن يقول تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ ويجوز أن يكون الإضلال من التخلية، وترك المنع بالقهر والجبر، فيقال: أضله إذا خلاه وضلله، ويقال لمن ترك سيفه في الأرض الندية حتى فسد وصدئ: أفسدت سيفك وأصدأته.\nوهذه المعاني واضحة لمن تأملها، ولا يخفى على من له معرفة بمعاني كلامه تعالى، أنه سبحانه يبين لعباده طريق الهدى وطريق الضلال، ويبرهن على حسن الأول وقبح الثاني، فإن تبع العبد طريق الهدى، نسب هداه إلى الله تعالى من حيث إنه بينه له، وإذا تبع طريق الضلالة نسب إضلاله إلى الله تعالى، باعتبار أنه بين له أن هذه طريق الضلالة وحذره منه فاتبعه، وهذا على حد ما لو بينت\n_________\n(١) هي في لسان العرب كما هنا وفي شرح ديوان الفرزدق، للصاوي: ٢/ ٤٥٠، بلفظ (تَطْلُبُ) بدلًا من (يَدْعُو).\nوبار: قرية من وراء يبرين في أعالي بلاد بني سعد مما يلي الشحر. زعموا أنها مساكن الجن فلا تسلك، وما أكثر ما زعموا للجن.","vol":"1","page":134},{"text":"لسالكٍ طريقين: أحدهما فيه فلاحه ونجاحه، والثاني فيه خساره، ثم تقول له قد هديتك وأضللتك، ومن ثم ذهب إمام الحرمين إلى أن الأفعال واقعة بقدرة يخلقها الله في العبد، إذا قارنت حصول الشرائط وارتفاع الموانع، انتهى.\nولما كان البيان يزيد المهتدي هدى، والضال ضلالًا، قال: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، والفاسق: الخارج عن الطاعة، مأخوذ من قولهم فسقت الرطبة من قشرها، أي: خرجت، وهذا بعينه معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ أي: يخرجون عنه بعدما دخلوا فيه، فهو تفسير للفاسقين، وإذا تحققت هذه المسالك، وهو أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأنه يجب تفسير مفرداته على مقتضى ما كان مصطلحًا عليه أيام نزوله من كلام العرب، علمت ما يغلط به كثير من الناس من أنهم قد تعودوا ما اعتادوه، إما من خطاب عامتهم، وإما من خطاب علمائهم، باستعمال اللفظ في معنى، فإذا سمعوه في القرآن والحديث، ظنوا أنه مستعمل في ذلك المعنى، فيحملون كلام الله ورسوله على لغتهم النبطية (١)، وعادتهم الحادثة، وهذا مما دخل به الغلط على طوائف، بل الواجب أن يعرف اللغة والعادة والعرف الذي نزل به القرآن والسنة، وما كان الصحابة يفهمون من الرسول عند سماع تلك الألفاظ، فبتلك اللغة والعادة والعرف خاطبهم الله ورسوله، لا بما حدث بعد ذلك، وهذه قاعدة كبيرة من قواعد التفسير.\nوقو له تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ﴾ الآية، يلوح بأنوار أسرار البلاغة، وذلك أن أصل النقض، إنما هو: الفسخ وفك التركيب، ثم إن العرب لما كانوا يسمون العهد بالحبل، لما فيه من إثبات الوصلة بين المتعاهدين، جاز استعمال النقض، الذي يوصف به الحبل، في إبطال العهد جريًا على عادتهم من سكوتهم عن ذكر الشيء المستعار، والرمز إليه بشيء من روادفه، فينبهوا بتلك الرمزة على مكانه، و﴿الْعَهْدُ﴾ المَوْثق، يقال: عهد إليه في كذا، إذا وصاه به ووثقه عليه، واستعهد منه إذا اشترط عليه واستوثق منه.\n_________\n(١) لا يقصد المؤلف﵀- اللغة المعروفة بهذا الاسم، بل كل لغة، أو استعمال شائع في هذا الزمن أو زمن آخر. وهذا ليس في تفسير القرآن فقط بل مطرد في الأحاديث والأحكام الفقهية، فضلًا عن القصص والأخبار والآداب.","vol":"1","page":135},{"text":"والمراد من هؤلاء الناقضين، هم الذين نزلت فيهم، وهم كفار أحبار اليهود، الذين كانوا بين ظهراني مُهاجَر رسول الله، وما قرب منها من بقايا بني إسرائيل، ومن كان على شرْكه من أهل النفاق المبين قصصهم فيما مضى، غير أنه وإن كانت الآية نزلت فيهم فإنها لا تختص بهم، بل هي شاملة لهم، ولكل من كان على مثل ما كانوا عليه من الضلال، وقد عنى أيضًا بما وافق منها صفة المنافقين، ولما وافق منها صفة كفار أحبار اليهود، جميع من كان نظيرًا لهم في كفرهم، وذلك أن الله ﷻ يعم أحيانًا جميعهم بالصفة لتقديمه، ذكر جميعهم في أول الآيات التي ذكرت قصصهم، ويخص أحيانًا بالصفة بعضهم، لتفصيله في أول الآيات بين فريق المنافقين من عبدة الأوثان، وأهل الشرك بالله، وفريق كفار أحبار اليهود، والعهد الذي نسب تعالى نقضهم إليهم، هو: تركهم ما عهد إليهم من الإقرار بمحمد - ﷺ -، وبما جاء به، وتبيين نبوته للناس، وكتمهم بيان ذلك بعد علمهم به، وبما قد أخذ الله عليهم من الميثاق في ذلك، كما قال: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾ [آل عمران: ١٨٧]، ونبذهم ذلك وراء ظهورهم، هو نقضهم العهد الذي عهد إليهم في التوراة الذي وصفناه، وتركهم العمل به. والذي يدل على هذا المنحى من التفسير أنه من ابتداء الخمس أو الست الآيات من أول هذه السورة، إنما نزل فيهم إلى تمام قصصهم، ثم جاءت الآية التي بعدها مخبرة عن خلق آدم وأبنائه، ثم أعاد الكلام عليهم في قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] وفي خطابه إياهم بالوفاء في ذلك خاصة دون سائر البشر، ما يدل على أن قوله: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، مقصود به كفارهم ومنافقوهم، ومن كان من أشياعهم من مشركي عبدة الأوثان على ضلالهم.\nغير أن الخطاب، وإن كان لهؤلاء، لكنه يدخل في أحكامهم، وفيما أوجب الله عليهم لهم من الوعيد والذم والتوبيخ، كل من كان على سبيلهم ومنهاجهم، من جميع الخلق وأصناف الأمم، المخاطبين بالأمر والنهي.","vol":"1","page":136},{"text":"فمعنى الآية حينئذٍ: وما يضل به إلا التاركين عهود الله التي عهدها إليهم في الكتب التي أنزلها إلى رسله، وعلى ألسن أنبيائه باتباع أمر رسوله وما جاء به، وطاعة الله فيما افترض عليهم في التوراة من تبيين أمره للناس، وإخبارهم إياهم أنهم يجدونه مكتوبًا عندهم، أنه رسول من عند الله، مفترضة طاعته وترك كتمان ذلك لهم، ونكثهم ذلك.\nونقضهم إياه هو: مخالفتهم الله في عهده إليهم، فيما وصف أنه عهد إليهم، بعد إعطائهم ربهم الميثاق بالوفاء بذلك، كما وصفهم به تعالى بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾ [الأعراف: ١٦٩]، وإلى ما ذكر جنح ابن جرير الطبري.\nوأما قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾، فهو اسم من التوثق، ومعناه: من بعد توثق الله منه، بأخذ عهوده بالوفاء له بما عهد إليه في ذلك، فالضمير في ميثاقه يعود إلى اسمه تعالى.\nوقد يدخل في حكم هذه الآية، كل من كان بالصفة التي وصف الله بها هؤلاء الفاسقين، من الكفار والمنافقين في نقض العهد، وقطع الرحم والإفساد في الأرض، ولهذا قال قتادة: إياكم ونقض هذا الميثاق، فإن الله قد كره نقضه، وأوعد فيه، وقدم فيه في آي القرآن حجة وموعظة ونصيحة، وإنا لا نعلم الله جل ذكره أوعد في ذنب ما، ما أوعد في نقض الميثاق، فمن أعطى عهد الله وميثاقه من ثمرة قلبه، فليفِ به لله.\nوقال الربيع في تفسير هذه الآية، أشارت الآية إلى ست خصال في أهل النفاق، إذا كانت لهم الظهرة أظهروا هذه الخلال الست: إذا حدثوا كذبوا، وإذا وعدوا أخلفوا، وإذا اؤتمنوا خانوا، ونقضوا عهد الله من بعد ميثاقه، وقطعوا ما أمر الله أن يوصل، وأفسدوا في الأرض. وإذا كانت عليهم الظهرة أظهروا الخلال الثلاث الأول.","vol":"1","page":137},{"text":"وقوله: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ خصه بعض المفسرين بقطع الرحم، وليس الأمر على التخصيص، وإنما معناه العموم، فيشمل قطع الرحم التي منع الله من الظلم في ترك أداء ما ألزم من حقوقها، وأوجب من برها ووصلها أداء الواجب لها إليها من الحقوق التي أوجب لها، والتعطف عليها بما يحق التعطف به عليها، ويشمل الذم أيضًا لكل قاطع قطع ما أمر الله بوصله، فإن الله تعالى أمر بوصل حبل المؤمنين فيما بينهم، فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠]، فكل من سعى في بتّ هذا الحبل، ونقض هذا الميثاق بين المؤمنين يشمله الذم، بحكم هذه الآية. ولكل من سعى بالتفريق بين اثنين، أو بين جماعة، بغيبة أو نميمة أو احتيال وغير ذلك من طرق التفريق، ولكل من احتال على أكل أموال الناس بالباطل، لأن الله تعالى أمر بالوصلة بين ما يملكه الإنسان وبينه، فلا يفرق بين المالك وملكه إلا بحق، والمتحيل كل أموال الناس بالباطل والمتسلط على ذلك، قاطع ما أمر الله به أن يوصل، ولكل من سعى في قطع طريق خير، لأنه لا فرق بين من يقطع السابلة على المارة، وبين من يعرقل المساعي في الأعمال الخيرية، ولكل من اختلس المدارس والمساجد وأوقافها، لأن المدارس ونحوها سبب لإِيصال العلم إلى المتعلمين، وقد أمر الله بها بتلك الوصلة، فالساعي في اختلاسها قاطع لما أمر الله أن يوصل، إلى غير ذلك مما يعلمه من أمعن النظر في هذه الآية، وهي شاملة أيضًا لما يفعله أهل الكتاب من قطعهم ما بين الأنبياء من الوصلة والاتحاد والاجتماع على الحق، في إيمانهم ببعض، وكفرهم ببعض.\nوما ذكرناه آنفًا داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ﴾، لأنه ما من خصلة ذميمة، إلا ويصدق عليها أنها فساد في الأرض.\n﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ الإشارة فيه ترجع إلى المتصفين بالأوصاف المذكورة في الآية ومعناه: أن الذين اتصفوا بذلك هم الخاسرون، لأنهم استبدلوا النقض بالوفاء، والقطع بالوصل، والصلاح بالفساد، وعقابها بثوابها، فخسروا دنيا وأخرى، فكانوا كمن خسر في تجارته بأن يوضع من رأس ماله في بيعه، فكذلك","vol":"1","page":138},{"text":"أصحاب الأوصاف المتقدمة، خسروا بحرمان الله إياهم رحمته التي خلقها لعباده في القيامة، وهم يومئذ أحوج ما يكون إلى رحمته، ويخسرون في الدنيا حظهم من الشرف والكرم، لأنه ما من عامل إلا ويظهر عمله، وهو وإن خفي في المبدأ، لا بد وأن يظهر في المآل كما هو مشاهد ومعلوم، وكتب التاريخ من أقوى الأدلة على ذلك.\nولما تكلم تعالى في دلائل: التوحيد والنبوة، والمعاد إلى هذا الموضع، شرح النعم التي عمت جميع المكلفين من هنا إلى قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠] فقال:\n﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾.\nذكرهم في هذه الآية بنعمة الإحياء، مبرزًا الكلام بصورة الاستفهام والاستخبار، لكن المراد به التبكيت والتعنيف، لأن عظم النعمة يقتضي عظم معصية المنعم، ألا ترى أن الوالد كلّما عظمت نعمته على الولد، بأن رباه وعلمه، وخرجه وموّله، وعرضه للأمور الحسان، كانت معصيته لأبيه أعظم، فبين ﷾ بذلك عظم ما أقدموا عليه من الكفريات، فذكرهم بنعمه العظيمة عليهم، ليزجرهم بذلك عما أقدموا عليه من التمسك بالكفر، ويبعثهم على اكتساب الإيمان، فذكر تعالى من نعمه ما هو الأصل في النعم، وهو الإحياء، فهذا هو المقصود الكلي.\nفإن قيل: ما الحكمة في تصديره تعالى هذه الآية: بـ ﴿كَيْفَ﴾ التي معناها الاستفهام في غالب أحوالها؟ والاستفهام لا يكون إلا ممن خفي عنه حال المستفهم عنه، وهو محال عليه تعالى لأنه علام الغيوب.\nقلنا: ليس الاستفهام هنا على حقيقته كما أشرنا إليه سابقًا، لكنه لما كان الحال حال العلم بالصانع، الموجبة للصرف عن الكفر، وكان صدور الكفر ممن لهم صورة اختيار في الترك مع الصارف القوي مظنة تعجب وتعجيب، وإنكار","vol":"1","page":139},{"text":"وتوبيخ، صار كأنه قيل لهم: ما أعجب كفركم، والحال أنكم عالمون بهذه القصة وهي أنكم ﴿كُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، أي: نطفًا في أصلاب آبائكم، فجعلكم أحياء، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بعد هذه الحياة، وهذه مما لا يشك فيها، لأنها من المشاهدات، ثم أردفها بالقضايا التي لا يشك فيها أيضًا لنصب الأدلة عليها وإزاحة العلة عنها، والدليل على أن المراد من قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾، أي: غير موجودين، الإتيان بـ ﴿كُنْتُمْ﴾ الدالة على المضي، والعرب تقول للشي الدارس، والأمر الخامل الذكر: هذا شيء ميت، وهذا أمر ميت، يراد بوصفه بالموت خمول ذكره، ودروس أثره من الناس، وكذلك يقال في ضد ذلك وخلافه: هذا أمر حي، يراد بوصفه بذلك: أنه نابه متعالم في الناس.\nوقوله: ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ أي: بإنشائكم بشرًا سويًا، حتى ذكرتم وعرفتم وحييتم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ بقبض أرواحكم وإعادتكم رفاتًا لا تعرفون ولا تذكرون في البرزخ إلى يوم تبعثون، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ بعد ذلك بنفخ الأرواح فيكم لبعث الساعة، وصيحة القيامة، ثم إلى الله ترجعون بعد ذلك فتردون موقف الحساب، وتأتون ديوان الجزاء، فمردكم إليه أولًا وآخرًا.\nوالحاصل: أنه تعالى بين في هذه الآية، أن المبدأ والمعاد إنما هو بأمره ﷾، ليجمل في الرد على المشركين، ثم فصله في آيات كثيرة في القرآن العظيم، وذلك أن العرب الذين كانوا حين نزل القرآن، وإرسال محمد - ﷺ -، أصنافًا شتى، فمنهم معطلة، ومنهم محصلة، نوع تحصيل، فأما المعطلة فهم أصناف، فصنف منهم أنكروا الخالق والبعث والإعادة، وقالوا بالطبع المحيي، والدهر المفني، وهم الذين رد الله عليهم في هذه الآية، وأخبر عنهم في آية أخرى أنهم قالوا: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ [الجاثية: ٢٤] إشارة إلى الطبائع المحسوسة، وقصر الحياة والموت على تركبها وتحللها، فالجامع هو الطبع، والمهلك هو الدهر، ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٢٤)﴾ [الجاثية]، فاستدل عليهم","vol":"1","page":140},{"text":"بضرورات فكرية، وآيات قرآنية فطرية في كم آية وكم سورة، وسيمر بك بيانها أثناء هذا الكتاب، فثبتت الدلالة الضرورية من الخلق على الخالق، بأنه قادر على الكمال إبداء وإعادة، وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق والإبداع، وأنكروا البعث والإعادة وهم الذين أخبر عنهم القرآن المجيد بقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ [يس] فاستدل عليهم بالنشأة الأولى لأنهم يعترفون بها، فقال: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [يس: ٧٩]. وصنف منهم أقروا بالخالق وابتداء الخلق ونوع من الإعادة، وأنكروا الرسل وعبدوا الأصنام، وزعموا أنهم شفعاؤهم عند الله تعالى في الآخرة، وحجوا إليها ونحروا لها الهدايا، وقربوا القرابين، وتقربوا إليها بالمناسك والمشاعر، وحللوا وحرموا، وهم الدهماء من العرب، إلا شرذمة منهم وهم الذين أخبر التنزيل عنهم: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ [الفرقان] فاستدل عليهم بأن المرسلين كانوا كذلك، وشبهات العرب مقصورة على هاتين الشبهتين: إحداهما: إنكار البعث، بعث الأجساد، والثانية: جحد البعث، بعث الرسل، وعبروا عن ذلك في أشعارهم، فقال بعضهم (١):\nحياة ثم موت ثم نشر ... حديث خرافة يا أم عمرو\nولبعضهم في رثاء من قتل يوم بدر:\nوماذا بالقَلِيب قليب بدر ... من الشِّيزَى تُكَلَّل بالسَّنام\nيُخبِّرنا الرسولُ بأن سَنَحْيا ... وكيف حياةُ أصداءٍ وَهامٍ؟\nوالكتاب العزيز تضمن الرد على هذه الفرق كلها، كما أنه تضمن الرد\n_________\n(١) من شعر شداد بن الأسود في بكاء قتلى بدر. انظر \"سيرة ابن هشام\" ٣/ ٣٠، ٣١ ما قيل من الشعر في يوم بدر.","vol":"1","page":141},{"text":"على غيرها، ولنتكلم الآن على الصنف الأول من أصناف المعطلة، لأن عقيدة هذا الصنف قد شاعت في زمننا شيوعًا عظيمًا، ولا سيما في البلاد الهندية، وأصل هذه النحلة الشنعاء، أن حكماء اليونان في القرن الرابع والثالث قبل المسيح ﵇، ذهب فريق منهم إلى نفي كل موجود سوى المادة والماديات، وإلى أن صنف الوجود مختص بما يدرك بالحواس الخمس، لا يتناول شيئًا وراءه، وعرفت هذه الطائفة: بالماديين، ولما سئلوا عما ينشأ من الاختلاف في صور المواد وخواصها، وعن التنوع الواقع في آثارها، نسبه الأقدمون منهم إلى الطبيعة، ولهذا اشتهرت هذه الطائفة: بالطبيعيين عند أهل اللغة العربية.\nوذهب فريق منهم إلى وجود ذات مجردة عن المادة والمدة، مخالفة للمحسوسات في لوازمها، منزهة عن لواحق الجسمانية وعوارضها، وأثبت أن سلسلة الموجودات مادية ومجردة، تنتهي إلى موجود مجرد واحد من جميع الوجوه، مبرأ الذات عن التأليف والتركيب، ومحال عند العقل تصور التركيب فيه، وجوده عين حقيقته، وحقيقته عين وجوده، وهو المصدر الأول، والموجد الحقيقي، والمبدع لجميع الكائنات، مجردة كانت أو مادية، واشتهرت هذه الطائفة: بالمتأهلين، يعني: الخاضعين لله تعالى، ومنهم \"أرسططاليس\" (١) الذي ترجمت كتبه في الملة الإسلامية، واشتهر مذهبه فيما بين فلاسفتهم. وهو ما ينتحله \"فيثاغورث وسقراط (٢) وأفلاطون\" (٣) ثم اختلف هؤلاء بعد أن أصّلوا\n_________\n(١) أرسطو (٣٨٤ - ٣٢٢ ق. م) مؤدب الإسكندر، فيلسوف يوناني، مؤسس مذهب \"فلسفة المشائين\" مؤلفاته كثيرة في المنطق والطبيعات والإلهيات والأخلاق أهمها: المقولات الجدل، العبارة أو التفسير، الخطابة، السماء والعالم، الكون والفساد، كتاب ما بعد الطبيعة. وبنقل مؤلفاته إلى العربية، أخذتها أوروبة عن العرب.\n(٢) سقراط (٤٦٨ - ٣٩٩ ق. م) ولد في أثينا، فيلسوف يوناني كان يلقي دروسه في الأزقة وبين الجماعات بأسلوب عامي ينتابه السؤال والجواب.\n(٣) أفلاطون (٤٣٠ - ٣٤٧ ق. م) من مشاهير فلاسفة اليونان. تلميذ سقراط ومعلم أرسطو. من مؤلفاته: الجمهورية أو السياسة، المحاورات، الشرائع.","vol":"1","page":142},{"text":"أصلهم، واعتمدوه في تكوين الكواكب، وانشاء الحيوانات والنباتات. فذهب \"ديمقراطيس\" (١) إلى أن العالم أجمع، سواء كان من الأرضيات، أو من السماويات، مؤلف من أجزاء صغار صلبة متحركة بالطبع، ومن تلك الحركة الطبيعية التي هي لها، ظهرت أشكال الأجسام وهيآتها بقضاء العماية المطلقة، يعني بالصدفة التي لا تعلم حقيقتها، فأدتهم سخافة عقلهم إلى تجويز الترجيح بلا مرجح الذي لا يسلم به العقل السليم، ويعده مستحيلًا.\nوذهب فريق آخر: إلى أن العلويات والسفليات من الأجرام السماوية، والكرة الأرضية كانت على هيئتها هذه من الأزل، ولا تزال على هذه الهيئة، فلا ابتداء لسلسلة النباتات والحيوانات، وزعم هؤلاء أن في كل بذرة نباتًا مندمجًا فيها، وفي كل نبات بذرة كامنة، ثم في هذه البذرة الكامنة نبات فيه بذرة، وهكذا إلى غير النهاية، وأداهم مسلكهم هذا إلى القول بأن في كل جرثومة من جراثيم الحيوانات حيوانًا تام التركيب، وفي كل حيوان كامن في الجرثومة جرثومة أخرى، وهكذا يذهب كذلك إلى غير النهاية، كما في النباتات، وفات هؤلاء: أن قولهم هذا أداهم إلى القول بوجود مقادير غير متناهية في مقدار متناه، وهذا مما ينادي العقل السليم بأنه من المحالات الأولية التي لا يمكن إنكار كونها محالًا.\nوذهب فريق ثالث، إلى أن سلسلة النباتات والحيوانات قديمة بالنوع، كما أن الأجرام العلوية قديمة بالشخص، ولكن لا شيء من جزئيات الجراثيم الحيوانية، والبذور النباتية بقديم، بل كل جرثومة وبذرة بمنزلة قالب يتكون فيه ما يشاكله من جرثومة وبذرة أخرى، ولم يفطن هؤلاء إلى أن قولهم هذا، أداهم إلى ما يبطل مذهبهم من أصله، وهو أن كثيرًا من الحيوانات الناقصة الخلقة قد يتولد عنها حيوان تام الخلقة، وأن كثيرًا من الحيوان التام الخلقة قد يتولد عنه ناقصها أو زائدها.\nثم جاء \"أبيقور\" المتوفى سنة مئتين وسبعين قبل ميلاد المسيح، فمال هو وأتباعه إلى الإبهام في البيان، وقالوا:\n_________\n(١) ديمقراطيس فيلسوف يوناني مات في القرن الخامس قبل الميلاد.","vol":"1","page":143},{"text":"إن أنواع النباتات والحيوانات انقلبت في أطوار، وتبدلت عليها صور مختلفة بمرور الزمان، وكرور الدهور، حتى وصلت إلى هيآتها وصورها الموجودة المشهورة لنا، وذلك على زعمه: أن الجواهر متحركة حركة أزلية في فراغ هذا الخلاء الذي لا نهاية له بانحراف فيه، لا بعضها عن موازاة بعض بحيث يصطدم بعضها ببعض، وتحدث حركة لولبية مخروطية كحركة الزوابع، وهذه الحركة تؤدي إلى تراكيب وصور عديدة متنوعة ومتغيرة، ومن مزاعمه هذه استنتج بعض من اعتنى بكلامه، أن جميع ظواهر الطبيعة عنده، ليست إلا فعل الصدفة العمياء، ومن مزاعم أبيقورس: أن الإنسان في بعض أطواره كان مثل الخنزير، مستور البشرة بالشعر الكثيف، ثم أنه لم يزل ينتقل من طور إلى طور حتى وصل بالتدريج إلى ما نراه من الصور الحسنة والخلق القويم، ثم أنه لم يقم دليلًا على ما ادعاه، ولم يستند إلى برهان فيما زعمه، من أن مرور الزمان علة لتبدل الصور وترقي الأنواع، وعند أبيقورس: أن جميع الآلهة ليست إلا بشرًا أكمل من البشر، ومكانها في مكان سعيد خال من الوجع، وأنها كوائن أزلية لا يعتريها موت ولا عمل لها، وهي مقيمة في الفسحات الكائنة بين العوالم لا يهمها من الأرض شيء، ولا من مجرى الطبيعة، وعنده أن احترامها لا يجب إلا بالنظر لكمالها.\nولم يزل مثل هذا الاختباط سائدًا إلى أن ظهر فن طبقات الأرض، المسمى: \"بالجيولوجيا\"، فكشف لهم بطلان القول بقدم الأنواع، فرجع المتأخرون من الماديين عن ذلك القول إلى القول بالحدوث، ولكنهم صاروا بعد ذلك فريقين في كيفية كون الجراثيم النباتية والحيوانية، فذهب فريق: إلى أن جميع الجراثيم على اختلاف أنواعها، تكونت عندما أخذ التهاب الأرض في التناقص، ثم انقطع التكون بانقضاء ذلك الطور الأرضي. وذهب الفريق الثاني: إلى أن الجراثيم لم تزل تتكون حتى اليوم، خصوصًا في خط الاستواء حيث تشتد الحرارة، وليس عند الفريقين برهان يعولون عليه، أو برهان يستندون إليه، إلا مجرد المزاعم والدعوى، الذي لأجله على زعمهم بقيت تلك الجراثيم حية لا يعتريها فناء، خصوصًا بعدما أسسوه من قواعدهم، بأن الحياة فاعل في بسائط الأجرام، موجب لالتئامها، حافظ لكونها، وأن قوتها الغازية هي التي تجعل غير","vol":"1","page":144},{"text":"الحي من الأجزاء حيًا بالتغذية، فإذا ضعفت الحياة ضعف تماسك البسائط وتجاذبها، ثم صارت إلى الانحلال، إلى غير ذلك من المزاعم التي لا يقبلها العقل، ولا يقدر منتحلوها على تأييدها بالبرهان، كقول من قال: إن تلك الجراثيم كانت مع الأرض عند انفصالها عن كرة الشمس، وما درى ذلك القائل بأنه هو وأشياعه يقولون: بأن الأرض كانت يومئذٍ جذوة نار ملتهبة، فكيف هذه النيران المستعرة لم تحرق تلك الجراثيم، ولم تمح صورها.\nهذا وما زال الرأي المادي ينمو تارة، ويخبو ناره تارة، وتنقلب عليه آراء جماعة \"كداروين\" وغيره. وهو في الحقيقة لا ينسب إلى رأي معلوم، ولا إلى مذهب خاص، لاختلاف آراء جماعته وناصريه إلى أن صار الرأي المادي اليوم: أن المادة وحدها ليست هي التي تفعل الأفاعيل، وليست هي المتكلفة بالتركيب والتحليل، وأنها فوق كل شيء، بل إنما أفاعيلها بانضمام القوة والإدراك إليها، حيث قال: وهذه الفلسفة لا تقتضي لقضاياها العصمة المطلقة، ولا تستنزل من سوابح الأفكار في ذرى سماء الخيال نواميس الكون، بل بالضد من ذلك، تقف عند حد أبحاث العلوم الصحيحة، وهذا الحد غير ثابت، بل يزداد بعدًا سنة عن سنة كلما تقدمت هذه العلوم، وقد يقع الخطأ فيها أكثر من مرة، إلا أن هذا الخطأ لا يضر، بل يفيد لاكتشاف الحقيقة على حد المثل القائل: لا ينتقل من الخطأ إلى الصواب إلا العاقل، ولا يقف إلا المجنون، انتهى.\nوقد استهزأ الطبيب المظفر بن معرف (١) بهذه الطائفة فقال:\nوقالوا: الطبيعة مبدأ الكون ... فيا ليت شعري ما هي الطبيعة؟\nأقادرة طبعت نفسها ... على ذاك أم ليست بالمستطيعة؟\nوقال أيضًا:\n_________\n(١) هو مظفر بن عبد الرحمن البعلبكي، طبيب، كان أبوه قاضيًا ببعلبك فنسب إليها. نشأ وتعلم بدمشق، وخدم في بيمارستان الرقة، ثم عاد إلى دمشق وتولى رئاسة جميع الأطباء والكحالين والجراحين سنة ٦٣٧ هـ، وتوفي بدمشق سنة ٦٧٥.","vol":"1","page":145},{"text":"وقالوا الطبيعة معلومنا ... ونحن نبين ما حدها\nولم يعرفوا الآن ما قبلها ... فكيف يرومون ما بعدها\nونحن ننتظرهم حتى ينتقلوا من الخطأ إلى الصواب، وقد صار لهم ألوف من السنين وهم في اختباط حتى قرنوا المادة بالقوة، وعساهم أن يهتدوا إلى الحق، فيجعلوا تلك القوة هي قدرة خالق الأكوان المبدع للمادة، ولما يتآلف منها، فتكون فلسفتهم قد نجحت، واهتدوا بعد أن حاروا ألوفًا من السنين.\nوكأنك بالقرآن يعجب من حيرتهم وخبطهم في دياجير الظلام، ويناديهم: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ الذي هو الخالق للمادة، والمفيض عليها القدرة التي تدعونها، والخصائص، التي تكتشفونها، ﴿وَكُنْتُمْ﴾ أي: كانت الذرات التي تبحثون عنها أمواتًا عدمًا لا وجود لها مع الشمس، ولا مع انفصال الأرض عنها، ولا وجود لها أيضًا مطوي، بل هو الذي أحياكم بإحياء تلك الذرات، وأمره لها بالانضمام والنمو، وبيده النشأة الأولى، ثم هو الذي يميتكم بسلب السر الذي كانت به تلك الذرات متماسكة تدب فيها الحياة، ويعاون بعضها بعضًا فتنحل وتتبدد، ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ إذا شاء للمعاد، وليريكم حقائق ما أنتم مختلفون فيه الآن، فيقول المقلدون لكم: ﴿رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ [الأحزاب]، ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ فتعلمون أنه لا فاعل سواه، وأن المادة مخلوقة له، وأن هو الأول والآخر، والظاهر والباطن، فرجوعكم إليه في الدنيا بعد أن تفنى مزاعمكم، وتقفون عندما يتجلى لكم العلم الصحيح، قائلين: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: ١٩١]، لأنكم لا يأتي زمان إلا ويتغير ما انتحله أهل الزمان الأول، وهذا طريق الرجوع إليه تعالى، ورجوعكم في الآخرة ليبدل لكم الشك باليقين، والظن بالحقائق، ولو أنكم تبعتم الرسل فيما جاؤوا به، لكفيتم عناء التعب، ولوقفتم على اليقين من أول الأمر، فهذا من بعض ما ترمي إليه هذه الآية الكريمة، وتنادي بإبطال القول بالصدفة، والقول بأن البشر كان حيوانًا ثم ترقى بالتدريج، كما ذهب إليه أستاذكم داروين، الذي","vol":"1","page":146},{"text":"يلزم منه إمكان أن يصير البرغوث فيلًا بمرور القرون، وكر الدهور، وأن ينقلب الفيل برغوثًا كذلك.\nثم إنه تعالى بين، أنه ليس هو الخالق للذرات المتركب منها الإنسان فقط، بل أن جميع الأكوان علويها، وسفليها، مخلوق له تعالى، ومكون بإرادته ومشيئته، فأبرز الكلام في معرض تذكر النعم، بأسلوب لطيف لئلا ينفر المخاطبون، فقال:\n﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾.\nفقوله: ﴿هُوَ﴾ يعود إلى لفظ الجلالة في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾، وهي كلمة مراد بها هنا غيب الإلهية القائم بكل شيء، الذي لا يظهر لشيء، فذاته تعالى غيب، وظاهره الأسماء المظهرة من علو إحاطة اسم الله، إلى تنزيل عالم الملك، فكأنه يقول: هو، أي ما غاب عنكم، ولم يوقفكم علمكم وأفكاركم وعقولكم عليه، ولم يهدوكم إليه، وزعمتم أنه الطبيعة أو المادة والقوة، والإدراك أو الكواكب، أو غيرها مما تدعيه الفرق، مما هو في السماوات والأرض، إنما هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعًا، من المادة والقوة والإدراك، ومن جميع ما يوجد على ظاهر الأرض وباطنها، ومن القوى الموجودة فيها، مما يظهر شيئًا فشيئًا على يدي الاختراع، وخلق ذلك إنما هو لكم تتصرفون به، فإذا كان لكم وأنتم تصرفونه كيف شئتم، فكيف يكون خالقًا، فقوله: ﴿لَكُمْ﴾، معناه: لأجلكم، ولانتفاعكم به في دنياكم، كما هو ظاهر لكم، وفي دينكم لتنظروا عجائب الصنع، فتستدلوا به على وجود الخالق، وقوله: ﴿جَمِيعًا﴾، إنما هو إعلام بأن حاجة الإنسان لا تقوم بشيء دون شيء، وإنما تقوم بكلية ما في الأرض، حتى لو بطل منها شيء تداعى سائرها، وأن تلك الكلية هي مباحة لكم، فقد خلق الكل للكل، ومقابلة الكل في قوله: ﴿لَكُمْ﴾، الدالة على الجمع بالكل، الذي يدل عليه، ما في لفظ ﴿مَا﴾ من العموم، يقتضي مقابلة الفرد بالفرد، وتعيين المالكية لهذا ولهذا، إنما يستفاد من دليل آخر.","vol":"1","page":147},{"text":"فما استدل به الإباحيون والاشتراكيون، من هذه الآية من أنها تدل على أنه تعالى أخبرنا بأنه خلق الكل للكل، فلا يكون لأحد اختصاص بشيء أصلًا، إنما هو قول باطل مصادم لشرائع الأنبياء، وهذه الطائفة موجودة في زمننا هذا، ويقال لهم: \"الاشتراكيون\" (١)، وطريقتهم وطريقة الدهرية واحدة، وهم يزعمون ظاهرًا أنهم سند الضعفاء والمطالبون بحقوق المساكين والفقراء؛ وما قصدهم باطنًا إلا رفع الامتيازات الإنسانية كافة، وإباحة الكل في الكل، وإشراك الكل في الكل، وهم لا يستدلون بهذه الآية ولا غيرها، ولكن البعض منهم إذا لاحَى متدينًا عارضه بها، ولكن استنادهم على أن جميع المشتهيات الموجودة على سطح الأرض منحة من الطبيعة، وفيض من فيوضها، وأن جميع الأحياء سواء في التمتع بها، وأن اختصاص فرد من الإنسان بفرد منها دون سائر الأفراد، بدعة في شرع الطبيعة، سيئة يجب محوها والإراحة منها.\n\nقال المنقبون، في<span data-type=\"title\" id=toc-127>ما ترمي إليه هذه الفرقة: </span>إن من مزاعمهم: أن الدين والملك عقبتان عظيمتان، وسدّان منيعان، يعترضان بين أبناء الطبيعة، ونشر شريعتها التي هي الإباحة والاشتراك، وليس يوجد مانع أشد من هذين المانعين، فالواجب على طلاب الحق الطبيعي، أن ينقضوا هذين الأساسين، ويبيدوا الملوك ورؤساء الأديان، ثم بعد أن يصلوا إلى غايتهم يعمدوا إلى الملاك وأهل السعة في الرزق، ويطالبوهم بأحد أمرين: إما بالانقياد لشرع الطبيعة، وإما بقتلهم وإبادتهم، حتى يعتبر بهم من يكون على شاكلتهم، فلا يعصون أحكام شرعهم، ثم إنهم فكروا في كيفية نشر أفكارهم، فوجدوا أحسن وسيلة إنما هي زرع بذور الفساد، في أذهان الأحداث بالتعليم، إما بإنشاء المدارس بدعوى نشر المعارف، أو بالدخول في سلك المعلمين في مدارس غيرهم، ليقرروا أصولهم في أذهان الأطفال وهم في طور السذاجة، فتنتقش المدارك في أذهانهم على التدريج؛\n_________\n(١) يقصد المؤلف﵀- الشيوعية التي كانت منتشرة في أيامه ... وكانت المتحكمة في بلاد روسية وغيرها ... ثم شهدنا فشلها وتوزع الاتحاد السوفياتي إلى دويلات كفرت كلها بالماركسية. وتحررت بعض البلاد الإسلامية التي كانت تحت حكمها- والحمد لله-.","vol":"1","page":148},{"text":"وسلك مسلكهم جميع الدهريين، فلذلك ترى منهم من همه بناء المدارس، ودعوة الناس، ومنهم المتفرقون في البلاد يطلبون وظائف التعليم، وينالون من ذلك مطالبهم، والكل يتعاونون على إذاعة خيالاتهم الباطلة، فلذلك كثرت أضرابهم في الأقطار، ولا جرم أنه إذا استفحل أمرهم، كانوا سببًا لانقراض النوع البشري، فليكن العاقل على بصيرة من أمره في هذا الزمن، ولا يغتر بظواهر الأقوال.\nثم إن ههنا بحثًا يؤخذ من هذه الآية على مسلك أصحابنا المؤمنين بالله وبرسوله، وبكتابه المنزل، وهو: أن بعض الفقهاء استدل بهذه الآية على أن الأصل في الأشياء الإباحة، فلا يمنع شيء إلا بدليل، وإليه ذهب الحنفية وبعض الحنابلة، وقال قوم: الانتفاع بالأعيان قبل ورود الشرع على المنع، وإليه ذهب بعض المعتزلة، وبعض الحنابلة، وقال جماعة: بالوقف، وهم الذين يقفون في الأحكام عند تجاذب الأدلة لها.\nوالمسألة طويلة الذيل، وقد أطيل الكلام عليها في \"فن أصول الفقه\" والذي تقتضيه الآية: أن الله تعالى خلق لنا ما في الأرض جميعًا، وإذا كان مخلوقًا لنا، والله تعالى ذكره في معرض النعم التي عمت المكلفين بأسرهم، فيكون مباحًا لنا، إلا أن يأتي بيان من الشرع بمنع شيء منه، فإننا نتركه عملًا بذلك البيان، وكذلك تفيد الآية، أننا إذا أهملنا استعمال ما خلق لنا، وتركنا أمر الزراعة مهملًا، ولم نمل إلى استخراج المعادن من مكامنها لنفع عباد الله تعالى، ولم ننظر في خصائص الأشياء للانتفاع بها، وأعرضنا عن هذه النعم ونأينا عنها جانبًا، كان ذلك إعراضًا منا عما خلق لأجلنا من النعم، فيوشك أن تسلب منا وتعطى إلى غيرنا ممن ينتفع بها، ففي الآية دليل وبيان واستبصار.\nولما أقام تعالى الدليل على المبطلين مِن خلقه، ومما يشاهدونه من أنفسهم، أقام دليلًا آخر مما يشاهدونه من خلق السموات، فقال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ ابتدأ بخلق الأرض أولًا، ثم بخلق السماء كما هو شأن البنّاء، حيث يبدأ بعمارة القواعد والأساس، ثم يبني الأعالي بعد ذلك، نعم هو القادر على أن ينشئ الأعالي قبل التحت، ولكنه أراد أن يعلّمنا سنته في خلقه، ويرشدنا إلى أن الأمور","vol":"1","page":149},{"text":"كلها، لا بد لها من بناء أساس لها أولًا، وأنه ما من شيء ركب على غير أساس إلا انهار وتلاشى، وأعلمنا أيضًا بقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى﴾، إلى أنه تعالى لم يخلق هذا الخلق عبثًا، ولا أنه كان بطريق التصادف، كما يزعم الماديون، بل كان هذا الخلق قصدًا منه ﵎، ومن هنا قال كثير من المفسرين، كابن كثير، وغيره: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، أي: قصد، والاستواء ههنا مضمن معنى القصد والإقبال، لأنه عدي بـ \"على\"، يعني في غير هذه الآية. وقال الربيع بن أنس فيما أسنده عنه ابن جرير الطبري في تفسيره: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ يقول: ارتفع إلى السماء، انتهى. ومراده بالعلو هنا علو ملك وسلطان، لا علو انتقال وزوال، والمراد بالسماء جهة العلو كما بيناه سابقًا، فهي بمعنى الجنس، فلذلك أعيد إليها ضمير الجمع، بقوله: ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾، وقال جملة من المفسرين: الضمير في ﴿فَسَوَّاهُنَّ﴾ مبهم، و﴿سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ تفسير له، كقول القائل: رُبَّهُ رجلًا، وفائدته: أن المبهم إذا تبين كان أفخم وأعظم من أن يبيَّن أولًا، لأنه إذا أبهم تشوقت النفوس إلى الاطلاع عليه، وفي البيان بعد ذلك شفاء لها بعد التشوق، وهذا ما اختاره صاحب الكشاف وذيّله بقوله: وهو الوجه العربي، والتسوية: إعطاء أجزاء الشيء حظه لكمال صورة ذلك الشيء ... والمعنى والله أعلم: ثم أعطى كل جزء من السماوات حظها من اكتمال صورتها، وترتيب نجومها، وتسييرها حتى صارت على هذا النظام البديع، والخلق المحكم، ومن المعلوم: أن هذه الآية واردة على جهة تعديد النعم، على أن خلق الأرض مقدم على خلق السماء، ولا على العكس، بل مثالها مثال قول الرجل لغيره: قد أعطيتك النعم العظيمة، ثم رفعت قدرك، ثم دفعت الخصوم عنك، ولعل بعض ما أخره في الذكر قد تقدم في الوجود، وسيأتي لهذا مزيد بيان في محالّه من هذا الكتاب.\nهاهُنا للمفسرين أقوال ينقلها بعضهم عن السلف، وقد شحنوا بها كتبهم، لا ينبغي لعاقل أن يعول عليها، مثل قولهم فيما حكاه ابن جرير، وتبعه كثير ممن ينقل الكلام على علاته: أن الله خلق الأرض على حوت، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿ن وَالْقَلَمِ﴾ هو الحوت في الماء، والماء على ظهر صفاة، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة والصخرة في الريح. وكقولهم: إن الأرض على","vol":"1","page":150},{"text":"قرن ثور، وليس شيء من هذا ما صح نقله عن السلف، وإنما يعد من كلام الإسرائيليين، دسُّوه فيما بين القوم ليجد الضال مطعنًا على السلف، وقد كنت رأيت قديمًا كتابًا ترجم عن اللغة اليونانية يحتوي على بيان خرافات اليونان، يعني على الرموز التي رمزها الفلاسفة الأقدمون، فرأيت هذه معدودة في جملة الخرافات، وتأملتها فوجدت مخترعها قد رمز بها إلى الجاذبية، فهو يزعم بها أن الأرض مجذوبة بجاذبية الثور والحوت، اللذين هما من جملة منازل الشمس، وكحكاية هاروت وماروت وغيرها، مما هو في الأصل رمز فأخذه بعضهم على الحقيقة وشحن به سفن علمه هذا.\nوقد علم من نص القرآن الكريم أن السماوات سبع، ولعلماء الهيئة الجديدة هنا اعتراضان:\nأحدهما: على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾، فيقولون: لا وجود للأفلاك كليًا، وهذا المرئي إنما هو بُعدٌ مجرد عن المادة، ويعتقدون أن الكواكب تدور بحركتها اللازمة على مدار موهوم.\nالثاني: أنّا لو سلمنا أن المراد بالسماوات السيارات السبع، لانتقض الحصر بأن \"الهرشل\" أحد الراصدين من الإنكليز، اكتشف كوكبًا يتم دوره في أربع وثمانين سنة شمسية، وثمان وعشرين يومًا، وعده من الأفلاك الكلية وسماه باسمه، أعني: فلك الهرشل، ويقال له أيضًا: \"أورانوس\" وقد قال: إن الكواكب الست اتخذته مركزًا تدور حوله.\nوأقول: قد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [البقرة: ٢٢]، معنى السماء، وأنه: كل ما علاك فأظلك، ومن المحقق أن القرآن نزل بلغة العرب، وإليها يرجع في تفسيره، ولم نجد في القرآن تعداد الأفلاك بسبع، وإنما هو اصطلاح لعلماء الهيئة الأقدمين والمتقدمين، كما مر بك بيانه، وفرق في اللغة بين الفلك والسماء، ففي القاموس: الفلك: مدار النجوم، والجمع أفلاك، وفلك بضمتين، وموج البحر المضطرب، والماء الذي حركته الريح، والتل من الرمل حوله فضاء، وقطع من الأرض تستدير وترتفع عما حولها، انتهى.","vol":"1","page":151},{"text":"وفرّق القرآن أيضًا بين السماء وبين الفلك فقال: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ (٣٣)﴾ [الأنبياء: ٣٣] ولم يقل كل في سماء، ثم إن الكتاب لم يبين جنس السماء، ولا أنها جسم مركب أو غير مركب، غاية الأمر أنه ذكر أنه خالق للعلو كما أنه خالق لما تحته فكيف يعترض المعترضون بأن لا وجود للأفلاك كليًا، ويطلقون الأفلاك على السماوات، ثم ينكرونها، وما ذلك إلا لعدم علمهم باللغة العربية وشغفهم بالتحكك بالكتاب الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ [فصلت: ٤٢]، ثم إن قولهم: إن الكواكب تدور بحركتها اللازمة على مدار موهوم، هو معنى قوله تعالى: ﴿كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾، لأن مدار النجوم يسمى فلكًا، والمدار مصدر بمعنى الدوران، فسمى الله تعالى مدار النجوم أو دورانها فلكًا، ولا يضرنا بعد ذلك، أن يكون المدار موهومًا أو محققًا، على أنهم استفادوا كلامهم من القرآن، ثم اعترضوا به عليه. وبيانه: أن السبح في لغة العرب الفراغ، وقال أهل اللغة: ﴿وَالسَّابِحَاتِ﴾ [النازعات: ٣] النجوم تسبح في الفلك، أي: تذهب فيه بسطًا، كما يسبح السابح في الماء سبحًا، فشبه الله تعالى سير النجوم بالسابح الذي يسبح في الماء، وهذا عين ما اختاروه، ثم قلبوا العبارة واعترضوا بها، وما حملهم على هذا إلا خلط الاصطلاحات بعضها ببعض.\nثم إن قولهم في الاعتراض الثاني: إنا لو سلمنا أن المراد بالسماوات السبع: السيارات، لانتقض الحصر بالهرشل، مدفوع أيضًا بأننا نتنزل معهم في البحث، ونقول: إن السماوات عبارة عن السيارات السبع، ولكن انتقاض الحصر ليس بلازم لنا، لأن العدد لا مفهوم له، ولو سلمنا أن له مفهومًا، ولكن الكتاب العزيز لم يقتصر على ذكر السبع بل زاد عليها اثنين، وهما الكرسي والعرش، وهما عند الحكماء مما يطلق عليهما لفظ الفلك، فإذا انضما إلى السبعة، صارت تسعة وهم إلى الآن لم يكتشفوا الثامن من بعد ألوف من السنين، ونحن ندعهم حتى يكتشفوا التاسع بعد دهر، وهناك يذعنون لنا.\nهذا، وقد حاول الطوسي الجمع من وجه آخر، فقد قال العلامة \"الشيرازي\" في \"التحفة الشاهية\": سمعت العلامة \"الطوسي\" يقول حين قرأت الهيئة منه: إذا","vol":"1","page":152},{"text":"فرضنا الكواكب الثابتة، ودائرة البروج على مثل زحل، وتعلق نفس واحدة بمجموع الأفلاك وحركتها بالحركة اليومية، ويتحرك ممثل زحل بحركته الذاتية، أمكن انحصار التسعة بسبعة، لكن إنما يصح هذا لو لم يفرض زحل في البعد إلا بعدًا أصلًا، أو لم يوجد الكوكب من الثوابت معتد به القدر في حول أوج زحل، هذا خلف، فإن قيل: لو فرض المحل من جرم الممثل فوق أوج زحل للكواكب الثابتة، لصح الرأي المذكور، قلنا: ارتكاب هذا التمحل خروج على قاعدة الفن، ولما كانت هذه القضايا مما تحار فيه العقول، ولا يمكن إدراكها إلا بإعلام من اللطيف الخبير، وكان الخلق على هذه الكيفية، دالًا بالبديهة على أتم قدرة لصانعه، وكان العلم بأن مبنى ذلك على العلم محتاجًا إلى تأمل، اعتنى في مقطع الآية بقوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.\nولما ذكر الحياة والموت المشاهدين، تنبيهًا على القدرة على ما اتبعهما به من البعث، ثم دل ذلك أيضًا بخلق هذا الكون كله على هذا النظام البديع، وختم ذلك بصفة العلم، ذكر ابتداء خلق هذا النوع البشري المودع من صفة العلم ما ظهر به فضله بقوله تعالى:\n﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ [البقرة: ٣٠].\nإذ من البداءة تعلم العودة لمن تدبر هذا، إذا قدرنا، ﴿وَإِذْ﴾ عطفًا على قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]، وبيانًا لقوله: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ويجوز أن تكون ﴿إِذْ﴾، متعلقة بفعل محذوف تقديره: واذكر، والمناسبة على هذا أنه تعالى لما خاطبهم خطابًا على سبيل الاستفهام الإنكاري بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: ٢٨]، ذاكرًا اسمه تعالى \"الله\" وأتبعه بعض ما له منكرون أو به جاهلون، وأشار بقوله: ﴿لَكُمُ﴾، إلى أنه لم يخلق هذا النوع البشري للفناء بل للبقاء، بما أبان عن أنه إنما خلق جميع ما في هذه الأكوان لأجلهم، فالبعض رزق لهم،","vol":"1","page":153},{"text":"والبعض أسباب له، والبعض أسجدهم لأبيهم، وهم في صلبه، والبعض جعل لهم وظائف مختلفة ككتابة الأعمال، لم يكونوا أهلًا لفهم هذا الخطاب حق فهمه، فأعلم ﷾ رسوله كأنه يقول له: إن هذا لا يفهمه حق فهمه عنا سواك، وهم إلى الفهم عنك أقرب، فاذكر لهم ما كان في بدء خلقهم: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ ...﴾ وسياق الكلام هنا، إنما هو لإيراد الرفق والبشارة على لسان الرسول - ﷺ - استعطافًا لهم إليه وتحبيبًا فيه.\nولما علمت الإشارة، لكن لأهل البصيرة، أتبعها قصة آدم ﵇، دليلًا ظاهرًا ومثالًا بينًا لخلاصة ما أريد بهذه الجملة، من أن النوع الآدمي هو المقصود بالذات من هذا الوجود، وأنه لا يجوز في الحكمة أن يترك بعد موته من غير إحياء، يرد به إلى دار لا يكون في شيء من أمورها من أحد نوع من الخلل، وتكون الحكمة فيها ظاهرة تمام الظهور، لا خفاء بها أصلًا، ولذلك ذكر تفصيل آدم بالعلم، ثم بإسجاد الملائكة له، ثم بإسكانه الجنة، ثم بتلقي أسباب التوبة عند صدور الهفوة، ومن هنا يظهر سر العطف بالواو، الذي هو حرف يجمع ما بعده مع شيء قبله إفصاحًا باللفظ، أو إفهامًا في المعنى، حيث قال: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ أي: المحسن إليك برحمته، العباد بك. و\"الملائكة\": جمع ملك، ويقال في حقيقتهم: إنهم أجسام لطيفة هوائية، تقدر على التشكل بأشكال مختلفة، مسكنها السماوات، وهذا قول أكثر المسلمين، حكاه صاحب \"مفاتيح الغيب\" وغيره.\nومن المعلوم: أن الأمم مختلفون في وجود الجن والملائكة، والمثبتون لهم مختلفون أيضًا في حدهم وتعريفهم، فأما المثبتون لهم فطائفتان:\nطائفة ذهبت إلى أن الكتب السماوية نصت على وجودهم نصًا لا ريب معه، ولا سيما الكتاب العزيز، فإنه حكى أصنافهم وأوصافهم.\nأما أصناف الملائكة فحكي: أن منهم حملة العرش والحافين حوله، وصرح باسم ﴿وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ﴾ [البقرة: ٩٨]، اللذين هما من أكابرهم، وأن منهم ملائكة الجنة، وخزنة النار، والموكلين ببني آدم، وكتبة الأعمال، ﴿وَالصَّافَّاتِ﴾، وهم الموكلون بأحوال هذا العالم.","vol":"1","page":154},{"text":"وأما أوصافهم، فقد بين تعالى أنه ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ [فاطر: ١]، وأنهم ﴿عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ﴾ [الأنبياء: ١٩]، وبين أنهم الصافون والمسبحون، لا يعصون الله شيئًا ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾ [النحل: ٥٠، والتحريم: ٦]، وأنهم ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ﴾ [الأنبياء: ٢٧]، وأن منهم صاحب الصور.\nوأما الجن، فقد بيّن تعالى أنه ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ [الرحمن: ١٥]، وأن منهم ﴿كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ [ص: ٣٧]، وقال تعالى حاكيًا عن سليمان: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ﴾ [سبأ: ١٣] إلى غير ذلك مما يعلمه من قرأ الكتاب العزيز.\nوأما حقيقة هذين الجنسين، فلم ترد في القرآن الكريم، لأنه لا منفعة لنا بها، ولو كان لنا بها وببيانها منفعة لبينها ﷾.\nوالطائفة الثانية من المثبتين قالوا: لا تخلو الملائكة من أن تكون ذوات قائمة بأنفسها أو لا، فالثاني باطل، والأول يقال عليه: لا تخلو تلك الذوات من أن تكون متحيزة، أو لا تكون، وقد ذهب إلى كل من القولين أمة، ثم إن القائلين بأن الملائكة ذوات متحيزة، ذهبوا مذاهب: أحدها المذهب الذي قدمناه آنفًا؛ ثانيًا: مذهب عبدة الأوثان، قالوا: إن الملائكة هي الحقيقة في هذه الكواكب الموصوفة بالسعد والنحس، ويزعمون أن الكواكب أحياء ناطقة. وثالثها: مذهب المجوس، القائلين بأن العالم مركب من أصلين أزليين، وهما النور والظلمة، ثم إن جوهر النور فاضل شريف لم يزل يولد الملائكة، لا على سبيل التناكح، بل على سبيل تولد الحكمة من الحكيم، والضوء من المضيء، وجوهر الظلمة شرير لم يزل يولد الأعداء، وهم الشياطين ولكن لا على سبيل التناكح، بل على سبيل تولد السفه من السفيه.\nوالقائلون بأن الملائكة ذوات قائمة بأنفسها، وليست بمتحيزة افترقوا فرقتين: فرقة قالت: إن الملائكة في الحقيقة هي الأنفس الناطقة المفارقة لأبدانها، على نعت الخير والصفاء، وذلك لأن هذه النفوس المفارقة إن كانت صافية خالصة فهي الملائكة، وإن كانت خبيثة كدرة فهي الشياطين، وينسب هذا القول لقدماء","vol":"1","page":155},{"text":"النصارى. والفرقة الثانية: وهم الفلاسفة، قالوا: إن الملائكة جواهر قائمة بأنفسها ليست بمتحيزة ألبتة، وأنها بالماهية مخالفة لأنواع النفوس الناطقة البشرية، وأنها أكمل قوة منها، وأكثر علمًا منها، وأنها للنفوس البشرية جارية مجرى الشمس بالنسبة إلى الأضواء، ثم إن هذه الجواهر على قسمين: منها ما هو بالنسبة إلى أجرام الأفلاك والكواكب كنفوسنا الناطقة بالنسبة إلى أبداننا، ومنها ماهي لا على شيء من تدبير الأفلاك، بل هي مستغرقة في معرفة الله ومحبته، ومشتغلة بطاعته، وهذا القسم هم الملائكة المقربون، ونسبتهم إلى الملائكة الذين يدبرون السماوات، كنسبة أولئك المدبرين إلى نفوسنا الناطقة.\nهذه مذاهب الناس في هذا الجنس، قد أوردناها خالية من الدليل والتعليل، لضيق المقام عن ذلك، وربما يمر بك شيء من الاستدلال أثناء هذا الكتاب.\nوحاصل ما يقال هنا: أن الله تعالى أخبرنا بأن له عبادًا سماهم الملائكة، وأن رسله الكرام أخبروا بوجودهم، والعقل يقول: إن الذي خلق الإنسان من طين وسواه، قادر على أن يخلق خلقًا من النور، يقال لهم: الملائكة، وخلقًا من نار يقال لهم الجن، فمن أثبت وجود الله وقدرته يرى أن ذلك جائزًا، ومن لم يثبت وجود الله لا كلام لنا معه، لأنه أنكر الأصل، فليس بعجيب أن ينكر الفرع، فلذلك قال المليّون في شأن الجن والشياطين: إنهم من الجواهر الغائبة عن حواسنا، وهي أجسام تتشكل بأي شكل شاءت، وتقدر على أن تتولج في بواطن الحيوانات، وتنفذ في منافذها الضيقة، نفوذ الهواء المستنشق.\nوأما الفلاسفة فإنهم حكَّموا العقل المجرد في إثبات الجن، فقالوا: إن الجن لا تخلو من أن تكون أجسامًا لطيفة أو لا، فإن كان الأول لزم أن لا تقدر على الأفعال الشاقة، لأنها تتلاشى بأدنى قوة، وبأدنى سبب من خارج يصل إليها، وهو خلاف ما يعتقده القائل بوجودهم، فالقول به باطلٍ. وإن كان الثاني، وهو كونهم أجسامًا كثيفة لا نراها، فإنه غير مسلم أيضًا، لأنه يؤدي إلى جواز أن يكون بحضرتنا جبال وبلاد لا نراها، وبوقات وطبول لا نسمعها، وهذا سفسطة فهو باطل.","vol":"1","page":156},{"text":"وأجاب المثبتون لهم من المتقدمين، بما يظهر منه الحيرة في الجواب، فقالوا: إنا نختار الشق الأول، وهو كونهم أجسامًا لطيفة، ولا يلزم من كونها كذلك عدم قوتها على الأفعال الشاقة، لجواز أن يفيض الله عليها مع لطافتها قوة عظيمة، فإن القوة لا تتعلق بالقوام يعني الكثافة، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ﴾ [المدثر: ٣١].\nوأقول: قد قارب القوم في الجواب، وحاموا حول الصواب، ومخترعات عصرنا أبرزت مثل هذا للعيان لقوم يعقلون، وذلك أنه أظهر أجسامًا لطيفة تنفذ فى المسام، وتفعل ما لا يقدر على فعله المئات من الناس، فهذه الكهرباء السارية في الوجود تسير السفن البرية، وتدير آلات الصنائع بسرعة فائقة، وتجر ما لا يقدر على جره العصبة أولو القوة، وتظهر الأضواء، وتنقل الكلام من قطر إلى قطر آخر، كما يفعله التلغراف والتلفون، وإذا مسها شخص سارت بسرعة في جميع أعضائه فتسري مسرى الدم، ومع ذلك فهي أجسام لطيفة لا نراها، وإنما نرى آثارها، فلو رآها الفلاسفة المتقدمون، لعدلوا كثيرًا من تعاليمهم، فأي مانع مع مشاهدة هذا أن يكون لله خلق لطيف، يقدر على الأعمال الشاقة. وكذلك يقال: إن الأطباء اليوم اكتشفوا لأسباب الأمراض سببًا يقال له الجراثيم، وهم يسمونه بالميكروب، ومن قوة بعضه أنه يسري في اللحم والدم، فأي مانع حينئذٍ أن يخلق الله أجسامًا لا ترى، وهي تجري من ابن آدم مجرى الدم، فليتأمل العاقل بديع قدرة الله تعالى، ويعلم أنه لا يعجزها شيء.\nهذا وقوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ معناه والله أعلم: اني مصير في جميع الأرض خليفة، والخليفة: من يخلف غيره، ويقوم مقامه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ [يونس: ١٤] ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ﴾ [الأعراف: ٦٩ و٧٤] فالآية تدل على أن الأرض كانت مسكونة بعالم غير آدم، والله تعالى جعله خلفًا عنهم، وأما جنس هذا العالم وصفته وكيف هو، فالقرآن الكريم لم يصرح به، ولم يأتنا ببيانه حديث صحيح يعول عليه في البيان، فالبحث عنه ليس من غرض المفسرين، وروى ابن جرير الطبري، عن عطاء، عن","vol":"1","page":157},{"text":"ابن سباط (١) مرفوعًا: \"إن الأرض دحيت من مكة، وكانت الملائكة تطوف بالبيت، فهي أول من طاف به، فهي الأرض التي قال الله: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ \" وهذا المروي قد سقط من إسناده الصحابي، فهو مرسل، ومثله لا يفيد اليقين، على أنه يقتضي أن يكون الله جعل آدم خليفة في بعض الأرض، وظاهر القرآن بخلافه، وأيضًا يقتضي أن عالمًا من البشر كانوا في غير أرض مكة، فلم يخلفهم آدم، ولم يكونوا من صلبه.\nبقي أن يقال: ما الفائدة في قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مع أنه تعالى منزه عن الحاجة إلى المشورة؟ ويجاب بأنه تعالى قال ذلك ليعلم عباده المشاورة في الأمور، ولذلك قال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: ٣٨]، وليعلم أيضًا طلبُ الدليل على المُدَّعَى، فلا يأخذون القول على علاته، وليبين لهم الإيقاف على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر، وليسألوا ذاك السؤال، ويجابوا بما أجيبوا به، فيعرفوا حكمته في الاستخلاف قبل وجوده، صيانة لهم عن اعتراض الشبهة في وقت الاستخلاف، فمن ثم قالوا على سبيل التعجب، من أن يستخلف مكان أهل الطاعة أهل المعصية، وهو الحكيم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ الآية، قالوا ذلك: لما ثبت في علمهم أن الملائكة وحدهم هم الخلق المعصومون، وكل خلق سواهم ليسوا على صفتهم، أو أنهم قاسوا من يأتي من صلب آدم على من كان قبله من سكان الأرض، فقالوا طالبين الإيقاف على الحكمة في إيجاد من يقع منه شر، ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا﴾ أي: في الأرض، ﴿مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ بأنواع المعاصي، بسبب ما ركب فيهم من الشهوة النفسانية، ﴿وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، أي: يسكبها بغير حقها بسطوة بالقوة الغضبية، لعدم عصمتهم، ﴿وَنَحْنُ﴾ أي: والحال أنا نحن نسبح بحمدك، أي: نسبح حامدين لك، وملتبسين بحمدك، لأنه لولا إنعامك علينا بالتوفيق واللطف، لم نتمكن من عبادتك، والتسبيح: تنزيه الله عن السوء، وكذلك تقديسه مأخوذ من قول\n_________\n(١) في الأصل \"أسباط\" والتصويب من الطبري.","vol":"1","page":158},{"text":"العرب سبح في الأرض والماء، وقدس في الأرض، إذا ذهب فيها وأبعد، ولما تضمن قولهم هذا أنهم نسبوا أنفسهم إلى العلم المثمر للإحسان، ونسبوا الخليفة إلى الجهل المنتج للإساءة، أعلمنا ﷾ لنشكره أنه حاج ملائكته عنا، فبين لهم أن الأمر على خلاف ما ظنوا، بقوله، على سبيل الاستئناف: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: أن الخيرات الحاصلة من أجل تركيب العالم السفلي أكثر من الشرور الحاصلة فيهما، والحكمة تقتضي إيجاد ما هذا شأنه لا تركه.\nولما أعلم ﷾ الملائكة أن الأمر على خلاف ما ظنوا، شرع في إقامة الدليل عليه فقال: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾. تكلف الناس لاشتقاق لفظ \"آدم\" تكلفات بعيدة، فبعضهم قال: مشتق من الأدمة، وهي السمرة. وبعضهم قال: مشتق من أديم الأرض، وهو وجهها، ومنهم من قال غير ذلك. والحق: أن لفظ \"آدم\" أعجمي لا ينطبق على الاشتقاقات العربية، وإنما يلهج بمثل هذا أقوام صرفوا أوقاتهم في الاشتغال بالألفاظ، وأضربوا عن جانب المعنى، فتراهم يتكلفون لاشتقاقاتها، ولو كانت من غير لغتهم، ثم إنهم يبنون على تلك الاشتقاقات تعليلات وحكايات يخترعونها، لم تتطابق نقلًا ولا عقلًا، وتفسير كتاب الله تعالى في غنى عنها.\nثم إن المفسرين جالوا في ميدان تفسير الأسماء التي علمها الله آدم ﵇، وأطالوا النفس في هذا الموضوع، وتبعهم علماء الأصول، فأنشؤوا المقالات الباحثة عن كون اللغات وضعية وضعها كل قوم حسب اصطلاحهم، أم هي توقيفية لا تعلم إلا بوحي من الله تعالى، فمن قائل بأنها توقيفية، وأن الله تعالى علم آدم جميع الأسماء التي يتعارف بها الناس، من إنسان ودابة، وأرض وسهل وجبل وبحر، وأشباه ذلك وهؤلاء يعممون القول، فيقولون: علمه جميع","vol":"1","page":159},{"text":"اللغات التي ينطق بها أولاده إلى آخر الدهر. ومن قائل: إنه علمه أسماء الملائكة كلهم. ومن قائل: إنه علمه أسماء ذريته أجمعين. وأنت خبير بأن حمل الأسماء على سائر اللغات لا يصح، لأنه يؤدي إلى أن آدم تكلم بجميع اللغات التي يتكلم بها جميع الناس إلى يوم القيامة، وأن تلك اللغات اتصلت إلى أولاده فلا يتكلمون إلا بها، وهذا كذب ظاهر، فإن آدم لا يصح في العقل أن ينقل عنه إلا بنوه، وقد أغرق الله عام الطوفان جميع ذريته إلا من حملته السفينة، وأهل السفينة لم يبق من ذريتهم إلا ذرية نوح، ولم يكونوا يتكلمون بجميع ما تكلمت به الأمم بعدهم، فإن اللغة الواحدة كالفارسية، والعربية، والرومية، والتركية فيها من الاختلاف والأنواع ما لا يحصيه إلا الله، والعرب أنفسهم لكل قوم منهم لغات لا يفهمها غيرهم، فكيف يتصور أن ينقل هذا جميعه عن أولئك الذين كانوا في السفينة، وأولئك جميعهم لم يكن لهم نسل وإنما النسل لنوح، وجميع الناس من أولاده الثلاثة: سام، وحام، ويافث، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ [الصافات: ٧٧] فلم يجعل باقيًا إلا ذريته، وقد أخرج الإمام أحمد في مسنده عن النبي - ﷺ -: \"إن أولاد نوح ثلاثة\" (١)، ومعلوم: أن الثلاثة لم ينطقوا بهذا كله، ويمتنع نقل ذلك عنهم، فإن الذين يعرفون هذه اللغة لا يعرفون هذه، وإذا كان الناقلون ثلاثة، فهم قد علموا أولادهم، وأولادهم علموا أولادهم، ولو كان كذلك لاتصلت، ونحن نجد بني الأب الواحد يتكلم كل قبيلة منهم بلغة لا تعرفها الأخرى، والأب الواحد لا يقال: إنه علم أحد ابنيه لغة، وابنه الآخر لغة، فإن الأب قد لا يكون له إلا ابنان، واللغات في أولاده أضعاف ذلك، والذي أجرى الله عليه عادة بني آدم، أنهم إنما يعلمون أولادهم لغتهم التي يخاطبونهم بها أو يخاطبهم بها غيرهم، فأما لغات لم يخلق الله من يتكلم بها،\n_________\n(١) ينظر \"مسند الإمام أحمد\" ٥/ ١٠ (٢٠٠٥٦) عن سمرة؛ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"سام أبو العرب، ويافث أبوالروم، وحام أبو الحبش\" وقال رَوح ببغداد مِنْ حفظه: \"ولد نوح ثلاثة: سام، وحام، ويافث\" والحديث ٥/ ٩ (٢٠٠٤٢).\nوكتاب \"الإيمان\" لابن تيمية تخريج الألباني إشراف زهير الشاويش الصفحة ٧٧ الطبعة الخامسة طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":160},{"text":"فليس من العادة أن يعلموها أولادهم، وأيضًا فإنه يوجد من بني آدم قوم يتكلمون بألفاظ ما سمعوها قط من غيرهم، كما أورد هذا الإمام \"تقي الدين الحرَّاني\" في كتاب \"الإيمان\" له.\nوالذي يقتضيه سياق الكلام المنزل، أن الله ألهَمَ النوع الإنساني أن يعبر عما يريده ويتصوره بلفظه، وأن أول من علم ذلك أبوهم آدم ﵇، وهم علموا كما علم، وإن اختلفت اللغات، فالإلهام كاف في النطق باللغات من غير مواضعة متقدمة، فمن ادعى وضعًا متقدمًا على استعمال جميع الأجناس، فقد قال ما لا علم له به، وإنما المعلوم بلا ريب هو الاستعمال، نعم إن إلهام الله لآدم أن يعبر عن جميع ما يريده بلفظه، كان على سبيل العموم، لأن لفظ ﴿الْأَسْمَاءَ﴾ عام مؤكد بقوله ﴿كُلَّهَا﴾، فلا يجوز تخصيصه بالدعوى، فآدم كان في إمكانه أن يقدر على تسمية ما يراه من جميع الأجناس بلا استثناء، فكان له لسان خاص به، ثم اختلفت اللغات لاختلاف أمزجة الألسنة، واختلاف أمزجة الألسنة علته وسببه اختلاف الأهوية وطبائع الأمكنة. فإذا غلب البرد مثلًا على مكان برد هواءه، وطبع البرد التكثيف والتثقيل، لأن العنصرين الباردين، وهما الماء والأرض ثقيلان، كثيفان، والماء أشدهما بردًا والأرض أشدهما كثافة، فيغلب الثقل على ألسنة سكان ذلك البلد، فيثقل النطق على ألسنتهم، ثم يضعون الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها ثقيلًا كالعجمي والتركي، وغيرهما. وإذا غلب الحر على مكان سخن هوائه، وطبع الحرارة التخفيف والتحليل والتلطف، فتغلب الخفة على ألسنة أهل ذلك المكان، فيخف النطق على ألسنتهم، ثم يضعون الألفاظ المخصوصة للمعاني المخصوصة، فيجيء النطق بها خفيفًا سمحًا سهلًا، كاللغة العربية، ولهذا كانت أفصح اللغات وأشرفها وأحسنها، وحصل الإعجاز والتحدي بكلام الله تعالى النازل بها دون كلامه النازل بغيرها، مع أنه قد كان في قدرة الله ﷾ أن يعجز أهل كل لسان بما نزله من كلامه بذلك اللسان.\nثم إن الله لما ألهم آدم أن يعبر عن كل ما يريده ويتصوره بلفظه، وأظهر ذلك من القوة إلى الفعل، ﴿عَرَضَهُمْ﴾ أي: عرض مسميات الأسماء على الملائكة، فقال معجزًا لهم: ﴿أَنْبِئُونِي﴾ أي: أخبروني إخبارًا قاطعًا بأسماء هؤلاء","vol":"1","page":161},{"text":"الموجودات بتفرسكم فيها ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما تفرستموه في الخليفة، وفي أنساله، في قولكم: أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم، عصتني ذريته وأفسدوا وسفكوا الدماء، وإن جعلتكم فيها أطعتموني واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإنكم إذا كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي، وهم مخلوقون موجودون، ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد، وبما هو مستتر من الأمور التي هي بعيدة عن أعينكم، أحرى أن تكونوا غير عالمين بها فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي (١) وإني أعلم أن بعضكم تاج المعاصي وخاتمها وهو إبليس فلما اتضح لهم موضع خطأ قيلهم وبدت لهم هفوة زلتهم أنابوا إلى الله بالتوبة كما أخبر عنهم بقوله:\n﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢)﴾.\nوكذلك فعل كل مسدد للحق، موفق له، سريعة إلى الحق إنابته، قريبة إليه أوبته، فإذا اعترته الهواجس بالاعتراض على حكمة الحق جل وعلا؛ نكص على عقبيه بالتوبة والإنابة قائلًا:\n﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، أطلق لنا سراح عقولنا في الأكوان.\nوعلم الإنسان من أسرارها ما لم يعلم، وألهمه تسمية الأشياء ليبيّن المرء لأخيه ما يكنّه في ضميره، فسرح الفكر في النبات والحيوان والمعادن، حتى اهتدى إلى خواصها، وما ينفق منها، ثم أطلق المجال في تركيب الأعضاء، وفيما يخرجها عن اعتدالها، وما يعيده إليها إذا انحرفت عنه، وعلمه سير الكواكب، وكيفية مدارها، وجعل له أثناء سيره مشكلات وغوامض لا يمكنه حلها، ولا كشفها بفكره مهما بالغ في أعماله، ليقهره على أن يقول كما قالت الملائكة من قبله: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، فيقر بأن قوة تتصرف فيه أعظم من قوته، وأن تلك القوة هي قدرة خالقه، ويعلم علم اليقين بأن العبد لو علم جميع ما يعلمه\n_________\n(١) تداخلت بعض الكلمات والجمل في أصل هذه الصفحة فرجحنا أن الصواب ما ذكرنا.","vol":"1","page":162},{"text":"خالقه، لكان مساويًا له، في صفة العلم، ولما كانت الصنعة لا يمكن أن تدرك حقيقة صانعها، وكانت المساواة بالفاعل المختار مستحيلة، كانت مساواة المخلوق لخالقه في صفة العلم، وفي غيرها من صفاته تعالى مستحيلة أيضًا، وكان العلم بحقيقة الخالق من المستحيل أيضًا، وما على المخلوق إلا أن يثبت لخالقه ما أثبته من الصفات لنفسه، وما أثبته له رسله قائلًا عما وراء ذلك من حقائقها: ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، يا من له التنزيه عن أن يحيط أحد بعلمه، ومن ثم قال أبو جعفر الطبري: وفي هذه الآيات الثلاث العبرة لمن اعتبر، والذكرى لمن يتذكر، والبيان ﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ (٣٧)﴾ [ق: ٣٧]. [كما] (١) أودع ﷾ في هذا القرآن من لطائف الحكم التي تعجز عن أوصافها الألسن، وذلك أن الله جل ثناؤه احتج فيها لنبيه، على من كان بين ظهرانيه من يهود بني إسرائيل، بإطلاعه إياه من علوم الغيب الذي لم يكن جل ثناؤه أطلع عليها من خلقه إلا الخواص، ولم يكن مدركًا علمه إلا بالإنباء والإخبار، لتتقرر عندهم صحة نبوته، ويعلموا أن ما أتاهم به إنما هو من عنده، ودل فيها على أن كل مخبر بخبر عما قد كان- أو عما هو كائن، مما لم يكن ولم يأته به خبر، ولم يوضع له على صحته برهان- فمتقول ما يستوجب به من ربه العقوبة، ألا تسمعون الله جل ذكره رد على الملائكة قيلهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾، وعرفهم أن قيل ذلك، لم يكن جائزًا لهم، بما عرفهم من قصور علمهم عند عرضه ما عرض عليهم من أهل الأسماء، فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾، فلم يكن لهم مفزع إلا الإقرار بالعجز والتبري إليه، إلا ما علمهم بقولهم: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾. فكان في ذلك أوضح الدلالة وأبين الحجة على كذب مقالة كل من ادعى شيئًا من علوم الغيب، من الحُزاة والكهنة والعافة (٢) والمنجمة، وذَكر بها الذين\n_________\n(١) زيادة من الطبري.\n(٢) في الأصل \"القافة\" تبعًا لمطبوعات تفسير الطبري القديمة، وصححها الشيخ الفاضل محمود شاكر في تحقيقه النفيس لتفسير الطبري فقال: وفي المطبوعة \"والقافة\" مكان \"والعافة\" وهو خطأ بيّن.","vol":"1","page":163},{"text":"وصفنا أمرهم من أهل الكتاب سوالف نعمه على آبائهم، وأياديه عند أسلافهم، عند إنابتهم إليه، وإقبالهم على طاعته مستعطفهم بذلك إلى الرشاد، ومستعتِبهم به إلى النجاة، وحذرهم بالإصراء والتمادي في البغي، والضلال، حلول العقاب بهم نظير ما أحل بعدوه إبليس، إذ تمادى في البغي والخسار. وقد أشار إلى هذا إشارة خفيفة ترجمان القرآن عبد الله بن عباس ﵁، فيما رواه عنه ابن جرير، حيث قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾، تنزيهًا لله من أن يكون أحد يعلم الغيب غيره، تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، تبريًا منهم من علم الغيب ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، كما علمت آدم، فكأنهم قالوا:\nإنا نبرأ من أن نعلم شيئًا غير ما علمتنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ﴾ يا رب، ﴿الْعَلِيمُ﴾ من غير تعليم، بجميع ما كان وما هو كائن، وعلام الغيوب دون جميع خلقك.\nوذلك أنهم نفوا عن أنفسهم بقولهم ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾، أن يكون لهم علم، إلا بما علمهم ربهم، وأثبتوا ما نفوا عن أنفسهم من ذلك لربهم بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ﴾، يعنون بذلك العالم من غير تعليم، إذ كان من سواك لا يعلم شيئًا إلا بتعليم غيره إياه.\nقال ابن عباس: ﴿الْعَلِيمُ﴾ الذي قد كمل في علمه، و﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي قد كمل في حكمه، انتهى.\nوكمال العلم أن يحيط علمًا بكل شيء ظاهره وباطنه، دقيقه وجليله، أوله وآخره، عاقبته وفاتحته، وهذا من حيث الوضوح والكشف على أتم ما يمكن فيه، بحيث لا تتصور مشاهدة وكشف أظهر منه، ثم لا يكون مستفادًا من المعلومات، بل تكون المعلومات مستفادة منه. ولا يليق هذا الوصف إلا بالله تعالى، فإن علم الخلق يفارق علم الله تعالى في الخواص الثلاثة:\nأحدها: في المعلومات في كثرتها، فإن معلومات العبد وان اتسعت فهي محصورة في قلة، فأنى يناسب ما لا نهاية له.\nالثاني: أن كشفه وإن اتضح، فلا يبلغ الغاية التي لا تكمن وراءها غاية،","vol":"1","page":164},{"text":"بل تكون مشاهدته للأشياء كأنه يراها من وراء ستر دقيق، ولا ننكرنَّ تفاوت درجات الكشف، فإن البصيرة الباطنة كالبصر الظاهر، وفرق بين ما يتضح في وقت الإسفار، وبين ما يتضح وقت صحوة النهار.\nوالثالث: أن علم الله تعالى غير مستفاد من الأشياء، بل الأشياء مستفادة منه، وعلم العبد بالأشياء تابع للأشياء وخالص بها، وهذا هو الفرق بين الصفتين كما أشار إليه \"الإمام الغزالي\" في \"المقصد الأسنى\".\nثم قال في تفسير \"الحكيم\": إنه صاحب الحكمة، والحكمة عبارة عن معرفة أفضل الأشياء، بأفضل العلوم، وأجل الأشياء، هو الله تعالى، ولا يعرف كنه معرفته غيره، فهو الحكيم الحق، لأنه يعلم أجل الأشياء بأجل العلوم، إذًا أجل العلوم هو العلم الأزلي الدائم، الذي لا يتصور زواله، المطابق للمعلوم مطابقة لا يتطرق إليه خفاء وشبهة، ولا يتصف بذلك إلا علم الله تعالى، وقد يقال لمن يحسن دقائق الصناعات: ويحكمها ويتقن صناعتها حكيم، وكمال ذلك أيضًا ليس إلا لله، فهو الحكيم الحق. ومن ثم كان من عرف جميع الأشياء ولم يعرف الله تعالى، لا يستحق أن يسمى حكيمًا، لأنه لم يعرف أجل الأشياء وأفضلها، والحكمة أجل العلوم، وجلالة العلم بقدر جلالة المعلوم، ولا أجل من الله، ومن عرف الله فهو حكيم، وإن كان ضعيف الفطنة في سائر العلوم الرسمية، كليل اللسان قاصر البيان فيها، إلا أن نسبة العبد إلى حكمة الله كنسبة معرفته به إلى معرفة الله بذاته، وشتان بين المعرفتين، فشتان بين الحكمتين، هذا ما قاله. ومنه يتضح سر ختم هذه الآية بهذين الاسمين، لأن الملائكة لما ادعوا العلم بالأشياء، وزعموا الاطلاع على حكمة خلق آدم، بين لهم تعالى الفرق بين علمه وعلمهم، وحكمته وحكمتهم، فأذعنوا لذلك ونفوا العلم الحقيقي، والحكمة الحقيقية عن أنفسهم، وأثبتوا ذلك لله تعالى بطريق القصر المستفاد من تأكيد اسم \"إن\" بـ ﴿أَنْتَ﴾ الدال على الخطاب، ثم أثبت لهم هذا المعنى على طريق أبسط من قوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، وأشرح له، لينتقلوا من مقام الغيب المعلوم من ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، إلى مقام المشاهدة، وهو أبلغ من غيره وأقنع في البحث.","vol":"1","page":165},{"text":"وليعلمنا تعالى آداب المناظرة، وأنه كيف ينبغي فيها التدرج من الإجمال إلى التفصيل، ومن الغيب إلى الحُضُور، ومثال ذلك: أنك تبين لمن تنصحه حكاية تاريخية على وجه النصح، وتذكر له عاقبتها، ثم تمثلها له تمثيلًا ظاهرًا للعيان، ليرى بداية الحال وتتضح له المعاقبة تمام الإيضاح، فمن ثم فعل معهم كما أخبر عن ذلك بقوله:\n﴿قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾.\nيقول ﷾ لآدم ﵇:\n﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ﴾، أي: أخبرهم، والضمير عائد إلى الملائكة، بأسماء الذين ﴿عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾، وإنما كان ذلك الأمر لأجل إظهاره عجز ملائكته الذين سألوه أن يجعل لهم الخلافة في الأرض، ووصفوا أنفسهم بأنهم أهل طاعته والخضوع لأمره، دون غيرهم الذين يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء، وليعلمهم جهلهم بمواقع تدبير الحكمة الإلهية، ومحل القضاء، قبل إطلاعه إياهم عليه، على نحو ما جهلوه من أسماء الذين عرضهم عليهم، إذ كان ذلك مما لا يعلمهم فيعلموه، وأنهم وغيرهم من أهل العناد لا يعلمون من العلم إلا ما علمهم إياه ربهم، وأنه يخص من شاء من الخلق بما شاء من العلم، ويمنع منه من شاء، كما علم آدم أسماء من عرض على الملائكة؛ ومنعهم علمًا إلا بعد تعليمه إياهم.\nومن هذا تعلم أن معنى قوله: ﴿بِأَسْمَائِهِمْ﴾: إنما هو بأسماء المسميات التي عرضها على الملائكة، والضمير كناية عما تضمنه قوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ﴾، أي: أخبرهم بما لم يعرفوه، وأيقنوا أنهم كانوا مخطئين في قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، الآية، وأقروا بذلك، قال لهم ربهم:\n﴿أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، والغيب هو: ما غاب عن أبصارهم، فلم يعاينوه، وكان ذلك من الله ﷿ توبيخًا لهم على ما سلف من قيلهم، وفرط منهم من خطأ مسألتهم.","vol":"1","page":166},{"text":"وهنا للحكماء مقال وتعليل، فإنهم قالوا:\nإنّ أقسام الأفعال خمسة بالقسمة العقلية، وذلك لأن الفعل؛ إما أن يكون خيرًا محضًا، أو شرًا محضًا، أو ممتزجًا، والممتزج إما أن يتساوى فيه الأمران، الخير والشر، وإما أن يكون الخير غالبًا والشر مغلوبًا، وإما العكس.\nفهذه أقسام خمسة لا سادس لها. فأما الخير المحض فالحكمة تقتضي إيجاده، وأما الذي يكون الخير فيه غالبًا فالحكمة تقتضي إيجاده أيضًا، لأن ترك الخير الكثير لأجل الشر القليل شر كثير، فالملائكة ذكروا الفساد والقتل، وهو شر قليل بالنسبة لما يحصل من بني آدم من الخيرات. فقوله: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، معناه: إني أعرف أن خيرهم غالب على هذه الشرور، فلذاك اقتضت الحكمة إيجادهم وتكوينهم.\nونقول: إن الملائكة لما قاسوا الغائب على الشاهد، ونظروا إلى أنفسهم نظرة الكمال، كان لسان حالهم يقول: لا يمكن إبداع عالم أحسن من عالمنا، وأقدر على نوال العلم منا، وكانت القدرة الإلهية لا منتهى لإبداعها واختراعها، لا جرم قال لهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، فقالوا ما قالوه مما وصل إليه علمهم، وانتهى إليه مرمى نظرهم، فلما أظهر تعالى ما أراده وظهر بشرًا سويًا، أراهم أن هذا النوع قد تصل أفراده إلى درجات لا يصلون إليها، في العلوم والمعارف، والارتقاء معرفة بالربوبية، وبما يجب لها، وبما أودعه تعالى من خزائن الأسرار في الأرض والجو، والعوالم وخصائصها، أراد أن يريهم نموذجًا من استعداد ذلك النوع، فـ ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ﴾ فكان ما كان من أمرهم، فأقنعهم البرهان، إلا واحدًا وهو إبليس، وقد قص الله علينا هذه القصة لنعتبر بها فلا نرضى بالدون من المقامات، ولا نقف موقف الجمود، بل نطلب الرقي دائمًا في العقل، والأفكار، والأعمال، والعلوم والمعارف، وأن نطلب البرهان الحقيقي حتى إذا لاح لنا نتبع نتائجه، ولا نكابر شططًا وغلطًا، فإذا فعلنا ذلك كنا من أولاد ذلك الأصل الطاهر من علمه الله الأسماء كلها، وإذا أخلدنا إلى ما توحيه لنا أنفسنا الشريرة، فارتكبنا متن الشطط، واتبعنا الهوى،","vol":"1","page":167},{"text":"وأعرضنا عن البرهان المستنير كبرًا وعنادًا، وافتخرنا على غيرنا بالأصل والجنس، لا بالعلم والمعرفة، كنا أولاد إبليس، معنىً لا ولادة، وأنصاره وأشياعه. ألا يُرى أن كثيرًا من المشركين كانوا يعلمون أن هذا الكتاب معجز، وأن من أنزل عليه صادق في دعواه، ثم لا يؤمنون به كبرًا وعنادًا، مقتدين برئيسهم إبليس، حتى استكبر عن السجود لآدم، وقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ [ص: ٧٦] فالمقلد الذي لا يعير البرهان آذانًا صاغية، لا يسلم غالبًا من العثَار، والتدهور في مهاوي الغلط، وارتكاب الشطط.\nولما أخبرنا تعالى بهذه النعمة التي تقدمت الإشارة إليها، ضم إليها الخبر بالإنعام بإسجاد الملائكة لجدنا الأعلى آدم، ونحن في ظهره، فقال عاطفًا على إذ الأولى:\n﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\nعدل عن الغيبة إلى المتكلم، ثم إلى كونه في مظهر العظمة، إعلامًا بأنه أمر فصل لا فسحة في المراجعة فيه، ولهذه الآية مناسبة ثانية للتي قبلها، وهي: أنه تعالى، لما ذكر مفاوضة الملائكة، وإذعانهم وتسليمهم للبرهان، شأن المسترشد الذي إذا اتضح له البرهان سلم به، واستسلم له؛ نظم بذلك نبأ انقيادهم لآدم فعلًا كما انقادوا له علمًا، إظهارًا لكمال حالهم، في التسليم علمًا وعملًا، كما اقتدى بهم أتباع الرسل فكانوا معهم قلبًا ولسانًا.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا﴾ أي: على عظمتنا ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الذين أكرمناهم بقربنا، ﴿اسْجُدُوا﴾ لعبدنا \"آدم\" اعترافًا بفضله الذي فضلناه به، سجودًا على وجه التكرمة، فجعله تعالى بابًا إليه، وكعبة ليعظموه بتعظيم الله، ومحرابًا، وقِبلةً يكون سجودهم له سجودًا لله تجاه آدم، كسجود آدم وبنيه لله تجاه الكعبة. وقد أجمع المسلمون على أن ذلك السجود ليس سجود عبادة، لأن سجود العبادة لغير الله كفر! والأمر لا يرد بالكفر، ومن ثم قال ابن عباس فيما رواه عنه ابن أبي حاتم: كانت السجدة لآدم، والطاعة لله. وقال الحسن البصري: أمرهم أن","vol":"1","page":168},{"text":"يسجدوا فسجدوا له كرامة من الله أكرم بها آدم. وقال أبو إبراهيم المزني، فيما أخرجه عنه ابن عساكر: إن الله جعل آدم كالكعبة، وعاب بعض الناس هذا المعنى، فقال: لو كان الأمر كذلك، لقيل: اسجدوا إلى آدم، وهذا القول يدل على ضعف قائله بمعرفته أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن المجيد، فإن العرب كثيرًا ما تجعل اللام موضع إلى، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨] والعود إنما يكون إلى الشيء، لا له، لأن \"عاد\" يتعدى بـ \"إلى\" فأقيم اللام مقامها، وقال تعالى: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ [الزلزلة: ٥] أي: إليها، وقال: ﴿كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ [الرعد: ٢، فاطر: ١٣، الزمر: ٥] أي: إلى أجل، ومن هذا المعنى ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ [الإسراء: ٧٨] فالصلاة لله لا للدلوك، فإن كان هذا جائزًا، لم لا يجوز أن يكون معنى ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، اسجدوا إليه، فيكون هو قِبلة، والسجود لله، ودليله من الشعر قول حسان (١):\nما كنت أعرف أن الأمر منصرف ... عن هاشم ثم منها عن أبي حسن\nأليس أول من صلى لقبلتكم ... وأعرف الناس بالقرآن والسنن\nفقوله: صلى لقبلتكم، أراد به إلى قبلتكم، وهو نص في المقصود.\n_________\n(١) في الأصل ورقة (طيارة) فيها ما يلي:\nإن هذا الشعر وإن صح في الاستدلال لغة، فإنه لم يثبت من شعر حسان بن ثابت ﵁.\nومعناه ليس صحيحًا أيضًا فإن أمر النبوة ومن بعدها الخلافة غير مختص بقوم ولا أفراد، بل الله أعلم حيث يجعل رسالته. والله يولي من يشاء.\nوسيدنا علي بن أبي طالب، لم يكن أول من صلى للقبلة، بل سبقه إلى ذلك خديجة والصديق ﵄. ومنزلة سيدنا علي بمعرفة القرآن والسنن لا تنكر. وكان أعرف الناس بهما أو بأشياء منهما بعد معرفة سيدنا الصديق بشهادة علي. وكان لكل من الصحابة- وكبارهم على الأخص- انفراد بأنواع من المعارف والعلوم ﵃ أجمعين.\nأقول: ولم أجد هذين البيتين في ديوان حسان. والله أعلم.","vol":"1","page":169},{"text":"ثم إن اللائح من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا﴾ أن آدم لما صار حيًا سجدت إليه الملائكة، لأن الفاء تدل على التعقيب، ومعناه هنا: أنه لما أمرهم بالسجود سجدوا، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧١] يدل على أن أمر الله الملائكة بالسجود لآدم، كان قبل أن يسويه، وأن ينفخ فيه الروح، فلما كان بشرًا سويًا سجد له الملائكة، فكان الأمر متقدمًا على الفعل، كذا لوّح به جماعة من المفسرين.\nوالتحقيق: أنه لا منافاة بين الآيتين، إذ الفاء في الآية التي نحن بصدد الكلام عليها وإن كانت للتعقيب، إلا أن علماء العربية قد صرحوا بأن تعقيب الشيء للشيء منظور فيه للعرف، فهو في كل شيء بحسبه، فقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾، وإن كان سابقًا على سجودهم له، يعد تعقيبًا حيث لم يكن بين القول وبين السجود إلا خلق آدم وتصويره، ومثله قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً﴾ [الحج: ٦٣]. ومن المعلوم أن اخضرار الأرض لا يعقب نزول المطر، بل يقع بعد مدة وتراخ، إلا أن العرف يعد هذا تعقيبًا، وذلك لأن نزول المطر هو الذي يجعل الأرض متهيئة لإخراج النبات، ومن هذا قولهم: تزوج فلان فولد له، إذا لم يكن بينهما إلا مدة الحمل، وإن كانت متطاولة، وهذا المسألة مشهورة بين صغار الطلبة، إلا أنه لما كان الفخر الرازي أبدى بحثها في تفسيره في هذا الموضع، وسكت عن الجواب عنها احتجنا لبيانها.\nثم ليعلم أن العلماء اختلفوا في \"إبليس\"، هل هو من الملائكة أم من الجن؟ فذهب بعض المتكلمين، ولا سيما المعتزلة، ومنهم صاحب الكشاف، إلى أنه لم يكن من الملائكة. وذهب كثير من الفقهاء، إلى أنه كان من الملائكة، ولكل أدلة، ولكن يمكن أن يرجع القولان إلى الاتفاق في المعنى والاختلاف في التعبير، فقد أخرج ابن جرير الطبري في تفسيره، عن ابن عباس،","vol":"1","page":170},{"text":"أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال لهم: الجن. وقال أيضًا كان إبليس [قبل أن يركب] المعصية من الملائكة.\nوالقول الأول مروي عن كثير من الصحابة.\nوقال ابن عباس أيضًا: كان من أشراف الملائكة وأكرمهم قبيلة، وكان يقول: لو لم يكن من الملائكة، لم يؤمر بالسجود، انتهى.\nوهذا الذي تدل (١) عليه الآية لأنه تعالى قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾، فصرح بأنهم هم المأمورون بالسجود، وإذا كان إبليس ليس منهم فلا يكون مأمورًا، فكيف يعاقب على ترك شيء لم يؤمر به. وأما قوله تعالى في سورة الكهف [٥٠]: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ فلا يوجب أن لا يكون من الملائكة، لأن الجن مأخوذ من الاجتنان وهو الستر، ولهذا سمي الجنين جنينًا لاستتاره، ومنه الجُنة لكونها ساترة، والجنة لكونها مستترة بالأغصان، ومنه الجنون لاستتار العقل فيه.\nولما كان هذا معروفًا عند أهل اللغة، والملائكة مستورون عن العيون، وجب إطلاق لفظ الجن عليهم بحسب اللغة.\nوقوله تعالى: ﴿أَبَى﴾ مأخوذة من الإباء، وهو الامتناع عما حقه الإجابة فيه، ﴿وَاسْتَكْبَرَ﴾ عن السجود له، مشتق من الاستكبار، وهو استجلاب الكبر، ومعناه بَطَرُ الحق، وغَمْص الناس، وغمطهم، وموجب ذلك استحقار الغير من وجه، واستكمال النفس من ذلك الوجه، وذلك أن إبليس تكبر عن أن يتخذ آدم وصلة في عبادة ربه، أو يعظمه أو يتلقاه بالتحية، ويسعى فيما فيه خيره وصلاحه، وكان في أصل جبلته ﴿مِنَ الْكَافِرِينَ﴾، الذين سبق العلم بشقاوتهم، وإنما علم أنه كان في أصل جبلته من الكافرين، من الإتيان بلفظ ﴿مِنَ﴾، الدالة على الابتداء، ومعناه اقتباس\n_________\n(١) هذه الدلالة غير محصورة لترجح. بل الخلاف ما زال قائمًا، ولكل قول مستند.","vol":"1","page":171},{"text":"الشيء، مما جعل منه، فإذا قلت: سرت من دمشق إلى بيروت، كان المعنى أني اقتبست السير من الأولى إلى الثانية، وهنا المعنى على هذا المرام، وهذا الخطاب، وإن كان من الله خبرًا عن إبليس، فإنه تقريع لمن كان على شاكلته وطريقته، من خلق الله الذين يتكبرون عن الخضوع لأمر الله، والانقياد لطاعته، فيما أمرهم به، وفيما نهاهم عنه، والتسليم له فيما أوجب لبعضهم على بعض من الحق، قرع ﷾ بهذه القصة اليهود، الذين كانوا بين ظهراني المهاجرين، فاستكبروا عن الإجابة لدعاء رسول الله - ﷺ -، وقرع أيضًا غيرهم، ولا تزال هذه تقرع وتحذر كل من كان مستكبرًا عن الحق، متبعًا هوى نفسه، متصفًا بالأوصاف التي وصف بها إبليس من الاستكبار والحسد، والاستنكاف عن الخضوع لمن أمره الله بالخضوع له، وزاد على ذلك أن قال: ﴿وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ﴾ نعمَ اللهِ عليه وأياديه عنده بخلافه عليه، فيما أمر به من السجود لآدم، والذي يلوح لي من هذا المقام، أن آدم ﵇ كان مظهرًا لأمر الله تعالى، وإشارة إلى أنه تعالى يودعه رسالته، فكان الأمر بالسجود له، إنما هو أمر بالانقياد إلى أوامره تعالى.\nولما فرغ تعالى من نعمة التفضيل في الصفات الذاتية، بين النعمة، بشرف المسكن، مع تسخير زوج من الجنس لكمال الأنس، وما يتبع ذلك، فقال:\n﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾.\nفأتى بلفظ ﴿اسْكُنْ﴾، الذي هو فعل أمر من السكون، وهو الهدوء في الشيء الذي في طيه إقلاق، أي: اتخذ الجنة مسكنًا لتستقر فيها، لأنها موضع استقرار، ولبث، وأسكن معه زوجته ليكمل له بها الأنس، ومساق الآية يدل على أن حواء كانت موجودة حين أمره بسكنى الجنة، ولما كان السياق هنا لمجرد بيان النعم استعطافًا إلى المؤالفة، كان عطف الأكل بالواو، في قوله:","vol":"1","page":172},{"text":"﴿وَكُلَا مِنْهَا﴾، كافيًا في ذلك، وكان التصريح بالرغد الذي هو من أجل النعم، عظيم الموقع، فقال تعالى: ﴿رَغَدًا﴾، وهو وصف لمصدر محذوف، وتقديره أكلًا رغدًا، أي واسعًا رافهًا طيبًا هنيئًا، ﴿حَيْثُ﴾ أي مكان من الجنة ﴿شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ بالأكل منها، فإنكما إن قربتماها لتأكلا منها، \"تكونا\" ﴿مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، الواضعين الشيء في غير محله، كمن يمشي في الظلام. ويدل قوله تعالى: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، على أنه لا بد من خروجهما منها، لأن المخلد لا يناسب أن يكون معرضًا للخطر، بأن يمتنع عليه فعل شيء، أو يؤمر بشيء، أو ينهى عنه، فلما كان الأمر بالسكنى مقرونًا بالنهي دلّ على أنها لا تدوم.\nهذا وقد اختلف المفسرون في تعيين الشجرة، فمن قائل أنها شجرة البر، وقيل: هي الكرمة، وقيل: هي التينة، والصحيح أنه لم يرد تعيينها في أثر يعول عليه، ولا ورد تعيينها في الكتاب العزيز، ولا داعي لبيان نوعها لأن سياق القصة لبيان شؤم المخالفة، هذا ورأيت في ترجمة التوراة بعد ذكر خلق السماوات والأرض، ما صورته: أراد الله أن يخلق خلقًا يتسلط على حيتان البحر، وطير السماء، وعلى الدواب وجميع السباع، وعلى الحشرة التي تدب على الأرض فخلق آدم بصورته ذكرًا وأنثى، وبارك عليهما، وقال: انميا واكثرا، وتسلطا على حيتان البحر، وطير السماء (١)، والدواب، وجميع السباع، إلى آخر ما فيها مما يشمله كله قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: ٢٩] الآية.\nوأما قوله: على صورته فالضمير فيه راجع لآدم، ومعناه: أنه من بدء خلقه يظهر صورته التي كان عليها، فلم يكن كغيره من ذريته طفلًا، ثم كبر بالتدريج هذا ما يفهم من الترجمة التي ألمعنا إليها، وأما ترجمة التوراة الموجودة الآن في أيدي البروتستانت، فإن بها أشياء تخالف ترجمة التوراة القديمة، وفي هذه الترجمة أن\n_________\n(١) في الأصل: الماء، وهو تصحيف، وسببه ما قدمنا عن خط المؤلف﵀-، وعلى الأخص بعد إصابته بالشلل، وهو كثير ولم أشر إلى كل ذلك.","vol":"1","page":173},{"text":"الشجرة التي نهي عن أكلها، هي شجرة الخير والشر. وعلى كل فالله، أعلم بها، ولا يتعلق في بيان نوعها حكم، إذ لو تعلق به حكم لبين ﷾ نوعها.\nوغاية الأمر أن قوله تعالى لآدم: ﴿اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾، مشتمل على ما هو إباحة، وعلى ما هو تكليف، أما الإباحة، فإنه كان مأذونًا في الانتفاع بجميع نعم الجنة، وأما التكليف فهو أن المنهيّ عنه كان حاضرًا، وآدم كان ممنوعًا عن تناوله.\nوللمفسرين هنا مسالك في كيفية خلق حواء، وفي كيفية إدخاله الجنة وفي غير ذلك، وكلها مأخوذة عن الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، منها ما يروونه عن ابن عباس، وابن مسعود، وناس من الصحابة: أن آدم لما أسكن الجنة بقي فيها وحده، وما كان معه من يستأنس به، فألقى الله عليه النوم، ثم أخذ ضلعًا من أضلاعه من شقه الأيسر، ووضع مكانه لحمًا فلما استيقظ وجد عند رأسه امرأة قاعدة، فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خلقت؟ فقالت: لتسكن إلىَّ، فقالت الملائكة: ما اسمها؟ قال: حواء، قالوا: ولم سميتها حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. وأنت تعلم أن معنى هذه الرواية في التوراة وهي مأخوذة منها، ولفظ ترجمة التوراة السبعينية أن الله ألقى على آدم سباتًا، فرقد، فنزع ضلعًا من أضلاعه، وأخلف له بدله لحمًا، فخلق الله من الضلع الذي أخذ من آدم امرأة فأقبل بها إلى آدم، فقال: هذه الآن التي قرنت إلي، وفي هذه عظم من عظامي ولحم من لحمي، فلتدع امرأة لأنها أخذت من الرجل، ولذلك يدع الرجل أباه وأمه، ويلحق بامرأته ويكونان كلاهما جسدًا واحدًا. وهذه المعاني موجودة في نسخ ترجمة التوراة الموجودة اليوم في الأيدي، وإذا تأملت الحكايات التي ينقلها المفسرون من هذا النمط وأمثاله، وجدت أكثرها في التوراة، أو هي من كلام كعب الأحبار، أو وهب بن منبه، ولا يثبت منها شيء عن النبي ﷺ.\nومما يلحق بهذا البحث، اختلاف الناس في الجنة التي أسكنها آدم ﵇، وأهبط منها هل هي جنة الخلد، أو جنة أخرى غيرها في موضع عال من الأرض، وقد قال بالأول طائفة من العلماء.","vol":"1","page":174},{"text":"ورجح منذر بن سعيد (١) في تفسيره الثاني، وقال: إنه قول تكثر الدلائل الشاهدة له، الموجبة للقول به، وحكى أبو الحسن الماوردي هذا الخلاف في تفسيره، ثم قال: ومن قال بأنها جنة أعدها الله لآدم وحواء، وجعلها دار ابتلاء، وليست هي جنة الخلد التي جعلها دار جزاء، اختلفوا فيها على قولين: أحدهما أنها في السماء، لأنه أهبطهما منها وهذا قول الحسن، الثاني: أنها في الأرض لأنه امتحنهما فيها بالنهي عن الشجرة التي نهيا عنها دون غيرها من الثمار، وهذا قول ابن بحر، وكان ذلك بعد أمر إبليس بالسجود لآدم، والله أعلم بصواب ذلك، هذا كلامه.\nوقد أطال الحافظ ابن القيم الكلام في هذه المسألة، وذكر حجج القائلين وما لها وما عليها، بإطناب يطول بيانه، وأودع ذلك كتابه \"حادي الأرواح\".\nوحكى الخلاف أيضًا ابن الخطيب المعروف بالفخر الرازي، في تفسيره، وختمه بقوله: إن الكل ممكن، والأدلة النقلية ضعيفة ومتعارضة، فوجب التوقف وترك القطع، انتهى.\nوالحق في ذلك مع ابن الخطيب.\nغير أن القائلين بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد، يساعدهم ظاهر الآيات البينات، وهو الذي يلوح من التوراة، بل هي تصرح بذلك، فإن ترجمتها تقول: وكان ينبوع يظهر في قعر عدن، فيسقي جميع وجه الأرض، فجبل الله الرب آدم من تربة الأرض، ونفخ في وجهه نسمة الحياة، فصار آدم ذا نفس حية، وغرس الرب فردوسًا بعدن من قبل وأسكنه لآدم ... ثم قالت: وكان نهر يخرج من عدن فيسقي الفردوس، وكان ينفصل من هناك ويتفرق على أربعة أطراف، ثم ذكرت سيحون المحيط بأرض الهند، وجيحون المحيط بجميع أرض الحبشة،\n_________\n(١) في الأصل سعيد بن منذر، وهو وهم وتصحيف.","vol":"1","page":175},{"text":"ودجلة الذي يخرج قبالة الموصل والفرات. فهذا يصرح بأن الجنة كانت في الأرض (١).\nوقال منذر بن سعيد: والقول بأنها جنة في الأرض ليست جنة الخلد، قول أبي حنيفة وأصحابه.\nوقد رأيت أقوامًا نهضوا لمخالفتنا في جنة آدم بتصويب مذهبهم من غير حجة، إلا الدعاوي والأماني، ما أتوا بحجةٍ من كتاب ولا سنة، ولا أثر عن صاحب، ولا تابع، ولا تابع التابع لا موصولًا ولا شاذًا مشهورًا، وقد وجدنا أن فقيه العراق، ومن قال بقوله، قالوا: إن جنة آدم ليست جنة الخلد، وهذه الدواوين منحوتة من علومهم، ليسوا عند أحد من الشاذين، بل بين رؤساء المخالفين.\nوإنما قلت هذا ليعلم أني لا أنصر مذهب أبي حنيفة، وإنما أنصر ما قام لي عليه دليل من القرآن والسنة.\nثم نقل عن ابن عيينة أنه قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ [طه: ١١٨] يعني في الأرض، ثم حكى كلام ابن قتيبة في المعارف، ولكنه مأخوذ كله من التوراة وحكى كلام وهب، وهو كذلك.\nوصريح قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، يدل على أنه تعالى خلق آدم في الأرض، ولم يذكر في موضع واحد أصلًا أنه نقله إلى السماء بعد ذلك، ولو كان نقله بعد ذلك إلى السماء، لكان هذا أولى بالذكر، لأنه من أعظم الآيات، ومن أعظم النعم عليه، فإنه يكون معراجًا ببدنه وروحه من الأرض إلى فوق السماوات، وأما قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ فإنه على حد قوله تعالى: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾، والعرب تقول: هبط فلان أرض كذا، يريدون أنه نزلها. وقال\n_________\n(١) إن قول \"التوراة\" هذا غير صحيح نقلًا. ويخالف الواقع المشاهد المحسوس عقلًا. والتفصيل في هذا ما لم يستند إلى نص صريح صحيح. فلا تقوم به حجة. ولسنا مطالبين به.","vol":"1","page":176},{"text":"ابن الأثير في \"النهاية\": وفي حديث الطفيل بن عمرو، وأنا أتهبط إليهم من الثنية، معناه: أنحدر، ففسر الهبوط بالانحدار. والحاصل: أن أدلة الجانبين متعارضة، وأرجحها أنها كانت في الأرض، والله أعلم.\nولما كان السياق لبيان شؤم المخالفة وبركة التوبة، بين أنهما أسرعا المواقعة بقضية خلقهما على طبائع الشهوة لما نهيا عنه، فقال:\n﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾.\nفقوله: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾ مأخوذ من الزلل، وهو: تزلق الشيء الذي لا يستمسك فيه، فالمعنى: أنه زلقهما عن المكان الذي كان، كما يتزلق الطل المجتمع على الأوراق والأزهار في الصباح. أو المعنى: أزالهما وهو مأخوذ من الزوال، وهو التنحية من المكان أو المكانة، ومنه يقال: زل الرجل في دينه إذا هفا فيه وأخطأ، فأتى ما ليس له إتيانه فيه، وأزلَّه غيره، إذا سبب له ما يزل من أجله في دينه ودنياه، ولذلك أضاف تعالى إلى إبليس خروج آدم وزوجته من الجنة، فقال: ﴿فَأَخْرَجَهُمَا﴾، يعني الشيطان، ﴿مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾، لأنه الذي سبب لهما الخطيئة التي عاقبهما الله عليها، فأخرجهما من الجنة التي هي مكان النعمة التي أنعم تعالى بها عليهما، وفي الآية إشارة دقيقة حيث نسب إلى الشيطان أنه المتسبب بالذنب، وهي أن الله ﷿ يعطي عباده الخير بواسطة وبلا واسطة، كما أعطى الله آدم وزوجته الجنة بلا واسطة، ولا ينالهم شر إلا بواسطة نفس، كما وقع لإبليس من الإباء عن السجود، فكانت خطيئته من ذات نفسه، أو بواسطة شيطان من الجن والإنس، كما وقع لآدم ﵇، فكانت خطيئته ليست من ذات نفسه، ولكنها كانت عارضة عليه من قبل عدو، تسبب له بأدنى ما منه، من زوجته التي هي من أدنى خلقه، فمحت التوبة الذنب العارض لآدم، وأما الشيطان، فإنه لما كان ذنبه النفساني ثبت على الإصرار. وأنت إذا تأملت ذلك تبين لك موقع قوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا﴾، لأن الزلل لا يكون إلا هفوة ولا يلبث صاحبه أن يفيء فيرجع، وأما المتعمد المستكبر فلا يرجع عن هفوته بل يبقى مصرًا عليها، وإنما قال تعالى:","vol":"1","page":177},{"text":"﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ﴾، ولم يقل: فأزلهما إبليس، لأن الشيطان يشير إلى معنى الشيطنة، وهي تدل على البعد والسرعة، التي تقبل التلافي والرجوع، فأشار إلى أنه لا بد من رجوع آدم، وأما لفظ \"إبليس\" فإنه يشير إلى معنى الإبلاس، ولما كان هذا المعنى يلوح بقطع الرجاء، لم يكن ذكره من البلاغة على ما يرام.\nوهنا مجال طويل، قد أطال علماء التوحيد وغيرهم البحث فيه، وهو الكلام على عصمة الأنبياء، ولنذكر خلاصته، لأن الكتب مشحونة بما يغنينا عن الإطالة، وذلك أن الأدلة العقلية والنقلية، قد قامت على أن الأنبياء لم يصدر عنهم الذنب حال النبوة البتة، لا الكبيرة ولا الصغيرة، لأننا نعلم ببديهة العقل، أنه لا شيء أقبح من نبي رفع الله درجته، وائتمنه على وحيه، وجعله خليفة في عباده وبلاده يسمع ربه يناديه: لا تفعل كذا، فيقدم عليه، ترجيحًا للذاته، وغير ملتفت إلى نهي ربه ولا منزجر بوعيده.\nهذا معلوم القبح بالضرورة، ولذلك كاد العلماء أن يتفقوا على أن ما صدر من آدم ﵇ من الأكل من الشجرة، إنما كان قبل أن يُنبأ بلا شك، لأن نبوته حينئذ، لو كانت لكان إرساله عبثًا وقتئذٍ، لأنه لم يكن من يرسل إليه، على أننا لو تأملنا حقيقة الأمر، لوجدنا أن آدم لم يفعل ما فعل إلا ناسيًا كما قال: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ [طه: ١١٥] (١). ولم يكن ما فعله اغترارًا بقول إبليس، لأنه كان يعلم تمرده عن السجود، وكونه مبغضًا له، وحاسدًا له على ما آتاه الله من النعم، وقد قال الله له: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ [طه: ١١٧]، وهذا يدل على ما قلناه.\nوأيضًا لو كان إقدام آدم على الأكل من الشجرة اتباعًا لإغواء إبليس، لكانت\n_________\n(١) رحم الله الشيخ المؤلف، فإنه هنا ترك التوسع واقتضب، الأمر الذي يوهم التناقض، والأمر ليس كذلك. وننصح القارئ الكريم بالرجوع إلى تفسير العلامة ابن كثير، فإنه أوضح، وأصرح، وأسلم.","vol":"1","page":178},{"text":"معصيته في اتباعه أعظم من الأكل من الشجرة، لأن قوله له ولزوجته: ﴿مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (٢٠)﴾ [الأعراف: ٢٠]، فيه إلقاء سوء الظن إليهما، ودعاؤهما إلى ترك التسليم بأمره والرضاء بحكمه، وإلى أن يعتقدا فيه كون إبليس ناصحًا لهما وأن الرب تعالى قد غشهما، ولاشك أن هذه الأشياء أعظم من الأكل من الشجرة، وهي توجب أن تكون المعاتبة أشد، فلما لم يكن الأمر كذلك ثبت الادعاء المتقدم، على أنه ليس في الآية أنهما أقدما على ذلك الفعل، عند ذلك الكلام أو بعده.\nهذا وأما صدور المعصية من الأنبياء قبل النبوة فمختلف فيه، وأيًا ما كان، فإن ما فعله آدم كان صغيرة في الظاهر، ومطابقًا للحكمة الإلَهية في الباطن، لأن الله لم يخلقه لأن يكون في الجنة، بدليل قوله تعالى للملائكة: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ ولم يقل: في الجنة، ولأكثر المفسرين في هذا المقام مقالات اقتبسوها عن أهل الكتاب، وأكثرها من كلام وهب بن منبه اليماني، والسدي، وأضرابهما، والغالب أنها تأتي مرفوعة إلى ابن عباس ﵁ على أن روايتها لا تصح أصلًا، ولا تنطبق على معاني كتاب الله تعالى، فيجب إطراحها وعدم اعتبارها ولنذكر نموذجًا منها ليعلم الباقي: وهو أن القصاص يروون عن وهب بن منبه، والسدي عن ابن عباس وغيره: أنه لما أراد إبليس أن يدخل الجنة منعته الخزنة، فأتى الحية وهي دابة لها أربع قوائم كأنها البُختية (١)، وهي كأحسن الدواب، بعدما عرض نفسه على سائر الحيوانات فما قبله واحد منها، فابتلعته الحية وأدخلته خفية من الخزنة، فلما دخلت الحية الجنة خرج إبليس واشتغل بالوسوسة، فلا جرم لعنت الحية، وسقطت قوائمها، وصارت تمشي على بطنها، وجعل رزقها في التراب، وصارت عدوًا لبني آدم.\nواعلم أن هذا القول فاسد من وجوه ذكرها الإمام الرازي في تفسيره: منها أن إبليس لو قدر على الدخول في فم الحية، فلم لم يقدر على أن يجعل نفسه حية\n_________\n(١) البختية: الأنثى من الجمال: البُخت، والذكر بختيّ، وهي جمال طوال الأعناق.","vol":"1","page":179},{"text":"ثم يدخل الجنة؟ ولأنه لما فعل ذلك بالحية فلم عوقبت الحية مع أنها ليست بعاقلة ولا مكلفة؟ وبعضهم لما علم فساد هذا القول احتال لإثباته فقال: إن إبليس كان في الأرض، وأوصل الوسوسة إليهما في السماء، وهذا قول من لم يعرف اللغة العربية، لأن الوسوسة كلام خفي، والكلام الخفي لا يمكنه إيصاله من الأرض إلى السماء، هذا وإن ابن عباس ﵁، هو إمام التفسير، وحاشاه أن يصح عنه جميع ما نسب إليه، وما ذلك إلا أن المبتدعة أرادوا أن يروجوا مذاهبهم بنسبتها إليه، وقد أخرج ابن عساكر (١) في تاريخه، في ترجمة [بُشَير] بن كعب العدوي البصري، أنه أتى ابن عباس، فجعل يحدثه، ويقول: قال رسول الله - ﷺ -، وابن عباس لا يلقي إليه مسمعه، ولا ينظر إليه، فقال له: يا ابن عباس ما لي أراك لا تصغي لحديثي، فقال له: كنا إذا سمعنا رجلًا يقول: قال رسول الله ﷺ ابتدرته أبصارنا، وأصغينا إليه بآذننا، فلما ركب الناس الصعبة والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف. فمثل ابن عباس، لا يصدق عنه تلك المفتريات التي افتراها عليه القُصاص وأرباب الجهالة.\nوأما قوله تعالى: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا﴾ [البقرة: ٣٨] فهو خطاب لآدم وحواء، وأتى بضمير الجمع لأنه أقامهما مقام الذرية، ولما كانا أصل الذرية، جعل الهبوط لهما ولذريتهما، بدليل قوله تعالى: ﴿اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ [طه: ١٢٣] ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾ [البقرة] وما هو إلا حكم يعم الناس. واختلف الناس في معنى الهبوط هنا، فمن قال: إن جنة آدم كانت في السماء، فسره بالنزول من العلو إلى الأسفل، ومن قال: إنها كانت في الأرض، فسره بالتحول من موضع إلى غيره، كقوله: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ [البقرة: ٦١].\nوقوله: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ معناه: ما عليه الناس من التعادي والتباغى،\n_________\n(١) قد ساقه بهذا اللفظ ابن عساكر ٣/ ٣٨٩ من طريق مسلم في صحيحه، وهو في مقدمة صحيح مسلم ١/ ١٣ في باب النهي عن الرواية عن الضعفاء.","vol":"1","page":180},{"text":"وتضليل بعضهم لبعض، وليست هذه هي العداوة، المأمور بها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ [فاطر: ٦] لأن هذا مأمور به، وذلك غير داخل في الأمر، بل المراد اهبطوا وسيكون حالكم أن بعضكم لبعض عدو، ولأن عالم التضاد والتنافس، ليس كعالم الأنوار الذي لا تعاند فيه ولا تمانع، ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ﴾ أي: استقرار، أو موضع استقرار حالتي الحياة والموت، ﴿وَمَتَاعٌ﴾ أي: تمتع بالعيش؛ ﴿إِلَى حِينٍ﴾ هو يوم القيامة، أو حين انقضاء آجالكم، والحين: المدة سواء كانت طويلة أو قصيرة، وفي لفظ المتاع إشعار بانقطاع الإمتاع بما في هذه الدنيا، ونقص ما به الانتفاع عما كانا فيه، لأن المتاع أطلق في لسان العرب على الجيفة، التي هي متاع المضطر، وأرزاق سباع الحيوان وكلابها، فكذلك الدنيا هي جيفة متع بها أهل الاضطرار بالهبوط من الجنة وجعلها حظ من لا خلاق له في الآخرة، وهذا منزع الحكماء والصوفية من هذه الآية، وقال كثير من المفسرين: ولكم في الأرض منازل ومساكن تستقرون فيها، وتستمتعون بها، وبما جعلت لكم فيها من المعاش والرياش، والدين والملاذ، وبما أعطيتكم على ظهرها أيام حياتكم ومن بعد وفاتكم، لأرماسكم وأجداثكم، تدفنون فيها، وتبلغون باستمتاعكم بها إلى أن أبدلكم بها غيرها. وهذا منزع علماء العمران من هذه الآية، ولكل من الفريقين ملحظ، فالأول نظر إلى المحاكمة ما بين نعيم الجنة ونعيم الدنيا، فحق له أن يقول ما قال، والثاني نظر إلى محض الوجود في الدنيا، فقال ما قال، وكلا القولين تشهد لهما الآيات البينات.