{"ً":{"ٌ":20766,"ٍ":"أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن - ط عطاءات العلم","َ":1,"ُ":1,"ِ":{"root":"https://archive.org/download/adwaa_bayan/","files":["adwaa_1p.pdf|المقدمة","adwaa_1.pdf","adwaa_2.pdf","adwaa_3.pdf","adwaa_4.pdf","adwaa_5.pdf","adwaa_6.pdf","adwaa_7.pdf"]},"ّ":"الكتاب: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن\nآثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١)\nالمؤلف: محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي (١٣٢٥ - ١٣٩٣)\nالناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)\nالطبعة: الخامسة، ١٤٤١ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)\nعدد الأجزاء: ٧\nقدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم»، جزاهم الله خيرا\n[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]","ْ":"","ٓ":"3.0","ٔ":114,"ٕ":3,"ٖ":1770153986,"ٗ":37},"٘":{"ٙ":["المقدمة","1","2","3","4","5","6","7"],"ٚ":[{"title":"مدخل إلى مشروع (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي)","level":1,"page":2},{"title":"مقدمة المشرف العام على مشروع (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي) فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد - حفظه الله- رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة","level":2,"page":3},{"title":"خطة العمل في (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي)","level":2,"page":6},{"title":"وعليه فالكتب التي دخلت في هذا المشروع -بحسب ترتيبها فيه- هي","level":3,"page":7},{"title":"الأول: تحقيق، وهي خمسة كتب","level":4,"page":8},{"title":"الثاني: قراءة وتصحيح","level":4,"page":9},{"title":"أضواء البيان","level":5,"page":9},{"title":"مذكرة أصول الفقه","level":5,"page":10},{"title":"دفع إيهام الاضطراب","level":5,"page":11},{"title":"منع جواز المجاز","level":5,"page":11},{"title":"رحلة الحج إلى بيت الله الحرام","level":5,"page":11},{"title":"المحاضرات","level":5,"page":12},{"title":"ترجمة الشيخ العلامة المفسر الأصولي محمد الأمين الشنقيطي","level":2,"page":14},{"title":"أولا: اسمه ونسبه","level":3,"page":14},{"title":"ثانيا: مولده ونشأته","level":3,"page":14},{"title":"ثالثا: طلبه للعلم","level":3,"page":15},{"title":"رابعا: همته في طلب العلم","level":3,"page":17},{"title":"خامسا: غزارة علمه وسعة اطلاعه","level":3,"page":17},{"title":"سادسا: عقيدته","level":3,"page":19},{"title":"سابعا: الوظائف والأعمال التي تقلدها في بلاده","level":3,"page":21},{"title":"ثامنا: سفره إلى الحج واستقراره في المدينة النبوية، وأثر ذلك عليه من الناحية العلمية","level":3,"page":22},{"title":"تاسعا: الأعمال التي زاولها (﵀) بعد استقراره في بلاد الحرمين","level":3,"page":23},{"title":"عاشرا: زهده وورعه","level":3,"page":25},{"title":"الحادي عشر: مؤلفاته","level":3,"page":28},{"title":"الثاني عشر: تجافيه عن الفتيا في أخريات حياته","level":3,"page":32},{"title":"الثالث عشر: رجوعه للحق إذا ظهر له ذلك","level":3,"page":33},{"title":"الرابع عشر: وفاته","level":3,"page":34},{"title":"مقدمة المؤلف","level":1,"page":36},{"title":"مقدمة في تعريف الإجمالي والبيان في اصطلاح أهل الأصول","level":2,"page":71},{"title":"سورة الفاتحة","level":1,"page":79},{"title":"قوله تعالى ﴿الحمد لله﴾","level":2,"page":79},{"title":"وقوله تعالى: ﴿رب العالمين (٢)﴾","level":2,"page":79},{"title":"قوله تعالى: ﴿الرحمن الرحيم (١)﴾","level":2,"page":79},{"title":"وقوله: ﴿مالك يوم الدين (٤)﴾","level":2,"page":81},{"title":"قوله تعالى: ﴿إياك نعبد﴾","level":2,"page":81},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإياك نستعين (٥)﴾","level":2,"page":82},{"title":"وقوله تعالى ﴿صراط الذين أنعمت عليهم﴾","level":2,"page":83},{"title":"وقوله: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين (٧)﴾","level":2,"page":85},{"title":"سورة البقرة","level":1,"page":86},{"title":"قوله تعالى ﴿هدى للمتقين (٢)﴾","level":2,"page":87},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومما رزقناهم ينفقون (٣)﴾","level":2,"page":87},{"title":"قوله تعالى: ﴿ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة﴾","level":2,"page":89},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين (٨)﴾","level":2,"page":91},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله يستهزئ بهم﴾","level":2,"page":91},{"title":"قوله تعالى: ﴿صم بكم عمي﴾","level":2,"page":91},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أو كصيب من السماء﴾","level":2,"page":92},{"title":"وقوله تعالى: ﴿فيه ظلمات﴾","level":2,"page":92},{"title":"قوله تعالى: ﴿ورعد﴾","level":2,"page":94},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبرق﴾","level":2,"page":94},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله محيط بالكافرين (١٩)﴾","level":2,"page":94},{"title":"قوله تعالى: ﴿يكاد البرق يخطف أبصارهم﴾","level":2,"page":95},{"title":"قوله تعالى: ﴿كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا﴾","level":2,"page":96},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (٢١) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من الثمرات رزقا لكم﴾","level":2,"page":96},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا﴾","level":2,"page":98},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاتقوا النار التي وقودها الناس والحجارة﴾","level":2,"page":98},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار﴾","level":2,"page":99},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولهم فيها أزواج مطهرة﴾","level":2,"page":99},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل﴾","level":2,"page":99},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق لكم ما في الأرض جميعا ثم استوى إلى السماء﴾","level":2,"page":100},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾","level":2,"page":100},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم عرضهم على الملائكة﴾","level":2,"page":118},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كنتم تكتمون (٣٣)﴾","level":2,"page":118},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم﴾","level":2,"page":118},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا إبليس أبى واستكبر﴾","level":2,"page":118},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتلقى آدم من ربه كلمات﴾","level":2,"page":120},{"title":"قوله تعالى: ﴿يابني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم﴾","level":2,"page":120},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهدي أوف بعهدكم﴾","level":2,"page":120},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تلبسوا الحق بالباطل﴾","level":2,"page":121},{"title":"قوله تعالى: ﴿واستعينوا بالصبر والصلاة﴾","level":2,"page":121},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين يظنون أنهم ملاقو ربهم﴾","level":2,"page":121},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يقبل منها شفاعة﴾","level":2,"page":122},{"title":"قوله تعالى: ﴿يسومونكم سوء العذاب﴾","level":2,"page":122},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم البحر فأنجيناكم﴾","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأغرقنا آل فرعون﴾","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ آتينا موسى الكتاب والفرقان لعلكم تهتدون﴾","level":2,"page":123},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: ﴿ورفعنا فوقكم الطور﴾","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة﴾","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت﴾","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ادع لنا ربك يبين لنا ما هي﴾","level":2,"page":125},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قتلتم نفسا فادارأتم فيها﴾","level":2,"page":126},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك يحي الله الموتى ويريكم آياته﴾","level":2,"page":126},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم قست قلوبكم من بعد ذلك فهي كالحجارة﴾","level":2,"page":126},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أماني﴾","level":2,"page":126},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم﴾","level":2,"page":127},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفتؤمنون ببعض الكتاب وتكفرون ببعض﴾","level":2,"page":127},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتينا عيسى ابن مريم البينات﴾","level":2,"page":127},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأيدناه بروح القدس﴾","level":2,"page":128},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد جاءكم موسى بالبينات﴾","level":2,"page":128},{"title":"قوله تعالى: ﴿خذوا ما آتيناكم بقوة واسمعوا﴾","level":2,"page":128},{"title":"قوله تعالى: ﴿يود أحدهم لو يعمر ألف سنة وما هو بمزحزحه من العذاب أن يعمر﴾","level":2,"page":129},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من كان عدوا لجبريل فإنه نزله على قلبك بإذن الله﴾","level":2,"page":130},{"title":"قوله تعالى: ﴿أوكلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم﴾","level":2,"page":131},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم﴾","level":2,"page":131},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل﴾","level":2,"page":131},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاعفوا واصفحوا حتى يأتي الله بأمره﴾","level":2,"page":131},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها﴾","level":2,"page":132},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الله ولدا﴾","level":2,"page":132},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال لا ينال عهدي الظالمين (١٢٤)﴾","level":2,"page":133},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾","level":2,"page":133},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم (١٢٨) ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾","level":2,"page":133},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يرغب عن ملة إبراهيم﴾","level":2,"page":134},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله اصطفى لكم الدين﴾","level":2,"page":134},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أنزل إلى إبراهيم﴾","level":2,"page":134},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أوتي موسى وعيسى﴾","level":2,"page":134},{"title":"قوله تعالى: ﴿والنبيون من ربهم لا نفرق بين أحد منهم﴾","level":2,"page":135},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم (١٤٢)﴾","level":2,"page":135},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطا﴾","level":2,"page":135},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويكون الرسول عليكم شهيدا﴾","level":2,"page":136},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم﴾","level":2,"page":136},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان الله ليضيع إيمانكم﴾","level":2,"page":137},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلنولينك قبلة ترضاها﴾","level":2,"page":137},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون (١٥٩)﴾","level":2,"page":137},{"title":"قوله تعالى: ﴿واختلاف الليل والنهار﴾","level":2,"page":137},{"title":"قوله تعالى: ﴿والسحاب المسخر بين السماء والأرض﴾","level":2,"page":138},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو يرى الذين ظلموا إذ يرون العذاب﴾","level":2,"page":138},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ تبرأ الذين اتبعوا من الذين اتبعوا﴾","level":2,"page":138},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تتبعوا خطوات الشيطان﴾","level":2,"page":139},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون (١٦٩)﴾","level":2,"page":139},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما حرم عليكم الميتة والدم﴾","level":2,"page":140},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه﴾","level":2,"page":157},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتى المال على حبه﴾","level":2,"page":174},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحين البأس﴾","level":2,"page":174},{"title":"قوله تعالى: ﴿كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون (١٨٣) أياما معدودات﴾","level":2,"page":174},{"title":"قوله تعالى: ﴿شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن﴾","level":2,"page":175},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾؛","level":2,"page":175},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود﴾","level":2,"page":175},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن البر من اتقى﴾","level":2,"page":176},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم﴾","level":2,"page":177},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن أحصرتم فما استيسر من الهدي﴾","level":2,"page":177},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليس عليكم جناح أن تبتغوا فضلا من ربكم﴾","level":2,"page":197},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس﴾","level":2,"page":198},{"title":"قوله تعالى: ﴿زين للذين كفروا الحياة الدنيا ويسخرون من الذين آمنوا﴾","level":2,"page":199},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين اتقوا فوقهم يوم القيامة﴾","level":2,"page":199},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾،","level":2,"page":199},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يزالون يقاتلونكم حتى يردوكم عن دينكم إن استطاعوا﴾","level":2,"page":200},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل فيهما إثم كبير﴾،","level":2,"page":200},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا المشركات﴾","level":2,"page":200},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله﴾","level":2,"page":201},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن يؤاخذكم بما كسبت قلوبكم﴾،","level":2,"page":207},{"title":"قوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾","level":2,"page":207},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثلاثة قروء﴾","level":2,"page":208},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبعولتهن أحق بردهن في ذلك إن أرادوا إصلاحا﴾","level":2,"page":217},{"title":"قوله تعالى: ﴿وللرجال عليهن درجة﴾","level":2,"page":217},{"title":"قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان﴾","level":2,"page":219},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان﴾","level":2,"page":275},{"title":"قوله تعالى: ﴿الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان ولا يحل لكم أن تأخذوا مما آتيتموهن شيئا إلا أن يخافا ألا يقيما حدود الله فإن خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها ومن يتعد حدود الله فأولئك هم الظالمون (٢٢٩)﴾","level":2,"page":275},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو سرحوهن بمعروف﴾","level":2,"page":287},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تمسكوهن ضرارا لتعتدوا﴾","level":2,"page":287},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم فلا جناح عليكم﴾","level":2,"page":287},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بأنفسهن أربعة أشهر وعشرا﴾","level":2,"page":288},{"title":"قوله تعالى: ﴿وللمطلقات متاع بالمعروف حقا على المتقين﴾","level":2,"page":289},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم﴾","level":2,"page":292},{"title":"قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يقرض الله قرضا حسنا فيضاعفه له أضعافا كثيرة﴾","level":2,"page":293},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتاه الله الملك والحكمة وعلمه مما يشاء﴾","level":2,"page":293},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنك لمن المرسلين (٢٥٢)﴾","level":2,"page":294},{"title":"قوله تعالى: ﴿تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات﴾","level":2,"page":294},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى لهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون (٢٦٢)﴾","level":2,"page":299},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾","level":2,"page":299},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾","level":2,"page":300},{"title":"قوله تعالى: ﴿كالذي ينفق ماله رئاء الناس﴾","level":2,"page":301},{"title":"قوله تعالى: ﴿للفقراء الذين أحصروا في سبيل الله﴾","level":2,"page":301},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف﴾","level":2,"page":301},{"title":"قوله تعالى: ﴿يمحق الله الربا﴾","level":2,"page":302},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويربي الصدقات﴾","level":2,"page":338},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه﴾","level":2,"page":338},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأشهدوا إذا تبايعتم﴾؛","level":2,"page":340},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا﴾","level":2,"page":344},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا ولا تحمل علينا إصرا كما حملته على الذين من قبلنا﴾","level":2,"page":344},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يعلم تأويله إلا الله﴾","level":2,"page":345},{"title":"قوله تعالى: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾","level":2,"page":348},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا وأولئك هم وقود النار (١٠)﴾","level":2,"page":356},{"title":"قوله تعالى: ﴿كدأب آل فرعون والذين من قبلهم كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم﴾","level":2,"page":357},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد كان لكم آية في فئتين التقتا﴾","level":2,"page":357},{"title":"قوله تعالى: ﴿والخيل المسومة والأنعام والحرث﴾","level":2,"page":358},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله﴾","level":2,"page":359},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر﴾","level":2,"page":359},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاثة أيام إلا رمزا﴾","level":2,"page":360},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قالت الملائكة يامريم إن الله يبشرك بكلمة منه﴾","level":2,"page":360},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويكلم الناس في المهد﴾","level":2,"page":361},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر﴾","level":2,"page":361},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما أحس عيسى منهم الكفر قال من أنصاري إلى الله قال الحواريون نحن أنصار الله﴾","level":2,"page":361},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومكروا ومكر الله والله خير الماكرين (٥٤)﴾","level":2,"page":361},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قال الله ياعيسى إني متوفيك﴾","level":2,"page":362},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم﴾","level":2,"page":362},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا بعد إيمانهم ثم ازدادوا كفرا لن تقبل توبتهم﴾","level":2,"page":362},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وماتوا وهم كفار فلن يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا﴾","level":2,"page":363},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن الله غني عن العالمين (٩٧)﴾","level":2,"page":363},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته﴾","level":2,"page":367},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا﴾","level":2,"page":367},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتسود وجوه﴾","level":2,"page":367},{"title":"قوله تعالى: ﴿من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات الله آناء الليل وهم يسجدون (١١٣)﴾","level":2,"page":368},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتؤمنون بالكتاب كله﴾","level":2,"page":369},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجنة عرضها السماوات والأرض﴾","level":2,"page":369},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن يمسسكم قرح فقد مس القوم قرح مثله﴾","level":2,"page":370},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين (١٤٢)﴾","level":2,"page":373},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير﴾","level":2,"page":374},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تكونوا كالذين كفروا وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزى لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا﴾","level":2,"page":380},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله ورحمة خير مما يجمعون (١٥٧)﴾","level":2,"page":380},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاعف عنهم واستغفر لهم﴾","level":2,"page":381},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفمن اتبع رضوان الله كمن باء بسخط من الله﴾","level":2,"page":382},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾","level":2,"page":382},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا﴾","level":2,"page":384},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم﴾","level":2,"page":384},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين (١٧٨)﴾","level":2,"page":384},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما عند الله خير للأبرار (١٩٨)﴾","level":2,"page":387},{"title":"سورة النساء","level":1,"page":388},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم إنه كان حوبا كبيرا (٢)﴾","level":2,"page":389},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾","level":2,"page":390},{"title":"قوله تعالى: ﴿للرجال نصيب مما ترك الوالدان والأقربون وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون مما قل منه أو كثر نصيبا مفروضا (٧)﴾","level":2,"page":394},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوصيكم الله في أولادكم للذكر مثل حظ الأنثيين﴾","level":2,"page":394},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن كن نساء فوق اثنتين فلهن ثلثا ما ترك وإن كانت واحدة فلها النصف﴾","level":2,"page":395},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كان رجل يورث كلالة أو امرأة وله أخ أو أخت فلكل واحد منهما السدس فإن كانوا أكثر من ذلك فهم شركاء في الثلث﴾","level":2,"page":400},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا (١٥)﴾","level":2,"page":402},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾","level":2,"page":403},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحلائل أبنائكم الذين من أصلابكم﴾","level":2,"page":406},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن﴾","level":2,"page":412},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات﴾","level":2,"page":415},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾","level":2,"page":417},{"title":"قوله تعالى: ﴿واللاتي تخافون نشوزهن﴾","level":2,"page":419},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تك حسنة يضاعفها﴾","level":2,"page":420},{"title":"قوله تعالى: ﴿يومئذ يود الذين كفروا وعصوا الرسول لو تسوى بهم الأرض﴾","level":2,"page":420},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يكتمون الله حديثا (٤٢)﴾","level":2,"page":420},{"title":"وقوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون﴾","level":2,"page":421},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين أوتوا نصيبا من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل (٤٤)﴾","level":2,"page":421},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت﴾","level":2,"page":421},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ومن يشرك بالله فقد افترى إثما عظيما (٤٨)﴾","level":2,"page":422},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم بل الله يزكي من يشاء﴾","level":2,"page":423},{"title":"قوله تعالى: ﴿وندخلهم ظلا ظليلا (٥٧)﴾","level":2,"page":424},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله﴾","level":2,"page":424},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا (٦١)﴾","level":2,"page":426},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما (٦٥)﴾","level":2,"page":426},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن أصابتكم مصيبة قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا (٧٢)﴾","level":2,"page":426},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودة ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما (٧٣)﴾","level":2,"page":427},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب﴾","level":2,"page":427},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحرض المؤمنين﴾","level":2,"page":427},{"title":"قوله تعالى: ﴿أتريدون أن تهدوا من أضل الله ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا (٨٨)﴾","level":2,"page":428},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (٩٥)﴾","level":2,"page":428},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة إن خفتم أن يفتنكم الذين كفروا﴾","level":2,"page":429},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا﴾","level":2,"page":477},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تهنوا في ابتغاء القوم إن تكونوا تألمون فإنهم يألمون كما تألمون وترجون من الله ما لا يرجون وكان الله عليما حكيما (١٠٤)﴾","level":2,"page":518},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يكسب إثما فإنما يكسبه على نفسه﴾","level":2,"page":518},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعلمك ما لم تكن تعلم﴾","level":2,"page":518},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا خير في كثير من نجواهم﴾","level":2,"page":519},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يدعون إلا شيطانا مريدا﴾","level":2,"page":520},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال لأتخذن من عبادك نصيبا مفروضا (١١٨)﴾","level":2,"page":520},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولآمرنهم فليغيرن خلق الله﴾","level":2,"page":522},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب﴾","level":2,"page":527},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يتلى عليكم في الكتاب في يتامى النساء﴾","level":2,"page":528},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن تقوموا لليتامى بالقسط﴾","level":2,"page":533},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأحضرت الأنفس الشح﴾","level":2,"page":533},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم﴾","level":2,"page":534},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يتفرقا يغن الله كلا من سعته﴾","level":2,"page":535},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم أيها الناس ويأت بآخرين﴾","level":2,"page":536},{"title":"قوله تعالى: ﴿أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعا (١٣٩)﴾","level":2,"page":536},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقد نزل عليكم في الكتاب أن إذا سمعتم آيات الله يكفر بها ويستهزأ بها فلا تقعدوا معهم حتى يخوضوا في حديث غيره إنكم إذا مثلهم﴾","level":2,"page":537},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين سبيلا (١٤١)﴾","level":2,"page":537},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى يراءون الناس ولا يذكرون الله إلا قليلا (١٤٢)﴾","level":2,"page":539},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾","level":2,"page":539},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم اتخذوا العجل من بعد ما جاءتهم البينات فعفونا عن ذلك﴾","level":2,"page":540},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقلنا لهم لا تعدوا في السبت﴾","level":2,"page":540},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبكفرهم وقولهم على مريم بهتانا عظيما (١٥٦)﴾","level":2,"page":540},{"title":"قوله تعالى: ﴿فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم﴾","level":2,"page":541},{"title":"قوله تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل﴾","level":2,"page":541},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق﴾","level":2,"page":541},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه﴾","level":2,"page":542},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليكم نورا مبينا (١٧٤)﴾","level":2,"page":543},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن كانتا اثنتين فلهما الثلثان مما ترك﴾","level":2,"page":544},{"title":"سورة المائدة","level":1,"page":546},{"title":"قوله تعالى: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾،","level":2,"page":547},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا حللتم فاصطادوا﴾","level":2,"page":547},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يجرمنكم شنآن قوم أن صدوكم عن المسجد الحرام أن تعتدوا﴾","level":2,"page":549},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين (٥)﴾","level":2,"page":552},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأرجلكم إلى الكعبين﴾،","level":2,"page":552},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتيمموا صعيدا طيبا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾","level":2,"page":587},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأهل الكتاب قد جاءكم رسولنا يبين لكم كثيرا مما كنتم تخفون من الكتاب﴾","level":2,"page":612},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق﴾،","level":2,"page":613},{"title":"قوله تعالى: ﴿من أجل ذلك كتبنا على بني إسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض﴾","level":2,"page":613},{"title":"قوله تعالى: ﴿(٣٢) إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا﴾","level":2,"page":656},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة﴾","level":2,"page":658},{"title":"قوله تعالى: ﴿يقولون إن أوتيتم هذا فخذوه وإن لم تؤتوه فاحذروا﴾","level":2,"page":661},{"title":"قوله تعالى: ﴿بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهداء﴾","level":2,"page":662},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون (٤٤)﴾","level":2,"page":663},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس﴾","level":2,"page":667},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليحكم أهل الإنجيل بما أنزل الله فيه﴾","level":2,"page":671},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون (٤٧)﴾","level":2,"page":672},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض﴾","level":2,"page":673},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يتولهم منكم فإنه منهم﴾","level":2,"page":674},{"title":"قوله تعالى: ﴿فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين (٥٢) ويقول الذين آمنوا أهؤلاء الذين أقسموا بالله جهد أيمانهم إنهم لمعكم حبطت أعمالهم فأصبحوا خاسرين (٥٣)﴾","level":2,"page":675},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا من يرتد منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين﴾","level":2,"page":678},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أنهم أقاموا التوراة والإنجيل وما أنزل إليهم من ربهم لأكلوا من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾","level":2,"page":679},{"title":"قوله تعالى: ﴿منهم أمة مقتصدة وكثير منهم ساء ما يعملون (٦٦﴾","level":2,"page":680},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك﴾","level":2,"page":681},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحسبوا ألا تكون فتنة فعموا وصموا ثم تاب الله عليهم ثم عموا وصموا كثير منهم والله بصير بما يعملون (٧١)﴾","level":2,"page":681},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلا يتوبون إلى الله ويستغفرونه والله غفور رحيم (٧٤)﴾","level":2,"page":682},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأمه صديقة كانا يأكلان الطعام﴾","level":2,"page":683},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان﴾","level":2,"page":684},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتحرير رقبة﴾","level":2,"page":693},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس﴾","level":2,"page":694},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم﴾","level":2,"page":697},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن قتله منكم متعمدا﴾","level":2,"page":697},{"title":"قوله تعالى: ﴿أحل لكم صيد البحر﴾","level":2,"page":698},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم﴾","level":2,"page":742},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين (١٠٦)﴾","level":2,"page":753},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ تخرج الموتى بإذني﴾","level":2,"page":753},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ كففت بني إسرائيل عنك إذ جئتهم بالبينات﴾","level":2,"page":753},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ أوحيت إلى الحواريين﴾","level":2,"page":753},{"title":"سورة الأنعام","level":1,"page":755},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون (١)﴾","level":2,"page":755},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الله في السماوات وفي الأرض يعلم سركم وجهركم﴾","level":2,"page":756},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا أنزل عليه ملك﴾","level":2,"page":759},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أنزلنا ملكا لقضي الأمر ثم لا ينظرون (٨)﴾","level":2,"page":759},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو جعلناه ملكا لجعلناه رجلا وللبسنا عليهم ما يلبسون (٩)﴾","level":2,"page":760},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (١٠)﴾","level":2,"page":760},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو يطعم ولا يطعم﴾","level":2,"page":762},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إني أمرت أن أكون أول من أسلم﴾","level":2,"page":763},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير فهو على كل شيء قدير (١٧)﴾","level":2,"page":764},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ﴾","level":2,"page":764},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون (٢٨)﴾","level":2,"page":765},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد نعلم إنه ليحزنك الذي يقولون﴾","level":2,"page":765},{"title":"قوله تعالى: ﴿والموتى يبعثهم الله﴾","level":2,"page":766},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن الله قادر على أن ينزل آية ولكن أكثرهم لا يعلمون (٣٧)﴾","level":2,"page":766},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أرأيتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة أغير الله تدعون إن كنتم صادقين (٤٠) بل إياه تدعون﴾","level":2,"page":767},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾","level":2,"page":768},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين (٥٣)﴾","level":2,"page":769},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لو أن عندي ما تستعجلون به﴾","level":2,"page":770},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو﴾","level":2,"page":772},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار﴾","level":2,"page":777},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويرسل عليكم حفظة﴾","level":2,"page":777},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره﴾،","level":2,"page":778},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا قال هذا ربي﴾","level":2,"page":778},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم﴾","level":2,"page":779},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم﴾","level":2,"page":779},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أشركوا لحبط عنهم ما كانوا يعملون (٨٨)﴾","level":2,"page":780},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن قال سأنزل مثل ما أنزل الله﴾","level":2,"page":780},{"title":"قوله تعالى: ﴿والملائكة باسطو أيديهم﴾","level":2,"page":781},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء﴾","level":2,"page":781},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون (٩٤)﴾","level":2,"page":782},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل الليل سكنا﴾","level":2,"page":782},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم النجوم لتهتدوا بها في ظلمات البر والبحر﴾","level":2,"page":783},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأكم من نفس واحدة فمستقر﴾","level":2,"page":783},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تدركه الأبصار﴾","level":2,"page":783},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليقولوا درست﴾","level":2,"page":784},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن﴾","level":2,"page":785},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تطع أكثر من في الأرض يضلوك عن سبيل الله﴾","level":2,"page":786},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقد فصل لكم ما حرم عليكم﴾","level":2,"page":786},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا في كل قرية أكابر مجرميها ليمكروا فيها﴾","level":2,"page":787},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله﴾","level":2,"page":788},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام﴾","level":2,"page":788},{"title":"قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾","level":2,"page":788},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون (١٣١)﴾","level":2,"page":789},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾","level":2,"page":790},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتوا حقه يوم حصاده﴾","level":2,"page":790},{"title":"قوله تعالى: ﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا﴾","level":2,"page":869},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم ألا تشركوا به شيئا﴾","level":2,"page":869},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أولادكم من إملاق﴾","level":2,"page":870},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسا إلا وسعها﴾","level":2,"page":873},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى﴾","level":2,"page":874},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبعهد الله أوفوا﴾","level":2,"page":874},{"title":"قوله تعالى: ﴿أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب لكنا أهدى منهم﴾","level":2,"page":874},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن كذب بآيات الله وصدف عنها﴾","level":2,"page":875},{"title":"قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك﴾","level":2,"page":876},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن صلاتي ونسكي﴾","level":2,"page":877},{"title":"سورة الأعراف","level":1,"page":878},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا يكن في صدرك حرج منه﴾","level":2,"page":879},{"title":"قوله تعالى: ﴿لتنذر به وذكرى للمؤمنين (٢)﴾","level":2,"page":881},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم من قرية أهلكناها فجاءها بأسنا بياتا أو هم قائلون (٤)﴾","level":2,"page":882},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما كان دعواهم إذ جاءهم بأسنا إلا أن قالوا إنا كنا ظالمين (٥)﴾","level":2,"page":883},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلنسألن الذين أرسل إليهم ولنسألن المرسلين (٦)﴾","level":2,"page":884},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين (٧)﴾","level":2,"page":885},{"title":"قوله تعالى: ﴿والوزن يومئذ الحق﴾","level":2,"page":886},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (٨) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم بما كانوا بآياتنا يظلمون (٩)﴾","level":2,"page":887},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا لكم فيها معايش﴾","level":2,"page":887},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك﴾","level":2,"page":888},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (٧٦)﴾","level":2,"page":888},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فاهبط منها فما يكون لك أن تتكبر فيها فاخرج إنك من الصاغرين (١٣)﴾","level":2,"page":889},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أنظرني إلى يوم يبعثون (١٤) قال إنك من المنظرين (١٥)﴾","level":2,"page":890},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تجد أكثرهم شاكرين (١٧)﴾","level":2,"page":891},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال اخرج منها مذءوما مدحورا لمن تبعك منهم لأملأن جهنم منكم أجمعين (١٨)﴾","level":2,"page":891},{"title":"قوله تعالى: ﴿يابني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة﴾","level":2,"page":891},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا﴾","level":2,"page":892},{"title":"قوله تعالى: ﴿كما بدأكم تعودون (٢٩) فريقا هدى وفريقا حق عليهم الضلالة﴾","level":2,"page":892},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنهم اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله ويحسبون أنهم مهتدون (٣٠)﴾","level":2,"page":893},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق﴾","level":2,"page":894},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا اداركوا فيها جميعا قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذابا ضعفا من النار﴾","level":2,"page":895},{"title":"قوله تعالى: ﴿فآتهم عذابا ضعفا من النار﴾","level":2,"page":895},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل تجري من تحتهم الأنهار﴾","level":2,"page":896},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبينهما حجاب﴾","level":2,"page":896},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعرفون كلا بسيماهم﴾","level":2,"page":896},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ما أغنى عنكم جمعكم وما كنتم تستكبرون﴾","level":2,"page":897},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق فهل لنا من شفعاء فيشفعوا لنا أو نرد فنعمل غير الذي كنا نعمل﴾","level":2,"page":898},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام﴾","level":2,"page":900},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش يغشي الليل النهار﴾","level":2,"page":900},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن رحمت الله قريب من المحسنين (٥٦)﴾","level":2,"page":921},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي يرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾","level":2,"page":922},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا أقلت سحابا ثقالا سقناه لبلد ميت﴾","level":2,"page":922},{"title":"قوله تعالى: ﴿أوعجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم﴾","level":2,"page":923},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأغرقنا الذين كذبوا بآياتنا﴾","level":2,"page":923},{"title":"قوله تعالى: ﴿أتجادلونني في أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم﴾","level":2,"page":924},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقطعنا دابر الذين كذبوا بآياتنا﴾","level":2,"page":924},{"title":"قوله تعالى: ﴿فعقروا الناقة﴾","level":2,"page":924},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ياصالح ائتنا بما تعدنا﴾","level":2,"page":924},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾","level":2,"page":925},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي﴾","level":2,"page":925},{"title":"قوله تعالى: ﴿أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من أحد من العالمين (٨٠)﴾","level":2,"page":925},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأهله﴾","level":2,"page":926},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتصدون عن سبيل الله من آمن به وتبغونها عوجا﴾","level":2,"page":926},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين (٨٧)﴾","level":2,"page":927},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتولى عنهم وقال ياقوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين (٩٣)﴾","level":2,"page":927},{"title":"قوله تعالى: ﴿تلك القرى نقص عليك من أنبائها﴾","level":2,"page":928},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما كانوا ليؤمنوا بما كذبوا به من قبل﴾","level":2,"page":928},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم بعثنا من بعدهم موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه فظلموا بها﴾","level":2,"page":930},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونزع يده فإذا هي بيضاء للناظرين (١٠٨)﴾","level":2,"page":930},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال الملأ من قوم فرعون إن هذا لساحر عليم﴾","level":2,"page":930},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما ألقوا سحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم (١١٦)﴾","level":2,"page":931},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم لأصلبنكم أجمعين (١٢٤)﴾","level":2,"page":931},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه﴾","level":2,"page":931},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون مشارق الأرض ومغاربها﴾","level":2,"page":932},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتمت كلمت ربك الحسنى على بني إسرائيل﴾","level":2,"page":932},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني﴾","level":2,"page":932},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين (١٤٨)﴾","level":2,"page":933},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما سقط في أيديهم ورأوا أنهم قد ضلوا قالوا لئن لم يرحمنا ربنا ويغفر لنا لنكونن من الخاسرين (١٤٩)﴾","level":2,"page":934},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما رجع موسى إلى قومه غضبان أسفا قال بئسما خلفتموني من بعدي أعجلتم أمر ربكم﴾","level":2,"page":934},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأخذ برأس أخيه يجره إليه قال ابن أم إن القوم استضعفوني﴾","level":2,"page":935},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعا﴾","level":2,"page":935},{"title":"قوله تعالى: ﴿فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته﴾","level":2,"page":935},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق﴾","level":2,"page":936},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين (١٧٢) أو تقولوا إنما أشرك آباؤنا من قبل وكنا ذرية من بعدهم أفتهلكنا بما فعل المبطلون (١٧٣)﴾","level":2,"page":936},{"title":"قوله تعالى: ﴿وذروا الذين يلحدون في أسمائه سيجزون ما كانوا يعملون (١٨٠)﴾","level":2,"page":941},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما علمها عند ربي لا يجليها لوقتها إلا هو﴾","level":2,"page":941},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير﴾","level":2,"page":942},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل منها زوجها ليسكن إليها﴾","level":2,"page":942},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما آتاهما صالحا جعلا له شركاء فيما آتاهما فتعالى الله عما يشركون (١٩٠)﴾","level":2,"page":943},{"title":"قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين (١٩٩)﴾","level":2,"page":944},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون﴾","level":2,"page":944},{"title":"سورة الأنفال","level":1,"page":946},{"title":"قوله تعالى: ﴿يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول﴾","level":2,"page":947},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا﴾","level":2,"page":950},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ يغشيكم النعاس أمنة منه﴾","level":2,"page":951},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن تستفتحوا فقد جاءكم الفتح﴾","level":2,"page":951},{"title":"قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما أموالكم وأولادكم فتنة وأن الله عنده أجر عظيم (٢٨)﴾","level":2,"page":952},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم ويغفر لكم والله ذو الفضل العظيم (٢٩)﴾","level":2,"page":953},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا قد سمعنا لو نشاء لقلنا مثل هذا﴾","level":2,"page":954},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم (٣٢)﴾","level":2,"page":955},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما لهم ألا يعذبهم الله وهم يصدون عن المسجد الحرام وما كانوا أولياءه إن أولياؤه إلا المتقون﴾","level":2,"page":955},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان صلاتهم عند البيت إلا مكاء وتصدية﴾","level":2,"page":956},{"title":"قوله تعالى: ﴿واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل﴾","level":2,"page":956},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون (٤٥)﴾","level":2,"page":1027},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾","level":2,"page":1029},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم وقال لا غالب لكم اليوم من الناس﴾","level":2,"page":1030},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي حسبك الله ومن اتبعك من المؤمنين (٦٤)﴾","level":2,"page":1031},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله إن الله بكل شيء عليم (٧٥)﴾","level":2,"page":1033},{"title":"سورة التوبة","level":1,"page":1042},{"title":"قوله تعالى: ﴿براءة من الله ورسوله إلى الذين عاهدتم﴾","level":2,"page":1045},{"title":"قوله تعالى: ﴿فسيحوا في الأرض أربعة أشهر﴾","level":2,"page":1046},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا الذين عاهدتم من المشركين ثم لم ينقصوكم شيئا ولم يظاهروا عليكم أحدا فأتموا إليهم عهدهم إلى مدتهم﴾","level":2,"page":1047},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا انسلخ الأشهر الحرم﴾","level":2,"page":1047},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهموا بإخراج الرسول﴾","level":2,"page":1048},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان﴾","level":2,"page":1048},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين (٢٥)﴾","level":2,"page":1049},{"title":"قوله تعالى: ﴿انفروا خفافا وثقالا﴾","level":2,"page":1095},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفي الرقاب﴾","level":2,"page":1095},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم (٦١)﴾","level":2,"page":1095},{"title":"قوله تعالى: ﴿يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة﴾","level":2,"page":1096},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله﴾","level":2,"page":1096},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون (٨١)﴾","level":2,"page":1097},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن رجعك الله إلى طائفة منهم فاستأذنوك للخروج فقل لن تخرجوا معي أبدا﴾","level":2,"page":1098},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا أنزلت سورة أن آمنوا بالله وجاهدوا مع رسوله استأذنك أولو الطول منهم وقالوا ذرنا نكن مع القاعدين (٨٦)﴾","level":2,"page":1099},{"title":"قوله تعالى: ﴿والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه﴾","level":2,"page":1099},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم﴾","level":2,"page":1100},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان استغفار إبراهيم لأبيه إلا عن موعدة وعدها إياه﴾","level":2,"page":1101},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ماعنتم حريص عليكم بالمؤمنين رءوف رحيم (١٢٨)﴾","level":2,"page":1101},{"title":"قوله تعالى: ﴿عليه توكلت وهو رب العرش العظيم (١٢٩)﴾","level":2,"page":1101},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين كفروا لهم شراب من حميم﴾","level":2,"page":1103},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتحيتهم فيها سلام﴾","level":2,"page":1104},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه﴾","level":2,"page":1104},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما يكون لي أن أبدله من تلقاء نفسي﴾","level":2,"page":1105},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقد لبثت فيكم عمرا من قبله أفلا تعقلون﴾","level":2,"page":1105},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء﴾","level":2,"page":1106},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم نحشرهم جميعا﴾","level":2,"page":1107},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج الحي من الميت ويخرج﴾","level":2,"page":1108},{"title":"وقوله تعالى: ﴿قل هل من شركائكم من يبدأ الخلق﴾ إلى قوله: ﴿فأنى تؤفكون (٣٤)﴾","level":2,"page":1109},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان هذا القرآن أن يفترى من دون الله ولكن تصديق الذي بين يديه وتفصيل الكتاب لا ريب فيه من رب العالمين (٣٧)﴾","level":2,"page":1110},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما يأتهم تأويله﴾","level":2,"page":1111},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون (٤١)﴾","level":2,"page":1111},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم كأن لم يلبثوا إلا ساعة من النهار﴾","level":2,"page":1112},{"title":"قوله تعالى: ﴿يتعارفون بينهم﴾","level":2,"page":1113},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين (٤٥)﴾","level":2,"page":1113},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكل أمة رسول﴾","level":2,"page":1116},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا جاء رسولهم قضي بينهم بالقسط وهم لا يظلمون (٤٧)﴾","level":2,"page":1116},{"title":"قوله تعالى: ﴿لكل أمة أجل إذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٤٩)﴾","level":2,"page":1117},{"title":"قوله تعالى: ﴿أثم إذا ما وقع آمنتم به آلآن وقد كنتم به تستعجلون (٥١)﴾","level":2,"page":1117},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله سيبطله﴾","level":2,"page":1118},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون﴾","level":2,"page":1118},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين (٩٨)﴾","level":2,"page":1119},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا﴾","level":2,"page":1119},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (٩٩)﴾","level":2,"page":1120},{"title":"وقوله تعالى: ﴿قل انظروا ماذا في السماوات والأرض﴾","level":2,"page":1120},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن أقم وجهك للدين﴾","level":2,"page":1121},{"title":"قوله تعالى: ﴿واصبر حتى يحكم الله وهو خير الحاكمين (١٠٩)﴾","level":2,"page":1121},{"title":"سورة هود","level":1,"page":1123},{"title":"قوله تعالى: ﴿الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير (١)﴾","level":2,"page":1124},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إنني لكم منه نذير وبشير (٢)﴾","level":2,"page":1129},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يمتعكم متاعا حسنا إلى أجل مسمى﴾","level":2,"page":1130},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا إنهم يثنون صدورهم ليستخفوا منه ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون إنه عليم بذات الصدور (٥)﴾","level":2,"page":1131},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام وكان عرشه على الماء ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾","level":2,"page":1135},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى أمة معدودة﴾","level":2,"page":1136},{"title":"قوله تعالى: ﴿من كان يريد الحياة الدنيا وزينتها نوف إليهم أعمالهم فيها وهم فيها لا يبخسون (١٥)﴾","level":2,"page":1137},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده﴾","level":2,"page":1137},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تك في مرية منه إنه الحق من ربك﴾","level":2,"page":1138},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (١٧)﴾","level":2,"page":1138},{"title":"قوله تعالى: ﴿يضاعف لهم العذاب﴾","level":2,"page":1138},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون﴾","level":2,"page":1139},{"title":"قوله تعالى: ﴿مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع﴾","level":2,"page":1141},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي﴾","level":2,"page":1142},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ياقوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي وآتاني رحمة من عنده فعميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون (٢٨)﴾","level":2,"page":1142},{"title":"قوله تعالى: ﴿وياقوم لا أسألكم عليه مالا إن أجري إلا على الله﴾","level":2,"page":1143},{"title":"قوله تعالى: ﴿قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين﴾","level":2,"page":1150},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأهلك إلا من سبق عليه القول﴾","level":2,"page":1151},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال اركبوا فيها بسم الله مجراها ومرساها إن ربي لغفور رحيم (٤١)﴾","level":2,"page":1151},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهي تجري بهم في موج كالجبال﴾","level":2,"page":1153},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما جاء أمرنا نجينا هودا والذين آمنوا معه برحمة﴾","level":2,"page":1153},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما جاء أمرنا نجينا صالحا﴾","level":2,"page":1154},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا سلاما﴾","level":2,"page":1154},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما لبث أن جاء بعجل حنيذ (٦٩) فلما رأى أيديهم لا تصل إليه نكرهم وأوجس منهم خيفة﴾","level":2,"page":1155},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالت ياويلتى أألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب (٧٢)﴾","level":2,"page":1156},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياإبراهيم أعرض عن هذا إنه قد جاء أمر ربك وإنهم آتيهم عذاب غير مردود (٧٦)﴾","level":2,"page":1157},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا سيء بهم وضاق بهم ذرعا وقال هذا يوم عصيب (٧٧)﴾","level":2,"page":1157},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد (٨٠) قالوا يالوط إنا رسل ربك لن يصلوا إليك﴾","level":2,"page":1161},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأسر بأهلك بقطع من الليل ولا يلتفت منكم أحد إلا امرأتك إنه مصيبها ما أصابهم﴾","level":2,"page":1162},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن موعدهم الصبح﴾","level":2,"page":1164},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأمطرنا عليها حجارة من سجيل﴾","level":2,"page":1164},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما هي من الظالمين ببعيد (٨٣)﴾","level":2,"page":1165},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أريد أن أخالفكم إلى ما أنهاكم عنه﴾","level":2,"page":1173},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ياشعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنا لنراك فينا ضعيفا ولولا رهطك لرجمناك وما أنت علينا بعزيز (٩١)﴾","level":2,"page":1174},{"title":"قوله تعالى: ﴿خالدين فيها ما دامت السماوات والأرض إلا ما شاء ربك﴾","level":2,"page":1178},{"title":"سورة يوسف","level":1,"page":1179},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قال يوسف لأبيه ياأبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين (٤)﴾","level":2,"page":1180},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك يجتبيك ربك ويعلمك من تأويل الأحاديث﴾","level":2,"page":1180},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قالوا ليوسف وأخوه أحب إلى أبينا منا ونحن عصبة إن أبانا لفي ضلال مبين (٨)﴾","level":2,"page":1181},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابت الجب وأوحينا إليه لتنبئنهم بأمرهم هذا وهم لا يشعرون (١٥)﴾","level":2,"page":1183},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد همت به وهم بها لولا أن رأى برهان ربه﴾","level":2,"page":1185},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن كيدكن عظيم (٢٨)﴾","level":2,"page":1203},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقلن حاش لله ما هذا بشرا إن هذا إلا ملك كريم (٣١) قالت فذلكن الذي لمتنني فيه ولقد راودته عن نفسه فاستعصم﴾","level":2,"page":1204},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كنت لديهم إذ أجمعوا أمرهم وهم يمكرون (١٠٢)﴾","level":2,"page":1204},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون (١٠٦)﴾","level":2,"page":1205},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب﴾","level":2,"page":1207},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي رفع السماوات بغير عمد ترونها ثم استوى على العرش﴾","level":2,"page":1208},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالسيئة قبل الحسنة وقد خلت من قبلهم المثلات﴾","level":2,"page":1210},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن ربك لذو مغفرة للناس على ظلمهم وإن ربك لشديد العقاب (٦)﴾","level":2,"page":1211},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما أنت منذر﴾","level":2,"page":1211},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكل قوم هاد (٧)﴾","level":2,"page":1212},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله يعلم ما تحمل كل أنثى﴾","level":2,"page":1212},{"title":"قوله تعالى: ﴿سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار (١٠)﴾","level":2,"page":1233},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم وإذا أراد الله بقوم سوءا فلا مرد له وما لهم من دونه من وال (١١)﴾","level":2,"page":1234},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفا وطمعا﴾","level":2,"page":1234},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولله يسجد من في السماوات والأرض طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال (١٥)﴾","level":2,"page":1235},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقول الذين كفروا لولا أنزل عليه آية من ربه﴾","level":2,"page":1239},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أن قرآنا سيرت به الجبال أو قطعت به الأرض أو كلم به الموتى﴾","level":2,"page":1239},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك وجعلنا لهم أزواجا وذرية﴾","level":2,"page":1239},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل كفى بالله شهيدا بيني وبينكم ومن عنده علم الكتاب (٤٣)﴾","level":2,"page":1240},{"title":"سورة إبراهيم","level":1,"page":1241},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم فيضل الله من يشاء ويهدي من يشاء﴾","level":2,"page":1242},{"title":"قوله تعالى: ﴿فردوا أيديهم في أفواههم﴾","level":2,"page":1243},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا كفرنا بما أرسلتم به وإنا لفي شك مما تدعوننا إليه مريب (٩)﴾","level":2,"page":1245},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لرسلهم لنخرجنكم من أرضنا أو لتعودن في ملتنا﴾","level":2,"page":1246},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأوحى إليهم ربهم لنهلكن الظالمين (١٣) ولنسكننكم الأرض من بعدهم ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (١٤)﴾","level":2,"page":1247},{"title":"قوله تعالى: ﴿واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد (١٥)﴾","level":2,"page":1247},{"title":"قوله تعالى: ﴿من ورائه جهنم﴾","level":2,"page":1247},{"title":"قوله تعالى: ﴿مثل الذين كفروا بربهم أعمالهم كرماد اشتدت به الريح في يوم عاصف﴾","level":2,"page":1248},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقال الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا من عذاب الله من شيء﴾","level":2,"page":1250},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الشيطان لما قضي الأمر إن الله وعدكم وعد الحق ووعدتكم فأخلفتكم﴾","level":2,"page":1250},{"title":"قوله تعالى: ﴿تحيتهم فيها سلام (٢٣)﴾","level":2,"page":1250},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار (٣٠)﴾","level":2,"page":1251},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لعبادي الذين آمنوا يقيموا الصلاة وينفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلال (٣١)﴾","level":2,"page":1251},{"title":"قوله تعالى: ﴿واجنبني وبني أن نعبد الأصنام (٣٥)﴾","level":2,"page":1252},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن تبعني فإنه مني ومن عصاني فإنك غفور رحيم (٣٦)﴾","level":2,"page":1252},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم وارزقهم من الثمرات﴾","level":2,"page":1253},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا اغفر لي ولوالدي وللمؤمنين﴾","level":2,"page":1254},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار (٤٢)﴾","level":2,"page":1254},{"title":"قوله تعالى: ﴿مهطعين﴾","level":2,"page":1254},{"title":"قوله تعالى: ﴿وترى المجرمين يومئذ مقرنين في الأصفاد (٤٩)﴾","level":2,"page":1255},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتغشى وجوههم النار (٥٠)﴾","level":2,"page":1255},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا بلاغ للناس﴾","level":2,"page":1255},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليعلموا أنما هو إله واحد وليذكر أولو الألباب﴾","level":2,"page":1256},{"title":"سورة الحجر","level":1,"page":1257},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (٢)﴾","level":2,"page":1258},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذرهم يأكلوا ويتمتعوا ويلههم الأمل فسوف يعلمون (٣)﴾","level":2,"page":1259},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ياأيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون﴾","level":2,"page":1260},{"title":"قوله تعالى: ﴿لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين (٧)﴾","level":2,"page":1260},{"title":"وقوله تعالى: ﴿ما ننزل الملائكة إلا بالحق وما كانوا إذا منظرين﴾","level":2,"page":1262},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون (٩)﴾","level":2,"page":1263},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد جعلنا في السماء بروجا وزيناها للناظرين (١٦)﴾","level":2,"page":1263},{"title":"قوله تعالى: ﴿وزيناها للناظرين (١٦)﴾","level":2,"page":1264},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحفظناها من كل شيطان رجيم (١٧) إلا من استرق السمع فأتبعه شهاب مبين (١٨)﴾","level":2,"page":1264},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأرسلنا الرياح لواقح﴾","level":2,"page":1279},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنزلنا من السماء ماء فأسقيناكموه﴾","level":2,"page":1289},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أنتم له بخازنين (٢٢)﴾","level":2,"page":1290},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنا لنحن نحيي ونميت﴾","level":2,"page":1290},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونحن الوارثون (٢٣)﴾","level":2,"page":1291},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من صلصال من حمإ مسنون (٢٦)﴾","level":2,"page":1291},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ياإبليس ما لك ألا تكون مع الساجدين (٣٢)﴾","level":2,"page":1293},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فاخرج منها فإنك رجيم (٣٤)﴾","level":2,"page":1294},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن عليك اللعنة إلى يوم الدين (٣٥)﴾","level":2,"page":1294},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب بما أغويتني﴾","level":2,"page":1294},{"title":"قوله تعالى: ﴿لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم أجمعين (٣٩)﴾","level":2,"page":1294},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا عبادك منهم المخلصين (٨٣)﴾","level":2,"page":1295},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون (٤٥) ادخلوها بسلام آمنين (٤٦)﴾","level":2,"page":1296},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونزعنا ما في صدورهم من غل إخوانا﴾","level":2,"page":1298},{"title":"قوله تعالى: ﴿على سرر متقابلين (٤٧)﴾","level":2,"page":1298},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا يمسهم فيها نصب﴾","level":2,"page":1298},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما هم منها بمخرجين (٤٨)﴾","level":2,"page":1299},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونبئهم عن ضيف إبراهيم (٥١)﴾","level":2,"page":1299},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما قال إنا منكم وجلون (٥٢)﴾","level":2,"page":1299},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا لا توجل إنا نبشرك بغلام عليم (٥٣)﴾","level":2,"page":1300},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أبشرتموني على أن مسني الكبر﴾","level":2,"page":1301},{"title":"قوله تعالى: ﴿فبم تبشرون (٥٤)﴾","level":2,"page":1302},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ومن يقنط من رحمة ربه إلا الضالون﴾","level":2,"page":1304},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا إنا أرسلنا إلى قوم مجرمين (٥٨) إلا آل لوط﴾","level":2,"page":1305},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما جاء آل لوط المرسلون (٦١) قال إنكم قوم منكرون (٦٢)﴾","level":2,"page":1307},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجاء أهل المدينة يستبشرون (٦٧)﴾","level":2,"page":1308},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن في ذلك لآيات للمتوسمين (٧٥)﴾","level":2,"page":1309},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنها لبسبيل مقيم (٧٦)﴾","level":2,"page":1311},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كان أصحاب الأيكة لظالمين (٧٨) فانتقمنا منهم﴾","level":2,"page":1312},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين (٨٠)﴾","level":2,"page":1313},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين (٨١)﴾","level":2,"page":1349},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا آمنين (٨٢)﴾","level":2,"page":1350},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾","level":2,"page":1351},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن الساعة لآتية﴾","level":2,"page":1351},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصفح الصفح الجميل (٨٥)﴾","level":2,"page":1352},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن ربك هو الخلاق العليم (٨٦)﴾","level":2,"page":1353},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم (٨٧)﴾","level":2,"page":1354},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تمدن عينيك إلى ما متعنا به أزواجا منهم﴾","level":2,"page":1356},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تحزن عليهم﴾","level":2,"page":1356},{"title":"قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك للمؤمنين﴾","level":2,"page":1357},{"title":"قوله تعالى: ﴿كما أنزلنا على المقتسمين (٩٠)﴾","level":2,"page":1357},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصدع بما تؤمر﴾","level":2,"page":1361},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأعرض عن المشركين (٩٤)﴾","level":2,"page":1362},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا كفيناك المستهزئين (٩٥)﴾","level":2,"page":1363},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (٩٧)﴾","level":2,"page":1363},{"title":"قوله تعالى: ﴿فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين (٩٨)﴾","level":2,"page":1364},{"title":"قوله تعالى: ﴿واعبد ربك﴾","level":2,"page":1367},{"title":"سورة النحل","level":1,"page":1371},{"title":"قوله تعالى: ﴿أتى أمر الله﴾","level":2,"page":1372},{"title":"قوله تعالى: ﴿ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده﴾","level":2,"page":1374},{"title":"قوله تعالى: ﴿أن أنذروا أنه لا إله إلا أنا فاتقون (٢)﴾","level":2,"page":1376},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون (٣)﴾","level":2,"page":1376},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من نطفة﴾","level":2,"page":1378},{"title":"قوله تعالى: ﴿والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون (٥)﴾","level":2,"page":1381},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويخلق ما لا تعلمون (٨)﴾","level":2,"page":1384},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر﴾","level":2,"page":1386},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو شاء لهداكم أجمعين (٩)﴾","level":2,"page":1387},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي أنزل من السماء ماء لكم منه شراب﴾","level":2,"page":1388},{"title":"قوله تعالى: ﴿وسخر لكم الليل والنهار والشمس والقمر والنجوم مسخرات بأمره إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (١٢)﴾","level":2,"page":1392},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما ذرأ لكم في الأرض مختلفا ألوانه إن في ذلك لآية لقوم يذكرون (١٣)﴾","level":2,"page":1394},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي سخر البحر لتأكلوا منه لحما طريا وتستخرجوا منه حلية تلبسونها وترى الفلك مواخر فيه ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٤)﴾","level":2,"page":1396},{"title":"قوله تعالى: ﴿وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم وأنهارا وسبلا لعلكم تهتدون (١٥) وعلامات وبالنجم هم يهتدون (١٦)﴾","level":2,"page":1425},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفمن يخلق كمن لا يخلق﴾","level":2,"page":1426},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها إن الله لغفور رحيم (١٨)﴾","level":2,"page":1427},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم ماذا أنزل ربكم قالوا أساطير الأولين﴾","level":2,"page":1427},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون (٢٥)﴾","level":2,"page":1428},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد مكر الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":1432},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأتى الله بنيانهم من القواعد﴾","level":2,"page":1432},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم يوم القيامة يخزيهم﴾","level":2,"page":1433},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقول أين شركائي الذين كنتم تشاقون فيهم﴾","level":2,"page":1433},{"title":"قوله تعالى: ﴿فألقوا السلم﴾","level":2,"page":1434},{"title":"وقوله تعالى: ﴿ما كنا نعمل من سوء بلى إن الله عليم بما كنتم تعملون (٢٨)﴾","level":2,"page":1435},{"title":"قوله تعالى: ﴿فادخلوا أبواب جهنم﴾","level":2,"page":1437},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقيل للذين اتقوا ماذا أنزل ربكم قالوا خيرا﴾","level":2,"page":1438},{"title":"قوله تعالى: ﴿للذين أحسنوا في هذه الدنيا حسنة﴾","level":2,"page":1438},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولدار الآخرة خير﴾","level":2,"page":1438},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولنعم دار المتقين﴾","level":2,"page":1440},{"title":"قوله تعالى: ﴿جنات عدن يدخلونها تجري من تحتها الأنهار لهم فيها ما يشاءون كذلك يجزي الله المتقين (٣١)﴾","level":2,"page":1441},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت﴾","level":2,"page":1444},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمنهم من هدى الله ومنهم من حقت عليه الضلالة﴾","level":2,"page":1445},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن تحرص على هداهم فإن الله لا يهدي من يضل وما لهم من ناصرين (٣٧)﴾","level":2,"page":1446},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون (٤٠)﴾","level":2,"page":1448},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم﴾","level":2,"page":1449},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ولعلهم يتفكرون﴾","level":2,"page":1452},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفأمن الذين مكروا السيئات أن يخسف الله بهم الأرض أو يأتيهم العذاب من حيث لا يشعرون (٤٥)﴾","level":2,"page":1453},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يروا إلى ما خلق الله من شيء يتفيأ. .﴾","level":2,"page":1455},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الله لا تتخذوا إلهين اثنين إنما هو إله واحد فإياي فارهبون (٥١)﴾","level":2,"page":1455},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله الدين واصبا﴾","level":2,"page":1456},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أفغير الله تتقون﴾","level":2,"page":1458},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم إذا كشف الضر عنكم إذا فريق منكم بربهم يشركون (٥٤)﴾","level":2,"page":1459},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتمتعوا فسوف تعلمون (٥٥)﴾","level":2,"page":1460},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويجعلون لما لا يعلمون نصيبا مما رزقناهم تالله لتسألن عما كنتم تفترون (٥٦)﴾","level":2,"page":1461},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله البنات سبحانه ولهم ما يشتهون (٥٧) وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسودا وهو كظيم (٥٨) يتوارى من القوم من سوء ما بشر به أيمسكه على هون أم يدسه في التراب ألا ساء ما يحكمون (٥٩)﴾","level":2,"page":1462},{"title":"وقوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بظلمهم ما ترك عليها من دابة ولكن يؤخرهم إلى أجل مسمى فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون (٦١)﴾","level":2,"page":1467},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويجعلون لله ما يكرهون﴾","level":2,"page":1471},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتصف ألسنتهم الكذب أن لهم الحسنى﴾","level":2,"page":1472},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا جرم أن لهم النار وأنهم مفرطون (٦٢)﴾","level":2,"page":1473},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه﴾","level":2,"page":1475},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه سكرا ورزقا حسنا﴾.﴾","level":2,"page":1487},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأوحى ربك إلى النحل﴾","level":2,"page":1495},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكي لا يعلم بعد علم شيئا إن الله عليم قدير (٧٠)﴾","level":2,"page":1496},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله فضل بعضكم على بعض في الرزق فما الذين فضلوا برادي رزقهم على ما ملكت أيمانهم فهم فيه سواء أفبنعمة الله يجحدون (٧١)﴾","level":2,"page":1498},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله جعل لكم من أنفسكم أزواجا وجعل لكم من أزواجكم بنين وحفدة﴾","level":2,"page":1500},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقا من السماوات والأرض شيئا ولا يستطيعون (٧٣)﴾","level":2,"page":1507},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تضربوا لله الأمثال﴾","level":2,"page":1509},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أمر الساعة إلا كلمح البصر﴾","level":2,"page":1509},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل لكم السمع والأبصار والأفئدة لعلكم تشكرون (٧٨)﴾","level":2,"page":1510},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم يروا إلى الطير مسخرات في جو السماء ما يمسكهن إلا الله إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٧٩)﴾","level":2,"page":1510},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل لكم سرابيل تقيكم الحر وسرابيل تقيكم بأسكم﴾","level":2,"page":1512},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعرفون نعمت الله ثم ينكرونها﴾","level":2,"page":1513},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم لا يؤذن للذين كفروا﴾","level":2,"page":1514},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا هم يستعتبون (٨٤)﴾","level":2,"page":1516},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأى الذين ظلموا العذاب فلا يخفف عنهم ولا هم ينظرون (٨٥)﴾","level":2,"page":1517},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأى الذين أشركوا شركاءهم قالوا ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك فألقوا إليهم القول إنكم لكاذبون (٨٦)﴾","level":2,"page":1518},{"title":"قوله تعالى: ﴿وألقوا إلى الله يومئذ السلم وضل عنهم ما كانوا يفترون (٨٧)﴾","level":2,"page":1519},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله زدناهم عذابا فوق العذاب بما كانوا يفسدون (٨٨)﴾","level":2,"page":1520},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونزلنا عليك الكتاب تبيانا لكل شيء﴾","level":2,"page":1522},{"title":"وقوله تعالى: ﴿وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين (٨٩)﴾","level":2,"page":1534},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكرون﴾","level":2,"page":1535},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأوفوا بعهد الله إذا عاهدتم﴾","level":2,"page":1539},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما عندكم ينفد وما عند الله باق﴾","level":2,"page":1540},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولنجزين الذين صبروا أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٦)﴾","level":2,"page":1540},{"title":"قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة ولنجزينهم أجرهم بأحسن ما كانوا يعملون (٩٧)﴾","level":2,"page":1541},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم﴾","level":2,"page":1546},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون (٩٩) إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون (١٠٠)﴾","level":2,"page":1547},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا بدلنا آية مكان آية والله أعلم بما ينزل قالوا إنما أنت مفتر بل أكثرهم لا يعلمون (١٠١)﴾","level":2,"page":1549},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل نزله روح القدس من ربك بالحق ..﴾","level":2,"page":1560},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد نعلم أنهم يقولون إنما يعلمه بشر﴾","level":2,"page":1561},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تقولوا لما تصف ألسنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب﴾","level":2,"page":1573},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعلى الذين هادوا حرمنا ما قصصنا عليك من قبل ..﴾","level":2,"page":1576},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين (١٢٠) شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم﴾","level":2,"page":1577},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتيناه في الدنيا حسنة ..﴾","level":2,"page":1578},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٢٣)﴾","level":2,"page":1578},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجادلهم بالتي هي أحسن﴾","level":2,"page":1579},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين (١٢٥)﴾","level":2,"page":1580},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين (١٢٦)﴾","level":2,"page":1581},{"title":"قوله تعالى: ﴿واصبر وما صبرك إلا بالله﴾","level":2,"page":1583},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون (١٢٨)﴾","level":2,"page":1584},{"title":"سورة بني إسرائيل","level":1,"page":1585},{"title":"قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى. .﴾","level":2,"page":1586},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي باركنا حوله﴾","level":2,"page":1597},{"title":"قوله تعالى: ﴿لنريه من آياتنا﴾","level":2,"page":1597},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتينا موسى الكتاب﴾","level":2,"page":1598},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا تتخذوا من دوني وكيلا (٢)﴾","level":2,"page":1598},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا (٣)﴾","level":2,"page":1600},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقضينا إلى بني إسرائيل﴾","level":2,"page":1602},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها﴾","level":2,"page":1602},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا جاء وعد الآخرة ليسوءوا وجوهكم ...﴾","level":2,"page":1603},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن عدتم عدنا﴾","level":2,"page":1604},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا جهنم للكافرين حصيرا (٨)﴾","level":2,"page":1605},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم﴾","level":2,"page":1606},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويدع الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا (١١)﴾","level":2,"page":1662},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلا من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وكل شيء فصلناه تفصيلا (١٢)﴾","level":2,"page":1663},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتابا يلقاه منشورا (١٣) اقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا (١٤)﴾","level":2,"page":1669},{"title":"قوله تعالى: ﴿من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها﴾","level":2,"page":1674},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (١٥)﴾","level":2,"page":1678},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا (١٦)﴾","level":2,"page":1692},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا (١٧)﴾","level":2,"page":1698},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا (١٩)﴾","level":2,"page":1701},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تجعل مع الله إلها آخر فتقعد مذموما مخذولا﴾","level":2,"page":1704},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾","level":2,"page":1707},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإما تعرضن عنهم ابتغاء رحمة من ربك ترجوها فقل لهم قولا ميسورا (٢٨)﴾","level":2,"page":1708},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن قتل مظلوما فقد جعلنا لوليه سلطانا فلا يسرف في القتل إنه كان منصورا (٣٣)﴾","level":2,"page":1710},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا (٣٦)﴾","level":2,"page":1801},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولا (٣٧)﴾","level":2,"page":1818},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا (٤٢)﴾","level":2,"page":1821},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا﴾","level":2,"page":1822},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾","level":2,"page":1824},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا ذكرت ربك في القرآن وحده ولوا على أدبارهم نفورا (٤٦)﴾","level":2,"page":1825},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن من قرية إلا نحن مهلكوها قبل يوم القيامة أو معذبوها عذابا شديدا كان ذلك في الكتاب مسطورا (٥٨)﴾","level":2,"page":1828},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتينا ثمود الناقة مبصرة فظلموا بها﴾","level":2,"page":1831},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا لك إن ربك أحاط بالناس. .﴾","level":2,"page":1831},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما جعلنا الرؤيا التي أريناك إلا فتنة للناس والشجرة الملعونة في القرآن﴾","level":2,"page":1831},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أرأيتك هذا الذي كرمت علي لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلا قليلا (٦٢)﴾","level":2,"page":1833},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال اذهب فمن تبعك منهم فإن جهنم جزاؤكم جزاء موفورا (٦٣)﴾","level":2,"page":1835},{"title":"قوله تعالى: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك وأجلب عليهم بخيلك ورجلك وشاركهم في الأموال والأولاد وعدهم وما يعدهم الشيطان إلا غرورا (٦٤)﴾","level":2,"page":1836},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن عبادي ليس لك عليهم سلطان ..﴾","level":2,"page":1841},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا (٦٧) أفأمنتم أن يخسف بكم جانب البر أو يرسل عليكم حاصبا ثم لا تجدوا لكم وكيلا (٦٨) أم أمنتم أن يعيدكم فيه تارة أخرى فيرسل عليكم قاصفا من الريح فيغرقكم بما كفرتم ثم لا تجدوا لكم علينا به تبيعا (٦٩)﴾","level":2,"page":1841},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد كرمنا بني آدم﴾","level":2,"page":1846},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم ندعو كل أناس بإمامهم﴾","level":2,"page":1847},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن كان في هذه أعمى فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلا (٧٢)﴾","level":2,"page":1849},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كادوا ليفتنونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره وإذا لاتخذوك خليلا (٧٣)﴾","level":2,"page":1850},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولولا أن ثبتناك لقد كدت تركن إليهم شيئا قليلا (٧٤) إذا لأذقناك ضعف الحياة وضعف الممات ثم لا تجد لك علينا نصيرا (٧٥)﴾","level":2,"page":1852},{"title":"قوله تعالى: ﴿أقم الصلاة لدلوك الشمس ..﴾","level":2,"page":1853},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقل جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا﴾","level":2,"page":1853},{"title":"قوله تعالى: ﴿وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا (٨٢)﴾","level":2,"page":1856},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر كان يئوسا (٨٣)﴾","level":2,"page":1856},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا (٨٥)﴾","level":2,"page":1858},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن فضله كان عليك كبيرا (٨٧)﴾","level":2,"page":1858},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا (٩٠) أو تكون لك جنة من نخيل وعنب فتفجر الأنهار خلالها تفجيرا (٩١) أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفا أو تأتي بالله والملائكة قبيلا (٩٢) أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابا نقرؤه قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرا رسولا (٩٣)﴾","level":2,"page":1859},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا (٩٤)﴾","level":2,"page":1861},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لو كان في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزلنا عليهم من السماء ملكا رسولا (٩٥)﴾","level":2,"page":1862},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل﴾","level":2,"page":1863},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورا (١٠٠)﴾","level":2,"page":1863},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى تسع آيات بينات ..﴾","level":2,"page":1864},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر ..﴾","level":2,"page":1865},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبالحق أنزلناه وبالحق نزل﴾","level":2,"page":1865},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث﴾","level":2,"page":1866},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أيا ما تدعوا فله الأسماء الحسنى﴾","level":2,"page":1867},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيرا (١١١)﴾","level":2,"page":1867},{"title":"سورة الكهف","level":1,"page":1870},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا (٦)﴾","level":2,"page":1885},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها لنبلوهم أيهم أحسن عملا (٧) وإنا لجاعلون ما عليها صعيدا جرزا (٨)﴾","level":2,"page":1888},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا (٩)﴾","level":2,"page":1890},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ أوى الفتية إلى الكهف فقالوا ربنا آتنا من لدنك رحمة وهيئ لنا من أمرنا رشدا (١٠)﴾","level":2,"page":1893},{"title":"قوله تعالى: ﴿فضربنا على آذانهم في الكهف سنين عددا (١١)﴾","level":2,"page":1895},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم بعثناهم لنعلم أي الحزبين أحصى لما لبثوا أمدا (١٢)﴾","level":2,"page":1896},{"title":"قوله تعالى: ﴿نحن نقص عليك نبأهم بالحق إنهم فتية آمنوا بربهم وزدناهم هدى (١٣)﴾","level":2,"page":1904},{"title":"قوله تعالى: ﴿وربطنا على قلوبهم إذ قاموا﴾","level":2,"page":1905},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقالوا ربنا رب السماوات والأرض لن ندعو من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا (١٤)﴾","level":2,"page":1906},{"title":"قوله تعالى: ﴿هؤلاء قومنا اتخذوا من دونه آلهة لولا يأتون عليهم بسلطان بين﴾","level":2,"page":1907},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن أظلم ممن افترى على الله كذبا (١٥)﴾","level":2,"page":1908},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ اعتزلتموهم وما يعبدون إلا الله فأووا إلى الكهف ينشر لكم ربكم من رحمته ويهيئ لكم من أمركم مرفقا (١٦)﴾","level":2,"page":1909},{"title":"قوله تعالى: ﴿وترى الشمس إذا طلعت تزاور عن كهفهم ذات اليمين وإذا غربت تقرضهم ذات الشمال وهم في فجوة منه ذلك من آيات الله﴾","level":2,"page":1911},{"title":"قوله تعالى: ﴿من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا (١٧)﴾","level":2,"page":1919},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتحسبهم أيقاظا وهم رقود﴾","level":2,"page":1920},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد﴾","level":2,"page":1921},{"title":"قوله تعالى: ﴿فابعثوا أحدكم بورقكم هذه إلى المدينة فلينظر أيها أزكى طعاما فليأتكم برزق منه﴾","level":2,"page":1925},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنهم إن يظهروا عليكم يرجموكم أو يعيدوكم في ملتهم ولن تفلحوا إذا أبدا (٢٠)﴾","level":2,"page":1962},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال الذين غلبوا على أمرهم لنتخذن عليهم مسجدا (٢١)﴾","level":2,"page":1963},{"title":"قوله تعالى: ﴿سيقولون ثلاثة رابعهم كلبهم ويقولون خمسة سادسهم كلبهم رجما بالغيب ويقولون سبعة وثامنهم كلبهم قل ربي أعلم بعدتهم ما يعلمهم إلا قليل﴾","level":2,"page":1964},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا (٢٣) إلا أن يشاء الله﴾","level":2,"page":1965},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر ربك إذا نسيت﴾","level":2,"page":1967},{"title":"قوله تعالى: ﴿له غيب السماوات والأرض﴾","level":2,"page":1970},{"title":"قوله تعالى: ﴿أبصر به وأسمع﴾","level":2,"page":1971},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما لهم من دونه من ولي﴾","level":2,"page":1972},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يشرك في حكمه أحدا (٢٦)﴾","level":2,"page":1973},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتل ما أوحي إليك من كتاب ربك﴾","level":2,"page":1977},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا مبدل لكلماته﴾","level":2,"page":1978},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولن تجد من دونه ملتحدا (٢٧)﴾","level":2,"page":1979},{"title":"قوله تعالى: ﴿واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه﴾","level":2,"page":1980},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تعد عيناك عنهم تريد زينة الحياة الدنيا﴾","level":2,"page":1981},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تطع من أغفلنا قلبه عن ذكرنا واتبع هواه وكان أمره فرطا (٢٨)﴾","level":2,"page":1982},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقل الحق من ربكم﴾","level":2,"page":1984},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر﴾","level":2,"page":1985},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (٣٠)﴾","level":2,"page":1992},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار -إلى قوله- وحسنت مرتفقا (٣١)﴾","level":2,"page":1994},{"title":"قوله تعالى: ﴿ودخل جنته وهو ظالم لنفسه قال ما أظن أن تبيد هذه أبدا (٣٥) وما أظن الساعة قائمة ولئن رددت إلى ربي لأجدن خيرا منها منقلبا (٣٦)﴾","level":2,"page":1995},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال له صاحبه وهو يحاوره أكفرت بالذي خلقك من تراب ثم من نطفة ثم سواك رجلا (٣٧) لكنا هو الله ربي ولا أشرك بربي أحدا (٣٨)﴾","level":2,"page":1997},{"title":"قوله تعالى: ﴿أو يصبح ماؤها غورا فلن تستطيع له طلبا (٤١)﴾","level":2,"page":2002},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولم تكن له فئة ينصرونه من دون الله وما كان منتصرا (٤٣) هنالك الولاية لله الحق هو خير ثوابا وخير عقبا (٤٤)﴾","level":2,"page":2003},{"title":"قوله تعالى: ﴿المال والبنون زينة الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير أملا (٤٦)﴾","level":2,"page":2006},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم نسير الجبال وترى الأرض بارزة وحشرناهم فلم نغادر منهم أحدا (٤٧)﴾","level":2,"page":2008},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعرضوا على ربك صفا﴾","level":2,"page":2011},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة﴾","level":2,"page":2013},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل زعمتم ألن نجعل لكم موعدا (٤٨)﴾","level":2,"page":2014},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووجدوا ما عملوا حاضرا﴾","level":2,"page":2018},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يظلم ربك أحدا (٤٩)﴾","level":2,"page":2019},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه﴾","level":2,"page":2019},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما أشهدتهم خلق السماوات والأرض ولا خلق أنفسهم وما كنت متخذ المضلين عضدا (٥١)﴾","level":2,"page":2026},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يقول نادوا شركائي الذين زعمتم فدعوهم فلم يستجيبوا لهم وجعلنا بينهم موبقا (٥٢)﴾","level":2,"page":2027},{"title":"قوله تعالى: ﴿ورأى المجرمون النار فظنوا أنهم مواقعوها ولم يجدوا عنها مصرفا (٥٣)﴾","level":2,"page":2032},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد صرفنا في هذا القرآن للناس من كل مثل وكان الإنسان أكثر شيء جدلا (٥٤)﴾","level":2,"page":2034},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى ويستغفروا ربهم إلا أن تأتيهم سنة الأولين أو يأتيهم العذاب قبلا (٥٥)﴾","level":2,"page":2039},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما نرسل المرسلين إلا مبشرين ومنذرين﴾","level":2,"page":2044},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويجادل الذين كفروا بالباطل ليدحضوا به الحق﴾","level":2,"page":2044},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتخذوا آياتي وما أنذروا هزوا (٥٦)﴾","level":2,"page":2046},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه﴾","level":2,"page":2047},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا﴾","level":2,"page":2050},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تدعهم إلى الهدى فلن يهتدوا إذا أبدا (٥٧)﴾","level":2,"page":2054},{"title":"قوله تعالى: ﴿وربك الغفور ذو الرحمة﴾","level":2,"page":2058},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل لهم موعد لن يجدوا من دونه موئلا (٥٨)﴾","level":2,"page":2059},{"title":"وقوله تعالى: ﴿وتلك القرى أهلكناهم لما ظلموا وجعلنا لمهلكهم موعدا (٥٩)﴾","level":2,"page":2061},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما بلغا مجمع بينهما نسيا حوتهما﴾","level":2,"page":2066},{"title":"قوله تعالى: ﴿رحمة من عندنا وعلمناه من لدنا علما (٦٥)﴾","level":2,"page":2068},{"title":"قوله تعالى: ﴿فوجدا فيها جدارا يريد أن ينقض فأقامه﴾","level":2,"page":2093},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا (٧٩)﴾","level":2,"page":2095},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ مغرب الشمس وجدها تغرب في عين حمئة﴾","level":2,"page":2096},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال هذا رحمة من ربي فإذا جاء وعد ربي جعله دكاء وكان وعد ربي حقا (٩٨) وتركنا بعضهم يومئذ يموج في بعض ونفخ في الصور فجمعناهم جمعا (٩٩)﴾","level":2,"page":2097},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعرضنا جهنم يومئذ للكافرين عرضا (١٠٠)﴾","level":2,"page":2105},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين كانت أعينهم في غطاء عن ذكري وكانوا لا يستطيعون سمعا (١٠١)﴾","level":2,"page":2106},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء إنا أعتدنا جهنم للكافرين نزلا (١٠٢)﴾","level":2,"page":2107},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا (١٠٣) الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا (١٠٤)﴾","level":2,"page":2109},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنات الفردوس نزلا (١٠٧)﴾","level":2,"page":2116},{"title":"قوله تعالى: ﴿خالدين فيها لا يبغون عنها حولا (١٠٨)﴾","level":2,"page":2117},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا (١٠٩)﴾","level":2,"page":2117},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾","level":2,"page":2118},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا (١١٠)﴾","level":2,"page":2119},{"title":"سورة مريم","level":1,"page":2123},{"title":"قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذكر رحمت ربك عبده زكريا (٢) إذ نادى ربه نداء خفيا (٣) قال رب إني وهن العظم مني واشتعل الرأس شيبا ولم أكن بدعائك رب شقيا (٤)﴾","level":2,"page":2123},{"title":"قوله تعالى: ﴿يازكريا إنا نبشرك بغلام اسمه يحيى لم نجعل له من قبل سميا (٧)﴾","level":2,"page":2135},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب أنى يكون لي غلام وكانت امرأتي عاقرا وقد بلغت من الكبر عتيا (٨)﴾","level":2,"page":2137},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا (٩)﴾","level":2,"page":2139},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب اجعل لي آية قال آيتك ألا تكلم الناس ثلاث ليال سويا (١٠)﴾","level":2,"page":2141},{"title":"قوله تعالى: ﴿فخرج على قومه من المحراب فأوحى إليهم أن سبحوا بكرة وعشيا (١١)﴾","level":2,"page":2143},{"title":"قوله تعالى: ﴿يايحيى خذ الكتاب بقوة وآتيناه الحكم صبيا (١٢) وحنانا من لدنا وزكاة وكان تقيا (١٣) وبرا بوالديه ولم يكن جبارا عصيا (١٤) وسلام عليه يوم ولد ويوم يموت ويوم يبعث حيا (١٥)﴾","level":2,"page":2151},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكانا شرقيا (١٦)﴾","level":2,"page":2162},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاتخذت من دونهم حجابا فأرسلنا إليها روحنا﴾","level":2,"page":2163},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتمثل لها بشرا سويا (١٧)﴾","level":2,"page":2164},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاما زكيا (١٩)﴾","level":2,"page":2164},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالت أنى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغيا (٢٠)﴾","level":2,"page":2166},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال كذلك قال ربك هو علي هين﴾","level":2,"page":2167},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمرا مقضيا (٢١)﴾","level":2,"page":2168},{"title":"قوله تعالى: ﴿فحملته فانتبذت به مكانا قصيا (٢٢) فأجاءها المخاض إلى جذع النخلة قالت ياليتني مت قبل هذا وكنت نسيا منسيا (٢٣)﴾","level":2,"page":2169},{"title":"قوله تعالى: ﴿فناداها من تحتها ألا تحزني قد جعل ربك تحتك سريا (٢٤)﴾","level":2,"page":2175},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهزي إليك بجذع النخلة تساقط عليك رطبا جنيا (٢٥) فكلي واشربي وقري عينا﴾","level":2,"page":2180},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإما ترين من البشر أحدا فقولي إني نذرت للرحمن صوما فلن أكلم اليوم إنسيا (٢٦)﴾","level":2,"page":2186},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأتت به قومها تحمله قالوا يامريم لقد جئت شيئا فريا (٢٧) ياأخت هارون ما كان أبوك امرأ سوء وما كانت أمك بغيا (٢٨)﴾","level":2,"page":2205},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأشارت إليه﴾","level":2,"page":2209},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال إني عبد الله آتاني الكتاب وجعلني نبيا (٣٠) وجعلني مباركا أين ما كنت وأوصاني بالصلاة والزكاة ما دمت حيا (٣١) وبرا بوالدتي ولم يجعلني جبارا شقيا (٣٢) والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا (٣٣)﴾","level":2,"page":2209},{"title":"وقوله تعالى: ﴿ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون (٣٤)﴾","level":2,"page":2211},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٣٥)﴾","level":2,"page":2214},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاختلف الأحزاب من بينهم فويل للذين كفروا من مشهد يوم عظيم (٣٧)﴾","level":2,"page":2215},{"title":"قوله تعالى: ﴿أسمع بهم وأبصر يوم يأتوننا لكن الظالمون اليوم في ضلال مبين (٣٨)﴾","level":2,"page":2217},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا نحن نرث الأرض ومن عليها وإلينا يرجعون (٤٠)﴾","level":2,"page":2220},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إبراهيم إنه كان صديقا نبيا (٤١) إذ قال لأبيه ياأبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر ولا يغني عنك شيئا (٤٢) ياأبت إني قد جاءني من العلم ما لم يأتك فاتبعني أهدك صراطا سويا (٤٣) ياأبت لا تعبد الشيطان إن الشيطان كان للرحمن عصيا (٤٤) ياأبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان وليا (٤٥)﴾","level":2,"page":2220},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أراغب أنت عن آلهتي ياإبراهيم لئن لم تنته لأرجمنك واهجرني مليا (٤٦) قال سلام عليك سأستغفر لك ربي إنه كان بي حفيا (٤٧)﴾","level":2,"page":2226},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب موسى إنه كان مخلصا وكان رسولا نبيا (٥١)﴾","level":2,"page":2230},{"title":"قوله تعالى: ﴿وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا (٥٢)﴾","level":2,"page":2230},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووهبنا له من رحمتنا أخاه هارون نبيا (٥٣)﴾","level":2,"page":2239},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر في الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا (٥٤)﴾","level":2,"page":2240},{"title":"قوله تعالى: ﴿فخلف من بعدهم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيا (٥٩) إلا من تاب وآمن وعمل صالحا فأولئك يدخلون الجنة ولا يظلمون شيئا (٦٠)﴾","level":2,"page":2250},{"title":"قوله تعالى: ﴿جنات عدن التي وعد الرحمن عباده بالغيب إنه كان وعده مأتيا (٦١)﴾","level":2,"page":2283},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا إلا سلاما ولهم رزقهم فيها بكرة وعشيا (٦٢)﴾","level":2,"page":2284},{"title":"قوله تعالى: ﴿تلك الجنة التي نورث من عبادنا من كان تقيا (٦٣)﴾","level":2,"page":2292},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا (٦٦) أولا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا (٦٧)﴾","level":2,"page":2294},{"title":"قوله تعالى: ﴿فوربك لنحشرنهم والشياطين ثم لنحضرنهم حول جهنم جثيا (٦٨)﴾","level":2,"page":2297},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا (٦٩) ثم لنحن أعلم بالذين هم أولى بها صليا (٧٠)﴾","level":2,"page":2299},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها كان على ربك حتما مقضيا (٧١) ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثيا (٧٢)﴾","level":2,"page":2301},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (٧٣) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا (٧٤)﴾","level":2,"page":2309},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من كان في الضلالة فليمدد له الرحمن مدا حتى إذا رأوا ما يوعدون إما العذاب وإما الساعة فسيعلمون من هو شر مكانا وأضعف جندا (٧٥)﴾","level":2,"page":2315},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويزيد الله الذين اهتدوا هدى والباقيات الصالحات خير عند ربك ثوابا وخير مردا (٧٦)﴾","level":2,"page":2319},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (٧٧)﴾","level":2,"page":2321},{"title":"قوله تعالى: ﴿سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (٧٩) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (٨٠)﴾","level":2,"page":2346},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (٨١) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (٨٢)﴾","level":2,"page":2348},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (٨٣)﴾","level":2,"page":2351},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (٨٤)﴾","level":2,"page":2352},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم نحشر المتقين إلى الرحمن وفدا (٨٥) ونسوق المجرمين إلى جهنم وردا (٨٦)﴾","level":2,"page":2354},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيجعل لهم الرحمن ودا (٩٦)﴾","level":2,"page":2361},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا (٩٧)﴾","level":2,"page":2362},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا (٩٨)﴾","level":2,"page":2363},{"title":"سورة طه","level":1,"page":2365},{"title":"قوله تعالى: ﴿طه﴾","level":2,"page":2365},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى (٢)﴾","level":2,"page":2366},{"title":"قوله تعالى: ﴿تنزيلا ممن خلق الأرض والسماوات العلى (٤)﴾","level":2,"page":2368},{"title":"وقوله تعالى: ﴿إلا تذكرة لمن يخشى (٣)﴾","level":2,"page":2368},{"title":"قوله تعالى: ﴿الرحمن على العرش استوى (٥)﴾","level":2,"page":2369},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تجهر بالقول فإنه يعلم السر وأخفى (٧)﴾","level":2,"page":2369},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى (٨)﴾","level":2,"page":2371},{"title":"وقوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث موسى (١٥)﴾","level":2,"page":2372},{"title":"قوله تعالى: ﴿واحلل عقدة من لساني (٢٧) يفقهوا قولي (٢٨)﴾","level":2,"page":2372},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد مننا عليك مرة أخرى (٣٧) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (٣٨) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له﴾","level":2,"page":2372},{"title":"قوله تعالى: ﴿وألقيت عليك محبة مني﴾","level":2,"page":2375},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن﴾","level":2,"page":2375},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا﴾","level":2,"page":2378},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر ياموسى (٤٠)﴾","level":2,"page":2380},{"title":"وقوله تعالى: ﴿اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري (٤٢)﴾","level":2,"page":2381},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى (٤٤)﴾","level":2,"page":2382},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأتياه فقولا إنا رسولا ربك فأرسل معنا بني إسرائيل ولا تعذبهم قد جئناك بآية من ربك والسلام على من اتبع الهدى (٤٧)﴾","level":2,"page":2384},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا قد أوحي إلينا أن العذاب على من كذب وتولى (٤٨)﴾","level":2,"page":2386},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فمن ربكما ياموسى (٤٩) قال ربنا الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى (٥٠)﴾","level":2,"page":2387},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا وسلك لكم فيها سبلا وأنزل من السماء ماء فأخرجنا به أزواجا من نبات شتى (٥٣) كلوا وارعوا أنعامكم إن في ذلك لآيات لأولي النهى (٥٤)﴾","level":2,"page":2390},{"title":"قوله تعالى: ﴿منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى (٥٥)﴾","level":2,"page":2395},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى (٥٦﴾","level":2,"page":2398},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك ياموسى (٥٧)﴾","level":2,"page":2400},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلنأتينك بسحر مثله﴾","level":2,"page":2400},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى (٥٨) قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى (٥٩)﴾","level":2,"page":2401},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى (٦٠)﴾","level":2,"page":2407},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ياموسى إما أن تلقي وإما أن نكون أول من ألقى (٦٥)﴾","level":2,"page":2408},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال بل ألقوا﴾","level":2,"page":2409},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى (٦٦)﴾","level":2,"page":2410},{"title":"قوله تعالى: ﴿وألق ما في يمينك تلقف ما صنعوا إنما صنعوا كيد ساحر﴾","level":2,"page":2413},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يفلح الساحر حيث أتى (٦٩)﴾","level":2,"page":2417},{"title":"قوله تعالى: ﴿فألقي السحرة سجدا قالوا آمنا برب هارون وموسى (٧٠)﴾","level":2,"page":2453},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (٧٢)﴾","level":2,"page":2457},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (٧٣)﴾","level":2,"page":2458},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنه من يأت ربه مجرما فإن له جهنم لا يموت فيها ولا يحيى (٧٤)﴾","level":2,"page":2461},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يأته مؤمنا قد عمل الصالحات فأولئك لهم الدرجات العلى (٧٥)﴾","level":2,"page":2462},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أوحينا إلى موسى أن أسر بعبادي فاضرب لهم طريقا في البحر يبسا لا تخاف دركا ولا تخشى (٧٧)﴾","level":2,"page":2462},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأتبعهم فرعون بجنوده فغشيهم من اليم ما غشيهم (٧٨)﴾","level":2,"page":2466},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأضل فرعون قومه وما هدى (٧٩)﴾","level":2,"page":2468},{"title":"قوله تعالى: ﴿يابني إسرائيل قد أنجيناكم من عدوكم وواعدناكم جانب الطور الأيمن ونزلنا عليكم المن والسلوى (٨٠) كلوا من طيبات ما رزقناكم﴾","level":2,"page":2469},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإني لغفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى (٨٢)﴾","level":2,"page":2474},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أعجلك عن قومك ياموسى (٨٣) قال هم أولاء على أثري وعجلت إليك رب لترضى (٨٤)﴾","level":2,"page":2474},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فإنا قد فتنا قومك من بعدك وأضلهم السامري (٨٥)﴾","level":2,"page":2476},{"title":"قوله تعالى: ﴿فرجع موسى إلى قومه غضبان أسفا﴾","level":2,"page":2478},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ياقوم ألم يعدكم ربكم وعدا حسنا أفطال عليكم العهد أم أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم فأخلفتم موعدي (٨٦) قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا﴾","level":2,"page":2479},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ما أخلفنا موعدك بملكنا ولكنا حملنا أوزارا من زينة القوم فقذفناها فكذلك ألقى السامري (٨٧) فأخرج لهم عجلا جسدا له خوار فقالوا هذا إلهكم وإله موسى فنسي (٨٨)﴾","level":2,"page":2483},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولا ولا يملك لهم ضرا ولا نفعا (٨٩)﴾","level":2,"page":2485},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد قال لهم هارون من قبل ياقوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمن فاتبعوني وأطيعوا أمري (٩٠) قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى (٩١)﴾","level":2,"page":2489},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ياهارون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا (٩٢) ألا تتبعن﴾","level":2,"page":2492},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفعصيت أمري (٩٣)﴾","level":2,"page":2494},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال يبنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي (٩٤)﴾","level":2,"page":2495},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما إلهكم الله الذي لا إله إلا هو وسع كل شيء علما (٩٨)﴾","level":2,"page":2498},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق﴾","level":2,"page":2499},{"title":"وقوله تعالى: ﴿وقد آتيناك من لدنا ذكرا (٩٩)﴾","level":2,"page":2500},{"title":"قوله تعالى: ﴿من أعرض عنه فإنه يحمل يوم القيامة وزرا (١٠٠) خالدين فيه وساء لهم يوم القيامة حملا (١٠١)﴾","level":2,"page":2501},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويسألونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (١٠٥)﴾","level":2,"page":2503},{"title":"قوله تعالى: ﴿فيذرها قاعا صفصفا (١٠٦) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (١٠٧)﴾","level":2,"page":2505},{"title":"قوله تعالى: ﴿يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (١٠٨)﴾","level":2,"page":2507},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (١١١)﴾","level":2,"page":2509},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه وقل رب زدني علما (١١٤)﴾","level":2,"page":2511},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (١١٥)﴾","level":2,"page":2512},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقلنا ياآدم إن هذا عدو لك ولزوجك فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى (١١٧) إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى (١١٨)﴾","level":2,"page":2517},{"title":"قوله تعالى: ﴿فوسوس إليه الشيطان قال ياآدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى (١٢٠)﴾","level":2,"page":2522},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأكلا منها فبدت لهما سوآتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة﴾","level":2,"page":2526},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعصى آدم ربه فغوى (١٢١)﴾","level":2,"page":2532},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى (١٢٢)﴾","level":2,"page":2537},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال اهبطا منها جميعا بعضكم لبعض عدو﴾","level":2,"page":2537},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى (١٢٣)﴾","level":2,"page":2546},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا﴾","level":2,"page":2546},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونحشره يوم القيامة أعمى (١٢٤)﴾","level":2,"page":2549},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك نجزي من أسرف﴾","level":2,"page":2552},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولعذاب الآخرة أشد وأبقى (١٢٧)﴾","level":2,"page":2552},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا يأتينا بآية من ربه أولم تأتهم بينة ما في الصحف الأولى (١٣٣)﴾","level":2,"page":2553},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أنا أهلكناهم بعذاب من قبله لقالوا ربنا لولا أرسلت إلينا رسولا فنتبع آياتك من قبل أن نذل ونخزى (١٣٤)﴾","level":2,"page":2554},{"title":"قوله تعالى: ﴿فستعلمون من أصحاب الصراط السوي ومن اهتدى (١٣٥)﴾","level":2,"page":2555},{"title":"سورة الأنبياء","level":1,"page":2557},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأسروا النجوى الذين ظلموا هل هذا إلا بشر مثلكم﴾","level":2,"page":2557},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفتأتون السحر وأنتم تبصرون (٣)﴾","level":2,"page":2558},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر﴾","level":2,"page":2559},{"title":"قوله تعالى: ﴿فليأتنا بآية كما أرسل الأولون (٥)﴾","level":2,"page":2561},{"title":"وقوله: ﴿وما أرسلنا قبلك إلا رجالا -إلى قوله- وما كانوا خالدين (٨)﴾","level":2,"page":2562},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم صدقناهم الوعد فأنجيناهم ومن نشاء وأهلكنا المسرفين (٩)﴾","level":2,"page":2562},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (١١)﴾","level":2,"page":2563},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما لاعبين (١٦)﴾","level":2,"page":2564},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا اتخذ الرحمن ولدا سبحانه بل عباد مكرمون (٢٦) لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون (٢٧)﴾","level":2,"page":2564},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يقل منهم إني إله من دونه فذلك نجزيه جهنم كذلك نجزي الظالمين (٢٩)﴾","level":2,"page":2566},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم ير الذين كفروا أن السماوات والأرض كانتا رتقا ففتقناهما﴾","level":2,"page":2567},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا من الماء كل شيء حي أفلا يؤمنون (٣٠)﴾","level":2,"page":2570},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا في الأرض رواسي أن تميد بهم وجعلنا فيها فجاجا سبلا لعلهم يهتدون (٣١)﴾","level":2,"page":2572},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا السماء سقفا محفوظا وهم عن آياتها معرضون (٣٢)﴾","level":2,"page":2572},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد أفإن مت فهم الخالدون (٣٤) كل نفس ذائقة الموت﴾","level":2,"page":2574},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (٣٥)﴾","level":2,"page":2577},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي يذكر آلهتكم وهم بذكر الرحمن هم كافرون (٣٦)﴾","level":2,"page":2578},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (٣٧)﴾","level":2,"page":2581},{"title":"قوله تعالى: ﴿لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم ولا هم ينصرون (٣٩)﴾","level":2,"page":2583},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد استهزئ برسل من قبلك فحاق بالذين سخروا منهم ما كانوا به يستهزئون (٤١)﴾","level":2,"page":2586},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من يكلؤكم بالليل والنهار من الرحمن﴾","level":2,"page":2587},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم لهم آلهة تمنعهم من دوننا لا يستطيعون نصر أنفسهم ولا هم منا يصحبون (٤٣)﴾","level":2,"page":2589},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل متعنا هؤلاء وآباءهم حتى طال عليهم العمر﴾","level":2,"page":2591},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلا يرون أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها أفهم الغالبون (٤٤)﴾","level":2,"page":2592},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئا وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين (٤٧)﴾","level":2,"page":2594},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهذا ذكر مبارك أنزلناه أفأنتم له منكرون (٥٠)﴾","level":2,"page":2599},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل﴾","level":2,"page":2600},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا حرقوه وانصروا آلهتكم إن كنتم فاعلين (٦٨)﴾","level":2,"page":2600},{"title":"قوله تعالى: ﴿قلنا يانار كوني بردا وسلاما على إبراهيم (٦٩) وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين (٧٠)﴾","level":2,"page":2601},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونجيناه ولوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين (٧١)﴾","level":2,"page":2603},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووهبنا له إسحاق ويعقوب نافلة وكلا جعلنا صالحين (٧٢)﴾","level":2,"page":2605},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلناهم أئمة يهدون بأمرنا وأوحينا إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وكانوا لنا عابدين (٧٣)﴾","level":2,"page":2606},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونوحا إذ نادى من قبل فاستجبنا له فنجيناه وأهله من الكرب العظيم (٧٦) ونصرناه من القوم الذين كذبوا بآياتنا إنهم كانوا قوم سوء فأغرقناهم أجمعين (٧٧)﴾","level":2,"page":2610},{"title":"قوله تعالى: ﴿وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين (٧٨) ففهمناها سليمان وكلا آتينا حكما وعلما﴾","level":2,"page":2611},{"title":"وقوله تعالى: ﴿وعلمناه صنعة لبوس لكم لتحصنكم من بأسكم فهل أنتم شاكرون (٨٠)﴾","level":2,"page":2707},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره إلى الأرض التي باركنا فيها وكنا بكل شيء عالمين (٨١)﴾","level":2,"page":2710},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الشياطين من يغوصون له ويعملون عملا دون ذلك وكنا لهم حافظين (٨٢)﴾","level":2,"page":2712},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين (٨٣) فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة من عندنا وذكرى للعابدين (٨٤)﴾","level":2,"page":2714},{"title":"قوله تعالى: ﴿وذا النون إذ ذهب مغاضبا فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين (٨٧) فاستجبنا له ونجيناه من الغم وكذلك ننجي المؤمنين (٨٨)﴾","level":2,"page":2719},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون (٩٢) وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون (٩٣)﴾","level":2,"page":2727},{"title":"قوله تعالى: ﴿لهم فيها زفير﴾","level":2,"page":2729},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهم فيها لا يسمعون (١٠٠)﴾","level":2,"page":2729},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين سبقت لهم منا الحسنى أولئك عنها مبعدون (١٠١)﴾","level":2,"page":2730},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون (١٠٣)﴾","level":2,"page":2730},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم نطوي السماء كطي السجل للكتب﴾","level":2,"page":2731},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين (١٠٦)﴾","level":2,"page":2734},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين (١٠٧)﴾","level":2,"page":2734},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء﴾","level":2,"page":2735},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (١١٠)﴾","level":2,"page":2736},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب احكم بالحق﴾","level":2,"page":2736},{"title":"سورة الحج","level":1,"page":2738},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شيء عظيم (١) يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد (٢)﴾","level":2,"page":2739},{"title":"وقوله تعالى: ﴿ثقلت في السماوات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة﴾","level":2,"page":2740},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد (٣) كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير (٤)﴾","level":2,"page":2750},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم من مضغة مخلقة وغير مخلقة لنبين لكم ونقر في الأرحام ما نشاء إلى أجل مسمى ثم نخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ومنكم من يتوفى ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا﴾","level":2,"page":2754},{"title":"قوله تعالى: ﴿وترى الأرض هامدة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت وأنبتت من كل زوج بهيج (٥)﴾","level":2,"page":2774},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (٨) ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق (٩)﴾","level":2,"page":2776},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلك بما قدمت يداك وأن الله ليس بظلام للعبيد (١٠)﴾","level":2,"page":2779},{"title":"قوله تعالى: ﴿يدعو من دون الله ما لا يضره وما لا ينفعه ذلك هو الضلال البعيد (١٢)﴾","level":2,"page":2782},{"title":"قوله تعالى: ﴿من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ (١٥)﴾","level":2,"page":2786},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض﴾","level":2,"page":2789},{"title":"قوله تعالى: ﴿فالذين كفروا قطعت لهم ثياب من نار يصب من فوق رءوسهم الحميم (١٩) يصهر به ما في بطونهم والجلود (٢٠) ولهم مقامع من حديد (٢١)﴾","level":2,"page":2789},{"title":"قوله تعالى: ﴿كلما أرادوا أن يخرجوا منها من غم أعيدوا فيها وذوقوا عذاب الحريق (٢٢)﴾","level":2,"page":2792},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام الذي جعلناه للناس سواء العاكف فيه والباد ومن يرد فيه بإلحاد بظلم نذقه من عذاب أليم (٢٥)﴾","level":2,"page":2793},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت أن لا تشرك بي شيئا وطهر بيتي للطائفين والقائمين والركع السجود (٢٦)﴾","level":2,"page":2798},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق (٢٧)﴾","level":2,"page":2802},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليشهدوا منافع لهم﴾","level":2,"page":3265},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام﴾","level":2,"page":3270},{"title":"قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا البائس الفقير (٢٨)﴾","level":2,"page":3389},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليوفوا نذورهم﴾","level":2,"page":3452},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليطوفوا بالبيت العتيق (٢٩)﴾","level":2,"page":3482},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأحلت لكم الأنعام إلا ما يتلى عليكم﴾","level":2,"page":3483},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاجتنبوا الرجس من الأوثان﴾","level":2,"page":3484},{"title":"قوله تعالى: ﴿واجتنبوا قول الزور (٣٠) حنفاء لله غير مشركين به﴾","level":2,"page":3484},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق (٣١)﴾","level":2,"page":3486},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلك ومن يعظم شعائر الله فإنها من تقوى القلوب (٣٢)﴾","level":2,"page":3488},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبشر المخبتين (٣٤) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم﴾","level":2,"page":3489},{"title":"قوله تعالى: ﴿فكلوا منها وأطعموا القانع والمعتر﴾","level":2,"page":3491},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك سخرناها لكم لعلكم تشكرون (٣٦)﴾","level":2,"page":3491},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله يدافع عن الذين آمنوا﴾","level":2,"page":3493},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله لا يحب كل خوان كفور (٣٨)﴾","level":2,"page":3495},{"title":"قوله تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير (٣٩)﴾","level":2,"page":3495},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله﴾","level":2,"page":3499},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز (٤٠)﴾","level":2,"page":3500},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وثمود (٤٢) وقوم إبراهيم وقوم لوط (٤٣) وأصحاب مدين وكذب موسى فأمليت للكافرين ثم أخذتهم فكيف كان نكير (٤٤)﴾","level":2,"page":3501},{"title":"قوله تعالى: ﴿فكأين من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد (٤٥)﴾","level":2,"page":3506},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها﴾","level":2,"page":3513},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور (٤٦)﴾","level":2,"page":3514},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولن يخلف الله وعده﴾","level":2,"page":3514},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون (٤٧)﴾","level":2,"page":3517},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير (٤٨)﴾","level":2,"page":3522},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين (٤٩)﴾","level":2,"page":3522},{"title":"قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم مغفرة ورزق كريم (٥٠) والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك أصحاب الجحيم (٥١)﴾","level":2,"page":3523},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك من رسول ولا نبي إلا إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته فينسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته والله عليم حكيم (٥٢)﴾","level":2,"page":3527},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يزال الذين كفروا في مرية منه حتى تأتيهم الساعة بغتة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم (٥٥)﴾","level":2,"page":3536},{"title":"قوله تعالى: ﴿الملك يومئذ لله يحكم بينهم﴾","level":2,"page":3537},{"title":"قوله تعالى: ﴿فالذين آمنوا وعملوا الصالحات في جنات النعيم (٥٦) والذين كفروا وكذبوا بآياتنا فأولئك لهم عذاب مهين (٥٧)﴾","level":2,"page":3538},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا وإن الله لهو خير الرازقين (٥٨)﴾","level":2,"page":3538},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلك بأن الله يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وأن الله سميع بصير (٦١) ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل وأن الله هو العلي الكبير (٦٢)﴾","level":2,"page":3539},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فتصبح الأرض مخضرة إن الله لطيف خبير (٦٣)﴾","level":2,"page":3541},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله سخر لكم ما في الأرض والفلك تجري في البحر بأمره﴾","level":2,"page":3544},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويمسك السماء أن تقع على الأرض إلا بإذنه﴾","level":2,"page":3545},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي أحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم إن الإنسان لكفور (٦٦)﴾","level":2,"page":3546},{"title":"قوله تعالى: ﴿لكل أمة جعلنا منسكا هم ناسكوه﴾","level":2,"page":3546},{"title":"قوله تعالى: ﴿وادع إلى ربك إنك لعلى هدى مستقيم (٦٧)﴾","level":2,"page":3547},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن جادلوك فقل الله أعلم بما تعملون (٦٨)﴾","level":2,"page":3548},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما قدروا الله حق قدره﴾","level":2,"page":3549},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس﴾","level":2,"page":3549},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو اجتباكم﴾","level":2,"page":3550},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾","level":2,"page":3550},{"title":"قوله تعالى: ﴿ملة أبيكم إبراهيم﴾","level":2,"page":3552},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو سماكم المسلمين من قبل وفي هذا﴾","level":2,"page":3552},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليكون الرسول شهيدا عليكم وتكونوا شهداء على الناس﴾","level":2,"page":3554},{"title":"سورة المؤمنون","level":1,"page":3556},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد أفلح المؤمنون (١) الذين هم في صلاتهم خاشعون (٢)﴾","level":2,"page":3557},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هم عن اللغو معرضون (٣)﴾","level":2,"page":3559},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هم للزكاة فاعلون (٤)﴾","level":2,"page":3560},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هم لفروجهم حافظون (٥) إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهمما ملكت أيمانهم فإنهم غير ملومين (٦) فمن ابتغى وراء ذلك فأولئك هم العادون (٧)﴾","level":2,"page":3562},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون (٨)﴾","level":2,"page":3578},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين هم على صلواتهم يحافظون (٩)﴾","level":2,"page":3579},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولئك هم الوارثون (١٠) الذين يرثون الفردوس هم فيها خالدون (١١)﴾","level":2,"page":3580},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين (١٢) ثم جعلناه نطفة في قرار مكين (١٣) ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين (١٤)﴾","level":2,"page":3581},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم إنكم بعد ذلك لميتون (١٥) ثم إنكم يوم القيامة تبعثون (١٦)﴾","level":2,"page":3587},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق وما كنا عن الخلق غافلين (١٧)﴾","level":2,"page":3587},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء بقدر فأسكناه في الأرض وإنا على ذهاب به لقادرون (١٨)﴾","level":2,"page":3589},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنشأنا لكم به جنات من نخيل وأعناب لكم فيها فواكه كثيرة ومنها تأكلون (١٩)﴾","level":2,"page":3593},{"title":"قوله تعالى: ﴿وشجرة تخرج من طور سيناء تنبت بالدهن وصبغ للآكلين (٢٠)﴾","level":2,"page":3593},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونها ولكم فيها منافع كثيرة ومنها تأكلون (٢١)﴾","level":2,"page":3595},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعليها وعلى الفلك تحملون (٢٢)﴾","level":2,"page":3595},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا نوحا﴾","level":2,"page":3596},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم أرسلنا رسلنا تترى كل ما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون (٤٤)﴾","level":2,"page":3596},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم (٥١)﴾","level":2,"page":3599},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون (٥٢) فتقطعوا أمرهم بينهم زبرا كل حزب بما لديهم فرحون (٥٣)﴾","level":2,"page":3600},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذرهم في غمرتهم حتى حين (٥٤)﴾","level":2,"page":3600},{"title":"قوله تعالى: ﴿أيحسبون أنما نمدهم به من مال وبنين (٥٥) نسارع لهم في الخيرات بل لا يشعرون (٥٦)﴾","level":2,"page":3602},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا نكلف نفسا إلا وسعها﴾","level":2,"page":3602},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (٦٢)﴾","level":2,"page":3602},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون (٦٤) لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون (٦٥)﴾","level":2,"page":3603},{"title":"قوله تعالى: ﴿قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون (٦٦)﴾","level":2,"page":3605},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم يدبروا القول﴾","level":2,"page":3606},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون (٦٩)﴾","level":2,"page":3607},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون (٧٠)﴾","level":2,"page":3607},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والأرض ومن فيهن﴾","level":2,"page":3610},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل أتيناهم بذكرهم فهم عن ذكرهم معرضون (٧١)﴾","level":2,"page":3612},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم تسألهم خرجا فخراج ربك خير وهو خير الرازقين (٧٢)﴾","level":2,"page":3613},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنك لتدعوهم إلى صراط مستقيم (٧٣)﴾","level":2,"page":3614},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن الذين لا يؤمنون بالآخرة عن الصراط لناكبون (٧٤)﴾","level":2,"page":3614},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو رحمناهم وكشفنا ما بهم من ضر للجوا في طغيانهم يعمهون (٧٥)﴾","level":2,"page":3615},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أخذناهم بالعذاب فما استكانوا لربهم وما يتضرعون (٧٦)﴾","level":2,"page":3615},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار والأفئدة قليلا ما تشكرون (٧٨)﴾","level":2,"page":3616},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي ذرأكم في الأرض وإليه تحشرون (٧٩)﴾","level":2,"page":3616},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي يحيي ويميت﴾","level":2,"page":3617},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله اختلاف الليل والنهار أفلا تعقلون (٨٠)﴾","level":2,"page":3617},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل قالوا مثل ما قال الأولون (٨١) قالوا أإذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (٨٢)﴾","level":2,"page":3618},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد وعدنا نحن وآباؤنا هذا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين (٨٣)﴾","level":2,"page":3620},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (٨٤) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (٨٥) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (٨٦) سيقولون لله قل أفلا تتقون (٨٧) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (٨٨) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (٨٩)﴾","level":2,"page":3621},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض سبحان الله عما يصفون (٩١)﴾","level":2,"page":3624},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل رب إما تريني ما يوعدون (٩٣) رب فلا تجعلني في القوم الظالمين (٩٤)﴾","level":2,"page":3625},{"title":"قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن السيئة نحن أعلم بما يصفون (٩٦) وقل رب أعوذ بك من همزات الشياطين (٩٧) وأعوذ بك رب أن يحضرون (٩٨)﴾","level":2,"page":3626},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاء أحدهم الموت قال رب ارجعون (٩٩) لعلي أعمل صالحا فيما تركت كلا﴾","level":2,"page":3627},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا نفخ في الصور فلا أنساب بينهم يومئذ ولا يتساءلون (١٠١)﴾","level":2,"page":3631},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون (١٠٢) ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون (١٠٣)﴾","level":2,"page":3632},{"title":"قوله تعالى: ﴿تلفح وجوههم النار وهم فيها كالحون (١٠٤)﴾","level":2,"page":3632},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تكن آياتي تتلى عليكم فكنتم بها تكذبون (١٠٥) قالوا ربنا غلبت علينا شقوتنا وكنا قوما ضالين (١٠٦)﴾","level":2,"page":3633},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون (١٠٧) قال اخسئوا فيها ولا تكلمون (١٠٨)﴾","level":2,"page":3635},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (١٠٩) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (١١٠)﴾","level":2,"page":3636},{"title":"قوله تعالى: ﴿إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون (١١١)﴾","level":2,"page":3638},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال كم لبثتم في الأرض عدد سنين (١١٢) قالوا لبثنا يوما أو بعض يوم فاسأل العادين (١١٣)﴾","level":2,"page":3639},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفحسبتم أنما خلقناكم عبثا وأنكم إلينا لا ترجعون (١١٥) فتعالى الله الملك الحق لا إله إلا هو رب العرش الكريم (١١٦)﴾","level":2,"page":3641},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به فإنما حسابه عند ربه إنه لا يفلح الكافرون (١١٧)﴾","level":2,"page":3642},{"title":"سورة النور","level":1,"page":3646},{"title":"قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة﴾","level":2,"page":3647},{"title":"قوله تعالى: ﴿الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين (٣)﴾","level":2,"page":3722},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (٤) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (٥)﴾","level":2,"page":3737},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويدرأ عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين (٨)﴾","level":2,"page":3788},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبدا ولكن الله يزكي من يشاء والله سميع عليم (٢١)﴾","level":2,"page":3819},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يأتل أولو الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله وليعفوا وليصفحوا ألا تحبون أن يغفر الله لكم والله غفور رحيم (٢٢)﴾","level":2,"page":3820},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون (٢٤)﴾","level":2,"page":3827},{"title":"قوله تعالى: ﴿يومئذ يوفيهم الله دينهم الحق﴾","level":2,"page":3828},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم حتى تستأنسوا وتسلموا على أهلها ذلكم خير لكم لعلكم تذكرون (٢٧)﴾","level":2,"page":3828},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم ذلك أزكى لهم إن الله خبير بما يصنعون (٣٠) وقل للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن فروجهن﴾","level":2,"page":3850},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾","level":2,"page":3856},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون لعلكم تفلحون (٣١)﴾","level":2,"page":3868},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم وإمائكم إن يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله﴾","level":2,"page":3880},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله﴾","level":2,"page":3886},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يكرههن فإن الله من بعد إكراههن غفور رحيم (٣٣)﴾","level":2,"page":3886},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أنزلنا إليكم آيات مبينات ومثلا من الذين خلوا من قبلكم وموعظة للمتقين (٣٤)﴾","level":2,"page":3887},{"title":"قوله تعالى: ﴿يسبح له فيها بالغدو والآصال (٣٦) رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله﴾","level":2,"page":3893},{"title":"قوله تعالى: ﴿يخافون يوما تتقلب فيه القلوب والأبصار (٣٧)﴾","level":2,"page":3909},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليجزيهم الله أحسن ما عملوا ويزيدهم من فضله﴾","level":2,"page":3910},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين كفروا أعمالهم كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا﴾","level":2,"page":3911},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه والله عليم بما يفعلون (٤١)﴾","level":2,"page":3913},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":3915},{"title":"قوله تعالى: ﴿وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم﴾","level":2,"page":3916},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الرسول لعلكم ترحمون (٥٦)﴾","level":2,"page":3916},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تحسبن الذين كفروا معجزين في الأرض﴾","level":2,"page":3917},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تجعلوا دعاء الرسول بينكم كدعاء بعضكم بعضا﴾","level":2,"page":3920},{"title":"قوله تعالى: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم (٦٣)﴾","level":2,"page":3922},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يرجعون إليه فينبئهم بما عملوا والله بكل شيء عليم (٦٤)﴾","level":2,"page":3927},{"title":"سورة الفرقان","level":1,"page":3928},{"title":"قوله تعالى: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا (١)﴾","level":2,"page":3929},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي له ملك السماوات والأرض ولم يتخذ ولدا ولم يكن له شريك في الملك وخلق كل شيء فقدره تقديرا (٢)﴾","level":2,"page":3933},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتخذوا من دونه آلهة لا يخلقون شيئا وهم يخلقون ولا يملكون لأنفسهم ضرا ولا نفعا ولا يملكون موتا ولا حياة ولا نشورا (٣)﴾","level":2,"page":3937},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا إن هذا إلا إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلما وزورا (٤)﴾","level":2,"page":3943},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا أساطير الأولين اكتتبها فهي تملى عليه بكرة وأصيلا (٥) قل أنزله الذي يعلم السر في السماوات والأرض إنه كان غفورا رحيما﴾","level":2,"page":3945},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا مال هذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق﴾","level":2,"page":3948},{"title":"قوله تعالى: ﴿لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا (٧) أو يلقى إليه كنز أو تكون له جنة يأكل منها﴾","level":2,"page":3950},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا (٨) انظر كيف ضربوا لك الأمثال فضلوا فلا يستطيعون سبيلا (٩)﴾","level":2,"page":3954},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل كذبوا بالساعة وأعتدنا لمن كذب بالساعة سعيرا (١١)﴾","level":2,"page":3956},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظا وزفيرا (١٢)﴾","level":2,"page":3958},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا ألقوا منها مكانا ضيقا مقرنين دعوا هنالك ثبورا (١٣) لا تدعوا اليوم ثبورا واحدا وادعوا ثبورا كثيرا (١٤)﴾","level":2,"page":3961},{"title":"قوله تعالى: ﴿أذلك خير أم جنة الخلد التي وعد المتقون كانت لهم جزاء ومصيرا (١٥) لهم فيها ما يشاءون خالدين كان على ربك وعدا مسئولا (١٦)﴾","level":2,"page":3965},{"title":"قوله تعالى: ﴿من دون الله فيقول أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل (١٧) قالوا سبحانك ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء ولكن متعتهم وآباءهم حتى نسوا الذكر وكانوا قوما بورا (١٨)﴾","level":2,"page":3969},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقد كذبوكم بما تقولون﴾","level":2,"page":3972},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يظلم منكم نذقه عذابا كبيرا (١٩)﴾","level":2,"page":3973},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا بعضكم لبعض فتنة﴾","level":2,"page":3973},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين لا يرجون لقاءنا لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا (٢١)﴾","level":2,"page":3975},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (٢٢)﴾","level":2,"page":3977},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا (٢٣)﴾","level":2,"page":3980},{"title":"قوله تعالى: ﴿أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا (٢٤)﴾","level":2,"page":3980},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم تشقق السماء بالغمام ونزل الملائكة تنزيلا (٢٥)﴾","level":2,"page":3984},{"title":"قوله تعالى: ﴿الملك يومئذ الحق للرحمن وكان يوما على الكافرين عسيرا (٢٦)﴾","level":2,"page":3986},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يعض الظالم على يديه يقول ياليتني اتخذت مع الرسول سبيلا (٢٧) ياويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا (٢٨) لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا (٢٩)﴾","level":2,"page":3986},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الرسول يارب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا (٣٠)﴾","level":2,"page":3990},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين وكفى بربك هاديا ونصيرا (٣١)﴾","level":2,"page":3995},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا (٣٢)﴾","level":2,"page":3996},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين يحشرون على وجوههم إلى جهنم أولئك شر مكانا وأضل سبيلا (٣٤)﴾","level":2,"page":3996},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الكتاب وجعلنا معه أخاه هارون وزيرا (٣٥) فقلنا اذهبا إلى القوم الذين كذبوا بآياتنا فدمرناهم تدميرا (٣٦)﴾","level":2,"page":3998},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقوم نوح لما كذبوا الرسل أغرقناهم وجعلناهم للناس آية﴾","level":2,"page":3998},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعادا وثمود وأصحاب الرس وقرونا بين ذلك كثيرا (٣٨)﴾","level":2,"page":3998},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكلا ضربنا له الأمثال وكلا تبرنا تتبيرا (٣٩)﴾","level":2,"page":4001},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (٤٠)﴾","level":2,"page":4003},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا (٤١) إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها﴾","level":2,"page":4004},{"title":"قوله تعالى: ﴿أرأيت من اتخذ إلهه هواه أفأنت تكون عليه وكيلا (٤٣)﴾","level":2,"page":4005},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا (٤٤)﴾","level":2,"page":4007},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي جعل لكم الليل لباسا والنوم سباتا وجعل النهار نشورا (٤٧)﴾","level":2,"page":4008},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي أرسل الرياح بشرا بين يدي رحمته﴾","level":2,"page":4011},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد صرفناه بينهم ليذكروا فأبى أكثر الناس إلا كفورا (٥٠)﴾","level":2,"page":4011},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لبعثنا في كل قرية نذيرا (٥١) فلا تطع الكافرين وجاهدهم به جهادا كبيرا (٥٢)﴾","level":2,"page":4013},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي مرج البحرين هذا عذب فرات وهذا ملح أجاج وجعل بينهما برزخا وحجرا محجورا (٥٣)﴾","level":2,"page":4014},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرا فجعله نسبا وصهرا وكان ربك قديرا (٥٤)﴾","level":2,"page":4017},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا ينفعهم ولا يضرهم﴾","level":2,"page":4019},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكان الكافر على ربه ظهيرا (٥٥)﴾","level":2,"page":4019},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا مبشرا ونذيرا (٥٦)﴾","level":2,"page":4020},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر إلا من شاء أن يتخذ إلى ربه سبيلا (٥٧)﴾","level":2,"page":4021},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتوكل على الحي الذي لا يموت﴾","level":2,"page":4021},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكفى به بذنوب عباده خبيرا (٥٨)﴾","level":2,"page":4021},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام﴾","level":2,"page":4021},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم استوى على العرش الرحمن فاسأل به خبيرا (٥٩)﴾","level":2,"page":4021},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن أنسجد لما تأمرنا وزادهم نفورا (٦٠)﴾","level":2,"page":4022},{"title":"قوله تعالى: ﴿تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا (٦١)﴾","level":2,"page":4023},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا﴾","level":2,"page":4026},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما﴾","level":2,"page":4026},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يبيتون لربهم سجدا وقياما (٦٤)﴾","level":2,"page":4027},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما (٦٥)﴾","level":2,"page":4027},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما (٦٧)﴾","level":2,"page":4028},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا مروا باللغو مروا كراما (٧٢)﴾","level":2,"page":4034},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا (٧٣)﴾","level":2,"page":4034},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولئك يجزون الغرفة بما صبروا﴾","level":2,"page":4036},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويلقون فيها تحية وسلاما (٧٥)﴾","level":2,"page":4036},{"title":"قوله تعالى: ﴿خالدين فيها حسنت مستقرا ومقاما (٧٦)﴾","level":2,"page":4037},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما يعبأ بكم ربي لولا دعاؤكم فقد كذبتم فسوف يكون لزاما (٧٧)﴾","level":2,"page":4037},{"title":"سورة الشعراء","level":1,"page":4043},{"title":"قوله تعالى: ﴿لعلك باخع نفسك ألا يكونوا مؤمنين (٣)﴾","level":2,"page":4044},{"title":"قوله تعالى ﴿أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (٧) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (٨)﴾","level":2,"page":4044},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ نادى ربك موسى أن ائت القوم الظالمين (١٠) قوم فرعون ألا يتقون (١١)﴾","level":2,"page":4045},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب إني أخاف أن يكذبون (١٢) ويضيق صدري ولا ينطلق لساني﴾","level":2,"page":4045},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأرسل إلى هارون (١٣)﴾","level":2,"page":4046},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولهم علي ذنب فأخاف أن يقتلون (١٤)﴾","level":2,"page":4046},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال كلا فاذهبا بآياتنا إنا معكم مستمعون (١٥)﴾","level":2,"page":4046},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأتيا فرعون فقولا إنا رسول رب العالمين (١٦)﴾","level":2,"page":4047},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ألم نربك فينا وليدا﴾","level":2,"page":4047},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فعلتها إذا وأنا من الضالين (٢٠)﴾","level":2,"page":4048},{"title":"قوله تعالى: ﴿ففررت منكم لما خفتكم﴾","level":2,"page":4051},{"title":"قوله تعالى: ﴿فوهب لي ربي حكما وجعلني من المرسلين (٢١)﴾","level":2,"page":4051},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فرعون وما رب العالمين (٢٣)﴾","level":2,"page":4052},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال أولو جئتك بشيء مبين (٣٠) قال فأت به إن كنت من الصادقين (٣١) فألقى عصاه. . .﴾","level":2,"page":4052},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتل عليهم نبأ إبراهيم (٦٩) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (٧٠) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (٧١)﴾","level":2,"page":4052},{"title":"قوله تعالى: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون (٩٤) وجنود إبليس أجمعون (٩٥)﴾","level":2,"page":4053},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا وهم فيها يختصمون (٩٦) تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧)﴾","level":2,"page":4053},{"title":"قوله تعالى: ﴿فما لنا من شافعين (١٠٠)﴾","level":2,"page":4054},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلو أن لنا كرة فنكون من المؤمنين (١٠٢)﴾","level":2,"page":4054},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين (١٠٥)﴾","level":2,"page":4054},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا أنؤمن لك واتبعك الأرذلون (١١١)﴾","level":2,"page":4055},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أنا بطارد المؤمنين (١١٤)﴾","level":2,"page":4055},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال رب إن قومي كذبون (١١٧) فافتح بيني وبينهم فتحا ونجني ومن معي من المؤمنين (١١٨) فأنجيناه ومن معه في الفلك المشحون (١١٩) ثم أغرقنا بعد الباقين (١٢٠)﴾","level":2,"page":4055},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذب أصحاب الأيكة المرسلين (١٧٦)﴾","level":2,"page":4057},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتقوا الذي خلقكم والجبلة الأولين (١٨٤)﴾","level":2,"page":4058},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنه لتنزيل رب العالمين (١٩٢) نزل به الروح الأمين (١٩٣) على قلبك لتكون من المنذرين (١٩٤) بلسان عربي مبين (١٩٥)﴾","level":2,"page":4058},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو نزلناه على بعض الأعجمين (١٩٨) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (١٩٩)﴾","level":2,"page":4060},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك سلكناه في قلوب المجرمين (٢٠٠) لا يؤمنون به حتى يروا العذاب الأليم (٢٠١)﴾","level":2,"page":4060},{"title":"قوله تعالى: ﴿فيقولوا هل نحن منظرون (٢٠٣)﴾","level":2,"page":4061},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفبعذابنا يستعجلون (٢٠٤)﴾","level":2,"page":4062},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيت إن متعناهم سنين (٢٠٥) ثم جاءهم ما كانوا يوعدون (٢٠٦) ما أغنى عنهم ما كانوا يمتعون (٢٠٧)﴾","level":2,"page":4062},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أهلكنا من قرية إلا لها منذرون (٢٠٨)﴾","level":2,"page":4062},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذكرى وما كنا ظالمين (٢٠٩)﴾","level":2,"page":4062},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنهم عن السمع لمعزولون (٢١٢)﴾","level":2,"page":4063},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تدع مع الله إلها آخر فتكون من المعذبين (٢١٣)﴾","level":2,"page":4063},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنذر عشيرتك الأقربين (٢١٤)﴾","level":2,"page":4064},{"title":"قوله تعالى: ﴿واخفض جناحك لمن اتبعك من المؤمنين (٢١٥)﴾","level":2,"page":4064},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتوكل على العزيز الرحيم (٢١٧) الذي يراك حين تقوم (٢١٨) وتقلبك في الساجدين (٢١٩)﴾","level":2,"page":4067},{"title":"قوله تعالى: ﴿والشعراء يتبعهم الغاوون (٢٢٤)﴾","level":2,"page":4069},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنهم يقولون ما لا يفعلون (٢٢٦)﴾","level":2,"page":4072},{"title":"قوله تعالى: ﴿إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾","level":2,"page":4072},{"title":"قوله تعالى: ﴿وذكروا الله كثيرا﴾","level":2,"page":4073},{"title":"قوله تعالى: ﴿وانتصروا من بعد ما ظلموا﴾","level":2,"page":4073},{"title":"قوله تعالى: ﴿وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون (٢٢٧)﴾","level":2,"page":4073},{"title":"سورة النمل","level":1,"page":4075},{"title":"قوله تعالى: ﴿هدى وبشرى للمؤمنين (٢)﴾","level":2,"page":4076},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قال موسى لأهله إني آنست نارا﴾","level":2,"page":4076},{"title":"قوله تعالى: ﴿وورث سليمان داوود﴾","level":2,"page":4076},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما تخفون وما تعلنون (٢٥)﴾","level":2,"page":4076},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن شكر فإنما يشكر لنفسه﴾","level":2,"page":4085},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن كفر فإن ربي غني كريم (٤٠)﴾","level":2,"page":4086},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون (٤٥)﴾","level":2,"page":4086},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ياقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة﴾","level":2,"page":4086},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله بل أنتم قوم تفتنون (٤٧)﴾","level":2,"page":4087},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا تقاسموا بالله لنبيتنه وأهله ثم لنقولن لوليه ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون (٤٩)﴾","level":2,"page":4089},{"title":"قوله تعالى: ﴿فانظر كيف كان عاقبة مكرهم أنا دمرناهم وقومهم أجمعين (٥١) فتلك بيوتهم خاوية بما ظلموا إن في ذلك لآية لقوم يعلمون (٥٢) وأنجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (٥٣)﴾","level":2,"page":4091},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون (٥٤)﴾","level":2,"page":4093},{"title":"قوله تعالى: ﴿أمن خلق السماوات والأرض وأنزل لكم من السماء ماء فأنبتنا به حدائق ذات بهجة﴾","level":2,"page":4093},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أمن جعل الأرض قرارا وجعل خلالها أنهارا﴾","level":2,"page":4094},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (٦٥)﴾","level":2,"page":4094},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (٦٦)﴾","level":2,"page":4094},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هذا القرآن يقص على بني إسرائيل أكثر الذي هم فيه يختلفون (٧٦)﴾","level":2,"page":4096},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنه لهدى ورحمة للمؤمنين (٧٧)﴾","level":2,"page":4097},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين (٨٠)﴾","level":2,"page":4097},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم نحشر من كل أمة فوجا ممن يكذب بآياتنا فهم يوزعون (٨٣)﴾","level":2,"page":4123},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاءوا قال أكذبتم بآياتي ولم تحيطوا بها علما أماذا كنتم تعملون (٨٤)﴾","level":2,"page":4124},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووقع القول عليهم بما ظلموا فهم لا ينطقون (٨٥)﴾","level":2,"page":4124},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم يروا أنا جعلنا الليل ليسكنوا فيه والنهار مبصرا إن في ذلك لآيات لقوم يؤمنون (٨٦)﴾","level":2,"page":4126},{"title":"قوله تعالى: ﴿وترى الجبال تحسبها جامدة وهي تمر مر السحاب صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون (٨٨)﴾","level":2,"page":4126},{"title":"قوله تعالى: ﴿من جاء بالحسنة فله خير منها﴾","level":2,"page":4128},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهم من فزع يومئذ آمنون (٨٩)﴾","level":2,"page":4129},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن جاء بالسيئة فكبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون (٩٠)﴾","level":2,"page":4130},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾","level":2,"page":4131},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأمرت أن أكون من المسلمين (٩١) وأن أتلو القرآن﴾","level":2,"page":4131},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين (٩٢)﴾","level":2,"page":4132},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها﴾","level":2,"page":4132},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما ربك بغافل عما تعملون (٩٣)﴾","level":2,"page":4132},{"title":"سورة القصص","level":1,"page":4133},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونريد أن نمن على الذين استضعفوا في الأرض ونجعلهم أئمة ونجعلهم الوارثين (٥)﴾","level":2,"page":4134},{"title":"قوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم عدوا وحزنا﴾","level":2,"page":4135},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقال لأهله امكثوا إني آنست نارا﴾","level":2,"page":4138},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأتبعناهم في هذه الدنيا لعنة ويوم القيامة هم من المقبوحين (٤٢)﴾","level":2,"page":4139},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين (٥٦)﴾","level":2,"page":4139},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كنت ترجو أن يلقى إليك الكتاب إلا رحمة من ربك﴾","level":2,"page":4140},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل شيء هالك إلا وجهه﴾","level":2,"page":4140},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله الحكم وإليه ترجعون (٧٠)﴾","level":2,"page":4140},{"title":"سورة العنكبوت","level":1,"page":4141},{"title":"قوله تعالى: ﴿الم (١) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (٢)﴾","level":2,"page":4142},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين يعملون السيئات أن يسبقونا ساء ما يحكمون (٤)﴾","level":2,"page":4143},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه حسنا﴾","level":2,"page":4143},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله فإذا أوذي في الله جعل فتنة الناس كعذاب الله﴾","level":2,"page":4143},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن جاء نصر من ربك ليقولن إنا كنا معكم﴾","level":2,"page":4144},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا اتبعوا سبيلنا ولنحمل خطاياكم﴾","level":2,"page":4145},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة وجعلناها آية للعالمين (١٥)﴾","level":2,"page":4145},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين تعبدون من دون الله لا يملكون لكم رزقا فابتغوا عند الله الرزق واعبدوه﴾","level":2,"page":4145},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال إنما اتخذتم من دون الله أوثانا مودة بينكم في الحياة الدنيا﴾","level":2,"page":4146},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا في ذريته النبوة والكتاب﴾","level":2,"page":4146},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتيناه أجره في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين (٢٧)﴾","level":2,"page":4146},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا إبراهيم بالبشرى قالوا إنا مهلكو أهل هذه القرية﴾","level":2,"page":4147},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما جاءت رسلنا لوطا﴾","level":2,"page":4147},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإلى مدين أخاهم شعيبا﴾","level":2,"page":4147},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعادا وثمود وقد تبين لكم من مساكنهم وزين لهم الشيطان أعمالهم فصدهم عن السبيل وكانوا مستبصرين (٣٨) وقارون وفرعون وهامان ولقد جاءهم موسى بالبينات فاستكبروا في الأرض وما كانوا سابقين (٣٩) فكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا﴾","level":2,"page":4148},{"title":"قوله تعالى: ﴿مثل الذين اتخذوا من دون الله أولياء كمثل العنكبوت اتخذت بيتا وإن أوهن البيوت لبيت العنكبوت لو كانوا يعلمون (٤١) إن الله يعلم ما يدعون من دونه من شيء وهو العزيز الحكيم (٤٢) وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون (٤٣)﴾","level":2,"page":4149},{"title":"قوله تعالى: ﴿اتل ما أوحي إليك من الكتاب﴾","level":2,"page":4149},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾","level":2,"page":4150},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم﴾","level":2,"page":4150},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون (٥١)﴾","level":2,"page":4150},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويستعجلونك بالعذاب ولولا أجل مسمى لجاءهم العذاب وليأتينهم بغتة وهم لا يشعرون (٥٣) يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين (٥٤)﴾","level":2,"page":4150},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون (٥٦)﴾","level":2,"page":4151},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل نفس ذائقة الموت﴾","level":2,"page":4151},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا﴾","level":2,"page":4152},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها﴾","level":2,"page":4152},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر﴾","level":2,"page":4152},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون (٦٥)﴾","level":2,"page":4153},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا جعلنا حرما آمنا ويتخطف الناس من حولهم﴾","level":2,"page":4153},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾","level":2,"page":4153},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن الله لمع المحسنين (٦٩)﴾","level":2,"page":4154},{"title":"سورة الروم","level":1,"page":4155},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعد الله لا يخلف الله وعده ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٦) يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون (٧)﴾","level":2,"page":4156},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى وإن كثيرا من الناس بلقاء ربهم لكافرون (٨)﴾","level":2,"page":4161},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":4164},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون (١٠)﴾","level":2,"page":4165},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله يبدأ الخلق ثم يعيده﴾","level":2,"page":4166},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء﴾","level":2,"page":4166},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكانوا بشركائهم كافرين (١٣)﴾","level":2,"page":4166},{"title":"قوله تعالى: ﴿فسبحان الله حين تمسون وحين تصبحون (١٧) وله الحمد في السماوات والأرض وعشيا وحين تظهرون (١٨)﴾","level":2,"page":4167},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويحي الأرض بعد موتها وكذلك تخرجون (١٩)﴾","level":2,"page":4167},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلقكم من تراب﴾","level":2,"page":4167},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجا لتسكنوا إليها﴾","level":2,"page":4167},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته خلق السماوات والأرض واختلاف ألسنتكم وألوانكم إن في ذلك لآيات للعالمين (٢٢)﴾","level":2,"page":4168},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته منامكم بالليل والنهار وابتغاؤكم من فضله إن في ذلك لآيات لقوم يسمعون (٢٣)﴾","level":2,"page":4169},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته يريكم البرق خوفا وطمعا﴾","level":2,"page":4169},{"title":"قوله تعالى: ﴿ضرب لكم مثلا من أنفسكم هل لكم من ما ملكت أيمانكم من شركاء في ما رزقناكم﴾","level":2,"page":4169},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما آتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله﴾","level":2,"page":4169},{"title":"قوله تعالى: ﴿يومئذ يصدعون (٤٣)﴾","level":2,"page":4170},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنك لا تسمع الموتى﴾","level":2,"page":4170},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي خلقكم من ضعف ثم جعل من بعد ضعف قوة ثم جعل من بعد قوة ضعفا وشيبة﴾","level":2,"page":4170},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يقسم المجرمون ما لبثوا غير ساعة كذلك كانوا يؤفكون (٥٥)﴾","level":2,"page":4171},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين أوتوا العلم والإيمان لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث فهذا يوم البعث ولكنكم كنتم لا تعلمون (٥٦)﴾","level":2,"page":4172},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا هم يستعتبون (٥٧)﴾","level":2,"page":4173},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن جئتهم بآية ليقولن الذين كفروا إن أنتم إلا مبطلون (٥٨)﴾","level":2,"page":4173},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يستخفنك الذين لا يوقنون (٦٠)﴾","level":2,"page":4173},{"title":"سورة لقمان","level":1,"page":4176},{"title":"قوله تعالى: ﴿الم (١) تلك آيات الكتاب الحكيم (٢) هدى ورحمة للمحسنين (٣)﴾","level":2,"page":4177},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها كأن في أذنيه وقرا فبشره بعذاب أليم (٧)﴾","level":2,"page":4177},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق السماوات بغير عمد ترونها﴾","level":2,"page":4178},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذين من دونه﴾","level":2,"page":4178},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قال لقمان لابنه وهو يعظه يابني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم (١٣)﴾","level":2,"page":4178},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تصعر خدك للناس﴾","level":2,"page":4179},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تمش في الأرض مرحا﴾","level":2,"page":4180},{"title":"قوله تعالى: ﴿واقصد في مشيك﴾","level":2,"page":4180},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير (٨)﴾","level":2,"page":4180},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولو كان الشيطان يدعوهم إلى عذاب السعير (٢١)﴾","level":2,"page":4180},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن الله قل الحمد لله بل أكثرهم لا يعلمون (٢٥)﴾","level":2,"page":4180},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أنما في الأرض من شجرة أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله﴾","level":2,"page":4181},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما خلقكم ولا بعثكم إلا كنفس واحدة﴾","level":2,"page":4181},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا غشيهم موج كالظلل دعوا الله مخلصين له الدين﴾","level":2,"page":4181},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير (٣٤)﴾","level":2,"page":4181},{"title":"سورة السجدة","level":1,"page":4183},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه بل هو الحق من ربك لتنذر قوما ما أتاهم من نذير من قبلك﴾","level":2,"page":4184},{"title":"قوله تعالى: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون (٥)﴾","level":2,"page":4184},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل يتوفاكم ملك الموت الذي وكل بكم﴾","level":2,"page":4185},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ المجرمون ناكسو رءوسهم عند ربهم ربنا أبصرنا وسمعنا فارجعنا نعمل صالحا إنا موقنون (١٢)﴾","level":2,"page":4187},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١٣)﴾","level":2,"page":4187},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه ثم أعرض عنها إنا من المجرمين منتقمون (٢٢)﴾","level":2,"page":4187},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يهد لهم كم أهلكنا من قبلهم من القرون يمشون في مساكنهم﴾","level":2,"page":4188},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يروا أنا نسوق الماء إلى الأرض الجرز فنخرج به زرعا تأكل منه أنعامهم وأنفسهم أفلا يبصرون (٢٧)﴾","level":2,"page":4188},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقولون متى هذا الفتح إن كنتم صادقين (٢٨) قل يوم الفتح لا ينفع الذين كفروا إيمانهم ولا هم ينظرون (٢٩)﴾","level":2,"page":4188},{"title":"قوله تعالى: ﴿وانتظر إنهم منتظرون (٣٠)﴾","level":2,"page":4190},{"title":"سورة الأحزاب","level":1,"page":4191},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين والمنافقين﴾","level":2,"page":4192},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم﴾","level":2,"page":4192},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأزواجه أمهاتهم﴾","level":2,"page":4255},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض﴾","level":2,"page":4257},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم وأخذنا منهم ميثاقا غليظا (٧)﴾","level":2,"page":4257},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها﴾","level":2,"page":4258},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولما رأى المؤمنون الأحزاب قالوا هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله وما زادهم إلا إيمانا وتسليما (٢٢)﴾","level":2,"page":4259},{"title":"قوله تعالى: ﴿ورد الله الذين كفروا بغيظهم لم ينالوا خيرا وكفى الله المؤمنين القتال﴾","level":2,"page":4260},{"title":"قوله تعالى: ﴿يانساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين﴾","level":2,"page":4260},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحا نؤتها أجرها مرتين﴾","level":2,"page":4260},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا (٣٣)﴾","level":2,"page":4262},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتخفي في نفسك ما الله مبديه﴾","level":2,"page":4266},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكرا كثيرا (٤١)﴾","level":2,"page":4269},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلا كبيرا (٤٧)﴾","level":2,"page":4269},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا سألتموهن متاعا فاسألوهن من وراء حجاب ذلكم أطهر لقلوبكم وقلوبهن﴾","level":2,"page":4269},{"title":"قوله تعالى: ﴿يسألك الناس عن الساعة قل إنما علمها عند الله﴾","level":2,"page":4291},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة تكون قريبا (٦٣)﴾","level":2,"page":4292},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله لعن الكافرين وأعد لهم سعيرا (٦٤)﴾","level":2,"page":4292},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (٧٢)﴾","level":2,"page":4293},{"title":"سورة سبأ","level":1,"page":4296},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله الحمد في الآخرة﴾","level":2,"page":4297},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو الرحيم الغفور (٢)﴾","level":2,"page":4297},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم﴾","level":2,"page":4298},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين (٣)﴾","level":2,"page":4300},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين سعوا في آياتنا معاجزين أولئك لهم عذاب من رجز أليم (٥)﴾","level":2,"page":4301},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد (٧) أفترى على الله كذبا أم به جنة بل الذين لا يؤمنون بالآخرة في العذاب والضلال البعيد (٨)﴾","level":2,"page":4302},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم يروا إلى ما بين أيديهم وما خلفهم من السماء والأرض﴾","level":2,"page":4302},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن نشأ نخسف بهم الأرض أو نسقط عليهم كسفا من السماء﴾","level":2,"page":4303},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا داوود منا فضلا﴾","level":2,"page":4304},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياجبال أوبي معه والطير﴾","level":2,"page":4305},{"title":"قوله تعالى: ﴿وألنا له الحديد (١٠) أن اعمل سابغات وقدر في السرد﴾","level":2,"page":4305},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولسليمان الريح غدوها شهر ورواحها شهر﴾","level":2,"page":4305},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه﴾","level":2,"page":4305},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد صدق عليهم إبليس ظنه فاتبعوه إلا فريقا من المؤمنين (٢٠)﴾","level":2,"page":4306},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما كان له عليهم من سلطان إلا لنعلم من يؤمن بالآخرة﴾","level":2,"page":4306},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض﴾","level":2,"page":4306},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾","level":2,"page":4307},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماوات والأرض قل الله﴾","level":2,"page":4307},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لا تسألون عما أجرمنا ولا نسأل عما تعملون (٢٥)﴾","level":2,"page":4307},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أروني الذين ألحقتم به شركاء كلا بل هو الله العزيز الحكيم (٢٧)﴾","level":2,"page":4308},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا﴾","level":2,"page":4309},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن أكثر الناس لا يعلمون (٢٨)﴾","level":2,"page":4311},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لكم ميعاد يوم لا تستأخرون عنه ساعة ولا تستقدمون (٣٠)﴾","level":2,"page":4312},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو ترى إذ الظالمون موقوفون عند ربهم﴾","level":2,"page":4312},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلنا الأغلال في أعناق الذين كفروا﴾","level":2,"page":4312},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أرسلنا في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا بما أرسلتم به كافرون (٣٤)﴾","level":2,"page":4312},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين (٣٥)﴾","level":2,"page":4313},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن﴾","level":2,"page":4313},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قالوا ما هذا إلا رجل يريد أن يصدكم عما كان يعبد آباؤكم﴾","level":2,"page":4313},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما آتيناهم من كتب يدرسونها وما أرسلنا إليهم قبلك من نذير (٤٤)﴾","level":2,"page":4314},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذب الذين من قبلهم وما بلغوا معشار ما آتيناهم فكذبوا رسلي فكيف كان نكير (٤٥)﴾","level":2,"page":4314},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم تتفكروا ما بصاحبكم من جنة إن هو إلا نذير لكم بين يدي عذاب شديد (٤٦)﴾","level":2,"page":4314},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما سألتكم من أجر فهو لكم﴾","level":2,"page":4315},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد (٤٩)﴾","level":2,"page":4315},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن ضللت فإنما أضل على نفسي وإن اهتديت فبما يوحي إلي ربي﴾","level":2,"page":4315},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا آمنا به وأنى لهم التناوش من مكان بعيد (٥٢)﴾","level":2,"page":4315},{"title":"سورة فاطر","level":1,"page":4317},{"title":"قوله تعالى: ﴿الحمد لله فاطر السماوات والأرض جاعل الملائكة رسلا أولي أجنحة مثنى وثلاث ورباع﴾","level":2,"page":4318},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها وما يمسك فلا مرسل له من بعده﴾","level":2,"page":4320},{"title":"قوله تعالى: ﴿هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض﴾","level":2,"page":4321},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يكذبوك فقد كذبت رسل من قبلك وإلى الله ترجع الأمور (٤)﴾","level":2,"page":4322},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا﴾","level":2,"page":4322},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير (٦)﴾","level":2,"page":4322},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تذهب نفسك عليهم حسرات﴾","level":2,"page":4323},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله الذي أرسل الرياح فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها كذلك النشور (٩)﴾","level":2,"page":4323},{"title":"قوله تعالى: ﴿من كان يريد العزة فلله العزة جميعا﴾","level":2,"page":4323},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يمكرون السيئات لهم عذاب شديد﴾","level":2,"page":4324},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله خلقكم من تراب ثم من نطفة﴾","level":2,"page":4325},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾","level":2,"page":4325},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يعمر من معمر ولا ينقص من عمره إلا في كتاب﴾","level":2,"page":4325},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يستوي البحران هذا عذب فرات سائغ شرابه وهذا ملح أجاج﴾","level":2,"page":4325},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن كل تأكلون لحما طريا وتستخرجون حلية تلبسونها﴾","level":2,"page":4325},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة يكفرون بشرككم﴾","level":2,"page":4326},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياأيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد (١٥)﴾","level":2,"page":4326},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد (١٦) وما ذلك على الله بعزيز (١٧)﴾","level":2,"page":4327},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾","level":2,"page":4327},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تدع مثقلة إلى حملها لا يحمل منه شيء﴾","level":2,"page":4327},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما تنذر الذين يخشون ربهم بالغيب وأقاموا الصلاة﴾","level":2,"page":4328},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير (١٩)﴾","level":2,"page":4328},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأحياء ولا الأموات﴾","level":2,"page":4328},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله يسمع من يشاء وما أنت بمسمع من في القبور (٢٢)﴾","level":2,"page":4329},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود (٢٧) ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك﴾","level":2,"page":4329},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا﴾","level":2,"page":4330},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهم يصطرخون فيها ربنا أخرجنا نعمل صالحا غير الذي كنا نعمل﴾","level":2,"page":4330},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾","level":2,"page":4330},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا﴾","level":2,"page":4331},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأقسموا بالله جهد أيمانهم لئن جاءهم نذير ليكونن أهدى من إحدى الأمم﴾","level":2,"page":4331},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة﴾","level":2,"page":4331},{"title":"سورة يس","level":1,"page":4332},{"title":"قوله تعالى: ﴿يس (١)﴾","level":2,"page":4333},{"title":"قوله تعالى: ﴿والقرآن الحكيم (٢) إنك لمن المرسلين (٣)﴾","level":2,"page":4333},{"title":"قوله تعالى: ﴿لتنذر قوما ما أنذر آباؤهم فهم غافلون (٦)﴾","level":2,"page":4334},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد حق القول على أكثرهم فهم لا يؤمنون (٧)﴾","level":2,"page":4334},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا جعلنا في أعناقهم أغلالا فهي إلى الأذقان فهم مقمحون (٨) وجعلنا من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا فأغشيناهم فهم لا يبصرون (٩)﴾","level":2,"page":4335},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما تنذر من اتبع الذكر وخشي الرحمن بالغيب﴾","level":2,"page":4338},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا نحن نحي الموتى ونكتب ما قدموا وآثارهم وكل شيء أحصيناه في إمام مبين (١٢)﴾","level":2,"page":4339},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ما أنتم إلا بشر مثلنا وما أنزل الرحمن من شيء إن أنتم إلا تكذبون (١٥)﴾","level":2,"page":4341},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم (١٨) قالوا طائركم معكم﴾","level":2,"page":4342},{"title":"قوله تعالى: ﴿اتبعوا من لا يسألكم أجرا﴾","level":2,"page":4342},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون (٢٢)﴾","level":2,"page":4343},{"title":"قوله تعالى: ﴿أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون (٢٣) إني إذا لفي ضلال مبين (٢٤)﴾","level":2,"page":4343},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياحسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون (٣٠)﴾","level":2,"page":4344},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآية لهم الأرض الميتة﴾","level":2,"page":4346},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآية لهم أنا حملنا ذريتهم في الفلك المشحون (٤١) وخلقنا لهم من مثله ما يركبون (٤٢)﴾","level":2,"page":4346},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما تأتيهم من آية من آيات ربهم إلا كانوا عنها معرضين (٤٦)﴾","level":2,"page":4347},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونفخ في الصور فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون (٥١)﴾","level":2,"page":4347},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ياويلنا من بعثنا من مرقدنا هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون (٥٢)﴾","level":2,"page":4349},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم أعهد إليكم يابني آدم أن لا تعبدوا الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٠) وأن اعبدوني هذا صراط مستقيم (٦١)﴾","level":2,"page":4349},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أضل منكم جبلا كثيرا أفلم تكونوا تعقلون (٦٢)﴾","level":2,"page":4349},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتكلمنا أيديهم وتشهد أرجلهم بما كانوا يكسبون (٦٥)﴾","level":2,"page":4350},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن نعمره ننكسه في الخلق أفلا يعقلون (٦٨)﴾","level":2,"page":4351},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما علمناه الشعر وما ينبغي له﴾","level":2,"page":4352},{"title":"قوله تعالى: ﴿لينذر من كان حيا ويحق القول على الكافرين (٧٠)﴾","level":2,"page":4352},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم ير الإنسان أنا خلقناه من نطفة فإذا هو خصيم مبين (٧٧)﴾","level":2,"page":4352},{"title":"قوله تعالى: ﴿وضرب لنا مثلا ونسي خلقه﴾","level":2,"page":4352},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون (٨٢)﴾","level":2,"page":4353},{"title":"سورة الصافات","level":1,"page":4354},{"title":"قوله تعالى: ﴿والصافات صفا (١) فالزاجرات زجرا (٢) فالتاليات ذكرا (٣) إن إلهكم لواحد (٤) رب السماوات والأرض وما بينهما ورب المشارق (٥)﴾","level":2,"page":4355},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا زينا السماء الدنيا بزينة الكواكب (٦)﴾","level":2,"page":4361},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحفظا من كل شيطان مارد (٧)﴾","level":2,"page":4361},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاستفتهم أهم أشد خلقا أم من خلقنا إنا خلقناهم من طين لازب (١١)﴾","level":2,"page":4362},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل عجبت ويسخرون (١٢)﴾","level":2,"page":4364},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ياويلنا هذا يوم الدين (٢٠) هذا يوم الفصل الذي كنتم به تكذبون (٢١)﴾","level":2,"page":4365},{"title":"قوله تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (٢٢) من دون الله فاهدوهم إلى صراط الجحيم (٢٣)﴾","level":2,"page":4365},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقفوهم إنهم مسئولون (٢٤) ما لكم لا تناصرون (٢٥)﴾","level":2,"page":4367},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأقبل بعضهم على بعض يتساءلون (٢٧)﴾","level":2,"page":4368},{"title":"قوله تعالى: ﴿فحق علينا قول ربنا إنا لذائقون (٣١) فأغويناكم إنا كنا غاوين (٣٢)﴾","level":2,"page":4368},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنهم يومئذ في العذاب مشتركون (٣٣)﴾","level":2,"page":4368},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا كذلك نفعل بالمجرمين (٣٤) إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون (٣٥)﴾","level":2,"page":4369},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويقولون أئنا لتاركو آلهتنا لشاعر مجنون (٣٦)﴾","level":2,"page":4370},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا فيها غول ولا هم عنها ينزفون (٤٧)﴾","level":2,"page":4370},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف عين (٤٨) كأنهن بيض مكنون (٤٩)﴾","level":2,"page":4370},{"title":"قوله تعالى: ﴿أذلك خير نزلا أم شجرة الزقوم (٦٢)﴾","level":2,"page":4373},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا جعلناها فتنة للظالمين (٦٣) إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم (٦٤)﴾","level":2,"page":4373},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون (٦٦) ثم إن لهم عليها لشوبا من حميم (٦٧)﴾","level":2,"page":4373},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين (٦٩) فهم على آثارهم يهرعون (٧٠)﴾","level":2,"page":4374},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد ضل قبلهم أكثر الأولين (٧١)﴾","level":2,"page":4375},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد نادانا نوح فلنعم المجيبون (٧٥) ونجيناه وأهله من الكرب العظيم (٧٦) وجعلنا ذريته هم الباقين (٧٧)﴾","level":2,"page":4375},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ قال لأبيه وقومه ماذا تعبدون (٨٥) أئفكا آلهة دون الله تريدون (٨٦)﴾","level":2,"page":4375},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي سيهدين (٩٩) رب هب لي من الصالحين (١٠٠) فبشرناه بغلام حليم (١٠١)﴾","level":2,"page":4376},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن ذريتهما محسن وظالم لنفسه مبين (١١٣)﴾","level":2,"page":4379},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد مننا على موسى وهارون (١١٤)﴾","level":2,"page":4379},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونجيناهما وقومهما من الكرب العظيم (١١٥)﴾","level":2,"page":4379},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونصرناهم فكانوا هم الغالبين (١١٦)﴾","level":2,"page":4380},{"title":"قوله تعالى: ﴿وآتيناهما الكتاب المستبين (١١٧)﴾","level":2,"page":4380},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنكم لتمرون عليهم مصبحين (١٣٧) وبالليل أفلا تعقلون (١٣٨)﴾","level":2,"page":4381},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلولا أنه كان من المسبحين (١٤٣) للبث في بطنه إلى يوم يبعثون (١٤٤)﴾","level":2,"page":4381},{"title":"قوله تعالى: ﴿فآمنوا فمتعناهم إلى حين (١٤٨)﴾","level":2,"page":4381},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاستفتهم ألربك البنات ولهم البنون (١٤٩)﴾","level":2,"page":4382},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن كانوا ليقولون (١٦٧) لو أن عندنا ذكرا من الأولين (١٦٨) لكنا عباد الله المخلصين (١٦٩) فكفروا به فسوف يعلمون (١٧٠)﴾","level":2,"page":4382},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد سبقت كلمتنا لعبادنا المرسلين (١٧١) إنهم لهم المنصورون (١٧٢) وإن جندنا لهم الغالبون (١٧٣)﴾","level":2,"page":4382},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفبعذابنا يستعجلون (١٧٦) فإذا نزل بساحتهم فساء صباح المنذرين (١٧٧)﴾","level":2,"page":4383},{"title":"قوله تعالى: ﴿وسلام على المرسلين (١٨١) والحمد لله رب العالمين (١٨٢)﴾","level":2,"page":4383},{"title":"سورة ص","level":1,"page":4385},{"title":"قوله تعالى: ﴿ص والقرآن ذي الذكر (١)﴾","level":2,"page":4386},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل الذين كفروا في عزة وشقاق (٢)﴾","level":2,"page":4395},{"title":"قوله تعالى: ﴿كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص (٣)﴾","level":2,"page":4396},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعجبوا أن جاءهم منذر منهم﴾","level":2,"page":4402},{"title":"قوله تعالى: ﴿وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم﴾","level":2,"page":4405},{"title":"قوله تعالى: ﴿أأنزل عليه الذكر من بيننا﴾","level":2,"page":4405},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم لهم ملك السماوات والأرض وما بينهما﴾","level":2,"page":4406},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذبت قبلهم قوم نوح وعاد وفرعون ذو الأوتاد (١٢) وثمود وقوم لوط وأصحاب الأيكة أولئك الأحزاب (١٣) إن كل إلا كذب الرسل فحق عقاب (١٤)﴾","level":2,"page":4406},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب (١٦)﴾","level":2,"page":4406},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا سخرنا الجبال معه﴾","level":2,"page":4407},{"title":"قوله تعالى ﴿وظن داوود أنما فتناه فاستغفر ربه وخر راكعا وأناب (٢٤) فغفرنا له ذلك﴾","level":2,"page":4407},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياداوود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾","level":2,"page":4408},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما خلقنا السماء والأرض وما بينهما باطلا﴾","level":2,"page":4410},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار (٢٧)﴾","level":2,"page":4411},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (٢٨)﴾","level":2,"page":4413},{"title":"قوله تعالى: ﴿كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته وليتذكر أولو الألباب (٢٩)﴾","level":2,"page":4414},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووهبنا لداوود سليمان﴾","level":2,"page":4417},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا﴾","level":2,"page":4418},{"title":"قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب (٣٦)﴾","level":2,"page":4418},{"title":"قوله تعالى: ﴿والشياطين كل بناء وغواص (٣٧)﴾","level":2,"page":4419},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب (٤١) اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب (٤٢) ووهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب (٤٣)﴾","level":2,"page":4419},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر عبادنا إبراهيم وإسحاق﴾","level":2,"page":4419},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر إسماعيل واليسع﴾","level":2,"page":4420},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعندهم قاصرات الطرف أتراب (٥٢)﴾","level":2,"page":4420},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هذا لرزقنا ما له من نفاد (٥٤)﴾","level":2,"page":4420},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن ذلك لحق تخاصم أهل النار (٦٤)﴾","level":2,"page":4420},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين (١٢)﴾","level":2,"page":4421},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين (٨٦)﴾","level":2,"page":4421},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولتعلمن نبأه بعد حين (٨٨)﴾","level":2,"page":4421},{"title":"سورة الزمر","level":1,"page":4423},{"title":"قوله تعالى: ﴿تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (١)﴾","level":2,"page":4424},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاعبد الله مخلصا له الدين (٢) ألا لله الدين الخالص﴾","level":2,"page":4425},{"title":"قوله تعالى: ﴿لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه هو الله الواحد القهار (٤)﴾","level":2,"page":4427},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها﴾","level":2,"page":4427},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزل لكم من الأنعام ثمانية أزواج﴾","level":2,"page":4428},{"title":"قوله تعالى: ﴿يخلقكم في بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق﴾","level":2,"page":4428},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم﴾","level":2,"page":4428},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى ثم إلى ربكم مرجعكم﴾","level":2,"page":4429},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا مس الإنسان ضر دعا ربه منيبا إليه ثم إذا خوله نعمة منه نسي ما كان يدعو إليه من قبل وجعل لله أندادا ليضل عن سبيله﴾","level":2,"page":4429},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل تمتع بكفرك قليلا إنك من أصحاب النار (٨)﴾","level":2,"page":4429},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأرض الله واسعة﴾","level":2,"page":4430},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ألا ذلك هو الخسران المبين (١٥)﴾","level":2,"page":4430},{"title":"قوله تعالى: ﴿لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل ذلك يخوف الله به عباده﴾","level":2,"page":4430},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين اجتنبوا الطاغوت أن يعبدوها وأنابوا إلى الله﴾","level":2,"page":4431},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾","level":2,"page":4431},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفمن حق عليه كلمة العذاب أفأنت تنقذ من في النار (١٩)﴾","level":2,"page":4434},{"title":"قوله تعالى: ﴿لكن الذين اتقوا ربهم لهم غرف من فوقها غرف مبنية﴾","level":2,"page":4435},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع في الأرض﴾","level":2,"page":4435},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم يخرج به زرعا مختلفا ألوانه﴾","level":2,"page":4436},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يجعله حطاما إن في ذلك لذكرى لأولي الألباب (٢١)﴾","level":2,"page":4436},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفمن شرح الله صدره للإسلام فهو على نور من ربه﴾","level":2,"page":4437},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يضلل الله فما له من هاد (٣٦)﴾","level":2,"page":4437},{"title":"قوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾","level":2,"page":4437},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذي جاء بالصدق﴾","level":2,"page":4438},{"title":"قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاءون عند ربهم ذلك جزاء المحسنين (٣٤)﴾","level":2,"page":4439},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويجزيهم أجرهم بأحسن الذي كانوا يعملون (٣٥)﴾","level":2,"page":4439},{"title":"قوله تعالى: ﴿أليس الله بكاف عبده﴾","level":2,"page":4440},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويخوفونك بالذين من دونه﴾","level":2,"page":4440},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أفرأيتم ما تدعون من دون الله إن أرادني الله بضر هل هن كاشفات ضره أو أرادني برحمة هل هن ممسكات رحمته﴾","level":2,"page":4441},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا ذكر الله وحده اشمأزت قلوب الذين لا يؤمنون بالآخرة وإذا ذكر الذين من دونه إذا هم يستبشرون (٤٥)﴾","level":2,"page":4442},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولو أن للذين ظلموا ما في الأرض جميعا ومثله معه لافتدوا به من سوء العذاب يوم القيامة﴾","level":2,"page":4442},{"title":"قوله تعالى: ﴿وبدا لهم سيئات ما كسبوا﴾","level":2,"page":4443},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا مس الإنسان ضر دعانا ثم إذا خولناه نعمة منا قال إنما أوتيته على علم﴾","level":2,"page":4444},{"title":"قوله تعالى: ﴿واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم﴾","level":2,"page":4444},{"title":"قوله تعالى: ﴿أو تقول حين ترى العذاب لو أن لي كرة فأكون من المحسنين (٥٨)﴾","level":2,"page":4444},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم القيامة ترى الذين كذبوا على الله وجوههم مسودة﴾","level":2,"page":4445},{"title":"قوله تعالى: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين (٦٠)﴾","level":2,"page":4445},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك﴾","level":2,"page":4445},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم نفخ فيه أخرى فإذا هم قيام ينظرون (٦٨)﴾","level":2,"page":4445},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووضع الكتاب﴾","level":2,"page":4446},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجيء بالنبيين والشهداء وقضي بينهم بالحق وهم لا يظلمون (٦٩) ووفيت كل نفس ما عملت﴾","level":2,"page":4446},{"title":"قوله تعالى: ﴿وسيق الذين كفروا إلى جهنم زمرا﴾","level":2,"page":4448},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا جاءوها وفتحت أبوابها﴾","level":2,"page":4449},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين (٧١)﴾","level":2,"page":4449},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال لهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين (٧٣)﴾","level":2,"page":4449},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء﴾","level":2,"page":4450},{"title":"سورة غافر","level":1,"page":4451},{"title":"قوله تعالى: ﴿غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب ذي الطول﴾","level":2,"page":4452},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما يجادل في آيات الله إلا الذين كفروا﴾","level":2,"page":4452},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا يغررك تقلبهم في البلاد﴾","level":2,"page":4453},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك حقت كلمت ربك علي الذين كفروا أنهم أصحاب النار (٦)﴾","level":2,"page":4454},{"title":"قوله تعالى: ﴿ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم﴾","level":2,"page":4455},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا ربنا أمتنا اثنتين وأحييتنا اثنتين﴾","level":2,"page":4455},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاعترفنا بذنوبنا فهل إلى خروج من سبيل (١١)﴾","level":2,"page":4456},{"title":"قوله تعالى: ﴿ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا﴾","level":2,"page":4457},{"title":"قوله تعالى: ﴿فالحكم لله العلي الكبير (١٢)﴾","level":2,"page":4457},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي يريكم آياته﴾","level":2,"page":4457},{"title":"قوله تعالى: ﴿وينزل لكم من السماء رزقا﴾","level":2,"page":4459},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يتذكر إلا من ينيب (١٣)﴾","level":2,"page":4461},{"title":"قوله تعالى: ﴿فادعوا الله مخلصين له الدين﴾","level":2,"page":4462},{"title":"قوله تعالى: ﴿يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده لينذر يوم التلاق (١٥) يوم هم بارزون﴾","level":2,"page":4462},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنذرهم يوم الآزفة إذ القلوب لدى الحناجر كاظمين﴾","level":2,"page":4463},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع (١٨)﴾","level":2,"page":4466},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور (١٩)﴾","level":2,"page":4466},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا وسلطان مبين (٢٣) إلى فرعون وهامان وقارون فقالوا ساحر كذاب (٢٤)﴾","level":2,"page":4466},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال موسى إني عذت بربي وربكم من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب (٢٧)﴾","level":2,"page":4467},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال رجل مؤمن من آل فرعون يكتم إيمانه أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله﴾","level":2,"page":4468},{"title":"قوله تعالى: ﴿قال فرعون ما أريكم إلا ما أري وما أهديكم إلا سبيل الرشاد (٢٩)﴾","level":2,"page":4469},{"title":"قوله تعالى: ﴿من عمل سيئة فلا يجزى إلا مثلها﴾","level":2,"page":4471},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن عمل صالحا من ذكر أو أنثي وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة يرزقون فيها بغير حساب (٤٠)﴾","level":2,"page":4472},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتدعونني إلي النار (٤١) تدعونني لأكفر بالله وأشرك به ما ليس لي به علم﴾","level":2,"page":4472},{"title":"قوله تعالى: ﴿فستذكرون ما أقول لكم وأفوض أمري إلى الله إن الله بصير بالعباد (٤٤) فوقاه الله سيئات ما مكروا وحاق بآل فرعون سوء العذاب (٤٥)﴾","level":2,"page":4473},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ يتحاجون في النار فيقول الضعفاء للذين استكبروا إنا كنا لكم تبعا فهل أنتم مغنون عنا نصيبا من النار (٤٧) قال الذين استكبروا إنا كل فيها إن الله قد حكم بين العباد (٤٨)﴾","level":2,"page":4476},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين في النار لخزنة جهنم ادعوا ربكم يخفف عنا يوما من العذاب (٤٩)﴾","level":2,"page":4477},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات﴾","level":2,"page":4478},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد (٥١)﴾","level":2,"page":4478},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب (٥٣) هدى وذكرى لأولي الألباب (٥٤)﴾","level":2,"page":4479},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه﴾","level":2,"page":4480},{"title":"قوله تعالى: ﴿لخلق السماوات والأرض أكبر من خلق الناس﴾","level":2,"page":4480},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يستوي الأعمى والبصير والذين آمنوا وعملوا الصالحات ولا المسيء﴾","level":2,"page":4480},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون (٥٩)﴾","level":2,"page":4481},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين (٦٠)﴾","level":2,"page":4481},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الليل لتسكنوا فيه والنهار مبصرا إن الله لذو فضل على الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون (٦١)﴾","level":2,"page":4482},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي خلقكم من تراب ثم من نطفة ثم من علقة ثم يخرجكم طفلا ثم لتبلغوا أشدكم ثم لتكونوا شيوخا ومنكم من يتوفى من قبل ولتبلغوا أجلا مسمى ولعلكم تعقلون (٦٧)﴾","level":2,"page":4482},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا قضى أمرا فإنما يقول له كن فيكون (٦٨)﴾","level":2,"page":4482},{"title":"قوله تعالى: ﴿قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين (٧٢)﴾","level":2,"page":4483},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا رسلا من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾","level":2,"page":4483},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون (٧٨)﴾","level":2,"page":4483},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي جعل لكم الأنعام لتركبوا منها ومنها تأكلون (٧٩) ولكم فيها منافع ولتبلغوا عليها حاجة في صدوركم وعليها وعلى الفلك تحملون (٨٠)﴾","level":2,"page":4484},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم﴾","level":2,"page":4486},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلم يك ينفعهم إيمانهم لما رأوا بأسنا سنت الله التي قد خلت في عباده وخسر هنالك الكافرون (٨٥)﴾","level":2,"page":4487},{"title":"سورة فصلت","level":1,"page":4488},{"title":"قوله تعالى: ﴿حم (١) تنزيل من الرحمن الرحيم (٢)﴾","level":2,"page":4489},{"title":"قوله تعالى: ﴿كتاب فصلت آياته﴾","level":2,"page":4489},{"title":"قوله تعالى: ﴿قرآنا عربيا لقوم يعلمون (٣) بشيرا ونذيرا فأعرض أكثرهم فهم لا يسمعون (٤)﴾","level":2,"page":4490},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه وفي آذاننا وقر ومن بيننا وبينك حجاب﴾","level":2,"page":4492},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد﴾","level":2,"page":4497},{"title":"قوله تعالى: ﴿وويل للمشركين (٦) الذين لا يؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم كافرون (٧)﴾","level":2,"page":4498},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات لهم أجر غير ممنون (٨)﴾","level":2,"page":4499},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام﴾","level":2,"page":4501},{"title":"قوله تعالى: ﴿وزينا السماء الدنيا بمصابيح وحفظا﴾","level":2,"page":4505},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا لو شاء ربنا لأنزل ملائكة فإنا بما أرسلتم به كافرون (١٤)﴾","level":2,"page":4506},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأرسلنا عليهم ريحا صرصرا في أيام نحسات﴾","level":2,"page":4506},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى﴾","level":2,"page":4510},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأخذتهم صاعقة العذاب الهون﴾","level":2,"page":4512},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونجينا الذين آمنوا وكانوا يتقون (١٨)﴾","level":2,"page":4516},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يحشر أعداء الله إلى النار فهم يوزعون (١٩)﴾","level":2,"page":4516},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا ما جاءوها شهد عليهم سمعهم وأبصارهم وجلودهم بما كانوا يعملون (٢٠)﴾","level":2,"page":4518},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن ظننتم أن الله لا يعلم كثيرا مما تعملون (٢٢) وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أرداكم فأصبحتم من الخاسرين (٢٣) فإن يصبروا فالنار مثوى لهم﴾","level":2,"page":4518},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين (٢٤)﴾","level":2,"page":4518},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم﴾","level":2,"page":4519},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحق عليهم القول﴾","level":2,"page":4522},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن﴾","level":2,"page":4522},{"title":"قوله تعالى: ﴿ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم (٣٤) وما يلقاها إلا الذين صبروا وما يلقاها إلا ذو حظ عظيم (٣٥) وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله إنه هو السميع العليم (٣٦)﴾","level":2,"page":4523},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته الليل والنهار﴾","level":2,"page":4523},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تسجدوا للشمس ولا للقمر﴾","level":2,"page":4523},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون (٣٨)﴾","level":2,"page":4523},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته أنك ترى الأرض خاشعة فإذا أنزلنا عليها الماء اهتزت وربت﴾","level":2,"page":4525},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفمن يلقى في النار خير أم من يأتي آمنا يوم القيامة﴾","level":2,"page":4525},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء﴾","level":2,"page":4525},{"title":"قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾","level":2,"page":4526},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد (٤٦)﴾","level":2,"page":4526},{"title":"قوله تعالى: ﴿إليه يرد علم الساعة﴾","level":2,"page":4529},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه﴾","level":2,"page":4530},{"title":"قوله تعالى: ﴿وظنوا ما لهم من محيص (٤٨)﴾","level":2,"page":4530},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن أذقناه رحمة منا من بعد ضراء مسته ليقولن هذا لي وما أظن الساعة قائمة ولئن رجعت إلى ربي إن لي عنده للحسنى﴾","level":2,"page":4531},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا أنعمنا على الإنسان أعرض ونأى بجانبه وإذا مسه الشر فذو دعاء عريض (٥١)﴾","level":2,"page":4532},{"title":"قوله تعالى: ﴿سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم﴾","level":2,"page":4532},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا إنهم في مرية من لقاء ربهم﴾","level":2,"page":4532},{"title":"سورة الشورى","level":1,"page":4533},{"title":"قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كذلك يوحي إليك وإلى الذين من قبلك الله العزيز الحكيم (٣)﴾","level":2,"page":4534},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو العلي العظيم (٤)﴾","level":2,"page":4536},{"title":"قوله تعالى: ﴿تكاد السماوات يتفطرن من فوقهن والملائكة يسبحون بحمد ربهم ويستغفرون لمن في الأرض﴾","level":2,"page":4536},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا إن الله هو الغفور الرحيم (٥)﴾","level":2,"page":4540},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء الله حفيظ عليهم وما أنت عليهم بوكيل (٦)﴾","level":2,"page":4541},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك قرآنا عربيا﴾","level":2,"page":4544},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولتنذر أم القرى ومن حولها﴾","level":2,"page":4544},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتنذر يوم الجمع لا ريب فيه﴾","level":2,"page":4545},{"title":"قوله تعالى: ﴿فريق في الجنة وفريق في السعير (٧)﴾","level":2,"page":4547},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما اختلفتم فيه من شيء فحكمه إلى الله﴾","level":2,"page":4548},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاطر السماوات والأرض جعل لكم من أنفسكم أزواجا ومن الأنعام أزواجا يذرؤكم فيه﴾","level":2,"page":4560},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (١١)﴾","level":2,"page":4563},{"title":"قوله تعالى: ﴿له مقاليد السماوات والأرض يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر﴾","level":2,"page":4563},{"title":"قوله تعالى: ﴿شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين﴾","level":2,"page":4565},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تتفرقوا فيه﴾","level":2,"page":4565},{"title":"قوله تعالى: ﴿كبر على المشركين ما تدعوهم إليه﴾","level":2,"page":4567},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله يجتبي إليه من يشاء ويهدي إليه من ينيب (١٣)﴾","level":2,"page":4569},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾","level":2,"page":4570},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان﴾","level":2,"page":4570},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما يدريك لعل الساعة قريب (١٧)﴾","level":2,"page":4574},{"title":"قوله تعالى: ﴿يستعجل بها الذين لا يؤمنون بها والذين آمنوا مشفقون منها ويعلمون أنها الحق﴾","level":2,"page":4575},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد (١٨)﴾","level":2,"page":4576},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى﴾","level":2,"page":4576},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يقترف حسنة نزد له فيها حسنا﴾","level":2,"page":4580},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات﴾","level":2,"page":4580},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن ينزل بقدر ما يشاء﴾","level":2,"page":4581},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أنتم بمعجزين في الأرض﴾","level":2,"page":4581},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن آياته الجوار في البحر كالأعلام (٣٢)﴾","level":2,"page":4581},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش﴾","level":2,"page":4583},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجزاء سيئة سيئة مثلها﴾","level":2,"page":4588},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل (٤١)﴾","level":2,"page":4588},{"title":"قوله تعالى: ﴿وترى الظالمين لما رأوا العذاب﴾","level":2,"page":4588},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا﴾","level":2,"page":4589},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نورا نهدي به من نشاء من عبادنا﴾","level":2,"page":4589},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم (٥٣)﴾","level":2,"page":4591},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا إلى الله تصير الأمور (٥٣)﴾","level":2,"page":4592},{"title":"سورة الزخرف","level":1,"page":4593},{"title":"قوله تعالى: ﴿حم (١) والكتاب المبين (٢) إنا جعلناه قرآنا عربيا﴾","level":2,"page":4594},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأهلكنا أشد منهم بطشا ومضى مثل الأولين (٨)﴾","level":2,"page":4594},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم (٩)﴾","level":2,"page":4596},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذي جعل لكم الأرض مهدا وجعل لكم فيها سبلا لعلكم تهتدون (١٠)﴾","level":2,"page":4597},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذي نزل من السماء ماء بقدر فأنشرنا به بلدة ميتا كذلك تخرجون (١١)﴾","level":2,"page":4598},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذي خلق الأزواج كلها﴾","level":2,"page":4599},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعل لكم من الفلك والأنعام ما تركبون (١٢) لتستووا على ظهوره ثم تذكروا نعمة ربكم إذا استويتم عليه﴾","level":2,"page":4599},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتقولوا سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين (١٣)﴾","level":2,"page":4600},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلوا له من عباده جزءا﴾","level":2,"page":4602},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم اتخذ مما يخلق بنات وأصفاكم بالبنين (١٦)﴾","level":2,"page":4605},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثا أشهدوا خلقهم ستكتب شهادتهم ويسألون (١٩)﴾","level":2,"page":4606},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون (٢٠)﴾","level":2,"page":4609},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم آتيناهم كتابا من قبله فهم به مستمسكون (٢١)﴾","level":2,"page":4615},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أولو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم﴾","level":2,"page":4616},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون (٢٦) إلا الذي فطرني فإنه سيهدين (٢٧)﴾","level":2,"page":4618},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون (٢٨) بل متعت هؤلاء وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين (٢٩) ولما جاءهم الحق قالوا هذا سحر وإنا به كافرون (٣٠)﴾","level":2,"page":4619},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم (٣١) أهم يقسمون رحمت ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا ورحمت ربك خير مما يجمعون (٣٢)﴾","level":2,"page":4630},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولولا أن يكون الناس أمة واحدة لجعلنا لمن يكفر بالرحمن لبيوتهم سقفا من فضة ومعارج عليها يظهرون (٣٣) ولبيوتهم أبوابا وسررا عليها يتكئون (٣٤) وزخرفا وإن كل ذلك لما متاع الحياة الدنيا والآخرة عند ربك للمتقين (٣٥)﴾","level":2,"page":4636},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين (٣٦) وإنهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون (٣٧) حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين (٣٨)﴾","level":2,"page":4642},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولن ينفعكم اليوم إذ ظلمتم أنكم في العذاب مشتركون (٣٩)﴾","level":2,"page":4642},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفأنت تسمع الصم أو تهدي العمي ومن كان في ضلال مبين (٤٠)﴾","level":2,"page":4642},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم (٤٣)﴾","level":2,"page":4643},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد أرسلنا موسى بآياتنا إلى فرعون وملئه﴾","level":2,"page":4644},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأخذناهم بالعذاب لعلهم يرجعون (٤٨)﴾","level":2,"page":4645},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ياأيه الساحر ادع لنا ربك بما عهد عندك إننا لمهتدون (٤٩) فلما كشفنا عنهم العذاب إذا هم ينكثون (٥٠)﴾","level":2,"page":4645},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلولا ألقي عليه أسورة من ذهب أو جاء معه الملائكة مقترنين (٥٣)﴾","level":2,"page":4645},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾","level":2,"page":4646},{"title":"قوله تعالى: ﴿فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين (٥٦)﴾","level":2,"page":4646},{"title":"قوله تعالى ﴿ولما ضرب ابن مريم مثلا إذا قومك منه يصدون (٥٧) وقالوا أآلهتنا خير أم هو ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون (٥٨)﴾","level":2,"page":4646},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هو إلا عبد أنعمنا عليه﴾","level":2,"page":4653},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإنه لعلم للساعة فلا تمترن بها﴾","level":2,"page":4653},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يصدنكم الشيطان إنه لكم عدو مبين (٦٢)﴾","level":2,"page":4667},{"title":"قوله تعالى: ﴿فويل للذين ظلموا من عذاب يوم أليم (٦٥)﴾","level":2,"page":4667},{"title":"قوله تعالى: ﴿هل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة وهم لا يشعرون (٦٦)﴾","level":2,"page":4667},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياعباد لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون (٦٨) الذين آمنوا بآياتنا وكانوا مسلمين (٦٩)﴾","level":2,"page":4668},{"title":"قوله تعالى: ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون (٧٠)﴾","level":2,"page":4672},{"title":"قوله تعالى: ﴿يطاف عليهم بصحاف من ذهب﴾","level":2,"page":4673},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفيها ما تشتهيه الأنفس وتلذ الأعين وأنتم فيها خالدون (٧١)﴾","level":2,"page":4673},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة التي أورثتموها بما كنتم تعملون (٧٢)﴾","level":2,"page":4676},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونادوا يامالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون (٧٧)﴾","level":2,"page":4677},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد جئناكم بالحق ولكن أكثركم للحق كارهون (٧٨)﴾","level":2,"page":4679},{"title":"قوله تعالى: ﴿بلى ورسلنا لديهم يكتبون (٨٠)﴾","level":2,"page":4679},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين (٨١)﴾","level":2,"page":4679},{"title":"قوله تعالى: ﴿سبحان رب السماوات والأرض رب العرش عما يصفون (٨٢)﴾","level":2,"page":4704},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذرهم يخوضوا ويلعبوا حتى يلاقوا يومهم الذي يوعدون (٨٣)﴾","level":2,"page":4705},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾","level":2,"page":4705},{"title":"قوله تعالى: ﴿وعنده علم الساعة﴾","level":2,"page":4705},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة﴾","level":2,"page":4705},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله فأنى يؤفكون (٨٧)﴾","level":2,"page":4706},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون (٨٨)﴾","level":2,"page":4706},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون﴾","level":2,"page":4708},{"title":"سورة الدخان","level":1,"page":4710},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أنزلناه في ليلة مباركة﴾","level":2,"page":4711},{"title":"قوله تعالى: ﴿فيها يفرق كل أمر حكيم (٤) أمرا من عندنا﴾","level":2,"page":4712},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا كنا مرسلين (٥) رحمة من ربك﴾","level":2,"page":4715},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم تولوا عنه وقالوا معلم مجنون (١٤)﴾","level":2,"page":4715},{"title":"قوله تعالى: ﴿وجاءهم رسول كريم (١٧) أن أدوا إلي عباد الله﴾","level":2,"page":4716},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإني عذت بربي وربكم﴾","level":2,"page":4717},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك وأورثناها قوما آخرين (٢٨)﴾","level":2,"page":4717},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد نجينا بني إسرائيل من العذاب المهين (٣٠) من فرعون إنه كان عاليا من المسرفين (٣١)﴾","level":2,"page":4717},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم صبوا فوق رأسه من عذاب الحميم (٤٨)﴾","level":2,"page":4718},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (٥٨)﴾","level":2,"page":4719},{"title":"سورة الجاثية","level":1,"page":4720},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن في السماوات والأرض لآيات للمؤمنين (٣) وفي خلقكم وما يبث من دابة آيات لقوم يوقنون (٤) واختلاف الليل والنهار وما أنزل الله من السماء من رزق فأحيا به الأرض بعد موتها وتصريف الرياح آيات لقوم يعقلون (٥)﴾","level":2,"page":4721},{"title":"قوله تعالى: ﴿تلك آيات الله نتلوها عليك بالحق﴾","level":2,"page":4729},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا علم من آياتنا شيئا اتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين (٩)﴾","level":2,"page":4736},{"title":"قوله تعالى: ﴿من ورائهم جهنم ولا يغني عنهم ما كسبوا شيئا ولا ما اتخذوا من دون الله أولياء ولهم عذاب عظيم (١٠)﴾","level":2,"page":4737},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا هدى والذين كفروا بآيات ربهم لهم عذاب من رجز أليم (١١)﴾","level":2,"page":4741},{"title":"قوله تعالى: ﴿الله الذي سخر لكم البحر لتجري الفلك فيه بأمره ولتبتغوا من فضله ولعلكم تشكرون (١٢)﴾","level":2,"page":4744},{"title":"قوله تعالى: ﴿من عمل صالحا فلنفسه ومن أساء فعليها﴾","level":2,"page":4744},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفضلناهم على العالمين (١٦)﴾","level":2,"page":4744},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها﴾","level":2,"page":4746},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون (١٨)﴾","level":2,"page":4746},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن الظالمين بعضهم أولياء بعض﴾","level":2,"page":4747},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله ولي المتقين (١٩)﴾","level":2,"page":4748},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا بصائر للناس وهدى ورحمة لقوم يوقنون (٢٠)﴾","level":2,"page":4749},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم حسب الذين اجترحوا السيئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات﴾","level":2,"page":4751},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾","level":2,"page":4751},{"title":"قوله تعالى: ﴿وختم على سمعه وقلبه وجعل على بصره غشاوة﴾","level":2,"page":4751},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقالوا ما هي إلا حياتنا الدنيا نموت ونحيا﴾","level":2,"page":4751},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يومئذ يخسر المبطلون (٢٧)﴾","level":2,"page":4752},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل أمة تدعى إلى كتابها﴾","level":2,"page":4752},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون (٢٩)﴾","level":2,"page":4753},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقيل اليوم ننساكم كما نسيتم لقاء يومكم هذا﴾","level":2,"page":4753},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يخرجون منها ولا هم يستعتبون (٣٥)﴾","level":2,"page":4753},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلله الحمد رب السماوات ورب الأرض رب العالمين (٣٦)﴾","level":2,"page":4753},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله الكبرياء في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (٣٧)﴾","level":2,"page":4754},{"title":"سورة الأحقاف","level":1,"page":4756},{"title":"قوله تعالى: ﴿حم (١) تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم (٢)﴾","level":2,"page":4757},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق وأجل مسمى﴾","level":2,"page":4757},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذين كفروا عما أنذروا معرضون (٣)﴾","level":2,"page":4764},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم ما تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض أم لهم شرك في السماوات ائتوني بكتاب من قبل هذا أو أثارة من علم إن كنتم صادقين (٤)﴾","level":2,"page":4765},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعو من دون الله من لا يستجيب له إلى يوم القيامة وهم عن دعائهم غافلون (٥) وإذا حشر الناس كانوا لهم أعداء﴾","level":2,"page":4766},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للحق لما جاءهم هذا سحر مبين (٧)﴾","level":2,"page":4766},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم يقولون افتراه قل إن افتريته فلا تملكون لي من الله شيئا﴾","level":2,"page":4767},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل ما كنت بدعا من الرسل﴾","level":2,"page":4769},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أدري ما يفعل بي ولا بكم﴾","level":2,"page":4770},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به﴾","level":2,"page":4772},{"title":"قوله تعالى: ﴿وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله﴾","level":2,"page":4773},{"title":"قوله تعالى: ﴿وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه﴾","level":2,"page":4774},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهذا كتاب مصدق لسانا عربيا لينذر﴾","level":2,"page":4776},{"title":"قوله تعالى: ﴿لينذر الذين ظلموا وبشرى للمحسنين (١٢)﴾","level":2,"page":4776},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون (١٣)﴾","level":2,"page":4776},{"title":"قوله تعالى: ﴿ووصينا الإنسان بوالديه إحسانا﴾","level":2,"page":4777},{"title":"قوله تعالى: ﴿حملته أمه كرها ووضعته كرها﴾","level":2,"page":4777},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحمله وفصاله ثلاثون شهرا﴾","level":2,"page":4779},{"title":"قوله تعالى: ﴿حتى إذا بلغ أشده وبلغ أربعين سنة﴾","level":2,"page":4779},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويوم يعرض الذين كفروا على النار أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها فاليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تستكبرون في الأرض بغير الحق وبما كنتم تفسقون (٢٠)﴾","level":2,"page":4783},{"title":"قوله تعالى: ﴿واذكر أخا عاد إذ أنذر قومه بالأحقاف﴾","level":2,"page":4790},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألا تعبدوا إلا الله إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم (٢١)﴾","level":2,"page":4790},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا أجئتنا لتأفكنا عن آلهتنا فأتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين (٢٢)﴾","level":2,"page":4791},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأبلغكم ما أرسلت به﴾","level":2,"page":4791},{"title":"قوله تعالى: ﴿بل هو ما استعجلتم به ريح فيها عذاب أليم (٢٤)﴾","level":2,"page":4792},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه﴾","level":2,"page":4792},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلولا نصرهم الذين اتخذوا من دون الله قربانا آلهة بل ضلوا عنهم وذلك إفكهم وما كانوا يفترون (٢٨)﴾","level":2,"page":4794},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩) قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (٣٠)﴾","level":2,"page":4794},{"title":"قوله تعالى: ﴿ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١)﴾","level":2,"page":4795},{"title":"قوله تعالى: ﴿أولم يروا أن الله الذي خلق السماوات والأرض ولم يعي بخلقهن بقادر على أن يحيي الموتى بلى إنه على كل شيء قدير (٣٣)﴾","level":2,"page":4802},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل﴾","level":2,"page":4802},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تستعجل لهم﴾","level":2,"page":4803},{"title":"قوله تعالى: ﴿كأنهم يوم يرون ما يوعدون لم يلبثوا إلا ساعة من نهار﴾","level":2,"page":4804},{"title":"قوله تعالى: ﴿بلاغ﴾","level":2,"page":4804},{"title":"سورة محمد","level":1,"page":4806},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله أضل أعمالهم (١) والذين آمنوا وعملوا الصالحات وآمنوا بما نزل على محمد وهو الحق من ربهم كفر عنهم سيئاتهم وأصلح بالهم (٢) ذلك بأن الذين كفروا اتبعوا الباطل وأن الذين آمنوا اتبعوا الحق من ربهم كذلك يضرب الله للناس أمثالهم (٣)﴾","level":2,"page":4807},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها﴾","level":2,"page":4811},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم (٧)﴾","level":2,"page":4817},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم يسيروا في الأرض فينظروا كيف كان عاقبة الذين من قبلهم دمر الله عليهم وللكافرين أمثالها (١٠)﴾","level":2,"page":4818},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكأين من قرية هي أشد قوة من قريتك التي أخرجتك أهلكناهم فلا ناصر لهم (١٣)﴾","level":2,"page":4818},{"title":"قوله تعالى: ﴿مثل الجنة التي وعد المتقون فيها أنهار من ماء غير آسن وأنهار من لبن لم يتغير طعمه وأنهار من خمر لذة للشاربين﴾","level":2,"page":4819},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولهم فيها من كل الثمرات﴾","level":2,"page":4820},{"title":"قوله تعالى: ﴿وسقوا ماء حميما فقطع أمعاءهم (١٥)﴾","level":2,"page":4821},{"title":"قوله تعالى: ﴿فهل ينظرون إلا الساعة أن تأتيهم بغتة﴾","level":2,"page":4821},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنى لهم إذا جاءتهم ذكراهم (١٨)﴾","level":2,"page":4821},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفإذا أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت﴾","level":2,"page":4822},{"title":"قوله تعالى ﴿أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها (٢٤)﴾","level":2,"page":4823},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أم على قلوب أقفالها (٢٤)﴾","level":2,"page":4823},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم (٣١)﴾","level":2,"page":4992},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله وشاقوا الرسول من بعد ما تبين لهم الهدى لن يضروا الله شيئا وسيحبط أعمالهم (٣٢)﴾","level":2,"page":4995},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول﴾","level":2,"page":4997},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله ثم ماتوا وهم كفار فلن يغفر الله لهم (٣٤)﴾","level":2,"page":4997},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون والله معكم ولن يتركم أعمالكم (٣٥)﴾","level":2,"page":4998},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا يسألكم أموالكم﴾","level":2,"page":5001},{"title":"قوله تعالى: ﴿والله الغني وأنتم الفقراء﴾","level":2,"page":5001},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم (٣٨)﴾","level":2,"page":5002},{"title":"سورة الفتح","level":1,"page":5003},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا فتحنا لك فتحا مبينا (١)﴾","level":2,"page":5004},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم﴾","level":2,"page":5005},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولله جنود السماوات والأرض﴾","level":2,"page":5005},{"title":"قوله تعالى: ﴿ليدخل المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ويكفر عنهم سيئاتهم وكان ذلك عند الله فوزا عظيما (٥) ويعذب المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات الظانين بالله ظن السوء عليهم دائرة السوء وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (٦)﴾","level":2,"page":5006},{"title":"قوله تعالى: ﴿وغضب الله عليهم ولعنهم وأعد لهم جهنم وساءت مصيرا (٦)﴾","level":2,"page":5007},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أرسلناك شاهدا ومبشرا ونذيرا (٨)﴾","level":2,"page":5007},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل فمن يملك لكم من الله شيئا إن أراد بكم ضرا أو أراد بكم نفعا﴾","level":2,"page":5008},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأنزل الله سكينته على رسوله وعلى المؤمنين﴾","level":2,"page":5009},{"title":"قوله تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾","level":2,"page":5010},{"title":"قوله تعالى: ﴿ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع﴾","level":2,"page":5010},{"title":"سورة الحجرات","level":1,"page":5012},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم (١)﴾","level":2,"page":5013},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبي ولا تجهروا له بالقول كجهر بعضكم لبعض أن تحبط أعمالكم وأنتم لا تشعرون (٢)﴾","level":2,"page":5015},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين (٦)﴾","level":2,"page":5027},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان﴾","level":2,"page":5029},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنما المؤمنون إخوة﴾","level":2,"page":5029},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيرا منهم ولا نساء من نساء عسى أن يكن خيرا منهن﴾","level":2,"page":5030},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولا تلمزوا أنفسكم﴾","level":2,"page":5031},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى﴾","level":2,"page":5031},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم﴾","level":2,"page":5038},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل أتعلمون الله بدينكم والله يعلم ما في السماوات وما في الأرض والله بكل شيء عليم (١٦)﴾","level":2,"page":5040},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الله يعلم غيب السماوات والأرض والله بصير بما تعملون (١٨)﴾","level":2,"page":5041},{"title":"سورة ق","level":1,"page":5042},{"title":"قوله تعالى: ﴿ق والقرآن المجيد (١)﴾","level":2,"page":5043},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج (٦)﴾","level":2,"page":5044},{"title":"قوله تعالى: ﴿والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج (٧) تبصرة وذكرى لكل عبد منيب (٨)﴾","level":2,"page":5045},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج (١١)﴾","level":2,"page":5046},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل كذب الرسل فحق وعيد (١٤)﴾","level":2,"page":5047},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفعيينا بالخلق الأول بل هم في لبس من خلق جديد (١٥)﴾","level":2,"page":5048},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان ونعلم ما توسوس به نفسه﴾","level":2,"page":5048},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد (١٧) ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد (١٨)﴾","level":2,"page":5049},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد كنت في غفلة من هذا فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد (٢٢)﴾","level":2,"page":5053},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد (٣٠)﴾","level":2,"page":5053},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأزلفت الجنة للمتقين غير بعيد (٣١)﴾","level":2,"page":5055},{"title":"قوله تعالى: ﴿لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد (٣٥)﴾","level":2,"page":5055},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أشد منهم بطشا﴾","level":2,"page":5056},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب (٣٨)﴾","level":2,"page":5056},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم يسمعون الصيحة بالحق ذلك يوم الخروج (٤٢)﴾","level":2,"page":5057},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم تشقق الأرض عنهم سراعا ذلك حشر علينا يسير (٤٤)﴾","level":2,"page":5057},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما أنت عليهم بجبار﴾","level":2,"page":5058},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذكر بالقرآن من يخاف وعيد (٤٥)﴾","level":2,"page":5058},{"title":"سورة الذاريات","level":1,"page":5059},{"title":"قوله تعالى: ﴿والذاريات ذروا (١) فالحاملات وقرا (٢) فالجاريات يسرا (٣) فالمقسمات أمرا (٤) إنما توعدون لصادق (٥) وإن الدين لواقع (٦)﴾","level":2,"page":5060},{"title":"قوله تعالى: ﴿والسماء ذات الحبك (٧) إنكم لفي قول مختلف (٨) يؤفك عنه من أفك (٩)﴾","level":2,"page":5064},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات وعيون (١٥)﴾","level":2,"page":5067},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفي الأرض آيات للموقنين (٢٠) وفي أنفسكم أفلا تبصرون (٢١)﴾","level":2,"page":5068},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفي السماء رزقكم وما توعدون (٢٢)﴾","level":2,"page":5068},{"title":"قوله تعالى: ﴿هل أتاك حديث ضيف إبراهيم المكرمين (٢٤) إذ دخلوا عليه فقالوا سلاما﴾","level":2,"page":5070},{"title":"قوله تعالى: ﴿وتركنا فيها آية للذين يخافون العذاب الأليم (٣٧)﴾","level":2,"page":5070},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفي عاد إذ أرسلنا عليهم الريح العقيم (٤١)﴾","level":2,"page":5070},{"title":"قوله تعالى: ﴿فأخذتهم الصاعقة وهم ينظرون (٤٤)﴾","level":2,"page":5071},{"title":"قوله تعالى: ﴿والسماء بنيناها بأيد وإنا لموسعون (٤٧)﴾","level":2,"page":5071},{"title":"قوله تعالى: ﴿كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون (٥٢) أتواصوا به بل هم قوم طاغون (٥٣)﴾","level":2,"page":5072},{"title":"قوله تعالى: ﴿فتول عنهم فما أنت بملوم (٥٤)﴾","level":2,"page":5072},{"title":"قوله تعالى: ﴿وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين (٥٥)﴾","level":2,"page":5072},{"title":"قوله تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾","level":2,"page":5073},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (٥٧)﴾","level":2,"page":5080},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإن للذين ظلموا ذنوبا مثل ذنوب أصحابهم فلا يستعجلون (٥٩)﴾","level":2,"page":5080},{"title":"قوله تعالى: ﴿فويل للذين كفروا من يومهم الذي يوعدون (٦٠)﴾","level":2,"page":5082},{"title":"سورة الطور","level":1,"page":5083},{"title":"قوله تعالى: ﴿والطور (١) وكتاب مسطور (٢) في رق منشور (٣) والبيت المعمور (٤) والسقف المرفوع (٥) والبحر المسجور (٦) إن عذاب ربك لواقع (٧) ما له من دافع (٨)﴾","level":2,"page":5084},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم يدعون إلى نار جهنم دعا (١٣) هذه النار التي كنتم بها تكذبون (١٤)﴾","level":2,"page":5086},{"title":"قوله تعالى: ﴿اصلوها فاصبروا أو لا تصبروا سواء عليكم إنما تجزون ما كنتم تعملون (١٦)﴾","level":2,"page":5087},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل امرئ بما كسب رهين (٢١)﴾","level":2,"page":5088},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأمددناهم بفاكهة ولحم مما يشتهون (٢٢)﴾","level":2,"page":5088},{"title":"قوله تعالى: ﴿يتنازعون فيها كأسا لا لغو فيها ولا تأثيم (٢٣)﴾","level":2,"page":5088},{"title":"قوله تعالى: ﴿ويطوف عليهم غلمان لهم كأنهم لؤلؤ مكنون (٢٤)﴾","level":2,"page":5091},{"title":"قوله تعالى: ﴿قالوا إنا كنا قبل في أهلنا مشفقين (٢٦) فمن الله علينا ووقانا عذاب السموم (٢٧)﴾","level":2,"page":5092},{"title":"قوله تعالى: ﴿فذكر فما أنت بنعمت ربك بكاهن ولا مجنون (٢٩) أم يقولون شاعر نتربص به ريب المنون (٣٠)﴾","level":2,"page":5094},{"title":"قوله تعالى: ﴿فليأتوا بحديث مثله إن كانوا صادقين (٣٤)﴾","level":2,"page":5096},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون (٣٥)﴾","level":2,"page":5096},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم لهم سلم يستمعون فيه﴾","level":2,"page":5097},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم له البنات ولكم البنون (٣٩)﴾","level":2,"page":5097},{"title":"قوله تعالى: ﴿أم تسألهم أجرا فهم من مغرم مثقلون (٤٠)﴾","level":2,"page":5097},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يروا كسفا من السماء ساقطا يقولوا سحاب مركوم (٤٤)﴾","level":2,"page":5097},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم لا يغني عنهم كيدهم شيئا﴾","level":2,"page":5097},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن للذين ظلموا عذابا دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون (٤٧)﴾","level":2,"page":5098},{"title":"سورة النجم","level":1,"page":5099},{"title":"قوله تعالى: ﴿والنجم إذا هوى (١) ما ضل صاحبكم وما غوى (٢) وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى (٤)﴾","level":2,"page":5100},{"title":"قوله تعالى: ﴿علمه شديد القوى (٥)﴾","level":2,"page":5104},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما زاغ البصر وما طغى (١٧)﴾","level":2,"page":5106},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلله الآخرة والأولى (٢٥)﴾","level":2,"page":5106},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى (٢٦)﴾","level":2,"page":5106},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين لا يؤمنون بالآخرة ليسمون الملائكة تسمية الأنثى (٢٧)﴾","level":2,"page":5106},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولله ما في السماوات وما في الأرض ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى (٣١)﴾","level":2,"page":5107},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلا اللمم﴾","level":2,"page":5107},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنه خلق الزوجين الذكر والأنثى (٤٥) من نطفة إذا تمنى (٤٦)﴾","level":2,"page":5114},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن عليه النشأة الأخرى (٤٧)﴾","level":2,"page":5115},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنه أهلك عادا الأولى (٥٠) وثمود فما أبقى (٥١)﴾","level":2,"page":5115},{"title":"قوله تعالى: ﴿والمؤتفكة أهوى (٥٣)﴾","level":2,"page":5117},{"title":"سورة القمر","level":1,"page":5119},{"title":"قوله تعالى: ﴿اقتربت الساعة﴾","level":2,"page":5120},{"title":"قوله تعالى: ﴿وإن يروا آية يعرضوا﴾","level":2,"page":5120},{"title":"قوله تعالى: ﴿يخرجون من الأجداث كأنهم جراد منتشر (٧) مهطعين إلى الداع﴾","level":2,"page":5120},{"title":"قوله تعالى: ﴿يقول الكافرون هذا يوم عسر (٨)﴾","level":2,"page":5120},{"title":"قوله تعالى: ﴿فدعا ربه أني مغلوب فانتصر (١٠) ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر (١١) وفجرنا الأرض عيونا فالتقى الماء على أمر قد قدر (١٢)﴾","level":2,"page":5121},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحملناه على ذات ألواح ودسر (١٣)﴾","level":2,"page":5123},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد تركناها آية فهل من مدكر (١٥)﴾","level":2,"page":5123},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم ريحا صرصرا في يوم نحس مستمر (١٩)﴾","level":2,"page":5124},{"title":"قوله تعالى: ﴿فقالوا أبشرا منا واحدا نتبعه﴾","level":2,"page":5125},{"title":"وقوله تعالى: ﴿أألقي الذكر عليه من بيننا﴾","level":2,"page":5125},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا مرسلو الناقة فتنة لهم﴾","level":2,"page":5125},{"title":"قوله تعالى: ﴿ونبئهم أن الماء قسمة بينهم كل شرب محتضر (٢٨)﴾","level":2,"page":5126},{"title":"قوله تعالى: ﴿فنادوا صاحبهم فتعاطى فعقر (٢٩)﴾","level":2,"page":5127},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم صيحة واحدة﴾","level":2,"page":5129},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر (٣٤)﴾","level":2,"page":5129},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر (٤١) كذبوا بآياتنا كلها فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر (٤٢)﴾","level":2,"page":5130},{"title":"قوله تعالى: ﴿أكفاركم خير من أولئكم﴾","level":2,"page":5133},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم يسحبون في النار على وجوههم ذوقوا مس سقر (٤٨)﴾","level":2,"page":5134},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا كل شيء خلقناه بقدر (٤٩)﴾","level":2,"page":5134},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكل شيء فعلوه في الزبر (٥٢) وكل صغير وكبير مستطر (٥٣)﴾","level":2,"page":5134},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن المتقين في جنات ونهر (٥٤)﴾","level":2,"page":5135},{"title":"سورة الرحمن","level":1,"page":5136},{"title":"قوله تعالى: ﴿الرحمن (١) علم القرآن﴾","level":2,"page":5137},{"title":"قوله تعالى: ﴿علم القرآن (٢)﴾","level":2,"page":5137},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان (٣) علمه البيان (٤)﴾","level":2,"page":5139},{"title":"قوله تعالى: ﴿الشمس والقمر بحسبان (٥)﴾","level":2,"page":5140},{"title":"قوله تعالى: ﴿والنجم والشجر يسجدان (٦)﴾","level":2,"page":5141},{"title":"قوله تعالى: ﴿والسماء رفعها ووضع الميزان (٧)﴾","level":2,"page":5142},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان (٩)﴾","level":2,"page":5142},{"title":"قوله تعالى: ﴿والأرض وضعها للأنام (١٠) فيها فاكهة والنخل ذات الأكمام (١١) والحب ذو العصف والريحان (١٢)﴾","level":2,"page":5143},{"title":"قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار (١٤) وخلق الجان من مارج من نار (١٥)﴾","level":2,"page":5151},{"title":"قوله تعالى: ﴿رب المشرقين ورب المغربين (١٧)﴾","level":2,"page":5152},{"title":"قوله تعالى: ﴿مرج البحرين يلتقيان (١٩) بينهما برزخ لا يبغيان (٢٠)﴾","level":2,"page":5153},{"title":"قوله تعالى: ﴿يخرج منهما اللؤلؤ والمرجان (٢٢)﴾","level":2,"page":5153},{"title":"قوله تعالى: ﴿وله الجوار المنشآت في البحر كالأعلام (٢٤)﴾","level":2,"page":5155},{"title":"قوله تعالى: ﴿كل من عليها فان (٢٦) ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام (٢٧)﴾","level":2,"page":5155},{"title":"قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (٣٣)﴾","level":2,"page":5155},{"title":"قوله تعالى: ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (٣٧)﴾","level":2,"page":5156},{"title":"قوله تعالى: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (٣٩)﴾","level":2,"page":5158},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام (٤١)﴾","level":2,"page":5160},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذه جهنم التي يكذب بها المجرمون (٤٣) يطوفون بينها وبين حميم آن (٤٤)﴾","level":2,"page":5161},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)﴾","level":2,"page":5161},{"title":"قوله تعالى: ﴿متكئين على فرش بطائنها من إستبرق﴾","level":2,"page":5162},{"title":"قوله تعالى: ﴿فيهن قاصرات الطرف﴾","level":2,"page":5163},{"title":"قوله تعالى: ﴿حور مقصورات في الخيام (٧٢)﴾","level":2,"page":5163},{"title":"سورة الواقعة","level":1,"page":5164},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذا وقعت الواقعة (١) ليس لوقعتها كاذبة (٢)﴾","level":2,"page":5165},{"title":"قوله تعالى: ﴿خافضة رافعة (٣)﴾","level":2,"page":5167},{"title":"قوله تعالى: ﴿إذا رجت الأرض رجا (٤) وبست الجبال بسا (٥) فكانت هباء منبثا (٦)﴾","level":2,"page":5169},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكنتم أزواجا ثلاثة (٧)﴾","level":2,"page":5171},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثلة من الأولين (١٣) وقليل من الآخرين (١٤)﴾","level":2,"page":5174},{"title":"قوله تعالى: ﴿على سرر موضونة (١٥) متكئين عليها متقابلين (١٦)﴾","level":2,"page":5177},{"title":"قوله تعالى: ﴿يطوف عليهم ولدان مخلدون (١٧)﴾","level":2,"page":5178},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكأس من معين (١٨) لا يصدعون عنها ولا ينزفون (١٩)﴾","level":2,"page":5178},{"title":"قوله تعالى: ﴿وفاكهة مما يتخيرون (٢٠) ولحم طير مما يشتهون (٢١)﴾","level":2,"page":5179},{"title":"قوله تعالى: ﴿وحور عين (٢٢) كأمثال اللؤلؤ المكنون (٢٣)﴾","level":2,"page":5179},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا يسمعون فيها لغوا ولا تأثيما (٢٥) إلا قيلا سلاما سلاما (٢٦)﴾","level":2,"page":5179},{"title":"قوله تعالى: ﴿وظل ممدود (٣٠) وماء مسكوب (٣١) وفاكهة كثيرة (٣٢) لا مقطوعة ولا ممنوعة (٣٣)﴾","level":2,"page":5179},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنا أنشأناهن إنشاء (٣٥) فجعلناهن أبكارا (٣٦) عربا أترابا (٣٧) لأصحاب اليمين (٣٨)﴾","level":2,"page":5180},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال (٤١) في سموم وحميم (٤٢) وظل من يحموم (٤٣)﴾","level":2,"page":5183},{"title":"قوله تعالى: ﴿إنهم كانوا قبل ذلك مترفين (٤٥) وكانوا يصرون على الحنث العظيم (٤٦)﴾","level":2,"page":5183},{"title":"قوله تعالى: ﴿وكانوا يقولون أئذا متنا وكنا ترابا وعظاما أإنا لمبعوثون (٤٧)﴾","level":2,"page":5183},{"title":"قوله تعالى: ﴿قل إن الأولين والآخرين (٤٩) لمجموعون إلى ميقات يوم معلوم (٥٠)﴾","level":2,"page":5189},{"title":"قوله تعالى: ﴿ثم إنكم أيها الضالون المكذبون (٥١) لآكلون من شجر من زقوم (٥٢) فمالئون منها البطون (٥٣) فشاربون عليه من الحميم (٥٤) فشاربون شرب الهيم (٥٥)﴾","level":2,"page":5190},{"title":"قوله تعالى: ﴿هذا نزلهم يوم الدين (٥٦)﴾","level":2,"page":5190},{"title":"قوله تعالى: ﴿نحن خلقناكم فلولا تصدقون (٥٧)﴾","level":2,"page":5191},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تمنون (٥٨) أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون (٥٩)﴾","level":2,"page":5192},{"title":"قوله تعالى: ﴿نحن قدرنا بينكم الموت وما نحن بمسبوقين (٦٠) على أن نبدل أمثالكم وننشئكم في ما لا تعلمون (٦١)﴾","level":2,"page":5194},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيتم ما تحرثون (٦٣) أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون (٦٤) لو نشاء لجعلناه حطاما فظلتم تفكهون (٦٥)﴾","level":2,"page":5197},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيتم الماء الذي تشربون (٦٨) أأنتم أنزلتموه من المزن أم نحن المنزلون (٦٩) لو نشاء جعلناه أجاجا فلولا تشكرون (٧٠)﴾","level":2,"page":5200},{"title":"قوله تعالى: ﴿أفرأيتم النار التي تورون (٧١) أأنتم أنشأتم شجرتها أم نحن المنشئون (٧٢) نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (٧٣)﴾،","level":2,"page":5203},{"title":"قوله تعالى: ﴿فلا أقسم بمواقع النجوم (٧٥) وإنه لقسم لو تعلمون عظيم (٧٦)﴾","level":2,"page":5205},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن هذا لهو حق اليقين (٩٥) فسبح باسم ربك العظيم (٩٦)﴾","level":2,"page":5205},{"title":"سورة الحديد","level":1,"page":5209},{"title":"قوله تعالى: ﴿سبح لله ما في السماوات والأرض وهو العزيز الحكيم (١)﴾","level":2,"page":5210},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش﴾","level":2,"page":5213},{"title":"قوله تعالى: ﴿يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها﴾","level":2,"page":5214},{"title":"قوله تعالى: ﴿وهو معكم أين ما كنتم﴾","level":2,"page":5214},{"title":"قوله تعالى: ﴿هو الذي ينزل على عبده آيات بينات ليخرجكم من الظلمات إلى النور﴾","level":2,"page":5214},{"title":"قوله تعالى: ﴿ولله ميراث السماوات والأرض﴾","level":2,"page":5215},{"title":"قوله تعالى: ﴿يوم ترى المؤمنين والمؤمنات يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم بشراكم اليوم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ذلك هو الفوز العظيم (١٢)﴾","level":2,"page":5216},{"title":"قوله تعالى: ﴿ينادونهم ألم نكن معكم قالوا بلى ولكنكم فتنتم أنفسكم وتربصتم وارتبتم وغرتكم الأماني حتى جاء أمر الله وغركم بالله الغرور (١٤)﴾","level":2,"page":5217},{"title":"قوله تعالى: ﴿فاليوم لا يؤخذ منكم فدية ولا من الذين كفروا﴾","level":2,"page":5219},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم يأن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله وما نزل من الحق ولا يكونوا كالذين أوتوا الكتاب من قبل فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم وكثير منهم فاسقون (١٦)﴾","level":2,"page":5219},{"title":"قوله تعالى: ﴿كمثل غيث أعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما﴾","level":2,"page":5222},{"title":"قوله تعالى: ﴿ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها إن ذلك على الله يسير (٢٢)﴾","level":2,"page":5222},{"title":"قوله تعالى: ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط﴾","level":2,"page":5224},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد﴾","level":2,"page":5224},{"title":"قوله تعالى: ﴿فمنهم مهتد وكثير منهم فاسقون (٢٦)﴾","level":2,"page":5225},{"title":"قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وآمنوا برسوله يؤتكم كفلين من رحمته ويجعل لكم نورا تمشون به ويغفر لكم والله غفور رحيم (٢٨)﴾","level":2,"page":5225},{"title":"قوله تعالى: ﴿وأن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم (٢٩)﴾","level":2,"page":5225},{"title":"سورة المجادلة","level":1,"page":5227},{"title":"قوله تعالى: ﴿الذين يظاهرون منكم من نسائهم ما هن أمهاتهم﴾","level":2,"page":5228},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر أن الله يعلم ما في السماوات وما في الأرض ما يكون من نجوى ثلاثة إلا هو رابعهم﴾","level":2,"page":5228},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين نهوا عن النجوى ثم يعودون لما نهوا عنه ويتناجون بالإثم والعدوان﴾","level":2,"page":5228},{"title":"قوله تعالى: ﴿ألم تر إلى الذين تولوا قوما غضب الله عليهم ما هم منكم ولا منهم﴾","level":2,"page":5229},{"title":"قوله تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة فصدوا عن سبيل الله فلهم عذاب مهين (١٦)﴾","level":2,"page":5230},{"title":"قوله تعالى: ﴿استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله﴾","level":2,"page":5231},{"title":"قوله تعالى: ﴿إن الذين يحادون الله ورسوله أولئك في الأذلين (٢٠)﴾","level":2,"page":5232},{"title":"قوله تعالى: ﴿كتب الله لأغلبن أنا ورسلي إن الله قوي عزيز (٢١)﴾","level":2,"page":5232},{"title":"قوله تعالى: ﴿لا تجد قوما يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ولو كانوا آباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشيرتهم﴾","level":2,"page":5233}],"ٛ":{"المقدمة,1":1,"المقدمة,5":2,"المقدمة,7":3,"المقدمة,8":4,"المقدمة,9":5,"المقدمة,11":6,"المقدمة,12":7,"المقدمة,13":8,"المقدمة,14":9,"المقدمة,15":10,"المقدمة,16":11,"المقدمة,17":12,"المقدمة,18":13,"المقدمة,19":14,"المقدمة,20":15,"المقدمة,21":16,"المقدمة,22":17,"المقدمة,23":18,"المقدمة,24":19,"المقدمة,25":20,"المقدمة,26":21,"المقدمة,27":22,"المقدمة,28":23,"المقدمة,29":24,"المقدمة,30":25,"المقدمة,31":26,"المقدمة,32":27,"المقدمة,33":28,"المقدمة,34":29,"المقدمة,35":30,"المقدمة,36":31,"المقدمة,37":32,"المقدمة,38":33,"المقدمة,39":34,"1,3":36,"1,5":37,"1,6":38,"1,7":39,"1,8":40,"1,9":41,"1,10":42,"1,11":43,"1,12":44,"1,13":45,"1,14":46,"1,15":47,"1,16":48,"1,17":49,"1,18":50,"1,19":51,"1,20":52,"1,21":53,"1,22":54,"1,23":55,"1,24":56,"1,25":57,"1,26":58,"1,27":59,"1,28":60,"1,29":61,"1,30":62,"1,31":63,"1,32":64,"1,33":65,"1,34":66,"1,35":67,"1,36":68,"1,37":69,"1,38":70,"1,39":71,"1,40":72,"1,41":73,"1,42":74,"1,43":75,"1,44":76,"1,45":77,"1,46":78,"1,47":79,"1,48":80,"1,49":81,"1,50":82,"1,51":83,"1,52":84,"1,53":85,"1,54":86,"1,55":87,"1,56":88,"1,57":89,"1,58":90,"1,59":91,"1,60":92,"1,61":93,"1,62":94,"1,63":95,"1,64":96,"1,65":97,"1,66":98,"1,67":99,"1,68":100,"1,69":101,"1,70":102,"1,71":103,"1,72":104,"1,73":105,"1,74":106,"1,75":107,"1,76":108,"1,77":109,"1,78":110,"1,79":111,"1,80":112,"1,81":113,"1,82":114,"1,83":115,"1,84":116,"1,85":117,"1,86":118,"1,87":119,"1,88":120,"1,89":121,"1,90":122,"1,91":123,"1,92":124,"1,93":125,"1,94":126,"1,95":127,"1,96":128,"1,97":129,"1,98":130,"1,99":131,"1,100":132,"1,101":133,"1,102":134,"1,103":135,"1,104":136,"1,105":137,"1,106":138,"1,107":139,"1,108":140,"1,109":141,"1,110":142,"1,111":143,"1,112":144,"1,113":145,"1,114":146,"1,115":147,"1,116":148,"1,117":149,"1,118":150,"1,119":151,"1,120":152,"1,121":153,"1,122":154,"1,123":155,"1,124":156,"1,125":157,"1,126":158,"1,127":159,"1,128":160,"1,129":161,"1,130":162,"1,131":163,"1,132":164,"1,133":165,"1,134":166,"1,135":167,"1,136":168,"1,137":169,"1,138":170,"1,139":171,"1,140":172,"1,141":173,"1,142":174,"1,143":175,"1,144":176,"1,145":177,"1,146":178,"1,147":179,"1,148":180,"1,149":181,"1,150":182,"1,151":183,"1,152":184,"1,153":185,"1,154":186,"1,155":187,"1,156":188,"1,157":189,"1,158":190,"1,159":191,"1,160":192,"1,161":193,"1,162":194,"1,163":195,"1,164":196,"1,165":197,"1,166":198,"1,167":199,"1,168":200,"1,169":201,"1,170":202,"1,171":203,"1,172":204,"1,173":205,"1,174":206,"1,175":207,"1,176":208,"1,177":209,"1,178":210,"1,179":211,"1,180":212,"1,181":213,"1,182":214,"1,183":215,"1,184":216,"1,185":217,"1,186":218,"1,187":219,"1,188":220,"1,189":221,"1,190":222,"1,191":223,"1,192":224,"1,193":225,"1,194":226,"1,195":227,"1,196":228,"1,197":229,"1,198":230,"1,199":231,"1,200":232,"1,201":233,"1,202":234,"1,203":235,"1,204":236,"1,205":237,"1,206":238,"1,207":239,"1,208":240,"1,209":241,"1,210":242,"1,211":243,"1,212":244,"1,213":245,"1,214":246,"1,215":247,"1,216":248,"1,217":249,"1,218":250,"1,219":251,"1,220":252,"1,221":253,"1,222":254,"1,223":255,"1,224":256,"1,225":257,"1,226":258,"1,227":259,"1,228":260,"1,229":261,"1,230":262,"1,231":263,"1,232":264,"1,233":265,"1,234":266,"1,235":267,"1,236":268,"1,237":269,"1,238":270,"1,239":271,"1,240":272,"1,241":273,"1,242":274,"1,243":275,"1,244":276,"1,245":277,"1,246":278,"1,247":279,"1,248":280,"1,249":281,"1,250":282,"1,251":283,"1,252":284,"1,253":285,"1,254":286,"1,255":287,"1,256":288,"1,257":289,"1,258":290,"1,259":291,"1,260":292,"1,261":293,"1,262":294,"1,263":295,"1,264":296,"1,265":297,"1,266":298,"1,267":299,"1,268":300,"1,269":301,"1,270":302,"1,271":303,"1,272":304,"1,273":305,"1,274":306,"1,275":307,"1,276":308,"1,277":309,"1,278":310,"1,279":311,"1,280":312,"1,281":313,"1,282":314,"1,283":315,"1,284":316,"1,285":317,"1,286":318,"1,287":319,"1,288":320,"1,289":321,"1,290":322,"1,291":323,"1,292":324,"1,293":325,"1,294":326,"1,295":327,"1,296":328,"1,297":329,"1,298":330,"1,299":331,"1,300":332,"1,301":333,"1,302":334,"1,303":335,"1,304":336,"1,305":337,"1,306":338,"1,307":339,"1,308":340,"1,309":341,"1,310":342,"1,311":343,"1,312":344,"1,313":345,"1,314":346,"1,315":347,"1,316":348,"1,317":349,"1,318":350,"1,319":351,"1,320":352,"1,321":353,"1,322":354,"1,323":355,"1,324":356,"1,325":357,"1,326":358,"1,327":359,"1,328":360,"1,329":361,"1,330":362,"1,331":363,"1,332":364,"1,333":365,"1,334":366,"1,335":367,"1,336":368,"1,337":369,"1,338":370,"1,339":371,"1,340":372,"1,341":373,"1,342":374,"1,343":375,"1,344":376,"1,345":377,"1,346":378,"1,347":379,"1,348":380,"1,349":381,"1,350":382,"1,351":383,"1,352":384,"1,353":385,"1,354":386,"1,355":387,"1,356":388,"1,357":389,"1,358":390,"1,359":391,"1,360":392,"1,361":393,"1,362":394,"1,363":395,"1,364":396,"1,365":397,"1,366":398,"1,367":399,"1,368":400,"1,369":401,"1,370":402,"1,371":403,"1,372":404,"1,373":405,"1,374":406,"1,375":407,"1,376":408,"1,377":409,"1,378":410,"1,379":411,"1,380":412,"1,381":413,"1,382":414,"1,383":415,"1,384":416,"1,385":417,"1,386":418,"1,387":419,"1,388":420,"1,389":421,"1,390":422,"1,391":423,"1,392":424,"1,393":425,"1,394":426,"1,395":427,"1,396":428,"1,397":429,"1,398":430,"1,399":431,"1,400":432,"1,401":433,"1,402":434,"1,403":435,"1,404":436,"1,405":437,"1,406":438,"1,407":439,"1,408":440,"1,409":441,"1,410":442,"1,411":443,"1,412":444,"1,413":445,"1,414":446,"1,415":447,"1,416":448,"1,417":449,"1,418":450,"1,419":451,"1,420":452,"1,421":453,"1,422":454,"1,423":455,"1,424":456,"1,425":457,"1,426":458,"1,427":459,"1,428":460,"1,429":461,"1,430":462,"1,431":463,"1,432":464,"1,433":465,"1,434":466,"1,435":467,"1,436":468,"1,437":469,"1,438":470,"1,439":471,"1,440":472,"1,441":473,"1,442":474,"1,443":475,"1,444":476,"1,445":477,"1,446":478,"1,447":479,"1,448":480,"1,449":481,"1,450":482,"1,451":483,"1,452":484,"1,453":485,"1,454":486,"1,455":487,"1,456":488,"1,457":489,"1,458":490,"1,459":491,"1,460":492,"1,461":493,"1,462":494,"1,463":495,"1,464":496,"1,465":497,"1,466":498,"1,467":499,"1,468":500,"1,469":501,"1,470":502,"1,471":503,"1,472":504,"1,473":505,"1,474":506,"1,475":507,"1,476":508,"1,477":509,"1,478":510,"1,479":511,"1,480":512,"1,481":513,"1,482":514,"1,483":515,"1,484":516,"1,485":517,"1,486":518,"1,487":519,"1,488":520,"1,489":521,"1,490":522,"1,491":523,"1,492":524,"1,493":525,"1,494":526,"1,495":527,"1,496":528,"1,497":529,"1,498":530,"1,499":531,"1,500":532,"1,501":533,"1,502":534,"1,503":535,"1,504":536,"1,505":537,"1,506":538,"1,507":539,"1,508":540,"1,509":541,"1,510":542,"1,511":543,"1,512":544,"1,513":545,"2,4":546,"2,5":547,"2,6":548,"2,7":549,"2,8":550,"2,9":551,"2,10":552,"2,11":553,"2,12":554,"2,13":555,"2,14":556,"2,15":557,"2,16":558,"2,17":559,"2,18":560,"2,19":561,"2,20":562,"2,21":563,"2,22":564,"2,23":565,"2,24":566,"2,25":567,"2,26":568,"2,27":569,"2,28":570,"2,29":571,"2,30":572,"2,31":573,"2,32":574,"2,33":575,"2,34":576,"2,35":577,"2,36":578,"2,37":579,"2,38":580,"2,39":581,"2,40":582,"2,41":583,"2,42":584,"2,43":585,"2,44":586,"2,45":587,"2,46":588,"2,47":589,"2,48":590,"2,49":591,"2,50":592,"2,51":593,"2,52":594,"2,53":595,"2,54":596,"2,55":597,"2,56":598,"2,57":599,"2,58":600,"2,59":601,"2,60":602,"2,61":603,"2,62":604,"2,63":605,"2,64":606,"2,65":607,"2,66":608,"2,67":609,"2,68":610,"2,69":611,"2,70":612,"2,71":613,"2,72":614,"2,73":615,"2,74":616,"2,75":617,"2,76":618,"2,77":619,"2,78":620,"2,79":621,"2,80":622,"2,81":623,"2,82":624,"2,83":625,"2,84":626,"2,85":627,"2,86":628,"2,87":629,"2,88":630,"2,89":631,"2,90":632,"2,91":633,"2,92":634,"2,93":635,"2,94":636,"2,95":637,"2,96":638,"2,97":639,"2,98":640,"2,99":641,"2,100":642,"2,101":643,"2,102":644,"2,103":645,"2,104":646,"2,105":647,"2,106":648,"2,107":649,"2,108":650,"2,109":651,"2,110":652,"2,111":653,"2,112":654,"2,113":655,"2,114":656,"2,115":657,"2,116":658,"2,117":659,"2,118":660,"2,119":661,"2,120":662,"2,121":663,"2,122":664,"2,123":665,"2,124":666,"2,125":667,"2,126":668,"2,127":669,"2,128":670,"2,129":671,"2,130":672,"2,131":673,"2,132":674,"2,133":675,"2,134":676,"2,135":677,"2,136":678,"2,137":679,"2,138":680,"2,139":681,"2,140":682,"2,141":683,"2,142":684,"2,143":685,"2,144":686,"2,145":687,"2,146":688,"2,147":689,"2,148":690,"2,149":691,"2,150":692,"2,151":693,"2,152":694,"2,153":695,"2,154":696,"2,155":697,"2,156":698,"2,157":699,"2,158":700,"2,159":701,"2,160":702,"2,161":703,"2,162":704,"2,163":705,"2,164":706,"2,165":707,"2,166":708,"2,167":709,"2,168":710,"2,169":711,"2,170":712,"2,171":713,"2,172":714,"2,173":715,"2,174":716,"2,175":717,"2,176":718,"2,177":719,"2,178":720,"2,179":721,"2,180":722,"2,181":723,"2,182":724,"2,183":725,"2,184":726,"2,185":727,"2,186":728,"2,187":729,"2,188":730,"2,189":731,"2,190":732,"2,191":733,"2,192":734,"2,193":735,"2,194":736,"2,195":737,"2,196":738,"2,197":739,"2,198":740,"2,199":741,"2,200":742,"2,201":743,"2,202":744,"2,203":745,"2,204":746,"2,205":747,"2,206":748,"2,207":749,"2,208":750,"2,209":751,"2,210":752,"2,211":753,"2,212":754,"2,213":755,"2,214":756,"2,215":757,"2,216":758,"2,217":759,"2,218":760,"2,219":761,"2,220":762,"2,221":763,"2,222":764,"2,223":765,"2,224":766,"2,225":767,"2,226":768,"2,227":769,"2,228":770,"2,229":771,"2,230":772,"2,231":773,"2,232":774,"2,233":775,"2,234":776,"2,235":777,"2,236":778,"2,237":779,"2,238":780,"2,239":781,"2,240":782,"2,241":783,"2,242":784,"2,243":785,"2,244":786,"2,245":787,"2,246":788,"2,247":789,"2,248":790,"2,249":791,"2,250":792,"2,251":793,"2,252":794,"2,253":795,"2,254":796,"2,255":797,"2,256":798,"2,257":799,"2,258":800,"2,259":801,"2,260":802,"2,261":803,"2,262":804,"2,263":805,"2,264":806,"2,265":807,"2,266":808,"2,267":809,"2,268":810,"2,269":811,"2,270":812,"2,271":813,"2,272":814,"2,273":815,"2,274":816,"2,275":817,"2,276":818,"2,277":819,"2,278":820,"2,279":821,"2,280":822,"2,281":823,"2,282":824,"2,283":825,"2,284":826,"2,285":827,"2,286":828,"2,287":829,"2,288":830,"2,289":831,"2,290":832,"2,291":833,"2,292":834,"2,293":835,"2,294":836,"2,295":837,"2,296":838,"2,297":839,"2,298":840,"2,299":841,"2,300":842,"2,301":843,"2,302":844,"2,303":845,"2,304":846,"2,305":847,"2,306":848,"2,307":849,"2,308":850,"2,309":851,"2,310":852,"2,311":853,"2,312":854,"2,313":855,"2,314":856,"2,315":857,"2,316":858,"2,317":859,"2,318":860,"2,319":861,"2,320":862,"2,321":863,"2,322":864,"2,323":865,"2,324":866,"2,325":867,"2,326":868,"2,327":869,"2,328":870,"2,329":871,"2,330":872,"2,331":873,"2,332":874,"2,333":875,"2,334":876,"2,335":877,"2,336":878,"2,337":879,"2,338":880,"2,339":881,"2,340":882,"2,341":883,"2,342":884,"2,343":885,"2,344":886,"2,345":887,"2,346":888,"2,347":889,"2,348":890,"2,349":891,"2,350":892,"2,351":893,"2,352":894,"2,353":895,"2,354":896,"2,355":897,"2,356":898,"2,357":899,"2,358":900,"2,359":901,"2,360":902,"2,361":903,"2,362":904,"2,363":905,"2,364":906,"2,365":907,"2,366":908,"2,367":909,"2,368":910,"2,369":911,"2,370":912,"2,371":913,"2,372":914,"2,373":915,"2,374":916,"2,375":917,"2,376":918,"2,377":919,"2,378":920,"2,379":921,"2,380":922,"2,381":923,"2,382":924,"2,383":925,"2,384":926,"2,385":927,"2,386":928,"2,387":929,"2,388":930,"2,389":931,"2,390":932,"2,391":933,"2,392":934,"2,393":935,"2,394":936,"2,395":937,"2,396":938,"2,397":939,"2,398":940,"2,399":941,"2,400":942,"2,401":943,"2,402":944,"2,403":945,"2,404":946,"2,405":947,"2,406":948,"2,407":949,"2,408":950,"2,409":951,"2,410":952,"2,411":953,"2,412":954,"2,413":955,"2,414":956,"2,415":957,"2,416":958,"2,417":959,"2,418":960,"2,419":961,"2,420":962,"2,421":963,"2,422":964,"2,423":965,"2,424":966,"2,425":967,"2,426":968,"2,427":969,"2,428":970,"2,429":971,"2,430":972,"2,431":973,"2,432":974,"2,433":975,"2,434":976,"2,435":977,"2,436":978,"2,437":979,"2,438":980,"2,439":981,"2,440":982,"2,441":983,"2,442":984,"2,443":985,"2,444":986,"2,445":987,"2,446":988,"2,447":989,"2,448":990,"2,449":991,"2,450":992,"2,451":993,"2,452":994,"2,453":995,"2,454":996,"2,455":997,"2,456":998,"2,457":999,"2,458":1000,"2,459":1001,"2,460":1002,"2,461":1003,"2,462":1004,"2,463":1005,"2,464":1006,"2,465":1007,"2,466":1008,"2,467":1009,"2,468":1010,"2,469":1011,"2,470":1012,"2,471":1013,"2,472":1014,"2,473":1015,"2,474":1016,"2,475":1017,"2,476":1018,"2,477":1019,"2,478":1020,"2,479":1021,"2,480":1022,"2,481":1023,"2,482":1024,"2,483":1025,"2,484":1026,"2,485":1027,"2,486":1028,"2,487":1029,"2,488":1030,"2,489":1031,"2,490":1032,"2,491":1033,"2,492":1034,"2,493":1035,"2,494":1036,"2,495":1037,"2,496":1038,"2,497":1039,"2,498":1040,"2,499":1041,"2,500":1042,"2,501":1043,"2,502":1044,"2,503":1045,"2,504":1046,"2,505":1047,"2,506":1048,"2,507":1049,"2,508":1050,"2,509":1051,"2,510":1052,"2,511":1053,"2,512":1054,"2,513":1055,"2,514":1056,"2,515":1057,"2,516":1058,"2,517":1059,"2,518":1060,"2,519":1061,"2,520":1062,"2,521":1063,"2,522":1064,"2,523":1065,"2,524":1066,"2,525":1067,"2,526":1068,"2,527":1069,"2,528":1070,"2,529":1071,"2,530":1072,"2,531":1073,"2,532":1074,"2,533":1075,"2,534":1076,"2,535":1077,"2,536":1078,"2,537":1079,"2,538":1080,"2,539":1081,"2,540":1082,"2,541":1083,"2,542":1084,"2,543":1085,"2,544":1086,"2,545":1087,"2,546":1088,"2,547":1089,"2,548":1090,"2,549":1091,"2,550":1092,"2,551":1093,"2,552":1094,"2,553":1095,"2,554":1096,"2,555":1097,"2,556":1098,"2,557":1099,"2,558":1100,"2,559":1101,"2,560":1102,"2,561":1103,"2,562":1104,"2,563":1105,"2,564":1106,"2,565":1107,"2,566":1108,"2,567":1109,"2,568":1110,"2,569":1111,"2,570":1112,"2,571":1113,"2,572":1114,"2,573":1115,"2,574":1116,"2,575":1117,"2,576":1118,"2,577":1119,"2,578":1120,"2,579":1121,"2,580":1122,"3,4":1123,"3,5":1124,"3,6":1125,"3,7":1126,"3,8":1127,"3,9":1128,"3,10":1129,"3,11":1130,"3,12":1131,"3,13":1132,"3,14":1133,"3,15":1134,"3,16":1135,"3,17":1136,"3,18":1137,"3,19":1138,"3,20":1139,"3,21":1140,"3,22":1141,"3,23":1142,"3,24":1143,"3,25":1144,"3,26":1145,"3,27":1146,"3,28":1147,"3,29":1148,"3,30":1149,"3,31":1150,"3,32":1151,"3,33":1152,"3,34":1153,"3,35":1154,"3,36":1155,"3,37":1156,"3,38":1157,"3,39":1158,"3,40":1159,"3,41":1160,"3,42":1161,"3,43":1162,"3,44":1163,"3,45":1164,"3,46":1165,"3,47":1166,"3,48":1167,"3,49":1168,"3,50":1169,"3,51":1170,"3,52":1171,"3,53":1172,"3,54":1173,"3,55":1174,"3,56":1175,"3,57":1176,"3,58":1177,"3,59":1178,"3,60":1179,"3,61":1180,"3,62":1181,"3,63":1182,"3,64":1183,"3,65":1184,"3,66":1185,"3,67":1186,"3,68":1187,"3,69":1188,"3,70":1189,"3,71":1190,"3,72":1191,"3,73":1192,"3,74":1193,"3,75":1194,"3,76":1195,"3,77":1196,"3,78":1197,"3,79":1198,"3,80":1199,"3,81":1200,"3,82":1201,"3,83":1202,"3,84":1203,"3,85":1204,"3,86":1205,"3,87":1206,"3,88":1207,"3,89":1208,"3,90":1209,"3,91":1210,"3,92":1211,"3,93":1212,"3,94":1213,"3,95":1214,"3,96":1215,"3,97":1216,"3,98":1217,"3,99":1218,"3,100":1219,"3,101":1220,"3,102":1221,"3,103":1222,"3,104":1223,"3,105":1224,"3,106":1225,"3,107":1226,"3,108":1227,"3,109":1228,"3,110":1229,"3,111":1230,"3,112":1231,"3,113":1232,"3,114":1233,"3,115":1234,"3,116":1235,"3,117":1236,"3,118":1237,"3,119":1238,"3,120":1239,"3,121":1240,"3,122":1241,"3,123":1242,"3,124":1243,"3,125":1244,"3,126":1245,"3,127":1246,"3,128":1247,"3,129":1248,"3,130":1249,"3,131":1250,"3,132":1251,"3,133":1252,"3,134":1253,"3,135":1254,"3,136":1255,"3,137":1256,"3,138":1257,"3,139":1258,"3,140":1259,"3,141":1260,"3,142":1261,"3,143":1262,"3,144":1263,"3,145":1264,"3,146":1265,"3,147":1266,"3,148":1267,"3,149":1268,"3,150":1269,"3,151":1270,"3,152":1271,"3,153":1272,"3,154":1273,"3,155":1274,"3,156":1275,"3,157":1276,"3,158":1277,"3,159":1278,"3,160":1279,"3,161":1280,"3,162":1281,"3,163":1282,"3,164":1283,"3,165":1284,"3,166":1285,"3,167":1286,"3,168":1287,"3,169":1288,"3,170":1289,"3,171":1290,"3,172":1291,"3,173":1292,"3,174":1293,"3,175":1294,"3,176":1295,"3,177":1296,"3,178":1297,"3,179":1298,"3,180":1299,"3,181":1300,"3,182":1301,"3,183":1302,"3,184":1303,"3,185":1304,"3,186":1305,"3,187":1306,"3,188":1307,"3,189":1308,"3,190":1309,"3,191":1310,"3,192":1311,"3,193":1312,"3,194":1313,"3,195":1314,"3,196":1315,"3,197":1316,"3,198":1317,"3,199":1318,"3,200":1319,"3,201":1320,"3,202":1321,"3,203":1322,"3,204":1323,"3,205":1324,"3,206":1325,"3,207":1326,"3,208":1327,"3,209":1328,"3,210":1329,"3,211":1330,"3,212":1331,"3,213":1332,"3,214":1333,"3,215":1334,"3,216":1335,"3,217":1336,"3,218":1337,"3,219":1338,"3,220":1339,"3,221":1340,"3,222":1341,"3,223":1342,"3,224":1343,"3,225":1344,"3,226":1345,"3,227":1346,"3,228":1347,"3,229":1348,"3,230":1349,"3,231":1350,"3,232":1351,"3,233":1352,"3,234":1353,"3,235":1354,"3,236":1355,"3,237":1356,"3,238":1357,"3,239":1358,"3,240":1359,"3,241":1360,"3,242":1361,"3,243":1362,"3,244":1363,"3,245":1364,"3,246":1365,"3,247":1366,"3,248":1367,"3,249":1368,"3,250":1369,"3,251":1370,"3,252":1371,"3,253":1372,"3,254":1373,"3,255":1374,"3,256":1375,"3,257":1376,"3,258":1377,"3,259":1378,"3,260":1379,"3,261":1380,"3,262":1381,"3,263":1382,"3,264":1383,"3,265":1384,"3,266":1385,"3,267":1386,"3,268":1387,"3,269":1388,"3,270":1389,"3,271":1390,"3,272":1391,"3,273":1392,"3,274":1393,"3,275":1394,"3,276":1395,"3,277":1396,"3,278":1397,"3,279":1398,"3,280":1399,"3,281":1400,"3,282":1401,"3,283":1402,"3,284":1403,"3,285":1404,"3,286":1405,"3,287":1406,"3,288":1407,"3,289":1408,"3,290":1409,"3,291":1410,"3,292":1411,"3,293":1412,"3,294":1413,"3,295":1414,"3,296":1415,"3,297":1416,"3,298":1417,"3,299":1418,"3,300":1419,"3,301":1420,"3,302":1421,"3,303":1422,"3,304":1423,"3,305":1424,"3,306":1425,"3,307":1426,"3,308":1427,"3,309":1428,"3,310":1429,"3,311":1430,"3,312":1431,"3,313":1432,"3,314":1433,"3,315":1434,"3,316":1435,"3,317":1436,"3,318":1437,"3,319":1438,"3,320":1439,"3,321":1440,"3,322":1441,"3,323":1442,"3,324":1443,"3,325":1444,"3,326":1445,"3,327":1446,"3,328":1447,"3,329":1448,"3,330":1449,"3,331":1450,"3,332":1451,"3,333":1452,"3,334":1453,"3,335":1454,"3,336":1455,"3,337":1456,"3,338":1457,"3,339":1458,"3,340":1459,"3,341":1460,"3,342":1461,"3,343":1462,"3,344":1463,"3,345":1464,"3,346":1465,"3,347":1466,"3,348":1467,"3,349":1468,"3,350":1469,"3,351":1470,"3,352":1471,"3,353":1472,"3,354":1473,"3,355":1474,"3,356":1475,"3,357":1476,"3,358":1477,"3,359":1478,"3,360":1479,"3,361":1480,"3,362":1481,"3,363":1482,"3,364":1483,"3,365":1484,"3,366":1485,"3,367":1486,"3,368":1487,"3,369":1488,"3,370":1489,"3,371":1490,"3,372":1491,"3,373":1492,"3,374":1493,"3,375":1494,"3,376":1495,"3,377":1496,"3,378":1497,"3,379":1498,"3,380":1499,"3,381":1500,"3,382":1501,"3,383":1502,"3,384":1503,"3,385":1504,"3,386":1505,"3,387":1506,"3,388":1507,"3,389":1508,"3,390":1509,"3,391":1510,"3,392":1511,"3,393":1512,"3,394":1513,"3,395":1514,"3,396":1515,"3,397":1516,"3,398":1517,"3,399":1518,"3,400":1519,"3,401":1520,"3,402":1521,"3,403":1522,"3,404":1523,"3,405":1524,"3,406":1525,"3,407":1526,"3,408":1527,"3,409":1528,"3,410":1529,"3,411":1530,"3,412":1531,"3,413":1532,"3,414":1533,"3,415":1534,"3,416":1535,"3,417":1536,"3,418":1537,"3,419":1538,"3,420":1539,"3,421":1540,"3,422":1541,"3,423":1542,"3,424":1543,"3,425":1544,"3,426":1545,"3,427":1546,"3,428":1547,"3,429":1548,"3,430":1549,"3,431":1550,"3,432":1551,"3,433":1552,"3,434":1553,"3,435":1554,"3,436":1555,"3,437":1556,"3,438":1557,"3,439":1558,"3,440":1559,"3,441":1560,"3,442":1561,"3,443":1562,"3,444":1563,"3,445":1564,"3,446":1565,"3,447":1566,"3,448":1567,"3,449":1568,"3,450":1569,"3,451":1570,"3,452":1571,"3,453":1572,"3,454":1573,"3,455":1574,"3,456":1575,"3,457":1576,"3,458":1577,"3,459":1578,"3,460":1579,"3,461":1580,"3,462":1581,"3,463":1582,"3,464":1583,"3,465":1584,"3,466":1585,"3,467":1586,"3,468":1587,"3,469":1588,"3,470":1589,"3,471":1590,"3,472":1591,"3,473":1592,"3,474":1593,"3,475":1594,"3,476":1595,"3,477":1596,"3,478":1597,"3,479":1598,"3,480":1599,"3,481":1600,"3,482":1601,"3,483":1602,"3,484":1603,"3,485":1604,"3,486":1605,"3,487":1606,"3,488":1607,"3,489":1608,"3,490":1609,"3,491":1610,"3,492":1611,"3,493":1612,"3,494":1613,"3,495":1614,"3,496":1615,"3,497":1616,"3,498":1617,"3,499":1618,"3,500":1619,"3,501":1620,"3,502":1621,"3,503":1622,"3,504":1623,"3,505":1624,"3,506":1625,"3,507":1626,"3,508":1627,"3,509":1628,"3,510":1629,"3,511":1630,"3,512":1631,"3,513":1632,"3,514":1633,"3,515":1634,"3,516":1635,"3,517":1636,"3,518":1637,"3,519":1638,"3,520":1639,"3,521":1640,"3,522":1641,"3,523":1642,"3,524":1643,"3,525":1644,"3,526":1645,"3,527":1646,"3,528":1647,"3,529":1648,"3,530":1649,"3,531":1650,"3,532":1651,"3,533":1652,"3,534":1653,"3,535":1654,"3,536":1655,"3,537":1656,"3,538":1657,"3,539":1658,"3,540":1659,"3,541":1660,"3,542":1661,"3,543":1662,"3,544":1663,"3,545":1664,"3,546":1665,"3,547":1666,"3,548":1667,"3,549":1668,"3,550":1669,"3,551":1670,"3,552":1671,"3,553":1672,"3,554":1673,"3,555":1674,"3,556":1675,"3,557":1676,"3,558":1677,"3,559":1678,"3,560":1679,"3,561":1680,"3,562":1681,"3,563":1682,"3,564":1683,"3,565":1684,"3,566":1685,"3,567":1686,"3,568":1687,"3,569":1688,"3,570":1689,"3,571":1690,"3,572":1691,"3,573":1692,"3,574":1693,"3,575":1694,"3,576":1695,"3,577":1696,"3,578":1697,"3,579":1698,"3,580":1699,"3,581":1700,"3,582":1701,"3,583":1702,"3,584":1703,"3,585":1704,"3,586":1705,"3,587":1706,"3,588":1707,"3,589":1708,"3,590":1709,"3,591":1710,"3,592":1711,"3,593":1712,"3,594":1713,"3,595":1714,"3,596":1715,"3,597":1716,"3,598":1717,"3,599":1718,"3,600":1719,"3,601":1720,"3,602":1721,"3,603":1722,"3,604":1723,"3,605":1724,"3,606":1725,"3,607":1726,"3,608":1727,"3,609":1728,"3,610":1729,"3,611":1730,"3,612":1731,"3,613":1732,"3,614":1733,"3,615":1734,"3,616":1735,"3,617":1736,"3,618":1737,"3,619":1738,"3,620":1739,"3,621":1740,"3,622":1741,"3,623":1742,"3,624":1743,"3,625":1744,"3,626":1745,"3,627":1746,"3,628":1747,"3,629":1748,"3,630":1749,"3,631":1750,"3,632":1751,"3,633":1752,"3,634":1753,"3,635":1754,"3,636":1755,"3,637":1756,"3,638":1757,"3,639":1758,"3,640":1759,"3,641":1760,"3,642":1761,"3,643":1762,"3,644":1763,"3,645":1764,"3,646":1765,"3,647":1766,"3,648":1767,"3,649":1768,"3,650":1769,"3,651":1770,"3,652":1771,"3,653":1772,"3,654":1773,"3,655":1774,"3,656":1775,"3,657":1776,"3,658":1777,"3,659":1778,"3,660":1779,"3,661":1780,"3,662":1781,"3,663":1782,"3,664":1783,"3,665":1784,"3,666":1785,"3,667":1786,"3,668":1787,"3,669":1788,"3,670":1789,"3,671":1790,"3,672":1791,"3,673":1792,"3,674":1793,"3,675":1794,"3,676":1795,"3,677":1796,"3,678":1797,"3,679":1798,"3,680":1799,"3,681":1800,"3,682":1801,"3,683":1802,"3,684":1803,"3,685":1804,"3,686":1805,"3,687":1806,"3,688":1807,"3,689":1808,"3,690":1809,"3,691":1810,"3,692":1811,"3,693":1812,"3,694":1813,"3,695":1814,"3,696":1815,"3,697":1816,"3,698":1817,"3,699":1818,"3,700":1819,"3,701":1820,"3,702":1821,"3,703":1822,"3,704":1823,"3,705":1824,"3,706":1825,"3,707":1826,"3,708":1827,"3,709":1828,"3,710":1829,"3,711":1830,"3,712":1831,"3,713":1832,"3,714":1833,"3,715":1834,"3,716":1835,"3,717":1836,"3,718":1837,"3,719":1838,"3,720":1839,"3,721":1840,"3,722":1841,"3,723":1842,"3,724":1843,"3,725":1844,"3,726":1845,"3,727":1846,"3,728":1847,"3,729":1848,"3,730":1849,"3,731":1850,"3,732":1851,"3,733":1852,"3,734":1853,"3,735":1854,"3,736":1855,"3,737":1856,"3,738":1857,"3,739":1858,"3,740":1859,"3,741":1860,"3,742":1861,"3,743":1862,"3,744":1863,"3,745":1864,"3,746":1865,"3,747":1866,"3,748":1867,"3,749":1868,"3,750":1869,"4,4":1870,"4,5":1871,"4,6":1872,"4,7":1873,"4,8":1874,"4,9":1875,"4,10":1876,"4,11":1877,"4,12":1878,"4,13":1879,"4,14":1880,"4,15":1881,"4,16":1882,"4,17":1883,"4,18":1884,"4,19":1885,"4,20":1886,"4,21":1887,"4,22":1888,"4,23":1889,"4,24":1890,"4,25":1891,"4,26":1892,"4,27":1893,"4,28":1894,"4,29":1895,"4,30":1896,"4,31":1897,"4,32":1898,"4,33":1899,"4,34":1900,"4,35":1901,"4,36":1902,"4,37":1903,"4,38":1904,"4,39":1905,"4,40":1906,"4,41":1907,"4,42":1908,"4,43":1909,"4,44":1910,"4,45":1911,"4,46":1912,"4,47":1913,"4,48":1914,"4,49":1915,"4,50":1916,"4,51":1917,"4,52":1918,"4,53":1919,"4,54":1920,"4,55":1921,"4,56":1922,"4,57":1923,"4,58":1924,"4,59":1925,"4,60":1926,"4,61":1927,"4,62":1928,"4,63":1929,"4,64":1930,"4,65":1931,"4,66":1932,"4,67":1933,"4,68":1934,"4,69":1935,"4,70":1936,"4,71":1937,"4,72":1938,"4,73":1939,"4,74":1940,"4,75":1941,"4,76":1942,"4,77":1943,"4,78":1944,"4,79":1945,"4,80":1946,"4,81":1947,"4,82":1948,"4,83":1949,"4,84":1950,"4,85":1951,"4,86":1952,"4,87":1953,"4,88":1954,"4,89":1955,"4,90":1956,"4,91":1957,"4,92":1958,"4,93":1959,"4,94":1960,"4,95":1961,"4,96":1962,"4,97":1963,"4,98":1964,"4,99":1965,"4,100":1966,"4,101":1967,"4,102":1968,"4,103":1969,"4,104":1970,"4,105":1971,"4,106":1972,"4,107":1973,"4,108":1974,"4,109":1975,"4,110":1976,"4,111":1977,"4,112":1978,"4,113":1979,"4,114":1980,"4,115":1981,"4,116":1982,"4,117":1983,"4,118":1984,"4,119":1985,"4,120":1986,"4,121":1987,"4,122":1988,"4,123":1989,"4,124":1990,"4,125":1991,"4,126":1992,"4,127":1993,"4,128":1994,"4,129":1995,"4,130":1996,"4,131":1997,"4,132":1998,"4,133":1999,"4,134":2000,"4,135":2001,"4,136":2002,"4,137":2003,"4,138":2004,"4,139":2005,"4,140":2006,"4,141":2007,"4,142":2008,"4,143":2009,"4,144":2010,"4,145":2011,"4,146":2012,"4,147":2013,"4,148":2014,"4,149":2015,"4,150":2016,"4,151":2017,"4,152":2018,"4,153":2019,"4,154":2020,"4,155":2021,"4,156":2022,"4,157":2023,"4,158":2024,"4,159":2025,"4,160":2026,"4,161":2027,"4,162":2028,"4,163":2029,"4,164":2030,"4,165":2031,"4,166":2032,"4,167":2033,"4,168":2034,"4,169":2035,"4,170":2036,"4,171":2037,"4,172":2038,"4,173":2039,"4,174":2040,"4,175":2041,"4,176":2042,"4,177":2043,"4,178":2044,"4,179":2045,"4,180":2046,"4,181":2047,"4,182":2048,"4,183":2049,"4,184":2050,"4,185":2051,"4,186":2052,"4,187":2053,"4,188":2054,"4,189":2055,"4,190":2056,"4,191":2057,"4,192":2058,"4,193":2059,"4,194":2060,"4,195":2061,"4,196":2062,"4,197":2063,"4,198":2064,"4,199":2065,"4,200":2066,"4,201":2067,"4,202":2068,"4,203":2069,"4,204":2070,"4,205":2071,"4,206":2072,"4,207":2073,"4,208":2074,"4,209":2075,"4,210":2076,"4,211":2077,"4,212":2078,"4,213":2079,"4,214":2080,"4,215":2081,"4,216":2082,"4,217":2083,"4,218":2084,"4,219":2085,"4,220":2086,"4,221":2087,"4,222":2088,"4,223":2089,"4,224":2090,"4,225":2091,"4,226":2092,"4,227":2093,"4,228":2094,"4,229":2095,"4,230":2096,"4,231":2097,"4,232":2098,"4,233":2099,"4,234":2100,"4,235":2101,"4,236":2102,"4,237":2103,"4,238":2104,"4,239":2105,"4,240":2106,"4,241":2107,"4,242":2108,"4,243":2109,"4,244":2110,"4,245":2111,"4,246":2112,"4,247":2113,"4,248":2114,"4,249":2115,"4,250":2116,"4,251":2117,"4,252":2118,"4,253":2119,"4,254":2120,"4,255":2121,"4,256":2122,"4,257":2123,"4,258":2124,"4,259":2125,"4,260":2126,"4,261":2127,"4,262":2128,"4,263":2129,"4,264":2130,"4,265":2131,"4,266":2132,"4,267":2133,"4,268":2134,"4,269":2135,"4,270":2136,"4,271":2137,"4,272":2138,"4,273":2139,"4,274":2140,"4,275":2141,"4,276":2142,"4,277":2143,"4,278":2144,"4,279":2145,"4,280":2146,"4,281":2147,"4,282":2148,"4,283":2149,"4,284":2150,"4,285":2151,"4,286":2152,"4,287":2153,"4,288":2154,"4,289":2155,"4,290":2156,"4,291":2157,"4,292":2158,"4,293":2159,"4,294":2160,"4,295":2161,"4,296":2162,"4,297":2163,"4,298":2164,"4,299":2165,"4,300":2166,"4,301":2167,"4,302":2168,"4,303":2169,"4,304":2170,"4,305":2171,"4,306":2172,"4,307":2173,"4,308":2174,"4,309":2175,"4,310":2176,"4,311":2177,"4,312":2178,"4,313":2179,"4,314":2180,"4,315":2181,"4,316":2182,"4,317":2183,"4,318":2184,"4,319":2185,"4,320":2186,"4,321":2187,"4,322":2188,"4,323":2189,"4,324":2190,"4,325":2191,"4,326":2192,"4,327":2193,"4,328":2194,"4,329":2195,"4,330":2196,"4,331":2197,"4,332":2198,"4,333":2199,"4,334":2200,"4,335":2201,"4,336":2202,"4,337":2203,"4,338":2204,"4,339":2205,"4,340":2206,"4,341":2207,"4,342":2208,"4,343":2209,"4,344":2210,"4,345":2211,"4,346":2212,"4,347":2213,"4,348":2214,"4,349":2215,"4,350":2216,"4,351":2217,"4,352":2218,"4,353":2219,"4,354":2220,"4,355":2221,"4,356":2222,"4,357":2223,"4,358":2224,"4,359":2225,"4,360":2226,"4,361":2227,"4,362":2228,"4,363":2229,"4,364":2230,"4,365":2231,"4,366":2232,"4,367":2233,"4,368":2234,"4,369":2235,"4,370":2236,"4,371":2237,"4,372":2238,"4,373":2239,"4,374":2240,"4,375":2241,"4,376":2242,"4,377":2243,"4,378":2244,"4,379":2245,"4,380":2246,"4,381":2247,"4,382":2248,"4,383":2249,"4,384":2250,"4,385":2251,"4,386":2252,"4,387":2253,"4,388":2254,"4,389":2255,"4,390":2256,"4,391":2257,"4,392":2258,"4,393":2259,"4,394":2260,"4,395":2261,"4,396":2262,"4,397":2263,"4,398":2264,"4,399":2265,"4,400":2266,"4,401":2267,"4,402":2268,"4,403":2269,"4,404":2270,"4,405":2271,"4,406":2272,"4,407":2273,"4,408":2274,"4,409":2275,"4,410":2276,"4,411":2277,"4,412":2278,"4,413":2279,"4,414":2280,"4,415":2281,"4,416":2282,"4,417":2283,"4,418":2284,"4,419":2285,"4,420":2286,"4,421":2287,"4,422":2288,"4,423":2289,"4,424":2290,"4,425":2291,"4,426":2292,"4,427":2293,"4,428":2294,"4,429":2295,"4,430":2296,"4,431":2297,"4,432":2298,"4,433":2299,"4,434":2300,"4,435":2301,"4,436":2302,"4,437":2303,"4,438":2304,"4,439":2305,"4,440":2306,"4,441":2307,"4,442":2308,"4,443":2309,"4,444":2310,"4,445":2311,"4,446":2312,"4,447":2313,"4,448":2314,"4,449":2315,"4,450":2316,"4,451":2317,"4,452":2318,"4,453":2319,"4,454":2320,"4,455":2321,"4,456":2322,"4,457":2323,"4,458":2324,"4,459":2325,"4,460":2326,"4,461":2327,"4,462":2328,"4,463":2329,"4,464":2330,"4,465":2331,"4,466":2332,"4,467":2333,"4,468":2334,"4,469":2335,"4,470":2336,"4,471":2337,"4,472":2338,"4,473":2339,"4,474":2340,"4,475":2341,"4,476":2342,"4,477":2343,"4,478":2344,"4,479":2345,"4,480":2346,"4,481":2347,"4,482":2348,"4,483":2349,"4,484":2350,"4,485":2351,"4,486":2352,"4,487":2353,"4,488":2354,"4,489":2355,"4,490":2356,"4,491":2357,"4,492":2358,"4,493":2359,"4,494":2360,"4,495":2361,"4,496":2362,"4,497":2363,"4,498":2364,"4,499":2365,"4,500":2366,"4,501":2367,"4,502":2368,"4,503":2369,"4,504":2370,"4,505":2371,"4,506":2372,"4,507":2373,"4,508":2374,"4,509":2375,"4,510":2376,"4,511":2377,"4,512":2378,"4,513":2379,"4,514":2380,"4,515":2381,"4,516":2382,"4,517":2383,"4,518":2384,"4,519":2385,"4,520":2386,"4,521":2387,"4,522":2388,"4,523":2389,"4,524":2390,"4,525":2391,"4,526":2392,"4,527":2393,"4,528":2394,"4,529":2395,"4,530":2396,"4,531":2397,"4,532":2398,"4,533":2399,"4,534":2400,"4,535":2401,"4,536":2402,"4,537":2403,"4,538":2404,"4,539":2405,"4,540":2406,"4,541":2407,"4,542":2408,"4,543":2409,"4,544":2410,"4,545":2411,"4,546":2412,"4,547":2413,"4,548":2414,"4,549":2415,"4,550":2416,"4,551":2417,"4,552":2418,"4,553":2419,"4,554":2420,"4,555":2421,"4,556":2422,"4,557":2423,"4,558":2424,"4,559":2425,"4,560":2426,"4,561":2427,"4,562":2428,"4,563":2429,"4,564":2430,"4,565":2431,"4,566":2432,"4,567":2433,"4,568":2434,"4,569":2435,"4,570":2436,"4,571":2437,"4,572":2438,"4,573":2439,"4,574":2440,"4,575":2441,"4,576":2442,"4,577":2443,"4,578":2444,"4,579":2445,"4,580":2446,"4,581":2447,"4,582":2448,"4,583":2449,"4,584":2450,"4,585":2451,"4,586":2452,"4,587":2453,"4,588":2454,"4,589":2455,"4,590":2456,"4,591":2457,"4,592":2458,"4,593":2459,"4,594":2460,"4,595":2461,"4,596":2462,"4,597":2463,"4,598":2464,"4,599":2465,"4,600":2466,"4,601":2467,"4,602":2468,"4,603":2469,"4,604":2470,"4,605":2471,"4,606":2472,"4,607":2473,"4,608":2474,"4,609":2475,"4,610":2476,"4,611":2477,"4,612":2478,"4,613":2479,"4,614":2480,"4,615":2481,"4,616":2482,"4,617":2483,"4,618":2484,"4,619":2485,"4,620":2486,"4,621":2487,"4,622":2488,"4,623":2489,"4,624":2490,"4,625":2491,"4,626":2492,"4,627":2493,"4,628":2494,"4,629":2495,"4,630":2496,"4,631":2497,"4,632":2498,"4,633":2499,"4,634":2500,"4,635":2501,"4,636":2502,"4,637":2503,"4,638":2504,"4,639":2505,"4,640":2506,"4,641":2507,"4,642":2508,"4,643":2509,"4,644":2510,"4,645":2511,"4,646":2512,"4,647":2513,"4,648":2514,"4,649":2515,"4,650":2516,"4,651":2517,"4,652":2518,"4,653":2519,"4,654":2520,"4,655":2521,"4,656":2522,"4,657":2523,"4,658":2524,"4,659":2525,"4,660":2526,"4,661":2527,"4,662":2528,"4,663":2529,"4,664":2530,"4,665":2531,"4,666":2532,"4,667":2533,"4,668":2534,"4,669":2535,"4,670":2536,"4,671":2537,"4,672":2538,"4,673":2539,"4,674":2540,"4,675":2541,"4,676":2542,"4,677":2543,"4,678":2544,"4,679":2545,"4,680":2546,"4,681":2547,"4,682":2548,"4,683":2549,"4,684":2550,"4,685":2551,"4,686":2552,"4,687":2553,"4,688":2554,"4,689":2555,"4,690":2556,"4,691":2557,"4,692":2558,"4,693":2559,"4,694":2560,"4,695":2561,"4,696":2562,"4,697":2563,"4,698":2564,"4,699":2565,"4,700":2566,"4,701":2567,"4,702":2568,"4,703":2569,"4,704":2570,"4,705":2571,"4,706":2572,"4,707":2573,"4,708":2574,"4,709":2575,"4,710":2576,"4,711":2577,"4,712":2578,"4,713":2579,"4,714":2580,"4,715":2581,"4,716":2582,"4,717":2583,"4,718":2584,"4,719":2585,"4,720":2586,"4,721":2587,"4,722":2588,"4,723":2589,"4,724":2590,"4,725":2591,"4,726":2592,"4,727":2593,"4,728":2594,"4,729":2595,"4,730":2596,"4,731":2597,"4,732":2598,"4,733":2599,"4,734":2600,"4,735":2601,"4,736":2602,"4,737":2603,"4,738":2604,"4,739":2605,"4,740":2606,"4,741":2607,"4,742":2608,"4,743":2609,"4,744":2610,"4,745":2611,"4,746":2612,"4,747":2613,"4,748":2614,"4,749":2615,"4,750":2616,"4,751":2617,"4,752":2618,"4,753":2619,"4,754":2620,"4,755":2621,"4,756":2622,"4,757":2623,"4,758":2624,"4,759":2625,"4,760":2626,"4,761":2627,"4,762":2628,"4,763":2629,"4,764":2630,"4,765":2631,"4,766":2632,"4,767":2633,"4,768":2634,"4,769":2635,"4,770":2636,"4,771":2637,"4,772":2638,"4,773":2639,"4,774":2640,"4,775":2641,"4,776":2642,"4,777":2643,"4,778":2644,"4,779":2645,"4,780":2646,"4,781":2647,"4,782":2648,"4,783":2649,"4,784":2650,"4,785":2651,"4,786":2652,"4,787":2653,"4,788":2654,"4,789":2655,"4,790":2656,"4,791":2657,"4,792":2658,"4,793":2659,"4,794":2660,"4,795":2661,"4,796":2662,"4,797":2663,"4,798":2664,"4,799":2665,"4,800":2666,"4,801":2667,"4,802":2668,"4,803":2669,"4,804":2670,"4,805":2671,"4,806":2672,"4,807":2673,"4,808":2674,"4,809":2675,"4,810":2676,"4,811":2677,"4,812":2678,"4,813":2679,"4,814":2680,"4,815":2681,"4,816":2682,"4,817":2683,"4,818":2684,"4,819":2685,"4,820":2686,"4,821":2687,"4,822":2688,"4,823":2689,"4,824":2690,"4,825":2691,"4,826":2692,"4,827":2693,"4,828":2694,"4,829":2695,"4,830":2696,"4,831":2697,"4,832":2698,"4,833":2699,"4,834":2700,"4,835":2701,"4,836":2702,"4,837":2703,"4,838":2704,"4,839":2705,"4,840":2706,"4,841":2707,"4,842":2708,"4,843":2709,"4,844":2710,"4,845":2711,"4,846":2712,"4,847":2713,"4,848":2714,"4,849":2715,"4,850":2716,"4,851":2717,"4,852":2718,"4,853":2719,"4,854":2720,"4,855":2721,"4,856":2722,"4,857":2723,"4,858":2724,"4,859":2725,"4,860":2726,"4,861":2727,"4,862":2728,"4,863":2729,"4,864":2730,"4,865":2731,"4,866":2732,"4,867":2733,"4,868":2734,"4,869":2735,"4,870":2736,"4,871":2737,"5,4":2738,"5,5":2739,"5,6":2740,"5,7":2741,"5,8":2742,"5,9":2743,"5,10":2744,"5,11":2745,"5,12":2746,"5,13":2747,"5,14":2748,"5,15":2749,"5,16":2750,"5,17":2751,"5,18":2752,"5,19":2753,"5,20":2754,"5,21":2755,"5,22":2756,"5,23":2757,"5,24":2758,"5,25":2759,"5,26":2760,"5,27":2761,"5,28":2762,"5,29":2763,"5,30":2764,"5,31":2765,"5,32":2766,"5,33":2767,"5,34":2768,"5,35":2769,"5,36":2770,"5,37":2771,"5,38":2772,"5,39":2773,"5,40":2774,"5,41":2775,"5,42":2776,"5,43":2777,"5,44":2778,"5,45":2779,"5,46":2780,"5,47":2781,"5,48":2782,"5,49":2783,"5,50":2784,"5,51":2785,"5,52":2786,"5,53":2787,"5,54":2788,"5,55":2789,"5,56":2790,"5,57":2791,"5,58":2792,"5,59":2793,"5,60":2794,"5,61":2795,"5,62":2796,"5,63":2797,"5,64":2798,"5,65":2799,"5,66":2800,"5,67":2801,"5,68":2802,"5,69":2803,"5,70":2804,"5,71":2805,"5,72":2806,"5,73":2807,"5,74":2808,"5,75":2809,"5,76":2810,"5,77":2811,"5,78":2812,"5,79":2813,"5,80":2814,"5,81":2815,"5,82":2816,"5,83":2817,"5,84":2818,"5,85":2819,"5,86":2820,"5,87":2821,"5,88":2822,"5,89":2823,"5,90":2824,"5,91":2825,"5,92":2826,"5,93":2827,"5,94":2828,"5,95":2829,"5,96":2830,"5,97":2831,"5,98":2832,"5,99":2833,"5,100":2834,"5,101":2835,"5,102":2836,"5,103":2837,"5,104":2838,"5,105":2839,"5,106":2840,"5,107":2841,"5,108":2842,"5,109":2843,"5,110":2844,"5,111":2845,"5,112":2846,"5,113":2847,"5,114":2848,"5,115":2849,"5,116":2850,"5,117":2851,"5,118":2852,"5,119":2853,"5,120":2854,"5,121":2855,"5,122":2856,"5,123":2857,"5,124":2858,"5,125":2859,"5,126":2860,"5,127":2861,"5,128":2862,"5,129":2863,"5,130":2864,"5,131":2865,"5,132":2866,"5,133":2867,"5,134":2868,"5,135":2869,"5,136":2870,"5,137":2871,"5,138":2872,"5,139":2873,"5,140":2874,"5,141":2875,"5,142":2876,"5,143":2877,"5,144":2878,"5,145":2879,"5,146":2880,"5,147":2881,"5,148":2882,"5,149":2883,"5,150":2884,"5,151":2885,"5,152":2886,"5,153":2887,"5,154":2888,"5,155":2889,"5,156":2890,"5,157":2891,"5,158":2892,"5,159":2893,"5,160":2894,"5,161":2895,"5,162":2896,"5,163":2897,"5,164":2898,"5,165":2899,"5,166":2900,"5,167":2901,"5,168":2902,"5,169":2903,"5,170":2904,"5,171":2905,"5,172":2906,"5,173":2907,"5,174":2908,"5,175":2909,"5,176":2910,"5,177":2911,"5,178":2912,"5,179":2913,"5,180":2914,"5,181":2915,"5,182":2916,"5,183":2917,"5,184":2918,"5,185":2919,"5,186":2920,"5,187":2921,"5,188":2922,"5,189":2923,"5,190":2924,"5,191":2925,"5,192":2926,"5,193":2927,"5,194":2928,"5,195":2929,"5,196":2930,"5,197":2931,"5,198":2932,"5,199":2933,"5,200":2934,"5,201":2935,"5,202":2936,"5,203":2937,"5,204":2938,"5,205":2939,"5,206":2940,"5,207":2941,"5,208":2942,"5,209":2943,"5,210":2944,"5,211":2945,"5,212":2946,"5,213":2947,"5,214":2948,"5,215":2949,"5,216":2950,"5,217":2951,"5,218":2952,"5,219":2953,"5,220":2954,"5,221":2955,"5,222":2956,"5,223":2957,"5,224":2958,"5,225":2959,"5,226":2960,"5,227":2961,"5,228":2962,"5,229":2963,"5,230":2964,"5,231":2965,"5,232":2966,"5,233":2967,"5,234":2968,"5,235":2969,"5,236":2970,"5,237":2971,"5,238":2972,"5,239":2973,"5,240":2974,"5,241":2975,"5,242":2976,"5,243":2977,"5,244":2978,"5,245":2979,"5,246":2980,"5,247":2981,"5,248":2982,"5,249":2983,"5,250":2984,"5,251":2985,"5,252":2986,"5,253":2987,"5,254":2988,"5,255":2989,"5,256":2990,"5,257":2991,"5,258":2992,"5,259":2993,"5,260":2994,"5,261":2995,"5,262":2996,"5,263":2997,"5,264":2998,"5,265":2999,"5,266":3000,"5,267":3001,"5,268":3002,"5,269":3003,"5,270":3004,"5,271":3005,"5,272":3006,"5,273":3007,"5,274":3008,"5,275":3009,"5,276":3010,"5,277":3011,"5,278":3012,"5,279":3013,"5,280":3014,"5,281":3015,"5,282":3016,"5,283":3017,"5,284":3018,"5,285":3019,"5,286":3020,"5,287":3021,"5,288":3022,"5,289":3023,"5,290":3024,"5,291":3025,"5,292":3026,"5,293":3027,"5,294":3028,"5,295":3029,"5,296":3030,"5,297":3031,"5,298":3032,"5,299":3033,"5,300":3034,"5,301":3035,"5,302":3036,"5,303":3037,"5,304":3038,"5,305":3039,"5,306":3040,"5,307":3041,"5,308":3042,"5,309":3043,"5,310":3044,"5,311":3045,"5,312":3046,"5,313":3047,"5,314":3048,"5,315":3049,"5,316":3050,"5,317":3051,"5,318":3052,"5,319":3053,"5,320":3054,"5,321":3055,"5,322":3056,"5,323":3057,"5,324":3058,"5,325":3059,"5,326":3060,"5,327":3061,"5,328":3062,"5,329":3063,"5,330":3064,"5,331":3065,"5,332":3066,"5,333":3067,"5,334":3068,"5,335":3069,"5,336":3070,"5,337":3071,"5,338":3072,"5,339":3073,"5,340":3074,"5,341":3075,"5,342":3076,"5,343":3077,"5,344":3078,"5,345":3079,"5,346":3080,"5,347":3081,"5,348":3082,"5,349":3083,"5,350":3084,"5,351":3085,"5,352":3086,"5,353":3087,"5,354":3088,"5,355":3089,"5,356":3090,"5,357":3091,"5,358":3092,"5,359":3093,"5,360":3094,"5,361":3095,"5,362":3096,"5,363":3097,"5,364":3098,"5,365":3099,"5,366":3100,"5,367":3101,"5,368":3102,"5,369":3103,"5,370":3104,"5,371":3105,"5,372":3106,"5,373":3107,"5,374":3108,"5,375":3109,"5,376":3110,"5,377":3111,"5,378":3112,"5,379":3113,"5,380":3114,"5,381":3115,"5,382":3116,"5,383":3117,"5,384":3118,"5,385":3119,"5,386":3120,"5,387":3121,"5,388":3122,"5,389":3123,"5,390":3124,"5,391":3125,"5,392":3126,"5,393":3127,"5,394":3128,"5,395":3129,"5,396":3130,"5,397":3131,"5,398":3132,"5,399":3133,"5,400":3134,"5,401":3135,"5,402":3136,"5,403":3137,"5,404":3138,"5,405":3139,"5,406":3140,"5,407":3141,"5,408":3142,"5,409":3143,"5,410":3144,"5,411":3145,"5,412":3146,"5,413":3147,"5,414":3148,"5,415":3149,"5,416":3150,"5,417":3151,"5,418":3152,"5,419":3153,"5,420":3154,"5,421":3155,"5,422":3156,"5,423":3157,"5,424":3158,"5,425":3159,"5,426":3160,"5,427":3161,"5,428":3162,"5,429":3163,"5,430":3164,"5,431":3165,"5,432":3166,"5,433":3167,"5,434":3168,"5,435":3169,"5,436":3170,"5,437":3171,"5,438":3172,"5,439":3173,"5,440":3174,"5,441":3175,"5,442":3176,"5,443":3177,"5,444":3178,"5,445":3179,"5,446":3180,"5,447":3181,"5,448":3182,"5,449":3183,"5,450":3184,"5,451":3185,"5,452":3186,"5,453":3187,"5,454":3188,"5,455":3189,"5,456":3190,"5,457":3191,"5,458":3192,"5,459":3193,"5,460":3194,"5,461":3195,"5,462":3196,"5,463":3197,"5,464":3198,"5,465":3199,"5,466":3200,"5,467":3201,"5,468":3202,"5,469":3203,"5,470":3204,"5,471":3205,"5,472":3206,"5,473":3207,"5,474":3208,"5,475":3209,"5,476":3210,"5,477":3211,"5,478":3212,"5,479":3213,"5,480":3214,"5,481":3215,"5,482":3216,"5,483":3217,"5,484":3218,"5,485":3219,"5,486":3220,"5,487":3221,"5,488":3222,"5,489":3223,"5,490":3224,"5,491":3225,"5,492":3226,"5,493":3227,"5,494":3228,"5,495":3229,"5,496":3230,"5,497":3231,"5,498":3232,"5,499":3233,"5,500":3234,"5,501":3235,"5,502":3236,"5,503":3237,"5,504":3238,"5,505":3239,"5,506":3240,"5,507":3241,"5,508":3242,"5,509":3243,"5,510":3244,"5,511":3245,"5,512":3246,"5,513":3247,"5,514":3248,"5,515":3249,"5,516":3250,"5,517":3251,"5,518":3252,"5,519":3253,"5,520":3254,"5,521":3255,"5,522":3256,"5,523":3257,"5,524":3258,"5,525":3259,"5,526":3260,"5,527":3261,"5,528":3262,"5,529":3263,"5,530":3264,"5,531":3265,"5,532":3266,"5,533":3267,"5,534":3268,"5,535":3269,"5,536":3270,"5,537":3271,"5,538":3272,"5,539":3273,"5,540":3274,"5,541":3275,"5,542":3276,"5,543":3277,"5,544":3278,"5,545":3279,"5,546":3280,"5,547":3281,"5,548":3282,"5,549":3283,"5,550":3284,"5,551":3285,"5,552":3286,"5,553":3287,"5,554":3288,"5,555":3289,"5,556":3290,"5,557":3291,"5,558":3292,"5,559":3293,"5,560":3294,"5,561":3295,"5,562":3296,"5,563":3297,"5,564":3298,"5,565":3299,"5,566":3300,"5,567":3301,"5,568":3302,"5,569":3303,"5,570":3304,"5,571":3305,"5,572":3306,"5,573":3307,"5,574":3308,"5,575":3309,"5,576":3310,"5,577":3311,"5,578":3312,"5,579":3313,"5,580":3314,"5,581":3315,"5,582":3316,"5,583":3317,"5,584":3318,"5,585":3319,"5,586":3320,"5,587":3321,"5,588":3322,"5,589":3323,"5,590":3324,"5,591":3325,"5,592":3326,"5,593":3327,"5,594":3328,"5,595":3329,"5,596":3330,"5,597":3331,"5,598":3332,"5,599":3333,"5,600":3334,"5,601":3335,"5,602":3336,"5,603":3337,"5,604":3338,"5,605":3339,"5,606":3340,"5,607":3341,"5,608":3342,"5,609":3343,"5,610":3344,"5,611":3345,"5,612":3346,"5,613":3347,"5,614":3348,"5,615":3349,"5,616":3350,"5,617":3351,"5,618":3352,"5,619":3353,"5,620":3354,"5,621":3355,"5,622":3356,"5,623":3357,"5,624":3358,"5,625":3359,"5,626":3360,"5,627":3361,"5,628":3362,"5,629":3363,"5,630":3364,"5,631":3365,"5,632":3366,"5,633":3367,"5,634":3368,"5,635":3369,"5,636":3370,"5,637":3371,"5,638":3372,"5,639":3373,"5,640":3374,"5,641":3375,"5,642":3376,"5,643":3377,"5,644":3378,"5,645":3379,"5,646":3380,"5,647":3381,"5,648":3382,"5,649":3383,"5,650":3384,"5,651":3385,"5,652":3386,"5,653":3387,"5,654":3388,"5,655":3389,"5,656":3390,"5,657":3391,"5,658":3392,"5,659":3393,"5,660":3394,"5,661":3395,"5,662":3396,"5,663":3397,"5,664":3398,"5,665":3399,"5,666":3400,"5,667":3401,"5,668":3402,"5,669":3403,"5,670":3404,"5,671":3405,"5,672":3406,"5,673":3407,"5,674":3408,"5,675":3409,"5,676":3410,"5,677":3411,"5,678":3412,"5,679":3413,"5,680":3414,"5,681":3415,"5,682":3416,"5,683":3417,"5,684":3418,"5,685":3419,"5,686":3420,"5,687":3421,"5,688":3422,"5,689":3423,"5,690":3424,"5,691":3425,"5,692":3426,"5,693":3427,"5,694":3428,"5,695":3429,"5,696":3430,"5,697":3431,"5,698":3432,"5,699":3433,"5,700":3434,"5,701":3435,"5,702":3436,"5,703":3437,"5,704":3438,"5,705":3439,"5,706":3440,"5,707":3441,"5,708":3442,"5,709":3443,"5,710":3444,"5,711":3445,"5,712":3446,"5,713":3447,"5,714":3448,"5,715":3449,"5,716":3450,"5,717":3451,"5,718":3452,"5,719":3453,"5,720":3454,"5,721":3455,"5,722":3456,"5,723":3457,"5,724":3458,"5,725":3459,"5,726":3460,"5,727":3461,"5,728":3462,"5,729":3463,"5,730":3464,"5,731":3465,"5,732":3466,"5,733":3467,"5,734":3468,"5,735":3469,"5,736":3470,"5,737":3471,"5,738":3472,"5,739":3473,"5,740":3474,"5,741":3475,"5,742":3476,"5,743":3477,"5,744":3478,"5,745":3479,"5,746":3480,"5,747":3481,"5,748":3482,"5,749":3483,"5,750":3484,"5,751":3485,"5,752":3486,"5,753":3487,"5,754":3488,"5,755":3489,"5,756":3490,"5,757":3491,"5,758":3492,"5,759":3493,"5,760":3494,"5,761":3495,"5,762":3496,"5,763":3497,"5,764":3498,"5,765":3499,"5,766":3500,"5,767":3501,"5,768":3502,"5,769":3503,"5,770":3504,"5,771":3505,"5,772":3506,"5,773":3507,"5,774":3508,"5,775":3509,"5,776":3510,"5,777":3511,"5,778":3512,"5,779":3513,"5,780":3514,"5,781":3515,"5,782":3516,"5,783":3517,"5,784":3518,"5,785":3519,"5,786":3520,"5,787":3521,"5,788":3522,"5,789":3523,"5,790":3524,"5,791":3525,"5,792":3526,"5,793":3527,"5,794":3528,"5,795":3529,"5,796":3530,"5,797":3531,"5,798":3532,"5,799":3533,"5,800":3534,"5,801":3535,"5,802":3536,"5,803":3537,"5,804":3538,"5,805":3539,"5,806":3540,"5,807":3541,"5,808":3542,"5,809":3543,"5,810":3544,"5,811":3545,"5,812":3546,"5,813":3547,"5,814":3548,"5,815":3549,"5,816":3550,"5,817":3551,"5,818":3552,"5,819":3553,"5,820":3554,"5,821":3555,"5,823":3556,"5,825":3557,"5,826":3558,"5,827":3559,"5,828":3560,"5,829":3561,"5,830":3562,"5,831":3563,"5,832":3564,"5,833":3565,"5,834":3566,"5,835":3567,"5,836":3568,"5,837":3569,"5,838":3570,"5,839":3571,"5,840":3572,"5,841":3573,"5,842":3574,"5,843":3575,"5,844":3576,"5,845":3577,"5,846":3578,"5,847":3579,"5,848":3580,"5,849":3581,"5,850":3582,"5,851":3583,"5,852":3584,"5,853":3585,"5,854":3586,"5,855":3587,"5,856":3588,"5,857":3589,"5,858":3590,"5,859":3591,"5,860":3592,"5,861":3593,"5,862":3594,"5,863":3595,"5,864":3596,"5,865":3597,"5,866":3598,"5,867":3599,"5,868":3600,"5,869":3601,"5,870":3602,"5,871":3603,"5,872":3604,"5,873":3605,"5,874":3606,"5,875":3607,"5,876":3608,"5,877":3609,"5,878":3610,"5,879":3611,"5,880":3612,"5,881":3613,"5,882":3614,"5,883":3615,"5,884":3616,"5,885":3617,"5,886":3618,"5,887":3619,"5,888":3620,"5,889":3621,"5,890":3622,"5,891":3623,"5,892":3624,"5,893":3625,"5,894":3626,"5,895":3627,"5,896":3628,"5,897":3629,"5,898":3630,"5,899":3631,"5,900":3632,"5,901":3633,"5,902":3634,"5,903":3635,"5,904":3636,"5,905":3637,"5,906":3638,"5,907":3639,"5,908":3640,"5,909":3641,"5,910":3642,"5,911":3643,"5,912":3644,"5,913":3645,"6,4":3646,"6,5":3647,"6,6":3648,"6,7":3649,"6,8":3650,"6,9":3651,"6,10":3652,"6,11":3653,"6,12":3654,"6,13":3655,"6,14":3656,"6,15":3657,"6,16":3658,"6,17":3659,"6,18":3660,"6,19":3661,"6,20":3662,"6,21":3663,"6,22":3664,"6,23":3665,"6,24":3666,"6,25":3667,"6,26":3668,"6,27":3669,"6,28":3670,"6,29":3671,"6,30":3672,"6,31":3673,"6,32":3674,"6,33":3675,"6,34":3676,"6,35":3677,"6,36":3678,"6,37":3679,"6,38":3680,"6,39":3681,"6,40":3682,"6,41":3683,"6,42":3684,"6,43":3685,"6,44":3686,"6,45":3687,"6,46":3688,"6,47":3689,"6,48":3690,"6,49":3691,"6,50":3692,"6,51":3693,"6,52":3694,"6,53":3695,"6,54":3696,"6,55":3697,"6,56":3698,"6,57":3699,"6,58":3700,"6,59":3701,"6,60":3702,"6,61":3703,"6,62":3704,"6,63":3705,"6,64":3706,"6,65":3707,"6,66":3708,"6,67":3709,"6,68":3710,"6,69":3711,"6,70":3712,"6,71":3713,"6,72":3714,"6,73":3715,"6,74":3716,"6,75":3717,"6,76":3718,"6,77":3719,"6,78":3720,"6,79":3721,"6,80":3722,"6,81":3723,"6,82":3724,"6,83":3725,"6,84":3726,"6,85":3727,"6,86":3728,"6,87":3729,"6,88":3730,"6,89":3731,"6,90":3732,"6,91":3733,"6,92":3734,"6,93":3735,"6,94":3736,"6,95":3737,"6,96":3738,"6,97":3739,"6,98":3740,"6,99":3741,"6,100":3742,"6,101":3743,"6,102":3744,"6,103":3745,"6,104":3746,"6,105":3747,"6,106":3748,"6,107":3749,"6,108":3750,"6,109":3751,"6,110":3752,"6,111":3753,"6,112":3754,"6,113":3755,"6,114":3756,"6,115":3757,"6,116":3758,"6,117":3759,"6,118":3760,"6,119":3761,"6,120":3762,"6,121":3763,"6,122":3764,"6,123":3765,"6,124":3766,"6,125":3767,"6,126":3768,"6,127":3769,"6,128":3770,"6,129":3771,"6,130":3772,"6,131":3773,"6,132":3774,"6,133":3775,"6,134":3776,"6,135":3777,"6,136":3778,"6,137":3779,"6,138":3780,"6,139":3781,"6,140":3782,"6,141":3783,"6,142":3784,"6,143":3785,"6,144":3786,"6,145":3787,"6,146":3788,"6,147":3789,"6,148":3790,"6,149":3791,"6,150":3792,"6,151":3793,"6,152":3794,"6,153":3795,"6,154":3796,"6,155":3797,"6,156":3798,"6,157":3799,"6,158":3800,"6,159":3801,"6,160":3802,"6,161":3803,"6,162":3804,"6,163":3805,"6,164":3806,"6,165":3807,"6,166":3808,"6,167":3809,"6,168":3810,"6,169":3811,"6,170":3812,"6,171":3813,"6,172":3814,"6,173":3815,"6,174":3816,"6,175":3817,"6,176":3818,"6,177":3819,"6,178":3820,"6,179":3821,"6,180":3822,"6,181":3823,"6,182":3824,"6,183":3825,"6,184":3826,"6,185":3827,"6,186":3828,"6,187":3829,"6,188":3830,"6,189":3831,"6,190":3832,"6,191":3833,"6,192":3834,"6,193":3835,"6,194":3836,"6,195":3837,"6,196":3838,"6,197":3839,"6,198":3840,"6,199":3841,"6,200":3842,"6,201":3843,"6,202":3844,"6,203":3845,"6,204":3846,"6,205":3847,"6,206":3848,"6,207":3849,"6,208":3850,"6,209":3851,"6,210":3852,"6,211":3853,"6,212":3854,"6,213":3855,"6,214":3856,"6,215":3857,"6,216":3858,"6,217":3859,"6,218":3860,"6,219":3861,"6,220":3862,"6,221":3863,"6,222":3864,"6,223":3865,"6,224":3866,"6,225":3867,"6,226":3868,"6,227":3869,"6,228":3870,"6,229":3871,"6,230":3872,"6,231":3873,"6,232":3874,"6,233":3875,"6,234":3876,"6,235":3877,"6,236":3878,"6,237":3879,"6,238":3880,"6,239":3881,"6,240":3882,"6,241":3883,"6,242":3884,"6,243":3885,"6,244":3886,"6,245":3887,"6,246":3888,"6,247":3889,"6,248":3890,"6,249":3891,"6,250":3892,"6,251":3893,"6,252":3894,"6,253":3895,"6,254":3896,"6,255":3897,"6,256":3898,"6,257":3899,"6,258":3900,"6,259":3901,"6,260":3902,"6,261":3903,"6,262":3904,"6,263":3905,"6,264":3906,"6,265":3907,"6,266":3908,"6,267":3909,"6,268":3910,"6,269":3911,"6,270":3912,"6,271":3913,"6,272":3914,"6,273":3915,"6,274":3916,"6,275":3917,"6,276":3918,"6,277":3919,"6,278":3920,"6,279":3921,"6,280":3922,"6,281":3923,"6,282":3924,"6,283":3925,"6,284":3926,"6,285":3927,"6,287":3928,"6,289":3929,"6,290":3930,"6,291":3931,"6,292":3932,"6,293":3933,"6,294":3934,"6,295":3935,"6,296":3936,"6,297":3937,"6,298":3938,"6,299":3939,"6,300":3940,"6,301":3941,"6,302":3942,"6,303":3943,"6,304":3944,"6,305":3945,"6,306":3946,"6,307":3947,"6,308":3948,"6,309":3949,"6,310":3950,"6,311":3951,"6,312":3952,"6,313":3953,"6,314":3954,"6,315":3955,"6,316":3956,"6,317":3957,"6,318":3958,"6,319":3959,"6,320":3960,"6,321":3961,"6,322":3962,"6,323":3963,"6,324":3964,"6,325":3965,"6,326":3966,"6,327":3967,"6,328":3968,"6,329":3969,"6,330":3970,"6,331":3971,"6,332":3972,"6,333":3973,"6,334":3974,"6,335":3975,"6,336":3976,"6,337":3977,"6,338":3978,"6,339":3979,"6,340":3980,"6,341":3981,"6,342":3982,"6,343":3983,"6,344":3984,"6,345":3985,"6,346":3986,"6,347":3987,"6,348":3988,"6,349":3989,"6,350":3990,"6,351":3991,"6,352":3992,"6,353":3993,"6,354":3994,"6,355":3995,"6,356":3996,"6,357":3997,"6,358":3998,"6,359":3999,"6,360":4000,"6,361":4001,"6,362":4002,"6,363":4003,"6,364":4004,"6,365":4005,"6,366":4006,"6,367":4007,"6,368":4008,"6,369":4009,"6,370":4010,"6,371":4011,"6,372":4012,"6,373":4013,"6,374":4014,"6,375":4015,"6,376":4016,"6,377":4017,"6,378":4018,"6,379":4019,"6,380":4020,"6,381":4021,"6,382":4022,"6,383":4023,"6,384":4024,"6,385":4025,"6,386":4026,"6,387":4027,"6,388":4028,"6,389":4029,"6,390":4030,"6,391":4031,"6,392":4032,"6,393":4033,"6,394":4034,"6,395":4035,"6,396":4036,"6,397":4037,"6,398":4038,"6,399":4039,"6,400":4040,"6,401":4041,"6,402":4042,"6,403":4043,"6,405":4044,"6,406":4045,"6,407":4046,"6,408":4047,"6,409":4048,"6,410":4049,"6,411":4050,"6,412":4051,"6,413":4052,"6,414":4053,"6,415":4054,"6,416":4055,"6,417":4056,"6,418":4057,"6,419":4058,"6,420":4059,"6,421":4060,"6,422":4061,"6,423":4062,"6,424":4063,"6,425":4064,"6,426":4065,"6,427":4066,"6,428":4067,"6,429":4068,"6,430":4069,"6,431":4070,"6,432":4071,"6,433":4072,"6,434":4073,"6,435":4074,"6,437":4075,"6,439":4076,"6,440":4077,"6,441":4078,"6,442":4079,"6,443":4080,"6,444":4081,"6,445":4082,"6,446":4083,"6,447":4084,"6,448":4085,"6,449":4086,"6,450":4087,"6,451":4088,"6,452":4089,"6,453":4090,"6,454":4091,"6,455":4092,"6,456":4093,"6,457":4094,"6,458":4095,"6,459":4096,"6,460":4097,"6,461":4098,"6,462":4099,"6,463":4100,"6,464":4101,"6,465":4102,"6,466":4103,"6,467":4104,"6,468":4105,"6,469":4106,"6,470":4107,"6,471":4108,"6,472":4109,"6,473":4110,"6,474":4111,"6,475":4112,"6,476":4113,"6,477":4114,"6,478":4115,"6,479":4116,"6,480":4117,"6,481":4118,"6,482":4119,"6,483":4120,"6,484":4121,"6,485":4122,"6,486":4123,"6,487":4124,"6,488":4125,"6,489":4126,"6,490":4127,"6,491":4128,"6,492":4129,"6,493":4130,"6,494":4131,"6,495":4132,"6,497":4133,"6,499":4134,"6,500":4135,"6,501":4136,"6,502":4137,"6,503":4138,"6,504":4139,"6,505":4140,"6,507":4141,"6,509":4142,"6,510":4143,"6,511":4144,"6,512":4145,"6,513":4146,"6,514":4147,"6,515":4148,"6,516":4149,"6,517":4150,"6,518":4151,"6,519":4152,"6,520":4153,"6,521":4154,"6,523":4155,"6,525":4156,"6,526":4157,"6,527":4158,"6,528":4159,"6,529":4160,"6,530":4161,"6,531":4162,"6,532":4163,"6,533":4164,"6,534":4165,"6,535":4166,"6,536":4167,"6,537":4168,"6,538":4169,"6,539":4170,"6,540":4171,"6,541":4172,"6,542":4173,"6,543":4174,"6,544":4175,"6,545":4176,"6,547":4177,"6,548":4178,"6,549":4179,"6,550":4180,"6,551":4181,"6,552":4182,"6,553":4183,"6,555":4184,"6,556":4185,"6,557":4186,"6,558":4187,"6,559":4188,"6,560":4189,"6,561":4190,"6,563":4191,"6,565":4192,"6,566":4193,"6,567":4194,"6,568":4195,"6,569":4196,"6,570":4197,"6,571":4198,"6,572":4199,"6,573":4200,"6,574":4201,"6,575":4202,"6,576":4203,"6,577":4204,"6,578":4205,"6,579":4206,"6,580":4207,"6,581":4208,"6,582":4209,"6,583":4210,"6,584":4211,"6,585":4212,"6,586":4213,"6,587":4214,"6,588":4215,"6,589":4216,"6,590":4217,"6,591":4218,"6,592":4219,"6,593":4220,"6,594":4221,"6,595":4222,"6,596":4223,"6,597":4224,"6,598":4225,"6,599":4226,"6,600":4227,"6,601":4228,"6,602":4229,"6,603":4230,"6,604":4231,"6,605":4232,"6,606":4233,"6,607":4234,"6,608":4235,"6,609":4236,"6,610":4237,"6,611":4238,"6,612":4239,"6,613":4240,"6,614":4241,"6,615":4242,"6,616":4243,"6,617":4244,"6,618":4245,"6,619":4246,"6,620":4247,"6,621":4248,"6,622":4249,"6,623":4250,"6,624":4251,"6,625":4252,"6,626":4253,"6,627":4254,"6,628":4255,"6,629":4256,"6,630":4257,"6,631":4258,"6,632":4259,"6,633":4260,"6,634":4261,"6,635":4262,"6,636":4263,"6,637":4264,"6,638":4265,"6,639":4266,"6,640":4267,"6,641":4268,"6,642":4269,"6,643":4270,"6,644":4271,"6,645":4272,"6,646":4273,"6,647":4274,"6,648":4275,"6,649":4276,"6,650":4277,"6,651":4278,"6,652":4279,"6,653":4280,"6,654":4281,"6,655":4282,"6,656":4283,"6,657":4284,"6,658":4285,"6,659":4286,"6,660":4287,"6,661":4288,"6,662":4289,"6,663":4290,"6,664":4291,"6,665":4292,"6,666":4293,"6,667":4294,"6,668":4295,"6,669":4296,"6,671":4297,"6,672":4298,"6,673":4299,"6,674":4300,"6,675":4301,"6,676":4302,"6,677":4303,"6,678":4304,"6,679":4305,"6,680":4306,"6,681":4307,"6,682":4308,"6,683":4309,"6,684":4310,"6,685":4311,"6,686":4312,"6,687":4313,"6,688":4314,"6,689":4315,"6,690":4316,"6,691":4317,"6,693":4318,"6,694":4319,"6,695":4320,"6,696":4321,"6,697":4322,"6,698":4323,"6,699":4324,"6,700":4325,"6,701":4326,"6,702":4327,"6,703":4328,"6,704":4329,"6,705":4330,"6,706":4331,"6,707":4332,"6,709":4333,"6,710":4334,"6,711":4335,"6,712":4336,"6,713":4337,"6,714":4338,"6,715":4339,"6,716":4340,"6,717":4341,"6,718":4342,"6,719":4343,"6,720":4344,"6,721":4345,"6,722":4346,"6,723":4347,"6,724":4348,"6,725":4349,"6,726":4350,"6,727":4351,"6,728":4352,"6,729":4353,"6,731":4354,"6,733":4355,"6,734":4356,"6,735":4357,"6,736":4358,"6,737":4359,"6,738":4360,"6,739":4361,"6,740":4362,"6,741":4363,"6,742":4364,"6,743":4365,"6,744":4366,"6,745":4367,"6,746":4368,"6,747":4369,"6,748":4370,"6,749":4371,"6,750":4372,"6,751":4373,"6,752":4374,"6,753":4375,"6,754":4376,"6,755":4377,"6,756":4378,"6,757":4379,"6,758":4380,"6,759":4381,"6,760":4382,"6,761":4383,"6,762":4384,"7,4":4385,"7,5":4386,"7,6":4387,"7,7":4388,"7,8":4389,"7,9":4390,"7,10":4391,"7,11":4392,"7,12":4393,"7,13":4394,"7,14":4395,"7,15":4396,"7,16":4397,"7,17":4398,"7,18":4399,"7,19":4400,"7,20":4401,"7,21":4402,"7,22":4403,"7,23":4404,"7,24":4405,"7,25":4406,"7,26":4407,"7,27":4408,"7,28":4409,"7,29":4410,"7,30":4411,"7,31":4412,"7,32":4413,"7,33":4414,"7,34":4415,"7,35":4416,"7,36":4417,"7,37":4418,"7,38":4419,"7,39":4420,"7,40":4421,"7,41":4422,"7,43":4423,"7,45":4424,"7,46":4425,"7,47":4426,"7,48":4427,"7,49":4428,"7,50":4429,"7,51":4430,"7,52":4431,"7,53":4432,"7,54":4433,"7,55":4434,"7,56":4435,"7,57":4436,"7,58":4437,"7,59":4438,"7,60":4439,"7,61":4440,"7,62":4441,"7,63":4442,"7,64":4443,"7,65":4444,"7,66":4445,"7,67":4446,"7,68":4447,"7,69":4448,"7,70":4449,"7,71":4450,"7,73":4451,"7,75":4452,"7,76":4453,"7,77":4454,"7,78":4455,"7,79":4456,"7,80":4457,"7,81":4458,"7,82":4459,"7,83":4460,"7,84":4461,"7,85":4462,"7,86":4463,"7,87":4464,"7,88":4465,"7,89":4466,"7,90":4467,"7,91":4468,"7,92":4469,"7,93":4470,"7,94":4471,"7,95":4472,"7,96":4473,"7,97":4474,"7,98":4475,"7,99":4476,"7,100":4477,"7,101":4478,"7,102":4479,"7,103":4480,"7,104":4481,"7,105":4482,"7,106":4483,"7,107":4484,"7,108":4485,"7,109":4486,"7,110":4487,"7,111":4488,"7,113":4489,"7,114":4490,"7,115":4491,"7,116":4492,"7,117":4493,"7,118":4494,"7,119":4495,"7,120":4496,"7,121":4497,"7,122":4498,"7,123":4499,"7,124":4500,"7,125":4501,"7,126":4502,"7,127":4503,"7,128":4504,"7,129":4505,"7,130":4506,"7,131":4507,"7,132":4508,"7,133":4509,"7,134":4510,"7,135":4511,"7,136":4512,"7,137":4513,"7,138":4514,"7,139":4515,"7,140":4516,"7,141":4517,"7,142":4518,"7,143":4519,"7,144":4520,"7,145":4521,"7,146":4522,"7,147":4523,"7,148":4524,"7,149":4525,"7,150":4526,"7,151":4527,"7,152":4528,"7,153":4529,"7,154":4530,"7,155":4531,"7,156":4532,"7,157":4533,"7,159":4534,"7,160":4535,"7,161":4536,"7,162":4537,"7,163":4538,"7,164":4539,"7,165":4540,"7,166":4541,"7,167":4542,"7,168":4543,"7,169":4544,"7,170":4545,"7,171":4546,"7,172":4547,"7,173":4548,"7,174":4549,"7,175":4550,"7,176":4551,"7,177":4552,"7,178":4553,"7,179":4554,"7,180":4555,"7,181":4556,"7,182":4557,"7,183":4558,"7,184":4559,"7,185":4560,"7,186":4561,"7,187":4562,"7,188":4563,"7,189":4564,"7,190":4565,"7,191":4566,"7,192":4567,"7,193":4568,"7,194":4569,"7,195":4570,"7,196":4571,"7,197":4572,"7,198":4573,"7,199":4574,"7,200":4575,"7,201":4576,"7,202":4577,"7,203":4578,"7,204":4579,"7,205":4580,"7,206":4581,"7,207":4582,"7,208":4583,"7,209":4584,"7,210":4585,"7,211":4586,"7,212":4587,"7,213":4588,"7,214":4589,"7,215":4590,"7,216":4591,"7,217":4592,"7,219":4593,"7,221":4594,"7,222":4595,"7,223":4596,"7,224":4597,"7,225":4598,"7,226":4599,"7,227":4600,"7,228":4601,"7,229":4602,"7,230":4603,"7,231":4604,"7,232":4605,"7,233":4606,"7,234":4607,"7,235":4608,"7,236":4609,"7,237":4610,"7,238":4611,"7,239":4612,"7,240":4613,"7,241":4614,"7,242":4615,"7,243":4616,"7,244":4617,"7,245":4618,"7,246":4619,"7,247":4620,"7,248":4621,"7,249":4622,"7,250":4623,"7,251":4624,"7,252":4625,"7,253":4626,"7,254":4627,"7,255":4628,"7,256":4629,"7,257":4630,"7,258":4631,"7,259":4632,"7,260":4633,"7,261":4634,"7,262":4635,"7,263":4636,"7,264":4637,"7,265":4638,"7,266":4639,"7,267":4640,"7,268":4641,"7,269":4642,"7,270":4643,"7,271":4644,"7,272":4645,"7,273":4646,"7,274":4647,"7,275":4648,"7,276":4649,"7,277":4650,"7,278":4651,"7,279":4652,"7,280":4653,"7,281":4654,"7,282":4655,"7,283":4656,"7,284":4657,"7,285":4658,"7,286":4659,"7,287":4660,"7,288":4661,"7,289":4662,"7,290":4663,"7,291":4664,"7,292":4665,"7,293":4666,"7,294":4667,"7,295":4668,"7,296":4669,"7,297":4670,"7,298":4671,"7,299":4672,"7,300":4673,"7,301":4674,"7,302":4675,"7,303":4676,"7,304":4677,"7,305":4678,"7,306":4679,"7,307":4680,"7,308":4681,"7,309":4682,"7,310":4683,"7,311":4684,"7,312":4685,"7,313":4686,"7,314":4687,"7,315":4688,"7,316":4689,"7,317":4690,"7,318":4691,"7,319":4692,"7,320":4693,"7,321":4694,"7,322":4695,"7,323":4696,"7,324":4697,"7,325":4698,"7,326":4699,"7,327":4700,"7,328":4701,"7,329":4702,"7,330":4703,"7,331":4704,"7,332":4705,"7,333":4706,"7,334":4707,"7,335":4708,"7,336":4709,"7,337":4710,"7,339":4711,"7,340":4712,"7,341":4713,"7,342":4714,"7,343":4715,"7,344":4716,"7,345":4717,"7,346":4718,"7,347":4719,"7,349":4720,"7,351":4721,"7,352":4722,"7,353":4723,"7,354":4724,"7,355":4725,"7,356":4726,"7,357":4727,"7,358":4728,"7,359":4729,"7,360":4730,"7,361":4731,"7,362":4732,"7,363":4733,"7,364":4734,"7,365":4735,"7,366":4736,"7,367":4737,"7,368":4738,"7,369":4739,"7,370":4740,"7,371":4741,"7,372":4742,"7,373":4743,"7,374":4744,"7,375":4745,"7,376":4746,"7,377":4747,"7,378":4748,"7,379":4749,"7,380":4750,"7,381":4751,"7,382":4752,"7,383":4753,"7,384":4754,"7,385":4755,"7,387":4756,"7,389":4757,"7,390":4758,"7,391":4759,"7,392":4760,"7,393":4761,"7,394":4762,"7,395":4763,"7,396":4764,"7,397":4765,"7,398":4766,"7,399":4767,"7,400":4768,"7,401":4769,"7,402":4770,"7,403":4771,"7,404":4772,"7,405":4773,"7,406":4774,"7,407":4775,"7,408":4776,"7,409":4777,"7,410":4778,"7,411":4779,"7,412":4780,"7,413":4781,"7,414":4782,"7,415":4783,"7,416":4784,"7,417":4785,"7,418":4786,"7,419":4787,"7,420":4788,"7,421":4789,"7,422":4790,"7,423":4791,"7,424":4792,"7,425":4793,"7,426":4794,"7,427":4795,"7,428":4796,"7,429":4797,"7,430":4798,"7,431":4799,"7,432":4800,"7,433":4801,"7,434":4802,"7,435":4803,"7,436":4804,"7,437":4805,"7,439":4806,"7,441":4807,"7,442":4808,"7,443":4809,"7,444":4810,"7,445":4811,"7,446":4812,"7,447":4813,"7,448":4814,"7,449":4815,"7,450":4816,"7,451":4817,"7,452":4818,"7,453":4819,"7,454":4820,"7,455":4821,"7,456":4822,"7,457":4823,"7,458":4824,"7,459":4825,"7,460":4826,"7,461":4827,"7,462":4828,"7,463":4829,"7,464":4830,"7,465":4831,"7,466":4832,"7,467":4833,"7,468":4834,"7,469":4835,"7,470":4836,"7,471":4837,"7,472":4838,"7,473":4839,"7,474":4840,"7,475":4841,"7,476":4842,"7,477":4843,"7,478":4844,"7,479":4845,"7,480":4846,"7,481":4847,"7,482":4848,"7,483":4849,"7,484":4850,"7,485":4851,"7,486":4852,"7,487":4853,"7,488":4854,"7,489":4855,"7,490":4856,"7,491":4857,"7,492":4858,"7,493":4859,"7,494":4860,"7,495":4861,"7,496":4862,"7,497":4863,"7,498":4864,"7,499":4865,"7,500":4866,"7,501":4867,"7,502":4868,"7,503":4869,"7,504":4870,"7,505":4871,"7,506":4872,"7,507":4873,"7,508":4874,"7,509":4875,"7,510":4876,"7,511":4877,"7,512":4878,"7,513":4879,"7,514":4880,"7,515":4881,"7,516":4882,"7,517":4883,"7,518":4884,"7,519":4885,"7,520":4886,"7,521":4887,"7,522":4888,"7,523":4889,"7,524":4890,"7,525":4891,"7,526":4892,"7,527":4893,"7,528":4894,"7,529":4895,"7,530":4896,"7,531":4897,"7,532":4898,"7,533":4899,"7,534":4900,"7,535":4901,"7,536":4902,"7,537":4903,"7,538":4904,"7,539":4905,"7,540":4906,"7,541":4907,"7,542":4908,"7,543":4909,"7,544":4910,"7,545":4911,"7,546":4912,"7,547":4913,"7,548":4914,"7,549":4915,"7,550":4916,"7,551":4917,"7,552":4918,"7,553":4919,"7,554":4920,"7,555":4921,"7,556":4922,"7,557":4923,"7,558":4924,"7,559":4925,"7,560":4926,"7,561":4927,"7,562":4928,"7,563":4929,"7,564":4930,"7,565":4931,"7,566":4932,"7,567":4933,"7,568":4934,"7,569":4935,"7,570":4936,"7,571":4937,"7,572":4938,"7,573":4939,"7,574":4940,"7,575":4941,"7,576":4942,"7,577":4943,"7,578":4944,"7,579":4945,"7,580":4946,"7,581":4947,"7,582":4948,"7,583":4949,"7,584":4950,"7,585":4951,"7,586":4952,"7,587":4953,"7,588":4954,"7,589":4955,"7,590":4956,"7,591":4957,"7,592":4958,"7,593":4959,"7,594":4960,"7,595":4961,"7,596":4962,"7,597":4963,"7,598":4964,"7,599":4965,"7,600":4966,"7,601":4967,"7,602":4968,"7,603":4969,"7,604":4970,"7,605":4971,"7,606":4972,"7,607":4973,"7,608":4974,"7,609":4975,"7,610":4976,"7,611":4977,"7,612":4978,"7,613":4979,"7,614":4980,"7,615":4981,"7,616":4982,"7,617":4983,"7,618":4984,"7,619":4985,"7,620":4986,"7,621":4987,"7,622":4988,"7,623":4989,"7,624":4990,"7,625":4991,"7,626":4992,"7,627":4993,"7,628":4994,"7,629":4995,"7,630":4996,"7,631":4997,"7,632":4998,"7,633":4999,"7,634":5000,"7,635":5001,"7,636":5002,"7,637":5003,"7,639":5004,"7,640":5005,"7,641":5006,"7,642":5007,"7,643":5008,"7,644":5009,"7,645":5010,"7,646":5011,"7,647":5012,"7,649":5013,"7,650":5014,"7,651":5015,"7,652":5016,"7,653":5017,"7,654":5018,"7,655":5019,"7,656":5020,"7,657":5021,"7,658":5022,"7,659":5023,"7,660":5024,"7,661":5025,"7,662":5026,"7,663":5027,"7,664":5028,"7,665":5029,"7,666":5030,"7,667":5031,"7,668":5032,"7,669":5033,"7,670":5034,"7,671":5035,"7,672":5036,"7,673":5037,"7,674":5038,"7,675":5039,"7,676":5040,"7,677":5041,"7,679":5042,"7,681":5043,"7,682":5044,"7,683":5045,"7,684":5046,"7,685":5047,"7,686":5048,"7,687":5049,"7,688":5050,"7,689":5051,"7,690":5052,"7,691":5053,"7,692":5054,"7,693":5055,"7,694":5056,"7,695":5057,"7,696":5058,"7,697":5059,"7,699":5060,"7,700":5061,"7,701":5062,"7,702":5063,"7,703":5064,"7,704":5065,"7,705":5066,"7,706":5067,"7,707":5068,"7,708":5069,"7,709":5070,"7,710":5071,"7,711":5072,"7,712":5073,"7,713":5074,"7,714":5075,"7,715":5076,"7,716":5077,"7,717":5078,"7,718":5079,"7,719":5080,"7,720":5081,"7,721":5082,"7,723":5083,"7,725":5084,"7,726":5085,"7,727":5086,"7,728":5087,"7,729":5088,"7,730":5089,"7,731":5090,"7,732":5091,"7,733":5092,"7,734":5093,"7,735":5094,"7,736":5095,"7,737":5096,"7,738":5097,"7,739":5098,"7,741":5099,"7,743":5100,"7,744":5101,"7,745":5102,"7,746":5103,"7,747":5104,"7,748":5105,"7,749":5106,"7,750":5107,"7,751":5108,"7,752":5109,"7,753":5110,"7,754":5111,"7,755":5112,"7,756":5113,"7,757":5114,"7,758":5115,"7,759":5116,"7,760":5117,"7,761":5118,"7,763":5119,"7,765":5120,"7,766":5121,"7,767":5122,"7,768":5123,"7,769":5124,"7,770":5125,"7,771":5126,"7,772":5127,"7,773":5128,"7,774":5129,"7,775":5130,"7,776":5131,"7,777":5132,"7,778":5133,"7,779":5134,"7,780":5135,"7,781":5136,"7,783":5137,"7,784":5138,"7,785":5139,"7,786":5140,"7,787":5141,"7,788":5142,"7,789":5143,"7,790":5144,"7,791":5145,"7,792":5146,"7,793":5147,"7,794":5148,"7,795":5149,"7,796":5150,"7,797":5151,"7,798":5152,"7,799":5153,"7,800":5154,"7,801":5155,"7,802":5156,"7,803":5157,"7,804":5158,"7,805":5159,"7,806":5160,"7,807":5161,"7,808":5162,"7,809":5163,"7,811":5164,"7,813":5165,"7,814":5166,"7,815":5167,"7,816":5168,"7,817":5169,"7,818":5170,"7,819":5171,"7,820":5172,"7,821":5173,"7,822":5174,"7,823":5175,"7,824":5176,"7,825":5177,"7,826":5178,"7,827":5179,"7,828":5180,"7,829":5181,"7,830":5182,"7,831":5183,"7,832":5184,"7,833":5185,"7,834":5186,"7,835":5187,"7,836":5188,"7,837":5189,"7,838":5190,"7,839":5191,"7,840":5192,"7,841":5193,"7,842":5194,"7,843":5195,"7,844":5196,"7,845":5197,"7,846":5198,"7,847":5199,"7,848":5200,"7,849":5201,"7,850":5202,"7,851":5203,"7,852":5204,"7,853":5205,"7,854":5206,"7,855":5207,"7,856":5208,"7,857":5209,"7,859":5210,"7,860":5211,"7,861":5212,"7,862":5213,"7,863":5214,"7,864":5215,"7,865":5216,"7,866":5217,"7,867":5218,"7,868":5219,"7,869":5220,"7,870":5221,"7,871":5222,"7,872":5223,"7,873":5224,"7,874":5225,"7,875":5226,"7,877":5227,"7,879":5228,"7,880":5229,"7,881":5230,"7,882":5231,"7,883":5232,"7,884":5233,"7,885":5234,"7,886":5235},"ٜ":{"المقدمة":[1,39],"1":[3,513],"2":[4,580],"3":[4,750],"4":[4,871],"5":[4,913],"6":[4,762],"7":[4,886]},"ٝ":["المقدمة,1","المقدمة,5","المقدمة,7","المقدمة,8","المقدمة,9","المقدمة,11","المقدمة,12","المقدمة,13","المقدمة,14","المقدمة,15","المقدمة,16","المقدمة,17","المقدمة,18","المقدمة,19","المقدمة,20","المقدمة,21","المقدمة,22","المقدمة,23","المقدمة,24","المقدمة,25","المقدمة,26","المقدمة,27","المقدمة,28","المقدمة,29","المقدمة,30","المقدمة,31","المقدمة,32","المقدمة,33","المقدمة,34","المقدمة,35","المقدمة,36","المقدمة,37","المقدمة,38","المقدمة,39",null,"1,3","1,5","1,6","1,7","1,8","1,9","1,10","1,11","1,12","1,13","1,14","1,15","1,16","1,17","1,18","1,19","1,20","1,21","1,22","1,23","1,24","1,25","1,26","1,27","1,28","1,29","1,30","1,31","1,32","1,33","1,34","1,35","1,36","1,37","1,38","1,39","1,40","1,41","1,42","1,43","1,44","1,45","1,46","1,47","1,48","1,49","1,50","1,51","1,52","1,53","1,54","1,55","1,56","1,57","1,58","1,59","1,60","1,61","1,62","1,63","1,64","1,65","1,66","1,67","1,68","1,69","1,70","1,71","1,72","1,73","1,74","1,75","1,76","1,77","1,78","1,79","1,80","1,81","1,82","1,83","1,84","1,85","1,86","1,87","1,88","1,89","1,90","1,91","1,92","1,93","1,94","1,95","1,96","1,97","1,98","1,99","1,100","1,101","1,102","1,103","1,104","1,105","1,106","1,107","1,108","1,109","1,110","1,111","1,112","1,113","1,114","1,115","1,116","1,117","1,118","1,119","1,120","1,121","1,122","1,123","1,124","1,125","1,126","1,127","1,128","1,129","1,130","1,131","1,132","1,133","1,134","1,135","1,136","1,137","1,138","1,139","1,140","1,141","1,142","1,143","1,144","1,145","1,146","1,147","1,148","1,149","1,150","1,151","1,152","1,153","1,154","1,155","1,156","1,157","1,158","1,159","1,160","1,161","1,162","1,163","1,164","1,165","1,166","1,167","1,168","1,169","1,170","1,171","1,172","1,173","1,174","1,175","1,176","1,177","1,178","1,179","1,180","1,181","1,182","1,183","1,184","1,185","1,186","1,187","1,188","1,189","1,190","1,191","1,192","1,193","1,194","1,195","1,196","1,197","1,198","1,199","1,200","1,201","1,202","1,203","1,204","1,205","1,206","1,207","1,208","1,209","1,210","1,211","1,212","1,213","1,214","1,215","1,216","1,217","1,218","1,219","1,220","1,221","1,222","1,223","1,224","1,225","1,226","1,227","1,228","1,229","1,230","1,231","1,232","1,233","1,234","1,235","1,236","1,237","1,238","1,239","1,240","1,241","1,242","1,243","1,244","1,245","1,246","1,247","1,248","1,249","1,250","1,251","1,252","1,253","1,254","1,255","1,256","1,257","1,258","1,259","1,260","1,261","1,262","1,263","1,264","1,265","1,266","1,267","1,268","1,269","1,270","1,271","1,272","1,273","1,274","1,275","1,276","1,277","1,278","1,279","1,280","1,281","1,282","1,283","1,284","1,285","1,286","1,287","1,288","1,289","1,290","1,291","1,292","1,293","1,294","1,295","1,296","1,297","1,298","1,299","1,300","1,301","1,302","1,303","1,304","1,305","1,306","1,307","1,308","1,309","1,310","1,311","1,312","1,313","1,314","1,315","1,316","1,317","1,318","1,319","1,320","1,321","1,322","1,323","1,324","1,325","1,326","1,327","1,328","1,329","1,330","1,331","1,332","1,333","1,334","1,335","1,336","1,337","1,338","1,339","1,340","1,341","1,342","1,343","1,344","1,345","1,346","1,347","1,348","1,349","1,350","1,351","1,352","1,353","1,354","1,355","1,356","1,357","1,358","1,359","1,360","1,361","1,362","1,363","1,364","1,365","1,366","1,367","1,368","1,369","1,370","1,371","1,372","1,373","1,374","1,375","1,376","1,377","1,378","1,379","1,380","1,381","1,382","1,383","1,384","1,385","1,386","1,387","1,388","1,389","1,390","1,391","1,392","1,393","1,394","1,395","1,396","1,397","1,398","1,399","1,400","1,401","1,402","1,403","1,404","1,405","1,406","1,407","1,408","1,409","1,410","1,411","1,412","1,413","1,414","1,415","1,416","1,417","1,418","1,419","1,420","1,421","1,422","1,423","1,424","1,425","1,426","1,427","1,428","1,429","1,430","1,431","1,432","1,433","1,434","1,435","1,436","1,437","1,438","1,439","1,440","1,441","1,442","1,443","1,444","1,445","1,446","1,447","1,448","1,449","1,450","1,451","1,452","1,453","1,454","1,455","1,456","1,457","1,458","1,459","1,460","1,461","1,462","1,463","1,464","1,465","1,466","1,467","1,468","1,469","1,470","1,471","1,472","1,473","1,474","1,475","1,476","1,477","1,478","1,479","1,480","1,481","1,482","1,483","1,484","1,485","1,486","1,487","1,488","1,489","1,490","1,491","1,492","1,493","1,494","1,495","1,496","1,497","1,498","1,499","1,500","1,501","1,502","1,503","1,504","1,505","1,506","1,507","1,508","1,509","1,510","1,511","1,512","1,513","2,4","2,5","2,6","2,7","2,8","2,9","2,10","2,11","2,12","2,13","2,14","2,15","2,16","2,17","2,18","2,19","2,20","2,21","2,22","2,23","2,24","2,25","2,26","2,27","2,28","2,29","2,30","2,31","2,32","2,33","2,34","2,35","2,36","2,37","2,38","2,39","2,40","2,41","2,42","2,43","2,44","2,45","2,46","2,47","2,48","2,49","2,50","2,51","2,52","2,53","2,54","2,55","2,56","2,57","2,58","2,59","2,60","2,61","2,62","2,63","2,64","2,65","2,66","2,67","2,68","2,69","2,70","2,71","2,72","2,73","2,74","2,75","2,76","2,77","2,78","2,79","2,80","2,81","2,82","2,83","2,84","2,85","2,86","2,87","2,88","2,89","2,90","2,91","2,92","2,93","2,94","2,95","2,96","2,97","2,98","2,99","2,100","2,101","2,102","2,103","2,104","2,105","2,106","2,107","2,108","2,109","2,110","2,111","2,112","2,113","2,114","2,115","2,116","2,117","2,118","2,119","2,120","2,121","2,122","2,123","2,124","2,125","2,126","2,127","2,128","2,129","2,130","2,131","2,132","2,133","2,134","2,135","2,136","2,137","2,138","2,139","2,140","2,141","2,142","2,143","2,144","2,145","2,146","2,147","2,148","2,149","2,150","2,151","2,152","2,153","2,154","2,155","2,156","2,157","2,158","2,159","2,160","2,161","2,162","2,163","2,164","2,165","2,166","2,167","2,168","2,169","2,170","2,171","2,172","2,173","2,174","2,175","2,176","2,177","2,178","2,179","2,180","2,181","2,182","2,183","2,184","2,185","2,186","2,187","2,188","2,189","2,190","2,191","2,192","2,193","2,194","2,195","2,196","2,197","2,198","2,199","2,200","2,201","2,202","2,203","2,204","2,205","2,206","2,207","2,208","2,209","2,210","2,211","2,212","2,213","2,214","2,215","2,216","2,217","2,218","2,219","2,220","2,221","2,222","2,223","2,224","2,225","2,226","2,227","2,228","2,229","2,230","2,231","2,232","2,233","2,234","2,235","2,236","2,237","2,238","2,239","2,240","2,241","2,242","2,243","2,244","2,245","2,246","2,247","2,248","2,249","2,250","2,251","2,252","2,253","2,254","2,255","2,256","2,257","2,258","2,259","2,260","2,261","2,262","2,263","2,264","2,265","2,266","2,267","2,268","2,269","2,270","2,271","2,272","2,273","2,274","2,275","2,276","2,277","2,278","2,279","2,280","2,281","2,282","2,283","2,284","2,285","2,286","2,287","2,288","2,289","2,290","2,291","2,292","2,293","2,294","2,295","2,296","2,297","2,298","2,299","2,300","2,301","2,302","2,303","2,304","2,305","2,306","2,307","2,308","2,309","2,310","2,311","2,312","2,313","2,314","2,315","2,316","2,317","2,318","2,319","2,320","2,321","2,322","2,323","2,324","2,325","2,326","2,327","2,328","2,329","2,330","2,331","2,332","2,333","2,334","2,335","2,336","2,337","2,338","2,339","2,340","2,341","2,342","2,343","2,344","2,345","2,346","2,347","2,348","2,349","2,350","2,351","2,352","2,353","2,354","2,355","2,356","2,357","2,358","2,359","2,360","2,361","2,362","2,363","2,364","2,365","2,366","2,367","2,368","2,369","2,370","2,371","2,372","2,373","2,374","2,375","2,376","2,377","2,378","2,379","2,380","2,381","2,382","2,383","2,384","2,385","2,386","2,387","2,388","2,389","2,390","2,391","2,392","2,393","2,394","2,395","2,396","2,397","2,398","2,399","2,400","2,401","2,402","2,403","2,404","2,405","2,406","2,407","2,408","2,409","2,410","2,411","2,412","2,413","2,414","2,415","2,416","2,417","2,418","2,419","2,420","2,421","2,422","2,423","2,424","2,425","2,426","2,427","2,428","2,429","2,430","2,431","2,432","2,433","2,434","2,435","2,436","2,437","2,438","2,439","2,440","2,441","2,442","2,443","2,444","2,445","2,446","2,447","2,448","2,449","2,450","2,451","2,452","2,453","2,454","2,455","2,456","2,457","2,458","2,459","2,460","2,461","2,462","2,463","2,464","2,465","2,466","2,467","2,468","2,469","2,470","2,471","2,472","2,473","2,474","2,475","2,476","2,477","2,478","2,479","2,480","2,481","2,482","2,483","2,484","2,485","2,486","2,487","2,488","2,489","2,490","2,491","2,492","2,493","2,494","2,495","2,496","2,497","2,498","2,499","2,500","2,501","2,502","2,503","2,504","2,505","2,506","2,507","2,508","2,509","2,510","2,511","2,512","2,513","2,514","2,515","2,516","2,517","2,518","2,519","2,520","2,521","2,522","2,523","2,524","2,525","2,526","2,527","2,528","2,529","2,530","2,531","2,532","2,533","2,534","2,535","2,536","2,537","2,538","2,539","2,540","2,541","2,542","2,543","2,544","2,545","2,546","2,547","2,548","2,549","2,550","2,551","2,552","2,553","2,554","2,555","2,556","2,557","2,558","2,559","2,560","2,561","2,562","2,563","2,564","2,565","2,566","2,567","2,568","2,569","2,570","2,571","2,572","2,573","2,574","2,575","2,576","2,577","2,578","2,579","2,580","3,4","3,5","3,6","3,7","3,8","3,9","3,10","3,11","3,12","3,13","3,14","3,15","3,16","3,17","3,18","3,19","3,20","3,21","3,22","3,23","3,24","3,25","3,26","3,27","3,28","3,29","3,30","3,31","3,32","3,33","3,34","3,35","3,36","3,37","3,38","3,39","3,40","3,41","3,42","3,43","3,44","3,45","3,46","3,47","3,48","3,49","3,50","3,51","3,52","3,53","3,54","3,55","3,56","3,57","3,58","3,59","3,60","3,61","3,62","3,63","3,64","3,65","3,66","3,67","3,68","3,69","3,70","3,71","3,72","3,73","3,74","3,75","3,76","3,77","3,78","3,79","3,80","3,81","3,82","3,83","3,84","3,85","3,86","3,87","3,88","3,89","3,90","3,91","3,92","3,93","3,94","3,95","3,96","3,97","3,98","3,99","3,100","3,101","3,102","3,103","3,104","3,105","3,106","3,107","3,108","3,109","3,110","3,111","3,112","3,113","3,114","3,115","3,116","3,117","3,118","3,119","3,120","3,121","3,122","3,123","3,124","3,125","3,126","3,127","3,128","3,129","3,130","3,131","3,132","3,133","3,134","3,135","3,136","3,137","3,138","3,139","3,140","3,141","3,142","3,143","3,144","3,145","3,146","3,147","3,148","3,149","3,150","3,151","3,152","3,153","3,154","3,155","3,156","3,157","3,158","3,159","3,160","3,161","3,162","3,163","3,164","3,165","3,166","3,167","3,168","3,169","3,170","3,171","3,172","3,173","3,174","3,175","3,176","3,177","3,178","3,179","3,180","3,181","3,182","3,183","3,184","3,185","3,186","3,187","3,188","3,189","3,190","3,191","3,192","3,193","3,194","3,195","3,196","3,197","3,198","3,199","3,200","3,201","3,202","3,203","3,204","3,205","3,206","3,207","3,208","3,209","3,210","3,211","3,212","3,213","3,214","3,215","3,216","3,217","3,218","3,219","3,220","3,221","3,222","3,223","3,224","3,225","3,226","3,227","3,228","3,229","3,230","3,231","3,232","3,233","3,234","3,235","3,236","3,237","3,238","3,239","3,240","3,241","3,242","3,243","3,244","3,245","3,246","3,247","3,248","3,249","3,250","3,251","3,252","3,253","3,254","3,255","3,256","3,257","3,258","3,259","3,260","3,261","3,262","3,263","3,264","3,265","3,266","3,267","3,268","3,269","3,270","3,271","3,272","3,273","3,274","3,275","3,276","3,277","3,278","3,279","3,280","3,281","3,282","3,283","3,284","3,285","3,286","3,287","3,288","3,289","3,290","3,291","3,292","3,293","3,294","3,295","3,296","3,297","3,298","3,299","3,300","3,301","3,302","3,303","3,304","3,305","3,306","3,307","3,308","3,309","3,310","3,311","3,312","3,313","3,314","3,315","3,316","3,317","3,318","3,319","3,320","3,321","3,322","3,323","3,324","3,325","3,326","3,327","3,328","3,329","3,330","3,331","3,332","3,333","3,334","3,335","3,336","3,337","3,338","3,339","3,340","3,341","3,342","3,343","3,344","3,345","3,346","3,347","3,348","3,349","3,350","3,351","3,352","3,353","3,354","3,355","3,356","3,357","3,358","3,359","3,360","3,361","3,362","3,363","3,364","3,365","3,366","3,367","3,368","3,369","3,370","3,371","3,372","3,373","3,374","3,375","3,376","3,377","3,378","3,379","3,380","3,381","3,382","3,383","3,384","3,385","3,386","3,387","3,388","3,389","3,390","3,391","3,392","3,393","3,394","3,395","3,396","3,397","3,398","3,399","3,400","3,401","3,402","3,403","3,404","3,405","3,406","3,407","3,408","3,409","3,410","3,411","3,412","3,413","3,414","3,415","3,416","3,417","3,418","3,419","3,420","3,421","3,422","3,423","3,424","3,425","3,426","3,427","3,428","3,429","3,430","3,431","3,432","3,433","3,434","3,435","3,436","3,437","3,438","3,439","3,440","3,441","3,442","3,443","3,444","3,445","3,446","3,447","3,448","3,449","3,450","3,451","3,452","3,453","3,454","3,455","3,456","3,457","3,458","3,459","3,460","3,461","3,462","3,463","3,464","3,465","3,466","3,467","3,468","3,469","3,470","3,471","3,472","3,473","3,474","3,475","3,476","3,477","3,478","3,479","3,480","3,481","3,482","3,483","3,484","3,485","3,486","3,487","3,488","3,489","3,490","3,491","3,492","3,493","3,494","3,495","3,496","3,497","3,498","3,499","3,500","3,501","3,502","3,503","3,504","3,505","3,506","3,507","3,508","3,509","3,510","3,511","3,512","3,513","3,514","3,515","3,516","3,517","3,518","3,519","3,520","3,521","3,522","3,523","3,524","3,525","3,526","3,527","3,528","3,529","3,530","3,531","3,532","3,533","3,534","3,535","3,536","3,537","3,538","3,539","3,540","3,541","3,542","3,543","3,544","3,545","3,546","3,547","3,548","3,549","3,550","3,551","3,552","3,553","3,554","3,555","3,556","3,557","3,558","3,559","3,560","3,561","3,562","3,563","3,564","3,565","3,566","3,567","3,568","3,569","3,570","3,571","3,572","3,573","3,574","3,575","3,576","3,577","3,578","3,579","3,580","3,581","3,582","3,583","3,584","3,585","3,586","3,587","3,588","3,589","3,590","3,591","3,592","3,593","3,594","3,595","3,596","3,597","3,598","3,599","3,600","3,601","3,602","3,603","3,604","3,605","3,606","3,607","3,608","3,609","3,610","3,611","3,612","3,613","3,614","3,615","3,616","3,617","3,618","3,619","3,620","3,621","3,622","3,623","3,624","3,625","3,626","3,627","3,628","3,629","3,630","3,631","3,632","3,633","3,634","3,635","3,636","3,637","3,638","3,639","3,640","3,641","3,642","3,643","3,644","3,645","3,646","3,647","3,648","3,649","3,650","3,651","3,652","3,653","3,654","3,655","3,656","3,657","3,658","3,659","3,660","3,661","3,662","3,663","3,664","3,665","3,666","3,667","3,668","3,669","3,670","3,671","3,672","3,673","3,674","3,675","3,676","3,677","3,678","3,679","3,680","3,681","3,682","3,683","3,684","3,685","3,686","3,687","3,688","3,689","3,690","3,691","3,692","3,693","3,694","3,695","3,696","3,697","3,698","3,699","3,700","3,701","3,702","3,703","3,704","3,705","3,706","3,707","3,708","3,709","3,710","3,711","3,712","3,713","3,714","3,715","3,716","3,717","3,718","3,719","3,720","3,721","3,722","3,723","3,724","3,725","3,726","3,727","3,728","3,729","3,730","3,731","3,732","3,733","3,734","3,735","3,736","3,737","3,738","3,739","3,740","3,741","3,742","3,743","3,744","3,745","3,746","3,747","3,748","3,749","3,750","4,4","4,5","4,6","4,7","4,8","4,9","4,10","4,11","4,12","4,13","4,14","4,15","4,16","4,17","4,18","4,19","4,20","4,21","4,22","4,23","4,24","4,25","4,26","4,27","4,28","4,29","4,30","4,31","4,32","4,33","4,34","4,35","4,36","4,37","4,38","4,39","4,40","4,41","4,42","4,43","4,44","4,45","4,46","4,47","4,48","4,49","4,50","4,51","4,52","4,53","4,54","4,55","4,56","4,57","4,58","4,59","4,60","4,61","4,62","4,63","4,64","4,65","4,66","4,67","4,68","4,69","4,70","4,71","4,72","4,73","4,74","4,75","4,76","4,77","4,78","4,79","4,80","4,81","4,82","4,83","4,84","4,85","4,86","4,87","4,88","4,89","4,90","4,91","4,92","4,93","4,94","4,95","4,96","4,97","4,98","4,99","4,100","4,101","4,102","4,103","4,104","4,105","4,106","4,107","4,108","4,109","4,110","4,111","4,112","4,113","4,114","4,115","4,116","4,117","4,118","4,119","4,120","4,121","4,122","4,123","4,124","4,125","4,126","4,127","4,128","4,129","4,130","4,131","4,132","4,133","4,134","4,135","4,136","4,137","4,138","4,139","4,140","4,141","4,142","4,143","4,144","4,145","4,146","4,147","4,148","4,149","4,150","4,151","4,152","4,153","4,154","4,155","4,156","4,157","4,158","4,159","4,160","4,161","4,162","4,163","4,164","4,165","4,166","4,167","4,168","4,169","4,170","4,171","4,172","4,173","4,174","4,175","4,176","4,177","4,178","4,179","4,180","4,181","4,182","4,183","4,184","4,185","4,186","4,187","4,188","4,189","4,190","4,191","4,192","4,193","4,194","4,195","4,196","4,197","4,198","4,199","4,200","4,201","4,202","4,203","4,204","4,205","4,206","4,207","4,208","4,209","4,210","4,211","4,212","4,213","4,214","4,215","4,216","4,217","4,218","4,219","4,220","4,221","4,222","4,223","4,224","4,225","4,226","4,227","4,228","4,229","4,230","4,231","4,232","4,233","4,234","4,235","4,236","4,237","4,238","4,239","4,240","4,241","4,242","4,243","4,244","4,245","4,246","4,247","4,248","4,249","4,250","4,251","4,252","4,253","4,254","4,255","4,256","4,257","4,258","4,259","4,260","4,261","4,262","4,263","4,264","4,265","4,266","4,267","4,268","4,269","4,270","4,271","4,272","4,273","4,274","4,275","4,276","4,277","4,278","4,279","4,280","4,281","4,282","4,283","4,284","4,285","4,286","4,287","4,288","4,289","4,290","4,291","4,292","4,293","4,294","4,295","4,296","4,297","4,298","4,299","4,300","4,301","4,302","4,303","4,304","4,305","4,306","4,307","4,308","4,309","4,310","4,311","4,312","4,313","4,314","4,315","4,316","4,317","4,318","4,319","4,320","4,321","4,322","4,323","4,324","4,325","4,326","4,327","4,328","4,329","4,330","4,331","4,332","4,333","4,334","4,335","4,336","4,337","4,338","4,339","4,340","4,341","4,342","4,343","4,344","4,345","4,346","4,347","4,348","4,349","4,350","4,351","4,352","4,353","4,354","4,355","4,356","4,357","4,358","4,359","4,360","4,361","4,362","4,363","4,364","4,365","4,366","4,367","4,368","4,369","4,370","4,371","4,372","4,373","4,374","4,375","4,376","4,377","4,378","4,379","4,380","4,381","4,382","4,383","4,384","4,385","4,386","4,387","4,388","4,389","4,390","4,391","4,392","4,393","4,394","4,395","4,396","4,397","4,398","4,399","4,400","4,401","4,402","4,403","4,404","4,405","4,406","4,407","4,408","4,409","4,410","4,411","4,412","4,413","4,414","4,415","4,416","4,417","4,418","4,419","4,420","4,421","4,422","4,423","4,424","4,425","4,426","4,427","4,428","4,429","4,430","4,431","4,432","4,433","4,434","4,435","4,436","4,437","4,438","4,439","4,440","4,441","4,442","4,443","4,444","4,445","4,446","4,447","4,448","4,449","4,450","4,451","4,452","4,453","4,454","4,455","4,456","4,457","4,458","4,459","4,460","4,461","4,462","4,463","4,464","4,465","4,466","4,467","4,468","4,469","4,470","4,471","4,472","4,473","4,474","4,475","4,476","4,477","4,478","4,479","4,480","4,481","4,482","4,483","4,484","4,485","4,486","4,487","4,488","4,489","4,490","4,491","4,492","4,493","4,494","4,495","4,496","4,497","4,498","4,499","4,500","4,501","4,502","4,503","4,504","4,505","4,506","4,507","4,508","4,509","4,510","4,511","4,512","4,513","4,514","4,515","4,516","4,517","4,518","4,519","4,520","4,521","4,522","4,523","4,524","4,525","4,526","4,527","4,528","4,529","4,530","4,531","4,532","4,533","4,534","4,535","4,536","4,537","4,538","4,539","4,540","4,541","4,542","4,543","4,544","4,545","4,546","4,547","4,548","4,549","4,550","4,551","4,552","4,553","4,554","4,555","4,556","4,557","4,558","4,559","4,560","4,561","4,562","4,563","4,564","4,565","4,566","4,567","4,568","4,569","4,570","4,571","4,572","4,573","4,574","4,575","4,576","4,577","4,578","4,579","4,580","4,581","4,582","4,583","4,584","4,585","4,586","4,587","4,588","4,589","4,590","4,591","4,592","4,593","4,594","4,595","4,596","4,597","4,598","4,599","4,600","4,601","4,602","4,603","4,604","4,605","4,606","4,607","4,608","4,609","4,610","4,611","4,612","4,613","4,614","4,615","4,616","4,617","4,618","4,619","4,620","4,621","4,622","4,623","4,624","4,625","4,626","4,627","4,628","4,629","4,630","4,631","4,632","4,633","4,634","4,635","4,636","4,637","4,638","4,639","4,640","4,641","4,642","4,643","4,644","4,645","4,646","4,647","4,648","4,649","4,650","4,651","4,652","4,653","4,654","4,655","4,656","4,657","4,658","4,659","4,660","4,661","4,662","4,663","4,664","4,665","4,666","4,667","4,668","4,669","4,670","4,671","4,672","4,673","4,674","4,675","4,676","4,677","4,678","4,679","4,680","4,681","4,682","4,683","4,684","4,685","4,686","4,687","4,688","4,689","4,690","4,691","4,692","4,693","4,694","4,695","4,696","4,697","4,698","4,699","4,700","4,701","4,702","4,703","4,704","4,705","4,706","4,707","4,708","4,709","4,710","4,711","4,712","4,713","4,714","4,715","4,716","4,717","4,718","4,719","4,720","4,721","4,722","4,723","4,724","4,725","4,726","4,727","4,728","4,729","4,730","4,731","4,732","4,733","4,734","4,735","4,736","4,737","4,738","4,739","4,740","4,741","4,742","4,743","4,744","4,745","4,746","4,747","4,748","4,749","4,750","4,751","4,752","4,753","4,754","4,755","4,756","4,757","4,758","4,759","4,760","4,761","4,762","4,763","4,764","4,765","4,766","4,767","4,768","4,769","4,770","4,771","4,772","4,773","4,774","4,775","4,776","4,777","4,778","4,779","4,780","4,781","4,782","4,783","4,784","4,785","4,786","4,787","4,788","4,789","4,790","4,791","4,792","4,793","4,794","4,795","4,796","4,797","4,798","4,799","4,800","4,801","4,802","4,803","4,804","4,805","4,806","4,807","4,808","4,809","4,810","4,811","4,812","4,813","4,814","4,815","4,816","4,817","4,818","4,819","4,820","4,821","4,822","4,823","4,824","4,825","4,826","4,827","4,828","4,829","4,830","4,831","4,832","4,833","4,834","4,835","4,836","4,837","4,838","4,839","4,840","4,841","4,842","4,843","4,844","4,845","4,846","4,847","4,848","4,849","4,850","4,851","4,852","4,853","4,854","4,855","4,856","4,857","4,858","4,859","4,860","4,861","4,862","4,863","4,864","4,865","4,866","4,867","4,868","4,869","4,870","4,871","5,4","5,5","5,6","5,7","5,8","5,9","5,10","5,11","5,12","5,13","5,14","5,15","5,16","5,17","5,18","5,19","5,20","5,21","5,22","5,23","5,24","5,25","5,26","5,27","5,28","5,29","5,30","5,31","5,32","5,33","5,34","5,35","5,36","5,37","5,38","5,39","5,40","5,41","5,42","5,43","5,44","5,45","5,46","5,47","5,48","5,49","5,50","5,51","5,52","5,53","5,54","5,55","5,56","5,57","5,58","5,59","5,60","5,61","5,62","5,63","5,64","5,65","5,66","5,67","5,68","5,69","5,70","5,71","5,72","5,73","5,74","5,75","5,76","5,77","5,78","5,79","5,80","5,81","5,82","5,83","5,84","5,85","5,86","5,87","5,88","5,89","5,90","5,91","5,92","5,93","5,94","5,95","5,96","5,97","5,98","5,99","5,100","5,101","5,102","5,103","5,104","5,105","5,106","5,107","5,108","5,109","5,110","5,111","5,112","5,113","5,114","5,115","5,116","5,117","5,118","5,119","5,120","5,121","5,122","5,123","5,124","5,125","5,126","5,127","5,128","5,129","5,130","5,131","5,132","5,133","5,134","5,135","5,136","5,137","5,138","5,139","5,140","5,141","5,142","5,143","5,144","5,145","5,146","5,147","5,148","5,149","5,150","5,151","5,152","5,153","5,154","5,155","5,156","5,157","5,158","5,159","5,160","5,161","5,162","5,163","5,164","5,165","5,166","5,167","5,168","5,169","5,170","5,171","5,172","5,173","5,174","5,175","5,176","5,177","5,178","5,179","5,180","5,181","5,182","5,183","5,184","5,185","5,186","5,187","5,188","5,189","5,190","5,191","5,192","5,193","5,194","5,195","5,196","5,197","5,198","5,199","5,200","5,201","5,202","5,203","5,204","5,205","5,206","5,207","5,208","5,209","5,210","5,211","5,212","5,213","5,214","5,215","5,216","5,217","5,218","5,219","5,220","5,221","5,222","5,223","5,224","5,225","5,226","5,227","5,228","5,229","5,230","5,231","5,232","5,233","5,234","5,235","5,236","5,237","5,238","5,239","5,240","5,241","5,242","5,243","5,244","5,245","5,246","5,247","5,248","5,249","5,250","5,251","5,252","5,253","5,254","5,255","5,256","5,257","5,258","5,259","5,260","5,261","5,262","5,263","5,264","5,265","5,266","5,267","5,268","5,269","5,270","5,271","5,272","5,273","5,274","5,275","5,276","5,277","5,278","5,279","5,280","5,281","5,282","5,283","5,284","5,285","5,286","5,287","5,288","5,289","5,290","5,291","5,292","5,293","5,294","5,295","5,296","5,297","5,298","5,299","5,300","5,301","5,302","5,303","5,304","5,305","5,306","5,307","5,308","5,309","5,310","5,311","5,312","5,313","5,314","5,315","5,316","5,317","5,318","5,319","5,320","5,321","5,322","5,323","5,324","5,325","5,326","5,327","5,328","5,329","5,330","5,331","5,332","5,333","5,334","5,335","5,336","5,337","5,338","5,339","5,340","5,341","5,342","5,343","5,344","5,345","5,346","5,347","5,348","5,349","5,350","5,351","5,352","5,353","5,354","5,355","5,356","5,357","5,358","5,359","5,360","5,361","5,362","5,363","5,364","5,365","5,366","5,367","5,368","5,369","5,370","5,371","5,372","5,373","5,374","5,375","5,376","5,377","5,378","5,379","5,380","5,381","5,382","5,383","5,384","5,385","5,386","5,387","5,388","5,389","5,390","5,391","5,392","5,393","5,394","5,395","5,396","5,397","5,398","5,399","5,400","5,401","5,402","5,403","5,404","5,405","5,406","5,407","5,408","5,409","5,410","5,411","5,412","5,413","5,414","5,415","5,416","5,417","5,418","5,419","5,420","5,421","5,422","5,423","5,424","5,425","5,426","5,427","5,428","5,429","5,430","5,431","5,432","5,433","5,434","5,435","5,436","5,437","5,438","5,439","5,440","5,441","5,442","5,443","5,444","5,445","5,446","5,447","5,448","5,449","5,450","5,451","5,452","5,453","5,454","5,455","5,456","5,457","5,458","5,459","5,460","5,461","5,462","5,463","5,464","5,465","5,466","5,467","5,468","5,469","5,470","5,471","5,472","5,473","5,474","5,475","5,476","5,477","5,478","5,479","5,480","5,481","5,482","5,483","5,484","5,485","5,486","5,487","5,488","5,489","5,490","5,491","5,492","5,493","5,494","5,495","5,496","5,497","5,498","5,499","5,500","5,501","5,502","5,503","5,504","5,505","5,506","5,507","5,508","5,509","5,510","5,511","5,512","5,513","5,514","5,515","5,516","5,517","5,518","5,519","5,520","5,521","5,522","5,523","5,524","5,525","5,526","5,527","5,528","5,529","5,530","5,531","5,532","5,533","5,534","5,535","5,536","5,537","5,538","5,539","5,540","5,541","5,542","5,543","5,544","5,545","5,546","5,547","5,548","5,549","5,550","5,551","5,552","5,553","5,554","5,555","5,556","5,557","5,558","5,559","5,560","5,561","5,562","5,563","5,564","5,565","5,566","5,567","5,568","5,569","5,570","5,571","5,572","5,573","5,574","5,575","5,576","5,577","5,578","5,579","5,580","5,581","5,582","5,583","5,584","5,585","5,586","5,587","5,588","5,589","5,590","5,591","5,592","5,593","5,594","5,595","5,596","5,597","5,598","5,599","5,600","5,601","5,602","5,603","5,604","5,605","5,606","5,607","5,608","5,609","5,610","5,611","5,612","5,613","5,614","5,615","5,616","5,617","5,618","5,619","5,620","5,621","5,622","5,623","5,624","5,625","5,626","5,627","5,628","5,629","5,630","5,631","5,632","5,633","5,634","5,635","5,636","5,637","5,638","5,639","5,640","5,641","5,642","5,643","5,644","5,645","5,646","5,647","5,648","5,649","5,650","5,651","5,652","5,653","5,654","5,655","5,656","5,657","5,658","5,659","5,660","5,661","5,662","5,663","5,664","5,665","5,666","5,667","5,668","5,669","5,670","5,671","5,672","5,673","5,674","5,675","5,676","5,677","5,678","5,679","5,680","5,681","5,682","5,683","5,684","5,685","5,686","5,687","5,688","5,689","5,690","5,691","5,692","5,693","5,694","5,695","5,696","5,697","5,698","5,699","5,700","5,701","5,702","5,703","5,704","5,705","5,706","5,707","5,708","5,709","5,710","5,711","5,712","5,713","5,714","5,715","5,716","5,717","5,718","5,719","5,720","5,721","5,722","5,723","5,724","5,725","5,726","5,727","5,728","5,729","5,730","5,731","5,732","5,733","5,734","5,735","5,736","5,737","5,738","5,739","5,740","5,741","5,742","5,743","5,744","5,745","5,746","5,747","5,748","5,749","5,750","5,751","5,752","5,753","5,754","5,755","5,756","5,757","5,758","5,759","5,760","5,761","5,762","5,763","5,764","5,765","5,766","5,767","5,768","5,769","5,770","5,771","5,772","5,773","5,774","5,775","5,776","5,777","5,778","5,779","5,780","5,781","5,782","5,783","5,784","5,785","5,786","5,787","5,788","5,789","5,790","5,791","5,792","5,793","5,794","5,795","5,796","5,797","5,798","5,799","5,800","5,801","5,802","5,803","5,804","5,805","5,806","5,807","5,808","5,809","5,810","5,811","5,812","5,813","5,814","5,815","5,816","5,817","5,818","5,819","5,820","5,821","5,823","5,825","5,826","5,827","5,828","5,829","5,830","5,831","5,832","5,833","5,834","5,835","5,836","5,837","5,838","5,839","5,840","5,841","5,842","5,843","5,844","5,845","5,846","5,847","5,848","5,849","5,850","5,851","5,852","5,853","5,854","5,855","5,856","5,857","5,858","5,859","5,860","5,861","5,862","5,863","5,864","5,865","5,866","5,867","5,868","5,869","5,870","5,871","5,872","5,873","5,874","5,875","5,876","5,877","5,878","5,879","5,880","5,881","5,882","5,883","5,884","5,885","5,886","5,887","5,888","5,889","5,890","5,891","5,892","5,893","5,894","5,895","5,896","5,897","5,898","5,899","5,900","5,901","5,902","5,903","5,904","5,905","5,906","5,907","5,908","5,909","5,910","5,911","5,912","5,913","6,4","6,5","6,6","6,7","6,8","6,9","6,10","6,11","6,12","6,13","6,14","6,15","6,16","6,17","6,18","6,19","6,20","6,21","6,22","6,23","6,24","6,25","6,26","6,27","6,28","6,29","6,30","6,31","6,32","6,33","6,34","6,35","6,36","6,37","6,38","6,39","6,40","6,41","6,42","6,43","6,44","6,45","6,46","6,47","6,48","6,49","6,50","6,51","6,52","6,53","6,54","6,55","6,56","6,57","6,58","6,59","6,60","6,61","6,62","6,63","6,64","6,65","6,66","6,67","6,68","6,69","6,70","6,71","6,72","6,73","6,74","6,75","6,76","6,77","6,78","6,79","6,80","6,81","6,82","6,83","6,84","6,85","6,86","6,87","6,88","6,89","6,90","6,91","6,92","6,93","6,94","6,95","6,96","6,97","6,98","6,99","6,100","6,101","6,102","6,103","6,104","6,105","6,106","6,107","6,108","6,109","6,110","6,111","6,112","6,113","6,114","6,115","6,116","6,117","6,118","6,119","6,120","6,121","6,122","6,123","6,124","6,125","6,126","6,127","6,128","6,129","6,130","6,131","6,132","6,133","6,134","6,135","6,136","6,137","6,138","6,139","6,140","6,141","6,142","6,143","6,144","6,145","6,146","6,147","6,148","6,149","6,150","6,151","6,152","6,153","6,154","6,155","6,156","6,157","6,158","6,159","6,160","6,161","6,162","6,163","6,164","6,165","6,166","6,167","6,168","6,169","6,170","6,171","6,172","6,173","6,174","6,175","6,176","6,177","6,178","6,179","6,180","6,181","6,182","6,183","6,184","6,185","6,186","6,187","6,188","6,189","6,190","6,191","6,192","6,193","6,194","6,195","6,196","6,197","6,198","6,199","6,200","6,201","6,202","6,203","6,204","6,205","6,206","6,207","6,208","6,209","6,210","6,211","6,212","6,213","6,214","6,215","6,216","6,217","6,218","6,219","6,220","6,221","6,222","6,223","6,224","6,225","6,226","6,227","6,228","6,229","6,230","6,231","6,232","6,233","6,234","6,235","6,236","6,237","6,238","6,239","6,240","6,241","6,242","6,243","6,244","6,245","6,246","6,247","6,248","6,249","6,250","6,251","6,252","6,253","6,254","6,255","6,256","6,257","6,258","6,259","6,260","6,261","6,262","6,263","6,264","6,265","6,266","6,267","6,268","6,269","6,270","6,271","6,272","6,273","6,274","6,275","6,276","6,277","6,278","6,279","6,280","6,281","6,282","6,283","6,284","6,285","6,287","6,289","6,290","6,291","6,292","6,293","6,294","6,295","6,296","6,297","6,298","6,299","6,300","6,301","6,302","6,303","6,304","6,305","6,306","6,307","6,308","6,309","6,310","6,311","6,312","6,313","6,314","6,315","6,316","6,317","6,318","6,319","6,320","6,321","6,322","6,323","6,324","6,325","6,326","6,327","6,328","6,329","6,330","6,331","6,332","6,333","6,334","6,335","6,336","6,337","6,338","6,339","6,340","6,341","6,342","6,343","6,344","6,345","6,346","6,347","6,348","6,349","6,350","6,351","6,352","6,353","6,354","6,355","6,356","6,357","6,358","6,359","6,360","6,361","6,362","6,363","6,364","6,365","6,366","6,367","6,368","6,369","6,370","6,371","6,372","6,373","6,374","6,375","6,376","6,377","6,378","6,379","6,380","6,381","6,382","6,383","6,384","6,385","6,386","6,387","6,388","6,389","6,390","6,391","6,392","6,393","6,394","6,395","6,396","6,397","6,398","6,399","6,400","6,401","6,402","6,403","6,405","6,406","6,407","6,408","6,409","6,410","6,411","6,412","6,413","6,414","6,415","6,416","6,417","6,418","6,419","6,420","6,421","6,422","6,423","6,424","6,425","6,426","6,427","6,428","6,429","6,430","6,431","6,432","6,433","6,434","6,435","6,437","6,439","6,440","6,441","6,442","6,443","6,444","6,445","6,446","6,447","6,448","6,449","6,450","6,451","6,452","6,453","6,454","6,455","6,456","6,457","6,458","6,459","6,460","6,461","6,462","6,463","6,464","6,465","6,466","6,467","6,468","6,469","6,470","6,471","6,472","6,473","6,474","6,475","6,476","6,477","6,478","6,479","6,480","6,481","6,482","6,483","6,484","6,485","6,486","6,487","6,488","6,489","6,490","6,491","6,492","6,493","6,494","6,495","6,497","6,499","6,500","6,501","6,502","6,503","6,504","6,505","6,507","6,509","6,510","6,511","6,512","6,513","6,514","6,515","6,516","6,517","6,518","6,519","6,520","6,521","6,523","6,525","6,526","6,527","6,528","6,529","6,530","6,531","6,532","6,533","6,534","6,535","6,536","6,537","6,538","6,539","6,540","6,541","6,542","6,543","6,544","6,545","6,547","6,548","6,549","6,550","6,551","6,552","6,553","6,555","6,556","6,557","6,558","6,559","6,560","6,561","6,563","6,565","6,566","6,567","6,568","6,569","6,570","6,571","6,572","6,573","6,574","6,575","6,576","6,577","6,578","6,579","6,580","6,581","6,582","6,583","6,584","6,585","6,586","6,587","6,588","6,589","6,590","6,591","6,592","6,593","6,594","6,595","6,596","6,597","6,598","6,599","6,600","6,601","6,602","6,603","6,604","6,605","6,606","6,607","6,608","6,609","6,610","6,611","6,612","6,613","6,614","6,615","6,616","6,617","6,618","6,619","6,620","6,621","6,622","6,623","6,624","6,625","6,626","6,627","6,628","6,629","6,630","6,631","6,632","6,633","6,634","6,635","6,636","6,637","6,638","6,639","6,640","6,641","6,642","6,643","6,644","6,645","6,646","6,647","6,648","6,649","6,650","6,651","6,652","6,653","6,654","6,655","6,656","6,657","6,658","6,659","6,660","6,661","6,662","6,663","6,664","6,665","6,666","6,667","6,668","6,669","6,671","6,672","6,673","6,674","6,675","6,676","6,677","6,678","6,679","6,680","6,681","6,682","6,683","6,684","6,685","6,686","6,687","6,688","6,689","6,690","6,691","6,693","6,694","6,695","6,696","6,697","6,698","6,699","6,700","6,701","6,702","6,703","6,704","6,705","6,706","6,707","6,709","6,710","6,711","6,712","6,713","6,714","6,715","6,716","6,717","6,718","6,719","6,720","6,721","6,722","6,723","6,724","6,725","6,726","6,727","6,728","6,729","6,731","6,733","6,734","6,735","6,736","6,737","6,738","6,739","6,740","6,741","6,742","6,743","6,744","6,745","6,746","6,747","6,748","6,749","6,750","6,751","6,752","6,753","6,754","6,755","6,756","6,757","6,758","6,759","6,760","6,761","6,762","7,4","7,5","7,6","7,7","7,8","7,9","7,10","7,11","7,12","7,13","7,14","7,15","7,16","7,17","7,18","7,19","7,20","7,21","7,22","7,23","7,24","7,25","7,26","7,27","7,28","7,29","7,30","7,31","7,32","7,33","7,34","7,35","7,36","7,37","7,38","7,39","7,40","7,41","7,43","7,45","7,46","7,47","7,48","7,49","7,50","7,51","7,52","7,53","7,54","7,55","7,56","7,57","7,58","7,59","7,60","7,61","7,62","7,63","7,64","7,65","7,66","7,67","7,68","7,69","7,70","7,71","7,73","7,75","7,76","7,77","7,78","7,79","7,80","7,81","7,82","7,83","7,84","7,85","7,86","7,87","7,88","7,89","7,90","7,91","7,92","7,93","7,94","7,95","7,96","7,97","7,98","7,99","7,100","7,101","7,102","7,103","7,104","7,105","7,106","7,107","7,108","7,109","7,110","7,111","7,113","7,114","7,115","7,116","7,117","7,118","7,119","7,120","7,121","7,122","7,123","7,124","7,125","7,126","7,127","7,128","7,129","7,130","7,131","7,132","7,133","7,134","7,135","7,136","7,137","7,138","7,139","7,140","7,141","7,142","7,143","7,144","7,145","7,146","7,147","7,148","7,149","7,150","7,151","7,152","7,153","7,154","7,155","7,156","7,157","7,159","7,160","7,161","7,162","7,163","7,164","7,165","7,166","7,167","7,168","7,169","7,170","7,171","7,172","7,173","7,174","7,175","7,176","7,177","7,178","7,179","7,180","7,181","7,182","7,183","7,184","7,185","7,186","7,187","7,188","7,189","7,190","7,191","7,192","7,193","7,194","7,195","7,196","7,197","7,198","7,199","7,200","7,201","7,202","7,203","7,204","7,205","7,206","7,207","7,208","7,209","7,210","7,211","7,212","7,213","7,214","7,215","7,216","7,217","7,219","7,221","7,222","7,223","7,224","7,225","7,226","7,227","7,228","7,229","7,230","7,231","7,232","7,233","7,234","7,235","7,236","7,237","7,238","7,239","7,240","7,241","7,242","7,243","7,244","7,245","7,246","7,247","7,248","7,249","7,250","7,251","7,252","7,253","7,254","7,255","7,256","7,257","7,258","7,259","7,260","7,261","7,262","7,263","7,264","7,265","7,266","7,267","7,268","7,269","7,270","7,271","7,272","7,273","7,274","7,275","7,276","7,277","7,278","7,279","7,280","7,281","7,282","7,283","7,284","7,285","7,286","7,287","7,288","7,289","7,290","7,291","7,292","7,293","7,294","7,295","7,296","7,297","7,298","7,299","7,300","7,301","7,302","7,303","7,304","7,305","7,306","7,307","7,308","7,309","7,310","7,311","7,312","7,313","7,314","7,315","7,316","7,317","7,318","7,319","7,320","7,321","7,322","7,323","7,324","7,325","7,326","7,327","7,328","7,329","7,330","7,331","7,332","7,333","7,334","7,335","7,336","7,337","7,339","7,340","7,341","7,342","7,343","7,344","7,345","7,346","7,347","7,349","7,351","7,352","7,353","7,354","7,355","7,356","7,357","7,358","7,359","7,360","7,361","7,362","7,363","7,364","7,365","7,366","7,367","7,368","7,369","7,370","7,371","7,372","7,373","7,374","7,375","7,376","7,377","7,378","7,379","7,380","7,381","7,382","7,383","7,384","7,385","7,387","7,389","7,390","7,391","7,392","7,393","7,394","7,395","7,396","7,397","7,398","7,399","7,400","7,401","7,402","7,403","7,404","7,405","7,406","7,407","7,408","7,409","7,410","7,411","7,412","7,413","7,414","7,415","7,416","7,417","7,418","7,419","7,420","7,421","7,422","7,423","7,424","7,425","7,426","7,427","7,428","7,429","7,430","7,431","7,432","7,433","7,434","7,435","7,436","7,437","7,439","7,441","7,442","7,443","7,444","7,445","7,446","7,447","7,448","7,449","7,450","7,451","7,452","7,453","7,454","7,455","7,456","7,457","7,458","7,459","7,460","7,461","7,462","7,463","7,464","7,465","7,466","7,467","7,468","7,469","7,470","7,471","7,472","7,473","7,474","7,475","7,476","7,477","7,478","7,479","7,480","7,481","7,482","7,483","7,484","7,485","7,486","7,487","7,488","7,489","7,490","7,491","7,492","7,493","7,494","7,495","7,496","7,497","7,498","7,499","7,500","7,501","7,502","7,503","7,504","7,505","7,506","7,507","7,508","7,509","7,510","7,511","7,512","7,513","7,514","7,515","7,516","7,517","7,518","7,519","7,520","7,521","7,522","7,523","7,524","7,525","7,526","7,527","7,528","7,529","7,530","7,531","7,532","7,533","7,534","7,535","7,536","7,537","7,538","7,539","7,540","7,541","7,542","7,543","7,544","7,545","7,546","7,547","7,548","7,549","7,550","7,551","7,552","7,553","7,554","7,555","7,556","7,557","7,558","7,559","7,560","7,561","7,562","7,563","7,564","7,565","7,566","7,567","7,568","7,569","7,570","7,571","7,572","7,573","7,574","7,575","7,576","7,577","7,578","7,579","7,580","7,581","7,582","7,583","7,584","7,585","7,586","7,587","7,588","7,589","7,590","7,591","7,592","7,593","7,594","7,595","7,596","7,597","7,598","7,599","7,600","7,601","7,602","7,603","7,604","7,605","7,606","7,607","7,608","7,609","7,610","7,611","7,612","7,613","7,614","7,615","7,616","7,617","7,618","7,619","7,620","7,621","7,622","7,623","7,624","7,625","7,626","7,627","7,628","7,629","7,630","7,631","7,632","7,633","7,634","7,635","7,636","7,637","7,639","7,640","7,641","7,642","7,643","7,644","7,645","7,646","7,647","7,649","7,650","7,651","7,652","7,653","7,654","7,655","7,656","7,657","7,658","7,659","7,660","7,661","7,662","7,663","7,664","7,665","7,666","7,667","7,668","7,669","7,670","7,671","7,672","7,673","7,674","7,675","7,676","7,677","7,679","7,681","7,682","7,683","7,684","7,685","7,686","7,687","7,688","7,689","7,690","7,691","7,692","7,693","7,694","7,695","7,696","7,697","7,699","7,700","7,701","7,702","7,703","7,704","7,705","7,706","7,707","7,708","7,709","7,710","7,711","7,712","7,713","7,714","7,715","7,716","7,717","7,718","7,719","7,720","7,721","7,723","7,725","7,726","7,727","7,728","7,729","7,730","7,731","7,732","7,733","7,734","7,735","7,736","7,737","7,738","7,739","7,741","7,743","7,744","7,745","7,746","7,747","7,748","7,749","7,750","7,751","7,752","7,753","7,754","7,755","7,756","7,757","7,758","7,759","7,760","7,761","7,763","7,765","7,766","7,767","7,768","7,769","7,770","7,771","7,772","7,773","7,774","7,775","7,776","7,777","7,778","7,779","7,780","7,781","7,783","7,784","7,785","7,786","7,787","7,788","7,789","7,790","7,791","7,792","7,793","7,794","7,795","7,796","7,797","7,798","7,799","7,800","7,801","7,802","7,803","7,804","7,805","7,806","7,807","7,808","7,809","7,811","7,813","7,814","7,815","7,816","7,817","7,818","7,819","7,820","7,821","7,822","7,823","7,824","7,825","7,826","7,827","7,828","7,829","7,830","7,831","7,832","7,833","7,834","7,835","7,836","7,837","7,838","7,839","7,840","7,841","7,842","7,843","7,844","7,845","7,846","7,847","7,848","7,849","7,850","7,851","7,852","7,853","7,854","7,855","7,856","7,857","7,859","7,860","7,861","7,862","7,863","7,864","7,865","7,866","7,867","7,868","7,869","7,870","7,871","7,872","7,873","7,874","7,875","7,877","7,879","7,880","7,881","7,882","7,883","7,884","7,885","7,886"],"ٞ":{"2":[1],"3":[2],"6":[3],"7":[4],"8":[5],"9":[6,7],"10":[8],"11":[9,10,11],"12":[12],"14":[13,14,15],"15":[16],"17":[17,18],"19":[19],"21":[20],"22":[21],"23":[22],"25":[23],"28":[24],"32":[25],"33":[26],"34":[27],"36":[28],"71":[29],"79":[30,31,32,33],"81":[34,35],"82":[36],"83":[37],"85":[38],"86":[39],"87":[40,41],"89":[42],"91":[43,44,45],"92":[46,47],"94":[48,49,50],"95":[51],"96":[52,53],"98":[54,55],"99":[56,57,58],"100":[59,60],"118":[61,62,63,64],"120":[65,66,67],"121":[68,69,70],"122":[71,72],"123":[73,74,75,76],"125":[77,78,79,80,81],"126":[82,83,84,85],"127":[86,87,88],"128":[89,90,91],"129":[92],"130":[93],"131":[94,95,96,97],"132":[98,99],"133":[100,101,102],"134":[103,104,105,106],"135":[107,108,109],"136":[110,111],"137":[112,113,114,115],"138":[116,117,118],"139":[119,120],"140":[121],"157":[122],"174":[123,124,125],"175":[126,127,128],"176":[129],"177":[130,131],"197":[132],"198":[133],"199":[134,135,136],"200":[137,138,139],"201":[140],"207":[141,142],"208":[143],"217":[144,145],"219":[146],"275":[147,148],"287":[149,150,151],"288":[152],"289":[153],"292":[154],"293":[155,156],"294":[157,158],"299":[159,160],"300":[161],"301":[162,163,164],"302":[165],"338":[166,167],"340":[168],"344":[169,170],"345":[171],"348":[172],"356":[173],"357":[174,175],"358":[176],"359":[177,178],"360":[179,180],"361":[181,182,183,184],"362":[185,186,187],"363":[188,189],"367":[190,191,192],"368":[193],"369":[194,195],"370":[196],"373":[197],"374":[198],"380":[199,200],"381":[201],"382":[202,203],"384":[204,205,206],"387":[207],"388":[208],"389":[209],"390":[210],"394":[211,212],"395":[213],"400":[214],"402":[215],"403":[216],"406":[217],"412":[218],"415":[219],"417":[220],"419":[221],"420":[222,223,224],"421":[225,226,227],"422":[228],"423":[229],"424":[230,231],"426":[232,233,234],"427":[235,236,237],"428":[238,239],"429":[240],"477":[241],"518":[242,243,244],"519":[245],"520":[246,247],"522":[248],"527":[249],"528":[250],"533":[251,252],"534":[253],"535":[254],"536":[255,256],"537":[257,258],"539":[259,260],"540":[261,262,263],"541":[264,265,266],"542":[267],"543":[268],"544":[269],"546":[270],"547":[271,272],"549":[273],"552":[274,275],"587":[276],"612":[277],"613":[278,279],"656":[280],"658":[281],"661":[282],"662":[283],"663":[284],"667":[285],"671":[286],"672":[287],"673":[288],"674":[289],"675":[290],"678":[291],"679":[292],"680":[293],"681":[294,295],"682":[296],"683":[297],"684":[298],"693":[299],"694":[300],"697":[301,302],"698":[303],"742":[304],"753":[305,306,307,308],"755":[309,310],"756":[311],"759":[312,313],"760":[314,315],"762":[316],"763":[317],"764":[318,319],"765":[320,321],"766":[322,323],"767":[324],"768":[325],"769":[326],"770":[327],"772":[328],"777":[329,330],"778":[331,332],"779":[333,334],"780":[335,336],"781":[337,338],"782":[339,340],"783":[341,342,343],"784":[344],"785":[345],"786":[346,347],"787":[348],"788":[349,350,351],"789":[352],"790":[353,354],"869":[355,356],"870":[357],"873":[358],"874":[359,360,361],"875":[362],"876":[363],"877":[364],"878":[365],"879":[366],"881":[367],"882":[368],"883":[369],"884":[370],"885":[371],"886":[372],"887":[373,374],"888":[375,376],"889":[377],"890":[378],"891":[379,380,381],"892":[382,383],"893":[384],"894":[385],"895":[386,387],"896":[388,389,390],"897":[391],"898":[392],"900":[393,394],"921":[395],"922":[396,397],"923":[398,399],"924":[400,401,402,403],"925":[404,405,406],"926":[407,408],"927":[409,410],"928":[411,412],"930":[413,414,415],"931":[416,417,418],"932":[419,420,421],"933":[422],"934":[423,424],"935":[425,426,427],"936":[428,429],"941":[430,431],"942":[432,433],"943":[434],"944":[435,436],"946":[437],"947":[438],"950":[439],"951":[440,441],"952":[442],"953":[443],"954":[444],"955":[445,446],"956":[447,448],"1027":[449],"1029":[450],"1030":[451],"1031":[452],"1033":[453],"1042":[454],"1045":[455],"1046":[456],"1047":[457,458],"1048":[459,460],"1049":[461],"1095":[462,463,464],"1096":[465,466],"1097":[467],"1098":[468],"1099":[469,470],"1100":[471],"1101":[472,473,474],"1103":[475],"1104":[476,477],"1105":[478,479],"1106":[480],"1107":[481],"1108":[482],"1109":[483],"1110":[484],"1111":[485,486],"1112":[487],"1113":[488,489],"1116":[490,491],"1117":[492,493],"1118":[494,495],"1119":[496,497],"1120":[498,499],"1121":[500,501],"1123":[502],"1124":[503],"1129":[504],"1130":[505],"1131":[506],"1135":[507],"1136":[508],"1137":[509,510],"1138":[511,512,513],"1139":[514],"1141":[515],"1142":[516,517],"1143":[518],"1150":[519],"1151":[520,521],"1153":[522,523],"1154":[524,525],"1155":[526],"1156":[527],"1157":[528,529],"1161":[530],"1162":[531],"1164":[532,533],"1165":[534],"1173":[535],"1174":[536],"1178":[537],"1179":[538],"1180":[539,540],"1181":[541],"1183":[542],"1185":[543],"1203":[544],"1204":[545,546],"1205":[547],"1207":[548],"1208":[549],"1210":[550],"1211":[551,552],"1212":[553,554],"1233":[555],"1234":[556,557],"1235":[558],"1239":[559,560,561],"1240":[562],"1241":[563],"1242":[564],"1243":[565],"1245":[566],"1246":[567],"1247":[568,569,570],"1248":[571],"1250":[572,573,574],"1251":[575,576],"1252":[577,578],"1253":[579],"1254":[580,581,582],"1255":[583,584,585],"1256":[586],"1257":[587],"1258":[588],"1259":[589],"1260":[590,591],"1262":[592],"1263":[593,594],"1264":[595,596],"1279":[597],"1289":[598],"1290":[599,600],"1291":[601,602],"1293":[603],"1294":[604,605,606,607],"1295":[608],"1296":[609],"1298":[610,611,612],"1299":[613,614,615],"1300":[616],"1301":[617],"1302":[618],"1304":[619],"1305":[620],"1307":[621],"1308":[622],"1309":[623],"1311":[624],"1312":[625],"1313":[626],"1349":[627],"1350":[628],"1351":[629,630],"1352":[631],"1353":[632],"1354":[633],"1356":[634,635],"1357":[636,637],"1361":[638],"1362":[639],"1363":[640,641],"1364":[642],"1367":[643],"1371":[644],"1372":[645],"1374":[646],"1376":[647,648],"1378":[649],"1381":[650],"1384":[651],"1386":[652],"1387":[653],"1388":[654],"1392":[655],"1394":[656],"1396":[657],"1425":[658],"1426":[659],"1427":[660,661],"1428":[662],"1432":[663,664],"1433":[665,666],"1434":[667],"1435":[668],"1437":[669],"1438":[670,671,672],"1440":[673],"1441":[674],"1444":[675],"1445":[676],"1446":[677],"1448":[678],"1449":[679],"1452":[680],"1453":[681],"1455":[682,683],"1456":[684],"1458":[685],"1459":[686],"1460":[687],"1461":[688],"1462":[689],"1467":[690],"1471":[691],"1472":[692],"1473":[693],"1475":[694],"1487":[695],"1495":[696],"1496":[697],"1498":[698],"1500":[699],"1507":[700],"1509":[701,702],"1510":[703,704],"1512":[705],"1513":[706],"1514":[707],"1516":[708],"1517":[709],"1518":[710],"1519":[711],"1520":[712],"1522":[713],"1534":[714],"1535":[715],"1539":[716],"1540":[717,718],"1541":[719],"1546":[720],"1547":[721],"1549":[722],"1560":[723],"1561":[724],"1573":[725],"1576":[726],"1577":[727],"1578":[728,729],"1579":[730],"1580":[731],"1581":[732],"1583":[733],"1584":[734],"1585":[735],"1586":[736],"1597":[737,738],"1598":[739,740],"1600":[741],"1602":[742,743],"1603":[744],"1604":[745],"1605":[746],"1606":[747],"1662":[748],"1663":[749],"1669":[750],"1674":[751],"1678":[752],"1692":[753],"1698":[754],"1701":[755],"1704":[756],"1707":[757],"1708":[758],"1710":[759],"1801":[760],"1818":[761],"1821":[762],"1822":[763],"1824":[764],"1825":[765],"1828":[766],"1831":[767,768,769],"1833":[770],"1835":[771],"1836":[772],"1841":[773,774],"1846":[775],"1847":[776],"1849":[777],"1850":[778],"1852":[779],"1853":[780,781],"1856":[782,783],"1858":[784,785],"1859":[786],"1861":[787],"1862":[788],"1863":[789,790],"1864":[791],"1865":[792,793],"1866":[794],"1867":[795,796],"1870":[797],"1885":[798],"1888":[799],"1890":[800],"1893":[801],"1895":[802],"1896":[803],"1904":[804],"1905":[805],"1906":[806],"1907":[807],"1908":[808],"1909":[809],"1911":[810],"1919":[811],"1920":[812],"1921":[813],"1925":[814],"1962":[815],"1963":[816],"1964":[817],"1965":[818],"1967":[819],"1970":[820],"1971":[821],"1972":[822],"1973":[823],"1977":[824],"1978":[825],"1979":[826],"1980":[827],"1981":[828],"1982":[829],"1984":[830],"1985":[831],"1992":[832],"1994":[833],"1995":[834],"1997":[835],"2002":[836],"2003":[837],"2006":[838],"2008":[839],"2011":[840],"2013":[841],"2014":[842],"2018":[843],"2019":[844,845],"2026":[846],"2027":[847],"2032":[848],"2034":[849],"2039":[850],"2044":[851,852],"2046":[853],"2047":[854],"2050":[855],"2054":[856],"2058":[857],"2059":[858],"2061":[859],"2066":[860],"2068":[861],"2093":[862],"2095":[863],"2096":[864],"2097":[865],"2105":[866],"2106":[867],"2107":[868],"2109":[869],"2116":[870],"2117":[871,872],"2118":[873],"2119":[874],"2123":[875,876],"2135":[877],"2137":[878],"2139":[879],"2141":[880],"2143":[881],"2151":[882],"2162":[883],"2163":[884],"2164":[885,886],"2166":[887],"2167":[888],"2168":[889],"2169":[890],"2175":[891],"2180":[892],"2186":[893],"2205":[894],"2209":[895,896],"2211":[897],"2214":[898],"2215":[899],"2217":[900],"2220":[901,902],"2226":[903],"2230":[904,905],"2239":[906],"2240":[907],"2250":[908],"2283":[909],"2284":[910],"2292":[911],"2294":[912],"2297":[913],"2299":[914],"2301":[915],"2309":[916],"2315":[917],"2319":[918],"2321":[919],"2346":[920],"2348":[921],"2351":[922],"2352":[923],"2354":[924],"2361":[925],"2362":[926],"2363":[927],"2365":[928,929],"2366":[930],"2368":[931,932],"2369":[933,934],"2371":[935],"2372":[936,937,938],"2375":[939,940],"2378":[941],"2380":[942],"2381":[943],"2382":[944],"2384":[945],"2386":[946],"2387":[947],"2390":[948],"2395":[949],"2398":[950],"2400":[951,952],"2401":[953],"2407":[954],"2408":[955],"2409":[956],"2410":[957],"2413":[958],"2417":[959],"2453":[960],"2457":[961],"2458":[962],"2461":[963],"2462":[964,965],"2466":[966],"2468":[967],"2469":[968],"2474":[969,970],"2476":[971],"2478":[972],"2479":[973],"2483":[974],"2485":[975],"2489":[976],"2492":[977],"2494":[978],"2495":[979],"2498":[980],"2499":[981],"2500":[982],"2501":[983],"2503":[984],"2505":[985],"2507":[986],"2509":[987],"2511":[988],"2512":[989],"2517":[990],"2522":[991],"2526":[992],"2532":[993],"2537":[994,995],"2546":[996,997],"2549":[998],"2552":[999,1000],"2553":[1001],"2554":[1002],"2555":[1003],"2557":[1004,1005],"2558":[1006],"2559":[1007],"2561":[1008],"2562":[1009,1010],"2563":[1011],"2564":[1012,1013],"2566":[1014],"2567":[1015],"2570":[1016],"2572":[1017,1018],"2574":[1019],"2577":[1020],"2578":[1021],"2581":[1022],"2583":[1023],"2586":[1024],"2587":[1025],"2589":[1026],"2591":[1027],"2592":[1028],"2594":[1029],"2599":[1030],"2600":[1031,1032],"2601":[1033],"2603":[1034],"2605":[1035],"2606":[1036],"2610":[1037],"2611":[1038],"2707":[1039],"2710":[1040],"2712":[1041],"2714":[1042],"2719":[1043],"2727":[1044],"2729":[1045,1046],"2730":[1047,1048],"2731":[1049],"2734":[1050,1051],"2735":[1052],"2736":[1053,1054],"2738":[1055],"2739":[1056],"2740":[1057],"2750":[1058],"2754":[1059],"2774":[1060],"2776":[1061],"2779":[1062],"2782":[1063],"2786":[1064],"2789":[1065,1066],"2792":[1067],"2793":[1068],"2798":[1069],"2802":[1070],"3265":[1071],"3270":[1072],"3389":[1073],"3452":[1074],"3482":[1075],"3483":[1076],"3484":[1077,1078],"3486":[1079],"3488":[1080],"3489":[1081],"3491":[1082,1083],"3493":[1084],"3495":[1085,1086],"3499":[1087],"3500":[1088],"3501":[1089],"3506":[1090],"3513":[1091],"3514":[1092,1093],"3517":[1094],"3522":[1095,1096],"3523":[1097],"3527":[1098],"3536":[1099],"3537":[1100],"3538":[1101,1102],"3539":[1103],"3541":[1104],"3544":[1105],"3545":[1106],"3546":[1107,1108],"3547":[1109],"3548":[1110],"3549":[1111,1112],"3550":[1113,1114],"3552":[1115,1116],"3554":[1117],"3556":[1118],"3557":[1119],"3559":[1120],"3560":[1121],"3562":[1122],"3578":[1123],"3579":[1124],"3580":[1125],"3581":[1126],"3587":[1127,1128],"3589":[1129],"3593":[1130,1131],"3595":[1132,1133],"3596":[1134,1135],"3599":[1136],"3600":[1137,1138],"3602":[1139,1140,1141],"3603":[1142],"3605":[1143],"3606":[1144],"3607":[1145,1146],"3610":[1147],"3612":[1148],"3613":[1149],"3614":[1150,1151],"3615":[1152,1153],"3616":[1154,1155],"3617":[1156,1157],"3618":[1158],"3620":[1159],"3621":[1160],"3624":[1161],"3625":[1162],"3626":[1163],"3627":[1164],"3631":[1165],"3632":[1166,1167],"3633":[1168],"3635":[1169],"3636":[1170],"3638":[1171],"3639":[1172],"3641":[1173],"3642":[1174],"3646":[1175],"3647":[1176],"3722":[1177],"3737":[1178],"3788":[1179],"3819":[1180],"3820":[1181],"3827":[1182],"3828":[1183,1184],"3850":[1185],"3856":[1186],"3868":[1187],"3880":[1188],"3886":[1189,1190],"3887":[1191],"3893":[1192],"3909":[1193],"3910":[1194],"3911":[1195],"3913":[1196],"3915":[1197],"3916":[1198,1199],"3917":[1200],"3920":[1201],"3922":[1202],"3927":[1203],"3928":[1204],"3929":[1205],"3933":[1206],"3937":[1207],"3943":[1208],"3945":[1209],"3948":[1210],"3950":[1211],"3954":[1212],"3956":[1213],"3958":[1214],"3961":[1215],"3965":[1216],"3969":[1217],"3972":[1218],"3973":[1219,1220],"3975":[1221],"3977":[1222],"3980":[1223,1224],"3984":[1225],"3986":[1226,1227],"3990":[1228],"3995":[1229],"3996":[1230,1231],"3998":[1232,1233,1234],"4001":[1235],"4003":[1236],"4004":[1237],"4005":[1238],"4007":[1239],"4008":[1240],"4011":[1241,1242],"4013":[1243],"4014":[1244],"4017":[1245],"4019":[1246,1247],"4020":[1248],"4021":[1249,1250,1251,1252,1253],"4022":[1254],"4023":[1255],"4026":[1256,1257],"4027":[1258,1259],"4028":[1260],"4034":[1261,1262],"4036":[1263,1264],"4037":[1265,1266],"4043":[1267],"4044":[1268,1269],"4045":[1270,1271],"4046":[1272,1273,1274],"4047":[1275,1276],"4048":[1277],"4051":[1278,1279],"4052":[1280,1281,1282],"4053":[1283,1284],"4054":[1285,1286,1287],"4055":[1288,1289,1290],"4057":[1291],"4058":[1292,1293],"4060":[1294,1295],"4061":[1296],"4062":[1297,1298,1299,1300],"4063":[1301,1302],"4064":[1303,1304],"4067":[1305],"4069":[1306],"4072":[1307,1308],"4073":[1309,1310,1311],"4075":[1312],"4076":[1313,1314,1315,1316],"4085":[1317],"4086":[1318,1319,1320],"4087":[1321],"4089":[1322],"4091":[1323],"4093":[1324,1325],"4094":[1326,1327,1328],"4096":[1329],"4097":[1330,1331],"4123":[1332],"4124":[1333,1334],"4126":[1335,1336],"4128":[1337],"4129":[1338],"4130":[1339],"4131":[1340,1341],"4132":[1342,1343,1344],"4133":[1345],"4134":[1346],"4135":[1347],"4138":[1348],"4139":[1349,1350],"4140":[1351,1352,1353],"4141":[1354],"4142":[1355],"4143":[1356,1357,1358],"4144":[1359],"4145":[1360,1361,1362],"4146":[1363,1364,1365],"4147":[1366,1367,1368],"4148":[1369],"4149":[1370,1371],"4150":[1372,1373,1374,1375],"4151":[1376,1377],"4152":[1378,1379,1380],"4153":[1381,1382,1383],"4154":[1384],"4155":[1385],"4156":[1386],"4161":[1387],"4164":[1388],"4165":[1389],"4166":[1390,1391,1392],"4167":[1393,1394,1395,1396],"4168":[1397],"4169":[1398,1399,1400,1401],"4170":[1402,1403,1404],"4171":[1405],"4172":[1406],"4173":[1407,1408,1409],"4176":[1410],"4177":[1411,1412],"4178":[1413,1414,1415],"4179":[1416],"4180":[1417,1418,1419,1420,1421],"4181":[1422,1423,1424,1425],"4183":[1426],"4184":[1427,1428],"4185":[1429],"4187":[1430,1431,1432],"4188":[1433,1434,1435],"4190":[1436],"4191":[1437],"4192":[1438,1439],"4255":[1440],"4257":[1441,1442],"4258":[1443],"4259":[1444],"4260":[1445,1446,1447],"4262":[1448],"4266":[1449],"4269":[1450,1451,1452],"4291":[1453],"4292":[1454,1455],"4293":[1456],"4296":[1457],"4297":[1458,1459],"4298":[1460],"4300":[1461],"4301":[1462],"4302":[1463,1464],"4303":[1465],"4304":[1466],"4305":[1467,1468,1469,1470],"4306":[1471,1472,1473],"4307":[1474,1475,1476],"4308":[1477],"4309":[1478],"4311":[1479],"4312":[1480,1481,1482,1483],"4313":[1484,1485,1486],"4314":[1487,1488,1489],"4315":[1490,1491,1492,1493],"4317":[1494],"4318":[1495],"4320":[1496],"4321":[1497],"4322":[1498,1499,1500],"4323":[1501,1502,1503],"4324":[1504],"4325":[1505,1506,1507,1508,1509],"4326":[1510,1511],"4327":[1512,1513,1514],"4328":[1515,1516,1517],"4329":[1518,1519],"4330":[1520,1521,1522],"4331":[1523,1524,1525],"4332":[1526],"4333":[1527,1528],"4334":[1529,1530],"4335":[1531],"4338":[1532],"4339":[1533],"4341":[1534],"4342":[1535,1536],"4343":[1537,1538],"4344":[1539],"4346":[1540,1541],"4347":[1542,1543],"4349":[1544,1545,1546],"4350":[1547],"4351":[1548],"4352":[1549,1550,1551,1552],"4353":[1553],"4354":[1554],"4355":[1555],"4361":[1556,1557],"4362":[1558],"4364":[1559],"4365":[1560,1561],"4367":[1562],"4368":[1563,1564,1565],"4369":[1566],"4370":[1567,1568,1569],"4373":[1570,1571,1572],"4374":[1573],"4375":[1574,1575,1576],"4376":[1577],"4379":[1578,1579,1580],"4380":[1581,1582],"4381":[1583,1584,1585],"4382":[1586,1587,1588],"4383":[1589,1590],"4385":[1591],"4386":[1592],"4395":[1593],"4396":[1594],"4402":[1595],"4405":[1596,1597],"4406":[1598,1599,1600],"4407":[1601,1602],"4408":[1603],"4410":[1604],"4411":[1605],"4413":[1606],"4414":[1607],"4417":[1608],"4418":[1609,1610],"4419":[1611,1612,1613],"4420":[1614,1615,1616,1617],"4421":[1618,1619,1620],"4423":[1621],"4424":[1622],"4425":[1623],"4427":[1624,1625],"4428":[1626,1627,1628],"4429":[1629,1630,1631],"4430":[1632,1633,1634],"4431":[1635,1636],"4434":[1637],"4435":[1638,1639],"4436":[1640,1641],"4437":[1642,1643,1644],"4438":[1645],"4439":[1646,1647],"4440":[1648,1649],"4441":[1650],"4442":[1651,1652],"4443":[1653],"4444":[1654,1655,1656],"4445":[1657,1658,1659,1660],"4446":[1661,1662],"4448":[1663],"4449":[1664,1665,1666],"4450":[1667],"4451":[1668],"4452":[1669,1670],"4453":[1671],"4454":[1672],"4455":[1673,1674],"4456":[1675],"4457":[1676,1677,1678],"4459":[1679],"4461":[1680],"4462":[1681,1682],"4463":[1683],"4466":[1684,1685,1686],"4467":[1687],"4468":[1688],"4469":[1689],"4471":[1690],"4472":[1691,1692],"4473":[1693],"4476":[1694],"4477":[1695],"4478":[1696,1697],"4479":[1698],"4480":[1699,1700,1701],"4481":[1702,1703],"4482":[1704,1705,1706],"4483":[1707,1708,1709],"4484":[1710],"4486":[1711],"4487":[1712],"4488":[1713],"4489":[1714,1715],"4490":[1716],"4492":[1717],"4497":[1718],"4498":[1719],"4499":[1720],"4501":[1721],"4505":[1722],"4506":[1723,1724],"4510":[1725],"4512":[1726],"4516":[1727,1728],"4518":[1729,1730,1731],"4519":[1732],"4522":[1733,1734],"4523":[1735,1736,1737,1738],"4525":[1739,1740,1741],"4526":[1742,1743],"4529":[1744],"4530":[1745,1746],"4531":[1747],"4532":[1748,1749,1750],"4533":[1751],"4534":[1752],"4536":[1753,1754],"4540":[1755],"4541":[1756],"4544":[1757,1758],"4545":[1759],"4547":[1760],"4548":[1761],"4560":[1762],"4563":[1763,1764],"4565":[1765,1766],"4567":[1767],"4569":[1768],"4570":[1769,1770],"4574":[1771],"4575":[1772],"4576":[1773,1774],"4580":[1775,1776],"4581":[1777,1778,1779],"4583":[1780],"4588":[1781,1782,1783],"4589":[1784,1785],"4591":[1786],"4592":[1787],"4593":[1788],"4594":[1789,1790],"4596":[1791],"4597":[1792],"4598":[1793],"4599":[1794,1795],"4600":[1796],"4602":[1797],"4605":[1798],"4606":[1799],"4609":[1800],"4615":[1801],"4616":[1802],"4618":[1803],"4619":[1804],"4630":[1805],"4636":[1806],"4642":[1807,1808,1809],"4643":[1810],"4644":[1811],"4645":[1812,1813,1814],"4646":[1815,1816,1817],"4653":[1818,1819],"4667":[1820,1821,1822],"4668":[1823],"4672":[1824],"4673":[1825,1826],"4676":[1827],"4677":[1828],"4679":[1829,1830,1831],"4704":[1832],"4705":[1833,1834,1835,1836],"4706":[1837,1838],"4708":[1839],"4710":[1840],"4711":[1841],"4712":[1842],"4715":[1843,1844],"4716":[1845],"4717":[1846,1847,1848],"4718":[1849],"4719":[1850],"4720":[1851],"4721":[1852],"4729":[1853],"4736":[1854],"4737":[1855],"4741":[1856],"4744":[1857,1858,1859],"4746":[1860,1861],"4747":[1862],"4748":[1863],"4749":[1864],"4751":[1865,1866,1867,1868],"4752":[1869,1870],"4753":[1871,1872,1873,1874],"4754":[1875],"4756":[1876],"4757":[1877,1878],"4764":[1879],"4765":[1880],"4766":[1881,1882],"4767":[1883],"4769":[1884],"4770":[1885],"4772":[1886],"4773":[1887],"4774":[1888],"4776":[1889,1890,1891],"4777":[1892,1893],"4779":[1894,1895],"4783":[1896],"4790":[1897,1898],"4791":[1899,1900],"4792":[1901,1902],"4794":[1903,1904],"4795":[1905],"4802":[1906,1907],"4803":[1908],"4804":[1909,1910],"4806":[1911],"4807":[1912],"4811":[1913],"4817":[1914],"4818":[1915,1916],"4819":[1917],"4820":[1918],"4821":[1919,1920,1921],"4822":[1922],"4823":[1923,1924],"4992":[1925],"4995":[1926],"4997":[1927,1928],"4998":[1929],"5001":[1930,1931],"5002":[1932],"5003":[1933],"5004":[1934],"5005":[1935,1936],"5006":[1937],"5007":[1938,1939],"5008":[1940],"5009":[1941],"5010":[1942,1943],"5012":[1944],"5013":[1945],"5015":[1946],"5027":[1947],"5029":[1948,1949],"5030":[1950],"5031":[1951,1952],"5038":[1953],"5040":[1954],"5041":[1955],"5042":[1956],"5043":[1957],"5044":[1958],"5045":[1959],"5046":[1960],"5047":[1961],"5048":[1962,1963],"5049":[1964],"5053":[1965,1966],"5055":[1967,1968],"5056":[1969,1970],"5057":[1971,1972],"5058":[1973,1974],"5059":[1975],"5060":[1976],"5064":[1977],"5067":[1978],"5068":[1979,1980],"5070":[1981,1982,1983],"5071":[1984,1985],"5072":[1986,1987,1988],"5073":[1989],"5080":[1990,1991],"5082":[1992],"5083":[1993],"5084":[1994],"5086":[1995],"5087":[1996],"5088":[1997,1998,1999],"5091":[2000],"5092":[2001],"5094":[2002],"5096":[2003,2004],"5097":[2005,2006,2007,2008,2009],"5098":[2010],"5099":[2011],"5100":[2012],"5104":[2013],"5106":[2014,2015,2016,2017],"5107":[2018,2019],"5114":[2020],"5115":[2021,2022],"5117":[2023],"5119":[2024],"5120":[2025,2026,2027,2028],"5121":[2029],"5123":[2030,2031],"5124":[2032],"5125":[2033,2034,2035],"5126":[2036],"5127":[2037],"5129":[2038,2039],"5130":[2040],"5133":[2041],"5134":[2042,2043,2044],"5135":[2045],"5136":[2046],"5137":[2047,2048],"5139":[2049],"5140":[2050],"5141":[2051],"5142":[2052,2053],"5143":[2054],"5151":[2055],"5152":[2056],"5153":[2057,2058],"5155":[2059,2060,2061],"5156":[2062],"5158":[2063],"5160":[2064],"5161":[2065,2066],"5162":[2067],"5163":[2068,2069],"5164":[2070],"5165":[2071],"5167":[2072],"5169":[2073],"5171":[2074],"5174":[2075],"5177":[2076],"5178":[2077,2078],"5179":[2079,2080,2081,2082],"5180":[2083],"5183":[2084,2085,2086],"5189":[2087],"5190":[2088,2089],"5191":[2090],"5192":[2091],"5194":[2092],"5197":[2093],"5200":[2094],"5203":[2095],"5205":[2096,2097],"5209":[2098],"5210":[2099],"5213":[2100],"5214":[2101,2102,2103],"5215":[2104],"5216":[2105],"5217":[2106],"5219":[2107,2108],"5222":[2109,2110],"5224":[2111,2112],"5225":[2113,2114,2115],"5227":[2116],"5228":[2117,2118,2119],"5229":[2120],"5230":[2121],"5231":[2122],"5232":[2123,2124],"5233":[2125]},"ٟ":[1,2,3,4,5,6,7,8,9,10,11,12,13,14,15,16,17,18,19,20,21,22,23,24,25,26,27,28,29,30,31,32,33,34,35,36]},"pages":[{"text":"آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١)\n\nأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن\n\nتأليف\nالشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي\n(١٣٢٥ - ١٣٩٣)\n\nإشراف\nبكر بن عبد الله أبو زيد\n\nالمجلد الأول\nالفاتحة - النساء\n\nدار عطاءات العلم - دار ابن حزم","vol":"المقدمة","page":1},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-1>مَدْخَل إلى مَشْروع (آثارِ الشَّيخ العلَّامة محمد الأمين الشِّنْقِيطي)</span>\nوفيه:\n\n• مُقَدِّمة المُشْرِف العامّ على المشروع فضيلة الشيخ بَكْر بن عبد الله أبو زيد\n\n• خِطَّة العمل في المشروع لـ عليِّ بن محمَّد العِمْران\n\n• ترجمة مختصرة للشَّيخ العلامة محمد الأمين الشِّنْقِيطي للشيخ خالد بن عثمان السبت","vol":"المقدمة","page":5},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-2>مقدمة المشرف العام على مشروع (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي) فضيلة الشيخ العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد -حفظه الله- رئيس مجمع الفقه الإسلامي بجدة</span>\nالحمد لله على آلائه المتكاثرة ونعمه المتواترة، اللهم صل على عبدك ورسولك محمد وعلى آله وصحبه أجمعين وسلم.\nأما بعد؛ فهذا مشروع جديد من سلسلة المشاريع العلمية المباركة -إن شاء الله تعالى-: التي بدأناها بـ:\n- آثار شيخ الإسلام ابن تيمية وما لحقها من أعمال. وقد طبع منه ثلاثة عشر مجلدًا، والبقية تحت الإعداد.\n- ثم تبعها: آثار الإمام ابن قيم الجوزية وما لحقها من أعمال. وقد طبع منه ثمانية مجلدات، ومثلها في العدد سيطبع قريبًا. ولا زال العمل مستمرًا فيهما.\n- وهذا هو المشروع الثالث ضمن هذه السلسلة وهو: آثار فضيلة شيخنا العلامة الفقيه الأصولي المفسر المجتهد محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي ثم المدني، المولود سنة ١٣٢٥ - على الأرجح- والمتوفي سنة ١٣٩٣ - رحمه الله تعالى-.\nوقد بدأت طباعة كتب الشيخ -رحمه الله تعالى- في حياته مما ألفه هو، أو مما جمعه طلابه من محاضراته، وبعضها طبع بعد وفاته، وبعضها لم يطبع إلا قريبًا، وبعضها لم يطبع حتى الآن -وهو (الرحلة","vol":"المقدمة","page":7},{"text":"إلى إفريقيا) و(الفتاوى) -.\nوفي عملنا هذا ضممنا جميع كتب الشيخ التي وقفنا عليها، فلم يبق له كتاب أو رسالة إلا دخلت ضمن هذا العمل، فجرى تحقيق جملةٍ منها مما وجدنا له أي أصلٍ يُعْتمد عليه، وصحَّحنا جملةً أخرى، حتى اكتمل عقدها في تسعة عشر مجلدًا.\nوقد استغرق العمل فيها من بدايته حتى استوى على سوقه نحو ثلاث سنوات مع الاشتغال بالمشاريع العلمية الأخرى، وهذا من ثمرات التعاون بين جميع المشاركين في هذا العمل. وسيأتي في (خطة العمل في هذا المشروع) شرح وافٍ لذلك.\n\nونشير هنا إلى أمور:\nالأول: يسرُّ مجمع الفقه الإسلامي بجدة المنبثق عن منظمة المؤتمر الإسلامي أن تكون طباعة آثار العلامة الشنقيطي ضمن منشوراته؛ لما فيها من العلم والتحقيق الذي يلتقي مع أهداف المجمع الذي أُسِّس من أجلها.\nالثاني: من نعمة الله تعالى موافقة الشيخ سليمان بن عبد العزيز الراجحي على تمويل هذا المشروع بواسطة مؤسسته الخيرية، جزاه الله خيرًا.\nالثالث: في ترجمة شيخنا اكتفينا بترجمة مختصرة في مقدمة المشروع، لحين تيسر كتابة ترجمة واسعة لائقة بمكانة الشيخ -رحمه الله تعالى-.\nالرابع: بعد هذه التقدمة شرح مفصل لمراحل العمل في","vol":"المقدمة","page":8},{"text":"المشروع، والكتب الداخلة فيه، وطريقة التحقيق والتصحيح، وذِكْر المشاركين فيه.\nخامسًا: نشكر جميع من أسهم في إنجاح هذا العمل العلمي المبارك، ونُهيب بكل من لديه فائدة أو مشورة تُعِين على تسديد هذا العمل وتكميله على التواصل معنا.\nوصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين وسلم.\n\nبكر بن عبد الله أبو زيد","vol":"المقدمة","page":9},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-3>خطة العمل في (آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي)</span>\nالحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور ثم الذين كفروا بربهم يعدلون. والحمد لله الذي لا يُؤدَّى شُكْرُ نعمةٍ من نِعَمِهِ إلا بنعمةٍ منه توجب على مُؤدِّي ماضي نعمه بأدائها نعمةً حادثةً يجب عليه شكره بها. ولا يبلغ الواصفون كُنه عظمته الذي هو كما وصَفَ نفسَه وفوقَ ما يصفُه به خلقُه.\nأحمده حمدًا كما ينبغي لكرم وجهه وعِز جلاله، وأستعينه استعانةَ من لا حول له ولا قوة إلا به، وأستهديه بهداه الذي لا يضل من أنعم به عليه، وأستغفره لما أَزلفتُ وأَخرتُ: استغفار من يُقر بعبوديته ويعلم أنه لا يغفر ذنبه ولا ينجيه منه إلا هو.\nوأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله (^١).\nأما بعد: فهذا المشروع المبارك -إن شاء الله تعالى- هدفه طباعة جميع كتب الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي -﵀- سواء تلك الكتب التي ألَّفها، أو تلك الأمالي والمحاضرات التي كان يلقيها على الطلاب في المعاهد والكليات العلمية، فتُدَوَّن وتُعرض عليه ويجيزها، أو تلك الدروس التي ألقاها في مجالسه العلمية في المسجد النبوي وغيره وسجلت عنه في أشرطة، أو المحاضرات التي كان يلقيها\n_________\n(^١) اقتباس من مقدمة (الرسالة): ٨ - ٩ للشافعي.","vol":"المقدمة","page":11},{"text":"أو يكتبها في الملتقيات الثقافية، أو الفتاوى التي كان يجيب بها على المستفتين.\nهذا هو شرط هذا المشروع في جميع الكتب التي أُدْرِجَت فيه، فلم نُدْخِل فيه المذكِّرات غير النصِّيَّة كـ (تفسير سورة هود وسورة النور) باعتناء الأهدل، والمقيَّدات في أثناء الدروس والمحاضرات، وكذا أعمال الجمع والترتيب من كلام الشيخ وكتبه كـ (سلالة الفوائد الأُصولية) للسديس وغيرها، والكتب الناقصة كـ (رسالة له في النحو) ... وغيرها. ولم ندخِل كذلك الإكمالات لما تركه الشيخ ناقصًا كـ (تكملة أضواء البيان) للشيخ عطية سالم وهي المجلدان الثامن والتاسع من المطبوع، و(تكملة شرح المراقي) لمن أكملها من طلابه، وهي شرح نحو مئة وستين بيتًا.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-4>وعليه فالكتب التي دخلت في هذا المشروع -بحسب ترتيبها فيه- هي:</span>\n١ - أضْوَاءُ البيَانِ في إيضَاحِ القُرْآنِ بِالقُرْآنِ (١ - ٧).\n٢ - العَذْبُ النَّمِيرُ مِنْ مَجَالِسِ الشِّنْقِيطِيِّ في التَّفْسِيرِ (١ - ٥).\n٣ - دَفْعُ إيهَامِ الاضْطِرابِ عَنْ آياتِ الكِتابِ.\n٤ - مَنْعُ جَوَازِ المَجَازِ في المُنَزَّلِ للتَّعَبُّدِ والإعْجازِ.\n٥ - شَرْحُ مَرَاقِي السُّعُوْدِ. المطبوع باسم (نَثْرُ الوُرُوْدِ) (١ - ٢).\n٦ - مُذَكِّرَةُ أُصُوْلِ الفِقْهِ على رَوْضَةِ النَّاظِرِ.\n٧ - آدابُ البحثِ والمناظرة.\n٨ - رِحْلَةُ الحَجِّ إلى بَيتِ اللَّهِ الحَرامِ.","vol":"المقدمة","page":12},{"text":"٩ - الرِّحْلَةُ إلى إفْرِيقِيا -يطبع لأول مرة-.\n١٠ - الفَتَاوَى وهي خمس -تطبع لأول مرة-.\n١١ - المُحَاضَرات [*]، وهي:\n• المصالحُ المُرْسَلَةُ.\n• منهجُ التشريعِ الإسلاميِّ وحِكْمَتُه.\n• الإسلامُ دِينٌ كامِلٌ.\n• منهجٌ ودراساتٌ لآياتِ الأسماءِ والصِّفاتِ.\n• المُثُلُ العُلْيا في الإسْلامِ.\n• فتوى في تحريم التعليم المُخْتَلَطِ.\n• بيانُ الناسِخِ والمنْسُوخِ من آيِ الذِّكْرِ الحكيم.\n\nوكان العمل في هذه الكتب على نوعين:\n<span data-type=\"title\" id=toc-5>الأول: تحقيق، وهي خمسة كتب:</span>\n• العذب النمير، والرحلة إلى إفريقيا، كلاهما من تحقيق الشيخ خالد بن عثمان السبت.\n• شرح مراقي السعود (المطبوع باسم نثر الورود)، حققه: علي بن محمد العمران.\n• آداب البحث والمناظرة، حققه: الشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي.\n• الفتاوى -وهي خمس-، حققها: الشيخ سليمان بن عبد الله العمير.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: وأضيف لهم محاضرة ثامنة بعنوان «حول شبهة الرقيق» في هذا الطبعة","vol":"المقدمة","page":13},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-6>الثاني: قراءة وتصحيح</span>، وهي بقية الكتب.\nأما العمل في هذه الكتب تحقيقًا وتصحيحًا فهدفه الأساس هو الخروج بنصٍّ صحيح خال من الأخطاء، أقرب ما يكون إلى ما تركه المؤلف.\nغير أن الكتب المحققة تمتاز بالعناية بنص الكتاب؛ بالاعتماد على أصوله الخطية أو المسموعة، وبالتخريج لآياته وأحاديثه وأشعاره، والترجمة لأعلامه، والتعليق على مسائله، وغيرها مما تتطلبه مهمة التحقيق. وفي مقدمات تلك الكتب المحققة ما يُغني عن تفصيل القول في كل كتاب هنا.\nأما الكتب المصححة، فنفصِّل القولَ فيها كالتالي:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-7> أضواء البيان:</span>\nوكان العمل فيه كالتالي:\n- اعتمدنا في المقابلة على النسخة المطبوعة في حياة الشيخ -رحمه الله تعالى- وهي طبعة المدني.\n- وضعنا أرقام صفحات الطبعة القديمة في هوامش طبعتنا لتسهيل الرجوع إليها. وهذا صنعناه في (أضواء البيان) خاصة.\n- صححنا الأخطاء المطبعية المنتشرة في الكتاب وهي كثيرة جدًّا، خاصة في النصوص الشعرية، واستفدنا من التصحيحات التي قيَّدها الشيخ عبد الرحمن السديس على نسخته.\n- أعدنا تنسيق نصوص الكتاب من جديد، فقسَّمنا النصَّ إلى","vol":"المقدمة","page":14},{"text":"فقرات تُعِين على فهمه وترتيب أفكاره وموضوعاته، مع مراعاة عدم المبالغة في هذا الأمر، وأصلحنا الخلط الواقع فيها.\n- ومن ذلك أن جعلنا الآيات التي خصَّها الشيخ بالشرح تبدأ بفقرة جديدة وقبلها علامة (*).\n- راجعنا كثيرًا من النصوص التي ينقلها الشيخ من المصادر عند وجود إشكالٍ ما.\n- لم نتصرف في نصوص الكتاب بالتغيير ونحوه إلا عند التأكد من الخطأ. مع التقليل من الأقواس [] أو () عند إضافة نصٍّ أجنبي.\n- إذا لم يتبين لنا وجه الصواب في العبارة، تركناه كما هو مع الإشارة في الهامش إلى ذلك.\n- اعتنينا بعلامات الترقيم، بلا مبالغة أو تفريط.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-8> مذكرة أصول الفقه:</span>\n- اعتمدنا في المقابلة على الطبعة السلفية التي طبعت في حياة الشيخ عام ١٣٩١.\n- صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في (أضواء البيان).\n- استفدنا من بعض التصحيحات في بعض الطبعات الأخرى.\n- أحلنا على \"روضة الناظر\" (^١) في كل موضع يشرحه الشيخ، ووضعنا نصوص \"الروضة\" بين قوسين كبيرين بخط أثخن تمييزًا له.\n_________\n(^١) بتحقيق الشيخ عبد الكريم النملة، في ثلاثة مجلدات.","vol":"المقدمة","page":15},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-9> دفع إيهام الاضطراب:</span>\n- استفدنا من عدة طبعات للكتاب، الطبعة القديمة التي طبعت في حياة الشيخ، وطبعة أخرى في مجلة الجامعة الإسلامية، وطبعة مكتبة ابن تيمية.\n- صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان.\n- صححنا الكتاب أكثر من ثلاث مرات، وراجعنا لحل الإشكالات كتب الشيخ الأخرى. وكان في النية الإحالة على أضواء البيان في المواضع التي تعرَّض لشرحها، لكن لم يتيسر ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-10> منع جواز المجاز:</span>\n- اعتمدنا في المقابلة على الطبعة القديمة للكتاب، التي طبعت في حياة الشيخ -﵀-.\n- صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان.\n- راجعنا الأشعار على مصادرها من كتب الشواهد والدواوين لكثرتها، وضبطنا ما هو بحاجة إلى ضبط.\n- أحلنا على الكتب التي صرح الشيخ بالنقل عنها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-11> رحلة الحج إلى بيت الله الحرام:</span>\n- اعتمدنا في المقابلة على الطبعة الأولى التي طبعت عام ١٤٠٣ أي بعد وفاة الشيخ بعشر سنوات، مع أن الشيخ كان قد انتهى من إملائه قبل وفاته.\n- صححنا الكتاب بنحو ما تقدم في أضواء البيان.","vol":"المقدمة","page":16},{"text":"- أعدنا تصحيحه والاعتناء به ثلاث مرات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-12> المحاضرات:</span>\n- ضممنا تحت هذا العنوان كل المحاضرات التي عرفناها مما ألقاه أو أملاه الشيخ في المواسم الثقافية في الجامعة الإسلامية وهي خمس، ثم ألحقنا بها (فتوى في تحريم التعليم المختلط)، و(شرحًا لأبيات السيوطي في الناسخ والمنسوخ من الآيات) [*].\n- اعتمدنا في تلك المحاضرات وما تبعها على أقدم الطبعات، غير محاضرة (منهج ودراسات لآياتِ الأسماءِ والصِّفاتِ) فقد حصلنا على شريط مسجل لها فكان عليه الاعتماد. و(تحريم التعليم المختلط) اعتمدنا على نسخة مكتوبة على الحاسب.\n- تراجع مقدمة (المحاضرات) لزيادة التفصيل.\nوبعد؛ فقد صار عدد مجلدات هذا المشروع تسعة عشر مجلدًا؛ سبعة (للأضواء)، وخمسة (للعذب النمير)، ومجلدان (لشرح المراقي)، ومجلد (للمذكرة)، ومجلد ضممنا فيه كتابين: (دفع الإيهام، ومنع جواز المجاز)، ومجلد (لآداب البحث)، ومجلد (لرحلة الحج)، ومجلد ضممنا فيه ثلاثة كتب: (الرحلة إلى أفريقيا، والفتاوى -وهي خمس-، والمحاضرات -وهي سبع [*]-).\nوكان من المؤمل صنع ترجمة كبيرة لائقة بالشيخ الأمين يكتبها تلميذه شيخنا العلامة بكر بن عبد الله أبو زيد المشرف العام على المشروع لكن حال دون ذلك حوائل، ولذا اكتفينا بالترجمة الموجزة التي كتبها الشيخ خالد السبت في مقدمة (العذب النمير) مع بعض الزيادات.\n_________\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: أضيفت محاضرة (حول شبهة الرقيق)، في هذه الطبعة الجديدة، فعدد المحاضرات فيها ٨","vol":"المقدمة","page":17},{"text":"ونحن نعقد العزم بعد الانتهاء من هذا المشروع الكبير على صنع فهارس شاملة مفصلة ومتنوعة، نظرية وعلمية لجميع الكتب، تجمع في مجلد واحد. وكان قد صنع بعض طلبة العلم فهارس متنوعة لأكثر كتب الشيخ إلا أنه بحاجة إلى بعض الإكمال والتصحيح وتحويل أرقام الصفحات إلى طبعاتنا.\nكما نشكر جميع المشايخ المشاركين في إنجاز هذا العمل الكبير سواء في التحقيق وهم: الشيخ سليمان بن عبد الله العمير الأستاذ بالجامعة الإسلامية بالمدينة، والشيخ خالد بن عثمان السبت الأستاذ بكلية المعلمين بالدمام، والشيخ سعود بن عبد العزيز العريفي الأستاذ بجامعة أم القرى بمكة. أو التقويم والتصحيح وهم: الشيخ أحمد حاج عثمان، والشيخ عبد الرحمن بن حسن بن قائد. وكذلك الأفاضل الذين شاركوا في المراجعة والمقابلة مثل: الأخ عبد الرحمن بن سالم الأهدل، ونايف بن محمد القطاع، وغيرهم.\nوفي ختام هذه المقدمة ندعو كل المهتمين بكتب العلامة الشنقيطي إلى التواصل معنا بكل ما يستدرك سواء من كتب أو أشرطة وقفوا عليها لم تدخل في المشروع، أو من تصحيحات في نصوص الكتب، أو اقتراحات تُثرْي العمل وتسدده.\nوصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.\n\nكتبه: علي بن محمد العمران\n٨ / جمادى الآخرة / ١٤٢٦","vol":"المقدمة","page":18},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-13>تَرْجَمَةُ الشيخ العَلَاّمَةِ الْمُفَسِّرِ الأُصُولِيِّ مُحَمَّدِ الأَمِينِ الشَّنْقِيطِيِّ </span>(^١)\n<span data-type=\"title\" id=toc-14>أولا: اسْمُهُ وَنَسَبُهُ</span>\nهو محمدُ الأمينُ بنُ محمدِ المختارِ بنِ عبدِ القادرِ بنِ محمدِ بنِ أحمدَ نوحِ بنِ محمدِ بنِ سَيِّدِي أحمدَ بنِ المختارِ. من أولادِ الطالبِ أوبك، الذي هو من أولادِ كريرِ بنِ الموافِي بنِ يعقوبَ بنِ جاكن الأبر، جد القبيلةِ المعروفةِ بالجكنيين، التي يَرْجِعُ نَسَبُهَا إلى حِمْيَرَ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-15>ثانيا: مَوْلِدُهُ وَنَشْأَتُهُ</span>\nوُلِدَ الشيخُ (﵀) سنةَ (١٣٢٥) عندَ ماءٍ يُسَمَّى (تَنْبَة) من أعمالِ (كيفا) من موريتانيا.\nوقد نشأ الشيخُ (﵀) يَتِيمًا؛ إذ تُوُفِّيَ والدُه وهو صبيٌّ صغيرٌ لا زَالَ يقرأُ في جزءِ عمَّ من القرآنِ الكريمِ. فَتَرَعْرَعَ الغلامُ في بيتِ أخوالِه الذين هُمْ من بَنِي عمومته؛ ذلك أن والدتَه كانت ابنةَ عمِّ أبيه، وكان ذلك البيتُ الذي تَرَبَّى فيه الشيخُ (﵀) يزخرُ بمزيدٍ من العلمِ فضلًا عمَّا يكتنفُ تلك البيئةَ من قُطْرِ شنقيطَ عمومًا من انتشارٍ\n_________\n(^١) مصادر الترجمة: ترجمة تلميذه الشيخ عطية سالم، وهي مطبوعة في آخر أضواء البيان، «علماء ومفكرون عرفتهم» للمجذوب (١/ ١٧١)، «ترجمة الشيخ محمد الأمين الشنقيطي» للسديس، «جهود الشيخ محمد الأمين الشنقيطي في تقرير عقيدة السلف» للطويان (رسالة ماجستير مقدمة في الجامعة الإسلامية عام ١٤١٢ هـ ثم طُبِعت في مجلدين عن مكتبة العبيكان) وغيرها.","vol":"المقدمة","page":19},{"text":"للعلمِ وَذَوِيهِ، والأدبِ وأربابِه، والفروسيةِ ورجالاتها.\nوكان أبوه قد خَلَّفَ له ثروةً من المالِ والحيوانِ، ولم يُخَلِّفْ وَلَدًا سِوَاهُ.\nيقول الشيخُ (﵀) متحدثًا عن بعضِ أيامِ الصِّبا: \"كنتُ أَمِيلُ إلى اللَّعِبِ أكثرَ من الدراسةِ، حتى حفظتُ الحروفَ الهجائيةَ، وبدءوا يُقْرِئُونَنِي إياها بالحركاتِ (ب، فتحة بَا، ب، كسرة بِي، ب ضمة بُو) وهكذا .. فقلتُ لهم: أَوَكُلُّ الحروفِ هكذا؟ قالوا: نَعَمْ، فقلتُ: كفى، إني أستطيعُ قِرَاءَتَهَا كُلَّهَا على هذه الطريقةِ؛ كي يتركوني، فقالوا: اقْرَأْهَا. فقرأتُ بثلاثةِ حروفٍ أو أربعةٍ، وتنقَّلْتُ إلى آخِرِهَا بهذه الطريقةِ، فعرفوا أني فهمتُ قَاعِدَتَها، واكتفوا مني بذلك، وتركوني، ومن ثم حُبِّبَتْ إِلَيَّ القراءةُ\" ا. هـ.\nولما أتم العاشرةَ من عمرِه فَرَغَ من حفظِ القرآنِ الكريمِ على خالِه عبدِ اللَّهِ بنِ محمدٍ المختارِ بنِ إبراهيمَ بنِ أحمدَ نوحٍ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-16>ثالثا: طَلَبَهُ لِلْعِلْمِ</span>\nبعدَ أن أَتَمَّ حفظَ القرآنِ في سِنِّ العاشرةِ تَعَلَّمَ رسمَ المصحفِ العثمانيِّ على ابنِ خالِه، وهو سيدي محمدِ بنِ أحمدَ بنِ محمدٍ المختار، كما قرأَ عليه التجويدَ في مَقْرَأِ نافعٍ، بروايةِ وَرْشٍ، من طريقِ أبي يعقوبَ الأزرقِ، وقالون من روايةِ أبي نشيطٍ، وأخذَ عنه سَنَدًا بذلك إلى النبيِّ - ﷺ -، وكان قد بلغَ من العمرِ ستةَ عشرَ عامًا.\nكما دَرَسَ أثناءَ تلك القراءةِ بعضَ المختصراتِ في الفقهِ على","vol":"المقدمة","page":20},{"text":"مذهبِ الإمامِ مالكٍ، كرجزِ ابن عَاشِرٍ، كما درسَ الأدبَ مع شيءٍ من التوسعِ على زوجةِ خالِه، وأخذَ عنها إضافةً إلى الأدبِ: مبادئَ النحوِ كالآجرومية، وبعضِ التمرينات، كما أخذَ عنها بتوسعٍ: أنسابَ العربِ وأيامَهم، والسيرةَ النبويةَ، ونظم الغزوات لأحمد البدوي الشنقيطي -وهو يَرْبُو على خمسمائة بيتٍ مع شَرْحِهِ لابنِ أختِ المؤلفِ المعروفِ بحماد-، ودرسَ عليها أيضا نظمَ عمودِ النسبِ للمؤلفِ نفسِه، وهو نظمٌ طويلٌ يُعَدُّ بالآلافِ، بالإضافةِ إلى شرحِه لابنِ أختِ المؤلفِ (القدر المتعلق بالعدنانيين).\nكُلُّ ذلك حَصَّلَهُ في بيتِ أخوالِه!! وقد أَخَذَ عن غيرِهم الفقهِ المالكيِّ من مختصرِ خليلٍ، والنحوَ من ألفيةِ ابنِ مالكٍ وغيرِها، والصرفَ، والأصولَ، والبلاغةَ، وشيئًا من الحديثِ، والتفسيرِ.\nأما المنطقُ وآدابُ البحثِ والمناظرةِ فكان تحصيلُه لها عن طريقِ المطالعةِ.\nيُحَدِّثُنَا الشيخُ (﵀) عن بدايةِ الطلبِ فيقول: \"وَلَمَّا حَفِظْتُ القرآنَ، وأخذتُ الرسمَ العثمانيَّ، وتفوَّقْتُ فيه على الأقرانِ، عُنِيَتْ بي والدتي وأخوالي أَشَدَّ عنايةٍ، وعزموا على توجيهي للدراسةِ في بقيةِ الفنونِ، فجهَّزَتْنِي والدتي بِجَمَلَيْنِ، أحدهما عليه مَرْكَبِي وَكُتُبِي، والآخَرُ عليه نَفَقَتِي وَزَادِي، وصحبني خادمٌ ومعه عدةُ بقراتٍ، وقد هَيَّأَتْ لي مركبي كأحسنِ ما يكونُ من مركبٍ، وملابسَ كأحسنِ ما تكونُ، فَرَحًا بي، وَتَرْغِيبًا لي في طلبِ العلمِ، وهكذا سَلَكْتُ سبيلَ الطلبِ والتحصيلِ\" اهـ.","vol":"المقدمة","page":21},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-17>رَابِعًا: هِمَّتُهُ فِي طَلَبِ الْعِلْمِ</span>\nكان الشيخُ (﵀) يتمتعُ بهمةٍ عاليةٍ في طلبِ العلمِ، فَلَمْ يكن يُفَوِّتُ مسألةً مما دَرَسَ دونَ استيعابٍ وتمحيصٍ، وإن كَلَّفَهُ ذلك جهودًا مضنيةً وأوقاتًا طويلةً، وإليك هذه الواقعةَ التي تُنَادِي بما ذكرتُ، يقولُ الشيخُ (﵀): \"جِئْتُ للشيخِ في قراءتِي عليه، فَشَرَحَ لي كما كان يشرحُ، ولكنه لم يَشْفِ ما في نفسي على ما تَعَوَّدْتُ، ولم يَرْوِ لي ظَمَئِي، وقمتُ من عنده وأنا أَجِدُنِي في حاجةٍ إلى إزالةِ بعضِ اللبسِ، وإيضاحِ بعضِ المُشْكِلِ، وكان الوقتُ ظُهْرًا، فأخذتُ الكتبَ والمراجعَ، فَطَالَعْتُ حتى العصرِ، فلم أَفْرَغْ من حاجتِي، فعاودتُ حتى المغربِ، فلم أَنْتَهِ أيضًا، فَأَوْقَدَ لِي خَادِمي أعوادًا من الحطبِ أقرأُ على ضَوْئِهَا، كعادةِ الطلابِ، وواصلتُ المطالعةَ، وأتناولُ الشاهي الأخضرَ كُلَّمَا مَلِلْتُ أو كَسِلْتُ، والخادمُ بجواري يوقدُ الضوءَ، حتى انبثقَ الفجرُ وأنا في مجلسي لم أَقُمْ إلا لصلاةِ فرضٍ أو تناولِ طعامٍ، وإلى أن ارتفعَ النهارُ وقد فَرَغْتُ من درسي وزالَ عني لَبْسِي، ووجدتُ هذا المحلَّ من الدرسِ كغيره في الوضوحِ والفَهْمِ .. \" ا. هـ\nهكذا كان يصنعُ (﵀) حينما يعرضُ له إشكالٌ!! بالإضافةِ إلى ما كانَ يكابدُه من سهرٍ في تَتَبُّعِ كلامِ الشُّرَّاحِ للكتابِ الذي يشتغلُ بدراستِه طَلَبًا لاستيفاءِ كُلِّ ما قِيلَ في المسألةِ أو البابِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-18>خَامِسًا: غَزَارَةُ عِلْمِهِ وَسِعَةُ اطِّلَاعِهِ</span>\nحَبَا اللَّهُ الشيخَ (﵀) ذكاءً مُفْرطًا، وحافظةً نادرةً، وهمةً عاليةً، فَسَخَّرَ ذلك كُلَّهُ في تحصيلِ العلمِ وجَمْعِه بمختلفِ فنونِه","vol":"المقدمة","page":22},{"text":"وصنوفِه، من عقيدةٍ، وتفسيرٍ، وحديثٍ، وأصولٍ، وعربيةٍ ...\nوكان كلامُه في العلمِ يَشُدُّ كُلَّ مَنْ سَمِعَهُ، حتى يُخَيَّلَ للسامعِ أن الشيخَ أَفْنَى عمرَه في ذلك الفنِّ ولا يُحْسِنُ غيرَه!\nوهذه ليست من المبالغةِ في شيءٍ، وَمَنْ قَرَأَ كتابَه \"الرحلة\"، أو سَمِعَ شيئًا من محاضراتِه ومناظراتِه، سواءً في المدينةِ النبويةِ، أو ما سُجِّلَ له إبِّانَ زيارتِه لعشرِ دولٍ إفريقيةٍ على رأسِ وَفْدٍ من الجامعةِ، عَرَفَ حقيقةَ ما ذَكَرْتُ، كما أن دروسَه الْمُسَجَّلَةَ في التفسيرِ أكبرُ شاهدٍ على ذلك.\nولقد صدقَ (﵀) حينما قال: \"لَا توجدُ آيةٌ في القرآنِ إلا دَرَسْتُهَا عَلَى حِدَةٍ\" ا. هـ.\nوقال: \"كُلُّ آيَةٍ قال فيها الأَقْدَمُونَ شيئًا فهو عِنْدِي\"!!\nولما قال له أحدُ الأشخاصِ: \"إن سليمانَ الجَمَلِ -صاحبَ حاشيةِ الجَمَلِ على الجَلَالَيْنِ- لم يَقُلْ هَذَا\". قال: \"أَحْلِفُ لكَ باللَّهِ أني أعلمُ بكتابِ اللَّهِ من سليمانَ الجملِ بكذا؛ لأني أخذتُ المصحفَ من أَوَّلِهِ إلى آخِره، ولم تَبْقَ آيةٌ إلا تَتَبَّعْتُ أقوالَ العلماءِ فيها، وعرفتُ ما قالوا\".\nوكان (﵀) يحفظُ من أشعارِ العربِ وشواهدِ العربيةِ الآلافَ المؤلفةَ من الأبياتِ، كما كان يحفظُ أكثرَ أحاديثِ الصحيحين، وألفيةَ ابنِ مالكٍ، وَمَرَاقِي السعودِ، وألفيةَ العراقي، وغيرَ ذلك من المنظوماتِ في السيرةِ النبويةِ، والغزواتِ، والأنسابِ، والمتشابِه من","vol":"المقدمة","page":23},{"text":"ألفاظِ القرآنِ، وشيئًا من المتونِ في الفقهِ نَثْرًا ورَجَزًا.\nوَمَنْ يسمع شيئًا من دروسِ التفسيرِ لم يَسْتَكْثِرْ ذلك عليه.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-19>سَادِسًا: عَقِيدَتُهُ</span>\nإن من الأمورِ البارزةِ التي تَشُدُّ انتباهَ المستمعِ لدروسِ الشيخِ (﵀) أو القارئِ لهذا المكتوبِ منها، كثرةَ تقريرِه لاعتقادِ أهلِ السنةِ والجماعةِ في جميعِ الأبوابِ الاعتقاديةِ -خاصةً ما يتعلقُ بالأسماءِ والصفاتِ- فهو يُقَرِّرُ ذلك كُلَّهُ بعبارةٍ واضحةٍ على قواعدَ راسخةٍ مع حشدٍ من الأدلةِ النقليةِ والعقليةِ، حتى إن المستمعَ لكلامِه أو القارئَ له يُخيَّلُ إليه أن الشيخَ (﵀) لا يُحْسِنُ غيرَ هذا البابِ من العلمِ. وَمَعَ تَوَسُّعِ الشيخِ (﵀) في تقريرِ عَامَّةِ هذه المسائلِ وإفاضتِه في الاحتجاجِ للمعتقَد الحقِّ فيها، كانَ لا يَكِلُّ ولا يَمَلُّ من تَكْرَارِ ذلك عند كُلِّ مُنَاسَبَةٍ، فنجدُ أنه يتكلمُ في بيانِ الأُسُسِ الثلاثةِ التي يُبْنَى عليها المعتقدُ الصحيحُ في الصفاتِ في ثمانيةِ مواضعَ من هذه الدروسِ التي وَصَلَتْ إلينا، وهكذا كلامُه على موضوعِ التشريعِ وَالْحُكْمِ بغيرِ ما أنزل اللَّهُ، وكذا عند بيانِ اختصاصِ اللَّهِ تعالى بعلمِ الغيبِ، كما نجدُ الردَّ على القدريةِ في سبعةِ مواضعَ، وكذا عَرْضُ المناظرةِ بين الإسفرائيني والقاضي عبدِ الجبارِ في الْقَدَرِ، وفي ستةِ مواضعَ يُقَرِّرُ صفةَ الاستواءِ، وفي مِثْلِهَا يذكرُ المحاورةَ التي وَقَعَتْ بين الأعرابيِّ وعمرِو بنِ عُبَيْدٍ في القدرِ، إلى غيرِ ذلك مما يتكررُ في هذه الدروسِ المباركةِ من مسائلِ الاعتقادِ.\nوهذا التقريرُ لمسائلِ الاعتقادِ لا يقتصرُ على الدروسِ التي كان","vol":"المقدمة","page":24},{"text":"يُلْقِيهَا في التفسيرِ في مسجدِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - بل نَجِدُهَا مبثوثةً في كُتُبِهِ، لا سيما \"أضواء البيان\" (^١).\nولم يكن تَمَكُّنُ الشيخِ (﵀) مُقْتَصِرًا على اعتقادِ أهلِ السنةِ، بل هو راسخُ المعرفةِ بمذاهبِ المتكلمين ووجوهِ بُطْلَانِهَا، وهذا ظاهرٌ بجلاءٍ فيما يُقَرِّرُهُ في هذه الدروسِ وفيما ذَكَرَهُ في كُتُبِهِ، وقد قال (﵀) عندَ تفسيرِ الآيةِ رقمِ (٥٤) من سورةِ الأعرافِ، وهي قولُه تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ ...﴾ [الأعراف / ٥٤] بعد تقريرِه للمعتقدِ الصحيحِ في بابِ الصفاتِ وبيانِ بُطْلَانِ مذهبِ المتكلمين في ذلك: \"ونحنُ نقولُ لكم هذا وَنُقَرِّرُ لكم مذهبَ السلفِ على ضوءِ القرآنِ العظيمِ مع أنَّا ما دَرَسْنَا دراسةً شديدةً مثل علومِ الكلامِ والمنطقِ، وما تَنْفِي به كُلُّ طائفةٍ بَعْضًا من صفاتِ اللَّهِ، ونحن مُطَّلِعُونَ على جميعِ الأدلةِ وعلى تَرْكِيبِهَا التي نُفِيَ بها بعضُ الصفاتِ، عارفونَ كيف جاءَ البُطْلَانُ، ومن الوجهِ الذي جاءَ البُطْلَانُ، واسمُ الدليلِ الذي تُرِدُ به، ولكن ذلك لا يَلِيقُ في هذا المجلسِ الحافلِ؛ لأنه لا يَعْرِفُهُ إلا خَوَاصُّ الناسِ، فبعدَ النظرِ العامِّ الطويلِ في علمِ الكلامِ وما يستدلُّ به طوائفُ المتكلمين، وما تَرُدُّ به كُلُّ طائفةٍ على الأخرى، والأقيسةِ المنطقيةِ التي رَتَّبُوهَا وَنَفَوْا بها بعضَ الصفاتِ، ومعرفتنا من الوحيِ ومن نَفْسِ الكلامِ والبحوثِ والمناظراتِ كيف يَبْطُلُ ذلك الدليل، ومن أين جاء الخطأُ، وَتَحَقَّقْنَا من هذا كُلِّهِ، بعد ذلك كُلِّهِ تَحَقَّقْنَا كُلَّ التحققِ أن السلامةَ كُلَّ السلامةِ،\n_________\n(^١) وقد جُمع في ذلك رسالة علمية تقدمت الإشارة إليها.","vol":"المقدمة","page":25},{"text":"والخيرَ كُلَّ الخيرِ في اتباعِ نورِ هذا القرآنِ العظيمِ، والاهتداءِ بِهَدْيِ هذا النبيِّ الكريمِ ... \" إلخ.\nوبعدَ هذا العرضِ بَقِيَ أن تعلمَ أن الشيخَ (﵀) لم يَحْصُلْ له هذا الرسوخُ في هذا البابِ في أُخْرَيَاتِ حياتِه بل تجدُ ذلك أيضا في بعضِ مؤلفاتِه القديمةِ قبل استقرارِه في هذه البلادِ، ومن ذلك ما كَتَبَهُ في كتابِه (رِحْلَةُ الْحَجِّ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ) جوابًا على سؤالٍ وُجِّهَ إليه عَنْ مذهبِ أهلِ السنةِ في الصفاتِ فأجابَ بنفسِ الأسلوبِ والمستوى الذي كان يُقَرِّرُ فيه اعتقادَ أهلِ السنةِ في هذا البابِ في أخرياتِ حياتِه. فَرَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-20>سَابِعًا: الْوَظَائِفُ وَالأَعْمَالُ الَّتِي تَقَلَّدَهَا فِي بِلَادِهِ</span>\nتَصَدَّى الشيخُ (﵀) للتدريسِ وَالْفُتْيَا، كما اشْتُهِرَ بالقضاءِ، وكانت طريقتُه فيه أن يَسْتَكْتِبَ الْمُتَقَاضِيَيْنِ رَغْبَتَهُمَا في التقاضِي إليه، وقبولهما ما يَقْضِي به، ثم يستكتبُ الْمُدَّعِي دَعْوَاهُ، ويكتبُ جوابَ الْمُدَّعَى عليه أسفلَ كتابةِ الدَّعْوَى، ثم يكتبُ الحكمَ مع الدعوى والإجابةَ، ثم يُحِيلُهُمَا إلى مَنْ شَاءَا من المشايخِ أو الحكامِ للتصديقِ عليها وتنفيذِها.\nوكان يقضي في كُلِّ شيءٍ إلا في الدماءِ والحدودِ، إِذْ كان للدماءِ قضاءٌ خاصٌّ، وكان الحاكمُ الفرنسيُّ في البلادِ يقضي بالقصاصِ في القتلِ بعدَ محاكمةٍ وَمُرَافَعَةٍ، وبعدَ تمحيصِ القضيةِ وإنهاءِ المرافعةِ، وصدورِ الحكمِ، يُعْرَضُ على عَالِمَيْنِ من علماءِ البلادِ للمصادقةِ عليه، ويطلقُ على الْعَالِمَيْنِ: لجنةُ الدماءِ، وكان (﵀) أحدَ عُضْوَيْ هذه","vol":"المقدمة","page":26},{"text":"اللجنةِ.\nولم يَخْرُجِ الشيخُ (﵀) من بلادِه حتى عَلَا قَدْرُهُ، وذاعَ صِيتُهُ، وَعَظُمَتْ مَنْزِلَتُهُ بين الخاصِّ والعامِّ والقاصِي والدَّانِي، وصارَ عَلَمًا من أعلامِ البلادِ، وموضعًا لثقةِ الجميعِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-21>ثَامِنًا: سَفَرُهُ إِلَى الْحَجِّ وَاسْتِقْرَارُهُ فِي الْمَدِينَةِ النَّبَوِيَّةِ، وَأَثَرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ مِنَ النَّاحِيَةِ الْعِلْمِيَّةِ</span>\nسَافَرَ الشيخُ (﵀) من بلادِه لسبعٍ مَضَيْنَ من جُمَادَى الآخرةِ، من سنةِ سبعٍ وستين وثلاثِمائةٍ وألفٍ، قاصدًا الحجَّ عن طريقِ البرِّ على نيةِ العودةِ بعدَ ذلك إلى البلادِ، وقد كانت تلك السَّفْرَةُ حافلةً بالفوائدِ والمباحثاتِ العلميةِ القَيِّمَةِ التي تُبَرْهِنُ على رسوخِ الشيخِ في العلمِ، وطولِ بَاعِهِ فيه، يُسلِّمُ بذلك كُلُّ مَنْ قَرَأَ ما دَوَّنَهُ في تلك الرحلةِ بعنوانِ: \"الرِّحْلَةُ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ الْحَرَامِ\".\nوبعدَ فراغِ الشيخِ من مناسكِ الحجِّ تَوَجَّهَ صوبَ المدينةِ النبويةِ، ثم عزمَ على البقاءِ والاستقرارِ فيها، وكان (﵀) يقول: \"لَيْسَ مِنْ عَمَلٍ أعظمَ من تفسيرِ كتابِ اللَّهِ في مسجدِ رسولِ اللِّهِ - ﷺ - \".\nوقد كان لاستقرارِه في هذه البلادِ أثرٌ ظاهرٌ في زيادةِ اطِّلَاعِهِ، وتوسيعِ دائرةِ عِلْمِهِ؛ ذلك أن الدراسةَ في بلادِه كانت مُنْصَبَّةً على الفقهِ في مذهبِ الإمامِ مالكٍ خاصةً دونَ غَيْرِهِ من المذاهبِ، إضافةً إلى علومِ العربيةِ، والأصولِ، والسيرةِ، والتفسيرِ، والمنطقِ، ولم تَكُنْ دِرَاسَةُ الحديثِ تَحْظَى بما يَحْظَى به غيرُها، لاقتصارِ الناسِ على مذهبِ مَالِكٍ (﵀).","vol":"المقدمة","page":27},{"text":"فلما بدأ الشيخُ (﵀) يزاولُ التدريسَ في المسجدِ النبويِّ، وخالطَ العامةَ والخاصةَ، أَلْفَى مَنْ يُمَثِّلُ المذاهبَ الأربعةَ، وَمَنْ يُنَاقِشُ فيها، ويبحثُ عن الدليلِ ويتطلبُه، كما وجدَ الدراسةَ في المسجدِ النبويِّ لا تَقْتَصِرُ على مذهبٍ مُعَيَّنٍ، فكان من الْمُتَعَيَّنِ على مَنْ تَصَدَّرَ للتدريسِ في مثلِ هذه البيئةِ الاطلاعُ على سائرِ المذاهبِ الْمُعْتَبَرَةِ، والوقوفُ على أقوالِ العلماءِ في المسألةِ، مع التضلعِ بعلومِ الكتابِ والسنةِ، فَدَأَبَ الشيخُ (﵀) في تحصيلِ ذلك، وقد سَاعَدَهُ على هذا التوسعِ تَمَكُّنُهُ من علومِ الآلةِ.\nوإن هذا الأثرَ المشارَ إليه تَجِدُهُ بارزًا في كتابِه \"أَضْوَاءُ الْبَيَانِ\" عندما يتعرضُ للمسائلِ الفقهيةِ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-22>تَاسِعًا: الأَعْمَالُ الَّتِي زَاوَلَهَا (﵀) بَعْدَ اسْتِقْرَارِهِ فِي بِلَادِ الْحَرَمَيْنِ:</span>\n١ - تفسيرُ القرآنِ الكريمِ في المسجدِ النبويِّ، وقد أَتَمَّ تفسيرَ جميعِ القرآنِ، ثم شَرَعَ في تفسيرِه ثانيةً -كما ذكر ذلك في بعض دروسه- إلا أن المنيةَ وافته، فَمَاتَ (﵀) ولم يُجَاوِزْ سُورَةَ بَرَاءَةٍ (^١)، وقد فرِّغ ما وجد من هذه الدروس وطبع بعنوان \"العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير\" في خمسة مجلدات.\n٢ - تدريسُ التفسيرِ في (دَارِ الْعُلُومِ) في المدينةِ النبويةِ منذ عامِ\n_________\n(^١) انظر مقدمة (العذب النمير): ١/ ١٨، بينما ذكر تلميذه الشيخ أحمد بن محمد الأمين أنه شرحه ثلاث مرات.","vol":"المقدمة","page":28},{"text":" (١٣٦٩) إلى أن انتقلَ إلى الرياضِ عامَ (١٣٧١).\n٣ - تدريسُ التفسيرِ والأصولِ منذُ سنةِ (١٣٧١) حينما افْتَتَحَتِ الإدارةُ العامةُ للمعاهدِ والكلياتِ بالرياضِ معهدًا عِلْمِيًّا، تَلَاهُ عدةُ معاهدَ، وَكُلِّيَّتَا الشريعةِ واللغةِ العربيةِ، وكان الشيخُ (﵀) ممن اخْتِيرَ للتدريسِ هناك، فانتقلَ إلى الرياضِ، وبقي يُدَرِّسَ هناك حتى انتقلَ إلى المدينةِ كما سيأتي.\n- تدريسُ بعضِ مؤلفاتِ شيخِ الإسلامِ (﵀) حيثُ خَصَّصَ الشيخُ (﵀) -إضافةً إلى ما سَبَقَ- دَرْسًا لِمُدَرِّسِي المعهدِ في بعضِ كتبِ شيخِ الإسلامِ ابنِ تيميةَ (﵀)، وكان ذلك في صَحْنِ المعهدِ بِدَخْنَةَ بين العِشَاءَيْنِ.\n- تدريسُ الأصولِ، وذلك في مسجدِ الشيخِ محمدِ بنِ إبراهيمَ (﵀) حيث كان الأمينُ (أكرمَ اللَّهُ مَثْوَاهُ) يُدَرِّسُ الأصولَ لكبارِ الطلبةِ.\n- تدريسُ الأصولِ لخواصِّ تلامذتِه في بَيْتِهِ بعدَ العصرِ، كما أَمْلَى على أَحَدِ تلامذتِه شرحًا لـ\"مَرَاقِي السُّعُودِ\".\n٤ - التدريسُ في الجامعةِ الإسلاميةِ منذ سنةِ (١٣٨١) حينما افْتُتِحَتِ الجامعةُ الإسلاميةُ بالمدينةِ النبويةِ، فانتقلَ الشيخُ (﵀) للتدريسِ فيها، إضافةً إلى كَوْنِهِ عضوًا في مَجْلِسِهَا، وقد اسْتَمَرَّ على ذلك يُدَرِّسُ التفسيرَ والأصولَ حتى وَافَاهُ الأَجَلُ، كما دَرَّسَ فيها آدابَ البحثِ والمناظرةِ.","vol":"المقدمة","page":29},{"text":"٥ - السَّفَرُ في الدعوةِ إلى اللَّهِ (تعالى) وذلك في عامِ (١٣٨٥) حيث سَافَرَ الشيخُ (﵀) على رأسِ بعثةٍ من الجامعةِ الإسلاميةِ إلى عشرِ دولٍ إفريقيةٍ، بَدَأَتْ بالسودانِ، وانتهت بموريتانيا، وكانت سفرتُه هذه حافلةً بالدروسِ والمحاضراتِ، واللقاءاتِ العلميةِ، والمباحثاتِ النافعةِ، وقد كانت مدةُ تلك السفرةِ تزيدُ على الشهرين. وقد سُجِّلَتْ هذه المحاضراتُ في عدةِ أشرطةٍ، وفُرِّغَتْ واعْتُنِيَ بها وَطُبِعَتْ ضمن هذا المشروع بعنوانِ \"الرِّحْلَةُ إِلَى أَفْرِيقْيَا\".\n٦ - التدريسُ في المعهدِ العاليِ للقضاءِ منذُ افتتاحِه سنةَ (١٣٨٦) في مدينةِ الرياضِ، وكانت الدراسةُ فيه آنذَاك على نظامِ استقدامِ الأساتذةِ الزائرين، فكان (﵀) يذهبُ هناك لإلقاءِ المحاضراتِ المطلوبةِ في التفسيرِ والأصولِ.\n٧ - في (٨/ ٧ / ١٣٩١) تم تَشْكِيلُ هيئةِ كبارِ العلماءِ من سبعةَ عشرَ عضوًا، وكان الشيخُ (﵀) واحدًا من هؤلاء الأعضاءِ.\n٨ - كان الشيخُ (﵀) أحدَ أعضاءِ المجلسِ التأسيسيِّ لرابطةِ العالمِ الإسلاميِّ.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-23>عَاشِرًا: زُهْدُهُ وَوَرَعُهُ</span>\nإن الْعَالِمَ بِحَقٍّ مَنْ حَمَلهُ عِلْمُهُ على خشيةِ اللَّهِ (﷿) وَمُرَاقَبَتِهِ، مع مجانبةِ أعمالِ السفهاءِ من التكالبِ على الدنيا، والتهارشِ عليها، والتشاغلِ بها عن اللَّهِ والدارِ الآخرةِ.\nوإن المرءَ ليشتدُّ عَجَبُهُ حينما يقفُ على حالِ الشيخِ (﵀)","vol":"المقدمة","page":30},{"text":"في هذا البابِ، حتى يُخَيَّلَ إليكَ أن المترجمَ واحدٌ من أولئك السلفِ الصالحِ الْمُقْتَدَى بهم في العلمِ والعملِ، والزهدِ والورعِ.\nكان الشيخُ (﵀) يقول: \"الَّذِي يُفْرِحُنَا أنه لو كانت الدنيا مَيْتَةً لأباحَ اللَّهُ منها سَدَّ الخَلَّةِ\" \"ويُحَذِّرُ ابنَه مِنْ جَمْعِهَا والحرصِ عليها بحجةِ التصدقِ، وبناءِ المدارسِ، والأربطةِ، لأنها كالماءِ الملحِ، وَاللَّهُ ﷿ لم يُوجِبْ على العبدِ جمعَ المالِ من أجلِ التصدقِ به، مع أن الواقعَ في الغالبِ أن العبدَ إذا جَمَعَ المالَ لا يُعْطِيهِ للناسِ\" (^١).\nوقال الشيخُ (﵀): \"وأنا أَقْدَرُ الناسِ على أن أكونَ أَغْنَى الناسِ، وَتَرَكْتُ الدنيا لأني أعلمُ أنه إذا تلطخَ بها العبدُ لا يَنْجُو منها، إلا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ\".\nوكان الشيخُ (﵀) لا يُبْقِي عندَه من المالِ إلا ما يَكْفِيهِ في الشهرِ، ويوزعُ ما زَادَ على ذلك على فقراءِ الطلبةِ، والعجزةِ، والأراملِ من قرابتِه، وكان يقول: \"وَاللَّهِ لو عندي قوتُ يَوْمِي ما أخذتُ رَاتِبًا من الجامعةِ، ولكنني مُضْطَرٌّ، لا أعرفُ أشتغلُ بيدي، وأنا شايبٌ ضعيفٌ\".\nولم يكن الشيخُ (﵀) يبيعُ كُتُبَهُ التي أَلَّفَهَا، وكان يقول: \"عِلْمٌ نَتْعَبُ عليه ويباعُ وأنا حَيٌّ؟ لا يمكنُ هذا، ولكن أنا أَدْفَعُ العلمَ، وواحدٌ يدفعُ الفلوسَ، وَيُوَزِّعُ للناسِ مجانًا. وأنا أعلمُ أنه سيصلُ إلى مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ، ولكن سيصلُ أيضا إلى مَنْ لَا يستطيعُ الحصولَ عليه بالفلوسِ\" (^٢).\n_________\n(^١) هذا الكلام خلاصة لبعض كلام الشيخ (﵀) رواية ابنه عبد الله.\n(^٢) قال شيخنا بكر أبو زيد في كتابه \"فقه النوازل - رسالة حق التأليف\": (٢/ ١٨٣): =","vol":"المقدمة","page":31},{"text":"بل كان الشيخُ (﵀) لا يميزُ بَيْنَ فئاتِ العملةِ الورقيةِ، وكان يقول: \"لقد جئتُ من البلادِ ومعي كَنْزٌ قَلَّ أن يوجدَ عند أحدٍ، وهو القناعةُ، ولو أردتُ المناصبَ لَعَرَفْتُ الطريقَ إليها، فإني لا أُوثِرُ الدنيا على الآخرةِ، ولا أبذلُ العلمَ لنيلِ المآربِ الدنيويةِ\".\nوالشيخُ (﵀) مِنْ أَبْعَدِ الناسِ عنايةً بالمظهرِ، وربما خَرَجَ بِنَعْلَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ أَحَدُهُمَا أحمرُ والآخرُ أخضرُ.\nويقول الشيخُ محمدُ العثيمين (﵀): \"كُنَّا طُلَاّبًا في المعهدِ العلميِّ في الرياضِ، وكنا جَالِسِينَ في الفصلِ، فإذا بشيخٍ يدخلُ علينا إذا رأيتَه قلتَ: هذا بَدَوِيٌّ من الأعرابِ، ليس عندَه بضاعةٌ مِنْ عِلْمٍ!! رَثُّ الثيابِ، ليس عليه آثارُ الهيبةِ، لا يهتمُّ بمظهرِه، فَسَقَطَ مِنْ أَعْيُنِنَا، فتذكرتُ الشيخَ عبدَ الرحمنِ السعديَّ، وقلتُ في نفسي: أتركُ الشيخَ عبدَ الرحمنِ السعديَّ وأجلسُ أمامَ هذا البدويِّ؟! فلما ابْتَدَأَ الشنقيطيُّ دَرْسَهُ انْهَالَتْ علينا الدُّرَرُ من الفوائدِ العلميةِ من بحرِ عِلْمِهِ الزَّاخِرِ، فَعَلِمْنَا أننا أمامَ جَهْبَذٍ من العلماءِ، وَفَحْلٍ من فحولها، فَاسْتَفَدْنَا من عِلْمِهِ، وَسَمْتِهِ، وَخُلُقِهِ، وَزُهْدِهِ، وَوَرَعِهِ\" (^١) ا. هـ.\nوَقَدِمَ إلى الرياضِ في بعضِ زياراتِه لمعهدِ القضاءِ، وعليه ثوبٌ\n_________\n= \"قلت له -أي للشيخ الشنقيطي- لو طُبع أضواء البيان طبعة تجارية لكان أكثر لانتشاره، فقال: لا أتاجر في البيان لكتاب الله تعالى، وما أظن أحدًا يجترئ على كتابي فيبيعه فأدعو عليه إلا أن تصيبه الدعوة. هكذا شافهني وأنا بجانبه في المسجد النبوي الشريف -رحمه الله تعالى-\" ا. هـ.\n(^١) مجلة الحكمة، العدد الثاني، ص ٢٢.","vol":"المقدمة","page":32},{"text":"مبتذلٌ، فَلَمَّا كَلَّمَهُ أحدُ تلامذتِه في ذلك، أجابه بقوله: \"يَا فُلَانُ القضيةُ ليست بالثيابِ، وإنما ما تحتَ الثيابِ من العلمِ\" وقد صَوَّرَ الشافعيُّ (﵀) هذا المعنَى بقوله:\nعَلَيَّ ثَيِابٌ لَوْ تُبَاعُ جَمِيعُهَا ... بِفِلْسٍ لَكَانَ الفِلْسُ مِنْهُنَّ أَكْثَرَا\nوَفِيهِنَّ نَفْسٌ لَوْ تُقَاسُ بِبَعْضِهَا ... نُفُوسُ الْوَرَى كَانَتْ أَجَلَّ وَأَكْبَرَا\nوَمَا ضَرَّ نَصْلَ السَّيْفِ إِخْلَاقُ غِمْدِهِ ... إِذَا كَانَ عَضْبًا حَيْثُ وَجَّهْتَهُ فَرَى\nفَإِنْ تَكُنِ الأَيَّامُ أَزْرَتْ بِبَزَّتِي ... فَكَمْ مِنْ حُسَامٍ فِي غِلَافٍ تَكَسَّرَا (^١)\n\nوَلَمَّا حاولَ أحدُ تلامذتِه - وهو أحمدُ بنُ محمد الأمين الذي شَرَحَ له مَرَاقِيَ السعودِ - ثَنْيَهُ عن الحجِّ في العامِ الذي تُوُفِّيَ فيه لِضَعْفِ صِحَّتِهِ أَجَابَهُ بقوله: «دَعْ عَنْكَ المحاولةَ، سَفَرِي إلى لَنْدَنَ أريدُ الشفاءَ بها لا بدَّ أن أُكَفِّرَ عنه بِحَجٍّ».\nوماتَ الشيخُ (﵀) ولم يُخَلِّفْ شيئًا من حُطَامِ الدنيا، فَرَحِمَهُ اللَّهُ رحمةً واسعةً.\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-24>الْحَادِي عَشَرَ: مُؤَلَّفَاتُهُ</span>\nترك لنا الشيخُ (﵀) مجموعةً من المؤلفاتِ، وهي من جهةِ التعلقِ بزمنِ التأليفِ على ثلاثةِ أقسامٍ:\nالقسمُ الأولُ: ما أَلَّفَهُ في بلادِه وهي:\n_________\n(^١) الأبيات في ديوانه ص ٤٣ - ٤٤ سوى الأخير، وهو في الحلية (٩/ ١٣١).","vol":"المقدمة","page":33},{"text":"١ - نَظْمٌ فِي أنسابِ العربِ، سَمَاهُ: (خَالِصُ الْجُمَانِ فِي ذِكْرِ أَنْسَابِ بَنِي عَدْنَانَ). وقد أَلَّفَهُ قبلِ البلوغِ، ثم دَفَنَهُ بعدَ ذلك، مُعَلِّلًا هذا الصنيعَ بأنه كَتَبَهُ على نيةِ التفوقِ على الأقرانِ. وقد قال فيه:\nسَمَّيْتُهُ بِخَالِصِ الْجُمَانِ ... فِي ذِكْرِ أَنْسَابِ بَنِي عَدْنَانِ\n٢ - رَجَزٌ فِي فُرُوعِ مَذْهَبِ مَالِكٍ (﵀)، يختصُّ بالعقودِ من البيوعِ والرهونِ، وهو يُعَدُّ بِالآلَافِ.\n٣ - أَلْفِيَّةٌ فِي الْمَنْطِقِ.\n٤ - نَظْمٌ فِي الْفَرَائِضِ.\nالْقِسْمُ الثَّانِي: ما كَتَبَهُ أو أَمْلَاهُ في طريقِه إلى الحجِّ وهو قادمٌ من بلادِه:\n١ - شَرْحٌ عَلَى سُلَّمِ الأَخْضَرِيِّ في المنطقِ.\n٢ - الرحلةُ إلى بيتِ اللَّهِ الحرامِ. طُبِعَ بعدَ وفاتِه بعشرِ سنواتٍ.\nالْقِسْمُ الثَّالِثُ: ما كَتَبَهُ بعد استقراره في هذه البلاد:\n١ - مَنْعُ جَوَازِ الْمَجَازِ في الْمُنَزَّلِ لِلتَّعَبُّدِ وَالإِعْجَازِ.\n٢ - دَفْعُ إِيهَامِ الاِضْطِرَابِ عَنْ آيات الْكِتَابِ.\nوقد كَتَبَهُ الشيخُ (﵀) في خمسَ عشرةَ ليلةً، وهي إجازةُ الامتحاناتِ عامَ (١٣٧٣).\n٣ - مذكرةُ أصولِ الفقهِ على روضةِ الناظرِ.\nوقد أَمْلَاهَا على طلابِه في كُلِّيَّةِ الشريعةِ التي افْتُتِحَتْ في الرياضِ","vol":"المقدمة","page":34},{"text":"عامَ (١٣٧٤) فَأَمْلَاهَا في السنواتِ الأُولَى من تدريسِه في الرياضِ. ولم تُطبع إلا في عام (١٣٩١).\n٤ - آدَابُ البَحْثِ والمناظرةِ.\nوقد فَرَغَ من الجزءِ الأولِ بتاريخِ (٢٨/ ٣ / ١٣٨٨) كما فَرَغَ من الجزءِ الثانِي بتاريخِ (١٤/ ٥ / ١٣٨٨).\n٥ - أَضْوَاءُ الْبَيَانِ في إيضاحِ القرآنِ بالقرآنِ (بلغَ فيه سورةَ قَدْ سَمِعَ) (مطبوع)، وهو أكبرُ كُتُبِهِ وأعظمُها.\n٦ - بَيَانُ الناسخِ والمنسوخِ في آيِ الذكرِ الحكيمِ (مَطْبُوعٌ فِي آخِرِ أَضْوَاءِ الْبَيَانِ). وهي رسالةٌ صغيرةٌ تقعُ في نحوِ أربعِ صفحاتٍ وَنِصْفٍ، شرح فيها الأبيات العشرةِ التي ذَكَرَهَا السيوطيُّ في \"الإتقانِ\" في الآياتِ المنسوخةِ.\n٧ - شَرْحٌ على مَرَاقِي السعودِ.\nأَمْلَاهُ على أحدِ تلامذتِه، وهو الشيخُ أحمدُ بنُ محمد الأمين الشنقيطيُّ، وقد فَرَغَ منه بتاريخِ (٢٢/ ٧ / ١٣٧٥) وكان قد شَرَحَ جميعَ الْمَرَاقِي، لَكِنَّ قِطْعَةً من النظمِ تقربُ من أربعةٍ وستين ومائةِ بيتٍ لم يُدَوَّنْ شَرْحُهَا.\nوقد طُبِعَ هذا الكتابُ بعنوانِ \"نَثْرُ الْوُرُودِ عَلَى مَرَاقِي السُّعُودِ\"، وهذه التسميةُ من مُحَقِّقِهِ لأَنَّ المؤلفَ لم يُسَمِّهِ.\nوللشيخِ (﵀) عددٌ من الفتاوى والأجوبةِ على أسئلةٍ وُجِّهَتْ","vol":"المقدمة","page":35},{"text":"إليه، فَمِمَّا عُرِفَ منها:\n٨ - فتوى في التعليلِ بالحكمةِ، والسائلُ هو الشيخُ عبدُ الله بنُ منيع.\n٩ - وجهةُ نظرٍ في حُكْمِ السَّعْيِ فوقَ سقفِ الْمَسْعَى.\n١٠ - رسالةٌ فِي حُكْمِ الصلاةِ في الطائرةِ.\nوهي رسالةٌ صغيرةٌ تقعُ في سِتِّ صفحاتٍ، كَتَبَهَا عَامَ (١٣٨٥).\n١١ - رسالةٌ في جوابِ سؤالٍ وَرَدَ إليه مِنْ أَحَدِ أمراءِ بلادِ شنقيطَ، يسألُه عن العَالَمِ هل هو مخلوقٌ ومرزوقٌ من بركةِ النبيِّ - ﷺ -، أو ذلك بأسبابٍ أُخْرَى؟\nويقعُ الجوابُ في سِتَّ عشرةَ صفحةً.\n١٢ - رسالةٌ في جوابِ سؤالاتٍ ثلاثةٍ، مُقَدَّمَةٌ من الشيخِ محمدِ الأمينِ بن الشيخِ محمد الخضر، والسؤالاتُ هي:\nأ - أَيْنَ مَقَرُّ العقلِ في الإنسانِ؟\nب - هَلْ يشملُ لفظُ (المشركين) أهلَ الكتابِ؟\nج - هَلْ يجوزُ للكافرِ أن يدخلَ مساجدَ اللَّهِ غيرَ المسجدِ الحرامِ. ويقعُ الجوابُ في إحدى عشرةَ صفحةً.\nوللشيخِ (﵀) العديدُ من المحاضراتِ، وقد طُبِعَ بعضُها، ومن ذلك:\n١٣ - مَنْهَجُ التشريعِ الإسلاميِ وَحِكْمَتُهُ. أَلْقَاهَا عامَ (١٣٨٤).","vol":"المقدمة","page":36},{"text":"١٤ - الْمُثُلُ الْعُلْيَا.\n١٥ - الْمَصَالِحُ الْمُرْسَلَةُ. ألقاها عام (١٣٩٠).\n١٦ - الإسلامُ دينٌ كاملٌ، وهي شرحٌ لقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ ...﴾ الآيةَ، وكانت بالمسجدِ النبويِّ عامَ (١٣٧٨)، بحضورِ محمدٍ الخامسِ مَلِكِ المغربِ.\n١٧ - مَنْهَجٌ ودراساتٌ لآياتِ الأسماءِ والصفاتِ. وقد أَلْقَاهَا (﵀) في الجامعةِ الإسلاميةِ بتاريخِ (١٣/ ٩ / ١٣٨٢).\n١٨ - محاضرةٌ حولَ شبهةِ الرقيقِ، ألقاها نيابةً عنه تلميذُه الشيخُ عطيةُ سالم في الموسمِ الثقافيِّ بالجامعةِ الإسلاميةِ، ولا تزال مخطوطة [*].\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-25>الثَّانِيَ عَشَرَ: تَجَافِيهِ عَنِ الْفُتْيَا فِي أُخْرَيَاتِ حَيَاتِهِ</span>\nغَلَبَ على الشيخِ (﵀) في السنواتِ الأخيرةِ من حياتِه التحرزُ الشديدُ من الْفُتْيَا، والتباعدُ عنها، وكان إذا اضْطَرَّهُ أحدٌ إلى الجوابِ يقولُ: \"لَا أَتَحَمَّلُ فِي ذِمَّتِي شَيْئًا، العلماءُ يقولونَ كَذَا وَكَذَا\".\nوَلَمَّا سُئِلَ عن ذلك أجابَ بقولِه: \"إن الإنسانَ في عافيةٍ ما لم يُبْتَلَ، والسؤالُ ابْتِلَاءٌ؛ لأنكَ تقولُ عن اللَّهِ ولا تدري أتصيبُ حُكْمَ اللَّهِ أم لا؟ فما لم يكن عليه نَصٌّ قَاطِعٌ من كتابِ اللَّهِ أو سنةِ رسولِ اللَّهِ - ﷺ - وَجَبَ التحفظُ فيه\".\nوكان يتمثلُ بقولِ الشاعرِ (^١):\nإِذَا مَا قَتَلْتَ الشَّيْءَ عِلْمًا فَقُلْ بِهِ ... وَلَا تَقُلِ الشَّيْءَ الَّذِي أَنْتَ جَاهِلُهْ\n_________\n(^١) البيت الأول في جامع بيان العلم (٢/ ٨٤٢)، بلا نسبة.\n\n[*] قال مُعِدُّ الكتاب للشاملة: بل قامت الجامعة بطبعها، وذكرها الشيخ عطية محمد سالم ضمن محاضرات الشيخ المطبوعة في تقديمه لـ «رحلة الحج» للمؤلف ص ٢٨، ثم طُبعت ضمن هذا المشروع «آثار العلامة الشنقيطي» في هذه الطبعة","vol":"المقدمة","page":37},{"text":"فَمَنْ كَانَ يَهْوَى أَنْ يُرَى مُتَصَدِّرًا ... وَيَكْرَهُ \"لَا أَدْرِي\" أُصِيبَتْ مَقَاتِلُهْ\nولَا يَخْفَى أن هذا الصنيعَ -أَعْنِي التحرزَ من الفُتْيَا- هو حالُ السلفِ الصالحِ، والمنقولُ عنهم في هذا المجالِ كثيرٌ لا يسعُ المقامُ نقلَه، فَلْيُرَاجَعْ فِي مَظَانِّهِ (^١).\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-26>الثَّالِثَ عَشَرَ: رُجُوعُهُ لِلْحَقِّ إِذَا ظَهَرَ لَهُ ذَلِكَ</span>\nلم يكن الشيخُ (﵀) مِمَّنْ يأنفُ من إعلانِ رجوعِه إلى الحقِّ إذا تَبَيَّنَ له ولو كان القولُ الذي رَجَعَ عنه قد أَذَاعَهُ وَنَشَرَهُ وانتصرَ له سنينَ متطاولةً، وهذا نَجِدُهُ جَلِيًّا عندَ كلامِ الشيخِ (﵀) على الآيةِ رقمِ (٥) من سورةِ براءةٍ حين تَعَرَّضَ للكلامِ على القتالِ في الأشهرِ الْحُرُمِ حيث يقولُ: \"وكنا نَرَى هذا القولَ -وهو نسخُ تحريمِ القتالِ فيها- مَكَثْنَا كثيرًا من الزمنِ ونحنُ نَنْصُرُ هذا القولَ ونقررُ أنه الأصوبُ، ثم ظَهَرَ لنا بعدَ ذلك أن أصوبَ القولين وَأَوْلَاهُمَا بالصوابِ أن تحريمَ الأشهرِ الْحُرُمِ بَاقٍ لم يُنْسَخْ\" ا. هـ.\nوقال عندَ تفسيرِ الآيةِ رقم (٣٤) من السورةِ نفسِها: \"وَقَدْ ذَكَرْنَا بالأمس أن الذي كانَ يظهرُ لنا وننصرُه أن تحريمَ الأشهرِ الحرمِ قد نُسِخَ وأن الذي تَحَقَّقْنَاهُ بعدَ ذلك وَصِرْنَا نجزمُ به أنها باقيةُ التحريمِ إلى الآن ... \" ا. هـ.\nومن ذلك عدةُ مسائلَ كان يُقَرِّرُهَا في \"شرحِ مَرَاقِي السعودِ\" ثم يُخَالِفُهَا ويتراجعُ عنها في \"أَضْواءِ الْبَيَانِ\".\n_________\n(^١) انظر: الفقيه والمتفقه (٢/ ١٦٥ - ١٧٥)، جامع بيان العلم (٢/ ٨٢٦ - ٨٤٣).","vol":"المقدمة","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-27>الرَّابِعَ عَشَرَ: وَفَاتُهُ</span>\nوتوفي الشيخُ (﵀) ضُحَى يومِ الخميسِ، السابعَ عشرَ من شهرِ ذِي الحجةِ، عامَ ثلاثٍ وتسعينَ وثلاثِمائةٍ وألفٍ، في منزلِه في مكةَ المكرمةِ، وقد صَلَّى عليه سماحةُ الشيخِ عبدُ العزيزِ بنُ بازٍ بعدَ صلاةِ الظهرِ من ذلكَ اليومِ، ودُفِنَ بمقبرةِ المَعْلَاة برِيْعِ الحَجُونِ، فَرَحِمَهُ اللَّهُ رَحْمَةً وَاسِعَةً.","vol":"المقدمة","page":39},{"text":"آثار الشيخ العلامة محمد الأمين الشنقيطي (١)\n\nأضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن\n\nتأليف\nالشيخ العلامة محمد الأمين بن محمد المختار الجكني الشنقيطي\n١٣٢٥ - ١٣٩٣\n\nإشراف\nبكر بن عبد الله أبو زيد\n\nالمجلد الأول\n[الفاتحة - النساء]\n\nدار عطاءات العلم\nدار ابن حزم","vol":"1","page":null},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-28>مقدمة المؤلف</span>","vol":"1","page":3},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nوالصلاة والسلام على أشرف المرسلين، نبينا محمد - ﷺ -، وعلى آله وصحبه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.\nوأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، إله الأولين والآخرين، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، الذي اصطفاه وجعله سيد ولد آدم أجمعين.\nالحمد لله الذي أنزل على خاتم الرسل والأنبياء أكمل كتاب، فكشف به ظلمات الجهل وأسباب العذاب، وأماط به عن نفائس العلوم وذخائرها الحجاب، وكشف به عن حقائق الدين وأسراره ومحاسنه النقاب، وأخلص به العبادة للعزيز الوهاب، وفتح به لنيل مآرب الدارين الباب، وأغلق باتباعه والعمل به دون الشر جميع الأبواب، تحيى بوابل علومه القلوب النيرة أعظم مما تحيى الأرض بوابل السحاب، يتميز بتدبر آياته الخطأ من الصواب، والقشور من اللباب، وتجل ألفاظه ومعانيه وأحكامه وأخباره عن الوصمة والعاب ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وعد الله متبعه ما هو خير وأبقى، وقال فيه: ﴿فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾.\nوأوعد المعرضين عنه من جميع الأحزاب النار، قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وهو عام للكفار، وشبه بالحمر","vol":"1","page":5},{"text":"المعرضين عنه من الكفرة، قال: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠)﴾ فيكفي المعرض عنه أنه حمار، وأنه من حمير النار. وبين تعالى أن المعرض عنه يحمل يوم القيامة ما لا يستطيع له حملًا، قال: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾ فتح الله تعالى به قلوبًا غلفًا، وأعينًا عميًا، وآذانًا صمًّا، وقال فيه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ لا تنقضي عجائبه ولا يخلق على طول التكرار، ما تعاقب الليل والنهار، رفع الله تعالى به قومًا ووضع به آخرين، وقال: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾ وهو آخر الكتب السماوية عهدًا برب العالمين، فكل الشر في الإعراض عنه، وكل الخير في الإقبال عليه، فطوبى لمن كان حجة له، وويل لمن كان حجة عليه ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٤٤)﴾ ففيه للمطيع أعظم وعد وللعاصي أشد وعيد. ومع هذا كله، فإن أكثر المنتسبين للإسلام اليوم في أقطار الدنيا معرضون عن التدبر في آياته غير مكترثين بقول من خلقهم: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ لا يتأدبون بآدابه، ولا يتخلقون بما فيه من مكارم الأخلاق يطلبون الأحكام في التشريعات الضالة المخالفة له، غير مكترثين بقول ربهم: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ بل المتأدب بآداب القرآن المتخلق بما فيه من مكارم","vol":"1","page":6},{"text":"الأخلاق محتقر مغموز فيه عند جلهم إلا من عصمه الله فهم يحتقرونه واحتقاره لهم أشد كما قال الشافعي ﵀:\nفهذا زاهد في قرب هذا ... وهذا فيه أزهد منه فيه\nوإياك يا أخي ثم إياك، أن يزهدك في كتاب الله تعالى كثرة الزاهدين فيه، ولا كثرة المحتقرين لمن يعمل به ويدعو إليه، واعلم أن العاقل الكيس الحكيم لا يكترث بانتقاد المجانين، واسمع قول الأديب الكبير محمد بن حنبل الشنقيطي الحسني ﵀:\nلا تسؤ بالعلم ظنًّا يا فتى ... إن سوء الظن بالعلم عطب\nلا يزهدك أخي في العلم أن ... غمر الجهال أرباب الأدب\nإن تر العالم نِضْوًا مرملا ... صفر كف لم يساعده سبب\nوتر الجاهل قد حاز الغنى ... محرز المأمون من كل أرب\nقد تجوع الأسد في آجامها ... والذئاب الغبش تعتام القتب\nجرع النفس على تحصيله ... مضض المرين ذل وسغب\nلا يهاب الشوك قطاف الجنى ... وإبار النحل مشتار الضرب\nأما بعد: فإنا لما عرفنا إعراض أكثر المتسمين باسم المسلمين اليوم عن كتاب ربهم ونبذهم له وراء ظهورهم، وعدم رغبتهم في وعده، وعدم خوفهم من وعيده؛ علمنا أن ذلك مما يعين على من أعطاه الله علمًا بكتابه أن يجعل همته في خدمته من بيان معانيه؛ وإظهار محاسنه، وإزالة الإشكال عما أشكل منه، وبيان أحكامه، والدعوة إلى العمل به؛ وترك كل ما يخالفه.","vol":"1","page":7},{"text":"واعلم أن السنة كلها تندرج في آية واحدة من بحره الزاخر؛ وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ ومن أهم المقاصد في ذلك، هذا الكتاب المبارك الذي هذه ترجمته، واعلم أن من أهم المقصود بتأليفه أمران:\nأحدهما: بيان القرآن بالقرآن لإجماع العلماء على أن أشرف أنواع التفسير وأجلها تفسير كتاب الله بكتاب الله، إذ لا أحد أعلم بمعنى كلام الله جل وعلا من الله جل وعلا، وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها، ولا نعتمد على البيان بالقراءات الشاذة وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا للبيان بقراءة سبعية، وقراءة أبي جعفر ويعقوب وخلف ليست من الشاذ عندنا ولا عند المحققين من أهل العلم بالقراءات.\nوالثاني: بيان الأحكام الفقهية في جميع الآيات المبينة بالفتح في هذا الكتاب، فإننا نبين ما فيها من الأحكام، وأدلتها من السنة، وأقوال العلماء في ذلك، ونرجح ما ظهر لنا أنه الراجح بالدليل من غير تعصب لمذهب معين، ولا لقول قائل معين، لأننا ننظر إلى ذات القول لا إلى قائله، لأن كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلامه - ﷺ -، ومعلوم أن الحق حق ولو كان قائله حقيرًا. ألا ترى أن ملكة سبأ في حال كونها تسجد للشمس من دون الله هي وقومها لما قالت كلامًا حقًّا صدقها الله فيه، ولم يكن كفرها مانعًا من تصديقها في الحق الذي قالته، وذلك في قولها فيما ذكر الله عنها: ﴿إِنَّ الْمُلُوكَ إِذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا وَجَعَلُوا أَعِزَّةَ أَهْلِهَا أَذِلَّةً﴾ فقد قال تعالى","vol":"1","page":8},{"text":"مصدقًا لها في قولها: ﴿وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٣٤)﴾ وقد قال الشاعر:\nلا تحقرن الرأي وهو موافق ... حكم الصواب إذا أتى من ناقص\nفالدر وهو أعز شيء يقتنى ... ما حط قيمته هوان الغائص\nقد تضمن هذا الكتاب أمورًا زائدة على ذلك، كتحقيق بعض المسائل اللغوية وما يحتاج إليه من صرف وإعراب، والاستشهاد بشعر العرب وتحقيق ما يحتاج إليه فيه من المسائل الأصولية والكلام على أسانيد الأحاديث، كما ستراه إن شاء الله تعالى.\nواعلم أن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك كثيرة جدًّا. وقد أردنا أن نذكر في هذه الترجمة جملًا من ذلك ليعلم بها الناظر كثرة ما تضمنه هذا الكتاب المبارك من أنواع بيان القرآن بالقرآن، ويكون على بصيرة في الجملة من فائدته قبل الوقوف على جميع ما فيه.\nوبعد ذلك نذكر مقدمة في تعريف الإجمال والبيان، وما يحتاج إليه من مسائلهما من غير تطويل في ذلك، ثم نشرع إن شاء الله في المقصود مرتبًا على ترتيب سور القرآن العظيم، ونرجو من الله الكريم على ما فينا أن نكون داخلين في قوله - ﷺ - الثابت في صحيح البخاري من حديث أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\" وفي رواية له: \"إن أفضلكم من تعلم القرآن وعلمه\" كما نرجوه تعالى أن يوفقنا للعمل بما علمنا من كتابه، والتخلق بما فيه من المكارم، والتأدُّب بآدابه، وأن يعلمنا ما جهلناه، ويذكرنا ما نسينا منه، وأن يرزقنا إخلاص","vol":"1","page":9},{"text":"النية في جميع الأعمال، وأن يحفظنا بفضله ورحمته من فساد القصد في الأعمال، إنه رحيم كريم.\nاعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه- أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب اشتراك، سواء كان الاشتراك في اسم أو فعل أو حرف.\nومثال الإجمال بسبب الاشتراك في اسم قوله تعالى ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ لأن القرء مشترك بين الطهر والحيض، وقد أشار تعالى إلى أن المراد بأقراء العدة الأطهار بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فاللام للتوقيت، ووقت الطلاق المأمور به فيه في الآية الطهر، لا الحيض، وتدل له قرينة زيادة التاء في قوله \"ثلاثة قروء\" لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار، فلو أراد الحيضات لقال: ثلاث قروء بلا هاء، لأن العرب تقول: ثلاثة أطهار وثلاث حيضات.\nوسترى بعض الكلام على هذه المسألة في هذه الترجمة وتحقيق المقام فيها بأدلته في سورة البقرة إن شاء الله تعالى.\nومن أمثلة الاشتراك في اسم قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ فإن العتيق يطلق بالاشتراك على القديم، وعلى المعتق من الجبابرة، وعلى الكريم، وكلها قيل به في الآية، وتصريح الله بأنه أقدم البيوت التي وضعت للناس في قوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ الآية، يدل للأول.\nومثال الإجمال بسبب الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾ فإنه مشترك بين إقبال الليل وإدباره، وقد جاءت آية","vol":"1","page":10},{"text":"تؤيد أن معناه في الآية أدبر وهي قوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ إِذْ أَدْبَرَ (٣٣) وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ (٣٤)﴾ فيكون عسعس في الآية بمعنى أدبر يطابق معنى آية المدثر هذه كما ترى، ولكن الغالب في القرآن أنه تعالى يقسم بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ وقوله: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ وقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، والحمل على الغالب أولى وهذا هو اختيار ابن كثير وهو الظاهر خلافًا لابن جرير.\nوسترى إيضاح هذا المبحث إن شاء الله في سورة التكوير.\nومن أمثلة الاشتراك في فعل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾ فإنه مشترك بين قولهم: عدل به غيره إذا سواه به. ومنه قول جرير:\nأثعلبة الفوارس أم رياحًا ... عدلت بهم طهية والخشابا\nأي سويتهم بهم وبين قولهم: عدل بمعنى مال وصد ويدل للأول قوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٩٨)﴾ وقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ الآية.\nومثال الإجمال بسبب الاشتراك في حرف قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ فإن الواو في قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ﴾ محتملة للعطف على ما قبلها وللاستئناف، ولكنه تعالى بين في سورة الجاثية أن","vol":"1","page":11},{"text":"قوله هنا: \"وعلى سمعهم\" معطوف على قلوبهم، وأن قوله: \"وعلى أبصارهم غشاوة\" جملة مستأنفة مبتدأ وخبر، فيكون الختم على القلوب والأسماع والغشاوة على خصوص الأبصار، والآية التي بين بها ذلك هي قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ وسترى في سورة البقرة الجواب عن آية النحل إن شاء الله تعالى.\nومن أمثلة الاشتراك في حرف أيضًا الاشتراك في الواو من قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فإنها محتملة للعطف فيكون الراسخون في العلم يعلمون تأويل المتشابه ومحتملة للاستئناف، فيكون الله تعالى مستأثرًا بعلمه دون خلقه وفي الآية قرائن ترجح أنها للاستئناف أوضحها ابن قدامة في روضة الناظر قال: وفي الآية قرائن تدل على أن الله ﷾ منفرد بعلم تأويل المتشابه وأن الوقف صحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ﴾ لفظًا ومعنى، أما اللفظ فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلومًا لكان مبتغيه ممدوحًا لا مذمومًا، ولأن قولهم: \"آمنا\" يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه إلى آخره. وسترى تمامه وتفصيله إن شاء الله في سورة آل عمران.\nومن أمثلة الاشتراك في حرف قوله تعالى: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيدِيكُمْ مِنْهُ﴾ فإن لفظة \"من\" مشتركة بين التبعيض وابتداء الغاية، وقد قال الشافعي وأحمد -رحمهما الله- هي في هذه الآية الكريمة للتبعيض، فاشترطا صعيدًا له غبار يعلق باليد، وقال مالك وأبو حنيفة -رحمهما الله- هي لابتداء الغاية فلم يشترطا","vol":"1","page":12},{"text":"ما له غبار، بل أجازا التيمم على الرمل والحجارة وقولهما أنسب، لأن قوله تعالى بعده: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة \"من\" لتوكيد العموم، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في شمول النفي لجميع أفراد الجنس، والتكليفُ بخصوص ما له غبار لا يخلو من حرج، لأن كثيرًا من بلاد الله لا يوجد فيها إلا الجبال والرمال، وسيأتي تحقيق هذا المبحث وإيضاحه بالسنة في سورة المائدة إن شاء الله تعالى.\nوالمقصود في الترجمة مطلق المثال.\nومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب إبهام في اسم جنس جمعًا كان أو مفردًا، أو اسم جمع أو صلة موصول أو معنى حرف.\nفمثال الإبهام في اسم جنس مجموع قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾ فقد أبهمها هنا وذكرها في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.\nومن أمثلته في اسم جنس مفرد قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية -فقد أبهمها هنا وبينها بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.\nومن أمثلته قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾","vol":"1","page":13},{"text":"فقد بينها بقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ الآية - ونحوها من الآيات.\nومن أمثلته قوله: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾ فقد بين عهده بقوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وبين عهدهم بقوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية -.\nومن أمثلته قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ لأن الأشد يتناول البلوغ ويتناول ثلاثين سنة وأربعين وستين وغير ذلك، كما قيل فيه بكل ذلك. ومن إطلاقه على الخمسين قول سحيم بن وثيل:\nأخو خمسين مجتمع أشُدِّي ... ونَجَّذَني مداورةُ الشؤون\nولكن الله تعالى بين أن المراد به في شأن اليتيم بلوغ النكاح بقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيهِمْ أَمْوَالهُمْ﴾.\nومثال الإجمال بسبب الإبهام في اسم جمع قوله تعالى في سورة الدخان: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ فالقوم: اسم جمع وقد أبهمه هنا، وكذلك قوله في الأعراف: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ﴾ الآية - فإنه أبهم فيه القوم أيضًا، ولكنه بين في سورة الشعراء أن المراد بأولئك القوم بنو إسرائيل لقوله في القصة بعينها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية -.","vol":"1","page":14},{"text":"ومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ فإنه أبهم هؤلاء القوم هنا ولكنه أشار إلى أنهم سبأ بقوله عن الهدهد مقررًا. له: ﴿فَقَال أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإ بِنَبَإ يَقِينٍ (٢٢) إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾ الآية.\nومثال الإجمال بسبب الإبهام في صلة موصول قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ فقد أبهم هنا هذا المتلو عليهم الذي هو صلة الموصول ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ﴾ فإنه أبهم هنا هؤلاء ﴿الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه - ﷺ - في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه زينب بنت جحش حيث أوحى إليه ذلك وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن وهو اللائق بجنابه - ﷺ - وبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه - ﷺ - وأبداه الله، وقوع زينب في قلبه ومحبته لها وهي تحت زيد وأنها سمعته قال: \"سبحان مقلب القلوب\" إلى آخر القصة فإنه كله لا صحة له، والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئًا مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسوله - ﷺ -، وسترى إن شاء الله تحقيق المقام","vol":"1","page":15},{"text":"في هذه المسألة في سورة الأحزاب.\nومثال الإبهام في معنى حرف قوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا﴾ فإن لفظة \"من\" فيه للتبعيض ولكن هذا البعض المدلول عليه بحرف التبعيض المأمور بإنفاقه مبهم هنا، وقد بينه تعالى بقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية، والعفو الزائد على الحاجة الضرورية، وسترى إيضاحه في أول سورة البقرة إن شاء الله تعالى.\nومن أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك بيان الإجمال الواقع بسبب احتمال في مفسر الضمير وهو كثير؛ ومن أمثلته قوله تعالى في سورة العاديات ﴿وَإِنَّهُ عَلَى ذَلِكَ لَشَهِيدٌ (٧)﴾ فإن الضمير يحتمل أن يكون عائدًا إلى الإنسان، وأن يكون عائدًا إلى رب الإنسان المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ ولكن النظم الكريم يدل على عوده إلى الإنسان وإن كان هو الأول في اللفظ بدليل قوله بعده:  ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾  فإنه للإنسان بلا نزاع، وتفريق الضمائر بجعل الأول للرب والثاني للإنسان لا يليق بالنظم الكريم.\nومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يذكر شيء في موضع يقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ فإنه لم يبين هنا ما المراد بالعالمين، ولكنه وقع سؤال عنهم وجواب في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾ الآية - وسؤال فرعون هذا -لعنه الله- وإن كان في الأصل عن الرب جل وعلا، فقد دخل فيه الجواب عن المراد بالعالمين","vol":"1","page":16},{"text":"كما ترى.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ فإنه لم يبينه هنا مع أنه وقع سؤال عنه وجواب في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيئًا﴾ الآية.\nومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يكون الظاهر المتبادر من الآية بحسب الوضع اللغوي غير مراد، بدليل قرآني آخر على أن المراد غيره ومثاله قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية - فإن ظاهره المتبادر منه أن الطلاق كله محصور في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المراد بالمحصور في المرتين خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾.\nومِن أمثلته قوله تعالى ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَال الْيَتِيمِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ فإن المتبادر من مفهوم الغاية أنه إذا بلغ أشده، فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، ولكنه تعالى بين أن المراد بالغاية أنه إن بلغها يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، وذلك في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية.\nومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثاله قول أبي حنيفة -﵀- إن المسلم يقتل بالكافر الذمي مثلًا قائلًا إن ذلك يفيده عموم النفس بالنفس في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيهِمْ فِيهَا﴾ الآية - فإن قوله تعالى في آخر","vol":"1","page":17},{"text":"الآية: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية - قرينة على عدم دخول الكافر، لأن صدقته لا تكفر عنه شيئًا إذ لا تنفع الأعمال الصالحة مع الكفر، كما سترى تحقيقه في المائدة إن شاء الله تعالى.\nومن أمثلته قول الحسن البصري -رحمه الله تعالى- إن المراد بابني آدم في قوله ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ ابْنَي آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ الآية - رجلان من بني إسرائيل فإن قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾ الآية - دليل على أن ذلك وقع في مبدأ الأمر قبل أن يعلم الناس دفن الموتى، أما في زمن بني إسرائيل فلا يخفى دفن الموتى على أحد، ولا يحتاج إسرائيلي البتة إلى تعلم دفن الميت من الغراب كما هو ظاهر.\nومن أمثلته قول مجاهد -﵀- إن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه، فإن قوله تعالى في آخر الآية: ﴿لِيَذُوقَ وَبَال أَمْرِهِ﴾ يدل على أنه مرتكب معصية، والناسي لإحرامه غير مرتكب إثمًا حتى يقال فيه ليذوق وبال أمره.\nومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ الآية - خاصة بأزواج النبي - ﷺ -، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على قصد تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي - ﷺ - لا حاجة إلى طهارة قلوبهن، ولا إلى طهارة قلوب الرجال من","vol":"1","page":18},{"text":"الريبة منهن، وقد تقرر في الأصول أن العلة قد تعمم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nوقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم\nوسترى إن شاء الله تحقيق مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.\nومن أمثلته قول بعض أهل العلمِ: إن أزواجه - ﷺ - لا يدخلن في أهل بيته في قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيتِ﴾ الآية - فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن، لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ ثم قال بعده: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية.\nوأجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يصح إخراجها بمخصص، ورُويَ عن مالك: أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nواجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنًّا تصب\nفالحق أنهن داخلات في الآية، وسترى إن شاء الله تحقيق ذلك في سورة الأحزاب.\nومن أنواع البيان التي تضمنها أيضًا أن يذكر وقوع شيء في القرآن، ثم يذكر في محل آخر كيفية وقوعه كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية - فإنه لم يبين هنا كيفية الوعد بها هل كانت مجتمعة أو مفرقة؟ ولكنه بينها في الأعراف بقوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ","vol":"1","page":19},{"text":"مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ فإنه بين كيفية إغراقه لهم في مواضع أخر كقوله: ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَق﴾ الآية - وقوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ الآية -.\nومن هذا القبيل أن يذكر وقوع أمر من غير تعرض إلى كونه وقع أولًا بتنجيز أو تعليق، ثم بين ذلك في موضع آخر، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ الآية - فإنه لم يبين هنا هل ذلك الأمر بالسجود وقع أولًا بتنجيز أو تعليق وقد بين في (الحجر) و(ص) أنه وقع أولًا معلقًا قال في الحجر: ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ وقال في ص: ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يقع طلب لأمرٍ، ويبين في موضع آخر المقصود من ذلك الأمر المطلوب، ومثاله قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية - فإنه بين في الفرقان أن مرادهم بالملك المقترح إنزالُه، أن يكون نذيرًا آخر معه - ﷺ -، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾.\nومن أنواع البيان التي تضمنها أيضًا أن يذكر أمر في موضع، ثم يذكر في موضع آخر شيء يتعلق بذلك الأمر، كأن يذكر له سبب أو مفعول، أو ظرف مكان، أو ظرف زمان، أو متعلق، فمثال ذكر","vol":"1","page":20},{"text":"سببه في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ فإنه لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه بينه بقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وقوله: ﴿فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\nومن أمثلة ذكر السبب قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ فإنه أشار هنا لسبب اسودادها بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ الآية - وقد بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ ونحوها من الآيات كما سترى إن شاء الله تحقيقه في آل عمران.\nومن أمثلة ذكر المفعول الواحد قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ فإنه لم يذكر هنا مفعول يخشى، ولكنه أشار إليه في هود والذاريات، وإيضاحُه أن الإشارة في قوله هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ راجعة إلى ما أصاب فرعون من النكال والعذاب المذكور في قوله: ﴿فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَال الْآخِرَةِ وَالْأُولَى (٢٥)﴾.\nفإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى صرح في سورة هود بأن فيما أصاب فرعون من العذاب آية لمن خاف عذاب الآخرة، فصرح بأن الخوف واقع على عذاب الآخرة فهو المفعول، والخوف المذكور في هود هو الخشية المذكورة في النازعاتِ فقوله في هود: ﴿وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ -إلى قوله- الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾ وقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ يدل على أن المفعول المحذوف في النازعات هو عذاب الآخرة لتصريحه تعالى به في نفس القصة في هود،","vol":"1","page":21},{"text":"ويؤيده قوله تعالى في الذاريات: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿وَفِي مُوسَى﴾ معطوف على قوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ فيكون المعنى: وتركنا في قصة فرعون مع موسى وما أصابه من العذاب بسبب تكذيبه له آية للذين يخافون العذاب الأليم، ففيه بيان المفعول، وأنه عذاب الآخرة كما ذكر في هود. وسترى إن شاء الله إيضاحه في النازعات.\nومثاله في أحد المفعولين قوله: ﴿ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ﴾ الآية. ونحوها من جميع آيات اتخاذهم العجل إلهًا، فإن المفعول الثاني محذوف في جميعها، وتقديره اتخذتم العجل إلهًا، ونكتة حذفه دائمًا التنبيه على أنه لا ينبغي أن يتلفظ بأن عجلًا مصطنعًا إله، وقد أشار إلى هذا المفعول في طه بقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.\nومثال ذكر ظرف المكان قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ ثم بين في سورة الروم أن السموات والأرض من الظروف المكانية لحمده جل وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nومثال ذكر ظرف الزمان قوله تعالى في القصص: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ وقوله في أول سبأ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ فبين أن الدنيا والآخرة من الظروف الزمانية لحمده.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيكُمْ شَهِيدًا﴾ فإنه بين في النساء أن شهادة الرسول واقعة يوم القيامة وذلك في قوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ","vol":"1","page":22},{"text":"وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾.\nومثال ذكر المتعلق قوله تعالى في النساء: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. فإنه لم يبين هنا متعلق التحريض ولكنه بينه في الأنفال بقوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ الآية.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾ الآية، فإنه ذكر في البقرة لإتيانه جل وعلا يوم القيامة متعلقًا، وذلك في قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ الآية. فالجار والمجرور الذي هو قوله: \"في ظلل\" يتعلق بقوله: \"يأتيهم\".\nومن أمثلته قوله: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ فقد ذكر لانشقاقها متعلقًا في الفرقان في قوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ الآية.\nومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن، فغلبته فيه دليل على عدم خروجه من معنى الآية.\nومثاله قوله تعالى: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ فقد قال بعض العلماء: إن المراد بهذه الغلبة، الغلبة بالحجة والبيان، والغالب في القرآن هو استعمال الغلبة في الغلبة بالسيف والسنان، وذلك دليل","vol":"1","page":23},{"text":"واضح على دخول تلك الغلبة في الآية؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَينِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَينِ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد يكون المعنى المذكور متكررًا قصده في القرآن، إلا أنه ليس أغلب من قصد سواه، والاستدلال به مذكور في هذا الكتاب أيضًا، وهو دون الأول في الرتبة، فالاستدلال به شبه الاستئناس، ومثاله قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾ فقد قال بعض أهل العلم: معناه مهلكهم، وإطلاق الإحاطة وإرادة الإهلاك متكرر في القرآن، إلا أنه ليس أغلب في معنى الإحاطة في القرآن. ومنه قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ وقوله: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إلا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآية. وسترى هذا المبحث في سورة البقرة إن شاء الله تعالى.\nومن هذا النوع إطلاق الظلم على الشرك كقوله: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ﴾ وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ كما ستراه إن شاء الله تعالى في البقرة والأنعام.","vol":"1","page":24},{"text":"ومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك، وهو من أهمها: بيان أن جميع ما وصف الله به نفسه في هذا القرآن العظيم من الصفات كالاستواء، واليد، والوجه ونحو ذلك من جميع الصفات، فهو موصوف به حقيقة، لا مجازًا مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة صفات الحوادث، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وذلك البيان العظيم لجميع الصفات في قوله جل وعلا: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ فنفى عنه مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، وأثبت له الصفات على الحقيقة بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، وسترى إن شاء الله تحقيق هذا المبحث وإيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة الأعراف.\nومن أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أنا إذا بينا قرآنًا بقرآن في مسألة يخالفنا فيها غيرنا، ويدعي أن مذهبه المخالف لنا يدل عليه قرآن أيضًا، فإنا نبين بالسنة الصحيحة صحة بياننا وبطلان بيانه، فيكون استدلالنا بكتاب وسنة، فإن استدل من خالفنا بسنة أيضًا مع القرآن الذي استدل به، فإننا نبين رجحان ما يظهر لنا أنه الراجح، وكذلك إذا استدل مخالفنا بقرآن ولم يقم دليل من سنة شاهدًا لنا ولا له، فإنا نبين وجه رجحان بياننا على بيانه.\nمثال الأولى من هذه المسائل الثلاث قولنا: إن قراءة ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ بالخفض المفهمة مسح الرجلين في الوضوء تبينها قراءة \"وأرجلكم\" بالنصب الصريحة في الغسل فهي مبينة وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فيفهم منها أن قراءة الخفض لأجل المجاورة للمخفوض، أو لغير ذلك من المعاني،","vol":"1","page":25},{"text":"كما ستراه إن شاء الله مبينًا في المائدة، فيقول الشيعي القائل بمسح الرجلين في الوضوء: بل قراءة الخفض صريحة في المسح على الرجلين، فهي مبينة أن قراءة النصب من العطف على المحل؛ لأن المجرور الذي هو برءوسكم في محل نصب، فنقول: السنة الصحيحة تدل صحة بياننا، وبطلان بيانك، كقوله - ﷺ -: \"ويل للأعقاب من النار\"، وغير ذلك من الأحاديث الصحيحة المصرحة بوجوب غسل الرجلين في الوضوء، ولنا أيضًا أن نقول: لو سلمنا أن قراءة \"وأرجلكم\" بالخفض يراد بها المسح، فلا يكون ذلك المسح إلا على خف؛ لأن من أنزل عليه القرآن - ﷺ - قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ ولم يمسح - ﷺ - على رجليه في الوضوء إلا على خفين، فتكون قراءة النصب مبينة لوجوب غسلهما، وقراءة الخفض مبينة لجواز المسح على الخفين، وسترى تحقيق هذه المسألة إن شاء الله في محلها من سورة المائدة.\nومثال المسألة الثانية من المسائل الثلاث المذكورة قولنا: إن الأظهر في القروء في قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ أنها الأطهار، بدليل قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ والزمن المأمور بالطلاق فيه زمن الطهر، لا زمن الحيض، فدل على أن العدة بالطهر، وتدل له السنة الصحيحة كقوله - ﷺ - في حديث ابن عمر: \"فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء\" والإشارة في قوله: \"فتلك العدة\" لزمن الطهر الواقع فيه الطلاق، وهو تصريح من النبي - ﷺ - بأن الطهر هو العدة، وتدل له التاء في ثلاثة قروء كما تقدم.\nواستدل من يقول: بأن القروء الحيضات بكتاب وسنة أيضًا،","vol":"1","page":26},{"text":"أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ فإنه رتب العدة بالأشهُر على عدم الحيض، فدل على أن أصل العدة بالحيض، وأن الأشهُر بدل من الحيضات عند عدمها، وأما السنة فحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" وسترى تفصيل هذه المسألة، وأدلة الفريقين في سورة البقرة إن شاء الله، وقد ذكرنا أن كونها الأطهار أرجح دليلًا في نظرنا، لأن آيتها أصرح، وحديثها المصرح بها أصح.\nومثال المسألة الثالثة من المسائل الثلاث المذكورة بياننا أن نائب الفاعل ربيون في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾ على قراءة البناء للمفعول بقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ونحوها من الآيات، وبيانه أننا لو قلنا: إن نائب الفاعل ضمير النبي لزم على ذلك قتل كثير من الأنبياء في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة ﴿وَكَأَيِّنْ﴾ وتصريح الله تعالى بأنه كتب الغلبة لنفسه ولرسله ينفي ذلك نفيًا لا خفاء به، لاسيما وقد قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ﴾ صريح في أنه لا مبدل لكون الرسل غالبين؛ لأن غلبتهم لأعدائهم هي مضمون كلمة ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾، فلا شك أنها من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها، كما ذكره القرطبي وغير واحد، ونفى عن المنصور أن يكون مغلوبًا نفيًا باتًّا: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.","vol":"1","page":27},{"text":"وقد أوضح تعالى أن المقتول من المتقاتلين ليس غالبًا في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية - حيث جعل الغالب قسمًا مقابلًا للمقتول، ومعلوم ضرورة من اللسان الذي نزل به القرآن المقتول من المتقاتلين ليس بغالب، فهذا يبين بإيضاح أن نائب الفاعل ربيون، ويستشهد له بقراءة قُتِّلَ بالتشديد، لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يدل على وقوع القتل على الربيين، ولأجل هذه القراءة رجح الزمخشري وابن جني والبيضاوي والألوسي وغيرهم أن نائب الفاعل ربيون، وقد قدمنا أنا لا نعتمد في البيان على القراءة الشاذة، وإنما نذكرها استشهادًا للبيان بقراءة سبعية كما هنا، فيقول المخالف لنا في هذا المسألة كابن جرير، وابن إسحاق، والسهيلي -﵏- وغيرهم: قد دلت آيات أخر على أن نائب الفاعل ضمير النبي - ﷺ -، وهي الآيات المصرحة بوقوع القتل على بعض الأنبياء كقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ ونحوها من الآيات، وهي تبين أن القتل في محل النزاع واقع على النبي - ﷺ - فنقول: يجب تقديم بياننا على بيانكم من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الآيات المصرحة بقتل الكفار بعضَ الرسل التي هي دليل بيانكم أعم من محل النزاع؛ لأن النزاع في قتل الرسل في ميدان الحرب خاصة دون غيره، والآيات التي دلت على قتل بعض الرسل ليست واحدة منها في خصوص القتال البتة، والبيان لا يكون بالأعم، لأن الدليل على الأعم ليس دليلًا على الأخص، لإطباق العقلاء كافة على أن وجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص، فمطلق قتل الرسول لا يدل على كونه في جهاد، لأنه أعم من كونه في","vol":"1","page":28},{"text":"جهاد أو غيره كما هو واضح، بخلاف البيان الذي ذكرنا بقوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ ونحوها، فإنه في محل النزاع، لأنه يصرح بأن الرسل غالبون، وهو نص في أن الرسول المقاتل غير مقتول، لأن المقتول غير غالب كما بينه بقوله ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ كما تقدم، ومعلوم أنه لا يعارض خاص في محل النزاع بأعم منه.\nالوجه الثاني: أن البيان الذي ذكرنا تتفق به آيات القرآن العظيم على أفصح الأساليب العربية، ولم يقع بينهما تصادم البتة، وما ذكره المخالف يؤدي إلى تناقضها، ومصادمة بعضها لبعض؛ لأن الرسول الذي لم يؤمر بجهاد إذا قُتل لم يكن في ذلك إشكال، ولا مناقضة لقوله: ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ لأنه لم يؤمر بالمغالبة؛ فلا يصدق عليه أنه مغلوب، ولا غالب، لعدم وجود المغالبة من أصلها في حقه، لأنها إن عدمت من أصلها فلا يقال غالب ولا مغلوب، لأن الغلبة صفة إضافية لا تقوم إلا بين متغالبين، بخلاف قتل الرسول المأمور بالمغالبة في الجهاد، فإنه مناقض لقوله ﴿لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ والله يقول فيما وعد به رسله: ﴿وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾.\nالثالث: أن جميع الآيات الدالة على قتل بعض الرسل المستدل بها على صورة النزاع، كلها واردة في قتل الرسل في غير جهاد، كقتل بني إسرائيل أنبياءهم ظلمًا في غير قتال، وسترى إن شاء الله تعالى تحقيق هذا المبحث في آل عمران والصافات والمجادلة.\nوربما كان في الآية الكريمة أقوال كلها حق وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكرها، ونذكر القرآن الدال عليها من غير","vol":"1","page":29},{"text":"تعرض لترجيح بعضها؛ لأن كل واحد منها صحيح، ومثاله قوله تعالى في أول الأنعام: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ الآية - فإن فيه للعلماء ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المعنى وهو الإله أي: المعبود بحق في السموات والأرض ويدل له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾.\nالثاني: أن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ وعليه: فالمعنى وهو يعلم سركم وجهركم في السموات والأرض، ويدل له قوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nالثالث: وهو اختيار ابن جرير أن الوقف على قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ متعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾، ويدل له قوله تعالى ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾ الآية. وسترى إن شاء الله إيضاحه في الأنعام.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه: تفسير اللفظ بلفظ أشهر منه وأوضح عند السامع، كقوله في حجارة قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ الآية، فإنه تعالى بين في الذاريات في القصة بعينها أن المراد بالسجيل: الطين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ الآية.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يرد لفظ محتمل لأن يراد به الذكر، وأن تراد به الأنثى، فيبين المراد منهما، ومثال قوله","vol":"1","page":30},{"text":"تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا﴾ الآية - فإن النفس تطلق على الذكر والأنثى، وقد أشار تعالى إلى أنها هنا ذكر بتذكير الضمير العائد إليها في قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ الآية.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يكون الله خلق شيئًا لحكم متعددة فيذكر بعضها في موضع؛ فإنَّا نبين البقية المذكورة في المواضع الأخر، ومثاله قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ الآية. فإن من حكم خلق النجوم تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين أيضًا كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾.\nومن أنواعها أن يذكر أمر أو نهي في موضع، ثم يبين في موضع آخر هل حصل الامتثال في الأمر أو النهي أو لا؟\nوكذلك أن يذكر شرط، ثم يذكر في موضع آخر هل حصل ذلك الشرط أو لا؟\nفمثال الأمر قوله تعالى لنبيه - ﷺ - والمؤمنين: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَينَا -إلى قوله- لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ فقد بين أنهم امتثلوا هذا الأمر بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ -إلى قوله- لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾.\nومثال النهي قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾ فقد بين أنهم لم يمتثلوا بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية -.","vol":"1","page":31},{"text":"وقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية، والمراد بعضهم.\nومثال الشرط قوله: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ فقد بين في أول المائدة أنهم لم يستطيعوا بقوله: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ وقد بينه أيضًا بقوله في براءة والفتح والصف: ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر أن شيئًا سيقع ثم يبين وقوعه بالفعل، كقوله في الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية، وصرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل بقوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية.\nومن أنواع البيان المذكورة في هذا الكتاب المبارك أن يحيل تعالى على شيء ذكر في آية أخرى، فإنَّا نبين الآية المحال عليها كقوله في النساء: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية. والآية المحال عليها هي قوله تعالى في الأنعام: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيرِهِ﴾.\nومن أمثلته قوله تعالى في النحل: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيكَ﴾ الآية. والمراد به ما قص عليه في الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية.\nومن أمثلته قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فإن محل الإتيان المعبر عنه بلفظة \"حيث\" المحال على الأمر","vol":"1","page":32},{"text":"به هنا أشير إليه في موضعين:\nأحدهما: قوله هنا: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾، لأن قوله: \"فأتوا\" أمر منه تعالى بالإتيان، وقوله: \"حرثكم\" يعين محل الإتيان، وأنه في محل حرث الأولاد، وهو القبل، دون الدبر فاتضح أن محل الإتيان المأمور به المحال عليه هو محل بذر الأولاد، ومعلوم أنه القبل، وسترى إن شاء الله تحقيق تحريم الإتيان في الدبر في سورة البقرة.\nالثاني: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ فقوله تعالى: ﴿بَاشِرُوهُنَّ﴾ أي جامعوهن، والمراد بما كتب الله لكم الولد على التحقيق وهو قول الجمهور، وعليه فالمعنى: جامعوهن وابتغوا ما كتب الله لكم، أي ولتكن تلك المجامعة في محل ابتغاء الولد، ومعلوم أنه القبل دون غيره، وسترى إيضاحه إن شاء الله تعالى في محله.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر شيء له أوصاف مذكورة في مواضع أخر، فإنا نبين أوصافه المذكورة في تلك المواضع كقوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ فإنا نبين صفات ظل أهل الجنة المذكورة في غير هذا الموضع كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ ونحو ذلك.\nومنها أيضًا: أن يذكر وصف الشيء، ثم يذكر نقيض ذلك الوصف لضد ذلك الشيء، كقوله في ظل أهل النار ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ مع ذكر أوصاف ظل أهل الجنة كما قدمنا.","vol":"1","page":33},{"text":"ومن أهم أنواع البيان المذكورة فيه أن يشير تعالى في الآية -من غير تصريح- إلى برهان يكثر الاستدلال به في القرآن العظيم على شيء، فإنا نبين ذلك، ومثاله قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ فقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ثلاثة براهين من براهين البعث يكثر الاستدلال على البعث بكل واحد منها في القرآن.\nالأول: خلق الخلائق أولًا، فإنه من أعظم الأدلة على القدرة على الخلق مرة أخرى، وقد أشار تعالى إلى هذا البرهان هنا بقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية. وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.\nالثاني: خلق السموات والأرض، لأن من خلق ما هو أكبر وأعظم فهو قادر على خلق ما هو أصغر بلا شك، وأشار لذلك هنا بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، وأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾، وقوله ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة أيضًا.\nالثالث: إحياء الأرض بعد موتها، وقد أشار له هنا بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وأوضحه في آيات","vol":"1","page":34},{"text":"كثيرة كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾، وقوله: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة أيضًا، وسترى إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة للبراهين الثلاثة المذكورة في محلها.\nومن أنواع البيان المذكورة فيه أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. فقد صرح بدخول البدن في هذا العموم بقوله بعده: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.\nواعلم أن مما التزمنا في هذا الكتاب المبارك أنه إن كان للآية الكريمة مبين من القرآن غير واف بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من السنة من حيث إنها تفسير للمبين باسم الفاعل، ومثاله قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾، فقد أشار تعالى إلى أوقاتها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية - وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧)﴾ الآية. على ما ذكره جمع من العلماء من أنها في أوقات الصلاة.\nوكقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ على القول بأنها في الزكاة وأنها غير منسوخة، فإنها تشير لها آيات الزكاة كقوله ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nوكقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ الآية، فإن القرآن زيد فيه على هذا الحصر تحريم الخمر فنبين ما زاده - ﷺ - بالسنة الصحيحة، فمثل هذه المسائل نبينها بيانًا تامًّا بالسنة تبعًا","vol":"1","page":35},{"text":"للبيان القرآني.\nواعلم أن الغالب في الأمثلة التي ذكرناها كلها تعددها في القرآن بكثرة ومنها ما يتعدد من غير كثرة، وربما ذكرنا فردًا من أفراد البيان لا نظير له كإشارته تعالى إلى أقل أمد الحمل بقوله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ فلم يبق للحمل من الثلاثين شهرًا بعد عامي الفصال إلا ستة أشهر، فدل ذلك على أنها أمد للحمل يوضع فيه تامًّا.\nواعلم أن أقسام البيان في هذا الكتاب المبارك بالنسبة إلى المنطوق والمفهوم أربعة: لأن كلا من المبين باسم المفعول والمبين باسم الفاعل قد يكون منطوقًا، وقد يكون مفهومًا، فالمجموع أربع من ضرب حالتي المنطوق في حالتي المفهوم.\nالأولى: بيان منطوق بمنطوق كبيان قوله تعالى: ﴿إلا مَا يُتْلَى عَلَيكُمْ﴾ بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ الآية.\nالثانية: بيان مفهوم بمنطوق كبيان مفهوم قوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ بمنطوق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾.\nالثالثة: بيان منطوق بمفهوم كبيان قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية، بمفهوم آية الأنعام، فإن تحريم الدم مطلقًا منطوق هنا، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ يدل بمفهوم مخالفته على أن غير المسفوح ليس كذلك، فيبين هذا المفهوم أن المراد بالدم في الآية الأولى غير المسفوح.","vol":"1","page":36},{"text":"ومن أمثلته بيان قوله: ﴿وَالزَّانِي﴾ بمفهوم الموافقة في قوله: ﴿بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ﴾ فإنه يفهم من مفهوم موافقته أن العبد الذكر كالأمة في ذلك يجلد خمسين، فبين هذا المفهوم أن المراد بالزاني خصوص الحر.\nواعلم أن مثل هذا من مفهوم الموافقة يسميه الشافعي وبعض الأصوليين قياسًا، وهو المعروف عندهم بالقياس في معنى الأصل، ويسمى مفهوم الموافقة، وإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، وأكثر أهل الأصول على أنه مفهوم، وليس بقياس، كما سترى تحقيقه في مواضع من هذا الكتاب إن شاء الله تعالى.\nومن أمثلة بيان المنطوق بالمفهوم قوله في الخمر: ﴿رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ﴾ فإنه يدل على أنها نجسة العين، لأن الرجس هو المستقذر الخبيث، ويدل له مفهوم قوله في شراب الآخرة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾؛ فإن مفهومه أن خمر أهل الدنيا ليست كذلك. كما قاله الفراء وغير واحد، وسترى إيضاحه في المائدة إن شاء الله تعالى.\nالرابعة: بيان مفهوم بمفهوم ومثاله قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ على القول بأن المراد بالمحصنات الحرائر، كما رُويَ عن مجاهد، فإنه يدل بمفهومه على أن الأمة الكتابية لا يجوز نكاحها، ويدل لهذا أيضًا مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ فمفهوم قوله ﴿الْمُؤْمِنَاتِ﴾ يدل على منع تزوج الإماء الكافرات ولو عند الضرورة، وهو بيان مفهوم بمفهوم كما ترى.","vol":"1","page":37},{"text":"واعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه- أن هذا الكتاب المبارك تضمن أنواعًا كثيرة جدًّا من بيان القرآن بالقرآن غير ما ذَكَرْنا تَرَكْنا ذِكْر غير هذا منها خوف إطالة الترجمة، والمقصود بما ذكرنا من الأمثلة مطلق بيان كثرة الأنواع التي تضمنها واختلاف جهاتها -وفي البعض تنبيه لطيف على الكل- والغرض أن يكون الناظر في الترجمة على بصيرة مما يتضمنه الكتاب في الجملة قبل الوقوف على جميع ما فيه.","vol":"1","page":38},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-29>مقدمة في تعريف الإجمالي والبيان في اصطلاح أهل الأصول</span>\nاعلم أولًا أن المجمل في اللغة: هو المجموع، وجملة الشيء مجموعه، وأما في الاصطلاح فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. والتحقيق: أنه هو ما احتمل معنيين أو أكثر من غير ترجح لواحد منهما أو منها على غيره. وعرفه في مراقي السعود بقوله:\nوذو وضوح محكم، والمجمل ... هو الذي المراد منه يجهل\nواعلم أن المبهم أعم من المجمل عمومًا مطلقًا، فكل مجمل مبهم، وليس كل مبهم مجملًا، فمثل قولك لعبدك: تصدق بهذا الدرهم على رجل، فيه إبهام وليس مجملًا، لأن معناه لا إشكال فيه، لأن كل رجل تصدق عليه به حصل به المقصود.\nوالدليل على أن المجمل هو ما ذكرنا أن اللفظ لا يخلو من أحد أمرين:\nإما أن يدل على معنى واحد لا يحتمل غيره فهو النص نحو: ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. وإما أن يحتمل غيره، وهذا له حالتان:\nالأولى: أن يكون أحد المحتملين أظهر.\nوالثانية: أن يتساويا بأن لا يكون أحدهما أظهر من الآخر، فإن كان أحد المعنيين أظهر فهو الظاهر، ومقابله محتمل، وإن","vol":"1","page":39},{"text":"استويا فهو المجمل كما ذكرناه. وحكم النص أنه لا يعدل عنه إلا بنسخ، وحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه إلا بدليل أقوى منه يدل على صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح، وحكم المجمل أن يتوقف فيه حتى يدل دليل مبين للمقصود من المحتمل، وصرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى المحتمل المرجوح هو المعروف في اصطلاح أهل الأصول بالتأويل، وسيأتي إيضاح أنواع التأويل كلها إن شاء الله تعالى في آل عمران.\nواعلم أن اللفظ قد يكون واضح الدلالة من وجه مجملًا من وجه آخر كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإنه واضح في إيتاء الحق، مجمل في مقداره؛ لاحتماله النصف أو أقل أو أكثر، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله:\nوقد يجيء الإجمال من وجه ومن ... وجه يراه ذا بيان من فطن\nوأما البيان فهو لغة: اسم مصدر بمعنى التبيين، وهو الإيضاح والإظهار كالسلام بمعنى التسليم، والكلام بمعنى التكليم، والطلاق بمعنى التطليق، وقد يطلق على المبين بالكسر والفتح، ومن أهل الأصول من يطلق البيان على كل إيضاح سواء تقدمه خفاء أم لا، وكثير من الأصوليين لا يطلقون البيان باصطلاح الأصولي إلا على إظهار ما كان فيه خفاء، وعليه درج في مراقي السعود بقوله معرفًا للبيان في الاصطلاح:\nتصيير مشكل من الجلى ... وهو واجب على النبي\nإذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العمى","vol":"1","page":40},{"text":"فكل ما يزيل الإشكال يسمى بيانًا في الاصطلاح بمعنى المبين بالكسر، وسترى إن شاء الله في هذا الكتاب المبارك من أنواع البيان، وأنواع ما به البيان ما فيه كفاية.\nواعلم أن التحقيق جواز بيان المتواتر من كتاب أو سنة بأخبار الآحاد، وكذلك يجوز بيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا خلافًا لقوم منعوا ذلك زاعمين أن المنطوق أظهر من المفهوم، والأظهر لا يبين بالأخفى، وحكاه الباجي عن أكثر المالكية.\nوأجيب بأنه ما كل منطوق يقدم على المفهوم، بل بعض المفاهيم أقوى دلالة على الأمر من دلالة المنطوق عليه، ألا ترى أن دلالة مفهوم حديث \"في الغنم السائمة زكاة\" عند من لا يرى الزكاة في المعلوفة أظهر في عدم الزكاة في المعلوفة، من دخولها في عموم منطوق حديث \"في أربعين شاة شاة\"، لأن المفهوم أخص بها وأقوى دلالة فيها من عموم المنطوق، وإلى هذا أشار في مراقي السعود بقوله:\nوبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد\nفالبيان بالقاصر سندًا كبيان المتواتر بالآحاد، والبيان بالقاصر دلالة كبيان المنطوق بالمفهوم كما قدمنا، والمراد بقصوره في الدلالة أغلبية ذلك، لا لزومه في كل حال كما أشرنا إليه آنفًا.\nوحكى القاضي الباقلاني عن جماعة من العراقيين أن المبين بالفتح إن كان وجوبه يعم جميع المكلفين كالصلاة فلا يبين إلا بمتواتر، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:","vol":"1","page":41},{"text":"وأوجبن عند بعض علمًا ... إذا وجوب ذي الخفاء عما\nولا يخفى سقوط هذا القول وأنه لا وجه لرد حديث صحيح دال على بيان نص من غير معارض بدعوى أنه لم يتواتر، ومنع بيان المتواتر مطلقًا بالآحاد أشد سقوطًا.\nواعلم أن الأصوليين اختلفوا في البيان بالقول هل هو أقوى من البيان بالفعل أو لا؟\nقال مقيده عفا الله عنه: الظاهر أن التحقيق في ذلك هو ما حققه أبو إسحاق الشاطبي -﵀- وهو أن كل واحد منهما أقوى من صاحبه من جهة، فالفعل يبلغ من بيان الكيفيات المعينة المخصوصة ما لا يبلغه القول، والقول يبلغ من بيان الخصوص والعموم في الأحوال والأشخاص ما لا يبلغه الفعل.\nمسائل تتعلق بالبيان\nالمسألة الأولى: إذا ورد بعد المجمل قول وفعل، فلا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات:\nالأولى: أن يتفق القول والفعل.\nالثانية: أن يزيد الفعل على القول.\nالثالثة: أن يزيد القول على الفعل.\nفإن اتفق القول والفعل معًا، فالمتقدم منهما هو المبين والثاني تأكيد له كما قالوا بعد نزول آية القطع في السرقة: القطع من الكوع، وقطع بالفعل من الكوع.","vol":"1","page":42},{"text":"وإن جهل المتقدم فالبيان بأحدهما لا بعينه، وقال الآمدي: يتعين المرجوح إن كان أحدهما أرجح، لأن المرجوح لا يكون مؤكدًا للراجح.\nقال القرافي: وهو غير متجه، لأن الأضعف يزيد في رتبة الظن الحاصلة قبله كزيادة شاهد على أربعة.\nوإن زاد الفعل على القول، كبيانه - ﷺ - أن كيفية الصوم هي صوم كل يوم بانفراده من غيره وصال بين يومين، مع أنه - ﷺ - ربما واصل، فإن البيان يكون بالقول، والفعل يدل على مطلق الطلب في حقه - ﷺ - خاصة بندب أو إيجاب تقدم للقول أو تأخر.\nوقال أبو الحسين البصري: المتقدم منهما هو البيان وألزم نسخ الفعل المتقدم مع إمكان الجمع.\nقال المحَلِّي: ولو نقصَ الفعل عن مقتضى القول كما لو طاف بعد نزول آية الحج طوافًا واحدًا، وأمر باثنين فقياس الأول أن القول هو البيان، ونقصُ الفعل تخفيف عنه - ﷺ -، تأخر الفعل أو تقدم، وقياس ما لأبي الحسين أن البيان هو المتقدم، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالقول والفعل إذا توافقا ... فانم البيان للذي قد سبقا\nوإن يزد فعل فللقول انتسب ... والفعل يقتضي بلا قيد طلب\nوالقول في العكس هو المبين ... وفعله التخفيف فيه بين\nالمسألة الثانية: اعلم أنه لا يجوز تأخير البيان لمجمل أو","vol":"1","page":43},{"text":"ظاهر لم يرد ظاهره عن وقت الحاجة إلى العمل به، وقال القوم: يجوز عقلًا لكنه لم يقع بالفعل.\nوأجراه كثير منهم على الخلاف في مسألة التكليف بما لا يطاق، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nتأخر البيان عن وقت العمل ... وقوعه عند المجيز ما حصل\nوذكر بعض المتأخرين عن ابن العربي المالكي أنه قال في كتابه المحصول: لحظت ذلك مدة، ثم ظهر لي جوازه، ولا يكون من تكليف ما لا يطاق، بل رفعًا للحكم، وإسقاطًا له في حق المكلف.\nقال مقيده عفا الله عنه: وبناء على أن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الفعل صرحوا بأن التخصيص بعد العمل بالعام نسخ في البعض، وكذلك التقييد بعد العمل بالمطلق، لأن كلا من التخصيص والتقييد بيان، وهو لا يتأخر عن وقت الفعل، فإذا تأخر تعين النسخ، وإليه أشار في المراقي في التخصيص بقوله:\nوإن أتى ما خص بعد العمل ... نسخ والغير مخصصا جلى\nوفي التقييد بقوله:\nوإن يكن تأخر المقيد ... عن عمل فالنسخ فيه يعهد\nتنبيه:\nفإن قيل: قد وقع تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما وقع في صبح ليلة الإسراء، فإن جبريل -﵇- لم يبين للنبي - ﷺ - كيفيتها، ولا وقتها حتى ضاعت، فالجواب من وجهين، أشار لهما","vol":"1","page":44},{"text":"العبادي في الآيات البينات.\nأحدهما: أن وجوبها كان مشروطًا بالبيان قبل فوات وقتها ولم يبين له - ﷺ -، ولذا لم يفعلها أداء ولا قضاء. قال: ومن هنا يعلم أن الكلام في غير الوجوب المعلق على البيان، أما هو فلا يتصور فيه تأخير البيان عن وقت الفعل.\nالثاني: أن الصلوات الخمس فرضت ليلة الإسراء على أن ابتداء الوجوب من ظهر ذلك اليوم فما بعده، دون ما قبله.\nالمسألة الثالثة: أما تأخير البيان إلى وقت الحاجة إلى العمل به فالتحقيق أنه جائز وواقع، وهو مذهب الجمهور، ومقابلة ثلاثة أقوال أخر:\nالأول: أنه لا يجوز مطلقًا.\nالثاني: أنه يجوز في المجمل، دون ما له ظاهر غير مراد، كالعام والمطلق.\nالثالث: عكس هذا وهو جوازه فيما له ظاهر غير مراد، دون المجمل وهو أبعدها، وإلى هذه الأقوال أشار في المراقي بقوله:\nتأخيره للاحتياج واقع ... وبعضنا هو لذاك مانع\nوقيل بالمنع بما كالمطلق ... ثم بعكسه لدى البعض انطق\nأما تأخير أصل التبليغ إلى وقت الحاجة، فقال بعض العلماء بجوازه أيضًا، وخالف فيه بعضهم، وقال الفخر الرازي وابن الحاجب والآمدي: لا يجوز تأخير تبليغ القرآن قولًا واحدًا، لأنه","vol":"1","page":45},{"text":"متعبد بتلاوته، ولم يؤخر - ﷺ - تبليغه بخلاف غيره، قال بعض أهل الأصول: قد يمنع تعجيل التبليغ، ويجب تأخيره إلى وقت الحاجة إن كان يخشى من تعجيله مفسدة، قالوا: فلو أمر - ﷺ - بقتال أهل مكة بعد سنة من الهجرة، وجب تأخير تبليغ ذلك للناس، لئلا يستعد العدو إذا علم ويعظم الفساد، ولذلك لما أراد ﵊ قتالهم قطع الأخبار عنهم حتى دهمهم، وكان ذلك أيسر لغلبتهم وقهرهم، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:\nوجائز تأخير تبليغ له ... ودرء ما يخشى أبى تعجيله\nوالضمير في قوله: له عائد إلى الاحتياج في البيت المذكور قبله، أي: جائز تأخير التبليغ إلى وقت الاحتياج له.\nالمسألة الرابعة: لا يشترط في البيان أن يعلمه جميع المكلفين الموجودين في وقته، بل يجوز أن يكون بعضهم جاهلًا به ودليله الوقوع، فقد جاءت فاطمة الزهراء والعباس -﵄- أبا بكر - ﵁ - يطلبان ميراثهما من النبي - ﷺ - متمسكين بعموم ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية، وعموم ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ ولم يعلما أنه - ﷺ - بين أن هذا العموم لا يتناول الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه بقوله: [إنا معاشر الأنبياء لا نورث] الحديث - وإلى هذه المسألة أشار في المراقي بقوله:\nونسبة الجهل لذى وجود ... بما يخصص من الموجود\nوسميته: أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، وهذا أوان الشروع في المقصود.","vol":"1","page":46},{"text":"<span data-type=\"title\" id=toc-30>سورة الفاتحة</span>\nبسم الله الرحمن الرحيم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-31> قوله تعالى ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾</span> لم يذكر لحمده هنا ظرفا مكانيا ولا زمانيا. وذكر في سورة الروم أن من ظروفه المكانية: السماوات والأرض في قوله ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وذكر في سورة القصص أن من ظروفه الزمانية: الدنيا والآخرة في قوله: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ﴾ الآية. وقال في أول سورة سبأ: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾ والألف واللام في \"الْحَمْدُ\" لاستغراق جميع المحامد وهو ثناء أثنى به تعالى على نفسه، وفي ضمنه أمر عباده أن يثنوا عليه به.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-32> وقوله تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾</span> لم يبين هنا ما العالمون، وبين ذلك في موضع آخر بقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية. قال بعض العلماء: اشتقاق العالم من العلامة، لأن وجود العالم علامة لا شك فيها على وجود خالقه متصفا بصفات الكمال والجلال. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيات لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ والآية فى اللغة: العلامة.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-33> قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾</span> هما وصفان لله","vol":"1","page":47},{"text":"تعالى، واسمان من أسمائه الحسنى، مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم، لأن الرحمن هو ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا، وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة للمؤمنين يوم القيامة. وعلى هذا أكثر العلماء. وفي كلام ابن جرير ما يفهم منه حكاية الاتفاق على هذا.\nوفي تفسير بعض السلف ما يدل عليه، كما قاله ابن كثير، ويدل له الأثر المروي عن عيسى -كما ذكره ابن كثير وغيره- أنه قال عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: \"الرحمن رحمن الدنيا والآخرة، والرحيم رحيم الآخرة\" وقد أشار تعالى إلى هذا الذي ذكرنا حيث قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ﴾ وقال ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ فذكر الاستواء باسمه الرحمن ليعم جميع خلقه برحمته. قاله ابن كثير، ومثله قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَن﴾ أي: ومن رحمانيته: لطفه بالطير، وإمساكه إياها صافات وقابضات في جو السماء. ومن أظهر الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) - إلى قوله - فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ وقال: ﴿وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾ فخصهم باسمه الرحيم.\nفإن قيل: كيف يمكن الجمع بين ما قررتم، وبين ما جاء في الدعاء المأثور من قوله -  ﷺ  -[رحمان الدنيا والآخرة ورحيمهما؟] فالظاهر في الجواب -والله أعلم- أن الرحيم خاص بالمؤمنين كما ذكرنا، لكنه لا يختص بهم في الَاخرة! بل يشمل رحمتهم في الدنيا أيضًا، فيكون معنى رحيمهما رحمته بالمؤمنين فيهما.","vol":"1","page":48},{"text":"والدليل على أنه رحيم بالمؤمنين في الدنيا أيضا: أن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا (٤٣)﴾، لأن صلاته عليهم وصلاة ملائكته، وإخراجه إياهم من الظلمات الى النور رحمة بهم في الدنيا وإن كانت سبب الرحمة في الآخرة أيضا، وكذلك قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيق مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ (١١٧)﴾ فانه جاء فيه بالباء المتعلقة بالرحيم الجار للضمير الواقع على النبي - ﷺ - والمهاجرين والأنصار، وتوبته عليهم رحمة في الدنيا وإن كانت سبب رحمة الآخرة أيضا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-34> وقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾</span> لم يبينه هنا. وبينه في قوله: ﴿وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٧) ثُمَّ مَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الدِّينِ (١٨) يَوْمَ لا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِنَفْسٍ شَيْئًا﴾ الآية. والمراد بالدين في الآية: الجزاء. ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاء أعمالهم بالعدل.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-35> قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾</span> أشار في هذه الآية الكريمة إلى تحقيق معنى لا إله إلا الله، لأن معناها مركب من أمرين: نفي وإثبات. فالنفي: خلع جميع المعبودات. غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، والإثبات: إفراد رب السموات والأرض وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه المشروع.\nوقد أشار إلى النفي من لا إله إلا الله بتقديم المعمول الذي هو \"إِيَّاكَ\" وقد تقرر في الأصول، في مبحث دليل الخطاب الذي","vol":"1","page":49},{"text":"هو مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر: أن تقديم المعمول من صيغ الحصر.\nوأشار إلى الإثبات منها بقوله: ﴿نَعْبُدُ﴾.\nوقد بين معناها المشار إليه هنا مفصلا في آيات أخر، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فصرح بالإثبات منها بقوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾، وصرح بالنفي منها في آخر الآية الكريمة بقوله: ﴿فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُون (٢٢)﴾ وكقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ فصرح بالإثبات بقوله: ﴿أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ وبالنفي بقوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وكقوله ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ فصرح بالنفي منها بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ وبالإثبات بقوله: ﴿وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ وكقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية. وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-36> قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾</span> أي لا نطلب العون إلا منك وحدك؛ لأن الأمر كله بيدك وحدك لا يملك أحد منه معك مثقال ذرة. وإتيانه بقوله: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ بعد قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فيه إشارة إلى أنه لا ينبغي أن يتوكل إلا على من يستحق العبادة؛ لأن غيره ليس بيده الأمر. وهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينا واضحا في آيات أخر كقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّل عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ","vol":"1","page":50},{"text":"عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية. وقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-37> وقوله تعالى ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾</span> لم يبين هنا من هؤلاء الذين أنعم عليهم، وبين ذلك في موضع آخر بقوله ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾.\nتنبيهان\nالأول: يؤخذ من هذه الآية الكريمة صحة إمامة أبي بكر الصديق ﵁، لأنه داخل فيمن أمرنا الله في السبع المثاني والقرآن العظيم -أعني الفاتحة- بأن نسأله أن يهدينا صراطهم، فدل ذلك على أن صراطهم هو الصراط المستقيم وذلك في قوله ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوقد بين الذين أنعم عليهم فعد منهم الصديقين، وقد بين - ﷺ - أن أبا بكر ﵁ من الصديقين، فاتضح أنه داخل في الذين أنعم الله عليهم، الذين أمرنا الله أن نسأله الهداية إلى صراطهم، فلم يبق لبس في أن أبا بكر الصديق ﵁ على الصراط المستقيم، وأن إمامته حق.\nالثاني: قد علمت أن الصديقين من الذين أنعم الله عليهم، وقد صرح تعالى بأن مريم ابنة عمران صديقة في قوله ﴿وَأُمُّهُ","vol":"1","page":51},{"text":"صِدِّيقَةٌ﴾ الآية. وإذن فهل تدخل مريم في قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ أو لا؟\nالجواب: أن دخولها فيهم يتفرع على قاعدة أصولية مختلف فيها معروفة، وهي: هل ما في القرآن العظيم والسنة من الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة الذكور تدخل فيه الإناث، أو لا يدخلن فيه إلا بدليل منفصل؟ فذهب قوم إلى أنهن يدخلن في ذلك، وعليه: فمريم داخلة في الآية، واحتج أهل هذا القول بأمرين:\nالأول: إجماع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإناث في الجمع.\nوالثاني: ورود آيات تدل على دخولهن في الجموع الصحيحة المذكرة ونحوها، كقوله تعالى في مريم نفسها ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ وقوله في امرأة العزيز: ﴿يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾ وقوله في بلقيس ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾ وقوله فيما كالجمع المذكر السالم: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا﴾ الآية. فإنه تدخل فيه حواء إجماعا.\nوذهب كثير إلى أنهن لا يدخلن في ذلك إلا بدليل منفصل. واستدلوا على ذلك بآيات كقوله: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ -إلى قوله- ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ ثم قال: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُن﴾ الآية. فعطفهن عليهم يدل على عدم دخولهن.","vol":"1","page":52},{"text":"وأجابوا عن حجة أهل القول الأول بأن تغليب الذكور على الإناث في الجمع ليس محل نزاع، وإنما النزاع في الذي يتبادر من الجمع المذكر ونحوه عند الإطلاق، وعن الآيات بأن دخول الإناث فيها إنما علم من قرينة السياق ودلالة اللفظ، ودخولهن في حالة الاقتران بما يدل على ذلك لا نزاع فيه. وعلى هذا القول فمريم غير داخلة في الآية، وإلى هذا الخلاف أشار في مراقي السعود بقوله:\nوما شمول من للانثى جنف ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-38> وقوله: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)﴾</span> قال جماهير من علماء التفسير \"الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ\" اليهود \"الضالون\" النصارى. وقد جاء الخبر بذلك عن رسول الله - ﷺ - من حديث عدي بن حاتم ﵁. واليهود والنصارى وإن كانوا ضالين جميعا مغضوبا عليهم جميعا، فإن الغضب إنما خص به اليهود، وإن شاركهم النصارى فيه، لأنهم يعرفون الحق وينكرونه، ويأتون الباطل عمدا، فكان الغضب أخص صفاتهم، والنصارى جهلة لا يعرفون الحق، فكان الضلال أخص صفاتهم.\nوعلى هذا فقد يبين أن \"الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ\" اليهود قوله تعالى فيهم: ﴿فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ﴾ الآية، وقوله فيهم أيضا: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَب﴾ الآية-.\nوقد يبين أن الضَّالِّينَ النصارى، قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.","vol":"1","page":53},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-39>سُورة البقرة</span>","vol":"1","page":54},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-40> قوله تعالى ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾</span> صرح في هذه الآية بأن هذا القرآن هُدىً لِلْمُتَّقِينَ، ويفهم من مفهوم الآية -أعني مفهوم المخالفة المعروف بدليل الخطاب- أن غير المتقين ليس هذا القرآن هدى لهم، وصرح بهذا المفهوم في آيات أخر كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ وقوله ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ الَايتين. ومعلوم أن المراد بالهدى في هذه الآية الهدى الخاص الذي هو التفضيل بالتوفيق إلى دين الحق، لا الهدى العام، الذي هو إيضاح الحق.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-41> قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾</span> عبر في هذه الآية الكريمة بمن التبعيضية الدالة على أنه ينفق لوجه الله بعض ماله لا كله. ولم يبين هنا القدر الذي ينبغي إنفاقه، والذي ينبغي إمساكه، ولكنه بين في مواضع أخر أن القدر الذي ينبغي إنفاقه: هو","vol":"1","page":55},{"text":"الزائد على الحاجة وسد الخلة التي لا بد منها، وذلك كقوله: ﴿وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾، والمراد بالعفو الزائد على قدر الحاجة التي لا بد منها على أصح التفسيرات، وهو مذهب الجمهور.\nومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى عَفَوْا﴾ أي كثروا وكثرت أموالهم وأولادهم. وقال بعض العلماء: [العفو] [١] نقيض الجهد، وهو أن ينفق ما لا يبلغ إنفاقه منه الجهد واستفراغ الوسع. ومنه قول الشاعر:\nخذي العفو مني تستديمي ... مودتي ولا تنطقي [في] [٢] سورتي حين أغضب\nوهذا القول راجع إلى ما ذكرنا، وبقية الأقوال ضعيفة.\nوقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ فنهاه عن البخل بقوله: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾، ونهاه عن الإسراف بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْط﴾ فيتعين الوسط بين الأمرين، كما بينه بقوله: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ فيجب على المنفق أن يفرق بين الجود والتبذير، وبين البخل والاقتصاد، فالجود: غير التبذير، والاقتصاد: غير البخل، فالمنع في محل الإعطاء مذموم، وقد نهى الله عنه نبيه - ﷺ - بقوله ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ والإعطاء في محل المنع مذموم أيضا، وقد نهى الله عنه نبيه - ﷺ - بقوله: ﴿وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ وقد قال الشاعر:\nلا تمدحن [٣] ابن عباد وإن هطلت ... يداه كالمزن حتى تخجل الديما\nفإنها فلتات [٤] من وساوسه ... يعطي ويمنع لا بخلا ولا كرما\nوقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الإنفاق المحمود لا\n_________\nقال مُعِدُّ الكتاب للشاملة:\n[١] سقطت كلمة «العفو» من المطبوع، واستدركناها من طبعة المدني.\n[٢] سقطت كلمة «في» من المطبوع.\n[٣] في المطبوع: «من فلتات»، وهي على الصواب في طبعة المدني.\n[٤] في المطبوع: «نمدحن»، وهي على الصواب في طبعة المدني.","vol":"1","page":56},{"text":"يكون كذلك، إلا إذا كان مصرفه الذي صرف فيه مما يرضي الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية- وصرح بأن الإنفاق فيما لا يرضي الله حسرة على صاحبه في قوله: ﴿فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية- وقد قال الشاعر:\nإن الصنيعة لا تعد صنيعة ... حتى يصاب بها طريق المصنع\nفإن قيل: هذا الذي قررتم يقتضي أن الإنفاق المحمود هو إنفاق ما زاد على الحاجة الضرورية، مع أن الله تعالى أثنى على قوم بالإنفاق وهم في حاجة إلى ما أنفقوا، وذلك في قوله: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٩)﴾.\nفالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- هو ما ذكره بعض العلماء من أن لكل مقام مقالا، ففي بعض الأحوال يكون الإيثار ممنوعا، وذلك كما إذا كانت على المنفق نفقات واجبة، كنفقة الزوجات ونحوها فتبرع بالإنفاق في غير واجب، وترك الفرض لقوله - ﷺ -: \"وابدأ بمن تعول\"، وكأن يكون لا صبر عنده عن سؤال الناس فينفق ماله، ويرجع إلى الناس يسألهم مالهم، فلا يجوز له ذلك، وإلايثار فيما إذا كان لم يضيع نفقة واجبة، وكان واثقا من نفسه بالصبر والتعفف وعدم السؤال. وأما على القول بأن قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾ يعني به الزكاة. فالأمر واضح، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-42> قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾</span> الآية، لا يخفى أن الواو في قوله: ﴿وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى","vol":"1","page":57},{"text":"أَبْصَارِهِمْ﴾ محتملة في الحرفين أن تكون عاطفة (^١) على ما قبلها، وأن تكون استئنافية، ولم يبين ذلك هنا، ولكن بين في موضع آخر أن قوله: \"وَعَلَى سَمْعِهِمْ\" معطوف على قوله: \"عَلَى قُلُوبِهِمْ\" وأن قوله: \"وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ\" استئناف، والجار والمجرور خبر المبتدأ الذي هو \"غِشَاوَةٌ\" وسوغ الابتداء بالنكرة فيه اعتمادها على الجار والمجرور قبلها، ولذلك يجب تقديم هذا الخبر، لأنه هو الذي سوغ الابتداء بالمبتدأ كما عقده في الخلاصة بقوله:\nونحو عندي درهم ولي وطر ... ملتزم فيه تقدم الخبر\nفتحصل أن الختم على القلوب والأسماع، وأن الغشاوة على الأبصار، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَة﴾.\nوالختم: هو الاستيثاق من الشيء حتى لا يخرج منه داخل فيه ولا يدخل فيه خارج عنه.\nوالغشاوة: الغطاء على العين يمنعها من الرؤية، ومنه قول الحارث بن خالد بن العاص:\nهويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألوامها\nوعلى قراءة من نصب غشاوة فهي منصوبة بفعل محذوف أي ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ كما في سورة الجاثية، وهو كقوله:\nعلفتها تبنا وماءا باردا ... حتى شتت همالة عيناها\n_________\n(^١) كذا، ولعلها: معطوفة.","vol":"1","page":58},{"text":"وقول الآخر:\nورأيت زوجك في الوغى ... متقلدا سيفا ورمحا\nوقول الآخر:\nإذا ما الغانيات برزن يوما ... وزججن الحواجب والعيونا\nكما هو معروف في النحو. وأجاز بعضهم كونه معطوفا على محل المجرور.\nفإن قيل: قد يكون الطبع على الأبصار أيضا كما في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِم﴾ الآية.\nفالجواب: أن الطبع على الأبصار المذكور في آية النحل: هو الغشاوة المذكورة في سورة البقرة والجاثية، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-43> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُمْ بِمُؤْمِنِينَ (٨)﴾</span> لم يذكر هنا بيانا عن هؤلاء المنافقين، وصرح بذكر بعضهم بقوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-44> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ﴾</span> لم يبين هنا شيئا من استهزائه بهم.\nوذكر بعضه في سورة الحديد في قوله: ﴿قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-45> قوله تعالى: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾</span> الآية، ظاهر هذه الآية أن","vol":"1","page":59},{"text":"المنافقين متصفون بالصمم، والبكم، والعمى، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن معنى صممهم، وبكمهم، وعماهم، هو عدم انتفاعهم بأسماعهم، وقلوبهم، وأبصارهم، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلا أَبْصَارُهُمْ وَلا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-46> وقوله تعالى: ﴿أَوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾</span> الآية، الصيب: المطر، وقد ضرب الله في هذه الآية مثلا لما جاء به محمد - ﷺ - من الهدى والعلم بالمطر، لأن بالعلم والهدى حياة الأرواح، كما أن بالمطر حياة الأجسام.\nوأشار إلى وجه ضرب هذا المثل بقوله جل وعلا: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا﴾.\nوقد أوضح - ﷺ - هذا المثل المشار إليه في الآيتين في حديث أبي موسى المتفق عليه، حيث قال - ﷺ -: \"إن مثل ما بعثني الله به من الهدى والعلم، كمثل غيث أصاب أرضا، فكانت منها طائفة طيبة قبلت الماء فأنبتت الكلأ والعشب الكثير، وكانت منها أجادب أمسكت الماء فنفع الله بها الناس فشربوا منها، وسقوا وزرعوا، وأصاب منها طائفة أخرى، إنما هي قيعان لا تمسك ماء ولا تنبت كلأ. فذلك مثل من فقه في دين الله ونفعه الله بما بعثني به، فعلم وعلم، ومثل من لم يرفع بذلك رأسا، ولم يقبل هدى الله الذي أرسلت به\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-47> وقوله تعالى: ﴿فِيهِ ظُلُمَاتٌ﴾</span> ضرب الله تعالى في هذه الآية","vol":"1","page":60},{"text":"المثل لما يعتري الكفار والمنافقين من الشبه والشكوك في القرآن، بظلمات المطر المضروب مثلا للقرآن، ويبين بعض المواضع التي هي كالظلمة عليهم، لأنها تزيدهم عمى في آيات أخر لقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾، لأن نسخ القبلة يظن بسببه ضعاف اليقين أن النبي -  ﷺ  -، ليس على يقين من أمره حيث يستقبل يوما جهة، ويوما آخر جهة أخرى، كما قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾، وصرح تعالى بأن نسخ القبلة كبير على غير من هداه الله وقوى يقينه، بقوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾.\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ لأن ما رآه ليلة الإسراء والمعراج من الغرائب والعجائب كان سببا لاعتقاد الكفار أنه -  ﷺ  - كاذب، لزعمهم أن هذا الذي أخبر به لا يمكن وقوعه، فهو سبب لزيادة الضالين ضلالا.\nوكذلك الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم، فهي سبب أيضا لزيادة ضلال الضالين منهم؛ لأن النبي -  ﷺ  - لما قرأ ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه، لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة فكيف ينبت في أصل النار؟\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنه -  ﷺ  - لما قرأ قوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ (٣٠)﴾ قال بعض رجال قريش: هذا عدد قليل، فنحن قادرون على قتلهم، واحتلال الجنة بالقوة، لقلة القائمين على النار التي يزعم محمد -  ﷺ  - أنا سندخلها. والله","vol":"1","page":61},{"text":"تعالى إنما يفعل ذلك اختبارا وابتلاء، وله الحكمة البالغة في ذلك كله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-48> قوله تعالى: ﴿وَرَعْدٌ﴾</span> ضرب الله المثل بالرعد لما في القرآن من الزواجر التي تقرع الآذان وتزعج القلوب. وذكر بعضا منها في آيات أخر كقوله: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً﴾ الآية -وكقوله ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ الآية- وكقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ﴾. وقد ثبت في صحيح البخاري في تفسير سورة الطور من حديث جبير بن مطعم ﵁ أنه قال: سمعت رسول الله - ﷺ -، يقرأ في المغرب بالطور، فلما بلغ هذه الآية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ إلى قوله- ﴿الْمُصَيْطِرُونَ (٣٧)﴾ كاد قلبي أن يطير، إلى غير ذلك من قوارع القرآن وزواجره، التي خوفت المنافقين حتى قال الله تعالى فيهم: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوّ﴾ والآية التي نحن بصددها، وإن كانت في المنافقين، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-49> قوله تعالى: ﴿وَبَرْقٌ﴾</span> ضرب تعالى المثل بالبرق، لما في القرآن من نور الأدلة القاطعة والبراهين الساطعة. وقد صرح بأن القرآن نور يكشف الله به ظلمات الجهل والشك والشرك، كما تكشف بالنور الحسي ظلمات الدجى، كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾ وقوله ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-50> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ (١٩)﴾</span>.\nقال بعض العلماء: مُحِيطٌ بِالْكَافِرِينَ: أي مهلكهم، ويشهد","vol":"1","page":62},{"text":"لهذا القول قوله تعالى: ﴿لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾ أي: تهلكوا عن آخركم: وقيل: تغلبوا. والمعنى متقارب، لأن الهالك لا يهلك حتى يحاط به من جميع الجوانب، ولم يبق له منفذ للسلامة ينفذ منه، وكذلك المغلوب. ومنه قول الشاعر:\nأحطنا بهم حتى إذا ما تيقنوا ... بما قد رأوا مالوا جميعا إلى السلم\nومنه أيضا: بمعنى الهلاك: قوله تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-51> قوله تعالى: ﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُم﴾</span> أي: يكاد نور القرآن لشدة ضوئه يعمي بصائرهم، كما أن البرق الخاطف الشديد النور يكاد يخطف بصر ناظره، ولا سيما إذا كان البصر ضعيفا، لأن البصر كلما كان أضعف كان النور أشد إذهابا له. كما قال الشاعر:\nمثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورا ويعمي أعين الخفاش\nوقال الآخر:\nخفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم\nوبصائر الكفار والمنافقين في غاية الضعف، فشدة ضوء النور تزيدها عمى. وقد صرح تعالى بهذا العمى في قوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: يكاد البرق يخطف أبصارهم أي: يكاد محكم القرآن يدل على عورات المنافقين.","vol":"1","page":63},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-52> قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾</span> ضرب الله في هذه الآية المثل للمنافقين بأصحاب هذا المطر إذا أضاء لهم مشوا في ضوئه، وإذا أظلم وقفوا، كما أن المنافقين إذا كان القرآن موافقا لهواهم ورغبتهم، عملوا به كمناكحتهم للمسلمين وإرثهم لهم، والقسم لهم من غنائم المسلمين، وعصمتهم به من القتل مع كفرهم في الباطن، وإذا كان غير موافق لهواهم، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد في سبيل الله المأمور به فيه وقفوا وتأخروا. وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (٤٨) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (٤٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: ﴿كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُمْ مَشَوْا فِيهِ﴾ أي: إذا أنعم الله عليهم بالمال والعافية قالوا: هذا الدين حق، ما أصابنا منذ تمسكنا به إلا الخير ﴿وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا﴾ أي: وإن أصابهم فقر أو مرض أو ولدت لهم البنات دون الذكور. قالوا: ما أصابنا هذا إلا من شؤم هذا الدين وارتدوا عنه. وهذا الوجه يدل له قوله تعالى ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾.\nوقال بعض العلماء: إضاءته لهم معرفتهم بعض الحق منه وإظلامه عليهم ما يعرض لهم من الشك فيه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-53> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾</span> أشار في هذه الآية إلى ثلاثة","vol":"1","page":64},{"text":"براهين من براهين البعث بعد الموت وبينها مفصلة في آيات أخر.\nالبرهان الأول: خلق الناس أولا المشار إليه بقوله ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ لأن الإيجاد الأول أعظم برهان على الإيجاد الثاني.\nوقد أوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ وكقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّة﴾ وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ﴾ الآية، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ كقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى﴾ الآية.\nلذا ذكر تعالى أن من أنكر البعث فقد نسي الإيجاد الأول، كما في قوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْأِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلا يَذْكُرُ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ ثم رتب على ذلك نتيجة الدليل بقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.\nالبرهان الثاني: خلق السموات والأرض المشار إليه بقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ َبِنَاءً﴾ لأنهما من أعظم المخلوقات، ومن قدر على خلق الأعظم فهو على غيره قادر من باب أحرى.\nوأوضح الله تعالى هذا البرهان في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ","vol":"1","page":65},{"text":"الْعَلِيمُ (٨١)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ﴾ وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾ الآية .. إلى غير ذلك من الآيات.\nالبرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها، فإنه من أعظم الأدلة على البعث بعد الموت، كما أشار له هنا بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾.\nوأوضحه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ يعني: خروجكم من قبوركم أحياء بعد أن كنتم عظاما رميما، وقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-54> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا﴾</span> لم يصرح هنا باسم هذا للعبد الكريم، صلوات الله وسلامه عليه، وصرح باسمه في موضع آخر وهو قوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾ صلوات الله وسلامه عليه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-55> قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾</span> هذه الحجارة قال كثير من العلماء: إنها حجارة من كبريت. وقال بعضهم: إنها الأصنام التي كانوا يعبدونها. وهذا القول يبينه ويشهد","vol":"1","page":66},{"text":"له قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية ...\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-56> قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾</span> لم يبين هنا أنواع هذه الأنهار، ولكنه بين ذلك في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-57> قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾</span> لم يبين هنا صفات تلك الأزواج، ولكنه بين صفاتهن الجميلة في آيات أخر كقوله: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ وقوله: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لجميل صفاتهن.\nوالأزواج: جمع زوج بلا هاء في اللغة الفصحى، والزوجه [بالهاء] لغة لا لحن كما زعمه البعض.\nوفي حديث أنس عن النبي - ﷺ -: \"إنها زوجتي\" أخرجه مسلم.\nومن شواهده قول الفرزدق:\n\"وإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها\"\nوقول الآخر:\n\"فبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والظاعنون إلي ثم تصدعوا\"\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-58> قوله تعالى: ﴿وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي أمر به أن يوصل، وقد أشار إلى أنه منه الأرحام بقوله:","vol":"1","page":67},{"text":"﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ (٢٢)﴾.\nوأشار في موضع آخر إلى أنه منه الإيمان بجميع الرسل، فلا يجوز قطع بعضهم عن بعض في ذلك، بأن يؤمن ببعضهم دون بعضهم الآخر، وذلك في قوله: وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-59> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾</span> ظاهره: أن ما في الأرض جميعا خلق بالفعل قبل السماء، ولكنه بين في موضع آخر أن المراد بخلقه قبل السماء، تقديره. والعرب تسمي التقدير خلقا كقول زهير:\n\"ولأنت تفرى ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري\"\nوذلك في قوله: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-60> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾</span> الآية، وفي قوله: [خَلِيفَةً] وجهان من التفسير للعلماء.\nأحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله، وعليه فالخليفة. فعيلة بمعنى فاعل. وقيل لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول، وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية.","vol":"1","page":68},{"text":"الثاني: أن قوله خَلِيفَةً مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ يعني وأنهار بدليل قوله ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:\nوكان بنو فزارة شر عم ... وكنت لهم كشر بني الأخينا\nوقول العباس بن مرداس السلمي:\nفقلنا: اسلموا إنا أخوكم ... وقد سلمت من الإحن الصدور\nوأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التيمي:\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب\nوقول الآخر:\nكلوا في بعض بطنكم تعفو ... فإن زمانكم زمن خميص\nوإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية، ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها، ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ","vol":"1","page":69},{"text":"خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات.\nويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر.\nتنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة؛ يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي.\nوأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين: حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر","vol":"1","page":70},{"text":"ليس بواجب. ثم إن الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد: هذا غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي.\nقال مقيدة [عفا الله عنه]: من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه، ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القرطبي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃؛ ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة.\nوقالت الإمامية: إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع.\nوعن الْحَسَنِ البصري والجاحظ والبلخي: أنها تجب بالعقل والشرع معا.\nواعلم أن ما تتقوله الْإِمَامِيَّةُ من المفتريات على أبي بكر وعمر وأمثالهم من الصحابة، وما تتقوله في الأثني عشر إماما، وفي الإمام المنتظر المعصوم، ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة، كله باطل لا أصل له.","vol":"1","page":71},{"text":"وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك: فعليك بكتاب \"منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية\" للعلامة الوحيد الشيخ تقي الدين أبي العباس بن تيمية -تغمده الله برحمته- فإنه جاء فيه بما لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة علي إبطال جميع تلك الخرافات المختلفة، فإذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين. فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور:\nالأول: ما لو نص -  ﷺ  - على أن فلانا هو الإمام، فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لإن تقديم النبي -  ﷺ  - له في إمامة الصلاة وهي أهم شيء فيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى، وهو ظاهر.\nالثاني: هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر منه؛ لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف، ولا عبرة بعدم رضى بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁.\nالثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄. ومن هذا القبيل: جعل عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله -  ﷺ  - مات وهو عنهم راض.\nالرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر، وتدين له الناس؛ لما في الخروج عليه حينئذ","vol":"1","page":72},{"text":"من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له. كما قاله ابن قدامة في المغني.\nومن العلماء من يقول: تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي. وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع. وقيل: ببيعة أربعة. وقيل غير ذلك.\nهذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى.\nومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية -﵀- في \"المنهاج\" أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإمامة، لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام.\nواعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط:\nالأول: أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع. ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف. هل هو قرشي أو لا؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام: الأول: أن يكون من صميم قريش لقوله -  ﷺ  -: \"الأئمة من","vol":"1","page":73},{"text":"قريش\". وقد اختلف في هذا.\nقال مقيده [عفا الله عنه]: الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيا ضعيف. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم. وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين.\nوحكى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: \"إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته\". فذكر الحديث وفيه: \"فإن أدركني أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل\"، ومعلوم أن معاذا غير قرشي.\nوتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر، أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور. فاشتراط كونه قرشيا هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم لله ورسوله. فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم.\nفمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية ﵁ حيث قال: \"باب الأمراء من قريش\". حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإنه قد بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن","vol":"1","page":74},{"text":"رسول الله -  ﷺ  - وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها.\nفإني سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين\" انتهى من صحيح البخاري بلفظه. ومحل الشاهد منه قوله -  ﷺ  -: \"ما أقاموا الدين\" لأن لفظة: \"ما\" فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله: إن هذا الأمر في قريش، وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم. وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث.\nوقال ابن حجر في \"فتح الباري\" في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه: \"وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق ﵁ نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير. فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها، فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره. وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء:\nالأول: وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به. كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال: \"الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا - الحديث\". وفيه: \"فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله\"، وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم.\nالثاني: وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذاهم. فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: \"إنكم أهل هذا الأمر","vol":"1","page":75},{"text":"ما لم تحدثوا، فإن غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب\" ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله، وخالفه حبيب ابن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه \"لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته\" الحديث. وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته. وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء. ولفظه قال لقريش: \"أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة\" وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به.\nالثالث: الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه: \"استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء\" ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا، لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان. وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه.\nوأخرج أحمد من حديث ذي مخبر (بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء) وهو ابن أخي النجاشي عن النبي -  ﷺ  - قال: \"كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في","vol":"1","page":76},{"text":"قريش وسيعود لهم\" وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية \"ما أقاموا الدين\" أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم\". انتهى.\nواعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور-: إنه سيكون ملك من قحطان، إذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره: لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه\". أخرجه البخاري في \"كتاب الفتن\" في \"باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان\"، وفي \"كتاب المناقب\" في \"باب ذكر قحطان\". وأخرجه مسلم في \"كتاب الفتن\" و\"أشراط الساعة\" في \"باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء\" وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين.\nوقال بعض العلماء: اسمه جهجاه، وقال بعضهم: اسمه شعيب بن صالح.\nوقال ابن حجر في الكلام على حديث القحطاني هذا ما نصه: \"وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج\" وتقدم الجمع بينه وبين حديث: \"لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة\" فيفهم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني","vol":"1","page":77},{"text":"فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها.\nويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله: \"الإيمان يمان\" أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا\". انتهى منه بلفظه والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.\nالثاني: من شروط الإمام الأعظم: كونه ذكرا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁، أن النبي -  ﷺ  - لما بلغه أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: \"لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة\".\nالثالث: من شروط الإمام الأعظم كونه حرا، فلا يجوز أن يكون عبدا، ولا خلاف في هذا بين العلماء.\nفإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: قال رسول الله -  ﷺ  - \"اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة\". ولمسلم من حديث أم الحصين \"اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله\". ولمسلم أيضا: من حديث أبي ذر ﵁ قال: \"أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف\" فالجواب من أوجه:","vol":"1","page":78},{"text":"الأول: أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود؛ فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعا أن يلي ذلك. ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي. ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ على أحد التفسيرات.\nالوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد، وهو أظهرها، فليس هو الإمام الأعظم.\nالوجه الثالث: أن يكون أطلق عليه اسم العبد، نظرا لاتصافه بذلك سابقا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقا في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية- وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار.\nأما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب، إخمادا للفتنة وصونا للدماء ما لم يأمر بمعصية كما تقدمت الإشارة إليه. والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة الزبيب المأكول المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه: التحقير وتقبيح الصورة، لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي. ويشبه قوله -  ﷺ  - \"كأنه زبيبة\" قول الشاعر يهجو شخصا أسود:\nدنس الثياب كأن فروة رأسه ... غرست فأنبت جانباها فلفلا\nالرابع: من شروطه أن يكون بالغا، فلا يجوز إمامة الصبي","vol":"1","page":79},{"text":"إجماعا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة.\nالخامس: أن يكون عاقلا، فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه. وهذا لا نزاع فيه.\nالسادس: أن يكون عدلا فلا تجوز إمامة فاسق. واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام، لأن العدل لا يكون غير مسلم.\nالسابع: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، مجتهدا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث.\nالثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين. أعني: العلم وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾.\nالتاسع: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم. كما قال لقيط الإيادي:\nوقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا\nالعاشر: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب، ولا قطع الأعضاء. ويدل لذلك: إجماع الصحابة ﵃ على أن الإمام لا بد أن يكون كذلك. قاله القرطبي.","vol":"1","page":80},{"text":"مسائل\nالأولى: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة. هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه أو لا؟\nقال بعض العلماء: إذا صار فاسقا أو داعيا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه. والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله -  ﷺ  - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: \"إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان\".\nوفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"خيار أئمتكم الذين يحبونكم وتحبونهم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى، ولا ينزعن يدًا من طاعة\".\nوفي صحيح مسلم أيضا: من حديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع. قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا\". وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -:","vol":"1","page":81},{"text":"\"من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية\". وأخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية\".\nوالأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله -  ﷺ  -، أنه كفر بواح، أي: ظاهر باد لا لبس فيه.\nوقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة.\nواعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن. كحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\" أخرجه الشيخان، وأبو داود.\nوعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي -  ﷺ  - أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: \"لو دخلوها ما","vol":"1","page":82},{"text":"خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف\".\nوفي الكتاب العزيز: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾.\nالمسألة الثانية: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال:\nالأول: قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا محتجين بأن عليا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه، وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه.\nوبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى.\nالقول الثاني: قول جماهير العلماء من المسلمين: أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم، بل يجب كونه واحدا، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما\". ولمسلم أيضا: من حديث عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه\". وفي رواية \"فاضربوه بالسيف كائنا من كان\" ولمسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: \"ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر\"، ثم قال: سمعته أذناي من رسول الله","vol":"1","page":83},{"text":"-  ﷺ  - ووعاه قلبي.\nوأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع علي لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ويدل لذلك: إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط، لا كل منهما، وأن الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين في وقت واحد، يرده قوله -  ﷺ  -: فاقتلوا الآخر منهما، ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن.\nالقول الثالث: التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز في ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. والمشار إليه في كلامه: نصب خليفتين. وممن قال بجواز ذلك: الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين، ونقله عنه ابن كثير، والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة.\nوقال ابن كثير: قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء، بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب.\nالمسألة الثالثة: هل للإمام أن يعزل نفسه؟\nقال بعض العلماء: له ذلك. قال القرطبي: والدليل على أن له عزل نفسه قول أبي بكر الصديق ﵁: أقيلوني أقيلوني،","vol":"1","page":84},{"text":"وقول الصحابة ﵃: لا نقيلك ولا نستقيلك. قدمك رسول الله -  ﷺ  - لديننا فمن ذا يؤخرك؟ رضيك رسول الله -  ﷺ  - لديننا أفلا نرضاك؟ قال: فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا. وقال بعض العلماء: ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها.\nقال مقيده - عفا الله عنه - إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزله نفسه. ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله -  ﷺ  -، الحسن بن علي ﵄، بعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنا لدماء المسلمين، وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، جده رسول الله -  ﷺ  - بقوله: \"إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين\". أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁.\nالمسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟\nقال بعض العلماء: لا يجب؛ لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل. وهذا لا دليل عليه منه.\nوقال بعض العلماء: يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أن الإمامة عقدت له سرا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة.\nوالذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة قالوا: يكفي","vol":"1","page":85},{"text":"شاهدان خلافا للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقدا ومعقودا له، مستنبطا ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف ومعقود له، وهو عثمان وبقي الأربعة الآخرون شهودا، ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-61> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ﴾</span>. يعني مسميات الأسماء، لا الأسماء كما يتوهم من ظاهر الآية، وقد أشار إلى أنها المسميات بقوله: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ﴾ الآية، كما هو ظاهر.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-62> قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي كانوا يكتمون. وقد قال بعض العلماء: هو ما كان يضمره إبليس من الكبر. وعلى هذا القول فقد بينه<span data-type=\"title\" id=toc-64> قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾</span> الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-63> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾</span> لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم، أو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم. فقال في الحجر: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾ وقال في سورة ص: ﴿إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾.\n• قوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ لم يبين هنا موجب استكباره في زعمه، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ","vol":"1","page":86},{"text":"مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَأٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾.\nتنبيه: مثل قياس إبليس نفسه على عنصره -الذي هو النار وقياسه آدم على عنصره، الذي هو الطين واستنتاجه من ذلك أنه خير من آدم، ولا ينبغي أن يؤمر بالسجود لمن هو خير منه، مع وجود النص الصريح الذي هو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ - يسمى في اصطلاح الأصوليين فاسد الاعتبار. وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:\n\"والخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى\"\nفكل من رد نصوص الوحي بالأقيسة فسلفه في ذلك إبليس، وقياس إبليس هذا -لعنه الله- باطل من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه فاسد الاعتبار، لمخالفة النص الصريح كما تقدم قريبا.\nالثاني: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار؛ لأن طبيعتها الخفة والطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح فتودعه الحبة، فيعطيكها سنبلة، والنواة فيعطيكها نخلة. وإذا أردت أن تعرف قدر الطين فانظر إلى الرياض الناضرة وما فيها من الثمار اللذيذة، والأزهار الجميلة، والروائح الطيبة تعلم أن الطين خير من النار.\nالثالث: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن النار خير من الطين فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم، لأن شرف الأصل لا","vol":"1","page":87},{"text":"يقضي شرف الفرع، بل قد يكون الأصل رفيعا والفرع وضيعا. كما قال الشاعر:\n\"إذا افتخرت بآباء لهم شرف ... قلنا: صدقت ولكن بئس ما ولدوا\"\nوقال الآخر:\n\"وما ينفع الأصل من هاشم ... إذا كانت النفس من باهلة\"\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-65> قوله تعالى: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ﴾</span> لم يبين هنا ما هذه الكلمات، ولكنه بينها في سورة الأعراف بقوله: ﴿قالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-66> قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾</span> لم يبين هنا ما هذه النعمة التي أنعمها عليهم، ولكنه بينها في آيات أخر، كقوله: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾، وقوله: ﴿وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾ الآية، وقوله ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-67> قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ﴾</span> لم يبين هنا ما عهده وما عهدهم ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فعهدهم هو المذكور في قوله: ﴿لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ","vol":"1","page":88},{"text":"وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا﴾ وعهده هو المذكور في قوله: ﴿لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية .. وأشار إلى عهدهم أيضا بقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-68> قوله تعالى: ﴿وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ﴾</span> الحق الذي لبسوه بالباطل: هو إيمانهم ببعض ما في التوراة، والباطل الذي لبسوا به الحق: هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له، كصفات رسول الله - ﷺ - وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا يبينه قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية- والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب كما تقدم.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-69> قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ﴾</span> الاستعانة بالصبر على أمور الدنيا والآخرة لا إشكال فيها. وأما نتيجة الاستعانة بالصلاة فقد أشار لها تعالى في آيات من كتابه، فذكر أن من نتائج الاستعانة بها. النهي عما لا يليق، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ وأنها تجلب الرزق وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾. ولذا كان - ﷺ - إذا حزبه أمر بادر إلى الصلاة. وإيضاح ذلك: أن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله، ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-70> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ﴾</span> الآية -المراد بالظن هنا: اليقين كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ﴾.","vol":"1","page":89},{"text":"وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-71> قوله تعالى: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾</span> الآية- ظاهر هذه الآية عدم قبول الشفاعة مطلقا يوم القيامة، ولكنه بين في مواضع أخر أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السماوات والأرض. أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب، والسنة، والإجماع، فنص على عدم الشفاعة للكفار بقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ وقد قال: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْر﴾، وقال تعالى عنهم مقررا له: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ وقال: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال في الشفاعة بدون إذنه: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِه﴾ وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾. وقال: ﴿يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وادعاء شفعاء عند الله للكفار أو بغير إذنه من أنواع الكفر به جل وعلا. كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾.\nتنبيه: هذا الذي قررنا من أن الشفاعة للكفار مستحيلة شرعا مطلقا، يستثنى منه شفاعته - ﷺ - لعمه أبي طالب في نقله من محل من النار إلى محل آخر منها. كما ثبت عنه - ﷺ - في الصحيح فهذه الصورة التي ذكرنا من تخصيص الكتاب بالسنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-72> قوله تعالى: ﴿يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ﴾</span> بينه بقوله بعده: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية.","vol":"1","page":90},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-73> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ﴾</span> لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-74> قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾</span> الآية، لم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَيْنَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ وقوله. ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾.\nوقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿رَهْوًا﴾ أي ساكنا على حالة انفلاقه حتى يدخلوا فيه، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-75> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾</span> لم يبين هنا هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة؟ ولكنه بين في سورة الأعراف أنها متفرقة، وأنه واعده أولا ثلاثين، ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-76> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾</span> الظاهر في معناه: أن الفرقان هو الكتاب الذي أوتيه موسى، وأنما","vol":"1","page":91},{"text":"عطف على نفسه، تنزيلا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات، لأن ذلك الكتاب الذي هو التوراة موصوف بأمرين:\nأحدهما: أنه مكتوب كتبه الله لنبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوالثاني: أنه فرقان، أي: فارق بين الحق والباطل، فعطف الفرقان على الكتاب، مع أنه هو نفسه نظرا لتغاير الصفتين. كقول الشاعر:\n\"إلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم\"\nبل ربما عطفت العرب الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظ فقط، فاكتفوا بالمغايرة في اللفظ. كقول الشاعر:\n\"إني لأعظم في صدر الكمي على ... ما كان في من التجدير والقصر\"\nوالقصر: هو التجدير بعينه. وقول الآخر:\n\"وقددت الأديم لراهشيه ... وألفى قولها كذبا ومينا\"\nوالمين: هو الكذب بعينه. وقول الآخر:\n\"ألا حبذا هند وأرض بها هند ... وهند أتى من دونها النأي والبعد\"\nوالبعد: هو النأي بعينه. وقول عنترة في معلقته:\n\"حييت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\"\nوالإقفار: هو الإقواء بعينه. والدليل من القرآن على أن الفرقان هو ما أوتيه موسى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى","vol":"1","page":92},{"text":"وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-77> قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ﴾</span> لم يبين هنا من أي شيء هذا العجل المعبود من دون الله؟ ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ولم يذكر المفعول الثاني للاتخاذ في جميع القرآن وتقديره: باتخاذكم العجل إلها، كما أشار له في سورة طه بقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-78> قوله تعالى: ﴿وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ﴾</span> أوضحه بقوله: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-79> قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي أتاهم ما هو، ولكنه بين في موضع آخر أنه الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-80> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾</span> أجمل قصتهم هنا وفصلها في سورة الأعراف في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ﴾ الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-81> قوله تعالى: ﴿قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ﴾</span> لم يبين مقصودهم بقولهم: مَا هِيَ إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقوله في الموضع الأول مَا هِي أي: ما سنها؟ بدليل قوله:","vol":"1","page":93},{"text":"﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ﴾ الآية. وأن مرادهم بقولهم: \"مَا هِيَ\" في الموضع الآخر هل هي عاملة أو لا؟ وهل فيها عيب أو لا؟ وهل فيها وشي مخالف للونها أو لا؟ بدليل قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لا شِيَةَ فِيهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-82> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾</span> لم يصرح هل هذه النفس ذكر أو أنثى؟ وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-83> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾</span> الآية. أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت، لأن من أحيا نفسا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس. وقد صرح بهذا في قوله: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-84> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا سبب قسوة قلوبهم، ولكنه أشار إلى ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾ وقوله: ﴿فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-85> قوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلَّا أَمَانِيَّ﴾</span> اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين:\nأحدهما: أن المراد بالأمنية القراءة، أي: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ، دون إدراك معانيها. وهذا القول لا يتناسب مع قوله: ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾ لأن الأمي لا يقرأ.","vol":"1","page":94},{"text":"الثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى لا يعلمون الكتاب. لكن يتمنون أماني باطلة، ويدل لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ وقوله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-86> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ﴾</span> الآية. يعني: تقتلون إخوانكم. ويبين أن ذلك هو المراد كثرة وروده كذلك في القرآن، نحو قوله: ﴿وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: لا يلمز أحدكم أخاه وقوله: ﴿لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي بإخوانهم، وقوله: ﴿فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ أي: بأن يقتل البرئ من عبادة العجل من عبده منهم، إلى غير ذلك من الآيات. ويوضح هذا المعنى قوله - ﷺ -: \"إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم، كمثل الجسد الواحد إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\".\n•<span data-type=\"title\" id=toc-87> قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾</span> يتبين مما قبله أن البعض الذي آمنوا به هو فداء الأسارى منهم، والبعض الذي كفروا به هو إخراجهم من ديارهم، وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم، وإن كفروا بغير هذا من الكتاب، وآمنوا بغيره منه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-88> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾</span> لم يبين هنا ما هذه البينات ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: ﴿وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ","vol":"1","page":95},{"text":"الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-89> قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾</span> هو جبريل على الأصح، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ الآية. وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-90> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾</span> لم يبين هنا ما هذه البينات، وبينها في مواضع أخر كقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ﴾ وقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-91> قوله تعالى: ﴿خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُوا﴾</span>.\nقال بعض العلماء: هو من السمع بمعنى الإجابة، ومنه قولهم: سمعا وطاعة أي: إجابة وطاعة، ومنه: سمع الله لمن حمده، في الصلاة. أي: أجاب دعاء من حمده، ويشهد لهذا المعنى قوله: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ وهذا قول الجمهور. وقيل: إن المراد بقوله: ﴿وَاسْمَعُوا﴾ أي: بآذانكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع. ويدل لهذا الوجه: أن بعض الكفار ربما امتنع من أصل الاستماع خوف أن يسمع كلام الأنبياء، كما في قوله تعالى عن نوح مع قومه: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾. وقوله عن قوم نبينا - ﷺ -: ﴿وَقَالَ","vol":"1","page":96},{"text":"الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقوله: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا﴾؛ لأن السمع الذي لا ينافي العصيان هو السمع بالآذان، دون السمع بمعنى الإجابة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-92> قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾</span> معنى الآية: أن أحد المذكورين يتمنى أن يعيش ألف سنة، وطول عمره لا يزحزحه، أي: لا يبعده عن العذاب. فالمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿أَنْ يُعَمَّرَ﴾ فاعل اسم الفاعل الذي هو مزحزحه على أصح الأعاريب.\nوفي لو من قوله: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ﴾ وجهان:\nالأول: وهو قول الجمهور: أنها حرف مصدري، وهي وصلتها في تأويل مفعول به ليود، والمعنى: يَوَدُّ أَحَدُهُمْ أي: يتمنى تعمير ألف سنة، و\"لو\": قد تكون حرفا مصدريا لقول قتيلة بنت الحارث:\nما كان ضرك لو مننت وربما ... من الفتى وهو المغيظ المحنق\nأي: ما كان ضرك منك.\nوقال بعض العلماء: إن \"لَوْ\" هنا هي الشرطية، والجواب محذوف، وتقديره: لو يعمر ألف سنة، لكان ذلك أحث شيء إليه، وحذف جواب \"لَوْ\" مع دلالة المقام عليه واقع في القرآن، وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: قوله تعالى: ﴿كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ","vol":"1","page":97},{"text":"الْيَقِينِ (٥)﴾ أي: لو تعلمون علم اليقين لما أَلْهَاكُمُ التَّكَاثُرُ، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ﴾ أي: لكان هذا القرآن، أو لكفرتم بالرحمن، ومنه في كلام العرب قول الشاعر:\nفأقسم لو شيء أتانا رسوله ... سواك ولكن لم نجد لك مدفعا\nأي: لو شيء أتانا رسوله سواك لدفعناه.\nإذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبينا أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع، وجاءه العذاب أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئا بعد انقضائه، وحلول العذاب محله. وذلك في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾ وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-93> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾</span> الآية. ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن في قلب النبي - ﷺ - من غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآية. ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك أن الملك يقرأه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَلا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾.","vol":"1","page":98},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-94> قوله تعالى: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾</span> ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهدا نبذه فريق منهم. وصرح في موضع آخر أن رسول الله - ﷺ - هو المعاهد لهم، وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (٥٥) الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (٥٦)﴾ وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم، وذلك في قوله: ﴿وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًاٌ مِنْهُمْ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-95> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم، ولم يؤمنوا به، وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-96> قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي سُئله موسى من قبل ما هو؟ ولكنه بينه في موضع آخر، وذلك في قوله: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-97> قوله تعالى: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾</span> هذه الآية في أهل الكتاب كما هو واضح من السياق، والأمر في قوله: ﴿بأَمْرِهِ﴾ قال بعض العلماء: هو واحد الأوامر. وقال بعضهم: هو","vol":"1","page":99},{"text":"واحد الأمور، فعلى القول الأول بأنه الأمر الذي هو ضد النهي؛ فإن الأمر المذكور هو المصرح به في قوله: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ (٢٩)﴾ وعلى القول بأنه واحد الأمور: فهو ما صرح الله به في الآيات الدالة على ما أوقع باليهود من القتل والتشريد كقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلاءَ لَعَذَّبَهُمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، والآية غير منسوخة على التحقيق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-98> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾</span> الآية. قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النبي - ﷺ - عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ست. وعلى هذا القول: فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها. وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي، والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس وهو: بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-99> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾</span> هذا الولد المزعوم -على زاعمه لعائن الله- قد جاء مفصلا في آيات أخر كقوله:","vol":"1","page":100},{"text":"﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-100> قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾</span> يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين. وقد صرح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالما وغير ظالم. كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-101> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾</span> ذكر في هذه الآية رفع إبراهيم وإسماعيل لقواعد البيت، وبين في سورة الحج أنه أراه موضعه بقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ أي: عينا له محله وعَرَّفنا به. قيل: دله عليه لمزنة كان ظلها قدر مساحته، وقيل: دله عليه بريح تسمى الخجوج كنست عنه حتى ظهر أسه القديم فبنى عليه إبراهيم وإسماعيل عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-102> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾</span> لم يبين هنا من هذه الأمة التي أجاب الله بها دعاء نبيه إبراهيم وإسماعيل، ولم يبين هنا أيضا: هذا الرسول المسئول الذي بعثه فيهم من هو؟ ولكنه يبين في سورة الجمعة أن تلك الأمة العرب، والرسول هو سيد الرسل محمد - ﷺ -. وذلك في قوله:","vol":"1","page":101},{"text":"﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢) وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ لأن الأميين العرب بالإجماع. والرسول المذكور نبينا محمد - ﷺ - إجماعا، ولم يبعث رسول من ذرية إبراهيم وإسماعيل إلا نبينا محمد - ﷺ - وحده، وثبت في الصحيح أنه هو الرسول الذي دعا به إبراهيم، ولا ينافي ذلك عموم رسالته - ﷺ - إلى الأسود والأحمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-103> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾</span> الآية- لم يبين هنا ما ملة إبراهيم وبينها بقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ فصرح في هذه الآية بأنها دين الإسلام الذي بعث الله به نبيه محمدا - ﷺ -، وكذا في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-104> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾</span> الآية. أشار إلى أنه دين الإسلام هنا بقوله: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٣٢)﴾ وصرح بذلك في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-105> قوله تعالى: ﴿وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكنه بين في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ وذلك في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-106> قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى﴾</span> لم يبين هنا ما أوتيه","vol":"1","page":102},{"text":"موسى وعيسى، ولكنه بينه في مواضع أخر، فذكر أن ما أوتيه موسى هو التوراة المعبر عنها بالصحف في قوله: ﴿صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾ وذلك كقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾ وهو التوراة بالإجماع، وذكر أن ما أوتيه عيسى هو الإنجيل كما في قوله: ﴿وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْأِنْجِيلَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-107> قوله تعالى: ﴿وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾</span> أمر الله النبي - ﷺ - والمسلمين في هذه الآية أن يؤمنوا بما أوتيه جميع النبيين، وأن لا يفرقوا بين أحد منهم حيث قال: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ ولم يذكر هنا هل فعلوا ذلك أو لا؟ ولم يذكر جزاءهم إذا فعلوه، ولكنه بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فصرح بأنهم امتثلوا الأمر بقوله: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ وذكر جزاءهم على ذلك بقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (١٥٢)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-108> قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٤٢)﴾</span> لم يبين هنا الصراط المستقيم، ولكنه بينه بقوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ (٧)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-109> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾</span> الآية أي: خيارا عدولا. ويدل لأن الوسط الخيار العدول قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ","vol":"1","page":103},{"text":"أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير:\n\"هم وسط يرضى الأنام بحكمهم ... إذا نزلت إحدى الليالي بمعظم\"\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-110> قوله تعالى: ﴿وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾</span> لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر: أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-111> قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾</span> الآية. ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون. وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علما لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿لِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئا لم يكن عالما به. ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار، وفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه. ومعنى ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ﴾ أي علما يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي أنه كان عالما به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون كما لا يخفى.\nوقوله: ﴿مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ﴾ أشار إلى أن الرسول هو محمد","vol":"1","page":104},{"text":"- ﷺ - بقوله مخاطبا له: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية؛ لأن هذا الخطاب له إجماعا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-112> قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾</span> أي: صلاتكم إلى بيت المقدس على الأصح ويستروح ذلك من قوله قبله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا﴾ الآية. ولا سيما على القول باعتبار دلالة الاقتران، والخلاف فيها معروف في الأصول.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-113> قوله تعالى: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾</span> بينه قوله بعده: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-114> قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (١٥٩)﴾</span> لم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾.\n• قوله تعالى: في ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. لم يبين هنا وجه كونهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر. كقوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤) وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَأَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابَ السَّعِيرِ (٥)﴾ وقوله في الأرض: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-115> قوله تعالى: ﴿وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾</span> لم يبين هنا وجه","vol":"1","page":105},{"text":"كون اختلافهما آية، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-116> قوله تعالى: ﴿وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾</span> لم يبين هنا كيفية تسخيره، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِه﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-117> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ﴾</span> الآية. المراد بالذين ظلموا الكفار، وقد بين ذلك بقوله في آخر الآية: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ ويدل لذلك قوله تعالى عن لقمان مقررا له: ﴿يَابُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-118> قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾</span> الْآيَةَ .. أَشَارَ هُنَا إِلَى تَخَاصُمِ أَهْلِ النَّارِ. وَقَدْ بَيَّنَ مِنْهُ غَيْرَ مَا ذُكِرَ هُنَا فِي مَوَاضِعَ أُخَرَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ","vol":"1","page":106},{"text":"لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-119> قوله تعالى: ﴿وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾</span> لم يذكر هنا ما يترتب على اتباع خطواته من الضرر، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة النور بقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-120> قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي يقولونه عليه بغير علم، ولكنه فصله في مواضع أخر، فذكر أن ذلك الذي يقولونه بغير علم هو: أن الله حرم البحائر والسوائب ونحوها، وأن له أولادا، وأن له شركاء، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا، فصرح بأنه لم يحرم ذلك بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ وقوله: ﴿وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ونزه نفسه عن الشركاء المزعومة بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ ونحوها من الآيات، ونزه نفسه عن الأولاد المزعومة بقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾ الآية، ونحوها من الآيات، فظهر من هذه الآيات تفصيل مَا أجمل في اسم الموصول الذي هو مَا، من قوله: ﴿وَأَنْ","vol":"1","page":107},{"text":"تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-121> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ﴾</span> الآية. ظاهر هذه الآية أن جميع أنواع الميتة والدم حرام، ولكنه بين في موضع آخر أن ميتة البحر خارجة عن ذلك التحريم، وهو قوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ الآية. إذ ليس للبحر طعام غير الصيد إلا ميتته. وما ذكره بعض العلماء من أن المراد [بطعامه] قديده المجفف بالملح مثلا، وأن المراد [بصيده] الطري منه فهو خلاف الظاهر، لأن القديد من صيده، فهو صيد جعل قديدا، وجمهور العلماء على أن المراد بطعامه ميتته، منهم: أبو بكر الصديق، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وأبو أيوب الأنصاري -﵃ أجمعين- وعكرمة، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وإبراهيم النخعي، والحسن البصري وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير. وأشار في موضع آخر إلى أن غير المسفوح من الدماء ليس بحرام، وهو قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ فيفهم منه أن غير المسفوح كالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم ليس بحرام، إذ لو كان كالمسفوح لما كان في التقييد بقوله: ﴿مَسْفُوحًا﴾ فائدة.\nوقد جاء عن النبي - ﷺ - أن الله أحل له ولأمته ميتتين ودمين، أما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال. وسيأتي الكلام على هذا الحديث في الأنعام إن شاء الله تعالى. وعنه - ﷺ - في البحر \"هو الحل ميتته\" أخرجه مالك وأصحاب السنن والإمام أحمد، والبيهقي والدارقطني في سننيهما، والحاكم في المستدرك، وابن الجارود في المنتقى، وابن أبي شيبة.","vol":"1","page":108},{"text":"وصححه الترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والبخاري. وظاهر عموم هذا الحديث، وعموم قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ يدل على إباحة ميتة البحر مطلقا. وقد ثبت عنه -  ﷺ  - في الحديث المتفق عليه أنه أكل من العنبر، وهو حوت ألقاه البحر ميتا، وقصته مشهورة.\nوحاصل تحرير فقه هذه المسألة: أن ميتة البحر على قسمين: قسم لا يعيش إلا في الماء، وإن أخرج منه مات كالحوت، وقسم يعيش في البر، كالضفادع ونحوها، أما الذي لا يعيش إلا في الماء كالحوت فميتته حلال عند جميع العلماء، وخالف أبو حنيفة -﵀- فيما مات منه في البحر، وطفا على وجه الماء، فقال فيه: هو مكروه الأكل، بخلاف ما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات، فإنه مباح الأكل عنده.\nوأما الذي يعيش في البر، من حيوان البحر: كالضفادع، والسلحفاة، والسرطان، وترس الماء فقد اختلف فيه العلماء: فذهب مالك بن أنس إلى أن ميتة البحر من ذلك كله مباحة الأكل، وسواء مات بنفسه ووجد طافيًا، أو بالاصطياد، أو أخرج حيا، أو ألقي في النار، أو دس في طين.\nوقال ابن نافع، وابن دينار: ميتة البحر مما يعيش في البحر نجسة.\nونقل ابن عرفة قولا ثالثا بالفرق بين أن يموت في الماء، فيكون طاهرا، أو في البر فيكون نجسا، وعزاه لعيسى عن ابن القاسم. والضفادع البحرية عند مالك مباحة الأكل، وإن ماتت فيه.","vol":"1","page":109},{"text":"وفي المدونة: ولا بأس بأكل الضفادع، وإن ماتت؛ لأنها من صيد الماء. اهـ. أما ميته الضفادع البرية فهي حرام بلا خلاف بين العلماء. وأظهر الأقوال منع الضفادع مطلقا ولو ذكيت، لقيام الدليل على ذلك، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nأما كلب الماء وخنزيره فالمشهور من مذهب مالك فيها الكراهة.\nقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره عاطفا على ما يكره: \"وكلب ماء وخنزيره\". وقال الباجي: أما كلب البحر وخنزيره، فروى ابن شعبان: أنه مكروه، وقاله ابن حبيب.\nوقال ابن القاسم في المدونة: لم يكن مالك يجيبنا في خنزير الماء بشيء، ويقول: أنتم تقولون: خنزير. وقال ابن القاسم: وأنا أتقيه، ولو أكله رجل لم أره حراما، هذا هو حاصل مذهب مالك في المسألة، وحجته في إباحة ميتة الحيوان البحري كان يعيش في البر، أو لا قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ ولا طعام له غير صيده إلا ميتته، كما قاله جمهور العلماء، وهو الحق ويؤيده قوله -  ﷺ  - في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" وقد قدمنا ثبوت هذا الحديث، وفيه التصريح من النبي -  ﷺ  - بأن ميتة البحر حلال، وهو فصل في محل النزاع. وقد تقرر في الأصول أن المفرد إذا أضيف إلى معرفة كان من صيغ العموم، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا﴾.\nوإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم:","vol":"1","page":110},{"text":"وما معرفا بأل قد وجدا ... أو بإضافة إلى معرف\n\n• إذا تحقق الخصوص قد نفى *\nوبه نعلم أن قوله - ﷺ - \"ميتته\" يعم بظاهره كل ميتة مما في البحر.\nومذهب الشافعي -﵀- في هذه المسألة: هو أن ما لا يعيش إلا في البحر فميتته حلال؛ بلا خلاف، سواء كان طافيا على الماء أم لا.\nوأما الذي يعيش في البر من حيوان البحر فأصح الأقوال فيه، وهو المنصوص عن الشافعي في الأم، ومختصر المزني، واختلاف العراقيين أن ميتته كله حلال، للأدلة التي قدمنا آنفا ومقابله قولان:\nأحدهما: منع ميتة البحري الذي يعيش في البر مطلقا.\nالثاني: التفصيل بين ما يؤكل نظيره في البر، كالبقرة والشاة فتباح ميتة البحري منه، وبين مالا يؤكل نظيره في البر كالخنزير والكلب فتحرم ميتة البحري منه، ولا يخفى أن حجة الأول أظهر، لعموم قوله - ﷺ - \"الحل ميتته\" وقوله تعالى: ﴿وَطَعَامُهُ﴾ كما تقدم.\nوأما مذهب الإمام أحمد -﵀- فهو أن كل ما لا يعيش إلا في الماء فميتته حلال، والطافي منه وغيره سواء. وأما ما يعيش في البر من حيوان البحر فميتته عنده حرام، فلا بد من ذكاته إلا ما لا دم فيه، كالسرطان فإنه يباح عنده من غير ذكاة. واحتج لعدم إباحة ميتة ما يعيش في البر بأنه حيوان يعيش في البر، له نفس سائلة،","vol":"1","page":111},{"text":"فلم يبح بغير ذكاة: كالطير. وحمل الأدلة التي ذكرنا على خصوص ما لا يعيش إلا في البحر. اهـ.\nوكلب الماء عنده إذا ذكي حلال، ولا يخفى أن تخصيص الأدلة العامة يحتاج إلى نص. فمذهب مالك والشافعي أظهر دليلا، والله تعالى أعلم.\nومذهب الإمام أبي حنيفة -﵀- أن كل ما يعيش في البر لا يؤكل البحري منه أصلا، لأنه مستخبث. وأما ما لا يعيش إلا في البحر [وهو الحوت بأنواعه] فميتته عنده حلال، إلا إذا مات حتف أنفه في البحر، وطفا على وجه الماء. فإنه يكره أكله عنده، فما قتله إنسان، أو حسر عنه البحر فمات حلال عنده، بخلاف الطافي على وجه الماء. وحجته فيما يعيش في البر منه: أنه مستخبث، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وحجته في كراهة السمك الطافي ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا يحيى بن سليم الطائفي، حدثنا إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله -  ﷺ  - \"ما ألقي البحر، أو جزر عنه فكلوه، وما مات فيه وطفا فلا تأكلوه\" اهـ.\nقال أبو داود: روى هذا الحديث سفيان الثوري، وأيوب، وحماد عن أبي الزبير، أوقفوه على جابر، وقد أسند هذا الحديث أيضا من وجه ضعيف عن ابن أبي ذئب. عن أبي الزبير. عن جابر عن النبي -  ﷺ  -. اهـ.\nوأجاب الجمهور عن الاحتجاج الأول بأن ألفاظ النصوص عامة في ميتة البحر، وأن تخصيص النص العام لا بد له من دليل من","vol":"1","page":112},{"text":"كتاب، أو سنة يدل على التخصيص. كما تقدم. ومطلق ادعاء أنه خبيث لا يرد به عموم الأدلة الصريحة في عموم ميتة البحر، وعن الاحتجاج الثاني بتضعيف حديث جابر المذكور.\nقال النووي في شرح المهذب ما نصه: وأما الجواب عن حديث جابر الذي احتج به الأولون فهو أنه حديث ضعيف باتفاق الحفاظ، لا يجوز الاحتجاج به لو لم يعارضه شيء، فكيف وهو معارض بما ذكرناه من دلائل الكتاب، والسنة، وأقاويل الصحابة ﵃ المنتشرة؟\nوهذا الحديث من رواية يحيى بن سليم الطائفي، عن إسماعيل بن أمية، عن أبي الزبير عن جابر. قال البيهقي: يحيى بن سليم الطائفي كثير الوهم، سيىء الحفظ. قال: وقد رواه غيره عن إسماعيل بن أمية موقوفا على جابر. قال: وقال الترمذي: سألت البخاري عن هذا الحديث. فقال: ليس هو بمحفوظ، ويروى عن جابر خلافه. قال: ولا أعرف لابن أبي ذئب (^١) عن أبي الزبير شيئًا.\nقال البيهقي: وقد رواه أيضا يحيى بن أبي أنيسة، عن أبي الزبير مرفوعا، ويحيى بن أبي أنيسة متروك لا يحتج به. قال: ورواه عبد العزيز بن عبيد الله، عن وهب بن كيسان، عن جابر مرفوعا، وعبد العزيز ضعيف لا يحتج به. قال: ورواه بقية بن الوليد، عن الأوزاعي، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا، ولا يحتج بما ينفرد به بقية. فكيف بما يخالف؟ قال: وقول الجماعة\n_________\n(^١) في الأصل: \"لأثر ابن أمية\"! وهو خطأ، والتصويب من \"سنن البيهقي\": ٩/ ٢٥٦ - والمؤلف ينقل منه-، و\"العلل الكبير\": ٢/ ٦٣٦ للترمذي.","vol":"1","page":113},{"text":"من الصحابة على خلاف قول جابر، مع ما رويناه عن النبي -  ﷺ  - أنه قال في البحر: \"هو الطهور ماؤه الحل ميتته\" اهـ.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى في باب \"من كره أكل الطافي\" ما نصه: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا محمد بن إبراهيم بن فيروز، حدثنا محمد بن إسماعيل الحساني، حدثنا ابن نمير، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ أنه كان يقول: \"ما ضرب به البحر، أو جزر عنه، أو صيد فيه فكل، وما مات فيه، ثم طفا فلا تأكل\" وبمعناه رواه أيوب السختياني وابن جريج، وزهير بن معاوية، وحماد بن سلمة وغيرهم، عن أبي الزبير، عن جابر موقوفا وعبد الرزاق، وعبد الله بن الوليد العدني، وأبو عاصم، ومؤمل بن إسماعيل وغيرهم، عن سفيان الثوري موقوفا، وخالفهم أبو أحمد الزبيري فرواه عن الثوري مرفوعا، وهو واهم فيه، أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد اللخمي، حدثنا علي بن إسحاق الأصبهاني، حدثنا نصر بن علي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر عن النبي -  ﷺ  - قال: \"إذا طفا السمك على الماء فلا تأكله، وإذا جزر عنه البحر فكله، وما كان على حافته فكله\"، قال سليمان: لم يرفع هذا الحديث عن سفيان إلا أبو أحمد، ثم ذكر البيهقي بعد هذا الكلام حديث أبي داود الذي قدمنا، والكلام الذي نقلناه عن النووي.\nقال مقيده -عفا الله عنه - فتحصل: أن حديث جابر في النهي عن أكل السمك الطافي ذهب كثير من العلماء إلى تضعيفه وعدم","vol":"1","page":114},{"text":"الاحتجاج به. وحكى النووي اتفاق الحفاظ على ضعفه كما قدمنا عنه، وحكموا بأن وقفه على جابر أثبت. وإذن فهو قول صحابي معارض بأقوال جماعة من الصحابة منهم: أبو بكر الصديق ﵁، وبالآية، والحديث المتقدمين. وقد يظهر للناظر أن صناعة علم الحديث والأصول لا تقتضي الحكم برد حديث جابر المذكور؛ لأن رفعه جاء من طرق متعددة، وبعضها صحيح، فرواية أبي داود له مرفوعا التي قدمنا ضعفوها بأن في إسنادها يحيى بن سليم الطائفي، وأنه سيىء الحفظ. وقد رواه غيره مرفوعا مع أن يحيى سليم المذكور من رجال البخاري ومسلم في صحيحيهما، ورواية أبي أحمد الزبيري له عن الثوري مرفوعا عند البيهقي والدارقطني، ضعفوها أنه واهم فيها. قالوا: خالفه فيها وكيع وغيره، فرووه عن الثوري موقوفا.\nومعلوم أن أبا أحمد الزبيري المذكور -وهو محمد بن عبد الله بن الزبير بن عمرو بن درهم الأسدي- ثقة ثبت وإن قال ابن حجر في التقريب: إنه قد يخطىء في حديث الثوري، فهاتان الروايتان برفعه تعضدان برواية بقية بن الوليد له مرفوعا عند البيهقي وغيره، وبقية المذكور من رجال مسلم في صحيحه وإن تكلم فيه كثير من العلماء. ويعتضد ذلك أيضا برواية عبد العزيز بن عبيد الله له، عن وهب بن كيسان، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا.\nورواية يحيى بن أبي أنيسة له، عن أبي الزبير عن جابر مرفوعا وإن كان عبد العزيز بن عبيد الله ويحيى بن أبي أنيسة المذكوران ضعيفين؛ لاعتضاد روايتهما برواية الثقة، ويعتضد ذلك","vol":"1","page":115},{"text":"أيضا برواية ابن أبي ذئب له، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعا عند الترمذي وغيره. فالظاهر أنه لا ينبغي أن يحكم على حديث جابر المذكور بأنه غير ثابت؛ لما رأيت من طرق الرفع التي روي بها، وبعضها صحيح، كرواية أبي أحمد المذكورة، والرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة. قال في مراقي السعود:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند أمام الحفظ\nإلخ ... نعم لقائل أن يقول: هو معارض بما هو أقوى منه؛ لأن عموم قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ وقوله -  ﷺ  - في البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" أقوى من حديث جابر هذا؛ ويؤيد ذلك اعتضاده بالقياس؛ لأنه لا فرق في القياس بين الطافي وغيره. وقد يجاب عن هذا بأنه لا يتعارض عام وخاص، وحديث جابر في خصوص الطافي فهو مخصص لعموم أدلة الإباحة، فالدليل على كراهة أكل السمك الطافي لا يخلو من بعض قوة، والله تعالى أعلم.\nوالمراد بالسمك الطافي هو الذي يموت في البحر فيطفو على وجه الماء، وكل ما علا على وجه الماء ولم يرسب فيه تسميه العرب طافيا. ومن ذلك قول عبد الله بن رواحة ﵁:\nوأن العرش فوق الماء طاف ... وفوق العرش رب العالمين\nويحكى في نوادر المجانين أن مجنونا مر به جماعة من بني راسب، وجماعة من بني طفاوة يختصمون في غلام، فقال لهم المجنون: القوا الغلام في البحر، فإن رسب فيه فهو من بني","vol":"1","page":116},{"text":"راسب، وإن طفا على وجهه فهو من بني طفاوة.\nوقال البخاري في صحيحه: باب قول الله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ﴾.\nقال عمر: صيده ما اصطيد، وطعامه ما رمى به. وقال أبو بكر: الطافي حلال، وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها، والجري لا تأكله اليهود ونحن نأكله. وقال شريح صاحب النبي -  ﷺ  -: كل شيء في البحر مذبوحه. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن نذبحه. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: صيد الأنهار وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء. وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع. لأطعمتهم. ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني أو يهودي أو مجوسي. وقال أبو الدرداء: في المري ذبح الخمر النينان والشمس انتهى من البخاري بلفظه.\nومعلوم أن البخاري -﵀- لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما كان صحيحا ثابتا عنده.\nوقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في الكلام على هذه المعلقات التي ذكرها البخاري ما نصه: قوله: قال عمر -هو ابن الخطاب-: \"صيده\" ما اصطيد، و\"طعامه\" ما رمى به. وصله المصنف في التاريخ، وعبد بن حميد من طريق عمر بن أبي سلمة، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: لما قدمت البحرين سألني أهلها عما","vol":"1","page":117},{"text":"قذف البحر؟ فأمرتهم أن يأكلوه. فلما قدمت على عمر فذكر قصة. قال: فقال عمر: قال الله تعالى في كتابه: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ فصيده: ما صيد. وطعامه: ما قذف به.\nقوله: وقال أبو بكر -هو الصديق-: الطافي حلال، وصله أبو بكر بن أبي شيبة، والطحاوي والدارقطني من رواية عبد الملك بن أبي بشير، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: أشهد على أبي بكر أنه قال: السمكة الطافية حلال. زاد الطحاوي لمن أراد أكله، وأخرجه الدارقطني، وكذا عبد بن حميد، والطبري منها. وفي بعضها أشهد على أبي بكر أنه أكل السمك الطافي على الماء، وللدارقطني من وجه آخر عن ابن عباس عن أبي بكر: أن الله ذبح لكم ما في البحر فكلوه كله، فإنه ذكي.\nقوله: وقال ابن عباس: طعامه ميتته إلا ما قذرت منها. وصله الطبري من طريق أبي بكر بن حفص، عن عكرمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ﴾ قال طعامه: ميتته. وأخرج عبد الرزاق من وجه آخر عن ابن عباس. وذكر صيد البحر لا تأكل منه طافيا، في سنده الأجلح وهو لين، ويوهنه حديث ابن عباس الماضي قبله.\nقوله: والجري لا تأكله اليهود، ونحن نأكله: وصله عبد الرزاق عن الثوري، عن عبد الكريم الجزري، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه سئل عن الجرى فقال: لا بأس به، إنما هو شيء كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري. فقال: لا بأس به، إنما هو شيء","vol":"1","page":118},{"text":"كرهته اليهود. وأخرجه ابن أبي شيبة عن وكيع، عن الثوري، به، وقال في روايته: سألت ابن عباس عن الجري فقال: لا بأس به، إنما تحرمه اليهود، ونحن نأكله، وهذا على شرط الصحيح. وأخرج عن علي وطائفة نحوه. والجري -بفتح الجيم- قال ابن التين: وفي نسخة بالكسر، وهو ضبط الصحاح، وكسر الراء الثقيلة قال: ويقال له أيضًا: الجريت، وهو ما لا قشر له. وقال ابن حبيب من المالكية: إنما أكرهه، لأنه يقال: إنه من الممسوخ. وقال الأزهري: الجريت نوع من السمك يشبه الحيات. وقيل: سمك لا قشر له. ويقال له أيضًا: المرماهي، والسلور مثله. وقال الخطابي: هو ضرب من السمك يشبه الحيات، وقال غيره: نوع عريض الوسط، دقيق الطرفين.\nقوله: وقال شريح صاحب النبي -  ﷺ  -: كل شيء في البحر مذبوح. وقال عطاء: أما الطير فأرى أن تذبحه. وصله المصنف في التاريخ، وابن منده في المعرفة من رواية ابن جريج، عن عمرو بن دينار، وأبي الزبير أنهما سمعا شريحا صاحب النبي -  ﷺ  - يقول: كل شيء في البحر مذبوح. قال: فذكرت ذلك لعطاء. فقال: أما الطير فأرى أن تذبحه. وأخرجه الدارقطني، وأبو نعيم في الصحابة مرفوعا من حديث شريح، والموقوف أصح. وأخرجه ابن أبي عاصم في الأطعمة من طريق عمرو بن دينار، سمعت شيخا كبيرا يحلف بالله ما في البحر دابة إلا قد ذبحها الله لبني آدم، وأخرج الدارقطني من حديث عبد الله بن سرجس رفعه: إن الله قد ذبح كل ما في البحر لبني آدم، وفي سنده ضعف، والطبراني من حديث ابن عمر رفعه نحوه، وسنده ضعيف أيضا، وأخرج","vol":"1","page":119},{"text":"عبد الرزاق بسندين جيدين عن عمر، ثم عن علي، الحوت ذكي كله.\nقوله: وقال ابن جريج، قلت لعطاء: صيد الأنهار، وقلات السيل أصيد بحر هو؟ قال: نعم، ثم تلا: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وصله عبد الرزاق في التفسير عن ابن جريج بهذا سواء، وأخرجه الفاكهي في كتاب مكة من رواية عبد المجيد بن أبي روَّاد، عن ابن جريج أتم من هذا. وفيه: وسألته عن حيتان بركة القشيري -وهي بئر عظيمة في الحرم- أتصاد؟ قال: نعم؛ وسألته عن ابن الماء وأشباهه أصيد بحر أم صيد بر؟ فقال: حيث يكون أكثر فهو صيد.\nوقلات -بكسر القاف وتخفيف اللام وآخره مثناة- ووقع في رواية الأصيلي مثلثة. والصواب الأول، جمع قلت بفتح أوله، مثل: بحر وبحار، وهو النقرة في الصخرة، يستنقع فيها الماء.\nقوله: وركب الحسن على سرج من جلود كلاب الماء، وقال الشعبي: لو أن أهلي أكلوا الضفادع لأطعمتهم، ولم ير الحسن بالسلحفاة بأسا. أما قول الحسن الأول فقيل: إنه ابن علي. وقيل: البصري، ويؤيد الأول أنه وقع في رواية \"وركب الحسن ﵇\" وقوله: على سرج من جلود، أي متخذ من جلود كلاب الماء.\nوأما قول الشعبي: فالضفادع -بكسر أوله وفتح الدال وبكسرها أيضًا- وحكى ضم أوله مع فتح الدال، والضفادى بغير عين لغة فيه، قال ابن التين: لم يبين الشعبي هل تذكى أم لا؟ ومذهب مالك أنها تؤكل بغير تذكية، ومنهم من فصل بين ما","vol":"1","page":120},{"text":"مأواه الماء وغيره. وعن الحنفية، ورواية عن الشافعي: لا بد من التذكية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ميتة الضفادع البرية لا ينبغي أن يختلف في نجاستها. لقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وهي ليست من حيوان البحر، لأنها برية، كما صرح عبد الحق بأن ميتتها نجسة في مذهب مالك. نقله عنه الحطاب والمواق وغيرهما، في شرح قول خليل: \"والبحري ولو طالت حياته ببر\".\nوقال ابن حجر متصلا بالكلام السابق: وأما قول الحسن في السلحفاة فوصله ابن أبي شيبة من طريق ابن طاوس، عن أبيه أنه كان لا يرى بأكل السلحفاة بأسا، ومن طريق مبارك بن فضالة عن الحسن قال: لا بأس بأكلها، والسلحفاة بضم المهملة وفتح اللام وسكون المهملة بعدها فاء، ثم ألف ثم هاء، ويجوز بدل الهاء همزة حكاه ابن سيده، وهي رواية عبدوس.\nوحكي أيضا في المحكم: بسكون اللام وفتح الحاء. وحكي أيضا: سلحفية كالأول، لكن بكسر الفاء بعدها تحتانية مفتوحة.\nقوله: وقال ابن عباس: كل من صيد البحر نصراني، أو يهودي، أو مجوسي. قال الكرماني: كذا في النسخ القديمة، وفي بعضها \"ما صاده\" قبل لفظ نصراني.\nقلت: وهذا التعليق وصله البيهقي من طريق سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس. قال: كل ما ألقى البحر، وما صيد منه، صاده يهودي، أو نصراني، أو مجوسي. قال ابن التين:","vol":"1","page":121},{"text":"مفهومه أن صيد البحر لا يؤكل إن صاده غير هؤلاء، وهو كذلك عند قوم. وأخرج ابن أبي شيبة بسند صحيح عن عطاء وسعيد بن جبير، وبسند آخر عن علي كراهية صيد المجوسي السمك. انتهى.\nومن فتح الباري بلفظه: وقول أبي الدرداء في المري: ذبح الخمر النينان والشمس. المشهور في لفظه أن ذبح فعل ماض، والخمر مفعول به، والنينان فاعل ذبح، والشمس بالرفع معطوفا على الفاعل الذي هو النينان، وهي جمع نون وهو: الحوت، والمري بضم الميم وسكون الراء بعدها تحتانية على الصحيح، خلافا لصاحب الصحاح والنهاية فقد ضبطاه بضم الميم وكسر الراء المشددة إلى المر وهو الطعم المشهور، والمري المذكور طعام كان يعمل بالشام، يؤخذ الخمر فيجعل فيه الملح والسمك، ويوضع في الشمس، فيتغير عن طعم الخمر، ويصير خلا، وتغيير الحوت والملح والشمس له عن طعم الخمر وإزالة الإسكار عنه هو مراد أبي الدرداء بذبح الحيتان والشمس له، فاستعار الذبح لإذهاب الشدة المطربة التي بها الإسكار، وأثر أبي الدرداء هذا، وصله إبراهيم الحربي في غريب الحديث له، من طريق أبي الزاهرية، عن جبير بن نفير، عن أبي الدرداء، فذكره سواء. وكان أبو الدرداء ﵁ يرى: إباحة تخليل الخمر، وكثير من العلماء يرون منع تخليلها، فإن تخللت بنفسها من غير تسبب لها في ذلك فهي حلال إجماعا.\nقال ابن حجر في الفتح: وكان أبو الدرداء وجماعة يأكلون هذا المري المعمول بالخمر. وأدخله البخاري في طهارة صيد","vol":"1","page":122},{"text":"البحر، يريد أن السمك طاهر حلال، وأن طهارته وحله يتعدى إلى غيره كالملح، حتى يصير الحرام النجس بإضافتها إليه طاهرا حلالا، وهذا رأي من يجوز تخليل الخمر، وهو قول أبي الدرداء وجماعة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر منع أكل الضفادع مطلقا، لثبوت النهي عن قتلها عن النبي -  ﷺ  -، فقد قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان: أن طبيبا سأل النبي -  ﷺ  - عن ضفدع يجعلها في دواء فنهاه النبي -  ﷺ  - عن قتلها.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا قتيبة قال: حدثنا ابن أبي فديك عن ابن أبي ذئب، عن سعيد بن خالد، عن سعيد بن المسيب، عن عبد الرحمن بن عثمان، أن طبيبا ذكر ضفدعا في دواء عند رسول الله -  ﷺ  - فنهى رسول الله -  ﷺ  - عن قتله.\nوقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث النهي عن قتل الضفدع فرواه أبو داود بإسناد حسن، والنسائي بإسناد صحيح، من رواية عبد الرحمن بن عثمان بن عبيد الله التيمي الصحابي وهو ابن أخي طلحة بن عبيد الله، قال: سأل طبيب النبي -  ﷺ  - عن ضفدع يجعلها في دواء، فنهاه عن قتلها، وسيأتي لتحريم أكل الضفادع زيادة بيان إن شاء الله في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية.\nوما ذكرنا من تحريم الضفدع مطلقا قال به الإمام أحمد وجماعة، وهو الصحيح من مذهب الشافعي، ونقل العبدري عن","vol":"1","page":123},{"text":"أبي بكر الصديق وعمر وعثمان وابن عباس ﵃: أن جميع ميتات البحر كلها حلال إلا الضفدع. قاله النووي. ونقل عن أحمد -﵀- ما يدل على أن التمساح لا يؤكل، وقال الأوزاعي: لا بأس به لمن اشتهاه. وقال ابن حامد: لا يؤكل التمساح، ولا الكوسج؛ لأنهما يأكلان الناس. وقد روي عن إبراهيم النخعي وغيره: أنه قال: كانوا يكرهون سباع البحر كما يكرهون سباع البر، وذلك لنهي النبي -  ﷺ  - عن كل ذي ناب من السباع. وقال أبو علي النجاد: ما حرم نظيره في البر فهو حرام في البحر، ككلب الماء، وخنزيره، وإنسانه، وهو قول الليث إلا في الكلب، فإنه يرى إباحة كلب البر والبحر، قاله ابن قدامة في المغني، ومنع بعض العلماء أكل السلحفاة البحرية، والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه: الدم أصله دمي، يائي اللام وهو من الأسماء التي حذفت العرب لامها ولم تعوض عنها شيئا، وأعربتها على العين، ولامه ترجع عند التصغير، فتقول: دمي بإدغام ياء التصغير في ياء لام الكلمة، وترجع أيضا في جمع التكسير، فالهمزة في الدماء مبدلة من الياء التي هي لام الكلمة، وربما ثبتت أيضا في التثنية، ومنه قول سحيم الرياحي:\nولو أنا على حجر ذبحنا ... جرى الدميان بالخبر اليقين\nوكذلك تثبت لامه في الماضي والمضارع، والوصف في حالة الاشتقاق منه، فتقول في الماضي: دميت يده كرضي، ومنه قوله:","vol":"1","page":124},{"text":"هل أنت إلا إصبع دميت ... وفي سبيل الله ما لقيت\nوتقول في المضارع يدمى بإبدال الياء ألفا، كما في يرضى ويسعى ويخشى، ومنه قول الشاعر:\nولسنا على الأعقاب تدمى كلومنا ... ولكن على أقدامنا تقطر الدما\nوتقول في الوصف: أصبح جرحه داميا، ومنه قول الراجز:\nنرد أولاها على أخراها ... نردها دامية كلاها\nوالتحقيق أن لامه أصلها ياء، وقيل: أصلها واو، وإنما أبدلت ياء في الماضي، لتطرفها بعد الكسر، كما في قوي ورضي وشجي التي هي واويات اللام في الأصل، لأنها من الرضوان والقوة والشجو.\nوقال بعضهم: الأصل فيه دمي بفتح الميم، وقيل بإسكانها والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-122> قوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيهِ﴾</span> لم يبين هنا سبب اضطراره، ولم يبين المراد بالباغي والعادي، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن سبب الاضطرار المذكور المخمصة، وهي الجوع، وهو قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ وأشار إلى أن المراد بالباغي والعادي المتجانف للإثم، وذلك في قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾، والمتجانف المائل ومنه قول الأعشى:\nتجانف عن حجر اليمامة ناقتي ... وما قصدت من أهلها لسوائكا","vol":"1","page":125},{"text":"فيفهم من الآية أن الباغي والعادي كلاهما متجانف لإثم، وهذا غاية ما يفهم منها. وقال بعض العلماء: الإثم الذي تجانف إليه الباغي هو الخروج على إمام المسلمين، وكثيرا ما يطلق اسم البغي على مخالفة الإمام، والإثم الذي تجانف إليه العادي هو إخافة الطريق، وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر في معصية الله. اهـ. وقال بعض العلماء: إثم الباغي والعادي أكلهما المحرم مع وجود غيره، وعليه فهو كالتأكيد لقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ﴾، وعلى القول الأول لا يجوز لقاطع الطريق، والخارج على الإمام الأكل من الميتة وإن خافا الهلاك، ما لم يتوبا، وعلى الثاني يجوز لهما أكل الميتة إن خافا الهلاك، وإن لم يتوبا.\nونقل القرطبي عن قتادة، والحسن، والربيع، وابن زيد، وعكرمة، أن المعنى: غَيْرَ بَاغٍ أي: في أكله فوق حاجته، وَلا عَادٍ بأن يجد عن هذه المحرمات مندوحة، ويأكلها. ونقل أيضا عن السدي أن المعنى غَيْرَ بَاغٍ في أكلها شهوة وتلذدًا، وَلا عَادٍ باستيفاء الأكل إلى حد الشبع. وقال القرطبي أيضا: وقال مجاهد وابن جبير وغيرهما: المعنى غَيْرَ بَاغٍ على المسلمين، وَلا عَادٍ عليهم، فيدخل في الباغي والعادي قطاع الطريق، والخارج على السلطان، والمسافر في قطع الرحم، والغارة على المسلمين، وما شاكله، وهذا صحيح. فإن أصل البغي في اللغة قصد الفساد يقال: بغت المرأة بغاء إذا فجرت.\nقال الله تعالى: ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ﴾ وربما استعمل البغي في طلب غير الفساد، والعرب تقول: خرج الرجل في بغاء","vol":"1","page":126},{"text":"إبل له، أي: في طلبها، ومنه قول الشاعر:\nلا يمنعنك من بغا ... ء الخير تعقاد الرتائم\nإن الأشائم كالأيا ... من والأيامن كالأشائم\nوذكر القرطبي عن مجاهد: أن المراد بالاضطرار في هذه الآية: الإكراه على أكل المحرم، كالرجل يأخذه العدو فيكرهونه على لحم الخنزير وغيره من معصية الله تعالى، وذكر أن المراد به عند الجمهور من العلماء المخمصة التي هي الجوع كما ذكرنا.\nوقد قدمنا أن آية ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ﴾ مبينة لذلك، وحكم الإكراه على أكل ما ذكر يؤخذ من قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْأِيمَانِ﴾ بطريق الأولى، وحديث: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\".\n\nمسائل تتعلق بالاضطرار إلى أكل الميتة\nالمسألة الأولى: أجمع العلماء على أن المضطر له أن يأكل من الميتة ما يسد رمقه، ويمسك حياته، وأجمعوا أيضا على أنه يحرم عليه ما زاد على الشبع، واختلفوا في نفس الشبع، هل له أن يشبع من الميتة، أو ليس له مجاوزة ما يسد الرمق، ويأمن معه الموت؟\nفذهب مالك -رحمه الله تعالى- إلى أن له أن يشبع من الميتة ويتزود منها، قال في موطئه: إن أحسن ما سمع في الرجل يضطر إلى الميتة، أنه يأكل منها حتى يشبع، ويتزود منها، فإن وجد عنها غنى طرحها.","vol":"1","page":127},{"text":"قال ابن عبد البر: حجة مالك أن المضطر ليس ممن حرمت عليه الميتة، فإذا كانت حلالا له أكل منها ما شاء حتى يجد غيرها، فتحرم عليه، وذهب ابن الماجشون وابن حبيب من المالكية إلى أنه ليس له أن يأكل منها إلا قدر ما يسد الرمق ويمسك الحياة، وحجتهما: أن الميتة لا تباح إلا عند الضرورة، وإذا حصل سد الرمق انتفت الضرورة في الزائد على ذلك. وعلى قولهما درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره. حيث قال: \"وللضرورة ما يسد غير آدمي\".\nوقال ابن العربي: ومحل هذا الخلاف بين المالكية فيما إذا كانت المخمصة نادرة، وأما إذا كانت دائمة فلا خلاف في جواز الشبع منها. ومذهب الشافعي على القولين المذكورين عن المالكية، وحجته في القولين كحجة المالكية فيهما، وقد بيناها. والقولان المذكوران مشهوران عند الشافعية. واختار المزني أنه لا يجاوز سد الرمق، ورجحه القفال وكثيرون. وقال النووي: إنه الصحيح. ورجح أبو علي الطبري في الإفصاح والروياني وغيرهما حل الشبع، قاله النووي أيضا.\nوفي المسألة قول ثالث للشافعية وهو: أنه إن كان بعيدا من العمران حل الشبع وإلا فلا، وذكر إمام الحرمين والغزالي تفصيلا في المسألة، وهو: أنه إن كان في بادية وخاف إن ترك الشبع ألا يقطعها ويهلك، وجب القطع بأنه يشبع، وإن كان في بلد وتوقع طعاما طاهرا قبل عود الضرورة وجب القطع بالاقتصار على سد الرمق، وإن كان لا يظهر حصول طعام طاهر، وأمكن الحاجة إلى","vol":"1","page":128},{"text":"العود إلى أكل الميتة مرة بعد أخرى إن لم يجد الطاهر، فهذا محل الخلاف.\nقال النووي: وهذا التفصيل الذي ذكره الإمام والغزالي تفصيل حسن وهو الراجح، وعن الإمام أحمد -﵀- في هذه المسألة روايتان أيضا.\nقال ابن قدامة في المغني: وفي الشبع روايتان، أظهرهما: لا يباح، وهو قول أبي حنيفة، وإحدى الروايتين عن مالك، وأحد القولين للشافعي. قال الحسن: يأكل قدر ما يقيمه؛ لأن الآية دلت على تحريم الميتة؛ واستثني ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل له الأكل، كحالة الابتداء، ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية. يحققه: أنه بعد سد رمقه كهو قبل أن يضطر، وثم لم يبح له الأكل، كذا ههنا.\nوالثانية: يباح له الشبع. اختارها أبو بكر لما روى جابر بن سمرة أن رجلا نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: أسلخها حتى نقدد شحمها ولحمها ونأكله. فقال: حتى أسأل رسول الله -  ﷺ  -، فسأله فقال: هل عندك غنى يغنيك؟ قال: لا. قال: فكلوها، ولم يفرق. رواه أبو داود.\nويدل له أيضا حديث الفجيع العامري عنده: أن النبي أذن له في الميتة مع أنه يغتبق ويصطبح، فدل على أخذ النفس حاجتها من القوت منها؛ ولأن ما جاز سد الرمق منه جاز الشبع كالمباح. ويحتمل أن يفرق بين ما إذا كانت الضرورة مستمرة، وبين ما إذا كانت مرجوة الزوال، فما كانت مستمرة كحالة الأعرابي الذي سأل","vol":"1","page":129},{"text":"رسول الله -  ﷺ  - جاز الشبع؛ لأنه إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب، ولا يتمكن من البعد عن الميتة مخافة الضرورة المستقبلة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه، بخلاف التي ليست مستمرة، فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل والله أعلم. انتهى من المغني بلفظه.\nوقال إمام الحرمين: وليس معنى الشبع أن يمتلىء حتى لا يجد مساغا، ولكن إذا انكسرت سورة الجوع بحيث لا ينطلق عليه اسم جائع أمسك. اهـ. قاله النووي.\nالمسألة الثانية: حد الاضطرار المبيح لأكل الميتة، هو الخوف من الهلاك علما أو ظنا.\nقال الزرقاني في شرح قول مالك في الموطأ: ما جاء فيمن يضطر إلى أكل الميتة. اهـ: وحد الاضطرار أن يخاف على نفسه الهلاك علما أو ظنا. ولا يشترط أن يصير إلى حال يشرف معها على الموت، فإن الأكل عند ذلك لا يفيد.\nوقال النووي في شرح المهذب: الثانية: في حد الضرورة.\nقال أصحابنا: لا خلاف أن الجوع القوي لا يكفي لتناول الميتة ونحوها، قالوا: ولا خلاف أنه لا يجب الامتناع إلى الإشراف على الهلاك؛ فإن الأكل حينئذ لا ينفع، ولو انتهى إلى تلك الحال لم يحل له أكلها؛ لأنه غير مفيد، واتفقوا على جواز الأكل إذا خاف على نفسه لو لم يأكل من جوع، أو ضعف عن المشي، أو عن الركوب، وينقطع عن رفقته ويضيع، ونحو ذلك.","vol":"1","page":130},{"text":"فلو خاف حدوث مرض مخوف في جنسه فهو كخوف الموت، وإن خاف طول المرض فكذلك في أصح الوجهين، وقيل: إنهما قولان، ولو عيل صبره، وأجهده الجوع، فهل يحل له الميتة ونحوها؟ أم لا يحل حتى يصل إلى أدنى الرمق؟ فيه قولان ذكرهما البغوي وغيره، أصحهما: الحل.\nقال إمام الحرمين وغيره: ولا يشترط فيما يخافه تيقن وقوعه لو لم يأكل، بل يكفي غلبة الظن انتهى منه بلفظه.\nوقال ابن قدامة في المغني: إذا ثبت هذا فإن الضرورة المبيحة هي التي يخاف التلف بها إن ترك الأكل، قال أحمد: إذا كان يخشى على نفسه سواء كان من الجوع، أو يخاف إن ترك الأكل عجز عن المشي، وانقطع عن الرفقة فهلك أو يعجز عن الركوب فيهلك، ولا يتقيد ذلك بزمن محصور.\nوحد الاضطرار عند الحنفية هو أن يخاف الهلاك على نفسه أو على عضو من أعضائه يقينا كان أو ظنا، والله تعالى أعلم.\nالمسألة الثالثة: هل يجب الأكل من الميتة ونحوها إن خاف الهلاك، أو يباح من غير وجوب؟ اختلف العلماء في ذلك، وأظهر القولين الوجوب؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾. ومن هنا قال جمع من أهل الأصول: إن الرخصة قد تكون واجبة، كأكل الميتة عند خوف الهلاك لو لم يأكل منها، وهو الصحيح من مذهب مالك، وهو أحد الوجهين للشافعية، وهو أحد الوجهين عند الحنابلة أيضا، وهو اختيار ابن حامد. وهذا هو مذهب أبي حنيفة","vol":"1","page":131},{"text":"-﵏- وقال مسروق: من اضطر إلى أكل الميتة والدم ولحم الخنزير فلم يأكل حتى مات، دخل النار؛ إلا أن يعفو الله عنه.\nوقال أبو الحسن الطبري المعروف بالكيا: وليس أكل الميتة عند الضرورة رخصة، بل هو عزيمة واجبة، ولو امتنع من أكل الميتة كان عاصيا نقله القرطبي وغيره. وممن اختار عدم الوجوب ولو أدى عدم الأكل إلى الهلاك، أبو إسحاق من الشافعية، وأبو يوسف صاحب أبي حنيفة -﵏- وغيرهم، واحتجوا بأن له غرضا صحيحا في تركه، وهو اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة.\nوقال ابن قدامة في المغني في وجه كل واحد من القولين ما نصه: وهل يجب الأكل من الميتة على المضطر فيه وجهان:\nأحدهما: يجب، وهو قول مسروق، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي.\nقال الأثرم: سئل أبو عبد الله عن المضطر يجد الميتة ولم يأكل، فذكر قول مسروق: من اضطر فلم يأكل ولم يشرب دخل النار. وهذا اختيار ابن حامد. وذلك لقول الله تعالى: ﴿وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ وترك الأكل مع إمكانه في هذا الحال إلقاء بيده إلى التهلكة، وقال الله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩)﴾ ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحله الله فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال.\nوالثاني: لا يلزمه: لما روى عن عبد الله بن حذافة السهمي","vol":"1","page":132},{"text":"صاحب رسول الله -  ﷺ  -: أن طاغية الروم حبسه في بيت وجعل معه خمرا ممزوجا بماء، ولحم خنزير مشوي ثلاثة أيام، فلم يأكل ولم يشرب حتى مال رأسه من الجوع والعطش وخشوا موته، فأخرجوه فقال: قد كان الله أحله لي؛ لأني مضطر، ولكن لم أكن لأشمتك بدين الإسلام. ولأن إباحة الأكل رخصة، فلا تجب عليه كسائر الرخص، ولأن له غرضا في اجتناب النجاسة، والأخذ بالعزيمة، وربما لم تطب نفسه بتناول الميتة، وفارق الحلال في الأصل من هذه الوجوه.\nوقد قدمنا أن أظهر القولين دليلا وجوب تناول ما يمسك الحياة، لأن الإنسان لا يجوز له إهلاك نفسه، والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: هل يقدم المضطر الميتة أو مال الغير؟\nاختلف العلماء في ذلك: فذهب مالك إلى أنه يقدم مال الغير إن لم يخف أن يجعل سارقا ويحكم عليه بالقطع. ففي موطئه ما نصه: وسئل مالك عن الرجل يضطر إلى الميتة، أيأكل منها وهو يجد ثمرا لقوم، أو زرعا، أو غنما بمكانه ذلك؟ قال مالك: إن ظن أن أهل ذلك الثمر، أو الزرع، أو الغنم يصدقونه بضرورته حتى لا يعد سارقا فتقطع يده، رأيت أن يأكل من أي ذلك وجد ما يرد جوعه ولا يحمل منه شيئا. وذلك أحب إلي من أن يأكل الميتة، وإن هو خشي ألا يصدقوه، وأن يعد سارقا بما أصاب من ذلك، فإن أكل الميتة خير له عندي، وله في أكل الميتة على هذا الوجه سعة، مع أني أخاف أن يعدو عاد ممن لم يضطر إلى الميتة يريد","vol":"1","page":133},{"text":"استجازة أموال الناس وزروعهم وثمارهم بذلك بدون اضطرار.\nقال مالك: وهذا أحسن ما سمعت. اهـ.\nوقال ابن حبيب: إن حضر صاحب المال فحق عليه أن يأذن له في الأكل، فإن منعه فجائز للذي خاف الموت أن يقاتله حتى يصل إلى أكل ما يرد نفسه.\nالباجي: يريد أنه يدعوه أولا إلى أن يبيعه بثمن في ذمته، فإن أبى استطعمه، فإن أبى، أعلمه أنه يقاتله عليه.\nوقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال فيه: مبينا لما به الفتوى، عاطفا على ما يقدم المضطر على الميتة: \"وطعام غيره إن لم يخف القطع، وقاتل عليه\". هذا هو حاصل المذهب المالكي في هذه المسألة.\nومذهب الشافعي فيها: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب بقوله: المسألة الثامنة: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير، وهو غائب فثلاثة أوجه. وقيل: ثلاثة أقوال، أصحها يجب أكل الميتة، والثاني يجب أكل الطعام، والثالث يتخير بينهما.\nوأشار إمام الحرمين إلى أن هذا الخلاف مأخوذ من الخلاف في اجتماع حق الله تعالى وحق الآدمي. ولو كان صاحب الطعام حاضرا، فإن بذله بلا عوض، أو بثمن مثله، أو بزيادة يتغابن الناس بمثلها ومعه ثمنه، أو رضي بذمته لزمه القبول، ولم يجز أكل الميتة، فإن لم يبعه إلا بزيادة كثيرة فالمذهب، والذي قطع به العراقيون والطبريون وغيرهم: أنه لا يلزمه شراؤه، ولكن يستحب،","vol":"1","page":134},{"text":"وإذا لم يلزمه الشراء فهو كما إذا لم يبذله أصلا، وإذا لم يبذله لم يقاتله عليه المضطر إن خاف من المقاتلة على نفسه، أو خاف هلاك المالك في المقاتلة، بل يعدل إلى الميتة، وإن كان لا يخاف، لضعف المالك وسهولة دفعه فهو على الخلاف المذكور فيما إذا كان غائبا، هذا كله تفريع على المذهب الصحيح. وقال البغوي: يشتريه بالثمن الغالي، ولا يأكل الميتة. ثم يجىء الخلاف السابق في أنه يلزمه المسمى، أو ثمن المثل، قال: وإذا لم يبذل أصلا، وقلنا: طعام الغير أولى من الميتة يجوز أن يقاتله ويأخذه قهرا والله أعلم. وحاصل مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة أنه يقدم الميتة على طعام الغير. قال الخرقي في مختصره: ومن اضطر فأصاب الميتة وخبزا لا يعرف مالكه أكل الميتة اهـ.\nوقال ابن قدامة في المغني في شرحه لهذا الكلام ما نصه: وبهذا قال سعيد بن المسيب، وزيد بن أسلم. وقال مالك: إن كانوا يصدقونه أنه مضطر أكل من الزرع والثمر، وشرب اللبن، وإن خاف أن تقطع يده أو لا يقبل منه أكل الميتة، ولأصحاب الشافعي وجهان:\nأحدهما: يأكل الطعام، وهو قول عبد الله بن دينار، لأنه قادر على الطعام الحلال فلم يجز له أكل الميتة، كما لو بذله له صاحبه.\nولنا أن أكل الميتة منصوص عليه، ومال الآدمي مجتهد فيه، والعدول إلى المنصوص عليه أولى، ولأن حقوق الله تعالى مبنية على المسامحة والمساهلة، وحقوق الآدمي مبنية على الشح والتضييق، ولأن حق الآدمي تلزمه غرامته، وحق الله لا عوض له.","vol":"1","page":135},{"text":"المسألة الخامسة: إذا كان المضطر إلى الميتة محرما، وأمكنه الصيد فهل يقدم الميتة، أو الصيد؟\nاختلفت العلماء في ذلك، فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد -﵏- والشافعي في أصح القولين: إلى أنه يقدم الميتة. وعن الشافعي -رحمه الله تعالى- قول بتقديم الصيد، وهو مبني على القول بأن المحرم إن ذكى صيدا لم يكن ميتة.\nوالصحيح أن ذكاة المحرم للصيد لغو، ويكون ميتة، والميتة أخف من الصيد للمحرم، لأنه يشاركها في اسم الميتة ويزيد بحرمة الاصطياد، وحرمة القتل، وسيأتي لهذه المسألة زيادة بيان إن شاء الله في سورة المائدة.\nوممن قال بتقديم الصيد للمحرم على الميتة أبو يوسف، والحسن، والشعبي، واحتجوا بأن الصيد يجوز للمحرم عند الضرورة، ومع جوازه والقدرة عليه تنفى الضرورة فلا تحل الميتة.\nواحتج الجمهور بأن حل أكل الميتة عند الضرورة منصوص عليه، وإباحة الصيد للضرورة مجتهد فيها، والمنصوص عليه أولى، فإن لم يجد المضطر إلا صيدا، وهو محرم فله ذبحه وأكله، وله الشبع منه على التحقيق؛ لأنه بالضرورة وعدم وجود غيره صار مذكى ذكاة شرعية، طاهرا حلالا فليس بميتة، ولذا تجب ذكاته الشرعية، ولا يجوز قتله، والأكل منه بغير ذكاة. ولو وجد المضطر ميتة ولحم خنزير أو إنسان ميت فالظاهر تقديم الميتة على الخنزير ولحم الآدمي.","vol":"1","page":136},{"text":"قال الباجي: إن وجد المضطر ميتة وخنزيرا فالأظهر عندي أن يأكل الميتة، لأن الخنزير ميتة ولا يباح بوجه، وكذلك يقدم الصيد على الخنزير، والإنسان على الظاهر، ولم يجز عند المالكية أكل الإنسان للضرورة مطلقا، وقتل الإنسان الحي المعصوم الدم، لأكله عند الضرورة حرام إجماعا، سواء كان مسلما، أو ذميا. وإن وجد إنسان معصوم ميتا فهل يجوز لحمه عند الضرورة، أو لا يجوز؟ منعه المالكية والحنابلة وأجازه الشافعية وبعض الحنفية. واحتج الحنابلة لمنعه، لحديث \"كسر عظم الميت ككسر عظم الحي\" واختار أبو الخطاب منهم جواز أكله، وقال: لا حجة في الحديث هنا، لأن الأكل من اللحم لا من العظم، والمراد بالحديث التشبيه في أصل الحرمة، لا في مقدارها، بدليل اختلافهما في الضمان والقصاص، ووجوب صيانة الحي بما لا يجب به صيانة الميت قاله في المغني. ولو وجد المضطر آدميا غير معصوم كالحربي والمرتد فله قتله والأكل منه عند الشافعية، وبه قال القاضي من الحنابلة، واحتجوا بأنه لا حرمة له فهو بمنزلة السباع والله تعالى أعلم.\nالمسألة السادسة: هل يجوز للمضطر أن يدفع ضرورته بشرب الخمر؟ فيه للعلماء أربعة أقوال:\nالأول: المنع مطلقا.\nالثاني: الإباحة مطلقا.\nالثالث: الإباحة في حالة الاضطرار إلى التداوي بها، دون العطش.","vol":"1","page":137},{"text":"الرابع: عكسه.\nوأصح هذه الأقوال عند الشافعية المنع مطلقا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر إن التداوي بالخمر لا يجوز، لما رواه مسلم في صحيحه من حديث وائل بن حجر ﵁ \"أن النبي -  ﷺ  - سأله طارق بن سويد الجعفي عن الخمر فنهاه، أو كره أن يصنعها فقال: إنما أصنعها للدواء، فقال: إنه ليس بدواء، ولكنه داء\". والظاهر إباحتها، لإساغة غصة خيف بها الهلاك، وعليه جل أهل العلم، والفرق بين إساغة الغصة، وبين شربها للجوع، أو العطش أن إزالتها للغصة معلومة، وأنها لا يتيقن إزالتها للجوع أو العطش.\nقال الباجي: وهل لمن يجوز له أكل الميتة أن يشرب لجوعه أو عطشه الخمر؟ قال مالك: لا يشربها ولن تزيده إلا عطشا. وقال ابن القاسم: يشرب المضطر الدم ولا يشرب الخمر، ويأكل الميتة ولا يقرب ضوال الإبل، وقاله ابن وهب. وقال ابن حبيب: من غص بطعام وخاف على نفسه، فإن له أن يجوزه بالخمر، وقاله أبو الفرج.\nأما التداوي بها فمشهور المذهب أنه لا يحل.\nوإذا قلنا: إنه لا يجوز التداوي بها، ويجوز استعمالها لإساغة الغصة، فالفرق أن التداوي بها لا يتيقن به البرء من الجوع والعطش. اهـ. بنقل المواق في شرح قول خليل: \"وخمر لغصة\". وما نقلنا عن مالك من أن الخمر لا تزيد إلا عطشا نقل نحوه","vol":"1","page":138},{"text":"النووي عن الشافعي، قال: وقد نقل الروياني أن الشافعي -﵀- نص على المنع من شربها للعطش؛ معللا بأنها تجيع وتعطش.\nوقال القاضي أبو الطيب: سألت من يعرف ذلك فقال: الأمر كما قال الشافعي: إنها تروي في الحال، ثم تثير عطشا عظيما. وقال القاضي حسين في تعليقه: قالت الأطباء: الخمر تزيد في العطش وأهل الشرب يحرصون على الماء البارد، فحصل بما ذكرناه أنها لا تنفع في دفع العطش. وحصل بالحديث الصحيح السابق في هذه المسألة أنها لا تنفع في الدواء، فثبت تحريمها مطلقا والله تعالى أعلم. اهـ. من شرح المهذب. وبه تعلم أن ما اختاره الغزالي وإمام الحرمين من الشافعية، والأبهري من المالكية، من جوازها للعطش خلاف الصواب، وما ذكره إمام الحرمين والأبهري من أنها تنفع في العطش خلاف الصواب أيضا، والعلم عند الله تعالى.\nومن مر ببستان لغيره فيه ثمار وزرع، أو بماشية فيها لبن، فإن كان مضطرا اضطرارا يبيح الميتة فله الأكل بقدر ما يرد جوعه إجماعا، ولا يجوز له حمل شيء منه، وإن كان غير مضطر، فقد اختلف العلماء في جواز أكله منه.\nفقيل: له أن يأكل في بطنه من غير أن يحمل منه شيئا، وقيل: ليس له ذلك، وقيل: بالفرق بين المحوط عليه فيمنع، وبين غيره فيجوز، وحجة من قال بالمنع مطلقا، ما ثبت عن النبي -  ﷺ  - من عموم قوله: \"إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا\" وعموم قوله تعالى: ﴿لا تَأْكُلُوا","vol":"1","page":139},{"text":"أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ ونحو ذلك من الأدلة.\nوحجة من قال بالإباحة مطلقا، ما أخرجه أبو داود عن الحسن عن سمرة أن النبي -  ﷺ  - قال: \"إذا أتى أحدكم على ماشية فإن كان فيها صاحبها فليستأذنه، فإن أذن فليحتلب وليشرب، وإن لم يكن فيها فليصوت ثلاثا، فإن أجاب فليستأذنه، فإن أذن له وإلا فليحتلب وليشرب ولا يحمل\". اهـ.\nوما رواه الترمذي عن يحيى بن سليم، عن عبيد الله، عن نافع عن ابن عمر، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"من دخل حائطا فليأكل ولا يتخذ خبنة\" قال: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث يحيى بن سليم. وما رواه الترمذي أيضا من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن النبي -  ﷺ  - سئل عن الثمر المعلق فقال: \"من أصاب منه من ذي حاجة غير متخذ خبنة فلا شيء عليه\" قال فيه: حديث حسن. وما روي عن عمر - ﵁ - أنه قال: \"إذا مر أحدكم بحائط فليأكل منه، ولا يتخذ ثبانا\".\nقال أبو عبيد: قال أبو عمرو: هو الوعاء الذي يحمل فيه الشيء، فإن حملته بين يديك فهو ثبان، يقال: قد تثبنت ثبانا، فإن حملته على ظهرك فهو الحال. يقال منه: قد تحولت كسائي، إذا جعلت فيه شيئا ثم حملته على ظهرك، فإن جعلته في حضنك فهو خبنة. ومنه حديث عمرو بن شعيب المرفوع \"ولا يتخذ خبنة\" يقال فيه: خبنت أخبن خبنا. قاله القرطبي.\nوما روي عن أبي زينب التيمي، قال: سافرت مع أنس بن","vol":"1","page":140},{"text":"مالك، وعبد الرحمن بن سمرة، وأبي بردة، فكانوا يمرون بالثمار فيأكلون بأفواههم، نقله صاحب المغني. وحمل أهل القول الأول هذه الأحاديث والآثار على حال الضرورة، ويؤيده ما أخرجه ابن ماجه بإسناد صحيح عن عباد بن شرحبيل اليشكري الغبري - ﵁ - قال: أصابتنا عاما مخمصة فأتيت المدينة فأتيت حائطا من حيطانها، فأخذت سنبلا ففركته وأكلته وجعلته في كسائي، فجاء صاحب الحائط فضربني وأخذ ثوبي، فأتيت رسول الله -  ﷺ  - فأخبرته فقال: \"ما أطعمته إذ كان جائعا أو ساغبا، ولا علمته إذ كان جاهلا، فأمره النبي -  ﷺ  - فرد إليه ثوبه، وأمر له بوسق من طعام، أو نصف وسق\" فإن في هذا الحديث الدلالة على أن نفي القطع والأدب إنما هو من أجل المخمصة.\nوقال القرطبي في تفسيره عقب نقله لما قدمنا عن عمر - ﵁ -: قال أبو عبيد: وإنما وجه هذا الحديث أنه رخص فيه للجائع المضطر، الذي لا شيء معه يشتري به ألا يحمل إلا ما كان في بطنه قدر قوته، ثم قال: قلت: لأن الأصل المتفق عليه تحريم مال الغير إلا بطيب نفس منه. فإن كانت هناك عادة بعمل ذلك كما كان في أول الإسلام، أو كما هو الآن في بعض البلدان فذلك جائز. ويحمل ذلك على أوقات المجاعة والضرورة، كما تقدم. والله أعلم. اهـ منه.\nوحجة من قال بالفرق بين المحوط وبين غيره، أن إحرازه بالحائط دليل على شح صاحبه به وعدم مسامحته فيه، وقول ابن عباس: إن كان عليها حائط فهو حريم فلا تأكل، وإن لم يكن عليها","vol":"1","page":141},{"text":"حائط فلا بأس، نقله صاحب المغني، وغيره. وما ذكره بعض أهل العلم من الفرق بين مال المسلم فيجوز عند الضرورة، وبين مال الكتابي (الذمي) فلا يجوز بحال غير ظاهر.\nويجب حمل حديث العرباض بن سارية عند أبي داود الوارد في المنع من دخول بيوت أهل الكتاب، ومنع الأكل من ثمارهم إلا بإذن على عدم الضرورة الملجئة إلى أكل الميتة، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-123> قوله تعالى: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا هل هذا المصدر مضاف إلى فاعله، فيكون الضمير عائدا إلى من آتى المال، والمفعول محذوفا، أو مضاف إلى مفعوله فيكون الضمير عائدا إلى المال، ولكنه ذكر في موضع آخر ما يدل على أن المصدر مضاف إلى فاعله، وأن المعنى عَلَى حُبِّهِ أي حب مؤتي المال لذلك المال، وهو قوله تعالى: ﴿لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ﴾، ولا يخفى أن بين القولين تلازما في المعنى.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-124> قوله تعالى: ﴿وَحِينَ الْبَأْسِ﴾</span> لم يبين هنا ما المراد بالبأس؟. ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البأس القتال، وهو قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا (١٨)﴾، كما هو ظاهر من سياق الكلام.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-125> قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾</span>.\nقال بعض العلماء: هي ثلاثة من كل شهر، وعاشوراء. وقال","vol":"1","page":142},{"text":"بعض العلماء: هي رمضان، وعلى هذا القول بينها تعالى بقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-126> قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾</span> لم يبين هنا هل أنزل في الليل منه أو النهار؟ ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه أنزل في ليلة القدر من رمضان، وذلك في قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾؛ لأن الليلة المباركة هي ليلة القدر على التحقيق. وفي معنى إنزاله وجهان:\nالأول: أنه أنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا، كما ثبت عن ابن عباس ﵄.\nوالثاني: أن معنى إنزاله فيها ابتداء نزوله كما قال به بعضهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-127> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾</span>؛ ذكر في هذه الآية أنه جل وعلا قريب يجيب دعوة الداعي، وبين في آية أخرى تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا، وهي قوله: ﴿فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾ الآية. وقال بعضهم: التعليق بالمشيئة في دعاء الكفار كما هو ظاهر سياق الآية؛ والوعد المطلق في دعاء المؤمنين. وعليه فدعاؤهم لا يرد، إما أن يعطوا ما سألوا، أو يدخر لهم خير منه، أو يدفع عنهم من السوء بقدره. وقال بعض العلماء: المراد بالدعاء العبادة وبالإجابة الثواب، وعليه فلا إشكال.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-128> قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾</span>","vol":"1","page":143},{"text":"بينه قوله: ﴿مِنَ الْفَجْرِ﴾ والعرب تسمى ضوء الصبح خيطا، وظلام الليل المختلط به خيطا، ومنه قول أبي داود الإيادي:\nفلما أضاءت لنا سدفة ... ولاح من الصبح خيط أنارا\nوقول الآخر:\nالخيط الابيض ضوء الصبح منفلق ... والخيط الاسود جنح الليل مكتوم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-129> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى﴾:</span> لم يصرح هنا بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)﴾ [البقرة: ١٧٧]. والكلام في الآية على حذف مضاف، أي: ولكن ذا البر من اتقى، وقيل: ولكن البر، بر من اتقى، ونظير الآية في ذلك من كلام العرب قول الخنساء:\nلا تسأم الدهر منه كلما ذكرت ... فإنما هي إقبال وإدبار\nأي ذات إقبال، وقول الشاعر:\nوكيف تواصل من أصبحت ... خلالته كأبي مرحب\nأي كخلالة أبي مرحب، وقول الآخر:\nلعمرك ما الفتيان أن تنبت اللحى ... ولكنما الفتيان كل فتى ندى\nأي ليس الفتيان فتيان نبات اللحى.","vol":"1","page":144},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-130> قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ﴾</span> فيه ثلاثة أوجه للعلماء:\nالأول: أن المراد بالذين يقاتلونكم من شأنهم القتال، أي دون غيرهم، كالنساء، والصبيان، والشيوخ الفانية، وأصحاب الصوامع.\nالثاني: أنها منسوخة بآيات السيف الدالة على قتالهم مطلقا.\nالثالث: أن المراد بالآية تهييج المسلمين وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم، وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، وأظهرها الأول. وعلى القول الثالث فالمعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-131> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بالإحصار في هذه الآية الكريمة فقال قوم: هو صد العدو المحرم ومنعه إياه من الطواف بالبيت. وقال قوم: المراد به ما يشمل الجميع من عدو ومرض ونحو ذلك. ولكن قوله تعالى بعد هذا: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾: يشير إلى أن المراد بالإحصار هنا صد العدو للمحرم، لأن الأمن إذا أطلق في لغة العرب انصرف إلى الأمن من الخوف، لا إلى الشفاء من المرض، ونحو ذلك، ويؤيده أنه لم يذكر الشيء الذي منه الأمن، فدل على أن المراد به ما تقدم من الإحصار، فثبت أنه الخوف من العدو، فما أجاب به بعض العلماء من أن الأمن يطلق على الأمن من","vol":"1","page":145},{"text":"المرض، كما في حديث \"من سبق العاطس بالحمد أمن من الشوص، واللوص، والعلوص\" أخرجه ابن ماجه في سننه (^١) فهو ظاهر السقوط، لأن الأمن فيه مقيد بكونه من المرض، فلو أطلق لانصرف إلى الأمن من الخوف.\nوقد يجاب أيضا بأنه يخاف وقوع المذكور من الشوص الذي هو وجع السن، واللوص الذي هو وجع الأذن، والعلوص الذي هو وجع البطن، فإنه قبل وقوعها به يطلق عليه أنه خائف من وقوعها، فإذا أمن من وقوعها به فقد أمن من خوف. أما لو كانت وقعت به بالفعل فلا يحسن أن يقال: أمن منها؛ لأن الخوف في لغة العرب هو الغم من أمر مستقبل، لا واقع بالفعل، فدل هذا على أن زعم إمكان إطلاق الأمن على الشفاء من المرض خلاف الظاهر.\nوحاصل تحرير هذه المسألة في مبحثين:\nالأول: في معنى الإحصار في اللغة العربية.\nالثاني: في تحقيق المراد به في الآية الكريمة، وأقوال العلماء وأدلة ذلك، ونحن نبين ذلك كله إن شاء الله تعالى.\nاعلم أن أكثر علماء العربية يقولون: إن الإحصار هو ما كان عن مرض أو نحوه، قالوا: تقول العرب: أحصره المرض، يحصره بضم الياء وكسر الصاد إحصارا، وأما ما كان من العدو فهو الحصر، تقول العرب: حصره العدو يحصره بفتح الياء وضم الصاد حصرا بفتح السكون، ومن إطلاق الحصر في القرآن على ما كان\n_________\n(^١) كذا في الأصل، والحديث ليس في ابن ماجة، بل ولا في الكتب التسعة.","vol":"1","page":146},{"text":"من العدو قوله تعالى: ﴿وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾.\nومن إطلاق الإحصار على غير العدو كما ذكرنا عن علماء العربية؛ قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وقول ابن ميادة:\nوما هجر ليلى أن تكون تباعدت ... عليك ولا أن أحصرتك شغول\nوعكس بعض علماء العربية فقال: الإحصار من العدو، والحصر من المرض، قاله ابن فارس في المجمل، نقله عنه القرطبي. ونقل البغوي نحوه عن ثعلب. وقال جماعة من علماء العربية: إن الإحصار يستعمل في الجميع، وكذلك الحصر، وممن قال باستعمال الإحصار في الجميع الفراء، وممن قال بأن الحصر والإحصار يستعملان في الجميع: أبو نصر القشيري.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: لا شك في جواز إطلاق الإحصار على ما كان من العدو كما سترى تحقيقه إن شاء الله، هذا حاصل كلام أهل العربية في معنى الإحصار.\nوأما المراد به في الآية الكريمة فقد اختلف فيه العلماء على ثلاثة أقوال.\nالأول: أن المراد به حصر العدو خاصة دون المرض ونحوه، وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير -﵃- وبه قال مروان وإسحاق وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي ﵏. وعلى هذا القول أن المراد","vol":"1","page":147},{"text":"بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى، فيكون متحللا بعمرة، وحجة هذا القول متركبة من أمرين:\nالأول: أن الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ نزلت في صد المشركين النبي -  ﷺ  - وأصحابه، وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء.\nوقد تقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول فلا يمكن إخراجها بمخصص، فشمول الآية الكريمة لإحصار العدو، الذي هو سبب نزولها قطعي، فلا يمكن إخراجه من الآية بوجه، وروي عن مالك -﵀- أن صورة سبب النزول ظنية الدخول لا قطعيته، وهو خلاف قول الجمهور وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nواجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنا تصب\nوبهذا تعلم أن إطلاق الإحصار بصيغة الرباعي على ما كان من عدو صحيح في اللغة العربية بلا شك كما ترى، وأنه نزل به القرآن العظيم الذي هو في أعلى درجات الفصاحة والإعجاز.\nالأمر الثاني: ما ورد من الآثار في أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي، فمن ذلك ما رواه الشافعي في مسنده، والبيهقي عن ابن عباس أنه قال: لا حصر إلا حصر العدو.\nقال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط","vol":"1","page":148},{"text":"البخاري ومسلم، وصححه أيضا ابن حجر، ومن ذلك ما رواه البخاري والنسائي عن ابن عمر أنه كان يقول: \"أليس حسبكم سنة رسول الله -  ﷺ  - إن حبس أحدكم عن الحج طاف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا فيهدي أو يصوم إن لم يجد هديا\" ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي عن ابن عمر أنه قال: \"المحصر بمرض لا يحل حتى يطوف بالبيت، ويسعى بين الصفا والمروة، فإذا اضطر إلى لبس شيء من الثياب التي لا بد له منها، أو الدواء صنع ذلك وافتدى\" ومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي أيضا عن أيوب السختياني، عن رجل من أهل البصرة كان قديما أنه قال: خرجت إلى مكة حتى إذا كنت ببعض الطريق كسرت فخذي، فأرسلت إلى مكة، وبها عبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر، والناس فلم يرخص لي أحد أن أحل، فأقمت على ذلك الماء سبعة أشهر حتى أحللت بعمرة.\nوالرجل البصري المذكور الذي أبهمه مالك قال ابن عبد البر: هو أبو قلابة عبد الله بن زيد الجرمي، شيخ أيوب ومعلمه، كما رواه حماد بن زيد، عن أيوب، عن أبي قلابة، ورواه ابن جرير من طرق، وسمى الرجل يزيد بن عبد الله بن الشخير.\nومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ والبيهقي أيضا عن سليمان بن يسار \"أن سعيد بن حزابة المخزومي صرع ببعض طريق مكة وهو محرم، فسأل -على الماء الذي كان عليه- عن العلماء، فوجد عبد الله بن عمر، وعبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم،","vol":"1","page":149},{"text":"فذكر لهم الذي عرض له، فكلهم أمره أن يتداوى بما لا بد له منه، ويفتدي، فإذا صح اعتمر فحل من إحرامه، ثم عليه حج قابل ويهدي ما استيسر من الهدي\". وقال مالك: وعلى هذا الأمر عندنا فيمن أحصر بغير عدو، وقد أمر عمر بن الخطاب أبا أيوب الأنصاري، وهبار ابن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة ثم يرجعا حلالا، ثم يحجان عاما قابلا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله.\nومن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، والبيهقي أيضا عن عائشة ﵂ أنها كانت تقول: \"المحرم لا يحله إلا البيت\" والظاهر أنها تعني غير المحصر بعدو، كما جزم به الزرقاني في شرح الموطأ. هذا هو حاصل أدلة القول بأن المراد بالإحصار في الآية هو ما كان من خصوص العدو، دون ما كان من مرض ونحوه.\nالقول الثاني: في المراد بالإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه، من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم وممن قال بهذا القول ابن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وقتادة، وعروة بن الزبير، وإبراهيم النخعي، وعلقمة، والثوري، والحسن، وأبو ثور، وداود، وهو مذهب أبي حنيفة. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدمت في حجة الذي قبله.\nوأما من جهة شموله للإحصار بمرض فما رواه الإمام أحمد\nوأصحاب السنن الأربعة، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي عن","vol":"1","page":150},{"text":"عكرمة، عن الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"من كسر أو عرج فقد حل، وعليه حجة أخرى\" فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. وفي رواية لأبي داود وابن ماجه: من عرج، أو كسر، أو مرض، فذكر معناه. وفي رواية ذكرها أحمد في رواية لأبي بكر المروذي: من حبس بكسر أو مرض. هذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة: هذا رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وبهذا تعلم قوة حجة أهل هذا القول.\nورد المخالفون الاحتجاج بحديث عكرمة هذا من وجهين:\nالأول: ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى. قال: وقد حمله بعض أهل العلم -إن صح- على أنه يحل بعد فواته بما يحل به من يفوته الحج بغير مرض. فقد روينا عن ابن عباس ثابتا عنه قال: لا حصر إلا حصر عدو، والله أعلم، انتهى منه بلفظه.\nالوجه الثاني: هو حمل حله المذكور في الحديث على ما إذا اشترط في إحرامه أنه يحل حيث حبسه الله بالعذر.\nوالتحقيق: جواز الاشتراط في الحج بأن يحرم ويشترط أن محله حيث حبسه الله، ولا عبرة بقول من منع الاشتراط، لثبوته عن النبي -  ﷺ  -، فقد أخرج الشيخان عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"دخل رسول الله -  ﷺ  - على ضباعة بنت الزبير، فقال لها: لعلك أردت الحج؟ قالت: والله ما أجدني إلا وجعة. فقال لها:","vol":"1","page":151},{"text":"حجي واشترطي، وقولي: \"اللهم محلي حيث حبستني\". وكانت تحت المقداد بن الأسود.\nوقد أخرج مسلم في صحيحه وأحمد وأصحاب السنن الأربعة عن ابن عباس ﵄ \"أن ضباعة بنت الزبير قالت: يا رسول الله: إني امرأة ثقيلة، وإني أريد الحج فكيف تأمرني أأهل؟ قال: أهلي واشترطي أن محلي حيث حبستني، قال: فأدركت\".\nوللنسائي في رواية \"وقال: فإن لك على ربك ما استثنيت\".\nوالقول الثالث: في المراد بالإحصار أنه ما كان من المرض ونحوه خاصة، دون ما كان من العدو. وقد قدمنا أنه المنقول عن أكثر أهل اللغة، وإنما جاز التحلل من إحصار العدو عند من قال بهذا القول، لأنه من إلغاء الفارق، وأخذ حكم المسكوت عنه من المنطوق به، فإحصار العدو عندهم ملحق بإحصار المرض بنفي الفارق. ولا يخفى سقوط هذا القول لما قدمنا من أن الآية الكريمة نزلت في إحصار العدو عام الحديبية، وأن صورة سبب النزول قطعية الدخول عليه الجمهور، وهو الحق.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل من الأقوال المذكورة هو ما ذهب إليه مالك والشافعي وأحمد في أشهر الروايتين عنه، أن المراد بالإحصار في الآية إحصار العدو، وأن من أصابه مرض أو نحوه لا يحل إلا بعمرة، لأن هذا هو الذي نزلت فيه الآية، ودل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ﴾ الآية. ولا سيما على قول من قال من العلماء: إن الرخصة لا تتعدى محلها، وهو قول جماعة من أهل العلم.","vol":"1","page":152},{"text":"وأما حديث عكرمة الذي رواه الحجاج بن عمرو وابن عباس وأبي هريرة ﵃ فلا تنهض به حجة، لتعين حمله على ما إذا اشترط ذلك عند الإحرام؛ بدليل ما قدمنا من حديث عائشة عند الشيخين، وحديث ابن عباس عند مسلم، وأصحاب السنن، وغيرهم: من أنه -  ﷺ  - قال لضباعة بنت الزبير بن عبد المطلب: \"حجي واشترطي\" ولو كان التحلل جائزا دون شرط كما يفهم من حديث الحجاج بن عمرو لما كان للاشتراط فائدة، وحديث عائشة وابن عباس بالاشتراط أصح من حديث عكرمة، عن الحجاج بن عمرو، والجمع بين الأدلة واجب إذا أمكن، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا\nوهو ممكن في الحديثين بحمل حديث الحجاج بن عمرو على ما إذا اشترط ذلك في الإحرام، فيتفق مع الحديثين الثابتين في الصحيح. فإن قيل: يمكن الجمع بين الأحاديث بغير هذا، وهو حمل أحاديث الاشتراط على أنه يحل من غير أن تلزمه حجة أخرى، وحمل حديث عكرمة عن الحجاج بن عمرو وغيره على أنه يحل، وعليه حجة أخرى، ويدل لهذا الجمع أن أحاديث الاشتراط ليس فيها ذكر حجة أخرى، وحديث الحجاج بن عمرو، قال فيه النبي -  ﷺ  -: \"فقد حل، وعليه حجة أخرى\".\nفالجواب: أن وجوب البدل بحجة أخرى، أو عمرة أخرى لو كان يلزم لأمر النبي -  ﷺ  - أصحابه أن يقضوا عمرتهم التي صدهم عنها المشركون.","vol":"1","page":153},{"text":"قال البخاري في صحيحه في باب \"من قال ليس على المحصر بدل\" ما نصه: وقال مالك وغيره: ينحر هديه ويحلق في أي موضع كان، ولا قضاء عليه؛ لأن النبي -  ﷺ  - وأصحابه بالحديبية نحروا وحلقوا، وحلوا من كل شيء قبل الطواف، وقبل أن يصل الهدي إلى البيت، ثم لم يذكر أن النبي -  ﷺ  - أمر أحدا أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا له، والحديبية خارج من الحرم. انتهى منه بلفظه.\nوقد قال مالك في الموطأ: إنه بلغه أن رسول الله -  ﷺ  - حل هو وأصحابه بالحديبية، فنحروا الهدي، وحلقوا رءوسهم، وحلوا من كل شيء قبل أن يطوفوا بالبيت، وقبل أن يصل إليه الهدي، ثم لم يعلم أن رسول الله -  ﷺ  - أمر أحدا من أصحابه، ولا ممن كان معه أن يقضوا شيئا، ولا يعودوا لشيء. انتهى بلفظه من الموطأ. ولا يعارض ما ذكرنا بما رواه الواقدي في المغازي من طريق الزهري ومن طريق أبي معشر وغيرهما، قالوا: أمر رسول الله -  ﷺ  - أصحابه أن يعتمروا فلم يتخلف منهم إلا من قتل بخيبر، أو مات وخرج معه جماعة معتمرين ممن لم يشهدوا الحديبية، وكانت عدتهم ألفين، لأن الشافعي -﵀- قال: والذي أعقله في أخبار أهل المغازي شبيه بما ذكرت؛ لأنا علمنا من متواطئ أحاديثهم أنه كان معه عام الحديبية رجال معروفون، ثم اعتمر عمرة القضية، فتخلف بعضهم بالمدينة من غير ضرورة في نفس ولا مال. اهـ.\nفهذا الشافعي -﵀- جزم بأنهم تخلف منهم رجال معروفون من غير ضرورة في نفس، ولا مال. وقد تقرر في","vol":"1","page":154},{"text":"الأصول أن المثبت مقدم على النافي.\nوقال ابن حجر في الفتح: ويمكن الجمع بين هذا -إن صح- وبين الذي قبله، بأن الأمر كان على طريق الاستحباب، لأن الشافعي جازم بأن جماعة تخلفوا بغير عذر. وقال الشافعي في عمرة القضاء: إنما سميت عمرة القضاء والقضية للمقاضاة التي وقعت بين النبي -  ﷺ  - وبين قريش، لا على أنهم وجب عليهم قضاء تلك العمرة. اهـ. وروى الواقدي نحو هذا من حديث ابن عمر. قاله ابن حجر.\nوقال البخاري في صحيحه في الباب المذكور ما نصه: \"وقال روح: عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع\" انتهى. محل الغرض منه بلفظه.\nوقد ورد عن ابن عباس نحوها بإسناد آخر أخرجه ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة عنه، وفيه: فإن كانت حجة الإسلام فعليه قضاؤها، وإن كانت غير الفريضة فلا قضاء عليه. اهـ. فإذا علمت هذا، وعلمت أن ابن عباس ﵄ ممن روي عنه عكرمة الحديث الذي روي عن الحجاج بن عمرو وأن راوي الحديث من أعلم الناس به، ولا سيما إن كان ابن عباس الذي دعا له النبي -  ﷺ  - الله أن يعلمه التأويل، وهو مصرح بأن معنى قوله -  ﷺ  - في حديث الحجاج بن عمرو: وعليه حجة أخرى، محله فيما إذا كانت عليه حجة الإسلام = تعلم أن الجمع الأول الذي","vol":"1","page":155},{"text":"ذكرنا هو المتعين، واختاره النووي وغيره من علماء الشافعية، وأن الجمع الأخير لا يصح، لتعين حمل الحجة المذكورة على حجة الإسلام. اهـ. وأما على قول من قال: إنه لا إحصار إلا بالعدو خاصة، وأن المحصر بمرض لا يحل حتى يبرأ ويطوف بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم يحل من كل شيء حتى يحج عاما قابلا، فيهدي أو يصوم، إن لم يجد هديا كما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر كما تقدم فهو من حيث أن المريض عندهم غير محصر، فهو كمن أحرم وفاته وقوف عرفة، يطوف ويسعى ويحج من قابل ويهدي، أو يصوم إن لم يجد هديا. اهـ.\nوفي المسألة قول رابع: وهو أنه لا إحصار بعد النبي -  ﷺ  - بعذر كائنا ما كان، وهو ضعيف جدا، ولا معول عليه عند العلماء؛ لأن حكم الإحصار منصوص عليه في القرآن والسنة، ولم يرد فيه نسخ، فادعاء دفعه بلا دليل واضح السقوط كما ترى، هذا هو خلاصة البحث في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ﴾.\nوأما قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فجمهور العلماء على أن المراد به شاة فما فوقها، وهو مذهب الأربعة، وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، ورواه سعيد بن جبير عن ابن عباس، وبه قال طاوس، وعطاء، ومجاهد، وأبو العالية، ومحمد بن علي بن الحسين، وعبد الرحمن بن القاسم، والشعبي، والنخعي، والحسن، وقتادة، والضحاك، ومقاتل بن حيان، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بما استيسر من الهدي إنما هو الإبل والبقر دون الغنم، وهذا القول مروي عن","vol":"1","page":156},{"text":"عائشة، وابن عمر، وسالم، والقاسم، وعروة بن الزبير، وسعيد بن جبير، وغيرهم. قال ابن كثير: والظاهر أن مستند هؤلاء فيما ذهبوا إليه قصة الحديبية، فإنه لم ينقل عن أحد منهم أنه ذبح في تحلله ذلك شاة، وإنما ذبحوا الإبل والبقر. ففي الصحيحين عن جابر قال: \"أمرنا رسول الله -  ﷺ  - أن نشترك في الإبل والبقر، كل سبعة منا في بقرة\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: لا يخفى أن التحقيق في هذه المسألة: أن المراد بما استيسر من الهدي ما تيسر مما يسمى هديا، وذلك شامل لجميع الأنعام: من إبل، وبقر، وغنم، فإن تيسرت شاة أجزأت، والناقة والبقرة أولى بالإجزاء. وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂ قالت: \"أهدى -  ﷺ  - مرة غنما\".\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: إذا كان مع المحصر هدي لزمه نحره إجماعا، وجمهور العلماء على أنه ينحره في المحل الذي حصر فيه، حلا كان أو حرما، وقد نحر -  ﷺ  - هو وأصحابه بالحديبية، وجزم الشافعي وغيره بأن الموضع الذي نحروا فيه من الحديبية من الحل، لا من الحرم، واستدل لذلك بدليل واضح من القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ فهو نص صريح في أن ذلك الهدي لم يبلغ محله، ولو كان في الحرم لكان بالغا محله، وروى يعقوب بن سفيان من طريق مجمع بن يعقوب، عن أبيه، قال: \"لما حبس رسول الله -  ﷺ  -","vol":"1","page":157},{"text":"وأصحابه نحروا بالحديبية، وبعث الله ريحا فحملت شعورهم فألقتها في الحرم\" وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة الحديبية بقوله:\nونحروا وحلقوا وحملت ... شعورهم للبيت ريح قد غلت\nقال ابن عبد البر في الاستذكار: فهذا يدل على أنهم نحروا في الحل. وتعقبه ابن حجر في فتح الباري، بأنه يمكن أن يكونوا أرسلوا هديهم مع من ينحره في الحرم، قال: وقد ورد في ذلك حديث ناجية بن جنب الأسلمي قال: قلت: يا رسول الله ابعث معي الهدي حتى أنحره في الحرم. أخرجه النسائي من طريق إسرائيل، عن مجزأة بن زاهر، عن ناجية، وأخرجه الطحاوي من وجه آخر عن إسرائيل، لكن قال: عن ناجية، عن أبيه. لكن لا يلزم من وقوع هذا وجوبه، بل ظاهر القصة أن أكثرهم نحر في مكانه وكانوا في الحل، وذلك دال على الجواز. والله أعلم. انتهى كلام ابن حجر.\nوخالف في هذه المسألة أبو حنيفة -﵀- الجمهور وقال: لا ينحر المحصر هديه إلا في الحرم، فيلزمه أن يبعث به إلى الحرم فإذا بلغ الهدي محله حل، وقال: إن الموضع الذي نحر فيه النبي -  ﷺ  - وأصحابه من الحديبية من طرف الحرم، واستدل بقوله بعد هذه الآية: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ ورد هذا الاستدلال بما قدمنا من أنه نحر في الحل، وأن القرآن دل على ذلك، وأن قوله: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ﴾ الآية معطوف على قوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لا على قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أو أن","vol":"1","page":158},{"text":"المراد بمحله المحل الذي يجوز نحره فيه، وذلك بالنسبة إلى المحصر حيث أحصر ولو كان في الحل.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل الذي ذهب إليه ابن عباس ﵄، وهو أنه إن استطاع إرسال الهدي إلى الحرم أرسله، ولا يحل حتى يبلغ الهدي محله، إذ لا وجه لنحر الهدي في الحل مع تيسر الحرم، وإن كان لا يستطيع إرساله إلى الحرم نحره في المكان الذي أحصر فيه من الحل. قال البخاري في صحيحه في \"باب من قال ليس على المحصر بدل\" ما نصه: وقال روح: عن شبل، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن ابن عباس، ﵄: إنما البدل على من نقض حجه بالتلذذ، فأما من حبسه عذر، أو غير ذلك فإنه يحل ولا يرجع. وإن كان معه هدي وهو محصر نحره إن كان لا يستطيع أن يبعث به، وإن استطاع أن يبعث به لم يحل حتى يبلغ الهدي محله. اهـ. محل الغرض منه بلفظه ولا ينبغي العدول عنه؛ لظهور وجهه كما ترى.\nالفرع الثاني: إذا لم يكن مع المحصر هدي فهل عليه أن يشتري الهدي ولا يحل حتى يهدي، أو له أن يحل بدون هدي؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن الهدي واجب عليه، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فلا يجوز له التحلل بدونه إن قدر عليه، ووافق الجمهور أشهب من أصحاب مالك، وخالف مالك وابن القاسم الجمهور في هذه المسألة، فقالا: لا هدي على المحصر إن لم يكن ساقه معه قبل الإحصار.","vol":"1","page":159},{"text":"وحجة الجمهور واضحة، وهي قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ فتعليقه ما استيسر من الهدي على الإحصار تعليق الجزاء على شرطه، يدل على لزوم الهدي بالإحصار لمن أراد التحلل به، دلالة واضحة كما ترى، فإن عجز المحصر عن الهدي فهل يلزمه بدل عنه، أو لا؟\nقال بعض العلماء: لا بدل له إن عجز عنه، وممن قال: لا بدل لهدي المحصر أبو حنيفة -﵀- فإن المحصر عنده إذا لم يجد هديا يبقى محرما حتى يجد هديا، أو يطوف بالبيت. وقال بعض من قال بأنه لا بدل له، إن لم يجد هديا حل دونه، وإن تيسر له بعد ذلك هدي أهداه. وقال جماعة: إن لم يجد الهدي فله بدل، واختلف أهل هذا القول في بدل الهدي، فقال بعضهم: هو صوم عشرة أيام قياسا على من عجز عما استيسر من الهدي في التمتع، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد، وهو إحدى الروايات عن الشافعي، وأصح الروايات عند الشافعية في بدل هدي المحصر أنه بالإطعام، نص عليه الشافعي في كتاب الأوسط، فتقوم الشاة ويتصدق بقيمتها طعاما، فإن عجز صام عن كل مد يوما، وقيل: إطعام كإطعام فدية الأذى، وهو ثلاثة آصع لستة مساكين، وقيل: بدله صوم ثلاثة أيام، وقيل: بدله صوم بالتعديل، تقوم الشاة ويعرف قدر ما تساوي قيمتها من الأمداد، فيصوم عن كل يوم مدا (^١)، وليس على شيء من هذه الأقوال دليل واضح، وأقربها قياسه على التمتع. والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١) كذا، وهو سبق قلم صوابه: \"عن كل مدٍّ يومًا\".","vol":"1","page":160},{"text":"الفرع الثالث: هل يلزم المحصر إذا أراد التحلل حلق، أو تقصير، أو لا يلزمه شيء من ذلك؟ .\nاختلف العلماء في هذا فذهب الإمام أبو حنيفة -﵀- ومحمد إلى أنه لا حلق عليه ولا تقصير، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واحتج أهل هذا القول بأن الله قال: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ولم يذكر الحلق، ولو كان لازما لبينه، واحتج أبو حنيفة ومحمد لعدم لزوم الحلق، بأن الحلق لم يعرف كونه نسكا إلا بعد أداء الأفعال، وقبله جناية، فلا يؤمر به، ولهذا العبد والمرأة إذا منعهما السيد والزوج لا يؤمران بالحلق إجماعا. وعن الشافعي في حلق المحصر روايتان مبنيتان على الخلاف في الحلق، هل هو نسك، أو إطلاق من محظور؟\nوذهب جماعة من أهل العلم منهم مالك وأصحابه: إلى أن المحصر عليه أن يحلق.\nقال مقيدة - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا رجحانه بالدليل: هو ما ذهب إليه مالك وأصحابه من لزوم الحلق، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. ولما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه -  ﷺ  -، أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا وقال: \"اللهم ارحم المحلقين. قالوا: والمقصرين يا رسول الله؟ قال: والمقصرين\".\nفهذه أدلة واضحة على عدم سقوط الحلق عن المحصر، وقياس من قال بعدم اللزوم، الحلق على غيره من أفعال النسك التي صد عنها ظاهر السقوط؛ لأن الطواف بالبيت، والسعي بين","vol":"1","page":161},{"text":"الصفا والمروة مثلا، كل ذلك منع منه المحصر وصد عنه، فسقط عنه لأنه حيل بينه وبينه ومنع منه.\nوأما الحلاق فلم يحل بينه وبينه وهو قادر على أن يفعله، فلا وجه لسقوطه، ولا شك أن الذي تدل نصوص الشرع على رجحانه، أن الحلاق نسك على من أتم نسكه، وعلى من فاته الحج، وعلى المحصر بعدو، وعلى المحصر بمرض. وعلى القول الصحيح من أن الحلاق نسك، فالمحصر يتحلل بثلاثة أشياء: وهي النية، وذبح الهدي، والحلاق. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك يتحلل بالنية والذبح.\nالفرع الرابع: قد ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنه نحر قبل أن يحلق في عمرة الحديبية، وفي حجة الوداع، ودل القرآن على أن النحر قبل الحلق في موضعين:\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nوالثاني: قوله تعالى في سورة الحج: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ الآية.\nفالمراد بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ الآية. ذكر اسمه تعالى عند نحر البدن إجماعا، وقد قال تعالى بعده عاطفا بثم التي هي للترتيب: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية. وقضاء التفث يدخل فيه بلا نزاع إزالة الشعر بالحلق، فهو نص صريح في الأمر بتقديم النحر على الحلق، ومن إطلاق التفث","vol":"1","page":162},{"text":"على الشعر ونحوه، قول أمية بن أبي الصلت:\nحلقوا رءوسهم لم يحلقوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملا وصئبانا\nوروى بعضهم بيت أمية المذكور هكذا:\nساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملا وصئبانا\nومنه قول الآخر:\nقضوا تفثا ونحبا ثم ساروا ... إلى نجد وما انتظروا عليا\nفهذه النصوص تدل دلالة لا لبس فيها، على أن الحلق بعد النحر. ولكن إذا عكس الحاج أو المعتمر فحلق قبل أن ينحر، فقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - في حجة الوداع أن ذلك لا حرج فيه والتعبير بنفي الحرج يدل بعمومه على سقوط الإثم والدم معا، وقيل فيمن حلق قبل أن ينحر محصرا كان أو غيره: إنه عليه دم. فقد روى ابن أبي شيبة من طريق الأعمش، عن إبراهيم عن علقمة، قال: عليه دم. قال إبراهيم: وحدثني سعيد بن جبير عن ابن عباس مثله. ذكره في المحصر. قال الشوكاني في نيل الأوطار: والظاهر عدم وجوب الدم. لعدم الدليل.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر: أن الدليل عند من قال بذلك هو الأحاديث الواردة بأنه -  ﷺ  -، لما صده المشركون عام الحديبية نحر قبل الحلق وأمر أصحابه بذلك، فمن ذلك ما رواه أحمد والبخاري وأبو داود عن المسور، ومروان في حديث عمرة الحديبية والصلح أن النبي -  ﷺ  - لما فرغ الرسول من قضية الكتاب قال لأصحابه: \"قوموا فانحروا ثم احلقوا\". وللبخاري عن المسور","vol":"1","page":163},{"text":"أن النبي -  ﷺ  - نحر قبل أن يحلق، وأمر أصحابه بذلك اهـ. فدل فعله وأمره على أن ذلك هو اللازم للمحصر، ومن قدم الحلق على النحر فقد عكس ما أمر به النبي -  ﷺ  -، ومن أخل بنسك فعليه دم.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي تدل عليه نصوص السنة الصحيحة أن النحر مقدم على الحلق، ولكن من حلق قبل أن ينحر فلا حرج عليه من إثم ولا دم، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن عبد الله بن عمرو ابن العاص أن النبي -  ﷺ  - أجاب من سأله بأنه ظن الحلق قبل النحر فنحر قبل أن يحلق (^١)، بأن قال له: افعل ولا حرج. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما أيضا عن ابن عباس أن النبي -  ﷺ  -، قيل له في الذبح والحلق والرمي والتقديم والتأخير، فقال: لا حرج.\nوفي رواية للبخاري، وأبي داود، والنسائي وابن ماجه سأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح، قال: اذبح ولا حرج، وقال: رميت بعد ما أمسيت، فقال: افعل ولا حرج.\nوفي رواية للبخاري قال رجل للنبي -  ﷺ  -: زرت قبل أن أرمي، قال: لا حرج. قال: حلقت قبل أن أذبح، قال: لا حرج، والأحاديث بمثل هذا كثيرة، وهي تدل دلالة لا لبس فيها على أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه من إثم ولا فدية؛ لأن قوله: لا حرج نكرة في سياق النفي، ركبت مع لا، فبنيت على الفتح، والنكرة إذا كانت كذلك فهي نص صريح في العموم، فالأحاديث إذن نص صريح في عموم النفي لجميع أنواع الحرج من إثم وفدية،\n_________\n(^١) كذا، ولعل صوابه: \"فحلق قبل أن ينحر\".","vol":"1","page":164},{"text":"والله تعالى أعلم. ولا يتضح حمل الأحاديث المذكورة على من قدم الحلق جاهلا، أو ناسيا، وإن كان سياق حديث عبد الله بن عمرو المتفق عليه يدل على أن السائل جاهل، لأن بعض تلك الأحاديث الواردة في الصحيح ليس فيها ذكر النسيان ولا الجهل، فيجب استصحاب عمومها حتى يدل دليل على التخصيص بالنسيان والجهل، وقد تقرر أيضا في علم الأصول أن جواب المسئول لمن سأله لا يعتبر فيه مفهوم المخالفة؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة الجواب للسؤال، فلم يتعين كونه لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وقد أشار له في مراقي السعود في مبحث موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله عاطفا على ما يمنع اعتباره:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nكما يأتي بيانه في الكلام على قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. وبه تعلم أن وصف عدم الشعور الوارد في السؤال لا مفهوم له.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: وتعليق سؤال بعضهم بعدم الشعور لا يستلزم سؤال غيره به حتى يقال: إنه يختص الحكم بحالة عدم الشعور، ولا يجوز اطراحها بإلحاق العمد بها. وبهذا يعلم أن التعويل في التخصيص على وصف عدم الشعور المذكور في سؤال بعض السائلين غير مفيد للمطلوب، انتهى محل الغرض منه بلفظه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-132> قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾</span> لم يبين هنا ما هذا الفضل الذي لا جناح في ابتغائه","vol":"1","page":165},{"text":"أثناء الحج.\nوأشار في آيات أخر إلى أنه ربح التجارة كقوله: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾؛ لأن الضرب في الأرض عبارة عن السفر للتجارة، فمعنى الآية يسافرون يطلبون ربح التجارة. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ أي: بالبيع والتجارة بدليل قوله قبله: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ أي: فإذا انقضت صلاة الجمعة فاطلبوا الربح الذي كان محرما عليكم عند النداء لها.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن غلبة إرادة المعنى المعين في القرآن تدل على أنه المراد؛ لأن الحمل على الغالب أولى، ولا خلاف بين العلماء في أن المراد بالفضل المذكور في الآية ربح التجارة، كما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-133> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾</span> لم يبين هنا المكان المأمور بالإفاضة منه المعبر عنه بلفظة حيث، التي هي كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان. ولكنه بيَّن ذلك بقوله: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ﴾ الآية. وسبب نزولها أن قريشا كانوا يقفون يوم عرفة بالمزدلفة، ويقولون: نحن قطان بيت الله، ولا ينبغي لنا أن نخرج من الحرم؛ لأن عرفات خارج عن الحرم، وعامة الناس يقفون بعرفات، فأمر الله النبي - ﷺ -، والمسلمين، أن يفيضوا من حيث أفاض الناس، وهو عرفات، لا من المزدلفة كفعل قريش. وهذا هو مذهب جماهير العلماء، وحكى ابن جرير عليه الإجماع، وعليه فلفظة ثم للترتيب الذكري بمعنى عطف جملة على جملة، وترتيبها عليها في مطلق الذكر،","vol":"1","page":166},{"text":"ونظيره قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ (١٧)﴾.\nوقول الشاعر:\nإن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده\nوقال بعض العلماء المراد بقوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا﴾ الآية. أي: من مزدلفة إلى منى، وعليه فالمراد بالناس إبراهيم. قال ابن جرير في هذا القول: ولولا إجماع الحجة على خلافه لكان هو الأرجح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-134> قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾</span> لم يبين هنا سخرية هؤلاء الكفار من هؤلاء المؤمنين، ولكنه بين في موضع آخر أنها الضحك منهم والتغامز، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-135> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾</span>. لم يبين هنا فوقية هؤلاء المؤمنين على هؤلاء الكفرة، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-136> قوله تعالى: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾</span>، لم يصف هذا الخير هنا بالكثرة، وقد وصفه بها في قوله: ﴿فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)﴾.","vol":"1","page":167},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-137> قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾:</span> لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك، أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ الآية ... وبين في مواضع أخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين، كقوله في براءة، والصف، والفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-138> قوله تعالى: ﴿قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾</span>، لم يبين هنا ما هذا الإثم الكبير؟ ولكنه بين في آية أخرى أنه إيقاع العداوة والبغضاء بينهم، والصد عن ذكر الله، وعن الصلاة، وهي قوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-139> قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾</span> الآية. ظاهر عمومه شمول الكتابيات، ولكنه بين في آية أخرى أن الكتابيات لسن داخلات في هذا التحريم، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، فإن قيل: الكتابيات لا يدخلن في اسم المشركات بدليل قوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ وقوله: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ﴾ والعطف يقتضي المغايرة، فالجواب أن أهل الكتاب داخلون في اسم المشركين كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ","vol":"1","page":168},{"text":"قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٣٠) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-140> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾</span> لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظة حيث، ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.\nإحداهما: هي قوله هنا: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾؛ لأن قوله: ﴿فَأْتُوا﴾ أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله: ﴿حَرْثَكُمْ﴾ يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل، دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.\nالثانية: قوله تعالى: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، لأن المراد بما كتب الله لكم الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة، والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله: ﴿وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ يعني الولد.\nويتضح لك من هذا أن معنى قوله تعالى: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ يعني أن يكون الإتيان في محل الحرث على أي حالة شاء الرجل، سواء","vol":"1","page":169},{"text":"كانت المرأة مستلقية، أو باركة، أو على جنب، أو غير ذلك، ويؤيد هذا ما رواه الشيخان وأبو داود والترمذي عن جابر ﵁ قال: كانت اليهود تقول: إذا جامعها من ورائها جاء الولد أحول، فنزلت: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾. فظهر من هذا أن جابرا ﵁ يرى أن معنى الآية فأتوهن في القبل على أية حالة شئتم ولو كان من ورائها. والمقرر في علوم الحديث أن تفسير الصحابي الذي له تعلق بسبب النزول له حكم الرفع كما عقده صاحب طلعة الأنوار بقوله:\n\"تفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق\"\nوقد قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما نصه: وما استدل به المخالف من أن قوله ﷿: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ شامل للمسالك بحكم عمومها، فلا حجة فيها، إذ هي مخصصة بما ذكرناه، وبأحاديث صحيحة، حسان شهيرة، رواها عن رسول الله -  ﷺ  - اثنا عشر صحابيا، بمتون مختلفة، كلها متواردة على تحريم إتيان النساء من الأدبار، ذكرها أحمد بن حنبل في مسنده، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وغيرهم.\nوقد جمعها أبو الفرج بن الجوزي بطرقها في جزء سماه تحريم المحل المكروه، ولشيخنا أبي العباس أيضا في ذلك جزء سماه \"إظهار إدبار من أجاز الوطء في الأدبار\" قلت: وهذا هو الحق المتبع، والصحيح في المسألة.\nولا ينبغي لمؤمن بالله واليوم الآخر أن يعرج في هذه النازلة على زلة عالم بعد أن تصح عنه، وقد حذرنا من زلة العالم. وقد","vol":"1","page":170},{"text":"روي عن ابن عمر خلاف هذا، وتكفير من فعله، وهذا هو اللائق به ﵁، وكذلك كذب نافع من أخبر عنه بذلك، كما ذكر النسائي وقد تقدم.\nوأنكر ذلك مالك واستعظمه، وكذب من نسب ذلك إليه، وروى الدارمي في مسنده عن سعيد بن يسار أبي الحباب: قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري حين أحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكرت له الدبر. فقال هل يفعل ذلك أحد من المسلمين؟ وأسند خزيمة بن ثابت سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"أيها الناس إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أعجازهن\"، ومثله عن علي بن طلق، وأسند عن أبي هريرة عن النبي -  ﷺ  - \"من أتى امرأة في دبرها لم ينظر الله إليه يوم القيامة\". وروي أبو داود الطيالسي في مسنده عن قتادة، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"تلك اللوطية الصغرى\" يعني إتيان المرأة في دبرها. وروي عن طاوس أنه قال: كان بدأ عمل قوم لوط إتيان النساء في أدبارهن. قال ابن المنذر: وإذا ثبت الشيء عن رسول الله -  ﷺ  - استغنى به عما سواه. من القرطبي بلفظه.\nوقال القرطبي أيضا ما نصه: وقال مالك لابن وهب، وعلي بن زياد، لما أخبراه أن ناسا بمصر يتحدثون عنه أنه يجيز ذلك، فنفر من ذلك وبادر إلى تكذيب الناقل، فقال: كذبوا علي، كذبوا علي، كذبوا علي. ثم قال: ألستم قوما عربا؟ ألم يقل الله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ وهل يكون الحرث إلا في موضع المنبت؟ منه","vol":"1","page":171},{"text":"بلفظه أيضا.\nومما يؤيد أنه لا يجوز إتيان النساء في أدبارهن أن الله تعالى حرم الفرج في الحيض لأجل القذر العارض له، مبينا أن ذلك القذر هو علة المنع بقوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ الآية. فمن باب أولى تحريم الدبر للقذر والنجاسة اللازمة. ولا ينتقض ذلك بجواز وطء المستحاضة؛ لأن دم الإستحاضة ليس في الاستقذار كدم الحيض، ولا كنجاسة الدبر؛ لأنه دم انفجار العرق فهو كدم الجرح، ومما يؤيد منع الوطء في الدبر إطباق العلماء على أن الرتقاء التي لا يوصل إلى وطئها معيبة ترد بذلك العيب. قال ابن عبد البر: لم يختلف العلماء في ذلك، إلا شيئا جاء عن عمر بن عبد العزيز من وجه ليس بالقوي: أن الرتقاء لا ترد بالرتق. والفقهاء كلهم على خلاف ذلك. قال القرطبي: وفي إجماعهم هذا دليل على أن الدبر ليس بموضع وطء، ولو كان موضعا للوطء ما ردت من لا يوصل إلى وطئها في الفرج. فإن قيل: قد يكون رد الرتقاء لعلة عدم النسل، فلا ينافي أنها توطأ في الدبر. فالجواب أن العقم لا يرد به، ولو كانت علة رد الرتقاء عدم النسل لكان العقم موجبا للرد.\nوقد حكى القرطبي الإجماع على أن العقم لا يرد به في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الآية. فإذا تحققت من هذه الأدلة أن وطء المرأة في دبرها حرام، فاعلم أن من روى عنه جواز ذلك كابن عمر، وأبي سعيد وجماعات من المتقدمين، والمتأخرين، يجب حمله على أن مرادهم بالإتيان في الدبر إتيانها","vol":"1","page":172},{"text":"في الفرج من جهة الدبر، كما بينه حديث جابر، والجمع واجب إذا أمكن. قال ابن كثير في تفسير قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ ما نصه:\nقال أبو محمد، عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي في مسنده: حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا الليث عن الحارث بن يعقوب، عن سعيد بن يسار أبي الحباب، قال: قلت لابن عمر: ما تقول في الجواري أيحمض لهن؟ قال: وما التحميض؟ فذكر الدبر. فقال: وهل يفعل ذلك أحد من المسلمين؛ . وكذا رواه ابن وهب، وقتيبة عن الليث، وهذا إسناد صحيح، ونص صريح منه بتحريم ذلك، فكل ما ورد عنه مما يحتمل، ويحتمل فهو مردود إلى هذا الحكم. منه بلفظه.\nوقد علمت أن قوله: ﴿أَنَّى شِئْتُمْ﴾ لا دليل فيه للوطء في الدبر، لأنه مرتب بالفاء التعقيبية على قوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ ومعلوم أن الدبر ليس محل حرث، ولا ينتقض هذا بجواز الجماع في عكن البطن، وفي الفخذين والساقين، ونحو ذلك مع أن الكل ليس محل حرث؛ لأن ذلك يسمى استمناء لا جماعا، والكلام في الجماع؛ لأن المراد بالإتيان في قوله: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ الجماع والفارق موجود، لأن عكن البطن ونحوها لا قذر فيها، والدبر فيه القذر الدائم، والنجس الملازم.\nوقد عرفنا من قوله: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الآية: أن الوطء في محل الأذى لا يجوز. وقال بعض العلماء معنى قوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي من المكان الذي أمركم الله تعالى بتجنبه:","vol":"1","page":173},{"text":"لعارض الأذى، وهو الفرج ولا تعدوه إلى غيره، ويروى هذا القول عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة، والربيع وغيرهم، وعليه فقوله: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّه﴾ يبينه: ﴿قُلْ هُوَ أَذىً فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ﴾ الآية؛ لأن من المعلوم أن محل الأذى الذي هو الحيض إنما هو القبل، وهذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا، وهذا القول مبني على أن النهي عن الشيء أمر بضده، لأن ما نهى الله عنه فقد أمر بضده، ولذا تصح الإحالة في قوله: ﴿أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ على النهي في قوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ والخلاف في النهي عن الشيء هل هو أمر بضده معروف في الأصول، وقد أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوالنهي فيه غابر الخلاف ... أو أنه أمر بالائتلاف\nوقيل: لا قطعا كما في المختصر ... وهو لدى السبكي رأي ما انتصر\nومراده بغابر الخلاف: هو ما ذكر قبل هذا من الخلاف في الأمر بالشيء، هل هو عين النهي عن ضده، أو مستلزم له، أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ يعني أن ذلك الخلاف أيضا في النهي عن الشيء هل هو عين الأمر بضده؟ أو ضد من أضداده إن تعددت؟ أو مستلزم لذلك؟ أو ليس عينه ولا مستلزما له؟ وزاد في النهي قولين:\nأحدهما: أنه أمر بالضد اتفاقا.\nوالثاني: أنه ليس أمرا به قطعا، وعزا الأخير لابن الحاجب في مختصره، وأشار إلى أن السبكي في جمع الجوامع ذكر أنه لم ير ذلك القول لغير ابن الحاجب.","vol":"1","page":174},{"text":"وقال الزجاج معنى: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ أي: من الجهات التي يحل فيها أن تقرب المرأة، ولا تقربوهن من حيثما لا يحل، كما إذا كن صائمات، أو محرمات، أو معتكفات. وقال أبو رزين وعكرمة والضحاك وغير واحد: ﴿مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ يعني طاهرات غير حيض، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-141> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾</span>، لم يصرح هنا بالمراد بما كسبته قلوبهم، ولم يذكر هنا ما يترتب على ذلك إذا حنث، ولكنه بين في سورة المائدة أن المراد بما كسبت القلوب، هو عقد اليمين بالنية والقصد، وبين أن اللازم في ذلك إذا حنث كفارة، هي: إطعام عشرة مساكين، أو كسوتهم، أو تحرير رقبة، ومن عجز عن واحد من الثلاثة فصوم ثلاثة أيام، وذلك في قوله: ﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-142> قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾</span> ظاهر هذه الآية شمولها لجميع المطلقات، لكنه بين في آيات أخر خروج بعض المطلقات من هذا العموم، كالحوامل المنصوص على أن عدتهن وضع الحمل، في قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾. وكالمطلقات قبل الدخول المنصوص على أنهن لا عدة عليهن أصلا، بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾. أما اللواتي لا يحضن، لكبر أو صغر","vol":"1","page":175},{"text":"فقد بين أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-143> قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾</span> فيه إجمال؛ لأن القرء يطلق لغة على الحيض، ومنه قوله - ﷺ -: \"دعي الصلاة أيام أقرائك\". ويطلق القرء لغة أيضا على الطهر، ومنه قول الأعشى:\nأفي كل يوم أنت جاشم غزوة ... تشد لأقصاها عزيم عزائكا\nمورثة مالا وفي الحي رفعة ... لما ضاع فيها من قروء نسائكا\nومعلوم أن القرء الذي يضيع على الغازي من نسائه هو الطهر دون الحيض.\nوقد اختلف العلماء في المراد بالقروء في هذه الآية الكريمة، هل هو الأطهار، أو الحيضات؛. وسبب الخلاف اشتراك القرء بين الطهر والحيض كما ذكرنا، وممن ذهب إلى أن المراد بالقرء في الآية الطهر، مالك، والشافعي، وأم المؤمنين عائشة، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، والفقهاء السبعة، وأبان بن عثمان، والزهري وعامة فقهاء المدينة، وهو رواية عن أحمد، وممن قال بأن القروء الحيضات: الخلفاء الراشدون الأربعة، وابن مسعود، وأبو موسى، وعبادة بن الصامت، وأبو الدرداء، وابن عباس، ومعاذ بن جبل، وجماعة من التابعين وغيرهم، وهو الرواية الصحيحة عن أحمد.\nواحتج كل من الفريقين بكتاب وسنة، وقد ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب أننا في مثل ذلك نرجح ما يظهر لنا أن دليله أرجح.","vol":"1","page":176},{"text":"أما الذين قالوا: القروء الحيضات، فاحتجوا بأدلة كثيرة،\nمنها قوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ قالوا: فترتيب العدة بالأشهر على عدم الحيض يدل على أن أصل العدة بالحيض، والأشهر بدل من الحيضات عند عدمها؛ واستدلوا أيضا بقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾. قالوا: هو الولد، أو الحيض، واحتجوا بحديث \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" قالوا: إنه -  ﷺ  - هو مبين الوحي، وقد أطلق القرء على الحيض، فدل ذلك على أنه المراد في الآية، واستدلوا بحديث اعتداد الأمة بحيضتين، وحديث استبرائها بحيضة.\nوأما الذين قالوا: القروء الأطهار، فاحتجوا بقوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ قالوا: عدتهن المأمور بطلاقهن لها الطهر، لا الحيض كما هو صريح الآية، ويزيده إيضاحا قوله -  ﷺ  -، في حديث ابن عمر المتفق عليه: \"فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها، فتلك العدة كما أمر الله\". قالوا: إن النبي -  ﷺ  - صرح في هذا الحديث المتفق عليه، بأن الطهر هو العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء، مبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ وهو نص من كتاب الله وسنة نبيه في محل النزاع.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي أن دليل هؤلاء هذا، فصل في محل النزاع؛ لأن مدار الخلاف هل القروء الحيضات، أو الأطهار؟ وهذه الآية، وهذا الحديث، دلا على أنها الأطهار. ولا يوجد في كتاب الله، ولا سنة نبيه -  ﷺ  - شيء يقاوم هذا الدليل، لا من جهة الصحة، ولا من جهة الصراحة في النزاع؛ لأنه حديث","vol":"1","page":177},{"text":"متفق عليه مذكور في معرض بيان معنى آية من كتاب الله تعالى،\nوقد صرح فيه النبي -  ﷺ  -، بأن الطهر هو العدة مبينا أن ذلك هو مراد الله جل وعلا، بقوله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ فالإشارة في قوله -  ﷺ  -؛ فتلك العدة، راجعة إلى حال الطهر الواقع فيه الطلاق، لأن معنى قوله: فيطلقها طاهرا، أي: في حال كونها طاهرا، ثم بين أن ذلك الحال الذي هو الطهر هو العدة مصرحا بأن ذلك هو مراد الله في كتابه العزيز، وهذا نص صريح في أن العدة بالطهر، وأنث الإشارة لتأنيث الخبر.\nولا تخلص من هذا الدليل لمن يقول: هي الحيضات إلا إذا قال العدة غير القروء، والنزاع في خصوص القروء، كما قال بهذا بعض العلماء. وهذا القول يرده إجماع أهل العرف الشرعي، وإجماع أهل اللسان العربي، على أن عدة من تعتد بالقروء هي نفس القروء، لا شيء آخر زائد على ذلك. وقد قال تعالى: ﴿وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ وهي زمن التربص إجماعا، وذلك هو المعبر عنه بثلاثة قروء التي هي معمول قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ في هذه الآية، فلا يصح لأحد أن يقول: إن على المطلقة التي تعتد بالأقراء شيئا يسمى العدة، زائدا على ثلاثة القروء المذكورة في الآية الكريمة البتة، كما هو معلوم.\nوفي القاموس: وعدة المرأة أيام أقرائها، وأيام إحدادها على الزوج، وهو تصريح منه بأن العدة هي نفس القروء، لا شيء زائد عليها، وفي اللسان: وعدة المرأة أيام أقرائها، وعدتها أيضا أيام إحدادها على بعلها، وإمساكها عن الزينة شهورا كان أو أقراء، أو","vol":"1","page":178},{"text":"وضع حمل حملته من زوجها.\nفهذا بيان بالغ من الصحة والوضوح والصراحة في محل النزاع، ما لا حاجة معه إلى كلام آخر. وتؤيده قرينة زيادة التاء في قوله: \"ثَلاثَةَ قُرُوءٍ\"؛ لدلالتها على تذكير المعدود وهو الأطهار؛ لأنها مذكرة، والحيضات مؤنثة.\nوجواب بعض العلماء عن هذا: بأن لفظ القرء مذكر ومسماه مؤنث وهو الحيضة، وأن التاء إنما جىء بها مراعاة للفظ، وهو مذكر لا للمعنى المؤنث. يقال فيه: إن اللفظ إذا كان مذكرا، ومعناه مؤنثا لا تلزم التاء في عدده، بل تجوز فيه مراعاة المعنى، فيجرد العدد من التاء كقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nوكان مجني دون من كنت أتقي ... ثلاث شخوص كاعبان ومعصر\nفجرد لفظ الثلاثة من التاء؛ نظرا إلى أن مسمى العدد نساء، مع أن لفظ الشخص الذي أطلقه على الأنثى مذكر، وقول الآخر:\nوإن كلابا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر\nفجرد العدد من التاء مع أن البطن مذكر، نظرا إلى معنى القبيلة، وكذلك العكس كقوله:\nثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي\nفإنه قد ذكر لفظ الثلاثة مع أن الأنفس مؤنثة لفظا؛ نظرا إلى أن المراد بها أنفس ذكور.","vol":"1","page":179},{"text":"وتجوز مراعاة اللفظ فيجرد من التاء في الأخير، وتلحقه التاء في الأول، ولحوقها إذن مطلق احتمال، ولا يصح الحمل عليه دون قرينة تعينه، بخلاف عدد المذكر لفظا ومعنى، كالقرء بمعنى الطهر فلحوقه له لازم بلا شك، واللازم الذي لا يجوز غيره أولى بالتقديم من المحتمل الذي يجوز أن يكون غيره بدلا عنه، ولم تدل عليه قرينة كما ترى.\nفإن قيل: ذكر بعض العلماء: أن العبرة في تذكير واحد المعدود وتأنيثه إنما هي باللفظ، ولا تجوز مراعاة المعنى إلا إذا دلت عليه قرينة، أو كان قصد ذلك المعنى كثيرا، والآية التي نحن بصددها ليس فيها أحد الأمرين.\nقال الأشموني في شرح قول ابن مالك:\nثلاثة بالتاء قل للعشرة ... في عد ما آحاده مذكرة\nفي الضد جرد ... إلخ.\nما نصه: الثاني اعتبار التأنيث في واحد المعدود إن كان اسما فبلفظه، تقول: ثلاثة أشخص، قاصدا نسوة، وثلاث أعين قاصد رجال؛ لأن لفظ شخص مذكر، ولفظ عين مؤنث، هذا ما لم يتصل بالكلام ما يقوي المعنى، أو يكثر فيه قصد المعنى، فإن اتصل به ذلك جاز مراعاة المعنى، فالأول كقوله: ثلاث شخوص كاعبان ومعصر، وكقوله: وإن كلابا البيت. والثاني كقوله: ثلاثة أنفس وثلاث ذود. اهـ. منه.\nوقال الصبان في حاشيته عليه: وبما ذكره الشارح يرد ما","vol":"1","page":180},{"text":"استدل به بعض العلماء في قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾، ﴿بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ على أن الأقراء الأطهار، لا الحيض، وعلى أن شهادة النساء غير مقبولة؛ لأن الحيض جمع حيضة: فلو أريد الحيض لقيل: ثلاث، ولو أريد النساء لقيل: بأربع. ووجه الرد أن المعتبر هنا اللفظ، ولفظ قرء وشهيد مذكرين. منه بلفظه.\nفالجواب والله تعالى أعلم: أن هذا خلاف التحقيق، والذي يدل عليه استقراء اللغة العربية جواز مراعاة المعنى مطلقا، وجزم بجواز مراعاة المعنى في لفظ العدد ابن هشام، نقله عنه السيوطي، بل جزم صاحب التسهيل، وشارحه الدماميني أن مراعاة المعنى في واحد المعدود متعينة.\nقال الصبان في حاشيته ما نصه: قوله: \"فبلفظه\": ظاهره أن ذلك على سبيل الوجوب، ويخالفه ما نقله السيوطي عن ابن هشام وغيره من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، فإنه يجوز فيه وجهان. اهـ.\nويخالفه أيضا ما في التسهيل وشرحه للدماميني، وعبارة التسهيل: \"تحذف تاء الثلاثة وأخواتها، إن كان واحد المعدود مؤنث المعنى حقيقة أو مجازا\".\nقال الدماميني: استفيد منه أن الاعتبار في الواحد بالمعنى، لا باللفظ، فلهذا يقال: ثلاثة طلحات. ثم قال في التسهيل: وربما أول مذكر بمؤنث، ومؤنث بمذكر، فجىء بالعدد على حسب التأويل. ومثل الدماميني الأول بنحو ثلاث شخوص، يريد نسوة وعشر أبطن، يريد قبائل. والثاني بنحو ثلاثة أنفس، أي أشخاص","vol":"1","page":181},{"text":"وتسعة وقائع، أي مشاهد، فتأمل. انتهى منه بلفظه.\nوما جزم به صاحب التسهيل وشارحه، من تعين مراعاة المعنى، يلزم عليه تعين كونه القرء في الآية هو الطهر. كما ذكرنا.\nوفي حاشية الصبان أيضا ما نصه: قوله جاز مراعاة المعنى في التوضيح أن ذلك ليس قياسيا، وهو خلاف ما تقدم عن ابن هشام وغيره، من أن ما كان لفظه مذكرا، ومعناه مؤنثا، أو بالعكس، يجوز فيه وجهان. أي ولو لم يكن هناك مرجح للمعنى، وهو خلاف ما تقدم عن التسهيل وشرحه أن العبرة بالمعنى فتأمل. اهـ منه.\nوأما الاستدلال على أنها الحيضات بقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ﴾ الآية - فيقال فيه: إنه ليس في الآية ما يعين أن القروء الحيضات، لأن الأقراء لا تقال إلا في الأطهار التي يتخللها حيض، فإن عدم الحيض عدم معه اسم الأطهار، ولا مانع إذن من ترتيب الاعتداد بالأشهر على عدم الحيض مع كون العدة بالطهر؛ لأن الطهر المراد يلزمه وجود الحيض، وإذا انتفى اللازم انتفى الملزوم، فانتفاء الحيض يلزمه انتفاء الأطهار فكأن العدة بالأشهر مرتبة أيضا على انتفاء الأطهار، المدلول عليه بانتفاء الحيض.\nوأما الاستدلال بآية: ﴿وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنّ﴾ فهو ظاهر السقوط؛ لأن كون القروء الأطهار لا يبيح للمعتدة كتم الحيض، لأن العدة بالأطهار لا تمكن إلا بتخلل الحيض لها، فلو كتمت الحيض لكانت كاتمة انقضاء الطهر، ولو","vol":"1","page":182},{"text":"ادعت حيضا لم يكن كانت كاتمة، لعدم انقضاء الطهر كما هو واضح.\nوأما الاستدلال بحديث \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" فيقال: فيه: إنه لا دليل في الحديث البتة على محل النزاع؛ لأنه لا يفيد شيئا زائدا على أن القرء يطلق على الحيض. وهذا مما لا نزاع فيه.\nأما كونه يدل على منع إطلاق القرء في موضع آخر على الطهر فهذا باطل بلا نزاع، ولا خلاف بين العلماء القائلين بوقوع الاشتراك في أن إطلاق المشترك على أحد معنييه في موضع، لا يفهم منه منع إطلاقه على معناه في موضع آخر. ألا ترى أن لفظ العين مشترك بين الباصرة، والجارية مثلا، فهل تقول: إن إطلاقه تعالى لفظ العين على الباصرة في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ الآية- يمنع إطلاق العين في موضع آخر على الجارية، كقوله: ﴿فِيهَا عَيْنٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾.\nوالحق الذي لا شك فيه أن المشترك يطلق على كل واحد من معنييه، أو معانيه في الحال المناسبة لذلك، والقرء في حديث \"دعي الصلاة أيام أقرائك\" مناسب للحيض دون الطهر؛ لأن الصلاة إنما تترك في وقت الحيض، دون وقت الطهر.\nولو كان إطلاق المشترك على أحد معنييه، يفيد منع إطلاقه على معناه الآخر في موضع آخر، لم يكن في اللغة اشتراك أصلا؛ لأنه كل ما أطلقه على أحدهما منع إطلاقه له على الآخر، فيبطل اسم الاشتراك من أصله، مع أنا قدمنا تصريح النبي -  ﷺ  - في حديث ابن عمر المتفق عليه \"بأن الطهر هو العدة\" وكل هذا على","vol":"1","page":183},{"text":"تقدير صحة حديث \"دعي الصلاة أيام أقرائك\"، لأن من العلماء من ضعفه، ومنهم من صححه.\nوالظاهر أن بعض طرقه لا يقل عن درجة القبول، إلا أنه لا دليل فيه لمحل النزاع، ولو كان فيه لكان مردودا بما هو أقوى منه وأصرح في محل النزاع، وهو ما قدمنا، وكذلك اعتداد الأمة بحيضتين على تقرير ثبوته عنه -  ﷺ  -، لا يعارض ما قدمنا؛ لأنه أصح منه وأصرح في محل النزاع. واستبراؤها بحيضة مسألة أخرى؛ لأن الكلام في العدة، لا في الاستبراء.\nورد بعض العلماء الاستدلال بالآية والحديث الدالين على أنها الأطهار، بأن ذلك يلزمه الاعتداد بالطهر الذي وقع فيه الطلاق كما عليه جمهور القائلين بأن القروء: الأطهار، فيلزم عليه كون العدة قرءين وكسرا من الثالث، وذلك خلاف ما دلت عليه الآية من أنها ثلاثة قروء كاملة = مردود بأن مثل هذا لا تعارض به نصوص الوحي الصريحة، وغاية ما في الباب إطلاق ثلاثة قروء على اثنين وبعض الثالث. ونظيره قوله: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ والمراد شهران وكسر، وادعاء أن ذلك ممنوع في أسماء العدد يقال فيه: إن النبي -  ﷺ  - هو الذي ذكر إن بقية الطهر الواقع فيه الطلاق عدة، مبينا أن ذلك مراد الله في كتابه، وما ذكره بعض أجلاء العلماء - ﵏ - من أن الآية والحديث المذكورين يدلان على أن الأقراء الحيضات بعيد جدا من ظاهر اللفظ كما ترى، بل لفظ الآية والحديث المذكورين صريح في نقيضه، هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة، والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.","vol":"1","page":184},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-144> قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾</span> ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها.\nولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.\nوذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن، كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾؛ لأن الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء. واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة في قوله: ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحًا﴾ ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إلى إذا ارتجعها، لا بنية الإصلاح، بل بقصد الإضرار بها؛ لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾.\nفالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعا، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله: ﴿وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا﴾ الآية، وصحة رجعته حينئذ باعتبار ظاهر الأمر، فلو صرح للحاكم بأنه ارتجعها بقصد الضرر، لأبطل رجعته كما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-145> قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾</span> لم يبين هنا ما هذه","vol":"1","page":185},{"text":"الدرجة التي للرجال على النساء، ولكنه أشار لها في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ فأشار إلى أن الرجل أفضل من المرأة؛ وذلك لأن الذكورة شرف وكمال، والأنوثة نقص خلق طبيعي، والخلق كأنه مجمع على ذلك؛ لأن الأنثى يجعل لها جميع الناس أنواع الزينة والحلي، وذلك إنما هو لجبر النقص الخلقي الطبيعي الذي هو الأنوثة، بخلاف الذكر فجمال ذكورته يكفيه عن الحلي ونحوه. وقد أشار تعالى إلى نقص المرأة وضعفها الخلقيين الطبيعيين بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ لأن نشأتها في الحلية دليل على نقصها المراد جبره، والتغطية عليه بالحلي، كما قال الشاعر:\nوما الحلي إلا زينة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا\nوأما إذا كان الجمال موفرا ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا\nكما قال الشاعر:\nبنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب\nفلم يعتذر عذر البرىء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال: مريب\nولا عبرة بنوادر النساء؛ لأن النادر لا حكم له. وأشار بقوله: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ إلى أن الكامل في وصفه وقوته وخلقته، يناسب حاله أن يكون قائما على الضعيف الناقص خلقة.\nولهذه الحكمة المشار إليها جعل ميراثه مضاعفا على ميراثها؛ لأن من يقوم على غيره مترقب للنقص، ومن يقوم عليه غيره مترقب","vol":"1","page":186},{"text":"للزيادة، وإيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة ظاهر الحكمة.\nكما أنه أشار إلى حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة بقوله: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾؛ لأن من عرف أن حقله غير مناسب للزراعة، لا ينبغي أن يرغم على الازدراع في حقل لا يناسب الزراعة. ويوضح هذا المعنى أن آلة الازدراع بيد الرجل، فلو أكره على البقاء مع من لا حاجة له فيها حتى ترضى بذلك، فإنها إن أردت أن تجامعه لا يقوم ذكره، ولا ينتشر إليها، فلم تقدر على تحصيل النسل منه الذي هو أعظم الغرض من النكاح، بخلاف الرجل، فإنه يولدها وهي كارهة كما هو ضروري.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-146> قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾</span>. ظاهر هذه الآية الكريمة أن الطلاق كله منحصر في المرتين، ولكنه تعالى بين أن المنحصر في المرتين هو الطلاق الذي تملك بعده الرجعة، لا مطلقا، وذلك بذكره الطلقة الثالثة التي لا تحل بعدها المراجعة إلا بعد زوج، وهي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. وعلى هذا القول فقوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ يعني به عدم الرجعة.\nوقال بعض العلماء: الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وروي هذا مرفوعا إليه - ﷺ -.\nتنبيه: ذكر بعض العلماء أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. يؤخذ منها وقوع الطلاق الثلاث في لفظ واحد. وأشار البخاري بقوله: \"باب من جوز الطلاق الثلاث؛ لقول الله تعالى الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ\". والظاهر أن وجه الدلالة المراد عند البخاري، هو ما قاله الكرماني:","vol":"1","page":187},{"text":"من أنه تعالى لما قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ علمنا أن إحدى المرتين جمع فيها بين تطليقتين، وإذا جاز جمع التطليقتين دفعة، جاز جمع الثلاث، ورد ابن حجر هذا بأنه قياس مع وجود الفارق، وجعل الآية دليلا لنقيض ذلك.\nقال مقيده- عفا الله عنه -: الظاهر أن الاستدلال بالآية غير ناهض؛ لأنه ليس المراد حصر الطلاق كله في المرتين حتى يلزم الجمع بين اثنتين في إحدى التطليقتين كما ذكر، بل المراد بالطلاق المحصور: هو خصوص الطلاق الذي تملك بعده الرجعة كما ذكرنا، وكما فسر به الآية جماهير علماء التفسير. وقال بعض العلماء وجه الدليل في الآية أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ عام يتناول إيقاع الثلاث دفعة واحدة، ولا يخفى عدم ظهوره. ولكن كون الآية لا دليل فيها على وقوع الثلاث بلفظ واحد، لا ينافي أن تقوم على ذلك أدلة أخر، وسنذكر أدلة ذلك، وأدلة من خالف فيه، والراجح عندنا في ذلك إن شاء الله تعالى، مع إيضاح خلاصة البحث كله في آخر الكلام إيضاحا تاما.\nفنقول وبالله نستعين: اعلم أن من أدلة القائلين بلزوم الثلاث مجتمعة، حديث سهل بن سعد الساعدي، الثابت في الصحيح في قصة لعان عويمر العجلاني وزوجه، فإن فيه \"فلما فرغا قال عويمر: كذبت عليها يا رسول الله إن أمسكتها، فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله -  ﷺ  -. قال ابن شهاب: فكانت سنة المتلاعنين\" أخرج البخاري هذا الحديث تحت الترجمة المتقدمة عنه. ووجه الدليل منه: أنه أوقع الثلاث في كلمة واحدة، ولم ينكره","vol":"1","page":188},{"text":"رسول الله -  ﷺ  -. ورد المخالف الاستدلال بهذا الحديث، بأن المفارقة وقعت بنفس اللعان، فلم يصادف تطليقه الثلاث محلا، ورد هذا الاعتراض، بأن الاحتجاج بالحديث من حيث إن النبي -  ﷺ  - لم ينكر عليه إيقاع الثلاث مجموعة، فلو كان ممنوعا لأنكره، ولو كانت الفرقة بنفس اللعان، وبأن الفرقة لم يدل على أنها بنفس اللعان كتاب، ولا سنة صريحة ولا إجماع، والعلماء مختلفون في ذلك.\nفذهب مالك وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وإنما تتحقق بلعان الزوجين معا، وهو رواية عن أحمد. وذهب الشافعي وأصحابه إلى أن الفرقة بنفس اللعان، وتقع عند فراغ الزوج من أيمانه قبل لعان المرأة، وهو قول سحنون من أصحاب مالك. وذهب الثوري وأبو حنيفة وأتباعهما، إلى أنها لا تقع حتى يوقعها الحاكم؛ واحتجوا بظاهر ما وقع في أحاديث اللعان، فقد أخرج البخاري في صحيحه عن ابن عمر \"أن رسول الله -  ﷺ  - فرق بين رجل وامرأة قذفها، وأحلفها رسول الله -  ﷺ  -. وأخرج أيضا في صحيحه عن ابن عمر من وجه آخر أنه قال: \"لاعن رسول الله بين رجل وامرأة من الأنصار، وفرق بينهما\". ورواه باقي الجماعة عن ابن عمر. وبه تعلم أن قول يحيى بن معين: إن الرواية بلفظ فرق بين المتلاعنين خطأ؛ يعني في خصوص حديث سهل بن سعد المتقدم، لا مطلقا، بدليل ثبوتها في الصحيح من حديث ابن عمر كما ترى. قال ابن عبد البر: إن أراد من حديث سهل فسهل، وإلا فمردود. وقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: ويؤخذ منه أن إطلاق يحيى بن معين وغيره تخطئة الرواية بلفظ: فرق بين المتلاعنين: إنما","vol":"1","page":189},{"text":"المراد به في حديث سهل بخصوصه. فقد أخرجه أبو داود من طريق سفيان بن عيينة عن الزهري عنه بهذا اللفظ، وقال بعده: لم يتابع ابن عيينة على ذلك أحد، ثم أخرج من طريق ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر \"فرق رسول الله -  ﷺ  - بين أخوي بني العجلان\" اهـ. محل الغرض منه بلفظه، وقد قدمنا في حديث سهل \"فكانت سنة المتلاعنين\".\nواختلف في هذا اللفظ هل هو مدرج من كلام الزهري، فيكون مرسلا، وبه قال جماعة من العلماء؛ أو هو من كلام سهل، فهو مرفوع متصل؛ ويؤيد كونه من كلام سهل ما وقع في حديث أبي داود من طريق عياض بن عبد الله الفهري، عن ابن شهاب عن سهل، قال: فطلقها ثلاث تطليقات عند رسول الله -  ﷺ  -، فأنفذه رسول الله -  ﷺ  -، وكان ما صنع عند رسول الله -  ﷺ  - سنة.\nقال سهل: حضرت هذا عند رسول الله -  ﷺ  -، فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدا. هذا الحديث سكت عليه أَبو داود، والمنذري. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجاله رجال الصحيح.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومعلوم أن ما سكت عليه أبو داود فأقل درجاته عنده الحسن، وهذه الرواية ظاهرة في محل النزاع، وبها تعلم: أن احتاج البخاري لوقوع الثلاث دفعة بحديث سهل المذكور واقع موقعه؛ لأن المطلع على غوامض إشارات البخاري -﵀- يفهم أن هذا اللفظ الثابت في سنن أبي داود مطابق لترجمة البخاري، وأنه أشار بالترجمة إلى هذه الرواية ولم","vol":"1","page":190},{"text":"يخرجها؛ لأنها ليست على شرطه، فتصريح هذا الصحابي الجليل في هذه الرواية الثابتة \"بأن النبي -  ﷺ  - أنفذ طلاق الثلاث دفعة\" يبطل بإيضاح أنه لا عبرة بسكوته -  ﷺ  - وتقريره له؛ بناء على أن الفرقة بنفس اللعان كما ترى.\nوذهب عثمان البتي وأبو الشعثاء جابر بن زيد البصري، أحد أصحاب ابن عباس من فقهاء التابعين: إلى أن الفرقة لا تقع حتى يوقعها الزوج، وذهب أبو عبيد إلى أنها تقع بنفس القذف، وبهذا تعلم أن كون الفرقة بنفس اللعان ليس أمرا قطعيا، حتى ترد به دلالة تقرير النبي -  ﷺ  - عويمر العجلاني على إيقاع الثلاث دفعة الثابت في الصحيح، لا سيما وقد عرفت أن بعض الروايات فيها التصريح بأنه -  ﷺ  - أنفذ ذلك، فإن قيل: قد وقع في حديث لأبي داود عن ابن عباس وقضى أن ليس عليه قوت ولا سكنى، من أجل أنهما يفترقان بغير طلاق، ولا متوفى عنها.\nفالجواب: أن هذا التعليل لعدم إيجاب النفقة والسكنى؛ للملاعنة بعدم طلاق، أو وفاة يحتمل كونه من ابن عباس، وليس مرفوعا إليه -  ﷺ  -. وهذا هو الظاهر أن ابن عباس ذكر العلة لما قضى به رسول الله -  ﷺ  - من عدم النفقة والسكنى، وأراه اجتهاده أن علة ذلك عدم الطلاق والوفاة.\nوالظاهر أن العلة الصحيحة لعدم النفقة والسكنى هي البينونة بمعناها الذي هو أعم من وقوعها بالطلاق، أو بالفسخ، بدليل أن البائن بالطلاق لا تجب لها النفقة والسكنى على أصح الأقوال دليلا، فعلم أن عدم النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق.","vol":"1","page":191},{"text":"وأوضح دليل في ذلك ما صح عنه -  ﷺ  - من حديث فاطمة بنت قيس ﵂: \"أنها طلقها زوجها آخر ثلاث تطليقات فلم يجعل لها رسول الله علىيم نفقة ولا سكنى\" أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد وأصحاب السنن، وهو نص صريح صحيح في أن البائن بالطلاق لا نفقة لها ولا سكنى، وهذا الحديث أصح من حديث ابن عباس المتقدم. وصرح الأئمة بأنه لم يثبت من السنة ما يخالف حديث فاطمة هذا، وما وقع في بعض الروايات عن عمر أنه قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"لها السكنى والنفقة\". فقد قال الإمام أحمد: لا يصح ذلك عن عمر. وقال الدارقطني: السنة بيد فاطمة قطعا، وأيضا تلك الرواية عن عمر من طريق إبراهيم النخعي ومولده بعد موت عمر بسنتين.\nقال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- ونحن نشهد بالله شهادة نسأل عنها إذا لقيناه، أنها كذب على عمر وكذب على رسول الله -  ﷺ  -، فإذا حققت أن السنة معها وأنها صاحبة القصة، فاعلم أنها لما سمعت قول عمر لا نترك كتاب الله وسنة نبينا -  ﷺ  - لقول امرأة، لا ندري لعلها حفظت أو نسيت، قالت: بيني وبينكم كتاب الله. قال الله: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ حتى قال: ﴿لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾. فأي أمر يحدث بعد الثلاث، ورواه أبو داود، والنسائي، وأحمد، ومسلم بمعناه. فتحصل أن السنة بيدها، وكتاب الله معها.\nوهذا المذهب بحسب الدليل هو أوضح المذاهب وأصوبها. وللعلماء في نفقة البائن وسكناها أقوال غير هذا. فمنهم من","vol":"1","page":192},{"text":"أوجبهما معا، ومنهم من أوجب السكنى دون النفقة، ومنهم من عكس. فالحاصل أن حديث فاطمة هذا يرد تعليل ابن عباس المذكور، وأنه أصح من حديثه، وفيه التصريح بأن سقوط النفقة والسكنى لا يتوقف على عدم الطلاق، بل يكون مع الطلاق البائن. وأيضا فالتصريح بأنه -  ﷺ  - أنفذ الثلاث دفعة في الرواية المذكورة أولى بالاعتبار من كلام ابن عباس المذكور؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وهذا الصحابي حفظ إنفاذ الثلاث، والمثبت مقدم على النافي.\nفإن قيل: إنفاذه -  ﷺ  - الثلاث دفعة من الملاعن على الرواية المذكورة لا يكون حجة في غير اللعان؛ لأن اللعان تجب فيه الفرقة الأبدية، فإنفاذ الثلاث مؤكد لذلك الأمر الواجب بخلاف الواقع في غير اللعان، ويدل لهذا أن النبي -  ﷺ  - غضب من إيقاع الثلاث دفعة في غير اللعان، وقال: \"أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ \" كما أخرجه النسائي من حديث محمود بن لبيد.\nفالجواب من أربعة أوجه:\nالأول: الكلام في حديث محمود بن لبيد، فإنه تكلم فيه من جهتين:\nالأولى: أنه مرسل؛ لأن محمود بن لبيد لم يثبت له سماع من رسول الله -  ﷺ  -، وإن كانت ولادته في عهده -  ﷺ  -، وذكره في الصحابة من أجل الرؤية، وقد ترجم له أحمد في مسنده، وأخرج له عدة أحاديث ليس فيها شيء صرح فيه بالسماع.","vol":"1","page":193},{"text":"الثانية: أن النسائي قال بعد تخريجه لهذا الحديث: لا أعلم أحدا رواه غير مخرمة بن بكير. يعني ابن الأشج عن أبيه. ورواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما. وقال ابن المديني: سمع من أبيه قليلا.\nقال ابن حجر في التقريب: روايته عن أبيه وجادة من كتابه، قاله أحمد وابن معين وغيرهما، وقال ابن المديني سمع من أبيه قليلا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أما الإعلال الأول بأنه مرسل، فهو مردود بأنه مرسل صحابي ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، ومحمود بن لبيد المذكور جل روايته عن الصحابة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره. والإعلال الثاني بأن رواية مخرمة عن أبيه وجادة من كتابه فيه: أن مسلما أخرج في صحيحه عدة أحاديث من رواية مخرمة عن أبيه، والمسلمون مجمعون على قبول أحاديث مسلم إلا بموجب صريح يقتضي الرد، فالحق أن الحديث ثابت إلا أن الاستدلال به يرده.\nالوجه الثاني: وهو أن حديث محمود ليس فيه التصريح بأنه -  ﷺ  - أنفذ الثلاث، ولا أنه لم ينفذها، وحديث سهل على الرواية المذكورة فيه التصريح بأنه أنفذها، والمبين مقدم على المجمل؛ كما تقرر في الأصول، بل بعض العلماء احتج لإيقاع الثلاث دفعة، بحديث محمود هذا.\nووجه استدلاله به أنه طلق ثلاثا يظن لزومها، فلو كانت غير لازمة لبين النبي -  ﷺ  - أنها غير لازمة؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن","vol":"1","page":194},{"text":"وقت الحاجة.\nالوجه الثالث: أن إمام المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري ﵀ أخرج حديث سهل تحت الترجمة التي هي قوله: \"باب من جوز الطلاق الثلاث\" وهو دليل على أنه يرى عدم الفرق بين اللعان وغيره، في الاحتجاج بإنفاذ الثلاث دفعة.\nالوجه الرابع؛ هو ما سيأتي من الأحاديث الدالة على وقوع الثلاث دفعة، كحديث ابن عمر، وحديث الحسن بن علي، وإن كان الكل لا يخلو من كلام.\nوممن قال بأن اللعان طلاق لا فسخ أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وحماد؛ وصح عن سعيد بن المسيب، كما نقله الحافظ ابن حجر في فتح الباري، وعن الضحاك والشعبي: إذا أكذب نفسه ردت إليه امرأته.\nوبهذا كله تعلم أن رد الاحتجاج بتقريره -  ﷺ  - عويمر العجلاني، على إيقاع الثلاث دفعة، بأن الفرقة بنفس اللعان لا يخلو من نظر، ولو سلمنا أن الفرقة بنفس اللعان فإنا لا نسلم أن سكوته -  ﷺ  - لا دليل فيه، بل نقول: لو كانت لا تقع دفعة لبين أنها لا تقع دفعة ولو كانت الفرقة بنفس اللعان كما تقدم.\nومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح في قصة رفاعة القرظي وامرأته، فإن فيه \"فقالت: يا رسول الله إن رفاعة طلقني فبت طلاقي\" الحديث. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المتقدمة، فإن قولها: \"فبت طلاقي\" ظاهر في أنه قال لها: أنت","vol":"1","page":195},{"text":"طالق البتة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث غير ناهض فيما يظهر، لأن مرادها بقولها: فبت طلاقي، أي: بحصول الطلقة الثالثة. ويبينه أن البخاري ذكر في كتاب الأدب من وجه آخر أنها قالت: طلقني آخر ثلاث تطليقات، وهذه الرواية تبين المراد من قولها: \"فبت طلاقي\" وأنه لم يكن دفعة واحدة.\nومن أدلتهم حديث عائشة الثابت في الصحيح. وقد أخرجه البخاري تحت الترجمة المذكورة أيضا \"أن رجلا طلق امرأته ثلاثا، فتزوجت فطلق، فسئل النبي -  ﷺ  - أتحل للأول؟ قال: لا، حتى يذوق عسيلتها كما ذاق الأول\" فإن قوله: ثلاثا ظاهر في كونها مجموعة، واعترض الاستدلال بهذا الحديث بأنه مختصر من قصة رفاعة، وقد قدمنا قريبا أن بعض الروايات الصحيحة دل على أنها ثلاث مفرقة، لا مجموعة. ورد هذا الاعتراض بأن غير رفاعة قد وقع له مع امرأته نظير ما وقع لرفاعة، فلا مانع من التعدد، وكون الحديث الأخير في قصة أخرى كما ذكره الحافظ ابن حجر في الكلام على قصة رفاعة، فإنه قال فيها ما نصه: وهذا الحديث إن كان محفوظا فالواضح من سياقه أنها قصة أخرى، وأن كلا من رفاعة القرظي ورفاعة النضري وقع له مع زوجة له طلاق، فتزوج كلا منهما عبد الرحمن بن الزبير فطلقها قبل أن يمسها، فالحكم في قصتهما متحد مع تغاير الأشخاص. وبهذا يتبين خطأ من وحد بينهما ظنا منه أن رفاعة بن سموءل هو رفاعة بن وهب اهـ. محل الحاجة منه بلفظه.","vol":"1","page":196},{"text":"ومن أدلتهم ما أخرجه النسائي عن محمود بن لبيد قال: \"أخبر النبي -  ﷺ  - عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعا، فقام مغضبا، فقال: أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ \" وقد قدمنا أن وجه الاستدلال منه: أن المطلق يظن الثلاثة المجموعة واقعة، فلو كانت لا تقع لبين النبي -  ﷺ  - أنها لا تقع؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه. وقد قال ابن كثير في حديث محمود هذا: أن إسناده جيد. وقال الحافظ في بلوغ المرام: رواته موثقون. وقال في الفتح: رجاله ثقات.\nفإن قيل: غضب النبي -  ﷺ  -، وتصريحه بأن ذلك الجمع للطلقات لعب بكتاب الله يدل على أنها لا تقع؛ لقوله -  ﷺ  -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وفي رواية \"من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nفالجواب أن كونه ممنوعا ابتداء لا ينافي وقوعه بعد الإيقاع، ويدل له ما سيأتي قريبا عن ابن عمر من قوله لمن سأله: وأن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك، ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، وهذا ثابت عن ابن عمر في الصحيح، ويؤيده ما سيأتي إن شاء الله قريبا من حديثه المرفوع عند الدارقطني أن النبي -  ﷺ  - قال له: كانت تبين منك وتكون معصية، ويؤيده أيضا ما سيأتي إن شاء الله عن ابن عباس بإسناده صحيح أنه قال لمن سأله عن ثلاث أوقعها دفعة: إنك لم تتق الله فيجعل لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وبالجملة فالمناسب لمرتكب المعصية","vol":"1","page":197},{"text":"التشديد، لا التخفيف بعدم الإلزام.\nومن أدلتهم ما أخرجه الدارقطني عن ابن عمر ﵄: أنه قال: \"فقلت: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك وتكون معصية\"، وفي إسناده عطاء الخراساني، وهو مختلف فيه، وقد وثقه الترمذي، وقال النسائي وأبو حاتم: لا بأس به، وكذبه سعيد بن المسيب، وضعفه غير واحد، وقال البخاري: ليس فيمن روي عنه مالك من يستحق الترك غيره، وقال شعبة: كان نسيا، وقال ابن حبان: كان من خيار عباد الله، غير أنه كثير الوهم، سيء الحفظ، يخطئ ولا يدري، فلما كثر ذلك في روايته بطل الاحتجاج به. وأيضا الزيادة التي هي محل الحجة من الحديث أعني قوله: \"أرأيت لو طلقتها\" الخ مما تفرد به عطاء المذكور، وقد شاركه الحفاظ في أصل الحديث، ولم يذكروا الزيادة المذكورة. وفي إسنادها شعيب بن زريق الشامي وهو ضعيف، وأعل عبد الحق في أحكامه هذا الحديث، بأن في أسناده معلى بن منصور، وقال: رماه أحمد بالكذب.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أما عطاء الخراساني المذكور فهو من رجال مسلم في صحيحه، وأما معلى بن منصور فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة سني فقيه طلب للقضاء فامتنع، أخطأ من زعم أن أحمد رماه بالكذب، أخرج له الشيخان وباقي الجماعة. وأما شعيب بن زريق أبو شيبة الشامي فقد قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطئ. ومن كان كذلك فليس مردود","vol":"1","page":198},{"text":"الحديث، لا سيما وقد اعتضدت روايته بما تقدم في حديث سهل، وبما رواه البيهقي عن الحسن بن علي ﵄، فإنه قال في السنن الكبرى ما نصه: أخبرنا أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، أنا إبراهيم بن محمد الواسطي، أنا محمد بن حميد الرازي، أنا سلمة بن الفضل، عن عمرو بن أبي قيس، عن إبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة. قال: كانت عائشة الخثعمية عند الحسن بن علي ﵄، فلما قتل علي ﵁ قالت: لتهنك الخلافة، قال: بقتل علي تظهرين الشماتة، إذهبي فأنت طالق، يعني ثلاثا. قال: فتلفعت بثيابها وقعدت حتى قضت عدتها، فبعث إليها ببقية بقيت لها من صداقها وعشرة آلاف صدقة، فلما جاءها الرسول قالت: متاع قليل من حبيب مفارق، فلما بلغه قولها بكى، ثم قال: لولا أني سمعت جدي، أو حدثني أبي أنه سمع جدي يقول: \"أيما رجل طلق امرأته ثلاثا عند الأقراء، أو ثلاثا مبهمة لم تحل له حتى تنكح زوجا غيره لراجعتها\".\nوكذلك روي عن عمرو بن شمر، عن عمران بن مسلم، وإبراهيم بن عبد الأعلى، عن سويد بن غفلة اهـ. منه بلفظه. وضعف هذا الإسناد بأن فيه محمد بن حميد بن حبان الرازي، قال فيه ابن حجر في التقريب: حافظ ضعيف، وكان ابن معين حسن الرأي فيه، وأن فيه أيضا سلمة بن الفضل الأبرش، مولى الأنصار قاضي الري. قال فيه في التقريب: صدوق كثير الخطأ. وروي من غير هذا الوجه، وروي نحوه الطبراني من حديث سويد بن غفلة، وضعف الحديث إسحاق بن راهويه، ويؤيد حديث ابن عمر","vol":"1","page":199},{"text":"المذكور أيضا ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر من أنه قال: \"وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت الله فيما أمرك به من طلاق امرأتك\". ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع.\nوعلى ثبوت حديث ابن عمر المذكور، فهو ظاهر في محل النزاع، فما ذكره بعض أهل العلم من أنه لو صح لم يكن فيه حجة؛ بناء على حمله على كون الثلاث مفرقة لا مجتمعة، فهو بعيد. والحديث ظاهر في كونها مجتمعة؛ لأن ابن عمر لا يسأل عن الثلاث المتفرقة إذ لا يخفى عليه أنها محرمة، وليس محل نزاع. ومن أدلتهم ما أخرجه عبد الرزاق في مصنفه، عن عبادة ابن الصامت، قال: \"طلق جدي امرأة له ألف تطليقة، فانطلق إلى رسول الله -  ﷺ  - فذكر له ذلك، فقال النبي -  ﷺ  -: ما اتقى الله جدك، أما ثلاث فله، وأما تسعمائة وسبع وتسعون فعدوان وظلم، إن شاء الله عذبه، وإن شاء غفر له\" وفي رواية: \"إن أباك لم يتق الله فيجعل له مخرجا بانت منه بثلاث على غير السنة، وتسعمائة وسبع وتسعون إثم في عنقه\". وفي إسناده يحيى بن العلاء، وعبيد الله بن الوليد، وإبراهيم بن عبيد الله ولا يحتج بواحد منهم. وقد رواه بعضهم عن صدقة بن أبي عمران، عن إبراهيم بن عبيد الله بن عبادة بن الصامت، عن أبيه، عن جده.\nومن أدلتهم ما رواه ابن ماجه عن الشعبي قال: قلت لفاطمة بنت قيس: حدثيني عن طلاقك، قالت: طلقني زوجي ثلاثا وهو خارج إلى اليمن، فأجاز ذلك رسول الله -  ﷺ  -، وفي رواية أبي أسامة","vol":"1","page":200},{"text":"عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن فاطمة بنت قيس قالت: \"يا رسول الله إن زوجي طلقني ثلاثا فأخاف أن يقتحم علي فأمرها فتحولت\". وفي مسلم من رواية أبي سلمة، أن فاطمة بنت قيس أخبرته أن أبا حفص بن المغيرة المخزومي طلقها ثلاثا، ثم انطلق إلى اليمن الخ. وفيه عن أبي سلمة أيضا أنها قالت: \"فطلقني البتة\".\nقالوا: فهذه الروايات، ظاهرة في أن الطلاق كان بالثلاث المجتمعة، ولاسيما حديث الشعبي؛ لقولها فيه: فأجاز ذلك رسول الله -  ﷺ  -، إذ لا يحتاج إلى الإخبار بإجازته إلا الثلاث المجتمعة. ورد الاستدلال بهذا الحديث بما ثبت في بعض الروايات الصحيحة؛ كما أخرجه مسلم من رواية أبي سلمة أيضا: أن فاطمة أخبرته أنها كانت تحت أبي عمرو بن حفص بن المغيرة فطلقها آخر ثلاث تطليقات. فهذه الرواية تفسر الروايات المتقدمة، وتظهر أن المقصود منها أن ذلك وقع مفرقا لا دفعة.\nورد بعضهم هذا الاعتراض بأن الروايات المذكورة تدل على عدم تفريق الصحابة والتابعين بين صيغ البينونة الثلاث، يعنون لفظ البتة، والثلاث المجتمعة، والثلاث المتفرقة؛ لتعبيرها في بعض الروايات بلفظ طلقني ثلاثا، وفي بعضها بلفظ طلقني البتة، وفي بعضها بلفظ فطلقني آخر ثلاث تطليقات. فلم تخص لفظا منها عن لفظ؛ لعلمها بتساوي الصيغ، ولو علمت أن بعضها لا يحرم لاحترزت منه.\nقالوا: والشعبي قال لها: حدثيني عن طلاقك أي: عن كيفيته","vol":"1","page":201},{"text":"وحاله، فكيف يسأل عن الكيفية ويقبل الجواب بما فيه عنده إجمال من غير أن يستفسر عنه، وأبو سلمة روى عنها الصيغ الثلاث؛ فلو كان بينها عنده تفاوت لاعترض عليها باختلاف ألفاظها، وتثبت حتى يعلم منها بأي الصيغ وقعت بينونتها، فتركه لذلك دليل على تساوي الصيغ المذكورة عنده. هكذا ذكره بعض الأجلاء. والظاهر أن هذا الحديث لا دليل فيه؛ لأن الروايات التي فيها إجمال بينتها الرواية الصحيحة الأخرى كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\nومن أدلتهم ما رواه أبو داود والدارقطني وقال: قال أبو داود: هذا حديث حسن صحيح، والشافعي، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان والحاكم عن ركانة بن عبد الله أنه طلق امرأته سهيمة البتة، فأخبر النبي -  ﷺ  - بذلك. فقال: والله ما أردت إلا واحدة. فقال رسول الله -  ﷺ  -: والله ما أردت إلا واحدة؛ فقال ركانة: والله ما أردت إلا واحدة، فردها إليه رسول الله -  ﷺ  -، وطلقها الثانية في زمان عمر بن الخطاب، والثالثة في زمن عثمان، فهذا الحديث صححه أبو داود، وابن حبان، والحاكم. وقال فيه ابن ماجه: سمعت أبا الحسن علي بن محمد الطنافسي يقول: ما أشرف هذا الحديث. وقال الشوكاني في نيل الأوطار: قال ابن كثير: قد رواه أبو داود من وجه آخر، وله طرق أخر، فهو حسن إن شاء الله.\nوهو نص في محل النزاع؛ لأن تحليفه -  ﷺ  - لركانة \"ما أراد بلفظ البتة إلا واحدة\" دليل على أنه لو أراد بها أكثر من الواحدة لوقع، والثلاث أصرح في ذلك من لفظ البتة؛ لأن البتة كناية، والثلاث صريح، ولو كان لا يقع أكثر من واحدة لما كان لتحليفه معنى، مع","vol":"1","page":202},{"text":"اعتضاد هذا الحديث بما قدمناه من الأحاديث، وبما سنذكره بعده إن شاء الله تعالى. وإن كان الكل لا يخلو من كلام، مع أن هذا الحديث تكلم فيه بأن في إسناده الزبير بن سعيد بن سليمان بن سعيد بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب الهاشمي.\nقال فيه ابن حجر في التقريب: لين الحديث. وقد ضعفه غير واحد. وقيل: إنه متروك، والحق ما قاله فيه ابن حجر من أنه لين الحديث.\nوذكر الترمذي عن البخاري أنه مضطرب فيه، يقال: ثلاثا، وتارة قيل: واحدة، وأصحها أنه طلقها البتة، وأن الثلاث ذكرت فيه على المعنى.\nوقال ابن عبد البر في التمهيد: تكلموا في هذا الحديث.\nوقد قدمنا آنفا تصحيح أبي داود، وابن حبان؛ والحاكم له.\nوأن ابن كثير قال: إنه حسن، وإنه معتضد بالأحاديث المذكورة قبله؛ كحديث ابن عمر عند الدارقطني؛ وحديث الحسن عند البيهقي؛ وحديث سهل بن سعد الساعدي في لعان عويمر وزوجه، ولاسيما على رواية فأنفذه رسول الله -  ﷺ  - يعني الثلاث بلفظ واحد كما تقدم، ويعتضد أيضا بما رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، عن حماد بن زيد قال: قلت لأيوب: هل علمت أحدا قال في أمرك بيدك: أنها ثلاث غير الحسن؛ قال: لا. ثم قال: اللهم غفرا إلا ما حدثني قتادة عن كثير، مولى ابن سمرة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي -  ﷺ  - قال: ثلاث فلقيت كثيرا فسألته فلم يعرفه، فرجعت إلى قتادة فأخبرته، فقال: نسي. وقال","vol":"1","page":203},{"text":"الترمذي. لا نعرفه إلا من حديث سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد. وتكلم في هذا الحديث من ثلاث جهات.\nالأولى: أن البخاري لم يعرفه مرفوعا، وقال: إنه موقوف على أبي هريرة. ويجاب عن هذا: بأن الرفع زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وقد رواه سليمان ابن حرب، عن حماد بن زيد مرفوعا، وجلالتهما معروفة. قال في مراقي السعود:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبول عند إمام الحفظ .. الخ\nالثانية: أن كثيرا نسيه. ويجاب عن هذا بأن نسيان الشيخ لا يبطل رواية من روى عنه؛ لأنه يقل راو يحفظ طول الزمان ما يرويه، وهذا قول الجمهور. وقد روى سهيل بن أبي صالح، عن أبيه، عن أبي هريرة: أن النبي -  ﷺ  -، قضى بالشاهد واليمين ونسيه، فكان يقول: حدثني ربيعة عني ولم ينكر عليه أحد، وأشار إليه العراقي في ألفيته بقوله:\nوإن يرده بلا أذكر أو ... ما يقتضي نسيانه فقد رأوا\nالحكم للذاكر عند المعظم ... وحكي الإسقاط عن بعضهم\nكقصة الشاهد واليمين إذ ... نسيه سهيل الذي أخذ\nعنه، فكان بعد عن ربيعه ... عن نفسه يرويه أن يضيعه\nالثالثة: تضعيفه بكثير مولى ابن سمرة، كما قال ابن حزم: إنه مجهول. ويجاب عنه بأن ابن حجر قال في التقريب: إنه مقبول.","vol":"1","page":204},{"text":"ومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث زاذان عن علي ﵁ قال: سمع النبي -  ﷺ  - رجلا طلق البتة فغضب، وقال: أتتخذون آيات الله هزوا؛ أو دين الله هزوا، أو لعبا؛ من طلق البتة ألزمناه ثلاثا، لا تحل له حتى تنكح زوجا غيره، وفيه إسماعيل بن أمية، قال فيه الدارقطني: كوفي ضعيف.\nومن أدلتهم ما رواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس قال: سمعت أنس بن مالك يقول: سمعت معاذ بن جبل يقول: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"يا معاذ من طلق للبدعة واحدة أو اثنتين أو ثلاثا ألزمناه بدعته\" وفي إسناده إسماعيل بن أمية الذراع وهو ضعيف أيضا.\nفهذه الأحاديث وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال فإن كثرتها واختلاف طرقها وتباين مخارجها يدل على أن لها أصلا، والضعاف المعتبر بها إذا تباينت مخارجها شد بعضها بعضا، فصلح مجموعها للاحتجاج، ولاسيما أن منها ما صححه بعض العلماء كحديث طلاق ركانة البتة، وحسنه ابن كثير، ومنها ما هو صحيح، وهو رواية إنفاذه -  ﷺ  - طلاق عويمر ثلاثا مجموعة عند أبي داود. وقد علمت معارضة تضعيف حديث ابن عمر عند الدارقطني من جهة عطاء الخراساني، ومعلى بن منصور، وشعيب بن زريق، إلى آخر ما تقدم:\nلا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويا\nوقال النووي في شرح مسلم ما نصه: واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ","vol":"1","page":205},{"text":"ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾.\nقالوا: معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه؛ لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع لم يقع طلاقه هذا إلا رجعيا، فلا يندم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يؤيد هذا الاستدلال القرآني ما أخرجه أبو داود بسند صحيح من طريق مجاهد قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنه طلق امرأته ثلاثا، فسكت حتى ظننت أنه سيردها إليه، فقال ينطلق أحدكم فيركب الأحموقة، ثم يقول: يا ابن عباس، إن الله قال: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ وإنك لم تتق الله، فلا أجد لك مخرجا، عصيت ربك، وبانت منك امرأتك. وأخرج له أبو داود متابعات عن ابن عباس بنحوه، وهذا تفسير من ابن عباس للآية بأنها يدخل في معناها، \"وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ ولم يجمع الطلاق في لفظة واحدة يجعل له مخرجا بالرجعة، ومن لم يتقه في ذلك بأن جمع الطلقات في لفظ واحد لم يجعل له مخرجا بالرجعة؛ لوقوع البينونة بها مجتمعة\"، هذا هو معنى كلامه الذي لا يحتمل غيره. وهو قوي جدا في محل النزاع؛ لأنه يفسِّر به قرآنا، وهو ترجمان القرآن، وقد قال -  ﷺ  -: \"اللهم علمه التأويل\". وعلى هذا القول جل الصحابة، وأكثر العلماء، منهم الأئمة الأربعة. وحكى غير واحد عليه الإجماع.\nواحتج المخالفون بأربعة أحاديث.\nالأول: حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة عن ابن عباس عند أحمد وأبي يعلى؛ وصححه بعضهم قال: طلق","vol":"1","page":206},{"text":"ركانة بن عبد يزيد امرأته ثلاثا في مجلس واحد، فحزن عليها حزنا شديدا، فسأله النبي -  ﷺ  - كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد، فقال النبي -  ﷺ  -: \"إنما تلك واحدة، فارتجعها إن شئت فارتجعها\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذا الحديث مردود من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه لا دليل فيه البتة على محل النزاع على فرض صحته، لا بدلالة المطابقة، ولا بدلالة التضمن، ولا بدلالة الالتزام؛ لأن لفظ المتن أن: الطلقات الثلاث واقعة في مجلس واحد، ولا شك أن كونها في مجلس واحد لا يلزم منه كونها بلفظ واحد، فادعاء أنها لما كانت في مجلس واحد، لا بد أن تكون بلفظ واحد في غاية البطلان كما ترى؛ إذ لم يدل كونها في مجلس واحد، على كونها بلفظ واحد بنقل، ولا عقل، ولا لغة كما لا يخفى على أحد، بل الحديث أظهر في كونها ليست بلفظ واحد، إذ لو كانت بلفظ واحد، لقال: بلفظ واحد وترك ذكر المجلس؛ إذ لا داعي لترك الأخص، والتعبير بالأعم بلا موجب كما ترى.\nوبالجملة فهذا الدليل يقدح فيه بالقادح المعروف عند أهل الأصول: بالقول بالموجب، فيقال: سلمنا أنها في مجلس واحد، ولكن من أين لك أنها بلفظ واحد فافهم. وسترى تمام هذا المبحث إن شاء الله، في الكلام على حديث طاوس عند مسلم.\nالثاني: أن داود بن الحصين الذي هو راوي هذا الحديث عن عكرمة ليس بثقة في عكرمة. قال ابن حجر في التقريب: داود بن","vol":"1","page":207},{"text":"الحصين الأموي مولاهم أبو سليمان المدني ثقة إلا في عكرمة، ورمى برأي الخوارج. اهـ. وإذا كان غير ثقة في عكرمة كان الحديث المذكور من رواية غير ثقة، مع أنا قدمنا أنه لو كان صحيحا لما كانت فيه حجة.\nالثالث: ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، فإنه قال فيه ما نصه: الثالث: أن أبا داود رجح أن ركانة إنما طلق امرأته البتة كما أخرجه هو من طريق آل بيت ركانة، وهو تعليل قوي؛ لجواز أن يكون بعض رواته حمل البتة على الثلاث، فقال: طلقها ثلاثا، فبهذه النكتة يقف الاستدلال بحديث ابن عباس اهـ. منه بلفظه. يعني حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين المذكور عن عكرمة، عن ابن عباس، مع أنا قدمنا أن الحديث لا دليل فيه أصلا على محل النزاع. وبما ذكرنا يظهر سقوط الاستدلال بحديث ابن إسحاق المذكور.\nالحديث الثاني من الأحاديث الأربعة التي استدل بها من جعل الثلاث واحدة: هو ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر: من أنه طلق امرأته في الحيض ثلاثا فاحتسب بواحدة، ولا يخفى سقوط هذا الاستدلال، وأن الصحيح أنه إنما طلقها واحدة، كما جاء في الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره. وقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عمر فالروايات الصحيحة التي ذكرها مسلم وغيره أنه طلقها واحدة.\nوقال القرطبي في تفسيره ما نصه: والمحفوظ أن ابن عمر طلق امرأته واحدة في الحيض. قال عبد الله: وكان تطليقه إياها في","vol":"1","page":208},{"text":"الحيض واحدة، غير أنه خالف السنة. وكذلك قال صالح بن كيسان، وموسى بن عقبة، وإسماعيل بن أمية. وليث بن سعد، وابن أبي ذئب، وابن جريج، وجابر، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، عن نافع، أن ابن عمر طلق تطليقة واحدة. وكذا قال الزهري عن سالم، عن أبيه، ويونس بن جبير والشعبي والحسن اهـ منه بلفظه. فسقوط الاستدلال بحديث ابن عمر في غاية الظهور.\nالحديث الثالث من أدلتهم: هو ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، مولى النبي -  ﷺ  -، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: طلق عبد يزيد - أبو ركانة وإخوته - أم ركانة، ونكح امرأة من مزينة، فجاءت إلى النبي -  ﷺ  - فقالت: \"ما يغني عني إلا كما تغني هذه الشعرة، لشعرة أخذتها من رأسها. ففرق بيني وبينه. فأخذت النبي -  ﷺ  - حمية، فدعا بركانة وإخوته، ثم قال لجلسائه: أترون فلانا يشبه منه كذا وكذا من عبد يزيد؟ وفلانا يشبه منه كذا وكذا؟ قالوا: نعم. فقال النبي -  ﷺ  -: طلقها. ففعل، فقال: راجع امرأتك أم ركانة، فقال: إني طلقتها ثلاثا يا رسول الله، قال: قد علمت، راجعها، ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ﴾ \".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والاستدلال بهذا الحديث ظاهر السقوط؛ لأن ابن جريج قال: أخبرني بعض بني أبي رافع، وهي رواية عن مجهول لا يدرى من هو؟ فسقوطها واضح كما ترى. ولا شك أن حديث أبي داود المتقدم أولى بالقبول من","vol":"1","page":209},{"text":"الذي لا خلاف في ضعفه. وقد تقدم أن ذلك فيه أنه طلقها البتة، وأن النبي -  ﷺ  - أحلفه ما أراد إلا واحدة، وهو دليل واضح على نفوذ الطلقات المجتمعة كما تقدم.\nالحديث الرابع: هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع واللفظ لابن رافع. قال إسحاق: أخبرنا، وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس، قال: كان الطلاق على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة، فقال عمر بن الخطاب: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، فلو أمضيناه عليهم، فأمضاه عليهم.\nحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا روح بن عبادة، أخبرنا ابن جريج، وحدثنا ابن رافع واللفظ له. حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا ابن جريج، أخبرني ابن طاوس عن أبيه، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أتعلم إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد النبي -  ﷺ  - وأبي بكر وثلاثا من إمارة عمر؛ فقال ابن عباس: نعم.\nوحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد، عن أيوب السختياني، عن إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، أن أبا الصهباء قال لابن عباس: هات من هناتك، ألم يكن الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر واحدة؟ فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عليهم، هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوهذه الطريق الأخيرة أخرجها أبو داود ولكن لم يسم إبراهيم","vol":"1","page":210},{"text":"بن ميسرة. وقال بدله: عن غير واحد، ولفظ المتن أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى، كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس -يعني: عمر- قد تتايعوا فيها، قال: أجيزوننا عليهم.\nوللجمهور عن حديث ابن عباس هذا عدة أجوبة:\nالأول: أن الثلاث المذكورة فيه التي كانت تجعل واحدة، ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها واقعة بلفظ واحد، ولفظ طلاق الثلاث لا يلزم منه لغة ولا عقلا ولا شرعا أن تكون بلفظ واحد، فمن قال لزوجته: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ثلاث مرات، في وقت واحد. فطلاقه هذا طلاق الثلاث؛ لأنه صرح بالطلاق فيه ثلاث مرات، وإذا قيل لمن جزم بأن المراد في الحديث إيقاع الثلاث بكلمة واحدة من أين أخذت كونها بكلمة واحدة؟ فهل في لفظ من ألفاظ الحديث أنها بكلمة واحدة؛ وهل يمنع إطلاق الطلاق الثلاث على الطلاق بكلمات متعددة؟ فإن قال: لا يقال له: طلاق الثلاث إلا إذا كان بكلمة واحدة، فلا شك في أن دعواه هذه غير صحيحة، وإن اعترف بالحق وقال: يجوز إطلاقه على ما أوقع بكلمة واحدة، وعلى ما أوقع بكلمات متعددة وهو أسعد بظاهر اللفظ. قيل له: وإذن فجزمك بكونه بكلمة واحدة لا وجه له، وإذا لم يتعين في الحديث كون الثلاث بلفظ واحد سقط","vol":"1","page":211},{"text":"الاستدلال به من أصله في محل النزاع.\nومما يدل على أنه لا يلزم من لفظ طلاق الثلاث في هذا الحديث كونها بكلمة واحدة، أن الإمام أبا عبد الرحمن النسائي مع جلالته وعلمه وشدة فهمه، ما فهم من هذا الحديث إلا أن المراد بطلاق الثلاث فيه، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. بتفريق الطلقات؛ لأن لفظ الثلاث أظهر في إيقاع الطلاق ثلاث مرات. ولذا ترجم في سننه لرواية أبي داود المذكورة في هذا الحديث. فقال: \"باب طلاق الثلاث المتفرقة قبل الدخول بالزوجة\" ثم قال: أخبرنا أبو داود سليمان بن سيف قال: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن طاوس، عن أبيه: أن أبا الصهباء جاء إلى ابن عباس ﵄ فقال: يا ابن عباس ألم تعلم أن الثلاث كانت على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر ترد إلى الواحدة؟ قال: نعم. فترى هذا الإمام الجليل صرح بأن طلاق الثلاث في هذا الحديث ليس بلفظ واحد، بل بإلفاظ متفرقة، ويدل على صحة ما فهمه النسائي ﵀ من الحديث ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد في الرد على من استدل لوقوع الثلاث دفعة، بحديث عائشة: أن رجلا طلق امرأته ثلاثا فتزوجت. الحديث. فإنه قال فيه ما نصه: ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال: ثلاثا، إلا من فعل وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم. كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. اهـ. منه بلفظه.","vol":"1","page":212},{"text":"وهو دليل واضح لصحة ما فهمه أبو عبد الرحمن النسائي ﵀ من الحديث؛ لأن لفظ الثلاث في جميع رواياته أظهر في أنها طلقات ثلاث واقعة مرة بعد مرة، كما أوضحه ابن القيم ﵀ في حديث عائشة المذكور آنفا.\nوممن قال بأن المراد بالثلاث في حديث طاوس المذكور: الثلاث المفرقة بألفاظ نحو أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق ابن سريج، فإنه قال: يشبه أن يكون ورد في تكرير اللفظ، كأن يقول: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وكانوا أولا على سلامة صدورهم، يقبل منهم أنهم أرادوا التأكيد، فلما كثر الناس في زمن عمر، وكثر فيهم الخداع ونحوه، مما يمنع قبول من ادعى التأكيد، حمل عمر اللفظ على ظاهر التكرار، فأمضاه عليهم. قاله ابن حجر في الفتح. وقال: إن هذا الجواب ارتضاه القرطبي، وقواه بقول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة.\nوقال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما حديث ابن عباس فاختلف الناس في جوابه وتأويله، فالأصح أن معناه أنه كان في أول الأمر إذا قال لها: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، ولم ينو تأكيدا، ولا استئنافا، يحكم بوقوع طلقة؛ لقلة إرادتهم الاستئناف بذلك، فحمل على الغالب الذي هو إرادة التأكيد، فلما كان في زمن عمر ﵁، وكثر استعمال الناس لهذه الصيغة، وغلب منهم إرادة الاستئناف بها، حملت عند الإطلاق على الثلاث، عملا بالغالب السابق إلى الفهم في ذلك العصر.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الوجه لا إشكال فيه؛ لجواز","vol":"1","page":213},{"text":"تغير الحال عند تغير القصد، لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرىء ما نوى، وظاهر اللفظ يدل لهذا كما قدمنا. وعلى كل حال فادعاء الجزم بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد ادعاء خال من دليل كما رأيت، فليتق الله من تجرأ على عزو ذلك إلى النبي -  ﷺ  -، مع أنه ليس في شيء من روايات حديث طاوس كون الثلاث المذكورة بلفظ واحد، ولم يتعين ذلك من اللغة، ولا من الشرع، ولا من العقل كما ترى.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل لكون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد ما تقدم في حديث ابن إسحاق عن داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس، عند أحمد، وأبي يعلى، من قوله: طلق امرأته ثلاثا في مجلس واحد، وقوله -  ﷺ  -: كيف طلقتها؟ قال: ثلاثا في مجلس واحد؟ لأن التعبير بلفظ المجلس يفهم منه أنها ليست بلفظ واحد، إذ لو كان اللفظ واحدا لقال: بلفظ واحد، ولم يحتج إلى ذكر المجلس، إذ لا داعي لذكر الوصف الأعم، وترك الأخص بلا موجب، كما هو ظاهر.\nالجواب الثاني عن حديث ابن عباس هو: أن معنى الحديث أن الطلاق الواقع في زمن عمر ثلاثا كان يقع قبل ذلك واحدة؛ لأنهم كانوا لا يستعملون الثلاث أصلا، أو يستعملونها نادرا، وأما في عهد عمر فكثر استعمالهم لها.\nومعنى قوله: \"فأمضاه عليهم\" على هذا القول أنه صنع فيهم من الحكم بإيقاع الطلاق ما كان يصنع قبله، ورجح هذا التأويل ابن العربي، ونسبه إلى أبي زرعة الرازي، وكذا أورده البيهقي بإسناده","vol":"1","page":214},{"text":"الصحيح إلى أبي زرعة أنه قال: معنى هذا الحديث عندي إنما تطلقون أنتم ثلاثا كانوا يطلقون واحدة. قال النووي وعلى هذا فيكون الخبر وقع عن اختلاف عادة الناس خاصة، لا عن تغيير الحكم في المسألة الواحدة، وهذا الجواب نقله القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ عن المحقق القاضي أبي الوليد الباجي، والقاضي عبد الوهاب، والكيا الطبري.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ما في هذا الجواب من التعسف، وإن قال به بعض أجلاء العلماء.\nالجواب الثالث: عن حديث ابن عباس ﵄، هو القول بأنه منسوخ، وأن بعض الصحابة لم يطلع على النسخ إلا في عهد عمر، فقد نقل البيهقي في السنن الكبرى في \"باب من جعل الثلاث واحدة\" عن الإمام الشافعي ما نصه: قال الشافعي: فإن كان معنى قول ابن عباس أن الثلاث كانت تحسب على عهد رسول الله -  ﷺ  - واحدة، يعني أنه بأمر النبي -  ﷺ  -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس علم أن كان شيئا فنسخ.\nفإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله -  ﷺ  - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي -  ﷺ  - فيه خلاف.\nقال الشيخ: ورواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.\nقال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال","vol":"1","page":215},{"text":"فيه ابن عباس بقول عمر ﵁. قيل: قد علمنا أن ابن عباس ﵄ يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي -  ﷺ  - فيه خلافه؟ اهـ. محل الحاجة من البيهقي بلفظه.\nوقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: الجواب الثالث دعوى النسخ، فنقل البيهقي عن الشافعي أنه قال: يشبه أن يكون ابن عباس علم شيئا نسخ ذلك، قال البيهقي: ويقويه ما أخرجه أبو داود من طريق يزيد النحوي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان الرجل إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها، وإن طلقها ثلاثا، فنسخ ذلك. والترجمة التي ذكر تحتها أبو داود الحديث المذكور هي قوله: \"باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث\".\nوقال ابن كثير في تفسير قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية -بعد أن ساق حديث أبي داود المذكور آنفا ما نصه-: ورواه النسائي عن زكريا بن يحيى، عن إسحاق بن إبراهيم، عن علي بن الحسن به.\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا هارون بن إسحاق، حدثنا عبدة -يعني: ابن سليمان- عن هشام بن عروة، عن أبيه، أن رجلا قال لامرأته: لا أطلقك أبدا، ولا آويك أبدا. قالت: وكيف ذلك؟ قال: أطلق حتى إذا دنا أجلك راجعتك، فأتت رسول الله -  ﷺ  - وذكرت له ذلك، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو قال:","vol":"1","page":216},{"text":"فاستقبل الناس الطلاق من كان طلق ومن لم يكن طلق. وقد رواه أبو بكر بن مردويه من طريق محمد بن سليمان، عن يعلى بن شبيب، مولى الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة: فذكره بنحو ما تقدم. ورواه الترمذي عن قتيبة عن يعلى بن شبيب به، ثم رواه عن أبي كريب، عن ابن إدريس، عن هشام، عن أبيه مرسلا. وقال: هذا أصح. ورواه الحاكم في مستدركه من طريق يعقوب بن حميد بن كليب، عن يعلى بن شبيب به، وقال: صحيح الإسناد.\nثم قال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إسماعيل بن عبد الله، حدثنا محمد بن حميد، حدثنا سلمة بن الفضل عن محمد بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: لم يكن للطلاق وقت، يطلق الرجل امرأته، ثم يراجعها، ما لم تنقض العدة، وكان بين رجل من الأنصار، وبين أهله بعض ما يكون بين الناس، فقال: والله لأتركنك لا أيما، ولا ذات زوج، فجعل يطلقها حتى إذا كادت العدة أن تنقضي راجعها، ففعل ذلك مرارا، فأنزل الله ﷿: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فوقت الطلاق ثلاثا لا رجعة فيه بعد الثالثة، حتى تنكح زوجا غيره. وهكذا روي عن قتادة مرسلا، ذكره السدي وابن زيد، وابن جرير كذلك. واختار أن هذا تفسير هذه الآية. اهـ. من ابن كثير بلفظه.\nوفي هذه الروايات دلالة واضحة لنسخ المراجعة بعد الثلاث، وإنكار المازري -﵀- ادعاء النسخ مردود بما رده به الحافظ ابن حجر في فتح الباري، فإنه لما نقل عن المازري إنكاره للنسخ","vol":"1","page":217},{"text":"من أوجه متعددة، قال بعده ما نصه: قلت: نقل النووي هذا الفصل في شرح مسلم وأقره، وهو متعقب في مواضع.\nأحدها: أن الذي ادعى نسخ الحكم لم يقل: إن عمر هو الذي نسخ حتى يلزم منه ما ذكر، وإنما قال ما تقدم: يشبه أن يكون علم شيئا من ذلك نسخ، أي اطلع على ناسخ للحكم الذي رواه مرفوعا، ولذلك أفتى بخلافه، وقد سلم المازري في أثناء كلامه أن إجماعهم يدل على ناسخ، وهذا هو مراد من ادعى النسخ.\nالثاني: إنكاره الخروج عن الظاهر عجيب، فإن الذي يحاول الجمع بالتأويل يرتكب خلاف الظاهر حتما.\nالثالث: أن تغليطه من قال: المراد ظهور النسخ عجيب أيضا؛ لأن المراد بظهوره انتشاره، وكلام ابن عباس أنه كان يفعل في زمن أبي بكر محمول على أن الذي كان يفعله من لم يبلغه النسخ، فلا يلزم ما ذكر من إجماعهم على الخطأ. اهـ. محل الحاجة من فتح الباري بلفظه، ولا إشكال فيه؛ لأن كثيرا من الصحابة اطلع على كثير من الأحكام لم يكن يعلمه، وقد وقع ذلك في خلافة أبي بكر، وعمر، وعثمان، فأبو بكر لم يكن عالما بقضاء رسول الله -  ﷺ  -، في ميراث الجدة حتى أخبره المغيرة بن شعبة، ومحمد بن مسلمة، وعمر لم يكن عنده علم بقضاء رسول الله -  ﷺ  - في دية الجنين حتى أخبره المذكوران قبل، ولم يكن عنده علم من أخذ رسول الله -  ﷺ  - الجزية من مجوس هجر حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف، ولا من الاستئذان ثلاثا. حتى أخبره أبو موسى","vol":"1","page":218},{"text":"الأشعري، وأبو سعيد الخدري، وعثمان لم يكن عنده علم بأن رسول الله -  ﷺ  - أوجب السكنى للمتوفى عنها زمن العدة، حتى أخبرته فريعة بنت مالك، والعباس بن عبد المطلب، وفاطمة الزهراء ﵄، لم يكن عندهما علم بأن النبي -  ﷺ  - قال: \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث\" الحديث. حتى طلبا ميراثهما من رسول الله -  ﷺ  -، وأمثال هذا كثيرة جدا.\nوأوضح دليل يزيل الإشكال عن القول بالنسخ المذكور وقوع مثله، واعتراف المخالف به في نكاح المتعة، فإن مسلما روى عن جابر ﵁ \"أن متعة النساء كانت تفعل في عهد النبي -  ﷺ  - وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، قال: ثم نهانا عمر عنها فانتهينا\" وهذا مثل ما وقع في طلاق الثلاث مطلقًا \"ما أشبه الليلة بالبارحة\".\n\"فإلا يكنها أو تكنه فإنه ... أخوها غذته أمه بلبانها\"\nفمن الغريب أن يسلم منصف إمكان النسخ في إحداهما، ويدعي استحالته في الأخرى، مع أن كلا منهما روى مسلم فيها عن صحابي جليل أن ذلك الأمر كان يفعل في زمن النبي -  ﷺ  -، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر في مسألة تتعلق بالفروج، ثم غيره عمر.\nومن أجاز نسخ نكاح المتعة، وأحال نسخ جعل الثلاث واحدة، يقال له: ما لبائك تجر، وبائي لا تجر؟\nفإن قيل: نكاح المتعة صح النص بنسخه.","vol":"1","page":219},{"text":"قلنا: قد رأيت الروايات المتقدمة بنسخ المراجعة بعد الثلاث.\nوممن جزم بنسخ جعل الثلاث واحدة، الإمام أبو داود -رحمه الله تعالى- ورأى أن جعلها واحدة إنما هو في الزمن الذي كان يرتجع فيه بعد ثلاث تطليقات وأكثر، قال في سننه: \"باب نسخ المراجعة بعد التطليقات الثلاث\" ثم ساق بسنده حديث ابن عباس قال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ الآية. وذلك أن الرجل كان إذا طلق امرأته فهو أحق برجعتها وإن طلقها ثلاثا فنسخ ذلك، وقال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ هو الآية. وأخرج نحوه النسائي، وفي إسناده علي بن الحسين بن واقد، قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يهم، وروى مالك في الموطأ عن هشام بن عروة، عن أبيه أنه قال: كان الرجل إذا طلق امرأته ثم ارتجعها قبل أن تنقضي عدتها كان ذلك له وإن طلقها ألف مرة، فعمد رجل إلى امرأته فطلقها، حتى إذا أشرفت على انقضاء عدتها راجعها، ثم قال: لا آويك ولا أطلقك، فأنزل الله ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ فاستقبل الناس الطلاق جديدا من يومئذ، من كان طلق منهم، أو لم يطلق.\nويؤيد هذا أن عمر لم ينكر عليه أحد من أصحاب رسول الله -  ﷺ  -، إيقاع الثلاث دفعة مع كثرتهم، وعلمهم، وورعهم، ويؤيده أن كثيرا جدا من الصحابة الأجلاء العلماء صح عنهم القول بذلك، كابن عباس، وعمر، وابن عمر، وخلق لا يحصى، والناسخ الذي نسخ المراجعة بعد الثلاث، قال بعض العلماء: إنه قوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ كما جاء مبينا في الروايات المتقدمة، ولا مانع عقلا ولا عادة من أن يجهل مثل هذا الناسخ كثير من الناس إلى","vol":"1","page":220},{"text":"خلافة عمر، كما جهل كثير من الناس نسخ نكاح المتعة إلى خلافة عمر مع أنه - ﵁ - صرح بنسخها، وتحريمها إلى يوم القيامة، في غزوة الفتح، وفي حجة الوداع أيضا، كما جاء في رواية عند مسلم، ومع أن القرآن دل على تحريم غير الزوجة والسرية، بقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ومعلوم أن المرأة المتمتع بها ليست بزوجة ولا سرية كما يأتي تحقيقه إن شاء الله تعالى في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية.\nوالذين قالوا بالنسخ قالوا في معنى قول عمر: إن الناس استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة، أن المراد بالأناة، أنهم كانوا يتأنون في الطلاق، فلا يوقعون الثلاث في وقت واحد، ومعنى استعجالهم أنهم صاروا يوقعونها بلفظ واحد، على القول بأن ذلك هو معنى الحديث. وقد قدمنا أنه لا يتعين كونه هو معناه، وإمضاؤه له عليهم إذن هو اللازم، ولا ينافيه قوله \"فلو أمضيناه عليهم\"، يعني ألزمناهم بمقتضى ما قالوا. ونظيره قول جابر عند مسلم في نكاح المتعة \"فنهانا عنها عمر\". فظاهر كل منهما أنه اجتهاد من عمر، والنسخ ثابت فيهما معا كما رأيت، وليست الأناة في المنسوخ، وإنما هي في عدم الاستعجال بإيقاع الثلاث دفعة. وعلى القول الأول إن المراد بالثلاث التي كانت تجعل واحدة، أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فالظاهر في إمضائه لها عليهم أنه حيث تغير قصدهم من التأكيد إلى التأسيس كما تقدم. ولا إشكال في ذلك.","vol":"1","page":221},{"text":"أما كون عمر كان يعلم أن رسول الله -  ﷺ  -، كان يجعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، فتعمد مخالفة رسول الله -  ﷺ  - وجعلها ثلاثا، ولم ينكر عليه أحد من الصحابة، فلا يخفى بعده، والعلم عند الله تعالى.\nالجواب الرابع: عن حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، أن رواية طاوس عن ابن عباس مخالفة لما رواه عنه الحفاظ من أصحابه، فقد روى عنه لزوم الثلاث دفعة سعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، وعكرمة، وعمرو بن دينار؛ ومالك بن الحارث، ومحمد بن إياس بن البكير، ومعاوية ابن أبي عياش الأنصاري، كما نقله البيهقي في السنن الكبرى، والقرطبي وغيرهما. وقال البيهقي في السنن الكبرى: إن البخاري لم يخرج هذا الحديث، لمخالفة هؤلاء لرواية طاوس عن ابن عباس.\nوقال الأثرم: سألت أبا عبد الله عن حديث ابن عباس: كان الطلاق الثلاث على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر، وعمر ﵄، طلاق الثلاث واحدة، بأي شيء تدفعه؟ قال: برواية الناس عن ابن عباس من وجوه خلافه. وكذلك نقل عنه ابن منصور. قاله العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: فهذا إمام المحدثين، وسيد المسلمين في عصره الذي تدارك الله به الإسلام بعد ما كاد تتزلزل قواعده، وتغير عقائده: أبو عبد الله أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- قال للأثرم وابن منصور: إنه رفض حديث ابن عباس قصدا؛ لأنه يرى عدم الاحتجاج به في لزوم الثلاث بلفظ واحد،","vol":"1","page":222},{"text":"لرواية الحفاظ عن ابن عباس ما يخالف ذلك، وهذا الإمام محمد بن إسماعيل البخاري -وهو هو- ذكر عنه الحافظ البيهقي أنه ترك هذا الحديث عمدا؛ لذلك الموجب الذي تركه من أجله الإمام أحمد. ولا شك أنهما ما تركاه إلا لموجب يقتضي ذلك، فإن قيل: رواية طاوس في حكم المرفوع، ورواية الجماعة المذكورين موقوفة على ابن عباس، والمرفوع لا يعارض بالموقوف.\nفالجواب: أن الصحابي إذا خالف ما روي ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن أحمد -﵀-.\nالأولى: أنه لا يحتج بالحديث؛ لأن أعلم الناس به راويه وقد ترك العمل به، وهو عدل، عارف، وعلى هذه الرواية فلا إشكال، وعلى الرواية الأخرى التي هي المشهورة عند العلماء أن العبرة بروايته، لا بقوله. فإنه لا تقدم روايته إلا إذا كانت صريحة المعنى، أو ظاهرة فيه ظهورا يضعف معه احتمال مقابله، أما إذا كانت محتملة لغير ذلك المعنى احتمالا قويا، فإن مخالفة الراوي لما روى تدل على أن ذلك المحتمل الذي ترك ليس هو معنى ما روى، وقد قدمنا أن لفظ طلاق الثلاث في حديث طاوس المذكور محتمل احتمالا قويا لأن تكون الطلقات مفرقة، كما جزم به النسائي وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج. فالحاصل أن ترك ابن عباس لجعل الثلاث بفم واحد واحدة يدل على أن معنى الحديث الذي روي ليس كونها بلفظ واحد، كما سترى بيانه في كلام القرطبي في المفهم في الجواب الذي بعد هذا.\nواعلم أن ابن عباس لم يثبت عنه أنه أفتى في الثلاث بفم","vol":"1","page":223},{"text":"واحد أنها واحدة، وما روى عنه أبو داود من طريق حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، أن ابن عباس قال: إذا قال: أنت طالق ثلاثا بفم واحد فهي واحدة، فهو معارض بما رواه أبو داود نفسه من طريق إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن عكرمة، أن ذلك من قول عكرمة، لا من قول ابن عباس، وترجح رواية إسماعيل بن إبراهيم على رواية حماد بموافقة الحفاظ لإسماعيل في أن ابن عباس يجعلها ثلاثا، لا واحدة.\nالجواب الخامس: هو ادعاء ضعفه، وممن حاول تضعيفه ابن العربي المالكي، وابن عبد البر، والقرطبي.\nقال ابن العربي المالكي: زل قوم في آخر الزمان، فقالوا: إن الطلاق الثلاث في كلمة لا يلزم، وجعلوه واحدة، ونسبوه إلى السلف الأول، فحكوه عن علي، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وابن مسعود، وابن عباس، وعزوه إلى الحجاج بن أرطاة الضعيف المنزلة، المغمور المرتبة، ورووا في ذلك حديثا ليس له أصل، وغوى قوم من أهل المسائل فتتبعوا الأهواء المبتدعة فيه، وقالوا: إن قوله: أنت طالق ثلاثا كذب، لأنه لم يطلق ثلاثا، كما لو قال: طلقت ثلاثا ولم يطلق إلا واحدة، وكما لو قال: أحلف ثلاثا كانت يمينا واحدة. ولقد طوفت في الآفاق، ولقيت من علماء الإسلام، وأرباب المذاهب كل صادق، فما سمعت لهذه المسألة بخبر، ولا أحسست لها بأثر، إلا الشيعة الذين يرون نكاح المتعة جائزا، ولا يرون الطلاق واقعا، ولذلك قال فيهم ابن سكرة الهاشمي:\nيا من يرى المتعة في دينه ... حلا وإن كانت بلا مهر","vol":"1","page":224},{"text":"ولا يرى تسعين تطليقة ... تبين منه ربة الخدر\nمن هاهنا طابت موالدكم ... فاغتنموها يا بني الفطر\nوقد اتفق علماء الإسلام، وأرباب الحل والعقد في الأحكام، على أن الطلاق الثلاث في كلمة -وإن كان حراما في قول بعضهم، وبدعة في قول الآخرين- لازم. وأين هؤلاء البؤساء من عالم الدين، وعلم الإسلام، محمد بن إسماعيل البخاري، وقد قال في صحيحه: \"باب جواز الطلاق الثلاث\" لقوله تعالى: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾. وذكر حديث اللعان: فطلقها ثلاثا قبل أن يأمره رسول الله -  ﷺ  -، ولم يغير عليه النبي -  ﷺ  -، ولا يقر على الباطل؛ ولأنه جمع ما فسح له في تفريقه، فألزمته الشريعة حكمه، وما نسبوه إلى الصحابة كذب بحت، لا أصل له في كتاب، ولا رواية له عن أحد.\nوقد أدخل مالك في موطئه عن علي أن الحرام ثلاث لازمة في كلمة، فهذا في معناها، فكيف إذا صرح بها.\nوأما حديث الحجاج بن أرطاة فغير مقبول في الملة، ولا عند أحد من الأئمة. فإن قيل: ففي صحيح مسلم عن ابن عباس -وذكر حديث أبي الصهباء المذكور- قلنا: هذا لا متعلق فيه من خمسة أوجه:\nالأول: أنه حديث مختلف في صحته، فكيف يقدم على إجماع الأمة؟ ولم يعرف لها في هذه المسألة خلاف إلا عن قوم انحطوا عن رتبة التابعين، وقد سبق العصران الكريمان والاتفاق على لزوم الثلاث، فإن رووا ذلك عن أحد منهم فلا تقبلوا منهم إلا","vol":"1","page":225},{"text":"ما يقبلون منكم: نقل العدل عن العدل، ولا تجد هذه المسألة منسوبة إلى أحد من السلف أبدا.\nالثاني: أن هذا الحديث لم يرو إلا عن ابن عباس، ولم يرو عنه إلا من طريق طاوس، فكيف يقبل ما لم يروه من الصحابة إلا واحد، وما لم يروه عن ذلك الصحابي إلا واحد؟ وكيف خفي على جميع الصحابة، وسكتوا عنه إلا ابن عباس؟ وكيف خفي على أصحاب ابن عباس إلا طاوس؟ اهـ. محل الغرض من كلام ابن العربي.\nوقال ابن عبد البر: ورواية طاوس وهم وغلط، لم يعرج عليها أحد من فقهاء الأمصار بالحجاز، والشام، والعراق، والمشرق، والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يعرف في موالي ابن عباس.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: إن مثل هذا لا يثبت به تضعيف هذا الحديث، لأن الأئمة كمعمر وابن جريج وغيرهما رووه عن ابن طاوس، وهو إمام، عن طاوس، عن ابن عباس، ورواه عن طاوس أيضا إبراهيم بن ميسرة، وهو ثقة حافظ، وانفراد الصحابي لا يضر ولو لم يرو عنه أصلا إلا واحد، كما أشار إليه العراقي في ألفيته بقوله:\nففي الصحيح أخرجا المسيبا ... وأخرج الجعفي لابن تغلبا\nيعني: أن الشيخين أخرجا حديث المسيب بن حزن، ولم يرو عنه أحد غير ابنه سعيد، وأخرج البخاري حديث عمرو بن تغلب النمري، ويقال: العبدي، ولم يرو عنه غير الحسن البصري. هذا","vol":"1","page":226},{"text":"مراده. وقد ذكر ابن أبي حاتم أن عمرو بن تغلب روى عنه أيضا الحكم بن الأعرج، قاله ابن حجر، وابن عبد البر وغيرهما.\nوالحاصل أن حديث طاوس ثابت في صحيح مسلم بسند صحيح، وما كان كذلك لا يمكن تضعيفه إلا بأمر واضح، نعم لقائل أن يقول: إن خبر الآحاد إذا كانت الدواعي متوفرة إلى نقله ولم ينقله إلا واحد ونحوه، أن ذلك يدل على عدم صحته. ووجهه أن توفر الدواعي يلزم منه النقل تواترا والاشتهار؛ فإن لم يشتهر دل على أنه لم يقع، لأن انتفاء اللازم يقتضي انتفاء الملزوم، وهذه قاعدة مقررة في الأصول، أشار إليها في مراقي السعود بقوله عاطفا على ما يحكم فيه بعدم صحة الخبر:\n\n• وخبر الآحاد في السني *\nحيث دواعي نقله تواترا ... نرى لها لو قاله تقررا\nوجزم بها غير واحد من الأصوليين.\nوقال صاحب \"جمع الجوامع\" عاطفا على ما يجزم فيه بعدم صحة الخبر: \"والمنقول آحادا فيما تتوفر الدواعي إلى نقله خلافا للرافضة\" اهـ. منه بلفظه. ومراده أن مما يجزم بعدم صحته الخبر المنقول آحادا مع توفر الدواعي إلى نقله.\nوقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي مسألة: إذا انفرد واحد فيما يتوفر الدواعي إلى نقله، وقد شاركه خلق كثير، كما لو انفرد واحد بقتل خطيب على المنبر في مدينة فهو كاذب قطعا خلافا للشيعة. اهـ. محل الغرض منه بلفظه. وفي المسألة","vol":"1","page":227},{"text":"مناقشات وأجوبة عنها معروفة في الأصول.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أنه على القول بأن معنى حديث طاوس المذكور أن الثلاث بلفظ واحد كانت تجعل واحدة على عهد النبي -  ﷺ  -، وأبي بكر، وصدرا من خلافة عمر، ثم إن عمر غير ما كان عليه رسول الله -  ﷺ  -، والمسلمون في زمن أبي بكر وعامة الصحابة أو جلهم يعلمون ذلك، فالدواعي إلى نقل ما كان عليه رسول الله  ﷺ، والمسلمون من بعده، متوفرة توفرا لا يمكن إنكاره لأن يرد بذلك التغيير الذي أحدثه عمر، فسكوت جميع الصحابة عنه، وكون ذلك لم ينقل منه حرف عن غير ابن عباس، يدل دلالة واضحة على أحد أمرين:\nأحدهما: أن حديث طاوس الذي رواه عن ابن عباس ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بثلاثة ألفاظ في وقت واحد كما قدمنا، وكما جزم به النسائي وصححه النووي والقرطبي وابن سريج. وعليه فلا إشكال لأن تغيير عمر للحكم مبني على تغيير قصدهم، والنبي -  ﷺ  - قال: \"إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرىء ما نوى\" فمن قال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. ونوى التأكيد فواحدة، وأن نوى الاستئناف بكل واحدة فثلاث. واختلاف محامل اللفظ الواحد لاختلاف نيات اللافظين به لا إشكال فيه: لقوله -  ﷺ  -: \"وإنما لكل امرىء ما نوى\".\nوالثاني: أن يكون الحديث غير محكوم بصحته لنقله آحادا، مع توفر الدواعي إلى نقله، والأول أولى وأخف من الثاني.\nوقال القرطبي في \"المفهم\" في الكلام على حديث طاوس","vol":"1","page":228},{"text":"المذكور: وظاهر سياقه يقتضي عن جميعهم أن معظمهم كانوا يرون ذلك، والعادة في مثل هذا أن يفشو الحكم، وينتشر، فكيف ينفرد به واحد عن واحد؟ قال: فهذا الوجه يقتضي التوقف عن العمل بظاهره إن لم يقتض القطع ببطلانه. اهـ. منه بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري عنه، وهو قوي جدا بحسب المقرر في الأصول كما ترى.\nالجواب السادس: عن حديث ابن عباس ﵄ هو حمل لفظ الثلاث في الحديث على أن المراد بها البتة كما قدمنا في حديث ركانة، وهو من رواية ابن عباس أيضا.\nقال الحافظ ابن حجر في فتح الباري بعد أن ذكر هذا الجواب ما نصه: وهو قوي، ويؤيده إدخال البخاري في هذا الباب، الآثار التي فيها البتة، والأحاديث التي فيها التصريح بالثلاث، كأنه يشير إلى عدم الفرق بينهما، وأن البتة إذا أطلقت حمل على الثلاث إلا أن أراد المطلق واحدة فيقبل، فكأن بعض رواته حمل لفظ البتة على الثلاث؟ لاشتهار التسوية. فرواها بلفظ الثلاث، وإنما المراد لفظ البتة، وكانوا في العصر الأول يقبلون ممن قال: أردت بالبتة واحدة، فلما كان عهد عمر أمضى الثلاث في ظاهر الحكم اهـ من فتح الباري بلفظه. وله وجه من النظر كما لا يخفى، وما يذكره كل ممن قال بلزوم الثلاث دفعة، ومن قال بعدم لزومها من الأمور النظرية ليصحح به كل مذهبه لم نطل به الكلام؛ لأن الظاهر سقوط ذلك كله، وأن هذه المسألة إن لم يمكن تحقيقها من جهة النقل، فإنه لا يمكن من جهة","vol":"1","page":229},{"text":"العقل، وقياس أنت طالق ثلاثا على أيمان اللعان في أنه لو حلفها بلفظ واحد لم تجز، قياس مع وجود الفارق؛ لأن من اقتصر على واحدة من الشهادات الأربع المذكورة في آية اللعان أجمع العلماء على أن ذلك كما لو لم يأت بشيء منها أصلا، بخلاف الطلقات الثلاث، فمن اقتصر على واحد منها اعتبرت إجماعا، وحصلت بها البينونة بانقضاء العدة إجماعا.\nالجواب السابع: هو ما ذكره بعضهم من أن حديث طاووس المذكور ليس فيه أن النبي -  ﷺ  - علم بذلك فأقره، والدليل إنما هو فيما علم به وأقره، لا فيما لم يعلم به.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ولا يخفى ضعف هذا الجواب؛ لأن جماهير المحدثين والأصوليين على أن ما أسنده الصحابي إلى عهد النبي -  ﷺ  - له حكم المرفوع، وإن لم يصرح بأنه بلغه -  ﷺ  - وأقره.\nالجواب الثامن: أن حديث ابن عباس المذكور في غير المدخول بها خاصة؛ لأنه إن قال لها: أنت طالق بانت بمجرد اللفظ، فلو قال: ثلاثا لم يصادف لفظ الثلاث محلا؛ لوقوع البينونة قبلها. وحجة هذا القول أن بعض الروايات كرواية أبي داود جاء فيها التقييد بغير المدخول بها، والمقرر في الأصول هو حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. قال في مراقي السعود:\nوحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب\nوما ذكره الأبي -﵀- من الإطلاق والتقييد إنما هو في","vol":"1","page":230},{"text":"حديثين، أما في حديث واحد من طريقين فمن زيادة العدل فمردود بأنه لا دليل عليه، وأنه مخالف لظاهر كلام عامة العلماء، ولا وجه للفرق بينهما.\nوما ذكره الشوكاني -﵀- في نيل الأوطار من أن رواية أبي داود التي فيها التقييد بعدم الدخول فرد من أفراد الروايات العامة، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، لا يظهر؛ لأن هذه المسألة من مسائل المطلق والمقيد، لا من مسائل ذكر بعض أفراد العام، فالروايات التي أخرجها مسلم مطلقة عن قيد عدم الدخول، والرواية التي أخرجها أبو داود مقيدة بعدم الدخول كما ترى، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إن اتحد الحكم والسبب كما هنا. نعم لقائل أن يقول: إن كلام ابن عباس في رواية أبي داود المذكورة وارد على سؤال إبي الصهباء، وأبو الصهباء لم يسأل إلا عن غير المدخول بها، فجواب ابن عباس لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه إنما خص غير المدخول بها لمطابقة الجواب للسؤال. وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة، كون الكلام واردا جوابا لسؤال؛ لأن تخصيص المنطوق بالذكر لمطابقة السؤال، فلا يتعين كونه لإخراج حكم المفهوم عن المنطوق. وأشار إليه في مراقي السعود في ذكر موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.\nوقد قدمنا أن رواية أبي داود المذكورة عن أيوب السختياني","vol":"1","page":231},{"text":"عن غير واحد، عن طاوس، وهو صريح في أن من روى عنهم أيوب مجهولون، ومن لم يعرف من هو، لا يصح الحكم بروايته. ولذا قال النووي في شرح مسلم ما نصه: وأما هذه الرواية التي لأبي داود فضعيفة، رواها أيوب عن قوم مجهولين، عن طاووس، عن ابن عباس، فلا يحتج بها والله أعلم. انتهى منه بلفظه.\nوقال المنذري في مختصر سنن أبي داود بعد أن ساق الحديث المذكور ما نصه: الرواة عن طاوس مجاهيل. انتهى منه بلفظه. وضعف رواية أبي داود هذه ظاهر كما ترى للجهل بمن روى عن طاووس فيها.\nوقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في زاد المعاد بعد أن ساق لفظ هذه الرواية ما نصه: وهذا لفظ الحديث، وهو بأصح إسناد. انتهى محل الغرض منه بلفظه. فانظره مع ما تقدم. هذا ملخص كلام العلماء في هذه المسألة مع ما فيها من النصوص الشرعية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لنا صوابه في هذه المسألة هو ما ذهب إليه الإمام الشافعي رحمه الله تعالى، وهو أن الحق فيها دائر بين أمرين:\nأحدهما: أن يكون المراد بحديث طاوس المذكور كون الثلاث المذكورة ليست بلفظ واحد.\nالثاني: أنه إن كان معناه أنها بلفظ واحد، فإن ذلك منسوخ، ولم يشتهر العلم بنسخه بين الصحابة إلا في زمان عمر، كما وقع","vol":"1","page":232},{"text":"نظيره في نكاح المتعة.\nأما الشافعي فقد نقل عنه البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: فإن كان معنى قول ابن عباس: إن الثلاث كانت تحسب على عهد النبي -  ﷺ  -، فالذي يشبه -والله أعلم- أن يكون ابن عباس قد علم أن كان شيء فنسخ.\nفإن قيل: فما دل على ما وصفت؟ قيل: لا يشبه أن يكون ابن عباس يروي عن رسول الله -  ﷺ  - شيئا، ثم يخالفه بشيء لم يعلمه كان من النبي -  ﷺ  - فيه خلاف.\nقال الشيخ: رواية عكرمة عن ابن عباس قد مضت في النسخ، وفيها تأكيد لصحة هذا التأويل.\nقال الشافعي: فإن قيل: فلعل هذا شيء روي عن عمر، فقال فيه ابن عباس بقول عمر ﵃، قيل: قد علمنا أن ابن عباس يخالف عمر ﵁ في نكاح المتعة، وفي بيع الدينار بالدينارين، وفي بيع أمهات الأولاد وغيره، فكيف يوافقه في شيء يروى عن النبي -  ﷺ  - فيه خلاف ما قال: انتهى. محل الغرض منه بلفظه. ومعناه واضح في أن الحق دائر بين الأمرين المذكورين؛ لأن قوله: فإن كان معنى قول ابن عباس الخ يدل على أن غير ذلك محتمل، وعلى أن المعنى أنها ثلاث بفم واحد، وقد أقر النبي -  ﷺ  - على جعلها واحدة، فالذي يشبه عنده أن يكون منسوخا، ونحن نقول: إن الظاهر لنا دوران الحق بين الأمرين. كما قال الشافعي رحمه الله تعالى: إما أن يكون معنى حديث طاووس المذكور أن الثلاث ليست بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة بنسق","vol":"1","page":233},{"text":"واحد، كأنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، وهذه الصورة تدخل لغة في معنى طلاق الثلاث دخولا لا يمكن نفيه، ولاسيما على الرواية التي أخرجها أبو داود التي جزم العلامة ابن القيم ﵀ بأن إسنادها أصح أسناد، فإن لفظها أن أبا الصهباء قال لابن عباس: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر؟ قال ابن عباس: بلى؛ كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، فلما رأى الناس قد تتايعوا فيها قال: أجيزوهن عليهم. فإن هذه الرواية بلفظ \"طلقها ثلاثا\"، وهو أظهر في كونها متفرقة بثلاثة ألفاظ، كما جزم به العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في رده الاستدلال بحديث عائشة الثابت في الصحيح. فقد قال في زاد المعاد ما نصه: وأما استدلالكم بحديث عائشة أن رجلا طلق ثلاثا فتزوجت، فسئل النبي -  ﷺ  - هل تحل للأول؟ قال: لا حتى تذوق العسيلة فهذا مما لا ننازعكم فيه، نعم هو حجة على من اكتفى بمجرد عقد الثاني، ولكن أين في الحديث أنه طلق الثلاث بفم واحد؟ بل الحديث حجة لنا، فإنه لا يقال: فعل ذلك ثلاثا، وقال ثلاثا، إلا من فعل، وقال مرة بعد مرة، وهذا هو المعقول في لغات الأمم عربهم وعجمهم، كما يقال: قذفه ثلاثا، وشتمه ثلاثا، وسلم عليه ثلاثا. انتهى منه بلفظه.\nوقد عرفت أن لفظ رواية أبي داود موافق للفظ عائشة الثابت في الصحيح الذي جزم فيه العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- بأنه لا يدل على أن الثلاث بفم واحد، بل دلالته على أنها بألفاظ","vol":"1","page":234},{"text":"متفرقة متعينة في جميع لغات الأمم، ويؤيده أن البيهقي في السنن الكبرى قال ما نصه: وذهب أبو يحيى الساجي إلى أن معناه إذا قال للبكر: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. كانت واحدة، فغلظ عليهم عمر ﵁ فجعلها ثلاثا. قال الشيخ: ورواية أيوب السختياني تدل على صحة هذا التأويل. اهـ. منه بلفظه.\nورواية أيوب المذكورة هي التي أخرجها أبو داود وهي المطابق لفظها حديث عائشة الذي جزم فيه ابن القيم -﵀- بأنه لا يدل إلا على أن الطلقات المذكورة ليست بفم واحد، بل واقعة مرة بعد مرة، وهي واضحة جدا فيما ذكرنا، ويؤيده أيضا أن البيهقي نقل عن ابن عباس ما يدل على أنها إن كانت بألفاظ متتابعة فهي واحدة، وإن كانت بلفظ واحد فهي ثلاث، وهو صريح في محل النزاع، مبين أن الثلاث التي تكون واحدة هي المسرودة بألفاظ متعددة؛ لأنها تأكيد للصيغة الأولى، ففي السنن الكبرى للبيهقي ما نصه: قال الشيخ: ويشبه أن يكون أراد إذا طلقها ثلاثا تترى، روى جابر بن يزيد عن الشعبي عن ابن عباس ﵄ في رجل طلق امرأته ثلاثا قبل أن يدخل بها، قال: عقدة كانت بيده أرسلها جميعا، وإذا كانت تترى فليس بشيء. قال سفيان الثوري: فترى يعني أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق، فإنها تبين بالأولى، والثنتان ليستا بشيء، وروي عن عكرمة عن ابن عباس ما دل على ذلك. انتهى منه بلفظه.\nفهذه أدلة واضحة على أن الثلاث في حديث طاووس ليست بلفظ واحد، بل مسرودة بألفاظ متفرقة كما جزم به الإمام النسائي","vol":"1","page":235},{"text":"-﵀- وصححه النووي، والقرطبي، وابن سريج، وأبو يحيى الساجي، وذكره البيهقي عن الشعبي عن ابن عباس، وعن عكرمة عن ابن عباس، وتؤيده رواية أيوب التي صححها ابن القيم كما ذكره البيهقي وأوضحناه آنفا مع أنه لا يوجد دليل يعين كون الثلاث المذكورة في حديث طاووس المذكور بلفظ واحد، لا من وضع اللغة، ولا من العرف، ولا من الشرع، ولا من العقل، لأن روايات حديث طاووس ليس في شيء منها التصريح بأن الثلاث المذكورة واقعة بلفظ واحد، ومجرد لفظ الثلاث، أو طلاق الثلاث، أو الطلاق الثلاث، لا يدل على أنها بلفظ واحد، لصدق كل تلك العبارات على الثلاث الواقعة بألفاظ متفرقة كما رأيت، ونحن لا نفرق في هذا بين البر والفاجر، ولا بين زمن وزمن، وإنما نفرق بين من نوى التأكيد، ومن نوى التأسيس، والفرق بينهما لا يمكن إنكاره، ونقول: الذي يظهر أن ما فعله عمر إنما هو لما علم من كثرة قصد التأسيس في زمنه، بعد أن كان في الزمن الذي قبله قصد التأكيد هو الأغلب كما قدمنا، وتغيُّر معنى اللفظ لتغير قصد اللافظين به لا إشكال فيه، فقوة هذا الوجه واتجاهه وجريانه على اللغة، مع عدم إشكال فيه كما ترى. وبالجملة فلفظ رواية أيوب -التي أخرجها أبو داود، وقال العلامة ابن القيم -﵀-: إنها بأصح إسناد- مطابق للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيحين، الذي فيه التصريح من النبي -  ﷺ  -: بأنها لا تحل للأول حتى يذوق عسيلتها الثاني كما ذاقها الأول. وبه تعرف أن جعل الثلاث في حديث عائشة متفرقة في أوقات متباينة، وجعلها في حديث طاووس بلفظ واحد تفريق لا وجه له، مع اتحاد لفظ المتن","vol":"1","page":236},{"text":"في رواية أبي داود، ومع أن القائلين برد الثلاث المجتمعة إلى واحدة لا يجدون فرقا في المعنى بين رواية أيوب وغيرهما من روايات حديث طاووس.\nونحن نقول للقائلين برد الثلاث إلى واحدة: إما أن يكون معنى الثلاث في حديث عائشة، وحديث طاووس أنها مجتمعة، أو مفرقة، فإن كانت مجتمعة فحديث عائشة متفق عليه، فهو أولى بالتقديم، وفيه التصريح بأن تلك الثلاث تحرمها، ولا تحل إلا بعد زوج، وإن كانت متفرقة، فلا حجة لكم أصلا في حديث طاووس على محل النزاع؛ لأن النزاع في خصوص الثلاث بلفظ واحد. أما جعلكم الثلاث في حديث عائشة مفرقة، وفي حديث طاووس مجتمعة فلا وجه له، ولا دليل عليه، ولا سيما أن بعض رواياته مطابق لفظه للفظ حديث عائشة، وأنتم لا ترون فرقا بين معاني ألفاظ رواياته من جهة كون الثلاث مجتمعة، لا متفرقة.\nوأما على كون معنى حديث طاووس أن الثلاث التي كانت تجعل واحدة على عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر، هي المجموعة بلفظ واحد فإنه على هذا يتعين النسخ، كما جزم به أبو داود ﵀، وجزم به ابن حجر في فتح الباري، وهو قول الشافعي كما قدمنا عنه، وقال به غير واحد من العلماء.\nوقد رأيت النصوص الدالة على النسخ التي تفيد أن المراد بجعل الثلاث واحدة، أنه في الزمن الذي كان لا فرق فيه بين واحدة وثلاث ولو متفرقة، لجواز الرجعة ولو بعد مائة تطليقة، متفرقة كانت، أو لا، وأن المراد بمن كان يفعله في زمن أبي بكر","vol":"1","page":237},{"text":"هو من لم يبلغه النسخ، وفي زمن عمر اشتهر النسخ بين الجميع.\nوادعاء أن مثل هذا لا يصح يرده بإيضاح وقوع مثله في نكاح المتعة، فإنا قد قدمنا أن مسلما روى عن جابر أنها كانت تفعل على عهد النبي -  ﷺ  -، وأبي بكر، وفي بعض من زمن عمر قال: فنهانا عنها عمر. وهذه الصورة هي التي وقعت في جعل الثلاث واحدة، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، فادعاء إمكان إحداهما واستحالة الأخرى في غاية السقوط كما ترى؛ لأن كل واحدة منهما، روى فيها مسلم في صحيحه عن صحابي جليل أن مسألة تتعلق بالفروج كانت تفعل في زمن النبي -  ﷺ  -، وأبي بكر وصدرا من إمارة عمر، ثم غير حكمها عمر، والنسخ ثابت في كل واحدة منهما، وأما غير هذين الأمرين فلا ينبغي أن يقال؛ لأن نسبة عمر بن الخطاب - ﵁ - وعبد الله بن عباس - ﵄ - وخلق من أصحاب رسول الله -  ﷺ  - إلى أنهم تركوا ما جاء به النبي -  ﷺ  -، وجاءوا بما يخالفه من تلقاء أنفسهم عمدا غير لائق، ومعلوم أنه باطل بلا شك.\nوقد حكى غير واحد من العلماء أن الصحابة أجمعوا في زمن عمر على نفوذ الطلاق الثلاث دفعة واحدة.\nوالظاهر أن مراد المدعي لهذا الإجماع هو الإجماع السكوتي، مع أن بعض العلماء ذكر الخلاف في ذلك عن جماعة من الصحابة والتابعين. وقد قدمنا كلام أبي بكر بن العربي القائل بأن نسبة ذلك إلى بعض الصحابة كذب بحت، وأنه لم يثبت عن أحد منهم جعل الثلاث بلفظ واحد واحدة، وما ذكره بعض أجلاء العلماء من أن","vol":"1","page":238},{"text":"عمر إنما أوقع عليها الثلاث مجتمعة عقوبة لهم، مع أنه يعلم أن ذلك خلاف ما كان عليه رسول الله -  ﷺ  -، والمسلمون في زمان أبي بكر - ﵁ - فالظاهر عدم نهوضه؛ لأن عمر لا يسوغ له أن يحرم فرجا أحله رسول الله  ﷺ، فلا يصح منه أن يعلم أن رسول الله -  ﷺ  - يبيح ذلك الفرج بجواز الرجعة، ويتجرأ هو على منعه بالبينونة الكبرى، والله تعالى يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، ويقول ﴿ءآللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ ويقول: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ والمروي عن عمر في عقوبة من فعل ما لا يجوز من الطلاق هو التعزير الشرعي المعروف، كالضرب، أما تحريم المباح من الفروج فليس من أنواع التعزيرات؛ لأنه يفضي إلى حرمته على من أحله الله له، وإباحته لمن حرمه عليه؛ لأنه إن أكره على إبانتها وهي غير بائن في نفس الأمر لا تحل لغيره؛ لأن زوجها لم يبنها عن طيب نفس، وحكم الحاكم وفتواه لا يحل الحرام في نفس الأمر، ويدل له حديث أم سلمة المتفق عليه فإن فيه: \"فمن قضيت له فلا يأخذ من حق أخيه شيئا، فكأنما أقطع له قطعة من نار\" ويشير له قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ لأنه يفهم منه أنه لو لم يتركها اختيارا لقضائه وطره منها ما حلت لغيره.\nوقد قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وفي الجملة فالذي وقع في هذه المسألة نظير ما وقع في مسألة المتعة سواء -أعني قول جابر: إنها كانت تفعل في عهد رسول الله -  ﷺ  - وأبي بكر وصدرا من خلافة عمر، قال ثم نهانا عمر عنها فانتهينا -فالراجح في الموضعين تحريم المتعة، وإيقاع الثلاث؛ للإجماع","vol":"1","page":239},{"text":"الذي انعقد في عهد عمر على ذلك.\nولا يحفظ أن أحدا في عهد عمر خالفه في واحدة منهما، وقد دل إجماعهم على وجود ناسخ وإن كان خفي عن بعضهم قبل ذلك حتى ظهر لجميعهم في عهد عمر، فالمخالف بعد هذا الإجماع منابذ له، والجمهور على عدم اعتبار من أحدث الاختلاف بعد الاتفاق والله أعلم اهـ منه بلفظه.\nوحاصل خلاصة هذه المسألة أن البحث فيها من ثلاث جهات:\nالأولى: من جهة دلالة النص القولي، أو الفعلي الصريح.\nالثانية: من جهة صناعة علم الحديث، والأصول.\nالثالثة: من جهة أقوال أهل العلم فيها، أما أقوال أهل العلم فيها فلا يخفى أن الأئمة الأربعة، وأتباعهم وجل الصحابة، وأكثر العلماء على نفوذ الثلاث دفعة بلفظ واحد، وادعى غير واحد على ذلك إجماع الصحابة وغيرهم.\nوأما من جهة نص صريح من قول النبي -  ﷺ  -، أو فعله فلم يثبت من لفظ النبي -  ﷺ  -، ولا من فعله ما يدل على جعل الثلاث واحدة، وقد مر لك أن أثبت ما روي في قصة طلاق ركانة أنه بلفظ البتة، وأن النبي حلفه ما أراد إلا واحدة، ولو كان لا يلزم أكثر من واحدة بلفظ واحد لما كان لتحليفه معنى. وقد جاء في حديث ابن عمر عند الدارقطني أنه قال: يا رسول الله أرأيت لو طلقتها ثلاثا أكان يحل لي أن أراجعها؟ قال: لا، كانت تبين منك، وتكون معصية.","vol":"1","page":240},{"text":"وقد قدمنا أن في إسناده عطاء الخراساني، وشعيب بن زريق الشامي، وقد قدمنا أن عطاء المذكور من رجال مسلم، وأن شعيبا المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق يخطىء.\nوأما حديث ابن عمر هذا يعتضد بما ثبت عن ابن عمر في الصحيح من أنه قال: \"وإن كنت طلقتها ثلاثا فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجا غيرك، وعصيت ربك فيما أمرك به من طلاق امرأتك\" ولا سيما على قول الحاكم: إنه مرفوع، ويعتضد بالحديث المذكور قبله؛ لتحليفه ركانة، وبحديث الحسن بن علي المتقدم عند البيهقي والطبراني، وبحديث سهل بن سعد الساعدي الثابت في الصحيح، في لعان عويمر وزوجه، ولا سيما رواية: \"فأنفذها رسول الله -  ﷺ  -\" يعني الثلاث المجتمعة، وببقية الأحاديث المتقدمة.\nوقد قدمنا أن كثرة طرقها واختلاف منازعها يدل على أن لها أصلا، وأن بعضها يشد بعضا، فيصلح المجموع للاحتجاج، ولا سيما أن بعضها صححه بعض العلماء، وحسنه بعضهم، كحديث ركانة المتقدم، وقد عرفت أن حديث داود بن الحصين لا دليل فيه على تقدير ثبوته، فإذا حققت أن المروى باللفظ الصريح عن النبي -  ﷺ  - ليس يدل إلا على وقوع الثلاث مجتمعة، فاعلم أن كتاب الله ليس فيه شيء يدل على عدم وقوع الثلاث دفعة واحدة؛ لأنه ليس فيه آية فيها ذكر الثلاث المجتمعة، وأخرى آية تصرح بعدم لزومها.\nوقد قدمنا عن النووي وغيره أن العلماء استدلوا على وقوع الثلاث دفعة بقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ","vol":"1","page":241},{"text":"نَفْسَهُ لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا (١)﴾ قالوا معناه: أن المطلق قد يحدث له ندم فلا يمكنه تداركه لوقوع البينونة، فلو كانت الثلاث لا تقع، لم يقع طلاقه إلا رجعيا، فلا يندم.\nوقد قدمنا ما ثبت عن ابن عباس من أنها تلزم مجتمعة، وأن ذلك داخل في معنى الآية، وهو واضح جدا، فاتضح أنه ليس في كتاب الله، ولا في صريح قول النبي -  ﷺ  -، أو فعله ما يدل على عدم وقوع الثلاث.\nأما من جهة صناعة علم الحديث، والأصول، فما أخرجه مسلم من حديث ابن عباس المتقدم له حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي كان يفعل كذا على عهد النبي -  ﷺ  -، له حكم الرفع عند جمهور المحدثين والأصوليين.\nوقد علمت أوجه الجواب عنه بإيضاح، ورأيت الروايات المصرحة بنسخ المراجعة بعد الثلاث، وقد قدمنا أن جميع روايات حديث طاووس عن ابن عباس المذكور عند مسلم ليس في شيء منها التصريح بأن الطلقات الثلاث بلفظ واحد، وقد قدمنا أيضا أن بعض رواياته موافقة للفظ حديث عائشة الثابت في الصحيح، وأنه لا وجه للفرق بينهما، فإن حمل على أن الثلاث مجموعة فحديث عائشة أصح، وفيه التصريح بأن تلك المطلقة لا تحل إلا بعد زوج، وإن حمل على أنها بألفاظ متفرقة، فلا دليل إذن في حديث طاووس عن ابن عباس على محل النزاع.\nفإن قيل: أنتم تارة تقولون: إن حديث ابن عباس منسوخ، وتارة تقولون: ليس معناه أنها بلفظ واحد، بل بألفاظ متفرقة.","vol":"1","page":242},{"text":"فالجواب أن معنى كلامنا: أن الطلقات في حديث طاووس لا يتعين كونها بلفظ واحد، ولو فرضنا أنها بلفظ واحد، فجعلها واحدة منسوخ. هذا هو ما ظهر لنا في هذه المسألة. والله تعالى أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-147> قوله تعالى: ﴿فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾</span> لم يبين في هذه الآية، ولا في غيرها من آيات الطلاق حكمة كون الطلاق بيد الرجل دون إذن المرأة، ولكنه بين في موضع آخر أن حكمة ذلك أن المرأة حقل تزرع فيه النطفة، كما يزرع البذر في الأرض، ومن رأى أن حقله غير صالح للزراعة فالحكمة تقتضي أن لا يرغم على الازدراع فيه، وأن يترك وشأنه؛ ليختار حقلا صالحا لزراعته، وذلك في قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ كما تقدم إيضاحه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-148> قوله تعالى: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيتُمُوهُنَّ شَيئًا إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾</span> صرح في هذه الآية الكريمة بأن الزوج لا يحل له الرجوع في شيء مما أعطى زوجته، إلا على سبيل الخلع إذا خافا إلا يقيما حدود الله فيما بينهما، فلا جناح عليهما إذن في الخلع، أي: لا جناح عليها هي في الدفع، ولا عليه هو في الأخذ.\nوصرح في موضع آخر بالنهي عن الرجوع في شيء مما أعطى الأزواج زوجاتهم، ولو كان المعطى قنطارا، وبين أن أخذه بهتان وإثم مبين، وبين أن السبب المانع من أخذ شيء منه هو أنه أفضى","vol":"1","page":243},{"text":"إليها بالجماع، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُبِينًا (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٢١)﴾. وبين في موضع آخر أن محل النهي عن ذلك إذا لم يكن عن طيب النفس من المرأة، وذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا (٤)﴾. وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾.\nتنبيه: أخذ ابن عباس من هذه الآية الكريمة أن الخلع فسخ ولا يعد طلاقا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿الطَّلاقُ مَرَّتَانِ﴾ ثم ذكر الخلع بقوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾، فلم يعتبره طلاقا ثالثا، ثم ذكر الطلقة الثالثة بقوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية.\nوبهذا قال عكرمة، وطاووس، وهو رواية عن عثمان بن عفان وابن عمر، وهو قول إسحاق بن راهويه، وأبي ثور، وداود بن علي الظاهري كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، وهو قول الشافعي في القديم، وإحدى الروايتين عن أحمد.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بهذه الآية على أن الخلع لا يعد طلاقا ليس بظاهر عندي، لما تقدم مرفوعا إليه -  ﷺ  - من أن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾ وهو مرسل حسن.\nقال في فتح الباري: والأخذ بهذا الحديث أولى، فإنه مرسل حسن يعتضد بما أخرجه الطبري من حديث ابن عباس بسند","vol":"1","page":244},{"text":"صحيح. قال: \"إذا طلق الرجل امرأته تطليقتين فليتق الله في الثالثة، فإما أن يمسكها، فيحسن صحبتها، أو يسرحها فلا يظلمها من حقها شيئا\".