\nوأما الحكمة في إهباط آدم إلى الدنيا، فقد أطال الحكماء في بيانها، ولنلخص أقواها وأقربها إلى العقل والنقل فنقول: إنما أهبطه ليظهر له مقابلة الضد بالضد، فجعله أولًا في دار النعيم، ثم نقله إلى دار النصب، والهموم، والأوصاب، ليعرف قدر الجنة إذا عاد إليها، وأردف وجوده في الدنيا بالتكاليف للابتلاء والاختبار، ليجعل المطيع كالسبيكة إذا أدخلت محل التخليص، فترجع صافية لا دنس فيها، ولا شيء مما يخالط معدنها بها، فمن ثم جعل في ولد آدم","vol":"1","page":181},{"text":"الأنبياء والرسل، والأصفياء، وأيضًا لما كان آدم مخلوقًا من ماء وطين، وكان هذان العنصران أصل المعادن، وهي منوعة إلى أنواع شتى، منها العالي في جوهره، ومنها السافل، وكانت الجنة لا تتفق مع عموم عناصر المعادن، لا جرم، جعل آدم بها أولًا ليعلمه أن ليس يستحقها إلا من كان عنصره على مثل عنصره، وأن ذريته سَتَصِلُ إلى أنواع المعادن الكامنة به، فمنها ما تقبله هذه الدار، ومنها ما لا تقبله، فأخرجه إلى الدنيا، وأنشأ منه ذريته فخرجوا على أنحاء شتى، وابتلاهم بالتكاليف ليمتاز أهل دار النعيم، من أهل دار الجحيم، وليتأهل كل فرد منهم إلى قابليته، كما يدل على هذا قوله ﷺ: \"اعملوا فكل ميسر لما خلق له\" (١) وقوله: \"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فَقُهوا\" (٢) وأيضًا فإنه تعالى وصف نفسه بصفاته العليا، وأسمائه الحسنى التي منها التواب، والغفار، والمنتقم، والجبار، ولا بد من جريان هذه الصفات، ولو بقي آدم وذريته في الجنة لما ظهر أثر كثير منها، فكان من الحكمة إهباطه إلى الأرض، وتكليفه هو وذريته بالتكاليف، ليظهر دور كل اسم من أسمائه تعالى، فيغفر لمن يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء، إلى غير ذلك من مظاهر أثر الأسماء والصفات، ولما كان هذا التدبير والتصرف الإلهي، تارة يكون شهودًا ومحله الجنة، وتارة يكون غيبًا ومحله دار التكليف، وكان الإيمان بالغيب أظهر للعبودية، والإذعان لتصرفات الربوبية، لا جرم جعل آدم وذريته في الأرض ليعلو قدر المطيع منهم بالإيمان بالغيب، وهو الإيمان النافع بخلاف إيمان الشهادة فإنه غير نافع، ولذلك كان الإيمان في الآخرة عند معاينة الجنة والنار لا يفيد شيئًا، ولهذا صدر هذه السورة بقوله: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ ثم ذكر بعد كثير من الآيات، إهباط آدم إلى الأرض، فكأنه يشير إلى الحكمة من إهباطه، قبل ذكر قصته، وأنت إذا تأملت من أول السورة إلى هنا، لاح لك الدليل على جميع ما ذكرناه، وعلمت الأصناف التي يمكن لجواهرها أن تكون عامرة للجنة، والتي لا\n_________\n(١) \"صحيح الجامع الصغير\" ١٠٧٤ للشيخ الألباني بترتيبي.\n(٢) \"صحيح الجامع الصغير\" ٦٧٩٧.","vol":"1","page":182},{"text":"يمكن لجواهرها أن تكون كذلك. اللهم فقهنا في الدين وألهمنا أسرار كتابك المنزل.\nومن حكمة الإهباط أيضًا، إقامة الحجة على الملائكة القائلين: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾، حيث عمموا في المقال، فأهبطه إلى الأرض ليكون من ذريته الأنبياء والرسل، والعباد المخلصون، وسلط إبليس، فلم يكن له بهم يد، وليميز أيضًا بين العدو الألد الذي هو إبليس، وبين صفيه، ليبين أن صفيه المطيع له لا يثنيه عنه وسوسة، ولا مداخلة عدو، وأن المتلبس يظهر عداوته بأدنى أمر ونهي.\nهذا ولما تسبب عن جزاء آدم ﵇ بالإهباط الذي هو كفارة له، أنه ألهم الدعاء بما رُحم به، عبر عن ذلك بقوله:\n﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)﴾.\nومن الحكمة في نهي آدم عن الأكل من الشجرة، ثم إقدامه على الأكل منها، التعليم والإرشاد، لأن الذنب يوجب لصاحبه التيقظ والتحرز من مصائد عدوه ومكامنه، ومن أين يدخل عليه اللصوص والقطاع ومكامنهم، ومن أين يخرجون عليه وفي أي وقت يخرجون، فهو قد استعد لهم وتأهب، وعرف بماذا يستدفع شرهم وكيدهم، فلو أنه مر عليهم على غرة وطمأنينة، لم يأمن أن يظفروا به ويجتاحوه جملة، وأيضًا فإن القلب يكون ذاهلًا عن عدوه، معرضًا عنه مشتغلًا ببعض مهماته، فإذا أصابه سهم من عدوه، استجمع له قوته وحاسته وحميته، وطلب بثأره إن كان قلبه حرًا كريمًا كالرجل الشجاع إذا جرح فإنه لا يقوم له شيء، بل تراه بعدها هائجًا طالبًا مقدامًا، والقلب الجبان المهين إذا جرح كالرجل الضعيف المهين إذا جرح، ولّى هاربًا والجراحات في أكتافه، وكذلك الأسد إذا جرح فإنه لا يطاق، فلا خير فيمن لا مروءة له، يطلب أخذ ثأره من أعدى عدوه، فلا شيء أشفى للقلب من أخذه بثأره من عدوه، ولا عدو أعدى له من الشيطان، فإن كان قلبه من قلوب الرجال المتسابقين في حلبة المجد، جد في أخذ الثأر، وغاظ عدوه كل الغيظ، وأضناه، فآدم لما علم بتسلط عدوه عليه، وكيده له،","vol":"1","page":183},{"text":"غاظه بالالتجاء إلى الله تعالى، وقطع عليه طريق مداخلته بينه وبين مولاه، فقبله وأقبل عليه، فتلقى من ربه كلمات استقبلها بالأخذ والقبول، والعمل بها حين علمها، ﴿فَتَابَ عَلَيْهِ﴾ فرجع عليه بالرحمة والقبول، وأخذت بيده محنته إلى الاصطفاء والاجتباء، والتوبة والهداية، ورفعة المنزلة، ولولا تلك المحنة التي جرت عليه، وهي إخراجه من الجنة وتوابع ذلك، لما وصل إلى ما وصل إليه، فكم بين حالته الأولى وحالته الثانية في نهايته.\nثم إن للمفسرين مذاهب شتى في الكلمات التى تلقاها آدم، وأحسن ما يقال: تفسير القرآن بالقرآن، وهو: أن الله أخبر عن آدم وحواء بأنهما: ﴿قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ [الأعراف] وهو قول قتادة وأبي العالية، ومجاهد، وما سوى هذا القول ليس بمدفوع، ولكنه قول لا شاهد عليه من حجة يجب التسليم لها، فيجوز لنا إضافته إلى آدم، وأنه مما تلقاه من ربه عند إنابته إليه من ذنبه، كما أشار إلى ذلك ابن جرير الطبري.\nوهذه القصة تعريف منه تعالى جميع المخاطبين بكتابه، كيفية التوبة إليه من الذنوب، وتنبيه للمخاطبين، بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] على موضع التوبة مما هم عليه من الكفر بالله وأن خلاصهم مما هم عليه مقيمون من الضلالة، نظير خلاص أبيهم آدم من خطيئته، مع تذكيره إياهم بالسالف إليهم من النعم التي خص بها أباهم آدم وغيره من آبائهم، و﴿التَّوَّابُ﴾ هو: البليغ التوبة المكرر لها.\nولما كان قد جعل على نفسه أن يتفضل على المحسن قال: ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: لمن أحسن الرجوع إليه، وأَهَّله لقُربه.\nثم إنهم لما أُعلموا بالعداوة اللازمة، كان كأنه قيل: فما وجه الخلاص منها؟ فقيل: اتباع شرعنا، والشروع بالتوبة والرحمة فإننا:","vol":"1","page":184},{"text":"﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾.\nلما كان الهبوط المذكور في الآية المتقدمة، يحتمل أن يكون من مكان من الجنة إلى أدنى منه، ولم يخرجوا منها، كرره هنا للتأكيد لشؤم المعصية، وتبشيعًا لها، وأتى بلفظ ﴿جَمِيعًا﴾ ليدل على معنى: لا يتخلف منكم أحد، سواء كان ذلك في آن واحد، أو على التعاقب، وأيضًا كرره لما نيط به من زيادة قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ﴾، أي وعَهِدنا إليهم عند الهبوط إلى دار التكليف، أنا نأتيهم بالهدى ليؤديهم إلى الجنة مرة أخرى، واعدين من اتبع، متوعدين من امتنع، فقلنا: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ برسول أبعثه إليكم، وكتاب أنزله عليكم، ﴿فَمَنْ تَبِعَ﴾ أدنى اتباع يُعتد به، وسعى أثر علم الهدى، ﴿فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ﴾ من شيء آت، فإن الخوف اضطراب النفس من توقع فعل ضار، ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ على شيء فات، لأنهم ينجون من النار ويدخلون الجنة، والحزن: توجع القلب لأجل نازح قد كان في الوصلة به روح، والقرب منه راحة، وهو معنى قول الصحاح، الحزن خلاف السرور، وفي الآية إشارات:\nأولاها: أن في قوله ﴿جَمِيعًا﴾ إشعارًا بكثرة ذرية الخلقين من آدم وإبليس. وكثرة الأحداث في أمر الديانة من الثقلين، كما وقع من أن كل فئة انتحلت نحلة وابتدعت بدعة.\nثانيها: أن الهدى الذي هو البيان، لا يستلزم الاهتداء، بل لا بد أن يكون مشفوعًا بالاتباع، كما أن القول لا يفيد شيئًا ما لم يكون مقرونًا بالعمل.\nثالثها: أنه قال تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾ فأضاف الهدى إلى نفسه، إشارة إلى أن كل ما هو في صورة هدى، ولم يكن مأخذه من الوحي المنزل على الأنبياء لا يسمى هدى، ولا ينفي عن صاحبه الخوف والحزن يوم القيامة، وإذا كان من طريق العقل، فشرطه أن يوافق ما أتت به الرسل، ومن ثم قال العارف \"عمر السهروردي\" في كتابه \"رشف النصائح الإيمانية\": العقل حجة الله الباطنة، والقرآن حجته الظاهرة. وحكى الرازي عن القاضي: أنه استدل بهذه الآية على إبطال التقليد، لأن المقلد لا يكون متبعًا للهدى، انتهى.","vol":"1","page":185},{"text":"وبيانه: أن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ﴾، أي: الهدى المنسوب إليَّ، ولا نزاع في أن المقلد تابع لمن قلده لا يدري سوى هداه، ولا يعرف سوى طريقه فهو كالأعمى الذي يسيره قائده كيفما شاء.\nولما وعد الله متبع الهدى بالأمن من العذاب والحزن، عقبه بذكر من أعدّ له العذاب الدائم فقال:\n﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)﴾.\n﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هم: الذين لم ينظروا في بديع صنع الله تعالى فيستدلوا به على وجود بارئهم، ولم يروا الآيات التي جعلها الله علمًا على غيب عهده، وهي جميع ما تدركه الحواس من السماء والأرض وما بينهما، لأن الحق تعالى أظهر الكون كتابة دالة على أمره، وجعل في العقل نورًا يقرأ به كتابه، فمن لا نور له فهو من أصحاب النار، أوجد تعالى الأشياء وخصائصها، وعلم الإنسان ما لم يعلم، من خصائص المعادن والنبات والحيوان، وعلمه أسرارها وعجائبها، ونبهه إلى سير النجوم وحركاتها، وأنار له (١) بها طريق الهدى، فمن عمي عنها رجع من النور إلى الظلمة، فكفر بالله وجحد وجوده، ونسب الفعل إلى الطبيعة، ومن تبع ذلك الهدى ازداد علمًا بتلك الآيات، ومعرفة بوجودها فاهتدى، ضل الأولون ولو تدبروا لازدادوا إيمانا بالخالق، و﴿وَكَذَّبُوا﴾ بآيات الله تعالى فنسبوها إلى الطبيعة كما ينسب عباد الشمس الفعل إليها، فجمعوا بالكفر والتكذيب بين أفكار القلوب والألسنة، فـ ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾، في الدنيا وفي الآخرة، أما في الدنيا فهم في الغم والحزن واليأس، وفيما يحرق بواطنهم، لكنهم لم يحسوا بذلك لاشتغالهم بما يمنعهم عن الإحساس، فإذا ماتوا صار ذلك الغيب شهادة.\nولما أقام سبحانه دلائل التوحيد والنبوة والمعاد أولًا، وعقبها بذكر الإنعامات العامة داعيًا للناس عامة، لا سيما بني إسماعيل الذين هم قوم الداعي، وكان أحق من دعي بعد الأقارب وأولاه بالتقديم، أهل الدين والعلم، كانوا على\n_________\n(١) الأصل: \"وأتاه\" ولعل الصواب كما ذكرنا.","vol":"1","page":186},{"text":"حق فزاغوا عنه، ولا سيما إن كانت لهم قرابة، لأنهم جديرون بالمبادرة إلى الإجابة بأدنى بيان، وأيسر تذكير، فإن رجعوا اقتدى بهم الجاهل فسهل أمره، وانحسم سره، وإن لم يرجعوا طال جدالهم، فبان للجاهل ضلالهم، فكان جديرًا بالرجوع والكف عن غيه، والنزوع، وعرفت من تمادي الكلام معهم الأحكام، وبان الحلال من الحرام.\nفلذلك لما فرغ من دعوة العرب الجامعة لغيرهم باختصار، وختم، بأن وعد باتباع الهدى، وتوعد، شرع سبحانه يحض العلماء من المنافقين بالذكر، وهم من كان أظهر الإسلام من أهل الكتاب، على وجه استلزم عموم المصارحين منهم بالكفر، إذ كانوا من أعظم من خص بإتيان ما أشير إليه من الهدى والبيان، بما فيه الشفاء، وكان كتابهم المشتمل على الهدى، من أعظم الكتب وأشهرها وأجمعها، فقص عليهم ما مثله يلين الحديد، ويخشع الجلاميد، فقال تعالى مذكرًا لهم بنعمه الخاصة بهم:\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠)﴾.\nوقد نظم هذه المناسبة في نظم الدرر من يناسب الآيات والسور، وأنت إذا تأملت القرآن الكريم، ورأيته يخاطب المشركين واليهود والنصارى، وكل من اتخذ معبودًا غير الله تعالى، ويخاطب المؤمنين بوجه خاص، تجلى لك البرهان بعموم رسالة من أنزل عليه، فكن لهذا السر حافظًا، وأمعن النظر فيه تزداد إيمانًا وهدى.\nو﴿إِسْرَائِيلَ﴾: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، ﵈، فكأنه تعالى يقول: يا بني يعقوب الذي شرفته وشرفت بنيه من أجله، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، واذكروا: مأخوذ من الذكر بالكسر والضم وهما بمعنى واحد عند كثير من النحويين، وكلاهما يكون باللسان وبالقلب، وفرق الكسائي بينهما فقال: ما كان بكسر الذال فهو الذكر باللسان، وما كان بالضم فهو الذكر بالقلب، والذي بالقلب ضده: النسيان، والذي باللسان ضده: الصمت. وقد أمرهم تعالى أن لا يتركوا شكر النعمة، وأن يعتدوا بها ويستعظموها، وأن","vol":"1","page":187},{"text":"يستحضروا منها ما سبقه النسيان، ويطيعوا من أعطاهم إياها، وأراد بالنعمة هنا: ما أنعم به على آبائهم، مما عدده ﷾ في الآيات الآتية، ومن غير هذه السورة، وما أنعم به عليهم من إدراك بعثة محمد - ﷺ -، المبشر به في التوراة والإنجيل، والنعمة هي: أن ينال الشخص ما يوافقه ظاهرًا من أهله وحشمه، أو ظاهرًا وباطنًا، والباطنة نعمة التوحيد، والعلم والمعرفة، والعقل وجودة الرأي.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي﴾، أي: أوفوا بما عاهدتموني عليه من أنكم تؤمنون بي، وتطيعونني فيما آمركم به، ﴿أُوفِ﴾ لكم بما عاهدتكم عليه من حسن الثواب على حسناتكم. ولعل أحدًا يفكر في أن ما هنا يعارض قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: ٣٤، النحل: ١٨] فيقول: إذا كانت النعم منه تعالى غير متناهية، فكيف أمرهم تعالى بذكرها، والذكر لا يكون إلا لشيء محصور؟ فنقول له: إن النعم غير متناهية بأفرادها لا بأجناسها، والنعمة جنسها واحد، وهو: نيل الشخص ما يوافقه ظاهرًا وباطنًا، والمأمور به أن يتذكروا كل ما كان خيرًا ناله أسلافهم أو وصل إليهم، ويعتقدوا بأنه صار من فضل الله تعالى. ولعل المراد من العهد هنا، عهد الله ووصيته الذي أخذه على بني إسرائيل في التوراة، أن يبينوا للناس أمر محمد - ﷺ -، الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل، أنه نبي الله، وأن يؤمنوا به وبما جاء به من عند الله تعالى، وهذا القول هو الصواب، لأن التوراة قد نسخت بنبوة محمد - ﷺ -، ولم يبق شيء منها، يطالبهم الله بالوفاء به، وبالعمل بما فيه، إلا هذا الأصل العظيم، وقد أخذ تعالى عهدهم وميثاقهم بأن يؤمنوا به، فإذا وفوا بهذا العهد أنجز لهم ما وعدهم عليه بتصديقه واتباعه، بوضع ما كان عليهم من الإصر والأغلال التي كانت في أعناقهم، بذنوبهم التي كانت من إحداثهم، وهذا معنى ما روي عن ابن عباس في هذا الموضع، والآيات القرآنية تدل عليه، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ [الأعراف: ١٥٧] ويدل عليه أيضًا الآية التي بعد هذه. وقوله تعالى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ معناه: وإياي فاخشوني واتقوني لا غيري، أيها المضيعون عهدي من بني إسرائيل،","vol":"1","page":188},{"text":"والمكذبون رسولي الذي أخذت ميثاقكم فيما أنزلت من الكتب على أنبيائي أن تؤمنوا به وتتبعوه، [و] أن أُحل بكم من عقوبتي، إن لم تنيبوا وتتوبوا إليَّ باتباعه، والإقرار بما أنزلت إليه، ما أحللت بمن خالف أمري، وكذب رسلي من أسلافكم.\nوقد أطال ﷾ في حجاجهم، جريًا على قانون النظر في جدال العالم الجاحد، وخطاب المنكر المعاند.\nوفي قوله تعالى:\n﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)﴾.\nتقرير لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقد أمروا بتجديد الإيمان بالقرآن، لما فيه من الإخبار بأمور من المغيبات التي لم تكن في كتابهم، كتأصيل أمور الآخرة التي استوفاها القرآن، لأنه خاتم ليس وراءه كتاب ينتظر فيه بيان، وقد أبقى الله لكل كتاب قبله بقية، أحيل فيها على ما بعده ليتنامى البيان إلى غاية ما أنزل به القرآن، حين لم يعهد إليهم إلا في أصله على الجملة.\nوفي قوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾، معنى دقيق في تبكيتهم، وأمر جليل من تعنيفهم، وذلك أن لفظ ﴿أَوَّلَ﴾ ليس المراد به معناه الحقيقي المتبادر إلى الذهن، فإن العرب كثيرًا ما تطلق الأول ولا تريد حقيقته، بل تريد المبالغة في السبق، ومعناه هنا: ولا تكونوا أول من كفر به، أو: أول فريق أو فوج كافر به، أو: لا يكن كل واحد منكم أول كافر به، وهذا تعريض بأنه كان يجب أن يكونوا أول من يؤمن به، لمعرفتهم به وبصفته، ولأنهم كانوا المبشرين بزمانه، والمستفتحين على الذين كفروا به، وكانوا يعدون أنفسهم من أتباعه، أول الناس كلهم، فلما بعث كان أمرهم بصحته في غاية اللجاجة، فكان عملهم في كفرهم، وإن تأخر عمل من يسابق شخصًا إلى شيء، وأيضًا إنه لم يمنعهم من الإيمان به","vol":"1","page":189},{"text":"جهل بالنظر، ولا عدم اطلاع على ما أتى به أنبياؤهم من البشارة به، بل إنما كان ذلك لمجرد الحسد للعرب أن يكون منهم نبي، المستلزم لحسد هذا النبي بعينه، لأن الحكم على الأعم، يستلزم الحكم على الأخص بما هو أفراد الأعم، فصارت رتبة كفرهم قبل رتبة كفر العرب، فكان أهل الكتاب أول كافر به، لا يمكن أن يقع كفرهم إلا على هذا الوجه، الذي هو أقبح الوجوه. فالمعنى: لا تكفروا به فإنه إن وقع منكم كفر به، كان أول كفر، لأن رتبته أول رتب الكفر الواقع ممن سواكم، فكنتم أول كافر فوقعتم في أقبح وجوه الكفر، ولذا أفرد ولم يقل كافرين، كما أشار إلى ذلك في \"نظم الدرر\".\nوقرأت في كتاب \"بذل المجهود في إقناع اليهود\" (١) للحكيم السموأل بن يهوذا، فصولًا بها جمل من التوراة تلزم اليهود بالإقرار بنبوة محمد - ﷺ -، وقد ذكرها بالعبرانية ونقلها إلى العربية، فقال: ذكر الآيات والعلامات التي في التوراة الدالة على نبوة محمد - ﷺ -،: إنهم لا يقدرون أن يجحدوا هذه الآية من الجزء الثاني من السفر الخامس من التوراة، وهي ما معناه بالعربية: نبيًا أقيم لهم من وسط إخوتهم، مثلك به فليؤمنوا، وإنما أشار بهذا إلى أنهم يؤمنون بمحمد - ﷺ -، فإن قالوا: إنه قال من وسط إخوتهم، وليس من عادة كتابنا أنه يعني بقوله: \"إخوتكم\" إلا بني إسرائيل، قلنا: بلى قد جاء في التوراة، إخوتكم بني العيص، وذلك في الجزء الأول من السفر الخامس \"أحيحيم بني عيسى ووهيوشيم بسيعير\" تفسيره: أنتم عابرون في تخوم إخوتكم بني العيص، المقيمون في سيعير، إياكم أن تطمعوا في شيء من أرضهم، فإذا كان بنو العيص إخوة لبني إسرائيل، لأن العيص ولد إسحاق، فكذلك بنو إسماعيل، إخوة لجميع ولد إبراهيم، فإن قالوا: إن هذا القول إنما أشير به إلى شموئيل النبي، لأنه قال من وسط إخوتهم مثلك، وشموئيل إنما كان مثل موسى، لأنه من أولاد \"ليوي\" يعنون: من السبط الذي كان منه موسى، قلنا لهم: فإن كنتم صادقين فأي حاجة بكم إلى أن يوصيكم\n_________\n(١) لقد توسع المؤلف﵀- في النقول، حتى وصل إلى نقل هذا الجدل، مع ما فيه من توسع غير ملزم لنا. وطبع الكتاب باسم \"بذل المجهود في إقناع اليهود\".","vol":"1","page":190},{"text":"بشموئيل، وأنتم تقولون: إنه لم يأت بزيادة ولا نسخ، هل أشفق من أن لا تقبلوه، لأنه إنما أرسل ليقوي أيديكم على أهل فلسطين، وليردكم إلى شرع التوراة؟ ومن هذه صفته، فأنتم أسبق الناس إلى الإيمان به، فليس خوفه من تكذيبكم إلا لمن ينسخ مذهبكم، ويغير أوضاع ديانتكم، فالوصية بالإيمان به مما لا يستغني مثلكم عنه، ولذلك لم يكن بموسى حاجة إلى أن يوصيكم بالإيمان بنبوة \"أرميا\" و\"أشعيا\" وغيرهما من الأنبياء، وهذا دليل على أن التوراة أمرتكم بهذا الفصل، بالإيمان بالمصطفى وأتباعه.\nثم قال: في \"بذل المجهود\" تحت عنوان الإشارة إلى ذكر محمد - ﷺ -، في التوراة ما حاصله: قال في الجزء الثالث من السفر الأول من التوراة مخاطبًا لإبراهيم الخليل: وأما إسماعيل فقد قبلت دعاءك، فإني قد باركت فيه، وأثمره وأكثره جدًا جدًا، ثم قال في الجزء الثالث من السفر الأول عن التوراة مخاطبًا لإبراهيم ﵇: \"وليشماعيل شمعيتخا هِنِّي براخْتى أوثو وهِفْريتي أوثو وهِرْ بيتي أوثو بمادماد\"\nفهذه الكلمة: \"بمادماد\" إذا عددنا حساب حروفها بالجمل (١) بلغت اثنين وتسعين، وذلك عدد حروف اسم محمد، وإنما جعل ملغزًا في هذا الموضع لئلا تبدله اليهود، وتسقطه من التوراة، كما صنعوا في غيره. فإن قيل: إن كثيرًا من الكلمات في التوراة إذا أخذت حسابها بالجمل بلغت هذا العدد، وهذا دليل على أن عدد هذه الكلمة حصل اتفاقًا لا قصدًا. قلنا: لا نسلم ذلك لأن هذه الكلمة جاءت في معرض الشرف لإسماعيل ﵇، والوعد من الله تعالى لإبراهيم بما يكون من شرف إسماعيل، وليس في التوراة آية ثانية بهذا الصدد حتى يكون لها أسوة بها، وأيضًا ليس في التوراة كلمة معناها جدًا جدًا تساوي أعداد حروفها اسم محمد في العدد الحسابي، فليس بعجيب أن تتضمن الإشارة إلى شرف أولاد إسماعيل، وعظم قدرهم، ورفعة بيتهم.\n_________\n(١) لعل ما قصده صاحب \"بذل المجهود في إقناع اليهود\"، يقبل مثل هذا ... ولكن إن عمم ووسع فيه فقد يصل بنا إلى ما ذهب إليه الضالون من البهائية في العدد وحساب الجمل، وكله من الأكاذيب.","vol":"1","page":191},{"text":"وأيضًا فإن التوراة ناطقة بالإشارة إلى محمد - ﷺ -، ففي الفصل العشرين من السفر الخامس ما معناه بالعربية: أن الله تجلى من طور سيناء، وأشرق نوره من سيعير، وطلع في فاران، واليهود يعلمون أن سيناء هو جبل الطور، وأن سيعير هو من جبال الشراة، الذي كان فيه بنو العيص الذين آمنوا بالمسيح، لكنهم لا يعلمون أن فاران هو جبل مكة، وهذا جحود منهم حيث إن التوراة صرحت بتفسيره، حيث قالت ما معناه: وأقام، يعني إسماعيل، في برية فاران، ذلك قولها: \"وييسب بمذبار فاران\" وإذا كانت التوراة فيما سبق أشارت إلى نبوة تنزل على جبل فاران، لزم أن تلك النبوة تنزل على ولد إسماعيل، لأنهم سكان ذلك الجبل، وقد علم الناس قاطبة أن المشار إليه بالنبوة من ولد إسماعيل، هو محمد - ﷺ -، وأنه بعث من مكة التي كان فيها مقام إبراهيم وإسماعيل، فيدل ذلك على أن جبال فاران هي جبال مكة، وأن التوراة أشارت في هذا الموضع إلى نبوة المصطفى - ﷺ -، وبشرت به، إلا أن اليهود لجهلهم وضلالهم، لا يحسنون (١) الجمع بين هاتين العبارتين من الآيتين، بل يسلمون المقدمتين، ويجحدون النتيجة، وقد شهدت عليهم التوراة بأنهم شعب عادم الرأي، وليس فيهم فطانة فإنها قالت: \"كي بمو أو باذ عيصوث هيّمَا وأين باهَيم تبونا\".\nوإذا تاملت قوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾ [التين] تجدها تشير إلى الآية السابقة من التوراة، لأن سيعير كانت محل أشجار التين، والمسجد الأقصى هو مسجد الزيتون، وطور سينين معلوم أنه الذي كلم موسى، والبلد الأمين هو فاران، فحقق ذلك.\nولما نهى الله اليهود عن الكفر بالآيات نهاهم عن الحامل عليه، فقال: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا﴾، أي: لا تستبدلوا ﴿بِآيَاتِي﴾ التي تعلمونها في الأمر باتباع هذا النبي الكريم ﴿ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ وهو رئاسة قومكم وما تأخذونه من الملوك وغيرهم، وأشار\n_________\n(١) في الأصل: \"يجوزون\"، والتصحيح من \"إقناع اليهود\" نشر دار الجيل، وأما طبعة دار القلم المطبوعة باسم \"بذل المجهود\" فقط سقط منه البحث من \"وأيضًا\" إلى آخر المنقول!","vol":"1","page":192},{"text":"تعالى بقوله: ﴿قَلِيلًا﴾ إلى أن الفاني بأجمعه، قليل بالنسبة إلى اليسير الباقي، ﴿وَإِيَّايَ﴾ خاصة ﴿فَاتَّقُونِ﴾، أي: اجعلوا لكم وقاية من إنزال غضبي، فالتقوى نتيجة الرهبة، كما أن هذه الأفعال نتيجة ما في الرهبة.\nثم قال تعالى ينهاهم عن تبديل كتابهم المنزل على نبيهم، فقال:\n﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢)﴾.\nفقوله: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ﴾، أمر بترك الكفر والضلال، وقوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾، أمر بترك الإغواء والإضلال، فالمناسبة بين الآيتين ظاهرة، ولا يخفى أن إضلال الغير ليس له إلا طريقان:\nأحدهما: أن يكون قد سمع دلائل الحق، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾.\nثانيهما: أن يكون بحيث لم يسمع شيئًا من دلائل الحق، فإضلاله إنما يكون بإخفاء تلك الدلائل عنه، ومنعه من الوصول إليها، وهذا هو المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ﴾، والمعنى: ولا تكتبوا في التوراة ما ليس منها، فيختلط الحق المنزل بالباطل، الذي كتبتم، حتى لا يميز بين حقها وباطلكم، فالباء حينئذ صلة. وإن جعلتها للاستعانة، كان المعنى: ولا تجعلوا الحق ملتبسًا مشتبهًا بباطلكم الذي تكتبونه، وكتمانهم الحق أن يقولوا: لا نجد في التوراة صفة محمد - ﷺ - أو لا نجد حكم كذا، أو يمحوا ذلك ويكتبوه على خلاف ما هو عليه، وأنتم في حال علمكم أنكم لابسون كاتمون، وهو أقبح لهم، لأن الجهل بالقبيح ربما عذر راكبه.\nوهذا الخطاب وإن كان واردًا في بني إسرائيل، فهو تنبيه لسائر الخلق، وتحذير من مثله، فصار الخطاب وإن كان خاصًا في الصورة، لكنه عام في المعنى، وأنت ترى كثيرًا من الذين يروجون مقاصدهم يؤولون الأدلة، ويحيلونها إلى وجه بعيد، ويكتمون الحق ويسترونه بالباطل، حتى إذا كانت الأدلة لهم، قاموا في تأييدها ونصرتها، وإن كانت عليهم حرفوها وبدلوها، ونبذوها وراء ظهورهم، فكتموا الحق تارة، وَلبسوه بالباطل تارة ثانية.","vol":"1","page":193},{"text":"ولما فرغ سبحانه من أمر أهل الكتاب بالإيمان بالله، والنبي والكتاب الذي هو من الهدى الآتي إليهم، المشار إلى ذلك كله بالإيفاء بالعهد عطف بقوله:\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾.\nأي: حافظوا معاشر اليهود على صلاة المسلمين، وزكاتهم واركعوا مع الراكعين منهم، لأن اليهود لا ركوع في صلاتهم، ولك أن تجعل الركوع هنا بمعنى الخضوع لله بالطاعة، فيكون هذا من الله لمن ذكر من أحبار بني إسرائيل ومنافقيها بالإنابة والتوبة إليه، وبإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والدخول مع المسلمين في الإسلام، والخضوع له بالطاعة، وأما الزكاة فمعناها: التطهير، لأنها تطهير لما بقي من مال الرجل، وتخليص له من أن تكون فيه مظلمة لأهل السهمان.\nولما أمر علماءهم بما تركوا من معالي الأخلاق، من الإيمان والشرائع، بعد أمرهم بذكر ما خصهم به من النعم، ونهاهم عما ارتكبوا من سفسافها من كفر النعم، ونقض العهود وما تبع ذلك، وكانوا يأمرون غيرهم بما يزعمون أنه تزكية، وينهون عما يدعون أنه تردية، أنكر عليهم ترغيبًا فيما ندبهم إليه، وحثهم عليه، وتوبيخًا على تركه بقوله:\n﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٤٤)﴾.\n\nفالهمزة للتقرير مع<span data-type=\"title\" id=toc-178> التوبيخ والتعجب من حالهم</span>، و\"الأمر\" هو: الإلزام بالحكم، و\"البر\" هو: التوسع في أفعال الخير، وكل طاعة لله تعالى تسمى برًا والمعنى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ﴾ بطاعة الله وتتركون ﴿أَنْفُسَكُمْ﴾ تعصيه، فهلا تأمرونها بما تأمرون به الناس من طاعة ربكم، وقد عيرهم بذلك، وقبح إليهم قبيح ما أتوا به، ومعنى نسيانهم في هذا الموضع، نظير النسيان الذي قال الله جل ثناؤه: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧]، بمعنى: تركوا طاعة الله فتركهم الله.\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، تبكيت، مثل قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾،","vol":"1","page":194},{"text":"والمعنى: وأنتم تدرسون وتقرؤون التوراة، وفيها الوعيد على الخيانة وترك البر، ومخالفة القول العمل، ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ يعني: أفلا تفطنون لقبح ما أقدمتم عليه، حتى يصدكم استقباحه عن ارتكابه، وكأنكم في ذلك مسلوبو العقول، لأن ما أتيتكم به تأباه العقول، وتدفعه.\nوقوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾، أعظم منبه على أن من حكم التوراة اتباعه ﷺ، ومشير إلى أن المعصية من العالم، أقبح منها إذا صدرت من غيره، وذلك أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق، ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سببًا لرغبة الناس في المعصية، لأن الناس يقولون: إنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات، لما أقدم على المعصية، فيكون هذا داعيًا لهم إلى التهاون بالدين، والجرأة، على المعصية. فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية، ثم أتى بفعل يوجب الجرأة عليها، كان قد جمع بين متناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء.\nوأنت خبير بأنه ما قاد الأمة في الأزمان المتأخرة إلى الانحطاط، إلا اتباع علمائهم خطة بني إسرائيل، فتراهم إذا لاح لهم نفع دنيوي تحيلوا له بكل حيلة، ونسوا ما هو مسطور في الكتاب العزيز، وفي سنة الرسول - ﷺ -، وإذا لم يكن لهم من أمر نفع دنيوي أقاموا النكير، واحتجوا بالآيات وبالسنن، وأظهروا أنفسهم في مصاف الزاهدين المتقين.\nثم إنه تعالى لما أنكر على بني إسرائيل اتباع الهوى، أرشدهم إلى دوائه بأعظم أخلاق النفس، وأجل أعمال البدن، فقال عاطفًا على ما مضى من الأوامر:\n﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾.\nأي: ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ على إظهار الحق، والانقياد له ﴿بِالصَّبْرِ﴾ على كل ما كرهته نفوسكم من طاعة الله، وترك معاصيه. وأصل الصبر: منع النفس محابها وكفها عن هواها، فهو ضياء للقلوب تبصر به ما يخفيه عنها الجزع من الخروج عن","vol":"1","page":195},{"text":"العادة، فيما تنزع إليه الأنفس، ﴿وَ﴾ استعينوا بـ ﴿الصَّلَاةِ﴾ التي هي تواضع للخالق، واشتغال بذكر الله تعالى، فهى الموصلة إلى المقام الأعلى، فإن قيل: كيف أمر بني إسرائيل بالصلاة وهم ينكرونها، ومن أنكر شيئًا لا يكاد يقال له: استعن به، قلنا: الجواب من وجهين:\nأحدهما: أن المعنى، كان الله يقول لهم: اتركوا الجحود والإباء، عن الإيمان بمحمد - ﷺ -، ﴿وَاسْتَعِينُوا﴾ على ذلك الترك ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، فإنكم تفلحون حينئذ، فيكون الأمر بالاستعانة أمرًا بالإيمان ضمنًا.\nوالثاني: أنا لا نسلم إنكارهم لأصل الصلاة، وإنما حصل الاختلاف في الكيفية، فإن صلاة اليهود واقعة على كيفية ثانية، وإذا كان متعلق الأمر هو الماهية التي هي التواضع للخالق، والاشتغال بذكره الذي هو القدر المشترك، زال الإشكال.\nولهذا يقال: لما أمرهم تعالى بالإيمان، وبترك الإضلال، وبالتزام الشرائع وهي الصلاة والزكاة، وكان ذلك شاقًا عليهم لما فيه من ترك الرياسات، والإعراض عن المال والجاه، لا جرم عالج هذا المرض، فقال: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا﴾ أي: الصلاة، ﴿لَكَبِيرَةٌ﴾ لشاقة ثقيلة ﴿إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾، لأنهم يتوقعون ما ادخره الله تعالى للصابرين على متاعبها فتهون عليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ أي: يتوقعون لقاء ثوابه، ونيل ما عنده، ولذلك فسر ﴿يَظُنُّونَ﴾: بـ: \"يتيقنون\".\nوأما من لم يوقن بالجزاء، ولم يرج الثواب، كانت عليه مشقة خالصة، فثقلت عليه كالمنافقين والمرائين بأعمالهم، ومثله من وعد على بعض الأعمال والصنائع أجرة زائدة على مقدار عمله، فتراه يزاول العمل برغبة ونشاط وانشراح صدر، ومضاحكة لحاضريه، كأنه يستلذ مزاولته، بخلاف حال عامل يتسخره بعض الظلمة.\nوخصت الصلاة بالكبر دون الصبر، لأن الصبر صغار للنفس، والصلاة وجهة للحق، والله هو العلي الكبير، وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ﴾ فعبر بالظن عن","vol":"1","page":196},{"text":"العلم، تهويلًا للأمر وتنبيهًا على أنه يكفي العاقل في الحث على ملازمة الطاعة، ظن لقاء الملك المطاع المرجو المخوف، فكيف والأمر متيقن لا مراء فيه، ولا تطرق للريب إليه؟ ! ويجوز أن يراد ظن الموت في كل لحظة، فإنه إذا كان على ذكر من الإنسان أوجب له السعادة، والمراد من الرجوع إلى الله تعالى، الرجوع إلى حيث لا يكون لهم مالك سواه، وأن لا يملك لهم أحد نفعًا ولا ضرًا غيره، كما كانوا كذلك في أول الخلق، فجعل مصيرهم إلى مثل ما كانوا عليه، أولًا رجوعًا إلى الله، من حيث كانوا في سائر أيام حياتهم قد يملك غيره الحكم عليهم، ويملك أن يضرهم وينفعهم، وإن كان تعالى مالكًا لهم في جميع أحوالهم.\nولما كان الغالب على أكثر الناس الجمود، كرر النداء لهم مبالغة في اللطف بهم إثر التوجيه والتخويف، فقال:\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)﴾.\nأي: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الذي أكرمته وأكرمت ذريته من بعده بأنواع الكرامة، ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾، ثم فخم أمر تلك النعمة بقوله: ﴿الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾، بإنزال الكتب، وإرسال الرسل، ﴿وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ﴾ فزدتكم من حظوة جانب القرب والرفعة، فيما يقبل الزيادة والنقصان منه ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، وهم: من كان قد برز إلى الوجود في ذلك الزمان بالتخصيص بذلك دونهم، ولا يدخل في هذا من لم يكن برز إلى الوجود في ذلك الزمان، وكذلك كل تفضيل يقع في الكتاب والسنة، وذلك لأن العالم من شمله الوجود، لا ما أحاط به العلم بعد، لأن ذلك لم يرفع علم وجوده في الشهود، وفيه إشعار بأنهم كما فضلوا هم على عالمي زمانهم فليس ذلك بمقصور عليهم، بل كذلك يفضل المسلمون في زمان نبوتهم على بني إسرائيل، وعلى جميع الموجودين في زمانهم.\nوهذا أولى من قول العلامة صاحب الكشاف: ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾: على الجم الغفير من الناس، كقوله تعالى: ﴿بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ [الأنبياء: ٧١]، يقال: رأيت عالمًا من الناس، ويراد الكثرة، ثم إنه من المعلوم أن جميع ما","vol":"1","page":197},{"text":"خاطب الله به بني إسرائيل تنبيه للمسلمين، لأن الفضيلة بالنبي قد لحقتهم، وجميع أقاصيص الأنبياء، تنبيه وإرشاد، قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ [الزمر: ١٨] وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [يوسف: ١١١].\nوحيث انتهى الخطاب إلى تذكر ظاهرة النعمة، بعد التذكير بباطن الفضيلة، لم يبق وراء ذلك إلا التهديد بوعيد الآخرة، عطفًا على تهديد يقتضيه الإفهام، بتغيير ما بقي عليهم من النعمة في الدنيا، فكأن مفهوم الخطاب: فاحذروا أن يصيبكم مثل ما أصاب المؤاخذين في الدنيا، فقال تعالى:\n﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.\nأمرهم بأن يتقوا، وهو من وقيت الشيء أقيه، إذا صنته، وسترته عن الأذى، والمتقَى إنما هو الجزاء الواقع في يوم القيامة، وإنما حذفه وأقام اليوم مقامه تفخيمًا له، وتنبيهًا على أن عقابه لا يدفع، كما يدفع ما في غيره بأنواع الحيل، وذلك اليوم هو من العظمة بحيث ﴿لَا تَجْزِي﴾، أي: تقضي وتغني فيه ﴿نَفْسٌ﴾، أيُّ نفس كانت، ﴿عَنْ نَفْسٍ﴾، كذلك من الجزاء، ولا تقضي عنها ﴿شَيْئًا﴾ من الحقوق، ولما كان الإجزاء قد يكون بنفس كون المجزى موجودًا، وهو بحيث يخشى أن يسعى في النكال بنوع حيلة، فتتحرك القلوب لإجابته، وفك أسره، فيحمل ذلك مَنْ أسره على إطلاقه، وقد يحتال بالفعل إلى التوصل إلى فكه في خفية، بسرقته أو فتح سجنه، أو نحو ذلك، وكانت وجوه الإجزاء المشهور ثلاثة، عطفها على الإجزاء الأعم منها، ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا﴾ أي النفس الأولى أو الثانية ﴿شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ تبذله غير الأعمال الصالحة. والعدل في كلام العرب: الفدية، وقال قتادة: لو جاءت بكل شيء لم يقبل منها.","vol":"1","page":198},{"text":"ولما كان عدم النصرة للجمع يستلزم عمومها للمفرد بطريق الأولى، جمع فقال: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، أي: لا يتجدد لهم نصر يومًا ما ممن ينقذهم قهرًا كائنًا ما كان، فلا ينصرهم ناصر، كما لا يشفع لهم شافع، ولا يقبل منهم عدل ولا فدية. بطلت هنالك المحاباة واضمحلت الرشى والشفاعات، وارتفع من القوم التعاون والتناصر، وصار الحكم إلى العدل الجبار، الذي لا ينفع لديه الشفعاء والنصراء، فيجزي بالسيئة مثلها، وبالحسنة أمثالها.\nوالنصر يراد به المعونة، ويراد به الإغاثة والانتقام، فقوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ﴾، يحتمل هذه الوجوه، هذا وقد أورد صاحب الكشاف اعتراضًا، وأجاب عنه على مقتضى مسالكه (١) فقال: فإن قلت: هل في الآية دليل على أن الشفاعة لا تقبل للعصاة؟ قلت: نعم، لأنه نفى أن تقضي نفس عن نفس حقًا أخلت به من فعل أو ترك، ثم نفى أن يقبل منها شفاعة شفيع، فعلم أنها لا تقبل للعصاة.\nوأجاب المخالفون لمسالكه بأن الضمير في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا﴾، إما أن يجعل راجعًا للنفس الأولى، أو الثانية، فإن جعل راجعًا إلى النفس الثانية، وهي العاصية، كان معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾، أنها إن جاءت بشفاعة شفيع لا يقبل منها، وحينئذ لا دليل في الآية على إنكار الشفاعة للعصاة، غاية الأمر أن الشفيع الذي تأتي به النفس العاصية لا يقبل منها، وإن جعل الضمير عائدًا على النفس الأولى، ثم السؤال، إذ المعنى حينئذ إما أن يقال: إن الدليل إذا طرقه الاحتمال سقط به الاستدلال، أو يقال بأن الآيات القرآنية تدل على أن للحساب مواطن، فبعضها لا تقبل فيه شفاعة أصلًا، وبعضها تكون الشفاعة فيه مقبولة، فتحمل الآيات على المواطن، وعلى أن العاصي أحق بالشفاعة من غيره.\nولما قدم تعالى ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالًا، بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل، ليكون أبلغ في التذكير، وأعظم في الحجة فقال:\n_________\n(١) تبعًا لمذهبه في الاعتزال من إنكار أمثال ذلك.","vol":"1","page":199},{"text":"﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾.\nأي: واذكروا ﴿إِذْ نَجَّيْنَاكُمْ﴾ وهو من التنجية، وهي: تكرار النجاة، أي: خلصناكم المرة بعد المرة. ﴿مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ من أهله، وأوليائه وأتباعه، الذين عزموا على إهلاككم، وأصل السوم من: سام السلعه إذا طلبها، فكأنه هنا بمعنى يبغونكم، ويقال: سامه خسفًا: إذا أولاه ظلمًا، و﴿سُوءَ الْعَذَابِ﴾ أشده وأفظعه، كأنه قبحه بالإضافة إلى سائره، ثم بينه بقوله: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾، فكانوا يقتلون الصبيان ويتركون النساء أحياء، سواء الكبار منهن والصغار في ذلك، ويدل على هذا التفسير: أن الله تعالى أمر أم موسى أن ترضعه، فإذا خافت عليه تلقيه في التابوت، ثم تلقيه في اليم، ولو لم يكن آل فرعون لم يقتلوا سوى الأطفال لما أمرَ الله أم موسى بذلك، ثم قال تعالى: ﴿وَفِي ذَلِكُمْ﴾، أي: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا إياكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون إياكم على ما وصفت ﴿بَلَاءٌ﴾ لكم ﴿مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، والبلاء: النعمة، أي: نعمة من ربكم عظيمة.\nولما كان ما فعل بهم في البحر إهلاكًا للرجال، وإبقاءً للنساء، طبق ما فعلوا ببني إسرائيل عقبه به، فقال:\n﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾.\nأي: واذكروا ﴿إِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ﴾، فصلنا بين بعضه وبعض، حتى صارت فيه مسالك لكم، وتلك المسالك كانت اثنتي عشرة على عدد الأسباط، وقوله ﴿بِكُمُ﴾ معناه: بسببكم، عقب إخراجنا لكم من أسر القبط، فأنجيناكم، وهو مأخُوذٌ من الإنجاء الذي هو الإسراع في الرفعة عن الهلاك، إلى نجوة الفوز، ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ في البحر ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إسراعه إليهم في انطباقه عليهم.\nوقد ذكر المفسرون هنا حكايات مختلفة، وقصصًا متباينة، ولنذكر منها ما نطق به الكتاب العزيز، وذلك أن الله تعالى أوحى إلى موسى ﵇:","vol":"1","page":200},{"text":"﴿أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾ [طه: ٧٧، والشعراء: ٥٢] أي: أخرجهم ليلًا، فلما سرى بهم بلغ ذلك فرعون، فلم يتهيأ له اللحاق بهم إلى شروق الشَّمس، كما قال تعالى: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء] فساروا في طلبهم حتَّى أدركوهم، ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ﴾ ونظر بعضهم إلى بعض، ﴿قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء] فواقعون في قبضة أعدائنا. فـ ﴿قَالَ﴾ لهم موسى: ﴿كَلَّا﴾ لا يدركوننا، وإني خرجت بأمر من ربي، وهو ﴿مَعِيَ﴾ - معية حفظ ومعونة- ﴿سَيَهْدِينِ﴾، سيدلني على طريق النجاة من الأعداء، ثم وقفوا متحيرين، البحر أمامهم والعدو من ورائهم، فأوحى الله ﴿إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ﴾، فلما ضرب حسبما أمره الله تعالى، ﴿فَانْفَلَقَ﴾ وانشق فرقًا ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ﴾ أي: كالجبل ﴿الْعَظِيمِ﴾، ثم هبت الرِّيح فيبست الطرق، وتيسر سلوكها، فسلك كل سبط من أسباط بني إسرائيل طريقًا، فلما رأى فرعون وجنده الطرق طمع في سلوكها، فأتبعهم ودخل البحر، حتَّى إذا خرج بنو إسرائيل إلى الساحل، وصار فرعون وقومه في البحر، انضم الماء بعضه إلى بعض فغرقوا.\nوللمفسرين هنا حكايات منقولة عن الإسرائيليات، أضربنا عنها لأن العقل لا يسلم بأكثرها، حتَّى إنَّها مخالفة للتوراة التي هي اليوم بالأيدي، وإليك إشارة إلى بعضها لتعلم مكان الباقي، وذلك أن الفخر الرَّازي، وابن جرير الطبري، وغيرهما من المولعين بنقل الإسرائيليات، حكوا: أن فرعون لما أصبح صباح الليلة التي سار فيها بنو إسرائيل، دعا بشاة فذبحت، ثم قال: لا أفرغ من أكل كبد هذه الشَّاة حتَّى يجتمع إليّ ستمئة ألف من القبط، فعلى رواية ابن جرير: لم يفرغ من كبدها حتَّى اجتمع إليه ستمئة ألف من القبط، وقال الرَّازي: قال قتادة: اجتمع إليه ألف ألف ومئتا ألف نَفسِ، كل واحد منهم على فرس حصان.\nفانظر أيها العاقل المنصف إلى هذه المبالغة التي يتبرأ منها العقل، وتأمل كيف يمكن أجمع، هذا الجمع العظيم على خيولهم في مدة أكل كبد الشاة، وأنت تعلم أن أعظم ملوك الأرض اليوم الذي مِلك فرعون بالنسبة إلى ملكه جزء صغير،","vol":"1","page":201},{"text":"لا يقدر على جمع ربع هذا العدد في مدة أسبوع، مع وجود السفن البخارية البرية، والبحرية، وانتظام الطرقات والأسلاك الناقلة للأخبار بالسرعة، وانظر أي برية تسع هذا الجيش، وأي طريق يمكنه السير به، وهم على أفراسهم البالغة مثل عددهم، وإذا فرضنا أن طريقًا يسعهم فانظر أين يكون أولهم، وأين يصير آخرهم.\nوقالوا أيضًا: إن بني إسرائيل كانوا يومئذٍ ستمئة ألف، لأنهم كانوا اثني عشر سبطًا كل سبط خمسون ألفًا، وهذا أيضًا بعيد التصديق إذا رجحنا ما قاله ابن خلدون: من أن الذي بين موسى وإسرائيل إنَّما هو أربعة آباء، على ما ذكره المحققون، وقال المسعودي: دخل إسرائيل مصر مع ولده الأسباط، وأولادهم حين أتوا إلى يوسف سبعين نفسًا (١)، وكان مقامهم إلى أن خرجوا من مصر مع موسى ﵇ إلى التيه مئتين وعشرين سنة، تتداولهم ملوك القبط من الفراعنة، ويبعد أن يتشعب النسل في أربعة أجيال إلى مثل هذا العدد، انتهى.\nوكذلك إذا اعتبرنا نسخة التوراة التي بأيدينا اليوم فإنَّها تقول: وأمَّا إقامة بني إسرائيل التي أقاموها في مصر، فكانت أربعمئة وثلاثين سنة، كان الأمر بعيدًا أيضًا، ولا يتشعب النسل في هذه المدة إلى مثل هذا العدد، اللَّهم إلَّا إلى المئين والآلاف، فربما يكون، وأما أن يتجاوز إلى ما بعدهما من عقود الأعداد فبعيد، واعتبر ذلك في الحاضر المشاهد والقريب المعروف، تجد هذا الزعم كاذبًا والنقل باطلًا، وكذلك نجد لقومنا من الغلو في الحكايات الإسرائيلية ما ليس عند الإسرائيلين أنفسهم.\nوهذه النعمة التي ذكر الله تعالى بها بني إسرائيل، من أعظم النعم الحاصلة لهم بعد الإيمان، لأنَّها نقلتهم من الاستعباد إلى فضاء الحرية، ومن حكم الأغيار إلى حكم أنفسهم، وجعلتهم ملوكًا بعد أن كانوا أرقاء، وأرجعتهم إلى أوطانهم التي نشأ بها سلفهم، وأهلك عدوهم أمام أعينهم.\n_________\n(١) الأصل: \"سبعين سبعًا\" والتصحيح من ابن خلدون.","vol":"1","page":202},{"text":"فنسأله تعالى أن يخلص المسلمين من أسر الكفرة الأشرار، وأن لا يولي عليهم غير أهل دينهم وملتهم.\nثم إنَّه تعالى ذكر الإنعام الثالث بقوله:\n﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢)﴾.\nلما خرج موسى ﵇ بقومه وصار عند جبل سيناء، بعد أن حارب \"عماليق\" وانتصر عليه، جلس يومًا ليقضي بين النَّاس، فمكث من الصباح إلى المساء، والنّاس أمامه وقوفًا، وكان \"يثرون\" كاهن مدين، أحد أقارب زوجة موسى جالسًا معه، فقال له: ما بال الشعب واقفًا هذه المدة، فقال موسى: إنَّما يأتيني لأقضي بينه، فقال يثرون: إن هذا الأمر أعظم منك، لا تستطيع أن تصنعه وحدك، بل علم القوم الفرائض والشرائع، وعرفهم الطَّريق الذي يسلكونه، والعمل الذي يعملونه، وانظر إلى ذوي القدرة الأمناء الخائفين الله تعالى، المبغضين للرشوة، واجعلهم رؤساء ألوف، ورؤساء مئين، ورؤساء خمسين، ورؤساء عشرات، فيقضون للشعب كل حين، واجعلهم قضاة للشعب في الدعاوي الصغيرة، وأمَّا الدعاوي الكبيرة فتكون أنت الذي يقضي بها، فحينئذ طلب موسى ﵇. هذا ما يؤخذ من التوراة التي بأيدينا اليوم.\nوقال صاحب الكشاف: لما دخل بنو إسرائيل مصر بعد هلاك فرعون، ولم يكن لهم كتاب ينتهون إليه، وعد الله موسى أن ينزل عليه التوراة، وضرب له ميقاتًا، ذا القعدة وعشر ذي الحجة، انتهى.\nوقيل: أربعين ليلة لأنَّ الشهور غرّرها بالليالي، فالأربعون ليلة كلها داخلة في الميعاد.\nوالأول أقرب للصواب، وكل قوم أعلم بتاريخهم من غيرهم.","vol":"1","page":203},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى﴾، قرئ ﴿وعدنا﴾ بدون ألف، و﴿واعدنا﴾ بالألف، فأمَّا بغير ألف، فوجهه ظاهر، لأنَّ الوعد كان من الله تعالى، وأمَّا بالألف فهو من باب المفاعلة، وهي لا تكون إلَّا بين اثنين، فيقال: إن الوعد وإن كان من الله تعالى، فقبوله كان من موسى ﵇، وقبول الوعد يشبه الوعد، لأنَّ القابل للوعد لا بد وأن يقول: أفعل ذلك، أو يقال: إن الله وعد موسى الوحي، وموسى وعد الله المجيء للميقات إلى الطور.\nوأعلم أن للمفسرين هنا كلامًا في اشتقاق لفظ ﴿موسى﴾ كأن البعض منهم ظن أن هذه اللفظة عربية، وهذا شأنهم في كثير من الألفاظ، والصحيح أن موسى لفظة عبرانية، ففي الإصحاح الثَّاني من سفر الخروج من التوراة: أن موسى لما فطم جاءت به مرضعته إلى ابنة فرعون، فصار لها ابنًا، ودعت اسمه موسى، وقالت: إنِّي انتشلته من الماء، فدَّل على أن هذا اللفظ مركب من كلمتين عبرانيتين الأولى \"مو\" وهو الماء والثانية \"سى\" وهو الشجر، لأنَّه وجد بين شجر الحَلفاء في الماء.\nفلما خرج موسى إلى الميعاد، استخلف أخاه هارون على بني إسرائيل، وقال له: إنِّي متعجل إلى ربي فـ ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي﴾ ... ﴿وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ [الأعراف]، ثم إنهم في أيَّام مواعدة موسى اتخذوا العجل إلهًا كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ﴾ بإشراككم.\nوذلك أن موسى لما خرج إلى الميعاد استبطأه قومه، وكان معهم مال من أموال القبط، وكان موسى أمرهم بقذفها، فاستبقى السامري- وهو رجل من قومه- بقية من تلك الأموال من أثر الرسول، الذي هو سيدنا موسى ﵇، وذلك كما أخبر تعالى عنه بقوله: ﴿فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ [طه: ٩٦] والأثر: ما بقي من رسم الشيء، فصنع منه عجلًا من الذَّهب، وجعله على نسبة هندسية، قال ابن عباس كما رواه عنه ابن جرير الطبري: كان الرِّيح يدخل من دبره ويخرج من فيه، فيسمع له صوت آه، فكان من أجل ذلك","vol":"1","page":204},{"text":"له خوار، أي: صياح، فلما رآه بنو إسرائيل قالوا: ﴿هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ [طه] كما أخبر تعالى عن ذلك في سورة طه، وسيأتي تمام الكلام هناك إن شاء الله تعالى.\nثم أعقب تعالى بعد بيان ما ارتكبوه بجهلهم، قوله: ﴿ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ﴾، أي: تركنا معاجلتكم بالعقوبة، ﴿مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾، أي: من بعد اتخاذكم العجل إلهًا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، أي: لأجل أن تشكروا، فـ \"لعل\" معناها هنا التعليل كما قاله الأخفش والكسائي. وحملوا عليه: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ [طه]. ومن لم يثبت ذلك يحمله على الرجاء.\nوهذه القصة تدل على أن القوم، كانوا لا يزال فكر فرعون مؤثرًا عليهم، بادعاء الحلول، فلما رأوا ذلك العجل فَطِنوا لما كمن في طبائعهم من الحلول، فعبدوا العجل، وكذلك كل فرقة يبقى في أفكارها شيء من هذه العقيدة سرعان ما تميل إليه، وتترك الدين الخالص، وأعلم أن ما أفسد الشرائع وأخرج النَّاس عن الصراط المستقيم، إلَّا هذه القاعدة الشيطانية، ففكر في أمر الفرق والأديان والملل والنحل، واجعل هذه القاعدة أساس البحث، تجد صدق هذا القول.\nوفي هذه القصة تحذير عظيم من التقليد والجهل بالدلائل، فإن أولئك الأقوام، لو أنهم عرفوا الله بالدليل معرفة تامة، لما وقعوا في شبهة السامري، وكذلك في كل زمان سامري يتحيلُ لإلقاء الشبه بين المؤمنين، ويدعو إلى الحلول، فبينّ الله تعالى هذه القصة ليعتبر بها الذين يصغون لحيل المارقين الملبّسين على الأمة، وأيضًا فإن أشد النَّاس مجادلة للنبي - ﷺ -، في أيامه، كانوا اليهود، وكانوا هم أشد أعدائه، فكأنه تعالى قال: إن هؤلاء إنَّما يفخرون بأسلافهم، ثم إن أسلافهم كانوا في البلادة والجهالة والعناد إلى هذا الحد، فكيف هؤلاء الأخلاف - والظلم في أصل اللغة: النقص- والمعنى: أنهم لما تركوا عبادة الخالق المحيي المميت، واشتغلوا بعبادة العجل، صاروا ناقصين في خيرات الدين والدنيا.","vol":"1","page":205},{"text":"ثم ذكر الله تعالى الإنعام الرابع على بني إسرائيل فقال:\n﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.\n﴿الْفُرْقَانَ﴾ هو: الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون الكتاب نعت للتوراة أقيم مقامها، استغناء به عن ذكر التوراة، ثم عطف عليه بالفرقان، إذ كان من نعتها، كذا نقل معناه عن ابن عباس، ويدل على صحته ذكر الكتاب، وأن معنى الفرقان: الفصل. وقوله ﴿لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، لتهتدوا على ما مر في قوله تعالى ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ ثم ذكر تعالى الإنعام الخامس بقوله:\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\nتأويل ذلك: واذكروا أيضًا ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ من بني إسرائيل: ﴿يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾، ظلمًا تستحقون به العقوبة ﴿بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾ إلهًا من دون الله، فجعلتم أنفسكم متذللة لمن لا يملك لها نفعًا ولا ضرًا، ولمن هي أشرف منه، فأنزلتموها من رتبة عزها، بخضوعها لمولاها الذي لا يذل من والاه، ولا يعز من عاداه، بخضوعها لمن هو دونكم أنتم، هذا هو أسوأ الظلم، فإن المرء لا يصلح أن يتذلل لمثله، فكيف بمن دونه من حيوان، فكيف بما يشبه بالحيوان من جماد الذَّهب الذي هو من المعادن، وهو أخفض الكائنات رتبة، حين لم تبلغها حياتها أن تبدو فوق الأرض كالنبات من النجم، والشجر، ولما فيه من الانتفاع بما يكون منه الحب والثمر، الذي ينتفع به غذاء ودواء، والمعادن لا ينتفع بها إلَّا في الآلات والنقود، ومنفعتها إخراجها لا إثباتها.\nثم أمرهم موسى بالمراجعة من ذنبهم، والإنابة إلى الله من ردتهم بالتوبة إليه، والتسليم لطاعته فيما أمرهم به، وأخبرهم أن توبتهم من الذنب الذي ركبوه قتلهم أنفسهم.","vol":"1","page":206},{"text":"والبارئ معناه: التدقيق للشيء بحسب التهيؤ لصورته، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، معناه: أن توبتكم بقتل أقاربكم، وإن كانوا آباء أو أبناء، عبر عنهم بالنفس لذلك، فكأنه يقول: اقتلوا أنفسكم التي أوجدها بارئكم فقادتكم إلى غيره، ولما كان ما أمرهم به أمرًا لا يكاد يسمح به عظم الرغبة فيه، فقال: ﴿ذَلِكُمْ﴾ الأمر العظيم، وهو القتل، ﴿خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ القادر على إعدامكم، كما قدر على إيجادكم، وفي التعبير بالبارئ ترغيب لهم في طاعته بالتذكير بالإحسان، وترهيب بإيقاع الهوان، فإن فعلتم ذلك فقد تاب عليكم مع عظم جرمكم، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إنَّه﴾ أي: لأنه ﴿إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾، أي: ما زال هذا صفة له، لا لاستحقاق منكم عليه.\nواختلف المفسرون في تفسير القتل، فذهب أكثرهم إلى أن الذين لم يعبدوا العجل قتلوا الذين عبدوه، وفسروا ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ بالاستسلام للقتل. وفسر صاحب الكشاف اقتلوا أنفسكم بالبخع، وهو القتل غمًا، وظاهر التلاوة يشير إلى معنى القتل على حقيقته، وما يذكره القوم من كيفية، فإنما ظن وتخمين.\nولمَّا استتيبوا من عبادة العجل الذي يضرب به المثل في الغباوة، وطلبوا رؤية بارئهم بالحس على ما له من صفات الكمال، ناسين جميع النعم والنقم، مسرعين في الكفر الذي هو من شأن الحائر، فكان من أمرهم ما أخبر به تعالى في قوله:\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)﴾.\nهذه الآية تدل دلالة صريحة على أن القوم كانوا يعتقدون التجسيم في حق البارئ ﷾، وعلى ذلك تدل التوراة التي بأيديهم اليوم. وقد ذكر الله تعالى معتقد أسلافهم وبلادتهم، في قوله: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ﴾، بعدما رأيتم من الآيات وشاهدتم، من الأمور البينات: ﴿يَامُوسَى﴾، دعوه باسمه جفاء وغلظة كما يدعو","vol":"1","page":207},{"text":"بعضهم بعضًا، وقولهم: ﴿لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ﴾، معناه: لن نصدقك، ولن نقر بما جئتنا به، ﴿حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً﴾ عيانًا من غير خفاء، ولا نوع لبس برفع الساتر بيننا وبينه، وكشف الغطاء دوننا ودونه، حتَّى تنظر إليه أبصارنا، وقد ذكر الله بني إسرائيل اختلاف آبائهم، وسوء استقامة أسلافهم لأنبيائهم، مع كثرة معاينتهم لآيات الله، وعبره التي تختلج بأقلها الصدور، وتطمئن بالتصديق معها النفوس، وذلك مع تتابع الحجج عليهم، وسبوغ النعم من الله لديهم، وهم مع ذلك، مرَّة يسألون نبيهم أن يجعل لهم إلهًا غير الله، ومرَّة يعبدون العجل من دون الله، ومرة يقولون: لا نصدقك حتى نرى الله جهرة، إلى غير ذلك من أفعالهم التي نطق بها الكتاب العزيز، وآذوا نبيهم بها، وبين تعالى أن هؤلاء الموجودين حين نزول القرآن، لن يعدوا أن يكونوا كأسلافهم في تكذيبهم، وجحودهم نبوة من أنزل عليه هذا الكتاب، وتركهم الإقرار به، وما جاء به مع علمهم به، ومعرفتهم بحقيقة أمره.\nثم بين تعالى ما حصل لهم من الجزاء بقوله: ﴿فَأَخَذَتْكُمُ﴾، لما صدر منكم من الفظاعة وانتهاك الحرمة، ﴿الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ﴾ إليها، والصاعقة: كل أمر هائل رآه الشخص أو عاينه، أو أصابه، حتَّى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم، أو فقد بعض آلات الجسم، صوتًا كان أو نارًا أو زلزلة أو رجفًا، وما ذلك إلَّا بسبب تجرئهم على طلب ما لا يمكن حصوله، ولما كان إحياؤهم من ذلك في هذه الدار، غاية البعد وخرق العادة، عبر عنه بأداة التراخي فقال: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ﴾، أي: أحييناكم ﴿مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ﴾ بالصاعقة التي أهلكتكم، وقد فعلنا بكم ذلك لتشكروني على ما أوليتكم من نعمتي عليكم، بإحيائي إياكم، لتتمكنوا من الإيمان، ومن تلافي ما صدر منكم من الجرائم.\nثم ذكر تعالى الإنعام السابع بقوله:\n﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾.","vol":"1","page":208},{"text":"﴿وظللنا﴾ معطوف على قوله: [﴿بَعَثْنَاكُمْ﴾] (١)، والتأويل: ﴿ثم بعثناكم من بعد موتكم ... وظللنا عليكم الغمام﴾، وعدد عليهم سائر ما أنعم به عليهم. والغمام هو: ما غم السماء، فألبسها من سحابٍ وقتام، وغير ذلك مما يسترها عن أعين الناظرين، وكل مغطى فإن العرب تسميه مغمومًا، والمعنى: فعلنا ذلك لترقية أجسامكم، وترويح أرواحكم، وذلك أن الله سخر لهم السحاب في التيه، يسير بسيرهم، ويظلهم من الشَّمس، وأنزل عليهم ﴿المن﴾، وهو الترنجبين مثل الثلج، يسقط من طلوع الفجر إلى طلوع الشَّمس، لكل إنسان صاع، ﴿والسلوى﴾: هي طير السُّماني.\nوهذه الخارقة، قد كان الصّحابة ﵃ في غنية عنها، لأنهم كانوا إذا احتاجوا دعا النَّبيُّ - ﷺ - بما عندهم من فضلات الزاد، فيدعو فيكثره الله تعالى، حتَّى يكتفوا عن آخرهم (٢)، وأيضًا فإن بني إسرائيل كانوا يومئذٍ في التيه، لما كانوا عليه من مخالفة موسى ﵇، والصحابة ﵃ لم يخالفوا النَّبيُّ - ﷺ -، في ساعة من الساعات، حتَّى يحصل لهم ما حصل لقوم موسى، أو يقاسوا عليهم، هذا والذي في التوراة أن المن شيء دقيق مثل القشور، كان كالجليد على الأرض، فكان كل واحد يلتقط منه على حسب أكله، وكانوا يلتقطونه صباحًا فصباحًا، فإذا حميت الشَّمس ذاب، إلَّا يوم السبت فكان لا ينزل، وقيل لهم: ﴿كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾، أي: كلوا من مشتهيات رزقنا الذي رزقناكموه، ﴿وما ظلمونا﴾ فيه، والتقدير: فخالفوا ما أمرناهم به، وعصوا ربهم ثم رسوله إليهم، وما ظلمونا بفعلهم ذلك ومعصيتهم، أي: ما وضعوا فعلهم ذلك وعصيانهم إيانا موضع مضرة علينا، ومنقصة لنا، ولكن هم وضعوه من أنفسهم موضع مضرة عليها ومنقصة لها.\nوفي هذه الآية ونحوها تحذير لمن يتلى عليهم القرآن، أن ينحوا نحو ما نحاه أولئك القوم، فيصيبهم مثل ما أصابهم، لأنَّ قصص القرآن ليس القصد منها\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق، وهي غير موجودة في الأصل.\n(٢) كما في صحيح مسلم (٢٧).","vol":"1","page":209},{"text":"مقصورًا على ذكر الأولين فقط، بل كل قصة منه إنَّما ذكرت لما يلحق هذه الأمة في أمد يومها من شبه أحوال من قص عليهم قصصه، ولذلك تجد القصة تكرر تكررًا بحسب أهميتها، حتَّى لا ينسى ولا يجهل مكان الإشارة منها.\nولما بيّن تعالى نعمه عليهم بأن ظلل لهم من الغمام، وأنزل عليهم المن والسلوى، وهو من النعم العاجلة، أتبعه بنعمه عليهم في باب الدين، حيث أمرهم بما يمحو ذنوبهم، وبين لهم طريق المخلص مما استوجبوه من العقوبة، فقال:\n﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾.\nأكثر المفسرين على أن القرية المذكورة هنا، هي: بيت المقدس، وقيل: هي أريحا، يقول تعالى: ﴿وإذ قلنا﴾ لبني إسرائيل ﴿ادخلوا هذه القرية﴾، وقد أمروا بدخولها بعد الخروج من التيه، ﴿فكلوا منها﴾ من هذه القرية ﴿حيث شئتم﴾ أكلًا (رغدًا﴾، وعيشًا هنيئًا واسعًا بغير حساب، ﴿وادخلوا الباب سجدًا﴾ أي: باب القرية، وقيل: هو باب القبة التى كانوا يصلون إليها، وهم لم يدخلوا بيت المقدس في حياة موسى ﵇، وليكن دخولكم حالة كونكم ساجدين شكرًا لله، وتواضعًا، ﴿وقولوا حطة﴾، أي: وقولوا دخولنا ذلك سُجدًا حطة لذنوبنا، أي: ليحط الله عنا بذلك ذنوبنا وخطايانا، فإنكم إن فعلتم ذلك ﴿نغفر لكم﴾ ذنوبكم، نتغمد بالرحمة ﴿خطاياكم﴾ ونسترها عليكم، فلا نفضحكم بالعقوبة عليها، ﴿وسنزيد المحسنين﴾، أي من كان محسنًا منكم، كانت هذه الكلمة سببًا في زيادة حسناته وثوابه، ومن كان مسيئًا كانت له توبة ومغفرة. ﴿فبدل الذين ظلموا﴾، أي: غيّر الذين فعلوا ما لم يكن لهم فعله، ﴿قولًا غير الذي قيل لهم﴾، أي: بدلوا قولًا غير الذي أمروا أن يقولوه، فقالوا خلافه، وذلك هو التبديل والتغيير الذي كان منهم، وحاصله: أنهم أمروا بقولٍ معناه: التوبة والاستغفار، فخالفوه إلى قول ليس معناه معنى ما أمروا به، ولم يمتثلوا أمر الله، وليس الغرض أنهم أمروا بلفظ بعينه، وهو لفظ \"الحطة\" فجاؤوا بلفظ آخر، لأنهم لو جاؤوا","vol":"1","page":210},{"text":"بلفظ آخر مستقل بمعنى ما أمروا به، لم يؤاخذوا به، كما لو قالوا: مكان حطة نستغفرك ونتوب إليك، أو اللَّهم اعف عنا، وما أشبه ذلك (١).\nثم بيّن ﷾ أنَّه خص المبدلين بالعقاب نعمة منه، فقال: ﴿فأنزلنا على الذين ظلموا﴾، زيادة في تقبيح أمرهم، وإيذانًا بأن أنزل الرجز عليهم لظلمهم، والرجز: العذاب، وأخرج ابن جرير الطبري: أنهم هلكوا بذلك الرجز، ولم يبق منهم إلَّا الأبناء، ففيهم الفضل والعبادة والخير التي توصف في بني إسرائيل، وهلك الآباء كلهم. وقوله: ﴿بما كانوا يفسقون﴾ معناه: بما كانوا يتركون طاعة الله تعالى، فيخرجون عنها إلى معصيته، وخلاف أمره.\nولما بيّن تعالي نعمته عليهم بالإمكان من القرية، بالنصر على أهلها، والتمتع بمنافعها، وختمه بتعذيبهم، أتبعه التذكير بنعمته عليهم في البرية بما يبرد الأكباد، ويحيي الأجساد، مذكرًا لهم بقدرة الصانع، فقال:\n﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)﴾.\nلما عطشوا في التيه، دعا لهم موسى ﵇ بالسُقيا، والمعنى: ﴿وإذ﴾ استسقانا ﴿موسى﴾، أي: سألنا أن نسقي قومه ماء، فترك ذكر المسؤول لدلالة الكلام عليه، ﴿فقلنا﴾ له: ﴿اضرب بعصاك الحجر﴾ فضربه، ﴿فانفجرت﴾، فترك ذكر الخبر عن ضرب موسى الحجر، إذ كان فيما ذكر دلالة على المراد منه، وللمفسرين في بيان الحجر أقوال كثيرة، وليس على شيء منها دليل، غاية الأمر أن الله تعالى أخبر أنَّه قال لموسى ﵇: اضرب بعصاك الحجر، ولو كان لنا حاجة في بيانه لبينه تعالى.\n_________\n(١) ليس أكثر المفسرين عليه، بل كان عليهم قول اللفظ الذي أمروا به وهو كذلك مخالف لصريح حديث البُخاريّ (٤٤٧٩) ومسلم (٣٠١٥)، وتفسيره هذا نقله عن كشاف الزمخشري! !","vol":"1","page":211},{"text":"ثم إنَّه أظهر لنبيه محمَّد - ﷺ - معجزة أعظم من معجزة موسى ﵇، وهي نبع الماء من بين أصابعه، وذلك أن نبع الماء إنَّما يكون من الحجر من الجبال والتلال، ومن التراب، فإن نبعه من دم ولحم فليس هذا من مظانه، فبذلك حصل الفرق بين المعجزتين. وأتى بلفظ الانفجار الذي يدور معناه على انشقاق فيه سيلان وانبعاث.\nوقوله: ﴿منه﴾، أي: من الحجر ﴿اثنتا عشرة عينًا﴾، لكل سبط من الأسباط الاثني عشر عين، ولما توقع السامع إخبار المتكلم، هل كانت الأعين الموزعة بينهم معروفة أو ملبسة؟ قال: ﴿قد علم كل أناس مشربهم﴾، أي: مكتفاهم من الشرب المردد مع الأيَّام، ومع الحاجات، في كل وقت، لأنَّ مفعل مصدر هنا، أو اسم محل يلزمه التكرار عليه، والتردد، فجعل سبحانه سقياهم آية من آياته في عصاه.\nولما كان السياق للامتنان، قال على إرادة القول: ﴿كلوا واشربوا من رزق الله﴾، مما رزقكم من الطَّعام، وهو المن والسلوى، ومن ماء العيون، وقيل: الماء تنبت منه الزروع والثمرات، فهو رزق يؤكل منه ويشرب، وقوله: ﴿ولا تعثوا﴾، العُثِيّ أشد الفساد، أي: قيل لهم: لا تتمادوا في الفساد في حال فسادكم، لأنهم كانوا متمادين فيه.\nولما امتن عليهم بالنعم المارّ ذكرها، بيّن ما كان عليه القوم من الدناءة في مطالبهم فقال:\n﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.\nلما كان القوم فلاحة، نزعوا إلى أصلهم الرديء، وأعمالهم السيئة، وإلى عادتهم وديدنهم، فبطروا ما كانوا فيه من النعمة، وطلبت أنفسهم الشقاء، وهكذا","vol":"1","page":212},{"text":"كل من ربي على عادة سيئة، لا بد أن ينزع إلى عادته مهما طال فراقها، ودنيء الأصل مهما هذبته، لا بد أن يقابل النعمة بالكفران، والحسنة بالسيئة.\nفلذلك كان من شأنهم ما أخبر عنه تعالى بقوله: ﴿واذ قلتم﴾، أي بعد هذه النعم كلها: ﴿ياموسى﴾، منادين له باسمه من غير تعظيم، ﴿لن نصبر﴾ صبرًا طويلًا ﴿على طعام واحد﴾، أرادوا ما رزقوا في التيه من المن والسلوى، وجعلوهما طعامًا واحدًا، وإن كانا اثنين، باعتبار أن ذلك الطَّعام لا يتبدل وإن كان متعددًا، وإن كان شريفًا لا تعب فيه. أو أن المعنى كأنهم قالوا: إن المن والسلوى ضرب واحد لأنهما من طعام أهل التلذذ والترف، ونحن قوم فلاحة أهل زراعات، فما يزيد إلَّا ما ألفناه من الأشياء المتفاوتة كالحبوب والبقول، فلذلك قالوا: ﴿فادع لنا ربك يخرج لنا﴾، يظهر لنا، ويوجد ﴿مما تنبت الأرض من بقلها﴾ وهو ما تنبته الأرض من الخضر، والمراد به: أطايب البقول التي يأكلها النَّاس، ﴿وقثائها وفومها﴾ وهو الحنطة في قول أكثر المفسرين، وهو المناسب لما هنا، لأنهم أرادوا مع هذه الأشياء الخبز، وقيل: هو الثوم، وهو الموجود في نسخة من التوراة مترجمة إلى العربيَّة في القرن الثامن، وهو للعدس والبصل أوفق، وقرأ ابن مسعود: وثومها وعدسها وبصلها.\nثم كأنه قيل: إن هذا العجب منهم، فما قال لهم موسى ﵇؟ فقيل: ﴿قال﴾ منكرًا عليهم: ﴿أتستبدلون﴾؟ أي: أتأخذون ﴿الذي هو أدنى﴾ في المنزلة والطعم، ﴿بالذي هو خير﴾، أي: بدله، فالباء للبدل، ثم كأنه قيل: فهل أجابهم إلى سؤالهم؟ فقيل (١): نعم، قال: ﴿اهبطوا مصرًا﴾ من الأمصار، فـ ﴿إن﴾ فيه ﴿لكم ما سألتم﴾، وينقطع عنكم المن والسلوى، و\"المصر\" هو: البلد الجامع لما يتعاون عليه من أمور الدُّنيا، التي تجمع هذه المطالب التي طلبوها، لأنَّ ما دون الأمصار لا يكون فيها، إلَّا بعضها، والهبوط هنا بمعنى النزول، يقال: هبط فلان الوادي، إذا نزل به، وهبط منه إذا خرج، والمعنى: انحدروا من التيه إلى مصرٍ من الأمصار.\n_________\n(١) الأصل: (فقال) والتصويب من \"نظم الدرر\" ١/ ٤١٤.","vol":"1","page":213},{"text":"ولما نظم سبحانه بنبأ موسى ﵇، ما كان من نبئهم من يوشع بعده، نظم في هذه الآية بخطاب موسى ما كان منهم بعد يوشع، إلى آخر اختلال أمرهم، وانقلاب أحوالهم من جنس المظاهرة لنبيهم، وإلى حال الاعتداء والقتل لأنبيِائهم ﵈.\nوفي جملته إشعار بأن ذلك لم يكن منهم، إلَّا لأجل إيثار الدُّنيا ورياستها وما لها على الآخرة، إيثارًا للعاجلة على الآجلة. وفي طيه أشد التحذير لهذه الأمة في اتباعهم لسنن أهل الكتاب في مثل أحوالهم، ولذلك انتظم بها الآية الجامعة، وابتدأ بذكر الذين آمنوا من هذه الأمة، ثم استوفى الملل التي لها صحة على ما يذكر آنفًا إن شاء الله، ولما كان التقدير: ففعلوا ما أمروا به من هبوط المصر، فكان ما وعد به، عَطَفَ عليه، قوله: ﴿وضربت عليهم الذلة﴾، ملازمة لهم محيطة بهم، من جميع الجوانب، كما يحيط البيت من الشعر المضروب على الإنسان به. والذلة: اسم الذل، وهو صغار في النَّفس عن قهر وغلبة. ﴿وضربت﴾ عليكم ﴿المسكنة﴾، وهي: ظهور معنى الذل أو التذلل على ظاهر الهيئة والصورة، سكونًا وانكفاف حراك، فسلط الله عليهم العدو، فاستأصل منهم من شاء الله، ومن بقي منهم أخذ بأنواع من الهوان، ﴿وباؤوا﴾ أي: رجعوا، وصاروا أحقاء بغضب من الله، لجرأتهم على هذا المقام الأعظم المرة بعد المرة، والكرة بعد الكرة.\nقال \"الحرالِّي\": وفيه تهديد لهذه الأمة بما غلب على أهل الدُّنيا منهم، من مثل أحوالهم، باستبدال الأدنى في المعنى من الحرام [و] المتشابه، بالأعلى من الطَّيِّب، والأطيب المأخوذ عفوًا واقتناعًا.\nولما كان الغضب إنَّما يكون على من راغم الجليل في معصيته، ووقعت منهم المراغمة في معصيتهم واعتدائهم، ذكر فعلهم فقال: ﴿ذلك﴾ أي: ما تقدم من ضرب الذلة والمسكنة عليهم، وإحلاله غضبه بهم، بسبب \"أنهم\" كانوا أي جبلَّةً وطبعًا ﴿يكفرون﴾، أي: مجددين مستمرين في الكفر ﴿بآيات الله﴾، فالكفر: تغطية الشيء وستره، وآيات الله حججه وأعلامه وأدلته، على توحيده","vol":"1","page":214},{"text":"وصدق رسله، ومعنى الكلام: أنا فعلنا بهم ذلك، من أجل أنهم كانوا يجحدون حجج الله على توحيده وتصديق رسله، ويدفعون حقيتها، ويكذبون بها.\nويعني بقوله: ﴿ويقتلون النبيين بغير الحق﴾: يقتلون رسل الله الذين ابتعثهم لإنباء ما أرسلهم به عنه لمن أرسلوا إليه، وكان قتلهم لهم وهم يعتقدون أنهم معتدون عليهم، وأن قتلهم لهم كان بغير حق، وما ذلك إلا لأن الأنبياء نصحوهم ودعوهم إلى ما ينفعهم فقتلوهم، ولو سئلوا وأنصفوا من أنفسهم، لم يذكروا وجهًا يستحقون به القتل عندهم، ثم علل هذه الجرأة بقوله: ﴿ذلك﴾، أي: الأمر الكبير من الكفر والقتل، ﴿بما عصوا﴾ أي: بسبب ارتكابهم أنواع المعاصي، واعتدائهم حدود الله في كل شيء، وبما ارتكبوه من الاعتداء، وهو مجاوزة الحدود على سبيل التجدد والاستمرار، فإن من فعل ذلك مرد عليه، ومرن فاجترأ على العظائم.\nولما أنهى ﷾، نبأ أحوال بني إسرائيل، وذكر نهايته، مما بين إعلاء تكرمتهم بالخطاب الأوَّل، إلى أدنى الغضب على من كفر منهم بهذا النبأ الآخر، الذي أخبرنا بالإعراض عنهم في مقابلة الإقبال الأوَّل، وكانوا هم أول أهل كتاب، أشعر تعالى بهذا الختم أنهم صاروا قدوة لجميع من بعدهم، وأن جميع من بعدهم يكون لهم تبعًا فيما أصابهم من جميع أهل الملل الأربعة، فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.\nاختلف المفسرون في بيان المراد من قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا﴾، وسبب اختلافهم قوله تعالى في آخر الآية: ﴿مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ﴿البقرة: ١٢٦﴾ فروي عن ابن عباس: أن المراد بهم من آمن قبل مبعث النَّبي - ﷺ -، وقال سفيان الثوري، ما معناه: أنَّه تعالى ذكر في أول السورة طريقة المنافقين، ثم طريقة اليهود، فالمراد من قوله تعالى: هم الذين يؤمنون باللسان دون القلب، وهم: المنافقون، فذكر المنافقين، ثم اليهود، ثم النصارى، ثم الصابئين، فكأنه قال: هؤلاء المبطلون كل من أتى منهم بالإيمان الحقيقي، صار","vol":"1","page":215},{"text":"من المؤمنين عند الله. وقال المتكلمون: المراد منَّ ﴿الذين آمنوا﴾ هم: المؤمنون بمحمد - ﷺ - في الحقيقة، وهو عائد إلى الماضي، ثم قوله: ﴿من آمن بالله﴾ يقتضي المستقبل، فالمراد الذين آمنوا في الماضي وثبتوا على ذلك واستمروا عليه في المستقبل، انتهى.\nوالذي أراه الصواب من القول في هذه الجملة [من الآية]: أن المراد من ﴿الذين آمنوا﴾، من آمن مطلقًا، سواء كان الإيمان ظاهرًا وباطنًا، أم ظاهرًا فقط، ثم إنَّه تعالى فصل في آخر هذه الآية، فأخبر أن من آمن منهم إيمانًا حقيقيًا، له أجر إيمانه عند ربهم، ومن لا، فلا، ويشهد لهذا التأويل قوله: ﴿منهم﴾ الدّالة على التبعيض، وهذا التأويل يضم إليه جميع الأقوال التي مضت عن المفسرين. و﴿الذين هادوا﴾ معناه: تهودوا، يقال: هاد يهود وتهود، إذا دخل في اليهودية، وهو هائد والجمع هود. والنصارى قيل: سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح، وقيل نسبة إلى قرية الناصرة. وأمَّا الصابئون فإن هذا اللفظ مأخوذٌ من صبأ، إذ خرج من الدين، والسياق يقتضي أن يكون المراد من الصابئين، كل أمة لم تتقيد بدين اليهود، أو النصارى أو المسلمين، سواء كانت من المجوس، أو من عباد الأوثان والملائكة والجن، أم من غيرهم.\nوقد روى ابن جرير عن مجاهد أنَّه قال: الصابئون ليسوا يهودًا ولا نصارى، ولا دين لهم. وفي \"الملل والنحل\" للشهرستاني يقال: صبا الرجل إذا مال وزاغ، فبحكم ميل هؤلاء عن سنن الحق، وزيغهم عن نهج الأنبياء، قيل لهم: الصابئة، وقد يقال: صبا الرجل إذا عشق وهوى، وهم يقولون: الصبوة هي الانحلال عن قيد الرجال، ومدار مذهبهم على التعصب للروحانيين، انتهى.\nإذا عرفت ذلك علمت أن قبسًا من هذا المذهب، سار بين أصناف البشر، فكثير منهم من يتعصب للأرواح، سواء كانت مفارقة لأجسادها، أو هي روح صرفة، فهؤلاء المذكورون في هذه الآية ﴿من آمن﴾ منهم، أي: داوم على الإيمان، إن كان مؤمنًا حقًا، أو جمع إلى الإيمان بلسانه الإيمان بقلبه، أو دخل في الإيمان إن كان كافرًا، وكان إيمانه ﴿بالله واليوم الآخر﴾،","vol":"1","page":216},{"text":"فدخل في الإيمان بالله، الإيمان بما أوجبه، أعني: الإيمان برسله، ودخل في الإيمان باليوم الآخر جميع أحكام الآخرة. ثم عطف عليه قوله: ﴿وعمل صالحًا﴾، أي وصدق ما ادعاه من الإيمان باتباع شرع الرسول الذي في زمانه، بالأعمال الظاهرة، ولم يفرق بين أحد من الرسل، ولا أخل بشيء من اعتقاد ما جاءت به الكتب من الصلاح، فهؤلاء ﴿لهم أجرهم﴾ الذي وعدوه على إيمانهم وعملهم ﴿عند ربهم﴾، متيقن جاري مجرى الحاصل، ﴿ولا خوف عليهم﴾ في حال الثواب في الآخرة، ﴿ولا هم يحزنون﴾، يومئذٍ، وذلك يوجب أن يكون نعيمهم دائمًا، لأنهم لو جوزوا كونه منقطعًا لاعتراهم الحزن العظيم.\nثم إنَّه تعالى، بعد أن أدخل هذه الآية أثناء قصة بني إسرائيل- لما لها من المناسبة في هذا الموضع، ولما بها من ترويح نفس القارئ لطول قصتهم، وهذا باب من البلاغة عجيب، لأنَّ القصة الطويلة إذا سردت سردًا ولم يتخللها معنى غريب، ملّ سامعها، بخلاف ما إذا تخللها بيان غرائب موضوعها - لا جرم رجع إلى قصصهم على أحسن وجه، مبينًا أن هؤلاء أغلظ النَّاس أكبادًا، وأكثرهم جرأة وعنادًا لا يرعوون لرهبة، ولا يثبتون لرغبة - أو يقال: لما قرر الله ﷾، المذعن كائنًا من كان، تلاه بما لليهود من الجلافة الداعية إلى النفور عن خلال السعادة التي هي ثمرة العلم، وما له فسبحانه من التطول عليهم بإكراههم على ردهم إليه- فقال:\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٦٣) ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٤)﴾.\nيقول تعالى مخاطبًا بني إسرائيل: ﴿و﴾ اذكروا ﴿إذ أخذنا ميثاقكم﴾، أي: ميثاق اَبائكم بالعمل على ما في التوراة، ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ حتَّى قبلتم، وأعطيتم الميثاق.","vol":"1","page":217},{"text":"وهذه الآية تقتضي أن القوم لما نزلت التوراة على موسى ﵇، امتنعوا عن قبولها، وعن العمل بما فيها من التكاليف وادعوا أن موسى ﵇ افتراها من تلقاء نفسه، فجعل الله تعالى رفع الطور فوقهم، علامة على أنَّها من عند الله تعالى، ولما كان الجبل قد صار فوقهم كالظلة، وصار عامًا لهم- بحيث إنَّه إذا وقع عليهم لم يفلت منهم إنسان كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧١]- أسقط حرف الجر هنا، فقال: ﴿فوقكم﴾، ولم يقل: من فوقكم ﴿الطور﴾، ترهيبًا لكم لتقبلوا الميثاق الذي هو سبب سعادتكم، وقلنا لكم وهو مطل فوقكم: ﴿خذوا ما آتيناكم﴾ من الكتاب ﴿بقوة﴾ وبجد وعزيمة، ﴿واذكروا مافيه﴾، واحفظوا ما في الكتاب وادرسوه ولا تنسوه، ولا تغفلوا عنه ﴿لعلكم تتقون﴾، رجاء منكم أن تكونوا متقين، أو إرادة أن تكونوا من المتقين، ولما كان التقدير فأخذتم ذلك، وأوثقتم العهد به، خوفًا من أن ندفنكم بالجبل، عطف عليه بـ ﴿ثم﴾ المشيرة للبعد، إشارة إلى أنَّه كان من حقكم البعد عن التولي، فقال: ﴿ثم توليتم﴾، أي: أعرضتم عن الأخذ به ﴿من بعد ذلك﴾، وذلك أن النفوس إذا توطنت على أمر الله فرأت محاسنه، رجعت بذلك إلى نحو من الفطرة الأولى، ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ [الروم: ٣٠]، ثم لم ترجع عنه إلَّا لمنازعة من الهوى شديدة، ولما كان توليهم لم يستغرق زمن البعد، أدخل الجار، فقال: ﴿من بعد ذلك﴾، أي: من بعد التأكيد على الوفاء به، ولولا تسبب عن توليكم أنَّه ﴿لولا فضل الله عليكم ورحمته﴾ بالعفو والتوبة، والإكرام بالهداية، والنصر على الأعداء، ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ بالعقوبة.\nودل قوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة، واذكروا ما فيه﴾ على أن الإيمان في الجملة ليس بمنجٍ، وليس المنجي إلَّا الإيمان بجميع ما أخذ عليهم به الميثاق، وهو جميع ما أتاهم في التوراة إيمانًا مصحوبًا بالقوة، يعني: بالاعتقاد الجازم بوجود الله والعمل بما في كتابهم عملًا خالصًا لله. وكان من جملة ما كلفوا به الإيمان بنبوة عيسى، ومحمد ﵉.","vol":"1","page":218},{"text":"فكذلك لا يكون الإيمان منجيًا لهذه الأمة إلَّا بالعمل بما في كتاب الله وشرعه، عملًا خالصًا لله تعالى (١).\nفلذلك ذكر الله تعالى هذه الآية تقريعًا لليهود، وإرشادًا لهذه الأمة أن لا يقتدوا بأولئك.\nثم إن ﴿الطور﴾ اسم للجبل المعهود الذي وقعت المناجاة عليه، ومن الملاحدة من أنكر هذه القضية، وقال: لا يمكن وقوف الثقيل في الهواء بلا عماد، ثم اعترض عليهم بوقوف الأرض أو حركتها وهي في الفضاء، فقالوا: إنَّما كانت كذلك لأنَّها بطبعها طالبة للمركز، فلا جرم وقفت به. وهذا منهم إنكار لقدرة الله تعالى، الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها، وهو تعالى قادر على جميع الممكنات، ووقوف الثقيل من جملة الممكنات فوجب أن يكون الله قادرًا عليه.\nوقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ [الرعد: ٢]، إشارة إلى الجاذبية لأنها لا ترى، فالأفلاك كلها المستقر منها والمتحرك إنَّما حصَّل وظيفته بالجاذبية المخلوقة لله تعالى، والقوم إن أنكروا وجودها عدوًا جاهلين، وإن أثبتوها قيل لهم: إذا كان خالق الأكوان هو المتصرف في الجاذبية التي تجذب تلك الكرات العظيمة، فكيف يعجزه أن يسلط جزءًا منها على رفع جبل، هو ذرة بالنسبة إلى جبل عظيم من الأجرام العلوية.\nوقد يقول البعض: إن هذا خطاب لمن كان بين ظهراني رسول الله - ﷺ -، من أهل الكتاب في أيامه، وهم لم يفعلوا شيئًا مما ذكر، فكيف يخاطبون بذلك؟ فيقال له: هذا وإن كان خبرًا من أسلافهم، لكنَّه خرج مخرج الخبر عنهم، على نحو ما كانت تفعله العرب، من أن القبيلة كانت تخاطب القبيلة عند الفخار أو غيره، بما مضى من فعل أسلاف المخاطِب، بأسلاف المخاطَب، فتضيف فعل أسلاف المخاطب إلى نفسها فتقول: فعلنا بكم، وفعلنا بكم.\n_________\n(١) أجمل المؤلف - ﵀ - هنا، ما كان الواجب تفصيله، للخلاف المعروف في كتب العقائد. واقتصر على ما نقله البقاعي ﵀.","vol":"1","page":219},{"text":"ولما بين ﷾ أنهم ضيعوا أمرًا واحدًا من أوامره، واستخفوا به، وهو تحريم السبت، عذبهم بعذاب لم يعذب به أحد من العالمين فقال:\n﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥) فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٦٦)﴾.\nيقول تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا﴾، أي: تعمدوا العدوان ﴿منكم في السبت﴾، بأن استحلوه وتركوا ما حللهم فيه من التجرد للعبادة وتعظيمه، واشتغلوا بالصيد. وسبب ذلك: أن الله أمرهم بيوم الجمعة فأبوا إلَّا السبت، فألزمهم الله إياه، وجعله لهم محنة، وحرم عليهم فيه العمل، فابتلاهم بالسمك، فما كان يبقى حوت في البحر إلَّا أخرج خرطومه يوم السبت، فإذا مضى تفرقت، كما قال تعالى: ﴿تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣]، فحفروا حياضًا عند البحر وشرعوا إليها الجداول، فكانت الحيتان تدخلها فيصطادونها يوم الأحد، فذلك الحبس في الحياض هو اعتداؤهم، ثم إنهم كانوا يصطادون على تهيب وخوف من العقوبة، فلما طال زمن عفوه عنهم، وحلمه سبحانه، فتجاهروا بالمعصية، كان أمرهم على ما ذكره تعالى بقوله: ﴿فقلنا لهم: كونوا قردة خاسئين﴾، أي: كونوا جامعين بين القردية والخسوء، وهو: الصغار والطرد، ﴿فجعلناها﴾ أي: تلك المسخة ﴿نكالًا﴾ أي: عبرة، تنكل، أي: تمنع من اعتبر بها، وقيدًا مانعًا ﴿لما بين يديها﴾ من المعاصي من أهل عالمها الشاهدين لها، ﴿وما خلفها﴾ ممن جاء بعدهم من الأمم والقرون، لأنَّ قصتهم ذكرت في كتب الأولين فاعتبروا بها، واعتبر بها من بلغتهم من الآخرين، ﴿وموعظة للمتقين﴾ الذين نهوهم عن الاعتداء من صالحي قومهم، ولكل متقٍ من غيرهم، وقد أشعر هذا أن التقوى عصمة من كل محذور، وأن النقم تقع في غيرهم وَعظًا لهم، هذا وقوله تعالى: ﴿كونوا قردة خاسئين﴾ ليس بأمر لهم لأنهم لم يكونوا قادرين على أن يقلبوا أنفسهم على صورة القردة، بل المراد","vol":"1","page":220},{"text":"منه سرعة التكوين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ [النحل] والمعنى: أنَّه تعالى لم يعجزه ما أراد إنزاله من العقوبة بهؤلاء، بل لما قال ﴿لهم كونوا قردة خاسئين﴾ صاروا كذلك، أي لما أراد بهم ذلك صاروا كما أراد.\nوقد اختلف المفسرون في معنى ﴿كونوا قردة﴾، فروى عن مجاهد: أنهم لم يصيروا قردة حقيقة؛ ولكن الله مسخ قلوبهم، بمعنى: أنَّه طبع وختم عليها. والأولى إبقاء الآية على ظاهرها، ولا يستبعد ذلك عقلًا لأن بنيَّة الإنسان عرضة للتبدل، فقد يكون السمين هزيلًا وبالعكس، ولما كانت الأجزاء متبدلة تبدلًا ظاهرًا، علم أن الإنسان أمر وراء هذا الهيكل المحسوس، وهو موجود مجرد، فلا امتناع في بقائه مع تطرق التبدل إلى هيكله، وهذا هو المسخ بذاته على ما تشير إليه هذه الآية، وليس المراد من المسخ هنا ما يدعيه القائلون بالتناسخ، من أن النفوس الناقصة التي بقي شيء من كمالاتها بالقوة تتردد في الأبدان الإنسانية، وتنتقل من بدن إلى آخر، حتَّى تبلغ النهاية فيما هو كمالها من علومها وأخلاقها، ويسمى هذا عندهم: نسخًا. وقالوا: ربَّما تنازلت إلى الأبدان الحيوانية، فتنتقل من البدن الإنساني إلى بدن حيواني يناسبه في الأوصاف، كبدن الأسد للشجاع، والأرنب للجبان، ويسمى مسخًا، وربما تنازلت إلى الأجسام النباتية، ويسمى رسخًا، أو إلى الجمادية كالمعادن ويسمى فسخًا، ويدعون أن هذه التنازلات المذكورة هي مراتب العقوبات، وإليها الإشارة بما ورد من الدركات الضيقة في جهنم، ولنا عودة إلى هذا الموضوع في المحالِّ المناسبة له إن شاء الله تعالى.\nولما بين تعالى قساوة بني إسرائيل في حقوقه عامة، أتبعه بيان قساوتهم في مصالح أنفسهم، لينتج أنهم أسفه النَّاس فقال:\n﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ (٦٨) قَالُوا ادْعُ لَنَا","vol":"1","page":221},{"text":"رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.\nقال البقاعي في كتابه \"نظم الدرر\": لم أر قصة البقرة في التوراة، فلعله مما أخفوه لبعض نجاستهم كما أشير إليه بقوله تعالى: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ [الأنعام: ٩١] والذي رأيت فيها مما يشبه ذلك ويمكن أن يكون مسببًا عنه، أنَّه قال في السَّفر الخامس منها ما نصه، فذكر ما يأتي، وأقول: وأنا أيضًا اطلعت على ما ذكر في هذا السَّفر في نسخة التوراة التي بيدي حين الكتابة، وقابلته على ما ذكره البقاعي، فوجدت فيه اختلافًا يسيرًا في التعريب دون المعنى، ولكني أوردت ما نقله هو لأنَّ تعريبه أتقن (١) قال؛ فإذا وجدتم قتيلًا في الأرض التي يعطيكم الله ربكم، مطروحًا لا يعرف قاتله، يخرج أشياخكم وقضاتكم، ويذرعون ما بين القتيل والقرية، فأي قرية كانت قريبة من القتيل يأخذ أشياخ تلك القرية عجلًا لم يعمل به عمل، ولم يحرث فيه حرث، يذبحون العجل في ذلك الوادي، ويتقدم الأحبار بنو الَّلاوي الذين اختارهم الله بكم أن يخدموا ويباركوا اسم الرب، وعن قولهم يقضي كل قضاء، ويضرب كل مضروب، وجميع أشياخ تلك القرية القريبة من القتيل، يغسلون أيديهم فوق العجل المذبوح في الوادي، ويحلفون ويقولون ما سفكت أيدينا هذا الدم، وما رأينا من قتله، فأغفر يارب لآل\n_________\n(١) الواقع أن أهل الكتاب لم يلتزموا نصًا واحدًا في الكتابين اللذين بين أيدهم- دائمًا- بل إن التبديل والتعديل ما زال مستمرًا، وقد راجعت أنا بعض النصوص في كتبهم المطبوعة فوجدت الخلاف بين طبعة وطبعة. كما رجعت إلى بعض مخطوطاتهما (المترجمة للعربية) فوجدت أشياء أخرى. ثم قابلت ما قاله الإمام ابن حزم نقلًا عنهم، وما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية أيضًا فيما نقله عنهم، فوجدت اخلافات لفظية وأحيانًا معنوية مما يثبت أن ذلك منهم.","vol":"1","page":222},{"text":"إسرائيل شعبك الذي خلصت، ولا تؤاخذ شعبك بالدم الزكي، ويغفر لهم على الدم، وأنتم فافحصوا عن الدم، واقضوا بالحق، وأبعدوا عنكم الإثم، واعملوا الحسنات بين يدي الله ربكم، انتهى.\nوهو كما ترى يشبه أن يكون فرع الأصل المذكور في القرآن العظيم، والذي تشير إليه في هذه القصة ما حكي عن ابن عباس، ونسبه الرَّازي إلى سائر المفسرين: أن رجلًا في بني إسرائيل قتل رجلًا، فاتصل خبره بموسى ﵇، فاجتهد في أن يعرف القاتل، فلم يظهر له، فقال له بنو إسرائيل: سل ربك حتَّى يبينه، فسأل ربه، فكان من أمره ما قصه الله علينا، وهو قوله ﴿وإذ قال موسى لقومه إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة﴾ لتعرفوا بها أمر القتيل الذي أعياكم أمره، والتاء في ﴿بقرة﴾ ليست للتأنيث الحقيقي، بل هي التاء الدّالة على وحدة الجنس، فتقع على الذكر والأنثى.\nولما كان من حقهم المبادرة إلى الامتثال، والشكر على أن أجاب الله سؤالهم ولكنهم لم يفعلوا، بيّن فظاظتهم على طريق الاستئناف معظمًا لها، بقوله حكاية عنهم: ﴿قالوا أتتخذنا هزوًا﴾، أتجعلنا مكان هزؤ، أو أهل هزؤ، والهزؤ اللعب والسخرية، يقولون لموسى: إنك سخرت ولعبت بنا، ولا ينبغي أن يكون من أنبياء الله فيما أخبرت عن الله من أمر ونهي، هزؤ أو لعب. فطنوا بموسى أنَّه في أمره إياهم من أمر الله تعالى بذبح البقرة عند تدارئهم في القتيل إليه، أنَّه هازئ لاعب، ولم يكن لهم أن يظنوا ذلك بنبي الله، وهو يخبرهم أن الله هو الذي أمرهم بذبح البقرة، وحذفت الفاء من قوله ﴿أتتخذنا هزوًا﴾، وهو جواب، لاستغناء ما قبله من الكلام عنه.\n﴿قال أعوذ بالله﴾ أي: اعتصم بالله من ﴿أن أكون من الجاهلين﴾، لأنَّ الهزؤ في مثل هذا من باب الجهل والسفه.\n﴿قالوا﴾ تماديًا في الغلظة: ﴿ادع لنا ربك﴾، وهذا منهم في غاية الجفاء، حيث خصصوا موسى بالإضافة إلى الرب، ولم يقولوا: ربنا ﴿يبين﴾ أي: يبالغ","vol":"1","page":223},{"text":"في البيان، لأنَّ صيغة التفعيل تقتضي المبالغة ﴿لنا ما هي﴾ تلك البقرة؟\n﴿قال إنَّه يقول﴾، ولما كانوا يتعنتون أكد بقوله: ﴿أنَّها بقرة لا فارض﴾ أي: ليست مسنة فرضت سنها أي: قطعتها، وبلغت آخرها، ﴿ولا بكر﴾، أي: وليست فتية صغيرة، بل هي ﴿عوان﴾ أي: نَصَفٌ ﴿بين ذلك﴾ أي: بين الفارض والبكر، ﴿فافعلوا ما تؤمرون﴾ فإن الإعتراض على من يجب التسليم له كفر.\nولما قال لهم موسى ﵇، ذلك لم يفعلوا، بل سألوا بيان اللون بعد بيان السنن.\nفـ ﴿قالوا ادع لنا ربك﴾، عادوا إلى جفائهم، ﴿يبين لنا ما لونها﴾ بعد بيان سنها فقال لهم مؤكدًا لكلامه أيضًا ﴿قال إنَّه يقول: إنَّها بقرة صفراء﴾، وأكد شدة صفرتها بالعدول عن فاقعة إلى ﴿فاقع لونها﴾، أي: خالص في صفرته، والفقوع في الصفرة نظير النصوع في البياض، ﴿تسر الناظرين﴾، أي تبهج نفوسهم. قال وهب: إذا نظرت إليها خيل إليك أن شعاع الشَّمس يخرج من جلدها، والسرور لذة في القلب عند حصول نفع أو توقعه.\n﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾، ثم عللوا تكريرهم ذلك بقولهم: ﴿إن البقر تشابه علينا﴾، أي: إن البقر الموصوف بالتعوين والصفرة كثير، فاشتبه علينا أيها نذبح، ﴿وإنا أن شاء الله لمهتدون﴾ إلى البقرة المراد ذبحها، وإلى ما خفي علينا من أمر القاتل.\n﴿قال إنَّه يقول أنَّها بقرة لا ذلول﴾، أي: لم تذلل لقلب الأرض بالحرث، وإثارة الأرض، ﴿ولا تسقي الحرث﴾، أي: وليست من النواضح التي يسنى عليها لسقي الحروث، ﴿مسلمة﴾ من العيوب، أو معفاة من العمل، سلمها أهلها منه، ﴿لا شية فيها﴾ أي: لا علامة فيها تخالف لونها بل هي صفراء كلها.\n﴿قالوا الآن جئت بالحق﴾ أي: بحقيقة وصف البقرة، وما بقي إشكال في أمرها، ﴿فذبحوها﴾، أي فحصلوا البقرة الجامعة لهذه الأوصاف كلها فذبحوها،","vol":"1","page":224},{"text":"﴿وما كادوا يفعلون﴾، أي: قاربوا قبل هذه المراجعة الأخيرة الفعل، وهذا بيان الاستثقال لاستقصائهم واستبطاء لهم، وأنهم لتطويلهم المفرط وكثرة. استكشافهم، ما كادوا يذبحونها، وما كادت تنتهي سؤالاتهم، وما كاد ينقطع خيط إسهابهم فيها وتعمقهم.\nولما قسمت القصة شطرين تنبيهًا على النعمتين، نعمة العفو عن التوقف عن الأمر، ونعمة البيان للقائل بالأمر الخارق للعادة، وتنبيهًا على أن لهم بذلك تقريعين:\nأحدهما: بإساءة الأدب في نسبة الاستهزاء لسيدنا موسى ﵇، والتوقف عن الامتثال. والثَّاني: على القتل وما تبعه، ولو رتبت القصة ترتيبها في الوجود، لم يحصل ذلك، وقدم الشطر الأنسب لقصة السبت، ثم أتبعه الآخر، وذلك أنَّه لما وجب عليهم السبت، أخذوا يقترحون ويسألون إياه حتَّى شدّد عليهم كما فعلوا في أمر البقرة.\nوالشطر الثَّاني هو قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسًا﴾، أسند الفعل إلى الكل، والقاتل واحد لأنَّ ذلك عادة العرب، لأنَّ عادة القبيلة المدافعة عن أحدهم، ﴿فادّارَأتم﴾، فاختلفتم واختصمتم في شأنها، لأنَّ المتخاصمون، يدرأ بعضهم بعضًا، أي: يدفعه ويزحمه، ويصح أن يراد بـ \"ادّارأتم\" توافقتم، بمعنى: طرح قتلها بعضكم على بعض، فدفع المطروح عليه الطارح، فكأن لهم بذلك ثلاثة آثام: إثم الكبيرة، وإثم الإصرار، وإثم الافتراء بالدفع، قال الكلبي: وذلك قبل نزول القسامة في التوراة.\nولما كان فعلهم في المداراة فعل غافل عن إحاطة علم الخالق سبحانه، قال يحكي حالهم إذ ذاك: ﴿والله مخرج ما كنتم تكتمون﴾، أي مظهر لا محالة ما كتمتم من أمر القتل ألا يتركه مكتومًا.\nثم بيّن لهم تعالى سر عظمته وكبريائه، وغفلتهم عن إحاطة علمه تعالى، فقال: ﴿فقلنا اضربوه﴾، أي اضربوا النَّفس التي قتلتموها ﴿ببعضها﴾، أي ببعض البقرة، وذكر النَّفس على إرادة الشخص بها. قال أبو علي الفارسي في كتاب","vol":"1","page":225},{"text":"\"الحجة\": قلنا اضربوا المقتول ببعض البقرة، فضربوه به فحيي، يعني: والدليل على هذا المحذوف قوله تعالى ﴿كذلك﴾ أي مثل هذا الإحياء العظيم على هذه الهيئة الغريبة، ﴿يحيي الله الموتى﴾ مثل هذا الإحياء الذي عوين وشوهد.\nوهذه المعجزة الخارقة للعادة، هي مثل ما جرى لنبينا - ﷺ -، فيما رواه البُخاريّ ومسلم، عن أنس والإمام أحمد عن ابن عباس، والدارمي والبيهقي عن جابر أن النَّبي - ﷺ -، لما افتتح خيبر واطمأن النَّاس، أهدت زينب بنت الحارث لصفية زوج النَّبي - ﷺ -، شاة مَصلية وقد سألت: أي عضو الشَّاة أحب إلى رسول الله، فقيل لها: الذراع فأكثرت فيها السم، ثم سمت سائر الشَّاة، فدخل رسول الله - ﷺ -، على صفية ومعه بشر بن البراء بن معرور (بمهملات) فقدمت إليه الشَّاة المصلية، فتناول رسول الله - ﷺ - الكتف، وفي لفظ الذراع، وانتهس منها فلاكها، وتناول بشر عظمًا فانتهس منه، قال ابن إسحاق: فأمَّا بشر فساغها، وأمَّا رسول الله - ﷺ - فلفظها، وقال ابن شهاب الزهري: فلما استرط رسول الله، استرط بشر ما في فيه، فقال رسول الله - ﷺ -: \"ارفعوا ما في أيديكم فإن كتف هذه الشَّاة يخبرني أني نعيت فيها\". قال بشر بن البراء: والذي أكرمكم لقد وجدت ذلك في أكلتي، فما منعني أن ألفظها إلَّا أني أعظمت أن أبغضك في طعامك، فلما استقر ما في فيك لم أكن أرغب بنفسي عن نفسك، ورجوت أن لا أكون استرطتها، فلم يقم بشر من مكانه حتَّى عاد لونه كالطيلسان، يعني: أصفر شديد الصفرة، قال ابن حجر في \"فتح الباري\": وماطله وجعه، واحتجم رسول الله وبقي ثلاث سنين، حتَّى كان وجعه الذي توفي فيه؛ وقال ابن القيِّم في \"زاد المعاد\": إن النبي - ﷺ -، لما انتهس من ذراع الشاة أخبره الذراع بأنه مسموم فلفظ الأكلة، انتهى.\nولما كان حصول المعصية من بني إسرائيل بعد رؤية هذا الأمر الخارق مستبعد التصور فضلًا عن الوقوع أشار إليه بقوله:\n﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)﴾.","vol":"1","page":226},{"text":"جعل تعالى وصف قلوبهم بالقسوة والغلظة، مثلًا لنبوّها وتباعدها عن الاعتبار، وأن المواعظ لا تؤثر فيها وقوله: ﴿من بعد ذلك﴾، إشارة إلى إحياء القتيل، أو إلى جميع ما تقدم من الآيات المعدودة، فهي في قسوتها مثل الحجارة التي هي أبعد الأشياء عن حال القلوب، فإن القلب أحيى حي، والحجر أجمد جامد، ولم يشبهها بالحديد لما فيه من المنافع، ولأنَّه قد يلين، ولما كانت القلوب بالنظر إلى حياتها ألين ليّن، وبالنظر إلى ثباتها على حالة أصلب شيء، كانت بحيث تحير الناظر في أمرها، هل هي في القسوة ﴿كالحجارة أو أشد قسوة﴾ لأنَّها لا تلين للذي حقه أن يلينها، والحجر يلين لما حقه أن يلين، وكل وصف للحي يشابه ما دونه يكون أقبح في الحي مما دونه، من حيث إن الحي مهيّأ لضد تلك المشابهة بالإدراك، ولما كان لقلوبهم فضل على الحجارة في شدة القسوة، قال تقريرًا لقوله: ﴿أو أشدّ قسوة وإن من الحجارة لما يتفجرُ منه الأنهار﴾، أي: من الحجارة ﴿وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء﴾، أي: وإن من الحجارة ما فيه خروق واسعة يتدفق منها الماء الكثير الغزير، ومنها ما ينشق انشقاقًا بالطول أو بالعرض فينبع منه أيضًا، ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾، أي: ينتقل من مكانه من أعلى الجبل إلى أسفله، لأمر الملك الأعلى ﷾ له بذلك، وقلوب هؤلاء وهم بنو إسرائيل ومن كان على شاكلتهم، لا تنقاد لشيء من الأوامر، فجعل الأمر في حق القلوب لما فيها من العقل، كالإرادة في حق الحجارة لما فيها من الجمادية، وفي ذلك تذكير لهم بالحجارة المتهافتة من الطور عند تجلي الرب.\nولما كان التقدير: وما أعمالكم مما يرضي الله، عطف عليه قوله: ﴿وما الله بغافل عما تعملون﴾، فانتظروا عذابًا مثل عذاب أصحاب السبت، والمعنى: وما الله بغافل يا معشر المكذبين بآياته، والجاحدين نبوة رسوله - ﷺ -، والمتقولين عليه الأباطيل، من بني إسرائيل وأحبار اليهود، عما تعملون من أعمالكم الخبيثة، وأفعالكم الرديئة، ولكنها يحصيها عليكم فيجازيكم بها في الآخرة، أو يعاقبكم بها في الدُّنيا.\nهذا وفي الآية إشارات: أولها: أن التشديد في السؤال والتعنت فيه موجب","vol":"1","page":227},{"text":"للتشديد في التكليف، ولهذا نهانا الله عنه بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾ [المائدة: ١٠١] ويبين تعالى عاقبة التشديد في السؤال، والتعنت في هذه الآية، بما هو غني عن الإيضاح.\nثانيها: يبين تعالى في هذه الآية أن من الحجارة ما يتردى من الموضع العالي الذي يكون فيه، فينزل إلى أسفل، وهؤلاء الكفار مصرون على العناد والتكبر، فلا يهبطون من علو تكبرهم وعنادهم إلى الخضوع والانقياد، فالحجارة أحسن حالًا منهم، وكذلك من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار، وأن منها لما يتشقق فيخرج منه الماء المحيي للأرض، والمخرج منها أنواع النبات والثمرات، وقلوب هؤلاء قد طبع الله عليها بكفرهم، فلا تتفجر منها ينابيع الهداية، ولا تخرج منها الحكمة التي تحيي النفوس، كما يحيي الماء الأرض، فلا يزالون هم ومن كان على شاكلتهم، في عمى وضلال وغي لا يرجى زواله، فنعوذ بالله كان الخذلان.\nثالثها: حكى الرَّازي عن الحكماء المتقدمين (١): أن الأنهار إنَّما تتولد عن أبخرة تجتمع في باطن الأرض، فإن كان ظاهر الأرض رخوًا انشقت تلك الأرض وانفصلت، وإن كان ظهر الأرض صلبًا حجريًا اجتمعت تلك الأبخرة، ولا يزال يتصل تواليها بسوابقها حتَّى تكثر كثرة عظيمة، فيعرض حينئذ من كثرتها وتواتر مدها، أن تنشق الأرض وتسيل تلك المياه أودية وأنهارًا، انتهى.\nوسيمر بك تحقيق هذا البحث في أماكنه إن شاء الله تعالى.\nولما ذكر تعالى، ما كان من قبيح من سلف من بني إسرائيل قبل نزول الكتاب العزيز، شرح من هنا قبائح أفعال اليهود الذين كانوا وقت نزول القرآن العظيم، وذلك لمقاصد، منها الدلالة بها على صحة نبوة محمَّد - ﷺ -، لكونه كان أميًا لا علم له بشيء منها إلَّا بطريق الوحي؛ ومنها تعديد النعم على أسلافهم،\n_________\n(١) إن في<span data-type=\"title\" id=toc-222> أقوال المتقدمين من الحكماء</span>! ما لا يوافق النصوص القرآنية، وصحيح الأحاديث النبوية، وعرفنا الآن أنَّه لا يوافق ما وصل إليه علمنا. فلسنا ملزمين به.","vol":"1","page":228},{"text":"ومقابلتهم كل نعمة منها بالكفران، ومنها تحذير أهل الكتاب الموجودين حين نزول القرآن من نزول العذاب عليهم، كما نزل بأسلافهم من قبل ومنها الاحتجاج على المشركين من العرب المنكرين للحشر والنشر، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿كذلك يحيي الله الموتى﴾ وقد كان النبي - ﷺ -، يضيق صدره بسبب عناد أولئك القوم وتمردهم، مع شدة حرصه على الدعاء إلى الحق، وقبولهم الإيمان منه، فقص الله أخبار بني إسرائيل في العناد العظيم مع مشاهدة الآيات الباهرة، تسلية لرسوله فيما يظهر من أهل الكتاب في زمنه، من قلة القبول والاستجابة، فقال تعالى:\n﴿*أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾.\nالخطاب لرسول الله - ﷺ - والمؤمنين، والطمع: تعلق البال بالشيء من غير تقدم سبب له، ﴿أن يؤمنوا﴾ هؤلاء الذين بين أظهركم، وقد سمعتم ما اتفق لأسلافهم من الجفاء والغلظة، والخلف منهم راضون بذلك، ولو لم يكونوا راضين به لآمنوا بمجرد هذا الإخبار عن هذه القصص من هذا النبي الأميّ، الذي يحصل التحقيق بأنه لا معلم له بها حالة كونهم معترفين ﴿لكم﴾، والحال أنه ﴿قد كان فريق﴾، أي: ناس يقصدون الفرقة والشتات ﴿منهم يسمعون كلام الله﴾ وهو ما يتلونه من التوراة ﴿ثم يحرفونه﴾، أي يزيلونه عن وجهه برده على حرفه، ووصف الفريق بما ذكر من الأوصاف تأكيد لعظيم تهمكهم (١) في العصيان، بأنهم كانوا بعد ما وصف من أحوالهم الخبيثة فرقًا في الكفر والعدوان، والتبري من جلباب الحياء.