\nوعليه ففراق الخلع المذكور لم يرد منه إلا بيان مشروعية الخلع عند خوفهما ألا يقيما حدود الله؛ لأنه ذكر بعد الطلقة الثالثة. وقوله: فَإِنْ طَلَّقَهَا إنما كرره، ليرتب عليه ما يلزم بعد الثالثة، الذي هو قوله: ﴿فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الأية. ولو فرعنا على أن قوله تعالى: ﴿أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ﴾. يراد به عدم الرجعة، وأن الطلقة الثالثة هي المذكورة في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ﴾ الآية. لم يلزم من ذلك أيضا عدم عد الخلع طلاقا؛ لأن الله تعالى ذكر الخلع في معرض منع الرجوع فيما يعطاه الأزواج، فاستثنى منه صورة جائزة، ولا يلزم من ذلك عدم اعتبارها طلاقا، كما هو ظاهر من سياق الآية. وممن قال بأن الخلع يعد طلاقا بائنا: مالك، وأبو حنيفة، والشافعي في الجديد، وقد روي نحوه عن عمر، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وعطاء، وشريح، والشعبي، وإبراهيم، وجابر بن زيد، والثوري، والأوزاعي، وعثمان البتي، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. غير أن الحنفية عندهم أنه متى نوى الخالع بخلعه تطليقة، أو اثنتين، أو أطلق فهو واحدة بائنة، وإن نوى ثلاثا فثلاث، وللشافعي قول آخر في الخلع وهو: أنه متى لم يكن بلفظ الطلاق، وعري عن النية فليس هو بشيء بالكلية، قاله ابن كثير.\nومما احتج به أهل القول بأن الخلع طلاق: ما رواه مالك عن","vol":"1","page":245},{"text":"هشام بن عروة، عن أبيه، عن جهمان مولى الأسلميين، عن أم بكر الأسلمية أنها اختلعت من زوجها عبد الله بن خالد بن أسيد، فأتيا عثمان بن عفان في ذلك فقال: تطليقة، إلا أن تكون سميت شيئا فهو ما سميت.\nقال الشافعي: ولا أعرف جهمان، وكذا ضعف أحمد بن حنبل هذا الأثر. قاله ابن كثير، والعلم عند الله تعالى.\nوروى ابن أبي شيبة عن ابن مسعود مثله، وتكلم فيه بأن في سنده ابن أبي ليلى، وأنه سيء الحفظ، وروي مثله عن علي وضعفه ابن حزم، والله تعالى أعلم.\n\nفروع\nالأول: ظاهر هذه الآية الكريمة أن الخلع يجوز بأكثر من الصداق، وذلك لأنه تعالى عبر بما الموصولة في قوله: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ وقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم، لأنها تعم كل ما تشمله صلاتها كما عقده في مراقي السعود بقوله:\n\"صيغه كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع\"\nوهذا هو مذهب الجمهور. قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: وقد اختلف العلماء -﵏- في أنه هل يجوز للرجل أن يفاديها بأكثر مما أعطاها.\nفذهب الجمهور إلى جواز ذلك، لعموم قوله تعالى: ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾.","vol":"1","page":246},{"text":"وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، أخبرنا أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة: أن عمر أتى بامرأة ناشز فأمر بها إلى بيت كثير الزبل، ثم دعاها فقال: كيف وجدت؟ فقالت: ما وجدت راحة منذ كنت عنده إلا هذه الليلة التي كنت حبستني، فقال لزوجها: اخلعها ولو من قرطها. ورواه عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب، عن كثير مولى ابن سمرة فذكر مثله، وزاد فحبسها فيه ثلاثة أيام. وقال سعيد بن أبي عروبة: عن قتادة، عن حميد بن عبد الرحمن، أن امرأة أتت عمر بن الخطاب فشكت زوجها، فأباتها في بيت الزبل، فلما أصبحت قال لها: كيف وجدت مكانك؟ قالت: ما كنت عنده ليلة أقر لعيني من هذه الليلة. فقال: خذ ولو عقاصها.\nوقال البخاري: وأجاز عثمان الخلع دون عقاص رأسها.\nوقال عبد الرزاق: أخبرنا معمر، عن عبد الله بن محمد بن عقيل، أن الربيع بنت معوذ بن عفراء حدثته قالت: كان لي زوج يقل على الخير إذا حضرني، ويحرمني إذا غاب. قالت: فكانت مني زلة يوما، فقلت له: أختلع منك بكل شيء أملكه قال: نعم. قالت: ففعلت. قالت: فخاصم عمي معاذ بن عفراء إلى عثمان بن عفان فأجاز الخلع، وأمره أن يأخذ عقاص رأسي، فما دونه، أو قالت: ما دون عقاص الرأس.\nومعنى هذا أنه يجوز أن يأخذ منها كل ما بيدها من قليل وكثير، ولا يترك لها سوى عقاص شعرها، وبه يقول ابن عمر، وابن عباس، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وقبيصة بن","vol":"1","page":247},{"text":"ذؤيب، والحسن بن صالح، وعثمان البتي.\nوهذا مذهب مالك، والليث، والشافعي، وأبي ثور، واختاره ابن جرير.\nوقال أصحاب أبي حنيفة إن كان الإضرار من قبلها جاز أن يأخذ منها ما أعطاها، ولا يجوز الزيادة عليه. فإن ازداد جاز في القضاء، وإن كان الإضرار من جهته لم يأخذ منها شيئا، فإن أخذ جاز في القضاء.\nوقال الإمام أحمد وأبو عبيد وإسحاق بن راهويه: لا يجوز أن يأخذ أكثر مما أعطاها، وهذا قول سعيد بن المسيب وعطاء، وعمرو بن شعيب، والزهري، وطاووس، والحسن، والشعبي، وحماد بن أبي سليمان، والربيع بن أنس.\nوقال معمر والحكم: كان علي يقول: لا يأخذ من المختلعة فوق ما أعطاها. وقال الأوزاعي: القضاة لا يجيزون أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها.\nقلت: ويستدل لهذا القول بما تقدم من رواية قتادة عن عكرمة، عن ابن عباس في قصة ثابت بن قيس، فأمره رسول الله -  ﷺ  - أن يأخذ منها الحديقة ولا يزداد، وبما روى عبد بن حميد حيث قال: أخبرنا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عطاء أن النبي -  ﷺ  - كره أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، يعني: المختلعة، وحملوا معنى الآية على معنى ﴿فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من الذي أعطاها؛ لتقدم قوله ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ","vol":"1","page":248},{"text":"شَيْئًا إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ أي: من ذلك. وهكذا كان يقرؤها الربيع بن أنس \"فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِه منه\" رواه ابن جرير، ولهذا قال بعده: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾ اهـ. من ابن كثير بلفظه.\nالفرع الثاني: اختلف العلماء في عدة المختلعة: فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها تعتد بثلاثة قروء إن كانت ممن تحيض، كعدة المطلقة، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه في الرواية المشهورة عنهما، وروي ذلك عن عمر، وعلي، وابن عمر، وبه يقول سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعروة، وسالم، وأبو سلمة، وعمر بن عبد العزيز، وابن شهاب، والحسن، والشعبي، وإبراهيم النخعي، وأبو عياض، وخلاس بن عمرو، وقتادة، وسفيان الثوري، والأوزاعي، والليث بن سعد، وأبو عبيد.\nقال الترمذي: وهو قول أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم.\nومأخذهم في هذا: أن الخلع طلاق، فتعتد كسائر المطلقات.\nقاله ابن كثير.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وكون الخلع طلاقا ظاهرًا من جهة المعنى؛ لأن العوض المبذول للزوج من جهتها إنما بذلته في مقابلة ما يملكه الزوج، وهو الطلاق؛ لأنه لا يملك لها فراقا شرعا إلا بالطلاق، فالعوض في مقابلته. ويدل له ما أخرجه البخاري في قصة مخالعة ثابت بن قيس زوجه من حديث ابن عباس","vol":"1","page":249},{"text":"\"أن امرأة ثابت بن قيس، أتت النبي -  ﷺ  - فقالت: يا رسول الله ثابت بن قيس ما أعتب عليه من خلق ولا دين، ولكني أكره الكفر في الإسلام، فقال رسول الله -  ﷺ  -: أتردين عليه حديقته؟ قالت: نعم. قال رسول الله -  ﷺ  -: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\" فإن قوله -  ﷺ  -: \"اقبل الحديقة، وطلقها تطليقة\" فيه دليل على أن العوض مبذول في الطلاق الذي هو من حق الزوج.\nوقول البخاري عقب سوقه للحديث المذكور: قال أبو عبد الله: لا يتابع فيه عن ابن عباس. لا يسقط الاحتجاج به؛ لأن مراده أن أزهر بن جميل لا يتابعه غيره في ذكر ابن عباس في هذا الحديث، بل أرسله غيره، ومراده بذلك: خصوص طريق خالد الحذاء عن عكرمة، ولهذا عقبه برواية خالد -وهو ابن عبد الله الطحان- عن خالد، وهو الحذاء، عن عكرمة مرسلا، ثم برواية إبراهيم بن طهمان، عن خالد الحذاء مرسلا، وعن أيوب موصولا. ورواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة وصلها الإسماعيلي. قاله الحافظ في الفتح. فظهر اعتضاد الطريق المرسلة بعضها ببعض، وبالطرق الموصولة.\nوقوله في رواية إبراهيم بن طهمان، عن أيوب الموصولة \"وأمره ففارقها\" يظهر فيها أن مراده بالفراق الطلاق في مقابلة العوض، بدليل التصريح في الرواية الأخرى بذكر التطليقة، والروايات بعضها يفسر بعضا، كما هو معلوم في علوم الحديث. وما ذكره بعض العلماء من أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق لا يكون طلاقا، وإنما يكون فسخا فهو بعيد ولا دليل عليه. والكتاب","vol":"1","page":250},{"text":"والسنة يدلان على أن المفارقة بلفظ الطلاق طلاق لا فسخ، والاستدلال على أنه فسخ بإيجاب حيضة واحدة في عدة المختلعة فيه أمران:\nأحدهما: ما ذكرنا آنفا من أن أكثر أهل العلم على أن المختلعة تعتد عدة المطلقة ثلاثة قروء.\nالثاني: أنه لا ملازمة بين الفسخ والاعتداد بحيضة.\nومما يوضح ذلك أن الإمام أحمد وهو هو -رحمه الله تعالى- يقول في أشهر الروايتين عنه: إن الخلع فسخ لا طلاق، ويقول في أشهر الروايتين عنه أيضا: إن عدة المختلعة ثلاثة قروء كالمطلقة. فظهر عدم الملازمة عنده.\nفإن قيل: هذا الذي ذكرتم يدل على أن المخالع إذا صرح بلفظ الطلاق كان طلاقا، ولكن إذا لم يصرح بالطلاق في الخلع فلا يكون الخلع طلاقا. فالجواب أن مرادنا بالاستدلال بقوله -  ﷺ  -: \"اقبل الحديقة وطلقها تطليقة\" أن الطلاق المأمور به من قبله -  ﷺ  - هو عوض المال إذ لا يملك الزوج من الفراق غير الطلاق. فالعوض مدفوع له عما يملكه، كما يدل له الحديث المذكور دلالة واضحة.\nوقال بعض العلماء: تعتد المختلعة بحيضة، ويروى هذا القول عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعبد الله بن عمر، والربيع بنت معوذ، وعمها -وهو صحابي-. وأخرجه أصحاب السنن، والطبراني مرفوعا. والظاهر أن بعض أسانيده أقل درجاتها القبول،","vol":"1","page":251},{"text":"وعلى تقدير صحة الحديث بذلك فلا كلام ولو خالف أكثر أهل العلم. وقد قدمنا عدم الملازمة بين كونه فسخا، وبين الاعتداد بحيضة، فالاستدلال به عليه لا يخلو من نظر. وما وجهه به بعض أهل العلم من أن العدة إنما جعلت ثلاث حيض ليطول زمن الرجعة، ويتروى الزوج، ويتمكن من الرجعة في مدة العدة، فإذا لم تكن عليها رجعة فالمقصود مجرد براءة رحمها من الحمل، وذلك يكفي فيه حيضة كالاستبراء، لا يخلو من نظر أيضا، لأن حكمة جعل العدة ثلاثة قروء ليست محصورة في تطويل زمن الرجعة، بل الغرض الأعظم منها: الاحتياط لماء المطلق حتى يغلب على الظن بتكرر الحيض ثلاث مرات أن الرحم لم يشتمل على حمل منه، ودلالة ثلاث حيض على ذلك أبلغ من دلالة حيضة واحدة، ويوضح ذلك أن الطلقة الثالثة لا رجعة بعدها إجماعا، فلو كانت الحكمة ما ذكر لكانت العدة من الطلقة الثالثة حيضة واحدة. وما قاله بعض العلماء من أن باب الطلاق جعل حكمه واحدا، فجوابه أنه لم يجعل واحدا إلا لأن الحكمة فيه واحدة. ومما يوضح ذلك أن المطلق قبل الدخول لا عدة له على مطلقته إجماعا، بنص قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ مع أنه قد يندم على الطلاق كما يندم المطلق بعد الدخول، فلو كانت الحكمة في الاعتداد بالأقراء مجرد تمكين الزوج من الرجعة، لكانت العدة في الطلاق قبل الدخول.\nولما كانت الحكمة الكبرى في الاعتداد بالأقراء هي أن يغلب على الظن براءة الرحم من ماء المطلق؛ صيانة للأنساب، كان","vol":"1","page":252},{"text":"الطلاق قبل الدخول لا عدة فيه أصلا؛ لأن الرحم لم يعلق بها شيء من ماء المطلق حتى تطلب براءتها منه بالعدة، كما هو واضح.\nفإن قيل: فما وجه اعتداد المختلعة بحيضة؟\nقلنا: إن كان ثابتا عن النبي -  ﷺ  - كما أخرجه عنه أصحاب السنن والطبراني فهو تفريق من الشارع بين الفراق المبذول فيه عوض، وبين غيره في قدر العدة، ولا إشكال في ذلك. كما فرق بين الموت قبل الدخول فأوجب فيه عدة الوفاة، وبين الطلاق قبل الدخول فلم يوجب فيه عدة أصلا. مع أن الكل فراق قبل الدخول. والفرق بين الفراق بعوض، والفراق بغير عوض ظاهر في الجملة، فلا رجعة في الأول بخلاف الثاني.\nالفرع الثالث: اختلف العلماء في المخالعة هل يلحقها طلاق من خالعها بعد الخلع على ثلاثة أقوال:\nالأول: لا يلحقها طلاقه، لأنها قد ملكت نفسها، وبانت منه بمجرد الخلع. وبهذا يقول ابن عباس، وابن الزبير، وعكرمة، وجابر بن زيد، والحسن البصري، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن كثير.\nالثاني: أنه إن أتبع الخلع طلاقا من غير سكوت بينهما وقع. وإن سكت بينهما لم يقع، وهذا مذهب مالك. قال ابن عبد البر: وهذا يشبه ما روي عن عثمان ﵁.\nالثالث: أنه يلحقها طلاقه ما دامت في العدة مطلقا. وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، والثوري، والأوزاعي، وبه يقول سعيد","vol":"1","page":253},{"text":"بن المسيب، وشريح، وطاوس، وإبراهيم، والزهري، والحكم، وحماد بن أبي سليمان، كما نقله عنهم ابن كثير، وروي ذلك عن ابن مسعود، وأبي الدرداء.\nقال ابن عبد البر: وليس ذلك بثابت عنهما.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الثالث بحسب النظر أبعد الأقوال، لأن المخالعة بمجرد انقضاء صيغة الخلع تبين منه، والبائن أجنبية، لا يقع عليها طلاق؛ لأنه لا طلاق لأحد فيما لا يملكه كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الرابع: ليس للمخالع أن يراجع المختلعة في العدة بغير رضاها عند الأئمة الأربعة، وجمهور العلماء، لأنها قد ملكت نفسها بما بذلت له من العطاء، وروي عن عبد الله بن أبي أوفى، وماهان الحنفي، وسعيد بن المسيب، والزهري أنهم قالوا: إن رد إليها الذي أعطته جاز له رجعتها في العدة بغير رضاها، وهو اختيار أبي ثور.\nوقال سفيان الثوري: إن كان الخلع بغير لفظ الطلاق فهو فرقة، ولا سبيل له عليها، وإن كان سمى طلاقا فهو أملك لرجعتها ما دامت في العدة، وبه يقول داود بن علي الظاهري اهـ. من ابن كثير.\nالفرع الخامس: أجمع العلماء على أن للمختلع أن يتزوجها برضاها في العدة، وما حكاه ابن عبد البر عن جماعة من أنهم منعوا تزويجها لمن خالعها، كما يمنع لغيره فهو قول باطل","vol":"1","page":254},{"text":"مردود، ولا وجه له بحال. كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-149> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾</span> الآية. ظاهر قوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ﴾ انقضاء عدتهن بالفعل، ولكنه بين في موضع آخر أنه لا رجعة إلا في زمن العدة خاصة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ لأن الإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه بثلاثة قروء في قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية. فاتضح من تلك الآية أن معنى فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ أن قاربن انقضاء العدة، وأشرفن على بلوغ أجلها.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-150> قوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِتَعْتَدُوا﴾</span> الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها؛ لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها؛ لأنها إذا طال الإضرار افتدت منه، ابتغاء السلامة من ضرره. وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدي منه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيتُمُوهُنَّ إلا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة. فقال جماعة منهم: هي الزنا. وقال قوم: هي النشوز والعصيان وبذاء اللسان. والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير، وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها؛ لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-151> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الرجل إذا أراد أن يطلب لولده","vol":"1","page":255},{"text":"مرضعة غير أمه لا جناح عليه في ذلك، إذا سلم الأجرة المعينة في العقد، ولم يبين هنا الوجه الموجب لذلك، ولكنه بينه في سورة الطَّلاق بقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعَاسَرْتُمْ فَسَتُرْضِعُ لَهُ أُخْرَى (٦)﴾ والمراد بتعاسرهم: امتناع الرجل من دفع ما تطلبه المرأة، وامتناع المرأة من قبول الإرضاع بما يبذله الرجل، ويرضى به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-152> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾</span> ظاهر هذه الآية الكريمة أن كل متوفى عنها تعتد بأربعة أشهر وعشر، ولكنه بين في موضع آخر أن محل ذلك ما لم تكن حاملا، فإن كانت حاملا كانت عدتها وضع حملها، وذلك في قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ويزيده إيضاحا ما ثبت في الحديث المتفق عليه من إذن النبي - ﷺ - لسبيعة الأسلمية في الزواج بوضع حملها بعد وفاة زوجها بأيام، وكون عدة الحامل المتوفى عنها بوضع حملها هو الحق، كما ثبت عنه - ﷺ -، خلافا لمن قال: تعتد بأقصى الأجلين. ويروى عن علي وابن عباس. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيهان\nالأول: هاتان الآيتان أعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وقوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ من باب تعارض الأعمين من وجه، والمقرر في الأصول الترجيح بينهما، والراجح منهما يخصص به عموم المرجوح كما عقده في المراقي بقوله:\nوإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتما معتبر","vol":"1","page":256},{"text":"وقد بينت السنة الصحيحة أن عموم: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ مخصص لعموم: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ الآية. مع أن جماعة من الأصوليين ذكروا أن الجموع المنكرة لا عموم لها؛ وعليه فلا عموم في آية البقرة؛ لأن قوله: ﴿وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر فلا يعم بخلاف قوله: ﴿وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ﴾ فإنه مضاف إلى معرف بأل، والمضاف إلى المعرف بها من صيغ العموم. كما عقده في مراقي السعود بقوله عاطفا على صيغ العموم:\n\n• وما معرفا بأل قد وجدا *\nأو بإضافة إلى معرف ... إذا تحقق الخصوص قد نفى\nالثاني: الضمير الرابط للجملة بالموصول محذوف؛ لدلالة المقام عليه أي: والذين يتوفون منكم ويذرون أزواجا يتربصن بعدهم أربعة أشهر وعشرا كقول العرب: السمن منوان بدرهم. أي: منوان منه بدرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-153> قوله تعالى: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾</span> ظاهر هذه الآية الكريمة أن المتعة حق لكل مطلقة على مطلقها المتقي، سواء أطلقت قبل الدخول أم لا؟ فرض لها صداق أم لا؟ ويدل لهذا العموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٢٨)﴾ مع قوله: ﴿﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية- وقد تقرر في الأصول أن الخطاب الخاص به - ﷺ - يعم حكمه جميع الأمة إلا بدليل على الخصوص كما عقده في مراقي السعود بقوله:","vol":"1","page":257},{"text":"وما به قد خوطب النبي ... تعميمه في المذهب السني\nوهو مذهب الأئمة الثلاثة، خلافا للشافعي القائل بخصوصه به -  ﷺ  - إلا بدليل على العموم، كما بيناه في غير هذا الموضع.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم: أن أزواج النبي مفروض لهن ومدخول بهن، وقد يفهم من موضع آخر أن المتعة لخصوص المطلقة قبل الدخول وفرض الصداق معا؛ لأن المطلقة بعد الدخول تستحق الصداق، والمطلقة قبل الدخول وبعد فرض الصداق تستحق نصف الصداق. والمطلقة قبلهما لا تستحق شيئا، فالمتعة لها خاصة لجبر كسرها، وذلك في قوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنّ﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ فهذه الآية ظاهرة في هذا التفصيل، ووجهه ظاهر معقول.\nوقد ذكر تعالى في موضع آخر ما يدل على الأمر بالمتعة للمطلقة قبل الدخول وإن كان مفروضا لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا (٤٩)﴾؛ لأن ظاهر عمومها يشمل المفروض لها الصداق وغيرها، وبكل واحدة من الآيات الثلاث أخذ جماعة من العلماء. والأحوط الأخذ بالعموم، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على الأمر مقدم على الدال على الإباحة، وعقده في مراقي السعود بقوله:\n\"وناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر\"","vol":"1","page":258},{"text":"• على إباحة ... الخ *\nفقوله \"ثم هذا الآخر على إباحة\"، يعني: أن النص الدال على أمر مقدم على النص الدال على إباحة، للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.\nوالتحقيق أن قدر المتعة لا تحديد فيه شرعا لقوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ فإن توافقا على قدر معين فالأمر واضح، وإن اختلفا فالحاكم يجتهد في تحقيق المناط، فيعين القدر على ضوء قوله تعالى: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ﴾ الآية. هذا هو الظاهر وظاهر قوله: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ وقوله: ﴿وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ﴾ يقتضي وجوب المتعة في الجملة خلافا لمالك ومن وافقه في عدم وجوب المتعة أصلا، واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ وقال: ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقا على كل أحد. وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر؛ لأن قوله: ﴿عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)﴾ ﴿حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ تأكيد للوجوب، وليس لأحد أن يقول: لست متقيا مثلا؛ لوجوب التقوى على جميع الناس.\nقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَتِّعُوهُنَّ﴾ الآية ما نصه: وقوله عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد لإيجابها؛ لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه، وقد قال تعالى في القرآن: ﴿هُدىً لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾ وقولهم: لو كانت واجبة لعين القدر الواجب","vol":"1","page":259},{"text":"فيها ظاهر السقوط، فنفقة الأزواج، والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-154> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾</span> المقصود من هذه الآية الكريمة تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي، فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان، وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. وصرح بما أشار إليه هنا في قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٦)﴾ وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه، ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب، كما قال قعنب بن أم صاحب:\nإذا أنت لاقيت في نجدة ... فلا تتهيبك أن تقدما\nفإن المنية من يخشها ... فسوف تصادفه أينما\nوإن تتخطاك أسبابها ... فإن قصاراك أن تهرما\nوقال زهير:\nرأيت المنايا خبط عشواء من تصب ... تمته ومن تخطئ يعمر فيهرم\nوقال أبو الطيب:\nوإذا لم يكن من الموت بد ... فمن العجز أن تكون جبانا","vol":"1","page":260},{"text":"ولقد أجاد من قال:\nفي الجبن عار، وفي الإقدام مكرمة ... والمرء في الجبن لا ينجو من القدر\nوهذا هو المراد بالآيات المذكورة، ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النبي - ﷺ - النهي عن الفرار من الطاعون، وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجا عنها.\nتنبيه: لم تأت لفظة \"أَلَمْ تَرَ\" ونحوها في القرآن مما تقدمه لفظ أَلَمْ معداة إلا بالحرف الذي هو إِلَى. وقد ظن بعض العلماء أن ذلك لازم، والتحقيق عدم لزومه، وجواز تعديته بنفسه دون حرف الجر، كما يشهد له قول امرئ القيس:\nألم ترياني كلما جئت طارقا ... وجدت بها طيبا وإن لم تطيب\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-155> قوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾</span> لم يبين هنا قدر هذه الأضعاف الكثيرة، ولكنه بين في موضع آخر أنها تبلغ سبعمائة ضعف، وتزيد عن ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-156> قوله تعالى: ﴿وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾</span> لم يبين هنا شيئا مما علمه، وقد بين في مواضع أخر مما علمه صنعة الدروع كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾.","vol":"1","page":261},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-157> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾</span> يفهم من تأكيده هنا بان واللام أن الكفار ينكرون رسالته كما تقرر في فن المعاني، وقد صرح بهذا المفهوم في قوله: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-158> قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾</span> لم يبين هنا هذا الذي كلمه الله منهم، وقد بين أن منهم موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بقوله: ﴿وَوَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ وقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾.\nقال ابن كثير: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾، يعني موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم، وكذلك آدم كما ورد في الحديث المروي في صحيح ابن حبان، عن أبي ذر ﵁.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: تكليم آدم الوارد في صحيح ابن حبان يبينه قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾ وأمثالها من الآيات، فإنه ظاهر في أنه بغير واسطة الملك، ويظهر من هذه الآية نهي حواء عن الشجرة على لسانه، فهو رسول إليها بذلك.\nقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ﴾ ما نصه: وقد سئل رسول الله - ﷺ - عن آدم أنبي مرسل هو؟ فقال: نعم نبي مكلم.\nقال ابن عطية: وقد تأول بعض الناس أن تكليم آدم كان في الجنة، فعلى هذا تبقى خاصية موسى. اهـ.","vol":"1","page":262},{"text":"وقال ابن جرير في تفسير قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ في سورة البقرة ما نصه: لأن آدم كان هو النبي -  ﷺ  - أيام حياته، بعد أن أهبط إلى الأرض، والرسول من الله جل ثناؤه إلى ولده، فغير جائز أن يكون معنيا وهو -الرسول -  ﷺ  - بقوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً﴾ أي: رسل. اهـ. محل الحجة منه بلفظه. وفيه، وفي كلام ابن كثير المتقدم عن صحيح ابن حبان الصريح بأن آدم رسول، وهو مشكل مع ما ثبت في حديث الشفاعة المتفق عليه من أن نوحا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أول الرسل، ويشهد له قوله تعالى ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ والظاهر أنه لا طريق للجمع إلا من وجهين:\nالأول: أن آدم أرسل لزوجه وذريته في الجنة، ونوح أول رسول أرسل في الأرض، ويدل لهذا الجمع ما ثبت في الصحيحين وغيرهما: \"ويقول: ولكن ائتوا نوحا، فإنه أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض\". الحديث فقوله: إلى أهل الأرض لو لم يرد به الاحتراز عن رسول بعث لغير أهل الأرض، لكان ذلك الكلام حشوا، بل يفهم من مفهوم مخالفته ما ذكرنا. ويُسْتأنس له بكلام ابن عطية الذي قدمنا نقل القرطبي له.\nالوجه الثاني: أن آدم أرسل إلى ذريته، وهم على الفطرة لم يصدر منهم كفر فأطاعوه، ونوح هو أول رسول أرسل لقوم كافرين ينهاهم عن الإشراك بالله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إلا أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية. أي: على الدين الحنيف، أي حتى كفر قوم نوح،","vol":"1","page":263},{"text":"وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾ الآية. والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ﴾ أشار في مواضع أخر إلى أن منهم محمدا -  ﷺ  - كقوله: ﴿وَعَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا﴾ أو قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وأشار في مواضع أخر إلى أن منهم إبراهيم، كقوله: ﴿إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات وأشار في موضع آخر إلى أن منهم داود وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (٥٥)﴾ وأشار في موضع آخر إلى أن منهم إدريس، وهو قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ وأشار هنا إلى أن منهم عيسى بقوله: ﴿وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ﴾ الآية.\nتنبيه: في هذه الآية الكريمة أعني: قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية إشكال قوي معروف.\nووجهه: أنه ثبت في حديث أبي هريرة المتفق عليه أنه -  ﷺ  - قال: \"لا تخيروني على موسى، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله\" وثبت أيضا في حديث أبي سعيد المتفق عليه \"لا تخيروا بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة\" الحديث، وفي رواية \"لا تفضلوا بين أنبياء الله\" وفي رواية \"لا تخيروني من بين الأنبياء\" وقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما","vol":"1","page":264},{"text":"نصه: وهذه الآية مشكلة، والأحاديث ثابتة بأن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا تخيروا بين الأنبياء ولا تفضلوا بين أنبياء الله\" رواها الأئمة الثقات، أي: لا تقولوا: فلان خير من فلان، ولا فلان أفضل من فلان اهـ.\nقال ابن كثير في الجواب عن هذا الإشكال ما نصه: والجواب من وجوه:\nأحدها: أن هذا كان قبل أن يعلم بالتفضيل، وفي هذا نظر.\nالثاني: أن هذا قاله من باب الهضم والتواضع.\nوالثالث: أن هذا نهي عن التفضيل في مثل هذه الحال التي تحاكموا فيها عند التخاصم والتشاجر.\nالرابع: لا تفضلوا بمجرد الآراء والعصبية.\nالخامس: ليس مقام التفضيل إليكم، وإنما هو إلى الله ﷿، وعليكم الانقياد والتسليم له والإيمان به. اهـ. منه بلفظه.\nوذكر القرطبي في تفسيره أجوبة كثيرة عن هذا الإشكال، واختار أن منع التفضيل في خصوص النبوة، وجوازه في غيرها من زيادة الأحوال والخصوص والكرامات فقد قال ما نصه: قلت: وأحسن من هذا قول من قال: إن المنع من التفضيل إنما هو من جهة النبوة التي هي خصلة واحدة لا تفاضل فيها، وإنما التفضيل في زيادة الأحوال والخصوص والكرامات والألطاف والمعجزات المتباينات، وأما النبوة في نفسها فلا تتفاضل، وإنما تتفاضل بأمور أخر زائدة عليها، ولذلك منهم رسل، وأولو عزم،","vol":"1","page":265},{"text":"ومنهم من اتخذ خليلا ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات. قال الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُدَ زَبُورًا (٥٥)﴾.\nقلت: وهذا قول حسن فإنه جمع بين الآي والأحاديث من غير نسخ، والقول بتفضيل بعضهم على بعض إنما هو بما منح من الفضائل، وأعطى من الوسائل، وقد أشار ابن عباس إلى هذا فقال: إن الله فضل محمدا -  ﷺ  - على الأنبياء، وعلى أهل السماء، فقالوا: بم يا ابن عباس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ وقال لمحمد -  ﷺ  -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ قالوا فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله ﷿ لمحمد -  ﷺ  -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فأرسله إلى الجن والإنس، ذكره أبو محمد الدارمي في مسنده. وقال أبو هريرة: خير بني آدم: نوح، وإبراهيم، وموسى، ومحمد -  ﷺ  -، وهم أولو العزم من الرسل. وهذا نص من ابن عباس وأبي هريرة في التعيين، ومعلوم أن من أرسل أفضل ممن لم يرسل؛ فإن من أرسل فضل على غيره بالرسالة، واستووا في النبوة إلَّا ما يلقاه الرسل من تكذيب أممهم، وقتلهم إياهم، وهذا مما لا خفاء به. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nواختار ابن عطية كما نقله عنه القرطبي أن وجه الجمع جواز التفضيل إجمالا كقوله -  ﷺ  -: \"أنا سيد ولد آدم ولا فخر\" ولم يعين، ومنع التفضيل على طريق الخصوص كقوله: \"لا","vol":"1","page":266},{"text":"تفضلوني على موسى\" وقوله: \"لا ينبغي لأحد أن يقول أنا خير من يونس بن متى\" ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-159> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لا يُتْبِعُونَ مَا أَنْفَقُوا مَنًّا وَلا أَذىً لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾</span> يفهم من هذه الآية أن من أتبع إنفاقه المن والأذى لم يحصل له هذا الثواب المذكور هنا في قوله: ﴿لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٦٢)﴾ وقد صرح تعالى بهذا المفهوم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-160> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾</span> صرح في هذه الآية الكريمة بأن الله ولي المؤمنين، وصرح في آية أخرى بأنه وليهم، وأن رسول الله - ﷺ - وليهم، وأن بعضهم أولياء بعض، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ وصرح في موضع آخر بخصوص هذه الولاية للمسلمين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾، وصرح في موضع آخر بأن نبيه - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ وبين في آية البقرة هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ","vol":"1","page":267},{"text":"وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾، وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولي نبيه - ﷺ -، وأنه أيضا يتولى الصالحين، وهو قوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ المراد بالظلمات الضلالة، وبالنور الهدى، وهذه الآية يفهم منها أن طرق الضلال متعددة؛ لجمعه الظلمات، وأن طريق الحق واحدة؛ لإفراده النور، وهذا المعنى المشار إليه هنا بينه تعالى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾.\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: ولهذا وحد تعالى لفظ النور، وجمع الظلمات؛ لأن الحق واحد، والكفر أجناس كثيرة، وكلها باطلة، كما قال: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾ وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ وقال تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي في لفظها إشعار بتفرد الحق، وانتشار الباطل وتعدده وتشعبه. منه بلفظه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-161> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ﴾</span> الآية. قال بعض العلماء: الطَّاغُوتُ الشيطان. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم من أوليائه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ وقوله:","vol":"1","page":268},{"text":"﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية. والتحقيق أن كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، والحظ الأكبر من ذلك للشيطان، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية وقال: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ وقال عن خليله إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-162> قوله تعالى: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾</span> بين أن المراد بالذي: الذين بقوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيءٍ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-163> قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا سبب فقرهم، ولكنه بين في سورة الحشر أن سبب فقرهم هو إخراج الكفار لهم من ديارهم وأموالهم بقوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-164> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾</span> الآية. معنى هذه الآية الكريمة أن من جاءه موعظة من ربه يزجره بها عن أكل الربا فانتهى، أي: ترك المعاملة بالربا؛ خوفا من الله تعالى وامتثالا لأمره ﴿فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾ أي: ما مضى قبل نزول التحريم من أموال الربا. ويؤخذ من هذه الآية الكريمة أن الله لا يؤاخذ الإنسان بفعل أمر إلا بعد أن يحرمه عليه، وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، فقد قال في الذين كانوا يشربون الخمر، ويأكلون مال الميسر قبل نزول التحريم: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا","vol":"1","page":269},{"text":"الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ الآية. وقال في الذين كانوا يتزوجون أزواج آبائهم قبل التحريم: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أي: لكن ما سلف قبل التحريم فلا جناح عليكم فيه، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقال في الصيد قبل التحريم: ﴿عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ﴾ الآية. وقال في الصلاة إلى بيت المقدس قبل نسخ استقباله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾ أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل النسخ.\nومن أصرح الأدلة في هذا المعنى أن النبي - ﷺ - والمسلمين لما استغفروا لأقربائهم الموتى من المشركين وأنزل الله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾ وندموا على استغفارهم للمشركين أنزل الله في ذلك: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ فصرح بأنه لا يضلهم بفعل أمر إلا بعد بيان اتقائه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-165> قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا﴾</span> صرح في هذه الآية الكريمة بأنه يمحق الربا، أي: يذهبه بالكلية من يد صاحبه، أو يحرمه بركة ماله فلا ينتفع به كما قاله ابن كثير وغيره، وما ذكر هنا من محق الربا أشار إليه في مواضع أخر كقوله: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ﴾ كما أشار إلى ذلك ابن كثير في تفسير هذه الآية.","vol":"1","page":270},{"text":"واعلم أن الله صرح بتحريم الربا بقوله: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ وصرح بأن المتعامل بالربا محارب لله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ (٢٧٩)﴾. وصرح بأن آكل الربا لا يقوم، أي: من قبره يوم القيامة إلا كما يقوم الذي يتخبطه الشيطان من المس بقوله: ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إلا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا﴾ والأحاديث في ذلك كثيرة جدا.\nواعلم أن الربا منه ما أجمع المسلمون على منعه ولم يخالف فيه أحد، وذلك كربا الجاهلية، وهو أن يزيده في الأجل على أن يزيده الآخر في قدر الدين، وربا النساء بين الذهب والذهب، والفضة والفضة، وبين الذهب والفضة، وبين البر والبر، وبين الشعير والشعير، وبين التمر والتمر، وبين الملح والملح، وكذلك بين هذه الأربعة بعضها مع بعض. وكذلك حكى غير واحد الإجماع على تحريم ربا الفضل بين كل واحد من الستة المذكورة، فلا يجوز الفضل بين الذهب والذهب، ولا بين الفضة والفضة، ولا بين البر والبر، ولا بين الشعير والشعير، ولا بين التمر والتمر، ولا بين الملح والملح، ولو يدا بيد.\nوالحق -الذي لا شك فيه- منع ربا الفضل في النوع الواحد من الأصناف الستة المذكورة. فإن قيل: ثبت في الصحيح عن ابن عباس، عن أسامة بن زيد، أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"لا ربا إلا في النسيئة\" وثبت في الصحيح عن أبي المنهال أنه قال:","vol":"1","page":271},{"text":"سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف فقالا: كنا تاجرين على عهد رسول الله -  ﷺ  -، فسألنا رسول الله -  ﷺ  - عن الصرف، فقال: \"ما كان منه يدا بيد فلا بأس وما كان منه نسيئة فلا\" فالجواب من أوجه:\nالأول: أن مراد النبي -  ﷺ  - بجواز الفضل ومنع النسيئة فيما رواه عنه أسامة، والبراء، وزيد، إنما هو في جنسين مختلفين، بدليل الروايات الصحيحة المصرحة بأن ذلك هو محل جواز التفاضل، وأنه في الجنس الواحد ممنوع. واختار هذا الوجه البيهقي في السنن الكبرى، فإنه قال بعد أن ساق الحديث الذي ذكرنا آنفا عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، ما نصه: رواه البخاري في الصحيح عن أبي عاصم، دون ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه من حديث حجاج بن محمد، عن ابن جريج، مع ذكر عامر بن مصعب، وأخرجه مسلم بن الحجاج، عن محمد بن حاتم بن ميمون، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج. فذكره، وبمعناه رواه البخاري عن علي بن المديني عن سفيان، وكذلك رواه أحمد، عن روح، عن سفيان، وروي عن الحميدي، عن سفيان، عن عمرو بن دينار، عن أبي المنهال، قال باع شريك لي بالكوفة دراهم بدراهم بينهما فضل عندي أن هذا خطأ. والصحيح ما رواه علي بن المديني، ومحمد بن حاتم، وهو المراد بما أطلق في رواية ابن جريج، فيكون الخبر واردًا في بيع الجنسين، أحدهما بالآخر، فقال: ما كان منه يدًا بيد فلا بأس وما كان منه نسيئة فلا، وهو المراد بحديث أسامة والله أعلم.","vol":"1","page":272},{"text":"والذي يدل على ذلك أيضا ما أخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد: أنا أبو سهل بن زياد القطان، حدثنا أحمد بن محمد بن عيسى البرتي، حدثنا أبو عمر، حدثنا شعبة، أخبرني حبيب بن أبي ثابت، قال: سمعت أبا المنهال قال: سألت البراء وزيد بن أرقم عن الصرف فكلاهما يقول: نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع الورق بالذهب دينا، رواه البخاري في الصحيح عن أبي عمر حفص بن عمر. وأخرجه مسلم من وجه آخر عن شعبة. اهـ. من البيهقي بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا من أن المراد بجواز الفضل المذكور كونه في جنسين، لا جنس واحد.\nوفي تكملة المجموع -بعد أن ساق الكلام الذي ذكرنا عن البيهقي- ما نصه: ولا حجة لمتعلق فيهما، لأنه يمكن حمل ذلك على أحد أمرين، إما أن يكون المراد بيع دراهم بشيء ليس ربويا، ويكون الفساد لأجل التأجيل بالموسم، أو الحج، فإنه غير محرر، ولا سيما على ما كانت العرب تفعل.\nوالثاني: أن يحمل ذلك على اختلاف الجنس، ويدل له رواية أخرى عن أبي المنهال، قال: سألت البراء بن عازب، وزيد بن أرقم عن الصرف، فكلاهما يقول: نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع الذهب بالورق دينا. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظ البخاري، ومسلم بمعناه. وفي لفظ مسلم عن بيع الورق بالذهب دينا. فهو يبين أن المراد صرف الجنس بجنس آخر. وهذه الرواية ثابتة من حديث شعبة، عن حبيب بن أبي ثابت، عن أبي المنهال. والروايات الثلاث الأول رواية الحميدي، واللتان في الصحيح، وكلها أسانيدها","vol":"1","page":273},{"text":"في غاية الجودة. ولكن حصل الاختلاف في سفيان، فخالف الحميدي على بن المديني، ومحمد بن حاتم، ومحمد بن منصور، وكل من الحميدي، وعلي بن المديني في غاية الثبت. ويترجح ابن المديني هنا بمتابعة محمد بن حاتم، ومحمد بن منصور له، وشهادة ابن جريج لروايته، وشهادة رواية حبيب بن أبي ثابت لرواية شيخه، ولأجل ذلك قال البيهقي ﵀: إن رواية من قال: إنه باع دراهم بدراهم خطأ عنده اهـ منه بلفظه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وقال الطبري: معنى حديث أسامة لا ربا إلا في النسيئة إذا اختلفت أنواع البيع اهـ. محل الغرض منه بلفظه، وهو موافق لما ذكر.\nوقال في فتح الباري أيضا ما نصه: تنبيه: وقع في نسخة الصغاني هنا قال أبو عبد الله -يعني البخاري-: سمعت سليمان بن حرب يقول: لا ربا إلا في النسيئة، هذا عندنا في الذهب بالورق، والحنطة بالشعير، متفاضلا ولا بأس به يدا بيد، ولا خير فيه نسيئة. قلت: وهذا موافق. اهـ. منه بلفظه. وعلى هامش النسخة: أن بعد قوله: \"وهذا موافق\" بياضا بالأصل.\nوبهذا الجواب الذي ذكرنا تعلم أن حديث البراء وزيد لا يحتاج بعد هذا الجواب إلى شيء، لأنه قد ثبت في الصحيح عنهما تصريحهما باختلاف الجنس فارتفع الإشكال، والروايات يفسر بعضها بعضا. فإن قيل: هذا لا يكفي في الحكم على الرواية الثابتة في الصحيح بجواز التفاضل بين الدراهم والدراهم أنها خطأ، إذ لقائل أن يقول: لا منافاة بين الروايات المذكورة، فإن منها ما أطلق","vol":"1","page":274},{"text":"فيه الصرف، ومنها ما بين أنها دراهم بدراهم، فيحمل المطلق على المقيد، جمعا بين الروايتين، فإن إحداهما بينت ما أبهمته الأخرى، ويكون حديث حبيب بن أبي ثابت حديثا آخر واردا في الجنسين، وتحريم النساء فيهما، ولا تنافي في ذلك، ولا تعارض.\nفالجواب على تسليم هذا بأمرين:\nأحدهما: أن إباحة ربا الفضل منسوخة.\nوالثاني: أن أحاديث تحريم ربا الفضل أرجح وأولى بالاعتبار -على تقدير عدم النسخ- من أحاديث إباحته.\nومما يدل على النسخ ما ثبت في الصحيح عن أبي المنهال قال: باع شريك لي ورقا بنسيئة إلى الموسم، أو إلى الحج، فجاء إلي فأخبرني، فقلت: هذا أمر لا يصح، قال: قد بعته في السوق فلم ينكر ذلك على أحد، فأتيت البراء بن عازب فسألته، فقال: قدم النبي -  ﷺ  - المدينة ونحن نبيع هذا البيع، فقال: ما كان يدا بيد فلا بأس به، وما كان نسيئة فهو ربا، وائت زيد بن أرقم، فإنه أعظم تجارة مني، فأتيته فسألته، فقال مثل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه التصريح بأن إباحة ربا الفضل المذكورة في حديث البراء بن عازب، وزيد بن أرقم كانت مقارنة لقدومه -  ﷺ  - المدينة مهاجرا.\nوفي بعض الروايات الصحيحة في تحريم ربا الفضل أنه -  ﷺ  - صرح بتحريمه في يوم خيبر، وفي بعض الروايات الصحيحة تحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر أيضا، فقد ثبت في الصحيح من حديث","vol":"1","page":275},{"text":"فضالة بن عبيد الأنصاري ﵁ قال: أتي رسول الله -  ﷺ  - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع، فأمر رسول الله -  ﷺ  - بالذهب الذي في القلادة فنزع وحده، ثم قال لهم رسول الله -  ﷺ  -: \"الذهب بالذهب وزنا بوزن\" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة بن عبيد: قال: اشتريت يوم خيبر قلادة باثني عشر دينارا فيها ذهب وخرز، ففصلتها فوجدت فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك للنبي -  ﷺ  - فقال: \"لا تباع حتى تفصل\" وفي لفظ له في صحيحه أيضا عن فضالة ﵁ قال: كنا مع رسول الله -  ﷺ  - يوم خيبر نبايع اليهود الأوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"لا تبيعوا الذهب بالذهب، إلا وزنا بوزن\" وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، وأبي سعيد أن رسول الله -  ﷺ  - بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب، فقال له رسول الله -  ﷺ  -: أكل تمر خيبر هكذا؟ قال: لا، والله يا رسول الله -  ﷺ  - إنا لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع، فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"لا تفعلوا، ولكن مثل بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان\" هذا لفظ مسلم في صحيحه، وفي لفظ لهما عن أبي هريرة وأبي سعيد أيضا أن رسول الله -  ﷺ  -: استعمل رجلا على خيبر فجاء بتمر جنيب فقال له رسول الله -  ﷺ  -: أكل تمر خيبر هكذا؛ قال: لا، والله يا رسول الله، إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة، فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"فلا تفعل بع الجمع بالدراهم ثم ابتع الدراهم جنيبا\" والأحاديث بمثله كثيرة، وهي نص صريح في تصريحه -  ﷺ  - بتحريم ربا الفضل بعد فتح خيبر،","vol":"1","page":276},{"text":"فقد اتضح لك من هذه الروايات الثابتة في الصحيح: أن إباحة ربا الفضل كانت زمن قدومه -  ﷺ  - المدينة مهاجرا، وأن الروايات المصرحة بالمنع صرحت به في يوم خيبر وبعده، فتصريح النبي -  ﷺ  - بتحريم ربا الفضل بعد قدومه المدينة بنحو ست سنين وأكثر منها، يدل دلالة لا لبس فيها على النسخ، وعلى كل حال فالعبرة بالمتأخر، وقد كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث، وأيضا فالبراء، وزيد ﵄ كانا غير بالغين في وقت تحملهما الحديث المذكور عن رسول الله -  ﷺ  -، بخلاف الجماعة من الصحابة الذين رووا عنه تحريم ربا الفضل، فإنهم بالغون وقت التحمل، ورواية البالغ وقت التحمل أرجح من رواية من تحمل وهو صبي؛ للخلاف فيها دون رواية المتحمل بالغا، وسن البراء، وزيد وقت قدومه -  ﷺ  - المدينة، نحو عشر سنين؛ لما ذكره ابن عبد البر عن منصور بن سلمة الخزاعي أنه روى بإسناده إلى زيد بن حارثة أن رسول الله -  ﷺ  - استصغره يوم أحد، والبراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأبا سعيد الخدري، وسعد بن حبته، وعبد الله بن عمر. وعن الواقدي أن أول غزوة شهداها الخندق، وممن قال: بأن حديث البراء وزيد منسوخ، راويه الحميدي. وناهيك به علما واطلاعا. وقول راوي الحديث: إنه منسوخ، في كونه يكفي في النسخ خلاف معروف عند أهل الأصول، وأكثر المالكية والشافعية لا يكفي عندهم.\nفإن قيل: ما قدمتم من كون تحريم ربا الفضل واقعا بعد إباحته، يدل على النسخ في حديث البراء، وزيد، لعلم التاريخ فيهما، وأن حديث التحريم هو المتأخر، ولكن أين لكم معرفة ذلك","vol":"1","page":277},{"text":"في حديث أسامة؟ ومولد أسامة مقارب لمولد البراء، وزيد، لأن سن أسامة وقت وفاته -  ﷺ  - عشرون سنة، وقيل: ثمان عشرة، وسن البراء، وزيد وقت وفاته -  ﷺ  - نحو العشرين، كما قدمنا ما يدل عليه.\nفالجواب: أنه يكفي في النسخ معرفة أن إباحة ربا الفضل وقعت قبل تحريمه، والمتأخر يقضي على المتقدم.\nالجواب الثاني: عن حديث أسامة: أنه رواية صحابي واحد، وروايات منع ربا الفضل عن جماعة من أصحاب رسول الله -  ﷺ  -، رووها صريحة عنه -  ﷺ  -، ناطقة بمنع ربا الفضل، منهم أبو سعيد، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وأبو هريرة، وهشام بن عامر، وفضالة بن عبيد، وأبو بكرة، وابن عمر، وأبو الدرداء، وبلال، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله وغيرهم، وروايات جل من ذكرنا ثابتة في الصحيح، كرواية أبي هريرة، وأبي سعيد، وفضالة بن عبيد، وعمر بن الخطاب، وأبي بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعمر بن عبد الله، وغيرهم. وإذا عرفت ذلك فرواية الجماعة من العدول أقوى وأثبت وأبعد من الخطأ من رواية الواحد.\nوقد تقرر في الأصول أن كثرة الرواة من المرجحات، وكذلك كثرة الأدلة، كما عقده في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي بقوله:\n\"وكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية\"\nوالقول بعدم الترجيح بالكثرة ضعيف، وقد ذكر سليم الرازي","vol":"1","page":278},{"text":"أن: الشافعي أومأ إليه. وقد ذهب إليه بعض الشافعية والحنفية.\nالجواب الثالث: عن حديث أسامة أنه دل على إباحة ربا الفضل، وأحاديث الجماعة المذكورة دلت على منعه في الجنس الواحد من المذكورات، وقد تقرر في الأصول أن النص الدال على المنع مقدم على الدال على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، وقدمناه عن صاحب المراقي، وهو الحق خلافا للغزالي، وعيسى بن أبان، وأبي هاشم، وجماعة من المتكلمين حيث قالوا: هما سواء.\nالجواب الرابع: عن حديث أسامة أنه عام بظاهره في الجنس والجنسين، وأحاديث الجماعة أخص منه؛ لأنها مصرحة بالمنع مع اتحاد الجنس، وبالجواز مع اختلاف الجنس، والأخص مقدم على الأعم؛ لأنه بيان له، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول.\nومن مرجحات أحاديث منع ربا الفضل على حديث أسامة الحفظ؛ فإن في رواته أبا هريرة، وأبا سعيد، وغيرهما، ممن هو مشهور بالحفظ. ومنها غير ذلك.\nوقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: واتفق العلماء على صحة حديث أسامة، واختلفوا في الجمع بينه وبين حديث أبي سعيد، فقيل: منسوخ، لكن النسخ لا يثبت بالاحتمال، وقيل: المعنى في قوله: لا ربا الربا الأغلظ الشديد التحريم، المتوعد عليه بالعقاب الشديد، كما تقول العرب: لا عالم في البلد إلا زيد، مع أن فيها علماء غيره، وإنما القصد نفي الأكمل، لا نفي الأصل،","vol":"1","page":279},{"text":"وأيضا فنفي تحريم ربا الفضل من حديث أسامة إنما هو بالمفهوم، فيقدم عليه حديث أبي سعيد؛ لأن دلالته بالمنطوق، ويحمل حديث أسامة على الربا الأكبر كما تقدم، والله أعلم اهـ منه.\nوقوله: النسخ لا يثبت بالاحتمال مردود بما قدمنا من الروايات المصرحة بأن التحريم بعد الإباحة، ومعرفة المتأخر كافية في الدلالة على النسخ.\nوقد روي عن ابن عباس وابن عمر أنهما رجعا عن القول بإباحة ربا الفضل، قال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: \"باب ما يستدل به على رجوع من قال من الصدر الأول: لا ربا إلا في النسيئة عن قوله، ونزوعه عنه\" أخبرنا أبو عبد الله الحافظ: أنا أبو الفضل بن إبراهيم، حدثنا أحمد بن سلمة، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، أنا عبد الأعلى، حدثنا داود بن هند، عن أبي نضرة قال: سألت ابن عمر، وابن عباس عن الصرف فلم يريا به بأسا، وإني لقاعد عند أبي سعيد الخدري فسألته عن الصرف، فقال: ما زاد فهو ربا، فأنكرت ذلك لقولهما، فقال: لا أحدثكم إلا ما سمعت من رسول الله -  ﷺ  -: جاءه صاحب نخلة بصاع من تمر طيب، وكان تمر النبي -  ﷺ  - هو الدون، فقال له النبي -  ﷺ  -: \"أنى لك هذا؟ \" قال: انطلقت بصاعين، واشتريت به هذا الصاع؛ فإن سعر هذا بالسوق كذا، وسعر هذا بالسوق كذا. فقال له رسول الله -  ﷺ  -: \"أربيت؟ إذا أردت ذلك فبع تمرك بسلعة، ثم اشتر بسلعتك أي تمر شئت\" فقال أبو سعيد: فالتمر بالتمر أحق أن يكون ربا، أم الفضة بالفضة؟ قال: فأتيت ابن عمر بعد فنهاني، ولم آت ابن عباس. قال:","vol":"1","page":280},{"text":"فحدثني أبو الصهباء أنه سأل ابن عباس فكرهه، رواه مسلم في الصحيح عن إسحاق ابن إبراهيم. وقال: وكان تمر النبي -  ﷺ  - هذا اللون.\nأخبرنا محمد بن عبد الله الحافظ، حدثنا الحسين بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسين أبو علي الماسرجسي، حدثنا جدي أبو العباس أحمد بن محمد، وهو ابن بنت الحسن بن عيسى، حدثني جدي الحسن بن عيسى، أنا ابن المبارك، أنا يعقوب بن أبي القعقاع، عن معروف بن سعد، أنه سمع أبا الجوزاء يقول: كنت أخدم ابن عباس تسع سنين إذ جاء رجل فسأله عن درهم بدرهمين، فصاح ابن عباس وقال: إن هذا يأمرني أن أطعمه الربا، فقال ناس حوله: إن كنا لنعمل هذا بفتياك، فقال ابن عباس: قد كنت أفتي بذلك حتى حدثني أبو سعيد، وابن عمر أن النبي -  ﷺ  - نهى عنه فأنا أنهاكم عنه. وفي نسختنا من سنن البيهقي في هذا الإسناد ابن المبارك، والظاهر: أن الأصل أبو المبارك كما يأتي.\nأخبرنا أبو الحسين بن الفضل القطان ببغداد أنا عبد الله بن جعفر بن درستويه، حدثنا يعقوب بن سفيان، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن سعد بن إياس، عن عبد الله بن مسعود، أن رجلا من بني شمخ بن فزارة، سأله عن رجل تزوج امرأة فرأى أمها فأعجبته، فطلق امرأته؛ ليتزوج أمها، قال: لا بأس فتزوجها الرجل، وكان عبد الله على بيت المال، وكان يبيع نفاية بيت المال يعطي الكثير، ويأخذ القليل، حتى قدم المدينة فسأل أصحاب محمد -  ﷺ  - فقالوا: لا يحل لهذا الرجل هذه المرأة،","vol":"1","page":281},{"text":"ولا تصح الفضة إلا وزنا بوزن؛ فلما قدم عبد الله انطلق إلى الرجل فلم يجده، ووجد قومه فقال: إن الذي أفتيت به صاحبكم لا يحل، فقالوا: إنها قد نثرت له بطنها، قال: وإن كان. وأتى الصيارفة فقال: يا معشر الصيارفة: إن الذي كنت أبايعكم، لا يحل، لا تحل الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن. اهـ من البيهقي بلفظه، وفيه التصريح برجوع ابن عمر وابن عباس وابن مسعود عن القول بإباحة ربا الفضل.\nوقال ابن حجر في الكلام على حديث أسامة المذكور ما نصه: وخالف فيه؛ يعني: منع ربا الفضل ابن عمر ثم رجع، وابن عباس، واختلف في رجوعه، وقد روى الحاكم من طريق حيان العدوي -وهو بالمهملة والتحتانية- سألت أبا مجلز عن الصرف، فقال: كان ابن عباس لا يرى به بأسا زمانا من عمره، ما كان منه عينا بعين، يدا بيد، وكان يقول: إنما الربا في النسيئة، فلقيه أبو سعيد فذكر القصة والحديث، وفيه: \"التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، مثل بمثل، فما زاد فهو ربا\"، فقال ابن عباس: أستغفر الله وأتوب إليه، فكان ينهى عنه أشد النهي. اهـ. من فتح الباري بلفظه.\nوفي تكملة المجموع لتقي الدين السبكي بعد أن ساق حديث حيان هذا ما نصه: رواه الحاكم في المستدرك، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم يخرجاه بهذه السياقة، وفي حكمه عليه بالصحة نظر؛ فإن حيان بن عبيد الله المذكور، قال ابن عدي: عامة","vol":"1","page":282},{"text":"ما يرويه إفرادات يتفرد بها، وذكر ابن عدي في ترجمته حديثه في الصرف هذا بسياقه، ثم قال: وهذا الحديث من حديث أبي مجلز عن ابن عباس، تفرد به حيان.\nقال البيهقي: وحيان تكلموا فيه.\nواعلم أن هذا الحديث ينبغي الاعتناء بأمره، وتبيين صحته من سقمه؛ لأمر غير ما نحن فيه، وهو قوله: \"وكذلك ما يكال ويوزن\"، وقد تكلم فيه بنوعين من الكلام: أحدهما: تضعيف الحديث جملة، وإليه أشار البيهقي، وممن ذهب إلى ذلك ابن حزم، أعله بشيء أنبه عليه، لئلا يغتر به، وهو أنه أعله بثلاثة أشياء:\nأحدها: أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد، ولا من ابن عباس.\nوالثاني: لذكره أن ابن عباس رجع، واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل، لمخالفة سعيد بن جبير.\nوالثالث: أن حيان بن عبيد الله مجهول.\nفأما قوله: إنه منقطع فغير مقبول، لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس، وسمع منه، وأدرك أبا سعيد، ومتى ثبت ذلك لا تسمع دعوى عدم السماع إلا بثبت.\nوأما مخالفة سعيد بن جبير فسنتكلم في هذا الفصل إن شاء الله تعالى.\nوأما قوله: إن حيان بن عبيد الله مجهول، فإن أراد مجهول","vol":"1","page":283},{"text":"العين فليس بصحيح، بل هو مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا محمد بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم، وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي، ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي، وهو حيان بن عبيد الله بن حيان من بنى عدي، بصري سمع أبا مجلز لاحق بن حميد، والضحاك، وعن أبيه، وروى عن عطاء، وابن بريدة، روى عنه موسى بن اسماعيل، ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود، وعبيد الله بن موسى. عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة، فذكر كل منهما بعض ما ذكرته، وله ترجمة في كتاب ابن عدي أيضا، كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين، وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه، فقال في إسناده: أخبرنا روح، قال حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق، فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة، فروح محدث، نشأ في الحديث عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه، فناهيك به من يثني عليه إسحاق. وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه، وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال: صدوق، ثم قال: وعن سليمان بن علي الربعي، عن أبي الجوزاء أوس بن عبد الله الربعي، قال: سمعته يأمر بالصرف يعني ابن عباس، وتحدث ذلك عنه، ثم بلغني أنه رجع عن ذلك، فلقيته بمكة، فقلت: إنه بلغني أنك رجعت قال: نعم، إنما كان ذلك رأيا مني، وهذا أبو سعيد حدث عن رسول الله -  ﷺ  - نهى عن الصرف. رويناه في سنن ابن ماجه،","vol":"1","page":284},{"text":"ومسند الإمام أحمد، بإسناد رجاله على شرط الصحيحين، إلى سليمان بن علي، وسليمان بن علي روى له مسلم. وقال ابن حزم: إنه مجهول، لا يدري من هو؟ وهو غير مقبول منه؛ لما تبين. ثم قال: وعن أبي الجوزاء قال: كنت أخدم ابن عباس ﵄ تسع سنين، ثم ساق حديث أبي الجوزاء عن ابن عباس، الذي قدمنا عن البيهقي، ثم قال: رواه البيهقي في السنن الكبرى بإسناد فيه أبو المبارك: وهو مجهول. ثم قال: روينا عن عبد الرحمن بن أبي نعم بضم النون وإسكان العين، أن أبا سعيد الخدري لقي ابن عباس فشهد على رسول الله -  ﷺ  - أنه قال: \"الذهب بالذهب والفضة بالفضة، مثلا بمثل. فمن زاد فقد أربى\" فقال ابن عباس: أتوب إلى الله مما كنت أفتي به ثم رجع. رواه الطبراني بإسناد صحيح، وعبد الرحمن بن أبي نعم تابعي، ثقة متفق عليه، معروف بالرواية عن أبي الجوزاء قال: سألت ابن عباس، عن الصرف عن الدرهم بالدرهمين، يدا بيد، فقال: لا أرى فيما كان يدا بيد بأسا، ثم قدمت مكة من العام المقبل وقد نهى عنه، رواه الطبراني بإسناد حسن. وعن أبي الشعثاء قال: سمعت ابن عباس يقول: اللهم إني أتوب إليك من الصرف، إنما هذا من رأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يرويه عن النبي -  ﷺ  -. رواه الطبراني ورجاله ثقات مشهورون مصرحون بالتحديث فيه من أولهم إلى آخرهم.\nوعن عطية العوفي بإسكان الواو وبالفاء قال: قال أبو سعيد لابن عباس تب إلى الله تعالى، فقال: أستغفر الله وأتوب إليه، قال: ألم تعلم أن رسول الله -  ﷺ  - نهى عن الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وقال: إني أخاف عليكم الربا، قال فضيل بن مرزوق:","vol":"1","page":285},{"text":"قلت لعطية: ما الربا؟ قال: الزيادة والفضل بينهما. رواه الطبراني بسند صحيح، إلى عطية. وعطية من رجال السنن. قال يحيى بن معين: صالح، وضعفه غيره، فالإسناد بسببه ليس بالقوي.\nوعن بكر بن عبد الله المزني أن ابن عباس جاء من المدينة إلى مكة وجئت معه، فحمد الله تعالى وأثنى عليه، ثم قال: أيها الناس إنه لا بأس بالصرف، ما كان منه يدا بيد إنما الربا في النسيئة، فطارت كلمته في أهل المشرق والمغرب حتى إذا انقضى الموسم دخل عليه أبو سعيد الخدري، وقال له: يا ابن عباس أكلت الربا وأطعمته؟ قال: أو فعلت؟ قال: نعم. قال رسول الله -  ﷺ  -: \"الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثلا بمثل، تبره وعينه. فمن زاد، أو استزاد فقد أربى، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثل بمثل، فمن زاد أو استزاد فقد أربى\" حتى إذا كان العام المقبل جاء ابن عباس وجئت معه، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني تكلمت عام أول بكلمة من رأيي، وإني أستغفر الله تعالى منه، وأتوب إليه، إن رسول الله -  ﷺ  - قال \"الذهب بالذهب، وزنا بوزن، مثل بمثل، تبره وعينه، فمن زاد واستزاد فقد أربى\" وأعاد عليهم هذه الأنواع الستة. رواه الطبراني بسند فيه مجهول، وإنما ذكرناه متابعة لما تقدم. وهكذا وقع في روايتنا: فمن زاد واستزاد بالواو لا بأو والله أعلم.\nوروى أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الطحاوي في كتاب المعاني والآثار بإسناد حسن إلى أبي سعيد قال: قلت لابن عباس: أرأيت الذي يقول: الدينار بالدينار؟ وذكر الحديث ثم","vol":"1","page":286},{"text":"قال: قال أبو سعيد: ونزع عنها ابن عباس.\nوروى الطحاوي أيضا عن نصر بن مرزوق بإسناد لا بأس به، عن أبي الصهباء أن ابن عباس نزل عن الصرف، وهذا أصرح من رواية مسلم.\nوروى الطحاوي عن أبي أمية بإسناد حسن إلى عبد الله بن حسين أن رجلا من أهل العراق قال لعبد الله بن عمر: إن ابن عباس قال وهو علينا أمير: من أعطى بالدرهم مائة درهم فليأخذها، وذكر حديثا إلى أن قال: فقيل لابن عباس ما قال ابن عمر قال: استغفر ربه، وقال: إنما هو رأي مني.\nوعن أبي هاشم الواسطي واسمه يحيى بن دينار عن زياد، قال: كنت مع ابن عباس بالطائف فرجع عن الصرف قبل أن يموت بسبعين يوما. ذكره ابن عبد البر في الاستذكار. وذكر أيضا عن أبي حرة قال: سأل رجل ابن سيرين عن شيء فقال: لا علم لي به، فقال الرجل: أن يكون فيه برأيك. فقال: إني أكره أن أقول فيه برأيي، ثم يبدو لي غيره فأطلبك، فلا أجدك، إن ابن عباس قد رأى في الصرف رأيا ثم رجع، وذكر أيضا عن ابن سيرين، عن الهذيل -بالذال المعجمة ابن أخت محمد بن سيرين- قال: سألت ابن عباس عن الصرف فرجع عنه، فقلت: إن الناس يقولون. فقال: الناس يقولون ما شاءوا. اهـ. من تكملة المجموع.\nثم قال بعد هذا: فهذه عدة روايات صحيحة وحسنة من جهة خلق من أصحاب ابن عباس تدل على رجوعه، وقد روي في رجوعه أيضا غير ذلك، وفيما ذكرته غنية إن شاء الله تعالى.","vol":"1","page":287},{"text":"وفي تكملة المجموع أيضا قبل هذا ما نصه: وروى عن أبي الزبير المكي -واسمه محمد بن تدرس بفتح التاء ودال ساكنة وراء مضمومة وسين مهملة- قال: سمعت أبا أسيد الساعدي، وابن عباس يفتي الدينار بالدينارين، فقال له أبو أسيد الساعدي وأغلظ له قال: فقال ابن عباس: ما كنت أظن أن أحدا يعرف قرابتي من رسول الله -  ﷺ  - يقول مثل هذا يا أبا أسيد. فقال أبو أسيد: أشهد لسمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"الدينار بالدينار، وصاع حنطة بصاع حنطة، وصاع شعير بصاع شعير، وصاع ملح بصاع ملح، لا فضل بينهما في شيء من ذلك\". فقال ابن عباس: إنما هذا شيء كنت أقوله برأيي، ولم أسمع فيه بشيء. رواه الحاكم في المستدرك، وقال: إنه صحيح على شرط مسلم ﵀، وفي سنده عتيق بن يعقوب الزبيري قال الحاكم: إنه شيخ قرشي من أهل المدينة، وأبو أسيد بضم الهمزة.\nوروينا في معجم الطبراني من حديث أبي صالح ذكوان أنه سأل ابن عباس عن بيع الذهب والفضة، فقال: حلال بزيادة أو نقصان إذا كان يدا بيد. قال أبو صالح: فسألت أبا سعيد بما قال ابن عباس، وأخبرت ابن عباس بما قال أبو سعيد، والتقيا وأنا معهما فابتدأه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس ما هذه الفتيا التي تفتي بها الناس في بيع الذهب والفضة، تأمرهم أن يشتروه بنقصان أو بزيادة يدا بيد؟ فقال ابن عباس ﵄: ما أنا بأقدمكم صحبة لرسول الله -  ﷺ  -، وهذا زيد بن أرقم، والبراء بن عازب يقولان: سمعنا النبي -  ﷺ  - رواه الطبراني بإسناد حسن. وقد قدمنا رجوع ابن عمر، وابن مسعود عن ذلك، وقد قدمنا الجواب","vol":"1","page":288},{"text":"عما روي عن البراء بن عازب، وزيد بن أرقم، وأسامة بن زيد ﵃ وثبت عن سعيد بن جبير أن ابن عباس لم يرجع، وهي شهادة على نفي مطلق، والمثبت مقدم على النافي، لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه النافي. وقال ابن عبد البر: رجع ابن عباس أو لم يرجع، في السنة كفاية عن قول كل واحد، ومن خالفها رد إليها، قال عمر بن الخطاب ﵁: ردوا الجهالات إلى السنة اهـ.\nوقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار ما نصه: وأما ما أخرجه مسلم عن ابن عباس أنه لا ربا فيما كان يدا بيد كما تقدم، فليس ذلك مرويا عن رسول الله -  ﷺ  - حتى تكون دلالته على نفي ربا الفضل منطوقة، ولو كان مرفوعا لما رجع ابن عباس واستغفر لما حدثه أبو سعيد بذلك كما تقدم.\nوقد روى الحازمي رجوع ابن عباس واستغفاره عند أن سمع عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله يحدثان عن رسول الله -  ﷺ  - بما يدل على تحريم ربا الفضل، وقال: حفظتما من رسول الله -  ﷺ  - ما لم أحفظ.\nوروى عنه الحازمي أيضا أنه قال: كان ذلك برأيي، وهذا أبو سعيد الخدري يحدثني عن رسول الله -  ﷺ  -، فتركت رأيي إلى حديث رسول الله -  ﷺ  -. وعلى تسليم أن ذلك الذي قاله ابن عباس مرفوع فهو عام مخصص بأحاديث الباب، لأنها أخص منه مطلقا اهـ منه بلفظه.\nوقد ذكر غير واحد أن الإجماع انعقد بعد هذا الخلاف على","vol":"1","page":289},{"text":"منع ربا الفضل. قال: في \"تكملة المجموع\" ما نصه: الفصل الثالث في بيان انقراض الخلاف في ذلك ودعوى الإجماع فيه، قال ابن المنذر: أجمع علماء الأمصار مالك بن أنس، ومن تبعه من أهل المدينة، وسفيان الثوري، ومن وافقه من أهل العراق، والأوزاعي، ومن قال بقوله من أهل الشام، والليث بن سعد، ومن وافقه من أهل مصر، والشافعي وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، والنعمان، ويعقوب، ومحمد بن علي (^١)، أنه لا يجوز بيع ذهب بذهب، ولا فضة بفضة، ولا بر ببر، ولا شعير بشعير، ولا تمر بتمر. ولا ملح بملح، متفاضلا يدا بيد، ولا نسيئة. وأن من فعل ذلك فقد أربى، والبيع مفسوخ اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nونقل النووي في شرح مسلم إجماع المسلمين على ترك العمل بظاهر حديث أسامة قال: وهذا يدل على نسخه، وقد استدل ابن عبد البر على صحة تأويله لحديث أسامة بإجماع الناس، ما عدا ابن عباس عليه اهـ.\nوعلى فرض أن ابن عباس لم يرجع عن ذلك، فهل ينعقد الإجماع مع مخالفته؟ فيه خلاف معروف في الأصول، هل يلغي الواحد والاثنان، أو لا بد من اتفاق الكلّ؟ وهو المشهور، وهل إذا مات وهو مخالف، ثم انعقد الإجماع بعده يكون إجماعا؟ وهو الظاهر، أو لا يكون إجماعا؛ لأن المخالف الميت لا يسقط قوله بموته، خلاف معروف في الأصول أيضا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعل الصواب: محمد بن الحسن.","vol":"1","page":290},{"text":"وإذا عرفت أن من قال بإباحة ربا الفضل رجع عنها، وعلمت أن الأحاديث الصحيحة المتفق عليها مصرحة بكثرة بمنعه، علمت أن الحق الذي لا شك فيه تحريم ربا الفضل، بين كل جنس واحد من الستة مع نفسه، وجواز الفضل بين الجنسين المختلفين يدا بيد، ومنع النساء بين الذهب والفضة مطلقا. وبين التمر والبر، والشعير والملح مطلقا، ولا يمنع طعام بنقد نسيئة كالعكس، وحكى بعض العلماء على ذلك الإجماع، ويبقى غير هذه الأصناف الستة المنصوص عليها في الحديث، فجماهير العلماء على أن الربا لا يختص بالستة المذكورة.\nوالتحقيق أن علة الربا في النقدين كونهما جوهرين نفيسين. هما ثمن الأشياء غالبا في جميع أقطار الدنيا، وهو قول مالك والشافعي، والعلة فيهما قاصرة عليهما عندهما، وأشهر الروايات عن أحمد أن العلة فيهما كون كل منهما موزون جنس، وهو مذهب أبي حنيفة. وأما البر والشعير والتمر والملح فعلة الربا فيها عند مالك الاقتيات والادخار، وقيل: وغلبة العيش، فلا يمنع ربا الفضل عند مالك وعامة أصحابه إلا في الذهب بالذهب والفضة بالفضة والطعام المقتات المدخر بالطعام المقتات المدخر، وقيل: يشترط مع الاقتيات والادخار غلبة العيش، وإنما جعل مالك العلة ما ذكر؛ لأنه أخص أوصاف الأربعة المذكورة. ونظم بعض المالكية ما فيه ربا النساء، وربا الفضل عند مالك في بيتين وهما:\nرباء نسا في النقد حرم، ومثله ... طعام، وإن جنساهما قد تعددا","vol":"1","page":291},{"text":"وخص ربا فضل بنقد، ومثله ... طعام الربا، إن جنس كل توحدا\nوقد كنت حررت مذهب مالك في ذلك في الكلام على الربا في الأطعمة في نظم لي طويل في فروع مالك بقولي:\nوكل ما يذاق من طعام ... ربا النسا فيه من الحرام\nمقتاتا أو مدخرا أو لا اختلف ... ذاك الطعام جنسه أو ائتلف\nوإن يكن يطعم للدواء ... مجردا فالمنع ذو انتفاء\nولربا الفضل شروط يحرم ... بها، وبانعدامها ينعدم\nهي اتحاد الجنس فيما ذكرا ... مع اقتياته وأن يدخرا\nوما لحد الادخار مدة ... والتادلي بستة قد حده\nوالخلف في اشتراط كونه اتخذ ... للعيش عرفا، وبالاسقاط أخذ\nتظهر فائدته في أربع ... غلبة العيش بها لم تقع\nوالأربع التي حوى ذا البيت ... بيض وتين وجراد زيت\nفي البيض والزيت والربا قد انحظر ... رعيا لكون شرطها لم يعتبر\nوقد رعي اشتراطها في المختصر ... في التين وحده ففيه ما حظر\nورعي خلف في الجراد باد ... لذكره الخلاف في الجراد\nوحبة بحبتين تحرم ... إذا الربا قليله محرم\nثم ذكرت بعد ذلك الخلاف في ربوية البيض بقولي:\nوقول: إن البيض ما فيه الربا ... إلى ابن شعبان الإمام نسبا","vol":"1","page":292},{"text":"وأصح الروايات عن الشافعي أن علة الربا في الأربعة الطعم، فكل مطعوم يحرم فيه عنده الربا كالأقوات، والإدام، والحلاوات، والفواكه والأدوية. واستدل على أن العلة الطعم بما رواه مسلم من حديث معمر بن عبد الله ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"الطعام بالطعام مثلا بمثل\" الحديث والطعام اسم لكل ما يؤكل. قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ الآية وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ والمراد ذبائحهم. وقالت عائشة ﵂ مكثنا مع رسول الله -  ﷺ  - سنة ما لنا طعام إلا الأسودان التمر والماء، وعن أبي ذر ﵁ في حديثه الطويل، في قصه إسلامه، قال: قال رسول الله -  ﷺ  - \"فمن كان يطعمك؟ \" قلت: ما كان لي طعام إلا ماء زمزم، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني، قال: \"إنها مباركة إنها طعام طعم\" رواه مسلم وقال لبيد:\nلمعفر قهد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يمن طعامها\nيعني بطعامها: الفريسة، قالوا: والنبي -  ﷺ  - علق في هذا الحديث الربا على اسم الطعام، والحكم إذا علق على اسم مشتق دل على أنه علته، كالقطع في السرقة في قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾ الآية. وقالوا: ولأن الحب ما دام مطعوما يحرم فيه الربا، فإذا زرع وخرج عن أن يكون مطعوما لم يحرم فيه الربا، فإذا انعقد الحب وصار مطعوما حرم فيه الربا، فدل على أن العلة فيه كونه مطعوما، ولذا كان الماء يحرم فيه الربا على أحد الوجهين عند","vol":"1","page":293},{"text":"الشافعية؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ ولقول عائشة المتقدم ما لنا طعام إلا الأسودان الماء والتمر، ولقول الشاعر:\nفإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا\nوالنقاخ الماء البارد، هذا هو حجة الشافعية في أن علة الربا في الأربعة الطعم، فألحقوا بها كل مطعوم للعلة الجامعة بينهما.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بحديث معمر المذكور على أن علة الربا الطعم لا يخلو عندي من نظر، والله تعالى أعلم؛ لأن معمرا المذكور لما قال: قد كنت أسمع النبي -  ﷺ  - يقول: \"الطعام بالطعام مثلا بمثل\". قال عقبة: وكان طعامنا يومئذ الشعير كما رواه عنه أحمد ومسلم، وهذا صريح في أن الطعام في عرفهم يومئذ الشعير، وقد تقرر في الأصول أن العرف المقارن للخطاب من مخصصات النص العام، وعقده في مراقي السعود بقوله: في مبحث المخصص المنفصل عاطفا على ما يخصص العموم:\n\"والعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا\"\nوأشهر الروايات عن أحمد أن علة الربا في الأربعة كونها مكيلة جنس، وهو مذهب أبي حنيفة، وعليه يحرم الربا في كل مكيل، ولو غير طعام كالجص والنورة والأشنان. واستدلوا بما رواه الدارقطني عن عبادة وأنس بن مالك أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ما وزن مثل بمثل إذا كان نوعا واحدا، وما كيل فمثل ذلك، فإذا اختلف النوعان فلا بأس به\".","vol":"1","page":294},{"text":"قال العلامة الشوكاني في نيل الأوطار: حديث أنس وعبادة أشار إليه في التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضا، ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولا وغيره من الأحاديث. اهـ. منه بلفظه.\nواستدلوا أيضا بما رواه البخاري ومسلم عن أبي سعيد وأبي هريرة أن رسول الله -  ﷺ  - استعمل رجلا على خيبر، فجاءهم بتمر جنيب، فقال: \"أكل تمر خيبر هكذا\" قال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. والصاعين بالثلاثة، فقال: لا تفعل، بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم، جنيبا، وقال في الميزان مثل ذلك، ووجه الدلالة منه، أن قوله: في الميزان، يعني في الموزون؛ لأن نفس الميزان ليست من أموال الربا.\nواستدلوا أيضا بحديث أبي سعيد المتقدم الذي أخرجه الحاكم من طريق حيان بن عبيد الله، فإن فيه أن النبي -  ﷺ  - قال: \"التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدا بيد، عينا بعين، مثلا بمثل، فمن زاد فهو ربا\" ثم قال: \"وكذلك ما يقال، أو يوزن أيضا\".\nوأجيب من جهة المانعين، بأن حديث الدارقطني لم يثبت، وكذلك حديث الحاكم، وقد بينا سابقا ما يدل على ثبوت حديث حيان المذكور، وقد ذكرنا آنفا كلام الشوكاني في أن حديث الدارقطني أخرجه البزار أيضا، وأنه يشهد لصحته حديث عبادة بن الصامت وغيره من الأحاديث، وأن الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة","vol":"1","page":295},{"text":"وغيره، وضعفه جماعة، وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق سيىء الحفظ، وكان عابدا مجاهدا. ومراد الشوكاني بحديث عبادة المذكور هو ما أخرجه عنه مسلم، والإمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه، وأبو داود، أن النبي -  ﷺ  - قال: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلا بمثل، سواء بسواء، يدا بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم\" اهـ. فإن قوله -  ﷺ  -: \"سواء بسواء، مثلا بمثل\" يدل على الضبط بالكيل والوزن، وهذا القول أظهرها دليلا.\nوأجابوا عن حديث أبي سعيد المتفق عليه بثلاثة أجوبة. الأول: جواب البيهقي قال: وقد قيل: إن قوله: وكذلك الميزان من كلام أبي سعيد الخدري موقوف عليه.\nالثاني: جواب القاضي أبي الطيب وآخرين، أن ظاهر الحديث غير مراد؛ لأن الميزان نفسه لا ربا فيه، وأضمرتم فيه الموزون، ودعوى العموم في المضمرات لا تصح.\nالثالث: حمل الموزون على الذهب والفضة جمعا بين الأدلة. والظاهر أن هذه الإجابات لا تنهض؛ لأن وقفه على أبي سعيد خلاف الظاهر، وقصد ما يوزن بقوله \"وكذلك الميزان\" لا لبس فيه، وحمل الموزون على الذهب والفضة فقط خلاف الظاهر. والله تعالى أعلم.\nوفي علة الربا في الأربعة مذاهب أخر غير ما ذكرنا عن الأئمة الأربعة ومن وافقهم.","vol":"1","page":296},{"text":"الأول: مذهب أهل الظاهر ومن وافقهم: أنه لا ربا أصلا في غير الستة، ويروى هذا القول عن طاوس، ومسروق والشعبي، وقتادة، وعثمان البتي.\nالثاني مذهب أبي بكر عبد الرحمن بن كيسان الأصم أن العلة فيها كونها منتفعا بها، حكاه عنه القاضي حسين.\nالثالث: مذهب ابن سيرين. وأبي بكر الأودني من الشافعي أن العلة الجنسية؛ فيحرم الربا في كل شيء بيع بجنسه كالتراب بالتراب متفاضلا، والثوب بالثوبين، والشاة بالشاتين.\nالرابع: مذهب الحسن البصري أن العلة المنفعة في الجنس، فيجوز عنده بيع ثوب قيمته دينار بثوبين قيمتهما دينار، ويحرم بيع ثوب قيمته دينار بثوب قيمته ديناران.\nالخامس: مذهب سعيد بن جبير أن العلة تقارب المنفعة في الجنس، فحرم التفاضل في الحنطة بالشعير، والباقلي بالحمص، والدخن بالذرة مثلا.\nالسادس: مذهب ربيعة بن أبي عبد الرحمن أن العلة كونه جنسا تجب فيه الزكاة؛ فحرم الربا في كل جنس تجب فيه الزكاة، كالمواشي، والزرع وغيرها.\nالسابع: مذهب سعيد بن المسيب، وقول الشافعي في القديم: إن العلة كونها مطعوما يكال، أو يوزن ونفاه عما سواه، وهو كل ما لا يؤكل، ولا يشرب، أو يؤكل ولا يكال، ولا يوزن. كالسفرجل والبطيخ. وقد تركنا الاستدلال لهذه المذاهب والمناقشة","vol":"1","page":297},{"text":"فيها، خوف الإطالة المملة.\nفروع\nالفرع الأول: الشك في المماثلة كتحقق المفاضلة، فهو حرام في كل ما يحرم فيه ربا الفضل. ودليل ذلك: ما أخرجه مسلم والنسائي عن جابر قال: نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع الصبرة من التمر -لا يعلم كيلها- بالكيل المسمى من التمر.\nالفرع الثاني: لا يجوز التراخي في قبض ما يحرم فيه ربا النساء، ودليل ذلك: ما أخرجه البخاري ومسلم من حديث مالك بن أوس ﵁، قال: أقبلت أقول: من يصطرف الدراهم، فقال طلحة: أرنا الذهب حتى يأتي الخازن، ثم تعال فخذ ورقك، فقال عمر بن الخطاب - ﵁ -: كلا والذي نفسي بيده لتردن إليه ذهبه، أو لتنقدنه ورقه، فإني سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"الذهب بالورق ربا إلا ها وها، والبر بالبر ربا إلا ها وها، والشعير بالشعير ربا إلا ها وها، والتمر بالتمر ربا إلا ها وها\".\nالفرع الثالث: لا يجوز أن يباع ربوي بربوي كذهب بذهب، ومع أحدهما شيء آخر. ودليل ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي الطاهر، عن ابن وهب من حديث فضالة بن عبيد الأنصاري قال: أتى رسول الله -  ﷺ  - وهو بخيبر بقلادة فيها خرز وذهب، وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله -  ﷺ  - بالذهب الذي في القلادة فنزع ثم قال لهم رسول الله -  ﷺ  -: \"الذهب بالذهب وزنا بوزن\".\nوروى مسلم نحوه أيضا عن أبي بكر بن أبي شيبة وقتيبة بن","vol":"1","page":298},{"text":"سعيد من حديث فضالة بن عبيد - ﵁ - نحوه. أخرجه النسائي، وأبو داود والترمذي وصححه.\nوقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار عند ذكر صاحب المنتقى لحديث فضالة بن عبيد المذكور ما نصه: الحديث قال في التلخيص: له عند الطبراني في الكبير طرق كثيرة جدا، في بعضها قلادة فيها خرز وذهب، وفي بعضها ذهب وجوهر، وفي بعضها خرز معلقة بذهب، وفي بعضها باثني عشر دينارا، وفي بعضها بتسعة دنانير، وفي أخرى بسبعة دنانير.\nوأجاب البيهقي عن هذا الاختلاف بأنها كانت بيوعا شهدها فضالة.\nقال الحافظ: والجواب المسدد عندي أن هذا الاختلاف لا يوجب ضعفا، بل المقصود من الاستدلال محفوظ، لا اختلاف فيه، وهو النهي عن بيع ما لم يفصل، وأما جنسها، وقدر ثمنها فلا يتعلق به في هذه الحال ما يوجب الحكم بالاضطراب، وحينئذ ينبغي الترجيح بين رواتها وإن كان الجميع ثقات، فيحكم بصحة رواية أحفظهم وأضبطهم، فتكون رواية الباقين بالنسبة إليه شاذة، وبعض هذه الروايات التي ذكرها الطبراني في صحيح مسلم وسنن أبي داود اهـ. منه بلفظه. وقد قدمنا بعض روايات مسلم.\nالفرع الرابع: لا يجوز بيع المصوغ من الذهب أو الفضة بجنسه بأكثر من وزنه، ودليل ذلك: ما صح عن جماعة من أصحاب رسول الله -  ﷺ  - أنه -  ﷺ  - صرح بتحريم بيع الفضة بالفضة والذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، وأن من زاد أو استزاد فقد أربى.","vol":"1","page":299},{"text":"وقد أخرج البيهقي في السنن الكبرى عن مجاهد أنه قال: كنت أطوف مع عبد الله بن عمر فجاءه صائغ فقال: يا أبا عبد الرحمن، إني أصوغ الذهب، ثم أبيع الشيء من ذلك بأكثر من وزنه، فأستفضل في ذلك قدر عمل يدي فيه، فنهاه عبد الله بن عمر عن ذلك، فجعل الصائغ يردد عليه المسألة وعبد الله ابن عمر ينهاه حتى انتهى إلى باب المسجد، أو إلى دابته يريد أن يركبها. ثم قال عبد الله بن عمر: الدينار بالدينار، والدرهم بالدرهم، لا فضل بينهما، هذا عهد نبينا -  ﷺ  - إلينا، وعهدنا إليكم. ثم قال البيهقي: وقد مضى حديث معاوية حيث باع سقاية ذهب، أو ورق بأكثر من وزنها، فنهاه أبو الدرداء، وما روي عن عمر بن الخطاب ﵁ في النهي عن ذلك.\nوروى البيهقي أيضا عن أبي رافع أنه قال: قلت لعمر بن الخطاب: أني أصوغ الذهب، فأبيعه بوزنه، وآخذ لعمالة يدي أجرا قال: لا تبع الذهب بالذهب إلا وزنا بوزن، ولا الفضة بالفضة إلا وزنا بوزن، ولا تأخذ فضلا. اهـ منه.\nوما ذكره البيهقي -﵀- أنه ما قدمه من نهي أبي الدرداء وعمر لمعاوية هو قوله: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق وأبو بكر بن الحسن وغيرهما، قالوا: حدثنا أبو العباس الأصم، أنا الربيع، أنبأنا الشافعي، أنا مالك ح وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنا أحمد بن عبيد الصفار، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، حدثنا عبد الله يعني القعنبي، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار أن معاوية بن أبي سفيان باع سقاية من ذهب، أو","vol":"1","page":300},{"text":"ورق بأكثر من وزنها، فقال له أبو الدرداء: سمعت رسول الله -  ﷺ  - ينهى عن مثل هذا إلا مثلا بمثل، فقال معاوية: ما أرى بهذا بأسا، فقال له أبو الدرداء: من يعذرني من معاوية، أخبره عن رسول الله -  ﷺ  -، ويخبرني عن رأيه لا أساكنك بأرض أنت بها، ثم قدم أبو الدرداء على عمر بن الخطاب ﵁، فذكر له ذلك، فكتب عمر إلى معاوية أن لا يبيع ذلك إلا مثلا بمثل، ووزنا بوزن. ولم يذكر الربيع عن الشافعي في هذا قدوم أبي الدرداء على عمر، وقد ذكره الشافعي في رواية المزني. اهـ. منه بلفظه.\nونحو هذا أخرجه مسلم في الصحيح من حديث عبادة بن الصامت ﵁ من رواية أبي الأشعث قال: غزونا غزاة وعلى الناس معاوية، فغنمنا غنائم كثيرة فكان فيما غنمنا آنية من فضة، فأمر معاوية رجلا أن يبيعها في أعطيات الناس، فتسارع الناس في ذلك، فبلغ عبادة بن الصامت، فقام فقال: إني سمعت رسول الله -  ﷺ  - ينهى عن بيع الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح إلا سواء بسواء عينا بعين، فمن زاد أو استزاد فقد أربى. فرد الناس ما أخذوا، فبلغ ذلك معاوية، فقام خطيبا فقال: ألا ما بال رجال يتحدثون عن رسول الله -  ﷺ  - أحاديث، قد كنا نشهده ونصحبه فلم نسمعها منه، فقام عبادة بن الصامت، فأعاد القصة، ثم قال: لنحدثن بما سمعنا من رسول الله -  ﷺ  - وإن كره معاوية، أو قال: وإن رغم، ما أبالي ألا أصحبه في جنده ليلة سوداء. قال حماد: هذا أو نحوه اهـ.","vol":"1","page":301},{"text":"هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهذه النصوص الصحيحة تدل على أن الصناعة الواقعة في الذهب أو الفضة لا أثر لها، ولا تبيح المفاضلة بقدر قيمة الصناعة كما ذكرنا. وهذا هو المذهب الحق الذي لا شك فيه. وأجاز مالك بن أنس رحمه الله تعالى للمسافر أن يعطي دار الضرب نقدا وأجرة صياغته ويأخذ عنهما حليا قدر وزن النقد بدون الأجرة؛ لضرورة السفر كما أشار إليه خليل ابن أسحاق في مختصره بقوله: \"بخلاف تبر يعطيه المسافر وأجرته دار الضرب ليأخذ زنته\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر من نصوص السنة الصحيحة أن هذا لا يجوز لضرورة السفر، كما استظهر عدم جوازه ابن رشد، وإليه الإشارة بقول صاحب المختصر: \"والأظهر خلافه\" يعني: ولو اشتدت الحاجة إليه إلا لضرر يبيح الميتة، كما قرره شراح المختصر.\nالفرع الخامس: اختلف الناس في الأوراق المتعامل بها هل يمنع الربا بينها وبين النقدين نظرا إلى أنها سند، وأن المبيع الفضة هي سند بها، فيمنع بيعها بالفضة، ولو يدا بيد، مثلا بمثل، ويمنع بيعها بالذهب أيضا ولو يدا بيد؛ لأنه صرف ذهب موجود، أو فضة موجودة بفضة غائبة، وإنما الموجود سند بها فقط، فيمنع فيها لعدم المناجزة؛ بسبب عدم حضور أحد النقدين، أو لا يمنع فيها شيء من ذلك؛ نظرا إلى أنها بمثابة عروض التجارة، فذهب كثير من المتأخرين إلى أنها كعروض التجارة، فيجوز الفضل، والنساء بينهما وبين الفضة والذهب، وممن أفتى بأنها كعروض التجارة","vol":"1","page":302},{"text":"العالم المشهور عليش المصري صاحب النوازل، وشرح مختصر خليل، وتبعه في فتواه بذلك كثير من متأخري علماء المالكية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنها ليست كعروض التجارة، وأنها سند بفضة، وأن المبيع الفضة التي هي سند بها. ومن قرأ المكتوب عليها فهم صحة ذلك، وعليه فلا يجوز بيعها بذهب ولا فضة ولو يدا بيد؛ لعدم المناجزة بسبب غيبة الفضة المدفوع سندها؛ لأنها ليست متمولة ولا منفعة في ذاتها أصلا.\nفإن قيل: لا فرق بين الأوراق، وبين فلوس الحديد؛ لأن كلا منهما ليس متمولا في ذاته مع أنه رائج بحسب ما جعله له السلطان من المعاملة، فالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنا إذا حققنا أن الفلوس الحديدية الحالية لا منفعة فيها أصلا، وأن حقيقتها سند بفضة، فما المانع من أن نمنع فيها الربا مع النقد، والنصوص صريحة في منعه بين النقدين، وليس هناك إجماع يمنع إجراء النصوص على ظواهرها، بل مذهب مالك أن فلوس الحديد لا تجوز بأحد النقدين نسيئة فسلم الدراهم في الفلوس كالعكس ممنوع عندهم.\nوما ورد عن بعض العلماء مما يدل على أنه لا ربا بين النقدين وبين فلوس الحديد، فإنه محمول على أن ذلك الحديد الذي منه تلك الفلوس فيه منافع الحديد المعروفة المشار إليها بقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ فلو جمعت تلك الفلوس وجعلت في النار لعمل منها ما يعمل من الحديد من","vol":"1","page":303},{"text":"الأشياء المنتفع بها، ولو كانت كفلوسنا الحالية على تسليم أنها لا منفعة فيها أصلا، لما قالوا بالجواز؛ لأن ما هو سند لا شك أن المبيع فيه ما هو سند به، لا نفس السند. ولذا لم يختلف الصدر الأول في أن المبيع في بيع الصكاك الذي ذكره مسلم في الصحيح وغيره أنه الرزق المكتوب فيها، لا نفس الصكاك التي هي الأوراق التي هي سند بالأرزاق.\nوالثاني: أن هناك فرقا بينهما في الجملة وهو أن الفلوس الحديدية لا يتعامل بها بالعرف الجاري قديما وحديثا إلا في المحقرات، فلا يشترى بها شيء له بال، بخلاف الأوراق، فدل على أنها أقرب للفضة من الفلوس.\nالثالث: أنا لو فرضنا أن كلا من الأمرين محتمل فالنبي -  ﷺ  - يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" ويقول: \"فمن ترك الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" ويقول: \"والإثم ما حاك في النفس\" الحديث وقال الناظم:\n\"وذو احتياط في أمور الدين ... من فرض شك إلى يقين\"\nوقد قدمنا مرارا أن ما دل على التحريم مقدم على ما دل على الإباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام، ولا سيما تحريم الربا الذي صرح الله تعالى بأن مرتكبه محارب الله، وثبت عن رسول الله -  ﷺ  - لعنه.\nومن أنواع الربا ما اختلف العلماء في منعه كما إذا كان البيع ظاهره الحلية، ولكنه يمكن أن يكون مقصودا به التوصل إلى الربا","vol":"1","page":304},{"text":"الحرام، عن طريق الصورة المباحة في الظاهر، كما لو باع سلعة بثمن إلى أجل ثم اشترى تلك السلعة بعينها بثمن أقل من الأول نقدا، أو لأقرب من الأجل الأول، أو بأكثر لأبعد فظاهر العقدين الإباحة، لأنه بيع سلعة بدراهم إلى أجل في كل منهما وهذا لا مانع منه، ولكنه يجوز أن يكون مقصود المتعاقدين دفع دراهم وأخذ دراهم أكثر منها، لأجل أن السلعة الخارجة من اليد العائدة إليها ملغاة، فيئول الأمر إلى أنه دفع دراهم، وأخذ أكثر منها لأجل، وهو عين الربا الحرام، ومثل هذا ممنوع عند مالك، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وأبي حنيفة، والحسن بن صالح، وروي عن الشعبي، والحكم، وحماد كما في الاستذكار، وأجازه الشافعي.\nواستدل المانعون بما رواه البيهقي والدارقطني عن عائشة أنها أنكرت ذلك على زيد بن أرقم، وقالت: أبلغي زيدا أنه أبطل جهاده مع رسول الله -  ﷺ  - إن لم يتب.\nوقال الشافعي: إن زيد بن أرقم مخالف لعائشة، وإذا اختلف صحابيان في شيء رجحنا منهما من يوافقه القياس، والقياس هنا موافق لزيد، لأنهما عقدان كل منها صحيح في نفسه.\nوقال الشافعي أيضا: لو كان هذا ثابتا عن عائشة فإنها إنما عابت التأجيل بالعطاء، لأنه أجل غير معلوم، والبيع إليه يجوز، واعترضه بعض العلماء بأن الحديث ثابت عن عائشة، وبأن ابن أبي شيبة ذكر في مصنفه أن أمهات المؤمنين كن يشترين إلى العطاء. والله تعالى أعلم. وبأن عائشة لا تدعي بطلان الجهاد بمخالفة رأيها، وإنما تدعيه بأمر علمته من رسول الله -  ﷺ  -، وهذا البيع الذي","vol":"1","page":305},{"text":"ذكرنا تحريمه هو المراد عند العلماء ببيع العينة، ويسميه المالكية بيوع الآجال، وقد نظمت ضابطه في نظمي الطويل في فروع مالك بقولي:\nبيوع الآجال إذا كان الأجل ... أو ثمن كأخويهما تحل\nوإن يك الثمن غير الأول ... وخالف الأجل وقت الأجل\nفانظر إلى السابق بالإعطاء هل ... عاد له أكثر أو عاد أقل\nفإن يكن أكثر مما دفعه ... فإن ذاك سلف بمنفعة\nوإن يكن كشيئه أو قلا ... عن شيئه المدفوع قبل حلا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-166> قوله تعالى: ﴿وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى يربي الصدقات، وبين في موضع آخر أن هذا الإرباء مضاعفة الأجر، وأنه يشترط في ذلك إخلاص النية لوجه الله تعالى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ (٣٩)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-167> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾</span> ظاهر هذه الآية الكريمة أن كتابة الدين واجبة؛ لأن الأمر من الله يدل على الوجوب -ولكنه أشار إلى أنه أمر إرشاد لا إيجاب بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾؛ لأن الرهن لا يجب إجماعا، وهو بدل من الكتابة عند تعذرها في الآية، فلو كانت الكتابة واجبة لكان بدلها واجبا. وصرح بعدم الوجوب بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ فالتحقيق أن الأمر في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾﴾ للندب والإرشاد؛ لأن","vol":"1","page":306},{"text":"لرب الدين أن يهبه ويتركه إجماعا، فالندب إلى الكتابة فيه إنما هو على جهة الحيطة للناس، قاله القرطبي. وقال بعضهم: إن أشهدت فحزم، وإن ائتمنت ففي حل وسعة ابن عطية: وهذا القول هو الصحيح. قاله القرطبي أيضا.\nوقال الشعبي. كانوا يرون أن قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ﴾ الآية ناسخ لأمره بالكتب، وحكى نحوه ابن جريج، وقاله ابن زيد، وروي عن أبي سعيد الخدري. وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ ثم خففه الله تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وتمسك جماعة بظاهر الأمر في قوله: ﴿فَاكْتُبُوهُ﴾ فقالوا: إن كتب الدين واجب فرض بهذه الآية بيعا كان أو قرضا، لئلا يقع فيه نسيان أو جحود، وهو اختيار ابن جرير الطبري في تفسيره. وقال ابن جريج: من أدان فليكتب، ومن باع فليشهد اهـ. من القرطبي وسيأتي له زيادة بيان إن شاء الله قريبا.\nتنبيه: أخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ الآية. أن الرهن لا يكون مشروعا إلا في السفر كما قاله مجاهد والضحاك وداود. والتحقيق جوازه في الحضر، وقد ثبت في الصحيحين عن عائشة أنه -  ﷺ  - توفي ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعا من شعير. وفي الصحيحين أنها درع من حديد. وروى البخاري وأحمد والنسائي وابن ماجه عن أنس أنه -  ﷺ  - رهن درعا عند يهودي بالمدينة، وأخذ منه شعيرا لأهله. ولأحمد والنسائي وابن ماجه عن ابن عباس مثل حديث عائشة، فدل الحديث الصحيح على أن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ﴾ لا مفهوم","vol":"1","page":307},{"text":"مخالفة له؛ لأنه جرى على الأمر الغالب، إذ الغالب أن الكاتب لا يتعذر في الحضر، وإنما يتعذر غالبا في السفر، والجري على الغالب من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كما ذكرناه في هذا الكتاب مرارا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-168> قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾</span>؛ ظاهر هذا الأمر الوجوب أيضا، فيجب على من باع أن يشهد. وبهذا قال أبو موسى الأشعري، وابن عمر، والضحاك، وسعيد بن المسيب، وجابر بن زيد، ومجاهد، وداود بن علي، وابنه أبو بكر، وعطاء، وإبراهيم. قاله القرطبي وانتصر له ابن جرير الطبري غاية الانتصار، وصرح بأن من لم يشهد مخالف لكتاب الله. وجمهور العلماء على أن الإشهاد على المبايعة، وكتابة الدين أمر مندوب إليه، لا واجب، ويدل لذلك قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية.\nوقال ابن العربي المالكي: إن هذا قول الكافة قال: وهو الصحيح، ولم يحك عن أحد ممن قال بالوجوب إلا الضحاك قال: وقد باع النبي - ﷺ - وكتب. قال: ونسخة كتابه: بسم الله الرحمن الرحيم. هذا ما اشترى العداء بن خالد بن هوذة من محمد رسول الله - ﷺ - اشترى منه عبدا، أو أمة، لا داء، ولا غائلة، ولا خبثة، بيع المسلم للمسلم. وقد باع ولم يشهد، واشترى ورهن درعه عند يهودي ولم يشهد، ولو كان الإشهاد أمرا واجبا لوجب مع الرهن؛ لخوف المنازعة اهـ.\nقال القرطبي بعد أن ساق كلام ابن العربي هذا ما نصه: قلت: قد ذكرنا الوجوب عن غير الضحاك. وحديث العداء هذا","vol":"1","page":308},{"text":"أخرجه الدارقطني، وأبو داود، وكان إسلامه بعد الفتح وحنين، وهو القائل: قاتلنا رسول الله -  ﷺ  - يوم حنين فلم يظهرنا الله ولم ينصرنا. ثم أسلم فحسن إسلامه. ذكره أبو عمر وذكر حديثه هذا. وقال في آخره: قال الأصمعي: سألت سعيد ابن أبي عروبة عن الغائلة فقال: الإباق والسرقة والزنا. وسألته عن الخبثة فقال: بيع أهل عهد المسلمين.\nوقال الإمام أبو محمد بن عطية: والوجوب في ذلك قلق، أما في الوثائق فصعب شاق، وأما ما كثر فربما يقصد التاجر الاستيلاف بترك الإشهاد، وقد يكون عادة في بعض البلاد، وقد يستحيي من العالم والرجل الكبير الموقر فلا يشهد عليه فيدخل ذلك كله في الائتمان، ويبقى الأمر بالإشهاد ندبا لما فيه من المصلحة في الأغلب ما لم يقع عذر يمنع منه كما ذكرنا، وحكى المهدوي والنحاس ومكي عن قوم أنهم قالوا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وأسنده النحاس عن أبي سعيد الخدري وأنه تلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَاكْتُبُوهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: نسخت هذه الآية ما قبلها. قال النحاس: وهذا قول الحسن والحكم، وعبد الرحمن بن زيد. قال الطبري: وهذا لا معنى له؛ لأن هذا حكم غير الأول، وإنما هذا حكم من لم يجد كاتبا، قال الله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ -أي: فلم يطالبه برهن- ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ قال: ولو جاز أن يكون هذا ناسخا للأول، لجاز أن يكون قوله ﷿: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ","vol":"1","page":309},{"text":"أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ﴾ الآية. ناسخا لقوله ﷿: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ﴾ الآية. ولجاز أن يكون قوله ﷿: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ ناسخا لقوله ﷿: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾.\nوقال بعض العلماء: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ لم يتبين بتأخر نزوله عن صدر الآية المشتملة على الأمر بالإشهاد، بل وردا معا، ولا يجوز أن يرد الناسخ والمنسوخ معا جميعا في حالة واحدة، قال: وقد روي عن ابن عباس أنه قال: لما قيل له: إن آية الدين منسوخة قال: لا، والله إن آية الدين محكمة ليس فيها نسخ، قال: والإشهاد إنما جعل للطمأنينة. وذلك أن الله تعالى جعل لتوثيق الدين طرقا منها الكتاب، ومنها الرهن، ومنها الإشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب، لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإشهاد، وما زال الناس يتبايعون حضرا وسفرا، وبرا وبحرا، وسهلا وجبلا من غير إشهاد، مع علم الناس بذلك من غير نكير، ولو وجب الإشهاد ما تركوا النكير على تاركه، قلت: هذا كله استدلال حسن، وأحسن منه ما جاء من صريح السنة في ترك الإشهاد، وهو ما أخرجه الدارقطني عن طارق بن عبد الله المحاربي ﵁ قال: أقبلنا في ركب من الربذة، وجنوب الربذة، حتى نزلنا قريبا من المدينة، ومعنا ظعينة لنا، فبينما نحن قعود إذ أتانا رجل عليه ثوبان أبيضان، فسلم فرددنا عليه فقال: من أين القوم؟ فقلنا: من الربذة، وجنوب الربذة، قال: ومعنا جمل أحمر، فقال: تبيعوني جملكم هذا؟ فقلنا: نعم قال: بكم؟ قلنا: بكذا وكذا صاعا من تمر","vol":"1","page":310},{"text":"قال: فما استوضعنا شيئا، وقال قد أخذته، ثم أخذ برأس الجمل حتى دخل المدينة فتوارى عنا فتلاومنا بيننا وقلنا: أعطيتم جملكم من لا تعرفونه، فقالت الظعينة: لا تلاوموا فقد رأيت وجه رجل ما كان ليخفركم، ما رأيت وجه رجل أشبه بالقمر ليلة البدر من وجهه، فلما كان العشاء أتانا رجل، فقال: السلام عليكم أنا رسول رسول الله -  ﷺ  - إليكم وإنه أمركم أن تأكلوا من هذا حتى تشبعوا وتكتالوا حتى تستوفوا قال: فأكلنا حتى شبعنا واكتلنا حتى استوفينا. وذكر الحديث الزهري عن عمارة بن خزيمة أن عمه حدثه -وهو من أصحاب النبي -  ﷺ  -: أن النبي -  ﷺ  - ابتاع فرسا من أعرابي- الحديث. وفيه فطفق الأعرابي يقول: هلم شاهدا يشهد أني بعتك؟ قال خزيمة بن ثابت: أنا أشهد أنك بعته، فأقبل النبي -  ﷺ  - على خزيمة فقال: بم تشهد؟ قال: بتصديقك يا رسول الله -  ﷺ  - فجعل رسول الله -  ﷺ  - شهادة خزيمة بشهادة رجلين. أخرجه النسائي وغيره اهـ. من القرطبي بلفظه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وفيما نقلنا الدلالة الواضحة على أن الإشهاد والكتابة مندوب إليهما، لا فرضان واجبان كما قاله ابن جرير وغيره.\nولم يبين الله تعالى في هذه الآية أعني: قوله جل وعلا: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ اشتراط العدالة في الشهود، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾. وقد تقرر في الأصول أن المطلق يحمل على المقيد كما بيناه في غير هذا الموضع.","vol":"1","page":311},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-169> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾</span> لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا. وأشار إلى أنه أجاب بقوله في الخطأ: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية. وأشار إلى أنه أجاب في النسيان بقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ [الأنعام: ٦٨] فإنه ظاهر في أنه قبل الذكرى لا إثم عليه في ذلك، ولا يقدح في هذا أن آية: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ﴾ مكية، وآية: ﴿لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا﴾ مدنية إذ لا مانع من بيان المدني بالمكي، كعكسه.\nوقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: نعم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-170> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾</span> لم يبين هنا هل أجاب دعاءهم هذا أو لا. ولم يبين الإصر الذي كان محمولا على من قبلنا، وبين أنه أجاب دعاءهم هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. وأشار إلى بعض الإصر الذي حمل على من قبلنا بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾؛ لأن اشتراط قتل النفس في قبول التوبة من أعظم الإصر، والإصر: الثقل في التكليف، ومنه قول النابغة:\nيا مانع الضيم أن يغشى سراتهم ... والحامل الإصر عنهم بعدما عرفوا","vol":"1","page":312},{"text":"﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (١)﴾\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-171> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾</span> يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يئول إليها، وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد؛ لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يئول إليها كقوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيايَ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُه﴾ الآية. وقوله: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩)﴾ [النساء: ٥٩] إلى غير ذلك من الآيات. قال ابن جرير الطبري: وأصل التأويل: من آل الشيء إلى كذا إذا صار إليه ورجع يئول أولا، وأولته أنا: صيرته إليه، وقال: وقد أنشد بعض الرواة بيت الأعشى:\nعلى أنها كانت تأول حبها ... تأول ربعي السقاب فأصحبا\nقال: ويعني بقوله: \"تأول حبها\" مصير حبها ومرجعه، وإنما يريد بذلك أن حبها كان صغيرا في قلبه فآل من الصغر إلى العظم، فلم يزل ينبت حتى أصحب فصار قديما كالسقب الصغير الذي لم","vol":"1","page":313},{"text":"يزل يشب حتى أصحب، فصار كبيرا مثل أمه. قال وقد ينشد هذا البيت:\n\"على أنها كانت توابع حبها ... توالي ربعي السقاب فأصحبا\"اهـ\nوعليه فلا شاهد فيه، والربعي السقب الذي ولد في أول النتاج، ومعنى أصحب: انقاد لكل من يقوده، ومنه قول امرىء القيس:\n\"ولست بذي رئية إمر ... إذا قيد مستكرها أصحبا\"\nوالرئية: وجع المفاصل. والإمر: بكسر الهمزة وتشديد الميم مفتوحة بعدها راء، هو الذي يأتمر لكل أحد لضعفه، وأنشد بيت الأعشى المذكور الأزهري وصاحب اللسان:\nولكنها كانت نوى أجنبيه ... توالي ربعي السقاب فأصحبا\nوأطال في شرحه وعليه فلا شاهد فيه أيضا.\nتنبيه: اعلم أن التأويل يطلق ثلاثة إطلاقات:\nالأول: هو ما ذكرنا من أنه الحقيقة التي يئول إليها الأمر، وهذا هو معناه في القرآن.\nالثاني: يراد به التفسير والبيان، ومنه بهذا المعنى قوله -  ﷺ  - في ابن عباس: \"اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل\"، وقول ابن جرير وغيره من العلماء، القول في تأويل قوله تعالى: كذا وكذا أي: تفسيره وبيانه، وقول عائشة الثابت في الصحيح: كان رسول الله -  ﷺ  -، يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا","vol":"1","page":314},{"text":"وبحمدك اللهم اغفر لي\" يتأول القرآن، تعني يمتثله، ويعمل به، والله تعالى أعلم.\nالثالث: هو معناه المتعارف في اصطلاح الأصوليين، وهو صرف اللفظ عن ظاهره المتبادر منه إلى محتمل مرجوح، بدليل يدل على ذلك، وحاصل تحرير مسألة التأويل عند أهل الأصول أنه لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح:\nالأول: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره بدليل صحيح في نفس الأمر يدل على ذلك، وهذا هو التأويل المسمى عندهم بالتأويل الصحيح، والتأويل القريب كقوله -  ﷺ  - الثابت في الصحيح: \"الجار أحق بصقبه\" فإن ظاهره المتبادر منه ثبوت الشفعة للجار، وحمل الجار في هذا الحديث على خصوص الشريك المقاسم حمل له على محتمل مرجوح، إلا أنه دل عليه الحديث الصحيح المصرح بأنه إذا صرفت الطرق وضربت الحدود، فلا شفعة.\nالحالة الثانية: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره لأمر يظنه الصارف دليلا، وليس بدليل في نفس الأمر، وهذا هو المسمى عندهم بالتأويل الفاسد، والتأويل البعيد، ومثل له الشافعية، والمالكية، والحنابلة بحمل الإمام أبي حنيفة -﵀- المرأة في قوله -  ﷺ  -: \"أيما امرأة نكحت بغير إذن وليها، فنكاحها باطل، باطل\" على المكاتبة، والصغيرة، وحمله أيضا -﵀- المسكين في قوله: ﴿ستين مِسْكِينًا﴾ على المد، فأجاز إعطاء ستين مدا لمسكين واحد.\nالحالة الثالثة: أن يكون صرف اللفظ عن ظاهره، لا عن دليل","vol":"1","page":315},{"text":"أصلا، وهذا يسمى في اصطلاح الأصوليين لعبا، كقول بعض الشيعة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً﴾ يعني عائشة ﵂، وأشار في مراقي السعود إلى حد التأويل، وبيان الأقسام الثلاثة بقوله معرفا للتأويل:\n\"حمل لظاهر على المرجوح ... واقسمه للفاسد والصحيح\"\n\"صحيحه وهو القريب ما حمل ... مع قوة الدليل عند المستدل\"\n\"وغيره الفاسد والبعيد ... وما خلا فلعبا يفيد\"\nإلى أن قال:\n\"فجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد\"\n\"كحمل امرأة على الصغيرة ... وما ينافي الحرة الكبيرة\"\n\"وحمل ما ورد في الصيام ... على القضاء مع الالتزام\"\nأما التأويل في اصطلاح خليل بن إسحاق المالكي الخاص به في مختصره، فهي عبارة عن اختلاف شروح المدونة في المراد عند مالك -﵀- وأشار له في المراقي بقوله:\n\"والخلف في فهم الكتاب صير ... إياه تأويلا لدى المختصر\"\nوالكتاب في اصطلاح فقهاء المالكية \"المدونة\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-172> قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾</span> الآية. لا يخفى أن هذه الواو محتملة للاستئناف، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، وخبره يَقُولُونَ، وعليه فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا","vol":"1","page":316},{"text":"الله وحده، والوقف على هذا تام على لفظة الجلالة، ومحتملة لأن تكون عاطفة، فيكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوفا على لفظ الجلالة، وعليه فالمتشابه يعلم تأويله الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ أيضا، وفي الآية إشارات تدل على أن الواو استئنافية، لا عاطفة. قال ابن قدامة: في روضة الناظر ما نصه: ولأن في الآية قرائن تدل على أن الله سبحانه، متفرد بعلم المتشابه، وأن الوقف الصحيح عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ لفظا ومعنى، أما اللفظ فلأنه لو أراد عطف الراسخين لقال: ويقولون: آمنا به بالواو، أما المعنى فلأنه ذم مبتغى التأويل، ولو كان ذلك للراسخين معلوما لكان مبتغيه ممدوحا لا مذموما؛ ولأن قولهم: آمَنَّا بِهِ، يدل على نوع تفويض وتسليم لشيء لم يقفوا على معناه، سيما إذا تبعوه بقولهم: \"كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا\"، فذكرهم ربهم ها هنا يعطي الثقة به والتسليم لأمره، وأنه صدر من عنده، كما جاء من عنده المحكم؛ ولأن لفظة \"أما\" لتفصيل الجمل، فذكره لها في الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ مع وصفة إياهم باتباع المتشابه وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ يدل على قسم آخر يخالفهم في هذه الصفة، وهم الراسخون، ولو كانوا يعلمون تأويله لم يخالفوا القسم الأول في ابتغاء التأويل، وإذ قد ثبت أنه غير معلوم التأويل لأحد فلا يجوز حمله على غير ما ذكرناه اهـ. من الروضة بلفظه.\nومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئا وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ","vol":"1","page":317},{"text":"إِلَّا وَجْهَهُ﴾ هو فالمطابق لذلك أن يكون قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي، وقال: لو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنسق، لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فائدة، والقول بأن الوقف تام على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ وأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ هو ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء، للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وممن قال بذلك عمر، وابن عباس، وعائشة وعروة بن الزبير، وعمر بن عبد العزيز، وابن مسعود، وأبي بن كعب نقله عنهم القرطبي وغيره، ونقله ابن جرير عن يونس، عن أشهب، عن مالك بن أنس وهو مذهب الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبي عبيد. وقال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية، وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا، والقول بأن الواو عاطفة مروي أيضا عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد وغيرهم. وممن انتصر لهذا القول وأطال فيه ابن فورك. ونظير الآية في احتمال الاستئناف والعطف قول الشاعر:\nالريح تبكي شجوها ... والبرق يلمع في الغمامة\nفيحتمل أن يكون والبرق مبتدأ، والخبر يلمع كالتأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويحتمل أن يكون معطوفا على الريح، ويلمع في موضع الحال على التأويل الثاني، أي: لامعا.\nواحتج القائلون بأن الواو عاطفة بأن الله ﷾ مدحهم بالرسوخ في العلم فكيف يمدحهم بذلك وهم جهال.\nقال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمرو: هذا","vol":"1","page":318},{"text":"القول هو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع. انتهى منه بلفظه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: يجاب عن كلام شيخ القرطبي المذكور بأن رسوخهم في العلم هو السبب الذي جعلهم ينتهون حيث انتهى علمهم، ويقولون فيما لم يقفوا على علم حقيقته من كلام الله جل وعلا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ بخلاف غير الراسخين فإنهم يتبعون مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وهذا ظاهر. وممن قال بأن الواو عاطفة الزمخشري في تفسيره الكشاف. والله تعالى أعلم ونسبة العلم إليه أسلم.\nوقال بعض العلماء: والتحقيق في هذا المقام أن الذين قالوا هي عاطفة، جعلوا معنى التأويل: \"التفسير وفهم المعنى\" كما قال النبي -  ﷺ  - \"اللهم علمه التأويل\" أي: التفسير وفهم معاني القرآن، والراسخون يفهمون ما خوطبوا به وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه.\nوالذين قالوا هي استئنافية جعلوا معنى التأويل حقيقة ما يئول إليه الأمر، وذلك لا يعلمه إلا الله، وهو تفصيل جيد، ولكنه يشكل عليه أمران:\nالأول: قول ابن عباس ﵄: \"التفسير على أربعة أنحاء: تفسير: لا يعذر أحد في فهمه، وتفسير تعرفه العرب من لغاتها، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله\" فهذا","vol":"1","page":319},{"text":"تصريح من ابن عباس أن هذا الذي لا يعلمه إلا الله بمعنى التفسير، لا ما تؤول إليه حقيقة الأمر. وقوله هذا ينافي التفصيل المذكور.\nالثاني: أن الحروف المقطعة في أوائل السور لا يعلم المراد بها إلا الله، إذ لم يقم دليل على شيء معين أنه هو المراد بها من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا من لغة العرب، فالجزم بأن معناها كذا على التعيين تحكم بلا دليل.\n\nتنبيهان\nالأول: اعلم أنه على القول بأن الواو عاطفة فإن إعراب جملة يقولون مستشكل من ثلاث جهات:\nالأولى: أنها حال من المعطوف وهو \"الراسخون\"، دون المعطوف عليه وهو \"لفظ الجلالة\". والمعروف إتيان الحال من المعطوف والمعطوف عليه معا كقولك: جاء زيد وعمر راكبين، وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾.\nوهذا الإشكال ساقط؛ لجواز إتيان الحال من المعطوف فقط دون المعطوف عليه، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ فقوله: صَفًّا حال من المعطوف، وهو الْمَلَكُ، دون المعطوف عليه، وهو لفظة رَبُّكَ، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية. فجملة يَقُولُونَ حال من واو الفاعل في قوله: الَّذِينَ جَاءُوا، وهو معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ فهو حال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه ابن كثير وغيره.","vol":"1","page":320},{"text":"الجهة الثانية من جهات الإشكال المذكور هي: ما ذكره القرطبي عن الخطابي قال عنه: واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه، قائلين: آمنا، وزعم أن موضع يقولون نصب على الحال. وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه؛ لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، يعني: أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل، كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا له كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال: أنشدنا أبو العباس ثعلب:\nأرسلت فيها قطما لكالكا ... يقصر يمشي ويطول باركا\nأي يقصر ماشيا.\nوهذا الإشكال أيضا ساقط؛ لأن الفعل في الحال المذكور غير مضمر، لأنه مذكور في قوله \"يعلم\" ولكن الحال من المعطوف دون المعطوف عليه، كما بينه العلامة الشوكاني في تفسيره، وهو واضح.\nالجهة الثالثة من جهات الإشكال المذكورة هي: أن المعروف في اللغة العربية أن الحال قيد لعاملها، ووصف لصاحبها، فيشكل تقييد هذا العامل الذي هو \"يعلم\" بهذه الحال التي هي \"يَقُولُونَ آمَنَّا\"، إذ لا وجه لتقييد علم الراسخين بتأويله بقولهم آمَنَّا بِهِ؛ لأن مفهومه أنهم في حال عدم قولهم: آمَنَّا بِهِ لا يعلمون تأويله، وهو باطل، وهذا الإشكال قوي، وفيه الدلالة على منع الحالية في جملة","vol":"1","page":321},{"text":"يقولون على القول بالعطف.\nالتنبيه الثاني: إذا كانت جملة يقولون لا يصح أن تكون حالا لما ذكرنا، فما وجه إعرابها على القول بأن الواو عاطفة؟ .\nالجواب -والله تعالى أعلم-: أنها معطوف بحرف محذوف، والعطف بالحرف المحذوف أجازه ابن مالك وجماعة من علماء العربية والتحقيق جوازه، وأنه ليس مختصا بضرورة الشعر كما زعمه بعض علماء العربية، والدليل على جوازه وقوعه في القرآن، وفي كلام العرب، فمن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (٨)﴾ الآية. فإنه معطوف بلا شك على قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢)﴾ بالحرف المحذوف الذي هو الواو، ويدل له إثبات الواو في نظيره في قوله تعالى في سورة القيامة: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤)﴾ الآية، وقوله تعالى في عبس: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ مُسْفِرَةٌ (٣٨) ضَاحِكَةٌ مُسْتَبْشِرَةٌ (٣٩) وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ الآية.\nوجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ﴾ الآية. قال: يعني وقلت: بالعطف بواو محذوفة، وهو أحد احتمالات ذكرها ابن هشام في المغني. وجعل بعضهم منه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ على قراءة فتح همزة إن قال: هو معطوف بحرف محذوف على قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي: وشهد أن الدين عند الله الإسلام، وهو أحد احتمالات ذكرها صاحب المغني أيضا. ومنه حديث \"تصدق رجل من ديناره من درهمه، من صاع بره، من صاع تمره\" يعني ومن درهمه، ومن","vol":"1","page":322},{"text":"صاع إلخ. حكاه الأشموني وغيره. والحديث المذكور أخرجه مسلم والإمام أحمد وأصحاب السنن.\nومن شواهد حذف حرف العطف قول الشاعر:\nكيف أصبحت كيف أمسيت مما ... يغرس الود في فؤاد الكريم\nيعني: وكيف أمسيت. وقول الحطيئة:\nإن امرأ رهطه بالشام، منزله ... برمل يبرين جار شدما اغتربا\nأي: ومنزله برمل يبرين. وقيل: الجملة الثانية صفة ثانية، لا معطوفة عليه، فلا شاهد في البيت.\nوممن أجاز العطف بالحرف المحذوف الفارسي وابن عصفور، خلافا لابن جني والسهيلي.\nولا شك أن في القرآن أشياء لا يعلمها إلا الله كحقيقة الروح؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ الآية وكمفاتح الغيب التي نص على أنها لا يعلمها إلا هو بقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ﴾ الآية. وقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية. وكالحروف المقطعة في أوائل السور، وكنعيم الجنة لقوله تعالى: ﴿فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، وفيه أشياء يعلمها الراسخون في العلم دون غيرهم، كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ﴾ مع قوله: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾","vol":"1","page":323},{"text":"وكقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾.\nوالرسوخ الثبوت. ومنه قول الشاعر:\nلقد رسخت في القلب مني مودة ... لليلى أبت آياتها أن تغيرا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-173> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾</span>. ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا، وذكر أنهم وقود النار، أي: حطبها الذي تتقد فيه، ولم يبين هنا هل نفيه لذلك تكذيب لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وبين في مواضع أخر أنهم ادعوا ذلك ظنا منهم أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضا فكذبهم في آيات كثيرة، فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وقال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقال: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ أي: بدليل ما أعطاني منه للآخرة على الدنيا، ورَدَّ الله عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾ وقوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي","vol":"1","page":324},{"text":"لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وصرح في موضع آخر أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-174> قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾</span> لم يبين هنا من هؤلاء الذين من قبلهم، ما ذنوبهم التي أخذهم الله بها، وبين في مواضع أخر أن منهم قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب وأن ذنوبهم التي أخذهم بها هي الكفر بالله، وتكذيب الرسل وغير ذلك من المعاصي، كعقر ثمود للناقة، وكلواط قوم لوط، وكتطفيف قوم شعيب للمكيال والميزان، وغير ذلك كما جاء مفصلا في آيات كثيرة، كقوله في نوح وقومه: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم هود: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ الآية، ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم صالح: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآية، ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم لوط: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾ الآية، ونحوها من الآيات، وكقوله في قوم شعيب: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ ونحوها من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-175> قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾</span> الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية، أي: علامة على صحة دين الإسلام، إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة","vol":"1","page":325},{"text":"المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به.\nوصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي: لا لبس في الحق معها، وذلك في قوله: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وصرح أيضا بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-176> قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾</span> لم يبين هنا كم يدخل تحت لفظ الأنعام من الأصناف، ولكنه قد بين في مواضع أخر أنها ثمانية أصناف، هي الجمل والناقة، والثور والبقرة، والكبش والنعجة، والتيس والعنز، كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا﴾ ثم بين الأنعام بقوله: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ﴾ يعني الكبش والنعجة ﴿وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: التيس والعنز إلى قوله: ﴿وَمِنَ الْأِبِلِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الجمل والناقة ﴿وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ يعني: الثور والبقرة. وهذه الثمانية هي المراد بقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ وهي المشار إليها بقوله: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ الآية.\nتنبيه: ربما أطلقت العرب لفظ النعم على خصوص الإبل، ومنه قوله - ﷺ -: \"من حمر النعم\"، يعني: الإبل، وقول حسان - ﵁ -:\nوكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء\nأي: إبل وشاء.","vol":"1","page":326},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-177> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾</span> الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن اتباع نبيه موجب لمحبته جل وعلا لذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسوله - ﷺ - هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nتنبيه: يؤخذ من هذه الآية الكريمة أن علامة المحبة الصادقة لله ورسوله - ﷺ - هي اتباعه - ﷺ -، فالذي يخالفه ويدعي أنه يحبه فهو كاذب مفتر؛ إذ لو كان محبا له لأطاعه، ومن المعلوم عند العامة أن المحبة تستجلب الطاعة، ومنه قول الشاعر:\nلو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحب لمن يحب مطيع\nوقول ابن أبي ربيعة المخزومي:\nومن لو نهاني من حبه ... عن الماء عطشان لم أشرب\nوقد أجاد من قال:\nقالت: وقد سألت عن حال عاشقها ... بالله صفه ولا تنقص ولا تزد\nفقلت: لو كان رهن الموت من ظمأ ... وقلت: قف عن ورود الماء لم يرد\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-178> قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ﴾</span> لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بين في سورة مريم أنه بلغ من الكبر عتيا، وذلك في قوله تعالى عنه: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا﴾ والعتي: اليبس والقحول في المفاصل","vol":"1","page":327},{"text":"والعظام من شدة الكبر.\nوقال ابن جرير في تفسيره: وكل متناه إلى غايته في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس.\n\n• قوله تعالى عن زكريا: ﴿امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ لم يبين هنا هل كانت أيام شبابها، ولكنه بين في سورة مريم أنها كانت كذلك قبل كبرها بقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-179> قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾</span> لم يبين المانع له من كلام الناس، بكم طرأ له، أو آفة تمنعه من ذلك، أو لا آمر له إلا الله، وهو صحيح لا علة له. ولكنه بين في سورة مريم أنه لا بأس عليه، وأن انتفاء التكلم عنه لا لبكم، ولا مرض، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا (١٠)﴾ لأن قوله \"سَوِيًّا\" حال من فاعل \"تكلم\" مفيد لكون انتفاء التكلم بطريق الإعجاز وخرق العادة، لا لاعتقال اللسان بمرض، أي: يتعذر عليك تكليمهم ولا تطيقه، في حال كونك سوي الخلق سليم الجوارح، ما بك شائبة بكم ولا خرس، وهذا ما عليه الجمهور، ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾ وعن ابن عباس: أن سويا عائد إلى الليالي، أي: كاملات مستويات، فيكون صفة لثلاث، وعليه فلا بيان بهذه الآية لآية آل عمران.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-180> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾</span> الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى؛ وأنها هي السبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين","vol":"1","page":328},{"text":"في موضع آخر أنها لفظة كن، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ﴾ وقيل: الكلمة بشارة الملائكة لها بأنها ستلده، واختاره ابن جرير، والأول قول الجمهور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-181> قوله تعالى: ﴿وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ﴾</span> لم يبين هنا ما كلمهم به في المهد، ولكنه بينه في سورة مريم بقوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾.\n• قوله تعالى: ﴿قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ الآية. أشار في هذه الآية إلى قصة حملها بعيسى، وبسطها مبينة في سورة مريم بقوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا﴾. إلى آخر القصة، وبين النفخ فيها في سورة التحريم والأنبياء، معبرا في التحريم بالنفخ في فرجها. وفي الأنبياء بالنفخ فيها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-183> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى، ولكنه بين في سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد - ﷺ - في نصرة الله ودينه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-184> قوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾</span>","vol":"1","page":329},{"text":"لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى، ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾ وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى، وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-185> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾</span> قال بعض العلماء: أي منيمك ورافعك إلي، أي: في تلك النومة، ويستأنس لهذا التفسير بالآيات التي جاء فيها إطلاق الوفاة على النوم، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾ الآية، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-186> قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾</span> الآية. لم يبين هنا ما وجه محاجتهم في إبراهيم، ولكنه بين في موضع آخر أن محاجتهم في إبراهيم، هي قول اليهود: إنه يهودي، والنصارى: إنه نصراني، وذلك في قوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-187> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ﴾</span> الآية. قال بعض العلماء: يعني إذا أخروا التوبة إلى حضور الموت فتابوا حينئذ، وهذا التفسير يشهد له قوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ","vol":"1","page":330},{"text":"الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ وقد تقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.\nوقال بعض العلماء معنى: لن تقبل توبتهم لن يوفقوا للتوبة حتى تقبل منهم، ويشهد له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلًا (١٣٧)﴾ فعدم غفرانه لهم لعدم هدايتهم السبيل الذي يغفر لصاحبه، ونظيرها قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا (١٦٨) إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-188> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا﴾</span> الآية. صرح في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا يقبل من أحدهم ملء الأرض ذهبا ولو افتدى به، وصرح في مواضع أخر أنه لو زيد بمثله لا يقبل منه أيضا كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ﴾ وبين في مواضع أخر، أنه لا يقبل فداء في ذلك اليوم منهم بتاتا كقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا﴾ وقوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ﴾ والعدل الفداء.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-189> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾</span> صرح في هذه الآية، أنه غني عن خلقه، وأن كفر من كفر منهم لا يضره شيئا، وبين هذا المعنى في مواضع متعددة، كقوله عن نبيه موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ","vol":"1","page":331},{"text":"حَمِيدٌ (٨)﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ وقوله: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، فالله ﵎ يأمر الخلق وينهاهم؛ لا لأنه تضره معصيتهم، ولا تنفعه طاعتهم، بل نفع طاعتهم لهم، وضرر معصيتهم عليهم، كما قال تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ وقال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾. وثبت في صحيح مسلم عن رسول الله -  ﷺ  - فيما يرويه عن ربه أنه قال: \"يا عبادي لو أن أولكم وأخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئا، يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل منكم ما نقص ذلك من ملكي شيئا\" الحديث.\nتنبيه: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ بعد قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ يدل على أن من لم يحج كافر والله غني عنه.\nوفي المراد بقوله: وَمَنْ كَفَرَ أوجه للعلماء.\nالأول: أن المراد بقوله: وَمَنْ كَفَرَ، أي: ومن جحد فريضة الحج، فقد كفر، والله غني عنه، وبه قال ابن عباس، ومجاهد وغير واحد. قاله ابن كثير. ويدل لهذا الوجه ما روي عن عكرمة، ومجاهد من أنهما قالا: لما نزلت: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ قالت اليهود: فنحن مسلمون. فقال النبي -  ﷺ  -: \"إن الله","vol":"1","page":332},{"text":"فرض على المسلمين حج البيت من استطاع إليه سبيلا، فقالوا: لم يكتب علينا، وأبوا أن يحجوا\" قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾.\nالوجه الثاني: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ كَفَرَ﴾ أي: ومن لم يحج على سبيل التغليظ البالغ في الزجر عن ترك الحج مع الاستطاعة، كقوله للمقداد الثابت في الصحيحين حين سأله عن قتل من أسلم من الكفار بعد أن قطع يده في الحرب: \"لا تقتله، فإن قتلته فإنه بمنزلتك قبل أن تقتله، وإنك بمنزلته قبل أن يقول الكلمة التي قال\".\nالوجه الثالث: حمل الآية على ظاهرها وأن من لم يحج مع الاستطاعة فقد كفر.\nوقد روي عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"من ملك زادا وراحلة ولم يحج بيت الله فلا يضره، مات يهوديا، أو نصرانيا؛ وذلك بأن الله قال: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)﴾ \" روى هذا الحديث الترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، كما نقله عنهم ابن كثير، وهو حديث ضعيف ضعفه غير واحد بأن في إسناده هلال بن عبد الله مولى ربيعة بن عمرو بن مسلم الباهلي، وهلال هذا قال الترمذي: مجهول، وقال البخاري: منكر الحديث، وفي إسناده أيضا الحارث الذي رواه عن علي - ﵁ -. قال الترمذي: إنه يضعف في الحديث. وقال ابن عدي: هذا الحديث ليس بمحفوظ. انتهى بالمعنى من ابن كثير.","vol":"1","page":333},{"text":"وقال ابن حجر في \"الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف\" في هذا الحديث: أخرجه الترمذي من رواية هلال بن عبد الله الباهلي، حدثنا إبو أسحاق، عن الحارث، عن علي رفعه \"من ملك زادا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج، فلا عليه أن يموت يهوديا أو نصرانيا\". وقال: غريب، وفي إسناده مقال، وهلال بن عبد الله مجهول، والحارث يضعف.\nوأخرجه البزار من هذا الوجه، وقال: لا نعلمه عن علي إلا من هذا الوجه. وأخرجه ابن عدي، والعقيلي في ترجمة هلال، ونقلا عن البخاري أنه منكر الحديث. وقال البيهقي في الشعب: تفرد به هلال.\nوله شاهد من حديث أبي أمامة، أخرجه الدارمي بلفظ \"من لم يمنعه عن الحج حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر، أو مرض حابس، فمات فليمت إن شاء يهوديا، أو إن شاء نصرانيا\" أخرجه من رواية شريك، عن ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن سابط عنه، ومن هذا الوجه أخرجه البيهقي في الشعب. وأخرجه ابن أبي شيبة عن أبي الأحوص، عن ليث، عن عبد الرحمن مرسلا لم يذكر أبا أمامة. وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق ابن عدي، وابن عدي أورده في الكامل في ترجمة أبي المهزوم يزيد بن سفيان، عن أبي هريرة مرفوعا نحوه. ونقل عن الفلاس أنه كذب أبا المهزوم، وهذا من غلط ابن الجوزي في تصرفه؛ لأن الطريق إلى أبي أمامة ليس فيها من اتهم بالكذب.\nوقد صح عن عمر بن الخطاب - ﵁ - أنه قال: من","vol":"1","page":334},{"text":"أطاق الحج فلم يحج فسواء مات يهوديا أو نصرانيا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-190> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾</span> الآية. أكثر العلماء على أنها منسوخة بقوله: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nوقال بعضهم: هي مبينة للمراد منها فقوله \"حَقَّ تُقَاتِهِ\"، أي: بقدر الطاقة. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-191> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾</span> لم يبين هنا ما بلغته معاداتهم من الشدة، ولكنه بين في موضع آخر أن معاداتهم بلغت من الشدة أمرا عظيما حتى لو أنفق ما في الأرض كله لإزالتها وللتأليف بين قلوبهم لم يفد ذلك شيئا، وذلك في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢) وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٣)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-192> قوله تعالى: ﴿وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن من أسباب اسوداد الوجوه يوم القيامة الكفر بعد الإيمان، وذلك في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾ الآية.\nوبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكذب على الله تعالى وهو قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّة﴾ وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك اكتساب السيئات وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَسَبُوا السَّيِّئَاتِ جَزَاءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا","vol":"1","page":335},{"text":"وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ وبين في موضع آخر أن من أسباب ذلك الكفر والفجور، وهو قوله تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾.\nوهذه الأسباب في الحقيقة شيء واحد عبر عنه بعبارات مختلفة، وهو الكفر بالله تعالى، وبين في موضع آخر شدة تسويد وجوههم بزرقة العيون، وهو قوله: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾ وأقبح صورة أن تكون الوجوه سودا والعيون زرقا، إلا ترى الشاعر لما أراد أن يصور علل البخيل في أقبح صورة وأشوهها اقترح لها زرقة العيون، واسوداد الوجوه في قوله:\nوللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-193> قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ (١١٣)﴾</span> ذكر هنا من صفات هذه الطائفة المؤمنة من أهل الكتاب أنها قائمة. أي: مستقيمة على الحق، وأنها تتلو آيات الله آناء الليل، وتصلي، وتؤمن بالله، وتأمر بالمعروف، وتنهى عن المنكر.\nوذكر في موضع آخر أنها تتلو الكتاب حق تلاوته، وتؤمن بالله وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾.\nوذكر في موضع آخر أنهم يؤمنون بالله وما أنزل إلينا وما أنزل إليهم، وأنهم خاشعون لله، لا يشترون بآياته ثمنا قليلا، وهو قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ","vol":"1","page":336},{"text":"خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَنًا قَلِيلًا﴾.\nوذكر في موضع آخر أنهم يفرحون بإنزال القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَفْرَحُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ وذكر في موضع آخر أنهم يعلمون أن إنزال القرآن من الله حق، وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقّ﴾ الآية، وذكر في موضع آخر أنهم إذا تلي عليهم القرآن خروا لأذقانهم سجدا وسبحوا ربهم وبكوا، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾.\nوقال في بكائهم عند سماعه أيضا: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾ وذكر في موضع آخر أن هذه الطائفة من أهل الكتاب، تؤتى أجرها مرتين، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ بِمَا صَبَرُوا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-194> قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾</span> الآية يعني: وتؤمنون بالكتب كلها كما يدل له قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ وقوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-195> قوله تعالى: ﴿وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾</span> يعني عرضها كعرض السماوات والأرض، كما بينه قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ وآية آل عمران هذه تبين أن المراد بالسماء في آية الحديد جنسها","vol":"1","page":337},{"text":"الصادق بجميع السماوات كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-196> قوله تعالى: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾</span> المراد بالقرح الذي مس المسلمين هو ما أصابهم يوم أحد من القتل والجرح، كما أشار له تعالى في هذه السورة الكريمة في مواضع متعددة كقوله: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (١٤٣)﴾ وقوله: ﴿وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾ الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوأما المراد بالقرح الذي مس القوم المشركين فيحتمل أنه هو ما أصابهم يوم بدر من القتل والأسر، وعليه فإليه الإشارة بقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣)﴾.\nويحتمل أيضا أنه هزيمة المشركين أولا يوم أحد كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى، وقد أشار إلى القرحين معا بقوله: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ فالمراد بمصيبة المسلمين القرح الذي مسهم يوم أحد، والمراد بمصيبة الكفار بمثليها قبل القرح الذي مسهم يوم بدر؛ لأن المسلمين يوم أحد قتل منهم سبعون،","vol":"1","page":338},{"text":"والكفار يوم بدر قتل منهم سبعون وأسر سبعون، وهذا قول الجمهور. وذكر بعض العلماء أن المصيبة التي أصابت المشركين هي ما أصابهم يوم أحد من قتل وهزيمة، حيث قتل حملة اللواء من بني عبد الدار، وانهزم المشركون في أول الأمر هزيمة منكرة، وبقي لواؤهم ساقطا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية، وفي ذلك يقول حسان:\nفلولا لواء الحارثية أصبحوا ... يباعون في الأسواق بيع الجلائب\nوعلى هذا الوجه: فالقرح الذي أصاب القوم المشركين يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ﴾ الآية. ومعنى تحسونهم: تقتلونهم وتستأصلونهم وأصله من الحس الذي هو الإدراك بالحاسة، فمعنى حسه أذهب حسه بالقتل، ومنه قول جرير:\nتحسهم السيوف كما تسامى ... حريق النار في أجم الحصيد\nوقول الآخر:\nحسسناهم بالسيف حسا فأصبحت ... بقيتهم قد شردوا وتبددوا\nوقوله رؤبة:\nإذا شكونا سنة حسوسا ... تأكل بعد الأخضر اليبسا\nيعني بالسنة الحسوس: السنة المجدبة التي تأكل كل شيء. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن الآية قد يكون فيها احتمالان وكل منهما يشهد له قرآن، وكلاهما حق فنذكرهما معا، وما يشهد","vol":"1","page":339},{"text":"لكل واحد منهما.\nقال بعض العلماء: وقرينة السياق تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم أحد لأن الكلام في وقعة أحد، ولكن التثنية في قوله \"مِثْلَيْهَا\" تدل على أن القرح الذي أصاب المشركين ما وقع بهم يوم بدر؛ لأنه لم ينقل أحد أن الكفار يوم أحد أصيبوا بمثلي ما أصيب به المسلمون. ولا حجة في قوله: ﴿تَحُسُّونَهُمْ﴾ لأن ذلك الحس والاستئصال في خصوص الذين قتلوا من المشركين، وهم أقل ممن قتل من المسلمين يوم أحد، كما هو معلوم.\nفإن قيل: ما وجه الجمع بين الإفراد في قوله: ﴿قَرْحٌ مِثْلُه﴾ وبين التثنية في قوله: ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ فالجواب - والله تعالى أعلم -: أن المراد بالتثنية قتل سبعين، وأسر سبعين يوم بدر، في مقابلة سبعين يوم أحد، كما عليه جمهور العلماء.\nوالمراد بإفراد المثل: تشبيه القرح بالقرح في مطلق النكاية والألم، والقراءتان السبعيتان في قوله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ﴾ بفتح القاف وضمها في الحرفين معناهما واحد، فهما لغتان، كالضعف والضعف.\nوقال الفراء: القرح بالفتح الجرح وبالضم ألمه. اهـ.\nومن إطلاق العرب القرح على الجرح قول متمم بن نويرة التميمي:\nقعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا","vol":"1","page":340},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-197> قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾</span> أنكر الله في هذه الآية على من ظن أنه يدخل الجنة دون أن يبتلى بشدائد التكاليف التي يحصل بها الفرق بين الصابر المخلص في دينه، وبين غيره، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة، كقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وقوله: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ (٣)﴾.\nوفي هذه الآيات سر لطيف وعبرة وحكمة، وذلك أن أبانا آدم كان في الجنة يأكل منها رغدا حيث شاء في أتم نعمة وأكمل سرور، وأرغد عيش، كما قال له ربه: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى (١١٩)﴾ ولو تناسلنا فيها لكنا في أرغد عيش وأتم نعمة، ولكن إبليس عليه لعائن الله احتال بمكره وخداعه على أبوينا حتى أخرجهما من الجنة، إلى دار الشقاء والتعب، وحينئذ حكم الله تعالى أن جنته لا يدخلها أحد إلا بعد الابتلاء بالشدائد وصعوبة التكاليف، فعلى العاقل منا -معاشر بني آدم- أن يتصور الواقع ويعلم أننا في الحقيقة سبي سباه إبليس بمكره وخداعه من وطنه الكريم إلى دار الشقاء والبلاء، فيجاهد عدوه إبليس ونفسه الأمارة بالسوء، حتى يرجع إلى الوطن الأول الكريم، كما قال العلامة ابن القيم تغمده الله برحمته:","vol":"1","page":341},{"text":"ولكننا سبي العدو فهل ترى ... نرد إلى أوطاننا ونسلم\nولهذه الحكمة أكثر الله تعالى في كتابه من ذكر قصة إبليس مع آدم لتكون نصب أعيننا دائما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-198> قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾</span> الآية. هذه الآية الكريمة على قراءة من قرأ قتل بالبناء للمفعول يحتمل نائب الفاعل فيها أن يكون لفظة ربيون، وعليه فليس في \"قتل\" ضمير أصلا، ويحتمل أن يكون نائب الفاعل ضميرا عائدا إلى النبي، وعليه فمعه خبر مقدم، وربيون مبتدأ مؤخر، سوغ الابتداء به اعتماده على الظرف قبله، ووصفه بما بعده، والجملة حالية، والرابط الضمير، وسوغ إتيان الحال من النكرة التي هي: نبي وصفه بالقتل ظلما، وهذا هو أجود الأعاريب المذكورة في الآية على هذا القول، وبهذين الاحتمالين في نائب الفاعل المذكور يظهر أن في الآية إجمالا، والآيات القرآنية مبينة أن النبي المقاتل غير مغلوب، بل هو غالب كما صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقال قبل هذا: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ﴾ وقال بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾.\nوأغلب معاني الغلبة في القرآن الغلبة بالسيف والسنان كقوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ أَلْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ﴾ وقوله: ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣) فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾ وقوله: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾","vol":"1","page":342},{"text":"وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وبين تعالى أن المقتول ليس بغالب، بل هو قسم مقابل للغالب بقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فاتضح من هذه الآيات أن القتل ليس واقعا على النبي المقاتل؛ لأن الله كتب وقضى له في أزله أنه غالب، وصرح بأن المقتول غير غالب. وقد حقق العلماء أن غلبة الأنبياء على قسمين، غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميعهم، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لخصوص الذين أمروا منهم بالقتال في سبيل الله؛ لأن من لم يؤمر بالقتال ليس بغالب ولا مغلوب؛ لأنه لم يغالب في شيء، وتصريحه تعالى بأنه كتب إن رسله غالبون شامل لغلبتهم من غالبهم بالسيف، كما بينا أن ذلك هو معنى الغلبة في القرآن، وشامل أيضا لغلبتهم بالحجة والبيان، فهو مبين أن نصر الرسل المذكور في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ أنه نصر غلبة بالسيف والسنان للذين أمروا منهم بالجهاد؛ لأن الغلبة التي بين أنها كتبها لهم أخص من مطلق النصر، لأنها نصر خاص، والغلبة لغة القهر، والنصر لغة إعانة المظلوم، فيجب بيان هذا الأعم بذلك الأخص.\nوبهذا تعلم أن ما قاله الإمام الكبير ابن جرير -﵀- ومن تبعه في تفسير قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ﴾ الآية: من أنه لا مانع من قتل الرسول المأمور بالجهاد، وأن نصره المنصوص في الآية، حينئذ يحمل على أحد أمرين:\nأحدهما: أن الله ينصره بعد الموت، بأن يسلط على من قتله","vol":"1","page":343},{"text":"من ينتقم منه، كما فعل بالذين قتلوا يحيى وزكرياء وشعيا من تسليط بختنصر عليهم، ونحو ذلك.\nالثاني: حمل الرسل في قوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ على خصوص نبينا -  ﷺ  - وحده = أنه لا يجوز حمل القرآن عليه لأمرين:\nأحدهما: أنه خروج بكتاب الله عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل من كتاب، ولا سنة ولا إجماع، والحكم بأن المقتول من المتقاتلين هو المنصور بعيد جدا، غير معروف في لسان العرب، فحمل القرآن عليه بلا دليل غلط ظاهر، وكذلك حمل الرسل على نبينا وحده -  ﷺ  - فهو بعيد جدا أيضا، والآيات الدالة على عموم الوعد بالنصر لجميع الرسل كثيرة، لا نزاع فيها.\nالثاني: أن الله لم يقتصر في كتابه على مطلق النصر الذي هو في اللغة إعانة المظلوم، بل صرح بأن ذلك النصر المذكور للرسل نصر غلبة بقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ الآية، وقد رأيت معنى الغلبة في القرآن، ومر عليك أن الله جعل المقتول قسما مقابلا للغالب في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ وصرح تعالى بأن ما وعد به رسله لا يمكن تبديله بقوله جلا وعلا: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَأِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾ ولا شك أن قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ من كلماته التي صرح بأنها لا مبدل لها، وقد نفى جل وعلا عن المنصور أن يكون مغلوبا نفيا باتا بقوله: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ﴾ وذكر مقاتل أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ﴾ الآية أن","vol":"1","page":344},{"text":"بعض الناس قال: أيظن محمد وأصحابه أن يغلبوا الروم، وفارس، كما غلبوا العرب زاعما أن الروم وفارس لا يغلبهم النبي -  ﷺ  - لكثرتهم وقوتهم فأنزل الله الآية. وهو يدل على أن الغلبة المذكورة فيها غلبة بالسيف والسنان؛ لأن صورة السبب لا يمكن إخراجها، ويدل له قوله قبله: ﴿أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾ وقوله بعده: ﴿إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب، أننا نستشهد للبيان بالقراءة السبعية بقراءة شاذة، فيشهد للبيان الذي بينا به أن نائب الفاعل ربيون، وأن بعض القراء غير السبعة قرأ قتل معه ربيون بالتشديد؛ لأن التكثير المدلول عليه بالتشديد يقتضي أن القتل واقع على الربيين، ولهذه القراءة رجح الزمخشري، والبيضاوي، وابن جني، أن نائب الفاعل ربيون، ومال إلى ذلك الألوسي في تفسيره مبينا أن دعوى كون التشديد لا ينافي وقوع القتل على النبي -لأن \"كَأَيِّنْ\" إخبار بعدد كثير، أي: كثير من أفراد النبي قتل- خلاف الظاهر، وهو كما قال.\nفإن قيل: قد عرفنا أن نائب الفاعل المذكور محتمل لأمرين، وقد ادعيتم أن القرآن دل على أنه ربيون، لا ضمير النبي لتصريحه بأن الرسل غالبون، والمقتول غير غالب، ونحن نقول: دل القرآن في آيات أخر على أن نائب الفاعل ضمير النبي، لتصريحه في آيات كثيرة بقتل بعض الرسل كقوله: ﴿فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ الآية، فما وجه ترجيح ما استدللتم به على أن النائب","vol":"1","page":345},{"text":"ربيون على ما استدللنا به على أن النائب ضمير النبي فالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن ما استدللنا به أخص مما استدللتم به، والأخص مقدم على الأعم، ولا يتعارض عام وخاص، كما تقرر في الأصول، وإيضاحه أن دليلنا في خصوص نبي أمر بالمغالبة في شيء، فنحن نجزم بأنه غالب فيه تصديقا لربنا في قوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ سواء أكانت تلك المغالبة في الحجة والبيان، أم بالسيف والسنان، ودليلكم فيما هو أعم من هذا؛ لأن الآيات التي دلت على قتل بعض الرسل، لم تدل على أنه في خصوص جهاد، بل ظاهرها أنه في غير جهاد، كما يوضحه.\nالوجه الثاني: وهو أن جميع الآيات الدالة على أن بعض الرسل قتلهم أعداء الله كلها في قتل بني إسرائيل أنبياءهم في غير جهاد ومقاتله، إلا موضع النزاع وحده.\nالوجه الثالث: أن ما رجحناه من أن نائب الفاعل ربيون، تتفق عليه آيات القرآن اتفاقا واضحا، لا لبس فيه على مقتضى اللسان العربي في أفصح لغاته، ولم تتصادم منه آيتان، حيث حملنا الرسول المقتول على الذي لم يؤمر بالجهاد، فقتله إذن لا إشكال فيه، ولا يؤدي إلى معارضة آية واحدة من كتاب الله؛ لأن الله حكم للرسل بالغلبة، والغلبة لا تكون إلا مع مغالبة، وهذا لم يؤمر بالمغالبة في شيء، ولو أمر بها في شيء لغلب فيه، ولو قلنا بأن نائب الفاعل ضمير النبي لصار المعنى أن كثيرا من الأنبياء المقاتلين قتلوا في ميدان الحرب، كما تدل عليه صيغة \"وَكَأَيِّنْ\" المميزة","vol":"1","page":346},{"text":"بقوله: \"مِنْ نَبِيٍّ\"، وقتل الأعداء هذا العدد الكثير من الأنبياء المقاتلين في ميدان الحرب مناقض مناقضة صريحة لقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقد عرفت معنى الغلبة في القرآن، وعرفت أنه تعالى بين أن المقتول غير الغالب كما تقدم، وهذا الكتاب العزيز ما أنزل ليضرب بعضه بعضا، ولكن أنزل ليصدق بعضه بعضا، فاتضح أن القرآن دل دلالة واضحة على أن نائب الفاعل ربيون، وأنه لم يقتل رسول في جهاد، كما جزم به الحسن البصري، وسعيد بن جبير، والزجاج، والفراء، وغير واحد، وقصدنا في هذا الكتاب البيان بالقرآن، لا بأقوال العلماء، ولذا لم ننقل أقوال من رجح ما ذكرنا.\nوما رجح به بعض العلماء كون نائب الفاعل ضمير النبي من أن سبب النزول يدل على ذلك؛ لأن سبب نزولها أن الصائح صاح قتل محمد -  ﷺ  -، وأن قوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِل﴾ يدل على ذلك، وأن قوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يدل على أن الربيين لم يقتلوا؛ لأنهم لو قتلوا لما قال عنهم: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية. فهو كلام كله ساقط، وترجيحات لا معول عليها، فالترجيح بسبب النزول فيه أن سبب النزول لو كان يقتضي تعيين ذكر قتل النبي لكانت قراءة الجمهور \"قاتل\" بصيغة الماضي من المفاعلة جارية على خلاف المتعين وهو ظاهر السقوط كما ترى، والترجيح بقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ ظاهر السقوط؛ لأنهما معلقان بأداة الشرط، والمعلق بها لا يدل على وقوع نسبة أصلا، لا إيجابا ولا سلبا حتى يرجح بها غيرها. وإذا نظرنا إلى الواقع في نفس الأمر وجدنا نبيهم -  ﷺ  - في ذلك الوقت لم يقتل ولم يمت،","vol":"1","page":347},{"text":"والترجيح بقوله: ﴿فَمَا وَهَنُوا﴾ سقوطه كالشمس في رابعة النهار، وأعظم دليل قطعي على سقوطه قراءة حمزة والكسائي: ﴿وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ كل الأفعال من القتل لا من القتال، وهذه القراءة السبعية المتواترة فيها ﴿فإن قتلوكم﴾ بلا ألف بعد القاف فعل ماض من القتل ﴿فاقتلوهم﴾ أفتقولون: هذا لا يصح، لأن المقتول لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله، بل المعنى قتلوا بعضكم، وهو معنى مشهور في اللغة العربية يقولون: قتلونا، وقتلناهم، يعنون وقوع القتل على البعض، كما لا يخفى. وقد أشرنا إلى هذا البيان في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-199> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزّىً لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا مات بعض إخوانهم يقولون: لو أطاعونا فلم يخرجوا إلى الغزو ما قتلوا، ولم يبين هنا هل يقولون لهم ذلك قبل السفر إلى الغزو ليثبطوهم أو لا؟ ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾ ولكنه بين في آيات أخر أنهم يقولون لهم ذلك قبل الغزو وليثبطوهم كقوله: ﴿وَقَالُوا لا تَنْفِرُوا فِي الْحَرِّ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-200> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن المقتول","vol":"1","page":348},{"text":"في الجهاد والميت كلاهما ينال مغفرة من الله ورحمة خيرا له مما يجمعه من حطام الدنيا. وأوضح وجه ذلك في آية أخرى، بين فيها أن الله اشترى منه حياة قصيرة فانية منغصة بالمصائب والآلام بحياة أبدية لذيذة لا تنقطع، ولا يتأذى صاحبها بشيء، واشترى منه مالا قليلا فانيا بملك لا ينفد ولا ينقضي أبدا، وهي قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ وبين في آية أخرى أن فضل الله ورحمته خير مما يجمعه أهل الدنيا من حطامها، وزاد فيها الأمر بالفرح بفضل الله ورحمته دون حطام الدنيا، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾ وتقديم المعمول يؤذن بالحصر أعني قوله: ﴿فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾ أي: دون غيره فلا يفرحوا بحطام الدنيا الذي يجمعونه. وقال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-201> قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾</span> الآية. قد قدمنا في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِم﴾ أن الجموع المذكرة ونحوها مما يختص بجماعة العقلاء من الذكور إذا وردت في كتاب الله تعالى أو سنة نبيه - ﷺ - اختلف العلماء فيها هل يدخل فيها النساء أو لا يدخلن إلا بدليل على دخولهن؟ وبذلك تعلم أن قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ﴾","vol":"1","page":349},{"text":"يحتمل دخول النساء فيه وعدم دخولهن بناء على الاختلاف المذكور، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أنهن داخلات في جملة من أمر - ﷺ - بالاستغفار لهم، وهو قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-202> قوله تعالى: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية أن من اتبع رضوان الله ليس كمن باء بسخط منه؛ لأن همزة الإنكار بمعنى النفي، ولم يذكر هنا صفة من اتبع رضوان الله، ولكن أشار إلى بعضها في موضع آخر، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ (١٧٤)﴾. وأشار إلى بعض صفات من باء بسخط من الله بقوله: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)﴾ وبقوله هنا: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-203> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن ما أصاب المسلمين يوم أحد إنما جاءهم من قبل أنفسهم، ولم يبين تفصيل ذلك هنا، ولكنه فصله في موضع آخر، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ","vol":"1","page":350},{"text":"لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾. وهذا هو الظاهر في معنى الآية؛ لأن خير ما يبين به القرآن القرآن.\nوأما على القول الآخر فلا بيان بالآية، وهو أن معنى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ أنهم خيروا يوم بدر بين قتل أسارى بدر، وبين أسرهم وأخذ الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل قدر الأسارى، فاختاروا الفداء على أن يستشهد منهم في العام القابل سبعون قدر أسارى بدر، كما رواه الإمام أحمد وابن أبي حاتم عن عمر بن الخطاب. وعقده أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله:\nوالمسلمون خيروا بين الفداء ... وقدرهم في قابل يستشهدا\nوبين قتلهم فمالوا للفدا ... لأنه على القتال عضدا\nوأنه أدى إلى الشهادة ... وهي قصارى الفوز والسعادة\nونظمه هذا للمغازي جل اعتماده فيه على عيون الأثر لابن سيد الناس اليعمري، قال في مقدمته:\nأرجوزة على عيون الأثر ... جل اعتماد نظمها في السير\nوذكر شارحة أن الألف في قوله \"يستشهدا\" مبدلة من نون التوكيد الخفيفة وأنها في البيت كقوله:\nربما أوفيت في علم ... ترفعن ثوبي شمالات\nوعلى هذا القول، فالمعنى: قل هو من عند أنفسكم حيث اخترتم الفداء، واستشهاد قدر الأسارى منكم.","vol":"1","page":351},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-204> قوله تعالى: ﴿وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا﴾</span> الأية. نهى الله ﵎ في هذه الآية عن ظن الموت بالشهداء، وصرح بأنهم أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ، وأنهم فرحون بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ، يستبشرون بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ، ولم يبين هنا هل حياتهم هذه في البرزخ يدرك أهل الدنيا حقيقتها أو لا؟ ولكنه بين في سورة البقرة أنهم لا يدركونها بقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ (١٥٤)﴾ لأن نفي الشعور يدل على نفي الإدراك من باب أولى، كما هو ظاهر.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-205> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ﴾</span> الآية.\nقال جماعة من العلماء: المراد بالناس القائلين \"إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ\" نعيم بن مسعود الأشجعي، أو أعرابي من خزاعة، كما أخرجه ابن مردويه من حديث أبي رافع. ويدل لهذا توحيد المشار إليه في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ الآية.\nقال صاحب الإتقان، قال الفارسي: ومما يقوي أن المراد به واحد قوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ﴾ فوقعت الإشارة بقوله: ذَلِكُمُ إلى واحد بعينه، ولو كان المعنى جمعا لقال: إنما أولئكم الشيطان. فهذه دلالة ظاهرة في اللفظ. اهـ منه بلفظه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-206> قوله تعالى: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أنه يملي للكافرين، ويمهلهم لزيادة الإثم عليهم وشدة","vol":"1","page":352},{"text":"العذاب، وبين في موضع آخر أنه لا يمهلهم متنعمين هذا الإمهال إلا بعد أن يبتليهم بالبأساء والضراء، فإذا لم يتضرعوا أفاض عليهم النعم وأمهلهم حتى يأخذهم بغتة، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا - إلى قوله - أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن ذلك الاستدراج من كيده المتين، وهو قوله: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾. وبين في موضع آخر: أن الكفار يغترون بذلك الاستدراج فيظنون أنه من المسارعة لهم في الخيرات، وأنهم يوم القيامة يؤتون خيرا من ذلك الذي أوتوه في الدنيا، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآياتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا﴾ الآية. كما تقدم، والبأساء: الفقر والفاقة، والضراء: المرض على قول الجمهور، وهما مصدران مؤنثان لفظا بألف التأنيث الممدودة.\n\n• قوله تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا","vol":"1","page":353},{"text":"أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين سيبتلون في أموالهم وأنفسهم، وسيسمعون الأذى الكثير من أهل الكتاب والمشركين، وأنهم إن صبروا على ذلك البلاء والأذى واتقوا الله، فإن صبرهم وتقاهم مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ، أي: من الأمور التي ينبغي العزم والتصميم عليها لوجوبها.\nوقد بين في موضع آخر أن من جملة هذا البلاء؛ الخوف والجوع، وأن البلاء في الأنفس والأموال هو النقص فيها، وأوضح فيه نتيجة الصبر المشار إليها هنا بقوله: ﴿فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (١٨٦)﴾ وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ وبقوله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ ويدخل في قوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ﴾ الصبر عند الصدمة الأولى، بل فسره بخصوص ذلك بعض العلماء. ويدل على دخوله فيه قوله قبله: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\nوبين في موضع آخر أن خصلة الصبر لا يعطاها إلا صاحب حظ عظيم، وبخت كبير، وهو قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ وبين في موضع آخر. أن جزاء الصبر لا حساب له، وهو قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا","vol":"1","page":354},{"text":"مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ ذكر في هذه الآية أن من جملة ما يقوله أولو الألباب تنزيه ربهم عن كونه خلق السماوات والأرض باطلا، لا لحكمة، ﷾ عن ذلك علوا كبيرا.\nوصرح في موضع آخر بأن الذين يظنون ذلك هم الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيئ بالويل من النار، وهو قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-207> قوله تعالى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ (١٩٨)﴾</span> لم يبين هنا ما عنده للأبرار، ولكنه بين في موضع آخر: أنه النعيم، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣)﴾ وبين في موضع آخر، أن من جملة ذلك النعيم الشراب من كأس ممزوجة بالكافور، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥)﴾.","vol":"1","page":355},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-208>سورة النساء</span>","vol":"1","page":356},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nسورة النساء\n\n• قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ الآية. أمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة بإيتاء اليتامى أموالهم، ولم يشترط هنا في ذلك شرطا، ولكنه بين بعد هذا أن الإيتاء المأمور به مشروط بشرطين:\nالأول: بلوغ اليتامى.\nوالثاني: إيناس الرشد منهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ وتسميتهم يتامى في الموضعين إنما هي باعتبار يتمهم الذي كانوا متصفين به قبل البلوغ إذ لا يتم مع البلوغ إجماعا، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦)﴾ يعني الذين كانوا سحرة، إذا لا سحر مع السجود لله.\nوقال بعض العلماء: معنى إيتائهم أموالهم إجراء النفقة والكسوة زمن الولاية عليهم. وقال أبو حنيفة: إذا بلغ خمسا وعشرين سنة أعطي ماله على كل حال؛ لأنه يصير جدا، ولا يخفى عدم اتجاهه، والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-209> قوله تعالى: ﴿وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا (٢)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن أكل أموال اليتامى حوب كبير، أي:","vol":"1","page":357},{"text":"إثم عظيم، ولم يبين مبلغ هذا الحوب من العظم، ولكنه بينه في موضع آخر، وهو قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-210> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾</span> الآية. لا يخفى ما يسبق إلى الذهن في هذه الآية الكريمة من عدم ظهور وجه الربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء، وعليه ففي الآية نوع إجمال، والمعنى كما قالت أم المؤمنين عائشة - ﵂ -: أنه كان الرجل تكون عنده اليتيمة في حجره فإن كانت جميلة تزوجها من غير أن يقسط في صداقها، وإن كانت ذميمة رغب عن نكاحها وعضلها أن تنكح غيره لئلا يشاركه في مالها، فنهوا أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا إليهن ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق، وأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن. أي: كما أنه يرغب عن نكاحها إن كانت قليلة المال والجمال فلا يحل له أن يتزوجها إن كانت ذات مال وجمال إلا بالإقساط إليها والقيام بحقوقها كاملة غير منقوصة. وهذا المعنى الذي ذهبت إليه أم المؤمنين عائشة -﵂-، يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ وقالت - ﵂ -: إن المراد بما يتلى عليكم في الكتاب هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الأية، فتبين أنها يتامى النساء بدليل تصريحه بذلك في قوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ﴾ الأية. فظهر من هذا أن المعنى: وإن خفتم ألا تقسطوا في زواج اليتيمات فدعوهن، وانكحوا ما طاب","vol":"1","page":358},{"text":"لكم من النساء سواهن، وجواب الشرط دليل واضح على ذلك؛ لأن الربط بين الشرط والجزاء يقتضيه، وهذا هو أظهر الأقوال؛ لدلالة القرآن عليه، وعليه فاليتامى جمع يتيمة على القلب، كما قيل: أيامى، والأصل أيائم ويتائم لما عرف أن جمع الفعيلة فعائل، وهذا القلب يطرد في معتل اللام كقضية، ومطية، ونحو ذلك ويقصر على السماع فيما سوى ذلك.\nقال ابن خويز منداد: يؤخذ من الآية جواز اشتراء الوصي وبيعه من مال اليتيم لنفسه بغير محاباة، وللسلطان النظر فيما وقع من ذلك.\nوأخذ بعض العلماء من هذه الآية: أن الولي إذا أراد نكاح من هو وليها جاز أن يكون هو الناكح والمنكح، وإليه ذهب مالك، وأبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، وأبو ثور، وقاله من التابعين: الحسن، وربيعة، وهو قول الليث.\nوقال زفر والشافعي: لا يجوز له أن يتزوجها إلا بإذن السلطان، أو يزوجها ولي آخر أقرب منه أو مساو له.\nوقال أحمد في إحدى الروايتين: يوكل رجلا غيره فيزوجها منه، وروي هذا عن المغيرة بن شعبة، كما نقله القرطبي. وغيره.\nوأخذ مالك بن أنس من تفسير عائشة لهذه الآية كما ذكرنا الرد إلى صداق المثل فيما فسد من الصداق، أو وقع الغبن في مقداره؛ لأن عائشة ﵂، قالت: \"ويبلغوا بهن أعلى سنتهن في الصداق\" فدل على أن للصداق سنة معروفة لكل صنف","vol":"1","page":359},{"text":"من الناس على قدر أحوالهم، وقد قال مالك: للناس مناكح عرفت لهم وعرفوا لها، يعني مهورا وأكفاء.\nويؤخذ أيضا من هذه الآية جواز تزويج اليتيمة إذا أعطيت حقوقها وافية. وما قاله كثير من العلماء من أن اليتيمة لا تزوج حتى تبلغ، محتجين بأن قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ﴾ اسم ينطلق على الكبار دون الصغار فهو ظاهر السقوط؛ لأن الله صرح بأنهن يتامى بقوله: ﴿فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ هو وهذا الاسم أيضا قد يطلق على الصغار، كما في قوله تعالى: ﴿يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ وهن إذ ذاك رضيعات، فالظاهر المتبادر من الآية، جواز نكاح اليتيمة مع الإقساط في الصداق وغيره من الحقوق.\nودلت السنة على أنها لا تجبر، فلا تزوج إلا برضاها، وإن خالف في تزويجها خلق كثير من العلماء.\nتنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: واتفق كل من يعاني العلوم على أن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ ليس له مفهوم إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة، اثنتين، أو ثلاثا، أو أربعا، كمن خاف، فدل على أن الآية نزلت جوابا لمن خاف ذلك، وأن حكمها أعم من ذلك. اهـ منه بلفظه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر في الآية - على ما فسرتها به عائشة، وارتضاه القرطبي، وغير واحد من المحققين ودل عليه القرآن - أن لها مفهوما معتبرًا؛ لأن معناها: وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتيمات فانكحوا ما طاب لكم من سواهن،","vol":"1","page":360},{"text":"ومفهومه أنهم إن لم يخافوا عدم القسط لم يؤمروا بمجاوزتهن إلى غيرهن، بل يجوز لهم حينئذ الاقتصار عليهن، وهو واضح كما ترى، إلا أنه تعالى لما أمر بمجاوزتهن إلى غيرهن عند خوفهم أن لا يقسطوا فيهن أشار إلى القدر الجائز من تعدد الزوجات، ولا إشكال في ذلك. والله أعلم.\nوقال بعض العلماء: معنى الآية ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ أي: إن خشيتم ذلك فتحرجتم من ظلم اليتامى فاخشوا أيضا وتحرجوا من ظلم النساء بعدم العدل بينهن، وعدم القيام بحقوقهن، فقللوا عدد المنكوحات، ولا تزيدوا على أربع، وإن خفتم عدم إمكان ذلك مع التعدد فاقتصروا على الواحدة؛ لأن المرأة شبيهة باليتيم، لضعف كل واحد منهما، وعدم قدرته على المدافعة عن حقه، فكما خشيتم من ظلمه فاخشوا من ظلمها.\nوقال بعض العلماء: كانوا يتحرجون من ولاية اليتيم، ولا يتحرجون من الزنى، فقيل لهم في الآية: إن خفتم الذنب في مال اليتيم فخافوا ذنب الزنا، فانكحوا ما طاب لكم من النساء، ولا تقربوا الزنا. وهذا أبعد الأقوال فيما يظهر. والله تعالى أعلم.\nويؤخذ من هذه الآية الكريمة أيضا: أن من كان في حجره يتيمة لا يجوز له نكاحها إلا بتوفيته حقوقها كاملة، وأنه يجوز نكاح أربع، ويحرم الزيادة عليها، كما دل على ذلك أيضا إجماع المسلمين قبل ظهور المخالف الضال، وقوله -  ﷺ  - لغيلان بن سلمة: \"اختر منهن أربعا وفارق سائرهن\". وكذا قال للحارث بن قيس الأسدي، وأنه مع خشية عدم العدل لا يجوز نكاح غير واحدة.","vol":"1","page":361},{"text":"والخوف في الآية قال بعض العلماء: معناه الخشية، وقال بعض العلماء: معناه العلم. أي: وَإِنْ علمتم أَلَّا تُقْسِطُوا- الآية.\nومن إطلاق الخوف بمعنى العلم. قول أبي محجن الثقفي:\nإذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي في الممات عروقها\nولا تدفنني بالفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها\nفقوله أخاف: يعني أعلم.\nتنبيه: عبر تعالى عن النساء في هذه الآية بما التي هي لغير العاقل في قوله: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾ ولم يقل من طاب، لأنها هنا أريد بها الصفات لا الذوات. أي: ما طاب لكم من بكر أو ثيب، أو ما طاب لكم لكونه حلالا، وإذا كان المراد الوصف عبر عن العاقل بما كقولك ما زيد في الاستفهام تعنى أفاضل؟ وقال بعض العلماء: عبر عنهن بما إشارة إلى نقصانهن، وشبههن بما لا يعقل حيث يؤخذن بالعوض. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-211> قوله تعالى: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (٧)﴾</span> لم يبين هنا قدر هذا النصيب الذي هو للرجال والنساء مما ترك الوالدان والأقربون، ولكنه بينه في آيات المواريث كقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآيتين، وقوله في خاتمة هذه السورة الكريمة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-212> قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾</span> لم يبين هنا حكمة تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث","vol":"1","page":362},{"text":"مع أنهما سواء في القرابة. ولكنه أشار إلى ذلك في موضع آخر، وهو قوله تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾؛ لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائما، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائما، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبرا لنقصة المترقَب ظاهرة جدا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-213> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾</span> الآية. صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن البنات إن كن ثلاثا فصاعدا فلهن الثلثان، وقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ يوهم أن الاثنتين ليستا كذلك، وصرح بأن الواحدة لها النصف، ويفهم منه أن الاثنتين ليستا كذلك أيضا، وعليه ففي دلالة الآية على قدر ميراث البنتين إجمال.\nوقد أشار تعالى في موضعين: إلى أن هذا الظرف لا مفهوم مخالفة له، وأن للبنتين الثلثين أيضا.\nالأول: قوله تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، إذ الذكر يرث مع الواحدة الثلثين بلا نزاع، فلا بد أن يكون للبنتين الثلثان في صورة، وإلا لم يكن للذكر مثل حظ الأنثيين؛ لأن الثلثين ليسا بحظ لهما أصلا، لكن تلك الصورة ليست صورة الاجتماع، إذ ما من صورة يجتمع فيها الابنتان مع الذكر ويكون لهما الثلثان، فتعين أن تكون صورة انفرادهما عن الذكر. واعتراض بعضهم هذا الاستدلال بلزوم الدور قائلا: إن معرفة أن للذكر الثلثين في الصورة المذكورة تتوقف على معرفة حظ الأنثيين؛ لأنه ما علم من الآية إلا","vol":"1","page":363},{"text":"أن للذكر مثل حظ الأنثيين، فلو كانت معرفة حظ الأنثيين مستخرجة من حظ الذكر لزم الدور ساقط؛ لأن المستخرج هو الحظ المعين للأنثيين وهو الثلثان، والذي يتوقف عليه معرفة حظ الذكر هو معرفة حظ الأنثيين مطلقا، فلا دور لانفكاك الجهة. واعترضه بعضهم أيضا: بأن للابن مع البنتين النصف، فيدل على أن فرضهما النصف، ويؤيد الأول أن البنتين لما استحقتا مع الذكر النصف علم أنهما إن انفردتا عنه استحقتا أكثر من ذلك؛ لأن الواحدة إذا انفردت أخذت النصف، بعدما كانت معه تأخذ الثلث، ويزيده إيضاحا أن البنت تأخذ مع الابن الذكر الثلث بلا نزاع، فلأن تأخذه مع الابنة الأنثى أولى.\nفبهذا يظهر أنه جل وعلا، أشار إلى ميراث البنتين بقوله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما بينا، ثم ذكر حكم الجماعة من البنات، وحكم الواحدة منهن بقوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ ومما يزيده إيضاحا أنه تعالى فرعه عليه بالفاء في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ﴾ إذ لو لم يكن فيما قبله ما يدل على سهم الإناث لم تقع الفاء موقعها كما هو ظاهر. الموضع الثاني: هو قوله تعالى في الأختين: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾؛ لأن البنت أمس رحما، وأقوى سببا في الميراث من الأخت بلا نزاع، فإذا صرح تعالى: بأن للأختين الثلثين علم أن البنتين كذلك من باب أولى. وأكثر العلماء على أن فحوى الخطاب، أعني: مفهوم الموافقة الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل القياس، خلافا للشافعي وقوم، كما علم في الأصول، فالله ﵎ لما","vol":"1","page":364},{"text":"بين أن للأختين الثلثين أفهم بذلك أن البنتين كذلك من باب أولى.\nوكذلك لما صرح أن لما زاد على الاثنتين من البنات الثلثين فقط، ولم يذكر حكم ما زاد على الاثنتين من الأخوات، أفهم أيضا من باب أولى أنه ليس لما زاد من الأخوات غير الثلثين؛ لأنه لما لم يعط للبنات علم أنه لا تستحقه الأخوات، فالمسكوت عنه في الأمرين أولى بالحكم من المنطوق به، وهو دليل على أنه قصد أخذه منه، ويزيد ما ذكرنا إيضاحا ما أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وابن ماجه، عن جابر ﵁، قال: جاءت امرأة سعد بن الربيع إلى رسول الله -  ﷺ  -، فقالت: يا رسول الله، هاتان ابنتا سعد قتل أبوهما يوم أحد، وإن عمهما أخذ مالهما، ولم يدع لهما مالا، ولا ينكحان إلا ولهما مال، فقال -  ﷺ  -: \"يقضي الله تعالى في ذلك\". فنزلت آية الميراث فبعث رسول الله -  ﷺ  - إلى عمهما، فقال \"اعط ابنتي سعد الثلثين، واعط أمهما الثمن، وما بقي فهو لك\".\nوما يروى عن ابن عباس ﵄. من أنه قال: للبنتين النصف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ فصرح بأن إنما هما لما فوق الاثنتين، فيه أمور.\nالأول: أنه مردود بمثله؛ لأن الله قال أيضا: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ فصرح بأن النصف للواحدة جاعلا كونها واحدة شرطا معلقا عليه فرض النصف. وقد تقرر في الأصول أن المفاهيم إذا تعارضت قدم الأقوى منها، ومعلوم أن مفهوم الشرط أقوى من مفهوم الظرف؛ لأن مفهوم الشرط لم يقدم عليه من","vol":"1","page":365},{"text":"المفاهيم، إلا ما قال فيه بعض العلماء: إنه منطوق، لا مفهوم وهو النفي والإثبات، وإنما من صيغ الحصر والغاية، وغير هذا يقدم عليه مفهوم الشرط.\nقال في مراقي السعود مبينا مراتب مفهوم المخالفة:\nأعلاه لا يرشد إلا العلما ... فما لمنطوق بضعف انتمى\nفالشرط فالوصف الذي يناسب ... فمطلق الوصف الذي يقارب\nفعدد ثمة تقديم يلي ... وهو حجة على النهج الجلي\nوقال صاحب جمع الجوامع ما نصه: مسألة: الغاية، قيل: منطوق والحق مفهوم، يتلوه الشرط، فالصفة المناسبة، فمطلق الصفة غير العدد، فالعدد، فتقديم المعمول إلخ.\nوبهذا تعلم أن مفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ أقوى من مفهوم الظرف في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾.\nالثاني: دلالة الآيات المتقدمة على أن للبنتين الثلثين.\nالثالث: تصريح النبي -  ﷺ  - بذلك في حديث جابر المذكور آنفا.\nالرابع: أنه روي عن ابن عباس الرجوع عن ذلك.\nقال الألوسي في تفسيره ما نصه: وفي شرح الينبوع نقلا عن الشريف شمس الدين الأرموني أنه قال في شرح فرائض الوسيط. صح رجوع ابن عباس رضي الله تعالى عنهما عن ذلك فصار إجماعا. اهـ. منه بلفظه.","vol":"1","page":366},{"text":"تنبيهان\nالأول: ما ذكره بعض العلماء وجزم به الألوسي في تفسيره من أن المفهوم في قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ مفهوم عدد غلط، والتحقيق هو ما ذكرنا من أنه مفهوم شرط، وهو أقوى من مفهوم العدد بدرجات، كما رأيت فيما تقدم.\nقال في نشر البنود على مراقي السعود في شرح قوله:\nوهو ظرف علة وعدد ... ومنه شرط غاية تعتمد\nما نصه: والمراد بمفهوم الشرط ما فهم من تعليق حكم على شيء بأداة شرط كإن وإذا.\nوقال في شرح هذا البيت أيضا قبل هذا ما نصه: ومنها الشرط نحو: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ﴾ مفهومه انتفاء المشروط عند انتفاء الشرط، أي: فغير أولات حمل لا يجب الإنفاق عليهن، ونحو من تطهر صحت صلاته اهـ منه بلفظه.\nفكذلك قوله: ﴿وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ﴾ علق فيه فرض النصف على شرط هو كون البنت واحدة، ومفهومه أنه إن انتفى الشرط الذي هو كونها واحدة انتفى المشروط الذي هو فرض النصف كما هو ظاهر.\nفإن قيل: كذلك المفهوم في قوله: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ لتعليقه بالشرط فالجواب من وجهين:\nالأول: أن حقيقة الشرط كونهن نساء، وقوله \"فوق اثنتين\"","vol":"1","page":367},{"text":"وصف زائد، وكونها واحدة هو نفس الشرط لا وصف زائد، وقد عرفت تقديم مفهوم الشرط على مفهوم الصفة ظرفا كانت أو غيره.\nالثاني: أنا لو سلمنا جدليا أنه مفهوم شرط لتساقط المفهومان لاستوائهما، ويطلب الدليل من خارج، وقد ذكرنا الأدلة على كون البنتين ترثان الثلثين كما تقدم.\nالثاني: إن قيل: فما الفائدة في لفظة \"فَوْقَ اثْنَتَيْنِ\" إذا كانت الاثنتان كذلك؟ فالجواب من وجهين:\nالأول: هو ما ذكرنا من أن حكم الاثنتين أخذ من قوله قبله: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ كما تقدم، وإذن فقوله: ﴿فَوْقَ اثْنَتَيْنِ﴾ تنصيص على حكم الثلاث فصاعدا كما تقدم.\nالثاني: أن لفظة فوق ذكرت لإفادة أن البنات لا يزدن على الثلثين ولو بلغ عددهن ما بلغ.\nوأما ادعاء أن لفظة فوق زائدة، وادعاء أن فوق اثنتين معناه اثنتان فما فوقهما فكله ظاهر السقوط كما ترى، والقرآن ينزه عن مثله وإن قال به جماعة من أهل العلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-214> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾</span>. المراد في هذه الآية بالإخوة الذين يأخذ المنفرد منهم السدس، وعند التعدد يشتركون في الثلث ذكرهم وأنثاهم سواء أخوة الأم، بدليل بيانه تعالى أن الإخوة من الأب أشقاء أو لا يرث الواحد منهم كل المال، وعند اجتماعهم","vol":"1","page":368},{"text":"يرثون المال كله، للذكر مثل حظ الأنثيين. وقال في المنفرد: ﴿وهو يرثها إن لم يكن لها ولد﴾ \"، وقال في جماعتهم: ﴿وإن كانوا إخوة رجالا ونساء فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾، وقد أجمع العلماء على أن هؤلاء الإخوة هم الإخوة من الأب، كانوا أشقاء أو لأب، كما أجمعوا على أن قوله: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً﴾ الآية. أنها في إخوة الأم وقرأ سعد بن أبي وقاص وله أخ أو أخت من أم.\nوالتحقيق أن المراد بالكلالة عدم الأصول والفروع كما قال الناظم:\nويسألونك عن الكلالة ... هي انقطاع النسل لا محالة\nلا والد يبقى ولا مولود ... فانقطع الأبناء والجدود\nوهذا قول أبي بكر الصديق - ﵁ - وأكثر الصحابة وهو الحق إن شاء الله تعالى.\nواعلم أن الكلالة تطلق على القرابة من غير جهة الولد والوالد، وعلى الميت الذي لم يخلف والدا ولا ولدا، وعلى الوارث الذي ليس بوالد ولا ولد، وعلى المال الموروث عمن ليس بوالد ولا ولد، إلا أنه استعمال غير شائع.\nواختلف في اشتقاق الكلالة، واختار كثير من العلماء أن أصلها من تكاله إذا أحاط به، ومنه الإكليل لإحاطته بالرأس، والكل لإحاطته بالعدد؛ لأن الورثة فيها محيطة بالميت من جوانبه، لا من أصله ولا فرعه.\nوقال بعض العلماء: أصلها من الكلالة بمعنى الإعياء؛ لأن","vol":"1","page":369},{"text":"الكلالة أضعف من قرابة الآباء والأبناء.\nوقال بعض العلماء: أصلها من الكل، بمعنى الظهر، وعليه فهي ما تركه الميت وراء ظهره.\nواختلف في إعراب قوله: ﴿كلالة﴾ فقال بعض العلماء: هي حال من نائب فاعل يورث على حذف مضاف، أي: يورث في حال كونه ذا كلالة، أي: قرابة غير الآباء والأبناء، واختاره الزجاج، وهو الأظهر، وقيل: هي مفعول له، أي: يورث لأجل الكلالة، أي: القرابة، وقيل: هي خبر كان، ويورث صفة لرجل، أي: كان رجل موروث ذا كلالة، ليس بوالد ولا ولد، وقيل غير ذلك، والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-215> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾</span> لم يبين هنا هل جعل لهن سبيلا أو لا؟ ولكنه بين في موضع أخر أنه جعل لهن السبيل بالحد كقوله في البكر: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية. وقوله في الثيب: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم\" لأن هذه الآية باقية الحكم كما صح عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -﵁ وأرضاه- وإن كانت منسوخة التلاوة.\nوروي عن ابن عباس - ﵄ - أن حكم الرجم مأخوذ أيضا من آية أخرى محكمة غير منسوخة التلاوة، وهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ فإنها نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا وهما محصنان، ورجمهما النبي - ﷺ -، فذمه","vol":"1","page":370},{"text":"تعالى في هذا الكتاب المعرِض عما في التوراة من رجم الزاني المحصن دليل قرآني واضح على بقاء حكم الرجم، ويوضح ما ذكرنا من أنه تعالى جعل لهن السبيل بالحد قوله - ﷺ - الثابت في الصحيح: \"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلا\" الحديث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-216> قوله تعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾</span> الآية. نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نكاح المرأة التي نكحها الأب، ولم يبين ما المراد بنكاح الأب، هل هو العقد، أو الوطء؟ لكنه بين في موضع آخر أن اسم النكاح يطلق على العقد وحده وإن لم يحصل مسيس، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾ فصرح بأنه نكاح، وأنه لا مسيس فيه.\nوقد أجمع العلماء على أن من عقد عليها الأب حرمت على ابنه وإن لم يمسها الأب، وكذلك عقد الابن محرم على الأب إجماعا وإن لم يمسها، وقد أطلق تعالى النكاح في آية أخرى مريدا به الجماع بعد العقد، وذلك في قوله: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾؛ لأن المراد بالنكاح هنا ليس مجرد العقد، بل لا بد معه من الوطء، كما قال - ﷺ - لامرأة رفاعة القرظي: \"لا، حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك\" يعني الجماع. ولا عبرة بما يروى من المخالفة عن سعيد بن المسيب؛ لوضوح النص الصريح الصحيح في عين المسألة.\nومن هنا قال بعض العلماء: لفظ النكاح مشترك بين العقد والجماع، وقال بعضهم: هو حقيقة في الجماع مجاز في العقد،","vol":"1","page":371},{"text":"لأنه سببه، وقال بعضهم بالعكس.\nتنبيه: قال بعض العلماء: إن لفظة \"مَا\" من قوله: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ مصدرية، وعليه فقوله: ﴿من النساء﴾ متعلق بقوله: ﴿تَنْكِحُوا﴾ لا بقوله ﴿نكح﴾، وتقرير المعنى على هذا القول: ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم، أي: لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن \"مَا\" موصولة، واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وقد قدمنا وجه ذلك؛ لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم، كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن ابن أبي حاتم أن سبب نزولها: أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله -  ﷺ  - في ذلك، فقال: ارجعي إلى بيتك فنزلت: ﴿وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ﴾ الآية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: نكاح زوجات الآباء كان معروفا عند العرب، وممن فعل ذلك أبو قيس بن الأسلت المذكور، فقد تزوج أم عبيد الله وكانت تحت الأسلت إبيه، وتزوج الأسود بن خلف ابنة أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار وكانت تحت أبيه خلف، وتزوج صفوان بن أمية فاختة ابنة الأسود بن عبد المطلب بن أسد، وكانت تحت أبيه أمية، كما نقله ابن جرير عن عكرمة قائلا: إنه سبب نزول الآية، وتزوج عمرو بن أمية زوجة أبيه بعده، فولدت له مسافرا وأبا معيط، وكان لها من أمية أبو العيص وغيره، فكانوا إخوة مسافر وأبي معيط وأعماميهما، وتزوج منظور","vol":"1","page":372},{"text":"بن زبان بن سيار الفزاري زوجة أبيه مليكة بنت خارجة، كما نقله القرطبي وغيره، ومليكة هذه هي التي قال فيها منظور المذكور بعد أن فسخ نكاحها منه عمر بن الخطاب ﵁:\nألا لا أبالي اليوم ما فعل الدهر ... إذا منعت مني مليكة والخمر\nفإن تك قد أمست بعيدا مزارها ... فحي ابنة المري ما طلع الفجر\nوأشار إلى تزويج منظور هذا زوجة أبيه ناظم عمود النسب، بقوله في ذكر مشاهير فزارة:\nمنظور الناكح مقتا وحلف ... خمسين ماله على منع وقف\nوقوله: وحلف إلخ قال شارحه: إن معناه أن عمر بن الخطاب حلفه خمسين يمينا بعد العصر في المسجد أنه لم يبلغه نسخ ما كان عليه أهل الجاهلية من نكاح أزواج الآباء، وذكر السهيلي وغيره أن كنانة بن خزيمة تزوج زوجة أبيه خزيمة فولدت له النضر بن كنانة، قال: وقد قال -  ﷺ  -: \"ولدت من نكاح لا من سفاح\" فدل على أن ذلك كان سائغا لهم. قال ابن كثير: وفيما نقله السهيلي من قصة كنانة نظر، وأشار إلى تضعيف ما ذكره السهيلي ناظم عمود النسب بقوله:\nوهند بنت مر أم حارثة ... شخيصة وأم عنز ثالثة\nبرة أختها عليها خلفا ... كنانة خزيمة وضعفا\nأختهما عاتكة ونسلها ... عذرة التي الهوى يقتلها\nوذكر شارحه أن الذي ضعف ذلك هو السهيلي نفسه خلافا","vol":"1","page":373},{"text":"لظاهر كلام ابن كثير، ومعنى الأبيات أن هند بنت مر أخت تميم بن مر بن أد بن طابخة بن إلياس هي أم ثلاثة من أولاد، وائل بن قاسط وهم الحارث، وشخيص، وعنز، وأن أختها برة بنت مر كانت زوجة خزيمة بن مدركة، فتزوجها بعد ابنه كنانة، وأن ذلك مضعف، وأن أختهما عاتكة بنت مر هي أم عذرة أبي القبيلة المشهورة بأن الهوى يقتلها، وقد كان من مختلفات العرب في الجاهلية إرث الأقارب أزواج أقاربهم، كان الرجل منهم إذا مات وألقى ابنه أو أخوه مثلا ثوبا على زوجته ورثها وصار أحق بها من نفسها إن شاء نكحها بلا مهر وإن شاء أنكحها غيره وأخذ مهرها، وإن شاء عضلها حتى تفتدي منه إلى أن نهاهم الله عن ذلك بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا﴾ الآية.\nوأشار إلى هذا ناظم عمود النسب بقوله:\nالقول فيما اختلفوا واخترقوا ... ولم يقد إليه إلا النزق\nثم شرع يعد مختلقاتهم إلى أن قال:\nوأن من ألقى على زوج أبيه ... ونحوه بعد التوى ثوبا يريه\nأولى بها من نفسها إن شاء ... نكح أو أنكح أو أساء\nبالعضل كي يرثها أو تفتدى ... ومهرها في النكحتين للردى\nوأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ أن الاستثناء منقطع، أي: لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه، كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-217> قوله تعالى: ﴿وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ﴾</span>","vol":"1","page":374},{"text":"الآية. يفهم منه أن حليلة دعيه الذي تبناه لا تحرم عليه، وهذا المفهوم صرح به تعالى في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ إِذَا قَضَوْا مِنْهُنَّ وَطَرًا وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٣٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ﴾ وقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية.\nأما تحريم منكوحة الابن من الرضاع فهو مأخوذ من دليل خارج، وهو تصريحه -  ﷺ  - بأنه يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب، والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ الآية. اعلم أولا أن لفظ المحصنات أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات:\nالأول: المحصنات العفائف. ومنه قوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي عفائف غير زانيات.\nالثاني: المحصنات الحرائر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أي على الإماء نصف ما على الحرائر من الجلد.\nالثالث: أن يراد بالإحصان التزوج. ومنه على التحقيق قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية -أي: فإذا تزوجن. وقول من قال من العلماء: إن المراد بالإحصان في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الإسلام خلاف الظاهر من سياق الآية؛ لأن سياق الآية في الفتيات المؤمنات، حيث قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.","vol":"1","page":375},{"text":"قال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: والأظهر -والله أعلم- أن المراد بالإحصان ها هنا التزويج؛ لأن سياق الآية يدل عليه، حيث يقول ﷾: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ والله أعلم. والآية الكريمة سياقها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ أي تزوجن، كما فسره ابن عباس وغيره اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن في قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية -أوجه من التفسير هي أقوال للعلماء، والقرآن يفهم منه ترجيح واحد معين منها.\nقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات هنا أعم من العفائف والحرائر والمتزوجات، أي: حرمت عليكم جميع النساء إلا ما ملكت أيمانكم بعقد صحيح، أو ملك شرعي بالرق، فمعنى الآية على هذا القول تحريم النساء كلهن إلا بنكاح صحيح، أو تسر شرعي، وإلى هذا القول ذهب سعيد بن جبير وعطاء والسدي، وحكي عن بعض الصحابة، واختاره مالك في الموطأ.\nوقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات في الآية الحرائر، وعليه فالمعنى وحرمت عليكم الحرائر غير الأربع، وأحل لكم ما ملكت أيمانكم من الإماء، وعليه فالاستثناء منقطع.\nوقال بعض العلماء: المراد بالمحصنات المتزوجات، وعليه فمعنى الآية وحرمت عليكم المتزوجات، لأن ذات الزوج لا تحل لغيره إلا ما ملكت أيمانكم بالسبي من الكفار، فإن السبي يرفع","vol":"1","page":376},{"text":"حكم الزوجية الأولى في الكفر. وهذا القول هو الصحيح، وهو الذي يدل القرآن لصحته؛ لأن القول الأول فيه حمل ملك اليمين على ما يشمل ملك النكاح، وملك اليمين لم يرد في القرآن إلا بمعنى الملك بالرق، كقوله: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ وقوله: ﴿وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين، فجعل ملك اليمين قسما آخر غير الزوجية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فهذه الآيات تدل على أن المراد بما ملكت أيمانكم الإماء، دون المنكوحات، كما هو ظاهر، وكذلك الوجه الثاني غير ظاهر؛ لأن المعنى عليه: وحرمت عليكم الحرائر إلا ما ملكت أيمانكم، وهذا خلاف الظاهر من معنى لفظ الآية كما ترى.\nوصرح العلامة ابن القيم -﵀- بأن هذا القول مردود لفظا ومعنى. فظهر أن سياق الآية يدل على المعنى الذي اخترنا، كما دلت عليه الآيات الأخرى التي ذكرنا، ويؤيده سبب النزول، لأن سبب نزولها كما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وعبد الرزاق عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: أصبنا سبيا من سبي أوطاس ولهن أزواج، فكرهنا أن نقع عليهن ولهن أزواج، فسألنا النبي -  ﷺ  - فنزلت هذه الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فاستحللنا فروجهن.","vol":"1","page":377},{"text":"وروى الطبراني عن ابن عباس أنها نزلت في سبايا خيبر، ونظير هذا التفسير الصحيح قول الفرزدق:\nوذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق\nتنبيه: فإن قيل: عموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لا يختص بالمسبيات، بل ظاهر هذا العموم أن كل أمة متزوجة إذا ملكها رجل آخر فهي تحل له بملك اليمين، ويرتفع حكم الزوجية بذلك الملك، والآية وإن نزلت في خصوص المسبيات كما ذكرنا، فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\nفالجواب: أن جماعة من السلف قالوا بظاهر هذا العموم، فحكموا بأن بيع الأمة مثلا يكون طلاقا لها من زوجها أخذا بعموم هذه الآية، ويروى هذا القول عن ابن مسعود وابن عباس وأبي بن كعب وجابر بن عبد الله وسعيد بن المسيب والحسن ومعمر، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره، ولكن التحقيق في هذه المسألة هو ما ذكرنا من اختصاص هذا الحكم بالمسبيات دون غيرها من المملوكات بسبب آخر غير السبي، كالبيع مثلا، وليس من تخصيص العام بصورة سببه.\nوأوضح دليل في ذلك قصة بريرة المشهورة مع زوجها مغيث.\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية بعد ذكره أقوال الجماعة التي ذكرنا في أن البيع طلاق ما نصه: وقد خالفهم الجمهور قديما وحديثا، فرأوا أن بيع الأمة ليس طلاقا لها، لأن المشتري نائب عن البائع، والبائع كان قد أخرج عن ملكه هذه المنفعة، وباعها مسلوبة","vol":"1","page":378},{"text":"عنه، واعتمدوا في ذلك على حديث بريرة المخرج في الصحيحين وغيرهما، فإن عائشة أم المؤمنين اشترتها وأعتقتها ولم ينفسخ نكاحها من زوجها مغيث، بل خيرها رسول الله -  ﷺ  - بين الفسخ والبقاء، فاختارت الفسخ وقصتها مشهورة، فلو كان بيع الأمة طلاقها كما قال هؤلاء ما خيرها النبي -  ﷺ  -، فلما خيرها دل على بقاء النكاح، وأن المراد من الآية المسبيات فقط. والله أعلم اهـ. منه بلفظه.\nفإن قيل: إن كان المشتري امرأة لم ينفسخ النكاح؛ لأنها لا تملك الاستمتاع ببضع الأمة، بخلاف الرجل، وملك اليمين أقوى من ملك النكاح، كما قال بهذا جماعة، ولا يرد على هذا القول حديث بريرة.\nفالجواب: هو ما حرره العلامة ابن القيم ﵀، وهو أنها إن لم تملك الاستمتاع ببضع أمتها، فهي تملك المعاوضة عليه، وتزويجها وأخذ مهرها، وذلك كملك الرجل وإن لم تستمتع بالبضع، فإذا حققت ذلك علمت أن التحقيق في معنى الآية: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ أي المتزوجات، إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ بالسبي من الكفار، فلا منع في وطئهن بملك اليمين بعد الاستبراء، لانهدام الزوجية الأولى بالسبي كما قررنا، وكانت أم المؤمنين جويرية بنت الحارث ﵂ متزوجة برجل اسمه مسافع، فسبيت في غزوة بني المصطلق، وقصتها معروفة.\nقال ناظم قرة الأبصار في جويرية ﵂:\nوقد سباها في غزاة المصطلق ... من بعلها مسافع بالمنزلق","vol":"1","page":379},{"text":"ومراده بالمنزلق: السيف، ثم إن العلماء اختلفوا في السبي، هل يبطل حكم الزوجية الأولى مطلقا ولو سبي الزوج معها وهو ظاهر الآية، أو لا يبطله إلا إذا سبيت وحدها دونه؟ فإن سبي معها فحكم الزوجية باق، وهو قول أبي حنيفة، وبعض أصحاب أحمد. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-218> قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾</span> الآية. يعني: كما أنكم تستمتعون بالمنكوحات فاعطوهن مهورهن في مقابلة ذلك، وهذا المعنى تدل له آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ﴾ الآية. فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملا هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ وقوله: ﴿وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا﴾ الآية. فالآية في عقد النكاح، لا في نكاح المتعة كما قال به من لا يعلم معناها.\nفإن قيل: التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة، لأن الصداق لا يسمى أجرا.\nفالجواب: أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجرا في موضع لا نزاع فيه، لأن الصداق لما كان في مقابلة الاستمتاع بالزوجة، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ﴾ الآية، صار له شبه قوي بأثمان المنافع فسمي أجرا، وذلك الموضع هو قوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ أي: مهورهن بلا نزاع، ومثله قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ","vol":"1","page":380},{"text":"أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ الآية. أي في مهورهن، فاتضح أن الآية في النكاح لا في نكاح المتعة.\nفإن قيل: كان ابن عباس وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، والسدي يقرأون \"فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ إلى أجل مسمى\". وهذا يدل على أن الآية في نكاح المتعة.\nفالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن قولهم \"إلى أجل مسمى\" لم يثبت قرآنا؛ لإجماع الصحابة على عدم كتبه في المصاحف العثمانية، وأكثر الأصوليين على أن ما قرأه الصحابي على أنه قرآن ولم يثبت كونه قرآنا، لا يستدل به على شيء؛ لأنه باطل من أصله؛ لأنه لم ينقله إلا على أنه قرآن، فبطل كونه قرآنا، ظهر بطلانه من أصله.\nالثاني: أنا لو مشينا على أنه يحتج به، كالاحتجاج بخبر الآحاد كما قال به قوم، أو على أنه تفسير منهم للآية بذلك، فهو معارض بأقوى منه؛ لأن جمهور العلماء على خلافه، ولأن الأحاديث الصحيحة الصريحة قاطعة بكثرة بتحريم نكاح المتعة، وصرح -  ﷺ  - بأن ذلك التحريم دائم إلى يوم القيامة، كما ثبت في صحيح مسلم من حديث سبرة بن معبد الجهني - ﵁ - أنه غزا مع رسول الله -  ﷺ  - يوم فتح مكة، فقال \"يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن الله قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كان عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئا\".","vol":"1","page":381},{"text":"وفي رواية لمسلم: \"في حجة الوداع\"، ولا تعارض في ذلك لإمكان أنه -  ﷺ  - قال ذلك يوم فتح مكة، وفي حجة الوداع أيضا والجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في علم الأصول وعلوم الحديث.\nالثالث: أنا لو سلمنا تسليما جدليا أن الآية تدل على إباحة نكاح المتعة فإن إباحتها منسوخة، كما صح نسخ ذلك في الأحاديث المتفق عليها عنه -  ﷺ  -، وقد نسخ ذلك مرتين الأولى يوم خيبر كما ثبت في الصحيح، والآخرة يوم فتح مكة كما ثبت في الصحيح أيضا.\nوقال بعض العلماء: نسخت مرة واحدة يوم الفتح، والذي وقع في خيبر تحريم لحوم الحمر الأهلية فقط، فظن بعض الرواة أن يوم خيبر ظرف أيضا لتحريم المتعة. واختار هذا القول العلامة ابن القيم -﵀- ولكن بعض الروايات الصحيحة صريحة في تحريم المتعة يوم خيبر أيضا، فالظاهر أنها حرمت مرتين، كما جزم به غير واحد، وصحت الرواية به. والله تعالى أعلم.\nالرابع: أنه تعالى صرح بأنه يجب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ﴾ الآية. ومعلوم أن المستمتع بها ليست مملوكة ولا زوجة، فمبتغيها إذن من العادين بنص القرآن، أما كونها غير مملوكة فواضح، وأما كونها غير زوجة فلانتفاء لوازم الزوجية عنها كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، ولو كانت","vol":"1","page":382},{"text":"زوجة لورثت، واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، كما هو ظاهر، فهذه الآية التي هي: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ صريحة في منع الاستمتاع بالنساء الذي نسخ. وسياق الآية التي نحن بصددها يدل دلالة واضحة على أن الآية في عقد النكاح كما بينا، لا في نكاح المتعة، لأنه تعالى ذكر المحرمات التي لا يجوز نكاحها، بقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ الخ. ثم بين أن غير تلك المحرمات حلال بالنكاح بقوله: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ ثم بين أن من نكحتم منهن واستمتعتم بها يلزمكم أن تعطوها مهرها، مرتبا لذلك بالفاء على النكاح بقوله: ﴿فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ﴾ الآية. كما بيناه واضحا والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-219> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾</span> ظاهر هذه الآية الكريمة أن الأمة لا يجوز نكاحها ولو عند الضرورة إلا إذا كانت مؤمنة بدليل قوله: ﴿مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ فمفهوم مخالفته أن غير المؤمنات من الإماء لا يجوز نكاحهن على كل حال، وهذا المفهوم يفهم من مفهوم آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ فإن المراد بالمحصنات فيها الحرائر على أحد الأقوال، ويفهم منه أن الإماء الكوافر لا يحل نكاحهن ولو كن كتابيات، وخالف الإمام أبو حنيفة -﵀- فأجاز نكاح الأمة الكافرة، وأجاز نكاح الإماء لمن عنده طول ينكح","vol":"1","page":383},{"text":"به الحرائر؛ لأنه لا يعتبر مفهوم المخالفة كما عرف في أصوله -﵀-.\nأما وطء الأمة الكافرة بملك اليمين، فإنها إن كانت كتابية فجمهور العلماء على إباحة وطئها بالملك، لعموم قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية. ولجواز نكاح حرائرهم فيحل التسري بالإماء منهم.\nوأما إن كانت الأمة المملوكة له مجوسية أو عابدة وثن ممن لا يحل نكاح حرائرهم؛ فجمهور العلماء على منع وطئها بملك اليمين.\nقال ابن عبد البر: وعليه جماعة فقهاء الأمصار وجمهور العلماء، وما خالفه فهو شذوذ لا يعد خلافا، ولم يبلغنا إباحة ذلك إلا عن طاوس.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من جهة الدليل -والله تعالى أعلم- جواز وطء الأمة بملك اليمين وإن كانت عابدة وثن أو مجوسية، لأن أكثر السبايا في عصره -  ﷺ  - من كفار العرب، وهم عبدة أوثان، ولم ينقل عن النبي -  ﷺ  - أنه حرم وطأهن بالملك لكفرهن، ولو كان حراما لبينه، بل قال -  ﷺ  -: \"لا توطأ حامل حتى تضع، ولا غير ذات حمل حتى تحيض حيضة\" ولم يقل: حتى يسلمن، ولو كان ذلك شرطا لقاله، وقد أخذ الصحابة سبايا فارس وهم مجوس، ولم ينقل أنهم اجتنبوهن حتى أسلمن.\nقال العلامة ابن القيم -﵀- في زاد المعاد ما نصه:","vol":"1","page":384},{"text":"ودل هذا القضاء النبوي على جواز وطء الإماء الوثنيات بملك اليمين، فإن سبايا أوطاس لم يكن كتابيات، ولم يشترط رسول الله - ﷺ - في وطئهن إسلامهن، ولم يجعل المانع منه إلا الاستبراء فقط، وتأخير البيان عن وقت الحاجة ممتنع مع أنهم حديثو عهد بالإسلام ويخفى عليهم حكم هذه المسألة، وحصول الإسلام من جميع السبايا وكن عدة آلاف بحيث لم يتخلف منهن عن الإسلام جارية واحدة مما يعلم أنه في غاية البعد، فإنهن لم يكرهن على الإسلام، ولم يكن لهن من البصيرة والرغبة والمحبة في الإسلام ما يقتضي مبادرتهن إليه جميعا، فمقتضى السنة وعمل الصحابة في عهد رسول الله - ﷺ - وبعد جواز وطء المملوكات على أي دين كن، وهذا مذهب طاوس وغيره، وقواه صاحب المغني فيه ورجح أدلته، وبالله التوفيق. اهـ. كلام ابن القيم -﵀- بلفظه وهو واضح جدا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-220> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾</span> لم يبين هنا هذا العذاب الذي على المحصنات -وهن الحرائر- الذي نصفه على الإماء- ولكنه بين في موضع آخر أنه جلد مائة بقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فيعلم منه أن على الأمة الزانية خمسين جلدة، ويلحق بها العبد الزاني فيجلد خمسين، فعموم الزانية مخصوص بنص قوله تعالى: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وعموم الزاني مخصوص بالقياس على المنصوص؛ لأنه لا فارق البتة بين الحرة والأمة إلا الرق، فعلم أنه سبب تشطير الجلد، فأجرى في العبد لاتصافه بالرق الذي هو مناط تشطير الجلد، وهذه الآية عند","vol":"1","page":385},{"text":"الأصوليين من أمثلة تخصيص عموم النص بالقياس بناء على أن نوع تنقيح المناط المعروف بإلغاء الفارق يسمى قياسا، والخلاف في كونه قياسا معروف في الأصول. أما الرجم فمعلوم أنه لا يتشطر، فلم يدخل في المراد بالآية.\nتنبيه: قد علمت مما تقدم أن التحقيق في معنى \"أحصن\" أن المراد به تزوجن، وذلك هو معناه على كلتا القراءتين قراءته بالبناء للفاعل والمفعول، خلافا لما اختاره ابن جرير من أن معنى قراءة \"أحصن\" بفتح الهمزة والصاد مبنيا للفاعل أسلمن، وأن معنى أحصن بضم الهمزة وكسر الصاد مبنيا للمفعول زوجن، وعليه فيفهم من مفهوم الشرط في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ الآية. أن الأمة التي لم تتزوج لا حد عليها إذا زنت، لأنه تعالى علق حدها في الآية بالإحصان، وتمسك بمفهوم هذه الآية ابن عباس، وطاوس، وعطاء، وابن جريج، وسعيد بن جبير، وأبو عبيد القاسم بن سلام، وداود بن علي في رواية فقالوا: لا حد على مملوكة حتى تتزوج.\nوالجواب عن هذا -والله أعلم- أن مفهوم هذه الآية فيه إجمال، وقد بينته السنة الصحيحة، وإيضاحه: أن تعليق جلد الخمسين المذكور في الآية على إحصان الأمة يفهم منه أن الأمة التي لم تحصن ليست كذلك فقط، فيحتمل أنها لا تجلد، ويحتمل أنها أكثر من ذلك، أو أقل، أو ترجم إلى غير ذلك من المحتملات، ولكن السنة الصحيحة دلت على أن غير المحصنة من الإماء كذلك، لا فرق بينها وبين المحصنة، والحكمة في التعبير بخصوص","vol":"1","page":386},{"text":"المحصنة دفع توهم أنها ترجم كالحرة، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني ﵄ قالا: سئل النبي - ﷺ - عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: \"إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم إن زنت فاجلدوها، ثم بيعوها ولو بضفير\".\nقال ابن شهاب: لا أدري أبعد الثالثة، أو الرابعة. وحمل الجلد في الحديث على التأديب غير ظاهر، لاسيما وفي بعض الروايات التصريح بالحد، فمفهوم هذه الآية هو بعينه الذي سئل عنه النبي - ﷺ -، وأجاب فيه بالأمر بالجلد في هذا الحديث المتفق عليه. والظاهر أن السائل ما سأله إلا لأنه أشكل عليه مفهوم هذه الآية، فالحديث نص في محل النزاع، ولو كان جلد غير المحصنة أكثر أو أقل من جلد المحصنة لبينه - ﷺ -.\nوبهذا نعلم أن الأقوال المخالفة لهذا لا يعول عليها، كقول ابن عباس ومن وافقه المتقدم آنفا، وكالقول بأن غير المحصنة تجلد مائة، وهو المشهور عن داود بن علي الظاهري ولا يخفى بعده، وكالقول بأن الأمة المحصنة ترجم، وغير المحصنة تجلد خمسين، وهو قول أبي ثور ولا يخفى شدة بعده والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-221> قوله تعالى: ﴿وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النشوز قد يحصل من النساء، ولم يبين هل يحصل من الرجال النشوز أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أن النشوز أيضا قد يحصل من الرجال، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا","vol":"1","page":387},{"text":"نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا﴾ الآية. وأصل النشوز في اللغة الارتفاع، فالمرأة الناشز كأنها ترتفع عن المكان الذي يضاجعها فيه زوجها، وهو في اصطلاح الفقهاء الخروج عن طاعة الزوج، وكأن نشوز الرجل ارتفاعه أيضا عن المحل الذي فيه الزوجة، وتركه مضاجعتها والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-222> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾</span> الآية. لم يبين في هذه الآية الكريمة أقل ما تضاعف به الحسنة ولا أكثره، ولكنه بين في موضع آخر أن أقل ما تضاعف به عشر أمثالها، وهو قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وبين في موضع آخر أن المضاعفة ربما بلغت سبعمائة ضعف إلى ما شاء الله، وهو قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ﴾ الآية، كما تقدم.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-223> قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾</span> الآية. على القراءات الثلاث معناه أنهم يتمنون أن يستووا بالأرض، فيكونوا ترابا مثلها على أظهر الأقوال، ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا (٤٠)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-224> قوله تعالى: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾</span> بين في موضع آخر أن عدم الكتم المذكور هنا إنما هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم إذا أنكروا شركهم ومعاصيهم، وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ فلا يتنافى قوله: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ","vol":"1","page":388},{"text":"حَدِيثًا (٤٢)﴾ مع قوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله عنهم أيضا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله عنهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ للبيان الذي ذكرنا والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-225> وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية زوال السكر بأنه هو أن يثوب للسكران عقله، حتى يعلم معنى الكلام الذي يصدر منه بقوله: ﴿حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-226> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ وَيُرِيدُونَ أَنْ تَضِلُّوا السَّبِيلَ (٤٤)﴾</span> الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين أوتوا نصيبا من الكتاب مع اشترائهم الضلالة يريدون إضلال المسلمين أيضا. وذكر في موضع آخر أنهم كثير، وأنهم يتمنون ردة المسلمين، وأن السبب الحامل لهم على ذلك إنما هو الحسد، وأنهم ما صدر منهم ذلك إلا بعد معرفتهم الحق، وهو قوله تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ﴾.\nوذكر في موضع آخر أن هذا الإضلال الذي يتمنونه للمسلمين لا يقع من المسلمين، وإنما يقع منهم -أعني المتمنين الضلال للمسلمين- وهو قوله: ﴿وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-227> وقوله تعالى: ﴿أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ﴾</span> لم يبين هنا كيفية لعنه لأصحاب السبت، ولكنه بين في غير هذا الموضع أن لعنه لهم هو مسخهم قردة، ومن مسخه الله قردا غضبا عليه فهو","vol":"1","page":389},{"text":"ملعون بلا شك، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾.\nوالاستدلال على مغايرة اللعن للمسخ بعطفه عليه في قوله: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ﴾ لا يفيد أكثر من مغايرته للمسخ في تلك الآية، كما قاله الألوسي في تفسيره وهو ظاهر، واللعنة في اللغة: الطرد والإبعاد، والرجل الذي طرده قومه وأبعدوه لجناياته، تقول له العرب: رجل لعين، ومنه قول الشاعر:\nذعرت له القطا ونفيت عنه ... مقام الذئب كالرجل اللعين\nوفي اصطلاح الشرع: اللعنة: الطرد والإبعاد عن رحمة الله، ومعلوم أن المسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-228> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به، وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثما عظيما. وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له، كقوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. فإن الإستثناء راجع لقوله: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ وما عطف عليه، لأن معنى الكل جمع في قوله: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وذكر في موضع آخر: أن من أشرك","vol":"1","page":390},{"text":"بالله فقد ضل ضلالا بعيدا عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالًا بَعِيدًا (١١٦)﴾ وصرح بأن (^١) ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾. وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له إخلاص، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقررا له: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾.\nوذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ وقد صح عنه - ﷺ - أن معنى\"بِظُلْمٍ\" بشرك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-229> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾</span> الآية، أنكر تعالى عليهم في هذه الآية تزكيتهم أنفسهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ وبقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُبِينًا (٥٠)﴾ وصرح بالنهي العام عن تزكية النفس، وأحرى نفس الكافر التي هي أخس شيء وأنجسه بقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ ولم يبين هنا كيفية تزكيهم أنفسهم،\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وهو سائغ.","vol":"1","page":391},{"text":"ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، كقوله عنهم: ﴿نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-230> قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًاّ ظَلِيلًا (٥٧)﴾</span> وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾ الآية. وذكر في موضع آخر أنهم في تلك الظلال متكئون مع أزواجهم على الأرائك، وهو قوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾ والأرائك: جمع أريكة، وهي السرير في الحجلة، والحجلة بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة، وبين أن ظل أهل النار ليس كذلك بقوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلاثِ شُعَبٍ (٣٠) لا ظَلِيلٍ وَلا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾. وقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لا بَارِدٍ وَلا كَرِيمٍ (٤٤)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-231> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾</span> الآية، أمر الله في هذه الآية الكريمة بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -؛ لأنه تعالى قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ واوضح هذا المأمور به هنا بقوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، ويفهم من هذه الآية الكريمة أنه لا يجوز التحاكم إلى غير كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، وقد أوضح تعالى هذا المفهوم موبخا للمتحاكمين إلى غير","vol":"1","page":392},{"text":"كتاب الله وسنة نبيه -  ﷺ  - مبينا أن الشيطان أضلهم ضلالا بعيدا عن الحق بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ وأشار إلى أنه لا يؤمن أحد حتى يكفر بالطاغوت بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾. ومفهوم الشرط أن من لم يكفر بالطاغوت لم يستمسك بالعروة الوثقى، وهو كذلك، ومن لم يستمسك بالعروة الوثقى فهو بمعزل عن الإيمان، لأن الإيمان بالله هو العروة الوثقى، والإيمان بالطاغوت يستحيل اجتماعه مع الإيمان بالله أو ركن منه، كما هو صريح قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ﴾ الآية.\n\nتنبيه\nاستدل منكرو القياس بهذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، على بطلان القياس قالوا: لأنه تعالى أوجب الرد إلى خصوص الكتاب والسنة، دون القياس.\nوأجاب الجمهور بأنه لا دليل في الآية، لأن إلحاق غير المنصوص بالمنصوص لوجود معنى النص فيه لا يخرج عن الرد إلى الكتاب والسنة، بل قال بعضهم: الآية متضمنة لجميع الأدلة الشرعية، فالمراد بإطاعة الله العمل بالكتاب، وبإطاعة الرسول العمل بالسنة، وبالرد إليهما القياس، لأن رد المختلف فيه غير المعلوم من النص إلى المنصوص عليه، إنما يكون بالتمثيل والبناء عليه، وليس القياس شيئا وراء ذلك. وقد علم من قوله تعالى:","vol":"1","page":393},{"text":"﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أنه عند عدم النزاع يعمل بالمتفق عليه، وهو الإجماع. قاله الألوسي في تفسيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-232> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا دعوا إلى ما أنزل الله، وإلى الرسول - ﷺ - يصدون عن ذلك صدودا، أي: يعرضون إعراضا، وذكر في موضع آخر: أنهم إذا دعوا إليه - ﷺ - ليستغفر لهم لووا رءوسهم، وصدوا واستكبروا، وهو قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيْتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-233> قوله تعالى: ﴿فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾</span> أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله - ﷺ - في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهرا وباطنا، ويسلمه تسليما كليا من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبين في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهرا وباطنا لما حكم به - ﷺ -، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-234> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين إذا سمعوا بأن المسلمين أصابتهم مصيبة، أي: من قتل الأعداء لهم، أو جراح أصابتهم، أو نحو ذلك يقولون: إن عدم حضورهم معهم من نعم الله عليهم.","vol":"1","page":394},{"text":"وذكر في مواضع أخر: أنهم يفرحون بالسوء الذي أصاب المسلمين، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ (٥٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-235> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة، أن المنافقين إذا سمعوا أن المسلمين أصابهم فضل من الله، أي: نصر وظفر وغنيمة تمنوا أن يكونوا معهم؛ ليفوزوا بسهامهم من الغنيمة.\nوذكر في مواضع أخر: أن ذلك الفضل الذي يصيب المؤمنين يسوءهم؛ لشدة عداوتهم الباطنة لهم، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-236> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه سوف يؤتي المجاهد في سبيله أجرا عظيما سواء أقتل في سبيل الله، أم غلب عدوه، وظفر به. وبين في موضع آخر: أن كلتا الحالتين حسنى، وهو قوله: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ﴾ والحسنى صيغة تفضيل؛ لأنها تأنيث الأحسن.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-237> قوله تعالى: ﴿وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ﴾</span> لم يصرح هنا بالذي يحرض عليه المؤمنين ما هو؟ وصرح في موضع آخر بأنه القتال، وهو قوله: ﴿حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله في أول الآية: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله في آخرها: ﴿عَسَى اللَّهُ أَنْ","vol":"1","page":395},{"text":"يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-238> قوله تعالى: ﴿أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا (٨٨)﴾</span> أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلا هَادِيَ لَهُ﴾ ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-239> قوله تعالى: ﴿لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥)﴾</span> لم يتعرض لتفضيل بعض المجاهدين على بعض، ولكنه بين ذلك في موضع آخر، وهو قوله: ﴿لَا يَسْتَوي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿غَيرُ أُولِي الضَّرَرِ﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصِّل ثواب المجاهد.\nوهذا المفهوم صرح به النبي - ﷺ - في حديث أنس الثابت في","vol":"1","page":396},{"text":"الصحيح أن رسول الله -صلي الله عليه وسلم- قال: \"إن بالمدينة أقواما ما سرتم من مسير، ولا قطعتم من واد إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر\" وفي هذا المعنى قال الشاعر:\nيا ظاعنين إلى البيت العتيق لقد ... سرتم جسوما، وسرنا نحن أرواحا\nإنا أقمنا على عذر وعن قدر ... ومن أقام على عذر فقد راحا\nتنبيه: يؤخذ من قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى﴾ أن الجهاد فرض كفاية، لا فرض عين؛ لأن القاعدين لو كانوا تاركين فرضا لما ناسب ذلك وعده لهم الصادق بالحسنى، وهي الجنة والثواب الجزيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-240> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾</span> الآية. قال بعض العلماء: المراد بالقصر في قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا﴾ في هذه الآية قصر كيفيتها، لا كميتها، ومعنى قصر كيفيتها: أن يجوز فيها من الأمور ما لا يجوز في صلاة الأمن، كأن يصلي بعضهم مع الإمام ركعة واحدة، ويقف الإمام حتى يأتي البعض الآخر فيصلي الركعة الأخرى، وكصلاتهم إيماء رجالا وركبانا، وغير متوجهين إلى القبلة، فكل هذا من قصر كيفيتها، ويدل على أن المراد هو هذا القصر من كيفيتها قوله تعالى بعده يليه مبينا له: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. ويزيده إيضاحًا أنه","vol":"1","page":397},{"text":"قال هنا: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وقال في آية البقرة: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ (٢٣٩)﴾؛ لأن معناه فإذا أمنتم فأتموا كيفيتها بركوعها وسجودها وجميع ما يلزم فيها مما يتعذر وقت الخوف.\nوعلى هذا التفسير الذي دل له القرآن فشرط الخوف في قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معتبر، أي: وإن لم تخافوا منهم أن يفتنوكم فلا تقصروا من كيفيتها، بل صلوها على أكمل الهيئات، كما صرح به في قوله: ﴿فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ﴾ وصرح باشتراط الخوف أيضا لقصر كيفيتها بأن يصليها الماشي والراكب بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾. ثم قال: ﴿فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُمْ﴾ الآية. يعني فإذا أمنتم فأقيموا صلاتكم كما أمرتم بركوعها وسجودها، وقيامها وقعودها، على أكمل هيئة وأتمها، وخير ما يبين القرآن القرآن، ويدل على أن المراد بالقصر في هذه الآية القصر من كيفيتها كما ذكرنا، أن البخاري صدر باب صلاة الخوف بقوله: باب صلاة الخوف وقول الله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (١٠١)﴾ وما ذكره ابن حجر وغيره من أن البخاري ساق الآيتين في الترجمة ليشير إلى خروج صلاة الخوف عن هيئة بقية الصلوات بالكتاب قولا، وبالسنة فعلا لا ينافي ما أشرنا إليه من أنه ساق الآيتين في الترجمة لينبه على أن قصر الكيفية الوارد في أحاديث الباب هو المراد بقصر الصلاة في قوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ ويؤيده أيضا أن قصر عددها لا يشترط فيه الخوف، وقد كان -  ﷺ  -","vol":"1","page":398},{"text":"يقصر هو وأصحابه في السفر، وهم في غاية الأمن، كما وقع في حجة الوداع وغيرها، وكما قال -  ﷺ  - لأهل مكة: \"أتموا فإنا قوم سفر\".\nوممن قال بأن المراد بالقصر في هذه الآية قصر الكيفية، لا الكمية: مجاهد، والضحاك، والسدي، نقله عنهم ابن كثير. وهو قول أبي بكر الرازي الحنفي، ونقل ابن جرير نحوه عن ابن عمر، ولما نقل ابن كثير هذا القول عمن ذكرنا قال: واعتضدوا بما رواه الإمام مالك عن صالح بن كيسان عن عروة ابن الزبير عن عائشة - ﵂ - أنها قالت: \"فرضت الصلاة ركعتين ركعتين، في السفر والحضر، فأقرت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر\" وقد روى هذا الحديث البخاري عن عبد الله بن يوسف التنيسي، ومسلم عن يحيى، وأبو داود عن القعنبي، والنسائي عن قتيبة، أربعتهم عن مالك به. قالوا: \"فإذا كان أصل الصلاة في السفر اثنتين فكيف يكون المراد بالقصر هنا قصر الكمية؟ لأن ما هو الأصل لا يقال فيه: فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة\".\nوأصرح من ذلك دلالة على هذا ما رواه الإمام أحمد: حدثنا وكيع، وسفيان، وعبد الرحمن، عن زبيد اليامي، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن عمر ﵁ قال: \"صلاة السفر ركعتان، وصلاة الأضحى ركعتان، وصلاة الفطر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان تمام غير قصر، على لسان محمد -  ﷺ  -\".\nوهكذا رواه النسائي وابن ماجه وابن حبان في صحيحه من طرق عن زبيد اليامي به، وهذا إسناد على شرط مسلم، وقد حكم","vol":"1","page":399},{"text":"مسلم في مقدمة كتابه بسماع ابن أبي ليلى من عمر، وقد جاء مصرحا به في هذا الحديث وغيره وهو الصواب أن شاء الله تعالى، وإن كان يحيى بن معين وأبو حاتم، والنسائي قد قالوا: إنه لم يسمع منه. وعلى هذا أيضا فقد وقع في بعض طرق أبي يعلى الموصلي من طريق الثوري، عن زبيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن الثقة، عن عمر فذكره. وعند ابن ماجه من طريق يزيد بن زياد بن أبي الجعد، عن زبيد، عن عبد الرحمن، عن كعب بن عجرة، عن عمر. فالله أعلم.\nوقد روى مسلم في صحيحه، وأبو داود والنسائي، وابن ماجه من حديث أبي عوانة الوضاح بن عبد الله اليشكري -زاد مسلم والنسائي- أيوب بن عائذ، كلاهما عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد عن عبد الله بن عباس قال: \"فرض الله الصلاة على لسان نبيكم محمد -  ﷺ  - في الحضر أربعا، وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة فكما يصلى في الحضر قبلها وبعدها فكذلك يصلى في السفر\".\nورواه ابن ماجه من حديث أسامة بن زيد عن طاوس نفسه، فهذا ثابت عن ابن عباس ﵄. ولا ينافي ما تقدم عن عائشة ﵂؛ لأنها أخبرت \"أن أصل الصلاة ركعتان، ولكن زيد في صلاة الحضر\" فلما استقر ذلك صح أن يقال: \"إن فرض صلاة الحضر أربع\"، كما قاله ابن عباس. والله أعلم.\nلكن اتفق حديث ابن عباس وعائشة على أن صلاة السفر ركعتان، وأنها تامة غير مقصورة، كما هو مصرح به في حديث","vol":"1","page":400},{"text":"عمر - ﵁ -.\nواعلم أن حديث عائشة المذكور تكلم فيه من ثمان جهات:\nالأولى: أنه معارض بالإجماع.\nقال القاضي أبو بكر بن العربي المالكي في كتابه المسمى بالقبس: قال علماؤنا: هذا الحديث مردود بالإجماع.\nالثانية: أنها هي خالفته، والراوي من أعلم الناس بما روى فهي ﵂ كانت تتم في السفر، قالوا: ومخالفتها لروايتها توهن الحديث.\nالثالثة: إجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم.\nالرابعة: أن غيرها من الصحابة خالفها كعمر، وابن عباس وجبير بن مطعم، فقالوا: \"إن الصلاة فرضت في الحضر أربعا وفي السفر ركعتين، وفي الخوف ركعة\" وقد قدمنا رواية مسلم وغيره له عن ابن عباس.\nالخامسة: دعوى أنه مضطرب؛ لأنه رواه ابن عجلان، عن صالح بن كيسان، عن عروة، عن عائشة قالت: \"فرض رسول الله -  ﷺ  - الصلاة ركعتين\"، وقال فيه الأوزاعي: عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة قالت: \"فرض الله الصلاة على رسول الله -  ﷺ  - ركعتين ركعتين\" الحديث. قالوا: فهذا اضطراب.\nالسادسة: أنه ليس على ظاهره؛ لأن المغرب والصبح لم يزد","vol":"1","page":401},{"text":"فيهما، ولم ينقص.\nالسابعة: أنه من قول عائشة، لا مرفوع.\nالثامنة: قول إمام الحرمين: لو صح لنقل متواترا.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الاعتراضات الموردة على حديث عائشة المذكور كلها ساقطة.\nأما معارضته بالإجماع فلا يخفى سقوطها؛ لأنه لا يصح فيه إجماع، وذكر ابن العربي نفسه الخلاف فيه. وقال القرطبي بعد ذكره دعوى ابن العربي الإجماع المذكور، قلت: وهذا لا يصح، وقد ذكر هو وغيره الخلاف والنزاع، فلم يصح ما ادعوه من الإجماع.\nوأما معارضته بمخالفة عائشة له فهي أيضا ظاهرة السقوط؛ لأن العبرة بروايتها، لا برأيها كما هو التحقيق عند الجمهور، وقد بيناه في سورة البقرة في الكلام على حديث طاوس المتقدم في الطلاق.\nوأما معارضته بإجماع فقهاء الأمصار على أنه ليس بأصل يعتبر في صلاة المسافر خلف المقيم، فجوابه أن فقهاء الأمصار لم يجمعوا على ذلك، فقد ذهب جماعة من العلماء إلى أن المسافر لا يصح اقتداؤه بالمقيم لمخالفتهما في العدد، والنية، واحتجوا بحديث \"لا تختلفوا على إمامكم\" وممن ذهب إلى ذلك الشعبي وطاوس، وداود الظاهري وغيرهم.\nوأما معارضته بمخالفة بعض الصحابة لها كابن عباس.","vol":"1","page":402},{"text":"فجوابه ما قدمناه آنفا عن ابن كثير من أن صلاة الحضر لما زيد فيها واستقر ذلك صح أن يقال: إن فرض صلاة الحضر أربع كما قال ابن عباس.\nوأما تضعيفه بالاضطراب فهو ظاهر السقوط؛ لأنه ليس فيه اضطراب أصلا، ومعنى فرض الله وفرض رسول الله واحد؛ لأن الله هو المشرع والرسول هو المبين، فإذا قيل: فرض رسول الله كذا فالمراد أنه مبلغ ذلك عن الله، فلا ينافي أن الله هو الذي فرض ذلك كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ونظيره حديث \"إن إبراهيم حرم مكة\" مع حديث \"إن مكة حرمها الله\" الحديث.\nوأما رده بأن المغرب والصبح لم يزد فيهما فهو ظاهر السقوط أيضا؛ لأن المراد بالحديث الصلوات التي تقصر خاصة كما هو ظاهر، مع أن بعض الروايات عن عائشة عند ابن خزيمة، وابن حبان، والبيهقي. قالت: \"فرضت صلاة السفر والحضر ركعتين ركعتين، فلما قدم رسول الله -  ﷺ  - المدينة واطمأن، زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتركت صلاة الفجر لطول القراءة وصلاة المغرب؛ لأنها وتر النهار\" وعند أحمد من طريق ابن كيسان في حديث عائشة المذكور \"إلا المغرب فإنها كانت ثلاثا\". وهذه الروايات تبين أن المراد خصوص الصلوات التي تقصر.\nوأما رده بأنه غير مرفوع فهو ظاهر السقوط؛ لأنه مما لا مجال فيه للرأي، فله حكم المرفوع، ولو سلمنا أن عائشة لم تحضر فرض الصلاة فإنها يمكن أن تكون سمعت ذلك من النبي -  ﷺ  - في زمنها معه، ولو فرضنا أنها لم تسمعه منه فهو مرسل صحابي،","vol":"1","page":403},{"text":"ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل.\nوأما قول إمام الحرمين: إنه لو ثبت لنقل متواترا فهو ظاهر السقوط، لأن مثل هذا لا يرد بعدم التواتر.\nفإذا عرفت مما تقدم أن صلاة السفر فرضت ركعتين كما صح به الحديث عن عائشة وابن عباس وعمر -﵃- فاعلم أن ابن كثير بعد أن ساق الحديث عن عمر، وابن عباس، وعائشة قال ما نصه: وإذا كان كذلك فيكون المراد بقوله: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ﴾ أن تقصروا من الصلاة قصر الكيفية، كما في صلاة الخوف، ولهذا قال: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية ولهذا قال بعدها: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية. فبين المقصود من القصر ها هنا، وذكر صفته وكيفيته اهـ. محل الغرض منه بلفظه وهو واضح جدا فيما ذكرنا، وهو اختيار ابن جرير.\nوعلى هذا القول فالآية في صلاة الخوف، وقصر الصلاة في السفر عليه مأخوذ من السنة، لا من القرآن.\nوفي معنى الآية الكريمة أقوال أخر.\nأحدها: أن معنى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الاقتصار على ركعة واحدة في صلاة الخوف، كما قدمنا آنفا من حديث ابن عباس عند مسلم، والنسائي، وأبي داود، وابن ماجه، وقدمنا أنه رواه ابن ماجه عن طاوس، وقد روى نحوه أبو داود، والنسائي من حديث حذيفة قال: \"فصلى بهؤلاء ركعة، وهؤلاء ركعة ولم يقضوا\" ورواه النسائي أيضا من حديث زيد بن","vol":"1","page":404},{"text":"ثابت، عن النبي -  ﷺ  -.\nوممن قال بالاقتصار في الخوف على ركعة واحدة الثوري، وإسحاق، ومن تبعهما. وروي عن أحمد بن حنبل، وعطاء، وجابر، والحسن، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وحماد، والضحاك.\nقال بعضهم: يصلى الصبح في الخوف ركعة، وإليه ذهب ابن حزم، ويحكى عن محمد بن نصر المروزي، وبالاقتصار على ركعة واحدة في الخوف قال أبو هريرة، وأبو موسى الأشعري، وغير واحد من التابعين. ومنهم من قيده بشدة الخوف، وعلى هذا القول فالقصر في قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ قصر كمية.\nوقال جماعة: إن المراد بالقصر في قوله: ﴿أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ هو قصر الصلاة في السفر. قالوا: ولا مفهوم مخالفة للشرط الذي هو قوله: ﴿إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، لأنه خرج مخرج الغالب حال نزول هذه الآية، فإن في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كان غالب أسفارهم مخوفة. وقد تقرر في الأصول، أن من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب، ولذا لم يعتبر الجمهور مفهوم المخالفة في قوله: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لجريانه على الغالب.\nقال في مراقي السعود في ذكر مواقع اعتبار مفهوم المخالفة:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nواستدل من قال: إن المراد بالآية قصر الرباعية في السفر بما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة،","vol":"1","page":405},{"text":"عن يعلى بن أمية قال: قلت لعمر بن الخطاب: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ فقد أمن الناس. قال: عجبت مما عجبت منه، فسألت رسول الله -  ﷺ  -، عن ذلك، فقال: \"صدقة تصدق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته\".\nفهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره يدل على أن يعلى بن أمية، وعمر بن الخطاب ﵄، كانا يعتقدان أن معنى الآية قصر الرباعية في السفر، وأن النبي -  ﷺ  - أقر عمر على فهمه لذلك، وهو دليل قوي، ولكنه معارض بما تقدم عن عمر من أنه قال: \"صلاة السفر ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد -  ﷺ  -\" ويؤيده حديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمان. وظاهر الآيات المتقدمة الدالة على أن المراد بقوله: ﴿أن تقصروا من الصلاة﴾ قصر الكيفية في صلاة الخوف، كما قدمنا، والله تعالى أعلم.\nوهيئات صلاة الخوف كثيرة، فإن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة، وتارة إلى غيرها، والصلاة قد تكون رباعية، وقد تكون ثلاثية، وقد تكون ثنائية، ثم تارة يصلون جماعة، وتارة يلتحم القتال، فلا يقدرون على الجماعة، بل يصلون فرادى رجالا وركبانا، مستقبلي القبلة، وغير مستقبليها، وكل هيئات صلاة الخوف الواردة في الصحيح جائزة، وهيئاتها، وكيفياتها مفصلة في كتب الحديث والفروع، وسنذكر ما ذهب إليه الأئمة الأربعة منها إن شاء الله.\nأما مالك بن أنس فالصورة التي أخذ بها منها هي: أن الطائفة الأولى تصلي مع الإمام ركعة في الثنائية، وركعتين في الرباعية،","vol":"1","page":406},{"text":"والثلاثية، ثم تتم باقي الصلاة، وهو اثنتان في الرباعية، وواحدة في الثنائية، والثلاثية، ثم يسلمون ويقفون وجاه العدو، وتأتي الطائفة الأخرى فيجدون الإمام قائما ينتظرهم، وهو مخير في قيامه بين القراءة، والدعاء، والسكوت إن كانت ثنائية، وبين الدعاء والسكوت إن كانت رباعية أو ثلاثية. وقيل: ينتظرهم في الرباعية والثلاثية جالسا فيصلي بهم باقي الصلاة، وهو ركعة في الثنائية، والثلاثية، وركعتان في الرباعية، ثم يسلم ويقضون ما فاتهم بعد سلامه، وهو ركعة في الثنائية، وركعتان في الرباعية والثلاثية. فتحصل أن هذه الصورة، أنه يصلي بالطائفة الأولى ركعة، أو اثنتين، ثم يتمون لأنفسهم ويسلمون، ويقفون في وجه العدو، ثم تأتي الأخرى فيصلي بهم الباقي، ويسلم ويتمون لأنفسهم، قال ابن يونس في هذه الصورة التي ذكرنا: وحديث القاسم أشبه بالقرآن، وإلى الأخذ به رجع مالك اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: مراد ابن يونس، أن الحديث الذي رواه مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن صالح بن خوات، عن سهل بن أبي حثمة، بالكيفية التي ذكرنا. هو الذي رجع إليه مالك، ورجحه أخيرا على ما رواه، أعني مالكا، عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات، عمن صلى مع رسول الله -  ﷺ  - يوم ذات الرقاع صلاة الخوف. الحديث، والفرق بين رواية القاسم بن محمد، وبين رواية يزيد بن رومان، أن رواية يزيد بن رومان فيها أن النبي -  ﷺ  - صلى بالطائفة الأخرى الركعة التي بقيت من صلاته؛ ثم ثبت جالسا وأتموا لأنفسهم، ثم سلم بهم، وقد عرفت أن رواية القاسم عند","vol":"1","page":407},{"text":"مالك في الموطأ، أنه يصلي بالطائفة الأخرى الركعة الباقية، ثم يسلم فيتمون بعد سلامه لأنفسهم.\nقال ابن عبد البر مشيرا إلى الكيفية التي ذكرنا: وهي رواية القاسم بن محمد، عند مالك، وهذا الذي رجع إليه مالك بعد أن قال بحديث يزيد بن رومان، وإنما اختاره ورجع إليه للقياس على سائر الصلوات إن الإمام لا ينتظر المأموم، وإن المأموم إنما يقضي بعد سلام الإمام، وحديث القاسم هذا الذي أخرجه مالك في الموطأ موقوف على سهل، إلا أن له حكم الرفع؛ لأنه لا مجال للرأي فيه. والتحقيق أنه مرسل صحابي؛ لأن سهلا كان صغيرا في زمن النبي -  ﷺ  -، وجزم الطبري، وابن حبان، وابن السكن، وغيرهم بأن النبي -  ﷺ  - توفي وسهل المذكور ابن ثمان سنين، وزعم ابن حزم، أنه لم يرد عن أحد من السلف القول بالكيفية التي ذكرنا أنها رجع إليها مالك، ورواها في موطئه عن القاسم بن محمد، هذا هو حاصل مذهب مالك في كيفية صلاة الخوف.\nقال أولا بأن الإمام يصلي بالطائفة الأولى، ثم تتم لأنفسها، ثم تسلم، ثم يصلي بقية الصلاة بالطائفة الأخرى وينتظرها حتى تتم، ثم يسلم بها. ورجع إلى أن الإمام يسلم إذا صلى بقية صلاته مع الطائفة الأخرى، ولا ينتظرهم حتى يسلم بهم، بل يتمون لأنفسهم بعد سلامه، كما بينا.\nوالظاهر أن المبهم في رواية يزيد بن رومان في قول صالح بن خوات: عمن صلى مع رسول الله -  ﷺ  -. الحديث أنه أبوه خوات بن جبير الصحابي، ﵁، لا سهل بن أبي حثمة. كما قاله بعضهم.","vol":"1","page":408},{"text":"قال الحافظ في الفتح: ولكن الراجح أنه أبوه خوات بن جبير؛ لأن أبا أويس روى هذا الحديث عن يزيد بن رومان شيخ مالك فيه، فقال: عن صالح بن خوات، عن أبيه، أخرجه ابن منده في معرفة الصحابة من طريقه، وكذلك أخرجه البيهقي، من طريق عبيد الله بن عمر، عن القاسم ابن محمد، عن صالح بن خوات، عن أبيه، وجزم النووي في تهذيبه بأنه أبوه خوات، وقال: إنه محقق من رواية مسلم وغيره. قلت: وسبقه إلى ذلك الغزالي، فقال إن صلاة ذات الرقاع في رواية خوات بن جبير. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nولم يفرق المالكية بين كون العدو إلى جهة القبلة وبين كونه إلى غيرها، وأما إذا اشتد الخوف والتحم القتال، ولم يمكن لأحد منهم ترك القتال فإنهم يصلونها رجالا وركبانا إيماء، مستقبلي القبلة وغير مستقبليها، كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ الآية.\nوأما الشافعي -﵀- فإنه اختار من هيئات صلاة الخوف أربعا:\nإحداها: هي التي ذكرنا آنفا عند اشتداد الخوف والتحام القتال، حتى لا يمكن لأحد منهم ترك القتال، فإنهم يصلون كما ذكرنا رجالا وركبانا إلخ الهيئة.\nالثانية: هي التي صلاها -  ﷺ  - ببطن نخل، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى صلاتهم كاملة ثم يسلمون جميعهم الإمام والمأمومون، ثم تأتي الطائفة الأخرى التي كانت في وجه العدو فيصلي بهم مرة","vol":"1","page":409},{"text":"أخرى هي لهم فريضة، وله نافلة، وصلاة بطن نخل هذه رواها جابر وأبو بكرة، فأما حديث جابر فرواه مسلم أنه صلى مع النبي -  ﷺ  - صلاة الخوف، فصلى رسول الله -  ﷺ  - بإحدى الطائفتين ركعتين ثم صلى بالطائفة الأخرى ركعتين، فصلى رسول الله -  ﷺ  - أربع ركعات وصلى بكل طائفة ركعتين. وذكره البخاري مختصرا ورواه الشافعي والنسائي وابن خزيمة من طريق الحسن، عن جابر وفيه أنه سلم من الركعتين أولا، ثم صلى ركعتين بالطائفة الأخرى.\nوأما حديث أبي بكرة فرواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم والدارقطني؟ وفي رواية بعضهم \"أنها الظهر\"، وفي رواية بعضهم \"أنها المغرب\"، وإعلال ابن القطان لحديث أبي بكرة هذا بأنه أسلم بعد وقوع صلاة الخوف بمدة مردود بأنا لو سلمنا أنه لم يحضر صلاة الخوف فحديثه مرسل صحابي، ومراسيل الصحابة لها حكم الوصل، كما هو معلوم. واعلم أن حديث أبي بكرة ليس فيه أن ذلك كان ببطن نخل. وقد استدل الشافعية بصلاة بطن نخل هذه على جواز صلاة المفترض خلف المتنفل.\nواعلم أن هذه الكيفية التي ذكرنا أنها هي كيفية صلاة بطن نخل كما ذكره النووي وابن حجر وغيرهما قد دل بعض الروايات عند مسلم والبخاري وغيرهما على أنها هي صلاة ذات الرقاع، وجزم ابن حجر بأنهما صلاتان، والله تعالى أعلم. وقد دل بعض الروايات على أن صلاة بطن نخل هي صلاة عسفان. والله تعالى أعلم.\nالهيئة الثالثة: من الهيئات التي اختارها الشافعي صلاة","vol":"1","page":410},{"text":"عسفان، وكيفيتها كما قال جابر ﵁ قال: \"شهدت مع رسول الله -  ﷺ  - صلاة الخوف، فصفنا صفين، صف خلف رسول الله -  ﷺ  - والعدو بيننا وبين القبلة؛ فكبر النبي -  ﷺ  - وكبرنا جميعا ثم ركع وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه، وقام الصف المؤخر في نحر العدو؟ فلما قضى النبي -  ﷺ  - السجود وقام الصف الذي يليه انحدر الصف المؤخر بالسجود وقاموا، ثم تقدم الصف المؤخر وتأخر الصف المتقدم، ثم ركع النبي -  ﷺ  - وركعنا جميعا، ثم رفع رأسه من الركوع ورفعنا جميعا، ثم انحدر بالسجود والصف الذي يليه الذي كان مؤخرا في الركعة الأولى، وقام الصف المؤخر في نحر العدو فلما قضى النبي -  ﷺ  - السجود والصف الذي يليه، انحدر الصف المؤخر بالسجود فسجدوا، ثم سلم النبي  ﷺ  وسلمنا جميعا\" هذا لفظ مسلم في صحيحه وأخرج نحوه النسائي والبيهقي من رواية ابن عباس، ورواه أبو داود والنسائي وابن حبان والحاكم من رواية أبي عياش الزرقي واسمه زيد بن الصامت، وهو صحابي.\nوقول ابن حجر في التقريب في الكنى: إنه تابعي. الظاهر أنه سهو منه ﵀.\nوإنما قلنا: إن هذه الكيفية من الكيفيات التي اختارها الشافعي مع أنها مخالفة للصورة التي صحت عنه في صلاة عسفان؛ لأنه أوصى على العمل بالحديث إذا صح، وأنه مذهبه، والصورة التي صحت عن الشافعي -﵀- في مختصر المزني والأم أنه قال:","vol":"1","page":411},{"text":"صلى بهم الإمام وركع وسجد بهم جميعا إلا صفا يليه إو بعض صف ينتظرون العدو، فإذا قاموا بعد السجدتين سجد الصف الذي حرسهم، فإذا ركع ركع بهم جميعا، وإذا سجد سجد معه الذين حرسوا أولا إلا صفا أو بعض صف يحرسه منهم، فإذا سجدوا سجدتين، وجلسوا سجد الذين حرسوا، ثم يتشهدون، ثم سلم بهم جميعا معا. وهذا نحو صلاة النبي -  ﷺ  - بعسفان، قال: ولو تأخر الصف الذي حرس إلى الصف الثاني وتقدم فحرس فلا بأس انتهى بواسطة نقل النووي.\nوالظاهر أن الشافعي -﵀- يرى أن الصورتين أعني التي ذكرنا في حديث جابر، وابن عباس، وأبي عياش الزرقي والتي نقلناها عن الشافعي كلتاهما جائزة، واتباع ما ثبت في الصحيح أحق من غيره، وصلاة عسفان المذكورة صلاة العصر.\nوقد جاء في بعض الروايات عند أبي داود وغيره أن مثل صلاة عسفان التي ذكرنا صلاها -  ﷺ  - يوم بني سليم.\nالرابعة: من الهيئات التي اختارها الشافعي -﵀- هي: صلاة ذات الرقاع، والكيفية التي اختارها الشافعي منها هي التي قدمنا رواية مالك لها عن يزيد بن رومان، وهي أن يصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم يفارقونه ويتمون لأنفسهم ويسلمون، ويذهبون إلى وجوه العدو، وهو قائم في الثانية يطيل القراءة حتى يأتي الآخرون، فيصلي بهم الركعة الباقية، ويجلس ينتظرهم حتى يصلوا ركعتهم الباقية، ثم يسلم بهم. وهذه الكيفية قد قدمنا أن مالكا رواها عن يزيد بن رومان، عن صالح بن خوات بن جبير،","vol":"1","page":412},{"text":"عمن صلى مع النبي -  ﷺ  - صلاة الخوف يوم ذات الرقاع، وأخرجها الشيخان من طريقه، فقد رواها البخاري عن قتيبة، عن مالك، ومسلم عن يحيى بن يحيى، عن مالك نحو ما ذكرنا. وقد قدمنا أن مالكا قال بهذه الكيفية أولا، ثم رجع عنها إلى أن الإمام يسلم ولا ينتظر إتمام الطائفة الثانية صلاتهم حتى يسلم بهم. وصلاة ذات الرقاع لها كيفية أخرى غير هذه التي اختار الشافعي، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث ابن عمر قال: صلى رسول الله -  ﷺ  - صلاة الخوف بإحدى الطائفتين ركعة، والطائفة الأخرى مواجهة العدو، ثم انصرفوا وقاموا في مقام أصحابهم؛ مقبلين على العدو، وجاء أولئك ثم صلى بهم النبي -  ﷺ  - ركعة، ثم سلم النبي -  ﷺ  -، ثم قضى هؤلاء ركعة وهؤلاء ركعة.\nهذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري بمعناه، ولم تختلف الطرق عن ابن عمر في هذا، وظاهره أنهم أتموا لأنفسهم في حالة واحدة، ويحتمل أنهم أتموا على التعاقب وهو الراجح من حيث المعنى؛ لأن إتمامهم في حالة واحدة يستلزم تضييع الحراسة المطلوبة، وإفراد الإمام وحده، ويرجحه ما رواه أبو داود من حديث ابن مسعود ولفظه ثم سلم، فقام هؤلاء، أي: الطائفة الثانية، فصلوا لأنفسهم ركعة، ثم سلموا، ثم ذهبوا، ورجع أولئك إلى مقامهم، فصلوا لأنفسهم ركعة ثم سلموا. وظاهره أن الطائفة الثانية والت بين ركعتيها، ثم أتمت الطائفة الأولى بعدها.\nواعلم أن ما ذكره الرافعي وغيره من كتب الفقه من أن في حديث ابن عمر هذا أن الطائفة الثانية تأخرت، وجاءت الطائفة","vol":"1","page":413},{"text":"الأولى، فأتموا ركعة، ثم تأخروا وعادت الطائفة الثانية فأتموا مخالف للروايات الثابتة في الصحيحين وغيرهما، وقال ابن حجر في الفتح: إنه لم يقف عليه في شيء من الطرق.\nوأما الإمام أحمد -﵀- فإن جميع أنواع صلاة الخوف الثابتة عنه -  ﷺ  - جائزة عنده، والمختار منها عنده صلاة ذات الرقاع التي قدمنا اختيار الشافعي أنها أيضا، وهي أن يصلي الإمام بالطائفة الأولى ركعة، ثم يتمون لأنفسهم، ويسلمون، ويذهبون إلى وجوه العدو، ثم تأتي الطائفة الأخرى، فيصلي بهم الركعة الأخرى ثم يصلون ركعة فإذا أتموها وتشهدوا سلم بهم.\nوأما الإمام أبو حنيفة -﵀- فالمختار منها عنده أن الإمام يصلي بالطائفة الأولى ركعة إن كان مسافرا، أو كانت صبحا مثلا، واثنتين إن كان مقيما، ثم تذهب هذه الطائفة الأولى إلى وجوه العدو، ثم تجىء الطائفة الأخرى ويصلي بهم ما بقي من الصلاة ويسلم، وتذهب هذه الطائفة الأخيرة إلى وجوه العدو، وتجىء الطائفة الأولى، وتتم بقية صلاتها بلا قراءة؛ لأنهم لاحقون، ثم يذهبون إلى وجوه العدو، وتجىء الطائفة الأخرى فيتمون بقية صلاتهم بقراءة؛ لأنهم مسبوقون.\nواحتجوا لهذه الكيفية بحديث ابن عمر المتقدم. وقد قدمنا أن هذه الكيفية ليست في رواية الصحيحين وغيرهما لحديث ابن عمر.\nوقد قدمنا أيضا من حديث ابن مسعود عند أبي داود أن الطائفة الأخرى لما صلوا مع النبي -  ﷺ  - الركعة الأخرى أتموا","vol":"1","page":414},{"text":"لأنفسهم فوالوا بين الركعتين، ثم ذهبوا إلى وجوه العدو فجاءت الطائفة الأولى فصلوا ركعتهم الباقية. هذا هو حاصل المذاهب الأربعة في صلاة الخوف.\nوقال النووي في شرح المهذب: صلاة ذات الرقاع أفضل من صلاة بطن نخل على أصح الوجهين؛ لأنها أعدل بين الطائفتين؛ ولأنها صحيحة بالإجماع، وتلك صلاة مفترض خلف متنفل، وفيها خلاف للعلماء.\nوالثاني: -وهو قول أبي إسحاق- صلاة بطن نخل أفضل؛ لتحصل كل طائفة فضيلة جماعة تامة.\nواعلم أن الإمام في الحضرية يصلي بكل واحدة من الطائفتين ركعتين، وفي السفرية ركعة ركعة، ويصلى في المغرب بالأولى ركعتين عند الأكثر.\nوقال بعضهم: يصلي بالأولى في المغرب ركعة.\nواعلم أن التحقيق أن غزوة ذات الرقاع بعد خيبر وإن جزم جماعة كبيرة من المؤرخين بأن غزوة ذات الرقاع قبل خيبر. والدليل على ذلك الحديث الصحيح أن قدوم أبي موسى الأشعري على النبي -  ﷺ  - حين افتتح خيبر مع الحديث الصحيح أن أبا موسى شهد غزوة ذات الرقاع.\nقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، حدثنا بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال: \"بلغنا مخرج النبي -  ﷺ  - ونحن باليمن فخرجنا","vol":"1","page":415},{"text":"مهاجرين إليه أنا وأخوان لي أنا أصغرهم، أحدهما أبو بردة، والآخر أبو رهم، إما قال: بضع، وإما قال: في ثلاثة وخمسين، أو اثنتين وخمسين رجلا من قومي، فركبنا سفينة فألقتنا سفينتنا إلى النجاشي بالحبشة، فوافقنا جعفر بن أبي طالب فأقمنا معه حتى قدمنا جميعا، فوافقنا النبي -  ﷺ  - حين افتتح خيبر\" الحديث ... وفيه التصريح بأن قدوم أبي موسى حين افتتاح خيبر.\nوقد قال البخاري أيضا: حدثنا محمد بن العلاء، حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى ﵁ قال \"خرجنا مع النبي -  ﷺ  - في غزاة ونحن في ستة نفر بيننا بعير نتعقبه، فنقبت أقدامنا، ونقبت قدماي، وسقطت أظفاري، وكنا نلف على أرجلنا الخرق فسميت غزوة ذات الرقاع\". الحديث. فهذان الحديثان الصحيحان فيهما الدلالة الواضحة على تأخر ذات الرقاع عن خيبر، وقد قال البخاري ﵀: باب غزوة ذات الرقاع وهي غزوة محارب خصفة من بني ثعلبة، من غطفان فنزل نخلا وهي بعد خيبر، لأن أبا موسى جاء بعد خيبر الخ. وإنما بينا هذا ليعلم به أنه لا حجة في عدم صلاة الخوف في غزوة الخندق على انها غير مشروعة في الحضر بدعوى أن ذات الرقاع قبل الخندق وأن صلاة الخوف كانت مشروعة قبل غزوة الأحزاب التي هي غزوة الخندق، وأنه -  ﷺ  - ما تركها مع أنهم شغلوه وأصحابه عن صلاة الظهر والعصر إلى الليل إلا لأنها لم تشرع في الحضر، بل التحقيق أن صلاة الخوف ما شرعت إلا بعد الخندق. وأشار أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات الرقاع بقوله:","vol":"1","page":416},{"text":"ثم إلى محارب وثعلبة ... ذات الرقاع ناهزوا المضاربة\nولم يكن حرب وغورث جرى ... بها الذي لدعثور جرى\nمع النبي وعلى المعتمد ... جرت لواحد بلا تعدد\nوالناظم هذا يرى أنها قبل خيبر تبعا لابن سيد الناس ومن وافقه.\nومما اختلف فيه العلماء من كيفيات صلاة الخوف صلاة ذي قرد، وهي أن تصلى كل واحدة مع الإمام ركعة واحدة، وتقتصر عليها، وقد قدمنا ذلك من حديث ابن عباس عند مسلم، وأبي داود، والنسائي، وابن ماجه، ومن حديث حذيفة عند أبي داود، والنسائي، وهذه الكيفية هي التي صلاها حذيفة بن اليمان لما قال سعيد بن العاص بطبرستان أيكم صلى صلاة الخوف مع رسول الله -  ﷺ  -؟ فقال حذيفة: أنا\" وصلى بهم مثل ما ذكرنا، كما أخرجه النسائي عنه، وعن زيد بن ثابت، ورواه أبو داود عن ثعلبة بن زهدم وهو الذي رواه من طريقه النسائي، ولفظ أبي داود عن ثعلبة بن زهدم، قال: كنا مع سعيد بن العاص بطبرستان، فقام فقال: أيكم صلى مع رسول الله -  ﷺ  - صلاة الخوف؟ فقال حذيفة: أنا، فصلى بهؤلاء ركعة، وبهؤلاء ركعة ولم يقضوا. قال أبو داود: وكذا رواه عبيد الله بن عبد الله، ومجاهد، عن ابن عباس، عن النبي -  ﷺ  -، وعبد الله بن شقيق عن أبي هريرة عن النبي -  ﷺ  -، ويزيد الفقير وأبو موسى. قال أبو داود: رجل من التابعين ليس بالأشعري جميعا، عن جابر عن النبي -  ﷺ  -، وقد قال بعضهم عن شعبة في حديث يزيد الفقير: إنهم قضوا ركعة أخرى، وكذلك رواه سماك","vol":"1","page":417},{"text":"الحنفي، عن ابن عمر عن النبي -  ﷺ  -، وكذلك رواه زيد بن ثابت عن النبي -  ﷺ  -، قال: فكانت للقوم ركعة ركعة، وللنبي -  ﷺ  - ركعتين. اهـ. منه بلفظه.\nوقال القرطبي في تفسيره ما نصه: قال السدي إذا صليت في السفر ركعتين فهو تمام، والقصر لا يحل إلا أن تخاف، فهذه الآية مبيحة أن تصلي كل طائفة ركعة لا تزيد عليها شيئا، ويكون للإمام ركعتان، وروي نحوه عن ابن عمر، وجابر بن عبد الله وكعب، وفعله حذيفة بطبرستان، وقد سأله الأمير سعيد بن العاص عن ذلك، وروي عن ابن عباس أن النبي -  ﷺ  - صلى كذلك في غزوة ذي قرد ركعة لكل طائفة ولم يقضوا، وروي عن جابر بن عبد الله أن النبي -  ﷺ  - صلى بأصحابه كذلك يوم غزوة محارب خصفة وبني ثعلبة، وروى أبو هريرة أن النبي -  ﷺ  - صلى كذلك بين ضجنان وعسفان، ويكون كل من الطائفتين تقتصر على ركعة واحدة.\nقال أيضا إسحاق: وروي عن الإمام أحمد وجمهور العلماء على أن الاقتصار على ركعة واحدة في الخوف لا يجوز، وأجابوا عن الأحاديث الواردة بذلك من الوجهين:\nالأول: أن المراد بقول الصحابة الذين رووا ذلك ولم يقضوا أنهم بعد ما أمنوا وزال الخوف، لم يقضوا تلك الصلاة التي صلوها في حالة الخوف، وتكون فيه فائدة أن الخائف إذا أمن لا يقضى ما صلى على تلك الهيئة المخالفة لهيئة صلاة الأمن، وهذا القول له وجه من النظر.\nالوجه الثاني: أن قولهم في الحديث: ولم يقضوا، أي: في","vol":"1","page":418},{"text":"علم من روى ذلك، لأنه قد روى أنهم قضوا ركعة في تلك الصلاة بعينها، ورواية من زاد أولى. قاله القرطبي وابن عبد البر. ويدل له ما تقدم من رواية يزيد الفقير، عن جابر من طريق شعبة عند أبي داود، أنهم قضوا ركعة أخرى، والمثبت مقدم على النافي، ويؤيد هذه الرواية كثرة الروايات الصحيحة بعدم الاقتصار على واحدة في كيفيات صلاة الخوف والله تعالى أعلم.\nوحاصل ما تقدم بيانه من كيفيات صلاة الخوف خمس، وهي صلاة المسايفة الثابتة في صريح القرآن، وصلاة بطن نخل، وصلاة عسفان، وصلاة ذات الرقاع، وصلاة ذي قرد.\nوقد أشار الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي إلى غزوة ذات قرد بقوله:\nفغزوة الغابة وهي ذو قرد ... خرج في إثر لقاحه وجد\nوناشها سلمة بن الأكوع ... وهو يقول: اليوم يوم الرضع\nوفرض الهادي له سهمين ... لسبقه الخيل على الرجلين\nواستنقذوا من ابن حصن عشرا ... وقسم النبي فيهم جزرا\nوقد جزم البخاري في صحيحه بأن غزوة ذات قرد قبل خيبر بثلاث ليال، وأخرج نحو ذلك مسلم في صحيحه عن إياس بن سلمة بن الأكوع عن أبيه قال: فرجعنا من الغزوة إلى المدينة، فوالله ما لبثنا بالمدينة إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر، فما في الصحيح أثبت مما يذكره أهل السير مما يخالف ذلك، وكقول ابن سعد: إنها كانت في ربيع الأول سنة ست قبل الحديبية، وكقول","vol":"1","page":419},{"text":"ابن إسحاق: إنها كانت في شعبان من سنة ست بعد غزوة لحيان بأيام.\nومال ابن حجر في فتح الباري إلى الجمع بين ما في الحديث الصحيح وبين ما ذكره أهل السير بتكرر الخروج إلى ذي قرد.\nوقرد بفتحتين في رواية الحديث، وأهل اللغة يذكرون أنه بضم ففتح أو بضمتين.\nوقد وردت صلاة الخوف على كيفيات أخر غير ما ذكرنا. قال ابن القصار المالكي: إن النبي -  ﷺ  - صلاها في عشرة مواضع. وقال ابن العربي المالكي: روي عن النبي -  ﷺ  - أنه صلى صلاة الخوف أربعا وعشرين مرة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر- والله تعالى أعلم- أن أفضل الكيفيات الثابتة عنه -  ﷺ  - في صلاة الخوف ما كان أبلغ في الاحتياط للصلاة والتحفظ من العدو.\n\nتنبيهان\nالأول: آية صلاة الخوف هذه من أوضح الأدلة على وجوب الجماعة؛ لأن الأمر بها في هذا الوقت الحرج دليل واضح على أنها أمر لازم، إذ لو كانت غير لازمة لما أمر بها في وقت الخوف، لأنه عذر ظاهر.\nالثاني: لا تختص صلاة الخوف بالنبي -  ﷺ  -، بل مشروعيتها باقية إلى يوم القيامة، والاستدلال على خصوصها به -  ﷺ  - بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ﴾ الآية. استدلال ساقط،","vol":"1","page":420},{"text":"وقد أجمع الصحابة وجميع المسلمين على رد مثله في قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية. واشتراط كونه -  ﷺ  - فيهم إنما ورد لبيان الحكم، لا لوجوده، والتقدير: بين لهم بفعلك لكونه أوضح من القول كما قاله ابن العربي وغيره، وشذ عن الجمهور أبو يوسف، والمزني، وقال بقولهما الحسن بن زياد اللؤلؤي، وإبراهيم بن علية فقالوا: أن صلاة الخوف لم تشرع بعده -  ﷺ  -، واحتجوا بمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية. ورد عليهم بإجماع الصحابة عليها بعده -  ﷺ  -، وبقوله -  ﷺ  -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وعموم منطوق هذا الحديث مقدم على ذلك المفهوم.\nتنبيه: فإن قيل: قد قررتم ترجيح أن آية: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ في صلاة الخوف، لا صلاة السفر، وإذن فمفهوم الشرط في قوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ يفهم منه أن صلاة الخوف لا تشرع في الحضر.\nفالجواب: أن هذا المفهوم قال به ابن الماجشون، فمنع صلاة الخوف في الحضر. واستدل بعضهم أيضا لمنعها فيه بأن النبي -  ﷺ  - لم يصلها يوم الخندق، وفات عليه العصران، وقضاهما بعد المغرب، وبأنه -  ﷺ  - لم يصلها إلا في سفر، وجمهور العلماء على أنها تصلى في الحضر أيضا، وأجابوا بأن الشرط لا مفهوم مخالفة له أيضا، لجريه على الغالب كما تقدم، أو لأنه نزل في حادثة واقعة مبينا حكمها. كما روي عن مجاهد قال: كان النبي -  ﷺ  - وأصحابه بعسفان والمشركون بضجنان، فتوافقوا، فصلى النبي","vol":"1","page":421},{"text":"-  ﷺ  - بأصحابه صلاة تامة بركوعها وسجودها، فهم بهم المشركون أن يغيروا على أمتعتهم وأثقالهم فنزلت. وهذه الحادثة وقعت وهم مسافرون ضاربون في الأرض، وقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون المنطوق نازلا على حادثة واقعة، ولذا لم يعتبر مفهوم المخالفة في قوله: ﴿إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا﴾ ولا في قوله: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن كلا منهما نزل على حادثة واقعة.\nفالأول: نزل في إكراه ابن أبي جواريه على الزنا، وهن يردن التحصن من ذلك.\nوالثاني: نزل في قوم من الأنصار والوا اليهود من دون المؤمنين، فنزل القرآن في كل منهما ناهيا عن الصورة الواقعة من غير إرادة التخصيص بها.\nوأشار إليه في المراقي بقوله في تعداد موانع اعتبار مفهوم المخالفة:\nأو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع\nوأجابوا عن كونه -  ﷺ  - لم يصلها يوم الخندق بأن ذلك كان قبل نزول صلاة الخوف، كما رواه النسائي وابن حبان والشافعي. وبه تعلم عدم صحة قول من قال: إن غزوة ذات الرقاع التي صلى فيها النبي -  ﷺ  - صلاة الخوف كانت قبل الخندق.\nوأجابوا عن كونه لم يصلها إلا في السفر بأن السفر بالنسبة إلى صلاة الخوف وصف طردي، وعلتها هي الخوف لا السفر،","vol":"1","page":422},{"text":"فمتى وجد الخوف وجد حكمها، كما هو ظاهر.\nنكتة: فإن قيل: لم لا تكون كل هيئة من هيئات صلاة الخوف ناسخة للتي قبلها؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث؟ فالجواب من وجهين:\nالأول: هو ما تقدم من أن العدو تارة يكون إلى جهة القبلة وتارة إلى غير جهتها إلى آخر ما تقدم، وكل حالة تفعل فيها الهيئة المناسبة لها كما هو ظاهر.\nالثاني: هو ما حققه بعض الأصوليين كابن الحاجب والرهوني وغيرهما من أن الأفعال لا تعارض بينها أصلا، إذ الفعل لا يقع في الخارج إلا شخصيا، لا كليا حتى ينافي فعلا آخر، فليس للفعل الواقع قدر مشترك بينه وبين غيره، فيجوز أن يقع الفعل واجبا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه، وإذن فلا مانع من جواز الفعلين المختلفين في الهيئة لعبادة واحدة. وعقده في مراقي السعود بقوله:\nولم يكن تعارض الأفعال ... في كل حالة من الأحوال\nوما ذكره المحلي: من دلالة الفعل على الجواز المستمر دون القول، بحث فيه صاحب نشر البنود في شرح البيت المتقدم آنفا، والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ معناه ينالونكم بسوء.\nفروع: تتعلق بهذه الآية الكريمة على القول بأنها في قصر الرباعية، كما يفهم من حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب","vol":"1","page":423},{"text":"- ﵄ - عن النبي -  ﷺ  - عند مسلم وأحمد وأصحاب السنن كما تقدم.\nالفرع الأول: أجمع العلماء على مشروعية قصر الرباعية في السفر خلافا لمن شذ وقال: لا قصر إلا في حج أو عمرة، ومن قال: لا قصر إلا في خوف، ومن قال: لا قصر إلا في سفر طاعة خاصة، فإنها أقوال لا معول عليها عند أهل العلم.\nواختلف العلماء في الإتمام في السفر، هل يجوز أو لا؟ فذهب بعض العلماء إلى أن القصر في السفر واجب.\nوممن قال بهذا القول: أبو حنيفة -﵀- وهو قول علي، وعمر، وابن عمر، ويروى عن ابن عباس وجابر، وبه قال الثوري وعزاه الخطابي في \"المعالم\" لأكثر علماء السلف، وفقهاء الأمصار، ونسبه إلى علي وعمر وابن عمر وابن عباس وعمر بن عبد العزيز وقتادة والحسن قال: وقال حماد بن أبي سليمان: يعيد من صلى في السفر أربعا. اهـ. منه بواسطة نقل الشوكاني -﵀-.\nوحجة هذا القول الذي هو وجوب القصر ما قدمنا من الأحاديث عن عائشة، وابن عباس، وعمر -﵃- بأن الصلاة فرضت ركعتين، فأقرت صلاة السفر وزيد في صلاة الحضر، ودليل هؤلاء واضح.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى جواز الإتمام والقصر، كما يجوز الصوم والإفطار، إلا أنهم اختلفوا هل القصر أو الإتمام أفضل؟ وبهذا قال عثمان بن عفان، وسعد بن أبي وقاص، وعائشة ﵃.","vol":"1","page":424},{"text":"قال النووي في \"شرح المهذب\" وحكاه العبدري عن هؤلاء -يعني من ذكرنا- وعن ابن مسعود، وابن عمر، وابن عباس، والحسن البصري، ومالك، وأحمد، وأبي ثور، وداود، وهو مذهب أكثر العلماء ورواه البيهقي عن سلمان الفارسي في اثني عشر من الصحابة. وعن أنس والمسور بن مخرمة وعبد الرحمن ابن الأسود وابن المسيب وأبي قلابة.\nواحتج أهل هذا القول بأمور:\nالأول: قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ الآية؛ لأن التعبير برفع الجناح دليل لعدم اللزوم.\nالأمر الثاني: هو ما قدمنا في حديث يعلى بن أمية عن عمر بن الخطاب من أن النبي -  ﷺ  - قال في القصر في السفر: \"صدقة تصدق الله بها عليكم\" الحديث- فكونه صدقة وتخفيفا يدل على عدم اللزوم.\nالأمر الثالث: هو ما رواه النسائي، والبيهقي، والدارقطني عن عائشة - ﵂ - أنها اعتمرت مع رسول الله -  ﷺ  - فأفطر هو -  ﷺ  -، وقصر الصلاة، وصامت هي، وأتمت الصلاة، فأخبرته بذلك فقال لها: أحسنت. قال النووي في \"شرح المهذب\": هذا الحديث رواه النسائي والدارقطني والبيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وقال البيهقي في \"السنن الكبرى\" قال الدارقطني: إسناده حسن قال: وقال في \"معرفة السنن والآثار\". هو إسناد صحيح.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن ما جاء في هذا","vol":"1","page":425},{"text":"الحديث من أن عمرة عائشة المذكورة في رمضان لا يصح؛ لأن المحفوظ الثابت بالروايات الصحيحة أن النبي -  ﷺ  - لم يعتمر في رمضان قط؛ لأنه لم يعتمر إلا أربع عمر:\nالأولى: عمرة الحديبية التي صده فيها المشركون عن البيت الحرام عام ست.\nالثانية: عمرة القضاء التي وقع عليها عقد الصلح في الحديبية، وهي عام سبع.\nالثالثة: عمرة الجعرانة بعد فتح مكة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في شهر ذي القعدة بالإجماع وبالروايات الصحيحة.\nالرابعة: عمرته مع حجة في حجة الوداع.\nوفي رواية النسائي ليس فيها أن العمرة المذكورة في رمضان ولفظه: أخبرني أحمد بن يحيى الصوفي، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا العلاء بن زهير الأزدي، قال: حدثنا عبد الرحمن بن الأسود، عن عائشة \"أنها اعتمرت مع رسول الله -  ﷺ  - من المدينة إلى مكة حتى إذا قدمت مكة قالت: يا رسول الله: بأبي أنت وأمي قصرت وأتممت وأفطرت وصمت. قال: أحسنت يا عائشة، وما عاب علي\" اهـ.\nالأمر الرابع: ما روي عن عائشة - ﵂ - أن النبي -  ﷺ  - كان يقصر في السفر ويتم ويفطر ويصوم. قال النووي في \"شرح المهذب\": رواه الدارقطني، والبيهقي وغيرهما. قال البيهقي: قال الدارقطني: إسناده صحيح. وضبطه ابن حجر في \"التلخيص\" بلفظ","vol":"1","page":426},{"text":"يقصر بالياء، وفاعله ضمير النبي -  ﷺ  -، وتتم بتاءين، وفاعله ضمير يعود إلى عائشة، فيكون بمعنى الحديث الأول، ولكن جاء في بعض روايات الحديث التصريح بإسناد الإتمام المذكور للنبي -  ﷺ  -.\nقال البيهقي: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأنا علي بن عمر الحافظ، حدثنا المحاملي، حدثنا سعيد بن محمد بن ثواب حدثنا أبو عاصم، حدثنا عمر بن سعيد، عن عطاء بن أبي رباح، عن عائشة ﵂ أن النبي -  ﷺ  - كان يقصر في الصلاة ويتم، ويفطر ويصوم. قال علي: هذا إسناد صحيح اهـ.\nقال البيهقي: وله شاهد من حديث دلهم بن صالح، والمغيرة بن زياد، وطلحة بن عمرو، وكلهم ضعيف.\nالخامس: إجماع العلماء على أن المسافر إذا اقتدى بمقيم لزمه الإتمام ولو كان القصر واجبا حتما لما جاز صلاة أربع خلف الإمام.\nوأجاب أهل هذا القول عن حديث عمر وعائشة وابن عباس بأن المراد بكون صلاة السفر ركعتين أي: لمن أراد ذلك، وعن قول عمر في الحديث \"تمام غير قصر\"، بأن معناه أنها تامة في الأجر قاله النووي، ولا يخلو من تعسف.\nوأجاب أهل القول الأول عن حجج هؤلاء قالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ﴾ في صلاة الخوف كما قدمنا، فلا دليل فيه لقصر الرباعية قالوا: ولو سلمنا أنه في قصر الرباعية فالتعبير بلفظ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ لا ينافي الوجوب كما","vol":"1","page":427},{"text":"اعترفتم بنظيره في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾؛ لأن السعي فرض عند الجمهور. وعن قوله في الحديث: \"صدقة تصدق الله بها عليكم\" بأن النبي -  ﷺ  - أمر بقبولها في قوله: \"فاقبلوا صدقته\" والأمر يقتضي الوجوب، فليس لنا عدم قبولها مع قوله -  ﷺ  -: \"فاقبلوها\"، وأجابوا عن الثالث والرابع بأن حديثي عائشة المذكورين لايصح واحد منهما، واستدلوا على عدم صحة ذلك بما ثبت في الصحيح عن عروة أنها تأولت في إتمامها ما تأول عثمان، فلو كان عندها في ذلك رواية من النبي -  ﷺ  - لم يقل عنها عروة أنها تأولت.\nوقال العلامة ابن القيم -﵀- في زاد المعاد ما نصه: وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هذا الحديث كذب على عائشة، ولم تكن عائشة لتصلي بخلاف صلاة النبي -  ﷺ  - وسائر الصحابة، وهي تشاهدهم يقصرون، ثم تتم هي وحدها بلا موجب، كيف وهي القائلة: فرضت الصلاة ركعتين ركعتين فزيد في صلاة الحضر، وأقرت صلاة السفر، فكيف يظن أنها تزيد على ما فرض الله وتخالف رسول الله -  ﷺ  - وأصحابه.\nوقال الزهري بن عروة لما حدثه عن أبيه، عنها بذلك: فما شأنها كانت تتم الصلاة؟ فقال: تأولت كما تأول عثمان. فإذا كان النبي -  ﷺ  - قد حسن فعلها وأقرها عليه، فما للتأويل حينئذ وجه، ولا يصح أن يضاف إتمامها إلى التأويل على هذا التقدير، وقد أخبر ابن عمر أن رسول الله -  ﷺ  - لم يكن يزيد في السفر على","vol":"1","page":428},{"text":"ركعتين، ولا أبو بكر، ولا عمر، أفيظن بعائشة أم المؤمنين مخالفتهم وهي تراهم يقصرون، وأما بعد موته -  ﷺ  -، فإنها أتمت كما أتم عثمان، وكلاهما تأول تأويلا. والحجة في روايتهم، لا في تأويل الواحد منهم مع مخالفة غيره له والله أعلم. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: إما استبعاد مخالفة عائشة - ﵂ - للنبي -  ﷺ  - في حياته مع الاعتراف بمخالفتها له -  ﷺ  - بعد وفاته، فإنه يوهم أن مخالفته بعد وفاته سائغة، ولا شك أن المنع من مخالفته في حياته باق بعد وفاته -  ﷺ  -، فلا يحل لأحد البتة مخالفة ما جاء به من الهدى إلى يوم القيامة؛ فعلا كان أو قولا أو تقريرا، ولا يظهر كل الظهور أن عائشة تخالف هدي الرسول -  ﷺ  - باجتهاد، ورواية من روى أنها تأولت تقتضي نفي روايتها عن النبي -  ﷺ  - شيئا في ذلك، والحديث المذكور فيه إثبات أنها روت عنه ذلك، والمثبت مقدم على النافي، فبهذا يعتضد الحديث الذي صححه بعضهم، وحسنه بعضهم كما تقدم.\nوالتحقيق أن سند النسائي المتقدم الذي روى به هذا الحديث صحيح، وإعلال ابن حبان له بأن فيه العلاء بن زهير الأزدي. وقال فيه: إنه يروي عن الثقات مالا يشبه حديث الإثبات، فبطل الاحتجاج به، مردود بأن العلاء المذكور ثقة كما قاله ابن حجر في التقريب وغيره، وإعلال بعضهم له بأن عبد الرحمن بن الأسود لم يدرك عائشة مردود بأنه أدركها. قال الدارقطني: وعبد الرحمن أدرك عائشة فدخل عليها وهو مراهق، وذكر الطحاوي عن عبد الرحمن أنه","vol":"1","page":429},{"text":"دخل على عائشة بالاستئذان بعد احتلامه، وذكر صاحب \"الكمال\": أنه سمع منها، وذكر البخاري في تاريخه وابن أبي شيبة ما يشهد لذلك. قاله ابن حجر. وإعلال الحديث المذكور بأنه مضطرب؛ لأن بعض الرواة يقول: عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه، عن عائشة، وبعضهم يقول: عن عبد الرحمن، عن عائشة مردود أيضا بأن رواية من قال: عن أبيه خطأ، والصواب عن عبد الرحمن بن الأسود عن عائشة. قال البيهقي: بعد أن ساق أسانيد الروايتين، قال أبو بكر النيسابوري: هكذا قال أبو نعيم: عن عبد الرحمن، عن عائشة، ومن قال: عن أبيه في هذا الحديث فقد أخطأ. اهـ.\nفالظاهر ثبوت هذا الحديث، وهو يقوي حجة من لم يمنع إتمام الرباعية في السفر وهم أكثر العلماء، وذهب الإمام مالك بن أنس إلى أن قصر الرباعية في السفر سنة، وأن من أتم أعاد في الوقت، لأن الثابت أن النبي -  ﷺ  - كان يواظب على القصر في أسفاره وكذلك أبو بكر، وعمر، وعثمان في غير أيام منى، ولم يمنع مالك الإتمام؛ للأدلة التي ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني: اختلف العلماء في تحديد المسافة التي تقصر فيها الصلاة. فقال مالك والشافعي وأحمد: هي أربعة برد، والبريد أربعة فراسخ، والفرسخ ثلاثة أميال، وتقريبه بالزمان مسيرة يومين سيرا معتدلا، وعندهم اختلاف في قدر الميل معروف.\nواستدل من قال بهذا القول بما رواه مالك عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله عن أبيه أنه ركب إلى ريم فقصر الصلاة في مسيره ذلك.","vol":"1","page":430},{"text":"قال مالك: وذلك نحو من أربعة برد. وريم موضع، قال بعض شعراء المدينة:\nفكم من حرة بين المنقى ... إلى أحد إلى جنبات ريم\nوبما رواه مالك عن نافع، عن سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر ركب إلى ذات النصب فقصر الصلاة في مسيره ذلك.\nقال مالك: وبين ذات النصب والمدينة أربعة برد، وبما قال مالك: إنه بلغه أن عبد الله بن عباس كان يقصر الصلاة في مثل ما بين مكة والطائف، وفي مثل ما بين مكة وعسفان، وفي مثل ما بين مكة وجدة. قال مالك: وذلك أربعة برد، وذلك أحب ما تقصر فيه الصلاة إلي، وبما رواه مالك عن نافع أنه كان يسافر مع ابن عمر البريد فلا يقصر الصلاة، كل هذه الآثار المذكورة في الموطأ، وممن قال بهذا ابن عمر وابن عباس كما ذكرناه عنهما.\nوقال البخاري -﵀- في صحيحه: وكان ابن عمر وابن عباس ﵃ يقصران، ويفطران في أربعة برد، وهي ستة عشر فرسخا. اهـ. وبه قال الحسن البصري، والزهري، والليث بن سعد، وإسحاق، وأبو ثور نقله عنهم النووي.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا يجوز القصر في أقل من مسافة ثلاثة أيام، وممن قال به أبو حنيفة، وهو قول عبد الله بن مسعود، وسويد بن غفلة، والشعبي، والنخعي، والحسن بن صالح، والثوري، وعن أبي حنيفة أيضا يومان وأكثر الثالث.\nواحتج أهل هذا القول بحديث ابن عمر وحديث أبي سعيد","vol":"1","page":431},{"text":"الثابتين في الصحيح: أن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا تسافر المرأة ثلاثة أيام إلا ومعها ذو محرم\" وبحديث \"مسح المسافر على الخف ثلاثة أيام ولياليهن\" ووجه الاحتجاج بهذا الحديث الأخير أنه يقتضي أن كل مسافر يشرع له مسح ثلاثة أيام، ولا يصح العموم في ذلك إلا إذا قدر أقل مدة السفر بثلاثة أيام، لأنها لو قدرت بأقل من ذلك لا يمكنه استيفاء مدته، لانتهاء سفره، فاقتضى ذلك تقديره بالثلاثة، وإلا لخرج بعض المسافرين عنه. اهـ.\nوالاستدلال بالحديثين غير ظاهر فيما يظهر لي، لأن المراد بالحديث الأول: أن المرأة لا يحل لها سفر مسافة ثلاثة أيام إلا مع ذي محرم، وهذا لا يدل على تحديد أقل ما يسمى سفرا، ويدل له أنه ورد في بعض الروايات الصحيحة \"لا تسافر المرأة يومين إلا ومعها زوجها أو ذو محرم\" وفي بعض الروايات الصحيحة \"لا يحل لإمرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تسافر مسيرة يوم وليلة ليس معها حرمة\" وفي رواية لمسلم مسيرة \"يوم\" وفي رواية له \"ليلة\"، وفي رواية أبي داود \"لا تسافر بريدا\"، ورواه الحاكم وقال: صحيح الإسناد. وقال البيهقي في السنن الكبرى: وهذه الرواية في الثلاثة واليومين واليوم صحيحة، وكأن النبي -  ﷺ  - \"سئل عن المرأة تسافر ثلاثا من غير محرم، فقال: لا، وسئل عنها تسافر يومين من غير محرم، فقال: لا، ويوما فقال: لا\" فأدى كل واحد منهم ما حفظ، ولا يكون عدد من هذه الأعداد حدا للسفر. اهـ. منه بلفظه. فظهر من هذا أن الاستدلال على أقل السفر بالحديث غير متجه كما ترى، لا سيما أن ابن عمر راويه قد خالفه كما تقدم، والقاعدة عند الحنفية أن العبرة بما رأى الصحابي لا بما روى.","vol":"1","page":432},{"text":"وأما الاستدلال بحديث توقيت مسح المسافر بثلاثة أيام بلياليهن فهو أيضا غير متجه، لأنه إذا انتهى سفره قبلها صار مقيما وزال عنه اسم السفر وليس في الحديث أنه لا بد من أن يسافر ثلاثة، بل غاية ما يفيده الحديث أن المسافر له في المسح على الخف مدة ثلاثة أيام، فإن مكثها مسافرا فذلك، وإن أتم سفره قبلها صار غير مسافر، ولا إشكال في ذلك.\nوذهب جماعة من أهل العلم: إلى أن القصر يجوز في مسيرة يوم تام، وممن قال به الأوزاعي وابن المنذر.\nواحتجوا بما تقدم في بعض الروايات الصحيحة أن النبي -  ﷺ  - أطلق اسم السفر على مسافة يوم، والسفر هو مناط القصر، وبما رواه مالك في الموطأ عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر كان يقصر الصلاة في مسيرة اليوم التام. وظاهر صنيع البخاري أنه يختار أنها يوم وليلة، لأنه قال: \"باب في كم يقصر الصلاة؟ وسمى النبي -  ﷺ  - يوما وليلة سفرا\"، لأن قوله: وسمى النبي الخ بعد قوله: في كم يقصر الصلاة؟ يدل على أن ذلك هو مناط القصر عنده، كما هو ظاهر.\nوذهب بعض العلماء إلى جواز القصر في قصير السفر وطويله، وممن قال بهذا داود الظاهري، قال عنه بعض أهل العلم: حتى إنه لو خرج إلى بستان خارج البلد قصر.\nواحتج أهل هذا القول بإطلاق الكتاب والسنة جواز القصر بلا تقييد للمسافة، وبما رواه مسلم في صحيحه عن يحيى بن يزيد الهنائي قال: سألت أنس بن مالك عن قصر الصلاة، فقال: كان","vol":"1","page":433},{"text":"رسول الله -  ﷺ  - إذا خرج مسيرة ثلاثة أميال، أو ثلاثة فراسخ -شعبة الشاك- صلى ركعتين\"، هذا لفظ مسلم، وبما رواه مسلم أيضا في الصحيح عن جبير بن نفير قال: \"خرجت مع شرحبيل بن السمط إلى قرية على رأس سبعة عشر أو ثمانية عشر ميلا فصلى ركعتين، فقلت له: رأيت عمر صلى بذي الحليفة ركعتين، فقلت له، فقال: إنما أفعل كما رأيت رسول الله -  ﷺ  - يفعل\".\nوأجيب من جهة الجمهور بأنه لا دليل في حديثي مسلم المذكورين؛ لأنه ليس المراد بهما أن تلك المسافة المذكورة فيهما هي غاية السفر، بل معناه أنه كان إذا سافر سفرا طويلا فتباعد ثلاثة أميال قصر؛ لأن الظاهر أنه -  ﷺ  - كان لا يسافر عند دخول وقت الصلاة إلا بعد أن يصليها، فلا تدركه الصلاة الأخرى إلا وقد تباعد من المدينة، وكذلك حديث شرحبيل المذكور، فقوله: إن عمر ﵁ صلى بذي الحليفة ركعتين محمول على ما ذكرناه في حديث أنس، وهو أنه كان مسافرا إلى مكة أو غيرها فمر بذي الحليفة، وأدركته الصلاة فصلى ركعتين، لا أن ذا الحليفة غاية سفره. قاله النووي وغيره، وله وجه من النظر، ولم ينقل عن النبي -  ﷺ  - القصر صريحا فيما دون مرحلتين كما جزم به النووي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: قال ابن حجر: في التلخيص الحبير وروى سعيد بن منصور عن أبي سعيد قال: \"كان رسول الله -  ﷺ  - إذا سافر فرسخا يقصر الصلاة\" وسكت عليه، فإن كان صحيحا فهو ظاهر في قصر الصلاة في المسافة القصيرة ظهورا أقوى من دلالة حديثي مسلم المتقدمين.","vol":"1","page":434},{"text":"قال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الذي ذكرنا هو حاصل كلام العلماء في تحديد مسافة القصر، والظاهر أنه ليس في تحديدها نص صريح، وقد اختلف فيها على نحو من عشرين قولا، وما رواه البيهقي، والدارقطني، والطبراني عن ابن عباس عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: ياأهل مكة لا تقصروا في أقل من أربعة برد\" ضعيف؛ لأن في إسناده عبد الوهاب بن مجاهد، وهو متروك، وكذبه الثوري. وقال الأزدي: لا تحل الرواية عنه، وراويه عنه إسماعيل بن عياش، وروايته عن غير الشاميين ضعيفة، وعبد الوهاب المذكور حجازي لا شامي، والصحيح في هذا الحديث أنه موقوف على ابن عباس، رواه عنه الشافعي بإسناد صحيح، ورواه عنه مالك في الموطأ بلاغا، وقد قدمناه.\nوالظاهر أن الاختلاف في تحديد المسافة من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فكل ما كان يطلق عليه إسم السفر في لغة العرب يجوز القصر فيه؛ لأنه ظاهر النصوص، ولم يصرف عنه صارف من نقل صحيح، ومطلق الخروج من البلد لا يسمى سفرا، وقد كان -  ﷺ  - يذهب إلى قباء، وإلى أحد ولم يقصر الصلاة، والحديثان اللذان قدمنا عن مسلم محتملان، وحديث سعيد بن منصور المتقدم لا نعلم أصحيح هو أم لا. فإن كان صحيحا كان نصا قويا في قصر الصلاة في المسافة القصيرة والطويلة، وقصر أهل مكة مع النبي -  ﷺ  - في حجة الوداع دليل عند بعض العلماء على القصر في المسافة غير الطويلة، وبعضهم يقول: القصر في مزدلفة، ومنى، وعرفات من مناسك الحج، والله تعالى أعلم.","vol":"1","page":435},{"text":"قال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال فيما يظهر لي حجة هو قول من قال: إن كل ما يسمى سفرا ولو قصيرا تقصر فيه الصلاة؛ لإطلاق السفر في النصوص، ولحديثي مسلم المتقدمين، وحديث سعيد بن منصور، وروى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن مسعر، عن محارب، سمعت ابن عمر يقول: \"إني لأسافر الساعة من النهار فأقصر\". وقال الثوري: سمعت جبلة بن سحيم، سمعت ابن عمر يقول: \"لو خرجت ميلا قصرت الصلاة\".\nقال ابن حجر: في الفتح. إسناد كل منهما صحيح. اهـ. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث: يبتدىء المسافر القصر، إذا جاوز بيوت بلده بأن خرج من البلد كله، ولا يقصر في بيته إذا نوى السفر، ولا في وسط البلد، وهذا هو قول جمهور العلماء، منهم الأئمة الأربعة، وأكثر فقهاء الأمصار، وقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنه قصر بذي الحليفة، وعن مالك أنه إذا كان في البلد بساتين مسكونة أن حكمها حكم البلد، فلا يقصر حتى يجاوزها.\nواستدل الجمهور على أنه لا يقصر إلا إذا خرج من البلد بأن القصر مشروط بالضرب في الأرض، ومن لم يخرج من البلد لم يضرب في الأرض.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنه إن أراد السفر قصر وهو في منزله، وذكر ابن المنذر، عن الحارث ابن أبي ربيعة، أنه أراد سفرا فصلى بهم ركعتين في منزله، وفيهم الأسود بن يزيد، وغير واحد من أصحاب ابن مسعود، قال: وروينا معناه عن عطاء، وسليمان","vol":"1","page":436},{"text":"بن موسى، قال: وقال مجاهد: لا يقصر المسافر نهارا حتى يدخل الليل، وإن خرج بالليل لم يقصر حتى يدخل النهار، وعن عطاء أنه قال: إذا جاوز حيطان داره فله القصر.\nقال النووي: فهذان المذهبان فاسدان فمذهب مجاهد منابذ للأحاديث الصحيحة في قصر النبي -  ﷺ  - بذي الحليفة حين خرج من المدينة، ومذهب عطاء، وموافقيه منابذ للسفر. اهـ. منه، وهو ظاهر كما ترى.\nالفرع الرابع: اختلف العلماء في قدر المدة التي إذا نوى المسافر إقامتها لزمه الإتمام، فذهب مالك، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد في إحدى الروايتين إلى أنها أربعة أيام، والشافعية يقولون: لا يحسب فيها يوم الدخول، ولا يوم الخروج، ومالك يقول: إذا نوى إقامة أربعة أيام صحاح أتم.\nوقال ابن القاسم في العتبية: يلغى يوم دخوله ولا يحسبه.\nوالرواية المشهورة عن أحمد، أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة.\nوقال أبو حنيفة -﵀- هي نصف شهر.\nواحتج من قال بأنها أربعة أيام، بما ثبت في الصحيح من حديث العلاء بن الحضرمي - ﵁ - أنه سمع النبي -  ﷺ  - يقول: \"ثلاث ليال يمكثهن المهاجر بمكة بعد الصدر\" هذا لفظ مسلم، وفي رواية له عنه \"للمهاجر إقامة ثلاث ليال بعد الصدر بمكة\"، وفي رواية له عنه \"يقيم المهاجر بمكة بعد قضاء نسكه","vol":"1","page":437},{"text":"ثلاثا\"، وأخرجه البخاري في المناقب، عن العلاء بن الحضرمي أيضا بلفظ: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"ثلاث للمهاجر بعد الصدور\". اهـ.\nقالوا: فإذن النبي -  ﷺ  -، المهاجرين في ثلاثة الأيام يدل على أن من أقامها في حكم المسافر، وأن ما زاد عليها يكون إقامة، والمقيم عليه الإتمام، وبما أخرجه مالك في الموطأ بسند صحيح عن عمر بن الخطاب - ﵁ - \"أنه أجلى اليهود من الحجاز، ثم أذن لمن قدم منهم تاجرا أن يقيم ثلاثا\".\nوأجيب عن هذا الدليل من جهة المخالف بأن النبي -  ﷺ  - إنما رخص لهم في الثلاث؛ لأنها مظنة قضاء حوائجهم، وتهيئة أحوالهم للسفر، وكذلك ترخيص عمر لليهود في إقامة ثلاثة أيام، والاستدلال المذكور له وجه من النظر؛ لأنه يعتضد بالقياس؛ لأن القصر شرع لأجل تخفيف مشقة السفر، ومن أقام أربعة أيام، فإنها مظنة لإذهاب مشقة السفر عنه.\nواحتج الإمام أحمد على أنها ما زاد على إحدى وعشرين صلاة بما ثبت في الصحيح من حديث جابر، وابن عباس - ﵃- أن النبي -  ﷺ  -، قدم مكة في حجة الوداع صبح رابعة، فأقام النبي -  ﷺ  -، اليوم الرابع، والخامس، والسادس، والسابع، وصلى الفجر بالأبطح يوم الثامن، فكان يقصر الصلاة في هذه الأيام، وقد أجمع على إقامتها، وهي إحدى وعشرون صلاة؛ لأنها أربعة أيام كاملة، وصلاة الصبح من الثامن\" قال: فإذا أجمع أن يقيم، كما أقام النبي -  ﷺ  - قصر، وإذا أجمع على أكثر من ذلك أتم.","vol":"1","page":438},{"text":"وروى الأثرم، عن أحمد -﵀- أن هذا الاحتجاج كلام ليس يفقهه كل الناس، وحمل الإمام أحمد حديث أنس أن النبي -  ﷺ  - أقام بمكة في حجة الوداع عشرا يقصر الصلاة على هذا المعنى الذي ذكرنا عنه، وأن أنسا أراد مدة إقامته بمكة ومنى ومزدلفة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا لا ينبغي العدول عنه، لظهور وجهه، ووضوح أنه الحق.\nتنبيه: حديث أنس هذا الثابت في الصحيح، لا يعارضه ما ثبت في الصحيح أيضا، عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"أقام النبي -  ﷺ  - بمكة تسعة عشر يقصر فنحن إذا سافرنا تسعة عشر قصرنا، وإن زدنا أتممنا\". لأن حديث ابن عباس - ﵄ - في غزوة الفتح، وحديث أنس في حجة الوداع، وحديث ابن عباس محمول على أنه -  ﷺ  - ما كان ناويا الإقامة، والإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر عند الجمهور. والله تعالى أعلم.\nواحتج أبو حنيفة -﵀- لأنها نصف شهر، بما روى أبو داود من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس - ﵄ - قال: \"أقام رسول الله -  ﷺ  - بمكة عام الفتح خمسة عشر؛ يقصر الصلاة\" وضعف النووي في \"الخلاصة رواية \"خمسة عشر\".\nقال الحافظ ابن حجر في الفتح: وليس بجيد، لأن رواتها ثقات، ولم ينفرد ابن إسحاق، فقد أخرجه النسائي، من رواية عراك بن مالك، عن عبيد الله، عن ابن عباس كذلك، واختار أبو حنيفة رواية خمسة عشر، عن رواية سبعة عشر، ورواية","vol":"1","page":439},{"text":"ثمانية عشر، ورواية تسعة عشر، لأنها أقل ما ورد، فيحمل غيرها على أنه وقع اتفاقا، وأرجح الروايات وأكثرها ورودا في الروايات الصحيحة رواية تسعة عشر، وبها أخذ إسحاق بن راهويه، وجمع البيهقي بين الروايات، بأن من قال: تسعة عشر، عد يوم الدخول، ويوم الخروج، ومن قال: سبع عشرة حذفهما، ومن قال: ثماني عشرة حذف أحدهما. أما رواية خمسة عشر، فالظاهر فيها أن الراوي ظن أن الأصل رواية سبعة عشر فحذف منها، يوم الدخول، ويوم الخروج، فصار الباقي خمسة عشر.\nواعلم أن الإقامة المجردة عن النية فيها أقوال للعلماء:\nأحدها: أنه يتم بعد أربعة أيام.\nوالثاني: بعد سبعة عشر يوما.\nوالثالث: ثمانية عشر.\nوالرابع: تسعة عشر.\nوالخامس: عشرين يوما.\nوالسادس: يقصر أبدا حتى يجمع على الإقامة.\nوالسابع: للمحارب أن يقصر، وليس لغيره القصر بعد إقامة أربعة أيام.\nوأظهر هذه الأقوال أنه لا (^١) يقصر حتى ينوي الإقامة -ولو\n_________\n(^١) كذا، والظاهر حذف \"لا\".","vol":"1","page":440},{"text":"طال مقامه من غير نية الإقامة-، ويدل له قصر النبي -  ﷺ  - مدة إقامته في مكة عام الفتح، كما ثبت في الصحيح، وما رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان والبيهقي عن جابر قال: \"أقام النبي -  ﷺ  - بتبوك عشرين يوما يقصر الصلاة\". وقد صحح هذا الحديث النووي وابن حزم، وأعله الدارقطني في العلل بالإرسال والانقطاع، وأن علي بن المبارك وغيره من الحفاظ رووه عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن عبد الرحمن بن ثوبان مرسلا، وأن الأوزاعي رواه عن يحيى، عن أنس فقال: \"بضع عشرة\". وبهذا اللفظ أخرجه البيهقي وهو ضعيف. قال البيهقي بعد إخراجه له: ولا أراه محفوظا، وقد روي من وجه آخر عن جابر \"بضع عشرة\" اهـ. وقد اختلف فيه على الأوزاعي ذكره الدارقطني في العلل، وقال: الصحيح عن الأوزاعي عن يحيى أن أنسا كان يفعله. قال ابن حجر: ويحيى لم يسمع من أنس.\nوقال النووي في شرح المهذب: قلت ورواية المسند تفرد بها معمر بن راشد، وهو إمام مجمع على جلالته، وباقي الإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم، فالحديث صحيح؛ لأن الصحيح أنه إذا تعارض الحديث في إرسال وإسناد، حكم بالمسند. اهـ. منه وعقده صاحب المراقي بقوله:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ\nالخ .. واستدل أيضا من قال بأن الإقامة المجردة عن النية لا تقطع حكم السفر بما أخرجه أبو داود، والترمذي من حديث عمران بن حصين - ﵄ - قال: \"غزوت مع النبي -  ﷺ  - وشهدت","vol":"1","page":441},{"text":"معه الفتح فأقام بمكة ثماني عشرة ليلة لا يصلي إلا ركعتين، يقول: يا أهل البلدة صلوا أربعا فإنا سفر\" فقول النبي -  ﷺ  - في هذا الحديث: فإنا سفر مع إقامته ثماني عشرة يدل دلالة واضحة على أن المقيم من غير نية الإقامة يصدق عليه إسم المسافر، ويؤيده حديث \"إنما الأعمال بالنيات\" وهذا الحديث حسنه الترمذي، وفي إسناده علي بن زيد بن جدعان، وهو ضعيف.\nقال ابن حجر: وإنما حسن الترمذي حديثه لشواهده، ولم يعتبر الاختلاف في المدة، كما علم من عادة المحدثين من اعتبارهم الاتفاق على الأسانيد، دون السياق. اهـ. وعلي بن زيد المذكور أخرج له مسلم مقرونا بغيره.\nوقال الترمذي في حديثه في السفر: حسن صحيح، وقال: صدوق ربما رفع الموقوف. ووثقه يعقوب بن شيبة.\nوقال بعض أهل العلم: اختلط في كبره، وقد روى عنه شعبة، والثوري وعبد الوارث، وخلق. وقال الدارقطني: إنما فيه لين، والظاهر أن قول الدارقطني هذا أقرب للصواب فيه. لكن يتقى منه ما كان بعد الإختلاط. اهـ. إلى غير ذلك من الأدلة على أن الإقامة دون نيتها لا تقطع حكم السفر، \"وقد أقام الصحابة برامهرمز تسعة أشهر يقصرون الصلاة\". رواه البيهقي بإسناد صحيح، وتضعيفه بعكرمة بن عمار مردود بأن عكرمة المذكور من رجال مسلم في صحيحه.\nوقد روى أحمد في مسنده عن ثمامة بن شراحيل، عن ابن عمر أنه قال: \"كنت بأذربيجان لا أدري قال: أربعة أشهر أو شهرين","vol":"1","page":442},{"text":"فرأيتهم يصلون ركعتين ركعتين\" وأخرجه البيهقي.\nوقال ابن حجر في التلخيص: إن إسناده صحيح. اهـ.\nومذهب مالك الفرق بين العسكر بدار الحرب فيقصر، وبين غيره فيقصر بنية إقامة أربعة أيام صحاح.\nالفرع الخامس: إذا تزوج المسافر ببلد، أو مر على بلد فيه زوجته أتم الصلاة؛ لأن الزوجة في حكم الوطن، وهذا هو مذهب مالك، وأبي حنيفة وأصحابهما، وأحمد، وبه قال ابن عباس: وروي عن عثمان بن عفان، واحتج من قال بهذا القول بما رواه الإمام أحمد، وعبد الله بن الزبير الحميدي في مسنديهما، عن عثمان بن عفان - ﵁ - \"أنه صلى بأهل منى أربعا وقال: يا أيها الناس لما قدمت تأهلت بها، وإني سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: إذا تأهل الرجل ببلده فإنه يصلي بها صلاة المقيم\".\nقال العلامة ابن القيم -﵀- في زاد المعاد بعد أن ساق هذا الحديث: وهذا أحسن ما اعتذر به عن عثمان. يعني: في مخالفته النبي -  ﷺ  - وأبا بكر وعمر في قصر الصلاة في منى، وأعل البيهقي حديث عثمان هذا بانقطاعه، وأن في إسناده عكرمة بن إبراهيم، وهو ضعيف.\nقال ابن القيم: قال أبو البركات بن تيمية: ويمكن المطالبة بسبب الضعف، فإن البخاري ذكره في تاريخه ولم يطعن فيه، وعادته ذكر الجرح والمجروحين، وقد نص أحمد وابن عباس قبله أن المسافر إذا تزوج لزمه الإتمام، وهذا قول أبي حنيفة، ومالك وأصحابهما. اهـ. منه بلفظه.","vol":"1","page":443},{"text":"قال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن أحسن ما يعتذر به عن عثمان، وعائشة في الإتمام في السفر أنهما فهما من بعض النصوص أن القصر في السفر رخصة، كما ثبت في صحيح مسلم أنه صدقة تصدق الله بها اهـ. وأنه لا بأس بالإتمام لمن لا يشق عليه ذلك كالصوم في السفر، ويدل لذلك ما رواه هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة \"أنها كانت تصلي أربعا، قال: فقلت لها: لو صليت ركعتين، فقالت: يا ابن أختي إنه لا يشق علي\" وهذا أصرح شيء عنها في تعيين ما تأولت به. والله أعلم.\nالفرع السادس: لا يجوز للمسافر في معصية القصر؛ لأن الترخيص له، والتخفيف عليه إعانة له على معصيته، ويستدل لهذا بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ﴾ الآية. فشرط في الترخيص بالاضطرار إلى أكل الميتة كونه غير متجانف لإثم، ويفهم من مفهوم مخالفته أن المتجانف لإثم لا رخصة له، والعاصي بسفره متجانف لإثم، والضرورة أشد في اضطرار المخمصة منها في التخفيف بقصر الصلاة، ومنع ما كانت الضرورة إليه ألجأ بالتجانف للإثم يدل على منعه به فبما دونه من باب أولى، وهذا النوع من مفهوم المخالفة من دلالة اللفظ عند الجمهور، لا من القياس خلافا للشافعي، وقوم كما بيناه مرارا في هذا الكتاب، وهو المعروف بإلغاء الفارق، وتنقيح المناط، ويسميه الشافعي القياس في معنى الأصل. وبهذا قال مالك، والشافعي، وأحمد، وخالف في هذه المسألة أبو حنيفة -﵀- فقال: يقصر العاصي بسفره كغيره، لإطلاق النصوص، ولأن السفر الذي هو مناط القصر ليس","vol":"1","page":444},{"text":"معصية بعينه، وبه قال الثوري، والأوزاعي: والقول الأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-241> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا﴾</span> ذكر في هذه الكريمة أن الصلاة كانت ولم تزل على المؤمنين كتابا، أي: شيئا مكتوبا عليهم واجبا حتما موقوتا، أي: له أوقات يجب بدخولها، ولم يشر هنا إلى تلك الأوقات، ولكنه أشار لها في مواضع أخر، كقوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾ فأشار بقوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وهو زوالها عن كبد السماء على التحقيق إلى صلاة الظهر والعصر، وأشار بقوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وهو ظلامه إلى صلاة المغرب والعشاء، وأشار بقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ إلى صلاة الصبح، وعبر عنها بالقرآن بمعنى القراءة؛ لأنها ركن فيها، من التعبير عن الشيء بإسم بعضه. وهذا البيان أوضحته السنة إيضاحا كليا.\nومن الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلاة -كما قاله جماعة من العلماء-: قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾ قالوا: المراد بالتسبيح في هذه الآية الصلاة، وأشار بقوله: ﴿حِينَ تُمْسُونَ﴾ إلى صلاة المغرب والعشاء، وبقوله: هو ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ إلى صلاة الصبح وبقوله: ﴿وَعَشِيًّا﴾ إلى صلاة العصر، وبقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ إلى صلاة الظهر.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ﴾ وأقرب","vol":"1","page":445},{"text":"الأقوال في الآية أنه أشار بطرفي النهار إلى صلاة الصبح أوله، وصلاة الظهر والعصر آخره، أي: في النصف الأخير منه وأشار بزلف من الليل إلى صلاة المغرب والعشاء.\nوقال ابن كثير: يحتمل أن الآية نزلت قبل فرض الصلوات الخمس، وكان الواجب قبلها صلاتان صلاة قبل طلوع الشمس، وصلاة قبل غروبها، وقيام الليل، ثم نسخ ذلك بالصلوات الخمس، وعلى هذا فالمراد بطرفي النهار الصلاة قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، والمراد بزلف من الليل قيام الليل.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر أن هذا الاحتمال الذي ذكره الحافظ ابن كثير -﵀- بعيد؛ لأن الآية نزلت في أبي اليسر في المدينة بعد فرض الصلوات بزمن، فهي على التحقيق مشيرة لأوقات الصلاة، وهي آية مدنية في سورة مكية.\nوهذه تفاصيل أوقات الصلاة بأدلتها المبينة لها من السنة، ولا يخفى أن لكل وقت منها أولا وآخرا.\nأما أول وقت الظهر فهو زوال الشمس عن كبد السماء بالكتاب والسنة والإجماع، أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ فاللام للتوقيت، ودلوك الشمس: زوالها عن كبد السماء على التحقيق.\nوأما السنة فمنها حديث أبي برزة الأسلمي عند الشيخين \"كان النبي -  ﷺ  - يصلي الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس\" الحديث، ومعنى تدحض: تزول عن كبد السماء، وفي رواية","vol":"1","page":446},{"text":"لمسلم \"حين تزول\" وفي الصحيحين عن جابر - ﵁ -: \"كان النبي -  ﷺ  - يصلى الظهر بالهاجرة\" وفي الصحيحين من حديث أنس - ﵁ - \"أنه خرج حين زاغت الشمس فصلى الظهر\" وفي حديث ابن عباس عن النبي -  ﷺ  - قال: \"أمني جبريل عند باب البيت مرتين فصلى بي الظهر حين زالت الشمس\" الحديث، أخرجه الإمامان الشافعي، وأحمد، وأبو داود، وابن خزيمة، والدارقطني والحاكم في المستدرك، وقال: هو حديث صحيح، وقال الترمذي: حديث حسن.\nفإن قيل: في إسناده عبد الرحمن بن الحرث بن عباس بن أبي ربيعة، وعبد الرحمن بن أبي الزناد، وحكيم بن حكيم بن عباد بن حنيف، وكلهم مختلف فيهم، فالجواب: أنهم توبعوا فيه، فقد أخرجه عبد الرزاق، عن العمري، عن عمر بن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، عن ابن عباس نحوه.\nقال ابن دقيق العيد: هي متابعة حسنة. وصححه ابن العربي، وابن عبد البر، مع أن بعض رواياته ليس في إسنادها عبد الرحمن بن أبي الزناد، بل سفيان، عن عبد الرحمن بن الحارث المذكور، عن حكيم بن حكيم المذكور، فتسلم هذه الرواية من التضعيف بعبد الرحمن بن أبي الزناد، ومن هذه الطريق أخرجه ابن عبد البر، وقال: إن الكلام في إسناده لا وجه له، وكذلك أخرجه من هذا الوجه أبو داود، وابن خزيمة، والبيهقي، وعن جابر بن عبد الله - ﵄ - أن النبي -  ﷺ  - \"جاءه جبريل، - ﵇ -، فقال له: قم فصَلِّ فصلى الظهر حين زالت الشمس\" الحديث، أخرجه","vol":"1","page":447},{"text":"الإمام أحمد والنسائي، وابن حبان والحاكم.\nوقال الترمذي: قال محمد: يعني البخاري، حديث جابر هو أصح شيء في المواقيت.\nقال عبد الحق: يعني في إمامة جبريل، وهو ظاهر. وعن بريدة - ﵁ - أن النبي -  ﷺ  -: سأله رجل عن وقت الصلاة، فقال: \"صل معنا هذين اليومين، فلما زالت الشمس أمر بلالا - ﵁ - فأذن، ثم أمره فأقام الظهر\". الحديث أخرجه مسلم في صحيحه، وعن أبي موسى الأشعري - ﵁ - \"أن النبي -  ﷺ  - أتاه سائل يسأله عن مواقيت الصلاة إلى أن قال: ثم أمره، فأقام بالظهر حين زالت الشمس، والقائل يقول: قد انتصف النهار، وهو كان أعلم منهم\" الحديث، رواه مسلم أيضا، والأحاديث في الباب كثيرة جدا.\nوأما الإجماع، فقد أجمع جميع المسلمين على أن أول وقت صلاة الظهر هو زوال الشمس عن كبد السماء، كما هو ضروري من دين الإسلام.\nوأما آخر وقت صلاة الظهر، فالظاهر من أدلة السنة فية أنه عندما يصير ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، فإن في الأحاديث المشار إليها آنفا، أنه في اليوم الأول صلى العصر عندما صار ظل كل شيء مثله في إمامة جبريل، وذلك عند انتهاء وقت الظهر، وأصرح شيء في ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عن عبد الله بن عمرو - ﵄ - قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"وقت صلاة الظهر ما لم يحضر العصر\" وهذا الحديث الصحيح يدل","vol":"1","page":448},{"text":"على أنه إذا جاء وقت العصر، فقد ذهب وقت الظهر، والرواية المشهورة عن مالك -رحمه الله تعالى- أن هذا الذي ذكرنا تحديده بالأدلة هو وقت الظهر الاختياري، وأن وقتها الضروري يمتد بالاشتراك مع العصر إلى غروب الشمس. وروي نحوه عن عطاء، وطاوس.\nوالظاهر أن حجة أهل هذا القول الأدلة الدالة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت، فمنها حديث ابن عباس المشار إليه سابقا \"فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر في الأول\" وعن ابن عباس أيضا قال: \"جمع النبي -  ﷺ  - بالمدينة من غير خوف، ولا سفر\" متفق عليه، وفي رواية لمسلم \"من غير خوف، ولا مطر\"، فاستدلوا بهذا على الاشتراك، وقالوا أيضا: الصلوات زيد فيها على بيان جبريل في اليوم الثاني، فينبغي أن يزاد في وقت الظهر.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر سقوط هذا الاستدلال، أما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس \"فصلى الظهر في اليوم الثاني في الوقت الذي صلى فيه العصر، في اليوم الأول\" فيجاب عنه بما أجاب به الشافعي -﵀- وهو أن معنى صلاته للظهر في اليوم الثاني فراغه منها. كما هو ظاهر اللفظ، ومعنى صلاته للعصر في ذلك الوقت وفي اليوم الأول ابتداء الصلاة، فيكون قد فرغ من صلاة الظهر في اليوم الثاني عند كون ظل الشخص مثله، وابتدأ صلاة العصر في اليوم الأول منذ كون ظل الشخص مثله أيضا، فلا يلزم الاشتراك، ولا إشكال في ذلك، لأن آخر وقت","vol":"1","page":449},{"text":"الظهر، هو أول وقت العصر، ويدل لصحة هذا الذي قاله الشافعي، ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي موسى - ﵁ - \"وصلى الظهر قريبا من وقت العصر بالأمس\" فهو دليل صحيح واضح في أنه ابتدأ صلاة الظهر في اليوم الثاني قريبا من وقت كون ظل الشخص مثله، وأتمها عند كون ظله مثله كما هو ظاهر، ونظير هذا التأويل الذي ذهب إليه الشافعي: قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ فالمراد بالبلوغ الأول مقاربته، وبالثاني حقيقة انقضاء الأجل.\nوأما الاستدلال على الاشتراك بحديث ابن عباس المتفق عليه أنه -  ﷺ  - \"جمع بالمدينة من غير خوف، ولا سفر\" فيجاب عنه بأنه يتعين حمله على الجمع الصوري جمعًا بين الأدلة، وهو أنه صلى الظهر في آخر وقتها حين لم يبق من وقتها إلا قدرما تصلى فيه، وعند الفراغ منها دخل وقت العصر فصلاها في أوله، ومن صلى الظهر في آخر وقتها، والعصر في أول وقتها كانت سورة صلاته صورة الجمع، وليس ثم جمع في الحقيقة؛ لأنه أدى كلًّا من الصلاتين في وقتها المعين لها، كما هو ظاهر، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله.\nوأما الاستدلال بأن الصلوات زيد فيها على بيان جبريل، فهو ظاهر السقوط، لأن توقيت العبادات توقيفي بلا نزاع، والزيادة في الأوقات المذكورة ثبتت بالنصوص الشرعية.\nوأما صلاة العصر فقال دلت نصوص السنة على أن لها وقتًا اختياريًّا، ووقتًا ضروريًّا، أما وقتها الاختياري فأوله عندما يكون","vol":"1","page":450},{"text":"ظل كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال، ويدخل وقتها بانتهاء وقت الظهر المتقدم بيانه، ففي حديث ابن عباس المتقدم \"فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله\". وفي حديث جابر المتقدم أيضًا: \"فصلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله\" وهذا هو التحقيق في أول وقت العصر، كما صرحت به الأحاديث المذكورة وغيرها.\nوقال الشافعي: أول وقت العصر إذا صار ظل كل شيء مثله، وزاد أدنى زيادة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: إن كان مراد الشافعي أن الزيادة لتحقيق بيان انتهاء الظل إلى المثل إذ لا يتيقن ذلك إلا بزيادة ما كما قال به بعض الشافعية فهو موافق لما عليه الجمهور، لا مخالف له،، وإن كان مراده غير ذلك فهو مردود بالنصوص المصرحة بأن أول وقت العصر عندما يكون ظل الشيء مثله من غير حاجة إلى زيادة، مع أن الظاهر إمكان تحقيق كون ظل الشيء مثله من غير احتياج إلى زيادة ما.\nوشذ أبو حنيفة -﵀- من بين عامة العلماء -فقال: يبقى وقت الظهر حتى يصير الظل مثلين، فإذا زاد على ذلك يسيرا كان أول وقت العصر.\nونقل النووي في شرح المهذب عن القاضي أبي الطيب أن ابن المنذر قال: لم يقل هذا أحد غير أبي حنيفة -﵀- وحجته حديث ابن عمر - ﵄ - أنه سمع رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"إنما بقاؤكم فيما سلف من الأمم قبلكم كما بين صلاة","vol":"1","page":451},{"text":"العصر إلى غروب الشمس، أوتي أهل التوراة التوراة فعملوا حتى إذا انتصف النهار عجزوا، فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتي أهل الإنجيل الإنجيل، فعملوا إلى صلاة العصر فعجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا، ثم أوتينا القرآن فعملنا إلى غروب الشمس فأعطينا قيراطين قيراطين. فقال أهل الكتاب: أي ربنا أعطيت هؤلاء قيراطين قيراطين وأعطيتنا قيراطا قيراطا، ونحن أكثر عملا، قال الله تعالى: \"هل ظلمتكم من أجركم من شيء، قالوا: لا، قال: فهو فضلي أوتيه من أشاء\" متفق عليه. قال: فهذا دليل على أن وقت العصر أقصر من وقت الظهر، ومن حين يصير ظل الشيء مثله إلى غروب الشمس هو ربع النهار، وليس بأقل من وقت الظهر، بل هو مثله.\nوأجيب عن هذا الاستدلال بأن المقصود من هذا الحديث ضرب المثل، لا بيان تحديد أوقات الصلاة، والمقصود من الأحاديث الدالة على انتهاء وقت الظهر عندما يصير ظل الشيء مثله هو تحديد أوقات الصلاة، وقد تقرر في الأصول أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها لا من مظانها، مع أن الحديث ليس فيه تصريح بأن أحد الزمنين أكثر من الآخر، وإنما فيه أن عملهم أكثر، وكثرة العمل لا تستلزم كثرة الزمن؛ لجواز أن يعمل بعض الناس عملا كثيرا في زمن قليل، ويدل لهذا أن هذه الأمة وضعت عنها الآصار والأغلال التي كانت عليهم.\nقال ابن عبد البر: خالف أبو حنيفة في قوله هذا الآثار والناس، وخالفه أصحابه.\nفإذا تحققت أن الحق كون أول وقت العصر عندما يكون ظل","vol":"1","page":452},{"text":"كل شيء مثله من غير اعتبار ظل الزوال فاعلم أن آخر وقت العصر جاء في بعض الأحاديث تحديده بأن يصير ظل كل شيء مثليه، وجاء في بعضها تحديده بما قبل اصفرار الشمس، وجاء في بعضها امتداده إلى غروب الشمس، ففي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيانه لآخر وقت العصر في اليوم الثاني، \"ثم صلى العصر حين كان ظل كل شيء مثليه\". وفي حديث عبد الله بن عمرو عند مسلم وأحمد \"ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس\" وفي حديث أبي موسى عند أحمد ومسلم وأبي داود والنسائي \"ثم أخر العصر فانصرف منها، والقائل يقول: احمرت الشمس\" وروى الإمام أحمد ومسلم وأصحاب السنن الأربع نحوه من حديث بريدة الأسلمي، وفي حديث عبد الله بن عمر عند مسلم \"ووقت صلاة العصر ما لم تصفر الشمس ويسقط قرنها الأول\"، وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه \"ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر\".\nوالظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات في تحديد آخر وقت العصر أن مصير ظل الشيء مثليه هو وقت تغيير الشمس من البياض والنقاء إلى الصفرة، فيؤول معنى الروايتين إلى شيء واحد، كما قاله بعض المالكية.\nوقال ابن قدامة في المغني: أجمع العلماء على أن من صلى العصر والشمس بيضاء نقية فقد صلاها في وقتها، وفي هذا دليل على أن مراعاة المثلين عندهم استحباب، ولعلهما متقاربان يوجد أحدهما قريبا من الآخر. اهـ. منه بلفظه. وهذا هو انتهاء وقتها الاختياري.","vol":"1","page":453},{"text":"وأما الروايات الدالة على امتداد وقتها إلى الغروب، فهي في حق أهل الأعذار كحائض تطهر، وكافر يسلم، وصبي يبلغ، ومجنون يفيق، ونائم يستيقظ، ومريض يبرأ.\nويدل لهذا الجمع ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والترمذي، والنسائي من حديث أنس قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله إلا قليلا\" ففي الحديث دليل على عدم جواز تأخير صلاة العصر إلى الاصفرار فما بعده بلا عذر.\nوأول وقت صلاة المغرب غروب الشمس أي: غيبوبة قرصها بإجماع المسلمين، وفي حديث جابر وابن عباس في إمامة جبريل \"فصلى المغرب حين وجبت الشمس\"، وفي حديث سلمة بن الأكوع - ﵁ - أن رسول الله -  ﷺ  - \"كان يصلي المغرب إذا غربت الشمس وتوارت بالحجاب\". أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربع إلا النسائي، والأحاديث بذلك كثيرة.\nواختلف في آخر وقتها أعني المغرب، فقال بعض العلماء: ليس لها إلا وقت واحد، وهو قدر ما تصلى فيه من أول وقتها مع مراعاة الإتيان بشروطها، وبه قال الشافعي، وهو مشهور مذهب مالك، وحجة أهل هذا القول أن جبريل صلاها بالنبي -  ﷺ  - في الليلة الثانية في وقت صلاته لها في الأولى، قالوا: فلو كان لها وقت آخر لأخرها في الثانية إليه كما فعل في جميع الصلوات وغيرها.","vol":"1","page":454},{"text":"والتحقيق أن وقت المغرب يمتد ما لم يغب الشفق، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عنه -  ﷺ  - أنه قال: \"ووقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق\" الحديث والمراد بثور الشفق: ثورانه وانتشاره ومعظمه، وفي القاموس: أنه حمرة الشفق الثائرة فيه، وفي حديث أبي موسى المتقدم عند أحمد ومسلم، وحديث بريدة المتقدم عند أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربع \"ثم أخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق\" وفي لفظ \"فصلى المغرب قبل سقوط الشفق\".\nوالجواب عن أحاديث إمامة جبريل حيث صلى المغرب في اليومين في وقت واحد من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه اقتصر على بيان الاختيار ولم يستوعب وقت الجواز، وهذا جار في كل الصلوات ما سوى الظهر.\nوالثاني: أنه متقدم في أول الأمر بمكة، وهذه الأحاديث بامتداد وقت المغرب إلى غروب الشفق متأخرة في آخر الأمر بالمدينة فوجب اعتمادها.\nوالثالث: أن هذه الأحاديث أصح إسنادا من حديث بيان جبريل فوجب تقديمها، قاله الشوكاني -﵀-، ولا خلاف بين العلماء في أفضلية تقديم صلاة المغرب عند أول وقتها.\nومذهب الإمام مالك -﵀- امتداد الوقت الضروري للمغرب بالاشتراك مع العشاء إلى الفجر.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: روينا عن ابن عباس","vol":"1","page":455},{"text":"وعبد الرحمن بن عوف في المرأة تطهر قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء، والظاهر أن حجة هذا القول بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى طلوع الفجر كما هو مذهب مالك ما ثبت في الصحيح أيضا من أنه -  ﷺ  - \"جمع بين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا سفر\"، فقد روى الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس - ﵄ - أن النبي -  ﷺ  - \"صلى بالمدينة سبعا وثمانيا الظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء\" ومعناه: أنه يصلي السبع جميعا في وقت واحد، والثمان كذلك كما بينته رواية البخاري في باب وقت المغرب عن ابن عباس قال: صلى النبي -  ﷺ  - \"سبعا جميعا وثمانيا جميعا\". وفي لفظ لمسلم، وأحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه \"جمع بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء بالمدينة من غير خوف ولا مطر، قيل لابن عباس: ما أراد بذلك؟ قال: أراد ألا يحرج أمته\" وبه تعلم أن قول مالك في الموطأ: لعل ذلك لعلة المطر غير صحيح. وفي لفظ أكثر الروايات من غير خوف ولا سفر.\nوقد قدمنا أن هذا الجمع يجب حمله على الجمع الصوري؛ لما تقرر في الأصول من أن الجمع واجب إذا أمكن، وبهذا الحمل تنتظم الأحاديث، ولا يكون بينها خلاف. ومما يدل على أن الحمل المذكور متعين ما أخرجه النسائي عن ابن عباس بلفظ \"صليت مع النبي -  ﷺ  - الظهر والعصر جميعا، والمغرب والعشاء جميعا، أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب، وعجل العشاء\" فهذا ابن عباس راوي حديث الجمع قد صرح بأن ما رواه من الجمع المذكور هو الجمع الصوري، فرواية النسائي هذه صريحة","vol":"1","page":456},{"text":"في محل النزاع، مبينة للإجمال الواقع في الجمع المذكور.\nوقد تقرر في الأصول أن البيان بما سنده دون سند المبين جائز عند جماهير الأصوليين، وكذلك المحدثون. وأشار إليه في مراقي السعود بقوله في مبحث البيان:\nوبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد\nويؤيده ما رواه الشيخان عن عمرو بن دينار أنه قال \"يا أبا الشعثاء أظنه أخر الظهر وعجل العصر، وأخر المغرب وعجل العشاء. قال: وأنا أظنه\" وأبو الشعثاء هو راوي الحديث عن ابن عباس، والراوي أدرى بما روى من غيره، لأنه قد يعلم من سياق الكلام قرائن لا يعلمها الغائب.\nفإن قيل: ثبت في صحيح البخاري وغيره أن أيوب السختياني قال لأبي الشعثاء: لعل ذلك الجمع في ليلة مطيرة، فقال أبو الشعثاء: عسى.\nفالظاهر في الجواب -والله تعالى أعلم- أنا لم ندع جزم أبي الشعثاء بذلك، ورواية الشيخين عنه بالظن، والظن لا ينافي احتمال النقيض، وذلك النقيض المحتمل هو مراده بعسى. والله تعالى أعلم.\nومما يؤيد حمل الجمع المذكور على الجمع الصوري أن ابن مسعود وابن عمر -﵃- كلاهما ممن روى عنه الجمع المذكور بالمدينة، مع أن كلا منهما روى عنه ما يدل على أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري.","vol":"1","page":457},{"text":"أما ابن مسعود فقد رواه عنه الطبراني كما ذكره ابن حجر في فتح الباري.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: رواه الطبراني عن ابن مسعود في الكبير، والأوسط كما ذكره الهيتمي في مجمع الزوائد بلفظ \"جمع رسول الله -  ﷺ  - بين الظهر والعصر، وبين المغرب والعشاء، فقيل له في ذلك، فقال: صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي\" مع أن ابن مسعود روى عنه مالك في الموطأ والبخاري، وأبو داود والنسائي أنه قال \"ما رأيت رسول الله -  ﷺ  - صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين، جمع بين المغرب والعشاء بالمزدلفة، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها\" فنفي ابن مسعود للجمع المذكور يدل على أن الجمع المروي عنه الجمع الصوري؛ لأن كلا من الصلاتين في وقتها، وإلا لكان قوله متناقضا، والجمع واجب متى ما أمكن.\nوأما ابن عمر فقد روى عنه الجمع المذكور بالمدينة عبد الرزاق، كما قاله الشوكاني أيضا، مع أنه روى عنه ابن جرير أنه قال: \"خرج علينا رسول الله -  ﷺ  - فكان يؤخر الظهر، ويعجل العصر فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب، ويعجل العشاء فيجمع بينهما\" قاله الشوكاني أيضا. وهذا هو الجمع الصوري، فهذه الروايات معينة للمراد بلفظ جمع.\nواعلم أن لفظة \"جمع\" فعل في سياق الإثبات، وقد قرر أئمة الأصول أن الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه.\nقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي في مبحث العام،","vol":"1","page":458},{"text":"ما نصه: \"الفعل المثبت لا يكون عاما في أقسامه، مثل: صلى داخل الكعبة، فلا يعم الفرض والنفل إلى أن قال: وكان يجمع بين الصلاتين لا يعم وقتيهما، وأما تكرر الفعل فمستفاد من قول الراوي كان يجمع، كقولهم كان حاتم يكرم الضيف\" الخ.\nقال شارحه العضد ما نصه: \"وإذا قال: كان يجمع بين الصلاتين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير في وقت الثانية، وعمومه في الزمان لا يدل عليه أيضا، وربما توهم ذلك من قوله \"كان يفعل\". فإنه يفهم منه التكرار، كما إذا قيل: كان حاتم يكرم الضيف، وهو ليس مما ذكرناه في شيء؛ لأنه لا يفهم من الفعل وهو \"يجمع\" بل من قول الراوي، وهو \"كان\" حتى لو قال: \"جمع\" لزال التوهم. انتهى محل الغرض منه بلفظه بحذف يسير لما لا حاجة إليه في المراد عندنا. فقوله: حتى لو قال: \"جمع\" زال التوهم، يدل على أن قول ابن عباس في الحديث المذكور \"جمع\" لا يتوهم فيه العموم، وإذن فلا تتعين صورة من صور الجمع إلا بدليل منفصل، وقد قدمنا الدليل على أن المراد الجمع الصوري.\nوقال صاحب جمع الجوامع عاطفا على ما لا يفيد العموم ما نصه: \"والفعل المثبت، ونحو كان يجمع في السفر\".\nقال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: ونحو كان يجمع في السفر، أي: بين الظهر والعصر، والمغرب والعشاء، لا عموم له أيضا؛ لأنه فعل في سياق الثبوت، فلا يعم جمعهما بالتقديم في وقت الأولى، والتأخير إلى وقت الثانية، بهذا فسر الرهوني كلام","vol":"1","page":459},{"text":"ابن الحاجب إلى أن قال: وإنما خص المصنف هذا الفعل الأخير بالذكر مع كونه فعلا في سياق الثبوت؛ لأن في كان معنى زائد، وهو اقتضاؤها مع المضارع التكرار عرفا، فيتوهم منها العموم، نحو \"كان حاتم يكرم الضيفان\" وبهذا صرح الفهري والرهوني، وذكر ولي الدين عن الإمام في المحصول أنها لا تقتضي التكرار عرفا ولا لغة.\nقال ولي الدين: والفعل في سياق الثبوت لا يعم، كالنكرة المثبتة، إلا أن تكون في معرض الامتنان، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾. اهـ. من الضياء اللامع لابن حلولو.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وجه كون الفعل في سياق الثبوت لا يعم هو أن الفعل ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، وينحل عند جماعة من البلاغيين عن مصدر وزمن ونسبة، فالمصدر كامن في معناه إجماعا، والمصدر الكامن فيه لم يتعرف بمعرف فهو نكرة في المعنى، ومعلوم أن النكرة لا تعم في الإثبات، وعلى هذا جماهير العلماء.\nوما زعمه بعضهم من أن الجمع الصوري لم يرد في لسان الشارع، ولا أهل عصره فهو مردود بما قدمنا عن ابن عباس عند النسائي، وابن عمر عند عبد الرزاق، وبما رواه أبو داود، وأحمد، والترمذي، وصحَّحه، والشافعي، وابن ماجه والدارقطني، والحاكم من حديث حمنة بنت جحش - ﵂ - \"أن النبي -  ﷺ  - قال لها وهي مستحاضة: فإن قويت على أن تؤخري الظهر، وتعجلي العصر، ثم تغتسلي حتى تطهري وتصلين الظهر والعصر","vol":"1","page":460},{"text":"جمعا، ثم تؤخرين المغرب وتعجلين العشاء، ثم تغتسلين وتجمعين بين الصلاتين فافعلي، وتغتسلين مع الصبح\" قال: وهذا أعجب الأمرين إلي.\nومما يدل على أن الجمع المذكور في حديث ابن عباس جمع صوري ما رواه النسائي من طريق عمرو بن هشام، عن أبي الشعثاء \"أن ابن عباس صلى بالبصرة الأولى والعصر ليس بينهما شيء، والمغرب والعشاء ليس بينهما شيء، فعل ذلك من شغل\" وفيه: رفعه إلى النبي -  ﷺ  -، وفي رواية لمسلم من طريق عبد الله بن شقيق أن شغل ابن عباس المذكور كان بالخطبة، وأنه خطب بعد صلاة العصر إلى أن بدت النجوم، ثم جمع بين المغرب والعشاء، وفيه تصديق أبي هريرة لابن عباس في رفعه: انتهى من فتح الباري.\nوما ذكره الخطابي وابن حجر في الفتح من أن قوله -  ﷺ  -: \"صنعت ذلك لئلا تحرج أمتي\" في حديث ابن عباس وابن مسعود المتقدمين يقدح في حمله على الجمع الصوري؛ لأن القصد إليه لا يخلو من حرج، وأنه أضيق من الإتيان بكل صلاة في وقتها، لأن أوائل الأوقات وأواخرها مما يصعب إدراكه على الخاصة فضلا عن العامة، يجاب عنه بما أجاب به العلامة الشوكاني -﵀- في نيل الأوطار: وهو أن الشارع -  ﷺ  -، قد عرف أمته أوائل الأوقات وأواخرها، وبالغ في التعريف والبيان حتى إنه عينها بعلامات حسية لا تكاد تلتبس على العامة فضلا عن الخاصة، والتخفيف في تأخير إحدى الصلاتين إلى آخر وقتها، وفعل الأخرى في أول وقتها متحقق بالنسبة إلى فعل كل واحدة منهما في أول وقتها، كما كان","vol":"1","page":461},{"text":"ديدنه -  ﷺ  -، حتى قالت عائشة - ﵂ -: \"ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين حتى قبضه الله\" ولا يشك منصف أن فعل الصلاتين دفعة والخروج إليهما مرة أخف من صلاة كل منهما في أول وقتها. وممن ذهب إلى أن المراد بالجمع المذكور الجمع الصوري ابن الماجشون، والطحاوي، وإمام الحرمين، والقرطبي، وقواه ابن سيد الناس بما قدمنا عن أبي الشعثاء، ومال إليه بعض الميل النووي في شرح المهذب في باب المواقيت من كتاب الصلاة.\nفإن قيل: الجمع الصوري الذي حملتم عليه حديث ابن عباس هو فعل كل واحدة من الصلاتين المجموعتين في وقتها، وهذا ليس برخصة، بل عزيمة، فأي فائدة إذن في قوله -  ﷺ  -: \"لئلا تحرج أمتي\" مع كون الأحاديث المعينة للأوقات تشمل الجمع الصوري، وهل حمل الجمع على ما شملته أحاديث التوقيت إلا من باب الاطراح لفائدته وإلغاء مضمونه.\nفالجواب: هو ما أجاب به العلامة الشوكاني -﵀- أيضا: وهو أنه لا شك أن الأقوال الصادرة منه -  ﷺ  -، في أحاديث توقيت الصلوات شاملة للجمع الصوري كما ذكره المعترض، فلا يصح أن يكون رفع الحرج منسوبا إليها، بل هو منسوب إلى الأفعال، ليس إلا، لما عرفناك من أنه -  ﷺ  - ما صلى صلاة لآخر وقتها مرتين، فربما ظن ظان أن فعل الصلاة في أول وقتها متحتم لملازمته -  ﷺ  - لذلك طول عمره، فكان في جمعه جمعا صوريا تخفيف وتسهيل على من اقتدى بمجرد الفعل، وقد كان اقتداء","vol":"1","page":462},{"text":"الصحابة بالأفعال أكثر منه بالأقوال، ولهذا امتنع الصحابة - ﵃- من نحر بدنهم يوم الحديبية بعد أن أمرهم -  ﷺ  -، بالنحر حتى دخل -  ﷺ  - على أم سلمة مغموما، فأشارت عليه بأن ينحر ويدعو الحلاق يحلق له ففعل، فنحروا جميعا وكادوا يهلكون غما من شدة تراكم بعضهم على بعض حال الحلق.\nومما يؤيد أن الجمع المتنازع فيه لا يجوز لغير عذر ما أخرجه الترمذي عن ابن عباس عن النبي -  ﷺ  - قال: \"من جمع بين الصلاتين من غير عذر فقد أتى بابا من أبواب الكبائر\" وفي إسناده حنش بن قيس، وهو ضعيف.\nومما يدل على ذلك أيضا ما قاله الترمذي في آخر سننه في كتاب العلل منه، ولفظه: جميع ما في كتابي هذا من الحديث معمول به، وبه أخذ بعض أهل العلم، ما خلا حديثين. حديث ابن عباس \"أن النبي -  ﷺ  - جمع بين الظهر والعصر بالمدينة. والمغرب والعشاء من غير خوف، ولا سفر\" الخ.\nوبه تعلم أن الترمذي يقول: إنه لم يذهب أحد من أهل العلم إلى العمل بهذا الحديث في جمع التقديم أو التأخير، فلم يبق إلا الجمع الصوري فيتعين.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: روي عن جماعة من أهل العلم أنهم أجازوا الجمع في الحضر للحاجة مطلقا، لكن بشرط ألا يتخذ ذلك عادة، منهم ابن سيرين، وربيعة، وأشهب، وابن المنذر، والقفال الكبير، وحكاه الخطابي عن جماعة من أصحاب الحديث. قاله ابن حجر وغيره. وحجتهم ما تقدم في الحديث من قوله:","vol":"1","page":463},{"text":"\"لئلا تحرج أمتي\" وقد عرفت مما سبق أن الأدلة تعين حمل ذلك على الجمع الصوري كما ذكر، والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه: قد اتضح من هذه الأدلة التي سقناها أن الظهر لا يمتد لها وقت إلى الغروب، وأن المغرب لا يمتد لها وقت إلى الفجر، ولكن يتعين حمل هذا الوقت المنفي بالأدلة على الوقت الاختياري، فلا ينافي امتداد وقت الظهر الضروري إلى الغروب، ووقت المغرب الضروري إلى الفجر، كما قاله مالك -﵀- لقيام الأدلة على اشتراك الظهر والعصر في الوقت عند الضرورة، وكذلك المغرب والعشاء، وأوضح دليل على ذلك جواز كل من جمع التقديم، وجمع التأخير في السفر، فصلاة العصر مع الظهر عند زوال الشمس دليل على اشتراكها مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وصلاة الظهر بعد خروج وقتها في وقت العصر في جمع التأخير دليل على اشتراكها معها في وقتها عند الضرورة أيضا، وكذلك المغرب والعشاء.\nأما جمع التأخير بحيث يصلي الظهر في وقت العصر، والمغرب في وقت العشاء فهو ثابت في الروايات المتفق عليها، فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك - ﵁ - قال: \"كان النبي -  ﷺ  - إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس، أخر الظهر إلى وقت العصر، ثم يجمع بينهما\". قال ابن حجر في شرحه لهذا الحديث: قوله: ثم يجمع بينهما أي: في وقت العصر، وفي رواية قتيبة عن المفضل في الباب الذي بعده \"ثم نزل فجمع بينهما\" ولمسلم من رواية جابر بن إسماعيل، عن","vol":"1","page":464},{"text":"عقيل \"يؤخر الظهر إلى وقت العصر، فيجمع بينهما، ويؤخر المغرب حتى يجمع بينها، وبين العشاء حين يغيب الشفق\" وله من رواية شبابة، عن عقيل \"حتى يدخل أول وقت العصر، ثم يجمع بينهما\". اهـ. منه بلفظه.\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر - ﵄ - أن النبي -  ﷺ  - \"كان إذا جد به السير جمع بين المغرب والعشاء\" ولا يمكن حمل هذا الجمع على الجمع الصوري؛ لأن الروايات الصحيحة التي ذكرنا آنفا فيها التصريح بأنه صلى الظهر في وقت العصر، والمغرب بعد غيبوبة الشفق.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: اتفقت رواية يحيى بن سعيد الأنصاري، وموسى بن عقبة، وعبيد الله بن عمر، وأيوب السختياني، وعمر بن محمد بن زيد، عن نافع، على أن جمع ابن عمر الصلاتين كان بعد غيبوبة الشفق، وخالفهم من لا يدانيهم في حفظ أحاديث نافع، ثم قال بعد هذا بقليل: ورواية الحفاظ من أصحاب نافع أولى بالصواب، فقد رواه سالم بن عبد الله، وأسلم مولى عمر وعبد الله بن دينار، وإسماعيل بن عبد الرحمن بن أبي ذؤيب، وقيل: ابن ذؤيب عن ابن عمر نحو روايتهم. ثم ساق البيهقي أسانيد رواياتهم.\nوأما جمع التقديم بحيث يصلي العصر عند زوال الشمس مع الظهر في أول وقتها، والعشاء مع المغرب عند غروب الشمس في أول وقتها فهو ثابت أيضا عنه -  ﷺ  - وإن أنكره من أنكره من العلماء، وحاول تضعيف أحاديثه، فقد جاء عن النبي -  ﷺ  - فيه أحاديث، منها","vol":"1","page":465},{"text":"ما هو صحيح، ومنها ما هو حسن، فمن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل في الحج \"ثم أذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ولم يصل بينهما شيئا\" وكان ذلك بعد الزوال، فهذا حديث صحيح فيه التصريح بأنه صلى العصر مقدمة مع الظهر بعد الزوال. وقد روى أبو داود، وأحمد، والترمذي وقال: حسن غريب، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي والحاكم عن معاذ - ﵁ - أن النبي -  ﷺ  - \"كان في غزوة تبوك إذا ارتحل قبل أن تزيغ الشمس أخر الظهر حتى يجمعها إلى العصر يصليهما جميعا، وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم سار، وكان إذا ارتحل قبل المغرب أخر المغرب حتى يصليها مع العشاء، وإذا ارتحل بعد المغرب عجل العشاء، فصلاها مع المغرب\".\nوإبطال جمع التقديم بتضعيف هذا الحديث كما حاوله الحاكم، وابن حزم لا عبرة به؛ لما رأيت آنفا من أن جمع التقديم أخرجه مسلم في صحيحه من حديث جابر الطويل، وعن ابن عباس ﵄ - عن النبي -  ﷺ  - \"أنه كان في السفر إذا زاغت الشمس في منزله جمع بين الظهر والعصر قبل أن يركب، فإذا لم تزغ له في منزله سار حتى إذا حانت العصر نزل فجمع بين الظهر والعصر، وإذا حانت المغرب في منزله جمع بينها وبين العشاء، وإذا لم تحن في منزله ركب حتى إذا كانت العشاء نزل فجمع بينهما\" رواه أحمد، ورواه الشافعي في مسنده بنحوه، وقال فيه: \"إذا سار قبل أن تزول الشمس أخر الظهر حتى يجمع بينها وبين العصر في وقت العصر\" ورواه البيهقي، والدارقطني، وروي عن","vol":"1","page":466},{"text":"الترمذي أنه حسنه.\nفإن قيل: حديث معاذ معلول بتفرد قتيبة فيه عن الحفاظ، وبأنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع، كما قاله ابن حزم، وبأن في إسناده أبا الطفيل وهو مقدوح فيه بأنه كان حامل راية المختار بن أبي عبيد، وهو يؤمن بالرجعة، وبأن الحاكم قال: هو موضوع، وبأن أبا داود قال: ليس في جمع التقديم حديث قائم، وحديث ابن عباس في إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهو ضعيف.\nفالجواب: أن إعلاله بتفرد قتيبة به مردود من وجهين:\nالأول: أن قتيبة بن سعيد -رحمه الله تعالى- بالمكانة المعروفة له من العدالة والضبط والإتقان، وهذا الذي رواه لم يخالف فيه غيره، بل زاد ما لم يذكره غيره، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وقد تقرر في علم الحديث أن زيادات العدول مقبولة لا سيما وهذه الزيادة التي هي جمع التقديم تقدم ثبوتها في صحيح مسلم من حديث جابر، وسيأتي إن شاء الله أيضا أنها صحت من حديث أنس.\nالوجه الثاني: أن قتيبة لم يتفرد به، بل تابعه فيه المفضل بن فضالة.\nقال العلامة ابن القيم -رحمه الله تعالى- في زاد المعاد ما نصه: فإن أبا داود رواه عن يزيد بن خالد بن عبد الله بن موهب الرملي، حدثنا المفضل بن فضالة، عن الليث بن سعد، عن هشام","vol":"1","page":467},{"text":"بن سعد، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل، عن معاذ فذكره، فهذا المفضل قد تابع قتيبة، وإن كان قتيبة أجل من المفضل، وأحفظ لكن زال تفرد قتيبة به. اهـ. منه بلفظه.\nورواه البيهقي في السنن الكبرى قال: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسه، حدثنا أبو داود، ثم ساق السند المتقدم آنفا. أعني سند أبي داود الذي ساقه ابن القيم، والمتن فيه التصريح بجمع التقديم، وكذلك رواه النسائي والدارقطني، كما قاله ابن حجر في التلخيص، فاتضح أن قتيبة لم يتفرد بهذا الحديث؛ لأن أبا داود، والنسائي، والدارقطني، والبيهقي أخرجوه من طريق أخرى متابعة لرواية قتيبة. وقال ابن حجر في التلخيص: إن في سند هذه الطريق هشام بن سعد، وهو لين الحديث.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هشام بن سعد المذكور من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقا، وبه تعلم صحة طريق المفضل المتابعة لطريق قتيبة، ولذا قال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشيخ: وإنما أنكروا من هذا رواية يزيد ابن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، فأما رواية أبي الزبير عن أبي الطفيل فهي محفوظة صحيحة.\nواعلم أنه لا يخفى أن ما يروى عن البخاري -﵀- من أنه سأل قتيبة عمن كتب معه هذا الحديث عن الليث بن سعد فقال: كتبه معي خالد المدائني فقال البخاري: كان خالد المدائني يدخل على الشيوخ. يعني: يدخل في روايتهم ما ليس منها = أنه لا يظهر كونه قادحا في رواية قتيبة؛ لأن العدل الضابط لا يضره أخذ","vol":"1","page":468},{"text":"آلاف الكذابين معه؛ لأنه إنما يحدث بما علمه، ولا يضره كذب غيره، كما هو ظاهر.\nوالجواب عما قاله ابن حزم من أنه معنعن بيزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل، ولا يعرف له منه سماع من وجهين:\nالأول: أن العنعنة ونحوها لها حكم التصريح بالتحديث عند المحدثين إلا إذا كان المعنعن مدلسا، ويزيد ابن أبي حبيب قال فيه الذهبي في تذكرة الحفاظ: كان حجة حافظا للحديث، وذكر من جملة من روى عنهم أبا الطفيل المذكور، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة فقيه. وكان يرسل. ومعلوم أن الإرسال غير التدليس؛ لأن الإرسال في اصطلاح المحدثين هو رفع التابعي مطلقا أو الكبير خاصة الحديث إلى النبي -  ﷺ  - وقيل: إسقاط راو مطلقا، وهو قول الأصوليين، فالإرسال مقطوع فيه بحذف الواسطة، بخلاف التدليس، فإن تدليس الإسناد يحذف فيه الراوي شيخه المباشر له، ويسند إلى شيخ شيخه المعاصر بلفظ محتمل للسماع مباشرة وبواسطة، نحو عن فلان، وقال فلان، فلا يقطع فيه بنفي الواسطة، بل هو يوهم الاتصال؛ لأنه لا بد فيه من معاصرة من أسند إليه، أعني: شيخ شيخه، وإلا كان منقطعا، كما هو معروف في علوم الحديث. وقول ابن حزم: لم يعرف له منه سماع، ليس بقادح؛ لأن المعاصرة تكفي، ولا يشترط ثبوت اللقى، وأحرى ثبوت السماع، فمسلم بن الحجاج لا يشترط في صحيحه إلا المعاصرة، فلا يشترط اللقى، وأحرى السماع، وإنما اشترط اللقى البخاري. قال العراقي في ألفيته:","vol":"1","page":469},{"text":"وصححوا وصل معنعن وسلم ... من دلسة راويه واللقا علم\nوبعضهم حكى بذا إجماعا ... ومسلم لم يشترط اجتماعا\nلكن تعاصر ... إلخ.\nوبالجملة فلا يخفى إجماع المسلمين على صحة أحاديث مسلم مع أنه لا يشترط إلا المعاصرة، وبه تعلم أن قول ابن حزم ومن وافقه: إنه لا تعرف رواية يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل لا تقدح في حديثه؛ لما علمت من أن العنعنة من غير المدلس لها حكم التحديث، ويزيد بن أبي حبيب مات سنة ثمان وعشرين بعد المائة، وقد قارب الثمانين.\nوأبو الطفيل ولد عام أحد، ومات سنة عشرين ومائة على الصحيح، وبه تعلم أنه لا شك في معاصرتهما واجتماعهما في قيد الحياة زمنا طويلا، ولا غرو في حكم ابن حزم على رواية يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل بأنها باطلة، فإنه قد ارتكب أشد من ذلك في حكمه على الحديث الثابت في صحيح البخاري \"ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف\" بأنه غير متصل، ولا يحتج به بسبب أن البخاري قال في أول الإسناد: قال هشام بن عمار. ومعلوم أن هشام بن عمار من شيوخ البخاري، وأن البخاري بعيد جدا من التدليس، وإلى رد هذا على ابن حزم أشار العراقي في ألفيته بقوله:\nوإن يكن أول الاسناد حذف ... مع صيغة الجزم فتعليقا عرف\nولو إلى آخره، أما الذي ... لشيخه عزا بقال فكذي","vol":"1","page":470},{"text":"عنعنة كخبر المعازف ... لا تصغ لابن حزم المخالف\nمع أن المشهور عن مالك وأحمد وأبي حنيفة -﵏- الاحتجاج بالمرسل، والمرسل في اصطلاح أهل الأصول ما سقط منه راو مطلقا، فهو بالاصطلاح الأصولي يشمل المنقطع والمعضل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولي كما صرح به غير واحد وهو واضح.\nوالجواب عن القدح في أبي الطفيل بأنه كان حامل راية المختار مردود من وجهين:\nالأول: أن أبا الطفيل صحابي، وهو آخر من مات من أصحاب رسول الله -  ﷺ  - كما قاله مسلم، وعقده ناظم عمود النسب بقوله:\nآخر من مات من الأصحاب له ... أبو الطفيل عامر بن واثلة\nوأبو الطفيل هذا هو عامر بن واثلة بن عبد الله بن عمرو بن جحش الليثي نسبة إلى ليث بن أبي كنانة، والصحابة كلهم -﵃- عدول، وقد جاءت تزكيتهم في كتاب الله وسنة نبيه -  ﷺ  - كما هو معلوم في محله، والحكم لجميع الصحابة بالعدالة هو مذهب الجمهور، وهو الحق، وقال في مراقي السعود:\nوغيره رواية والصحب ... تعديلهم كل إليه يصبو\nواختار في الملازمين دون من ... رآه مرة إمام مؤتمن\nالوجه الثاني: هو ما ذكره الشوكاني -﵀- في نيل الأوطار، وهو أن أبا الطفيل إنما خرج مع المختار على قاتلي","vol":"1","page":471},{"text":"الحسين - ﵁ - وأنه لم يعلم من المختار إيمانه بالرجعة.\nوالجواب عن قول الحاكم: إنه موضوع، بأنه غير صحيح، بل هو ثابت وليس بموضوع.\nقال العلامة ابن القيم -﵀-: وحكمه بالوضع على هذا الحديث غير مسلم. يعني: الحاكم.\nوقال ابن القيم أيضا في زاد المعاد: قال الحاكم: هذا الحديث موضوع، وإسناده على شرط الصحيح، لكن رمى بعلة عجيبة.\nقال الحاكم: حدثنا أبو بكر بن محمد بن أحمد بن بالويه، حدثنا موسى بن هارون، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث بن سعد، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل، عن معاذ بن جبل أن النبي -  ﷺ  - \"كان في غزوة تبوك -إلى أن قال-: وإذا ارتحل بعد زيغ الشمس صلى الظهر والعصر جميعا، ثم سار\" الحديث.\nقال الحاكم: هذا الحديث رواته أئمة ثقات، وهو شاذ الإسناد والمتن، ثم لا نعرف له علة نعله بها، فلو كان الحديث عن الليث، عن أبي الزبير، عن أبي الطفيل لعللنا به الحديث، ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الطفيل لعللنا به، فلما لم نجد العلتين خرج عن أن يكون معلولا، ثم نظرنا فلم نجد ليزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل رواية، ولا وجدنا هذا المتن بهذه السياقة عن أحد من أصحاب أبي الطفيل، ولا عن أحد ممن روى عن معاذ بن جبل غير أبي الطفيل، فقلنا: الحديث شاذ، وقد حدثوا عن أبي العباس الثقفي قال: كان قتيبة بن سعيد يقول لنا: على هذا الحديث علامة","vol":"1","page":472},{"text":"أحمد بن حنبل، وعلى ابن المديني، ويحيى بن معين، وأبي بكر بن أبي شيبة، وأبي خيثمة، حتى عد قتيبة سبعة من أئمة الحديث كتبوا عنه هذا الحديث، وأئمة الحديث إنما سمعوه من قتيبة تعجبا من إسناده ومتنه، ثم لم يبلغنا عن أحد منهم أنه ذكر للحديث علة، ثم قال: فنظرنا فإذا الحديث موضوع، وقتيبة ثقة مأمون. اهـ. محل الغرض منه بتصرف يسير لا يخل بشيء من المعنى وانظره، فإن قوله: \"ولو كان عن يزيد بن أبي حبيب عن أبي الطفيل لعللنا به\" فيه أن سنده الذي ساق فيه عن يزيد عن أبي الطفيل.\nوبهذا تعلم أن حكم الحاكم على هذا الحديث بأنه موضوع لا وجه له، أما رجال إسناده فهم ثقات باعترافه هو، وقد قدمنا لك أن قتيبة تابعه فيه المفضل بن فضالة عند أبي داود، والنسائي، والبيهقي، والدارقطني، وانفراد الثقة الضابط بما لم يروه غيره لا يعد شذوذا، وكم من حديث صحيح في الصحيحين وغيرهما انفرد به عدل ضابط من غيره، وقد عرفت أن قتيبة لم ينفرد به، وأما متنه فهو بعيد الشذوذ أيضا. وقد قدمنا أن مثله رواه مسلم في صحيحه عن جابر ﵁، وصح أيضا مثله من حديث أنس.\nقال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: وقد روى إسحاق بن راهويه: حدثنا شبابة، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أنس أن رسول الله -  ﷺ  - \"كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر ثم ارتحل\" هذا إسناد كما ترى. وشبابة هو شبابة بن سوار الثقة المتفق على الاحتجاج بحديثه، وقد روى له","vol":"1","page":473},{"text":"مسلم في صحيحه، فهذا الإسناد على شرط الشيخين. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق حديث إسحاق هذا ما نصه: وأعل بتفرد إسحاق به عن شبابة، ثم تفرد جعفر الفريابي به عن إسحاق، وليس ذلك بقادح، فإنهما إمامان حافظان. اهـ. منه بلفظه.\nوروى الحاكم في الأربعين بسند صحيح عن أنس نحو حديث إسحاق المذكور، ونحوه لأبي نعيم في مستخرج مسلم.\nقال الحافظ في بلوغ المرام بعد أن ساق حديث أنس المتفق عليه ما نصه: وفي رواية للحاكم في الأربعين بإسناد صحيح \"صلى الظهر والعصر ثم ركب\" ولأبي نعيم في مستخرج مسلم \"كان إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل\".\nوقال ابن حجر في التلخيص الحبير بعد أن ساق حديث الحاكم المذكور بسنده ومتنه ما نصه: وهي زيادة غريبة صحيحة الإسناد، وقد صححه المنذري من هذا الوجه، والعلائي، وتعجب من كون الحاكم لم يورده في المستدرك.\nقال: وله طريق أخرى رواها الطبراني في الأوسط. ثم ساق الحديث بها. وقال: تفرد به يعقوب بن محمد.\nولا يقدح في رواية الحاكم هذه ما ذكره ابن حجر في الفتح من أن البيهقي ساق سند الحاكم المذكور، ثم ذكر المتن ولم يذكر","vol":"1","page":474},{"text":"فيه زيادة جمع التقديم، لما قدمنا من أن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وزيادة العدول مقبولة كما تقدم.\nوقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث معاذ الذي نحن بصدده ما نصه: رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.\nوقال البيهقي: هو محفوظ صحيح. وعن أنس قال: \"كان رسول الله -  ﷺ  - إذا كان في سفر فزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا ثم ارتحل\" رواه الإسماعيلي، والبيهقي بإسناد صحيح.\nقال إمام الحرمين في الأساليب: في ثبوت الجمع أخبار صحيحة، هي نصوص لا يتطرق إليها تأويل، ودليله في المعنى الاستنباط من صورة الإجماع، وهي الجمع بعرفات ومزدلفة إذ لا يخفى أن سببه احتياج الحجاج إليه لاشتغالهم بمناسكهم، وهذا المعنى موجود في كل الأسفار. انتهى محل الغرض منه بلفظه.\nوالجواب عن قول أبي داود: ليس في جمع التقديم حديث قائم. هو ما رأيت من أنه ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر وصح من حديث أنس من طريق إسحاق بن راهويه، وأخرجه الحاكم بسند صحيح في الأربعين، وأخرجه أبو نعيم في مستخرج مسلم والإسماعيلي، والبيهقي وقال: إسناده صحيح بلفظ \"كان رسول الله -  ﷺ  - إذا كان في سفر وزالت الشمس صلى الظهر والعصر جميعا\" إلى آخر ما تقدم.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار: قد عرفت أن أحاديث جمع","vol":"1","page":475},{"text":"التقديم بعضها صحيح، وبعضها حسن، وذلك يرد قول أبي داود: ليس في جمع التقديم حديث قائم.\nوالجواب عن تضعيف حديث ابن عباس المتقدم في جمع التقديم بأن في إسناده حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس بن عبد المطلب، وهو ضعيف، هو أنه روي من طريقين أخريين بهما يعتضد الحديث حتى يصير أقل درجاته الحسن.\nالأولى: أخرجها يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن أبي خالد الأحمر، عن الحجاج، عن الحكم، عن مقسم، عن ابن عباس.\nوالثانية منهما: رواها إسماعيل القاضي في الأحكام عن إسماعيل بن أبي أويس، عن أخيه، عن سليمان بن بلال، عن هشام بن عروة، عن كريب، عن ابن عباس بنحوه. قاله ابن حجر في التلخيص، والشوكاني في نيل الأوطار.\nوقال ابن حجر في التلخيص أيضا: يقال: إن الترمذي حسنه وكأنه باعتبار المتابعة، وغفل ابن العربي فصحح إسناده.\nوبهذا كله تعلم أن كلا من جمع التقديم وجمع التأخير في السفر ثابت عن رسول الله -  ﷺ  -، وفيه صورة مجمع عليها، وهي التي رواها مسلم عن جابر في حديثه الطويل في الحج كما قدمنا، وهي جمع التقديم ظهر عرفات، وجمع التأخير عشاء المزدلفة.\nقال البيهقي في السنن الكبرى: والجمع بين الصلاتين بعذر السفر من الأمور المشهورة المستعملة فيما بين الصحابة والتابعين ﵃ أجمعين مع الثابت عن النبي -  ﷺ  -، ثم عن أصحابه،","vol":"1","page":476},{"text":"ثم ما أجمع عليه المسلمون من جمع الناس بعرفات، ثم بالمزدلفة. اهـ. منه بلفظه.\nوروى البيهقي في \"السنن الكبرى\" أيضا، عن الزهري أنه سأل سالم بن عبد الله هل يجمع بين الظهر والعصر في السفر؟ فقال: نعم، لا بأس بذلك، ألم تر إلى صلاة الناس بعرفة اهـ. منه بلفظه.\nوقال العلامة ابن القيم -﵀- في \"زاد المعاد\": قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويدل على جمع التقديم بعرفة بين الظهر والعصر لمصلحة الوقوف ليتصل وقت الدعاء ولا يقطعه بالنزول لصلاة العصر مع إمكان ذلك بلا مشقة، فالجمع كذلك لأجل المشقة والحاجة أولى.\nقال الشافعي: وكان أرفق به يوم عرفة تقديم العصر؛ لأن يتصل له الدعاء فلا يقطعه بصلاة العصر، والتأخير أرفق بالمزدلفة؛ لأن يتصل له المسير، ولا يقطعه للنزول للمغرب؛ لما في ذلك من التضييق على الناس. اهـ. من زاد المعاد.\nفبهذه الأدلة التي سقناها في هذا المبحث تعلم أن العصر مشتركة مع الظهر في وقتها عند الضرورة، وأن العشاء مشتركة مع المغرب في وقتها عند الضرورة أيضا، وأن الظهر مشتركة مع العصر في وقتها عند الضرورة، وأن المغرب مشتركة مع العشاء في وقتها عند الضرورة أيضا، ولا يخفى أن الأئمة الذين خالفوا مالكا -رحمه الله تعالى- في امتداد وقت الضرورة للظهر إلى الغروب وامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر كالشافعي، وأحمد -رحمهما الله- ومن وافقهما أنهم في الحقيقة موافقون له،","vol":"1","page":477},{"text":"لاعترافهم بأن الحائض إذا طهرت قبل الغروب بركعة صلت الظهر والعصر معا، وكذلك إذا طهرت قبل طلوع الفجر بركعة صلت المغرب والعشاء كما قدمنا عن ابن عباس وعبد الرحمن بن عوف، فلو كان الوقت خرج بالكلية لم يلزمها أن تصلي الظهر ولا المغرب، للإجماع على أن الحائض لا تقضي ما فات وقته من الصلوات وهي حائض.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\": فرع، قد ذكرنا أن الصحيح عندنا أنه يجب على المعذور الظهر بما تجب به العصر، وبه قال عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس، وفقهاء المدينة السبعة، وأحمد وغيرهم.\nوقال الحسن، وحماد، وقتادة، وحماد، والثوري وأبو حنيفة ومالك وداود: لا تجب عليه. اهـ منه بلفظه.\nومالك يوجبها بقدر ما تصلى فيه الأولى من مشتركتي الوقت مع بقاء ركعة فهو أربع في المغرب والعشاء، وخمس في الظهر والعصر للحاضر، وثلاث للمسافر.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": وروي هذا القول -يعني إدراك الظهر مثلا بما تدرك به العصر في الحائض تطهر- عن عبد الرحمن ابن عوف، وابن عباس، وطاووس، ومجاهد، والنخعي، والزهري، وربيعة، ومالك، والليث، والشافعي، وإسحاق، وأبي ثور.\nقال الإمام أحمد: عامة التابعين يقولون بهذا القول إلا الحسن وحده. قال: لا تجب إلا الصلاة التي طهرت في وقتها","vol":"1","page":478},{"text":"وحدها ... إلى أن قال: ولنا ما روى الأثرم وابن المنذر وغيرهما بإسنادهم عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس أنهما قالا في الحائض تطهر قبل طلوع الفجر بركعة: تصلي المغرب والعشاء، فإذا طهرت قبل أن تغرب الشمس صلت الظهر والعصر جميعا\" ولأن وقت الثانية وقت الأولى حال العذر، فإذا أدركه المعذور لزمه فرضها كما يلزمه فرض الثانية. اهـ. منه بلفظه مع حذف يسير، وهو تصريح من هذا العالم الجليل الحنبلي بامتداد وقت الضرورة للمغرب إلى الفجر، وللظهر إلى الغروب كقول مالك -رحمه الله تعالى-.\nوأما أول وقت العشاء فقد أجمع المسلمون على أنه يدخل حين يغيب الشفق.\nوفي حديث جابر وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل في بيان أول وقت العشاء: \"ثم صلى العشاء حين غاب الشفق\"، وفي حديث بريدة المتقدم عند مسلم وغيره \"ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق\"، وفي حديث أبي موسى عند مسلم وغيره \"ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق\" والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدا، وهو أمر لا نزاع فيه.\nفإذا علمت إجماع العلماء على أن أول وقت العشاء هو مغيب الشفق فاعلم أن العلماء اختلفوا في الشفق، فقال بعض العلماء: هو الحمرة، وهو الحق. وقال بعضهم: هو البياض الذي بعد الحمرة.\nومما يدل على أن الشفق هو الحمرة ما رواه الدارقطني عن","vol":"1","page":479},{"text":"ابن عمر أن النبي -  ﷺ  - قال: \"الشفق الحمرة فإذا غاب الشفق وجبت الصلاة\".\nقال الدارقطني في \"الغرائب\": هو غريب، وكل رواته ثقات، وقد أخرج ابن خزيمة في صحيحه عن عبد الله بن عمرو مرفوعا: \"ووقت صلاة المغرب إلى أن تذهب حمرة الشفق\" الحديث.\nقال ابن خزيمة: إن صحت هذه اللفظة أغنت عن غيرها من الروايات، لكن تفرد بها محمد بن يزيد.\nقال ابن حجر في التلخيص: محمد بن يزيد هو الواسطي وهو صدوق، وروى هذا الحديث ابن عساكر، وصحح البيهقي وقفه على ابن عمر، وقال الحاكم أيضا: إن رفعه غلط، بل قال البيهقي: روي هذا الحديث عن عمر، وعلي، وابن عباس، وعبادة بن الصامت، وشداد بن أوس، ولا يصح فيه شيء. ولكن قد علمت أن الإسناد الذي رواه ابن خزيمة به في صحيحه ليس فيه مما يوجب تضعيفه إلا محمد بن يزيد، وقد علمت أنه صدوق.\nومما يدل على أن الحمرة الشفق ما رواه البيهقي في سننه عن النعمان بن بشير، قال: أنا أعلم الناس بوقت صلاة العشاء \"كان -  ﷺ  - يصليها لسقوط القمر لثالثة\" لما حققه غير واحد من أن البياض لا يغيب إلا بعد ثلث الليل، وسقوط القمر لثالثة الشهر قبل ذلك، كما هو معلوم.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: ومن حجج القائلين بأن الشفق الحمرة ما روي عنه -  ﷺ  - \"أنه صلى العشاء لسقوط القمر لثالثة","vol":"1","page":480},{"text":"الشهر\" أخرجه أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي. قال ابن العربي: وهو صحيح، وصلى قبل غيبوبة الشفق.\nقال ابن سيد الناس في \"شرح الترمذي\": وقد علم كل من له علم بالمطالع والمغارب أن البياض لا يغيب إلا عند ثلث الليل الأول، وهو الذي حد -  ﷺ  - خروج أكثر الوقت به، فصح يقينا أن وقتها داخل قبل ثلث الليل الأول بيقين، فقد ثبت بالنص أنه داخل قبل مغيب الشفق الذي هو البياض، فتبين بذلك يقينا أن الوقت دخل بالشفق الذي هو الحمرة انتهى . وابتداء وقت العشاء مغيب الشفق إجماعا\" لما تقدم في حديث جبريل، وحديث التعليم، وهذا الحديث، وغير ذلك. انتهى منه بلفظه. وهو دليل واضح على أن الشفق الحمرة، لا البياض، وفي القاموس: الحمرة، ولم يذكر البياض.\nوقال الخليل والفراء وغيرهما من أئمة اللغة: الشفق الحمرة. وما روي عن الإمام أحمد -﵀- من أن الشفق في السفر هو الحمرة، وفي الحضر هو البياض الذي بعد الحمرة لا يخالف ما ذكرنا\" لأنه من تحقيق المناط لغيبوبة الحمرة التي هي الشفق عند أحمد، وإيضاحه أن الإمام أحمد -﵀- يقول: \"الشفق هو الحمرة\" والمسافر لأنه في الفلاة والمكان المتسع يعلم سقوط الحمرة، أما الذي في الحضر فالأفق يستتر عنه بالجدران فيستظهر حتى يغيب البياض، ليستدل بغيبوبته على مغيب الحمرة، فاعتباره لغيبة البياض لدلالته على مغيب الحمرة، لا لنفسه. اهـ. من المغني لابن قدامة.","vol":"1","page":481},{"text":"وقال أبو حنيفة -﵀- ومن وافقه: الشفق البياض الذي بعد الحمرة، وقد علمت أن التحقيق أنه الحمرة.\nوأما آخر وقت العشاء فقد جاء في بعض الروايات الصحيحة انتهاؤه عند ثلث الليل الأول، وفي بعض الروايات الصحيحة نصف الليل، وفي بعض الروايات الصحيحة ما يدل على امتداده إلى طلوع الفجر. فمن الروايات بانتهائه إلى ثلث الليل، ما أخرجه البخاري في صحيحه عن عائشة - ﵂ - \"كانوا يصلون العشاء فيما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل الأول\".\nوفي حديث أبي موسى، وبريدة المتقدمين في تعليم من سأله عن مواقيت الصلاة عند مسلم وغيره \"أنه -  ﷺ  - في الليلة الأولى أقام العشاء حين غاب الشفق، وفي الليلة الثانية أخره حتى كان ثلث الليل الأول، ثم قال: الوقت فيما بين هذين\".\nوفي حديث جابر، وابن عباس المتقدمين في إمامة جبريل \"أنه في الليلة الأولى صلى العشاء حين مغيب الشفق، وفي الليلة الثانية صلاها حين ذهب ثلث الليل وقال: الوقت فيما بين هذين الوقتين\" إلى غير ذلك من الروايات الدالة على انتهاء وقت العشاء عن ذهاب ثلث الليل الأول.\nومن الروايات الدالة على امتداده إلى نصف الليل، ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس - ﵁ - قال: \"أخر النبي -  ﷺ  - العشاء إلى نصف الليل، ثم صلى، ثم قال: قد صلى الناس وناموا أما إنكم في صلاة ما انتظرتموها\". قال أنس: كأني أنظر إلى وبيض خاتمه ليلتئذ.","vol":"1","page":482},{"text":"وفي حديث عبد الله بن عمرو المتقدم عند أحمد، ومسلم، والنسائي، وأبي داود \"ووقت صلاة العشاء إلى نصف الليل\" وفي بعض رواياته: \"فإذا صليتم العشاء فإنه وقت إلى نصف الليل\".\nومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الفجر ما رواه أبو قتادة عن النبي صفي حديث طويل قال: قال النبي -  ﷺ  -: \"ليس في النوم تفريط، إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجىء وقت الأخرى\" رواه مسلم في صحيحه.\nواعلم أن عموم هذا الحديث مخصوص بإجماع المسلمين على أن وقت الصبح لا يمتد بعد طلوع الشمس إلى صلاة الظهر، فلا وقت للصبح بعد طلوع الشمس إجماعا.\nفإن قيل: يمكن تخصيص حديث أبي قتادة هذا بالأحاديث الدالة على انتهاء وقت العشاء إلى نصف الليل.\nفالجواب: أن الجمع ممكن، وهو واجب إذا أمكن، وإعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ووجه الجمع أن التحديد بنصف الليل للوقت الاختياري، والامتداد إلى الفجر للوقت الضروري. ويدل لهذا إطباق من ذكرنا سابقا من العلماء على أن الحائض إذا طهرت قبل الصبح بركعة صلت المغرب، والعشاء، ومن خالف من العلماء فيما ذكرنا سابقا إنما خالف في المغرب، لا في العشاء، مع أن الأثر الذي قدمنا في ذلك عن عبد الرحمن بن عوف، وابن عباس لا يبعد أن يكون في حكم المرفوع، لأن الموقوف الذي لا مجال للرأي فيه له حكم الرفع، كما تقرر في علوم الحديث، ومعلوم أن انتهاء أوقات العبادات كابتدائها لا مجال للرأي فيه؛ لأنه","vol":"1","page":483},{"text":"تعبدي محض، وبهذا تعرف وجه الجمع بين ما دل على انتهائه بنصف الليل، وما دل على امتداده إلى الفجر.\nولكن يبقى الإشكال بين روايات الثلث، وروايات النصف، والظاهر في الجمع -والله تعالى أعلم- أنه جعل كل ما بين الثلث والنصف -وهو السدس- ظرفا لآخر وقت العشاء الاختياري.\nوإذن فلآخره أول وآخر، وإليه ذهب ابن سريج من الشافعية، وعلى أن الجمع بهذا الوجه ليس بمقنع، فليس هناك طريق إلا الترجيح بين الروايات، فبعض العلماء رجح روايات الثلث بأنها أحوط في المحافظة على الوقت المختار، وبأنها محل وفاق؛ لاتفاق الروايات على أن من صلى العشاء قبل الثلث فهو مؤد صلاته في وقتها الاختياري، وبعضهم رجح روايات النصف بأنها زيادة صحيحة، وزيادة العدل مقبولة.\nوأما أول وقت صلاة الصبح فهو عند طلوع الفجر الصادق بإجماع المسلمين، وهو الفجر الذي يحرم الطعام والشراب على الصائم.\nوفي حديث أبي موسى، وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره \"وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر، والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا\" الحديث.\nوفي حديث جابر المتقدم في إمامة جبريل أيضا: \"ثم صلى الفجر حين برق الفجر، وحرم الطعام على الصائم\" ومعلوم أن الفجر فجران كاذب وصادق، فالكاذب لا يحرم الطعام على","vol":"1","page":484},{"text":"الصائم، ولا تجوز به صلاة الصبح، فقد جاء في بعض الروايات الدالة على انتهائه بالإسفار ما في حديث جابر المذكور آنفًا \"ثم جاءه حين أسفر جدًّا فقال: قم فصَلِّ. فصلى الفجر\".\nوفي حديث ابن عباس المتقدم آنفا \"ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض\" الحديث. وهذا في بيانه لآخر وقت الصبح المختار في اليوم الثاني.\nوفي حديث أبي موسى وبريدة المتقدمين عند مسلم وغيره \"ثم أخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول: طلعت الشمس أو كادت\".\nومن الروايات الدالة على امتداده إلى طلوع الشمس ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره من حديث عبد الله بن عمرو - ﵄ - \"ووقت صلاة الفجر ما لم تطلع الشمس\". وفي رواية لمسلم \"ووقت الفجر ما لم يطلع قرن الشمس الأول\".\nوالظاهر في وجه الجمع بين هذه الروايات أن الوقت المنتهي إلى الإسفار هو وقت الصبح الاختياري، والممتد إلى طلوع الشمس وقتها الضروري، وهذا هو مشهور مذهب مالك. وقال بعض المالكية: لا ضروري للصبح فوقتها كله إلى طلوع الشمس وقت اختيار، وعليه فوجه الجمع هو ما قدمنا عن ابن سريج في الكلام على آخر وقت العشاء، والعلم عند الله تعالى.\nفهذا الذي ذكرنا هو تفصيل الأوقات الذي أجمل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ وبين","vol":"1","page":485},{"text":"بعض البيان في قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-242> قوله تعالى: ﴿وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)﴾</span> نهى الله تعالى المسلمين في هذه الآية الكريمة عن الوهن، وهو الضعف فى طلب أعدائهم الكافرين، وأخبرهم بأنهم إن كانوا يجدون الألم من القتل والجراح فالكفار كذلك، والمسلم يرجو من الله الثواب والرحمة ما لا يرجوه الكافر، فهو أحق بالصبر على الآلام منه، وأوضح هذا المعنى في آيات متعددة كقوله: ﴿وَلا تَهِنُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٣٩) إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ﴾ وقوله ﴿فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-243> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ﴾</span> ذكر في هذه الآية أن من فعل ذنبا فإنه إنما يضر به خصوص نفسه، لا غيرها، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-244> قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أنه علم نبيه - ﷺ - ما لم يكن يعلمه، وبين في مواضع أخر أنه علمه ذلك عن طريق هذا القرآن العظيم الذي أنزله عليه كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ","vol":"1","page":486},{"text":"وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية. وقوله: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ الى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-245> قوله تعالى: ﴿لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيرا من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه. ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَتَنَاجَوْا بِالْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٩) إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ﴾ لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون، دون الكفار أو لا، ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾ فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ﴾.\nوقال بعض العلماء: إن الأمر بالمعروف المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ﴾ يبينه قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا﴾ والآية الأخيرة فيها أنها في الآخرة، والأمر بالمعروف","vol":"1","page":487},{"text":"المذكور إنما هو في الدنيا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-246> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا﴾</span> المراد في هذه الآية بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقررا له: ﴿يَاأَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ وقوله عن الملائكة: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ ولم يبين في هذه الآيات ما وجه عبادتهم للشيطان ولكنه بين في آيات أخر أن معنى عبادتهم للشيطان: إطاعتهم له، واتباعهم لتشريعه، وإيثاره على ما جاء به الرسل من عند الله تعالى كقوله: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ وقوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، فإن عدي بن حاتم ﵁ لما قال للنبي - ﷺ -: كيف اتخذوهم أربابا؟ قال له النبي - ﷺ -: \"إنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم\" وذلك هو معنى اتخاذهم إياهم أربابا.\nويفهم من هذه الآيات بوضوح لا لبس فيه أن من اتبع تشريع الشيطان مؤثرا له على ما جاءت به الرسل فهو كافر بالله، عابد للشيطان، متخذ الشيطان ربا وإن سمى أتباعه للشيطان بما شاء من الأسماء؛ لأن الحقائق لا تتغير بإطلاق الألفاظ عليها، كما هو معلوم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-247> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾</span>","vol":"1","page":488},{"text":"بين هنا فيما ذكر عن الشيطان كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض بقوله: ﴿وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾ والمراد بتبتيك آذان الأنعام شق أذن البحيرة مثلا وقطعها ليكون ذلك سمة وعلامة، لكونها بحيرة أو سائبة كما قاله قتادة والسدي وغيرهما، وقد أبطله تعالى بقوله: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ﴾ الآية. والمراد ببحرها شق أذنها كما ذكرنا والتبتيك في اللغة: التقطيع، ومنه قول زهير:\nحتى إذا ما هوت كف الوليد لها ... طارت وفي كفه من ريشها بتك\nأي: قطع. كما بين كيفية اتخاذه لهذا النصيب المفروض في آيات أخر، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿قَال أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ الآية. ولم يبين هنا هل هذا الظن الذي ظنه إبليس ببني آدم أنه يتخذ منهم نصيبا مفروضا وأنه يضلهم تحقق لإبليس أو لا، ولكنه بين في آية أخرى أن ظنه هذا تحقق له، وهي قوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ﴾ الآية. ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس، ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله: ﴿لَأُغْويَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر، أو لا؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ","vol":"1","page":489},{"text":"حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾.\nوقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف، والباقي في النار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-248> قوله تعالى: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ﴾</span> قال بعض العلماء: معنى هذه الآية أن الشيطان يأمرهم بالكفر وتغيير فطرة الإسلام التي خلقهم الله عليها، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ إذ المعنى على التحقيق: لا تبدلوا فطرة الله التي خلقكم عليها بالكفر، فقوله: ﴿لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ خبر أريد به الإنشاء إيذانا بأنه لا ينبغي ألا أن يمتثل، حتى كأنه خبر واقع بالفعل لا محالة، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ﴾ الآية. أي: لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ويشهد لهذا ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة - ﵁ - قال: قال النبي - ﷺ -: \"كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو ينصرانه، أو يمجسانه، كما تولد البهيمة بهيمة جمعاء، هل تجدون فيها من جدعاء\" وما رواه مسلم في صحيحه عن عياض بن حمار بن أبي حمار التميمي قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إني خلقت عبادي حنفاء، فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\".\nوأما على القول بأن المراد في الآية بتغيير خلق الله خصاء الدواب، والقول بأن المراد به الوشم، فلا بيان في الآية المذكورة، وبكل من الأقوال المذكورة قال جماعة من العلماء،","vol":"1","page":490},{"text":"وتفسير بعض العلماء لهذه الآية بأن المراد بها خصاء الدواب يدل على عدم جوازه؛ لأنه مسوق في معرض الذم، واتباع تشريع الشيطان، أما خصاء بني آدم فهو حرام إجماعا؛ لأنه مثلة وتعذيب وقطع عضو، وقطع نسل من غير موجب شرعي، ولا يخفى أن ذلك حرام.\nوأما خصاء البهائم فرخص فيه جماعة من أهل العلم إذا قصدت به المنفعة إما لسمن أو غيره، وجمهور العلماء على أنه لا بأس أن يضحى بالخصي، واستحسنه بعضهم إذا كان أسمن من غيره، ورخص في خصاء الخيل عمر بن عبد العزيز، وخصى عروة بن الزبير بغلا له، ورخص مالك في خصاء ذكور الغنم، وإنما جاز ذلك؛ لأنه لا يقصد به التقرب إلى غير الله، وإنما يقصد به تطييب لحم ما يؤكل وتقوية الذكر إذ انقطع أمله عن الأنثى، ومنهم من كره ذلك لقول النبي -  ﷺ  -: \"إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون\". قاله القرطبي، واختاره ابن المنذر قال: لأن ذلك ثابت عن ابن عمر وكان يقول هو: نماء خلق الله. وكره ذلك عبد الملك بن مروان.\nوقال الأوزاعي: كانوا يكرهون خصاء كل شيء له نسل. وقال ابن المنذر: وفيه حديثان.\nأحدهما: عن ابن عمر أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن خصاء الغنم والبقر والإبل والخيل\".\nوالآخر: حديث ابن عباس أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن صبر الروح وخصاء البهائم\".\nوالذي في الموطأ من هذا الباب ما ذكره عن نافع عن ابن","vol":"1","page":491},{"text":"عمر أنه كان يكره الإخصاء، ويقول: فيه تمام الخلق.\nقال أبو عمر: يعني في ترك الإخصاء تمام الخلق، وروي نماء الخلق.\nقال القرطبي بعد أن ساق هذا الكلام الذي ذكرنا: قلت: أسند أبو محمد عبد الغني من حديث عمر بن إسماعيل، عن نافع، عن ابن عمر قال: كان رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"لا تخصوا ما ينمي خلق الله\" رواه عن الدارقطني شيخه قال: حدثنا عباس بن محمد، حدثنا قراد، حدثنا أبو مالك النخعي، عن عمر بن إسماعيل فذكره. قال الدارقطني: ورواه عبد الصمد بن النعمان عن أبي مالك. اهـ. من القرطبي بلفظه.\nوكذلك على القول بأن المراد بتغيير خلق الله الوشم، فهو يدل أيضا على أن الوشم حرام.\nوقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود - ﵁ - أنه قال: لعن الله الواشمات والمستوشمات، والنامصات والمتنمصات، والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله ﷿، ثم قال: ألا ألعن من لعن رسول الله -  ﷺ  -، وهو في كتاب الله ﷿، يعني قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوقالت طائفة من العلماء: المراد بتغيير خلق الله في هذه الآية هو أن الله تعالى خلق الشمس والقمر والأحجار والنار وغيرها من المخلوقات للاعتبار وللانتفاع بها، فغيرها الكفار بأن جعلوها آلهة معبودة.","vol":"1","page":492},{"text":"وقال الزجاج: إن الله تعالى خلق الأنعام لتركب وتؤكل فحرموها على أنفسهم، وجعل الشمس والقمر والحجارة مسخرة للناس، فجعلوها آلهة يعبدونها، فقد غيروا ما خلق الله.\nوما روى عن طاووس -﵀- من أنه كان لا يحضر نكاح سوداء بأبيض، ولا بيضاء بأسود، ويقول: هذا من قول الله تعالى \"فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ\" فهو مردود بأن اللفظ وإن كان يحتمله فقد دلت السنة على أنه غير مراد بالآية، فمن ذلك إنفاذه -  ﷺ  - نكاح مولاه زيد بن حارثة ﵁، وكان أبيض بظئره بركة أم أسامة، وكانت حبشية سوداء، ومن ذلك إنكاحه -  ﷺ  - أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وكانت بيضاء قرشية وأسامة أسود، وكانت تحت بلال أخت عبد الرحمن بن عوف من بني زهرة بن كلاب، وقد سها طاووس -﵀- مع علمه وجلالته عن هذا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ويشبه قول طاووس هذا في هذه الآية ما قال بعض علماء المالكية من أن السوداء تزوج بولاية المسلمين العامة، بناء على أن مالكا يجيز تزويج الدنية بولاية عامة المسلمين إن لم يكن لها ولي خاص مجبر. قالوا: والسوداء دنية مطلقا؛ لأن السواد شوه في الخلقة، وهذا القول مردود عند المحققين من العلماء، والحق أن السوداء قد تكون شريفة، وقد تكون جميلة، وقد قال بعض الأدباء:\nوسوداء الأديم تريك وجها ... ترى ماء النعيم جرى عليه\nرآها ناظري فرنا إليها ... وشكل الشيء منجذب إليه","vol":"1","page":493},{"text":"وقال آخر:\nولي حبشية سلبت فؤادي ... ونفسي لا تتوق إلى سواها\nكأن شروطها طرق ثلاث ... تسير بها النفوس إلى هواها\nوقال آخر في سوداء:\nأشبهك المسك وأشبهته ... قائمة في لونه قاعدة\nلا شك إذ لونكما واحد ... أنكما من طينة واحدة\nوأمثاله في كلام الأدباء كثيرة.\nوقوله: ﴿وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ﴾ يدل على أن تقطيع آذان الأنعام لا يجوز، وهو كذلك.\nأما قطع أذن البحيرة والسائبة تقربا بذلك للأصنام فهو كفر بالله إجماعا، وأما تقطيع آذان البهائم لغير ذلك فالظاهر أيضا أنه لا يجوز، ولذا أمرنا -  ﷺ  - \"أن نستشرف العين، والأذن، ولا نضحى بعوراء، ولا مقابلة، ولا مدابرة، ولا خرقاء، ولا شرقاء\". أخرجه أحمد، وأصحاب السنن الأربع، والبزار، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي من حديث علي - ﵁ - وصححه الترمذي، وأعله الدارقطني.\nوالمقابلة المقطوعة طرف الأذن، والمدابرة المقطوعة مؤخر الأذن، والشرقاء مشقوقة الأذن طولا، والخرقاء التي خرقت أذنها خرقا مستديرا فالعيب في الأذن مراعى عند جماعة العلماء.\nقال مالك والليث: المقطوعة الأذن لا تجزىء، أو جل الأذن","vol":"1","page":494},{"text":"قاله القرطبي، والمعروف من مشهور مذهب مالك أن الذي يمنع الإجزاء قطع ثلث الأذن فما فوقه، لا ما دونه فلا يضر، وإن كانت سكاء وهي التي خلقت بلا أذن، فقال مالك، والشافعي: لا تجزئ، وإن كانت صغيرة الأذن أجزأت، وروي عن أبي حنيفة مثل ذلك، وإن كانت مشقوقة الأذن للميسم أجزأت عند الشافعي، وجماعة الفقهاء. قاله القرطبي في تفسير هذه الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-249> قوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا شيئا من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر، كقوله في أماني العرب الكاذبة: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله عنهم: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات.\nوما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم، فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم، ونبينا خاتم النبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ﴾ الآية. لا ينافي ما ذكرنا، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ","vol":"1","page":495},{"text":"مُحْسِنٌ﴾ الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسنا؛ لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسنا، أي: مخلصا عمله لله، لا يشرك فيه به شيئا، مراقبا فيه لله كأنه يراه، فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والإنقياد التام، ومنه قول زيد بن نفيل العدوي:\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبا زلالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرا ثقالا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-250> قوله تعالى: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة - ﵂ - فقوله هنا: ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ في محل رفع معطوفا على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى: (قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أيضا ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ﴾ الآية، وذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾ الآية. ومضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات، فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره","vol":"1","page":496},{"text":"فليتركها، ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية، كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ هو عن، أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن، أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن، كما تقدم عن عائشة ﵂.\nوقال بعض العلماء: الحرف المحذوف هو في، أي: ترغبون في نكاحهن إن كن متصفات بالجمال، وكثرة المال مع أنكم لا تقسطون فيهن.\nوالذين قالوا بالمجاز واختلفوا في جواز حمل اللفظ على حقيقته ومجازه معا أجازوا ذلك في المجاز العقلي كقولك: أغناني زيد وعطاؤه، فإسناد الإغناء إلى زيد حقيقة عقلية، وإسناده إلى العطاء مجاز عقلي فجاز جمعها، وكذلك إسناد الإفتاء إلى الله حقيقي، وإسناده إلى ما يتلى مجاز عقلي عندهم، لأنه سببه فيجوز جمعها.\nوقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ في محل جر معطوفا على الضمير، وعليه فتقرير المعنى قُلِ: اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ ويفتيكم فيما يتلى عليكم، وهذا الوجه يضعفه أمران:\nالأول: أن الغالب أن الله يفتي بما يتلى في هذا الكتاب، ولا يفتي لظهور أمره.","vol":"1","page":497},{"text":"الثاني: أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، وأجازه ابن مالك مستدلا بقراءة حمزة \"والأرحام\" بالخفض عطفا على الضمير من قوله: ﴿تَسَاءَلُونَ بِهِ﴾ وبوروده في الشعر كقوله:\nفاليوم قربت تهجونا وتشتمنا ... فاذهب فما بك والأيام من عجب\nبجر الأيام عطفا على الكاف، ونظيره قول الآخر:\nنعلق في السواري سيوفنا ... وما بينها والكعب مهوى نفانف\nبجر الكعب معطوفا على الضمير قبله، وقول الآخر:\nوقد رام آفاق السماء فلم يجد ... له مصعدا فيها ولا الأرض مقعدا\nفقوله: ولا الأرض بالجر معطوفا على الضمير، وقول الآخر:\nأمر على الكتيبة لست أدري ... أحتفي كان فيها أم سواها\nفسواها في محل جر بالعطف على الضمير.\nوأجيب عن الآية بجواز كونها قسما، والله تعالى له أن يقسم بما شاء من خلقه، كما أقسم بمخلوقاته كلها في قوله تعالى: ﴿فَلا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لا تُبْصِرُونَ (٣٩) الآية.\nوعن الأبيات بأنها شذوذ يحفظ ولا يقاس عليه.\nوصحح العلامة ابن القيم -﵀- جواز العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض، وجعل منه قوله تعالى: ﴿حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ فقال: إن قوله: ﴿وَمَنِ﴾","vol":"1","page":498},{"text":"في محل جر عطفا على الضمير المجرور في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ وتقرير المعنى عليه حَسْبُكَ اللَّهُ، أي: كافيك، وكافي من اتبعك من المؤمنين.\nوأجاز ابن القيم والقرطبي في قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ أن يكون منصوبا معطوفا على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل نصب، ونظيره قول الشاعر:\nإذا كانت الهيجاء وانشقت العصا ... فحسبك والضحاك سيف مهند\nبنصب الضحاك كما ذكرنا، وجعل بعض العلماء منه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (٢٠)﴾ فقال: ﴿وَمَنْ﴾ عطف على ضمير الخطاب في قوله ﴿لَكُمْ﴾ وتقرير المعنى عليه: وجعلنا لكم ولمن لستم له برازقين فيها معايش، وكذلك إعراب ﴿وَمَا يُتْلَى﴾ بأنه مبتدأ خبره محذوف، أو خبره ﴿في الكتاب﴾، وإعرابه منصوبا على أنه مفعول لفعل محذوف تقديره، ويبين لكم ما يتلى، وإعرابه مجرورا على أنه قسم، كل ذلك غير ظاهر.\nوقال بعض العلماء: إن المراد بقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ آيات المواريث؛ لأنهم كانوا لا يورثون النساء، فاستفتوا رسول الله -  ﷺ  - في ذلك، فأنزل الله آيات المواريث.\nوعلى هذا القول فالمبين لقوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو قوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ﴾ الآيتين. وقوله في آخر السورة: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلالَةِ﴾ الآية. والظاهر أن قول أم المؤمنين أصح وأظهر.","vol":"1","page":499},{"text":"تنبيه: المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ﴾ أصله مجرور بحرف محذوف، وقد قدمنا الخلاف هل هو عن، وهو الأظهر، أو هو في، وبعد حذف حرف الجر المذكور فالمصدر في محل نصب على التحقيق، وبه قال الكسائي والخليل: وهو الأقيس لضعف الجار عن العمل محذوفا.\nوقال الأخفش: هو في محل جر بالحرف المحذوف بدليل قول الشاعر:\nوما زرت ليلى أن تكون حبيبة ... إلي ولا دين بها أنا طالبه\nبجر دين عطفا على محل أن تكون، أي: لكونها حبيبة، ولا لدين، ورد أهل القول الأول الاحتجاج بالبيت بأنه من عطف التوهم كقول زهير:\nبدا لي أني لست مدرك ما مضى ... ولا سابق شيئا إذا كان جائيا\nبجر سابق لتوهم دخول الباء على المعطوف عليه الذي هو خبر ليس، وقول الآخر:\nمشائم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها\nبجر ناعب لتوهم الباء، وأجاز سيبويه الوجهين.\nواعلم أن حرف الجر لا يطرد حذفه إلا مع المصدر المنسبك من أن، وأن وصلتهما عند الجمهور خلافا لعلي بن سليمان الأخفش القائل بأنه مطرد في كل شيء عند أمن اللبس، وعقده ابن مالك في الكافية بقوله:","vol":"1","page":500},{"text":"وابن سليمان اطراده رأى ... إن لم يخف لبس كمن زَيدًا نأى\nوإذا حذف حرف الجر مع غير أن، وأن نقلا على مذهب الجمهور، وقياسا عند أمن اللبس في قول الأخفش فالنصب متعين. والناصب عند البصريين الفعل، وعند الكوفيين نزع الخافض كقوله:\nتمرون الديار ولن تعوجوا ... كلامكم علي إذن حرام\nوبقاؤه مجرورا مع حذف الحرف شاذ، كقول الفرزدق:\nإذا قيل: أي الناس شر قبيلة ... أشارت كليب بالأكف الأصابع\nأي: أشارت الأصابع بالأكف، أي: مع الأكف إلى كليب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-251> قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ﴾</span> الآية. القسط العدل، ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ وقوله: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات، فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-252> قوله تعالى: ﴿وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ﴾</span> الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح، أي: جعل شيئا حاضرا لها كأنه ملازم لها لا يفارقها؛ لأنها جبلت عليه.\nوأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾","vol":"1","page":501},{"text":"ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل، وهو رذيلة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-253> قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾</span> هذا العدل الذي ذكر تعالى هنا أنه لا يستطاع هو العدل في المحبة، والميل الطبيعي؛ لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية، فإنه مستطاع، وقد أشار تعالى إلى هذا بقوله: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. أي: تجوروا في الحقوق الشرعية، والعرب تقول: عال يعول إذا جار ومال، وهو عائل، ومنه قول أبي طالب:\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل\nأي: غير مائل ولا جائر، ومنه قول الآخر:\nقالوا: تبعنا رسول الله واطرحوا ... قول الرسول وعالوا في الموازين\nأي: جاروا، وقول الآخر:\nثلاثة أنفس وثلاث ذود ... لقد عال الزمان على عيالي\nأي: جار ومال.\nأما قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:\nوما يدري الفقير متى غناه ... وما يدري الغني متى يعيل\nوقول جرير:","vol":"1","page":502},{"text":"الله نزل في الكتاب فريضة ... لابن السبيل وللفقير العائل\nوقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى (٨)﴾ فكل ذلك من العيلة، وهي الفقر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً﴾ الآية. فعال التي بمعنى جار واوية العين، والتي بمعنى افتقر يائية العين.\nوقال الشافعي -﵀- معنى قوله: ﴿أَلَّا تَعُولُوا (٣)﴾. أي: يكثر عيالكم، من عال الرجل يعول إذا كثر عياله، وقول بعضهم: إن هذا لا يصح، وإن المسموع أعال الرجال بصيغة الرباعي على وزن أفعل فهو معيل إذا كثر عياله فلا وجه له؛ لأن الشافعي من أدرى الناس باللغة العربية؛ ولأن عال بمعنى كثر عياله لغة حمير، ومنه قول الشاعر:\nوأن الموت يأخذ كل حي ... بلا شك وإن أمشى وعالا\nيعني: وإن كثرت ماشيته وعياله.\nوقرأ الآية طلحة بن مصرف \"ألا تعيلوا\" بضم التاء، من أعال إذا كثر عياله على اللغة المشهورة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-254> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن الزوجين إذا افترقا أغنى الله كل واحد منهما من سعته وفضله الواسع، وربط بين الأمرين بأن جعل أحدهما شرطا والآخر جزاء.\nوقد ذكر أيضا أن النكاح سبب للغنى بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.","vol":"1","page":503},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-255> قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾</span> الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتي بغيرهم بدلا منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم، وجاء بهم بدلا منهم، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾.\nوذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم، وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم، بل يكونون خيرا منهم، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾.\nوذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب، وهو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾ أي: ليس بممتنع ولا صعب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-256> قوله تعالى: ﴿أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن جميع العزة له جل وعلا.\nوبين في موضع آخر: أن العزة التي هي له وحده أعز بها رسوله والمؤمنين، وهو قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ أي وذلك بإعزاز الله لهم، والعزة الغلبة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي: غلبني في الخصام، ومن كلام العرب: من عز بزَّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:","vol":"1","page":504},{"text":"كأن لم يكونوا حمى يختشى ... إذ الناس إذ ذاك من عَزَّ بزّ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-257> قوله تعالى: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾</span> هذا المنزل الذي أحال عليه هنا هو المذكور في سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ وقوله هنا: ﴿فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ لم يبين فيه حكم ما إذا نسوا النهي حتى قعدوا معهم، ولكنه بينه في الأنعام بقوله: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-258> قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾</span> في معنى هذه الآية أوجه للعلماء:\nمنها: أن المعنى \"ولن يجعل الله للكافرين على المؤمنين يوم القيامة سبيلا\" وهذا مروي عن علي بن أبي طالب، وابن عباس - ﵃ - ويشهد له قوله في أول الآية: ﴿فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ﴾ الآية. وهو ظاهر.\nقال ابن عطية: وبه قال جميع أهل التأويل، كما نقله عنه القرطبي، وضعفه ابن العربي زاعما أن آخر الآية غير مردود إلى أولها.\nومنها: أن المراد بأنه: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا (١٤١)﴾ يمحو به دولة المسلمين ويستأصلهم ويستبيح بيضتهم كما ثبت في صحيح مسلم وغيره عنه - ﷺ - من حديث ثوبان أنه قال: \"وإني سألت ربي ألا يهلك أمتي بسنة بعامة، وألا يسلط عليهم","vol":"1","page":505},{"text":"عدوا من سوى أنفسهم، فيستبيح بيضتهم، وإن الله قد أعطاني لأمتي ذلك حتى يكون بعضهم يهلك بعضا، ويسبي بعضهم بعضا\".\nويدل لهذا الوجه آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومنها: أن المعنى أنه لا يجعل لهم سبيلا إلا أن يتواصوا بالباطل، ولا يتناهوا عن المنكر، ويتقاعدوا عن التوبة، فيكون تسليط العدو عليهم من قبلهم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾.\nقال ابن العربي: وهذا نفيس جدا، وهو راجع في المعنى الأول؛ لأنهم منصورون لو أطاعوا، والبلية جاءتهم من قبل أنفسهم في الأمرين.\nومنها: أنه لا يجعل لهم عليهم سبيلا شرعا، فإن وجد فهو بخلاف الشرع.\nومنها: أن المراد بالسبيل الحجة، أي: ولن يجعل لهم عليه حجة، ويبينه قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾ وأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة منع دوام ملك الكافر للعبد المسلم والعلم عند الله تعالى.","vol":"1","page":506},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-259> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلًا (١٤٢)﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة صفة صلاة المنافقين بأنهم يقومون إليها في كسل ورياء، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ونظيرها في ذمهم على التهاون بالصلاة؛ قوله تعالى: ﴿وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى﴾ الآية. وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ الآية. ويفهم من مفهوم مخالفة هذه الآيات أن صلاة المؤمنين المخلصين ليست كذلك، وهذا المفهوم صرح به تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-260> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾</span> الآية ذكر في هذه الآية الكريمة أن المنافقين في أسفل طبقات النار عياذا بالله تعالى.\nوذكر في موضع آخر أن آل فرعون يوم القيامة يؤمر بإدخالهم أشد العذاب، وهو قوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.\nوذكر في موضع آخر: أنه يعذب من كفر من أصحاب المائدة عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين، وهو قوله تعالى: ﴿قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ فهذه الآيات تبين أن أشد أهل النار عذابا المنافقون،","vol":"1","page":507},{"text":"وآل فرعون، ومن كفر من أصحاب المائدة، كما قاله ابن عمر - ﵄ - والدرك بفتح الراء وإسكانها لغتان معروفتان وقراءتان سبعيتان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-261> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ﴾</span> الآية. لم يبين هنا سبب عفوه عنهم ذنب اتخاذ العجل إلاها، ولكنه بينه في سورة البقرة بقوله: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-262> قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا لَهُمْ لا تَعْدُوا فِي السَّبْتِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا هل امتثلوا هذا الأمر، فتركوا العدوان في السبت أو لا، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا، وأنهم اعتدوا في السبت كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-263> قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾</span> لم يبين هنا هذا البهتان العظيم الذي قالوه على الصديقة مريم العذراء، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أنه رميهم لها بالفاحشة، وأنها جاءت بولد لغير رشده في زعمهم الباطل -لعنهم الله- وذلك في قوله: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون ارتكاب الفاحشة ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ أي: زانية، فكيف تفجرين، ووالداك ليسا كذلك، وفي القصة أنهم رموها بيوسف النجار وكان من الصالحين، والبهتان أشد الكذب الذي يتعجب منه.","vol":"1","page":508},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-264> قوله تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾</span> الآية. لم يبين هنا ما هذه الطيبات التي حرمها عليهم بسبب ظلمهم، ولكنه بينها في سورة الأنعام بقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-265> قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾</span> الآية. لم يبين هنا ما هذه الحجة التي كانت تكون للناس عليه لو عذبهم دون إنذارهم على ألسنة الرسل، ولكنه بينها في سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ وأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-266> قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾</span> هذا الغلو الذي نهوا عنه هو قول غير الحق وهو قول بعضهم: إن عيسى ابن الله، وقول بعضهم: هو الله، وقول بعضهم: هو إله مع الله ﷾ عن ذلك كله علوا كبيرا، كما بينه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾ وقوله: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ﴾ وأشار هنا إلى إبطال هذه المفتريات بقوله: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَنْ يَسْتَنْكِفَ","vol":"1","page":509},{"text":"الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾ وقوله: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾.\nوقال بعض العلماء: يدخل في الغلو وغير الحق المنهي عنه في هذه الآية ما قالوا من البهتان على مريم أيضا، واعتمده القرطبي وعليه فيكون الغلو المنهي عنه شاملا للتفريط والإفراط.\nوقد قرر العلماء أن الحق واسطة بين التفريط والإفراط، وهو معنى قول مطرف بن عبد الله: \"الحسنة بين سيئتين\"، وبه تعلم أن من جانب التفريط والإفراط فقد اهتدى، ولقد أجاد من قال:\nولا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nوقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا تطروني كما أطرت النصارى عيسى، وقولوا: عبد الله ورسوله\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-267> قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾</span> ليست لفظة \"من\" في هذه الآية للتبعيض، كما يزعمه النصارى افتراء على الله، ولكن \"من\" هنا لابتداء الغاية، يعني أن مبدأ ذلك الروح الذي ولد به عيسى حيا من الله تعالى؛ لأنه هو الذي أحياه به، ويدل على أن \"من\" هنا لابتداء الغاية: قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي: كائنا مبدأ ذلك كله منه جل وعلا ويدل لما ذكرنا ما روي عن أبي بن كعب أنه قال: \"خلق الله أرواح بني آدم لما أخذ عليهم الميثاق، ثم ردها إلى صلب آدم، وأمسك","vol":"1","page":510},{"text":"عنده روح عيسى ﵊\"، فلما أراد خلقه أرسل ذلك الروح إلى مريم، فكان منه عيسى - ﵇ -، وهذه الإضافة للتفضيل؛ لأن جميع الأرواح من خلقه جل وعلا، كقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وقوله: ﴿نَاقَةَ اللَّهِ﴾ الآية. وقيل: قد يسمى من تظهر منه الأشياء العجيبة روحا يضاف إلى الله، فيقال: هذا روح من الله، أي: من خلقه، وكان عيسى يبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله، فاستحق هذا الاسم، وقيل: سمي روحا بسبب نفخة جبريل - ﵇ - المذكورة في سورة الأنبياء والتحريم، والعرب تسمي النفخ روحا؛ لأنه ريح تخرج من الروح، ومنه قول ذي الرمة:\nفقلت له: ارفعها إليك وأحيها ... بروحك واقتته لها قيتة قدرا\nوعلى هذا القول فقوله \"وَرُوحٌ\" معطوف على الضمير العائد إلى الله الذي هو فاعل ألقاها. قاله القرطبي والله تعالى أعلم.\nوقال بعض العلماء: وَرُوحٌ مِنْهُ، أي رحمة منه، وكان عيسى رحمة من الله لمن اتبعه، قيل: ومنه وأيده بِرُوحٍ مِنْهُ، أي: برحمة منه، حكاه القرطبي أيضا، وقيل: روح مِنْهُ، أي: برهان منه، وكان عيسى برهانا وحجة على قومه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-268> قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾:</span> المراد بهذا النور المبين القرآن العظيم؛ لأنه يزيل ظلمات الجهل والشك كما يزيل النور الحسي ظلمة الليل، وقد أوضح تعالى ذلك بقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْأِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.","vol":"1","page":511},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-269> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ﴾</span> الآية. صرح في هذه الآية الكريمة بأن الأختين يرثان الثلثين، والمراد بهما الأختان لغير أم، بأن تكونا شقيقتين أو لأب بإجماع العلماء، ولم يبين هنا ميراث الثلاث من الأخوات فصاعدا، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن الأخوات لا يزدن على الثلثين، ولو بلغ عددهن ما بلغ، وهو قوله تعالى في البنات: ﴿فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ﴾ [النساء: ١١] ومعلوم أن البنات أمس رحما وأقوى سببا في الميراث من الأخوات، فإذا كن لا يزدن على الثلثين ولو كثرن فكذلك الأخوات من باب أولى، وأكثر علماء الأصول على أن فحوى الخطاب أعني: مفهوم الموافقة: الذي المسكوت فيه أولى بالحكم من المنطوق، من قبيل دلالة اللفظ، لا من قبيل القياس، خلافا للشافعي وقوم، وكذلك المساوئ على التحقيق، فقوله تعالى: ﴿فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ يفهم منه من باب أولى حرمة ضربهما، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ الآية. يفهم منه من باب أولى أن من عمل مثقال جبل يراه من خير وشر، وقوله: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ يفهم منه من باب أولى قبول شهادة الثلاثة والأربعة مثلا من العدول، ونهيه - ﷺ - عن التضحية بالعوراء، يفهم منه من باب أولى النهي عن التضحية بالعمياء، وكذلك في المساوي، فتحريم أكل مال اليتيم يفهم منه بالمساواة منع إحراقه وإغراقه، ونهيه - ﷺ - عن البول في الماء الراكد، يفهم منه كذلك أيضا النهي عن البول في إناء وصبه فيه، وقوله - ﷺ -: \"من أعتق شركا له في عبد\" الحديث. يفهم منه كذلك أن الأمة كذلك، ولا نزاع في هذا عند جماهير العلماء، وإنما خالف فيه بعض الظاهرية.","vol":"1","page":512},{"text":"ومعلوم أن خلافهم في مثل هذا لا أثر له، وبذلك تعلم أنه تعالى لما صرح بأن البنات وإن كثرن ليس لهن غير الثلثين، علم أن الأخوات كذلك من باب أولى، والعلم عند الله تعالى.\n\nانتهى الجزء الأول من هذا الكتاب المبارك، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء الثاني، وأوله سورة المائدة.","vol":"1","page":513},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-270>سُورة المائدة</span>","vol":"2","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-271> قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾</span>، لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام، ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام فإنها تحرم بهذه العوارض.\nوالتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه، ووجد في بطنها ميتًا.\nوجاء عن النبي - ﷺ - \"أن ذكاة أمه ذكاة له\" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي: إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-272> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾</span> يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقراء في القرآن، فإن كل شيء كان جائزًا، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز","vol":"2","page":5},{"text":"نحو قوله هنا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآية.\nولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، لأن قتلهم كان واجبًا قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة، سواء قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.\nوبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة، أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزًا، فمنع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجبًا قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب، وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية.\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح.\nومن قال: إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة؛ ومن قال:","vol":"2","page":6},{"text":"إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.\nوفي هذه المسألة أقوال أخر عقدها في (مراقي السعود) بقوله:\nوالأمر للوجوب بعد الخطل ... وبعد سؤل قد أتى للأصل\nأو يقتضي إباحة للأغلب ... إذا تعلق بمثل السبب\nإلا فذي المذهب والكثير ... له إلى إيجابه مصير\nوقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف بـ \"إلحاق الفرد بالأغلب\" حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب (الاستدلال) بقوله:\nومنه الاستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم كلي\nفإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق\nوهو في البعض إلى الظن انتسب ... يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب\nفإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء التام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-273> قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾</span> الآية. نهى الله المسلمين في هذه الآية","vol":"2","page":7},{"text":"الكريمة أن يحملهم بغض الكفار أن صدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعًا. كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال: \"كان رسول الله -  ﷺ  - وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي -  ﷺ  -: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية\" اهـ. بلفظه من ابن كثير.\nويدل لهذا قوله قبل هذا: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصرح بمثل هذه الآية في قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ الآية، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الهمزة، لأن معناها: لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفًا أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت، بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (٢٥)﴾، وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى الله فيه؛ بأن يطيع الله فيه. وفي الحديث: \"أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\" وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن","vol":"2","page":8},{"text":"ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:\nولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا\nأي حملتم على أن يغضبوا.\nوقال بعض العلماء: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم.\nوقرأ بعض السبعة: ﴿شَنْآنُ﴾ بسكون النون، ومعنى الشنآن على القراءتين أي بفتح النون، وبسكونها: البغض. مصدر \"شنأه\" إذا أبغضه.\nوقيل: على قراءة سكون النون يكون وصفًا كالغضبان، وعلى قراءة: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بكسر الهمزة: المعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم.\nوإبطال هذه القراءة -بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النبي -  ﷺ  - وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه- مردود من وجهين:\nالأول منهما: أن قراءة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾: بصيغة الشرط","vol":"2","page":9},{"text":"قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة.\nالثاني: أنه لا مانع من أن يكون معنى هذه القراءة: إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدل عليه صيغة \"إن\" لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيء على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-274> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٥)﴾</span>. ظاهر هذه الآية الكريمة أن المرتد يحبط جميع عمله بردته من غير شرط زائد، ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن ذلك فيما إذا مات على الكفر، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾ ومقتضى الأصول حمل هذا المطلق على هذا المقيد، فيقيد إحباط العمل بالموت على الكفر وهو قول الشافعي ومن وافقه، خلافًا لمالك القائل بإحباط الردة العمل مطلقًا والعلم عند الله تعالى.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-275> قوله تعالى: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾</span>، في قوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ ثلاث قراءآت: واحدة شاذة، واثنتان متواترتان.\nأما الشاذة: فقراءة الرفع وهي قراءة الحسن؛ وأما المتواترتان. فقراءة النصب، وقراءة الخفض.\nأما النصب: فهو قراءة نافع، وابن عامر، والكسائي وعاصم في رواية حفص من السبعة، ويعقوب من الثلاثة.","vol":"2","page":10},{"text":"وأما الجر: فهو قراءة ابن كثير، وحمزة، وأبي عمرو، وعاصم في رواية أبي بكر.\nأما قراءة النصب: فلا إشكال فيها، لأن الأرجل فيها معطوفة على الوجه، وتقرير المعنى عليها: فاغسلوا وجوهكم وأيديكم الى المرافق، وأرجلكم إلى الكعبين، وامسحوا بروؤسكم. وإنما أدخل مسح الرأس بين المغسولات محافظة على الترتيب، لأن الرأس يمسح بين المغسولات، ومن هنا أخذ جماعة من العلماء وجوب الترتيب في أعضاء الوضوء حسبما في الآية الكريمة.\nوأما على قراءة الجر: ففي الآية الكريمة إجمال، وهو أنها يفهم منها الاكتفاء بمسح الرجلين في الوضوء عن الغسل كالرأس، وهو خلاف الواقع للأحاديث الصحيحة الصريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، والتوعد بالنار لمن ترك ذلك، كقوله -  ﷺ  -: \"ويل للأعقاب من النار\".\nاعلم أولًا أن القراءتين إذا ظهر تعارضهما في آية واحدة لهما حكم الآيتين كما هو معروف عند العلماء، وإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب صريح في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، فهي تفهم أن قراءة الخفض إنما هي لمجاورة المخفوض، مع أنها في الأصل منصوبة بدليل قراءة النصب، والعرب تخفض الكلمة لمجاورتها للمخفوض، مع أن إعرابها النصب أو الرفع.\nوما ذكره بعضهم من أن الخفض بالمجاورة معدود من اللحن الذي يتحمل لضرورة الشعر خاصة، وأنه غير مسموع في العطف،","vol":"2","page":11},{"text":"وأنه لم يجز إلا عند أمن اللبس، فهو مردود بأن أئمة اللغة العربية صرحوا بجوازه، وممن صرح به الأخفش، وأبو البقاء، وغير واحد. ولم ينكره إلا الزجاج، وإنكاره له -مع ثبوته في كلام العرب، وفي القرآن العظيم- يدل على أنه لم يتتبع المسألة تتبعًا كافيًا.\nوالتحقيق: أن الخفض بالمجاورة أسلوب من أساليب اللغة العربية، وأنه جاء في القرآن لأنه بلسان عربي مبين، فمنه في النعت قول امرىء القيس:\nكأن ثبيرا في عرانين ودقه ... كبير أناس في بجاد مزمل\nبخفض \"مزمل\" بالمجاورة، مع أنه نعت \"كبير\" المرفوع بأنه خبر كأن، وقول ذي الرمة:\nتريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب\nإذ الرواية بخفض \"غير\"، كما قاله غير واحد للمجاورة، مع أنه نعت \"سنة\" المنصوب بالمفعولية.\nومنه في العطف قول النابغة:\nلم يبق إلا أسير غير منفلت ... وموثق في حبال القد مجنوب\nبخفض \"موثق\" لمجاورته المخفوض، مع أنه معطوف على \"أسير\" المرفوع بالفاعلية.\nوقول امرىء القيس:\nوظل طهاة اللحم ما بين منضج ... صفيف سواء أو قدير معجل","vol":"2","page":12},{"text":"بجر \"قدير\" لمجاورته للمخفوض، مع أنه عطف على \"صفيف\" المنصوب بأنه مفعول اسم الفاعل الذي هو \"منضج\" والصفيف: فعيل بمعنى مفعول، وهو المصفوف من اللحم على الجمر لينشوي، والقدير: كذلك فعيل بمعنى مفعول، وهو المجعول في القدر من اللحم لينضج بالطبخ.\nوهذا الإعراب الذي ذكرناه هو الحق؛ لأن الإنضاج واقع على كل من الصفيف والقدير، فما زعمه \"الصبان\" في حاشيته على \"الأشموني\" من أن قوله \"أو قدير\" معطوف على \"منضج\" بتقدير المضاف، أي: وطابخ قدير ... الخ ظاهر السقوط؛ لأن المنضج شامل لشاوي الصفيف، وطابخ القدير.\nفلا حاجة إلى عطف الطابخ على المنضج لشموله له، ولا داعي لتقدير \"طابخ\" محذوف.\nوما ذكره العيني من أنه معطوف على \"شواء\"، فهو ظاهر السقوط أيضًا، وقد رده عليه \"الصبان\"؛ لأن المعنى يصير بذلك، وصفيف قدير، والقدير لا يكون صفيفًا.\nوالتحقيق: هو ما ذكرنا من الخفض بالمجاورة، وبه جزم ابن قدامة في المغني. ومن الخفض بالمجاورة في العطف قول زهير:\nلعب الزمان بها وغيرها ... بعدي سوافي المور والقطر\nبجر \"القطر\" لمجاورته للمخفوض، مع أنه معطوف على \"سوافي\" المرفوع، بأنه فاعل غير.\nومنه في التوكيد، قول الشاعر:","vol":"2","page":13},{"text":"ذوي الزوجات يا صاح بلغ كلهم ... أن ليس وصل إذا انحلت عرى الذنب\nبجر \"كلهم\" على ما حكاه الفراء، لمجاورة المخفوض، مع أنه توكيد \"ذوي\" المنصوب بالمفعولية.\nومن أمثلته في القرآن العظيم في العطف -كالآتي التي نحن بصددها- قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾، على قراءة حمزة، والكسائي، ورواية المفضل عن عاصم بالجر لمجاورته لأكواب وأباريق، إلى قوله: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ مع أن قوله: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾ حكمه الرفع، فقيل: إنه معطوف على فاعل \"يطوف\" الذي هو: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾.\nوقيل: هو مرفوع على أنه مبتدأ خبره محذوف، دل المقام عليه.\nأي: وفيها حور عين، أولهم حور عين، وإذن فهو من العطف بحسب المعنى.\nوقد أنشد سيبويه للعطف على المعنى قول الشماخ، أو ذي الرمة:\nبادت وغير آيهن مع البلا ... إلا رواكد جمرهن هباء\nومشجج أما سواء قذاله ... فبدا وغيب ساره المعزاء\nلأن الرواية بنصب: رواكد على الاستثناء، ورفع مشجج عطفًا عليه؛ لأن المعنى لم يبق منها إلا رواكد ومشجج.\nومراده بالرواكد أثافي القدر، وبالمشجج وتد الخباء، وبه","vol":"2","page":14},{"text":"تعلم أن وجه الخفض في قراءة حمزة، والكسائي هو المجاورة للمخفوض، كما ذكرنا، خلافًا لمن قال في قراءة الجر: إن العطف على أكواب، أي يطاف عليهم بأكواب، وبحور عين، ولمن قال: إنه معطوف على جنات النعيم، أي هم في جنات النعيم، وفي حور على تقدير حذف مضاف أي في معاشرة حور.\nولا يخفى ما في هذين الوجهين؛ لأن الأول يرد بأن الحور العين لا يطاف بهن مع الشراب، لقوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾.\nوالثاني فيه أن كونهم في جنات النعيم، وفي \"حور\" ظاهر السقوط كما ترى، وتقدير ما لا دليل عليه لا وجه له.\nوأجيب عن الأول بجوابين:\nالأول: أن العطف فيه بحسب المعنى؛ لأن المعنى: يتنعمون بأكواب وفاكهة ولحم وحور. قاله الزجاج وغيره.\nالجواب الثاني: أن الحور قسمان:\n١: - حور مقصورات في الخيام.\n٢: - وحور يطاف بهن عليهم، قاله الفخر الرازي وغيره. وهو تقسيم لا دليل عليه، ولا يعرف من صفات الحور العين كونهن يطاف بهن كالشراب، فأظهرها الخفض بالمجاورة، كما ذكرنا.\nوكلام الفراء وقطرب يدل عليه، وما رد به القول بالعطف","vol":"2","page":15},{"text":"على أكواب من كون الحور لا يطاف بهن يرد به القول بالعطف على: ﴿وِلْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾، في قراءة الرفع؛ لأنه يقتضي أن الحور يطفن عليهم كالولدان، والقصر في الخيام ينافي ذلك.\nوممن جزم بأن خفض: ﴿وأرجلكم﴾ لمجاورة المخفوض البيهقي في [السنن الكبرى]، فإنه قال ما نصه: باب قراءة من قرأ ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ نصبًا، وأن الأمر رجع إلى الغسل، وأن من قرأها خفضًا فإنما هو للمجاورة، ثم ساق أسانيده إلى ابن عباس، وعلي، وعبد الله بن مسعود، وعروة بن الزبير، ومجاهد وعطاء والأعرج وعبد الله بن عمرو بن غيلان، ونافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم القارىء، وأبي محمد يعقوب بن إسحاق بن يزيد الحضرمي أنهم قرءوها كلهم: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالنصب.\nقال: وبلغني عن إبراهيم بن يزيد التيمي أنه كان يقرؤها نصبًا، وعن عبد الله بن عامر اليحصبي، وعن عاصم برواية حفص، وعن أبي بكر بن عياش من رواية الأعشى، وعن الكسائي، كل هؤلاء نصبوها، ومن خفضها فإنما هو للمجاورة، قال الأعمش: كانوا يقرأونها بالخفض، وكانوا يغسلون، اهـ كلام البيهقي.\nومن أمثلة الخفض بالمجاورة في القرآن في النعت قوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤)﴾ بخفض مُحِيطٍ مع أنه نعت للعذاب.\nوقوله تعالى: ﴿عَذَابَ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٨٤)﴾، ومما يدل أن النعت للعذاب، وقد خفض للمجاورة، كثرة ورود الألم في القرآن نعتًا للعذاب.","vol":"2","page":16},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾ على قراءة من قرأ بخفض \"مَحْفُوظٍ\" كما قاله القرطبي.\nومن كلام العرب \"هذا جحر ضب خرب\" بخفض خرب؛ لمجاورة المخفوض مع أنه نعت خبر المبتدأ؛ وبهذا تعلم أن دعوى كون الخفض بالمجاورة لحنًا لا يتحمل إلا لضرورة الشعر باطلة. والجواب عما ذكروه من أنه لا يجوز إلا عند أمن اللبس هو أن اللبس هنا يزيله التحديد بالكعبين، إذ لم يرد تحديد الممسوح وتزيله قراءة النصب، كما ذكرنا. فإن قيل: قراءة الجر الدالة على مسح الرجلين في الوضوء هي المبينة لقراءة النصب بأن تجعل قراءة النصب عطفًا على المحل؛ لأن الرءوس مجرورة بالباء في محل نصب، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nوجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن\nوابن مالك وإن كان أورد هذا في \"إعمال المصدر\" فحكمه عام، أي: وكذلك الفعل والوصف، كما أشار له في الوصف بقوله:\nواجرر أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاه ومالًا من نهض\nفالجواب أن بيان قراءة النصب بقراءة الجر -كما ذكر- تأباه السنة الصريحة الصحيحة الناطقة بخلافه، وبتوعد مرتكبه بالويل من النار، بخلاف بيان قراءة الخفض بقراءة النصب، فهو موافق لسنة رسول الله -  ﷺ  - الثابتة عنه قولًا وفعلًا. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما، عن عبد الله بن عمرو ﵄، قال: تخلف","vol":"2","page":17},{"text":"عنا رسول الله -  ﷺ  - في سفرة سافرناها فأدركنا، وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر، ونحن نتوضأ، فجعلنا نمسح على أرجلنا، فنادى بأعلى صوته: \"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار\" وكذلك هو في الصحيحين، عن أبي هريرة ﵁.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂، أن النبي -  ﷺ  - قال: \"أسبغوا الوضوء، ويل للأعقاب من النار\" وروى البيهقي والحاكم بإسناد صحيح عن عبد الله بن حارث بن جزء، أنه سمع رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"ويل للأعقاب، وبطون الأقدام من النار\"؛ وروى الإمام أحمد، وابن ماجه، وابن جرير، عن جابر ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ويل للأعقاب من النار\" وروى الإمام أحمد عن معيقيب، أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ويل للأعقاب من النار\" وروى ابن جرير عن أبي أمامة، قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"- ويل للأعقاب من النار\"، قال: فما بقي في المسجد شريف ولا وضيع إلا نظرت إليه يقلب عرقوبيه ينظر إليهما.\nوثبت في أحاديث الوضوء عن أمير المؤمنين عثمان بن عفان، وعلي، وابن عباس، ومعاوية، وعبد الله بن زيد بن عاصم، والمقداد بن معد يكرب \"أن رسول الله -  ﷺ  - غسل الرجلين في وضوئه، إما مرة أو مرتين أو ثلاثًا\" على اختلاف رواياتهم.\nوفي حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، \"أن رسول الله -  ﷺ  - توضأ فغسل قدميه\". ثم قال: \"هذا وضوء لا يقبل الله الصلاة إلا به\" والأحاديث في الباب كثيرة جدًا، وهي صحيحة","vol":"2","page":18},{"text":"صريحة في وجوب غسل الرجلين في الوضوء، وعدم الاجتزاء بمسحهما.\nوقال بعض العلماء: المراد بمسح الرجلين غسلهما، والعرب تطلق المسح على الغسل أيضًا، وتقول: تمسحت، بمعنى توضأت ومسح المطر الأرض، أي: غسلها، ومسح الله ما بك، أي: غسل عنك الذنوب والأذى، ولا مانع من كون المراد بالمسح في الأرجل هو الغسل، والمراد به في الرأس المسح الذي ليس بغسل، وليس من حمل المشترك على معنييه، ولا من حمل اللفظ على حقيقته ومجازه؛ لأنهما مسألتان كل منهما منفردة عن الأخرى، مع أن التحقيق جواز حمل المشترك على معنييه، كما حققه الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية -﵀- في رسالته في علوم القرآن، وحرر أنه هو الصحيح في مذاهب الأئمة الأربعة ﵏، وجمع ابن جرير الطبري في تفسيره بين قراءة النصب والجر بأن قراءة النصب يراد بها غسل الرجلين؛ لأن العطف فيها على الوجوه والأيدي إلى المرافق، وهما من المغسولات بلا نزاع، وأن قراءة الخفض يراد بها المسح مع الغسل، يعني الدلك باليد أو غيرها.\nوالظاهر أن حكمة هذا في الرجلين دون غيرهما؛ أن الرجلين هما أقرب أعضاء الإنسان إلى ملابسة الأقذار لمباشرتهما الأرض فناسب ذلك أن يجمع لهما بين الغسل بالماء، والمسح، أي: الدلك باليد، ليكون ذلك أبلغ في التنظيف.\nوقال بعض العلماء: المراد بقراءة الجر: المسح، ولكن النبي","vol":"2","page":19},{"text":"-  ﷺ  - بين أن ذلك المسح لا يكون إلا على الخف.\nوعليه فالآية تشير إلى المسح على الخف في قراءة الخفض، والمسح على الخفين -إذا لبسهما طاهرًا- متواتر عن رسول الله -  ﷺ  -، لم يخالف فيه إلا من لا عبرة به، والقول بنسخه بآية المائدة يبطل بحديث جرير أنه بال ثم توضأ، ومسح على خفيه، فقيل له: تفعل هكذا؟ قال: نعم رأيت رسول الله -  ﷺ  - بال، ثم توضأ، ومسح على خفيه، قال إبراهيم: فكان يعجبهم هذا الحديث؛ لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة، متفق عليه، ويوضح عدم النسخ أن آية المائدة نزلت في غزوة \"المريسيع\".\nولا شك أن إسلام جرير بعد ذلك، مع أن المغيرة بن شعبة روى المسح على الخفين عن رسول الله -  ﷺ  - في غزوة \"تبوك\" وهي آخر مغازيه -  ﷺ  -.\nوممن صرح بنزول آية المائدة في غزوة \"المريسيع\" ابن حجر في [فتح الباري]، وأشار له البدوي الشنقيطي في [نظم المغازي] بقوله في غزوة المريسيع:\nوالإفك في قولهم ونقلا ... أن التيمم بها قد أنزلا\nوالتيمم في آية المائدة. وأجمع العلماء على جواز المسح على الخف الذي هو من الجلود، واختلفوا فيما كان من غير الجلد إذا كان صفيقًا ساترًا لمحل الفرض، فقال مالك وأصحابه: لا يمسح على شيء غير الجلد، فاشترطوا في المسح أن يكون الممسوح خفًا من جلود، أو جوربًا مجلدًا ظاهره وباطنه، يعنون","vol":"2","page":20},{"text":"ما فوق القدم وما تحتها، لا باطنه الذي يلي القدم.\nواحتجوا بأن المسح على الخف رخصة، وأن الرخص لا تتعدى محلها، وقالوا: إن النبي -  ﷺ  - لم يمسح على غير الجلد؛ فلا يجوز تعديه إلى غيره، وهذا مبني على شطر قاعدة أصولية مختلف فيها، وهي: \"هل يلحق بالرخص ما في معناها، أو يقصر عليها ولا تعدي محلها\"؟ .\nومن فروعها اختلافهم في بيع \"العرايا\" من العنب بالزبيب اليابس، هل يجوز؛ إلحاقًا بالرطب بالتمر أو لا؟\nوجمهور العلماء منهم الشافعي، وأبو حنيفة وأحمد، وأصحابهم على عدم اشتراط الجلد؛ لأن سبب الترخيص الحاجة إلى ذلك، وهي موجودة في المسح على غير الجلد، ولما جاء عن النبي -  ﷺ  - من أنه مسح على الجوربين، والموقين. قالوا: والجورب: لفافة الرجل، وهي غير جلد.\nوفي القاموس: الجورب لفافة الرجل، وفي اللسان: الجورب لفافة الرجل، معرب وهو بالفارسيه \"كورب\".\nوأجاب من اشترط الجلد بأن الجورب هو الخف الكبير، كما قاله بعض أهل العلم، أما الجرموق والموق، فالظاهر أنهما من الخفاف.\nوقيل: إنهما شيء واحد، وهو الظاهر من كلام أهل اللغة. وقيل: إنهما متغايران، وفي القاموس: الجرموق: -كعصفور- الذي يلبس فوق الخف. وفي القاموس أيضًا: الموق خف غليظ","vol":"2","page":21},{"text":"يلبس فوق الخف، وفي اللسان: الجرموق، خف صغير، وقيل: خف صغير يلبس فوق الخف، وفي اللسان أيضًا: الموق الذي يلبس فوق الخف، فارسي معرب، والموق: الخف اهـ.\nقالوا: والتساخين: الخفاف، فليس في الأحاديث ما يعين أن النبي -  ﷺ  - مسح على غير الجلد، والجمهور قالوا: نفس الجلد لا أثر له، بل كل خف صفيق ساتر لمحل الفرض يمكن فيه تتابع المشي، يجوز المسح عليه، جلدًا كان أو غيره.\n\nمسائل تتعلق بالمسح على الخفين\nالأولى: أجمع العلماء على جواز المسح على الخفين في السفر والحضر؛ وقال الشيعة والخوارج: لا يجوز، وحكي نحوه القاضي أبو الطيب، عن أبي بكر بن داود، والتحقيق عن مالك، وجل أصحابه، القول بجواز المسح على الخف في الحضر والسفر. وقد روي عنه المنع مطلقًا، وروي عنه جوازه في السفر دون الحضر.\nقال ابن عبد البر: لا أعلم أحدًا أنكره إلا مالكًا في رواية أنكرها أكثر أصحابه، والروايات الصحيحة عنه مصرحة بإثباته، وموطأه يشهد للمسح في الحضر والسفر، وعليه جميع أصحابه، وجمع أهل السنة.\nوقال الباجي: رواية الإنكار في \"العتبية\" وظاهرها المنع، وإنما معناها أن الغسل أفضل من المسح، قال ابن وهب: آخر ما فارقت مالكًا على المسح في الحضر والسفر. وهذا هو الحق الذي","vol":"2","page":22},{"text":"لا شك فيه، فما قاله ابن الحاجب عن مالك من جوازه في السفر دون الحضر غير صحيح؛ لأن المسح على الخف متواتر عن النبي -  ﷺ  -. قال الزرقاني في شرح \"الموطأ\": وجمع بعضهم رواته فجاوزوا الثمانين، منهم العشرة، وروى ابن أبي شيبة وغيره عن الحسن البصري، حدثني سبعون من الصحابة بالمسح على الخفين. اهـ.\nوقال النووي في شرح \"المهذب\": وقد نقل ابن المنذر في كتاب [الإجماع] إجماع العلماء على جواز المسح على الخف، ويدل عليه الأحاديث الصحيحة المستفيضة في مسح النبي -  ﷺ  - في الحضر والسفر، وأمره بذلك وترخيصه فيه، واتفاق الصحابة، فمن بعدهم عليه.\nقال الحافظ أبو بكر البيهقي: روينا جواز المسح على الخفين عن عمر، وعلي، وسعيد بن أبي وقاص، وعبد الله بن مسعود، وعبد الله بن عباس، وحذيفة بن اليمان، وأبي أيوب الأنصاري، وأبي موسى الأشعري، وعمار بن ياسر، وجابر بن عبد الله، وعمرو بن العاص، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد، وأبي مسعود الأنصاري، والمغيرة بن شعبة، والبراء بن عازب، وأبي سعيد الخدري، وجابر بن سمرة، وأبي أمامة الباهلي، وعبد الله بن الحارث بن جزء، وأبي زيد الأنصاري ﵃. قلت: ورواه خلائق من الصحابة، غير هؤلاء الذين ذكرهم البيهقي، وأحاديثهم معروفة في كتب السنن وغيرها.\nقال الترمذي: وفي الباب عن عمر، وسلمان، وبريدة،","vol":"2","page":23},{"text":"وعمرو بن أمية، ويعلى بن مرة، وعبادة بن الصامت، وأسامة بن شريك، وأسامة بن زيد، وصفوان بن عسال، وأبي هريرة، وعوف بن مالك، وابن عمر، وأبي بكرة، وبلال، وخزيمة بن ثابت.\nقال ابن المنذر عن الحسن البصري، قال: حدثني سبعون من أصحاب رسول الله -  ﷺ  -، أن رسول الله -  ﷺ  - كان يمسح على الخفين.\nقال: وروينا عن ابن المبارك قال: ليس في المسح على الخفين اختلاف. اهـ.\nوقد ثبت في الصحيح من حديث المغيرة بن شعبة أنه -  ﷺ  - مسح على الخف في غزوة تبوك، وهي آخر مغازيه -  ﷺ  -، وثبت في الصحيح من حديث جرير بن عبد الله البجلي أن النبي -  ﷺ  - مسح الخف، ولا شك أن ذلك بعد نزول آية المائدة كما تقدم، وفي سنن أبي داود أنهم لما قالوا لجرير: إنما كان ذلك قبل نزول المائدة، قال: ما أسلمت إلا بعد نزول المائدة.\nوهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا تدل على عدم نسخ المسح على الخفين، وأنه لا شك في مشروعيته، فالخلاف لا وجه له ألبتة.\nالمسألة الثانية: اختلف العلماء في غسل الرجل والمسح على الخف أيهما أفضل؟ فقالت جماعة من أهل العلم: غسل الرجل أفضل من المسح على الخف، بشرط أن لا يترك المسح رغبة عن الرخصة في المسح، وهو قول الشافعي، ومالك، وأبي حنيفة،","vol":"2","page":24},{"text":"وأصحابهم، ونقله ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابنه ﵄، ورواه البيهقي عن أبي أيوب الأنصاري.\nوحجة هذا القول أن غسل الرجل هو الذي واظب عليه النبي -  ﷺ  - في معظم الأوقات؛ ولأنه هو الأصل، ولأنه أكثر مشقة.\nوذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن المسح أفضل، وهو أصح الروايات عن الإمام أحمد، وبه قال الشعبي، والحكم، وحماد. واستدل أهل هذا القول بقوله -  ﷺ  - في بعض روايات حديث المغيرة بن شعبة: \"بهذا أمرني ربي\".\nولفظه في سنن أبي داود عن المغيرة بن شعبة أن رسول الله -  ﷺ  - مسح على الخفين، فقلت: يا رسول الله أنسيت؟ قال: \"بل أنت نسيت، بهذا أمرني ربي ﷿\".\nواستدلوا أيضًا بقوله -  ﷺ  - في حديث صفوان بن عسال الآتي إن شاء الله تعالى \"أمرنا رسول الله -  ﷺ  - أن نمسح على الخفين\" الحديث. قالوا: والأمر إذا لم يكن للوجوب، فلا أقل من أن يكون للندب.\nقال مقيده عفا الله عنه: وأظهر ما قيل في هذه المسألة عندي هو ما ذكره ابن القيم ﵀، وعزاه لشيخه تقي الدين ﵀، وهو أن النبي -  ﷺ  - لم يكن يتكلف ضد حاله التي كان عليها قدماه، بل إن كانتا في الخف مسح عليهما، ولم ينزعهما، وإن كانتا مكشوفتين غسل القدمين، ولم يلبس الخف ليمسح عليه. وهذا أعدل الأقوال في هذه المسألة.","vol":"2","page":25},{"text":"ويشترط في الخف: أن يكون قويًا يمكن تتابع المشي فيه في مواضع النزول، وعند الحط والترحال، وفي الحوائج التي يتردد فيها في المنزل، وفي المقيم نحو ذلك، كما جرت عادة لابسي الخفاف.\nالمسألة الثالثة: إذا كان الخف مخرقًا، ففي جواز المسح عليه خلاف بين العلماء، فذهب مالك وأصحابه إلى أنه إن ظهر من تخريقه قدر ثلث القدم لم يجز المسح عليه، وإن كان أقل من ذلك جاز المسح عليه، واحتجوا بأن الشرع دل على أن الثلث آخر حد اليسير وأول حد الكثير.\nوقال بعض أهل العلم: لا يجوز المسح على خف فيه خرق يبدو منه شيء من قدم، وبه قال أحمد بن حنبل، والشافعي في الجديد، ومعمر بن راشد.\nواحتج أهل هذا القول بأن المنكشف من الرجل حكمه الغسل، والمستور حكمه المسح، والجمع بين المسح والغسل لا يجوز، فكما أنه لا يجوز له أن يغسل إحدى رجليه ويمسح على الخف في الأخرى، لا يجوز له غسل بعض القدم مع مسح الخف في الباقي منها.\nوذهب الإمام أبو حنيفة وأصحابه إلى أن الخرق الكبير يمنع المسح على الخف دون الصغير؛ وحددوا الخرق الكبير بمقدار ثلاثة أصابع.\nقيل: من أصابع الرجل الأصاغر، وقيل: من أصابع اليد.","vol":"2","page":26},{"text":"وقال بعض أهل العلم: يجوز المسح على جميع الخفاف، وإن تخرقت تخرقًا كثيرًا ما دامت يمكن تتابع المشي فيها؛ ونقله ابن المنذر عن سفيان الثوري، وإسحاق، ويزيد بن هارون، وأبي ثور.\nوروى البيهقي في السنن الكبرى عن سفيان الثوري أنه قال: امسح عليهما ما تعلقا بالقدم، وإن تخرقا، قال: وكانت كذلك خفاف المهاجرين والأنصار مخرقة مشققة. اهـ.\nوقال البيهقي: قول معمر بن راشد في ذلك أحب إلينا.\nوهذا القول الذي ذكرنا عن الثوري، ومن وافقه هو اختيار الشيخ تقي الدين بن تيمية ﵀.\nوقال ابن المنذر: وبقول الثوري أقول، لظاهر إباحة رسول الله -  ﷺ  - المسح على الخفين قولًا عامًا يدخل فيه جميع الخف. اهـ. نقله عنه النووي وغيره، وهو قوي.\nوعن الأوزاعي إن ظهرت طائفة من رجله مسح على خفيه، وعلى ما ظهر من رجله. هذا حاصل كلام العلماء في هذه المسألة.\nوأقرب الأقوال عندي، المسح على الخف المخرق ما لم يتفاحش خرقه حتى يمنع تتابع المشي فيه لإطلاق النصوص، مع أن الغالب على خفاف المسافرين، والغزاة عدم السلامة من التخريق، والله تعالى أعلم.\nالمسألة الرابعة: اختلف العلماء في جواز المسح على النعلين، فقال قوم: يجوز المسح على النعلين، وخالف في ذلك","vol":"2","page":27},{"text":"جمهور العلماء، واستدل القائلون بالمسح على النعلين بأحاديث: منها: ما رواه أبو داود في سننه، حدثنا عثمان بن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان الثوري، عن أبي قيس الأودي -هو عبد الرحمن بن ثروان- عن هزيل بن شرحبيل، عن المغيرة بن شعبة \"أن رسول الله -  ﷺ  - توضأ ومسح الجوربين والنعلين\" قال أبو داود: وكان عبد الرحمن بن مهدي لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة، أن النبي -  ﷺ  - مسح على الخفين.\nوروى هذا الحديث البيهقي، ثم قال: قال أبو محمد: رأيت مسلم بن الحجاج ضعف هذا الخبر، وقال: أبو قيس الأودي، وهزيل بن شرحبيل؛ لا يحتملان مع مخالفتهما الأجلة الذين رووا هذا الخبر عن المغيرة، فقالوا: مسح على الخفين، وقال: لا نترك ظاهر القرآن بمثل أبي قيس، وهزيل، فذكرت هذه الحكاية عن مسلم لأبي العباس محمد بن عبد الرحمن الدغولي، فسمعته يقول: علي بن شيبان يقول: سمعت أبا قدامة السرخسي يقول: قال عبد الرحمن بن مهدي: قلت لسفيان الثوري: لو حدثتني بحديث أبي قيس عن هزيل ما قبلته منك، فقال سفيان: الحديث ضعيفٌ أو واه، أو كلمة نحوها. اهـ.\nوروى البيهقي أيضًا عن عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل أنه قال: حدثت أبي بهذا الحديث، فقال أبي: ليس يروى هذا إلا من حديث أبي قيس. قال أبي: إن عبد الرحمن بن مهدي يقول: هو منكر.\nوروى البيهقي أيضًا عن علي بن المديني أنه قال: حديث","vol":"2","page":28},{"text":"المغيرة بن شعبة في المسح رواه عن المغيرة أهل المدينة، وأهل الكوفة، وأهل البصرة، ورواه هزيل بن شرحبيل عن المغيرة إلا أنه قال: \"ومسح على الجوربين\"، وخالف الناس.\nوروي أيضًا عن يحيى بن معين أنه قال في هذا الحديث: الناس كلهم يروونه \"على الخفين\" غير أبي قيس.\nثم أيضًا ما قدمنا عن أبي داود من أن عبد الرحمن بن مهدي كان لا يحدث بهذا الحديث؛ لأن المعروف عن المغيرة أن النبي -  ﷺ  - مسح على الخفين.\nوقال أبو داود: وروي هذا الحديث أيضًا عن أبي موسى الأشعري، عن النبي -  ﷺ  -. وليس بالقوي، ولا بالمتصل.\nوبين البيهقي مراد أبي داود بكونه غير متصل وغير قوي: فعدم اتصاله إنما هو لأن راويه عن أبي موسى الأشعري هو الضحاك بن عبد الرحمن، قال البيهقي: والضحاك بن عبد الرحمن لم يثبت سماعه من أبي موسى. وعدم قوته؛ لأن في إسناده عيسى بن سنان، قال البيهقي: وعيسى بن سنان ضعيف. اهـ. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: لين الحديث.\nواعترض المخالفون على تضعيف الحديث المذكور في المسح على الجوربين والنعلين، قالوا: أخرجه أبو داود، وسكت عنه، وما سكت عنه فأقل درجاته عنده الحسن. قالوا: وصححه ابن حبان، وقال الترمذي: حسن صحيح، قالوا: وأبو قيس وثقه ابن معين، وقال العجلي: ثقة ثبت، وهزيل وثقه العجلي، وأخرج","vol":"2","page":29},{"text":"لهما معًا البخاري في صحيحه، ثم إنهما لم يخالفا الناس مخالفة معارضة، بل رويا أمرًا زائدًا على ما رووه بطريق مستقل غير معارض، فيحمل على أنهما حديثان، قالوا: ولا نسلم عدم سماع الضحاك بن عبد الرحمن من أبي موسى؛ لأن المعاصرة كافية في ذلك كما حققه مسلم بن الحجاج في مقدمة صحيحه، ولأن عبد الغني قال في [الكمال]: سمع الضحاك من أبي موسى، قالوا: وعيسى بن سنان، وثقه ابن معين، وضعفه غيره، وقد أخرج الترمذي في \"الجنائز\" حديثًا في سنده عيسى بن سنان هذا، وحسنه.\nويعتضد الحديث المذكور أيضًا بما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر، الثابت في الصحيح أن عبيد بن جريج: قال له: يا أبا عبد الرحمن رأيتك تصنع أربعًا لم أر أحدًا من أصحابك يصنعها، قال: ما هن؟ فذكرهن، وقال فيهن: رأيتك تلبس النعال السبتية، قال: أما النعال السبتية، \"فإني رأيت رسول الله -  ﷺ  - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها فأنا أحب أن ألبسها\".\nقال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث بسنده: ورواه البخاري في الصحيح، عن عبد الله بن يوسف، عن مالك، ورواه مسلم عن يحيى بن يحيى، ورواه جماعة عن سعيد المقبري، ورواه ابن عيينة عن ابن عجلان عن المقبري، فزاد فيه: ويمسح عليها: وهو محل الشاهد. قال البيهقي: وهذه الزيادة إن كانت محفوظة فلا ينافي غسلهما، فقد يغسلهما في النعل، ويمسح عليهما.\nويعتضد الاستدلال المذكور أيضًا في المسح على النعلين بما","vol":"2","page":30},{"text":"رواه البيهقي بإسناده عن زيد بن وهب، قال: بال علي، وهو قائم ثم توضأ، ومسح على النعلين. ثم قال: وبإسناده قال: حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن أبي ظبيان، قال: \"بال علي وهو قائم، ثم توضأ ومسح على النعلين، ثم خرج فصلى الظهر\". وأخرج البيهقي أيضًا نحوه عن أبي ظبيان بسند آخر.\nويعتضد الاستدلال المذكور بما رواه البيهقي أيضًا من طريق رواد بن الجراح، عن سفيان، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن ابن عباس: \"أن رسول الله -  ﷺ  - توضأ مرة مرة، ومسح على نعليه\".\nثم قال: هكذا رواه رواد بن الجراح، وهو ينفرد عن الثوري بمناكير هذا أحدها، والثقات رووه عن الثوري دون هذه اللفظة.\nوروي عن زيد بن الحباب عن الثوري هكذا، وليس بمحفوظ، ثم قال: أخبرنا أبو الحسن بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد الطبراني، ثنا إبراهيم بن عمر الوكيعي، حدثني أبي ثنا زيد بن الحباب، ثنا سفيان فذكره بإسناده \"أن النبي -  ﷺ  - مسح على النعلين\" اهـ.\nقال البيهقي بعد أن ساقه: والصحيح رواية الجماعة، ورواه عبد العزيز الدراوردي، وهشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، فحكيا في الحديث \"رشا على الرجل وفيها النعل\" ذلك يحتمل أن يكون غسلها في النعل. فقد رواه سليمان بن بلال، ومحمد بن عجلان، وورقاء بن عمر، ومحمد بن جعفر بن أبي كثير، عن زيد بن أسلم، فحكوا في الحديث غسله رجليه، والحديث حديث واحد.","vol":"2","page":31},{"text":"والعدد الكثير أولى بالحفظ من العدد اليسير، مع فضل حفظ من حفظ فيه الغسل بعد الرش على من لم يحفظه، ويعتضد الاستدلال المذكور أيضًا بما رواه البيهقي أيضًا، أخبرنا أبو علي الروذباري، أنا أبو بكر ابن داسة، ثنا أبو داود، ثنا مسدد، وعباس بن موسى، قالا: ثنا هشيم، عن يعلى بن عطاء، عن أبيه، قال عباد: قال: أخبرني أوس بن أبي أوس الثقفي قال: \"رأيت رسول الله -  ﷺ  - توضأ ومسح على نعليه وقدميه\".\nوقال مسدد: إنه رأى رسول الله -  ﷺ  -. ورواه حماد بن سلمة عن يعلى بن عطاء، عن أوس الثقفي \"أن رسول الله -  ﷺ  - توضأ ومسح على نعليه\" وهو منقطع. أخبرناه أبو بكر بن فورك، أنا عبد الله بن جعفر؛ ثنا يونس بن حبيب؛ ثنا أبو داود الطيالسي؛ ثنا حماد بن سلمة. فذكره.\nوهذا الإسناد غير قوي؛ وهو يحتمل ما احتمل الحديث الأول. اهـ. كلام البيهقي.\nولا يخفى أن حاصله أن أحاديث المسح على النعلين منها ما هو ضعيف لا يحتج به؛ ومنها ما معناه عنده \"إنه -  ﷺ  - غسل رجليه في النعلين\".\nثم استدل البيهقي على أن المراد بالوضوء في النعلين غسل الرجلين فيهما بحديث ابن عمر، الثابت في الصحيحين، أنه قال: أما النعال السبتية \"فإني رأيت رسول الله -  ﷺ  - يلبس النعال التي ليس فيها شعر، ويتوضأ فيها، فأنا أحب أن ألبسها\" اهـ. ومراد البيهقي أن معنى قول ابن عمر: \"يتوضأ فيها\" أنه يغسل رجليه فيها، وقد","vol":"2","page":32},{"text":"علمت أنا قدمنا رواية ابن عيينة التي ذكرها البيهقي عن ابن عجلان، عن المقبري، وفيها زيادة \"ويمسح عليها\".\nوقال البيهقي -﵀- في منع المسح على النعلين والجوربين: والأصل وجوب غسل الرجلين إلا ما خصته سنة ثابتة، أو إجماع لا يختلف فيه، وليس على المسح على النعلين، ولا على الجوربين واحد منهما. اهـ.\nوأجيب من جهة المخالفين بثبوت المسح على الجوربين والنعلين، عن النبي -  ﷺ  - قالوا: إن الترمذي صحح المسح على الجوربين والنعلين، وحسنه من حديث هزيل عن المغيرة. وحسنه أيضًا من حديث الضحاك عن أبي موسى، وصحح ابن حبان المسح على النعلين من حديث أوس، وصحح ابن خزيمة حديث ابن عمر في المسح على النعال السبتية.\nقالوا: وما ذكره البيهقي من حديث زيد بن الحباب، عن الثوري في المسح على النعلين، حديث جيد. قالوا: وروى البزار عن ابن عمر أنه كان يتوضأ ونعلاه في رجليه، ويمسح عليهما. ويقول: \"كذلك كان رسول الله -  ﷺ  - يفعل\" وصححه ابن القطان.\nوقال ابن حزم: المنع من المسح على الجوربين خطأ؛ لأنه خلاف السنة الثابتة، عن رسول الله -  ﷺ  -، وخلاف الآثار. هذا حاصل ما جاء في المسح على النعلين والجوربين.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إن كان المراد بالمسح على النعلين والجوربين أن الجوربين ملصقان بالنعلين، بحيث يكون","vol":"2","page":33},{"text":"المجموع ساترًا لمحل الفرض مع إمكان تتابع المشي فيه، والجوربان صفيقان = فلا إشكال.\nوإن كان المراد المسح على النعلين بانفرادهما؛ ففي النفس منه شيء؛ لأنه حينئذ لم يغسل رجله، ولم يمسح على ساتر لها، فلم يأت بالأصل، ولا بالبدل.\nوالمسح على نفس الرجل ترده الأحاديث الصحيحة المصرحة بمنع ذلك بكثرة، كقوله -  ﷺ  -: \"ويل للأعقاب من النار\". والله تعالى أعلم.\nالمسألة الخامسة: اختلف العلماء في توقيت المسح على الخفين.\nفذهب جمهور العلماء إلى توقيت المسح بيوم وليلة للمقيم، وثلاثة أيام بلياليهن للمسافر. وإليه ذهب الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم، وهو مذهب الثوري، والأوزاعي، وأبي ثور، وإسحاق بن راهويه، وداود الظاهري، ومحمد بن جرير الطبري، والحسن بن صالح بن حَيّ.\nوممن قال به من الصحابة: علي بن أبي طالب، وابن مسعود، وابن عباس، وحذيفة، والمغيرة، وأبو زيد الأنصاري، وروي أيضًا عن عمر بن الخطاب ﵁، وعن جميعهم.\nوممن قال به من التابعين شريح القاضي، وعطاء بن أبي رباح، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز.\nوقال أبو عمر بن عبد البر: أكثر التابعين والفقهاء على ذلك.","vol":"2","page":34},{"text":"وقال أبو عيسى الترمذي: التوقيت ثلاثًا للمسافر، ويوم وليلة للمقيم هو قول عامة العلماء من الصحابة، والتابعين ومن بعدهم. وقال الخطابي: التوقيت قول عامة الفقهاء. قاله النووي.\nوحجة أهل هذا القول بتوقيت المسح الأحاديث الواردة بذلك، فمن ذلك حديث علي ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يوم وليلة\" أخرجه مسلم، والإمام أحمد والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان.\nومن ذلك أيضًا حديث أبي بكرة عن النبي -  ﷺ  - \"أنه رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة، إذا تطهر فلبس خفيه أن يمسح عليهما\" أخرجه ابن خزيمة، والدارقطني، وابن أبي شيبة، وابن حبان، والبيهقي، والترمذي في العلل؛ والشافعي، وابن الجارود، والأثرم في سننه، وصححه الخطابي، وابن خزيمة، وغيرهما.\nومن ذلك أيضًا حديث صفوان بن عسال المرادي قال: \"أمرنا -يعني النبي -  ﷺ  - أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر ثلاثًا إذا سافرنا، ويومًا وليلة إذا أقمنا، ولا نخلعهما من غائط، ولا بول ولا نوم، ولا نخلعهما إلا من جنابة\" أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، والترمذي، وصححاه، والنسائي، وابن ماجه، والشافعي، وابن حبان، والدارقطني، والبيهقي.\nقال الشوكاني في [نيل الأوطار]: وحكى الترمذي عن البخاري، أنه حديث حسن، ومداره على عاصم بن أبي النجود،","vol":"2","page":35},{"text":"وهو صدوق، وسيء الحفظ.\nوقد تابعه جماعة، ورواه عنه أكثر من أربعين نفسًا. قاله ابن منده اهـ.\nوذهبت جماعة من أهل العلم إلى عدم توقيت المسح وقالوا: إن من لبس خفيه وهو طاهر، مسح عليهما ما بدا له، ولا يلزمه خلعهما إلا من جنابة. وممن قال بهذا القول مالك، وأصحابه، والليث بن سعد، والحسن البصري.\nويروى عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، والشعبي، وربيعة، وهو قول الشافعي في القديم، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وعقبة بن عامر ﵃.\nوحجة أهل هذا القول ما رواه الحاكم -بإسناد صحيح- عن أنس ﵁، عن النبي -  ﷺ  -: \"إذا توضأ أحدكم، فلبس خفيه، فليمسح عليهما، وليصل فيهما، ولا يخلعهما إن شاء، إلا من جنابة ونحوه\". وأخرجه الدارقطني.\nوهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه الحاكم وغيره يعتضد بما رواه الدارقطني عن ميمونة بنت الحارث الهلالية زوج النبي -  ﷺ  - من عدم التوقيت.\nويؤيده أيضًا ما رواه أبو داود، وابن ماجه، وابن حبان، عن خزيمة بن ثابت ﵁، أنه زاد في حديث التوقيت ما لفظه: ولو استزدناه لزادنا، وفي لفظ \"لو مضى السائل على مسألته لجعلها خمسًا\" يعني ليالي التوقيت للمسح. وحديث خزيمة هذا","vol":"2","page":36},{"text":"الذي فيه الزيادة المذكورة صححه ابن معين؛ وابن حبان وغيرهما، وبه تعلم أن ادعاء النووي في \"شرح المهذب\" الاتفاق على ضعفه، غير صحيح.\nوقول البخاري -﵀-: إنه لا يصح عنده لأنه لا يعرف للجدلي سماع من خزيمة مبني على شرطه، وهو ثبوت اللقى.\nوقد أوضح مسلم بن الحجاج -﵀- في مقدمة صحيحه، أن الحق هو الاكتفاء بإمكان اللقى بثبوت المعاصرة، وهو مذهب جمهور العلماء.\nفإن قيل: حديث خزيمة الذي فيه الزيادة ظن فيه أن النبي -  ﷺ  - لو استزيد لزاد، وقد رواه غيره، ولم يظن هذا الظن؛ ولا حجة في ظن صحابي خالفه غيره فيه.\nفالجواب: أن خزيمة هو ذو الشهادتين الذي جعله -  ﷺ  - بمثابة شهادتين؛ وعدالته، وصدقه، يمنعانه من أن يجزم بأنه لو استزيد لزاد إلا وهو عارف أن الأمر كذلك، بأمور أخر اطلع هو عليها، ولم يطلع عليها غيره.\nومما يؤيد عدم التوقيت ما رواه أبو داود -وقال: ليس بالقوي- عن أبي بن عمارة ﵁ أنه قال: \"يا رسول الله أمسح على الخفين؟ قال: نعم، قال: يومًا، قال: نعم، قال: ويومين، قال: نعم، قال: وثلاثة أيام، قال: نعم، وما شئت\" وهذا الحديث وإن كان لا يصلح دليلا مستقلًا، فإنه يصلح لتقوية غيره من الأحاديث التي ذكرنا.","vol":"2","page":37},{"text":"فحديث أنس في عدم التوقيت صحيح؛ ويعتضد بحديث خزيمة الذي فيه الزيادة، وحديث ميمونة، وحديث أبي بن عمارة، وبالآثار الموقوفة على عمر، وابنه، وعقبة بن عامر، ﵃.\n\nتنبيه\nالذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أنه لا يمكن الجمع في هذه الأحاديث بحمل المطلق على المقيد؛ لأن المطلق هنا فيه التصريح بجواز المسح أكثر من ثلاث للمسافر، والمقيم، والمقيد فيه التصريح بمنع الزائد على الثلاث للمسافر، واليوم والليلة للمقيم؛ فهما متعارضان في ذلك الزائد، فالمطلق يصرح بجوازه، والمقيد يصرح بمنعه، فيجب الترجيح بين الأدلة، فترجح أدلة التوقيت بأنها أحوط، كما رجحها بذلك ابن عبد البر، وبأن رواتها من الصحابة أكثر، وبأن منها ما هو ثابت في صحيح مسلم، وهو حديث علي ﵁ المتقدم.\nوقد ترجح أدلة عدم التوقيت بأنها تضمنت زيادة، وزيادة العدل مقبولة، وبأن القائل بها مثبت أمرًا، والمانع منها ناف له، والمثبت أولى من النافي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والنفس إلى ترجيح التوقيت أميل؛ لأن الخروج من الخلاف أحوط كما قال بعض العلماء:\nوإن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستبن\nوقال الآخر:\nوذو احتياط في أمور الدين ... من فر من شك إلى يقين","vol":"2","page":38},{"text":"ومصداق ذلك في قوله -  ﷺ  -: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" فالعامل بأدلة التوقيت طهارته صحيحة باتفاق الطائفتين، بخلاف غيره فإحدى الطائفتين تقول ببطلانها بعد الوقت المحدد، والله تعالى أعلم.\nواعلم أن القائلين بالتوقيت اختلفوا في ابتداء مدة المسح.\nفذهب الشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهما، وأحمد في أصح الروايتين عنه، وسفيان الثوري، وداود في أصح الروايتين، وغيرهم إلى أن ابتداء مدة التوقيت من أول حدث يقع بعد لبس الخف، وهذا قول جمهور العلماء.\nواحتج أهل هذا القول بزيادة رواها الحافظ القاسم بن زكريا المطرز في حديث صفوان: من الحدث إلى الحدث. قال النووي في \"شرح المهذب\": وهي زيادة غريبة ليست ثابتة.\nواحتجوا أيضًا بالقياس وهو أن المسح عبادة موقتة، فيكون ابتداء وقتها من حين جواز فعلها قياسًا على الصلاة.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ابتداء المدة من حين يمسح بعد الحدث.\nوممن قال بهذا، الأوزاعي، وأبو ثور، وهو أحد الروايتين عن أحمد، وداود، ورجح هذا القول النووي، واختاره ابن المنذر، وحكي نحوه عن عمر بن الخطاب ﵁.\nواحتج أهل هذا القول بأحاديث التوقيت في المسح، وهي أحاديث صحاح.","vol":"2","page":39},{"text":"ووجه احتجاجهم بها أن قوله -  ﷺ  -: \"يمسح المسافر ثلاثة أيام\" صريح في أن الثلاثة كلها ظرف للمسح.\nولا يتحقق ذلك إلا إذا كان ابتداء المدة من المسح، وهذا هو أظهر الأقوال دليلا فيما يظهر لي. والله تعالى أعلم.\nوفي المسألة قول ثالث، وهو أن ابتداء المدة من حين لبس الخف، وحكاه الماوردي والشاشي، عن الحسن البصري. قاله النووي. والله تعالى أعلم.\nالمسألة السادسة: اختلف العلماء: هل يكفي مسح ظاهر الخف، أو لا بد من مسح ظاهره وباطنه.\nفذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه يكفي مسح ظاهره. وممن قال به أبو حنيفة، وأحمد، والثوري، والأوزاعي، وحكاه ابن المنذر، عن الحسن، وعروة بن الزبير، وعطاء، والشعبي، والنخعي، وغيرهم.\nوأصح الروايات عن أحمد أن الواجب مسح أكثر أعلى الخف، وأبو حنيفة يكفي عنده مسح قدر ثلاثة أصابع من أعلى الخف.\nوحجة من اقتصر على مسح ظاهر الخف دون أسفله، حديث علي ﵁ قال: \"لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه، لقد رأيت رسول الله -  ﷺ  - يمسح على ظاهر خفيه\" أخرجه أبو داود، والدارقطني.\nقال ابن حجر في [بلوغ المرام]: إسناده حسن.\nوقال في [التلخيص]: إسناده صحيح.","vol":"2","page":40},{"text":"واعلم أن هذا الحديث لا يقدح فيه أن في إسناده عبد خير بن يزيد الهمداني، وأن البيهقي قال: لم يحتج بعبد خير المذكور صاحبا الصحيح. اهـ. لأن عبد خير المذكور، ثقة مخضرم مشهور، قيل: إنه صحابي.\nوالصحيح أنه مخضرم، وثقة يحيى بن معين، والعجلي، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: مخضرم، ثقة، من الثانية، لم يصح له صحبة.\nوأما كون الشيخين لم يخرجا له، فهذا ليس بقادح فيه باتفاق أهل العلم، وكم من ثقة عدل لم يخرج له الشيخان.\nوذهب الإمام الشافعي -﵀- إلى أن الواجب مسح أقل جزء من أعلاه، وأن مسح أسفله مستحب.\nوذهب الإمام مالك -﵀- إلى أنه يلزم مسح أعلاه وأسفله معًا، فإن اقتصر على أعلاه أعاد في الوقت، ولم يعد أبدًا، وإن اقتصر على أسفله أعاد أبدًا. وعن مالك أيضًا أن مسح أعلاه واجب، ومسح أسفله مندوب.\nواحتج من قال بمسح كل من ظاهر الخف وأسفله، بما رواه ثور بن يزيد، عن رجاء بن حيوة، عن وراد -كاتب المغيرة بن شعبة- \"أن النبي -  ﷺ  - مسح أعلى الخف وأسفله\" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي، وابن الجارود.\nوقال الترمذي: هذا حديث معلول، لم يسنده عن ثور غير","vol":"2","page":41},{"text":"الوليد بن مسلم. وسألت أبا زرعة ومحمدًا عن هذا الحديث فقالا: ليس بصحيح، ولا شك أن هذا الحديث ضعيف. وقد احتج مالك لمسح أسفل الخف بفعل عروة بن الزبير ﵄.\nالمسألة السابعة: أجمع العلماء على اشتراط الطهارة المائية للمسح على الخف، وأن من لبسهما محدثًا، أو بعد تيمم، لا يجوز له المسح عليهما.\nواختلفوا في اشتراط كمال الطهارة، كمن غسل رجله اليمنى فأدخلها في الخف قبل أن يغسل رجله اليسرى، ثم غسل رجله اليسرى فأدخلها أيضًا في الخف، هل يجوز له المسح على الخفين إذا أحدث بعد ذلك؟ .\nذهب جماعة من أهل العلم إلى اشتراط كمال الطهارة، فقالوا في الصورة المذكورة: لا يجوز له المسح لأنه لبس أحد الخفين قبل كمال الطهارة.\nوممن قال بهذا القول الشافعي وأصحابه، ومالك وأصحابه، وإسحاق، وهو أصح الروايتين عن أحمد.\nواحتج أهل هذا القول بالأحاديث الواردة باشتراط الطهارة للمسح على الخفين، كحديث المغيرة بن شعبة، عن النبي -  ﷺ  -، أنه قال: \"دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما\" متفق عليه، ولأبي داود عنه، عن النبي -  ﷺ  -: \"دع الخفين فإني أدخلت القدمين الخفين، وهما طاهرتان، فمسح عليهما\".\nوعن أبي هريرة عند أحمد أنه -  ﷺ  - قال له لما نبهه على أنه لم","vol":"2","page":42},{"text":"يغسل رجليه: \"إني أدخلتهما وهما طاهرتان\".\nوفي حديث صفوان بن عسال المتقدم \"أمرنا أن نمسح على الخفين إذا نحن أدخلناهما على طهر\"، الحديث، إلى غير ذلك من الأحاديث.\nقالوا: والطهارة الناقصة كلا طهارة.\nوذهب جماعة من أهل العلم إلى عدم اشتراط كمال الطهارة وقت لبس الخف، فأجازوا لبس خف اليمنى قبل غسل اليسرى والمسح عليه، إذا أحدث بعد ذلك؛ لأن الطهارة كملت بعد لبس الخف.\nقالوا: والدوام كالابتداء. وممن قال بهذا القول: الإمام أبو حنيفة، وسفيان الثوري، ويحيى بن آدم، والمزني، وداود. واختار هذا القول ابن المنذر، قاله النووي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: منشأ الخلاف في هذه المسألة هو قاعدة مختلف فيها \"وهي هل يرتفع الحدث عن كل عضو من أعضاء الوضوء بمجرد غسله، أو لا يرتفع الحدث عن شيء منها إلا بتمام الوضوء\"؟ وأظهرهما عندي أن الحدث معنى من المعاني لا ينقسم ولا يتجزأ، فلا يرتفع منه جزء، وأنه قبل تمام الوضوء محدث، والخف يشترط في المسح عليه أن يكون وقت لبسه غير محدث. والله تعالى أعلم. اهـ.\nتنبيه\nجمهور العلماء على اشتراط النية في الوضوء والغسل؛","vol":"2","page":43},{"text":"لأنهما قربة، والنبي -  ﷺ  - يقول: \"إنما الأعمال بالنيات\" وخالف أبو حنيفة قائلًا: إن طهارة الحدث لا تشترط فيها النية، كطهارة الخبث.\nواختلف العلماء أيضًا في الغاية في قوله: ﴿إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ هل هي داخلة فيجب غسل المرافق في الوضوء -وهو مذهب الجمهور -أو خارجة فلا يجب غسل المرافق فيه؟ والحق اشتراط النية، ووجوب غسل المرافق. والعلم عند الله تعالى.\nواختلف العلماء في مسح الرأس في الوضوء، هل يجب تعميمه؛ فقال مالك وأحمد، وجماعة: يجب تعميمه. ولا شك أنه الأحوط في الخروج من عهدة التكليف بالمسح.\nوقال الشافعي، وأبو حنيفة: لا يجب التعميم.\nواختلفوا في القدر المجزىء، فعن الشافعي: أقل ما يطلق عليه اسم المسح كاف. وعن أبي حنيفة: الربع. وعن بعضهم: الثلث. وعن بعضهم: الثلثان.\n\"وقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - المسح على العمامة\"، وحمله المالكية على ما إذا خيف بنزعها ضرر، وظاهر الدليل الإطلاق.\n\"وثبت عنه -  ﷺ  - المسح على الناصية والعمامة\" ولا وجه للاستدلال به على الاكتفاء بالناصية؛ لأنه لم يرد أنه -  ﷺ  - اكتفى بها بل مسح معها على العمامة، فقد ثبت في مسح الرأس ثلاث حالات: المسح على الرأس، والمسح على العمامة، والجمع بينهما بالمسح على الناصية والعمامة. والظاهر من الدليل جواز","vol":"2","page":44},{"text":"الحالات الثلاث المذكورة. والعلم عند الله تعالى.\nوما قدمنا من حكاية الإجماع على عدم الاكتفاء في المسح على الخف بالتيمم، مع أن فيه خلاف كما يأتي؛ لأنه لضعفه عندنا كالعدم؛ ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية الكريمة خوف الإطالة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-276> قوله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ﴾</span> الآية. اعلم أن لفظة \"مِنْ\" في هذه الآية الكريمة محتملة لأن تكون للتبعيض، فيتعين في التيمم التراب الذي له غبار يعلق باليد؛ ويحتمل أن تكون لابتداء الغاية، أي مبدأ ذلك المسح كائن من الصعيد الطيب. فلا يتعين ماله غبار. وبالأول قال الشافعي، وأحمد. وبالثاني قال مالك، وأبو حنيفة، رحمهم الله تعالى جميعًا.\nفإذا علمت ذلك، فاعلم أن في هذه الآية الكريمة إشارة إلى هذا القول الأخير، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ﴾ فقوله: ﴿مِنْ حَرَجٍ﴾ نكرة في سياق النفي زيدت قبلها \"مِنْ\"، والنكرة إذا كانت كذلك، فهي نص في العموم، كما تقرر في الأصول، قال في [مراقي السعود] عاطفًا على صيغ العموم:\nوفي سياق المنفي منها يذكر ... إذا بنى أو زيد من منكر\nفالآية تدل على عموم النفي في كل أنواع الحرج، والمناسب لذلك كون \"مِنْ\" لابتداء الغاية؛ لأن كثيرًا من البلاد ليس فيه إلا","vol":"2","page":45},{"text":"الرمال أو الجبال، فالتكليف بخصوص ما فيه غبار يعلق باليد، لا يخلو من حرج في الجملة.\nويؤيد هذا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث جابر بن عبد الله ﵄، قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"أعطيت خمسًا لم يعطهن أحد قبلي، نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورا، فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل\". وفي لفظ: \"فعنده مسجده وطهوره\" الحديث.\nفهذا نص صحيح صريح في أن من أدركته الصلاة في محل ليس فيه إلا الجبال أو الرمال أن ذلك الصعيد الطيب الذي هو الحجارة، أو الرمل طهور له ومسجد، وبه تعلم أن ما ذكره الزمخشري من تعين كون \"مِنْ\" للتبعيض غير صحيح.\nفإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على تعين التراب الذي له غبار يعلق باليد، دون غيره من أنواع الصعيد، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث حذيفة ﵁، قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت تربتها لنا طهورا، إذا لم نجد الماء\". الحديث، فتخصيص التراب بالطهورية في مقام الامتنان يفهم منه أن غيره من الصعيد ليس كذلك.\nفالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن كون الأمر مذكورًا في معرض الامتنان مما يمنع فيه اعتبار مفهوم المخالفة، كما تقرر في الأصول، قال في [مراقي","vol":"2","page":46},{"text":"السعود] في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:\nأو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع\nولذا أجمع العلماء على جواز أكل القديد من الحوت مع أن الله خص اللحم الطري منه في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ لأنه ذكر اللحم الطري في معرض الامتنان، فلا مفهوم مخالفة له، فيجوز أكل القديد مما في البحر.\nالثاني: أن مفهوم التربة مفهوم لقب، وهو لا يعتبر عند جماهير العلماء، وهو الحق، كما هو معلوم في الأصول.\nالثالث: أن التربة فرد من أفراد الصعيد، وذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يكون مخصصًا له عند الجمهور، سواء ذكرا في نص واحد، كقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ أو ذكرا في نصين كحديث \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" عند أحمد، ومسلم، وابن ماجه، والترمذي وغيرهم، مع حديث \"هلا انتفعتم بجلدها\" -يعني شاة ميتة- عند الشيخين، كلاهما من حديث ابن عباس، فذكر الصلاة الوسطى في الأول، وجلد الشاة في الأخير لا يقتضي أن غيرهما من الصلوات في الأول، ومن الجلود في الثاني ليس كذلك، قال في [مراقي السعود] عاطفًا على ما لا يخصص به العموم:\nوذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد\nولم يخالف في عدم التخصيص بذكر بعض أفراد العام بحكم العام إلا أبو ثور محتجًا بأنه لا فائدة لذكره إلا التخصيص.","vol":"2","page":47},{"text":"وأجيب من قبل الجمهور بأن مفهوم اللقب ليس بحجة، وفائدة ذكر البعض نفي احتمال إخراجه من العام. والصعيد في اللغة: وجه الأرض، كان عليه تراب، أو لم يكن. قاله الخليل، وابن الأعرابي، والزجاج.\nقال الزجاج: لا أعلم فيه خلافًا بين أهل اللغة. قال الله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ أي أرضًا غليظة لا تنبت شيئًا، وقال تعالى: ﴿فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا (٤٠)﴾ ومنه قول ذي الرمة:\nكأنه بالضحى ترمى الصعيد به ... دبابة في عظام الرأس خرطوم\nوإنما سمي صعيدًا؛ لأنه نهاية ما يصعد إليه من الأرض، وجمع الصعيد صعدات على غير قياس، ومنه حديث \"إياكم والجلوس في الصعدات\" قاله القرطبي وغيره عنه.\nواختلف العلماء فيه من أجل تقييده بالطيب، فقالت طائفة: \"الطيب\" هو الطاهر، فيجوز التيمم بوجه الأرض كله، ترابًا كان أو رملًا، أو حجارة، أو معدنًا، أو سبخة، إذا كان ذلك طاهرًا. وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والثوري، وغيرهم.\nوقالت طائفة: الطيب: الحلال، فلا يجوز التيمم بتراب مغصوب.\nوقال الشافعي، وأبو يوسف: الصعيد الطيب التراب المنبت، بدليل قوله تعالى: ﴿وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾ الآية.\nفإذا علمت هذا، فاعلم أن المسألة لها واسطة وطرفان: طرف أجمع جميع المسلمين على جواز التيمم به، وهو التراب","vol":"2","page":48},{"text":"المنبت الطاهر الذي هو غير منقول، ولا مغصوب؛ وطرف أجمع جميع المسلمين على منع التيمم به، وهو الذهب والفضة الخالصان، والياقوت والزمرد، والأطعمة كالخبز واللحم وغيرهما، والنجاسات، وغير هذا هو الواسطة التي اختلف فيها العلماء، فمن ذلك المعادن، فبعضهم يجيز التيمم عليها كمالك، وبعضهم يمنعه كالشافعي، ومن ذلك الحشيش، فقد روى ابن خويز منداد عن مالك أنه يجيز التيمم على الحشيش إذا كان دون الأرض، ومشهور مذهب مالك المنع، ومن ذلك التيمم على الثلج، فروي عن مالك في [المدونة]، والمبسوط جوازه: قيل: مطلقًا. وقيل: عند عدم الصعيد، وفي غيرهما منعه.\nواختلف عنه في التيمم على العود فالجمهور على المنع، وفي [مختصر الوقار] أنه جائز، وقيل: يجوز في العود المتصل بالأرض دون المنفصل عنها، وذكر الثعلبي أن مالكًا قال: لو ضرب بيده على شجرة، ثم مسح بها أجزأه؛ قال: وقال الأوزاعي، والثوري: يجوز بالأرض، وكل ما عليها من الشجر والحجر، والمدر وغيرها حتى قالا: لو ضرب بيده على الجمد، والثلج أجزأه.\nوذكر الثعلبي عن أبي حنيفة أنه يجيزه بالكحل، والزرنيخ، والنورة، والجص، والجوهر المسحوق، ويمنعه بسحالة الذهب، والفضة، والنحاس، والرصاص؛ لأن ذلك ليس من جنس الأرض.\nوذكر النقاش عن ابن علية، وابن كيسان أنهما أجازاه بالمسك، والزعفران، وأبطل ابن عطية هذا القول، ومنعه إسحاق","vol":"2","page":49},{"text":"ابن راهويه بالسباخ، وعن ابن عباس نحوه، وعنه فيمن أدركه التيمم، وهو في طين أنه يطلي به بعض جسده، فإذا جف تيمم به. قاله القرطبي.\nوأما التراب المنقول في طبق أو غيره، فالتيمم به جائز في مشهور مذهب مالك، وهو قول جمهور المالكية، ومذهب الشافعي، وأصحابه. وعن بعض المالكية، وجماعة من العلماء منعه. وما طبخ كالجص، والآجر ففيه أيضًا خلاف عند المالكية، والمنع أشهر.\nواختلفوا أيضًا في التيمم على الجدار، فقيل: جائز مطلقًا، وقيل: ممنوع مطلقًا، وقيل بجوازه للمريض دون غيره، وحديث أبي جهيم الآتي يدل على الجواز مطلقًا.\nوالظاهر أن محله فيما إذا كان ظاهر الجدار من أنواع الصعيد، ومشهور مذهب مالك جواز التيمم على المعادن غير الذهب، والفضة ما لم تنقل، وجوازه على الملح غير المصنوع، ومنعه بالأشجار، والعيدان ونحو ذلك، وأجازه أحمد، والشافعي، والثوري على اللبد، والوسائد ونحو ذلك إذا كان عليه غبار.\nوالتيمم في اللغة: القصد، تيممت الشيء قصدته، وتيممت الصعيد تعمدته، وأنشد الخليل قول عامر بن مالك، ملاعب الألسنة:\nيممته الرمح شزرًا ثم قلت له ... هذي البسالة لا لعب الزحاليق\nومنه قول امرىء القيس:\nتيممت العين التي عند ضارج ... يفيء عليها الظل عرمضها طامى","vol":"2","page":50},{"text":"وقول أعشى باهلة:\nتيممت قيسًا وكم دونه ... من الأرض من مهمة ذي شزن\nوقول حميد بن ثور:\nسل الربع أني يممت أم طارق ... وهل عادة للربع أن يتكلما\nوالتيمم في الشرع: القصد إلى الصعيد الطيب لمسح الوجه، واليدين منه بغية استباحة الصلاة عند عدم الماء، أو العجز عن استعماله، وكون التيمم بمعنى القصد يدل على اشتراط النية في التيمم، وهو الحق.\n\nمسائل في أحكام التيمم\nالمسألة الأولى: لم يخالف أحد من جميع المسلمين في التيمم عن الحدث الأصغر، وكذلك عن الحدث الأكبر، إلا ما روي عن عمر، وابن مسعود، وإبراهيم النخعي من التابعين أنهم منعوه عن الحدث الأكبر.\nونقل النووي في [شرح المهذب] عن ابن الصباغ وغيره القول برجوع عمر، وعبد الله بن مسعود عن ذلك.\nواحتج لمن منع التيمم عن الحدث الأكبر بأن آية النساء ليس فيها إباحته إلا لصاحب الحدث الأصغر؛ حيث قال: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا﴾ الآية.\nورد هذا الاستدلال من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنا لا نسلم عدم ذكر الجنابة في آية النساء؛ لأن قوله","vol":"2","page":51},{"text":"تعالى: ﴿أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فسره ترجمان القرآن ابن عباس ﵄ بأن المراد به الجماع، وإذًا فذكر التيمم بعد الجماع المعبر عنه باللمس، أو الملامسة بحسب القراءتين، والمجيء من الغائط دليل على شمول التيمم لحالتي الحدث الأكبر، والأصغر.\nالثاني: أنه تعالى في سورة المائدة صرح بالجنابة غير معبر عنها بالملامسة، ثم ذكر بعدها التيمم، فدل على أنه يكون عنها أيضًا حيث قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ ثم قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية. فهو عائد إلى المحدث، والجنب جميعًا، كما هو ظاهر.\nالثالث: تصريحه -  ﷺ  - بذلك الثابت عنه في الصحيح، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عمار بن ياسر ﵄، أنه قال: \"أجنبت فلم أصب الماء، فتمعكت في الصعيد وصليت، فذكرت ذلك للنبي -  ﷺ  - فقال النبي -  ﷺ  -: إنما كان يكفيك هكذا، فضرب النبي -  ﷺ  - بكفيه الأرض، ونفخ فيهما، ثم مسح بهما وجهه، وكفيه\".\nوأخرجا في صحيحيهما أيضًا من حديث عمران بن حصين ﵄، قال: \"كنا مع رسول الله -  ﷺ  - فصلى الناس؛ فإذا هو برجل معتزل، فقال: ما منعك أن تصلي؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء، قال: عليك بالصعيد، فإنه يكفيك\". والأحاديث في الباب كثيرة.\nالمسألة الثانية: اختلف العلماء، هل تكفي للتيمم ضربة","vol":"2","page":52},{"text":"واحدة أو لا؟ فقال جماعة: تكفي ضربة واحدة للكفين والوجه، وممن ذهب إلى ذلك الإمام أحمد، وعطاء، ومكحول، والأوزاعي، وإسحاق، ونقله ابن المنذر عن جمهور العلماء واختاره، وهو قول عامة أهل الحديث، ودليله حديث عمار المتفق عليه المتقدم آنفًا.\nوذهب أكثر الفقهاء إلى أنه لا بد من ضربتين: إحداهما للوجه، والأخرى للكفين، ومنهم من قال بوجوب الثانية، ومنهم من قال بسنيتها كمالك، وذهب ابن المسيب، وابن شهاب، وابن سيرين إلى أن الواجب ثلاث ضربات، ضربة للوجه، وضربة لليدين، وضربة للذراعين.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر من جهة الدليل الاكتفاء بضربة واحدة؛ لأنه لم يصح من أحاديث الباب شيء مرفوعًا إلا حديث عمار المتقدم، وحديث أبي جهيم بن الحارث بن الصمة الأنصاري، قال: \"أقبل رسول الله -  ﷺ  -، من نحو بئر جمل فلقيه رجل، فسلم عليه، فلم يرد عليه النبي -  ﷺ  -، حتى أقبل على الجدار فمسح بوجهه ويديه ثم رد - ﵇ - \"، أخرجه البخاري موصولًا، ومسلم تعليقًا، وليس في واحد منهما ما يدل على أنهما ضربتان كما رأيت، وقد دل حديث عمار أنها واحدة.\nالمسألة الثالثة: هل يلزم في التيمم مسح غير الكفين؟ اختلف العلماء في ذلك، فأوجب بعضهم المسح في التيمم إلى المرفقين، وبه قال أبو حنيفة، والشافعي، وأصحابهما، والثوري، وابن أبي سلمة، والليث، كلهم يرون بلوغ التيمم بالمرفقين فرضًا واجبًا، وبه قال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، وابن نافع، وإليه ذهب","vol":"2","page":53},{"text":"إسماعيل القاضي.\nقال ابن نافع: من تيمم إلى الكوعين أعاد الصلاة أبدًا.\nوقال مالك في المدونة: يعيد في الوقت، وروي التيمم إلى المرفقين مرفوعًا، عن جابر بن عبد الله، وابن عمر، وأبي أمامة، وعائشة وعمار، والأسلع، وسيأتي ما في أسانيد رواياتهم من المقال إن شاء الله تعالى، وبه كان يقول ابن عمر، وقال ابن شهاب: يمسح في التيمم إلى الآباط.\nواحتج من قال بالتيمم إلى المرفقين بما روي عمن ذكرنا من ذكر المرفقين، وبأن ابن عمر كان يفعله، وبالقياس على الوضوء، وقد قال تعالى فيه: ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من الأدلة -والله تعالى أعلم- أن الواجب في التيمم هو مسح الكفين فقط، لما قدمنا من أن الأحاديث الواردة في صفة التيمم لم يصح منها شيء ثابت الرفع إلا حديث عمار؛ وحديث أبي جهيم المتقدمين.\nأما حديث أبي جهيم، فقد ورد بذكر اليدين مجملًا، كما رأيت، وأما حديث عمار فقد ورد بذكر الكفين في الصحيحين، كما قدمنا آنفًا، وورد في غيرهما بذكر المرفقين، وفي رواية إلى نصف الذراع، وفي رواية إلى الآباط، فأما رواية المرفقين، ونصف الذراع، ففيهما مقال سيأتي، وأما رواية الآباط، فقال الشافعي وغيره: إن كان ذاك وقع بأمر النبي -  ﷺ  -، فكل تيمم للنبي -  ﷺ  - بعده فهو ناسخ له، وإن كان وقع بغير أمره، فالحجة فيما أمر به.","vol":"2","page":54},{"text":"ومما يقوي رواية الصحيحين في الاقتصار على الوجه والكفين، كون عمار كان يفتي بعد النبي -  ﷺ  - بذلك؛ وراوي الحديث أعرف بالمراد به من غيره؛ ولا سيما الصحابي المجتهد. قاله ابن حجر في [الفتح].\nأما فعل ابن عمر، فلم يثبت رفعه للنبي -  ﷺ  -، والموقوف على ابن عمر لا يعارض به مرفوع متفق عليه، وهو حديث عمار.\nوقد روى أبو داود عن ابن عمر بسند ضعيف، أنه قال: \"مر رجل على النبي -  ﷺ  - في سكة من السكك، وقد خرج من غائط أو بول فسلم عليه، فلم يرد عليه حتى كاد الرجل يتوارى في السكك، فضرب بيده على حائط، ومسح بها وجهه، ثم ضرب ضربة أخرى فمسح بها ذراعيه\" ومدار الحديث على محمد بن ثابت، وقد ضعفه ابن معين، وأحمد والبخاري، وأبو حاتم. وقال أحمد، والبخاري: ينكر عليه حديث التيمم. أي هذا، زاد البخاري: خالفه أيوب، وعبيد الله والناس. فقالوا عن نافع، عن ابن عمر فعله.\nوقال أبو داود: لم يتابع أحد محمد بن ثابت في هذه القصة على ضربتين عن رسول الله -  ﷺ  -، ورووه من فعل ابن عمر، وقال الخطابي: لا يصح؛ لأن محمد بن ثابت ضعيف جدًا، ومحمد بن ثابت هذا هو العبدي أبو عبد الله البصري، قال فيه في التقريب: صدوق، لين الحديث.\nواعلم أن رواية الضحاك بن عثمان، وابن الهاد لهذا الحديث عن نافع، عن ابن عمر، ليس في واحدة منهما متابعة محمد بن ثابت على الضربتين، ولا على الذراعين؛ لأن الضحاك لم يذكر","vol":"2","page":55},{"text":"التيمم في روايته، وابن الهاد قال في روايته \"مسح وجهه ويديه\" قاله ابن حجر، والبيهقي.\nوروى الدارقطني، والحاكم، والبيهقي من طريق علي بن ظبيان، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\".\nقال الدارقطني: وقفه يحيى القطان، وهشيم وغيرهما، وهو الصواب. ثم رواه من طريق مالك عن نافع، عن ابن عمر موقوفًا، قاله ابن حجر. مع أن علي بن ظبيان ضعفه القطان، وابن معين، وغير واحد. وهو ابن ظبيان بن هلال العبسي الكوفي، قاضي بغداد. قال فيه في [التقريب]: ضعيف.\nورواه الدارقطني من طريق سالم عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ \"تيممنا مع النبي -  ﷺ  -، ضربنا بأيدينا على الصعيد الطيب، ثم نفضنا أيدينا فمسحنا وجوهنا، ثم ضربنا ضربة أخرى فمسحنا من المرافق إلى الأكف\" الحديث، لكن في إسناده سليمان بن أرقم، وهو متروك.\nقال البيهقي: رواه معمر وغيره عن الزهري موقوفًا، وهو الصحيح، ورواه الدارقطني أيضًا من طريق سليمان بن أبي داود الحراني، وهو متروك أيضًا عن سالم، ونافع جميعًا، عن ابن عمر مرفوعًا بلفظ: \"في التيمم ضربتان ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\".","vol":"2","page":56},{"text":"قال أبو زرعة: حديث باطل. ورواه الدارقطني، والحاكم من طريق عثمان بن محمد الأنماطي، عن عزرة بن ثابت، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"التيمم ضربة للوجه، وضربة للذراعين إلى المرفقين\" ومن طريق أبي نعيم عن عزرة بسنده المذكور، قال: \"جاء رجل فقال: أصابتني جنابة، وإني تمعكت في التراب، فقال: اضرب، فضرب بيده الأرض فمسح وجهه، ثم ضرب يديه فمسح بهما إلى المرفقين\".\nضعف ابن الجوزي هذا الحديث بأن فيه عثمان بن محمد، ورد على ابن الجوزي بأن عثمان بن محمد لم يتكلم فيه أحد، كما قاله ابن دقيق العيد، لكن روايته المذكورة شاذة؛ لأن أبا نعيم رواه عن عزرة موقوفًا، أخرجه الدارقطني، والحاكم أيضًا. وقال الدارقطني في حاشية السنن عقب حديث عثمان بن محمد: كلهم ثقات، والصواب موقوف. قال ذلك كله ابن حجر في التلخيص، وقال في [التقريب] في عثمان بن محمد المذكور: مقبول، وقال في [التلخيص] أيضًا: وفي الباب عن الأسلع: قال \"كنت أخدم النبي -  ﷺ  -، فأتاه جبريل بآية الصعيد، فأراني التيمم، فضربت بيدي الأرض واحدة، فمسحت بها وجهي، ثم ضربت بها الأرض فمسحت بها يدي إلى المرفقين\" رواه الدارقطني، والطبراني، وفيه الربيع بن بدر، وهو ضعيف، وعن أبي أمامة رواه الطبراني، وإسناده ضعيف أيضًا.\nورواه البزار، وابن عدي من حديث عائشة مرفوعًا: \"التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين\": تفرد به","vol":"2","page":57},{"text":"الحريش بن الخريت، عن ابن أبي مليكة، عنها. قال أبو حاتم: حديث منكر، والحريش شيخ لا يحتج به. وحديث \"أنه -  ﷺ  - قال لعمار بن ياسر: تكفيك ضربة للوجه، وضربة للكفين\" رواه الطبراني في الأوسط والكبير. وفيه إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو ضعيف، ولكنه حجة عند الشافعي.\nوحديث عمار \"كنت في القوم حين نزلت الرخصة فأمرنا فضربنا واحدة للوجه، ثم ضربة أخرى لليدين إلى المرفقين\".\nرواه البزار، ولا شك أن الرواية المتفق عليها عن عمار أولى منه.\nوقال ابن عبد البر: أكثر الآثار المرفوعة عن عمار ضربة واحدة، وما روي عنه من ضربتين فكلها مضطربة اهـ. منه: فبهذا كله تعلم أنه لم يصح في الباب إلا حديث عمار، وأبي جهيم المتقدمين، كما ذكرنا.\nفإذا عرفت نصوص السنة في المسألة فاعلم أن الواجب في المسح الكفان فقط، ولا يبعد ما قاله مالك ﵀ من وجوب الكفين، ووسيلة الذراعين إلى المرفقين، لأن الوجوب دل عليه الحديث المتفق عليه في الكفين.\nوهذه الروايات الواردة بذكر اليدين إلى المرفقين تدل على السنية، وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضًا، لما تقرر في علوم الحديث من أن الطرق الضعيفة المعتبر بها يقوي بعضها بعضًا حتى يصلح مجموعها للاحتجاج.","vol":"2","page":58},{"text":"لا تخاصم بواحد أهل بيت ... فضعيفان يغلبان قويًا\nوتعتضد أيضًا بالموقوفات المذكورة، والأصل إعمال الدليلين، كما تقرر في الأصول.\nالمسألة الرابعة: هل يجب الترتيب في التيمم أو لا؟\nذهب جماعة من العلماء منهم الشافعي وأصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين ركن من أركان التيمم، وحكى النووي عليه اتفاق الشافعية، وذهبت جماعة منهم مالك، وجل أصحابه إلى أن تقديم الوجه على اليدين سنة.\nودليل تقديم الوجه على اليدين أنه تعالى قدمه في آية النساء، وآية المائدة، حيث قال فيهما: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ﴾.\nوقد قال -  ﷺ  - \"أبدأ بما بدأ الله به\" يعني قوله: ﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وفي بعض رواياته \"ابدءوا\" بصيغة الأمر.\nوذهب الإمام أحمد، ومن وافقه إلى تقديم اليدين مستدلًا بما ورد في صحيح البخاري في باب \"التيمم ضربة\" من حديث عمار بن ياسر ﵄ \"أن النبي -  ﷺ  - قال له: إنما كان يكفيك أن تصنع هكذا، فضرب بكفيه ضربة على الأرض، ثم نفضها، ثم مسح بها ظهر كفه بشماله، أو ظهر شماله بكفه، ثم مسح بها وجهه\". الحديث.\nومعلوم أن \"ثم\" تقتضي الترتيب، وأن الواو لا تقتضيه عند الجمهور، وإنما تقتضي مطلق التشريك، ولا ينافي ذلك أن يقوم دليل منفصل على أن المعطوف بالواو مؤخر عما قبله، كما دل","vol":"2","page":59},{"text":"عليه الحديث المتقدم في قوله: ﴿* إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وكما في قول حسان:\n\n• هجوت محمدًا وأجبت عنه *\nعلى رواية \"الواو\"، فحديث البخاري هذا نص في تقديم اليدين على الوجه، وللاسماعيلي من طريق هارون الحمال، عن أبي معاوية ما لفظه: \"إنما يكفيك أن تضرب بيديك على الأرض ثم تنفضهما، ثم تمسح بيمينك على شمالك، وشمالك على يمينك، ثم تمسح على وجهك\" قال ابن حجر في الفتح: وأكثر العلماء على تقديم الوجه مع الاختلاف في وجوب ذلك وسنيته.\nالمسألة الخامسة: هل يرفع التيمم الحدث أو لا؟ وهذه المسألة من صعاب المسائل لإجماع المسلمين على صحة الصلاة بالتيمم عند فقد الماء، أو العجز عن استعماله، وإجماعهم على أن الحدث مبطل للصلاة، فإن قلنا: لم يرتفع حدثه، فكيف صحت صلاته، وهو محدث؟ وإن قلنا: صحت صلاته، فكيف نقول: لم يرتفع حدثه؟.\nاعلم أولًا أن العلماء في هذه المسألة إلى ثلاثة مذاهب:\nالأول: أن التيمم لا يرفع الحدث.\nالثاني: أنه يرفعه رفعًا كليًا.\nالثالث: أنه يرفعه رفعًا مؤقتًا.\nحجة القول الأول: أن التيمم لا يرفع الحدث ما ثبت في","vol":"2","page":60},{"text":"صحيح البخاري من حديث عمران المتقدم \"أن النبي -  ﷺ  - صلى بالناس فرأى رجلًا معتزلًا لم يصل مع القوم، فقال: ما منعك يا فلان أن تصلي مع القوم؟ قال: أصابتني جنابة ولا ماء. قال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك\" إلى أن قال: \"وكان آخر ذلك أن أعطي الذي أصابته الجنابة إناء من ماء، قال: اذهب فأفرغه عليك\" الحديث. ولمسلم في هذا الحديث \"وغسلنا صاحبنا\" يعني الجنب المذكور. وهذا نص صحيح في أن تيممه الأول لم يرفع جنابته.\nومن الأدلة على أنه لا يرفع الحدث ما رواه أبو داود، وأحمد، والدارقطني، وابن حبان، والحاكم موصولًا، ورواه البخاري تعليقًا عن عمرو بن العاص ﵁ \"أنه تيمم عن الجنابة من شدة البرد. فقال له رسول الله -  ﷺ  -: صليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال عمرو: إني سمعت الله يقول: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. فضحك النبي -  ﷺ  - ولم ينكر عليه\".\nقال ابن حجر في [التلخيص] في الكلام على حديث عمرو هذا: واختلف فيه على عبد الرحمن بن جبير. فقيل: عنه، عن أبي قيس عن عمرو، وقيل: عنه عن عمرو بلا واسطة، لكن الرواية التي فيها أبو قيس ليس فيها ذكر التيمم، بل فيها أنه غسل مغابنه فقط.\nوقال أبو داود: روى هذه القصة الأوزاعي عن حسان بن عطية، وفيه: \"فتيمم\" ورجح الحاكم إحدى الروايتين على الأخرى.\nوقال البيهقي: يحتمل أن يكون فعل ما في الروايتين جميعًا. فيكون قد غسل ما أمكن، وتيمم عن الباقي، وله شاهد من حديث","vol":"2","page":61},{"text":"ابن عباس، وحديث أبي أمامة، عند الطبراني. انتهى من التلخيص لابن حجر.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ما أشار إليه البيهقي مع الجمع بين الروايتين متعين؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن، كما تقرر في الأصول، وعلوم الحديث.\nومحل الشاهد من هذا الحديث. قوله -  ﷺ  -: \"صليت بأصحابك وأنت جنب\"، فإنه أثبت بقاء جنابته مع التيمم.\nومن الأدلة على أن التيمم لا يرفع الحدث حديث أبي ذر عند أحمد، وأصحاب السنن الأربع، وصححه الترمذي، وأبو حاتم من حديث أبي ذر، وابن القطان من حديث أبي هريرة عند البزار، والطبراني. قاله ابن حجر في التلخيص.\nوذكر في [الفتح] أنه صححه ابن حبان، والدارقطني من حديث أبي ذر \"أنه -  ﷺ  - قال: \"إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليمسه بشرته\" الحديث.\nقال ابن حجر في التلخيص -بعد أن ذكر هذا الحديث، عن أصحاب السنن من رواية خالد الحذاء، عن أبي قلابة، عن عمرو بن بجدان، عن أبي ذر-: واختلف فيه على أبي قلابة، فقيل هكذا. وقيل: عنه، عن رجل من بني عامر، وهذه رواية أيوب عنه، وليس فيها مخالفة لرواية خالد، وقيل: عن أيوب، عنه، عن أبي المهلب، عن أبي ذر، وقيل: عنه بإسقاط الواسطة، وقيل في","vol":"2","page":62},{"text":"الواسطة: محجن، أو ابن محجن، أو رجاء بن عامر، أو رجل من بني عامر، وكلها عند الدارقطني، والاختلاف فيه كله على أيوب، ورواه ابن حبان، والحاكم من طريق خالد الحذاء كرواية أبي داود، وصححه أيضًا أبو حاتم، ومدار طريق خالد على عمرو بن بجدان، وقد وثقه العجلي، وغفل ابن القطان فقال: إنه مجهول. هكذا قاله ابن حجر في التلخيص.\nوقال في [التقريب] في ابن بجدان المذكور: لا يعرف حاله، تفرد عنه أبو قلابة، وفي الباب عن أبي هريرة رواه البزار قال: حدثنا مقدم بن محمد، ثنا عمي القاسم بن يحيى، ثنا هشام بن حسان، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة رفعه \"الصعيد وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجد الماء فليتق الله، وليمسه بشرته، فإن ذلك خير\".\nوقال: لا نعلمه عن أبي هريرة إلا من هذا الوجه، ورواه الطبراني في الأوسط من هذا الوجه مطولًا، أخرجه في ترجمة أحمد بن محمد بن صدقة، وساق فيه قصة أبي ذر وقال: لم يروه إلا هشام، عن ابن سيرين، ولا عن هشام إلا القاسم، تفرد به مقدم. وصححه ابن القطان، لكن قال الدارقطني في العلل: إن إرساله أصح. انتهى من التلخيص بلفظه، وقد رأيت تصحيح هذا الحديث للترمذي، وأبي حاتم، وابن القطان، وابن حبان.\nومحل الشاهد منه قوله: \"فإن وجد الماء فليمسه بشرته\" لأن الجنابة لو كان التيمم رفعها، لما احتيج إلى إمساس الماء البشرة.\nواحتج القائلون بأن التيمم يرفع الحدث بأن النبي -  ﷺ  -، صرح","vol":"2","page":63},{"text":"بأنه طهور في قوله في الحديث المتفق عليه \"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\" وبأن في الحديث المار آنفًا \"التيمم وضوء المسلم\" وبأن الله تعالى قال: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية، وبالإجماع على أن الصلاة تصح به كما تصح بالماء، ولا يخفى ما بين القولين المتقدمين من التناقض.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر من الأدلة تعين القولين الثالث؛ لأن الأدلة تنتظم به ولا يكون بينهما تناقض، والجمع واجب متى أمكن قال في [مراقي السعود]:\nوالجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا\nوالقول الثالث المذكور هو: أن التيمم يرفع الحدث رفعًا مؤقتًا لا كليًا، وهذا لا مانع منه عقلًا ولا شرعًا، وقد دلت عليه الأدلة؛ لأن صحة الصلاة به المجمع عليها يلزمها أن المصلي غير محدث، ولا جنب لزومًا شرعيًا لا شك فيه.\nووجوب الاغتسال أو الوضوء بعد ذلك عند إمكانه المجمع عليه أيضًا يلزمه لزومًا شرعيًا لا شك فيه، وأن الحدث مطلقًا لم يرتفع بالكلية، فيتعين الارتفاع المؤقت. هذا هو الظاهر، ولكنه يشكل عليه ما تقدم في حديث عمرو بن العاص. أنه -  ﷺ  - قال له: \"صليت بأصحابك وأنت جنب\"، وقد تقرر عند علماء العربية أن وقت عامل الحال هو بعينه وقت الحال، فالحال وعاملها إذًا مقترنان في الزمان، فقولك: جاء زيد ضاحكًا مثلا لا شك في أن وقت المجيء فيه هو بعينه وقت الضحك، وعليه فوقت صلاته هو","vol":"2","page":64},{"text":"بعينه وقت كونه جنبًا؛ لأن الحال هي كونه جنبًا، وعاملها قوله: صليت، فيلزم أن وقت الصلاة والجنابة متحد، ولا يقدح فيما ذكرنا أن الحال المقدرة لا تقارن عاملها في الزمن، كقوله تعالى: ﴿سَلامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ لأن الخلود متأخر عن زمن الدخول، أي: مقدرين الخلود فيها؛ لأن الحال في الحديث المذكور ليست من هذا النوع، فالمقارنة بينها وبين عاملها في الزمن لا شك فيها، وإذا كانت الجنابة حاصلة له في نفس وقت الصلاة كما هو مقتضى هذا الحديث فالرفع المؤقت المذكور لا يستقيم. ويمكن الجواب عن هذا من وجهين:\nالأول: أنه -  ﷺ  - قال له: \"وأنت جنب\" قبل أن يعلم عذره بخوفه الموت إن اغتسل.\nوالمتيمم من غير عذر مبيح جنب قطعًا، وبعد أن علم عذره المبيح للتيمم الذي هو خوف الموت أقره وضحك، ولم يأمره بالإعادة؛ فدل على أنه صلى بأصحابه وهو غير جنب؛ وهذا ظاهر الوجه.\nالثاني: أنه أطلق عليه اسم الجنابة نظرًا إلى أنها لم ترتفع بالكلية، ولو كان في وقت صلاته غير جنب، كإطلاق اسم الخمر على العصير في وقت هو فيه ليس بخمر في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ نظرًا إلى مآله في ثاني حال. والعلم عند الله تعالى.\nومن المسائل التي تبنى على الاختلاف في التيمم، هل يرفع الحدث أو لا؟ جواز وطء الحائض إذا طهرت، وصلت بالتيمم للعذر الذي يبيحه، فعلى أنه يرفع الحدث يجوز وطؤها قبل","vol":"2","page":65},{"text":"الاغتسال، والعكس بالعكس.\nوكذلك إذا تيمم ولبس الخفين، فعلى أن التيمم يرفع الحدث يجوز المسح عليهما في الوضوء بعد ذلك، والعكس بالعكس.\nوكذلك ما ذهب إليه أبو سلمة بن عبد الرحمن من أن الجنب إذا تيمم ثم وجد الماء لا يلزمه الغسل، فالظاهر أنه بناه على رفع الحدث بالتيمم، لكن هذا القول ترده الأحاديث المتقدمة، وإجماع المسلمين قبله وبعده على خلافه.\nالمسألة السادسة: هل يجوز أن يصلي بالتيمم الواحد فريضتان أو لا؟ .\nذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز به فريضتان، أو فرائض ما لم يحدث، وعليه كثير من العلماء، منهم الإمام أحمد في أشهر الروايتين، والحسن البصري وأبو حنيفة وابن المسيب والزهري.\nوذهب مالك، والشافعي، وأصحابهما إلى أنه لا تصلى به إلا فريضة واحدة، وعزاه النووي في شرح المهذب لأكثر العلماء، وذكر أن ابن المنذر حكاه عن علي بن أبي طالب، وابن عباس؛ وابن عمر، والشافعي، والنخعي، وقتادة، وربيعة، ويحيى الأنصاري، والليث، وإسحاق، وغيرهم.\nواحتج أهل القول الأول بأن النصوص الواردة في التيمم، ليس فيها التقييد بفرض واحد. وظاهرها الإطلاق؛ وبحديث \"الصعيد الطيب وضوء المسلم\" الحديث؛ وبقوله -  ﷺ  - الثابت في الصحيح: \"وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا\". وقوله تعالى:","vol":"2","page":66},{"text":"﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية.\nواحتج أهل القول الثاني بما روي عن ابن عباس ﵄ أنه قال: من السنة ألا يصلي بالتيمم إلا مكتوبة واحدة، ثم يتيمم للأخرى. وقول الصحابي من السنة له حكم الرفع على الصحيح عند المحدثين والأصوليين. أخرج هذا الحديث الدارقطني، والبيهقي من طريق الحسن بن عمارة، عن الحكم عن مجاهد عنه، والحسن ضعيف جدًا، قال فيه ابن حجر في [التقريب]: متروك، وقال فيه مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا محمود بن غيلان، حدثنا أبو داود قال: قال لي شعبة: ائت جرير بن حازم، فقل له: لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة، فإنه يكذب.\nوقال البيهقي لما ساق هذا الحديث في سننه: الحسن بن عمارة لا يحتج به اهـ. وهو أبو محمد البجلي مولاهم الكوفي قاضي بغداد.\nواحتجوا أيضًا بما روي عن ابن عمر، وعلي، وعمرو بن العاص موقوفًا عليهم.\nأما ابن عمر فرواه عنه البيهقي، والحاكم من طريق عامر الأحول، عن نافع عن ابن عمر قال: يتيمم لكل صلاة، وإن لم يحدث، قال البيهقي: وهو أصل ما في الباب قال: ولا نعلم له مخالفًا من الصحابة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومثل هذا يسمى إجماعًا سكوتيًا، وهو حجة عند أكثر العلماء، ولكن أثر ابن عمر هذا الذي صححه","vol":"2","page":67},{"text":"البيهقي، وسكت ابن حجر على تصحيحه له في التلخيص والفتح، تكلم فيه بعض أهل العلم بأن عامرا الأحول ضعفه سفيان بن عيينة، وأحمد بن حنبل، وقيل: لم يسمع من نافع. وضعف هذا الأثر ابن حزم، ونقل خلافه عن ابن عباس. وقال ابن حجر في الفتح -بعد أن ذكر أن البيهقي قال: لا نعلم له مخالفًا-: وتعقب بما رواه ابن المنذر عن ابن عباس، أنه لا يجب.\nوأما عمرو بن العاص فرواه عنه الدارقطني، والبيهقي، من طريق عبد الرزاق عن معمر عن قتادة، أن عمرو بن العاص كان يتيمم لكل صلاة، وبه كان يفتي قتادة. وهذا فيه إرسال شديد بين قتادة، وعمرو. قاله ابن حجر في التلخيص، والبيهقي في [السنن الكبرى] وهو ظاهر.\nوأما علي فرواه عنه الدارقطني أيضًا بإسناد فيه حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور. قاله ابن حجر أيضًا، ورواه البيهقي في السنن الكبرى بالإسناد الذي فيه المذكوران.\nأما حجاج بن أرطاة، فقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق، كثير الخطأ، والتدليس، وأما الحارث الأعور فقال فيه ابن حجر في التقريب: كذبه الشعبي في رأيه، ورمي بالرفض؛ وفي حديثه ضعف، وقال فيه مسلم في مقدمة صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جابر عن مغيرة عن الشعبي قال: حدثني الحارث الأعور الهمداني -وكان كذابًا- حدثنا أبو عامر عبد الله بن براد الأشعري، حدثنا أبو أسامة، عن مفضل، عن مغيرة قال: سمعت الشعبي يقول: حدثني الحارث الأعور -وهو يشهد أنه أحد الكذابين-.","vol":"2","page":68},{"text":"وقد ذكر البيهقي هذا الأثر عن علي في التيمم، في باب [التيمم لكل فريضة] وسكت عن الكلام في المذكورين: أعني حجاج بن أرطاة، والحارث الأعور، لكنه قال في حجاج في باب [المنع من التطهير بالنبيذ]: لا يحتج به، وضعفه في باب الوضوء من لحوم الإبل، وقال في باب الدية أخماس: مشهور بالتدليس، وأنه يحدث عمن لم يلقه، ولم يسمع منه. قاله الدارقطني، وضعف الحارث الأعور في باب [منع التطهير بالنبيذ] أيضًا.\nوقال في باب أصل القسامة، قال الشعبي: كان كذابًا.\nالمسألة السابعة: إذا كان في بدنه نجاسة، ولم يجد الماء، هل يتيمم لطهارة تلك النجاسة الكائنة في بدنه -فيكون التيمم بدلًا عن طهارة الخبث عند فقد الماء، كطهارة الحدث- أو لا يتيمم لها؟ .\nذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يتيمم عن الخبث، وإنما يتيمم عن الحدث فقط، واستدلوا بأن الكتاب والسنة إنما دلا على ذلك كقوله: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النساء فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾.\nوتقدم في حديث عمران بن حصين. وحديث عمار بن ياسر المتفق عليهما: التيمم عند الجنابة. وأما عن النجاسة فلا. وذهب الإمام أحمد إلى أنه يجوز عن النجاسة إلحاقًا لها بالحدث، واختلف أصحابه في وجوبه إعادة تلك الصلاة.\nوذهب الثوري، والأوزاعي، وأبو ثور إلى أنه يمسح موضع","vol":"2","page":69},{"text":"النجاسة بتراب ويصلي. نقله النووي عن ابن المنذر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-277> قوله تعالى: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾</span> الآية لم يبين هنا شيئًا من ذلك الكثير الذي يبينه لهم الرسول - ﷺ - مما كانوا يخفون من الكتاب: يعني التوراة والإنجيل وبين كثيرًا منه في مواضع أخر، فمما كانوا يخفون من أحكام التوراة رجم الزاني المحصن، وبينه القرآن في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ مهو يعني يدعون إلى التوراة ليحكم بينهم في حد الزاني المحصن بالرجم، وهم معرضون عن ذلك منكرون له.\nومن ذلك ما أخفوه من صفات الرسول - ﷺ - في كتابهم، وإنكارهم أنهم يعرفون أنه هو الرسول كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nومن ذلك إنكارهم أن الله حرم عليهم بعض الطيبات بسبب ظلمهم ومعاصيهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.\nفإنهم أنكروا هذا، وقالوا: لم يحرم علينا إلا ما كان محرمًا على إسرائيل، فكذبهم القرآن في ذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ","vol":"2","page":70},{"text":"الطَّعَامِ كَانَ حِلًاّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾.\nومن ذلك كتم النصارى بشارة عيسى ابن مريم لهم بمحمد - ﷺ -، وقد بينها تعالى بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما أخفوه من كتبهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-278> قوله تعالى: ﴿* وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ﴾</span>، الآية.\nقال جمهور العلماء: إنهما ابنا آدم لصلبه، وهما هابيل، وقابيل.\nوقال الحسن البصري ﵀: هما رجلان من بني إسرائيل، ولكن القرآن يشهد لقول الجماعة، ويدل على عدم صحة قول الحسن، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءَةَ أَخِيهِ﴾، ولا يخفى على أحد أنه ليس في بني إسرائيل رجل يجهل الدفن حتى يدله عليه الغراب، فقصة الاقتداء بالغراب في الدفن، ومعرفته منه تدل على أن الواقعة وقعت في أول الأمر قبل أن يتمرن الناس على دفن الموتى، كما هو واضح، ونبه عليه غير واحد من العلماء. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-279> قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾</span> الآية، صرح في هذه الآية الكريمة أنه كتب على بني إسرائيل أنه من قتل نفسًا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعًا، ولم يتعرض هنا لحكم","vol":"2","page":71},{"text":"من قتل نفسًا بنفس، أو بفساد في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن قتل النفس بالنفس جائز، في قوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية.\nواعلم أن آيات القصاص في النفس فيها إجمال بينته السنة، وحاصل تحرير المقام فيها أن الذكر الحر المسلم يقتل بالذكر الحر المسلم إجماعًا، وأن المرأة كذلك تقتل بالمرأة كذلك إجماعًا، وأن العبد يقتل كذلك بالعبد إجماعًا، وإنما لم نعتبر قول عطاء باشتراط تساوي قيمة العبدين، وهو رواية عن أحمد، ولا قول ابن عباس: ليس بين العبيد قصاص؛ لأنهم أموال.\nلأن ذلك كله يرده صريح قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية، وأن المرأة تقتل بالرجل؛ لأنها إذا قتلت بالمرأة فقتلها بالرجل أولى، وأن الرجل يقتل بالمرأة عند جمهور العلماء فيهما.\nوروي عن جماعة منهم علي، والحسن، وعثمان البتي، وأحمد في رواية عنه أنه لا يقتل بها حتى يلتزم أولياؤها قدر ما تزيد به ديته على ديتها؛ فإن لم يلتزموه أخذوا ديتها.\nوروي عن علي والحسن أنها إن قتلت رجلًا قتلت به، وأخذ أولياؤه أيضًا في زيادة ديته على ديتها، أو أخذوا دية المقتول واستحيوها.\nقال القرطبي بعد أن ذكر هذا الكلام عن علي ﵁،","vol":"2","page":72},{"text":"والحسن البصري، وقد أنكر ذلك عنهم أيضًا، روى هذا الشعبي عن علي، ولا يصح؛ لأن الشعبي لم يلق عليًا.\nوقد روى الحكم عن علي، وعبد الله أنهما قالا: إذا قتل الرجل المرأة متعمدًا فهو بها قود، وهذا يعارض رواية الشعبي عن علي.\nوقال ابن حجر في [فتح الباري] في باب سؤال القاتل حتى يقر، والإقرار في الحدود بعد أن ذكر القول المذكور عن علي والحسن: ولا يثبت عن علي، ولكن هو قول عثمان البتي أحد فقهاء البصرة، ويدل على بطلان هذا القول أنه ذكر فيه أولياء الرجل إذا قتلته امرأة يجمع لهم بين القصاص ونصف الدية، وهذا قول يدل الكتاب والسنة على بطلانه، وأنه إما القصاص فقط، وإما الدية فقط؛ لأنه تعالى قال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ ثم قال: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، فرتب الاتباع بالدية على العفو دون القصاص.\nوقال -  ﷺ  -: \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين\" الحديث، وهو صريح في عدم الجمع بينهما، كما هو واضح عند عامة العلماء؛ وحكي عن أحمد في رواية عنه، وعثمان البتي، وعطاء أن الرجل لا يقتل بالمرأة، بل تجب الدية. قاله ابن كثير، وروي عن الليث والزهري أنها إن كانت زوجته لم يقتل بها، وإن كانت غير زوجته قتل بها.\nوالتحقيق قتله بها مطلقًا، كما سترى أدلته، فمن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة إجماع العلماء على أن الصحيح السليم الأعضاء","vol":"2","page":73},{"text":"إذا قتل أعور أو أشل، أو نحو ذلك عمدًا وجب عليه القصاص، ولا يجب لأوليائه شيء في مقابلة ما زاد به من الأعضاء السليمة على المقتول.\nومن الأدلة على قتل الرجل بالمرأة ما ثبت في الصحيحين عنه -  ﷺ  - من حديث أنس \"أنه -  ﷺ  - رض رأس يهودي بالحجارة قصاصًا بجارية فعل بها كذلك\"، وهذا الحديث استدل به العلماء على قتل الذكر بالأنثى، وعلى وجوب القصاص في القتل بغير المحدد، والسلاح.\nوقال البيهقي في [السنن الكبرى] في باب [قتل الرجل بالمرأة]: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، ثنا أبو زكرياء يحيى بن محمد العنبري، ثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي، الحكم بن موسى القنطري، ثنا يحيى بن حمزة، عن سليمان بن داود، عن الزهري، عن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه عن جده، عن رسول الله -  ﷺ  - \"أنه كتب إلى أهل اليمن بكتاب فيه الفرائض، والسنن، والديات، وبعث به مع عمرو بن حزم، وكان فيه، وإن الرجل يقتل بالمرأة\".\nوروي هذا الحديث موصولًا أيضًا النسائي، وابن حبان، والحاكم. وفي تفسير ابن كثير ما نصه: وفي الحديث الذي رواه النسائي، وغيره \"أن رسول الله -  ﷺ  - كتب في كتاب عمرو بن حزم أن الرجل يقتل بالمرأة، وكتاب رسول الله -  ﷺ  - هذا لعمرو بن حزم الذي فيه أن الرجل يقتل بالمرأة\" رواه مالك، والشافعي، ورواه أيضًا الدارقطني، وأبو داود، وابن حبان، والحاكم، والدارمي.","vol":"2","page":74},{"text":"وكلام علماء الحديث في كتاب عمرو بن حزم هذا مشهور بين مصحح له، ومضعف، وممن صححه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وعن أحمد أنه قال: أرجو أن يكون صحيحًا. وصححه أيضًا من حيث الشهرة لا من حيث الإسناد جماعة منهم الشافعي فإنه قال: لم يقبلوا هذا الحديث حتى ثبت عندهم: أنه كتاب رسول الله -  ﷺ  -.\nوقال ابن عبد البر: هو كتاب مشهور عند أهل السير، معروف ما فيه عند أهل العلم يستغني بشهرته عن الإسناد؛ لأنه أشبه المتواتر؛ لتلقي الناس له بالقبول. قال: ويدل على شهرته ما روى ابن وهب، عن مالك، عن الليث بن سعد، عن يحيى بن سعد، عن سعيد بن المسيب قال: وجد كتاب عند آل حزم يذكرون أنه كتاب رسول الله -  ﷺ  -. وقال العقيلي: هذا حديث ثابت محفوظ. وقال يعقوب بن سفيان: لا أعلم في جميع الكتب المنقولة كتابًا أصح من كتاب عمرو بن حزم هذا، فإن أصحاب رسول الله -  ﷺ  -، والتابعين يرجعون إليه، ويدعون رأيهم.\nوقال الحاكم: قد شهد عمر بن عبد العزيز، وإمام عصره الزهري بالصحة لهذا الكتاب، ثم ساق ذلك بسنده إليهما. وضعف كتاب ابن حزم هذا جماعة، وانتصر لتضعيفه أبو محمد بن حزم في محلاه.\nوالتحقيق صحة الاحتجاج به؛ لأنه ثبت أنه كتاب رسول الله -  ﷺ  -، كتبه ليبين به أحكام الديات، والزكوات وغيرها، ونسخته معروفة في كتب الفقه والحديث، ولاسيما عند من يحتج بالمرسل","vol":"2","page":75},{"text":"كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد في أشهر الروايات.\nومن أدلة قتله بها عموم حديث \"المسلمون تتكافؤ دماؤهم\" الحديث. وسيأتي البحث فيه إن شاء الله.\nومن أوضح الأدلة في قتل الرجل بالمرأة قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وقوله -  ﷺ  -: \"لا يحل دم امرىء مسلم يشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس\" الحديث، أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة من حديث عبد الله بن مسعود ﵁.\nفعموم هذه الآية الكريمة، وهذا الحديث الصحيح يقتضي قتل الرجل بالمرأة؛ لأنه نفس بنفس، ولا يخرج عن هذا العموم، إلا ما أخرجه دليل صالح لتخصيص النص به. نعم يتوجه على هذا الاستدلال سؤالان:\nالأول: ما وجه الاستدلال بقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، مع أنه حكاية عن قوم موسى، والله تعالى يقول: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾.\nالسؤال الثاني: لم لا يخصص عموم قتل النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكورين بقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؛ لأن هذه الآية أخص من تلك؛ لأنها فصلت ما أجمل في الأولى، ولأن هذه الأمة مخاطبة بها صريحًا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ الآية.\nالجواب عن السؤال الأول: أن التحقيق الذي عليه الجمهور،","vol":"2","page":76},{"text":"ودلت عليه نصوص الشرع أن كل ما ذكر لنا في كتابنا، وسنة نبينا -  ﷺ  -، مما كان شرعًا لمن قبلنا أنه كان شرعًا لنا، من حيث إنه وارد في كتابنا، أو سنة نبينا -  ﷺ  -، لا من حيث إنه كان شرعًا لمن قبلنا؛ لأنه ما قص علينا في شرعنا إلا لنعتبر به، ونعمل بما تضمن.\nوالنصوص الدالة على هذا كثيرة جدًا، ولأجل هذا أمر الله في القرآن العظيم في غير ما آية بالاعتبار بأحوالهم، ووبخ من لم يعقل ذلك، كما في قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾.\nففي قوله: ﴿وَبِاللَّيلِ أَفَلا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾؟ توبيخ لمن مر بديارهم، ولم يعتبر بما وقع لهم ويعقل ذلك ليجتنب الوقوع في مثله، وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، ثم هدد الكفار بمثل ذلك، فقال: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾.\nوقال في حجارة قوم لوط التي أهلكوا بها، أو ديارهم التي أهلكوا فيها: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وهو تهديد عظيم منه تعالى لمن لم يعتبر بحالهم، فيجتنب ارتكاب ما هلكوا بسببه، وأمثال ذلك كثير في القرآن.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، فصرح بأنه يقص قصصهم في القرآن للعبرة، وهو دليل واضح لما ذكرنا، ولما ذكر الله تعالى من ذكر الأنبياء في سورة الأنعام، قال لنبينا -  ﷺ  -: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وأمر -  ﷺ  - أمر لنا؟ لأنه قدوتنا، ولأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ","vol":"2","page":77},{"text":"فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية.\nويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ومن طاعته اتباعه فيما أمر به كله إلا ما قام فيه دليل على الخصوص به -  ﷺ  -، وكون شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرعًا لنا إلا بدليل على النسخ هو مذهب الجمهور، منهم مالك وأبو حنيفة، وأحمد في أشهر الروايتين، وخالف الإمام الشافعي ﵀ في أصح الروايات عنه، فقال: إن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا ليس شرعًا لنا إلا بنص من شرعنا على أنه مشروع لنا، وخالف أيضًا في الصحيح عنه في أن الخطاب الخاص بالرسول -  ﷺ  -، يشمل حكمه الأمة. واستدل للأول بقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾. وللثاني: بأن الصيغة الخاصة بالرسول لا تشمل الأمة وضعًا، فإدخالها فيها صرف للفظ عن ظاهره، فيحتاج إلى دليل منفصل، وحمل الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، والدين في قوله: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ الآية على خصوص الأصول التي هي التوحيد، دون الفروع العملية؛ لأنه تعالى قال في العقائد: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nوقال في الفروع العلمية: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾، فدل ذلك على اتفاقهم في الأصول، واختلافهم في الفروع، كما قال -  ﷺ  -: \"إنا معشر الأنبياء إخوة لعلات ديننا واحد\"، أخرجه البخاري في صحيحه، من حديث أبي هريرة ﵁.","vol":"2","page":78},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أما حمل الهدى في آية: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ والدين في آية: ﴿* شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ﴾ على خصوص التوحيد دون الفروع العملية، فهو غير مسلم.\nأما الأول: فلما أخرجه البخاري في صحيحه، في تفسير سورة ص، عن مجاهد \"أنه سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في ص، فقال: أوما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله -  ﷺ  -.\nفهذا نص صحيح صريح عن ابن عباس، أن النبي -  ﷺ  - أدخل سجود التلاوة في الهدى في قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ ومعلوم أن سجود التلاوة فرع من الفروع، لا أصل من الأصول.\nوأما الثاني: فلأن النبي -  ﷺ  - صرح في حديث جبريل الصحيح المشهور أن اسم \"الدين\" يتناول الإسلام، والإيمان، والإحسان حيث قال: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" وقال تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْأِسْلامُ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْأِسْلامِ دِينًا﴾. الآية.\nوصرح -  ﷺ  - في الحديث المذكور بأن الإسلام يشمل الأمور العملية، كالصلاة، والزكاة، والصوم، والحج. وفي حديث ابن عمر المتفق عليه: \"بني الإسلام على خمس\" الحديث ولم يقل أحد إن الإسلام هو خصوص العقائد، دون الأمور العملية، فدل على أن الدين لا يختص بذلك في قوله: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا﴾ الآية، وهو ظاهر جدًا؛ لأن خير ما يفسر به القرآن هو كتاب الله وسنة رسوله -  ﷺ  -.","vol":"2","page":79},{"text":"وأما الخطاب الخاص بالنبي -  ﷺ  - في نحو قوله: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقد دلت النصوص على شمول حكمه للأمة، كما في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية. إلى غيرها مما تقدم من الآيات.\nوقد علمنا ذلك من استقراء القرآن العظيم حيث يعبر فيه دائمًا بالصيغة الخاصة به -  ﷺ  -، ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة، كقوله في أول سورة الطلاق: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ ثم قال: ﴿إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ الآية، فدل على دخول الكل حكمًا تحت قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وقال في سورة التحريم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فدل على عموم حكم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾، ونظير ذلك أيضًا في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾ ثم قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (٢)﴾ فقوله: ﴿بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ يدل على عموم الخطاب بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ﴾ وكقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ﴾ ثم قال: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا﴾ الآية.\nومن أصرح الأدلة في ذلك آية الروم، وآية الأحزاب.\nأما آية الروم فقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾ ثم قال: ﴿* مُنِيبِينَ إِلَيْهِ﴾ وهو حال من ضمير الفاعل المستتر، المخاطب به النبي -  ﷺ  - في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ﴾ الآية. وتقرير المعنى: فأقم وجهك يا نبي الله في حال كونكم منيبين، فلو لم تدخل الأمة حكمًا في الخطاب الخاص به -  ﷺ  - لقال: منيبًا إليه بالإفراد، لإجماع أهل اللسان العربي على أن الحال الحقيقية، أعني","vol":"2","page":80},{"text":"التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفرادًا وجمعًا وثنية، وتأنيثًا وتذكيرًا، فلا يجوز أن تقول: جاء زيد ضاحكين، ولا جاءت هند ضاحكات.\nوأما آية الأحزاب فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية ﵂: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾، فإن هذا الخطاب خاص بالنبي -  ﷺ  -، وقد صرح تعالى بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله: ﴿لِكَيْ لا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وأشار إلى هذا أيضًا في الأحزاب بقوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأن الخطاب الخاص به -  ﷺ  - في قوله: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ الآية، لو كان حكمه خاصًا به -  ﷺ  - لأغنى ذلك عن قوله: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ كما هو ظاهر، وقد ردت عائشة ﵂ على من زعم أن تخيير الزوجة طلاق، بأن رسول الله -  ﷺ  - خير نساءه فاخترنه، فلم يعده طلاقًا مع أن الخطاب في ذلك خاص به -  ﷺ  -، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ الآيتين. وأخذ مالك ﵀ بينونة الزوجة بالردة من قوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وهو خطاب خاص به -  ﷺ  -.\nوحاصل تحرير المقام في مسألة \"شرع من قبلنا\" أن لها واسطة وطرفين، طرف يكون فيه شرعًا لنا إجماعًا، وهو ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ثم بين لنا في شرعنا أنه شرع لنا، كالقصاص، فإنه ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا في قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، وبين لنا في شرعنا أنه مشروع لنا في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾،","vol":"2","page":81},{"text":"وطرف يكون فيه غير شرع لنا إجماعًا، هو أمران:\nأحدهما: ما لم يثبت بشرعنا أصلًا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، كالمتلقي من الإسرائيليات؛ لأن النبي -  ﷺ  - نهانا عن تصديقهم، وتكذيبهم فيها، وما نهانا -  ﷺ  - عن تصديقه لا يكون مشروعًا لنا إجماعًا.\nوالثاني: ما ثبت في شرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، وبين لنا في شرعنا أنه غير مشروع لنا كالآصار، والأغلال التي كانت على من قبلنا؛ لأن الله وضعها عنا، كما قال تعالى: ﴿وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم: \"أن النبي -  ﷺ  - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ أن الله قال: نعم قد فعلت\".\nومن تلك الآصار التي وضعها الله عنا على لسان نبينا -  ﷺ  - ما وقع لعبدة العجل، حيث لم تقبل توبتهم إلا بتقديم أنفسهم للقتل، كما قال تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\nوالواسطة هي محل الخلاف بين العلماء، وهي ما ثبت بشرعنا أنه كان شرعًا لمن قبلنا، ولم يبين هنا في شرعنا أنه مشروع لنا، ولا غير مشروع لنا، وهو الذي قدمنا أن التحقيق كونه شرعًا لنا، وهو مذهب الجمهور، وقد رأيت أدلتهم عليه، وبه تعلم أن آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، يلزمنا الأخذ بما تضمنته من الأحكام، مع أن القرآن صرح بذلك في الجملة في قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ","vol":"2","page":82},{"text":"جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وفي حديث ابن مسعود المتفق عليه المتقدم التصريح بأن ما فيها من قتل النفس بالنفس مشروع لنا، حيث قال -  ﷺ  -: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله -  ﷺ  - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس\" الحديث.\nوإلى هذا أشار البخاري في صحيحه، حيث قال: باب قول الله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ ثم ذكر حديث ابن مسعود المتقدم.\nوقال ابن حجر: والغرض من ذكر هذه الآية مطابقتها للفظ الحديث، ولعله أراد أن يبين أنها وإن وردت في أهل الكتاب فالحكم الذي دلت عليه مستمر في شريعة الإسلام، فهو أصل في القصاص في قتل العمد، ويدل لهذا قوله -  ﷺ  -: \"كتاب الله القصاص\" أخرجه الشيخان من حديث أنس، بناء على أن المراد بكتاب الله قوله تعالى: ﴿وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾ في هذه الآية التي نحن بصددها، وعلى بقية الأقوال فلا دليل في الحديث، ولم يزل العلماء يأخذون الأحكام من قصص الأمم الماضية، كما أوضحنا دليله.\nفمن ذلك قول المالكية وغيرهم: إن القرينة الجازمة ربما قامت مقام البينة مستدلين على ذلك بجعل شاهد يوسف شق قميصه من دبر قرينة على صدقه، وكذب المرأة في قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾ الآية، فذكره تعالى لهذا مقررًا له يدل على جواز العمل به، ومن","vol":"2","page":83},{"text":"هنا أوجب مالك حد الخمر على من أستنكه فشم في فيه ريح الخمر؛ لأن ريحها في فيه قرينة على شربه إياها.\nوأجاز العلماء للرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها، فتزفها إليه ولائد -لا يثبت بقولهن أمر- أن يجامعها من غير بينة على عينها أنها فلانة بنت فلان التي وقع عليها العقد اعتمادًا على القرينة، وتنزيلًا لها منزلة البينة، وكذلك الضيف ينزل بساحة قوم فيأتيه الصبي، أو الوليدة بطعام، فيباح له أكله من غير بينة تشهد على إذن أهل الطعام له في الأكل اعتمادًا على القرينة.\nوأخذ المالكية وغيرهم إبطال القرينة بقرينة أقوى منها من أن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة، ليكون الدم على قميصه قرينة على صدقهم في أنه أكله الذئب، فأبطلها يعقوب بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف، ولا يشق قميصه؟ كما بينه تعالى بقوله ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nوأخذ المالكية ضمان العزم من قوله تعالى في قصة يوسف وإخوته: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ (٧٢)﴾.\nوأخذ بعض الشافعية ضمان الوجه المعروف بالكفالة من قوله تعالى في قصة يعقوب وبنيه: ﴿لَنْ أُرْسِلَهُ مَعَكُمْ حَتَّى تُؤْتُونِ مَوْثِقًا مِنَ اللَّهِ لَتَأْتُنَّنِي بِهِ إِلَّا أَنْ يُحَاطَ بِكُمْ﴾.","vol":"2","page":84},{"text":"وأخذ المالكية تلوم القاضي للخصوم ثلاثة أيام بعد انقضاء الآجال من قوله تعالى في قصة صالح: ﴿فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ﴾.\nوأخذوا وجوب الإعذار إلى الخصم الذي توجه إليه الحكم: \"أبقيت لك حجة؟ \" ونحو ذلك من قوله تعالى في قصة سليمان مع الهدهد: ﴿لَأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لَأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ﴾.\nوأخذ الحنابلة جواز طول مدة الإجارة من قوله تعالى في قصة موسى، وصهره شعيب، أو غيره: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ﴾ الآية، وأمثال هذا كثيرة جدًا.\nوقوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن المراد به أن بعض الشرائع تنسخ فيها أحكام كانت مشروعة قبل ذلك، ويجدد فيها تشريع أحكام لم تكن مشروعة قبل ذلك.\nوبهذا الاعتبار يكون لكل شرعة منهاج من غير مخالفة لما ذكرنا، وهذا ظاهر، فبهذا يتضح لك الجواب عن السؤال الأول، وتعلم أن ما تضمنته آية: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية مشروع لهذه الأمة، وأن الرجل يقتل بالمرأة، كالعكس على التحقيق الذي لا شك فيه، وكأن القائل بعدم القصاص بينهما يتشبث بمفهوم قوله: ﴿وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ وسترى تحقيق المقام فيه إن شاء الله قريبًا.\nوالجواب عن السؤال الثاني -الذي هو لم لا يخصص عموم النفس بالنفس بالتفصيل المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ","vol":"2","page":85},{"text":"بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾؟ -هو ما تقرر في الأصول من أن مفهوم المخالفة إذا كان محتملًا لمعنى آخر غير مخالفته لحكم المنطوق يمنعه ذلك من الاعتبار.\nقال صاحب [جمع الجوامع] في الكلام على مفهوم المخالفة: وشرطه ألا يكون المسكوت ترك لخوف ونحوه، إلى أن قال ....: أو غيره مما يقتضي التخصيص بالذكر.\nفإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى﴾ يدل على قتل الحر بالحر، والعبد بالعبد، والأنثى بالأنثى، ولم يتعرض لقتل الأنثى بالذكر، أو العبد بالحر، لعكسه بالمنطوق.\nومفهوم مخالفته هنا غير معتبر؛ لأن سبب نزول الآية أن قبيلتين من العرب اقتتلتا، فقالت إحداهما: نقتل بعبدنا فلان بن فلان، وبأمتنا فلانة بنت فلانة تطاولا منهم عليهم، وزعمًا أن العبد منهم بمنزلة الحر من أولئك، وأن أنثاهم أيضًا بمنزلة الرجل من الآخرين تطاولًا عليهم، وإظهارًا لشرفهم عليهم. ذكر معنى هذا القرطبي، عن الشعبي، وقتادة.\nوروى ابن أبي حاتم نحوه عن سعيد بن جبير. نقله عنه ابن كثير في تفسيره، والسيوطي في أسباب النزول، وذكر ابن كثير أنها نزلت في قريظة والنضير؛ لأنهم كان بينهم قتال، وبنو النضير يتطاولون على بني قريظة.\nفالجميع متفق على أن سبب نزولها أن قومًا يتطاولون على","vol":"2","page":86},{"text":"قوم، ويقولون: إن العبد منا لا يساويه العبد منكم، وإنما يساويه الحر منكم، والمرأة منا لا تساويها المرأة منكم، وإنما يساويها الرجل منكم، فنزل القرآن مبينًا أنهم سواء، وليس المتطاول منهم على صاحبه بأشرف منه، ولهذا لم يعتبر مفهوم المخالفة هنا.\nوأما قتل الحر بالعبد، فقد اختلف فيه، وجمهور العلماء على أنه لا يقتل حر بعبد، منهم مالك، وإسحاق، وأبو ثور، والشافعي، وأحمد.\nوممن قال بهذا أبو بكر، وعمر، وعلي، وزيد، وابن الزبير -﵃- وعمر بن عبد العزيز، وعطاء، والحسن، وعكرمة، وعمرو بن دينار، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره.\nوقال أبو حنيفة: يقتل الحر بالعبد: وهو مروي عن سعيد بن المسيب، والنخعي، وقتادة والثوري.\nواحتج هؤلاء على قتل الحر بالعبد، بقوله -  ﷺ  -: \"المؤمنين تتكافؤ دماؤهم، وهم يد على من سواهم، ويسعى بذمتهم أدناهم\" الحديث. أخرجه أحمد، والنسائي، وأبو داود، والحاكم، وصححه. فعموم المؤمنين يدخل فيه العبيد، وكذلك عموم النفس في قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الأية، وقوله  ﷺ: \"والنفس بالنفس\" في الحديث المتقدم\nواستدلوا أيضًا بما رواه قتادة، عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"من قتل عبده قتلناه، ومن جدع عبده جدعناه\"","vol":"2","page":87},{"text":"رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة، وقال الترمذي: حسن غريب. وفي رواية لأبي داود والنسائي: \"ومن خصي عبده خصيناه\" هذه هي أدلة من قال بقتل الحر بالعبد.\nوأجيب عنها من جهة الجمهور بما ستراه الآن إن شاء الله تعالى.\nأما دخول قتل الحر بالعبد في عموم المؤمنين في حديث \"المؤمنون تتكافؤ دماؤهم\" وعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المذكور فاعلم أولًا أن دخول العبيد في عمومات نصوص الكتاب والسنة اختلف فيه علماء الأصول على ثلاثة أقوال:\nالأول: -وعليه أكثر العلماء- أن العبيد داخلون في عمومات النصوص؛ لأنهم من جملة المخاطبين بها.\nالثاني: وذهب إليه بعض العلماء من المالكية، والشافعية، وغيرهم أنهم لا يدخلون فيها إلا بدليل منفصل، واستدل لهذا القول بكثرة عدم دخولهم كعدم دخولهم في خطاب الجهاد، والحج، وكقوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية، فالإماء لا يدخلن فيه.\nالثالث: وذهب إليه الرازي من الحنفية أن النص العام إن كان من العبادات فهم داخلون فيه، وإن كان من المعاملات لم يدخلوا فيه. وأشار في [مراقي السعود] إلى أن دخولهم في الخطاب العام هو الصحيح الذي يقتضيه الدليل بقوله:\nوالعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر","vol":"2","page":88},{"text":"وينبني على الخلاف في دخولهم في عمومات النصوص وجوب صلاة الجمعة على المملوكين، فعلى أنهم داخلون في العموم فهي واجبة عليهم، وعلى أنهم لا يدخلون فيه إلا بدليل منفصل، فهي غير واجبة عليهم، وكذلك إقرار العبد بالعقوبة ببدنه يبنى أيضًا على الخلاف المذكور، قاله صاحب [نشر البنود شرح مراقي السعود] في شرح البيت المذكور آنفًا.\nفإذا علمت هذا، فاعلم أنه على القول بعدم دخول العبيد في عموم نصوص الكتاب والسنة، فلا إشكال، وعلى القول بدخولهم فيه، فالجواب عن عدم إدخالهم في عموم النصوص التي ذكرناها يعلم من أدلة الجمهور الآتية إن شاء الله على عدم قتل الحر بالعبد.\nوأما حديث سمرة فيجاب عنه من أوجه:\nالأول: أن أكثر العلماء بالحديث تركوا رواية الحسن، عن سمرة؛ لأنه لم يسمع منه، وقال قوم: لم يسمع منه إلا حديث العقيقة، وأثبت علي بن المديني، والبخاري سماعه منه.\nقال البيهقي في [السنن الكبرى] في كتاب \"الجنايات\" ما نصه: وأكثر أهل العلم بالحديث رغبوا عن رواية الحسن، عن سمرة.\nوذهب بعضهم إلى أنه لم يسمع منه غير حديث العقيقة، وقال أيضًا في باب \"النهي عن بيع الحيوان بالحيوان\": إن أكثر الحفاظ لا يثبتون سماع الحسن من سمرة في غير حديث العقيقة.\nالثاني: أن الحسن كان يفتي بأن الحر لا يقتل بالعبد،","vol":"2","page":89},{"text":"ومخالفته لما روى تدل على ضعفه عنده.\nقال البيهقي أيضًا ما نصه: قال قتادة: ثم إن الحسن نسي هذا الحديث، قال: لا يقتل حر بعبد. قال الشيخ: يشبه أن يكون الحسن لم ينس الحديث، لكن رغب عنه لضعفه.\nالثالث: ما ذكره صاحب [منتقى الأخبار] من أن أكثر العلماء قال بعدم قتل الحر بالعبد، وتأولوا الخبر على أنه أراد من كان عبده، لئلا يتوهم تقدم الملك مانعًا من القصاص.\nالرابع: أنه معارض بالأدلة التي تمسك بها الجمهور في عدم قتل الحر بالعبد، وستأتي إن شاء الله تعالى مفصلة، وهي تدل على النهي عن قتل الحر بالعبد، والنهي مقدم على الأمر، كما تقرر في الأصول.\nالخامس: ما ادعى ابن العربي دلالته على بطلان هذا القول من قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وولي العبد سيده.\nقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: قال ابن العربي: ولقد بلغت الجهالة بأقوام إلى أن قالوا: يقتل الحر بعبد نفسه، ورووا في ذلك حديثًا عن الحسن، عن سمرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"من قتل عبده قتلناه\" وهو حديث ضعيف.\nودليلنا قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ والولي ها هنا: السيد، فكيف يجعل له","vol":"2","page":90},{"text":"سلطان على نفسه، وقد اتفق الجميع على أن السيد إذا قتل عبده خطأ أنه لا تؤخذ منه قيمته لبيت المال اهـ.\nوتعقب القرطبي تضعيف ابن العربي لحديث الحسن هذا عن سمرة بأن البخاري، وابن المديني صححا سماعه منه، وقد علمت تضعيف الأكثر لرواية الحسن عن سمرة فيما تقدم، ويدل على ضعفه مخالفة الحسن نفسه له.\nالسادس: أن الحديث خارج مخرج التحذير، والمبالغة في الزجر.\nالسابع: ما قيل من أنه منسوخ.\nقال الشوكاني: ويؤيد دعوى النسخ فتوى الحسن بخلافه.\nالثامن: مفهوم قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ ولكنا قد قدمنا عدم اعتبار هذا المفهوم، كما يدل عليه سبب النزول.\nواحتج القائلون بأن الحر لا يقتل بالعبد، وهم الجمهور بأدلة: منها: ما رواه الدارقطني بإسناده عن إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده \"أن رجلًا قتل عبده متعمدًا، فجلده النبي -  ﷺ  - ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به، وأمره أن يعتق رقبة\" ورواية إسماعيل بن عياش عن الشاميين قوية صحيحة، ومعلوم أن الأوزاعي شامي دمشقي.\nقال في [نيل الأوطار]: ولكن دونه في إسناد هذا الحديث محمد بن عبد العزيز الشامي، قال فيه ابن أبي حاتم: لم يكن","vol":"2","page":91},{"text":"عندهم بالمحمود، وعنده غرائب.\nوأسند البيهقي هذا الحديث فقال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، أنبأ علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن الحسين الصابوني الأنطاكي قاضي الثغور، ثنا محمد بن الحكم الرملي، ثنا محمد بن عبد العزيز الرملي، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الأوزاعي ... إلى آخر السند المتقدم بلفظ المتن. ومحمد بن عبد العزيز الرملي من رجال البخاري. وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق يهم. فتضعيف هذا الحديث به لا يخلو من نظر.\nوالظاهر أن تضعيف البيهقي له من جهة إسماعيل بن عياش، وقد عرفت أن الحق كونه قويًا في الشاميين، دون الحجازيين، كما صرح به أئمة الحديث كالإمام أحمد والبخاري، ولحديث عمرو بن شعيب هذا شاهد من حديث علي عند البيهقي وغيره من طريق إسماعيل بن عياش، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: أتي رسول الله -  ﷺ  - برجل قتل عبده متعمدًا فجلده رسول الله -  ﷺ  - مائة، ونفاه سنة، ومحا اسمه من المسلمين، ولم يقده به. ولكن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة متروك.\nومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره عن عمر بن الخطاب أنه جاءته جارية اتهمها سيدها فأقعدها في النار، فاحترق فرجها، فقال ﵁: والذي نفسي بيده لو لم أسمع رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"لا يقاد مملوك من مالكه، ولا ولد من والده لأقدناها منك فبَزَره، وضربه مائة سوط، وقال للجارية:","vol":"2","page":92},{"text":"اذهبي فأنت حرة لوجه الله، وأنت مولاة الله ورسوله\".\nقال أبو صالح: وقال الليث: وهذا القول معمول به. وفي إسناد هذا الحديث عمر بن عيسى القرشي الأسدي. ذكر البيهقي عن أبي أحمد أنه سمع ابن حماد يذكر عن البخاري أنه منكر الحديث.\nوقال فيه الشوكاني: هو منكر الحديث، كما قال البخاري ومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه الدارقطني، والبيهقي عن ابن عباس أن النبي -  ﷺ  -، \"لا يقتل حر بعبد\" قال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: وفي هذا الإسناد ضعف. وإسناده المذكور فيه جويبر، وهو ضعيف جدًا.\nوقال الشوكاني في إسناد هذا الحديث: فيه جويبر وغيره من المتروكين.\nومن أدلتهم على أن الحر لا يقتل بعبد ما رواه البيهقي وغيره من طريق جابر بن زيد الجعفي، عن علي ﵁ أنه قال: \"من السنة ألا يقتل حر بعبد\" تفرد بهذا الحديث جابر المذكور، وقد ضعفه الأكثر، وقال فيه ابن حجر في التقريب: ضعيف رافضي، وقال فيه النسائي: متروك، ووثقه قوم منهم الثوري، وذكر البيهقي في السنن الكبرى في باب \"النهي عن الإمامة جالسًا\" عن الدارقطني: أنه متروك.\nومن أدلتهم أيضًا ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من طريق المثنى بن الصباح، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده","vol":"2","page":93},{"text":"عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ قال: كان لزنباع عبد يسمى سندرا، أو ابن سندر فوجده يقبل جارية له فأخذه فجبه، وجدع أذنيه وأنفه، فأتى إلى النبي -  ﷺ  - فقال: \"من مثل بعبده أو حرقه بالنار فهو حر، ومولى الله ورسوله فأعتقه رسول الله -  ﷺ  -، ولم يقده منه، فقال: يا رسول الله أوص بي، فقال: أوصي بك كل مسلم\".\nقال البيهقي بعد أن ساق هذا الحديث: المثنى بن الصباح ضعيف لا يحتج به، وقد روي عن الحجاج بن أرطاة عن عمرو مختصرًا، ولا يحتج به، وقد قدمنا في آية التيمم تضعيف بن أرطاة وروي عن سوار بن أبي حمزة، وليس بالقوي، والله أعلم. هكذا قال البيهقي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: سوار بن أبي حمزة من رجال مسلم، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق له أوهام.\nومن أدلتهم أيضًا ما أخرجه أبو داود من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: \"جاء رجل مستصرخ إلى النبي -  ﷺ  -، فقال: حادثة لي يا رسول الله، فقال: ويحك ما لك؟ فقال: شر، أبصر لسيده جارية فغار فجب مذاكيره، فقال رسول الله -  ﷺ  -: علي بالرجل، فطلب فلم يقدر عليه فقال رسول الله -  ﷺ  -: اذهب فأنت حر، فقال: يا رسول الله على من نصرتي؟ قال: على كل مؤمن، أو قال: على كل مسلم.\nومن أدلتهم: ما أخرجه البيهقي في السنن الكبرى عن أبي جعفر، عن بكير أنه قال: مضت السنة بألا يقتل الحر المسلم بالعبد","vol":"2","page":94},{"text":"وإن قتله عمدًا، وعليه العقل.\nومن أدلتهم أيضًا ما أخرجه البيهقي أيضًا عن الحسن، وعطاء، والزهري وغيرهم من قولهم: إنه لا يقتل حر بعبد.\nوأخرج أحمد، وابن أبي شيبة، والبيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده \"أن أبا بكر وعمر كانا لا يقتلان الحر بالعبد\" وهذه الروايات الكثيرة وإن كانت لا يخلو شيء منها من مقال، فإن بعضها يشد بعضًا، ويقويه حتى يصلح المجموع للاحتجاج.\nقال الشوكاني في [نيل الأوطار] ما نصه: وثانيًا بالأحاديث القاضية، بأنه لا يقتل حر بعبد، فإنها قد رويت من طرق متعددة يقوي بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وتعتضد هذه الأدلة على ألا يقتل حر بعبد بإطباقهم على عدم القصاص للعبد من الحر فيما دون النفس، فإذا لم يقتص له منه في الأطراف فعدم القصاص في النفس من باب أولى. ولم يخالف في أنه لا قصاص للعبد من الحر فيما دون النفس إلا داود، وابن أبي ليلى.\nوتعتضد أيضًا بإطباق الحجة من العلماء على أنه إن قتل خطأ ففيه القيمة، لا الدية. وقيده جماعة بما إذا لم تزد قيمته عن دية الحر.\nوتعتضد أيضًا بأن شبه العبد بالمال أقوى من شبهه بالحر، من حيث إنه يجري فيه ما يجري في المال من بيع وشراء، وإرث وهدية وصدقه إلى غير ذلك من أنواع التصرف، وبأنه لو قذفه حر","vol":"2","page":95},{"text":"ما وجب عليه الحد عند عامة العلماء إلا ما روي عن ابن عمر، والحسن، وأهل الظاهر من وجوبه في قذف أم الولد خاصة.\nويدل على عدم حد الحر بقذفه العبد ما رواه البخاري في صحيحه، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت أبا القاسم -  ﷺ  - يقول: \"من قذف مملوكه -وهو بريء مما يقول- جلد يوم القيامة إلا أن يكون كما قال\" وهو يدل على عدم جلده في الدنيا، كما هو ظاهر.\nهذا ملخص كلام العلماء في حكم قتل الحر بالعبد.\nوأما قتل المسلم بالكافر فجمهور العلماء على منعه. منهم مالك، والشافعي، وأحمد، وروي ذلك عن عمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية ﵃، وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعطاء، وعكرمة، والحسن والزهري، وابن شبرمة، والثوري والأوزاعي، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني وغيره. ورواه البيهقي عن عمر، وعثمان وغيرهم.\nوذهب أبو حنيفة، والنخعي والشعبي إلى أن المسلم يقتل بالذمي، واستدلوا بعموم النفس بالنفس في الآية، والحديث المتقدمين، وبالحديث الذي رواه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن ابن البيلماني، عن ابن عمر \"أن النبي -  ﷺ  - قتل مسلمًا بمعاهد\" وهو مرسل من رواية ضعيف؛ فابن البيلماني لا يحتج به لو وصل، فكيف وقد أرسل.","vol":"2","page":96},{"text":"وترجم البيهقي في [السنن الكبرى] لهذا الحديث بقوله: باب بيان ضعف الخبر الذي روي في قتل المؤمن بالكافر، وما جاء عن الصحابة في ذلك، وذكر طرقه وبين ضعفها كلها.\nومن جملة ما قال: أخبرنا أبو بكر بن الحارث الفقيه، قال: قال أبو الحسن علي بن عمر الدارقطني الحافظ: ابن البيلماني، ضعيف لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله. والله أعلم.\nوقال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾ الآية. ما نصه: ولا يصح لهم ما رووه من حديث ربيعة \"أن النبي -  ﷺ  - قتل يوم خيبر مسلمًا بكافر\" لأنه منقطع، ومن حديث ابن البيلماني -وهو ضعيف- عن ابن عمر عن النبي -  ﷺ  - مرفوعًا، قال الدارقطني: لم يسنده غير إبراهيم بن أبي يحيى، وهو متروك الحديث، والصواب عن ربيعة، عن ابن البيلماني مرسل عن النبي -  ﷺ  -، وابن البيلماني ضعيف الحديث، لا تقوم به حجة إذا وصل الحديث، فكيف بما يرسله.\nفإذا عرفت ضعف الاستدلال على قتل المسلم بالكافر فاعلم أن كونه لا يقتل به ثابت عن رسول الله -  ﷺ  - ثبوتًا لا مطعن فيه مبينًا بطلان تلك الأدلة التي لا يعول عليها.\nفقد أخرج البخاري في صحيحه في باب \"كتابة العلم\" وفي باب \"لا يقتل المسلم بالكافر\" أن أبا جحيفة سأل عليًا ﵁: هل عندكم شيء مما ليس في القرآن؟ فقال: لا، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إلا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتابه، وما في هذه","vol":"2","page":97},{"text":"الصحيفة قلت: وما في الصحيفة؟ قال: العقل، وفكاك الأسير، وألا يقتل مسلم بكافر.\nفهذا نص صحيح قاطع للنزاع، مخصص لعموم النفس بالنفس، مبين عدم صحة الأخبار المروية بخلافه، ولم يصح في الباب شيء يخالفه.\nقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ساق حديث علي هذا: ولا يصح حديث، ولا تأويل يخالف هذا.\nوقال القرطبي في تفسيره: قلت: فلا يصح في الباب إلا حديث البخاري، وهو يخصص عموم قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وعموم قوله تعالى: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾.\nفهذا الذي ذكرنا في هذا المبحث هو تحقيق المقام في حكم القصاص في الأنفس بين الذكور والإناث، والأحرار والعبيد، والمسلمين والكفار.\nوأما حكم القصاص بينهم في الأطراف، فجمهور العلماء على أنه تابع للقصاص في الأنفس، فكل شخصين يجري بينهما القصاص في النفس، فإنه يجري بينهما في الأطراف، فيقطع الحر المسلم بالحر المسلم، والعبد بالعبد، والذمي بالذمي، والذكر بالأنثى، والأنثى بالذكر، ويقطع الناقص بالكامل، كالعبد بالحر، والكافر بالمسلم.\nومشهور مذهب مالك أن الناقص لا يقتص منه للكامل في الجراح، فلا يقتص من عبد جرح حرًا، ولا من كافر جرح مسلمًا،","vol":"2","page":98},{"text":"وهو مراد خليل بن إسحاق المالكي بقوله في مختصره: والجرح كالنفس في الفعل، والفاعل والمفعول، إلا ناقصًا جرح كاملًا يعني فلا يقتص منه له. ورواية ابن القصار عن مالك وجوب القصاص وفاقًا للأكثر، ومن لا يقتل بقتله لا يقطع طرفه بطرفه، فلا يقطع مسلم بكافر، ولا حر بعبد. وممن قال بهذا مالك، والشافعي، وأحمد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب المغني، وغيره.\nوقال أبو حنيفة: لا قصاص في الأطراف بين مختلفي البدل، فلا يقطع الكامل بالناقص، ولا الناقص بالكامل، ولا الرجل بالمرأة، ولا المرأة بالرجل، ولا الحر بالعبد، ولا العبد بالحر.\nويقطع المسلم بالكافر، والكافر بالمسلم؛ لأن التكافؤ معتبر في الأطراف بدليل أن الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ولا الكاملة بالناقصة، فكذلك لا يؤخذ طرف الرجل بطرف المرأة، ولا يؤخذ طرفها بطرفه، كما لا تؤخذ اليسرى باليمنى.\nوأجيب من قبل الجمهور، بأن من يجري بينهما القصاص في النفس يجرى في الطرف بينهما، كالحرين، وما ذكره المخالف يبطل بالقصاص في النفس، فإن التكافؤ فيه معتبر بدليل أن المسلم لا يقتل بمستأمن، ثم يلزمه أن يأخذ الناقصة بالكاملة؛ لأن المماثلة قد وجدت، ومعها زيادة، فوجب أخذها بها إذا رضي المستحق، كما تؤخذ ناقصة الأصابع بكاملة الأصابع.\nوأما اليسار واليمين فيجريان مجرى النفس؛ لاختلاف محليهما، ولهذا استوى بدلهما، فعلم أنها ليست ناقصة عنها شرعًا، وأن","vol":"2","page":99},{"text":"العلة فيهما ليست كما ذكر المخالف. قاله ابن قدامة في المغني.\nومن الدليل على جريان القصاص في الأطراف بين من جرى بينهم في الأنفس قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ ووما روي عن الإمام أحمد من أنه لا قصاص بين العبيد فيما دون النفس، وهو قول الشعبي، والثوري، والنخعي، وفاقًا لأبي حنيفة معللين بأن أطراف العبيد مال كالبهائم يرد عليه بدليل الجمهور الذي ذكرنا آنفًا، وبأن أنفس العبيد مال أيضًا كالبهائم، مع تصريح الله تعالى بالقصاص فيها في قوله تعالى: ﴿وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ﴾.\nواعلم أنه يشترط للقصاص فيما دون النفس ثلاثة شروط:\nالأول: كونه عمدًا، وهذا يشترط في قتل النفس بالنفس أيضًا.\nالثاني: كونهما يجري بينهما القصاص في النفس.\nالثالث: إمكان الاستيفاء من غير حيف، ولا زيادة؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، ويقول: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ فإن لم يمكن استيفاؤه من غير زيادة سقط القصاص، ووجبت الدية، ولأجل هذا أجمع العلماء على أن ما يمكن استيفاؤه من غير حيف، ولا زيادة فيه القصاص المذكور في الآية، في قوله تعالى: ﴿وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ﴾،","vol":"2","page":100},{"text":"وكالجراح التي تكون في مفصل، كقطع اليد، والرجل من مفصليهما.\nواختلفوا في قطع العضو من غير مفصل، بل من نفس العظم، فمنهم من أوجب فيه القصاص، نظرًا إلى أنه يمكن من غير زيادة. وممن قال بهذا مالك، فأوجب القصاص في قطع العظم من غير المفصل إلا فيما يخشى منه الموت كقطع الفخذ، ونحوها. وقال الشافعي: لا يجب القصاص في شيء من العظام مطلقًا، وهو مروي عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه يقول عطاء، والشعبي، والحسن البصري، والزهري، وإبراهيم النخعي، وعمر بن عبد العزيز، وإليه ذهب سفيان الثوري، والليث بن سعد، وهو مشهور مذهب الإمام أحمد، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره.\nوقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يجب القصاص في شيء من العظام إلا في السن.\nاستدل من قال لا قصاص في قطع العظم من غير المفصل، بما رواه ابن ماجه من طريق أبي بكر بن عياش، عن دهثم بن قران، عن نمران بن جارية، عن أبيه جارية بن ظفر الحنفي، أن رجلًا ضرب رجلًا على ساعده بالسيف من غير المفصل فقطعها، فاستعدى النبي -  ﷺ  -، فأمر له بالدية، فقال: يا رسول الله أريد القصاص، فقال: \"خذ الدية بارك الله لك فيها\" ولم يقض له بالقصاص.\nقال ابن عبد البر: ليس لهذا الحديث غير هذا الإسناد، ودهثم بن قران العكلي ضعيف أعرابي، ليس حديثه مما يحتج به، ونمران بن جارية ضعيف أعرابي أيضًا، وأبوه جارية بن ظفر مذكور في","vol":"2","page":101},{"text":"الصحابة. اهـ. من ابن كثير\nوقال ابن حجر في [التقريب] في دهثم المذكور: متروك، وفي نمران المذكور: مجهول. واختلاف العلماء في ذلك إنما هو من اختلافهم في تحقيق مناط المسألة، فالذين يقولون بالقصاص: يقولون: إنه يمكن من غير حيف، والذين يقولون: بعدمه يقولون: لا يمكن إلا بزيادة، أو نقص، وهم الأكثر.\nومن هنا منع العلماء القصاص، فيما يظن به الموت، كما بعد الموضحة من منقلة أطارت بعض عظام الرأس، أو مأمومة وصلت إلى أم الدماغ، أو دامغة خرقت خريطته، وكالجائفة، وهي التي نفذت إلى الجوف، ونحو ذلك للخوف من الهلاك. وأنكر الناس على ابن الزبير القصاص في المأمومة، وقالوا: ما سمعنا بأحد قاله قبله.\nواعلم أن العين الصحيحة لا تؤخذ بالعوراء، واليد الصحيحة لا تؤخذ بالشلاء، ونحو ذلك. كما هو ظاهر.\n\nتنبيه\nإذا اقتص المجني عليه من الجاني فيما دون النفس، فمات من القصاص فلا شيء على الذي اقتص منه عند مالك والشافعي وأحمد بن حنبل، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، وغيرهم.\nوقال أبو حنيفة: تجب الدية في مال المقتص، وقال الشعبي وعطاء، وطاوس، وعمرو بن دينار، والحارث العكلي، وابن أبي","vol":"2","page":102},{"text":"ليلى، وحماد بن أبي سليمان، والزهري، والثوري: تجب الدية على عاقلة المقتص له. وقال ابن مسعود، وإبراهيم النخعي، والحكم بن عتيبة، وعثمان البتي: يسقط عن المقتص له قدر تلك الجراحة، ويجب الباقي في ماله. قاله ابن كثير.\nوالحق أن سراية القود غير مضمونة؛ لأن من قتله القود، قتله الحق، كما روي عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما، بخلاف سراية الجناية، فهي مضمونة، والفرق بينهما ظاهر جدًا.\nواعلم أنه لا تؤخذ عين، ولا أذن، ولا يد يسرى بيمنى، ولا عكس ذلك، لوجوب اتحاد المحل في القصاص، وحكي عن ابن سيرين، وشريك أنهما قالا: بأن إحداهما تؤخذ بالأخرى، والأول قول أكثر أهل العلم.\nواعلم أنه يجب تأخير القصاص في الجراح حتى تندمل جراحة المجني عليه، فإن اقتص منه قبل الاندمال، ثم زاد جرحه، فلا شيء له.\nوالدليل على ذلك، ما رواه الإمام أحمد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه جده، أن رجلًا طعن رجلًا بقرن في ركبته، فجاء إلى النبي -  ﷺ  -، فقال: \"أقدني، فقال: حتى تبرأ، ثم جاء إليه، فقال: أقدني، فأقاده، فقال: يا رسول الله عرجت، فقال: قد نهيتك فعصيتني، فأبعدك الله، وبطل عرجك، ثم نهى رسول الله -  ﷺ  - أن يقتص من جرح قبل أن يبرأ صاحبه\" تفرد به أحمد. قاله ابن كثير.","vol":"2","page":103},{"text":"وقال بعض العلماء بجواز تعجيل القصاص قبل البرء. وقد عرفت من حديث عمرو بن شعيب المذكور آنفًا أن سراية الجناية بعد القصاص هدر. وقال أبو حنيفة، والشافعي: ليست هدر، بل هي مضمونة. والحديث حجة عليهما، رحمهما الله تعالى، ووجهه ظاهر؛ لأنه استعجل ما لم يكن له استعجاله، فأبطل الشارع حقه.\nوإذا عرفت مما ذكرنا تفصيل مفهوم قوله تعالى أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ الآية. فاعلم أن مفهوم قوله: ﴿أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ﴾ هو المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nقال ابن كثير في تفسيره: المحاربة هي المخالفة والمضادة، وهي صادقة على الكفر، وعلى قطع الطريق، وإخافة السبيل، وكذا الإفساد في الأرض، يطلق على أنواع من الشر. وقد قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ (٢٠٥)﴾.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن المحارب الذي يقطع الطريق، ويخيف السبيل ذكر الله أن جزاءه واحدة من أربع خلال هي: أن يقتلوا، أو يصلبوا، أو تقطع أيديهم، وأرجلهم من خلاف، أو ينفوا من الأرض. وظاهر هذه الآية الكريمة أن الإمام مخير فيها؛ يفعل ما شاء منها بالمحارب، كما هو مدلول أو؛ لأنها تدل على التخيير.\nونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ","vol":"2","page":104},{"text":"أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾.\nوكون الإمام مخيرًا بينهما مطلقًا من غير تفصيل هو مذهب مالك، وبه قال سعيد بن المسيب، ومجاهد، وعطاء، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، والضحاك، كما نقله عنهم ابن جرير، وغيره، وهو رواية ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، ونقله القرطبي عن أبي ثور، وسعيد بن المسيب، وعمر بن عبد العزيز، ومجاهد، والضحاك، والنخعي، ومالك، وقال: وهو مروي عن ابن عباس. ورجح المالكية هذا القول بأن اللفظ فيه مستقل غير محتاج إلى تقدير محذوف؛ لأن اللفظ إذا دار بين الاستقلال والافتقار إلى تقدير محذوف فالاستقلال مقدم؛ لأنه هو الأصل إلا بدليل منفصل على لزوم تقدير المحذوف، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله:\nكذاك ما قابل ذا اعتلال ... من التأصل والاستقلال\nإلى قوله:\nكذاك ترتيب لإيجاب العمل ... بماله الرجحان مما يحتمل\nوالرواية المشهورة عن ابن عباس أن هذه الآية منزلة على أحوال، وفيها قيود مقدرة. وإيضاحه: أن المعنى أن يقتلوا إذا قتلوا ولم يأخذوا المال، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف إذا أخذوا المال ولم يقتلوا أحدًا ولم","vol":"2","page":105},{"text":"يأخذوا مالًا. وبهذا قال الشافعي، وأحمد، وأبو مجلز، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النخعي، والحسن، وقتادة، والسدي، وعطاء الخراساني، وغير واحد من السلف والأئمة. قاله ابن كثير.\nونقله القرطبي، وابن جرير، عن ابن عباس، وأبي مجلز، وعطاء الخراساني، وغيرهم.\nونقل القرطبي عن أبي حنيفة إذا قتل قتل، وإذا أخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف، وإذا أخذ المال وقتل فالسلطان مخير فيه إن شاء قطع يده ورجله، وإن شاء لم يقطع وقتله وصلبه.\nولا يخفى أن الظاهر المتبادر من الآية هو القول الأول؛ لأن الزيادة على ظاهر القرآن بقيود تحتاج إلى نص من كتاب، أو سنة. وتفسير الصحابي لهذا بذلك ليس له حكم الرفع، لإمكان أن يكون عن اجتهاد منه. ولا نعلم أحدًا روى في تفسير هذه الآية بالقيود المذكورة خبرًا مرفوعًا إلا ما رواه ابن جرير في تفسيره عن أنس: حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، أن عبد الملك بن مروان كتب إلى أنس بن مالك يسأله عن هذه الآية، فكتب إليه أنس يخبره أن هذه الآية نزلت في أولئك النفر العرنيين إلى أن قال: قال أنس: \"فسأل رسول الله -  ﷺ  - جبريل عن القضاء فيمن حارب، فقال: من سرق، وأخاف السبيل فاقطع يده بسرقته، ورجله بإخافته، ومن قتل فاقتله، ومن قتل وأخاف السبيل، واستحل الفرج الحرام فاصلبه\".\nوهذا الحديث لو كان ثابتًا لكان قاطعًا للنزاع، ولكن فيه ابن","vol":"2","page":106},{"text":"لهيعة، ومعلوم أنه خلط بعد احتراق كتبه، ولا يحتج به. وهذا الحديث ليس راويه عنه ابن المبارك، ولا ابن وهب؛ لأن روايتهما عنه أعدل من رواية غيرهما. وابن جرير نفسه يرى عدم صحة هذا الحديث الذي ساقه؛ لأنه قال في سوقه للحديث المذكور: وقد روي عن رسول الله -  ﷺ  - بتصحيح ما قلنا في ذلك بما في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا به علي بن سهل، حدثنا الوليد بن مسلم. إلى آخر الإسناد الذي قدمنا آنفًا، وذكرنا معه محل الغرض من المتن. ولكن هذا الحديث وإن كان ضعيفًا فإنه يقوي هذا القول الذي عليه أكثر أهل العلم، ونسبه ابن كثير للجمهور.\nواعلم أن الصلب المذكور في قوله: ﴿أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ اختلف فيه العلماء، فقيل: يصلب حيًا، ويمنع من الشراب، والطعام، حتى يموت، وقيل: يصلب حيًا، ثم يقتل برمح، ونحوه، مصلوبًا، وقيل: يقتل أولًا، ثم يصلب بعد القتل، وقيل: ينزل بعد ثلاثة أيام، وقيل: يترك حتى يسيل صديده، والظاهر أنه يصلب بعد القتل زمنًا يحصل فيه اشتهار ذلك؛ لأن صلبه ردع لغيره.\nوكذلك قوله: ﴿أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ﴾ اختلف العلماء في المراد بالنفي فيه أيضًا، فقال بعضهم: معناه أن يطلبوا حتى يقدر عليهم، فيقام عليهم الحد، أو يهربوا من دار الإسلام، وهذا القول رواه ابن جرير، عن ابن عباس، وأنس بن مالك، وسعيد بن جبير، والضحاك، والربيع بن أنس، والزهري، والليث بن سعد، ومالك بن أنس.\nوقال آخرون: هو أن ينفوا من بلدهم إلى بلد آخر، أو","vol":"2","page":107},{"text":"يخرجهم السلطان، أو نائبه، من عمالته بالكلية، وقال عطاء الخراساني، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، والحسن والزهري، والضحاك، ومقاتل بن حيان: إنهم ينفون ولا يخرجون من أرض الإسلام.\nوذهب جماعة إلى أن المراد بالنفي في الآية السجن؛ لأنه نفي من سعة الدنيا إلى ضيق السجن، فصار المسجون كأنه منفي من الأرض إلا من موضع استقراره؛ واحتجوا بقول بعض المسجونين في ذلك:\nخرجنا من الدنيا ونحن من أهلها ... فلسنا من الأموات فيها ولا الأحيا\nإذا جاءنا السجان يومًا لحاجة ... عجبنا وقلنا: جاء هذا من الدنيا\nوهذا قول أبي حنيفة وأصحابه. ولا يخفى عدم ظهوره.\nواختار ابن جرير أن المراد بالنفي في هذه الآية أن يخرج من بلده إلى بلد آخر، فيسجن فيه. وروي نحوه عن مالك أيضًا. وله اتجاه؛ لأن التغريب عن الأوطان نوع من العقوبة، كما يفعل بالزاني البكر. وهذا أقرب الأقوال، لظاهر الآية؛ لأنه من المعلوم إنه لا يراد نفيهم من جميع الأرض إلى السماء! فعلم أن المراد بالأرض أوطانهم التي تشق عليهم مفارقتها. والله تعالى أعلم.\n\nمسائل من أحكام المحاربين\nالمسألة الأولى: اعلم أن جمهور العلماء يثبتون حكم المحاربة في الأمصار والطرق على السواء؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾ وممن قال بهذا الأوزاعي، والليث بن سعد، وهو مذهب الشافعي، ومالك حتى قال في الذي يغتال الرجل فيخدعه،","vol":"2","page":108},{"text":"حتى يدخله بيتًا، فيقتله ويأخذ ما معه: إن هذه محاربة، ودمه إلى السلطان، لا إلى ولي المقتول، فلا اعتبار بعفوه عنه في إسقاط القتل.\nوقال القاضي ابن العربي المالكي: كنت أيام حكمي بين الناس إذا جاءني أحد بسارق، وقد دخل الدار بسكين يحبسه على قلب صاحب الدار، وهو نائم، وأصحابه يأخذون مال الرجل، حكمت فيهم بحكم المحاربين.\nوتوقف الإمام أحمد في ذلك، وظاهر كلام الخرقي أنه لا محاربة إلا في الطرق، فلا يكون محاربًا في المصر؛ لأنه يلحقه الغوث.\nوذهب كثير من الحنابلة إلى أنه يكون محاربًا في المصر أيضًا، لعموم الدليل.\nوقال أبو حنيفة، وأصحابه: لا تكون المحاربة إلا في الطرق، وأما في الأمصار فلا؛ لأنه يلحقه الغوث إذا استغاث، بخلاف الطريق لبعده ممن يغيثه، ويعينه.\nقال ابن كثير: ولا يثبت لهم حكم المحاربة إلا إذا كان عندهم سلاح، ومن جملة السلاح: العصي، والحجارة عند الأكثر؛ لأنها تتلف بها الأنفس والأطراف كالسلاح، خلافًا لأبي حنيفة.\nالمسألة الثانية: إذا كان المال الذي أتلفه المحارب أقل من نصاب السرقة الذي يجب فيه القطع، أو كانت النفس التي قتلها","vol":"2","page":109},{"text":"غير مكافئة له، كأن يقتل عبدًا، أو كافرًا، وهو حر مسلم، فهل يقطع في أقل من النصاب؟ ويقتل بغير الكفؤ أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فقال بعضهم: لا يقطع إلا إذا أخذ ربع دينار، وبهذا قال الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وقال مالك: يقطع ولو لم يأخذ نصابًا؛ لأنه يحكم عليه بحكم المحارب.\nقال ابن العربي: وهو الصحيح؛ لأن الله تعالى حدد على لسان نبيه -  ﷺ  - ربع دينار لوجوب القطع في السرقة، ولم يحدد في قطع الحرابة شيئًا، ذكر جزاء المحارب، فاقتضى ذلك توفية جزائهم على المحاربة عن حبة، ثم إن هذا قياس أصل على أصل، وهو مختلف فيه، وقياس الأعلى بالأدنى، وذلك عكس القياس، وكيف يصح أن يقاس المحارب على السارق، وهو يطلب خطف المال؟ فإن شعر به فر، حتى إن السارق إذا دخل بالسلاح يطلب المال، فإن منع منه، أو صيح عليه حارب عليه، فهو محارب يحكم عليه بحكم المحاربين. اهـ كلام ابن العربي.\nويشهد لهذا القول عدم اشتراط الإخراج من حرز فيما يأخذه المحارب في قطعه، وأما قتل المحارب بغير الكفؤ فهو قول أكثر العلماء، وعن الشافعي، وأحمد فيه روايتان. والتحقيق عدم اشتراط المكافأة في قتل الحرابة؛ لأن القتل فيها ليس على مجرد القتل، وإنما هو على الفساد العام من إخافة السبيل، وسلب المال.\nقال الله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا﴾ فأمر بإقامة الحدود على المحارب إذا جمع","vol":"2","page":110},{"text":"بين شيئين، وهما المحاربة، والسعي في الأرض بالفساد، ولم يخص شريفًا من وضيع، ولا رفيعًا من دنيء، اهـ من القرطبي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومما يدل على عدم اعتبار المكافأة في قتل الحرابة إجماع العلماء على أن عفو ولي المقتول في الحرابة لغو لا أثر له، وعلى الحاكم قتل المحارب القاتل، فهو دليل على أنها ليست مسألة قصاص خالص، بل هناك تغليظ زائد من جهة المحاربة.\nالمسألة الثالثة: إذا حمل المحاربون على قافلة مثلًا، فقتل بعضهم بعض القافلة، وبعض المحاربين لم يباشر قتل أحد، فهل يقتل الجميع، أو لا يقتل إلا من باشر القتل، فيه خلاف. والتحقيق قتل الجميع؛ لأن المحاربة مبنية على حصول المنعة والمعاضدة والمناصرة، فلا يتمكن المباشر من فعله إلا بقوة الآخر الذي هو ردء له ومعين على حرابته. ولو قتل بعضهم، وأخذ بعضهم المال جاز قتلهم، وصلبهم كلهم؛ لأنهم شركاء في كل ذلك، وخالف في هذا الشافعي ﵀ فقال: لا يجب الحد إلا على من ارتكب المعصية، ولا يتعلق بمن أعانه عليها كسائر الحدود، وإنما عليه التعزير.\nالمسألة الرابعة: إذا كان في المحاربين صبي، أو مجنون، أو أب المقطوع عليه، فهل يسقط الحد عن كلهم؟ ويصير القتل للأولياء إن شاءوا قتلوا، وإن شاءوا عفوا نظرًا إلى أن حكم الجميع واحد، فالشبهة في فعل واحد شبهة في الجميع، وهو قول أبي حنيفة، أو لا يسقط الحد غير المذكور من صبي، أو مجنون، أو","vol":"2","page":111},{"text":"أب، وهو قول أكثر العلماء، وهو الظاهر.\nالمسألة الخامسة: إذا تاب المحاربون بعد القدرة عليهم، فتوبتهم حينئذ لا تغير شيئًا من إقامة الحدود المذكورة عليهم، وأما إن جاءوا تائبين قبل القدرة عليهم، فليس للإمام عليهم حينئذ سبيل؛ لأنهم تسقط عنهم حدود الله، وتبقى عليهم حقوق الآدميين، فيقتص منهم في الأنفس والجراح، ويلزمهم غرم ما أتلفوه من الأموال، ولولي الدم حينئذ العفو إن شاء، ولصاحب المال إسقاطه عنهم.\nوهذا قول أكثر العلماء مع الإجماع على سقوط حدود الله عنهم بتوبتهم قبل القدرة عليهم، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وإنما لزم أخذ ما بأيديهم من الأموال، وتضمينهم ما استهلكوا؛ لأن ذلك غصب، فلا يجوز لهم تملكه، وقال قوم من الصحابة والتابعين: لا يطلب المحارب الذي جاء تائبًا قبل القدرة عليه إلا بما وجد معه من المال، وأما ما استهلكه، فلا يطلب به، وذكر الطبري هذا عن مالك من رواية الوليد بن مسلم عنه.\nقال القرطبي: وهو الظاهر من فعل علي بن أبي طالب ﵁ بحارثة بن بدر الغداني، فإنه كان محاربًا، ثم تاب قبل القدرة عليه، فكتب له سقوط الأموال والدم عنه كتابًا منشورًا، ونحوه ذكره ابن جرير.\nقال ابن خويز منداد: واختلفت الرواية عن مالك في المحارب إذا أقيم عليه الحد، ولم يوجد له مال، هل يتبع دينًا بما أخذ، أو","vol":"2","page":112},{"text":"يسقط عنه، كما يسقط عن السارق. يعني عند مالك: والمسلم، والذمي في ذلك سواء.\nومعنى قوله: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ اختلف فيه العلماء، فروي عن ابن عباس أنه قال: معناها أن من قتل نبيًا، أو إمام عدل فكأنما قتل الناس جميعًا، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعًا. نقله القرطبي، وابن جرير وغيرهما، ولا يخفى بعده عن ظاهر القرآن.\nوعن ابن عباس أيضًا أنه قال: المعنى أن من انتهك حرمة نفس واحدة بقتلها فهو كمن قتل الناس جميعًا؛ لأن انتهاك حرمة الأنفس سواء في الحرمة والإثم، ومن ترك قتل نفس واحدة واستحياها خوفًا من الله فهو كمن أحيا الناس جميعًا؛ لاستواء الأنفس في ذلك.\nوعن ابن عباس: ﴿فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ أي عند المقتول إذ لا غرض له في حياة أحد بعد موته هو، ومن أحياها واستنقذها من هلكه فكأنما أحيا الناس جميعًا عند المستنقذ، وقال مجاهد: المعنى أن الذي يقتل النفس المؤمنة متعمدًا جعل الله جزاءه جهنم، وغضب عليه ولعنه، وأعد له عذابًا عظيمًا، ولو قتل الناس جميعًا لم يزد على ذلك، ومن لم يقتل فقد حيي الناس منه. واختار هذا القول ابن جرير.\nوقال ابن زيد: المعنى أن من قتل نفسًا يلزمه من القصاص ما يلزم من قتل الناس جميعًا؛ قال: ومن أحياها؛ أي: عفا عمن","vol":"2","page":113},{"text":"وجب له قتله، وقال الحسن أيضًا: هو العفو بعد المقدرة، وقيل: المعنى أن قتل نفسًا فالمؤمنون كلهم خصماؤه لأنه قد وتر الجميع، ومن أحياها وجب على الكل شكره، وقيل: كان هذا مختصًا ببني إسرائيل، وقيل: المعنى أن من استحل قتل واحد، فقد استحل الجميع؛ لأنه أنكر الشرع، ومن حرم دم مسلم فكأنما حرم دماء الناس جميعًا. ذكر هذه الأقوال القرطبي؛ وابن كثير، وابن جرير وغيرهم؛ واستظهر ابن كثير هذا القول الأخير، وعزاه لسعيد بن جبير.\nوقال البخاري في [صحيحه]: باب قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا﴾ قال ابن عباس: من حرم قتلها إلا بحق حيي الناس منه جميعًا.\nوقال القرطبي: إحياؤه عبارة عن الترك، والإنقاذ من هلكة، وإلا فالإحياء حقيقة الذي هو الاختراع إنما هو لله تعالى، وهذا الإحياء، كقول نمروذ لعنه الله: ﴿أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ﴾ فسمى الترك إحياء، وكذلك قال ابن جرير.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-280> قوله تعالى: ﴿(٣٢) إِنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا﴾</span> الآية.\nاعلم أن هذه الآية اختلف في سبب نزولها، فقيل: نزلت في قوم من المشركين، وقيل: نزلت في قوم من أهل الكتاب، وقيل: نزلت في الحرورية.\nوأشهر الأقوال هو ما تضافرت به الروايات من الصحاح،","vol":"2","page":114},{"text":"وغيرها أنها نزلت في قوم \"عرينة\" و\"عكل\" الذين قدموا على رسول الله -  ﷺ  - فاجتووا المدينة، فأمر لهم -  ﷺ  - بلقاح، وأمرهم أن يشربوا من أبوالها، وألبانها فانطلقوا، فلما صحوا وسمنوا، قتلوا راعي النبي -  ﷺ  -، واستاقوا اللقاح، فبلغه -  ﷺ  - خبرهم، فأرسل في أثرهم سرية فجاءوا بهم فأمر بهم فقطعت أيديهم وأرجلهم، وسملت أعينهم، وألقوا في الحرة يستسقون فلا يسقون حتى ماتوا.\nوعلى هذا القول فهي نازلة في قوم سرقوا، وقتلوا، وكفروا بعد إيمانهم، هذه هي أقوال العلماء في سبب نزولها. والذي يدل عليه ظاهر القرآن أنها في قطاع الطريق من المسلمين كما قاله جماعة من الفقهاء، بدليل قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، فإنها ليست في الكافرين قطعًا؛ لأن الكافر تقبل توبته بعد القدرة عليه كما تقبل قبلها إجماعًا؛ لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وليست في المرتدين؛ لأن المرتد يقتل بردته وكفره ولا يقطع؛ لقوله -  ﷺ  - عاطفًا على ما يوجب القتل: \"والتارك لدينه المفارق للجماعة\" وقوله: \"من بدل دينه فاقتلوه\" فيتعين أنها في المحاربين من المسلمين. فإن قيل: وهل، يصح أن يطلق على المسلم أنه محارب لله ورسوله؟ فالجواب: نعم، والدليل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٢٧٨) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾.\n\nتنبيه\nاستشكل بعض العلماء تمثيله -  ﷺ  - بالعرنيين؛ لأنه سمل","vol":"2","page":115},{"text":"أعينهم مع قطع الأيدي والأرجل مع أن المرتد يقتل ولا يمثل به.\nواختلف في الجواب فقيل فيه ما حكاه الطبري عن بعض أهل العلم أن هذه الآية نسخت فعل النبي - ﷺ - بهم، وقال محمد بن سيرين: كان ذلك قبل نزول الحدود، وقال أبو الزناد: إن هذه الآية معاتبة له - ﷺ - على ما فعل بهم، وبعد العتاب على ذلك لم يعد، قاله أبو داود.\nوالتحقيق في الجواب هو أنه - ﷺ - فعل بهم ذلك قصاصًا، وقد ثبت في صحيح مسلم وغيره أنه - ﷺ - إنما سمل أعينهم قصاصًا؛ لأنهم سملوا أعين رعاة اللقاح، وعقده البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله:\nوبعدها أنتهبها الأولى انتهوا ... لغاية الجهد وطيبة اجتووا\nفخرجوا فشربوا ألبانها ... ونبذوا إذ سمنوا أمانها\nفاقتص منهم النبي أن مثلوا ... بعبده ومقلتيه سملوا\nواعترض على الناظم شارح النظم \"حماد\" لفظة: بعبده؛ لأن الثابت أنهم مثلوا بالرعاء، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-281> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾</span> الآية.\nاعلم أن جمهور العلماء على أن المراد بالوسيلة هنا هو القربة إلى الله تعالى بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه على وفق ما جاء به محمد - ﷺ - بإخلاص في ذلك لله تعالى؛ لأن هذا وحده هو الطريق","vol":"2","page":116},{"text":"الموصلة إلى رضا الله تعالى، ونيل ما عنده من خير الدنيا والآخرة.\nوأصل الوسيلة الطريق التي تقرب إلى الشيء، وتوصل إليه، وهي العمل الصالح بإجماع العلماء؛ لأنه لا وسيلة إلى الله تعالى إلا باتباع رسوله -  ﷺ  -، وعلى هذا فالآيات المبينة للمراد من الوسيلة كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوروي عن ابن عباس ﵄ أن المراد بالوسيلة الحاجة، ولما سأله نافع الأزرق هل تعرف العرب ذلك؟ أنشد له بيت عنترة:\nإن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي\nقال: يعني لهم إليك حاجة، وعلى هذا القول الذي روي عن ابن عباس فالمعنى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ واطلبوا حاجتكم من الله؛ لأنه وحده هو الذي يقدر على إعطائها. ومما يبين معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وفي الحديث \"وإذا سألت فاسأل الله\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق في معنى الوسيلة هو ما ذهب إليه عامة العلماء من أنها التقرب إلى الله تعالى بالإخلاص له في العبادة، على وفق ما جاء به الرسول -  ﷺ  -، وتفسير ابن عباس داخل في هذا؛ لأن دعاء الله والابتهال إليه في طلب الحوائج من","vol":"2","page":117},{"text":"أعظم أنواع عبادته التي هي الوسيلة إلى نيل رضاه ورحمته.\nوبهذا التحقيق تعلم أن ما يزعمه كثير من ملاحدة أتباع الجهال المدعين للتصوف، من أن المراد بالوسيلة في الآية الشيخ الذي يكون له واسطة بينه وبين ربه= أنه تخبط في الجهل والعمى وضلال مبين، وتلاعب بكتاب الله تعالى. واتخاذ الوسائط من دون الله من أصول كفر الكفار، كما صرح به تعالى في قوله عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ وفيجب على كل مكلف أن يعلم أن الطريق الموصلة إلى رضا الله وجنته ورحمته هي اتباع رسوله -  ﷺ  -، ومن حاد عن ذلك فقد ضل سواء السبيل ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ هو الآية.\nوالظاهر أن الوسيلة في بيت عنترة معناها التقرب أيضًا إلى المحبوب؛ لأنه وسيلة لنيل المقصود منه، ولذا أنشد بيت عنترة المذكور ابن جرير، والقرطبي وغيرهما لهذا المعنى الذي ذكرنا.\nوجمع الوسيلة: الوسائل، ومنه قول الشاعر:\nإذا غفل الواشون وعدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل\nوهذا الذي فسرنا به الوسيلة هنا هو معناها أيضًا في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ الآية، وليس المراد بالوسيلة أيضًا المنزلة التي في الجنة التي أمرنا -  ﷺ  - أن نسأل له الله أن يعطيه إياها، نرجو الله أن يعطيه إياها؛ لأنها لا تنبغي إلا لعبد، وهو يرجو أن يكون هو.","vol":"2","page":118},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-282> قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾</span> في هذه الآية الكريمة إجمال؛ لأن المشار إليه بقوله هَذَا، ومفسر الضمير في قوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ لم يصرح به في الآية ولكن الله أشار له هنا، وذكره في موضع آخر.\nاعلم أولًا أن هذه الآية نزلت في اليهودي واليهودية اللذين زنيا بعد الإحصان، وكان اليهود قد بدلوا حكم الرجم في التوراة، فتعمدوا تحريف كتاب الله، واصطلحوا فيما بينهم على أن الزاني المحصن الذي يعلمون أن حده في كتاب الله -التوراة- الرجم، أنهم يجلدونه ويفضحونه بتسويد الوجه، والإركاب على حمار، فلما زنى المذكوران قالوا فيما بينهم: تعالوا نتحاكم إلى محمد - ﷺ - في شأن حدهما، فإن حكم بالجلد والتحميم فخذوا عنه ذلك، واجعلوه حجة بينكم وبين الله تعالى، ويكون نبي من أنبياء الله قد حكم فيهما بذلك، وإن حكم بالرجم فلا تتبعوه. فإذا عرفت ذلك فاعلم أن المراد بقوله: ﴿هَذَا﴾ وقوله: ﴿فَخُذُوهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ هو الحكم المحرف الذي هو الجلد والتحميم كما بينا، وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني المحرف والمبدل الذي هو الجلد والتحميم ﴿فخذوه وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ﴾ بأن حكم بالحق الذي هو الرجم ﴿فَاحْذَرُوا﴾ أن تقبلوه.\nوذكر تعالى هذا أيضًا في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ﴾ يعني التوراة ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ﴾ يعني في شأن الزانيين المذكورين ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ أي عما","vol":"2","page":119},{"text":"في التوراة من حكم رجم الزاني المحصن، وقوله هنا: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ هو معنى قوله عنهم: ﴿وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا﴾ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-283> قوله تعالى: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ﴾</span> الآية. أخبر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأحبار والرهبان استحفظوا كتاب الله يعني استودعوه، وطلب منهم حفظه، ولم يبين هنا هل امتثلوا الأمر في ذلك وحفظوه، أو لم يمتثلوا الأمر في ذلك وضيعوه؟ ولكنه بين في مواضع أخر أنهم لم يمتثلوا الأمر، ولم يحفظوا ما استحفظوه، بل حرفوه وبدلوه عمدًا، كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾ وقوله: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الآية، وقوله جل وعلا: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nإن قيل: ما الفرق بين التوراة والقرآن، فإن كلا منهما كلام الله أنزله على رسول من رسله صلوات الله وسلامه عليهم؛ والتوراة حرفت، وبدلت كما بيناه آنفًا؛ والقرآن محفوظ من التحريف والتبديل؛ ولو حرف منه أحد حرفًا واحدًا فأبدله بغيره؛ أو زاد فيه","vol":"2","page":120},{"text":"حرفًا، أو نقص فيه آخر لرد عليه آلاف الأطفال من صغار المسلمين فضلًا عن كبارهم؟.\nفالجواب أن الله استحفظهم التوراة؛ واستودعهم إياها؛ فخانوا الأمانة ولم يحفظوها، بل ضيعوها عمدًا، والقرآن العظيم لم يكل الله حفظه إلى أحد حتى يمكنه تضييعه، بل تولى حفظه جل وعلا بنفسه الكريمة المقدسة، كما أوضحه بقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nو\"الباء\" في قوله: ﴿بِمَا اسْتُحْفِظُوا﴾ متعلقة بالرهبان والأحبار؛ لأنهم إنما صاروا في تلك المرتبة بسبب ما استحفظوا من كتاب الله، وقيل متعلقة بيحكم، والمعنى متقارب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-284> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾</span> اختلف العلماء في هذه الآية الكريمة: هل هي في المسلمين، أو في الكفار، فروي عن الشعبي أنها في المسلمين، وروي عنه أنها في اليهود، وروي عن طاوس أيضًا أنها في المسلمين، وأن المراد بالكفر فيها كفر دون كفر، وأنه ليس الكفر المخرج من الملة، وروي عن ابن عباس في هذه الآية أنه قال: ليس الكفر الذي تذهبون إليه. رواه عنه ابن أبي حاتم، والحاكم، وقال: صحيح على شرط الشيخين: ولم يخرجاه. قاله ابن كثير.\nقال بعض العلماء: والقرآن العظيم يدل على أنها في اليهود؛ لأنه تعالى ذكر فيما قبلها أنهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ، وأنهم يقولون: ﴿إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا﴾ يعني الحكم المحرف الذي هو","vol":"2","page":121},{"text":"غير حكم الله فَخُذُوهُ، وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ، أي: المحرف، بل أوتيتم حكم الله الحق فَاحْذَرُوا، فهم يأمرون بالحذر من حكم الله الذي يعلمون أنه حق.\nوقد قال تعالى بعدها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ الآية، فدل على أن الكلام فيهم، وممن قال بأن الآية في أهل الكتاب كما دل عليه ما ذكر= البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مجلز، وأبو رجاء العطاردي، وعكرمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري وغيرهم، وزاد الحسن، وهي علينا واجبة. نقله عنهم ابن كثير، ونقل نحو قول الحسن عن إبراهيم النخعي.\nوقال القرطبي في تفسيره: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤) الظَّالِمُونَ (٤٥) الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ نزلت كلها في الكفار، ثبت ذلك في صحيح مسلم من حديث البراء، وقد تقدم، وعلى هذا المعظم، فأما المسلم فلا يكفر وإن ارتكب كبيرة، وقيل: فيه إضمار، أي: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ ردًا للقرآن، وجحدًا لقول الرسول -  ﷺ  - فهو كافر. قاله ابن عباس ومجاهد. فالآية عامةً على هذا. قال ابن مسعود، والحسن: هي عامة في كل من لم يحكم بما أنزل الله من المسلمين واليهود والكفار، أي: معتقدًا ذلك ومستحلًا له، فأما من فعل ذلك، وهو معتقد أنه مرتكب محرم فهو من فساق المسلمين، وأمره إلى الله تعالى إن شاء عذبه، وإن شاء غفر له.\nوقال ابن عباس في رواية: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ فقد","vol":"2","page":122},{"text":"فعل فعلًا يضاهي أفعال الكفار، وقيل: أي: ومن لم يحكم بجميع ما أنزل فهو كافر، فأما من حكم بالتوحيد، ولم يحكم ببعض الشرائع فلا يدخل في هذه الآية. والصحيح الأول إلا أن الشعبي قال: هي في اليهود خاصة. واختاره النحاس قال: ويدل على ذلك ثلاثة أشياء:\nمنها: أن اليهود ذكروا قبل هذا في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ هَادُوا﴾ فعاد الضمير عليهم.\nومنها أن سياق الكلام يدل على ذلك، ألا ترى أن بعده: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فهذا الضمير لليهود بإجماع، وأيضًا فإن اليهود هم الذين أنكروا الرجم والقصاص.\nفإن قال قائل: \"من\" إذا كانت للمجازاة فهي عامة إلا أن يقع دليل على تخصيصها.\nقيل له: \"من\" هنا بمعنى الذي، مع ما ذكرناه من الأدلة والتقرير، واليهود الذين لم يحكموا بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون، فهذا من أحسن ما قيل في هذا.\nويروى أن حذيفة سئل عن هذه الآيات، أهي في بني إسرائيل؟ فقال: نعم هي فيهم، ولتسلكن سبيلهم حذو النعل بالنعل.\nوقيل: الكافرون للمسلمين، والظالمون لليهود، والفاسقون للنصارى. وهذا اختيار أبي بكر بن العربي، قال: لأنه ظاهر الآيات، وهو اختيار ابن عباس، وجابر بن زيد، وابن أبي","vol":"2","page":123},{"text":"زائدة، وابن شبرمة، والشعبي أيضًا. قال طاوس وغيره: ليس بكفر ينقل عن الملة، ولكنه كفر دون كفر.\nوهذا يختلف إن حكم بما عنده على أنه من عند الله فهو تبديل له يوجب الكفر، وإن حكم به هوى ومعصية فهو ذنب تدركه المغفرة، على أصل أهل السنة في الغفران للمذنبين.\nقال القشيري: ومذهب الخوارج أن من ارتشى، وحكم بحكم غير الله فهو كافر. وعزا هذا إلى الحسن والسدي، وقال الحسن أيضًا: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألا يتبعوا الهوى، وألا يخشون الناس ويخشوه، وألا يشتروا بآياته ثمنًا قليلًا. انتهى كلام القرطبي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الظاهر المتبادر من سياق الآيات أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ نازلة في المسلمين؛ لأنه تعالى قال قبلها مخاطبًا لمسلمي هذه الأمة: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ ثم قال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ فالخطاب للمسلمين كما هو ظاهر متبادر من سياق الآية، وعليه فالكفر إما كفر دون كفر، وإما أن يكون فعل ذلك مستحلًا له، أو قاصدًا به جحد أحكام الله وردها مع العلم بها. أما من حكم بغير حكم الله، وهو عالم أنه مرتكب ذنبًا، فاعل قبيحًا، وإنما حمله على ذلك الهوى، فهو من سائر عصاة المسلمين. وسياق القرآن ظاهر أيضًا في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾ في اليهود لأنه قال قبلها: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ","vol":"2","page":124},{"text":"وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾.\nفالخطاب لهم؛ لوضوح دلالة السياق عليه كما أنه ظاهر، وأيضًا في أن آية: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾ في النصارى؛ لأنه قال قبلها: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾.\nواعلم أن تحرير المقام في هذا البحث أن الكفر والظلم والفسق كل واحد منها ربما أطلق في الشرع مرادًا به المعصية تارة، والكفر المخرج من الملة أخرى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ معارضةً للرسل، وإبطالًا لأحكام الله فظلمه وفسقه وكفره كلها كفر مخرج عن الملة، وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ معتقدًا أنه مرتكب حرامًا، فاعل قبيحًا، فكفره وظلمه وفسقه غير مخرج عن الملة، وقد عرفت أن ظاهر القرآن يدل على أن الأولى في المسلمين، والثانية في اليهود، والثالثة في النصارى، والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وتحقيق أحكام الكل هو ما رأيت، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-285> قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾</span> الآية، قد قدمنا احتجاج أبي حنيفة رحمه الله تعالى بعموم هذه الآية على قتل المسلم بالذمي، ونفس الآية فيها إشارة إلى أن الكافر لا يدخل في عموم الآية، كما ذهب إليه جمهور العلماء، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية.\nومن المعلوم أن الكافر ليس من المتصدقين الذين تكون","vol":"2","page":125},{"text":"صدقتهم كفارة لهم؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. نبه على هذا إسماعيل القاضي في [أحكام القرآن] كما نقله ابن حجر في [فتح الباري].\nوما ذكره إسماعيل القاضي من أن الآية تدل أيضًا على عدم دخول العبد بناء على أنه لا يصح له التصدق بجرحه؛ لأن الحق لسيده غير مسلم؛ لأن من العلماء من يقول: إن الأمور المتعلقة ببدن العبد كالقصاص له العفو فيها، دون سيده، وعليه فلا مانع من تصدقه بجرحه، وعلى قول من قال: إن معنى: ﴿فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ أن التصدق بالجناية كفارة للجاني، لا للمجني عليه، فلا مانع أيضًا من الاستدلال المذكور بالآية؛ لأن الله لا يذكر عن الكافر أنه متصدق؛ لأن الكافر لا صدقة له لكفره، وما هو باطل لا فائدة فيه لا يذكره الله تعالى في معرض التقرير والإثبات. مع أن هذا القول ضعيف في معنى الآية.\nوجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم على أن معناها فهو كفارة للمتصدق. وهو أظهر؛ لأن الضمير فيه عائد إلى مذكور، وذلك في المؤمن قطعًا دون الكافر، فالاستدلال بالآية ظاهر جدًا.