\nوقوله: ﴿من بعد ما عقلوه﴾، معناه: من بعد ما فهموه وضبطوه بعقولهم، ولم تبق لهم شبهة في صحته ﴿وهم يعلمون﴾ أنهم كاذبون مفترون، والمعنى: إن\n_________\n(١) كما ترجح في نسخ البقاعي المغربية ومعناها: تمادى ولجّ برغبة وحرص وانهمك في الباطل. وهي في الأصل المخطوط ونسخة ظ، ومد (تهتكهم) وفي نسخة م (تهكمهم).","vol":"1","page":229},{"text":"كَفَرَ هؤلاء وحرفوا، فلهم سابقة في ذلك، ومعنى التحريف هنا: تبديل المعنى، وتأويله وتغييره، وأصله من انحراف الشيء عن جهته، وهو ميله عنها إلى غيرها فكذلك قوله: ﴿يحرفونه﴾، أي: يميلونه عن وجهه ومعناه الذي هو معناه، إلى غيره، كما قاله الإمام ابن جرير الطبري، فأخبر الله جل ثناؤه أنهم فعلوا ما فعلوا من ذلك، على علم منهم بتأويل ما حرفوا، وأنَّه بخلاف ما حرفوه إليه، فقال: ﴿يحرفونه من بعد ما عقلوه﴾، يعني: من بعد ما عقلوا تأويله، وهم يعلمون أنهم في تحريفهم ما حرفوا من ذلك مبطلون كاذبون، وذلك إخبار من الله تعالى عن إقدامهم على البهت، ومناصبتهم العداوة له ولرسوله موسى ﵇، وأن بقاياهم- من مناصبتهم العداوة لله ولرسوله محمَّد - ﷺ -، بغيًا وحسدًا- على مثل الذي كان عليه أوائلهم من ذلك، في عصر موسى ﵇.\nوحكى ابن اسحاق، عن بعض أهل العلم، وهو قول الرَّبيع بن أنس: أن الله تعالى إنَّما عنى بقوله: ﴿يحرفونه﴾، من سمع كلامه تعالى من بني إسرائيل مثل ما سمعه موسى ﵇ منه، ثم حرف ذلك وبدل من بعد سماعه وعلمه به، وفهمه إياه، وذلك أن الله تعالى إنما أخبر أن التحريف كان من فريق منهم، كانوا يسمعون كلام الله استعظامًا من الله، لما كانوا يأتون من البهتان، بعد توكيد الحجة عليهم والبرهان، وإيذانًا منه تعالى عباده المؤمنين، قَطْعَ أطماعهم من إيمان بقايا نسلهم بما أتاهم به محمَّد - ﷺ -، من الحق والنور والهدى، فقال: ﴿أفتطمعون﴾ إلى آخر الآية. هذا ما اختاره الطبري من تفسير هذه الآية.\nوالذي أختاره: أن المراد بقوله تعالى ﴿كلام الله﴾: هو التوراة وسائر الأمر والنهي، لأنك تقول: قرأت كلام الله وتريد به القرآن، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] والمراد به: القرآن العظيم، إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على ذلك، وإن صح أن بني إسرائيل قالوا لموسى: قد حيل بيننا وبين رؤية الله، فأسمعنا كلامه حين يكلمك، فحصل لهم السماع، ثم حرف فريق منهم معنى ما سمع، كان هذا أيضًا داخلًا فيما اخترناه، وجعل كلام الله عامًا هنا، أولى من حصره في هذه القضية على ما اختاره الطبري،","vol":"1","page":230},{"text":"لأنَّ الآيات الآتية في هذا المعنى تدل على أنهم كانوا يحرفون كلام الله مطلقًا، سواء كان في أسفار موسى ﵇، أو في غيرها.\nودل ظاهر قوله تعالى، ﴿ثم يحرفونه﴾ باعتبار الضمير العائد إلى كلام الله، أن التحريف كان للفظ، لأنَّ كلام الله إذا كان باقيًا على جهته وغيروا تأويله، فإنَّما يكونون مغيرين لمعناه، لا لنفس الكلام المسموع، والتحريف هنا مطلق لا يدل على أنهم حرفوا أي نوع، هل هو صفة محمَّد - ﷺ -، أو غيرها، فينبغي أن يحمل على جنس التحريف، وإذا حمل على الجنس ارتفع الوثوق بجميع الأنواع، لأنَّ كل نوع يتطرق الظن إليه بأنه ربَّما يكون من المحرف. ولما كان سلف أولئك القوم يتعمدون التحريف، وكان المقلدة من خلفهم لا يقبلون إلَّا قولهم، ويأخذونه على علاته، ولا يلتفتون إلى قول الحق ولو أضاء لهم الدليل السبيل، وظهرت الحجة ظهور الشّمس في الضحى، كان ذلك سببًا لليأس من إيمان مقلديهم. وهذا كقولك للرجل: كيف تفلح، وأستاذك فلان؟ أي: وأنت عنه تأخذ ولا تأخذ عن غيره، وهذا معنى ما نقله الرَّازي عن القفال، وهو حسن، وأنت جبير بأن المسبب يدور مع السبب وجودًا وعدمًا، فكأن المعنى: أن إيمان أولئك المقلدة لأسلافهم من المحرفين، لا مطمع فيه ما داموا في الجمود في التقليد لهم، فإذا ارتقوا عما هم فيه من الجمود، إلى درجة التحقيق، واستضاؤوا بضياء البرهان، رجي إيمانهم، كما حصل لعبد الله بن سلام وأضرابه، ولذلك كان مما امتن الله به على أفاضل علماء هذه الأمة، أنهم يدورون مع الحق كيفما دار، ويميلون معه حيثما مال، فلا يجمدون على قول متقدم لمجرد تقدمه، ولا يغترون بما يقول من هو مشهور بين النَّاس، بل يقولون: الرجال تعرف بالحق، وليس الحق يعرف بالرجال.\nوهنا يجدر بنا أن نلم بمسألة جديرة بالاهتمام، مُعِينَة على بيان مواضع كثيرة من تفسير آي الكتاب، وهي أننا نذكر محصل فصل حكاه الحكيم السموأل بن يهوذا الذي كان يهوديًا فأسلم، في كتابه \"بذل المجهود في إقناع اليهود\" وهذا الكتاب ينقل فيه عبارة التوراة بالعبرانية وينقلها إلى العربيَّة، ويناقش اليهود بها، وذلك الفصل","vol":"1","page":231},{"text":"الذي ننقل محصله الآن، وسمه بـ \"ذكر السبب في تبديل التوراة\"، فقال: إن علماء اليهود، وأحبارهم يعلمون أن هذه التوراة التي بأيديهم لا يعتقد أحد منهم أنَّها المنزلة على موسى ألبتة، لأنَّ موسى وإن التوراة عن بني إسرائيل، ولم يبثها فيهم، وإنَّما سلمها إلى عشيرته أولاد \"ليوي\"، وكان بنو هارون قضاة اليهود وحكامهم، لأنَّ الإمامة وخدمة القرابين وبيت المقدس كانت موقوفة عليهم، ولم يبذل موسى من التوراة لبني إسرائيل إلَّا سورة واحدة، يقال لها \"هاأزينو\" لتكون شاهدًا على بني إسرائيل، وكانت مشتملة على ذم طبائعهم، وأنهم يخالفون شرائع التوراة، وأن السخط يأتيهم بعد ذلك وتخرب ديارهم، ويشتتون في البلاد، وفي هذه السور يقول: \"كي لوتشا خاخ مفي زرعون\"، تفسيره: لأنَّ هذه السورة لا تنسى من أفواه أولادهم، وهذا يدل على أن غيرها من السور ينسى، ثم إن بقية التوراة بقيت عند أولاد هارون إلى أن جاء \"عزرا\"، فأخرج لهم هذا الكتاب الموجود بأيديهم اليوم، ولهذا يعظمونه غاية التعظيم، وزعموا أن النور لا يزال يظهر على قبره الذي عند البطائح بالعراق، لأنَّه عمل لهم كتابًا يحفظ لهم دينهم، ومن قرأ فصول ذلك الكتاب الذي بأيديهم علم يقينًا، أن الذي جمعه رجل فارغ جاهل الصفات الإلهية، فلذلك نسب إلى الله تعالى صفات التجسيم والندامة على ماضي أفعاله، والإقلاع عن مثلها، وغير ذلك مما يستحيل على الله ﷾، وحاشى أن يأتي بمثله كتاب منزل.\nثم قال في \"بذل المجهود\" بعد هذا: ولا ينبغي للعاقل أن يستبعد اصطلاح كافّة هذه الطائفة على المحال، واتفاقهم على فنونهم من الكفر والضلال، فإن الدولة إذا انقرضت من أمة باستيلاء غيرها عليها، وأخذها بلادها، انطمست حقائق سالف أخبارها، واندرس قديم آثارها، وتعذر الوقوف عليهما، لأنَّ الدولة إنَّما يكون زوالها من أمة بتتابع الغارات والمضايقات، وإخراب البلاد وإحراق بعضها، فلا تزال هذه الفتن متتابعة إلى أن تستحيل علومها جهلًا، وآثارها قلًا، وكلما كانت الأمة أقدم، واختلفت عليها الدول المتناولة لها بالإذلال، كان حظها من اندراس الآثار أكثر، وهذه الطائفة أعظم الطوائف حظًا مما ذكرنا، لأنهم من أقدم الأمم عهدًا، ولكثرة الأمم التي استولت عليها، مثل الكسدانيين والبابليين،","vol":"1","page":232},{"text":"والفرس، واليونان، والنصارى، والمسلمين، وما من هذه الأمم إلَّا من قصدهم أشد القصد، وطلب استئصالهم وبالغ في إحراق بلادهم وإخرابها، وإحراق كتبهم إلَّا المسلمين، فإن الإسلام صادف اليهود تحت ذمة الفرس، ولم يبق لهم قبله مدينة ولا جيش إلَّا العرب المتهودة بخيبر، وأشد ما كان على اليهود من ذلك، ما أصابهم من ملوكهم العصاة، مثل: \"أحاب، وأحزيا وأمصيا ويهورام ويربعام بن نباط\" وغيرهم من الملوك الإسرائيليين الذين قتلوا الأنبياء، وبالغوا في تطلبهم ليقتلوهم، وعبدوا الأصنام، وأحضروا من البلاد سدنتها لتعظيمها وتعليم رسوم عبادتها، وابتنوا لها البيع والهياكل، وعكف على عبادتها الملوك ومعظم بني إسرائيل، وتركوا أحكام التوراة والشرع مدة طويلة، وأعصارًا متصلة.\nفإذا كان هذا من تواتر الآفات عليهم من قبل ملوكهم، ومن أنفسهم فما ظنك بالآفات المتفننة التي تواترت عليهم من استيلاء الأمم فيما بعد عليهم، وقتلهم أئمتهم، وإحراقهم كتبهم، ومنعهم إياهم عن القيام بشرائعهم، فإن الفرس كثيرًا ما منعوهم من الختان، وكثيرًا ما منعوهم عن الصَّلاة، لمعرفتهم بأن معظم صلاة هذه الطائفة دعاء على الأمم بالبوار، وعلى البلاد بالخراب، سوى بلادهم التي هي أرض كنعان، فلما رأت اليهود الجد في الفرس في منعهم من الصَّلاة، اخترعوا أدعية يدَّعون أنَّها (١) فصولًا من صلاتهم سموها الخزانة، وصاغو لها ألحانًا عديدة، وصاروا يجتمعون في أوقات صلاتهم على تلحينها وتلاوتها، والفرق بين هذه الخزانة وبين صلاتهم الأصلية، أن الصَّلاة بلا لحن، وأن المصلي يتلو الصَّلاة وحده ولا يجهر معه غيره، وأمَّا الخَزّان فيشترك جماعة بالجهر بالخزانة، ويعاونونه وينوحون أحيانًا على أنفسهم.\nومن العجب أن دول الإسلام يقرون أهل الذمة على أديانهم، وبذلك صارت الصَّلاة مباحة لهم، ومع ذلك فإن الخزانة صارت عند اليهود من السنن المستحبة في الأعياد والمواسم والأفراح، يجعلونها عوضًا عن الصَّلاة، ويستغنون بها عنها، من غير ضرورة تبعثهم على ذلك.\n_________\n(١) في \"بذل المجهود\": مزجوا بها.","vol":"1","page":233},{"text":"هذا كلامه، وهذا من جملة التحريف الذي حرفوه، ومن تأمل هذا الكلام وجده مطابقًا لما حكاه، وشرحه الإمام علي بن حزم في المجلد الأوَّل من كتابه المسمى بـ \"الفصل في الملل والأهواء والنحل\" مع أن ابن حزم كان في القرن الرابع، وصاحب \"بذل المجهود\" كان في القرن السابع.\nولما كان الكلام في الآية السابقة مرشدًا إلى [أن] (١) التقدير: فهم لجرأتهم على الله إذا سمعوا كتابكم حرفوه، وإذا حدّثوا عباد الله لا يكادون يصدقون، عطف عليه قوله:\n﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ قَالُوا أَتُحَدِّثُونَهُمْ بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ عِنْدَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)﴾.\nروى ابن جرير عن ابن عباس في تفسير الآية: أن نفرًا من اليهود في زمن النبي - ﷺ -، كانوا إذ لقوا أصحاب محمَّد - ﷺ -، قالوا: آمنًا بالذي آمنتم به، ونشهد أن صاحبكم صادق، وأن قوله حق، ونجده بنعته وصفته في كتابنا، ثم إذا خلا بعضهم إلى بعض، قال الرؤساء: أتحدثونهم بما فتح الله عليكم من نعته وصفته في كتابه، ليحاجوكم به، فإن المخالف إذا اعترف بصحة التوراة واعترف بشهادة التوراة على نبوة محمد - ﷺ -، فلا حجة أقوى من ذلك، فلا جرم كان بعضهم يمنع بعضًا من الاعتراف بذلك عند محمَّد - ﷺ - وأصحابه.\nفقوله تعالى: ﴿وإذا لقوا الذين آمنوا﴾، معناه: آمنوا بمحمد - ﷺ - قالوا نفاقًا منهم: آمنًا بأنكم على الحق، وأن محمدًا هو الرسول المبشر به، ﴿وإذا خلا بعضهم﴾ الذين لم ينافقوا ﴿إلى بعض﴾، وهم الذين كانوا ينافقون، ﴿قالوا﴾ عاتبين عليهم: ﴿أتحدثونهم بما فتح الله عليكم﴾، الفتح: توسعة الضيق حسًا ومعنى، والمعنى: بما فتح الله عليكم من العلم القديم الذي أتاكم على ألسنة رسلكم في التوراة وأسفار الأنبياء، ويطلق الفتح في كلام العرب على النصر،\n_________\n(١) زيادة من \"نظم الدرر\" ١/ ٤٨٧.","vol":"1","page":234},{"text":"والقضاء، والحكم، ومنه: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: ٨٩]، أي: احكم، والمعنى على هذا: أتحدثونهم بما حكم الله به عليكم وقضاه فيكم، ومن حكمه ما أخذ به ميثاقكم من الإيمان بمحمد - ﷺ -، ومن قضائه فيهم أن جعل فيهم القردة والخنازير، وغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم. وكل ذلك كان لرسول الله - ﷺ - وللمؤمنين به حجة على المكذبين به من اليهود، المقرين بحكم التوراة وغير ذلك.\nوأنت إذا تأملت سابق هذه الآية ولاحقها، علمت أن معنى: ﴿بما فتح الله عليكم﴾ من بعث محمَّد - ﷺ - إلى خلقه، وإخبارهم المؤمنين بنعته وصفاته، وزمن خروجه، لأنَّ الله تعالى قص علينا في أول هذه الآية ما كانوا يظهرون من قولهم للمؤمنين: آمنًا بمحمد - ﷺ -، وبما جاء به، ثم يتلاومون فيما بينهم إذا خلوا على ما كانوا يخبرونهم بما هو حجة للمسلمين عليهم عند ربهم، والمحاجة فيما ألزم الله به من أتباع الرسل، تصح أن توصف بأنها محاجة فيه لأنها محاجة في دينه.\nوقوله: ﴿أفلا تعقلون﴾ راجع إلى الذين خلوا، والمعنى: أنَّه عندما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم: أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم، وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه. وقيل: إن معنى قوله تعالى: ﴿أفلا تعقلون﴾، راجع للمؤمنين المخاطبين بقوله تعالى: ﴿أفتطمعون﴾، والمعنى: أفلا يكون لكم عقل ليردكم ذلك عن تعليق الأمل بإيمانهم. وهذا الوجه وإن كان قريب المعنى لكن الذي قبله أظهر.\nولما كان ظن الذين قالوا: ﴿أتحدثونهم﴾، الآية، ظاهر الفساد، لأنَّه لو لم يكن علمه من قبل الله تعالى لم يقدر أن يعبر بعبارة تعجز الخلائق عن مماثلتها، وبخهم الله بقوله: ﴿أولا يعلمون﴾، أي: ألا يعلمون أن علم المؤمنين لذلك لم يكن إلَّا عن الله لما قام عليه من دليل، ﴿أولا يعلمون أن الله يعلم ما يسرون﴾، أي: يخفون من قولهم لأصحابهم، ومن غيره، ﴿وما يعلنون﴾ أي يظهرون ذلك فيخبر به أولياؤه، ومن جملة ما يعلنون وما يظهرون، إسراراهم الكفر وإعلانهم الإيمان.","vol":"1","page":235},{"text":"ومن الأحكام التي تستنبط من هذا الآية: أن الحِجَاج والنظر كان طريقة الصحابة والمؤمنين، وأن ذلك كان ظاهرًا عند اليهود، حتَّى قال بعضهم لبعض ما قالوا، وأن الحجة قد تكون إلزامية، لأنهم لما اعترفوا بصحة التوراة باشتمالها على ما يدل على نبوة محمَّد - ﷺ -، لا جرم لزمهم الاعتراف بالنبوة، ولو منعوا إحدى تينك المقدمتين لما تمت الدلالة، وأن الآتي بالمعصية مع العلم بكونها معصية يكون أعظم جرمًا ووزرًا.\nولما ذكر ﷾ هذا الفريق الذي هو أعلاهم كفرًا، وأعتاهم أمرًا عطف عليه قسمًا أعتى منه، وأفظ، لأنَّ العالم يرجى لفته عن رأيه، أو تخجيله بالحِجَاج، بخلاف المقلد العاتي الكثيف الجافي، فقال:\n﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾.\nهذه الآية والآيات السالفة، قسمت اليهود إلى أربع فرق:\nأولاها: الفرقة الضَّالة المضلة، وهم الذين يحرفون الكلم عن مواضعه.\nوالفرقة الثَّانية: المنافقون.\nوالفرقة الثَّالثة: الذين يجادلون المنافقين.\nوالفرقة الرابعة: هم المذكورون في هذه الآية بقوله تعالى: ﴿ومنهم أميون﴾، أي: ومنهم عامة أميون، لا معرفة عندهم بقراءة ولا كتابة، وطريقهم التقليد وقبول ما يقال لهم.\nفبين تعالى: أن الذين يمتنعون عن قبول الإيمان ليس سبب ذلك الامتناع واحدًا، بل لكل قسم منهم سبب آخر، كذا قاله الفخر، وقال: ومن تأمل ما ذكره الله تعالى في هذه الآية من شرح فرق اليهود، وجد ذلك بعينه في فرق هذه الأمة، فإن فيهم من يعاند الحق ويسعى في إضلال الغير، وفيهم من يكون","vol":"1","page":236},{"text":"متوسطًا، وفيهم من يكون عاميًا محضًا مقلدًا، وهذا كلامه.\nأقول: وفيهم من يكون مجادلًا للمنافق، والذي فسرنا الأميّ به، من أنَّه الذي لا يحسن القراءة ولا الكتابة، هو المعروف من كلام العرب والمستفيض فيما بينهم، وكأن الأمي نسبة إلى أمه، لأنَّ الكتاب كان في الرجال دون النساء، فنسب من لا يكتب ولا يخط من الرجال إلى أمه في جهله بالكتاب دون أبيه، ويجوز أن يراد بالأمي المعنى الأعم وهو: من لا يحسن الكتابة، ومن يحسنها ولكنه غليظ الطبع، بعيد عن الفهم، قال في القاموس: والأمي: العيي الجلف الجافي القليل الكلام، انتهى.\nوقد وصف تعالى أولئك بقوله: ﴿لا يعلمون الكتاب﴾، أي: لا يعرفون التوراة ليطالعوها ويتحققوا ما في تضاعيفها من دلائل النبوة فيؤمنوا، أو أنهم لا يعرفون إلَّا القراءة الخالية عن التدبر والفهم، المقرونة بالتمني، ولذا قال ﴿إلَّا أماني﴾، جمع \"أمنية\"، وهي تقدير الوقوع فيما يترامى إليه الأمل، والمعنى: إذا كانت الأماني مما يصح وصفه بالعلم فهي لهم، لا غيرها من جميع أنواعه، وقيل: الأماني بمعنى الأكاذيب، والمعنى عليه: لا يعلمون الكتاب إلَّا أماني، أي: أكاذيب مختلقة سمعوها من علمائهم فتقبلوها على التقليد، وهذا يساعده إخبار الله تعالى عنهم بأنهم يحرفون الكلم عن مواضعه، أي: أن أسلافهم حرفوا الكلام، ومزجوا شرحها بالأكاذيب والتمويه والتضليل، وهؤلاء أخذوا ذلك منهم من غير تمحيص ولا نظر، يساعده قوله تعالى: ﴿وإن هم إلَّا يظنون﴾، أي: ما هم إلَّا قوم قصارى أمرهم التقليد والظن، من غير أن يصلوا إلى رتبة العلم، فأنى يرجى منهم الإيمان المؤسس على قواعد اليقين، وفي الإتيان بـ ﴿إن﴾ التي معناها النفي، والاستثناء بـ ﴿إلَّا﴾ تأكيد لنفي العلم عنهم.\nولما ذم الله تعالى من لا يعلم، عُلم أن المعارف كسبية لا ضرورية.\nويؤخذ من أحكام هذه الآية: أن الاكتفاء بالظن في أصول الدين غير جائز، وأن التقليد لا يعد علمًا، لأنَّه أخذ قول الغير بلا دليل، ومثل هذا لا يليق أن","vol":"1","page":237},{"text":"يكون متصفًا بالعلم أصلًا، لأنَّ هذه طريقة العوام، وأن المُضلَّ وإن كان مذمومًا، فالمغتر بإضلال المضِل أيضًا مذموم، لأنَّه تعالى ذمهم وإن كانوا بهذه الصفة.\nولما أثبت لهذا الفريق القطع على الله بما لا علم لهم به، وكان هذا معلوم الذم محتوم الإئم، سبب عنه الذم والإثم بطريق الأولى لفريق هو أردؤهم وأضرهم لعباد الله، وأعداهم فقال: ﴿فويل﴾، والويل جماع الشر كله، أي: ما يجمع الشر كله كائن ﴿للذين يكتبون﴾ منهم، أو من غيرهم، ﴿الكتاب﴾ الذين يعلمون أنَّه من عندهم لا من عند الله تعالى، أو يكتبون التأويلات الزائفة ﴿بأيديهم﴾ تأكيد لدفع توهم المجاز كقولك: كتبته بيميني.\nثم أشار إلى قبح هذا الكذب وبعد رتبته في الخبث بـ ﴿ثم﴾ المفيدة للتراخي، فقال: ﴿ثم يقولون﴾، أي: لما كتبوه كذبًا وبهتانًا ﴿هذا من عند الله﴾.\nثم بين بالعلة الحاملة لهم على ذلك خساستهم وتراميهم إلى النجاسة، ودناءتهم، فقال: ﴿ليشتروا به﴾، أي: بذلك الكذب الذي صنعوه ﴿ثمنًا قليلًا﴾، ثم سبب عنه قوله: ﴿فويل لهم مما كتبت أيديهم﴾ من ذلك الكذب على الله، ﴿وويل لهم مما يكسبون﴾، أي: يجددون كسبه مما اشتروه به، والمراد مما يكسبون من الخبث، ولكنه حذفه لوضوح الدلالة عليه بقرينة ما تقدم.\nوفي هذه الآية بيان لما شرف به كتابنا من أنَّه لإعجازه، لا يقدر أحد أن يأتي من عنده بما يدسه فيه، فيلبس به، فله تعالى الحمد والمنة.\nوأشارت الآية إلى أن كسبهم هذا في غاية الرداءة لأنهم ضلوا عن الدين، وأضلوا، وباعوا آخرتهم بدنياهم، فذنبهم أعظم من ذنب غيرهم، فإن المعلوم أن الكذب على الغير مم يضر بعظم إثمه، فكيف بمن يكذب على الله ويضم إلى الكذب الإضلال، ويضم إليهما حب الدُّنيا والإحتيال في تحصيلها، ويضم إليها أنَّه مهد طريقًا في الإضلال باقيًا على وجه الدهر، فلذلك عظم الله تعالى ما فعلوه.","vol":"1","page":238},{"text":"وفي هذه الآية دليل على أن أخذ المال على الباطل، وإن كان بالتراضي فإنَّه محرم، لأنَّ الذي كانوا يعطونه من المال كان على محبة ورضًا، ومع ذلك فقد نبه تعالى على تحريمه.\nولما أرشد الكلام إلى أن التقدير فحرفوا كثيرًا في كتاب الله، وزادوا ونقصوا، عطفوا عليه ما بين به جرأتهم وجفاءهم، وعدم اكتراثهم بما يرتكبونه من الجرائم التي هم أعلم النَّاس بأن بعضها موجب للخلود في النَّار، فقال تعالى:\n﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾.\nهذا القول على كل حال جهل منهم، ولكن يحتمل أن هؤلاء القوم كانوا على مذهب من سَلَف من الفلاسفة القائلين: \"بأن الأرواح وإن صارت مكدرة بأفعال الأشباح، إلَّا أنَّها بعد المفارقة ورجوع العناصر إلى أصلها تصير إلى حظائر القدس، ولا يزاحمها شيء من نتائج الأعمال، إلَّا أيامًا معدودة بقدر فطام الأرواح عن لبان التمتعات الحيوانية، ثم تتخلص من العذاب وترجع إلى حسن المآب\".\nوعلى هذا يكون الرد في الآية على كل فريق انتحل هذه النحلة، واتبع هذه البدعة، وذلك ما قاله تعالى رادًا على فريق منهم: ﴿وقالوا لن تمسنا النَّار إلَّا أيامًا معدودة﴾ أي: منقضية، لأنَّ كل معدود منقض، وإنَّما الذي لا انقضاء له هو الذي يعسر عده، ولما ادعوا ذلك كان كأنه قيل: فبماذا نرد عليهم؟ فقال: قل منكرًا لقولهم: ﴿أَتخدتم﴾ في ذلك ﴿عند الله عهدًا فلن يخلف الله عهده﴾ أم لم يكن ذلك ﴿أم تقولون على الله ما لا تعلمون﴾ ومعنى الإنكار في الاستفهام: أنَّه ليس واحد من الأمرين واقعًا لا أنتم اتخدتم عهدًا ولا أنتم قلتم ذلك جهلًا، بل قلتموه وأنتم تعلمون خلافه.\nوفي حديث أبي هريرة عند البخاري والدارمي أن النبي - ﷺ - قال يوم خيبر لليهود: \"من أهل النَّار؟ \" فقالوا: نكون فيها يسيرًا ثم تخلفونا، فقال لهم: \"اخسؤوا فيها، والله لا نخلفكم فيها أبدًا\".","vol":"1","page":239},{"text":"ولما انتفى في الآية الأمران، علم أن الكائن غير ما ادعوه، فصرح به في قوله:\n﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.\nفكذب تعالى القائلين من اليهود: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وأخبر: أنَّه تعالى يعذب من أشرك به، وكفر به وبرسله، وأحاطت به ذنوبه، ويجعله مخلدًا في النَّار، فقوله تعالى: ﴿بلى﴾، إثبات لما نفوه من مساس النَّار لهم، فإن ﴿بلى﴾، و\"بل\" حرفا استدراك، ومعناها نفي الخبر الماضي، وإثبات الخبر المستقبل، أي: بلى تمسكم النَّار وتخلدون فيها، بدليل قوله: ﴿هم فيها خالدون﴾.\nوقوله: ﴿من كسب سيئة﴾، فسر قتادة ومجاهد السيئة هنا بالشرك بالله تعالى، وبذلك قال غيرهما من المفسرين، فجعلوا السيئة في هذه الآية من الخاص، وقالوا: هي وإن كان لفظها يدل على العموم، لكن لما قضى الله على أهلها بالخلود في النَّار، وكان الخلود بها لأهل الكفر بالله دون أهل الإيمان به، لتظاهر الإخبار عن النبي - ﷺ -، بأن أهل الإيمان لا يخلدون فيها، وأن الخلود في النَّار لأهل الكفر، كان هذا قرينة على التخصيص، وإلى هذا جنح الطبري: وذهب غيره إلى إبقاء السيئة على عمومها وتناولها جميع المعاصي، ولكن لما كان من الجنائز أن يظن أن كل سيئة صغرت أو كبرت، فحالها سواء في أن فاعلها يخلد في النَّار، أردفها بقوله: ﴿وأحاطت به خطيئته﴾، ليدل على أن الذي يستحق به الخلود هو الذي تكون سيئته قد أحاطت به، ومعلوم أن لفظ الإحاطة حقيقة في إحاطة جسم بجسم آخر، كإحاطة السور بالبلد، والكوز بالماء، وذلك ههنا ممتنع، فيحمل حينئذٍ على ما إذا كانت السيئة كبيرة، لأنَّها تحيط بثواب الطاعات، فتكون كالستارة لها، وإذا أحاطت بها كانت مستولية على تلك الطاعات ومحيطة بها، فكأنه تعالى قال: بلى من كسب كبيرة وأحاطت كبيرته بطاعته، فأولئك أصحاب النَّار هم فيها خالدون.","vol":"1","page":240},{"text":"وجنح إلى هذا كثيرون منهم الزمخشري وفخر الدين الرَّازي، وهو الذي نختاره، قال في الكشاف: سأل رجل الحسن البصري عن الخطيئة، فقال: سبحان الله ألا أراك ذا لحية، وما تدري ما الخطيئة؟ انظر في المصحف فكل آية نهى الله فيه عنها، وأخبرك أنَّه من عمل بها أدخله النَّار فهى الخطيئة. انتهى.\nفإن قيل: هذه الآية وردت بحق اليهود، قلنا العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولبعض المفسرين والمتكلمين مسارح في هذا المقام طويلة جدًا حاصلها أن هنا ثلاثة مذاهب:\nأولها: إثبات الخلود في النَّار لأهل الكبائر الذين ماتوا ولم يتوبوا منها، وهو قول جمهور المعتزلة والخوارج، ومنهم من أثبت وعيدًا منقطعًا، وهو قول بشر المريسي والخالدي.\nوثانيها: القطع بأنه لا وعيد لهم، وهو قول شاذ ينسب إلى مقاتل بن سليمان المفسر.\nوثالثها: القطع بأنه ﷾ يعفو عن بعض العصاة، ويعذب ببعض المعاصي، مع التوقف في حق كل أحد على التعيين، أنَّه هل يعفو عنه أم لا، والقطع بأنه تعالى إذا عذب أحدًا منهم مدة، فإنَّه لا يعذبه إلى الأبد، بل يقطع عذابه، وهذا قول أكثر الصحابة والتابعين، وهو قول جمهور العلماء، وأكثر الإمامية، ولكل من هذه الفرق [أدلة] (١) يطول بيانها، ومحلها كتب الكلام، وقد ذكر الرَّازي منها جملًا.\nولما كان من فضله تعالى، أنَّه لا يذكر في القرآن آية في الوعيد إلَّا ويذكر بجنبها آية الوعد، قال:\n﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾.\nيعني بـ ﴿الذين آمنوا﴾: الذين صدقوا بما جاء به محمَّد - ﷺ -، بألسنتهم،\n_________\n(١) زيادة يقتضيها السياق.","vol":"1","page":241},{"text":"﴿وعملوا الصالحات﴾، أطاعوا الله فأقاموا حدوده، وأدوا فرائضه، واجتنبوا محارمه، فبينوا أن قلوبهم مطمئنة بالإيمان، ﴿أولئك﴾ الذين علت مراتبهم وشرفت مناقبهم ﴿أصحاب الجنَّة هم فيها خالدون﴾، مقيمون فيها أبدًا، وترك الفاء من ﴿أولئك﴾ هنا ليدل على أن سبب سعادتهم إنَّما هو الرحمة المفاضة عليهم منه تعالى، لا بسبب أعمالهم.\n\nثم شرع سبحانه يقيم<span data-type=\"title\" id=toc-242> الدليل على أن اليهود ممن أحاطت به خطيئته </span>فقال:\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.\nفقوله تعالى ﴿وإذ أخذنا﴾، معناه: اذكروا ما تعلمون في كتابكم مِن حال من أصاب سيئة محيطة، واذكروا إذ أخذنا ميثاقكم، فالمقام هنا مقام إضمار، ولكنّه أظهر لطول الفصل بذكر وصف يعمهم وعيرهم، فقال: ﴿ميثاق بني إسرائيل﴾، وهذا على تقدير حذف ما تعلقت به ﴿إذ﴾، ويجوز أن يكون معطوفًا على ﴿نعمتي﴾ في قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠ - ٤٧] لأنَّ الكل في مخاطبتهم وبيان أمورهم.\nولما كان الدين، إنَّما هو الأدب بين الخالق والخلق، ذكر المعاهد عليه من ذلك مرتبًا له على الحق فالأحق، فقال: ذاكرًا له بصيغة الخبر، مريدًا به النَّهي والأمر، وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي، لأنَّه كأنه سورع إلى الامتثال والانتهاء، فهو يخبر عنه ودل على إرادة ذلك بعطف: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ عليه، و﴿الميثاق﴾ وزنه مفعال، مأخوذٌ من التوثق باليمين ونحوها من الأمور التي تؤكد القول، فكأنه تعالى يقول: إنَّه ما من شريعة، إلَّا وقد [أخذنا] على أهلها الميثاق بأن لا يعبدوا إلَّا الله المنعم الحقيقي الذي له الأمر كله، وأنتم معشر بني إسرائيل، قد أخذ عليكم هذا الميثاق بذاته، فلم نقضتم الميثاق وغيرتم وبدلتم وعبدتم الأشخاص؟","vol":"1","page":242},{"text":"ثم بيّن بقية ما أمرهم به، إعلامًا بأن الشرع إنَّما هو معرفة الخالق ومعرفة ما يجب له، ثم معرفة حقوق الخلق على بعضهم بعضًا فقال: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا، أو تحسنون بالوالدين إحسانًا عظيمًا، وإنَّما قدم الإحسان بالوالدين على ما بعده وعطفه على قوله: ﴿لَّا تعبدون إلَّا الله﴾، لأنَّ الوالدين في المرتبة الثَّانية، حيث جعلهما الله سبحانه السبب في نعمة الإيجاد الأوَّل، والمباشرين للتربية، واسمهما مشتق من الولادة لأنهما السبب أيضًا في استبقاء ما يتوقع ذهابه، بظهور صورة منه تخلف صورة نوعه، ولذلك أكد ﷾ الوصيَّة بهما وكررها في كتابه العزيز فقالها: ﴿وبالوالدين إحسانًا﴾، فأطلق الوالدين ولم يقيدهما بكونهما مؤمنين، ولا بكونهما كافرين، ومن المعلوم في فن الأصول أن الحكم إذا ترتب على وصف أشعر بعلية ذلك الوصف، فالاَية دالة على أن الأمر بتعظيم الوالدين لمحض كونهما والدين، وهذا يقتضي العموم.\nثم إنَّه تعالى بين في قوله: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ [الإسراء]، السبب الذي من أجله كان وجوب التعظيم، وبالغ في المنع من إيذائهما بقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ [الإسراء] ثم قص علينا قصة إبراهيم ﵇ وكيف كان يتلطف في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان، في قوله: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ [مريم] إلى محال من الكتاب الكريم جاءت في هذا الصدد، ثم إن أباه كان يؤذيه ويجيبه بالأجوبة الغليظة، وهو يتحمل ذلك ولا يعامله إلَّا بالإحسان، ولم يقص الله علينا قصته إلَّا لأجل أن نفتدي به كما أرشدنا إلى ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] ومن الإحسان إليهما أن لا يؤذيهما ألبتة، وأن يوصل إليهما من المنافع قدر ما يحتاجون إليه، وأن يدعوهما إلى الإيمان، إن كانا كافرين وهو مؤمن ويأمرهما بالمعروف على سبيل الرفق إن كانا فاسقين.","vol":"1","page":243},{"text":"وقد قرن الله تعالى عقوق الوالدين بالشرك فيما رويناه (١) من طريق البُخاريّ ومسلم والترمذي، عن أبي بكرة ﵁، أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر، ثلاثًا\" قلنا: بلى يا رسول الله، قال: \"الإشراك بالله، وعقوق الوالدين\"، وكان متكئًا فجلس، فقال: \"ألا وقول الزور، وشهادة الزور\"، فما زال يكررها حتَّى قلنا ليته سكت.\nومن طريق البُخاريّ عن عبد الله بن عمرو، مرفوعًا: \"الكبائر الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النَّفس، واليمين المغموس\".\nولما كان حق ذي القربى كالتابع لحق الوالدين، لأنَّ الإنسان إنَّما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين، والاتصال بالوالدين مقدم على الاتصال بذي القربى لا جرم قد ذكر الوالدين، ثم عطف عليهما قوله ﴿وذي القربى﴾ ولا يخفى في هذا من القواعد التي يحتاج إليها العمران وذلك لأنَّ القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة فلو لم يحصل شيء من ذلك لكان ذلك أشق على القلب وأبلغ في الإيحاش والضرر وكلما كان أقوى كان دفعه أوجب، فلهذا وجبت رعاية حقوق الأقارب.\nويدل لهذا المعنى، حديث الصحيحين عن أنس بن مالك أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من سره أن يبسط عليه\" وفي رواية \"له في رزقه، وينسأ في أثره فليصل رحمه\" ورواه البُخاريّ والترمذي، عن أبي هريرة بلفظ: \"من سره أن يبسط له في رزقه، وأن ينسأ له في أثره، فليصل رحمه\" فبين - ﷺ -: أن صلة الرحم تكون سببًا من جملة أسباب بسط الرزق، أي: كثرته ووسعه، وسببًا في إنساء الأثر أي: تأخير الأجل.\nوبيانه: أن الله تعالى ربط الأسباب بمسبباتها في هذا العالم، ولا يمكن\n_________\n(١) الحديث متَّفقٌ عليه، واستعمل المؤلف - ﵀ - هذا اللفظ إشارة منه إلى أنَّه يروي ما في الصحيحين والترمذي بالسند المتصل. وكذلك كان بعض علماؤنا يفعلون، اعتمادًا منهم على الإجازات التي أخذوها عن مشايخهم.","vol":"1","page":244},{"text":"التوصل إلى المسببات إلَّا بأسباب التعاون والتعاضد، وحصول ذلك مشروط بارتباط القلب بالخالق أولًا ثم بحسن السياسة مع الوالدين، واكتساب رضائهما، ثم بحسن السياسة مع ذوي القربى، لأنَّ الارتباط معهما يسهل أسباب المعاش ويحصل به التعاون والتعاضد على التجارة والزراعة والصناعة، وليس إخلاص قريبك لك كإخلاص البعيد عنك لأنَّ قريبك إذا كان مخلصًا لك ربَّما قدمك على نفسه لما بينكما من عطف القرابة، ووداد الألفة والمحبة، بخلاف البعيد عنك، وإذا حصل التعاون والتعاضد والإحسان من القريب انبسط الرزق، ورأى الواصل لرحمه وأقاربه بركة في حياته ونوع هناء بها، فيكون كأنه في أجله، وشتان بين من ينقضي عمره في كدر، وبين من هو في يسر وبسطة عيش.\nوأيضًا فإن الاشتغال بمقاومة الأقارب يضيع الأوقات فيما لا نفع فيه، وذلك كناية عن قصر العمر، ومسالمتهم ووصلتهم تجعل الأوقات متفرغة للأعمال العائدة على الواصل بالنفع، وهذا كناية عن التأخير في الأجل، من هنا انتزع ابن خلدون قوله في \"مقدمة تاريخه\": إن صلة الرحم طبيعي في البشر إلَّا في الأقل، ومن صلتها النعرة على ذوي القربى وأهل الأرحام أن ينالهم ضيم أو تصيبهم هلكة، فإن القريب يجد في نفسه غضاضة من ظلم قريبه أو العداء عليه، ويود لو يحول بينه وبين ما يصله من المعاطب والمهالك، نزعة طبيعية في البشر مذ كانوا، فإذا كان النسب المتواصل بين المتناصرين قريبًا جدًا بحيث حصل به الاتحاد والالتحام، كانت تلك الوصلة ظاهرة فاستدعت ذلك بمجردها ووضوحها، وإذا بعد النسب بعض الشيء فربما تنوسي بعضها، ويبقى منها شهرة فتحمل على النصرة لذوي نسبه بالأمر المشهور منه فرارًا من الغضاضة التي يتوهمها في نفسه من ظلم من هو منسوب إليه بوجه.\nومن هذا الباب الولاء والحلف، إذ نعرة (١) كل أحد على أهل ولائه وحلفه للألفة التي تلحق النَّفس من اهتضام جارها، أو قريبها، أو نسيبها بوجه من\n_________\n(١) غير واضحة في الأصل ولعلها النغرة: الحقد، وغلا جوفه غضبًا، ويمكن أن تكون (النفرة) ولها وجه.","vol":"1","page":245},{"text":"وجوه النسب، وذلك لأجل اللحمة الحاصلة من الولاء، مثل لحمة النسب أو قريبًا منها ومن هذا تفهم معنى قوله - ﷺ -: \"تعلموا من أنسابكم ما تصلون به أرحامكم\" (١) بمعنى: أن النسب إنَّما فائدته هذا الالتحام الذي يوجب صلة الأرحام حتَّى تقع المناصرة والنعرة، وما فوق ذلك مستغنى عنه، إذ النسب أمر وهمي لا حقيقة له، ونفعه إنَّما هو في هذه الوصلة والالتحام.\nفإذا كان ظاهرًا واضحًا حمل النفوس على طبيعتها من النعرة كما قلناه، وإذا كان إنَّما يستفاد من الخبر البعيد ضعف فيه الوهم، وذهبت فائدته وصار الشغل به مجانًا ومن أعمال اللهو المنهي عنه، ومن هذا الاعتبار معنى قولهم: النسب علم لا ينفع، وجهالة لا تضر، بمعنى: أن النسب إذا خرج عن الموضوع وصار من قبيل العلوم، ذهبت فائدة الوهم فيه عن النَّفس، وانتفت النفرة التي تحمل عليها المعصية، فلا منفعة فيه حينئذٍ، هذا كلام ذلك العالم العمراني.\nولما كانت الشفقة على الضعيف من مقتضى الكمالات الإنسانية، والقسوة عليه من مقتضى التوحش، عطف تعالى على قوله: ﴿وذي القربى﴾، قوله: ﴿واليتامى والمساكين﴾، فأوصى باليتامى لضعفهم، وبالمساكين لكسرهم، وأيضًا فإن اليتيم كالتالي لرعاية حقوق الأقارب، وذلك لأنَّه لصغره لا ينتفع به، وليتمه وخلوه عمن يقوم به يحتاج إلى من ينفعه، والإنسان قَلَّما يرغب في صحبة مثل هذا، وإذا كان هذا التكليف شاقًا على النَّفس لا جرم، كانت درجته عظيمة في الدين، وأخر المساكين عن اليتامى في الذكر، لأنَّ المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام، فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضًا يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك.\nوقد حض النبي - ﷺ -، على السعي على المسكين واليتيم، فأخرج البُخاريّ ومسلم، والإمام أحمد والترمذي والنَّسائي، عن أبي هريرة ﵁، أنَّه\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصَّغير\" رقم (٢٩٦٥).","vol":"1","page":246},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الساعي على الأرملة والمسكين كالمجاهد في سبيل الله .. \" قال: وأحسبه قال: \"كالقائم لا يفتر، وكالصائم لا يفطر\"، وفي لفظ: \"كالذي يصوم النهار\".\nوأخرج مسلم عن أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"أنا وكافل اليتيم - له أو: لغيره- أنا وهو كهاتين في الجنَّة\". وأشار الراوي بالسبابة والوسطى.\nولمَّا لم يكن وسع النَّاس عامة بالإحسان بالفعل ممكنًا، أمر بجعل ذلك بالقول، فقال: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ أي: حَسَنًا بالتحريك، وبها قرئ، ويجوز أن حسْنًا بسكون السين، بمعنى: وقولوا للناس قولًا هو حُسنٌ في نفسه، على حد قولك: زيد عَدْلٌ، أي: لإفراط حسنه صار كأنه هو الحسن. وقال سفيان الثوري: في معنى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾، مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر، وقال عطاء بن أبي رباح: من لقيت من النَّاس فقل له حسنًا من القول.\nوالذي يلوح من سر الآية التفصيل، واعتبار كل مقام بحسبه، فإن كان القول للدعوة إلى الإمام فليكن بالرفق واللين، كما قال الله تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾ [طه: ٤٤] وقال لمحمد - ﷺ -: ﴿وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وإن كان لدعوة الفساق ونحوهم للطاعة، فليكن بحسن القول كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: ١٢٥] ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [المؤمنون: ٩٦].\nومن المعلوم: أنَّه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل عنه إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلَّا زانه، وما دخل الخَرَق في شيء إلَّا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخلة تحت قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ وأنت إذا تأملتها حق تأملها أرشدتك إلى قواعد العمران، وإلى المدنية الصحيحة، لأنَّ القائم بأمر ما لا يقدر على القيام به بنفسه، ولابد له من معونة أبناء جنسه، فإذا قام به بفظاظة وغليظ القلب واستبداد، تربص به قومه السوء،","vol":"1","page":247},{"text":"وتحينوا الفرص للإيقاع به، وإذا قام به الحسنى واختبار طباع قومه، وساسهم بالقول الحسن، ولم يدع ممكنًا في اتحادهم، وتأليف قلوبهم إلَّا سلكه، التفوا حوله، وقالوا بقوله، وانتظموا في سلك إرادته، وأوصلوه إلى غايته، فإن للكلام مغناطيسًا في خاصية الجذب إذا أحسن المتكلم استعماله، وخاصية التنفير إذا رُتب على غير مقتضاه.\nوإلى هذا يشير الأثر المشهور: \"إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرًا\" ولا تخفاك تلك الروعة التي تأخذك حينما تسمع المواعظ والزواجر من كلام علام الغيوب، وترى منها تأثير الجاذبية التي تكاد تجذبك إلى الملأ الأعلى وإلى مقام القدس، وتهدي لك روحًا لم تكد تخطر من قبل في خيالك، وانظر نفسك إذا مر على أذنك كلام لم يلائم طبيعتك، ولمن يتفق مع مشربك، كيف يحصل لك ذلك الانقباض وتلك النفرة التي ربَّما لم تكن تعهدها من نفسك، فيا لله ما أكثر معاني قوله تعالى: ﴿وقولوا للناس حسنًا﴾ وما أبهرها للعقول.\nولما أمر الله تعالى بني إسرائيل بما إن امتثلوه، اجتمعت كلمتهم، ذكر أعظم جامع على الله من الأعمال فقال: ﴿وأقيموا الصَّلاة﴾ ثم ذكر ما به تمام الجمع ودوامه، فقال: ﴿وآتوا الزكاة﴾ ولما كان الإعراض عن هذه المحاسن في غاية البعد، ولا سيما إذا كانت بعهد، ولا سيما إذا كان العهد من الله، أشار إلى ذلك بأداة التراخي فقال: ﴿ثم توليتم﴾، سالكًا هذا اللفظ مسلك الالتفات، أي: توليتم عن الميثاق ورفضتموه ﴿إلَّا قليلًا منكم﴾، إلَّا من عصمه الله منكم فوفى الله بعهده وميثاقه، و﴿أنتم معرضون﴾، وأنتم قوم عادتكم الإعراض عن المواثيق وعادتكم التولية، ومعنى الإعراض التولي، وهذا الخطاب لبني إسرائيل الذين وجدوا حين نزول القرآن، وبعد نزوله، فكأنه تعالى يقول: إن سلفكم أمروا بهذه المأمورات، فتولى أكثرهم عنها وأعرضوا، وأنتم تابعون لهم في التولي والإعراض، فحق عليكم ما حق على سلفكم من كلمة العذاب.\nوقص تعالى على المؤمنين هذه القصة، تحذيرًا لهم من أن يسلكوا ما سلكه بنو إسرائيل، فيصيبهم ما أصابهم.","vol":"1","page":248},{"text":"ولما كان أكبر الكبائر بعد الشرك: القتل، تلاه بالتذكير بما أخذ عليهم من العهدْ، وقرن به الإخراج من الديار، لأنَّ المال عديل الروح والمنزل أعظم المال، وهو للجسد كالجسد للروح، فقال:\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤)﴾.\nهذه الآية خطاب لأسلاف اليهود، وتقريع لمن خلفهم من بعدهم، وزجر للمؤمنين من أن يفعلوا ذلك.\nوقوله: ﴿لا تسفكون دمائكم﴾، يصح حمله على الحقيقة وعلى المجاز، فأمَّا حمله على الحقيقة فيكون على معنى: لا تفعلون القتل بأنفسكم لشدة تصيبكم، وحنق يلحقكم، وإلى هذا يشير ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي بتقديم وتأخير، والنَّسائي، عن أبي هريرة ﵁، أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من تردى من جبل فقتل نفسه فهو في نار جهنم يتردى فيها خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن تحسى سمًا فقتل نفسه فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا، ومن قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا\" فقوله: تردى معناه: رمى بنفسه من الجبل أو غيره، وقوله يتوجأ يها مهموزًا معناه: يضرب بها نفسه.\nوأخرج البُخاريّ عنه، أنَّه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الذي يخنق نفسه يخنقها في النَّار، والذي يطعن نفسه يطعن نفسه في النَّار، والذي يقتحم يقتحم النَّار\".\nوأخرج مسلم عن جندب بن عبد الله مرفوعًا: \"أن رجلًا كان ممن كان قبلكم خرجت بوجهه قُرحة، فلما آذته انتزع سهمًا من كنانته فنكأها فلم يرقأ الدم حتَّى مات، قال ربكم: قد حرمت عليه الجنَّة\" قوله: \"فلم يرقأ\" معناه: لم يجف، ولم يسكن جريانه. والكِنانة بكسر الكاف جعبة النشاب، ونكأها بالهمز نخسها وفجرها. وفي البات أحاديث في دواوين المحدثين ليس هنا محل استقصائها.","vol":"1","page":249},{"text":"وأمَّا حمله على المجاز فمعناه: لا تقتلوا أنفسكم بارتكابكم ما يوجب ذلك، كالارتداد والزنى بعد الإحصان، والمحاربة وقتل النَّفس بغير حق، ونحو ذلك مما يزيل عصمة الدماء.\nأو معناه: لا يفعل ذلك بعضكم ببعض، على جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلًا أو دينًا، وهذا المعنى اختاره الزمخشري ويشهد له قوله - ﷺ -: \"لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض\" (١).\nوقد يظن في بادئ الأمر أن هذا النَّهي لا فائدة فيه، ولكن متى تأمل الاحتمالات المتقدمة تلاشى ذلك الظن، وعلم من أولها أنَّه نهى عما يعتقده فلاسفة الهند من البراهمة وغيرهم، من أنهم يقدرون في قتل النَّفس التخلص من عالم الفساد الذي هو عالم العناصر، واللحوق بعالم النور والصلاح الذي هو عالم الروح.\nولا يخفى ما في هذا النَّهي من انتظام أمر العمران، وما في ضده من الخضوع للذل المؤدي إلى خراب الدُّنيا، وجعل أصحاب هذا الفكر خاضعين لسلطة الغير عليهم، ثم إذا انتقلوا بقتل أنفسهم إلى عالم النور الذي يتوهمونه وصلوا إلى عالم الظلمة، فيتألمون به أبد الآباد، ولما كانوا في هذيان وضلال، ردهم تعالى إلى الحق في هذه الآية والتي قبلها.\nوفي قوله تعالى: ﴿لا تسفكون دماءكم، ولا تخرجون أنفسكم من دياركم﴾ سر آخر، وهو أنَّه أشار بالكاف والميم الدالين على الجمع، إلى أنَّه متى كانت الملة واحدة كان جميع المتبعين لها كرجل واحد، قال ﵊: \"إنَّما المؤمنون في تراحمهم وتعاطفهم بينهم بمنزلة الجسد الواحد إذا اشتكى بعضه تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر\" (٢). وقوله: ﴿ولا تخرجون أنفسكم من\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصَّغير\" برقم (٧٢٧٦).\n(٢) المصنف نقله عن الطبري. قال الشَّيخ شاكر: الظاهر أنَّه رواه بالمعنى. ونص الحديث كما في \"صحيح الجامع الصَّغير\" رقم (٥٨٤٩): \"مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم مثل الجسد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\".","vol":"1","page":250},{"text":"دِيَارِكُمْ﴾، يشارك ما قبله في معانيه، فيكون معناه: لا تفسدوا فيكون الإفساد مسببًا لإخراجكم من دياركم، أو: لا يخرج بعضكم بعضًا من دياره، أو لا تسيئوا جوار من جاوركم فتلجئوهم إلى الخروج من دياركم، أو: لا تخرجوا أنفسكم يعني: إخوانكم، لأنكم كنفس واحدة حيث كنتم ملة واحدة.\n(ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ﴾ بالميثاق واعترفتم على أنفسكم بلزومه ﴿وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ﴾ عليها، وإقرارها بذلك الميثاق وإن كان مأخوذًا على أسلافهم لكنهم لما وصلهم بواسطة التوارة، وأذعنوا لصدقه، صاروا مشاركين لِمَنْ أخذ الميثاق عليهم في زمن موسى ﵇، ومعنى هذا الميثاق مذكور في التوراة، في السفر الثاني منها، كما ذكر أمر المناجاة وحضورهم عند الجبل، ولشهرة التوراة اليوم استغنينا عن نقل هذا السفر هنا.\nثم إنه تعالى بين مخالفتهم لما أخذ عليهم من الميثاق مع شهادتهم به فقال:\n﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥)﴾\nالكلام خارج مخرج الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، والإجلاء والعدوان، بعد أخذ الميثاق منهم وإقرارهم وشهادتهم، والإشارة بهؤلاء إلى أنهم الحقيرون المقدور عليهم، المجهولون الذين لا يعرف لهم اسم ينادون به، المرجؤون الأن.\nو﴿أَنْتُمْ﴾ هنا مبتدأ خبره ﴿هَؤُلَاءِ﴾، ثم استأنف البيان عن هذه الجملة فقال: ﴿تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، ولا تلتفتون إلى هذا العهد الوثيق، ﴿وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُم﴾ أي: ناسًا مساكين من أسفالكم، فهم جديرون منكم بالإحسان لا بالإخراج من ديارهم.","vol":"1","page":251},{"text":"روى أبو العالية: أن بني إسرائيل كانوا إذا استضعفوا قومًا أخرجوهم من ديارهم، ولما كان من المستبعد جدًّا بعد الاستبعاد الأول أن يقعوا في ذلك على طريق العدوان، استأنف ذلك بقوله: ﴿تَظَاهَرُونَ﴾ أي: تتعاونون وتتناصرون ﴿عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ﴾، وهو أسوأ لاعتدائه في قول أو فعل أو حال، ويقال للكذوب: أثوم لاعتدائه بالقول على غيره، وقيل: الإثم هو الَّذي تنفر منه النفس ولا يطمئن له القلب، وهذا القول أولى لأنَّ النبيﷺ - فسر الإثم بقوله: \"والإثم ما حاك في القلب، وكرهت أن يطلع عليه الناس\" (١).\nعلى أن القولين عند التحقيق يرجعان لمعنى واحد، لأنَّ الاعتداء والكذب لا يطمئن لهما القلب، ويخشى صاحبهما من اطلاع الناس على حاله وانكشافه لهم، ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾ هو تجاوز الحد في الظلم، ﴿وَإِنْ يَأْتُوكُمْ﴾ أي: هؤلاء الذين تعاونتم أو عاونتم عليهم ﴿أُسَارَى﴾ جمع أسرى، وهو جمع أسير، وأصله المشدود بالأسر، وهو \"القد\" وهو ما يقد أي: يقطع من السير، ﴿تُفَادُوهُمْ﴾ أي: تخلصوهم بالمال، مأخوذ من الفداء، وهو الفكاك بعِوَض، وتفادوهم من المفاداة وهي الاستواء في العوضين، ثم أكد تحريم الإخراج بزيادة لفظ \"هو\" والجملة الاسمية في قوله: ﴿وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ﴾ مأخوذ من التحريم، وهو تكرار الحرمة بكسر الحاء، وهي المنع من الشيء لدناءته، والحُرمة بالضم المنع من الشيء لعلوه، ولما كان المتقدم أربعة أشياء: قتل النفس، والإخراج من الديار، والتظاهر بالإثم والعدوان، والمفاداة، وكلها محرمة، خصص الإخراج من الديار بقوله: ﴿إِخْرَاجُهُمْ﴾، لأنَّه أعظم إخوانه، لأنَّ الإخراج من الديار فيه من معرة الجلاء، والنفي ما لا ينقطع شره إلا بالموت، بخلاف القتل فإنه وإن كان فيه هدم البنية لكنه ينقطع به الشر دفعة واحدة، وبخلاف المفاداة فإنها من جريرة الإخراج من الديار والتظاهر، لأنَّه لولا الإخراج من الديار والتظاهر عليهم ما وقعوا في قيد الأسر.\nثم إنه تعالى أنكر عليهم التفرقة بين الأحكام، فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ﴾ أي: التوراة وهو الموجب للمفاداة، ﴿وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، وهو المحرم\n_________\n(١) الحديث بنحوه في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢٨٨٠.","vol":"1","page":252},{"text":"للقتل والإخراج، وإنما كانوا يفعلون ذلك فيبذلون المال لتخليص الأسرى، ويتركون بقية المأمور به، لئلا يتبع الأسرى غير دين اليهودية، فهم يفعلون بهم ذلك ليردوهم إلى الكفر، وبذلك يندفع ما أورد في هذا المقام، وتحير الفخر الرازي ﵀ في الجواب عنه فقال: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ فقد اختلف العلماء فيه على وجهين:\nأحدهما: إخراجهم كفر، وفداؤهم إيمان، وهو قول ابن عباس ﵄، وقتادة: وابن جريج، ولم يذمهم على الفداء، وإنما ذمهم على المناقضة إذ أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، وقد تكون المناقضة، أدخل في الذم. لا يقال: هب أن ذلك الإخراج معصية، فلِمَ سماها كفرًا، مع أنَّه ثبت أن العاصي لا يكفر؟ لأنا نقول: هم صرحوا أن ذلك الإخراج غير واجب، مع أن صريح التوراة كان دالًا على وجوبه.\nوثانيهما: المراد به التنبيه على أنهم في تمسكهم بنبوة موسى ﵇ مع التكذيب بمحمد - ﷺ -، مع أن الحجة في أمرهما على سواء، يجري مجرى طريقة السلف منهم في أن يؤمنوا ببعض ويكفروا ببعض. هذا كلامه.\nوأنت خبير بأن الله تعالى إنما ذمهم، لأنهم لا همّ لهم إلا مقاومة دين الله وشرعه، والتلاعب به على مقتضى أهوائهم، حفظًا لرياستهم واستبدادًا منهم على ضعفائهم، فانتقض بذلك أمرهم عليهم، وحل بهم ما حل من البلاء، وكذلك كل أمة سلكت هذا المسلك فإنه يصيبها ما أصابهم، ويتلاشى أمرها حتَّى ترجع إلى دينها.\nوهنا للمفسرين أقوال: منها أن بني قُريظة كانوا حلفاء الأوس، وبنو النضير كانوا حُلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خرّبوا ديارهم وأخرجوهم، واذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتَّى يفدوه، فعيرتهم العرب وقالت: كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟ فيقولون: أمرنا أن نفديهم، وحرم علينا قتالهم، ولكنا نستحي أن نذل حلفاءنا، ومنها أن عبد الله بن سلام مر على رأس الجالوت بالكوفة، وهو يفادي من النساء من لم يقع عليه الحرب، ولا يفادي من","vol":"1","page":253},{"text":"وقع عليه الحرب، فقال له ابن سلام: أما إنه مكتوب عندك في كتابك أن تفاديهن كلهن.\nوقال مجاهد: معناه إن وجدته في يد غيرك فديته، وأنت تقتله بيدك.\nثم إنه تعالى سبب عما ذكره في الآية قوله: ﴿فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ إِلَّا خِزْيٌ﴾، أي: إلَّا ضد ما قصدتم بفعلكم من العز، والخزي إظهار القبائح التي يستحي من إظهارها عقوبة، وهذا معنى من فسر الخزي بالذم العظيم والتحقير البالغ، وبعض المفسرين خصه ببعض الأنواع، فالأولى فيه التعميم، وهذا وعيد لهم في الدنيا وجزاؤهم بها.\nثم بين جزاءهم في الآخرة، وأنهم يجازون على ذلك في الدنيا والأخرى، فقال: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ﴾ أي: يصيرون إلى أشد العذاب، لأنَّ عذاب الدنيا ينقضي وعذاب الآخرة لا انقضاء له، ولما كانت المواجهة بالتهديد أدل على الغضب، التفت إليهم فقال: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، أي: عن شيء مما تعملون من هذا ومن غيره. والالتفات مبني على قراءة الجماعة تعملون بتاء الخطاب، وقرأ نافع وابن كثير يعملون بالغيب على الأسلوب الماضي، وأورد الرازي على هذه الآية سؤالًا هو: أن عذاب الدهرية الذين ينكرون الصانع، يجب أن يكون أشد من عذاب اليهود، فكيف قال في حق اليهود: ﴿يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾؟ وقد تقدم لك التلميح عن هذا الجواب، ويصرح به ما أجاب به الرازي، بأن المراد من ﴿أَشَدِّ الْعَذَابِ﴾، أن العذاب الَّذي يعذبون به في الآخرة أشد من العذاب الَّذي يعذبون به في الدنيا، من الخزي الحاصل لهم بها، فلفظ الأشد، وإن كان مطلقًا إلا أنَّه مقيد من هذه الجهة.\nولما كانت هذه الآيات كلها كالدليل على قوله تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾ [البقرة: ٦١] الآية، كان فذلكة، ذلك قوله تعالى:\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)﴾","vol":"1","page":254},{"text":"وفي لفظ ﴿أولئك﴾ الَّذي هو اسم الإشارة، دليل على أنَّه أشير به إلى الذين جمعوا الأوصاف السابقة الذميمة ﴿الذين اشتروا﴾ أي: آثروا بهجة الدنيا ونعيمها وزينتها على النعيم السرمدي، إيثارًا للعاجل الفاني على الآجل الباقي، قال أرباب المعاني: إن الدنيا ما دنا من شهوات القلب، والآخرة ما اتصلت برضاء الرب، انتهى.\nوبهذا يتضح المقصود من ذم الدنيا، فكلما حرصت على إحرازه لتتمتع به على انفرادك، ولم يكن لربك فيه رضاء، فهو الدنيا المذمومة، وكلما سعيت في تحصيله لنفعك ونفع إخوانك المؤمنين، فهو من الآخرة الممدوحة. إذا كان فيه رضاء ربك ﷿، وهذه هي طريقة السلف الصالح، فقد كانوا يجاهدون ويعملون بأيديهم، ويتجرون ويعتقدون أن ذلك من أعمال الآخرة، فليعلم ذلك وليتنبه لأمثاله أولو اليقين والتحقيق.\nثم إنه تعالى بيَّن المسبب عن فعلهم بقوله: ﴿فلا يخفف عنهم العذاب﴾ في واحد من الدارين ﴿ولا هم ينصرون﴾ أي: لا يجدون مأمنًا يدفع عنهم ما حلّ بهم من عذاب الله، وهذه الآية من أعظم الدلالة على خذلان من غزا لأجل المغنم، أو غل في الغنيمة، أو خان إخوانه المسلمين، وقد أخرج الإمام مالك، عن ابن عباس ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: \"ما ظهر الغلول في قوم إلا ألقى الله في قلوبهم الرعب\".\nولما بيَّن لهم أنهم نقضوا العهود فأحاطت بهم الخطايا، فاستحقوا الخلود في النار، توقع السائل الإخبار عن سبب وقوعهم في ذلك، هل هو جهل أو فساد؟ فبشع الله ذلك عليهم بما افتتحه بحرف التوقع، فقال:\n﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾.\nاللام هنا يحتمل أن تكون للتأكيد. وأن تكون جواب قسم، والإيتاء:","vol":"1","page":255},{"text":"الإعطاء، وهو بمعنى الإنزال هنا، ويصح أن يكون بمعنى: أفهمناه ما انطوى عليه من الحدود والأحكام، والأنباء والقصص، وغير ذلك.\nوالكتاب هنا: التوراة، والمعنى أنكم نقضتم تلك العهود مع أن عندكم فيها كتاب الله التوراة تدرسونه كل حين، فلم ندعكم هملًا بعد موسى ﵇، بل ضبطنا أمركم بالكتاب.\n﴿وَقَفَّيْنَا﴾: أصل هذا اللفظ أن يجيء الإنسان تابعًا لقفا الَّذي اتبعه، ثم توسع فيه حتَّى صار لمطلق الاتباع، وإن بعد زمن المتبوع عن زمان التابع، والضمير في ﴿مِنْ بَعْدِهِ﴾ يرجع إلى موسى ﵇، أي: ثم لم نقتصر على الضبط بالكتاب الَّذي تركه فيكم موسى، بل واترنا من بعده إرسال الرسل مواترة، وجعلنا بعضهم في قفا بعض، ليجددوا لكم أمر الدين، ويؤكدوا عليكم العهود.\n﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ﴾ الَّذي أرسلناه لنسخ بعض التوراة، وتجديد ما درس من بقيتها ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ من الآيات العظيمة التي لا مرية فيها. والبينة من القول: ما لا ينازعه منازع لوضوحه، وما أوتيه عيسى بن مريم من المعجزات الواضحات والحجج كإحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار بالمغيبات، هو كذلك، وإنما أضاف عيسى إلى أمه ردًا على اليهود فيما أضافوه إليه، ونسبوه إلى ما لا يليق بمقامه العالي، وأثبت له النبوة والرسالة أيضًا، ردًا عليهم في إنكار رسالته.\n﴿وَأَيَّدْنَاهُ﴾ أي: قويناه على ذلك كله ﴿بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي: الروح الطاهر فأعطيناه روحًا مقدسة قوية تقدر على حمل الرسالة وأدائها، فكان الغالب عليه الروحانية، ويصح أن يراد بالروح هنا: الإنجيل، وسمي بذلك لأنَّ الدين يحيا به، وتنتظم مصالح الدنيا لأجله، ومن ثم سمي القرآن: روحًا. والذي جنح إليه الطبري والرازي: أن المراد بروح القدس هنا جبريل ﵇، وتفسير القرآن على إطلاقه أولى، وإنما أجمل تعالى ذكر الرسل، ثم فصل ذكر عيسى لأنَّ من قبله من الرسل جاؤوا بشريعة موسى، فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأنَّ شرعه نسخ أكثر شرع موسى ﵉.","vol":"1","page":256},{"text":"ولما كان هذا حالهم مع الرسل، مع أنسهم ومعرفتهم بأحوالهم واتصالهم بالله وكمالهم، علم أنهم في منابذتهم لهم، عبيد الهوى، وأسرى الشهوات، فتسبب عن ذلك الإنكار عليهم فقال: ﴿أَفَكُلَّمَا﴾ أي: أفعلتم ما فعلتم من نقض العهود، مع مواترة الرسل ووجود الكتاب، فكلما ﴿جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ من عند ربكم ﴿بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ﴾ أي: بما لا تحبه وتختاره ﴿اسْتَكْبَرْتُمْ﴾ عن إجابته احتقارًا للرسول أو استبعادًا للرسالة؟ ! وفي ذلك ما كانوا عليه من طبيعة الاستكبار الَّذي هو محل النقائص ونتيجة الإعجاب، وهو نتيجة الجهل بالنفس المقارن للجهل بالخالق، وأن ذلك كان يتكرر منهم بتكرير مجيء الرسول إليهم، وقد كذبوا النبي - ﷺ - فيما جاء به، وسقوه السّم ليقتلوه، وأما الكبر، فقد فسره النبي - ﷺ -، بأنه: \"سفه الحق، وغَمْطُ الناس\" (١) والسفه في الأصل: الخفة والطيش، والغمط: الاستهانة والاستحقار.\nثم إنه تسبب عن طلبكم الكبر، أنكم ﴿فريقًا كذبتم﴾ كعيسى ومحمد ﵉، ﴿وفريقًا تقتلون﴾، وبدأ بالتكذيب لأنه أول ما يفعلونه من الشر، ولأنه المشترك بين الفريقين المكذب والمقتول، وهذا الكلام نهاية الذم لهم، ولمن كان على شاكلتهم في تكذيب الأنبياء، وذلك لأنَّ اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم رسول بخلاف ما تهواه أنفسهم كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها، والترؤس على العامة منهم، وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك، فيكذبونهم لأجل ذلك، ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين، ويحتجون لذلك بالتحريف وسوء التأويل.\nومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم، قص الله علينا ذلك من نبئهم لنكون على بينة من أمرنا، فلا نسلك مسالكهم، وأن لا نكون كمن أعمى الله قلوبهم، فإذا رأوا آية قرآنية، أو حديثًا صحيحًا عن النبي - ﷺ -، لم يوافق كل منهما هوى أنفسهم، أسرعوا إلى تأويله على مقتضى مشتهياتهم، فإن لم يمكنهم التأويل أو كانوا من أهل الجهل المركب، طرحوا الآية والحديث جهارًا،\n_________\n(١) الحديث بنحوه في \"صحيح الجامع الصغير\" ٤٦٠٨.","vol":"1","page":257},{"text":"وتأبطوا السفسطة والشر، فكذبوا الناصح لهم وأهانوه، لما يظهره من شرع الله تعالى، وشهدوا عليه بالزور وطعنوا في دينه، وفعلوا مثل فعل من ذمهم الله تعالى في كتابه العزيز.\nثم إنه تعالى بيَّن شدة بهتهم وقوة عنادهم، فأخبر عنهم بقوله:\n﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.\n﴿وَقَالُوا﴾ في جواب ما كانوا يلقون إليهم من جوهر العلم التي هي أوضح من الشمس: ﴿قلوبنا غلف﴾، وإنما قالوا ذلك بهتًا ودفعًا لما قامت عليهم الحجج وظهرت لهم البينات، وأعجزتهم عن مدافعة الحق المعجزات، نزلوا عن رتبة الإنسانية إلى رتبة الحيوانية البهيمية، والغلف: المستورة عن الفهم والتمييز، ولذلك أضرب ﷾ عن النسبة التي تضمنها قولهم: ﴿قلوبنا غلف﴾، بقوله: ﴿بل﴾ أي: ليس الأمر كما قالوا: من أن هناك غلفًا حقيقة، ﴿بل لعنهم الله﴾، أي: طردهم عن قبول ذلك لأنهم ليسوا بأهل للسعادة، فكأنه تعالى يقول: ليس عدم قبولهم الحق لأنَّ قلوبهم غلف كما قالوا، بل هي خلقت متمكنة من قبول الحق مفطورة لإدراك الصواب، فأخبروا عنها بما لم تخلق عليه.\nثم أخبر تعالى: أنهم لعنوا بسبب ما تقدم من كفرهم، وجازاهم بالطرد الَّذي هو اللعن المتسبب عن الذنب الَّذي هو الكفر، ولما أخبر بلعنهم سبب عنه قوله: ﴿فقليلًا ما يؤمنون﴾ فوصفه بالقلة، وأكده بـ ﴿ما﴾ إيذانًا بأنه مغمور بالكفر لا غناء عنه، وذهب الأصم وأبو مسلم تبعًا لقتادة: إلى أن القليل صفة للمؤمن، والمعنى: لا يؤمن منهم إلا القليل.\nولما ذكر الله تعالى في جلافتهم ما ختمه بلعنهم، ذكر نوعًا آخر من قبائح أفعالهم، فقال:\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nأما قوله ﴿كتاب﴾، فقد اتفق المفسرون على أنَّه: القرآن، لأنَّ قوله","vol":"1","page":258},{"text":"﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم، وما ذلك إلا القرآن، وأما قوله: ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ فهو وصف ثان لذلك الكتاب، ذكر للتحبيب لهم به، فوصفه أولًا بكونه من عند الله، للدلالة على أنَّه جدير بأن يقبل ويتبع ما فيه ويعمل بمضمونه، إذ هو وارد من عند خالقهم وإلههم الَّذي هو ناظر في مصالحهم. ثم حببه إليهم بالوصف الثاني، وهو ﴿مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾ أي: موافق لكتبهم فيما يختص بتكليفهم بتصديق محمد - ﷺ -، وفيما يدل على نبوته من العلامات والنعوت والصفات، وفي ذلك قاصمة لهم، لأنَّ كتابهم يكون شاهدًا على كفرهم.\nوالمراد بقوله: ﴿لِمَا مَعَهُمْ﴾، التوراة والإنجيل.\nولما بين شهادة كتابهم، أتبعه بشهادتهم لئلا يحرفوا معنى ذلك، فقال: ﴿وَكَانُوا﴾ أي: والحال أنهم كانوا ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، أي: من قبل مجيئه ﴿يَسْتَفْتِحُونَ﴾ أي: يسألون الفتح والنصر، وكانوا يقولون: اللهم افتح علينا وانصرنا بالنبي الأمي ﴿عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يعني: أنهم لم يكونوا في غفلة عنه، بل كانوا أعلم الناس به، وقد وطنوا أنفسهم على تصديقه، ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ برسالة محمد - ﷺ -، ﴿مَا عَرَفُوا﴾ من صدقه بما ذكر من نعوته في كتابهم ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾، اعتلالًا بأنواع من العلل البينة الكذب، منها زعمهم أن جبريل عدوهم وهو الآتي به، ولم يتعللوا بالعلل الكاذبة إلا بغيًا وحسدًا وحرصًا على الرياسة.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، إشارة إلى أنَّه وإن كان الَّذي في التوراة والإنجيل من أوصاف النبي - ﷺ -، وصفًا إجماليًا، وأن أهل الكتابين لم يعرفوا نبوته بمجرد تلك الأوصاف (١) إلا أن تلك الأوصاف صارت بظهور معجزته - ﷺ -، كالمؤكدة لها، فلذلك ذمهم الله تعالى على الإنكار.\nولما بين الله تعالى بهذا أنهم أعتى الناس وأشدهم تدليسًا وبهتًا، بل كذبًا وفسقًا كانوا أحق الناس بالكفر، سبب عن ذلك قوله: ﴿فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾،\n_________\n(١) بل كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.","vol":"1","page":259},{"text":"جعل اللعنة مستعلية عليهم، كأنه شيء جاءهم من أعلاهم فجللهم بها، ثم نبه على علة اللعنة وسببها وهي: الكفر.\nولما استحقوا بهذا وجوه المذام كلها وصل به قوله:\n﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾.\n﴿بِئْسَمَا﴾ كلمة جامعة للمذام، وهي مقابلة لـ \"نِعْمَ\" [الجامعة] (١) لوجوه المدائح كلها، وأمّا \"ما\" فذهب سيبويه إلى أن موضعها رفع على أنها فاعل بئس فقال: هي معرفة تامة، التقدير بئس الشيء، والمخصوص بالذم على هذا محذوف، أي: شيء ﴿اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ و﴿أَنْ يَكْفُرُوا﴾، بدل من ذلك المحذوف، واختار هذا القول أبو حيان الأندلسي في \"النهر\" (٢)، ولا نطيل الكلام بهذا هنا لأنَّه مفروغ منه في علم النحو، وقد بسطنا القول عليه في كتابنا \"إيضاح المعالم من شرح العلامة ابن الناظم على ألفية والده محمد بن مالك\".\n﴿اشْتَرَوْا﴾ هنا بمعنى: باعوا، وفي \"المنتخب\": أن الاشتراء هنا على بابه لأنَّ المكلف إذا خاف على نفسه من العقاب، أتى بأعمال يظن أنها تخلصه، وكأنه قد اشترى نفسه بها، فهؤلاء اليهود لما اعتقدوا فيما أتوا به أنَّه يخلصهم، ظنوا أنهم اشتروا أنفسهم، فذمهم الله تعالى، انتهى.\nوهذا القول يرده وجوه: أولها: أن سياق الآية لا يوافقه، لأنَّه لو كان كذلك، لكان ينبغي أن يندد عليهم بالخطأ أو بالجهل، ولا يقال لهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾.\n_________\n(١) زيادة من البقاعي.\n(٢) واسمه \"النهر الماد من البحر\"، طبع سنة ١٣٢٨ هـ بمطبعة السعادة على حاشية البحر المحيط لأبي حيان، وهو مختصر له (ينظر مقدمة \"تحفة الأريب\" لأبي حيان: ص ٣٠ و٣٣، تحقيق الدكتور سمير المجذوب، طبع المكتب الإسلامي).","vol":"1","page":260},{"text":"وثانيها: أن الله تعالى لم يذمهم في هذه الآية، ولكن أوعدهم الوعيد الشديد، ومثل هذا الوعيد لا يكون على الظن.\nوثالثها: أن قوله تعالى: ﴿بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ فإنه يدل على أن المراد ليس اشتراءهم أنفسهم بالكفر ظنًا منهم أنهم يخلصون من العقاب، بل ذلك كان على سبيل البغي والحسد، لكونه تعالى جعل الرسالة في محمد - ﷺ -. والفخر الرازي اعتمد ما قاله صاحب المنتخب، وجوابه كجوابه.\nولما كان البغي قد يكون لوجوه شتى، بين تعالى غرضهم من هذا البغي بقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ والقصة لا تليق إلا بما إذا كان المعنى، أنهم ظنوا أن هذا الفضل العظيم بالنبوة المنتظرة يحصل في قومهم، فلما وجدوه في العرب، حملهم ذلك على البغي والحسد، والبغي هو الحسد والظلم، ثم علل بغيهم بقوله: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الذين حسدوهم، والمقصود بـ ﴿من﴾ هو النبي محمد - ﷺ -، والفضل: النبوة.\nثم سبب عن ذلك قوله: ﴿فَبَاءُوا﴾ أي: رجعوا لأجل ذلك ﴿بِغَضَبٍ﴾ في حسدهم لهذا النبي الكريم لكونه أرسل من العرب، ولم يكن من بني إسرائيل، ﴿عَلَى غَضَبٍ﴾ كانوا استحقوه بكفرهم بأنبيائهم عنادًا ثم علق الحكم الَّذي استحقوه بوصفهم، تعميمًا وإشارة إلى أنَّه سيؤمن بعضهم، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ﴾ الذين هم راسخون في هذا الوصف، منهم ومن غيرهم، ﴿عَذَابٌ مُهِينٌ﴾، من الإهانة، وهي الاطراح إذلالًا واحتقارًا.\nولما أقام ﷾ الدليل على استحقاقهم للخلود في النار بكفرهم بالكتاب، وبغيهم، أقام دليلًا آخر على ذلك أبين منه، وذلك بكفرهم بكتابهم نفسه فقال:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩١)﴾.","vol":"1","page":261},{"text":"﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ﴾ أي: لهؤلاء الذين نقضوا عهود كتابهم، وسياق الآية يدل على أن المراد آباء الذين كانوا زمن الرسول - ﷺ -، لأنهم هم الذين قتلوا الأنبياء، وحسن ذلك أن الراضي بالشيء كفاعله، وأنهم جنس واحد، وأنهم متبعون لهم ومعتقدون ذلك، وأنهم يتولونهم فهم منهم: ﴿آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، أي: بالقرآن الَّذي أنزله الله، ﴿قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا﴾، يريدون التوراة، وما جاءهم من الرسالات على لسان موسى ﵇، ومن بعده من أنبيائهم، وذموا على هذه المقالة لأنهم أمروا بالإيمان بكل كتاب أنزله الله، فأجابوا بأن آمنوا بمقيد، والمأمور به عام فلم يطابق إيمانهم الأمر.\nثم عجب من دعواهم هذه بقوله: ﴿وَيَكْفُرُونَ﴾، أي: قالوا ذلك والحال أنهم يكفرون ﴿بِمَا وَرَاءَهُ﴾ أي وراء ما أنزل عليهم مما أنزله الله على رسله، ﴿وهو﴾ يشمل ما قبل التوراة وما بعدها، لأنَّ \"وراء\" يراد بها تارة \"خلف\" وتارة \"أمام\"، فإذا قلت: زيد ورائي، صح أن يراد: في المكان الَّذي أواريه أنا بالنسبة إلى من خلفي، فيكون أمامي، وأن يراد في المكان الَّذي هو متوارٍ عني فيكون خلفي، والحال أن ذلك الَّذي وراءه: ﴿الْحَقُّ﴾ الواصل إلى أقصى غاياته بدلالة أل الدالة على الكمال، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا مَعَهُمْ﴾، فصح أنهم كافرون بما عندهم، لأنَّ ما أنزل عليهم غير مخالف للقرآن، ومن لم يصدق ما وافق ما أنزل عليه لم يصدق به، وإذا دلَّ الدليل على كون ذلك منزلًا من عند الله وجب الإيمان به، فالإيمان ببعض دون بعض متناقض.\nثم كشف ستر مقالتهم هذه بأبين نقض، فقال: ﴿قل﴾ يا من يريد جدالهم إن كنتم آمنتم بما أنزل عليكم ﴿فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ﴾ لأنَّ الإيمان بالتوراة واستحلال قتل الأنبياء لا يجتمعان، فقولكم أنكم آمنتم بالتوراة كذب، وبهت، فإنه لا يؤمن بالقرآن من استحل محارمه، ثم بين أن كفرهم بهذا القتل إنما هو بطريق الرضاء بقتل أسلافهم، ﴿مِنْ قَبْلُ﴾، وفي الإتيان بصيغة المضارع تصوير لشناعة هذا الفتل بتلك الحال الفظيعة، ورمز إلى أنهم لو قدروا الآن لفعلوا مثل فعل أسلافهم، لأنَّ التقدير: وتصرون على قتلهم من بعد، وفيه إيماء إلى حرصهم على قتل النبي - ﷺ -، تحذيرًا منهم، ولقد صدق","vol":"1","page":262},{"text":"هذا الإيماء الواقع، فقد عزم بنو النضير على أن يلقوا صخرة على النبي - ﷺ -، وسمَّه أهل خيبر.\nثم أورد مضمون دعواهم بأداة الشك بقوله: ﴿إن كنتم مؤمنين﴾ إشعارًا بأن مثل ذلك لا يصدر من متلبس بالإيمان، ولما دل على كذبهم في دعوى الإيمان بما فعلوا بعد موسى، مما استحقوا به الخلود في النار، أقام دليلًا آخر أقوى من كل ما تقدمه، فإنه لم يعهد إليهم في التوراة ما عهد إليهم في التوحيد، والبعد عن الإشراك، وهو في النسخ الموجودة بين أظهرهم الآن.\nوقد نقضوا جميع ذلك، باتخاذ العجل في أيام موسى وبحضرة هارون ﵉، كما هو منصوص الآن في أيام موسى فيما بين أيديهم منها، بقوله:\n﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)﴾.\nأعاد ﷾ ذكر موسى في هذه الآية، وما جاء به من الآيات البينات، ثم أخبر أنهم مع وضوح ذلك أجازوا أن يتخذوا العجل إلهًا، وهو مع ذلك صابر ثابت على الدعاء إلى ربه، والتمسك بدينه وشرعه، فكأنه تعالى يقول لنبيه - ﷺ -: قل لهؤلاء اليهود الذين هم خلف من كان زمن موسى: إن حالي معكم كحال موسى مع سلفكم، وإن بالغتم في تكذيب ما فعل سلفكم مع موسى وبالغتم في إنكاره.\nوفي هذه الآية استعظام لعبادة سلفهم العجل، حيث إنهم عبدوه عن علم بأنه لا يضر ولا ينفع، لأنهم عبدوه بعد أن جاءهم موسى بالبينات والبراهين الدالة على إفراده تعالى بالوحدانية، وأنه ليس بجسم ولا يشبهه الجسم، والعجل الَّذي عبده أسلافكم هو جسم مصنوع، وجماد ملقى على الأرض، وكذلك كانت عبادتهم له بعد أن رأوا من خوارق العادة ما لا يقبل الشك، أفنسوا جميع الخوارق وأصغوا إلى خوار عجل صنعه السامري لهم؟","vol":"1","page":263},{"text":"ومثل هذا يقال لكل من علم الحق بأدلته وبراهينه، ثم انقلب عنه إلى الباطل بأدنى شبهة، وإذا لامه لائم على فعله تعلل بأنه وافق غيره، قائلًا للأئمة: أكل هؤلاء القوم مخطئون وأنت وحدك المصيب؟\nوفي هذه الآية تقريع لهم من وجه آخر، وهو أنَّه تعالى كرر هذه الآية لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل إليهم وهم كاذبون في ذلك، ألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة، بل فيها أن يفرد الله بالعبادة.\nولما كانت عبادة غير الله أكبر المعاصي، كرر الخبر بعبادتهم العجل تنبيهًا على عظم جرمهم، والعرب متى أرادت التنبيه على تقبيح شيء أو تعظيمه كررته، وفي هذا التكرير أيضًا من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم، ونقمه منهم ليزدجر الأخلاف بما حل في الأسلاف.\nثم إنه تعالى ذكر أمرًا آخر هو أبين في عنادهم، وأنهم لم يزالوا دائمًا عبيدًا لهوى أنفسهم فقال:\n﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٩٣)﴾.\nلهذا التكرار فوائد، أحدها: ما ذكر آنفًا. وثانيها: أن هذا وأمثاله للتأكيد، وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب. وثالثها: أنَّه تعالى ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم ﴿سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾، وذلك يدل على نهاية لجاجهم. ويظهر لي وجه رابع، وهو: أن التكرار هنا للتبكيت والتقريع، على حد لو أن إنسانًا فعل أمرًا منكرًا ما كان من حقه أن يفعله، ثم إنه أصر على خطئه عنادًا، فإن الموبخ له لا يزال يذكره بفعله كلما أصر على عناده، ليكون ضميره موبخًا له، وملجئًا له إلى الرجوع عن غيّه، وأيضًا فإن في قصة الطور ذكر توليهم عما أمروا به من قبول التوراة، وعدم رضائهم بأحكامها اختيارًا، حتَّى ألجئوا إلى القبول اضطرارًا، فدعواهم الإيمان بما أنزل عليهم غير مقبولة، ومن أسرار هذا التكرار أيضًا،","vol":"1","page":264},{"text":"تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم، ونقمه منهم، ليزدجر الأخلاف بما حل بالأسلاف.\nوتفسير الآية: ﴿وإذ أخذنا ميثاقكم﴾ على السمع والطاعة، ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾ الجبل العظيم الَّذي جعلناه زاجرًا لكم عن الرضا بالإقامة في حضيض الجهل، ورافعًا إلى أوج العلم، وقلنا لكم وهو فوقكم: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾، ولما كانت فائدة السماع القبول، ومن سمع فلم يقبل كان كمن لم يسمع، قال: ﴿واسمعوا﴾، وإلا جعلنا هذا الجبل مدفنًا لكم، وذلك حيث يكفي غيركم في التأديب رفع الدرة والسوط عليه، فينبعث للتعلم الَّذي أكثر النفوس الفاضلة تتحمل فيه المشاق الشديدة لما له من الشرف، ولها به من الفخار، وفي هذا دلالة على أن التخويف وإن عظم لا يوجب الانقياد.\nوفي قوله تعالى مخبرًا عنهم، ﴿قالوا﴾: التفات، إذ لو جاء على الخطاب لقال: قلتم، ولما ضلوا بعد هذه الآية الكبرى، وظهر أن العناد لهم طبع لازم، قال تعالى مترجمًا عن أغلب أحوال أكثرهم: ﴿قالوا سمعنا وعصينا﴾، أي: وعملنا بضد ما سمعنا، وساق تعالى قولهم ذلك لغرابته مساق جواب سؤال سائل، فكأنه قال: رفع الطور فوقهم أمر هائل جدًا، مقتض للمبادرة إلى إعطاء العهد ظاهرًا وباطنًا والثبات عليه، فما فعلوا؟ فقيل: بادروا إلى خلاف ذلك. وعندي أن في الآية إشارة إلى أن أولئك القوم، لم يعرفوا الله تعالى معرفة لائقة بجلال عظمته، لأنهم لو عرفوه كذلك، لما احتاجوا إلى هذا التخويف، ولكن لما كانت قلوبهم خالية من معرفته، تلقت قلوبهم محبة غيره، كما يدل عليه قوله تعالى مخبرًا عنهم: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ أي: وأشربوا حب عبادة العجل بسبب كفرهم، أي: إن حبه والحرص على عبادته دخل قلوبهم كما يتداخل الصبغ الثوب، كما قال الشاعر (١):\nإذا ما القلب أُشرب حب شيءٍ ... فلا تأملْ له عنه انصرافا\n_________\n(١) هو من شواهد \"البحر المحيط\" دون نسبة.","vol":"1","page":265},{"text":"وفي ﴿وَأُشْرِبُوا﴾ إشارة إلى أنَّه كما أن الشرب مادة لحياة ما تخرجه الأرض، فكذا تلك المحبة كانت مادة لجميع ما صدر عنهم من الأفعال، وقوله تعالى: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ﴾ معناه: ﴿قل﴾ لهم يا محمد أو قل يا من يجادلهم: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾ بالتوراة، لأنَّه ليس في التوراة عباد العجاجيل، وأضاف الأمر إلى إيمانهم لأجل التهكم بهم، وكذلك إضافة الإيمان إليهم، وأما قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ فالمراد به التشكيك في إيمانهم، والقدح في صحة دعواهم.\nثم ذكر تعالى نوعًا آخر من قبائحهم:\n﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (٩٥)﴾.\nلما بيّن ﷾، في الآية السابقة عظيم كفرهم وعنادهم، مع وقاحتهم بادعاء الإيمان والاختصاص بالجنان، ثم أمر نبيه أن يتهكم بهم بقوله: ﴿بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ﴾، ونهضت الأدلة على أنَّه لا حَظّ لهم في الآخرة غير النار، وذلك نقيض دعواهم أن الجنّة لهم وحدهم، ختم ﷾ ذلك بدليل قطعي بديهي، فقال: ﴿قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ﴾، أي: الجنّة ﴿خالصة﴾ أي: سالمة لكم، خاصة بكم، ليس لأحد سواكم فيها حق، يعني: إن صح قولكم: ﴿لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا﴾ [البقرة: ١١١]، وقدم الجار والمجرور الَّذي هو ﴿لكم﴾ للاختصاص، وقوله: ﴿مِنْ دُونِ النَّاسِ﴾، معناه: سائرهم، لا يشرككم فيها أحد، ﴿فتمنوا الموت﴾، لأنَّ ذلك عَلَم على صلاح حال العبد مع ربه، وعمارة ما بينه وبينه، ورجائه للقائه.\nقال الحرالي: على قدر نفرة النفس من الموت يكون ضعف منالها من المعرفة التي تأنس بربها، فتتمنى لقاءه وتحبه، ومن أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، انتهى.","vol":"1","page":266},{"text":"ثم سجل الله عليهم بالكذب فقال: ﴿إن كنتم صادقين﴾، أي: معتقدين للصدق في دعواكم خلوص الجنّة لكم، ولما كان في الكلام محذوف، أغنى سياق الكلام عن ذكره، وكان ذلك المحذوف، \"فقال لهم: فما تمنوه\"، عطف عليه قوله: ﴿ولن يتمنوه أبدًا﴾ إخبارًا بالغيب، وقطعًا للعناد. ثم إنه على مذهب من يقول: إن \"لن\" معناها اقتضاء النفي على التأبيد، يكون قوله ﴿أبدًا﴾ للتأبيد. وعلى مذهب من يقول: إن \"لن\"، بمعنى \"لا\" تكون ﴿أبدًا﴾، مفيدة لاستغرق الأزمان، والمعنى ما يستقبل من زمن أعمارهم.\nوقد زعم كثير من المفسرين منهم \"المهدوي\" في كتاب \"التحصيل\" و\"ابن عطية\" في تفسيره، إلى أن هذه المعجزة كانت على عهد النبي - ﷺ -، ثم ارتفعت بوفاته. وهذا القول مخالف لظاهر القرآن، لأن ﴿أبدًا﴾ ظاهره أن يستغرق مدة أعمارهم، كما بيناه سابقًا.\nثم ذكر السبب في عدم التمني فقال: ﴿بما قدمت أيديهم﴾ أي: من الظلم، وعبر باليد التي بها أكثر الأفعال إشارة إلى أن أكثر أفعالهم لقباحتها كأنها خالية عن القصد، ثم ختم الآية بالتهديد لهم، فقال: ﴿والله عليم بالظالمين﴾، وذلك أن علم الله يتعلق بالظالم وغير الظالم، فلما اقتصر على ذلك الظالم دل على أن مساقه للتهديد والوعيد.\nثم إن هذه الآية تدل على تجاسرهم، وهذا معلوم من هذه الآية ومن غيرها من الآيات، ولكن الخفي إنما هو سببه، وهو يحتمل وجوهًا:\nأحدها: أن الَّذي جرأهم على ذلك، اعتقادهم أنهم أبناء الله وأحباؤه، وعليه فتكون هذه الآية تهديدًا لهم، ولكل من اغتر بمثل غرورهم، فظن أنَّه بمجرّد ظنه بأنه من أحباب الله تعالى، كان مغفورًا له جميع ما عمل، فتراه يسرح ويمرح، وربما وسوس له الشيطان بأن من وصل إلى درجة المعرفة سقط عنه التكليف، وهنالك يزداد في الطغيان فيهوي في مهاوي الخسران.\nوثانيها: يحتمل أن الحامل لهم على ذلك، دعواهم بأنهم على الحق وسواهم على باطل، فقادتهم دعواهم تلك إلى معاداة كل من نادى بخلاف","vol":"1","page":267},{"text":"معتقدهم، وعليه فتكون هذه الآية مهددة لهم، ولكل من جاراهم في مضمارهم، ممن إذا صمم فكره على شيء جمد عليه، ولو كان باطلًا، وإذا أتيته بأعظم الأدلة القاطعة للخصم لم يتزلزل عما هو عليه، ولم يحد عن باطله الَّذي جمد عليه، وجادل بالباطل ليدحض به، فتراه مقيدًا على تقليد العوام، متمسكًا بالتعاليم التي تلقاها عن أمثاله غاية التمسك، ولما كان هذا من القبح بمكان، لا جرم أكثر الله تعالى من ذم سلف اليهود الذين ابتدعوا المنكرات، فاقتدى بهم خلفهم اقتداءً وتقليدًا أعمى، ولذلك كان - ﷺ - يقول:\n\"اللهم أرنا الحق حقًا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلًا وارزقنا اجتنابه\" (١).\nوثالثها: يحتمل أن الحامل لهم على هذا اعتقادهم، أن انتسابهم إلى أكابر الأنبياء ﵈ كيعقوب وإسحاق وإبراهيم، يخلصهم من عقاب الله تعالى، ويوصلهم إلى ثوابه، وتكون لهم الدار الآخرة عند الله خالصة من دون الناس، فكذبهم الله في هذه الدعوى، وأعلمهم أن هذا الانتساب مع تكذيب أمر الله تعالى لا يفيدهم شيئًا، وكذلك شأن كل من اغتر بهذه الترهات، فإن عاقبة أمره تكون الندامة يوم القيامة.\nولما بيّن ﷾ أنهم لا يتمنون الموت، أثبت لهم ما فوق ذلك من تمني الضد الدال على علمهم بسوء منقلبهم، فقال:\n﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ﴾ هو من وجد، بمعنى علم المتعدي إلى مفعولين، وأفرد أفعل التفضيل الَّذي هو ﴿أَحْرَصَ﴾ لأنَّه أضيف إلى معرفة، والمعنى: ﴿لَتَجِدَنَّهُمْ﴾ بما تعلم من أحوالهم ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ﴾ والحرص طلب الاستغراق فيما يختص فيه الحظ، والتنكير في الـ ﴿حَيَاةٍ﴾ للإشارة إلى أنهم\n_________\n(١) هو دعاء مشهور، ولم أر أحدًا نسبه للنبي ﷺ.","vol":"1","page":268},{"text":"يحرصون على مطلقها، على أي صفة كانت، وهم قاطعون بأنه لا يخلو يوم منها عن كدر، فإنهم يعلمون أن الحياة وإن كانت في غاية الكدر خير لهم مما بعد الموت ﴿و﴾ أحرص ﴿من الذين أشركوا﴾ بالله تعالى سواء كان الذين أشركوا من عبدة الشمس أو الكواكب أو النور والظلمة، أو كانوا يعملون عمل الشرك.\nوفي هذا الكلام توبيخ عظيم لليهود، لأنَّ الذين أشركوا لا يؤمنون بعاقبة، ولا يعرفون إلا الحياة الدنيا، فحرصهم عليها لا يستبعد لأنَّها جنتهم، فإذا زاد عليهم في الحرص من له كتاب، وهو مقر بالجزاء، كان حقيقًا بأعظم التوبيخ، ومن وصل إلى هذه الدرجة من الحرص على الحياة ونسيان يوم الجزاء، كان سبيله سبيل أولئك اليهود الذين ذمهم تعالى في كتابه العزيز، وكان وجوده داعيًا إلى اختلال نظام العمران، وذلك أن المرء متى اشتد حرصه على الحياة اشتد حرصه على الاستئثار بالغلبة، والتفوق على أقرانه واتساع نطاق معيشته، فيدأب على استحصال الأسباب التي توصله لذلك، فإذا انضم إلى هذا نسيان الآخرة، وسلك مسلك من لا يعلم أن له معاقبًا يعاقبه على ما يفعل، استرسل في الظلم والتعدي، وسلب الناس حقوقهم وسعى في الأرض فسادًا، ولم يصغ لناصح، ولم يتأمل وعظ واعظ، وأعماه الكبر والتيه عن الحق، واقتدى به غيره، وفشى هذا الخلق إلى أن يصير كالملكة الراسخة في النفس، فيتغلب حينئذ القوي على الضعيف، وترجع الرابطة الدينية إلى الانحلال فيختل نظام العمران، وتستعد الأمة إلى أن تصير محكومة من غيرها مغلوبة على أمرها، كما حصل ذلك لبني إسرائيل، وكما جرى ذلك لغيرهم من الأمم الذين أخلدوا إلى الترف والنعيم، وتنافسوا في التفوق والغلبة، فأصبحوا فرقًا وشيعًا، ونشأ من بعدهم على مثل حالتهم، فانقرضت العصبية من بينهم، وآل أمرهم إلى الانحلال.\nولما بين تعالى شدة حرصهم على الحياة، بين مقدار ما يتمنونه، فقال: ﴿يود﴾ مأخوذ من الود، وهو صحة نزوع النفس للشيء المستحق نزوعها له. ﴿أحدهم﴾ أي: واحد منهم، فهو يتناول كل واحد منهم على سبيل البدل، فكأن المعنى: أنك إذ انظرت إلى حرص واحد منهم، وشدة تعلق قلبه بطول الحياة، وجدته ﴿يود﴾ ﴿لو يعمر ألف سنة﴾.","vol":"1","page":269},{"text":"والمراد هنا أنَّه تعالى بعدهم عن تمني الموت، من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء، ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت، وأما قول من قال: إن المراد خصوص الألف سنة، وأن هذا إشارة إلى قول الأعاجم لبعضهم: عش ألف نيروزٍ أو ألف مهرجان، فهو بعيد كل البعد عن معنى الكتاب العزيز، وعن صريح الآية الكريمة.\nوأورد السهيلي في \"الروض الأنف\" معنى آخر، وهو: أن العرب تطلق السنة على الدار، ثم أتبع هذا بقوله: فتامل هذا فإن العلم بتنزيل الكلام، ووضع الألفاظ في مواضعها اللائقة بها يفتح بابًا من العلم لإعجاز القرآن، انتهى.\nوهذا المعنى تساعده قراءة، لو يعمِر، بكسر الميم لو وُجدت (١).\nثم قال تعالى: ﴿وما هو﴾ أي تعميره. ﴿بمزحزحه من العذاب﴾، أي: وما ذلك التعمير المتمنى مؤثرًا في إزالة العذاب أقل تأثير، وعبر بـ ﴿من﴾ دون \"عن\" إعلامًا بأنهم لم يفارقوا العذاب دنيا ولا آخرة، وإن لم يحسوا به في الدنيا، ثم فسر الضمير في \"مزحزحه\" بقوله: ﴿أن يعمر﴾، أي: إنما يزحزحه من العذاب الطاعة المقرونة بالإيمان الصحيح، الَّذي ليس فيه تفرقة، وقوله تعالى: ﴿والله بصير بما يعملون﴾ يتضمن الوعيد والتهديد، والإعلام بأن علمه تعالى بجميع الأعمال، علم إحاطة وإدراك للخفيات.\nولما بين تعالى أعمالهم السابقة ذكر ما هو دقيق منها، من عراقتهم في الكفر، بعداوتهم لخواص الملائكة الذين هم خير محض، لا حامل أصلًا على بغضهم إلا الكفر، وبدأ بذكر المنزل للقرآن، لأنَّ عداوتهم للمنزل عليه من أجل ما نزل عليه عدواةٌ لمنزله، لأنَّه سبب ما كانت العداوة لأجله فقال أمرًا لنبيه، إعلامًا بما أبصره من خفي مكرهم القاضي بضرهم:\n﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ\n_________\n(١) إن القراءات لا تكون إلا بالمتواتر منها. والمروي دون المتواتر منها إن وجد كان قراءة شاذة. وأما افتراض قراءات بمجرد موافقة إحدى اللغات، فليس محله هنا.","vol":"1","page":270},{"text":"يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾.\nأجمع أهل التفسير على أن اليهود قالوا: جبريل عدونا، واختلفوا في كيفية ذلك، فروى ابن جرير وأبو داود الطيالسي، والإمام أحمد، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو نُعيم، والبيهقي في \"الدلائل\"، عن ابن عباس قال:\nحضرت عصابة من اليهود، رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا أبا القاسم حدثنا عن خلال نسألك عنهن لا يعلمهن إلا نبي، فقال رسول الله - ﷺ -:\n\"سلوا عما شئتم ولكن اجعلوا لي ذمة الله، وما أخذ يعقوب علي بنيه، لئن أنا حدثتكم شيئًا فعرفتموه أتبايعنّي على الإسلام؟ \" قالوا: ذلك لك، فقال رسول الله - ﷺ -: \"سلوني عما شئتم\" فقالوا: أخبرنا عن أربع خلال نسألك عنهن: أخبرنا أي الطعام حرم إسرائيل على نفسه من قبل أن تنزل التوراة، وأخبرنا كيف ماء المرأة وماء الرجل، وكيف يكون الذكر منه والأنثى، وأخبرنا بهذا النبي الأمي في التوراة ووليه من الملائكة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"عليكم عهدًا لله لئن أنا أنبأتكم لتبايعنَّي\" فأعطوه ما شاء الله من عهد وميثاق، فقال: \"نشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن إسرائيل يعقوب مرض مرضًا شديدًا فطال سقمه منه، فنذر لله لئن عافاه من سقمه ليحرِّمن أحب الطعام والشراب إليه؟ وكان أحب الطعام إليه لحم الإبل\"، قال ابن جرير: فيما أروي (١)، \"وأحب الشراب إليه ألبانها\"، فقالوا: اللهم نعم، فقال رسول الله: \"أشهد الله عليكم وأنشدتكم بالذي لا إله إلا هو الَّذي أنزل التوراة على موسى، هل تعلمون أن ماء الرجل أبيض غليظًا وأن ماء المرأة أصفر رقيقًا، فأيهما علا كان الولد والشبه بإذن الله، فإن علا ماء الرجل ماء المرأة كان الولد ذكرًا بإذن الله، وإن علا ماء المرأة ماء الرجل كان الولد أنثى بإذن الله؟ \" قالوا: اللهم نعم، قال: \"اللهم اشهد\" قال: \"وأنشدتكم بالذي أنزل التوراة على موسى هل تعلمون أن هذا النبي الأمي تنام عيناه ولا ينام\n_________\n(١) في الأصل تبعًا للطبري: \"فيما أرى\". وقال الشيخ شاكر: في المطبوعة \"فيما أرى\" خطأ والصواب ما أثبت.","vol":"1","page":271},{"text":"قلبه؟ \" قالوا: اللهم نعم، قال: \"اللهم اشهد\" قالوا: أنت الآن تحدثنا من وليك من الملائكة، فعندها نجامعك أو نفارقك، قال: \"فإن وليي جبريل، ولم يبعث الله نبيًا قط إلا هو وليه\"، قالوا: فعندها نفارقك، لو كان وليًا سواه من الملائكة تابعناك وصدقناك، قال: \"فما يمنعكم أن تصدقوه؟ \" قالوا: إنه عدونا، فأنزل الله ﷿: ﴿من كان عدوًا لجبريل﴾ إلى قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٠١] فباءوا بغضب على غضب.\nومثل ذلك روي عن شهر بن حوشب، والقاسم بن أبي بزة.\nوذهب الشعبي وقتادة والسدي، إلى أن سبب نزولها محاورة وقعت بين اليهود وبين عمر بن الخطاب، وذلك أن عمر نزل الروحاء فرأى رجالًا يبتدرون أحجارًا يصلون إليها، فقال: ما هؤلاء؟ فقالوا: يزعمون أن رسول الله صلى ههنا، فكره وقال: أيما (١)؟ رسول الله أدركته الصلاة بواد فصلى، ثم ارتحل فتركه.\nثم ذكر عمر أنَّه شهد يوم مِدْراسهم (٢) فجعل يعجب كيف أن التوراة تصدق القرآن، وكيف أن القرآن يصدق التوراة، قال: فبينا أنا عندهم ذات يوم، قالوا: يا ابن الخطاب ما من أصحابك أحد أحب إلينا منك، قلت: ولم ذلك؟ قالوا: إنك تغشانا وتأتينا، فقلت: إني آتيكم فأعجب من الفرقان يصدق التوراة، ومن التوراة كيف تصدق الفرقان، قال: ومر رسول الله - ﷺ -، فقالوا: يا ابن الخطاب ذاك صاحبكم فألحق به، قال: فقلت لهم عند ذلك: أنشدكم بالله الَّذي لا إله إلا هو، وما استرعاكم من حقه واستودعكم من كتابه أتعلمون أنَّه رسول الله؟ قال: فسكتوا، قال: فقال عالمهم وكبيرهم: إنه قد عظم عليكم فأجيبوه، قالوا: أنت عالمنا وسيدنا فأجبه أنت، قال: أما إذا نشدتنا به فإنّا نعلم أنَّه رسول الله، قال: فقلت: ويحكم، إذًا (٣): هلكتم، قالوا: إنا لم نهلك، قلت: كيف ذلك وأنتم تعلمون أنَّه رسول الله ثم لا تتبعونه ولا تصدقونه؟ قالوا: إنّ لنا عدوًا من\n_________\n(١) في الأصل: \"إنما\" وقال الشيخ شاكر: \"أَيْما\" استفهام وتعجب، يتعجب عمر من فعلهم.\n(٢) في الأصل: \"دخل مدراس\"، والتصحيح من الطبري.\n(٣) في الأصل: \"أي\". وقال الأستاذ شاكر: في المطبوعة \"أي هلكتم\" والصواب من ابن كثير.","vol":"1","page":272},{"text":"الملائكة، وسلمًا من الملائكة، وإنه قرن به عدونا من الملائكة، قال: قلت: ومن عدوكم ومن سلمكم؟ قالوا: عدونا جبريل وسلمنا ميكائيل، قال: فقلت: وفيم عاديتم جبريل؟ وفيم سالمتم ميكائيل؟ قالوا: إن جبريل ملك الفظاظة والغلظة والإعسار، والتشديد والعذاب ونحو هذا. وإن ميكائيل ملك الرأفة والرحمة والتخفيف، ونحو هذا. قلت: وما منزلتهما من ربهما؟ قالوا: أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، قلت: فوالله الَّذي لا إله إلا هو، إنهما والذي بينهما لعدو من عاداهما، وسلم لمن سالمهما، ما ينبغي لجبريل أن يسالم عدو ميكائيل، ولا لميكائيل أن يسالم عدو جبريل، قال: ثم قمت فاتبعت النبي - ﷺ -، فلحقته وهو خارج من مخرفة (١) لبني فلان، فقال: يا ابن الخطاب ألا أقرئك آيات نزلن، فقرأ علي: ﴿قل من كان عدوًا لجبريل﴾ الآيات، قال: فقلت: بأبي وأمي يا رسول الله، والذي بعثك بالحق لقد جئت وأنا أريد أن أخبرك الخبر، فاسمع اللطيف الخبير قد سبقني إليك بالخبر!\nوهذا الأثر رواه ابن أبي شيبة في المصنف، وإسحاق ابن راهويه في مسنده [وابن جرير] وابن أبي حاتم.\nهذا وحاصل ما كانوا يتحملونه لعدواتهم لجبريل ﵇: أنَّه يأتي بالخسف والهلاك، والجدب، ولو كان ميكائيل صاحب محمد لاتبعناه، لأنَّه يأتي بالخصب والسلم، ولكون جبريل دافع عن بختنصر حين أردنا قتله فخرب بيت المقدس وأهلكنا، وأنه يُطلِع محمدًا على سرنا، والخطاب في قوله تعالى: ﴿قل﴾ للنبي - ﷺ -، وقوله: ﴿من كان عدوًا لجبريل﴾ فعل شرط جوابه محذوف، دل عليه ما بعده، تقديره: لا وجه لها إلا العناد وادعاء الباطل، فلا يبالى بها.\nوأشار \"الحرالّي\" (٢) إلى أن هذه الآية تقتضي تكفير المعادي لجبريل،\n_________\n(١) في الأصل: (حومة). وقال الشيخ شاكر في المطبوعة: خرفة، وفي ابن كثير خوخة والصواب مخرفة وهي البستان أو سكة بين صفين من نخل.\n(٢) بل هذا من كلام البقاعي في \"نظم الدرر\" ٢/ ٦٦، وإنما توهمه المصنف لأنَّه وقع: ... واستغراقًا - قال الحرالي. ﴿كان عدوًا لجبريل﴾ أي فإنه ....... ورسله. ﴿وجبريل﴾ قال الحرالي: يقال هو اسم عبودية لأنَّ إيل ... عزرائيل انتهى. وعلى ذلك فالكلمة الأخيرة أي ﴿وجبريل﴾ لا موقع لها في سياق اقتضاء تكفير المعادي لجبريل بل جيء بها لتفسير معناها من قبل الحرالي.","vol":"1","page":273},{"text":"والمبغض له، فإنه قال: ﴿من كان عدوًا لجبريل﴾ فإنه لا يضر إلَّا نفسه، لأنَّه لا يبلغ ضره بوجه من الوجوه، ولعداوته، بعداوته له، لله الَّذي خصه بقربه، واختاره لرسالته، فكفر حينئذٍ هذا المعادي له بجميع كتب الله ورسله وجبريل انتهى.\nثم إنه تعالى علل ذلك بالخبر المحذوف بقوله: ﴿فإنه نزله﴾، أي: فإن جبريل نزل القرآن ﴿على قلبك﴾ وذلك هو الكتاب الَّذي كفر به اليهود لحسدهم للذي أنزل عليه بعدما كانوا يستفتحون به، الآتي بما ينفعهم، الداعي إلى ما يصلحهم، فيرفعهم، فالضمير في قوله: ﴿فإنه نزله﴾ يعود إلى القرآن، والثاني إلى جبريل، وإنما أرجع الضمير إلى القرآن، ولم يسبق له ذكر، ليبين فخامة شأن صاحبه، حيث يجعل لفرط شهرته كأنه يدل على نفسه، ويكتفي عن اسمه الصريح بذكر شيء من صفاته. وما جنحنا إليه أولًا من أن جواب قوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لجبريل﴾ محذوف، هو ما ذهب إليه \"أبو حيان\" في \"البحر\" وتبعه غيره، وجعل في \"الكشاف\" الجواب قوله: ﴿فإنه نزله﴾ وجعل فيه وجهين:\nأحدهما: إن عادى جبريل أحد من أهل الكتاب، فلا وجه لمعاداته حين نزل كتابًا مصدقًا للكتب بين يديه، فلو أنصفوا لأحبوه وشكروا له صنيعه لأنَّ في إنزاله ما ينفعهم، ويصحح المنزل عليهم.\nوالثاني: إن عاداه أحد، فالسبب في عداوته أنَّه نزل عليك القرآن مصدقًا لكتابهم وموافقًا له، وهم كارهون للقرآن ولموافقته لكتابهم، ولذلك كانوا يحرفونه ويجحدون موافقته له، كقولك: إن عاداك فلان فقد آذيته وأسأت إليه، انتهى.\nفيكون دخول الفاء في الجزاء على هذا الوجه مستحقًا لسببين: أحدهما: أنَّه جملة اسمية، والآخر: أنَّه ماضٍ صحيح، ورده أبو حيان بأنه تقرر في علم العربية أن اسم الشرط لا بد أن يكون في الجواب ضمير يعود عليه، فلو قلت: من يكرمني، فزيد قائم لم يجز، وقوله: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾، ليس فيه ضمير يعود على ﴿من﴾. وأيضًا: فإن فعل التنزيل ماضٍ فلا يصح أن تكون الجملة جزاءً. قوله تعالى: ﴿فإنه نزله على قلبك﴾، معناه: حفظك إياه وفهمكه بإذن الله وتيسيره وتسهيله، وإنما قال: ﴿على قلبك﴾ وهو يعني بذلك قلب محمد - ﷺ -، لأنَّ من","vol":"1","page":274},{"text":"شأن العرب إذا أمرت رجلًا أن يُحكى ما قيل له عن نفسه، أن تخرج فعل المأمور مرة مضافًا إلى كناية نفس المخبر عن نفسه، إذا كان المخبِرَ عن نفسه، ومرة مضافًا إلى اسمه، كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنَّه به مخاطب، فتقول في نظير ذلك: قل للقوم: إن الخير عندي كثير، فتخرج كناية اسم المخبر عن نفسه، لأنَّه المأمور أن يخبر بذلك عن نفسه، وقل للقوم: إن الخير عندك كثير، فيخرج كناية اسمه كهيئة كناية اسم المخاطب، لأنَّه وإن كان مأمورًا بِقيلِ ذلك، فهو مخاطب مأمور بحكاية ما قيل له، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ [آل عمران: ١٢] ويُغلبون، بالتاء والياء، ولا يستتب لك أن يجعل هذا من باب الخروج من الغيبة إلى التكلم الَّذي يسمى التفاتًا، فإن في هذا مزيدًا.\nوأتى بلفظ ﴿على﴾ في ﴿على قلبك﴾، لأنَّ القرآن مستعل على القلب، إذ القلب سامع له ومطيع، يمتثل ما أمر به ويجتنب ما نهي عنه، وكانت أبلغ من \"إلى\" لأنَّ \"إلى\" تدل على الانتهاء فقط، و\"على\" تدل على الاستعلاء، وما استعلى على الشيء يتضمن الانتهاء إليه، وقال: ﴿على قلبك﴾ ولم يقل: \"عليك\"، لأنَّ القلب هو محل العلم والعقل وتلقي الواردات، وهو سلطان الجسد، بدليل قوله - ﷺ -: \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهي القلب\" (١)، ويصح أن يراد بالقلب هنا الجملة الإنسانية، ودليله أن الله قد ذكر الإنزال على نبيه - ﷺ - في أماكن فقال: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ [طه] ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ [النساء: ١١٣]، فأتى بالكاف المشار إليها إلى الجملة الإنسانية.\nثم وصف الكتاب المنزل بقوله: ﴿مصدقًا لما بين يديه﴾ من كتب الله المنزلة، التي أعظمها كتاب اليهود المبغضين لجبريل، ولو أنصفوا لكانوا أحق الناس بالإيمان به، وكان جبريل أحق الملائكة بمحبتهم له لإنزاله، وكان كفرهم به\n_________\n(١) رواه البخاري (٥٢)، ومسلم (١٥٩٩) من حديث النعمان بن بشير.","vol":"1","page":275},{"text":"كفرًا بما عندهم، فلا وجه لعداوتهم له، و﴿مصدقًا﴾: منصوب على [الحال] (١) من الضمير المنصوب في ﴿نزله﴾، ومعنى كونه مصدقًا لما بين يديه، موافقًا لما قبله من كتب الأنبياء، فيما يرجع إلى المبادئ والغايات دون الأوساط التي يتطرق إليها الاختلاف بتبدل الأزمان والأوقات.\nثم وصفه وصفًا ثانيًا بقوله: ﴿وهدى وبشرى للمؤمنين﴾، أي: ﴿هدى﴾ إلى كل خير، لأنَّه كان ما وقع التكليف به من أفعال القلوب والجوارح، ﴿وبشرى للمؤمنين﴾ لأنَّ المؤمن إذا سمع القرآن حفظه ووعاه، وانتفع به واطمأن إليه، وصدق بموعود الله الَّذي وعده فيه، وكان على يقين من ذلك، فتحصل له البشرى بما أعد الله له من الثواب على أعماله التي أخلصها لمولاه، والبشارة في كلام العرب: إعلام الرجل بما لم يكن به عالمًا مما يسره من الخبر قبل أن يسمعه من غيره، أو يعلمه من قبل غيره.\nلما كانت عداوةُ واحد من الحزب - لكونه من ذلك الحزب - عداوةً لجميع ذلك الحزب، تلاه بقوله: ﴿من كان عدوًا لله﴾ لعداوته واحدًا من أوليائه لكونه من أوليائه ﴿وملائكته﴾ الذين لا يعصون الله ما أمرهم، ويفعلون ما يؤمرون، ﴿ورسله وجبريل وميكال﴾، فإنه قد كفر فأهلك نفسه بكفره، وعلى ذلك دل قوله تعالى: ﴿فإن الله عدو للكافرين﴾، وإنما لم يقل \"عدو لهم\"، فجاء بالظاهر دليلًا على ما ذكرنا من أن من عادى أولياء الله وملائكته، فإنه يعادي الله تعالى، ومن عادى الله تعالى فهو كافر، وحاصل المعنى: ومن عاداهم عاداه الله وعاقبه أشد العقاب.\nفإن قلت: كيف يجوز أن يكونوا أعداء الله، ومن حق العداوة الإضرار بالعدو، وذلك محال على الله تعالى؟\nأجيب بأن معنى العدواة على الحقيقة لا يصح إلا فينا، لأنَّ العدو للغير هو الَّذي يريد إنزال المضار به، وذلك محال على الله تعالى، بل المراد منه أحد وجهين:\n_________\n(١) زيادة من \"البحر المحيط\".","vol":"1","page":276},{"text":"إما أن يعادوا أولياء الله على ما ذكرنا فيكون عداوة لله كقوله: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [المائدة: ٣٣] وكقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأحزاب: ٥٧]، لأنَّ المراد بالآيتين أولياء الله دونه، لاستحالة المحاربة والأذية عليه.\nوإما أن يراد بذلك كراهتهم القيام بطاعته وعبادته، وبعدهم عن التمسك بذلك، فلما كان العدو لا يكاد يوافق عدوه أو ينقاد له، شبه طريقتهم في هذا الوجه بالعداوة، فأما عداوتهم لجبريل والرسل فصحيحة، لأنَّ الإضرار جائز عليهم، لكن عداوتهم لا تؤثر فيهم لعجزهم عن الأمور المؤثرة فيهم، وعداوتهم مؤثرة في اليهود لأنَّها في العاجل تقتضي الذلة والمسكنة، وفي الآجل تقتضي العذاب الدائم.\nلما فرغ ﷾ من ترغيبهم في القرآن بأنه من عند الله، وأنه مصدق لكتابهم، وفي جبريل بأنه الآتي به بإذن الله، ومن ترهيبهم من عداوته، أتبعه مدح هذا القرآن وأنه واضح الأمر لمريد الحق، وأن من كفر به منهم أو من غيرهم، فاسق، أي: خارج عما يعرف من الحق بحيث لا يخفى على أحد، فقال:\n﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ (٩٩)﴾.\nفقوله: ﴿ولقد﴾، معطوف على قوله: ﴿فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ﴾ [البقرة: ٩٧]، أو على قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ٩٢]، ويصح أن يكون عطفًا على مقدر تقديره: بَانَ (١) بهذا الَّذي نزله جبريل أن الآخرة ليست خالصة لهم، وأنهم ممن أحاطت به خطيئته لكفره.\nوالآيات البينات هي الدلالة الفاصلة بين القضية الصادقة والكاذبة، والمعنى: ولقد أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، فاصلات بين الحق والباطل، وتلك الآيات هي ما حواه ذلك الكتاب الَّذي أنزل إليك من خفايا علوم اليهود، ومكنون سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل، والنبأ عما\n_________\n(١) الأصل: \"إن\" والتصحيح من البقاعي.","vol":"1","page":277},{"text":"تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، وما حرفه أوائلهم وأواخرهم، وبدلوه من أحكامهم التي كانت في التوراة، فأطلع الله في كتابه الَّذي أنزله نبيه محمدًا - ﷺ -، على ذلك، فكان، [في] ذلك من أمره، الآياتُ (١) البينات لمن أنصف نفسه، ولم يدْعُه إلى إهلاكها الحسدُ والبغي.\nإذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة، تصديق من أتى بمثل الَّذي أتى به محمد - ﷺ - من الآيات البينات، التي وضعت من غير تعلم تعلمه من بشر، ولا أخذ شيئًا منه عن آدمي، ﴿وما يكفر﴾ بتلك الآيات ويجحدها ﴿إلا﴾ الخارج منهم عن دينه، التارك منهم فرائضي في الكتاب الَّذي تدين بتصديقه، فأما المتمسك منهم بدينه والمتبع منهم حكم كتابه، فإنه بالذي أنزلت إليك من آياتي مصدق، وهم الذين كانوا آمنوا بالله وصدقوا رسوله محمدًا - ﷺ - من يهود بني إسرائيل.