\n\nتنبيه\nاحتج بعض العلماء بهذه الآية الكريمة على أنه لا يقتل اثنان بواحد؛ لأنهما لو قتلا به لخرج عن قوله: ﴿أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾؛ لكونهما نفسين بنفس واحدة.","vol":"2","page":126},{"text":"وممن قال بهذا متمسكًا بهذا الدليل ابن الزبير والزهري، وابن سيرين، وحبيب بن أبي ثابت، وعبد الملك، وربيعة، وداود، وابن المنذر، وحكاه ابن أبي موسى، عن ابن عباس.\nوروي عن معاذ بن جبل، وابن الزبير، وابن سيرين، والزهري: أنه يقتل منهم واحد، ويؤخذ من الباقين حصصهم من الدية؛ لأن كل واحد منهم مكافىء له، فلا تستوفى أبدال بمبدل واحد، كما لا تجب ديات لمقتول واحد. كما نقله عمن ذكرنا ابن قدامة في [المغني].\nوقالوا: مقتضى قوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ﴾ وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ أنه لا يؤخذ بالنفس أكثر من نفس واحدة. قالوا: ولأن التفاوت في الأوصاف يمنع القصاص؛ بدليل عدم قتل الحر بالعبد، والتفاوت في العدد أولى.\nوقال ابن المنذر: لا حجة مع من أوجب قتل جماعة بواحد. وعدم قتل الجماعة بالواحد، رواية عن الإمام أحمد.\nوالرواية المشهورة عن الإمام أحمد، ومذهب الأئمة الثلاثة: أنه يقتل الجماعة بالواحد، وقد ثبت عن عمر بن الخطاب أنه قتل سبعة بواحد، وقال: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم به جميعًا، وروي نحو ذلك عن علي ﵁، فإنه توقف عن قتال الحرورية حتى يحدثوا، فلما ذبحوا عبد الله بن خباب، كما تذبح الشاة، وأخبر علي بذلك قال: الله أكبر، نادوهم أن أخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب، فقالوا: كلنا قتله، ثلاث مرات، فقال علي لأصحابه: دونكم القوم، فما لبث أن قتلهم علي وأصحابه.","vol":"2","page":127},{"text":"نقله القرطبي عن الدارقطني في [سننه].\nويؤيد قتل الجماعة بالواحد ما رواه الترمذي عن أبي سعيد، وأبي هريرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"لو أن أهل السماء، وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبهم الله في النار\" قال فيه الترمذي: حديث غريب. نقله عنه القرطبي.\nوروى البيهقي في [السنن الكبرى] نحوه عن ابن عباس مرفوعًا، وزاد \"إلا أن يشاء\" وروى البيهقي أيضًا عن أبي هريرة، عن رسول الله -  ﷺ  -: \"من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة لقي الله ﷿ يوم القيامة مكتوبًا بين عينيه آيس من رحمة الله\".\nوروي عن المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وبه قال سعيد بن المسيب، والحسن، وأبو سلمة، وعطاء، وقتادة، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني] أن الجماعة تقتل بالواحد، ورواه البيهقي عن عمر، وعلي ﵄ أيضًا، ولم يعلم لهما مخالف من الصحابة فصار إجماعًا سكوتيًا.\nواعترضه بعضهم بأن ابن الزبير ثبت عنه عدم قتل الجماعة بالواحد، كما قاله ابن المنذر، وإذن فالخلاف واقع بين الصحابة؛ والمقرر في الأصول أن الصحابة إذا اختلفوا لم يجز العمل بأحد القولين إلا بترجيح.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ويترجح مذهب الجمهور الذي هو قتل الجماعة بالواحد بأن الله تعالى قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ","vol":"2","page":128},{"text":"حَيَاةٌ﴾ يعني أن من علم أنه يقتل إذا قتل يكون ذلك رادعًا له وزاجرًا عن القتل، ولو كان الاثنان لا يقتص منهما للواحد، لكان كل من أحب أن يقتل مسلمًا أخذ واحدًا من أعوانه فقتله معه، فلم يكن هناك رادع عن القتل، وبذلك تضيع حكمة القصاص من أصلها، مع أن المتمالئين على القتل يصدق على كل واحد منهم أنه قاتل فيقتل، ويدل له أن الجماعة لو قذفوا واحدًا لوجب حد القذف على جميعهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-286> قوله تعالى: ﴿وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْأِنْجِيلِ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ﴾</span> لم يبين هنا شيئًا مما أنزل في الإنجيل الذي أمر أهل الإنجيل بالحكم به، وبين في مواضع أخر أن من ذلك البشارة بمبعث نبينا محمد - ﷺ -، ووجوب اتباعه، والإيمان به كقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَابَنِي إِسْرائيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْأِنْجِيلِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nلطيفة لها مناسبة بهذه الآية الكريمة: ذكر بعض العلماء أن نصرانيًا قال لعالم من علماء المسلمين: ناظرني في الإسلام والمسيحية أيهما أفضل؟ فقال العالم للنصراني: هلم إلى المناظرة في ذلك، فقال النصراني: المتفق عليه أحق بالاتباع أم المختلف فيه؟ فقال العالم: المتفق عليه أحق بالاتباع من المختلف فيه. فقال النصراني: إذن يلزمكم اتباع عيسى معنا، وترك اتباع محمد - ﷺ -؛ لأننا نحن وأنتم نتفق على نبوة عيسى، ونخالفكم في نبوة محمد عليهما الصلاة والسلام. فقال المسلم: أنتم الذين تمتنعون من اتباع","vol":"2","page":129},{"text":"المتفق عليه؛ لأن المتفق عليه الذي هو عيسى قال لكم: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فلو كنتم متبعين عيسى حقًا لاتبعتم محمدًا - ﷺ -، فظهر أنكم أنتم الذين لم تتبعوا المتفق عليه، ولا غيره، فانقطع النصراني.\nولا شك أن النصارى لو كانوا متبعين عيسى لاتبعوا محمدًا - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-287> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾</span> قد قدمنا أن هذه الآية في النصارى، والتي قبلها في اليهود، والتي قبل تلك في المسلمين، كما يقتضيه ظاهر القرآن.\nوقد قدمنا أن الكفر والظلم والفسق كلها يطلق على المعصية بما دون الكفر، وعلى الكفر المخرج من الملة نفسه، فمن الكفر بمعنى المعصية، قوله - ﷺ - لما سألته المرأة عن سبب كون النساء أكثر أهل النار: \"إن ذلك واقع بسبب كفرهن\" ثم فسره بأنهن يكفرن العشير، ومن الكفر بمعنى المخرج عن الملة، قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ﴾ الآية. ومن الظلم بمعنى الكفر قوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ ومنه بمعنى المعصية قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾ الآية، ومن الفسق بمعنى الكفر قوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، ومنه بمعنى المعصية قوله","vol":"2","page":130},{"text":"في الذين قذفوا عائشة ﵂: ﴿وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ ومعلوم أن القذف ليس بمخرج عن الملة، ويدل له قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْأِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ ومن الفسق بمعنى المعصية أيضًا قوله في الوليد بن عقبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية.\nوقد قدمنا أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فمن كان امتناعه من الحكم بما أنزل الله، لقصد معارضته ورده، والامتناع من التزامه فهو كافر ظالم فاسق، كلها بمعناه المخرج من الملة، ومن كان امتناعه من الحكم لهوى، وهو يعتقد قبح فعله، فكفره وظلمه وفسقه غير المخرج من الملة إلا إذا كان ما امتنع من الحكم به شرطًا في صحة إيمانه، كالامتناع من اعتقاد ما لا بد من اعتقاده. هذا هو الظاهر في الآيات المذكورة، كما قدمنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-288> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن اليهود والنصارى بعضهم أولياء بعض، ولكنه بين في مواضع أخر أن ولاية بعضهم لبعض زائفة ليست خالصة؛ لأنها لا تستند على أساس صحيح، هو دين الإسلام، فبين أن العداوة والبغضاء بين النصارى دائمة إلى يوم القيامة بقوله: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ وبين مثل ذلك في اليهود أيضًا، حيث قال فيهم: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ","vol":"2","page":131},{"text":"يَشَاءُ وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ والظاهر أنها في اليهود فيما بينهم، كما هو صريح السياق، خلافًا لمن قال: إنها بين اليهود، والنصارى.\nوصرح تعالى بعدم اتفاق اليهود معللًا له بعدم عقولهم في قوله: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾.\n\nتنبيه\nأخذ بعض العلماء من قوله تعالى: ﴿بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ أن اليهودي والنصراني يتوارثان. ورده بعض العلماء بأن المراد بالآية ولاية اليهود لخصوص اليهود، والنصارى لخصوص النصارى، وعلى هذا المعنى فلا دليل في الآية لتوارث اليهود والنصارى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-289> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن من تولى اليهود؛ والنصارى، من المسلمين، فإنه يكون منهم بتوليه إياهم، وبين في موضع آخر أن توليهم موجب لسخط الله: والخلود في عذابه، وأن متوليهم لو كان مؤمنًا ما تولاهم، وهو قوله تعالى: ﴿تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾.\nونهى في موضع آخر عن توليهم مبينًا سبب التنفير منه، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَدْ يَئِسُوا مِنَ الْآخِرَةِ كَمَا يَئِسَ الْكُفَّارُ مِنْ أَصْحَابِ الْقُبُورِ (١٣)﴾.","vol":"2","page":132},{"text":"وبين في موضع آخر: أن محل ذلك فيما إذا لم تكن الموالاة بسبب خوف، وتقية، وإن كانت بسبب ذلك فصاحبها معذور، وهو قوله تعالى: ﴿لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾ فهذه الآية الكريمة فيها بيان لكل الآيات القاضية بمنع موالاة الكفار مطلقًا، وإيضاح لأن محل ذلك في حالة الاختيار، وأما عند الخوف والتقية فيرخص في موالاتهم، بقدر المداراة التي يكتفي بها شرهم، ويشترط في ذلك سلامة الباطن من تلك الموالاة.\nومن يأتي الأمور على اضطرار ... فليس كمثل آتيها اختيارا\nويفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمدًا اختيارًا رغبة فيهم أنه كافر مثلهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-290> قوله تعالى: ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ فَيُصْبِحُوا عَلَى مَا أَسَرُّوا فِي أَنْفُسِهِمْ نَادِمِينَ (٥٢) وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ إِنَّهُمْ لَمَعَكُمْ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خَاسِرِينَ (٥٣)﴾</span>.\nذكر في هذه الآية الكريمة أن الذين في قلوبهم مرض -وهم المنافقون- يعتذرون عن موالاة الكفار من اليهود بأنهم يخشون أن تدور عليهم الدوائر، أي: دول الدهر الدائرة من قوم إلى قوم، كما قال الشاعر:\nإذا ما الدهر جر على أناس ... كلاكله أناخ بآخرينا\nيعنون إما بقحط فلا يميروننا، ولا يتفضلوا علينا، وإما بظفر","vol":"2","page":133},{"text":"الكفار بالمسلمين، فلا يدوم الأمر للنبي -  ﷺ  - وأصحابه، زعمًا منهم أنهم عند تقلب الدهر بنحو ما ذكر يكون لهم أصدقاء كانوا محافظين على صداقتهم، فينالون منهم ما يؤمل الصديق من صديقه، وأن المسلمين يتعجبون من كذبهم في إقسامهم بالله جهد أيمانهم، إنهم لمع المسلمين، وبين في هذه الآية: أن تلك الدوائر التي حافظوا من أجلها على صداقة اليهود، أنها لا تدور إلا على اليهود والكفار، ولا تدور على المسلمين بقوله: ﴿فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ﴾ الآية. وعسى من الله نافذة؛ لأنه العظيم الذي لا يطمع إلا فيما يعطي.\nوالفتح المذكور قيل: هو فتح المسلمين لبلاد المشركين، وقيل: الفتح الحكم؛ كقوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ﴾ وعليه فهو حكم الله بقتل مقاتلة بني قريظة وسبي ذراريهم، وإجلاء بني النضير، وقيل: هو فتح مكة؛ وهو راجع إلى الأول.\nوبين تعالى في موضع آخر أن سبب حلفهم بالكذب للمسلمين أنهم منهم إنما هو الفرق، أي: الخوف، وأنهم لو وجدو محلًا يستترون فيه عن المسلمين لسارعو إليه، بغضهم للمسلمين، وهو قوله: ﴿وَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنَّهُمْ لَمِنْكُمْ وَمَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَكِنَّهُمْ قَوْمٌ يَفْرَقُونَ (٥٦) لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ (٥٧)﴾ ففي هذه الآية بيان سبب أيمان المنافقين، ونظيرها قول: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾.\nوبين تعالى في موضع آخر أنهم يحلفون تلك الأيمان ليرضى عنهم المؤمنون، وأنهم إن رضوا عنهم فإن الله لا يرضى عنهم،","vol":"2","page":134},{"text":"وهو قوله: ﴿يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾.\nوبين في موضع آخر: أنهم يريدون بأيمانهم إرضاء المؤمنين، وإن الله ورسوله أحق بالإرضاء، وهو قوله: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ إِنْ كَانُوا مُؤْمِنِينَ﴾.\nوبين في موضع آخر أنهم يحلفون ليرضوا عنهم بسبب أن لهم عذرًا صحيحًا، وأن الله أمرهم بالإعراض عنهم، لا لأن لهم عذرًا صحيحًا، بل مع الإعلام بأنهم رجس، ومأواهم النار بسبب ما كسبوا من النفاق، وهو قوله: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٩٥)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن أيمانهم الكاذبة سبب لإهلاكهم أنفسهم، وهو قوله: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nوهذه الأسباب لحلف المنافقين التي ذكرت في هذه الآيات راجعة جميعًا إلى السبب الأول، الذي هو الخوف؛ لأن خوفهم من المؤمنين: هو سبب رغبتهم في إرضائهم، وإعراضهم عنهم بأن لا يؤذوهم، ولذا حلفوا لهم، ليرضوهم، وليعرضوا عنهم، خوفًا من أذاهم، كما هو ظاهر.\n\nتنبيه\nقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا أَهَؤُلاءِ الَّذِينَ","vol":"2","page":135},{"text":"أَقْسَمُوا﴾ فيه ثلاث قراءات سبعيات:\nالأول: يقول: بلا واو مع الرفع، وبها قرأ نافع، وابن كثير، وابن عامر.\nالثانية: ويقول بإثبات الواو مع رفع الفعل أيضًا، وبها قرأ عاصم، وحمزة والكسائي.\nالثالثة: بإثبات الواو، ونصب يقول، عطفًا على أن ﴿يأتى بالفتح﴾ وبها قرأ أبو عمرو.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-291> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾</span> الآية.\nأخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضًا عن ذلك المرتد، بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه - ﷺ -، فأمره بلين الجانب للمؤمنين بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية. وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول - ﷺ - وأصحابه ﵃، بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.","vol":"2","page":136},{"text":"وقد قال الشاعر في رسول الله - ﷺ -:\nوما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد\nوأعطى إذا ما طلب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند\nوقال الآخر فيه:\nوما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد\nويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق، وقد قال أبو الطيب المتنبي:\nإذا قيل: حلم قل: فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-292> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْأِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب لو أطاعوا الله، وأقاموا كتابهم باتباعه، والعمل بما فيه، ليسر الله لهم الأرزاق، وأرسل عليهم المطر، وأخرج لهم ثمرات الأرض.\nوبين في مواضع أخر أن ذلك ليس خاصًا بهم، كقوله عن نوح وقومه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ وقوله عن هود وقومه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله عن نبينا عليه","vol":"2","page":137},{"text":"الصلاة والسلام وقومه: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ هو الآية، على أحد الأقوال، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ﴾ وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ ومفهوم الآية أن معصية الله تعالى سبب لنقيض ما يستجلب بطاعته، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-293> قوله تعالى: ﴿مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ (٦٦﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أهل الكتاب قسمان:\nطائفة منهم مقتصدة في عملها، وكثير منهم سيء العمل. وقسم هذه الأمة إلى ثلاثة أقسام في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾ ووعد الجميع بالجنة بقوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾.\nوذكر القسم الرابع: وهو الكفار منها بقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية.\nوأظهر الأقوال في المقتصد، والسابق، والظالم، أن المقتصد هو من امتثل الأمر، واجتنب النهي، ولم يزد على ذلك، وأن السابق بالخيرات هو من فعل ذلك، وزاد بالتقرب إلى الله بالنوافل، والتورع عن بعض الجائزات، خوفًا من أن يكون سببًا لغيره، وأن","vol":"2","page":138},{"text":"الظالم هو المذكور في قوله: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-294> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾</span> الآية.\nأمر تعالى في هذه الآية نبيه - ﷺ - بتبليغ ما أنزل إليه، وشهد له بالامتثال في آيات متعددة، كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ﴾ وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ ولو كان يمكن أن يكتم شيئًا لكتم قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النَّاسَ وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَاهُ﴾ فمن زعم أنه - ﷺ - كتم حرفًا مما أنزل عليه فقد أعظم الافتراء على الله، وعلى رسوله - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-295> قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كَثِيرٌ مِنْهُمْ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٧١)﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن بني إسرائيل عموا وصموا مرتين، تتخللهما توبة من الله عليهم، وبين تفصيل ذلك في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية، فبين جزاء عماهم وصممهم في المرة بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ﴾ وبين جزاء عماهم وصممهم في المرة الآخرة بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ وبين التوبة التي بينهما بقوله: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ","vol":"2","page":139},{"text":"وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا (٦)﴾ ثم بين أنهم إن عادوا إلى الإفساد عاد إلى الانتقام منهم بقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ فعادوا إلى الإفساد بتكذيبه - ﷺ -، وكتم صفاته التي في التوراة، فعاد الله إلى الانتقام منهم، فسلط عليهم نبيه - ﷺ - فذبح مقاتلة بني قريظة، وسبى نساءهم وذراريهم، وأجلى بني قينقاع، وبني النضير. كما ذكر تعالى طرفًا من ذلك في سورة الحشر، وهذا البيان الذي ذكرنا في هذه الآية ذكره بعض المفسرين، وكثير منهم لم يذكره، ولكن ظاهر القرآن يقتضيه؛ لأن السياق في ذكر أفعالهم القبيحة الماضية من قتل الرسل، وتكذيبهم، إذ قبل الآية المذكورة: ﴿كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ (٧٠)﴾.\nومعنى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ ظنوا ألا يصيبهم بلاء وعذاب من الله بسبب كفرهم، وقتلهم الأنبياء لزعمهم الباطل أنهم أبناء الله وأحباؤه، وقوله: ﴿كَثِيرٌ مِنْهُمْ﴾ أحسن أوجه الإعراب فيه أنه بدل من واو الفاعل في قوله: ﴿عَمُوا وَصَمُّوا﴾ كقولك: جاء القوم أكثرهم. وقوله: ﴿أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ قرأه حمزة، والكسائي، وأبو عمرو بالرفع، والباقون بالنصب، فوجه قراءة النصب ظاهر؛ لأن الحسبان بمعنى الظن، ووجه قراءة الرفع، تنزيل اعتقادهم لذلك -ولو كان باطلًا- منزلة العلم، فتكون أن مخففة من الثقيلة، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-296> قوله تعالى: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾</span>.\nأشار في هذه الآية إلى أن الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ","vol":"2","page":140},{"text":"ثَلاثَةٍ﴾ لو تابوا إليه من ذلك لتاب عليهم، وغفر لهم؛ لأنه استعطفهم إلى ذلك أحسن استعطاف وألطفه بقوله: ﴿أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ﴾ ثم أشار إلى أنهم إن فعلوا ذلك غفر لهم بقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وصرح بهذا المعنى عامًا لجميع الكفار بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-297> قوله تعالى: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن عيسى وأمه كانا يأكلان الطعام، وذكر في مواضع أخر أن جميع الرسل كانوا كذلك، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية وقوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ معنى قوله: ﴿يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ يصرفون عن الحق، والمراد بصرفهم عنه قول بعضهم: إن الله هو المسيح ابن مريم، وقول بعضهم: إن الله ثالث ثلاثة؛ وقول بعضهم: عزير ابن الله -﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا-، وعلى من يقول ذلك لعائن الله إلى يوم القيامة، فإنهم يقولون هذا الأمر الذي لم يقل أحد أشنع منه ولا أعظم؛ مع ظهور أدلة التوحيد المبينة له، ولذا قال تعالى: ﴿انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (٧٥)﴾ على سبيل التعجيب من أمرهم، كيف يؤفكون إلى هذا الكفر مع وضوح أدلة التوحيد؟!.\n• قوله تعالى: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ","vol":"2","page":141},{"text":"دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ الآية. قال بعض العلماء: الذين لعنوا على لسان داود الذين اعتدوا في السبت، والذين لعنوا على لسان عيسى ابن مريم هم الذين كفروا من أهل المائدة، وعليه فلعن الأولين مسخهم قردة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (٦٥)﴾ ولعن الآخرين هو المذكور في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ (١١٥)﴾ وذكر غير واحد أنه مسخهم خنازير، وهذا القول مروي عن الحسن، وقتادة، ومجاهد، والباقر. نقله الألوسي في تفسيره، وقال: واختاره غير واحد. ونقله القرطبي عن ابن عباس، وقتادة، ومجاهد، وأبي مالك، وذكر أنه روي عن النبي - ﷺ -.\nوقال بعض من قال بهذا القول: إن أهل أيلة لما اعتدوا في السبت قال داود ﵊: \"اللهم ألبسهم اللعن مثل الرداء، ومثل المنطقة على الحقوين، فمسخهم الله قردة\" وأصحاب المائدة لما كفروا قال عيسى ﵊: \"اللهم عذب من كفر بعدما أكل من المائدة عذابًا لم تعذبه أحدًا من العالمين، والعنهم كما لعنت أصحاب السبت، فأصبحوا خنازير\" وأن هذا معنى لعنهم على لسان داود، وعيسى ابن مريم، وفي الآية أقوال غير هذا تركنا التعرض لها؛ لأنها ليست مما نحن بصدده.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-298> قوله تعالى: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾</span> قد قدمنا في سورة البقرة أن المراد بما عقدتم الأيمان هو ما قصدتم عقد اليمين فيه، لا ما جرى على ألسنتكم من غير قصد، نحو \"لا والله\" و\"بلى والله\" ومنه قول الفرزدق:","vol":"2","page":142},{"text":"ولست بمأخوذ بلغو تقوله ... إذا لم تعمد عاقدات العزائم\nوهذا العقد معنوي، ومنه قول الحطيئة:\nقوم إذا عقدوا عقدًا لجارهم ... شدوا العناج وشدوا فوقه الكربا\nوقرأه حمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بالتخفيف بلا ألف، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر ﴿عاقدتم﴾ بألف بوزن فاعل، وقرأه الباقون بالتشديد من غير ألف، والتضعيف والمفاعلة: معناهما مجرد الفعل، بدليل قراءة: ﴿عَقَّدْتُمُ﴾ بلا ألف، ولا تضعيف، والقراءات يبين بعضها بعضًا \"وما\" في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدْتُمُ﴾ مصدرية على التحقيق، لا موصولة، كما قاله بعضهم زاعمًا أن ضمير الربط محذوف.\nوفي المراد بِاللَّغْوِ في الآية أقوال، أشهرها عند العلماء اثنان:\nالأول: أن اللغو ما يجري على لسان الإنسان من غير قصد، كقوله \"لا والله\" و\"بلى والله\".\nوذهب إلى هذا القول الشافعي، وعائشة في إحدى الروايتين عنها، وروي عن ابن عمر، وابن عباس في أحد قوليه، والشعبي، وعكرمة في أحد قوليه، وعروة بن الزبير، وأبي صالح، والضحاك في أحد قوليه، وأبي قلابة، والزهري، كما نقله عنهم ابن كثير، وغيره.\nالقول الثاني: أن اللغو هو أن يحلف على ما يعتقده، فيظهر نفيه، وهذا هو مذهب مالك بن أنس، وقال: إنه أحسن ما سمع في معنى اللغو، وهو مروي أيضًا عن عائشة، وأبي هريرة،","vol":"2","page":143},{"text":"وابن عباس في أحد قوليه، وسليمان بن يسار، وسعيد بن جبير، ومجاهد في أحد قوليه، وإبراهيم النخعي في أحد قوليه، والحسن، وزرارة بن أبي أوفى، وأبي مالك، وعطاء الخراساني، وبكر بن عبد الله، وأحد قولي عكرمة، وحبيب بن أبي ثابت، والسدي، ومكحول، ومقاتل، وطاوس، وقتادة، والربيع بن أنس، ويحيى بن سعيد، وربيعة، كما نقله عنهم ابن كثير.\nوالقولان متقاربان، واللغو يشملهما؛ لأنه في الأول لم يقصد عقد اليمين أصلًا، وفي الثاني لم يقصد إلا الحق والصواب، وغير هذين القولين من الأقوال تركته لضعفه في نظري.\nواللغو في اللغة: هو الكلام بما لا خير فيه، ولا حاجة إليه، ومنه حديث: \"إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة: انصت فقد لغوت، أو لغيت\".\nوقول العجاج:\nورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم\n\nمسائل من أحكام الأيمان\nاعلم أن الأيمان أربعة أقسام: اثنان فيهما الكفارة بلا خلاف، واثنان مختلف فيهما.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: الأيمان في الشريعة على أربعة أقسام: قسمان فيهما الكفارة، وقسمان لا كفارة فيهما. خرج الدارقطني في سننه، حدثنا عبد الله بن محمد بن عبد العزيز، حدثنا خلف بن هشام، حدثنا عبثر، عن ليث، عن","vol":"2","page":144},{"text":"حماد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، ويمينان لا يكفران، فاليمينان اللذان يكفران فالرجل الذي يحلف: والله لا أفعل كذا وكذا فيفعل، والرجل يقول: والله لأفعلن كذا وكذا فلا يفعل.\nواليمينان اللذان لا يكفران فالرجل يحلف: والله ما فعلت كذا وكذا وقد فعل، والرجل يحلف: لقد فعلت كذا وكذا، ولم يفعله قال ابن عبد البر: وذكر سفيان الثوري في [جامعه]، وذكره المروزي عنه أيضًا.\nقال سفيان: الأيمان أربعة، يمينان يكفران، وهو أن يقول الرجل: والله \"لا أفعل\" ثم يفعل، أو يقول: \"والله لأفعلن\" ثم لا يفعل، ويمينان لا يكفران وهو أن يقول الرجل: \"والله ما فعلت\" وقد فعل، أو يقول \"والله لقد فعلت\" وما فعل.\nقال المروزي: أما اليمينان الأوليان فلا اختلاف فيهما بين العلماء على ما قاله سفيان، وأما اليمينان الأخريان فقد اختلف أهل العلم فيهما، فإن كان الحالف حلف على أنه لم يفعل كذا وكذا، أو أنه فعل كذا وكذا عند نفسه صادقًا يرى أنه على ما حلف عليه = فلا إثم عليه ولا كفارة عليه في قول مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي.\nوكذلك قال أحمد، وأبو عبيد.\nوقال الشافعي: لا إثم عليه، وعليه كفارة.\nقال المروزي: وليس قول الشافعي في هذا بالقوي، قال:","vol":"2","page":145},{"text":"وإن كان الحالف على أنه لم يفعل كذا وكذا، وقد فعل متعمدًا للكذب فهو آثم، ولا كفارة عليه في قول عامة العلماء مالك، وسفيان الثوري، وأصحاب الرأي، وأحمد بن حنبل، وأبي ثور، وأبي عبيد.\nوكان الشافعي يقول: يكفر. قال: وقد روي عن بعض التابعين مثل قول الشافعي.\nقال المروزي: أميل إلى قول مالك وأحمد. اهـ محل الغرض من القرطبي بلفظه. وهو حاصل تحرير المقام في حلف الإنسان \"لأفعلن\" أو \"لا أفعل\".\nوأما حلفه على وقوع أمر غير فعله، أو عدم وقوعه، كأن يقول: والله لقد وقع في الوجود كذا، أو لم يقع في الوجود كذا، فإن حلف على ماض أنه واقع، وهو يعلم عدم وقوعه، متعمدًا للكذب فهي يمين غموس، وإن كان يعتقد وقوعه فظهر فيه نفيه، فهي من يمين اللغو كما قدمنا، وإن كان شاكًا فهو كالغموس، وجعله بعضهم من الغموس.\nوإن حلف على مستقل لا يدري أيقع أم لا؟ فهو كذلك أيضًا يدخل في يمين الغموس، وأكثر العلماء على أن يمين الغموس لا تكفر؛ لأنها أغلظ إثمًا من أن تكفرها كفارة اليمين.\nوقد قدمنا قول الشافعي بالكفارة فيها، وفيها عند المالكية تفصيل: وهو وجوب الكفارة في غير المتعلقة بالزمن الماضي منها.","vol":"2","page":146},{"text":"واعلم أن اليمين منقسمة أيضًا إلى يمين منعقدة على بر، ويمين منعقدة على حنث، فالمنعقدة على بر هي التي لا يلزم حالفها تحليل اليمين كقوله: \"والله لا أفعل كذا\" والمنعقدة على حنث هي التي يلزم صاحبها حل اليمين بفعل ما حلف عليه، أو بالكفارة كقوله: \"والله لأفعلن كذا\" ولا يحكم بحنثه في المنعقدة على حنث حتى يفوت إمكان فعل ما حلف عليه، إلا إذا كانت مؤقتة بوقت فيحنث بفواته، ولكن إن كانت بطلاق كقوله: على طلاقها \"لأفعلن كذا\" فإنه يمنع من وطئها حتى يفعل ما حلف عليه؛ لأنه لا يدري أيبر في يمينه أم يحنث؟ ولا يجوز الإقدام على فرج مشكوك فيه عند جماعة من العلماء، منهم مالك وأصحابه. وقال بعض العلماء: لا يمنع من الوطء؛ لأنها زوجته؛ والطلاق لم يقع بالفعل؛ وممن قال به أحمد.\nالمسألة الثانية: اعلم أن اليمين لا تنعقد إلا بأسماء الله وصفاته، فلا يجوز القسم بمخلوق؛ لقوله -  ﷺ  -: \"من كان حالفًا فليحلف بالله، أو ليصمت \" ولا تنعقد يمين بمخلوق كائنًا من كان، كما أنها لا تجوز بإجماع من يعتد به من أهل العلم، وبالنص الصحيح الصريح في منع الحلف بغير الله، فقول بعض أهل العلم بانعقاد اليمين به -  ﷺ  - لتوقف إسلام المرء على الإيمان به ظاهر البطلان. والله تعالى أعلم.\nالمسألة الثالثة: يخرج من عهدة اليمين بواحد من ثلاثة أشياء:\nالأول: إبرارها بفعل ما حلف عليه.","vol":"2","page":147},{"text":"الثاني: الكفارة، وهي جائزة قبل الحنث وبعده على التحقيق.\nالثالث: الاستثناء بنحو إن شاء الله. والتحقيق أنه حل لليمين، لا بدل من الكفارة، كما زعمه ابن الماجشون. ويشترط فيه قصد التلفظ به، والاتصال باليمين، فلا يقبل الفصل بغير ضروري كالسعال، والعطاس، وما ذهب إليه ابن عباس وغيره من جواز تراخي الاستثناء فالتحقيق فيه أن المراد به أن العبد يلزمه إذا قال: \"لأفعلن كذا\" أن يقول: إن شاء الله، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ فإن نسي الاستثناء بإن شاء، وتذكره ولو بعد فصل، فإنه يقول: إن شاء الله؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم تفويض الأمور إلى الله، وتعليقها بمشيئته، لا من حيث إنه يحل اليمين التي مضت وانعقدت.\nويدل لهذا أنه تعالى قال لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلا تَحْنَثْ﴾ ولو كان تدارك الاستثناء ممكنًا لقال له: قل: إن شاء الله، ويدل له أيضًا أنه لو كان كذلك لما علم انعقاد يمين، لإمكان أن يلحقها الاستثناء المتأخر.\nواعلم أن الاستثناء بإن شاء الله يفيد في الحلف بالله إجماعًا، واختلف العلماء في غيره كالحلف بالطلاق والظهار والعتق، كأن يقول: إن دخلت الدار فأنت طالق إن شاء الله، أو أنت علي كظهر أمي إن شاء الله، أو أنت حرة إن شاء الله، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يفيد في شيء من ذلك؛ لأن هذه ليست أيمانًا، وإنما هي تعليقات للعتق والظهار والطلاق؛ والاستثناء بالمشيئة إنما ورد به الشرع في اليمين، دون التعليق، وهذا مذهب مالك وأصحابه، وبه","vol":"2","page":148},{"text":"قال الحسن، والأوزاعي، وقتادة، ورجحه ابن العربي وغيره. وذهب جماعة من العلماء إلى أنه يفيد في ذلك كله، وبه قال الشافعي، وأبو حنيفة، وطاوس، وحماد، وأبو ثور، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وفرق قوم بين الظهار وبين العتق والطلاق؛ لأن الظهار فيه كفارة فهو يمين تنحل بالاستثناء، كاليمين بالله والنذر، ونقله ابن قدامة في المغني عن أبي موسى، وجزم هو به.\nالمسألة الرابعة: لو فعلت المحلوف عن فعله ناسيًا ففيه للعلماء ثلاثة مذاهب:\nالأول: لا حنث عليه مطلقًا؛ لأنه معذور بالنسيان، والله تعالى يقول: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وقال -  ﷺ  -: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه\" وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، فإن العلماء تلقوه بالقبول قديمًا وحديثًا، ويشهد له ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة \"أن النبي -  ﷺ  - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: نعم\" ومن حديث ابن عباس: \"قال الله: قد فعلت\"، وكون من فعل ناسيًا لا يحنث هو قول عطاء، وعمرو بن دينار، وابن أبي نجيح، وإسحاق، ورواية عن أحمد، كما قاله صاحب المغني. ووجه هذا القول ظاهر للأدلة التي ذكرنا.\nوذهب قوم إلى أنه يحنث مطلقًا، وهو مشهور مذهب مالك، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد، والزهري، وقتادة؛ وربيعة، وأبو حنيفة، وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم صاحب المغني. ووجه هذا القول عند القائل به أنه فعل ما حلف لا يفعله عمدًا،","vol":"2","page":149},{"text":"فلما كان عامدًا للفعل الذي هو سبب الحنث لم يعذر بنسيانه اليمين. ولا يخفى عدم ظهوره.\nوذهب قوم إلى الفرق بين الطلاق والعتق وبين غيرهما، فلا يعذر بالنسيان في الطلاق والعتق، ويعذر به في غيرهما، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد، كما قاله صاحب المغني قال: واختاره الخلال؛ وصاحبه، وهو قول أبي عبيد.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول الأخير له وجه من النظر؛ لأن في الطلاق والعتق حقًا لله وحقًا للآدمي، والحالف يمكن أن يكون متعمدًا في نفس الأمر، ويدعي النسيان؛ لأن العمد من القصود الكامنة التي لا تظهر حقيقتها للناس، فلو عذر بادعاء النسيان لأمكن تأدية ذلك إلى ضياع حقوق الآدميين. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: إذا حلف لا يفعل أمرًا من المعروف كالإصلاح بين الناس ونحوه فليس له الامتناع عن ذلك، والتعلل باليمين، بل عليه أن يكفر عن يمينه، ويأتي الذي هو خير؛ لقوله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية؛ أي لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر، وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها؛ ونظير الآية قوله تعالى في حلف أبي بكر ﵁ ألا ينفق على مسطح لما قال في عائشة ﵂ ما قال: ﴿وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢).","vol":"2","page":150},{"text":"وقوله - ﷺ -: \"والله لأن يلج أحدكم بيمينه في أهله آثم له عند الله من أن يعطي كفارته التي افترض الله عليه\" متفق عليه من حديث أبي هريرة.\nوقوله - ﷺ -: \"إني والله -إن شاء الله- لا أحلف على يمين فأرى غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها\" متفق عليه أيضًا من حديث أبي موسى.\nوقوله - ﷺ - لعبد الرحمن بن سمرة: \"يا عبد الرحمن بن سمرة لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها فأت الذي هو خير، وكفر عن يمينك\" متفق عليه أيضًا، والأحاديث في الباب كثيرة. وهذا هو الحق في المسألة خلافًا لمن قال: كفارتها تركها متمسكًا بأحاديث وردت في ذلك، قال أبو داود: والأحاديث عن النبي - ﷺ - كلها: \"فليكفر عن يمينه\" وهي الصحاح. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-299> قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾</span> لم يقيد هنا ﴿رَقَبَةٍ﴾ كفارة اليمين بالإيمان، وقيد به كفارة القتل خطأ.\nوهذه من مسائل المطلق والمقيد في حالة اتفاق الحكم، مع اختلاف السبب، وكثير من العلماء يقولون فيه: يحمل المطلق على المقيد، فتقيد رقبة اليمين، والظهار بالقيد الذي في رقبة القتل خطأ، حملًا للمطلق على المقيد، وخالف في ذلك أبو حنيفة ومن وافقه.","vol":"2","page":151},{"text":"وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب] في سورة النساء عند قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ ولذلك لم نطل الكلام بها هنا، والمراد بالتحرير الإخراج من الرق، وربما استعملته العرب في الإخراج من الأسر والمشقات، وتعب الدنيا ونحو ذلك، ومنه قول والدة مريم ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ أي من تعب أعمال الدنيا، ومنه قول الفرزدق همام بن غالب التميمي:\nأبني غدانة إنني حررتكم ... فوهبتكم لعطية بن جعال\nيعني حررتكم من الهجاء، فلا أهجوكم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-300> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ﴾</span> الآية، يفهم من هذه الآية الكريمة أن الخمر نجسة العين؛ لأن الله تعالى قال: إنها رِجْسٌ، والرجس في كلام العرب كل مستقذر تعافه النفس.\nوقيل: إن أصله من الركس، وهو العذرة والنتن.\nقال بعض العلماء: ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله تعالى في شراب أهل الجنة: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾ لأن وصفه لشراب أهل الجنة بأنه طهور يفهم منه أن خمر الدنيا ليست كذلك، ومما يؤيد هذا أن كل الأوصاف التي مدح بها تعالى خمر الآخرة منفية عن خمر الدنيا، كقوله: ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ وَلا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ وكقوله: ﴿لا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾ بخلاف خمر الدنيا ففيها غول يغتال العقول، وأهلها يصدعون، أي: يصيبهم الصداع الذي هو","vol":"2","page":152},{"text":"وجع الرأس بسببها، وقوله: ﴿وَلَا يٌنْزَفُونَ (١٩)﴾ على قراءة فتح الزاي مبنيًا للمفعول، فمعناه: أنهم لا يسكرون، والنزيف السكران، ومنه قول حميد بن ثور:\nنزيف ترى ردع العبير بجيبها ... كما ضرج الضاري النزيف المكلما\nيعني أنها في ثقل حركتها كالسكران، وأن خمرة العبير الذي هو الطيب في جيبها كخمرة الدم على الطريد الذي ضرجه الجوارح بدمه، أصابه نزيف الدم من جرح الجوارح له، ومنه أيضًا قول امرىء القيس:\nوإذ هي تمشي كمشي النزيـ ... ـف يصرعه بالكثيب البهر\nوقوله أيضًا:\nنزيف إذا قامت لوجه تمايلت ... تراشى الفؤاد الرخص ألا تخترا\nوقول ابن أبي ربيعة، أو جميل:\nفلثمت فاها آخذًا بقرونها ... شرب النزيف ببرد ماء الحشرج\nوعلى قراءة ﴿يَنْزِفُونَ (١٩)﴾ بكسر الزاي مبنيًا للفاعل ففيه وجهان من التفسير للعلماء:\nأحدهما: أنه من أنزف القوم إن حان منهم النزف، وهو السكر؛ ونظيره قولهم: أحصد الزرع إذا حان حصاده، وأقطف العنب إذا حان قطافه، وهذا القول معناه راجع إلى الأول.\nوالثاني: أنه من أنزف القوم إذا فنيت خمورهم. ومنه قول الحطيئة:","vol":"2","page":153},{"text":"لعمري لئن أنزفتموا أو صحوتموا ... لبئس الندامى أنتم آل أبجرا\nوجماهير العلماء على أن الخمر نجسة العين لما ذكرنا؛ وخالف في ذلك ربيعة والليث، والمزني صاحب الشافعي، وبعض المتأخرين من البغداديين والقرويين؛ كما نقله عنهم القرطبي في تفسيره.\nواستدلوا لطهارة عينها بأن المذكورات معها في الآية من مال ميسر، ومال قمار، وأنصاب، وأزلام ليست نجسة العين، وإن كانت محرمة الاستعمال.\nوأجيب من جهة الجمهور بأن قوله: ﴿رِجْسٌ﴾ يقتضي نجاسة العين في الكل، فما أخرجه إجماع، أو نص خرج بذلك، وما لم يخرجه نص، ولا إجماع لزم الحكم بنجاسته؛ لأن خروج بعض ما تناوله العام بمخصص من المخصصات لا يسقط الاحتجاج به في الباقي، كما هو مقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:\nوهو حجة لدى الأكثر إن ... مخصص له معينًا يبن\nوعلى هذا، فالمسكر الذي عمت البلوي اليوم بالتطيب به المعروف في اللسان الدارجي بالكولانيا نجس لا تجوز الصلاة به، ويؤيده أن قوله تعالى في المسكر: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ يقتضي الاجتناب المطلق الذي لا ينتفع معه بشيء من المسكر، وما معه في الآية بوجه من الوجوه، كما قاله القرطبي وغيره.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: لا يخفى عن منصف أن التضمخ","vol":"2","page":154},{"text":"بالطيب المذكور والتلذذ بريحته، واستطابته، واستحسانه مع أنه مسكر والله يصرح في كتابة بأن الخمر رجس فيه ما فيه، فليس للمسلم أن يتطيب بما يسمع ربه يقول فيه: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، كما هو واضح، ويؤيده أنه - ﷺ - أمر بإراقة الخمر، فلو كانت فيها منفعة أخرى لبينها، كما بين جواز الانتفاع بجلود الميتة، ولما أراقها.\nواعلم أن ما استدل به سعيد بن الحداد القروي على طهارة عين الخمر بأن الصحابة أراقوها في طرق المدينة، ولو كانت نجسة لما فعلوا ذلك، ولنهاهم النبي - ﷺ - عن ذلك، كما نهاهم عن التخلي في الطرق لا دليل له فيه، فإنها لا تعم الطرق، بل يمكن التحرز منها؛ لأن المدينة كانت واسعة، ولم تكن الخمر كثيرة جدًا بحيث تكون نهرًا، أو سيلًا في الطرق يعمها كلها، وإنما أريقت في مواضع يسيرة يمكن التحرز منها. قاله القرطبي وهو ظاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-301> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾</span> هذه الآية الكريمة يفهم من دليل خطابها، أي: مفهوم مخالفتها أنهم إن حلوا من إحرامهم جاز لهم قتل الصيد، وهذا المفهوم مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ يعني إن شئتم كما تقدم إيضاحه في أول هذه السورة الكريمة.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-302> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾</span> الآية. ذهب جمهور العلماء إلى أن معنى هذه الآية الكريمة: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لقتله ذاكرًا لاحرامه. وخالف مجاهد -﵀- الجمهور قائلًا: إن معنى الآية: وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لقتله في حال كونه ناسيًا لإحرامه. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ كما سيأتي","vol":"2","page":155},{"text":"إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون فيها قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وإذا عرفت ذلك فاعلم أن في الآية قرينة واضحة دالة على عدم صحة قول مجاهد ﵀، وهي قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ فإنه يدل على أنه متعمد أمرًا لا يجوز، أما الناسي فهو غير آثم إجماعًا، فلا يناسب أن يقال فيه: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-303> قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ﴾</span> الآية. ظاهر عموم هذه الآية الكريمة يشمل إباحة صيد البحر للمحرم بحج أو عمرة، وهو كذلك، كما بينه تخصيصه تعالى تحريم الصيد على المحرم بصيد البر في قوله: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فإنه يفهم منه أن صيد البحر لا يحرم على المحرم، كما هو ظاهر.\nمسائل تتعلق بالاصطياد في الإحرام أو في الحرم\nالمسألة الأولى: اجمع العلماء على منع صيد البر للمحرم بحج أو عمرة. وهذا الإجماع في مأكول اللحم الوحشي كالظبي والغزال ونحو ذلك، وتحرم عليه الإشارة إلى الصيد والدلالة عليه، لما ثبت في الصحيحين من حديث أبي قتادة ﵁ أنه كان مع قوم من أصحاب رسول الله - ﷺ -، وهو حلال، وهم محرمون، ورسول الله - ﷺ - محرم أمامهم، فأبصروا حمارًا وحشيًا، وأبو قتادة مشغول يخصف نعله فلم يؤذنوه، وأحبوا لو أنه أبصره، فأبصره فأسرج فرسه، ثم ركب، ونسي سوطه ورمحه، فقال لهم: ناولوني","vol":"2","page":156},{"text":"السوط والرمح، فقالوا: والله لا نعينك عليه، فغضب فنزل فأخذهما، فركب فشد على الحمار فعقره ثم جاء به، وقد مات فوقعوا فيه يأكلونه، ثم إنهم شكوا في أكلهم إياه وهم حرم، فأدركوا النبي -  ﷺ  -، فسألوه فقررهم على أكله، وناوله أبو قتادة عضد الحمار الوحشي، فأكل منها -  ﷺ  -، ولمسلم \"هل أشار إليه إنسان أو أمره بشيء، قالوا: لا، قال: فكلوه\".\nوللبخاري: \"هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار إليها قالوا: لا، قال: فكلوا ما بقى من لحمها\" وقد أجمع جميع العلماء على أن ما صاده محرم لا يجوز أكله للمحرم الذي صاده، ولا لمحرم غيره، ولا لحلال غير محرم، لأنه ميتة.\nواختلف العلماء في أكل المحرم مما صاده حلال على ثلاثة أقوال، قيل: لا يجوز له الأكل مطلقًا، وقيل: يجوز مطلقًا، وقيل: بالتفصيل بين ما صاده لأجله، وما صاده لا لأجله فيمنع الأول دون الثاني.\nواحتج أهل القول الأول بحديث مصعب بن جثامة ﵁ \"أنه أهدي إلى رسول الله -  ﷺ  - حمارًا وحشيًا وهو بالأبواء أو بودان فرده عليه، فلما رأى ما في وجهه قال: إنا لم نرده عليك إلا أنا حرم\" متفق عليه، ولأحمد ومسلم \"لحم حمار وحشي\".\nواحتجوا أيضًا بحديث زيد بن أرقم ﵁ \"أن النبي -  ﷺ  - أهدي له عضو من لحم صيد فرده، وقال: إنا لا نأكله، إنا حرم\" أخرجه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.","vol":"2","page":157},{"text":"واحتجوا أيضًا بعموم قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ ويروى هذا القول عن علي، وابن عباس، وابن عمر، والليث، والثوري، وإسحاق، وعائشة، وغيرهم.\nواحتج من قال بجواز أكل المحرم ما صاده الحلال مطلقًا بعموم الأحاديث الواردة بجواز أكل المحرم من صيد الحلال، كحديث طلحة بن عبيد الله عند مسلم، والإمام أحمد \"أنه كان في قوم محرمين فأهدي لهم طير، وطلحة راقد، فمنهم من أكل، ومنهم من تورع فلم يأكل فلما استيقظ طلحة ﵁ وافق من أكله وقال: \"أكلناه مع رسول الله -  ﷺ  -\".\nوكحديث البهزي -واسمه زيد بن كعب- أنه قال للنبي -  ﷺ  - في حمار وحشي عقير في بعض وادي الروحاء، وهو صاحبه: \"شأنكم بهذا الحمار، فأمر -  ﷺ  - أبا بكر فقسمه في الرفاق وهم محرمون\" أخرجه الإمامان مالك في موطئه، وأحمد في مسنده، والنسائي وصححه ابن خزيمة وغيره، كما قاله ابن حجر. وممن قال بإباحته مطلقًا أبو حنيفة وأصحابه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال وأقواها دليلًا هو القول المفصل بين ما صيد لأجل المحرم، فلا يحل له، وبين ما صاده الحلال، لا لأجل المحرم، فإنه يحل له، والدليل على هذا أمران:\nالأول: أن الجمع بين الأدلة واجب متى أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا طريق للجمع إلا هذه الطريق، ومن عدل عنها لا بد أن يلغي نصوصًا صحيحة.","vol":"2","page":158},{"text":"الثاني: أن جابرًا ﵁ روى عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"صيد البر لكم حلال وأنتم حرم، ما لم تصيدوه، أو يصد لكم\"، رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والترمذي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي، والدارقطني.\nوقال الشافعي: هذا أحسن حديث روي في هذا الباب وأقيس.\nفإن قيل: في إسناد هذا الحديث: عمرو بن أبي عمرو مولى المطلب بن عبد الله بن حنطب، عن مولاه المطلب، عن جابر، وعمرو مختلف فيه، قال فيه النسائي: ليس بالقوي في الحديث وإن كان قد روى عنه مالك، وقال الترمذي في مولاه المطلب أيضًا: لا يعرف له سماع من جابر، وقال فيه الترمذي أيضًا في موضع آخر: قال محمد: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله -  ﷺ  -.\nفالجواب أن هذا كله ليس فيه ما يقتضي رد هذا الحديث؛ لأن عمرًا المذكور ثقة، وهو من رجال البخاري ومسلم، وممن روى عنه مالك بن أنس، وكل ذلك يدل على أنه ثقة.\nوقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ثقة ربما وهم، وقال فيه النووي في [شرح المهذب]: أما تضعيف عمرو بن أبي عمرو فغير ثابت؛ لأن البخاري، ومسلمًا رويا له في صحيحيهما، واحتجا به، وهما القدوة في هذا الباب.\nوقد احتج به مالك، وروى عنه وهو القدوة، وقد عرف من","vol":"2","page":159},{"text":"عادته أنه لا يروي في كتابه إلا عن ثقة، وقال أحمد بن حنبل فيه: ليس به بأس، وقال أبو زرعة: هو ثقة، وقال أبو حاتم: لا بأس به.\nوقال ابن عدي: لا بأس به، لأن مالكًا روى عنه، ولا يروي مالك إلا عن صدوق ثقة.\nقلت: وقد عرف أن الجرح لا يثبت إلا مفسرًا، ولم يفسره ابن معين، والنسائي بما يثبت تضعيف عمرو المذكور. وقول الترمذي: إن مولاه المطلب بن عبد الله بن حنطب لا يعرف له سماع من جابر، وقول البخاري للترمذي: لا أعرف له سماعًا من أحد من الصحابة إلا قوله: حدثني من شهد خطبة رسول الله -  ﷺ  -، ليس في شيء من ذلك ما يقتضي رد روايته، لما قدمنا في سورة النساء من أن التحقيق هو الاكتفاء بالمعاصرة، ولا يلزم ثبوت اللقي، وأحرى ثبوت السماع، كما أوضحه الإمام مسلم بن الحجاج -رحمه الله تعالى- في مقدمة صحيحه، بما لا مزيد عليه، مع أن البخاري ذكر في كلامه هذا الذي نقله عن الترمذي أن المطلب مولى عمرو بن أبي عمرو المذكور صرح بالتحديث ممن سمع خطبة رسول الله -  ﷺ  -، وهو تصريح بالسماع من بعض الصحابة بلا شك.\nوقال النووي في [شرح المهذب]: وأما إدراك المطلب لجابر فقال ابن أبي حاتم: وروى عن جابر، قال: ويشبه أن يكون أدركه. هذا هو كلام ابن أبي حاتم، فحصل شك في إدراكه، ومذهب مسلم بن حجاج الذي ادعى في مقدمة صحيحه الإجماع فيه أنه لا يشترط في اتصال الحديث اللقاء، بل يكتفي بإمكانه، والإمكان","vol":"2","page":160},{"text":"حاصل قطعًا، ومذهب علي بن المديني، والبخاري والأكثرين اشتراط ثبوت اللقاء، فعلى مذهب مسلم الحديث متصل، وعلى مذهب الأكثرين يكون مرسلًا لبعض كبار التابعين، وقد سبق أن مرسل التابعي الكبير يحتج به عندنا إذا اعتضد بقول الصحابة، أو قول أكثر العلماء، أو غير ذلك مما سبق، وقد اعتضد هذا الحديث، فقال به من الصحابة ﵃ من سنذكره في فرع مذاهب العلماء اهـ. كلام النووي. فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور على كل التقديرات، على مذاهب الأئمة الأربعة؛ لأن الشافعي منهم هو الذي لا يحتج بالمرسل، وقد عرفت احتجاجه بهذا الحديث على تقدير إرساله.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: نعم يشترط في قبول رواية [المدلس] التصريح بالسماع، والمطلب المذكور مدلس، لكن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة وأحمد -رحمهم الله تعالى- صحة الاحتجاج بالمرسل، ولا سيما إذا اعتضد بغيره كما هنا، وقد علمت من كلام النووي موافقة الشافعية.\nواحتج من قال بأن المرسل حجة بأن العدل لا يحذف الواسطة مع الجزم بنسبة الحديث لمن فوقها إلا وهو جازم بالعدل والثقة فيمن حذفه، حتى قال بعض المالكية: إن المرسل مقدم على المسند؛ لأنه ما حذف الواسطة في المرسل إلا وهو متكفل بالعدالة والثقة فيما حذف، بخلاف المسند، فإنه يحيل الناظر عليه، ولا يتكفل له بالعدالة والثقة، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله في مبحث المرسل:","vol":"2","page":161},{"text":"وهو حجة ولكن رجحا ... عليه مسند وعكس صححا\nومن المعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، فظهرت صحة الاحتجاج بالحديث المذكور عند مالك وأبي حنيفة وأحمد مع أن هذا الحديث له شاهد عند الخطيب وابن عدي من رواية عثمان بن خالد المخزومي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر، كما نقله ابن حجر في التلخيص وغيره، وهو يقويه وإن كان عثمان المذكور ضعيفًا؛ لأن الضعيف يقوي المرسل، كما عرف في علوم الحديث، فالظاهر أن حديث جابر هذا صالح، وأنه نص في محل النزاع، وهو جمع بين هذه الأدلة بعين الجمع الذي ذكرنا أولًا، فاتضح بهذا أن الأحاديث الدالة على منع أكل المحرم مما صاده الحلال كلها محمولة على أنه صاده من أجله، وأن الأحاديث الدالة على إباحة الأكل منه محمولة على أنه لم يصده من أجله، ولو صاده لأجل محرم معين حرم على جميع المحرمين خلافًا لمن قال: لا يحرم إلا على ذلك المحرم المعين الذي صيد من أجله.\nويروى هذا عن عثمان بن عفان ﵁، وهو ظاهر قوله -  ﷺ  -: \"أو يصد لكم\" ويدل للأول ظاهر قوله في حديث أبي قتادة: \"هل منكم أحد أمره أن يحمل عليها، أو أشار لها؟ قالوا: لا، قال: فكلوه\" فمفهومه أن إشارة واحد منهم تحرمه عليهم كلهم، ويدل له أيضًا ما رواه أبو داود عن علي أنه دعي وهو محرم إلى طعام عليه صيد فقال: \"أطعموه حلالًا فإنا حرم\" وهذا مشهور مذهب مالك عن أصحابه مع اختلاف قوله في ذلك.","vol":"2","page":162},{"text":"المسألة الثانية: لا تجوز ذكاة المحرم للصيد بأن يذبحه مثلًا، فإن ذبحه فهو ميتة لا يحل أكله لأحد كائنًا من كان، إذ لا فرق بين قتله بالعقر، وقتله بالذبح، لعموم قوله تعالى: ﴿لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ وبهذا قال مالك وأصحابه كما نقله عنهم القرطبي وغيره، وبه قال الحسن، والقاسم، وسالم، والأوزاعي، وإسحاق وأصحاب الرأي، والشافعي في أحد قوليه، وقال الحكم والثوري، وأبو ثور: لا بأس بأكله، قال ابن المنذر: هو بمنزلة ذبيحة السارق، وقال عمرو بن دينار وأيوب السختياني: يأكله الحلال، وهو أحد قولي الشافعي، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وغيره.\nواحتج أهل هذا القول بأن من أباحت ذكاته غير الصيد أباحت الصيد كالحلال. والظاهر هو ما تقدم من أن ذبح المحرم لا يحل الصيد، ولا يعتبر ذكاة له؛ لأن قتل الصيد حرام عليه، ولأن ذكاته لا تحل له هو أكله إجماعًا، وإذا كان الذبح لا يفيد الحل للذابح فأولى وأحرى ألا يفيد لغيره؛ لأن الفرع تبع للأصل في أحكامه، فلا يصح أن يثبت له ما لا يثبت لأصله، قاله القرطبي، وهو ظاهر.\nالمسألة الثالثة: الحيوان البري ثلاثة أقسام: قسم هو صيد إجماعًا، وهو ما كالغزال من كل وحشي حلال الأكل، فيمنع قتله للمحرم، وإن قتله فعليه الجزاء، وقسم ليس له بصيد إجماعًا، ولا بأس بقتله، وقسم اختلف فيه.\nأما القسم الذي لا بأس بقتله، وليس بصيد إجماعًا فهو الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور، وأما","vol":"2","page":163},{"text":"القسم المختلف فيه: فكالأسد، والنمر، والفهد، والذئب، وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"أمر رسول الله -  ﷺ  - بقتل خمس فواسق في الحل والحرم: الغراب، والحدأة، والعقرب، والفأرة، والكلب العقور\".\nوفي الصحيحين أيضًا عن ابن عمر أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"خمس من الدواب ليس على المحرم في قتلهن جناح\" ثم عد الخمس المذكورة آنفًا، ولا شك أن الحية أولى بالقتل من العقرب.\nوقد أخرج مسلم عن ابن مسعود \"أن النبي -  ﷺ  - أمر محرمًا بقتل حية بمنى\" وعن ابن عمرو سئل: ما يقتل الرجل من الدواب وهو محرم؟ فقال: \"حدثتني إحدى نسوة النبي -  ﷺ  - أنه كان يأمر بقتل الكلب العقور، والفأرة، والعقرب، والحدأة، والغراب، والحية\" رواه مسلم أيضًا، والأحاديث في الباب كثيرة، والجاري على الأصول تقييد الغراب بالأبقع، وهو الذي فيه بياض، لما روى مسلم من حديث عائشة في عد الفواسق الخمس المذكورة، والغراب الأبقع، والمقرر في الأصول حمل المطلق على المقيد، وما أجاب به بعض العلماء من أن روايات الغراب بالإطلاق متفق عليها، فهي أصح من رواية القيد بالأبقع لا ينهض، إذ لا تعارض بين مقيد ومطلق؛ لأن القيد بيان للمراد من المطلق.\nولا عبرة بقول عطاء، ومجاهد بمنع قتل الغراب للمحرم؛ لأنه خلاف النص الصريح الصحيح، وقول عامة أهل العلم، ولا عبرة أيضًا بقول إبراهيم النخعي: إن في قتل الفأرة جزاء لمخالفته أيضًا للنص، وقول عامة العلماء، كما لا عبرة أيضًا بقول","vol":"2","page":164},{"text":"الحكم، وحماد: \"لا يقتل المحرم العقرب، ولا الحية\" ولا شك أن السباع العادية كالأسد، والنمر، والفهد، أولى بالقتل من الكلب؛ لأنها أقوى منه عقرًا، وأشد منه فتكًا.\nواعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالكلب العقور، فروى سعيد بن منصور، عن أبي هريرة بإسناد حسن أنه الأسد. قاله ابن حجر، وعن زيد بن أسلم أنه قال: وأي كلب أعقر من الحية.\nوقال زفر: المراد به هنا الذئب خاصة، وقال مالك في الموطأ: كل ما عقر الناس، وعدا عليهم، وأخافهم، مثل الأسد، والنمر، والفهد، والذئب، فهو عقور، وكذا نقل أبو عبيد عن سفيان، وهو قول الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: المراد بالكلب هنا هو الكلب المتعارف خاصة، ولا يلحق به في هذا الحكم سوى الذئب.\nواحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾ فاشتقها من اسم الكلب، وبقوله -  ﷺ  - في ولد أبي لهب: \"اللهم سلط عليه كلبًا من كلابك، فقتله الأسد\" رواه الحاكم وغيره بإسناد حسن.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: التحقيق أن السباع العادية ليست من الصيد، فيجوز قتلها للمحرم وغيره، في الحرم وغيره، لما تقرر في الأصول من أن العلة تعمم معلولها، لأن قوله: \"العقور\" علة لقتل الكلب، فيعلم منه أن كل حيوان طبعه العقر كذلك، ولذا لم يختلف العلماء في أن قوله -  ﷺ  - في حديث أبي بكرة المتفق عليه:","vol":"2","page":165},{"text":"\"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان\" أن هذه العلة التي هي في ظاهر الحديث الغضب تعمم معلولها، فيمتنع الحكم القاضي بكل مشوش الفكر، مانع من استيفاء النظر في المسائل كائنًا ما كان، غضبًا أو غيره، كجوع وعطش مفرطين، وحزن وسرور مفرطين، وحقن وحقب مفرطين، ونحو ذلك، وإلى هذا أشار في [مراقي السعود] بقوله في مبحث العلة:\nوقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تحرم\nويدل لهذا ما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والإمام أحمد من حديث أبي سعيد الخدري \"أن النبي -  ﷺ  - سئل عما يقتل المحرم فقال: الحية، والعقرب، والفويسقة، ويرمي الغراب ولا يقتله، والكلب العقور، والحدأة، والسبع العادي\" وهذا الحديث حسنه الترمذي.\nوضعف ابن كثير رواية يزيد بن أبي زياد، وقال فيه ابن حجر في التلخيص: فيه يزيد بن أبي زياد، وهو ضعيف، وفيه لفظة منكرة وهي قوله: \"ويرمي الغراب ولا يقتله\" وقال النووي في شرح المهذب: إن صح هذا الخبر حمل قوله هذا على أنه لا يتأكد ندب قتل الغراب كتأكيد قتل الحية وغيرها.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: تضعيف هذا الحديث، ومنع الاحتجاج به متعقب من وجهين:\nالأول: أنه على شرط مسلم؛ لأن يزيد بن أبي زياد من رجال صحيحه، وأخرج له البخاري تعليقًا، ومنع الاحتجاج بحديث على","vol":"2","page":166},{"text":"شرط مسلم لا يخلو من نظر، وقد ذكر مسلم في مقدمة صحيحه أن من أخرج حديثهم في غير الشواهد والمتابعات أقل أحوالهم قبول الرواية، فيزيد بن أبي زياد عند مسلم مقبول الرواية، وإليه الإشارة بقول العراقي في ألفيته:\nفاحتاج أن ينزل في الإسناد ... إلى يزيد بن أبي زياد\nالوجه الثاني: أنا لو فرضنا ضعف هذا الحديث فإنه يقويه ما ثبت من الأحاديث المتفق عليها من جواز قتل الكلب العقور في الإحرام وفي الحرم، والسبع العادي إما أن يدخل في المراد به، أو يلحق به إلحاقًا صحيحًا لا مراء فيه. وما ذكره الإمام أبو حنيفة -﵀- من أن الكلب العقور يلحق به الذئب فقط؛ لأنه أشبه به من غيره لا يظهر؛ لأنه لا شك في أن فتك الأسد والنمر مثلًا أشد من عقر الكلب والذئب، وليس من الواضح أن يباح قتل ضعيف الضرر، ويمنع قتل قويه؛ لأن فيه علة الحكم وزيادة، وهذا النوع من الإلحاق من دلالة اللفظ عند أكثر أهل الأصول، لا من القياس، خلافًا للشافعي وقوم، كما قدمنا في سورة النساء.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: قلت: العجب من أبي حنيفة -﵀- يحمل التراب على البر بعلة الكيل، ولا يحمل السباع العادية على الكلب بعلة الفسق، والعقر، كما فعل مالك، والشافعي، رحمهما الله.\nواعلم أن الصيد عند الشافعي هو مأكول اللحم فقط، فلا شيء عنده في قتل ما لم يؤكل لحمه والصغار منه، والكبار عند سواه إلا المتولد من بين مأكول اللحم، وغير مأكوله، فلا يجوز","vol":"2","page":167},{"text":"اصطياده عنده وإن كان يحرم أكله، كالسمع، وهو المتولد من بين الذئب والضبع. وقال: ليس في الرخمة والخنافس، والقردان والحلم، وما لا يأكل لحمه شيء؛ لأن هذا ليس من الصيد، لقوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا﴾ فدل أن الصيد الذي حرم عليهم هو ما كان حلالًا لهم قبل الإحرام. وهذا هو مذهب الإمام أحمد.\nأما مالك -﵀- فذهب إلى أن كل ما لا يعدو من السباع، كالهر والثعلب، والضبع، وما أشبهها لا يجوز قتله، فإن قتله فداه، قال: وصغار الذئاب لا أرى أن يقتلها المحرم، فإن قتلها فداها، وهي مثل فراخ الغربان.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أما الضبع فليست مثل ما ذكر معها، لورود النص فيها، دون غيرها بأنها صيد يلزم فيه الجزاء، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nولم يجز مالك للمحرم قتل الزنبور، وكذلك النمل والذباب والبراغيث، وقال: إن قتلها محرم يطعم شيئًا، وثبت عن عمر ﵁ إباحة قتل الزنبور؛ وبعض العلماء شبهه بالعقرب، وبعضهم يقول: إذا ابتدأ بالأذى جاز قتله؛ وإلا فلا؛ وأقيسها ما ثبت عن عمر بن الخطاب؛ لأنه مما طبيعته أن يؤذي. وقد قدمنا عن الشافعي، وأحمد، وغيرهم: أنه لا شيء في غير الصيد المأكول؛ وهو ظاهر القرآن العظيم.\nالمسألة الرابعة: أجمع العلماء على أن المحرم إذا صاد الصيد المحرم عليه فعليه جزاؤه؛ كما هو صريح قوله تعالى:","vol":"2","page":168},{"text":"﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾.\nاعلم أولًا أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ أنه متعمد قتله، ذاكر إحرامه، كما هو صريح الآية، وقول عامة العلماء.\nوما فسره به مجاهد: من أن المراد أنه متعمد لقتله ناس لإحرامه مستدلًا بقوله تعالى بعده: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ قال: لو كان ذاكرًا لإحرامه لوجبت عليه العقوبة لأول مرة. وقال: إن كان ذاكرًا لإحرامه فقد بطل حجه، لارتكابه محظور الإحرام غير صحيح، ولا ظاهر لمخالفته ظاهر القرآن بلا دليل، ولأن قوله تعالى: ﴿لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ﴾ يدل على أنه متعمد ارتكاب المحظور، والناسي للإحرام غير متعمد محظورًا.\nإذا علمت ذلك فاعلم أن قاتل الصيد متعمدًا عالمًا بإحرامه عليه الجزاء المذكور في الآية بنص القرآن العظيم، وهو قول عامة العلماء خلافًا لمجاهد، ولم يذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة حكم الناسي والمخطىء.\nوالفرق بينهما: أن الناسي هو من يقصد قتل الصيد ناسيًا إحرامه، والمخطىء هو من يرمي غير الصيد، كما لو رمى غرضًا فيقتل الصيد من غير قصد لقتله.\nولا خلاف بين العلماء أنهما لا أثم عليهما، لقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ الآية. ولما قدمنا في صحيح مسلم \"أن النبي  ﷺ  لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لا","vol":"2","page":169},{"text":"تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ أن الله قال: قد فعلت\".\nأما وجوب الجزاء عليهما فاختلف فيه العلماء:\nفذهب جماعة من العلماء: منهم المالكية، والحنفية، والشافعية إلى وجوب الجزاء في الخطأ والنسيان؛ لدلالة الأدلة على أن غرم المتلفات لا فرق فيه بين العامد، وبين غيره، وقالوا: لا مفهوم لقوله: متعمدًا لأنه جري على الغالب، إذ الغالب ألا يقتل المحرم الصيد إلا عامدًا، وجرى النص على الغالب من موانع اعتبار دليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته، وإليه الإشارة بقول صاحب [مراقي السعود] في موانع اعتبار مفهوم المخالفة:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ لجريه على الغالب، وقال بعض من قال بهذا القول، كالزهري: وجب الجزاء في العمد بالقرآن العظيم، وفي الخطأ والنسيان بالسنة. قال ابن العربي: إن كان يريد بالسنة الآثار التي وردت عن ابن عباس، وعمر فنعما هي، وما أحسنها إسوة.\nواحتج أهل هذا القول بأنه -  ﷺ  - سئل عن الضبع، فقال: \"هي صيد\" وجعل فيها إذا أصابها المحرم كبشًا، ولم يقل: عمدًا ولا خطأ، فدل على العموم. وقال ابن بكير من علماء المالكية: قوله سبحانه: ﴿مُتَعَمِّدًا﴾ لم يرد به التجاوز عن الخطأ، وذكر التعمد لبيان أن الصيد ليس كابن آدم الذي ليس في قتله عمدًا كفارة.","vol":"2","page":170},{"text":"وقال القرطبي في تفسيره: إن هذا القول بوجوب الجزاء على المخطىء والناسي والعامد قاله ابن عباس، وروي عن عمر، وطاوس، والحسن، وإبراهيم، والزهري، وبه قال مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وأصحابهم.\nوذهب بعض العلماء إلى أن الناسي والمخطىء لا جزاء عليهما، وبه قال الطبري، وأحمد بن حنبل، في إحدى الروايتين، وسعيد بن جبير وأبو ثور، وهو مذهب داود. وروي أيضًا عن ابن عباس، وطاوس، كما نقله عنهم القرطبي.\nواحتج أهل هذا القول بأمرين:\nالأول: مفهوم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية، فإنه يدل على أن غير المتعمد ليس كذلك.\nالثاني: أن الأصل براءة الذمة، فمن ادعى شغلها فعليه الدليل.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هذا القول قوي جدًا من جهة النظر والدليل.\nالمسألة الخامسة: إذا صاد المحرم الصيد فأكل منه فعليه جزاء واحد لقتله، وليس في أكله إلا التوبة والاستغفار. وهذا قول جمهور العلماء، وهو ظاهر الآية خلافًا لأبي حنيفة القائل بأن عليه أيضًا جزاء ما أكل، يعني قيمته. قال القرطبي: وخالفه صاحباه في ذلك، ويروى مثل قول أبي حنيفة عن عطاء.\nالمسألة السادسة: إذا قتل المحرم الصيد مرة بعد مرة، حكم","vol":"2","page":171},{"text":"عليه بالجزاء في كل مرة، في قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأبو حنيفة وغيرهم. وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ الآية؛ لأن تكرار القتل يقتضي تكرار الجزاء، وقال بعض العلماء: لا يحكم عليه بالجزاء إلا مرة واحدة؛ فإن عاد لقتله مرة ثانية لم يحكم عليه، وقيل له: ينتقم الله منك؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ﴾ الآية.\nويروى هذا القول عن ابن عباس، وبه قال الحسن، وإبراهيم، ومجاهد، وشريح، كما نقله عنهم القرطبي، وروي عن ابن عباس أيضًا أنه يضرب حتى يموت.\nالمسألة السابعة: إذا دل المحرم حلالا على صيد فقتله، فهل يجب على المحرم جزاء لتسببه في قتل الحلال للصيد بدلالته له عليه أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، فذهب الإمام أحمد، وأبو حنيفة إلى أن المحرم الدال يلزمه جزاؤه كاملًا، ويروى نحو ذلك عن علي، وابن عباس، وعطاء، ومجاهد، وبكر المزني، وإسحاق، ويدل لهذا القول سؤال النبي -  ﷺ  - أصحابه: \"هل أشار أحد منهم إلى أبي قتادة على الحمار الوحشي\"؟ فإن ظاهره أنهم لو دلوه عليه كان بمثابة ما لو صادوه في تحريم الأكل، ويفهم من ذلك لزوم الجزاء، والقاعدة لزوم الضمان للمتسبب إن لم يكن تضمين المباشر، والمباشر هنا لا يمكن تضمينه الصيد؛ لأنه حلال، والدال متسبب. هذا القول هو الأظهر، والذين قالوا به منهم من أطلق الدلالة، ومنهم من اشترط خفاء الصيد بحيث لا يراه دون الدلالة، كأبي حنيفة، وقال الإمام الشافعي وأصحابه: لا شيء على الدال.","vol":"2","page":172},{"text":"وروي عن مالك نحوه، قالوا: لأن الصيد يضمن بقتله، وهو لم يقتله.\nوإذا علم المحرم أن الحلال صاده من أجله فأكل منه، فعليه الجزاء كاملًا عند مالك، كما صرح بذلك في موطئه، وأما إذا دل المحرم محرمًا آخر على الصيد فقتله فقال بعض العلماء: عليهما جزاء واحد بينهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال عطاء، وحماد بن أبي سليمان كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني] وقال بعض العلماء: على كل واحد منهما جزاء كامل، وبه قال الشعبي، وسعيد بن جبير، والحارث العكلي، وأصحاب الرأي، كما نقله عنهم أيضًا صاحب [المغني].\nوقال بعض العلماء: الجزاء كله على المحرم المباشر، وليس على المحرم الدال شيء، وهذا قول الشافعي، ومالك، وهو الجاري على قاعدة تقديم المباشر على المتسبب في الضمان، والمباشر هنا يمكن تضمينه لأنه محرم، وهذا هو الأظهر، وعليه فعلى الدال الاستغفار والتوبة، وبهذا تعرف حكم ما لو دل محرم محرمًا، ثم دل هذا الثاني محرمًا ثالثًا، وهكذا، فقتله الأخير، إذ لا يخفى من الكلام المتقدم أنهم على القول الأول شركاء في جزاء واحد.\nوعلى الثاني على كل واحد منهم جزاء، وعلى الثالث لا شيء إلا على من باشر القتل.\nالمسألة الثامنة: إذا اشترك محرمون في قتل صيد بأن باشروا قتله كلهم، كما إذا حذفوه بالحجارة والعصى حتى مات، فقال","vol":"2","page":173},{"text":"مالك وأبو حنيفة: على كل واحد منهم جزاء كامل، كما لو قتلت جماعة واحدًا، فإنهم يقتلون به جميعًا؛ لأن كل واحد قاتل.\nوكذلك هنا كل واحد قاتل صيدًا فعليه جزاء، وقال الشافعي ومن وافقه: عليهم جزاء واحد، لقضاء عمر وعبد الرحمن. قاله القرطبي، ثم قال أيضًا: وروى الدارقطني أن موالي لابن الزبير أحرموا، فمرت بهم ضبع، فحذفوها بعصيهم فأصابوها، فوقع في أنفسهم، فأتوا ابن عمر فذكروا له ذلك، فقال: عليكم كلكم كبش، قالوا: أو على كل واحد منا كبش، قال: إنكم لمعزز بكم، عليكم كلكم كبش. قال اللغويون: لمعزز بكم، أي: لمشدد عليكم.\nوروي عن ابن عباس في قوم أصابوا ضبعًا، فقال: عليهم كبش يتخارجونه بينهم، ودليلنا قول الله سبحانه: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ وهذا خطاب لكل قاتل، وكل واحد من القاتلين الصيد قاتل نفسًا على التمام والكمال بدليل قتل الجماعة بالواحد، ولولا ذلك ما وجب عليهم القصاص؛ وقد قلنا بوجوبه إجماعًا منا ومنهم، فثبت ما قلناه.\nوقال أبو حنيفة: إذا قتل جماعة صيدًا في الحرم، وهم محلون، فعليهم جزاء واحد، بخلاف ما لو قتله المحرمون في الحل أو الحرم فإن ذلك لا يختلف.\nوقال مالك: على كل واحد منهم جزاء كامل بناء على أن الرجل يكون محرمًا بدخوله الحرم، كما يكون محرمًا بتلبيته بالإحرام، وكل واحد من الفعلين قد أكسبه صفة تعلق بها نهي، فهو هاتك لها في الحالتين.","vol":"2","page":174},{"text":"وحجة أبي حنيفة ما ذكره القاضي أبو زيد الدبوسي قال: السر فيه أن الجناية في الإحرام على العبادة، وقد ارتكب كل واحد منهم محظور إحرامه.\nوإذا قتل المحلون صيدًا في الحرم فإنما أتلفوا دابة محترمة، بمنزلة ما لو أتلف جماعة دابة، فإن كل واحد منهم قاتل دابة، ويشتركون في القيمة. قال ابن العربي: وأبو حنيفة أقوى منا، وهذا الدليل يستهين به علماؤنا، وهو عسير الانفصال علينا. اهـ من القرطبي.\nالمسألة التاسعة: اعلم أن الصيد ينقسم إلى قسمين: قسم له مثل من النعم كبقرة الوحش، وقسم لا مثل له من النعم كالعصافير.\nوجمهور العلماء يعتبرون المثلية بالمماثلة في الصورة والخلقة، وخالف الإمام أبو حنيفة -رحمه الله تعالى- الجمهور، فقال: إن المماثلة معنوية، وهي القيمة، أي: قيمة الصيد في المكان الذي قتله فيه، أو أقرب موضع إليه إن كان لا يباع الصيد في موضع قتله، فيشتري بتلك القيمة هديًا إن شاء، أو يشتري بها طعامًا، ويطعم المساكين، كل مسكين نصف صاع من بر، أو صاعًا من شعير، أو صاعًا من تمر.\nواحتج أبو حنيفة -﵀- بأنه لو كان الشبه من طريق الخلقة والصورة معتبرًا في النعامة بدنة، وفي الحمار بقرة، وفي الظبي شاة لما أوقفه على عدلين يحكمان به؛ لأن ذلك قد علم فلا يحتاج إلى الارتياء والنظر، وإنما يفتقر إلى العدلين والنظر ما تشكل الحال فيه، ويختلف فيه وجه النظر.","vol":"2","page":175},{"text":"ودليل الجمهور على أن المراد بالمثل من النعم المشابهة للصيد في الخلقة والصورة منها قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ الآية، فالمثل يقتضي بظاهره المثل الخلقي الصوري دون المعني، ثم قال: ﴿مِنَ النَّعَمِ﴾ فصرح ببيان جنس المثل، ثم قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وضمير \"بِهِ\" راجع إلى المثل مِنَ النَّعَمِ؛ لأنه لم يتقدم ذكر لسواه حتى يرجع إليه الضمير.\nثم قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ والذي يتصور أن يكون هديًا مثل المقتول من النعم، فأما القيمة فلا يتصور أن تكون هديًا، ولا جرى لها ذكر في نفس الآية، وادعاء أن المراد شراء الهدي بها بعيد من ظاهر الآية، فاتضح أن المراد مثل من النعم.\nوقوله: لو كان الشبه الخلقي معتبرًا لما أوقفه على عدلين.\nأجيب عنه بأن اعتبار العدلين إنما وجب للنظر في حال الصيد من كبر وصغر، ومالا جنس له مما له جنس، وإلحاق ما لم يقع عليه نص بما وقع عليه النص. قاله القرطبي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: المراد بالمثلية في الآية التقريب، وإذًا فنوع المماثلة قد يكون خفيًا لا يطلع عليه إلا أهل المعرفة والفطنة التامة، ككون الشاة مثلًا للحمامة؛ لمشابهتها لها في عب الماء والهدير.\nوإذا عرفت التحقيق في الجزاء بالمثل من النعم فاعلم أن قاتل الصيد مخير بينه، وبين الإطعام، والصيام، كما هو صريح الآية الكريمة؛ لأن \"أَوْ\" حرف تخيير، وقد قال تعالى: ﴿أَوْ كَفَّارَةٌ","vol":"2","page":176},{"text":"طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ وعليه جمهور العلماء.\nفإن اختار جزاء بالمثل من النعم، وجب ذبحه في الحرم خاصة؛ لأنه حق لمساكين الحرم، ولا يجزىء في غيره كما نص عليه تعالى بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ والمراد الحرم كله، كقوله: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾ مع أن المنحر الأكبر مني، وإن اختار الطعام، فقال مالك: أحسن ما سمعت فيه، أنه يقوم الصيد بالطعام، فيطعم كل مسكين مدًا، أو يصوم مكان كل مد يومًا.\nوقال ابن القاسم عنه: إن قوم الصيد بالدراهم، ثم قوم الدراهم بالطعام، أجزأه. والصواب الأول، فإن بقي أقل من مد تصدق به عند بعض العلماء، وتممه مدًا كاملًا عند بعض آخر، أما إذا صام، فإنه يكمل اليوم المنكسر بلا خوف.\nوقال الشافعي: إذا اختار الإطعام، أو الصيام، فلا يقوم الصيد الذي له مثل، وإنما يقوم مثله من النعم بالدراهم، ثم تقوم الدراهم بالطعام، فيطعم كل مسكين مدًا، أو يصوم عن كل مد يومًا، ويتمم المنكسر.\nوالتحقيق أن الخيار لقاتل الصيد الذي هو دافع الجزاء، وقال بعض العلماء: الخيار للعدلين الحكمين، وقال بعضهم: ينبغي للحَكَمَين إذا حكما بالمثل أن يخيرا قاتل الصيد بين الثلاثة المذكورة، وقال بعض العلماء: إذا حكما بالمثل لزمه، والقرآن صريح في أنه لا يلزمه المثل من النعم، إلا إذا اختاره على الإطعام والصوم، للتخيير المنصوص عليه بحرف التخيير في الآية.","vol":"2","page":177},{"text":"وقال بعض العلماء: هي على الترتيب، فالواجب الهدي، فإن لم يجد فالإطعام، فإن لم يجد فالصوم، ويروى هذا عن ابن عباس، والنخعي وغيرهما، ولا يخفى أن في هذا مخالفة لظاهر القرآن، بلا دليل.\nوقال أبو حنيفة: يصوم عن كل مدين يومًا واحدًا اعتبارًا بفدية الأذى، قاله القرطبي.\nواعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة أنه يصوم عدل الطعام المذكور ولو زاد الصيام عن شهرين، أو ثلاثة.\nوقال بعض العلماء: لا يتجاوز صيام الجزاء شهرين؛ لأنهما أعلى الكفارات، واختاره ابن العربي، وله وجه من النظر، ولكن ظاهر الآية يخالفه.\nوقال يحيى بن عمر من المالكية: إنما يقال: كم رجلًا يشبع من هذا الصيد، فيعرف العدد، ثم يقال: كم من الطعام يشبع هذا العدد؟ فإن شاء أخرج ذلك الطعام، وإن شاء صام عدد أمداده، قال القرطبي: وهذا قول حسن احتاط فيه؛ لأنه قد تكون قيمة الصيد من الطعام قليلة، فبهذا النظر يكثر الإطعام.\nواعلم أن الأنواع الثلاثة واحد منها يشترط له الحرم إجماعًا، وهو الهدي كما تقدم، وواحد لا يشترط له الحرم إجماعًا، وهو الصوم، وواحد اختلف فيه، وهو الإطعام، فذهب بعض العلماء إلى أنه لا يطعم إلا في الحرم، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم في موضع إصابة الصيد، وذهب بعضهم إلى أنه يطعم حيث شاء.","vol":"2","page":178},{"text":"وأظهرها أنه حق لمساكين الحرم؛ لأنه بدل عن الهدي، أو نظير له وهو حق لهم إجماعًا، كما صرح به تعالى بقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وأما الصوم فهو عبادة تختص بالصائم لا حق فيها لمخلوق، فله فعلها في أي موضع شاء.\nوأما إن كان الصيد لا مثل له من النعم كالعصافير فإنه يقوم، ثم يعرف قدر قيمته من الطعام، فيخرجه لكل مسكين مد، أو يصوم عن كل مد يومًا.\nفتحصل أن ماله مثل من النعم يخير فيه بين ثلاثة أشياء: هو الهدي بمثله، والإطعام، والصيام، وأن مالا مثل له يخير فيه بين شيئين فقط وهما الإطعام، والصيام على ما ذكرنا.\nواعلم أن المثل من النعم له ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون تقدم فيه حكم من النبي -  ﷺ  -.\nالثانية: أن يكون تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو التابعين مثلًا.\nالثالثة: ألا يكون تقدم فيه حكم منه -  ﷺ  -، ولا منهم ﵃، فالذي حكم -  ﷺ  - فيه لا يجوز لأحد الحكم فيه بغير ذلك، وذلك كالضبع، فإنه -  ﷺ  - قضى فيها بكبش.\nقال ابن حجر في التلخيص ما نصه: حديث \"أن النبي -  ﷺ  - قضى في الضبع بكبش\" أخرجه أصحاب السنن، وابن حبان وأحمد، والحاكم في [المستدرك] من طريق عبد الرحمن بن أبي عمار، عن جابر بلفظ \"سألت النبي -  ﷺ  - عن الضبع فقال: هو صيد،","vol":"2","page":179},{"text":"ويجعل فيه كبش إذا أصابه المحرم\" ولفظ الحاكم \"جعل رسول الله -  ﷺ  - وفي الضبع يصيبه المحرم كبشًا، وجعله من الصيد\" وهو عند ابن ماجه إلا أنه لم يقل نجديًا، قال الترمذي: سألت عنه البخاري فصححه، وكذا صححه عبد الحق.\nوقد أعل بالوقف.\nوقال البيهقي: هو حديث جيد تقوم به الحجة، ورواه البيهقي من طريق الأجلح، عن أبي الزبير، عن جابر عن عمر قال: لا أراه إلا قد رفعه أنه حكم في الضبع بكبش. الحديث، ورواه الشافعي عن مالك، عن أبي الزبير به موقوفًا، وصحح وقفه من هذا الباب الدارقطني، ورواه الدارقطني، والحاكم من طريق إبراهيم الصائغ، عن عطاء، عن جابر قال: قال رسول الله  ﷺ: \"الضبع صيد فإذا أصابه المحرم ففيه كبش مسمن ويؤكل\" وفي الباب عن ابن عباس رواه الدارقطني، والبيهقي من طريق عمرو بن أبي عمر، عن عكرمة، عنه، وقد أعل بالإرسال، ورواه الشافعي من طريق ابن جريج، عن عكرمة مرسلا وقال: لا يثبت مثله لو انفرد، ثم أكده بحديث ابن أبي عمار المتقدم؛ وقال البيهقي: وروي عن ابن عباس موقوفًا أيضًا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: قضاؤه -  ﷺ  - في الضبع بكبش ثابت كما رأيت تصحيح البخاري، وعبد الحق له، وكذلك البيهقي، والشافعي وغيرهم، والحديث إذا ثبت صحيحًا من وجه لا يقدح فيه الإرسال ولا الوقف من طريق أخرى كما هو الصحيح عند المحدثين؛ لأن الوصل والرفع من الزيادات، وزيادة العدل مقبولة","vol":"2","page":180},{"text":"كما هو معروف، وإليه الإشارة بقول صاحب [مراقي السعود]:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبول عند إمام الحفظ .. الخ\nوأما إن تقدم فيه حكم من عدلين من الصحابة، أو ممن بعدهم، فقال بعض العلماء: يتبع حكمهم ولا حاجة إلى نظر عدلين وحكمهما من جديد؛ لأن الله قال: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقد حكما بأن هذا مثل هذا.\nوقال بعض العلماء: لا بد من حكم عدلين من جديد، وممن قال به مالك، قال القرطبي: ولو اجتزأ بحكم الصحابة ﵃ لكان حسنًا.\nوروي عن مالك أيضًا أنه يستأنف الحكم في كل صيد ما عدا حمام مكة، وحمار الوحش، والظبي، والنعامة، فيكتفي فيها بحكم من مضى من السلف.\nوقد روي عن عمر أنه حكم هو وعبد الرحمن بن عوف في ظبي بعنز. أخرجه مالك والبيهقي وغيرهما.\nوروي عن عبد الرحمن بن عوف، وسعد ﵄ أنهما حكما في الظبي بتيس أعفر.\nوعن ابن عباس، وعمر، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، ومعاوية، وابن مسعود، وغيرهم، أنهم قالوا: في النعامة بدنة. أخرجه البيهقي وغيره.\nوعن ابن عباس وغيره أن في حمار الوحش والبقرة بقرة،","vol":"2","page":181},{"text":"وأن في الأيل بقرة.\nوعن جابر أن عمر قضى في الضبع بكبش، وفي الغزال بعنز، وفي الأرنب بعناق، وفي اليربوع بجفرة. أخرجه مالك والبيهقي. وروى الأجلح بن عبد الله هذا الأثر عن جابر عن النبي -  ﷺ  -، وفي الصحيح موقوف على عمر، كما ذكره البيهقي وغيره، وقال البيهقي: وكذلك رواه عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر، عن عمر من قوله.\nوعن ابن عباس أنه قضى في الأرنب بعناق، وقال: هي تمشي على أربع، والعناق كذلك، وهي تأكل الشجر، والعناق كذلك، وهي تجتر، والعناق كذلك. رواه البيهقي.\nوعن ابن مسعود أنه قضى في اليربوع بجفر أو جفرة رواه البيهقي أيضًا، وقال البيهقي: قال أبو عبيد: قال أبو زيد: الجفر من أولاد المعز ما بلغ أربعة أشهر، وفصل عن أمه، وعن شريح أنه قال: لو كان معي حكم حكمت في الثعلب بجدي، وروي عن عطاء أنه قال: في الثعلب شاة، وروي عن عمر وأربد ﵄ أنهما حكما في ضب قتله أربد المذكور بجدي قد جمع الماء والشجر، رواه البيهقي وغيره.\nوعن عثمان بن عفان ﵁ أنه حكم في أم حبين بحُلَّان من الغنم، والحلّان الجدي، رواه البيهقي وغيره.\n\nتنبيه\nأقل ما يكون جزاء من النعم عند مالك شاة تجزىء ضحية،","vol":"2","page":182},{"text":"فلا جزاء عنده بجفرة ولا عناق، مستدلًا بأن جزاء الصيد كالدية لا فرق فيها بين الصغير والكبير، وبأن الله قال: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ فلا بد أن يكون الجزاء يصح هديًا، ففي الضب واليربوع عنده قيمتهما طعامًا.\nقال مقيده عفا الله عنه: قول الجمهور في جزاء الصغير بالصغير، والكبير بالكبير هو الظاهر، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ قال ابن العربي: وهذا صحيح، اختيار علمائنا. يعني مذهب الجمهور الذي هو اعتبار الصغر والكبر والمرض ونحو ذلك كسائر المتلفات.\nالمسألة العاشرة: إذا كانت ما أتلفه المحرم بيضًا فقال مالك: في بيض النعامة عشر ثمن البدنة، وفي بيض الحمامة المكية عشر ثمن شاة. قال ابن القاسم: وسواء كان فيها فرخ أو لم يكن ما لم يستهل الفرخ بعد الكسر، فإن استهل فعليه الجزاء كاملًا كجزاء الكبير من ذلك الطير، قال ابن المواز بحكومة عدلين، وأكثر العلماء يرون في بيض كل طائر قيمته.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهو الأظهر. قال القرطبي: - روى عكرمة، عن ابن عباس، عن كعب بن عجرة أن النبي -  ﷺ  - قضى في بيض نعام أصابه محرم بقدر ثمنه. أخرجه الدارقطني، وروى أبو هريرة قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: في بيضة نعام صيام يوم أو إطعام مسكين. قاله القرطبي. وإن قتل المحرم فيلًا فقيل: فيه بدنة من الهجان العظام التي لها سنامان، وإذا لم يوجد شيء من هذه الإبل فينظر إلى قيمته طعامًا، فيكون عليه ذلك.","vol":"2","page":183},{"text":"قال القرطبي: والعمل فيه أن يجعل الفيل في مركب وينظر إلى منتهى ما ينزل المركب في الماء، ثم يخرج الفيل ويجعل في المركب طعام إلى الحد الذي نزل فيه والفيل فيه، وهذا عدله من الطعام، وأما إن نظر إلى قيمته فهو يكون له ثمن عظيم لأجل عظامه وأنيابه، فيكثر الطعام، وذلك ضرر اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الذي ذكره القرطبي في اعتبار مثل الفيل طعامًا فيه أمران:\nالأول: أنه لا يقدر عليه غالبًا؛ لأن نقل الفيل إلى الماء، وتحصيل المركب، ورفع الفيل فيه، ونزعه منه لا يقدر عليه آحاد الناس غالبًا، ولا ينبغي التكليف العام إلا بما هو مقدور غالبًا لكل واحد.\nوالثاني: أن كثرة القيمة لا تعد ضررًا؛ لأنه لم يجعل عليه إلا قيمة ما أتلف في الإحرام، ومن أتلف في الإحرام حيوانًا عظيمًا لزمه جزاء عظيم، ولا ضرر عليه؛ لأن عظم الجزاء تابع لعظم الجناية كما هو ظاهر.\nالمسألة الحادية عشرة: أجمع العلماء على أن صيد الحرم المكي ممنوع؛ وأن قطع شجره، ونباته حرام إلا الإذخر لقوله -  ﷺ  - يوم فتح مكة: \"إن هذا البلد حرام لا يعضد شوكة، ولا يختلى خلاه، ولا ينفر صيده، ولا تلتقط لقطته إلا لمعرف\" فقال العباس إلا الإذخر، فإنه لا بد لهم منه، فإنه للقيون والبيوت، فقال: \"إلا الإذخر\" متفق عليه من حديث ابن عباس ﵄، وعن أبي هريرة أن النبي -  ﷺ  - لما فتح مكة قال: \"لا ينفر","vol":"2","page":184},{"text":"صيدها، ولا يختلى شوكها، ولا تحل ساقطتها إلا لمنشد، فقال العباس: إلا الإذخر، فإنا نجعله لقبورنا وبيوتنا، فقال رسول الله -  ﷺ  -: إلا الإذخر\" متفق عليه أيضًا، وفي لفظ \"لا يعضد شجرها\" بدل قوله \"لا يختلى شوكها\" والأحاديث في الباب كثيرة.\nواعلم أن شجر الحرم ونباته طرفان وواسطة، طرف لا يجوز قطعه إجماعًا، وهو ما أنبته الله في الحرم من غير تسبب الآدميين، وطرف يجوز قطعه إجماعًا، وهو ما زرعه الآدميون من الزروع، والبقول، والرياحين ونحوها، وطرف اختلف فيه، وهو ما غرسه الآدميون من غير المأكول، والمشموم، كالأثل، والعوسج، فأكثر العلماء على جواز قطعه.\nوقال قوم منهم الشافعي بالمنع، وهو أحوط في الخروج من العهدة، وقال بعض العلماء: إن نبت أولا في الحل، ثم نزع فغرس في الحرم جاز قطعه، وإن نبت أولًا في الحرم فلا يجوز قطعه، ويحرم قطع الشوك والعوسج. قال ابن قدامة في [المغني] وقال القاضي، وأبو الخطاب: لا يحرم، وروي ذلك عن عطاء، ومجاهد، وعمرو بن دينار، والشافعي؛ لأنه يؤذي بطبعه، فأشبه السباع من الحيوان.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: قياس شوك الحرم على سباع الحيوان مردود من وجهين:\nالأول: أن السباع تتعرض لأذى الناس، وتقصده بخلاف الشوك.","vol":"2","page":185},{"text":"الثاني: أنه مخالف لقوله -  ﷺ  -: \"لا يعضد شوكه\" والقياس المخالف للنص فاسد الاعتبار. قال في [مراقي السعود]:\nوالخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى\nوفساد الاعتبار قادح مبطل للدليل، كما تقرر في الأصول. واختلف في قطع اليابس من الشجر، والحشيش، فأجازه بعض العلماء، وهو مذهب الشافعي وأحمد؛ لأنه كالصيد الميت لا شيء على من قده نصفين؛ وهو ظاهر قوله -  ﷺ  -: \"ولا يختلى خلاه\"؛ لأن الخلا هو الرطب من النبات، فيفهم منه أنه لا بأس بقطع اليابس.\nوقال بعض العلماء: لا يجوز قطع اليابس منه، واستدلوا له بأن استثناء الإذخر إشارة إلى تحريم اليابس، وبأن في بعض طرق حديث أبي هريرة: ولا يحتش حشيشها، والحشيش في اللغة: اليابس من العشب، ولا شك أن تركه أحوط.\nواختلف أيضًا في جواز ترك البهائم ترعى فيه، فمنعه أبو حنيفة، وروي نحوه عن مالك، وفيه عن أحمد روايتان، ومذهب الشافعي جوازه، واحتج من منعه بأن ما حرم اتلافه لم يجز أن يرسل عليه ما يتلفه كالصيد، واحتج من أجازه بأمرين:\nالأول: حديث ابن عباس قال: \"أقبلت راكبًا على أتان، فوجدت النبي -  ﷺ  - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار، فدخلت في الصف وأرسلت الأتان ترتع\" متفق عليه، ومنى من الحرم.\nالثاني: أن الهدي كان يدخل الحرم بكثرة في زمن النبي -  ﷺ  -،","vol":"2","page":186},{"text":"وزمن أصحابه، ولم ينقل عن أحد الأمر بسد أفواه الهدي عن الأكل من نبات الحرم، وهذا القول أظهر، والله تعالى أعلم، وممن قال به عطاء.\nواختلف في أخذ الورق، والمساويك من شجر الحرم إذا كان أخذ الورق بغير ضرب يضر بالشجرة، فمنعه بعض العلماء لعموم الأدلة، وأجازه الشافعي، لأنه لا ضرر فيه على الشجرة، وروي عن عطاء، وعمرو بن دينار، أنهما رخصا في ورق السنا للاستمشاء بدون نزع أصله. والأحوط ترك ذلك كله، والظاهر أن من أجازه استدل لذلك بقياسه على الإذخر بجامع الحاجة.\nوقال ابن قدامة في [المغني]: ولا بأس بالانتفاع بما انكسر من الأغصان وانقلع من الشجر بغير فعل آدمي، ولا ما سقط من الورق، نص عليه أحمد، ولا نعلم فيه خلافًا؛ لأن الخبر إنما ورد في القطع، وهذا لم يقع. فأما إن قطعه آدمي فقال أحمد: لم أسمع إذا قطع أنه ينتفع به، وقال في الدوحة تقطع: من شبهه بالصيد لم ينتفع بحطبها، وذلك لأنه ممنوع من اتلافه لحرمة الحرم، فإذا قطعه من يحرم عليه قطعه لم ينتفع به، كالصيد يذبحه المحرم. ويحتمل أن يباح لغير القاطع الانتفاع به، لأنه انقطع بغير فعله، فأبيح له الانتفاع به، كما لو قطعه حيوان بهيمي، ويفارق الصيد الذي ذبحه؛ لأن الذكاة تعتبر لها الأهلية، ولهذا لا تحصل بفعل بهيمة بخلاف هذا. اهـ.\nوقال في المغني أيضًا: ويباح أخذ الكمأة من الحرم، وكذلك","vol":"2","page":187},{"text":"الفقع؛ لأنه لا أصل له، فأشبه الثمرة، وروى حنبل قال: يؤكل من شجر الحرم الضغابيس والعشرق، وما سقط من الشجر، وما أنبت الناس. واختلف في عشب الحرم المكي، هل يجوز أخذه لعلف البهائم؟ والأصح المنع لعموم الأدلة.\nفإذا عرفت هذا فاعلم أن الحلال إذا قتل صيدًا في الحرم المكي فجمهور العلماء منهم الأئمة الأربعة، وعامة فقهاء الأمصار على أن عليه الجزاء، وهو كجزاء المحرم المتقدم، إلا أن أبا حنيفة قال: ليس فيه الصوم؛ لأنه إتلاف محض من غير محرم.\nوخالف في ذلك داود بن علي الظاهري محتجًا بأن الأصل براءة الذمة، ولم يرد في جزاء صيد الحرم نص، فيبقى على الأصل الذي هو براءة الذمة، وقوله هذا قوي جدًا.\nواحتج الجمهور بأن الصحابة ﵃ قضوا في حمام الحرم المكي بشاة شاة، روي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس، ولم ينقل عن غيرهم خلافهم، فيكون إجماعًا سكوتيًا.\nواستدلوا أيضًا بقياسه على صيد المحرم، بجامع أن الكل صيد ممنوع لحق الله تعالى، وهذا الذي ذكرنا عن جمهور العلماء من أن كل ما يضمنه المحرم يضمنه من في الحرم يستثنى منه شيئان:\nالأول: منهما القمل، فإنه مختلف في قتله في الإحرام، وهو مباح في الحرم بلا خوف.","vol":"2","page":188},{"text":"والثاني: الصيد المائي مباح في الإحرام بلا خلاف، واختلف في اصطياده من آبار الحرم وعيونه، وكرهه جابر بن عبد الله، لعموم قوله ﵊: \"لا ينفر صيدها\" فثبتت حرمة الصيد لحرمة المكان، وظاهر النص شمول كل صيد، ولأنه صيد غير مؤذ فأشبه الظباء، وأجازه بعض العلماء محتجًا بأن الإحرام لم يحرمه، فكذلك الحرم، وعن الإمام أحمد روايتان في ذلك بالمنع والجواز.\nوكذلك اختلف العلماء أيضًا في شجر الحرم المكي وخلاه، هل يجب على من قطعها ضمان؟ .\nفقالت جماعة من أهل العلم، منهم مالك، وأبو ثور، وداود: لا ضمان في شجره ونباته، وقال ابن المنذر: لا أجد دليلا أوجب به في شجر الحرم فرضًا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، وأقول كما قال مالك: نستغفر الله تعالى. والذين قالوا بضمانه، منهم الشافعي وأحمد وأبو حنيفة إلا أن أبا حنيفة قال: يضمن كله بالقيمة، وقال الشافعي، وأحمد: يضمن الشجرة الكبيرة ببقرة، والصغيرة بشاة، والخلا بقيمته، والغصن بما نقص، فإن نبت ما قطع منه فقال بعضهم: يسقط الضمان، وقال بعضهم بعدم سقوطه.\nواستدل من قال: في الدوحة بقرة، وفي الشجرة الجزلة شاة بآثار رويت في ذلك عن بعض الصحابة، كعمر، وابن عباس، والدوحة: هي الشجرة الكبيرة، والجزلة: الصغيرة.\nالمسألة الثانية عشرة: حرم المدينة. اعلم أن جماهير العلماء على أن المدينة حرم أيضًا لا ينفر صيدها، ولا يختلى خلاها، وخالف أبو حنيفة الجمهور، فقال: إن حرم المدينة ليس بحرم على","vol":"2","page":189},{"text":"الحقيقة، ولا تثبت له أحكام الحرم من تحريم قتل الصيد، وقطع الشجر، والأحاديث الصحيحة الصريحة ترد هذا القول، وتقضي بأن ما بين لابتي المدينة حرم لا ينفر صيده، ولا يختلي خلاه إلا لعلف، فمن ذلك حديث عبد الله بن زيد بن عاصم \"أن رسول الله -  ﷺ  - قال: إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة كما حرم إبراهيم مكة\" والحديث متفق عليه.\nوعن أبي هريرة ﵁ قال: \"حرم رسول الله -  ﷺ  - ما بين لابتي المدينة، وجعل اثني عشر ميلًا حول المدينة حمى\" متفق عليه أيضًا، وكان أبو هريرة يقول: لو رأيت الظباء ترتع في المدينة ما ذعرتها.\nوعن أبي هريرة أيضًا في المدينة قال: \"سمعت رسول الله -  ﷺ  - يحرم شجرها أن يخبط أو يعضد\" رواه الإمام أحمد، وعن أنس أن النبي -  ﷺ  - أشرف على المدينة، فقال: \"اللهم إني أحرم ما بين جبليها مثل ما حرم إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مدهم وصاعهم\" متفق عليه.\nوللبخاري عنه أن النبي -  ﷺ  - قال: \"المدينة حرام من كذا إلى كذا لا يقطع شجرها، ولا يحدث فيها حدث، من أحدث فيها فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين\" ولمسلم عن عاصم الأحول، قال: \"سألت أنسًا أحرم رسول الله -  ﷺ  - المدينة؟ فقال: نعم، هي حرام لا يختلى خلاها\" الحديث.\nوعن أبي سعيد الخدري ﵁ \"أن رسول الله -  ﷺ  - قال: إني حرمت المدينة، حرام ما بين مأزميها ألا يهراق فيها دم،","vol":"2","page":190},{"text":"ولا يحمل فيها سلاح ولا يخبط فيها شجر إلا لعلف\" رواه مسلم.\nوعن جابر ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إن إبراهيم حرم مكة، وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها لا يقطع عضاهها، ولا يصاد صيدها\" رواه مسلم أيضًا.\nوعن علي ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"المدينة حرم ما بين عير إلى ثور\" الحديث متفق عليه.\nوعن علي ﵁، عن النبي -  ﷺ  - في المدينة \"لا يختلى خلاها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها إلا لمن أشاد بها، ولا يصلح لرجل أن يحمل فيها السلاح لقتال، ولا يصلح أن تقطع فيها شجرة إلا أن يعلف رجل بعيره\" رواه أبو داود بإسناد صحيح، ورواه الإمام أحمد، وعن سعد ابن أبي وقاص ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها\".\nوقال: \"المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، لا يخرج عنها أحد رغبة إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شهيدًا، أو شفيعًا يوم القيامة\"، رواه مسلم.\nوعن رافع بن خديج ﵁ قال: رسول الله -  ﷺ  -: \"إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها\" رواه مسلم أيضًا.\nوعن سهل بن حنيف ﵁ قال: \"أهوى رسول الله -  ﷺ  - بيده إلى المدينة، فقال: حرم إنها آمن\" رواه مسلم في صحيحه أيضًا.","vol":"2","page":191},{"text":"وعن عبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري، عن أبيه أبي سعيد ﵄ \"أنه سمع النبي -  ﷺ  - يقول: إني حرمت ما بين لابتي المدينة، كما حرم إبراهيم مكة\".\nوقال: وكان أبو سعيد الخدري يجد في يد أحدنا الطير، فيأخذه فيفكه من يده، ثم يرسله، رواه مسلم في صحيحه أيضًا، وعن عبد الله بن عبادة الزرقي، أنه كان يصيد العصافير في بئر إهاب، وكانت لهم، قال: فرآني عبادة، وقد أخذت عصفورًا فانتزعه مني فأرسله، وقال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"حرم ما بين لابتيها كما حرم إبراهيم - ﵇ - مكة\" وكان عبادة من أصحاب رسول الله -  ﷺ  -، رواه البيهقي.\nوعن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف ﵁، قال: اصطدت طيرًا بالقنبلة، فجرحت به في يدي فلقيني أبي عبد الرحمن بن عوف، فقال: ما هذا في يدك؟ فقلت: طير اصطدته بالقنبلة، فعرك أذني عركًا شديدًا، وانتزعه من يدي، فأرسله، فقال: \"حرم رسول الله -  ﷺ  - صيد ما بين لابتيها\" رواه البيهقي أيضًا، والقنبلة: آلة يصاد بها النهس وهو طائر.\nوعن أبي أيوب الأنصاري ﵁ \"أنه وجد غلمانًا قد ألجؤوا ثعلبًا إلى زاوية فطردهم عنه. قال مالك: ولا أعلم إلا أنه قال: أفي حرم رسول الله -  ﷺ  - يصنع هذا\" رواه البيهقي أيضًا.\nوعن زيد بن ثابت ﵁ \"أنه وجد رجلًا بالأسواف -وهو موضع بالمدينة- وقد اصطاد نهسًا فأخذه زيد من يده فأرسله، ثم قال: أما علمت أن رسول الله -  ﷺ  - حرم صيد ما بين","vol":"2","page":192},{"text":"لابتيها\" رواه البيهقي، والرجل الذي اصطاد النهس هو شرحبيل بن سعد. والنُهَس -بضم النون وفتح الهاء بعدهما سين مهملة- طير صغير فوق العصفور شبيه بالقنبرة.\nوالأحاديث في الباب كثيرة جدًا، ولا شك في أن النصوص الصحيحة الصريحة التي أوردنا في حرم المدينة لا شك معها، ولا لبس في أنها حرام، لا ينفر صيدها، ولا يقطع شجرها، ولا يختلي خلاها إلا لعلف، وما احتج به بعض أهل العلم على أنها غير حرام من قوله -  ﷺ  - \"ما فعل النغير يا أبا عمير؟ \" لا دليل فيه؛ لأنه محتمل لأن يكون ذلك قبل تحريم المدينة، ومحتمل لأن يكون صيد في الحل، ثم أدخل المدينة.\nوقد استدل به بعض العلماء على جواز إمساك الصيد الذي صيد في الحل وإدخاله المدينة، وما كان محتملًا لهذه الاحتمالات لا تعارض به النصوص الصريحة الصحيحة الكثيرة التي لا لبس فيها ولا احتمال. فإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء القائلين بحرمة المدينة، وهم جمهور علماء الأمة اختلفوا في صيد حرم المدينة هل يضمنه قاتله أو لا؟ وكذلك شجرها، فذهب كثير من العلماء منهم مالك والشافعي في الجديد، وأصحابهما، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، وعليه أكثر أهل العلم إلى أنه موضع يجوز دخوله بغير إحرام، فلم يجب فيه جزاء كصيد وج.\nواستدلوا أيضًا بقوله -  ﷺ  -: \"المدينة حرم ما بين عير وثور، فمن أحدث فيها حدثًا، أو آوى فيها محدثًا فعليه لعنه الله والملائكة والناس أجمعين، لا يقبل الله منه يوم القيامة صرفا ولا عدلًا\" فذكره","vol":"2","page":193},{"text":"-  ﷺ  - لهذا الوعيد الشديد في الآخرة، ولم يذكر كفارة في الدنيا دليل على أنه لا كفارة تجب فيه في الدنيا، وهو ظاهر.\nوقال ابن أبي ذئب، وابن المنذر: يجب في صيد الحرم المدني الجزاء الواجب في صيد الحرم المكي، وهو قول الشافعي في القديم. واستدل أهل هذا القول بأنه -  ﷺ  - صرح في الأحاديث الصحيحة المتقدمة بأنه حرم المدينة مثل تحريم إبراهيم لمكة، ومماثلة تحريمها لتحريمها تقتضي استواءهما في جزاء من انتهك الحرمة فيهما.\nقال القرطبي: قال القاضي عبد الوهاب: وهذا القول أقيس عندي على أصولنا، لاسيما أن المدينة عند أصحابنا أفضل من مكة، وأن الصلاة فيها أفضل من الصلاة في المسجد الحرام اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومذهب الجمهور في تفضيل مكة، وكثرة مضاعفة الصلاة فيها زيادة على المدينة بمائة ضعف أظهر لقيام الدليل عليه، والله تعالى أعلم.\nوذهب بعض من قال بوجوب الجزاء في الحرم المدني إلى أن الجزاء فيه هو أخذ سلب قاتل الصيد، أو قاطع الشجر فيه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول هو أقوى الأقوال دليلا؛ لما رواه مسلم في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ \"أنه ركب إلى قصره بالعقيق فوجد عبدًا يقطع شجرًا، أو يخبطه، فسلبه فلما رجع سعد جاءه أهل العبد فكلموه أن يرد على غلامهم، أو عليهم ما أخذ من غلامهم فقال: معاذ الله أن أرد شيئًا","vol":"2","page":194},{"text":"نفلنيه رسول الله -  ﷺ  -، وأبى أن يرده عليهم\" رواه مسلم في صحيحه، وأحمد. وما ذكره القرطبي في تفسيره ﵀ من أن هذا الحكم خاص بسعد ﵁، مستدلًا بأن قوله: \"نفلنيه\" أي أعطانيه ظاهر في الخصوص به، دون غيره فيه عندي أمران:\nالأول: أن هذا لا يكفي في الدلالة على الخصوص، لأن الأصل استواء الناس في الأحكام الشرعية إلا بدليل، وقوله: \"نفلنيه\" ليس بدليل، لاحتمال أنه نفل كل من وجد قاطع شجر، أو قاتل صيد بالمدينة ثيابه، كما نفل سعدًا. وهذا هو الظاهر.\nالثاني: أن سعدًا نفسه روي عنه تعميم الحكم، وشموله لغيره، فقد روى الإمام أحمد وأبو داود عن سليمان بن أبي عبد الله قال: \"رأيت سعد ابن أبي وقاص أخذ رجلًا يصيد في حرم المدينة الذي حرم رسول الله -  ﷺ  -، فسلبه ثيابه فجاء مواليه، فقال: إن رسول الله -  ﷺ  - حرم هذا الحرم، وقال: من رأيتموه يصيد فيه شيئًا فلكم سلبه، فلا أرد عليكم طعمة أطعمنيها رسول الله -  ﷺ  -، ولكن إن شئتم أن أعطيكم ثمنه أعطيتكم\" وفي لفظ \"من أخذ أحدًا يصيد فيه فليسلبه ثيابه\" وروى هذا الحديث أيضًا الحاكم وصححه، وهو صريح في العموم، وعدم الخصوص بسعد كما ترى، وفيه تفسير المراد بقوله: \"نفلنيه\" وأنه عام لكل من وجد أحدًا يفعل فيها ذلك.\nوتضعيف بعضهم لهذا الحديث بأن في إسناده سليمان بن أبي عبد الله غير مقبول؛ لأن سليمان بن أبي عبد الله مقبول، قال فيه الذهبي: تابعي وثق، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: مقبول.","vol":"2","page":195},{"text":"والمقبول عنده كما بينه في مقدمة تقريبه: هو من ليس له من الحديث إلا القليل، ولم يثبت فيه ما يترك حديثه من أجله، فهو مقبول حيث يتابع، وإلا فلين الحديث، وقال فيه ابن أبي حاتم: ليس بمشهور، ولكن يعتبر بحديثه اهـ.\nوقد تابع سليمان بن أبي عبد الله في هذا الحديث عامر بن سعد عند مسلم وأحمد، ومولى لسعد عند أبي داود كلهم عن سعد ﵁. فاتضح رد تضعيفه مع ما قدمنا من أن الحاكم صححه، وأن الذهبي قال فيه: تابعي موثق.\nوالمراد بسلب قاطع الشجر، أو قاتل الصيد في المدينة أخذ ثيابه. قال بعض العلماء: حتى سراويله.\nوالظاهر ما ذكره بعض أهل العلم من وجوب ترك ما يستر العورة المغلظة، والله تعالى أعلم.\nوقال بعض العلماء: السلب هنا سلب القاتل، وفي مصرف هذا السلب ثلاثة أقوال أصحها: أنه للسالب كالقتيل، ودليله حديث سعد المذكور.\nوالثاني: أنه لفقراء المدينة.\nوالثالث: أنه لبيت المال، والحق الأول.\nوجمهور العلماء على أن حمى رسول الله -  ﷺ  - الذي تقدم في حديث أبي هريرة المتفق عليه أن قدره إثنان عشر ميلًا من جهات المدينة لا يجوز قطع شجره، ولا خلاه، كما رواه جابر بن عبد الله ﵄ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"لا يخبط ولا يعضد","vol":"2","page":196},{"text":"حمى رسول الله -  ﷺ  -، ولكن يهش هشًا رفيقًا\" أخرجه أبو داود والبيهقي، ولم يضعفه أبو داود، والمعروف عن أبي داود ﵀ إنه إن سكت عن الكلام في حديث فأقل درجاته عنده الحسن.\nوقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث جابر المذكور: رواه أبو داود بإسناد غير قوي لكنه لم يضعفه اهـ. ويعتضد هذا الحديث بما رواه البيهقي بإسناده عن محمد بن زياد قال: \"كان جدى مولي لعثمان بن مظعون، وكان يلي أرضًا لعثمان فيها بقل، وقثاء. قال: فربما أتاني عمر بن الخطاب ﵁ نصف النهار، واضعًا ثوبه على رأسه يتعاهد الحمى ألا يعضد شجره، ولا يخبط. قال: فيجلس إلي فيحدثني، وأطعمه من القثاء والبقل، فقال له يومًا: أراك لا تخرج من ها هنا. قال: قلت: أجل. قال: إني أستعملك على ما ها هنا، فمن رأيت يعتضد شجرًا أو يخبط فخذ فأسه، وحبله، قال: قلت: آخذ رداءه، قال: لا\" وعامة العلماء على أن صيد الحمى المذكور غير حرام؛ لأنه ليس بحرم، وإنما هو حمى حماه رسول الله -  ﷺ  - للخيل وإبل الصدقة، والجزية، ونحو ذلك.\nواختلف في شجر الحمى هل يضمنه قاطعه؟ والأكثرون على أنه لا ضمان فيه، وأصح القولين عند الشافعية وجوب الضمان فيه بالقيمة، ولا يسلب قاطعه، وتصرف القيمة في مصرف نعم الزكاة والجزية.\nالمسألة الثالثة عشرة: اعلم أن جماهير العلماء على إباحة صيد وج، وقطع شجره؛ وقال الشافعي رحمه الله تعالى: أكره صيد","vol":"2","page":197},{"text":"وج، وحمله المحققون من أصحابه على كراهة التحريم.\nواختلفوا فيه على القول بحرمته، هل فيه جزاء كحرم المدينة أو لا شيء فيه؟ ولكن يؤدب فاعله، وعليه أكثر الشافعية.\nوحجة من قال بحرمة صيد وج ما رواه أبو داود، وأحمد والبخاري في تاريخه، عن الزبير بن العوام ﵁ \"أن النبي -  ﷺ  - قال: صيد وج محرم\" الحديث.\nقال ابن حجر في [التلخيص]: سكت عليه أبو داود، وحسنه المنذري، وسكت عليه عبد الحق، فتعقبه ابن القطان بما نقل عن البخاري أنه لم يصح، وكذا قال الأزدي.\nوذكر الذهبي أن الشافعي صححه، وذكر الخلال أن أحمد ضعفه، وقال ابن حبان في راويه المنفرد به، وهو محمد بن عبد الله بن إنسان الطائفي: كان يخطىء. ومقتضاه تضعيف الحديث، فإنه ليس له غيره، فإن كان أخطأ فيه فهو ضعيف، وقال العقيلي: لا يتابع إلا من جهة تقاربه في الضعف، وقال النووي في شرح المهذب: إسناده ضعيف.\nوذكر البخاري في تاريخه في ترجمة عبد الله بن إنسان أنه لا يصح.\nوقال ابن حجر في [التقريب] في محمد بن عبد الله بن إنسان الثقفي الطائفي المذكور: لين الحديث، وكذلك أبو عبد الله الذي هو شيخه في هذا الحديث، قال فيه أيضًا: لين الحديث.\nوقال ابن قدامة في المغني في هذا الحديث في صيد","vol":"2","page":198},{"text":"وج: ضعفه أحمد، ذكره الخلال في كتاب [العلل].\nفإذا عرفت هذا ظهر لك أن حجة الجمهور في إباحة صيد وج، وشجرة كون الحديث لم يثبت، والأصل براءة الذمة، ووج -بفتح الواو، وتشديد الجيم- أرض بالطائف. وقال بعض العلماء: هو واد بصحراء الطائف، وليس المراد به نفس بلدة الطائف. وقيل: هو كل أرض الطائف، وقيل: هو اسم لحصون الطائف، وقيل: لواحد منها. وربما التبس وج المذكور بوح -بالحاء المهملة- وهي ناحية نعمان.\nفإذا عرفت حكم صيد المحرم، وحكم صيد مكة، والمدينة، ووج مما ذكرنا فاعلم أن الصيد المحرم إذا كان بعض قوائمه في الحل، وبعضها في الحرم، أو كان على غصن ممتد في الحل، وأصل شجرته في الحرم، فاصطياده حرام على التحقيق تغليبًا لجانب حرمة الحرم فيهما.\nأما إذا كان أصل الشجرة في الحل، وأغصانها ممتدة في الحرم، فاصطاد طيرًا واقعًا على الأغصان الممتدة في الحرم فلا إشكال في أنه مصطاد في الحرم، لكون الطير في هواء الحرم.\nواعلم أن ما ادعاه الحنفية من أن أحاديث تحديد حرم المدينة مضطربة؛ لأنه وقع في بعض الروايات باللابتين، وفي بعضها بالحرتين، وفي بعضها بالجبلين، وفي بعضها بالمأزمين، وفي بعضها عير وثور = غير صحيح، لظهور الجمع بكل وضوح؛ لأن اللابتين هما الحرتان المعروفتان، وهما حجارة سود على جوانب المدينة والجبلان هما المأزمان، وهما عير وثور، والمدينة بين","vol":"2","page":199},{"text":"الحرتين، كما أنها أيضًا بين ثور وعير، كما يشاهده من نظرها، وثور جبل صغير يميل إلى الحمرة بتدوير خلف أحد من جهة الشمال.\nفمن ادعى من العلماء أنه ليس في المدينة جبل يسمى ثورًا فغلط منه؛ لأنه معروف عند الناس إلى اليوم، مع أنه ثبت في الحديث الصحيح.\nواعلم أنه على قراءة الكوفيين: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ﴾ الآية. بتنوين جزاء، ورفع مثل فالأمر واضح، وعلى قراءة الجمهور: ﴿فجزاءُ مثلِ﴾ بالإضافة فأظهر الأقوال أن الإضافة بيانية، أي: جزاء هو مثل ما قتل من النعم، فيرجع معناه إلى الأول، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-304> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾</span> قد يتوهم الجاهل من ظاهر هذه الآية الكريمة عدم وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولكن نفس الآية فيها الإشارة إلى أن ذلك فيما إذا بلغ جهده فلم يقبل منه المأمور، وذلك في قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾؛ لأن من ترك الأمر بالمعروف لم يهتد؛ وممن قال بهذا حذيفة، وسعيد بن المسيب، كما نقله عنهما الألوسي في تفسيره، وابن جرير. ونقله القرطبي عن سعيد بن المسيب، وأبي عبيد القاسم بن سلام، ونقل نحوه ابن جرير عن جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر وابن مسعود.\nفمن العلماء من قال: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ أي: أمرتم فلم يسمع منكم، ومنهم من قال: يدخل الأمر بالمعروف في المراد بالاهتداء","vol":"2","page":200},{"text":"في الآية، وهو ظاهر جدًا، ولا ينبغي العدول عنه لمصنف.\nومما يدل على أن تارك الأمر بالمعروف غير مهتد أن الله تعالى أقسم أنه في خسر في قوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ (٢) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾ فالحق وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، وبعد أداء الواجب لا يضر الآمر ضلال من ضل، وقد دلت الآيات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً والأحاديث على أن الناس إن لم يأمروا بالمعروف، ولم ينهوا عن المنكر عمهم الله بعذاب من عنده.\nفمن ذلك ما خرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين أم الحكم زينب بنت جحش ﵂ \"أن النبي -  ﷺ  - دخل عليها فزعًا مرعوبًا يقول: لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه بإصبعيه الإبهام والتي تليها، فقلت: يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث\".\nوعن النعمان بن بشير ﵄ عن النبي -  ﷺ  - قال: \"مثل القائم في حدود الله، والواقع فيها، كمثل قوم استهموا على سفينة، فصار بعضهم أعلاها، وبعضهم أسفلها، وكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقًا، ولم نؤذ من فوقنا، فإن تركوهم وما أرادوا، هلكوا جميعًا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا، ونجوا جميعًا\" أخرجه البخاري والترمذي.","vol":"2","page":201},{"text":"وعن أبي بكر الصديق ﵁ قال: \"يا أيها الناس إنكم تقرءون هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: إن رأى الناس الظالم فلم يأخذوا على يده أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه\" رواه أبو داود والترمذي والنسائي بأسانيد صحيحة، وعن ابن مسعود ﵁ قال: \"قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إن أول ما دخل النقص على بني إسرائيل أنه كان الرجل يلقى الرجل فيقول: يا هذا اتق الله، ودع ما تصنع، فإنه لا يحل ذلك، ثم يلقاه من الغد وهو على حاله، فلا يمنعه ذلك أن يكون أكيله وشريبه وقعيده، فلما فعلوا ذلك ضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ثم قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠) وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٨١)﴾ ثم قال: كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم، ولتأطرنه على الحق أطرًا، ولتقصرنه على الحق قصرًا، أو ليضربن الله قلوب بعضكم ببعض، ثم ليلعننكم كما لعنهم\".\nرواه أبو داود والترمذي وقال: حسن، وهذا لفظ أبي داود، ولفظ الترمذي قال رسول الله -  ﷺ  -: \"لما وقعت بنو إسرائيل في المعاصي نهتهم علماؤهم فلم ينتهوا، فجالسوهم وواكلوهم وشاربوهم فضرب الله قلوب بعضهم ببعض، ولعنهم على لسان","vol":"2","page":202},{"text":"داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فجلس رسول الله -  ﷺ  - وكان متكئًا، فقال: لا، والذي نفسي بيده حتى يأطروهم على الحق أطرا\".\nومعنى تأطروهم أي: تعطفوهم، ومعنى تقصرونه: تحبسونه.\nوالأحاديث في الباب كثيرة جدًا، وفيها الدلالة الواضحة على أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر داخل في قوله: ﴿إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾ ويؤيده كثرة الآيات الدالة على وجوب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر كقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ وقوله: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقوله: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ وقوله: ﴿أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (١٦٥)﴾ وقوله: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾.\nوالتحقيق في معناها أن المراد بتلك الفتنة التي تعم الظالم وغيره هي أن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه عمهم الله بالعذاب، صالحهم وطالحهم، وبه فسرها جماعة من العلماء، والأحاديث الصحيحة شاهدة لذلك كما قدمنا طرفًا منها.\n\nمسائل تتعلق بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر\nالمسألة الأولى: اعلم أن كلا من الآمر والمأمور يجب عليه","vol":"2","page":203},{"text":"اتباع الحق المأمور به، وقد دلت السنة الصحيحة على \"أن من يأمر بالمعروف، ولا يفعله، وينهي عن المنكر، ويفعله أنه حمار من حمر جهنم يجر أمعاءه فيها\".\nوقد دل القرآن العظيم على أن المأمور المعرض عن التذكرة حمار أيضًا. أما السنة المذكورة فقوله -  ﷺ  -: \"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار، فيقولون: أي فلان ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف، وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف، ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر، وآتيه\"، أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أسامة بن زيد ﵄.\nومعنى تندلق أقتابه: تتدلى أمعاؤه، أعاذنا الله والمسلمين من كل سوء. وعن أنس قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"رأيت ليلة أسرى بي رجالا تقرض شفاههم بمقاريض من نار كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم، وهم يتلون الكتاب، أفلا يعقلون\" أخرجه الإمام أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو نعيم في الحلية، وابن حبان، وابن مردويه والبيهقي، كما نقله عنهم الشوكاني وغيره، وعن ابن عباس ﵄ \"أنه جاءه رجل فقال له: يا ابن عباس إني أريد أن آمر بالمعروف، وأنهى عن المنكر، فقال ابن عباس: أو بلغت ذلك؟ فقال: أرجو، قال: فإن لم تخش أن تفتضح بثلاثة","vol":"2","page":204},{"text":"أحرف في كتاب الله فافعل، قال: وما هي؟ قال: قوله تعالى: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ وقوله تعالى عن العبد الصالح شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ الآية، أخرجه البيهقي في شعب الإيمان، وابن مردويه، وابن عساكر، نقله عنهم أيضًا الشوكاني وغيره.\nواعلم أن التحقيق أن هذا الوعيد الشديد الذي ذكر من اندلاق الأمعاء في النار، وقرض الشفاه بمقاريض النار، ليس على الأمر بالمعروف، وإنما هو على ارتكابه المنكر عالمًا بذلك، ينصح الناس عنه، فالحق أن الأمر بالمعروف غير ساقط عن صالح، ولا طالح، والوعيد على المعصية، لا على الأمر بالمعروف؛ لأنه في حد ذاته ليس فيه إلا الخير، ولقد أجاد من قال:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقال الآخر:\nغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض\nوقال الآخر:\nفإنك إذ ما تأت ما أنت آمر ... به تلف من إياه تأمر آتيا\nوأما الآية الدالة على أن المعرض عن التذكير كالحمار أيضًا فهي قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (٥١)﴾ والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب،","vol":"2","page":205},{"text":"فيجب على المذكر -بالكسر- والمذكر بالفتح- أن يعملا بمقتضى التذكرة، وأن يتحفظا من عدم المبالاة بها، لئلا يكونا حمارين من حمر جهنم.\nالمسألة الثانية: يشترط في الآمر بالمعروف أن يكون له علم يعلم به أن ما يأمر به معروف، وأن ما ينهى عنه منكر؛ لأنه إن كان جاهلًا بذلك فقد يأمر بما ليس بمعروف، وينهي عما ليس بمنكر، ولا سيما في هذا الزمن الذي عم فيه الجهل، وصار فيه الحق منكرًا، والمنكر معروفًا، والله تعالى يقول: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ الآية، فدل على أن الداعي إلى الله لا بد أن يكون على بصيرة، وهي الدليل الواضح الذي لا لبس في الحق معه، وينبغي أن تكون دعوته إلى الله بالحكمة، وحسن الأسلوب، واللطافة مع إيضاح الحق؛ لقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، فإن كانت دعوته إلى الله بقسوة وعنف وخرق، فإنها تضر أكثر مما تنفع، فلا ينبغي أن يسند الأمر بالمعروف إسنادًا مطلقًا، إلا لمن جمع بين العلم والحكمة والصبر على أذى الناس؛ لأن الأمر بالمعروف وظيفة الرسل، وأتباعهم وهو مستلزم للأذى من الناس؛ لأنهم مجبولون بالطبع على معاداة من يتعرض لهم في أهوائهم الفاسدة، وأغراضهم الباطلة، ولذا قال العبد الصالح لقمان الحكيم لولده، فيما قص الله عنه: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ﴾ الآية، ولما قال النبي -  ﷺ  - لورقة بن نوفل: \"أو مخرجي هم؟ \" يعني قريشًا أخبره ورقة \"أن هذا الدين الذي جاء به لم يأت به أحد إلا عودي\" وروي عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ما ترك","vol":"2","page":206},{"text":"الحق لعمر صديقًا. واعلم أنه لا يحكم على الأمر بأنه منكر إلا إذا قام على ذلك دليل من كتاب الله تعالى؛ أو سنة نبيه -  ﷺ  -؛ أو إجماع المسلمين.\nوأما إن كان من مسائل الاجتهاد، فيما لا نص فيه فلا يحكم على أحد المجتهدين المختلفين بأنه مرتكب منكرًا، فالمصيب منهم مأجور بإصابته؛ والمخطىء منهم معذور، كما هو معروف في محله.\nواعلم أن الدعوة إلى الله بطريقين: طريق لين؛ وطريق قسوة؛ أما طريق اللين فهي الدعوة إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة؛ وإيضاح الأدلة في أحسن أسلوب وألطفه، فإن نجحت هذه الطريق فبها ونعمت، وهو المطلوب، وإن لم تنجح تعينت طريق القسوة بالسيف حتى يعبد الله وحده، وتقام حدوده، وتمتثل أوامره، وتجتنب نواهيه، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ الآية.\nففيه الإشارة إلى أعمال السيف بعد إقامة الحجة، فإن لم تنفع الكتب تعينت الكتائب، والله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن.\nالمسألة الثالثة: يشترط في جواز الأمر بالمعروف ألا يؤدي إلى مفسدة أعظم من ذلك المنكر، لإجماع المسلمين على ارتكاب أخف الضررين؛ قال في مراقي السعود:","vol":"2","page":207},{"text":"وارتكب الأخف من ضرين ... وخيرين لدى استوا هذين\nويشترط في وجوبه مظنة النفع به، فإن جزم بعدم الفائدة فيه لم يجب عليه، كما يدل ظاهر قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى (٩)﴾ وقوله -  ﷺ  - \"بل ائتمروا بالمعروف، وتناهوا عن المنكر، حتى إذا رأيت شحًا مطاعًا، وهوى متبعا؛ ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك، ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أيامًا، الصابر فيهن كالقابض على الجمر، للعامل فيهن أجر خمسين رجلًا يعملون مثل عملكم\" وفي لفظ \"قيل: يا رسول الله أجر خمسين رجلًا منا، أو منهم؟ قال: بل أجر خمسين منكم\" أخرجه الترمذي، والحاكم وصححاه وأبو داود، وابن ماجه، وابن جرير، والبغوي في معجمه، وابن أبي حاتم، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الشعب من حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁، وقال الراوي هذا الحديث عنه أبو أمية الشعباني، وقد سأله عن قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾: والله لقد سألت عنها خبيرًا، سألت عنها رسول الله -  ﷺ  - فقال: \"بل ائتمر\" إلى آخر الحديث.\nوهذه الصفات المذكورة في الحديث من الشح المطاع والهوى المتبع الخ مظنة لعدم نفع الأمر بالمعروف، فدل الحديث على أنه إن عدمت فائدته سقط وجوبه.\n\nتنبيه\nالأمر بالمعروف له ثلاث حكم:","vol":"2","page":208},{"text":"الأولى: إقامة حجة الله على خلقه، كما قال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\nالثانية: خروج الآمر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف، كما قال تعالى في صالحي القوم الذين اعتدى بعضهم في السبت: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ فدل على أنه لو لم يخرج من العهدة لكان ملومًا.\nالثالثة: رجاء النفع للمأمور كما قال تعالى: ﴿مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ وقد أوضحنا هذا البحث في كتابنا [دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب] في سورة الأعلى في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى﴾ ويجب على الإنسان أن يأمر أهله بالمعروف كزوجته وأولاده ونحوهم، وينهاهم عن المنكر: لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ الآية، وقوله -  ﷺ  -: \"كلكم راع، وكلكم مسؤول عن رعيته\"، الحديث.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن من أعظم أنواع الأمر بالمعروف كلمة حق عند سلطان جائر، وعن أبي سعيد الخدري ﵁، عن النبي -  ﷺ  -، قال: \"أفضل الجهاد كلمة عدل عند سلطان جائر\" أخرجه أبو داود، والترمذي، وقال: حديث حسن.\nوعن طارق بن شهاب ﵁: \"أن رجلًا سأل النبي -  ﷺ  -، وقد وضع رجله في الغرز: أي الجهاد أفضل؟ قال: كلمة حق عند سلطان جائر\" رواه النسائي بإسناد صحيح، كما قاله النووي ﵀.","vol":"2","page":209},{"text":"واعلم أن الحديث الصحيح قد بين أن أحوال الرعية مع ارتكاب السلطان ما لا ينبغي ثلاث:\nالأولى: أن يقدر على نصحه وأمره بالمعروف، ونهيه عن المنكر من غير أن يحصل منه ضرر أكبر من الأول، فآمره في هذه الحالة مجاهد سالم من الإثم ولو لم ينفع نصحه، ويجب أن يكون نصحه له بالموعظة الحسنة مع اللطف؛ لأن ذلك هو مظنة الفائدة.\nالثانية: ألا يقدر على نصحه لبطشه بمن يأمره، وتأدية نصحه لمنكر أعظم، وفي هذه الحالة يكون الإنكار عليه بالقلوب، وكراهية منكره والسخط عليه، وهذه الحالة هي أضعف الإيمان.\nالثالثة: أن يكون راضيًا بالمنكر الذي يعمله السلطان متابعًا له عليه فهذا شريكه في الإثم، والحديث المذكور هو ما قدمنا في سورة البقرة عن أم المؤمنين أم سلمة هند بنت أبي أمية ﵂ \"أن النبي -  ﷺ  - قال: \"إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون، فمن كره فقد برىء، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع، قالوا: يا رسول الله ألا نقاتلهم؟ قال: لا، ما أقاموا فيكم الصلاة\" أخرجه مسلم في صحيحه.\nفقوله -  ﷺ  -: \"فمن كره\" يعني بقلبه، ولم يستطع إنكارًا بيد ولا لسان فقد برىء من الإثم، وأدى وظيفته، ومن أنكر بحسب طاقته فقد سلم من هذه المعصية، ومن رضي بها وتابع عليها فهو عاص كفاعلها.\nونظيره حديث أبي سعيد الخدري ﵁ عند مسلم،","vol":"2","page":210},{"text":"قال: سمعت رسول الله - ﷺ - قال: \"من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان\".\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ صيغة إغراء، يعني: الزموا حفظها، كما أشار له في [الخلاصة] بقوله:\nوالفعل من أسمائه عليك ... وهكذا دونك مع إليكا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-305> قوله تعالى: ﴿وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (١٠٦)﴾</span>.\nذكر في هذه الآية الكريمة أن كاتم الشهادة آثم، وبين في موضع آخر أن هذا الإثم من الآثام القلبية، وهو قوله: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ ومعلوم أن منشأ الآثام والطاعات جميعًا من القلب؛ لأنه إذا صلح صلح الجسد كله، وإذا فسد فسد الجسد كله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-306> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي﴾</span> معناه إخراجهم من قبورهم أحياء بمشيئة الله وقدرته كما أوضحه بقوله: ﴿وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-307> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرائيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾</span> الآية. لم يذكر هنا كيفية كفه إياهم عنه، ولكنه بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-308> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ﴾</span> الآية، قال بعض","vol":"2","page":211},{"text":"أهل العلم: المراد بالإيحاء إلى الحواريين الإلهام، ويدل له ورود الإيحاء في القرآن بمعنى الإلهام كقوله: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية يعني ألهمها، قال بعض العلماء: ومنه: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ وقال بعض العلماء: معناه: أوحيت إلى الحواريين إيحاء حقيقيًا بواسطة عيسى، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.","vol":"2","page":212},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-309>سورة الأنعام</span>\n•<span data-type=\"title\" id=toc-310> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾</span> في قوله تعالى: ﴿يَعْدِلُونَ (١)﴾ وجهان للعلماء:\nأحدهما: أنه من العدل عن الشيء، بمعنى الانحراف والميل عنه، وعلى هذا فقوله: ﴿بِرَبِّهِمْ﴾ متعلق بقوله: ﴿كَفَرُوا﴾ وعليه فالمعنى: إن الذين كفروا بربهم يميلون وينحرفون عن طريق الحق إلى الكفر والضلال، وقيل على هذا الوجه: إن \"الباء\" بمعنى \"عن\" أي يعدلون عن ربهم، فلا يتوجهون إليه بطاعة، ولا إيمان.\nوالثاني: أن \"الباء\" متعلقة بيعدلون، ومعنى يعدلون يجعلون له نظيرًا في العبادة، من قول العرب: عدلت فلانًا بفلان إذا جعلته له نظيرًا وعديلًا، ومنه قول جرير:\nأثعلبة الفوارس أم رياحا ... عدلت بهم طهية والخشابا\nيعني أجعلت طهية والخشاب نظراء وأمثالًا لبني ثعلبة، وبني رياح، وهذا الوجه الأخير يدل له القرآن، كقوله تعالى عن الكفار الذين عدلوا به غيره: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ وأشار تعالى في آيات كثيرة إلى أن الكفار","vol":"2","page":213},{"text":"ساووا بين المخلوق والخالق -قبحهم الله تعالى- كقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات، وعدل الشيء في اللغة مثله ونظيره، قال بعض علماء العربية: إذا كان من جنسه فهو عدل -بكسر العين- وإذا كان من غير جنسه فهو عدل -بفتح العين- ومن الأول قول مهلهل:\nعلى أن ليس عدلًا من كليب ... إذا برزت مخبأة الخدور\nعلى أن ليس عدلًا من كليب ... إذا اضطرب العضاه من الدبور\nعلى أن ليس عدلًا من كليب ... غداة بلابل الأمر الكبير\nيعني أن القتلى الذين قتلهم من بكر بن وائل بأخيه كليب الذي قتله جساس بن مرة البكري لا يكافئونه، ولا يعادلونه في الشرف.\nومن الثاني قوله تعالى: ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾؛ لأن المراد نظير الإطعام من الصيام، وليس من جنسه، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ وقوله: ﴿وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ والعدل: الفداء؛ لأنه كأنه قيمة معادلة للمفدي تؤخذ بدله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-311> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾</span> الآية. في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه للعلماء من التفسير، وكل واحد منها له مصداق في كتاب الله تعالى:","vol":"2","page":214},{"text":"الأول: أن المعنى وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ، أي: وهو الإله المعبود في السماوات والأرض؛ لأنه جل وعلا هو المعبود وحده بحق في الأرض والسماء، وعلى هذا فجملة \"يَعْلَمُ\" حال، أو خبره، وهذا المعنى يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ أي: وهو المعبود في السماء والأرض بحق، ولا عبرة بعبادة الكافرين غيره؛ لأنها وبال عليهم يخلدون بها في النار الخلود الأبدي، ومعبوداتهم ليست شركاء لله ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾.\nوهذا القول في الآية أظهر الأقوال، واختاره القرطبي.\nالوجه الثاني: أن قوله: ﴿فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بقوله: ﴿يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ أي: وهو الله يعلم سركم في السماوات وفي الأرض؛ ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nقال النحاس: وهذا القول من أحسن ما قيل في الآية. نقله عنه القرطبي.\nالوجه الثالث: وهو اختيار ابن جرير، أن الوقف تام على قوله في: ﴿السَّمَاوَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ﴾ يتعلق بما بعده، أي: يعلم سركم وجهركم في الأرض. ومعنى هذا القول: إنه -جل وعلا- مستو على عرشه فوق جميع خلقه، مع أنه يعلم سر أهل الأرض، وجهركم لا يخفى عليه شيء من ذلك.","vol":"2","page":215},{"text":"ويبين هذا القول ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ الآية، وقوله: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ مع قوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ وسيأتي إن شاء الله تحقيق هذا المقام بإيضاح في سورة الأعراف.\nواعلم أن ما يزعمه الجهميه \"من أن الله تعالى في كل مكان\" مستدلين بهذه الآية على أنه في الأرض ضلال مبين، وجهل بالله تعالى؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة أحقر وأصغر من أن يحل في شيء منها رب السماوات والأرض الذي هو أعظم من كل شيء، وأعلى من كل شيء، محيط بكل شيء ولا يحيط به شيء، فالسماوات والأرض في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل في يد أحدنا، وله المثل الأعلى، فلو كانت حبة خردل في يد رجل فهل يمكن أن يقال: إنه حال فيها، أو في كل جزء من أجزائها، لا وكلا، هي أصغر وأحقر من ذلك، فإذا علمت ذلك فاعلم أن رب السماوات والأرض أكبر من كل شيء، وأعظم من كل شيء \"محيط بكل شيء\" ولا يحيط به شيء، ولا يكون فوقه شيء: ﴿لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾ ﷾ علوًا كبيرًا، لا نحصي ثناءً عليه، وهو كما أثنى على نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ","vol":"2","page":216},{"text":"الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار لو نزل الله عليهم كتابًا مكتوبًا في قرطاس -أي صحيفة- إجابة لما اقترحوه، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ الآية، فعاينوا ذلك الكتاب المنزل، ولمسته أيديهم، لعاندوا، وادعوا أن ذلك من أجل أنه سحرهم، وهذا العناد واللجاج العظيم والمكابرة الذي هو شأن الكفار بينه تعالى في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وذكر تعالى نحو هذا العناد واللجاج عن فرعون وقومه في قوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-312> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ﴾</span> لم يبين هنا ماذا يريدون بإنزال الملك المقترح، ولكنه بين في موضع آخر أنهم يريدون بإنزال الملك أن يكون نذيرًا آخر مع النبي - ﷺ -، وذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-313> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ (٨)﴾</span> يعني","vol":"2","page":217},{"text":"أنه لو نزل عليهم الملائكة وهم على ما هم عليه من الكفر والمعاصي، لجاءهم من الله العذاب من غير إمهال ولا إنظار؛ لأنه حكم بأن الملائكة لا تنزل عليهم إلا بذلك، كما بينه تعالى بقوله: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلائِكَةَ لا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-314> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾</span> أي لو بعثنا إلى البشر رسولًا ملكيا لكان على هيئة الرجل لتمكنهم مخاطبته والانتفاع بالأخذ عنه؛ لأنهم لا يستطيعون النظر إلى الملائكة من شدة النور، ولو كان كذلك لالتبس عليهم الأمر، كما هم يلبسون على أنفسهم في قبول رسالة للرسول البشري.\nوهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسول ينبغي أن يكون من نوع المرسل إليهم، كما أشار تعالى إلى ذلك أيضًا بقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-315> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار استهزءوا برسل قبل نبينا - ﷺ -، وأنهم حاق بهم العذاب بسبب ذلك، ولم يفصل هنا كيفية استهزائهم، ولا كيفية العذاب الذي أهلكوا به، ولكنه فصل كثيرًا من ذلك في مواضع أخر متعددة في ذكر نوح وقومه، وهود وقومه، وصالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وقومه، إلى غير ذلك.","vol":"2","page":218},{"text":"فمن استهزائهم بنوح قولهم له: \"بعد أن كنت نجارًا صرت نبيًّا\" وقد قال الله تعالى عن نوح: ﴿إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ (٣٨)﴾ وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وأمثالها من الآيات.\nومن استهزائهم بهود ما ذكره الله عنهم من قولهم: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ﴾ وقوله عنهم أيضًا: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ الآية. وذكر ما حاق بهم من العذاب في قوله: ﴿أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ الآية وأمثالها من الآيات.\nومن استهزائهم بصالح قولهم فيما ذكر الله عنهم: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقولهم: ﴿يَاصَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا﴾ الآية، وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ ونحوها من الآيات.\nومن استهزائهم بلوط قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية. وقولهم له أيضًا: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾ وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ ونحوها من الآيات.\nومن استهزائهم بشعيب قولهم فيما حكى الله عنهم: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾ وذكر ما حاق بهم بقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ","vol":"2","page":219},{"text":"يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩)﴾ ونحوها من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-316> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ﴾</span> يعني أنه تعالى هو الذي يرزق الخلائق، وهو الغني المطلق فليس بمحتاج إلى رزق. وقد بين تعالى هذا بقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ وقراءة الجمهور على أن الفعلين من الإطعام، والأول مبني للفاعل، والثاني مبني للمفعول، كما بيناه، وأوضحته الآية الأخرى، وقرأ سعيد بن جبير، ومجاهد، والأعمش الفعل الأول كقراءة الجمهور، والثاني بفتح الياء والعين مضارع طعم الثلاثي بكسر العين في الماضي، أي أنه يرزق عباده، ويطعمهم وهو جل وعلا لا يأكل؛ لأنه لا يحتاج إلى ما يحتاج إليه المخلوق من الغذاء؛ لأنه جل وعلا الغني لذاته الغني المطلق، ﷾ علوًا كبيرًا ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.\nوالقراءة التي ذكرنا عن سعيد، ومجاهد، والأعمش موافقة لأحد الأقوال في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الصَّمَدُ (٢)﴾ قال بعض العلماء: ﴿الصَّمَدُ﴾ السيد الذي يلجأ إليه عند الشدائد والحوائج، وقال بعضهم: هو السيد الذي تكامل سؤدده وشرفه وعظمته، وعلمه وحكمته؛ وقال بعضهم: ﴿الصَّمَدُ (٢)﴾ هو الذي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ، وعليه فما بعده تفسير له، وقال بعضهم: هو الباقي بعد فناء خلقه، وقال بعضهم: ﴿الصَّمَدُ (٢)﴾ هو الذي لا جوف له، ولا يأكل الطعام، وهو محل الشاهد، وممن قال بهذا القول ابن مسعود، وابن عباس،","vol":"2","page":220},{"text":"وسعيد بن المسيب؛ ومجاهد، وعبد الله بن بريدة؛ وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعطاء بن أبي رباح، وعطية العوفي، والضحاك؛ والسدي، كما نقله عنهم ابن كثير، وابن جرير وغيرهما.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: من المعروف في كلام العرب، إطلاق الصمد على السيد العظيم، وعلى الشيء المصمت الذي لا جوف له، فمن الأول قول الزبرقان:\nسيروا جميعًا بنصف الليل واعتمدوا ... ولا رهينة إلا سيد صمد\nوقول الآخر:\nعلوته بحسام ثم قلت له ... خذها حذيف فأنت السيد الصمد\nوقول الآخر:\nألا بكر الناعي بخَيْري بني أسد ... بعمرو بن مسعود، وبالسيد الصمد\nومن الثاني قول الشاعر:\nشهاب حروب لا تزال جياده ... عوابس يعلكن الشكيم المصمدا\nفإذا علمت ذلك فالله تعالى هو السيد الذي هو وحده الملجأ عند الشدائد والحاجات، وهو الذي تنزه وتقدس وتعالى عن صفات المخلوقين كأكل الطعام ونحوه، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-317> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾</span> الآية، يعني أول من أسلم من هذه الأمة التي أرسلت إليها، وليس المراد أول من أسلم من جميع الناس، كما بينه تعالى بآيات كثيرة تدل","vol":"2","page":221},{"text":"على وجود المسلمين قبل وجوده - ﷺ -، ووجود أمته، كقوله عن إبراهيم: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١)﴾ وقوله عن يوسف: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ وقوله عن لوط وأهله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-318> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾</span> أشار تعالى بقوله هنا: ﴿فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ بعد قوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ﴾ إلى أن فضله وعطاءه الجزيل لا يقدر أحد على رده عمن أراده له تعالى، كما صرح بذلك في قوله: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-319> قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾</span> صرح في هذه الآية الكريمة بأنه - ﷺ - منذر لكل من بلغه هذا القرآن العظيم كائنًا من كان، ويفهم من الآية أن الإنذار به عام لكل من بلغه، وأن كل من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار، وهو كذلك.\nأما عموم إنذاره لكل من بلغه فقد دلت عليه آيات أخر أيضًا كقوله: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وأما دخول من لم يؤمن به النار فقد صرح به تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾.\nوأما من لم تبلغه دعوة الرسول - ﷺ - فله حكم أهل الفترة الذين لم يأتهم رسول، والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":222},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-320> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾</span> هذه الآية الكريمة تدل على أن الله جل وعلا الذي أحاط علمه بكل موجود ومعدوم، يعلم المعدوم الذي سبق في الأزل أنه لا يكون لو وجد كيف يكون؛ لأنه يعلم أن رد الكفار يوم القيامة إلى الدنيا مرة أخرى لا يكون، ويعلم هذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به لقوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ وهذا المعنى جاء مصرحًا به في آيات أخر، فمن ذلك أنه تعالى سبق في علمه أن المنافقين الذين تخلفوا عن غزوة تبوك لا يخرجون إليها معه - ﷺ - والله ثبطهم عنها لحكمة، كما صرح به في قوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآية، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون، كما صرح به تعالى في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا﴾ الآية ومن الآيات الدالة على المعنى المذكور قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-321> قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾</span> الآية، صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأنه يعلم أن رسوله - ﷺ - يحزنه ما يقوله الكفار من تكذيبه - ﷺ -، وقد نهاه تعالى عن هذا الحزن المفرط في مواضع أخر كقوله: ﴿فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ والباخع: هو المهلك نفسه، ومنه قول غيلان بن عقبة:","vol":"2","page":223},{"text":"ألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر\nوقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ﴾ في الآيتين يراد به النهي عن ذلك، ونظيره: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ﴾ أي لا تهلك نفسك حزنًا عليهم في الأول، ولا تترك بعض ما يوحى إليك في الثاني.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-322> قوله تعالى: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾</span> الآية.\nقال جمهور علماء التفسير: المراد بالموتى في هذه الآية: الكفار، وتدل لذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلا الْأَمْوَاتُ﴾ وقول: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-323> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أنه قادر على تنزيل الآية التي اقترحها الكفار على رسوله، وأشار لحكمة عدم إنزالها بقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (٣٧)﴾ وبين في موضع آخر أن حكمة عدم إنزالها أنها لو أنزلت ولم يؤمنوا بها لنزل بهم العذاب العاجل، كما وقع بقوم صالح لما اقترحوا عليه إخراج ناقة عشراء، وبراء جوفاء، من صخرة صماء، فأخرجها الله لهم منها بقدرته ومشيئته، فعقروها: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ فأهلكهم الله دفعة واحدة بعذاب استئصال، وذلك في قوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفًا (٥٩)﴾ وبين في مواضع أخر أنه لا داعي إلى ما اقترحوا من الآيات؛ لأنه أنزل عليهم آية أعظم من جميع الآيات التي اقترحوها، وتلك لأنه هي القرآن العظيم، وذلك في قوله:","vol":"2","page":224},{"text":"﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ فإنكاره جل وعلا عليهم عدم الاكتفاء بهذا الكتاب عن الآيات المقترحة يدل على أنه أعظم وأفخم من كل آية، وهو كذلك ألا ترى أنه آية واضحة، ومعجزة باهرة، أعجزت جميع أهل الأرض، وهي باقية تتردد في آذان الخلق غضة طرية حتى يأتي أمر الله، بخلاف غيره من معجزات الرسل صلوات الله عليهم وسلامه فإنها كلها مضت وانقضت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-324> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن المشركين إذا أتاهم عذاب من الله، أو أتتهم الساعة أخلصوا الدعاء الذي هو مخ العبادة لله وحده، ونسوا ما كانوا يشركون به؛ لعلمهم أنه لا يكشف الكروب إلا الله وحده جل وعلا، ولم يبين هنا أيضًا إذا كشف عنهم العذاب هل يستمرون على إخلاصهم، أو يرجعون إلى كفرهم وشركهم، ولكنه بين كل ذلك في مواضع أخر، فبين أن العذاب الدنيوي الذي يحملهم على الإخلاص -وهو نزول الكروب التي يخاف من نزلت به الهلاك- كأن يهيج البحر عليهم وتلتطم أمواجه، ويغلب على ظنهم أنهم سيغرقون فيه إن لم يخلصوا الدعاء لله وحده، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا","vol":"2","page":225},{"text":"مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين أنهم إذا كشف عنهم ذلك الكرب رجعوا إلى ما كانوا عليه من الشرك في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْأِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين تعالى أن رجوعهم للشرك بعد أن نجاهم الله من الغرق من شدة جهلهم وعماهم؛ لأنه قادر على أن يهلكهم في البر كقدرته على إهلاكهم في البحر، وقادر على أن يعيدهم في البحر مرة أخرى، ويهلكهم فيه بالغرق، فجرأتهم عليه إذا وصلوا البر لا وجه لها، لأنها من جهلهم وضلالهم، وذلك في قوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-325> قوله تعالى: ﴿وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾</span> نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه - ﷺ - عن طرد ضعفاء المسلمين وفقرائهم الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه، وأمره في آية أخرى أن يصبر نفسه معهم، وأن لا تعدو عيناه عنهم إلى أهل الجاه والمنزلة في الدنيا، ونهاه عن","vol":"2","page":226},{"text":"إطاعة الكفرة في ذلك، وهي قوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨) كما أمره هنا بالسلام عليهم، وبشارتهم برحمة ربهم جل وعلا في قوله: ﴿وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآياتِنَا فَقُلْ سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾ الآية، وبين في آيات أخر أن طرد ضعفاء المسلمين الذي طلبه كفار العرب من نبينا - ﷺ - فنهاه الله عنه طلبه أيضًا قوم نوح من نوح فأبى، كقوله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾ وهذا من تشابه قلوب الكفار المذكور في قوله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-326> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾</span> أجرى الله تعالى الحكمة بأن أكثر أتباع الرسل ضعفاء الناس، ولذلك لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان عن نبينا - ﷺ -: أأشراف الناس يتبعونه، أم ضعفاؤهم؟ فقال: بل ضعفاؤهم. قال: هم أتباع الرسل.\nفإذا عرفت ذلك فاعلم أنه تعالى أشار إلى أن من حكمة ذلك فتنة بعض الناس ببعض، فإن أهل المكانة والشرف والجاه يقولون: لو كان في هذا الدين خير لما سبقنا إليه هؤلاء؛ لأنا أحق منهم بكل خير، كما قال هنا: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية، إنكارًا منهم أن يمن الله على هؤلاء الضعفاء دونهم، زعمًا منهم أنهم أحق بالخير منهم، وقد رد الله","vol":"2","page":227},{"text":"قولهم هنا بقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾.\nوقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ خَيْرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾.\nوالمعنى: أنهم لما رأوا أنفسهم أحسن منازل ومتاعًا من ضعفاء المسلمين اعتقدوا أنهم أولى منهم بكل خير، وأن أتباع الرسول - ﷺ - لو كان خيرًا ما سبقوهم إليه، ورد الله افتراءهم هذا بقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-327> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾</span> الآية.\nأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يخبر الكفار أن تعجيل العذاب عليهم الذي يطلبونه منه - ﷺ - ليس عنده، وإنما هو عند الله إن شاء عجله، وإن شاء أخره عنهم، ثم أمره أن يخبرهم بأنه لو كان عنده لعجله عليهم بقوله: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ بَيْنِي وَبَيْنَكُم﴾ الآية.\nوبين في مواضع أخر أنهم ما حملهم على استعجال العذاب إلا الكفر والتكذيب، وأنهم إن عاينوا ذلك العذاب علموا أنه عظيم هائل لا يستعجل به إلا جاهل مثلهم، كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ أَلا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ","vol":"2","page":228},{"text":"وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾.\nوبين في موضع آخر أنه لولا أن الله حدد لهم أجلًا لا يأتيهم العذاب قبله لعجله عليهم، وهو قوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلا أَجَلٌ مُسَمّىً لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية.\n\nتنبيه\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لَوْ أَنَّ عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، صريح في أنه -  ﷺ  - لو كان بيده تعجيل العذاب عليهم لعجله عليهم، مع أنه ثبت في الصحيحين من حديث عائشة ﵂ \"أن النبي -  ﷺ  - أرسل الله إليه ملك الجبال، وقال له: إن شئت أطبقت عليهم الأخشبين -وهما جبلا مكة اللذان يكتنفانها- فقال -  ﷺ  -: بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله لا يشرك به شيئًا\".\nوالظاهر في الجواب: هو ما أجاب به ابن كثير -﵀- في تفسير هذه الآية، وهو أن هذه الآية دلت على أنه لو كان إليه وقوع العذاب الذي يطلبون تعجيله في وقت طلبهم تعجيلة لعجله عليهم، وأما الحديث فليس فيه أنهم طلبوا تعجيل العذاب في ذلك الوقت، بل عرض عليه الملك إهلاكهم فاختار عدم إهلاكهم، ولا يخفى الفرق بين المتعنت الطالب تعجيل العذاب وبين غيره.","vol":"2","page":229},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-328> قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾</span> الآية، بين تعالى المراد بمفاتح الغيب بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾ فقد أخرج البخاري وأحمد وغيرهما عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - أن المراد بمفاتح الغيب الخمس المذكورة في الآية المذكورة، والمفاتح الخزائن جمع مفتح بفتح الميم، بمعنى المخزن، وقيل: هي المفاتيح جمع مفتح، بكسر الميم، وهو المفتاح، وتدل له قراءة ابن السميقع: \"مفاتيح\" بياء بعد التاء جمع مفتاح، وهذه الآية الكريمة تدل على أن الغيب لا يعلمه إلا الله، وهو كذلك، لأن الخلق لا يعلمون إلا ما علمهم خالقهم جل وعلا.\nوعن عائشة ﵂ قالت: \"من زعم أن رسول الله - ﷺ - يخبر بما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية\" والله يقول: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ أخرجه مسلم، والله تعالى في هذه السورة الكريمة أمره - ﷺ - أن يعلن للناس أنه لا يعلم الغيب، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nولذا رميت عائشة ﵂ بالإفك، لم يعلم، أهي بريئة أم لا؟ حتى أخبره الله تعالى بقوله: ﴿أُولَئِكَ مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾.\nوقد ذبح إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجله للملائكة، ولا علم له بأنهم ملائكة حتى أخبروه، وقالوا له: ﴿إِنَّا","vol":"2","page":230},{"text":"أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ ولما جاءوا لوطًا لم يعلم أيضًا أنهم ملائكة، ولذا: ﴿سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ يخاف عليهم من أن يفعل بهم قومه فاحشتهم المعروفة حتى قالوا له: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾ ولم يعلم خبرهم حتى قال: ﴿إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾ الآيات.\nويعقوب - ﵇ - ابيضت عيناه من الحزن على يوسف وهو في مصر لا يدري خبره حتى أظهر الله خبر يوسف.\nوسليمان - ﵇ - مع أن الله سخر له الشياطين والريح ما كان يدري عن أهل مأرب قوم بلقيس حتى جاءه الهدهد، وقال له: ﴿أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَأٍ بِنَبَأٍ يَقِينٍ (٢٢)﴾ الآيات.\nونوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ما كان يدري أن ابنه الذي غرق ليس من أهله الموعود بنجاتهم حتى قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾ الآية، ولم يعلم حقيقة الأمر حتى أخبره الله بقوله: ﴿يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٤٦)﴾.\nوقد قال تعالى عن نوح في سورة هود: ﴿وَلَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ الآية، والملائكة عليهم الصلاة والسلام لما قال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾.\nفقد ظهر أن أعلم المخلوقات وهم الرسل والملائكة لا يعلمون من الغيب إلا ما علمهم الله تعالى، وهو تعالى يعلم","vol":"2","page":231},{"text":"رسله من غيبه ما شاء، كما أشار له بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾. الآية.\n\nتنبيه\nلما جاء القرآن العظيم بأن الغيب لا يعلمه إلا الله كان جميع الطرق التي يراد بها التوصل إلى شيء من علم الغيب غير الوحي من الضلال المبين، وبعض منها يكون كفرًا.\nولذا ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين يومًا\" ولا خلاف بين العلماء في منع العيافة والكهانة والعرافة، والطرق والزجر، والنجوم، وكل ذلك يدخل في الكهانة؛ لأنها تشتمل جميع أنواع ادعاء الإطلاع على علم الغيب.\nوقد سئل -  ﷺ  - عن الكهان فقال: \"ليسوا بشيء\".\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية ما نصه: فمن قال: إنه ينزل الغيث غدًا، وجزم به فهو كافر أخبر عنه بأمارة ادعاها أم لا، وكذلك من قال: إنه يعلم ما في الرحم فإنه كافر، فإن لم يجزم، وقال: إن النوء ينزل به الماء عادة، وإنه سبب الماء عادة، وإنه سبب الماء على ما قدره وسبق في علمه لم يكفر إلا أنه يستحب له ألا يتكلم به، فإن فيه تشبيهًا بكلمة أهل الكفر وجهلا بلطيف حكمته؛ لأنه ينزل متى شاء مرة بنوء كذا، ومرة دون النوء.\nقال الله تعالى: \"أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر بالكواكب\"","vol":"2","page":232},{"text":"على ما يأتي بيانه في الواقعة إن شاء الله تعالى.\nقال ابن العربي: وكذلك قول الطبيب: إذا كان الثدي الأيمن مسود الحلمة فهو ذكر، وإن كان في الثدي الأيسر فهو أنثى، وإن كانت المرأة تجد الجنب الأيمن أثقل فالولد أنثى، وادعى ذلك عادة، لا واجبًا في الخلقة لم يكفر، ولم يفسق.\nوأما من ادعى الكسب في مستقبل العمر فهو كافر، أو أخبر عن الكوائن المجملة، أو المفصلة في أن تكون قبل أن تكون فلا ريبة في كفره أيضًا، فأما من أخبر عن كسوف الشمس والقمر فقد قال علماؤنا: يؤدب ولا يسجن. أما عدم كفره فلأن جماعة قالوا: إنه أمر يدرك بالحساب وتقدير المنازل، حسبما أخبر الله عنه من قوله: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾.\nوأما أدبهم فلأنهم يدخلون الشك على العامة، إذ لا يدرون الفرق بين هذا وغيره، فيشوشون عقائدهم، ويتركون قواعدهم في اليقين، فأدبوا حتى يستروا ذلك إذا عرفوه ولا يعلنوا به.\nقلت: ومن هذا الباب ما جاء في صحيح مسلم عن بعض أزواج النبي -  ﷺ  - أن النبي -  ﷺ  - قال: \"من أتى عرافًا فسأله عن شيء لم تقبل له صلاة أربعين ليلة\" والعراف: هو الحازي، والمنجم الذي يدعي علم الغيب، وهي العرافة وصاحبها عراف، وهو الذي يستدل على الأمور بأسباب ومقدمات يدعي معرفتها، وقد يعتضد بعض أهل هذا الفن في ذلك بالزجر والطرق والنجوم، وأسباب معتادة في ذلك، وهذا الفن هو العيافة بالياء، وكلها ينطق عليها اسم الكهانة. قاله القاضي عياض.","vol":"2","page":233},{"text":"والكهانة: ادعاء الغيب.\nقال أبو عمر بن عبد البر في [الكافي]: من المكاسب المجتمع على تحريمها الربا، ومهور البغايا، والسحت، والرشا، وأخذ الأجرة على النياحة والغناء، وعلى الكهانة، وادعاء الغيب، وأخبار السماء، وعلى الزمر واللعب والباطل كله. اهـ من القرطبي بلفظه. وقد رأيت تفريقه للعراف والكاهن.\nوقال البغوي: العراف الذي يدعي معرفة الأمور بمقدمات يستدل بها على المسروق، ومكان الضالة ونحو ذلك، وقال أبو العباس بن تيمية: العراف: اسم للكاهن والمنجم والرمال، ونحوهم ممن يتكلم في معرفة الأمور بهذه الطرق.\nوالمراد بالطرق قيل: الخط الذي يدعي به الإطلاع على الغيب، وقيل: إنه الضرب بالحصى الذي يفعله النساء، والزجر هو العيافة، وهي التشاؤم والتيامن بالطير، وادعاء معرفة الأمور من كيفية طيرانها ومواقعها وأسمائها وألوانها وجهاتها التي تطير إليها.\nومنه قول علقمة بن عبدة التميمي:\nومن تعرض للغربان يزجرها ... على سلامته لا بد مشئوم\nوكان أشد العرب عيافة بنو لهب حتى قال فيهم الشاعر:\nخبير بنو لهب فلا تك ملغيا ... مقالة لهبي إذا الطير مرت\nوإليه الإشارة بقول ناظم عمود النسب:\nفي مدلج بن بكر القيافة ... كما للهب كانت العيافة","vol":"2","page":234},{"text":"ولقد صدق من قال:\nلعمرك ما تدري الضوارب بالحصى ... ولا زاجرات الطير ما الله صانع\nووجه تكفير بعض أهل العلم لمن يدعي الإطلاع على الغيب أنه ادعى لنفسه ما استأثر الله به دون خلقه، وكذب القرآن الوارد بذلك، كقوله: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ وقوله هنا: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ ونحو ذلك.\nوعن الشيخ أبي عمران من علماء المالكية أن حلوان الكاهن لا يحل له، ولا يرد لمن أعطاه له، بل يكون للمسلمين، في نظائر نظمها بعض علماء المالكية بقوله:\nوأي مال حرموا أن ينتفع ... موهوبه به ورده منع\nحلوان كاهن وأجرة الغنا ... ونائح ورشوة مهر الزنا\nهكذا قيل. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-329> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾</span> الآية. ذكر في هذه الآية الكريمة أن النوم وفاة، وأشار في موضع آخر إلى أنه وفاة صغرى، وأن صاحبها لم يمت حقيقة، وأنه تعالى يرسل روحه إلى بدنه حتى ينقضي أجله، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٤٢)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-330> قوله تعالى: ﴿وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً﴾</span> لم يبين هنا ماذا","vol":"2","page":235},{"text":"يحفظونه، وبينه في مواضع أخر، فذكر أن ما يحفظونه بدن الإنسان بقوله: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ وذكر أن مما يحفظونه جميع أعماله من خير وشر بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾ وقوله: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-331> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾</span>، نهى الله تعالى نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة عن مجالسة الخائضين في آياته، ولم يبين كيفية خوضهم فيها التي هي سبب منع مجالستهم، ولم يذكر حكم مجالستهم هنا، وبين ذلك كله في موضع آخر، فبين أن خوضهم فيها بالكفر والاستهزاء بقوله: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ﴾ الآية.\nوبين أن من جالسهم في وقت خوضهم فيها مثلهم في الإثم بقوله: ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ وبين حكم من جالسهم ناسيًا، ثم تذكر بقوله هنا: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، كما في سورة النساء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-332> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾</span> الآيات، قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ في المواضع الثلاثة محتمل لأنه كان يظن ذلك، كما روي عن ابن عباس وغيره، ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله، ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار، والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة الثاني.","vol":"2","page":236},{"text":"أما بطلان الأول فالله تعالى نفي كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يومًا ما.\nوأما كونه جازمًا موقنًا بعدم ربوبية غير الله فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ إلى آخره \"بالفاء\" على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ فدل على أنه قال ذلك موقنًا مناظرًا ومحاجًا لهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-333> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾</span> الآية، المراد بالظلم هنا الشرك كما ثبت عن النبي - ﷺ - في صحيح البخاري وغيره من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، وقد بينه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾.\nوقوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-334> قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ﴾</span> الآية.\nقال مجاهد وغيره: هي قوله تعالى: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا","vol":"2","page":237},{"text":"فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية، وقد صدقه الله، وحكم له بالأمن والهداية، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾.\nوالظاهر شمولها لجميع احتجاجاته عليهم، كما في قوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾؛ لأن الأفول الواقع في الكوكب والشمس والقمر أكبر دليل، وأوضح حجة على انتفاء الربوبية عنها، وقد استدل إبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام بالأفول على انتفاء الربوبية في قوله: ﴿لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾ فعدم إدخال هذه الحجة في قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا﴾ غير ظاهر، وبما ذكرنا من شمول الحجة لجميع احتجاجاته المذكورة صدر القرطبي. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-335> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾</span> ذكر تعالى أن هؤلاء الأنبياء المذكورين في هذه السورة لو أشركوا بالله لحبط جميع أعمالهم.\nوصرح في موضع آخر بأنه أوحى هذا إلى نبينا، والأنبياء قبله عليهم كلهم صلوات الله وسلامه، وهو قوله: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ الآية. وهذا شرط، والشرط لا يقتضي جواز الوقوع، كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية، على القول بأن \"إن\" شرطية، وقوله: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-336> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾</span> أي لا أحد أظلم ممن قال: سأنزل مثل مآ أنزل الله، ونظيرها قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى","vol":"2","page":238},{"text":"عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾ وقد بين الله تعالى كذبهم في افترائهم هذا حيث تحدى جميع العرب بسورة واحدة منه، كما ذكره تعالى في البقرة بقوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِّنْ مِثْلِهِ﴾ وفي يونس بقوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ وتحداهم في هود بعشر سور مثله في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ وتحداهم به كله في الطور بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾ ثم صرح في سورة بني إسرائيل بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله في قوله: ﴿لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ فاتضح بطلان دعواهم الكاذبة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-337> قوله تعالى: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾</span> الآية، لم يصرح هنا بالشيء الذي بسطوا إليه الأيدي، ولكنه أشار إلى أنه التعذيب بقوله: ﴿أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الآية، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ وبين في مواضع أخر أنه يراد ببسط اليد التناول بالسوء كقوله: ﴿وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-338> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فردًا في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾","vol":"2","page":239},{"text":"وقوله في هذه الآية: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي منفردين لا مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا خول عندكم، حفاة عراة غرلًا، أي غير مختونين: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضًا: فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان:\nمن وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-339> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن الأنداد التي كانوا يعبدونها في الدنيا تضل عنهم يوم القيامة، وينقطع ما كان بينهم وبينها من الصلاة في الدنيا، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدًا كقوله: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقوله: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ وقوله هنا: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-340> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾</span> أي مظلمًا ساجيًا ليسكن فيه الخلق فيستريحوا من تعب الكد بالنهار، كما بينه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا","vol":"2","page":240},{"text":"إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ يعني الليل ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ يعني بالنهار، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-341> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾</span> الآية. ظاهر هذه الآية الكريمة أن حكمة خلق النجوم هي الاهتداء بها فقط كقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ ولكنه تعالى بين في غير هذا الموضع أن لها حكمتين أخريين غير الاهتداء بها، وهما تزيين السماء الدنيا، ورجم الشياطين بها، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧) لا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَأِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقوله: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-342> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ﴾</span> الآية، لم يبين هنا كيفية إنشائهم من نفس واحدة، ولكنه بين في مواضع أخر أن كيفيتة أنه خلق من تلك النفس الواحدة التي هي آدم زوجها حواء، وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساء كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-343> قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾</span> الآية. أشار في","vol":"2","page":241},{"text":"مواضع أخر: إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية، كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه، وهو كذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-344> قوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾</span> الآية، يعني ليزعموا إن النبي - ﷺ - إنما تعلم هذا القرآن بالدرس والتعليم من غيره من أهل الكتاب، كما زعم كفار مكة أنه - ﷺ - تعلم هذا القرآن من جبر ويسار، وكانا غلامين نصرانيين بمكة، وقد أوضح الله تعالى بطلان افترائهم هذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ ومعنى يُؤْثَرُ: يرويه محمد - ﷺ - عن غيره في زعمهم الباطل؛ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي قوله: ﴿دَرَسْتَ﴾ ثلاث قراءات سبعيات: قرأه ابن كثير، وأبو عمر \"دارسْتَ\" بألف بعد الدال مع إسكان السين وفتح التاء مع المفاعلة، بمعنى: دارست أهل الكتاب ودارسوك حتى حصلت هذا العلم، وقرأه بقية السبعة غير ابن عامر \"درسْتَ\" بإسقاط الألف مع إسكان السين وفتح التاء أيضًا، بمعنى","vol":"2","page":242},{"text":"درست هذا على أهل الكتاب حتى تعلمته منهم، وقرأه ابن عامر \"درست\" بفتح الدال والراء والسين وإسكان التاء على أنها تاء التأنيث، والفاعل ضمير عائد إلى الآيات المذكورة في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ﴾.\nقال القرطبي: وأحسن ما قيل في قراءة ابن عامر أن المعنى: ولئلا يقولوا: انقطعت وانمحت، وليس يأتي محمد - ﷺ - بغيرها. اهـ.\nوقال القرطبي: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الواو للعطف على مضمر أي نصرف الآيات لتقوم الحجة وَلِيَقُولُوا: دَرَسْتَ، وقيل: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ صرفناها.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومعناهما آيل إلى شيء واحد ويشهد له القرآن في آيات كثيرة دالة على أنه يبين الحق واضحًا في هذا الكتاب ليهدي به قومًا، ويجعله حجة على آخرين، كقوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمىً﴾ وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ كما قال هنا: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ وَلِنُبَيِّنَهُ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (١٠٥)﴾ فالأشقياء يقولون: تعلمته من البشر بالدراسة، وأهل العلم- والسعادة يعلمون أنه الحق الذي لا شك فيه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-345> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ﴾</span> الآية، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه جعل لكل نبي","vol":"2","page":243},{"text":"عدوًا، وبين هنا أن أعداء الأنبياء هم شياطين الإنس والجن، وصرح في موضع آخر أن أعداء الأنبياء من المجرمين، وهو قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ﴾ فدل ذلك على أن المراد بالمجرمين شياطين الإنس والجن، وذكر في هذه الآية أن من الإنس شياطين، وصرح بذلك في قوله: ﴿وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية. وقد جاء الخبر بذلك مرفوعًا من حديث أبي ذر عند الإمام أحمد وغيره، والعرب تسمي كل متمرد شيطانًا سواء كان من الجن أو الإنس، كما ذكرنا أو من غيرهما، وفي الحديث \"الكلب الأسود شيطان\". وقوله: شياطين بدل من قوله \"عَدُوًّا\" ومفعول أول لـ \"جَعَلْنَا\" والثاني \"عَدُوًّا\" أي جعلنا شياطين الإنس والجن عدوًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-346> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أن إطاعة أكثر أهل الأرض ضلال، وبين في مواضع أخر أن أكثر أهل الأرض غير مؤمنين، وأن ذلك واقع في الأمم الماضية، كقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-347> قوله تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾</span> الآية. التحقيق أنه فصله لهم بقوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ الآية، ومعنى الآية: أي شيء يمنعكم أن تأكلوا ما ذكيتم، وذكرتم عليه اسم الله، والحال أن الله فصل لكم المحرم","vol":"2","page":244},{"text":"أكله عليكم في قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية، وليس هذا منه.\nوما يزعمه كثير من المفسرين من أنه فصله لهم بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية. فهو غلط؛ لأن قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ من سورة المائدة، وهي من آخر ما نزل من القرآن بالمدينة، وقوله: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ من سورة الأنعام، وهي مكية، فالحق هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-348> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا لِيَمْكُرُوا فِيهَا﴾</span> الآية. ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جعل في كل قرية أكابر المجرمين منها ليمكروا فيها، ولم يبين المراد بالأكابر هنا، ولا كيفية مكرهم، وبين جميع ذلك في مواضع أخر: فبين أن مجرميها الأكابر هم أهل الترف والنعمة في الدنيا بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات وبين أن مكر الأكابر المذكور: هو أمرهم بالكفر بالله تعالى، وجعل الأنداد له بقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ وقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية، وأظهر أوجه الإعراب المذكورة في الآية عندي اثنان:\nأحدهما: أن \"أَكَابِرَ\" مضاف إلى مُجْرِمِيهَا، وهو المفعول الأول لجعل التي بمعنى صير، والمفعول الثاني هو الجار والمجرور،","vol":"2","page":245},{"text":"أعني في كل قرية.\nوالثاني: أن مُجْرِمِيهَا مفعول أول، و\"أَكَابِرَ\" مفعول ثان، أي جعلنا مجرميها أكابرها، والأكابر جمع الأكبر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-349> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾</span> يعنون أنهم لن يؤمنوا حتى تأتيهم الملائكة بالرسالة، كما أتت الرسل، كما بينه تعالى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾ الآية؛ وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-350> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ﴾</span> الآية. جاء عن النبي - ﷺ - أنه سئل عن هذه الآية الكريمة، فقيل: كيف يشرح صدره يا رسول الله؟ - ﷺ - قال: \"نور يقذف فيه، فينشرح له، وينفسح\" قالوا: فهل لذلك من أمارة يعرف بها؟ قال: \"الإنابة إلى دار الخلود، والتجافي عن دار الغرور، والاستعداد للموت قبل لقاء الموت\" ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-351> قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾</span> الآية.\nقال بعض العلماء: المراد بالرسل من الجن نذرهم الذين يسمعون كلام الرسل، فيبلغونه إلى قومهم، ويشهد لهذا أن الله ذكر أنهم منذرون لقومهم في قوله: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ","vol":"2","page":246},{"text":"يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أي من مجموعكم الصادق بخصوص الإنس؛ لأنه لا رسل من الجن، ويستأنس لهذا القول بأن القرآن ربما أطلق فيه المجموع مرادًا بعضه، كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ مع أن العاقر واحد منهم، كما بينه بقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ واعلم أن ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀ وغيره من أجلاء العلماء في تفسير هذه الآية: من أن قوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ يراد به البحر الملح خاصة دون العذب غلط كبير، لا يجوز القول به؛ لأنه مخالف مخالفة صريحة لكلام الله تعالى؛ لأن الله ذكر البحرين الملح والعذب بقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ ثم صرح باستخراج اللؤلؤ والمرجان منهما جميعًا بقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ والحلية المذكورة هي اللؤلؤ والمرجان، فقصره على الملح مناقض للآية صريحًا، كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-352> قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾</span> النفي في هذه الآية الكريمة منصب على الجملة الحالية، والمعنى أنه لا يهلك قومًا في حال غفلتهم، أي عدم إنذارهم، بل لا يهلك أحدًا إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل عليهم صلوات الله وسلامه، كما بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ وقوله: ﴿رُسُلًا","vol":"2","page":247},{"text":"مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-353> قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾</span> بين في موضع آخر: أن تفاضل درجات العاملين في الآخرة أكبر، وأن تفضيلها أعظم من درجات أهل الدنيا، وهو قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-354> قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾</span> الآية.\nاختلف العلماء في المراد بهذا الحق المذكور هنا، وهل هو منسوخ أو لا؟ فقال جماعة من العلماء: هذا الحق هو الزكاة المفروضة، وممن قال بهذا أنس بن مالك، وابن عباس، وطاوس، والحسن، وابن زيد، وابن الحنفية، والضحاك، وسعيد بن المسيب، ومالك. نقله عنهم القرطبي، ونقله ابن كثير عن أنس، وسعيد وغيرهما، ونقله ابن جرير عن ابن عباس، وأنس، والحسن، وجابر بن زيد، وسعيد بن المسيب، وقتادة، وطاوس، ومحمد بن الحنفية، والضحاك، وابن زيد.\nوقال قوم: ليس المراد به الزكاة، وإنما المراد به أن يعطي من حضر من المساكين يوم الحصاد القبضة، والضغث ونحو ذلك، وحمله بعضهم على الوجوب، وحمله بعضهم على الندب. قال القرطبي: وقال علي بن الحسين، وعطاء، والحكم، وحماد، وسعيد بن جبير، ومجاهد: هو حق في المال سوى الزكاة أمر الله به ندبًا، وروي عن ابن عمر، ومحمد بن الحنفية أيضًا، ورواه","vol":"2","page":248},{"text":"أبو سعيد الخدري عنه.\nقال مجاهد: إذا حصدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السنبل، وإذا جذذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته وذريته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته.\nوقال قوم: هو حق واجب غير الزكاة، وهو غير محدد بقدر معين، وممن قال به عطاء كما نقله عنه ابن جرير.\nوقال قوم: هي منسوخة بالزكاة، واختاره ابن جرير، وعزاه الشوكاني في تفسيره لجمهور العلماء، وأيده بأن هذه السورة مكية، وآية الزكاة نزلت بالمدينة في السنة الثانية بعد الهجرة.\nوقال ابن كثير: في القول بالنسخ نظر؛ لأنه قد كان شيئًا واجبًا في الأصل، ثم إنه فصل بيانه، وبين مقدار المخرج وكميته، قالوا: وكان هذا في السنة الثانية من الهجرة. والله أعلم. انتهى من ابن كثير.\nومراده أن شرع الزكاة بيان لهذا الحق لا نسخ له، وممن روى عنه القول بالنسخ ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، والحسن، والنخعي، وطاوس، وأبو الشعثاء، وقتادة، والضحاك، وابن جريج. نقله عنهم الشوكاني والقرطبي أيضًا، ونقله عن السدي، وعطية، ونقله ابن جرير أيضًا عن ابن عباس، وابن الحنفية، وسعيد بن جبير وإبراهيم، والحسن، والسدي، وعطية.\nواستدل ابن جرير للنسخ بالإجماع على أن زكاة الحرث لا تؤخذ إلا بعد التذرية والتنقية، وزكاة التمر لا تؤخذ إلا بعد","vol":"2","page":249},{"text":"الجذاذ، فدل على عدم الأخذ يوم الحصاد، فعلم أن الآية منسوخة، أو أنها على سبيل الندب، فالأمر واضح.\nوعلى أن المراد بها الزكاة فقد أشير إلى أن هذا الحق المذكور هو جزء المال الواجب في النصاب في آيات الزكاة، وهو المذكور في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية، وبينته السنة.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أنه يحتاج هنا إلى بيان ثلاثة أشياء:\nالأول: تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض.\nالثاني: تعيين القدر الذي تجب فيه الزكاة منه.\nالثالث: تعيين القدر الواجب فيه، وسنبينها إن شاء الله مفصلة.\nاعلم أولًا أنه لا خلاف بين العلماء في وجوب الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب.\nواختلف فيما سواها مما تنبته الأرض فقال قوم: لا زكاة في غيرها من جميع ما تنبته الأرض، وروي ذلك عن الحسن، وابن سيرين، والشعبي، وقال به من الكوفيين ابن أبي ليلى، والثوري، والحسن بن صالح، وابن المبارك، ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد.\nوروي ذلك عن أبي موسى، عن النبي -  ﷺ  -، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة؛ والشعير، والتمر، والزبيب. ذكره وكيع عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة،","vol":"2","page":250},{"text":"عن أبيه، كما نقله عنهم القرطبي.\nواستدل أهل هذا القول بما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو أنه قال: إنما سن رسول الله -  ﷺ  - الزكاة في الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، وفي رواية عن أبيه، عن جده، عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"والعشر في التمر، والزبيب والحنطة، والشعير\" وعن موسى بن طلحة عن عمر أنه قال: \"إنما سن رسول الله -  ﷺ  - الزكاة في هذه الأربعة: الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب\".\nوعن أبي بردة عن موسى، ومعاذ \"أن رسول الله -  ﷺ  - بعثهما إلى اليمن يعلمان الناس أمر دينهم، فأمرهم ألا يأخذوا الصدقة إلا من هذه الأربعة، الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب\" رواها كلها الدارقطني. قاله ابن قدامة في المغني.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أما ما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده من أنه -  ﷺ  - إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة فإسناده واه؛ لأنه من رواية محمد بن عبيد الله العزرمي، وهو متروك. قاله ابن حجر في [التلخيص].\nوما رواه الدارقطني من حديث موسى بن طلحة، عن عمر أنه -  ﷺ  - إنما سن الزكاة في الأربعة المذكورة. قال فيه أبو زرعة: موسى عن عمر: مرسل. قاله ابن حجر أيضًا.\nوما عزاه الدارقطني عن أبي بردة، عن أبي موسى، ومعاذ رواه الحاكم والبيهقي عن أبي بردة، عنهما.","vol":"2","page":251},{"text":"وقال البيهقي: رواته ثقات، وهو متصل. قاله ابن حجر أيضًا.\nوقال مالك وأصحابه: تجب الزكاة في كل مقتات مدخر، وذلك عنده في ثمار الأشجار إنما هو التمر والزبيب فقط، ومشهور مذهبه وجوب الزكاة في الزيتون إذا بلغ حبه خمسة أوسق، ولكنها تخرج من زيته بعد العصر، فيخرج عشره، أو نصف عشره على ما سيأتي، فإن لم يبلغ حبه خمسة أوسق فلا زكاة عنده في زيته؛ وحكم السمسم، وبذر الفجل الأحمر والقرطم كحكم الزيتون في مشهور مذهبه، يخرج من زيتها إن بلغ حبها النصاب.\nوقال اللخمي: لا يضم زيت بعضها إلى بعض؛ لاختلاف أجناسها، ومشهور مذهبه عدم وجوبها في التين، وأوجبها فيه جماعة من أصحابه بمقتضى أصوله.\nوقال ابن عبد البر: أظن مالكًا ما كان يعلم أن التين ييبس ويقتات ويدخر، ولو كان يعلم ذلك لجعله كالزبيب، ولما عده مع الفواكه التي لا تيبس، ولا تدخر كالرمان والفرسك. والذي تجب فيه من الحبوب عنده هو ما يقتات ويدخر، وذلك الحنطة والشعير والسلت والعلس والدخن والذرة والأرز والعدس والجلبان واللوبيا والجلجلان والترمس والفول والحمص والبسيلة.\nومشهور مذهبه أن الكرسنة لا زكاة فيها؛ لأنها علف، وعن أشهب وجوب الزكاة فيها، وهي من القطاني على مشهور مذهبه في باب الربا، دون باب الزكاة. وقيل هي البسيلة.","vol":"2","page":252},{"text":"وجميع أنواع القطاني عند مالك جنس واحد في الزكاة؛ فلو حصد وسقا من فول ووسقًا من حمص، وآخر من عدس، وآخر من جلبان، وآخر من لوبيا وجب عليه أن يضم بعضها إلى بعض، ويخرج الزكاة منها كل واحد بحسبه، وكذلك يضم عنده القمح والشعير والسلت بعضها إلى بعض كالصنف الواحد، وتخرج الزكاة منها كل بحسبه، ولا يضم عنده تمر إلى زبيب، ولا حنطة إلى قطنية، ولا تمر إلى حنطة، ولا أي جنس إلى جنس آخر غير ما ذكرنا عنه ضمه لتقارب المنفعة فيه عنده، والنوع واحد كالثمرة والزبيب، والحنطة يضم بعض أنواعه إلى بعض كصيحاني وبرني وسمراء ومحمولة وزبيب أسود وزبيب أحمر ونحو ذلك.\nولا زكاة عند مالك ﵀ في شيء من الفواكه غير ما ذكرنا، كالرمان، والتفاح، والخوخ، والإجاص، والكمثري، واللوز، والجوز، والجلوز، ونحو ذلك، كما لا زكاة عنده في شيء من الخضروات.\nقال في الموطأ: السنة التي لا اختلاف فيها عندنا، والذي سمعت من أهل العلم أنه ليس في شيء من الفواكه كلها صدقة، الرمان والفرسك والتين وما أشبه ذلك، وما لم يشبهه إذا كان من الفواكه.\nقال: ولا في القصب، ولا في البقول كلها صدقة، ولا في أثمانها إذا بيعت صدقة حتى يحول على أثمانها الحول من يوم بيعها، ويقبض صاحبها ثمنها وهو نصاب اهـ.\nوالفرسك -بكسر الفاء والسين بينها راء ساكنة آخره كاف-","vol":"2","page":253},{"text":"الخوخ، وهي لغة يمانية، وقيل: نوع مثله في القدر، وهو أجرد أملس أحمر، وأصفر جيد، وقيل: ما ليس ينفلق عن نواة من الخوخ.\nوإذا كان الزرع أو الثمر مشتركًا بين اثنين فأكثر، فقد قال فيه مالك في الموطأ في النخيل يكون بين الرجلين فيجذان منه ثمانية أوسق، من التمر: أنه لا صدقة عليهما فيها، وأنه إن كان لأحدهما منها ما يجذ منه خمسة أوسق، وللآخر ما يجذ أربعة أوسق، أو أقل من ذلك في أرض واحدة كانت الصدقة على صاحب الخمسة الأوسق، وليس على الذي جذ أربعة أوسق، أو أقل منها صدقة، وكذلك العمل في الشركاء كلهم في كل زرع من الحبوب كلها يحصد، أو النخل يجذ، أو الكرم يقطف، فإنه إذا كان كل رجل منهم يجذ من التمر، أو يقطف من الزبيب خمسة أوسق، أو يحصد من الحنطة خمسة أوسق فعليه الزكاة، ومن كان حقه أقل من خمسة أوسق فلا صدقة عليه.\nوإنما تجب الصدقة على من بلغ جذاذه أو قطافه أو حصاده خمسة أوسق. انتهى من موطأ من مالك ﵀.\nوإذا أمسك ذلك الحب أو التمر الذي أخرج زكاته سنين، ثم باعه فحكمه عند مالك ما ذكره في موطئه حيث قال: السنة عندنا أن كل ما أخرجت زكاته من هذه الأصناف كلها الحنطة والتمر والزبيب والحبوب كلها، ثم أمسكه صاحبه بعد أن أدى صدقته سنين ثم باعه، أنه ليس عليه في ثمنه زكاة حتى يحول على ثمنه الحول من يوم باعه إذا كان أصل تلك الأصناف من فائدة أو","vol":"2","page":254},{"text":"غيرها، وأنه لم يكن للتجارة، وإنما ذلك بمنزلة الطعام والحبوب والعروض يفيدها الرجل، ثم يمسكها سنين، ثم يبيعها بذهب أو ورق فلا يكون عليه في ثمنها زكاة حتى يحول عليها الحول من يوم باعها، فإن كان أصل تلك العروض للتجارة فعلى صاحبها فيها الزكاة حين يبيعها إذا كان حبسها سنة من يوم زكى المال الذي ابتاعها به. انتهى من الموطأ. وهذا في المحتكر، أما المدير فإنه يقومها بعد حول من زكاته. كما في المدونة عن ابن القاسم.\nهذا هو حاصل مذهب مالك ﵀ فيما تجب فيه الزكاة من الثمار والحبوب.\nومذهب الشافعي ﵀ أنه لا تجب الزكاة في شيء من ثمار الأشجار أيضًا إلا فيما كان قوتًا يدخر، وذلك عنده التمر والزبيب فقط، كما تقدم عن مالك، ولا تجب عنده في سواهما من الثمار كالتين والتفاح والسفرجل والرمان، ونحو ذلك؛ لأنه ليس من الأقوات ولا من الأموال المدخرة، ولا تجب عنده في طلع الفحال؛ لأنه لا يجيء منه الثمار.\nواختلف قوله في الزيتون، فقال في القديم: تجب فيه الزكاة لما روي عن عمر ﵁ أنه جعل في الزيت العشر، وعن ابن عباس ﵄ أنه قال: في الزيتون الزكاة، وقال في الجديد: لا زكاة في الزيتون؛ لأنه ليس بقوت فهو كالخضراوات.\nواختلف قول الشافعي ﵀ أيضًا في الورس، فقال في القديم: تجب فيه الزكاة، لما روي أن أبا بكر الصديق رضي الله","vol":"2","page":255},{"text":"عنه كتب إلى بني خفاش: أن أدوا زكاة الذرة والورس، وقال في الجديد: لا زكاة فيه؛ لأنه نبت لا يقتات، فأشبه الخضراوات، وقال الشافعي ﵀ من قال: لا عشر في الورس لم يوجب في الزعفران، ومن قال: يجب في الورس فيحتمل أن يوجب في الزعفران؛ لأنهما طيبان، ويحتمل ألا يوجب في الزعفران، ويفرق بينهما بأن الورس شجر له ساق، والزعفران نبات، واختلف قوله أيضًا في العسل فقال في القديم: يحتمل أن تجب فيه، ووجهه ما روي أن بني شبابة بطن من فهم، كانوا يؤدون إلى رسول الله -  ﷺ  - من نحل كان عندهم العشر من عشر قرب قربة\" وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت، فلا يجب فيه العشر كالبيض.\nواختلف قوله أيضًا في القرطم -وهو حب العصفر- فقال في القديم: تجب إن صح فيه حديث أبي بكر ﵁، وقال في الجديد: لا تجب لأنه ليس بقوت، فأشبه الخضراوات. قاله كله صاحب [المهذب].\nوقال النووي في شرح المهذب: الأثر المروي عن عمر \"أنه جعل في الزيت العشر\" ضعيف، رواه البيهقي، وقال: إسناده منقطع، وراويه ليس بقوي.\nقال: وأصح ما روي في الزيتون قول الزهري: مضت السنة في زكاة الزيتون أن يؤخذ ممن عصر زيتونه حتى يعصره فيما سقت السماء، أو كان بعلا العشر، وفيما سقي برش الناضح نصف العشر. وهذا موقوف لا يعلم اشتهاره، ولا يحتج به على الصحيح.\nقال البيهقي: وحديث معاذ بن جبل، وأبي موسى الأشعري","vol":"2","page":256},{"text":"﵄ أعلى وأولى أن يؤخذ به. يعني روايتهما \"أن النبي -  ﷺ  - قال لهما لما بعثهما إلى اليمن: لا تأخذا في الصدقة إلا من هذه الأصناف الأربعة: الشعير، والحنطة، والتمر، والزبيب\".\nوأما الأثر المذكور عن ابن عباس فضعيف أيضًا، والأثر المذكور عن أبي بكر الصديق ﵁ ضعيف أيضًا. ذكره الشافعي وضعفه هو وغيره، واتفق الحفاظ على ضعفه، واتفق أصحابنا في كتب المذهب على ضعفه.\nقال البيهقي: ولم يثبت في هذا إسناد تقوم حجة، قال: والأصل عدم الوجوب، فلا زكاة فيما لم يرد فيه حديث صحيح، أو كان في معنى ما ورد به حديث صحيح، وأما حديث بني شبابة في العسل فرواه أبو داود، والبيهقي وغيرهما من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده بإسناد ضعيف. قال الترمذي في جامعه: لا يصح عن النبي -  ﷺ  - في هذا كبير شيء. قال البيهقي: قال الترمذي في كتاب العلل: قال البخاري: ليس في زكاة العسل شيء يصح. فالحاصل أن جميع الآثار، والأحاديث التي في هذا الفصل ضعيفة. انتهى كلام النووي.\nوقال ابن حجر في [التلخيص] في أثر عمر المذكور في الزيتون: رواه البيهقي بإسناد منقطع، والراوي له عثمان بن عطاء ضعيف. قال: وأصح ما في الباب قول ابن شهاب: \"مضت السنة في زكاة الزيتون\" الخ.\nوقال في [التلخيص] أيضًا في أثر ابن عباس المذكور في الزيتون: ذكره صاحب [المهذب] عن ابن عباس، وضعفه النووي،","vol":"2","page":257},{"text":"وقد أخرجه ابن أبي شيبة، وفي إسناده ليث بن أبي سليم.\nوقال ابن حجر أيضًا: روى الحاكم في \"تاريخ نيسابور\" من طريق عروة، عن عائشة مرفوعًا \"الزكاة في خمس: في البر، والشعير، والأعناب، والنخيل، والزيتون\" وفي إسناده عثمان بن عبد الرحمن، وهو الوقاصي متروك الحديث.\nوقال ابن حجر في الأثر المذكور عن أبي بكر أنه كان يأخذ الزكاة من حب العصفر -وهو القرطم-: لم أجد له أصلًا.\nوقال في [التلخيص] أيضًا في خبر أخذه -  ﷺ  - زكاة العسل: أخرجه الترمذي من حديث ابن عمر أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"في العسل كل عشرة أزقاق زق\" وقال: في إسناده مقال، ولا يصح، وفي إسناده صدقة السمين، وهو ضعيف الحفظ، وقد خولف.\nوقال النسائي: هذا حديث منكر. ورواه البيهقي، وقال: تفرد به صدقة، وهو ضعيف، وقد تابعه طلحة بن زيد، عن موسى بن يسار. ذكره المروزي. ونقل عن أحمد تضعيفه، وذكر الترمذي أنه سأل البخاري عنه فقال: هو عن نافع، عن النبي -  ﷺ  - مرسل. ونقل الحاكم في \"تاريخ نيسابور\" عن ابن أبي حاتم، عن أبيه، قال: حدث محمد بن يحيى الذهلي بحديث كاد أن يهلك، حدث عن عارم، عن ابن المبارك، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا \"أخذ من العسل العشر\" قال أبو حاتم: وإنما هو عن أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده كذلك حدثناه عارم، وغيره. قال: ولعله سقط من كتابه عمرو بن شعيب، فدخله هذا الوهم.","vol":"2","page":258},{"text":"قال الترمذي: وفي الباب عن عبد الله بن عمرو.\nقلت: رواه أبو داود، والنسائي من رواية عمرو بن الحارث المصري، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: \"جاء هلال أحد بني متعان إلى رسول الله -  ﷺ  - بعشور نحل له، وسأله أن يحمي واديًا يقال له: \"سلبة\" فحماه له، فلما ولى عمر كتب إلى سفيان بن وهب، إن أدى إليك ما كان يؤدي إلى رسول الله -  ﷺ  - من عشور نحله فاحم له سلبة، وإلا فإنما هو ذباب غيث يأكله من يشاء.\nقال الدارقطني: يروى عن عبد الرحمن بن الحارث، وابن لهيعة، عن عمرو بن شعيب مسندًا، ورواه يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عمرو بن شعيب، عن عمر مرسلًا.\nقلت: فهذه علته، وعبد الرحمن، وابن لهيعة ليسا من أهل الاتقان، ولكن تابعهما عمرو بن الحارث أحد الثقات، وتابعهما أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب عند ابن ماجه، وغيره كما مضى.\nقال الترمذي: وفيه عن أبي سيارة.\nقلت: هو المتعي، قال: \"قلت: يا رسول الله -  ﷺ  - إن لي نحلًا. قال: أد العشور، قال: قلت: يا رسول الله أحم لي جبلها\" رواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي من رواية سليمان بن موسى، عن أبي سيارة، وهو منقطع.\nقال البخاري: لم يدرك سليمان أحدًا من الصحابة، وليس","vol":"2","page":259},{"text":"في زكاة العسل شيء يصح.\nوقال أبو عمر: لا تقوم بهذا حجة. قال: وعن أبي هريرة.\nقلت: رواه البيهقي، وفي إسناده عبد الله بن محرر، وهو متروك، رواه أيضًا من حديث سعد بن أبي ذباب: \"أن النبي -  ﷺ  - استعمله على قومه، وأنه قال لهم: أدوا العشر في العسل، وأتى به عمر، فقبضه، فباعه، ثم جعله في صدقات المسلمين\" وفي إسناده منير بن عبد الله ضعفه البخاري، والأزدي، وغيرهما.\nقال الشافعي: وسعد بن أبي ذباب يحكي ما يدل على أن النبي -  ﷺ  - لم يأمر فيه بشيء؛ وأنه شيء رآه هو فتطوع له به قومه. وقال الزعفراني عن الشافعي: الحديث في أن في العسل العشر ضعيف، واختياري أنه لا يؤخذ منه.\nوقال البخاري: لا يصح فيه شيء.\nوقال ابن المنذر: ليس فيه شيء ثابت. وفي [الموطأ] عن عبد الله بن أبي بكر قال: \"جاء كتاب عمر بن عبد العزيز إلى أبي، وهو بمنى ألا تأخذ من الخيل، ولا من العسل صدقة\" انتهى كلام ابن حجر بلفظه.\nوقال في [التلخيص] أيضًا: إن حديث معاذ أنه لم يأخذ زكاة العسل، وأنه قال: \"لم يأمرني فيه رسول الله -  ﷺ  - بشيء\" أخرجه أبو داود في [المراسيل] والحميدي في [مسنده] وابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق طاوس، عنه، وفيه انقطاع بين طاوس ومعاذ، لكن قال البيهقي: هو الأقوي؛ لأن طاوسًا كان عارفًا بقضايا معاذ.","vol":"2","page":260},{"text":"قال مقيده - عفا الله عنه -: ولا شك أن إخراج زكاته أحوط، وهو مذهب الإمام أحمد -﵀- ونقله صاحب [المغني] عن مكحول، والزهري، وسليمان بن موسى، والأوزاعي، وإسحاق.\nوحجتهم الأحاديث التي رأيت، ولا شيء فيه عند مالك، والشافعي في الجديد وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وابن المنذر، وغيرهم.\nوحجتهم عدم صحة ما ورد فيه، وأن الأصل براءة الذمة، وأنه مائع خارج من حيوان فأشبه اللبن.\nوقال أبو حنيفة: إن كان في أرض العشر ففيه الزكاة، وإلا فلا زكاة فيه، ونصاب العسل قيل: خمسة أفراق، وهو قول الزهري، وقيل: خمسة أوسق، وبه قال أبو يوسف، ومحمد.\nوقال أبو حنيفة: تجب في قليله وكثيره، والفرق ستة عشر رطلًا بالعراقي، وقيل: ستون رطلًا، وقيل: مائة وعشرون رطلًا، وقيل: ثلاثة آصع، وقيل: غير ذلك. قاله في [المغني].\nوأما الحبوب، فلا تجب الزكاة عند الشافعي إلا فيما يقتات؛ ويدخر منها، ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه التي لا تقتات، ولا تدخر، ولا في شيء من الخضراوات، فمذهبه يوافق مذهب مالك، كما قدمنا، إلا أن الشافعي لا يضم بعض الأنواع إلى بعض، ومالك يضم القطاني بعضها إلى بعض في الزكاة، وكذلك القمح، والشعير، والسلت، كما تقدم.\nوأما مذهب الإمام أحمد -﵀- فهو وجوب الزكاة فيما","vol":"2","page":261},{"text":"تنبته الأرض مما ييبس ويبقى مما يكال، فأوصاف المزكي عنده مما تنبته الأرض ثلاثة: وهي الكيل، والبقاء، واليبس، فما كان كذلك من الحبوب والثمار وجبت فيه عنده سواء كان قوتًا أم لا، وما لم يكن كذلك لم تجب فيه؛ فتجب عنده في الحنطة والشعير، والسلت، والأرز، والذرة، والدخن، والقطاني: كالباقلا، والعدس، والحمص، والأبازير: كالكمون، والكراويا، والبزر، كبزر الكتان، والقثاء، والخيار، وحب البقول: كالرشاد، وحب الفجل، والقرطم، والسمسم، ونحو ذلك من سائر الحبوب، كما تجب عنده أيضًا فيما جمع الأوصاف المذكورة من الثمار: كالتمر والزبيب واللوز والفستق والبندق، ولا زكاة عنده في شيء من الفواكه: كالخوخ والإجاص والكمثري والتفاح والتين والجوز، ولا في شيء من الخضر: كالقثاء، والخيار، والباذنجان، واللفت، والجزر، ونحو ذلك.\nويروى نحو ما ذكرنا عن أحمد في الحبوب عن عطاء، وأبي يوسف ومحمد، وقال أبو عبد الله بن حامد: لا شيء في الأبازير، ولا البزر، ولا حب البقول.\nقال صاحب [المغني]: ولعله لا يوجب الزكاة إلا فيما كان قوتًا، أو أدمًا؛ لأن ما عداه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص، فيبقى على النفي الأصلي، ولا زكاة في مشهور مذهب أحمد -﵀- فيما ينبت من المباح الذي لا يملك إلا بأخذه: كالبطم، وشعير الجبل، وبزر قطونًا، وبزر البقلة، وحب النمام، وبزر الأشنان، ونحو ذلك، وعن القاضي أنه تجب فيه","vol":"2","page":262},{"text":"الزكاة إذا نبت بأرضه.\nوالصحيح الأول. فإن تساقط في أرضه حب كحنطة مثلًا فنبت ففيه الزكاة، لأنه يملكه.\nولا تجب الزكاة فيما ليس بحب، ولا ثمر سواء وجد فيه الكيل والإدخار؛ أو لم يوجدا، فلا تجب في ورق مثل ورق السدر، والخطمي، والأشنان، والصعتر، والآس، ونحوه، لأنه ليس بمنصوص عليه، ولا في معنى المنصوص؛ ولا زكاة عنده في الأزهار: كالزعفران والعصفر، والقطن؛ لأنها ليست بحب؛ ولا ثمر، ولا هي بمكيل؛ فلم تجب فيها زكاة، كالخضروات.\nقال الإمام أحمد ﵀: ليس في القطن شيء؛ وقال: ليس في الزعفران زكاة؛ وهو ظاهر كلام الخرقي؛ واختيار أبي بكر. قاله ابن قدامة في [المغني].\nواختلفت عن أحمد -﵀- الرواية في الزيتون؛ فروى عنه ابنه صالح أن فيه الزكاة، وروي عنه أنه لا زكاة فيه، وهو اختيار أبي بكر، وظاهر كلام الخرقي يقتضيه. قاله أيضًا صاحب المغني. وأما أبو حنيفة -﵀- فإنه قائل بوجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض طعامًا كان أو غيره، وقال أبو يوسف عنه إلا الحطب والحشيش، والقصب والتبن، والسعف وقصب الذريرة، وقصب السكر اهـ. والذريرة: قصب يجاء به من الهند، كقصب النشاب، أحمر يتداوى به. وممن قال مثل قول أبي حنيفة النخعي، وروي نحوه عن عمر بن عبد العزيز، وهو قول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة، ونصره ابن العربي المالكي في أحكامه. قال:","vol":"2","page":263},{"text":"وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق. هذا هو حاصل مذاهب الأئمة الأربعة ﵃ في تعيين ما تجب فيه الزكاة مما تنبته الأرض، وسنشير إن شاء الله إلى دليل كل واحد منهم فيما ذهب إليه.\nأما أبو حنيفة: فقد احتج على وجوب الزكاة في كل ما تنبته الأرض من قليل وكثير بعموم هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها؛ لأن الله قال فيها: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية وبعموم قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ الآية. وبعموم قوله -  ﷺ  -: \"فيما سقت السماء العشر\" الحديث. ولم يقبل تخصيصه بحديث \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" لأن القاعدة المقررة في أصوله ﵀ أن العام قطعي الشمول والتناول لجميع أفراده، كما أشار له في \"مراقي السعود\" بقوله:\nوهو على فرد يدل حتما ... وفهم الاستغراق ليس جزما\nبل هو عند الجل بالرجحان ... والقطع فيه مذهب النعمان\nفما كان أقل من خمسة أوسق يدخل عنده دخولًا مجزومًا به في عموم الآيات المذكورة والحديث، فلا يلزم عنده تخصيص العام بالخاص، بل يتعارضان، وتقديم ما دل على الوجوب أولى من تقديم ما دل على غيره؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب.\nوأما مالك والشافعي -رحمهما الله تعالى- فحجتهما في","vol":"2","page":264},{"text":"قولهما: إنه لا زكاة في غير النخل والعنب من الأشجار، ولا في شيء من الحبوب إلا فيما يقتات ويدخر، ولا زكاة في الفواكه، ولا الخضراوات؛ لأن النص والإجماع دلا على وجوب الزكاة في الحنطة والشعير، والتمر والزبيب، وكل واحد منها مقتات مدخر فألحقوا بها كل ما كان في معناها؛ لكونه مقتاتًا ومدخرًا، ولم يريا أن في الأشجار مقتاتًا ولا مدخرًا غير التمر والزبيب، فلم يشاركهما في العلة غيرهما من الثمار، ولذا قال جماعة من أصحاب مالك بوجوبها في التين على أصول مذهب مالك؛ لأنه كالزبيب في الاقتيات والإدخار.\nوقال ابن عبد البر: الظاهر أن مالكًا ما كان يعلم أن التين كذلك، وأما الحبوب فيؤخذ فيها الاقتيات والإدخار، فألحقا بالحنطة والشعير كل ما كان مقتاتًا مدخرًا كالأرز والذرة والدخن والقطاني ونحو ذلك، -فهو إلحاق منهما-رحمهما الله- للمسكوت بالمنطوق بجامع العلة التي هي عندهما الاقتيات والإدخار؛ لأن كونه مقتاتًا مدخرًا مناسب لوجوب الصدقة فيه، لاحتياج المساكين إلى قوت يأكلون منه ويدخرون.\nوأما أحمد -﵀- فحجته في قوله: إن الزكاة تجب فيما يبقى وييبس ويكال أن ما لا ييبس ولا يبقى كالفواكه والخضراوات لم تكن تؤخذ منه الزكاة في زمنه -  ﷺ  -، ولا زمن الخلفاء الراشدين.\nودليله في اشتراطه الكيل قوله -  ﷺ  -: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" قال: فبين النبي -  ﷺ  - أن حمل الواجب في الوسق وهو خاص بالمكيل، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى.","vol":"2","page":265},{"text":"وأما دليل الجمهور منهم مالك والشافعي وأحمد ﵏ على أن الفواكة والخضراوات لا زكاة فيها فظاهر؛ لأن الخضراوات كانت كثيرة بالمدينة جدًا، والفواكه كانت كثيرة بالطائف، ولم ينقل عنه -  ﷺ  - ولا عن أحد من أصحابه أنه أخذ الزكاة من شيء من ذلك.\nقال القرطبي في تفسيره هذه الآية: وقد كان بالطائف الرمان والفرسك والأترج، فما اعترضه رسول الله -  ﷺ  - ولا ذكره، ولا أحد من خلفائه.\nقلت: وهذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء.\nوأما الآية فقد اختلف فيها: هل هي محكمة أو منسوخة، أو محمولة على الندب؟ ولا قاطع يبين أحد محاملها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه أن الكوفة افتتحت بعد موت النبي -  ﷺ -، وبعد استقرار الأحكام بالمدينة، أفيجوز أن يتوهم متوهم، أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عطلت فلم يعمل بها في دار الهجرة ومستقر الوحي، ولا خلافة أبي بكر حتى عمل بذلك الكوفيون؟ إن هذه لمصيبة فيمن ظن هذا، أو قال به.\nقلت: ومما يدل على هذا من معنى التنزيل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ﴾ أتراه يكتم شيئًا أمر بتبليغه أو بيانه -حاشاه من ذلك- وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ ومن كمال الدين كونه لم يأخذ من الخضراوات شيئًا. وقال جابر بن عبد الله ﵄فيما رواه الدارقطني-: إن المقاثي كانت تكون عندنا تخرج عشرة","vol":"2","page":266},{"text":"آلاف، فلا يكون فيها شيء. وقال الزهري والحسن: تزكى أثمان الخضر إذا أينعت وبلغ الثمن مائتي درهم، وقاله الأوزاعي في ثمن الفواكه.\nولا حجة في قولهما لما ذكرنا.\nوقد روى الترمذي عن معاذ أنه كتب إلى النبي -  ﷺ  - يسأله عن الخضراوات، وهي البقول فقال: ليس فيها شيء، وقد روي هذا المعنى عن جابر وأنس وعلي ومحمد بن عبد الله بن جحش وأبو موسى وعائشة. ذكر أحاديثهم الدارقطني -﵀-.\nوقال الترمذي: ليس يصح في هذا الباب عن النبي -  ﷺ  - شيء.\nواحتج بعض أصحاب أبي حنيفة -﵀- بحديث صالح بن موسى، عن منصور، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة قالت: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"فيما أنبتت الأرض من الخضر زكاة\".\nقال أبو عمر: وهذا حديث لم يروه من ثقات أصحاب منصور أحد هكذا، وإنما هو من قول إبراهيم.\nقلت: وإذا سقط الإستدلال من جهة السنة لضعف أسانيدها لم يبق إلا ما ذكرناه من تخصيص عموم الآية، وعموم قوله -  ﷺ  -: فيما سقت السماء العشر بما ذكرناه اهـ كلام القرطبي.\nوحجة من قال بأنه لا زكاة في غير الأربعة المجمع عليها -التي هي الحنطة والشعير والتمر والزبيب- هي الأحاديث التي قدمنا في أول هذا المبحث، وفيها حديث معاذ، وأبي موسى الذي تقدم عن البيهقي أنه قوي متصل.","vol":"2","page":267},{"text":"وقال أبو يوسف ومحمد: ليس في شيء من الخضر زكاة إلا ما كانت له ثمرة باقية سوى الزعفران ونحوه مما يوزن، ففيه الزكاة. وكان محمد يعتبر في العصفر والكتان البزر، فإذا بلغ بزرهما من القرطم والكتان خمسة أوسق كان العصفر والكتان تبعًا للبزر، وأخذ منه العشر، أو نصف العشر، وأما القطن فليس عنده فيما دون خمسة أحمال شيء، والحمل ثلاثمائة من بالعراقي، والورس والزعفران ليس فيما دون خمسة أمنان منهما شيء، فإذا بلغ أحدهما خمسة أمنان كانت فيه الصدقة، وقال أبو يوسف: وكذلك قصب السكر الذي يكون منه السكر، ويكون في أرض العشر، دون أرض الخراج فيه ما في الزعفران، وأوجب عبد الملك بن الماجشون الزكاة في أصول الثمار دون البقول، وهو مخالف لما عليه أهل مذهبه مالك وأصحابه. قاله القرطبي.\n\nتنبيه\nمن قال: لا زكاة في الرمان -وهم جمهور العلماء- ومن قال: لا زكاة في الزيتون يلزم على قول كل منهم أن تكون الآية التي نحن بصددها، التي هي قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ منسوخة أو مرادًا بها غير الزكاة؛ لأنها على تقدير أنها محكمة، وأنها في الزكاة المفروضة لا يمكن معها القول بعدم زكاة الزيتون والرمان؛ لأنها على ذلك صريحة فيها؛ لأن المذكورات في قوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ﴾ يرجع إلى كلها الضمير في قوله: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ وقوله: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ كما هو واضح لا لبس فيه،","vol":"2","page":268},{"text":"فيدخل فيه الزيتون والرمان دخولًا أوليًا لا شك فيه، فقول أكثر أهل العلم بعدم الزكاة في الرمان يقوي القول بنسخ الآية، أو أنها في غير الزكاة المفروضة -والله تعالى أعلم-.\nوعن أبي يوسف أنه أوجب الزكاة في الحناء.\nواعلم أن مذهب داود بن علي الظاهري في هذه المسألة قوي جدًا من جهة النظر؛ لأنه قال: ما أنبتته الأرض ضربان: موسق وغير موسق، فما كان موسقًا وجبت الزكاة فيما بلغ منه خمسة أوسق لقوله -  ﷺ  -: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" ولا زكاة فيما دونها منه، وما كان غير موسق ففي قليله وكثيره الزكاة؛ لعموم قوله -  ﷺ  -: \"فيما سقت السماء العشر\" ولا يخصص بحديث ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة؛ لأنه غير موسق أصلًا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول هو أسعد الأقوال بظاهر النصوص، وفيه نوع من الجمع بينها، إلا أنه يرد عليه ما قدمنا من أنه -  ﷺ  - لم يتعرض للخضراوات مع كثرتها في المدينة، ولا الفواكه مع كثرتها بالطائف، ولو كان العموم شاملًا لذلك لبينه -  ﷺ  -، وإذا عرفت كلام العلماء في تعيين ما تجب فيه الزكاة وأدلة أقوالهم مما ذكرنا فاعلم أن جمهور العلماء قالوا: لا تجب الزكاة إلا في خمسة أوسق فصاعدًا؛ لقوله -  ﷺ  -: \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\" الحديث. أخرجه الشيخان من حديث أبي سعيد الخدري - ﵁ - ومسلم من حديث جابر - ﵁ -.\nوممن قال بهذا الأئمة الثلاثة: مالك والشافعي وأحمد -﵏- وأصحابهم، وهو قول ابن عمر، وجابر وأبي أمامة","vol":"2","page":269},{"text":"بن سهل، وعمر بن عبد العزيز، وجابر بن زيد، والحسن، وعطاء، ومكحول، والحكم، والنخعي، وأهل المدينة، والثوري، والأوزاعي، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف، ومحمد، وسائر أهل العلم، كما نقله عنهم ابن قدامة وغيره.\nوقال ابن قدامة في المغني: لا نعلم أحدًا خالف فيه إلا أبا حنيفة، ومن تابعه، ومجاهدًا، وقد أجمع جميع العلماء على أن الوسق ستون صاعًا، وهو بفتح الواو وكسرها، والفتح أشهر وأصح. وقيل: هو بالكسر اسم، وبالفتح مصدر، ويجمع على أوسق في القلة وأوساق، وعلى وسوق في الكثرة.\nواعلم أن الصاع أربعة أمداد بمده -  ﷺ  -، والمد بالتقريب ملء اليدين المتوسطتين، لا مقبوضتين ولا مبسوطتين، وتحديده بالضبط وزن رطل وثلث بالبغدادي، فمبلغ الخمسة الأوسق من الأمداد ألف مد ومائتا مد، ومن الصيعان ثلاثمائة، وهي بالوزن ألف رطل وستمائة رطل، والرطل وزن مائة وثمانية وعشرين درهمًا مكيًا؛ زاد بعض أهل العلم أربعة أسباع درهم، كل درهم وزن خمسين وخمسي حبة من مطلق الشعير، كما حرره علماء المالكية، ومالك -﵀- من أدرى الناس بحقيقة المد والصاع، كما هو معلوم، وقيل فيه غير ما ذكرنا.\nوأما الحكم الثالث من أحكام هذه المسألة الثالثة المذكورة في أول هذا المبحث -وهو تعيين القدر الواجب إخراجه- فلا خلاف فيه بين العلماء، وهو العشر فيما ليس في سقيه مشقة، كالذي يسقيه المطر أو النهر أو عروقه في الأرض، وأما ما يسقى","vol":"2","page":270},{"text":"بالآلة كالذي يسقى بالنواضح ففيه نصف العشر، وهذا ثابت عنه -  ﷺ  - من حديث جابر، وابن عمر، فإن سقى تارة بمطر السماء مثلا وتارة بالسانية، فإن استويا فثلاثة أرباع العشر بلا خلاف بين العلماء وإن كان أحد الأمرين أغلب فقيل: يغلب الأكثر، ويكون الأقل تبعًا له، وبه قال أحمد، وأبو حنيفة، والثوري، وعطاء، وهو أحد قولي الشافعي، وقيل: يؤخذ بالتقسيط. وهذان القولان كل منهما شهره بعض المالكية، وحكى بعضهم رواية عن مالك أن المعتبر ما حيى به الزرع وتم، وممن قال بالتقسيط من الحنابلة ابن حامد. فإن جهل المقدار وجب العشر احتياطًا، كما نص عليه الإمام أحمد بن حنبل -﵀- في رواية عبد الله، قاله في المغني. وعلله بأن الأصل وجوب العشر وإنما يسقط نصفه بتحقق الكلفة، وإذا لم يتحقق المسقط وجب البقاء على الأصل، وهو ظاهر جدًا. وإن اختلف الساعي ورب المال في أيهما سقى به أكثر؟ فالقول قول رب المال بغير يمين؛ لأن الناس لا يستحلفون على صدقاتهم، ولا وقص في الحبوب والثمار، بل كل ما زاد على النصاب أخرج منه بحبسه.\n\nمسائل تتعلق بهذا المبحث\nالمسألة الأولى: قد قدمنا إجماع العلماء على وجوب الزكاة في التمر والزبيب، وجمهورهم على أنهما يخرصان إذا بدا صلاحهما؛ لأن المالكين يحتاجون إلى أكل الرطب والعنب، فبسبب ذلك شرع خرص التمر والعنب، ويخرص كل واحد منهما شجرة شجرة حتى يعلم قدر ما في الجميع الآن من الأوساق، ثم","vol":"2","page":271},{"text":"يسقط منه قدر ما ينقصه الجفاف، فلو كان فيه خمسة أوسق من العنب أو الرطب، وإذا جف كانت أربعة أوسق مثلًا فلا زكاة فيه؛ لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، لا من الرطب والعنب، وإذا خرص على الوجه الذي ذكرنا خلى بين مالكيه وبينه، وبعد الجذاذ يأتون بقدر الزكاة على الخرص المذكور تمرًا أو زبيبًا، وبذلك يحصل الجمع بين الاحتياط للفقراء والرفق بأرباب الثمار، فإن أصابته بعد الخرص جائحة اعتبرت وسقطت زكاة ما اجتاحته الجائحة، فإن بقي بعدها خمسة أوسق فصاعدًا أخرج الزكاة وإلا فلا، ولا خلاف في الجائحة بعد الخرص بين العلماء.\nوممن قال بخرص النخيل والأعناب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد -رحمهم الله تعالى- وعمر بن الخطاب، وسهل بن أبي حثمة، ومروان، والقاسم بن محمد، والحسن، وعطاء والزهري، وعمرو بن دينار، وعبد الكريم بن أبي المخارق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأكثر أهل العلم كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وحكي عن الشعبي أن الخرص بدعة. ومنعه الثوري، وقال أبو حنيفة وأصحابه: الخرص ظن وتخمين لا يلزم به حكم، وإنما كان الخرص تخويفًا للقائمين على الثمار لئلا يخونوا، فأما أن يلزم به حكم فلا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: لا يخفى أن هذا القول تبطله نصوص السنة الصحيحة الصريحة، فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي حميد الساعدي ﵁ قال:","vol":"2","page":272},{"text":"خرجنا مع رسول الله -  ﷺ  - في غزوة \"تبوك\" فأتينا وادي القرى على حديقة لامرأة، فقال رسول الله -  ﷺ  -: اخرصوها، فخرصناها، وخرصها رسول الله -  ﷺ  - عشرة أوسق\" وقال: أحصيها حتى نرجع إليك، إن شاء الله، وانطلقنا حتى قدمنا تبوك، فذكر الحديث.\nقال: \"ثم أقبلنا حتى قدمنا وادي القرى، فسأل رسول الله -  ﷺ  - المرأة عن حديقتها كم بلغ ثمرها؟ قالت: بلغ عشرة أوسق\" فهذا الحديث المتفق عليه دليل واضح على مشروعية الخرص، كما ترى.\nوعن عتاب بن أسيد ﵁ \"أن النبي -  ﷺ  - كان يبعث على الناس من يخرص عليهم كرومهم وثمارهم\" أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه وابن حبان.\nوعن عتاب ﵁ أيضًا قال: \"أمر رسول الله -  ﷺ  - أن يخرص العنب، كما يخرص النخل، فتؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا\" أخرجه أيضًا أبو داود، والترمذي، والنسائي وابن حبان، والدارقطني.\nوالتحقيق في حديث عتاب هذا أنه من مراسيل سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى؛ لأنه لم يدرك عتابًا؛ لأن مولد سعيد في خلافة عمر، وعتاب مات يوم مات أبو بكر ﵄، وقد أثبت الحجة بمراسيل سعيد كثير ممن يقولون بعدم الاحتجاج بالمرسل. وقال النووي في شرح المهذب: إن من أصحابنا من قال: يحتج بمراسيل ابن المسيب مطلقًا. والأوضح أنه إنما يحتج بمراسيله إذا اعتضدت بأحد أربعة أمور: أن يسند، أو يرسل من","vol":"2","page":273},{"text":"جهة أخرى، أو يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وقد وجد ذلك هنا، فقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين ومن بعدهم على وجوب الزكاة في التمر، والزبيب.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: بما ذكره النووي تعلم اتفاق الشافعية على الاحتجاج بهذا المرسل، والأئمة الثلاثة يحتجون بالمرسل مطلقًا، فظهر إجماع المذاهب الأربعة على الاحتجاج بمثل هذا المرسل، وروى هذا الحديث الدارقطني بسند فيه الواقدي متصلًا، فقال: عن سعيد بن المسيب، عن المسور بن مخرمة، عن عتاب بن أسيد.\nوعن عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله -  ﷺ  - يبعث عبد الله بن رواحة فيخرص النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه، ثم يخير يهود، يأخذونه بذلك الخرص، أو يدفعونه إليهم بذلك الخرص، لكي يحصي الزكاة قبل أن تؤكل الثمار وتفرق\" أخرجه أحمد وأبو داود. وقد أعل بأن فيه واسطة بين ابن جريج والزهري، ولم يعرف. وقد رواه عبد الرزاق والدارقطني بدون الواسطة المذكورة، وابن جريج مدلس، فلعله تركها تدليسًا. قاله ابن حجر، وقال: ذكر الدارقطني الاختلاف فيه قال: فرواه صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، وأرسله معمر ومالك، وعقيل، فلم يذكروا أبا هريرة، وأخرج أبو داود من طريق ابن جريج أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: خرصها ابن رواحة أربعين ألف وسق.\nوقال ابن حجر في التلخيص أيضًا: روى أحمد من حديث","vol":"2","page":274},{"text":"ابن عمر \"أنه -  ﷺ  - بعث عبد الله بن رواحة إلى خيبر يخرص عليهم\" الحديث.\nوروى أبو داود والدارقطني من حديث جابر \"لما فتح الله على رسوله خيبر أقرهم، وجعلها بينه وبينهم، فبعث عبد الله بن رواحة فخرصها عليهم\" الحديث. ورواه ابن ماجه من حديث ابن عباس.\nوروى الدارقطني عن سهل بن أبي خيثمة \"أن رسول الله -  ﷺ  - بعث أباه خارصًا فجاء رجل، فقال: يا رسول الله إن أبا خيثمة قد زاد علي\" الحديث، ثم ذكر ابن حجر حديث عتاب، وحديث عائشة اللذين قدمناهما، ثم قال: وفي الصحابة لأبي نعيم من طريق الصلت بن زبيد بن الصلت، عن أبيه، عن جده \"أن رسول الله -  ﷺ  - استعمله على الخرص، فقال: أثبت لنا النصف، وأبق لهم النصف، فإنهم يسرقون، ولا نصل إليهم\".\nفبهذا الذي ذكرنا كله تعلم أن الخرص حكم ثابت عن رسول الله -  ﷺ  -، لا ظن وتخمين باطل، بل هو اجتهاد ورد به الشرع في معرفة قدر الثمر، وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير، فهو كتقويم المتلفات.\nووقت الخرص حين يبدو صلاح الثمر، كما قدمنا لما قدمنا من الرواية \"بأنه -  ﷺ  - كان يبعث الخارص فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل\" ولا خلاف في ذلك بين العلماء.\nوالجمهور القائلون بالخرص اختلفوا في حكمه، فقيل: هو","vol":"2","page":275},{"text":"سنة؛ لأن النبي -  ﷺ  - كان يأمر به، وقيل: واجب؛ لما تقدم في حديث عتاب من قوله \"أمر رسول الله -  ﷺ  - أن يخرص العنب\" الحديث المتقدم، قالوا: الأمر للوجوب، ولأنه إن ترك الخرص قد يضيع شيء من حق الفقراء. والأظهر عدم الوجوب، لأن الحكم بأن هذا الأمر واجب يستوجب تركه العقاب يحتاج إلى دليل ظاهر قوي. والله تعالى أعلم.\nواختلف العلماء القائلون بالخرص هل على الخارص أن يترك شيئًا، فقال بعض \"العلماء: عليه أن يترك الثلث أو الربع؛ لما رواه الإمام أحمد، وأصحاب السنن -إلا ابن ماجه- وابن حبان، والحاكم وصححاه، عن سهيل بن أبي حثمة ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إذا خرصتم فخذوا، ودعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع\".\nفإن قيل: في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي حثمة. وقد قال البزار: إنه انفرد به، وقال ابن القطان: لا يعرف حاله.\nفالجواب أن له شاهدًا بإسناد متفق علي صحته أن عمر بن الخطاب أمر به، قاله الحاكم.\nومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعًا \"خففوا في الخرص\" الحديث. وفي إسناده ابن لهيعة.\nوممن قال بهذا القول الإمام أحمد، وإسحاق، والليث، وأبو عبيد وغيرهم، ومشهور مذهب مالك؛ والصحيح في مذهب","vol":"2","page":276},{"text":"الشافعي أن الخارص لا يترك شيئًا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والقول بأنه يترك الثلث أو الربع هو الصواب؛ لثبوت الحديث الذي صححه ابن حبان، والحاكم بذلك، ولم يثبت ما يعارضه، ولأن الناس يحتاجون إلى أن يأكلوا ويطعموا جيرانهم وضيوفهم، وأصدقاءهم، وسؤالهم، ولأن بعض الثمر يتساقط وتنتابه الطير وتأكل منه المارة، فإن لم يترك لهم الخارص شيئًا فالظاهر أن لهم الأكل بقدر ما كان يلزم إسقاطه، ولا يحسب عليهم.\nوهذا مذهب الإمام ﵀، وهو مقتضى ما دل عليه الحديث المذكور، فإن زاد الثمر أو نقص عما خرصه به الخارص، فقال بعض العلماء: لا زكاة عليه فيما زاد، وتلزمه فيما نقص؛ لأنه حكم مضى.\nوقال بعضهم: يندب الإخراج في الزائد، ولا تسقط عنه زكاة ما نقص.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أما فيما بينه وبين الله فلا شك أنه لا تجب عليه زكاة شيء لم يوجد، وأما فيما بينه وبين الناس؛ فإنها قد تجب عليه.\nقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: وإن زادت على تخريص عارف فالأحب الإخراج، وهل على ظاهره أو الوجوب؟ تأويلان.\nقال شارحه المواق: \"من المدونة: قال مالك: من خرص","vol":"2","page":277},{"text":"عليه أربعة أوسق فرفع خمسة أوسق أحببت له أن يزكي.\nابن يونس: قال بعض شيوخنا: لفظة \"أحببت\" ها هنا على الإيجاب، وهو صواب؛ كالحاكم يحكم بحكم ثم يظهر أنه خطأ صراح.\nابن عرفة: على هذا حملها الأكثر، وحملها ابن رشد وعياض على الاستحباب\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ووجوب الزكاة في الزائدة هو الأظهر، وعليه أكثر المالكية، وهو الصحيح عند الشافعية، وأما النقص؛ فإذا ثبت ببينة أنها نقصت عما خرصت به فالظاهر أنه تسقط عنه زكاة ما نقصت به، وإن ادعى غلط الخارص فقد قال بعض أهل العلم: لم تقبل دعواه؛ لأن الخارص أمين، وقال بعض العلماء: تقبل دعواه غلط الخارص إذا كانت مشبهة، أما إذا كانت بعيدة، كدعواه زيادة النصف، أو الثلثين فلا يقبل قوله في الجميع. وهذا التفصيل هو مذهب الشافعي وأحمد إلا أن بعض الشافعية قال: يسقط عنه من الكثير الذي ادعى قدر النقص الذي تقبل دعواه فيه، وأما إن ادعى أن الخارص جار عليه عمدًا فلا تقبل دعواه عليه بلا خلاف، كما لو ادعى جور الحاكم، أو كذب الشاهد، وكذا إذا ادعى أنه غلط في الخرص، ولم يبين قدر ما زاد لم يقبل منه. نص عليه علماء الشافعية. وإن ادعى رب الثمر أنه أصابته جائحة أذهبت بعضه فالظاهر تصديقه فيما يشبه قوله، كما لو ادعى أن بعضه سرق بالليل مثلًا قبل بيمين. وقيل: لا.\nوإن أضاف هلاك الثمرة إلى سبب يكذبه الحس، كأن يقول:","vol":"2","page":278},{"text":"هلكت بحريق وقع في الجرين في وقت كذا، وعلمنا أنه لم يحترق في ذلك الوقت لم يلتفت إلى كلامه، فإن علم وقوع السبب الذي ذكر، وعموم أثره صدق بلا يمين، وإن اتهم حلف، قيل: وجوبًا، وقيل: استحبابًا. وإن لم يعرف عدم السبب المذكور ولا وجوده فالصحيح أنه يكلف بالبينة على وجود أصل السبب، ثم القول قوله في الهلاك به، وهذا التفصيل الأخير للشافعية. ذكره النووي في شرح المهذب، ووجهه ظاهر، والله تعالى أعلم.\nوجمهور العلماء على أنه لا يخرص غير التمر، والزبيب، فلا يخرص الزيتون والزرع ولا غيرهما، وأجازه بعض العلماء في الزيتون، وأجازه بعضهم في سائر الحبوب. والصحيح أنه لا يجوز إلا في التمر والعنب لثلاثة أمور:\nالأول: أن النص الدال على الخرص لم يرد إلا فيهما، كما تقدم في حديث عتاب بن أسيد وغيره من الأحاديث.\nالثاني: أن غيرهما ليس في معناهما؛ لأن الحاجة تدعو غالبًا إلى أكل الرطب قبل أن يكون تمرًا، والعنب قبل أن يكون زبيبًا، وليس غيرهما كذلك.\nالثالث: أن ثمرة النخل ظاهرة مجتمعة في عذوقها، والعنب ظاهر أيضًا مجتمع في عناقيده، فحزرهما ممكن، بخلاف غيرهما من الحبوب، فإنه متفرق في شجره، والزرع مستتر في سنبله.\nوالظاهر أن ما جرت العادة بالحاجة إلى أكله لا يحسب، لما قدمنا، وقال المالكية: يحسب عليهم كلما أكلوه من الحب، ولا","vol":"2","page":279},{"text":"يحسب ما تأكله الدواب في درسها.\nالمسألة الثانية: لا يجوز إخراج زكاة الثمار إلا من التمر اليابس، والزبيب اليابس، وكذلك زكاة الحبوب لا يجوز إخراجها إلا من الحب اليابس بعد التصفية، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء، وأجرة القيام على الثمار والحبوب حتى تيبس وتصفى من خالص مال رب الثمرة والزرع، فإن دفع زكاة التمر بسرًا أو رطبًا أو دفع زكاة الزبيب عنبًا لم يجزه ذلك؛ لأنه دفع غير الواجب؛ لأن الواجب تمر وزبيب يابسان إجماعًا.\nوقد قال ابن قدامة في المغني: فإن كان المخرج للرطب رب المال لم يجزه، ولزمه إخراج الفضل بعد التجفيف؛ لأنه أخرج غير الفرض فلم يجزه، كما لو أخرج الصغير عن الماشية الكبار، وهو نص صريح منه في أن الرطب غير الواجب؛ وأن منزلته من التمر الذي هو الواجب كمنزلة صغار الماشية من الكبار التي هي الواجبة في زكاة الماشية.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" ما نصه: فلو أخرج الرطب والعنب في الحال لم يجزئه بلا خلاف؛ ولو أخذه الساعي غرمه بلا خلاف؛ لأنه قبضه بغير حق، وكيف يغرمه؛ فيه وجهان مشهوران ذكرهما المصنف في آخر الباب.\nالصحيح: الذي قطع به الجمهور؛ ونص عليه الشافعي ﵁ أنه يلزمه قيمته، والثاني: يلزمه مثله. وهما مبنيان على أن الرطب والعنب مثليان أم لا؟ والصحيح المشهور أنهما ليسا مثليين. ولو جف عند الساعي فإن كان قدر الزكاة أجزأ، وإلا رد","vol":"2","page":280},{"text":"التفاوت، أو أخذه. كذا قاله العراقيون وغيرهم، وحكى ابن كج وجهًا أنه لا يجزىء بحال؛ لفساد القبض. قال الرافعي: وهذا الوجه أولى، والمختار ما سبق. انتهى كلام النووي بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب والعنب بلا خلاف عند الشافعية.\nوقال صاحب المهذب، ما نصه: فإن أخذ الرطب وجب رده، وإن فات وجب رد قيمته، ومن أصحابنا من قال: يجب رد مثله، والمذهب الأول؛ لأنه لا مثل له؛ لأنه يتفاوت، ولهذا لا يجوز بيع بعضه ببعض اهـ. منه بلفظه، وهو صريح في عدم إجزاء الرطب في زكاة التمر.\nوهذا الذي ذكرنا عن عامة العلماء من أن الزكاة لا تؤخذ إلا من التمر، والزبيب اليابسين هو مذهب مالك وعامة أصحابه.\nوفي الموطأ ما نصه: قال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أن النخل تخرص على أهلها وثمرها في رؤوسها إذا طاب وحل بيعه، ويؤخذ منه صدقته تمرًا عند الجذاذ إلى أن قال: وكذلك العمل في الكرم. انتهى محل الغرض منه بلفظه. وفيه تصريح مالك ﵀ بأن الأمر المجتمع عليه من علماء زمنه أن الزكاة تخرج تمرًا. وهو يدل دلالة واضحة على أن من ادعى جواز إخراجها من الرطب أو البسر فدعواه مخالفة للأمر المجتمع عليه عند مالك وعلماء زمنه.\nومن أوضح الأدلة على ذلك أن البلح الذي لا يتتمر والعنب الذي لا يتزبب كبلح مضر وعنبها لا يجوز الإخراج منه مع تعذر الواجب الذي هو التمر والزبيب اليابسان، بل تدفع الزكاة من ثمنه","vol":"2","page":281},{"text":"أو قيمته عند مالك وأصحابه، فلم يجعلوا العنب والرطب أصلًا، ولم يقبلوهما بدلًا عن الأصل، وقالوا بوجوب الثمن إن بيع، والقيمة إن أكل.\nقال خليل في مختصره: وثمن غير ذي الزيت وما لا يجف. ومراده بقوله: وما لا يجف أن الرطب والعنب اللذين لا ييبسان يجب الإخراج من ثمنهما، لا من نفس الرطب والعنب.\nوفي المواق في شرح قول خليل: وإن لم يجف ما نصه: قال مالك: إن كان رطب هذا النخل لا يكون تمرًا، ولا هذا العنب زبيبًا فليخرص أن لو كان ذلك فيه ممكنًا، فإن صح في التقدير خمسة أوسق أخذ من ثمنه. انتهى محل الغرض منه بلفظه، وهو نص صريح عن مالك أنه لا يرى إخراج الرطب، والعنب في الزكاة؛ لعدوله عنهما إلى الثمن في حال تعذر التمر والزبيب اليابسين، فكيف بالحالة التي لم يتعذرا فيها.\nوالحاصل أن إخراج الرطب والعنب عما ييبس من رطب وعنب لم يقل به أحد من العلماء، ولا دل عليه دليل من كتاب ولا سنة ولا قياس.\nوأما الذي لا ييبس كبلح مضر وعنبها ففيه قول مرجوح عند المالكية بإجزاء الرطب والعنب. ونقل هذا القول عن ابن رشد، وسترى إن شاء الله في آخر هذا المبحث كلام الشافعية والحنابلة فيه.\nفإن قيل: فما الدليل على أنه لا يجزىء إلا التمر والزبيب","vol":"2","page":282},{"text":"اليابسان دون الرطب والعنب؟ .\nفالجواب: أن ذلك دلت عليه عدة أدلة:\nالأول: هو ما قدمنا من حديث عتاب بن أسيد ﵁ قال: \"أمر رسول الله -  ﷺ  - أن يخرص العنب، كما يخرص النخل فتؤخذ زكاته زبيبًا، كما تؤخذ صدقة النخل تمرًا\" وقد قدمنا أن هذا الحديث أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي وابن حبان والدارقطني، وقد قدمنا أنه من مراسيل سعيد بن المسيب، وقدمنا أيضًا أن الاحتجاج بمثل هذا المرسل من مراسيل سعيد صحيح عند الأئمة الأربعة.\nفإذا علمت صحة الاحتجاج بحديث سعيد بن المسيب هذا فاعلم أنه نص صريح في \"أن النبي -  ﷺ  - أمر بخرص العنب والنخل، وأن تؤخذ زكاة العنب زبيبًا، وصدقة النخل تمرًا\" فمن ادعى جواز أخذ زكاة النخل رطبًا أو بسرًا\" فدعواه مخالفة لما أمر به رسول الله -  ﷺ  -؛ لأنه أمر بأخذها في حال كونها تمرًا في النخل، وزبيبًا في العنب، ومعلوم أن الحال وصف لصاحبها، قيد لعاملها، فكون زكاة النخل تمرًا وصف لها أمر النبي -  ﷺ  - بإخراجها في حال كونها متصفة به، وكذلك كونها تمرًا قيد لأخذها، فهو تقييد من النبي -  ﷺ  - لأخذها بأن يكون في حال كونها تمرًا، فيفهم منه أنها لا تؤخذ على غير تلك الحال، ككونها رطبًا مثلًا، وإذا اتضح لك أن أخذها رطبًا -مثلًا- مخالف لما أمر به -  ﷺ  - فاعلم أنه قال في الحديث المتفق عليه: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" وفي رواية في الصحيح \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" وفي","vol":"2","page":283},{"text":"الكتاب العزيز: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية.\nومما يوضح لك أن إخراج الرطب مثلًا في الزكاة مخالف لما سنه وشرعه -  ﷺ  - من أخذها تمرًا، وزبيبًا يابسين = ما ذكره البيهقي في السنن الكبرى في باب \"كيف تؤخذ زكاة النخل والعنب\" فإنه قال فيه: وأخبرنا أبو الحسن بن أبي المعروف الفقيه المهرجاني، أنبأ بشر بن أحمد، أنبأ أحمد بن الحسين بن نصر الحذاء، ثنا علي بن عبد الله، ثنا يزيد بن زريع، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، أخبرني الزهري، عن سعيد بن المسيب أن رسول الله -  ﷺ  - \"أمر عتاب بن أسيد أن يخرص العنب كما يخرص النخل، ثم تؤدى زكاته زبيبًا، كما تؤدى زكاة النخل تمرًا\" قال: فتلك سنة رسول الله -  ﷺ  - في النخل والعنب- اهـ منه بلفظه. وفيه التصريح بأن إخراج التمر والزبيب هو سنة رسول الله -  ﷺ  -، فمخرج الرطب والعنب مخالف لسنته -  ﷺ  - كما ترى.\nالدليل الثاني: إجماع المسلمين على أن زكاة الثمار والحبوب من نوع ما تجب الزكاة في عينه، والعين الواجبة فيها الزكاة هي التمر والزبيب اليابسان، لا الرطب والعنب، بدليل إجماع القائلين بالنصاب في الثمار على أن خمسة الأوسق التي هي النصاب لا تعتبر من الرطب، ولا من العنب، فمن كان عنده خمسة أوسق من الرطب أو العنب، ولكنها إذا جفت نقصت عن خمسة أوسق فلا زكاة عليه؛ لأن النصاب معتبر من التمر والزبيب اليابسين، فلو أخرج الزكاة من الرطب أو العنب لكان مخرجًا من غير ما تجب في عينه الزكاة كما ترى، ويدل له ما ذكره الزرقاني في شرح الموطأ،","vol":"2","page":284},{"text":"فإنه قال فيه في شرح قول مالك: \"ثم يؤدون الزكاة على ما خرص عليهم\" ما نصه: \"ومبنى التخريص أن يحزر ما في النخل أو العنب من التمر اليابس إذا جذ على حسب جنسه، وما علم من حاله أنه يصير إليه عند الإثمار؛ لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا\". انتهى محل الغَرَض منه بلفظه.\nوقد تقرر عند جماهير العلماء أن لفظة إنما للحصر، وهو الحق، فقول الزرقاني: \"لأن الزكاة إنما تؤخذ منه تمرًا\" معناه حصر أخذ زكاة النخل في خصوص التمر، دون غيره من رطب ونحوه، معللًا بذلك اعتبار النصاب من التمر اليابس؛ لأن الإخراج مما تجب في عينه الزكاة من الثمار والحبوب وهو واضح، ولا يرد على ما ذكرناه أن وقت وجوب الزكاة هو وقت طيب التمر قبل أن يكون يابسًا؛ لإجماع العلماء على أنه لا يجب إخراجها بالفعل إلا بعد أن يصير تمرًا يابسًا؛ ولإجماعهم أيضًا على أنه إن أصابته جائحة اعتبرت، فتسقط زكاة ما أجيح، كما تسقط زكاة الكل إن لم يبق منه نصاب. وسيأتي له زيادة إيضاح.\nالدليل الثالث: أن النبي -  ﷺ  - كان يأخذها تمرًا بعد الجذاذ لا بلحًا ولا رطبًا، والله جل وعلا يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، ويقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية، ويقول: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nقال البخاري في صحيحه: \"باب أخذ صدقة التمر عند صرام النخل\" وهل يترك الصبي فيمس الصدقة.","vol":"2","page":285},{"text":"حدثنا عمر بن محمد بن الحسن الأسدي، حدثنا أبي، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن محمد بن زياد، عن أبي هريرة ﵁ قال: \"كان رسول الله -  ﷺ  - يؤتى بالتمر عند صرام النخل، فيجيء هذا بتمره، وهذا من تمره حتى يصير عنده كومًا من تمر، فجعل الحسن والحسين ﵄ يلعبان بذلك التمر، فأخذ أحدهما تمرة فجعلها في فيه فنظر إليه رسول الله -  ﷺ  -، فأخرجها من فيه. فقال: \"أما علمت أن آل محمد -  ﷺ  - لا يأكلون الصدقة\" اهـ.\nفهذا الحديث الصحيح نص صريح في أنه -  ﷺ  - كان يأخذ صدقة النخل تمرًا بعد الجذاذ، وقد تقرر في الأصول أن صيغة المضارع بعد لفظة كان في نحو كان يفعل كذا: تدل على كثرة التكرار والمداومة على ذلك الفعل، فقول أبي هريرة في الحديث المرفوع الصحيح: \"كان -  ﷺ  - يؤتى بالتمر عند صرام النخل\" الحديث. يدل دلالة واضحة على أن إخراج التمر عند الجذاذ هو الذي كان يفعل دائمًا في زمنه -  ﷺ  -، وهو الذي يأخذ في الزكاة ذلك التمر اليابس، فمن ادعى جواز إخراج زكاة النخل رطبًا أو بلحًا فهو مخالف لما كان عليه رسول الله -  ﷺ  -.\nوقال ابن حجر في \"فتح الباري\" في شرح هذا الحديث المذكور آنفًا ما نصه: \"قال الإسماعيلي: قوله عند صرام النخل، أي بعد أن يصير تمرًا؛ لأن النخل قد يصرم وهو رطب، فيتمر في المربد، ولكن ذلك لا يتطاول، فحسن أن ينسب إلى الصرام كما في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ فإن المراد بعد أن","vol":"2","page":286},{"text":"يداس وينقى والله تعالى أعلم\" اهـ. منه بلفظه وهو واضح فيما ذكرنا.\nوبما ذكرنا تعلم أن ما يدعيه بعض أهل العلم من المتأخرين من جواز إخراج زكاة النخل رطبًا وبسرًا غير صحيح، ولا وجه له، ولا دليل عليه. وأما إن كان التمر لا ييبس، كبلح مضر وعنبها فقد قدمنا عن مالك وأصحابه أن الزكاة تخرج من ثمنه إن بيع، أو قيمته إن أكل، لا من نفس الرطب أو العنب.\nوقد قدمنا عن ابن رشد قولًا مرجوحًا بإجزاء الرطب والعنب في خصوص ما لا ييبس.\nومذهب الشافعي ﵀ في زكاة ما لا ييبس: أنه على القول بأن القسمة تمييز حق لا بيع، فيجوز القسم ويجعل العشر أو نصفه متميزًا في نخلات، ثم ينظر المصدق: فإن رأى أن يفرق عليهم فعل، وإن رأى البيع وقسمة الثمن فعل، وأما على القول بأن القسمة بيع فلا تجوز في الرطب والعنب، ويقبض المصدق عشرها مشاعًا، بالتخلية بينه وبينها، ويستقر عليه ملك المساكين، ثم يبيعه ويأخذ ثمنه ويفرقه عليهم، وهكذا الحكم عنده فيما إذا احتيج إلى قطع الثمرة رطبًا خوفًا عليها من العطش ونحوه.\nوحكم هذه المسألة في المذهب الحنبلي فيه قولان:\nأحدهما: أنه يخير الساعي بين أن يقاسم رب المال الثمرة قبل الجذاذ بالخرص، ويأخذ نصيبهم نخلة مفردة، ويأخذ ثمرتها؛ وبين أن يجذها ويقاسمه إياها بالكيل، ويقسم التمرة في","vol":"2","page":287},{"text":"الفقراء، وبين أن يبيعها من رب المال أو غيره قبل الجذاذ أو بعده، ويقسم ثمنها في الفقراء.\nالقول الثاني: أن عليه الزكاة من تمر وزبيب يابسين. قال أبو بكر: وذكر أن أحمد -﵀- نص- عليه. قاله صاحب المغني. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب أحمد -﵀- في المسألتين: أعني الثمر الذي لا ييبس، والذي احتيج لقطعه قبل اليبس.\nالمسألة الثالثة: اختلف في وقت وجوب الزكاة فيما تنبته الأرض من ثمر وحب. فقال جمهور العلماء: تجب في الحب إذا اشتد، وفي الثمر إذا بدا صلاحه، فتعلق الوجوب عند طيب الثمر، ووجوب الإخراج بعد الجذاذ.\nوفائدة الخلاف أنه لو تصرف في الثمر والحب قبل الوجوب لم يكن عليه شيء، وإن تصرف في ذلك بعد وجوب الزكاة لم تسقط الزكاة عنه.\nومن فوائده أيضًا: أنه إذا مات بعد وقت الوجوب زكيت على ملكه، وإن مات قبل الوجوب زكيت على ملك الورثة.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية: واختلف العلماء في وقت الوجوب على ثلاثة أقوال:\nالأول: أنه وقت الجذاذ. قاله محمد بن مسلمة، لقوله تعالى: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nالثاني: يوم الطيب؛ لأن ما قبل الطيب يكون علفًا لا قوتًا","vol":"2","page":288},{"text":"ولا طعامًا، فإذا طاب وحان الأكل الذي أنعم الله به وجب الحق الذي أمر الله به، إذ بتمام النعمة يجب شكر النعمة، ويكون الإيتاء وقت الحصاد لما قد وجب يوم الطيب.\nالثالث: أنه يكون بعد تمام الخرص؛ لأنه حينئذ يتحقق الواجب فيه من الزكاة، فيكون شرطًا لوجوبها كمجيء الساعي في الغنم، وبه قال المغيرة. والصحيح الأول لنص التنزيل، والمشهور في المذهب الثاني، وبه قال الشافعي اهـ منه.\nوقد قدمنا أن مالكًا -﵀- يقول بأن كل ما أكله المالك أو تصدق به يحسب عليه، وجمهور العلماء يخالفونه -﵀- في ذلك.\nواحتجوا لأن ما يأكله لا يحسب عليه بقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وبالحديث المتقدم؛ أن على الخارص أن يدع الثلث أو الربع وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم بفتح الحاء، والباقون بكسرها، وهما لغتان مشهورتان كالصرام والصرام والجذاذ والجذاذ والقطاف والقطاف.\nفائدة: ينبغي لصاحب الحائط إذا أراد الجذاذ ألا يمنع المساكين من الدخول، وأن يتصدق عليهم؛ لقوله تعالى في ذم أصحاب أهل الجنة المذكورة في سورة القلم: ﴿إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ﴾ الآيات، والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ","vol":"2","page":289},{"text":"إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا﴾ الآية، هذه الآية الكريمة صريحة في أنه لم يحرم من المطعومات إلا هذه الأربعة المذكورة فيها، التي هي: الميتة، والدم، ولحم الخنزير، وما أهل به لغير الله، ولكنه تعالى بين في بعض المواضع تحريم غير المذكورات كتصريحه بتحريم الخمر في سورة المائدة بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾.\nوقال بعض العلماء لا يحرم مطعوم إلا هذه الأربعة المذكورة، وهو قول يروى عن ابن عمر وابن عباس وعائشة.\nقال القرطبي: ويروى عنهم أيضًا خلافه. وقال البخاري في \"صحيحه\": حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال عمرو: قلت لجابر بن زيد: يزعمون أن رسول الله -  ﷺ  - (نهى عن لحوم الحمر الأهلية) فقال: قد كان يقول ذلك الحكم بن عمرو الغفاري عندنا بالبصرة، ولكن أبى ذلك البحر ابن عباس، وقرأ: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ اهـ.\nوقال ابن خويز منداد من المالكية: تضمنت هذه الآية تحليل كل شيء من الحيوان وغيره إلا ما استثنى في الآية من الميتة، والدم، ولحم الخنزير، ولهذا قلنا: إن لحوم السباع وسائر الحيوان ما سوى الإنسان، والخنزير مباحة.\nوقال القرطبي: روي عن عائشة وابن عباس وابن عمر إباحة أكل لحوم السباع، والحمر، والبغال، وذكر حديث البخاري الذي قدمنا آنفًا.","vol":"2","page":290},{"text":"ثم قال: وروي عن ابن عمر أنه سئل عن لحوم السباع فقال: لا بأس بها. فقيل له: حديث أبي ثعلبة الخشني. فقال: لا ندع كتاب ربنا لحديث أعرابي يبول على ساقيه، وسئل الشعبي عن لحم الفيل، والأسد. فتلا هذه الآية.\nوقال القاسم: كانت عائشة تقول لما سمعت الناس يقولون: حرم كل ذي ناب من السباع: ذلك حلال. وتتلو هذه الآية: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: اعلم أنا نريد في هذا المبحث أن نبين حجة من قال بعدم تحريم لحوم السباع والحمر ونحوها، وحجة من قال بمنعها، ثم نذكر الراجح بدليله.\nواعلم أولًا: أن دعوى أنه لا يحرم مطعوم غير الأربعة المذكورة في هذه الآية باطلة بإجماع المسلمين؛ لإجماع جميع المسلمين، ودلالة الكتاب والسنة على تحريم الخمر، فهو دليل قاطع على تحريم غير الأربعة.\nومن زعم أن الخمر حلال لهذه الآية فهو كافر بلا نزاع بين العلماء.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن الذين استدلوا بهذه الآية على عدم تحريم ما ذكر قالوا: إن الله حصر المحرمات فيها في الأربعة المذكورة، وحصرها أيضًا في النحل فيها في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ لأن إِنَّمَا أداة حصر عند الجمهور، والنحل بعد الأنعام، بدليل قوله في النحل:","vol":"2","page":291},{"text":"﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. والمقصوص المحال عليه هو المذكور في الأنعام في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ﴾ الآية، ولأنه تعالى قال في الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ الآية. ثم صرح في النحل بأنهم قالوا ذلك بالفعل في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. فدل ذلك على أن النحل بعد الأنعام. وحصر التحريم أيضًا في الأربعة المذكورة في سورة البقرة في قوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ فقالوا: هذا الحصر السماوي الذي ينزل به الملك مرة بعد مرة في مكة في الأنعام، والنحل، وفي المدينة عند تشريع الأحكام في البقرة لا يمكننا معارضته، ولا إخراج شيء منه إلا بدليل قطعي المتن، متواتر كتواتر القرآن العظيم.\nفالخمر مثلًا دل القرآن على أنها محرمة فحرمناها؛ لأن دليلها قطعي، أما غيرها كالسباع والحمر والبغال فأدلة تحريمها أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو الآيات المذكورة آنفًا.\n\nتنبيه\nاعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره من أن زيادة تحريم السباع والخمر مثلًا بالسنة على الأربعة المذكورة في الآيات -كزيادة التغريب بالسنة على جلد الزاني مائة الثابت بالقرآن- وزيادة الحكم بالشاهد واليمين في الأموال الثابت بالسنة على الشاهدين -أو الشاهد والمرأتين المذكورة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية. غير ظاهر عندي؛ لوضوح الفرق بين","vol":"2","page":292},{"text":"الأمرين؛ لأن زيادة التغريب، والحكم بالشاهد واليمين على آية ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية. في الأولى، وآية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية. في الثاني زيادة شيء لم يتعرض له القرآن بنفي ولا إثبات، ومثل هذه الزيادة لا مانع منه عند جمهور العلماء؛ لأن الزيادة على النص ليست نسخًا له عند الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة -﵀-.\nوبناء على ذلك منع التغريب، والحكم بالشاهد واليمين؛ لأن الزيادة عنده نسخ، والقرآن لا ينسخ بأخبار الآحاد؛ لأنه قطعي المتن، وليست كذلك، أما زيادة محرم آخر على قوله: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية. فليست زيادة شيء سكت عنه القرآن كالأول، وإنما هي زيادة شيء نفاه القرآن؛ لدلالة الحصر القرآني على نفي التحريم عن غير الأربعة المذكورة، وبين الأمرين فرق واضح، وبه تعلم أن مالكًا -﵀- ليس ممن يقول: بأن الزيادة على النص نسخ، اللهم إلا إذا كانت الزيادة أثبتت ما كان منفيًا بالنص قبلها، فكونها إذن ناسخة واضح، وهناك نظر آخر، قال به بعض العلماء: وهو أن إباحة غير الأربعة المذكورة من الإباحة العقلية المعروفة عند أهل الأصول بالبراءة الأصلية، وهي استصحاب العدم الأصلي؛ لأن الأصل عدم تحريم شيء إلا بدليل، كما قاله جمع من أهل الأصول، وإذا كانت إباحته عقلية فرفعها ليس بنسخ حتى يشترط في ناسخها التواتر. وعزا ابن كثير في تفسيره هذا القول بعدم النسخ للأكثرين من المتأخرين.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وكونه نسخًا أظهر عندي؛ لأن","vol":"2","page":293},{"text":"الحصر في الآية يفهم منه إباحة ما سوى الأربعة شرعًا، فتكون إباحة شرعية؛ لدلالة القرآن عليها، ورفع الإباحة الشرعية نسخ بلا خلاف. وأشار في [مراقي السعود] إلى أن الزيادة التي لا تناقض الحكم الأول ليست نسخًا بقوله:\nوليس نسخًا كل ما أفادا ... فيما رسا بالنص الازديادا\nوهذا قول جمهور العلماء، ووجهوه بعدم منافاة الزيادة للمزيد، وما لا ينافي لا يكون ناسخًا، وهو ظاهر.\nواعلم أن مالك بن أنس -﵀- اختلفت عنه الرواية في لحوم السباع، فروي عنه أنها حرام، وهذا القول هو الذي اقتصر عليه في الموطأ؛ لأنه ترجم فيه بتحريم أكل كل ذي ناب من السباع، ثم ساق حديث أبي ثعلبة الخشني ﵁ بإسناده عن النبي -  ﷺ  - أنه نهى عن \"أكل كل ذي ناب من السباع\" ثم ساق بإسناده حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"أكل كل ذي ناب من السباع حرام\" ثم قال: وهو الأمر عندنا. وهذا صريح في أن الصحيح عنده تحريمها، وجزم القرطبي بأن هذا هو الصحيح من مذهبه، وروي عنه أيضًا أنها مكروهة، وهو ظاهر المدونة، وهو المشهور عند أهل مذهبه، ودليل هذا القول هو الآيات التي ذكرنا، ومن جملتها الآية التي نحن بصددها.\nوما روى عن ابن عباس وابن عمر وعائشة من إباحتها هو قول الأوزاعي.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الذي يظهر رجحانه بالدليل هو ما","vol":"2","page":294},{"text":"ذهب إليه الجمهور من أن كل ما ثبت تحريمه بطريق صحيحة من كتاب أو سنة فهو حرام، ويزاد على الأربعة المذكورة في الآيات، ولا يكون في ذلك أي مناقضة للقرآن؛ لأن المحرمات المزيدة عليه حرمت بعدها.\nوقد قرر العلماء أنه لا تناقض يثبت بين القضيتين إذا اختلف زمنها؛ لاحتمال صدق كل منهما في وقتها، وقد اشترط عامة النظار في التناقض اتحاد الزمان؛ لأنه إن اختلف جاز صدق كل منهما في وقتها، كما لو قلت: لم يستقبل بيت المقدس، قد استقبل بيت المقدس، وعنيت بالأولى ما بعد النسخ، وبالثانية ما قبله، فكلتاهما تكون صادقة، وقد أشرت في أرجوزتي في فن المنطق إلى أنه يشترط في تناقض القضيتين اتحادهما فيما سوى الكيف أعني الإيجاب والسلب، من زمان ومكان، وشروط وإضافة، وقوة وفعل، وتحصيل وعدول، وموضوع ومحمول، وجزء وكل، بقولي:\nوالاتحاد لازم بينهما ... فيما سوى الكيف كشرط علما\nوالجزء والكل مع المكان ... والفعل والقوة والزمان\nإضافة تحصيل أو عدول ... ووحدة الموضوع والمحمول\nفوقت نزول الآيات المذكورة لم يكن حرامًا غير الأربعة المذكورة، فحصرها صادق قبل تحريم غيرها بلاشك، فإذا طرأ تحريم شيء آخر بأمر جديد فذلك لا ينافي الحصر الأول؛ لتجدده بعده. وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى، وبه يتضح أن الحق جواز نسخ المتواتر بالسنة الصحيحة الثابت تأخرها عنه وإن منعه أكثر أهل الأصول.","vol":"2","page":295},{"text":"وإذا عرفت ذلك: فسنفصل لك إن شاء الله تعالى المحرمات التي حرمت بعد هذا، وأقوال العلماء فيها.\nفمن ذلك كل ذي ناب من السباع، فالتحقيق تحريمه؛ لما قدمنا من حديث أبي هريرة، وأبي ثعلبة الخشني من النهي عنها، وتحريمها، وأما حديث أبي ثعلبة فمتفق عليه، وأما حديث أبي هريرة فقد أخرجه مسلم في صحيحه عنه عن النبي -  ﷺ  -: بلفظ \"كل ذي ناب من السباع فأكله حرام\".\nوالأحاديث في الباب كثيرة، وبه تعلم أن التحقيق هو تحريم أكل كل ذي ناب من السباع.\nوالتحقيق أن أكل كل ذي مخلب من الطير نهي عنه -  ﷺ  -، ولا عبرة بقول من قال من المالكية وغيرهم: أنه لم يثبت النهي عنه -  ﷺ  -، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس أنه -  ﷺ  -: \"نهى عن كل ذي ناب من السباع، وذي مخلب من الطير\" اهـ.\nفقرن في الصحيح بما صرح بأنه حرام، مع أن كلًا منهما ذو عداء وافتراس، فدل كل ذلك على أنه منهي عنه.\nوالأصل في النهي التحريم، وبتحريم ذي الناب من السباع، وذي المخلب من الطير قال جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة وداود.\nوقد قدمنا أنه الصحيح عن مالك في السباع، وأن مشهور مذهبه الكراهة، وعنه قول بالجواز، وهو أضعفها، والحق التحريم لما ذكرنا.","vol":"2","page":296},{"text":"ومن ذلك الحمر الأهلية، فالتحقيق أيضًا أنها حرام، وتحريمها لا ينبغي أن يشك فيه منصف؛ لكثرة الأحاديث الصحيحة الواردة بتحريمها، وقد روى البخاري ومسلم تحريمها من حديث علي بن أبي طالب، وجابر بن عبد الله، وسلمة بن الأكوع، وعبد الله بن عمر، والبراء بن عازب، وعبد الله بن أبي أوفى، وأنس، وأبي ثعلبة الخشني ﵃، وأحاديثهم دالة دلالة صريحة على التحريم، فلفظ حديث أبي ثعلبة عند البخاري ومسلم: \"حرم رسول الله -  ﷺ  - لحوم الحمر الأهلية\" وهذا صريح صراحة تامة في التحريم، ولفظ حديث أنس عندهما أيضًا \"إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر الأهلية؛ فإنها رجس\" وفي رواية لمسلم \"فإنها رجس من عمل الشيطان\" وفي رواية له أيضًا \"فإنها رجس أو نجس\".\nقال مقيده - عفا الله عنه -: حديث أنس هذا المتفق عليه الذي صرح فيه رسول الله -  ﷺ  - بأن لحوم الحمر الأهلية رجس صريح في تحريم أكلها، ونجاسة لحمها، وأن علة تحريمها ليست لأنها لم يخرج خمسها، ولا أنها حمولة كما زعمه بعض أهل العلم. -والله تعالى أعلم-.\nولا تعارض هذه الأحاديث الصحيحة المتفق عليها بما رواه أبو داود من حديث غالب بن أبجر المزني ﵁ قال: \"أتيت النبي -  ﷺ  -، فقلت: يا رسول الله أصابتنا السنة، ولم يكن في مالي ما أطعم أهلي إلا سمان حمر، وإنك حرمت الحمر الأهلية فقال: أطعم أهلك من سمين حمرك، فإنما حرمتها من أجل جوال القرية\" اهـ.","vol":"2","page":297},{"text":"والجوال: جمع جالة، وهي التي تأكل الجلة، وهي في الأصل البعر، والمراد به هنا أكل النجاسات كالعذرة.\nقال النووي في شرح المهذب: اتفق الحفاظ على تضعيف هذا الحديث.\nقال الخطابي والبيهقي: هو حديث يختلف في إسناده. يعنون مضطربًا، وما كان كذلك لا تعارض به الأحاديث المتفق عليها.\nوأما البغال فلا يجوز أكلها أيضًا؛ لما روى أحمد والترمذي من حديث جابر قال: \"حرم رسول الله -  ﷺ  - يعني يوم خيبر- لحوم الحمر الإنسية، ولحوم البغال، وكل ذي ناب من السباع، وكل ذي مخلب من الطير\" أصل حديث جابر هذا في الصحيحين كما تقدم، وهو بهذا اللفظ بسند لا بأس به. قاله ابن حجر، والشوكاني.\nوقال ابن كثير في تفسيره: وروى الإمام أحمد وأبو داود بإسنادين كل منهما على شرط مسلم عن جابر قال: \"ذبحنا يوم خيبر الخيل، والبغال، والحمير، فنهانا رسول الله -  ﷺ  - عن البغال والحمير، ولم ينهنا عن الخيل\" وهو دليل واضح على تحريم البغال، ويؤيده أنها متولدة عن الحمير، وهي حرام قطعًا؛ لصحة النصوص بتحريمها.\nوأما الخيل فقد اختلف في جواز أكلها العلماء.\nفمنعها مالك -﵀- في أحد القولين، وعنه أنها مكروهة، وكل من القولين صححه بعض المالكية، والتحريم أشهر عندهم.","vol":"2","page":298},{"text":"وقال أبو حنيفة -﵀- أكره لحم الخيل، وحمله أبو بكر الرازي على التنزيه؛ وقال: لم يطلق أبو حنيفة فيها التحريم، وليست عنده كالحمار الأهلي.\nوصحح عنه صاحب المحيط، وصاحب الهداية، وصاحب الذخيرة التحريم، وهو قول أكثر الحنفية.\nوممن رويت عنه كراهة لحوم الخيل الأوزاعي، وأبو عبيد وخالد بن الوليد ﵁، وابن عباس، والحكم.\nومذهب الشافعي وأحمد -رحمهما الله تعالى- جواز أكل الخيل، وبه قال أكثر أهل العلم.\nوممن قال به عبد الله بن الزبير، وفضالة بن عبيد، وأنس، بن مالك، وأسماء بنت أبي بكر، وسويد بن غفلة، وعلقمة، والأسود وعطاء وشريح، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وإبراهيم النخعي، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد، وداود، وغيرهم.\nكما نقله عنهم النووي في \"شرح المهذب\" وسنبين -إن شاء الله- حجج الجميع وما يقتضي الدليل رجحانه.\nاعلم أن من منع أكل لحم الخيل احتج بآية وحديث.\nأما الآية فقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. فقال: قد قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ فهذه للأكل، وقال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا﴾ فهذه للركوب، لا للأكل، وهذا تفصيل","vol":"2","page":299},{"text":"من خلقها وامتن بها، وأكد ذلك بأمور:\nأحدها: أن اللام للتعليل، أي خلقها لكم لعلة الركوب والزينة؛ لأن العلة المنصوصة تفيد الحصر، فإباحة أكلها تقتضي خلاف ظاهر الآية.\nثانيها: عطف البغال والحمير عليها، فدل على اشتراكها معهما في حكم التحريم.\nثالثها: أن الآية الكريمة سيقت للامتنان، وسورة النحل تسمى سورة الامتنان، والحكم لا يمتن بأدنى النعم، ويترك أعلاها، لاسيما سيما وقد وقع الامتنان بالأكل في المذكورات قبلها.\nرابعها: لو أبيح أكلها لفاتت المنفعة التي وقع بها الامتنان من الركوب والزينة.\nوأما الحديث: فهو ما رواه الإمام أحمد وأبو داود، والنسائي وابن ماجه عن خالد بن الوليد ﵁ قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - عن أكل لحوم الخيل والبغال والحمير\".\nورد الجمهور الاستدلال بالآية الكريمة بأن آية النحل نزلت في مكة اتفاقًا، والإذن في أكل الخيل يوم خيبر كان بعد الهجرة من مكة بأكثر من ست سنين، فلو فهم النبي -  ﷺ  - المنع من الآية لما أذن في الأكل، وأيضًا آية النحل ليست صريحة في منع أكل الخيل، بل فهم من التعليل، وحديث جابر، وحديث أسماء بنت أبي بكر المتفق عليهما كلاهما صريح في جواز أكل الخيل، والمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.","vol":"2","page":300},{"text":"وأيضًا فالآية على تسليم صحة دلالتها المذكورة فهي إنما تدل على ترك الأكل، والترك أعم من أن يكون للتحريم أو للتنزيه، أو خلاف الأولى، وإذا لم يتعين واحد منها بقي التمسك بالأدلة المصرحة بالجواز.\nوأيضًا فلو سلمنا أن اللام للتعليل لم نسلم إفادة الحصر في الركوب والزينة، فإنه ينتفع بالخيل في غيرهما، وفي غير الأكل اتفاقًا، وإنما ذكر الركوب والزينة لكونهما أغلب ما تطلب له الخيل.\nونظيره حديث البقرة المذكور في الصحيحين حين خاطبت راكبها فقالت: \"إنا لم نخلق لهذا، إنا خلقنا للحرث\" فإنه مع كونه أصرح في الحصر لم يقصد به إلا الأغلب، وإلا فهي تؤكل وينتفع بها في أشياء غير الحرث اتفاقًا.\nوأيضًا فلو سلم الاستدلال المذكور للزم منع حمل الأثقال على الخيل والبغال والحمير؛ للحصر المزعوم في الركوب والزينة؛ ولا قائل بذلك.\nوأما الاستدلال بعطف الحمير والبغال عليها فهو استدلال بدلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر العلماء من أهل الأصول. كما أشار له في [مراقي السعود] بقوله:\nأما قران اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوي المذكور\nوأما الاستدلال بأن الآية الكريمة سيقت للامتنان فيجاب عنه بأنه قصد به ما كان الانتفاع به أغلب عند العرب، فخوطبوا بما","vol":"2","page":301},{"text":"عرفوا وألفوا، ولم يكونوا يألفون أكل الخيل لعزتها في بلادهم، وشدة الحاجة إليها في القتال، بخلاف الأنعام فأكثر انتفاعهم بها كان لحمل الأثقال، وللأكل؛ فاقتصر في كل من الصنفين على الامتنان بأغلب ما ينتفع به فيه.\nفلو لزم من ذلك الحصر في هذا الشق للزم مثله في الشق الآخر كما قدمنا.\nوأما الاستدلال بأن الإذن في أكلها سبب لفنائها وانقراضها فيجاب عنه بأنه أذن في أكل الأنعام ولم تنقرض، ولو كان الخوف من ذلك علة لمنع في الأنعام لئلا تنقرض، فيتعطل الانتفاع بها في غير الأكل. قاله ابن حجر.\nوأما الاستدلال بحديث خالد بن الوليد ﵁ فهو مردود من وجهين:\nالأول: أنه ضعفه علماء الحديث؛ فقد قال ابن حجر في [فتح الباري] في باب \"لحوم الخيل\" ما نصه: \"وقد ضعف حديث خالد أحمد، والبخاري، وموسى بن هارون، والدارقطني، والخطابي، وابن عبد البر، وعبد الحق، وآخرون.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\": واتفق العلماء من أئمة الحديث وغيرهم على أن حديث خالد المذكور حديث ضعيف، وذكر أسانيد بعضهم بذلك، وحديث خالد المذكور مع أنه مضطرب في إسناده صالح بن يحيى بن المقدام بن معد يكرب، ضعفه غير واحد، وقال فيه ابن حجر في \"التقريب\": لين. وفيه أيضًا: والده","vol":"2","page":302},{"text":"يحيى المذكور الذي هو شيخه في هذا الحديث. قال فيه في \"التقريب\": مستور.\nالوجه الثاني: أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد فإنه معارض بما هو أقوى منه، كحديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"نهى النبي -  ﷺ  - يوم خيبر عن لحوم الحمر، ورخص في لحوم الخيل\" وفي لفظ في الصحيح \"وأذن في لحوم الخيل\" وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق ﵂ قالت: \"نحرنا فرسًا على عهد رسول الله -  ﷺ  - فأكلناه\" متفق عليهما.\nولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل، والعلم عند الله تعالى. ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط، كما قال بعض أهل العلم:\nوإن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستبن\nومن ذلك الكلب فإن أكله حرام عند عامة العلماء، وعن مالك قول ضعيف جدًا بالكراهة.\nولتحريمه أدلة كثيرة: منها ما تقدم في ذي الناب من السباع؛ لأن الكلب سبع ذو ناب.\nومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه، وقد ثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري مقرونًا بحلوان الكاهن، ومهر البغي، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة، وأخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج ﵁، بلفظ","vol":"2","page":303},{"text":"\"ثمن الكلب خبيث\" الحديث. وذلك نص في التحريم لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية.\nفإن قيل: ما كل خبيث يحرم؛ لما ورد في الثوم أنه خبيث، وفي كسب الحجام أنه خبيث، مع أنه لم يحرم واحد منهما.\nفالجواب أن ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلًا على تحريمه، وما أخرجه دليل يخرج، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب، والسنة، يخرج منها بعض الأفراد بمخصص، وتبقى حجة في الباقي. وهذا مذهب الجمهور، وإليه أشار في [مراقي السعود] بقوله:\nوهو حجة لدى الأكثر إن ... مخصص له معينًا يبن\nفإن قيل: تحريم الخبائث لعلة الخبث، وإذا وجد خبيث غير محرم كان ذلك نقضًا في العلة، لا تخصيصًا لها.\nفالجواب أن أكثر العلماء على أن النقض تخصيص للعلة، لا إبطال لها. قال في [مراقي السعود]:\nمنها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم\nوالأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح\n... إلخ كما حررناه في غير هذا الموضع.\nومن الأدلة على تحريم الكلب ما ثبت في الصحيحين من الأحاديث الصريحة في تحريم اقتنائه، وأن اقتناءه ينقص أجر مقتنيه","vol":"2","page":304},{"text":"كل يوم، فلو كان أكله مباحًا لكان اقتناؤه مباحًا.\nوإنما رخص -  ﷺ  - في كلب الصيد، والزرع، والماشية للضرورة.\nفمن ذلك ما أخرجه الشيخان من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله  ﷺ: \"من اتخذ كلبًا إلا كلب صيد، أو زرع، أو ماشية انتقص من أجره كل يوم قيراط\" ومنه أيضًا ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث سفيان بن أبي زهير الشنائي ﵁ قال: \"سمعت رسول الله -  ﷺ  -، يقول: من اقتنى كلبًا لا يغنى عنه زرعًا، ولا ضرعًا نقص من عمله كل يوم قيراط\" ورواه البخاري عن ابن عمر بثلاث طرق بلفظ \"نقص كل يوم من عمله قيراطان\" وأخرجه مسلم أيضًا عن ابن عمر من طرق: في بعضها قيراط، وفي بعضها قيراطان.\nوالأحاديث في الباب كثيرة، وهذا أوضح دليل على أن الكلب لا يجوز أكله، إذ لو جاز أكله لجاز اقتناؤه للأكل وهو ظاهر.\nومن ذلك ما ثبت في صحيح مسلم من حديث جابر، وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن المغفل، ﵃ من أنه -  ﷺ  - أمر بقتل الكلاب، ولو كانت مباحة الأكل لما أمر بقتلها، ولم يرخص -  ﷺ  - فيها إلا لضرورة الصيد، أو الزرع، أو الماشية.\nوإذا عرفت أن في كلب الصيد وما ذكر معه، بعض المنافع المباحة، كالانتفاع بصيده، أو حراسته الماشية، أو الزرع فاعلم أن العلماء اختلفوا في بيعه.","vol":"2","page":305},{"text":"فمنهم من قال: بيعه تابع للحمه، ولحمه حرام، فبيعه حرام، وهذا هو أظهر الأقوال دليلًا؛ لما قدمنا من أن ثمن الكلب خبيث، وأن النبي -  ﷺ  - نهى عنه مقرونًا بحلوان الكاهن، ومهر البغي.\nوهو نص صحيح صريح في منع بيعه.\nويؤيده ما رواه أبو داود بإسناد صحيح من حديث ابن عباس ﵄ مرفوعًا قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - عن ثمن الكلب\" وقال: إن جاء يطلب ثمن الكلب فاملأ كفه ترابًا.\nقال النووي في [شرح المهذب] وابن حجر في [الفتح]: إسناده صحيح. وروى أبو داود أيضًا من حديث أبي هريرة مرفوعًا: \"لا يحل ثمن الكلب، ولا حلوان الكاهن، ولا مهر البغي\" قال ابن حجر في [الفتح]: إسناده حسن، وقال النووي في [شرح المهذب]: إسناده حسن صحيح.\nوإذا حققت ذلك فاعلم أن القول بمنع بيع الكلب الذي ذكرناه أنه هو الحق عام في المأذون في اتخاذه وغيره؛ لعموم الأدلة، وممن قال بذلك: أبو هريرة، والحسن البصري، والأوزاعي، وربيعة، والحكم، وحماد، والشافعي، وأحمد، وداود، وابن المنذر وغيرهم، وهو المشهور الصحيح من مذهب مالك خلافًا لما ذكره القرطبي في المفهم من أن مشهور مذهبه الكراهة، وروي عن مالك أيضًا جواز بيع كلب الصيد ونحوه، دون الذي لم يؤذن في اتخاذه، وهو قول سحنون؛ لأنه قال: أبيع كلب الصيد وأحج بثمنه.\nوأجاز بيعه أبو حنيفة مطلقًا إن كانت فيه منفعة من صيد، أو","vol":"2","page":306},{"text":"حراسة لماشية مثلا، وحكي نحوه ابن المنذر عن جابر، وعطاء، والنخعي. قاله النووي.\nوإن قتل الكلب المأذون فيه ككلب الصيد ففيه القيمة عند مالك، ولا شيء فيه عند أحمد والشافعي، وأوجبها فيه أبو حنيفة مطلقًا إن كانت فيه منفعة.\nوحجة من قال: لا قيمة فيه أن القيمة ثمن، والنص الصحيح نهى عن ثمن الكلب، وجاء فيه التصريح بأن طالبه تملأ كفه ترابًا، وذلك أبلغ عبارة في المنع منه.\nواحتج من أوجبها بأنه فوت منفعة جائزة، فعليه غرمها.\nواحتج من أجاز بيع الكلب وألزم قيمته إن قتل بما روي عن أبي هريرة ﵁ أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن ثمن الكلب إلا كلب صيد\" وعن عمر ﵁ أنه غرم رجلًا عن كلب قتله عشرين بعيرًا، وعن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قضى في كلب صيد قتله رجل بأربعين درهمًا، وقضى في كلب ماشية بكبش.\nواحتجوا أيضًا بأن الكلب المأذون فيه تجوز الوصية به والانتفاع به فأشبه الحمار.\nوأجاب الجمهور بأن الأحاديث والآثار المروية في جواز بيع كلب الصيد ولزوم قيمته كلها ضعيفة.\nقال النووي في \"شرح المهذب\" ما نصه: \"وأما الجواب عما احتجوا به من الأحاديث والآثار فكلها ضعيفة باتفاق المحدثين\" وهكذا أوضح الترمذي، والدارقطني، والبيهقي ضعفها. والاحتجاج","vol":"2","page":307},{"text":"بجواز الوصية به وشبهه بالحمار مردود بالنصوص الصحيحة المصرحة بعدم حلية ثمنه.\nوما ذكره ابن عاصم المالكي في \"تحفته\" من قوله:\nواتفقوا أن كلاب البادية ... يجوز بيعها ككلب الماشية\nفقد رده عليه ﵀ علماء المالكية، وقد قدمنا أنه قول سحنون.\nواعلم أن ما روي عن جابر وابن عمر مرفوعًا يدل على جواز بيع كلب الصيد كله ضعيف كما بين تضعيفه ابن حجر في [فتح الباري] في باب \"ثمن الكلب\".\nقال القرطبي: وقد زعم ناس أنه لم يكن في العرب من يأكل لحم الكلب إلا قوم من فقعس.\nومن ذلك القرد: فإنه لا يجوز أكله، قال القرطبي في تفسيره: قال أبو عمر -يعني ابن عبد البر-: أجمع المسلمون على أنه لا يجوز أكل القرد؛ لنهى رسول الله -  ﷺ  - عن أكله، ولا يجوز بيعه لأنه لا منفعة فيه.\nقال: وما علمت أحدًا رخص في أكله إلا ما ذكره عبد الرزاق عن معمر، عن أيوب سئل مجاهد عن، أكل القرد، فقال: ليس من بهيمة الأنعام.\nقلت: ذكر ابن المنذر أنه قال: روينا عن عطاء أنه سئل عن القرد يقتل في الحرم. قال: يحكم به ذوا عدل.","vol":"2","page":308},{"text":"قال: فعلى مذهب عطاء يجوز أكل لحمه؛ لأن الجزاء لا يجب على من قتل غير الصيد.\nوفي \"بحر المذهب\" للروياني -على مذهب الشافعي- وقال الشافعي: يجوز بيع القرد لأنه يعلم، وينتفع به لحفظ المتاع. اهـ.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\": القرد حرام عندنا، وبه قال عطاء وعكرمة ومجاهد، ومكحول والحسين وابن حبيب المالكي.\nوقال ابن قدامة في [المغني]: وقال ابن عبد البر: لا أعلم بين علماء المسلمين خلافًا أن القرد لا يؤكل ولا يجوز بيعه، وروي عن الشعبي: أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن لحم القرد\" ولأنه سبع فيدخل في عموم الخبر، ولأنه مسخ أيضًا، فيكون من الخبائث المحرمة.\nوقد قدمنا جزم ابن حبيب، وابن عبد البر من المالكية بأنه حرام. قال الباجي: الأظهر عندي من مذهب مالك وأصحابه: أنه ليس بحرام.\nومن ذلك الفيل: فالظاهر فيه أنه من ذوات الناب من السباع، وقد قدمنا أن التحقيق فيها التحريم؛ لثبوته عن رسول الله -  ﷺ  -، وهو مذهب الجمهور، وممن صححه من المالكية ابن عبد البر والقرطبي.\nوقال بعض المالكية: كراهته أخف من كراهة السبع، وأباحه أشهب، وعن مالك في المدونة كراهة الانتفاع بالعاج، وهو سن الفيل.","vol":"2","page":309},{"text":"وقال ابن قدامة في [المغني]: والفيل محرم. قال أحمد: ليس هو من أطعمة المسلمين، وقال الحسن: هو مسخ، وكرهه أبو حنيفة، والشافعي، ورخص في أكله الشعبي.\nولنا نهى النبي -  ﷺ  - عن أكل كل ذي ناب من السباع، وهو من أعظمها نابًا. ولأنه مستخبث، فيدخل في عموم الآية المحرمة للخبائث. اهـ.\nوقال النووي في شرح المهذب: الفيل حرام عندنا، وعند أبي حنيفة، والكوفيين، والحسن، وأباحه الشعبي، وابن شهاب، ومالك في رواية.\nوحجة الأولين أنه ذو ناب. اهـ.\nومن ذلك الهر، والثعلب، والدب. فهي عند مالك من ذوات الناب من السباع؛ وعنه رواية أخرى أنها مكروهة كراهة تنزيه، ولا تحريم فيها قولًا واحدًا؛ والهر الأهلي والوحشي عنده سواء.\nوفرق بينهما غيره من الأئمة كالشافعي وأحمد وأبي حنيفة: فمنعوا الأهلي.\nقال ابن قدامة في [المغني]: فأما الأهلي فمحرم في قول إمامنا، ومالك، وأبي حنيفة، والشافعي.\nوقد روي عن النبي -  ﷺ  - أنه نهى عن أكل الهر، وقال ابن قدامة في [المغني] أيضًا: واختلفت الرواية في الثعلب فأكثر الروايات عن أحمد تحريمه. وهذا قول أبي هريرة، ومالك، وأبي حنيفة لأنه سبع، فيدخل في عموم النهي، ونقل عن أحمد إباحته،","vol":"2","page":310},{"text":"واختاره الشريف أبو جعفر، ورخص فيه عطاء، وطاووس، وقتادة، والليث، وسفيان بن عيينة والشافعي؛ لأنه يفدى في الإحرام والحرم إلى أن قال: واختلف الرواية عن أحمد في سنور البر، والقول فيه كالقول في الثعلب.\nوحكى النووي اتفاق الشافعية على إباحة الثعلب.\nوقال صاحب [المهذب]: وفي سنور الوحش وجهان:\nأحدهما: لا يحل؛ لأنه يصطاد بنابه فلم يحل كالأسد والفهد.\nوالثاني: يحل؛ لأنه حيوان يتنوع إلى حيوان وحشي وأهلي، فيحرم الأهلي منه، ويحل الوحشي كالحمار.\nوأما الدب فهو سبع ذو ناب عند مالك، والشافعي، وأصحاب أبي حنيفة، وقال أحمد: إن كان الدب ذا ناب منع أكله، وإن لم يكن ذا ناب فلا بأس بأكله.\nواختلف العلماء في جواز أكل الضبع. وهو عند مالك كالثعلب. وقد قدمنا عنه أنه سبع في رواية، وفي أخرى أنه مكروه، ولا قول فيه بالتحريم، والأحاديث التي قدمناها في سورة المائدة بأن الضبع صيد تدل على إباحة أكلها، وروي عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يأكل الضباع. قاله القرطبي، ورخص في أكلها الشافعي وغيره.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: قال الشافعي: وما يباع لحم الضباع بمكة إلا بين الصفا والمروة.\nوحجة مالك في مشهور مذهبه أن الضبع من جملة السباع،","vol":"2","page":311},{"text":"فيدخل في عموم النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع، ولم يخص سبعًا منها عن سبع.\nقال القرطبي: وليس حديث الضبع الذي خرجه النسائي في إباحة أكلها مما يعارض به حديث النهي؛ لأنه حديث انفرد به عبد الرحمن بن أبي عمار، وليس مشهورًا بنقل العلم، ولا ممن يحتج به إذا خالفه من هو أثبت منه.\nقال أبو عمر: وقد روي النهي عن أكل كل ذي ناب من السباع من طرق متواترة، وروى ذلك جماعة من الأئمة الثقات الأثبات، ومحال أن يعارضوا بمثل حديث ابن أبي عمار اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: للمخالف أن يقول: أحاديث النهي عامة في كل ذي ناب من السباع، ودليل إباحة الضبع خاص، ولا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام، فيخصص عمومه به كما هو مقرر في الأصول.\nومن ذلك القنفذ. فقد قال بعض العلماء بتحريمه، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي هريرة، وأجاز أكله الجمهور، منهم مالك، والشافعي، والليث، وأبو ثور وغيرهم.\nواحتج من منعه بما رواه أبو داود والبيهقي عن أبي هريرة أنه قال: ذكر القنفذ لرسول الله -  ﷺ  -، فقال: \"هو خبيث من الخبائث\".\nواحتج من أباحه -وهم الجمهور- بأن الحديث لم يثبت، ولا تحريم إلا بدليل.\nقال البيهقي في السنن الكبرى -بعد أن ساق حديث أبي","vol":"2","page":312},{"text":"هريرة المذكور في خبث القنفذ-: هذا حديث لم يرو إلا بهذا الإسناد، وهو إسناد فيه ضعف.\nوممن كره أكل القنفذ أبو حنيفة وأصحابه. قاله القرطبي وغيره.\nومن ذلك حشرات الأرض، كالفأرة، والحيات، والأفاعي، والعقارب، والخنفساء، والعظاية، والضفادع، والجرذان، والوزغ، والصراصير، والعناكب، وسام أبرص، والجعلان، وبنات وردان، والديدان، وحمار قبان، ونحو ذلك.\nفجمهور العلماء على تحريم أكل هذه الأشياء؛ لأنها مستخبثة طبعًا، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.\nوممن قال بذلك الشافعي، وأبو حنيفة، وأحمد، وابن شهاب وعروة، وغيرهم -رحمهم الله تعالى- ورخص في أكل ذلك: مالك، واشترط في جواز أكل الحيات أن يؤمن سمها.\nوممن روي عنه الترخيص في أكل الحشرات الأوزاعي، وابن أبي ليلى.\nواحتجوا بما رواه أبو داود، والبيهقي من حديث ملقام بن تلب، عن أبيه تلب بن ثعلبة بن ربية التميمي العنبري، ﵁ قال: صحبت النبي -  ﷺ  -، فلم أسمع لحشرة الأرض تحريمًا.\nواحتجوا أيضًا بأن الله حرم أشياء، وأباح أشياء، فما حرم فهو حرام، وما أباح فهو مباح، وما سكت عنه فهو عفو.\nوقالت عائشة ﵂ في الفأرة: ما هي بحرام،","vol":"2","page":313},{"text":"وقرأت قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية.\nويجاب عن هذا بأن ملقام بن تلب مستور لا يعرف حاله، وبأن قول أبيه تلب بن ثعلبة ﵁: لم أسمع لحشرة الأرض تحريمًا لا يدل على عدم تحريمها، كما قاله الخطابي، والبيهقي؛ لأن عدم سماع صحابي لشيء لا يقتضي انتفاءه كما هو معلوم، وبأنه تعالى لم يسكت عن هذا؛ لأنه حرم الخبائث، وهذه خبائث لا يكاد طبع سليم يستسيغها، فضلًا عن أن يستطيبها، والذين يأكلون مثل هذه الحشرات من العرب إنما يدعوهم لذلك شدة الجوع، كما قال أحد شعرائهم:\nأكلنا الربى يا أم عمرو ومن يكن ... غريبًا لديكم يأكل الحشرات\nوالربى جمع ربية، وهي الفأرة. قاله القرطبي.\nوفي اللسان أنها دويبة بين الفأرة وأم حبين. ولتلك الحاجة الشديدة لما سئل بعض العرب عما يأكلون؟ قال: كل ما دب ودرج، إلا أم حبين، فقال: لتهن أم حبين العافية.\nوقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن النبي -  ﷺ  - أباح قتل الفأرة، وما ذكر معها من الفواسق، فدل ذلك على عدم إباحتها.\nواعلم أن ما ذكره بعض أهل العلم كالشافعي من أن كل ما يستخبثه الطبع السليم من العرب الذين نزل القرآن عليهم في غير حال ضرورة الجوع حرام؛ لقوله تعالى: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ الآية. استدلال ظاهر، لا وجه لما رده به أهل الظاهر من أن ذلك أمر لا يمكن أن يناط به حكم، لأنه لا ينضبط، لأن معنى الخبث","vol":"2","page":314},{"text":"معروف عندهم، فما اتصف به فهو حرام، للآية.\nولا يقدح في ذلك النص على إباحة بعض المستخبثات، كالثوم؛ لأن ما أخرجه الدليل يخصص به عموم النص، ويبقى حجة فيما لم يخرجه دليل، كما قدمنا.\nويدخل فيه أيضًا كل ما نص الشرع على أنه خبيث إلا لدليل يدل على إباحته مع إطلاق اسم الخبث عليه.\nواستثنى بعض أهل العلم من حشرات الأرض الوزغ، فقد ادعى بعضهم الإجماع على تحريمه، كما ذكره ابن قدامة في [المغني] عن ابن عبد البر.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ويدل له حديث أم شريك المتفق عليه أنه -  ﷺ  - أمر بقتل الأوزاغ، وكذلك روى الشيخان أيضًا من حديث سعد بن أبي وقاص ﵁، موصولًا عند مسلم، ومحتملًا للإرسال عند البخاري، فإن قوله: وزعم سعد بن أبي وقاص أنه أمر بقتله محتمل لأن يكون من قول عائشة، ومحتمل لأن يكون من قول عروة، وعليهما فالحديث متصل، ويحتمل أن يكون من قول الزهري، فيكون منقطعًا. واختاره ابن حجر في [الفتح] وقال: كأن الزهري وصله لمعمر، وأرسله ليونس. اهـ، ومن طريق يونس رواه البخاري، ومن طريق معمر رواه مسلم في [صحيحه] من حديث أبي هريرة مرفوعًا الترغيب في قتل الوزغ، وكل ذلك يدل على تحريمه.\nواختلف العلماء أيضًا في ابن آوى، وابن عرس: فقال بعض","vol":"2","page":315},{"text":"العلماء بتحريم أكلهما، وهو مذهب الإمام أحمد، وأبي حنيفة -رحمهما الله تعالى- قال في [المغني]: سئل أحمد عن ابن آوى، وابن عرس. فقال: كل شيء ينهش بأنيابه من السباع، وبهذا قال أبو حنيفة، وأصحابه اهـ.\nومذهب الشافعي -﵀- الفرق بينهما، فابن عرس حلال عند الشافعية بلا خلاف؛ لأنه ليس له ناب قوي، فهو كالضب، واختلف الشافعية في ابن آوى. فقال بعضهم: يحل أكله؛ لأنه لا يتقوى بنابه فهو كالأرنب.\nوالثاني: لا يحل؛ لأنه مستخبث كريه الرائحة، ولأنه من جنس الكلاب. قاله النووي، والظاهر من مذهب مالك كراهتهما.\nوأما الوبر واليربوع فأكلهما جائز عند مالك وأصحابه. وهو مذهب الشافعي وعليه عامة أصحابه، إلا أن في الوبر وجهًا عندهم بالتحريم.\nوقد قدمنا أن عمر أوجب في اليربوع جفرة، فدل ذلك على أنه صيد، ومشهور مذهب الإمام أحمد أيضًا جواز أكل اليربوع، والوبر.\nوممن قال بإباحة الوبر: عطاء وطاوس، ومجاهد، وعمرو بن دينار؛ وابن المنذر؛ وأبو يوسف.\nوممن قال بإباحة اليربوع أيضًا: عروة، وعطاء الخراساني، وأبو ثور، وابن المنذر، كما نقله عنهم صاحب [المغني].\nوقال القاضي من الحنابلة بتحريم الوبر، قال في [المغني]:","vol":"2","page":316},{"text":"وهو قول أبي حنيفة وأصحابه، إلا أبا يوسف، وقال أيضًا: إن أبا حنيفة قال في اليربوع أيضًا: هو حرام، وروي ذلك عن أحمد أيضًا، وعن ابن سيرين، والحكم، وحمّاد؛ لأنه يشبه الفأر، ونقل النووي في [شرح المهذب] عن صاحب البيان عن أبي حنيفة تحريم الوبر، واليربوع، والضب، والقنفذ، وابن عرس. وممن قال بإباحة الخلد والضربوب مالك وأصحابه.\nوأما الأرنب: فالتحقيق أن أكلها مباح؛ لما ثبت في الصحيحين عن أنس ﵁ -  ﷺ  - \"أهدى له عضو من أرنب فقبله\" وفي بعض الروايات \"فأكل منه\" وقال ابن قدامة في [المغني]: أكل الأرنب سعد بن أبي وقاص، ورخص فيها أبو سعيد، وعطاء، وابن المسيب، والليث، ومالك، والشافعي، وأبو ثور، وابن المنذر، ولا نعلم أحدًا قائلًا بتحريمها، إلا شيئًا روي عن عمرو بن العاص. اهـ.\nوأما الضب فالتحقيق أيضًا جواز أكله؛ لما ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر أنه -  ﷺ  - قال: \"كلوا أو أطعموا فإنه حلال\". وقال: \"لا بأس به، ولكنه ليس من طعامي\" يعني للضب، ولما ثبت أيضًا في الصحيحين من حديث خالد، ﵁ \"أنه أكل ضبًا في بيت ميمونة، ورسول الله -  ﷺ  - ينظر إليه\" وقد قدمنا قول صاحب البيان عن أبي حنيفة بتحريم الضب.\nونقل في [المغني] عن أبي حنيفة أيضًا، والثوري تحريم الضب، ونقل عن علي النهي عنه، ولم نعلم لتحريمه مستندًا، إلا ما رواه مسلم في الصحيح من حديث جابر، ﵁","vol":"2","page":317},{"text":"أن النبي -  ﷺ  -: \"أتي بضب، فأبى أن يأكله\" قال: \"إني لا أدري لعله من القرون الأولى التي مسخت\".\nوأخرج مسلم نحوه أيضًا من حديث أبي سعيد مرفوعًا، فكأنه في هذا الحديث علل الامتناع منه باحتمال المسخ، أو لأنه ينهش، فأشبه ابن عرس، ولكن هذا لا يعارض الأدلة الصحيحة الصريحة التي قدمناها بإباحة أكله، وكان بعض العرب يزعمون أن الضب من الأمم التي مسخت، كما يدل له قول الراجز:\nقالت -وكنت رجلًا فطينًا - ... هذا -لعمر الله- إسرائينا\nفإن هذه المرأة العربية أقسمت على أن الضب إسرائيلي مسخ.\nوأما الجراد: فلا خلاف بين العلماء في جواز أكله، وقد ثبت في الصحيحين من حديث عبد الله بن أبي أوفى أنه قال: \"غزونا مع رسول الله -  ﷺ  - سبع غزوات نأكل الجراد\". اهـ.\nوميتة الجراد من غير ذكاة حلال عند جماهير العلماء؛ لحديث \"أحلت لنا ميتتان ودمان\" الحديث.\nوخالف مالك الجمهور، فاشترط في جواز أكله ذكاته، وذكاته عنده ما يموت به بقصد الذكاة، وهو معنى قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: وافتقر نحو الجراد لها بموت به، ولو لم يجعل كقطع جناح.\nواحتج له المالكية بعدم ثبوت حديث ابن عمر المذكور \"أحلت لنا ميتتان\" الحديث؛ لأن طرقه لا تخلو من ضعف في","vol":"2","page":318},{"text":"الإسناد، أو وقف، والأصل الاحتياج إلى الذكاة؛ لعموم: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾.\nوقال ابن كثير في تفسير سورة المائدة ما نصه: \"وقد قال أبو عبد الله محمد بن إدريس الشافعي: حدثنا عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعًا قال: قال رسول الله -  ﷺ  - \"أحل لنا ميتتان ودمان، فأما الميتتان: فالسمك والجراد، وأما الدمان: فالكبد والطحال\" وكذا رواه أحمد بن حنبل وابن ماجه، والدارقطني والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وهو ضعيف.\nقال الحافظ البيهقي: ورواه إسماعيل بن أبي إدريس عن أسامة، وعبد الله، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن ابن عمر مرفوعًا.\nقلت: وثلاثتهم كلهم ضعفاء، ولكن بعضهم أصلح من بعض، وقد رواه سليمان بن بلال أحد الأثبات، عن زيد بن أسلم، عن ابن عمر فوقفه بعضهم عليه. قال الحافظ أبو زرعة الرازي: وهو أصح. اهـ. من ابن كثير. وهو دليل لما قاله المالكية، والله تعالى أعلم.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: لكن للمخالف أن يقول: إن الرواية الموقوفة على ابن عمر من طريق سليمان بن بلال عن زيد بن أسلم عنه صحيحة، ولها حكم الرفع؛ لأن قول الصحابي: أحل لنا، أو حرم علينا له حكم الرفع؛ لأنه من المعلوم أنهم لا يحل لهم، ولا يحرم عليهم إلا النبي -  ﷺ  -. كما تقرر في علوم الحديث.","vol":"2","page":319},{"text":"وأشار النووي في [شرح المهذب] إلى أن الرواية الصحيحة الموقوفة على ابن عمر لها حكم الرفع، كما ذكرنا، وهو واضح، وهو دليل لا لبس فيه على إباحة ميتة الجراد من غير ذكاة.\nوالمالكية قالوا: لم يصح الحديث مرفوعًا، وميتة الجراد داخلة في عموم قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ الآية، وافتقار الجراد إلى الذكاة بما يموت به، كقطع رأسه بنية الذكاة أو صلقه أو قليه، كذلك رواية أيضًا عن الإمام أحمد نقلها عنه النووي في [شرح مسلم] [وشرح المهذب] والله تعالى أعلم.\nوأما الطير: فجميع أنواعه مباحة الأكل، إلا أشياء منها اختلف فيها العلماء، فمن ذلك كل ذي مخلب من الطير يتقوى به ويصطاد: كالصقر، والشاهين، والبازي، والعقاب، والباشق، ونحو ذلك.\nوجمهور العلماء على تحريم كل ذي مخلب من الطير كما قدمنا، ودليلهم ثبوت النهي عنه في صحيح مسلم وغيره، وهو مذهب الشافعي، وأحمد، وأبي حنيفة.\nومذهب مالك -﵀- إباحة أكل ذي المخلب من الطير لعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ﴾ الآية. ولأنه لم يثبت عنده نص صريح في التحريم.\nوممن قال كقول مالك: الليث، والأوزاعي، ويحيى بن سعيد، وقال مالك: لم أر أحدًا من أهل العلم يكره سباع الطير، وقال ابن القاسم: لم يكره مالك أكل شيء من الطير كله، الرخم،","vol":"2","page":320},{"text":"والعقبان، والنسور، والحدأة، والغربان، وجميع سباع الطير وغير سباعها، ما أكل الجيف منها، وما لم يأكلها.\nولا بأس بأكل الهدهد والخطاف، وروي على كراهة أكل الخطاف ابن رشد، لقلة لحمها مع تحرمها بمن عششت عنده. انتهى من المواق في شرحه لقول خليل في مختصره: وطير ولو جلالة. ومن ذلك الحدأة والغراب الأبقع، لما تقدم من أنهما من الفواسق التي يحل قتلها في الحل والحرم، وإباحة قتلها دليل على منع أكلها، وهو مذهب الجمهور خلافًا لمالك، ومن وافقه كما ذكرنا آنفًا.\nوقالت عائشة ﵂: إني لأعجب ممن يأكل الغراب، وقد أذن -  ﷺ  - في قتله، وقال صاحب \"المهذب\" بعد أن ذكر تحريم أكل الغراب الأبقع: ويحرم الغراب الأسود الكبير؛ لأنه مستخبث، يأكل الجيف فهو كالأبقع، وفي الغداف، وغراب الزرع وجهان:\nأحدهما: لا يحل؛ للخبر.\nوالثاني: يحل؛ لأنه مستطاب يلقط الحب، فهو كالحمام والدجاج.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": ويحرم منها ما يأكل الجيف كالنسور، والرخم، وغراب البين -وهو أكبر الغربان- والأبقع. قال عروة: ومن يأكل الغراب، وقد سماه النبي -  ﷺ  - فاسقًا؟ والله ما هو من الطيبات اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر المتبادر أن كل شيء أذن","vol":"2","page":321},{"text":"رسول الله -  ﷺ  - في قتله بغير الذكاة الشرعية أنه محرم الأكل، إذ لو كان الانتفاع بأكله جائزًا لما أذن -  ﷺ  - في إتلافه كما هو واضح.\nوقال النووي: الغراب الأبقع حرام بلا خلاف للأحاديث الصحيحة. والأسود الكبير فيه طريقان. إحداهما: أنه حرام.\nوالأخرى: أن فيه وجهين: أصحهما التحريم.\nوغراب الزرع فيه وجهان مشهوران: أصحهما أنه حلال، وهو الزاغ، وهو أسود صغير، وقد يكون محمر المنقار والرجلين اهـ، منه بالمعنى في [شرح المهذب].\nومن ذلك الصرد، والهدهد، والخطاف، والخفاش: وهو الوطواط.\nومذهب الشافعي: تحريم أكل الهدهد والخطاف.\nقال صاحب \"المهذب\" ويحرم أكل الهدهد والخطاف؛ لأن النبي -  ﷺ  - نهى عن قتلهما.\nوقال النووي في \"شرح المهذب\" أما حديث النهي عن قتل الهدهد فرواه عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة، والهدهد والصرد\" رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. ذكره في آخر كتابه، ورواه ابن ماجه في كتاب الصيد بإسناد على شرط البخاري.\nوأما النهي عن قتل الخطاف فهو ضعيف ومرسل، رواه البيهقي بإسناده عن أبي الحويرث عبد الرحمن بن معاوية، وهو من","vol":"2","page":322},{"text":"تابعي التابعين، أو من التابعين عن النبي -  ﷺ  - \"أنه نهى عن قتل الخطاطيف\" ثم قال: قال البيهقي: هذا منقطع. قال: روى حمزة النصيبي فيه حديثًا مسندًا إلا أنه كان يرمى بالوضع اهـ.\nومما ذكره النووي تعلم أن الصرد والهدهد لا يجوز أكلهما في مذهب الشافعي لثبوت النهي عن قتلهما، وقال النووي أيضًا: وصح عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفًا عليه أنه قال: \"لا تقتلوا الضفادع فإن نقيقها تسبيح، ولا تقتلوا الخفاش فإنه لما خرب بيت المقدس قال: يا رب سلطني على البحر حتى أغرقهم\" قال البيهقي: إسناده صحيح.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر في مثل هذا الذي صح عن عبد الله بن عمرو من النهي عن قتل الخفاش والضفدع أنه في حكم المرفوع، لأنه لا مجال للرأي فيه؛ لأن علم تسبيح الضفدع وما قاله الخفاش لا يكون بالرأي، وعليه فهو يدل على منع أكل الخفاش والضفدع.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": ويحرم الخطاف والخشاف، أو الخفاش وهو الوطواط، قال الشاعر:\nمثل النهار يزيد أبصار الوري ... نورًا ويعمي أعين الخفاش\nقال أحمد؛ ومن يأكل الخشاف؟ وسئل عن الخطاف فقال: لا أدري، وقال النخعي: أكل الطير حلال إلا الخفاش، وإنما حرمت هذه لأنها مستخبثة لا تأكلها العرب اهـ. من المغني. والخشاف: هو الخفاش. وقد قدمنا عن مالك وأصحابه جواز أكل","vol":"2","page":323},{"text":"أنواع الطير. واستثنى بعضهم من ذلك الوطواط.\nوفي الببغاء والطاوس وجهان للشافعية: قال البغوي وغيره: وأصحهما التحريم.\nوفي العندليب والحمرة لهم أيضًا وجهان: والصحيح إباحتهما.\nوقال أبو عاصم العبادي: يحرم ملاعب ظله، وهو طائر يسبح في الجو مرارًا كأنه ينصب عليكم طائر، وقال أبو عاصم أيضًا: والبوم حرام كالرخم، قال: والضوع بضم الضاد المعجمة وفتح الواو وبالعين المهملة حرام على أصح القولين.\nقال الرافعي: هذا يقتضي أن الضوع غير البوم، قال: لكن في صحاح الجوهري أن الضوع طائر من طير الليل من جنس الهام، وقال المفضل: هو ذكر البوم.\nقال الرافعي: فعلى هذا إن كان في الضوع قول لزم إجراؤه في البوم؛ لأن الذكر والأنثى من الجنس الواحد لا يفترقان، قاله النووي. ثم قال: قلت: الأشهر أن الضوع من جنس الهام فلا يلزم اشتراكهما في الحكم.\nوأما حشرات الطير، كالنحل، والزنانير، والذباب، والبعوض، ونحو ذلك؛ فأكلها حرام عند الشافعي وأحمد، وأكثر العلماء؛ لأنها مستخبثة طبعًا، والله تعالى يقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾.\nومن ذلك الجلالة وهي التي تأكل النجس، وأصلها التي تلتقط الجلة بتثليث الجيم: وهي البعر، والمراد بها عند العلماء: التي تأكل النجاسات من الطير والدواب.","vol":"2","page":324},{"text":"ومشهور مذهب الإمام مالك جواز أكل لحم الجلالة مطلقًا، أما لبنها وبولها فنجسان في مشهور مذهبه ما دام النجس باقيًا في جوفها، ويطهر لبنها وبولها عنده إن أمسكت عن أكل النجس، وعلفت علفًا طاهرًا مدة يغلب على الظن فيها عدم بقاء شيء في جوفها من الفضلات النجسة.\nوكره كثير من العلماء لحم الجلالة ولبنها.