\nهذا وقد جاء تفسير الفسق بالكفر، قال الحسن: إذا استعمل الفسق في نوع من المعاصي وقع على أعظم ذلك النوع من كفر وغيره، وعليه فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا المبالغ في كفره، المنتهي به إلى أقصى غايته، و\"ال\" في ﴿الفاسقون﴾ للجنس أو للعهد في اليهود، لأنَّ سياق ما قبله وما بعده يدل عليهم، والاستثناء هنا مفرغ.\nلما أنكر عليهم أولًا ردهم للرسل لأمرهم بمخالفة الهوى في قوله: ﴿أَفَكُلَمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ﴾ [البقرة: ٨٧] وأتبعه بما يلائمه إلى أن ختم بأن آيات هذا الرسول من الأمر البين الَّذي شهد به كتابهم، وقد أخذ عليهم العهد باتباعه، كما أرشد إليه قوله تعالى: ﴿فَإمَّا يَأْتِيَنَكُمُ مِنِي هُدًى﴾ [البقرة: ٣٨] الآية، أنكر عليهم ثانيًا كفرهم بما أتى به الرسل بقوله:\n﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)﴾.\nالواو للعطف على محذوف، ومعناه: أكفروا بالآيات البينات وكلما عاهدوا، وقرأ \"أبو السمال\" بسكون الواو، على أن ﴿الفاسقون﴾ بمعنى: الذين\n_________\n(١) في الأصل: (فكان ذلك ... الآيات). والتصحيح من الطبري.","vol":"1","page":278},{"text":"فسقوا، بجْعَل \"الـ\" موصولة، فكأنه قيل: وما يكفر بها إلا الذين فسقوا أو نقضوا عهد الله مرارًا كثيرة، واليهود موسومون بالغدر ونقض العهود، وكم أخذ الله الميثاق منهم ومن آبائهم فنقضوا، وكم عاهدهم رسول الله - ﷺ - فلم يفوا، كما أخبر عنهم تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ﴾ [الأنفال: ٥٦] سعيًا في التفرقة، وهكذا حال كل من نبذ عهد الله وشرعه، فإنه لا يستقيم على حالة، ولا يرى إلا غادرًا كاذبًا مخادعًا، مراوغًا، ولقد قص تعالى علينا نبأ أولئك اليهود، يحذرنا من أن نصنع مثل صنعهم، فيحيق بنا ما حاق بهم من العذاب.\nوقوله: ﴿نبذه﴾، النبذ الرمي بالذمام وطرحه محتقرًا له، والاستفهام في هذه الآية، للإنكار وإعظام ما يقدمون عليه، والمراد بالعهد هنا ما له تعلق بما تقدم ذكره، فيحمل نقضه على ترك ما تضمنته الكتب المتقدمة والدلائل العقلية، من صحة القول ونبوة النبي - ﷺ -، وقال ابن جريح: لم يكن في الأرض عهد يعاهدون عليه إلا نقضوه، ويعاهدون اليوم وينقضون غدًا.\nوقوله تعالى: ﴿بل أكثرهم لا يؤمنون﴾، يحتمل أن يكون معناه، أكثر أولئك الفساق لا يصدقون بك أبدًا لحسدهم وبغيهم، وأن يكون ﴿أكثرهم لا يؤمنون﴾، أي: لا يصدقون بكتابهم، لأنهم كانوا في قومهم كالمنافقين مع الرسول، يظهرون لهم الإيمان بكتابهم وبرسولهم، ثم لا يعملون بموجبه ومقتضاه.\nثم إنه تعالى أتبع هذا الإنكار ذكر الكتاب والرسول، كما فعل في الإنكار الأول، غير أنَّه صرح هنا بما طواه هناك فقال:\n﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾.\nأي: ﴿ولما﴾ جاء علماء اليهود وعلماؤها من بني إسرائيل، ﴿رسول﴾، وهو محمد - ﷺ - ﴿من عند الله مصدق لما معهم﴾: وصف الرسول بأنه ﴿من عند الله﴾ وبأنه ﴿مصدق﴾ تفخيمًا لشأنه، إذ الرسول على قدر المُرسل، وهذا","vol":"1","page":279},{"text":"يفيده الوصف الأول. والوصف الثاني يفيد: أنَّه خلق على الوصف الَّذي ذكر في التوراة، ويحتمل: أن المراد به تصديقه على قواعد التوحيد وأصول الدين، وأخبار الأمم والمواعظ والحكم.\nويحتمل: أن المراد أنَّه كان معترفًا بنبوة موسى ﵇، أو بصحة التوراة. ثم ﴿لما جاءهم الرسول﴾ الموصوف بهذه الصفات ﴿نَبَدَ فريقٌ من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾، فكتاب الله هو التوراة لأنهم بكفرهم برسول الله المصدق لما معهم كافرون بها، نابذون لها. وقيل: كتاب الله القرآن، وهو الأظهر، إذ الكلام مع الرسول - ﷺ - نبذوه بعدما لزمهم تلقيه بالقبول، كأنهم لا يعلمون أنَّه كتاب الله لا يدخلهم فيه شك، يعني: أن علمهم بذلك رصين، ولكنهم كابروا وعاندوا ونبذوه وراء ظهورهم. مَثَّل لتركهم وإعراضهم عنه، مثلًا بما يُرمى به وراء الظهر، استغناء عنه وقِلَّة التفات إليه.\nقال الشعبي: هو بين أيديهم يقرؤونه ولكنهم نبذوا العمل به. وقال سفيان: أدرجوه في الديباج والحرير، وحلوه بالذهب، ولم يحلوا حلاله ولم يحرموا حرامه، لكن كلام الشعبي وسفيان يدل على أن المراد بكتاب الله: التوراة.\nويمكنني أن أقول: المراد به جنس كتاب الله، لأنَّ القرآن لما كان مصدقًا لما معهم ونبذوه ظهريًا، كان نبذهم له نبذًا للتوراة، ويكون معنى قوله: ﴿كأنهم لا يعلمون﴾، أن القرآن والتوراة والإنجيل كتب الله، وأن كل واحد منها حق والعمل به واجب، وأشعرَ نفي العلم عنهم بأن ذلك النبذ كان عن علم ومعرفة، لأنَّه لا يقال ذلك إلا فيمن يعلم، فدلت الآية من هذه الجهة على أن هذا الفريق كانوا عالمين بصحة نُبوته، إلا أنهم جحدوا ما يعلمون، وقد ثبت أن الجمع العظيم لا يصح الجحد عليهم، فوجب القطع بأن أولئك الجاحدين كانوا في القلة بحيث تجوز المكابرة عليهم.\nولما كانت سنة الله جارية، بأنه: ما أمات أحدٌ سُنَّة إلا زاد في خذلانه، بأن أحيا على يده بدعة، أعقبهم نبذهم لكلام الله أولى الأولياء، إقبالهم على كلام الشياطين الذين هم أعدى الأعداء، فقال:","vol":"1","page":280},{"text":"﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٢)﴾.\nفهذا هو نوع آخر من قبائح أفعالهم. وجملة ﴿واتبعوا﴾ معطوف على جميع الجملة السابقة، من قوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ﴾ إلى آخرها، وهو إخبار عن حالهم عن اتباعهم ما لا ينبغي أن يتبع، ولا يصح عطف ﴿واتبعوا﴾ على ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، لأنَّ الاتباع ليس مرتبًا على مجيء الرسول، لأنهم كانوا متبعين ذلك قبل مجيء الرسول، بخلاف نبذ كتاب الله، فإنه مترتب على مجيء الرسول.\nوقوله: ﴿ما تتلو﴾ قيل: معناه: تتبع، قاله ابن عباس. أو تدعي، أو تقرأ، أو تحدث، قاله عطاء. أو تروي، قاله يمان. أو تعمل أو تكذب، قاله أبو مسلم. وهي أقوال متقاربة والأصح، أن ﴿تتلو﴾ بمعنى: تكذب، وعبر بالمضارع إشارة إلى كثرة الاتباع وفشوه واستمراره.\nواختلف المفسرون في من هو المخبر عنه بقوله تعالى: ﴿واتبعوا﴾؟ فذهب ابن جرير إلى أن ذلك توبيخ من الله تعالى، لأحبار اليهود الذين أدركوا رسول الله - ﷺ -، فجحدوا نبوته وهم يعلمون أنَّه لله رسول مرسل، وتأنيب لهم في رفضهم تنزيله وهجرهم العمل به، وهو في أيديهم يعلمونه ويعرفون أنَّه كتاب الله، واتباعهم واتباع أسلافهم وأوائلهم ما تلته الشياطين في عهد سليمان، وكثيرًا ما يضاف أفعال أسلافهم إليهم في الكتاب العزيز، لحذو المتأخر منهم حذو المتقدم.\nوذهب الرازي إلى أن الخبر يتناول الكل، أعني من كان زمن سليمان ومن بعده، قال: وهذا أولى لأنَّه ليس صرف اللفظ إلى البعض أولى من صرفه إلى غيره، إذ لا دليل على التخصيص، انتهى.","vol":"1","page":281},{"text":"وأقول: ما قاله ابن جرير أولى، لأنا بيّنا أن الآية معطوفة على التي قبلها، وهي: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ﴾ والجائي هو محمد - ﷺ -، فيكون هذا دليلًا على التخصيص، وأيًا ما كان فالمعنيان متقاربان.\nواختلف فيما هو المراد بـ \"الشياطين\"، وظاهر اللفظ أنهم شياطين الجن، لأنَّه إذا أطلق الشيطان تبادر إلى أنَّه من الجان، وقيل: المراد شياطين الإنس، وهو قول المتكلمين من المعتزلة، وقيل: هم شياطين الإنس والجن.\nوالذي يظهر لي: أن المراد بهم شياطين الإنس لأنهم هم الذين يظهرون للناس ويتلون عليهم الأخبار، ويفسدون عليهم عقائدهم، وذلك أن تلك الفئة من الشياطين طعنوا في نبوة سيدنا سليمان، وأوهموا الناس أنَّه كان ساحرًا، وأنه ما وصل إلى ما وصل إليه من الملك إلا بسبب السحر، وأنه كان يسخر به الجن والإنس والريح التي كانت تجري بأمره، وأن ما كان يظهر على يده ليس بشيء من المعجزات وإنما هو سحر محض.\nومن هنا شاع بين الناس صنع العزائم لتسخير الأرواح واستخدامها، وشاع بينهم أسماء خاتم سليمان، وأسماء عصا موسى، وتناقل الناس أمثال ذلك سلفًا عن خلف حتَّى إلى زمننا هذا، وأودع الكتب.\nومن هنا أيضًا كان المنافقون والمشركون يقولون عن النبي - ﷺ -: إنه ساحر، فقوله تعالى: ﴿على ملك سليمان﴾، متعلق بمحذوف تقديره: افتراء ﴿على ملك سليمان﴾، وملكه: شرعه ونبوته وحاله.\nولما كان السحر كفرًا نزه الله تعالى نبيه عنه، فقال: ﴿وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا﴾، الآية، أي: ليس ما اختلقه الجن من نسبة ما تدعيه إلى سليمان تعاطاه سليمان لأنَّه كفر، ومن نبأه الله مُنزه عن المعاصي الكبائر والصغائر، فضلًا عن الكفر، وفي هذا دليل على صحة نفي الشيء عما لا يمكن أن يقع منه، لأنَّ النبي لا يمكن أن يقع منه الكفر، ولا يدل هذا على أن ما نسبوه إلى سليمان من السحر يكون كفرًا، إذ يحتمل أنهم نسبوا إليه الكفر مع السحر.","vol":"1","page":282},{"text":"ثم بين تعالى كفر الشياطين بقوله: ﴿يعلمون الناس السحر﴾ أي: الَّذي ولدوه هم بما يزينونه من حاله ليعتقد أنَّه مؤثر بنفسه ونحو ذلك، كما أن الأنبياء وأتباعهم يعلمون الناس الحق بما يتبينونه من أمره.\nواختلف المفسرون في سبب كفر الشياطين هنا فقيل: هو بتعليم السحر، وقيل: تعلمهم به، وقيل: بتكفيرهم سليمان ﵇، وظاهر الآية يقتضي أنهم إنما كفروا لأجل أنهم كانوا يعلمون الناس السحر، لأنَّ ترتيب الحكم على الوصف مشعر بالعلّية، وتعليم ما لا يكون كفرًا لا يوجب الكفر، فصارت الآية دالة على أن تعليم السحر كفر، وعلى أن السحر أيضًا كفر.\nومن لا يسلّم بأن قاعدة ترتيب الحكم على الوصف تفيد العلية، يقول: إنهم كفروا، وهم مع ذلك يعلمون الناس السحر، فيجعل جملة ﴿يعلمون﴾ في موضع الحال من الضمير في ﴿كفروا﴾، وصاحب القول الأول يجعل الجملة بدلًا من ﴿كفروا﴾ بدل الفعل من الفعل، واختار أبو حيان في \"البحر\" و\"النهر\" أنها استئناف إخبار.\nوعلى كل فكفر الشياطين لم يكن لأجل السحر، بل لأجله مقترنًا به قصد الإغواء والإضلال، لأنَّ سياق الآية يدل على أنهم إنما فعلوا ذلك إضلالًا للقوم، لينفوا نبوة سليمان ﵇، وليبدلوا ما جاء في شرعه بما لفقوه من السحر والمحال، فلا يقال: لو كان تعليم السحر كفرًا لكفرت الملائكة الذين كانوا ببابل، مع أن الملائكة معصومون.\nوقوله تعالى: ﴿وما أنزل على الملكين﴾، عطف على السحر، أي: ويعلمونهم ما أنزل الله على الملكين، وظاهر العطف التغاير، فلا يكون ما أنزل على الملكين سحرًا، وقيل: هو معطوف على ﴿ما تتلوا الشياطين﴾ والمعنى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين والذي أنزل، وظاهره أن ما علموه للناس أو ما اتبعوه هو منزل، ومن ثم قال الحرالي: فيه إنباء بأن هذا التخييل ضربان: مودع في الكون، وهو ما علمته الشياطين؛ ومنزل من غيب، وهو المتعلم من الملكين، انتهى.","vol":"1","page":283},{"text":"والذي أختاره: أن موضع ﴿ما﴾ من قوله تعالى: ﴿وما أنزل﴾، جر عطفًا على ﴿ملك سليمان﴾ وتقديره: ﴿واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان﴾، ﴿و﴾ على ﴿ما أنزل على الملكين﴾، وذلك لأنَّ السحر لو كان نازلًا عليهما لكان منزله هو الله تعالى، ولا يليق به تعالى إنزال ذلك، ولا ينبغي أن يستبعد هذا، لأنَّ هذا القرآن منزل من عند الله تعالى، ومع ذلك قد ترى كثيرًا من الناس تركوا العمل به وأتوا آياته فجعلوها طلاسم وعزائم، فقالوا مثلًا: الآية الفلانية إذا كتبت مقلوبة مثلًا على عظم ميت أو غيره بدم خفاش، وقنفذ أو نحو ذلك، ودفنت في طريق قوم أو في منزلهم حصلت بينهم العدواة والبغضاء، وإذا نفر محب عن محبوبه فلتكتب له آية كذا في أشياء اخترعوها، فإن المحبين يتواصلان إلى غير ذلك مما هو مسطور في كثير من الكتب التي بأيدي الناس، وحاشى أن يكون القرآن أنزل لأمثال هذه المقاصد السافلة.\nفإن قلت: ما هو الَّذي أنزل على الملكين حينيذٍ؟\nقلت: هو الشرع والدين، وكيفية ترتيب الأجرام العلوية، وتشريح الأفلاك وما أوح تعالى بها من الخصائص، ويحتمل أن يكون مع ذلك فن النبات وما أودع فيها وفي المعادن من الخواص، وباقي المواليد الثلاثة وما يشملها من الطبيعي والرياضي، ثم إن الشياطين تركوا ما أنزلت هذه العلوم لأجله، واشتغلوا بأحكام فن النجوم ليتوصلوا به إلى السحر، واستعملوا المعدنيات فيما يورث التخيل، ويحل رابطة الألفة بين المرء وزوجه.\nوكان الملكان يقولان للمتعلم منهما: ﴿إنما نحن فتنة﴾، أي: إنا أتينا هذه العلوم فتنة واختبارًا لكم، وتعليمًا لما ينفعكم في أمر معاشكم من معرفة الأوقات، وإظهار حكمة الباري تعالى، فلا تتركوا ما لأجله كانت هذه العلوم، وتتبعوا ما لم تنزل لأجله فتكفروا بذلك، فكانوا لا يصغون إلى النصيحة، ويتعلمون منهما الَّذي يقصدون به التفريق بين المرء وزوجه، وأمثال هذه المؤذيات.\nفرد عليهم تعالى في بقية هذه الآية، فكان مثله كمثل من يتعلم فن النبات والحيوان والمعادن، ثم لا يلتفت منه إلا إلى تركيب السموم والأشياء المضرة","vol":"1","page":284},{"text":"بالعقل والدماغ، وكمن يتعلم فنون الفلك من تشريح الأفلاك، ورصد كواكبها، ومعرفة فن الميقات بها، ثم يترك ذلك ويشتغل بفن أحكام النجوم ليتوصل إلى كشف المغيبات بزعمه.\nوإلى استخدام روحانية الكواكب على نمط مخصوص كما جرى ذلك لأهل بابل، فإنهم توغلوا في هذا النوع حتَّى ادعوا ألوهية الكواكب، وجعلوها معبودة لهم من دون الله تعالى، وصوروا لها صورًا ورتبوا لها الأدعية وقربوا لها القربان، واخترعوا لعبادتها لباسًا مخصوصًا، وهذا كله معلوم لمن اطلع على البقية الباقية من الكتب المأخوذة عن القوم، ولهذا كثر الرد عليهم في القرآن الكريم، ونبهنا تعالى عن أن نكون مثلهم في هذه الآية الكريمة. فتأمل ما أجملناه هنا، فلعله أن يكون مرادًا من هذه الآية الكريمة، وهو تعالى الهادي.\nوقوله: ﴿على الملكين﴾، قرأهما الحسن بكسر اللام، وهو مروي عن \"الضحاك، وابن عباس\" وأما ﴿بابل﴾، فقال في القاموس: بابل كصاحب، موضع بالعراق ينسب إليه السحر والخمر، وقال أبو معشر: الكلدانيون هم الذين كانوا ينزلون ببابل في الزمن الأول، ويقال: إن أول من سكن بابل نوح ﵇، وهو أول من عمرها وكان نزلها عقب الطوفان، فسار هو ومن خرج معه من السفينة إليها لطلب الدفء، فأقاموا بها وتناسلوا فيها، وكثروا من بعد نوح وملكوا عليهم ملوكًا وابتنوا بها مدائن، فصارت مساكنهم متصلة بدجلة والفرات إلى أن بلغوا من دجلة إلى أسفل كسكر، ومن الفرات إلى ما وراء الكوفة، وموضعهم هو الَّذي يقال له: السواد، وكانت ملوكهم تنزل بابل، وكان الكلدانيون جنودهم، فلم تزل مملكتهم قامْة إلى أن قتل \"دارًا\" آخر ملوكهم، ثم قتل منهم خلق كثير، فذلوا وانقطع ملكهم كذا في \"معجم البلدان\" لياقوت.\nوقال \"هشام بن محمد\": إن الَّذي بنى مدينة بابل \"بيوراسف الجبار\" واشتق اسمها من اسم المشتري، لأنَّ بابل باللسان البابلي الأول، اسم لكوكب المشتري، وذكر في التوراة أن آدم ﵇ كان في أول أمره مقيمًا ببابل.","vol":"1","page":285},{"text":"وهاروت وماروت بيان للملكين علمان لهما، وقيل بدل من الناس، وعليه فلا يكونان اسمين للملكين، وعلى الأول اقتصر صاحب الكشاف. ثم بين تعالى نصيحة الملكين بقوله: ﴿وما يعلمان من أحد﴾ فـ ﴿من﴾ جيء بها لتأكيد استغراق الجنس، لأن ﴿أحد﴾ من الألفاظ المستعملة للاستغراق في النفي العام، فزيدت هنا لتأكيد ذلك.\nوقوله: ﴿حتَّى يقولا إنما نحن فتنة﴾ أي: ابتلاء واختبار من الله، وذلك كما ابتلي قوم طالوت بالنهر، ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]. وقوله: ﴿فلا تكفر﴾، قد بينا فيما مضى ما ظهر لنا من معناه، ولنذكر هنا مسالك المفسرين: أي فلا تتعلم منا السحر معتقدًا أنَّه حق فتكفر. قال علي ﵁: كانا يعلمان تعليم إنذار لا تعليم دعاء إليه، كأنهم يقولان: لا تفعل كذا. وقال \"المهدوي\": إن قولهما ﴿إنما نحن فتنة فلا تكفر﴾ استهزاء، لأنهما إنما يقولانه لمن قد تحققا ضلاله. وقال غيره: إنما هو توكيد لقبول الشرع والتمسك به، فكانت طائفة تمتثل وأخرى تخالف. وهذه الأقوال وغيرها تحوم حول ما ذكرناه.\nوقوله: ﴿فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، معطوف على شيء دل عليه أول الكلام، كأنه قال: فيأبون فيتعلمون، واختار \"الزجّاج\" هذا الوجه، وقال \"الفراء\": هو عطف على ﴿يعلمون الناس السحر ... فيتعلمون منهما﴾، والأقرب أنَّه معطوف على ﴿يعلمان﴾ المنفية لكونها موجبة في المعنى، وقوله: ﴿منهما﴾ الضمير في الظاهر عائد على الملكين، وقال \"أبو مسلم\": عائد على أو ﴿فتنة﴾ والكفر الَّذي هو مصدر مفهوم من قوله: ﴿فلا تكفر﴾، والتقدير: فيتعلمون من الفتنة والكفر مقدار ﴿ما يفرقون به بين المرء وزوجه﴾، والتفريق هنا تفريق الألفة والمحبة، بحيث تقع الشحناء والبغضاء فيفترقان، وتحتمل أن يكون المراد به تفريق الدين، بحيث إذا تعلم فقد كفر وصار مرتدًا، فيكون ذلك مفرقًا بينهما، والآية لا تدل على أن الَّذي يتعلمونه منهما ليس إلَّا هذا القدر، لكن ذكرت هذه الصورة تنبيهًا على سائر الصور، فإن استكانة المرء إلى زوجته وركونه","vol":"1","page":286},{"text":"إليها معروف زائد على كل مودة، فنبه تعالى بذكر ذلك على أن السحر إذا أمكن به هذا الأمر على شدته فغيره به أولى.\nأما قوله تعالى: ﴿وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله﴾ فإنه يدل على ذلك المعنى، لأنَّه أطلق الضرر ولم يقصره على التفريق بين المرء وزوجه، فدل ذلك على أنَّه تعالى إنما ذكره لأنَّه من أعلى مراتبه. ولما أكد تعالى استغراق هذه الجملة بضروب من التأكيد، تلاه بمعيار العموم، فقال: ﴿إلا بإذن الله﴾ لأنَّه ربما أحدث الله عنده فعلًا من أفعاله وربما لم يحدث. ولما كان هذا الَّذي تقدم وإن كان للعامل به نفع على زعمه، فضرَّه أكبر من نفعه، أتبعه قسمًا آخر ليس للعامل به شيء غير الضر، فليس الحامل على تعلمه إلا إيثار اللحاق بإبليس وحزبِه، فقال: ﴿ويتعلمون﴾، أي: من السحر ما يضرهم، لأنَّ مجرد العمل به كفر أو معصية. ثم حقق أنَّه ضرر كله لا شائبة للنفع فيه، بقوله: ﴿ولا ينفعهم﴾، لأنه لا تأثير له أصلًا، أو لأنهم يقصدون به الشر، والآية تدل على أن اجتنابه أصلح، كتعلم أحكام النجوم وأشباهه، لأنه لا يؤمن أن يجر إلى الغواية.\nثم أتبع تعالى ما يعرف أنهم ارتكبوه على علم، فقال محققًا مؤكدًا: ﴿ولقد علموا\" أي: اليهود، وهذا كان لأنهم أسفه الناس، ﴿لمن اشتراه﴾ أي: آثره على ما يعلم نفعه من الإيمان، بأن استبدل ﴿ما تتلو الشياطين﴾ من كتاب الله ﴿ما له في الآخرة﴾ الباقية الباقي نفعها ﴿من خلاق﴾ أي: نصيب موافق أصلًا، والخلاق: الحظ اللائق لمن يقسم له النصيب، من الشيء، كأنه موازن به خلق نفسه وخلق جسمه.\nثم جمع لهم المذام على وجه التأكيد فقال: ﴿ولبئسما شروا﴾، أي: باعوا على وجه اللجاجة ﴿به أنفسهم﴾، إشارة إلى أنَّه مما أحاط بهم فاجتث نفوسهم من أصلها، فأوجب لهم الخلود في النار.\nثم قال، بعد إثبات العلم لهم: ﴿لو كانوا يعلمون﴾، أي: لو كان لهم قابلية لتلقي واردات الحق، إشارة إلى أن هذا لا يقدم عليه من له أدنى علم، فعلمهم الَّذي أوجب لهم الجرأة على هذا عدم، بل العدم خير منه.","vol":"1","page":287},{"text":"وبهذا يتضح الجواب عن السؤال الوارد هنا، وهو أن يقال: كيف أثبت لهم العلم أولًا في قوله: ﴿ولقد علموا﴾ على سبيل التأكيد القسمي، ثم نفاه في قوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ وأجاب عنه في \"الكشاف\" بقوله: معناه ﴿لو كانوا يعلمون﴾ بعلمهم، جعلهم حين لم يعملوا به كأنهم منسلخون عنه. وأجاب \"الأخفش\"، و\"قطرب\" بالفرق، فجعلا الذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه، وهم الذين قال تعالى في حقهم: ﴿نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ [البقرة: ١٠١]، وأما الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر، فهم الذين لا يعلمُون. وأجيب أيضًا بتسليم أن الكل واحد، المثبت لهم العلم والنافي عنهم، لكنهم علموا شيئًا وجهلوا شيئًا آخر، علموا أنهم ليس لهم في الآخرة خلاق، لكنهم جهلوا مقدار ما فاتهم من منافع الآخرة، وما حصل لهم من مضارها وعقوباتها.\nولما بين تعالى ما عليهم فيما ارتكبوه من المضار، أتبعد ما في الإعراض عنه من المنافع، فقال:\n﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ خَيْرٌ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (١٠٣)﴾.\n﴿ولو أنهم آمنوا﴾ أي: بما دعوا إليه من هذا القران، ومن اعتقاد أن الفاعل في كل شيء إنما هو الله تعالى، لا السحر، ﴿واتقوا﴾ ما يقدح في الإيمان من الوقوف مع ما كان حقًّا فنسخ من التوراة فصار باطلًا، ومن الإقدام على ما لم يكن حقًّا أصلًا من السحر، لأثيبوا خيرًا مما تركوا لأن (من ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه) (١)، هكذا الجواب، ولكنه عبر عنه بما يقتضي الثبوت والدوام والشرف إلى غير ذلك مما تقصر عنه الأذهان من بلاغات القرآن، فقال: ﴿لمثوبة﴾ صيغة مفعُلة بضم العين، من الثواب، وهو الجزاء بالخير، وفي الصيغة إشعار بعلو وثبات، وشرفها [بقوله: ﴿من عند الله﴾ زادها شرفًا] (٢) بقوله: ﴿خير﴾ مع حذف المفضل عليه.\n_________\n(١) صح معناه بسند على شرط مسلم بلفظ: \"إنك لن تدع شيئًا لله ﷿ إلا بذلك الله به ما هو خير لك منه\". أخرجه أحمد ٥/ ٣٦٣ (٢٣٠٦٨). وتراجع \"السلسلة الصحيحة\" برقم (٥).\n(٢) زيادة من البقاعي.","vol":"1","page":288},{"text":"قال الحرالّي: وسوى بين هذه المثوبة ومضمون الرسالة في كونهما من عند الله تشريفًا لهذه المثوبة، وإلحاقًا لها بالنمط العلي من علمه وحكمته، ومضاء كلمته، انتهى.\nويجوز أن يكون قوله: ﴿ولو أنهم آمنوا﴾ تمنيًا لإيمانهم على سبيل المجاز عن إرادة الله إيمانهم واختيارهم له، كأنه قيل: وليتهم آمنوا، ثم ابتدأ ﴿لمثوبة من عند الله خير﴾، وقال الشيخ \"برهان الدين البقاعي\" في كتابه \"نظم الدرر في تناسب الآيات والسور\": وهذه المثوبة عامة لما يحصل في الدنيا والأخرى من الخيرات، التي منها ما يعطيه الله لصالحي عباده، من التصرف بأسماء الله الحسنى على حسب ما تعطيه مفهوماتها من المنافع، ومن ذلك واردات الآثار، ككون الفاتحة شفاء، وآية الكرسي حرزًا من الشيطان، ونحو ذلك من منافع القرآن والأذكار والتبرك بآثار الصالحين ونحوه.\nثم أكد الخبر بقوله: ﴿لو كانوا يعلمون﴾. جواب ﴿لو﴾ محذوف، تقديره: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ لكان تحصيل المثوبة خيرًا، يعني: سبب المثوبة وهو الإيمان والتقوى، وقيل: المعنى ﴿لو كانوا يعلمون﴾ بعلمهم، ولما انتفت ثمرة العلم الَّذي هو العمل جعل العلم منفيًا.\nوقال: \"علي بن أحمد بن الحسن التجيبي الحرالّي\" بتشديد اللام، المغربي نزيل \"حماة\" في كتابه \"مفتاح الباب المقفل لفهم القرآن المنزل\": في قوله تعالى: ﴿لو كانوا يعلمون﴾ إشعار برتبة من العلم أعلى وأشرف من الرتبة التي كانت تصرفهم عن أخذ السحر، لأنَّ تلك الرتبة تزهد في علم ما هو شر، وهذه ترغّب في منال ما هو خير، وفيه بشرى لهذه الأمة، بما في كتابهم من قبول هذا العلم الَّذي هو علم الأسماء، ومنافع القرآن يكون لهم عوضًا من علم السيمياء الَّذي هو باب من السحر، وعساه أن يكون من نحو المنزل على الملكين.\nقال - ﷺ -: \"من اقتبس علمًا من النجوم اقتبس بابًا من السحر، زاد ما زاد\" (١)\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" (٦٠٧٤) للألباني بترتيبي.","vol":"1","page":289},{"text":"وحقيقة السيمياء أمر من أمر الله، أظهر آثاره في العالم الأرضي على سبيل أسماء وأرواح خبيثة، من بواطن الفتن في العلويات من النيرات والكواكب والصورة، وما أبداه منه في علوم وأعمال لا يثبت شيء منه مع اسمه تعالى، بل يشترط في صحته إخلاؤه عن اسم الله وذكره والقيام بحقه، وصرف التحنثات والوجهة إلى ما دونه، فهو لذلك كفر، موضوع فتنة لمن شاء الله أن يفتنه به، حتَّى كانت فتنة اسم السيمياء من هدى الاسم بمنزلة اسم اللات والعزى من هداية اسم الله العزيز، ولله كلية الخلق، والأمر، هدى وإضلالًا، إظهارًا لكلمته الجامعة الشاملة لمتقابلات الأرواح، قسمه إلى دارين، دار نور رحماني من اسمه العزيز الرحيم، ودار نار انتقامي من اسمه الجبار المنتقم ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ [الروم: ١٤].\nولما جعل سبحانه من المضرة في السحر ونحوه، كان من المثوبة لمن آمن واتقى من هذه الأمة سورة الفلق والناس المعوذتان حرزًا وابطالًا، وتلقفًا لما يأفك سحر الساحرات عوضًا دائمًا باقيًا لهذه الأمة من عصا موسى، فهما عصا هذه الأمة التي تلقف ما يأفك سحر الساحرات، عوضًا دائمًا بما فيهما من التعويذ الجامع للعوذة من شر الفلق الَّذي من لمحة منه كان السحر مفرقًا، فهما عوذتان من وراء ما وراء السحر ونحوه، وذلك من مثوبة الدفع مع ما أوتوا من مثوبة النفع، ويكاد أن لا يقف مرجاة هذه الآية (١) لهذه الأمة عند غاية من منال الخيرات، ووجوه الكرامات، انتهى كلامه.\n_________\n(١) الأصل: (رجاة هذه الأمة) والتصحيح من \"نظم الدرر\".","vol":"1","page":290},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-299>اسْتِنْبَاط الأحكَام مِنْ هَذِه الآيَة</span>\nدلت هذه الآية الكريمة على أمور:\nأحدها: أن علوم الأوائل أنزلت على هاروت وماروت ببابل، وعلى أن الشياطين سواء كانوا من الجن، أو من الإنس، هم الذين يعلمون السحر للناس، فيصرفون تلك العلوم عن مقاصدها الأصلية، وعما وضعت له إلى ما ينتج عنها من نتائج الضرر، وقد صرحت هذه الآية بأن أهل بابل هم أول من اشتغل بتلك العلوم، وقد أنبأ بذلك آثارهم التي وجدت وتوجد إلى الآن في بطون آثار بابل، ثم تهافت عليهم أهل مصر القدماء، فأخذوا الفلسفة والسحر عنهم.\nولما كان أهل بابل أهل عبادة أصنام وأوثان، وخدمة للكواكب وتقرب إليها، كان أقباط مصر كذلك؛ لأخذهم العلوم عنهم، فعبدوا الكواكب، وتقربوا إليها وأقاموا لها التماثيل، واخترعوا لها الأدعية والعزائم، فكان حكماء اليونان وفلاسفتهم وغيرهم، يتهافتون على أهل مصر يريدون التقريب إليهم، لما كان عندهم من علوم السحر والطلسمات، والهندسة والنجوم والطب، والحساب والسيمياء والكيمياء، وكانت كهنة مصر أعظم كهان ذلك الزمان قدرًا، وأجلها بالكهانة علمًا كما ذكره \"ابن أبي أصيبعة\" قال:\nوكانت حكماء اليونان تصفهم بذلك وتشهد لهم به، وكانوا ينحون بكهانتهم نحو النجوم، ويزعمون أنها هي التي تفيض لهم العلوم وتخبرهم بالغيوب، وهي التي تعلمهم أسرار الطوالع وصفة الطلاسم، وتدلهم على العلوم المكتومة والأسماء الجليلة المخزونة، فعملوا الطلسمات والنواميس، وولدوا الأشكال الناطقة، وصوروا الصور المتحركة، وبنوا العالي من البنيان، ورمزوا علومهم في","vol":"1","page":291},{"text":"الحجارة، وعملوا من الطلسمات (١) ما نفوا به الأعداء عن بلادهم، وآثارهم ظاهرة إلى اليوم في البراري (٢) والأهرامات.\nولما خالط الإسرائيليون أهل مصر أخذوا منهم فن السحر والطلسمات، واتبعوا ذلك، وازداد اتباعهم له في عهد سليمان، فتركوا شرعهم وأنكروا النبوات اتباعًا للفلاسفة، فرد عليهم تعالى، بهذه الآية بقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢] وأخبر أن معتقدهم إنما هو اعتقاد البابليين الصابئة عبدة الأوثان، وأن هذا كفر، وأن ما كان يفعله سليمان إنما هو بطريق المعجزة، لا بطريق ما ادعوه من أنَّه سخَّر الجن والريح بالسحر، لأنَّه كفر، ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا﴾ [البقرة: ١٠٢] فانظر إلى هذا الَّذي نقله العلماء عن أهل بابل ومصر، وانظر إلى تلك الآية فإنك تراها مجملة تاريخ العلوم الفلسفية، ونشأتها في أهل بابل وانتقالها إلى أقباط مصر، ثم انتقال نوع منها إلى الإسرائيليين على أبلغ وجه وأخصره.\nوكان أهل بابل، ثم الأقباط، ثم فلاسفة اليونان من بعدهم، لهم مسلك في نوع من علومهم، سلكوا في بيانه مسالك الخرافات، بأن يرتبوا حكاية على ألسنة البهائم أو غيرها، يشيرون بها إلى نوع من علومهم على سبيل الرمز والإيماء، كما اخترعوا قصة \"إبسال وسلامان\" وأشار إليهما الشيخ الرئيس \"ابن سينا\"، وقصة \"حي بن يقظان\" التي شرحها \"أبو جعفر بن الطفيل\"، وكما اخترعوا \"لغز قابس\" إشارة إلى أن دوران الفلك وتصرفات الأمور ليس إلا على سبيل الصدفة، وكذلك اخترعوا قصة \"هاروت وماروت\" و\"الزهرة\"، ولقد رأيت كتابًا مترجمًا على اللغات سماه صاحبه \"خرافات اليونان\"، وفيه كثير من الأشياء التي يذكرها المفسرون في كتبهم.\nثم إن الإسرائيليين لغلظ أكبادهم، أخذوا تلك الخرافات على حقيقتها ودسوها في أول الملة الإسلامية، فأخذت عنهم على سبيل الحقيقة، وأودعها المؤلفون كتبهم بأسانيد متصلة إلى كعب ووهب وغيرهما، وجعلوها في كتب\n_________\n(١) كذا الأصل ولعله أراد الأبنية والأسوار والخنادق.\n(٢) الأصل (البرابي) ولعلها تصحيف.","vol":"1","page":292},{"text":"تفسير كتاب الله تعالى، غير منبهين على مقاصدها، فعلق الناس بها وجعلوها من جملة الآثار، وفطن لها بعض المحققين من علماء هذه الملة، فزيفوها وبينوا المقاصد منها.\nوممن صرح بأن حكاية الزهرة مع هاروت وماروت مخترعة على سبيل الخرافات، العلامة المحقق \"عبد الحكيم السيالكوتي\" في حاشيته على شرح المواقف، فإنه قال عند قول صاحب المواقف: \"وأما الرؤيا فخيال باطل عند المتكلمين\". ما لفظه: أي: تجعله إحساسًا بشيء وليس ذلك بإحساس، لانتفاء شرائطه الحقيقية أو العادية، وهذا لا ينافي كونه حكاية عن أمر ثابت في نفس الأمر، موجبًا لعلمه بعد التعبير، كالحكايات المخترعة للمعارف الحقيقية، كقصة هاروت وماروت، وسلامان، وإبسال. انتهى.\nفصرح بأن هاتين الحكايتين وأمثالهما مما اخترع للمعارف الحقيقية، فظن بعض من لا إلمام له بالحقائق: أنها هي الحقيقة ذاتها، ويحتمل أن ابن عباس وغيره ممن رويت عنه تلك الحكايات - إن صحت الرواية، أنهم ذكروها على سبيل المثال، وحكاية رمز القدماء لعلومهم، فأخذها الراوون عنهم مسلمة على ظاهرها، فتفطَّنْ لِذلك، ومحِّص ما يصل إليك من العلوم، وزنه بميزان العقل تظفر بالهدى (١).\nالأمر الثاني: دلت الآية على كون السحر يؤثر في أمور غريبة، كما قال تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ [البقرة: ١٠٢] ودلت عليه السنة كقصة لبيد بن الأعصم مع النبي - ﷺ -، وهي مروية في كتاب الطب من صحيح الإمام البخاري، ومن أنكره من القدرية فقد خالف كتاب الله وسنة نبيه، وإجماع الأمة أيضًا، إذ ما من عصر من عهد الصحابة إلى ظهور المخالفين، إلا وكان الناس يتفاوضون فيه، في أمر السحر وتأثيراته، حتَّى اختلف الفقهاء في حكم\n_________\n(١) أي بمعرفة السند الصحيح، ثم أن تكون موافقة للشرع الَّذي هو المرجع الصحيح لمعرفة الأخبار ورحم الله شيخ الإسلام بتسمية كتابه \"موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول\" وإننا لا نجد خلافًا بين الصحيح والصريح.","vol":"1","page":293},{"text":"الساحر، هل يجب قتله أم لا؟ فقال بعضهم بالوجوب، وقال بعضهم: هو كافر، وفصل بعضهم فقال: إذا اعترف بأنه قتل شخصًا بسحره، وبأن سحره إنما يقتل غالبًا، وجب عليه القود، ولم ينكره أحد، فكان إجماعًا، كذا قاله الآمدي.\nالأمر الثالث: دلت الآية على أن السحر نوعان: منه ما يؤثر عن الشياطين، ومنه ما يتوصل إليه بسبب علوم لم تكن موضوعة له خاصة، كالذي أنزل على الملكين ببابل. وقد قسم العلماء السحر إلى أقسام:\nأولها: سحر \"الكلدانيين\" وهم: أهل بابل، و\"الكسدانيين\" وهم: النبط الذين كانوا في قديم الدهر، وهم قوم يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله إبراهيم ﵇ مبطلًا لمقالتهم ورادًا عليهم في مذاهبهم، وكان لهم في هذا النوع تآليف وآثار قد وصل إلى علماء هذه الملة منها النزر اليسير، فأخذوا منه فن أحكام النجوم، وصور الدرج، والكواكب والسيمياء والكيمياء.\nوأكثر من اعتنى بتخليص ذلك وضبط قواعده \"مسلمة بن أحمد المجريطي الأندلسي\" في كتابه الَّذي سماه \"غاية الحكيم\".\nثانيها: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية، وعلله الرئيس ابن سينا في \"الشفاء\"، بأن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية، وذلك أن الوهم إذا تسلط على شيء أثر فيه تأثيرًا ظاهرًا.\nوعندي لذلك تعليل أسمِّيه بالكهربائية النفسانية، وذلك أن الهمة إذا سلطت على شيء اهتمامًا تامًا، انفصل من صاحب تلك الهمة مغناطيس جذاب، فاتصل بالشيء التي وجهت الهمة نحوه فحصل له الجذب والانفعال، وتصرف الجاذب بالمجذوب تصرفًا قهريًا له، وهذا يشبه اتصال العاشق بالمعشوق، فإن المعشوق لما كانت كهربائيته أقوى، جذب العاشق جذب ملك وقهر، وتلك الكهربائية لا ينكر وجودها في الأجسام إلا من ليس له اطلاع على هذا الفن، وعسانا أن نوضح هذا ونثبته في مكان آخر، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا بالتنويم المغناطيسي الَّذي اشتهر عند كثير من الناس.","vol":"1","page":294},{"text":"ثالثها: من السحر التخيلات والأخذ بالعيون، كما هو شأن المشعبذ الحاذق، فإنه يظهر عمل شيء يشغل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه حتَّى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء والتحديق نحوه، عمل عملًا آخر بسرعة شديدة، فيبقى ذلك العمل خفيًا لتفاوت الشيئين، أحدهما اشتغالهم بالأمر الأول، والثاني سرعة الإتيان بهذا العمل الثاني، وحينئذ يظهر لهم شيء آخر غير ما انتظروه، فيتعجبون منه جدًا، ولو أنَّه مكث ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعلمه، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه، لفطن الناظرون لكل ما يفعله.\nرابعها: الاستعانة بالأرواح الأرضية بأعمال مخصوصة يذكرها أصحاب هذه الصناعة في كتبهم، وهذا النوع هو المسمى: بالعزائم وتسخير الجن.\nخامسها: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة، على النسب الهندسية تارة، وعلى ضروب الخيلا أخرى، ومن هذا النوع ما يسمى في زمننا \"بالسيموتوغرافيا\"، حيث يظهر للناظر بتسلط الأشعة الكهربائية على الستار صورة البحر والجبال، والجيوش والبساتين والأنهار، والناس والدواب تغدو وتروح، ومن هذا النوع كان سحر سحرة فرعون، ويندرج فيه فن جر الأثقال، وهذا النوع لا يعد من السحر إلا من كونه مما لطف ورق، ويمكن أن يكون هذا مما أنزل على الملكين ببابل.\nسادسها: الاستعانة بخواص الأدوية المبلدة المزيلة للعقل.\nسابعها: تعليق القلب، وهو أن يدَّعي الساحر أنَّه قد عرف الاسم الأعظم، وأن الجنَّ يطيعونه وينقادون له في أكثر الأمور، فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز، اعتقد أنَّه حق، وتعلق قلبه بذلك، وحصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة، وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة، فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل حينئذ ما يشاء. ومن هذا النوع ما يفعله المدعون للتصوف، ويرغبون في إقبال الناس عليهم جرأ للمنافع الدنيوية، وكم رأينا مثل هؤلاء من تصرف في أموال مريده وغيرهم بتعليق قلوبهم بالوصول إلى فن الكيمياء","vol":"1","page":295},{"text":"والجفر والزايرجة، وسر الوفق والحروف، وبالوصول إلى المقامات العالية، التي حرم الخواص الوصول إليها بزعمهم.\nثامنها: السعي بالنميمة من وجوه حفيفة لطيفة، وذلك شائع في الناس.\nهذا وقد دلت الآية: على أن من كان عدوًا لله، أي: مخالفًا لأمره ومبغضًا لملائكته ورسله، فإن الله عدوه، أي: معامله بما يناسب فعله القبيح، وأن من ترك كتاب الله واتبع السحر، فإنه ملحق بأولئك اليهود الذين تركوا الشرع ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾، وأن من اتكل على الله وتحصن بذكره وعبادته، لا يضره مكر ماكر، ولا سحر ساحر، وأن الأمور جارية كلها بقضاء الله وقدره.\nولما كان من الحق إجراء الأمور على حكم ما أثبتها الحق لأنَّها بذلك حق، هو مثال للحق المبين، وصرفها إلى من لم يثبتها الحق في حيزه إفك وقلب عن وجهه، فهو خيال باطل، هو في باب الرأي بمنزلة السحر في الحس، فهو خيال لما صحة النسبة فيه مثال، أتبع الآيات الذامة للسحر الحقيقي، التنبيه على السحر المجازي، الَّذي خيلوا به الخير، وقصدوا به الشر، ليكون النهي عنه نهيًا عن الأول بطريق الأولى، فقال ملتفتًا (١) عن ذكرهم إلى خطاب المؤمنين، الَّذي هو أخص من ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ﴾، الأخص من ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ [البقرة: ٢١]:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)﴾.\nكان المسلمون يقولون: لرسول الله - ﷺ -، إذا ألقى إليهم شيئًا من العلم: ﴿راعنا﴾ يا رسول الله، أي: راقبنا، وانتظرنا وتأنّ بنا حتَّى نفهمه ونحفظه. وكانت لليهود كلمة يتسابون بها عبرانية أو سريانية وهي: راعينا، فلما سمعوا بقول المؤمنين ﴿راعنا﴾ اغتنموا ذلك فرصة وخاطبوا الرسول بهذه الكلمة، وهم يعنون بها تلك المسبة، فنهى الله المؤمنون عنها وأمرهم بما هو في معناها، وهو أن\n_________\n(١) الأصل: (مكتفيًا) والتصحيح من \"نظم الدرر\" ٢/ ٨٥.","vol":"1","page":296},{"text":"يقولوا: ﴿انظرنا﴾ أي: أمهلنا حتَّى نحفظ ﴿واسمعوا﴾ وأحسنوا سماع ما يكلمكم به رسول الله - ﷺ -، ويلقي عليكم من المسائل، بآذان واعية، وأذهان حاضرة حتَّى لا تحتاجوا إلى الاستعادة وطلب المراعاة.\nأو المعنى: ﴿اسمعوا﴾ سماع قبول وطاعة، ولا يكن سماعكم مثل سماع اليهود، حيث ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾ [البقرة: ٩٣]. أو المعنى: ﴿اسمعوا﴾ ما أمرتم به بجد، حتَّى لا ترجعوا إلى ما نهيتم عنه، تأكيدًا عليهم ترك تلك الكلمة، ﴿وللكافرين﴾ أي: لليهود الذين تهاونوا برسول الله - ﷺ - وسبوه، ﴿عذاب أليم﴾.\nقال الأصفهاني: وهذا النهي اختص بهذا الوقت، قال الواحدي: لإجماع الأمة على جواز المخاطبة بهذا اللفظ الآن.\nوللمفسرين في معنى ﴿راعنا﴾ اختلاف كثير، والأولى ما قاله ابن جرير من أن الله ﷿ نهى المؤمنين أن يقولوا لنبيه - ﷺ - كلمة كرهها الله لهم أن يقولوها لنبيه، محافظة على تعظيمه، كما نهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وأن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض وخلاصته: أنَّه أمرهم أن يتخيروا لخطابه من الألفاظ أحسنها، ومن المعاني أرقها، فكان من ذلك قولهم: راعنا لما فيه من احتمال معنى ارعنا نرعاك، إذ كانت المفاعلة لا تكون إلا من اثنين، ومعنى أرعنا سمعك حتَّى نفهمك وتفهم عنا، فنهى الله أصحاب نبيه أن يقولوا ذلك كذلك، وأن يفردوا مسألته بانتظارهم وإمهالهم، فيعقلوا عنه بتبجيل منهم له وتعظيم، وأن لا يسألوه ما سألوه من ذلك على وجه الجفاء والتهجم منهم له، ولا بالفظاظة والغلظة تشبيهًا منهم باليهود في خطابهم له، بقولهم له: ﴿وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا﴾ [النساء: ٤٦]. ويدل على صِحة هذا المعنى قوله تعالى ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٠٥]. فدل بذلك أن الَّذي عاتبهم عليه مما يسر اليهود والمشركين.\nولما بين تعالى حال اليهود والكفار في العَداوة والمعاندة، حذر المؤمنين منهم فقال:","vol":"1","page":297},{"text":"﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)﴾.\nفنفى عن قلوبهم الودُّ والمحبة لكلِّ ما يظهر به فضل المؤمنين.\nوالمعنى: ﴿ما﴾ يحب الكافرون ﴿من أهل الكتاب ولا﴾ مِنَ ﴿المشركين﴾ بالله مِن عبدة الأوثان، من أي نوع كان شركهم، بغضًا فيكم وحسدًا لكم، ﴿أن ينزلَ عليكم من﴾ الخير الَّذي كان الله ينزله عليهم، لأنَّ مخالفة الأعداء من الأغراض العظيمة للمتمكنين في الأخلاق الفاضلة من ذوي الأدوات الكاملة، فتمنى المشركون، وكفرةُ أهل الكتاب أن لا ينزل الله على المؤمنين الفرقان، وما أوحاه إلى محمد من حِكمه وآياته، وإنما أحب أهل الكتاب، وهم اليهود والنصارى وأتباعهم من المشركين، ذلك حسدًا منهم، وبغيًا على المؤمنين، وفي هذه الآية دلالة بينة على أن الله تعالى، نهى المؤمنين عن الركون إلى أعدائهم، من أهل الكتاب والمشركين، والاستماع مِن قولهم، وقبول شيء مما يأتونهم به على وجه النصيحة لهم منهم، باطلاعه جل ثناؤه على ما يستنبطه لهم أهل الكتاب والمشركون من الضغن والحسد، وإن أظهروا بألسنتهم خلاف ما هم مستنبطون.\nولما بين سبحانه ما يودون، أتبعه التعريف بأن له التصرف التام، رضي من رضي وسخط من سخط قال: ﴿والله﴾ أي: ما يودون، والحال أن الله ﴿يختص برحمته من يشاء﴾، فيختص من شاء بنبوته ورسالته، فيرسله إلى من يشاء من خلقه، فيتفضل بالإيمان على من أحب فيهديه به، واختصاصه إياهم بها إفرادهم دون غيرهم من خلقه، وإنما جعل سبحانه رسالته إلى من أرسل إليه من خلقه، وهدايته من هدى من عباده، رحمة منه فيصيّره بها إلى رضائه ومحبته، وفوزه بها بالجنّة، واستحقاقه بها ثناؤه، وكل ذلك رحمة من الله له.\nولما كان ذلك ربما أوهم أنَّه إذا فعله لم يبق من رحمته ما يسع غير المختص، نفاه بقوله: ﴿والله ذو الفضل العظيم﴾ الَّذي لا يحصر بحد، ولا يدخل تحت عد.","vol":"1","page":298},{"text":"وفي قوله: ﴿والله يختص برحمته﴾ الآية، تعريض بأهل الكتاب، أن الَّذي آتاه نبيه والمؤمنين به من أهل الهداية تفضلًا منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه.\nوالآية أيضًا تشير من الوجهة العمرانية، إلى أنَّه يجب على المؤمنين أن يعتمدوا على الله، ثم على أنفسهم في أسباب معاشهم، فيسابقون أهل الكتاب والمشركين إلى العلوم النافعة لهم، وإلى فنون الصنائع التي يظهرها الله على أيدي من يشاء، آنًا فآنًا، حتَّى يبرزوا عليهم، فلا يحتاجون إلى أعدائهم، لأنهم إذا تكاسلوا احتاجوا إليهم، فاختلطوا بهم، فأفسدوا عليهم أمر معاشهم كما أفسدوا عليهم دينهم، وجعلوهم خدمة لهم، وامتلكوا بلادهم وأذلوهم واستعبدوهم، لأنَّ الله حذر المؤمنين منهم بقوله: ﴿ما يود الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم﴾ فإذا كانوا لا يريدون الخير للمؤمنين، فكيف يركنون إليهم، ومن تبصر في أحوال أولئك الأعداء تجلى له مصداق هذه الآية الكريمة عيانًا.\n\nثم إنه تعالى بين نوعًا ثانيًا من<span data-type=\"title\" id=toc-312> طعن اليهود في الإسلام</span>، حيث قالوا: ألا ترون إلى محمد يأمر أصحابه بأمر ثم ينهاهم عنه، ويأمرهم بخلافه ويقول اليوم قولًا وغدًا يرجع عنه، فنزلت هذه الآية.\n﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾.\nللمفسرين في تفسير هذه الآية مسالك، كل واحد منهم سلك بها مسلكًا على مقتضى الفن الَّذي غلب عليه.\nفالأصولي يذكر هنا قواعد الأصول من جهة النسخ وغيره، كما فعله محمد بن عمر الرازي، والنحوي يدلي بحجته، والبياني يضع فن البيان نصب عينيه، وكل صاحب فن يدندن حول فنه، وإننا نسلك في تفسيرها مسلكًا نرجو أن يكون هو الصواب، غير مقلدين لواحد يريد ترويج فنه، وإمالة كتاب الله إلى","vol":"1","page":299},{"text":"مقاصده، فنذكر أولًا ما يفهم من تركيب ألفاظها، ثم نتبعه باستنباط الأحكام منها.\n\nفنقول:<span data-type=\"title\" id=toc-314> أصل النسخ في اللغة: </span>إزالة الشيء بغير بدل يعقبه، نحو نسخت الشمسُ الظِّل، ونسختِ الريحُ الأثرَ. أو نقل الشيء من غير إزالة، نحو نسختُ الكتابَ، إذا نقلته ما فيه إلى مكان آخر. والنسيئة التأخير. والمعنى ﴿ما ننسخ من آية﴾ أي: نُزِلْها بإبدال أخرى مكانها، \"أو نَنْسَأها\" على قراءة الهمز، أي: نؤخرها ونذهبها لا إلى بدل، ﴿أو ننسها﴾ نذهب بحفظها عن القلوب.\nوالمعنى: أن كل آية يُذهب بها على ما توجبه المصلحة من إزالة لفظها وحكمها معًا، أو من إزالة أحدهما إلى بدله، أو غير بدل. ﴿نأت بـ﴾ آية ﴿خير منها﴾ للعباد، أي: بآية العمل بها أكثر للثواب، ﴿أو مثلها﴾ في ذلك، فـ ﴿من﴾ في قوله تعالى: ﴿من آية﴾ للتبعيض، والمعنى: أي شيء من الآيات، وهذا النسخ عام، لما كان من شرع ما قبلنا، كنسخ استقبال بيت المقدس أو غيره، أو لم يكن. وصيغة \"ننسخ\" التي بوزن نفعل، تشعر بأن من تقدم ربما نسخ عنهم ما لم يعوضوا به مثلًا، ولا خيرًا، ففي طيه ترغيب للذين آمنوا بكتابهم الخاص بهم، وأن يكون لهم عند النسخ حسن قبول، فرحًا بجديد أول اغتباطًا بما هو خير من المنسوخ، ليكون حالهم عند تناسخ مقابل لحال الآبين من قبوله المستمسكين بالسابق، المتقاصرين عن خير لاحق وجدَّتِهِ.\nوالأصحّ في تفسير قوله تعالى: ﴿أو ننسها﴾: أن المعنى على قراءة \"أو ننسأها\" بالهمز، نؤخر نسخها، وعلى قراءة \"أو ننسها\" نتركها زمنًا ثم ننسخها، كالقبلة، ﴿نأت بخير منها أو مثلها﴾، ولما كانت الآية في بيان أغلاط اليهود، وأنهم هم الذين أنكروا النسخ عنادًا، أعرض تعالى عن خطابهم تعريضًا بغباوتهم، إلى خطاب نبيه الَّذي هو أعلم الخلق، بقوله: ﴿ألم تعلم أن الله﴾ الحائز لجميع أوصاف الكمال ﴿على كل شيء قدير﴾ فأتى بالكلام على وجه الاستفهام المتضمن، لأجل قصد اليهودية للإنكار، والتقرير المشار فيه للتوعد والتهديد،","vol":"1","page":300},{"text":"فيخلق بقدرته من الأسباب ما يصير الشيء في وقتٍ مصلحةً، وفي وقت مفسدة، لحكم ومصالح دبرها لتصرم هذا العالم وتقضي هذا الكون بشمول علمه بكل ما تقدم وما تأخر، ولو أراد لجعل الأمر على سنن واحدة، والناس على قلب رجل واحد، ولكنه مالك الملك يتصرف فيه على حسب ما يريد لا رادّ لأمره، ولا مُعقب لحكمه، ولا يسوغ الاعتراض عليه بوجه.\nثم أتبع ذلك بما هو كالدليل على شمول القدرة، فقال:\n﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.\nأي: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السماوات والأرض﴾، يفعل في ذواتهما وأحوالهما ما يشاء، فهو يملك أموركم ويدبرها ويجريها على حسب ما يصلحكم، وهو أعلم بما يتعبدكم به من ناسخ ومنسوخ، فقوله: ﴿وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ (١) إشارة إلى تفصيل الآيات، وهو بما ﴿له ملك السماوات والأرض﴾ يدبر الأمر.\nولما أتم سبحانه ما أراد من إظهار قدرته وسعة ملكه، تهيأت قلوب السامعين وصفت، فلفت الخطاب إليهم ترهيبًا في إشارة إلى ترغيب، فقال: ﴿وما لكم من دون الله من ولي﴾ يتولى أموركم ﴿ولا نصير﴾ فأقبلوا بجميع قلوبكم إليه، ولا تلتفتوا عنه، وفي ذلك تعريض بالتحذير للذين آمنوا ولم يبلغوا درجة المؤمنين، من مخالفة أمره إذا حكم عليهم بما أراد كائنًا ما كان، لئلا تلقن بواطنهم عن اليهود، نحوًا مما لقنت ظواهر ألسنتهم بأن تستمسك بسابق فرقانها، فتتثاقل عن قبول لاحقه ومكمله، فيكون ذلك تبعًا لكثرة أهل الكتاب في إبائها نسخ ما لحقه التغيير من أحكام في كتابها، وهو في الحقيقة خطاب جامع لتفصيل ما يرد من النسخ في تفاصيل الأحكام والأحوال.\n_________\n(١) سورة المائدة: الآية ١٢٠، وعبارة البقاعي: فهو بما هو ﴿على كل شيء قدير﴾ يفصل الآيات. وهو المناسب لسياق الآيات؛ لعودها على الآية السابقة.","vol":"1","page":301},{"text":"وفي هذه الآية تكذيب لليهود الذين أنكروا نسخ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى، وأنكروا محمدًا - ﷺ -، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله، بتغيير ما غير الله من حكم التوراة، فأخبرهم تعالى: بأنه الفعال المطلق يفعل ما يشاء، ويحكم بما يريد.\nوهذا ولما كانت الآية في معرض ذم اليهود والنداء على غباوتهم بإنكارهم النسخ، وكان الله تعالى قد جعل إلى إفحامهم طريقًا مما يتداولونه في أيديهم من نص تنزيلهم، وأعماهم الله عنه عند تبديلهم، ليكون حجة عليهم موجودة في أيديهم؛ اقتضى المقام أن نبين غلطهم وخطأهم من نص كتابهم، فيقال لهم: هل كان قبل نزول التوراة شرع أم لا؟ فإن قالوا: لا؟ كذبهم السفر الأول من التوراة، حيث فيه ما تعريبه من اللغة العبرانية في الكلام على شرع نوح: سافك دم الإنسان يحكم عليه بسفك دمه، لأن الله خلق الآدمي بصورة شريفة. وكذبهم أيضًا الجزء الثالث من السفر من التوراة، الناطق: بأنه كان في شرع إبراهيم ختان المولود في اليوم الثامن من ميلاده. وهذا وأمثاله شرع، لأن الشرع لم يخرج عن كونه أمرًا ونهيًا من الله، سواء أنزل على لسان رسول، أو كتب في أسفار، أو ألواح، أو غير ذلك.\nوإن أقروا بأنه قد كان شرع قلنا لهم: فما تقولون في التوراة، هل أتت بزيادة على تلك الشرائع أم لا؟ فإن قالوا: لا، قلنا: قد صارت عبثًا إذ لا زيادة فيها على ما تقدم، ولم تغن شيئًا، فلا يجوز أن تكون صادرة عن الله تعالى، فيلزمكم أن التوراة ليست من عند الله، وذلك كفر على مذهبكم، وإن كانت التوراة أتت بزيادة، فهل في تلك الزيادة تحريم ما كان مباحًا أم لا؟ فإن أنكروا ذلك، بطل قولهم من وجهين:\nأحدهما: أن التوراة حرمت الصناعة يوم السبت بعد أن كانت مباحة به، وهذا هو النسخ بعينه.\nوالثاني: أنه لا معنى للزيادة في الشرع إلا تحريم ما تقدمت إباحته، أو إباحة ما تقدم تحريمه.","vol":"1","page":302},{"text":"فإن قالوا: إن الحكيم لا يحظر، أي: لا يحرم شيئًا ثم يبيحه، قلنا: إن من أمر بشيء وضده في زمانين مختلفين، كان غير مناقض بين أوامره، وإنما يكون كذلك لو كان الأمران في وقت واحد.\nفإن قالوا: إن التوراة حظرت أمورًا كانت مباحة من قبل ولم تأت بإباحة محظور، والنسخ المكروه هو إباحة المحظور، لأن من أبيح له شيء، فامتنع عنه وحظره على نفسه فليس بمخالف، وإنما المخالف من منع من شيء فأتاه لاستباحته المحظور.\nفالجواب: إن من أحل ما حظره الشرع في طبقة المحرم لما أحله الشرع، إذ كل منهما قد خالف المشروع، ولم يقرأ الكلمة على معاهدها، فإذا جاز أن يأتي شرع التوراة بتحريم ما كان إبراهيم ﵇، ومن تبعه على استباحته، فجائز أن يؤتى بشريعة أخرى، بتحليل ما كان في التوراة محظورًا، وأيضًا فلا تخلو المحظورات من أن يكون تحريمها مفترضًا في كل الأزمنة، أم لا؟ فإن كان الثاني، فقد لزمتكم الحجة، وإن كان الأول فلا يخلو إما أن يكره الله ذلك المحظور لعينه، وإما أن لا يكرهه لعينه بل نهى عنه في بعض الأزمنة، فإذا كان الله نهى عن عمل الصناعات في يوم السبت لعين السبت، فينبغي أن يكون هذا التحريم على نوح وإبراهيم وآدم، لأن عين السبت كانت أيضًا موجودة في زمانهم، وهي على التحريم، وإذا كان ذلك غير محرم على إبراهيم ومن قبله، فليس النهي عنه لعينه، أعني في جميع أوقات وجود عينه.\nفإذا لزمكم أن تحريم الأعمال الصناعية يوم السبت ليس بمحرم في جميع وجود أوقات السبت، فليس بممتنع أن ينسخ هذا التحريم في زمن آخر، وإذا ظهر قائم بمعجزات الرسالة وأعلام النبوة في زمن آخر بعد فترة طويلة، فجائز أن تأتي بنسخ كثير من أحكام الشريعة التي قبله، سواء حظر مباحاتها أو أباح محظوراتها.\nوكيف يجوز أن يحاج بالبينة باعتراض فيما ورد به من أمر أو نهي، سواء وافق العقول البشرية، أو باينها، ولاسيما أن الخصوم قد طالما تعبدوا بِفَرائضَ مباينة للعقول، كطهارة نجاستهم برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها قبيل أوان الحج، ونجاسة ظاهرهم بذلك الرماد بعينه.","vol":"1","page":303},{"text":"على أن الذي يروم تنزيله منزلة هذا أقرب كثيرًا إلى العقل فإن الأفعال والأوامر الإلهية منزهة عن الوقوف عند مقتضى العقول البشرية، وإذا كانت التعبدات الشرعية غير عائدة بنفع لله ﷿، ولا دافعة عنه ضررًا لتنزيه الله سبحانه عن الانتفاع والتأذي بشيء، فما الذي يحيل أو يمنع كونه تعالى يأمرُ أُمةً بشريعة ثم ينهى أمة أخرى عنها، أو يحرم محظورًا على قوم ثم يحله لأولادهم، ثم يحظره ثانيًا على من يجيء بعد؟ وكيف يجوز للمتعبد أن يعارض الرسول في تحليله ما كان حرامًا على قوم، ويستدل بذلك على كذبه بعد أن جاءهم بالبينة وأوعب العقلاء تصديقه وتحكيمه؟ أليس هذا تحكمًا وضلالًا وعدولًا عن الحق؟ ! وإلى هذا يشير قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ الآية، فرد الأمر إلى ذاته تعالى، ولم يرد على اليهود تبكيتًا لهم ونكاية بهم.\nوثم وجه آخر للرد عليهم على مقتضى أصولهم، وهو أن يقال لهم: هل أنتم اليوم على ملة موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم، قلنا لهم: أليس في التوراة أن من مس عظمًا، أو وطئ قبرًا أو حضر ميتًا، عند موته صار من النجاسة في حال لا مخرج له منها، إلا برماد البقرة التي كان الإمام الهاروني يحرقها؟ فلا تمكنهم المخالفة في ذلك، لأنه نص ما يتداولونه.\nفنقول لهم: فهل أنتم اليوم على ذلك؟ فيقولون: لا نقدر على ذلك، فنقول لهم: كيف جعلتم لمس العظم والقبر بعد ذلك طاهرًا يصلح للصلاة وحمل التوراة، والذي في كتابكم خلافه؟ فإن قالوا: لأنا عدمنا أسباب الطهارة، وهي رماد البقرة والإمام المطهِّر المُسْتَغفِر، قلنا: فهل ترون هذا الأمر مع عجزكم عنه، مما تستغنون عنه في الطهارة أم لا؟ فإن قالوا: نعم، فقد أقروا بالنسخ لتلك الفريضة، لحال اقتضاها هذا الزمان، وإن قالوا: لا نستغني في الطهارة عن ذلك الطهور، فقد أقروا بأنهم هم الأنجاس أبدًا، ما داموا لا يقدرون على سبب الطهارة، فنقول لهم: فإذا كنتم أنجاسًا على رأيكم وأصولكم، فما بالكم تعتزلون الحائض بعد انقطاع الحيض سبعة أيام، اعتزالًا تفرطون فيه إلى حدِّ أن أحدكم لو مس ثوبه ثوب المرأة لاستنجستموه مع ثوبه؟ فإن قالوا: لأن ذلك من أحكام","vol":"1","page":304},{"text":"التوراة، قلنا: أليس في التوراة أن ذلك يراد به الطهارة؟ فإن كانت الطهارة قد فاتتكم، والنجاسة التي أنتم فيها على معتقدكم لا ترتفع بالغسل، كنجاسة الحيض لما أنكم ترون أن الحائض طاهرة إذا كان من غير ملتكم، ولا تستنجسون لامسها ولا الثوب الذي تلمسه، وتخصيص هذا الأمر أعني نجاسة الحيض بطائفتكم مما ليس في التوراة، فهذا كله منكم نسخ أو تبديل، فإن قالوا: إن هذا وإن كان النص غير ناطق به فقد جاء في الفقه، قلنا لهم: فما تقولون في فقهائكم؟ هل الذين اختلفوا فيه من مسائل الخلاف والمذاهب، على كثرتها لديكم، كان ثمرة اجتهاد واستدلال [أو] (١) منقولًا بعينه؟ فهم يقولون: إن جميع ما في كتب فقهائنا نقله الفقهاء، عن الأحبار، عن الثقاة، عن السلف، عن \"يهوشع بن نون\"، عن \"موسى الكليم\"، عن الله ﷿، فيلزمكم في هذه المسألة الواحدة التي اختلف فيها اثنان من فقهائكم، أن يكون كل واحد منهما ناقلًا مذهبه فيها نقلًا مسندًا إلى الله، وفي ذلك من الشناعة اللازمة أن يجعلوا الله قد أمر في تلك الساعة في شيء وخلافه، وهو النسخ الذي يدفعونه بعينه.\nفإن قالوا: إن الخلاف غير مستبعد، لأن الأولين كانوا بعد اختلافهم في المسألة، يرجعون إلى أصل واحد، وهو المقطوع به، قلنا: إن رجوعهم بعد الاختلاف إلى الاتفاق على مذهب، إما لأن أحدهم رجع عما نقل أو طعن في نقله فيلزمه السقوط عن العدالة، ولا يجوز لكم أن تعاودوا الالتفات إلى نقله، وإما أن يكون الفقهاء اجتمعوا على نسخ أحد المذهبين أو تكون رواية أحدهما ناسخة لرواية الآخر، وما أحد من الفقهاء، إلا وقد ألغي مذهبه في مسائل كثيرة، وهذا جنون ممن لا يقر بالنسخ، ولا يرى كلام أصحاب الخلاف اجتهادًا ونظرًا، بل نقلًا محضًا.\nوثم وجه آخر للرد عليهم، نقول لهم: ما تقولون في صلاتكم وصومكم، هل التي فارقكم عليها موسى ﵇؟ فإن قالوا: نعم قلنا: فهل كان موسى وأمته يقولون في صلاتهم كما تقولون: اللهم اضرب ببوق عظيم لعتقنا، واقبضنا جميعًا من أربعة أقطار الأرض إلى قدسك، سبحانك يا جامع تشتيت بني إسرائيل؟\n_________\n(١) زيادة من \"إفحام اليهود\" ص ٩٥.","vol":"1","page":305},{"text":"أم كانوا على عهد موسى يقولون: كما تقولون كل يوم: اردد حكامنا كالأولين ومسراتنا كالابتداء وابن \"يَروشليم\" قرية قدسك في أيامنا، وعزنا ببنائها يا باني يروشليم؟ أم هذه فصول شاهدة بأنكم لفقتموها بعد زوال دولتكم، أما صوم إحراق بيت المقدس، وصوم حصاره، وصوم كذلينا (١) التي جعلتموها فرضًا هل كان موسى يصوم ذلك؟ أو أمر به هو أو خليفته يوشع بن نون؟ أو صوم صلب هامان؟ هل هذه الأمور مفترضة بالتوراة أم زيدت لأسباب اقتضت زيادتها في هذه الأعصار؟\nفإن قالوا: وكيف يلزمنا النسخ بهذه الآي، قلنا: لأن التوراة بهذه الآية نطقت، وهي ما تفسيره بالعربية: لا تزيدوا على الأمر الذي أنا موصيكم به شيئًا، ولا تنقصوا منه شيئًا، فإن زدتم أشياء من الفرائض فقد نسختم تلك الآية.\nوثم وجه آخر وهو أن يقال لهم: أليس عندكم: أن الله اختار من بني إسرائيل الأبكار ليكونوا خواص للخدمة في الأقداس؟ فيقولون: بلى، فنقول لهم: أليس عندكم أيضًا: أن موسى لما نزل من الجبل وعنده الألواح فوجد القوم عاكفين على عبادة العجل، وقف بطرف العسكر ونادى: من كان لله تعالى فليحضرني. فانضم إليه بنو ليوي، ولم ينضم إليه البكور، على أن مناداته وإن كان لفظها يقتضي العموم، فإنه لم يكن أشار بها إلا إلى البكور، إذ هم خاصة الله يومئذ دون أولاد ليوي، فقال الله لموسى: ما تفسيره بالعربية: وقد أخذت الليويين عوضًا عن كل بكر في بني إسرائيل. أفليس الله قد عزل الأبكار عن ولاية الاختصاص وأخذ أولاد ليوي عوضًا عنهم؟ ! فهم لا يقدرون على إنكار ذلك، وهذا يلزمهم منه القول بالبداء والنسخ اللذين هم ينكرانهما.\nهذا وفي قوله تعالى: ﴿ألم تعلم أن الله له ملك السموات والأرض﴾ فيه رد على القائلين بأن النسخ يلزم منه البداء، وهو ظهور الشيء بعد أن كان خفيًا، لأن\n_________\n(١) في \"إفحام اليهود\" ص ٩٨ بتحقيق د. محمد عبد الله الشرقاوي: \"كدليا\". وفي المطبوعة باسم \"بذل المجهود\" بتعليق عبد الوهاب طويلة ص ٤٠: \"كداليا\". ولم يشرحا ما معناها مع تعليقهما على الكثير غيرها! !","vol":"1","page":306},{"text":"البداء ينافي كمال العلم، لأنه يستلزم الجهل المحض، وهو مستحيل على الله تعالى، فالبداء مستحيل على من له ملك السماوات والأرض.\nوما النسخ إلا أن الله تعالى علم المصلحة في الحكم تارة فأثبته بالشرع، وعلم المفسدة فيه تارة فنفاه بالنسخ، وذلك لفوائد منها رعاية الأصلح للمكلفين تفضلًا منه تعالى، لا وجوبًا. ومنها امتحانهم بامتثالهم الأوامر والنواهي، خصوصًا في أمرهم بما كانوا منهيين عنه، ونهيهم عما كانوا مأمورين به، فإن الانقياد له أدل على الإيمان والطاعة، وقد تكلمنا على تفسير هذه الآية بأطول من هذا، وأبدينا منها حكمًا غريبة في كتابنا الموسوم بـ \"الأجوبة عن المسائل القازانية\" (١)، مما إيراده هنا يجعل الكلام مطولًا، فليراجعه من أحب.\nبقي هنا أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ [البقرة: ١٠٦] على هذه القراءة يشير إلى صدور النسيان من النبي - ﷺ -، وقد أجاب عنه \"ابن عطية\" في تفسيره بقوله: والصحيح في هذا: أن نسيان النبي - ﷺ - لما أراد الله أن ينساه، ولم يرد أن يثبته قرآنًا - جائز. وأما النسيان الذي هو آفة في البشر، فالنبي - ﷺ - معصوم منه قبل التبليغ وبعده، ما لم يحفظه أحد من الصحابة، وأما بعد أن يُحفظ فجائز عليه ما يجوز على البشر، لأنه قد بلغ وأدى الأمانة، ومنه الحديث حين أسقط آية فلما فرغ من الصلاة قال: \"أفي القوم أُبي\" قال: نعم يا رسول الله، قال: \"فلم لم تذكرْني\" قال: خشيت أنها رفعت، فقال: \"لم ترفع ولكني نسيتها\" (٢).\nولما كان رسخ ما ذكره سبحانه من تمام قدرته، وعظيم مملكته، وما أظهر لذاته المقدسة من العظم بتكرار اسمه العَلَم! وإثبات أن ما سواه عَدَم، فتأهلت القلوب للوعظ، صدعها بالتأديب بالإنكار الشديد، فقال:\n_________\n(١) هي فتاوى للمؤلف - ﵀ - وقد أطبعها قريبًا إن شاء الله.\n(٢) هو بنحوه في \"المسنده\" ٣/ ٤٠٧ طبعتنا المرقمة (١٥٣٤٣)، قال في \"المجمع\" ٢/ ٦٩: رجاله رجال الصحيح.","vol":"1","page":307},{"text":"﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.\nأي: أتريدون أن تردوا أمر خالقكم في النسخ، أم تريدون أن تتخذوا من دونه إلهًا لا يقدر على شيء، بأن تسألوا رسولكم أن يجعل لكم إلهًا غيره، كما سُئل موسى ذلك، فقال له قومه: ﴿أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ [النساء: ١٥٣] و﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨]؟ !\nوعلى كل، فقد أدب الله المؤمنين وزجرهم عن أن يتعنتوا على نبيهم في زمنه، أو على شرعه من بعده، كما تعنت اليهود على نبيهم، فقد روي أن بعض المشركين حذا حذو اليهود في التعنت، فقال رهط من قريش: يا محمد اجعل لنا الصفا ذهبًا، ووسع لنا أرض مكة، وفجر الأنهار خلالها تفجيرًا، ونؤمن لك. وكان بعضهم يقول: ائتنا بكتاب من السماء جملة، كما أتى موسى بالتوراة. وكان الآخر يقول: لن نؤمن لك حتى تأتي بالله والملائكة قبيلًا. وسأله قوم أن يجعل لهم \"ذات أنواط\" كما كانت للمشركين، وهي شجرة كانوا يعبدونها ويعلقون عليها الثمرة وغيرها من المأكولات، وأسلحتهم.\n[و﴿أم﴾ هنا منقطعة، وتتقدر المنقطعة بـ \"بل والهمزة\"، فالمعنى: بل أتريدون،] (١) ولفظة: \"بل\"، تفيد الإضراب عما قبله، ومعنى الإضراب هنا هو الانتقال من جملة إلى جملة، لا على سبيل إبطال الأولى.\nواختلف في المخاطب في هذه الآية، فقال الأصم والجبائي وأبو مسلم: هو للمؤمنين، وهو الذي قدمناه كما رأيت، وعليه فالضمير في ﴿رسولكم﴾ جاء على ما في نفس الأمر، وعلى ما أقروا به من رسالته. وقال فخر الدين الرازي في تفسيره: المراد بها، اليهود، وهذا القول أصح، لأن هذه السورة من أول قوله: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ حكاية عنهم، ومحاجة معهم، ولأن الآية مدنية، ولأنه\n_________\n(١) زيادة لازمة من \"البحر\".","vol":"1","page":308},{"text":"جرى ذكر اليهود وما جرى ذكر غيرهم، ولأن المؤمن بالرسول لا يكاد يسأله، فإذا سأل كان متبدلًا كفرًا بالإيمان، انتهى.\nوعلى هذا فتكون إضافة الرسول على حسب الأمر في نفسه، لا على إقرارهم به، وفيه إشارة إلى تأكيد النسخ، فكأن الإضافة تشير إلى أنه قد نسخ شرع موسى وعدد من الأنبياء، بشرع محمد - ﷺ -، والآن هو رسولكم، فلا تتعنتوا عليه كما تعنت أسلافهم على موسى من قبل، ﴿ومن يتبدل الكفر﴾ منكم ﴿بالإيمان﴾، بأن يبقى على متمسكه الأول المنسوخ ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾.\nوعندي أن الآية في حق اليهود وكما اختاره الفخر، وأن المراد بالرسول هو محمد - ﷺ -، لأنه مرسل إليهم قطعًا، وأنها في حق المؤمنين على سبيل الوعظ، والصدع، أن لا يسلكوا مسلك اليهود في التعنت وكثرة السؤال، كما قالوا: اجعل لنا ذات أنواط. وقال ابن جرير: هذه الآيات من قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ خطاب من الله للمؤمنين من أصحاب محمد - ﷺ -، وعتاب منه لهم على أمر سلف منهم مما سر به اليهود، وكرهه رسول الله لهم، فكرهه الله لهم، فعاتبهم على ذلك وأعلمهم أن اليهود أهل غش لهم، وحسد وبغي، وأنهم يتمنون لهم المكاره، ويبغونهم الغوائل، ونهاهم أن ينتصحوهم، وأخبرهم أن من ارتد منهم عن دينه فاستبدل بإيمانه كفرًا فقد أخطأ قصد السبيل، انتهى.\nوظاهر الآية يدل على أن السؤال لم يقع منهم، ألا ترى أنه قال: ﴿أم تريدون أن تسألوا﴾ فوبخهم على تعلق إرادتهم بالسؤال، إذ لو كان السؤال قد وقع، لكان التوبيخ عليه لا على إرادته، وكان يكون للفظ: \"أتسألون رسولكم\" وما أشبه ذلك، مما يؤدي معنى وقوع السؤال، لكن تظافرت النقول من المفسرين في سبب نزول هذه الآية، وإن اختلفت في التعيين، على أن هذا السؤال قد وقع.\nثم بين تعالى: أن من سأل الرسول ما سأل، مع ظهور المعجزات، ووضوح الدلائل على صدقه، كان سؤاله تعنتًا وإنكارًا، وذلك كفر، فقال: ﴿ومن يتبدل﴾ أي: ومن يأخذ الكفر بدل الإيمان، وهذا كناية عن الإعراض عن الإيمان، والإقبال على الكفر، كما في قوله تعالى: ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى﴾، أو: المعنى","vol":"1","page":309},{"text":"ومن ترك الثقة بالآيات المنزلة، وشك فيها، واقترح غيرها، ﴿فقد ضل سواء السبيل﴾، أي: وسطه، أو قصده، ولما كانت الشريعة توصل سالكها إلى رضوان الله تعالى كنى عنها بـ ﴿السبيل﴾، وجعل من حاد عنها كالضال عن الطريق، وكنى عن سؤالهم نبيهم ما ليس لهم أن يسألوه بـ ﴿يتبدل الكفر بالإيمان﴾ وأخرج ذلك في سورة شرطية، وصورة الشرط لم تقع بعد تنفيرًا عن ذلك، وتبعيدًا منه، فوبخهم أولًا على تعلق إرادتهم بسؤال ما ليس لهم سؤاله، وخاطبهم بذلك ثم أدرجهم في عموم الجملة الشرطية، وأن مثل هذا ينبغي أن لا يقع، لأنه ضلال عن المنهج القويم، فصار صدر الآية إنكارًا وتوبيخًا، وعَجُزُها تكفيرًا أو ضلالًا، وما أدى إلى هذا فينبغي أن لا يتعلق به غرض، ولا طلب ولا إرادة.\nتنبيه: أورد الرازي هنا سؤالًا فقال: اعلم أن السؤال الذي ذكروه، إن كان طلبًا للمعجزات فمن أين أنه كفر؟ ومعلوم أن طلب الدليل على الشيء لا يكون كفرًا، وإن كان طلبًا لوجه الحكمة المفصلة في نسخ الأحكام، فهذا أيضًا لا يكون كفرًا، لأن الملائكة طلبوا الحكمة التفصيلية في خلقه البشر، ولم يكن ذلك كفرًا. ثم أجاب بقوله: فلعل الأولى حمل الآية على أنهم طلبوا منه أن يجعل لهم إلهًا كما لهم آلهة، وإن كانوا طلبوا المعجزات، فإنهم كانوا يطلبونها على سبيل التعنت واللجاج، فلهذا كفروا بسبب هذا السؤال، انتهى.\nأقول: من المعلوم أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، وأن السؤال هنا إنما وقع سؤالًا مقيدًا بأن يكون مثل ما سُئل موسى من قبل، وما سئل موسى قد نطق به القرآن وفصله في آيات، فكانوا تارة يقولون: ﴿اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ﴾ [الأعراف: ١٣٨] وتارة يقولون تعنتًا ولجاجًا: ﴿فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: ٦١] إلى غير ذلك مما هو معلوم من لجاجهم وعنادهم الذي ضلوا به سواء السبيل، فنهى الله المؤمنين عن أن يكونوا ذلك، وهذا تصريح بهذا المعنى لا حمل للآية عليه وتأويل لها.\nولما كان أكثر المثيرين لهذه الشكوك في صور أهل الإسلام، قال تعالى","vol":"1","page":310},{"text":"مخاطبًا للمؤمنين وهم في غمارهم، تنفيرًا لهم عن الضلال الذي هو في نفسه أهل لأن ينفر عنه، فكيف وهو شماتة العدو، وبتخييله ودادتهم، وتحذيرًا لهم من مخالطته فقال:\n﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.\nفقوله: ﴿ود كثيرٌ﴾ هو تعليل لمعنى الكلام، وهو: فلا تتبدلوا الكفر بالإيمان بعد تعليله بالضلال، وذكر المفسرون أن المراد بذلك الكثير \"كعب بن الأشرف\"، وقيل: \"حيي بن أخطب\" وقيل غيرهما، والقرآن لم يعين أحدًا، وإنما أخبر بودادة كثير من أهل الكتاب، فينبغي أن يبقى المعنى على العموم في ذلك الكثير من غير تعيين، ولما كان المشركون عربًا عالمين بأن طبع العرب الثبات، لم يدخلهم في هذا الود، وقال: ﴿من أهل الكتاب﴾ إنباءً بأن المصافي منهم قليل، وبشر سبحانه بأن ما يودّونه من قسم المحال، بسوقه سوق المتمنى، فقال: ﴿لو يردونكم﴾ أي: بأجمعكم، ثم حقق أمر التمني في كونه محالًا مشيرًا بالإثبات الجارِّ إلى قناعتهم به، ولو في زمن يسير، فقال: ﴿من بعد إيمانكم﴾ أي: الراسخ ﴿كفارًا﴾، أي: لتكونوا مثلهم فتخلدوا معهم في النار، ﴿حسدًا﴾ على ما آتاكم الله من الخير الهادي إلى الجنة.\nوالحسد: قلق النفس من رؤية النعمة على الغير، وعبر عن بلوغ الحسد إلى غاية لا حيلة معها في تركه، بقوله: ﴿من عند أنفسهم﴾ أي: أنه راسخ في طبائعهم، فلا تطمعوا في صرفه بشيء، فإن أنفسهم غالبة على عقولهم، ثم زاده تأكيدًا بقوله مشيرًا بإثبات الجار إلى ذمهم: بأنهم استمروا على الضلال بعد الدعوة، لا يطلبون الحق مع القدرة على تعرفه، حتى هجم عليهم بيانه، وقهرهم عرفانه ثم لم يرجعوا إليه، وما كفاهم ضلالهم في أنفسهم حتى تمنوا إضلال غيرهم بالرجوع عنه، ﴿من بعد ما تبين لهم﴾، أي: بيانًا عظيمًا بوضوحه في نفسه","vol":"1","page":311},{"text":"﴿الحق﴾، أي: من صحة رسالة محمد - ﷺ -، وأنه خاتم النبيين، أُرسل إلى الناس كافة، بشهادة ما طابقه من التوراة، ثم أرشد إلى الدواء بقوله مسببًا عن الإخبار بأن ودّهم محال، وبعدم رجوعهم: ﴿فاعفوا﴾ أي: عاملوهم معاملة العافي، بأن لا تذكروا لهم شيئًا مما تظهره تلك الودادة الناشئة عن هذا الحسد من الأقوال والأفعال، ولا تأخذوا في مؤاخذتهم به، فإنهم لا يضرونكم ولا يرجعون إليكم ﴿واصفحوا﴾ أي: أظهروا لهم أنكم لم تطلعوا على شيء من ذلك، ثم حثهم على أن يكون فعلهم ذلك اعتمادًا على تفريجه سبحانه بقوله: ﴿حتى يأتي الله بأمره﴾ الذي لا أمر لأحد معه بأمره، فبشرهم بذلك بظهورهم على من أمروا بالعفو عنه، والصفح عنهم، ولما كان النصر- وهم في القلة والضعف بحال عظيم، وقوةُ عدوِّهم وكثرتُهم أعظمُ- مُسْتَبْعَدًا قال: ﴿إن الله على كل شيء قدير﴾ ففي هذا الختم بشرى للمؤمنين بتقديرهم، كما أن في الختم بالعلم بشرى بتعليمهم، وفي إفهامه نذارة للكافرين بمقابل ذلك.\nودل قوله تعالى: ﴿من بعد ما تبين لهم الحق﴾ على أن تلك الودادة ابتدأت من زمن وضوح الحق وتبيينه لهم، فليسوا من أهل الغباوة، الذين قد يغرب عنهم وضوح الحق، بل ذلك على سبيل الحسد والعناد، وهكذا دأبهم وشأنهم إلى الآن، فإن أحبارهم ورهبانهم يرسلون المبشرين إلى البلاد، وينفقون عليهم الأموال العظيمة لاستغواء بسطاء المؤمنين، وردهم عن دينهم، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن، وفي تزييفه بزعمهم، ويختلقون الأقوال فيرجعون بغير طائل، ولا يفيدهم سعيهم شيئًا يذكر، ولم تزدد حججهم إلا ضعفًا وتزييفًا.\nوقوله: ﴿حتى يأتي﴾ أمر يدل على الأمر بالعفو والصفح عنهم، كان معنيًا بالإتيان بأمر الله، أي: فيحدث لكم من أمره فيكم ما يشاء، ويقضي فيهم ما يريد، فقضى فيهم تعالى ذكره، وأتى بأمره، لنبيه والمؤمنين به: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩] فنسخ الله تعالى العفو عنهم والصفح، بفرض قتالهم على المؤمنين، حتى تصير كلمتهم وكلمة المؤمنين واحدة، أو يؤدوا الجزية عن يدٍ صَغَارًا، وبذلك قال: ابن","vol":"1","page":312},{"text":"عباس وقتادة والربيع والسدي، ولقد أطال الرازي هنا بشرح الحسد وتقبيحه، ونقل قول الغزالي في \"إحياء علوم الدين\" فيه، وذكر أحاديث لم ينسبها إلى مخرجها، ولما كان محل ذلك كتب \"الترغيب والترهيب\" وكتب الوعظ كـ \"الإحياء\" وغيره أضربنا عنه.\nولما أمر تعالى بالعفو والصفح عن اليهود، عقبه بقوله:\n﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.\nتنبيهًا على أنه كما ألزمهم العفو والصفح لحظ الغير وصلاحه، فكذلك لحظ أنفسهم وصلاحها، القيام بالصلاة والزكاة الواجبتين، ونبه بهما على ما عداهما من الواجبات، ثم قال بعده: ﴿وما تقدموا لأنفسكم من خير﴾ والمراد به التطوعات من الصلوات والزكوات، وقوله تعالى: ﴿تجدوه عند الله﴾ معناه: تجدوا ثوابه وجزاءه عند الله، ثم قال: ﴿إن الله بما تعملون بصير﴾ أي: أنه لا يخفى عليه القليل ولا الكثير من الأعمال، وهو ترغيب من حيث يدل على أنه تعالى يجازي على القليل كما يجازي على الكثير، وتحذير من خلافه الذي هو الشر، وأما الخير فهو النفع الحسن وما يؤدي إليه، فلما كان ما يأتيه المرء من الطاعة، يؤدي به إلى المنافع العظيمة، وجب أن يوصف بذلك، وعلى هذا الوجه قال تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [الحج: ٧٧].\nثم إنه تعالى ذكر النوع الرابع من تخليط اليهود، وإلقاء الشبه في قلوب المسلمين، فقال:\n﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.\n﴿وقالوا﴾ أي: أهل الكتاب من اليهود والنصارى حسدًا منهم على المسبب","vol":"1","page":313},{"text":"الذي هو الجنة، كما حسدوا على السبب، وهو إنزال ما اقتضى الإيمان الموصل إلى الرضوان، الذي به تستباح الجنة، ﴿[لن يدخل الجنة] (١) إلا من كان هودًا أو نصارى﴾، أي وقالت اليهود: لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا، وقالت النصارى: لن يدخل الجنة إلا من كان نصارى، فلف بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق قوله، وأمْنًا من الإلباس لما علم من التعادي بين الفريقين، وتضليل كل منهما لصاحبه، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾ [البقرة: ١٣٥] ولما كانوا أبعد الناس عن هذه الأماني التي تمنوا لأنفسهم، قال تعالى مشيرًا إلى بعدهم عن ذلك: ﴿تلك أمانيهم﴾ تهكمًا بهم، وجمع الأماني مع أن قولهم ﴿لن يدخل الجنة﴾ أمنية واحدة، إشارة إلى الأماني المذكورة، وهي أمنيتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم، وأمنيتهم أن يردوهم كفارًا، وأمنيتهم أن لا يدخل الجنة غيرهم، أي: تلك الأماني الباطلة أمانيهم.\nولما كان كل مدع لغيب مفتقرًا في تصحيح دعواه إلى دليل، وكان مثل هذا لا يقنع فيه إلا بقاطع أَمَرَ أعلم الخلق، لأنه لا ينهض بإخراسهم في علمهم ولَدَدهم غيرُه، بمطالبتهم بذلك، ناقضًا لدعواهم، فقال: ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ أي: هلموا حجتكم، على اختصاصكم بدخول الجنة، ﴿إن كنتم صادقين﴾ في دعواكم، وهذا أهدم شيء لمذهب المقلدين، وإن كل قول لا دليل فهو باطل غير ثابت، و\"هات\" صوت بمنزلة هاء بمعنى: أحضر، و\"البرهان\" هو البيان والحجة والبينة- ويقال له: الشاهد- قال:\nمن ادعى شيئًا بلا شاهد ... لا بد أن تبطل دعواه\nولما نادى عليهم بالكذب في قوله: ﴿إن كنتم صادقين﴾ أثبت لغيرهم بقوله: ﴿بلى﴾ ما ادعوا الاختصاص به، فـ ﴿بلى﴾ إثبات لما نفوه من دخول غيرهم الجنة، وأفادت أيضًا أنه تعالى لما نفى أن يكون لهم برهان، أثبت لمن\n_________\n(١) زيادة من البقاعي.","vol":"1","page":314},{"text":"أسلم وجهه لله برهانًا، وأفادت أيضًا ترغيبهم في الإسلام، وبيانًا لمفارقة حالهم لحال من يدخل الجنة لكي يقلعوا عما هم عليه، ويعدلوا إلى هذه الطريقة، فكأنه قيل لهم: أنتم على ما أنتم لا تفوزون بالجنة، بلى إن غيرتم طريقتكم وأسلمتم وجهكم لله، وأحسنتم فلكم الجنة.\nثم بين أهل الجنة بقوله: ﴿من أسلم وجهه لله﴾ أي: من أخلص نفسه لله لا يشرك به غيره، وأتى بـ \"الوجه\" هنا عبارة عن الذات، لأنه أشرف ما ظهر من الإنسان، فمن أسلمه أسلم كله، كما أن الإيمان إذعان القلب الذي هو أشرف ما بطن، وإذعان جميع الأعضاء، وأيضًا قد يكنى بالوجه عن النفس، قال تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨] ﴿إِلَّا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾ [الليل: ٢٠]؛ وأيضًا فإن أعظم العبادات السجود، وهو إنما يحصل بالوجه.\nوأما قوله: ﴿وهو محسن﴾ فمعناه: لا بد وأن يكون تواضعه لله بفعل حسن لا بوجه قبيح، فإن كثيرًا من الكفار يتواضعون لله، لكن بأفعال قبيحة، ويصح أن تقول: وهو محسن في جانب الحق، بإذعان القلب، وفي جانب الخلق بإرضاء الرب، فصار يعبد الله كأنه يراه، فطابق سرّه علنه.\nولما نفوا الأجر عن غيرهم، وأثبته سبحانه للمتصف بالإسلام منهم وممن سواهم، وكان ربما قيل: إنه أعطى غيرهم لكونه الملك المطلق بغير سبب، ربط الأجر بالفاء دليلًا على أن إسلامهم هو السبب، فقال: ﴿فله﴾ خاصة ﴿أجره عند ربه﴾ إحسانًا إليه بإثبات نفعه، على حسب مأربه به في كل شريعة، ولما كان ربما ادعى أنه ما أفرد الضمير في قوله: ﴿فله أجره عند ربه﴾ إلا لأن المراد واحد بعينه، فلا يقدح ذلك في دعوى أنه لن يدخل الجنة إلا اليهود، أو النصارى، جمع فقال: ﴿ولا خوف عليهم﴾ من آتٍ، ﴿ولا هم يحزنون﴾ على شيء فات، دفعًا لضرهم.\nولما أبطل دعوى اختصاصهم بالرحمة قدحًا منهم في غيرهم، وأثبتها للمحسنين، أتبع ذلك قدح كل فريق منهم في الآخر وبيان انتفائها عنهم بإساءتهم،","vol":"1","page":315},{"text":"بإبطال كل فرقة منهم دعوى الأخرى مع ما يشهد به كتاب كل من بطلان قوله، فقال:\n﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾.\nقيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الأخبار عن الأمم السالفة، وتكون \"الـ\" للجنس، ويكون ذلك تقريع لمن بحضرة النبي - ﷺ -، ولمن بعده من الفريقين، وتسلية له إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة، ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوة موسى، فتكون حكايةَ حالٍ و\"الـ\" للعهد، وإني أميل إلى صحة القول الأول، لأن الله جمعهم في الخبر الأول على العموم، ثم فصلهم في هذه الآية، وبين قول كل فريق منهم في الآخر، وكيف تُنكر كل طائفة دين الأخرى، وأنّث فعلهم في قوله: ﴿وقالت﴾ لضعف قولهم وجمع أمرهم.\nفقوله: ﴿وقالت اليهود ليست النصارى على شيء﴾ أي: على شيء يصح ويعتد به، وهذه مبالغة عظيمة لأن المحال والمعدوم يقع عليه اسم الشيء، فإذا نفي إطلاق اسم الشيء عليه، فقد بولغ في ترك الاعتداد به إلى ما ليس بعده، وهذا كقولهم: أقل من لا شيء، ومعنى \"ليس\" مطلق النفي لمتقدم إثبات أو مقدرة.\n﴿وقالت النصارى ليست اليهود على شيء﴾ ونظير هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْرَاةَ﴾ [المائدة: ٦٨] فإن قيل: كيف قالوا ذلك، مع أن الفريقين كانا يثبتان الصانع وصفاته وذلك قول فيه فائدة؟، قيل في الجواب: إنهم لما ضموا إلى ذلك القول الحسن قولًا باطلًا يحبط ثواب الأول، فكأنهم ما أتوا بذلك الحق، أو أنه يخص هذا العام بالأمور التي اختلفوا فيها،","vol":"1","page":316},{"text":"وهي ما يتصل بباب النبوات، هكذا أجاب الفخر الرازي.\nوعندي أن قولهم هذا كان على سبيل المبالغة، في أن كل فريق لم يعتد بما الآخر عليه، وأن نفي كل فريق ما عليه الآخر، ليس كما قاله الرازي، بل إن النصارى كانت تعتقد التثليث، وإلى الآن هم على ذلك، فقال لهم اليهود: لستم على شيء من الدين، واليهود تعتقد التجسيم، وفريق منهم يقول: \"عزير\" ابن الله، فنفى النصارى قولهم وطعنوا فيه.\nثم إنه تعالى عجب منهم في هذه الدعوى لما قبل التبديل والنسخ، ولما بعده، بقوله: ﴿وهم﴾ أي: والحال أنهم ﴿يتلون الكتاب﴾، أي: مع أن في كتاب كل منهم حقيقة أصل دين الآخر، ثم شبه بهم في نحو هذا القول الجهلة، الذين ليس لهم كتاب، الذين هم عندهم ضلال، وفي هذا غاية العيب لهم، لتسوية حالهم مع علمهم بحال الجهلة، في القطع في الدين بالباطل، كما سوى حالهم بهم في الحرص على الحياة في الدنيا، ومنهم عبدة الأصنام الذين منهم العرب الذين أخرجوا الرسول من بلده ومنعوه مسجد أبيه، إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، الذي هو الحقيق بهم دونهم، وساق ذلك مساق جواب سائل، كأنه قال: هذا قول العلماء بالكتاب، فما حال من لا علم له فقال: ﴿كذلك﴾ أي: مثل هذا القول البعيد عن القصد، ﴿قال الذين لا يعلمون﴾ أي: وقال الجهلة الذين لا علم عندهم ولا كتاب، كعبدة الأصنام والمعطلة وغيرهم، ﴿مثل قولهم﴾، فعاندوا وضللوا المؤمنين أهل العلم بالكتاب الخاتم، الذي لا كتاب مثله، وضللوا أهل كل دين.\nولما وقع الخلاف بين هذه الفرق تسبب عنه حكم الملك الذي لم يخلقهم سدى بينهم، فقال: ﴿فالله يحكم بينهم﴾ و\"الحكم\": قصر المصرف على بعض ما يتصرف فيه، وعن بعض ما تشوف إليه، وحقق أمر البعث بقوله: ﴿يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون﴾ و\"الاختلاف\" افتعال من الخلاف، وهو: تقابل بين رأيين فيما ينبغي انفراد الرأي فيه، وهذه الآية تشير إلى نهي هذه الأمة أن يسلكوا مسالك أهل الكتاب، ومسالك الذين لا يعلمون، فيختلفوا في هذا القرآن المجيد،","vol":"1","page":317},{"text":"ويتفرقوا شيعًا، ويتحزبوا أحزابًا و﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ [الروم: ٣٢]، يطعن كل حزب في الآخر، ويؤول القرآن على مقتضى رأيه انتصارًا لمقالته، فتكفر كل طائفة منهم الأخرى، أو تفسقها، أو تبدعها، وما الحق، إلا ما جاء به صريح القرآن الكريم، ونطق به الصادق الأمين، وقد ورد افتراق هذه الأمة إلى اثنتين وسبعين فرقة، كما افترق أهل الكتاب على ذلك من قبل، وبين أن الفرقة الناجية، هي فرقة الجماعة الناجية، هي على ما كان عليه السلف، وإن كانت رجلًا واحدًا كما روي ذلك عن ابن مسعود ﵁ (١)، وقد أوضحنا ذلك في كتاب \"الأجوبة النجدية\"، وسيمر بك كثير من هذا في هذا الكتاب.\nولما اشترك جميع هذه الفرق في الظلم، وزاد الجهلة منع حزب الله من عمارة المسجد الحرام، بما يرضيه من القول والفعل، فازدادوا بذلك ظلمًا آخر، وكان من منع مسجدًا واحدًا- لكونه مسجدًا- مانعًا لجميع المساجد، قال:\n﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.\nاختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية، فقيل: إنها نزلت في \"نطوس ابن إسبسيانوس\" الرومي الذي خرب بيت المقدس، ولم يزل خرابًا إلى أن عُمّر في زمن عمر بن الخطاب، وقيل: نزلت في الروم الذين أعانوا \"بخنتصر\" على تخريب بيت المقدس، حين قتلت بنو إسرائيل يحيى بن زكريا، وقيل: نزلت في بختنصر ذاته، واختار ابن جرير أنها نزلت في النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعوا في خراب بيت المقدس.\n_________\n(١) رواه ابن عساكر بسند صحيح كما في التعليق على \"مشكاة المصابيح\" عند الرقم (١٧٣). طبع المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":318},{"text":"وعندي: أن هذه الأقوال كلها سرت من اليهود، أما كونها نزلت في النصارى أو بختنصر، فذلك غلط كما صرح به أبو بكر الرازي في كتابه \"أحكام القرآن\"، لأنه لا خلاف بين أهل العلم بالسير أن عهد بختنصر كان قبل مولد المسيح ﵇ بدهر طويل، والنصارى كانوا بعد المسيح، فكيف يكونون مع بختنصر في تخريب بيت المقدس، وأيضًا فإن النصارى يعتقدون تعظيم بيت المقدس مثل اعتقاد اليهود وأكثر، فكيف أعانوا على تخريبه، ومن هذا يعلم الخطأ في بقية الأقوال.\nوأقول: الأولى في تفسير هذه الآية والله أعلم: أنه لما غير اليهود والنصارى الذين ذكرهم الله تعالى في الآية السابقة، وبدلوا دينهم، سعوا في منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، على سبيل التوحيد الحقيقي، الذي هو إفراد الحق بالوحدانية، وأبدلتها النصارى بجعلها مواضع للصور والصلبان. وأخرجتها اليهود عن حقيقتها التي وضعت لها أيام سيدنا موسى والأنبياء من بعده ﵈. وشاركهم المشركون فجعلوا الكعبة البيت الحرام محلًا لأصنامهم، وصدوا النبي - ﷺ - عنه، ومنعوه في مبدأ الأمر عن إظهار دينه به. أنزل تعالى هذه الآية مبينًا قبيح أفعالهم وأفعال من كان على شاكلتهم.\nوالذي يقوي هذا التفسير أن ظاهر الآية العموم في كل مانع، وفي كل مسجد، والعموم وإن كان سبب نزوله خاصًا، فالعبرة به لا بخصوص السبب، وذلك بناء على صحة السبب والقطع به، كيف وأسباب النزول لم يصح منها إلا النزر اليسير، وسنوضح هذا بعد الكلام على تفسير الآية.\nفقوله تعالى: ﴿ومن أظلم﴾ مورد الاستفهام ومعناه: النفي، أي: لا أحد أظلم ممن منع، وقد تكرر هذا اللفظ في القرآن، وهذا أول موارده، وقوله: ﴿ممن منع مساجد الله﴾ \"من\" في [قوله ﴿ممن منع﴾] (١) في موصولة بمعنى: الذي، وجوز أبو البقاء. أن تكون نكرة موصوفة، و﴿أن يذكر﴾ ثاني مفعولي\n_________\n(١) زيادة من \"البحر\".","vol":"1","page":319},{"text":"﴿منع﴾ أو مفعولًا لأجله، بمعنى منعها كراهية أن يذكر فيها اسم الله، وهو حكم عام لجنس مساجد الله، وأن مانعها من ذكر الله مفرط في الظلم، وكنى بذكر الله عما يقع في المساجد من الصلوات والتقربات إلى الله تعالى، بالأفعال القلبية والقالبية، من تلاوة كتبه، وحركات الجسم من القيام والركوع، والسجود والقعود، الذي تعبد به، وإنما ذكر تعلق المنع بذكر اسم الله، تنبيهًا على أنهم منعوا من أيسر الأشياء، وهو التلفظ باسم الله، فمنعهم لما سواه أولى.\nقال ابن عطية: وهذه الآية تتناول كل من منع من مسجد إلى يوم القيامة، أو خرب مدينة إسلام، لأنها مساجد وإن لم تكن موقوفة، إذ الأرض كلها مسجد لما في الصحيح، \"وجعلت في الأرض مسجدًا وطهورًا\" (١).\nوقوله: ﴿وسعى في خرابها﴾ معناه إما حقيقة بأن خربها واستبدل بها الدور والمساكن والخانات، كما جرى ذلك في زمننا وفي الأزمنة السابقة عليه، من أن المتولين على المساجد والمدارس تحيلوا لاختلاس أوقافها، بحيل أسندوها إلى الشرع، وسموها بالمرصد والكدك والحكر، وأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، ثم لما ذهبت الأوقاف وضعوا أيديهم على المساجد، وعلى المدارس ومساجدها فخربوها، وابتنوا مكانها دورًا للسكنى، وحوانيت وخانات، ومنازل للأجرة، فهل الخراب إلَّا مثل هذا؟\nوإما مجازًا بانقطاع الذكر فيها ومنع قاصديها منها، إذ ذاك يؤول بها إلى الخراب، فجعل المنع خرابًا، كما جعل التعاهد بالذكر والصلاة عمارة، وذلك مجاز.\nوقال: ﴿ومن أظلم﴾ ليعلم أن قبح الاعتقاد يورث تخريب المساجد، كما أن حسن الاعتقاد يورث عمارة المساجد، ومن هذا النوع ما اصطلح عليه حكام زمننا والذي قبله، من منع الإمام إذا كان أهلًا للإمامة، وتولية الجاهل بدلًا منه، وتوجيه التدريس المشروط في مسجد ومدرسة للجاهل، ومنع العالم، فإذا تولى\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" (١٠٥٦)، و\"إرواء الغليل\" (٢٨٥).","vol":"1","page":320},{"text":"الجاهل أو من هو قريب منه التدريس، حفظ كلمات فألقاها في درسه، وساعده من كان من شيعته أيامًا، ثم يترك التدريس، فالمولي لأمثال هؤلاء، يصدق عليه أنه ساع في خراب المساجد.\nثم ذكر تعالى ما رتبه عليه فعلهم من الخوف في المسجد الذي سعوا في خرابه، والخزي في الدنيا والآخرة، ضد ما رتبه لمن أحسن، فقال: ﴿أولئك﴾ المانعون ﴿ما كان لهم أن يدخلوها﴾، أي: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله ﴿إلا خائفين﴾، على حال التهيب وارتعاد الفرائص، أي: ما كان الحق والواجب إلا ذلك، وما كان أمنهم فيها إلا بسبب كثرة المساعد على ما ارتكبوه من الظلم والتمالؤ على الباطل، وسنزيل ذلك، ففيه بشارة المؤمنين وأهل الحق بعلو كلمة الإسلام والحق، وقهر من عاداه.\nويجوز أن يكون المعنى: ﴿أولئك ما كان﴾ ينبغي ﴿لهم أن﴾ يدخلوا مساجد الله، ﴿إلا﴾ وهم خائفون من الله، وَجِلون من عقابه، فكيف لهم أن يتلبسوا بمنعها من ذكر الله والسعي في تخريبها، إذ هي ﴿بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ﴾ [النور: ٣٦، ٣٧] وما هذه سبيله ينبغي أن يعظم ذكر الله فيه، ويسعى في عمارته، ولا يدخله الإنسان إلا وجلًا خائفًا، إذ هو بيت الله، أمر بالمثول فيه بين يديه للعبادة، ففي ذلك تقبيح عظيم على ما وقع منه، إذ كان ينبغي أن يقع ضده، وهو التبجيل والتعظيم. ومما يؤيد هذا المعنى وقوع ﴿كان﴾ في قوله: ﴿ما كان لهم﴾ ولو كان المعنى أنهم يدخلونها خائفين، لقيل: أولئك ما يدخلونها إلا خائفين، وإلى هذا جنح أبو حيان في تفسيره \"البحر\".\nثم بين تعالى الجزاء المناسب لهم، في قوله: ﴿لهم في الدنيا خزي﴾ الآية، أما الخزي في الدنيا فهو الهوان والإذلال لهم، وهو مناسب للوصف الأول لأن فيه إهمال المساجد بعدم ذكر الله وتعطيلها من ذلك، فَجُوْزوا على ذلك بالإذلال والهوان، وأما العذاب العظيم في الآخرة فهو العذاب بالنار، وهو إتلاف لهياكلهم","vol":"1","page":321},{"text":"وصورهم، وتخريب لها بعد تخريب ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ [النساء: ٥٦]، وهو مناسب للوصف الثاني، وهو سعيهم في تخريب المساجد، فجوزوا على ذلك بتخريب صورهم، وتمزيقها بالعذاب.\nومن غريب التفسير هنا، ما رواه ابن جرير عن السدي بأن خزيهم في الدنيا: أنه إذا قام \"المهدي\" وفتحت القسطنطينية، قتلهم. وغرابته أن القسطنطينية فتحها المرحوم السلطان \"محمد الفاتح\" المشهور من بني عثمان، فإن كان هو المهدي فلا إشكال، وإن لم يكن هو فأين ما زعمه السدي؟ وقد كشفنا حقيقة هذا المنتظر في كتابنا \"الأجوبة النجدية\"، وكتابنا الثاني \"الأجوبة القازانية\".\nومن غريبه أيضًا ما ذكره القشيري: من أن الإشارة في هذه الآية إلى ظلم من خرب أوطان المعرفة بالمنى والعلاقات، وهي قلوب العارفين وأوطان العبادة، بالشهوات وهي نفوس العباد، وأوطان المحبة بالحظوظ، والمساكنات وهي أرواح الواجدين، وأوطان المشاهدات، بالالتفات إلى القربات وهي أسرار الموحدين، لهم في الدنيا خزي، ذل الحجاب، وفي الآخرة عذاب لاقتناعهم بالدرجات انتهى.\nقال أبو حيان: وهو تفسير عجيب، ينبو عنه لفظ القرآن، وكذا أكثر ما يقوله هؤلاء القوم، انتهى.\nولقد رأينا تفاسير عدة على هذا النمط، وأكثرها أخرج القرآن عن موضوعه، وعندي أن هذا سرى لأهلها من الباطنية، ومن تأمل كتبهم، علم أن المورد متشابه، ولم يقصد الباطنية بذلك إلا هدم القرآن والشرع، وكثيرًا ما ينحو هذا المنحى \"الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري\" في كتابه \"غرائب القرآن، ورغائب الفرقان\" الذي اختصر به تفسير فخر الدين الرازي، ونحن لا نظن به إلا خيرًا، ولكن الواجب عدم التقليد والاستضاءة بمصباح علام الغيوب، واجتناب دسائس الباطنية غاية الاجتناب، ولا يقدر على ذلك إلا من عرف مسالكهم، وطالع الكثير من كتبهم، وفرق بين التصوف الحقيقي وبين الممزوج بكلام أهل الإلحاد.","vol":"1","page":322},{"text":"ومن الغريب أيضًا: ما ذكره في \"الدر المنثور\" وغيره عن قتادة والسدي أنهما قالًا: ليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفًا، وهذا مردود، لأن بيت المقدس بقي أكثر من مئة سنة في أيدي النصارى بحيث لم يتمكن أحد من المسلمين من الدخول فيه إلا خائفًا، إلى أن استخلصه الملك \"صلاح الدين يوسف بن أيوب\" كما هو مذكور في تاريخه وغيره.\nوقال بعض المعاصرين لنا من المصريين في تفسير له ﴿أولئك ما كان لهم﴾ الآية، خبر بمعنى الأمر أي: أذلوهم بالجهاد، فلا يدخلها منهم أحد إلا خائفًا، انتهى.\nوهو معنى حسن، وأشار إليه \"الرازي\"، وعليه يؤخذ من الآية النهي عن تمكين الكفار، والتخلية بينهم وبين المساجد.\nوتدل الآية على تحريم ما يفعله بعض الناس من الحيل لاختلاس أوقاف المساجد والمدارس، وجعلها دورًا وحوانيت وخانات، ويدعون أنهم فعلوا ذلك بوجه شرعي، وينسبون جواز ذلك لمذهب إمام المحدثين والفقهاء أحمد بن محمد ابن حنبل، ﵁، ومذهبه بريء من تلك الضلالات، وإنما ذلك افتراء عليه من المفتين والقضاة على مذهبه، وهذه كتب مذهبه الصحيحة، فمن ادعى صحة ذلك فليحاكمنا إليها ولكن ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (٤٠)﴾ [النور: ٤٠].\nويدل قوله تعالى: ﴿أولئك ما كان لهم أن يدخلوها إلا خائفين﴾ أن الكافر لا يحل له دخول المسجد، لكن عندي في هذه الدلالة نظر، لأن أول الآية يخص من ﴿منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه، وسعى في خرابها﴾ فيجب أن يخص تحريم الدخول بمن كانت هذه صفته مطلقًا، سواء كان كافرًا أو غير كافر، وعليه فمن اغتصب مسجدًا أو مسجد مدرسة، وجعله دارًا أو غيرها، أو تحيل لاغتصاب وقف مسجد بأي حيلة كانت، لا يجوز له دخول ذلك، ويمنع منه وإن نزع الحاكم ذلك من يده وأعاده لأصله كان قد فعل قربة إلى الله تعالى.","vol":"1","page":323},{"text":"وفي الآية إشارة إلى أن الله تعالى أجرى سنته، أن من لم يقم حرمة مساجده، شرده منها وأحوجه لدخولها تحت رقبة وذمة من أعدائه، كما قد شهدت مشاهدة بصائر أهل التبصرة، فكل طائفة ساء عملها في مسجدها شردت منه، ودخلت في بضع الأخرى خائفة، كذلك حتى تكون العاقبة للمتقين.\nولما أفهمت الآية أنه حصل لأولي الإيمان منع من عمارة بيت الله بذكره، وكان الله تعالى قد من على هذه الأمة بأن جعل الأرض كلها لها مسجدًا، سلى المؤمنين بأنهم أينما صلوا بقصد عبادتهم لقيهم ثوابه، لأنه لا تختص به جهة دون جهة لأن ملكه للكل على حد سواء، فكان كأنه قيل: فأقيموا الصلاة التي هي أعظم ذكر الله حيثما كنتم، فإنها لله، كما أن المسجد الذي منعتموه لله، عَطَفَ عليه قوله:\n﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.\nاختلف المفسرون في سبب نزول هذه الآية اختلافًا كثيرًا على عادتهم في هذه الآية وغيرها، وأكثر ما يذكرونه في أسباب النزول متعارض، وضعيف الإسناد، فلا ينبغي أن يقبل منه إلا ما صح، وقد صنف الواحدي وغيره في ذلك كتبًا لا يعول على ما ذكروه فيها إلا على الصحيح منه.\nوقال أبو حيان في \"البحر\"، وعن عامر بن ربيعة: أن ذلك جرى مع رسول الله - ﷺ -، في السفر، ولو صح ذلك لم يعدل إلى سواه، انتهى.\nأقول هذا السبب مروي بسند صحيح، فقد أخرج البخاري والبيهقي وابن أبي شيبة عن جابر بن عبدالله، قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ -، يصلي على راحلته قِبَل المشرق، فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل واستقبل القبلة وصلى\".\nوأخرج مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي شيبة، والطبراني والبيهقي وعبد ابن حميد، عن ابن عمر، قال: \"كان النبي - ﷺ - يصلي على راحلته تطوعًا أينما توجهت به\" ثم قرأ ابن عمر ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، وقال ابن عمر: في هذا أنزلت هذه الآية.","vol":"1","page":324},{"text":"وأخرج الدارقطني، والحاكم وصححه، وابن أبي حاتم وابن جرير، عن ابن عمر، قال: \"أنزلت ﴿أينما تولوا فثم وجه الله﴾، أن تصلي حيثما توجهت بك راحلتك في التطوع\".\nوأخرج البخاري والبيهقي عن جابر قال: \"رأيت رسول الله - ﷺ - في غزوة أنمار يصلي على راحلته متوجهًا قبل المشرق تطوعًا\"، وفي الباب عن أبي داود الطيالسي وابن ماجه، وكذا روى الإمام أحمد نحو ما تقدم.\nوروى الترمذي وابن أبي شيبة في جامعه عن عامر بن ربيعة، قال: \"كنا مع النبي - ﷺ - في سفر في ليلة مظلمة، فلم ندر أين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي - ﷺ -، فنزلت: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، قال الترمذي: هذا حديث غريب، وفي سنده أشعث السمان وهو يضعف في الحديث، انتهى.\nفالأحاديث الأولى هي الصحيحة بما هو بمعنى ما تقدم، ومنه يعلم أن الآية مخصوصة بصلاة النافلة، وليست بمنسوخة، وفي معنى النافلة ما إذا جهلت القبلة ولم يعلم مكانها وصلى المصلي بالاجتهاد، فالآية جاءت مجيء العموم، والمراد الخاص، وذلك أن قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾، يحتمل: أينما ﴿تولوا﴾ في حال سيركم في أسفاركم في صلاة التطوع، وفي حال محاربتكم عدوكم في تطوعكم ومكتوبتكم، ﴿فثم وجه الله﴾، ويحتمل: ﴿فأينما تولوا﴾ من أرض الله، فتكونوا بها، ﴿فثم﴾ قبلة ﴿الله﴾ التي توجهون وجوهكم إليها، لأن الكعبة ممكن لكم التوجه إليها منها، ويحتمل: ﴿فأينما تولوا﴾ وجوهكم في دعائكم فهنالك وجهي استجيب لكم دعاءكم، لكن هذا الاحتمال الأخير بعيد عن معنى الآية، إذ لا إشارة إلى الدعاء هنا.\nفقوله تعالى: ﴿ولله المشرق والمغرب﴾ معناه: بلاد المشرق والمغرب، والأرض كلها لله هو مالكها ومتوليها، وذلك لما كان المشرق موضع الشروق وهو مطلع الأنوار، والمغرب هو موضع أُفولها، وكان هذان الأفقان مدارًا لجميع الكواكب، عبر بهما عن جميع الجهات لتحول الأفلاك حال الدوران إلى كل منها،","vol":"1","page":325},{"text":"فلذلك تسبب عن ذكرهما قوله: ﴿فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ أي: فأي مكان أوقعتم فيه التولية للصلاة إلى القبلة التي أمرتم بالتولية إليها، ﴿فثم﴾، أي: فذلك الموضع ﴿وجه الله﴾، أي: جهته التي وجهكم إليها، أو مكان استقباله والتوجه إليه، وما يستقبلكم من جلاله وجماله، ويتوجه إليكم من بره وأفضاله، فإن نسبة جميع الأماكن والجهات في القرب والبعد إليه سواء.\nوقال بعض المفسرين كما نقله أبو حيان: هذه الآية ليست في الصلاة، بل هي خطاب للذين يخربون المساجد، أي: أينما تَوَلَّوا هاربين عني فإني ألحظهم، ويقوي هذا التفسير قراءة الحسن، \"فأينما يُولوا\" بياء الغائب، انتهى.\nقلت: وهو تفسير غير بعيد، وذكره الفخر الرازي في تفسيره، ولم يعزه لأحد، وقال: وفي ذلك تحذير من المعاصي وزجر عن ارتكابها.\nوقوله: ﴿إن الله واسع عليم﴾ نظير قوله: ﴿إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ [الرحمن: ٣٣] فعلى هذا يكون المراد منه سعة العلم، وهو نظير: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ [الحديد: ٤].\nولمّا أخبر عن سعة فضله مبثوثًا في واسع ملكه، بما وقفت العقول عن منتهى علمه، علله بما صغر ذلك في جنبه، فقال: ﴿إن الله واسع﴾، أي: محيط بما لا تدركه الأوهام، فلا يقع شيء إلا في ملكه، ﴿عليم﴾ فلا يخفى عليه فعل فاعل أينما كان، وكيفما كان، فهو يعطي المتوجه إليه على قدر نيته بحسب بلوغ إحاطته، وشمول علمه وقدرته.\nولما أفاد ما تقدم وصفه تعالى بتمام القدرة، واتساع الملك والفضل، وشمول العلم، كان من المحال افتقاره إلى شيء، ولد أو غيره، فذم أهل الأديان الباطلة كلهم بافترائهم في الولد: اليهود في عزير، والنصارى في \"المسيح\"، وعبدة الأوثان في \"الملائكة\".","vol":"1","page":326},{"text":"فقال مُعَجِّبًا ممن اجترأ على نسبة ذلك إليه مع معرفة ما تقدم، عاطفًا على ما سبق من دعاويهم:\n﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.\nأي: ومن دعاويهم الباطلة، أنهم ﴿وقالوا اتخذ الله﴾ الذي له الكمال كله ﴿ولدًا﴾، وقال ﴿ولدًا﴾: الصالح للذكر والأنثى لينظم بذلك مقالات الجميع، ولما كان العطف على مقالات أهل الكتاب، ربما أوهم اختصاص الذم بهم، حذفت واو العطف في قراءة ابن عامر على طريق الاستئناف في جواب \"من\" كأنه قال: هل انقطع حبل افترائهم؟ إشارة إلى ذم كل من قال بذلك، وذلك إشارة إلى شدة التباسها بما قبلها، كما قال أبو علي الفارسي. وبغير واو هي في مصاحف أهل الشام، انتهى.\nلأن جميع المتحزبين على أهل الإسلام مانعون لهم من إحياء المساجد بالذكر، لشغلهم لهم بالعدواة عن لزومها، والحاصل: أنه إن عطف كان انصباب الكلام إلى أهل الكتاب، وكان غيرهم تبعًا لهم للمساواة في المقالة، وإذا حذفت الواو انصب إلى الكل انصبابًا واحدًا.\nثم اعلم: أن ادعاء الولد لله كان شائعًا في جميع الأمم، ولم تزل له آثار إلى يومنا هذا، وأقدم القائلين بذلك هم الوثنيون، فإنهم قائلون بالأب والابن وروح القدس، وعنهم أخذ النصارى التثليث، ويسمي الوثنيون ذلك \"ثري مورتي\" أي: ثلاث هيئات، وادعى الأقدمون النبوة في \"أورقية\" ملك نزاس، وفي \"أفلاطون\" في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وفي \"الإسكندر\" وفي \"هيركول\" في القرن الثاني عشر قبل الهجرة.\nوأما من ادعوا فيهم الألوهية والتجسد فكثيرون أيضًا، منهم \"بوذا\" المصلح الشهير لديانة البراهمة، ولد في القرن الحادي عشر قبل الهجرة، وزعم أتباعه فيه","vol":"1","page":327},{"text":"ذلك قبلًا، وإلى الآن وهم مما يزيد على خمسمئة ألف ألف (١)، وكل عام يسلم منهم الخلق الكثير والجم الغفير، ومنهم \"برهما\" فإن أتباعه يدَّعون أن الخالق حل فيه، ثم في \"فيشنو\" ثم في \"سيفا\" ويصورونهم ملتصقين إشارة إلى هذا التجسد الثلاثي، ولهم من الأتباع نحو من ثلاثمئة ألف ألف، يسلم منهم الخلق الكثير في كل سنة، وتأسست هذه الديانة من قبل زمننا بأكثر من ألفي سنة، ويعتقد البوذيون أن الإله فيشنو، وهو أحد أركان التثليث عند الوثنيين من أهل الهند، تجسد مرارًا عديدة لينجي العالم من الهلاك، وفي المرة التاسعة تجسد في بوذا، وسبب هذه المزاعم الفاسدة غلو الأمم في تقديس أنبيائهم.