\nوحجتهم حديث ابن عباس أن النبي -  ﷺ  - نهى عن ألبان الجلالة. قال النووي في \"شرح المهذب\": حديث ابن عباس صحيح، رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: هو حديث حسن صحيح. اهـ.\nوقال النووي في حد الجلالة: والصحيح الذي عليه الجمهور أنه لا اعتبار بالكثرة، وإنما الاعتبار بالرائحة والنتن، فإن وجد في عرقها وغيره ريح النجاسة فجلالة، وإلا فلا، وأكل لحم الجلالة وشرب لبنها مكروه عند الشافعية، والصحيح عندهم أنها كراهة تنزيه، وقيل: كراهة تحريم.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": قال أحمد: أكره لحوم الجلالة وألبانها. قال القاضي في المجرد: هي التي تأكل القذر، فإذا كان أكثر علفها النجاسة حرم لحمها ولبنها، وفي بيضها روايتان: وإن كان أكثر علفها الطاهر لم يحرم أكلها ولا لبنها، وتحديد الجلالة بكون أكثر علفها النجاسة لم نسمعه عن أحمد، ولا هو ظاهر كلامه، لكن يمكن تحديده بما يكون كثيرًا في مأكولها ويغني عن اليسير، وقال الليث: إنما كانوا يكرهون الجلالة التي لا طعام لها","vol":"2","page":325},{"text":"إلا الرجيع وما أشبه، وقال ابن أبي موسى: في الجلالة روايتان، إحدهما: أنها محرمة.\nوالثانية: أنها مكروهة غير محرمة. وهذا قول الشافعي.\nوكره أبو حنيفة لحومها والعمل عليها حتى تحبس، ورخص الحسن في لحومها وألبانها؛ لأن الحيوانات لا تتنجس بأكل النجاسات، بدليل أن شارب الخمر لا يحكم بتنجيس أعضائه، والكافر الذي يأكل الخنزير والمحرمات لا يكون ظاهره نجسًا، ولو نجس لما طهر بالإسلام ولا الاغتسال، ولو نجست الجلالة لما طهرت بالحبس اهـ.\nوالظاهر كراهة ركوب الجلالة، وهو مكروه عند الشافعي، وأحمد، وعمر، وابنه عبد الله، وروي عن ابن عمر مرفوعًا كراهة ركوب الجلالة، أخرجه البيهقي وغيره.\nوالسخلة المرباة بلبن الكلبة حكمها حكم الجلالة فيما يظهر، فيجري فيها ما جرى فيها، والله تعالى أعلم.\nومن ذلك، الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها فأكثر العلماء على أنها طاهرة، وأن ذلك لا ينجسها، وممن قال ذلك مالك والشافعي وأصحابهما خلافًا للإمام أحمد.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": وتحرم الزروع والثمار التي سقيت بالنجاسات، أو سمدت بها، وقال ابن عقيل: يحتمل أن يكره ذلك ولا يحرم، ولا يحكم بتنجيسها؛ لأن النجاسة تستحيل في باطنها فتطهر بالاستحالة، كالدم يستحيل في أعضاء الحيوان لحمًا، ويصير لبنًا. وهذا قول أكثر الفقهاء، منهم أبو حنيفة","vol":"2","page":326},{"text":"والشافعي، وكان سعد بن أبي وقاص يدمل أرضه بالعرة ويقول: مكتل عرة مكتل بر، والعرة: عذرة الناس.\nولنا ما روي عن ابن عباس: كنا نكري أراضي رسول الله - ﷺ - ونشترط عليهم ألا يدملوها بعذرة الناس، ولأنها تتغذى بالنجاسات، وتترقى فيها أجزاؤها، والاستحالة لا تطهر. فعلى هذا تطهر إذا سقيت الطاهرات كالجلالة إذا حبست وأطعمت الطاهرات\". اهـ من المغني بلفظه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-355> قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾</span> الآية، ذكر في هذه الآية الكريمة أنهم سيقولون: لو شاء الله ما أشركنا، وذكر في غير هذا الموضع أنهم قالوا ذلك بالفعل، كقوله في النحل: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ﴾ الآية، وقوله في الزخرف: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾ الآية.\nومرادهم أن الله لما كان قادرًا على منعهم من الإشراك، ولم يمنعهم منه أن ذلك دليل على رضاه بشركهم، ولذلك كذبهم هنا بقوله: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ الآية، وكذبهم في الزخرف بقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾، وقال في الزمر: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-356> قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾</span> الآية، الظاهر في قوله: ما حرم ربكم عليكم، أنه مضمن معنى: ما وصاكم به فعلا، أو تركا؛ لأن كلا من ترك الواجب، وفعل الحرام حرام، فالمعنى وصاكم أَلَّا تُشْرِكُوا، وأن تحسنوا بالوالدين إحسانا.","vol":"2","page":327},{"text":"وقد بين تعالى أن هذا هو المراد بقوله: ﴿ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-357> قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ﴾</span> الآية، نهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن قتل الأولاد من أجل الفقر الواقع بالفعل، ونهى في سورة الإسراء عن قتلهم خشية الفقر المترقب المخوف منه، مع أنه غير واقع في الحال بقوله: ﴿وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾ وقد أوضح - ﷺ - معناه حين سأله عبد الله بن مسعود ﵁: \"أي الذنب أعظم؟ فقال: أن تجعل لله ندًا وهو خلقك، قال: ثم أي؟ قال: أن تقتل ولدك خشية أن يطعم معك، قال: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك\" ثم تلا رسول الله - ﷺ -: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ﴾ الآية.\nوأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية منع العزل؛ لأنه وأد خفي، وحديث جابر: \"كنا نعزل والوحي ينزل\" يدل على جوازه، لكن قال جماعة من أهل العلم: إنه لا يجوز عن الحرة إلا بإذنها، ويجوز عن الأمة بغير إذنها. والإملاق: الفقر، وقال بعض أهل العلم: الإملاق الجوع، وحكاه النقاش عن مؤرج، وقيل: الإملاق الإنفاق، يقال: أملق ماله بمعنى أنفقه، وذكر أن عليًا قال لامرأته: أملقي ما شئت من مالك.\nوحكي هذا القول عن منذر بن سعيد. ذكره القرطبي، وغيره، والصحيح الأول.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ","vol":"2","page":328},{"text":"أَشُدَّهُ﴾ الآية، قد يتوهم غير العارف من مفهوم مخالفة هذه الآية الكريمة -أعني مفهوم الغاية في قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ - إنه إذا بلغ أشده فلا مانع من قربان ماله بغير التي هي أحسن، وليس ذلك مرادًا بالآية، بل الغاية ببلوغ الأشد يراد بها أنه إن بلغ أشده يدفع إليه ماله إن أونس منه الرشد، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية.\nوالتحقيق أن المراد بالأشد في هذه الآية البلوغ، بدليل قوله تعالى: ﴿إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية.\nوالبلوغ يكون بعلامات كثيرة: كالإنبات، واحتلام الغلام، وحيض الجارية، وحملها، وأكثر أهل العلم على أن سن البلوغ خمس عشرة سنة. ومن العلماء من قال: إذا بلغت قامته خمسة أشبار، فقد بلغ، ويروى هذا القول عن علي، وبه أخذ الفرزدق في قوله يرثي يزيد بن المهلب:\nما زال مذ عقدت يداه إزاره ... فسما فأدرك خمسة الأشبار\nيدني خوافق من خوافق تلتقي ... في ظل معتبط الغبار مثار\nوالأشد قال بعض العلماء: هو واحد لا جمع له كالآنك، وهو الرصاص، وقيل: واحده شد، كفلس وأفلس. قاله القرطبي وغيره، وعن سيبويه أنه جمع شدة، ومعناه حسن؛ لأن العرب تقول: بلغ الغلام شدته إلا إن جمع الفعلة فيه على أفعل غير معهود، كما قاله الجوهري، وأما أنعم، فليس جمع نعمة، وإنما هو جمع نعم من قولهم بؤس ونعم. قاله القرطبي: وقال","vol":"2","page":329},{"text":"أيضًا: وأصل الأشد من شد النهار إذا ارتفع، يقال: أتيته شد النهار وكان محمد بن محمد الضبي ينشد بيت عنترة:\nعهدي به شد النهار كأنما ... خضب اللبان ورأسه بالعظلم\nوقال الآخر:\nتطيف به شد النهار ظعينة ... طويلة أنقاء اليدين سحوق\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ومنه قول كعب بن زهير:\nشد النهار ذراعا عيطل نصف ... قامت فجاوبها نكد مثاكيل\nفقوله: \"شد النهار\" يعني وقت ارتفاعه، وهو بدل من اليوم في قوله قبله:\nيوما يظل به الحرباء مصطخدا ... كأن ضاحيه بالشمس محلول\nفشد النهار بدل من قوله: \"يومًا\" بدل بعض من كل، كما أن قوله: \"يومًا\" بدل من إذا في قوله قبل ذلك:\nكأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل\nلأن الزمن المعبر عنه \"بإذا\" هو بعينه اليوم المذكور في قوله \"يومًا يظل\" البيت، ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى (٣٤) يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْأِنْسَانُ مَا سَعَى (٣٥)﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ﴾ الآية، وإعراب أبيات كعب هذه يدل على جواز تداخل البدل، وقوله: \"ذراعا عطيل\" خبر كأن في قوله: \"كأن أوب ذراعيها\" البيت.","vol":"2","page":330},{"text":"وقال السدي: الأشد ثلاثون سنة، وقيل: أربعون سنة، وقيل: ستون سنة، ولا يخفى أن هذه الأقوال بعيدة عن المراد بالآية كما بينا وإن جازت لغة، كما قال سحيم بن وثيل:\nأخو خمسين مجتمع أشدى ... ونجذني مداورة الشئون\n\nتنبيه\nقال مالك وأصحابه: إن الرشد الذي يدفع به المال إلى من بلغ النكاح، هو حفظ المال، وحسن النظر في التصرف فيه وإن كان فاسقًا شريبًا، كما أن الصالح التقي إذا كان لا يحسن النظر في المال لا يدفع إليه ماله. قال ابن عاصم المالكي في تحفته:\nوشارب الخمر إذا ما ثمرا ... لما يلي من ماله لن يحجرا\nوصالح ليس يجيد النظرا ... في المال إن خيف الضياع حجرا\nوقال الشافعي ومن وافقه: لا يكون الفاسق العاصي رشيدًا؛ لأنه لا سفه أعظم من تعريضه نفسه لسخط الله وعذابه بارتكاب المعاصي؛ والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-358> قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾</span> أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بإيفاء الكيل والميزان بالعدل، وذكر أن من أخل بإيفائه من غير قصد منه لذلك لا حرج عليه لعدم قصده، ولم يذكر هنا عقابًا لمن تعمد ذلك، ولكنه توعده بالويل في موضع آخر، ووبخه بأنه لا يظن البعث ليوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١) الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣) أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤)","vol":"2","page":331},{"text":"لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾\nوذكر في موضع آخر أن إيفاء الكيل والميزان خير لفاعله، وأحسن عاقبة، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٣٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-359> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾</span> أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالعدل في القول، ولو كان على ذي قرابة، وصرح في موضع آخر بالأمر بذلك ولو كان على نفسه أو والديه. وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-360> قوله تعالى: ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا﴾</span> أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالإيفاء بعهد الله، وصرح في موضع آخر أن عهد الله سيسأل عنه يوم القيامة بقوله: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ أي عنه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-361> قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾</span> الآية، ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم قطع عذر كفار مكة، لئلا يقولوا: لو أنزل علينا كتاب لعملنا به، ولكنا أهدى من اليهود والنصارى، الذين لم يعملوا بكتبهم وصرح في موضع آخر أنهم أقسموا على ذلك، وأنه لما أنزل عليهم ما زادهم نزوله إلا نفورًا، وبعدًا عن الحق، لاستكبارهم ومكرهم السيء، وهو قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.","vol":"2","page":332},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-362> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا﴾</span> الآية.\nقال بعض العلماء: إن هذا الفعل أعني صدف في هذه الآية لازم، ومعناه أعرض عنها، وهو مروي عن ابن عباس ومجاهد، وقتادة.\nوقال السدي: صدف في هذه الآية متعدية للمفعول، والمفعول محذوف، والمعنى أنه صد غيره عن اتباع آيات الله، والقرآن يدل لقول السدي؛ لأن إعراض هذا الذي لا أحد أظلم منه عنه آيات الله صرح به في قوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآياتِ اللَّهِ﴾ إذ لا إعراض أعظم من التكذيب، فدل ذلك على أن المراد بقوله: ﴿وَصَدَفَ عَنْهَا﴾ أنه صد غيره عنها فصار جامعًا بين الضلال والإضلال.\nوعلى القول الأول فمعنى صَدَفَ مستغنى عنه بقوله: \"كَذَّبَ\" ونظير الآية على القول الذي يشهد له القرآن، وهو قول السدي، قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ﴾ اهـ.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ الآية.\nوقد يوجه قول ابن عباس وقتادة ومجاهد بأن المراد بتكذيبه، وإعراضه أنه لم يؤمن بها قلبه، ولم تعمل بها جوارحه، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَلا صَدَّقَ وَلا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ ونحوها من الآيات الدالة على اشتمال الكافر على التكذيب بقلبه، وترك العمل بجوارحه.","vol":"2","page":333},{"text":"قال ابن كثير في تفسيره بعد أن أشار إلى هذا: ولكن كلام السدي أقوى وأظهر، والله أعلم اهـ.\nوإطلاق صَدَفَ بمعنى أعرض كثير في كلام العرب، ومنه قول أبي سفيان بن الحارث:\nعجبت لحكم الله فينا وقد بدا ... له صدفنا عن كل حق منزل\nوروي أن ابن عباس أنشد بيت أبي سفيان هذا لهذا المعنى، ومنه أيضًا قول ابن الرقاع:\nإذا ذكرن حديثًا قلن أحسنه ... وهن عن كل سوء يتقي صدف\nأي معرضات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-363> قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة إتيان الله جل وعلا وملائكته يوم القيامة، وذكر ذلك في موضع آخر، وزاد فيه أن الملائكة يجيئون صفوفًا، وهو قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وذكره في موضع آخر، وزاد فيه أنه جل وعلا يأتي في ظلل من الغمام، وهو قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ﴾ الآية، ومثل هذا من صفات الله تعالى التي وصف بها نفسه يمر كما جاء ويؤمن بها، ويعتقد أنه حق، وأنه لا يشبه شيئًا من صفات المخلوقين، فسبحان من أحاط بكل شيء علمًا ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾.","vol":"2","page":334},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-364> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي﴾</span> الآية.\nقال بعض العلماء: المراد بالنسك هنا النحر؛ لأن الكفار كانوا يتقربون لأصنامهم بعبادة من أعظم العبادات، هي النحر، فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن صلاته ونحره كلاهما خالص لله تعالى. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾.\nوقال بعض العلماء: النسك جميع العبادات، ويدخل فيه النحر، وقال بعضهم: المراد بقوله: \"وَانْحَرْ\" وضع اليد اليمنى على اليسرى تحت النحر في الصلاة - والله تعالى أعلم.","vol":"2","page":335},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-365>سورة الأعراف</span>","vol":"2","page":336},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-366> قوله تعالى: ﴿فَلا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ﴾</span> الآية.\nقال مجاهد، وقتادة، والسدي: \"حَرَجٌ\" أي شك. أي لا يكن في صدرك شك في كون هذا القرآن حقًا، وعلى هذا القول فالآية كقوله تعالى: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ لَقَدْ جَاءَكَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٩٤)﴾.\nوالممتري: هو الشاك؛ لأنه مفتعل من المرية وهي الشك، وعلى هذا القول فالخطاب للنبي - ﷺ - والمراد نهي غيره عن الشك في القرآن، كقول الراجز:\n\n• إياك أعني واسمعي يا جارة *\nوكقوله تعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ الآية.\nومعلوم أنه - ﷺ - لا يفعل شيئًا من ذلك، ولكن الله يخاطبه ليوجه الخطاب إلى غيره في ضمن خطابه - ﷺ -.\nوجمهور العلماء: على أن المراد بالحرج في الآية الضيق.","vol":"2","page":337},{"text":"أي لا يكن في صدرك ضيق عن تبليغ ما أمرت به؛ لشدة تكذيبهم لك؛ لأن تحمل عداوة الكفار، والتعرض لبطشهم مما يضيق به الصدر، وكذلك تكذيبهم له -  ﷺ  - مع وضوح صدقه بالمعجزات الباهرات مما يضيق به الصدر. وقد قال -  ﷺ  -: \"إذا يثلغوا رأسي فيدعوه خبزة\" أخرجه مسلم. والثلغ: الشدخ، وقيل: ضرب الرطب باليابس حتى ينشدخ، وهذا البطش مما يضيق به الصدر.\nويدل لهذا الوجه الأخير في الآية قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾.\nويؤيد الوجه الأخير في الآية أن الحرج في لغة العرب الضيق، وذلك معروف في كلامهم، ومنه قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقوله: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ أي شديد الضيق، إلى غير ذلك من الآيات، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة، أو جميل:\nفخرجت خوف يمينها فتبسمت ... فعلمت أن يمينها لم تحرج\nوقول العرجي:\nعوجي علينا ربة الهودج ... إنك إلا تفعلي تحرجي\nوالمراد بالإحراج في البيتين: الإدخال في الحرج. بمعنى الضيق كما ذكرنا.","vol":"2","page":338},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-367> قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾</span> لم يبين هنا المفعول به لقوله: لِتُنْذِرَ، ولكنه بينه في مواضع أُخر كقوله: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ وقوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما أنه بين المفعول الثاني للإنذار في آيات أخر، كقوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد جمع تعالى في هذه الآية الكريمة بين الإنذار والذكرى في قوله: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ فالإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين، ويدلّ لذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ وقوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾ وقوله: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾.\nولا ينافي ما ذكرنا من أن الإنذار للكفار، والذكرى للمؤمنين أنه قصر الإنذار على المؤمنين دون غيرهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ (١١)﴾ لأنه لما كان الانتفاع بالإنذار مقصورًا عليهم صار الإنذار كأنه مقصور عليهم، لأن ما لا نفع فيه فهو كالعدم.\nومن أساليب اللغة العربية: التعبير عن قليل النفع بأنه لا شيء.\nوحاصل تحرير المقام في هذا المبحث: أن الإنذار يطلق في القرآن إطلاقين.","vol":"2","page":339},{"text":"أحدهما: عام لجميع الناس كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢)﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nوهذا الإنذار العام: هو الذي قصر على المؤمنين قصرًا إضافيًا في قوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ﴾ الآية؛ لأنهم هم المنتفعون به دون غيرهم.\nوالثاني: إنذار خاص بالكفار؛ لأنهم هم الواقعون فيما أنذروا به من النكال والعذاب، وهو الذي يذكر في القرآن مبينًا أنه خاص بالكفار دون المؤمنين كقوله: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ وقوله هنا: ﴿لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ اهـ.\nوالإنذار في اللغة العربية: الإعلام المقترن بتهديد، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-368> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤)﴾</span> خوف الله تعالى في هذه الآية الكريمة الكفار الذين كذبوه - ﷺ - بأنه أهلك كثيرًا من القرى بسبب تكذيبهم الرسل، فمنهم من أهلكها بَيَاتًا أي ليلًا، ومنهم من أهلكها وهم قَائِلُونَ، أي في حال قيلولتهم، والقيلولة: الاستراحة وسط النهار. يعني: فاحذروا تكذيب الرسول - ﷺ - لئلا أنزل بكم مثل ما أنزلت بهم، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾ وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ","vol":"2","page":340},{"text":"مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثم بين أنه يريد تهديدهم بذلك بقوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد هدد تعالى أهل القرى بأن يأتيهم عذابه ليلًا في حالة النوم، أو ضحى في حالة اللعب في قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (٩٧) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحىً وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٩٨)﴾ وهدد أمثالهم من الذين مكروا السيئات بقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لا يَشْعُرُونَ (٤٥) أَوْ يَأْخُذَهُمْ فِي تَقَلُّبِهِمْ فَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٤٦) أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٤٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-369> قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن تلك القرى الكثيرة التي أهلكها في حال البيات، أو في حال القيلولة، لم يكن لهم من الدعوى إلا اعترافهم بأنهم كانوا ظالمين. وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾.\nقال ابن جرير -﵀- في هذه الآية الكريمة الدلالة الواضحة على صحة ما جاءت به الرواية عن رسول الله - ﷺ -","vol":"2","page":341},{"text":"\"ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم\" حدثنا بذلك ابن حميد، حدثنا جرير، عن أبي سنان، عن عبد الملك بن ميسرة الزراد قال: قال عبد الله مسعود: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما هلك قوم حتى يعذروا من أنفسهم\" قال: قلت لعبد الله: كيف يكون ذلك؟ قال: فقرأ هذه الآية: ﴿فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-370> قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾</span> لم يبين هنا الشيء المسؤول عنه المرسلون، ولا الشيء المسؤول عنه الذين أرسل إليهم، وبين في مواضع أخر أنه يسأل المرسلين عما أجابتهم به أممهم، ويسأل الأمم عما أجابوا به رسلهم.\nقال في الأول: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾.\nوقال في الثاني: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ (٦٥)﴾.\nوبين في موضع آخر أنه يسأل جميع الخلق عما كانوا يعملون، وهو قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.\nوهنا إشكال معروف: وهو أنه تعالى قال هنا: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ وقال أيضًا: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وقال: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾ وهذا صريح في إثبات سؤال الجميع يوم القيامة، مع أنه قال: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾.\nوقد بينا وجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا [دفع","vol":"2","page":342},{"text":"إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] وسنزيده إيضاحًا هنا إن شاء الله تعالى.\nاعلم أولًا: أن السؤال المنفي في الآيات المذكورة أخص من السؤال المثبت فيها؛ لأن السؤال المنفي فيها مقيد بكونه سؤالًا عن ذنوب خاصة، فإنه قال: ﴿وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ فخصه بكونه عن الذنوب، وقال: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلا جَانٌّ (٣٩)﴾ فخصه بذلك أيضًا، فيتضح من ذلك أن سؤال الرسل والموءودة مثلًا ليس عن ذنب فعلوه، فلا مانع من وقوعه؛ لأن المنفي خصوص السؤال عن ذنب، ويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى: ﴿لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَنْ صِدْقِهِمْ﴾ الآية، وقوله بعد سؤاله لعيسى المذكور في قوله: ﴿أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية ﴿قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ﴾ الآية، والسؤال عن الذنوب المنفي في الآيات: المراد به سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأنه جل وعلا محيط علمه بكل شيء، ولا ينافي نفي هذا النوع من السؤال ثبوت نوع آخر منه هو سؤال التوبيخ والتقريع؛ لأنه نوع من أنواع العذاب، ويدل لهذا أن سؤال الله للكفار في القرآن كله توبيخ وتقريع، كقوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ (١٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وباقي أوجه الجمع مبين في كتابنا المذكور- والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-371> قوله تعالى: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾</span> وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يقص على عباده يوم القيامة ما كانوا يعملونه في الدنيا، وأخبرهم بأنه جل وعلا لم يكن غائبًا عما فعلوه","vol":"2","page":343},{"text":"أيام فعلهم له في دار الدنيا، بل هو الرقيب الشهيد على جميع الخلق، المحيط علمه بكل ما فعلوه من صغير وكبير، وجليل وحقير، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾ وقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾.\n\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة الرد الصريح على المعتزلة النافين صفات المعاني، القائلين: إنه تعالى عالم بذاته، لا بصفة قامت بذاته، هي العلم، وهكذا في قولهم: قادر، مريد، حي، سميع، بصير، متكلم، فإنه هنا أثبت لنفسه صفة العلم بقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ﴾ ونظيره قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية. وهي أدلة قرآنية صريحة في بطلان مذهبهم الذي لا يشك عاقل في بطلانه وتناقضه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-372> قوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن وزنه للأعمال يوم القيامة حق، أي: لا جور فيه، ولا ظلم، فلا يزاد في سيئات مسيء، ولا ينقص من حسنات محسن.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ","vol":"2","page":344},{"text":"الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-373> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآياتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من ثقلت موازينهم أفلحوا، ومن خفت موازينهم خسروا بسبب ظلمهم، ولم يفصل الفلاح والخسران هنا، وقد جاء في بعض المواضع ما يدل على أن المراد بالفلاح هنا كونه في عيشة راضية في الجنة، وأن المراد بالخسران هنا كونه في الهاوية من النار، وذلك في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ﴾.\nوبين أيضًا خسران من خفت موازينة بقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-374> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ﴾</span> الآية، لم يبين هنا كيفية هذه المعايش التي جعل لنا في الأرض، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْأِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nوقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا","vol":"2","page":345},{"text":"تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ وذكر كثيرًا من ذلك في سورة النحل كقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-375> قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾</span> قال بعض العلماء: معناه ما منعك أن تسجد، و\"لا\" صلة، ويشهد لهذا قوله تعالى: في سورة \"ص\" ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية. وقد أوضحنا زيادة لفظة \"لا\" وشواهد ذلك من القرآن، ومن كلام العرب في سورة البلد في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" والعلم عند الله تعالى.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-376> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة: أن إبليس -لعنه الله- خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن فقد زاد في مواضع أخر أوصافًا للنار التي خلقه منها. من ذلك أنها نار السموم، كما في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ ومن ذلك أنها خصوص المارج، كما في قوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾ والمارج أخص من مطلق النار؛ لأنه اللهب الذي لا دخان فيه. وسميت نار السموم: لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها.\nوفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعًا \"خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما","vol":"2","page":346},{"text":"وصف لكم\" ورواه عنها أيضًا الإمام أحمد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-377> قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه عامل إبليس اللعين بنقيض قصده حيث كان قصده التعاظم والتكبر، فأخرجه الله صاغرًا حقيرًا ذليلا، متصفًا بنقيض ما كان يحاوله من العلو والعظمة، وذلك في قوله: ﴿إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ والصغار: أشد الذل والهوان، وقوله: ﴿اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا﴾ ونحو ذلك من الآيات، ويفهم من الآية أن المتكبر لا ينال ما أراد من العظمة والرفعة، وإنما يحصل له نقيض ذلك؛ وصرح تعالى بهذا المعنى في قوله: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾.\nوبين في مواضع أخر كثيرًا من العواقب السيئة التي تنشأ عن الكبر -أعاذنا الله والمسلمين منه-.\nفمن ذلك أنه سبب لصرف صاحبه عن فهم آيات الله، والاهتداء بها كما في قوله تعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية.\nومن ذلك أَنَه من أسباب الثواء في النار كما في قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾.\nومن ذلك أن صاحبه لا يحبه الله تعالى كما في قوله: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ (٢٣)﴾.","vol":"2","page":347},{"text":"ومن ذلك أن موسى استعاذ من المتصف به، ولا يستعاذ إلا مما هو شر، كما في قوله: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِـ (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من نتائجه السيئة، وعواقبه الوخيمة، ويفهم من مفهوم المخالفة في الآية: أن المتواضع لله جل وعلا يرفعه الله.\nوقد أشار تعالى إلى مكانة المتواضعين له عنده في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (٨٣)﴾ وقد صح عنه - ﷺ - أنه قال: \"إنه أوحي إلي أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد، ولا يبغي أحد على أحد\" وقد قال الشاعر:\nتواضع تكن كالبدر تبصر وجهه ... على صفحات الماء وهو رفيع\nولا تك كالدخان يعلو بنفسه ... إلى صفحات الجو وهو وضيع\nوقال أبو الطيب المتنبي:\nولو لم يعل إلا ذو محل ... تعالى الجيش وانحط القتام\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-378> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (١٥)﴾</span>.\nلم يبين هنا في سورة الأعراف الغاية التي أنظره إليها، وقد ذكرها في \"الحجر\" و\"ص\" مبينًا أن غاية ذلك الإنظار هو يوم الوقت المعلوم؛ لقوله: في سورة \"الحجر\" و\"ص\" ﴿فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (٣٧) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (٣٨)﴾ فقد طلب الشيطان الإنظار إلى","vol":"2","page":348},{"text":"يوم البعث، وقد أعطاه الله الإنظار إلى يوم الوقت المعلوم.\nوأكثر العلماء يقولون: المراد به وقت النفخة الأولى- والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-379> قوله تعالى: ﴿وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾</span> هذا الذي ذكر إبليس أنه سيوقع بني آدم فيه قاله ظنًا منه أنهم سيطيعونه فيما يدعوهم إليه حتى يهلكهم، وقد بين تعالى في سورة \"سبأ\" أن ظنه هذا صدق فيهم بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ﴾ الآية.\nكما تقدمت الإشارة إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-380> قوله تعالى: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾</span>.\nبين في هذه الآية الكريمة أنه قال لإبليس: أخرج منها في حال كونك مذءومًا مدحورًا، والمذءوم المعيب أو الممقوت، والمدحور المبعد عن الرحمة المطرود، وأنه أوعده بملء جهنم منه، وممن تبعه، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ وقوله: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-381> قوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾</span>.","vol":"2","page":349},{"text":"حذر تعالى في هذه الآية الكريمة بني آدم أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم، وصرح في موضع آخر، أنه حذر آدم من مكر إبليس قبل أن يقع فيما وقع فيه، ولم ينجه ذلك التحذير من عدوه وهو قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-382> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا فعلوا فاحشة استدلوا على أنها حق وصواب بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها، وأنهم ما فعلوها إلا لأنها صواب ورشد.\nوبين في موضع آخر أن هذا واقع من جميع الأمم، وهو قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.\nورد الله عليهم هذا التقليد الأعمى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-383> قوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾</span> في هذه الآية الكريمة للعلماء وجهان من التفسير:\nالأول: أن معنى: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ أي كما سبق لكم في علم الله من سعادة أو شقاوة، فإنكم تصيرون إليه، فمن سبق له","vol":"2","page":350},{"text":"العلم بأنه سعيد صار إلى السعادة، ومن سبق له العلم بأنه شقي صار إلى الشقاوة، ويدل لهذا الوجه قوله بعده: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ﴾ وهو ظاهر كما ترى، ومن الآيات الدالة عليه أيضًا قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ الآية، أي ولذلك الاختلاف إلى شقي، وسعيد خلقهم.\nالوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ أي كما خلقكم أولًا ولم تكونوا شيئًا، فإنه يعيدكم مرة أخرى، ويبعثكم من قبوركم أحياء بعد أن متم وصرتم عظامًا رميمًا، والآيات الدالة على هذا الوجه كثيرة جدًا، كقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنه قد يكون في الآية وجهان، وكل واحد منهما حق، ويشهد له القرآن، فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-384> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اتخذوا الشياطين أولياء من دون الله، ومن تلك الموالاة طاعتهم لهم فيما يخالف ما شرعه الله تعالى، ومع ذلك يظنون أنفسهم على هدى.","vol":"2","page":351},{"text":"وبين في موضع آخر أن من كان كذلك فهو أخسر الناس عملًا، والعياذ بالله تعالى، وهو قوله جل وعلا: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.\n\nتنبيه\nهذه النصوص القرآنية تدل على أن الكافر لا ينفعه ظنه أنه على هدى؛ لأن الأدلة التي جاءت بها الرسل لم تترك في الحق لبسًا ولا شبهة، ولكن الكافر لشدة تعصبه للكفر لا يكاد يفكر في الأدلة التي هي كالشمس في رابعة النهار لجاجًا في الباطل وعنادًا، فلذلك كان غير معذور، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-385> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾</span>.\nأمر الله تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه - ﷺ - أن يسأل سؤال إنكار من حرم زينة الله التي أخرج لعباده، كاللباس في الطواف، وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ كالأنعام، والحرث التي حرمها الكفار، وكاللحم والودك الذي حرمه بعض العرب في الجاهلية في الحج.\nوصرح في مواضع أخر: أن من قال ذلك على الله فهو مفتر عليه جل وعلا، كقوله: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾","vol":"2","page":352},{"text":"وقوله: ﴿أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ وطلبهم في موضع آخر طلب إعجاز أن يأتوا بالشهداء الذين يشهدون لهم أن الله حرم هذا، ونهى نبيه - ﷺ - إن شهد لهم شهود زور أن يشهد معهم، وهو قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-386> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾</span>.\nلم يبين هنا السبب الذي مكنهم من إضلالهم، ولكنه بين في موضع آخر: أن السبب الذي مكنهم من ذلك هو كونهم سادتهم وكبراءهم، ومعلوم أن الأتباع يطيعون السادة الكبراء فيما يأمرونهم به، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ الآية. وبسط ذلك في سورة \"سبأ\" بقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-387> قوله تعالى: ﴿فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات: أن الأتباع يسألون الله يوم القيامة أن يضاعف العذاب للمتبوعين، وبين في مواضع أخر: أن مضاعفة العذاب للمتبوعين لا تنفع الأتباع،","vol":"2","page":353},{"text":"ولا تخفف عنهم من العذاب، كقوله: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ وقوله هنا: ﴿قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-388> قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه جل وعلا ينزع ما في صدور أهل الجنة من الحقد، والحسد الذي كان في الدنيا، وأنهم تجري من تحتهم الأنهار في الجنة، وذكر في موضع آخر أن نزع الغل من صدورهم يقع في حال كونهم إخوانًا على سرر متقابلين آمنين من النصب، والخروج من الجنة، وهو قوله تعالى في \"الحجر\": ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧) لا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-389> قوله تعالى: ﴿وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بين أهل الجنة، وأهل النار حجابًا يوم القيامة، ولم يبين هذا الحجاب هنا، ولكنه بينه في سورة الحديد. بقوله: ﴿فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (١٣)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-390> قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ﴾</span>.","vol":"2","page":354},{"text":"ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أصحاب الأعراف يَعْرِفُونَ كُلًّا من أهل الجنة، وأهل النار بِسِيمَاهُمْ، ولم يبين هنا سيما أهل الجنة، ولا أهل النار، ولكنه أشار لذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية.\nفبياض الوجوه وحسنها سيما أهل الجنة، وسوادها وقبحها وزرقة العيون سيما أهل النار، كما قال أيضًا في سيما أهل الجنة: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ (٢٤)﴾ وقال: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢)﴾ الآية، وقال في سيما أهل النار: ﴿كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيْلِ مُظْلِمًا﴾ الآية، وقال: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ الآية، وقال: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا (١٠٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-391> قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن أصحاب الأعراف قالوا لرجال من أهل النار يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ: لم ينفعكم ما كنتم تجمعونه في الدنيا من المال، ولا كثرة جماعتكم وأنصاركم، ولا استكباركم في الدنيا.\nوبين في مواضع أخر وجه ذلك: وهو أن الإنسان يوم القيامة يحشر فردًا، لا مال معه، ولا ناصر، ولا خادم ولا خول، وأن استكباره في الدنيا يجزى به عذاب الهون في الآخرة، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ وقوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية.","vol":"2","page":355},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-392> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة يوم القيامة يقرون بأن الرسل جاءت بالحق، ويتمنون أحد أمرين: أن يشفع لهم شفعاء فينقذوهم، أو يردوا إلى الدنيا ليصدقوا الرسل، ويعملوا بما يرضي الله، ولم يبين هنا هل يشفع لهم أحد؟ وهل يردون؟ وماذا يفعلون لو ردوا؟ وهل اعترافهم ذلك بصدق الرسل ينفعهم؟ ولكنه تعالى بين ذلك كله في مواضع أخر، فبين: أنهم لا يشفع لهم أحد بقوله: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾ وقوله: ﴿وَلا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ مع قوله: ﴿وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ (٩٦)﴾ وبين أنهم لا يردون في مواضع متعددة، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢) وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾.\nفقوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية. دليل على أن النار وجبت لهم، فلا يردون، ولا يعذرون، وقوله: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾.\nفصرح بأنه قطع عذرهم في الدنيا بالإمهال مدة يتذكرون","vol":"2","page":356},{"text":"فيها؛ وإنذار الرسل، وهو دليل على عدم ردهم إلى الدنيا مرة أخرى، وأشار إلى ذلك بقوله: ﴿َأَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ جوابًا لقولهم: ﴿أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾ بعد قوله تعالى عنهم: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَتَرَاهُمْ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا خَاشِعِينَ مِنَ الذُّلِّ يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ الآية، بعد قوله: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ وقوله هنا: ﴿قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُم﴾ الآية بعد قوله: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ﴾ الآية، فكل ذلك يدل على عدم الرد إلى الدنيا، وعلى وجوب العذاب، وأنه لا محيص لهم عنه.\nوبين في موضع آخر أنهم لو ردوا لعادوا إلى الكفر والطغيان؛ وهو قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية، وفي هذه الآية الكريمة دليل واضح على أنه تعالى يعلم المعدوم الممكن الذي سبق في علمه أنه لا يوجد كيف يكون لو وجد، فهو تعالى يعلم أنهم لا يردون إلى الدنيا مرة أخرى، وهذا الرد الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ ويعلم أن المتخلفين من المنافقين عن غزوة تبوك لا يحضرونها؛ لأنه هو الذي ثبطهم عنها لحكمة كما بينه بقوله: ﴿وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ﴾ الآية، وهو يعلم هذا الخروج الذي لا يكون لو وقع كيف يكون كما صرح به في قوله: ﴿لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ الآية، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ","vol":"2","page":357},{"text":"مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين في مواضع أخر أن اعترافهم هذا بقولهم: ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ لا ينفعهم، كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ وقوله: ﴿بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-393> قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾</span> لم يفصل هنا ذلك، ولكنه فصله في سورة \"فصلت\" بقوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى فِي كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-394> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ﴾</span> الآية.\nهذه الآية الكريمة وأمثالها من آيات الصفات، كقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ ونحو ذلك أشكلت على كثير من الناس إشكالًا ضل بسببه خلق لا يحصى كثرة، فصار قوم إلى التعطيل، وقوم إلى التشبيه -﷾ علوًا كبيرًا عن ذلك كله- والله جل وعلا أوضح هذا غاية الإيضاح، ولم يترك فيه أي لبس ولا إشكال، وحاصل تحرير ذلك أنه جل وعلا بين أن الحق في آيات الصفات متركب من أمرين:\nأحدهما: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة الحوادث في","vol":"2","page":358},{"text":"صفاتهم ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوالثاني: الإيمان بكل ما وصف الله به نفسه في كتابه، أو وصفه به رسوله -  ﷺ  -؛ لأنه لا يصف الله أعلم بالله من الله ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ ولا يصف الله بعد الله أعلم بالله من رسول الله -  ﷺ  - الذي قال فيه: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ فمن نفى عن الله وصفًا أثبته لنفسه في كتابه العزيز، أو أثبته له رسوله -  ﷺ  - زاعمًا أن ذلك الوصف يلزمه ما لا يليق بالله جل وعلا، فقد جعل نفسه أعلم من الله ورسوله بما يليق بالله جل وعلا. سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! .\nومن اعتقد أن وصف الله يشابه صفات الخلق فهو مشبه ملحد ضال، ومن أثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله -  ﷺ  - مع تنزيهه جل وعلا عن مشابهة الخلق فهو مؤمن جامع بين الإيمان بصفات الكمال والجلال، والتنزيه عن مشابهة الخلق، سالم من ورطة التشبيه والتعطيل، والآية التي أوضح الله بها هذا هي قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ فنفى عن نفسه جل وعلا مماثلة الحوادث بقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وأثبت لنفسه صفات الكمال والجلال بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ فصرح في هذه الآية الكريمة بنفي المماثلة مع الإتصاف بصفات الكمال والجلال.\nوالظاهر أن السر في تعبيره بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ دون أن يقول مثلًا: وهو العلي العظيم، أو نحو ذلك من الصفات الجامعة أن السمع والبصر يتصف بهما جميع الحيوانات، فبين أن","vol":"2","page":359},{"text":"الله متصف بهما، ولكن وصفه بهما على أساس نفي المماثلة بين وصفه تعالى، وبين صفات خلقه، ولذا جاء بقوله: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ ففي هذه الآية الكريمة إيضاح للحق في آيات الصفات، لا لبس معه ولا شبهة البتة، وسنوضح إن شاء الله هذه المسألة إيضاحًا تامًا بحسب طاقتنا، وبالله جل وعلا التوفيق.\nاعلم أولًا: أن المتكلمين قسموا صفاته جل وعلا إلى ستة أقسام:\nصفة نفسية، وصفة سلبية، وصفة معنى، وصفة معنوية، وصفة فعلية، وصفة جامعة، والصفة الإضافية تتداخل مع الفعلية؛ لأن كل صفة فعلية من مادة متعدية إلى المفعول كالخلق والإحياء والإماتة فهي صفة إضافية، وليست كل صفة إضافية فعلية، فبينهما عموم وخصوص من وجه، يجتمعان في نحو الخلق والإحياء والإماتة، وتتفرد الفعلية في نحو الاستواء، وتتفرد الإضافية في نحو كونه تعالى كان موجودًا قبل كل شيء، وأنه فوق كل شيء؛ لأن القبلية والفوقية من الصفات الإضافية، وليستا من صفات الأفعال، ولا يخفى على عالم بالقوانين الكلامية والمنطقية أن إطلاق النفسية على شيء من صفاته جل وعلا أنه لا يجوز، وأن فيه من الجراءة على الله جل وعلا ما الله عالم به، وإن كان قصدهم بالنفسية في حق الله الوجود فقط، وهو صحيح؛ لأن الإطلاق الموهم للمحذور في حقه تعالى لا يجوز، وإن كان المقصود به صحيحًا؛ لأن الصفة النفسية في الإصطلاح لا تكون إلا جنسًا أو","vol":"2","page":360},{"text":"فصلًا، فالجنس كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان، والفصل كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، ولا يخفى أن الجنس في الاصطلاح قدر مشترك بين أفراد مختلفة الحقائق كالحيوان بالنسبة إلى الإنسان والفرس والحمار، وأن الفصل صفة نفسية لبعض أفراد الجنس ينفصل بها عن غيره من الأفراد المشاركة له في الجنس كالنطق بالنسبة إلى الإنسان، فإنه صفته النفسية التي تفصله عن الفرس مثلًا: المشارك له في الجوهرية والجسمية والنمائية والحساسية، ووصف الله جل وعلا بشيء يراد به اصطلاحًا ما بينا لك: من أعظم الجراءة على الله تعالى كما ترى؛ لأنه جل وعلا واحد في ذاته وصفاته وأفعاله، فليس بينه وبين غيره اشتراك في شيء من ذاته، ولا صفاته، حتى يطلق عليه ما يطلق على الجنس والفصل -﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا- لأن الجنس قدر مشترك بين حقائق مختلفة.\nوالفصل: هو الذي يفصل بعض تلك الحقائق المشتركة في الجنس عن بعض. سبحان رب السماوات والأرض وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوسنبين لك أن جميع الصفات على تقسيمهم لها جاء في القرآن وصف الخالق والمخلوق بها، وهم في بعض ذلك يقرون بأن الخالق موصوف بها، وأنها جاء في القرآن أيضًا وصف المخلوق بها، ولكن وصف الخالق مناف لوصف المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق. ويلزمهم ضرورة فيما أنكروا مثل ما أقروا به؛ لأن الكل من باب واحد؛ لأن جميع","vol":"2","page":361},{"text":"صفات الله جل وعلا من باب واحد؛ لأن المتصف بها لا يشبهه شيء من الحوادث.\nفمن ذلك: الصفات السبع؛ المعروفة عندهم بصفات المعاني وهي: القدرة والإرادة، والعلم والحياة، والسمع، والبصر، والكلام.\nفقد قال تعالى في وصف نفسه بالقدرة: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾.\nوقال في وصف الحادث بها: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ﴾ فأثبت لنفسه قدرة حقيقية لائقة بجلاله وكماله، وأثبت لبعض الحوادث قدرة مناسبة لحالهم من الضعف والافتقار والحدوث والفناء، وبين قدرته، وقدرة مخلوقه من المنافاة ما بين ذاته وذات مخلوقه.\nوقال في وصف نفسه بالإرادة: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (١٦)﴾ ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق بها: ﴿تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا﴾ الآية، ﴿إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا (١٣)﴾ ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات. فله جل وعلا إرادة حقيقية لائقة بكماله وجلاله، وللمخلوق إرادة أيضًا مناسبة لحاله، وبين إرادة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالعلم: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾ ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ الآية ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ","vol":"2","page":362},{"text":"بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾.\nوقال في وصف الحادث به: ﴿قَالُوا لا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nفله جل وعلا علم حقيقي لائق بكماله وجلاله، وللمخلوق علم مناسب لحاله، وبين علم الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالحياة: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾ ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق بها: ﴿وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ﴾.\nفله جل وعلا حياة حقيقية تليق بجلاله وكماله، وللمخلوق أيضًا حياة مناسبة لحاله؛ وبين حياة الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالسمع والبصر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بهما: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (٢)﴾ ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية ونحو ذلك من الآيات.","vol":"2","page":363},{"text":"فله جل وعلا سمع وبصر حقيقيان يليقان بكماله وجلاله، وللمخلوق سمع وبصر مناسبان لحاله، وبين سمع الخالق وبصره، وسمع المخلوق وبصره من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوقال في وصف نفسه بالكلام: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾ ﴿فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلامَ اللَّهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف المخلوق به: ﴿فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (٥٤)﴾ ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، ﴿قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nفله جل وعلا كلام حقيقي يليق بكماله وجلاله؛ وللمخلوق كلام أيضًا مناسب لحاله. وبين كلام الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق. وهذه الصفات السبع المذكورة يثبتها كثير ممن يقول بنفي غيرها من صفات المعاني.\nوالمعتزلة ينفونها ويثبتون أحكامها فيقولون: هو تعالى حي قادر، مريد عليم، سميع بصير، متكلم بذاته، لا بقدرة قائمة بذاته، ولا إرادة قائمة بذاته، وهكذا فرارًا منهم من تعدد القديم.\nومذهبهم الباطل لا يخفى بطلانه وتناقضه على أدنى عاقل؛ لأن من المعلوم أن الوصف الذي منه الاشتقاق إذا عدم فالاشتقاق منه مستحيل، فإذا عدم السواد عن جرم مثلًا استحال أن تقول هو أسود، إذ لا يمكن أن يكون أسود ولم يقم به سواد، وكذلك إذا لم يقم العلم والقدرة بذات استحال أن تقول: هي عالمة قادرة؛ لا","vol":"2","page":364},{"text":"استحالة اتصافها بذلك، ولم يقم بها علم ولا قدرة. قال في \"مراقي السعود\":\nوعند فقد الوصف لا يشتق ... وأعوز المعتزلي الحق\nوأما الصفات المعنوية عندهم: فهي الأوصاف المشتقة من صفات المعاني السبع المذكورة، وهي كونه تعالى قادرًا، مريدًا، عالمًا، حيًا، سميعًا، بصيرًا، متكلمًا.\nوالتحقيق: أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بالمعاني، وعد المتكلمين لها صفات زائدة على صفات المعاني مبني على ما يسمونه الحال المعنوية زاعمين أنها أمر ثبوت، ليس بموجود، ولا معدوم.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه أن هذا الذي يسمونه الحال المعنوية لا أصل له، وإنما هو مطلق تخييلات يتخيلونها؛ لأن العقل الصحيح حاكم حكمًا لا يتطرقه شك بأنه لا واسطة بين النقيضين البتة. فالعقلاء كافة مطبقون على أن النقيضين لا يجتمعان، ولا يرتفعان، ولا واسطة بينهما البتة، فكل ما هو غير موجود، فإنه معدوم قطعًا، وكل ما هو غير معدوم، فإنه موجود قطعًا، وهذا مما لا شك فيه كما ترى.\nوقد بينا في اتصاف الخالق والمخلوق بالمعاني المذكورة منافاة صفة الخالق للمخلوق، وبه تعلم مثله في الاتصاف بالمعنوية المذكورة لو فرضنا أنها صفات زائدة على صفات المعاني. مع أن التحقيق أنها عبارة عن كيفية الاتصاف بها.","vol":"2","page":365},{"text":"وأما الصفات السلبية عندهم: فهي خمس، وهي عندهم: القدم، والبقاء، والوحدانية، والمخالفة للخلق، والغنى المطلق، المعروف عندهم بالقيام بالنفس.\nوضابط الصفة السلبية عندهم: هي التي لا تدل بدلالة المطابقة على معنى وجودي أصلًا، وإنما تدل على سلب ما لا يليق بالله عن الله.\nأما الصفة التي تدل على معنى وجودي: فهي المعروفة عندهم بصفة المعنى، فالقدم مثلًا عندهم لا معنى له بالمطابقة إلا سلب العدم السابق، فإن قيل: القدرة مثلًا تدل على سلب العجز، والعلم يدل على سلب الجهل، والحياة تدل على سلب الموت، فلم لا يسمون هذه المعاني سلبية أيضًا؟ .\nفالجواب: أن القدرة مثلا تدل بالمطابقة على معنى وجودي قائم بالذات، وهو الصفة التي يتأتى بها إيجاد الممكنات وإعدامها على وفق الإرادة، وإنما سلبت العجز بواسطة مقدمة عقلية، وهي أن العقل يحكم بأن قيام المعنى الوجودي بالذات يلزمه نفي ضده عنها؛ لاستحالة اجتماع الضدين عقلًا، وهذا في باقي المعاني.\nأما القدم عندهم مثلا: فإنه لا يدل على شيء زائد على ما دل عليه الوجود، إلا سلب العدم السابق، وهكذا في باقي السلبيات.\nفإذا عرفت ذلك فاعلم أن القدم، والبقاء اللذين يصف المتكلمون بهما الله تعالى زاعمين أنه وصف بهما نفسه في قوله تعالى: ﴿هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ﴾ الآية، جاء في القرآن الكريم وصف","vol":"2","page":366},{"text":"الحادث بهما أيضًا، قال في وصف الحادث بالقدم: ﴿وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ وقال: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ وقال: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦)﴾. وقال في وصف الحادث بالبقاء: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ وقال: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وكذلك وصف الحادث بالأولية والآخرية المذكورتين في الآية. قال: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ (١٦) ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ (١٧)﴾ ووصف نفسه بأنه واحد، قال: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ قال في وصف الحادث بذلك: ﴿يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ﴾ وقال في وصف: نفسه بالغنى: ﴿وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ وقال في وصف الحادث بالغنى: ﴿وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ﴾ الآية ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ﴾ الآية، فهو جل وعلا موصوف بتلك الصفات حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، والحادث موصوف بها أيضًا على الوجه المناسب لحدوثه وفنائه، وعجزه وافتقاره، وبين صفات الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق، كما بيناه في صفات المعاني.\nوأما الصفة النفسية عندهم: فهي واحدة، وهي الوجود، وقد علمت ما في إطلاقها على الله، ومنهم من جعل الوجود عين الذات فلم يعده صفة، كأبي الحسن الأشعري، وعلى كل حال فلا يخفى أن الخالق موجود، والمخلوق موجود، ووجود الخالق ينافي وجود المخلوق؛ كما بينا.\nومنهم من زعم أن القدم والبقاء صفتان نفسيتان زاعما أنهما","vol":"2","page":367},{"text":"طرفا الوجود الذي هو صفة نفسية في زعمهم.\nوأما الصفات الفعلية فإن وصف الخالق والمخلوق بها كثير في القرآن، ومعلوم أن فعل الخالق مناف لفعل المخلوق كمنافاة ذاته لذاته، فمن ذلك وصفه جل وعلا نفسه بأنه يرزق خلقه، قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ﴾ الآية ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٣٩)﴾ وقال: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا﴾ الآية. وقال في وصف الحادث بذلك: ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ﴾ الآية، وقال: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ﴾ الآية، ووصف نفسه بالعمل، فقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا﴾ الآية، وقال في وصف الحادث به: ﴿جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ ووصف نفسه بتعليم خلقه فقال: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾.\nوقال في وصف الحادث به: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ الآية.\nوجمع المثالين في قوله تعالى: ﴿تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللَّهُ﴾، ووصف نفسه بأنه ينبئ، ووصف المخلوق بذلك، وجمع المثالين في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ (٣)﴾ ووصف نفسه بالإيتاء، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ﴾ وقال: ﴿يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ﴾ وقال: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ﴾.","vol":"2","page":368},{"text":"وقال في وصف الحادث بذلك: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾. وأمثال هذا كثيرة جدًا في القرآن العظيم.\nومعلوم أن ما وصف به الله من هذه الأفعال فهو ثابت له حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله؛ وما وصف به المخلوق منها فهو ثابت له أيضًا، على الوجه المناسب لحاله، وبين وصف الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق.\nوأما الصفات الجامعة، كالعظم، والكبر، والعلو، والملك والتكبر، والجبروت، ونحو ذلك، فإنها أيضًا يكثر جدًا وصف الخالق والمخلوق بها في القرآن الكريم.\nومعلوم أن ما وصف به الخالق منها مناف لما وصف به المخلوق، كمنافاة ذات الخالق لذات المخلوق. قال في وصف نفسه جل وعلا بالعلو والعظم والكبر ﴿وَلا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾ ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾.\nوقال في وصف الحادث بالعظم: ﴿فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ ﴿وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ (٢٣)﴾ ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بالكبر: ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ وقال: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا (٣١)﴾، وقال: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ","vol":"2","page":369},{"text":"فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ وقال: ﴿وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ﴾ وقال: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾.\nوقال في وصف الحادث بالعلو: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا (٥٧)﴾ ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالملك: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ﴾ الآية ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ﴾ الآية.\nوقال: ﴿فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ (٥٥)﴾.\nوقال في وصف الحادث به: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ﴾ الآية ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ ائْتُونِي بِهِ﴾ ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ﴾ ﴿تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالعزة: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)﴾ ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾.\nوقال في وصف الحادث بالعزة: ﴿قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ﴾ الآية، ﴿فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾.\nوقال في وصف نفسه جل وعلا بأنه جبار متكبر: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ﴾.","vol":"2","page":370},{"text":"وقال في وصف الحادث بهما: ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (٣٥)﴾ ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾ ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في وصف نفسه بالقوة: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾.\nوقال في وصف الحادث بها: ﴿وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا﴾ الآية ﴿وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ (٢٦)﴾ ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأمثال هذا من الصفات الجامعة كثيرة في القرآن، ومعلوم أنه جل وعلا متصف بهذه الصفات المذكورة حقيقة على الوجه اللائق بكماله وجلاله، وإنما وصف به المخلوق منها مخالف لما وصف به الخالق، كمخالفة ذات الخالق جل وعلا لذوات الحوادث، ولا إشكال في شيء من ذلك، وكذلك الصفات التي اختلف فيها المتكلمون؛ هل هي من صفات المعاني أو من الأفعال، وإن الحق الذي لا يخفى على من أنار الله بصيرته أنها صفات معان أثبتها الله جل وعلا لنفسه، كالرأفة والرحمة.\nقال في وصفه جل وعلا بهما: ﴿إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾ وقال في وصف نبينا -  ﷺ  - بهما: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ وقال في وصف نفسه بالحلم: ﴿لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا","vol":"2","page":371},{"text":"يَرْضَوْنَهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ (٥٩)﴾.\nوقال في وصف الحادث به: ﴿فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾ ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾.\nوقال في وصف نفسه بالمغفرة: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾ ﴿لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٩)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال في وصف الحادث بها: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ الآية، ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذىً﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nووصف نفسه جل وعلا بالرضى، ووصف الحادث به أيضًا فقال: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ ووصف نفسه جل وعلا بالمحبة، ووصف الحادث بها، فقال: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ﴾ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.\nووصف نفسه بأنه يغضب إن انتهكت حرماته فقال: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ﴾ الآية، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ﴾ الآية.\nوقال في وصف الحادث بالغضب: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ وأمثال هذا كثير جدًا.\nوالمقصود عندنا ذكر أمثلة كثيرة من ذلك، مع إيضاح أن كل","vol":"2","page":372},{"text":"ما اتصف به جل وعلا من تلك الصفات بالغ من غايات الكمال والعلو والشرف ما يقطع علائق جميع أوهام المشابهة بين صفاته جل وعلا، وبين صفات خلقه، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nفإذا حققت كل ذلك علمت أنه جل وعلا وصف نفسه بالاستواء على العرش، ووصف غيره بالاستواء على بعض المخلوقات، فتمدح جل وعلا في سبع آيات من كتابه باستوائه على عرشه، ولم يذكر صفة الاستواء إلا مقرونة بغيرها من صفات الكمال، والجلال؛ القاضية بعظمته وجلاله جل وعلا، وأنه الرب وحده، المستحق لأن يعبد وحده.\nالموضع الأول: بحسب ترتيب المصحف الكريم قوله هنا في سورة الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.\nالموضع الثاني: قوله تعالى في سورة يونس: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ (٣) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية.\nالموضع الثالث: قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ (٢) وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ","vol":"2","page":373},{"text":"إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٣) وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾.\nالموضع الرابع: قوله تعالى في سورة \"طه\": ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَمَا تَحْتَ الثَّرَى (٦)﴾.\nالموضع الخامس. قوله في سورة الفرقان: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨) الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾.\nالموضع السادس: قوله تعالى في سورة السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا شَفِيعٍ أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (٤) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية.\nالموضع السابع: قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾.\nوقال جل وعلا في وصف الحادث بالاستواء على بعض المخلوقات: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ﴾، ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ﴾ الآية ﴿وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ﴾","vol":"2","page":374},{"text":"الآية ونحو ذلك من الآيات.\nوقد علمت مما تقدم أنه لا إشكال في ذلك، وأن للخالق جل وعلا استواء لائقًا بكماله وجلاله، وللمخلوق أيضًا استواء مناسب لحاله، وبين استواء الخالق والمخلوق من المنافاة ما بين ذات الخالق والمخلوق؛ على نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوينبغي للناظر في هذه المسألة التأمل في أمور:\nالأمر الأول: أن جميع الصفات من باب واحد؛ لأن الموصوف بها واحد، ولا يجوز في حقه مشابهة الحوادث في شيء من صفاتهم، فمن أثبت مثلًا أنه سميع بصير، وسمعه وبصره مخالفان لأسماع الحوادث وأبصارهم، لزمه مثل ذلك في جميع الصفات؛ كالاستواء، واليد، ونحو ذلك من صفاته جل وعلا، ولا يمكن الفرق بين ذلك بحال.\nالأمر الثاني: أن الذات والصفات من باب واحد أيضًا، فكما أنه جل وعلا له ذات مخالفة لجميع ذوات الخلق فله تعالى صفات مخالفة لجميع صفات الخلق.\nالأمر الثالث: في تحقيق المقام في الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من آيات الصفات؛ كالاستواء واليد مثلًا.\nاعلم أولًا: أنه غلط في هذا خلق لا يحصى كثرة من المتأخرين، فزعموا أن الظاهر المتبادر السابق إلى الفهم من معنى الاستواء واليد مثلا في الآيات القرآنية هو مشابهة صفات الحوادث، وقالوا:","vol":"2","page":375},{"text":"يجب علينا أن نصرفه عن ظاهره إجماعًا؛ لأن اعتقاد ظاهرة كفر؛ لأن من شبه الخالق بالمخلوق فهو كافر. ولا يخفى على أدنى عاقل أن حقيقة معنى هذا القول أن الله وصف نفسه في كتابه بما ظاهره المتبادر منه السابق إلى الفهم الكفر بالله والقول فيه بما لا يليق به جل وعلا.\nوالنَّبي -  ﷺ  - الذي قيل له: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ لم يبين حرفًا واحدًا من ذلك مع إجماع من يعتد به من العلماء على أنه -  ﷺ  - لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، وأحرى في العقائد، ولاسيما ما ظاهره المتبادر منه الكفر والضلال المبين حتى جاء هؤلاء الجهلة من المتأخرين، فزعموا أن الله أطلق على نفسه الوصف بما ظاهره المتبادر منه لا يليق، والنَّبي -  ﷺ  - كتم أن ذلك الظاهر المتبادر كفر وضلال يجب صرف اللفظ عنه، وكل هذا من تلقاء أنفسهم من غير اعتماد على كتاب أو سنة، سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ! .\nولا يخفى أن هذا القول من أكبر الضلال، ومن أعظم الافتراء على الله جل وعلا، ورسوله -  ﷺ  -، والحق الذي لا يشك فيه أدنى عاقل أن كل وصف وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله -  ﷺ  - فظاهره المتبادر منه السابق إلى فهم من في قلبه شيء من الإيمان، هو التنزيه التام عن مشابهة شيء من صفات الحوادث.\nفبمجرد إضافة الصفة إليه جل وعلا يتبادر إلى الفهم أنه لا مناسبة بين تلك الصفة الموصوف بها الخالق، وبين شيء من صفات المخلوقين، وهل ينكر عاقل، أن السابق إلى\n\nالفهم المتبادر","vol":"2","page":376},{"text":"لكل عاقل هو منافاة الخالق للمخلوق في ذاته، وجميع صفاته، لا، والله لا ينكر ذلك إلا مكابر.\nوالجاهل المفتري الذي يزعم أن ظاهر آيات الصفات لا يليق بالله؛ لأنه كفر وتشبيه إنما جر إليه ذلك تنجيس قلبه بقذر التشبيه بين الخالق والمخلوق، فأداه شؤم التشبيه إلى نفي صفات الله جل وعلا، وعدم الإيمان بها مع أنه جل وعلا هو الذي وصف بها نفسه، فكان هذا الجاهل مشبهًا أولا، ومعطلا ثانيًا، فارتكب ما لا يليق بالله ابتداء وانتهاء، ولو كان قلبه عارفًا بالله كما ينبغي، معظمًا لله كما ينبغي، طاهرًا من أقذار التشبيه لكان المتبادر عنده السابق إلى فهمه: أن وصف الله جل وعلا بالغ من الكمال والجلال ما تقطع أوهام علائق المشابهة بينه وبين صفات المخلوقين، فيكون قلبه مستعدًا للإيمان بصفات الكمال والجلال الثابتة لله في القرآن والسنة الصحيحة، مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، على نحو قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾.\nفلو قال متنطع: بينوا لنا كيفية الاتصاف بصفة الاستواء واليد، ونحو ذلك لنعقلها.\nقلنا: أعرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة بتلك الصفات؟ فلا بد أن يقول: لا، فنقول: معرفة كيفية الاتصاف بالصفات متوقفة على معرفة كيفية الذات، فسبحان من لا يستطيع غيره أن يحصي الثناء عليه، هو كما أثنى على نفسه: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ","vol":"2","page":377},{"text":"يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ ﴿فَلا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾.\nفتحصل من جميع هذا البحث أن الصفات من باب واحد، وأن الحق فيها متركب من أمرين:\nوالأول: تنزيه الله جل وعلا مشابهة الخلق.\nوالثاني: الإيمان بكل ما وصف به نفسه، أو وصفه به رسوله -  ﷺ  - إثباتًا، أو نفيًا. وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ والسلف الصالح ﵃ ما كانوا يشكون في شيء من ذلك، ولا كان يشكل عليهم، ألا ترى إلى قول الفرزدق وهو شاعر فقط، وأما من جهة العلم فهو عامي:\nوكيف أخاف الناس والله قابض ... على الناس والسبعين في راحة اليد\nومراده بالسبعين: سبع سماوات، وسبع أرضين، فمن علم مثل هذا من كون السماوات والأرضين في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، فإنه عالم بعظمة الله وجلاله لا يسبق إلى ذهنه مشابهة صفاته لصفات الخلق، ومن كان كذلك زال عنه كثير من الإشكالات التي أشكلت على كثير من المتأخرين، وهذا الذي ذكرنا من تنزيه الله جل وعلا عما لا يليق به، والإيمان بما وصف به نفسه، أو وصف به رسوله -  ﷺ  - هو معنى قول الإمام مالك -﵀-: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والسؤال عنه بدعة.\nويروى نحو قول مالك هذا عن شيخه ربيعة بن أبي عبد الرحمن، وأم سلمة ﵂ - والعلم عند الله تعالى-.","vol":"2","page":378},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-395> قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾</span>.\nذكر في هذه الآية الكريمة: أن رحمته جل وعلا قريب من عباده المحسنين، وأوضح في موضع آخر صفات عبيده الذين سيكتبها لهم في قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ الآية.\nووجه تذكير وصف الرحمة مع أنها مؤنثة في قوله: ﴿قَرِيبٌ﴾ ولم يقل: قريبة. فيه للعلماء أقوال تزيد على العشرة. نذكر منها إن شاء الله بعضًا، ونترك ما يظهر لنا ضعفه، أو بعده عن الظاهر.\nمنها: أن الرحمة مصدر بمعنى الرحم، فالتذكير باعتبار المعنى.\nومنها: أن من أساليب اللغة العربية أن القرابة إذا كانت قرابة نسب تعين التأنيث فيها في الأنثى، فتقول: هذه المرأة قريبتي، أي: في النسب، ولا تقول: قريب مني، وإن كانت قرابة مسافة جاز التذكير والتأنيث، فتقول: داره قريب وقريبة مني، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ وقول امرئ القيس:\nله الويل إن أمسى ولا أم هاشم ... قريب ولا البسباسة ابنة يشكرا\nومنها: أن وجه ذلك إضافة الرحمة إلى الله جل وعلا.\nومنها: أن قوله: ﴿قَرِيبٌ (١٧)﴾ صفة موصوف محذوف أي شيء قريب من المحسنين.\nومنها: أنها شبهت بفعيل بمعنى مفعول الذي يستوي فيه","vol":"2","page":379},{"text":"الذكر والأنثى.\nومنها: أن الأسماء التي على فعيل ربما شبهت بالمصدر الآتي على فعيل، فأفردت لذلك، قال بعضهم: ولذلك إفراد الصديق في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾، وقول الشاعر:\n\n• وهن صديق لمن لم يشب اهـ *\nوالظهير في قوله: ﴿وَالْمَلائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الأوجه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-396> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾</span> على قراءة عاصم بَشَرًا بضم الباء الموحدة، وإسكان الشين: جمع بشير؛ لأنها تنتشر أمام المطر مبشرة به، وهذا المعنى يوضحه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ يعني برحمته المطر، كما جاء مبينًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-397> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾</span> الآية.\nبين في هذه الآية الكريمة أنه يحمل السحاب على الريح، ثم يسوقه إلى حيث يشاء من بقاع الأرض، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا","vol":"2","page":380},{"text":"تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-398> قوله تعالى: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ﴾</span> الآية.\nأنكر تعالى في هذه السورة الكريمة على قوم نوح، وقوم هود عجبهم من إرسال رجل؛ وبين في مواضع أخر أن جميع الأمم عجبوا من ذلك. قال في عجب قوم نبينا - ﷺ - من ذلك: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ وقال: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، وقال عن الأمم السابقة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ وقال: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ وصرح بأن هذا العجب من إرسال بشر مانع للناس من الإيمان بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.\nورد الله عليهم ذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-399> قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾</span>.\nلم يبين هنا كيفية إغراقهم، ولكنه بينها في مواضع أخر كقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ","vol":"2","page":381},{"text":"الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-400> قوله تعالى: ﴿أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا شيئًا من هذا الجدال الواقع بين هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين عاد، ولكنه أشار إليه في مواضع أخر كقوله: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣) إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-401> قوله تعالى: ﴿وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا كيفية قطعه دابر عاد، ولكنه بينه في مواضع أُخر كقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-402> قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾</span> الآية.\nظاهر هذه الآية الكريمة أن عقرها باشرته جماعة، ولكنه تعالى بين في سورة القمر: أن المراد أنهم نادوا واحدًا منهم، فباشر عقرها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-403> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾</span> الآية.","vol":"2","page":382},{"text":"لم يبين هنا هذا الذي يعدهم به، ولكنه بين في مواضع أخر أنه العذاب، كقوله: ﴿وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ وقوله هنا: ﴿فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-404> قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ﴾</span>.\nلم يبين هنا سبب رجفة الأرض بهم، ولكنه بين في موضع آخر أن سبب ذلك صيحة الملك بهم، وهو قوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآية. والظاهر أن الملك لما صاح بهم رجفت بهم الأرض من شدة الصيحة، وفارقت أرواحهم أبدانهم، -والله جل وعلا أعلم-.\n\n• قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي﴾ الآية.\nبين تعالى هذه الرسالة التي أبلغها نبيه صالح إلى قومه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-406> قوله تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾</span>.\nبين تعالى أن المراد بهذه الفاحشة اللواط بقوله بعده: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ الآية، وبين","vol":"2","page":383},{"text":"ذلك أيضًا بقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥)﴾ وقوله: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-407> قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة أنه لم ينج مع لوط إلا خصوص أهله، وقد بيَّن تعالى ذلك في \"الذاريات\" بقوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾ وقوله هنا: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ أوضحه في مواضع أخر، فبين أنها خائنة، وأنها من أهل النار، وأنها واقعة فيما أصاب قومها من الهلاك، قال فيها: هي وامرأة نوح ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ وَامْرَأَتَ لُوطٍ كَانَتَا تَحْتَ عَبْدَيْنِ مِنْ عِبَادِنَا صَالِحَيْنِ فَخَانَتَاهُمَا فَلَمْ يُغْنِيَا عَنْهُمَا مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَقِيلَ ادْخُلا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وقال فيها وحدها: أعني امرأة لوط ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾ الآية، وقوله هنا في قوم لوط: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ (٨٤)﴾.\nلم يبين هنا هذا المطر ما هو، ولكنه بين في مواضع أخر أنه مطر حجارة أهلكهم الله بها كقوله: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ وأشار إلى أن السجيل الطين بقوله في \"الذاريات\": ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ وبين أن هذا المطر مطر سوء، لا رحمة بقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ وقوله تعالى في \"الشعراء\": ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-408> قوله تعالى: ﴿وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا﴾</span> الضمير في قوله: ﴿وَتَبْغُونَهَا﴾ راجع إلى","vol":"2","page":384},{"text":"السبيل، وهو نص قرآني على أن السبيل مؤنثة، ولكنه جاء في موضع آخر ما يدل على تذكير السبيل أيضًا، وهو قوله تعالى: في هذه السورة الكريمة: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-409> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾</span>.\nبين تعالى حكمه الذي حكم به بقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا شُعَيْبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (٩٢)﴾ وقوله: ﴿فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ﴾ الآية.\nفإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر تعالى في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة.\nفالجواب: ما قاله ابن كثير ﵀ في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله، أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم، فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم، فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام اهـ. منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-410> قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾</span>.","vol":"2","page":385},{"text":"بين جل وعلا الرسالات التي أبلغها رسوله شعيب إلى قومه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات، وبين نصحه لهم في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ لا يَجْرِمَنَّكُمْ شِقَاقِي أَنْ يُصِيبَكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَ قَوْمَ نُوحٍ أَوْ قَوْمَ هُودٍ أَوْ قَوْمَ صَالِحٍ وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ (٨٩)﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (٩٣)﴾ أنكر نبي الله شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام الأسى، أي: الحزن على الكفار. إذا أهلكهم الله بعد إبلاغهم، وإقامة الحجة عليهم، مع تماديهم في الكفر والطغيان لجاجًا وعنادًا، وإنكاره لذلك يدل على أنه لا ينبغي، وقد صرح تعالى بذلك، فنهى نبينا - ﷺ - عنه في قوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ ومعنى لا تَأْسَ: لا تحزن، وقوله: ﴿وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-411> قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْقُرَى نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَائِهَا﴾</span> الآية.\nذكر أنباءهم مفصلة في مواضع كثيرة، كالآيات التي ذكر فيها خبر نوح، وهود، وصالح ولوط، وشعيب، وغيرهم، مع أممهم صلوات الله وسلامه عليهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-412> قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾</span> الآية.\nفي هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه من التفسير: بعضها يشهد له القرآن.","vol":"2","page":386},{"text":"منها: أن المعنى فما كانوا ليؤمنوا بما سبق في علم الله يوم أخذ الميثاق أنهم يكذبون به، ولم يؤمنوا به، لاستحالة التغير فيما سبق به العلم الأزلي، ويروى هذا عن أبي بن كعب، وأنس. واختاره ابن جرير.\nويدل لهذا الوجه آيات كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nومنها: أن معنى الآية أنهم أخذ عليهم الميثاق، فآمنوا كرهًا، فما كانوا ليؤمنوا بعد ذلك طوعًا، ويروى هذا عن السدي، وهو راجع في المعنى إلى الأول.\nومنها: أن معنى الآية أنهم لو ردوا إلى الدنيا مرة لكفروا أيضًا، فما كانوا ليؤمنوا في الرد إلى الدنيا بما كذبوا به من قبل، أي في المرة الأولى، ويروى هذا عن مجاهد، ويدل لمعنى هذا القول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ الآية، لكنه بعيد من ظاهر الآية.\nومنها: أن معنى الآية فما كانوا ليؤمنوا بما جاءتهم به الرسل بسبب تكذيبهم بالحق أولًا ما ورد عليهم، وهذا القول حكاه ابن عطية، واستحسنه ابن كثير، وهو من أقرب الأقوال لظاهر الآية الكريمة، ووجهه ظاهر؛ لأن شؤم المبادرة إلى تكذيب الرسل سبب للطبع على القلوب والإبعاد عن الهدى، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ","vol":"2","page":387},{"text":"اللَّهُ مَرَضًا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد تكون فيها أوجه من التفسير، كلها يشهد له قرآن، وكلها حق، فنذكر جميعها - والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-413> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآياتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا﴾</span> الآية.\nبين تعالى هنا أن فرعون وملأه ظلموا بالآيات التي جاءهم بها موسى، وصرح في النمل بأنهم فعلوا ذلك جاحدين لها، مع أنهم مستيقنون أنها حق؛ لأجل ظلمهم وعلوهم؛ وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-414> قوله تعالى: ﴿وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾</span>.\nذكر تعالى هنا أن موسى نزع يده، فإذا هي بيضاء، ولم يبين أن ذلك البياض خال من البرص، ولكنه بين ذلك في سورة \"النمل\" و\"القصص\" في قوله فيهما: ﴿تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ﴾ أي من غير برص.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-415> قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ﴾</span>.\nبين هنا أن موسى لما جاء بآية العصا واليد قال الملأ من قوم فرعون: إنه ساحر، ولم يبين ماذا قال فرعون، ولكنه بين في \"الشعراء\" أن فرعون قال مثل ما قال الملأ من قومه، وذلك في","vol":"2","page":388},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلأِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-416> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾</span>.\nلم يبين هنا هذا السحر العظيم ما هو؟ ولم يبين هل أوجس موسى في نفسه الخوف منه؟ ولكنه بين كل ذلك في \"طه\" بقوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦) فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى (٦٧) قُلْنَا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلَى (٦٨) وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ ولم يبين هنا أنهم تواعدوا مع موسى موعدًا لوقت مغالبة مع السحرة، وأوضح ذلك في سورة \"طه\" في قوله عنهم: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلا أَنْتَ مَكَانًا سُوَىً (٥٨) قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-417> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾</span>.\nلم يبين هنا الشيء الذي توعدهم بأنهم يصلبهم فيه، ولكنه بينه في موضع آخر، كقوله في \"طه\": ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-418> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن فرعون وقومه إن أصابتهم سيئة، أي: قحط وجدب ونحو ذلك تطيروا بموسى وقومه فقالوا: ما جاءنا هذا الجدب والقحط إلا من شؤمكم، وذكر مثل هذا عن بعض الكفار مع نبينا - ﷺ - في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ الآية. وذكر نحوه أيضًا عن قوم صالح مع صالح في","vol":"2","page":389},{"text":"قوله: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ الآية. وذكر نحو ذلك أيضًا عن القرية التي جاءها المرسلون في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ﴾ الآية. وبين تعالى أن شؤمهم من قبل كفرهم، ومعاصيهم، لا من قبل الرسل، قال في \"الأعراف\": ﴿أَلا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقال في سورة \"النمل\" في قوم صالح: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ وقال في \"يس\": ﴿قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-419> قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا من هؤلاء القوم، ولكنه صرح في سورة \"الشعراء\": بأن المراد بهم بنو إسرائيل؛ لقوله في القصة بعينها: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرائيلَ (٥٩)﴾ الآية، وأشار إلى ذلك هنا بقوله بعده: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-420> قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا هذه الكلمة الحسنى التي تمت عليهم، ولكنه بينها في القصص بقوله: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-421> قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تراني﴾</span> الآية.\nاستدل المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه","vol":"2","page":390},{"text":"الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل على أن نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما صرح الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا.\nوقد ثبت عن النَّبي - ﷺ - أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الْحُسْنَى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ وقد تواترت الأحاديث عن النَّبي - ﷺ -: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم.\nوتحقيق المقام في المسألة: أن رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلا في دار الدنيا: قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعًا فهي جائزة وواقعة في الآخرة، كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا فممنوعة شرعًا كما تدل عليه آية \"الأعراف\" هذه، وحديث \"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا\" كما أوضحناه في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-422> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لا يُكَلِّمُهُمْ وَلا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾</span>.\nبين في هذه الآية الكريمة سخافة عقول عبدة العجل،","vol":"2","page":391},{"text":"ووبخهم على أنهم يعبدون ما لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلًا، وأوضح هذا في \"طه\" بقوله: ﴿أَفَلا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعًا (٨٩)﴾ الآية، وقد قدمنا في سورة \"البقرة\" أن جميع آيات اتخاذهم العجل إلاهًا حذف فيها المفعول الثاني في جميع القرآن كما في قوله هنا: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا﴾ الآية. أي اتخذوه إلاها، وقد قدمنا أن النكتة في حذفه دائمًا التنبيه على أنه لا ينبغي التلفظ بأن عجلًا مصطنعًا من جماد إله، وقد أشار تعالى إلى هذا المفعول المحذوف دائمًا في \"طه\" بقوله: ﴿فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-423> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (١٤٩)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن عبدة العجل اعترفوا بذنبهم، وندموا على ما فعلوا، وصرح في سورة \"البقرة\" بتوبتهم ورضاهم بالقتل، وتوبة الله جل وعلا عليهم بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-424> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾</span> الآية.\nأوضح الله ما ذكره هنا بقوله في \"طه\": ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ الآية.","vol":"2","page":392},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-425> قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي﴾</span> الآية.\nأشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى ما اعتذر به نبي الله هارون لأخيه موسى عما وجهه إليه من اللوم، وأوضحه في \"طه\" بقوله: ﴿قَالَ يَبْنَؤُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ وصرح الله تعالى ببراءته بقوله: ﴿وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى (٩١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-426> قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة فيها التصريح بأنه - ﷺ - رسول إلى جميع الناس، وصرح بذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ وقيد في موضع آخر عموم رسالته ببلوغ هذا القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وصرح بشمول رسالته لأهل الكتاب مع العرب بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-427> قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾</span> الآية.","vol":"2","page":393},{"text":"لم يبين هنا كثرة كلماته، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-428> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِّيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لَاّ يِقُولُواْ عَلَى اللَّهِ إِلَاّ الْحَقَّ﴾</span> الآية.\nهذا الميثاق المذكور يبينه قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ (١٨٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-429> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ (١٧٣)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء:\nأحدهما: أن معنى أخذه ذرية بني آدم من ظهورهم: هو إيجاد قرن منهم بعد قرن، وإنشاء قوم بعد آخرين، كما قال تعالى: ﴿كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾ وقال: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ﴾ وقال: ﴿خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ونحو ذلك من الآيات. وعلى هذا القول فمعنى قوله: ﴿وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى﴾ أن إشهادهم على أنفسهم إنما هو بما نصب لهم من الأدلة القاطعة، بأنه ربهم المستحق منهم لأن يعبدوه وحده، وعليه","vol":"2","page":394},{"text":"فمعنى قَالُواْ: بَلَى، أي: قالوا ذلك بلسان حالهم؛ لظهور الأدلة عليه ونظيره من إطلاق الشهادة على شهادة لسان الحال قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ أي بلسان حالهم على القول بذلك، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (٦)﴾ أي بلسان حاله أيضًا على القول بأن ذلك هو المراد في الآية أيضًا.\nواحتج من ذهب إلى هذا القول بأن الله جل وعلا جعل هذا الإشهاد حجة عليهم في الإشراك به جل وعلا في قوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (١٧٢) أَوْ تَقُولُوا إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ قالوا: فلو كان الإشهاد المذكور الإشهاد عليهم يوم الميثاق، وهم في صورة الذر لما كان حجة عليهم؛ لأنه لا يذكره منهم أحد عند وجوده في الدنيا، وما لا علم للإنسان به لا يكون حجة عليه.\nفإن قيل: إخبار الرسل بالميثاق المذكور كاف في ثبوته.\nقلنا: قال ابن كثير في تفسيره: \"الجواب عن ذلك أن المكذبين من المشركين يكذبون بجميع ما جاءتهم به الرسل من هذا وغيره، وهذا جعل حجة مستقلة عليهم، فدل على أنه الفطرة التي فطروا عليها من التوحيد، ولهذا قال: ﴿أَنْ تَقُولُوا﴾ الآية اهـ. منه بلفظه.\nفإذا علمت هذا الوجه الذي ذكرنا في تفسير الآية، وما استدل عليه قائله به من القرآن. فاعلم أن الوجه الآخر في معنى الآية: أن الله أخرج جميع ذرية آدم من ظهور الآباء في صورة","vol":"2","page":395},{"text":"الذر، وأشهدهم على أنفسهم بلسان المقال: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ ثم أرسل بعد ذلك الرسل مذكرة بذلك الميثاق الذي نسيه الكل، ولم يولد أحد منهم وهو ذاكر له، وإخبار الرسل به يحصل به اليقين بوجوده.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هذا الوجه الأخير يدل له الكتاب والسنة.\nأما وجه دلالة القرآن عليه فهو أن مقتضى القول الأول أن ما أقام الله لهم من البراهين القطعية كخلق السماوات والأرض، وما فيهما من غرائب صنع الله الدالة على أنه الرب المعبود وحده، وما ركز فيهم من الفطرة التي فطرهم عليها تقوم عليهم به الحجة ولو لم يأتهم نذير، والآيات القرآنية مصرحة بكثرة بأن الله تعالى لا يعذب أحدًا حتى يقيم عليه الحجة بإنذار الرسل، وهو دليل على عدم الاكتفاء بما نصب من الأدلة، وما ركز من الفطرة، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ فإنه قال فيها: حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا، ولم يقل: حتى نخلق عقولًا، وننصب أدلة، ونركز فطرة.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ الآية، فصرح بأن الذي تقوم به الحجة على الناس، وينقطع به عذرهم هو إنذار الرسل، لا نصب الأدلة والخلق على الفطرة.\nوهذه الحجة التي بعث الرسل لقطعها بينها في \"طه\" بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ","vol":"2","page":396},{"text":"آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ وأشار لها في \"القصص\" بقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ ومن ذلك أنه تعالى صرح بأن جميع أهل النار قطع عذرهم في الدنيا بإنذار الرسل، ولم يكتف في ذلك بنصب الأدلة، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ ومعلوم أن لفظة كُلَّمَا في قوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ صيغة عموم، وأن لفظة الَّذِينَ في قوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ صيغة عموم أيضًا؛ لأن الموصول يعم كلما تشمله صلته.\nوأما السنة؛ فإنه قد دلت أحاديث كثيرة على أن الله أخرج ذرية آدم في صورة الذر، فأخذ عليهم الميثاق كما ذكر هنا، وبعضها صحيح.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قال أبو عمر -يعني ابن عبد البر-: لكن معنى هذا الحديث قد صح عن النَّبي -  ﷺ  - من وجوه ثابتة كثيرة من حديث عمر بن الخطاب ﵁، وعبد الله بن مسعود، وعلي بن أبي طالب، وأبي هريرة ﵃ أجمعين وغيرهم اهـ. محل الحاجة منه بلفظه.\nوهذا الخلاف الذي ذكرنا هل يكتفي في الإلزام بالتوحيد","vol":"2","page":397},{"text":"بنصب الأدلة، أو لا بد من بعث الرسل لينذروا؟ هو مبنى الخلاف المشهور عند أهل الأصول في أهل الفترة، هل يدخلون النار بكفرهم؟ وحكى القرافي عليه الإجماع، وجزم به النووي في [شرح مسلم] أو يعذرون بالفترة وهو ظاهر الآيات التي ذكرناها، وإلى الخلاف أشار في [مراقي السعود] بقوله:\nذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع\nوقد حققنا هذه المسألة مع مناقشة أدلة الفريقين في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، ولذلك اختصرناها هنا.\n\n• قوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ﴾ الآية.\nضرب الله تعالى المثل لهذا الخسيس الذي آتاه آياته فانسلخ منها بالكلب، ولم تكن حقارة الكلب مانعة من ضربه تعالى المثل به، وكذلك ضرب المثل بالذباب في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ (٧٣)﴾ وكذلك ضرب المثل ببيت العنكبوت في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ وكذلك ضرب المثل بالحمار في قوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥)﴾ وهذه الآيات تدل على أنه تعالى","vol":"2","page":398},{"text":"لا يستحي من بيان العلوم النفيسة عن طريق ضرب الأمثال بالأشياء الحقيرة، وقد صرح بهذا المدلول في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-430> قوله تعالى: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾</span>.\nهدّد تعالى في هذه الآية الذين يلحدون في أسمائه بتهديدين:\nالأول: صيغة الأمر في قوله: ﴿وَذَرُوا﴾ فإنها للتهديد.\nوالثاني: في قوله: ﴿سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ وهدد الذين يلحدون في آياته في سورة حم \"السجدة\" بأنهم لا يخفون عليه في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾ ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ﴾ الآية.\nوأصل الإلحاد في اللغة: الميل، ومنه اللحد في القبر، ومعنى إلحادهم في أسمائه هو ما كاشتقاقهم اسم اللات من اسم الله، واسم العزى من اسم العزيز، واسم مناة من المنان، ونحو ذلك، والعرب تقول: لحد وألحد بمعنى واحد، وعليهما القراءتان يلحدون بفتح الباء والحاء من الأول، وبضمها وكسر الحاء من الثاني.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-431> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾</span> الآية.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن وقت قيام الساعة لا يعلمها إلا الله جل وعلا، وقد جاءت آيات أخر تدل على ذلك أيضًا، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ","vol":"2","page":399},{"text":"مُنْتَهَاهَا (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنها الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-432> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ﴾</span> الآية.\nهذه الآية تدل على أنه - ﷺ - لم يكن يعلم من الغيب إلا ما علمه الله، وقد أمره تعالى أن يقول: إنه لا يعلم الغيب في قوله في \"الأنعام\": ﴿قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ﴾ الآية، وقال: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوالمراد بالخير في هذه الآية الكريمة قيل: المال، ويدل على ذلك كثرة ورود الخير بمعنى المال في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لِحُبِّ الْخَيْرِ لَشَدِيدٌ (٨)﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقيل: المراد بالخير فيها العمل الصالح، كما قاله مجاهد وغيره، والصحيح الأول لأنه - ﷺ - مستكثر جدًا من الخير الذي هو العمل الصالح؛ لأن عمله - ﷺ - كان ديمة، وفي رواية كان إذا عمل عملًا أثبته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-433> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾</span> الآية.\nذكر في هذه الآية الكريمة أنه خلق حواء من آدم ليسكن","vol":"2","page":400},{"text":"إليها، أي: ليألفها ويطمئن بها، وبين في موضع آخر أنه جعل أزواج ذريته كذلك، وهو قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-434> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، والقرآن يشهد لأحدهما:\nالأول: حواء كانت لا يعيش لها ولد، فحملت، فجاءها الشيطان، فقال لها: سمي هذا الولد عبد الحارث، فإنه يعيش، والحارث من أسماء الشيطان، فسمته عبد الحارث، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا﴾ أي ولدًا إنسانًا ذكرًا جعلا له شركاء بتسميته عبد الحارث، وقد جاء بنحو هذا حديث مرفوع، وهو معلول كما أوضحه ابن كثير في تفسيره.\nالوجه الثاني: أن معنى الآية أنه لما آتى آدم وحواء صالحًا كفر به بعد ذلك كثير من ذريتهما، وأسند فعل الذرية إلى آدم وحواء؛ لأنهما أصل لذريتهما، كما قال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بتصويرنا لأبيكم آدم؛ لأنه أصلهم بدليل قوله بعده: ﴿ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ويدل لهذا الوجه الأخير أنه تعالى قال بعده: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٩٠) أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وهذا نص قرآني صريح في أن المراد المشركون من بني آدم، لا آدم وحواء. واختار هذا الوجه غير واحد لدلالة القرآن عليه، وممن ذهب إليه الحسن البصري. واختاره ابن كثير - والعلم عند الله تعالى -.","vol":"2","page":401},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-435> قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾</span> وقال في الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾.\nبين في هذه الآية الكريمة ما ينبغي أن يعامل به الجهلة من شياطين الإنس والجن، فبين أن شيطان الإنس يعامل باللين، وأخذ العفو، والإعراض عن جهله وإساءته، وأن شيطان الجن لا منجى منه إلا بالاستعاذة بالله منه، قال في الأول: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩)﴾ قال في الثاني: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٠٠)﴾ وبين هذا الذي ذكرنا في موضعين آخرين:\nأحدهما: في سورة \"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ\" قال فيه في شيطان الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦)﴾ وقال في الآخر: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾.\nوالثاني: في حم \"السجدة\" قال فيه في شيطان الإنس: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤)﴾ وزاد هنا أن ذلك لا يعطاه كل الناس، بل لا يعطيه الله إلا لذي الحظ الكبير، والبخت العظيم عنده فقال: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ ثم قال في شيطان الجن: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-436> قوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ﴾</span>.","vol":"2","page":402},{"text":"ذكر في هذه الآية الكريمة أن إخوان الإنس من الشياطين يمدون الإنس في الغي، ثم لا يقصرون، وبين ذلك أيضًا في مواضع أخرى كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ وقوله: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْأِنْسِ﴾ وبين في موضع آخر أن بعض الإنس إخوان للشياطين، وهو قوله: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ﴾ الآية.","vol":"2","page":403},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-437>سُورة الأنفال</span>","vol":"2","page":404},{"text":"بسم الله الرحمن الرحيم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-438> قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾</span> الآية.\nاختلف العلماء في المراد بالأنفال هنا على خمسة أقوال:\nالأول: أن المراد بها خصوص ما شذ عن الكافرين إلى المؤمنين، وأخذ بغير حرب كالفرس، والبعير يذهب من الكافرين إلى المسلمين، وعلى هذا التفسير فالمراد بالأنفال هو المسمى عند الفقهاء فيئا، وهو الآتي بيانه في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ وممن قال بهذا القول عطاء بن أبي رباح.\nالثاني: أن المراد بها الخمس، وهو قول مالك.\nالثالث: أن المراد بها خمس الخمس.\nالرابع: أنها الغنيمة كلها، وهو قول الجمهور، وممن قال به ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، وعطاء، والضحاك، وقتادة، وعطاء الخراساني، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وغير واحد. قاله ابن كثير.\nالخامس: أن المراد بها أنفال السرايا خاصة، وممن قال به","vol":"2","page":405},{"text":"الشعبي، ونقله ابن جرير عن علي بن صالح بن حي. والمراد بهذا القول ما ينفله الإمام لبعض السرايا زيادة على قسمهم مع بقية الجيش، واختار ابن جرير أن المراد بها الزيادة على القسم.\nقال ابن كثير: ويشهد لذلك ما ورد في سبب نزول الآية، وهو ما رواه الإمام أحمد حيث قال: حدثنا أبو معاوية، حدثنا أبو إسحاق الشيباني، عن محمد بن عبيد الله الثقفي، عن سعد بن أبي وقاص قال: لما كان يوم بدر، وقتل أخي عمير، قتلت سعيد بن العاص، وأخذت سيفه، وكان يسمى ذا الكتيفة، فأتيت به النَّبي -  ﷺ  - فقال: اذهب فاطرحه في القبض قال: فرجعت وبي ما لا يعلمه إلا الله من قتل أخي وأخذ سلبي. قال: فما جاوزت إلا يسيرًا حتى نزلت سورة الأنفال، فقال رسول الله -  ﷺ  -: اذهب فخذ سلبك. وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أسود بن عامر، أخبرنا أبو بكر، عن عاصم بن أبي النجود، عن مصعب بن سعد، عن سعد بن مالك قال: قلت: يا رسول الله قد شفاني الله اليوم من المشركين فهب لي هذا السيف، فقال: إن هذا السيف لا لك، ولا لي ضعه، قال: فوضعته، ثم رجعت فقلت: عسى أن يعطى هذا السيف من لا يبلى بلائي، قال: فإذا رجل يدعوني من ورائي قال: قلت: قد أنزل الله فيَّ شيئًا، قال: كنت سألتني السيف، وليس هو لي، وإنه قد وهب لي فهو لك. قال: وأنزل الله هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ورواه أبو داود، والترمذي، والنسائي من طرق عن أبي بكر بن عياش. وقال الترمذي: حسن صحيح. وهكذا رواه أبو داود الطيالسي: أخبرنا شعبة، أخبرنا سماك بن حرب قال: سمعت مصعب بن سعد يحدث عن سعد","vol":"2","page":406},{"text":"قال: نزلت فيَّ أربع آيات من القرآن أصبت سيفًا يوم بدر، فأتيت النَّبي -  ﷺ  - فقلت: نفلنيه فقال: ضعه من حيث أخذته مرتين، ثم عاودته فقال النَّبي -  ﷺ  -: ضعه من حيث أخذته، فنزلت هذه الآية: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية. وتمام الحديث في نزول: ﴿وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ﴾ الآية، وآية الوصية وقد رواه مسلم في صحيحه من حديث شعبة به.\nوقال محمد بن إسحاق: حدثني عبد الله بن أبي بكر، عن بعض بني ساعدة قال: سمعت أبا أسيد مالك بن ربيعة يقول: أصبت سيف بن عائذ يوم بدر، وكان السيف يدعى بالمرزبان، فلما أمر رسول الله -  ﷺ  - الناس أن يردوا ما في أيديهم من النفل أقبلت به، فألقيته في النفل، وكان رسول الله -  ﷺ  - لا يمنع شيئًا يسأله، فرآه الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فسأله رسول الله -  ﷺ  - فأعطاه إياه. ورواه ابن جرير من وجه آخر اهـ. كلام ابن كثير.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: جمهور العلماء على أن الآية نزلت في غنائم بدر لما اختلف الصحابة فيها، قال بعضهم: نحن هم الذين حزنا الغنائم، وحويناها فليس لغيرنا فيها نصيب؛ وقالت المشيخة: إنا كنا لكم ردءًا، ولو هزمتم للجأتم إلينا فاختصموا إلى النَّبي -  ﷺ  -، وقد روى الإمام أحمد والترمذي وابن ماجه عن عبادة بن الصامت أنها نزلت في ذلك. وقال الترمذي: هذا حديث صحيح، ورواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم في المستدرك وقال: صحيح الإسناد على شرط مسلم ولم يخرجاه، وروي نحو ذلك أبو داود، والنسائي، وابن حبان، والحاكم، وابن جرير،","vol":"2","page":407},{"text":"وابن مردويه من طرق عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس؛ وعلى هذا القول الذي هو قول الجمهور، فالآية مشكلة مع قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.\nوأظهر الأقوال التي يزول بها الإشكال في الآية هو ما ذكره أبو عبيد، ونسبه القرطبي في تفسيره لجمهور العلماء أن قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، ناسخ لقوله: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ الآية، إلا أن قول أبي عبيد: إن غنائم بدر لم تخمس؛ لأن آية الخمس لم تنزل إلا بعد قسم غنائم بدر غير صحيح، ويدل على بطلانه ما ثبت في صحيح مسلم من حديث علي بن أبي طالب ﵁ \"كان لي شارف من نصيبي من المغنم يوم بدر، وكان رسول الله - ﷺ - أعطاني شارفًا من الخمس يومئذ\" الحديث. فهذا نص صحيح في تخميس غنائم بدر؛ لأن قول عليّ في هذا الحديث الصحيح: \"يومئذ\" صريح في أنه يعني يوم بدر كما ترى.\nفالحاصل أن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية. بينت أنه ليس المراد قصر الغنائم على الرسول المذكور في أول السورة، وأنها تعطى أربعة أخماس منها للغانمين، وقد ذكرنا آنفا أن أبا عبيد قال: إنها ناسخة لها، ونسبه القرطبي للجمهور، وسيأتي لهذا المبحث زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى في الكلام على قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-439> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾</span> الآية.\nفي هذه الآية الكريمة التصريح بزيادة الإيمان، وقد صرح تعالى بذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ","vol":"2","page":408},{"text":"يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدىً﴾ الآية.\nوتدل هذه الآيات بدلالة الالتزام على أنه ينقص أيضًا؛ لأن كل ما يزيد ينقص، وجاء مصرحًا به في أحاديث الشفاعة الصحيحة كقوله: \"يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله وفي قلبه مثقال حبة من إيمان\" ونحو ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-440> قوله تعالى: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ألقى النعاس على المؤمنين؛ ليجعل قلوبهم آمنة غير خائفة من عدوها؛ لأن الخائف الفزع لا يغشاه النعاس، وظاهر سياق هذه الآية أن هذا النعاس ألقي عليهم يوم بدر؛ لأن الكلام هنا في وقعة بدر، كما لا يخفى وذكر في سورة آل عمران أن النعاس غشيهم أيضًا يوم أحد، وذلك في قوله تعالى في وقعة أحد: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-441> قوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾</span> الآية.\nالمراد بالفتح هنا في هذه الآية عند جمهور العلماء: الحكم وذلك أن قريشًا لما أرادوا الخروج إلى غزوة بدر تعلقوا بأستار الكعبة، وزعموا أنهم قطان بيت الله الحرام، وأنهم يسقون الحجيج، ونحو ذلك، وأن محمدًا - ﷺ - فرق الجماعة، وقطع","vol":"2","page":409},{"text":"الرحم، وسفه الآباء، وعاب الدين، ثم سألوا الله أن يحكم بينهم، وبين النَّبي - ﷺ - بأن يهلك الظالم منهم، وينصر المحق، فحكم الله بذلك وأهلكهم، ونصره، وأنزل الآية، ويدل على أن المراد بالفتح هنا الحكم أنه تعالى أتبعه بما يدل على أن الخطاب لكفار مكة، وهو قوله: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ﴾ ويبين ذلك إطلاق الفتح بمعنى الحكم في القرآن في قوله عن شعيب وقومه: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ أي: احكم بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الحاكمين، ويدل لذلك قوله تعالى: عن شعيب في نفس القصة ﴿وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (٨٧)﴾ وهذه لغة حمير؛ لأنهم يسمون القاضي فتاحًا والحكومة فتاحة، ومنه قول الشاعر:\nألا أبلغ بني عمرو رسولا ... بأني عن فتاحتكم غني\nأي: عن حكومتكم وقضائكم، أما ما ذكره بعض أهل العلم من أن الخطاب في قوله: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا﴾ للمؤمنين، أي تطلبوا الفتح والنصر من الله، وأن الخطاب في قوله بعده: ﴿وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ للكافرين فهو غير ظاهر، كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-442> قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٨)﴾</span>.\nأمر تعالى الناس في هذه الآية الكريمة أن يعلموا أن أموالهم وأولادهم فتنة يختبرون بها، هل يكون المال والولد سببًا للوقوع فيما لا يرضى الله؟ وزاد في موضع آخر أن الأزواج فتنة أيضًا،","vol":"2","page":410},{"text":"كالمال والولد، فأمر الإنسان بالحذر منهم أن يوقعوه فيما لا يرضى الله، ثم أمره إن اطلع على ما يكره من أولئك الأعداء الذين هم أقرب الناس له، وأخصهم به، وهم الأولاد، والأزواج أن يعفو عنهم، ويصفح ولا يؤاخذهم، فيحذر منهم أولًا، ويصفح عنهم إن وقع منهم بعض الشيء، وذلك في قوله في التغابن: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِنْ تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤) إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾.\nوصرح في موضع آخر بنهي المؤمنين عن أن تلهيهم الأموال والأولاد عن ذكره جل وعلا، وأن من وقع في ذلك فهو الخاسر المغبون في حظوظه، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ والمراد بالفتنة في الآيات: الاختبار والابتلاء، وهو أحد معاني الفتنة في القرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-443> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾</span>.\nقال ابن عباس، والسدَّي، ومجاهد وعكرمة، والضحاك وقتادة، ومقاتل بن حيان، وغير واحد: فُرْقَانا: مخرجًا، زاد مجاهد في الدنيا والآخرة، وفي رواية عن ابن عباس فُرْقَانا: نجاة، وفي رواية عنه: نصرًا. وقال محمد بن إسحاق: فُرْقَانا، أي: فصلا بين الحق والباطل. قاله ابن كثير.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: قول الجماعة المذكورة: إن","vol":"2","page":411},{"text":"المراد بالفرقان المخرج يشهد له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢)﴾ الآية. والقول بأنه النجاة أو النصر راجع في المعنى إلى هذا؛ لأن من جعل الله له مخرجًا أنجاه ونصره، لكن الذي يدل القرآن واللغة على صحته في تفسير الآية المذكورة هو قول ابن إسحاق؛ لأن الفرقان مصدر زيدت فيه الألف والنون وأريد به الوصف أي الفارق بين الحق والباطل، وذلك هو معناه في قوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ أي: الكتاب الفارق بين الحق والباطل، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾ ويدل على أن المراد بالفرقان هنا: العلم الفارق بين الحق والباطل قوله تعالى في الحديد: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية. لأن قوله هنا: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ يعني: علمًا وهدى تفرقون به بين الحق والباطل.\nويدل على أن المراد بالنور هنا الهدى، ومعرفة الحق قوله تعالى فيمن كان كافرًا فهداه الله: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾ الآية. فجعل النور المذكور في الحديد: هو معنى الفرقان المذكور في الأنفال كما ترى، وتكفير السيئات والغفران المرتب على تقوى الله في آية الأنفال، كذلك جاء مرتبًا أيضًا عليها في آية الحديد، وهو بيان واضح كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-444> قوله تعالى: ﴿قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا﴾</span> الآية.\nقد بينا قبل هذه الآيات المصرحة بكذبهم، وتعجيز الله لهم","vol":"2","page":412},{"text":"عن الإتيان بمثله، فلا حاجة إلى إعادتها هنا، وقوله هنا في هذه الآية عنهم: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ رد الله عليهم كذبهم وافتراءهم هذا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (٦)﴾ وما أنزله عالم السر في السماوات والأرض فهو بعيد جدًا من أن يكون أساطير الأولين، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-445> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾</span> ذكر هنا في هذه الآية الكريمة ما يدل على أن كفار مكة في غاية الجهل حيث قالوا: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا﴾ الآية، ولم يقولوا: فاهدنا إليه، وجاء في آيات أخر ما يدل على ذلك أيضًا، كقوله عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ وذكر عن بعض الأمم السالفة شبه ذلك، كقوله في قوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾ وقوله عن قوم صالح: ﴿يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح في سورة \"سَأَلَ سَائِلٌ\".\n•<span data-type=\"title\" id=toc-446> قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ﴾</span>.","vol":"2","page":413},{"text":"صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بنفي ولاية الكفار على المسجد الحرام، وأثبتها لخصوص المتقين، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ (١٧) إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ (١٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-447> قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً﴾</span> الآية. المكاء الصفير، والتصدية: التصفيق.\nقال بعض العلماء: والمقصود عندهم بالصفير والتصفيق التخليط حتى لا يسمع الناس القرآن من النَّبي - ﷺ -. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-448> قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة أن كل شيء حواه المسلمون من أموال الكفار فإنه يخمس حسبما نص عليه في الآية، سواء أوجفوا عليه الخيل والركاب، أو لا، ولكنه تعالى بيَّن في سورة \"الحشر\" أن ما أفاء الله على رسوله من غير إيجاف المسلمين عليه الخيل والركاب أنه لا يخمس، ومصارفه التي بين أنه يصرف فيها كمصارف خمس الغنيمة المذكورة هنا، وذلك في قوله تعالى: في فيء بني النضير ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ الآية، ثم بين شمول الحكم لكل ما أفاء الله على رسوله","vol":"2","page":414},{"text":"من جميع القرى بقوله: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ الآية.\nاعلم أولًا أن أكثر العلماء: فرقوا بين الفيء والغنيمة، فقالوا: الفيء: هو ما يسره الله للمسلمين من أموال الكفار من غير انتزاعه منهم بالقهر، كفيء بني النضير الذين نزلوا على حكم النَّبي -  ﷺ  - ومكنوه من أنفسهم وأموالهم يفعل فيها ما يشاء؛ لشدة الرعب الذي ألقاه الله في قلوبهم، ورضي لهم -  ﷺ  - أن يرتحلوا بما يحملون على الإبل غير السلاح.\nوأما الغنيمة: فهي ما انتزعه المسلمون من الكفار بالغلبة والقهر، وهذا التفريق يفهم من قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية مع قوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ فإن قوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ﴾ الآية: ظاهر في أنه يراد به بيان الفرق بين ما أوجفوا عليه، وما لم يوجفوا عليه كما ترى، والفرق المذكور بين الغنيمة والفيء عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي بقوله في غزوة بني النضير:\nوفيئهم والفيء في الأنفال ... ما لم يكن أخذ عن قتال\nأما الغنيمة فعن زحاف ... والأخذ عنوة لدى الزحاف\nلخير مرسل .. الخ.\nوقوله: \"وفيئهم\" مبتدأ خبره \"لخير مرسل\"، وقوله: \"الفيء في الأنفال إلخ\" كلام اعتراضي بين المبتدأ والخبر، بين به الفرق","vol":"2","page":415},{"text":"بين الغنيمة والفيء، وعلى هذا القول فلا إشكال في الآيات؛ لأن آية: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ ذكر فيها حكم الغنيمة، وآية: ﴿مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ ذكر فيها حكم الفيء، وأشير لوجه الفرق بين المسألتين بقوله: ﴿فَمَا أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلا رِكَابٍ﴾ أي فكيف يكون غنيمة لكم، وأنتم لم تتعبوا فيه ولم تنتزعوه بالقوة من مالكيه.\nوقال بعض العلماء: إن الغنيمة والفيء واحد، فجميع ما أخذ من الكفار على أي وجه كان غنيمة وفيء، وهذا قول قتادة ﵀، وهو المعروف في اللغة، فالعرب تطلق اسم الفيء على الغنيمة، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:\nفلا وأبي جليلة ما أفأنا ... من النعم المؤبل من بعير\nولكنا نهكنا القوم ضربا ... على الأثباج منهم والنحور\nيعني أنهم لم يشتغلوا بسوق الغنائم، ولكن بقتل الرجال فقوله: أفأنا: يعني غنمنا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ﴾ لأن ظاهر هذه الآية الكريمة شمول ذلك لجميع المسببات ولو كن منتزعات قهرًا، ولكن الاصطلاح المشهور عند العلماء هو ما قدمنا من الفرق بينهما، وتدل له آية الحشر المتقدمة، وعلى قول قتادة: فآية الحشر مشكلة مع آية الأنفال هذه، ولأجل ذلك الإشكال قال قتادة رحمه الله تعالى: إن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية. ناسخة لآية: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ الآية، وهذا القول الذي ذهب إليه -﵀- باطل بلا شك، ولم يلجىء قتادة -﵀- إلى هذا القول إلا دعوى","vol":"2","page":416},{"text":"اتحاد الفيء والغنيمة، فلو فرق بينهما كما فعل غيره لعلم أن آية الأنفال في الغنيمة، وآية الحشر في الفيء، ولا إشكال.\nووجه بطلان القول المذكور: أن آية ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية نزلت بعد وقعة بدر، قبل قسم غنيمة بدر، بدليل حديث علي الثابت في صحيح مسلم الدال على أن غنائم بدر خمست، وآية التخميس التي شرعه الله بها هي هذه، وأما آية الحشر فهي نازلة في غزوة بني النضير بإطباق العلماء، وغزوة بني النضير بعد غزوة بدر بإجماع المسلمين، ولا منازعة فيه البتة، فظهر من هذا عدم صحة قول قتادة رحمه الله تعالى، وقد ظهر لك أنه -على القول بالفرق بين الغنيمة والفيء - راجع إلى نظر الإمام، فلا منافاة على قوله بين آية الحشر، وآية التخميس إذا رآه الإمام والله أعلم.\nمسائل من أحكام هذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن جماهير علماء المسلمين على أن أربعة أخماس الغنيمة للغزاة الذين غنموها، وليس للإمام أن يجعل تلك الغنيمة لغيرهم، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿غَنِمْتُمْ﴾ فهذا يدل على أنها غنيمة لهم، فلما قال: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ علمنا أن الأخماس الأربعة الباقية لهم، لا لغيرهم، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ﴾ أي: ولأبيه الثلثان الباقيان إجماعًا، فكذلك قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ أي: وللغانمين ما بقي، وهذا القول هو الحق الذي لا شك فيه، وحكى الإجماع عليه غير واحد من العلماء، وممن حكى إجماع المسلمين عليه ابن المنذر،","vol":"2","page":417},{"text":"وابن عبد البر، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأخبار بهذا المعنى متظاهرة، وخالف في ذلك بعض أهل العلم، وهو قول كثير من المالكية، ونقله عنهم المازري -﵀- أيضًا قالوا: للإمام أن يصرف الغنيمة فيما يشاء من الصالح للمسلمين، ويمنع منها الغزاة الغانمين.\nواحتجوا لذلك بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية. قالوا: الْأَنْفَال: الغنائم كلها، والآية محكمة لا منسوخة.\nواحتجوا لذلك أيضًا بما وقع في فتح مكة؛ وقصة حنين قالوا: إنه -  ﷺ  - فتح مكة عنوة بعشرة آلاف مقاتل، ومنَّ على أهلها فردها عليهم، ولم يجعلها غنيمة، ولم يقسمها على الجيش، فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش واجبًا، لفعله -  ﷺ  - لما فتح مكة؛ قالوا: وكذلك غنائم هوازن في غزوة حنين، أعطى منها عطايا عظيمة جدًا، ولم يعط الأنصار منها مع أنهم من خيار المجاهدين الغازين معه -  ﷺ  -، وقد أشار لعطاياه من غنائم هوازن في وقعة حنين الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في غزوة حنين بقوله:\nأعطى عطايا شهدت بالكرم ... يومئذ له ولم تجمجم\nأعطى عطايا أخجلت دلح الديم ... إذ ملأت رحب الفضا من النعم\nزهاء ألقى ناقة منها وما ... ملأ بين جبلين غنما\nلرجل وبله ما لحلقه ... منها ومن رقيقه وورقه","vol":"2","page":418},{"text":"الخ.\nقالوا: لو كان يجب قسم الأخماس الأربعة على الجيش الذي غنمها لما أعطى -  ﷺ  - ألفى ناقة من غنائم هوازن لغير الغزاة، ولما أعطى ما ملأ بين جبلين من الغنم لصفوان بن أمية، وفي ذلك اليوم أعطى الأقرع بن حابس التميمي مائة من الإبل، وكذلك عيينة بن حصن الفزاري حتى غار من ذلك العباس بن مرداس السلمي وقال في ذلك شعره المشهور:\nأتجعل نهبي ونهب العبيد ... بين عيينة والأقرع\nفما كان حصن ولا حابس ... يفوقان مرداس في مجمع\nوما كنت دون امرىء منهما ... ومن تضع اليوم لا يرفع\nوقد كنت في الحرب ذا تدرإ ... فلم أعط شيئًا ولم أمنع\nإلا أباعير أعطيتها ... عديد قوائمه الأربع\nوكانت نهابًا تلافيتها ... بكري على المهر في الأجرع\nوإيقاظي القوم إن يرتدوا ... إذا هجع الناس لم أهجع\nقالوا: فلو كان قسم الأخماس الأربعة على الجيش الغانمين واجبًا لما فضل الأقرع وعيينة في العطاء من الغنيمة على العباس بن مرداس في أول الأمر قبل أن يقول شعره المذكور.\nوأجيب من جهة الجمهور عن هذه الاحتجاجات، فالجواب عن آية ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ هو ما قدمنا من أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، ونسبه القرطبي لجمهور العلماء، والجواب عما وقع في فتح مكة من أوجه:","vol":"2","page":419},{"text":"الأول: أن بعض العلماء زعموا أن مكة لم تفتح عنوة، ولكن أهلها أخذوا الأمان منه -  ﷺ  -؛ وممن قال بهذا الشافعي ﵀.\nواستدل قائلوا هذا القول بقوله -  ﷺ  -: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" وهو ثابت في الصحيح. وهذا الخلاف في مكة هل أخذها النَّبي -  ﷺ  - عنوة؟ وهو قول الجمهور، أو أخذ لها الأمان، والأمان شبه الصلح. عقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة الفتح يعني مكة:\nواختلفوا فيها فقيل: أمنت ... وقيل: عنوة وكرهًا أخذت\nوالحق أنها فتحت عنوة كما سيأتي تحقيقه إن شاء الله، ومن أظهر الأجوبة عما وقع في فتح مكة أن مكة ليست كغيرها من البلاد؛ لأنها حرام بحرمة الله من يوم خلق السماوات والأرض إلى يوم القيامة، وإنما أحلت له -  ﷺ  - ساعة من نهار، ولم تحل لأحد قبله ولا بعده، وما كان بهذه المثابة، فليس كغيره من البلاد التي ليست لها هذه الحرمة العظيمة.\nوأما ما وقع في قصة حنين فالجواب عنه ظاهر، وهو أن النَّبي -  ﷺ  - استطاب نفوس الغزاة عن الغنيمة ليؤلف بها قلوب المؤلفة قلوبهم لأجل المصلحة العامة للإسلام والمسلمين، ويدل على ذلك أنه -  ﷺ  - لما سمع أن بعض الأنصار قال: يمنعنا ويعطي قريشًا، وسيوفنا تقطر من دمائهم، جمعهم النَّبي -  ﷺ  -، وكلمهم كلامه المشهور والبالغ في الحسن، ومن جملته أنه قال لهم: \"ألا ترضون يا معشر الأنصار أن يذهب الناس بالشاء والبعير وترجعون برسول الله -  ﷺ  - إلى رحالكم\" إلى آخر كلامه، فرضي القوم، وطابت","vol":"2","page":420},{"text":"نفوسهم، وقالوا: رضينا برسول الله -  ﷺ  - قسما وحظًا، وهذا ثابت في الصحيح، ونوه الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بحسن هذا الكلام الذي خاطبهم به -  ﷺ  - بقوله في غزوة حنين:\nووكل الأنصار خير العالمين ... لدينهم إذ ألف المؤلفين\nفوجدوا عليه أن منعهم ... فأرسل النَّبي من جمعهم\nوقال قولًا كالفريد المؤنق ... عن نظمه ضعف سلك منطقي\nفالحاصل: أن أربعة أخماس الغنيمة التي أوجف الجيش عليها الخيل والركاب للغزاة الغانمين على التحقيق، الذي لا شك فيه، وهو قول الجمهور.\nوقد علمت الجواب عن حجج المخالفين في ذلك.\nومن العلماء من يقول: لا يجوز للإمام أن ينفل أحدًا شيئًا من هذه الأخماس الأربعة؛ لأنها ملك للغانمين، وهو قول مالك.\nوذهب بعض العلماء إلى أن للإمام أن ينفل منها بعض الشيء باجتهاده، وهو أظهر دليلًا، وسيأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله تعالى.\nالمسألة الثانية: هي تحقيق المقام في مصاريف الخمس الذي يؤخذ من الغنيمة قبل القسمة؛ فظاهر الآية الكريمة أنه يجعل ستة أنصباء: نصيب لله جل وعلا، ونصيب للرسول -  ﷺ  -، ونصيب لذي القربى، ونصيب لليتامى، ونصيب للمساكين، ونصيب لابن السبيل.\nوبهذا قال بعض أهل العلم: قال أبو جعفر الرازي، عن","vol":"2","page":421},{"text":"الربيع، عن أبي العالية الرياحي، قال: كان رسول الله -  ﷺ  - يؤتى بالغنيمة، فيخمسها على خمسة، تكون أربعة أخماس منها لمن شهدها، ثم يؤخذ الخمس فيضرب بيده فيه، فيأخذ الذي قبض كفه، فيجعله للكعبة وهو سهم الله، ثم يقسم ما بقي على خمسة أسهم، فيكون سهم للرسول -  ﷺ  -، وسهم لذي القربى، وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.\nوعلى هذا القول فنصيب الله جل وعلا يجعل للكعبة. ولا يخفى ضعف هذا القول؛ لعدم الدليل عليه، وقال بعض من قال بهذا القول: إن نصيب الله جل وعلا يرد على ذوي الحاجة.\nوالتحقيق أن نصيب الله جل وعلا، ونصيب الرسول -  ﷺ  - واحد، وذكر اسمه جل وعلا استفتاح كلام للتعظيم، وممن قال بهذا القول ابن عباس، كما نقله عنه الضحاك. وهو قول إبراهيم النخعي، والحسن بن محمد بن الحنفية، والحسن البصري، والشعبي، وعطاء بن أبي رباح، وعبد الله بن بريدة، وقتادة، ومغيرة وغير واحد كما نقله عنهم ابن كثير.\nوالدليل على صحة هذا القول ما رواه البيهقي بإسناد صحيح، عن عبد الله بن شقيق، عن رجل، قال: أتيت النَّبي -  ﷺ  - وهو بوادي القرى، وهو يعرض فرسًا، فقلت: يا رسول الله ما تقول في الغنيمة؟ فقال: لله خمسها، وأربعة أخماسها للجيش، قلت: فما أحد أولى به من أحد، قال: لا، ولا السهم تستخرجه من جيبك لست أحق به من أخيك المسلم. وهذا دليل واضح على ما ذكرنا.\nويؤيده أيضًا ما رواه الإمام أحمد عن المقدام بن معد يكرب","vol":"2","page":422},{"text":"الكندي، أنه جلس مع عبادة بن الصامت، وأبي الدرداء، والحارث بن معاوية الكندي ﵃، فتذاكروا حديث رسول الله -  ﷺ  -، فقال أبو الدرداء لعبادة: يا عبادة كلمات رسول الله -  ﷺ  - في غزوة كذا وكذا في شأن الأخماس، فقال عبادة: إن رسول الله -  ﷺ  - صلى بهم في غزوة إلى بعير من المغنم، فلما سلم قام رسول الله -  ﷺ  -، فتناول وبرة بين أنملتيه، فقال: إن هذي من غنائمكم، وإنه ليس لي فيها إلا نصيبي معكم الخمس، والخمس مردود عليكم، فأدوا الخيط والمخيط، وأكبر من ذلك وأصغر، ولا تغلوا فإن الغلول عار ونار على أصحابه في الدنيا والآخرة، وجاهدوا الناس في الله القريب والبعيد، ولا تبالوا في الله لومة لائم، وأقيموا حدود الله في السفر والحضر، وجاهدوا في الله، فإن الجهاد باب من أبواب الجنة عظيم ينجي الله به من الهم والغم.\nقال ابن كثير بعد أن ساق حديث أحمد: هذا عن عبادة بن الصامت، هذا حديث حسن عظيم، ولم أره في شيء من الكتب الستة من هذا الوجه، ولكن روى الإمام أحمد أيضًا، وأبو داود، والنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، عن رسول الله -  ﷺ  -: نحوه في قصة الخمس، والنهي عن الغلول.\nوعن عمرو بن عبسة أن رسول الله -  ﷺ  - صلى بهم إلى بعير من المغنم، فلما سلم أخذ وبرة من هذا البعير، ثم قال: \"ولا يحل لي من غنائمكم مثل هذه إلا الخمس، والخمس مردود عليكم\" رواه أبو داود، والنسائي.","vol":"2","page":423},{"text":"فإذا عرفت أن التحقيق أن الخمس في حياة النَّبي -  ﷺ  - يقسم خمسة أسهم؛ لأن اسم الله ذكر للتعظيم، وافتتاح الكلام به، مع أن كل شيء مملوك له جل وعلا، فاعلم أن النَّبي -  ﷺ  - كان يصرف نصيبه الذي هو خمس الخمس في مصالح المسلمين؛ بدليل قوله في الأحاديث التي ذكرناها آنفًا: \"والخمس مردود عليكم\"، وهو الحق.\nويدل له ما ثبت في الصحيح: من أنه كان يأخذ قوت سنته من فيء بني النضير، كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوأما بعد وفاته، وانتقاله إلى الرفيق الأعلى صلوات الله وسلامه عليه، فإن بعض العلماء يقول بسقوط نصيبه بوفاته.\nوممن قال بذلك: أبو حنيفة ﵀، واختاره ابن جرير.\nوزاد أبو حنيفة سقوط سهم ذوي القربى أيضًا بوفاته -  ﷺ  -. والصحيح أن نصيبه -  ﷺ  - باق، وأن إمام المسلمين يصرفه فيما كان يصرفه فيه رسول الله -  ﷺ  - من مصالح المسلمين.\nوقال بعض العلماء: يكون نصيبه -  ﷺ  - لمن يلي الأمر بعده، وروي عن أبي بكر، وعلي، وقتادة، وجماعة، قال ابن كثير: وجاء فيه حديث مرفوع.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والظاهر أن هذا القول راجع في المعنى إلى ما ذكرنا أنه الصحيح، وأن معنى كونه لمن يلي الأمر بعده أنه يصرفه فيما كان يصرفه فيه -  ﷺ  -، والنَّبي قال: \"والخمس مردود عليكم\" وهو واضح كما ترى.","vol":"2","page":424},{"text":"ولا يخفى أن كل الأقوال في نصيب النَّبي -  ﷺ  - بعد وفاته راجعة إلى شيء واحد؛ وهو صرفه في مصالح المسلمين.\nوقد كان الخلفاء الراشدون المهديون - ﵃ - يصرفونه فيما كان يصرفه فيه -  ﷺ  -.\nوكان أبو بكر، وعمر - ﵄ - يصرفانه في الكراع والسلاح.\nوجمهور العلماء على أن نصيب ذوي القربى باق، ولم يسقط بموته -  ﷺ  -.\nواختلف العلماء فيه من ثلاث جهات:\nالأولى: هل يسقط بوفاته أو لا؟\nوقد ذكرنا أن الصحيح عدم السقوط خلافًا لأبي حنيفة.\nالثانية: في المراد بذي القربى.\nالثالثة: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم أو لا؟\nأما ذوي القربى: فهم بنو هاشم؛ وبنو المطلب؛ على أظهر الأقوال دليلًا، وإليه ذهب الشافعي، وأحمد بن حنبل، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم بن خالد.\nقال البخاري في صحيحه، في كتاب \"فرض الخمس\": حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب، عن جبير بن مطعم. قال: مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى رسول الله -  ﷺ  -، فقلنا: يا رسول الله أعطيت بني المطلب","vol":"2","page":425},{"text":"وتركتنا، ونحن وهم منك بمنزلة واحدة، فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"إنما بنو المطلب، وبنو هاشم شيء واحد\".\nقال الليث: حدثني يونس وزاد، قال جبير: ولم يقسم النَّبي -  ﷺ  - لبني عبد شمس، ولا لبني نوفل. اهـ.\nوقال البخاري أيضًا في المغازي: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، أن جبير بن مطعم أخبره، قال: \"مشيت أنا وعثمان بن عفان إلى النَّبي -  ﷺ  -، فقلنا: أعطيت بني المطلب من خمس خيبر، وتركتنا، ونحن بمنزلة واحدة منك، فقال: إنما بنو هاشم، وبنو المطلب شيء واحد، قال جبير: لم يقسم النَّبي -  ﷺ  - لبني عبد شمس، وبني نوفل شيئًا. اهـ.\nوإيضاح كونهم من النبي -  ﷺ  - بمنزلة واحدة: أن جبير بن مطعم بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، وعثمان بن عفان بن أبي العاص بن عبد شمس بن عبد مناف.\nفأولاد عبد مناف بن قصي أربعة: هاشم، والمطلب، وعبد شمس، وهم: أشقاء؛ أمهم: عاتكة بنت مرة بن هلال السلمية، إحدى عواتك سليم؛ اللاتي هن جدات رسول الله -  ﷺ  -، وهن ثلاث: هذه التي ذكرنا. والثانية: عمتها؛ وهي: عاتكة بنت هلال التي هي أم عبد مناف.\nوالثالثة: بنت أخي الأول؛ وهي عاتكة بنت الأوقص بن مرة بن هلال، وهي أم وهب، والد آمنة، أم النبي -  ﷺ  -.","vol":"2","page":426},{"text":"ورابع أولاد عبد مناف: نوفل بن عبد مناف، وأمه: واقدة، بنت أبي عدي، واسمه نوفل بن عبادة بن مازن بن صعصعة.\nقال الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب:\nعبد مناف قمر البطحاء ... أربعة بنوه هؤلاء\nمطلب، وهاشم، ونوفل، ... وعبد شمس، هاشم لا يجهل\nوقال في بيان عواتك سليم اللآتي هن جدات له -  ﷺ  -:\nعواتك النَّبي: أم وهب ... وأم هاشم، وأم الندب\nعبد مناف، وذه الأخيره: ... عمة عمة الأولى الصغيره\nوهن بالترتيب ذا لذي لرجال ... الأوقص بن مرة بن هلال\nفبهذا الذي بينا يتضح أن الصحيح أن المراد بذي القربى في الآية: بنو هاشم، وبنو المطلب دون بني عبد شمس، وبني نوفل.\nووجهه أن بني عبد شمس، وبني نوفل عادوا الهاشميين، وظاهروا عليهم قريشًا، فصاروا كالأباعد منهم؛ للعداوة، وعدم النصرة.\nولذا قال فيهم أبو طالب؛ في لاميته المشهورة:\nجزى الله عنا عبد شمس، ونوفلا ... عقوبة شر، عاجل، غير آجل\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه، غير عائل\nلقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضا بنا، والغياطل","vol":"2","page":427},{"text":"ونحن الصميم من ذؤابة هاشم ... وآل قصي في الخطوب الأوائل\nبهذا الحديث الصحيح الذي ذكرنا: يتضح عدم صحة قول من قال بأنهم بنو هاشم فقط، وقول من قال: إنهم قريش كلهم.\nوممن قال بأنهم بنو هاشم فقط: عمر بن عبد العزيز، وزيد بن أرقم، ومالك، والثوري، ومجاهد، وعلي بن الحسين، والأوزاعي، وغيرهم.\nوقد أخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس: أن نجدة الحروري كتب إليه: يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه: إنا كنا نرى أناهم، فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا: قريش كلها ذوو قربى.\nوزيادة قوله: \"وقالوا: قريش كلها\" تفرد بها أبو معشر، وفيه ضعف. وما قدمنا من قول النَّبي -  ﷺ  -، وفعله الثابت في الصحيح: يعين أنهم بنو هاشم، والمطلب، وهو قول الشافعي، وأحمد بن حنبل، وكثير من أهل العلم.\nفإذا عرفت أنه -  ﷺ  - قضى بخمس الخمس من غنائم خيبر لبني هاشم والمطلب، وأنهم هم ذوو القربى المذكورون في الآية.\nفاعلم أن العلماء اختلفوا: هل يفضل ذكرهم على أنثاهم، أو يقسم عليهم بالسوية؟ فذهب بعض العلماء إلى أنه كالميراث، للذكر مثل حظ الأنثيين؛ وهذا هو مذهب أحمد بن حنبل في أصح الروايتين.","vol":"2","page":428},{"text":"قال صاحب الإنصاف: هذا المذهب جزم به الخرقي، وصاحب الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والعمدة، والوجيز، وغيرهم؛ وقدمه في الرعايتين، والحاويين، وغيرهم، وصححه في البلغة، والنظم، وغيرهما.\nوعنه: الذكر والأنثى؛ سواء. قدمه ابن رزين في شرحه؛ وأطلقهما في المغني، والشرح، والمحرر، والفروع. اهـ. من الإنصاف.\nوتفضيل ذكرهم على أنثاهم الذي هو مذهب الإمام أحمد: هو مذهب الشافعي أيضًا.\nوحجة من قال بهذا القول: أنه سهم استحق بقرابة الأب شرعًا؛ بدليل أن أولاد عماته -  ﷺ  -، كالزبير بن العوام، وعبد الله بن أبي أمية؛ لم يقسم لهم في خمس الخمس، وكونه مستحقًا بقرابة الأب خاصة يجعله كالميراث؛ فيفضل فيه الذكر على الأنثى.\nوقال بعض العلماء: ذكرهم وأنثاهم سواء. وممن قال به المزني، وأبو ثور، وابن المنذر.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول أظهر عندي؛ لأن تفضيل الذكر على الأنثى يحتاج إلى دليل، ولم يقم عليه في هذه المسألة دليل، ولم ينقل أحد عن النَّبي -  ﷺ  - أنه فضل ذكرهم على أنثاهم في خمس الخمس.\nوالدليل على أنه ليس كالميراث: أن الابن منهم يأخذ نصيبه مع وجود أبيه، وجده، وصغيرهم، وكبيرهم سواء.","vol":"2","page":429},{"text":"وجمهور العلماء القائلين بنصيب القرابة على أنه يقسم على جميعهم، ولم يترك منهم أحد خلافًا لقوم.\nوالظاهر شمول غنيهم؛ خلافًا لمن خصص به فقراءهم، لأنه -  ﷺ  - لم يخصص به فقراءهم، بخلاف نصيب اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. فالظاهر أنه يخصص به فقراؤهم، ولا شيء لأغنيائهم، فقد بان لك مما تقدم أن مذهب الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- في هذه المسألة: أن سهم الله، وسهم رسوله -  ﷺ  - واحد؛ وأنه بعد وفاته يصرف في مصالح المسلمين، وأن سهم القرابة لبني هاشم، وبني المطلب؛ للذكر مثل حظ الأنثيين، وأنه لجميعهم؛ غنيهم وفقيرهم، قاتلوا أم لم يقاتلوا، وأن للذكر منهم مثل حظ الأنثيين، وأن الأنصباء الثلاثة الباقية لخصوص الفقراء من اليتامى، والمساكين، وابن السبيل.\nومذهب أبي حنيفة: سقوط سهم الرسول -  ﷺ  -، وسهم قرابته بموته، وأن الخمس يقسم على الثلاثة الباقية: التي هي اليتامى، والمساكين، وابن السبيل. قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر، وبناء المساجد، وأرزاق القضاة، والجند، وروي نحو هذا عن الشافعي أيضًا.\nومذهب الإمام مالك -﵀- أن أمر خمس الغنيمة موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيما يراه مصلحة، فيأخذ منه من غير تقدير، ويعطي، القرابة باجتهاده، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها.","vol":"2","page":430},{"text":"وبقول مالك هذا: قال الخلفاء الأربعة، وبه عملوا، وعليه يدل قوله -  ﷺ  -: \"مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم\" فإنه لم يقسمه أخماسًا، ولا أثلاثًا، وإنما ذكر في الآية من ذكر على وجه التنبيه عليهم؛ لأنهم من أهم من يدفع إليه.\nقال الزجاج - محتجًا لمالك -: قال الله ﷿: ﴿يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وللرجل جائز - بإجماع العلماء - أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك. وذكر النسائي عن عطاء، وقال: خمس الله، وخمس رسوله واحد، كان رسول الله -  ﷺ  - يحمل منه، ويعطى منه، ويضعه حيث شاء. اهـ. من القرطبي.\nوقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وقال آخرون: إن الخمس يتصرف فيه الإمام بالمصلحة للمسلمين، كما يتصرف في مال الفيء.\nوقال شيخنا العلامة ابن تيمية -﵀-: وهذا قول مالك، وأكثر السلف، وهو أصح الأقوال\" اهـ من ابن كثير.\nوهذا القول هو رأي البخاري بدليل قوله: باب قول الله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ يعني للرسول قسم ذلك.\nوقال رسول الله: \"إنما أنا قاسم، وخازن، والله يعطي\" ثم ساق البخاري أحاديث الباب في كونه -  ﷺ  - قاسمًا بأمر الله تعالى.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا القول قوي، وستأتي له أدلة إن شاء الله في المسألة التي بعد هذا، ولكن أقرب الأقوال للسلامة","vol":"2","page":431},{"text":"هو العمل بظاهر الآية، كما قال الشافعي، وأحمد -رحمهما الله- لأن الله أمرنا أن نعلم أن خمس ما غنمنا لهذه المصارف المذكورة، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ﴾ وهو واضح جدًا، كما ترى.\nوأما قول بعض أهل البيت؛ كعبد الله بن محمد بن علي، وعلي بن الحسين ﵃ بأن الخمس كله لهم دون غيرهم، وأن المراد باليتامى، والمساكين: يتاماهم، ومساكينهم. وقول من زعم أنه بعد النَّبي -  ﷺ  - يكون لقرابة الخليفة الذي يوليه المسلمون، فلا يخفى ضعفهما، والله تعالى أعلم.\nالمسألة الثالثة: أجمع العلماء على أن المُذّهب، والفضة، وسائر الأمتعة؛ كل ذلك داخل في حكم الآية: يخمس، ويقسم الباقي على الغانمين، كما ذكرنا.\nالمسألة الرابعة: أما أرضهم المأخوذة عنوة: فقد اختلف العلماء فيها، فقال بعض العلماء: يخير الإمام بين قسمتها، كما يفعل بالذهب، والفضة؛ ولا خراج عليها؛ بل هي أرض عشر مملوكة، وبين وقفها للمسلمين بصيغة. وقيل بغير صيغة، ويدخل في ذلك تركها للمسلمين بخراج مستمر يؤخذ ممن تقر بيده، وهذا التخيير: هو مذهب الإمام أحمد.\nوعلى هذا القول: إذا قسمها الإمام، فقيل: تخمس، وهو أظهر، وقيل: لا، واختاره بعض أجلاء العلماء قائلًا: إن أرض خيبر لم يخمس ما قسم منها. والظاهر أن أرض خيبر خمست، كما جزم به غير واحد، ورواه أبو داود بإسناد صحيح عن الزهري.","vol":"2","page":432},{"text":"وهذا التخيير بين القسم، وإبقائها للمسلمين الذي ذكرنا أنه مذهب الإمام أحمد: هو أيضًا مذهب الإمام أبي حنيفة والثوري.\nوأما مالك -﵀- فذهب إلى أنها تصير وقفًا للمسلمين، بمجرد الإستيلاء عليها.\nوأما الشافعي -﵀- فذهب إلى أنها غنيمة يجب قسمتها على المجاهدين، بعد إخراج الخمس، وسنذكر - إن شاء الله - حجج الجميع، وما يظهر لنا رجحانه بالدليل.\nأما حجة الإمام الشافعي -﵀- فهي بكتاب وسنة.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، فهو يقتضي بعمومه شمول الأرض المغنومة.\nوأما السنة: فما ثبت أنه -  ﷺ  -، قسم أرض قريظة بعد أن خمسها، وبني النضير، ونصف أرض خيبر بين الغانمين.\nقال: فلو جاز أن يدعي إخراج الأرض، جاز أن يدعي إخراج غيرها، فيبطل حكم الآية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: الاستدلال بالآية: ظاهر، وبالسنة غير ظاهر، لأنه لا حجة فيه على من يقول بالتخيير؛ لأنه يقول: كان مخيرًا فاختار القسم، فليس القسم واجبًا، وهو واضح كما ترى.\nوحجة من قال بالتخيير: أن النَّبي -  ﷺ  - قسم نصف أرض خيبر، وترك نصفها، وقسم أرض قريظة، وترك قسمة مكة، فدل","vol":"2","page":433},{"text":"قسمه تارة، وتركه القسم أخرى على التخيير.\nففي [السنن] و[المستدرك]: \"أن النَّبي -  ﷺ  - لما ظهر على خيبر قسمها على ستة وثلاثين سهمًا، جمع كل سهم مائة سهم فكان لرسول الله -  ﷺ  -، وللمسلمين النصف من ذلك، وعزل النصف الباقي لمن ينزل به من الوفود، والأمور، ونوائب الناس\" هذا لفظ أبي داود. وفي لفظ \"عزل رسول الله -  ﷺ  - ثمانية عشر سهمًا، وهو الشطر -لنوائبه، وما ينزل به من أمر المسلمين، فكان ذلك: الوطيح، والكتيبة، والسلالم، وتوابعها\". وفي لفظ أيضًا: \"عزل نصفها لنوائبه، وما ينزل به: الوطيحة، والكتيبة، وما أحيز معهما، وعزل النصف الآخر: فقسمه بين المسلمين، الشق، والنطاة، وما أحيز معهما، وكان سهم رسول الله -  ﷺ  - فيما أحيز معهما.\nورد المخالف هذا الاحتجاج بأن النصف المقسوم من خيبر: مأخوذ عنوة، والنصف الذي لم يقسم منها: مأخوذ صلحًا وجزم بهذا ابن حجر في [فتح الباري].\nوقال النووي في [شرح مسلم] في الكلام على قول أنس عند مسلم: وأصبناها عنوة ما نصّه \"قال القاضي: قال المازري: ظاهر هذا أنها كلها فتحت عنوة، وقد روى مالك، عن ابن شهاب أن بعضها فتح عنوة، وبعضها صلحًا. قال: وقد يشكل ما روي في سنن أبي داود أنه قسمها نصفين: نصفًا لنوائبه، وحاجته، ونصفًا للمسلمين. قال: وجوابه ما قال بعضهم: إنه كان حولها ضياع وقرى أجلى عنها أهلها، فكانت خالصة للنبي -  ﷺ  -، وما سواها","vol":"2","page":434},{"text":"للغانمين، فكان قدر الذي جلوا عنه النصف، فلهذا قسم نصفين\" اهـ منه بلفظه.\nوقال أبو داود في [سننه]: حدثنا حسين بن علي العجلي، ثنا يحيى -يعني ابن آدم- ثنا ابن أبي زائدة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري، وعبد الله بن أبي بكر، وبعض ولد محمد بن مسلمة، قالوا: بقيت بقية من أهل خيبر تحصنوا، فسألوا رسول الله -  ﷺ  - أن يحقن دماءهم، ويسيرهم، ففعل، فسمع بذلك أهل فدك، فنزلوا على مثل ذلك، فكانت لرسول الله -  ﷺ  - خاصة، لأنها لم يوجف عليها بخيل ولا ركاب.\nحدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا عبد الله بن محمد، عن جويرية، عن مالك، عن الزهري: أن سعيد بن المسيب، أخبره: \"أن رسول الله -  ﷺ  - افتتح بعض خيبر عنوة\".\nقال أبو داود: وقرىء على الحارث بن مسكين، وأنا شاهد، أخبرهم ابن وهب، وقال: حدثني مالك، عن ابن شهاب: أن خيبر كان بعضها عنوة، وبعضها صلحًا، والكتيبة أكثرها عنوة، وفيها صلح، قلت لمالك: وما الكتيبة؟ قال: أرض خيبر، وهي أربعون ألف عذق.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وهذا الذي ذكرنا: يقدح في الاحتجاج لتخيير الإمام في القسم، والوقفية بقضية خيبر، كما ترى. وحجة قول مالك -﵀- ومن وافقه في أن أرض العدو المفتوحة عنوة تكون وقفًا للمسلمين، بمجرد الاستيلاء عليها أمور:","vol":"2","page":435},{"text":"منها: قوله -  ﷺ  - الثابت في [صحيح مسلم] من حديث أبي هريرة ﵁ \"منعت العراق درهمها وقفيزها، ومنعت الشام مديها ودينارها، ومنعت مصر إردبها ودينارها، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، وعدتم من حيث بدأتم، شهد على ذلك لحم أبي هريرة، ودمه\".\nووجه الاستدلال عندهم بالحديث: أن: \"منعت العراق ... الخ\" بمعنى ستمنع؛ وعبر بالماضي إيذانًا بتحقيق الوقوع، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّور﴾ الآية، وقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية.\nقالوا: فدل ذلك على أنها لا تكون للغانمين؛ لأن ما ملكه الغانمون لا يكون فيه قفيز ولا درهم، ولحديث مسلم هذا؛ شاهد من حديث جابر عند مسلم أيضًا، ومن حديث أبي هريرة أيضًا عند البخاري.\nوقال ابن حجر في [فتح الباري] في كتاب \"فرض الخمس\" ما نصه: وذكر ابن حزم: أن بعض المالكية احتج بقوله في حديث أبي هريرة: \"منعت العراق درهمها\" الحديث. على أن الأرض المغنومة: لا تباع، ولا تقسم، وأن المراد بالمنع: منع الخراج، ورده بأن الحديث ورد في الإنذار بما يكون من سوء العاقبة، وأن المسلمين سيمنعون حقوقهم في آخر الأمر، وكذلك وقع.\nواحتجوا أيضًا بما ثبت في الصحيح عن عمر بن الخطاب ﵁ قال: \"لولا آخر المسلمين ما فتحت قرية إلا قسمتها بين أهلها، كما قسم النَّبي -  ﷺ  - خيبر\".","vol":"2","page":436},{"text":"وفي لفظ في الصحيح عن عمر: \"أما والذي نفسي بيده، لولا أن أترك آخر الناس بيانًا ليس لهم شيء؛ ما فتحت علي قرية إلا قسمتها، كما قسم النَّبي -  ﷺ  - خيبر، ولكني أتركها خزانة لهم يقتسمونها\".\nواحتج أهل هذا القول أيضًا: بأن الأرض المغنومة لو كانت تقسم، لم يبق لمن جاء بعد الغانمين شيء، والله أثبت لمن جاء بعدهم شركة بقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا﴾ الآية، فإنه معطوف على قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْأِيمَانَ﴾ الآية، وقول من قال: إن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ مبتدأ خبره \"يَقُولُونَ\" غير صحيح؛ لأنه يقتضي أنه تعالى أخبر بأن كل من يأتي بعدهم يقول: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية. والواقع خلافه؛ لأن كثيرًا ممن جاء بعدهم يسبون الصحابة ويلعنونهم، والحق أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا﴾ معطوف على ما قبله، وجملة: ﴿يَقُولُونَ﴾ حال كما تقدم في \"آل عمران\" وهي قيد لعاملها وصف لصاحبها.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: هذه الأدلة التي استدل بها المالكية لا تنهض فيما يظهر؛ لأن الأحاديث المذكورة لا يتعين وجه الدلالة فيها؛ لأنه يحتمل أن يكون الإمام مخيرًا، فاختار إبقاءها للمسلمين، ولم يكن واجبًا في أول الأمر، كما قدمنا. والاستدلال بآية الحشر المذكورة: واضح السقوط؛ لأنها في الفيء، والكلام في الغنيمة، والفرق بينهما معلوم كما قدمنا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال دليلًا أن الإمام","vol":"2","page":437},{"text":"مخير، ويدل عليه كلام عمر في الأثر المار آنفًا، وبه تنتظم الأدلة، ولم يكن بينها تعارض، والجمع واجب متى ما أمكن. وغاية ما في الباب: أن تكون السنة دلت على تخصيص واقع في عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية. وتخصيص الكتاب بالسنة كثير.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها، بعد أن ذكر القول بالتخيير، ما نصه: قال شيخنا أبو العباس ﵁: وكأن هذا جمع بين الدليلين، ووسط بين المذهبين، وهو الذي فهمه عمر ﵁ قطعًا.\nولذلك قال: \"لولا آخر الناس\" فلم يخبر بنسخ فعل النَّبي -  ﷺ  -، ولا بتخصيصه بهم.\nفإن قيل: لا تعارض بين الأدلة على مذهب الشافعي؛ لأن ما وقع فيه القسم من خيبر مأخوذ عنوة، وما لم يقسم منها مأخوذ صلحًا، والنضير فيء، وقريظة قسمت.\nولو قال قائل: إنها فيء أيضًا؛ لنزولهم على حكم النَّبي -  ﷺ  - قبل أن يحكم فيهم سعدًا لكان غير بعيد، ولكن يرده: أن النَّبي -  ﷺ  - خمسها، كما قاله مالك، وغيره.\nومكة مأخوذة صلحًا؛ بدليل قوله -  ﷺ  -: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن\". وهذا ثابت في صحيح مسلم.\nفالجواب: أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة؛ ولذلك أدلة واضحة.","vol":"2","page":438},{"text":"منها: أنه لم ينقل أحد أن النَّبي -  ﷺ  - صالح أهلها زمن الفتح ولا جاءه أحد منهم، فصالحه عن البلد؛ وإنما جاءه أبو سفيان، فأعطاه الأمان لمن دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد، أو ألقى سلاحه، ولو كانت قد فتحت صلحًا لم يقل: \"من دخل داره، أو أغلق بابه، أو دخل المسجد فهو آمن\" فإن الصلح يقتضي الأمان العام.\nومنها: أن النَّبي -  ﷺ  - قال: \"إن الله حبس عن مكة الفيل، وسلط عليها رسوله والمؤمنين، وإنه أذن لي فيها ساعة من نهار\".\nوفي لفظ: إنها لم تحل لأحد قبلي، ولا تحل لأحد بعدي، وإنما أحلت لي ساعة من نهار\".\nوفي لفظ: \"فإن أحد ترخص بقتال رسول الله -  ﷺ  -، فقالوا: إن الله أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس\" وهذا صريح في أنها فتحت عنوة.\nومنها: أنه ثبت في الصحيح أنه يوم فتح مكة جعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى، وجعل الزبير على المجنبة اليسرى، وجعل أبا عبيدة على الحسر، فأخذوا بطن الوادي، ثم قال: يا أبا هريرة اهتف لي بالأنصار، فجاءوا يهرولون، فقال: يا معشر الأنصار هل ترون إلى أوباش قريش؟ قالوا: نعم، قال: انظروا إذا لقيتوهم غدًا أن تحصدوهم حصدًا، وأحفى بيده، ووضع يمينه على شماله، وقال: موعدكم الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، قال: فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه، وصعد رسول الله -  ﷺ  -","vol":"2","page":439},{"text":"الصفا، وجاءت الأنصار، فأطافوا بالصفا، فجاء أبو سفيان، فقال: يا رسول الله أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال رسول الله - ﷺ -: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، ومن أغلق بابه فهو آمن\".\nوذكر أهل المغازي تفصيل ما أجمل في حديث مسلم هذا، فبينوا أنه قتل من الكفار اثنا عشر، وقيل: قتل من قريش أربعة وعشرون، ومن هذيل أربعة، وقتل يومئذ من المسلمين ثلاثة، وهم سلمة بن الميلاء الجهني، وكرز بن جابن المحاربي -نسبة إلى محارب بن فهر- وخنيس بن خالد الخزاعي أخو أم معبد، وقال كرز قبل أن يقتل في دفاعه عن خنيس:\nقد علمت بيضاء من بني فهر ... نقية اللون نقية الصدر\n\n• لأضربن اليوم عن أبي صخر *\nوفيه نقل الحركة في الوقف، ورجز حماس بن قيس المشهور يدل على القتال يوم الفتح، وذكره الشنقيطي في مغازيه بقوله:\nوزعم ابن قيس أن سيحفدا ... نساءهم خلته وأنشدا\nإن يقبلوا اليوم فمالي علة ... هذا سلاح كامل وألة\n\n• وذو عرارين سريع السلة *\nوشهد المأزق فيه حطما ... رمزيب من قومه فانهزما\nوجاء فاستغلق بابها البتول ... فاستفهمته أينما كنت تقول\nفقال والفزع زعفر دمه ... إنك لو شهدت يوم الخندمة","vol":"2","page":440},{"text":"إذ فر صفوان وفر عكرمة ... وبو يزيد قائم كالمؤتمة\nواستقبلتنا بالسيوف المسلمة ... لهم نهيت خلفنا وهمهمة\nيقطعن كل ساعد وجمجمة ... ضربا فلا تسمع إلا غمغمة\n\n• لم تنطقي باللوم أدنى كلمه *\nوهذا الرجز صريح في وقوع القتال والقتل يوم فتح مكة.\nومصداقه في الصحيح كما تقدم.\nومنها أيضًا: أن أم هانئ بنت أبي طالب ﵂ أجارت رجلًا، فأراد علي بن أبي طالب ﵁ قتله، فقال رسول الله - ﷺ -: \"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ\" وفي لفظ عنها: لما كان يوم فتح مكة أجرت رجلين من أحمائي، فأدخلتهما بيتًا؛ وأغلقت عليهما بابًا، فجاء ابن أمي عليَّ، فتفلت عليهما بالسيف\" فذكرت حديث الأمان وقول النَّبي - ﷺ -: \"قد أجرنا من أجرت يا أم هانئ\" وذلك ضحى ببطن مكة بعد الفتح، وقصتها ثانية في الصحيح.\nفإجارتها له، وإرادة علي ﵁ قتله، وإمضاء النَّبي - ﷺ - إجارتها: صريح في أنها فتحت عنوة.\nومنها: أنه - ﷺ -، أمر بقتل مقيس بن صبابة، وابن خطل، وجاريتين.\nولو كانت فتحت صلحًا، لم يأمر بقتل أحد من أهلها، ولكان ذكر هؤلاء مستثنى من عقد الصلح.","vol":"2","page":441},{"text":"وأمره -  ﷺ  - بقتل من ذكر: ثابت عنه -  ﷺ  -.\nوفي السنن بإسناد صحيح: \"أن النبي -  ﷺ  -، لما كان يوم فتح مكة، قال: \"أمنوا الناس إلا امرأتين وأربعة نفر: اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلقين بأستار الكعبة\" إلى غير ذلك من الأدلة.\nفهذه أدلة واضحة على أن مكة - حرسها الله - فتحت عنوة.\nوكونها فتحت عنوة: يقدح فيما ذهب إليه الشافعي من وجوب قسم الأرض المغنومة عنوة.\nفالذي يتفق عليه جميع الأدلة، ولا يكون بينها أي تعارض: هو ما قدمنا من القول بالتخيير بين قسم الأرض، وإبقائها للمسلمين، مع ما قدمنا من الحجج، والعلم عند الله تعالى.\nوإذا عرفت أن التحقيق أن مكة فتحت عنوة، فاعلم أن العلماء اختلفوا في رباع مكة: -هل يجوز تملكها، وبيعها، وإيجارها؟ - على ثلاثة أقوال:\nأحدها: أنه لا يجوز شيء من ذلك، وبه قال أبو حنيفة، والأوزاعي، والثوري، ومجاهد، وعطاء، وطاووس، وإبراهيم، والحسن، وإسحاق، وغيرهم. وكرهه مالك -﵀-.\nوأجاز جميع ذلك الشافعي، وأبو يوسف وبه قال عمر بن الخطاب ﵁، وجماعة من الصحابة ومن بعدهم.\nوتوسط الإمام أحمد، فقال: تملك وتورث، ولا تؤجر، ولا تباع، على إحدى الروايتين، جمعًا بين الأدلة، والرواية الثانية","vol":"2","page":442},{"text":"كمذهب الشافعي.\nوهذه المسألة: تناظر فيها الإمام الشافعي، وإسحاق بن راهويه في مسجد الخيف -والإمام أحمد بن حنبل حاضر- فأسكت الشافعي إسحاق بالأدلة، بعد أن قال له: ما أحوجني أن يكون غيرك في موضعك، فكنت آمر بفرك أذنيه، أنا أقول لك: قال رسول الله -  ﷺ  -، وأنت تقول: قال طاوس، والحسن، وإبراهيم، وهل لأحد مع النبي -  ﷺ  - حجة؟ -في كلام طويل-.\nونحن نذكر إن شاء الله أدلة الجميع، وما يقتضي الدليل رجحانه منها، فحجة الشافعي -﵀- ومن وافقه بأمور.\nالأول: حديث أسامة، عن النَّبي -  ﷺ  - لما سأله: أين تنزل غدًا؟ فقال النَّبي -  ﷺ  -: \"وهل ترك لنا عقيل من رباع أو دور؟ \" وفي بعض الروايات \"من منزول\" وفي بعضها \"منزلًا\" أخرج هذا الحديث البخاري في كتاب \"الحج\" في باب \"توريث دور مكة، وشرائها\" الخ، وفي كتاب \"المغازي\" في غزوة الفتح في رمضان في: باب أين ركز النَّبي -  ﷺ  - الراية يوم الفتح، وفي كتاب الجهاد في باب \"إذا أسلم قوم في دار الحرب، ولهم مال وأرضون فهي لهم\" وأخرجه مسلم في كتاب \"الحج\" في باب: النزول بمكة للحاج وتوريث دورها، بثلاث روايات هي مثل روايات البخاري.\nفقوله -  ﷺ  - في هذا الحديث المتفق عليه: \"وهل ترك لنا عقيل من رباع\" صريح في إمضائه -  ﷺ  - بيع عقيل بن أبي طالب - ﵁ - تلك الرباع.","vol":"2","page":443},{"text":"ولو كان بيعها، وتملكها لا يصح لما أقره النَّبي -  ﷺ  -؛ لأنه لا يقر على باطل بإجماع المسلمين.\nالثاني: أن الله ﵎ أضاف للمهاجرين من مكة ديارهم، وذلك يدل على أنها ملكهم في قوله: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾.\nقال النووي في [شرح المهذب]: فإن قيل: قد تكون الإضافة لليد والسكنى، لقوله تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾.\nفالجواب: أن حقيقة الإضافة تقتضي ذلك، ولذلك لو قال: هذه الدار لزيد حكم بملكها لزيد، ولو قال: أردت به السكنى واليد، لم يقبل.\nونظير الآية الكريمة: ما احتج به أيضًا؛ من الإضافة في قوله: \"من دخل دار أبي سفيان فهو آمن\" الحديث. وقد قدمنا أنه في [صحيح مسلم].\nالثالث: الأثر المشهور في سنن البيهقي وغيره: \"أن نافع بن الحارث، اشترى من صفوان بن أمية، دار السجن لعمر بن الخطاب ﵁، بأربعمائة\". وفي رواية \"بأربعة آلاف\" ولم ينكر ذلك أحد من الصحابة.\nوروى الزبير بن بكار والبيهقي: أن حكيم بن حزام ﵁، باع دار الندوة بمكة من معاوية بن أبي سفيان بمائة ألف، فقال له عبد الله بن الزبير: يا أبا خالد بعت مأثرة قريش وكريمتها، فقال: هيهات ذهبت المكارم فلا مكرمة اليوم إلا الإسلام، فقال:","vol":"2","page":444},{"text":"اشهدوا أنها في سبيل الله تعالى، يعني الدراهم التي باعها بها. وعقده الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه عمود النسب بقوله يعني قصيًا:\nواتخذ الندوة لا يخترع ... في غيرها أمر ولا تدع\nجارية أو يعذر الغلام ... إلا بأمره بها يرام\nوباعها بعد حكيم بن حزام ... وأنبوه وتصدق الهمام\nسيد ناديه بكل الثمن ... إذ العلى بالدين لا بالدمن\nالرابع: أنها فتحت صلحًا، فبقيت على ملك أهلها، وقد قدمنا ضعف هذا الوجه.\nالخامس: القياس؛ لأن أرض مكة أرض حية، ليست موقوفة، فيجوز بيعها قياسًا على غيرها من الأرض.\nواحتج من قال: بأن رباع مكة لا تملك ولا تباع، بأدلة:\nمنها قوله تعالى: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ قالوا: والمراد بالمسجد: جميع الحرم كله لكثرة إطلاقه عليه في النصوص، كقوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ مع أن المنحر الأكبر من الحرم \"منى\".\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ قالوا: والمحرم لا يجوز بيعه.","vol":"2","page":445},{"text":"ومنها: ما أخرجه البيهقي من طريق إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، عن أبيه، عن عبد الله بن باباه، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"مكة مناخ لا تباع رباعها، ولا تؤجر بيوتها\".\nومنها: ما رواه أبو حنيفة، عن عبيد الله بن أبي زياد، عن أبي نجيح، عن عبد الله بن عمرو، قال: قال النَّبي -  ﷺ  -: \"مكة حرام، وحرام بيع رباعها، وحرام أجر بيوتها\".\nومنها ما روي عن عائشة ﵂ أنها قالت: قلت: يا رسول الله: ألا نبني لك بيتًا، أو بناء يظلك من الشمس؟ قال: لا. إنما هو مناخ من سبق إليه\" أخرجه أبو داود.\nومنها: ما رواه البيهقي، وابن ماجه، عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة الكناني، قال: كانت بيوت مكة تدعى السوائب، لم تبع رباعها في زمان رسول الله -  ﷺ  -، ولا أبي بكر ولا عمر، من احتاج سكن، ومن استغنى أسكن.\nومنها: ما روي عن عائشة ﵂ أن النَّبي -  ﷺ  - قال: \"منى مناخ لمن سبق\".\nقال النووي في [شرح المهذب] في الجنائز، في \"باب الدفن\" في هذا الحديث: رواه أبو محمد الدارمي، وأبو داود والترمذي، وابن ماجه، وغيرهم، بأسانيد جيدة من رواية عائشة ﵂. قال الترمذي: هو حديث حسن.\nوذكر في البيوع، في الكلام على بيع دور مكة، وغيرها من أرض الحرم: أن هذا الحديث صحيح.","vol":"2","page":446},{"text":"ومنها: ما رواه عبد الرزاق عن ابن مجاهد، عن أبيه، عن عبد الله بن عَمرو أنه قال: لا يحلّ بيع دور مكة ولا كِرَاؤها.\nوقال أيضًا عن ابن جريج، قال: كان عطاء ينهى عن الكراء في الحرم، وأخبرني أن عمر بن الخطاب كان ينهي عن تبويب دور مكة؛ لأن ينزل الحاج في عرصاتها، فكان أول من بوب داره: سهيل بن عمرو، فأرسل إليه عمر بن الخطاب في ذلك، فقال: أنظرني يا أمير المؤمنين إني كنت امرأ تاجرًا، فأردت أن أتخذ بابين يحبسان لي ظهري، فقال: ذلك لك إذن.\nوقال عبد الرزاق، عن معمر، عن منصور، عن مجاهد: إن عمر بن الخطاب قال: يا أهل مكة لا تتخذوا لدوركم أبوابًا؛ لينزل البادي حيث يشاء. اهـ. قاله ابن كثير: إلى غير ذلك من الأدلة.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أقوى الأقوال دليلًا فيما يظهر قول الشافعي ومن وافقه، لحديث أسامة بن زيد المتفق عليه كما قدمنا، وللأدلة التي قدمنا غيره، ولأن جميع أهل مكة بقيت لهم ديارهم بعد الفتح يفعلون بها ما شاءوا من بيع، وإجارة، وغير ذلك.\nوأجاب أهل هذا القول الصحيح عن أدلة المخالفين؛ فأجابوا عن قوله: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ بأن المراد خصوص المسجد دون غيره من أرض الحرم، بدليل التصريح بنفس المسجد في قوله: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً﴾ الآية، وعن قوله تعالى: ﴿هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا﴾ بأن المراد: حرم صيدها، وشجرها، وخلاها، والقتال فيها، كما بينه -  ﷺ  - في الأحاديث الصحيحة، ولم يذكر في شيء منها مع كثرتها النهي عن بيع دورها. وعن حديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر عن أبيه، بأنه","vol":"2","page":447},{"text":"ضعيف، قال النووي في [شرح المهذب]: هو ضعيف باتفاق المحدثين، واتفقوا على تضعيف إسماعيل، وأبيه إبراهيم. اهـ.\nوقال البيهقي في [السنن الكبرى]: إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر ضعيف، وأبوه غير قوي، واختلف عليه فروي عنه هكذا، وروي عنه، عن أبيه، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو مرفوعًا ببعض معناه، وعن حديث عائشة ﵂. بأنه محمول على الموات من الحرم، قال النووي: وهو ظاهر الحديث.\nوعن حديث أبي حنيفة، بأنه ضعيف من وجهين:\nأحدهما: تضعيف إسناده بابن أبي زياد المذكور فيه.\nوالثاني: أن الصواب فيه عند الحفاظ أنه موقوف على عبد الله بن عمر وقالوا: رفعه وهم. قاله الدارقطني، وأبو عبد الرحمن السلمي، والبيهقي.\nوعن حديث عثمان بن أبي سليمان بجوابين.\nأحدهما: أنه منقطع، كما قاله البيهقي.\nالثاني: ما قاله البيهقي أيضًا، وجماعة من الشافعية، وغيرهم، أن المراد في الحديث الإخبار عن عادتهم الكريمة في إسكانهم ما استغنوا عنه من بيوتهم بالإعارة تبرعًا، وجودًا.\nوقد أخبر من كان أعلم بشأن مكة منه عن جريان الإرث، والبيع فيها.\nوعن حديث \"منى مناخ من سبق\" بأنه محمول على مواتها،","vol":"2","page":448},{"text":"ومواضع نزول الحجيج منها. قاله النووي اهـ.\nواعلم أن تضعيف البيهقي لحديث إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، وحديث عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة تعقبه عليه محشيه صاحب [الجوهر النقي]، بما نصه: \"ذكر فيه حديثًا في سنده إسماعيل بن إبراهيم بن مهاجر، فضعف إسماعيل، وقال عن أبيه: غير قوي، ثم أسنده من وجه آخر، ثم قال: رفعه وهم، والصحيح موقوف. قلت: أخرج الحاكم في [المستدرك] هذا الحديث من الوجهين اللذين ذكرهما البيهقي، ثم صحح الأول، وجعل الثاني شاهدًا عليه، ثم ذكر البيهقي في آخره حديثًا عن عثمان بن أبي سليمان، عن علقمة بن نضلة؛ ثم قال: هذا منقطع.\nقلت: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بسند على شرط مسلم، وأخرجه الدارقطني وغيره، وعلقمة هذا صحابي. كذا ذكره علماء هذا الشأن، وإذا قال الصحابي مثل هذا الكلام كان مرفوعًا على ما عرف به، وفيه تصريح عثمان بالسماع عن علقمة، فمن أين الانقطاع؟ \" اهـ كلام صاحب [الجوهر النقي].\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لا يخفى سقوط اعتراض ابن التركماني هذا على الحافظ البيهقي؛ في تضعيفه الحديثين المذكورين.\nأما في الأول؛ فلأن تصحيح الحاكم -﵀- لحديث ضعيف لا يصيره صحيحًا. وكم من حديث ضعيف صححه الحاكم -﵀- وتساهله -﵀- في التصحيح معروف عند علماء الحديث، وإبراهيم بن مهاجر بن جابر البجلي قد يكون للمناقشة في تضعيف الحديث به وجه؛ لأن بعض العلماء بالرجال","vol":"2","page":449},{"text":"وثقه، وهو من رجال مسلم.\nوقال فيه ابن حجر، في [التقريب]: \"صدوق لين الحفظ\" أما ابنه إسماعيل فلم يختلف في أنه ضعيف، وتضعيف الحديث به ظاهر لا مطعن فيه.\nوقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ضعيف، فتصحيح هذا الحديث لا وجه له.\nوأما قوله في اعتراضه تضعيف البيهقي الحديث الثاني: فمن أين الانقطاع. فجوابه: أن الانقطاع من حيث إن علقمة بن نضلة تابعي صغير، وزعم الشيخ ابن التركماني: أنه صحابي غير صحيح، وقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: علقمة بن نضلة -بفتح النون وسكون المعجمة- المكي، كناني.\nوقيل: كندي، تابعي صغير، مقبول، أخطأ من عده في الصحابة، وإذن فوجه انقطاعه ظاهر، فظهر أن الصواب مع الحافظ البيهقي، والنووي وغيرهما في تضعيف الحديثين المذكورين.\nولا شك أن من تورع عن بيع رباع مكة، وإيجارها خروجًا من الخلاف أن ذلك خير له؛ لأن من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه.\n\nتنبيه\nأجمع جميع المسلمين على أن مواضع النسك من الحرم كموضع السعي، وموضع رمي الجمار حكمها حكم المساجد، والمسلمون كلهم سواء فيها.","vol":"2","page":450},{"text":"والظاهر أن ما يحتاج إليه الحجيج من منى، ومزدلفة كذلك، فلا يجوز لأحد أن يضيقهما بالبناء المملوك حتى تضيقا بالحجيج، ويبقى بعضهم لم يجد منزلًا؛ لأن المبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي أيام التشريق، من مناسك الحج؛ فلا يجوز لأحد أن يضيق محل المناسك على المسلمين، حتى لا يبقى ما يسع الحجيج كله، ويدل له حديث: \"منى مناخ لمن سبق\" كما تقدم.\nالمسألة الخامسة: في تحقيق المقام فيما للإمام أن ينفله من الغنيمة، وسنذكر أقوال العلماء في ذلك، وأدلتهم، وما يقتضي الدليل رجحانه.\nاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه المسألة، كما أشرنا له في أول هذه السورة الكريمة، ووعدنا بإيضاحه هنا، فذهب الإمام مالك -﵀- إلى أن الإمام لا يجوز له أن ينفل أحدًا شيئًا إلا من الخمس، وهو قول سعيد بن المسيب؛ لأن الأخماس الأربعة ملك للغانمين الموجفين عليها بالخيل، والركاب. هذا مشهور مذهبه، وعنه قول آخر: أنها من خمس الخمس.\nووجه هذا القول: أن أخماس الخمس الأربعة غير خمس الرسول  ﷺ  لمصارف معينة في قوله: ﴿وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ وأربعة الأخماس الباقية ملك للغانمين.\nوأصح الأقوال عن الشافعي: أن الإمام لا ينفل إلا من خمس الخمس، ودليله: ما ذكرنا آنفًا.\nوعن عمرو بن شعيب أنه قال: لا نفل بعد رسول الله  ﷺ .","vol":"2","page":451},{"text":"قال ابن قدامة في [المغني]: ولعله يحتج بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ﴾.\nوذهب الإمام أحمد في طائفة من أهل العلم: إلى أن للإمام أن ينفل الربع يبدأ في بدأته، الخمس والثلث بعد الخمس في رجعته.\nومذهب أبي حنيفة: أن للإمام قبل إحراز الغنيمة أن ينفل الربع، أو الثلث، أو أكثر، أو أقل بعد الخمس، وبعد إحراز الغنيمة لا يجوز له التنفيل إلا من الخمس.\nوقد قدمنا جملة الخلاف في هذه المسألة في أول هذه السورة الكريمة، ونحن الآن نذكر إن شاء الله ما يقتضي الدليل رجحانه:\nاعلم أولًا، أن التنفيل الذي اقتضى الدليل جوازه أقسام:\nالأول: أن يقول الإمام لطائفة من الجيش: إن غنمتم من الكفار شيئًا، فلكم منه كذا بعد إخراج خمسه، فهذا جائز، وله أن ينفلهم في حالة إقبال جيش المسلمين إلى الكفار الربع، وفي حالة رجوع جيش المسلمين إلى أوطانهم الثلث بعد إخراج الخمس.\nومالك وأصحابه يقولون: إن هذا لا يجوز؛ لأنه تسبب في إفساد نيات المجاهدين؛ لأنهم يصيرون مقاتلين من أجل المال الذي وعدهم الإمام تنفيله.\nوالدليل على جواز ذلك: \"ما رواه حبيب بن مسلمة بن مالك القرشي الفهري \"أن النَّبي  ﷺ  نفل الربع بعد الخمس في بدأته،","vol":"2","page":452},{"text":"ونفل الثلث بعد الخمس في رجعته\" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن الجارود.\nواعلم أن التحقيق في حبيب المذكور: أنه صحابي، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: مختلف في صحبته، والراجح ثبوتها، لكنه كان صغيرًا، وله ذكر في [الصحيح] في حديث ابن عمر مع معاوية. اهـ.\nوقد روى عنه أبو داود هذا الحديث من ثلاثة أوجه.\nمنها: عن مكحول بن عبد الله الشامي، قال: كنت عبدًا بمصر لامرأة من بني هذيل، فأعتقتني، فما خرجت من مصر وبها علم إلا حويت عليه، فيما أرى، ثم أتيت الحجاز فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت العراق، فما خرجت منها وبها علم إلا حويت عليه فيما أرى، ثم أتيت الشام فغربلتها، كل ذلك: أسأل عن النفل فلم أجد أحدًا يخبرني فيه بشيء، حتى لقيت شيخًا يقال له: زياد بن جارية التميمي؛ فقلت له: هل سمعت في النفل شيئًا؟ قال: نعم، سمعت حبيب بن مسلمة الفهري يقول: شهدت النَّبي  ﷺ  نفل الربع في البدأة، والثلث في الرجعة- اهـ.\nوقد علمت أن الصحيح أنه صحابي، وقد صرح في هذه الرواية بأنه شهد النَّبي  ﷺ  نفل الربع إلى آخر الحديث.\nومما يدل على ذلك أيضًا: ما رواه عبادة بن الصامت ﵁ \"أن النَّبي  ﷺ  كان ينفل في البدأة الربع، وفي الرجعة","vol":"2","page":453},{"text":"الثلث\" أخرجه الإمام أحمد، والترمذي، وابن ماجه، وصححه ابن حبان.\nوفي رواية عند الإمام أحمد: كان إذا غاب في أرض العدو نفل الربع، وإذا أقبل راجعًا -وكل الناس- نفل الثلث، وكان يكره الأنفال، ويقول: ليرد قوي المؤمنين على ضعيفهم.\nوهذه النصوص تدل على ثبوت التنفيل من غير الخمس.\nويدل لذلك أيضًا: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن معن بن يزيد قال: سمعت رسول الله  ﷺ  يقول: لا نفل إلا بعد الخمس. قال الشوكاني: في [نيل الأوطار]: هذا الحديث صححه الطحاوي اهـ.\nوالفرق بين البدأة والرجعة: أن المسلمين في البدأة: متوجهون إلى بلاد العدو، والعدو في غفلة. وأما في الرجعة: فالمسلمون راجعون إلى أوطانهم من أرض العدو، والعدو في حذر ويقظة، وبين الأمرين فرق ظاهر.\nوالأحاديث المذكورة تدل على أن السرية من العسكر إذا خرجت، فغنمت أن سائر الجيش شركاؤهم، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، كما قاله القرطبي.\nالثاني: من الأقسام التي اقتضى الدليل جوازها: تنفيل بعض الجيش، لشدة بأسه، وغنائه، وتحمله ما لم يتحمله غيره، والدليل على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم، ورواه الإمام أحمد، وأبو داود عن سلمة بن الأكوع ﵁، في قصة إغارة عبد الرحمن","vol":"2","page":454},{"text":"الفزاري، على سرح رسول الله -ﷺ-، واستنقاذه منه. قال سلمة: فلما أصبحنا قال رسول الله -ﷺ -: \"خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة، قال: ثم أعطاني رسول الله -ﷺ - سهمين: سهم الفارس، وسهم الراجل، فجمعهما لي جميعًا\". الحديث، هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث طويل.\nوقد قدمنا أن هذه غزوة \"ذي قرد\" في سورة \"النساء\".\nويدل لهذا أيضًا: حديث سعد بن أبي وقاص المتقدم في أول السورة، فإن فيه: أن سعدًا ﵁ قال: لعله يعطى هذا السيف لرجل لم يبل بلائي، ثم أعطاه النبي  ﷺ  لسعد ﵁ لحسن بلائه، وقتله صاحب السيف كما تقدم.\nالثالث: من أقسام التنفيل التي اقتضى الدليل جوازها: أن يقول الإمام: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\".\nومن الأدلة على ذلك: ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن أبي قتادة ﵁ قال: \"خرجنا مع رسول الله  ﷺ  يوم حنين، فلما التقينا كانت للمسلمين جولة، قال: فرأيت رجلًا من المشركين قد علا رجلًا من المسلمين، فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه فضربته على حبل عاتقه؛ وأقبل عليّ فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت، ثم أدركه الموت فأرسلني، فلحقت عمر بن الخطاب، فقال: ما للناس؟ فقلت: أمر الله، ثم إن الناس رجعوا، وجلس رسول الله  ﷺ  فقال: \"من قتل قتيلًا له عليه بيِّنة فله سلبه\" قال: فقمت، ثم قلت: من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال مثل ذلك، قال فقمت، فقلت: من يشهد لي؟، ثم جلست، ثم قال","vol":"2","page":455},{"text":"ذلك الثالثة، فقمت، فقال رسول الله  ﷺ  ما لك يا أبا قتادة؟ فقصصت عليه القصة، فقال رجل من القوم: صدق يا رسول الله سلب ذلك القتيل عندي؛ فأرضه من حقه، فقال أبو بكر الصديق ﵁: لاها الله إذن لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلبه، فقال رسول الله  ﷺ: صدق فأعطه إياه فأعطاني، قال: فبعت الدرع فابتعت بها مخرفًا في بني سلمة، فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام. والأحاديث بذلك كثيرة.\nوروى أبو داود، وأحمد، عن أنس: أن أبا طلحة يوم حنين قتل عشرين رجلًا، وأخذ أسلابهم، وفي رواية عنه عند أحمد، أحدًا وعشرين، وذكر أصحاب المغازي: أن أبا طلحة قال في قتله من ذكر:\nأنا أبو طلحة واسمي زيد ... وكل يوم في سلاحي صيد\nوالحق أنه لا يشترط في ذلك أن يكون في مبارزة، ولا أن يكون الكافر المقتول مقبلًا.\nأما الدليل على عدم اشتراط المبارزة فحديث أبي قتادة هذا المتفق عليه.\nوأما الدليل على عدم اشتراط كونه قتله مقبلًا إليه فحديث سلمة بن الأكوع، قال: غزونا مع رسول الله  ﷺ  هوازن، فبينا نحن نتضحَّى مع رسول الله  ﷺ، إذ جاء رجل على جمل أحمر فأناخه، ثم انتزع طلقًا من حقبه فقيد به الجمل، ثم تقدم يتغدى مع القوم، وجعل ينظر، وفينا ضعفة ورقة في الظهر، وبعضنا مُشاة إذ خرج","vol":"2","page":456},{"text":"يشتد فأتى جمله، فأطلق قيده ثم أناخه، وقعد عليه فأثاره فاشتد به الجمل، فاتبعه رجل على ناقة ورقاء؛ قال سلمة: وخرجت أشتد فكنت عند ورك الناقة، ثم تقدمت حتى كنت عند ورك الجمل، ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته، فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي، فضربت به رأس الرجل فندر، ثم جئت بالجمل أقوده وعليه رحله وسلاحه، فاستقبلني رسول الله  ﷺ، والناس معه؛ فقال: \"من قتل الرجل؟ قالوا: ابن الأكوع، قال: له سلبه أجمع\" متفق عليه، واللفظ المذكور لمسلم في \"كتاب الجهاد والسير\" في باب \"استحقاق القاتل سلب القتيل\" وأخرجه البخاري بمعناه \"في كتاب الجهاد\" في باب \"الحربي إذا دخل دار الإسلام بغير أمان\" وهو صريح في عدم اشتراط المبارزة، وعدم اشتراط قتله مقبلًا، لا مدبرًا كما ترى.\nولا يستحق القاتل سلب المقتول، إلا أن يكون المقتول من المقاتلة الذين يجوز قتالهم. فأما إن قتل امرأة، أو صبيًا، أو شيخًا فانيًا، أو ضعيفًا مهينًا، أو مثخنًا بالجراح لم تبق فيه منفعة فليس له سلبه.\nولا خلاف بين العلماء في أن من قتل صبيًا، أو امرأة، أو شيخًا فانيًا، لا يستحق سلبهم، إلا قولًا ضعيفًا جدًا يروى عن أبي ثور، وابن المنذر، في استحقاق سلب المرأة.\nوالدليل على أن من قتل مثخنًا بالجراح لا يستحق سلبه أن عبد الله بن مسعود، هو الذي ذفف على أبي جهل يوم بدر، وحز رأسه؛ وقد قضى النَّبي  ﷺ  بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح الذي","vol":"2","page":457},{"text":"أثبته، ولم يعط ابن مسعود شيئًا. وهذا هو الحق الذي جاء به الحديث المتفق عليه، فلا يعارض بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود عن مسعود \"أن رسول الله  ﷺ  نفله سيف أبي جهل يوم بدر\" لأنه من رواية ابنه أبي عبيدة، ولم يسمع منه، وكذلك المقدم للقتل صبرًا لا يستحق قاتله سلبه؛ لأن النَّبي لي أمر بقتل النضر بن الحارث العبدري، وعقبة بن أبي معيط الأموي صبرًا يوم بدر، ولم يعط من قتلهما شيئًا من سلبهما.\nواختلفوا فيمن أسر أسيرًا: هل يستحق سلبه إلحاقًا للأسر بالقتل أو لا؟ والظاهر أنه لا يستحقه، لعدم الدليل؛ فيجب استصحاب عموم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية، حتى يرد مخصص من كتاب أو سنة صحيحة، وقد أسر النَّبي  ﷺ  والمسلمون أسارى بدر، وقتل بعضهم صبرًا كما ذكرنا، ولم يعط أحدًا من الذين أسروهم شيئًا من أسلابهم، ولا من فدائهم، بل جعل فداءهم غنيمة.\nأما إذا قاتلت المرأة، أو الصبي المسلمين: فالظاهر أن لمن قتل أحدهما سلبه؛ لأنه حينئذ ممن يجوز قتله، فيدخل في عموم \"من قتل قتيلًا\" الحديث، وبهذا جزم غير واحد؛ والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن العلماء اختلفوا في استحقاق القاتل السلب، هل يشترط فيه قول الإمام: \"من قتل قتيلًا فله سلبه\"؟ ! أو يستحقه مطلقًا قال الإمام ذلك أو لم يقله. وممن قال بهذا الأخير: الإمام أحمد، والشافعي، والأوزاعي، والليث وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، والطبري، وابن المنذر.","vol":"2","page":458},{"text":"وممن قال بالأول: الذي هو أنه لا يستحقه إلا بقول الإمام: \"من قتل قتيلًا\" الخ الإمام أبو حنيفة، ومالك، والثوري.\nوقد قدمنا عن مالك وأصحابه: أن قول الإمام ذلك لا يجوز قبل القتال، لئلا يؤدي إلى فساد النية، ولكن بعد وقوع الواقع، يقول الإمام: من قتل قتيلًا ... الخ.\nواحتج من قال باستحقاق القاتل سلب المقتول مطلقًا بعموم الأدلة لأن النَّبي  ﷺ  صرح بأن من قتل قتيلًا فله سلبه، ولم يخصص بشيء. والعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، كما علم في الأصول.\nواحتج مالك، وأبو حنيفة، ومن وافقهما بأدلة:\nمنها: قوله  ﷺ  في حديث سلمة بن الأكوع المتفق عليه السابق ذكره: له سلبه أجمع، قالوا: فلو كان السلب مستحقًا له بمجرد قتله لما احتاج إلى تكرير هذا القول.\nومنها: حديث عبد الرحمن بن عوف المتفق عليه في قصة قتل معاذ بن عمرو بن الجموح، ومعاذ بن عفراء الأنصاريين لأبي جهل يوم بدر، فإن فيه \"ثم انصرفا إلى رسول الله  ﷺ، فأخبراه، فقال: أيكما قتله؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته، فقال هل مسحتمًا سيفيكما؟ قالا: لا، فنظر في السيفين، فقال: كلاكما قتله، وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح. اهـ.\nقالوا: فتصريحه  ﷺ  في هذا الحديث المتفق عليه بأن كليهما قتله، ثم تخصيص أحدهما بسلبه، دون الآخر صريح في أن القاتل","vol":"2","page":459},{"text":"لا يستحق السلب إلا بقول الإمام: إنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه، مع أن النَّبي صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما.\nومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه، فمنعه خالد بن الوليد، وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله  ﷺ  عوف بن مالك فأخبره؛ فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله  ﷺ؟ فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم، كمثل رجل استرعى إبلًا، أو غنمًا فرعاها، ثم تحين سقيها فأودرها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت كدره، فصفوه لكم، وكدره عليهم.\nوفي رواية عند مسلم أيضًا: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن، وساق الحديث عن النبي  ﷺ  بنحوه، غير أنه قال في الحديث: قال عوف بن مالك: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول اللَّه  ﷺ  قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكني استكثرته، هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوفي رواية عن عوف أيضًا، عند الإمام أحمد وأبي داود قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له،","vol":"2","page":460},{"text":"أشقر، عليه سرج مذهب، وسلاح مذهب، فجعل الرومي يفري في المسلمين، فقعد له المددي خلف صخرة فمر به الرومي فعرقب فرسه، فخر وعلاه فقتله، وحاز فرسه، وسلاحه، فلما فتح الله ﷿ للمسلمين بعث إليه خالد بن الوليد، فأخذ السلب، قال عوف: فأتيته، فقلت: يا خالد أما علمت أن رسول الله  ﷺ، قضى بالسلب للقاتل؟ قال: بلى، ولكن استكثرته. قلت: لتردنه إليه، أو لأعرفنكها عند رسول الله  ﷺ، فأبى أن يرد عليه، قال عوف: فاجتمعنا عند رسول الله  ﷺ، فقصصت عليه قصة المددي، وما فعل خالد، وذكر بقية الحديث بمعنى ما تقدم. اهـ.\nفقول النبي  ﷺ  في هذا الحديث الصحيح: \"لا تعطه يا خالد\" دليل على أنه لم يستحق السلب بمجرد القتل، إذ لو استحقه به، لما منعه منه النبي  ﷺ .\nومنها: ما ذكره ابن أبي شيبة، قال حدثنا أبو الأحوص، عن الأسود بن قيس، عن بشر بن علقمة قال: بارزت رجلًا يوم القادسية، فقتلته، وأخذت سلبه، فأتيت سعدًا، فخطب سعد أصحابه، ثم قال: هذا سلب بشر بن علقمة فهو خير من اثني عشر ألف درهم، وإنا قد نفلناه إياه.\nفلو كان السلب للقاتل قضاء من النبي  ﷺ  لما أضاف الأمراء ذلك التنفيل إلى أنفسهم باجتهادهم، ولأخذه القاتل دون أمرهم. قاله القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر القولين عندي دليلًا أن القاتل لا يستحق السلب إلا بإعطاء الإمام؛ لهذه الأدلة الصحيحة،","vol":"2","page":461},{"text":"التي ذكرنا.\nفإن قيل: هي شاهدة لقول إسحاق: إن كان السلب يسيرًا فهو للقاتل، وإن كان كثيرًا خمس.\nفالجواب: أن ظاهرها العموم مع أن سلب أبي جهل لم يكن فيه كثرة زائدة، وقد منع النبي  ﷺ  معاذ بن عفراء.\n\nتنبيه\nجعل بعض العلماء منشأ الخلاف في سلب القاتل، هل يحتاج إلى تنفيل الإمام، أو لا؟ هو الاختلاف في قول النبي  ﷺ: \"من قتل قتيلًا\" الحديث، هل هو حكم؟ وعليه فلا يعم بل يحتاج دائمًا إلى تنفيل الإمام، أو هو فتوى؟ فيكون حكمًا عامًّا غير محتاج إلى تنفيذ الإمام.\nقال صاحب [نشر البنود] شرح [مراقي السعود] في شرح قوله:\nوسائر حكاية الفعل بما ... منه العموم ظاهرًا قد علما\nما نصه: تنبيه: حكى ابن رشد خلافًا بين العلماء، في قوله -  ﷺ  -: \"من قتل قتيلًا له عليه بينة، فله سلبه\"، هل يحتاج سلب القتيل إلى تنفيذ الإمام، بناء على أن الحديث حكم فلا يعم، أو لا يحتاج إليه بناء على أنه فتوى، وكذا قوله لهند: \"خذي ما يكفيك، وولدك بالمعروف\" فيه خلاف، هل هو حكم فلا يعم، أو فتوى فيعم؟","vol":"2","page":462},{"text":"قال ميارة في التكميل:\nوفي حديث هند خلاف هل ... حكم يخصها، أو إفتاء شمل\nواعلم أن العلماء اختلفوا في السلب، هل يخمس أو لا؟ على ثلاثة أقوال:\nالأول: لا يخمس.\nالثاني: يخمس.\nالثالث: إن كان كثيرًا خمس، وإلا فلا.\nوممن قال: إنه لا يخمس: الشافعي، وأحمد، وابن المنذر، وابن جرير، ويروى عن سعد بن أبي وقاص.\nوممن روى عنه أنه يخمس ابن عباس، والأوزاعي، ومكحول.\nوممن فرق بين القليل والكثير: إسحاق.\nواحتج من قال: لا يخمس بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن حبان، والطبراني، عن عوف بن مالك، وخالد بن الوليد ﵄: أن النبي  ﷺ  لم يخمس السلب.\nوقال القرطبي في تفسيره بعد أن ساق حديث عوف بن مالك الذي قدمنا عند مسلم ما نصه: \"وأخرجه أبو بكر البرقاني بإسناده، الذي أخرجه به مسلم، وزاد بيانًا أن عوف بن مالك، قال: إن رسول الله  ﷺ  لم يكن يخمس السلب\" اهـ.\nوقال ابن حجر في [التلخيص] في حديث خالد وعوف","vol":"2","page":463},{"text":"المتقدم ما لفظه: \"وهو ثابت في [صحيح مسلم] في حديث طويل فيه قصة لعوف مع خالد بن الوليد، وتعقبه الشوكاني في [نيل الأوطار] بما نصه: وفيه نظر، فإن هذا اللفظ الذي هو محل الحجة لم يكن في صحيح مسلم، بل الذي فيه هو ما سيأتي قريبًا، وفي إسناد هذا الحديث إسماعيل بن عياش، وفيه كلام معروف قد تقدم ذكره مرارًا\". اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وقد قدمنا حديث عوف المذكور بلفظ مسلم في صحيحه، وليس فيه ما ذكره الحافظ ابن حجر، فهو وهم منه، كما نبه عليه الشوكاني رحمهما الله تعالى.\nوالتحقيق في إسماعيل بن عياش أن روايته عن غير الشاميين ضعيفة، وهو قوي في الشاميين، دون غيرهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا الحديث من رواية إسماعيل بن عياش، عن صفوان بن عمرو، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك، وإسماعيل، وشيخه في هذا الحديث، الذي هو صفوان بن عمرو، كلاهما حمصي، فهو بلدي له. وبه تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، مع قوة شاهده، الذي قدمنا عن أبي بكر البرقاني، بسند على شرط مسلم.\nواحتج من قال بأن السلب يخمس: بعموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية.\nواحتج من قال: يخمس الكثير دون اليسير: بما رواه أنس، عن البراء بن مالك \"أنه قتل من المشركين مائة رجل، إلا رجلًا","vol":"2","page":464},{"text":"مبارزة، وأنهم لما غزوا الزاره، خرج دهقان الزاره، فقال: رجل ورجل، فبرز البراء فاختلفا بسيفيهما، ثم اعتنقا فتوركه البراء فقعد على كبده، ثم أخذ السيف فذبحه، وأخذ سلاحه ومنطقته، وأتى به عمر، فنفله السلاح، وقوم المنطقة بثلاثين ألفًا، فخمسها، وقال: إنها مال\" اهـ. بنقل القرطبي.\nوقال قبل هذا: وفعله عمر بن الخطاب مع البراء بن مالك، حين بارز \"المرزبان\" فقتله؛ فكانت قيمة منطقته، وسواريه ثلاثين ألفًا، فخمس ذلك. اهـ.\nوقال ابن قدامة في [المغني]: وقال إسحاق: إن استكثر الإمام السلب فذلك إليه، لما روى ابن سيرين أن البراء بن مالك بارز \"مرزبان\" الزاره بالبحرين فطعنه، فدق صلبه، وأخذ سواريه، وسلبه، فلما صلى عمر الظهر أتى أبا طلحة في داره، فقال: إنا كنا لا نخمس السلب، وإن سلب البراء قد بلغ مالًا، وأنا خامسه، فكان أول سلب خمس في الإسلام سلب البراء. رواه سعيد في السنن. وفيها أن سلب البراء بلغ ثلاثين ألفًا.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا عندي أن السلب لا يخمس لحديث عوف وخالد المتقدم. ويجاب عن أخذ الخمس من سلب البراء بن مالك بأن الذي تدل عليه القصة أن السلب لا يخمس؛ لأن قول عمر: إنا كنا لا نخمس السلب، وقول الراوي كان أول سلب خمس في الإسلام: يدل على أن النبي  ﷺ؛ وأبا بكر، وعمر صدرًا من خلافته لم يخمسوا سلبًا، واتباع ذلك أولى.","vol":"2","page":465},{"text":"قال الجوزجاني: لا أظنه يجوز لأحد في شيء سبق فيه من الرسول  ﷺ شيء إلا اتباعه، ولا حجة في قول أحد مع رسول الله  ﷺ . قاله ابن قدامة في [المغني] والأدلة التي ذكرنا يخصص بها عموم قوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ﴾ الآية.\nواختلف العلماء فيما إذا ادعى أنه قتله، ولم يقم على ذلك بينة، فقال الأوزاعي: يعطاه بمجرد دعواه، وجمهور العلماء على أنه لا بد من بينة على أنه قتله.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لا ينبغي أن يختلف في اشتراط البينة، لقوله في الحديث الصحيح: \"من قتل قتيلًا له عليه بينة\" الحديث، فهو يدل بإيضاح على أنه لا بد من البينة.\nفإن قيل: فأين البينة التي أعطى بها النبي  ﷺ  أبا قتادة سلب قتيله السابق ذكره.\nفالجواب من وجهين:\nالأول: ما ذكره القرطبي في تفسيره: قال سمعت شيخنا الحافظ المنذري الشافعي أبا محمد عبد العظيم يقول: إنما أعطاه النبي  ﷺ  بشهادة الأسود بن خزاعى؛ وعبد الله بن أنيس. وعلى هذا يندفع النزاع، ويزول الإشكال، ويطرد الحكم. اهـ.\nالثاني: أنه أعطاه إياه بشهادة الرجل الذي قال لرسول الله  ﷺ: \"صدق، سلب ذلك القتيل عندي\" الحديث، فإن قوله: \"صدق\" شهادة صريحة لأبي قتادة أنه هو الذي قتله، والاكتفاء بواحد في باب الخبر والأمور التي لم يقع فيها ترافع قال به كثير من","vol":"2","page":466},{"text":"العلماء، وعقده ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:\nوواحد يجزىء في باب الخبر ... واثنان أولى عند كل ذي نظر\nوقال القرطبي في تفسيره: إن أكثر العلماء على إجزاء شهادة واحد، وقيل: يثبت ذلك بشاهد ويمين. والله أعلم.\nوأما على قول من قال: إن السلب موكول إلى نظر الإمام، فللإمام أن يعطيه إياه ولو لم تقم بينة، وإن اشترطها فذلك له. قاله القرطبي. والظاهر عندي أنه لا بد من بينة؛ لورود النص الصحيح بذلك.\nواختلف العلماء في السلب ما هو؟\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لهذه المسألة طرفان، وواسطة.\nطرف أجمع العلماء على أنه من السلب: وهو سلاحه، كسيفه، ودرعه، ونحو ذلك، وكذلك ثيابه.\nوطرف أجمع العلماء على أنه ليس من السلب: وهو ما لو وجد في هميانه، أو منطقته دنانير، أو جواهر، أو نحو ذلك.\nوواسطة اختلف العلماء فيها: منها فرسه الذي مات وهو يقاتل عليه، ففيه للعلماء قولان: وهما روايتان عن الإمام أحمد، أصحهما أنه منه، ومنها ما يتزين به للحرب، فقال الأوزاعي: ذلك كله من السلب، وقالت: فرقة ليس منه، وهذا مروي عن سحنون إلا المنطقة، فإنها عنده من السلب، وقال ابن حبيب في الواضحة: والسواران من السلب. والله أعلم.","vol":"2","page":467},{"text":"واعلم أن حديث عبد الله بن عمر المتفق عليه، أن النبي  ﷺ  بعث سرية قبل نجد؛ وفيهم ابن عمر، وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرًا، ونفلوا بعيرًا بعيرًا، دليل واضح على بطلان قول من قال: \"لا تنفيل إلا من خمس الخمس\"؛ لأن الحديث صريح في أنه نفلهم نصف السدس، ولا شك أن نصف السدس أكثر من خمس الخمس، فكيف يصح تنفيل الأكثر من الأقل، وهو واضح كما ترى، وأما غير ذلك من الأقوال فالحديث محتمل له، والذي يسبق إلى الذهن أن ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عمر بلفظ \"أن رسول الله  ﷺ  قد كان ينفل بعض يبعث من السرايا لأنفسهم خاصة سوى قسم عامة الجيش، والخمس في ذلك واجب كله اهـ. يدل على أن ذلك التنفيل من الغنيمة بعد إخراج الخمس، وهو ما دل عليه حديث حبيب بن سلمة المتقدم، وهو الظاهر المتبادر خلافًا لما قاله ابن حجر في [الفتح] من أنه محتمل لكل الأقوال المذكورة. والله تعالى أعلم.\nالمسألة السادسة: الحق الذي لا شك فيه أن الفارس يعطى من الغنيمة ثلاثة أسهم: سهمان لفرسه، وسهم لنفسه، وأن الراجل يعطى سهمًا واحدًا، والنصوص الصحيحة مصرحة بذلك، فمن ذلك حديث ابن عمر المتفق عليه، ولفظ البخاري عن نافع عن ابن عمر ﵄ \"أن رسول الله  ﷺ: جعل للفرس سهمين، ولصاحبه سهمًا\".\nولفظ مسلم: حدثنا نافع عن عبد الله بن عمر: \"أن رسول الله  ﷺ  قسم في النفل للفرس سهمين، وللرجل سهمًا\" اهـ.","vol":"2","page":468},{"text":"وأكثر الروايات بلفظ \"والرجل\" فرواية الشيخين صريحة فيما ذكرنا، وبذلك فسره راويه نافع، قال البخاري في صحيحه في غزوة خيبر؛ قال: فسره نافع، فقال: إذا كان مع الرجل فرس فله ثلاثة أسهم، فإن لم يكن له فرس فله سهم اهـ. وذلك هو معناه الذي لا يحتمل غيره في رواية الصحيحين المذكورة.\nومنها ما رواه أبو داود، حدثنا أحمد بن حنبل، حدثنا أبو معاوية، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر \"أن رسول الله  ﷺ  أسهم لرجل، ولفرسه ثلاثة أسهم: سهمًا له، وسهمين لفرسه.\nحدثنا أحمد بن حنبل، ثنا أبو معاوية، ثنا عبد الله بن يزيد، حدثني المسعودي، حدثني أبو عمرة، عن أبيه، قال: \"أتينا رسول الله  ﷺ  أربعة نفر، ومعنا فرس، فأعطى كل واحد منا سهمًا، وأعطى الفرس سهمين. وممن قال بهذا الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، وعمر بن عبد العزيز، والأوزاعي والثوري، والليث، وحسين بن ثابت، وأبي يوسف، ومحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وابن جرير، وأبي ثور.\nوخالف أبو حنيفة -﵀- الجمهور فقال: للفارس سهمان، وللراجل سهم، محتجًّا بما جاء في بعض الروايات \"أنه  ﷺ  قسم يوم خيبر للفارس سهمين، وللراجل سهمًا\" رواه أبو داود من حديث مجمع بن جارية الأنصاري ﵁، وكان أحد القراء الذين قرأوا القرآن، ويجاب عنه من وجهين:\nالأول: أن المراد بسهمي الفارس خصوص السهمين الذين","vol":"2","page":469},{"text":"استحقهما بفرسه، كما يشعر به لفظ الفارس.\nالثاني: أن النصوص المتقدمة أصح منه، وأولى بالتقديم، وقد قال أبو داود، حديث أبي معاوية أصح، والعمل عليه، وأرى الوهم في حديث مجمع أنه قال: ثلاثمائة فارس، وكانوا مائتي فارس. اهـ.\nوقال النووي في [شرح مسلم]: لم يقل بقول أبي حنيفة هذا أحد إلا ما روى عن علي، وأبي موسى اهـ.\nوإن كان عند بعض الغزاة خيل فلا يسهم إلا لفرس واحد، وهذا مذهب الجمهور، منهم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والحسن، ومحمد بن الحسن، وغيرهم. واحتجوا بأنه لا يمكنه أن يقاتل إلا على فرس واحد. وقال الأوزاعي، والثوري، والليث، وأبو يوسف: يسهم لفرسين دون ما زاد عليهما، وهو مذهب الإمام أحمد، ويروى عن الحسن، ومكحول، ويحيى الأنصاري، وابن وهب، وغيره من المالكيين.\nواحتج أهل هذا القول بما روي عن الأوزاعي: \"أن رسول الله  ﷺ  كان يسهم للخيل، وكان لا يسهم للرجل فوق فرسين وإن كان معه عشرة أفراس\" وبما روي عن أزهر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب كتب إلى أبي عبيدة بن الجراح أن يسهم للفرس سهمين، وللفرسين أربعة أسهم، ولصاحبهما سهم، فذلك خمسة أسهم، وما كان فوق الفرسين فهي جنائب. رواهما سعيد بن منصور. قاله ابن قدامة في [المغني].","vol":"2","page":470},{"text":"واحتجوا أيضًا بأنه محتاج إلى الفرس الثاني؛ لأن إدامة ركوب واحد تضعفه، وتمنع القتال عليه فيسهم للثاني؛ لأنه محتاج إليه كالأول، بخلاف الثالث فإنه مستغنى عنه، ولم يقل أحد إنه يسهم لأكثر من فرسين إلا شيئًا روى عن سليمان بن موسى. قاله النووي في [شرح مسلم] وغيره.\nواختلف العلماء في البراذين والهجن على أربعة أقوال:\nالأول: أنها يسهم لها كسهم الخيل العراب، وممن قال به مالك، والشافعي، وعمر بن عبد العزيز، والثوري، ونسبه الزرقاني في [شرح الموطأ] للجمهور واختاره الخلال، وقال: رواه ثلاثة متيقظون عن أحمد.\nوحجة هذا القول ما ذكره مالك في موطئه، قال: لا أرى البراذين والهجن إلا من الخيل؛ لأن الله ﵎ قال في كتابه: ﴿وَالْخَيلَ وَالْبِغَال وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾.\nوقال ﷿: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ فأنا أرى البراذين والهجن من الخيل إن أجازها الوالي. وقد قال سعيد بن المسيب -وسئل عن البراذين-: هل فيهما من صدقة؟ قال: وهل في الخيل من صدقة؟ اهـ.\nوحاصل هذا الاستدلال: أن اسم الخيل في الآيتين المذكورتين يشمل البراذين والهجن، فهما داخلان في عمومه؛ لأنهما ليسا من البغال ولا الحمير، بل من الخيل.","vol":"2","page":471},{"text":"القول الثاني: أنه يسهم للبرذون والهجن سهم واحد قدر نصف سهم الفرس.\nواحتج أهل هذا القول بما رواه الشافعي في [الأم] وسعيد بن منصور من طريق علي بن الأقمر الوادعي، قال: أغارت الخيل فأدركت العرب، وتأخرت البراذين، فقام ابن المنذر الوادعي، فقال: لا أجعل ما أدرك كما لم يدرك، فبلغ ذلك عمر فقال: هبلت الوادعي أمه لقد أذكرت أمضوها على ما قال، فكان أول من أسهم للبراذين دون سهام العرب، وذلك يقول شاعرهم:\nومنا الذي قد سن في الخيل سنة ... وكانت سواء قبل ذاك سهامها\nوهذا منقطع كما ترى.\nواحتجوا أيضًا مما رواه أبو داود في المراسيل، وسعيد بن منصور عن مكحول: \"أن النبي  ﷺ  هجن الهجين يوم خيبر، وعرب العراب فجعل للعربي سهمين، وللهجين سهمًا\" وهو منقطع أيضًا كما ترى، وبه أخذ الإمام أحمد في أشهر الروايات عنه.\nواحتجوا أيضًا بأن أثر الخيل العراب في الحرب أفضل أثر البراذين، وذلك يقتضي تفضيلها في السهام.\nالقول الثالث: التفصيل بين ما يدرك من البراذين إدراك العراب، فيسهم له كسهامها، وبين ما لا يدرك إدراكها فلا يسهم له، وبه قال ابن أبي شيبة، وابن خيثمة، وأبو أيوب، والجوزجاني.\nووجهه أنها من الخيل، وقد عملت عملها فوجب جعلها منها.","vol":"2","page":472},{"text":"القول الرابع: لا يسهم لها مطلقًا، وهو قول مالك بن عبد الله الخثعمي، ووجهه أنها حيوان لا يعمل عمل الخيل فأشبه البغال.\nقال ابن قدامة في [المغني]: ويحتمل أن تكون هذه الرواية فيما لا يقارب العتاق منها؛ لما روى الجوزجاني بإسناده عن أبي موسى، أنه كتب إلى عمر ابن الخطاب: إنا وجدنا بالعراق خيلًا عراضًا دكنًا، فما ترى يا أمير المؤمنين في سهمانها، فكتب إليه: تلك البراذين فما قارب العتاق منها فاجعل له سهمًا واحدًا، وألغ ما سوى ذلك. اهـ.\nوالبراذين جمع برذون، بكسر الموحدة وسكون الراء وفتح المعجمة، والمراد الجفاة الخلقة من الخيل، وأكثر ما تجلب من بلاد الروم، ولها جلد على السير في الشعاب والجبال والوعر بخلاف الخيل العربية.\nوالهجين: هو ما أحد أبويه عربي، وقيل: هو الذي أبوه عربي. وأما الذي أمه عربية فيسمى المقرف، وعن أحمد: الهجين البرذون. ويحتمل أنه أراد في الحكم.\nومن إطلاق الإقراف على كون الأم عربية قول هند بنت النعمان بن بشير:\nما هند إلا مهرة عربية ... سليلة أفراس تحللها بغل\nفإن ولدت مهرًا كريمًا فبالحري ... وإن يك اقراف فما أنجب الفحل\nوقول جرير:","vol":"2","page":473},{"text":"إذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب\nواختلف العلماء فيمن غزا على بعير هل يسهم لبعيره؟ فذهب أكثر العلماء إلى أنه لا يسهم للابل.\nقال ابن المنذر: أجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم أن من غزا على بعير فله سهم راجل. كذلك قال الحسن، ومكحول، والثوري، والشافعي، وأصحاب الرأي، واختاره أبو الخطاب من الحنابلة.\nقال ابن قدامة في [المغني]: وهذا هو الصحيح إن شاء الله تعالى؛ لأن النبي  ﷺ  لم ينقل عنه أنه أسهم لغير الخيل من البهائم وقد كان معه يوم \"بدر\" سبعون بعيرًا، ولم تخل غزاة من غزواته من الإبل، هي كانت غالب دوابهم فلم ينقل عنه أنه أسهم لها، ولو أسهم لها لنقل، وكذلك من بعد النبي  ﷺ  من خلفائه وغيرهم مع كثرة غزواتهم لم ينقل عن أحد منهم فيما علمناه أنه أسهم لبعير، ولو أسهم لبعير لم يخف ذلك، ولأنه لا يتمكن صاحبه من الكر والفر، فلم يسهم له كالبغل والحمار، اهـ.\nوقال الإمام أحمد: من غزا على بعير، وهو لا يقدر على غيره قسم له ولبعيره سهمان. وظاهره أنه لا يسهم للبعير مع إمكان الغزو على فرس، وعن أحمد: أنه يسهم للبعير سهم، ولم يشترط عجز صاحبه عن غيره، وحكى نحو هذا عن الحسن. قاله ابن قدامة في [المغني].\nواحتج أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿فَمَا أَوْجَفتُمْ عَليهِ مِنْ خَيلٍ","vol":"2","page":474},{"text":"وَلَا رَكابٍ﴾ قالوا: فذكر الركاب -وهي الإبل- مع الخيل، وبأنه حيوان تجوز المسابقة عليه بعوض فيسهم له كالفرس؛ لأن تجويز المسابقة بعوض إنما هو في ثلاثة أشياء، هي: النصل، والخف، والحافر دون غيرها؛ لأنها آلات الجهاد، فأبيح أخذ الرهن في المسابقة بها تحريضًا على رياضتها، وتعلم الإتقان فيها.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله أعلم- أنه لا يسهم للإبل؛ لما قدمنا آنفًا، وأما غير الخيل والإبل من البغال والحمير والفيلة ونحوها فلا يسهم لشيء منه وإن عظم غناؤها، وقامت مقام الخيل.\nقال ابن قدامة: ولا خلاف في ذلك؛ لأنه  ﷺ  لم يقسم لشيء من ذلك؛ ولأنها مما لا يجوز المسابقة عليه بعوض، فلم يسهم لها كالبقر.\nالمسألة السابعة: اختلف العلماء في حرق رحال الغال من الغنيمة، والمراد بالغال من يكتم شيئًا من الغنيمة، فلا يطلع عليه الإمام، ولا يضعه مع الغنيمة.\nقال بعض العلماء: يحرق رحله كله إلا المصحف وما فيه روح، وهو مذهب الإمام أحمد، وبه قال الحسن، وفقهاء الشام، منهم مكحول، والأوزاعي، والوليد بن هشام، ويزيد بن يزيد بن جابر، وأتي سعيد بن عبد الملك بغال فجمع ماله وأحرقه، وعمر بن عبد العزيز حاضر ذلك فلم يعبه.\nوقال يزيد بن يزيد بن جابر: السنة في الذي يغل أن يحرق","vol":"2","page":475},{"text":"رحله. رواهما سعيد في سننه. قاله ابن قدامة في [المغني].\nومن حجج أهل هذا القول: ما رواه أبو داود في سننه، عن صالح بن محمد بن زائدة -قال أبو داود وصالح: هذا أبو واقد- قال: دخلت مع مسلمة أرض الروم؛ فأتي برجل قد غل؛ فسأل سالمًا عنه فقال: سمعت أبي يحدث، عن عمر بن الخطاب؛ عن النبي  ﷺ  قال: إذا وجدتم الرجل قد غل فاحرقوا متاعه واضربوه. قال: فوجدنا في متاعه مصحفًا فسأل سالمًا عنه، فقال: بعه وتصدق بثمنه. اهـ. بلفظه من أبي داود.\nوذكر ابن قدامة أنه رواه أيضًا الأثرم، وسعيد.\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا أبو صالح محبوب بن موسى الأنطاكي، قال: أخبرنا أبو إسحاق عن صالح بن محمد، قال: غزونا مع الوليد بن هشام، ومعنا سالم بن عبد الله بن عمر، وعمر بن عبد العزيز، فغل رجل متاعًا، فأمر الوليد بمتاعه فأحرق وطيف به، ولم يعطه سهمه.\nقال أبو داود: وهذا أصح الحديثين، رواه غير واحد أن الوليد بن هشام أحرق رحل زيادة بن سعد، وكان قد غل، وضربه.\nحدثنا محمد بن عوف، قال: ثنا موسى بن أيوب، قال: ثنا الوليد بن مسلم، قال: ثنا زهير بن محمد، عن عروة بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله  ﷺ، وأبا بكر، وعمر حرقوا متاع الغال وضربوه.\nقال أبو داود: وزاد فيه علي بن بحر عن الوليد -ولم أسمعه","vol":"2","page":476},{"text":"منه- ومنعوه سهمه.\nقال أبو داود: وحدثنا به الوليد بن عتبة، وعبد الوهاب بن نجدة، قالا: ثنا الوليد، عن زهير بن محمد، عن عمرو بن شعيب. قوله ولم يذكر عبد الوهاب بن نجدة الحوطي منع سهمه، اهـ من أبي داود بلفظه. وحديث صالح بن محمد الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الترمذي، والحاكم، والبيهقي.\nقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه، وقال: سألت محمدًا عن هذا الحديث، فقال: إنما روى هذا صالح بن محمد بن زائدة، الذي يقال له: أبو واقد الليثي، وهو منكر الحديث.\nقال المنذري: وصالح بن محمد بن زائدة: تكلم فيه غير واحد من الأئمة؛ وقد قيل: إنه تفرد به، وقال البخاري: عامة أصحابنا يحتجون بهذا في الغلول، وهو باطل ليس بشيء، وقال الدارقطني: أنكروا هذا الحديث على صالح بن محمد، قال: وهذا حديث لم يتابع عليه، ولا أص لهذا الحديث عن رسول الله  ﷺ  .\nوالمحفوظ أن سالمًا أمر بذلك، وصحح أبو داود وقفه، فرواه موقوفًا من وجه آخر، وقال: هذا أصح كما قدمنا.\nوحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرنا عند أبي داود أخرجه أيضًا الحاكم والبيهقي. وزهير بن محمد الذي ذكرنا في إسناده الظاهر أنه هو الخراساني. وقد قال فيه ابن حجر في [التقريب]: رواية أهل الشام عنه غير مستقيمة، فضعف بسببهما، وقال البخاري","vol":"2","page":477},{"text":"عن أحمد: كان زهير الذي يروي عنه الشاميون آخر، وقال أبو حاتم: حدث بالشام من حفظه فكثر غلطه. اهـ.\nوقال البيهقي: ويقال: إنه غير الخراساني. وأنه مجهول. اهـ. وقد علمت فيما قدمنا عن أبي داود أنه رواه من وجه آخر موقوفًا على عمرو بن شعيب. وقال ابن حجر: إن وقفه هو الراجح.\nوذهب الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، إلى أنه لا يحرق رحله، واحتجوا بأنه يمّ لم يحرق رحل غال، وبما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله  ﷺ  كان إذا أصاب غنيمة أمر بلالًا فنادى في الناس، فيجيئون بغنائمهم، فيخمسه، ويقسمه، فجاء رجل بعد ذلك بزمام من شعر، فقال: يا رسول الله هذا فيما كنا أصبناه من الغنيمة، فقال: أسمعت بلالًا ينادي ثلاثًا؟ قال: نعم، قال: فما منعك أن تجيء به؟ فاعتذر إليه، فقال: كن أنت تجيء به يوم القيامة، فلن أقبله عنك. هذا لفظ أبي داود. وهذا الحديث سكت عنه أبو داود، والمنذري، وأخرجه الحاكم وصححه.\nوقال البخاري: قد روي في غير حديث عن الغال، ولم يأمر بحرق متاعه. فقد علمت أن أدلة القائلين بعدم حرق رحل الغال أقوى، وهم أكثر العلماء.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه في هذه المسألة: هو ما اختاره ابن القيم، قال في [زاد المعاد] بعد أن ذكر الخلاف المذكور في المسألة: والصواب أن هذا من باب التعزير","vol":"2","page":478},{"text":"والعقوبات المالية الراجعة إلى اجتهاد الأئمة، فإنه حرق وترك، وكذلك خلفاؤه من بعده، ونظير هذا قتل شارب الخمر في الثالثة أو الرابعة، فليس بحد، ولا منسوخ، وإنما هو تعزير يتعلق باجتهاد الإمام. اهـ.\nوإنما قلنا: إن هذا القول أرجح عندنا؛ لأن الجمع واجب إذا أمكن، وهو مقدم على الترجيح بين الأدلة، كما علم في الأصول، والعلم عند الله تعالى.\nأما لو سرق واحد من الغانمين من الغنيمة قبل القسم، أو وطىء جارية منها قبل القسم، فقال مالك وجل أصحابه: يحد حد الزنى والسرقة في ذلك؛ لأن تقرر الملك لا يكون بإحراز الغنيمة، بل بالقسم.\nوذهب الجمهور -منهم الأئمة الثلاثة- إلى أنه لا يحد للزنى ولا للسرقة؛ لأن استحقاقه بعض الغنيمة شبهة تدرأ عنه الحد؛ وبعض من قال بهذا يقول: إن ولدت فالولد حر يلحق نسبه به، وهو قول أحمد، والشافعي، خلافًا لأبي حنيفة؛ وفرق بعض المالكية بين السرقة والزنى، فقال: لا يحد للزنى؛ ويقطع إن سرق أكثر من نصيبه بثلاثة دراهم.\nوبهذا قال عبد الملك من المالكية، كما نقله عنه ابن المواز.\nواختلف العلماء فيما إذا مات أحد المجاهدين قبل قسم الغنيمة، هل يورث عنه نصيبه؟ فقال مالك في أشهر الأقوال، والشافعي: إن حضر القتال ورث عنه نصيبه وإن مات قبل إحراز الغنيمة، وإن لم يحضر القتال فلا سهم له.","vol":"2","page":479},{"text":"وقال أبو حنيفة: إن مات قبل إحراز الغنيمة في دار الإسلام خاصة، أو قسمها في دار الحرب فلا شيء له؛ لأن ملك المسلمين لا يتم عليها عنده إلا بذلك.\nوقال الأوزاعي: إن مات بعدما يدرب قاصدًا في سبيل الله -قبل أو بعد- أسهم له.\nوقال الإمام أحمد: إن مات قبل حيازة الغنيمة فلا سهم له؛ لأنه مات قبل ثبوت ملك المسلمين عليها، وسواء مات حال القتال أو قبله، وإن مات بعد إحراز الغنيمة فسهمه لورثته.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا أظهر الأقوال عندي، والله تعالى أعلم.\nولا يخفى أن مذهب الإمام مالك -﵀- في هذه المسألة مشكل؛ لأن حكمه بحد الزاني والسارق يدل على أنه لا شبهة للغانمين في الغنيمة قبل القسم، وحكمه بإرث نصيب من مات قبل إحراز الغنيمة إن حضر القتال يدل على تقرر الملك بمجرد حضور القتال، وهو كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة: أصح الأقوال دليلًا: أنه لا يقسم للنساء والصبيان الذين لا قدرة لهم على القتال، وما جرى مجراهم، ولكن يرضخ لهم من الغنيمة باجتهاد الإمام، ودليل ذلك ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عباس لما سأله نجدة عن خمس خلال.\nمنها: هل كان رسول الله  ﷺ  يغزو بالنساء؟ وهل كان يضرب لهن بسهم؟ فكتب إليه ابن عباس: كتبت تسألني: هل كان رسول","vol":"2","page":480},{"text":"الله  ﷺ  يغزو بالنساء، وقد كان يغزو بهن، فيداوين الجرحى، ويحذين من الغنيمة، وأما بسهم فلم يضرب لهن. الحديث.\nوهو صريح فيما ذكرنا، فيجب حمل ما ورد في غيره من أن النساء يسهم لهن على الرضخ المذكور في هذا الحديث المعبر عنه بقوله: \"يحذين من الغنيمة\".\nقال النووي: قوله \"يحذين\" هو بضم الياء وإسكان الحاء المهملة، وفتح الذال المعجمة: أي، يعطين تلك العطية، وتسمى الرضخ، وفي هذا أن المرأة تستحق الرضخ، ولا تستحق السهم، وبهذا قال أبو حنيفة، والثوري، والليث، والشافعي، وجماهير العلماء.\nوقال الأوزاعي: تستحق السهم إن كانت تقاتل، أو تداوي الجرحى، وقال مالك: لا رضخ لها، وهذان المذهبان مردودان بهذا الحديث الصحيح الصريح. اهـ.\nالمسألة التاسعة: اعلم أنه  ﷺ  كان يأخذ نفقة سنته من فيء بني النضير، لا من المغانم.\nودليل ذلك: حديث مالك بن أوس بن الحدثان المتفق عليه، عن عمر بن الخطاب ﵁، قال: دخلت على عمر، فأتاه حاجبه يرفأ، فقال: هل لك في عثمان، وعبد الرحمن، والزبير، وسعد؟ قال: نعم، فأذن لهم، ثم قال: هل لك في علي، وعباس؟ قال: نعم، قال عباس: يا أمير المؤمنين اقض بيني وبين هذا، قال: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، هل تعلمون","vol":"2","page":481},{"text":"أن رسول الله  ﷺ  قال: \"لا نورث، ما تركنا صدقة\" يريد رسول الله  ﷺ  نفسه؟ فقال الرهط: قد قال ذلك، فأقبل على علي، وعباس، فقال: هل تعلمان أن رسول الله  ﷺ  قال ذلك؟ قالا: قد قال ذلك، قال عمر: فإني أحدثكم عن هذا الأمر، إن الله كان خص رسوله  ﷺ  في هذا الفيء بشيء لم يعطه أحدًا غيره، فقد قال ﷿: ﴿وَمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ﴾ إلى قوله: ﴿قَدِيرٌ﴾ فكانت خالصة لرسول الله  ﷺ، والله ما احتازها دونكم، ولا استأثر بها عليكم، لقد أعطاكموه، وبثها فيكم حتى بقي منها هذا المال، فكان النبي  ﷺ  ينفق على أهله من هذا المال نفقة سنته، ثم يأخذ ما بقي فيجعله مجعل مال الله، فعمل بذلك رسول الله  ﷺ  حياته؛ أنشدكم بالله، هل تعلمون ذلك؟ قالوا: نعم، ثم قال لعلي، وعباس: أنشدكما بالله، هل تعلمان ذلك؟ قالا: نعم، قال عمر: فتوفى الله نبيه  ﷺ، فقال أبو بكر: أنا ولي رسول الله  ﷺ، فقبضها فعمل بما عمل به رسول الله  ﷺ، ثم توفى الله أبا بكر فقلت: أنا ولي رسول الله  ﷺ، فقبضتها سنتين أعمل فيها ما عمل فيها رسول الله، وأبو بكر، ثم جئتماني، وكلمتكما واحدة، وأمركما جميع؛ جئتني تسألني نصيبك من ابن أخيك، وأتاني هذا يسألني نصيب امرأته من أبيها، فقالت: إن شئتما دفعتها إليكما بذلك فتلتمسان مني قضاء غير ذلك؛ فوالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض لا أقضي فيها قضاء غير ذلك حتى تقوم الساعة، فإن عجزتما فادفعاها إلي اهـ.\nهذا لفظ البخاري في [الصحيح] في بعض رواياته، ومحل الشاهد من الحديث تصريح عمر بأنه  ﷺ  كان ينفق على أهله نفقة","vol":"2","page":482},{"text":"سنته من فيء بني النضير، وتصديق الجماعة المذكورة له في ذلك، وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة بألفاظ متقاربة المعنى، وهو نص في أن نفقة أهله  ﷺ  كانت من الفيء، لا من الغنيمة.\nويدل له أيضًا الحديث المتقدم \"مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم\".\nفإن قيل: ما وجه الجمع بين ما ذكرتم، وبين ما أخرجه أبو داود من طريق أسامة بن زيد، عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان قال: كانت لرسول الله  ﷺ  ثلاث صفايا: بنو النضير، وخيبر، وفدك؛ فأما بنو النضير فكانت حبسًا لنوائبه، وأما فدك فكانت حبسًا لأبناء السبيل؛ وأما خيبر فجزأها رسول الله  ﷺ  ثلاثة أجزاء جزئين بين المسلمين، وجزءًا نفقة لأهله، فما فضل عن نفقة أهله جعله بين فقراء المهاجرين\".\nفالجواب -والله تعالى أعلم- أنه لا تعارض بين الروايتين؛ لأن \"فدك\" ونصيبه  ﷺ  من \"خيبر\" كلاهما فيء كما قدمنا عليه الأدلة الواضحة، وكذلك \"النضير\" فالجميع فيء كما تقدم إيضاحه، فحكم الكل واحد.\nوفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن عائشة ﵂، قالت: وكانت فاطمة ﵂ تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله  ﷺ  من خيبر، وفدك، وصدقته بالمدينة، فأبى أبو بكر عليها ذلك، وقال: لست تاركًا شيئًا كان رسول الله  ﷺ  يعمل به إلا عملت به، فإني أخشى إن تركت شيئًا من أمره أن أزيغ.","vol":"2","page":483},{"text":"فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي، وعباس، وأما خيبر، وفدك فأمسكهما عمر، وقال: هما صدقة رسول الله  ﷺ  كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه، وأمرهما إلى من ولي الأمر، قال: فهما على ذلك إلى اليوم.\nهذا لفظ البخاري في صحيحه.\nوقال ابن حجر في [الفتح]: وقد ظهر بهذا أن صدقة النبي  ﷺ  تختص بما كان من بني النضير، وأما سهمه من خيبر، وفدك فكان حكمه إلى من يقوم بالأمر بعده، وكان أبو بكر يقدم نفقة نساء النبي  ﷺ  مما كان يصرفه فيصرفه من خيبر، وفدك، وما فضل من ذلك جعله في المصالح، وعمل عمر بعده بذلك، فلما كان عثمان تصرف في فدك بحسب ما رآه، فروى أبو داود من طريق مغيرة بن مقسم، قال: جمع عمر بن عبد العزيز بن مروان، فقال: \"إن رسول الله  ﷺ  كان ينفق من فدك علي بني هاشم، ويزوج أيمهم، وإن فاطمة سألته أن يجعلها لها فأبى، وكانت كذلك في حياة النبي  ﷺ، وأبي بكر وعمر، ثم أقطعها مروان، يعني في أيام عثمان.\nقال الخطابي: إنما أقطع عثمان \"فدك\" لمروان؛ لأنه تأول أن الذي يختص بالنبي  ﷺ  يكون للخليفة بعده، فاستغنى عثمان عنها بأمواله، فوصل بها بعض قرابته، ويشهد لصنيع أبي بكر حديث أبي هريرة المرفوع الثابت في الصحيح بلفظ: \"ما تركت بعد نفقة نسائي، ومؤونة عاملي فهو صدقة\".\nفقد عمل أبو بكر وعمر بتفصيل ذلك بالدليل الذي قام لهما. اهـ.","vol":"2","page":484},{"text":"واعلم أن فيء \"بني النضير\" تدخل فيه أموال \"مخيريق\" ﵁، وكان يهوديًّا من \"بني قينقاع\" مقيمًا في بني النضير، فلما خرج النبي ﷺ إلى أحد، قال لليهود: ألا تنصرون محمدًا ﷺ، والله إنكم لتعلمون أن نصرته حق عليكم، فقالوا: اليوم يوم السبت، فقال: لا سبت، وأخذ سيفه ومضى إلى النبي فقاتل حتى أثبتته الجراحة، فلما حضره الموت قال: أموالي إلى محمد ﷺ يضعها حيث شاء، وكان له سبع حوائط ببني النضير وهي \"الميثب\" \"والصائفة\" \"والدلال\" \"وحسنى\" \"وبرقة\" \"والأعواف\" \"ومشربة أم إبراهيم\".\nوفي رواية الزبير بن بكار \"الميثر\" بدل \"الميثب\" \"والمعوان\" عوض \"الأعواف\" وزاد \"مشربة أم إبراهيم\" الذي يقال له: \"مهروز\".\nوسميت \"مشربة أم إبراهيم\" لأنها كانت تسكنها \"مارية\" قاله بعض أصحاب المغازي.\nوعد الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي \"مخيريق\" المذكور من شهداء أحد، حيث قال في سردهم:\nوذو الوصايا الجم للبشر ... وهو مخيريق بني النضير\nولنكتف بما ذكرنا من الأحكام التي لها تعلق بهذه الآية الكريمة، خوف الإطالة المملة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-449> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾</span>.\nأمر الله تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة بالثبات عند لقاء","vol":"2","page":485},{"text":"العدو، وذكر الله كثيرًا مشيرًا إلى أن ذلك سبب للفلاح؛ والأمر بالشيء نهي عن ضده، أو مستلزم للنهي عن ضده، كما علم في الأصول، فتدل الآية الكريمة على النهي عن عدم الثبات أمام الكفار، وقد صرح تعالى بهذا المدلول في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾ إلى قوله: ﴿وَبِئسَ المْصَيرُ﴾ وفي الأمر بالإكثار من ذكر الله تعالى في أضيق الأوقات؛ وهو وقت التحام القتال دليل واضح على أن المسلم ينبغي له الإكثار من ذكر الله على كل حال؛ ولا سيما في وقت الضيق، والمحب الصادق في حبه لا ينسى محبوبه عند نزول الشدائد.\nقال عنترة في معلقته:\nولقد ذكرتك والرماح نواهل ... مني وبيض الهند تقطر من دمي\nوقال الآخر:\nذكرتك والخطى يخطر بيننا ... وقد نهلت فينا المثقفة السمر\n\nتنبيه\nقال بعض العلماء: كل \"لعل\" في القرآن فهي للتعليل إلا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ﴾ فهي بمعنى \"كأنكم تخلدون\".\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لفظة \"لعل\" قد ترد في كلام العرب مرادًا بها التعلل، ومنه قوله:","vol":"2","page":486},{"text":"فقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق\nفلما كففنا الحرب كانت عهودكم ... كشبه سراب بالملا متألق\nفقوله: \"لعلنا نكف\" يعني \"لأجل أن نكف\" وكونها للتعليل لا ينافي \"معنى الترجي\"، لأن وجود المعلول يرجى عند وجود علته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-450> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾</span> الآية.\nنهى الله جل وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة عن التنازع، مبينًا أنه سبب الفشل، وذهاب القوة، ونهى عن الفرقة أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ونحوها من الآيات، وقوله في هذه الآية: ﴿وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ أي: قوتكم.\nوقال بعض العلماء: نصركم، كما تقول العرب الريح لفلان إذا كان غالبًا، ومنه قوله:\nإذا هبَّت رياحُكَ فاغتنمها ... فإن لكل عاصفةٍ سكونُ\nواسم \"إن\" ضمير الشأن.\nقال صاحب الكشاف: الريح: الدولة، شبهت في نفوذ أمرها، وتمشيه بالريح في هبوبها. فقيل: هبت رياح فلان: إذا دالت له الدولة، ونفذ أمره، ومنه قوله:\nيا صاحبي ألا لا حيَّ بالوادي ... إلا عبيد قعود بين أذوادي\nأتنظران قليلًا ريث غفلتهم ... أم تعدوان فإن الريح للعادي","vol":"2","page":487},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-451> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ وَقَال لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ﴾</span> إلى قوله: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان غر الكفار، وخدعهم، وقال لهم: لا غالب لكم، وأنا جار لكم.\nوذكر المفسرون: أنه تمثل لهم في صورة \"سراقة بن مالك بن جعشم\" سيد بني مدلج بن بكر بن كنانة، وقال لهم ما ذكر الله عنه، وأنه مجيرهم من بني كنانة، وكانت بينهم عداوة ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ عندما رأى الملائكة، وقال لهم: ﴿إِنِّي بَرِيءٌ مِّنكُمْ إِنِّي أَرى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ فكان حاصل أمره أنه غرهم، وخدعهم حتى أوردهم الهلاك، ثم تبرأ منهم.\nوهذه هي عادة الشيطان مع الإنسان كما بينه تعالى في\nآيات كثيرة، كقوله: ﴿كَمَثَلِ الشَّيطَانِ إِذْ قَال لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَال إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ وكقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾ وقد قال حسان بن ثابت ﵁:\nسرنا وساروا إلى بدر لحينهم ... لو يعلمون يقين الأمر ما ساروا\nدلاهم بغرور ثم أسلمهم ... إن الخبيث لمن ولاه غرار\nفي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٥٣)﴾.","vol":"2","page":488},{"text":"ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يغير نعمة أنعمها على أحد إلا بسبب ذنب ارتكبه؛ وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-452> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾</span>.\nقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ﴾ في محل رفع بالعطف على اسم الجلالة، أي: حسبك الله، وحسبك أيضًا من اتبعك من المؤمنين.\nوممن قال بهذا: الحسن، واختاره النحاس وغيره، كما نقله القرطبي.\nوقال بعض العلماء: هو في محل خفض بالعطف على الضمير الذي هو الكف في قوله: ﴿حَسْبُكَ﴾ فالمعنى حسبك الله أي كافيك وكافي من اتبعك من المؤمنين، وبهذا قال الشعبي، وابن زيد وغيرهما، وصدر به صاحب الكشاف، واقتصر عليه ابن كثير وغيره. والآيات القرآنية تدل على تعيين الوجه الأخير، وأن المعنى كافيك الله، وكافي من اتبعك من المؤمنين؛ لدلالة الاستقراء في القرآن على أن الحسب والكفاية لله وحده، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ رَضُوا مَا آتَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ سَيُؤْتِينَا اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَرَسُولُهُ إِنَّا إِلَى اللَّهِ رَاغِبُونَ (٥٩)﴾ فجعل الإيتاء لله ورسوله، كما قال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ وجعل الحسب له","vol":"2","page":489},{"text":"وحده، فلم يقل: وقالوا حسبنا الله ورسوله، بل جعل الحسب مختصًا به، وقال: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾؟ فخص الكفاية التي هي الحسب به وحده، وتمدح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (٦٢)﴾: ففرق بين الحسب والتأييد، فجعل الحسب له وحده، وجعل التأييد له بنصره وبعباده.\nوقد أثنى ﷾ على أهل التوحيد والتوكل من عباده حيث فردوه بالحسب، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ قَال لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nفإن قيل: هذا الوجه الذي دل عليه القرآن، فيه أن العطف على الضمير المخفوض من غير إعادة الخافض ضعفه غير واحد من علماء العربية، قال ابن مالك في (الخلاصة):\nوعود خافض لدى عطف على ... ضمير خفض لازمًا قد جعلا\nفالجواب من أربعة أوجه:\nالأول: أن جماعة من علماء العربية صححوا جواز العطف من غير إعادة الخافض، قال ابن مالك في (الخلاصة):\nوليس عندي لازمًا إذ قد أتى ... في النظم والنثر الصحيح مثبتًا\nوقد قدمنا في \"سورة النساء\" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا يُتْلَى عَلَيكُمْ فِي الْكِتَابِ﴾ شواهده العربية، ودلالة قراءة حمزة عليه،","vol":"2","page":490},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوأ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ والأَرْحَامَ﴾.\nالوجه الثاني: أنه من العطف على المحل؛ لأن الكاف مخفوض في محل النصب، إذ معنى: ﴿حَسْبُكَ﴾ يكفيك، قال في [الخلاصة]:\nوجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن\nالوجه الثالث: نصبه بكونه مفعولًا معه، على تقدير ضعف وجه العطف، كما قال في [الخلاصة]:\nوالعطف إن يمكن بلا ضعف أحق ... والنصب مختار لدي ضعف النسق\nالوجه الرابع: أن يكون ﴿وَمَنِ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فحسبهم الله أيضًا، فيكون من عطف الجملة، والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٧٥)﴾.\nلم يعين تعالى في هذه الآية الكريمة المراد بأولي الأرحام؛ واختلف العلماء في هذه الآية: هل جاء في القرآن ما يبين المراد منها أو لا؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها بينتها آيات المواريث؛ كما قدمنا نظيره في قوله: ﴿لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.\nقالوا: فلا إرث لأحد من أولي الأرحام غير من عينت لهم حقوقهم في آيات المواريث؛ وممن قال بهذا زيد بن ثابت، ومالك، والشافعي، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود، وابن جرير","vol":"2","page":491},{"text":"وغيرهم؛ وقالوا: الباقي عن نصيب الورثة المنصوص على إرثهم لبيت مال المسلمين، واستدلوا بقوله  ﷺ  \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث\" رواه الإمام أحمد والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والدارقطني، والبيهقي من حديث عمرو بن خارجة ﵁، عن النبي  ﷺ .\nورواه أيضًا الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي أمامة ﵁، عن النبي  ﷺ، وحسنه الترمذي وابن حجر، ولا يضعف بأن في إسناده إسماعيل بن عياش، لما قدمنا مرارًا أن روايته عن الشاميين قوية، وشيخه في حديث أبي أمامة هذا شرحبيل بن مسلم، وهو شامي ثقة، وقد صرح في روايته بالتحديث.\nوقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق فيه لين. فقوله في هذا الحديث الذي صححه الترمذي من رواية عمرو بن خارجة، وحسنه الترمذي، وابن حجر من رواية أبي أمامة: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه\" يدل بعمومه على أنه لم يبق في التركة حق لغيرهن عينت لهم أنصباؤهم في آيات المواريث.\nوقد قال بعض أهل هذا القول: المراد بذوي الأرحام العصبة خاصة، قالوا: ومنه قول العرب وصلتك رحم، يعنون قرابة الأب دون قرابة الأم، ومنه قول قتيلة بنت الحارث، أو بنت النضر بن الحارث:\nظلت سيوف بني أبيه تنوشه ... لله أرحام هناك تشقق","vol":"2","page":492},{"text":"فأطلقت الأرحام على قرابة بني أبيه.\nوالأظهر على القول بعدم التوريث أن المراد بذوي الأرحام القرباء الذين بينت حقوقهم بالنص مطلقًا.\nواحتج أيضًا من قال: لا يرث ذوو الأرحام بما روى عن عطاء بن يسار؛ أن رسول الله  ﷺ  ركب إلى قباء يستخير في ميراث العمة والخالة فأنزل عليه \"لا ميراث لها\" أخرجه أبو داود، في المراسيل، والدارقطني، والبيهقي، من طريق زيد بن أسلم، عن عطاء، مرسلًا، وأخرجه النسائي في [سننه] وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، من مرسل زيد بن أسلم. ليس فيه ذكر عطاء. ورد المخالف هذا بأنه مرسل.\nوأجيب بأن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد؛ الاحتجاج بالمرسل، وبأنه رواه البيهقي، والحاكم، والطبراني، موصولًا من حديث أبي سعيد.\nوما ذكره البيهقي من وصله من طريقين:\nإحداهما: من رواية ضرار بن صرد أبي نعيم.\nوالثانية: من رواية شريك بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد، مرفوعًا. قال مُحَشِّيهِ صاحب [الجوهر النقي] في ضرار المذكور: إنه متروك، وعزا ذلك للنسائي، وعزا تكذيبه ليحيى بن معين.\nوقال في ابن أبي نمر: فيه كلام يسير، وفي الحارث بن عبد: إنه لا يعرفه، ولا ذكر له إلا عند الحاكم في [المستدرك] في هذا الحديث.","vol":"2","page":493},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: ما ذكره من أن ضرار بن صرد متروك غير صحيح؛ لأنه صدوق له بعض أوهام لا توجب تركه.\nوقال فيه ابن حجر في [التقريب]: صدوق له أوهام وخطأ، ورمي بالتشيع، وكان عارفًا بالفرائض.\nوأما ابن أبي نمر: فهو من رجال البخاري، ومسلم.\nوأما إسناد الحاكم: فقال فيه الشوكاني في [نيل الأوطار]: إنه ضعيف، وقال في إسناد الطبراني: فيه محمد بن الحارث المخزومي.\nقلت: قال فيه ابن حجر في [التقريب]: مقبول، وقال الشوكاني أيضًا: قالوا: وصله -أيضًا- للطبراني من حديث أبي هريرة.\nويجاب: بأنه ضعفه بمسعدة بن اليسع الباهلي. قالوا: وصله الحاكم أيضًا من حديث ابن عمر، وصححه.\nويجاب: بأن في إسناده عبد الله بن جعفر المدني، وهو ضعيف.\nقالوا: روى له الحاكم شاهدًا من حديث شريك بن عبد الله بن أبي نمر، عن الحارث بن عبد مرفوعًا.\nويجاب: بأن في إسناده سليمان بن داود الشاذكوني، وهو متروك.\nقالوا: أخرجه الدارقطني من وجه آخر عن شريك. ويجاب: بأنه مرسل. اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الطرق الموصولة والمرسلة","vol":"2","page":494},{"text":"يشد بعضها بعضًا، فيصلح مجموعها للاحتجاج، ولاسيما أن منها ما صححه بعض العلماء، كالطريق التي صححها الحاكم، وتضعيفها بعبد الله بن جعفر المدني فيه أنه من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقًا، وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: ليس به بأس اهـ.\nواحتجوا أيضًا بما رواه مالك في [الموطأ] والبيهقي، عن محمد بن أبي بكر بن حزم، عن عبد الرحمن بن حنظلة الزرقي: أنه أخبره عن مولى لقريش كان قديما يقال له: ابن موسى أنه قال: كنت جالسًا عند عمر بن الخطاب، فلما صلى الظهر، قال: يا يرفأ هلم ذلك الكتاب لكتاب كتبه في شأن العمة، فنسأل عنها، ونستخبر عنها فأتاه به يرفأ فدعا بتور أو قدح فيه ماء، فمحا ذلك الكتاب فيه، ثم قال: لو رضيك الله وارثة أقرك، لو رضيك الله أقرك.\nوقال مالك في [الموطأ] عن محمد بن أبي بكر بن حزم: إنه سمع أباه كثيرًا يقول: كان عمر بن الخطاب يقول: عجبًا للعمة ترث ولا تورث. والجميع فيه مقال.\nوقال جماعة من أهل العلم: لا بيان للآية من القرآن، بل هي باقية على عمومها، فأوجبوا الميراث لذوي الأرحام.\nوضابطهم: أنهم الأقارب الذين لا فرض لهم ولا تعصيب.\nوهم: أحد عشر حيزًا:\n١ - أولاد البنات.\n٢ - وأولاد الأخوات.","vol":"2","page":495},{"text":"٣ - وبنات الإخوة.\n٤ - وأولاد الإخوة من الأم.\n٥ - والعمات من جميع الجهات.\n٦ - والعم من الأم.\n٧ - والأخوال.\n٨ - والخالات.\n٩ - وبنات الأعمام.\n١٠ - والجد أبو الأم.\n١١ - وكل جدة أدلت بأب بين أمين، أو بأب أعلى من الجد.\nفهؤلاء، ومن أدلى بهم يسمون ذوي الأرحام.\nوممن قال بتوريثهم إذا لم يوجد وارث بفرض أو تعصيب -إلا الزوج والزوجة- الإمام أحمد.\nويروى هذا القول عن عمر، وعلي، وعبد الله، وأبي عبيدة بن الجراح، ومعاذ بن جبل، وأبي الدرداء -﵃- وبه قال شريح وعمر ابن عبد العزيز، وعطاء، وطاوس، وعلقمة، ومسروق، وأهل الكوفة وغيرهم. نقله ابن قدامة في [المغني].\nواحتجوا بعموم قوله تعالى: ﴿وَأُوْلُوأ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾ الآية، وعموم قوله تعالى: ﴿لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْربوُنَ﴾ الآية. ومن السنة بحديث المقدام بن معد يكرب، عن","vol":"2","page":496},{"text":"النبي  ﷺ، أنه قال: \"من ترك مالًا فلورثته، وأنا وارث من لا وارث له، أعقل عنه؛ وأرث، والخال وارث من لا وارث له، يعقل عنه ويرثه\" أخرجه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه، وحسنه أبو زرعة الرازي، وأعله البيهقي بالاضطراب، ونقل عن يحيى بن معين، أنه كان يقول: ليس فيه حديث قوي. قاله في [نيل الأوطار].\nواحتجوا أيضًا بما رواه أبو أمامة بن سهل أن رجلًا رمى رجلًا بسهم فقتله، وليس له وارث إلا خال، فكتب في ذلك أبو عبيدة بن الجراح إلى عمر، فكتب إليه عمر: إن النبي  ﷺ  قال: \"الله ورسوله مولى من لا مولى له، والخال وارث من لا وارث له\" رواه أحمد، وابن ماجه، وروى الترمذي المرفوع منه، وقال: حديث حسن.\nقال الشوكاني -﵀-: وفي الباب عن عائشة عند الترمذي، والنسائي، والدارقطني من رواية طاوس عنها قالت: قال رسول الله  ﷺ: \"الخال وارث من لا وارث له\" قال الترمذي: حسن غريب، وأعله النسائي بالاضطراب، ورجح الدارقطني، والبيهقي، وقفه. قال الترمذي: وقد أرسله بعضهم، ولم يذكر فيه عائشة.\nوقال البزار: أحسن إسناد فيه حديث أبي أمامة بن سهل، وأخرجه عبد الرزاق عن رجل من أهل المدينة، والعقيلي، وابن عساكر، عن أبي الدرداء، وابن النجار، عن أبي هريرة، كلها مرفوعة. اهـ\nقال الترمذي: وإلى هذا الحديث ذهب أهل العلم في توريث","vol":"2","page":497},{"text":"ذوي الأرحام.\nواحتجوا أيضًا بما رواه أبو داود، عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، عن النبي اللَّهُ  ﷺ  أنه جعل ميراث ابن الملاعنة لأمه ولورثتها من بعدها. وفيه ابن لهيعة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا عندي أن الخال يرث من لا وارث له، دون غيره من ذوي الأرحام، لثبوت ذلك فيه عن النبي  ﷺ  بالحديثين المذكورين دون غيره؛ لأن الميراث لا يثبت إلا بدليل، وعموم الآيتين المذكورتين لا ينهض دليلًا؛ لقوله  ﷺ: \"إن الله قد أعطى كل ذي حق حقه\" كما تقدم.\nفإذا علمت أقوال العلماء وحججهم في إرث ذوي الأرحام وعدمه، فاعلم أن القائلين بالتوريث اختلفوا في كيفيته: فذهب المعروفون منهم بأهل التنزيل إلى تنزيل كل واحد منهم منزلة من يدلي به من الورثة، فيجعل له نصيبه، فإن بعدوا نزلوا درجة درجة، إلى أن يصلوا من يدلون به، فيأخذون ميراثه، فإن كان واحدًا؛ أخذ المال كله، وإن كانوا جماعة، قسم المال بين من يدلون به، فما حصل لكل وارث جعل لمن يدلي به، فإن بقي من سهام المسألة شيء، رد عليهم على قدر سهامهم.\nوهذا هو مذهب الإمام أحمد، وهو قول علقمة، ومسروق، والشعبي، والنخعي، وحماد، ونعيم، وشريك، وابن أبي ليلى، والثوري، وغيرهم: كما نقله عنهم ابن قدامة في [المغني].\nوقال أيضًا: قد روي عن علي، وعبد الله -﵄-","vol":"2","page":498},{"text":"أنهما نزلا بنت البنت منزلة البنت، وبنت الأخ منزلة الأخ، وبنت الأخت منزلة الأخت، والعمة بمنزلة الأب، والخالة منزلة الأم، وروى ذلك عن عمر - ﵁ - في العمة والخالة.\nوعن علي أيضًا: أنه نزل العمة منزلة العم، وروي ذلك عن علقمة، ومسروق، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وعن الثوري وأبي عبيد: أنهما نزلاها منزلة الجد مع ولد الأخوة، والأخوات، ونزلها آخرون منزلة الجدة.\nوإنما صار هذا الخلاف في العمة، لأنها أدلت بأربع جهات وارثات: فالأب والعم أخواها، والجد والجدة أبواها.\nونزل قوم الخالة منزلة جدة؛ لأن الجدة أمها، والصحيح من ذلك تنزيل العمة أبًا، والخالة أمّا اهـ من [المغني].\nوذهبت جماعة أخرى ممن قال بالتوريث -منهم أبو حنيفة، وأصحابه- إلى أنهم يورثون على ترتيب العصبات، فقالوا: يقدم أولاد الميت وإن سفلوا، ثم أولاد أبويه أو أحدهما وإن سفلوا، ثم أولاد أبوي أبويه وإن سفلوا، وهكذا أبدًا لا يرث بنو أب أعلى وهناك بنو أب أقرب منه، وإن نزلت درجتهم.\nوعن أبي حنيفة: أنه جعل أبا الأم -وإن علا- أولى من ولد البنات، ويسمى مذهب هؤلاء: مذهب أهل القرابة. والعلم عند الله تعالى.","vol":"2","page":499},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-454>سُورة التوبة</span>","vol":"2","page":500},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nاعلم أولًا أن الصحابة ﵃ لم يكتبوا سطر \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\" في سورة \"براءة\" هذه في المصاحف العثمانية، واختلف العلماء في سبب سقوط البسملة منها على أقوال:\nمنها: أن البسملة رحمة وأمان، و\"براءة\" نزلت بالسيف؛ فليس فيها أمان، وهذا القول مروي عن علي ﵁، وسفيان بن عيينة.\nومنها: أن ذلك على عادة العرب إذا كتبوا كتابًا فيه نقض عهد أسقطوا منه البسملة، فلما أرسل النبي -  ﷺ  - عليًّا ﵁ ليقرأها عليهم في الموسم، قرأها، ولم يبسمل على عادة العرب في شأن نقض العهد، نقل هذا القول بعض أهل العلم، ولا يخفى ضعفه.\nومنها: أن الصحابة لما اختلفوا: هل \"براءة\" و\"الأنفال\" سورة واحدة، أو سورتان، وتركوا بينهما فرجة لقول من قال: إنهما سورتان، وتركوا البسملة لقول من قال: هما سورة واحدة، فرضي الفريقان، وثبتت حجتاهما في المصحف.\nومنها: أن سورة \"براءة\" نسخ أولها فسقطت معه البسملة،","vol":"2","page":501},{"text":"وهذا القول رواه ابن وهب، وابن القاسم، وابن عبد الحكم، عن مالك، كما نقله القرطبي.\nوعن ابن عجلان، وسعيد بن جبير: أنها كانت تعدل سورة \"البقرة\".\nوقال القرطبي: والصحيح أن البسملة لم تكتب في هذه السورة؛ لأن جبريل لم ينزل بها فيها. قاله القشيري. اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أن سبب سقوط البسملة في هذه السورة هو ما قاله عثمان ﵁ لابن عباس.\nفقد أخرج النسائي، والترمذي، وأبو داود، والإمام أحمد، وابن حبان في [صحيحه] والحاكم في [المستدرك] وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه: عن ابن عباس ﵄ قال: قلت لعثمان: ما حملكم على أن عمدتم إلى الأنفال -وهي من المثاني- وإلى براءة -وهي من المئين- فقرنتم بينهما، ولم تكتبوا بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتموهما في السبع الطُّوَل، فما حملكم على ذلك؟ فقال عثمان ﵁: إن رسول الله -  ﷺ  - كان إذا أنزل عليه شيء يدعو من يكتب عنده، فيقول: ضعوا هذا في السورة التي فيها كذا وكذا، وتنزل عليه الآيات فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا، وكانت \"الأنفال\" من أوائل ما أنزل بالمدينة، و\"براءة\" من آخر ما أنزل من القرآن، وكانت قصتها شبيهة بقصتها، وقبض رسول الله -  ﷺ  -، ولم يبين لنا أنها منها فظننت أنها منها، فمن ثم قرنت بينهما، ولم","vol":"2","page":502},{"text":"أكتب بينهما سطر: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾ ووضعتها في السبع الطُّوَل. اهـ.\n\nتنبيهان\nالأول: يؤخذ من هذا الحديث أن ترتيب آيات القرآن بتوقيف من النبي - ﷺ -، وهو كذلك بلا شك، كما يفهم منه أيضًا: أن ترتيب سُوَرِهِ بتوقيف أيضًا فيما عدا سورة \"براءة\"، وهو أظهر الأقوال، ودلالة الحديث عليه ظاهرة.\nالتنبيه الثاني: قال أبو بكر بن العربي المالكي -رحمه الله تعالى-: في هذا الحديث دليل على أن القياس أصل في الدين. ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة \"براءة\" شبيهة بقصة \"الأنفال\" فألحقوها بها، فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن، فما ظنك بسائر الأحكام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-455> قوله تعالى: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ﴾</span> إلى قوله: ﴿أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ﴾ ظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الكفار المعاهدين، وأنه بعد انقضاء أشهر الإمهال الأربعة المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ لا عهد لكافر. وفي هذا اختلاف كثير بين العلماء، والذي يبينهُ القرآن، ويشهد له من تلك الأقوال، هو أن محل ذلك إنما هو في أصحاب العهود المطلقة غير الموقتة بوقت معين، أو من كانت مدة عهده المؤقت أقل من أربعة أشهر، فتكمل له أربعة أشهر، أما أصحاب العهود المؤقتة الباقي من مدتها أكثر من أربعة أشهر فإنه يجب لهم إتمام مدتهم.","vol":"2","page":503},{"text":"ودليله المبين له من القرآن هو قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٤)﴾ وهو اختيار ابن جرير، وروي عن الكلبي، ومحمد بن كعب القرظي، وغير واحد. قاله ابن كثير.\nويؤيده حديث علي ﵁ أن النبي - ﷺ - بعثه حين أنزلت \"براءة\" بأربع.\nألا يطوف بالبيت عريان.\nولا يقرب المسجد الحرام مشرك بعد عامهم هذا.\nومن كان بينه وبين رسول الله - ﷺ - عهد فهو إلى مدته.\nولا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-456> قوله تعالى: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾</span> الآية.\nقال بعض العلماء: كان ابتداء التأجيل الأشهر الأربعة المذكورة من شوال، وآخره سلخ المحرم، وبه قال الزهري -رحمه الله تعالى- ولكن القرآن يدل على أن ابتداءها من يوم النحر على الأصح من أنه يوم الحج الأكبر، أو يوم عرفة على القول بأنه هو يوم الحج الأكبر، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، وهو صريح في أن ابتداء الإعلام المذكور من يوم الحج الأكبر، وهو يوم النحر، ولا يخفى انتهاؤها في العشر من ربيع الثاني.\nقال ابن كثير: -في تفسير هذه الآية- وقال الزهري: كان","vol":"2","page":504},{"text":"ابتداء التأجيل من شوال، وآخره سلخ المحرم. وهذا القول غريب، وكيف يحاسبون بمدة لم يبلغهم حكمها، وإنما ظهر لهم أمرها يوم النحر، حين نادى أصحاب رسول الله - ﷺ - بذلك؛ ولهذا قال تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-457> قوله تعالى: ﴿إلا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيكُمْ أَحَدًا فَأَتِمُّوا إِلَيهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾</span>.\nيفهم من مفهوم مخالفة هذه الآية: أن المشركين إذا نقضوا العهد جاز قتالهم؛ ونظير ذلك أيضًا: قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾ وهذا المفهوم في الآيتين صرح به جل وعلا في قوله: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ (١٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-458> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾</span> الآية.\nاختلف العلماء في المراد بالأشهر الحرم في هذه الآية.\nفقال ابن جرير: إنها المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ قاله أبو جعفر الباقر.\nولكن قال ابن جرير: آخر الأشهر الحرم في حقهم المحرم، وحكى نحو قوله هذا علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وإليه ذهب الضحاك.\nولكن السياق يدل على أن المراد بها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾.","vol":"2","page":505},{"text":"قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: والذي يظهر من حيث السياق ما ذهب إليه ابن عباس في رواية العوفي عنه، وبه قال مجاهد، وعمرو بن شعيب، ومحمد بن إسحاق، وقتادة، والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم: أن المراد بها الأشهر الأربعة المنصوص عليها بقوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ ثم قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ أي: إذا انقضت الأشهر الأربعة التي حرمنا عليكم قتالهم فيها، وأجلناهم فيها، فحيثما وجدتموهم فاقتلوهم؛ لأن عود العهد على مذكور أولى من مقدر، مع أن الأشهر الأربعة المحرمة سيأتي بيان حكمها في آية أخرى اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-459> قوله تعالى: ﴿وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة هموا بإخراجه - ﷺ - من مكة، وصرح في مواضع آخر بأنهم أخرجوه بالفعل، كقوله: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ﴾ وقوله: ﴿إلا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وذكر في مواضع آخر: محاولتهم لإخراجه قبل أن يخرجوه، كقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-460> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾</span> الآية.\nنهى الله تعالى في هذه الآية الكريمة عن موالاة الكفار، ولو كانوا أقرباء، وصرح في موضع آخر بأن الاتصاف بوصف الإيمان","vol":"2","page":506},{"text":"مانع من موادة الكفار ولو كانوا قرباء، وهو قوله: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-461> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَينٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيئًا وَضَاقَتْ عَلَيكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥)﴾</span>.\nذكر تعالى ما أصاب المسلمين يوم حنين في هذه الآية الكريمة، وذكر ما أصابهم يوم أحد بقوله: ﴿إِذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ فِي أُخْرَاكُمْ﴾ وصرح بأنه تاب على من تولى يوم أحد بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ﴾ وأشار هنا إلى توبته على من تولى يوم حنين بقوله: ﴿ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٧)﴾ كما أشار بعض العلماء إليه.\nفي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nأظهر الأقوال وأقربها للصواب في معنى: ﴿يَكْنِزُونَ﴾ في هذه الآية الكريمة أن المراد بكنزهم الذهب والفضة وعدم إنفاقهم لها في سبيل الله أنهم لا يؤدون زكاتهما.\nقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وأما الكنز فقال مالك: عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر: هو المال الذي لا تؤدى زكاته.","vol":"2","page":507},{"text":"وروى الثوري، وغيره، عن عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ما أدى زكاته فليس بكنز وإن كان تحت سبع أرضين، وما كان ظاهرًا لا تؤدى زكاته فهو كنز. وقد روي هذا عن ابن عباس، وجابر، وأبي هريرة موقوفًا ومرفوعًا.\nوقال عمر بن الخطاب نحوه: أيما مال أديت زكاته فليس بكنز وإن كان مدفونًا في الأرض، وأيما مال لم تؤد زكاته فهو كنز يكوى به صاحبه وإن كان على وجه الأرض. اهـ.\nوممن روي عنه هذا القول عكرمة، والسدي.\nولا شك أن هذا القول أصوب الأقوال؛ لأن من أدى الحق الواجب في المال الذي هو الزكاة لا يكوى بالباقي إذا أمسكه؛ لأن الزكاة تطهره كما قال تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا﴾ ولأن المواريث ما جعلت إلا في أموال تبقى بعد مالكيها.\nومن أصرح الأدلة في ذلك حديث طلحة بن عبيد الله وغيره في قصة الأعرابي أخي بن سعد، من هوازن، وهو ضمام بن ثعلبة لما أخبره النبي -  ﷺ  - بأن الله فرض عليه الزكاة، وقال: هل على غيرها، فإن النبي قال له: لا، إلا أن تطوع. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ وقد قدمنا في \"البقرة\" تحقيق أنه ما زاد على الحاجة التي لا بد منها. وقوله: \"ليس فيما دون الخمسة أوسق\" الحديث؛ لأن صدقة نكرة في سياق النفي، فهي تعم نفي كل صدقة. وفي الآية أقوال آخر:\nمنها: أنها منسوخة بآيات الزكاة كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً","vol":"2","page":508},{"text":"تُطَهِّرُهُمْ﴾ الآية.\nوذكر البخاري هذا القول بالنسخ عن ابن عمر أيضًا. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وعراك بن مالك. اهـ.\nوعن علي أنه قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة، وما كان أكثر من ذلك فهو كنز.\nومذهب أبو ذر ﵁ في هذه الآية معروف، وهو أنه يحرم على الإنسان أن يدخر شيئًا فاضلًا عن نفقة عياله. اهـ ولا يخفى أن ادخار ما أديت حقوقه الواجبة لا بأس به، وهو كالضروري عند عامة المسلمين.\nفإن قيل: ما الجواب عما رواه الإمام أحمد عن علي ﵁، قال: مات رجل من أهل الصفة، وترك دينارين، أو درهمين فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"كيتان صلوا على صاحبكم\" اهـ. وما رواه قتادة عن شهر بن حوشب، عن أبي أمامة، صدي بن عجلان قال: \"مات رجل من أهل الصفة فوجد في مئزره دينار فقال رسول الله -  ﷺ  -: كية\" ثم توفي آخر فوجد في مئزره ديناران فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"كيتان\" وما روى عبد الرزاق وغيره عن علي ﵁، أن النبي -  ﷺ  - قال: \"تبًا للذهب، تبًا للفضة يقولها ثلاثًا، فشق ذلك على أصحاب رسول الله -  ﷺ  - وقالوا: فأي مال نتخذ؟ فقال عمر ﵁: أنا أعلم لكم ذلك من رسول الله -  ﷺ  - فقال: يا رسول الله إن أصحابك قد شق عليهم وقالوا: فأي المال نتخذ؟ فقال: لسانًا ذاكرًا، وقلبًا شاكرًا، وزوجة تعين أحدكم على دينه\" ونحو ذلك من الأحاديث.","vol":"2","page":509},{"text":"فالجواب -والله تعالى أعلم- أن هذا التغليظ كان أولًا، ثم نسخ بفرض الزكاة، كما ذكره البخاري عن ابن عمر ﵄.\nوقال ابن حجر في [فتح الباري]: قال ابن عبد البر: وردت عن أبي ذر آثار كثيرة تدل على أنه كان يذهب إلى أن كل مال مجموع يفضل عن القوت وسداد العيش فهو كنز يذم فاعله، وأن آية الوعيد نزلت في ذلك.\nوخالفه جمهور الصحابة ومن بعدهم، وحملوا الوعيد على مانع الزكاة. . . إلى أن قال: فكان ذلك واجبًا في أول الأمر، ثم نسخ، ثم ذكر عن شداد بن أوس أنه قال: كان أبو ذر يسمع الحديث من رسول الله - ﷺ - فيه الشدة، ثم يخرج إلى قومه، ثم يرخص فيه النبي - ﷺ - فلا يسمع الرخصة، ويتعلق بالأمر الأول. اهـ.\nوقال بعض العلماء: هي في خصوص أهل الكتاب بدليل اقترانها مع قوله: ﴿إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ﴾ الآية.\nفإذا علمت أن التحقيق أن الآية عامة، وأنها في من لا يؤدي الزكاة، فاعلم أن المراد بها هو المشار إليه في آيات الزكاة؛ وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن إذا كان غير واف بالمقصود فتمم البيان من السنة، من حيث إنها بيان للقرآن المبين به، وآيات الزكاة كقوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ لا تفي بالبيان فتبينه بالسنة.","vol":"2","page":510},{"text":"وقد قال ابن خويز منداد المالكي: تضمنت هذه الآية زكاة العين، وهي تجب بأربعة شروط: حرية، وإسلام، وحول، ونصاب سليم من الدين. اهـ. وفي بعض هذه الشروط خلاف.\nمسائل من أحكام هذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: في قدر نصاب الذهب والفضة، وفي القدر الواجب إخراجه منهما.\nأما نصاب الفضة فقد أجمع جميع العلماء على أنه مائتا درهم شرعي، ووزن الدرهم الشرعي ستة دوانق، وكل عشرة دراهم شرعية فهي سبعة مثاقيل، والأوقية أربعون درهمًا شرعيًّا.\nوكل هذا أجمع عليه المسلمون فلا عبرة بقول المريسي، الذي خرق به الإجماع؛ وهو اعتبار العدد في الدراهم، لا الوزن، ولا بما انفرد به السرخسي من الشافعية زاعمًا أنه وجه في المذاهب من أن الدراهم المغشوشة إذا بلغت قدرًا لو ضم إليه قيمة الغش من نحاس مثلًا لبلغ نصابًا أن الزكاة تجب فيه، كما نقل عن أبي حنيفة، ولا بقول ابن حبيب الأندلسي: إن أهل كل بلد يتعاملون بدراهمهم، ولا بما ذكره ابن عبد البر من اختلاف الوزن بالنسبة إلى دراهم الأندلس وغيرها من دراهم البلاد؛ لأن النصوص الصحيحة الصريحة التي أجمع عليها المسلمون مبينة أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي بالوزن الذي كان معروفًا في مكة. اهـ.\nوكل سبعة مثاقيل فهي عشرة دراهم، فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي","vol":"2","page":511},{"text":"-  ﷺ  - قال: \"ليس فيما دون خمس أواق صدقة\" ورواه مسلم في صحيحه من حديث جابر ﵁، وقد أجمع جميع المسلمين، وجمهور أهل اللسان العربي على أن الأوقية أربعون درهمًا.\nوما ذكره أبو عبيد وغيره من أن الدرهم كان مجهولًا قدره حتى جاء عبد الملك بن مروان، فجمع العلماء فجعلوا كل عشرة دراهم سبعة مثاقيل لا يخفى سقوطه، وأنه لا يمكن أن يكون نصاب الزكاة وقطع السرقة مجهولًا في زمن النبي -  ﷺ  - وخلفائه الراشدين ﵃، حتى يحققه عبد الملك.\nوالظاهر أن معنى ما نقل من ذلك: أنه لم يكن شيء منها من ضرب الإسلام، وكانت مختلفة الوزن بالنسبة إلى العدد فعشرة مثلًا وزن عشرة، وعشرة وزن ثمانية، فاتفق الرأي على أن تنقش بكتابة عربية، ويصيرونها وزنًا واحدًا، وقد ذكرنا تحقيق وزن الدرهم في الأنعام.\nوقال بعض العلماء: يغتفر في نصاب الفضة النقص اليسير الذي تروج معه الدراهم رواج الكاملة. وظاهر النصوص أنه لا زكاة إلا في نصاب كامل؛ لأن الناقص ولو بقليل يصدق عليه أنه دون خمس أواق، والنبي -  ﷺ  -: صرح بأن ما دونها ليس فيه صدقة.\nفإذا حققت النص والإجماع على أن نصاب الفضة مائتا درهم شرعي، وهي وزن مائة وأربعين مثقالًا من الفضة الخالصة، فاعلم أن القدر الواجب إخراجه منها ربع العشر بإجماع المسلمين، وقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"وفي الرقة ربع العشر\" والرقة: الفضة.","vol":"2","page":512},{"text":"قال البخاري في صحيحه في باب \"زكاة الغنم\": حدثنا محمد بن عبد الله بن المثنى الأنصاري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني ثمامة بن عبد الله ابن أنس أن أنسًا حدثه أن أبا بكر ﵁ كتب له هذا الكتاب لما وجهه إلى البحرين \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ: هذه فريضة الصدقة التي فرض رسول الله -  ﷺ  - على المسلمين، والتي أمر الله بها رسوله\" الحديث. وفيه: وفي الرقة: ربع العشر. وهو نص صريح صحيح أجمع عليه جميع المسلمين.\nفتحصل أنه لا خلاف بين المسلمين في وجوب الزكاة في الفضة، ولا خلاف بينهم في أن نصابها مائتا درهم شرعي، ولا خلاف بينهم في أن اللازم فيها ربع العشر.\nوجمهور العلماء: على أنها لا وقص فيها خلافًا لأبي حنيفة، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وطاوس، والحسن البصري، والشعبي، ومكحول، وعمرو بن دينار، والزهري، القائلين بأنه لا شيء في الزيادة على المائتين حتى تبلغ أربعين، ففيها درهم.\nوأما الذهب فجماهير علماء المسلمين على أن نصابه عشرون دينارًا، والدينار: هو المثقال، فلا عبرة بقول من شذ وخالف جماهير علماء المسلمين، كما روي عن الحسن في أحد قوليه: إن نصاب الذهب أربعون دينارًا، وكقول طاوس: إن نصاب الذهب معتبر بالتقويم بالفضة، فما بلغ منه قيمة مائتي درهم وجبت فيه الزكاة، وجماهير علماء المسلمين أيضًا على أن الواجب فيه ربع العشر.\nوالدليل على ما ذكرنا عن جمهور علماء الأمة أن نصاب","vol":"2","page":513},{"text":"الذهب عشرون دينارًا، والواجب فيه ربع العشر: ما أخرجه أبو داود في سننه، حدثنا سليمان بن داود المهري، أخبرنا ابن وهب، أخبرني جرير بن حازم -وسمى آخر- عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، والحارث الأعور، عن علي ﵁، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"فإذا كانت لك مائتا درهم وحال عليها الحول ففيها خمسة دراهم، وليس عليك شيء -يعني في الذهب- حتى يكون لك عشرون دينارًا، فإذا كان لك عشرون دينارًا وحال عليها الحول، ففيها نصف دينار، فما زاد فبحساب ذلك\" قال: فلا أدري أعلي يقول: فبحساب ذلك، أو رفعه إلى النبي -  ﷺ  -، وليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول. إلا أن جريرًا قال: ابن وهب يزيد في الحديث عن النبي -  ﷺ  -: \"ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول\" اهـ.\nفإن قيل: هذا الحديث مضعف بالحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة؛ لأنهما ضعيفان، وبأن الدارقطني، قال: الصواب وقفه على علي، وبأن ابن المواق قال: إن فيه علة خفية، وهي: أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق؛ فقد رواه حفاظ أصحاب ابن وهب، سحنون، وحرملة، ويونس، وبحر بن نصر، وغيرهم، عن ابن وهب، عن جرير بن حازم، والحارث بن نبهان، عن الحسن بن عمارة عن أبي إسحاق، فذكره. قال ابن المواق: الحمل فيه على سليمان شيخ أبي داود فإنه وهم في إسقاط رجل- اهـ.\nوبأن الشافعي ﵀ قال: فرض رسول الله -  ﷺ  - في الورق","vol":"2","page":514},{"text":"صدقة، وأخذ المسلمون بعده في الذهب صدقة، إما بخبر عنه لم يبلغنا، وإما قياسًا. اهـ. وهو صريح عن الشافعي بأنه يرى أن الذهب لم يثبت فيه شيء في علمه، وبأن ابن عبد البر قال: لم يثبت عن النبي -  ﷺ  - في زكاة الذهب شيء من جهة نقل الآحاد الثقات.\nلكن روى الحسن بن عمارة، عن أبي إسحاق، عن عاصم، والحارث، عن علي، فذكره، وكذا رواه أبو حنيفة، ولو صح عنه لم يكن فيه حجة لأن الحسن بن عمارة متروك.\nوبأن ابن حزم قال: لم يثبت عن النبي -  ﷺ  - في نصاب الذهب، ولا في القدر الواجب فيه شيء.\nوذكر: أن الحديث المذكور من رواية الحارث الأعور مرفوع، والحارث ضعيف لا يحتج به، وكذبه غير واحد.\nقال: وأما رواية عاصم بن ضمرة فهي موقوفة على علي ﵁، قال: وكذلك رواه شعبة، وسفيان، ومعمر عن أبي إسحاق، عن عاصم موقوفًا، وكذا كل ثقة رواه عن عاصم.\nفالجواب من أوجه:\nالأول: أن بعض العلماء قال: إن هذا الحديث ثابت. قال الترمذي وقد روى طرفًا من هذا الحديث: وروى هذا الحديث الأعمش، وأبو عوانة، وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث عن علي. وسألت محمدًا","vol":"2","page":515},{"text":"-يعني البخاري- عن هذا الحديث فقال: كلاهما عندي صحيح. اهـ.\nفترى الترمذي نقل عن البخاري تصحيح هذا الحديث. وقال النووي في [شرح المهذب]: وأما حديث عاصم عن علي ﵁ فرواه أبو داود، وغيره بإسناد حسن أو صحيح، عن علي، عن النبي -  ﷺ  -. اهـ.\nوقال الشوكاني في [نيل الأوطار]: وحديث علي هو من حديث أبي إسحاق، عن الحارث الأعور، وعاصم بن ضمرة. وقد تقدم أن البخاري قال: كلاهما عنده صحيح، وقد حسنه الحافظ. اهـ. محل الغرض من كلام الشوكاني.\nالوجه الثاني: أنه يعتضد بما رواه الدارقطني من حديث محمد بن عبد الله بن جحش، عن النبي -  ﷺ  - أنه أمر معاذًا حيث بعثه إلى اليمن أن يأخذ من كل أربعين دينارًا دينارًا. الحديث ذكره ابن حجر في [التلخيص] وسكت عليه.\nوبما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ولا في أقل من عشرين مثقالًا من الذهب شيء\" قال النووي: غريب. اهـ.\nالوجه الثالث: المناقشة بحسب صناعة علم الحديث والأصول، فنقول: سلمنا أن الحارث الأعور ضعيف كما تقدم في المائدة وإن وثقه ابن معين، فيبقى عاصم بن ضمرة الذي روى معه الحديث، فإن حديثه حجة، وقد وثقه ابن المديني، وقال النسائي:","vol":"2","page":516},{"text":"ليس به بأس وقال فيه ابن حجر في [التقريب]: عاصم بن ضمرة السلولي الكوفي؛ صدوق.\nوتعتضد روايته برواية الحارث وإن كان ضعيفًا، وبما ذكرنا عن محمد بن عبد الله بن جحش، وعمرو بن شعيب، فبهذا تعلم أن تضعيف الحديث بضعف سنده مردود.\nوقد قدمنا عن الترمذي أن البخاري قال: كلاهما صحيح.\nوقد قدمنا أن النووي قال فيه: حسن، أو صحيح.\nونقل الشوكاني، عن ابن حجر: أنه حسنه.\nأما ما أعله به ابن المواق من أن جرير بن حازم لم يسمعه من أبي إسحاق؛ لأن بينهما الحسن بن عمارة، وهو متروك، فهو مردود؛ لأن الحديث ثابت من طرق متعددة صحيحة إلى أبي إسحاق، وقد قدمنا أن الترمذي قال -وذكر طرفًا منه-: هذا الحديث رواه الأعمش، وأبو عوانة وغيرهما، عن أبي إسحاق، عن عاصم بن ضمرة، عن علي، ورواه سفيان الثوري، وابن عيينة، وغير واحد، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي. اهـ.\nفترى أن أبا عوانة، والأعمش، والسفيانين، وغيرهم، كلهم رووه عن أبي إسحاق. وبه تعلم بأن إعلال ابن المواق له بأن راويه عن أبي إسحاق الحسن بن عمارة -وهو متروك- إعلال ساقط؛ لصحة الحديث إلى أبي إسحاق. فإذا حققت رد تضعيفه بأن عاصمًا صدوق، ورد إعلال ابن المواق له، فاعلم أن إعلال ابن حزم له بأن المرفوع رواية الحارث، وهو ضعيف، وأن رواية","vol":"2","page":517},{"text":"عاصم بن ضمرة موقوفة على علي، مردود من وجهين:\nالأول: أن قدر نصاب الزكاة، وقدر الواجب فيه، كلاهما أمر توقيفي لا مجال للرأي فيه والاجتهاد، والموقوف إن كان كذلك فله حكم الرفع، كما عُلِمَ في علم الحديث والأصول.\nقال العلوي الشنقيطي في [طلعة الأنوار]:\nوما أتى عن صاحب مما منع ... فيه مجال الرأي عندهم رفع\nوقال العراقي في [ألفيته]:\nوما أتى عن صاحب بحيث لا ... يقال رأيًا حكمه الرفع على\nما قال في المحصول نحو من أتى ... فالحاكم الرفع لهذا أثبتا\n. . . إلخ.\nالثاني: أن سند أبي داود الذي رواه به حسن، أو صحيح، كما قاله النووي، وغيره، والرفع من زيادات العدول، وهي مقبولة. قال في [مراقي السعود]:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ\n. . . إلخ.\nالوجه الرابع: اعتضاد الحديث المذكور بإجماع الحجة من علماء المسلمين إلا من شذ عن السواد الأعظم على العمل بمقتضاه، وإجماع المسلمين إذا وافق خبر آحاد، فبعض العلماء يقول: يصير بموافقة الإجماع له قطعيًّا كالمتواتر، وأكثر الأصوليين يقولون: لا","vol":"2","page":518},{"text":"يصير قطعيًّا بذلك.\nوفرق قوم، فقالوا: إن صرحوا بأن معتمدهم في إجماعهم هو ذلك الخبر أفاد القطع، وإلا فلا. وأشار إلى ذلك في [مراقي السعود] بقوله:\nولا يفيد القطع ما يوافق ... الإجماع والبعض بقطع ينطق\nوبعضهم يفيد حيث عولا ... عليه .................. إلخ\nوعلى كل حال فلا يخفى أنه يعتضد بعمل المسلمين به.\nالخامس: دلالة الكتاب، والسنة، والإجماع على أن الزكاة واجبة في الذهب. أما الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٤) يَوْمَ يُحْمَى عَلَيهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ (٣٥)﴾.\nوأما السنة: فقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة - ﵁ - أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدى منها حقها إلا إذا كان يوم القيامة صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم، فيكوى بها جنبه، ووجهه، وظهره، كلما بردت أعيدت له في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، حتى يقضى بين العباد، فيرى سبيله إما إلى الجنة، وإما إلى النار\" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في وجوب الحق في الذهب، كالفضة، وقد أجمع على ذلك جميع العلماء، وإذن يكون الحديث المذكور بيانًا لشيء ثابت قطعًا. وقد","vol":"2","page":519},{"text":"تقرر في الأصول أن البيان يجوز بما هو دون المبين دلالة وسند، كما أوضحناه في ترجمة هذا الكتاب.\nفتحصل أن نصاب الذهب عشرون مثقالًا، وما زاد فبحسابه، وأن الواجب فيه ربع العشر، كالفضة، وأن الذهب والفضة ليس فيهما وقص، بل كل ما زاد على النصاب فبحسابه، خلافًا لمن شذ فخالف في بعض ذلك، والعلم عند الله تعالى.\n\nتنبيه\nيجب اعتبار الوزن في نصاب الفضة والذهب بالوزن الذي كان معروفًا عند أهل مكة، كما يجب اعتبار الكيل في خمسة الأوسق التي هي نصاب الحبوب والثمار بالكيل الذي كان معروفًا عند أهل المدينة.\nقال النسائي في سننه في \"كتاب الزكاة\": أخبرنا أحمد بن سليمان، قال: حدثنا أبو نعيم، قال: حدثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"المكيال مكيال أهل المدينة والوزن وزن أهل مكة\".\nوقال أبو داود في سننه في \"كتاب البيوع\": حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا ابن دكين، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال أهل المدينة\".\nوقال النووي في [شرح المهذب]: وأما حديث \"الميزان ميزان أهل مكة\" إلى آخره فرواه أبو داود، والنسائي بأسانيد","vol":"2","page":520},{"text":"صحيحة على شرط البخاري، ومسلم من رواية ابن عمر، ﵄.\nوقال أبو داود: روي من رواية ابن عباس، ﵄. اهـ.\nقال الخطابي: معنى هذا الحديث الوزن الذي يتعلق به حق الزكاة وزن أهل مكة، وهي دار الإسلام. قال ابن حزم: وبحثت عنه غاية البحث من كل من وثقت بتمييزه؛ وكل اتفق لي على أن دينار الذهب بمكة وزنه اثنتان وثمانون حبة، وثلاثة أعشار حبة من حب الشعير المطلق، والدرهم سبعة أعشار المثقال، فوزن الدرهم سبع وخمسون، وستة أعشار حبة، وعشر عشر حبة، فالرطل مائة وواحد وثمانية وعشرون درهمًا بالدرهم المذكور. اهـ.\nوفي القاموس في مادة \"م ك ك\" والمثقال درهم، وثلاثة أسباع، والدرهم ستة دوانق، والدانق قيراطان، والقيراط طسوجان، والطسوج حبتان، والحبة: سدس ثمن درهم، وهو جزء من ثمانية وأربعين جزءًا من الدرهم. اهـ. وقد قدمنا الكلام على قدر خمسه الأوسق في سورة \"الأنعام\".\nالمسألة الثانية: هل يضم الذهب والفضة بعضهما إلى بعض في الزكاة أو لا؟ لم أر في ذلك نصًّا صريحًا عن النبي -  ﷺ  -، والعلماء مختلفون فيه، وقد توقف الإمام أحمد ﵀ عن ضم أحدهما إلى الآخر في رواية الأثرم، وجماعة، وقطع في رواية حنبل بأنه لا زكاة عليه حتى يبلغ كل واحد منهما نصابًا.","vol":"2","page":521},{"text":"وممن قال بأن الذهب والفضة لا يضم بعضهما إلى بعض: الشافعي، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن أبي ليلى، والحسن بن صالح، وشريك. قال ابن قدامة في [المغني]: واختاره أبو بكر عبد العزيز.\nوممن قال: إن الذهب والفضة يضم بعضهما إلى بعض في تكميل النصاب: مالك، والأوزاعي، والحسن، وقتادة، والثوري، وأبو حنيفة، وأصحابه.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: والذي يظهر لي رجحانه بالدليل من القولين أن الذهب والفضة لا يضم أحدهما إلى الآخر؛ لما ثبت في بعض الروايات الصحيحة كما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ليس فيما دون خمسة أواق من الورق صدقة\" الحديث. فلو كان عنده أربع أواق من الورق الذي هو الفضة، وما يكمل النصاب من الذهب فإنه يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه ليس عنده خمس أواق من الورق، وقد صرح النبي -  ﷺ  - في هذا الحديث الصحيح أنه لا صدقة في أقل من خمس أواق من الورق؛ وظاهر نص الحديث على اسم الورق يدل على أنه لا زكاة في أقل من خمس أواق من الفضة ولو كان عنده ذهب كثير، ولا دليل من النصوص يصرف عن هذا الظاهر. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: اختلف العلماء في زكاة الحلي المباح؛ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنه لا زكاة فيه؛ وممن قال به مالك، والشافعي، وأحمد في أصح قوليهما، وبه قال عبد الله بن عمر بن الخطاب، وجابر بن عبد الله، وأنس بن مالك، وعائشة،","vol":"2","page":522},{"text":"وأسماء بنت أبي بكر ﵃، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وقتادة، وعطاء بن أبي رباح، ومجاهد، والشعبي، ومحمد بن علي، والقاسم بن محمد، وابن سيرين، والزهري، وإسحاق، وأبو ثور، وأبو عبيد، وابن المنذر.\nوممن قال بأن الحلي المباح تجب فيه الزكاة: أبو حنيفة ﵀، وروى عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وبه قال ابن مسعود، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وميمون بن مهران، وجابر بن زيد، والحسن بن صالح، وسفيان الثوري، وداود، وحكاه ابن المنذر أيضًا عن ابن المسيب، وابن جبير، وعطاء، ومجاهد، وابن سيرين، وعبد الله بن شداد، والزهري.\nوسنذكر إن شاء الله تعالى حجج الفريقين، ومناقشة أدلتهما على الطرق المعروفة في الأصول، وعلم الحديث؛ ليتبين للناظر الراجح من الخلاف.\nاعلم أن من قال بأن الحلي المباح لا زكاة فيه تنحصر حجته في أربعة أمور:\nالأول: حديث جاء بذلك عن النبي -  ﷺ  -.\nالثاني: آثار صحيحة عن بعض الصحابة يعتضد بها الحديث المذكور.\nالثالث: القياس.\nالرابع: وضع اللغة.","vol":"2","page":523},{"text":"أما الحديث: فهو ما رواه البيهقي في معرفة السنن والآثار من طريق عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر، عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"لا زكاة في الحلي\".\nقال البيهقي: وهذا الحديث لا أصل له، إنما رُوِيَ عن جابر من قوله غير مرفوع، والذي يروى عن عافية بن أيوب، عن الليث، عن أبي الزبير، عن جابر مرفوعًا لا أصل له. وعافية بن أيوب مجهول، فمن احتج به مرفوعًا كان مغررًا بدينه، داخلًا فيما نعيب به المخالفين من الاحتجاج برواية الكذابين. والله يعصمنا من أمثال هذا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى من أن الحكم برواية عافية المذكور لهذا الحديث مرفوعًا من جنس الاحتجاج برواية الكذابين فيه نظر؛ لأن عافية المذكور لم يقل فيه أحد إنه كذاب، وغاية ما في الباب أن البيهقي ظن أنه مجهول؛ لأنه لم يطلع على كونه ثقة، وقد اطلع غيره على أنه ثقة فوثقه، فقد نقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة؛ قال ابن حجر في [التلخيص]: عافية بن أيوب قيل: ضعيف، وقال ابن الجوزي: ما نعلم فيه جرحًا، وقال البيهقي: مجهول، ونقل ابن أبي حاتم توثيقه عن أبي زرعة.\nولا يخفى أن من قال: إنه مجهول يُقدَّم عليه من قال: إنه ثقة؛ لأنه اطلع على ما لم يطلع عليه مدعي أنه مجهول، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، والتجريح لا يقبل مع الإجمال؛ فعافية هذا وثقه أبو زرعة، والتعديل والتجريح يكفي فيهما واحد على الصحيح في الرواية دون الشهادة. قال العراقي في [ألفيته]:","vol":"2","page":524},{"text":"وصححوا اكتفاءهم بالواحد ... جرحًا وتعديلًا خلاف الشاهد\nوالتعديل يقبل مجملًا بخلاف الجرح؛ للاختلاف في أسبابه.\nقال العراقي في [ألفيته]:\nوصححوا قبول تعديل بلا ... ذكر لأسباب له أن تنقلا\nولم يروا قبول جرح أبهما ... للخلف في أسبابه وربما\nاستفسر الجرح فلم يقدح كما ... فسره شعبة بالركض فما\nهذا الذي عليه حفاظ الأثر ... كشيخي الصحيح مع أهل النظر\n. . . إلخ.\nوهذا هو الصحيح؛ فلا شك أن قول البيهقي في \"عافية\": إنه مجهول أولى منه بالتقديم قول أبي زرعة: إنه ثقة؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ، وإذا ثبت الاستدلال بالحديث المذكور، فهو نص في محل النزاع.\nويؤيد ما ذكر من توثيق عافية المذكور أن ابن الجوزي مع سعة إطلاعه، وشدة بحثه عن الرجال قال: إنه لا يعلم فيه جرحًا.\nوأما الآثار الدالة على ذلك: فمنها ما رواه الإمام مالك في [الموطأ] عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه \"أن عائشة زوج النبي -  ﷺ  - كانت تلي بنات أخيها يتامى في حجرها لهن الحلي، فلا تخرج من حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن عائشة في غاية الصحة، كما ترى.","vol":"2","page":525},{"text":"ومنها ما رواه مالك في [الموطأ] أيضًا عن نافع، عن عبد الله بن عمر أنه كان يحلي بناته وجواريه الذهب، ثم لا يخرج من حليهن الزكاة. وهذا الإسناد عن ابن عمر ﵄ في غاية الصحة كما ترى.\nوما قاله بعض أهل العلم من أن المانع من الزكاة في الأول أنه مال يتيمة، وأنه لا تجب الزكاة على الصبي، كما لا تجب عليه الصلاة؛ مردود بأن عائشة ترى وجوب الزكاة في أموال اليتامى، فالمانع من إخراجها الزكاة كونه حليًا مباحًا على التحقيق؛ لا كونه مال يتيمة، وكذلك دعوى أن المانع لابن عمر من زكاة الحلي أنه لجوار مملوكات، وأن المملوك لا زكاة عليه، مردود أيضًا بأنه كان لا يزكي حلي بناته مع أنه كان يزوج البنت له على ألف دينار يحليها منها بأربعمائة، ولا يزكي ذلك الحلي، وتركه لزكاته لكونه حليًا مباحًا على التحقيق.\nومن الآثار الواردة في ذلك ما رواه الشافعي: أنا سفيان، عن عمرو بن دينار سمعت رجلًا يسأل جابر بن عبد الله عن الحلي فقال: \"زكاته عاريته\" ذكره البيهقي في [السنن الكبرى] وابن حجر في [التلخيص] وزاد البيهقي فقال: وإن كان يبلغ ألف دينار، فقال جابر: كثير.\nومنها وما رواه البيهقي عن علي بن سليم قال: سألت أنس بن مالك عن الحلي، فقال: ليس فيه زكاة.\nومنها ما رواه البيهقي، عن أسماء بنت أبي بكر أنها كانت تحلي بناتها الذهب، ولا تزكيه نحوًا من خمسين ألفًا.","vol":"2","page":526},{"text":"وأما القياس فمن وجهين:\nالأول: أن الحلي لما كان لمجرد الاستعمال، لا للتجارة والتنمية ألحق بغيره من الأحجار النفيسة، كاللؤلؤ، والمرجان، بجامع أن كلًّا معد للاستعمال، لا للتنمية.\nوقد أشار إلى هذا الإلحاق مالك -﵀- في [الموطأ] بقوله: فأما التبر، والحلي المكسور الذي يريد أهله إصلاحه ولبسه فإنما هو بمنزلة المتاع الذي يكون عند أهله، فليس على أهله فيه زكاة. قال مالك: ليس في اللؤلؤ، ولا في المسك، والعنبر زكاة.\nالثاني من وجهي القياس: هو النوع المعروف بقياس العكس، وأشار له في [مراقي السعود] بقوله في كتاب الإستدلال:\nمنه قياس المنطقى والعكس ... ومنه فقد الشرط دون لبس\nوخالف بعض العلماء في قبول هذا النوع من القياس، وضابطه: هو إثبات عكس حكم شيء لشيء آخر لتعاكسهما في العلة.\nومثاله: حديث مسلم \"أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر؟ قال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر\" الحديث. فإن النبي -  ﷺ  - في هذا الحديث أثبت في الجماع المباح أجرًا، وهو حكم عكس الجماع الحرام؛ لأن فيه الوزر، لتعاكسهما في العلة؛ لأن علة الأجر في الأول إعفاف امرأته ونفسه، وعلة الوزر في الثاني كونه زنى.\nومن أمثلة هذا النوع من القياس عند المالكية: احتجاجهم","vol":"2","page":527},{"text":"على أن الوضوء لا يجب من كثير القيء بأنه لما لم يجب من قليله لم يجب من كثيره، عكس البول، لما وجب من قليله وجب من كثيره.\nومن أمثلته عند الحنفية قولهم: لما لم يجب القصاص من صغير المثقل لم يجب من كبيره، عكس المحدد، لما وجب من صغيره وجب من كبيره.\nووجه هذا النوع من القياس في هذه المسألة التي نحن بصددها هو أن العروض لا تجب في عينها الزكاة، فإذا كانت للتجارة والنماء وجبت فيها الزكاة، عكس العين، فإن الزكاة واجبة في عينها، فإذا صبغت حليًا مباحًا للاستعمال، وانقطع عنها قصد التنمية بالتجارة صارت لا زكاة فيها، فتعاكست أحكامها لتعاكسهما في العلة.\nومنع هذا النوع من القياس بعض الشافعية، وقال ابن محرز: إنه أضعف من قياس الشبه.\nولا يخفى أن القياس يعتضد به ما سبق من الحديث المرفوع، والآثار الثابتة عن بعض الصحابة، لما تقرر في الأصول من أن موافقة النص للقياس من المرجحات.\nوأما وضع اللغة فإن بعض العلماء يقول: الألفاظ الواردة في الصحيح في زكاة العين لا تشمل الحلي في لسان العرب.\nقال أبو عبيد: الرقة عند العرب الورق المنقوشة ذات السكة السائرة بين الناس، ولا تطلقها العرب على المصوغ، وكذلك قيل","vol":"2","page":528},{"text":"في الأوقية.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: ما قاله أبو عبيد هو المعروف في كلام العرب. قال الجوهري في صحاحه: الورق الدراهم المضروبة، وكذلك الرقة، والهاء عوض عن الواو. وفي القاموس: الورق -مثلثة، وككتف-: الدراهم المضروبة، وجمعه أوراق ووراق كالرقة.\nهذا هو حاصل حجة من قال: لا زكاة في الحلى.\nوما ادعاء بعض أهل العلم من الاحتجاج لذلك بعمل أهل المدينة، فيه أن بعض أهل المدينة مخالف في ذلك، والحجة بعمل أهل المدينة عند من يقول بذلك، كمالك إنما هي في إجماعهم على أمر لا مجال للرأي فيه، لا إن اختلفوا، أو كان من مسائل الاجتهاد، كما أشار له في [مراقي السعود] بقوله:\nوأوجبن حجية للمدني ... فيما على التوقيف أمره بنى\nوقيل: مطلقًا. . إلخ.\nلأن مراده بالمدني الإجماع المدني الواقع من الصحابة، أو التابعين، لا ما اختلفوا فيه كهذه المسألة، وقيده بما بنى على التوقيف، دون مسائل الاجتهاد في القول الصحيح.\nوأما حجة القائلين بأن الحلى تجب فيه الزكاة فهي منحصرة في أربعة أمور أيضًا.\nالأول: أحاديث عن النبي -  ﷺ  - أنه أوجب الزكاة في الحلي.","vol":"2","page":529},{"text":"الثاني: آثار وردت بذلك عن بعض الصحابة.\nالثالث: وضع اللغة.\nالرابع: القياس.\nأما الأحاديث الواردة بذلك، فمنها ما أورده أبو داود في سننه: حدثنا أبو كامل، وحميد بن مسعدة \"المعنى\" أن خالد بن الحارث حدثهم، ثنا حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده \"أن امرأة أتت رسول الله -  ﷺ  -، ومعها ابنة لها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال لها: أتعطين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى النبي -  ﷺ  -، فقالت: هما لله ﷿ ولرسوله\".\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا إسماعيل بن مسعود، قال: حدثنا خالد، عن حسين، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده \"أن امرأة من أهل اليمن أتت رسول الله -  ﷺ  - وبنت لها في يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب، فقال: أتؤدين زكاة هذا؟ قالت: لا، قال: أيسرك أن يسورك الله ﷿ بهما يوم القيامة سوارين من نار؟ ! قال: فخلعتهما، فألقتهما إلى رسول الله -  ﷺ  - فقالت: هما لله ولرسوله -  ﷺ  -\".\nأخبرنا محمد بن عبد الأعلى، قال: حدثنا المعتمر بن سليمان قال: سمعت حسينًا قال: حدثني عمرو بن شعيب، قال جاءت امرأة، ومعها بنت لها، وفي يد ابنتها مسكتان، نحوه. مرسل.","vol":"2","page":530},{"text":"قال أبو عبد الرحمن: خالد أثبت من المعتمر. اهـ.\nوهذا الحديث الذي أخرجه أبو داود والنسائي من طريق حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب: أقل درجاته الحسن، وبه تعلم أن قول الترمذي -﵀-: لا يصح في الباب شيء. غير صحيح؛ لأنه لم يعلم برواية حسين المعلم له عن عمرو بن شعيب، بل جزم بأنه لم يرو عن عمرو بن شعيب إلا من طريق ابن لهيعة، والمثنى بن الصباح، وقد تابعهما حجاج بن أرطأة، والجميع ضعاف.\nومنها ما رواه أبو داود أيضًا: حدثنا محمد بن عيسى، ثنا عتاب -يعني ابن بشير- عن ثابت بن عجلان، عن عطاء، عن أم سلمة قالت: كنت ألبس أوضاحًا من ذهب، فقلت: يا رسول الله أكنز هو؟ فقال: ما بلغ أن تؤدى زكاته، فزكي فليس بكنز. وأخرج نحوه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ.\nومنها ما رواه أبو داود أيضًا: حدثنا محمد بن إدريس الرازي، ثنا عمرو بن الربيع بن طارق، ثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن أبي جعفر أن محمد بن عمرو بن عطاء أخبره، عن عبد الله بن شداد بن الهاد أنه قال: دخلنا على عائشة زوج النبي -  ﷺ  - فقالت: \"دخل عليَّ رسول الله -  ﷺ  - فرأى في يدي فتخات من ورق، فقال: ما هذا يا عائشة؟ ! فقلت: صنعتهن أتزين لك يا رسول الله، قال: أتؤدين زكاتهن؟ قلت: لا، أو ما شاء الله، قال: هو حسبك من النار\".\nحدثنا صفوان بن صالح، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا سفيان،","vol":"2","page":531},{"text":"عن عمر بن يعلى. فذكر الحديث نحو حديث الخاتم. قيل لسفيان: كيف تزكيه؟ قال: تضمه إلى غيره. اهـ. وحديث عائشة هذا أخرج نحوه أيضًا الحاكم، والدارقطني، والبيهقي. اهـ.\nوأخرج الدارقطني عن عائشة من طريق عمرو بن شعيب، عن عروة، عنها قالت: لا بأس بلبس الحلي إذا أعطى زكاته. اهـ.\nقال البيهقي -﵀-: وقد انضم إلى حديث عمرو بن شعيب حديث أم سلمة، وحديث عائشة، وساقهما.\nومنها ما رواه الإمام أحمد عن أسماء بنت يزيد بلفظ قالت: \"دخلت أنا وخالتي على النبي -  ﷺ  -، وعلينا أساور من ذهب، فقال لنا: أتعطيان زكاته؟ فقلنا: لا، قال: أما تخافان أن يسوركما الله بسوار من نار؟ ! أديا زكاته\". اهـ.\nوروى الدارقطني نحوه من حديث فاطمة بنت قيس، وفي سنده أبو بكر الهذلي، وهو متروك، اهـ. قاله ابن حجر في [التلخيص].\nوأما الآثار: فمنها ما رواه ابن أبي شيبة، والبيهقي من طريق شعيب بن يسار قال: كتب عمر إلى أبي موسى أن مر من قبلك من نساء المسلمين أن يصدقن من حليهن اهـ. قال البيهقي: هذا مرسل، شعيب بن يسار لم يدرك عمر. اهـ.