\nوالصينيون يقولون: إن أصل كل شيء واحد، وهذا الواحد الذي هو أصل الوجود، اضطر إلى إيجاد ثان، والأول والثاني، انبثق منهما ثالث، ومن هذه الثلاثة صدر كل شيء.\nوالمصريون القدماء كانوا يعبدون إلهًا مثلث الأقانيم، على نمط أهل الصين، وكذلك الكلدانيون.\nوكان الآشوريون يقولون عن \"مردوخ\": أنه ابن الله البكر.\nوقدماء اليونان كانوا يقولون بالتثليث، ويقال إن \"فيثاغورث\" و\"هيركليتوس\" و\"بلاتوا\": أخذوا فلسفتهم في التثليث عن \"أورفيوس\"، ثم نشروها في بلادهم.\nفقول اليهود: عزير ابن الله، قلدوا فيه قدماء المصريين، وقول النصارى المسيح ابن الله، قلدوا فيه الوثنيين، والرومانيين القدماء، والفرس الأقدمون، كالهنود في التثليث، والثلاثة عندهم \"أورمزد، ومترات، وأهرمان\"، فالأول الخلاق، والثاني ابن الله المخلّص والوسيط، والثالث المهلك. والفنيقيون كانوا على هذا النمط.\nومثلهم الفلنديون والإسكندنافيون والدرديون، وسكان سيبيريا القدماء،\n_________\n(١) إن مثل هذه الأعداد من المؤلف ﵀ غير مبنية على أصول صحيحة في الإحصائيات. والآن وقد مضت أكثر من ستين سنة فقد تغيرت الأحوال والأعداد.","vol":"1","page":328},{"text":"المعبر عنهم بيأجوج ومأجوج (١)، والتتر الوثنيون، وسكان جزائر الأوقيانوس، وأهل المكسيك الهندوس، والهندوس الكنديون، وكل أولئك يدّعون في الابن أنه صلب كما تدعي النصارى، والكلام على استيفاء هذه المباحث طويل، وله مَحَالّ يؤخذ منها.\nوالحاصل أن قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدًا﴾، شامل لجميع الأمم الوثنية، ومنهم النصارى واليهود، ولمّا ضل كثير من الأمم بهذا الاعتقاد نزه تعالى نفسه، بقوله: ﴿سبحانه﴾ أي: تنزيهًا له عمّا نسبه إليه الكفار من اتخاذ الولد، والتجسد، والحلول، علوًا وارتفاعًا عن ذلك، وأخرج الحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي، عن طلحة بن عبيد الله قال: سألت رسول الله - ﷺ -، عن تفسير سبحان الله، فقال: \"هو تنزيه الله من كل سوء\" ورواه عبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، والديلمي.\nثم إنه تعالى أخذ في إبطال تلك المقالة، فقال: ﴿بل له ما في السماوات والأرض﴾ أي: جميع ذلك مملوك له. ومن جملتهم من ادعوا أنّه ولد لله، والولادة تنافي الملكية، لأن الوالد لا يملك ولده، ولمّا ذكر أن الكل مملوك لله تعالى، ذكر أنَّهم كلهم ﴿قانتون﴾ له، أي: مطيعون خاضعون له، وهذه عادة المملوك أن يكون طائعًا لمالكه، ممتثلًا لما يريده منه، واستدل بنتيجة الطواعية على ثبوت الملكية، ومن كان بهذه الصفة لم يجانس الولد، إذ الولد يكون من جنس الوالد، وأتى بـ ﴿ما﴾ الموضوعة لما لا يعقل، تحقيرًا لهم وتصغيرًا لشأنهم.\nوالمقصود من القنوت هنا، الذي بمعنى الطاعة، أنهم خاضعون لتصرفه فيهم، ويفعل بهم ما يشاء ويختار، فله الحكم المطلق كما أخبر تعالى عن السماوات، والأرض، بأنهما قالتا: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١] والمعنى: أنهم مخلصون خاشعون متواضعون، لاستسلامهم لقضائه من غير قدرة على دفاع، ولا\n_________\n(١) وهذا من الأمور التي لا يحكم فيها بالعقل بل بالنقل. وما ذكره المؤلف ﵀ لا يثبت.","vol":"1","page":329},{"text":"تطلع إلى نوع امتناع العاقل وغيره، كأنهم يسعون في ذلك ويبادرون إليه مبادرة اللبيب الحازم، وما أحسن قول ابن ميلق في ذلك:\nوالعبد فهو فقير رب راوية ... بالدهر غُرَّ وبالأحوال غيرُ دَرِي\nقد ساقه قدر نحو القضاء ومَنْ ... يستطع رد قضاءٍ جاء عن قَدَرِ؟\nولما ذكر أنه مالك لجميع من في السماوات والأرض، ذكر الطرفين وخصهما بالبداعة، لأنهما أعظم ما نشاهده من المخلوقات، فقال: ﴿بديع السماوات والأرض﴾ أي: خالقهما على غير مثال سبق، والمعنى: أنه تعالى بارئ السماوات ومبدعها، على غير مثال سابق، وهو الذي ابتدع من ينسبونه إليه بأنه ولده بقدرته، فكيف يجوز عليه أن يكون له ولد.\nولما ذكر ما دل على الاختراع، ذكر ما يدل على طواعية المخترع، وسرعة تكوينه، فقال: ﴿وإذا قضى﴾ أي: أراد ﴿أمرًا﴾ منهما أو من غيرهما، تكون ذلك الأمر، ودخل تحت الوجود من غير امتناع ولا توقف، كما أن المأمور المطيع الذي يؤمر فيمتثل لا يتوقف، ولا يمتنع، ولا يكون منه الإباء، أكد بهذا الاستبعاد الولادة لأن من كان بهذه الصفة من القدرة، كانت حاله مباينة لحال الأجسام في توالدها.\nوقد اختلف المفسرون هنا اختلافًا كبيرًا في مخاطبة المعدوم، وقالوا: إن الشيء قبل وجوده يكون معدومًا، فكيف يخاطبه تعالى بـ: ﴿كن﴾ وأطالوا في ذلك، ومحصل ما قاله ابن جرير: أن قوله تعالى: ﴿وإذا قضى أمرًا﴾ عام، في كل ما قضاه الله وبرأه، وإذا كان ذلك كذلك، فأمر الله لشيء إذا أراد تكوينه موجودًا بقوله ﴿كن﴾ في حال إرادته إياه مكونًا، لا يتقدم وجوده الذي أراد إيجاده وتكوينه، إرادته إياه، ولا أمره بالكون والوجود، ولا يتأخر عنه، فغير جائز أن يكون الشيء مأمورًا بالوجود، مرادًا كذلك إلا وهو موجود، ولا أن يكون موجودًا، إلا وهو مأمور بالوجود، مرادًا كذلك، ونظير هذه الآية: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ [الروم: ٢٥] فإن خروج القوم من قبورهم، لا يتقدم دعاء الله ولا يتأخر عنه، انتهى.","vol":"1","page":330},{"text":"وهذا كما تراه بسط لما أجمل فيما تقدم، وعندي: أن السؤال غير وارد من أصله، لأن ما أراد الله وجوده إنما هو موجود في علمه تعالى، وإن كان معدومًا في الخارج، فإذا أراد الله تعالى إبراز ذلك الموجود إلى الخارج، أمره بالتكوين فتكون، وأفعاله تعالى لا تقاس على أفعال المخلوقين ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾ [النحل: ٧٤]، وقال الرازي: إن المراد من كلمة ﴿كن﴾ سرعة نفاذ قدرة الله في تكوين الأشياء، وأنه تعالى يخلق الأشياء لا بفكرة ومعاناة وتجربة، وجعل هذا مثال قول السماوات والأرض: ﴿أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]، وقد مر بك هذا.\nولما تقرر بما أنبأ من بديع آياته في منبث مصنوعاته، أن عظمته تقصر عنها الأوهام، وتنكص خاسئة دونها نوافذ الأفهام، عجب من الجرأة عليه بما استوى فيه حالة الجهلة من العرب بالعلماء من أهل الكتاب، تبكيتًا لهم وتنفيرًا منهم، بأنه لا حامل لهم على الرضا لأنفسهم، بالنزول من أوج العلم إلى حضيض أهل الجهل، إلا اتباع الهوى، فقال:\n﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)﴾.\nأي: ﴿وقال﴾ الجهلة من المشركين، ومن أهل الكتاب، ونفى عنهم العلم، لأنهم لم يعملوا به: ﴿لولا﴾ أي: هلَّا ﴿يكلمنا الله﴾، أي: يوجه كلامه لنا، قالوا ذلك على طريقة الاستكبار والعتو، ﴿أو تأتينا آية﴾، أي: هلا يكون أحد هذين: إما التكلم، وإما إتيان آية، أي: علامة على حسب اقتراحنا، عادين ما أتاهم من الآيات على ما فيها من آية القرآن التي لا توازيها آية أصلًا عدمًا، ولما كان قولهم هذا جَدِيرًا بأن لا يصدق، نبه عليه بقوله: ﴿كذلك﴾ أي: الأمر كما ذكرنا عنهم، ولما كان كأنه قيل: هل وقع مثل هذا قط؟ ! قيل: نعم وقع ما هو أعجب منه، وهو أنه ﴿قال الذين من قبلهم مثل قولهم﴾ ثم علله بقوله: ﴿تشابهت قلوبهم﴾ أي: قلوب هؤلاء، ومن قبلهم في","vol":"1","page":331},{"text":"العمى، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ﴾ [الذاريات: ٥٣] وإن كانت مختلفة باعتبار العلم، وفي ذلك تسلية للنبي - ﷺ -، بأنه كما تعنت عليه، تعنت على من قبله.\nوحاصل المعنى: أنا قد أيدنا قول محمد - ﷺ -، بالمعجزات، وبينا صحة قوله بالآيات، وهي القرآن وسائر المعجزات، فكان طلب هذه الزوائد من باب التعنت، ولما كان ذلك توقع السامع الإخبار عن البيان، فكان كأنه قيل: هل قالوا ذلك جهلًا أو عنادًا؟ ! فقيل؛ بل عنادًا لأنا قد بينا الآيات في كل آية في الكتاب المبين المسموع، والكتاب الحكيم المرئي، ولما كان يقع البيان خاصًا بأهل الإيقان، قال: ﴿لقوم يوقنون﴾ وفيه بعث للشاك على تعاطي أسباب الإيقان، وهو صفاء العلم عن كدر تطرق الريب، لاجتماع شاهدي السمع والعين.\nولما تضمن هذا السياق شهادة بصحة رسالته - ﷺ -، وأنه ليس عليه إلا البيان، صرح بالأمرين بقوله مؤكدًا لكثرة المنكرين، فقال:\n﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)﴾.\nأي: ﴿إنا أرسلناك﴾ لأن تبشر وتنذر، لا لتجبر على الإيمان، وهذا تسلية لرسول الله - ﷺ -، وتسرية عنه لأنه كان يغتم ويضيق صدره، لإصرارهم وتصميمهم على الكفر، ﴿ولا﴾ نسألك ﴿عن أصحاب الجحيم﴾، ما لهم لم يؤمنوا بعد أن بذلت جهدك في دعوتهم، وهذا نظير قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: ٤٠] فأقبل على أمرك ولا تبال بهم، واحتقرهم، فإنهم أقل من أن يلتفت إليهم، وقيل: إن معنى ﴿ولا نسأل عن أصحاب الجحيم﴾ تعظيم ما وقع فيه الكفار من العذاب، كما إذا سألت عن إنسان واقع في بلية، فيقال لك: لا تسأل عنه، وهذا على قراءة \"ولا تَسأل\" بفتح التاء، ووجه التعظيم أن المسؤول يجزع أن يجري على لسانه ما هو فيه لفظاعته، فلا تسأله ولا تكلفه ما يضجره، أو أنت يا مستخبر لا تقدر على استماع خبره، لإيحائية السامع وإضجاره، فلا تسأل.","vol":"1","page":332},{"text":"ولما جرت العادة بأن المبشر يسر بالبشير، أخبر تعالى أن أهل الكتاب من قسم المنذرين، فهم لا يزالون عليه غضابًا، فقال عطفًا على ما اقتضاه ما قبله:\n﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِير﴾.\nالرضا هو: إقرار ما ظهر عن إرادة، والمعنى: ﴿لن ترضى عنك اليهود ولا النصارى﴾ لشيء من الأشياء، ﴿حتى تتبع ملتهم﴾ أي؛ تكون بشيرًا لهم، ولن تكون بشيرًا لهم حتى توافقهم فيما أحدثوه من أهوائهم، بأن تتبع كتابهم على ما بدلوا فيه وحرفوا، وأخفوا. كما يشير إلى هذا إضافة الملة إليهم، لا إلى صاحبها المعصوم، وهو إبراهيم ﵇، ويكون ذلك برغبة منك تامة، كما أفهمته صيغة الافتعال، لأن \"اتبع\" \"افتعل\"، ومصدره الاتباع، وهو افتعال، وتترك كتابك الناسخ لفروع كتابهم، ومفادهم أنه تعالى علق رضائهم عنه بأمر مستحيل الوقوع منه - ﷺ -، وهو اتباع ملتهم، والمعلق بالمستحيل مستحيل.\nوهذا الخطاب وإن كان للنبي - ﷺ -، لكنه في ضمنه التأديب لأمته، فإنهم يعلمون قدره عند ربه، وإنما ذلك ليتأدب به المؤمنون، فلا يوالون الكافرين، فإنهم لا يرضيهم منهم إلا اتباع دينهم، والملة هي: الدين، وإذا كان لا يرضيهم إلا ذلك، كان مستحيلًا، لأن اليهود لا يرضون إلا باتباع دينهم، والنصارى لا يرضون إلا باتباع دينهم، والوثنيون لا يرضون إلا باتباع دينهم، وكلها أديان متنافرة، ولا يمكن للشخص الواحد أن يجتمع فيه دينان متخالفان، فضلًا عن أديان.\nولما كان الحال كأنهم قالوا: لن نرضى عنك وإن أبلغت في طلب رضانا، حتى تتبع ملتنا، إقناطًا منهم لرسول الله - ﷺ -، عن دخولهم، فحكى الله ﷿ كلامهم، ولذلك قال: ﴿قل﴾ أي: على طريق إجابتهم عن قولهم: ﴿إن هدى الله هو الهدى﴾ أي: ﴿إن هدى الله﴾ الذي هو الإسلام ﴿هو الهدى﴾ بالحق، والذي يصح أن يسمى هدى، وهو الهدى كله ليس وراءه هدى، وما تدعون إلى اتباعه ما هو بهدى إنما هو هوى، ألا ترى إلى قوله: ﴿ولئن اتبعت أهواءهم﴾ يعني:","vol":"1","page":333},{"text":"أقوالهم التي هي أهواء وباع، ﴿بعد الذي جاءك من العلم﴾ أي: من الدين المعلوم صحته بالبراهين الصحيحة، ﴿ما لك من الله من ولي ولا نصير﴾، أي: معين يعصمك ويذب عنك، بل الله يعصمك من الناس، إذا أقمت على الطاعة والاعتصام بحبله.\nولما أفصح بمن يستحق النذارة منهم بتغيير الدين بأهوائهم، فأفهم من يستحق البشارة، تلاه بالإفصاح بالقسمين من يستحق البشارة منهم، ومن يستحق النذارة فقال:\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.\nالمعنى: أن مؤمني أهل الكتاب يتلون كتابهم بغير تحريف ولا تبديل، فيؤديهم إلى الإيمان بجميع رسل الله وبالقرآن، ﴿أولئك يؤمنون به﴾ حقًا، ﴿ومن يكفر به﴾ بالتحريف والتبديل، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾، أي: الهالكون، حيث اشتروا الضلالة بالهدى.\nوبعض المفسرين جعله شاملًا للمؤمنين أيضًا، وهو عندي حسن، ويكون المعنى على ما تقدم: ﴿الذين آتيناهم الكتاب﴾ يعني: القرآن، ﴿يتلونه حق تلاوته﴾، فيبينون ما أنزل الله فيه من الأحكام والآداب والمواعظ، ﴿أولئك يؤمنون به﴾ إيمانًا حقيقيًا، ﴿ومن يكفر به﴾ فيؤوِّله على مقتضى هواه ليروج به نحلته وبدعته، كما فسره الباطنية فأخرجوه عن معناه، وحرفوه وغيروه، وبدلوه كما هو مشاهد في تفاسيرهم له، واختراع معانٍ له لا يدل عليها منطوق، ولا مفهوم، ولا كناية، ولا يمكن أن تفهم منه بدلالة من الدلالات، ﴿فأولئك هم الخاسرون﴾.\nولم يصل اليهود في تحريف كتابهم إلى درجة أولئك الباطنية، فإن اليهود حرفوا بعضًا من كتابهم، وهؤلاء حرفوا القرآن من أوله إلى آخره، وأسندوا بعضًا من ذلك التحريف إلى أمير المؤمنين علي ﵁، وإلى أكابر أهل البيت،","vol":"1","page":334},{"text":"وهم براء من ذلك، وسيمر بك إن شاء الله تعالى، كثير من تحريفهم في هذا الكتاب، لتتبصّر وتتأمّل مفترياتهم.\nويشهد لهذا الوجه من التفسير ما أخرجه عبد ابن حميد، عن قتادة قال في هذه الآية: منهم أصحاب محمد الذين آمنوا بآيات الله وصدقوا بها. وعن ابن مسعود: والله إن ﴿حق تلاوته﴾: أن يحل حلاله، ويحرم حرامه، ويقرأه كما أنزله الله، ولا يحرفه عن مواضعه. وقال عمر بن الخطاب: لقد مضى بنو إسرائيل، وما يعني بما تسمعون غيركم.\nولما طال المدى في استقصائه كفرهم بالنعم، ثم في بيان عوارهم، وهتك أستارهم، وختم ذلك بالترهيب بخسارهم، لتضييع أديانهم بأعمالهم، وأحوالهم وأقوالهم، أعاد ما صدر به قصتهم من التذكير بالنعم، والتحذير من حلول النقم، فقال:\n﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧) وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)﴾.\nتقدم لبني إسرائيل تذكير بهذا المعنى، والتكرار هنا مبالغة في نصحهم، وإيقاظ لحميتهم، وقوله تعالى: ﴿ولا يقبل منها عدل﴾ أي: فداء يبذل في فكاكها من غير الأعمال الصالحة، وقوله: ﴿ولا تنفعها شفاعة﴾ أي: غير مأذون فيها، ﴿ولا هم ينصرون﴾ وإن كثرت جموعهم.\nولما وصل الحق تعالى بالدعوة العامة الأولى في قوله: ﴿يآَأَيُهَا اَلنَّاسُ﴾ ذكر أمر آدم، وافتتاح استخلافه، ليقع بذلك الناس كافة في طرفين، في اجتماعهم، في أب واحد، ولدين واحد، نظم بذلك وصل خطاب أهل الكتب، بذكر إبراهيم ليقع بذلك اجتماعهم أيضًا في أب واحد، وملة واحدة، اختصاصًا بتبعية الإمامة الإبراهيمية، من عموم تبعية الخلافة الآدمية، تنزيلًا للكتاب، وترفيعًا للخلق إلى علو اختصاص الحق.","vol":"1","page":335},{"text":"وأيضًا لما علي سبحانه أهل الضلال، وكان جلهم من ذرية إبراهيم ﵇، وجميع طوائف الملل تعظمه، ومنهم العرب وبيته الذي بناه أكبر مفاخرهم، وأعظم مآثرهم، ذكّر الجميع ما أنعم به عليه، تذكيرًا يؤدي إلى ثبوت هذا الدين، باطلاع هذا النبي الأمي الذي لم يخالط عالمًا قط، على ما لا يعلمه، إلا خواص العلماء، وذكر البيت الذي بناه فجعله عمادًا لصلاحهم، وأمر بأن يتخذ بعض ما هناك مصلى، تعظيمًا لأمره وتفخيمًا لعلي قدره.\nوفي التذكير بوفائه بعد ذكر الذين وفوا بحق التلاوة، وبعد دعوة بني إسرائيل عامة إلى الوفاء بالشكر، حث على الاقتداء به، وكذا في تذكير الإسلام والتوحيد هز لجميع من يعظمه إلى اتباعه في ذلك، فقال:\n﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.\nيعني تعالى جل ثناؤه بقوله: ﴿وإذ ابتلى﴾ وإذ اختبر قال تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦] يعني: اختبروهم، وكان اختبار الله تعالى إبراهيم، اختبارًا بفرائض فرضَها عليه، وأمرًا أمره به، وذلك هو الكلمات التي أوحاهنَّ إليه، وكلفه العمل بهنَّ، امتحانًا منه له، واختبارًا، وفي قوله: ﴿ربه﴾ إشعار بأن تكليف العباد هو غاية الإحسان إليهم.\nوأما الكلمات فقد أطال المفسرون في تعيينها، وفي مقدمتهم \"جلال الدين السيوطي\" في كتابه \"الدر المنثور\" فإنه فيه حاطب ليل. والصواب: أنه غير جائز لأحد أن يقول عن الله بالكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم شيئًا بعينه دون شيء، إلا بحجة يجب التسليم لها من خبر عن الرسول، أو إجماع من الحجة، ولم يصح في شيء من ذلك خبر عن الرسول، بنقل الواحد، ولا بنقل الجماعة التي يجب التسليم لما نقلته، وأقرب ما قيل في ذلك قول من قال: أراد بقوله بكلمات قوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ [البقرة: ١٢٥]","vol":"1","page":336},{"text":"وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.\nوفي \"الكشاف\": أن ابن عباس قرأ: \"وإذا ابتلى إبراهيمُ ربَّه\"، على جعل \"إبراهيم\" فاعلًا، و\"رب\" مفعولًا به، ونسب هذه القراءة إلى أبي حنيفة، قال: والمعنى: أنه دعاه بكلمات من الدعاء، فعل المختبر، هل يجيبه إليهن أو لا، انتهى.\nوقوله ﴿فأتمهن﴾ معناه: فقام بهن حق القيام، وأداهن أحسن التأدية من غير تفريط وتوان، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ [النجم: ٣٧] وفَّى الأخرى لله تعالى، بمعنى: فأعطاه ما طلبه لم ينقص منه شيئًا، وفي قوله: ﴿فأتمهن﴾ بيان لأن أسنى أحوال العباد الإذعان والتسليم، لمن قامت الأدلة على صدقه، والمبادرة لأمره، دون اعتراض ولا توقف، ولا بحث عن علة، ثم لما كان كأنه قيل: فما جوزي على شكره بالإتمام؟ قيل ﴿قال﴾ له ربه، ويجوز أن يكون \"قال\" بيانًا لـ ﴿ابتلى﴾ كما ذكرناه آنفًا ﴿إني جاعلك للناس﴾ أي: مصيرك للناس إمامًا يؤتم به ويقتدى به، وكثير من المفسرين فسر الإمامة هنا بالنبوة وهو الصواب، وهذا الجعل يقتضي العصمة، لأن الإمام هو الذي يؤتم به، فلو صدرت المعصية منه لوجب الاقتداء به في ذلك، فيلزم أن يجب على المؤتمين به فعل المعصية،، وذلك محال لأن كونه معصية، عبارة عن كونه ممنوعًا من فعله، وكونه واجبًا عبارة عن كونه ممنوعًا من تركه، والجمع بينهما محال.\nوقوله: ﴿ومن ذريتي﴾ متعلق بمحذوف، التقدير: ﴿و﴾ اجعل ﴿من ذريتي﴾ إمامًا، لأن إبراهيم فهم من قوله تعالى: ﴿إني جاعلك للناس إمامًا﴾ الاختصاص، فسأل الله أن يجعل من ذريته إمامًا، فأجابه تعالى بقوله: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ أي: قد أجبتك وعاهدتك بأن أحسن إلى ذريتك، لكن ﴿لاينال عهدي﴾ الذي عهدته إليك بالإمامة ﴿الظالمين﴾، منهم لأنهم نفوا أنفسهم عنك في أبوة الدين، وفي ذلك أتم ترغيب في التخلق بوفائه، لاسيما للذين دعوا قبلها","vol":"1","page":337},{"text":"إلى الوفاء بالعهد، وإشارة إلى أنهم إن شكروا أبقى رفعتهم، كما أدام رفعته، كان ظلموا لم تنلهم دعوته، فضربت عليهم الذلة وما معها، ولا يجزي أحد عنهم شيئًا، ولا هم ينصرون.\nواختلف المفسرون في معنى العهد، فقيل: النبوة، وقيل: الإمامة، وقيل: الأمان، والصواب أنه: النبوة والإمامة في الدين. وقوله تعالى: ﴿لا ينال عهدي الظالمين﴾ هو من الجواب الذي يزيد على السؤال، لأن إبراهيم طلب من الله وسأل: أن يجعل من ذريته إمامًا، فأجابه إلى أنه لا ينال عهده الظالمين، ودل بمفهوم الصفة على أنه ينال عهده من ليس بظالم، وكان ذلك دليلًا على انقسام ذريته إلى ظالم وغير ظالم، وحيث فسرنا الإمامة بالنبوة، استغنينا عن تقليد المفسرين هنا بما أطالوه به من شروط الإمامة، التي هي الإمارة، وإطالتهم في ذلك حتى كادوا يذكرون شروط الإمام في الصلاة.\nولما كان من إمامة إبراهيم ﵇، اتباع الناس له في حج البيت الذي شرفه الله، ببنائه قال إثر ذلك ناعيًا على أهل الكتاب مخالفته، وترك دينه، وموطئًا لأمر القبلة:\n﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾.\nبيّن تعالى في الآية التي قبل هذه، كيفية حال إبراهيم حين كلفه بالإمامة، ثم شرح هنا التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، والبيت هنا التكليف الثاني، وهو التكليف بتطهير البيت، و﴿البيت﴾ هنا الكعبة والحرم كله، ولكن لما كانت حرمة الحرم كله معلقة بالبيت، جاز أن يعبر عنه باسم البيت، ونظيره: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ [المائدة: ٩٥] فإن المراد الحرم كله لا الكعبة نفسها، لأنه لا يذبح في الكعبة ولا في المسجد الحرام.\nوالمعنى: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾، أي: الحرم ﴿مثابة للناس﴾، و\"جعل\"","vol":"1","page":338},{"text":"بمعنى \"صير\" فـ ﴿مثابة﴾ مفعول ثانٍ، وقيل: هي بمعنى خلق أو وضع، و\"المثابة\" المرجع، وتاؤها للمبالغة، لكثرة من يثوب إليه، أو لتأنيث المصدر، أو لتأنيث البقعة، ويجوز أن تكون \"المثابة\" بمعنى الجمع، أي: ﴿وإذ جعلنا البيت﴾ مجمعًا للناس، أي: جعلناه مجمعًا للحجاج، وقال ابن عباس: معاذًا وملجأ. والأقرب قول من قال: مرجعًا، ومعناه: يرجعون إليه بكلياتهم، كما تفرقوا عنه اشتاقوا إليه، هم أو غيرهم، آيةً على رجوعهم من الدنيا إلى ربهم، ﴿وأمنًا﴾ مصدر، جعل البيت إياه على سبيل المبالغة لكثرة ما يقع فيه من الأمن، وكان في الجاهلية معاذًا لمن استعاذ به، وكان الرجل منهم لو لقي قاتل أبيه أو أخيه فيه لم يهجه، ولم يعرض له بشيء حتى يخرج منه، وكان كما قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] قال الأصفهاني: وهذا شيء توارثه العرب من دين إسماعيل ﵇، فبقوا عليه إلى أيام النبي - ﷺ -، فاليوم من أصاب في الحرم جريرة أقيم عليه الحد بالإجماع، انتهى.\nويصح أن يكون على سبيل الأمر، والمعنى: أن الله تعالى أمر الناس بأن يجعلوا ذلك الموضع آمنًا من الغارة والقتل، فيكون محترمًا بحكم الله، وإنما جعل الله البيت مثابة للناس وأمنًا لما فيه من منافع الدنيا والآخرة، أما منافع الدنيا، فلأن أهل الشرق والغرب يجتمعون هناك، فيحصل هناك من التجارات وضروب المكاسب ما يعظم به النفع، وأيضًا فيحصل بسبب السفر إلى الحج عمارة الطرق والبلاد، كما جرى في زمننا من إنشاء السفن البرية من دمشق حتى المدينة، وسيتصل سيرها إلى مكة (١)، وإعمار ما كان قابلًا للعمران من تلك البقاع، وفيه أيضًا مشاهدة الأحوال المختلفة في الدنيا، واجتماع المسلمين الذي لولا الحج لم يجتمعوا، وتعارف بعضهم ببعض، وشكاية بعضهم لبعض ما أهمهم، فيقوم أولو الحمية بنصرة بعضهم بعضًا، ويقوم العارفون بتلك الحكمة بضم الشمل وجمع\n_________\n(١) يقصد بالسفن البرية خط سكة حديد الحجاز وهو وقف إسلامي. ولكن عطل أثناء الحرب العالمية الأولى. وحتى اليوم لم ينجز إصلاحه ويا للأسف.","vol":"1","page":339},{"text":"الكلمة، لتخلص البلاد التي يستولي عليها الأعداء من أيديهم، بمعونة أهل الإيمان بعضهم لبعض، فيكون البيت هو سبب أمنهم، لأنهم ما داموا بيد الأعداء كانوا في خوف، فإذا خلصوا كانوا في أمن.\nفانظر إلى هذه الحكمة التي أشار إليها تعالى في هذه الآية، وقل: هنيئًا لمن يفقهها ويسلك مسالكها، ويؤدي ذلك الواجب الذي أوجبه تعالى عليه.\nوأما منافع الدين، فلأن من قصد البيت رغبة منه في النسك والتقرب إلى الله، وإظهار العبودية، استحق بذلك ثوابًا عظيمًا، وهو المثوبة على فعله.\nولما كان التقدير: فثاب الناس إليه ائتمامًا ببانيه، وآمنوا بدعوته فيه، عطف عليه قوله: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ أخرج البخاري والترمذي والنسائي وابن ماجه وأحمد والدارقطني والدارمي، عن أنس قال: قال عمر بن الخطاب: \"وافقت ربي في ثلاثة\" أو: وافقني ربي في ثلاث: قلت؛ يا رسول الله لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى، فنزلت: ﴿واتخدوا من مقام إبراهيم مصلى﴾ وقلت: يا رسول الله إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن، فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله نساؤه في الغيرة، فقلت لهن: عسى ربه إن طلقكن أن يبدله أزواجًا خيرًا منكن فنزلت كذلك.\nوروى الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح، عن أنس أن عمر قال: يا رسول الله، لو صلينا خلف المقام، فنزلت: ﴿واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى﴾. فقوله تعالى: ﴿واتخذوا﴾ على إرادة القول، أي وقلنا: اتخذوا منه موضع صلاة تصلون فيه، وهو على وجه الاختيار والاستحباب دون الوجوب، وهذا على قراءة كسر الخاء، وهي قراءة ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، والجمهور. وقرأ نافع وابن عامر بفتحها، جعلوه فعلًا ماضيًا فيكون المعنى كما ذكرناه آنفًا، فثاب الناس إليه فاتخذوا، ومقام إبراهيم هو المقام المعروف بهذا","vol":"1","page":340},{"text":"الاسم الذي هو في المسجد الحرام، و\"المصلى\" موضع الصلاة، أمروا أن يصلوا عنده.\nوقوله تعالى: ﴿وعهدنا﴾ معناه أمرنا، أو وصينا، أو أوحينا، أو قلنا إلى إبراهيم وإسماعيل: ﴿أن طهرا بيتي﴾ عن كل رجس حسي، ومعنوي، فلا يفعل بحضرته شيء لا يليق في الشرع، وإضافة البيت إليه تعالى إضافة تشريف لا مكان محل لله تعالى، والمراد بـ ﴿الطائفين﴾ من يقصد البيت حاجًا أو معتمرًا فيطوف به، وبـ ﴿العاكفين﴾ من يقيم هناك ويجاور، وبـ ﴿الركع السجود﴾ من يصلي هناك.\nولما ذكر الله تعالى أمر البيت على ما تضمنته الآية الشريفة ذكر باهتمامه بأهله، ودعائه لهم مبكتًا لمن عق إبراهيم من ذريته، فقال:\n﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾.\n﴿رب﴾ منادى مضاف إلى الياء، ونادى إبراهيم بلفظ الرب مضافًا إليه، لما في ذلك من تلطف السؤال والنداء، بالوصف الدال على قبول السائل، وإجابة ضراعته، وأسقط ياء النداء الدالة على البعد من اللفظ إنباءً بقربه، كما هو حال أهل الصفوة، ﴿اجعل﴾ بمعنى صيِّر، و﴿هذا البلد﴾ أي الموضع الذي جعلت فيه بيتك، وأمرتني بأن أسكنه من ذريتي، أي صيره بلدًا يأنس من يحل به أمنًا، إفصاحًا بما أفهمه، ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾، وقوله: ﴿آمنًا﴾ أي ذا أمن كقولهم عيشة راضية، أي ذات رضا أو على الاتساع، لما كان يقع فيه الأمن جعله ﴿آمنًا﴾، كقولهم نهارك صائم، وليلك قائم، وأطلق تعالى قوله: ﴿آمنًا﴾ ولم يقيده بشيء، واختلف كلام المفسرين في تقييده على عادتهم، فقيل: ﴿آمنًا﴾ من الجبابرة والمتسلطين، أو من أن يعود تحريمه حلالًا، أو من أن يخلو من أهله، أو ﴿آمنًا﴾ من القتل، أو من الخسف والقذف، أو من القحط والجدب، أو من دخول الدجال، أو من أصحاب الفيل، أو معناه مأمونًا فيه ... إلى غير ذلك مما لا يخلو","vol":"1","page":341},{"text":"أكثره من اعتراض عليه، فإن \"عمرًا بن لحي\" و\"الحجاج بن يوسف\" والقرامطة، دخلوا الحرم وأكثروا القتل في أهله، وكذلك إن تلك البقعة أكثر بلاد الله قحطًا وجدبًا، كما قال ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].\nوحيث اختلفت الأقوال فالمرجع إلى ما صح سنده من كلام رسول الله - ﷺ -، أو من كلام أصحابه رضوان الله عليهم، فقد أخرج الإمام أحمد ومسلم والنسائي، عن جابر مرفوعًا \"إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، فلا يصاد صيدها، ولا يقلع عضاهها\"، وفي رواية لمسلم عن رافع بن خديج مرفوعًا: \"إن إبراهيم حرم مكة وإني أحرم ما بين لابتيها\" يعني: المدينة، وقد ورد في الصحيح عنه ﷺ:\n\"إن الله حرم مكة يوم خلق السماوات والأرض\" بغير تحريم منه على لسان أحد من أنبيائه ورسله، فالله تعالى جعل مكة حرمًا حين خلقها وأنشأها، ولكن بمنع من أرادها بسوء، وبدفعه عنها من الآفات والعقوبات، وعن ساكنيها ما أحل بغيرها من النقمات، فلم يزل ذلك أمرها حتى بوأها الله إبراهيم خليله، وأسكن بها أهله هاجر وولده إسماعيل، فسأل حينئذ إبراهيم ربه إيجاب فرض تحريمها على عباده على لسانه، ليكون ذلك سنَّة لمن بعده من خلقه، يستنُّون به فيها، إذ كان تعالى ذكره قد اتخذه خليلًا، وأخبره أنه جاعله للناس إمامًا يقتدى به، فأجابه ربه إلى ما مسألة، وألزم عباده حينئذٍ فرض تحريمه على لسانه، فصارت مكة - بعد أن كانت ممنوعة بمنع الله إياها، بغير إيجاب الله فرضَ الامتناع منها على عباده، ومحرمة بدفع الله عنها، بغير تحريمه إياها على لسان أحد من رسله- فرضٌ تحريمها على خلقه على لسان خليله، وواجبٌ على عباده الامتناع من استحلالها واستحلال صيدها وعضاهها بإيجابه الامتناعَ عن ذلك ببلاغ إبراهيم رسالة الله إليه، بذلك إليهم. فلذلك أضيف تحريمها إلى إبراهيم، فقال: رسول الله - ﷺ -: \"إن الله حرم مكة\"، لأن فرض تحريمها الذي ألزم الله عباده","vol":"1","page":342},{"text":"على وجه العبادة له به- دون التحريم الذي لم يزل متعبَّدًا (١) لها به على وجه الكلاءة والحفظ لها قبل ذلك- كان عن مسألة إبراهيمَ ربَّه إيجاب فرض ذلك على لسانه، [وهو الذي] (٢) لزم العباد فرضه دون غيره، وإلى هذا مال ابن جرير، وأقره، وبه يندفع عن الأحاديث الواردة ما يظن أنه متناقض من قوله: \"إن إبراهيم حرم مكة\"، \"وإن الله حرم مكة\".\nولما ذكر تعالى الأمن أتبعه الرزق فقال ﴿وارزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ وذلك أن إبراهيم لما بنى البيت في أرض مقفرة، وكان حال من يتمدن من الأماكن يحتاج فيه إلى ماء يجري، ومزرعة يمكن فيها القطان بالمدينة، دعا الله للبلد بالأمن، وبأن تجبى له الأرزاق، فإنه إذا كان البلد ذا أمن، أمكن وفود التجار إليه لطلب الربح، ولما سمع في الإمامة قوله تعالى: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قيد هنا من سأل له الرزق، فقال: ﴿من آمن منهم بالله واليوم الآخر﴾ والضمير في ﴿منهم﴾ عائد إلى ﴿أهله﴾، دعا لمؤمنهم بالأمن والخصب، لأن الكافر لا يدعى له بذلك، ألا ترى أن قريشًا لما طغت دعا عليها رسول الله - ﷺ -، فقال: \"اللهم اشدد وطأتك على مُضَر، واجعلها عليهم سنين كسني يوسف\" (٣) وكانت مكة إذ ذاك قفرًا لا ماء فيها ولا نبات، كما قال: ﴿بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، فبارك الله فيما حولها كالطائف وغيره، وأنبت الله فيها أنواعًا من الثمر، قال البرهان البقاعي في تفسيره: قال: ﴿من الثمرات﴾ ولم يقل: من الحبوب، لما في تعاطيها من الذل المنافي للأمن، لما روي أن النبي - ﷺ -، رأى سكة حرث فقال: \"ما دخلت هذه بيتًا إلا ذل\" (٤) انتهى.\nأقول: الدليل لا يفيد المدعى، لأن الحبوب كما تحتاج إلى السكة للحرث\n_________\n(١) الأصل: (متعودًا) والتصحيح من الطبري.\n(٢) قال الأستاذ شاكر في تحقيقه للطبري: ما بين القوسين زيادة لا بد منها حتى يستقيم الكلام.\n(٣) أخرجه البخاري (٨٠٤)، ومسلم (٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.\n(٤) لم أجده، والمؤلف نقله عن البقاعي، وهو عن الحرالّي.","vol":"1","page":343},{"text":"كذلك الأشجار تحتاج إليها، بين الاحتياج القليل أو الكثير، فمن أين جاءه التخصيص، وأيضًا فإن الثمرات مفردة ثمرة، وحكى صاحب \"البصائر\" عن ابن عباس: أن الثمر أنواع المال، وقال في \"القاموس\": الثَمَر محركة حمل الشجر، وأنواع المال. وقرأ أبو عمرو بن العلاء: \"وكان له ثُمْرٌ\" وفسره بأنواع المال كذا في \"الصحاح\"، وقال: الأزهري في \"التهذيب\"، قال مجاهد في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ﴾ [الكهف: ٣٤] ما كان في القرآن من ثمر فهو المال، فدل كلام أهل اللغة، على أن الثمر يكون في بعض الاستعمالات عامًا في ثمر الأشجار والحبوب، وصنوف المال، وساعدهم على هذا النقلُ عن سلف المفسرين، والمقام هنا مقام دعاء بالغذاء، والحبوب أهم من الثمار في الغذاء، فينبغي أن يفسر دعاء إبراهيم هنا بما هو أعم من ثمر الأشجار، ليكون شاملًا للحبوب ولأصناف المال الذي تحتاج إليه المدنية، ولا تقوم إلا به.\nوقوله: ﴿ومن كفر﴾ عطف على ﴿من آمن﴾، والمعنى وأَرزق من كفر، فأمتعه قليلًا، لأني أرزق البر والفاجر، قال أُبيُّ بن كعب: هو قول الرب جل ذكره، وروي عن ابن عباس: أنه من قول إبراهيم ﵇، والصواب من التأويل قول أُبيِّ ﵁.\nوالمعنى: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني هذا البلد وكفارهم، متاعًا لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار، أي: فأجعل ما أرزقه الكافر من ذلك، في حياته متاعًا يتمتع به إلى وقت مماته، ودليل صحة هذا القول أن الله تعالى إنما قال ذلك لإبراهيم، جوابًا لمسألته ما سأل من رزق الثمرات لمؤمني أهل مكة، فكان معلومًا بذلك أن الجواب، إنما هو فيما سأله إبراهيم لا في غيره، وقوله: ﴿ثم أضطره﴾ أي: أسوقه ﴿إلى عذاب النار﴾، والاضطرار الإكراه والإلجاء، أي: أدفعه إلى العذاب، وأسوقه سحبًا وجرًا على وجهه، ﴿و﴾ ساء ﴿المصير﴾، عذاب النار بعد الذي كانوا فيه من متاع الدنيا الذي متعتهم فيها، و﴿المصير﴾ هو: الموضع الذي يصير إليه الكافر بالله في عذاب النار، وفي الآية بيان أن نعمة المؤمن في الدنيا موصولة بالنعمة في الآخرة،","vol":"1","page":344},{"text":"بخلاف الكافر فإن نعمته في الدنيا تنقطع عند الموت، وتتخلص منه إلى الآخرة.\nولما ذكر الله تعالى بما مهده من أمر البيت دينًا ودنيًا، أتبعه ببنائه مشيرًا إلى ما حباهم به من النعم وما قابلوه به من كفرها، باختيارهم لأن يكونوا من غير الأمة المسلمة فقال تعديدًا لوجوه النعم على العرب (١)، بأبيهم الأعظم استعطافًا إلى التوحيد:\n﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٢٩)﴾.\nجملة ﴿وإذ يرفع﴾ معطوفة على ما قبلها، و﴿يرفع﴾ حكاية حال ماضية، و﴿القواعد﴾ جمع قاعدة وهي الأساس والأصل لما فوقه، وهي صفة غالبة، ومعناها: الثابتة، ورفع الأساس: البناء عليها، لأنها إذا بني عليها نقلت من هيئة الانخفاض إلى هيئة الارتفاع، وتطاولت بعد التقاصر، ويجوز أن يكون المراد بالقواعد سافات البناء، لأن كل ساف قاعدة للذي يبنى عليه، ويوضع فوقه، ومعنى: رفع القواعد، رفعها بالبناء، لأنه إذا وضع سافًا فوق ساف فقد رفع السافات، ويجوز أن يكون المعنى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم﴾ ما قعد ﴿من البيت﴾، أي: استوطأ، يعني: جعل هيئة القاعدة المستوطأة مرتفعة عالية بالبناء.\nوقد أطال المفسرون هنا، فذكروا ماهية هذا البيت، وقدمه وحدوثه، ومن أي شيء كان بابه، وكم مرة حجه آدم، ومن أي شيء بناه إبراهيم، ومن ساعده على البناء، وذكروا قصصًا كثيرةً واستطردوا من ذلك للكلام في البيت المعمور، وفي طول آدم والصلع الذي عرض له ولولده، وفي الحجر الأسود، وطولوا في\n_________\n(١) الأصل: (الأب) والتصحيح من \"نظم الدرر\" ٢/ ١٥٧.","vol":"1","page":345},{"text":"ذلك بأشياء لم يتضمنها القرآن ولا الحديث الصحيح، وبعضها يناقض بعضًا، وذلك على جري عاداتهم في نقل ما دب وما درج، ولا ينبغي أن يعتمد إلا على ما صح في كتاب الله وسنة رسوله.\nوالصواب: أن ﴿إسماعيل﴾ ﵇ كان مشاركًا لإبراهيم في البناء، كما أخبر الله تعالى بذلك، فلا عبرة يقول من نفى مشاركة إسماعيل له.\nثم وصل بهذا العمل الشريف قوله: ﴿ربنا﴾ مرادًا فيه القول، محذوفًا منه ياء النداء الدالة على البعد، أي: يقولون: ﴿ربنا تقبل منا﴾ عملنا بفضلك، ولا ترده علينا، إشعارًا بالاعتراف بالتقصير لحقارة العبد، وان اجتهد في جنب عظمة مولاه، ولما تضمن سؤال القبول المشعر، بخوف الرد، علم الناقد البصير بالتقصير علله بقوله: ﴿إنك أنت السميع﴾ لدعائنا، ﴿العليم﴾ بنياتنا وضمائرنا، وفي هذا الدعاء دليل واضح على أن بنائهما ذلك لم يكن مسكنًا يسكنانه، ولا منزلًا ينزلانه، بل هو دليل على أنهما بنياه ورفعا قواعده، لكل من أراد أن يعبد الله، تقربًا منهما إلى الله بذلك، ولذلك قال: ﴿ربنا تقبل منا﴾ ولو كانا بنياه مسكنًا لأنفسهما، لم يكن لقولهما ﴿تقبل منا﴾ وجه مفهوم، لأنه كان يكون لو كان الأمر كذلك سائلين أن يتقبل منهما، ما لا قربة فيه إليه، وليس موضعهما مسألة الله قبول ما لا قربة إليه فيه.\nولما سألا القبول، سألا الزيادة عليه بقولهما: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾ مخلصين لك أوجهنا، من قوله تعالى: ﴿أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١١٢، والنساء: ١٢٥] أو مستسلمين، أي خاضعين مذعنين، والمعنى: زدنا إخلاصًا أو إذعانًا لك، ولم يريدا بقولهما: ﴿واجعلنا مسلمين لك﴾، حقيقة الإسلام بل أرادا والله أعلم: الدعاء بالدوام، كما في ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦)﴾ [الفاتحة: ٦] واشارة إلى أن الإسلام لما كان ظاهر الدين كان سريع الانثلام، لأجل مضايقة أمر الدنيا، وإنما يتم الإسلام بسلامة الخُلُق من يد العبد ولسانه، والإلقاء بكل ما بيده لربه، وذلك مما ينازع فيه وجوه النفس، ومتضايق الدنيا، كان هو مطلبًا لأهل","vol":"1","page":346},{"text":"الصفوة في خاتمة العمر، ليكون الخروج من الدنيا عن اللقاء للحق وسلام للخلق، كما قال يوسف ﵇: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا﴾ [يوسف: ١٠١].\nوقوله: ﴿ومن ذريتنا﴾ معناه: واجعل بعض ﴿ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، وإنما خصا بذلك بعض الذرية، لأن الله قد كان أعلم إبراهيم قبل مسألته هذه، أن من ذريته من لا ينال عهده لظلمه وفجوره، فلذلك خصا بالدعوة بعض ذريتهما، وقال السدي: المراد من ذلك البعض: العرب، وهو قول باطل، لأن ذرية إبراهيم العرب وغيرهم، وأيضًا فإنه ليس كل العرب من ولد إبراهيم، ولو كان قوله صحيحًا لكان يلزم لذلك التخصيص تعميم، ليعم كل العرب، ولا عموم هنا.\nوقوله تعالى: ﴿أمة مسلمة لك﴾ معناه: جماعة، وخص ذريته بالدعاء، للشفقة وللحنو عليهم، ولأن في صلاح نسل الصالحين نفعًا كثيرًا لمتبعهم، إذ يكونون سببًا لصلاح من ورائهم، ودل صدر هذا الدعاء، على أن كمال سعادة العبد في أن يكون مسلمًا لأحكام الله وقضائه وقدره، وأن لا يكون ملتفت المخاطر إلى شيء سواه، ولما كان المسلم مضطرًا إلى العلم، قال: ﴿وأرنا مناسكنا﴾ أي: وبصرنا متعبداتنا في الحج، وعرفناها ﴿وتب علينا﴾ أي: أدم توبتنا ﴿إنك أنت التواب﴾ صيغة مبالغة، أي: الرجاع بعباده إلى مواطن النجاة من حضرته، بعدما سلط عليهم عدوهم بغوايته، ليعرفوا فضله عليهم، وعظيم قدرته، ثم أتبعه وصفًا هو كالتعليل له، فقال: ﴿الرحيم﴾.\nوقال فخر الدين الرازي، من جملة أوجه ذكرها: لمّا أُعلِم إبراهيم أن في ذريته من يكون ظالمًا عاصيًا لا جرم، سأل ههنا أن يجعل بعض ذريته أمة مسلمة، ثم طلب منه أن يوفق أولئك العصاة المذنبين للتوبة، فقال: ﴿وتب علينا﴾ أي: على المذنبين من ذريتنا، والأب المشفق على ولده، إذا أذنب ولده فاعتذر الوالد عنه، فقد يقول: أجرمت وعصيت، وأذنبت فأقبل عذري، ويكون مراده أن ولدي أذنب فأقبل عذره، لأن ولد الإنسان يجري مجرى نفسه، ثم إن الرازي قوى هذا التأويل، واستدل له، وإنما جنح إلى","vol":"1","page":347},{"text":"هذا التأويل، لأن الأنبياء معصومون عن الصغائر والكبائر، ولما جوز المعتزلة وقوع الصغائر من الأنبياء، قال الزمخشري مشيًا على قاعدتهم: وتب علينا ما فرط منا من الصغائر، واستيفاء هذا البحث محله كتب الكلام، فلا نطيل به ههنا.\nولما دعى ربه بالأمن لمكة، وبالرزق لأهلها، وبأن يجعل من ذريته أمة مسلمة، ختم الدعاء لهم بما فيه سعادتهم دنيا وآخرة فقال: ﴿ربنا وابعث فيهم رسولًا منهم﴾ فشمل دعاؤه لهم الأمن والخصب والهداية، فقوله: ﴿ربنا وابعث فيهم﴾، أي: في الأمة المسلمة التي من ذريتي وذرية ابني إسماعيل، ﴿رسولًا منهم﴾ ليكون أرفق بهم، وأشفق عليهم، ويكونوا هم أجدر باتباعه، والترامي في نصره، وذلك الرسول هو محمد - ﷺ -، فإنه لم يبعث من ذريتهما بالكتاب غيره، فهو دعوة إبراهيم أبي العرب، وأكرم ذريته، ففي ذلك أعظم ذم لهم بعداوته، مع كونه مرسلًا لتطهيرهم بالكتاب الذي هو الهدى، وإليه الإشارة بقوله: ﴿يتلو عليهم آياتك﴾ ولذلك كان - ﷺ - يقول: \"أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى\" (١) ولمّا طلب بعثة رسول منهم، ذكر لذلك الرسول صفات فقال: ﴿يتلو﴾ أي: يقرأ عليهم آياتك، ويبلغهم ما يوحى إليه من دلائل وحدانيتك، وصدق أنبيائك ﴿ويعلمهم الكتاب﴾، أي يفهمهم، ويلقي إليهم معانيه، ﴿و﴾ يعلمهم ﴿الحكمة﴾، أي: الشريعة وبيان الأحكام، وكل أمر يشرعه لهم، فيحفظهم في سبيل معاشهم ومعادهم، من الزيغ المؤدي إلى الضلال الموجب للهلاك، وقوله ﴿ويزكيهم﴾ أي يطهر قلوبهم بما أوتيه من دقائق الحكمة، فيرتقي بصفائها ولطفها من ذروة الدين إلى محل يؤمن عليها فيه أن ترتد على أدبارها، وتحرف كتابها كما فعل من تقدمها، والتزكية: إكساب الزكاة، وهي نماء النفس بما هو لها بمنزلة الغذاء للجسم، ثم علل بقوله: ﴿إنك أنت العزيز﴾ أي: الذي يغلب كل شيء ولا يغالبه شيء، ﴿الحكيم﴾ الذي يتقن ما أراد، فلا يتأتى نقضه، ولا متصف بشيء من ذلك غيرك، وفي ذلك إظهار عظيم لشرف العلم، وطهارة الأخلاق، وأن ذلك لا\n_________\n(١) هو في \"السلسلة الصحيحة\" (١٥٤٥).","vol":"1","page":348},{"text":"ينال إلا بمجاهدات لا يطيقها البشر، ولا تدرك أصلا إلا بجد تطهره العزة، وترتيب أبرمته الحكمة، هذا لمطلق ذلك، فكيف بما يصلح منه للرسالة، وفيه إشارة إلى أنه يكبت أعداء الرسل، وإن زاد عددهم، وعظم جدهم، ويحكم أمورهم، فلا يستطيع أحد نقض شيء منها.\nودلت الآية على أنه سيكون في تلك الذرية الإبراهيمية الإسماعيلية جهال لا حكمة فيهم، ولا كتاب، وأن الشرك ينجسهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨]، وأنه تعالى يبعث فيهم رسولًا منهم يطهرهم، ويجعلهم حكماء الأرض بعد جهلهم.\nولما ذكر إبراهيم ﵇ ما ذكر في الآيات السابقة، عجب الناس فقال:\n﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾.\nهذه الآية توبيخ لليهود وللنصارى، ولمشركي العرب، وإنكار واستبعاد لأن يكون في العقلاء من يرغب عن الحق الواضح الذي هو ملة إبراهيم، وذلك لأن اليهود إنما يفتخرون به ويتوصلون بالوصلة التي بينهم وبينه، من نسب إسرائيل، والنصارى ليس افتخارهم إلا بعيسى، وهو منتسب من جانب الأم إلى إسرائيل، وأما قريش، فإنهم إنما نالوا كل خير في الجاهلية بالبيت الذي بناه، فصاروا لذلك يدعون إلى كتاب الله وسائر العرب وهم العدنانيون، مرجعهم إلى إسماعيل، وهم يفتخرون على القحطانيين بإسماعيل بما أعطاه الله من النبوة، فرجح عند التحقيق افتخار الكل بإبراهيم ﵇.\nولما ثبت أن إبراهيم هو الذي طلب من الله بعثة هذا الرسول، وهو الذي تضرع إلى الله في تحصيل هذا المقصود، فالعجب ممن أعظم مفاخره وفضائله الانتساب إلى إبراهيم، ثم إنه لا يؤمن بالرسول الذي هو دعوته، ومطلوبه","vol":"1","page":349},{"text":"بالتضرع، لا شك أن هذا مما يستحق أن يتعجب منه، فـ ﴿من﴾ من قوله تعالى: ﴿ومن يرغب﴾ اسم استفهام إنكاري، ولذلك دخلت إلا بعد، والمعنى: لا أحد ﴿يرغب عن مِلة إبراهيم﴾، التي هي دعاؤه وتضرعه إلى الله، وطلبه منه بعثة هذا الرسول ونصرته وتأييده ونشر شريعته.\nولما سلم اليهود والنصارى والعرب كون إبراهيم محقًا بمقاله، وجب عليهم الاعتراف بنبوة هذا الشخص، وذلك لأن هذا الخبر المخبر عن دعاء إبراهيم بإرسال ذلك الرسول، شاع بين تلك الأمم، ولم ينكره منكر منهم، فدل على أنهم سلموه، وليس المراد بالـ ﴿ملة﴾ هذه عين ما جاء به الرسول، لأنه يرد عليه حينئذٍ أن يقال: إن ما جاء به محمد - ﷺ - لا يخلو، إما أن يكون عين ملة إبراهيم في الأصول، أعني: التوحيد والنبوة ورعاية مكارم الأخلاق، وفي الفروع أيضًا، أو أنها عينها في الأصول فقط؟ وأيًا ما كان فهما يختلفان في فروع الشرائع، وكيفية الأحكام.\nوالمختار: أن الملة هنا هي الأصول التي لا تختلف بمر الأعصار، وكر الدهور، وهي الدعاء إلى توحيد الله وحده، وترك عبادة الأوثان والأصنام، ونفي التجسيم الذي تدعيه اليهود، والحلول والتثليث الذي تدعيه النصارى، وعبادة الأصنام والأوثان التي عكف عليها العرب، قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣].\nوقوله تعالى: ﴿إلا من سفه نفسه﴾ معناه: امتهنها واحتقرها، واستخف بها، أي: فعل بها ما أدى إلى ذلك، وقال الشيخ عبد العزيز الديريني في كتابه \"التيسير\":\nسَفِة أي: ضَيَّع، قَدر جنسه ... والنفس (١) قل: تقديره في نفسه\nوقيل: [أي] (٢) أهلكها، وقل: جَهل ... فهو على المفعول منصوبًا حُمِلْ\n_________\n(١) في \"التيسير\" ص ٢٠ طبع مطبعة التقدم بمصر- بدلها: والنصب.\n(٢) زيادة من \"التيسير\".","vol":"1","page":350},{"text":"يريد أن قوله: ﴿نَفْسَهُ﴾، اختلف في إعرابه، فقيل: مفعول به، وقال الكوفيون: منصوب على التمييز، لأنه جار مجرى الإضافة فلا تؤثر فيه الإضافة، على حد: وطبت النفس، وهذا الوجه اختاره ابن جرير في تفسيره، وهو كوفي المذهب، والأول هو الذي اختاره أبو حيان في البحر.\nولما حكم تعالى بسفاهة من رغب ﴿عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾، بين السبب فقال: ﴿وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا﴾ أي: اخترناه للرسالة من دون سائر الخليقة، وعرفناه الملة التي هي جامعة للتوحيد والعدل والشرائع، والإمامة الباقية إلى قيام الساعة، فليحقق كل ذي لب وعقل أن الراغب عن ملته سفيه، وأن من خالف ما جاء به محمد - ﷺ -، فهو لإبراهيم مخالف، ومن خالف إبراهيم خالف الله تعالى.\nولما بين عظم منزلته في الدنيا، بين عظمها في الأخرى فقال: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ قال ابن عباس: ﴿لَمِنَ الصَّالِحِينَ﴾ أي: الأنبياء، وقال غيره: أي: الواردين في موارد قدسه، والحالِّين مواطن أنسه.\nولما حكم تعالى بسفاهة من رغب عن ملة إبراهيم بين السبب فقال: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: ١٣١]. أي: ﴿قَالَ لَهُ رَبُّهُ﴾ أخلص لي العبادة واخضع لي بالطاعة، قال مجيبًا لربه: خضعت بالطاعة، وأخلصت العبادة لمالك جميع الخلائق ومدبرها دون غيره، وكان ذلك من بعد ما امتحنه بالكواكب (١)، والشمس، والقمر، ثم قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩] وفي الآية التفات، إذ لو جرى على الكلام السابق لكان: إذ قلنا له أسلم.\nثم ذكر تعالى نوعًا آخر من الأمور المستحسنة التي حكاها عن إبراهيم، فقال:\n_________\n(١) استعمال لفظ (امتحنه) لعل المقصود الصحيح آتاه الحجة.","vol":"1","page":351},{"text":"﴿وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢].\nأي: ﴿وَوَصَّى بِهَا﴾ أي: بهذه الكلمة، أعني بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ﴿بَنِيهِ﴾ عهد إليهم بذلك، وأمرهم به، ﴿وَ﴾ وصى بها من بعده ﴿يَعْقُوبُ﴾ بنيه أيضًا، وقال المهدوي: ضمير ﴿بِهَا﴾ عائد على ال ﴿مِلَّةِ﴾، وهذا القول أجمع من عوده على الكلمة، إذ الكلمة بعض الملة، ومعلوم أنه لا يوصي إلَّا بما كان أجمع للفلاح والفوز في الآخرة، والأول مختار ابن جرير. والوصية هي: المتقدم في الشيء النافع المحمود عاقبته.\nوقوله: ﴿يَابَنِي﴾ على إضمار القول عند البصريين، أي: قالا: ﴿يَابَنِي﴾، فيكون القول محذوفًا. وعند الكوفيين، يتعلق بـ ﴿وَصَّى﴾ لما فيه من معنى القول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ أي: أعطاكم الدين الذي هو صفوة الإيمان، وهو دين الإِسلام، ووفقكم للأخذ به، ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ﴾ أي: فلا يكن موتكم إلا على حال كونكم ثابتين على الإِسلام، فالنهي في الحقيقة عن كونهم على خلاف حال الإِسلام، إذا ماتوا، فإن موتهم على غير حال الإِسلام موت لا خير فيه، وليس هو موت السعداء، وأدخل الألف واللام في ﴿الدِّينَ﴾، لأن الذين خوطبوا بتلك الوصية كانوا عارفين له ومتدينين به، ومعنى: ﴿فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ لا تفارقون هذا الدين أيام حياتكم لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم حتى تموتوا عليه.\nوقد اشتملت هذه الجملة على لطائف منها الوصية، ولا تكون إلا عند خوف الموت، ففي ذلك ما كان عليه إبراهيم من الاهتمام بأمر الدين حتى ﴿وَصَّى بِهِ. . بَنِيهِ﴾، ومنها اختصاصه بنيه، ولا يختصهم إلَّا بما فيه سلامة عاقبتهم، ومنها أنه عمم بنيه ولم يخص أحدًا منهم، ومنها إطلاق الوصية، ولم يقيدها بزمان ولا مكان، ثم ختمها بأبلغ الزجر أن يموتوا غير مسلمين ثم التوطئة لهذا النهي والزجر بأن الله هو الذي اختار لكم دين الإِسلام.","vol":"1","page":352},{"text":"ولما حكى تعالى عن إبراهيم أنه بالغ في وصيته بنيه بالدين والإِسلام، ذكر عقيبه أن يعقوب وصى بنيه بمثل ذلك، تأكيدًا للحجة على اليهود والنصارى، ومبالغة في البيان، فقال:\n﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤].\n﴿أَمْ﴾ هنا منقطعة متضمنة معنى \"بل\"، ومعنى الهمزة فيها الإنكار، أي: بل ما ﴿كُنْتُمْ شُهَدَاءَ﴾، والشهداء جمع شهيد بمعنى الحاضر أي: ما ﴿كُنْتُمْ﴾ حاضرين يعقوب ﴿إِذْ﴾ حضره ﴿الْمَوْتُ﴾، أي: حين احتضر، والخطاب للمؤمنين بمعنى: ما شاهدتم ذلك، وإنما حصل لكم العلم به من طريق الوحي. وقيل: الخطاب لليهود، وهو قول السدي، واختاره ابن جرير وغيره، وهو الأولى عندي، وذلك لأنهم كانوا يقولون: ما مات نبي إلا على اليهودية، إلا أنهم لو شهدوا وسمعوا ما قاله لبنيه وما قالوه، لظهر لهم حرصه على ملة الإِسلام، ولما ادعوا عليه اليهودية، فالآية منافية لقولهم، فكيف يقال لهم: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾؟ ولكن الوجه أن ﴿أَمْ﴾ متصلة على أن يقدر قبلها محذوف، كأنه قيل: أَتَدَّعون على الأنبياء اليهودية، ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ﴾، يعني: أن أوائلكم من بني إسرائيل كانوا مشاهدين له، إذ أراد بنيه على التوحيد وملة الإِسلام، وقد علمتم ذلك، فما لكم تَدَّعون على الأنبياء ما هم منه برءاء، هذا ما قاله الزمخشري هنا، وحاصله: أنه جعل ﴿أَمْ﴾ متصلة، وأنه حذف قبلها ما يعادلها، واعترض عليه، وهذا بأنه لم يُجِزْ أَحَدٌ حَذْفَ هذه الجملة، ولا يحفظ ذلك لا في شعر ولا في غيره.\nوهذا الاعتراض قاله أبو حيان في \"البحر\"، والقاضي عماد الدين الكندي في تفسيره المسمى بـ: \"الكفيل\" وزاد: أن \"أم\" المتصلة لا بد أن تقدر بـ \"أيهما\" أو \"أيهم\"، لأن المستفهم بها يجهل أحد الشيئين، فيريد تعيينه، وهذا مستحيل في","vol":"1","page":353},{"text":"حق البارئ؛ ورده الدماميني في \"شرح المغني\" بأنه ما ادعاه من أن حذف المعطوف عليه هنا شاذ غير مقيس، لم أقف عليه إلا من جهته. وقد خرج جماعة على ذلك قوله تعالى: ﴿اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ﴾ [البقرة: ٦٠] أي فضرب فانفجرت، ولم يتعقبه أحد من الأئمة فيما علمت، وقال ابن مالك في \"التسهيل\": ويغني عن المعطوف عليه المعطوف بالواو كثيرًا وبالفاء قليلًا، ولم يذكر وقوع ذلك مع \"أم\"، وقد نقل ابن هشام في \"المغني\" كلام الزمخشري، ولم يناقشه فيه بل أقره.\nوقوله: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ أي: أي شيء ﴿تَعْبُدُونَ﴾، ولفظ ﴿مَا﴾ عام في كل شيء، ولو قيل: \"من تعبدون\" لم يعن إلا أولي العلم وحدهم، ويجوز أن يقال: ﴿مَا تَعْبُدُونَ﴾ سؤال عن صفة المعبود، وهذه الوصية وهذا السؤال يدلان على أن شفقة الأنبياء على أولادهم كانت في باب الدين، وهمتهم مصروفة إليه دون غيره.\nوقوله: ﴿مِنْ بَعْدِي﴾ يريد من بعد موتي، ﴿قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ عطف بيان لـ ﴿آبَائِكَ﴾، وجعل إسماعيل، وهو عمه من جملة آبائه لأن العم أب، والخالة أم، لانخراطهما في سلك واحد، وهو والإخوة لا تفاوت بينهما.\nوقوله: ﴿إِلَهًا وَاحِدًا﴾: بدل من ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾، أو هو منصوب على الاختصاص، ومعناه: نريد بـ ﴿إِلَهَ آبَائِكَ﴾ إلهًا واحدًا، ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، أي: منقادون خاضعون بالعبودية والطاعة.\nتنبيه: حكى الرازي صاحب \"المنتخب\" أن هذه الآية تمسك بها فريقان:\nإحداهما: المقلدون، قالوا: إن أبناء يعقوب اكتفوا بالتقليد، وهو لم ينكره عليهم، فدل أن التقليد كافٍ.\nوثانيهما: التعلمية: قالوا: لا طريق إلى معرِفَة الله إلا بتعليم الرسول","vol":"1","page":354},{"text":"والإمام، فإنهم لم يقولوا نعبد الإله الذي دل عليه العقل، بل قالوا: لا نعبد إلا الذي أنت تعبده، وآباؤك تعبده، وهذا يدل على أن طريق المعرفة التعلم.\nوما ذهبوا إليه لا دليل عليه، لأن الآية لم تتضمن إلا الإقرار بعبادة الله، وهو لا يدل على أن ذلك ناشئ عن تقليد ولا تعليم، ولا أنه أيضًا ناشئ عن استدلال بالعقل، فبطل تمسكهم بالآية، وإنما لم تتعرض الآية للاستدلال العقلي لأنها لم تجئ في معرض ذلك، لأنه إنما سألهم عما يعبدونه من بعد موته؟ فأحالوه على معبوده ومعبود آبائه، وهو الله تعالى، فكان ذلك أخصر في القول من شرح صفاته تعالى، وأقرب إلى سكون نفس يعقوب، فكأنهم قالوا: لسنا نجري إلا على طريقتك.\nوقوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ﴾ إشارة إلى الأمة المذكورة التي هي إبراهيم، وما عطف عليه، وبنوهم الموحدون والمعنى: أن أحدًا لا ينفعه كسب غيره متقدمًا كان أو متأخرًا، فكما أن أولئك لا ينفعهم إلا ما اكتسبوا، فكذلك أنتم لا ينفعكم إلَّا ما اكتسبتم، وذلك أنهم افتخروا بأوائلهم، وقد شايعهم في هذه الأمة أناس اتكلوا على الأنساب، وعملوا بأكثر ما حرمه الكتاب، وأبناء العلماء تركوا العلم وادعوا أن ولد العالم لا يكون إلا عالمًا، كأنهم يقولون بالتناسخ، ويزعم بعضهم أن أرواح آبائهم تمدهم وتلهمهم العلم إلهامًا بدون تعلم، وما أقبح هذه الدعوى وما أفظعها.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَسَبَتْ﴾ يدل على أن كسب كل واحد مختص به، ولا ينتفع به غيره، وهذا يدل على بطلان التقليد، كما قاله الرازي، إذ لو كان التقليد جائزًا لكان كسب المتبوع نافعًا للتابع، فكأنه قال: إني ما ذكرت حكاية أحوالهم طالبًا منكم أن تقلدوهم، ولكن لتنبهوا على ما يلزمكم، فتستدلوا وتعلموا أن ما كان عليه إبراهيم، وما عطف عليه من الملة هو الحق، وفي الآية رد على اليهود لأنهم يقولون: بأن صلاح آبائهم ينفعهم، ويقولون: إنهم يعذبون في النار لكفر آبائهم باتخاذ العجل.\nولما بين تعالى بالدلائل التي تقدمت صحة دين الإِسلام، حكى بعدها أنواعًا من شبه المخالفين الطاعنين في الإِسلام فقال:","vol":"1","page":355},{"text":"﴿وَقَالُوا كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.\nأي: أن اليهود ﴿وَقَالُوا﴾ لمحمد - ﷺ -، ولأصحابه من المؤمنين: ﴿كُونُوا﴾ يهودًا. . ﴿تَهْتَدُوا﴾. وقالت النصارى: ﴿كُونُوا. . نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، أي: تصيبوا طريق الحق، وهذا معنى قول ابن عباس، فيما رواه عنه ابن إسحاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، أن عبد الله بن صوريا الأعور قال لرسول الله ولأصحابه: ما الهدى إلا ما نحن عليه فاتبعنا يا محمد تهتد، وقالت النصارى: مثل ذلك. فأنزل الله تعالى هذه الآية، فاحتج الله تعالى لنبيه بأبلغ حجة وأوجزها، وأكملها، وعلمها نبيه فقال: يا محمد قل للقائلين لك ولأصحابك هذا القول: تعالوا نتبع ﴿مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ التي أجمع جميعنا على الشهادة لها بأنها دين الله الذي ارتضاه واجتباه وأمر به، فإن دينه كان الحنيفية المسلمة، وندع سائر الملل التي نختلف فيها، فينكرها بعضنا ويقر بها بعضنا، فإن ذلك - على اختلافه - لا سبيل لنا إلى الاجتماع عليه، كما لنا السبيل إلى الاجتماع على ملة إبراهيم.\nوهذه الدعوى التي ادعاها أولئك لم تزل دعواهم إلى يومنا هذا، وإلى ما بعده، ولكن اليهود لما لم يكن لهم شوكة، وكانت عادتهم البخل والشح لم يظهروها، وأما النصارى فإنهم يجاهرون بها، ويرسلون المبشرين لأجلها إلى الأقطار ويصحبونهم بالأموال الطائلة، ويفتحون المدارس في بلاد المسلمين لاتساع تلك الدعوى وبثها، ويؤلفون الكتب في الرد على القرآن وتزييفه على زعمهم، وفي الرد على الدين الإِسلامي، ويأخذون الخرافات التي حشاها جهلة المؤلفين في كتبهم، وينسبونها إلى الدين الإِسلامي طعنًا فيه، ويأتون من حشو أدمغتهم بالخرافات التي ليست من دين الإِسلام في شيء، فيقولون لهم: إن النصارى لم ترتق إلا بدينها، فلذلك عظمت دولهم، واهتدوا إلى الاختراعات العجيبة، وأما أنتم معاشر المسلمين، فإن دينكم هو الذي أخركم وجعلكم أحط الأمم قدرًا، وأعظمها فقرًا، فيروج ذلك على عباد الأوهام.\nوأما من يدخل مدارسهم فيكون على ثلاثة أقسام:","vol":"1","page":356},{"text":"قسم منهم وهو القليل يتمسك بدينه الإِسلامى، لكنه يكون متهاونًا بالعبادات وبالتكاليف.\nوقسم منهم ينسلخ من الأديان كلها ويأخذ بالزندقة والإلحاد، ويعتقد أن الطبيعة هي الفعال المطلق، وأن لا إله في الوجود.\nوقسم يميل إلى النصرانية ميلًا لا اتباعًا، فيكون مذبذبًا بين النطق بكلمة التوحيد، وبين الزندقة والنصرانية.\nوالذي نشهد الله عليه: أنه ما أضل مَنْ ضل إلا جهلةُ المؤلفين والمدرسين، وبعض أهل العلم الذين يلقون إلى العامة الخرافات التي لم يأت بها قرآن، ولا صح منها شيء عن النبي - ﷺ -، ولا عن أصحابه، ولا عن التابعين لهم بإحسان، وإنما هي دسائس من الوثنين والنصارى واليهود، والزنادقة، وأهل التناسخ من القرامطة، ومن كان على شاكلتهم وخصوصًا القرامطة، فإنهم كانت لهم دولة، وكان لهم دعاة يلبسون دعوتهم لباس الفلسفة، ويبرزونها في صورة التصوف، ومن دعاتهم من كان واسع التخيل إما بطبعه، وإما باستعمال ما يعين على ذلك، كالحشيشة وأمثالها، فتجرؤوا على تفسير كتاب الله تعالى حتى أخرجوه عن موضوعه، وظهروا بمظهر الفقر والإرشاد، فراج مظهرهم على العوام، وعلى المغفلين من أهل العلم، فقلدوهم في ذلك وشرحوا أقوالهم، وزينوا بها مؤلفاتهم على زعمهم، وراموا اللحاق بمقامات زينها لهم الداعون، فماتوا ولم يصلوا إليها، لأنها خيال في خيال، لا حقيقة لها، حتى جرهم ذلك إلى القول بالاتحاد وطرح التكاليف الشرعية، وقالوا: إن العارف إذا وصل إلى مقام المعرفة سقط عنه التكليف، وما التكليف إلا حجاب بين العبد وبين ربه، وأن الله سبحانه حالٌّ في الأشخاص كلها وفي جميع الموجدات، فأنت هو، وهو أنت، فمن المكلف؟، هل تكلف ذاتُه ذاتَه؟ وهذا هو مقام المعرفة عندهم، لهذا المذهب في زمننا رواج عظيم، حتى عند المغفلين من أعاظم العلماء، فإذا كان النصارى كفروا بالتثليث فهؤلاء جعلوا آلهة لا يحصيها إلا الله تعالى، هؤلاء أولى بأن يقال لهم: ﴿قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [البقرة: ١٣٥]، قال الديريني الشهير بالدميري في \"التيسير\":","vol":"1","page":357},{"text":"وقل حنيفًا مائلًا منعدلًا ... عن كل غي لم يزل معتدلا\nأخذ ما قاله الزمخشري في \"الكشاف\": الحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وقال القفال: الحنيف لقب لمن دان بالإِسلام كسائر ألقاب الديانات، وأصله من إبراهيم ﵇.\nوتضمنت هذه الآية معنى لطيفًا، وذلك كأنه سبحانه قال: إن كان المعول في الدين على الاستدلال والنظر، فقد قدمنا الدلائل، وإن كان المعول على التقليد، فالرجوع إلى دين إبراهيم وترك اليهودية والنصرانية أولى، وقوله ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ تعريض بهم وإيذان ببطل دعواهم اتباع إبراهيم، مع إشراكهم بقولهم: عزير ابن الله والمسيح ابن الله.\nوقرأ الجمهور ﴿مِلَّةَ﴾ بالنصب، بإضمار فعل إما على المفعول، أي، بل نتبع ﴿مِلَّةَ﴾، وإما على الإغراء، أي: الزموا ﴿مِلَّةَ﴾، وقُرئ \"مِلّةُ\" بالرفع، على معنى أي: بل الهدى ملة، فتكون \"ملة\" خبرًا لمبتدأ محذوف، و﴿حَنِيفًا﴾ حال من المضاف إليه، أو من المضاف، على جعل الـ ﴿مِلَّةَ﴾ بمعنى الدين، وعلى التقديرين فالحال لازمة.\nولما أجابهم تعالى بالجواب الجدلي أولًا، ذكر بعده جوابًا برهانيًا، فقال:\n﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٦].\nوبيانه: أن الطريق إلى معرفة نبوة الأنبياء ظهور المعجزة عليهم، ولما ظهر المعجز على يد محمد - ﷺ -، وجب الاعتراف بنبوته، والإيمان برسالته، فإن تخصيص البعض بالقبول، وتخصيص البعض بالرد يوجب المناقضة في الدليل، وأنه ممتنع عقلًا، فهذا هو الرد من قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾ الآية، ومعنى الإيمان المذكور هنا: هو أن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع، كان حقًا في زمن أتى به، لا أننا نؤمن بكل واحدة منها إذ هي منسوخة، واختلف في المخاطب بتلك","vol":"1","page":358},{"text":"الآية، فقيل: إنه خطاب للنبي - ﷺ - ولأمته، وهذا قول الحسن، وجوز الزمخشري أن يكون خطابًا للكافرين، أي: قولوا لتكونوا على الحق، وإلا فأنتم على الباطل.\nوفي قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ تعميم بعد تخصيص، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ معناه: لا نؤمن ببعض ونكفر ببعض كما فعلت اليهود والنصارى، أو المعنى: لا نقول: إنهم يتفرقون في أصول الديانات، و﴿أَحَدٍ﴾ في معنى الجماعة، ولذلك صح دخول ﴿بَيْنَ﴾ عليه، إذ هو اسم عام تحته أفراد، وأما الأسباط فقال الخليل: السِّبْط في بني إسرائيل كالقبيلة في العرب، انتهى.\nو﴿الْأَسْبَاطِ﴾ الحفدة، وهم حفدة يعقوب ﵇، وذراري أبنائه الاثني عشر.\nوأنت إذا تأملت هذه الآية والتي قبلها، وجدتهما يشيران إشارة من ألطف الإشارات، ويلفتان إلى معنى من أدق المعاني، ويلوحان إلى أن النصارى واليهود وأمثالهما يدعون إلى دينهما، فلا تطعهما في دعواهما، واتبع دين الفطرة والاستدلال الذي هو دين إبراهيم ﵇، حيث استدل بالمصنوعات على الصانع، وذلك مما فطر كل كامل العقل عليه، فأفرد الحق تعالى بالوحدانية، وذلك دين لا يتغير بتغير الأزمان، ولا يختلف بتبدل الأمم واختلاف ألسنتها، ومجيء أمة بعد أمة، وهو الإيمان بالله تعالى إيمانًا خاليًا مما دسه المبتدعون، وتقوله المتقولون، والإيمان لما أنزله من الكتب إجمالًا، وبسائر أنبيائه ورسله الذين أوحى إليهم وأرسلهم إلى الأمم كلهم فإن الإيمان ببعضهم دون البعض، يوقع العالم في الشقاق المؤدي إلى انفراط المدنية الحقة، ويجر من آمن بالبعض إلى التعصب لمن آمن به، حتى يزعم أنه ليس على وجه البسيطة ناس غيره يستحق من الله الوحي إليه.\nولما كانت هذه الأمة أكمل الأمم دينًا بشهادة: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ [المائدة: ٣] وأن الدين الذي هذا شأنه ينهض بصاحبه إلى الارتقاء في الفكر","vol":"1","page":359},{"text":"والعمل، لا جرم أمر الله المؤمنين بقوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية، يدعوهم بها إلى أن يكونوا في مقدمة الأمم في إصلاح النوع الإنساني كله، الذي لم تبعث به أمة من الأمم قبلهم، بدليل قوله - ﷺ -: \"وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة\" (١). فكل نبي من الأنبياء كان يبعث إلى إصلاح أمته، ونبينا بعث لإصلاح جميع الأمم، ولا يمكن ذلك الإصلاح إلا بالدين الفطري الأصلي، والتسليم لنبوة سائر أنبياء الله تعالى، من أي أمة كانوا، وفي أي زمان وجدوا.\nوهذا المعنى كان نصب أعين الصحابة رضوان الله عليهم، فلذلك جدوا بما كانوا يجدون فيه، ولأجله كان انتهاء سائر الأديان إلى هذا الدين، كما ورد في الحديث: \"لو كان موسى حيًا لما وسعه إلا اتباعي\" (٢)، وهذا سر ما ورد من أنه - ﷺ -، صلى بالأنبياء إمامًا ليلة المعراج، ولذلك كان هذا الدين هو النقطة الجامعة لكل الأمم على السواء، لأن مبناه الإيمان بالله، وهو بلا شك إله السماوات والأرض وما بينهما، والإيمان بسائر رسله الذين أرسلهم إلى الأمم، وعدم التعصب لنبي دون نبي، فأي عذر بعد هذا لهندي أو لصيني أو لإفريقي أو لأوربي، وغيرهم في عدم اتباعهم هذا الحق المبين، والبرهان الطاهر الظاهر، وأي حجة لهم في تعصب كل منهم لتصديق نبي دون نبي.\nواعلم: أن من يلاحظ حالة الحياة الاجتماعية العمومية اليوم، ويحصل له إلمام باشتباك المصالح التجارية ببعضها، ويعلم مقدار تأثير الروابط الاقتصادية بين الأمم في وجود الاتفاق، والاتحاد بينها، يعلم تبعًا لذلك: أن ذلك التقرب سيكسر من شَرَه التعصبات الدينية الذميمة، ويمحو من بينهم تلك الأحقاد الاعتقادية الموروثة، ولا يمكن للإنسان أن يتخيل نقطة جامعة يرضى بها الكل على السواء، إلا بتصديق كل أمة بأنبياء جاراتها وبكتابها المنزل عليها، فما أبدع الإشارة بقوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ الآية.\n_________\n(١) أخرجه البخاري (٤٣٨) من حديث جابر.\n(٢) هو حديث حسن كما في \"المشكاة\" (١٧٧ - طبعة المكتب الإِسلامي).","vol":"1","page":360},{"text":"ولو أن العقلاء رجعوا إلى كتب الله المنزلة قبل القرآن، وجردوا وحيها الإلهي مما افتراه عليه أكثر الأمم من الخرافات وخلطوه به من أفكارهم مما لا ينطبق عليه، لوصلوا إلى الدين الفطري، النقي من الشوائب ولمّا كان الدين الإِسلامي الخالي من الخرافات، ومن تقولات الملحدين والمخدوعين بهذه المثابة صَحَّ أن يكون هو الناسخ لجميع الأديان قبله، وأنه لا ناسخ له على ممر الزمان، وأنه لا يأتي زمان إلا ويغرس الله تعالى فيه غرسًا ينفون عنه تقول الضالين، وإلحاد الملحدين، ولن تزال طائفة من أهله قائمة على الحق لا يضرها من خذلها، ولا من افترى عليها، حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك.\nولما بين تعالى الطريق الواضح في الدين، وهو أن يعترف الإنسان بنبوة من قامت الدلالة على نبوته، وأن يحترز في ذلك عن المناقضة، رغّبهم بمثل هذا الإيمان، فقال:\n﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [البقرة: ١٣٧].\nهذا من باب التبكيت لأن دين الحق واحد لا مثل له، وهو دين الإسلام ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]، فلا يوجد إذن دين آخر يماثل دين الإِسلام في كونه حقًا، حتى إن آمنوا بذلك الدين المماثل له كانوا مهتدين، فقيل: ﴿فَإِنْ آمَنُوا﴾ فأتى بـ (إن) التي هي للشك على سبيل الفرض والتقدير، أي: ﴿فَإِنْ﴾ حصلوا دينًا آخر مثل دينكم، مساويًا له في الصحة والسداد، ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، وفيه أن دينهم الذي هم عليه وكل دين سواه مغاير لدين الإِسلام، غير مماثل له، لأنه حق وهدى، وما سواه باطل وضلال، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عما يقولون لهم، ولم ينصفوا فما ﴿هُمْ﴾ إلا ﴿فِي شِقَاقٍ﴾ أي: في مناوأة ومعاندة لا غير، وليسوا من طلب الحق في شيء، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، ضمان من الله لإظهار رسوله عليهم، وقد أنجز تعالى له الوعد في المواطن كلها، وأتى بالسين إشعارًا بأن ذلك كائن لا محالة، وإن تأخر إلى حين.","vol":"1","page":361},{"text":"وقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ وعيد لهم، أي: يسمع ما ينطقون به، ويعلم ما يضمرون من الحسد والغل، وهو معاقبهم عليه، ويصح أنه وعد لرسول الله - ﷺ -، والمعنى: أن الله يسمع ما تدعو به ويعلم نيتك، وما تريده من إظهار دين الحق، وهو مستجيب لك وموصلك إلى مرادك.\nولما ذكر تعالى الجواب الثاني، وهو أن ذكر ما يدل على صحة هذا الدين، ذكر بعده ما يدل على أن دلائل ذلك الدين واضحة، فقال:\n﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾ [البقرة: ١٣٨].\nالصبغة: الدين. وهو الفطرة التي فطر الله الناس عليها، فإنها حِلية الإنسان، كما أن الصبغة حلية المصبوغ، والعرب تسمي ديانة الشخص لشيء واتصافه به: صبغة، قال بعض شعراء ملوكهم (١):\nوكل أناس لهم صبغة ... وصبغة همدان خير الصبغ\nصبغنا على ذاك (٢) أبناءنا ... فأكرم بصبغتنا في الصبغ\nوقال الراغب: الصبغة إشارة إلى ما أوجده في الناس من بدائه العقول التي ميزنا بها عن البهائم، ورشحنا بها لمعرفته ومعرفة طلب الحق، هو المشار إليه بالفطرة، وسمي ذلك بالصبغة من حيث إن قوى الإنسان إذا اعتبرت جرت مجرى الصبغة في المصبوغ، فكأنه تعالى قال: إن دين الله الذي ألزمكم التمسك به، فالنفع به سيظهر دينًا ودنيا، كظهور حسن الصبغة.\nوالمعنى: أن الله يصبغ عباده بالإيمان، ويطهرهم به من أوساخ الكفر، فلا صبغة أحسن من صبغته، و﴿صِبْغَةَ﴾ منصوب انتصاب المصدر المؤكد عن قوله: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ وقيل: عن قوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾. وقوله: ﴿وَنَحْنُ لَهُ\n_________\n(١) لقد زعم أحد المؤلفين أن ليس بين الخلفاء والملوك من له شعر وأدب سوى الخلفاء الأربعة. والصحيح الذي لا ريب فيه أن الخلفاء والملوك والأمراء فيهم الشعر الكثير. . وعندنا كتاب في ذلك أرجو الله أن أتمكن من إصداره.\n(٢) الأصل: (ذلك) والتصحيح من \"البحر\".","vol":"1","page":362},{"text":"﴿عَابِدُونَ﴾ أي: خاضعون مستكينون له، غير مستكبرين عن اتباع أمره، والإقرار برسالة رسله، كما استكبرت الأمم غيرنا.\nولما كان ما تقدم مقام احتجاج بين المسلمين وأهل الكتاب، قال تعالى:\n﴿قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩].\nأي: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لمعاشر اليهود والنصارى، الذين قالوا لك ولأصحابك: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا﴾، وزعموا أن دينهم خير من دينكم، وكتابهم خير من كتابكم، لأنه كان قبل كتابكم، وزعموا أنهم من أجل ذلك أولى بالله منكم: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾؟ أتجادلوننا وتخاصموننا ﴿فِي﴾ شأن ﴿اللَّهِ﴾؟ وترون أنكم أولى بالله منا ﴿وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ﴾ بيده الخيرات، وإليه الثواب والعقاب، والجزاء على الأعمال: الحسنات منها والسيئات، فتزعمون أنكم أولى بالله منّا من أجل أن نبيكم كان وجوده قبل نبينا، وكتابكم قبل كتابنا، وربكم وربنا واحد، وإن لكل فريق منا عمل واكتسب من صالح الأعمال وسيئها ويجازى فيثاب أو يعاقب، لا على الأنساب، وقِدَمِ الدين والكتاب، وما جدالكم هذا إلا تعصب للقومية والجنسية.\nثمَّ قال: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ أي: موحدون، نخلصه بالإيمان، فلا تستبعدوا أن يؤهل أهل إخلاصه لكرامته بالنبوة.\nولما ذكر ﷾، الاستفهام بقوله: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا﴾ معاشر اليهود والنصارى؟ أردفه باستفهام آخر فقال:\n﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ [البقرة: ١٤٠].\nكأنه قال: ﴿أَتُحَاجُّونَنَا. . أَمْ تَقُولُونَ﴾؟ وهذا على قراءة ﴿تَقُولُونَ﴾ بالتاء، وهي قراءة ابن عامر وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم، وقرأ الباقون بالياء","vol":"1","page":363},{"text":"على أنه إخبار عن اليهود والنصارى، فعلى الأول يحتمل أن تكون ﴿أَمْ﴾ متصلة، وتقديره: بأي الحجتين تتعلقون في أمرنا؟ أبالتوحيد؟ فنحن موحدون، أم باتباع دين الأنبياء؟ فنحن متبعون، وأن تكون منقطعة بمعنى بل أتقولون؟ ! والهمزة للإنكار أيضًا، وعلى الثاني تكون منقطعة لانقطاع معناه، بمعنى الانقطاع إلى حجاج آخر غير الأول، كأنه قيل: أ ﴿تَقُولُونَ إِنَّ﴾ الأنبياء كانوا قبل نزول التوراة ﴿هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾؟ ولما كان قولهم هذا باطلًا، أورد الله هذا الكلام في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار، والغرض منه الزجر والتوبيخ، وأن يقرر الله في نفوسهم، أنهم يعلمون أنهم كانوا كاذبين فيما يقولون.\nوقوله: ﴿قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ معناه: إن الله أعلم، وخبره أصدق، وقد أخبر في التوراة والإنجيل، وفي الفرقان على لسان نبيه محمد - ﷺ -: أنهم كانوا مسلمين مبرئين عن اليهودية والنصرانية، فأخبر تعالى بنقيض ما ادعوه، فإن قالوا ذلك عن ظن، فقد بان لهم خطؤهم، وإن قالوا ذلك عن جحود وعناد، فما أجهلهم وأشقاهم، فإن فائدة الكلام: إما التنبيه، وإما التجهيل.\nوقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ﴾ إما أن يتعلق ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بـ ﴿أَظْلَمَ﴾، فالمعنى: لو كان إبراهيم وبنوه، هودًا أو نصارى، ثم إن الله كتم هذه الشهادة، لم يكن أحد ممن يكتم شهادة أظلم منه، لأن الظلم من الأعدل أشنع، وإما أن يتعلق بـ ﴿كَتَمَ﴾، فالمعنى: لا أحد أظلم ممن عنده شهادة ثم لم يقمها عند الله، وكتمها وأخفاها منه، وإما أن يتعلق بـ ﴿شَهَادَةً﴾، كقولك: عندي شهادة من فلان، ومثله ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [التوبة: ١]، فالمعنى: ليس أحد أظلم ممن كتم شهادة عنده جاءته من الله، وفيه إشارة إلى أن المؤمنين لا يكتمون ما عندهم من الحق، وشهدوا لإبراهيم بالحنيفية، وتعريض بأن أهل الكتاب قد كتموا شهادات الله، فأنكروا نبوة محمد - ﷺ -، وحنيفية إبراهيم، وغير ذلك من تحريفهم.","vol":"1","page":364},{"text":"وقوله: ﴿وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ كلام جامع لكل وعيد، ومن تصور أنه تعالى عالم بسره وإعلانه ولا تخفى عليه خافية، وأنه من وراء مجازاته، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، لا تمضي عليه طرفة عين إلا وهو حذر خائف، ألا ترى أن أحدنا لو كان عليه رقيب من جهة سلطان يعد عليه الأنفاس، لكان دائم الحذر والوجل، مع أن ذلك الرقيب لا يعرف إلا الظاهر، فكيف بالرب الرقيب الذي يعلم السر وأخفى، إذا هدد وأوعد بهذا الجنس من القول؟\nولما حاج تعالى اليهود والنصارى في هؤلاء الأنبياء عقب ذلك الحجاج بقوله:\n﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nلتكون هذه الآية وعظًا لهم وزجرًا، حتى لا يتكلوا على فضل الآباء، فكل واحد يؤخذ بعمله، وإعلامًا لهم، بأنه متى لا يستنكر أن يكون فرضكم عين فرضهم، لاختلاف المصالح، لم يستنكر أن تختلف المصالح، فينقلكم محمد - ﷺ -، من ملة إلى ملة.\nوتدل الآية على أن كل إنسان مسؤول عن عمله، ولا عذر له في ترك الحق، إن توهم أنه متمسك بطريقة من تقدم، لأنهم أصابوا أو أخطؤوا، لا يضر هؤلاء ولا ينفعهم، لئلا يتوهم أن طريقة الدين التقليد.\nوفي الآية زجر عظيم لمن جعل التقليد مذهبه، وسار مع قول مقلده كيفما كان، ثم إن أتاه الحق وظهر له الدليل أعرض عنه جانبًا، وراغ عنه، وأخذ يؤوله حسبما يريد، ويختار له هواه، ويسلك مسالك أولئك المعاندين، الذين قلدوا أحبارهم ورهبانهم فيما ابتدعوه لهم من الدين، ورتبوه لهم من المفتريات، ولما جاءهم الحق الذي لا مرية فيه وهو القرآن الكريم، أعرضوا عنه اتباعًا لقول أحبارهم ورهبانهم، كما أضل هؤلاء من سار سيرهم واتبع طريقتهم، فأعرض عن كتاب الله وسنة نبيه، وحرفه وبدله وساقه نحو هواه،","vol":"1","page":365},{"text":"﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] وتكرير هذه الآية يدل، والله أعلم، على أنه متى اختلفت الأوقات والأحوال والمواطن، لم يكن التكرار عبثًا فكأنه تعالى قال: ما هذا إلا شر، فوصف هؤلاء الأنبياء فيما أنتم عليه من الدين، لا يسوغ التقليد في هذا الجنس، فعليكم بترك الكلام على إبراهيم وما عطف عليه من تلك الأمة، فلها ما كسبت، وانظروا فيما دعاكم إليه محمد - ﷺ -، فإن ذلك أنفع لكم وأعود عليكم بكل خير، ولا تسألون إلا عن عملكم، ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: ٨].\nيقول الفقير عبد القادر بن أحمد بن مصطفى بدران:\nإلى هنا انتهى بنا المجال على سبيل الاختصار، في تفسير الجزء الأول من كتاب الله تعالى، مع العجز والتقصير، وكنت ابتدأت به من قبل بسنين تعد بالسبع أو الثمان، فكتبت منه قطعة ثم منعتني عنه موانع، وصرفتني عنه أمور، منها اشتغالي بتهذيب تأريخ الإمام أبي القاسم علي ابن عساكر، الذي يربو تهذيبه عن الثلاثة عشر مجلدًا، ومنها بعض مؤلفات اقتضت الضرورة تقديمها، ومنها أشغال تشغل القلب وتعلّه، ليس هنا مواضع ذكرها، ثم لما فرغت من \"تهذيب تأريخ ابن عساكر\"، صرفت العناية نحو إتمامه حتى وقع الفراغ منه يوم الجمعة الحادي عشر من شهر شوال سنة خمس وثلاثين وثلاثمئة بعد الألف، أيام كانت نار الحرب مشتعلة في جميع أقطار المعمور، وغلاء ما يحتاجه الإنسان يفوق التصور، والأكدار تصب صبًا، وريح التقلبات يعلو على النكباء، فالله حسبنا ونعم الوكيل، وقد خطر لي أن أسمي الكتاب كله \"جواهر الأفكار، ومعادن الأسرار، المستخرجة من كلام العزيز الجبار\" أسأله تعالى الإعانة على إتمامه بفضله وكرمه.\nيتلوه تفسير الجزء الثاني: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ﴾ الآية.","vol":"1","page":366},{"text":"تفسير بدران الجزء الثاني من جواهر الأفكار ومعادن الأسرار المستخرجة من كلام العزيز الجبار\nتأليف العبد الفقير لمولاه المنان عبد القادر بن أحمد بن مصطفى المدعو بابن بدران عفا الله عنه","vol":"1","page":367},{"text":"بِسمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nالحمد لله وكفى، والصلاة والسلام على عباده الذين اصطفى.\nأما بعد:\nفأقول: لما بيّن ﷾ الشبهة الأولى، التي ذكرها اليهود والنصارى طعنًا في دين الإِسلام، بيّن الشبهة الثانية، وذلك أنه لما كان ادعاؤهم أن أسلافهم على دينهم، لئلا تنتقض دعواهم، أن الجنة خاصة بهم، مع كونه فضولًا (١) لا سند له يثبت به شيء، محاولة لعدم جواز النسخ، وكان إبطال الله لقولهم، وعيبهم بما أحدثوا في دينهم، وتقريعهم به، ملزومًا لأن يكونوا أباحوا لأنفسهم منه ما منعوا خالقهم، وهو لا يُسأل عما يفعل، كانوا أسفه الناس. فعقبه بالتصريح بعيبهم، والتعجيب منهم في إنكارهم لنسخ القِبلة، وخفتهم بالاعتراض على ربهم، فقال واصلًا له بما قبله على وجه أعم:\n﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [البقرة: ١٤٢].\nلأنهم إذا لم يكونوا يعلمون حقيقة ذلك، فلم يتبعوهم، فلا أقل من أن يكفوا عن غيّهم، فكيف وهم عالمون بأنه الحق؟\nوسبب نزول هذه الآية، ما أخرجه البخاري في الصحيح، عن البراء بن عازب، قال:\nلما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة، فصلى نحو بيت المقدس ستة عشر شهرًا أو سبعة عشر شهرًا، وكان رسول الله - ﷺ - يحب أن يتوجه نحو الكعبة، فأنزل الله:\n_________\n(١) الفضول من القول: الكلام الذي لا معنى له.","vol":"1","page":369},{"text":"﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ [البقرة: ١٤٤]. فقال السفهاء من الناس - وهم اليهود -: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله تعالى هذه الآية.\nقال في \"الكشاف\": فإن قلت: أيُّ فائدة في الإخبار بقولهم قبل وقوعه؟ قلت: فائدته أن مفاجأة المكروه أشد، والعلم به قبل وقوعه أبعد من الاضطراب إذا وقع، لما يتضمنه من توطين النفس، وأن الجواب العتيد قبل الحاجة إليه أقطع للخصم، وأردّ لشغبه، وقبل الرمي يراش السهم، انتهى.\nوعلى هذا المنوال جرى علماء الجدل في مناظرة الخصم، حيث يقولون له: فإن قلت كذا، أو: إن الذي تعارضه بكذا، سيقول كذا، فجوابه كيت وكيت. وهي نكته بديعة أحسن ما يستدل على صحتها بهذه الآية.\nو﴿السُّفَهَاءُ﴾: جمع سفيه، وهو الذي يعمل لغير دليل، إما بأن لا يلتفت إلى دليل، فلا يتوقف إلى أن يلوح له، بل يتبع هواه، أو يرى غير الدليل دليلًا، ويطلقُ لفظ السفيه على من لا يميز بين ما له وما عليه، ويعدل عن طريق منافعه إلى ما يضره، ولفظ ﴿السُّفَهَاءُ﴾ هنا عام شامل لأهل الكتاب ولغيرهم، كما يدل عليه قوله: ﴿مِنَ النَّاسِ﴾ فيعم كل من قال ذلك، لأن الأعداء مجبولون على القدح والطعن، فإذا وجدوا مجالًا لم يتركوا مقالًا البتة.\nوقولهم: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾ أي: ما صرفهم ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ أكثر المفسرين على أن القبلة المذكورة هي: بيت المقدس، أي: ما صرفهم إلى الكعبة عن بيت المقدس، والقبلة ما يجعل قبالة الوجه، وقيل: إنهم قالوا: حينما ترك التوجه إلى الكعبة في الصلاة، وتحول إلى بيت المقدس، وفي ذلك إشارة، إلى أنه لما انقطعت حججهم، ألقوا هذه الشبهة إلى من اختدعوه من المنافقين، ولم يقدروا أن يواجهوا بها أحدًا ممن خالط الإيمان بشاشة قلبه، كما قالوا فيما تقدم: ﴿كُونُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ ونحوه، علمًا منهم بأن المحاج لهم عن المؤمنين من له الحجة البالغة، ولذلك جاء جوابهم استئنافًا لجواب من يقول: فما نقول لهم إذا","vol":"1","page":370},{"text":"قالوا ذلك؟ فكأنه قال: الجواب: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾، أي: بلاد المشرق والمغرب والأرض كلها، ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ من أهلها ﴿إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾، وهو ما توجبه الحكمة والمصلحة من توجيههم تارة إلى بيت المقدس، وأخرى إلى الكعبة.\nقال صاحب \"البحر\": قد أكثر المفسرون وغيرهم الكلام، في الحكمة التي كان لأجلها تحويل القبلة، بأشياء لا يقوم على صحتها دليل، وعللوا ذلك بعلل لم يشر إليها الشرع، قال: ومن طلب للوصفيات تعاليل، فأحرى بأن يقلَّ صوابه، ويكثر خطؤه.\nوأما ما نص الشرع على حكمته، أو أشار، أو قاد إليه النظر الصحيح، فهو الذي لا معدل عنه، ولا استفادة إلا منه، انتهى.\nوقد لاح لي احتمال في حكمة استقبال الكعبة على وجه الخطور بالبال، وهو أنه: لما كان مطلع شمس النبوة المحمدية من مكة، وكان هناك مبدأ الشريعة الأحمدية، ومشرق أنوارها، لا جرم أمر الله المؤمنين بالتوجه إلى تلك الجهة في أعظم عباداتهم، وهي الصلاة، ليكونوا متذكرين تلك النعمة فلا ينسونها، ويحمدون الله عليها بقولهم في افتتاحها: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وليظلوا متذكرين أن هذا الدين المبين، من هناك نشأته، ومن تلك البقاع مبدؤه، فيزدادون حبًا لمن أتى به، على وجه يقتدون به في أفعاله وأقواله، والله أعلم.\nولما بين استقامة القبلة التي وجههم إليها، عرف أنها وسط لا جور فيها، فأتبع ذلك قوله:\n﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة: ١٤٣].\nالكاف للتشبيه، و\"ذا\" اسم إشارة، والمشار إليه ما تضمنه قوله: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾. أي: ومثل ذلك الجعل العجيب ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ شبه جعلهم أمة وسطًا، بجعلهم على الصراط المستقيم؛ أي: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، مثل ذلك","vol":"1","page":371},{"text":"الجعل العجيب الذي فيه اختصاصكم بالهداية، لأنه قال: ﴿يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، فلا تقع الهداية إلا لمن شاء الله.\nويصح أن يكون المعنى: كما خصصناكم بالتوفيق لقبلة إبراهيم وملته، بذلك على من سواكم من أهل الملل، وكذلك خصصانكم ففضلناكم على غيركم من أهل الأديان، بأن ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾، والـ ﴿أُمَّةً﴾ هي القرن من الناس، والصنف منهم ومن غيرهم، و\"الوسط\" العدل.\nفقد أخرج الإمام أحمد والترمذي والنسائي والحاكم، وصححه عن أبي سعيد الخدري، أن النبي - ﷺ - قال في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾: ﴿عَدْلًا﴾ (١). ورواه ابن جرير عن أبي هريرة؛ ورواه الإمام أحمد والبخاري والترمذي، عن أبي سعيد مرفوعًا في حديث طويل، ورواه سعيد بن منصور، وابن ماجه والبيهقي في كتابه \"البعث والنشور\". وحيث صح هذا التفسير عن النبي - ﷺ -، فلا يعدل عنه إلى غيره.\nواحتج جمهور المعتزلة بهذه الآية، على أن إجماع الأمة حجة، قالوا: أخبر الله عن عدالة هذه الأمة وعن خيرتهم، فلو أقدموا على شيء وجب أن يكون قولهم حجة، والكلام على هذه المسألة مستوفى في فن أصول الفقه، وسمي العدل وسطًا لأنه لا يميل إلى أحد الخصمين؛ والعدل هو المعتدل الذي لا يميل إلى أحد الطرفين.\nوقوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ الآية، معناه ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً﴾ عدولًا ﴿شُهَدَاءَ﴾ لأنبيائي ورسلي على أممها بالبلاغ، أنها قد بلغت ما أمرت ببلاغه من رسالاتي إلى أممها، ﴿وَيَكُونَ﴾ رسولي محمدًا ﴿شَهِيدًا﴾ عليكم بإيمانكم به، وبما جاءكم به من عندي، ويدل لهذا ما أخرجه الإمام أحمد،\n_________\n(١) كان في الأصل - وكذا مطبوعة الطبري القديمة -: \"عدولًا\" قال الشيخ شاكر: لعله تحريف؛ لأن الأجود صيغة الإفراد. على الوصف بالمصدر، يستوي فيه المذكر والمؤنث والمثنى والجمع.","vol":"1","page":372},{"text":"وعبد بن حميد، والبخاري والترمذي والنسائي والبيهقي في \"الأسماء والصفات\" وغيرهم عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يدعى نوح يوم القيامة فيقال له: هل بلغت؟ فيقول: نعم. فيدعى قومه، فيقال لهم: هل بلّغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، وما أتانا من أحد. فيقال لنوح: هل من يشهد لك؟ - وفي لفظ الترمذي - فيقال: من شهودك؟ فيقول: محمد وأمته، فيؤتى بكم تشهدون أنه قد بلغ. فذلك قول الله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ \". قال: \"والوسط، العدل\". وفي رواية: \"فتشهدون له بالبلاغ، وأشهد عليكم\" قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. ورواه أحمد والنسائي وابن ماجه والبيهقي، عن أبي سعيد بلفظ: \"يجيء النبي يوم القيامة ومعه الرجل، والنبي ومعه الرجلان، وأكثر من ذلك، فيدعى قومه فيقال لهم: هل بلغكم هذا؟ فيقولون: لا. فيقال له: هل بلغت قومك؟ فيقول: نعم. فيقال له: من يشهد لك. فيقول: محمد وأمته. فيقال لهم: هل بلغ هذا قومه؟ فيقولون: نعم، فيقال: وما علمكم؟ فيقولون: جاء نبينا فأخبرنا أن الرسل قد بلغوا\" (١). فذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ﴾ الآية.\nوقد ورد أن الشهادة تكون في الدنيا كما تكون في الآخرة، فقد أخرج أحمد والبخاري ومسلم والنسائي وأبو داود الطيالسي، عن أنس قال: مروا بجنازة فأثني عليها خيرًا، فقال النبي - ﷺ -: \"وجبت\" كررها ثلاثًا، ومروا بجنازة فأثني عليها بِشَرّ، فقال: \"وجبت\" وكررها ثلاثًا؛ فسأله عمر، فقال: \"من أثنيتم عليه خيرًا وجبت له الجنة، ومن أثنيتم عليه شرًا وجبت له النار، أنتم شهداء الله في الأرض\" (٢) قالها ثلاثًا. ورواه الحاكم وصححه، وزاد في آخره، ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية.\nأخرج أحمد وابن ماجه والطبراني والحاكم في \"الكنى\"، والدارقطني في\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٨٠٣٣، للألباني، بترتيب زهير الشاويش، طبع المكتب الإِسلامي.\n(٢) هو في \"مختصر صحيح مسلم\" ٤٨٤، للإمام المنذري تحقيق الألباني، طبع المكتب الإِسلامي.","vol":"1","page":373},{"text":"\"الأفراد\"، والحاكم في \"المستدرك\"، والبيهقي في \"سننه\"، عن أبي زهير الثقفي مرفوعًا: \"يوشك أن تعلموا خياركم من شراركم\" قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: \"بالثناء الحسن، والثناء السيئ، أنتم شهداء الله في الأرض\" (١).\nوأخرج مسلم وأبو داود، عن أبي الدرداء مرفوعًا: \"لا يكون اللعانون شهداء ولا شفعاء يوم القيامة\" والأحاديث في هذا المعنى ليس هنا محل استيعابها.\nوحاصل ما أشار إليه قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ أنهم يتحملون الشهادة في الدنيا، لأنهم أثبتوا الحق، عرفوا عنده من القابل ومن الرادّ، ثم يشهدون بذلك يوم القيامة، كما أن الشاهد على العقود يعرف ما الذي تم وما الذين لم يتم، ثم يشهد به، ثم يشهد بذلك عند الحاكم، وأنهم يشهدون في الدنيا على نحو ما تقدم في حديث أنس. ومن ذلك أن شهادة المتميزين منهم بالعلم، الواصلين إلى رتبة الاجتهاد للحكم، تجعله حكمًا مجمعًا عليه، مبينًا الحق للناس، ويؤكد ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بمستند من الكتاب والسنة، فيكون الرسول الجائي بهما شهيدًا عليهم، يعني: مؤديًا ومبينًا لمواقع الإجماع.\nوقوله تعالى: ﴿أُمَّةً وَسَطًا﴾ أي عدولًا، يشير إلى أن إجماع الفاسقين والمبتدعين لا يعد إجماعًا، ولا يعتبر في الإجماع إلا العدل العارف بما جاء به الرسول.\nولما أعلم تعالى بما سيقول السفهاء، وأوحى إلى نبيه ما يكون الجواب لهم، وبيّن سر تحويل القبلة، بيّن علة التوجه إلى قبلتين، فقال:\n﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ١٤٣].\n_________\n(١) هو في \"صحيح سنن ابن ماجه - باختصار السند\" (٣٤٠٠) للألباني - توزيع المكتب الإِسلامي.","vol":"1","page":374},{"text":"فقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ معناه: ما شرعنا وما حكمنا القبلة التي كنت عليها، أي: كنت معتقدًا لاستقبالها؛ فقوله: ﴿الَّتِي﴾ وما بعده، ليس صفة للقبلة، وإنما هو ثاني مفعولي \"جعل\"، يريد ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ الجهة ﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، الآية. وإلى هذا جنح \"الزمخشري\"، وتبعه \"الرازي\"، ولم يرضه صاحب \"البحر\". فجعل ﴿الْقِبْلَةَ﴾ المفعول الثاني، و﴿الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ المفعول الأول؛ و﴿جَعَلْ﴾ بمعنى صيّر، وعلل ذلك بأن التصيير هو الانتقال من حال إلى حال، فالمتلبس بالحالة الأولى هو المفعول الأول، والمتلبس بالحالة الثانية هو المفعول الثاني؛ والمعنى على هذا التقدير:\n﴿وَمَا جَعَلْنَا﴾ الكعبة ﴿الَّتِي﴾ كانت قبلة لك أولًا، ثم صرفت عنها إلى بيت المقدس قبلتك الآن، ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾.\nوهنا إعرابات مختلفة، يختلف التفسير باختلافها، فلا محل للإطالة بها، وأيًّا ما كان فالكلام يقتضي وجهين:\nأولهما: أن يكون بيانًا للحكمة في جعل الكعبة قبلة؛ وذلك لأنه ﵊ كان يصلي بمكة إلى الكعبة، ثم أمر بالصلاة إلى بيت المقدس بعد الهجرة، تأليفًا لليهود، ثم حول إلى الكعبة فيكون المعنى: وما رددناك إلى الكعبة إلا امتحانًا للناس وابتلاءً.\nوثانيهما: أن يكون بيانًا (١) للحكمة في جعل بيت المقدس قبلة، فيكون المعنى: أن أصل أمرك أن تستقبل الكعبة، وأن استقبالك بيت المقدس كان أمرًا عارضًا لغرض، وهو امتحان الناس، ليظهر ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾، ومن لا يتبعه وينفر عنه.\nولذلك قال: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ أي: يرتد، فيدبر بعد إقباله منتكسًا ﴿عَلَى عَقِبَيْهِ﴾، علمًا متعلقًا بموجود تقوم به الحجة في مجاري عاداتكم، وقال الحرالّي: لنجعل عَلَمًا ظاهرًا على الصادق وغيره،\n_________\n(١) الأصل: (لسانًا).","vol":"1","page":375},{"text":"ليشمل العلم به من علم الغيب قبل كونه، وبعد كونه، ومن لا يعلم الغيب إلا عن علم بما ينبئ عنه نون الاستتباع، فهذا وجهه ووجه ما يرد من نحوه في القرآن والسنة، انتهى.\nوأراد بنون الاستتباع: نون \"نعلم\" لأنها للمتكلم، و\"من يستتبعه\"، أي: من يكون معه، وقوله: \"ووجه ما يرد إلخ\"، أي: من مثل قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ﴾ [ق: ١٦، الواقعة ٨٥] وكل ما أتى فيه بالنون الدالة على المتكلم وعلى غيره، وهذا جواب عما يقال: كيف؟ يقال: لنعلم، ولم يزل عالمًا بذلك؟\nوحاصل الجواب: أن معنى ﴿لِنَعْلَمَ﴾، لنجعل علامة، مجاراة لكم على عادتكم، لأنكم لا تعلمون الشيء إلَّا بعلامة تدل عليه، وهو معنى حسن؛ وأجاب الزمخشري عنه بقوله: معناه لنعلمه علمًا يتعلق به الجزاء، وهو أن يعلمه موجودًا حاصلًا. انتهى.\nومعناه: أن الفعل قبل وجوده يستحيل أن يعلمه الله موجودًا، فقوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، معناه: إلا لنعلمه موجودًا: وهذا التأويل مبني على أن علم الله بأن الشيء سيوجد، هل هو علم بوجوده إذا وجد؟ فيه خلاف مشهور عند المتكلمين محله كتب الكلام.\nوهنا قول آخر، وهو: إنما قيل: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾، وهو بذلك عالم قبل كونه، وفي كل حال، على وجه الترفيق بعباده، واستمالتهم إلى طاعته، على حد قوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ [سبأ: ٢٤] وقد علم أنه \"على هدى\" وأنهم على ﴿ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾؛ ولكنه رفق بهم في الخطاب، فلم يقل: أنا على ﴿هَدَى﴾، وأنتم على ﴿ضَلَالٍ﴾، وكذلك قوله: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ والمعنى: إلا لتعلموا أنتم إذ كنتم جهالًا به، قبل كونه، فأضاف العلم إلى نفسه رفقًا بخطابهم، وهو معنى حسن.\nهذا وقد تظاهرت الأخبار بأنه لما حُوّلت القبلة من بيت المقدس إلى","vol":"1","page":376},{"text":"الكعبة، ارتد فيما ذكر رجال ممن كان قد أسلم، وأظهر كثير من المنافقين من أجل ذلك نفاقهم، وقالوا: ما بال محمد، يحولنا مرة إلى ها هنا ومرة إلى ها هنا؟ وقال المسلمون، فيمن مضى من إخوانهم المسلمين، وهم يصلون إلى بيت المقدس: بطلت أعمالنا وأعمالهم وضاعت. وقال المشركون: تحير محمد في دينه، وقال قائلون: لقد اشتاق الرجل إلى بلد أبيه ومولده، فكان ذلك فتنة للناس، وتمحيصًا للمؤمنين.\nوعندي أن من جملة الحكمة في ذلك التحويل، تعليمنا قاعدة عظيمة من قواعد السياسة؛ وهي أن الأمير إذا أراد أن يختبر رعيته، أمرهم اليوم بأمر هو أمرهم قبل بخلافه، ولا سيما إذا كان الثاني مخالفًا لعادتهم ومألوفهم، يمتحنهم بذلك، ليعلم المطيع منهم، ومن كان مضمرًا للمخالفة. فقوله تعالى: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ لم يرد حقيقة العلم لنفسه، وإنما أراد به التنزل في الخطاب، ليعلمنا أن السياسة في مبدئها تكون بالمساواة، فنزل سبحانه - تعليمًا لنا - نفسه منزلة المخاطبين، في كونهم لا يعلمون الأشياء إلا بعد كونها، لا أن المقصود أن هذا الشيء كان غائبًا عنه، ثم فعل ذلك ليعلمه، تعالى الله عن ذلك. وهذا يشير إلى المساواة تنزيلًا لا حقيقة، وفي هذا من الحكمة والنفع لنا، ما لا يعلمه إلا من أوتي فهمًا في كتاب الله تعالى، وفقهًا فيه، ألا ترى أنه تعالى لما أشار إلى هذا، انتقل إلى بيان شدة التحويل، على من أخلد إلى العادة بغلبة القوة الحيوانية البهيمية، ولم يتمرن في الانقياد للأوامر الإلهية على خلع وذل النفس، فقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ﴾ أي: الجعلة المشار إليها بقولنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ﴾ ﴿لَكَبِيرَةً﴾ أي: ثقيلة شاقة جدًا، لأن مفارقة الإلف بعد طمأنينة النفس إليه، أمر شاق جدًا.\nثم استنثى من أيده بروح منه وسكينة فقال: ﴿إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ أي: جعل الهداية في قلوبهم، فانقادوا لما هداهم إليه بنصب الأدلة؛ أي: إلا الثابتين الصادقين في اتباع الرسول، الذين لطف الله بهم، وكانوا أهلًا للطفه، ولما كان قبولهم لهذا الأمر، وثباتهم عند تغير الأحكام، إنما كان عن إيمان وعلم محيط، جعل الله أعمالهم وتوجههم إلى القبلة الأولى من الإيمان، فقال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ","vol":"1","page":377},{"text":"لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: المصرح به في قولكم: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ المشار إلى صدق الدعوى فيه، بقولكم: ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ﴾ [البقرة: ١٣٩]، في شيء من الأشياء، لا في صلاتكم إلى القبلة الأولى، ولا في تمييز الصادق منكم من المنافق، بالامتحان بتغيير الأحكام من القبلة وغيرها، ولا في اختصاصكم به سبحانه، دون أهل الكتاب الجاحدين لآياته، الناكبين عن مرضاته، الناكثين لعهوده.\nولما نزه تعالى نفسه المقدسة عن هذه الإضاعة، علل ذلك بما هو أعم، فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ﴾ كلهم ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ أي: راحم لمن يشاء ممن توصل إليه بعمل صالح، رأفة منه به.\nوفرق القفال بين الرأفة والرحمة، فجعل الرأفة مبالغة في رحمة خاصة، وهي: دفع المكروه وإزالة الضرر، والرحمة: اسم جامع يدخل فيه هذا المعنى، ويدخل فيه الإفضال والإنعام، ولذلك فرق تعالى بينهما فقال: ﴿لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾. فالرحيم أعمّ وأشمل من الرؤوف؛ والمعنى: إن الذين آمنتم به رؤوف رحيم، فكيف يضيع إيمانكم، وهو أيضًا باتصافه بهاتين الصفتين، لا ينقلكم من شرع إلى آخر، إلا والثاني أصلح لكم، وأنفع لكم في الدين والدنيا.\nوقيل: عنى بالإيمان في هذا الموضع الصلاة، وذلك أنه لما حولت القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة، قال المسلمون: ليت شعري عن إخواننا الذين ماتوا وهم يصلون إلى بيت المقدس، هل تقبل الله منا ومنهم أو لا؟ فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم، فسمى الصلاة إيمانًا؛ وهو قول: ابن عباس، والبراء بن عازب، وجماعة من التابعين. واعتمده البخاري في صحيحه، والترمذي في سننه.\nولما أشعر الكلام السابق أهل البلاغة بإحداث أمر في القبلة، فتوقعوا الخبر عن ذلك، وبين رأفته ورحمته بالناس عمومًا، بيّن ذلك برسوله، بأن تحويله إلى الكعبة رأفة منه به، ورحمة له، مع ما تقدم من فوائده فقال تعالى:\n﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ","vol":"1","page":378},{"text":"الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)﴾.\nفي هذه الآية المصدرة بـ ﴿قَدْ نَرَى﴾ نبأ إسماع لمن يرتقب أمرًا أو خبرًا، يفيد ذلك النبأ مع المستقبل ندرة الوقوع، ففيه إعلام بأن النبي - ﷺ -، لما انطوى ضميره على إرادة التوجه للكعبة، التي هي قيام للناس، حين كان هو رسولًا لكافة الناس، وكان على ملة أبيه إبراهيم، يكتفي بعلم الله به عن مسألته، لأن الدعاء للطالبين قضاء حاجة، وللمكتفين بعلم الله عبادة، أجاب الله: ﴿تَقَلُّبَ وَجْهِكَ﴾ على قلة وقوع ذلك منه، على ما تشعر به ﴿قَدْ﴾ بالتقليل، للتقلب وللرؤية للسماء، فيه إعلام بما جعله من اختصاص السماء بوجه الداعي، كما اختص غيب القلوب بوجهة المصلي، فالمصلي يرجع إلى غيب قلبه، ولا يرفع طرفه إلى السماء: \"لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء في الصلاة، أو لتخطفن أبصارهم\" (١) والداعي يتوجه إلى السماء، انتهى ملخصًا من كلام الحرالّي.\nوفي الحديث عن البراء بن عازب، قال: لما قدم رسول الله - ﷺ - المدينة صلى نحو بيت المقدس ستة أو سبعة عشر شهرًا، وكان يحب أن يوجه إلى الكعبة، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. وكان يحب ذلك. . الحديث، رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن صحيح. ورواه سفيان الثوري، انتهى.\nورواه ابن ماجه أيضًا عن البراء، ولفظه: قال البراء: صلينا مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس ثمانية عشر شهرًا، وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بشهرين، وكان رسول الله - ﷺ - إذا صلى إلى بيت المقدس أكثر تقلب وجهه في السماء، وعلم الله من قلب نبيه أنه يهوى الكعبة، فصعد جبريل، فجعل رسول الله - ﷺ - يتبعه بصره، وهو يصعد بين السماء والأرض، ينظر ما يأتيه به، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. . الحديث.\n_________\n(١) ينظر \"مختصر صحيح مسلم\" ٣٣٦.","vol":"1","page":379},{"text":"وهذا الحديث رواه الترمذي وإسحاق وابن ماجه، عن أبي إسحاق، عن البراء. وأبو إسحاق معدود في المدلسين، لكن قال الحافظ ابن حجر العسقلاني، في كتاب \"الإيمان\" من شرحه على البخاري، قد جاء سماع أبي إسحاق عن البراء في غير هذا الحديث، فلا ضعف فيه من تدليس أبي إسحاق. انتهى.\nقلت: وإلى هذه النكتة أشار الترمذي إلى حسن هذا الحديث وصحته، ورواية ابن ماجه حكم عليها الحافظ بالشذوذ، وبيانه أن قوله: صلينا مع رسول الله - ﷺ - نحو بيت المقدس، إلى آخره. يدل على أنه صرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله المدينة بثمانية عشر شهرًا؛ وقوله: وصرفت القبلة إلى الكعبة بعد دخوله إلى المدينة بشهرين، يدل على خلاف ما أفادته الجملة الأولى، وذلك لأن صلاة البراء مع رسول الله - ﷺ -؛ كانت بعد دخول رسول الله المدينة، إلا أن يقال: أراد بقوله: صلينا، الإشارة إلى صلاة الصحابة مطلقًا، ولو بمكة، وهذا مبني على أنه - ﷺ -، وجه إلى بيت المقدس وهو بمكة، وكان على ذلك بعد دخوله المدينة بشهرين، ثم صرفت القبلة إلى الكعبة، وهذا خلاف المشهور بين الجمهور، قال الحافظ ابن حجر العسقلاني: كان قدومه - ﷺ - المدينة في شهر ربيع الأول بلا خلاف، وكان التحويل في نصف شهر رجب من السنة الثانية على الصحيح، وبه جزم الجمهور.\nوبالجملة فهذه رواية شاذة مخالفة للروايات المشهورة في حديث البراء، فليس منها الجملة الثانية أصلًا. وقد حكم الحافظ على هذه الجملة بالشذوذ، وقال: هما من طريق أبي بكر بن عياش، وهو سيئ الحفظ، وقد اضطرب فيه، والجملة الأولى جاءت في بعضها على الشك بين ستة عشر أو سبعة عشر، وفي بعضها الجزم بسبعة عشر، وحديث الترمذي أخرجه البخاري ومسلم والنسائي.\nفقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى﴾ مضارع بمعنى الماضي. وقد ذكر بعض النحاة: أنا ﴿قَدْ﴾ مما يصرف المضارع إلى الماضي في بعض المواضع، والتقلب: التحول والتصرف.\nويعني بقوله: ﴿فِي السَّمَاءِ﴾ نحو السماء وقبلها، والمعنى: قد رأينا تحول","vol":"1","page":380},{"text":"وجهك، وتصرف نظرك في جهة السماء، ترغب نزول الوحي آمرًا لك بالتوجه في صلاتك إلى الكعبة، فقد أجبناك إلى ما ترغب فيه، وإنما كان يرغب ذلك لأن الكعبة قبلة إبراهيم أبيه، والتوجه إليها في الصلاة أدعى للعرب إلى الإيمان، لأنها مفخرتهم ومزارهم ومطافهم، ولمخالفة اليهود، وأيضًا فإنه أحب أن يحصل هذا الشرف للمسجد الذي في بلدته ومنشئه، لا في مسجد آخر، ليعلم أمته كيف تكون محبة الوطن، وأن كل فرد منهم ينبغي أن يفكر فيما يعود على محل تربيته ومنشئه بالخير والعمران، ويرغب في ذلك، كما يشير إلى هذا الآيات الحاثة على حسن الجوار، والأحاديث المرغبة فيه، وفي حسن المعاملة للأصحاب والخلان، وغالبًا يكونون من موضع المنشأ.\nوفي قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ إذن في ذلك، ودرجه في جملة محاسن هذه الشريعة الغراء، فمن يرغب في ضرر وطنه، فهو من المخدوعين الذين لم يعلموا أسرار ما جاء به محمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ﴾ معناه: فلنعطينك ولنمكننك من استقبال ﴿قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾، تحبها وتميل إليها لأغراضك الصحيحة التي أضمرتها ووافقت مشيئة الله تعالى وحكمته، فلذلك قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي: الكعبة، قال الماوردي: كل موضع ذكر فيه المسجد الحرام، فالمراد الحرم، إلا هذا فالمراد به الكعبة. انتهى.\nو﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾، منصوب على الظرفية، أي: اجعل تولية الوجه تلقاء المسجد، أي: في جهته وسمته، لأن استقبال عين القبلة فيه حرج عظيم على البعيد، وذكر ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ دون الكعبة، دليل على أن الواجب مراعاة الجهة دون العين؛ قال أبو العالية: ﴿شَطْرَ الْمَسْجِدِ﴾ تلقاءه؛ وبه قال ابن عباس ومجاهد وقتادة والربيع والبراء، كما رواه عنهم ابن جرير وأبو داود في ناسخه، والبيهقي وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم وغيرهم، وقال ابن جرير: الشطر النحو والقصد والتلقاء، كما قال الهذلي:","vol":"1","page":381},{"text":"إنَّ العَسِيرَ بها داءٌ مُخامِرُها ... فَشَطْرَها نَظَرُ العَيْنَيْنِ مَحْسُورُ (١)\nيعني بقوله: شطرها، نحوها. وكما قال الراجز:\nتَعْدُو بنا شَطْرَ جَمْعٍ وهيَ عَاقِدَةٌ ... قد كاربَ العَقْدُ من إيفادها الحَقَبا (٢)\nوقال الشاعر أيضًا:\nألا من مبلغ عنا رسولًا ... وما تغني الرسالة شطر عمرو (٣)\nأي: نحوه. وتقول العرب: هؤلاء القوم يشاطروننا، إذا كانت بيوتهم تقابل بيوتهم، وقال على شطره قبله.\nومن هنا نشأ اختلاف العلماء في المسألة؛ فذهب الحنفية والحنابلة والشافعي في أحد قوليه: إلى أن المصلي إن كان معاينًا للكعبة، ففرضه الصلاة إلى عينها، وهذا مما لا خلاف فيه؛ حتى قال الإمام أبو الوفاء ابن عقيل البغدادي من الحنابلة: إن خرج بعضه عن مسامتة الكعبة لم تصح صلاته، وإن كان بعيدًا عنها، ففرضه التوجه إلى الجهة، واستدل مالك في \"الموطأ\": على أن الفرض للبعيد الجهة، بما رواه عن نافع، أن ابن عمر قال: ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا تُوجّه قِبَلَ البيت، وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس، وما رواه مالك موقوفًا، رواه ابن ماجه عن أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\"، ورواه الترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر: إنما تضيق القبلة على أهل المسجد الحرام، وهي لأهل مكة أوسع، ثم لأهل الحرم أوسع ثم لأهل الآفاق أوسع. انتهى (٤).\nوبنوا على هذا أنه إن انحرف عن القبلة يسيرًا لم يُعد، ولكن يتحرى الوسط، وقال الشافعي في الرواية الثانية: الفرض إصابة العين.\nوأجاب الأولون بأن الحديث: \"ما بين المشرق والمغرب قبلة\"، وبأنه لو\n_________\n(١) هو في \"لسان العرب\" ٢/ ٣١٥.\n(٢) هو في \"مجاز القرآن\" لأبي عبيدة ص ٦٠.\n(٣) هو من شواهد \"البحر\".\n(٤) هو في \"إرواء الغليل\" ٢٩١.","vol":"1","page":382},{"text":"كان الفرض إصابة العين، لما صحت صلاة أهل الصف الطويل على خط مستو، ولا صلاة اثنين متباعدين يستقبلان قبلة واحدة، فإنه لا يجوز أن يتوجه إلى الكعبة مع طول الصف إلا بقدرها، فإن قيل: مع البعد يتسع المحاذي، قلنا: إنما يتسع مع تقوس الصف، أما مع استوائه فلا (١).\nوشطر البيت نحوه وقبله، وأيضًا فشطر الشيء ما يقسمه نصفين؛ فكان المسجد الحرام إذا أخذ منه خط مستقيم إلى آخر نصف الكرة، وخط آخر إلى آخر نصفها الآخر فقد قسمها نصفين، كما يقسم الدائرة قطرها نصفين، ولا يلزم منه تساوي المقسومين في المقدار، ولا يفهم من كلام العرب الشطر بمعنى العين.\nهذا وذهب ابن جرير الطبري إلى [أنْ] من ولّى وجهه شطر المسجد الحرام، هو المصيب القبلة، وإنما على من توجه إليه النيةُ بقلبه أنه إليه متوجه. انتهى، فكأنه جمع بين الأقوال، وهو جمع حسن.\nقال أبو حيان في \"البحر\": واستدل مالك من قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ على أن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، خلافًا للثوري والشافعي والحسن بن حي: في أنه يستحب أن ينظر إلى موضع سجوده، وخلافًا لشريك القاضي: في أنه ينظر القائم إلى موضع سجوده، وفي الركوع إلى موضع قدميه، وفي السجود إلى موضع أنفه، وفي القعود إلى موضع حجره. انتهى.\nقلت: والنظر إلى موضع سجوده هو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد، خلافًا لمالك كما علمته سابقًا، وما ذكره مالك حسن ظاهر من الآية.\nولما بشر تعالى نبيه بالتحويل أولًا، بقوله: ﴿قَدْ نَرَى﴾ الآية، وأوقع المبشر به ثانيًا بقوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أشار إلى بشارة ثالثة بتكثير\n_________\n(١) ويؤيد هذا: أن الجماعة كانت تقام في حرم مكة المكرمة صفًا واحدًا من جهة واحدة من جهات الكعبة وراء الإمام، وأما صلاة الجماعة حول الكعبة، بصفوف حول استدارة الكعبة فكانت متأخرة عن ذلك، لما كثر الناس في عهد خلفاء بني أمية.","vol":"1","page":383},{"text":"أمته، ونشرهم في أقطار الأرض، فجمعهم إليه بقوله: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ من جهات الأرض ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي: في وقت صلاتكم، وهذا وإن كان عامًّا في الأشخاص والأحوال، إلا أن القرائن خصصته بالصلاة.\nوقد ذكر كثير من المفسرين هنا أحكام استقبال القبلة، وخلاف الأئمة في ذلك، وإيراد الأدلة ونقضها، مما محله كتب الفروع والخلاف؛ وإننا لا نتعرض في كتابنا لهذا، ولكننا نذكر الأحكام المستنبطة من الآيات خاصة.\nوحيث كان الأمر كذلك نقول: إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ يوجب الاستقبال، وقد ثبت عقلًا أنه لا سبيل إلى الاستقبال إلى الجهات إلا بالاجتهاد، وثبت بالعقل أن ما لا يتم الوجوب إلا به فهو واجب، لزم القطع بوجوب الاجتهاد، والاجتهاد لا بد وأن يكون مبنيًا على الظن، فكانت الآية دالة على التكليف بالظن، فثبت بهذا أن التكليف بالظن واقع في الجملة، ودلت الآية أيضًا على وجوب تعلم أدلة القبلة، وتلك الأدلة مذكورة في كتب أعمال الأسطرلاب والربع المقنطر والربع المجيب، والأعمال الهندسية، وأقرب الكل الآلة المعروفة ببيت الإبرة، فإنها كيفما وضعت انجذب طرف إبرتها إلى القطب الجنوبي والآخر إلى القطب الشمالي، فيحصل من ذلك معرفة الجهات الأربع، هذا إذا كانت غير معروفة بالخطأ، وهذه الطريقة يدركها العالم والجاهل، كما أن الساعة المعروفة في زمننا تعلم منها الأوقات، ويستوي الناس في معرفتها، ولشهرتها وكثرة إصابتها، أغنت عن أخذ الارتفاع بالربعين والأسطرلاب.\n\nوهناك<span data-type=\"title\" id=toc-439> قاعدة للعالم بفن الميقات</span>، وهي أن يؤخذ الجزء الذي يسامت رؤوس أهل مكة، من فلك البروج، وهو (زيح) من الجوزاء، و(كج، ح) من السرطان، فيضع ذلك الجزء على خط وسط السماء في الأسطرلاب المعمول لعرض البلد، ويعلم على المرى علامة، ثم يدير العنكبوت إلى ناحية المغرب إن كان البلد شرقيًا عن مكة، بقدر ما بين الطولين من أجزاء الحجرة، ثم ينظر أين وقع ذلك الجزء من مقنطرات الارتفاع، فما كان فهو الارتفاع الذي عنده يسامت هذا الجزء رؤوس أهل مكة، ثم يرصد مسامتة الشمس ذلك الجزء، فإذا انتهى","vol":"1","page":384},{"text":"ارتفاع الشمس إلى ذلك الارتفاع، فقد سامتت الشمس رؤوس أهل مكة، فينصب العامل مقياسًا، ويخط على ظل المقياس خطًا من مركز العمود إلى طرف الظل، فذلك الخط خط الظل، فيبنى عليه المحراب.\nثم إن قوله تعالى: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ الآية، أمر لأمة محمد - ﷺ -، لما تقدم أمره بذلك، أراد أن يبين أن حكمه وحكم أمته في ذلك واحد، مع مزيد عموم في الأماكن، لئلا يتوهم أن هذه القبلة مختصة بأهل المدينة، فبين أنهم في أيما حلُّوا من بقاع الأرض، وجب عليهم أن يستقبلوا شطر المسجد، ولما كان - ﷺ - هو المتشوق لأمر التحويل، بدا بأمره، ثم أتبع أمر أمته ثانيًا، لأنهم تبع له في ذلك، ولئلا يتوهم أن ذلك مما اختص به - ﷺ -، ولما حرر ذلك وقرره، بيّن أن العائبين لدينه بذلك، من أهل الكتاب عالمون بحقية هذا التحويل، وأنه من أعلام نبوته، فقال: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ من اليهود والنصارى، ولم يصفهم هنا بالسفه لإثبات العلم في قوله: ﴿لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ﴾ أي: هذا التحويل ﴿الْحَقُّ﴾، أي: ليس بعده في أمر القبلة حق آخر يرفعه أصلًا ﴿مِنْ رَبِّهِمْ﴾، أضاف الرب إليهم تنبيهًا على أنه يجب اتباع الحق الذي هو مستقر، ممن هو معتن بإصلاحهم.\nوالمعنى: أن هؤلاء الأحبار والعلماء من أهل الكتاب، يعلمون أن التوجه نحو المسجد الحرام، هو الحق الذي فرض الله على إبراهيم وذريته، وسائر عباده بعده.\nثم إنه سبحانه جعل في سياق مُهَدِّدٍ لهم (١) مُرَجِّ له - ﷺ - ولأتباعه تسلية لهم، وتثبيتًا وتقوية لعزائمهم، وتمكينًا حيث ختم الآية بقوله:\nوما الله بغافل عما تعملون قرأ ابن عامر وحمزة والكسائي، بالتاء على الخطاب، فيحتمل أن يراد به المؤمنون، لقوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، ويحتمل أن يراد به أهل الكتاب، فيكون من باب الالتفات، ووجهه أن في خطابهم، بأن الله لا يغفل عن أعمالهم، تحريكًا لهم بأن يعملوا بما علموا من\n_________\n(١) في البقاعي ٢/ ٢٢١: \"له\" ولعل ما كتبه المؤلف هو الصواب.","vol":"1","page":385},{"text":"الحق، لأن المواجهة بالشيء تقتضي شدة الإنكار، وعظم الشيء الذي ينكره، ومن قرأ بالياء، وهم الباقون، فالظاهر أنه عائد على أهل الكتاب، لمجيء ذلك في نسق واحد من الغيبة، وعلى كلتا القراءتين فهو إعلام بأن الله تعالى لا يهمل أعمال العباد، ويغفل عنها، وهو متضمن الوعيد.\nولما بين تعالى في الآية الأولى، أن الذين أوتوا الكتاب يعلمون أن هذه القبلة حق، بيّن بعد ذلك أن صفتهم لا تتغير في الاستمرار على المعاندة، فقال:\n﴿وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)﴾.\nوهذا الكلام إنما هو تسلية للرسول - ﷺ -، عن قبول أهل الكتاب الحق، بأنهم قد انتهوا في العناد، وإظهار المعاداة إلى رتبة لو جئتهم فيها بجميع المعجزات، التي تقتضي كل معجزة منها قبول الحق، ما تبعوك ولا سلكوا طريقك، وإذا كانوا لا يتبعونك مع مجيئك لهم بجميع المعجزات، فأحرى لهم أن لا يتبعوك إذا جئتهم بمعجزة واحدة.\nوالمعنى: ﴿بِكُلِّ آيَةٍ﴾ تدل على أن توجهك إلى الكعبة هو الحق، وأطلق ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فقال جماعة: المراد جميع أهل الكتاب من اليهود والنصارى، علمائهم وعامتهم، والأولى أن يكون المراد بهم علماؤهم، الذين أخبر الله عنهم في الآية المتقدمة بقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ويدل على هذا الإيتاء المفهوم من ﴿أُوتُوا﴾، لأنه لا يكون حقيقة إلا للعلماء الذين يفهمونه ويبلغونه للعوام، فهم لهم تبع.\nودلت الآية على أن إعراضهم عن قبول هذا الدين، لم يكن لشبهة تزول بإيراد الحجة، بل هو محض المكابرة والعناد والحسد، وذلك لا يزول بإيراد الدلائل.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ﴾ حسم لأطماعهم إذا كانوا حاجوا في","vol":"1","page":386},{"text":"ذلك وقالوا: لو ثبت على قبلتنا لَكُنّا نرجو أن يكون صاحبنا الذي ننتظره، وطمعوا في رجوعه إلى قبلتهم.\nوقوله: ﴿وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ﴾ يعني: أنهم مع اتفاقهم على مخالفتك، مختلفون في شأن القبلة، لا يرجى اتفاقهم، كما لا ترجى موافقتهم لك، وذلك أن اليهود تستقبل بيت المقدس، والنصارى مطلع الشمس، فأخبر ﷿ عن تصلب كل حزب فيما هو فيه، وثباته عليه، فالمحق منهم لا يزل عن مذهبه لتمسكه بالبرهان، والمبطل لا يقلع عن باطله، لشدة شكيمته في عناده، خلا من أمن أهل الكتاب، فقوله: ﴿مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ﴾ أي: ما تبعوا ذلك.\nوأشارت الآية: إلى أنهم وإن لم يؤمنوا بك، فإن كل طائفة منهم لا تتبع دين الطائفة الأخرى، فاليهودي لا يتنصر، والنصراني لا يتهود، فكل منهم إذا ترك دينه، إما أن ينتقل عنه إلى الإِسلام، وإما إلى الزندقة وطرح الأديان بالكلية، كما جرى منهم سابقًا، ونشاهده الآن في زمننا.\nثم لما كان دينهم قد نسخ، أعلم سبحانه بأن ثباتهم على قبلتهم مع ذلك مجرد هوى، فقال منفرًا للأمة عنهم، بخطاب الرأس، ليكون ذلك أدعى لقبول الأتباع:\n﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية، خصه بالنهي دون غيره، لما ذكرنا، ولأن كل من أنعم الله عليه أكثر، كان صدور الذنب منه أقبح، فكان أولى بالتخصيص، ولأن مزيد الحب يقتضي التخصيص بمزيد التحذير؛ وعلى كل، فهذا الكلام وارد على سبيل الفرض والتقدير، بمعنى: ﴿وَلَئِنِ﴾ اتبعتهم مثلًا بعد وضوح البرهان وحقيقة الأمر، ﴿إِنَّكَ إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، المرتكبين الظلم الفاحش.\nوفي ذلك لطف للسامعين، وزيادة تحذير واستفظاع لحال من يترك الدليل بعد إنارته، ويتبع الهوى، وفي ذلك أيضًا تهييج وإلهاب للسامعين من المؤمنين على الثبات.\nوقد دلت الآية: على أنه لا ينبغي لأحد من الأمة، مخالطة أهل الكتاب","vol":"1","page":387},{"text":"واتباع أهوائهم وزيهم، والاقتداء بهم فيما كان هوى، وعلى أن توجه الوعيد على العلماء أشد من توجهه على غيرهم، لأن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ يدل على ذلك.\nولما ختم الخطاب بالإشارة - بقوله: ﴿أَهْوَاءَهُمْ﴾ - إلى علمهم بحقية هذا التحويل تلويحًا، كما فتحه بالإعلام به تصريحًا، كرّر على تأكيد الإعلام بما هم عليه في أمرها من التحقق، إشارة [إلى] (١) ما يبطنونه من العناد الموجب للتمادي في الفساد، فقال مضمرًا له على وجه يصلح أن يكون للنبيﷺ -، معظمًا لهذه المعرفة بإسناد الإيتاء إليه:\n﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾.\nقيل: ضمير ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ راجع إلى البيت الحرام، أي: يعرفون بأنه القبلة ﴿كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾ وهو قول قتادة والربيع وابن عباس والسدي وابن زيد وابن جريج، ولم يذكر ابن جرير غيره. وذلك أن في الآية السابقة قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ ثم قال: هنا يعرفونه، أي: ذلك الحق، ثم قال: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾.\nوقيل: ضمير ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ عائد إلى رسول الله - ﷺ -، أي: يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره، كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم أبناؤهم وأبناء غيرهم، وهذا قول ابن عباس؛ واختاره الزجاج والرازي، ورجحه التبريزي، وبدأ به في \"الكشاف\"، وجعل القائلون بذلك الآية من باب الالتفات، ورجحه الرازي بأن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم المراد به النبوة في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾ فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم الذي هو نبوتك، كما يعرفون أبناءهم، وبأن الله ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، بل أخبر أن نبوة محمد - ﷺ - مذكورة\n_________\n(١) زيادة من البقاعي ٢/ ٢٢٦.","vol":"1","page":388},{"text":"فيهما، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى، [و] بأن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة، فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﵇، فكان صرف المعرفة إلى أمر النبوة أولى.\nوأنت خبير بأن الحمل على هذا الوجه أولى، لأنه يتضمن الوجه الأول وزيادة، لأنهم إذا كانوا يعرفون الرسول بجميع نعوته، معرفة لا يشكون فيها، نتج عن ذلك معرفة تحويل القبلة بأنه حق، لأن الرسول لا يأتي إلا بالحق.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ﴾ أي: من أهل الكتاب، وإنما قال: ﴿فَرِيقًا﴾ ليخرج من آمن منهم، وليبقى الكلام متناولًا للمصرين على الكفر والعناد، ﴿لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ﴾ والحق المكتوم هنا: نعت الرسول، قاله قتادة ومجاهد؛ وهذا بناء على القول الثاني، أو التوجه إلى الكعبة، أو أنها القبلة، بناء على القول الأول، و\"يكتمونه\"، يخفونه ولا يعلنونه، ﴿وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾ أنه حق وأنهم آثمون في كتمانه.\nفهم ثلاثة أصناف: عارف ثابت؛ وعارف منكر - وهو أردؤهم - وكاتم لا حق به.\nوقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾ معناه: يا محمد إن الحق ما أعلمك به ربك وأتاك من عنده ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ أي: من الشاكّين فيه وهذا الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به، والمراد به غيره.\nولما بيّن أن أحدًا من هؤلاء الفرق لا يتبع قبلة الآخر، وتضمن ذلك أن لكل منهم قبلة، وقرر أن ذلك من أهل الكتاب على وجه العناد، أثبت ما تضمنه الكلام السابق على وجه أعم منه، وسبب عنه النتيجة فقال:\n﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: ١٤٨].\nفقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ﴾ يحتمل أن يكون المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ أهل ملة ﴿وِجْهَةٌ﴾، فحذف أهل الملة واكتفى بدلالة الكلام عليه، وبه قال ابن جريج وابن زيد، وابن عباس، والسدي، وتبعهم جماعة من المفسرين.","vol":"1","page":389},{"text":"ويحتمل أن المعنى: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ ناحية وجَّهك إليها ربك يا محمَّد قبلة، الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾ عباده، وروى ابن جرير معنى هذا عن قتادة، ومسالك المفسرين من المتأخرين تحوم حول الأوّل. وقيل: المراد: ﴿لِكُلٍّ﴾ قوم من المسلمين ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: جهة [إلى] (١) الكعبة يصلي إليها، جنوبية، أو شمالية، أو شرقية، أو غربية، وهذا القول حسن لوجهين:\nأولهما: قوله تعالى: ﴿هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ يعني: الله ﴿مُوَلِّيهَا﴾، وتولية الله لم تحصل إلا في الكعبة، لا في غيرها.\nوثانيهما: أن الله عقبه بقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ والظاهر أن المراد من هذه ﴿الْخَيْرَاتِ﴾، ما لكل أحد من جهة، والجهات الموصوفة بالخيرية ليست إلا جهات الكعبة.\nوعندي (٢): أنَّه يجوز أن يكون المعنى على أعم من القبلة وغيرها، فيكون نظم الكلام: ﴿وَلِكُلٍّ﴾ من المذكورين وغيرهما ﴿وِجْهَةٌ﴾، أي: مقصد يقصده، ويوجه وجهه إليه، ويقبل بقلبه عليه، ﴿هُوَ﴾ تعالى مُوَلِّي تلك الجهة، والمولِّي لها مائل إليها بوجهه، مستقبل وتابع لها، لأن المادة تدور على الميل بكل ترتيب، وفيه إشعار باختلاف جبلات أهل الملل، وإقامة كل طائفة منهم بما جبلت عليه، وهذا المعنى ينطبق على الآيات السابقة، إذ علم ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وإعراضهم عنه ﴿وِجْهَةٌ﴾ وقصد لهم، وكونهم لو أتاهم ﴿بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا﴾ قبلته وكونهم ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ﴾، ولكنهم لا يظهرون ذلك كذلك.\nولما كانت الوجهة مختلفة، وكان منها الخير وغير الخير؛ قال تعالى: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ أي: فاجعلوا أنتم مقصدكم أنواع الخير من القبلة وغيرها، وتسابقوا في قصدكم إليها، أي: كونوا في المبادرة إلى أفعال الخير كمن يسابق خصمًا، فهو يجتهد في سبقه.\nثم حثهم على ذلك، وحذرهم من تركه على وجه التعليل، فقال: ﴿أَيْنَ مَا\n_________\n(١) زيادة من \"البحر\".\n(٢) من كلام البقاعي ٢/ ٢٢٩! !","vol":"1","page":390},{"text":"تَكُونُوا﴾ أي: من الجهات التي استبقتم إليها، الحسية والمعنوية، ﴿يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا﴾ يوم الجزاء، الموافق والمخالف فلا تعجزونه، ثم علل ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ ففي هذه الآية حث المؤمنين على طاعته، والتزود في الدنيا للآخرة، وبها أيضًا وعد لأهل الطاعة ووعيد لأهل المعصية.\nولما عظم تعالى في شأن القبلة انتشار أقوالهم في تنويع شغبهم وجدالهم، وكانوا أهل علم وكتاب، وقد مرت لهم دهور وهم موسومون بأنهم على صواب، فاشرأب لذلك النفاق، ودارت رحى الباطل والشقاق وقامت سوق الفسوق فيما هنالك على ساق؛ كان الحال مقتضيًا لمزيد تأكيد في أمرها، تعظيمًا لشأنها، وتوهية لشبه السفهاء، قال تعالى ثانيًا معبرًا بعبارة مشعرة بإمامته - ﷺ -، وانتظار المصلين له:\n﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)﴾.\nحام المفسرون حول الحكمة في هذا التكرار في هذه الآية، وفيما قبلها، وغاصوا بحر معانيها لاستخراج تلك الدرة اليتيمة، وقد ذكر في الدخول عليها قريبًا ما منه يعلم ذلك.\nوقيل: إنه لما كان للمصلي ثلاث أحوال؛ لأنه إما أن يكون في المسجد الحرام نفسه؛ أو يكون في مكة خارجًا عنه؛ أو يكون خارجًا عن البلد موجودًا في قطر من أقطار الأرض.\nفالآية الأولى لبيان حكم الأول، والثانية للثاني، والثالثة للثالث.\nوقيل: إنما أعاد الله ذلك ثلاث مرات، لأن كل مرة تعلق بها فائدة زائدة؛ وهي في الآية الأولى: بيان أن أهل الكتاب يعلمون نبوة محمد - ﷺ -، وأن هذه القبلة حق لأنها قبلة إبراهيم ﵇، وهو الذي بني الكعبة ودعى لأهلها.","vol":"1","page":391},{"text":"وفي الثانية: بيان أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقًا مغاير لعلم أهل الكتاب بكونه حقًا.\nوفي الثالثة: بيان أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت الفوائد حسنت الإعادة ليترتب على كل معاد فائدة لم تكن في غيره.\nوقيل: إنه تعالى لما قال في الآية الأولى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ ربما خطر ببال جاهل، أنه فعل ذلك إرضاء لنبيه، فكرر تعالى ما بعدها من الآيتين، فكأنه يقول في الأولى المكررة: نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل، هو الحق الذي لا محيد عنه، فاستقبلها ليس لأجل الهوى والميل.\nوكأنه يقول في الثانية: دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا، فيصير ذلك التولي سببًا للطعن في دينكم، بمعنى: أنها لن تنسخ في المستقبل.\nومحصل ذلك: أن كل آية من الآيات المكررات قرنت بفائدة لم تكن في التي قبلها، ولما كانت هذه الواقعة أول وقائع النسخ، حسن الإطناب فيها والتكرار، لأجل التأكيد والتقرير، وإزالة الشبهة وإيضاح البينات.\nفقوله تعالى: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ معناه: ومن أي بلد خرجت للسفر ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ إذا صليت، ﴿وَإِنَّهُ﴾ أي: هذا المأمور به ﴿لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾، قرئ بالتاء وبالياء، ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ﴾ من بقاع الأرض للصلاة، ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾، فذلك حتم لا فتور عنه ولا رخصة، إلا ما استثني في الأحاديث من صلاتي النفل والخوف.\nثم بيّن أن ذلك الحكم غير مختص به - ﷺ -، بل هذا الفرض عليه وعلى أمته فقال: ﴿وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ﴾ أيتها الأمة، من جميع أقطار الأرض الدانية والقاصية، ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾، نحوه للصلاة، ففيه إشعار بلحظ صحة صلواتهم","vol":"1","page":392},{"text":"فرادى، وفي بيوتهم، وفي المساجد، وفي الأبنية والصحراء، لا يختص ذلك بموضع دون موضع، إلا لعلة تمنع إيقاع الصلاة توجد في ذلك الموضع.\nولما كان ربما يظن، أن الرجوع إلى القبلة الأولى يزيل الكلام، بيّن سبحانه أن الأمر بخلاف ذلك، فقال: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ﴾ أي: لأحد منهم ﴿عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾، بأن يقولوا: النبي المبشر به يستقبل بيت إبراهيم ﵇، ثم لا ينحرف عنه، وهذا لم يفعل ذلك؛ أو يقولوا: ما جاء بشيء جديد، وإنما هو تبع لنا في قبلتنا، يعني: التي كان عليها، وهي استقباله بيت المقدس، ولما كانت الحجة كلامًا ينشأ عن مقدمات يقينية مركبة تركيبًا صحيحًا، وقع الاستثناء باعتبار تلبس المستثنى بجزء المعنى الذي نفي عن المستثنى منه بدلالة التضمن، فهو قريب من الاستخدام، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: الناس ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾، فإنهم لعنادهم ولَدَدِهم (١) لا يرجعون إلى الحق الذي يعرفونه، بل يكون لهم عليكم مجرد كلام هو مادة الحجة، لا حجة بما دلّ عليه، وصفهم بالظلم الذي هو وضع الشيء في غير محله، وبكون الاستثناء على هذا منقطعًا، بمعنى: ﴿لِئَلَّا﴾ يحتج أحد ﴿عَلَيْكُمْ﴾، لكن ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ يقولون، أو يظهرون فجورًا ولددًا في ذلك، كلامًا يسمونه حجة.\nويمكن أن يكون المراد بالـ ﴿حُجَّةٌ﴾، ما هو أعم من الدليل القطعي والظني، فيكون الاستثناء متصلًا، وحاصله: إن أريد بالحجة الدليل الصحيح، فالاستثناء منقطع، لأنهم ليس لهم دليل صحيح؛ وإن أريد بها الاحتجاج والخصومة، فالاستثناء متصل، والاتصال هو الذي نختاره.\nولما نفى عن أهل هذه القبلة بالثبات عليها كل سبيل، تسبب عنه قوله: ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ﴾ في هذا الأمر ولا في غيره، فإني أرد عنكم كيدهم، وأوهن أمرهم، ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ فلا تخالفوا أمري، ولا تخالفوا ما رأيته مصلحة لكم، ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ وإرادتي اهتداءكم، أمرتم بذلك. فـ \"لام\" ﴿وَلِأُتِمَّ﴾،\n_________\n(١) اللَّدَدُ: الخصومة الشديدة.","vol":"1","page":393},{"text":"متعلقة بمحذوف، أو هو معطوف على علة مقدرة، فكأنه قال: ﴿وَاخْشَوْنِي﴾ لأوفقكم ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ بهذا الدين المفيد لعز الدارين ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾، ففي كلمة \"لعل\" إبهام يشعر بتصنيفهم صنفين: مهتد بالثبات على السنة، ومتغير فيه بوجه من وجوه بدعة، وذلك بناء على القاعدة المعروفة، من أنه: كل ما كان للخلق تردد، فهو من الحق تقسيم وإبهام في تعيين ذلك التقسيم والتصنيف، ففيه إعلام القوم بالاهتداء الدائم بما تفهمه صيغة الدوام، وإشعار بانقطاع قوم عن ذلك التمادي، بما يفهمه ما هو للخلق بموضع [الترجي] (١)، وفي طيه إشعار باستبدادهم بالأمر بعد وفاة النبي - ﷺ -، وانقسامهم فيه بين ثابت عليه، دائم الاهتداء فيه، ومتغير عنه، كما ظهر فيما كان من ثبات من ثبت بعده، وردة من ارتد.\nثم إن قوله تعالى:\n﴿كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١].\nإما أن يتعلق بما قبله، أي: ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ﴾ في الآخرة بالثواب، كما أتممتها عليكم في الدنيا بإرسال الرسول، أو هو متعلق بما بعده، أي كما ذكرتكم بإرسال الرسول، وقوله: ﴿رَسُولًا مِنْكُمْ﴾ وارد مورد الامتنان، أي: تعرفون من صفاته العلى، وهممه الحاملة على اتباعه، والتيمن برأيه، ما لا يعرفه غيركم، ولتكونوا أهل شرف كامل، حيث إن الرسول ﴿مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا﴾ فتجعلوها عوضًا من تناشدكم الأشعار، وتُغْنيكم عن إعمال الفكر في تكسب العلم والحكمة، كما كان الأوائل يجهدون أفكارهم في ذلك، ثم لا يصلون إلى معرفة الحق، فتلاوة الآيات تغنيكم عن التعب في ترتيب المقدمات، والاستدلال لها للتوصل إلى النتيجة، وأخذ الأمور بالشواهد، وتولى الله ورسوله تعليمهم، ليكون شرف المتعلم بحسب علاء من علمه، ففضل علماء هذه الأمة على سائر العلماء،\n_________\n(١) زيادة من البقاعي ٢/ ٢٣٩.","vol":"1","page":394},{"text":"كفضل النبي - ﷺ - على معلميهم ممن سواه، ولكن هذا الفضل إنما هو لمن أخذ علمه من الآيات البينات، ومن كلام معلمه، وهو الرسول الأعظم، لا لمن سار وراء معلم آخر تقليدًا له بما لا يعلم معناه، ولا يعرف من أين أخذه، فهو كالدابة التي يقودها صاحبها، لا تعلم ما يقصد، ولا إلى أي وجهة هي سائرة.\nوقوله: ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ معناه: يطهركم في أقوالكم وأفعالكم، وينميكم بإنعاش قلوبكم، لتشرق بالمعاني الصالحة، والأخلاق الطاهرة، الموجبة للفوز الدائم، والنجاة من شباك المبتدعين، وأهواء الضالين، فكما تتنامى الأجساد بماء المزن والغذاء، تتنامى القلوب بالكتاب العزيز والحكمة، ومتى نمت النفس وزكت قويت على ما شأن قواها أن تناله.\nوقوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ﴾ أي: يعلمكم الفقه فيه، والفهم لمعانيه، فإن لم يفقه معناه، واستنباط الأحكام منه، لا تنمو نفسه، ﴿وَالْحِكْمَةَ﴾ دقائق الإشارات الشافية لأمراض القلوب المانعة من اتباع الهوى، فـ ﴿الْحِكْمَةَ﴾ المأخوذة من الرسول، هي الغاية الجامعة لكل كتاب وحكمة بما يعلمه الأولون والآخرون، ولذلك كان - ﷺ - يتكلم في علوم الأولين، بكلمات يعجز فيها إدراك الخلق: الأطباء، والفلاسفة.\n﴿وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ أي: من الاستنباط من الكتاب، من المعارف بما يدريكم به من الأقوال والأفعال، ويسلككم به من طرق الخير الكاشفة لظلام الظلم، الجالية لمرائي الأفكار، المنفذة لبصائر الاعتبار.\nولما كان ذلك من أعظم النعم، كلف الله عباده عليه بأمرين: الذكر والشكر، فقال:\n﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ﴾.\nفالذكر يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح، أمرهم بذكر القلب، بالتفكر في الدلائل الدالة على ذاته وصفاته، والتفكر في الجواب عن الشبه القادحة في تلك الدلائل، وأن يتفكروا في الدلائل الدالة على التكاليف من غير استرواح إلى طريق","vol":"1","page":395},{"text":"حاطب ليل (١) وأن يتفكروا في أسرار المخلوقات، فيعلموا ما في طيها من الدلائل الدالة على الوحدانية، وما في طيها أيضًا من المنافع الدنيوية على ما تضمنه فن المواليد الثلاثة، النبات، والحيوان، والمعدن. وما ينتج عن ذلك من الأمور المسهلة لمنافع الخلق، كما نشاهد اليوم من المخترعات التي تدهش العقول، وأمرهم بذكر الجوارح، وهي: أن تكون مستغرقة في الأعمال التي أمروا بها، وخالية عن الأعمال التي نهوا عنها وأمرهم بذكر اللسان، وهو تلاوة القرآن والأذكار التي رويت عن رسول الله - ﷺ -، وجاء الكتاب العزيز بها لا غير، فإنكم إن ذكرتموني كذلك ﴿أَذْكُرْكُمْ﴾ بالرحمة، وبإجابة النداء في الدعاء، والإحسان، والثناء، والنعمة، والمعونة والهداية، وعند النبلاء فأرفعه عنكم ﴿وَلَا تَكْفُرُونِ﴾، فإنكم إن فعلتم ذلك سلبت عنكم نعمتي، وفيه إشارة إلى أنه لما كان للعرب ولع بذكر آبائهم ووقائعهم وأيامهم، وذلك علمهم وكتابهم، عوضهم الله عن ذلك كتاب الله وحكمته، فقص عليهم أحسن القصص، وعلمهم طرق الهداية.\nولما علم من هذه الآيات إعضال ما بينهم وبين السفهاء، وأمرهم بالدواء المنجح، من الإعراض عنهم والإقبال على ذكره وشكره، أتبع ذلك بالإشارة إلى أن الأمر يصل إلى أشد مما توهموه، فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: ١٥٣].\nخص الصبر والصلاة بالذكر، لما فيهما من المعونة على العبادات؛ أما الصبر فهو: قهر النفس على احتمال المكاره في ذات الله تعالى، وتوطينها على تحمل المشاق وتجنب الجزع، ومن حمل نفسه قلبه على هذا التذليل، سهل عليه فعل الطاعات، وتحمل مشاق العبادات، وتجنب المحظورات.\nوأما الاستعانة بالصلاة، فلأنها تفعل على طريق الخضوع والتذلل للمعبود، والإخلاص له، ويجب أن يوفر همه وقلبه عليها، وعلى ما يأتي فيها من قراءة، فيتدبر الوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، ومن سلك هذه الطريقة في الصلاة،\n_________\n(١) هو مثال يضرب لمن لا يتروى في الأمور.","vol":"1","page":396},{"text":"فقد ذلّل نفسه لاحتمال المشقة فيما عداها من العبادات، ولذلك قال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ [العنكبوت: ٤٥].\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ يعني: في النصر لهم، فكأنه ضمن لهم إذ هم استعانوا على طاعته ﴿بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، أن يزيدهم توفيقًا وتسديدًا وإلطافًا.\nثم قال تعالى:\n﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: ١٥٤].\nوجه تعلق هذه الآية بما قبلها، كأنه قيل: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ في إقامة ديني، فإن احتجتم في تلك الإقامة إلى مجاهدة عدوي بأموالكم وأبدانكم، ففعلتم ذلك، فَتَلِفَتْ نفوسكم، فلا تحسبوا أنكم ضيعتم أنفسكم، بل اعلموا أن قتلاكم ﴿أَحْيَاءٌ﴾ عندي.\nقيل: إن هذه الآية نزلت في قتلى بدر.\nوقيل: إن الكفار والمنافقين قالوا: إن الناس يقتلون أنفسهم طلبًا لمرضاة محمد من غير فائدة، فنزلت.\nوالصحيح عندي: أن هذه الآية مرتبطة بما قبلها، وبينهما التناسب الذي ذكرنا، فإن صح سبب نزولها فهو عارض لا أصلي.\nوهذه الآية تدل على أن الشهداء ﴿أَحْيَاءٌ﴾ حياة لا شعور لنا بها، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ أي: أنها ليست مما يُشعر به بالمشاعر الظاهرة من الحياة الجسمانية، وإنما هي أمر روحاني لا يدرك بالعقل بل بالوحي.\nوقوله: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ يشير إلى أن حياة الشهداء عند ربهم أكمل من","vol":"1","page":397},{"text":"حياتهم في هذه الدنيا، وأتم وأطيب، وإن كانت أجسادهم متلاشية، ولحومهم متمزقة، وأوصالهم متفرقة، فإن الحياة الدنيوية محفوفة بالكدر، محاطة بالتنغيص، مسجونة الأرواح في سجنها؛ فإذا خلصت من ذلك السجن، أفضى بها الخروج إلى روح وريحان وصفاء لا كدر معه، وكيف يشوبها كدر وهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩) فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩ - ١٧٠]، فما حياتهم في الدنيا بالنسبة إلى تلك الحياة، إلا كحياتهم في بطون أمهاتهم بالنسبة إلى خروجهم إلى الدنيا، ولكننا في الدنيا لا نشعر بتلك الحياة كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ وأي شعور لنا بما لم نحط به علمًا؟\nوقال في \"روح البيان\": حياة الشهداء حياة برزخية يتنعمون بها، لأنهم أجسام لطيفة كالملائكة، فإنهم موجودون أحياء.\nوقال الفناري في تفسير سورة الفاتحة: كل نعيم يتنعم به الصديقون والشهداء والصالحون في البرزخ خيالي، وكل عذاب كذلك. انتهى.\nولكن ما ذكرناه أتم وأصفى، ومن الناس من لم ينتبه للسر المودع في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾ فقال: معنى كونهم ﴿أَحْيَاءٌ﴾، أنكم لا تطلقوا اسم الموت على من ﴿يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، ولكن قولوا: هم ﴿أَحْيَاءٌ﴾، فجعل المنهي عنه إطلاق اسم الموت عليهم. وقيل: يجوز أن يجمع الله من أجزاء الشهيد جملة فيحييها، ويوصل إليها النعيم، وإن كانت في حجم الذرة، وقيل: ﴿أَحْيَاءٌ﴾ بإحيائه وبقائه وثبوت الأجر. وقيل: هذه الحياة بقاء أرواحهم دون أجسادهم، وقال أكثر المفسرين: إنهم في الوقت أحياء، كأن الله أحياهم لإيصال الثواب إليهم، واختار هذا القول الفخر الرازي.\nولما كان البشر من شأنه أن لا يخلص من الشوائب إلا بعد معاناة شديدة، تصفيه منها كما يصفى الذهب بالنار الشديدة، قال تعالى معلمًا لنا التربية بما حصل به التصفية، عطفًا على ما أرشد إليه من مناصبة الكفار ومقارعة أهل دار البوار:","vol":"1","page":398},{"text":"﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.\nأي: ولنصيبنكم كذلك، إصابة تشبه فعل المختبر لأحوالكم، هل تصبرون وتثبتون على ما أنتم عليه من الطاعة، وتسلمون لأمر الله وحكمه أم لا؟\nوقال الحرالّي: الصبر الأول، أي: المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ إنما هو عن الكسل وعلى العمل، والصبر الثاني في ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ إنما هو على مصائب الدنيا، فلذلك انتظم بهذه الآيات آية ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ﴾، وتجاوز الأمور يؤخذ بها من لم يجاهد في سبيل الله، ضعفًا عن صبر النفس عن كره القتال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ٢١٦] فمن لم يحمله الصبر الأول على الجهاد، أخذ بأمور هي بلايا في باطنه، تجاوزها الخطاب فانعطف عليها، ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، وهو حذر النفس من أمور ظاهرة تضرها؛ ﴿وَالْجُوعِ﴾ وهو غلبة الحاجة إلى الغذاء على النفس، حتى تترامى لأجله فيما لا تتأمل عاقبته، فإذا كان على غير غلبة مع حاجة، فهو \"الغرث\"، فلذلك في الجوع بلاء ما، والغرث عادة جارية. انتهى.\nأي: وهو بفتحتين من باب \"فرح\" قال في \"تاج العروس\": هو أيسر الجوع، وقيل شدته. وقال أيضًا: الجوع فراغ الجسم عما به قوامه، كفراغ النفس عن الأمنة التي بها قوامها فأفقدها القوامان في ذات نفسها بالخوف، وفي بدنها بالجوع، لما لم تصبر على كره الجهاد، وقد كان ذلك لأهل الصبر عليه، أهون من الصبر على الخوف والجوع. وإنما كان أول نائلهم من هذا الابتلاء الخوف، حيث خافوا الأعداء على أنفسهم فجاءهم إلى مواطنهم، من لم يمش إلى طبيبه ليستريح، جاء الطبيب لهلاكه، وشتان بين خوف المغازي للعدو في عقره، وبين خوف المحصر في أهله، وكذلك شتان بين أرزاق المجاهد وتزويده، و﴿خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ [البقرة: ١٩٧] في سبيله لجهاده، وبين جوع المتخلف في عياله، هذا كلامه.","vol":"1","page":399},{"text":"ففي الآية سر عجيب، يظهر هذا السر في كل زمان، ولا سيما في زماننا، فإن الأمة الإِسلامية لا زالت تتخلف عن الجهاد، وعن إعداد العدة له، فلم تسابق أعداءها في الفنون الحربية، وفي المخترعات التي اخترعوها لهلاكها، حتى أكثر غزو الأعداء لها في عقر دارها، فأخذوا ينقصون أرضها من أطرافها، تارة بالحيل والدسائس، وإثارة الفتن، وتفريق الكلمة؛ وتارة بالتهويل والإرهاب، وتارة بالحرب في عقر الديار، حتى أمسى معظم بلاد المسلمين في أيدي الأعداء، والمسلمون معانقون للبله، مخلدون للسكون كالأرقاء، فطمع العدو بهم، ونظر إليهم نظر الاحتقار، وتألب بأجمعه على كيدهم، حتى غزاهم في عقر دارهم في البقية الباقية لهم من البلاد؛ وفي أثناء كتابتي لهذه الأسطر، وقبلها بثلاث سنين، اشتعلت نيران الحرب من أقصى المغرب إلى أقصى المشرق، ومن الجنوب إلى الشمال، وما ذلك إلا للقضاء على البقية الباقية من البلاد بأيدي المسلمين، فابتلوا بـ ﴿الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، فلم يكن لهم ملجأ إلا الصبر على الجهاد، نسأله تعالى حسن العاقبة (١).\nوأتى بقوله ﴿بِشَيْءٍ﴾ منكرًا منونًا تنوين تقليل، وعطف عليه ما بعده كذلك، حثًا على الشكر، بالإشارة إلى أن كل ما أصاب منها، ففي قدرة الله ما هو أعظم منه، فعدم الإصابة به نعمة، فإذا لاحظ السامع هذا، أخلص حالة البلاء لله، ورجع إلى بابه أكثر من إخلاصه حالة إقبال الدنيا عليه.\nولما كان الجوع قد يكون عن رياضة، بيّن أنه عن حاجة بقوله: ﴿وَنَقْصٍ﴾ وهو التقاصر عن الكفاف من الأموال، أي: النعم التي كانت منها أغذيتهم، وقال ابن جرير الطبري: قوله ﴿بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾، يعني: ﴿مِنَ الْخَوْفِ﴾ من العدو، وبـ ﴿وَالْجُوعِ﴾ يعني: القحط. يقول: لنختبرنكم بشيء من خوف ينالكم من عدوكم وسَنَة تصيبكم ينالكم فيها مجاعة وشدة، وتَعَذَّرُ المطالب عليكم، فتنقص لذلك\n_________\n(١) يشير إلى الحرب العالمية الأولى ١٩١٤ - ١٩١٨ وما أشار إليه بنا وما زال بلاؤه ولا حول ولا قوة إلا بالله.","vol":"1","page":400},{"text":"أموالكم، وحروب تكون بينكم وبين أعدائكم من الكفار فينقص لها عددكم، وموت ذراريكم وأولادكم، وجدوب تحدث فتنقص لها ثماركم، كل ذلك امتحان مني لكم، واختبار مني لكم، فيتبين صادقوكم في إيمانهم من كاذبيهم فيه، ويعرف أهل البصائر في دينهم منكم، من أهل النفاق فيه، والشك والارتياب، كل ذلك خطاب منه تعالى لنبيه وأصحابه. انتهى.\nأي: ولأمته، فكأن ابن جرير تكلم عن الحالة التي نحن عليها من عام اثنين وثلاثين وثلاثمئة وألف، إلى عام كتابتنا في تفسير هذه الآية، في العشرين من شعبان من سنة خمس وثلاثين. فإننا ابتلينا بجميع ذلك، وارتفعت الأسعار من الواحد إلى ما فوق العشرة، وأظهر أكثر الناس ما في دخائلهم من النفاق والغش والفجور، وعبد التجار الدرهم والدينار علنًا، واحتكروا كل ما من شأنه أن يكون قوتًا أو ملبوسًا، وعقدوا النية على ضرر الأمة، وضرر الوطن والدولة، وكل ما يلوذ بالحكومة، وقد أخرجت الحكومة بدلًا عن النقود قراطيس، وسمتها بوسام خاص بها، أظهرتها للتداول بها، لتقوم بها أودها، وتستغني عن أموال الأعداء، فاتخذها التجار تجارة، وتلاعبوا بها أيما تلاعب، وأنقصوها عن أثمانها نقصًا فاحشًا، فأضروا بذلك بالمجاهدين وبعيالهم وبأولادهم، بل وبالأمة أجمع، وظهروا بمظهر لم يظهر به المنافقون الذين كانوا في زمن النبي - ﷺ - بعشرة، وأكثروا من الإرهاب، واختلاق الأباطيل ما لم يكن يظن ظهوره، ويعجز القلم عن شرحه، وأظهر الباعة منهم من السفه والتعدي، ونقص الكيل والميزان، وإطالة اللسان، وكشف نقاب الحياء، ما لم يظهر في أمة من الأمم، ومن فساد الأخلاق ما لم يكن مثله في الجاهلية الأولى، فحسبنا الله ونعم الوكيل عليهم (١) ويرحم الله الربيع حيث قال في تفسير هذه الآية: قد كان ذلك، وسيكون ما هو أشد من ذلك انتهى.\n_________\n(١) يشير إلى ما كان في الحرب العالمية الأولى. وما أشبه الليلة بالبارحة. حتى ما ذكر من انخفاض قيمة العملة. كما نشاهد الآن خلال هذه السنوات العشر في لبنان وغيره، وما زالت الفروق تزيد والنقص عشرات المرات، نسأل الله الفرج للبلاد والعباد.","vol":"1","page":401},{"text":"ثم قال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ الآية، فكأنه تعالى يقول لنبيه: يا محمد بشر الصابرين على امتحاني بما أمتحنهم (١) به، والحافظين أنفسهم عن التقدم على نهيي عما أنهاهم عنه، والآخذين أنفسهم بأداء ما أكلفهم من فرائضي، مع ابتلائي إياهم بما أبتليهم (٢) به، القائلين إذا أصابتهم مصيبة: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ فأمره الله تعالى ذكره، بأن يخص - بالبشارة على ما يمتحنهم به من الشدائد - أهلَ الصبر الذين وصف الله صفتهم، وأصل التبشير: إخبار الرجل [الرجلَ] (٣) الخبرَ، يسره أو يسوءه، لم يسبقه به إليه غيره.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ جواب سؤال مقدر، وهو عندي أرجح من أن يكون نعتًا للصابرين، أو منصوبًا على المدح، فكأنه قيل: من الصابرون؟ فقال: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية، أي: الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدونني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي، فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي ويخافون عقابي، ويقولون - عند امتحاني إياهم في بعض محني، وابتلائي إياهم بما وعدتهم أن أبتليهم (٢) به، ﴿مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ، وَنَقْصٍ .. مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ﴾، وغير ذلك من المصائب التي أنا ممتحنهم بها -: إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياءً، ونحن عبيده (٤)، وإنا إليه بعد مماتنا صائرون. تسليمًا لقضائي، ورضًا بأحكامي.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ﴾ الآية، معناه: هؤلاء الصابرون - الذين وصفهم ونعتهم - ﴿عَلَيْهِمْ﴾، لهم ﴿صَلَوَاتٌ﴾، يعني: مغفرة، وإقبال عليهم بعطفه، إخراجًا لهم من حال ظلمة إلى رفعة نور، قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [الأحزاب: ٤٣].\n_________\n(١) الأصل: \"امتحنتهم، ابتليتهم\"- تبعًا لمطبوعة الطبري السابقة.\n(٢) ممم قال الشيخ شاكر: والسياق يقتضي ما أثبت.\n(٣) زيادة من الطبري.\n(٤) الأصل: (عنده) والتصحيح من الطبري.","vol":"1","page":402},{"text":"وقوله: ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ يعني ﴿و﴾ لهم مع المغفرة - التي بها صفح عن ذنوبهم، وإخراج لهم من الظلمات إلى النور- ﴿رَحْمَةٌ﴾ من الله ورأفة، ومعنى الصلاة والرحمة متقارب، وإنما جمع بينهما عليهم رأفة بعد رأفة، ورحمة أيّ رحمة.\nثم أخبر تعالى- مع الذي ذكر أنه معطيهم على اصطبارهم على محنه، تسليمًا منهم لقضائه من المغفرة والرحمة - أنهم ﴿هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾ المصيبون طريق الحق، والقائلون ما يرضي الله عنهم، والفاعلون ما استوجبوا به من الله الجزيل من الثواب.\nقال ابن عباس: أخبر الله أن المؤمن إذا أسلم الأمر إلى الله، ورجع واسترجع عند المصيبة، كتب له ثلاث خصال من الخير: الصلاة من الله، والرحمة، وتحقيق سبيل الهدى.\nوقال عمر بن الخطاب في ختم هذه الآية: نعم العدلان، ونعمت العلاوة، فالعدلان: الصلاة والرحمة، والعلاوة: الهداية.\nواعلم أن الأحسن في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ أن يفسر بالصبر مطلقًا بلا تقييد، ليكون المعنى: ﴿وَبَشِّرِ﴾ كل من صبر صبرًا محمودًا شرعًا، لأن حقيقة الصبر، تعارض العقل والشهوة في شيء، فلذلك كان له أسماء يرجع معانيها إلى الصبر:\nفإن كان عن شهوة الفرج والبطن سمي: عفة.\nوإن كان عند المصيبة سمي: صبرًا. وضده: الجزع.\nوإن كان في الغنى سمي: ضبط النفس. وضده: البطر.\nوإن كان في الحرب سمي: شجاعة. وضده: الجبن.\nوإن كان في نائبة مضجرة سمي: سعة صدر. وضده: الضجر.\nوإن كان في إخفاء كلام، سمي: كتمانًا. وضده: الإعلان.\nوإن كان في فضول الدنيا سمي: زهدًا. وضده: الحرص.","vol":"1","page":403},{"text":"وإن كان على يسير من المال سمي: قناعة. وضده: الشره.\nوقد جمع الله في كتابه أقسام ذلك، وسمى جميعها صبرًا، فقال:\n﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي: المصيبة.\n﴿وَالضَّرَّاءِ﴾، أي: الفقر.\n﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: ١٧٧] أي: المحاربة.\nقال القفال: ليس الصبر أن لا يجد الإنسان ألم المكروه، ولا أن لا يكره ذلك، إنما هو حمل النفس على ترك إظهار الجزع، وإن ظهر دمع عين، أو تغير لون، ولو ظهر منه أول، ما لا يعد معه صابرًا، ثم صبر، لم يعد ذلك سلوانًا.\nهذا وقد دلت هذه الآية، على أن كل هذه المحن من الله تعالى، خلافًا لما يقوله الثنوية: الذين ينسبون الأمراض وغيرها إلى شيء آخر.\nوخلافًا لقول المنجمين: الذين ينسبونها إلى سعادة الكواكب ونحوسها.\nوقال أبو بكر الرازي: اشتملت الآية على حكمين، فرض ونفل.\nأما الفرض: فهو التسليم لأمر الله، والرضا بقضائه، والصبر على أداء فرائضه، لا يصرف عنها مصائب الدنيا.\nوأما النفل: فإظهار القول: بـ ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾، فإن في إظهاره فوائد جزيلة، منها: أن غيره يقتدي به إذا سمعه، ومنها: غيظ الكفار، وعلمهم بجده واجتهاده في دين الله، والثبات عليه وعلى طاعته، انتهى.\nوفي قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ﴾ التي هي أداة البعد، إشارة إلى علو مقام المشار إليهم، وعزَّ مرامهم، ولذا عبر عن هدايتهم بالجملة الإسمية على وجه يفهم الحصر، والصلاة: الإنعام بما يقتضي التشريف، والرحمة: الإنعام بما يقتضي العطف والتحنن، والله الموفق.","vol":"1","page":404},{"text":"ولما فرغ ما قصه الله تعالى مما أراد من أحوال الطاعنين في القبلة، التي هي (قيام للناس) (١)، وما استتبع ذلك مما يضطر إليه في إقامة الدين من جدالهم وجلادهم، وختم ذلك بالهدى، شرع في ذكر ما كان البيت به قيامًا للناس من المشاعر القائدة إلى كل خير، الحامية عن كل ضير، التي جعلت مواقفها أنموذجًا لقيام الناس إلى المحشر، ولا سيما والحج أخو الجهاد في المشقة، والنزوح عن الوطن، فقال:\n﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.\nفهو كالتعليل لاستحقاق البيت أن يكون قبلة، وأيضًا فإن التكليف على ثلاثة أقسام:\nأولها: ما يحكم العقل بحسنه في أول الأمر، وقد ذكره تعالى بقوله: اذكروني ﴿أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾ [البقرة] فإن كل عاقل يعلم أن ذكر المنعم بالمدح والثناء والمواظبة على شكره، أمر مستحسن في العقول.\nوثانيها: ما يحكم العقل بقبحه في أول الأمر، إلا أنه بسبب ورود الشرع به يسلم حسنه، وذلك مثل إنزال الآلام والفقر والمحن، فإن ذلك كالمستقبح في العقول، لأن الله تعالى لا ينتفع به، ويتألم العبد منه، فكان ذلك كالمستقبح، إلا أن الشرع لما ورد به وبين الحكمة فيه، وهي الابتلاء والامتحان، وهذا هو المشار إليه بقوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]، فحينئذ يعتقد المسلم حسنه، وكونه حكمًا وصوابًا.\nوثالثها: الأمر الذي لا يهتدي لا إلى حسنه ولا إلى قبحه، بل يراه كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة، وهو مثل الحج من السعي بين الصفا والمروة وغيره.\n_________\n(١) اقتباس من الآية ٩٧ من سورة المائدة.","vol":"1","page":405},{"text":"فذكر الله تعالى هذا القسم عقيب القسمين الأولين، ليكون قد نبه على جميع أقسام تكاليفه، وذاكرًا لكلها على سبيل الاستيفاء والاستقصاء.\n\nهذا وقد روي في<span data-type=\"title\" id=toc-469> سبب نزول هذه الآية</span>، ما أخرجه البخاري ومسلم والترمذي، عن عاصم الأحول، قال: \"سألت أنس بن سيرين عن الصفا والمروة، فقال: كانا من شعار الجاهلية، فلما كان الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية (١)، قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nوروى الحاكم وصححه وابن مردويه عن عائشة قالت: \"نزلت هذه الآية في الأنصار، كانوا في الجاهلية إذا أحرموا، لا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدمنا المدينة ذكروا ذلك لرسول الله - ﷺ -، فأنزل الله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾.\nورواه الطبراني في \"الأوسط\" عن ابن عباس بنحوه، ورواه عنه بنحوه أيضًا ابن جرير وابن أبي داود في \"المصاحف\"، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، ورواه ابن جرير عن ابن عمر.\nو﴿الصَّفَا﴾ جمع صفاة وهي: الصخرة الملساء، وهو لفظ مفرد، وتثنيته صفوان، وجمعه: أصفاء وصفياء وصفيا.\nو﴿الْمَرْوَةَ﴾ هي: الحصاة الصغيرة، يجمع قليلها مروات، وكثيرها المرو، مثل تمرة وتمرات وتمر.\nوالمراد من ﴿الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الجبلان المعروفان.\nوقوله: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ يعني: من معالم الله التي جعلها لعباده معلمًا ومشعرًا يعبدونه عندها، إما بالدعاء وإما بالذكر، وإما بأداء ما فرض عليهم من العمل عندها.\nوالحج: القصد. والاعتمار: الزيارة، ثم غلبا على قصد البيت وزيارته للنسكين المعروفين.\n_________\n(١) ينظر \"إرواء الغليل\" ١٠٧٩.","vol":"1","page":406},{"text":"وأصل الـ ﴿جُنَاحَ﴾: الميل إلى الإثم، ثم أطلق على الإثم، يقال: جنح إلى كذا جنوحًا، مال، و﴿تَطَوَّعَ﴾ تفعّل من الطوع، وهو الانقياد.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ معناه: أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: من معالمه، فالكلام على حذف مضاف، لأن الجبلين ذاتهما ليسا من شعائر الله، وإذا فسرنا الشعائر بمواضع العبادة، لا نحتاج إلى تقدير مضاف، إذ المعنى حينئذ أن الصفا والمروة من مواضع عبادة الله.\nولما كان الطواف بينهما ليس عبادة مستقلة، إنما يكون عبادة إذا كان بعض حج أو عمرة، بين تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ﴾ أي: أثم ﴿عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ أي: يدور بهما، ويسعى بينهما.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ أي: من تطوع بالحج والعمرة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ له على تطوعه له بما تطوع به من ذلك ابتغاء وجهه، فمجازيه به ﴿عَلِيمٌ﴾ بما قصد وأراد بتطوعه بما تطوع منه.\nهذا ولنذكر الأحكام التي تستنبط من هذه الآية فنقول:\nأولها: إن ظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ يشير إلى أن الطواف، أي: السعي بين الصفا والمروة سنّة، وإلى هذا ذهب جماعة من السلف، فقد روى ابن جرير عن ابن جريج عن عطاء قال: \"لو أن حاجًا أفاض بعد ما رمى جمرة العقبة، فطاف بالبيت ولم يسع، فأصابها - يعني امرأته - لم يكن عليه شيء، لا حج ولا عمرة، من أجل قول الله في مصحف ابن مسعود: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ \". قال: ابن جريج: فعاودته بعد ذلك فقلت له: إنه ترك سنة النبي - ﷺ -، فقال: \"ألا تسمعه يقول: فمن تطوع خيرًا\" فأبى أن يجعل عليه شيئًا.\nوقال أنس: الطواف بينهما تطوع، وكان ابن عباس يذهب إلى هذا ويقرأ: فلا جناح عليه أن لا يطوف بينهما. وقال بذلك مجاهد، وعبد الله بن الزبير.","vol":"1","page":407},{"text":"والقول بأنه سنة، رواية عن الإمام أحمد، نقلها العلامة محمد بن مفلح المقدسي الحنبلي، في كتابه المسمى \"بالفروع\" فقال في عدّ أركان الحج: السعي ركن وعنه، أي: الإمام أحمد، يجبره دم، وعنه سنة.\nوقال إمام الحنابلة في زمنه القاضي أبو يعلى ابن الفراء في كتابه \"التعليق الكبير\": السعي ركن في الحج، لا ينوب عنه الدم، في أصح الروايتين، وفيه رواية أخرى، يعني: للإمام أحمد، ليس بركن، وقال أبو حنيفة: يجب بتركه دم. انتهى.\nواستدل أصحاب القول الأول، بما رواه الإمام أحمد في \"المسند\" بسنده إلى حبيبة بنت أبي تَجْرَاة (١)، إحدى نساء بني عبد الدار، قالت: نظرت إلى رسول الله - ﷺ -، وهو يسعى بين الصفا والمروة، فرأيته يسعى، وإن مئزره ليدور من شدة السعي، حتى لأقول: إني لأرى ركبتيه، وسمعته يقول:\n\"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" (٢). ورواه الشافعي أيضًا، وصححه الدارقطني.\nوبما رواه الإمام أحمد عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي - ﷺ - بين الصفا والمروة يقول:\n\"كتب عليكم السعي فاسعوا\".\nقلت: المرأة المجهولة هنا حبيبة المتقدمة كما صرح به الشافعي في مسنده.\nوحجتهم أن قوله: \"اسعوا\" أمر، والأمر للوجوب.\nواستدل أصحاب القول بان السعي سنة بهذه الآية، فقال: إنها تقتضي أن\n_________\n(١) في الأصل- تبعًا لمطبوعة \"المسند\"-: تجزئة. والتصحيح من \"الإصابة\" ٤/ ٢٦٩، و\"توضيح المشتبه\" لابن ناصر الدين ١/ ١٨٦.\n(٢) حديث صحيح كما في \"إرواء الغليل\" ١٠٧٢، و\"مسند الإمام أحمد\" ٦/ ٤٢١ وهو في الرقم ٢٧٣٥٦ و٢٧٣٥٧ من الطبعة الجديدة لدى المكتب الإسلامي.","vol":"1","page":408},{"text":"السعي يكون بعد الفراغ من الحج، لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ ثم قال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فلو كان السعي ركنًا لما أثبت له الحج والعمرة قبل وجوده.\nوأجاب القائلون بالركن: بأن هذا لا يدل على ما قاله، لأن من قال: من صلى فليقرأ فيها بفاتحة الكتاب، أو فليقرأ فيها من القرآن، لا يدل على أن الصلاة تخلو من القرآن.\nوأقول: الفرق بين الآية والمثال، كالصبح ظاهر، لأن الآية ليس فيها تلك الظرفية المذكورة في المثال، ولولاها ما ظهر المعنى الذي أراده المدافع، ألا ترى أنه لو قيل: من صلى فليقرأ بفاتحة الكتاب، يدل على أن القراءة تطلب خارج الصلاة، ولا يتعين المعنى الذي أراده، وقولهم: الأمر للوجوب ليس على إطلاقه، فإن القائل بذلك قال: إن الأمر إما أن يكون مجردًا أو مقترنًا، فإن كان مقترنًا بقرينة تدل على أن المراد به الوجوب أو الندب أو الإباحة، حمل على ما دلت عليه القرينة، وإن كان مجردًا عن قرينة، فهو يقتضي الوجوب، وهذا عند أئمة الفقهاء الأربعة، وبعض المتكلمين كأبي الحسين البصري والجبائي، وقال أبو هاشم المعتزلي وجماعة من المتكلمين: هو لمطلق رجحان الفعل، أي: للقدر المشترك بين الوجوب والندب، وقيل: إنه للإباحة، وقيل: بالوقف.\nوبعد: فحديث حبيبة، مداره كما قاله أبو بكر ابن المنذر على عبد الله بن مؤمل، وقد قال الإمام أحمد: أحاديثه مناكير. وقال يحيى بن معين مرة عنه: هو ضعيف، ومرة: ليس به بأس، ولم يخرج هذا الحديث أحد من أهل الكتب الستة، وفي إسناده اختلاف، وحديث صفية رواه الدارقطني، وفي سنده منصور ابن عبد الرحمن، قال أبو حاتم: لا يحتج به. وقال يحيى بن معين: هو ثقة، وهو غير مخرج في السنن أيضًا، لكن قال الحافظ شمس الدين محمد بن عبد الهادي، في كتابه \"تنقيح التحقيق\": قال شيخنا - يعني شيخ الإسلام تقي الدين أحمد ابن تيمية -: هو حديث صحيح الإسناد، ومنصور بن","vol":"1","page":409},{"text":"عبد الرحمن ثقة، مخرج له في الصحيحين، وليس هذا بمنصور الغُدَاني (١)، هذا ما قاله ابن عبد الهادي. وأيًا ما كان، فلا يعارض الآية، ولا يدل على الركنية.\nوعندي: أن الآية تدل على أن السعي تطوع في الحج، لقوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولقوله: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾ فلو كان السعي ركنًا لتوعد الله على تركه، كما هو عادة الكتاب العزيز، والحق: أن يترك حكم القرآن على ظاهره، ولا يعدل به إلى التأويل، ليوافق قولًا قاله قوم، على أننا لو سلمنا صحة الحديث، فإن الآية تكون قرينة على صرف قوله - ﷺ -: \"اسعوا ... \" الذي هو أمر عن الوجوب، فضلًا عن الركنية، والحق أحق أن يتبع.\nوالحكم الثاني: المستنبط من هذه الآية، أن العقل وحده لا يدرك جميع ما هو حسن أو قبيح إلا بواسطة الشرع، ألا ترى أن أفعال الحج يراها العقل كالعبث الخالي عن المنفعة والمضرة، ومنها السعي وقد دلت الآية على أن من فعلها، كان الله له شاكرًا لما يفعله الساعي، عالمًا به، فيجزيه أحسن الجزاء، على فعله، وهذا هو المقصود من النفع شرعًا.\nوالحكم الثالث: أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾ يدل على أن السعي ليس عبادة تامة في نفسه، وإنما يصير عبادة إذا صار بعضًا من أبعاض الحج، ولهذا السر بيّن الله الموضع الذي يصير فيه السعي عبادة.\nوالحكم الرابع: أن قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ﴾ يدل على أن طاعة العبد مقبولة عند الله تعالى، وواقعة موقع القبول في أقصى الدرجات.\nودل قوله: ﴿عَلِيمٌ﴾ على أن العمل لا بد من الإخلاص فيه، فإن الله عليم بفعل العبد، إن أخلص العمل له أثابه عليه، وإلا وكله لمن عمل له من الأغيار.\nوالحكم الخامس: دلت الآية على أن الطواف إنما يكون بالصفا والمروة، فمن سعى بينهما من غير صعود عليهما لم يُعدَّ طائفًا، ودلت الآية أيضًا على مطلق\n_________\n(١) الأصل: (العدائي) والتصحيح من \"الخلاصة\" و\"التقريب\".","vol":"1","page":410},{"text":"الطواف، لا على كيفية ولا عدد، غير أن الأحاديث الصحيحة هي التي تعين ذلك، ولها محل تذكر فيه، وليس هنا محل استقصائها (١).\nولما تقدم أن بعض أهل الكتاب يكتمون ما يعلمون من هذا الحق، وختم ما أتبعه له بصفتي الشكر والعلم، ترغيبًا وترهيبًا بأنه يشكر من فعل ما شرعه له، ويعلم من أخفاه، وإن دق فعله، وبالغ في كتمانه، انعطف الكلام إلى تبكيت المنافقين منهم والمصارحين، ولعنهم على كتمانهم ما يعلمونه من الحق، إذ كانت هذه كلها في الحقيقة قصصهم، والخروج إلى غيرها، إنما هو استطراد على الأسلوب الحكيم المبين، لأن هذا الكتاب هدى.\nوكان السياق مرشدًا إلى أن التقدير بعد قوله ﴿شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾، ومن أحدث شرًا فإن الله عليم قدير، فوصل به استئناف قوله على وجه يعمهم وغيرهم:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ بيان لجزائهم، وبقوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا﴾ انتظمت هذه الآية في ختمها لهذا الخطاب، بما مضى في أوله من قوله: ﴿وَلَا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: ٤٢] فكانت البداية خاصة، وكان الختم عامًا، ليكون ما في كتاب الله أمرًا، على نحو ما كان أمر محمد - ﷺ -، ومن تقدمه من الرسل خلقًا، لينطبق الأمر على الخلق بدءًا وختمًا انطباقًا واحدًا، فعم كل كلام من الأولين (٢) والآخرين، قاله الحرالّي.\nفقوله: وكان الختم عامًا، هو ما يدل عليه سياق الكلام، من أن الآية تتناول كل من كتم شيئًا من الدين؛ وهو أولى مما يقوله كثير من المفسرين، من أنها نزلت في اليهود خاصة، ومن أنها نزلت في اليهود والنصارى، وذلك لأن اللفظ عام، والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين، لا يقتضي الخصوص، لأن\n_________\n(١) \"حجة النبي - ﷺ -\" صفحة ٥٩ - ٦٠، طبع المكتب الإسلامي.\n(٢) الأصل: (الآخرين) والتصحيح من \"نظم الدرر\" للبقاعي ٢/ ٢٧٣.","vol":"1","page":411},{"text":"العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، ولأن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، فقد أخرج البخاري وابن ماجه، والحاكم وابن سعد، وعبد بن حميد وابن جرير، وابن المنذر وابن أبي حاتم، عن أبي هريرة قال: \"لولا آيتان من كتاب الله، ما حدثت حديثًا بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة\"، وفي لفظ: \"ما حدثت أحدًا بشيء أبدًا\"، ثم تلا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ الآية.\nوقال ابن جرير: وهذه الآية، وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معني بها كل كاتم علمًا فرض الله بيانه للناس، وذلك نظير الخبر الذي روي عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: \"من سئل عن علم يعلمه فكتمه، ألجم يوم القيامة بلجام من نار\" انتهى.\nقلت: والحديث أخرجه أبو يعلى والطبراني بسند صحيح عن ابن عباس، بلفظ: \"من سُئل عن علم فكتمه، جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار\" (١). ورواه أيضًا الترمذي وابن ماجه، وعبد بن حميد والحاكم، عن أبي هريرة مرفوعًا بلفظه، إلا أنه قال: \"من سُئل عن علم عنده\". ورواه ابن ماجه عن أنس بنحوه، والطبراني عن ابن مسعود مرفوعًا.\nوقوله تعالى: ﴿مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى﴾ أريد بـ ﴿الْبَيِّنَاتِ﴾ التي لا يحتاج سامعها المجرد عن الهوى في فهمها إلى شيء معها، و﴿وَالْهُدَى﴾ هو: الذي من شأنه أن يقود من أحسه (٢) إلى صراط مستقيم، ولما كان المراد الترهيب من الكتمان في وقت ما ولو قَلّ، أثبت الجارَّ فقال: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ﴾ أي: الذين هم في أدنى طبقات المخاطبين، وفيه تبكيت عظيم لبني إسرائيل، فإنهم من أعظم المقصودين بذلك، لكتمانهم ما عندهم.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٦٢٨٤.\n(٢) كذا في بعض نسخ البِقاعي، وفي نسخة الظاهرية منها: \"أحبه\" ورجحها محقق البقاعي ٢/ ٢٧٤.","vol":"1","page":412},{"text":"وقوله: ﴿فِي الْكِتَابِ﴾ إشارة إلى أن ما بينه الله في الكتاب لا يحل كتمه، لما ذكر من أن الكتاب هو ما احتوى على الأحكام والحدود، بخلاف ما يختص بالفرقان، أو يعلو إلى رتبة القرآن، ولما كان المضارع دالًا على التجديد المستمر، وكان الإصرار المتصل بالموت دالًا على سوء الجبلة، أسقط فاء السبب إشارة إلى استحقاقهم للخزي في نفس الأمر، من غير نظر إلى سبب، فقال: ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: البغضاء البعداء ﴿يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ﴾ أي: يطردهم ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ أي: كل من يصح منه لعن.\nوقد دلت هذه الآية بظاهرها على استحقاق اللعنة على من كتم ما أنزل الله، وإن لم يسأل عنه، بل يجب التعليم والتبيين، وإن لم يسألوا ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧].\nوقال الرازي: قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ يعم كل ما أنزله على الأنبياء كتابًا ووحيًا، دون أدلة العقول، وقوله تعالى: ﴿وَالْهُدَى﴾ يدخل فيه الدلائل العقلية والنقلية، قال: واعلم أن الكتاب لما دل على أن خبر الواحد، والإجماع، والقياس حجة، فكل ما يدل عليه أحد هذه الأمور، فقد دل عليه الكتاب، فكان كتمانه داخلًا تحت الآية، فثبت أنه تعالى توعد على كتمان الدلائل السمعية والعقلية، وجمع بين الأمرين في الوعيد، فهذه الآية تدل على أن من أمكنه بيان أصول الدين بالدلائل العقلية لمن كان محتاجًا إليها، ثم تركها، أو كتم شيئًا من أحكام الشرع مع شدة الحاجة إليه، فقد لحقه الوعيد العظيم. انتهى.\nقلت: وخصوصًا في زمننا هذا، فإن أولي المعارف من أهله، كادوا لا يعرفون إلا الأدلة العقلية، أشد مما كان عليه القوم أيام الرازي والغزالي، فلذلك كانت معرفة العلوم العقلية على نمط مصطلح أهل هذا الزمن، وترتيب الأدلة على مقتضاها من ألزم ما يحتاجه صاحب العلم، والمدرس والمؤلف.\nوقال ابن حزم رحمه الله تعالى: الحظ لمن آثر العلم، وعرف فضله، أن","vol":"1","page":413},{"text":"يستعمله جهده، ويقرنه بقدر طاقته، ويحققه ما أمكنه، بل لو أمكنه أن يهتف به على قوارع طرق المارة، ويدعو إليه في شوارع السابلة، وينادي عليه في مجامع السيارة، بل لو تيسر له أن يهب المال لطلابه، ويجري الأجور لمقتبسيه، ويعظم الأجعال للباحثين عنه، ويسني مراتب أهله، صابرًا في ذلك على المشقة والأذى، لكان ذلك حظًا جزيلًا، وعملًا جيدًا، وسعدًا كريمًا، وإحياء للعلم، وإلا فقد درس وطمس، ولم يبق منه إلا آثار لطيفة، وأعلام دائرة، انتهى كلامه.\nولما بيّن تعالى عظيم الوعيد في ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [البقرة: ١٧٤]، كان يجوز أن يتوهم أن الوعيد يلحقهم على كل حال، فبيّن تعالى أنهم إذا ﴿تَابُوا﴾ تغير حكمهم، ودخلوا في أهل الوعد، فقال:\n﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)﴾.\nفقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ استثناء متصل، والتوبة عبارة عن الندم على فعل القبيح، لا لغرض سواه، لأن من ترك ردّ الوديعة، ثم ندم عليه؛ لأن الناس ذموه، أو لأن الحاكم ردّ شهادته، لم يكن تائبًا، وكذلك لو عزم على رد كل وديعة، والقيام بكل واجب، لكي تقبل شهادته، أو يمدح بالثناء عليه، لم يكن تائبًا، وهذا معنى الإخلاص في التوبة.\nثم بيّن تعالى: أنه لا بد له بعد التوبة من إصلاح ما أفسده، مثلًا لو أفسد على غيره دينه بإيراد شبهة عليه، يلزمه إزالة تلك الشبهة.\nثم بيّن ثالثًا: أنه بعد ذلك يجب عليه فعل ضد الكتمان، وهو البيان لما كانوا كتموه فظهرت توبتهم بالإقلاع، وهو المراد بقوله: ﴿وَبَيَّنُوا﴾ فدلت هذه الآية على أن التوبة، لا تحصل إلا بترك كل ما لا ينبغي، وبفعل كل ما ينبغي.\nوقوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إشارة إلى من جمع هذه الأوصاف من التوبة والإصلاح والتبيين، ﴿أَتُوبُ عَلَيْهِمْ﴾ أي: أقبل توبتهم فأحفظهم.\nولما كان من شأن الإنسان معاودة الذنوب لصفة النسيان، ختم الآية بما دلّ","vol":"1","page":414},{"text":"على أن التقدير: فإني أحب التوابين، فقال: ﴿وَأَنَا التَّوَّابُ﴾ أي: مرة بعد مرة، لمن كرّ على الذنب، ثم راجع، كرّة إثر كرّة ﴿الرَّحِيمُ﴾ لمن فعل ما يرضيني، وختم تعالى هذه الآية بهذين الاسمين الشريفين، ترغيبًا في التوبة، وإشعارًا بأن هاتين الصفتين هما له، فمن رجع إليه عطف عليه ورحمه، وأنه يقبل توبة التائبين بعد التفريط العظيم منهم.\nولما لعن تعالى الكاتمين، واستثنى التائبين، ذكر المصرِّين معبرًا عن كتمانهم بالكفر، لتعم العبارة كل كافر فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.\nظاهر هذه الآية العموم في حق كل من كان كذلك؛ وهو المشار إليه بقول أبي العالية وقتادة والسدي؛ كما رواه عنهم عبد بن حميد؛ وإليه ذهب ابن جرير فقال:\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إن الذين جحدوا نبوة محمد - ﷺ - وكذبوا به من اليهود والنصارى، وسائر أهل الملل والمشركين من عبدة الأوثان، ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ﴾، يعني: ﴿وَمَاتُوا وَهُمْ﴾ على جحودهم ذلك، وتكذيبهم محمدًا - ﷺ -، ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ﴾، أي: أبعدهم الله وأسحقهم من رحمته، ولعنتهم الملائكة أجمعون.\nوقال قتادة: يعني بقوله: ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ المؤمنين؛ وبه قال الربيع؛ وقال أبو العالية: هذه اللعنة تكون يوم القيامة، حيث يقف الكافر على رؤوس الأشهاد، فيلعنه الكل.\nثم قال ابن جرير: والصواب: أن لعن جميع الناس إياهم، هو قولهم: لعن الله الظالم أو الظالمين، فإن كل أحد من بني آدم لا يمنع من قيل ذلك، كائنًا من كان، ومن أي ملة كان، فيدخل بذلك في لعنته كل كافر، كائنًا من كان. انتهى.\nوبهذا يتحصل الجواب عما عساه يقال: وكيف تكون اللعنة على من مات","vol":"1","page":415},{"text":"كافرًا بمحمد - ﷺ -، من جميع الأمم، وأكثرهم ممن لا يؤمن به ولا يصدقه؟\nوأما قول قتادة المخصص للناس بالمؤمنين؛ - (وقول الزمخشري متابعًا له، حيث قال: فإن قلت: ما معنى قوله ﴿وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾؟ وفي الناس المسلم والكافر، قلت: أريد بالناس من يعتد بلعنه، وهم المؤمنون. انتهى) - فهو قول ظاهر التنزيل بخلافه، ولا برهان على حقيقته من خبر ولا نظر، فإن كان ظن أن المعني به المؤمنين، من أجل أن الكفار لا يلعنون أنفسهم ولا أوليائهم، فإن الله قد أخبر أنهم يلعنونهم في الآخرة، ومعلوم منهم أنهم يلعنون الظَلَمة، وداخل في الظلمة كل كافر بظلمه نفسه، وجحوده نعمة ربه، ومخالفته أمره.\nوذكر تعالى لعنته لهم أولًا، ثم ثنى بالملائكة لما في النفوس من عظم شأنهم، وعلو منزلتهم وطهارتهم، ثم ثلث بالناس لأنهم من جنسهم، فهو شاق عليهم، لأن مفاجأة المماثل من يدعي المماثلة بالمكروه، أشق، بخلاف صدور ذلك من الأعلى.\nوقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: في اللعنة، لا يخفف عنهم العذاب لاستعلاء اللعن عليهم، وإحاطته بهم. وهم لا ﴿يُنْظَرُونَ﴾، أي: لا يمهلون، ولا يؤجلون، فالفعل مشتق من الإنظار؛ أو لا ينتظرون ليعتذروا، أو لا ينظر إليهم نظر رحمة، وفي الآية دليل على أنه لا يجوز لعن كافر معين، لأن حاله عند الوفاة لا تُعلم، فلعله يموت على الإسلام، وقد شرط الله في هذه الآية إطلاق اللعنة على من مات على الكفر.\nولما أفاض تعالى عليهم ما أفاض من بحار الحِجاج، وقرر ما أراد من شرائع الإسلام، وأرشد هذا السياق المذكور فيه ثواب المطيع، وعقاب العاصي، إلى أن التقدير فـ ﴿إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ لا شريك له يدافعه عما يريد، لا إله إلا هو المنتقم من أعدائه، العظيم في كبريائه، عطف عليه مكررًا الزاجر لكل منافق وفاجر، ومذكرًا بالعاطف لكل موافق مؤالف، قوله:\n﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾.","vol":"1","page":416},{"text":"بيّن بقوله ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، أن الوحدة معتبرة في نفس الأمر في الإله الحق، فلا يصح أصلًا أن يكون منقسمًا بالنوع، ولا بالشخص، ولا بالوصف، ولا بالفعل، ولا بغير ذلك بوجه من الوجوه، وإليه هذا الإشارة بإعادة لفظ الإله، وأنه هو الواحد الذي لا ينقسم بوجه من الوجوه، لا بمجانسة ولا بغيرها؛ وهو مع ذلك ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، فهذا تقرير للوحدانية بنفي غيره وإثباته، فلا يصح بوجه، ولا يمكن في عقل أن يصلح للألوهية غيره أصلًا، فلا يستحق العبادة إلا هو، لأنه ﴿الرَّحْمَنُ﴾، أي: العام الرحمة بالنعم الدنيوية الزائلة لأوليائه وأعدائه ﴿الرَّحِيمُ﴾، أي: المخصص بالنعم الباقية لأوليائه، فثبت للتفرد بالألوهية، أنه حائز لجميع العظمة، وبيده مجامع الكبرياء والقهر، وبوصفي (١) الرحمة، أنه مفيض لجلائل النعم ودقائقها، فكل ما سواه إما نعمة، أو منعم عليه، فهو المخشي سطوته، المرجى رحمته، أن يعترض عليه في شيء من ذلك.\nقال البرهان البقاعي، في كتابه \"نظم الدرر\": ولا يبعد عندي، وإنْ بَعُدَ المدى، أن تكون الواو في قول ﴿وَإِلَهُكُمْ﴾، عاطفة على قوله في أوائل السورة، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾، قبل قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ فإن التوحيد هو المقصود بالذات، وعنه تنشأ جميع العبادات، فلما قال أولًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ أتبعه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى آخره، بوصف هو دليل استحقاقه للعبادة، فلما قام الدليل قال: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾ إعلامًا بأنه لا شريك له في العبادة، كما أنه قد تبين أنه لا شريك له في الخلق، ثم أتبعه بما يليق بذلك المقام، مما تقدم التنبيه عليه؛ ثم رجع إليه قائلًا ثانيًا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: ٢٨] إلى آخرها، فأعاد الدليل على وجه أبين من الأول وأبسط، فلما تقرر على وجه لا مطعن فيه أمر الوحدانية والإعادة، كان الأنسب ما أولاه من الآيات السابقة، لما ذكر فيها من غير ذلك من المهمات؛ إلى أن صار إلى ذكر الكاتمين والتائبين والمصرّين، وذكر ما أعد لكل من الجزاء،\n_________\n(١) قال محقق \"نظم الدرر\" ٢/ ٢٨١ بعد أن صححه بما تبعناه به: في الأصول: لوصفي، مع أنه معطوف على \"بالتفرد\". انتهى. وهو في الأصل: \"لوصفي\" أيضًا.","vol":"1","page":417},{"text":"فأتبع ذلك هذه الآية عاطفًا لها على ما ذكرته، على وجه أصرح مما تقدم في إثبات التوحيد، بيانًا لما هو الحق، وإشارة إلى أنه تعالى ليس كملوك الدنيا، الذين قد يحول بينهم وبين إثابة بعض الطائعين، وعقوبة بعض العاصين، بعض أتباعهم، فإنه واحد لا كفؤ له، بل ولا مداني، فلا مانع لنفوذ أمره؛ ولا يستنكر تجويز هذا العطف، لأنه جرت عادة البلغاء، أن أحدهم إذا أراد إقامة الحجة على شيء، لأمر يرتبه عليه، أن يبدأ بدليل كاف، ثم يتبعه تقريب الثمرات المجتناة منه، ثم يعود إلى تأكيده على وجه آخر، لتأنس به النفوس، وتُسَرّ به القلوب.\nوربما كان الدليل طويل الذيول، كثير الشُّعب، فيشرح كل ما يحتاج إليه من ذيوله، وما يستتبعه من شعبه، فإذا استوفى ذلك، ورأى أن الخصم لم يصل إلى غاية الإذعان، أعاد له الدليل على وجه آخر عاطفًا له على الوجوه الأُول، تذكيرًا بما ليس بمستنكر، ذلك في مجاري عاداتهم، ومباني خطاباتهم. انتهى.\nوهو تدقيق بديع، واستنباط حسن، وهنا إشارة ألطف، أبداها صاحب كتاب \"مفتاح الباب المقفل\" حاصلها: أنه لما كان مضمون الكتاب دعوة الخلق إلى الحق، والتعريف بحق الحق على الخلق، وإظهار مزايا المصطفين من الملائكة والأنبياء والرسل، ومن سار بسيرهم، واقتدى بهم، وإقامة الحجة بذلك على من دونهم في إلزامهم اتباعهم، وكان الضار للخلق إنما هو الشتات، كان النافع لهم إنما هو الوحدة، فلما أظهر لهم تعالى مرجعهم إلى أبوة آدم في جمع الذرية، ووحدة أبوة ابراهيم في جمع الإسلام، ووحدة أحمدية محمد - ﷺ -، في جمع الدين، فاتضح لهم عيب الشتات والتفرق، وتحقق لهم شاهد النفع في الجمع إلى وحدات، كان ذلك آية على أعظم الانتفاع بالرجوع إلى وحدة الإلهية في أمر الحق، وفي إفهام ذلك وحدات ما بطن في ظاهر الوحدات الظاهرة، من وحدة الروح، ووحدة النفس والعقل، فقال تعالى عطفًا على ما ظهر بناؤه من الوحدات الظاهرة، وما أفاده إفهامها من الوحدات الباطنة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ فإذا قبح الشتات مع وحدة الأب الوالد فكيف به مع وحدة أب الدين، فكيف به مع وحدة النبي المكمل، فكيف به مع وحدة الإله الذي هو الرحمن الرحيم. هذا ولما اطلع","vol":"1","page":418},{"text":"البقاعي على هذه الإشارة، وزين بها كتابه، وأطال بها، أقدم على ما ذكره سابقًا من العطف، وانفتح له ذلك الباب المقفل.\nثم اعلم أن الحق تعالى واحد باعتبارين:\nأحدهما: أنه ليست ذاته مركبة من [اجتماع] (١) أمور كثيرة.\nوالثاني: أنه ليس في الوجود ما يشاركه في كونه واجب الوجود، وفي كونه مبدأ (٢) لوجود جميع الممكنات.\nوإنما خص تعالى هذا الموضع بذكر ﴿الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، لأن ذكر الإلهية والفردانية يفيد القهر والعلو، فعقبهما بذكر هذه المبالغة في الرحمة، ترويحًا للقلوب عن هيبة الإلهية، وعزة الفردانية، وإشعارًا بأن رحمته سبقت غضبه، وأنه ما خلق الخلق إلا للرحمة والإحسان.\nولما حكم تعالى بالفردانية والوحدانية، ذكر ثمانية أنواع من الدلائل التي يمكن أن يستدل بها على وجوده تعالى أولًا، وعلى توحيده وبراءته عن الأضداد والأنداد ثانيًا، فقال:\n﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا\n_________\n(١) زيادة من الفخر الرازي.\n(٢) لقد اعتمد المؤلف - ﵀ - على أصح ما وجد من أقوال في المنقول والمعقول. وعند علماء الهيئة. وابتعد ما أمكنه عن سخافات أهل الإشارة والأفلاك والسحر وما إليها.\nولكن العلم الحديث في أواخر القرن الرابع عشر الهجري المنصرم، وأواخر هذا القرن العشرين أوصل أهله إلى حقائق علمية مذهلة، بعد سبر الأجواء والاطلاع على أحوال الكواكب عن قرب بوساطة الأقمار الصناعية.\nوصل العلم إلى ما أذهل أهله من صدق القرآن الكريم في جميع ما يتعلق بالكون والأفلاك والمجرات .. مما لم يكن معروفًا عند أحد خلال العصور والدهور .. والله سبحانه أصدق القائلين.","vol":"1","page":419},{"text":"﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾\nهذا الاستدلال إنما هو استدلال بالأثر على المؤثر، وبالصنعة على الصانع، فأرشدنا تعالى للاستدلال بهذا الخلق الغريب، والبناء العجيب، وعرفنا طريق النظر، وفيما ننظر، فبدأ أولًا بذكر العالم العلوي فقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ وخلقها: إيجادها واختراعها، أو: خلقها وتركيب أجرامها، وائتلاف أجزائها، من قولهم خلق فلان حسن، أي: خلقته وشكله؛ ثم ثنى بالعالم السفلي فقال: ﴿وَالْأَرْضِ﴾؛ ثم ثلث بما بينهما، فأرشدت الآية إلى النظر في عدة علوم:\nأحدها: علم الهيئة الذي يبحث في العلويات، من حيث تشريحها وسير شموسها وأقمارها ونجومها وحركاتها، وما يتصل بذلك مما هو من متعلقات هذا الفن.\nوثانيها: فن المواليد الثلاثة، وفن طبقات الأرض، ففي تلك الطبقات تكون المعادن بأنواعها من الجامد والسائل والمنطرق، وغير ذلك، وهذا من المواليد أحدها.\nوفي قوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ يشير إلى فن النبات بأنواعه، كالزراعة وخواص النبات، وما يتولد منه من الأدوية والصباغ، والفواكه والثمرات، والحبوب المغذية وغير المغذية، والبزور؛ فقد شمل فن الصيدلة إذا انضم إليه المعادن؛ وفن العطارة؛ وفنونًا أخرى لا تخفى على الناظر.\nوثالثها: فن الحيوان بأجمعه، المشار إليه بقوله: ﴿وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ إذ الدابة في الأصل كل ما يدب على الأرض، فتشمل سائر الحيوانات.\nورابعها: علم الأحوال الجوية، المشار إليه بقوله تعالى: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ﴾ الآية.\nفهذه الفنون، وما ينضم إليها مما هو تتمات لها، كالهندسة والحساب، المتعلقين بفن الهيئة، وما يتوصل به إلى غيرها، كلها دلائل على أنه","vol":"1","page":420},{"text":"تعالى ﴿إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [البقرة: ١٦٣]، ولكن ليست هذه الدلائل إلا ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فأولئك هم الذين يطرحون التعصب جانبًا، ويدأبون على إدراك الحقيقة، ثم إذا جعلوا المذكورات دلائل تدلهم على الهدى والصراط المستقيم، أوصلتهم إلى النتيجة الصحيحة، وهي: أن الخالق لها، هو الإله الذي ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾.\nوأدرج تعالى في غضون ذلك فن الاجتماع البشري، المعبر عنه بعلم العمران، أو سياسة المدينة أو المدنية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ فأرشد تعالى إلى أن هذا من جملة الدلائل الدالة على وجوده، وإفراده بالوحدانية، كما سنشرحه أثناء الكلام على هذه الآية.\nفقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ﴾ أي: في النظر في تركيب أجرامها، وائتلاف أجزائها، وإبداعها ذلك الإبداع الغريب، ﴿لَآيَاتٍ﴾، فالآية تدل على أنه لا بد من الاستدلال على وجود الصانع بالدلائل العقلية، وأن التقليد ليس طريقًا البتة إلى تحصيل هذا الغرض، وكم فى القرآن من آيات تدل على ذلك، وتشير إليه.\nوقد حكى ابن الخطيب في تفسيره \"مفاتيح الغيب\": أن عمر بن الخيام، كان يقرأ كتاب \"المجسطي\" على عمر الأبهري، فقال له بعض الفقهاء يومًا: ما الذي تقرؤه؟ فقال: أفسر آية من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا﴾ [ق: ٦] فأنا أفسر كيفية بنيانها، قال ابن الخطيب: ولقد صدق الأبهري فيما قال، فإن كل من كان أكثر توغلًا في بحار مخلوقات الله تعالى، كان أكثر علمًا بجلال الله وعظمته. انتهى.\nفأما ترتيبها فمما وقفت فيه العقول حيرى، فبذل المتقدمون جهدهم، حتى حصروا الأفلاك في سبع على عدد النجوم السيارة، وأثبتوا بالطرق العلمية أن كل أسفل يكسف الأعلى من تلك الكواكب، وبتلك الطريقة عرفوا الأعلى من","vol":"1","page":421},{"text":"الأسفل، والمتأخرون المنتصرون لمذهب (فيثاغورث) خالفوا في سير الشمس ودورانها، فجعلوها مركزًا تدور عليه الكوكب، وجعلوا الأرض دائرة حول الشمس كبقية الكواكب.\nوادعى بعض المتأخرين منهم، أنه اكتشف كوكبًا ثامنًا للسيارات، وسماه \"نبتون\" باسم مكتشفه.\nوالذي يلوح لي: أن هذا الكوكب هو الذي يعبر عنه الأقدمون بفلك الثوابت، وهو كثير الذكر في كتب الهيئة، وقد بقي عليهم فلك آخر، لم يكتشفوه، وهو فلك الأفلاك، والفلك الأعظم والأطلس، وقالوا: إنه محيط بجميع الأجسام، وليس وراءه شيء، لا خلاء ولا ملا؛ ولقد سبق القرآن الكريم إلى ذكر هذين الكوكبين، فقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] يشير إلى الثامن؛ وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ [طه] يشير إلى التاسع.\nوحيث إن العقول وقفت حيرى دون الاطلاع على حقيقة تلك الأفلاك، وما تضمنته من السيارات وغيرها، واختلفت آراء أقوام ادعوا أنهم حازوا القدح المعلى في معرفة الأفلاك، فقوم قالوا: بأن هذه السيارات سائرة في فضاء غير متناه؛ وقوم قالوا: إن لها أفلاكًا مركوزة هي في ثخنها، دلّ ذلك على أن لها خالقًا صانعًا مختارًا لا تدرك كنه حكمته، ولا يمكن الاطلاع على حقيقة ما أودعه في كونه، وأن من رام معرفة تلك الحقيقة، تاه في ديجور الأوهام، ويمكن أن يأتي زمان ترتقي فيه الأرصاد إلى اكتشاف ما هو أعلى من نبتون، فسبحان من حبرت حكمته العقول.\nومن جملة الحيرة في هذا المكان، ما قاله ابن سينا في \"الشفا\": من أنه لم يتبين لي إلى الآن، أن كرة الثوابت كرة واحدة، أو كرات منطبق بعضها على بعض.\nوقال غيره: إن الذي ذكره الرئيس في كرة الثوابت، قائم في جميع الكرات،","vol":"1","page":422},{"text":"فلا يمكن الجزم بوحدة الكرة المتحركة بالحركة اليومية، فلعلها كرات كثيرة مختلفة في مقادير حركاتها بمقدار قليل جدًا، لا تفي بضبط ذلك التفاوت أعمارنا، وبعضهم أثبت كرة بين كرة الثوابت والفلك الأعظم، ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء، فهذا الذي علموه، والذي سيعلمونه، هو مما شاء ﷾، ولقد نُقل لنا أن أحد فلاسفة الفرنجة في زمننا، كتب في مجلة [من] المجلات الفرنسوية ما معناه: نحن لا نحتاج اليوم مطلقًا لمعجزات وخوارق وعادات، تثبت لنا وجود الخالق، وتحثنا على العبادة، والإخبات لله، فإن هذا الكون البديع الذي لا نهاية له من وجهتيه، هو بالنسبة لنا المعجزة الخالدة التي تصلح لإيقاظ عاطفة الدين في أفئدتنا أكثر من المعجزات السابقة، وأطال في هذا المعنى.\nفانظر كيف تنطبق هذه الآية التى نحن بصدد تفسيرها على مطلوب روح كل عصر تمام الانطباق، وتتفق على ما تنشده العقول الصحيحة كمال الاتفاق، وهذا بحث طويل لا يهتدي إلى نتيجته إلا العقول المفاض عليها هداية الله تعالى.\nفالأرض والبحار والهواء وكل ما تحت السماوات، بالإضافة إلى السماوات، كقطرة في بحر، قال تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ [النازعات] ولهذا قلّ أن تجيء سورة في القرآن، إلا وفيها ذكر السماوات، إما إخبارًا عن عظمتها وسعتها، وإما إقسامًا بها، وإما دعاء إلى النظر فيها، وإما إرشادًا للعباد أن يستدلوا بها على عظمة بانيها ورافعها، وإما استدلالًا منه سبحانه بخلقها، على ما أخبر به من المعاد والقيامة، وإما استدلالًا منه بربوبيته لها على وحدانيته، وأنه هو الذي لا إله إلا هو، وإما استدلالًا منه بحسنها واستوائها والتئام أجزائها، وعدم الفطور فيها على تمام حكمته وقدرته، وكذلك ما فيها من الكواكب، والشمس والقمر، والعجائب التي تتقاصر عقول البشر عن قليلها، فكم من قسم في القرآن بها، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا﴾ - ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ﴾ - ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا﴾ - ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى﴾ - و﴿النَّجْمُ الثَّاقِبُ﴾ - ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ وهي الكواكب التي تكون خُنّسًا عند طلوعها،","vol":"1","page":423},{"text":"جواري في مجراها ومسيرها، كُنّسًا عند غروبها، فأقسم بها في أحوالها الثلاثة، ولم يقسم في كتابه بشيء من مخلوقاته، أكثر من السماء والنجوم والشمس والقمر، وهو سبحانه يقسم بما يقسم به من مخلوقاته، لتضمنه الآيات والعجائب الدالة عليه.\nوكل ما كان أعظم آية، وأبلغ في الدلالة، كان إقسامه به أكثر من غيره، ولهذا يعظم سبحانه هذا القسم كقوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾ [الواقعة] والأظهر: أن المراد مواقع هذه النجوم التي هي في السماء، فإنه تعالى لم يطلق لفظ النجوم في كتابه العزيز إلا عليها، فلقد تعرف تعالى إلى خلقه بأنواع التعرفات، ونصب لهم الدلالات، وأوضح لهم الآيات البينات، ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال: ٤٢].\nثم إنه تعالى بعد أن نبهنا إلى عظم خلق السماوات، نبهنا إلى عظم خلق الأرض، فإن من تأمل - في شكلها من الاستدارة، وفي حيزها من كونها واقعة في مركز العالم، على ما ذهب إليه الأكثر، حتى انبعث منها بوقوع الشمس عليها مخروط ظلي في مقابلة الشمس، متى وقع القمر فيه انخسف، ومن انكشاف بعضها عن كرة الماء لمكان الاستقرار عليها، وفي اختلاف أوضاع بقاعها بالنسبة إلى السماء، حتى اختلف مرور الشمس وسائر الكوكب، بسمت رؤوس قطان البلدان، وتباينت الفصول والأمزجة والأخلاق، وتغايرت الطوالع والمطالع بحسب تغاير الآفاق، ومن سائر أعراضها ومنافعها التي تقرر طرف منها في تفسير قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا﴾ [البقرة: ٢٢]- علم افتقارها إلى مدبر قدير وعليم خبير، واحد في ملكه، يفعل ما يشاء ويختار، هذا إذا نظر إليها نظرًا سطحيًا، وأما إذا نظرنا إلى ذلك نظرًا حقيقيًا، ورأينا ما أودع في جوفها من أنواع المعادن التي يفنى الزمان ولا تفنى عجائبها، فإننا نزداد معرفة بعجائب قدرة الله تعالى، فانظر إلى تولد الأحجار الفحمية في جوفها، التي عم نفعها العالم في صنائعه، وسفنه البرية والبحرية،","vol":"1","page":424},{"text":"وإلى الأبخرة المنبعثة من جوفها المسماة بالغازات، وإلى اشتعالها واستخراج الأضواء منها.\nولهذا قال علماء الهيئة الذين بحثوا في الأرض على ما يتبين لهم: إن جميع المواد الداخلة في تركيب الأرض، كانت ابتداء على حالة غازات، أو أبخرة بتأثير الحرارة الشديدة التي سلطها الله تعالى عليها، وحينئذ يتخيل أن الأرض، كانت في ابتداء أمرها مادة غازية، ومتى علم أن الجواهر الصلبة التي تستحيل إلى غازات، تشغل حجمًا قدر حجمها الذي تبقى عليه ألفًا وثمانمئة مرة، نتج من ذلك أن هذه الكتلة الغازية كانت ذات حجم عظيم، وتخيلنا الفرق الذي بين حجم أرضنا هذه، وكتلتها الغازية الأولوية، وحيث إن الكتلة الغازية التي كانت تتكون منها الأرض ذات حرارة مرتفعة جدًا، كانت تضيء في الفراغ كما تضيء الشمس الآن، وكما تضيء النجوم الثابتة والسيارة ليلًا، وهذه الكتلة الغازية المضطرمة، لما دارت حول الشمس على مقتضى قوانين الجذب العام الفلكي، كانت منقادة إلى القوانين المؤثرة في بقية الجواهر المادية، فكانت تبرد وتترك جزءًا من حركتها لطبقات الفراغ الباردة جدًا، التي بين الأفلاك، فبسبب هذا التبريد المستمر، مع طول الزمن الذي لا يمكن تعيين مدته، ولو على وجه التقريب، صارت الأرض سائلة بعد أن كانت غازية، فتناقص حجمها تناقصًا عظيمًا، وقد تقرر في علم رفع الأثقال، أن الجسم السائل المتحرك حركة رحوية، يكتسب شكلًا كرويًا، فبهذه الكيفية اكتسبت الأرض الشكل الكروي المميز لها، ولأغلب الأجسام السماوية، وليست الأرض منقادة لحركة دحوية فقط، بل لها حركة دوران على محورها أيضًا، يتكون منها تعاقب الليل والنهار، وقد ثبت في العلم المذكور، وثبت بالتجارب، أن الكتلة السائلة المتحركة، تنفتح نحو خط الاستواء، وتتفرطح نحو قطبها بسبب اختلاف القوة المركزية الطاردة، وبسبب هذه الظاهرة، لما كانت الأرض سائلة انتفخت نحو خط الاستواء، وتفرطحت نحو القطبين، فاستحالت من الشكل الكروي إلى شكل كرة مفرطحة نحو قطبها، واعلم ان انتفاخ الأرض نحو خط الاستواء، وتفرطحها نحو القطبين، دليل على أن الأرض كانت سائلة ابتداء، فإن الكرة الصلبة التي من العاج لا يتغير شكلها إذا دارت على محورها قرونًا، ومتى كانت","vol":"1","page":425},{"text":"سائلة، أو شبه العجين، انتفخت نحو وسطها، أو تفرطحت نحو طرفي محورها.\nإذا علمت هذا، فاعلم أنه إذا تأمل العاقل في هذه اللطائف والعجائب، وافتقارها إلى هذه التدابير، اضطر قطعًا أن يعتقد بإثبات وجود الصانع الحكيم، المقتدر العليم، الذي جعل الأرض دائرة لاختصاصها من المخصص لها بالمنافع التي تصدر منها، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nواعلم: أنه تعالى ذكر أمر السماوات والأرض في كتابه في عدة مواضع، ولا شك أن إكثار الله تعالى من ذكرهما، يدل على عظم شأنهما، وعلى أن له ﷾ فيهما أسرارًا عظيمة، وحكمًا بالغة لا تصل إليها أفهام الخلق ولا عقولهم.\nوكان الشيخ ضياء الدين عمر ﵀ يقول: إن لله تعالى في كل جوهر فرد، أنواعًا غير متناهية من الدلائل الدالة على القدرة والحكمة والرحمة، وذلك لأن كل جوهر يمكن وقوعه في أحياز غير متناهية على البدل ويمكن أيضًا اتصافه بصفات غير متناهية على البدل، وكل واحد من تلك الأحوال المقدرة، فإنه بتقدير الوقوع يدل على الافتقار إلى وجود الصانع الحكيم، والله ﷾ أعلم.\nولما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ذكر ما ينشأ عنهما، فقال: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ فـ ﴿اخْتِلَافِ﴾: افتعال من الخلف، وهو ما يقع من افتراق بعد اجتماع في أمر من الأمور، وقدم ﴿اللَّيْلِ﴾ لأنه الأقدم والأصل ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ﴾ [يس: ٣٧] فالآية من الاحتباك، ذكر الخلق أولًا دليلًا على حذفه ثانيًا والاختلاف ثانيًا بناء على حذفه أولًا، وإنما أردف تعالى ذكر اختلاف الليل والنهار، لما ذكره من خلق السماوات والأرض، لأنه لما كان تقابل بينهما من جهة العلو والسفل، لاجرم نظم بهما اختلاف الأفقين اللذين فيهما ظهور مختلفي الليل والنهار، ليتريع اعتبارهم بين اعتبار الأعلى والأسفل، والمشرق والمغرب، فتقع شواهد","vol":"1","page":426},{"text":"الإحاطة بهم عليهم في توحيد ربهم، وإرجاع ذلك إليه، دون أن يعزى ذلك إلى شيء من دونه، مما هو داخل في حصر موجود هذه الإحاطة، من المحيط الأعلى والمحيط الأسفل، والمحيط بالجوانب كلها، من ملبس الآفاق من الليل والنهار، خطاب إجمال يناسب مورد السورة، التي موضوعها إجمالات ما يتفسر فيها، وفي سائر القرآن من حيث إنها فسطاطه (١) وسنامه (٢).\nثم اعلم أن النهار عبارة عن مدة كون الشمس فوق الأفق، وفي الفجر زيادة ما بين طلوع الفجر الصادق، إلى غروب جرم الشمس، وأما الليل فعبارة عن مدة خفاء الشمس تحت الأفق، أو بنقصان الزيادة المذكورة، وذلك أن الشمس إذا غابت ارتفع رأس مخروط ظل الأرض إلى فوق، فوقع الإبصار داخله إلى أن يظهر الضلع المستنير منه من جانب الأفق الشرقي، فيكون أول الفجر الكاذب إن كان الضوء مرتفعًا عن الأفق بعد، وأول الفجر الصادق إذا قرب من الأفق جدًا وانبسط النور، حتى إذا غاب رأس المخروط تحت الأفق، طلع مركز جرم الشمس في مقابله فظهر أن الليل والنهار كيف يختلفان، أي يتعاقبان مجيئًا وذهابًا.\nوإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً﴾ [الفرقان: ٦٢] والمراد بقوله تعالى: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ ظلامًا وضياءً، أو طولًا وقصرًا، لأن زيادة أحدهما تستلزم نقصان الآخر، ضرورة كون مجموعهما أربعًا وعشرين ساعة، أو كيف يختلفان في الأمكنة، فإن نهار كل بقعة ليل بقعة تقابلها، ضرورة كروية الأرض، أو كيف يختلفان باختلاف البلدان، فإن البلد كلما ازداد عرضًا عن خط الاستواء، وهو الموضع المحاذي لمنطقة الفلك الأعظم، المسماة معدل النهار، ازداد نهاره في الصيف طولًا، وفي الشتاء قصرًا، وبالعكس\n_________\n(١) فسطاطه: الفسطاط: الخيمة الكبيرة، ويراد بها مركز البلد، كما في \"الفسطاط\" بمصر حيث بنيت مكان مخيم عمرو بن العاص ﵁.\n(٢) السنام: أعلى الشيء، وهي في الجمل كتلة الشحم التي على ظهره.","vol":"1","page":427},{"text":"في الليل. وقد يرتقي طول النهار بحسب تزايد ارتفاع القطب، إلى حيث يعيد اليوم بليلته نهارًا كله، ثم إلى أكثر من ذلك، إلى حيث يكون نصف السنة نهارًا، ونصفه الآخر ليلًا، وذلك إذا صار قطب الفلك الأعظم محاذيًا لسمت الرأس، وكون الليل والنهار في أنفسهما آيتين على وجود الصانع ووحدانيته ظاهر، وكذا من جهة ارتباطهما بحركة النير الأعظم، وكذا من جهة انتظام أحوال العباد بهما بسبب طلب المعاش في الأيام، والنوم والراحة في الليالي.\nومن جهة ثانية، لينظر العاقل كيف جعل الله الليل سكنًا ولباسًا، يغشى العالم فتسكن فيه الحركات، وتأوي الحيوانات إلى بيوتها، والطير إلى أوكارها، وتستجم فيه النفوس، وتستريح من كد السعي والتعب، حتى إذا أخذت منه النفوس راحتها وسباتها، وتطلعت إلى معاشها وتصرفها، جاء ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ﴾ [الأنعام: ٩٦] ﷾ بالنهار، يقدم جيشه بشير الصباح، فهزم تلك الظلمة ومزقها كل ممزق، وكشفها عن العالم فإذا هم مبصرون، فانتشر الحيوان، وتصرف في معاشه ومصالحه، وخرجت الطيور من أوكارها، فيا له من معاد ونشأة، دالان على قدرة الله سبحانه، وعلى المعاد الأكبر وتكرره، ودوام مشاهدة النفوس له، بحيث صار عادة ومألفًا منعها من الاعتبار به، والاستدلال به على النشأة الثانية، وإحياء الخلق بعد موتهم، ولا ضعف في قدرة القادر التام القدرة، ولا قصور في حكمته ولا في علمه يوجب تخلف ذلك، ولكن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء، وهذا أيضًا من آياته الباهرة، أن يعمي عن هذه الآيات الواضحة البينة من شاء من خلقه، فلا يهتدي بها، ولا يبصرها لمن هو واقف في الماء إلى حلقه، وهو يستغيث من العطش، وينكر وجود الماء، وبهذا وأمثاله يعرف الله ﷿، ويحمد ويشكر.\nولما ذكر تعالى ما أنشأه عن سير الكواكب في ساحة الفَلك - بفتح الفاء-، أتبعه سير الفُلك - بضم الفاء - في باحة البحر فقال: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾.\nويقال من وجه آخر: لما ذكر الله تعالى جملة الخلق وجملة الاختلاف في","vol":"1","page":428},{"text":"الوجهين، وصل بذلك إحاطة البحر بالأرض، وتخلل البحار فيها لتوصل المنافع المحمولة في الفلك، مما يوصل من منافع المشرق للمغرب، ومنافع الشمال للجنوب، وبالعكس، فما حملت جارية شيئًا ينتفع به إلا قد تضمنه مبهم كلمة \"ما\" في قوله: ﴿بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ ثم إن المفسرين يجعلون ﴿فِي﴾ في قوله: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ للاستعلاء، وهذا أحد معانيها، وحمل أهل البيان على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] وجعلوه من باب الاستعارة التبعية؛ والكونيون يجعلون مثل هذا للاستعلاء الحقيقي؛ ولكن الزمان جعلها للظرفية المكانية، وللاستعلاء أيضًا، على قول من يجوز استعمال اللفظ في حقيقته ومجازه، وذلك أن السفن التي تجري في البحر صارت في زمننا قسمين:\nأحدهما: يجري على وجه البحر مستعليًا عليه، وهو الأكثر.\nوالثاني: ما يجري في جوف البحر وهي الغواصات التي تغوص في البحر.\nوكلا القسمين يجري بما ينفع الناس، وكيفية الاستدلال بجريان الفلك في البحر على وجود الصانع تعالى أن السفن وإن كانت من تركيب الناس، إلا أنه تعالى هو الذي خلق الآلات التي بها يمكن تركيب هذه السفن، وسخر الرياح لإجراء بعضها، وعلم الناس استخدام البخار، وما يكون مسببًا له لإجراء البعض الآخر، فلولا خلقه لها لما أمكن ذلك.\nوأيضًا: فإنه تعالى خص كل طرف من أطراف الأرض والعالم بشيء معين، وأحوج الكل إلى الكل، فصار ذلك داعيًا يدعوهم إلى اقتحام هذه الأخطار في هذه الأسفار، ولولا أنه تعالى خصَّ كل طرف بشيء وأحوج الكل إليه، لما ركبوا هذه السفن، فالحامل ينتفع به لأنه يربح، والمحمول إليه ينتفع بما يحمل إليه، فيكون ذلك توسيعًا للعمران، وتعميمًا للمعارف والعلوم.\nوأيضًا: تسخير الله تعالى البحر لحمل الفلك، مع قوة سلطان البحر إذا هاج، وعظم الهول فيه إذا أرسل الله الرياح، فاضطربت أمواجه، وتقلبت مياهه.","vol":"1","page":429},{"text":"وأسند (الجري) إلى ﴿الْفُلْكِ﴾، ومن المعلوم أنها لا جري لها حقيقة، ولا فعل بوجه من الوجوه، ترقية إلى اعتقاد مثل ذلك في النجوم، إشارة إلى أنه لا فعل ولا تدبير، كما يعتقد ذلك بعض الفلاسفة الماضين؛ واقتصر على ذكر النفع، وإن كانت تجري بما يضر أيضًا، كالمدرعات التي تكون للحرب ونحوها، لأنه ذكرها في معرض الامتنان؛ وذكر تعالى ﴿النَّاسَ﴾ في هذه الآية، لأنهم أول من يقع به الاجتماع والتعاون، والتبصر بوجه ما، وأدنى ذلك في منافع الدنيا، الذي هو شاهد هذا القول.\nولما ذكر نفع البحر بالسفن، ذكر من نفعه ما هو أهم من ذلك، فقال: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾: أي جهتها باجتذاب السحاب له.\nولما كان النازل منها على أنواع، وكان السياق للاستعطاف إلى رفع الخلاف، ذكر ما هو سبب الحياة، فقال: ﴿مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ﴾.\nولما كان الإحياء يستغرق الزمن المتعقب للموت، نفى الجار فقال: ﴿بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nولما ذكر حياة الأرض بالماء، أشار إلى أن حياة كل ذي روح به [فقال] (١): ﴿وَبَثَّ﴾ أي: فرق آحادًا مستكثرة، في جهات مختلفة ﴿فِيهَا﴾ بالخصب ﴿مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ من الدبيب، وهو الحركة بالنفس، فكنى بالإحياء عن ظهور ما أودع فيها من النبات، وبالموت عن استقرار ذلك فيها وعدم ظهوره، وهما كنايتان غريبتان، لأن ما برز منها بالمطر، جعل تعالى فيه القوة الغاذية والنامية والمحركة، وما لم يظهر فهو كامن فيها كأنه دفين فيها، وهي له قبر.\nوفي هذه الآية أنواع من الدلائل على وجوده تعالى:\nمنها: أن تلك الأجسام، وما قام بها من الرقة والرطوبة واللطافة والعذوبة، لا يقدر أحد على خلقها إلا الله.\n_________\n(١) زيادة من \"نظم الدرر\" ٢/ ٢٩٤.","vol":"1","page":430},{"text":"ومنها: أن الماء جعله تعالى سببًا لحياة الإنسان، ولأكثر منافعه، وسببًا لرزقه.\nومنها: أن حدوث الحيوانات قد يكون بالتوليد، وقد يكون بالتوالد، وعلى التقديرين فلا بد فيهما من الصانع الحكيم.\nولما ذكر تعالى بث ما هو السبب للنبات المسبب عن الماء، ذكر بث ما هو سبب السحاب المسبب للمطر المسبب للحياة، فقال: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أي: إجرائها على مقتضى الحكم عليها، يرسلها مرة ﴿لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: ٢٢]، وتارة يجعلها \"عقيمًا\" (١)، وآونة يبعثها عذابًا ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ [الأحقاف: ٢٥].\nقال ابن جرير: وزعم بعض أهل العربية، أن معنى قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ أنها تأتي مرة جنوبًا وشمالًا، وقبولًا ودبورًا، ثم قال: وذلك تصريفها. وهذه الصفة التي وصف الرياح بها، صفة [تصرّفها لا صفة] (٢) تصريفها. لأن [\"تصريفها\"] (٣): تصريفُ الله لها، و\"تصرفها\": اختلافُ هبوبها. وقد يجوز أن يكون معنى قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ تصريف الله هبوب الريح باختلاف مهابّها. انتهى.\nومن آياته تعالى، ما جعل فيها من القوة التي تقلع الأشجار؛ وتعفي الآثار وتهدم، وتهلك الكفار كما أهلكت قوم عاد؛ وتربية الزرع وتنميته واشتداده بها؛ وسوق السحاب إلى البلد الماحل؛ وأنها لو انقطعت ساعة عن الحيوان لمات.\n﴿وَالسَّحَابِ﴾ وهو: المتراكم في جهة العلو، من جوهر ما بين الماء والهواء المنسحب في الجو ﴿الْمُسَخَّرِ﴾ أي: المجرى على مقتضى غرض ما سخر له ﴿بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ لا يهوي إلى جهة السفل مع ثقله بحمله بخار الماء، كما تهوي بقية الأجرام العالية، حيث لم يكن لها ممسك محسوس، ولا يعلو ولا\n_________\n(١) إشارة للآية ٤١ من سورة الذاريات.\n(٢) و(٣) الزيادتان من الطبري.","vol":"1","page":431},{"text":"ينقشع، مع أن الطبع يقتضي أحد الثلاث: فالكثيف يقتضي النزول؛ واللطيف يقتضي الصعود؛ والمتوسط يقتضي الانقشاع.\nو\"التسخير\": التذليل، وذلك أن السحاب لا بد له من قاسر قاهر، يقهره على بقائه في جو الهواء على خلاف الطبع، وأن يقدره بالمقدار المعلوم، وأن لا يجعله واقفًا في موضع معين، بل يسوقه بواسطة تحريك الرياح له إلى حيث يشاء ويريد.\nولما ذكر تعالى، الأعلى والأسفل، ومطلع الليل والنهار من الجانبين، وإنزال الماء، ذكر ما يملأ ما بين ذلك من الرياح والسحب، الذي هو ما بين حركة هوائية، إلى استنارة مائية، إلى ما يلزم ذلك من بوادي نيراته، من نحو صواعقه، وجملة أحداثه، فكان في جملة هذا الخطاب اكتفاء بأصول من مبادئ الاعتبار، فذكر السماء والأرض، والآفاق وما بينهما من الرياح والسحب، والماء المنزل، الذي جملته قوام الخلق في عاجل دنياهم، ليجعل لهم ذلك آية على علو أمر وراءه، ويكون كل وجه منه آية على أمر من أمر الله، كما قال تعالى: ﴿لَآيَاتٍ﴾ وذلك لتكون \"السماء\" آية، على علو أمر الله، فيكون أعلى من الأعلى، وتكون ﴿الْأَرْضِ﴾ آية على باطن أمر الله، فيكون أبطن من الأبطن، ويكون ﴿اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾، آية على نور بدوه، وظلمة غيبته، مما وراء أمر الليل والنهار، ويكون ما أنزل من الماء لإحياء الأرض وخلق الحيوان، آية على ما ينزل من نور علمه على القلوب، فتحيا به حياة تكون حياة الظاهر آية عليه، ويكون ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ آيات على تصريف ما بين أرض العبد، الذي هو ظاهره، وسمائه الذي هو باطنه، وتسخير بعض لبعض، ليكون ذلك آية على علو الله على سمائه العلي في الحس (١)، وعلى سماء القلوب العلية في الوجدان.\nفلجملة ذلك، جعل تعالى صنوف هذه الاعتبارات آيات ﴿لِقَوْمٍ﴾ وهم الذين يقومون في الأمر حق القيام؛ ولذلك لا يناله من هو في سن الناس، حتى يتناهى\n_________\n(١) لأن العلو للرحمن أمر مسلم دينًا ونقلًا ولا نشك في ذلك.","vol":"1","page":432},{"text":"طبعه، وفضيلة عقله، إلى أن يكون من قوم يقومون في الاعتبار، قيام المنتهض في أمور الدنيا، وذلك لأن العرب جرى عرفهم في القوم أنهم لا يستعملونه إلا لأجل النجدة والقوة، حتى يقولون: قوم أو نساء، تقابلًا بين المعنيين، كما قال زهير:\nوما أدْرِي وسوف إخالُ أدْرِي ... أقومٌ آلُ حِصْنٍ أم نِساءُ (١)\nفقد اشتملت هذه الآية على جميع ما نقله البيهقي في كتابه \"الأسماء والصفات\" عن الحليمي، أنه مما يجب اعتقاده في الله ﷾، خمسة أشياء:\nالأول: إثباته سبحانه ليقع به مفارقة التعطيل.\nوالثاني: وحدانيته لتقع بها البراءة من الشرك.\nوالثالث: إثبات أنه ليس بجوهر ولا عرض، لتقع به البراءة من التشبيه.\nوالرابع: إثبات أن وجود كل ما سواه، كان بإبداعه له، واختراع إياه، لتقع به البراءة من قول من يقول: بالعلة والمعلول، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nوالخامس: أنه مدبر ما أبدع، ومصرفه على ما يشاء، لتقع به البراءة من قول القائلين: بالطبائع، أو تدبير الكواكب، أو تدبير الملائكة، وهذا من قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ﴾ إلى آخرها. انتهى.\nثم إنه من المعلوم أن الأدلة على التوحيد كثيرة في الكتاب العزيز، والحكمة في ذلك، أنه لما كانت عقول الناس متفاوتة، جعل الله سبحانه الممكنات الموجودة، وهي كل ما سواه مما يدل على وجوده وفعله، بالاختيار على قسمين:\nالأول: ما من شأنه أن يدرك بالحواس الظاهرة، المسمى في عرف أهل الشرع: الشهادة، والخلق، والملك.\n_________\n(١) شرح ديوان زهير بن أبي سلمى لثعلب صفحة (٧٣) وبنو حصن هؤلاء من كَلْبٍ القبيلة اليمنية.","vol":"1","page":433},{"text":"والثاني: ما لا يدرك بالحواس الظاهرة، ويسمى: الغيب، والأمر، والملكوت.\nفالأول يدركه عامة الناس، والثاني يدركه أولو الألباب، الذين خلصت عقولهم عن الوهم والوساوس، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فالله تعالى بكمال عنايته، جعل العالم بقسميه محتويًا على جمل وتفاصيل من وجوه متعددة، دليلًا على وحدانيته بعض ذلك الدليل أوضح من بعض، ليشترك الكل في المعرفة، فيحصل لكلّ بقدر ما هُيِّئ له، اللهم إلا أن يكون ممن طبع على قلبه، فذلك هو الشقي، والعياذ بالله تعالى.\nولما سطعت البراهين في هذه الآية، وقررت أدلة التوحيد القاهرة القاطعة، أردف تعالى ذلك بتقبيح ما يضاد التوحيد، لأن تقبيح ضد الشيء مما يؤكد حسن الشيء، كما قيل: وبضدها تتبين الأشياء. أردف تعالى الآية الدالة على التوحيد بقوله:\n﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥)﴾.\nقالوا: الواو، عاطفة هذه الآية على ما قبلها، على ما قلنا بمناسبتها لها؛ ويصح أن يكون التقدير: فمن الناس من عقل تلك الآيات فآمن بربه، وفني بحبه، ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾ وهم من لا يعقل ﴿مَنْ يَتَّخِذُ﴾ الآية، فيكون العطف على مقدر.\nوالندّ: المثْل المنازع، ويحمل هنا على العموم، فيشمل الأوثان التي اتخذوها آلهة لتقربهم إلى الله زلفى، ورجوا من عندها النفع والضر، وقصدوها بالمسائل، ونذروا لها النذور، وقربوا لها القرابين، ويشمل السادة الذين كانوا يطيعونهم، فيُحلون لمكان طاعتهم ما حرم الله، ويحرمون ما أحل الله.\nويرجح هذا الثاني، أن الله تعالى ذكر بعد هذه الآية: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وذلك لا يليق الا بمن اتخذ الرجال أندادًا وأمثالًا لله تعالى،","vol":"1","page":434},{"text":"يلتزمون من تعظيمهم والانقياد لهم، ما يلتزمه المؤمنون من الانقياد لله تعالى، وقال تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٣١].\nولفظ ﴿النَّاسِ﴾ عام، والأولى حمله على كلّ من أهل الكتاب وعبدة الأوثان، ومن كان فعله يقرب من فعل هؤلاء.\nوقوله: ﴿يُحِبُّونَهُمْ﴾ معناه: يعظمونهم، ويخضعون لهم، تعظيم المحبوب.\nوقوله: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾ أورد فيه ابن جرير سؤالًا فقال: فإن قال قائل: فكيف قيل: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾؟ وهل يحب الله الأنداد؟ وهل كان متخذو الأنداد يحبون الله تعالى فيقال: ﴿كَحُبِّ اللَّهِ﴾؟ قيل: إن معنى ذلك بخلاف ما ذهبت إليه، وإنما نظير ذلك، قول القائل: بعت غلامي كبيع غلامك، بمعنى بعته كما بيع غلامك، وكبيعك غلامك، واستوفيت حقي منه استيفاء حقك، بمعنى: استيفائك حقك، فتحذف من الثاني كناية اسم المخاطب، اكتفاء بكنايته في \"الغلام\" و\"الحق\" كما قال الشاعر:\nفلستُ مُسَلِّمًا ما دمتُ حيًا ... على مَعْنٍ (١) بتسليم الأمير\nيعني بذلك كما يسلم على الأمير. فمعنى الكلام إذًا، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ﴾ أيها المؤمنون ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾. انتهى.\nوحاصله: أن المعنى يحبونهم كما يحب الله تعالى، فالحب على هذا مصدر\n_________\n(١) كذا! وفي الطبري وغيره: \"زيد\" وهو أبو حصين زيد بن حصين بن زهير الضبي، أحد بني السيد، كان واليًا على أصبهان. ونسب الجاحظ الأبيات في كتاب \"البغال\" ٢/ ٢٦٠ - ٢٦١ (من رسائل الجاحظ - لعلي بن خالد الضبي الملقب بـ \"البَرْدَخْت\" وهي فارسية معناها: الفارغ.\nويروى: \"معن\" أنشدها أعرابي أمام معن في قصة تجدها في \"قصص العرب\" ٣/ ٢٤٣ برقم ١٠٤ لجاد المولى. ومعن هو معن بن زائدة بن عبد الله بن الشيباني، أبو الوليد، توفي سنة ١٥١ هـ. من أشهر أجواد العرب، وأحد الشجعان الفصحاء، أدرك العصرين الأموي والعباسي. ولاه الخليفة المنصور اليمن ثم سجستان، مات غيلة. انظر الأعلام ٧/ ٢٧٣، وفيات الأعيان ٤/ ٣٣١ ترجمة ٧٠٣ تاريخ بغداد ١٣/ ٢٣٥.","vol":"1","page":435},{"text":"من المبني للمفعول، وإنما استغنى عن ذكر من يحبه، لأنه غير ملبس، وهذا مبني على جواز بناء المصدر للمفعول، ويجوز أن يراد به هنا المبني للفاعل، وفاعله ضمير المتخذين، والمعنى: يسوون بين الله وبين الأنداد في محبتهم، على كمال قدرة الله، ولطيف صنعه، وذلة الأنداد وقلتها، وهذا بناء على أنهم كانوا يقرون بالله، ويتقربون إليه، فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين.\nويرجح هذا قوله تعالى بعد: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾ فأخبر عن المؤمنين بأنهم لا يعدلون عن حب الله إلى غيره، بخلاف المشركين، فإنهم يعدلون عن أندادهم إلى الله عند الشدائد، فيفزعون إليه، ويخضعون له، ويجعلونهم وسائط بينهم وبينه، فيقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، ويعبدون الصنم زمانًا، ثم يرفضونه إلى غيره، وحب العبد لله: تعظيمه والتمسك بطاعته، وحب الله العبد: إرادة الثناء عليه وإثابته؛ وأصل الحب في اللغة: اللزوم، لأن المحب يلزم حبيبه ما أمكن.\nوقال جمهور المتكلمين: المحبة نوع من أنواع الإرادة، لا تعلق لها إلا بالجائزات، فيستحيل تعلق المحبة بذات الله وصفاته، فإذا قلنا: يحب الله، فمعناه يحب طاعة الله وخدمته، وثوابه وإحسانه.\nولما عجب سبحانه من حال من يتخذ من دون الله أندادًا، حذر من سوء منقلبهم ومآلهم، فقال: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أي: ولو يعلم هؤلاء الذين ارتكبوا الظلم العظيم بشركهم، أن القدرة كلها لله، على كل شيء من العقاب والثواب، دون أندادهم، ويعلمون شدة عقابه للظالمين، إذا عاينوا العذاب يوم القيامة، لكان منهم من لا يدخل تحت الوصف من الندم والحسرة، ووقوع العلم بظلمهم وضلالهم؛ فجواب ﴿لَو﴾ محذوف.\nوقرأ نافع وحده، \"ولو ترى\" بالتاء المثناة من فوق، فيكون الخطاب للرسول، أو كل مخاطب، وتقدير جواب ﴿لَو﴾: لرأيت أمرًا عظيمًا. ورجح ابن جرير هذه القراءة، فقال: وإن كان على هذه القراءة يكون مخرج الخطاب للرسول معنيًا به غيره، لأنه كان لا شك عالمًا بـ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، لكن القوم إذا رأوا","vol":"1","page":436},{"text":"العذاب يوقنون بـ ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾، فلا وجه أن يقال: لو يرون أن القوة لله جميعًا حينئذٍ، لأنه إنما يقال: \"لو رأيت\"، لمن لم ير، فأما من قد رآه، فلا معنى لأن يقال له: لو رأيت.\nودخول \"لو\" و\"إذ\" على المستقبل مع أنهما للماضي، لينتظم المستقبل في سلك الماضي المقطوع به، لصدور الكلام عمن لا خلاف في أخباره، وقيل: لأن الساعة قريب، فكأنها قد وقعت.\nوكذا الكلام في ﴿إِذْ تَبَرَّأَ﴾، وأنه بدل من ﴿إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾ وقيل: هو معمول ﴿شَدِيدُ﴾، من قوله تعالى: ﴿شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، والبدل أو المتعلق، هو قوله تعالى:\n﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾.\nالتبرؤ: طلب البراءة، وإيقاعها بجد واجتهاد، وهي: إظهار التخلص من وصلة أو اشتباك، أي: وقت ما يتبرأ المتبوعون، وهم الرؤساء والأوثان من أتباعهم، الذين أفنوا عمرهم في عبادتهم، واعتقدوا أنهم من أوكد أسباب نجاتهم فإذا هم تبرؤوا منهم عند احتياجهم إليهم. ونظيره قوله تعالى: ﴿يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [العنكبوت: ٢٥]. وقال تعالى: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ إِلَّا الْمُتَّقِينَ (٦٧)﴾ [الزخرف].\nوقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ﴾ معناه: تبرؤوا في حال رؤيتهم العذاب، عندما عجز المتبعون عن تخليصهم مما رأوه من الأهوال والشدائد العظيمة، لأن قوله: ﴿وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ يدخل في معناه أنهم لم يجدوا إلى تخليص أنفسهم وأتباعهم سببًا، والآيس من وجه يرجو به الخلاص مما نزل به بأوليائه من البلاء،","vol":"1","page":437},{"text":"يوصف بأنه تقطعت به الأسباب، و﴿الْأَسْبَابُ﴾ هنا: الوُصَل التي كانت بينهم، من الاتفاق على دين واحد، ومن الأنساب والمحاب، والاتباع والاستتباع.\nوفي قوله: ﴿اتُّبِعُوا﴾ و﴿اتَّبَعُوا﴾ وقوله: ﴿وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ نوع من البديع يسمى: الترصيع، وهو أن يكون الكلام مسجوعًا.\nوقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الآية، معناه أنهم تمنوا الرجوع إلى الدنيا، حتى يطيعوا الله، ويتبرؤوا منهم في الآخرة إذا حشروا جميعًا، مثل ما تبرأ المتبوعون أولًا منهم. فـ ﴿لَوْ﴾ هنا للتمني، ولذلك أجيب بالفاء الذي يجاب به التمني، فكأنه قيل: ليت ﴿لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ﴾ الكاف للتشبيه، والتقدير: مثل إراءتهم تلك الأهوال الفظيعة ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾ أي: ندامات، وقيل: \"الحسرة\": أشد الندامة، والمعنى: ﴿يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ التي فرضها عليهم في الدنيا فضيعوها، ولم يعملوا بها، حتى استوجبت ما كان الله أعد لهم، لو كانوا عملوا بها، في جناته من المساكن والنعم، وغيرهم بطاعته ربه، فصار ما فاته من الثواب، الذي كان الله أعده له عنده، لو كان أطاعه في الدنيا، إذا عاينه عند دخوله النار، أو قبل ذلك أسىً وندامة، وحسرة عليه؛ وقيل: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ﴾ السيئة ﴿حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ﴾، لِمَ عملوها وهلا عملوا بغيرها مما يرضي الله تعالى؟ وهذا القول يدل عليه ظاهر لفظ الله، وهو أولى مما قبله.\nثم قال تعالى: ﴿وَمَا هُمْ﴾ أي: خاصة، وأكد النفي بالجار، فقال: ﴿بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ يومًا من الأيام، ولا ساعة من الساعات، بل هم خالدون فيها على طول الآباد، ومر الأحقاب، وفيه إشعار بقصدهم الفرار منها والخروج، كما قال تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا﴾ [الحج: ٢٢، والسجدة: ٢٠] فأنبأ تعالى أن وجهتهم للخروج لا تنفعهم، فلم تبق لهم منة تنهضهم منها، حتى ينتظم قطع رجائهم من مُنة أنفسهم، بقطع رجائهم ممن تعلقوا به من شركائهم.","vol":"1","page":438},{"text":"وأصل ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ﴾: وما يخرجون، لأن المناسب أن تعطف جملة فعلية على جملة فعلية، لكن عدل به إلى هذه العبارة للمبالغة في الخلود والإقناط عن الخلاص، والرجوع إلى الدنيا.\nولما بين تعالى التوحيد ودلائله، وما للموحدين من الثواب، وأتبعه بذكر الشرك، و﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾، ويتبع رؤساء الكفرة، أتبع ذلك بذكر إنعامه على الفريقين، وإحسانه إليهم، وأن معصية من عصاه، وكفر من كفر به، لم تؤثر في قطع إحسانه ونعمه عنهم، فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.\nأقبل تعالى في هذه الآية على عباده إقبال متلطف، مترفق، مستعطف، مناديًا لهم إلى تأبيد نفعهم، قائلًا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ أي: كافة.\nوأبدى الحرالِّي هنا نكتة لطيفة، حاصلها: أنه لما استوفى تعالى ذكر أمر الدين، وكان هو غذاء القلوب، وزكاة الأنفس؛ نظم به ذكر غذاء الأبدان من الأقوات، ليتم بذكر النماءين، اللذين هما نماء البدن ظاهرًا، ونماؤه الديني باطنًا، لما بين تغذي الأبدان، وقوام الأديان من التعاون، على جمع أمري صلاح العمل ظاهرًا، وقبوله باطنًا.\nولما كانت رتبة الناس من أدنى المراتب في خطابهم، أطلق لهم الإذن تلطفًا بهم، ولم يلجئهم بالتقييد، فقال مبيحًا لهم ما أنعم به: ﴿كُلُوا ..﴾ إلى آخر الآية.\nقال البيضاوي: نزلت هذه الآية في قوم حرموا على أنفسهم رفيع الأطعمة والملابس. انتهى.\nوالمشهور عند المفسرين: أنها نزلت في ثقيف وخزاعة، وعامر بن أبي","vol":"1","page":439},{"text":"صعصعة، حرموا على أنفسهم من الحرث والأنعام، وحرموا البحيرة والسوائب والوصيلة والحام.\nوأيًا ما كان سبب نزولها، فهو خاص واللفظ عام، والعبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب. ومن ثم قال الحسن البصري: نزلت في كل من حرم على نفسه شيئًا لم يحرمه الله عليه. انتهى.\nفالمعنى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا﴾ أحللت لكم من الأطعمة على لسان رسولي، فطيبته لكم، مما تحرمونه على أنفسكم من البحائر والسوائب والوصائل، وما أشبه ذلك مما لم أحرمه عليكم، دون ما حرمته عليكم من المطاعم والمآكل فنجسته، من ميتة ودم ولحم خنزير، وما أهل به لغيري، ودعوا ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ الذي يؤنبكم فيهلككم، ويوردكم موارد العطب، ويحرم عليكم أموالكم، فلا تتبعوها ولا تعملوا بها، ﴿إِنَّهُ﴾، أي: الشيطان ﴿لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾ قد أبان عداوته لكم منذ القدم، فأغوى أباكم آدم بالأكل من الشجرة، حتى أخرجه من الجنة، فلا تتخذوه ناصحًا مع إبانته لكم العداوة، ودعوا ما يأمركم به، والتزموا طاعتي فيما أمرتكم به ونهيتكم عنه، مما أحللته لكم وحرمته عليكم، دون ما حرمتموه أنتم على أنفسكم، وحللتموه طاعة للشيطان، واتباعًا لأمره، لأنه ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ﴾، من خبائث الأنفس الباطنة، التي يورث فعلها مساءة، ويأمركم بما يكرهه الطبع من رذائل الأعمال الظاهرة، مما ينكره العقل، ويستخبثه الشرع، فيتفق في حكمه آيات الله الثلاث، من الشرع والعقل والطبع، فبذلك يفحش الفعل.\n﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾، مما تستقبحون قوله في أقل الموجودات من إشراك به؛ وادعاء ولد له؛ وتحليل ما لم يحلل؛ وتحريم ما لم يحرم، طاعة منكم للشيطان، واتباعًا لخطواته؛ واقتفاءً منكم آثار أسلافكم الضلال، وآبائكم الجهّال، الذين كانوا بالله وبما أنزل على رسوله جهَّالًا، وعن الحق ومنهاجه ضلّالًا، فصرتم على حد قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: ١٧٠].","vol":"1","page":440},{"text":"فالحلال: المباح الذي انحلت عقدة الحظر عنه، وأصله من الحل الذي هو نقيض العقد. ثم إن الحرام قد يكون حرامًا لخبثه، كالميتة والدم والخمر، وقد يكون حرامًا لا لخبثه، كملك الغير إذا لم يأذن في أكله.\nفالحلال هو الخالي عن القيدين، والطيب في اللغة: الحلال، وقد يكون بمعنى الطاهر؛ والحلال يوصف بالطيب، لأن الحرام يوصف بالخبيث، والمراد به هنا الطاهر من كل شبهة.\nفقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ معناه: فتدخلوا في حرام أو شبهة، أو تحريم حلال، أو تحليل حرام، و\"مِنْ\" في قوله: ﴿مِمَّا فِي الْأَرْضِ﴾ للتبعيض، لأن كل ما في الأرض ليس بمأكول، و﴿خُطُوَاتِ﴾ بضمتين، وأصلها: ما بين القدمين، والمعنى هنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا﴾ سبيل ﴿الشَّيْطَانِ﴾، ولا تسلكوا طريقه، أو: لا تأتموا به، ولا تقفوا أثره، وهذان التفسيران متقاربان، وإنما هما بمقتضى اللغة، وليس بمراد هنا، بل المراد كأنه تعالى يقول لمن أبيح له الأكل على الوصف المذكور: احذر أن تتعداه إلى ما يدعوك إليه الشيطان. فزجر المكلف بهذا الكلام عن تخطي الحلال إلى الشبه، كما زجره عن تخطيه إلى الحرام، لأن الشيطان إنما يلقي للمرء ما يجري مجرى الشبهة، فيزين بذلك ما لا يحل له، فزجر الله عن ذلك، ثم بيّن العلة في هذا التحذير بقوله: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.\nثم إن قوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ﴾ كالتفصيل لجملة عداوته، وحاصلها: \"السوء\"، وهو يتناول جميع المعاصي، سواء كانت من أعمال الجوارح أو من أعمال القلوب. ﴿وَالْفَحْشَاءِ﴾ هي: أقبح أنواع السوء، وهو ما يستعظم ويستفحش من المعاصي، والقول على الله بغير علم، وكأنه أقبح أنواع الفحشاء.\nوهذه الثلاثة تفسير لـ ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾، بأنه يدعو إلى الصغائر والكبائر، والكفر والجهل بالله، ويشبه أن يكون معنى قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ الآية، هو المشار إليه بما رواه البخاري ومسلم عن النعمان بن بشير، ﵄، قال سمعت رسول الله - ﷺ -، يقول: \"إن الحلال بيِّن وإن الحرام بيِّن، وبينهما أمور مشتبهات، لا يعلمهن كثير من الناس،","vol":"1","page":441},{"text":"فمن اتقى الشبهات استبرأ لدينه وعرضه، ومن وقع في الشبهات وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحمى، يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكل ملك حمى، ألا وإن حمى الله محارمه، ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله، ألا وهي القلب\" (١). فإذا لاح الحرام، وتراءت الشبهات، كان للشيطان مدخل، وكان الإنسان كالراعي يرعى حول الحمى.\nوقد استنبط الإمام أحمد بن تيمية، الملقب بشيخ الإسلام، من هذه الآية معنىً حسنًا، في كتابه المسمى بـ \"الإيمان\" فقال: إن الله تعالى لم يأذن للكفار في كل شيء، ولا أحل لهم شيئًا، ولا عفا لهم عن شيء يأكلونه، بل قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ فشرط فيما يأكلونه أن يكون حلالًا، وهو المأذون فيه من جهة الله ورسوله، والله لم يأذن في الأكل إلا للمؤمن به، فلم يأذن لهم في أكل شيء، إلا إذا آمنوا، ولهذا لم تكن أموالهم مملوكة لهم ملكًا شرعيًا، لأن الملك الشرعي هو القدرة على التصرف الذي أباحه الشرع، والشارع لم يبح لهم تصرفًا في الأموال إلا بشرط الإيمان، فكانت أموالهم على الإباحة.\nفإذا قهر طائفة منهم قهرًا يستحلونه في دينهم، وأخذوها منهم، صار هؤلاء فيها كما كان أولئك، والمسلمون إذا استولوا عليها فغنموها، ملكوها شرعًا، لأن الله أباح لهم الغنائم، ولم يبحها لغيرهم، ويجوز لهم أن يعاملوا الكفار فيما أخذه بعضهم من بعض، بالقهر الذي يستحلونه في دينهم، ويجوز أن يشتري من بعضهم ما سباه من غيره، لأن هذا بمنزلة استيلائه على المباحات، ولهذا سمى الله ما عاد من أموالهم إلى المسلمين فيئًا، لأن الله أفاءه إلى مستحقه، أي: رده إلى المؤمنين به، الذين يعبدونه ويستعينون برزقه على عبادته.\nفإنه إنما خلق الخلق ليعبدوه، وإنما خلق الرزق ليستعينوا به على عبادته. ولفظ الفيء، قد يتناول الغنيمة، كقول النبي - ﷺ - في غنائم حنين: \"ليس لي مما\n_________\n(١) هو في \"غاية المرام\" للألباني - والأصل للقرضاوي - رقم ٢٠.","vol":"1","page":442},{"text":"أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم\" (١)، لكنه لما قال تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ﴾ [الحشر: ٦] صار لفظ الفيء إذا أطلق في عرف الفقهاء، يكون لما أخذ من مال الكفار بغير إيجاف خيل ولا ركاب، والإيجاف: نوع من التحريك. انتهى كلامه.\nوقال في \"مفاتيح الغيب\": قوله ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يتناول جميع المذاهب الفاسدة، بل يتناول مقلد الحق، لأنه وإن كان مقلدًا للحق، لكنه قال ما لا يعلمه، فصار مستحقًا للذم لاندراجه تحت الذم في هذه الآية. قال: وتمسك نفاة القياس بهذه الآية. وأجيب عنه: بأنه متى قامت الدلالة على أن العمل بالقياس واجب. كان العمل بالقياس قولًا على الله بما يعلم، لا بما لا يعلم. هذا كلامه.\nوكفى بذلك المقلدون ذمًا، ومهما دافعوا عن أنفسهم، فالآية تبكتهم، وتجعل مدعاهم هباءً منثورًا، ويناديهم القرآن بما نادى به من قبلهم، بقوله:\n﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾.\nضمير ﴿لَهُمُ﴾ عائد على ﴿النَّاسُ﴾ المذكورين في الآية السابقة، على ما اختاره صاحب \"الكشاف\" فقال: الضمير للناس، وعدل بالخطاب عنهم، على طريقة الالتفات للنداء على ضلالهم، لأنه لا ضال أضل من المقلد، كأنه يقول للعقلاء: انظروا إلى هؤلاء الحمقى ماذا يقولون. انتهى.\nوهذا الوجه أصح [من] الأوجه الآتية، وفيه دلالة على ذم التقليد، وهو قبول الشيء بلا دليل ولا حجة، وإنما كان هذا الوجه أصح وأولى، لأنه إنما وقع عقب قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية، فَلأَنْ يكون خبرًا عنهم، أولى من أن يكون خبرًا عن الذين أخبر أن منهم ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾، مع ما بينهما\n_________\n(١) ينظر عنه \"الإرواء\" (١٢٤٠).","vol":"1","page":443},{"text":"من الآيات، وانقطاع قصصهم بقصة مستأنفة غيرهما، وقيل: الضمير عائد على ﴿مِنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا﴾ وهم مشركو العرب، وقد علمت بُعده. وقيل: الآية مستأنفة، والكناية في ﴿لَهُمْ﴾، تعود إلى غير مذكور، واستدل قائل هذا بما رواه الطبري عن ابن عباس: دعا رسول الله - ﷺ - اليهود من أهل الكتاب إلى الإسلام، ورغبهم فيه، وحذرهم عقاب الله ونقمته، فقال له رافع بن خارجة، وخالد بن عوف: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ فإنهم كانوا أعلم وخيرًا منا، فأنزل لنا الله هذه الآية، ردًا عليهم.\nوالمعنى: أنه إذا قيل لهؤلاء الكفار: ﴿كُلُوا مِمَّا﴾ أحل الله لكم، ودعوا ﴿خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ وطريقه، واعملوا بما أنزل الله على نبيه في كتابه، استكبروا عن الإذعان للحق، وقالوا: ﴿بَلْ﴾ نأتم بآبائنا، فـ ﴿نَتَّبِعُ مَا﴾ وجدناهم عليه، من تحليل ما كانوا يحلون، وتحريم ما كانوا يحرمون. فقال تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ - يعني: آباء هؤلاء الكفار الذين مضوا على كفرهم بالله العظيم- ﴿لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا﴾ من دين الله وفرائضه، وأمره ونهيه فيُتبعون على ما سلكوا من الطريق، ويؤتم بهم في أفعالهم، ﴿لَا يَهْتَدُونَ﴾ لرشد فيهتدي بهم غيرهم، ويهتدي بهم من طلب الدين، وأراد الحق والصواب.\nيقول الله لهؤلاء الكفار: فكيف أيها الناس تتبعون ما وجدتم عليه آباؤكم، فتتركون ما يأمركم به ربكم، وآباءكم لا يعقلون من أمر الله شيئًا، ولا هم مصيبون حقًا، ولا مدركون رشدًا؟ وإنما يتبع المتبع ذا المعرفة بالشيء، المستعمل له في نفسه، فأما الجاهل فلا يتبعه فيما هو به جاهل، إلا من لا عقل له ولا تمييز.\nوالواو في قوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ﴾ للحال، والهمزة بمعنى الرد والتعجب؛ و﴿أَلْفَيْنَا﴾ بمعنى وجدنا، بدليل قوله: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان: ٢١] وهذه الآية صريحة في ذم التقليد، صراحة لا تقبل التأويل ولا الصرف عن ظاهرها.\nوقد حكى ابن عطية: أن الاجماع منعقد على إبطاله في العقائد (١).\n_________\n(١) أي إبطال التقليد في العقيدة. وعلى هذا المستقر من كتب الاعتقاد الصحيحة، ولا يستثنى من ذلك إلا الجاهل في بعض التفاصيل.","vol":"1","page":444},{"text":"وقرر فخر الدين الرازي في تفسيره، بطلان التقليد بوجه عقلي، فقال: يقال للمقلد: هل تعترف بأن شرط جواز تقليد الإنسان، أن يعلم كونه محقًا، أم لا؟ فإن اعترفت بذلك، لم تعلم جواز تقليده إلا بعد أن تعرف كونه محقًا، فكيف عرفت أنه محق؟ وإن عرفته بتقليد آخر لزم التسلسل (١)، وإن عرفته بالعقل فذاك كاف، فلا حاجة إلى التقليد، وإن قلت: ليس من شرط جواز تقليده، أن يعلم كونه محقًا، فإذن قد جوزت تقليده، وإن كان مبطلًا؟ ! فإذن أنت على تقليدك لا تعلم أنك محق أو مبطل؟\nوأيضًا هب أن ذلك المتقدم الذي قلدته كان عالمًا بذلك الشيء، إلا أنّا لو قدرنا أن ذلك المتقدم، ما كان عالمًا بذلك الشيء قط، وما اختار فيه البتة مذهبًا، فأنت ماذا كنت تعمل؟ فعلى تقدير أن لا يوجد ذلك المتقدم ولا مذهبه، كان لا بد من العدول إلى النظر؛ فكذا ههنا.\nوأيضًا إذا قلدت من قبلك، فذلك المتقدم كيف عرفته؟ أعرفته بتقليد أم لا تقليد؟ فإن عرفته بتقليد لزم إما الدور (٢)، وإما التسلسل، وإن عرفته لا بتقليد، بل بدليل، فإذا أوجبت تقليد ذلك المقدم، وجب أن تطلب العلم بالدليل لا بالتقليد، لأنك لو طلبت بالتقليد لا بالدليل، مع أن ذلك المتقدم طلبه بالدليل لا بالتقليد، كنت مخالفًا له! ! فثبت أن القول بالتقليد يفضي ثبوته إلى نفيه، فيكون باطلًا.\nوما قاله هنا، الدليل يعم المقلد في التوحيد، والمقلد في الفروع، وقد جعل العلماء للمقلد في الفروع ميزانًا عادلًا، فاتفقوا على أن المكلف متى عرف الحق، لا يجوز له تقليد أحد في خلافه (٣).\n_________\n(١) التسلسل: هو ترتيب أمور غير متناهية.\n(٢) الدَّوْر: هو توقف الشيء على ما يتوقف عليه كلما يتوقف (أ) على (ب) و(ب) على (أ).\n(٣) هذا عند العلماء الذين عندهم علم وإنصاف ومسكة من عقل واتباع، وأما متعصبة المقلدة فالأمر عندهم على التزام المذهب في كل حال، وإذا وجدت آية من كتاب الله، والحديث الصحيح على خلاف المذهب! أوجب تأويل الآية والحديث، أو تكون الآية منسوخة، والحديث غير صحيح! ! والبعض الآخر يسلم نظريًا، ويرفض عمليًا.","vol":"1","page":445},{"text":"وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال، وإن كان عاجزًا عن إظهار الحق الذي يعلمه، فهذا يكون كمن عرف أن دين الاسلام حق، وهو بين النصارى، فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق، فلا يؤاخذ بما عجز عنه، وهؤلاء كالنجاشي وغيره.\nوقد أنزل الله في هؤلاء آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ﴾ [آل عمران: ١٩٩] وقوله: ﴿وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (١٥٩)﴾ [الأعراف] وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ [المائدة: ٨٣].\nوأما إن كان المتبع للمجتهد عاجزًا عن معرفة الحق على التفصيل، وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد، فهذا لا يؤاخذ إن أخطأ، كما في الاجتهاد في القبلة، وأما إن قلد شخصًا دون نظيره باتباع هواه، ونصره بلسانه ويده من غير علم أن معه الحق، فهذا من أهل الجاهلية، وإن كان متبوعه مصيبًا لم يكن عمله صالحًا، وإن كان متبوعه مخطئًا كان آثمًا. كمن قال في القرآن برأيه فإن أصاب فقد أخطأ، وإن أخطأ فليتبوأ مقعده من النار.\nومن ثم قال الشافعي: أجمع المسلمون، على أن من استبانت له سنة رسول الله - ﷺ -، لم يكن له أن يدعها لقول أحد من الناس.\nوقال ابن عبد البر وغيره: أجمع الناس على أن المقلد ليس معدودًا من أهل العلم، وأن العلم معرفة الحق بدليله.\nوهذا كما قال، فإن الناس لا يختلفون، أن العلم هو: المعرفة الحاصلة عن الدليل، وأما بدون الدليل فإنما هو التقليد، فقد تضمن هذان الإجماعان إخراج المتعصب بالهوى، والمقلد الأعمى عن زمرة العلماء، وسقوطهما باستكمال من فوقهما الفروض من وراثة الأنبياء، فإن العلماء هم ورثة الأنبياء، فإن الأنبياء لم","vol":"1","page":446},{"text":"يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم، فمن أخذه أخذ بحظ وافر (١)، وكيف يكون من ورثة الرسول، من يجهد ويكدح في رد ما جاء به إلى قول مقلده ومتبوعه، ويضيع ساعات عمره في التعصب والهوى.\nولما كان أولئك المقلدة المذكورين في هذه الآية، بالوصف الذي ذكره تعالى عنهم- من ترك النظر والتدبر والإخلاد إلى التقليد بقولهم: ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ ضرب لهم مثلًا تنبيهًا للسامعين لهم، أنهم إنما وقعوا فيما وقعوا فيه بسبب ترك الإصغاء، أو قلة الاهتمام بالدين، فصيرهم من هذا الوجه بمنزلة الأنعام، فقال:\n﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.\nوذلك لأن مثل هذا المثل يزيد السامع معرفة بأحوال الكفار، ويحقر إلى الكافر نفسه إذا سمع ذلك، فيكون كسرًا لقلبه، وتضييقًا لصدره، حيث صيره كالبهيمة، فيكون في ذلك نهاية الزجر والردع لمن يسمعه، عن أن يسلك مثل طريقه في التقليد.\nفقوله: ﴿وَمَثَلُ﴾ فيه مضاف محذوف، تقديره: ﴿وَمَثَلُ﴾ داعي ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى الإيمان، في أنهم لا يسمعون من الدعاء إلا جرس النغمة، ودوي الصوت، من غير إلقاء أذهان ولا استبصار ﴿كَمَثَلِ﴾ الناعق بالبهائم التي لا تسمع ﴿إِلَّا دُعَاءً﴾ الناعق ونداءه، الذي هو تصويت بها وزجر لها، ولا تفقه شيئًا آخر، ولا تعي، كما يفهم العقلاء ويعون.\nقال في \"الكشاف\": وقيل معناه: ومثلهم في دعائهم الأصنام، ﴿كَمَثَلِ﴾ الناعق ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾.\nإلا أن قوله: ﴿إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لا يساعد عليه، لأن الأصنام لا تسمع شيئًا. انتهى.\n_________\n(١) هو اقتباس من حديث في \"صحيح سنن ابن ماجه - باخصار السند\" (١٨٢).","vol":"1","page":447},{"text":"قال في \"البحر\": لحظ الزمخشري في هذا القول تمام التشبيه من كل جهة، فكما أن المنعوق به ﴿لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾، فكذلك مدعو الكافر من الصنم، والصنم لا يسمع، فضعف عنده هذا القول.\nونحن نقول: التشبيه وقع في مطلق الدعاء، لا في خصوصيات المدعو، فشبه الكافر في دعائه الصنم، بالناعق بالبهيمة، لا في خصوصيات المنعوق به، انتهى.\nوما قاله ربما يكون صحيحًا من جهة البلاغة، وأما من جهة ما سبق الكلام، فقد يرتقي إلى درجة البطلان، وذلك أن ما قبل هذه الآية، وما بعدها يدل على أنها نزلت في اليهود، وإياهم عنى الله بها، ولم تكن اليهود أهل أوثان يعبدونها، ولا أهل أصنام يعظمونها، ويرجون نفعها، أو دفع ضررها، فلا وجه حينئذ للتأويل الذي أوّله في \"البحر\".\nوقال ابن زيد، فيما رواه الطبري عنه، في قوله: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، هو الرجل الذي يصيح في جوف الجبال، فيجيبه فيها صوت يراجعه، يقال له: الصدى، فمثل آلهة هؤلاء لهم، كمثل الذي يجيبه بهذا الصوت، لا ينفعه، ﴿لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾. قال: والعرب تسمي ذلك الصدى.\nفالفاعل على هذا في قوله: ﴿لَا يَسْمَعُ﴾ ضمير عائد على ﴿الَّذِي يَنْعِقُ﴾، ويكون الضمير العائد على \"ما\" الرابط للصلة بالموصول محذوفًا لفهم المعنى، تقديره: ﴿بِمَا لَا يَسْمَعُ﴾ [منه] (١)، لكن يعارضه أنه ليس فيه شروط جواز الحذف، لأن الضمير مجرور بحرفٍ جُرَّ الموصول بغيره.\nويجوز أن يقال: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في اتباعهم آباءهم وتقليدهم لهم، ﴿كَمَثَلِ﴾ الراعي إذا تكلم مع البهائم، فكما أن الكلام مع البهائم عبث عديم الفائدة، فكذا الكلام مع المقلد، لا يعود بفائدة لأنه لا دليل له، ولا برهان يرجع إليه، بل قصارى أمره أن يقول: إنا ﴿بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ﴾ رؤساءنا، أو ﴿آبَاءَنَا﴾،\n_________\n(١) زيادة لازمة من \"البحر\".","vol":"1","page":448},{"text":"أو متبعونا، لا يزيد على ذلك، فهو كالنعم السارحة، ﴿لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾.\nوقال سيبويه في تفسير الآية: ومثلك يا محمد، ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ﴾ الناعق والمنعوق به. فعلى قوله يكون المعنى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وداعيهم، كمثل الغنم والناعق بها، ولك أن تجعل هذا من التشبيه المركب، وأن تجعله من التشبيه المفرق، فإن جعلته من المركب، كان تشبيهًا للكفار في عدم فقههم وانتفاعهم، بالغنم التي ينعق بها الراعي، فلا تفقه من قوله شيئًا غير الصوت المجرد، الذي هو الدعاء والنداء؛ وإن جعلته من التشبيه المفرق، فالذين كفروا بمنزلة البهائم، ودعاء داعيهم إلى الطريق والهدى بمنزلة الذي ينعق بها، ودعاؤهم إلى الهدى بمنزلة النعق، وإدراكهم مجرد الدعاء والنداء، كإدراك البهائم مجرد صوت الناعق. وأما النعيق: فهو دعاء الراعي وتصويته بالغنم. قال الشاعر:\nفَانْعَقْ بِضَأنِكَ، يا جَرِيُر، فَإنّما ... منَّتْكَ نَفْسُكَ في الخَلاءِ ضَلالا (١)\nويقال: نعق المؤذن (٢). ويقال: نعق ينعق، نعيقًا ونعاقًا ونعقًا؛ وأما \"نغق الغراب\" فبالغين المعجمة، وقيل أيضًا: يقال بالمهملة في الغراب؛ نقله أبو حيان في \"البحر\".\nولما شبه تعالى الكفار بالبهائم، زاد في تبكيتهم فقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ لأنهم صاروا بمنزلة \"الصم\"، في أن الذي سمعوه كأنهم لم يسمعوه؛ وبمنزلة \"البكم\"، في أن لا يستجيبوا لما دعوا إليه؛ وبمنزلة \"العمي\"، من حيث إنهم أعرضوا عن الدلائل، فصاروا كأنهم لم يشاهدوها. و\"صم\" مرفوع خبر لمبتدأ محذوف.\nوقوله: ﴿فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ المراد به العقل الاكتسابي، لأن العقل المطبوع كان حاصلًا لهم، فإن العقل عقلان: مطبوع، ومسموع، ولما كان طريق اكتساب\n_________\n(١) \"شعر الأخطل\" الصفحة ٥٠، و\"لسان العرب المحيط\" ٣/ ٦٧٢.\n(٢) هذا الأصل في النعيق، وأما ما تعارف الناس من أنه للغراب فقط، وأنه دليل شؤم وتطير، فلا أصل له، واستعمال الكلمات في ما اختصت به مؤخرًا لا يعطل استعمالها لما وضعت له أولًا، وهذا كثير في كلام العرب.","vol":"1","page":449},{"text":"العقل المكتسب هو الاستعانة بهذه القوى الثلاث، فلما أعرضوا عنها فقدوا العقل المكتسب. ولهذا قيل: من فقد حسًا فقد علمًا.\nوأورد بعض المفسرين على هذه الآية سؤالًا فقال: فإن قيل: قوله: ﴿لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ ليس المسموع إلا الدعاء والنداء، فكيف ذمهم بأنهم لا يسمعون إلا الدعاء؟ وكأنه قيل: لا يسمعون إلا المسموع، وهذا لا يجوز.\nفالجواب: أن في الكلام إيجازًا، وإنما المعنى: لا يفهمون معاني ما يقال لهم، كما لا تميز البهائم بين معاني الألفاظ التي لا تصوت بها، وإنما تفهم شيئًا يسيرًا قد أدركته بطول الممارسة، وكثرة المعاودة. فكأنه قيل: ليس لهم إلا سماع النداء، دون إدراك المعاني والأغراض.\nوقال علي بن عيسى: إنما ثنى فقال: ﴿دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ لأن الدعاء طلب الفعل، والنداء إجابة الصوت.\nولما أخبر تعالى أن الكفار غرقوا في التقليد، فصاروا صمًا بكمًا عميًا عن البرهان، واتباع ما أنزل الله في كتابه العزيز، وكسر قلبهم، وضيق صدرهم، بضرب المثل الذي ضربه لهم، بأن نظمهم في سلك البهائم السارحة، خاطب تعالى أولي العقول الراجحة، الذين هجروا التقليد إلى ما أنزل الحكيم الحميد، آمرًا لهم أمر إباحة، وهو إيجاب في تناول ما يقيم البنية ويحفظها، فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾.\nهذه الآية شبيهة بما تقدم من قوله: ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: ١٦٨].\nولما تكلم تعالى من أوائل السورة إلى ههنا، في دلائل التوحيد والنبوة، واستقصى في الرد على اليهود والنصارى، شرع في بيان الأحكام.\nوالمعنى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، أي صدقوا الله ورسوله، وأقروا بالعبودية،\nوأذعنوا بالطاعة، ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، أي: اطعموا من حلال الرزق الذي أحللناه لكم، فطاب وصار مستلذًا لكم، بتحليلي إياه لكم مما كنتم تحرمون","vol":"1","page":450},{"text":"أنتم، ولم أكن حرمته عليكم من المطاعم والمشارب، ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾، يقول: وأثنوا على الله بما هو أهله منكم على النعم التي رزقكم وطيبها لكم، ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾، يقول: إن كنتم منقادين لأمره، سامعين مطيعين، فكلوا مما أباح لكم أكله، وحلله وطيبه لكم، ودعوا في تحريمه خطوات الشيطان.\nأخرج مسلم في صحيحه، والترمذي في جامعه عن أبي هريرة ﵁، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله تعالى أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ [المؤمنون: ٥١] وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، ثم ذكر الرجل يطيل السفر، أشعث أغبر، يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذِي بالحرام، فأنّى يستجاب لذلك\" (١).\nوالطيب معناه: الطاهر، وطيبات الرزق: خلاف الخبيث، بدليل أنه تعالى وصف رسوله، بأنه ﴿وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nوقد أرشد الله المؤمنين في هذه الآية إلى ترك ما كانوا يحرمونه في جاهليتهم من المطاعم، وهو الذي ندبهم إلى أكله، ونهاهم عن اعتقاد تحريمه، إذ كان تحريمهم إياه كان في الجاهلية طاعة منهم للشيطان، واتباعًا لأهل الكفر منهم بالله من الآباء والأسلاف، هذا بالنسبة لما خوطبوا بهذه الآية حال نزولها، وأما بالنسبة إلى ما يقتضيه العموم، فلعل أقوامًا ظنوا أن التوسع في المطاعم، والاستكثار من طيباتها ممنوع منه، فأباح تعالى ذلك بهذه الآية.\nوالمعنى حينئذٍ: كلوا من لذائذ ما أحللناه لكم، فكان تخصيصه بالذكر لهذا المعنى. وظاهر قوله تعالى: ﴿كُلُوا﴾، الأمر بالأكل المعهود.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢٧٤٤، و\"مسند الإِمام أحمد\" ٢/ ٣٢٨ (٨٣٢٣)، و\"مختصر المقاصد الحسنة\" ٢٠٨، و\"غاية المرام\" ١٧، طبع المكتب الإِسلامي.","vol":"1","page":451},{"text":"وقيل: المراد الانتفاع به، ونبه بالأكل على وجوه الانتفاع، إذ كان أكل أعظمها، إذ به تقوم البنية. واستدل لذلك بأنه تعالى ما خص الحل والحرمة بالمأكولات، بل بسائر ما ينتفع به من أكل وشرب ولبس، وغير ذلك.\nوفي قوله: ﴿مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ إسناد الرزق إلى ضمير المتكلم بنون العظمة، لما في الرزق من الامتنان والإحسان.\nوعلى تفسير \"الطيبات\" بالحلال، يكون الرزق منقسمًا إلى الحلال والحرام، خلافًا لما ذهب إليه قوم، من أن الرزق لا يكون إلا حلالًا، وإلى هذا ذهب صاحب \"الكشاف\"، بناء على أصل مذهبه، فقال: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾، من مستلذاته، لأن كل ما رزقه الله لا يكون إلا حلالًا.\nوفي قوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ﴾ التفات، إذ خرج من ضمير المتكلم إلى اسم الغائب، وقدم المفعول، فقال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾ ليفيد الاختصاص، أي: إن صح أنكم تخصونه بالعبادة، وتقرون أنه مولى النعم.\nولما قيد تعالى الإذن لهم بالطيب من الرزق، افتقر الأمر منه إلى بيان الخبيث ليجتنب فبيّن صريحًا ما حرم عليهم، مما كان المشركون يحلونه ويحرمون غيره، وأفهم حل ما عداه، وأنه كثير جدًا، ليزداد المخاطب شكرًا فقال:\n﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.\nكلمة ﴿إِنَّمَا﴾ للحصر، وهو إثبات الحكم في المذكور، ونفيه عما عداه، ولكن هذا الحصر تارة يكون مطلقًا، وتارة يكون مخصوصًا، ويفهم ذلك بالقرائن والسياق، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ [الرعد: ٧، والنازعات: ٤٥] وظاهر ذلك الحصر للرسول في النذارة، والرسول لا ينحصر في النذارة، بل له أوصاف جميلة كثيرة، كالبشارة وغيرها، ولكن","vol":"1","page":452},{"text":"مفهوم الكلام يقتضي حصره في النذارة لمن لا يؤمن، وبقي كونه قادرًا على إنزال ما شاء الكفار من الآيات.\nوكذلك قوله ﵊: \"إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي\" (١) معناه حصره بالبشرية بالنسبة إلى الاطلاع على بواطن الخصوم، لا بالنسبة إلى كل شيء؛ فإن له أوصافًا أخر كثيرة. وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ﴾ [محمد: ٣٦] الآية: يقتضي والله أعلم الحصر، باعتبار من قدمها على الآخرة وقدمها عليها؛ وأما بالنسبة إلى ما في نفس الأمر فقد تكون سبيلًا إلى الخيرات، أو يكون ذلك من باب التغليب للأكثر في الحكم على الأقل؛ وكذلك هذه الآية: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ﴾ فإن ظاهرها يقتضي قصر الحكم على ما ذكر، وكم من محرم ورد تحريمه على لسان الشارع، ولم يذكر هنا، فالمراد والله أعلم قصر الحرمة على ما ذكر، مما استحل الكفار لا مطلقًا، وقصر ذلك على حال الاختيار، كأنه قال: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ﴾ هذه الأشياء، ما لم تضطروا إليها.\nوقال البقاعي في \"نظم الدرر\": معناه والله أعلم: إنكم حرمتم الوصيلة والسائبة، وغيرهما مما أحله الله، وأحللتم الميتة والدم، وغيرهما مما حرمه الله، ولم يحرم الله عليكم من السائبة، وما معها مما حرمتموه، ولا غيره مما استحللتموه، إلا ما ذكرته هذه الآية، وإذا راجعت ما في قوله تعالى في الأنعام: ﴿فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١١٨] وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] وقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ [الأنعام: ١٤٥] عرفت المراد من هذه الآية. انتهى.\nفهذا وردت لفظة \"إنما\" فاعتبرها، فإن دلّ السياق، والمقصود من الكلام على الحصر في شيء مخصوص، فقل به، وإن لم يدل على الحصر في شيء مخصوص، فاحمل الحصر على الإطلاق.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢٣٤٢.","vol":"1","page":453},{"text":"وقُرئ ﴿حَرَّمَ﴾ مسندًا إلى ضمير اسم الله، وما بعده منصوب، وهي قراءة الجمهور، فـ \"ما\" على هذا، مهيئة في ﴿إِنَّمَا﴾، هيأت \"إن\" لولايتها الجملة الفعلية.\nوقرأ ابن أبي عبلة برفع \"الميتة\" وما بعدها، فتكون \"ما\" موصولة اسم \"إن\"، والعائد محذوف، أي: إن الذي حرمه الله \"الميتةُ\"، وما بعدها خبر \"إن\".\nوقرأ أبو جعفر \"حُرِّم\" مشددًا مبنيًا للمفعول، فاحتملت \"ما\" وجهين:\nأحدهما: أن تكون موصولة اسم \"إن\"، والعائد الضمير المستكن في \"حرم\"، و\"الميتةُ\" خبر \"إن\".\nوالوجه الثاني: أن تكون \"ما\" مهيئة، و\"الميتة\" مرفوع بـ \"حُرِّم\".\nوقرأ أبو عبد الرحمن السلمي: \"إنما حَرُم\" بفتح الحاء، وضم الراء مخففة، جعله لازمًا، و\"الميتة\" وما بعدها مرفوع، وتحتمل \"ما\" الوجهين من التهيئة والوصل، فعلى الأول \"الميتة\" فاعل بـ \"حَرُم\"؛ وعلى الثاني هي خبر \"إن\".\nواختلفت القراءات أيضًا في ﴿الْمَيْتَةَ﴾، فقرأها بعضهم بالتخفيف، وبعضهم بالتشديد، وهما لغتان معروفتان في القراءة وفي كلام العرب، والمراد من تحريم ﴿الْمَيْتَةَ﴾، تحريم تناولها، فإن التحليل والتحريم إنما يتعلقان بالأفعال دون الأعيان؛ و\"الميتة\": ما فارقه الروح من غير ذبح، وهو مما يذكّى، إنما شأنه التذكية، فخرج السمك والجراد، لأنهما ليسا من شأنهما ذلك.\nوقد روى الإِمام أحمد وابن ماجه والدارقطني، من طريق عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه، عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان فالحوت والجراد، وأما الدمان فالكبد والطحال\" (١). ورواه الدارقطني أيضًا من رواية عبد الله بن زيد بن أسلم عن أبيه، بإسناده. قال الإِمام\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٢١٠.","vol":"1","page":454},{"text":"أحمد وابن المديني: عبد الرحمن بن زيد ضعيف، وأخوه عبد الله ثقة. وأخرجه الشافعي والبيهقي أيضًا.\nوعن أبي شريح، وهو صحابي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله ذبح ما في البحر لبني آدم\". رواه الدارقطني، وذكره البخاري عن أبي شريح موقوفًا.\nوعن عمر في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾ [المائدة: ٩٦] قال: صيده ما اصطيد، ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ما رمي به.\nوقال ابن عباس: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ ميتته، إلا ما قذرت منها. ذكر ذلك البخاري في صحيحه.\nوروى الإِمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه والترمذي، - وقال: حديث حسن صحيح - عن أبي هريرة قال: سأل رجل رسول الله - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إنا نركب البحر، ونحمل معنا القليل من الماء، فإن توضأنا به عطشنا، أفنتوضا بماء البحر؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"هو الطهور ماؤه، الحلُّ ميتته\" (١).\nومن ثم ذهب الجمهور إلى إباحة ميتة البحر، سواء ماتت بنفسها، أو ماتت بالاصطياد.\nوروي عن الحنفية، وعن الهادي، والقاسم، والإمام يحيى، والمؤيد بالله في أحد قوليه - وهم من أئمة أهل البيت - أنه لا يحل إلا ما مات بسبب آدمي، أو بإلقاء الماء عنه، أو جزره عنه، وأما ما مات، أو قتله حيوان غير آدمي فلا يحل؛ واستدلوا بحديث أبي الزبير عن جابر مرفوعًا، بلفظ: \"ما ألقاه البحر أو زجر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه\" (٢). أخرجه أبو داود مرفوعًا من رواية\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٧٠٤٨، و\"إرواء الغليل في تخريج أحاديث منار السبيل\" ٩، ٢٥٠١، و\"سلسلة الأحاديث الصحيحة\" ٤٨٠ طبع المكتب الإِسلامي.\n(٢) هو في \"ضعيف الجامع الصغير\" ٥٠١٩.","vol":"1","page":455},{"text":"يحيى بن سليم الطائفي، عن أبي الزبير، عن جابر. وقد أسند من وجه آخر عن ابن أبي ذئب، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا. وقال الترمذي: سألت البخاري عنه، فقال: ليس بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. انتهى.\nويحيى بن سليم صدوق سيئ الحفظ، وقال النسائي: ليس بالقوي، وقال يعقوب: إذا حدث من كتابه فحديثه حسن، وإذا حدث حفظًا ففي حديثه ما يعرف وينكر. وقال أبو حاتم: ليس بالحافظ. وقال ابن حبان في \"الثقات\": كان يخطئ. وقد توبع على رفعه، أخرجه الدارقطني، من رواية أبي أحمد الزبيري عن الثوري مرفوعًا، لكن قال: خالفه وكيع وغيره، فوقفوه على الثوري وهو الصواب.\nوروي عن ابن أبي ذئب وإسماعيل بن أمية مرفوعًا ولا يصح، والصحيح أنه موقوف. قال الحافظ ابن حجر: وإذا لم يصح إلا موقوفًا، فقد عارضه ما ذكره البخاري عن أبي بكر، أنه قال: الطافي حلال.\nوقال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر.\nقال الحافظ المنذري: وقد أسند هذا الحديث من وجه ضعيف، وأخرجه ابن ماجه.\nقال الحافظ ابن حجر: والقياس يقتضي حِله، لأنه لو مات في البر لأكل من غير تذكية، ولو نضب عنه الماء لأكل ولو مات، فكذلك إذا مات وهو في البحر.\nوقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ [المائدة: ٣] يشمل ما قطع منها في حالة الحياة، لما رواه ابن ماجه عن ابن عمر أن النبي - ﷺ - قال: \"ما قطع من بهيمة وهي حية، فما قطع منها فهو ميتة\" (١). وأخرجه البزار والطبراني في \"الأوسط\"، من حديث هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر. لكن قال الدارقطني: كونه\n_________\n(١) هو في \"صحيح سنن ابن ماجه - باختصار السند\" ٢٦٠٦.","vol":"1","page":456},{"text":"مرسلًا أشبه بالصواب، ويقوي حكمه ما أخرجه الإِمام أحمد والترمذي وأبو داود، عن أبي واقد الليثي مرفوعًا: \"ما قطع من البهيمة وهي حية فهو ميتة\" (١).\nوأما ﴿وَالدَّمُ﴾: فكانت العرب تجعله في المباعر (٢) وتشويها ثم تأكلها، فحرم الله الدم المسفوح الذي يفعل به أهل الجاهلية؛ وقد علمت مما مرّ أنه يستثنى منه الكبد والطحال، وقد بلغني أن أناسًا من أهل زماننا، يفعلون بالدم مثل فعل الجاهلية ثم يأكلونه، وسئلت عن ذلك فأفتيت بالحرمة، وتلوت الآية الكريمة مستدلًا بها.\nوبقي هنا أن يقال: إن كثيرًا ما تذبح الذبيحة التي يحل أكلها، فيوجد في بطنها جنين ميت، فهل له حكم الميتة أم لا؟\nوالجواب: أن ظاهر الآية يقتضي إلحاقه بالميتة، وإلى ذلك ذهبت العترة وأبو حنيفة، فقالوا: لا تغني تذكية الأم عن تذكيته؛ واحتجوا بعموم هذه الآية، لكن ذلك الاحتجاج معارض بوجهين:\nأولهما: أنه من ترجيح العام على الخاص الوارد في الأحاديث الآتية، وقد تقرر في فن الأصول بطلانه.\nوثانيهما: ما أخرجه الإِمام أحمد والترمذي وابن ماجه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - أنه قال في الجنين: \"ذكاته ذكاة أمه\" (٣)، وفي رواية، قلنا: با رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة والشاة، في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكل؟ قال: \"كلوه إن شئتم، فإن ذكاته ذكاة أمه\". رواه الإِمام أحمد وأبو داود، وإلى ذلك ذهب الثوري والشافعي، والحسن بن زياد، وصاحبا أبي حنيفة (٤).\n_________\n(١) هو في \"صحيح سنن الترمذي - باختصار السند\" ١١٩٧.\n(٢) أي: في المصارين والأمعاء بعد إضافة البهارات.\n(٣) هو في \"صحيح سنن الترمذي- باختصار السند\" ١١٩٣.\n(٤) تقدم أن أبا حنيفة ذهب إلى وجوب تذكية الجنين، وهنا صاحباه على خلافه، وبذلك يكون المذهب قولهما، كما هو مقرر في أصول الأحناف ... بل إن أقوال أبي حنيفة في مذهبه لا تكاد تصل إلى الربع مما هو مفتى به.","vol":"1","page":457},{"text":"واعتذر المانعون عن الحديث بأعذار لا تغني شيئًا؛ وظاهر الحديث أن الجنين يحل بذكاة الأم مطلقًا، سواء خرج حيًا أو ميتًا؛ فالتفصيل ليس عليه دليل.\nوقولهم: المراد ذكاة الجنين كذكاة أمه، مردود بأنه لو كان المعنى على ذلك لكان منصوبًا بنزع الخافض، والرواية بالرفع، ويؤيده أنه روي بلفظ: \"ذكاة الجنين في ذكاة أمه\" أي: كائنة، أو: حاصلة في ذكاة أمه. وروي: \"ذكاة الجنين بذكاة أمه\" - والباء للسببية.\nوقوله ﴿وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ أراد الخنزير بجميع أجزائه، لكنه خص اللحم لأنه المقصود بالأكل، وفائدة تخصيص لحم الخنزير دون لحم سائر السباع، أن كثيرًا من الكفار ألفوا لحم الخنزير، فخص بهذا الحكم، وهذا قول سائر أهل العلم.\nونقل أبو حيان في \"البحر\" عن داود الظاهري (١) أنه قال: المحرم من الخنزير اللحم دون الشحم، انتهى.\nواستدل بظاهر الآية، ودليله قوي، إلا إذا أتى ما يعارضه، وسيمر بك ذلك المعارض، وعندي في النقل عن داود وقفة، فقد قال أبو محمَّد بن حزم الظاهري، في كتابه \"المحلى\" ما لفظه: ولا يحل أكل شيء من الخنزير، لا لحمه ولا شحمه، ولا جلده ولا عصبه، ولا غضروفه ولا حشوته، ولا مخهُ ولا عظمه، ولا رأسه ولا أطرافه، ولا أليته ولا شعره، الذكر والأنثى، والصغير والكبير سواء، انتهى.\nفيحتمل أن هذا مذهب لابن حزم انفرد به عن داود، ويحتمل أنه مذهب داود، وقد غلط أبو حيان في النقل عنه، مع أنه كان ظاهريًا، وكثيرًا ما يحصل الغلط في النقل عن الأئمة لمن لم يراجع كتبهم.\nقال ابن حزم: ولا يحل الانتفاع بشعر الخنزير لا في خرز ولا في غيره، ثم استدل لذلك بحديث الصحيحين: \"ينزل عيسى بن مريم حكمًا عدلًا، فيكسر\n_________\n(١) هو داود بن علي. الأشهر من علماء الظاهر .. ومن بعده الإِمام ابن حزم. ولكن الحق أن حكم الظاهر هو الغالب على أكثر فقهاء المذاهب.","vol":"1","page":458},{"text":"الصليب، ويقتل الخنزير\" وأطال في ذلك، ثم أتبعه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥]. قال: والضمير في لغة العرب التي نزل بها القرآن، راجع إلى أقرب مذكور إليه، فصح بالقرآن أن الخنزير بعينه ﴿رِجْسٌ﴾، و﴿اَلرِّجْسَ﴾ حرام واجب اجتنابه.\nفالخنزير كله حرام، لا يخرج من ذلك شعره ولا غيره، حاشا ما أخرجه النص عن الجلد إذا دبغ فحل استعماله (١).\nثم إنه رد على من يقول: إن تحريم شحمه إنما هو بالقياس على لحمه، وبرهن على أن تحريم الشحم إنما هو بطريق النص، لا بطريق القياس؛ وهذا قريب من قول ابن عطية في تفسيره، خص ذكر اللحم من الخنزير، ليدل على تحريم عينه، ذكّي أو لم يذكّ، وليعم الشحم وما هنالك من الغضاريف وغيرها.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ الإهلال: رفع الصوت، ومنه الإهلال بالتلبية، ومنه سمي الهلال لارتفاع الصوت عند رؤيته، ومنه إهلال الصبي واستهلاله، وهو صياحه عند ولادته.\nومعناه والله أعلم: ما ذبح للآلهة والأوثان، يسمى عليه ﴿لِغَيْرِ﴾ اسم ﴿اللَّهِ﴾، أو قصد به الأصنام، وإنما قيل: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ﴾، لأنهم كانوا إذا أرادوا ذبح ما قربوه لآلهتهم، سموا اسم آلهتهم التي قربوا ذلك لها وجهروا بذلك أصواتهم، فجرى ذلك من أمرهم على ذلك، حتى قيل لكل ذابح - يسمي أو لم يسمِّ، جهر بالتسمية أو لم يجهر-: مهلّ، فرفعهم أصواتهم بذلك هو الإهلال الذي ذكره الله فقال؛ ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾.\nوقال قتادة: هو ما ذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ مما لم يسم عليه؛ وقال الضحاك: هو\n_________\n(١) إن الدباغ يطهر الشعر والصوف لأنها كلها من الإهاب. هذا عند أكثر. وقد استنثى بعضهم جلد الخنزير.","vol":"1","page":459},{"text":"ما أهل به للطواغيت. وروى ابن جرير عن عقبة بن مسلم التجيبي، وقيس بن رافع الأشجعي، أنهما قالا لحيوة:\nهل أحل لنا ما ذبح لعيد الكنائس، وما أهدي لها من خبز ولحم، فإنما هو طعام أهل الكتاب؟\nقال: لا. قلت: أرأيت قول الله: ﴿وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾؟\nقال: إنما ذلك المجوس، وأهل الأوثان، والمشركون.\nوقال علي والحسن: هو ما قصد به غير وجه الله للتفاخر والتباهي.\nقال في \"البحر\": والذي يظهر من الآية، تحريم ما ذبح ﴿لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، فيندرج في لفظ \"غير الله\"، الصنم والمسيح، والتفاخر واللعب.\nوفي \"غرائب القرآن\"، لنظام الدين النيسابوري: قال العلماء: لو أن مسلمًا ذبح ذبيحة، وقصد بذبحها التقرب إلى غير الله تعالى، صار مرتدًا، وذبيحته ذبيحة مرتد.\nوفي كتاب \"الروض\" للشافعية: أن المسلم إذا ذبح للنبي، كفر.\nقال الشوكاني، بعد أن نقل كلامه: إذا كان الذبح لسيد الرسل - ﷺ - كفرًا عنده، فكيف بالذبح لسائر الأموات، انتهى.\nوكرّه الإِمام أحمد الذبح عند القبر وأكل ذلك، لخبر أنس: \"لا عقر في الإِسلام\" (١) حديث صحيح. رواه أحمد وأبو داود، وقال: قال عبد الرزاق: كانوا يعقرون عند القبر بقرة أو شاة. وروى المروذي عن الإِمام أحمد: كانوا إذا مات الميت، نحروا جزورًا، فنهى ﵇ عن ذلك.\nوفسره غير واحد بعد ذلك بمعاقرة الأعراب: يتبارى رجلان في الكرم، فيعقر هذا ويعقر هذا، حتى يغلب أحدهما الآخر، فيكون ﴿أُهِلَّ .. لِغَيْرِ اللَّهِ﴾،\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٧٥٣٥.","vol":"1","page":460},{"text":"ذكره البيهقي؛ وروى أبو داود بإسناد جيد عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ -: \"نهى عن طعام المتباريَين\" (١)، ورواه أيضًا الحافظ المقدسي في \"المختارة\" بإسناد جيد.\nوسيأتي مزيد على ذلك إن شاء الله تعالى في سورة المائدة.\nوبقي هنا أن يقال: هذا الحكم في غير ذبائح أهل الكتاب، أما ذبائحهم فتحل لنا، لقول الله تعالى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٥] ولما كان شأن الاضطرار أن يشمل جمعًا من الخلق، أنباهم تعالى: بأن هذا الذي رفع عنهم من التحريم، لا يبرأ من كلية الأحكام، بل يبقى مع هذه الرخصة موقع للأحكام في الغي والعدوان، فقال: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ الآية.\nأي: فمن حلت له ضرورة مجاعة، إلى ما حرمتُ عليكم من ﴿الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾، وهو بالصفة التي وصفنا، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في أكله إن أكله، فقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾ افتعل من الضرورة، و﴿غَيْرَ بَاغٍ﴾ نصب على الحال من ﴿فَمَنِ﴾، فكأنه قيل: من اضطر لا باغيًا ولا عاديًا فأكله، فهو له حلال.\nوللمفسرين هنا أقوال كثيرة في معنى \"غير باغ ولا عاد\"، وكلها ترجع إلى التخصيص، وأولاها التعميم، فتشمل ما إذا كان الآكل مكرهًا على الأكل، والخارج على الأمة بسيفه باغيًا عليهم بغير جور، ولا عاديًا عليهم بحرب وعدوان، فمفسد عليهم السبيل، والذي يقطع الطريق، والخارج في معصية الله، والآكل من الميتة، وما عطف عليها، وله مندوحة عن أكلها، والمتعدي بأكله فوق ما لا بد منه، فكل أولئك لم يجز لهم أكل الميتة، فيفسر الاعتداء بكل معانيه المحرمة.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معناه: من أكل ذلك على الصفة التي وصفنا، فلا تبعة عليه في أكله ذلك كذلك، ولا حرج. وأبدى الحرالي هنا لطيفة،\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٦٩٦٥.","vol":"1","page":461},{"text":"وهي: أن تحريم أكل الميتة إنما هو للضرر الموجود فيها، فإذا أكلها غير المضطر لحقه الضرر الموجود بها، وإذا أكلها المضطر ارتفع ذلك الضرر، لأن الله تعالى، إذا أباح شيئًا أذهب ضره، واستدل بذلك لما ورد في الخبر \"إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها\" (١). قال: ففيه تنبيه لتغيير هذه الأعيان للمضطر، عما كانت عليه حتى تكون رخصة في الظاهر، وتطييبًا في الباطن، فكما رفع عنه حكم الكتابي، يتم فضله فيرفع عنه حكمها الطبيعي.\nثم علل هذا الحكم مرغبًا ومرهبًا، بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، أشعر بقوله: ﴿رَحِيمٌ﴾ بأنه لا يصل إلى حال الاضطرار إلى ما حرم عليه أحد، إلا عن ذنب أصابه، فلولا المغفرة لتمت عليه عقوبته، لأن المؤمن أو الموقن لا تلحقه ضرورة، لأن الله لا يعجزه شيء، وعبد الله لا يعجزه ما لا يعجز ربه، ﴿وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ﴾ [الروم: ٤٩]. فاليأس الذي يحوج إلى ضرورة، إنما يقع لمن هو دون رتبة اليقين، ودون رتبة الإيمان، واستدل لذلك بما روي عن جابر في قصة طويلة: أنهم كانوا [في] غزاة، فنفد زادهم وهم على سيف البحر، فألقى البحر إليهم دابة يقال لها العنبر، فأكلوا منها نصف شهر، فلما رجعوا أخبروا النبي - ﷺ - بذلك، فقال: \"هل عندكم منه شيء تطعموني؟ \" (٢). ووجه الاستدلال من جهة أن الله تعالى لم يحوجهم إلى ضرورتهم، إلى ما حرم عليهم، بل جاءهم في ضرورتهم بما هو أطيب مأكلهم في حال السعة من صيد البحر، الذي هو: \"الطهور ماؤه، الحل ميتته\".\nوفي قوله هنا: ﴿رحيم﴾ إنباء بأن من اضطر، فأصاب مما اضطر إليه شيئًا، لم يبغ فيه، ولم يعده، تناله من الله رحمة، توسعه عن أن يضطر بعدها إلى مثله، فيغفر له الذنب السابق الذي أوجب الضرورة، ويناله بالرحمة الواسعة التي ينالها من لم يقع منه ما وقع ممن اضطر إلى مثله.\n_________\n(١) هو في \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\" ٣٠.\n(٢) أخرجه البخاري بنحوه (٤٣٦١) و(٥٤٩٤)، ومسلم (١٩٣٥).","vol":"1","page":462},{"text":"ولما كان في بيان هذه المحرمات الإشارة إلى عيب من استحلها من العرب، وترك ما أمر به من الطيبات جهلًا وتقليدًا، أردفها هذه الآية بتكرار عيب الكاتمين لما عندهم من الحق، مما أنزل في كتابهم، فقال:\n﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤)﴾.\nروى ابن جرير عن قتادة: أن هذه الآية، مراد بها أهل الكتاب، كتموا ما أنزل عليهم، وبيّن لهم من الحق الهدى، ونعت محمَّد - ﷺ - وأمره. ورُوي مثل ذلك عن الربيع والسدي وعكرمة. وهذا وإن كان كذلك، إلا أن خطاب النبي - ﷺ - به، يشعر بوقوع ذلك من طائفة من أمته، حرصًا على الدنيا، كما يقع من المتأولين لكتاب الله وسنة رسوله، ليجعلونها مستندًا لبدعتهم، وجلب حطام الدنيا، ويكتمون معنى ما أنزل إليهم من ربهم.\nفالأولى أن يقال: نزلت هذه الآية، في كل كاتم حق، لأخذ عرض أو إقامة غرض، من مؤمن ويهودي، ومشرك ومعطل، وإن صح سبب النزول، فهي عامة، والحكم للعموم؛ وإن كان السبب خاصًا، فيتناول من علماء المسلمين من كتم الحق مختارًا لذلك، لسبب دنيا يصيبها.\nفقوله تعالى: ﴿يَكْتُمُونَ﴾ تأوله المفسرون على وجهين:\nأولهما: ما روي عن ابن عباس، أنهم كانوا يحرفون التوراة والإنجيل.\nوثانيهما: ما قاله المتكلمون: من أن هذا ممتنع، لأنهما كانا كتابين بلغا في الشهرة والتواتر إلى حيث يتعذر ذلك فيهما، بل كانوا يكتمون التأويل، لأنه قد كان فيهم من يعرف الآيات الدالة على نبوة محمَّد - ﷺ -، وكانوا يذكرون لها تأويلات باطلة، ويصرفونها عن محاملها الصحيحة الدالة على نبوة محمَّد ﵇. فهذا هو المراد من الكتمان، فيصير المعنى: إن الذين يكتمون معاني ما أنزل الله من الكتاب. وعلى هذا يدخل في الوعيد الباطنية والزنادقة، وأشياعهم","vol":"1","page":463},{"text":"وأشباههم، الذين يؤولون القرآن والسنة إلى درجة يلزم منها الحلول، وتعطيل الأمر والنهي، ويصرفون معاني الألفاظ إلى غير ما وضعت له، ويبدلون ما أنزل الله من الكتاب، فيجعلون الكلمة الواحدة كلمتين أو أكثر، توصلًا إلى تأييد نحلتهم، فيغيرون حدود الكتاب وأحكامه.\nولما كان من الكتم ما يكون لقصد خير - وكم من كلمة حق أريد بها باطل- قيده بقوله: ﴿وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾. والثمن ما لا ينتفع بعينه، حتى يصرفه إلى غيره من الأعواض، فالإيعاد على ما يتضمن جهل الكاتم وحرصه، باستكسابه بالعلم، وإجرائه في غير ما أجراه تعالى على ألسنة أنبيائه ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ﴾ [الشعراء: ١٠٩، ١٢٧، ١٤٥، ١٦٤، ١٨٠] ووصف الثمن بالقلة، إشارة إلى أن كل ما لم يثبت من خير الدنيا في الآخرة -وإن جلَّ- فهو حقير قليل مهان، ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هذه صفتهم ﴿مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ﴾ أي: ملء بطونهم؛ يقال: أكل فلان في بطنه، وأكل في بعض بطنه، وقوله: ﴿إِلَّا النَّارَ﴾ جار مجرى قول العرب: أكل فلان الدم، إذا أكل الدية التي هي بدل منه، وهنا إذا أكل ما يتلبس بالنار، لكونها عقوبة عليه، فكأنه أكل النار، ولما كانت النار تحرق ما تصل إليه، كان عقابهم في الدنيا موت قلوبهم وحواسهم، فلا يحسون بالحق، ولا يدرونه، فهم كالخدر الذي يجعل يده في الماء الحار ولا يحس به، فيشعر ذلك بموت حواس هؤلاء عن حال ما تناولوه كما نشاهد ذلك من أكل مال اليتيم بغير حق، وما أشبهه، وعقابهم في الآخرة النار، يأكلونها في بطونهم، ﴿وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ﴾ كلامًا يدل على مرضي (١)، لكونهم لم يكلموا الناس بما كتب عليهم، وهذا تعريض بحرمانهم حال أهل الجنة، في تكرمة الله إياهم بكلامه، وتزكيتهم بالثناء عليهم، وإنما يكلم الله هؤلاء بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وإنما كان عدم تكليمهم ﴿يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، لأنه هو اليوم الذي يكلم الله فيه كل الخلائق بلا واسطة، فيظهر عند كلامه السرور في\n_________\n(١) الأصل: (رضي) والتصويب من \"نظم الدرر\" ٢/ ٣٥٢.","vol":"1","page":464},{"text":"أوليائه، وضده في أعدائه، ويتميز أهل الجنة بذلك من أهل النار، فلا جرم كان ذلك من أعظم الوعيد، ﴿وَلَا يُزَكِّيهِمْ﴾ لما أوقعوا فيه الناس من التعب، بكتمهم عنهم ما يقيمهم على الواضحة البيضاء، والصراط السوي.\nوقد علمت مما سبق أن هذه الآية، وإن قال المفسرون: إنها نزلت في اليهود، لكنها عامة في حق كل من كتم شيئًا من باب الدين يجب إظهاره، فتصلح لأن يتمسك بها القاطعون بوعيد أصحاب الكبائر.\nولما وصف تعالى علماء اليهود، ومن كان على شاكلتهم بكتمان الحق، وعظم في الوعيد عليه، وصف ذلك الجرم ليعلم أن ذلك العقاب إنما عظم لهذا الجرم العظيم، فقال:\n﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)﴾.\nاعلم: أن الفعل: إما أن يعتبر حالة في الدنيا، وإما في الآخرة. أما في الدنيا فأحسن الأشياء الاهتداء والعلم، وأقبح الأشياء الضلال والجهل، فلما تركوا الهدى والعلم في الدنيا، ورضوا بالضلال والجهل، فلا شك أنهم في نهاية الخيانة في الدنيا، وأما في الآخرة فأحسن الأشياء المغفرة، وأخسرها العذاب، فلما تركوا المغفرة، ورضوا بالعذاب، فلا شك أنهم في غاية الخسارة في الآخرة، وإذا كانت صفتهم على ما ذكرناه، كانوا لا محالة أعظم الناس خسارًا في الدنيا وفي الآخرة.\nوإنما حكم تعالى عليهم بأنهم اشتروا العقاب بالمغفرة، لأنهم لما كانوا عالمين بما هو الحق، وكانوا عالمين بأن في إظهاره وإزالة الشبهة عنه أعظم الثواب، وفي إخفائه وإلقاء الشبهة فيه أعظم العقاب، فلما أقدموا على إخفاء ذلك الحق، كانوا بائعين للمغفرة بالعذاب لا محالة.","vol":"1","page":465},{"text":"وقوله: ﴿فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ﴾ تعجب من حالهم في التباسهم بموجبات النار من غير مبالاة منهم، والمعنى: ما أجرأهم على عذاب النار، وأعملهم بأعمال أهلها، وقد سمع من العرب: ما أصبر فلانًا على الله، بمعنى: ما أجرأه عليه، وإنما يعجب الله خلقه بإظهار الخبر عن القوم ﴿الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، واشترائهم بكتمان ذلك ثمنًا قليلًا من السحت (١) والرّشا (٢) التي أعطوها، على وجه التعجب من إقدامهم على ذلك، مع علمهم بأن ذلك موجب لهم سخط الله، وأليم عقابه، وسبيل هذا سبيل قولهم: ما أشبه سخاءك بحاتم، يريدون ما أشبه سخاءك بسخاء حاتم.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: ذلك الذي ذكر من أكلهم النار وما بعده، بسبب أن ﴿اللَّهَ نَزَّلَ﴾ ما نزل من ﴿الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، فمن كتمه فقد حاول نفي ما أثبت الله، فضادّ الله في ملكه، ومن خالف فيه، وهو الذي لا شبهة تلحقه، فقد عد الواضح ملبسًا، فقد أبعد المرمى، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ﴾ في كتب الله، فقالوا في بعضها حقًا، وفي بعضها باطلًا. ﴿لَفِي شِقَاقٍ﴾، لفي خلاف ﴿بَعِيدٍ﴾ عن الحق، هذ ابناء على جعل اللام في ﴿الْكِتَابِ﴾ للجنس، وإن جعلت للعهد كانت الإشارة، إما إلى التوراة، واختلافهم حيث آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها بكتمه، وإما إلى القرآن واختلافهم فيه، قول بعضهم هو سحر، وبعضهم شعر، وبعضهم أساطير الأولين.\nوقوله: ﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾ يعني: أن أولئك لو لم يختلفوا، ولم يشاقوا، لما جسر هؤلاء أن يكفروا، وهذه حالة من أصله الله على علم، ولما كان الخطاب في هذه الآيات، والتي قبلها ظاهره خطاب لليهود والنصارى، على مقتضى أسباب النزول، كان الأمر على طريق عموم اللفظ، فألحق بهم سائر من تنكّب عن طريق الهدى، فيلحق باليهود منافقو أمتنا، ممن ارتاب بعد إظهار ايمانه، وفعل أفاعيلهم من المكر والخديعة والاستهزاء، ويلحق بالنصارى من اتصف بأحوالهم،\n_________\n(١) السحت الحرام، أو ما خبث من المكاسب فلزم عنه العار.\n(٢) الرشا: جمع رشوة. وهو المقدم للظَلَمة من غير وجه حق.","vol":"1","page":466},{"text":"وبالمشركين من جعل سندًا واعتقد فعلًا لغيره، على غير طريقة الكسب، والمجوس لاحقون بأهل الشرك، والشرك أكثر هذه الطرق تشعبًا، ولهذا قال ﵊: \"الشرك أخفى من دبيب النمل\" (١). ومن فعل أفعال من ذكره، ولم ينته به الأمر إلى مفارقة دينه، والخروج في شيء من اعتقاده، خيف عليه أن يكون ذلك وسيلة إلى اللحوق بمن تشبه به، ولهذا قال ﵇: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا أوعد أخلف، وإذا خاصم فجر\" (٢). إلى أشباه هذا من الأحاديث.\nولما بيّن ﷾ كفر أهل الكتاب، الطاعنين في نسخ القبلة بتكذيب الرسول، وكتمان الحق، وغير ذلك، أتبعه الإشارة إلى أن أمر الفروع أخف من أمر الأصول؛ لأن الفروع ليست مقصودة لذاتها، وإنما المقصود بالذات الإيمان، فإذا وقع تبعته جميع الطاعات، فقال:\n﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾.\nاختلف المفسرون في تأويل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ فقال ابن عباس: هو الصلاة، يعني ﴿لَيْس الْبِرَّ﴾ الصلاة وحدها، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الخصال التي أبينها لكم.\nوقال مجاهد: ﴿الْبِرَّ﴾ ما ثبت في القلوب من طاعة الله، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ الآية، وقال ابن عباس: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ﴾ تصلّوا ولا تعملوا غير ذلك.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٣٧٣٠ و٣٧٣١.\n(٢) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٨٨٩ و٨٩٠.","vol":"1","page":467},{"text":"وقال آخرون: عني الله بقوله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ اليهود والنصارى، وذلك أن اليهود تصلي فتوجه قِبل المغرب، والنصارى تصلي فتتوجه قِبل المشرق، فأنزل الله فيهم هذه الآية؛ يخبرهم فيها أن البر غير العمل الذي يعملونه، ولكنه ما بيناه في هذه الآية؛ وبمثل هذا قال قتادة، والربيع بن أنس.\nوهذا القول يدل عليه سياق الآيات، لأن الآيات التي مضت كانت موبخة لليهود والنصارى، ولائمة لهم، ومخبرة عنهم، وعما أعد لهم من أليم العذاب. وهذه الآية في سياق ما قبلها، فينبغي أن يكون المعنى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ أيها اليهود والنصارى، أن يولي بعضكم وجهه ﴿قِبَلَ الْمَشْرِقِ و﴾ بعضكم قبل ﴿الْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية.\nوعلى القول الأول المشعر بأن الآية نزلت في المؤمنين، يكون المعنى: أنه نهاهم أن يتعلقوا من شريعتهم بأيسر شيء، كما تعلق أهل الكتابين، ولكن عليهم العمل بجميع ما في طاقتهم من تكاليف الشريعة، على ما بينه الله.\nأخرج ابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، عن قتادة، قال: كان الرجل قبل الفرائض، إذا شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله، ثم مات على ذلك، يرجى له، ويطمع له في خير، فأنزل الله: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية. وكانت اليهود توجهت قبل المغرب، والنصارى قبل المشرق، فأنزل الله هذه الآية. انتهى.\nوهذا القول كأنه جمع بين القولين، وعليه فالآية عامة للفريقين، وهو أولى ما تفسر به.\nوقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ معلوم أن ﴿الْبِرَّ﴾ معنى من المعاني، فلا يكون خبره الذوات، التي هي هنا، ﴿مَنْ آمَنَ﴾ إلا مجازًا، فإما أن يجعل ﴿الْبِرَّ﴾ هو نفس ﴿مَنْ آمَنَ﴾ على طريق المبالغة، قال أبو عبيدة: والمعنى: ﴿وَلَكِنَّ﴾ البار، وإما أن يكون على حذف من الأول، أي: ﴿وَلَكِنَّ﴾ ذا البر، قاله الزجاج؛ أو من الثاني، أي: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بر ﴿مَنْ آمَنَ﴾؛ قاله قطرب. وعلى هذا خرجه","vol":"1","page":468},{"text":"سيبويه، قال في كتابه: وقال جل وعز: ولكن البر من آمن، وإنما هو، ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ بر ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. انتهى.\nومضمون الآية: أن البر لا يحصل باستقبال المشرق والمغرب، بل بمجموع أمور:\nأحدها: الإيمان بالله، وأهل الكتاب أخلوا بذلك، أما اليهود فللتجسيم، ولقولهم: عزير ابن الله، وأما النصارى فلقولهم: المسيح ابن الله.\nالثاني: الإيمان باليوم الآخر، واليهود أخلوا به، حيث قالوا: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] والنصارى أنكروا المعاد الجسماني.\nوالثالث: الإيمان بالملائكة، واليهود عادوا جبريل، والمشركون قالوا: الملائكة بنات الله.\nوالرابع: الإيمان بكتب الله، واليهود والنصارى قد أخلوا بذلك، لأن مع قيام الدلالة على أن القرآن كلام الله وكتابه، ردوه ولم يقبلوه.\nوالخامس: الإيمان بالنبيين، واليهود أخلوا بذلك، حيث قتلوا الأنبياء، على ما قال تعالى: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [البقرة: ٦١] وحيث طعنوا في نبوة محمَّد ﷺ.\nوالسادس: بذل الأموال على وفق أمر الله سبحانه، واليهود أخلوا بذلك، لأنهم يلقون الشبهات لطلب المال القليل، كما قال تعالى: ﴿وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [آل عمران: ١٨٧].\nالسابع: إقامة الصلوات والزكوات، واليهود كانوا يمنعون الناس منها.\nوالثامن: الوفاء بالعهد، حيث قال تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ [البقرة: ٤٠].","vol":"1","page":469},{"text":"فقوله تعالى: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ﴾ الآية، ليس فيه إخراج التوجه إلى القبلة عن ﴿الْبِرَّ﴾، كما هو الظاهر من جهة أن فيه، ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾، ومن شروطها التوجه إلى جهة القبلة، ولكن المراد نفي الكمال، لا نفي أصل البر. كأنه قال: ﴿لَيْسَ الْبِرَّ﴾ كله هو هذا، فإن البر اسم لمجموع الخصال الحميدة، واستقبال القبلة واحد منها، فلا يكون ذلك تمام البر؛ أو يقال: إن ﴿لَيْسَ﴾ نفت الأصل، لأن استقبالهم ﴿الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ﴾ بعد النسخ، كان إثمًا وفجورًا، فلا يعد في البر؛ أو يقال: إن استقبال القبلة لا يكون برًا، إذا لم تقارنه معرفة الله تعالى، وإنما يكون برًّا مع الإيمان، وما عطف عليه في هذه الآية.\nوترتيب المذكورات جارٍ على ألطف الحكمة، لأنه تعالى قدم الإيمان به تعالى، المتضمن للإقرار بوجوده، وباتصافه بما وصف الله به نفسه، ووصفه به رسوله؛ ثم ثنى بـ ﴿الْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، لأنه أبعد الأشياء عن الحقائق، عند المنكر له، ومن لا يعرفه ولا معنى به، ثم ثلث بـ ﴿الْمَلَائِكَةِ﴾، اعتبارًا للترتيب الوجودي، لأن الملك يوجد أولًا، ثم يحصل بوساطة تبليغه نزول الكتب، ثم يصل ذلك الكتاب إلى الرسول، وأيضًا فإن الوحي إلى الأنبياء، إنما كان بوساطة الملك، وإنكار وجود الملائكة، يتضمن إنكار الوحي، فلذلك كان الإيمان بوجود الملائكة لا يتم الإيمان إلا به، ونفي وجودهم يتضمن نفي الرسالة، فلذلك قدم الإيمان بوجودهم على الإيمان بالرسل، ثم ذكر ﴿الْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ﴾، لأن المكلف له وسط ومبدأ ومنتهى، ومعرفة المبدأ والمنتهى هو المقصود بالذات، وهو المراد بالإيمان بالله وباليوم الآخر، وأما معرفة مصالح الوسط فلا تتم إلا بالرسالة، وهي لا تتم إلا بأمور ثلاثة: الملائكة الآتين بالوحي؛ والموحى به؛ وهو الكتاب؛ والموحى إليه، وهو الرسول.\nوقال الحرالّي: الإيمان بالنبيين وبما قبلهم، فيه قهر النفس وللإذعان لمن هو من جنسها، والإيمان بغيب من ليس من جنسها، ليكون في ذلك ما ينزع النفس عن هواها. انتهى.\nوفي تعقيب الصدقة بالإيمان، إشعار بأنها المصدقة له، فمن بخل بها، كان مدعيًا الإيمان بلا بيّنة، وإرشادًا إلى أن في بذلها السلامة من فتنة المال. كما قال","vol":"1","page":470},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ [التغابن: ١٥]، لأن من آمن وتصدق، كان قد أسلم لله روحه وماله الذي هو عديل روحه، فصار عبدًا لله حقًا، وفي ذلك إشارة إلى الحث على مفارقة كل محبوب سوى الله في الله.\nقال الحرالّي: من ظن أن حاجته يسدها المال، فليس برًّا، إنما البر الذي أيقن أن حاجته إنما يسدها ربه ببره الخفي. انتهى.\nوالضمير في قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ راجع إلى المال، والتقدير: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى﴾ حب المال. ويؤيده ما رواه ابن جرير عن عبد الله بن مسعود، أنه في هذه الآية: يؤتي المال وهو صحيح شحيح، يأمل العيش، ويخشى الفقر؛ ورواه عنه عبد الرزاق.\nوقيل الضمير راجع إلى الإيتاء المفهوم من قوله ﴿وَآتَى﴾، كأنه قيل: يعطي ويحب الإعطاء، رغبة في ثواب الله تعالى. وهذا نفي لما كانوا يفعلونه في الجاهلية من إعطاء المال حبًا بالتفاخر.\nوقدم ﴿ذَوِي الْقُرْبَى﴾ لأنهم أولى الناس بالمعروف، لأن إيتاءهم صدقة وصلة.\n﴿وَالْيَتَامَى﴾ علم لذوي القربى وغيرهم، وإعطاؤهم لأنهم أعجز الناس.\nوعطف عليهم المساكين، لأنهم بعدهم في العجز، ويدخل فيهم الفقراء، و﴿الْمَسَاكِينَ﴾: الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له، ﴿وَابْنَ السَّبِيلِ﴾: المسافر المنقطع، وجعل ابنًا للسبيل، لملازمته له، وإعطاؤه لعجزه بالغربة، وإذا جعلنا ذلك أعم من الحال والمآل، دخل فيه المغازي والضيف، والسائلين المستطعمين.\nوقد روى الإِمام أحمد مرفوعًا: \"للسائل حق وإن جاء على فرس\" (١) وذلك لأن الغالب أن سؤالهم يكون عن حاجة؛ ويدخل فيهم الغارم.\n_________\n(١) ينظر \"ضعيف الجامع الصغير\" ٤٧٤٦، و\"مختصر المقاصد الحسنة\" ٨٠٩.","vol":"1","page":471},{"text":"ومعنى ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾، معاونة المكاتبين حتى يفكوا رقابهم المسترقة التي يرام فكها بالكتابة؛ ومنه فك الأسرى؛ وقيل: في ابتياع الرقاب واعتاقها؛ والأولى أن يجعل عامًا في الكل.\nولما ذكر تعالى مواساة الخلق، وقدمها حثًا على مزيد الاهتمام بها، لتسمح النفس بما زين لها حبه من المال، أتبعها حقه تعالى فقال: ﴿وَأَقَامَ الصَّلَاةَ﴾ أي: أدام العمل بها بحدودها، والمحافظة عليها، ﴿وَآتَى الزَّكَاةَ﴾ أعطاها على مقتضى ما فرضه الله عليه.\nفقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾ حث على الصدقة المندوبة، وهنا حث على المفروضة، وفي الاقتصار فيها على الإيتاء، إشعار بأن إخراج المال على هذا الوجه، لا يكون إلا مع الإخلاص.\n﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾ هم الذين لا ينقضون عهد الله بعد المعاهدة، ولكن يوفون به ويتمونه على ما عاهدوا عليه، من عاهدوه عليه، وهو عام للعهد مع الله أو مع الناس، و﴿الْمُوفُونَ﴾ عطف على ﴿مَنْ آمَنَ﴾ وقيل: رفعه على إضمار: ﴿و﴾ هم ﴿الْمُوفُونَ﴾.\nوقوله: ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ منصوب على الاختصاص والمدح، إظهارًا لفضل الصبر في الشدائد، ومواطن القتال على سائر الأعمال. وقرئ: و\"الصابرون\"، وقرئ \"الموفون والصابرون\" (١)، و﴿فِي الْبَأْسَاءِ﴾ أي: عند حلول الشدة بهم في أنفسهم من الله بلا واسطة، أو منه بواسطة العباد، وقال في \"الكشاف\": الفقر والشدة، ﴿وَالضَّرَّاءِ﴾ المرض والزمانة. انتهى.\nوالأولى أن يفسر بكل ما يضر، سواء كان الضرر في الأبدان، أو في الأموال، وفسرها في \"القاموس\" بالشدة، والنقص في الأموال والأنفس، فهو حينئذ أعم، ليكون الأخص مذكورًا مرتين، مرة في ضمن الأعم، وهو \"البأساء\"،\n_________\n(١) ينظر \"الفخر الرازي\" ٥/ ٤٩ وفيه: واعلم أن من الناس من قرأ (والموفين والصابرين) ومنهم من قرأ (والموفون والصابرون).","vol":"1","page":472},{"text":"ومرة بنفسه، ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾، أي: وقت شدة القتال في الحرب. ﴿أُولَئِكَ﴾ أي: خاصة، الذين علت هممهم، وعظمت أخلاقهم وشيمهم، ﴿الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ فيما ادعوه من الإيمان، ففيه إشعار بأن من لم يفعل أفعالهم، لم يصدق في دعواه.\n﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا عصيانه، وحذروا وعده، فلم يتعدوا حدوده، وخافوه فقاموا بأداء فرائضه.\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)﴾.\nأصل الكتابة الخط الذي يقرأ، وعبر به هنا عن معنى الإلزام والإثبات، أي: فرض وأثبت، لأن ما كتب جدير بثبوته وبقائه، وهذا المعنى موجود في كلام العرب، ومستفيض في أشعارهم، ومنه قول الشاعر (١):\nكُتِبَ القَتْلُ والقِتَال عَلَيْنا ... وعلى المُحْصَنات جَرُّ الذيولِ\nوقول النابغة الجعدي:\nيا بنتَ عَمّي كتابُ اللهِ أخرَني ... عنكم فهل أمنعنَّ الله ما فعَلا (٢)؟ !\nويأتي ﴿كُتِبَ﴾ بمعنى أمر، كقوله تعالى حكاية: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١] ويشهد لأن ﴿كُتِبَ﴾ هنا بمعنى: فرض، أن لفظة \"على\" تشعر بالوجوب، كقوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣]،\n_________\n(١) هو عمر بن أبي ربيعة كما في \"الكامل\" للمبرد ٣/ ١١٧١، والأغاني ٩/ ٢٢٠ عند ذكر الحارث بن خالد بعد ذكر قيس بن ذريح.\n(٢) أساس البلاغة للزمخشري، صفحة ٥٣٥.\nوهو في \"شعر النابغة الجعدي\" ص ١٩٤، طبع المكتب الإِسلامي:\nيا ابنةَ عمي كتابُ الله أخرَجَني ... كرهًا وهل أمنعنَّ الله ما فعلا\nوهي هنا: \"أَخرني\" خلافًا للطبري. قال شاكر: وفي \"الأساس\": \"أخّرني\"، فأخشى أن تكون خطأ من ناسخ.","vol":"1","page":473},{"text":"﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ [آل عمران: ٩٧] ومنه الصلوات المكتوبات، أي: المفروضات.\nوأما القصاص، فهو أن يُفعَل بالإنسان مثل ما فَعَل، من قولك: اقتص فلان أثر كذا، إذا فعل مثل فعله، وهنا كأنه يُتبع بالجاني أثر ما جنى، فيتبع أثر عقوبته أثر جنايته؛ وإنما بني الفعل للمجهول، لأنه لما حصل التهذيب بما وقع سابقًا من التأديب، علم المخاطبون أن الفعل كله لله، فبنى ﴿كُتِبَ﴾ لما لم يسم فاعله.\nو﴿الْقَتْلَى﴾ جمع قتيل كالصرعى، وإنما يجمع الفعيل على الفعلى إذا كان صفة للموصوف به، بمعنى الزمانة، والضرر الذي لا يقدر معه صاحبه على البراح من موضعه ومصرعه، نحو القتلى في معاركهم، والصرعى في مواضعهم، وما أشبه ذلك.\n\nفتأويل الكلام حينئذ: فرض ﴿عَلَيْكُمُ﴾ أيها المؤمنون ﴿الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، أن يقتص ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾. ثم ترك ذكر \"أن يقتص\" اكتفاء بدلالة قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾. واختلف في<span data-type=\"title\" id=toc-544> سبب نزول هذه الآية:</span>\nفروى البخاري عن ابن عباس، قال: كان في بني إسرائيل القِصاص، ولم يكن فيهم الدية، فقال الله تعالى هذه الآية. وهذا يشير إلى أنه لما بدل أهل الكتاب حكم التوراة في القصاص، الذي أشير إليه بآية المائدة، إلى أنه كتب عليهم العدل فيه، فكان من كان منهم أقوى، جعل لقومه في ذلك فضلًا، فكان بنو النضير، كما نقله ابن هشام في السيرة: يأخذون في قتلاهم الدية كاملة، وبنو قريظة نصف الدية، وكان بعضهم -كما نقله البغوي في تفسير سورة المائدة عن ابن عباس- يقتل النفسين بالنفس، أشار تعالى إلى مخالفتهم في هذه الآية.\nوأيًا ما كان سبب النزول، فإن العبرة بعموم اللفظ، وإننا مخاطبون بهذه الآية، وبيان ذلك، أن قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ﴾ يدل على أنه فرض علينا، وإقامة ذلك الفرض واجبة على الإِمام، أو من يجري مجراه، لأنه متى","vol":"1","page":474},{"text":"حصلت شرائط وجوب القود (١)، فإنه لا يحل للإمام أن يترك القود، لأنه من جملة المؤمنين، إلا إذا أراد ولي الدم العفو.\nوتدل الآية أيضًا على أن القاتل كتب عليه تسليم نفسه عند مطالبة الولي بالقصاص، وليس له أن يمتنع، ولا أن ينكر، لأن القصاص حق الآدمي، بخلاف الزاني والسارق، فإن لهما الهرب من الحد، ولهما أيضًا أن يستترا بستر الله ولا يقرّا، لأن حدهما حق لله تعالى لا لغيره.\nوفي الآية دليل على إيجاب القتل، لأنها تدل على إيجاب التسوية فيه بين الأحرار والعبيد وغيرهم، والتسوية في القتل صفة القتل، وإيجاب الصفة يقتضي إيجاب الذات، وأيضًا فإنه لو لم تدل الآية على وجوب القصاص، لما كان لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ معنى مفهوم، لأنه لا عفو بعد القصاص، فيقال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾.\nوأفادت الآية أيضًا المكافأة، بأن لا يفضل القاتل المقتول حال الجناية بالإِسلام، أو الحرية، أو الملك، فلا يقتل المسلم ولو عبدًا، بالكافر ولو حرًا، ولا ذميًا بالعبد ولو مسلمًا، ولا المكاتب بعبده ولو كان ذا رحم محرم له.\nويقتل الحر المسلم ولو ذكرًا، بالحر المسلم ولو أنثى، والرقيق كذلك، وبمن هو أعلى منه، والذمي كذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ﴾ الآية، معناه: فهذا عما ولي الدم، عن شيء يتعلق بالقاتل، فليتبع القاتل ذلك العفو بمعروف؛ وقوله ﴿شَيْءٌ﴾ مبهم، فلا بد من حمله على الذكور السابق، وهو وجوب القصاص إزالة للإبهام.\nفتقدير الآية إذن: إذا حصل العفو للقاتل عن وجوب القصاص، فليتبع القاتل العافي بالمعروف، وليؤد إليه مالًا بإحسان، وبالإجماع لا يجب أداء غير\n_________\n(١) القود: معناها القصاص.","vol":"1","page":475},{"text":"الدية، فوجب أن يكون ذلك الواجب هو الدية، وهذا يدل على أن موجب العمد هو القود أو المال ولو لم يكن كذلك، لما كان المال واجبًا عند العفو عن القود.\nومما يؤكد هذا المعنى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾، أي: إثبات الخيار لكم في أخذ الدية، وفي القصاص، ﴿رَحْمَةٌ﴾ من الله عليكم، لأن الحكم في اليهود حتّم القصاص، والحكم في النصارى حتم العفو، فخفف عن هذه الأمة، وجعل لهم التخيير بين القصاص والدية. و﴿ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِنْ﴾ الله ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ في حق هذه الأمة؛ لأن ولي الدم قد تكون الدية آثر عنده من القود، إذا كان محتاجًا للمال، وقد يكون القود آثر، إذا كان راغبًا في التشفي، ودفع شر القاتل عن نفسه، فجعل الخيرة له فيما أحبه، ﴿وَرَحْمَةٌ﴾ من الله في حقه.\nودلت الآية على أن مرتكب الكبيرة، لا يخرج بارتكابها عن الإيمان، لأنه تعالى قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ﴾ فسماه أخًا، ولا شك أن هذه الأخوة تكون بسبب الدين، لقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: ١٠] فلولا أن الإيمان باقٍ مع الفسق، لما بقيت الأخوة الحاصلة بسبب الإيمان.\nوقوله تعالى: ﴿تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ﴾ اسم الإشارة فيه يعود إلى الحكم المذكور من العفو والدية، وأضاف هذا التخفيف إلى الرب، لأنه المصلح لأحوال عباده، الناظر لهم في تحصيل ما فيه سعادتهم الدينية والدنيوية.\nوقد حصل التخفيف على هذه الأمة، من أن أهل التوراة كتب عليهم القصاص البتة، وحرم العفو وأخذ الدية، وكتب على أهل الإنجيل العفو، وحرم القصاص والدية.\nوأما هذه الأمة فقد خيرت بين الثلاث: القصاص والعفو والدية، توسعة عليهم وتيسيرًا. وعطف ﴿رَحْمَةٌ﴾ على ﴿تَخْفِيفٌ﴾ لأن من استبقى مهجتك بعد","vol":"1","page":476},{"text":"استحقاق إتلافها فقد رحمها، وأي رحمة أعظم من ذلك، ولعل القاتل المعفو عنه يستقبل من الأعمال الصالحة في المدة التي عاشها بعد استحقاق قتله، ما يمحو به هذه الفعلة الشنعاء، فمن الرحمة إمهاله لعله يصلح أعماله.\nولما كانت هذه منَّة عظيمة، تسبب عنها تهديد من أباها، قال تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ﴾ التخفيف، فتجاوز ما شرع له من قتل غير القاتل، أو القتل بعد أخذ الدية، فقد كان الولي في الجاهلية يؤمن القاتل بقبوله الدية، ثم يظفر به فيقتله ﴿فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، أي: نوع من العذاب شديد الألم في الآخرة، هذا ما قاله أكثر المفسرين.\nوقال عكرمة، وابن جبير، والضحاك: العذاب الأليم هو في الدنيا، وهو قتله قصاصًا. ومذهب جملة من العلماء، أنه إذا قتل بعد سقوط، كان كمن قتل ابتداء، إن شاء الولي قتله، وإن شاء عفا عنه. وذهب ابن جرير على عادته، فجعل العذاب الأليم عذاب الدنيا بالقتل، قال: لأن الله تعالى جعل لكل ولي قتيل قتل ظلمًا، سلطانًا على قاتل وليّه، فقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ [الإسراء: ٣٣]. فإذ كان ذلك كذلك، وكان الجميع من أهل العلم مجمعين على من قتل قاتل وليّه بعد عفوه عنه، وأخذه منه دية قتيله، أنه بقتله إياه له ظالم في قتله، كان بينًا أن لا يولَّى من قتله ظلمًا كذلك، السلطانَ عليه في القصاص والعفو، وأخذ الدية، أيّ ذلك شاء (١)، وإذ كان ذلك كذلك، كان معلومًا أن ذلك عذابه، لأن من أقيم عليه حده في الدنيا، كان ذلك عقوبته من ذنبه، ولم يكن به متبَعًا في الآخرة، على ما قد ثبت به الخبر عن رسول الله ﷺ.\nولما أخبر تعالى بفائدة العفو، أخبر بفائدة مقابله، تتميمًا لتأنيب أهل الكتاب على عدولهم عن النص، وعماهم عن الحكمة، فقال:\n_________\n(١) قال الشيخ شاكر: في هذه العبارة غموض، وأخشى أن يكون قد سقط من الكلام شيء، ولكن المعنى العام ظاهر.","vol":"1","page":477},{"text":"﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)﴾.\nفي هذه الآية حكمة بالغة، وبلاغة في التعبير يقصر دونها الوصف، فسبحان من هذا كلامه، قال في \"الكشاف\": كلام فصيح لما فيه من الغرابة، وهو: أن القصاص قتل وتفويت للحياة، وقد جعل مكانًا وظرفًا للحياة، ومن إصابة محز البلاغة بتعريف القصاص، وتنكير الحياة. لأن المعنى: ولكم في هذا الجنس من الحكم، الذي هو القصاص حياة عظيمة، وذلك أنهم كانوا يقتلون بالواحد الجماعة، وكم قتل مهلهل بأخيه كليب، حتى كاد يفني بكر بن وائل، وكان يقتل بالمقتول غير قاتله، فتثور الفتنة، ويقع بينهما التناحر.\nفلما جاء الإِسلام بشرع القصاص، كانت فيه حياة، أيّ حياة، أو نوع من الحياة، وهي الحياة الحاصلة بالارتداع من القتل، لوقوع العلم بالاقتصاص من القاتل، لأنه إذا همَّ بالقتل، فعلم أنه يقتص منه فارتدع، سلم صاحبه من القتل، وسلم هو من القود، فكان القصاص سببًا لحياة نفسين، هذا كلامه.\nفقوله: كلام فصيح، لما فيه من الغرابة، جعل فيه أحد الضدين محلًا للآخر، وهذا الجعل، إما أنه وهم منه أو تسامح، لأن شرط تضاد الحياة والموت، اجتماعهما في محل واحد تقديرًا، ولا تضاد بين حياة غير المقتص منه وموت المقتص.\nوالبلاغة التي أوضحها في الآية بينة بدون هذا الإطلاق، وكلامه يوهم أن نفس القصاص حياة، فيرد عليه أن القصاص إزالة للحياة، وإزالة الشيء يمتنع أن تكون من ذلك الشيء وليس كذلك، بل المراد أن شرع القصاص، يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلًا، وفي حق من يراد جعله مقتولًا، وفي حق غيرهما أيضًا. كما تقدم إيضاحه في كلام العلامة رحمه الله تعالى.\nولك أن تجعل نفس القصاص سببًا للحياة، على معنى أن سافك الدم، إذا أقيد منه ارتدع من كان يهم بالقتل فلم يقتل، فكان القصاص نفسه سببًا للحياة من هذا الوجه، ولك أيضًا أن تجعل المراد بالقصاص إيجاب التسوية، فيكون المراد أن في إيجاب التسوية حياة لغير القاتل، لأنه لا يقتل غير القاتل، بخلاف ما كان يفعله أهل الجاهلية، وإلى هذا جنح السدي، فروى عنه ابن جرير بأنه قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ﴾، بقاء، لا يقتل إلا القاتل بجنايته.","vol":"1","page":478},{"text":"هذا وقد ظهر لي توجيه هذا من جهة ثانية، وهي أن القاتل لما تعمد القتل، ورأى أنه لم يؤاخذ به، صارت نفسه شريرة يهون عليها سفك الدماء، وإعدام كل من أغضبه وعاداه، فيقدم على القتل بلا مبالاة، ويكون بقاؤه خطرًا على المجتمع الإنساني والمدنية الفاضلة، فربما أهلك أنفسًا، وفرق بين أرواح وأجسام، فشرع الله القصاص، إشارة إلى أن مثل هذا يجب إخراجه من المجتمع المدني، لما فيه من الضرر عليه، لتتأتى حياة الباقي بعده.\nألا تراك إذا زرعت حنطة جيدة، في أرض ذات إنبات، فخرج الزرع جيدًا، ثم نبت بينه نبات مضرٌّ له، وقاتل لنموه، تسرع في إزالة ذلك المضر، وتسوقه إلى النار، ليسلم لك زرعك الذي فيه قوام حياتك، وكذلك المجتمع الإنساني، إنما هو لحفظ حياة بعضه بعضًا، فهذا تسلط عليه شرير ففتك ببعض أفراده، كانت إزالته واجبة لحياة ذلك المجتمع، ولذلك أباح الشارع مدافعة الصائل على النفس أو المال أو الحرم، وإذا لم يمكن دفعه إلا بالقتل، جاز للمدافع قتله، ولقد حام عقلاء العرب وفصحاؤهم حول هذا المعنى، وقصدوا أن ينظموا ما يفيده في سلك جوامع الكلم، فلم يوفوه حقه من الشرح والبيان، كما وفته الآية الكريمة؛ فقالوا تارة: قتل البعض إحياء للبعض؛ وقالوا: أكثروا القتل ليقل القتل؛ وأجود ما قالوه في هذا الباب: القتل أنفى للقتل (١)، وأكفّ للقتل، فكانت كل جملة مما قالوه تجلب النظر نحو الاعتراض، من جهة أن ظاهر قولهم يقتضي كون وجود الشيء سببًا لانتفاء نفسه، وهو محال، ومن جهة تكرير القتل في جملة واحدة، وذلك خلاف البلاغة، والآية الكريمة سالمة من ذلك التكرار والمحال؛ وأيضًا فإن كلامهم يشمل القتل ظلمًا، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل، والآية بخلاف ذلك، لأن حقيقة القصاص لا يندرج فيها القتل ظلمًا، بخلاف كلامهم.\nوبيانه: أن القتل ظلمًا قتل، مع أنه لا يكون نافيًا للقتل، بل هو سبب لزيادته، إنما النافي لوقوع القتل هو القتل المخصوص، وهو القصاص، فظاهر\n_________\n(١) هو مثل عربي وقد ردّه الأديب مصطفى صادق الرفاعي بكلام طيب.","vol":"1","page":479},{"text":"قولهم باطل، أما الآية فهي صحيحة ظاهرًا وتقديرًا، وأيضًا فالقصاص في الآية أعم من القتل، فيدخل فيه القصاص في الجراح والشجوج، وذلك لأنه إذا علم أنه إذا جرح عدوه اقتص منه، زجره ذلك عن الإقدام، فيصير سببًا لبقائهما، لأن المجروح لا يؤمن فيه الموت، وكذلك الجارح إذا اقتص منه، وأيضًا فالشجة والجراحة التي لا قود فيها، داخلة تحت الآية، لا يأمن أن تؤدي جراحته إلى زهوق النفس، فيلزم القود، فخوف القصاص حاصل في النفس، والقتل لا يكون إلا في النفس، فالآية أعم وأنفع في تحصيل الحياة.\nونبه بالنداء في قوله: ﴿يَاأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، ذوي العقول والبصائر على المصلحة العامة، وهي مشروعية القصاص، إذ لا يعرف عنه محصولها إلا أولو الألباب، القابلون لامتثال أوامر الله، واجتناب نواهيه، وهم الذين خصهم الله بالخطاب: ﴿إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الرعد: ١٩، الزمر: ٩]، ﴿لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٦٤، الرعد: ٤، النحل: ١٢، الروم: ٢٤] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: ١٩٠] ﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى﴾ [طه: ٥٤ و١٢٨] ﴿لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾ [ق: ٣٧].\nوأولو الألباب هم: الذي يعرفون العواقب، ويعلمون جهات الخوف، إذ من لا عقل له، لا يحصل له الخوف، فلهذا خص به ذوي الألباب، ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ القصاص فتكفون عن القتل، وتتقونه حذرًا من القصاص، أو الانهماك في القتل، أو تتقون الله باجتناب معاصيه، أو تعملون عمل أهل التقوى، في المحافظة على القصاص، والحكم به، وهو خطاب له فضل اختصاص بالأئمة. وهذه أقوال خمسة. أولاها: ما سيقت له الآية من مشروعية القصاص، وقد أبدى الحرالي هنا نكتة لطيفة، نبهته إليها لفظة \"لعل\"، وهي: أنها أشارت إلى تصنيف المخاطبين صنفين: الأول منهما: من يثمر له ذلك الخطاب تقوى، والكفاف عن الأذى، والثاني: من لا يزيده إلا اعتداء، ولا يحمله إلا معاندة الأمر.","vol":"1","page":480},{"text":"ولما حث ﷾ في الآيات السابقة على بذل المال، ندبًا وإيجابًا، في حالة الصحة والشح، وتأميل الغنى، وخشية الفقر، تصديقًا للإيمان، وأتبعه بذل الروح التي هو عديلها، بالقتل الذي هو أحد أسباب الموت، أتبع ذلك دلالته على حالة الإشراف على النقلة من دار الفناء إلى دار البقاء، ليستدرك المشرف على الموت ما فاته من بذل المال على حبه، فقال:\n﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠)﴾.\nاعلم أن ﴿كُتِبَ﴾ في مثل هذا المقام، يقتضي الوجوب كما استفاض في الشرع، وأكد هنا بالتعبير بـ \"على\"، أي: فرضًا ﴿عَلَيْكُمْ﴾ أيها المؤمنون الوصية، ﴿إذا حضر أحدكم الموت أن ترك خيرًا﴾، وهو المال؛ ﴿لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾، وهو: ما أذن الله فيه، وأجازه في الوصية، مما لم يتعمد الموصي به ظلمًا لورثته، ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾.\nيعني بذلك: فرض عليكم هذا وأوجبه، وجعله حقًا واجبًا على من اتقى الله فأطاعه أن يعمل به.\nوأما قوله: ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ فمعناه: إذا دنا منه، وظهرت أماراته.\nوقوله: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ مصدر مؤكد، أي: حق [ذلك] (١) حقًا، أي: واجبًا.\nقال ابن جرير: فإن قال قائل: أَوَفرض على الرجل ذي المال أن يوصى لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه؟\n_________\n(١) زيادة من \"الكشاف\".","vol":"1","page":481},{"text":"قيل: نعم، فإن قال: فإن هو فَرّط في ذلك، فلم يوص لهم، أيكون مضيعًا فرضًا يحرج بتضييعه؟\nقيل: نعم، فإن قال: فما الدلالة على ذلك؟ قيل: قول الله تعالى ذكره: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ الآية. فأعلمه أنه قد كتبه علينا وفرضه، كما قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ [البقرة: ١٨٣] ولا خلاف بين الجميع: أن تارك الصيام وهو عليه قادر، مضيع بتركه فرضًا عليه، فكذلك هو بترك الوصية لوالديه وأقربيه، وله ما يوصي لهم فيه، مضيع فرض الله ﷿. انتهى.\nوسبب نزول هذه الآية، كما قال الأصم: أنهم كانوا يوصون للأبعدين طلبًا للفخر والشرف، ويتركون الأقارب في الفقر والمسكنة. فأوجب الله تعالى في أول الإِسلام الوصية لهؤلاء، منعًا للقوم عما كانوا اعتادوه، وهذا بيّن.\nواعلم أن للفقهاء مسلكين في هذه الآية:\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-554>المسلك الأول: أنها منسوخة في حق من يرث</span>، واستدل القائلون بذلك بما أخرجه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس، قال: \"كان المال للولد، وكانت الوصية للوالدين، فنسخ الله من ذلك ما أحب، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وجعل للأبوين لكل واحد منهما السدس، وجعل للمرأة الثمن والربع، وللزوج الشطر والربع\".\nوبحديث عمرو بن خارجة قال: إن النبي - ﷺ -، خطب على ناقته وأنا تحت جِرَانها، وهي تقصع بجرمها، وإن لعابها يسيل بين كتفي، فسمعته يقول:\n\"إن الله أعطى كل ذي حق حقه، ولا وصية لوارث\" (١).\nالحديث رواه الترمذي من طريق شهر بن حوشب، ثم قال: وسمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: لا أبالي بحديث شهر بن حوشب.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ١٧٢٠.","vol":"1","page":482},{"text":"قال (١): وسألت محمَّد بن إسماعيل عن شهر بن حوشب فوثقه؛ وقال: إنما يتكلم فيه ابن عون، ثم روى ابن عون عن هلال بن أبي زينب، عن شهر بن حوشب. قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، انتهى.\nقلت: شهر هذا وثقه ابن معين، والإمام أحمد. وقال يعقوب بن سفيان: شهر واهٍ. وقال ابن عون: تركوه وهو ثقة. وقال ابن معين: ثبت. وقال النسائي: ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: لا بأس به.\nورواه النسائي من طريق شهر، ورجاله البقية ثقات. ورواه ابن ماجه، وفي إسناده سعيد بن أبي عروبة عن قتادة. قال أحمد فيه: هو قدري لم يكن له كتاب، وإنما كان يحفظ. وقال ابن معين: ثقة من أثبتهم في قتادة. وقال أبو حاتم: ثقة قبل أن يختلط. وقال دحيم: اختلط سنة خمس وأربعين ومئة.\nواستدلوا أيضًا بحديث أبي أمامة، عن النبي - ﷺ - أنه قال:\n\"إن الله قد أعطى لكل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" (٢). الحديث رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح. انتهى.\nلكن في رواته إسماعيل بن عياش، وقد قال فيه الترمذي في روايته عن أهل العراق وأهل الحجاز: ليس بذاك فيما تفرد به، لأنه روى عنهم مناكير، وروايته عن أهل الشام أصح. هكذا قال محمَّد بن إسماعيل، يعني: البخاري. قال: سمعت أحمد بن الحسن يقول: قال أحمد بن حنبل: إسماعيل بن عياش أصلح من بقية، ولبقية أحاديث مناكير عن الثقات. وسمعت عبد الله بن عبد الرحمن، سمعت زكريا بن عدي يقول: قال أبو إسحاق الفزاري: خذوا عن بقية ما حدث عن الثقات، ولا تأخذوا عن إسماعيل بن عياش ما حدث عن الثقات، ولا عن غير الثقات، هذا كلام الترمذي.\n_________\n(١) أي الترمذي سأل البخاري - رحمهما الله.\n(٢) هو في \"في صحيح الجامع الصغير\" ١٧٨٩.","vol":"1","page":483},{"text":"وقال في \"خلاصة التذهيب\": وثقه أحمد وابن معين ودحيم والبخاري، وابن عدي في أهل الشام، وضعفوه في الحجازيين.\nوروى حديث أبي أمامة أبو داود، من طريق ابن عياش، عن شرحبيل بن مسلم، وشرحبيل وثقه العجلي وأحمد، وقال ابن معين: ضعيف. ورواه ابن ماجه من طريقهما أيضًا، ورواه أيضًا من طريق محمَّد بن شعيب بن شابور، عن أنس بن مالك، قال في \"الزوائد\": إسناده صحيح. ومحمد بن شعيب وثقه دحيم، وباقي رجال الإسناد على شرط البخاري. انتهى.\nومن هذا تعلم أن هذا الحديث مُتكلم فيه، وأنه لم يقول إلا بضم أسانيده بعضها إلى بعض، حتى تحصل له مرتبة العمل به، وأيًا ما كان فلا يصلح أن يكون ناسخًا للآية، ولا مخصصًا لها، على ما هو المختار عند الأصوليين، من أن نسخ الكتاب، ومتواتر السنة بآحادها، جائز عقلًا لا شرعًا.\nوقد نقل الشيخ عبد الله المقدسي في كتابه \"روضة الناظر\" - وتبعه الطوفي في \"مختصره\" وشرحه - إجماع الصحابة على أن القرآن ومتواتر السنة لا يرفع بخبر الواحد، على أن الخلاف قد جرى في أن متواتر السنة هل ينسخ القرآن أم لا؟ فنقل في \"الروضة الأصولية\" أن الإِمام أحمد ﵁، قال: لا ينسخ القرآن إلا قرآن مثله يجيء بعده.\nوحكى الآمدي هذا القول عن الشافعي وأكثر أصحابه، وأكثر الظاهرية، وحكي الجواز عن مالك والحنفية وابن سريج، وأكثر الأشاعرة والمعتزلة. قال القرافي: هو جائز عند أكثر أصحابنا. انتهى.\nوالأول هو الذي نختاره، وندين الله به، فإذا كان القرآن لا ينسخ بالمتواتر، فلأن لا ينسخ بالآحاد من باب أولى.\nالمسلك الثاني من مسلك الفقهاء: أنها منسوخة بآية المواريث، وإلى ذلك ذهب ابن عباس؛ كما دل على ذلك رواية البخاري المتقدمة عنه؛ وإلى ذلك ذهب الإِمام مالك، فقال في \"الموطأ\": قول الله ﵎: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ","vol":"1","page":484},{"text":"لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ نسخها ما نزل من قسمة الفرائض، في كتاب الله ﷿. انتهى.\nولما كان قول ابن عباس اجتهادًا منه، ولم يكن من جنس المرفوع، وصار مالك إليه تقليدًا، جاز أن يناقش فيه، بأن يقال: إن نسخ هذه الآية بآية المواريث بعيد، لأنه لا يمتنع مع قدر من الحق بالميراث، وجوب قدر آخر بالوصية، وأكثر ما يوجبه ذلك التخصيص لا النسخ، بأن يقول قائل: إنه لا بد وأن تكون منسوخة فيمن لم يخلف إلا الوالدين، بحيث يصير كل المال حقًا بسبب الإرث، فلا يبقى للوصية شيء، إلا أن هذا تخصيص لا نسخ.\nوممن ذهب إلى أن هذه الآية محكمة غير منسوخة، أبو مسلم الأصفهاني، وقرر فخر الدين الرازي مذهبه من وجوه:\nأولها: أن هذه الآية ما هي مخالفة لآية المواريث، ومعناها: كتب الله عليكم ما أوصى به الله تعالى من توريث الوالدين والأقربين، من قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ [النساء: ١١] أو كتب على المحتضر أن يوصي للوالدين والأقربين، بتوفير ما أوصى به الله لهم عليهم، وأن لا ينقص من أنصبائهم.\nوثانيها: أنه لا منافاة بين ثبوت الميراث للأقرباء، مع ثبوت الوصية بالميراث عطية من الله تعالى، والوصية عطية ممن حضره الموت، فالوارث جمع له بين الوصية والميراث، بحكم هاتين الآيتين.\nوثالثها: لو قدرنا حصول المنافاة، لكان يمكن جعل آية الميراث مخصصة لهذه الآية، وذلك لأن هذه الآية توجب الوصية للأقربين، ثم آية الميراث تخرج القريب الوارث، ويبقى القريب الذي لا يكون وارثًا داخلًا تحت هذه الآية، وذلك لأن من الوالدين من يرث، ومنهم من لا يرث، وذلك بسبب اختلاف الدين والرق والقتل، ومن الأقارب الذين لا يسقطون في فريضة من لا يرث بهذه الأسباب الحاجبة، ومنهم من يسقط بحال، ويثبت في حال، إذا كان في الواقعة من هو","vol":"1","page":485},{"text":"أولى بالميراث منهم، ومنهم من يسقط في كل حال إذا كانوا ذوي رحم، فكل من كان من هؤلاء وارثًا لم تجز الوصية له، ومن لم يكن وارثًا جازت الوصية له، لأجل صلة الرحم؛ فقد أكد الله تعالى ذلك بقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ [النساء: ١]. وبقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى﴾ [النحل: ٩٠] هذا كلامه.\nوالذي نختاره أن آية الميراث مخصصة لهذه الآية لا ناسخة لها، وأن العمل بهما على مقتضى الوجه الثالث، وبذلك يمكن العمل بالآيتين وبالحديث أيضًا، ومن غير إطراح واحد من الكل، لأن الآية المخصصة يبقى العمل بما بقي بعد التخصيص، بخلاف النسخ، فإنه مبطل للعمل بها كلها، وهذا خلاف ما يقتضيه العقل في كلام الله تعالى.\nهذا وادعى قوم: أن هذه الآية منسوخة بالإجماع، وهذا مردود لأن الإجماع لا يجوز أن يكون ناسخًا للقرآن، لأنه يدل على أنه كان الدليل الناسخ موجودًا، إلا أنهم اكتفوا بالإجماع عن ذكر ذلك الدليل؛ ولقائل أن يقول: لما ثبت أن في الأمة من أنكر وقوع هذا النسخ، فكيف يدعي انعقاد الإجماع على حصول النسخ هذا.\nوقد اختلف المفسرون في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾. فقال الزهري: المال مطلقًا يسمى ﴿خَيْرًا﴾، بلا فرق بين القليل والكثير، لأن الله سمى القليل خيرًا، فقال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]. وقال تعالى، حكايته عن موسى ﵇: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾ [القصص: ٢٤].\nوأيضًا الخير ما ينتفع به، والمال القليل كذلك، فيكون خيرًا، وقد اعتبر الله أحكام المواريث فيما يبقى من المال، قل أم أكثر، بدليل قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾ [النساء: ٧]، فوجب أن يكون الأمر كذلك في","vol":"1","page":486},{"text":"الوصية، وهذا هو الحق لما ذكر من الأدلة، ولقول مجاهد: \"الخير\" في القرآن كله: المال، قال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ [العاديات: ٨]، ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ [النور: ٣٣]، ﴿إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ﴾ [هود: ٨٤].\nوإلى هذا ذهب ابن عباس وقتادة والسدي والربيع، والضحاك وعطاء.\nوقال جماعة: لفظ الخير في هذه الآية: المال الكثير، واحتجوا لذلك بحجج عقلية، منها أن المال؛ وإن كان يطلق على القليل والكثير، لكنه أطلق على الكثير مجازًا، لاطباقهم على أن من ترك درهمًا، لا يقال: إنه ترك خيرًا، ومثل هذا الدليل يتضاءل عند مقابلة النصوص له.\nولما ذكر الله أمر الوصية ووجوبها، وعظم أمرها، أتبعه بما يجري مجرى الوعيد في تغييرها، فقال:\n﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١)﴾.\nيصح أن تكون \"من\" واقعة على الوصي أو على الشاهد، أو على سائر الناس.\nأما الوصي: فبأن يغير الوصية، إما في الكتابة، أو في قسمة الحقوق.\nوأما الشاهد: فبأن يغير شهادته أو يكتمها.\nوأما غيرهما: فبأن يمنع من وصول ذلك المال إلى مستحقه، فهؤلاء كلهم داخلون تحت قوله تعالى: \"فمن بدله\".\nوقيل: إن \"من\" واقعة على الموصي، فهي عن تغيير الوصية عن المواضع التي بين الله تعالى بالوصية إليها.\nوالحق أن \"من\" هنا عامة للوصي والموصي والشاهد، ومن له دخل في تغيير الوصية وتبديلها، حتى أنها تشمل الحاكم إذا علم صحتها ولم يحكم بها.","vol":"1","page":487},{"text":"والظاهر: أن ضمير ﴿بَدَّلَهُ﴾ يعود على ﴿الْوَصِيَّةُ﴾، بمعنى الإيصاء؛ أي: ﴿فَمَنْ﴾ بدل الإيصاء عن وجهه، إن كان موافقًا للشرع، ﴿بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ سماع تحقق وتثبت. وعوده على الإيصاء أولى من عوده على ﴿الْوَصِيَّةُ﴾، لأن تأنيث ﴿الْوَصِيَّةُ﴾ غير حقيقي، لأن ذلك لا يراعى في الضمائر المتأخرة عن المؤنث المجازي، بل يستوي المؤنث الحقيقي والمجازي في ذلك. تقول: خرجت والشمس طلعت، ولا يجوز طلع، إلا في الشعر.\nوالضمير في ﴿سَمِعَهُ﴾ عائد على الإيصاء كما شرحناه، وقيل: يعود إلى أمر الله.\nوقوله: ﴿فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ﴾ ﴿فَإِنَّمَا﴾ للحصر، أي: فما إثم الإيصاء المغير، أو ما إثم التبديل، إلا على مبدليه دون غيرهم من الموصي أو الموصى له، وغيرهما لأنهما بريئان من الحيف.\nولما كان للموصي والمبدل، أقوال وأفعال ونيات، حذر تعالى بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، أي: ﴿سَمِيعٌ﴾ لما يقوله كل منهما، ﴿عَلِيمٌ﴾ بسره وعلنه بذلك، فليحذر من عمل السوء، ومن دعاء المظلوم، فإنه مستجاب.\nولما كان التحذير من التبديل، إنما هو في عمل العدل، وكان الموصي ربما جارٍ في وصيته، لجهل أو غرض، تسبب عنه قوله:\n﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨٢)﴾.\nالظاهر أن الخوف هو الخشية هنا، جريًا على أصل اللغة في الخوف، فيكون المعنى: ومن توقع الجنف أو الإثم من الموصي. قال مجاهد: المعنى من خاف أن يجنف الموصي، ويقطع ميراث طائفة، ويتعمد الأذية أو يأتيها دون تعمد، وذلك هو الجنف، دون إثم، وإذا تعمد فهو الجنف في إثم، فوعظه في","vol":"1","page":488},{"text":"ذلك ورده، فصلح بذلك ما بينه وبين ورثته، ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ﴾ عن الموصي إذا عملت فيه الموعظة، ورجع عما أراد من الأذية، ﴿رَحِيمٌ﴾، به.\nوقيل: يراد بالخوف هنا العلم، والعلاقة بين الخوف والعلم، حتى أطلق على العلم الخوف، [و] أن الإنسان لا يخاف شيئًا حتى يعلم أنه مما يخاف منه، فهو من باب التعبير عن السبب بالمسبب.\nويرد على التفسير الأول أن يقال: إنما يصح في أمر مرتبط، والوصية قد وقعت، فكيف يمكن تعليقها بالجواب؟\nويجاب عنه: بأن المصلح إذا شاهد الموصي يوصي، فظهرت منه أمارات الجنف، أو التعدي بزيادة غير مستحق، أو نقص مستحق، أو عدل عن مستحق، فأصلح عند ظهور الأمارات، لأنه لم يقطع بالجنف والإثم، فناسب أن يعلق بالخوف، لأن الوصية لم تمض بعد، ولم تقع. أو علق بالخوف وإن كانت قد وقعت، لأنه له أن ينسخها أو يغيرها بزيادة أو نقصان، فلم يصر الجنف والإثم معلومين، لأن تجويز الرجوع يمنع من القطع. أو علق بالخوف، وإن كانت الوصية استقرت ومات الموصي، يجوز أن تقع بين الورثة والموصى لهم مصالحة، على وجه يزول به الميل والخطأ، فلم يكن الجنف ولا الإثم مستقرًا، فعلق بالخوف، والجواب الأول أقوى.\nوالجنف: الميل في الأمور، وأصله العدول عن الاستواء، والفرق بينه وبين الإثم، أن الجنف هو الخطأ حيث لا يعلم به، والإثم هو العمد، والظاهر أن هذا المصلح هو الوصي، الذي لا بد منه في الوصية، وقد يدخل تحته الشاهد؛ وقد يكون المراد منه من يتولى ذلك بعد موته، من والٍ، أو ولي، أو وصي، أو من يأمر بالمعروف، فكل هؤلاء يدخلون تحت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ﴾، إذا ظهرت لهم أمارات الجنف والإثم في الوصية، أو علموا ذلك، فلا وجه للتخصيص هنا، بل الوصي والشاهد أولى بالدخول تحت هذا التكليف، لأن بهم تثبت الوصية، فكان تعلقهم بها أشد.\nوإلى هذا يشير ما أخرجه عبد الرزاق عن الثوري، قال: \"بلغنا أن الرجل كان","vol":"1","page":489},{"text":"إذا أوصى تغير وصيته، حتى نزلت: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ﴾، فردّه إلى الحق\".\nويؤخذ من هذا أنه إذا ظهرت وصية من رجل، قد جعلها على مقتضى ما يتصور، وجعل فيها شيئًا مخالفًا للشرع، لا يجوز إسقاط الوصية من أصلها، وإنما يجوز إثباتها وإصلاحها، فما وافق فيه الشرع أثبته الحاكم أو الوصي، ونحوهما، وما لم يوافق الموصي فيه الشرع، رُدَّ إلى الشرع، وإن من فعل ذلك لا يكون داخلًا تحت قوله تعالى: ﴿فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ﴾ الآية.\nولما أخبر تعالى أولًا بكتب القصاص، وهو إتلاف النفوس، وهو من أشق التكاليف، فيجب على القاتل إسلام نفسه للقتل؛ ثم أخبر ثانيًا بكتب الوصية، وهو إخراج المال الذي هو عديل الروح، انتقل ثالثًا إلى كتب الصيام المنهك للبدن، المضعف له، المانع والقاطع لما ألفه الإنسان من الغذاء بالنهار، فقال:\n﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣)﴾.\nيعني تعالى ذكره بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بالله ورسوله، وصدقوا بهما وأقروا؛ ويعني بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، فرض عليكم مثل الذي فرض ﴿عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nوأصل الصيام في اللغة: الإمساك عن الشيء والترك له، ومنه قيل للصمت: صوم، لأنه إمساك عن الكلام؛ ثم نقل في الشرع إلى الإمساك من حين طلوع الفجر إلى غروب الشمس.\nثم اختلف أهل التأويل في الذين عني الله بقوله: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وفي المعنى الذي وقع فيه التشبيه، من فرض صومنا، وصوم الذين من قبلنا؟\nفقال بعضهم: إن التشبيه يعود إلى وقت الصوم، وإلى قدره الذي هو لازم","vol":"1","page":490},{"text":"لنا اليوم فرضه، وهو قول الشعبي، وهو ضعيف، لأن تشبيه الشيء بالشيء، يقتضي استواءهما في أمر من الأمور، فأما أن يقال: إنه يقتضي الاستواء في كل الأمور فلا، ثم القائلون بهذا القول، اختلفوا في \"الذين من قبلنا\" من هم؟ فقال السدي: هم النصارى؛ وبه قال الربيع، وقال مجاهد: هم أهل الكتاب.\nوقال قتادة: هم الناس كلهم، وأولى هذه الأحوال بالصواب قول من قال: هم أهل الكتاب، وقال بعضهم: التشبيه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني: هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم، من لدن آدم إلى عهدكم، ما أخلى الله أمة من إيجابها عليهم، لا يفرضها عليكم وحدكم.\nوفائدة هذا الكلام: أن الصوم عبادة شاقة، والشيء الشاق إذا عم سهل تحمله.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، أي: بالمحافظة على تلك الوظيفة، وتعظيمها لأصالتها وقدمها، أو لعلكم تتقون المعاصي، لأن الصائم أظلف لنفسه، وأردع لها من مواقعة السوء، أو لعلكم تنتظمون في زمرة المتقين، لأن الصوم شعارهم.\nوقوله تعالى:\n﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nمنصوب بمضمر من الفعل. كأنه قيل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، أن تصوموا ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، أي: موقتات بعدد معلوم، وفائدة وصفها بذلك، التسهيل على المكلف بأن هذه الأيام يحصرها العد، ليست بالكثيرة التي تفوت العد، وعنى الله تعالى بهذه الأيام المعدودات شهر رمضان ليس إلا، لأنه لم يأت خبر تقوم به حجة، بأن صومًا فرض على أهل الإِسلام غير صوم شهر رمضان، ثم نسخ بصوم شهر رمضان، وبأن الله تعالى قد بين في سياق الآية، أن الصيام الذي أوجبه جل ثناؤه علينا، هو صيام شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي أخبر أنه كتب علينا صومها، بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.","vol":"1","page":491},{"text":"فمن قال: إن الأيام المعدودات، صوم ثلاثة أيام من كل شهر فريضة، أو تطوعًا لا فريضة، ثم نسخ ذلك، طولب بالدليل على ما قاله، من خبر تقوم به حجة، وعوقب على إسراعه إلى ادعاء النسخ، وليس هو بالأمر السهل، والمعنى على ذلك: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾ هي ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾.\nويجوز أن يكون معناه: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، كتب عليكم ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، أي: صومه. قال الحرالّي: وفي تأسيسه على العد، ملجأ يرجع إليه عند إغماء الشهر الذي هو الهلال، فصار لهم العدد في الصوم، بمنزلة التيمم في الطهور، يرجعون إليه عند ضرورة فقد إهلال الرؤية، كما يرجعون إلى الصعيد عند فقد الماء.\nولما كان للمريض حاجة إلى الدواء والغذاء، بحسب تداعي جسمه، رفع عنه الكتب، فتسبب عما مضى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ يقول جل ثناؤه: من ﴿كَانَ مِنْكُمْ﴾ ممن كلف الصوم ﴿مَرِيضًا أَوْ﴾ كان صحيحًا غير مريض، ولكنه راكبًا ﴿سَفَرٍ فَعِدَّةٌ﴾، أي: فعليه صوم عدة الأيام التي أفطرها في مرضه، أو في سفره، ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، غير أيام سفره أو مرضه.\nفـ ﴿عِدَّةٌ﴾ بالرفع، على معنى: فعليه عدة؛ وقرئ بالنصب على معنى فليصم عدة، ونظم الكلام يشعر بأن تقدير الرفع، فالمكتوب عدة، لأن الآية مصدرة بقوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، و\"عدة\" هنا مصدر بمعنى اسم المفعول، أي: معدودة، وبين الشرط وجوابه محذوف، والتقدير: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ فأفطر، فالمكتوب عليه عدة، أي: أيام معدودة من أيام أخر، غير التي أفطرها، فـ ﴿مِنْ أَيَّامٍ﴾ في موضع الصفة، لقوله ﴿فَعِدَّةٌ﴾؛ و﴿أُخَرَ﴾ صفة لـ ﴿أَيَّامٍ﴾.\nوظاهر الآية اعتبار مطلق المرض، بحيث يصدق عليه الاسم، وإلى هذا ذهب جمع من السلف.\nقال البخاري في \"صحيحه\"، قال عطاء: يفطر من المرض كله، كما قال الله","vol":"1","page":492},{"text":"تعالى؛ وقال الحسن وإبراهيم: في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما، أو ولدهما تفطران، ثم تقضيان.\nونقل أبو حيان في \"البحر\" القول بمطلق المرض عن ابن سيرين والبخاري؛ وقال الرازي: إن (١) أي مريض كان، وأي مسافر كان، فله أن يترخص تنزيلًا للفظه المطلق على أقل أحواله، وهذا قول الحسن وابن سيرين. يروى أنهم دخلوا على ابن سيرين في رمضان وهو يأكل، فاعتل بوجع أصبعه. انتهى.\nوحيث جرى الخلاف في معنى كلمة بني الكتاب العزيز، كان المرجع في تفسيرها، إما إلى لغة العرب، وإما إلى الحقيقة الشرعية، ولا يلتفت إلى ما اصطلح عليه بعد نزول الكتاب العزيز، ولما كان الفقهاء قد اختلفوا في حدّ المرض المبيح للفطر، رجعنا إلى اللغة، فنقلنا قول علمائها، وإليك قولهم:\nقال في \"العباب\": المرض إظلام الطبيعة واضطرابها بعد صفائها واعتدالها. انتهى. وهو قول ابن الأعرابي، وبذلك فسره صاحب القاموس.\nوقال ابن دريد: المرض السقم، وهو نقيض الصحة، يكون للإنسان والبعير، وهو اسم للجنس. انتهى.\nوقوله: ﴿مرضى﴾ جمع مريض، ويجمع على مراضى أيضًا.\nوقال ابن عرفة: المرض في الأبدان فتور الأعضاء، فعلى هذا فالمرض المبيح للفطر، هو الذي يكون منه انحراف الصحة عن اعتدالها الطبيعي، فكل مرض كان كذلك، جاز لمن ابتلي به الفطر.\nوقوله تعالى: ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ يشمل كل سفر، طالت مسافته أو قصرت. قال الأزهري: وسمي المسافر مسافرًا، لكشف قناع الكن عن وجهه، وبروزه للأرض الفضاء. وقال المحقق شمس الدين محمَّد بن القيم، في كتابه \"زاد\n_________\n(١) في الأصل: \"قال الرازي: المريض عبارة عن أي\" والتصحيح من تفسير الفخر ٥/ ٨١.","vol":"1","page":493},{"text":"المعاد\" (١): ولم يكن من هديه - ﷺ - تقدير المسافة التي يفطر فيها الصائم بعد، ولا صح عنه في ذلك شيء، وقد أفطر دحية بن خليفة الكلبي في سفر ثلاثة أميال، وقال لمن صام: قد رغبوا عن هدي محمَّد - ﷺ -، وكان الصحابة حين ينشئون السفر، يفطرون من غير اعتبار مجاوزة البيوت، ويخبرون أن ذلك سنته وهديه - ﷺ -. كما قال عبيد بن بشير: \"ركبت مع أبي بصرة الغفاري، صاحب رسول الله - ﷺ -، في سفينة من الفسطاط في رمضان، فلم نجاوز البيوت حتى دعا بالسفرة، قال: اقترب، قلت: ألست ترى البيوت، قال أبو بصرة: أترغب عن سنة رسول الله - ﷺ -\". رواه أبو داود وأحمد (٢).\nولفظ أحمد: \"ركبت مع أبي بصرة من الفسطاط إلى الإسكندرية، في سفينة، فلما دنونا من مرساها، أمر بسفرته فقربت، ثم دعاني إلى الغداء، وذلك في رمضان، فقلت: يا أبا بصرة، والله ما تغيب عنا منازلنا بعد، فقال: أترغب عن سنة رسول الله - ﷺ -؟ فقلت: لا، فقال: كُل. قال: فلم نزل مفطرين حتى بلغنا\".\nوقال محمَّد بن كعب: \"أتيت أنس بن مالك في رمضان وهو يريد السفر، وقد رحلت راحلته، وقد لبس ثياب السفر، فدعا بطعام فأكل، فقلت له: سنة؟ قال: سنة، ثم ركب\" (٣). قال الترمذي: حديث حسن؛ وقال الدارقطني: فأكل وقد تقارب غروب الشمس.\nوهذه الآثار صريحة في أن من أنشا السفر في أثناء يوم من رمضان، فله الفطر فيه، انتهى.\n_________\n(١) هو في \"مختصر زاد المعاد\" للشيخ محمَّد بن عبد الوهاب -﵀- ص ٦٣. طبع المكتب الإِسلامي. وطبعتنا هي الأولى منه. وقد سرقه بعد ذلك بعض الجهات ولا حول ولا قوة إلا بالله.\n(٢) وهذا ابن خزيمة ٢٠٤٠ - طبع المكتب الإِسلامي، وصححه فيه الألباني بشواهده، وأحال على رسالته \"تصحيح حديث إفطار الصائم قبل سفره بعد الفجر\" وهي من مطبوعات المكتب الإسلامي.\n(٣) هو في \"صحيح سنن الترمذي - باختصار السند\" ٦٤١.","vol":"1","page":494},{"text":"ويقرب من معنى المسافر، ما لو دنا الصائمون في الحرب من عدوهم، فإن كانوا مسافرين فلهم الفطر، وإن كانوا في الحضر، وكان في الفطر قوة لهم على لقاء عدوهم، فهل. لهم الفطر فيه؟ للعلماء قولان، أصحهما دليلًا أن لهم ذلك.\nقال ابن القيم: وهو اختيار شيخ الإِسلام أحمد ابن تيمية، وبه أفتى العساكر الإِسلامية، لما لقوا العدو بظاهر دمشق (١).\nولا ريب أن الفطر لذلك أولى من الفطر لمجرد السفر، بل إباحة الفطر للمسافر، تنبيه على إباحته في هذه الحالة، فإنها أحق بجوازه، لأن القوة هناك تختص بالمسافر، والقوة هنا له وللمسلمين، ولأن مشقة الجهاد أعظم من مشقة السفر، ولأن المصلحة الحاصلة بالفطر للمجاهد، أعظم من المصلحة بفطر المسافر، ولأن الله قال: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: ٦٠]، والفطر عند اللقاء من أعظم أسباب القوة، والنبي - ﷺ - قد فسر القوة بالرمي، وهو لا يتم ولا يحصل به مقصوده، إلا بما يقوي ويعين عليه من الفطر والغذاء، ولأن النبي - ﷺ - قال للصحابة، لما دنوا من عدوهم: \"إنكم قد دنوتم من عدوكم، فأفطروا أقوى لكم\" (٢)، وكان رخصة، ثم نزلوا منزلا آخر فقال: \"إنكم مصبحو عدوكم، والفطر أقوى لكم، فأفطروا\" (٣) وكانت عزيمة، فعلل بدنوهم من عدوهم، واحتياجهم إلى القوة التي يلقون بها العدو وهذا سبب آخر غير السفر، والسفر مستقل بنفسه، ولم يذكره في تعليله، ولا أشار إليه بالتعليل به، اعتبارًا لما ألغاه الشارع في هذا الفطر الخاص، وإلغاء وصف القوة التي يقاوم بها العدو، واعتبار السفر المجرد إلغاء لما اعتبره الشارع وعلل به.\n_________\n(١) وذلك في وقعة شقحب في رمضان سنة ٧٠٢، وينظر \"الرد الوافر\" ورسالة الأستاذ الفاضل محمَّد الصباغ \"معركة شقحب\".\n(٢) هما في \"مختصر صحيح مسلم\" للمنذري- تحقيق الألباني، طبع المكتب الإِسلامي رقم (٦٠١).\n(٣) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" رقم (٢٣١٤).","vol":"1","page":495},{"text":"وبالجملة فتنبيه الشارع وحكمته، يقتضي أن الفطر لأجل الجهاد أولى منه لمجرد السفر، فكيف وقد أشار إلى العلة، ونبه عليها وصرح بحكمها، وعزم عليهم أن يفطروا لأجلها؟ ويدل عليه ما رواه عيسى بن يونس عن شعبة عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قال رسول الله - ﷺ -، لأصحابه يوم فتح مكة: \"وإنه يوم قتال، فأفطروا\" (١). تابعه سعيد بن الربيع عن شعبة. فعلل بالقتال، ورتب عليه الأمر بالفطر بحرف الفاء، وكل أحد يفهم من هذا اللفظ أن الفطر لأجل القتال، وأما إذا تجرد السفر عن الجهاد، فكان رسول الله يقول في الفطر: \"إنه رخصة من الله، فمن أخذها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه\".\nهذا وقد أخرج الترمذي عن عائشة: أن حمزة بن عمرو الأسلمي، سأل رسول الله - ﷺ - عن الصوم في السفر، وكان يسرد الصوم، فقال رسول الله - ﷺ -:\n\"إن شئت فصم، وإن شئت فأفطر\" (٢). قال الترمذي: حديث عائشة هذا حديث حسن. وفي المقام مباحث محلها كتب الحديث وشروحها.\nولما بيّن تعالى أحكام المسافرين والمرضى، وأنهم إذا أفطروا في شهر رمضان وجب عليهم القضاء فقط، بيّن تعالى حكم من أفطر عامدًا وهو مطيق للصوم، وليس مريضًا ولا على سفر فقال:\n﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)﴾.\nمعناه: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ يطيقون الصوم، ويقدرون عليه، إذا هم أفطروا من غير عذر يبيح لهم ذلك: القضاء كغيرهم، من أولي الأعذار، ويزيدون عليهم بدفع ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، فالمحذوف من الآية الأولى جملة واحدة، وهي:\n_________\n(١) لم أجده! ولعله ورد بالمعنى.\n(٢) هو في \"صحيح سنن الترمذي- باختصار السند\" ٥٧٢، وفي \"صحيح مسلم\" ٢/ ٧٨٩ (١١٢١).","vol":"1","page":496},{"text":"فأفطروا؛ والمحذوف من هذه الآية تلك الجملة بعينها، وجملة ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، أي: فعليهم عدة من أيام أُخر. فالمحذوف الأول دل عليه المقام، والثاني من باب الحذف من الثاني، لدلالة الأول عليه، وبما قلناه هنا قال العيني، فإنه قال في كتاب الصوم من شرحه على صحيح البخاري، عند الكلام على هذه الآية، قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، أي: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ يطيقون الصوم، الذين لا عذر لهم، إن أفطروا، ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، نصف صاع من بر أو صاع من غيره عند أهل العراق، وعند أهل الحجاز مد، انتهى.\nلكن فاته أن يقدر ما هو مصرح به في الآية التي قبلها، وهو: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.\nوقال الترمذي في \"سننه\" (١): اختلف أهل العلم فيمن أفطر في رمضان متعمدًا من أكل أو شرب، فقال بعضهم: عليه القضاء والكفارة، شبهوا الأكل والشرب بالجماع، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك وإسحاق.\nوقال بعضهم: عليه القضاء ولا كفارة عليه، لأنه إنما ذكر عن النبي - ﷺ -، الكفارة في الجماع، ولم تذكر عنه في الأكل والشرب، وقالوا: لا يشبه الأكلُ والشربُ الجماعَ، وهو قول الشافعي وأحمد.\nوقال الشافعي: وقول النبي - ﷺ -، للرجل الذي أفطر فتصدق عليه: \"خذه فأطعمه أهلك\"، يحتمل هذه المعاني يحتمل أن تكون الكفارة على من قدر عليها. وهذا رجل لم يقدر على الكفارة، فلما أعطاه النبي - ﷺ - شيئًا وملكه، فقال الرجل: ما أجد أفقر إليه منا، فقال النبي - ﷺ -: \"خذه فأطعمه أهلك\". لأن الكفارة إنما تكون بعد الفضل عن قوته، واختار الشافعي لمن كان على مثل هذا الحال أن يأكله، وتكون الكفارة عليه دينًا، فمتى ما ملك يومًا ما كفر. انتهى.\nومحصله: أن الفطر في شهر رمضان فيه الكفارة عند أهل العلم، لكن تسقط عند العجز عنها في المشهور من مذهب أحمد، وتكون دينًا في ذمته عند الشافعي.\n_________\n(١) هذا الكلام إلى: \"انتهى\" في \"صحيح سنن الترمذي- باختصار السند\" ٧٢٧. والحديث المستشهد به في الصحيحين.","vol":"1","page":497},{"text":"وأما من أفطر بغير الجماع من غير عذر، ففي إلزامه الكفارة خلاف، والآية الكريمة دليل لمن قال بلزوم الكفارة، خلافًا لمن قال: إنها منسوخة، لأن ادعاء النسخ ليس بالأمر السهل.\nوذهب بعضهم في الآية مذهبًا آخر، فقال: إن حكمها خاص بالشيخ الكبير والمريض، اللذين يطيقان الصوم، كان مرخصًا لهما أن يفديا صومهما بإطعام مسكين ويفطرا، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] فلزمهما من الصوم مثل الذي لزم الشاب، إلا أن يعجزا عن الصوم، فيكون ذلك الحكم الذي كان لهما قبل النسخ ثابتًا لهما حينئذٍ بحاله؛ ونسب الطبري هذا القول إلى ابن عباس، وسعيد بن جبير، وعكرمة، وقتادة، والربيع.\nوذهب آخرون إلى أن الآية محكمة، وحكمها مثبت منذ نزلت إلى قيام الساعة، وقالوا: أما الذين يطيقونه، فالرجل كان يطيقه وقد صام قبل ذلك، ثم يعرض له الوجع، أو العطش أو المرض الطويل، أو المرأة المرضع لا تستطيع أن تصوم، فإن أولئك عليهم مكان كل يوم إطعام مسكين، فإن أطعم مسكينًا فهو خير له، ومن تكلف الصيام فصامه فهو خير له، ونسب هذا القول إلى ابن عباس، وبه قال ابن عمر في الحامل والمرضع، وإلى سعيد بن المسيب، وكان ابن عباس يقرأ: \"وعلى الذين يطوقونه\"، ويقول: هو الشيخ الكبير يفطر ويطعم عنه؛ وقال عكرمة: الذين يطوقونه يعجزون عنه؛ وقال ابن عباس: يتكلفونه.\nوالذاهبون إلى أن الآية منسوخة، استدلوا بما رواه مسلم عن سلمة بن الأكوع، قال (١): \"لما نزلت هذه الآية ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾، كان من أراد أن يفطر ويفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها\". ورواه عن سلمة البخاري في التفسير، والنسائي أيضًا في تفسيره، ورواه أبو داود والترمذي، لكن لهذا الأثر علة خفية أشار إليها البخاري، وذلك أنه رواه عن قتيبة،\n_________\n(١) إن الإمام مسلم لم يشترط ما اشترط البخاري. وهذا الحديث لا يتعارض مع شرط البخاري في اللقيا.","vol":"1","page":498},{"text":"قال: حدثنا بكر بن مضر، عن عمرو بن الحارث، عن بكير بن عبد الله، عن يزيد مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة، ثم قال: قال أبو عبد الله: مات بكير قبل يزيد؛ انتهى.\nفأشار إلى أن رواته ثقات على شرطه، ولكن السماع يحتمل الوهم، فلم يأخذه البخاري على عاتقه، ولكنه أشار إليه، فرحمه الله ما أدق نظره، ورواه مسلم بعين هذا الإسناد، لكنه لم ينبه على علته.\nوفي لفظ لمسلم عن سلمة، قال: \"كنا في رمضان على عهد النبي - ﷺ -، من شاء صام، ومن شاء أفطر فافتدى بطعام مسكين، حتى أنزلت هذه الآية ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ [البقرة: ١٨٥] \". هذا وإن سلمنا فيه النسخ، فإنه منصب على عدم القضاء، كما يشير إليه قول سلمة: من شاء صام ومن شاء أفطر، ثم نزل قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ فدل على وجوب الصوم اللازم منه القضاء، فهذه الآية تفسير لتلك لا ناسخة لها، وإلى هذا يشير ما نقله أبو الليث السمرقندي، في تفسيره، حيث قال: قال أبو عبيد: قد علمنا بالإجماع أن المطيق للصوم لا يجزئه الإطعام دون الصوم. انتهى.\nأي: فلا بد مع الإطعام من القضاء، وقال القرطبي في شرح مسلم: جمهور العلماء على أن الإطعام عن كل يوم مد؛ وقال أبو حنيفة: مدان، ووافقه صاحباه، وقال أشهب المالكي: مد وثلث لغير أهل المدينة، هذا ما ذكره من الخلاف، والمعول عليه هو قول الجمهور (١).\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾. راجع إلى الإطعام، أي: ﴿فَمَنْ﴾ أطعم مسكينين، فهو أفضل من إطعام مسكين، ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من إطعام مسكينين، وإلى هذا ذهب ابن عباس ومجاهد، وطاوس وعطاء والسدي، وغيرهم كما رواه عنهم ابن جرير في تفسيره.\n_________\n(١) أي: ويقدر الآن بكيلو غرام من القمح والرز، وأكثر أهل العلم يفتي بأكثر من ذلك احتياطًا ولمصلحة الفقير. واتباعًا لباقي الآية الكريمة ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾: أتى من الخير في الإطعام.","vol":"1","page":499},{"text":"وإنما ساق ﷾ الإفطار عند الإطاقة، والفدية واجبها، ومندوبها مساق الغيبة، وترك ذكر الفطر وإن دل السياق عليه، إشارة إلى خساسته تنفيرًا عنه، جعل أهل الصوم محل حضرة الخطاب، إيذانًا لما له من الشرف على ذلك كله، ترغيبًا فيه، وحضًا عليه، بقوله:\n﴿وَأَنْ تَصُومُوا﴾، يعني: أيها المطيقون ﴿خَيْرٌ لَكُمْ﴾ من الفدية، وإن زادت، ففيه إشعار بأن الصائم يناله من الخير في صحته وجسمه ورزقه حظ وافر، مع عظيم الأجر في الآخرة.\nكما أشار إليه الحديث القدسي الصحيح: \"كل عمل ابن آدم له إلا الصوم فإنه لي، وأنا أجزي به\" (١).\nوذلك لأنه لما كانت الأعمال أفعالًا وإنفاقًا، وسيرًا وأحوالًا، مما شأن العبد أن يعمله لنفسه ولأهله في دنياه، وكان من شأنه، كانت له، ولما كان الصوم ليس من شأنه، لم يكن له، ولذلك ختم هذه الآية بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي: خير الأمرين لكم أيها المؤمنون من الإفطار والفدية، أو الصوم على ما أمركم الله به، أو ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فضل الصيام على الافتداء، وقدر ثواب الله للصائمين، فإنكم ﴿إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ الله حتى تخشونه، كان الصوم خيرًا لكم.\nولما أبهم ﷾ الأمر أولًا في الأيام بقوله: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، بيّن سبحانه تلك الأيام بقوله:\n﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)﴾.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٤٥٣٨.","vol":"1","page":500},{"text":"وإنما أبهم تعالى الأمر فيما مضى، وفسره هنا لأن ذلك أضخم، وآكد من تعيينه من أول الأمر، فإنه تعالى لما قال: ﴿أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾، ثم ذكر حكمها، اشرأبت نفس المخاطب إلى بيان تلك الأيام، فبينها له بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. فهو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو، أي: المكتوب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، هكذا أعرب الأخفش.\nوقال الفرّاء: ذلك ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، وهو قريب من الأول.\nويجوز تقدير المبتدأ: هن، أي: الأيام المعدودات، ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾، ويجوز أن يكون المعنى: أنه تعالى، لما قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾، اتجه في نفس المخاطب أن يقول: ما نصوم على التعيين؟ فأجيب بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾. والتقدير: صوموا، فيكون ﴿شَهْرُ﴾ منصوبًا، ونصبه قراءة ذكرها أبو عبد الله الحسين بن خالويه، في كتاب \"البديع\" له.\nوالشهر هو: الهلال الذي شأنه أن يدور في فلكه، دورة من حين يهل إلى أن يهل ثانيًا، فيقطع الثمانية والعشرين التي هي منازله، سواء كان عدد أيامه تسعة وعشرين، أو ثلاثين، كلا العددين في صحة التسمية بالشهر الواحد، فهو شائع في فردين متزايدي العدد، فكمال العدة أحد الفردين المسمى بـ ﴿رَمَضَانَ﴾، ولما كانت العرب أمة أميّة، كما في حديث البخاري ومسلم، وأبي داود والنسائي، عن ابن عمر، أن النبي - ﷺ -، قال: \"إنا أمة أميّة، لا نكتب ولا نحسب، الشهر هكذا ... \" (١).\nوهكذا قال الراوي: يعني: مرة تسعة وعشرين، ومرة ثلاثين. جعل تعالى صومهم بالشيء المحسوس لهم، الذي تدل زيادته ونقصانه على ما مضى منه وما بقي، وهو الشهر القمري، لأنهم أهل شهور ناظرون إلى الأهلة، ليسوا بالمستغرقين في حساب الشمس ومنازلها، فجعل صومهم لرؤية الشهر، وجعل لهم الشهر يومًا واحدًا، فكأنهم نقلوا من صوم أيام معدودات، إلى صوم يوم واحد\n_________\n(١) هو في \"مختصر صحيح مسلم\" ٥٧٦، و\"مشكاة المصابيح\" ١٩٧١.","vol":"1","page":501},{"text":"غير معدود لوحدته، وأيضًا فإن الشمس تبقى على حالة واحدة، فلا يعلم انتقالها في البروج الذي هو كناية عن الشهر، إلا من له معرفة بفني الهيئة والحساب، وهذا يصعب أن يكون جميع المخاطبين سواء في معرفته، بخلاف القمر فإن انتقاله في منازله مشاهد لكل أحد بزيادته ونقصانه، لا يحتاج إلا لحساب ما مضى وما بقي منه.\nوخطاب القرآن إنما هو للعموم لا للخصوص، فلذلك أنيط الصوم بالشهر القمري، ولم ينط بالشمسي.\nثم إنه تعالى رغب النفوس في هذا الشهر، حيث مدحه بقوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أي: ابتدئ فيه إنزال القرآن على محمد - ﷺ -، وكان ذلك في رمضان، وكل سورة تسمى قرآنًا، وكذا الآية، بدليل قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا﴾ [الأعراف: ٢٠٤]. وآية ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ [الإسراء: ٤٥]، والمراد بالمقروء ليس القرآن كله بل بعضه؛ وهنا قوله: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، إشارة إلى ابتداء نزوله، وإذا حمل على القرآن كله لم يستقم المعنى، لأنه حين نزول هذه الآية، لم يكن القرآن تام النزول، وكم من سورة وآية نزلت بعدها؛ فلا شك أن (الـ) في القرآن هنا إشارة إلى حصة معينة سميت قرآنًا.\nوفي هذه الآية إشعار لطيف، بأن الله لم يكلف عباده المشقة في دينه، بل جعله ميسرًا لهم، حيث جعل الصوم على الشهر القمري، ولم يكلفهم بما يشق عليهم من الحساب الشمسي، ليتفرغوا لأعمالهم في أمر معاشهم، وبأن ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ شهر صوم وتلاوة قرآن، لا شهر عبادة بما لم ينزل الله به قرآنًا، كالبدع المبتدعة، بذكر الله تعالى بما لم يسم به نفسه، ولا سماه به رسوله.\nوأكثر ما يكون رواج البدع في هذا الشهر، فلذلك قال تعالى: ﴿الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾، أي: ولم ينزل فيه تلك التي ابتدعها من لم يعرف من الدين إلا اسمه، ولا من القرآن إلا رسمه.","vol":"1","page":502},{"text":"ومن ثم عقبه بقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، إشارة إلى أن الهدى محصور فيه، بحيث لا يوجد في غيره مما ابتدع، وفي غير ما جاء به الرسول، الذي أوتي القرآن، ومثله معه.\n﴿وَبَيِّنَاتٍ﴾، أي: هو آيات واضحات مكشوفات، مما يهدي إلى الحق، ويفرق بين الهدى والغواية.\nوقوله: ﴿مِنَ الْهُدَى﴾، أي: الأعم الأتم، الشامل لكافة الخلق.\n﴿وَالْفُرْقَانِ﴾ الأكمل الفاصل بين الحق والباطل، وذلك أنه تعالى لما ذكر أنه ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وكان الهدى على قسمين، هدىً بينًا جليًا، وهدىً لا يكون بهذا الوصف، لا جرم اشرأبت النفس إلى معرفة هذا الهدى من أي الصنفين، فقال تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بيّنًا واضحًا فارق بين الهدى والغي، وبين الحقيقة والتمويه.\nولما أتم ما في ذكر الشهر من الترغيب من بعدما عينه، ذكر ما فيه من عزيمة ورخصة، فقال:\n﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، أي: فمن [كان] (١) منكم شاهدًا، أي: حاضرًا مقيمًا غير مسافر في الشهر، فليصم فيه ولا يفطر.\nوفي الإتيان بـ \"من\" الشائعة في العموم، إشارة إلى إلزام من رأى الهلال وحده بالصوم، و\"من\" واقعة على المكلف الذي يليق به الخطاب، فلا يدخل في عمومها الصبي والمجنون، لأنهما ليسا أهلًا للخطاب ولا للتكليف، ولفظ ﴿الشَّهْرَ﴾ محمول على جزء من أجزائه في جانب الشرط، وحلّ الكلام أن يقال: من شهد جزءًا من أجزاء الشهر فليصم الشهر كله، ولو حملنا الشهر على تمامه، لزم أن يكون شهوده لا يحصل إلا عند الجزء الأخير من الشهر، وهذا يقتضي بظاهر الآية، أنه لا يجب صوم الشهر إلى عند شهود الجزء الأخير منه، وهذا\n_________\n(١) الزيادة من \"الكشاف\".","vol":"1","page":503},{"text":"محال، لأنه يفضي إلى إيقاع الفعل في زمن قد انقضى، وذلك لأن الجملة المركبة من الشرط والجزاء، وما لم يوجد الشرط بتمامه، لا يترتب عليه الجزاء.\nثم إن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ عام، يتناول عمومه أن من دخل عليه الشهر وهو مقيم أو صحيح، ثم سافر أو مرض، كان الواجب عليه أن يصوم الكل.\nفمن ثم كان هذا العموم مخصصًا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، والخاص مقدم على العام، فثبت أنه وإن سافر أو مرض بعد شهود الشهر، حل له الإفطار، وعليه القضاء عدد ما أفطر ﴿مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾، وحيث فهم من هذه الآية، أن كل من أدرك جزءًا من رمضان لزمه صوم كل رمضان، كان ذلك الحكم شاملًا للمجنون إذا أفاق في أثناء الشهر، أنه يلزمه صوم كل رمضان، وحيث إنه لم يمكن صوم ما تقدم، كان القضاء واجبًا عليه. إلا أن يقال: إن قوله تعالي: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾، ينفي القضاء على المجنون، لأن الجنون ليس من فعله، بخلاف السفر، ولأن المريض له عقل يصلح أن يكون مناطًا للتكليف، بخلاف المجنون، فإنه أثناء جنونه ليس بأهل للتكليف، فالحق بموجب هذه الآية أنه لا قضاء عليه.\nويفهم من هذه الآية: أنه متى كان المريض بحيث يعسر عليه الصوم، جاز له الفطر، وعليه القضاء؛ وقد تقدم الكلام في ذلك.\nواختلف العلماء، في أنه هل يلزم إضمار فعل في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾، أن يضمر: \"فأفطر\"، ثم يقول: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾. فذهب ابن عباس وابن عمر، وأُبي بن كعب والضحاك، إلى إمرار الآية على ظاهرها، وقالوا: من صام في السفر فعليه القضاء إذا أقام، وبه قضى عمر، وإليه ذهب أبو هريرة وعروة، روى ذلك عنهم أبو جعفر الطبري في تفسيره، وهو نص ظاهر الآية، والإضمار خلاف الأصل، لأن الله تعالى فرض صوم شهر رمضان على من شهده مقيمًا غير مسافر، وفرض على من كان مريضًا أو على","vol":"1","page":504},{"text":"سفر، عدة من أيام أُخر يصومها، بدلًا مما فاته من صوم رمضان، فكما أنه لم يجز للمقيم الصحيح الإفطار، لم يجز للمريض والمسافر الفطر.\nويؤيد هذا ما رواه ابن جرير، عن عبد الرحمن بن عوف، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"الصائم في السفر كالمفطر في الحضر\" (١).\nوذهب قوم إلى أن الفطر في السفر رخصة، فقالوا: إن صام في السفر سقط عنه القضاء في الحضر.\nوروي هذا عن عمر بن عبد العزيز، وأنس بن مالك، وواثلة بن الأسقع، وعطاء، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، وأُبي بن كعب، والأسود ابن يزيد، وعمرو بن ميمون، وأبو وائل، والقاسم بن محمد، وابن جرير الطبري، وهذا يدل عليه قوله تعالى:\n﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. ولا عسر أعظم من إلزام من صام رمضان في السفر، أن يصومه أو بعضه في الحضر، وقد تكلف أداء فرضه في أثقل الحالين عليه، حتى قضاه وأداه.\nويؤيد هذه الأحاديث الصحيحة، وهذه الآية، وإن وردت عقب آية الصوم.\nوروي عن علي وابن عباس، ومجاهد والضحاك: أن اليسر في هذه الآية، الفطر في السفر، وأن العسر الصوم فيه.\nإلا أنها تحمل على العموم، وتتخذ قاعدة، في أنه كلما دار الأمر بين الحكم على الشيء بتغليظ، وبين الحكم عليه بسهولة، كان جانب السهولة راجحًا على جانب العسر، وذلك في جميع الأحوال الدنيوية والأخروية، وفي الحديث: \"دين الله يسر\" (٢)؛ يسر ولا تعسر (٣)؛ و\"ما خيّر - ﷺ -، بين أمرين إلا اختار\n_________\n(١) هو في \"ضعيف الجامع الصغير\" ٣٤٥٦.\n(٢) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ١٦١١.\n(٣) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٨٠٨٦ و٨٠٨٧ بلفظ: \"يسروا ولا تعسروا\".","vol":"1","page":505},{"text":"أيسرهما\" (١). وقال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ [الحج: ٧٨]، وقال: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ [الأعراف: ١٥٧].\nولما كانت علة التيسير المؤكد بنفي التعسير الإطاقة، فكان التقدير: \"لتطيقوا ما أمركم به، ويخف عليكم أمره\"، عطف عليه قوله: ﴿وَلِتُكْمِلُوا﴾، مأخوذ من الإكمال، وهو: بلوغ الشيء إلى غاية حدوده، في قدر أو عدد، حسًا أو معنى.\n﴿الْعِدَّةَ﴾: أي: عدة أيام رمضان مما أفطرتم من أيام أُخر، فهذه الآية علة الأمر بمراعاة العدة.\nوقوله: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾، علة ما علم من كيفية القضاء، والخروج من عهدة الفطر.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾، علة الترخيص والتيسير. قال في \"الكشاف\": وهذا نوع من اللف لطيف المسلك، لا يكاد يهتدي إلى تبيينه إلا النقاب المحدث من علماء البيان. و\"التكبير\": تعظيم الله والثناء عليه.\nولما قال تعالى، بعد إيجاب فرض الصوم، وبيان أحكامه: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾؛ فأمر العبد بالتكبير الذي هو الذكر، وبالشكر، بيّن سبحانه أنه بلطفه ورحمته قريب من العبد، مطلَّع على ذكره وشكره، فيسمع نداءه، ويجيب دعاءه، ولا يخيب رجاءه، فقال:\n﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)﴾.\nوفي تعقيب هذه الآية لما قبلها، إشارة إلى أن الدعاء لا بد وأن يكون مسبوقًا بالثناء الجميل، لأنه تعالى أمر أولًا بالتكبير، ثم رغب في الدعاء ثانيًا، كما\n_________\n(١) أخرجه البخاري ٣٥٦٠، ومسلم ٢٣٢٧. وقد دمج المؤلف بين الأحاديث الثلاثة لأنه نقل عبارة \"البحر\"!","vol":"1","page":506},{"text":"أرشدنا تعالى إلى ذلك في فاتحة الكتاب، حيث علمنا الثناء أولًا، ثم عقبه بقوله، آمرًا لنا أن نقول: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.\nوأخبر تعالى عن الخليل ﵇، أنه قدم الثناء على الدعاء، حاكيًا عنه أنه قال: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ [الشعراء]، إلى قوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ (٨٢)﴾ [الشعراء]. وكل هذا ثناء منه على الله تعالى، ثم شرع بعده في الدعاء فقال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي حُكْمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (٨٣)﴾ [الشعراء].\nوفي الآية إشارة أيضًا إلى فضيلة الدعاء في الصوم، لأنه تعالى، بعد أن بيّن وجوب الصوم، وبين أحكامه، قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ إلى ما فيه لكم السعادة في الأولى، والعقبى، والتكبير إنما هو الذكر؛ ثم أرشد إلى الشكر.\nثم بيّن أن ﷾ يفيض على العبد أنواع برّه وكرمه إذا امتثل أمره، فقال: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ الآية، وأيضًا فإن الصوم، لما كان فيه من إظهار العبودية ما لا يخفى، أرشد عباده إلى تمامها بالخضوع والتضرع والدعاء، فإن العبد لا غنى له عن سيده؛ وقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، أي: هل أنا على حال المتكبرين من ملوك الدنيا في البعد عمن دونهم؟\nفأخبرهم: أني لست كذلك، وفيه إيماء إلى غلط الذين يضربون لله الأمثال بجهلهم، فيقولون: لا بد لنا من الواسطة؛ ثم إنهم يستدلون بأنه، كما أن الملوك لا يصل إليهم قاصدهم، إلا بواسطة أعوانهم، فكذا الله تعالى، لن يصل إليه أحد إلا بواسطة واحد من أهل القبور، ويجعلون وساطتهم دينًا.\nفيجابون أولًا بهذه الآية الكريمة؛ وثانيًا بأن الملوك، لما كانوا لا يدرون بما وراء جدرانهم، احتاجوا إلى مبلّغ يبلغهم حاجة المضطر والملهوف، والله تعالى ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ [طه]، فلو كان محتاجًا إلى الواسطة، للزم أن لا يكون عالمًا بأسرار عباده، واللازم باطل بالإجماع.","vol":"1","page":507},{"text":"قالوا: إننا مضمخون بالذنوب والمعاصي، فلا يليق بنا أن نخاطب الحضرة الإلهية رأسًا، فوجب علينا أن نجعل وسائط طاهرة من الذنوب، ثم أنهم يلجؤون إلى واحد من المقبورين، فيجعلونه واسطة.\nقيل لهم أولًا: من أخبركم بأن واسطتكم بريئة من الذنوب؟ وأنها في مقام القرب من الله تعالى؟ لأن دعوى مثل ذلك، لما عدا الأنبياء ﵈، غيّ وجهل، ولئن سلمت براءتهم من الذنوب، فقد ذم الله تعالى عبّاد الأصنام، وأخبر عنهم بأنهم قالوا: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ [الزمر: ٣].\nفإن قالوا: إن هؤلاء عبدوهم! ونحن لم نعبد الوسائط.\nقيل لهم: إن نفيتم العبادة الاصطلاحية، والقرآن لم ينزل على اصطلاح اتخذتموه لأنفسكم، بل نزل بلغة العرب.\nوقد قال أهل اللغة، في قوله تعالى حكاية: ﴿وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ﴾ [المائدة: ٦٠]، أي: خدم الطاغوت، فأولئك لم يصلّوا ولم يصوموا للطاغوت، ولكنهم خضعوا له، وخدموه خدمة العبد لسيده.\nوالعبادة: هي الذل، والخضوع، والانقياد.\nوأيضًا فإن الله تعالى يقبل على عبده العاصي إذا دعاه، ويفرح بتوبته، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، ويجيب دعوة المضطر إذا دعاه، بلا واسطة مخلوق، والواسطة إليه تعالى، والوسيلة إنما هي التوبة، والتذلل بباب عزّه، والثناء عليه بما هو أهله، وشكره واتباع أمره واجتناب نهيه، ليس إلا، ألا ينظر البعيد عن حضرته تعالى، إلى قوله سبحانه: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، ولم يشترط هنا واسطة مخلوق، بل أرشد إلى الثناء عليه في الآية التي قبلها، على ما بيناه سابقًا، فخذ ما أرشدناك إليه، واهجر الدسائس والوساوس والزخارف مليًا.","vol":"1","page":508},{"text":"ومن ثم قال الأستاذ أبو القاسم القشيري، ما معناه: الذين يسألون عن الجبال، وعن اليتامى، وعن المحيض، ونحوها، يجابون بالواسطة، أي: بلفظ ﴿قُلْ﴾ أو ﴿فَقُلْ﴾، وأما الذين يسألون عني، فأنا أرفع الوسائط بيني وبينهم.\nوقال الإمام ناصر الدين بن الميلق، ما معناه: أنه سبحانه، لما كان قد تعرف إلى عباده؛ بأفعاله وآياته، وما ركز في العقول من معرفته، كان حذف الواسطة في الإخبار عنه، بخلاف الأهلة ونحوها، فإن العقول لا تستقل بمعرفتها، فكأن الإخبار عنها بواسطة الرسول، الذي لا تعرف إلا من جهته أنسب.\nوقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي﴾، أي قال: هل يسمع دعاءنا ربنا؟ وهل إذا سمع دعاءنا يجيبنا إلى مطلوبنا؟ وهل يفعل ما نسأله؟ ويرى تضرعهم؟ فكأن الجواب منه تعالى: بأني قريب أسمع دعاءهم، وأرى تضرعهم، ولا يخفى علي شيء، مما تكنه ضمائرهم، وهذا هو معنى ﴿قَرِيبٌ﴾ في هذه الآية.\nويدل لهذا ما أخرجه البيهقي في كتابه \"الأسماء والصفات\"، بسنده إلى أبي موسى الأشعري، قال: كنا مع النبي - ﷺ -، كلما أشرفنا على وادٍ هلّلنا وسبحنا، وارتفعت أصواتنا، فقال النبي ﷺ:\n\"يا أيها الناس اربعوا على أنفسكم، إنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنه معكم سميع قريب\" (١). ورواه البخاري في الصحيح، عن محمد بن يوسف الفريابي، وأخرجه البخاري ومسلم من أوجه أُخر؛ ورواه أبو داود والترمذي والنسائي، وابن ماجه وابن مردويه؛ ورواه خالد الحذاء، عن أبي عثمان النهدي، وزاد فيه:\n\"إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\".\nقال الحليمي: ومعنى القريب أنه لا مسافة بين العبد وبينه، فلا يسمع دعاءه، ويخفى عليه حاله، كيفما تصرفت به، فإن ذلك يوجب أن تكون له نهاية، وحاشى له من النهاية.\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٧٨٦٤، و\"السنة\" لابن أبي عاصم ٦١٨، ٦١٩.","vol":"1","page":509},{"text":"وقال الخطابي: معناه أنه قريب بعلمه من خلقه، قريب ممن يدعوه بالإجابة، كقوله: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، هذا كلامه.\nوليس هذا من التأويل الذي يميل اللفظ إلى غير ظاهره، بل إنه تعالى أخبر عن نفسه، بأنه ﴿قَرِيبٌ﴾، ثم فسر ذلك القرب، بقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فلا يتوهمن متوهم من هذا: القربَ المكاني، فإن الله تعالى منزه عنه، وعن الحلول، ولهذا حافظ تعالى على تفسير هذا اللفظ، لئلا يقع العباد في الوهم، وفي نسبته تعالى إلى ما يليق به من الحلول والاتحاد، ومن هذا النمط قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ [ق].\nوقوله تعالى: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾. ذهب المتقدمون فيه وجهين:\nأولهما: أن معناه ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، إن شئت، فيكون ذلك، وإن كان عامًا مخرجه، بالنسبة إلى مخرجه في التلاوة، خاصًا بالنسبة إلى معناه.\nوالثاني: أن يكون معنيًا بالدعوة العمل بما ندب الله إليه، وأمره بك.\nفيكون تأويل الكلام: وإذا سألك عبادي عني، فإني قريب ممن أطاعني، وعمل بما أمرته به، أجيبه بالثواب على طاعته إياي إذا أطاعني؛ فيكون معنى الدعاء، مسألة العبد ربه ما وعد أولياءه على طاعتهم، بعملهم بطاعته، ومعنى الإجابة من الله التي ضمنها له: الوفاء له بما وعد العاملين له، بما أمرهم به.\nوهذان الوجهان ذكرهما الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره، جوابًا عما عساه أن يقال: ما معنى هذا القول من الله تعالى ذكره، وأنت ترى كثيرًا من البشر يدعون الله، فلا يجاب لهم دعاء، وقد قال: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؟\nوأقول: الجواب الصحيح أن يقال: أخرج ابن أبي شيبة وأحمد والبخاري في \"الأدب المفرد\" و\"الحاكم\"، عن أبي سعيد، أن النبي - ﷺ -، قال: \"ما من","vol":"1","page":510},{"text":"مسلم يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم، ولا قطيعة رحم، إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها\" قالوا: إذن نكثر، قال: \"الله أكثر\" (١).\nوأخرج الحاكم عن عائشة، قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يغني حذر من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن البلاء لينزل فيتلقاه الدعاء، فيعتلجان إلى يوم القيامة\" (٢).\nوأخرج البخاري في \"الأدب المفرد\" عن أبي هريرة، قال: قال النبي - ﷺ -: \"يستجاب لأحدكم ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم، أو يستعجل فيقول: دعوت فلا أرى يستجيب لي، فيدع الدعاء\" (٣).\nوأخرج البخاري أيضًا في \"الأدب\" والحاكم عن أبي هريرة مرفوعًا: \"ما من عبد ينصب وجهه إلى الله في مسألة، إلا أعطاه الله إياها، إما أن يعجلها له في الدنيا، وإما أن يدخرها له في الآخرة\".\nوالأحاديث في هذا كثيرة، ومعناها يرجع إلى ما ذكرناه، ومنها تعلم أن الإجابة لا بد منها، ما لم يكن الدعاء بإثم أو قطيعة رحم، ولكن الإجابة ليست على ما يتوهمه السامع، بل على ما ذكر في هذه الأحاديث، ورسول الله أعلم بكتاب الله منا.\nوقوله تعالى: ﴿فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي﴾، معناه: فليطيعوني، وهو المعروف في كلام العرب، قال كعب بن سعيد الغنوي:\nودَاعٍ دَعا: يَا مَنْ يجيب إلى النَّدى ... فلم يَسْتَجِبه، عِنْدَ ذاكَ، مُجِيبُ (٤)\n_________\n(١) هو في \"مشكاة المصابيح\" ٢٢٥٩، وفي \"صحيح الأدب المفرد\" ٧١٠.\n(٢) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٧٧٣٩، و\"مشكاة المصابيح\" ٢٢٣٤.\n(٣) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" ٨٠٨٥، و\"مشكاة المصابيح\" ٢٢٢٧.\n(٤) تقدم عند المصنف عند الآية ١٧.","vol":"1","page":511},{"text":"يريد: فلم يجبه. ومعناه هنا: فأجيبوني بالطاعة، وقيل: معناه فليدعوني، وهو بمعنى الأول، إذًا الدعاء من الطاعة للأمر به.\nوقوله: ﴿وَلْيُؤْمِنُوا بِي﴾ فمعناه: وليؤمنوا بي إذا هم استجابوا إلي بالطاعة، أني لهم من وراء طاعتهم لي في الثواب، وإجرائي الكرامة لهم عليها؛ أو المعنى: فليؤمنوا بي أني أستجيب لهم.\nوأما قوله تعالى: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾، فمعناه: ﴿لَعَلَّهُمْ﴾ يهتدون، أي: ليكونوا على رجاء من الدوام على إصابة المقاصد، والاهتداء إلى طريق الحق؛ قال الحرالّي: الرشد حسن التصرف في الأمر، حسًا أو معنى، في دين أو دنيا. وختم هذه الآية برجاء الرشد من أحسن الأشياء، لأنه تعالى، لما أمرهم بالاستجابة له، وبالإيمان به، نبه على أن هذا التكليف ليس القصد منه إلا وصولك بامتثاله إلى رشادك في نفسك، لا يصل إليه تعالى منه شيء من منافعه، وإنما ذلك مختص به.\nولما كان الإيمان شبه بالطريق المسلوك في القرآن ناسب ذكر الرشاد، وهو الهداية، كما قال: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾.\nولما تصور المخاطبون بهذه الآية الشريفة قربه وحبه، على عظمته وعلوه، فتذكروا لذيذ مخاطبته فيما قبل، فاشتاقوا إليها، وكان قد يسّر لهم أمر الصوم حتمًا على جميعهم، وكيفًا على أهل الضرورة منهم، كانوا كأنهم سألوه التيسير، على أهل الرفاهية، فيما حرم عليهم، كما حرم على أهل الكتاب من الوطء في شهر الصوم، والأكل بعد النوم، فقال تحقيقًا للإجابة والقرب:\n﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ","vol":"1","page":512},{"text":"ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)﴾.\nسبب نزول هذه الآية، ما رواه البخاري في صحيحه، بسنده إلى البراء بن عازب، قال: لما نزل صوم رمضان، كانوا لا يقربون النساء رمضان كله، وكان رجال يخونون أنفسهم، فأنزل الله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾.\nوأخرج أيضًا بسنده إلى الشعبي، عن عدي بن حاتم، قال: أخذ عديُّ عقالًا أبيض، وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل، نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله، جعلت تحت وسادتي، قال: \"إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك\". وفي رواية له عن عدي، قال: قلت: يا رسول الله، ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود؟ أهما الخيطان؟ قال: \"إنك لعريض القفا، إن أبصرت الخيطين\" ثم قال: \"لا، بل هو سواد الليل وبياض النهار\".\nوأخرج أيضًا عن سهل بن سعد الساعدي قال: أنزلت ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ولم ينزل ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ وكان رجال إذا أرادوا الصوم، ربط أحدهم في رجليه الخيط الأبيض والخيط الأسود، ولا يزال يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل الله بعده، ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾، فعلموا أنما يعني الليل من النهار.\nفقوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾، معناه: أطلق ﴿لَكُمْ﴾ وأبيح؛ ويعني بقوله: ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾، في ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾، وليس المراد من ليلة الصيام ليلة واحدة، بل المراد الإشارة إلى الليلة المضافة إلى هذه الحقيقة.\nوقال الواحدي: أراد بـ ﴿لَيْلَةَ الصِّيَامِ﴾ ليالي الصيام، فوقع الواحد موقع الجماعة.","vol":"1","page":513},{"text":"﴿الرَّفَثُ﴾، كناية عن الجماع في هذا الموضع، يقال: هو ﴿الرَّفَثُ﴾ والرفوث، وقد روي أنها في قراءة عبد الله بن مسعود: \"أحل لكم ليلة الصيام الرفوث إلى نسائكم\".\nوهو قول قتادة ومجاهد، وسالم بن عبد الله، والسدي، وابن عباس، وقال: ﴿الرَّفَثُ﴾: الجماع. ولكن الله كريم يكني؛ و﴿الرَّفَثُ﴾ في غير هذا الموضع، الإفحاش في المنطق، كما قال العجاج (١):\nعن اللَّغَا ورفث التكلُّمِ.\nوعدى الرفث بـ ﴿إِلَى﴾، مع أنه يتعدى بالباء، لتضمنه معنى الإفضاء، قال تعالى: ﴿وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ [النساء: ٢١]، كأنه قيل: أحل لكم الإفضاء إلى نسائكم بالرفث.\n﴿هُنَّ﴾ أي: نساؤكم ﴿لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ وجه هذا، أنه لما كان الرجل والمرأة يعتنقان، ويشتمل كل واحد منهما على صاحبه في عناقه، شبه باللباس المشتمل عليه. قال الجعدي:\nإذا ما الضَّجِيجُ ثَنى عِطفَها ... تَثَنَّت، فكانَتْ عَليهِ لِباسَا (٢)\nقال في \"الكشاف\": وجعل موقع ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾ استئنافًا، كالبيان لسبب الإحلال، وهو أنه إذا كانت بينكم وبينهن مثل هذه المخالطة والملابسة، قَلَّ\n_________\n(١) هي في ديوانه ص ٤٥٦ - بتحقيق د. السطلي-. قال الأستاذ شاكر: من رجز له طويل، حمد فيه الله ومجده بقوله:\nفالحمد لله العليِّ الأعظمِ ... ذي الجبروت والجَلالِ الأفخم\nوعالِمِ الإعلانِ والمُكَتَّمِ ... ورَبِّ كل كافرٍ ومسلم\nثم عطف على قوله: \"ورب كل كافر ومسلم\" عطوفًا كثيرة حتى انتهى إلى:\nورَبِّ أسراب حَجيج كُظَّمِ ... عن اللَّغَا ورَفَثِ التَّكَلُّمِ\n(٢) هو في لسان العرب ٣/ ٣٣٥.\nوانظر كتاب \"شعر النابغة الجعدي\" طبع المكتب الإسلامي، الصفحة ٨١، وفيه:\nإذا ما الضجيج ثنى جِيدَها ... تثنت عليه فكانت لِباسا","vol":"1","page":514},{"text":"صبركم عنهن، وصعب عليكم اجتنابهن، فلذلك رخص لكم في مباشرتهن، وقد تضمنت هذه الآية ثلاثة أنواع من البيان:\nالطباق المعنوي بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ فإنه يقتضي تحريمًا سابقًا، فكأنه قال: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ ما حرم عليكم من قبل، أو ما حرم على من قبلكم.\nوالكناية بقوله ﴿الرَّفَثُ﴾ الذي هو كناية عن الجماع.\nوالاستعارة البديعة في قوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ﴾، وأفرد اللباس لأنه كالمصدر، تقول: لابست ملابسة ولباسًا.\nوإنما قلنا: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ﴾ ما حرم عليكم من قبل .. إلى آخره، إشارة إلى اختلاف المفسرين في هذه، وذلك أن جمهور المفسرين، ذهب إلى أنه كان في أول أمر شرعنا، أن الصائم إذا أفطر، حلّ له الأكل والشرب والجماع، بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة، فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى، نسخ ذلك بهذه الآية.\nوقال أبو مسلم الأصفهاني: لم تكن هذه الحرمة ثابتة في شرعنا البتة، بل كانت ثابتة في شرع النصارى، والله تعالى نسخ بهذه الآية ما كان ثابتًا في شرعهم، وبنى أبو مسلم ذلك على أصله الذي أصَّله، وهو أنه لم يقع في شرعنا نسخ البتة، وهذه الآية نفسها ترد على ما ادعاه، لأن قوله: ﴿أُحِلَّ﴾، لو كان لشيء ثابت لهذه الأمة من قبل، لم يكن له فائدة.\nوأصرح من هذه، قوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾، يدل على أنه، لو كان ذلك حلالًا لهم، لما كان بهم حاجة إلى أن يختانوا أنفسهم، وأيضًا لولا أن ذلك كان محرمًا عليهم، وأنهم أقدموا على المعصية بسبب الإقدام على ذلك الفعل، لما صح قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنْكُمْ﴾. وأيضًا لو كان الحلّ ثابتًا قبل ذلك، كما هو الآن، لم يكن لقوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ فائدة.","vol":"1","page":515},{"text":"وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾ تظلمونها، وتنقصونها حظها من الخير. والاختيان مأخوذ من الخيانة، كالاكتساب من الكسب، فيه زيادة وشدة، ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ حين تبتم مما ارتكبتم من المحظور.\nأو المعنى: خفف عنكم بالرخصة والإِباحة، فيكون كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [المزمل: ٢٠]. أي: خفّف عنكم.\n﴿وَعَفَا عَنْكُمْ﴾ يحتمل أن يريد عن المعصية بعينها، فيكون تأكيدًا وتأنيسًا، زيادة على التوبة، ويحتمل أن يراد، عفا عما كان ألزمكم من اجتناب النساء، بمعنى: تَرَكَه لكم، كما تقول: شيء معفو عنه، أي: متروك.\n﴿فَالْآنَ﴾ أي: فالوقت الذي كان يحرم عليكم فيه الجماع من الليل؛ ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي: جامعوهن ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ واطلبوا ما قسم الله لكم من الولد، أي: لا تباشروا لقضاء الشهوة وحدها، ولكن لابتغاء ما وضع الله له النكاح من التناسل.\nوقال السمرقندي: ﴿ابْتَغُوا﴾ بالقرآن ﴿مَا﴾ أبيح ﴿لَكُمْ﴾ منه، والحق: أن معناه، واطلبوا جميع معاني الخير المطلوبة، لكن أشبه المعاني بظاهر الآية، أن يكون: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ من الولد، لأنه جاء عقيب قوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾. ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ أي: إلى أن يتبين لكم ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ﴾ هو أول ما يبدو من الفجر المعترض في الأفق، كالخيط الممدود ﴿مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ ما يمتد معه من غبش الليل، شبها بخيطين أبيض وأسود؛ وتشبيههما بالخيط معروف في كلام العرب. قال أبو دؤاد (١):\nفلما أضاءت لنا سُدْفةٌ ... ولاح من الصبح خيطٌ أنارا\nوعليه فيكون المعنى: ﴿وَكُلُوا﴾ بالليل في شهر صومكم ﴿وَاشْرَبُوا﴾،\n_________\n(١) هو لأبي داؤد الإيادي من قصيدة يصف بها فرسًا. كما في \"زاد المسير في علم التفسير\" ٢/ ٧٤.","vol":"1","page":516},{"text":"وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل، إلى أن يقع لكم ضوء النهار، بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده، وبهذا قال جمهور المفسرين، كالحسن والسدي، وقتادة وابن عباس.\nوهو الذي بلغنا من حديث رسول الله - ﷺ - فقد روى ابن جرير وأحمد والبخاري، ومسلم وأبو داود والترمذي والبيهقي وسفيان بن عيينة وسعيد بن منصور وابن أبي شيبة وابن المنذر، من حديث عدي بن حاتم، أن النبي - ﷺ -، قال: \"إنما ذاك بياض النهار من سواد الليل\". وفي لفظ [ابن] جرير، وابن أبي حاتم: \"إنما هو ضوء النهار من ظلمة الليل\".\nوهذا يدل على أن مجرد طلوع الفجر الثاني، هو مبدأ الإمساك في الصوم، وذهب جماعة من المفسرين، إلى أن الخيط الأبيض، أن يكون الضوء منتشرًا مستفيضًا في السماء، يملأ بياضه وضوءه الطرق، فأما الضوء الساطع في السماء، فهو غير الذي عناه الله بقوله: ﴿الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾.\nوبذلك قال أبو مجلز، ورواه الأعمش عن مسلم وعطاء ومحمد بن عبد الرحمن بن ثوبان؛ ورواه ابن جرير ووكيع وابن أبي شيبة ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي، عن سمرة بن جندب قال: \"لا يمنعكم من سحوركم أذان بلال، ولا الفجر المستطيل، ولكن المستطير في الأرض\" (١). وأخرجه الإمام أحمد، عن طلق بن علي، بلفظ: \"ليس الفجر بالمستطيل في الأفق، ولكنه المعترض الأحمر\" (٢).\nوذهب جماعة الى أن الخيط الأبيض هو ضوء الشمس، والخيط الأسود هو سواد الليل. وروى ابن جرير هذا عن حذيفة والأعمش؛ وروى ابن جرير، عن هبيرة عن علي، أنه لما صلى الفجر، قال: \"هذا حين يتبين الخيط الأبيض، من الخيط الأسود من الفجر\"؛ وروي مثل هذا عن ابن مسعود، وروي عن إبراهيم\n_________\n(١) هو في \"إرواء الغليل\" ٩١٥.\n(٢) هو في \"صحيح سنن الترمذي - باختصار السند\" ٥٦٧.","vol":"1","page":517},{"text":"النخعي، أنه قال: \"الوتر بالليل والسحور بالنهار\". قال ابن جرير: وعلة من قال هذا القول، أن الوقت إنما هو النهار دون الليل. قالوا: وأول النهار طلوع الشمس، كما أن آخره غروبها؛ قالوا: ولو كان أوله طلوع الفجر، لوجب أن يكون آخره غروب الشفق، وفي إجماع الحجة، على أن آخر النهار غروب الشمس، دليل واضح على أن أوله طلوعها، قالوا: وفي الخبر عن النبي - ﷺ - أنه تسحر بعد طلوع الفجر (١)، أوضح دليل على صحة قولنا.\nقال أبو جعفر الطبري: وأولى التأويلين بالآية، التأويل الذي روي عن رسول الله - ﷺ -، أنه قال: \"الخيط الأبيض بياض النهار، والخيط الأسود سواد الليل\". قال: وأما الأخبار التي رويت عن رسول الله - ﷺ -، أنه شرب أو تسحر، ثم خرج إلى الصلاة، فإنه غير دافع صحة ما قلناه في ذلك، لأنه غير مستنكر أن يكون - ﷺ -، شرب قبل الفجر، ثم خرج إلى الصلاة؛ إذ كانت الصلاة - صلاة الفجر- على عهده تصلّى بعدما يطلع الفجر، ويتبين طلوعه، ويؤذن لها قبل طلوعه. انتهى.\nقلت: ولفظ ﴿الْخَيْطُ﴾ يشعر بابتداء طلوع الفجر، لأنه آنئذٍ يكون شبيهًا به، فأما إذا استطار وانتشر فلا، وكذلك ﴿الْفَجْرِ﴾ يشعر بالانفجار، وانفجار الشيء إنما يكون مبتدأه؛ وعلى كل فنقول: إن ههنا مذاهب شتى، ولكنها على حد ما قاله الرازي: وهذه المذاهب قد انقرضت، والفقهاء أجمعوا على بطلانها، فلا فائدة في استقصاء الكلام عليها، ثم من المعلوم، أن ﴿حَتَّى﴾ في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ﴾ الآية، لانتهاء الغاية، فدلت هذه الآية، على أن حلّ المباشرة، والأكل والشرب، ينتهي عند طلوع الفجر؛ وزعم أبو مسلم الأصفهاني: أنه لا شيء من المفطرات، إلا أحد هذه الثلاثة، فأما الأمور التي يذكرها الفقهاء، من تكلف القيء، والحقنة، والسَّعُوط (٢) فليس شيء منها بمفطر، قال: لأن كل هذه الأشياء كانت مباحة، ثم دلت هذه الآية على حرمة هذه الثلاثة على الصائم بعد\n_________\n(١) ذكرت بعض هذه الأخبار في \"السلسلة الصحيحة\" ١٣٩٤.\n(٢) السعوط: ما يُنْشَقُ في الأنف من الأدوية وغيرها.","vol":"1","page":518},{"text":"الصبح، فبقي ما عداها على الحل الأصلي، فلا يكون شيء منها مفطرًا.\nقال الرازي: إن الفقهاء قالوا: إن الله تعالى خصّ هذه الأشياء الثلاثة بالذكر، لأن النفس تميل إليها؛ وأما الحقنة والقيء، فالنفس تكرههما، والسعوط نادر، فلذلك لم يذكرها. انتهى.\nقلت: أما هذه الثلاثة، فالإجماع على أنها من المفطرات، وأما الباقي، فقد\nثبت أكثره عن النبي - ﷺ -. فأما الحجامة (١): فقد روى أحمد والترمذي، عن\nرافع بن خديج،، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أفطر الحاجم والمحجوم\" (٢).\nوروى أحمد وأبو داود وابن ماجه، من حديث ثوبان، وحديث شداد بن أوس مثله؛ ورواه أيضًا أحمد وابن ماجه، عن أبي هريرة مرفوعًا؛ ورواه الإمام أحمد، من حديث عائشة، وأسامة بن زيد، والحسن بن معقل بن سنان الأشجعي؛ قال الامام أحمد: أصح شيء في هذا الباب، حديث رافع بن خديج. وقال علي بن المديني: أصح شيء في هذا الباب، حديث ثوبان، وشداد بن أوس.\nوإلى هذا ذهب الامام أحمد، وخالفه الأئمة الثلاثة، عملًا بما رواه أحمد والبخاري، عن ابن عباس، أن النبي - ﷺ -: \"احتجم وهو محرم، واحتجم وهو صائم\" (٣). وفي لفظ: \"احتجم وهو محرم صائم\". رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي وصححه.\nوما القيء والاكتحال (٤)، فقد روى أحمد والبخاري ومسلم، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"من ذرعه القيء\n_________\n(١) الحجامة: مصّ الدم من الجرح - أو القيح من القرحة - بالفم أو بآلة كالكأس.\n(٢) هو في \"مشكاة المصابيح\" (٢٠١٢)، و\"صحيح الجامع الصغير\" (١١٣٦)، و\"إرواء الغليل\" (٩٣١).\n(٣) هو في \"صحيح سنن أبي داود\" (١٦١٩) و(٢٠٧٩)، و\"صحيح سنن الترمذي\" (٦٢٢ و٦٢٣ و٦٧٠)، و\"صحيح سنن ابن ماجه\" (١٣٦٤) و\"إرواء الغليل\" (٩٣٢) و\"حقيقة الصيام\" ص ٦٧ - ٦٨.\n(٤) ذر الكحل في العين، أو دَلْك الأجفان به، سواء أكان للتزين أم للتداوي.","vol":"1","page":519},{"text":"فليس عليه قضاء، ومن استقاء عمدًا فليقض\" (١). وقال ابن الأثير في \"النهاية\": ذرعه القيء: سبقه وغلبه في الخروج.\nوعن عبد الرحمن بن النعمان بن معبد بن هوذة، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ -: \"أنه أمر بالإثمد المُرَوَّح (٢) عند النوم، وقال: ليتقه الصائم\" (٣). رواه أبو داود والبخاري في \"تاريخه\".\nقال مجد الدين عبد السلام ابن تيمية، في \"المنتقى\": وفي إسناده مقال قريب، قال ابن معين: عبد الرحمن هذا ضعيف؛ وقال أبو حاتم الرازي: هو صدوق؛ انتهى.\nوقال محمد بن مفلح في \"الفروع\"، قال أحمد وابن معين: حديث منكر، يعني الحديث المذكور؛ ومن ثم اختار شيخ الإسلام، أحمد ابن تيمية - وفاقًا لمالك والشافعي- أن الكحل لا يكون مفطرًا.\nقلت: وهو المختار.\nفهذه جملة ما ورد في الأحاديث من المفطرات، مما لم يكن معلومًا من الآية الكريمة، فلو ذهب ذاهب، إلى أنه لا فطر في غير ما نص عليه الكتاب والسنة، لكان قد ذهب مذهبًا حقًا صحيحًا، لا غبار عليه.\nويدل قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ﴾ أن ابتداء الإمساك يكون من التبيُّن، فمن شك فيه، وفعل شيئًا من المفطرات، ثم انكشف له أن الفجر كان طالعًا وصامه، أنه لا قضاء عليه، لأنه غياه بتبين الفجر للصائم لا بالطلوع.\nوروي عن ابن عباس: أنه بعث رجلين ينظران له الفجر، فقال أحدهما:\n_________\n(١) هو في \"صحيح الجامع الصغير\" (٦٢٤٣)، و\"مشكاة المصابيح\" (٢٠٠٧)، و\"إرواء الغليل\" (٩٢٣ و٩٣٠).\n(٢) الإثمد: حجر يكتحل به، والمروح أي المُطَيَّب بالمسك، كأنه جُعِل له رائحة تفوح بعد أن لم تكن له رائحة.\n(٣) انظر \"إرواء الغليل\" ٩٣٦.","vol":"1","page":520},{"text":"طلع الفجر، وقال الآخر: لم يطلع، فقال: اختلفتما، فأكل ولم يقض، وهو قول أحمد والثوري، وعبيد الله بن الحسن والشافعي، وأبي حنيفة في أحد قوليه.\nوروي معناه عن أبي بكر، وابن عمر، وبه قال ابن عباس، وعطاء، والأوزاعي؛ ولفظ \"التبين\" يشعر أيضًا بجواز المباشرة إلى التبيين، فلا يجب عليه الاغتسال قبل الفجر، لأنه إذا كانت المباشرة مأذونًا فيها إلى الفجر، لم يمكنه الاغتسال إلا بعده.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾، بيان لغاية الصوم، وإشارة إلى أنه لا صوم في الليل، كما أنه لا فطر بالنهار، ومنه يؤخذ أن المواصل مجوع نفسه في غير طاعة ربه.\nواعلم أنه من المقرر عند أكثر علماء العربية، أن الغاية، إن كان ما بعدها ليس من جنس ما قبلها، لم يدخل في حكم ما قبلها، ﴿وَاللَّيْلِ﴾ ليس من جنس النهار، فلا يدخل في حكمه، لكن من ضرورة تحقق علم انقضاء النهار، دخول جزء ما من الليل، فمن ثم كان هذا الجزء واجب الصوم.\nقال الراغب: وفي الآية دليل على جواز النية بالنهار، انتهى.\nوهذا الدليل ليس بظاهر، لأن المأمور به إتمام الصوم لا إنشاء الصوم، بل في ذلك إشعار بصوم سابق أمرنا بتتميمه، فلا تعرض في الآية للنية بالنهار.\nوبعض من كتب في التفسير من الشافعية (١)، لما لم يتفطن لهذا قال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ﴾ من الفجر ﴿إِلَى اللَّيْلِ﴾، ثم قال: إنما قدرت في الآية الكريمة: \"من الفجر\"، ليدل على عدم جواز النية في النهار، في صوم رمضان، كما هو مذهب الشافعي، هذا كلامه.\nولقد أخطأ في ذلك، حيث قدر في كلام الله تعالى، ما لا حاجة إليه، ليجعل أصل إمامه أصلًا، والقرآن فرعًا له، وما جره إلى ذلك إلا فرط التعصب\n_________\n(١) هو الخطيب الشربيني﵀.","vol":"1","page":521},{"text":"في التقليد، وكان حقه أن يجعل كتاب الله أصلًا، وقول إمامه مفرعًا عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾، معناه: لا تجامعوا نساءكم في حال عكوفكم في المساجد، وتلك حال حبسهم أنفسهم على عبادة الله تعالى في مساجدهم؛ والعكوف أصله المقام، وحبس النفس على الشيء.\nوقد اختلف أهل التفسير في معنى المباشرة، التي نهى الله عنها في هذه الآية.\nفقال ابن عباس: هذه في رمضان، أو في غير رمضان، فحرم الله أن تنكح النساء ليلًا أو نهارًا حتى يقضي اعتكافه.\nوقال الضحاك: كانوا يجامعون وهم معتكفون، حتى نزلت هذه الآية؛ وبذلك قال الربيع، وقتادة، والسدي، ومجاهد.\nوقالوا: نهى الله المعتكف عن جماع النساء فقط، سواء كان في المسجد أو غيره.\nوقال مجاهد أيضًا: نُهوا عن جماع النساء في المساجد، ولا يباشرها، ولا يتلذذ منها بشيء، لا قبلة ولا غيرها، هذا كلامه.\nوالآية لا تدل إلا على النهي عن المباشرة، وهي من باب المفاعلة، فيكون النهي عن الجماع، وعما هو سبيل له، وأما المباشرة التي لا تلذذ بها، فالظاهر أنها غير داخلة في هذه الآية.\nوقال أبو جعفر الطبري: وأولى القولين عندي بالصواب، قول من قال: معنى ذلك الجماع، أو ما قام مقام الجماع مما أوجب غسلًا، وذلك لأنه لا قول في ذلك، إلا أحد قولين: إما جعل حكم الآية خاصًا، أو جعله عامًا، وقد تظاهرت الأخبار عن رسول الله - ﷺ - أنّ نساءه كنّ يرجلنه (١) وهو معتكف. فلما\n_________\n(١) الترجيل: هو التسريح للشعر، والحديث في البخاري (٢٩٥)، ومسلم (٢٩٧).","vol":"1","page":522},{"text":"صح ذلك عنه، علم أن الذي عنى به من معاني المباشرة، البعض دون الجميع. قال: فلما كان الجماع محرمًا على المعتكف، كان كل ما قام مقامه في الالتذاذ من المباشرة، انتهى.\nأي: فيكون تحريمها شاملًا، وما قاله هو الذي تميل إليه النفس، وتركن إليه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ﴾ يشير إلى أنه يصح الاعتكاف في كل مسجد، وهو قول أبي قِلابة، وابن عيينة، والشافعي، وداود، والطبري، وابن المنذر، وأحد قولي مالك.\nوبعضهم نظر إلى أن الجمعة واجبة على المعتكف، فقال: \"لا اعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه\". وهذا القيد لم يجئ من الآية، وإنما جاء من أمر خارج، وهو قول عبد الله، وعائشة، وإبراهيم، وابن جبير، وعروة، وقال في \"المقنع\" الحنبلي: ولا يصح الاعتكاف إلا في مسجد يجمع فيه، إلا المرأة، لها الاعتكاف في كل مسجد، إلا مسجد بيتها.\nوقال الشربيني الشافعي، في تفسيره: دلت الآية على أن الاعتكاف يكون في المسجد لا في غيره. انتهى.\nوهذه الدلالة غير مسلمة، لأن النهي عن الشيء مقيدًا بحال لها متعلق، لا يدل على أن تلك الحال إذا وقعت من المنهيين، يكون ذلك المتعلق شرطًا في وقوعها؛ ونظير ذلك إذا قلت: لا تضرب زيدًا وأنت راكب فرسًا، فلا يلزم من هذا أنك متى ركبت فلا يكون ركوبك إلا فرسًا، فتبين من هذا أن الاستدلال بهذه الآية، على اشتراط المسجد في الاعتكاف ضعيف.\nنعم: إن الآية تومئ إلى أنه لا يشترط الصوم في الاعتكاف، وذلك لأن الله منع المعتكف من مباشرة المرأة، ولو كان اعتكافه باطلًا، لما كان ممنوعًا ترك العمل بظاهر هذا اللفظ إذا ترك النية، فيبقى فيما عداه على الأصل، وأيضًا لو كان الاعتكاف لا يجوز إلا مقارنًا بالصوم، لخرج الصائم بالليل عن الاعتكاف،","vol":"1","page":523},{"text":"لخروجه فيه عن الصوم، ولما كان الأمر بخلاف ذلك علمنا أن الاعتكاف يجوز مفردًا أبدًا بدون الصوم.\nوقد روي عن عمر، ﵁، قال: يا رسول الله إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف لله ليلة، فقال ﵊: \"أوفِ بنذرك\" (١). ومعلوم أنه لا يجوز الصوم في الليل.\nقوله تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، ﴿تِلْكَ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم، في أول آية الصوم إلى ههنا؛ ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، فلا تغشوها، فكأنه تعالى يقول: هذه أشياء حددتها لكم، وأمرتكم أن تجتنبوها في الأوقات التي أمرتكم أن تجتنبوها، وحرمتها فيها عليكم، ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، وأبعدوا منها أن تركبوها، فتستحقوا بها من العقوبة ما يستحقه من تعدى حدودي، وخالف أمري، ورَكب معاصيّ.\nوأبدى صاحب \"الكشاف\" هنا نكتة لطيفة، على عادته في استخراج اللطائف، فقال: فإن قلت: كيف قيل: ﴿فَلَا تَقْرَبُوهَا﴾، مع قوله: ﴿فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]؟ قلت: من كان في طاعة الله، والعمل بشرائعه، فهو متصرف في حيز الحق، فنهي أن يتعداه، لأن من تعداه وقع في حيز الباطل. ثم بولغ في ذلك، فنهي عن أن يقرب الحد، الذي هو الحاجز بين حيزي الحق والباطل، لئلا يداني الباطل، وأن يكون في الواسطة متباعدًا عن الطرف، فضلًا عن أن يتخطاه، كما قال رسول الله - ﷺ -: \"واعلم أن لكل ملك حمى وحمى الله محارمه، فمن رتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه\" (٢). فالرتع حول الحمى، وقربان حيزه واحد، ويجوز أن يريد بحدود الله محارمه ومناهيه خصوصًا، لقوله: ﴿وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ﴾، وهي حدود لا تقرب، هذا كلامه.\nقال ابن المنير، في \"الانتصاف\": وفي هذه الآية دليل بين لمذهب مالك في سدّ الذرائع، والاحتياط للمحرمات، لا يدافع عنه.\n_________\n(١) \"صحيح الجامع\" ٢٥٥٠.\n(٢) هو في \"غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام\" ٢٠.","vol":"1","page":524},{"text":"قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، أي: كما بيّنت لكم أيها الناس واجب فرائضي عليكم من الصوم، وعرفتكم حدوده وأوقاته، وما عليكم منه في الحضر، وما لكم فيه في السفر والمرض، وما اللازم لكم تجنبه في حال اعتكافكم في مساجدكم، فأوضحت جميع ذلك لكم، فـ ﴿كَذَلِكَ﴾ أبين أحكامي، وحلالي، وحرامي، وحدودي، وأمري ونهيي، في كتابى وتنزيلى، وعلى لسان رسولي للناس.\nويعني بقوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾، يقول: أبيّن لهم ذلك ليتقوا محارمي ومعاصيّ، ويتجنبوا سخطي وغضبي، بتركهم ركوب ما أبيّن لهم في آياتي، أني حرمته عليهم وأمرتهم بهجره وتركه.\nولما كان من يعبد الله تعالى بالصيام، فحبس نفسه عما تعوده من الأكل والشرب والمباشرة بالنهار، ثم حبس نفسه بالتقييد في مكان تعبد الله فيه، ممنوعًا من اللذة الكبرى بالليل والنهار، جدير أن لا يكون مطعمه وملبسه ومشربه، إلا من الحلال الخالص، الذي ينور القلب، ويزيده بصيرة، ويفضي به إلى الاجتهاد فى العبادة، فلذلك قال:\n﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾.\nأي: لا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، أي: بالوجه الذي لم يبحه الله ولم يشرعه، فجعل تعالى بذلك، آكل مال أخيه بالباطل، كالآكل مال نفسه بالباطل، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩]، على معنى: ولا يقتل بعضكم بعضًا، لأنه تعالى جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه.\nوكذلك تفعل العرب، تكني عن أخواتها بأنفسها، وتكني عن أنفسها بأخواتها، فتقول: أخي وأخوك، أينا أبطش؟ تعني: أنا وأنت نصطرع، فننظر أينا أشد، فيكني المتكلم عن نفسه بأخيه، لأن أخا الرجل عنده كنفسه.","vol":"1","page":525},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، ليس المراد منه الأكل خاصة، لأن غير الأكل من التصرفات، كالأكل في هذا الباب، لكنه لما كان المقصود الأعظم من المال، إنما هو الأكل، وقع التعارف فيمن ينفق ماله، أن يقال: إنه أكله فلهذا السبب عبر تعالى عنه بالأكل.\nوأما قوله: ﴿وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ فإنه يعني: ولا تخاصموا بها، يعني: بأموالهم إلى الحكام، ﴿لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا﴾ طائفة ﴿مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ﴾، يعني: بالحرام الذي حرمته عليكم، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ أي: تعمدون أكل ذلك بالإثم، على قصد منكم، إلى ما حرم الله عليكم منه، ومعرفة بأن فعلكم ذلك معصية الله وإثم.\nقال ابن عباس: هذه الآية في الرجل، يكون عليه مال، وليس عليه فيه بيّنة، فيجحد المال، فيخاصمهم فيه إلى الحكام، وهو يعرف أن الحق عليه، وهو يعلم أنه آثم، آكل حرامًا، والحاكم لا يحل حرامًا، ولا يحرم حلالًا، وإنما يقضي على نحو ما يسمع، وأصل الإدلاء، إرسال الرجل الدلو في البئر بسبب متعلقًا به في البئر (١)، فقيل للمحتج بدعواه: أدلى بحجته، إذا كانت حجته التي يحتج بها سببًا له، هو به متعلق في خصومته، كتعلق المستقي من بئر بدلو قد أرسلها فيها، بسببها الذي الدلو بها متعلقة. يقال فيهما جميعًا- أعني من الاحتجاج ومن إرسال الدلو في البئر بسبب-: أدلى فلان بحجة، فهو يدلي بها إدلاء، وأدلى دلوه في البئر، فهو يدليها إدلاء.\nوتشمل هذه الآية صرف المال في الباطل، سواء كان مال نفسه، كأن يصرفه في القيان، والقمار، والبطالة، وما شاع في هذا الزمان، من (التياترو) (٢)، وأنواع الملاهي التي لا يجوّزها الشرع؛ أو مال غيره، بأن تحيّل على أخذ مال غيره، بتلك الملاهي، وبالغش والخداع، ونقص الكيل والميزان، والغصب والنهب والرشوة، وأكل مال اليتيم.\n_________\n(١) عبارة الطبري: \"إرسال الرجل الدلو في سبب متعلقًا به في البئر\" والسبب: الحبل.\n(٢) أي المسرح الذي تمثل عليه الروايات وما إليها.","vol":"1","page":526},{"text":"وفي قوله تعالى: ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، إشارة إلى أن الإقدام على المعصية، مع العلم بكونها معصية، أشد من الإقدام عليها من غير شعور بتحريمها.\nولما كانت آية الصيام تشير إلى الهلال، سأل السائلون عن حكمته، فقال ﷾:\n﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)﴾.\nليس في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾، بيان أنهم، عن أي شيء سألوا، لكن الجواب كالدال على موضع السؤال، لأن قوله ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾، يدل على أن سؤالهم كان عن وجه الفائدة والحكمة في تغير حال الأهلة في النقصان والزيادة، فصار القرآن والخبر متطابقين، في أن السؤال كان عن هذا المعنى.\nوبيانه: ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ يا محمد ﴿عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ ومحاقها، وسرارها، وتمامها، واستوائها، وتغير أحوالها، بزيادة ونقصان، ومحاق واستسرار، وما المعنى الذي خالف بينه وبين الشمس، التي هي دائمة أبدًا على حالة واحدة، لا تتغير بزيادة ولا نقصان. فـ ﴿قُلْ﴾ يا محمد: خالف بين ذلك ربكم، لتصييره ﴿الْأَهِلَّةِ﴾ التي سألتم عن أمرها، ومخالفة ما بينها وبين غيرها، فيما خالف بينها وبينه ﴿مَوَاقِيتُ﴾ لكم ولغيركم من بني آدم، في معايشهم، ترقبون زيادتها ونقصانها، ومحاقها واستسرارها، ليظهر لكم بذلك وقت حل ديونكم، وانقضاء مدة إجازة من استأجرتموه، وتصرم عدة نسائكم، ووقت صومكم وإفطاركم، فجعلها ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، وجعلها أيضًا ميقاتًا لـ \"حجكم\"، تعرفون بها وقت مناسككم وحجكم.\nومن هنا تعلم، أنه ليس السؤال عن ذات الأهلة، حتى يكون الجواب على خلاف ما يترقبون، كما يحتج بذلك سعد الدين التفتازاني، في كتابيه \"المطول\" و\"المختصر\"، ونسب العرب العرباء- المشهور لهم بسلامة الذوق والذكاء- إلى البله، واستحالة إدراكهم الدقائق.","vol":"1","page":527},{"text":"ويدل لما ذكرناه قوله تعالى في القمر: ﴿وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [يونس: ٥].\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ [الاسراء: ١٢].\nفهاتان الآيتان تدلان على أنهم لم يسألوا إلا عن الحكمة في تغير الأهلة، ولم يكن سؤالهم عن مقدار جرمها، وكيفية انتقالها في الفلك، ولما كان الحج من أعظم ما يطلب ميقاته - وأشهره إنما تكون بالأهلة - أفرده بالذكر، وكأنه تخصيص بعد تعميم، إذ قوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾، ليس المعنى مواقيت لذوات الناس، وإنما المعنى مواقيت لمقاصد الناس، المحتاج فيها للتأقيت، دينًا أو دنيا، فجاء الحج بعد ذلك تخصيصًا بعد تعميم؛ ففي الحقيقة ليس معطوفًا على \"الناس\"، بل على المضاف المحذوف، الذي ناب \"الناس\" منابه في الإعراب. ولما كانت تلك المقاصد يفضي تعديدها إلى الإطناب، اقتصر على قوله: ﴿مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾.\nوأبدى القفال لإفراد الحج بالذكر نكتبة ثانية، فقال: إنما أفرد بالذكر لبيان أن الحج مقصور على الأشهر التي عينها الله تعالى لغرض الحج، وأنه لا يجوز نقله عن تلك الأشهر لأشهر أخر، كما كانت العرب تفعل ذلك في النسيء (١).\nقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية. روى البخاري في كتاب \"التفسير\" من صحيحه، عن البراء بن عازب، قال: كان العرب غير الحمس، وهم قريش، إذا أحرموا في الجاهلية، أتوا البيت من ظهره، فأنزل الله تعالى:\n﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾ الآية؛ فالمعنى حينئذ:\n﴿لَيْسَ الْبِرّ﴾ أيها الناس ﴿بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ﴾ في حال إحرامكم ﴿مِنْ\n_________\n(١) النسيء: تأخير بعض الأشهر الحرم إلى شهر آخر تبعًا للأهواء.","vol":"1","page":528},{"text":"ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾ الله مخافة، وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيان البيوت من ظهورها، فلا برَّ لله فيه، فـ\"أتوها\" من حيث شئتم، ﴿مِنْ أَبْوَابِهَا﴾، ما لم تعتقدوا تحريم إتيانها من أبوابها، في حال من الأحوال، فإن ذلك غير جائز لكم اعتقاده، لأنه مما لم أحرمه عليكم.\nوقوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾، يريد، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾ أيها الناس، فاحذروه، وارهبوه: بطاعته فيما أمركم من فرائضه، واجتناب ما نهاكم عنه، لتفلحوا فتنجحوا في طلباتكم لديه، وتدركوا به البقاء في جناته، والخلود في نعيمه؛ وهذه الآية بالنسبة إلى ما قبلها، يجوز أن يكون جريانها على وجه الاتصال بما قبلها، على معنى أنهم لما سألوا عن الأهلة والحكمة ...\nإلى هنا انتهى ما وجدناه من مخطوط المؤلف عليه رحمة الله","vol":"1","page":529}]}