\nوقال ابن حجر في [التلخيص]: وهو مرسل. قاله البخاري. وقد أنكر الحسن ذلك فيما رواه ابن أبي شيبة قال: لا نعلم أحدًا من الخلفاء قال: \"في الحليِّ زكاة\".","vol":"2","page":532},{"text":"ومنها ما رواه الطبراني، والبيهقي، عن ابن مسعود: أن امرأته سألته، عن حلي لها، فقال: إذا بلغ مائتي درهم ففيه الزكاة، قالت: أضعها في بني أخ لي في حجري؟ قال: نعم.\nقال البيهقي: وقد رُوي هذا مرفوعًا إلى النبي -  ﷺ  -، وليس بشيء، وقال: قال البخاري: مرسل. ورواه الدارقطني من حديث ابن مسعود مرفوعًا، وقال: هذا وهم، والصواب موقوف. قاله ابن حجر في [التلخيص].\nومنها ما رواه البيهقي عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه كان يكتب إلى خازنه سالم أن يخرج زكاة حلي بناته كل سنة.\nوما روي من ذلك عن ابن عباس قال الشافعي: لا أدري أيثبت عنه أم لا؟ وحكاه ابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس، وابن عمر، وغيرهما. قاله في [التلخيص] أيضًا.\nوأما القياس: فإنهم قاسوا الحلي على المسكوك والمسبوك، بجامع أن الجميع نقد.\nوأما وضع اللغة: فزعموا أن لفظ الرقة، ولفظ الأوقية الثابت في الصحيح يشمل المسوغ، كما يشمل المسكوك. وقد قدمنا أن التحقيق خلافه.\nفإذا علمت حجج الفريقين، فسنذكر لك ما يمكن أن يرجح به كل واحد منهما.\nأما القول بوجوب زكاة الحلي؛ فله مرجحات:","vol":"2","page":533},{"text":"منها: أن من رواه من الصحابة عن النبي -  ﷺ  - أكثر، كما قدمنا روايته عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وعائشة، وأم سلمة، وأسماء بنت يزيد، ﵃.\nوأما القول بعدم وجوب الزكاة فيه فلم يرو مرفوعًا إلا من حديث جابر، كما تقدم، وكثرة الرواة من المرجحات على التحقيق، كما قدمنا في سورة البقرة، في الكلام على آية الربا.\nومنها: أن أحاديثه كحديث عمرو بن شعيب، ومن ذكر معه، أقوى سندًا من حديث سقوط الزكاة الذي رواه عافية بن أيوب.\nومنها: أن ما دل على الوجوب مقدم على ما دل على الإباحة؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، كما تقرر في الأصول، وإليه الإشارة بقول صاحبه [مراقي السعود] في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:\nوناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر\nعلى إباحة. . . إلخ.\nومعنى قوله: \"ثم هذا الآخر على إباحة\" أن ما دل على الأمر مقدم على ما دل على الإباحة كما ذكرنا.\nومنها: دلالة النصوص الصريحة على وجوب الزكاة في أصل الفضة، والذهب، وهي دليل على أن الحلي من نوع ما وجبت الزكاة في عينه. هذا حاصل ما يمكن أن يرجح به هذا القول.\nوأما القول بعدم وجوب الزكاة في الحلي المباح فيرجح بأن","vol":"2","page":534},{"text":"الأحاديث الواردة في التحريم إنما كانت في الزمن الذي كان فيه التحلي بالذهب محرمًا على النساء، والحلي المحرم تجب فيه الزكاة اتفاقًا.\nوأما أدلة عدم الزكاة فيه فبعد أن صار التحلي بالذهب مباحًا.\nوالتحقيق: أن التحلي بالذهب كان في أول الأمر محرمًا على النساء ثم أبيح، كما يدل له ما ساقه البيهقي من أدلة تحريمه أولًا، وتحليله ثانيًا، وبهذا يحصل الجمع بين الأدلة، والجمع واجب إن أمكن كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث، وإليه الإشارة بقول صاحب [مراقي السعود]:\nوالجمع واجب متى ما أمكنا ... إلا فللأخير نسخ بينا\nووجهه ظاهر، لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ومعلوم أن الجمع إذا أمكن أولى من جميع الترجيحات.\nفإن قيل: هذا الجمع يقدح فيه حديث عائشة المتقدم، فإن فيه \"فرأى في يدي فتخات من ورق\" الحديث.\nوالورق: الفضة، والفضة لم يسبق لها تحريم، فالتحلي بها لم يمتنع يومًا ما.\nفالجواب ما قاله الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى قال: من قال: لا زكاة في الحلي، زعم أن الأحاديث والآثار الواردة في وجوب زكاته كانت حين كان التحلي بالذهب حرامًا على النساء. فلما أبيح لهن سقطت زكاته.","vol":"2","page":535},{"text":"قال: وكيف يصح هذا القول مع حديث عائشة إن كان ذكر الورق فيه محفوظًا، غير أن رواية القاسم، وابن أبي مليكة، عن عائشة في تركها إخراج زكاة الحلي، مع ما ثبت من مذهبها من إخراج زكاة أموال اليتامى يوقع ريبة في هذه الرواية المرفوعة، فهي لا تخالف النبي -  ﷺ  - فيما روته عنه، إلا فيما علمته منسوخًا. اهـ.\nوقد قدمنا في سورة \"البقرة\" الكلام على مخالفة الصحابي لما روى في آية الطلاق. وبالجملة فلا يخفى أنه يبعد أن تعلم عائشة أن عدم زكاة الحلي فيه الوعيد من النبي لها بأنه حسبها من النار، ثم تترك إخراجها بعد ذلك عمن في حجرها، مع أنها معروف عنها القول: بوجوب الزكاة في أموال اليتامى.\nومن أجوبة أهل هذا القول أن المراد بزكاة الحلي عاريته. ورواه البيهقي، عن ابن عمر، وسعيد بن المسيب، والشعبي، في إحدى الروايتين عنه.\nهذا حاصل الكلام في هذه المسألة.\nوأقوى الوجوه بحسب المقرر في الأصول وعلم الحديث الجمع إذا أمكن، وقد أمكن هنا.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: وإخراج زكاة الحلي أحوط؛ لأن \"من اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن جماهير علماء المسلمين من","vol":"2","page":536},{"text":"الصحابة ومن بعدهم على وجوب الزكاة في عروض التجارة، فتُقوّم عند الحول، ويخرج ربع عشرها كزكاة العين.\nقال: قال ابن المنذر: أجمع عامة أهل العلم على وجوب زكاة التجارة، قال: رويناه عن عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله، وابن عباس، والفقهاء السبعة، سعيد بن المسيب، والقاسم بن محمد، وعروة بن الزبير، وأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث، وخارجة بن زيد، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، والحسن البصري، وطاووس، وجابر بن زيد، وميمون بن مهران، والنخعي، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والشافعي، والنعمان، وأصحابه، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور، وأبي عبيد. اهـ. بواسطة نقل النووي في [شرح المهذب] وابن قدامة، في [المغني].\nولمالك ﵀ تفصيل في عروض التجارة؛ لأن عروض التجارة عنده تنقسم إلى عرض تاجر مدير، وعرض تاجر محتكر، فالمدير هو الذي يبيع ويشتري دائمًا، والمحتكر هو الذي يشتري السلع ويتربص بها حتى يرتفع سعرها فيبيعها، وإن لم يرتفع سعرها لم يبعها ولو مكثت سنين.\nفعروض المدير عنده وديونه التي يطالب بها الناس إن كانت مرجوة يزكيها عند كل حول، والدين الحال يزكيه بالعدد، والمؤجل بالقيمة.\nأما عرض المحتكر فلا يقوم عنده، ولا زكاة فيه حتى يباع بعين فيزكي العين على حول أصل العرض. وإلى هذا أشار ابن عاشر في [المرشد المعين] بقوله:","vol":"2","page":537},{"text":"والعرض ذو التجر ودين من أدار ... قيمتها كالعين ثم ذو احتكار\nزكى لقبض ثمن أو دين ... عينًا بشرط الحول للأصلين\nزاد مالك في مشهور مذهبه شرطًا: وهو أنه يشترط في وجوب تقويم عروض المدير أن يصل يده شيء ناض من ذات الذهب أو الفضة، ولو كان ربع درهم أو أقل، وخالفه ابن حبيب من أهل مذهبه، فوافق الجمهور في عدم اشتراط ذلك.\nولا يخفى أن مذهب الجمهور هو الظاهر، ولم نعلم بأحد من أهل العلم خالف في وجوب زكاة عروض التجارة إلا ما يروى عن داود الظاهري، وبعض أتباعه.\nودليل الجمهور آية، وأحاديث، وآثار، وردت بذلك عن بعض الصحابة ﵃، ولم يعلم أن أحدًا منهم خالف في ذلك، فهو إجماع سكوتي.\nفمن الأحاديث الدالة على ذلك: ما رواه أبو ذر ﵁، عن النبي -  ﷺ  - أنه قال: \"في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البز صدقته\" الحديث. أخرجه الحاكم، والدارقطني، والبيهقي.\nوقال النووي في [شرح المهذب]: هذا الحديث رواه الدارقطني في سننه، والحاكم أبو عبد الله في [المستدرك] والبيهقي بأسانيدهم، ذكره الحاكم بإسنادين، ثم قال: هذان الإسنادان صحيحان على شرط البخاري ومسلم. اهـ.\nثم قال: قوله: \"وفي البز صدقته\" هو بفتح الباء وبالزاي، هكذا رواه جميع الرواة، وصرح بالزاي الدارقطني، والبيهقي.","vol":"2","page":538},{"text":"وقال ابن حجر في [التلخيص]: حديث أبي ذر أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"في الإبل صدقتها، وفي البز صدقته\" أخرجه الدارقطني عن أبي ذر من طريقين وقال في آخره: \"وفي البز صدقته\" قالها بالزاي. وإسناده غير صحيح، مداره على موسى بن عبيدة الربذي.\nوله عنده طريق ثالث من رواية ابن جريج، عن عمران بن أبي أنس، عن مالك بن أوس، عن أبي ذر. وهو معلول؛ لأن ابن جريج رواه عن عمران: أنه بلغه عنه. ورواه الترمذي في العلل من هذا الوجه، وقال: سألت البخاري عنه فقال: لم يسمعه ابن جريج من عمران.\nوله طريقة رابعة رواها الدارقطني أيضًا، والحاكم من طريق سعيد بن سلمة بن أبي الحسام، عن عمران، ولفظه: \"في الإبل صدقتها، وفي الغنم صدقتها، وفي البقر صدقتها، وفي البز صدقته ومن رفع دراهم أو دنانير لا يعدها لغريم، ولا ينفقها في سبيل الله فهو كنز يكوى به يوم القيامة\" وهذا إسناد لا بأس به. اهـ.\nفترى ابن حجر قال: إن هذا الإسناد لا بأس به. مع ما قدمنا عن الحاكم عن صحة الإسنادين المذكورين؛ وتصحيح النووي لذلك.\nوالذي رأيته في سنن البيهقي أن سعيد بن سلمة بن أبي الحسام يروي الحديث عن موسى المذكور، عن عمران، لا عن عمران مباشرة. فانظره.\nفإن قيل: قال ابن دقيق العيد: الذي رأيته في نسخة من","vol":"2","page":539},{"text":"[المستدرك] في هذا الحديث: البر بضم الموحدة وبالراء المهملة، ورواية الدارقطني: التي صرح فيها بالزاي في لفظة \"البز\" في الحديث ضعيفة، وإذن فلا دليل في الحديث على تقدير صحته على وجوب زكاة عروض التجارة.\nفالجواب هو ما قدمنا عن النووي من أن جميع رواته رووه بالزاي، وصرح بأنه بالزاي البيهقي، والدارقطني، كما تقدم.\nومن الأحاديث الدالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة ما أخرجه أبو داود في [سننه] عن سمرة بن جندب الفزاري ﵁ قال: \"أما بعد؛ فإن رسول الله -  ﷺ  -، كان يأمرنا أن نخرج الصدقة مما نعد للبيع\".\nوهذا الحديث سكت عليه أبو داود ﵀، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج عنده؛ وقد قال ابن حجر في [التلخيص] في هذا الحديث: رواه أبو داود، والدارقطني، والبزار من حديث سليمان بن سمرة، عن أبيه. وفي إسناده جهالة. اهـ.\nقال مقيده - عفا الله عنه -: في إسناد هذا الحديث عند أبي داود حبيب بن سليمان بن سمرة بن جندب، وهو مجهول، وفيه جعفر بن سعد بن سمرة بن جندب، وهو ليس بالقوي، وفيه سليمان بن موسى الزهري أبو داود، وفيه لين، ولكنه يعتضد بما قدمنا من حديث أبي ذر، ويعتضد أيضًا بما ثبت عن أبي عمرو بن حماس أن أباه حماسًا قال: مررت على عمر بن الخطاب ﵁ وعلى عنقي آدم أحملها، فقال: ألا تؤدي زكاتك يا حماس؟","vol":"2","page":540},{"text":"فقال: ما لي غير هذا، وأهب في القرظ، قال: ذلك مال فضع، فوضعها بين يديه، فحسبها فوجدت قد وجبت فيها الزكاة فأخذ منها الزكاة.\nقال ابن حجر في [التلخيص] في هذا الأثر: رواه الشافعي، عن سفيان، حدثنا يحيى عن عبد الله بن أبي سلمة، عن أبي عمرو بن حماس أن أباه قال: مررت بعمر بن الخطاب، فذكره. ورواه أحمد، وابن أبي شيبة، وعبد الرزاق، وسعيد بن منصور، عن يحيى بن سعيد به، ورواه الدارقطني من حديث حماد بن زيد، عن يحيى بن سعيد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه نحوه، ورواه الشافعي أيضًا عن سفيان، عن ابن عجلان، عن أبي الزناد، عن أبي عمرو بن حماس، عن أبيه، اهـ.\nوحِماس بكسر الحاء وتخفيف الميم وآخره سين مهملة. فقد رأيت ثبوت أخذ الزكاة من عروض التجارة عن عمر، ولم يعلم له مخالف من الصحابة.\nوهذا النوع يسمى إجماعًا سكوتيًّا، وهو حجة عند أكثر العلماء، ويؤيده أيضًا ما رواه البيهقي عن ابن عمر: أخبرنا أبو نصر عمر بن عبد العزيز بن عمر بن قتادة من كتابه، أنبأ أبو الحسن محمد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدة، حدثنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم البوشنجي، حدثنا أحمد بن حنبل؛ حدثنا حفص بن غياث؛ حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، قال: ليس في العروض زكاة إلا ما كان للتجارة. اهـ.\nقال: وهذا قول عامة أهل العلم، فالذي روي عن ابن عباس","vol":"2","page":541},{"text":"﵄ أنه قال: لا زكاة في العرض. قال فيه الشافعي في كتاب القديم: إسناد الحديث عن ابن عباس ضعيف. فكان اتباع حديث ابن عمر لصحته، والاحتياط في الزكاة أحب إلي. والله أعلم.\nقال: وقد حكى ابن المنذر عن عائشة، وابن عباس مثل ما روينا عن ابن عمر، ولم يحك خلافهم عن أحد، فيحتمل أن يكون معنى قوله -إن صح-: \"لا زكاة في العرض\" إذا لم يرد به التجارة. اهـ من سنن البيهقي.\nويؤيده ما رواه مالك في [الموطأ] عن يحيى بن سعيد، عن زريق بن حيان، وكان زريق على جواز مصر في زمان الوليد بن عبد الملك وسليمان، وعمر بن عبد العزيز، فذكر أن عمر بن عبد العزيز كتب إليه: أن انظر من يمر بك من المسلمين، فخذ مما ظهر من أموالهم مما يريدون من التجارات من كل أربعين دينارًا دينارًا، فما نقص فبحساب ذلك حتى يبلغ عشرين دينارًا، فإن نقصت ثلث دينار فدعها، ولا تأخذ منها شيئًا.\nوأما الآية: فهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ على ما فسرها به مجاهد -رحمه الله تعالى- قال: البيهقي في [سننه]: باب \"زكاة التجارة\"، قال الله تعالى وجل ثناؤه: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ الآية، أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، وأبو بكر بن الحسن القاضي، وأبو سعد بن أبي عمرو، قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب ثنا الحسن بن علي بن عفان، ثنا يحيى بن آدم، ثنا ورقاء، عن أبي نجيح، عن مجاهد، في قوله تعالى: ﴿أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: التجارة","vol":"2","page":542},{"text":"﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: النخل.\nوقال البخاري في صحيحه: باب صدقة الكسب والتجارة، لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٢٦٧)﴾. قال ابن حجر في [الفتح]: هكذا أورد هذه الترجمة مقتصرًا على الآية بغير حديث، وكأنه أشار إلى ما رواه شعبة، عن الحكم، عن مجاهد في هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة الحلال. أخرجه الطبري، وابن أبي حاتم من طريق آدم عنه، وأخرجه الطبري من طريق هشيم، عن شعبة. ولفظه: ﴿مِنْ طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ﴾ قال: من التجارة: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾ قال: من الثمار.\nولا شك أن ما ذكره مجاهد داخل في عموم الآية. فتحصل أن جميع ما ذكرناه من طرق حديث أبي ذر، وحديث سمرة بن جندب المرفوعين، وما صح من أخذ عمر زكاة الجلود من حماس، وما روي عن ابن عمر، وعمر بن عبد العزيز، وظاهر عموم الآية الكريمة، وما فسرها به مجاهد، وإجماع عامة أهل العلم إلا من شذ عن السواد الأعظم يكفي في الدلالة على وجوب الزكاة في عروض التجارة. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: في زكاة الدين وهل الدين مسقط للزكاة عن المدين أو لا؟ اختلف العلماء في ذلك، ومذهب مالك -﵀- أن الدين الذي للإنسان على غيره يجري مجرى عروض التجارة في الفرق بين المدير وبين المحتكر، وقد أوضحنا ذلك في","vol":"2","page":543},{"text":"المسألة التي قبل هذا.\nومذهبه ﵀: أن الدين مانع من الزكاة في العين، وعروض التجارة إن لم يفضل عن وفائه قدر ما تجب فيه الزكاة، قال في [موطئه]: الأمر المجتمع عليه عندنا أن الرجل يكون عليه دين، وعنده من العروض ما فيه وفاء لما عليه من الدين، ويكون عنده من الناض سوى ذلك ما تجب فيه الزكاة، فإنه يزكي ما بيده من ناض تجب فيه الزكاة، وإن لم يكن عنده من العروض والنقد إلا وفاء دينه فلا زكاة عليه، حتى يكون عنده من الناض فضل عن دينه ما تجب فيه الزكاة، فعليه أن يزكيه.\nوأما الماشية والزروع والثمار فلا يسقط الدين وجوب زكاتها عنده.\nومذهب الإمام الشافعي -﵀- أن الدين إذا كان حالًا على موسر مقر، أو منكر وعليه بينة فزكاته واجبة إن كان عينًا، أو عرض تجارة، وهذا قوله الجديد. وأما القديم: فهو أن الزكاة لا تجب في الدين بحال.\nأما إن كان الغريم معسرًا، أو جاحدًا ولا بينة، أو مماطلًا، أو غائبًا فهو عنده كالمغصوب، وفي وجوب الزكاة فيه خلاف، والصحيح الوجوب؛ ولكن لا تؤخذ منه بالفعل إلا بعد حصوله في اليد. وإن كان الدين مؤجلًا ففيه وجهان:\nأحدهما: لأبي إسحاق أنه كالدين الحال على فقير، أو مليء جاحد؛ فيكون على الخلاف الذي ذكرناه آنفًا.","vol":"2","page":544},{"text":"والثاني: لأبي علي بن أبي هريرة لا تجب فيه الزكاة، فإذا قبضه استقبل به الحول. والأول أصح. قاله صاحب المهذب.\nأما إذا كان الدين ماشية كأربعين من الغنم، أو غير لازم كدين الكتابة فلا تجب فيه الزكاة اتفاقًا عندهم.\nوإن كان عليه دين مستغرق، أو لم يبق بعده كمال النصاب فقال الشافعي في [القديم]: يسقط الدين المستغرق، أو الذي ينقص به المال عن النصاب وجوب الزكاة؛ لأن الملك فيه غير مستقر؛ لأنه ربما أخذه الحاكم لحق الغرماء، وقال في [الجديد]: تجب الزكاة، ولا يسقطها الدين؛ لاختلاف جهتهما؛ لأن الزكاة تتعلق بعين المال، والدين يتعلق بالذمة.\nوإن حجر عليه ففيه خلاف كثير، أصحه عند الشافعية: أنه يجري على حكم زكاة المغصوب، وقد قدمنا حكمه، وللشافعية قول ثالث، وهو أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، وهي الذهب والفضة، وعروض التجارة، ولا يمنعها في الظاهرة، وهي الزروع، والثمار، والمواشي، والمعادن.\nوالفرق أن الأموال الظاهرة نامية بنفسها بخلاف الباطنة، وهذا هو مذهب مالك كما تقدم. ودين الآدمي، ودين الله عندهم سواء في منع وجوب الزكاة.\nومذهب الإمام أحمد ﵀: أن من كان له دين على مليء مقر به غير مماطل فليس عليه إخراج زكاته حتى يقبضه، فإن قبضه أدى زكاته فيما مضى من السنين. ورُوي نحوه عن علي رضي","vol":"2","page":545},{"text":"الله عنه، وبه قال: الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه.\nوقال: عثمان، وابن عمر، وجابر، ﵃، وطاووس، والنخعي، وجابر بن زيد، والحسن، وميمون بن مهران، والزهري، وقتادة، وحماد بن أبي سليمان، وإسحاق، وأبو عبيد: عليه إخراج زكاته في الحال؛ لأنه قادر على قبضه. وقد قدمنا أنه قول مالك، والشافعي، فإن كان الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل، فروايتان:\nأحدهما: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق؛ لأنه غير مقدور على الانتفاع به.\nوالثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد. وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والأوزاعي: يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا قول مالك.\nومذهب أحمد ﵀: أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، التي هي الذهب والفضة، وعروض التجارة. وهذا لا خلاف فيه عنه، وهو قول عطاء، وسليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقد قدمنا نحوه عن مالك ﵀.\nوقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الباطنة، وقد قدمناه عن الشافعي، في جديد قوليه.\nوأما الأموال الظاهرة؛ وهي السائمة، والثمار، والحبوب فقد","vol":"2","page":546},{"text":"اختلفت فيها الرواية عن أحمد ﵀، فرُوي عنه: أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضًا كالأموال الباطنة، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم، يبتدىء بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي.\nولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل، أو بقرة أو غنم، أو زرع، ولا زكاة. وبهذا قال: عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق.\nوروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، وبه قال الأوزاعي. وقد قدمناه عن الشافعي في [الجديد] وهو قول مالك.\nإذا عرفت أقوال العلماء في زكاة الدين، وهل هو مانع من الزكاة؟ ! فاعلم أن اختلافهم في الدين، هل يزكى قبل القبض، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة؟ ! أو لا بد من زكاته لما مضى من السنين؟ ! الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق المناط، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل أو لا؟ ولا نعلم في زكاة الدين نصًّا من كتاب ولا سنة، ولا إجماع، ولا كون الدين مانعًا من وجوب الزكاة على المدين إن كان يستغرق، أو ينقص النصاب إلا آثارًا وردت عن بعض السلف.\nومنها ما رواه مالك في [الموطأ] عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عثمان بن عفان أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم، فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة.","vol":"2","page":547},{"text":"ومنها ما رواه مالك في [الموطأ] أيضًا عن أيوب بن أبي ثميمة السختياني، عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب في مال قبضه بعض أولاده ظلمًا يأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من السنين، ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضمارًا اهـ. وهو بكسر الضاد: أي غائبًا عن ربه لا يقدر على أخذه، ولا يعرف موضعه.\nالمسألة السادسة: في زكاة المعادن والركاز.\nاعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض الصور لذلك، فقال قوم: لا يجب في شيء من المعادن الزكاة إلا الذهب والفضة خاصة، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالًا من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه، ولا يستقبل به حولًا.\nوممن قال بهذا: مالك، والشافعي. ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما؛ إلا أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب، وفضة، وزئبق، ورصاص، وصفر، وحديد، وياقوت، وزبرجد، ولؤلؤ، وعقيق، وسبح، وكحل، وزجاج، وزرنيخ، ومغرة، ونحو ذلك، وكذلك المعادن الجارية: كالقار، والنفط، ونحوهما، ويقوم بمائتي درهم، أو عشرين مثقالًا، ما عدا الذهب والفضة، فجميع المعادن عنده تزكى، واللازم فيها ربع العشر.\nوذهب أبو حنيفة ﵀ إلى أن المعدن من جملة الركاز، ففيه عنده الخمس، وهو عنده الذهب والفضة، وما ينطبع كالحديد","vol":"2","page":548},{"text":"والصفر والرصاص، في أشهر الروايتين، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن والركاز.\nوممن قال بلزوم ربع العشر في المعدن عمر بن عبد العزيز. وحجة من قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن عموم قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ﴾.\nوحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط أن الأصل عدم وجوب الزكاة، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما.\nواحتجوا أيضًا بحديث \"لا زكاة في حجر\" وهو حديث ضعيف، قال فيه ابن حجر في [التلخيص]: رواه ابن عدي من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، ورواه البيهقي من طريقه، وتابعه عثمان الوقاصي، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، كلاهما عن عمرو بن شعيب، وهما متروكان. اه. وعمر بن أبي عمر الكلاعي ضعيف، من شيوخ بقية المجهولين. قاله في \"التقريب\".\nواحتج لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في [الموطأ] عن ربيعة أبي عبد الرحمن، عن غير واحد أن رسول الله -  ﷺ  - قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع، فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وقال ابن حجر في [التلخيص]: ورواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي موصولًا، وليست فيه زيادة: وهي من ناحية الفرع. . الخ.","vol":"2","page":549},{"text":"وقال الشافعي -بعد أن روى حديث مالك-: ليس هذا مما يثبته أهل الحديث، ولم يثبتوه، ولم يكن فيه رواية عن النبي -  ﷺ  - إلا إقطاعه، وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النبي -  ﷺ  -.\nوقال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد رُوي عن الدراوردي عن ربيعة، موصولًا، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في \"المستدرك\" وكذا ذكره ابن عبد البر، من رواية الدراوردي قال: ورواه أبو سبرة المديني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن عباس.\nقلت: أخرجه أبو داود، من الوجهين. اه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الاستدلال بهذه الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في [الموطأ] فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية، والشافعية.\nوالاستصحاب المقلوب: هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر على ثبوته في الزمن الماضي، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني.\nقال صاحب [جمع الجوامع]: أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب، وقد يقال فيه: لو لم يكن الثابت اليوم ثابتًا أمس لكان غير ثابت، فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك، فدل على أنه ثابت.\nوقال: في [نشر البنود]: وقد يقال في الاستصحاب المقلوب","vol":"2","page":550},{"text":"ليظهر الاستدلال به: لو لم يكن الثابت اليوم ثابتا أمس، لكان غير ثابت أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه، فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك؛ لأنه مفروض الثبوت الآن، فدل ذلك على أنه ثابت أمس أيضًا. ومثل له بعض المالكية بالوقف، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها؛ لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف. ومَثَل له المحلَيّ بأن يقال في المكيال الموجود: كان على عهده -  ﷺ  -، باستصحاب الحال في الماضي.\nووجهه في المسألة التي نحن بصددها أن لفظ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب، أنها كانت كذلك في زمن النبي -  ﷺ  -؛ لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا.\nوقد أشار في [مراقي السعود] إلى مسألة الاستصحاب المذكور في كتاب الاستدلال بقوله:\nورجحن كون الاستصحاب ... للعدم الأصلي من ذا الباب\nبعد قصارى البحث عن نص فلم ... يلف وهذا البحث وفقًا منحتم\nإلى أن قال -وهو محل الشاهد-:\nوما بماض مثبت للحال ... فهو مقلوب، وعكس الخالي\nكجري ما جهل فيه المصرف ... على الذي الآن لذاك يعرف\nوأما الركاز: ففيه الخمس بلا نزاع، لقوله -  ﷺ  -: \"وفي الركاز","vol":"2","page":551},{"text":"الخمس\" أخرجه الشيخان، وأصحاب السنن، والإمام أحمد، من حديث أبي هريرة ﵁: إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز.\nفذهب الجمهور منهم مالك، والشافعي، وأحمد، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية، وأنه لا يصدق على المعادن اسم الركاز.\nواحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ذكرنا بعضًا منه آنفًا، فإن فيه أن النبي -  ﷺ  - قال: \"والمعدن جبار، وفي الركاز الخمس\" ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة.\nوذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن ركاز، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"وفي الركاز الخمس، قيل: يا رسول الله -  ﷺ  - وما الركاز؛ قال: الذهب والفضة والمخلوقات في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض\".\nورده الجمهور بأن الحديث ضعيف. قال ابن حجر في [التلخيص]: رواه البيهقي من حديث أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا، وتابعه حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد، وعبد الله متروك الحديث، وحبان ضعيف.\nوأصل الحديث ثابت في [الصحاح] وغيرها بدون الزيادة المذكورة.","vol":"2","page":552},{"text":"وقال الشافعي في [الجديد]: يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ذهبًا أو فضة دون غيرهما.\nوخالفه جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء: إذا كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب فيه الخمس. وله وجه من النظر، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-462> قوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾</span> الآية.\nلا يخفى ما في هذه الآية الكريمة من التشديد في الخروج إلى الجهاد على كل حال، ولكنه تعالى بين رفع هذا التشديد بقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية، فهي ناسخة لها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-463> قوله تعالى: ﴿وَفِي الرِّقَابِ﴾</span> قال الشافعي، والليث: إن المراد بالرقاب: المكاتبون.\nوروي نحوه عن أبي موسى الأشعري، والحسن البصري، ومقاتل بن حيان، وعمر بن عبد العزيز، وسعيد بن جبير، والنخعي، والزهري، وابن زيد.\nويدل لهذا القول قوله تعالى في المكاتبين: ﴿وَآتُوهُمْ مِنْ مَالِ اللَّهِ الَّذِي آتَاكُمْ﴾ وقال ابن عباس: الرقاب أعم من المكاتبين، فلا بأس أن تعتق الرقبة من الزكاة، وهو مذهب مالك وأحمد وإسحاق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-464> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦١)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن من يؤذي رسول الله","vol":"2","page":553},{"text":"- ﷺ - له العذاب الأليم.\nوذكر في \"الأحزاب\" أنه ملعون في الدنيا والآخرة، وأن له العذاب المهين، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأَعَدَّ لَهُمْ عَذَابًا مُهِينًا (٥٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-465> قوله تعالى: ﴿يَحْذَرُ الْمُنَافِقُونَ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ سُورَةٌ﴾</span> إلى قوله: ﴿مَا تَحْذَرُونَ (٦٤)﴾.\nصرح في هذه الآية الكريمة بأن المنافقين يحذرون أن ينزل الله سورة تفضحهم، وتبين ما تنطوي عليه ضمائرهم من الخبث، ثم بين أنه مخرج ما كانوا يحذرونه، وذكر في موضع آخر أنه فاعل ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ (٢٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ﴾ وبين في موضع آخر شدة خوفهم، وهو قوله: ﴿يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-466> قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>.\nصرح في هذه الآية الكريمة: أن المنافقَين ما وجدوا شيئًا ينقمونه، أي: يعيبونه وينتقدونه إلا أن الله تفضل عليهم فأغناهم بما فتح على نبيه - ﷺ - من الخير والبركة.\nوالمعنى: أنه لا يوجد شيء يحتمل أن يعاب، أو ينقم بوجه من الوجوه؛ والآية كقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾. وقوله: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾.\nونظير ذلك من كلام العرب: قول نابغة ذبيان:","vol":"2","page":554},{"text":"ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nوقول الآخر:\nما نقموا من أمية إلا ... أنهم يضربون إن غضبوا\nوقول الآخر:\nفما بك في من عيب فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-467> قوله تعالى: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرًّا لَوْ كَانُوا يَفْقَهُونَ (٨١)﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة شدة حر نار جهنم -أعاذنا الله والمسلمين منها- وبين ذلك فى مواضع أخر، كقوله: ﴿نَارًا وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا لَظَى (١٥) نَزَّاعَةً لِلشَّوَى (١٦)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\nتنبيه\nاختلف العلماء في وزن جهنم بالميزان الصرفي، فذهب بعض علماء العربية إلى أن وزنه \"فعنل\" فالنون المضعفة زائدة، وأصل المادة:. الجيم والهاء والميم، من تجهم إذا عبس وجهه؛ لأنها تلقاهم بوجه متجهم عابس، وتتجهم وجوههم وتعبس فيها لما يلاقون من ألم العذاب.","vol":"2","page":555},{"text":"ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:\nشكوت إليها حبها فتبسمت ... ولم أر شمسًا قبلها تتبسم\nفقلت لها: جودي فأبدت تجهمًا ... لتقتلني يا حسنها إذ تجهم\nوتقول العرب: جهمه إذا استقبله بوجه كريه مجتمع، ومنه قول عمرو بن الفضفاض الجهني:\nولا تجهمينا أم عمرو فإنما ... بنا داء ظبي لم تخنه عوامله\nوقال بعض العلماء: جهنم فارسي معرب، والأصل كهنام، وهو بلسانهم النار، فعربته العرب، وأبدلوا الكاف جيمًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-468> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾</span> إلى قوله: ﴿الْخَالِفِينَ (٨٣)﴾ عاقب الله في هذه الآية الكريمة المتخلفين عن غزوة تبوك بأنهم لا يؤذن لهم في الخروج مع نبيه، ولا القتال معه - ﷺ - لأن شؤم المخالفة يؤدي إلى فوات الخير الكثير.\nوقد جاء مثل هذا في آيات أخر، كقوله: ﴿سَيَقُولُ الْمُخَلَّفُونَ إِذَا انْطَلَقْتُمْ إِلَى مَغَانِمَ لِتَأْخُذُوهَا ذَرُونَا نَتَّبِعْكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَذَلِكُمْ قَالَ اللَّهُ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والمخالف هو الذي يتخلف عن الرجال في الغزو فيبقى مع النساء والصبيان، ومنه قول الشنفرى:\nولا خالفٍ داريَّةٍ مُتَرَيِّب ... يروح ويغدو داهنًا يتكحَّل","vol":"2","page":556},{"text":"• قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُوا الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦)﴾.\nذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه إذا أنزل سورة فيها الأمر بالإيمان، والجهاد مع نبيه - ﷺ - استأذن الأغنياء من المنافقين في التخلف عن الجهاد مع القدرة عليه، وطلبوا النبي - ﷺ - أن يتركهم مع القاعدين المتخلفين عن الغزو.\nوبين في موضع آخر أن هذا ليس من صفات المؤمنين، وأنه من صفات الشاكين الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، وذلك في قوله: ﴿لَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يُجَاهِدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ (٤٤) إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾ وبين أن السبيل عليهم بذلك، وأنهم مطبوع على قلوبهم بقوله: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَسْتَأْذِنُونَكَ وَهُمْ أَغْنِيَاءُ رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وبين في مواضع أخر شدة جزعهم من الخروج إلى الجهاد، كقوله: ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-470> قوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾</span> الآية.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الذين اتبعوا السابقين","vol":"2","page":557},{"text":"الأولين من المهاجرين والأنصار بإحسان أنهم داخلون معهم في رضوان الله تعالى، والوعد بالخلود في الجنات والفوز العظيم، وبين في مواضع أخر أن الذين اتبعوا السابقين بإحسان يشاركونهم في الخير، كقوله جل وعلا: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولَئِكَ مِنْكُمْ﴾.\nولا يخفى أنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة أنه قد رضي عن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار، والذين اتبعوهم بإحسان، وهو دليل قرآني صريح في أن من يسبهم ويبغضهم، أنه ضال مخالف لله جل وعلا، حيث أبغض من ﵁؛ ولا شك أن بغض من ﵁ مضادة له جل وعلا، وتمرد وطغيان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-471> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لَا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ﴾</span> الآية.\nصرح في هذه الآية الكريمة أن من الأعراب، ومن أهل المدينة منافقين لا يعلمهم رسول الله - ﷺ -، وذكر تعالى نظير ذلك عن نوح في قوله عنه: ﴿قَالَ وَمَا عِلْمِي بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٢)﴾ الآية.\nوذكر نظيره عن شعيب -عليهم كلهم صلوات الله وسلامه- في قوله: ﴿بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (٨٦)﴾ اه.\nوقد أطلع الله نبيه على بعض المنافقين كما تقدم في الآيات","vol":"2","page":558},{"text":"الماضية، وقد أخبر صاحبه حذيفة بن اليمان ﵄ بشيء من ذلك، كما هو معلوم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-472> قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا هذه الموعدة التي وعدها إياه، ولكنه بينها في سورة \"مريم\" بقوله: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-473> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن بعث هذا الرسول الذي هو من أنفسنا الذي هو متصف بهذه الصفات المشعرة بغاية الكمال، وغاية شفقته علينا هو أعظم منن الله تعالى، وأجزل نعمه علينا، وقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-474> قوله تعالى: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾</span>.\nأمر تعالى في هذه الآية الكريمة نبيه - ﷺ - بالتوكل عليه جل وعلا، ولا شك أنه ممتثل ذلك، فهو سيد المتوكلين عليه صلوات الله وسلامه، والتوكل على الله تعالى هو شأن إخوانه من المرسلين صلوات الله عليهم وسلامه.","vol":"2","page":559},{"text":"كما بين تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله عن هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ (٧١)﴾ وقوله تعالى عن جملة الرسل: ﴿وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا﴾ الآية.\nومن أوضح الأدلة على عظم توكل نبينا -  ﷺ  - على الله قوله يوم حنين، وهو على بغلة في ذلك الموقف العظيم:\nأنا النبي لا كذب ... أنا ابن عبد المطلب","vol":"2","page":560},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-475> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ﴾</span> الآية.\nذكر في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يعذبون يوم القيامة بشرب الحميم، وبالعذاب الأليم، والحميم: الماء الحار، وذكر أوصاف هذا الحميم في آيات أخر، كقوله: ﴿يَطُوفُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ وقوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾.\nوذكر في موضع آخر أن الماء الذي يسقون صديد -أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من ذلك بفضله ورحمته- وذلك في قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ﴾ الآية.\nوذكر في موضع آخر أنهم يسقون مع الحميم الغساق، كقوله: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إِلَّا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥)﴾ والغساق: صديد أهل النار -أعاذنا الله والمسلمين منها- وأصله من غسقت العين سال دمعها، وقيل: هو لغة: البارد المنتن، والحميم الآني: الماء البالغ","vol":"2","page":561},{"text":"غاية الحرارة، والمهل: دردي الزيت، أو المذاب من النحاس والرصاص، ونحو ذلك، والآيات المبينة لأنواع عذاب أهل النار كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-476> قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية: أن تحية أهل الجنة في الجنة سلام، أي: يسلم بعضهم على بعض بذلك، ويسلمون على الملائكة، وتسلم عليهم الملائكة بذلك، وقد بين تعالى هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ﴾ الآية، قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُم﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلَّا سَلَامًا﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إِلَّا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ وقوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ (٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومعنى السلام: الدعاء بالسلامة من الآفات.\nوالتحية مصدر حياك الله بمعنى أطال حياتك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-477> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّه﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الإنسان في وقت الكرب يبتهل إلى ربه بالدعاء في جميع أحواله، فإذا فرج الله كربه أعرض عن ذكر ربه، ونسي ما كان فيه كأنه لم يكن فيه قط.\nوبين هذا في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية،","vol":"2","page":562},{"text":"وقوله: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة.\nإلا أن الله استثنى من هذه الصفات الذميمة عبادة المؤمنين بقوله في سورة هود: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠) إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ وقد قال - ﷺ -: \"عجبًا للمؤمن لا يقضي الله له قضاء إلا كان خيرًا له، إن أصابته ضراء فصبر كان خيرًا له، وإن أصابته سراء فشكر كان خيرًا له، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-478> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾</span> الآية.\nأمر الله تعالى: في هذه الآية الكريمة نبيه - ﷺ - أن يقول: إنه ما يكون له أن يبدل شيئًا من القرآن من تلقاء نفسه، ويفهم من قوله: ﴿مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي﴾ أن الله تعالى يبدل منه ما شاء بما شاء.\nوصرح بهذا المفهوم في مواضع أخر كقوله: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا﴾ الآَية، وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-479> قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة حجة واضحة على كفار مكة؛ لأن النبي - ﷺ - لم يبعث إليهم رسولًا حتى لبث فيهم عمرًا من الزمن،","vol":"2","page":563},{"text":"وقدر ذلك أربعون سنة، فعرفوا صدقه، وأمانته، وعدله، وأنه بعيد كل البعد من أن يكون كاذبًا على الله تعالى، وكانوا في الجاهلية يسمونه الأمين، وقد ألقمهم الله حجرًا بهذه الحجة في موضع آخر، وهو قوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾ ولذا لما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان، ومن معه عن صفاته - ﷺ -، قال هرقل لأبي سفيان: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قال أبو سفيان: فقلت: لا. وكان أبو سفيان في ذلك الوقت زعيم الكفار، ورأس المشركين ومع ذلك اعترف بالحق، والحق ما شهدت به الأعداء، فقال له هرقل: فقد أعرف أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس، ثم يذهب فيكذب على الله اه.\nولذلك وبخهم الله تعالى بقوله هنا: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-480> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾</span> إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾.\nضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للدنيا بالنبات الناعم المختلط بعضه ببعض، وعما قليل ييبس، ويكون حصيدًا يابسًا كأنه لم يكن قط، وضرب لها أيضًا المثلِ المذكور في \"الكهف\" في قوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ﴾ إلى قوله ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ وأشار لهذا المثل بقوله في \"الزمر\": ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾ وقوله في \"الحديد\": ﴿كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾ الآية.","vol":"2","page":564},{"text":"تنبيه\nالتشبيه في الآيات المذكورة عند البلاغيين من التشبيه المركب؛ لأن وجه الشبه صورة منتزعة من أشياء، وهو كون كل من المشبه والمشبه به يمكث ما شاء الله، وهو في إقبال وكمال، ثم عما قليل يضمحل ويزول، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-481> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾</span> الآية.\nذكر في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يجمع الناس جميعًا، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وصرح في \"الكهف\" بأنه لا يترك منهم أحدًا بقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.\nقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾ الآية.\nصرح في هذه الآية الكريمة بأن كل نفس يوم القيامة تبلو، أي: تخبر وتعلم ما أسلفت، أي قدمت من خير وشر، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ الآية.\nوأما على قراءة تتلو بتاءين ففي معنى الآية؛ وجهان:\nأحدهما: أنها تتلو، بمعنى تقرأ في كتاب أعمالها جميع ما قدمت، فيرجع إلى الأولى.","vol":"2","page":565},{"text":"والثاني: أن كل أمة تتبع عملها، لقوله - ﷺ -: \"لتتبع كل أمة ما كانت تعبده، فيتبع من كان يعبد الشمس الشمس\" الحديث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-482> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ﴾</span> إلى قوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾.\nصرح الله تعالى في هذه الآية الكريمة بأن الكفار يقرون بأنه جل وعلا هو ربهم الرازق المدبر للأمور المتصرف في ملكه بما يشاء، وهو صريح في اعترافهم بربوبيته، ومع هذا أشركوا به جل وعلا.\nوالآيات الدالة على أن المشركين مقرون بربوبيته جل وعلا؛ ولم ينفعهم ذلك؛ لإشراكهم معه غيره فى حقوقه جل وعلا كثيرة، كقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّه﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولذا قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾.\nوالآيات المذكورة صريحة في أن الاعتراف بربوبيته جل وعلا لا يكفي في الدخول في دين الإسلام إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله نفيا وإثباتًا، وقد أوضحناه في سورة \"الفاتحة\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.\nأما تجاهل فرعون لعنه الله لربوبيته جل وعلا في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ فإنه تجاهل عارف؛ لأنه عبد مربوب،","vol":"2","page":566},{"text":"كما دل عليه قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-483> وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٣٤)﴾</span>.\nألقم الله تعالى المشركين في هذه الآيات حجرًا، بأن الشركاء التي يعبدونها من دونه لا قدرة لها على فعل شيء، وأنه هو وحده جل وعلا الذي يبدؤ الخلق، ثم يعيده بالإحياء مرة أخرى، وأنه يهدي من يشاء.\nوصرح بمثل هذا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾ الآية.\nوالآيات: في مثل ذلك كثيرة، ومعلوم أن تسوية ما لا يضر ولا ينفع ولا يقدر على شيء، مع من بيده الخير كله المتصرف","vol":"2","page":567},{"text":"بكل ما شاء، لا تصدر إلا ممن لا عقل له، كما قال تعالى عن أصحاب ذلك: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-484> قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن لا يكون مفترى من دون الله مكذوبًا به عليه، وأنه لا شك في أنه من رب العالمين جل وعلا، وأشار إلى أن تصديقه للكتب السماوية المنزلة قبله وتفصيله للعقائد والحلال والحرام ونحو ذلك مما لا شك أنه من الله جل وعلا: دليل على أنه غير مفترى، وأنه لا ريب في كونه من رب العالمين، وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ (٢١٠) وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ (٢١١)﴾ وقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة.\nثم إنه تعالى لما صرح هنا بأن هذا القرآن ما كان أن يفترى على الله، أقام البرهان القاطع على أنه من الله، فتحدى جميع الخلق بسورة واحدة مثله، ولا شك أنه لو كان من جنس كلام الخلق لقدر الخلق على الإتيان بمثله، فلما عجزوا عن ذلك كلهم حصل اليقين، والعلم الضروري أنه من الله جل وعلا، قال جل وعلا في هذه السورة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾ وتحداهم أيضًا في سورة \"البقرة\" بسورة واحدة من مثله بقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى","vol":"2","page":568},{"text":"عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ﴾ الآية، وتحداهم في \"هود\" بعشر سور مثله بقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾ الآية، وتحداهم في \"الطور\" به كله بقوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾.\nوصرح في سورة \"بني إسرائيل\" بعجز جميع الخلائق عن الإتيان بمثله بقوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا (٨٨)﴾ كما قدمنا، وبين أنهم لا يأتون بمثله أيضًا بقوله: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-485> قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾</span> الآية.\nالتحقيق أن تأويله هنا هو حقيقة ما يؤول إليه الأمر يوم القيامة، كما قدمنا في أول \"آل عمران\" ويدل لصحة هذا القول في \"الأعراف\": ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ الآية.\nونظير الآية قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-486> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾</span>.\nأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يظهر البراءة من أعمال الكفار القبيحة إنكارًا لها، وإظهارًا لوجوب التباعد عنها، وبين هذا المعنى في قوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ إلى","vol":"2","page":569},{"text":"قوله: ﴿وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ ونظير ذلك قول إبراهيم الخليل -وأتباعه- لقومه: ﴿إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوبين تعالى في موضع آخر أن اعتزال الكفار والأوثان والبراءة منهم؛ من فوائده تفضل الله تعالى بالذرية الطيبة الصالحة، وهو قوله في \"مريم\": ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ﴾ إلى قوله: ﴿عَلِيًّا (٥٠)﴾.\nوقال ابن زيد وغيره، إن آية: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي﴾ الآية منسوخة بآيات السيف.\nوالظاهر أن معناها محكم: لأن البراءة إلى الله من عمل السوء لاشك في بقاء مشروعيتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-487> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾</span> الآية.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا حشروا استقلوا مدة مكثهم في دار الدنيا، حتى كأنها قدر ساعة عندهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في آخر \"الأحقاف\": ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَار﴾ الآية، وقوله في آخر \"النازعات\" ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ وقوله في آخر \"الروم\": ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ الآية.\nوقد بينا بإيضاح في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] وجه الجمع بين هذه الآيات المقتضية أن الدنيا عندهم كساعة، وبين الآيات المقتضية أنها عندهم كأكثر من ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا","vol":"2","page":570},{"text":"أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ فانظره في سورة: \"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ\" في الكلام على قوله: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-488> قوله تعالى: ﴿يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾</span>.\nصرح في هذه الآية الكريمة: أن أهل المحشر يعرف بعضهم بعضًا، فيعرف الآباء الأبناء، كالعكس، ولكنه بين في مواضع أخر أن هذه المعارفة لا أثر لها، فلا يسأل بعضهم بعضًا شيئًا، كقوله: ﴿وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا (١٠) يُبَصَّرُونَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.\nوقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] أيضًا: وجه الجمع بين قوله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ وبين قوله: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ في سورة: \"قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ\" أيضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-489> قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بخسران المكذبين بلقائه، وأنهم لم يكونوا مهتدين، ولم يبين هنا المفعول به لقوله خسر، وذكر في مواضع كثيرة أسبابًا من أسباب الخسران، وبين في مواضع أخر المفعول المحذوف هنا، فمن الآيات المماثلة لهذه الآية قوله تعالى في \"الأنعام\": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى في \"البقرة\": ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)﴾ وقوله في","vol":"2","page":571},{"text":"\"البقرة\" أيضًا: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ وقوله في \"الأعراف\": ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ وقوله في \"الأعراف\" أيضًا: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾ وقوله في \"الزمر\": ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٣)﴾.\nوالآيات في مثل هذا كثيرة، وقد أقسم تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه إنسان إلا بأربعة أمور:\nالأول: الإيمان.\nالثاني: العمل الصالح.\nالثالث: التواصي بالحق.\nالرابع: التواصي بالصبر.\nوذلك في قوله: ﴿وَالْعَصْرِ (١) إِنَّ الْإِنْسَانَ﴾ إلى آخر السورة الكريمة، وبين في مواضع أخر أن المفعول المحذوف الوِاقعِ عليه الخسران هو أنفسهم، كقوله في \"الأعراف\": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾ وقوله في \"المؤمنون\": ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾ وقوله في \"هود\": ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢١)﴾.\nوزاد في مواضع أخر خسران الأهل مع النفس، كقوله في \"الزمر\": ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ","vol":"2","page":572},{"text":"الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾ وقوله في \"الشورى\": ﴿وَقَالَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا إِنَّ الظَّالِمِينَ فِي عَذَابٍ مُقِيمٍ (٤٥)﴾.\nوبين في موضع أخر أن خسران الخاسرين قد يشمل الدنيا والآخرة، وهو قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾.\nفي قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ الآية.\nبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة لنبيه -  ﷺ  - أنه إما أن يريه في حياته بعض ما يعد الكفار من النكال والانتقام، أو يتوفاه قبل ذلك، فمرجعهم إليه جلا وعل لا يفوته شيء مما يريد أن يفعله بهم؛ لكمال قدرته عليهم، ونفوذ مشيئته جل وعلا فيهم، وبين هذا المعنى أيضًا في مواضع أخرِ، كقوله في سورة \"المؤمن\": ﴿فَإِمَّا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٧٧)﴾ وقوله في \"الزخرف\": ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\nتنبيه\nلم يأت في القرآن العظيم فعل مضارع بعد إن الشرطية المدغمة في ما المزيدة لتوكيد الشرط إلا مقترنًا بنون التوكيد الثقيلة، كقوله هنا: ﴿وَإِمَّا نُرِيَنَّكَ﴾ الآية: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ﴾ الآية، ﴿فَإِمَّا","vol":"2","page":573},{"text":"تَثْقَفَنَّهُمْ﴾ الآية، ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ﴾ الآية.\nولذلك زعم بعض علماء العربية وجوب اقتران المضارع بالنون المذكورة في الحال المذكورة، والحق أن عدم اقترانه بها جائز، كقول الشاعر:\nفإما تريني ولي لمة ... فإن الحوادث أودى بها\nوقول الآخر:\nزعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدد أبينوها الأصاغر خلتي\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-490> قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن لكل أمة رسولًا، وبين هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد بين - ﷺ - أن عدد الأمم سبعون أمة في حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵃ \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله\" وقد بينا هذه الآيات في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ووجه الجمع بينها وبين قوله: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ الآية، في سورة \"الرعد\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-491> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾</span> أوضح الله تعالى معنى هذه الآية الكريمة في سورة \"الزمر\" بقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ","vol":"2","page":574},{"text":"وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-492> قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن لكل أمة أجلًا، وأنه لا يسبق أحد أجله المحدد له، ولا يتأخر عنه.\nوبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَا تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَهَا وَمَا يَسْتَأْخِرُونَ (٥)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ لَوْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-493> قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون في الدنيا تعجيل العذاب كفرًا وعنادًا، فإذا عاينوا العذاب آمنوا، وذلك الإيمان عند معاينة العذاب وحضوره لا يقبل منهم، وقد أنكر ذلك تعالى عليهم هنا بقوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ ونفى أيضًا قبول إيمانهم في ذلك الحين بقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾.\nوأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾","vol":"2","page":575},{"text":"وقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، واستثنى الله تعالى قوم يونس دون غيرهم، بقوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-494> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَيُبْطِلُهُ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى عن موسى في هذه الآية أنه قال: إن الله سيبطل سحر سحرة فرعون، وصرح في مواضع أخر بأن ذلك الذي قال موسى إنه سيقع من إبطال الله لسحرهم أنه وقع بالفعل، كقوله: ﴿فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾ ونحوها من الآيات.\nول قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية: أنه بوأ بني إسرائيل مبوأ صدق.\nوبين ذلك في آيات أخر، كقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ إِلى قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦)﴾ إلى: قوله: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ ومعنى: ﴿وَلَقَدْ بَوَّأْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مُبَوَّأَ صِدْقٍ﴾ أنزلناهم منزلًا مرضيًا حسنًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-495> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾</span>.","vol":"2","page":576},{"text":"صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن من حقت عليه كلمة العذاب، وسبقت له في علم الله الشقاوة لا ينفعه وضوح أدلة الحق، وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ﴾ وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ وقوله: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-496> قوله تعالى: ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة أن إيمان قوم يونس ما نفعهم إلا في الدنيا دون الآخرة، لقوله: ﴿كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.\nويفهم من مفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أن الآخرة ليست كذلك، ولكنه تعالى أطلق عليهم اسم الإيمان من غير قيد في سورة \"الصافات\" والإيمان منقذ من عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، كما أنه بين في \"الصافات\" أيضًا كثرة عددهم، وكل ذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-497> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾</span> الآية.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء إيمان جميع","vol":"2","page":577},{"text":"أهل الأرض لآمنوا كلهم جميعًا، وهو دليل واضح على أن كفرهم واقع بمشيئته الكونية القدرية، وبين ذلك أيضًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-498> قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن من لم يهده الله فلا هادي له، ولا يمكن أحدًا أن يقهر قلبه على الانشراح إلى الإيمان إلا إذا أراد الله به ذلك، وأوضح ذلك المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، كما تقدم في \"النساء\" والظاهر أنها غير منسوخة، وأن معناها أنه لا يهدي القلوب ويوجهها إلى الخير إلا الله تعالى، وأظهر دليل على ذلك أن الله أتبعه بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-499> وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</span> الآية.\nأمر الله جل وعلا جميع عباده أن ينظروا ماذا خلق في السماوات والأرض من المخلوقات الدالة على عظم خالقها، وكماله، وجلاله، واستحقاقه لأن يعبد وحده جل وعلا.\nوأشار لمثل ذلك بقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ","vol":"2","page":578},{"text":"حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية، ووبخ في سورة \"الأعراف\" من لم يمتثل هذا الأمر، وهدد بأنه قد يعاجله الموت فينقضي أجله قبل أن ينظر فيما أمره الله جل وعلا أن ينظر فيه؛ لينبه بذلك على وجوب المبادرة في امتثال أمر الله- جل وعلا- وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ﴾ الآية.\n\nتنبيه\nآية \"الأعراف\" هذه التي ذكرنا تدل دلالة واضحة على أن الأمر يقتضي الفور، وهو الذي عليه جمهور الأصوليين، خلافًا لجماعة من الشافعية وغيرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-500> قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ﴾</span> الآية.\nأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ﴾ الآية.\nأوضح معناه أيضًا بقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-501> قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (١٠٩)﴾</span>.\nلم يبين هنا ما حكم الله به بين نبيه وبين أعدائه، وقد بين في آيات كثيرة أنه حكم بنصره عليهم، وإظهار دينه على كل دين، كقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ إلى آخر السورة وقوله:","vol":"2","page":579},{"text":"﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ إلى آخرها، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\nانتهى الجزء الثاني من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الثالث إن شاء الله تعالى وأوله سورة \"هود\" وصلى الله على نبينا محمد وآله وصحبه.","vol":"2","page":580},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-502>سُورة هود</span>","vol":"3","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-503> قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾</span>.\nاعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالحروف المقطعة في أوائل السور اختلافًا كثيرًا، واستقراء القرآن العظيم يرجح واحدًا من تلك الأقوال، وسنذكر الخلاف المذكور وما يرجحه القرآن منه بالاستقراء فنقول، وبالله جل وعلا نستعين.\nقال بعض العلماء: هي مما استأثر الله تعالى بعلمه، كما بينا في \"آل عمران\" وممن روي عنه هذا القول: أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود -﵃- وعامر الشعبي، وسفيان الثوري، والربيع بن خيثم، واختاره أبو حاتم بن حبان. وقيل: هي أسماء السور التي افتتحت بها؛ وممن قال بهذا القول: عبد الرحمن بن زيد بن أسلم. ويروى ما يدل لهذا القول عن مجاهد، وقتادة، وزيد بن أسلم.\nقال الزمخشري في تفسيره: وعليه إطباق الأكثر. ونقل عن سيبويه أنه نص عليه. ويعتضد هذا القول بما ثبت في الصحيح عن أبي هريرة: أن رسول الله - ﷺ - كان يقرأ في صلاة الصبح يوم الجمعة \"ألم السجدة\" و\"هل أتى على الإنسان\".","vol":"3","page":5},{"text":"ويدل له أيضًا قول قاتل محمد السجاد بن طلحة بن عبيد الله ﵄ يوم الجمل، وهو شريح بن أبي أوفى العبسي، كما ذكره البخاري في صحيحه في أول سورة المؤمن:\nيذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلا تلا حاميم قبل التقدم\nوحكى ابن إسحاق أن هذا البيت للأشتر النخعي قائلًا: إنه الذي قتل محمد بن طلحة المذكور. وذكر أبو مخنف: أنه المدلج ابن كعب السعدي، ويقال: كعب بن مدلج. وذكر الزبير بن بكار: أن الأكثر على أن الذي قتله عصام بن مقشعر. قال المرزباني: وهو الثبت، وأنشد له البيت المذكور وقبله:\nوأشعث قوام بآيات ربه ... قليل الأذى فيما ترى العين مسلم\nهتكت له بالرمح جيب قميصه ... فخر صريعًا لليدين وللفم\nعلى غير شيء غير أن ليس تابعًا ... عليًا ومن لا يتبع الحق يندم\nيذكرني حاميم. . البيت. اه من فتح الباري.\nفقوله: \"يذكرني حاميم\" -بإعراب \"حاميم\" إعراب ما لا ينصرف- فيه الدلالة على ما ذكرنا من أنه اسم للسورة.\nوقيل: هي من أسماء الله تعالى. وممن قال بهذا: سالم بن عبد الله، والشعبي، وإسماعيل بن عبد الرحمن السدي الكبير، وروي معناه عن ابن عباس ﵄. وعنه أيضًا: أنها أقسام أقسم الله بها، وهي من أسمائه. وروي نحوه عن عكرمة.\nوقيل: هي حروف، كل واحد منها من اسم من أسمائه جل","vol":"3","page":6},{"text":"وعلا، فالألف من \"الم\" مثلا: مفتاح اسم الله، واللام مفتاح اسمه لطيف، والميم: مفتاح اسمه مجيد، وهكذا. ويروى هذا عن ابن عباس، وابن مسعود، وأبي العالية.\nواستدل لهذا القول بأن العرب قد تطلق الحرف الواحد من الكلمة، وتريد به جميع الكلمة كقول الراجز:\nقلت لها: قفي فقالت: قاف ... لا تحسبي أنا نسينا الإيجاف\nفقوله: \"قاف\" أي: وقفت. وقول الآخر:\nبالخير خيرات وإن شرًا فا ... ولا أريد الشر إلا أن تا\nيعني: وإن شرًا فشر، ولا أريد الشر إلا أن تشاء. فاكتفى بالفاء والتاء عن بقية الكلمتين.\nقال القرطبي: وفي الحديث \"من أعان على قتل مسلم بشطر كلمة\" الحديث. قال سفيان: هو أن يقول في اقتل: اق، إلى غير ما ذكرنا من الأقوال في فواتح السور، وهي نحو ثلاثين قولًا.\nأما القول الذي يدل استقراء القرآن على رجحانه فهو: أن الحروف المقطعة ذكرت في أوائل السور التي ذكرت فيها بيانًا لإعجاز القرآن، وأن الخلق عاجزون عن معارضته بمثله مع أنه مركب من هذه الحروف المقطعة التي يتخاطبون بها. وحكى هذا القول الرازي في تفسيره عن المبرد، وجمع من المحققين، وحكاه القرطبي عن الفراء وقطرب، ونصره الزمخشري في الكشاف.\nقال ابن كثير: وإليه ذهب الشيخ الإمام العلامة أبو العباس","vol":"3","page":7},{"text":"ابن تيمية، وشيخنا الحافظ المجتهد أبو الحجاج المزي، وحكاه لي عن ابن تيمية.\nووجه شهادة استقراء القرآن لهذا القول: أن السور التي افتتحت بالحروف المقطعة يذكر فيها دائمًا عقب الحروف المقطعة الانتصار للقرآن وبيان إعجازه، وأنه الحق الذي لا شك فيه. وذكر ذلك بعدها دائمًا دليل استقرائي على أن الحروف المقطعة قصد بها إظهار إعجاز القرآن، وأنه حق.\nقال تعالي في البقرة: ﴿الم (١)﴾ وأتبع ذلك بقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقال في آل عمران: ﴿الم (١)﴾ وأتبع ذلك بقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. وقال في الأعراف: ﴿المص (١)﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ الآية. وقال في سورة يونس: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١)﴾ وقال في هذه السورة الكريمة التي نحن بصددها -أعني سورة هود-: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ وقال في يوسف: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية. وقال في الرعد: ﴿المر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ﴾ وقال في سورة إبراهيم: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّور﴾ الآية؛ وقال في الحجر: ﴿الر﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ وَقُرْآنٍ مُبِينٍ (١)﴾ وقال في سورة طه: ﴿طه (١)﴾ ثم قال: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ وقال في الشعراء: ﴿طسم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢)","vol":"3","page":8},{"text":"لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ الآية. وقال في النمل: ﴿طس﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ (١)﴾ وقال في القصص: ﴿طسم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) نَتْلُو عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ﴾ الآية. وقال في لقمان: ﴿الم (١)﴾ ثم قال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ وقال في السجدة: ﴿الم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ وقال في يس: ﴿يس (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾ الآية. وقال في ص: ﴿ص﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ الآية. وقال في سورة المؤمن: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢)﴾ الآية. وقال في فصلت: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ الآية. وقال في الشورى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾ ثم قال: ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. وقال في الزخرف: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية. وقال في الدخان: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية. وقال في الجاثية: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وقال في الأحقاف: ﴿حم (١)﴾ ثم قال: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية. وقال في سورة ق: ﴿ق﴾ ثم قال: ﴿وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾.\nوقد قدمنا كلام الأصوليين في الاحتجاج بالاستقراء بما أغنى عن إعادته هنا.","vol":"3","page":9},{"text":"وإنما أخرنا الكلام على الحروف المقطعة مع أنه مرت سور مفتتحة بالحروف المقطعة في القرآن المكي غالبًا، والبقرة وآل عمران مدنيتان، والغالب له الحكم، واخترنا لبيان ذلك سورة هود؛ لأن دلالتها على المعنى المقصود في غاية الظهور والإيضاح؛ لأن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾ بعد قوله: ﴿الر﴾ واضح جدًا فيما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-504> قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ إِنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ (٢)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة فيها الدلالة الواضحة على أن الحكمة العظمى التي أنزل القرآن من أجلها: هي أن يعبد الله جل وعلا وحده، ولا يشرك به في عبادته شيء؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية -صريح في أن آيات هذا الكتاب فصلت من عند الحكيم الخبير لأجل أن يعبد الله وحده. سواء قلنا: إن \"أن\" هي المفسرة. أو أن المصدر المنسبك منها ومن صلتها مفعول من أجله؛ لأن ضابط \"أن\" المفسرة أن يكون ما قبلها متضمنًا معنى القول، ولا يكون فيه حروف القول.\nووجهه في هذه الآية أن قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ فيه معنى قول الله تعالى لذلك الإحكام والتفصيل دون حروف القول، فيكون تفسير ذلك هو: ألا تعبدوا إلا الله.\nوأما على القول بأن المصدر المنسبك من \"أن\" وصلتها مفعول له فالأمر واضح. فمعنى الآية: أن حاصل تفصيل القرآن هو أن يعبد الله تعالى وحده ولا يشرك به شيء، ونظير هذا المعنى قوله","vol":"3","page":10},{"text":"تعالى في سورة الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ ومعلوم أن لفظة \"إنما\" من صيغ الحصر، فكأنَ جميع ما أوحي إليه منحصر في معنى \"لا إله إلا الله\" وقد ذكرنا في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" أن حصر الوحي في آية الأنبياء هذه في توحيد العبادة حصر له في أصله الأعظم الذي يرجع إليه جميع الفروع؛ لأن شرائع الأنبياء كلهم داخلة في ضمن معنى \"لا إله إلا الله\" لأن معناها خلع جميع المعبودات غير الله جل وعلا في جميع أنواع العبادات، وإفراده جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات، فيدخل في ذلك جميع الأوامر والنواهي القولية والفعلية والاعتقادية.\nوالآيات الدالة على أن إرسال الرسل، وإنزال الكتب لأجل أن يعبد الله وحده كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أشرنا إلى هذا البحث في سورة الفاتحة، وسنستقصي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في سورة \"الناس\"، لتكون خاتمة هذا الكتاب المبارك حسنى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-505> قوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾</span> الآية.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن الاستغفار والتوبة إلى الله","vol":"3","page":11},{"text":"تعالى من الذنوب سبب لأن يمتع من فعل ذلك متاعًا حسنًا إلى أجل مسمى؛ لأنه رتب ذلك على الاستغفار والتوبة ترتيب الجزاء على شرطه.\nوالظاهر أن المراد بالمتاع الحسن: سعة الرزق، ورغد العيش، والعافية في الدنيا، وأن المراد بالأجل المسمى: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى في هذه السورة الكريمة عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ وقوله تعالى عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-506> قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾</span>.\nيبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا يخفى عليه شيء، وأن السر كالعلانية عنده، فهو عالم بما تنطوي عليه الضمائر، وما يعلن وما يسر، والآيات المبينة لهذا كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ وقوله جل","vol":"3","page":12},{"text":"وعلا: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. ولا تقلب ورقة من المصحف الكريم إلا وجدت فيها آية بهذا المعنى.\n\nتنبيه مهم\nاعلم أن الله ﵎ ما أنزل من السماء إلى الأرض واعظًا أكبر، ولا زاجرًا أعظم مما تضمنه هذه الآيات الكريمة وأمثالها في القرآن، من أنه تعالى عالم بكل ما يعمله خلقه، رقيب عليهم، ليس بغائب عما يفعلون. وضرب العلماء لهذا الواعظ الأكبر، والزاجر الأعظم مثلًا ليصير به كالمحسوس، فقالوا: لو فرضنا أن ملكًا قَتّالًا للرجال، سفاكًا للدماء شديد البطش والنكال على من انتهك حرمته ظلمًا، وسيّافه قائم على رأسه، والنطع مبسوط للقتل، والسيف يقطر دمًا، وحول هذا الملك الذي هذه صفته جواريه وأزواجه وبناته، فهل ترى أن أحدًا من الحاضرين يهتم بريبة أو بحرام يناله من بنات ذلك الملك وأزواجه، وهو ينظر إليه، عالم بأنه مطلع عليه؟ ! لا، وكلا! بل جميع الحاضرين يكونون خائفين، وجلة قلوبهم خاشعة عيونهم، ساكنة جوارحهم خوفًا من بطش ذلك الملك.\nولا شك -ولله المثل الأعلى- أن رب السموات والأرض جل وعلا أشد علمًا، وأعظم مراقبة، وأشد بطشًا، وأعظم نكالًا وعقوبة من ذلك الملك، وحماه في أرضه محارمه، فإذا","vol":"3","page":13},{"text":"لاحظ الإنسان الضعيف أن ربه جل وعلا ليس بغائب عنه، وأنه مطلع على كل ما يقول وما يفعل وما ينوي لان قلبه، وخشي الله تعالى، وأحسن عمله لله جلا وعلا.\nومن أسرار هذه الموعظة الكبرى أَنّ الله ﵎ صرح بأن الحكمة التي خُلِقَ الخلق من أجلها هي أن يبتليهم أيهم أحسن عملا، ولم يقل: أيهم أكثر عملا، فالابتلاء في إحسان العمل، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ الآية. وقال في الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾.\nولا شك أن العاقل إذا علم أن الحكمة التي خلق من أجلها هي أن يبتلى، أي: يختبر؛ بإحسان العمل فإنه يهتم كل الاهتمام بالطريق الموصلة لنجاحه في هذا الاختبار، ولهذه الحكمة الكبرى سأل جبريل النبي -  ﷺ  - عن هذا ليعلمه لأصحاب النبي -  ﷺ  - فقال: \"أخبرني عن الإحسان\" أي: وهو الذي خلق الخلق لأجل الاختبار فيه، فبين النبي -  ﷺ  - أن الطريق إلى ذلك هي هذا الواعظ، والزاجر الأكبر الذي هو مراقبة الله تعالى، والعلم بأنه لا يخفى عليه شيء مما يفعل خلقه، فقال له: \"الإحسان أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فهو يراك\".\nواختلف العلماء في المراد بقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ وفي مرجع","vol":"3","page":14},{"text":"الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾.\nفقال بعض العلماء: معنى \"يثنون صدورهم\" يَزوَرّون عن الحق، وينحرفون عنه؛ لأن من أقبل على الشيء استقبله بصدره، ومن ازوّرَ عنه وانحرف ثنى عنه صدره، وطوى عنه كشحه. بهذا فسره الزمخشري في الكشاف.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا المعنى معروف في كلام العرب، فهم يعبرون باعوجاج الصدر عن العدول عن الشيء والميل عنه، ويعبرون بإقامة الصدر عن القصد إلى الشيء وعدم الميل عنه.\nفمن الأول قول، ذي الرمة غيلان بن عقبة العدوي عدي الرباب:\nخليليَّ عوجا بارك الله فيكما ... على دارمي من صدور الركائب\nتكن عوجة يجزيكما الله عنده ... بها الأجر أو تقضى ذمامة صاحب\nيعني: اثنيا صدور الركائب إلى دارمي.\nومن الثاني قول الشنفرى:\nأقيموا بني أمي صدور مطيكم ... فإني إلى قوم سواكم لأميل\nوقول الآخر:\nأقول لأم زنباع: أقيمي ... صدور العيس شطر بنى تميم\nوقيل: نزلت هذه الآية الكريمة في الأخنس بن شريق الثقفي","vol":"3","page":15},{"text":"حليف بني زهرة. كان حلو المنطق، يلقى رسول الله - ﷺ - بما يحب وينطوي له بقلبه على ما يسوء.\nوقيل: نزلت في بعض المنافقين، كان إذا مر بالنبي - ﷺ - ثنى صدره وظهره، وطوطأ رأسه وغطى وجهه لكيلا يراه النبي - ﷺ - فيدعوه إلى الإيمان. حُكي معناه عن عبد الله بن شداد.\nوعن ابن عباس ﵄: أنها نزلت في قوم كانوا يكرهون أن يجامعوا أو يتغوطوا وليس بينهم وبين السماء حجاب، يستحيون من الله.\nوقال بعض العلماء: معنى ﴿يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ﴾ يغطون رؤوسهم لأجل كراهتهم استماع كلامِ الله، كقوله تعالى عن نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ الآية.\nوقيل: كانوا إذا عملوا سوءًا ثنوا صدورهم وغطوا رؤوسهم، يظنون أنهم إن فعلوا أخفوا به عملهم على الله جل وعلا.\nويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية.\nوقرأ ابن عباس هذه الآية الكريمة \"ألا إنهم تثنوني صدورهم\" وتثنوني مضارع اثنونى، ووزنه افعوعل من الثني، كما تقول: احلولى من الحلاوة \"وصدورهم\" في قراءة ابن عباس بالرفع فاعل تثنوني، والضمير في قوله: \"منه\" عائد إلى الله تعالى في أظهر القولين. وقيل: راجع إليه - ﷺ - كما مر في الأقوال في الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-507> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾</span>.","vol":"3","page":16},{"text":"صرح في هذه الآية الكريمة أنه خلق السماوات والأرض لحكمة ابتلاء الخلق، ولم يخلقهما عبثًا ولا باطلًا.\nونزه نفسه تعالى عن ذلك، وصرح بأن من ظن ذلك فهو من الذين كفروا وهددهم بالنار، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقال تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ وقال: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ وقال: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-508> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾</span> الآية.\nالمراد بالأمة هنا: المدة من الزمن. ونظيره قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ﴾ الآية. أي تذكر بعد مدة.\n\nتنبيه\nاستعمل لفظ \"الأمة\" في القرآن أربعة استعمالات:\nالأول: هو ما ذكرنا هنا من استعمال الأمة في البرهة من الزمن.\nالثاني: استعمالها في الجماعة من الناس، وهو الاستعمال الغالب، كقوله: ﴿وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":17},{"text":"الثالث: استعمال \"الأمة\" في الرجل المقتدى به، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ الآية.\nالرابع: استعمال \"الأمة\" في الشريعة والطريقة؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-509> قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من عمل عملًا يريد به الحياة الدنيا أعطاه جزاء عمله في الدنيا، وليس له في الآخرة إلا النار.\nونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ ولكنه تعالى بين في سورة بني إسرائيل تعليق ذلك على مشيئته جل وعلا بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ﴾ الآية.\nوقد أوضحنا هذه المسألة غاية الإيضاح في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في الكلام على هذه الآية الكريمة، ولذلك اختصرناها هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-510> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن لا يكفر به أحد كائنًا من كان إلا دخل النار. وهو صريح في عموم رسالة نبينا - ﷺ - إلى جميع الخلق. والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله","vol":"3","page":18},{"text":"تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: ١٥٨] الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-511> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ﴾</span> الآية.\nنهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن الشك في هذا القرآن العظيم، وصرح أنَّه الحق من الله. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدًا، كقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية وقوله: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات. والمرية: الشك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-512> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾</span>.\nصرح تعالى في هذه الآية الكريمة بأن أكثر الناس لا يؤمنون، وبين ذلك أيضًا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-513> قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾</span> الآية.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين يصدون الناس عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، يضاعف لهم العذاب يوم القيامة؛ لأنهم يعذبون على ضلالهم، ويعذبون أيضًا على إضلالهم غيرهم، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ","vol":"3","page":19},{"text":"زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن العذاب يضاعف للأتباع والمتبوعين، وهو قوله في الأعراف: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-514> قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة للعلماء أوجه، بعضها يشهد له القرآن:\nالأول -وهو اختيار ابن جرير الطَّبري في تفسيره، ونقله عن ابن عبَّاس، وقَتَادة-: أن معنى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾ الآية -أنهم لا يستطيعون أن يسمعوا الحق سماع منتفع، ولا أن يبصروه إبصار مهتد، لاشتغالهم بالكفر الذي كانوا عليه مقيمين عن استعمال جوارحهم في طاعة الله تعالى، وقد كانت لهم أسماع وأبصار.\nويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.\nالثاني -وهو أظهرها عندي-: أن عدم الاستطاعة المذكور في الآية إنما هو للختم الذي ختم الله على قلوبهم وأسماعهم، والغشاوة التي جعل على أبصارهم. ويشهد لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوذلك الختم والأكنة على القلوب جزاء من الله تعالى لهم","vol":"3","page":20},{"text":"على مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسل باختيارهم ومشيئتهم، كما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُواْ أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية -إلى غير ذلك من الآيات.\nالثالث: أن المعنى ما كانوا يستطيعون السمع، أي: لشدة كراهيتهم لكلام الرسل على عادة العرب في قولهم: لا أستطيع أن أسمع كذا إذا كان شديد الكراهية والبغض له، ويشهد لهذا القول قوله تعالى ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ﴾ الآية.\nالرابع: أن \"ما\" مصدرية ظرفية، أي يضاعف لهم العذاب مدة كونهم يستطيعون أن يسمعوا ويبصروا، أي يضاعف لهم العذاب دائمًا.\nالخامس: أن \"ما\" مصدرية في محل نصب بنزع الخافض، أي يضاعف لهم العذاب بسبب كونهم يستطيعون السمع والإبصار في دار الدنيا، وتركوا الحق مع أنهم يستطيعون إدراكه بأسماعهم وأبصارهم.\nوقد قدمنا في سورة النساء قول الأخفش الأصغر بأن النصب بنزع الخافض مقيس مطلقًا عند أمن اللبس.","vol":"3","page":21},{"text":"السادس: أن قوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ من صفة الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، فيكون متصلًا بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾ وتكون جملة: ﴿يضُاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ﴾ اعتراضية.\nوتقرير المعنى على هذا القول: وما كان لهم من دون الله من أولياء، ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون، أي: الأصنام التي اتخذوها أولياء من دون الله، وما لا يسمع ولا يبصر لا يصح أن يكون وليًا لأحد. ويشهد لمعنى هذا القول قوله تعالى في الأعراف: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآية، ونحوها من الآيات.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية الكريمة قد تكون فيها أقوال، وكلها يشهد له قرآن فنذكر الجميع، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-515> قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾</span> الآية. ضرب الله تعالى في هذه الآية الكريمة المثل للكافر بالأعمى والأصم، وضرب المثل للمؤمن بالسميع والبصير، وبين أنهما لا يستويان، ولا يستوي الأعمى والبصير، ولا يستوي الأصم والسميِع. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ﴾.\nوقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾ الآية.","vol":"3","page":22},{"text":"وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-516> قوله تعالى: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن الملأ من قوم نوح قالوا له: ما نراك اتبعك منا إلَّا الأسافل والأراذل. وذكر في سورة الشعراء أن اتباع الأراذل له في زعمهم مانع لهم من اتباعه بقوله: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾ وبين في هذه السورة الكريمة: أن نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أَبى أن يطرد أولئك المؤمنين الذين اتبعوه بقوله: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية وذكر تعالى عنه ذلك في الشعراء أيضًا بقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي لَوْ تَشْعُرُونَ (١١٣) وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-517> قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ (٢٨)﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح: أنَّه قال لقومه: ﴿أَرَأَيْتُمْ﴾ أي: أخبروني ﴿إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيْنَةٍ مِنْ رَبِّى﴾ أي: على يقين ونبوة صادقة لاشك فيها، وأعطاني رحمة منه مما أوحى إلى من التوحيد والهدى، فخفي ذلك كله عليكم، ولم تعتقدوا أنَّه حق، أيمكنني أن ألزمكم به، وأجبر قلوبكم على الانقياد والإذعان لتلك البينة التي تفضل الله علي بها، ورحمني بإيتائها، والحال أنكم كارهون لذلك؟ يعني ليس بيدي توفيقكم إلى الهدى وإن كان","vol":"3","page":23},{"text":"واضحًا جليًا لا لبس فيه إن لم يهدكم الله جل وعلا إليه.\nوهذا المعنى صرح به جل وعلا عن نوح أيضًا في هذه السورة الكريمة بقوله: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-518> قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أنَّه أخبر قومه أنَّه لا يسألهم مالًا في مقابلة ما جاءهم به من الوحي والهدى، بل يبذل لهم ذلك الخير العظيم مجانًا من غير أخذ أجرة في مقابله.\nوبين في آيات كثيرة: أن ذلك هو شأن الرسل عليهم صلوات الله وسلامه كقوله فى سبأ عن نبينا - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ والآية.\nوقوله فيه أيضًا في آخر صَ: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾.\nوقوله في الطور والقلم: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ﴾.\nوقوله في الفرقان: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾.\nوقوله في الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ (٩٠)﴾.","vol":"3","page":24},{"text":"وقوله عن هود في سورة هود: ﴿يَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي﴾ الآية.\nوقوله في الشعراء عن نوح وهود وصالح ولوط وشعيب عليهم وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٠٩)﴾.\nوقوله تعالى عن رسل القرية المذكورة في يس: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ (٢٠) اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾ الآية.\nوقد بينا وجه الجمع بين هذه الآيات المذكورة، وبين قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾.\nويؤخذ من هذه الآيات الكريمة: أن الواجب على أتباع الرسل من العلماء وغيرهم أن يبذلوا ما عندهم من العلم مجانًا من غير أخذ عوض عن ذلك، وأنه لا ينبغي أخذ الأجرة على تعليم كتاب الله تعالى، ولا على تعليم العقائد والحلال والحرام. ويعتضد ذلك بأحاديث تدل على نحوه، فمن ذلك ما رواه ابن ماجه والبيهقي، والروياني في مسنده عن أبي بنُ كعب ﵁ قال: علمت رجلًا القرآن، فأهدى لي قوسًا، فذكرت ذلك للنبي -  ﷺ  - فقال: \"إن أخذتها أخذت قوسًا من نار\" فرددتها.\nقال البيهقي وابن عبدِ البر في هذا الحديث: هو منقطع، أي: بين عطية الكلاعي، وأبي بنُ كعب، وكذلك قال المزي، وتعقبه","vol":"3","page":25},{"text":"ابن حجر بأن عطية ولد في زمن النبي -  ﷺ  -، وأعله ابن القطان بأن راويه عن عطية المذكور هو عبدِ الرحمن بنُ سلم وهو مجهول، وقال فيه ابن حجر في التقريب: شامي مجهول، وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وله طرق عن أبي. قال ابن القطان: لا يثبت منها شيء. قال الحافظ: وفيما قاله نظر. وذكر المزي في الأطراف له طرقًا منها: أن الذي أقرأه أُبي هو الطفيل بنُ عمرو، ويشهد له ما أخرجه الطبراني في الأوسط عن الطفيل بنُ عمرو الدوسي قال: أقرأني أبي بنُ كعب القرآن فأهديت له قوسًا فغدا إلى النبي -  ﷺ  - وقد تقلدها فقال النبي -  ﷺ  -: \"تقلدها من جهنم\" الحديث، وقال الشوكاني أيضًا: وفي الباب عن معاذ عند الحاكم، والبزار بنحو حديث أبي. وعن أبي الدرداء عند الدارمي بإسناد على شرط مسلم بنحوه أيضًا.\nومن ذلك ما رواه أَبو داود وابن ماجَهْ عن عبادة بنُ الصامت ﵁ قال: علمت ناسًا من أهل الصفة الكتاب والقرآن، فأهدى إلى رجل منهم قوسًا فقلت: ليست بمال أرمي بها في سبيل الله ﷿، لآتين رسول الله -  ﷺ  - فلأسألنه، فأتيته فقلت: يا رسول الله، أهدى إلى رجل قوسًا ممن كنت أعلمه الكتاب والقرآن وليست بمال أرمي عليها في سبيل الله؛ فقال: \"إن كنت تحب أن تطوق طوقًا من نار فاقبلها\"، وفي إسناده المغيرة بنُ زياد الموصلي. قال الشوكاني: وثقه وكيع ويحيى بنُ معين، وتكلم فيه جماعة، وقال الإمام أحمد: ضعيف الحديث، حدث بأحاديث مناكير، وكل حديث رفعه فهو منكر. وقال أَبو زرعة الرازي: لا يحتج بحديثه اهـ. وقال فيه ابن حجر في التقريب المغيرة بنُ زياد","vol":"3","page":26},{"text":"البجلي أَبو هشام، أو هاشم الموصلي صدوق له أوهام.\nوهذا الحديث رواه أَبو داود من طريق أخرى ليس فيها المغيرة المذكور. حدَّثنا عمرو بنُ عثمان وكثير بنُ عبيد قالا: ثنا بقية، حدثني بشر بنُ عبدِ الله بنُ بشار. قال عمرو: وحدثني عبادة بنُ نسي عن جنادة بنُ أبي أمية عن عبادة بنُ الصامت نحو هذا الخبر، والأول أتم، فقلت: ما ترى فيها يا رسول الله -  ﷺ  -؟ فقال: \"جمرة بين كتفيك تقلدتها أو تعلقتها\" اهـ منه بلفظه.\nوفي سند هذه الرواية بقية بنُ الوليد وقد تكلم فيه جماعة، ووثقه آخرون إذا روى عن الثقات، وهو من رجال مسلم، وأخرج له البخاري تعليقًا. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، كثير التدليس عن الضعفاء. والظاهر أن أعدل الأقوال فيه أنَّه إن صرح بالسماع عن الثقات، فلا بأس به، مع أن حديثه هذا معتضد بما تقدم وبما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nومن ذلك ما رواه الإمام أحمد والتِّرمِذي عن عمران بنُ حصين ﵄ عن النبي -  ﷺ  - أنَّه قال: \"اقرأوا القرآن واسألوا الله به، فإن من بعدكم قومًا يقرءون القرآن يسألون به الناس\" قال التِّرمِذي في هذا الحديث: ليس إسناده بذلك.\nومنها ما رواه أَبو داود في سننه: حدَّثنا وَهْب بنُ بقية، أخبرنا خالد، عن حميد الأعرج، عن محمد بنُ المنكدر، عن جابر ابن عبدِ الله قال: خرج علينا رسول الله -  ﷺ  - ونحن نقرأ القرآن، وفينا الأعرابي والأعجمي، فقال: \"اقرءوا فكل حسن، وسيجيء أقوام يقيمونه كما يقام القدح يتعجلونه ولا يتأجلونه\".","vol":"3","page":27},{"text":"حدَّثنا أحمد بنُ صالح، حدَّثنا عبدِ الله بنُ وَهْب، أخبرني عمرو وابن لهيعة، عن بكر بنُ سوادة، عن وفاء بنُ شريح الصدفي، عن سهل بنُ سعد الساعدي قال: خرج علينا رسول الله -  ﷺ  - ونحن نقتري فقال: \"الحمد لله، كتاب الله واحد، وفيكم الأحمر، وفيكم الأبيض، وفيكم الأسود، اقرؤوه قبل أن يقرأه أقوام يقيمونه كما يقوم السهم، يتعجل أجره ولا يتأجله\" اهـ.\nومنها ما رواه الإمام أحمد، عن عبدِ الرحمن بنُ شبل، عن النبي -  ﷺ  - قال: \"اقرءوا القرآن ولا تغلوا فيه، ولا تجفوا عنه، ولا تأكلوا به، ولا تستكثروا به\" قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في هذا الحديث: قال في مجمع الزوائد: رجال أحمد ثقات.\nومنها ما أخرجه الأثرم في سننه عن أبي ﵁ قال: كنت أختلف إلى رجل مسن قد أصابته علة، قد احتبس في بيته اقرئه القرآن؛ فيؤتى بطعام لا آكل مثله بالمدينة، فحاك في نفسي شيء فذكرته للنبي -  ﷺ  - فقال: \"إن كان ذلك الطَّعام طعامه وطعام أهله فكل منه، وإن كان يتحفك به فلا تأكله\" اهـ بواسطة نقل ابن قدامة في المغني والشوكاني في نيل الأوطار.\nفهذه الأدلة ونحوها تدل على أن تعليم القرآن والمسائل الدينية لا يجوز أخذ الأجرة عليها.\nوممن قال بهذا: الإمام أحمد في إحدى الروايتين، وأَبو حنيفة، والضحاك بنُ قيس، وعطاء، وكره الزُّهْريّ وإسحاق تعليم القرآن بأجر. وقال عبدِ الله بنُ شقيق: هذه الرغف التي يأخذها","vol":"3","page":28},{"text":"المعلمون من السحت.\nوممن كره أجرة التعليم مع الشرط: الحسن، وابن سيرين، وطاووس، والشعبي، والنخعي. قاله في المغني، وقال: إن ظاهر كلام الإمام أحمد جواز أخذ المعلم ما أعطيه من غير شرط، وذهب أكثر أهل العلم إلى جواز أخذ الأجرة على تعليم القرآن، وهو مذهب مالك، والشَّافعي.\nوممن رخص في أجور المعلمين: أَبو قلابة، وأَبو ثور، وابن المنذر.\nونقل أَبو طالب عن أحمد أنَّه قال: التعليم أحب إلى من أن يتوكل لهؤلاء السلاطين، ومن أن يتوكل لرجل من عامة الناس في ضيعة، ومن أن يستدين ويتجر لعله لا يقدر على الوفاء فيلقى الله تعالى بأمانات الناس، التعليم أحب إلي.\nوهذا يدل على أن منعه منه في موضع منعه للكراهة، لا للتحريم. قاله ابن قدامة في المغني.\nواحتج أهل هذا القول بأدلة منها ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث سهل بنُ سعد الساعدي ﵁: أن النبي -  ﷺ  - جاءته امرأة فقالت: يا رسول الله، إني قد وهبت نفسي لك، فقامت قيامًا طويلًا، فقام رجل فقال: يا رسول الله، زوجنيها إن لم يكن لك بها حاجة؛ فقال -  ﷺ  -: \"هل عندك من شيء تصدقها إياه؟ \" فقال: ما عندي إلَّا إزاري، فقال النبي -  ﷺ  - \"إن أعطيتها إزارك جلست لا إزار لك\" فالتمس شيئًا، فقال: ما أجد شيئًا، فقال:","vol":"3","page":29},{"text":"\"التمس ولو خاتمًا من حديد\" فالتمس فلم يجد شيئًا، فقال له النبي -  ﷺ  -: \"هل معك من القرآن شيء؟ \" قال نعم، سورة كذا وكذا يسميها، فقال النبي -  ﷺ  -: \"قد زوجتكها بما معك من القرآن\" وفي رواية \"قد ملكتكها بما معك من القرآن\" فقالوا: هذا الرجل أباح له النبي -  ﷺ  - أن يجعل تعليمه بعض القرآن لهذه المرأة عوضًا عن صداقها. وهو صريح في أن العوض على تعليم القرآن جائز. وما رد به العلماء الاستدلال بهذا الحديث من أنَّه -  ﷺ  - زوجه إياها بغير صداق إكرامًا له لحفظه ذلك المقدار من القرآن، ولم يجعل التعليم صداقًا لها -مردود بما ثبت في بعض الروايات في صحيح مسلم أنَّه -  ﷺ  - قال: \"انطلق فقد زوجتكها فعلمها من القرآن\" وفي رواية لأبي داود \"علمها عشرين آية وهي امرأتك\".\nواحتجوا أيضًا بعموم قوله -  ﷺ  - الثابت في صحيح البخاري من حديث ابن عبَّاس: \"إن أحق ما أخذتم عليه أجرًا كتاب الله\" قالوا: الحديث وإن كان واردًا في الجعل في الرقيا بكتاب الله فالعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب.\nواحتمال الفرق بين الجعل على الرقية وبين الأجرة على التعليم ظاهر.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن الإنسان إذا لم تدعه الحاجة الضرورية فالأولى له ألا يأخذ عوضًا على تعليم القرآن، والعقائد، والحلال والحرام للأدلة الماضية، وإن دعته الحاجة أخذ بقدر الضرورة من بيت مال المسلمين؛ لأن الظاهر أن المأخوذ من بيت المال من قبيل الإعانة","vol":"3","page":30},{"text":"على القيام بالتعليم، لا من قبيل الأجرة. والأولى لمن أغناه الله أن يتعفف عن أخذ شيء في مقابل التعليم للقرآن والعقائد والحلال والحرام. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-519> قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾</span> الآية.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه أمر نبيه نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يحمل في سفينته من كل زوجين اثنين، وبين في سورة قد أفلح المؤمنون: أنَّه أمره أن يسلكهم أي يدخلهم فيها، فدل ذلك على أن فيها بيوتًا يدخل فيها الراكبون؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ ومعنى \"السلك\" أدخل فيها من كل زوجين اثنين؛ تقول العرب: سلكت الشيء في الشيء، أدخلته فيه، وفيه لغة أخرى، وهي: أسلكته فيه، رباعيًا بوزن أفعل، والثلاثية لغة القرآن؛ كقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية. وقوله: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ فِى جَيْبِكَ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِين (٢٠٠)﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذلِكَ نَسْلُكُهُ فِى قُلُوبِ الْمُجْرِمِين (٢٠٠)﴾ وقوله: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِى سَقَرَ﴾ الآية؛ ومنه قول الشاعر:\nوكنت لزاز خصمك لم أعرد ... وقد سلكوك في يوم عصيب\nومن الرباعية قول عبدِ مناف بنُ ربع الهذلي:\nحتَّى إذا أسلكوهم في قتائدة ... شلا كما تطرد الجمالة الشردا\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي أن أصل السلك","vol":"3","page":31},{"text":"الذي هو الخيط، فعل بمعنى مفعول، كذبح بمعنى مذبوح، وقتل بمعنى مقتول؛ لأن الخيط يسلك أي يدخل في الخرز لينظمه؛ كما قال العباس بنُ مرداس السلمي:\nعين تأوبها من شجوها أرق ... فالماء يغمرها طورًا وينحدر\nكأنه نظم در عند ناظمه ... تقطع السلك منه فهو منتثر\nوالله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-520> قوله تعالى: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾</span> الآية.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنَّه أمر نوحًا أن يحمل في السفينة أهله إلَّا من سبق عليه القول، أي: سبق عليه من الله القول بأنه شقي، وأنه هالك مع الكافرين.\nولم يبين هنا من سبق عليه القول منهم، ولكنه بين بعد هذا أن الذي سبق عليه القول من أهله هو ابنه وامرأته.\nقال في ابنه الذي سبق عليه القول: ﴿وَنَادَى نُوحٌ ابْنَهُ وَكَانَ فِي مَعْزِلٍ يَابُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلَا تَكُنْ مَعَ الْكَافِرِينَ (٤٢)﴾ ﴿- إلى قوله - ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿قَالَ يَانُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية.\nوقال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ -إلى قوله- مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-521> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ ارْكَبُوا فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا إِنَّ رَبِّي لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (٤١)﴾</span>","vol":"3","page":32},{"text":"ذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه نوحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أمر أصحابه الذين قيل له: احملهم فيها أن يركبوا فيها قائلًا: ﴿بِسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا﴾: أي بسم الله يكون جريها على وجه الماء، وبسم الله يكون منتهى سيرها، وهو رسوها.\nوبين في سورة الفلاح: أنَّه أمره إذا استوى على السفينة هو ومن معه أن يحمدوا الله الذي نجاهم من القوم الظالمين، ويسألوه أن ينزلهم منزلًا مباركًا؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا اسْتَوَيْتَ أَنْتَ وَمَنْ مَعَكَ عَلَى الْفُلْكِ فَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي نَجَّانَا مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢٨) وَقُلْ رَبِّ أَنْزِلْنِي مُنْزَلًا مُبَارَكًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ (٢٩)﴾.\nوبين في سورة الزخرف ما ينبغي أن يقال عند ركوب السفن وغيرها بقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾.\nومعنى قوله: ﴿مُقْرِنينَ﴾ أي مطيقين، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:\nلقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا\nوقول الآخر:\nركبتم صعبتى أشر وجبن ... ولستم للصعاب بمقرنينا\nوقول ابن هرمة:","vol":"3","page":33},{"text":"وأقرنت ما حملتني ولقلما ... يطاق احتمال الصد يا دعد والهجر\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-522> قوله تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾</span> الآية.\nذكر الله تعالى في هذه الآية الكريمة: أن السفينة تجري بنوح ومن معه في ماء عظيم، أمواجه كالجبال.\nوبين جريانها هذا في ذلك الماء الهائل في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَا الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١) لِنَجْعَلَهَا لَكُمْ تَذْكِرَةً وَتَعِيَهَا أُذُنٌ وَاعِيَةٌ (١٢) وقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا جَزَاءً لِمَنْ كَانَ كُفِرَ وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن أمواج البحر الذي أغرق الله فيه فرعون وقومه كالجبال أيضًا بقوله: ﴿فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ والطود الجبل العظيم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-523> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ </span>مِنَّا﴾ الآية.\nلم يبين هنا أمره الذي جاء الذي نجى منه هودًا والذين آمنوا معه عند مجيئه، ولكنه بين في مواضع أخر: أنَّه الإهلاك المستأصل بالريح العقيم التي أهلكهم الله بها فقطع دابرهم؛ كقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾.\nوقوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ","vol":"3","page":34},{"text":"لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-524> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا﴾</span> الآية.\nبين هذا الأمر الذي جاء بقوله: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ ونحوها من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-525> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا﴾</span> الآية.\nلم يبين هنا ما المراد بهذه البشرى التي جاءت بها رسل الملائكة إبراهيم، ولكنه أشار بعد هذا إلى أنَّها البشارة بإسحاق ويعقوب في قوله: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾ لأن البشارة بالذرية الطيبة شاملة للأم والأب، كما يدل لذلك قوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾.\nوقيل: البشرى هي إخبارهم له بأنهم أرسلوا لإهلاك قوم لوط، وعليه فالآيات المبينة لها كقوله هنا في السورة: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١)﴾.","vol":"3","page":35},{"text":"والظاهر القول الأول: وهذه الآية الأخيرة تدل عليه؛ لأن فيها التصريح بأن إخبارهم بإهلاك قوم لوط بعد مجيئهم بالبشرى؛ لأنه مرتب عليه بأداة الشرط التي هي \"لما\" كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-526> قوله تعالى: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩) فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن إبراهيم لما سلم على رسل الملائكة وكان يظنهم ضيوفا من الآدميين، أسرع إليهم بالإتيان بالقِرَى - وهو لحم عجل حنيذ -أي منضج بالنار- وأنهم لما لم يأكلوا أوجس منهم خيفة، فقالوا: لا تخف وأخبروه بخبرهم.\nوبين في الذاريات: أنَّه راغ إلى أهله -أي مال إليهم- فجاء بذلك العجل وبين أنَّه سمين، وأنه قربه إليهم، وعرض عليهم الأكل برفق فقال لهم: ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧)﴾ وأنه أوجس منهم خيفة، وذلك في قوله: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦) فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ (٢٧) فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ الآية.\n\nتنبيه\nيؤخذ من قصة إبراهيم مع ضيفه هؤلاء أشياء من آداب الضيافة.\nمنها: تعجيل القرى لقوله: ﴿فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾.\nومنها: كون القرى من أحسن ما عنده؛ لأنهم ذكروا أن الذي","vol":"3","page":36},{"text":"عنده البقر وأطيبه لحمًا الفتي السمين المنضج.\nومنها: تقريب الطَّعام إلى الضيف.\nومنها: ملاطفته بالكلام بغاية الرفق، كقوله ﴿أَلَا تَأْكُلُونَ﴾.\nومعنى قوله: ﴿نَكِرَهُمْ﴾ أي أنكرهم لعدم أكلهم، والعرب تطلق نكر وأنكر بمعنى واحد، وقد جمعهما قول الأعشى:\nوأنكرتني وما كان الذي نكرت ... من الحوادث إلَّا الشيب والصلعا\nوروي عن يونس: أن أبا عمرو بنُ العلاء حدثه: أنَّه صنع هذا البيت وأدخله في شعر الأعشى. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-527> قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ (٧٢)﴾</span> بين الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة ما قالته امرأة إبراهيم لما بشرت بالولد وهي عجوز، ولم يبين هنا ما فعلت عند ذلك، ولكنه بين ما فعلت في الذاريات بقوله: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿فِى صَرَّةٍ﴾ أي ضجة وصيحة. وقوله: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا﴾ أي لطمته.\nقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾.\nلم يبين هنا ما جادل به إبراهيم الملائكة في قوم لوط، ولكنه أشار إليه في العنكبوت بقوله: ﴿قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية.\nفحاصل جداله لهم أنَّه يقول: إن أهلكتم القرية وفيها أحد","vol":"3","page":37},{"text":"من المؤمنين أهلكتم ذلك المؤمن بغير ذنب، فأجابوه عن هذا بقولهم: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية.\nونظير ذلك قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-528> قوله تعالى: ﴿يَاإِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُودٍ (٧٦)﴾</span>.\nهذا العذاب الذي صرح هنا بأنه آت قوم لوط لا محالة، وأنه لا مرد له بينه في مواضع متعددة، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وقوله في الحجر: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ دَمَّرْنَا الْآخَرِينَ (١٧٢) وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾، وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-529> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن لوطًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءته رسل ربه من الملائكة حصلت له بسبب مجيئهم مساءة عظيمة ضاق صدره بها، وأشار في مواضع متعددة إلى أن سبب مساءته وكونه ضاق بهم ذرعًا، وقال: هذا","vol":"3","page":38},{"text":"يوم عصيب أنَّه ظن أنهم ضيوف من بني آدم كما ظنه إبراهيم عليهما الصلاة والسلام، وظن أن قومه ينتهكون حرمة ضيوفه فيفعلون بهم فاحشة اللواط؛ لأنهم إن علموا بقدوم ضيف فرحوا واستبشروا به ليفعلوا به الفاحشة المذكورة، فمن ذلك قوله هنا: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ قَالَ يَاقَوْمِ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ فِي ضَيْفِي أَلَيْسَ مِنْكُمْ رَجُلٌ رَشِيدٌ (٧٨) قَالُوا لَقَدْ عَلِمْتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنْ حَقٍّ وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ (٧٩)﴾.\nوقوله في الحجر: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧) قَالَ إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨) وَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تُخْزُونِ (٦٩) قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالمِينَ (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٧١) لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾.\nوقوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ أي يسرعون ويهرولون من فرحهم بذلك، ومنه قول مهلهل:\nفجاءوا يهرعون وهم أسارى ... تقودهم على رغم الأنوف\nوقوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ أي لا تهينون ولا تذلون بانتهاك حرمة ضيفي، والاسم منه: الخزي -بكسر الخاء وإسكان الزاي-؛ ومنه قول حسان في عتبة بنُ أبي وقاص:\nفأخزاك ربي يا عتيب بنُ مالك ... ولقاك قبل الموت إحدى الصواعق\nوقال بعض العلماء: قوله: ﴿وَلَا تُخْزُونِ﴾ من الخزاية، وهي الخجل والاستحياء من الفضيحة؛ أي لا تفعلوا بضيفي ما يكون سببًا في خجلي واستحيائي، ومنه قول ذي الرمة يصف ثورًا وحشيًا","vol":"3","page":39},{"text":"تطارده الكلاب في جانب حبل من الرمل:\nحتَّى إذا دومت في الأرض راجعة ... كبر ولو شاء نجى نفسه الهرب\nخزاية أدركته بعد جولته ... من جانب الحبل مخلوطًا بها الغضب\nيعني أن هذا الثور لو شاء نجا من الكلاب بالهرب، ولكنه استحيا وأنف الهروب فكر راجعًا إليها، ومنه قوله الآخر:\nأجاعلة أم الثوير خزاية ... عليّ فراري أن لقيت بني عبس\nوالفعل منه: خزي يخزى، كرضي يرضى. ومنه قول الشاعر:\nمن البيض لا تخزى إذا الريح ألصقت ... بها مرطها أو زايل الحَلْي جيدها\nوقول الآخر:\nوأني لا أخزى إذا قيل: مملق ... سخي وأخزى أن يقال: بخيل\nوقوله: ﴿لَعَمُركَ﴾ معناه أقسم بحياتك. والله جل وعلا له أن يقسم بما شاء من خلقه، ولم يقسم في القرآن بحياة أحد إلَّا نبينا -  ﷺ  -، وفي ذلك من التشريف له -  ﷺ  - ما لا يخفى.\nولا يجوز لمخلوق أن يحلف بغير الله، لقوله -  ﷺ  -: \"من كان حالفًا فليحلف بالله أو ليصمت\".\nوقوله: ﴿لَعَمْرُكَ﴾ مبتدأ خبره محذوف، أي لعمرك قسمي. وسمع عن العرب تقديم الراء على اللام في لعمرك فتقول فيها: رعملك، ومنه قول الشاعر:\nرعملك إن الطائر الواقع الذي ... تعرض لي من طائر لصدوق","vol":"3","page":40},{"text":"وقوله: ﴿لَفِي سَكْرَتِهِمْ﴾ أي عماهم وجهلهم وضلالهم، والعمه: عمى القلب، فمعنى: ﴿يَعْمَهُونَ (٧٢)﴾ يترددون متحيرين لا يعرفون حقًا من باطل، ولا نافعًا من ضار، ولا حسنًا من قبيح.\nواختلف العلماء في المراد بقول لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿هَؤُلَاءِ بَنَاتِى﴾ في الموضعين على أقوال:\nأحدها: أنَّه أراد المدافعة عن ضيفه فقط، ولم يرد إمضاء ما قال، وبهذا قال عكرمة، وأَبو عبيدة.\nالثاني: أن المراد بناته لصلبه، وأن المعنى: دعوا فاحشة اللواط، وأزوجكم بناتي. وعلى هذا فتزويج الكافر المسلمة كان جائزًا في شرعه، كما كانت بنات نبينا -  ﷺ  - تحت الكفار في أول الإسلام كما هو معروف. وقد أرسلت زينب بنت رسول الله -  ﷺ  - عقدها الذي زفتها به أمها خديجة بنت خويلد ﵂ إلى زوجها أبي العاص بنُ الربيع، أرسلته إليه في فداء زوجها أبي العاص المذكور لما أسره المسلمون كافرًا يوم بدر، والقصة مشهورة، وقد عقدها الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في مغازيه بقوله في غزوة بدر:\nوابن الربيع صهر هادي الملة ... إذ في فداه زينب أرسلت\nبعقدها الذي به أهدتها ... له خديجة وزففتها\nسرحه بعقدها وعدا ... إليه أن يردها له غدًا. الخ\nالقول الثالث: أن المراد بالبنات: جميع نساء قومه؛ لأن نبي القوم أب ديني لهم، كما يدل له قوله تعالى في نبينا -  ﷺ  -: ﴿النَّبِيُّ","vol":"3","page":41},{"text":"أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ وفي قراءة أبي بنُ كعب: \"وأزواجه أمهاتهم وهو أب لهم\" وروي نحوها عن ابن عبَّاس. وبهذا القول قال كثير من العلماء.\nوهذا القول تقربه قرينة، وتبعده أخرى. أما القرينة التي تقربه فهي: أن بنات لوط لا تسع جميع رجال قومه كما هو ظاهر، فإذا زوجهن لرجال بقدر عددهن بقي عامة رجال قومه لا أزواج لهم فيتعين أن المراد عموم نساء قومه، ويدل للعموم قوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوأما القرينة التي تبعده: فهي أن النبي ليس أبًا للكافرات، بل أَبوة الأنبياء الدينية للمؤمنين دون الكافرين، كما يدل عليه قوله: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\nوقد صرح تعالى في الذاريات: بأن قوم لوط ليس فيهم مسلم إلَّا أهل بيت واحد، وهم أهل بيت لوط، وذلك في قوله: ﴿فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-530> قوله تعالى: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠) قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن نبيه لوطًا وعظ قومه ونهاهم أن يفضحوه في ضيفه، وعرض عليهم النساء وترك الرجال، فلم يلتفتوا إلى قوله، وتمادوا فيما هم فيه من إرادة الفاحشة فقال","vol":"3","page":42},{"text":"لوط: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً﴾ الآية. فأخبرته الملائكة بأنهم رسل ربه، وأن الكفار الخبثاء لا يصلون إليه بسوء. وبين في القمر أنَّه تعالى طمس أعينهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ فَذُوقُوا عَذَابِي وَنُذُرِ (٣٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-531> قوله تعالى: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أنَّه أمر نبيه لوطًا أن يسري بأهله بقطع من الليل، ولم يبين هنا هل هو من آخر الليل، أو وسطه أو أوله، ولكنه بين في القمر أن ذلك من آخر الليل وقت السحر، وذلك في قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ ولم يبين هنا أنَّه أمره أن يكون من ورائهم وهم أمامه، ولكنه بين ذلك في الحجر بقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَاتَّبِعْ أَدْبَارَهُمْ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ وَامْضُوا حَيْثُ تُؤْمَرُونَ (٦٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ مُصِيبُهَا مَا أَصَابَهُمْ﴾.\nقرأه جمهور القراء: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالنصب، وعليه فالأمر واضح؛ لأنه استثناء من الأهل، أي أسر بأهلك إلَّا امرأتك فلا تسر بها، واتركها في قومها فإنها هالكة معهم.\nويدل لهذا الوجه قوله فيها في مواضع ﴿كَانَتْ مِنَ الغَابِرِينَ﴾ والغابر: الباقي، أي من الباقين في الهلاك.\nوقرأ أَبو عمرو وابن كثير: ﴿إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ بالرفع على أنَّه بدل","vol":"3","page":43},{"text":"من \"أحد\" وعليه فالمعنى: أنَّه أمر لوطًا أن ينهى جميع أهله عن الالتفات، إلَّا امرأته فإنه أوحي إليه أنَّها هالكة لا محالة، ولا فائدة في نهيها عن الالتفات لكونها من جملة الهالكين. وعلى قراءة الجمهور فهو لم يسر بها، وظاهر قراءة أبي عَمرو وابن كثير: أنَّه أسرى بها والتفتت فهلكت.\nقال بعض العلماء: لما سمعت هدة العذاب التفتت وقالت: واقوماه. فأدركها حجر فقتلها.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن وجه الجمع بين القراءتين المذكورتين أن السر في أمر لوط أن يسري بأهله هو النجاة من العذاب الواقع صبحًا بقوم لوط، وامرأة لوط مصيبها ذلك العذاب الذي أصاب قومها لا محالة، فنتيجة إسراء لوط بأهله لم تدخل فيها امرأته على كلا القولين، وما لا فائدة فيه كالعدم، فيستوي معنى أنَّه تركها ولم يسر بها أصلًا، وأنه أسرى بها وهلكت مع الهالكين.\nفمعنى القولين راجع إلى أنَّها هالكة وليس لها نفع في إسراء لوط بأهله؛ فلا فرق بين كونها بقيت معهم، أو خرجت وأصابها ما أصابهم، فإذا كان الإسراء مع لوط لم ينجها من العذاب، فهي ومن لم يسر معه سواء. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله: ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ وقرأه نافع وابن كثير ﴿فاسْرِ﴾ بهمزة وصل: من سرى يسري، وقرأه جمهور القراء ﴿فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ﴾ بقطع الهمزة، من أسرى الرباعي على وزن أفعل. وسرى وأسرى: لغتان وقراءتان صحيحتان سبعيتان، ومن سرى الثلاثية، قوله","vol":"3","page":44},{"text":"تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ (٤)﴾ فإن فتح ياء ﴿يَسرِ (٤)﴾ يدل على أنَّه مضارع سرى الثلاثية. وجمع اللغتين قول نابغة ذبيان:\nأسرت عليه من الجوزاء سارية ... تزجي الشمال عليها جامد البرد\nفإنه قال: أسرت، رباعية في أشهر روايتي البيت. وقوله: سارية. اسم فاعل سرى الثلاثية، وجمعهما أيضًا قول الآخر:\nحتَّى النضيرة ربة الخدر ... أسرت إليك ولم تكن تسري\nبفتح تاء \"تسري\" واللغتان كثيرتان جدًا في كلام العرب. ومصدر الرباعية الإسراء على القياس، ومصدر الثلاثية السرى -بالضم- على وزن فُعَل -بضم ثم فتح- على غير قياس، ومنه قول عبدِ الله بنُ رواحة:\nعند الصباح يحمد القوم السُّرى ... وتنجلي عنهم غيابات الكرى\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-532> قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة: أن موعد إهلاك قوم لوط وقت الصبح من تلك الليلة، وكذلك قال في الحجر في قوله: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ وزاد في الحجر أن صيحة العذاب وقعت عليهم وقت الإشراق، وهو وقت طلوع الشمس بقوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-533> قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾</span> الآية.\nاختلف العلماء في المراد بحجارة السجيل اختلافًا كثيرًا، والظاهر أنَّها حجارة من طين في غاية الشدة والقوة.","vol":"3","page":45},{"text":"والدليل على أن المراد بالسجيل: الطين قوله تعالى في الذاريات في القصة بعينها: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ (٣٤)﴾ وخير ما يفسر به القرآن: القرآن.\nوالدليل على قوتها وشدتها: أن الله ما عذبهم بها في حالة غضبه عليهم إلَّا لأن النكال بها بالغ شديد. وأيضًا فإن بعض العلماء قالوا: السجيل والسجين: أُختان، كلاهما الشديد من الحجارة والضرب. ومنه قول ابن مقبل:\nورجلة يضربون البيض ضاحية ... ضربًا تواصى به الأبطال سجينًا\nوعلى هذا، فمعنى ﴿مِنْ سِجِّيلٍ﴾: أي من طين شديد القوة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-534> قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من التفسير للعلماء: اثنان منها كلاهما يشهد له القرآن، وواحد يظهر أنَّه ضعيف.\nأما الذى يظهر أنَّه ضعيف فهو أن المعنى: أن تلك الحجارة ليست بعيدة من قوم لوط؛ أي لم تكن تخطئهم. قاله القرطبي وغيره؛ لأن هذا يكفي عنه قوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً﴾ ونحوها من الآيات.\nأما الوجهان اللذان يشهد لكل واحد منهما قرآن؛ فالأول منهما: أن ديار قوم لوط ليست ببعيدة من الكفار المكذبين لنبينا؛ فكان عليهم أن يعتبروا بما وقع لأهلها إذا مروا عليها في أسفارهم إلى الشام، ويخافوا أن يوقع الله بهم بسبب تكذيب نبينا محمد - ﷺ -","vol":"3","page":46},{"text":"مثل ما وقع من العذاب بأولئك، بسبب تكذيبهم لوطًا ﵊. والآيات الدالة على هذا كثيرة جدًا؛ كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول فالضمير في قوله: ﴿وَمَا هِيَ﴾ راجع إلى ديار قوم لوط المفهومة من المقام.\nالوجه الثاني: أن المعنى: وما تلك الحجارة التي أمطرت على قوم لوط ببعيد من الظالمين الفاعلين مثل فعلهم، فهو تهديد لمشركي العرب كالذي قبله.\nومن الآيات الدالة على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ فإن قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ ظاهر جدًا في ذلك، والآيات بنحو ذلك كثيرة.\n\nتنبيه\nاختلف العلماء في عقوبة من ارتكب فاحشة قوم لوط، وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم وما يظهر رجحانه بالدليل من ذلك، فنقول وبالله جل وعلا نستعين:\nقال بعض العلماء: الحكم في ذلك: أن يقتل الفاعل والمفعول به مطلقًا سواء كان محصنين أو بكرين، أو أحدهما محصنًا والآخر بكرًا.","vol":"3","page":47},{"text":"وممن قال بهذا القول: مالك بنُ أَنس وأصحابه، وهو أحد قولي الشَّافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.\nوحكى غير واحد إجماع الصحابة على هذا القول، إلَّا أن القائلين به اختلفوا في كيفية قتل من فعل تلك الفاحشة.\nفقال بعضهم: يقتل بالسيف، وقال بعضهم: يرجم بالحجارة، وقال بعضهم: يحرق بالنار.\nوقال بعضهم: يرفع على أعلى بناء في البلد فيرمى منه منكسًا ويتبع بالحجارة.\nوحجة من قال بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط مطلقًا: ما أخرجه الإمام أحمد، وأَبو داود، والتِّرمِذي، وابن ماجَهْ، والحاكم، والبيهقي، عن عكرمة عن ابن عبَّاس: أن النبي -  ﷺ  - قال: \"من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به\".\nقال ابن حجر: ورجاله موثقون، إلَّا أن فيه اختلافًا اه.\nوما ذكره يحيى بنُ معين من أن عمرو بنُ أبي عمرو مولى المطلب ينكر عليه حديث عكرمة هذا عن ابن عبَّاس، فيه أن عمرًا المذكور ثقة، أخرج له الشيخان ومالك كما قدمناه مستوفى.\nويعتضد هذا الحديث بما رواه سعيد بنُ جبير، ومجاهد عن ابن عبَّاس في البكر يوجد على اللوطية: أنَّه يرجم. أخرجه أَبو داود، والنَّسائي، والبيهقي.\nوبما أخرجه الحاكم، وابن ماجَهْ عن أبي هريرة، أن النبي -  ﷺ  -","vol":"3","page":48},{"text":"قال: \"اقتلوا الفاعل والمفعول به، أحصنا أو لم يحصنا\".\nقال الشوكاني: وإسناده ضعيف.\nقال ابن الطلاع في أحكامه: لم يثبت عن رسول الله -  ﷺ  - أنَّه رجم في اللواط، ولا أنَّه حكم فيه، وثبت عنه أنَّه قال: \"اقتلوا الفاعل والمفعول به\" رواه عنه ابن عبَّاس، وأَبو هريرة. اه.\nقال الحافظ: وحديث أبي هريرة لا يصح، وقد أخرجه البزار من طريق عاصم بنُ عمر العمري، عن سهيل، عن أبيه، عنه، وعاصم متروك. وقد رواه ابن ماجه من طريقه بلفظ: \"فارجموا الأعلى والأسفل\" اهـ.\nوأخرج البيهقي عن علي ﵁: أنَّه رجم لوطيًا، ثم قال: قال الشَّافعي: وبهذا نأخذ برجم اللوطي محصنًا كان أو غير محصن.\nوقال: هذا قول ابن عبَّاس. قال: وسعيد بنُ المسيب يقول: السنة أن يرجم اللوطي أحصن أو لم يحصن.\nوقال البيهقي أيضًا: وأخبرنا أَبو نصر بنُ قَتَادة، وأَبو بكر محمد بنُ إبراهيم الفارسي قالا: ثنا أَبو عمر بنُ مطر، ثنا إبراهيم ابن علي، ثنا يحيى بنُ يحيى، أنبا عبدِ العزيز بنُ أبي حازم، أنبأ داود بنُ بكر، عن محمد بنُ المنكدر، عن صفوان بنُ سليم أن خالد بنُ الوليد كتب إلى أبي بكر الصديق ﵄ في خلافته يذكر له: أنَّه وجد رجلًا في بعض نواحي العرب ينكح كما تنكح المرأة، وأن أبا بكر رضي الله تعالى عنه جمع الناس من","vol":"3","page":49},{"text":"أصحاب رسول الله -  ﷺ  - فسألهم عن ذلك، فكان من أشدهم يومئذ قولًا علي بنُ أبي طالب ﵁، قال: إن هذا ذنب لم تعص به أمة من الأمم إلَّا أمة واحدة صنع الله بها ما قد علمتم، نرى أن تحرقه بالنار فاجتمع رأي أصحاب رسول الله -  ﷺ  - على أن يحرقه بالنار، فكتب أَبو بكر ﵁ إلى خالد بنُ الوليد ﵁ يأمره أن يحرقه بالنار. هذا مرسل.\nوروي من وجه آخر عن جعفر بنُ محمد، عن أبيه، عن علي ﵁ في غير هذه القصة قال: يرجم ويحرق بالنار.\nويذكر عن ابن أبي ليلى عن رجل من همدان: أن عليًا ﵁ رجم رجلًا محصنًا في عمل قوم لوط. هكذا ذكره الثَّوري عنه مقيدًا بالإحصان. وهشيم رواه عن ابن أبي ليلى مطلقًا اهـ منه بلفظه.\nفهذه حجج القائلين بقتل الفاعل والمفعول به في اللواط.\nوحجة من قال: إن ذلك القتل بالنار هو ما ذكرناه عن أصحاب رسول الله -  ﷺ  - آنفًا.\nوحجة من قال: إن قتله بالسيف قوله -  ﷺ  -: \"فاقتلوا الفاعل والمفعول به\" والقتل إذا أطلق انصرف إلى القتل بالسيف.\nوحجة من قال: إن قتله بالرجم هو ما قدمنا من رواية سعيد ابن جبير، ومجاهد عن ابن عبَّاس: أنَّه يرجم. وما ذكره البيهقي وغيره عن علي أنَّه رجم لوطيًا، ويستأنس لذلك بأن الله رمى أهل تلك الفاحشة بحجارة السجيل.","vol":"3","page":50},{"text":"وحجة من قال: يرفع على أعلى بناء أو جبل ويلقى منكسًا ويتبع بالحجارة أن ذلك هو الذي فعله الحكيم الخبير بقوم لوط، كما قال: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا الأخير غير ظاهر، لأن قوم لوط لم يكن عقابهم على اللواط وحده، بل عليه، وعلى الكفر، وتكذيب نبيهم -  ﷺ  -، فهم قد جمعوا إلى اللواط ما هو أعظم من اللواط، وهو الكفر بالله، وإيذاء رسول الله -  ﷺ  -.\nالقول الثاني: هو أن اللواط زنى فيجلد مرتكبه مائة إن كان بكرًا، ويغرب سنة، ويرجم إن كان محصنًا. وهذا القول هو أحد قولي الشَّافعي.\nوذكر البيهقي عن الربيع بنُ سليمان: أن الشَّافعي رجع إلى أن اللواط زنى، فيجري عليه حكم الزنى، وهو إحدى الروايتين عن أحمد رحمه الله تعالى.\nورواه البيهقي عن عطاء، وعبد الله بنُ الزُّبَير ﵄، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، وسعيد بنُ المسيب، والحسن، وقتادة، والنخعي، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم.\nواحتج أهل هذا القول بما رواه البيهقي عن محمد بنُ عبدِ الرحمن، عن خالد الحذاء، عن ابن سيرين، عن أبي موسى قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"إذا أتى الرجل الرجل فهما زانيان، وإذا أتت المرأة المرأة فهما زانيتان\" أخبرنا أَبو عبدِ الله الحافظ، ثنا أَبو العباس بنُ يعقوب، ثنا يحيى بنُ أبي طالب، ثنا أَبو بدر، ثنا محمد","vol":"3","page":51},{"text":"ابن عبدِ الرحمن فذكره.\nقال الشيخ: ومحمد بنُ عبدِ الرحمن هذا لا أعرفه، وهو منكر بهذا الإسناد. انتهى منه بلفظه.\nوقال الشوكاني ﵀ في \"نيل الأوطار\" في هذا الحديث: وفي إسناده محمد بنُ عبدِ الرحمن كذبه أَبو حاتم. وقال البيهقي: لا أعرفه، والحديث منكر بهذا الإسناد.\nورواه أَبو الفتح الأزدي في الضعفاء، والطبراني في الكبير من وجه آخر عن أبي موسى، وفيه بشر بنُ المفضل البجلي وهو مجهول. وقد أخرجه أَبو داود الطيالسي في مسنده عنه اهـ منه.\nواستدل القائلون بهذا القول أيضًا بقياس اللواط على الزنى بجامع أن الكل إيلاج فرج في فرج محرم شرعًا، مشتهى طبعًا.\nورد بأن القياس لا يكون في الحدود؛ لأنها تدرأ بالشبهات. والأكثرون على جواز القياس في الحدود، وعليه درج في مراقي السعود بقوله:\nوالحد والكفارة التقدير ... جوازه فيها هو المشهور\nإلَّا أن قياس اللائط على الزاني يقدح فيه بالقادح المسمى: \"فساد الاعتبار\" لمخالفته لحديث ابن عبَّاس المتقدم: أن الفاعل والمفعول به يقتلان مطلقًا، أحصنا أو لم يحصنا، ولاشك أن صاحب الفطرة السليمة لا يشتهي اللواط، بل ينفر منه غاية النفور بطبعه كما لا يخفى.","vol":"3","page":52},{"text":"القول الثالث: أن اللائط لا يقتل ولا يحد حد الزاني، وإنَّما يعزر بالضرب والسجن ونحو ذلك. وهذا قول أبي حنيفة.\nواحتج أهل هذا القول بأن الصحابة اختلفوا فيه، واختلافهم فيه يدل على أنَّه ليس فيه نص صحيح، وأنه من مسائل الاجتهاد، والحدود تدرأ بالشبهات، قالوا: ولا يتناوله اسم الزنى؛ لأن لكل منهما اسمًا خاصًا به، كما قال الشاعر:\nمن كف ذات حر في زي ذي ذكر ... لها محبان لوطى وزناء\nقالوا: ولا يصح إلحاقه بالزنى لوجود الفارق بينهما؛ لأن الداعي في الزنى من الجانبين بخلاف اللواط، ولأن الزنى يفضي إلى الاشتباه في النسب وإفساد الفراش بخلاف اللواط.\nقال في مراقي السعود:\nوالفرق بين الأصل والفرع قدح ... إبداء مختص بالأصل قد صلح\nأو مانع في الفرع ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... ... إلخ.\nواستدل أهل هذا القول أيضًا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ فَآذُوهُمَا﴾ الآية.\nقالوا: المراد بذلك: اللواط. والمراد بالإيذاء: السب أو الضرب بالنعال. وقد أخرج عبدِ بنُ حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد: ﴿وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ﴾ قال: الرجلان الفاعلان.\nوأخرج آدم، والبيهقي في سننه عن مجاهد في قوله: ﴿فَآذُوهُمَا﴾","vol":"3","page":53},{"text":"يعني سَبًّا. قاله صاحب \"الدر المنثور\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-535> قوله تعالى: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾</span> الآية.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن نبيه شعيب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنَّه أخبر قومه: أنَّه إذا نهاهم عن شيء انتهى هو عنه، وأن فعله لا يخالف قوله.\nويفهم من هذه الآية الكريمة أن الإنسان يجب عليه أن يكون منتهيًا عما ينهى عنه غيره، مؤتمرًا بما يأمر به غيره.\nوقد بين تعالى ذلك في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾.\nوفي الصحيحين من حديث أسامة بنُ زيد ﵄ أن النبي - ﷺ - قال: \"يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه في النار، فيدور بها كما يدور الحمار برحاه، فيجتمع عليه أهل النار فيقولون: أي فلان ألست كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟! فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه\" ومعنى قوله - ﷺ -: \"فتندلق أقتابه\" أي تتدلى أمعاؤه.\nوأخرج وكيع، وابن أبي شيبة، وأحمد، وعبد بنُ حميد، والبزار، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، وأَبو نعيم في الحلية، وابن مردويه، والبيهقي في شعب الإيمان وغيرهم عن أَنس ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - \"رأيت ليلة أسري بي رجالًا","vol":"3","page":54},{"text":"تقرض شفاههم بمقاريض من نار، كلما قرضت رجعت، فقلت لجبريل: من هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء من أمتك، كانوا يأمرون الناس بالبر، وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون\" قاله صاحب الدر المنثور. اه. وقد قال الشاعر:\nلا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم\nوقد أجاد من قال:\nوغير تقي يأمر الناس بالتقى ... طبيب يداوي الناس وهو مريض\nومعلوم أن عمل الإنسان بما ينصح به غيره أدعى لقبول غيره منه؛ كما قال الشاعر:\nفإنك إذ ما تأت ما أنت آمر ... به تلف من إياه تأمر آتيا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-536> قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ (٩١)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه شعيبًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام منعه الله من الكفار، وأعز جانبه بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية من قومه الذين هم كفار.\nوهو دليل على أن المتمسك بدينه، قد يعينه الله ويعزه بنصرة قريبه الكافر، كما تعالى في مواضع أخر، كقوله في صالح وقومه: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ الآية.\nففي الآية دليل على أنهم لا قدرة لهم على أن يفعلوا السوء","vol":"3","page":55},{"text":"بصالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام إلَّا في حال الخفاء، وأنهم لو فعلوا به ذلك خفاء وسرقة لكانوا يحلفون لأوليائه الذين هم عصبته أنهم ما فعلوا به سوءًا، ولا شهدوا ذلك ولا حضروه خوفًا من عصبته، فهو عزيز الجانب بسبب عصبته الكفار.\nوقد قال تعالى لنبينا -  ﷺ  -: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ أي: آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.\nوذلك بسبب العواطف العصبية، والأواصر النسبية، ولا صلة له بالدين ألبتة؛ فكونه جل وعلا يمتن على رسوله -  ﷺ  - بإيواء أبي طالب له دليل على أن الله قد ينعم على المتمسك بدينه بنصرة قريبه الكافر، ومن ثمرات تلك العصبية النسبية قول أبي طالب:\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتَّى أوسد في التراب دفينا\nفاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... أبشر بذاك وقر منه عيونا\nوقوله أيضًا:\nونمنعه حتَّى نصرع حوله ... ونذهل عن أبنائنا والحلائل\nولهذا لما كان نبي الله لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس له عصبة في قومه الذين أرسل إليهم، ظهر فيه أثر عدم العصبة؛ بدليل قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ (٨٠)﴾.\nوهذه الآيات القرآنية تدل على أَنّ المسلمين قد تنفعهم عصبية","vol":"3","page":56},{"text":"إخوانهم الكافرين. ولما ناصر بنو المطلب بنُ عبدِ مناف بني هاشم، ولم يناصرهم بنو عبدِ شمس بنُ عبدِ مناف، وبنو نوفل بنُ عبدِ مناف عرف النبي -  ﷺ  - لبني المطلب تلك المناصرة التي هي عصبية نسبية لا صلة لها بالدين؛ فأعطاهم من خمس الغنيمة مع بني هاشم، وقال: \"إنا وبني المطلب لم نفترق في جاهلية ولا إسلام\" ومنع بني عبدِ شمس وبني نوفل من خمس الغنيمة، مع أن الجميع أولاد عبدِ مناف بنُ قصي.\nوقال أَبو طالب في بني عبدِ شمس وبني نوفل:\nجزى الله عنا عبد شمس ونوفلا ... عقوبة شر عاجل غير آجل\nبميزان قسط لا يخيس شعيرة ... له شاهد من نفسه غير عائل\nلقد سفهت أحلام قوم تبدلوا ... بني خلف قيضًا بنا والغياطل\nوالغياطل -بالغين المعجمة- ومراد أبي طالب بهم: بنو سهم ابن عمرو بنُ مصيص بنُ كعب لؤي، القبيلة المشهورة من قبائل قريش، وإنَّما سموا الغياطل؛ لأن قيس بنُ عدي بنُ سعد بنُ سهم الذي هو من سادات قريش العظام، وهو الذي يعنيه عبدِ المطلب بقوله يرقص ابنه عبدِ الله وهو صغير:\nكأنه في العز قيس بنُ عدي ... دار سعد ينتدى أهل الندى\nتزوج امرأة من كنانة تسمى \"الغيطلة\" وهي أم بعض أولاده؛ فسمي بنو سهم الغياطل؛ لأن قيس بنُ عدي المذكور سيدهم.\nفهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله قد يعين المؤمن بالكافر","vol":"3","page":57},{"text":"لتعصبه له، وربما كان لذلك أثر حسن على الإسلام والمسلمين؛ وقد يكون من منن الله على بعض أنبيائه المرسلين صلوات الله وسلامه عليهم. وفي الصحيح عنه -  ﷺ  - أنَّه قال: \"إن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر\" وفي المثل: \"اجتن الثمار وألق الخشبة في النار\".\nفإن عرفت دلالة القرآن على أن المسلم قد يُنْتَفَعُ برابطة نسب وعصبية من كافر، فاعلم أن النداء بالروابط العصبية لا يجوز؛ لإجماع المسلمين على أن المسلم لا يجوز له الدعاء بيا لبني فلان ونحوها.\nوقد ثبت في صحيح البخاري من حديث جابر ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال في تلك الدعوة: \"دعوها فإنها منتنة\" وقوله -  ﷺ  -: \"دعوها\" يدل على وجوب تركها؛ لأن صيغة افعل للوجوب -إلَّا لدليل صارف عنه، وليس هنا دليل صارف عنه. ويؤكد ذلك تعليله الأمر بتركها بأنها منتنة، وما صرح النبي -  ﷺ  - بالأمر بتركه وأنه منتن لا يجوز لأحد تعاطيه. وإنَّما الواجب على المسلمين النداء برابطة الإسلام التي هي من شدة قوتها تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد إنسان واحد؛ فهي تربطك بأخيك المسلم كربط أعضائك بعضها ببعض، قال -  ﷺ  -: \"إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\".\nوإذا تأملت قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ","vol":"3","page":58},{"text":"إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ تحققت أن الروابط النسبية تتلاشى مع الروابط الإسلامية، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ وقال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾.\nولا يخفى أن أسلافنا معاشر المسلمين إنما فتحوا البلاد ومصروا الأمصار بالرابطة الإسلامية، لا بروابط عصبية، ولا بأواصر نسبية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-537> قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾</span> الآية. قيد تعالى خلود أهل الجنَّةَ وأهل النار بالمشيئة، فقال في كل منهما: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ ثم بين عدم الانقطاع في كل منهما، فقال في خلود أهل الجنَّةَ: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.\nوقال في خلود أهل النار: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.\nومعلوم أن ﴿كُلَّمَا﴾ تقتضي التكرار بتكرر الفعل الذي بعدها.\nوقد أوضحنا هذه المسألة إيضاحًا تامًا في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾.","vol":"3","page":59},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-538>سُورة يُوسُف</span>","vol":"3","page":60},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-539> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾</span>.\nلم يبين هنا تأويل هذه الرؤيا، ولكنه بينه في هذه السورة الكريمة في قوله: ﴿فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ (٩٩) وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَاأَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ الآية. ومن المعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-540> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾</span>.\nبين الله جل وعلا أنَّه علم نبيه يوسف من تأويل الأحاديث، وصرح بذلك أيضًا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وقوله: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾.\nواختلف العلماء في المراد بتأويل الأحاديث.\nفذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بذلك تعبير الرؤيا، فالأحاديث على هذا القول هي الرؤيا، قالوا: لأنها إما حديث نفس، أو ملك، أو شيطان، وكان يوسف أعبر الناس","vol":"3","page":61},{"text":"للرؤيا. ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على خبرته بتأويل الرؤيا، كقوله: ﴿يَاصَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ (٤١)﴾. وقوله: (﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ﴾ -إلى قوله- ﴿يَعْصِرُونَ (٤٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: المراد بتأويل الأحاديث معرفة معاني كتب الله وسنن الأنبياء، وما غمض وما اشتبه على الناس من أغراضها ومقاصدها، يفسرها لهم ويشرحها، ويدلهم على مودعات حكمها.\nوسميت أحاديث؛ لأنها يحدث بها عن الله ورسله، فيقال: قال الله كذا، وقال رسوله كذا، ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (١٨٥)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ﴾ الآية.\nويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ الآية.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن الآيات المذكورة تشمل ذلك كله من تأويل الرؤيا، وعلوم كتب الله وسنن الأنبياء -والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-541> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾</span>.\nالظاهرُ أَنَّ مراد أولاد يعقوب بهذا الضلال الذي وصفوا به","vol":"3","page":62},{"text":"أباهم- عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذه الآية الكريمة -إنما هو الذهاب عن علم حقيقة الأمر كما ينبغي.\nويدل لهذا ورود الضلال بهذا المعنى في القرآن وفي كلام العرب، فمنه بهذا المعنى قوله تعالى عنهم مخاطبين أباهم: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ وقوله تعالى في نبينا -  ﷺ  -: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًا فَهَدَى﴾ أي لست عالمًا بهذه العلوم التي لا تعرف إلَّا بالوحي، فهداك إليها وعلمكها بما أوحى إليك من هذا القرآن العظيم. ومنه بهذا المعنى قول الشاعر:\nوتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم\nيعني: أنَّها غير عالمة بالحقيقة في ظنها أنَّه يبغي بها بدلًا وهو لا يبغي بها بدلًا. وليس مراد أولاد يعقوب الضلال في الدين، إذ لو أرادوا ذلك لكانوا كفارًا، وإنَّما مرادهم أن أباهم -في زعمهم- في ذهاب عن إدراك الحقيقة، وإنزال الأمر منزلته اللائقة به، حيث آثر اثنين على عشرة، مع أن العشرة أكثر نفعًا له، وأقدر على القيام بشئونه وتدبير أموره.\nواعلم أن الضلال أطلق في القرآن إطلاقين آخرين:\nأحدهما: الضلال في الدين، أي الذهاب عن طريق الحق التي جاءت بها الرسل صلوات الله عليهم وسلامه، وهذا أشهر معانيه في القرآن؛ ومنه بهذا المعنى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":63},{"text":"الثاني: إطلاق الضلال بمعنى الهلاك والغيبة، من قول العرب: ضل السمن في الطَّعام، إذا غاب فيه وهلك فيه، ولذلك تسمى العرب الدفن إضلالًا؛ لأنه تغييب في الأرض يؤول إلى استهلاك عظام الميت فيها؛ لأنها تصير رميمًا وتمتزج بالأرض. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nومن إطلاق الضلال على الغيبة قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي غاب واضمحل.\nومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:\nفآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل\nفقوله: مضلوه، يعني دافنيه. وقوله: بعين جلية، أي بخبر يقين، والجولان: جبل دفن عنده المذكور.\nومن الضلال بمعنى الغيبة والاضمحلال قول الأخطل:\nكنت القذى في موج أكدر مزبد ... قذف الأتي به فضل ضلالا\nوقول الآخر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-542> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُمْ بِأَمْرِهِمْ هَذَا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾</span>.\nأخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أوحى إلى يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أنَّه سينبئ إخوته بهذا الأمر الذي فعلوا به في حال كونهم لا يشعرون، ثم صرح في هذه السورة","vol":"3","page":64},{"text":"الكريمة بأنه جل وعلا أنجز ذلك الوعد فى قوله: ﴿قَالَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ (٨٩)﴾.\nوصرح بعدم شعورهم بأنه يوسف في قوله: ﴿وَجَاءَ إِخْوَةُ يُوسُفَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ فَعَرَفَهُمْ وَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٨)﴾.\nوهذا الذي ذكرنا أن العامل في الجملة الحالية هو قوله: ﴿لَتُنَبِّئَنَّهُمْ﴾ أي لتخبرنهم: ﴿بِأَمْرِهِمْ هَذَا﴾ في حال كونهم: ﴿لَا يَشْعُرُونَ (١٥)﴾ بأنك يوسف هو الظاهر.\nوقيل: إن عامل الحال هو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ﴾ وعليه فالمعنى: أن ذلك الإيحاء وقع في حال كونهم لا يشعرون بأنه أوحي إليه ذلك.\nوقرأ هذه الآية جمهور القراء: ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بالإفراد، وقرأ نافع ﴿غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ بصيغة الجمع، وكل شيء غيب عنك شيئًا فهو غيابة، ومنه قيل للقبر: غيابة، ومنه قول الشاعر:\nوإن أنا يومًا غيبتني غيابتي ... فسيروا بسيري في العشيرة والأهل\nوالجمع في قراءة نافع نظرا إلى تعدد أجزاء قعر الجب التي تغيب الداخل فيها عن العيان.\nواختلف العلماء في جواب \"لما\" من قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ﴾ أمثبت هو أم محذوف؟\nفقيل: هو مثبت، وهو قوله: ﴿قَالُوا يَاأَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ﴾ الآية. أي: لما كان كذا وكذا قالوا: يا أبانا، واستحسن هذا الوجه","vol":"3","page":65},{"text":"أَبو حيان.\nوقيل جواب \"لما\" هو قوله: ﴿وَأَوْحَيْنَا﴾ والواو صلة. وهذا مذهب الكوفيين، تزاد عندهم الواو في جواب \"لما، وحتى، وإذا\" وعلى ذلك خَرّجوا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ الآية، وقول امرئ القيس:\nفلما أجزنا ساحة الحي وانتحى ... بنا بطن حقف ذي ركام عقنقل\nأي لما أجزنا ساحة الحي انتحى.\nوقيل: جواب \"لما\" محذوف، وهو قول البصريين. واختلف في تقديره، فقيل: إن تقديره فعلوا به ما فعلوا من الأذى.\nوقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب عظمت فتنتهم. وقدره بعضهم: فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجب جعلوه فيها.\nواستظهر هذا الأخير أَبو حيان، لأن قوله: ﴿وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ﴾ يدل على هذا المقدر. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-543> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾</span> الآية.\nظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، هَمَّ بأن يفعل مع تلك المرأة مثل ما همت هي به منه؛ ولكن القرآن العظيم بين براءته ﵊ من","vol":"3","page":66},{"text":"الوقوع فيما لا ينبغي حيث بين شهادة كل من له تعلق بالمسألة ببراءته، وشهادة الله له بذلك واعتراف إبليس به.\nأما الذين لهم تعلق بتلك الواقعة فهم: يوسف، والمرأة، وزوجها، والنسوة، والشهود.\nأما جزم يوسف بأنه بريء من تلك المعصية فذكره تعالى في قوله: ﴿هِىَ راوَدَتْنِى عَنْ نَفْسِى﴾ وقوله: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ الآية.\nوأما اعتراف المرأة بذلك ففي قولها للنسوة: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ وقولها: ﴿الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾.\nوأما اعتراف زوج المرأة ففي قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨) يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ (٢٩)﴾.\nوأما اعتراف الشهود بذلك ففي قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦)﴾ الآية.\nوأما شهادة الله جل وعلا ببراءته ففي قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾.\nقال الفخر الرازي في تفسيره: قد شهد الله تعالى في هذه الآية الكريمة على طهارته أربع مرات.\nأولها: ﴿لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ﴾ واللام للتأكيد والمبالغة.","vol":"3","page":67},{"text":"والثاني: قوله: ﴿وَالْفَحْشَاءَ﴾ أي وكذلك لنصرف عنه الفحشاء.\nوالثالث: قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ مع أنَّه تعالى قال: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾.\nالرابع: قوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ وفيه قراءتان: قراءة باسم الفاعل، وأخرى باسم المفعول، فوروده باسم الفاعل يدل على كونه آتيًا بالطاعات والقربات مع صفة الإخلاص، ووروده باسم المفعول يدل على أن الله تعالى استخلصه لنفسه، واصطفاه لحضرته.\nوعلى كلا الوجهين: فإنه من أدل الألفاظ على كونه منزهًا عما أضافوه إليه. اه من تفسير الرازي.\nويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢٣)﴾.\nوأما إقرار إبليس بطهارة يوسف ونزاهته ففي قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ فأقر بأنه لا يمكنه إغواء المخلصين، ولاشك أن يوسف من المخلصين، كما صرح تعالى به في قوله: ﴿إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ فظهرت دلالة القرآن من جهات متعددة على براءته مما لا ينبغي.\nوقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية ما نصه: وعند هذا نقول: هؤلاء الجهال الذين نسبوا إلى يوسف ﵇ هذه الفضيحة، إن كانوا من أتباع دين الله تعالى فليقبلوا شهادة الله تعالى على طهارته، وإن كانوا من أتباع إبليس وجنوده فليقبلوا شهادة","vol":"3","page":68},{"text":"إبليس على طهارته؛ ولعلهم يقولون: كنا في أول الأمر تلامذة إبليس، إلى أن تخرجنا عليه فزدنا في السفاهة عليه؛ كما قال الخوارزمي:\nوكنت امرأ من جند إبليس فارتقى ... بي الدهر حتى صار إبليس من جندي\nفلو مات قبلي كنت أحسن بعده ... طرائق فسق ليس يحسنها بعدي\nفثبت بهذه الدلائل: أن يوسف ﵇ بريء مما يقول هؤلاء الجهال. اه. كلام الرازي.\nولا يخفى ما فيه من قلة الأدب مع من قال تلك المقالة من الصحابة وعلماء السلف الصالح؛ وعذر الرازي في ذلك هو اعتقاده أن ذلك لم يثبت عن أحد من السلف الصالح. وسترى في آخر هذا المبحث أقوال العلماء في هذه المسألة إن شاء الله تعالى.\nفإن قيل: قد بينتم دلالة القرآن على براءته ﵇ مما لا ينبغي في الآيات المتقدمة، ولكن ماذا تقولون. في قوله تعالى: ﴿وَهَمَّ بها﴾؟\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن المراد بهمّ يوسف بها خاطر قلبي صرف عنه وازع التقوى. وقال بعضهم: هو الميل الطبيعي والشهوة الغريزية المزمومة بالتقوى، وهذا لا معصية فيه؛ لأنه أمر جبلي لا يتعلق به التكليف، كما في الحديث عنه -  ﷺ  -: أنه كان يقسم بين نسائه فيعدل ثم يقول: \"اللهم هذا قسمي فيما أملك، فلا تلمني فيما لا أملك\" يعني ميل القلب الطبيعي.","vol":"3","page":69},{"text":"ومثال هذا ميل الصائم بطبعه إلى الماء البارد، مع أن تقواه تمنعه من الشرب وهو صائم. وقد قال -  ﷺ  -: \"ومن هم بسيئة فلم يعملها كتبت له حسنة كاملة\" لأنه ترك ما تميل إليه نفسه بالطبع خوفًا من الله، وامتثالًا لأمره، كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾.\nوهم بني حارثة وبني سلمة بالفرار يوم أحد، كهمِّ يوسف هذا، بدليل قوله: ﴿إِذْ هَمَّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ لأن قوله: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّهُمَا﴾ يدل على أن ذلك الهم ليس معصية؛ لأن إتباع المعصية بولاية الله لذلك العاصي إغراء على المعصية.\nوالعرب تطلق الهَم وتريد به المحبة والشهوة، فيقول الإنسان فيما لا يحبه ولا يشتهيه: هذا ما يهمني، ويقول فيما يحبه ويشتهيه: هذا أهم الأشياء إلى، بخلاف هم امرأة العزيز، فإنه همّ عزم وتصميم، بدليل أنها شقت قميصه من دبر وهو هارب عنها، ولم يمنعها من الوقوع فيما لا ينبغي إلا عجزها عنه.\nومثل هذا التصميم على المعصية: معصية يؤاخذ بها صاحبها، بدليل الحديث الثابت في الصحيح عنه -  ﷺ  - من حديث أبي بكرة: \"إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار\" قالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول؟ قال: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" فصرح -  ﷺ  - بأن تصميم عزمه على قتل صاحبه معصية أدخله الله بسببها النار.\nوأما تأويلهم همّ يوسف بأنه قارب الهَمّ، ولم يهمّ بالفعل، كقول العرب: قتلته لو لم أخف الله، أي قاربت أن أقتله، كما قاله الزمخشري.","vol":"3","page":70},{"text":"وتأويل الهم بأنه هم بضربها، أو هم بدفعها عن نفسه، فكل ذلك غير ظاهر، بل بعيد من الظاهر ولا دليل عليه.\nوالجواب الثاني: وهو اختيار أبي حيان: أن يوسف لم يقع منه هم أصلًا، بل هو منفي عنه لوجود البرهان.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الوجه الذي اختاره أبو حيان وغيره هو أجرى الأقوال على قواعد اللغة العربية؛ لأن الغالب في القرآن وفي كلام العرب: أن الجواب المحذوف يذكر قبله ما يدل عليه، كقوله: ﴿فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ أي إن كنتم مسلمين فتوكلوا عليه، فالأول: دليل الجواب المحذوف، لا نفس الجواب؛ لأن جواب الشروط، وجواب ﴿لَولا﴾ لا يتقدم، ولكن يكون المذكور قبله دليلًا عليه، كالآية المذكورة، وكقوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أي: إن كنتم صادقين فهاتوا برهانكم.\nوعلى هذا القول: فمعنى الآية: وهمّ بها لولا أن رأى برهان ربه، أي لولا أن رآه همَّ بها. فما قبل ﴿لوْلا﴾ هو دليل الجواب المحذوف، كما هو الغالب في القرآن واللغة.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا﴾ فما قبل ﴿لَوْلَا﴾ دليل الجواب، أي: لولا أن ربطنا على قلبها لكانت تبدي به.\nواعلم أن جماعة من علماء العربية أجازوا تقديم جواب ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ وهو ما قبله من قوله:","vol":"3","page":71},{"text":"﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وإلى جواز التقديم المذكور ذهب الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو العباس المبرد، وأبو زيد الأنصاري.\nوقال الشيخ أبو حيان في البحر المحيط ما نصه: والذي أختاره أن يوسف ﵇ لم يقع منه هم بها ألبتة، بل هو منفي لوجود رؤية البرهان؛ كما تقول: لقد قارفت لولا أن عصمك الله. ولا نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ متقدم عليها، وإن كان لا يقوم دليل على امتناع ذلك، بل صريح أدوات الشروط العاملة مختلف في جواز تقديم أجوبتها عليها. وقد ذهب إلى ذلك الكوفيون، ومن أعلام البصريين: أبو زيد الأنصاري، وأبو العباس المبرد.\nبل نقول: إن جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوف لدلالة ما قبله عليه، كما يقول جمهور البصريين في قول العرب: أنت ظالم إن فعلت؛ فيقدرونه إن فعلت فأنت ظالم. ولا يدل قوله: أنت ظالم على ثبوت الظلم، بل هو مثبت على تقدير وجود الفعل، وكذلك هنا التقدير: لولا أن رأى برهان ربه لهمّ بها، فكان وجود الهمّ على تقدير انتفاء رؤية البرهان، لكنه وجد رؤية البرهان فانتفى الهمّ.\nولا التفات إلى قول الزجاج: \"ولو كان الكلام ولَهمَّ بها كان بعيدًا، فكيف مع سقوط اللام؟ \" لأنه يوهم أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ هو جواب ﴿لَوْلَا﴾ ونحن لم نقل بذلك، وإنما هو دليل الجواب. وعلى تقدير أن يكون نفس الجواب فاللام ليست بلازمة، لجواز أن يأتي جواب ﴿لَوْلَا﴾ إذا كان بصيغة الماضي باللام، وبغير لام، تقول: لولا زيد لأكرمتك، ولولا زيد أكرمتك. فمن ذهب إلى أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ نفس الجواب لم يبعد.","vol":"3","page":72},{"text":"ولا التفات لقول ابن عطية: \"إن قول من قال: إن الكلام قد تم في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ﴾ كان جواب ﴿لَوْلَا﴾ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ وأن المعنى: لولا أن رأى برهان ربه لهم بها، فلم يهم يوسف ﵇. قال: وهذا قوله يرده لسان العرب وأقوال السلف\" ا هـ.\nأما قوله: يرده لسان العرب فليس كما ذكر، وقد استدل من ذهب إلى جواز ذلك بوجوده في لسان العرب، قال الله تعالى: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فقوله: ﴿إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ﴾: إما أن يتخرج على أنه الجواب على ما ذهب إليه ذلك القائل، وإما أن يتخرج على ما ذهبنا إليه من أنه دليل الجواب، والتقدير: لولا أن ربطنا على قلبها لكادت تبدي به.\nوأما أقوال السلف: فنعتقد أنه لا يصح عن أحد منهم شيء من ذلك؛ لأنها أقوال متكاذبة يناقض بعضها بعضًا، مع كونها قادحة في بعض فساق المسلمين فضلًا عن المقطوع لهم بالعصمة.\nوالذي روي عن السلف لا يساعد عليه كلام العرب؛ لأنهم قدروا جواب ﴿لَوْلَا﴾ محذوفًا، ولا يدل عليه دليل؛ لأنهم لم يقدروا لهمّ بها، ولا يدل كلام العرب إلا على أن يكون المحذوف من معنى ما قبل الشرط؛ لأن ما قبل الشرط دليل عليه اه. محل الغرض من كلام أبي حيان بلفظه.\nوقد قدمنا أن هذا القول هو أجرى الأقوال على لغة العرب، وإن زعم بعض العلماء خلاف ذلك.","vol":"3","page":73},{"text":"فبهذين الجوابين تعلم أن يوسف عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بريء من الوقوع فيما لا ينبغي، وأنه إما أن يكون لم يقع منه هم أصلًا بناء على أن الهمّ معلق بأداة الامتناع التي هي ﴿لَوْلَا﴾ على انتفاء رؤية البرهان، وقد رأى البرهان فانتفى المعلق عليه، وبانتفائه ينتفي المعلق الذي هو همه بها، كما تقدم إيضاحه في كلام أبي حيان.\nوإما أن يكون همه خاطرًا قلبيًا صرف عنه وازع التقوى، أو هو الشهوة والميل الغريزي المزموم بالتقوى كما أوضحناه. فبهذا يتضح لك أن قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ لا يعارض ما قدمنا من الآيات على براءة يوسف من الوقوع فيما لا ينبغي.\nفإذا علمت مما بينا دلالة القرآن العظيم على براءته مما لا ينبغي، فسنذكر لك أقوال العلماء الذين قالوا: إنه وقع منه بعض ما لا ينبغي، وأقوالهم في المراد (بالبرهان) فنقول: قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: أخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ قال: لما همّت به تزينت، ثم استلقت على فراشها، وهمّ بها وجلس بين رجليها يحل تُبّانه (^١)، نودي من السماء \"يا ابن يعقوب، لا تكن كطائر ينتف ريشه فيبقى لا ريش له\" فلم يتعظ على النداء شيئًا، حتى رأى برهان ربه جبريل ﵇ في صورة يعقوب عاضًا على أصبعيه، ففزع فخرجت شهوته من أنامله، فوثب\n_________\n(^١) التبان -بالضم والتشديد-: سراويل صغيرة مقدار شبر يستر العورة.","vol":"3","page":74},{"text":"إلى الباب فوجده مغلقًا، فرفع يوسف رجله فضرب بها الباب الأدنى فانفرج له، واتبعته فأدركته، فوضعت يديها في قميصه فشقته حتى بلغت عضلة ساقه، فألفيا سيدها لدى الباب.\nوأخرج ابن جرير، وأبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن هم يوسف ﵇ ما بلغ؟ قال: حل الهميان -يعني السراويل- وجلس منها مجلس الخاتن، فصيح به، يا يوسف لا تكن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! ! .\nوأخرج أبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب ﵁ في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: طمعت فيه وطمع فيها، وكان من الطمع أن هم بحل التكة، فقامت إلى صنم مكلل بالدر واليواقيت في ناحية البيت فسترته بثوب أبيض بينها وبينه، فقال: أي شيء تصنعين؟ فقالت: أستحيي من إلهي أن يراني على هذه الصورة، فقال يوسف ﵇: تستحيين من صنم لا يأكل ولا يشرب، ولا أستحي أنا من إلهي الذي هو قائم على كل نفس بما كسبت! ثم قال: لا تنالينها مني أبدًا -وهو البرهان الذي رأى.\nوأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿وَهَمَّ بِهَا﴾ قال: حل سراويله حتى بلغ ثنته (^١)، وجلس منها مجلس الرجل من امرأته، فمثل له يعقوب ﵇، فضرب بيده على صدره\n_________\n(^١) الثنة -بالتاء المثلثة المشددة المضمومة والنون-من الإنسان-: ما دون السيرة فوق العانة، أسفل البطن، وقيل: الثنة: شعر العانة.","vol":"3","page":75},{"text":"فخرجت شهوته من أنامله.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى صورة أبيه يعقوب في وسط البيت عاضًا على إبهامه، فأدبر هاربًا، وقال: وحقك يا أبت لا أعود أبدًا.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عكرمة، وسعيد بن جبير في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قالا: حل السراويل وجلس منها مجلس الخاتن، فرأى صورة فيها وجه يعقوب عاضًا على أصابعه، فدفع صدره فخرجت الشهوة من أنامله، فكل ولد يعقوب قد ولد له اثنا عشر ولدًا إلا يوسف ﵇، فإنه نقص بتلك الشهوة ولدًا فلم يولد له غير أحد عشر ولدًا.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: تمثل له يعقوب ﵇ فضرب في صدر يوسف فطارت شهوته من أطراف أنامله، فولد لكل ولد يعقوب اثنا عشر ذكرًا، غير يوسف لم يولد له إلا غلامان.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الحسن ﵁، في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى يعقوب عاضًا على أصابعه يقول: يوسف! يوسف! .\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن قتادة","vol":"3","page":76},{"text":"﵁، في الآية قال: رأى آية من آيات ربه حجزه الله بها عن معصيته؛ ذكر لنا أنه مثل له يعقوب عاضًا على أصبعيه، وهو يقول له: يا يوسف! أتهم بعمل السفهاء، وأنت مكتوب في الأنبياء! فذلك البرهان، فانتزع الله كل شهوة كانت في مفاصله.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن محمد بن سيرين ﵁، في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: مثل له يعقوب -﵇- عاضًا على أصبعيه يقول: يوسف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم خليل الرحمن، اسمك مكتوب في الأنبياء، وتعمل عمل السفهاء! .\nوأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر عن مجاهد ﵁ قال: رأى صورة يعقوب -﵇- في الجدار.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن الحسن ﵁، قال: زعموا أن سقف البيت انفرج، فرأى يعقوب عاضًا على أصبعيه.\nوأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، عن الحسن ﵁، في قوله: ﴿وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: إنه لما هم قيل له: ارفع رأسك يا يوسف، فرفع رأسه فإذا هو بصورة في سقف البيت تقول: يا يوسف! يا يوسف! أنت مكتوب في الأنبياء؛ فعصمه الله ﷿.\nوأخرج أبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن أبي صالح ﵁، قال: رأى صورة يعقوب في سقف البيت تقول:","vol":"3","page":77},{"text":"يوسف! يوسف! .\nوأخرج ابن جرير من طريق الزهريّ: أن حميد بن عبد الرحمن أخبره أن البرهان الذي رأى يوسف -﵇- هو يعقوب.\nوأخرج ابن جرير، عن القاسم بن أبي بزة، نودي: يا ابن يعقوب! لا تكونن كالطير له ريش، فإذا زنى قعد ليس له ريش! فلم يعرض للنداء وقعد، فرفع رأسه، فرأى وجه يعقوب عاضًا على أصبعه؛ فقام مرعوبًا استحياء من أبيه.\nوأخرج ابن جرير، عن علي بن بذيمة قال: كان يولد لكل رجل منهم اثنا عشر إلا يوسف -﵇- ولد له أحد عشر من أجل ما خرج من شهوته.\nوأخرج ابن جرير، عن شمر بن عطية قال: نظر يوسف إلى صورة يعقوب عاضًا على إصبعه يقول: يا يوسف! فذاك حين كف وقام.\nوأخرج ابن جرير، عن الضحاك ﵁، قال: يزعمون أنه مثل له يعقوب -﵇- فاستحيا منه.\nوأخرج ابن أبي حاتم عن الأوزاعي قال: كان ابن عباس ﵄ يقول في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: رأى آية من كتاب الله فنهته مثلت له في جدار الحائط.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن محمد بن كعب القرظي ﵁، قال: البرهان الذي رأى يوسف -﵇- ثلاث آيات من كتاب الله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا","vol":"3","page":78},{"text":"كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ وقول الله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ وقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن محمد بن كعب قال: رأى في البيت في ناحية الحائط مكتوبًا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾.\nوأخرج ابن المنذر، وأبو الشيخ، عن وهب بن منبه ﵁، قال: لما خلا يوسف وامرأة العِزيز خرجت كف بلا جسد بينهما، مكتوب عليها بالعبرانية: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، ثم رجعت مكتوبًا عليها بالعبرانية: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾ ثم انصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الثالثة مكتوبًا عليها: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢) وانصرفت الكف، وقاما مقامهما، فعادت الكف الرابعة مكتوبًا عليها بالعبرانية: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٨١)﴾ فولى يوسف -﵇- هاربًا.\nوأخرج ابن جرير عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ﴾ قال: آيات ربه، أري تمثال الملك.\nوأخرج أبو الشيخ، وأبو نعيم في الحلية، عن جعفر بن محمد ﵁ قال: لما دخل يوسف معها البيت -وفي البيت صنم من ذهب- قالت: كما أنت، حتى أغطي الصنم؛ فإني أستحيي منه، فقال يوسف: هذه تستحيي من الصنم! أنا أحق أن","vol":"3","page":79},{"text":"أستحيي من الله؟ فكف عنها وتركها. اه من الدر المنثور في التفسير بالمأثور.\nقال مقيده -عفا الله عنه-:\nهذه الأقوال التي رأيت نسبتها إلى هؤلاء العلماء منقسمة إلى قسمين:\nقسم لم يثبت نقله عمن نقل عنه بسند صحيح، وهذا لا إشكال في سقوطه.\nوقسم ثبت عن بعض من ذكر، ومن ثبت عنه منهم شيء من ذلك، فالظاهر الغالب على الظن، المزاحم لليقين: أنه إنما تلقاه عن الإسرائيليات؛ لأنه لا مجال للرأي فيه، ولم يرفع منه قليل ولا كثير إليه -  ﷺ  -.\nوبهذا تعلم أنه لا ينبغي التجرؤ على القول في نبي الله يوسف بأنه جلس بين رجلي كافرة أجنبية، يريد أن يزني بها، اعتمادًا على مثل هذه الروايات، مع أن في الروايات المذكورة ما تلوح عليه لوائح الكذب؛ كقصة الكف التي خرجت له أربع مرات، وفي ثلاث منهن لا يبالي بها؛ لأن ذلك على فرض صحته فيه أكبر زاجر لعوام الفساق، فما ظنك بخيار الأنبياء! مع أنا قدمنا دلالة القرآن على براءته من جهات متعددة، وأوضحنا أن الحقيقة لا تتعدى أحد أمرين:\nإما أن يكون لم يقع منه هم بها أصلًا، بناء على تعليق همه على عدم رؤية البرهان، وقد رأى البرهان، وإما أن يكون همه","vol":"3","page":80},{"text":"الميل الطبيعي المزموم بالتقوى، والعلم عند الله تعالى.\nواختلف العلماء في المراد بالسوء والفحشاء، اللذين ذكر الله في هذه الآية أنه صرفهما عن نبيه يوسف.\nفروى ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عبد الرحمن بن يزيد ابن جابر ﵁، في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ﴾، قال: الزنى والثناء القبيح. اه.\nوقال بعض العلماء: السوء مقدمات الفاحشة، كالقبلة، والفاحشة الزنى. وقيل: السوء جناية اليد، والفاحشة الزنى.\nوأظهر الأقوال في تقدير متعلق الكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ﴾ أي فعلنا له ذلك من إرادة البرهان، كذلك الفعل ﴿لِنَصْرِفَ﴾ واللام لام كي.\nوقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ (٢٤)﴾ قرأه نافع، وعاصم، وحمزة، والكسائي، بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، وقرأه ابن عامر، وابن كثير، وأبو عمرو، بكسر اللام بصفة اسم الفاعل -والعلم عند الله تعالى اه.\nقوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٢٦) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٧) فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾\nيفهم من هذه الآية لزوم الحكم بالقرينة الواضحة الدالة على صدق أحد الخصمين، وكذب الآخر؛ لأن ذكر الله لهذه القصة في","vol":"3","page":81},{"text":"معرض تسليم الاستدلال بتلك القرينة على براءة يوسف يدل على أن الحكم بمثل ذلك حق وصواب، لأن كون القميص مشقوقًا من جهة دبره دليل واضح على أنه هارب عنها، وهي تنوشه من خلفه، ولكنه تعالى بين في موضع آخر أن محل العمل بالقرينة ما لم تعارضها قرينة أقوى منها، فإن عارضتها قرينة أقوى منها أبطلتها، وذلك في قوله تعالى ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ لأن أولاد يعقوب لما جعلوا يوسف في غيابة الجب، جعلوا على قميصه دم سخلة؛ ليكون وجود الدم على قميصه قرينة على صدقهم في دعواهم أنه أكله الذئب.\nولاشك أن الدم قرينة على افتراس الذئب له، ولكن يعقوب أبطل قرينتهم هذه بقرينة أقوى منها، وهي عدم شق القميص، فقال: سبحان الله متى كان الذئب حليمًا كيسًا يقتل يوسف ولا يشق قميصه.\nولذا صرح بتكذيبه لهم في قوله: ﴿بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nوهذه الآيات المذكورة أصل في الحكم بالقرائن.\nومن أمثلة الحكم بالقرينة: الرجل يتزوج المرأة من غير أن يراها سابقًا؛ فتزفها إليه ولائد لا يثبت بشهادتهن أن هذه هي فلانة التي وقع عليها العقد؛ فيجوز له جماعها من غير احتياج إلى بينة تشهد على عينها أنها هي التي وقع العقد عليها؛ اعتمادًا على قرينة النكاح.\nوكالرجل ينزل ضيفًا عند قوم، فتأتيه الوليدة أو الغلام","vol":"3","page":82},{"text":"بالطعام؛ فيجوز له الأكل من غير احتياج إلى ما يثبت إذن مالك الطعام له في الأكل، اعتمادًا على القرينة، وكقول مالك، ومن وافقه: إن من شم في فيه ريح الخمر يحد حد الشارب، اعتمادًا على القرينة؛ لأن وجود ريحها في فيه قرينة على أنه شربها، وكمسائل اللوث وغير ذلك.\nوقد قدمنا في سورة المائدة صحة الاحتجاج بمثل هذه القرائن، أو وضحنا بالأدلة القرآنية أن التحقيق أن شرع من قبلنا الثابت بشرعنا شرع لنا، إلا بدليل على النسخ غاية الإيضاح -والعلم عند الله تعالى.\nوقال القرطبي -في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَاءُوا عَلَى قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ﴾.\nواستدل الفقهاء بهذه الآية في إعمال الأمارات في مسائل من الفقه، كالقسامة وغيرها.\nوأجمعوا على أن يعقوب -﵇- استدل على كذبهم بصحة القميص. وهكذا يجب على الناظر أن يلحظ الأمارات والعلامات إذا تعارضت، فما ترجح منها قضى بجانب الترجيح، وهي قوة التهمة، ولا خلاف في الحكم بها، قاله ابن العربي. اه كلام القرطبي.\nواختلف العلماء في الشاهد في قوله: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾.\nفقال بعض العلماء: هو صبي في المهد. وممن قال ذلك ابن","vol":"3","page":83},{"text":"عباس، والضحاك، وسعيد بن جبير.\nوعن ابن عباس أيضًا: أنه رجل ذو لحية، ونحوه عن الحسن.\nوعن زيد بن أسلم: أنه ابن عم لها كان حكيمًا، ونحوه عن قتادة وعكرمة. وعن مجاهد أنه ليس بإنسي ولا جان، هو خلق من خلق الله.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: قول مجاهد هذا يرده قوله تعالى: ﴿مِنْ أَهْلِهَا﴾؛ لأنه صريح في أنه إنسي من أهل المرأة.\nوأظهر الأقوال: أنه صبي، لما رواه أحمد، وابن جرير، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس ﵄، عن النبي - ﷺ - قال: \"تكلم أربعة وهم صغار: ابن ماشطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم\" اه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-544> قوله تعالى: ﴿إنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ (٢٨)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة إذا ضمت لها آية أخرى حصل بذلك بيان أن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان، والآية المذكورة هي قوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾؛ لأن قوله في النساء: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾، وقوله في الشيطان: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ يدل على أن كيدهن أعظم من كيده.\nقال القرطبي: قال مقاتل عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن كيد النساء أعظم من كيد الشيطان؛ لأن الله تعالى يقول: إن كيد الشيطان كان ضعيفًا، وقال: إن كيدكن عظيم\" اه.","vol":"3","page":84},{"text":"وقال الأديب الحسن بن أيه الحسني الشنقيطي:\nما استعظم الإله كيدهنه ... إلا لأنهن هن هنه\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-545> قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ (٣١) قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾</span> الآية.\nبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة ثناء هؤلاء النسوة على يوسف بهذه الصفات الحميدة فيما بينهن، ثم بين اعترافهن بذلك عند سؤال الملك لهن أمام الناس في قوله: ﴿قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-546> قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾</span>.\nلم يبين هنا هذا الذي أجمعوا أمرهم عليه، ولم يبين هنا أيضًا المراد بمكرهم؛ ولكنه بين في أول هذه السورة الكريمة أن الذي أجمعوا أمرهم عليه هو في غيابة الجب، وأن مكرهم هو ما فعلوه بأبيهمِ يعقوب وأخيهم يوسف؛ وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُوا بِهِ وَأَجْمَعُوا أَنْ يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَتِ الْجُبِّ﴾ -إلى قوله- ﴿وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾.\nوقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى صحة نبوة نبينا - ﷺ -؛ لأنه أنزل عليه هذا القرآن، وفصل له هذه القصة، مع أنه - ﷺ - لم يكن حاضرًا لدى أولاد يعقوب حين أجمعوا أمرهم على المكر به، وجعله في غيابة الجب، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك ما عرفه من تلقاء نفسه.","vol":"3","page":85},{"text":"والآيات المشيرة لإثبات رسالته، بدليل إخباره بالقصص الماضية التي لا يمكنه علم حقائقها إلا عن طريق الوحي كثيرة؛ كقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿ومَا كُنْتَ ثَاوِيًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nفهذه الآيات من أوضح الأدلة على أنه - ﷺ -، رسول كريم، وإن كانت المعجزات الباهرة الدالة على ذلك أكثر من الحصر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-547> قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾</span>.\nقال ابن عباس، والحسن، ومجاهد، وعامر الشعبي، وأكثر المفسرين: إن معنى هذه الآية أن أكثر الناس -وهم الكفار- ما كانوا يؤمنون بالله بتوحيدهم له في ربوبيته إلا وهم مشركون به غيره في عبادته.\nفالمراد بإيمانهم اعترافهم بأنه ربهم الذي هو خالقهم ومدبر شئونهم، والمراد بشركهم عبادتهم غيره معه، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وكقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ","vol":"3","page":86},{"text":"وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومع هذا فإنهم قالوا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ﴾.\nوهذه الآيات القرآنية تدل على أن توحيد الربوبية لا يُنقذ من الكفر إلا إذا كان معه توحيد العبادة، أي: عبادة الله وحده لا شريك له، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾.\nوفي هذه الآية الكريمة إشكال: وهو أن المقرر في علم البلاغة أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها؛ وعليه فإن عامل هذه الجملة الحالية الذي هو \"يؤمن\" مقيد بها، فيصير المعنى تقييد إيمانهم بكونهم مشركين، وهو مشكل لما بين الإيمان والشرك من المنافاة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لم أر من شفى الغليل في هذا الإشكال، والذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- أن هذا الإيمان","vol":"3","page":87},{"text":"المقيد بحال الشرك إنما هو إيمان لغوي لا شرعي؛ لأن من يعبد مع الله غيره لا يصدق عليه اسم الإيمان ألبتة شرعًا؛ أما الإيمان اللغوي فهو يشمل كل تصديق، فتصديق الكافر بأن الله هو الخالق الرازق يصدق عليه اسم الإيمان لغة مع كفره بالله، ولا يصدق عليه اسم الإيمان شرعًا.\nوإذا حققت ذلك علمت أن الإيمان اللغوي يجامع الشرك فلا إشكال في تقييده به، وكذلك الإسلام الموجود دون الإيمان في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ فهو الإسلام اللغوي؛ لأن الإسلام الشرعي لا يوجد ممن لم يدخل الإيمان في قلبه، والعلم عند الله تعالى.\nوقال بعض العلماء: \"نزلت آية: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ في قول الكفار في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك إلا شريكًا هو لك تملكه وما ملك\" وهو راجع إلى ما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-548> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾</span> ذكر الله جل وعلا في هذه الآية أن في أخبار المرسلين مع أممهم، وكيف نجى الله المؤمنين، وأهلك الكافرين عبرة لأولي الألباب، أي: عظة لأهل العقول، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ كما تقدمت الإشارة إليه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":88},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-549> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة قد يفهم منه أن السماء مرفوعة على عمد، ولكننا لا نراها، ونظير هذه الآية قوله أيضًا في أول سورة \"لقمان\": ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾.\nواختلف العلماء في قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ على قولين: أحدهما أن لها عمدًا، ولكننا لا نراها، كما يشير إليه ظاهر الآية، وممن روي عنه هذا القول ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، وغير واحد، كما قاله ابن كثير.\nوروى عن قتادة أيضًا: أن المعنى أنها مرفوعة بلا عمد أصلًا، وهو قول إياس بن معاوية، وهذا القول يدل عليه تصريحه تعالى في سورة \"الحج\" أنه هو الذي يمسكها أن تقع على الأرض في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\nقال ابن كثير: فعلى هذا يكون قوله: ﴿تَرَوْنَهَا﴾ تأكيدًا لنفي ذلك، أي هي مرفوعة بغير عمد كما ترونها كذلك، وهذا هو","vol":"3","page":89},{"text":"الأكمل في القدرة. اه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن هذا القول من قبيل السالبة لا تقتضي وجود الموضوع، والمراد أن المقصود نفي اتصاف المحكوم عليه بالمحكوم به، وذلك صادق بصورتين:\nالأولى: أن يكون المحكوم عليه موجودًا، ولكن المحكوم به منتف عنه، كقولك ليس الإنسان بحجر، فالإنسان موجود والحجرية منتفية عنه.\nالثانية: أن يكون المحكوم عليه غير موجود، فيعلم منه انتفاء الحكم عليه بذلك الأمر الوجودي، وهذا النوع من أساليب اللغة العربية، كما أوضحناه في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] ومثاله في اللغة قول امرىء القيس:\nعلى لاحِبٍ لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nأي لا منار له أصلًا حتى يهتدى به، وقوله:\nلا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر\nيعني لا أرانب فيها ولا ضباب.\nوعلى هذا فقوله: ﴿بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ أي: لا عمد لها حتى تروها. والعمد: جمع عمود على غير قياس، ومنه قول نابغة ذبيان:\nوخَيِّس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصُّفَّاح والعمد\nوالصُّفَّاح -بالضم والتشديد-: الحجر العريض.","vol":"3","page":90},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-550> قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾</span> الآية. المراد بالسيئة هنا: العقوبة وإنزال العذاب قبل الحسنة، أي قبل العافية، وقيل: الإيمان.\nوقد بين تعالى في هذه الآية أن الكفار يطلبون منه - ﷺ - أن يعجل لهم العذاب الذي يخوفهم به إن تمادوا على الكفر، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ وكقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ وكقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوسبب طلبهم لتعجيل العذاب هو العناد، وزعم أن النبي - ﷺ - كاذب فيما يخوفهم به من بأس الله وعقابه، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ وكقوله: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾ كما تقدمت الإشارة إلى هذا.\nوالمثلات: العقوبات، واحدتها مثلة.\nوالمعنى: أنهم يطلبون تعجيل العذاب تمردًا وطغيانًا، ولم يتعظوا بما أوقع الله بالأمم السالفة من المثلات -أي العقوبات-","vol":"3","page":91},{"text":"كما فعل بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، وغيرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-551> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾</span>.\nبين -جلا وعلا- في هذه الآية الكريمة أنه ذو مغفرة للناس على ظلمهم، وأنه شديد العقاب؛ فجمع بين الوعد والوعيد ليعظم رجاء الناس في فضله، ويشتد خوفهم من عقابه وعذابه الشديد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في جلب النفع، ودفع الضر، فاجتماع الخوف والطمع ادعى للطاعة، وقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ﴾ وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-552> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾</span> أي إنما عليك البلاغ والإنذار، أما هداهم وتوفيقهم فهو بيد الله تعالى، كما أن حسابهم عليه جل وعلا.\nوقد بين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكَ هُدَاهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ ونحو ذلك من الآيات.","vol":"3","page":92},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-553> قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ (٧)﴾</span>.\nأظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن المراد بالقوم الأمة، والمراد بالهادي الرسول، كما يدل له قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية. وقد أوضحنا أقوال العلماء وأدلتها في هذه الآية الكريمة في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-554> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى﴾</span> الآية. لفظة -ما- في هذه الآية يحتمل أن تكون موصولة والعائد محذوف، أي: يعلم الذي تحمله كل أنثى، وعلى هذا فالمعنى: يعلم ما تحمله من الولد على أي حال هو من ذكورة، وأنوثة، وخداج، وحسن، وقبح، وطول وقصر، وسعادة، وشقاوة إلى غير ذلك من الأحوال.\nوقد دلت على هذا المعنى آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ﴾؛ لأن ما فيه موصولة بلا نزاع، وكقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ الآية.\nويحتمل أيضًا: أن تكون لفظة -ما- في هذه الآية الكريمة مصدرية، أي يعلم حمل كل أنثى بالمعنى المصدري، وقد جاءت آيات تدل أيضًا على هذا المعنى، كقوله: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وقوله: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ وَمَا تَخْرُجُ مِنْ ثَمَرَاتٍ مِنْ أَكْمَامِهَا وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا","vol":"3","page":93},{"text":"تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾ الآية. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون لها وجهان كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع.\nوأما احتمال كون لفظة -ما- في هذه الآية استفهامية، فهو بعيد فيما يظهر لي، وإن قال به بعض أهل العلم.\nوقد دلت السنة الصحيحة على أن علم ما في الأرحام المنصوص عليه في الآيات المذكورة مما استأثر الله به دون خلقه، وذلك هو ما ثبت في صحيح البخاري من أن المراد بمفاتح الغيب في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الخمس المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ﴾ والاحتمالان المذكوران في لفظة -ما- من قوله: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ الْأَرْحَامِ﴾ الآية، جاريان أيضًا في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ فعلى كونها موصولة فيهما، فالمعنى يعلم الذي تنقصه وتزيده، وعلى كونها مصدرية، فالمعنى يعلم نقصها وزيادتها.\nواختلف العلماء في المراد بقوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ وهذه أقوالهم في الآية بواسطة نقل \"صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور\": أخرج ابن جرير عن الضحاك في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: \"هي المرأة ترى الدم في حملها\".\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ عن مجاهد في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: \"خروج الدم\"","vol":"3","page":94},{"text":"﴿وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: \"استمساكه\".\nوأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: \"أن ترى الدم في حملها\" ﴿وَمَا تَزْدَاد﴾ قال: \"في التسعة الأشهر\".\nوأخرج ابن أبي حاتم من طريق الضحاك عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ قال: ما تزداد على التسعة، وما تنقص من التسعة\".\nوأخرج ابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس ﵄ قال: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: \"ما دون تسعة أشهر ﴿وَمَا تَزدَاد﴾ فوق التسعة\".\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ يعني \"السقط\" ﴿وَمَا تَزْدَاد﴾ يقول: \"ما زادت في الحمل على ما غاضت حتى ولدته تمامًا، وذلك أن من النساء من تحمل عشرة أشهر، ومنهن من تحمل تسعة أشهر، ومنهن من تزيد في الحمل، ومنهن من تنقص، فذلك الغيض والزيادة التي ذكر الله تعالى، وكل ذلك بعلمه تعالى\".\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن الضحاك ﵁ قال: \"ما دون التسعة أشهر فهو غيض، وما فوقها فهو زيادة\".\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ عن عكرمة ﵁ قال: \"ما غاضت","vol":"3","page":95},{"text":"الرحم بالدم يومًا إلا زاد في الحمل يومًا حتى تكمل تسعة أشهر طاهرًا\".\nوأخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم عن الحسن ﵁ في قوله: ﴿وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ قال: \"السقط\".\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن جرير، وابن أبي حاتم عن مجاهد ﵁ في الآية قال: \"إذا رأت الدم هش الولد، وإذا لم تر الدم عظم الولد\" اه \"من الدر المنثور في التفسير بالمأثور\".\nوقيل: الغيض والزيادة يرجعان إلى الولد، كنقصان إصبع وغيرها وزيادة إصبع وغيرها.\nوقيل الغيض: انقطاع دم الحيض، وما تزداد بدم النفاس بعد الوضع. ذكر هذين القولين القرطبي.\nوقيل: تغيض تشتمل على واحد، وتزداد تشتمل على توأمين فأكثر.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: مرجع هذه الأقوال كلها إلى شيء واحد، وهو أنه تعالى عالم بما تنقصه الأرحام وما تزيده؛ لأن معنى تغيض: تنقص، وتزداد، أي: تأخذه زائدًا فيشمل النقص المذكور نقص العدد، ونقص العضو من الجنين، ونقص جسمه إذا حاضت عليه فتقلص، ونقص مدة الحمل بأن تسقطه قبل أمد حمله المعتاد؛ كما أن الازدياد يشمل زيادة العضو، وزيادة العدد، وزيادة جسم الجنين إن لم تحض وهي حامل، وزيادة أمد الحمل عن","vol":"3","page":96},{"text":"القدر المعتاد، والله جل وعلا يعلم ذلك كله، والآية تشمله كله.\n\nتنبيه\nأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن أقل أمد الحمل وأكثره، وأقل أمد الحيض وأكثره مأخوذ من طريق الاجتهاد؛ لأن الله استأثر بعلم ذلك لقوله: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ﴾ الآية.\nولا يجوز أن يحكم في شيء من ذلك إلا بقدر ما أظهره الله لنا، ووجد ظاهرًا في النساء نادرًا أو معتادًا، وسنذكر إن شاء الله أقوال العلماء في أقل الحمل وأكثره، وأقل الحيض وأكثره، ونرجح ما يظهر رجحانه بالدليل.\nفنقول وبالله تعالى نستعين: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر، وسيأتي بيان أن القرآن دل على ذلك؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ إن ضممت إليه قوله تعالى: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ بقي عن مدة الفصال من الثلاثين شهرًا لمدة الحمل ستة أشهر، فدل ذلك على أنها أمد للحمل يولد فيه الجنين كاملًا، كما يأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nوقد ولد عبد الملك بن مروان لستة أشهر، وهذه الأشهر الستة بالأهلة كسائر أشهر الشريعة؛ لقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ﴾ الآية.\nقال القرطبي: \"ولذلك قد روي في المذهب عن بعض أصحاب مالك، وأظنه في كتاب ابن حارث أنه إن نقص عن الأشهر","vol":"3","page":97},{"text":"الستة ثلاثة أيام فإن الولد يلحق لعلة نقص الأشهر وزيادتها. حكاه ابن عطية اه\".\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أن الشهر المعدود من أوله يعتبر على حاله من كمال أو نقصان، وأن المنكسر يتمم ثلاثين.\nأما أكثر أمد الحمل فلم يرد في تحديده شيء من كتاب ولا سنة، والعلماء مختلفون فيه، وكلهم يقول بحسب ما ظهر له من أحوال النساء.\nفذهب الإمام أحمد والشافعي: إلى أن أقصى أمد الحمل أربع سنين، وهو إحدى الروايتين المشهورتين عن مالك، والرواية المشهورة الأخرى عن مالك خمس سنين.\nوذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن أقصاه سنتان، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الثوري، وبه قالت عائشة ﵂، وعن الليث ثلاث سنين، وعن الزهريّ ست وسبع، وعن محمد بن الحكم سنة لا أكثر، وعن داود تسعة أشهر.\nوقال ابن عبد البر: هذه مسألة لا أصل لها إلا الاجتهاد والرد إلى ما عرف من أمر النساء.\nوقال القرطبي \"روى الدارقطني عن الوليد. بن مسلم قال: قلت لمالك بن أنس: إني حدثت عن عائشة أنها قالت: لا تزيد المرأة في حملها على سنتين قدر ظل المغزل\" فقال: سبحان الله من يقول هذا، هذه جارتنا امرأة محمد بن عجلان تحمل وتضع في","vol":"3","page":98},{"text":"أربع سنين، وكانت تسمى: حاملة الفيل\".\nوروى أيضًا بينما مالك بن دينار يومًا جالس إذ جاءه رجل فقال: \"يا أبا يحيى ادع لامرأتي حبلى منذ أربع سنين، قد أصبحت في كرب شديد\" فغضب مالك وأطبق المصحف ثم قال: \"ما يرى هؤلاء القوم إلا أنا أنبياء\" ثم قرأ ثم دعا ثم قال: \"اللهم هذه المرأة إن كان في بطنها ريح فأخرجه منها، وإن كان في بطنها جارية فأبدلها غلامًا فإنك تمحو وتثبت وعندك أم الكتاب\" ورفع مالك يده ورفع الناس أيديهم وجاء الرسول إلى الرجل، فقال: أدرك امرأتك فذهب الرجل فما حط مالك يده حتى طلع الرجل من باب المسجد على رقبته غلام جعد قطط ابن أربع سنين، قد استوت أسنانه ما قطعت سراره.\nوروى أيضًا أن رجلًا جاء إلى عمر بن الخطاب ﵁ فقال: \"يا أمير المؤمنين إني غبت عن امرأتي سنتين فجئت، وهي حبلى\" فشاور عمر الناس في رجمها، فقال معاذ بن جبل ﵁: \"يا أمير المؤمنين إن كان لك عليها سبيل فليس لك على ما في بطنها سبيل فاتركها حتى تضع\" فتركها فوضعت غلامًا قد خرجت ثنيتاه فعرف الرجل الشبه، فقال: \"ابني ورب الكعبة\" فقال عمر: \"عجزت النساء أن يلدن مثل معاذ، لولا معاذ لهلك عمر\" وقال الضحاك: \"وضعتني أمي وقد حملت بي في بطنها سنتين، فولدتني وقد خرجت سني\".\nويذكر عن مالك أنه حمل به في بطن أمه سنتان، وقيل: ثلاث سنين، ويقال: إن محمد بن عجلان مكث في بطن أمه ثلاث","vol":"3","page":99},{"text":"سنين فماتت به وهو يضطرب اضطرابًا شديدًا فشق بطنها، وأخرج وقد نبتت أسنانه، وقال حماد بن سلمة: إنما سمى هرم بن حيان هرمًا لأنه بقي في بطن أمه أربع سنين.\nوذكر الغزنوي أن الضحاك ولد لسنتين وقد طلعت سنه فسمى ضحاكًا.\nوعن عباد بن العوام قال: \"ولدت جارة لنا لأربع سنين غلامًا شعره إلى منكبيه فمر به طير فقال له: كش\" اه كلام القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا أنه لا حد لأكثر أمد الحمل، وهو الرواية الثالثة عن مالك، كما نقله عنه القرطبي لأن كل تحديد بزمن معين لا أصل له، ولا دليل عليه، وتحديد زمن بلا مستند صحيح لا يخفى سقوطه. والعلم عند الله تعالى.\nوأما أقل الحيض وأكثره فقد اختلف فيه العلماء أيضًا، فذهب مالك إلى أن أقل الحيض بالنسبة إلى العبادة كالصوم، ووجوب الغسل لا حد له، بل لو نزلت من المرأة قطرة دم واحدة لكانت حيضة بالنسبة إلى العبادة، أما بالنسبة إلى الاستبراء والعدة فقيل: كذلك أيضًا، والمشهور أنه يرجع في قدر ذلك للنساء العارفات بالقدر الذي يدل على براءة الرحم من الحيض.\nقال خليل بن إسحاق في مختصره الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى: ورجع في قدر الحيض هنا هل هو يوم أو بعضه -إلى قوله-: للنساء، أي: رجع في ذلك كله للنساء اه.","vol":"3","page":100},{"text":"والظاهر أنه عند مالك من قبيل تحقيق المناط، والنساء أدرى بالمناط في ذلك.\nأما أكثر الحيض عند مالك فهو بالنسبة إلى الحيضة الأولى التي لم تحض قبلها نصف شهر، ثم إن تمادى عليها الدم بعد نصف الشهر فهي مستحاضة، وأما المرأة التي اعتادت الحيض فأكثر مدة حيضها عنده هو زيادة ثلاثة أيام استظهارًا على أكثر أزمنة عادتها إن تفاوت زمن حيضها، فإن حاضت مرة ستًا، ومرة خمسًا ومرة سبعًا استظهرت بالثلاثة على السبعة، لأنها أكثر عادتها، ومحل هذا إذا لم يزد ذلك على نصف الشهر، فإن زاد على نصف الشهر فهي طاهر عند مضي نصف الشهر. وكل هذا في غير الحامل، وسيأتي الكلام في هذا المبحث إن شاء الله على الدم الذي تراه الحامل.\nهذا حاصل مذهب مالك في أقل الحيض وأكثره.\nوأما أكثر الطهر فلا حد، ولا خلاف في ذلك بين العلماء، وأقل الطهر في مذهب مالك لم يصرح به مالك، بل قال: يسأل النساء عن عدد أيام الطهر.\nوقال الشيخ أبو محمد في رسالته: إنه نحو ثمانية أيام، أو عشرة أيام.\nوقال ابن سراج: \"ينبغي أن تكون الفتوى بذلك\" لأن الشيخ أبا محمد استقرأ ذلك من \"المدونة\" وهو قول سحنون.\nوقال ابن مسلمة: \"أقل الطهر في مذهب مالك خمسة","vol":"3","page":101},{"text":"عشر يومًا\" واعتمده صاحب \"التلقين\" وجعله ابن شاس المشهور، وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره، حيث قال: وأكثره لمبتدئه نصف شهر كأقل الطهر.\nوذهب الإمام الشافعي والإمام أحمد رحمهما الله في المشهور الصحيح عنهما أن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر يومًا وهو قول عطاء، وأبي ثور.\nوأقل الطهر عند الشافعي باتفاق أصحابه خمسة عشر يومًا، ونقل الماوردي عن أكثر أهل العلم أن أقل الطهر خمسة عشر يوما، وقال النووي: أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.\nقال أبو ثور: وذلك مما لا يختلفون فيه فيما نعلم.\nوذهب الإمام أحمد إلى أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يوما. روى عنه ذلك الأثرم وأبو طالب.\nوقد قدمنا مرارًا أن أكثر الطهر لا حد له إجماعًا.\nقال النووي في شرح المهذب: ودليل الإجماع الاستقراء؛ لأن ذلك موجود مشاهد، ومن أظرفه ما نقله القاضي أبو الطيب في تعليقه قال: \"أخبرتني امرأة عن أختها أنها تحيض في كل سنة يومًا وليلة، وهي صحيحة تحبل وتلد ونفاسها أربعون يوما\".\nوذهب الإمام أبو حنيفة -﵀- إلى أن أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة. وعن أبي يوسف: أقله يومان وأكثر الثالث.","vol":"3","page":102},{"text":"وأقل الطهر عند أبي حنيفة وأصحابه: خمسة عشر يومًا، ولا حد لأكثره عنده، كما قدمنا حكاية الإجماع عليه مرارًا، ويستثنى من ذلك مراعاة المعتادة المستحاضة لزمن طهرها وحيضها.\nوعن يحيى بن أكثم: أقل الطهر تسعة عشر يومًا.\nوحكى الماوردي عن مالك ثلاث روايات في أكثر الحيض:\nإحداها: خمسة عشر، والثانية: سبعة عشر، والثالثة: غير محدودة.\nوعن مكحول: أكثر الحيض سبعة أيام، وعن عبد الملك بن الماجشون: أقل الطهر خمسة أيام. ويحكى عن نساء الماجشون: أنهن كن يحضن سبع عشرة.\nقال أحمد: \"وأكثر ما سمعنا سبع عشرة\".\nهذا حاصل أقوال العلماء في أقل الحيض وأكثره، وهذه أدلتهم.\nأما أبو حنيفة ومن وافقه، فاحتجوا لمذهبهم أن أقل الحيض ثلاثة، وأكثره عشرة بحديث وائلة بن الأسقع ﵁ عن النبي -  ﷺ  - قال: \"أقل الحيض ثلاثة أيام، وأكثره عشرة أيام\".\nوبما روي عن أبي أمامة ﵁ عن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا يكون الحيض أكثر من عشرة أيام، ولا أقل من ثلاثة أيام\".\nوبما روي عن أنس ﵁ قال: \"الحيض ثلاث، أربع، خمس، ست، سبع، ثمان، تسع، عشر\" قالوا: وأنس لا","vol":"3","page":103},{"text":"يقول هذا إلا توقيفًا. قالوا: ولأن هذا تقدير، والتقدير لا يصح إلا بتوقيف أو اتفاق، وإنما حصل الاتفاق على ثلاثة.\nورد الجمهور الاستدلال بالأحاديث المذكورة بأنها ضعيفة، لا تثبت بمثلها حجة.\nقال النووي في شرح المهذب ما نصه: \"وأما حديث وائلة وأبي أمامة، وأنس، فكلها ضعيفة متفق على ضعفها عند المحدثين. وقد أوضح ضعفها الدارقطني، ثم البيهقي في كتاب الخلافيات، ثم السنن الكبير\" اه.\nوقال ابن قدامة في المغني: حديث وائلة يرويه محمد بن أحمد الشامي، وهو ضعيف، عن حماد بن المنهال، وهو مجهول. وحديث أنس يرويه الجلد بن أيوب، وهو ضعيف.\nقال ابن عيينة: هو حديث لا أصل له.\nوقال أحمد في حديث أنس: ليس هو شيئًا، هذا من قبل الجلد بن أيوب. قيل: إن محمد بن إسحاق رواه. قال: ما أراه سمعه إلا من الحسن بن دينار، وضعفه جدًا.\nوقال يزيد بن زريع: ذاك أبو حنيفة لم يحتج إلا بالجلد بن أيوب، وحديث الجلد قد روى عن علي ﵁ ما يعارضه، فإنه قال: ما زاد على خمسة عشر استحاضة، وأقل الحيض يوم وليلة.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: فهذا حديث يعرف بالجلد ابن أيوب، وقد أنكر عليه ذلك.","vol":"3","page":104},{"text":"وقال البيهقي أيضًا: قال ابن علية: الجلد أعرابي لا يعرف الحديث.\nوقال أيضًا: قال الشافعي: نحن وأنت لا نثبت مثل حديث الجلد، ونستدل على غلط من هو أحفظ منه بأقل من هذا.\nوقال أيضًا: قال سليمان بن حرب: كان حماد يعني ابن زيد يضعف الجلد، ويقول: لم يكن يعقل الحديث.\nوروى البيهقي أيضًا بإسناده عن حماد بن زيد قال: ذهبت أنا وجرير بن حازم إلى الجلد بن أيوب فحدثنا بحديث معاوية بن قرة، عن أنس في الحائض، فذهبنا نوقفه، فإذا هو لا يفصل بين الحائض والمستحاضة.\nوروى أيضًا بإسناده عن أحمد بن سعيد الدارمي قال: سألت أبا عاصم عن الجلد بن أيوب فضعفه جدًا، وقال: كان شيخًا من مشايخ العرب تساهل أصحابنا في الرواية عنه.\nوروى البيهقي أيضًا عن عبد الله بن المبارك: أن أهل البصرة كانوا ينكرون حديث الجلد بن أيوب، ويقولون: شيخ من شيوخ العرب ليس بصاحب حديث.\nقال ابن المبارك: وأهل مصره أعلم به من غيرهم. قال يعقوب: وسمعت سليمان بن حرب، وصدقة بن الفضل، وإسحاق بن إبراهيم -وبلغني عن أحمد بن حنبل- أنهم كانوا يضعفون الجلد بن أيوب، ولا يرونه في موضع الحجة.\nوروى بإسناده أيضًا عن ابن عيينة أنه كان يقول: ما جلد؟","vol":"3","page":105},{"text":"ومن جلد؟ ومن كان جلد؟ .\nوروى بإسناده أيضًا عن عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: سمعت أبي ذكر الجلد بن أيوب فقال: ليس يسوى حديثه شيئًا ضعف الحديث اه.\nوإنما أطلنا الكلام في تضعيف هذا الأثر؛ لأنه أقوى ما جاء في الباب على ضعفه كما ترى.\nوقد قال البيهقي في السنن الكبرى: \"روي في أقل الحيض وأكثره أحاديث ضعاف قد بينت ضعفها في الخلافيات\".\nوأما حجة من قال: إن أقل الحيض يوم وليلة، وأكثره خمسة عشر، كالشافعي، وأحمد ومن وافقهما، فهي أنه لم يثبت في ذلك تحديد من الشرع، فوجب الرجوع إلى المشاهد في الوجود. والمشاهد أن الحيض لا يقل عن يوم وليلة، ولا يزيد على نصف شهر.\nقالوا: وثبت مستفيضًا عن السلف من التابعين فمن بعدهم وجود ذلك عيانًا، ورواه البيهقي وغيره عن عطاء، والحسن، وعبيد الله بن عمر، ويحيى بن سعيد، وربيعة، وشريك، والحسن ابن صالح، وعبد الرحمن بن مهدي رحمهم الله تعالى.\nقال النووي: \"فإن قيل: روى إسحاق بن راهويه عن بعضهم أن امرأة من نساء الماجشون حاضت عشرين يومًا، وعن ميمون بن مهران أن بنت سعيد بن جبير كانت تحته، وكانت تحيض من السنة شهرين.","vol":"3","page":106},{"text":"فجوابه بما أجاب به المصنف في كتابه النكت أن هذين النقلين ضعيفان.\nفالأول عن بعضهم، وهو مجهول، وقد أنكره بعضهم، وقد أنكره الإمام مالك بن أنس وغيره من علماء المدينة.\nوالثاني رواه الوليد بن مسلم، عن رجل، عن ميمون، والرجل مجهول. والله أعلم\" اه.\nوأما حجة مالك في أكثر الحيض للمبتدئة، فكحجة الشافعي وأحمد، وحجته في أكثره للمعتادة ما رواه الإمام مالك، وأحمد، والشافعي، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أم سلمة ﵂ أنها استفتت رسول الله -  ﷺ  - في امرأة تهراق الدم فقال: \"لتنظر قدر الليالي والأيام التي كانت تحيض، وقدرهن من الشهر فتدع الصلاة ثم لتغتسل ولتستثفر ثم تصلي\" اه.\nوهذا الحديث نص في الرجوع إلى عادة الحائض.\nقال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: قال النووي: إسناده على شرطهما، وقال البيهقي: هو حديث مشهور، إلا أن سليمان بن يسار لم يسمعه من أم سلمة وفي رواية لأبي داود عن سليمان أن رجلًا أخبره عن أم سلمة، وقال المنذري: لم يسمعه سليمان منها، وقد رواه موسى بن عقبة، عن نافع، عن سليمان عن مرجانة عنها. وساقه الدارقطني من طريق صخر بن جويرة، عن نافع، عن سليمان أنه حدثه رجل عنها. اه.\nوللحديث شواهد متعددة تقوى رجوع النساء إلى عادتهن في","vol":"3","page":107},{"text":"الحيض، كحديث حمنة بنت جحش، وحديث عائشة في قصة فاطمة بنت أبي حبيش.\nوأما زيادة ثلاثة أيام، فهي لأجل الاستظهار والتحري في انقضاء الحيضة، ولا أعلم لها مستندًا من نصوص الوحي الثابتة.\nوأما حجة مالك في أقل الحيض بالنسبة إلى العبادات فهي التمسك بظاهر إطلاق النصوص، ولم يرد نص صحيح في التحديد.\nوأما أقله بالنسبة إلى العدة والاستبراء فحجته فيه أنه من قبيل تحقيق المناط؛ لأن الحيض دليل عادي على براءة الرحم، فلا بد فيما طلبت فيه بالحيض الدلالة على براءة الرحم من حيض يدل على ذلك بحسب العادة المطردة، ولذا جعل الرجوع في ذلك إلى النساء العارفات بذلك؛ لأن تحقيق المناط يرجع فيه لمن هو أعرف به وإن كان لاحظ له من علوم الوحي.\nوحجة يحيى بن أكثم في قوله: \"إن أقل الطهر تسعة عشر\" هي أنه يرى أن أكثر الحيض عشرة أيام، وأن الشهر يشتمل على طهر وحيض، فعشرة منه للحيض والباقي طهر، وقد يكون الشهر تسعًا وعشرين فالباقي بعد عشرة الحيض تسعة عشر. هذا هو حاصل أدلتهم وليس على شيء منها دليل من كتاب ولا سنة يجب الرجوع إليه. وأقرب المذاهب في ذلك هو أكثرها موافقة للمشاهد ككون الحيض لا يقل عن يوم وليلة، ولا يكثر عن نصف شهر، وكون أقل الطهر نصف شهر. والله تعالى أعلم.","vol":"3","page":108},{"text":"مسألة\nاختلف العلماء في الدم الذي تراه الحامل هل هو حيض، أو دم فساد، فذهب مالك والشافعي في أصح قوليه إلى أنه حيض، وبه قال قتادة، والليث، وروي عن الزهريّ، وإسحاق وهو الصحيح عن عائشة، وذهب الإمام أبو حنيفة، والإمام أحمد إلى أنه دم فساد وعلة، وأن الحامل لا تحيض، وبه قال جمهور التابعين، منهم سعيد بن المسيب، وعطاء، والحسن، وجابر بن زيد، وعكرمة، ومحمد بن المنكدر، والشعبي، ومكحول، وحماد، والثوري، والأوزاعي، وابن المنذر، وأبو عبيد، وأبو ثور.\nواحتج من قال: إن الدم الذي تراه الحامل حيض بأنه دم بصفات الحيض في زمن إمكانه، وبأنه متردد بين كونه فسادًا لعلة، أو حيضًا، والأصل السلامة من العلة، فيجب استصحاب الأصل.\nواحتج من قال بأنه دم فساد بأدلة:\nمنها: ما جاء في بعض روايات حديث ابن عمر في طلاقه امرأته في الحيض أن النبي -  ﷺ  - قال لعمر: \"مره فليراجعها ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا\".\nوهذه الرواية أخرجها أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن الأربعة. قالوا: قد جعل -  ﷺ  - الحمل علامة على عدم الحيض، كما جعل الطهر علامة لذلك.\nومنها: حديث \"لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تستبرأ بحيضة\" رواه أحمد، وأبو داود، والحاكم من حديث أبي","vol":"3","page":109},{"text":"سعيد ﵁، وصححه الحاكم، وله شواهد، قالوا: فجعل -  ﷺ  - الحيض علامة على براءة الرحم، فدل ذلك على أنه لا يجتمع مع الحمل.\nومنها: أَنّه دم في زمن لا يعتاد فيه الحيض غالبًا، فكان غير حيض قياسًا على ما تراه اليائسة بجامع غلبة عدم الحيض في كل منهما.\nوقد قال الإمام أحمد ﵀ \"إنما يعرف النساء الحمل بانقطاع الدم\".\nومنها: أنه لو كان دم حيض ما انتفت عنه لوازم الحيض، فلما انتفت عنه دل ذلك على أنه غير حيض؛ لأن انتفاء اللازم يوجب انتفاء الملزوم، فمن لازم الحيض حرمة الطلاق، ودم الحامل لا يمنع طلاقها، للحديث المذكور آنفًا الدال على إباحة طلاق الحامل والطاهر، ومن لازم الحيض أيضًا انقضاء العدة به ودم الحامل لا أثر له فى انقضاء عدتها؛ لأنها تعتد بوضع حملها لقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وفي هذه الأدلة مناقشات ذكر بعضها النووي في شرح المهذب.\nواعلم أن مذهب مالك التفصيل في أكثر حيض الحامل فإن رأته في شهرها الثالث إلى انتهاء الخامس تركت الصلاة نصف شهر ونحوه، وفسروا نحوه بزيادة خمسة أيام فتجلس عشرين يومًا، فإن حاضت في شهرها السادس فما بعده تركت الصلاة عشرين يومًا ونحوها، وفسروا نحوها بزيادة خمسة أيام فتجلس خمسًا وعشرين؛ وفسره بعضهم بزيادة عشرة، فتجلس شهرًا، فإن حاضت الحامل","vol":"3","page":110},{"text":"قبل الدخول في الشهر الثالث، فقيل: حكمه حكم الحيض في الثالث، وقد تقدم.\nوقيل: حكمه حكم حيض غير الحامل، فتجلس قدر عادتها وثلاثة أيام استظهارًا. وإلى هذه المسألة أشار خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله: ولحامل بعد ثلاثة أشهر النصف ونحوه، وفي ستة فأكثر عشرون يومًا ونحوها، وهل ما قبل الثلاثة كما بعدها أو كالمعتادة: قولان.\nهذا هو حاصل كلام العلماء في أقل الحيض وأكثره، وأقل الطهر وأكثره، وأدلتهم في ذلك، ومسائل الحيض كثيرة، وقد بسط العلماء الكلام عليها في كتب الفروع.\n\nمسألة\nاختلف العلماء في أقل النفاس وأكثره أيضًا، فذهب مالك والشافعي إلى أن أكثره ستون يومًا، وبه قال عطاء، والأوزاعي والشعبي، وعبيد الله بن الحسن العنبري، والحجاج بن أرطاة، وأبو ثور وداود. وعن ربيعة بن أبي عبد الرحمن أنه قال: أدركت الناس يقولون: أكثر النفاس ستون يومًا.\nوذهب الإمام أبو حنيفة وأحمد إلى أن أكثره أربعون يومًا، وعليه أكثر العلماء.\nقال أبو عيسى الترمذي: أجمع أهل العلم من أصحاب النبي -  ﷺ  - ومن بعدهم على أن النساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك، فتغتسل وتصلي اه.","vol":"3","page":111},{"text":"قال الخطابي: وقال أبو عبيد: وعلى هذا جماعة الناس، وحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأنس، وعثمان بن أبي العاص، وعائذ بن عمرو، وأم سلمة، وابن المبارك، وإسحاق وأبي عبيد اه.\nوحكى الترمذي، وابن المنذر، وابن جرير، وغيرهم عن الحسن البصري أنه خمسون. وروي عن الليث أنه قال: قال بعض الناس: إنه سبعون يومًا. وذكر ابن المنذر عن الأوزاعي عن أهل دمشق: أن أكثر النفاس من الغلام ثلاثون يومًا، ومن الجارية أربعون.\nوعن الضحاك: أكثره أربعة عشر يومًا. قاله النووي.\nوأما أقل النفاس فهو عند مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة في أصح الروايات عنه لا حد له، وهو قول جمهور العلماء.\nوعن أبي حنيفة: أقله أحد عشر يومًا. وعنه أيضًا: خمسة وعشرون. وحكى الماوردي عن الثوري أقله ثلاثة أيام. وقال المزني: أقله أربعة أيام.\nوأما أدلة العلماء في أكثر النفاس وأقله، فإن حجة كل من حدد أكثره بغير الأربعين هي الاعتماد على المشاهد في الخارج، وأكثر ما شاهدوه في الخارج ستون يومًا، وكذلك حججهم في أقله فهي أيضًا الاعتماد على المشاهد في الخارج، وقد يشاهد الولد يخرج ولا دم معه، ولذا كان جمهور العلماء على أن أقله لا حد له.\nوأما حجة من حدده بأربعين، فهي ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني، والحاكم عن","vol":"3","page":112},{"text":"أم سلمة ﵂ قالت: \"كانت النفساء على عهد رسول الله -  ﷺ  - تجلس أربعين يومًا\" الحديث. روي هذا الحديث من طريق علي بن عبد الأعلى، عن أبي سهل -واسمه كثير بن زياد- عن مسة الأزدية، عن أم سلمة. وعلي بن عبد الأعلى ثقة، وأبو سهل وثقه البخاري وضعفه ابن حبان. وقال ابن حجر: لم يصب في تضعيفه. وقال في التقريب في أبي سهل المذكور: ثقة. وقال في التقريب في مسة المذكورة: مقبولة. وقال النووي في شرح المهذب في حديث أم سلمة: هذا حديث حسن رواه أبو داود، والترمذي وغيرهما.\nقال الخطابي: أثنى البخاري على هذا الحديث، ويعتضد هذا الحديث بأحاديث بمعناه من رواية أبي الدرداء، وأنس، ومعاذ، وعثمان بن أبي العاص، وأبي هريرة ﵃.\nوقال النووي أيضًا بعد هذا الكلام: \"واعتمد أكثر أصحابنا جوابًا آخر، وهو تضعيف الحديث. وهذا الجواب مردود، بل الحديث جيد كما سبق\".\nوأجاب القائلون بأن أكثر النفاس ستون عن هذا الحديث الدال على أنه أربعون بأجوبة، أوجهها عندي أن الحديث إنما يدل على أنها تجلس أربعين، ولا دلالة فيه على أن الدم إن تمادى بها لم تجلس أكثر من الأربعين، فمن الممكن أن تكون النساء المذكورة في الحديث لم يتماد الحيض (^١) بها إلا أربعين، فنص الحديث على أنها تجلس الأربعين، ولا ينافي أن الدم لو تمادى عليها أكثر من الأربعين لجلست أكثر من الأربعين، ويؤيده أن\n_________\n(^١) كذا، وهو سبق قلم صوابه: النفاس.","vol":"3","page":113},{"text":"الأوزاعي ﵀ قال: \"عندنا امرأة ترى النفاس شهرين\" وذلك مشاهد كثيرًا في النساء. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-555> قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن السر والجهر عنده سواء، وأن الاختفاء والظهور عنده أيضًا سواء؛ لأنه يسمع السر كما يسمع الجهر، ويعلم الخفي كما يعلم الظاهر، وقد أوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ وقوله: ﴿أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ الآية -إلى غير ذلك من الآيات.\nوأظهر القولين في المستخفي بالليل والسارب بالنهار: أن المستخفي هو المختفي المستتر عن الأعين، والسارب هو الظاهر البارز الذاهب حيث يشاء. ومنه قول الأخنس بن شهاب التغلبي:\nوكل أناس قاربوا قيد فحلهم ... ونحن خلعنا قيده فهو سارب\nأي ذاهب حيث يشاء ظاهر غير خاف.\nوقول قيس بن الخطيم:\nأنى سربت وكنت غير سروب ... وتقرب الأحلام غير قريب\nوقيل السارب: الداخل في السرب ليتوارى فيه، والمستخفي","vol":"3","page":114},{"text":"الظاهر، من خفاه يخفيه: إذا أظهره. ومنه قول امرئ القيس:\nخفاهن من أنفاقهن كأنما ... خفاهن وَدقٌ من عَشِيٍّ مُجَلّب\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-556> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ (١١)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه لا يغير ما بقوم من النعمة والعافية حتى يغيروا ما بأنفسهم من طاعة الله جل وعلا.\nوالمعنى: أنه لا يسلب قومًا نعمة أنعمها عليهم حتى يغيروا ما كانوا عليه من الطاعة والعمل الصالح، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ (٣٠)﴾.\nوقد بين في هذه الآية أيضًا: أنه إذا أراد قومًا بسوء فلا مرد له، وبين ذلك أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾ ونحوها من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ يصدق بأن يكون التغيير من بعضهم كما وقع يوم أحد بتغيير الرماة ما بأنفسهم فعمت البلية الجميع، وقد سئل - ﷺ -: \"أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: نعم إذا كثر الخبث\" والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-557> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾</span> الآية.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يري خلقه","vol":"3","page":115},{"text":"البرق خوفًا وطمعًا. قال قتادة: خوفًا للمسافر يخاف أذاه ومشقته، وطمعًا للمقيم يرجو بركته ومنفعته ويطمع في رزق الله.\nوعن الحسن: الخوف لأهل البحر، والطمع لأهل البر.\nوعن الضحاك: الخوف من الصواعق، والطمع في الغيث.\nوبين في موضع آخر: أن إرادته خلق البرق خوفًا وطمعًا من آياته جل وعلا، الدالة على أنه المستحق لأن يعبد وحده لا شريك له، وذلك في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-558> قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه يسجد له أهل السموات والأرض طوعًا وكرهًا، وتسجد له ظلالهم بالغدو والآصال، وذكر أيضًا سجود الظلال، وسجود أهل السموات والأرض في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ (٤٨) وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩)﴾ إلى قوله: ﴿يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.\nواختلف العلماء في المراد بسجود الظل وسجود غير المؤمنين، فقال بعض العلماء: سجود من في السموات والأرض من العام المخصوص، فالمؤمنون والملائكة يسجدون سجودًا حقيقيًا، وهو وضع الجبهة على الأرض يفعلون ذلك طوعًا، والكفار يسجدون كرهًا، أعني المنافقين لأنهم كفار في الباطن، ولا يسجدون إلا","vol":"3","page":116},{"text":"كرهًا، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾.\nوالدليل على أن سجود أهل السموات والأرض من العام المخصوص. قوله تعالى في سورة الحج: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ﴾ فقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ﴾ دليل على أن بعض الناس غير داخل في السجود المذكور، وهذا قول الحسن وقتادة، وغيرهما، وذكره الفراء، وقيل: الآية عامة، والمراد بسجود المسلمين طوعًا انقيادهم لما يريد الله منهم طوعًا، والمراد بسجود الكافرين كرهًا انقيادهم لما يريد الله منهم كرهًا؛ لأن إرادته نافذة فيهم، وهم منقادون خاضعون لصنعه فيهم، ونفوذ مشيئته فيهم وأصل السجود في لغة العرب الذل والخضوع، ومنه قول زيد في الخيل:\nبجمع تضل البلق في حجراته .... ترى الأكم فيها سجدًا للحوافر\nومنه قول العرب: أسجد إذا طأطأ رأسه وانحنى، قال حميد ابن ثور:\nفلما لوين على معصم ... وكف خضيب وأسوارها\nفضول أزمتها أسجدت ... سجود النصارى لأحبارها\nوعلى هذا القول فالسجود لغوي لا شرعي، وهذا الخلاف","vol":"3","page":117},{"text":"المذكور جار أيضًا في سجود الظلال، فقيل: سجودها حقيقي، والله تعالى قادر على أن يخلق لها إدراكًا تدرك به وتسجد لله سجودًا حقيقيًا، وقيل: سجودها ميلها بقدرة الله أول النهار إلى جهة المغرب وآخره إلى جهة المشرق، وادعى من قال هذا أن الظل لا حقيقة له لأنه خيال فلا يمكن منه الإدراك.\nونحن نقول: إن الله جل وعلا قادر على كل شيء، فهو قادر على أن يخلق للظل إدراكًا يسجد به لله تعالى سجودًا حقيقيًا، والقاعدة المقررة عند علماء الأصول هي حمل نصوص الوحي على ظواهرها إلا بدليل من كتاب أو سنة، ولا يخفى أن حاصل القولين:\nأن أحدهما: أن السجود شرعي، وعليه فهو في أهل السموات والأرض من العام المخصوص.\nوالثاني: أن السجود لغوي بمعنى الانقياد والذل والخضوع وعليه فهو باق على عمومه، والمقرر في الأصول عند المالكية والحنابلة وجماعة من الشافعية أن النص إن دار بين الحقيقة الشرعية والحقيقة اللغوية حمل على الشرعية، وهو التحقيق خلافًا لأبي حنيفة في تقديم اللغوية، ولمن قال: يصير اللفظ مجملًا لاحتمال هذا وذاك. وعقد هذه المسألة صاحب مراقي السعود بقوله:\nواللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي\nفاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب\nوقيل: المراد بسجود الكفار ... كرهًا سجود ظلالهم كرهًا،","vol":"3","page":118},{"text":"وقيل: الآية في المؤمنين فبعضهم يسجد طوعًا؛ لخفة امتثال أوامر الشرع عليه، وبعضهم يسجد كرهًا؛ لثقل مشقة التكليف عليه مع أن إيمانه يحمله على تكلف ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿بِالْغُدُوِّ﴾ يحتمل أن يكون مصدرًا، أو يحتمل أن يكون جمع غداة، والآصال جمع أصل بضمتين، وهو جمع أصيل وهو ما بين العصر والغروب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nلعمري لأنت البيت أكرم أهله ... وأقعد في أفيائه بالأصائل\n\n• قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ\nخَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ [الرعد: ١٦].\nأشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أنَّه هو المستحق لأن يعبد وحده؛ لأنه هو الخالق وحده، ولا يستحق من الخلق أن يعبدوه إلَّا من خلقهم وأبرزهم من العدم إلى الوجود؛ لأن المقصود من قوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ إنكار ذلك، وأنه هو الخالق وحده بدليل قوله بعده: ﴿قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ أي خالق كل شيء هو المستحق لأن يعبد وحده، ويبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم﴾ الآية وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وقوله: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات؛ لأن المخلوق محتاج إلى خالقه فهو عبدِ مربوب مثلك يجب عليه أن يعبد من خلقه وحده، كما يجب عليك ذلك، فأنتما سواء بالنسبة إلى وجوب عبادة الخالق وحده لا شريك له.","vol":"3","page":119},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-559> قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾</span> الآية، بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار اقترحوا عليه - ﷺ - الإتيان بآية ينزلها عليه ربه، وبَيّن هذا المعنى في مواضع متعددة كقوله: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين تعالى في موضع آخر أن في القرآن العظيم كفاية عن جميع الآيات في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ﴾ وبين في موضع آخر حكمة عدمِ إنزال آية كناقة صالح ونحوها بقوله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ﴾ الآية كما تقدمت الإشارة إليه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-560> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الْجِبَالُ أَوْ قُطِّعَتْ بِهِ الْأَرْضُ أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى﴾</span> الآية، جواب \"لو\" في هذه الآية محذوف، قال بعض العلماء: تقديره لكان هذا القرآن، وقال بعضهم: تقديره لكفرتم بالرحمن، ويدل لهذا الأخير قوله قبله: ﴿وَهمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَن﴾ وقد قدمنا شواهد حذف جواب لو في سورة البقرة، وقد قدمنا في سورة يوسف أن الغالب في اللغة العربية أن يكون الجواب المحذوف من جنس المذكور قبل الشرط، ليكون ما قبل الشرط دليلًا على الجواب المحذوف.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-561> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾</span> الآية. بين في هذه الآية الكريمة أن الرسل قبله - ﷺ - من جنس البشر يتزوجون ويلدون وليسوا ملائكة، وذلك أن الكفار استغربوا بعث آدمي من البشر، كما قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ فأخبر أنَّه يرسل","vol":"3","page":120},{"text":"البشر الذين يتزوجون ويأكلون كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدمت الإشارة إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-562> قوله تعالى: ﴿قُلْ كَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ (٤٣)﴾</span> الظاهر أن قوله: ومن عنده علم الكتاب عطف على لفظ الجلالة، وأَن المراد به أهل العلم بالتوراة والإنجيل، ويدل له قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ الآية وقوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":121},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-563>سُورة إبراهيم</span>","vol":"3","page":122},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n• في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، بَيَّن تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أنزل على نبيه - ﷺ - هذا الكتاب العظيم؛ ليخرج به الناس من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والهدى، وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدمت الإشارة إليه، وقد بين تعالى هنا أنَّه لا يخرج أحدًا من الظلمات إلى النور إلَّا بإذنه جل وعلا في قوله: ﴿بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، وأوضح في آيات أخر كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-564> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ فَيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾</span> الآية، بين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه لم يرسل رسولًا إلَّا بلغة قومه؛ لأنه لم يرسل رسولًا إلَّا إلى قومه دون غيرهم، ولكنه بين في مواضع أخر أن نبينا - ﷺ - أرسل إلى جميع الخلائق دون اختصاص بقومه ولا بغيرهم","vol":"3","page":123},{"text":"كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عموم رسالته لأهل كل لسان، فهو - ﷺ - يجب عليه إبلاغ أهل كل لسان، وقد قدمنا في سورة البقرة قول ابن عبَّاس ﵄: \"إن الله فضل محمدًا - ﷺ - على الأنبياء وعلى أهل السماء فقالوا: بم يا ابن عبَّاس فضله على أهل السماء؟ فقال: إن الله تعالى قال: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾ وقال لمحمد - ﷺ -: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّر﴾ قالوا: فما فضله على الأنبياء؟ قال: قال الله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقال الله ﷿ لمحمد - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ فأرسله إلى الجن والإنس\" ذكره أَبو محمد الدارمي في مسنده كما تقدم، وهو تفسير من ابن عبَّاس للآية بما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-565> قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾</span> الآية.\nاختلف العلماء في معنى هذه الآية الكريمة، فقال بعض العلماء: معناها أن أولئك الكفار جعلوا أيدي أنفسهم في أفواههم؛ ليعضوا عليها غيظًا وحنقًا لما جاءت به الرسل، إذ كان فيه تسفيه أحلامهم وشتم أصنامهم، وممن قال بهذا القول عبدِ الله بنُ مسعود، وعبد الرحمن بنُ زيد بنُ أسلم، واختاره ابن جرير، واستدل له بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ﴾ الآية. وهذا","vol":"3","page":124},{"text":"المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر:\nتردون في فيه غش الحسود ... حتَّى يعض على الأكف\nيعني أنهم يغيظون الحسود حتَّى يعض على أصابعه وكفيه. قال القرطبي: ومنه قول الآخر أيضًا:\nقد أفنى أنامله أزمة ... فأضحى يعض على الوظيفا\nأي أفنى أنامله عضًا، وقال الراجز:\nلو أن سلمى أبصرت تخددي ... ودقة بعظم ساقي ويدي\nوبعد أهلي وجفاء عودي ... عضت من الوجد بأطراف اليد\nوفي الآية الكريمة أقوال غير هذا.\nمنها: أنهم لما سمعوا كتاب الله عجبوا ورجعوا بأيديهم إلى أفواههم من العجب، ويروى عن ابن عبَّاس.\nومنها: أنهم كانوا إذا قال لهم نبيهم: أنا رسول الله إليكم، أشاروا بأصابعهم إلى أفواههم أن اسكت تكذيبًا له وردًا لقوله، ويروى هذا عن أبي صالح.\nومنها: أن معنى الآية أنهم ردوا على الرسل قولهم، وكذبوهم بأفواههم، فالضمير الأول للرسل، والثاني للكفار، وعلى هذا القول \"في\" بمعنى الباء، ويُروى هذا القول عن مجاهد، وقَتَادة، ومحمد بنُ كعب.\nقال ابن جرير: وتوجيهه أن \"في\" هنا بمعنى الباء قال: وقد","vol":"3","page":125},{"text":"سُمع من العرب أدخلك الله بالجنة. يعنون في الجنَّةَ، وقال الشاعر:\nوأرغب فيها عن لقيط ورهطه ... ولكنني عن سنبس لست أرغب\nيريد وأرغب بها.\nقال ابن كثير ويؤيد هذا القول تفسير ذلك بتمام الكلام، وهو قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر عندي خلاف ما استظهره ابن كثير رحمه الله تعالى؛ لأن العطف بالواو يقتضي مغايرة ما بعده لما قبله، فيدل على أن المراد بقوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ﴾ الآية. غير التصريح بالتكذيب بالأفواه، والعلم عند الله تعالى، وقيل: المعنى أن الكفار جعلوا أيديهم في أفواه الرسل ردًا لقولهم، وعليه فالضمير الأول للكفار، والثاني للرسل، ويروى هذا عن الحسن، وقيل: جعل الكفار أيدي الرسل على أفواه الرسل ليسكتوهم ويقطعوا كلامهم، ويروى هذا عن مقاتل، وقيل: رد الرسل أيدي الكفار في أفواههم وقيل غير ذلك، فقد رأيت الأقوال وما يشهد له القرآن منها. والعلم عند الله تعالى.\n\nتنبيه\nجمع الفم مكسرًا على أفواه يدل على أن أصله فوه فحذفت الفاء والواو وعوضت عنهما الميم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-566> قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾</span> صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار صرحوا","vol":"3","page":126},{"text":"للرسل بأنهم كافرون بهم، وأنهم شاكون فيما جاءوهم به من الوحي وقد نص تعالى على بعضهم بالتعيين أنهم صرحوا بالكفر به، وأنهم شاكون فيما يدعوهم إليه، كقول قوم صالح له: ﴿أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا وَإِنَّنَا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٦٢)﴾ وصرحوا بالكفر به في قوله: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر عموم في آية، ثم يصرح في آية أخرى بدخول بعض أفراد ذلك العموم فيه، كما هنا، وكما تقدم المثال له بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-567> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار توعدوا الرسل بالإخراج من أرضهم، والنفي من بين أظهرهم إن لم يتركوا ما جاءوا به من الوحي، وقد نص في آيات أخر أيضًا على بعض ذلك مفصلًا، كقوله من قوم شعيب: ﴿لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ وقوله عن مشركي قريش: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الْأَرْضِ لِيُخْرِجُوكَ مِنْهَا وَإِذًا لَا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا (٧٦)﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ","vol":"3","page":127},{"text":"يُخْرِجُوكَ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٣٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-568> قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ (١٤)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه أوحى إلى رسله أن العاقبة والنصر لهم على أعدائهم، وأنه يسكنهم الأرض بعد إهلاك أعدائهم، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾ وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-569> قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥)﴾</span> لم يبين هنا كيفية خيبة الجبار العنيد، ولكنه أشار إلى معنى خيبته وبعض صفاته القبيحة في قوله في سورة \"ق\": ﴿أَلْقِيَا فِي جَهَنَّمَ كُلَّ كَفَّارٍ عَنِيدٍ (٢٤) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ مُرِيبٍ (٢٥) الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ والجبار المتجبر في نفسه، والعنيد المعاند للحق. قاله ابن كثير.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-570> قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾</span> الآية. وراء هنا بمعنى أمام كما هو ظاهر، ويدل له إطلاق وراء بمعنى أمام في القرآن وفى كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ","vol":"3","page":128},{"text":"سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي أمامهم ملك، وكان ابن عبَّاس يقرؤها كان أمامهم ملك يأخذ كل سفينة غصبًا، ومن إطلاق وراء بمعنى أمام في كلام العرب قول لبيد:\nأليس ورائي إن تراخت منيتي ... لزوم العصا تحني عليها الأصابع\nوقول الآخر:\nأترجو بنو مروان سمعي وطاعتي ... وقومي تميم والفلاة ورائيا\nوقول الآخر:\nومن ورائك يوم أنت بالغه ... لا حاضر معجز عنه ولا باد\nفوراء بمعنى أمام في الأبيات، وقال بعض العلماء: معنى من ورائه جهنم، أي: من بعد هلاكه جهنم، وعليه فوراء في الآية بمعنى بعد، ومن إطلاق وراء بمعنى بعد قول النابغة:\nحلفت فلم أترك لنفسك ريبة ... وليس وراء الله للمرء مذهب\nأي ليس بعد الله مذهب. قاله القرطبي. والأول هو الظاهر وهو الحق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-571> قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾</span> الآية ضرب الله تعالى لأعمال الكفار مثلًا في هذه الآية الكريمة برماد اشتدت به الرياح في يوم عاصف، أي: شديد الريح، فإن تلك الريح الشديدة العاصفة تطير ذلك الرماد، ولم تبق له أثرًا فكذلك أعمال الكفار، كصلات الأرحام، وقرى الضيف، والتنفيس عن المكروب، وبر الوالدين، ونحو ذلك","vol":"3","page":129},{"text":"يبطلها الكفر ويذهبها كما تطير تلك الريح ذلك الرماد، وضرب أمثالًا أخر في آيات أخر لأعمال الكفار بهذا المعنى كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ﴾ الآية، وقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٢٦٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين في موضع آخر أن الحكمة في ضربه للأمثال أن يتفكر الناس فيها فيفهموا الشيء بنظرة، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ ونظيره قوله: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾ وبين في موضع آخر أن الأمثال لا يعقلها إلَّا أهل العلم، وهو قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ وبين في موضع آخر أن المثل المضروب يجعله الله سبب هداية لقوم فهموه، وسبب ضلال لقوم لم يفهموا حكمته، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ وبين في موضع آخر أنَّه تعالى لا يستحيي أن يضرب مثلًا ما ولو كان المثل المضروب بعوضة فما فوقها، قيل: فما هو أصغر منها؛ لأنه يفوقها في الصغر، وقيل: فما فوقها، أي: فما هو","vol":"3","page":130},{"text":"أكبر منها، وهو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ولذلك ضرب المثل بالعنكبوت في قوله ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾ وضربه بالحمار في قوله: ﴿كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا﴾ الآية، وضربه بالكلب في قوله: ﴿﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ﴾ إلى غير ذلك والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-572> قوله تعالى: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾</span> هذه المحاجة التي ذكرها الله هنا عن الكفار بينها في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾ كما تقدم إيضاحه.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-573> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾</span> بين في هذه الآية أن الله وعدهم وعد الحق، وأن الشيطان وعدهم فأخلفهم ما وعدهم، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله في وعد الله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ وقوله في وعد الشيطان: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-574> قوله تعالى: ﴿تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ (٢٣)﴾</span> بيَّن في هذه الآية الكريمة أن تحية أهل الجنَّةَ في الجنَّةَ سلام، وبَيَّن في مواضع أخر أن الملائكة تحييهم بذلك، وأن بعضهم يحيى بعضًا بذلك فقال في","vol":"3","page":131},{"text":"تحية الملائكة لهم: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُم﴾ الآية، وقال: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ﴾ الآية وقال: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾ وقال في تحية بعضهم بعضا: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-575> قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾</span> هذا تهديد منه تعالى لهم بأن مصيرهم إلى النار، وذلك المتاع القليل في الدنيا لا يجدي من مصيره إلى النار، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية إلى ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-576> قوله تعالى: ﴿قُلْ لِعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خِلَالٌ (٣١)﴾</span> أمر تعالى في هذه الآية الكريمة بالمبادرة إلى الطاعات كالصلوات والصدقات من قبل إتيان يوم القيامة الذي هو اليوم الذي لا بيع فيه ولا مخالة بين خليلين فينتفع أحدهما بخلة الآخر، فلا يمكن أحدًا أن تباع له نفسه فيفديها، ولا خليل ينفع خليله يومئذ، وبين هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾","vol":"3","page":132},{"text":"الآية، ونحو ذلك من الآيات. والخلال في هذه الآية قيل: جمع خلة كقله وقلال، والخلة: المصادقة، وقيل: هو مصدر خَالَّهُ على وزن فاعل مخالة وخلالًا. ومعلوم أن فاعل ينقاس مصدرها على المفاعلة والفعال. وهذا هو الظاهر، ومنه قول امرئ القيس:\nصرفت الهوى عنهن من خشية الردى ... ولست بمقلي الخلال ولا قال\nأي: لست بمكروه المخالة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-577> قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾</span> الآية. لم يبين هنا هل أجاب دعاء نبيه إبراهيم هذا، ولكنه بين في مواضع أخر أنَّه أجابه في بعض ذريته دون بعض كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-578> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٦)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إن من تبعه فإنه منه، وأنه رد أمر من لم يتبعه إلى مشيئة الله تعالى إن شاء غفر له؛ لأنه هو الغفور الرحيم وذكر نحو هذا عن عيسى ابن مريم في قوله: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١١٨)﴾ وذكر عن نوح وموسى التشديد في الدعاء على قومهما فقال عن نوح إنه قال: ﴿رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ إلى قوله: ﴿فَاجِرًا كَفَّارًا﴾ وقال عن موسى إنه قال: ﴿رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٨٨)﴾ والظاهر أن نوحًا وموسى عليهما وعلى نبينا الصلاة","vol":"3","page":133},{"text":"والسلام ما دعوا ذلك الدعاء على قومهما إلَّا بعد أن علما من الله أنهم أشقياء في علم الله لا يؤمنون أبدًا، أما نوح فقد صرح الله تعالى له بذلك في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾ وأما موسى فقد فهم ذلك من قول قومه له: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ فإنهم قالوا هذا القول بعد مشاهدة تلك الآيات العظيمة المذكورة في الأعراف وغيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-579> قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾</span> الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام دعا لذريته الذين أسكنهم بمكة المكرمة أن يرزقهم الله من الثمرات، وبين في سورة البقرة أن إبراهيم خص بهذا الدعاء المؤمنين منهم، وأن الله أخبره أنَّه رازقهم جميعًا مؤمنهم وكافرهم، ثم يوم القيامة يعذب الكافر، وذلك بقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآية.\nقال بعض العلماء: سبب تخصيص إبراهيم المؤمنين في هذا الدعاء بالرزق أنَّه دعا لذريته أولًا أن يجعلهم الله أئمة ولم يخصص بالمؤمنين فأخبره الله أن الظالمين من ذريته لا يستحقون ذلك. قال تعالى ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ فلما أراد أن يدعو لهم بالرزق خص المؤمنين بسبب ذلك فقال: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فأخبره الله أن الرزق ليس كالإمامة، فالله يرزق الكافر من الدنيا ولا يجعله إمامًا؛ ولذا قال له","vol":"3","page":134},{"text":"في طلب الإمامة: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ولما خص المؤمنين بطلب الرزق قال له: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-580> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾</span> الآية. بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم طلب المغفرة لوالديه، وبين في آيات أخر أن طلبه الغفران لأبيه إنما كان قبل أن يعلم أنَّه عدو لله، فلما علم ذلك تبرأ منه، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-581> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه يؤخر عقاب الكفار إلى يوم تشخص فيه الأبصار من شدة الخوف، وأوضح ذلك في قوله تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. ومعنى شخوص الأبصار أنَّها تبقى منفخة لا تغمض من الهول وشدة الخوف.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-582> قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ﴾</span> الآية. الإهطاع في اللغة: الإسراع، وقد بين تعالى في مواضع أخر أنهم يوم القيامة يأتون مهطعين، أي. مسرعين إذا دعوا للحساب، كقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ الآية. وقوله: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَيْنَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومن إطلاق الإهطاع في اللغة بمعنى الإسراع قول الشاعر:\nمدجلة دارهم ولقد أراهم ... بدجلة مهطعين إلى السماع","vol":"3","page":135},{"text":"أي مسرعين إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-583> قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن المجرمين وهم الكفار يوم القيامة يقرنون في الأصفاد، وبين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوالأصفاد: هي الأغلال والقيود، واحدها: صفد بالسكون وصفد بالتحريك، ومنه قول عمرو بنُ كلثوم:\nفآبوا بالنهاب وبالسبايا ... وأبنا بالملوك مصفدينا\nومنه قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧) وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-584> قوله تعالى: ﴿وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن النار يوم القيامة تغشى وجوه الكفار فتحرقها، وأوضح ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ﴾ وقوله: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-585> قوله تعالى: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ﴾</span> الآية، بين في هذه الآية الكريمة أن هذا القرآن بلاغ لجميع الناس، وأوضح هذا المعنى في قوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وبين أن من بلغه ولم يؤمن به فهو في النار كائنًا من كان في قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الآية.","vol":"3","page":136},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-586> قوله تعالى: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن من حكم إنزال القرآن العظيم العلم بأنه تعالى إله واحد، وأن من حكمه أن يتعظ أصحاب العقول، وبين هذا في مواضع أخر، فذكر الحكمة الأولى في أول سورة هود في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١) أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه، وذكر الحكمة الثانية في قوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وهم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، واحد الألباب لب بالضم، والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":137},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-587>سُورة الحجر</span>","vol":"3","page":138},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-588> قوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾</span> ذكر في هذه الآية الكريمة أَنّ الكفار إذا عرفوا حقيقة الأمر تمنوا أَنّهم كانوا في دار الدنيا مسلمين، وندموا على كفرهم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأقوال العلماء في هذه الآية راجعة إلى شيء واحد؛ لأن من يقول: إن الكافر إذا احتضر وعاين الحقيقة تمنى أنَّه كان مسلمًا، ومن يقول: إنه إذا عاين النار، ووقف عليها تمنى أنَّه كان مسلمًا، ومن يقول: إنهم إذا عاينوا إخراج الموحدين من النار تمنوا أنهم كانوا مسلمين، كل ذلك راجع إلى أن الكفار إذا عاينوا الحقيقة ندموا على الكفر، وتمنوا أنهم كانوا مسلمين.\nوقرأ نافع وعاصم - ﴿رُبَمَا﴾ بتخفيف الباء، وقرأ الباقون بتشديدها والتخفيف لغة أهل الحجاز، والتثقيل لغة تميم، وقيس، وربيعة، ومن الأول قول عدي بنُ الرعلاء الغساني:\nربما ضربة بسيف صقيل ... بين بصرى وطعنة نجلاء","vol":"3","page":139},{"text":"والثاني كثير جدًا، ومنه قول الآخر:\nألا ربما أهدت لك العين نظرة .... قصاراك منها أنَّها عنك لا تجدى\nورب في هذا الموضع قال بعضُ العلماء: للتكثير، أي: يود الكفار في أوقات كثيرة لو كانوا مسلمين، ونقل القرطبي هذا القول عن الكوفيين. قال: ومنه قول الشاعر:\n\n• ألا ربما أهدت العين * البيت\nوقال بعض العلماء: هي هنا للتقليل؛ لأنهم قالوا ذلك في بعض المواضع، لا في كلها؛ لشغلهم بالعذاب.\nفإن قيل: ربما لا تدخل إلَّا على الماضي، فما وجه دخولها على المضارع في هذا الموضع؟ فالجواب أن الله تعالى لما وعد بوقوع ذلك صار ذلك الوعد للجزم بتحقيق وقوعه كالواقع بالفعل، ونظيره قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ الآية ونحوها من الآيات، فعبر بالماضي تنزيلًا لتحقيق الوقوع منزلة الوقوع بالفعل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-589> قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾</span> هدّد الله تعالى الكفار في هذه الآية الكريمة بأمره نبيه - ﷺ - أن يتركهم يأكلون ويتمتعون، فسوف يعلمون حقيقة ما يئول إليه الأمر من شدة تعذيبهم وإهانتهم، وهددهم هذا النوع من التهديد في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ","vol":"3","page":140},{"text":"الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد تقرر في فن المعاني، وفي مبحث الأمر عند الأصوليين، أَنَّ من المعاني التي تأتي لها صيغة أفعل التهديد، كما في الآية المذكورة، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَذَرْهُمْ﴾ يعني اتركهم، وهذا الفعل لم يستعمل منه إلَّا الأمر والمضارع فماضيه ترك، ومصدره الترك، واسم الفاعل منه تارك، واسم المفعول منه متروك، وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بآيات السيف والعلمُ عند الله تعالى.\nقال القرطبي: \"والأمل الحرص على الدنيا والانكباب عليها والحب لها والإعراض عن الآخرة\" وعن الحسن ﵀ أنَّه قال: \"ما أطال عبدِ الأمل إلَّا أساء العمل\" وقد قدمنا علاج طول الأمل في سورة البقرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-590> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ﴾</span> قد يقال في هذه الآية الكريمة: كيف يقرون بأنه أنزل إليه الذكر وينسبونه للجنون مع ذلك.\nوالجواب أن قولهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ يعنون في زعمه تهكمًا منهم به، ويوضح هذا المعنى ورود مثله من الكفار متهكمين بالرسل عليهم صلوات الله وسلامه في مواضِع أخر، كقوله تعالى عن فرعون مع موسى قال: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ وقوله عن قوم شعيب: ﴿إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-591> قوله تعالى: ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧)﴾</span> لو ما في هذه الآية الكريمة للتحضيض، وهو طلب الفعل طلبًا","vol":"3","page":141},{"text":"حثيثًا ومعنى الآية أن الكفار طلبوا من النبي -  ﷺ  - طلب تخصيص أن يأتيهم بالملائكة؛ ليكون إتيان الملائكة معه دليلًا على صدقه أنَّه رسول الله -  ﷺ  -، وبين طلب الكفار هذا في آيات أخر، كقوله عن فرعون مع موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ الآية، وقوله ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ وقوله: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أَن لو تركب مع \"لا\" و\"ما\" لمعنيين:\nالأول منهما: التحضيض، ومثاله في لو ما في هذه الآية الكريمة، ومثاله في لولا قول جرير:\nتعدون عقر النيب أفضل مجدكم ... بنى ضوطرى لولا الكمي المقنعا\nيعني هلا تعدون الكمي المقنع.\nالمعنى الثاني: هو امتناع شيء لوجود غيره، وهو في لولا كثيرًا جدًا، كقول عامر بنُ الأكوع ﵁:\nتالله لولا الله ما اهتدينا ... ولا تصدقنا ولا صلينا\nومثاله في لو ما قول ابن مقبل:\nلو ما الحياء ولو ما الدين عبتكما ... ببعض ما فيكما إذ عبتما عوري\nوأما هل فلم تركب إلَّا مع لا وحدها للتحضيض.","vol":"3","page":142},{"text":"تنبيه\nوقد ترد أدوات التحضيض للتوبيخ، والتنديم فتخص بالماضي، أو ما في تأويله نحو: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ الآية، وجعل بعضهم منه قول جرير:\n\n• تعدون عقر النيب ... * البيت المتقدم آنفًا.\nقائلًا: إن مراده توبيخهم على ترك عد الكمي المقنع في الماضي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-592> وقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ﴾</span> بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه ما ينزل الملائكة إلَّا بالحق، أي: بالوحي، وقيل: بالعذاب.\nوقال الزمخشري: \"إلَّا تنزيلًا متلبسًا بالحكمة والمصلحة، ولا حكمة في أن تأتيكم الملائكة عيانًا تشاهدونهم، ويشهدون لكم بصدق النبي - ﷺ -؛ لأنكم حينئذ مصدقون عن اضطرار\" قال: \"ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ لأن التنوين في قوله: إذًا عوض عن جملة، ففيه شرط وجزاء، وتقرير المعنى ولو نزلت عليهم الملائكة ما كانوا منظرين، أي: ممهلين بتأخير العذاب عنهم، وقد بين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ","vol":"3","page":143},{"text":"الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: (﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ﴾ قرأه حفص، وحمزة، والكسائي ننزل بنونين الأولى مضمومة، والثانية مفتوحة، مع كسر الزاي المشددة، والملائكة بالنصب مفعول به لننزل، وقرأه شعبة تنزل بتاء مضمومة ونون مفتوحة مع تشديد الزاي مفتوحة بالبناء للمفعول، والملائكة بالرفع نائب فاعل تنزل، وقرأ الباقون تنزل بفتح التاء والنون والزاي المشددة، أصله تتنزل فحذفت إحدى التاءين، والملائكة بالرفع فاعل تنزل، كقوله: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-593> قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو الذي نزل القرآن العظيم، وأنه حافظ له من أن يزاد فيه أو ينقص، أو يتغير منه شيء أو يبدل، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وهذا هو الصحيح في معنى هذه الآية أن الضمير في قوله: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ راجع إلى الذكر الذي هو القرآن، وقيل: الضمير راجع إلى النبي - ﷺ -، كقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ والأول هو الحق كما يتبادر من ظاهر السياق.\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه جعل في السماء بروجًا، وذكر هذا أيضًا في مواضع أخر كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ الآية، وقوله","vol":"3","page":144},{"text":"تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ الآية، والبروج جمع برج.\nواختلف العلماء في المراد بالبروج في الآيات المذكورة، فقال بعضهم: البروج الكواكب، وممن روى عنه هذا القول مجاهد، وقَتَادة وعن أبي صالح أنَّها الكواكب العظام، وقيل: هي قصور في السماء عليها الحرس، وممن قال به عطية، وقيل: هي منازل الشمس والقمر. قاله ابن عبَّاس. وأسماء هذه البروج الحمل والثور والجوزاء والسرطان والأسد والسنبلة والميزان والعقرب والقوس والجدي والدلو والحوت.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أطلق تعالى في سورة النساء البروج على القصور الحصينة في قوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ومرجع الأقوال كلها إلى شيء واحد؛ لأن أصل البروج في اللغة الظهور، ومنه تبرج المرأة بإظهار زينتها. فالكواكب ظاهرة، والقصور ظاهرة، ومنازل القمر والشمس كالقصور بجامع أن الكل محل ينزل فيه، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-595> قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾</span> صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه زين السماء للناظرين، وبين في مواِضع أخر أنَّه زينها بالنجوم، وأنها السماء الدنيا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-596> قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾</span> صرح تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه حفظ السماء من كل شيطان رجيم، وبين هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا","vol":"3","page":145},{"text":"لِلشَّيَاطِينِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وإلى غير ذلك من الآيات.\nوالاستثناء في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ قال بعض العلماء: هو استثناء منقطع، وجزم به الفخر الرازي، أي: لكن من استرق السمع، أي: الخطفة اليسيرة فإنه يتبعه شهاب فيحرقه، كقوله تعالى: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩) إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقيل: الاستثناء متصل، أي: حفظنا السماء من الشياطين أن تسمع شيئًا من الوحي وغيره إلَّا من استرق السمع فإنا لم نحفظها من أن تسمع الخبر من أخبار السماء سوى الوحي، فأما الوحي فلا تسمع منه شيئًا؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾ قاله القرطبي.\nونظيره ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ﴾ الآية، فإنه استثناء من الواو في قوله تعالى: ﴿لَا يَسَّمَّعُونَ إِلَى الْمَلَإِ الْأَعْلَى وَيُقْذَفُونَ ...﴾ الآية.\n\nتنبيه\nيؤخذ من هذه الآيات التي ذكرنا أَنّ كل ما يتمشدق به أصحاب الأقمار الصناعية من أنهم سيصلون إلى السماء، ويبنون على القمر، كله كذب وشقشقة لا طائل تحتها، ومن اليقين الذي لاشك فيه أنهم سيقفون عند حدهم ويرجعون خاسئين أذلاء عاجزين ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ ووجه دلالة الآيات المذكورة على ذلك أن اللسان العربي الذي نزل به","vol":"3","page":146},{"text":"القرآن يطلق اسم الشيطان على كل عات متمرد من الجن والإنس والدواب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا﴾ ومنه قوله -  ﷺ  -: \"الكلب الأسود شيطان\" وقول جرير:\nأيام يدعونني الشيطان من غزلي ... وكن يهوينني إذ كنت شيطانا\nولاشك أَنَّ أصحاب الأقمار الصناعية يدخلون في اسم الشياطين دخولًا أوليًا لعتوهم وتمردهم.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أنَّه تعالى صرح بحفظ السماء من كل شيطان كائنًا من كان في عدة آيات من كتابه، كقوله هنا: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوصرح بأن من أراد استراق السمع أتبعه شهاب راصد له في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (١٨)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا مَنْ خَطِفَ الْخَطْفَةَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقال: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُمْ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وهو تعجيز دال على عجز البشر عن ذلك عجزًا مطلقًا، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾ أي: فليصعدوا في أسباب السموات التي توصل إليها، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَرْتَقُوا﴾ للتعجيز، وإيرادها للتعجيز","vol":"3","page":147},{"text":"دليل على عجز البشر عن ذلك عجزا مطلقًا، وقوله جل وعلا بعد ذلك التعجيز: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾ يفهم منه أنَّه لو تنطع جند من الأحزاب للارتقاء في أسباب السماء أنَّه يرجع مهزومًا صاغرًا داخرًا ذليلًا، ومما يدل على أن الآية الكريمة يشار فيها إلى شيء ما كان يظنه الناس وقت نزولها إبهامه جل وعلا لذلك الجند بلفظة \"ما\" في قوله: ﴿جُنْدٌ مَا﴾ وإشارته إلى مكان ذلك الجند، أو مكان انهزامه إشارة البعيد فى قوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ ولم يتقدم في الآية ما يظهر رجوع الإشارة إليه إلَّا الارتقاء في أسباب السموات.\nفالآية الكريمة يفهم منها ما ذكرنا، ومعلوم أنها لم يفسرها بذلك أحد من العلماء، بل عبارات المفسرين تدور على أن الجند المذكور الكفار الذين كذبوه -  ﷺ  -، وأنه -  ﷺ  - سوف يهزمهم، وأن ذلك تحقق يوم بدر، أو يوم فتح مكة، ولكن كتاب الله لا تزال تظهر غرائبه وعجائبه متجددة على مر الليالي والأيام، ففي كل حين تفهم منه أشياء لم تكن مفهومة من قبل، ويدل لذلك حديث أبي جحيفة الثابت في الصحيح أنَّه لما سأل عليًا ﵁ هل خصهم رسول الله -  ﷺ  - بشيء؟ قال له علي ﵁: لا والذي فلق الحبة وبرأ النسمة إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله، وما في هذه الصحيفة. الحديث. فقوله ﵁: إلَّا فهمًا يعطيه الله رجلًا في كتاب الله يدل على أن فهم كتاب الله تتجدد به العلوم والمعارف التي لم تكن عند عامة الناس، ولا مانع من حمل الآية على ما حملها عليه المفسرون، وما ذكرنا أيضًا أنَّه يفهم منها لما تقرر عند العلماء من أن الآية إن كانت تحتمل معاني كلها","vol":"3","page":148},{"text":"صحيح تعين حملها على الجميع، كما حققته بأدلته الشيخ تقي الدين أَبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن.\nوصرح تعالى بأن القمر في السبع الطباق في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ فعلم من الآيات أن القمر في السبع الطباق، وأن الله حفظها من كل شيطان رجيم، فلم يبق شك ولا لبس في أن الشياطين أصحاب الأقمار الصناعية سيرجعون داخرين صاغرين عاجزين عن الوصول إلى القمر، والوصول إلى السماء، ولم يبق في أَن السماء التي فيها القمر ليس يراد بها مطلق ما علاك، وإن كان لفظ السماء قد يطلق لغة على كل ما علاك، كسقف البيت، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد قال الشاعر:\nوقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنَّما الفضل حيث الشمس والقمر\nلتصريحه تعالى بأن القمر في السبع الطباق؛ لأن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ﴾ راجع إلى السبع الطباق، وإطلاق المجموع مرادًا بعضه كثير في القرآن وفي كلام العرب.\nومن أصرح أدلته: قراءة حمزة والكسائي: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ من القتل في الفعلين؛ لأن من قُتِل بالبناء للمفعول لا يمكن أن يؤمر بعد موته بأن يقتل قاتله، ولكن المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر، كما هو ظاهر.\nوقال أَبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾: وصح كون السموات ظرفًا للقمر؛ لأنه لا","vol":"3","page":149},{"text":"يلزم من الظرف أن يملأه المظروف، تقول: زيد في المدينة، وهو في جزء منها.\nواعلم أن لفظ الآية صريح في أن نفس القمر في السبع الطباق؛ لأن لفظة \"جعل\" في الآية هي التي بمعنى صيّر، وهي تنصب المبتدأ والخبر، والمعبر عنه بالمبتدأ هو المعبر عنه بالخبر بعينه لا شيء آخر، فقولك: جعلت الطين خزفًا، والحديد خاتمًا، لا يخفى فيه أن الطين هو الخزف بعينه، والحديد هو الخاتم، وكذلك قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فالنور المجعول فيهن هو القمر بعينه، فلا يفهم من الآية بحسب الوضع اللغوي احتمال خروج نفس القمر عن السبع الطباق، وكون المجعول فيها مطلق نوره؛ لأنه لو أريد ذلك لقيل: وجعل نور القمر فيهن، أما قوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيْهِنَّ نُوْرًا﴾ فهو صريح في أن النور المجعول فيهن هو عين القمر، ولا يجوز صرف القرآن عن معناه المتبادر بلا دليل يجب الرجوع إليه، ويوضح ذلك أنَّه تعالى صرح في سورة الفرقان بأن القمر في خصوص السماء ذات البروج بقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وصرح في سورة الحجر بأن ذات البروج المنصوص على أن القمر فيها هي بعينها المحفوظة من كل شيطان رجيم بقوله: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.\nوما يزعمه بعض الناس من أنَّه جل وعلا أشار إلى الاتصال بين أهل السماء والأرض في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾ يقال فيه: إن","vol":"3","page":150},{"text":"المراد جمعهم يوم القيامة في المحشر، كما أطبق عليه المفسرون، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.\nويوضح ذلك تسمية يوم القيامة يوم الجمع في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾ الآية، وكثرة الآيات الدالة على أن جمع جميع الخلائق كائن يوم القيامة، كقوله: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.\nمع أن بعض العلماء قال: المراد ما بث من الدواب في الأرض فقط، فيكون من إطلاق المجموع مرادًا بعضه، وهو كثير في القرآن وفي لسان العرب، وبعضهم قال: المراد بدواب السماء الملائكة زاعمًا أن الدبيب يطلق على كل حركة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ظاهر الآية الكريمة أن الله بث في السماء دواب كما بث في الأرض دواب، ولاشك أن الله قادر على جمع أهل السموات وأهل الأرض وعلى كل شيء، ولكن الآيات القرآنية التي ذكرنا بينت أن المراد بجمعهم حشرهم جميعًا يوم القيامة، وقد أطبق على ذلك المفسرون، ولو سلمنا تسليمًا جدليًا أنَّها تدل على جمعهم في الدنيا فلا يلزم من ذلك بلوغ أهل الأرض إلى أهل السماء، بل يجوز عقلًا أن ينحدر من في السماء إلى من","vol":"3","page":151},{"text":"في الأرض؛ لأن الهبوط أهون من الصعود.\nوما يزعمه من لا علم عنده بكتاب الله تعالى من أن قوله جل وعلا: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾ يشير إلى الوصول إلى السماء بدعوى أن المراد بالسلطانُ في الآية هو هذا العلم الحادث الذي من نتائجه الصواريخ والأقمار الصناعية، وإذًا فإن الآية قد تكون فيها الدلالة على أنهم ينفذون بذلك العلم من أقطار السموات والأرض مردود من أوجه: الأول: أن معنى الآية الكريمة هو إعلام الله جل وعلا خلقه أنهم لا محيص لهم ولا مفر عن قضائه ونفوذ مشيئته فيهم، وذلك عندما تحف بهم صفوف الملائكة يوم القيامة، فكلما فروا إلى جهة وجدوا صفوف الملائكة أمامهم، ويقال لهم في ذلك الوقت: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية. والسلطان: قيل: الحجة والبينة، وقيل: الملك والسلطنة، وكل ذلك معدوم عندهم يوم القيامة، فلا نفوذ لهم كما قال تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقال: ﴿وَيَاقَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ﴾.\nالوجه الثاني: أن الجن أعطاهم الله القدرة على الطيران والنفوذ في أقطار السموات والأرض، وكانوا يسترقون السمع من السماء، كما صرح به تعالى في قوله عنهم ﴿وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ﴾ الآية. وإنَّما منعوا من ذلك حيث بعث -  ﷺ  - كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا (٩)﴾ فالجن كانوا قادرين على بلوغ السماء من غير حاجة إلى صاروخ ولا قمر","vol":"3","page":152},{"text":"صناعي، فلو كان معنى الآية هو ما يزعمه أولئك الذين لا علم لهم بكتاب الله لم يقل جل وعلا يا معشر الجن؛ لأنهم كانوا ينفذون إلى السماء قبل حدوث السلطان المزعوم.\nالوجه الثالث: أن العلم المذكور الذي لا يجاوز صناعة يدوية أهون على الله جل وعلا من أن يطلق عليه اسم السلطان؛ لأنه لا يجاوز أغراض هذه الحياة الدنيا، ولا نظر فيه ألبتة لما بعد الموت؛ ولأن الدنيا كلها لا تزن عند الله جناح بعوضة. وقد نص تعالى على كمال حقارتها عنده في قوله جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ -إلى قوله- لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ وعلم هؤلاء الكفار نفي الله عنه اسم العلم الحقيقي، وأثبت له أنَّه علم ظاهر من الحياة الدنيا، وذلك في قوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ فحذق الكفار في الصناعات اليدوية كحذق بعض الحيوانات في صناعتها بإلهام الله لها ذلك، فالنحل تبني بيت عسلها على صورة شكل مسدس يحار فيه حذاق المهندسين، ولما أرادوا أن يتعلموا منها كيفية ذلك البناء وجعلوها في أجباح زجاج لينظروا إلى كيفية بنائها أبت أن تعلمهم فطلت الزجاج بالعسل قبل البناء كيلا يروا كيفية بنائها كما أخبرتنا الثقة بذلك.\nالوجه الرابع: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن ذلك المعنى المزعوم كذبًا هو معنى الآية فإن الله أتبع ذلك بقوله: ﴿يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية، فهو يدل على ذلك التقدير على أنهم لو أرادوا","vol":"3","page":153},{"text":"النفوذ في أقطارها حرقهم ذلك الشواظ والنحاس، والشواظ اللهب الخالص، والنحاس الدخان، ومنه قول النابغة:\nيضيء كضوء سراج السليط ... لم يجعل الله فيه نحاسا\nوكذلك ما يزعمه بعض من لا علم له بمعنى كتاب الله من أن الله أشار إلى اتصال أهل السموات وأهل الأرض بقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية بصيغة الأمر في لفظة (قُلْ) على قراءة الجمهور، وبصيغة الماضي ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ﴾ الآية في قراءة حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. فإن الآية الكريمة لا تدل على ذلك، لا بدلالة المطابقة، ولا التضمن، ولا الالتزام؛ لأن غاية ما تفيده الآية الكريمة أن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول: إن ربه يعلم كل ما يقوله أهل السماء وأهل الأرض على قراءة الجمهور، وعلى قراءة الأخوين، وحفص، فمعنى الآية أنَّه -  ﷺ  - أخبر قائلًا: إن ربه جل وعلا يعلم كل ما يقال في السماء والأرض، وهذا واضح لا إشكال فيه، ولاشك أنَّه جل وعلا عالم بكل أسرار أهل السماء والأرض وعلانياتهم لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلَّا في كتاب مبين.\nوكذلك ما يزعمه من لا علم عنده بمعنى كتاب الله جل وعلا من أنَّه تعالى أشار إلى أن أهل الأرض سيصعدون إلى السموات واحدة بعد أخرى بقوله: ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ زاعمًا أن معنى الآية الكريمة لتركبن أيها الناس طبقًا، أي: سماء عن طبق، أي: بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السموات، فهو أيضًا جهل بكتاب الله وحمل له على غير ما يراد به.","vol":"3","page":154},{"text":"اعلم أولًا أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين مشهورتين، إحداهما: لتركبَن بفتح الباء، وبها قرأ من السبعة ابن كثير وحمزة والكسائي، وعلى هذه القراءة ففي فاعل لتركبن ثلاثة أوجه معروفة عند العلماء:\nالأول: وهو أشهرها أن الفاعل ضمير الخطاب الواقع على النبي -  ﷺ  -، أي لتركبن أنت يا نبي الله طبقًا عن طبق، أي: بعد طبق، أي: حالًا بعد حال، أي: فتترقى في الدرجات درجة درجة، والطبق في لغة العرب الحال، ومنه قول الأقرع بنُ حابس التميمي:\nإني امرؤ قد حلبت الدهر أشطره ... وساقني طبق منها إلى طبق\nوقول الآخر:\nكذلك المرء إن ينسأ له أجل ... يركب على طبق من بعده طبق\nأي: حال بعد حال في البيتين.\nوقال ابن مسعود، والشعبي، ومجاهد، وابن عبَّاس في إحدى الروايتين والكلبي وغيرهم، ﴿لَتَرْكَبُنَّ طَبَقًا عَنْ طَبَقٍ (١٩)﴾ أي: لتصعدن يا محمد سماء بعد سماء، وقد وقع ذلك ليلة الإسراء.\nوالثاني: أن الفاعل ضمير السماء، أي: لتركبن هي، أي: السماء طبقًا بعد طبق، أي لتنتقلن السماء من حال إلى حال، أي: تصير تارة كالدهان، وتارة كالمهل، وتارة تتشقق بالغمام، وتارة تطوى كطي السجل للكتب.\nوالثالث: أن الفاعل ضمير يعود إلى الإنسان المذكور في","vol":"3","page":155},{"text":"قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا﴾ الآية، أي: لتركبن أيها الإنسان حالًا بعد حال من صغر إلى كبر، ومن صحة إلى سقم، كالعكس، ومن غنى إلى فقر كالعكس، ومن موت إلى حياة كالعكس، ومن هول من أهوال القيامة إلى آخر وهكذا. والقراءة الثانية وبها قرأ من السبعة نافع وابن عامر وأَبو عمرو وعاصم لتركبن بضم الباء، وهو خطاب عام للناس المذكورين في قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧)﴾ إلى قوله ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠)﴾ الآية. ومعنى الآية لتركبن أيها الناس حالًا بعد حال، فتنتقلون في دار الدنيا من طور إلى طور، وفي الآخرة من هول إلى هول.\nفإن قبل: يجوز بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن على قراءة ضم الباء أن يكون المعنى لتركبن أيها الناس طبقًا بعد طبق، أي سماء بعد سماء حتَّى تصعدوا فوق السماء السابعة، كما تقدم نظيره في قراءة فتح الباء خطابًا للنبي -  ﷺ  -، وإذا كان هذا جائزًا في لغة القرآن، فما المانع من حمل الآية عليه؟\nفالجواب من ثلاثة أوجه: الأول: أن ظاهر القرآن يدل على أن المراد بالطبق الحال المتنقل إليها من موت ونحوه وهول القيامة بدليل قوله بعده مرتبًا له عليه بالفاء: ﴿فَمَا لَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٠) وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ فهو قرينة ظاهرة على أن المراد إذا كانوا ينتقلون من حال إلى حال ومن هول إلى هول فما المانع لهم من أن يؤمنوا ويستعدوا لتلك الشدائد، ويؤيده أن العرب تسمى الدواهي بنات طبق كما هو معروف في لغتهم.\nالوجه الثاني: أن الصحابة ﵃ هم المخاطبون","vol":"3","page":156},{"text":"الأولون بهذا الخطاب، وهم أَولى الناس بالدخول فيه بحسب الوضع العربي، ولم يركب أحد منهم سماء بعد سماء بإجماع المسلمين. فدل ذلك على أن ذلك ليس معنى الآية، ولو كان هو معناها لما خرج منه المخاطبون الأولون بلا قرينة على ذلك.\nالوجه الثالث: هو ما قدمنا من الآيات القرآنية المصرحة بحفظ السماء وحراستها من كل شيطان رجيم كائنًا من كان، فبهذا يتضح أن الآية الكريمة ليس فيها دليل على صعود أصحاب الأقمار الصناعية فوق السبع الطباق، والواقع المستقبل سيكشف حقيقة تلك الأكاذيب والمزاعم الباطلة.\nوكذلك ما يزعمه بعض من ليس له علم بمعنى كتاب الله جل وعلا من أن الله تعالى أشار إلى بلوغ أهل الأرض إلى السموات بقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية. فقالوا تسخيره جل وعلا ما في السموات لأهل الأرض، دليل على أنهم سيبلغون السموات.\nوالآية الكريمة لا تدل على ذلك الذي زعموا أنَّها تدل عليه؛ لأن القرآن بين في آيات كثيرة كيفية تسخير ما في السماء لأهل الأرض، فبين أن تسخير الشمس والقمر لمنافعهم وانتشار الضوء عليهم، ولكي يعلموا عدد السنين والحساب كما قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية. ومنافع الشمس والقمر اللذين سخرهما الله لأهل الأرض لا يحصيها إلَّا الله كما هو معروف، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ وقال تعالى:","vol":"3","page":157},{"text":"﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لذلك التسخير لأهل الأرض، وكذلك سخر لأهل الأرض النجومِ ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر، كما قال تعالى: ﴿وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية. وقال: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، فهذا هو تسخير ما فى السماء لأهل الأرض، وخير ما يفسر به القرآن.\nومما يوضح ما ذكرنا أن المخاطبين الأولين بقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وهم الصحابة ﵃ لم يسخر لهم شيء مما في السموات إلَّا هذا التسخير الذي ذكرنا الذي بينه القرآن العظيم في آيات كثيرة، فلو كان يراد به التسخير المزعوم عن طريق الصواريخ والأقمار الصناعية لدخل فيه المخاطبون الأولون كما هو ظاهر.\nوكذلك قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ فإن معنى مرورهم على ما في السموات من الآيات نظرهم إليها كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا﴾ الآية. وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية وقوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم -وفقني الله وإياك- أن التلاعب بكتاب الله جل وعلا وتفسيره بغير معناه؛ لمحاولة توفيقه مع آراء كفرة الإفرنج ليس فيه","vol":"3","page":158},{"text":"شيء البتة من مصلحة الدنيا ولا الآخرة، وإنَّما فيه فساد الدارين ونحن إذ نمنع التلاعب بكتاب الله وتفسيره بغير معناه نحض جميع المسلمين على بذل الوسع في تعليم ما ينفعهم من هذه العلوم الدنيوية مع تمسكهم بدينهم، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ كما سترى بسطه إن شاء الله في سورة بني إسرائيل.\nفإن قيل: هذه الآيات التي استدللتم بها على حفظ السماء من الشياطين واردة في حفظها من استراق السمع، وذلك إنما يكون من شياطين الجن، فدل ذلك على اختصاص الآيات المذكورة بشياطين الجن؟ .\nفالجواب:\nأن الآيات المذكورة تشمل بدلالتها اللغوية شياطين الإنس من الكفار. قال في لسان العرب: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من الإنس، والجن، والدواب شيطان. وقال في القاموس: والشيطان معروف، وكل عاتٍ متمرد من إنس، أو جن، أو دابة اهـ.\nولاشك أن من أشد الكفار تمردًا وعتوًا الذين يحاولون بلوغ السماء، فدخولهم في اسم الشيطان لغة لاشك فيه. وإذا كان لفظ الشيطان يعم كل متمرد عاتٍ فقوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ صريح في حفظ السماء من كل متمرد عات كائنًا من كان، وحمل نصوص الوحي على مدلولاتها اللغوية واجبٌ إلَّا لدليل يدل على تخصيصها، أو صرفها عن ظاهرها المتبادر منها،","vol":"3","page":159},{"text":"كما هو مقرر في الأصول، وحفظ السماء من الشياطين معناه حراستها منهم. قال الجوهري في صحاحه: حفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه وقال صاحب لسان العرب: وحفظت الشيء حفظًا أي حرسته اه. وهذا معروف في كلام العرب، فيكون مدلول هذه الآية بدلالة المطابقة: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ أي وحرسناها، أي السماء من كل عاتٍ متمرد.\nولا مفهوم مُخَالَفَةُ لقوله: ﴿رَجِيمٍ (١٧)﴾ وقوله: ﴿مَارِدٍ (٧)﴾ لأن مثل ذلك من الصفات الكاشفة، فكل شيطان يوصف بأنه رجيم وبأنه مارد، وإن كان بعضهم أقوى تمردًا من بعض، وما حرسه الله جل وعلا من كل عاتٍ متمرد لاشك أنَّه لا يصل إليه عات متمرد كائنًا من كان ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾ والعلم عند الله تعالى اه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-597> قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾</span> اللواقح جمع لاقح وأصل اللاقح التي قبلت اللقاح فحملت الجنين، ومنه قول ذي الرمة:\nإذا قلت: عاج أو تفتيت أبرقت ... بمثل الخوافي لاقحًا أو تلقح\nوأصل تلقح تتلقح، حذفت إحدى التاءين، أي: توهم أنَّها لاقح وليس كذلك، ووصف الرياح بكونها لواقح لأنها حوامل تحمل المطر، كما قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ أي: حملت سحابًا ثقالًا، فاللواقح من الإبل حوامل الأجنة، واللواقح من الريح حوامل المطر، فالجميع يأتي بخير، ولذا كانت الناقة التي لا تلد يقال لها: عقيم، كما أن الريح التي لا خير فيها","vol":"3","page":160},{"text":"يقال لها: عقيم، كما قال تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ﴾ الآية.\nوقال بعض العلماء اللواقح بمعنى الملاقح، أي: التي تلقح غيرها من السحاب والشجر، وعلى هذا ففيه وجهان:\nأحدهما: أن المراد النسبة، فقوله: لواقح، أي: ذوات لقاح، كما يقال: سائف ورامح، أي: ذو سيف ورمح ومن هذا قول الشاعر:\nوغَرَرْتَني وزَعَمْتَ أَنْ ... نَكَ لابِن في الحي تامِر\nأي ذو لبن وتمر، وعلى هذا فمعنى لواقح، أي: ذوات لقاح، لأنها تلقح السحاب والشجر.\nالوجه الثاني: أن لواقح بمعنى ملاقح جمع ملقحة، وملقح إسم فاعل ألقحت السحاب والشجر، كما يلقح الفحل الأنثى، وغاية ما في هذا القول إطلاق لواقح، وإرادة ملاقح، ونظيره قول ضرار بنُ نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره:\nليبك يزيد ضارع لخصومة .... ومختبط مما تطيح الطوائح\nفإن الرواية: تُطيح بضم التاء من أطاح الرباعي، والمناسب لذلك المطيحات لا الطوائح، ولكن الشاعر أطلق الطوائح وأراد المطيحات، كما قيل هنا بإطلاق اللواقح، وإرادة الملاقح، أي الملقحات باسم الفاعل، ومعنى إلقاح الرياح السحاب والشجر أَنّ الله يجعلها لهما كما يجعل الذكر للأنثى، فكما أن الأنثى تحمل بسبب ضراب الفحل، فكذلك السحاب يمتلئ ماء بسبب مري","vol":"3","page":161},{"text":"الرياح له، والشجر ينفتق عن أكمامه وأوراقه بسبب إلقاح الريح له قال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ أي تلقح السحاب فتدر ماء، وتلقح الشجر فتنفتح عن أوراقها وأكمامها.\nوقال السيوطي في الدر المنثور: \"وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والخرائطي في مكارم الأخلاق عن ابن مسعود ﵁ في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء فتلقح به السحاب، فيدر كما تدر اللقحة ثم يمطر\".\nوأخرج ابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ في العظمة عن ابن عبَّاس ﵄ قال: يرسل الله الريح فتحمل الماء من السحاب، فتمري به السحاب فيدر كما تدر اللقحة.\nوأخرج أَبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: تلقح الشجرة وتمري السحاب.\nوأخرج أَبو عبيد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ عن أبي رجاء ﵁ قال: قلت للحسن ﵁: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: لواقح للشجر، قلت: أو السحاب، قال: وللسحاب تمر به حتَّى يمطر. وأخرج ابن جرير عن قَتَادة في قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: تلقح الماء في السحاب.\nوأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم عن الضحاك في قوله:","vol":"3","page":162},{"text":"﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ قال: الريح يبعثها الله على السحاب فتلقحه فيمتلئ ماء.\nوأخرج ابن أبي الدنيا في \"كتاب السحاب\" وابن جرير، وأَبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه، والديلمي في \"مسند الفردوس\" بسندٍ ضعيف عن أبي هريرة ﵁ قال: \"سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: ريح الجنوب من الجنَّةَ، وهي الريح اللواقح التي ذكر الله في كتابه، وفيها منافع للناس، والشمال من النار تخرج فتمر بالجنة فيصيبها نفحة منها، فبردها هذا من ذلك\".\nوأخرج ابن أبي الدنيا عن قَتَادة ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور، والجنوب من الجنَّةَ، وهي الريح اللواقح\".\nهذا حاصل معنى كلام العلماء في الرياح اللواقح، وقد قدمنا قول من قال: إن اللواقح هي حوامل المطر، وأن ذلك القول يدل له قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا﴾ أي: حملتها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون للشيء أوصاف فيذكر بعضها في موضع، فإِنّا نبين بقية تلك الأوصاف المذكورة في مواضع أخر، ومثلنا لذلك بظل أهل الجنَّةَ فإنه تعالى وصفه في سورة النساء بأنه ظليل في قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾ وقد وصفه بأوصاف أخر في مواضع أخر، وقد بينا صفات ظل أهل الجنَّةَ المذكورة في غير ذلك الموضع كقوله: ﴿أُكُلُهَا دَائِمٌ وَظِلُّهَا﴾ وقوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ إلى غير ذلك من أوصافه.","vol":"3","page":163},{"text":"وإذا علمت ذلك فاعلم أنَّه تعالى وصف الرياح في هذه الآية بكونها لواقح، وقد بينا معنى ذلك آنفًا، ووصفها في مواضع أخر بأوصاف أخر، من ذلك وصفه لها بانها تبشر بالسحاب في قوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ على قراءة من قرأها بالباء، ومن ذلك وصفه لها بإثارة السحاب كقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا﴾ الآية.\nوقال \"صاحب الدر المنثور\": وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأَبو الشيخ في العظمة عن عبيد بنُ عمير قال: \"يبعث الله المثيرة، فتقم الأرض قمائم، ثم يبعث المبشرة فتثير السحاب فيجعله كسفًا، ثم يبعث المؤلفة فتؤلف بينه فيجعله ركامًا، ثم يبعث اللواقح فتلقحه فيمطر\".\nوأخرج ابن المنذر عن عمير قال: \"الأرواح أربعة: ريح تقم، وريح تثير تجعله كسفًا، وريح تجعله ركامًا، وريح تمطر\".\n\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: أخذ مالك ﵀ من هذه الآية الكريمة أن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: روى ابن وَهْب، وابن القاسم، وأشهب، وابن عبدِ الحكم عن مالك -واللفظ لأشهب- قال مالك: قال الله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ القمح عندي أن يحبب ويسنبل، ولا أدري ما ييبس في أكمامه، ولكن يحبب حتَّى يكون لو يبس لم يكن فسادًا لا خير فيه ولقاح الشجر كلها أن تثمر، ثم يسقط منها ما يسقط ويثبت، وليس ذلك بأن تُوَرَّد.","vol":"3","page":164},{"text":"قال ابن العربي: إنما عول مالك في هذا التفسير على تشبيه لقاح الشجر بلقاح الحمل، وأن الولد إذا عقد وخلق ونفخ فيه الروح كان بمنزلة تحبب الثمر وتسنبله؛ لأنه سمي باسم تشترك فيه كل حاملة، وعليه جاء الحديث: \"نهى النبي -  ﷺ  - عن بيع الحب حتَّى يشتد\" اه من القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: استنباط الإمام مالك المذكور من هذه الآية؛ لأن لقاح القمح أن يحبب ويسنبل، واستدلال ابن العربي له بالحديث المذكور ليس بظاهر عندي كل الظهور.\nالمسألة الثانية: اعلم أَن تلقيح الثمار هو إبارها، وهو أن يؤخذ شيء من طلع ذكور النخل، فيدخل بين ظهراني طلع الإناث، ومعنى ذلك في سائر الثمار طلوع الثمرة من التبن وغيره حتَّى تكون الثمرة مرئية منظورًا إليها، والمعتبر عند مالك وأصحابه فيما يذكر من الثمار التذكير، وفيما لا يذكر أن يثبت من نواره ما يثبت، ويسقط ما يسقط وحد ذلك في الزرع ظهوره من الأرض، قاله مالك. وقد روى عنه أن إباره أن يحبب اهـ قاله القرطبي.\nوقال أيضًا: لم يختلف العلماء أن الحائط إذا انشق طلع إناثه فأخر إباره وقد أبر غيره مما حاله مثل حاله أن حكمه حكم ما أُبر، فإن أُبَر بعض الحائط كان ما لم يؤبر تبعًا له، كما أن الحائط إذا بدا صلاح بعضه كان سائر الحائط تبعًا لذلك الصلاح في جواز بيعه اهـ وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح.\nالمسألة الثالثة: إذا بيع حائط نخل بعد أن أُبر، فثمرته للبائع إلَّا أن يشترطها المبتاع، فإن اشترطها المبتاع فهي له، والدليل على","vol":"3","page":165},{"text":"ذلك قوله -  ﷺ  -: \"من ابتاع نخلًا بعد أن تؤبر فثمرتها للبائع الذي باعها إلَّا أن يشترطها المبتاع\" متفق عليه من حديث ابن عمر ﵄، فإن بيعت النخل قبل التأبير فالثمرة للمشتري. واختلف في استثناء البائع لها فمشهور مذهب مالك أنَّها كالجنين، لا يجوز للبائع اشتراطها ولا استثناؤها بناء على أن المستثنى مشترى خلافًا لتصحيح اللخمي جواز استثناء البائع لها بناء على أن المستثنى مبقى، وجواز استثنائها هو مذهب الشَّافعي، وأحمد، وأبي حنيفة رحمهم الله تعالى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهو أظهر عندي؛ لأن كون المستثنى مبقى أظهر من كونه مشترى؛ لأنه كان مملوكًا للبائع، ولم يزل على ملكه؛ لأن البيع لم يتناوله؛ لاستثنائه من جملة المبيع كما ترى. وهذا الذي ذكرنا في هذه المسألة هو الحق إن شاء الله تعالى، فما أبر فهو للبائع إلَّا بشرط، وما لم يؤبر فهو للمشتري إلَّا بشرط خلافًا لابن أبي ليلى القائل: هي للمشتري في الحالين؛ لأنها متصلة بالأصل اتصال خلقة فكانت تابعة له كالأغصان وهذا الاستدلال فاسد الاعتبار؛ لمخالفته لحديث ابن عمر المتفق عليه المذكور آنفًا، فقد صرح فيه النبي -  ﷺ  - بأَنّ البيع إن كان وقع بعد التأبير فالثمر للبائع، وخلافًا للإمام أبي حنيفة والأوزاعي رحمهما الله تعالى في قولهما: إنها للبائع في الحالين، والحديث المذكور يرد عليهما بدليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته؛ لأن قوله -  ﷺ  - \"من ابتاع نخلًا قد أبرت\" الحديث. يفهم منه أنَّها إن كانت غير مؤبرة، فليس الحكم كذلك، وإلَّا كان قوله: قد أبرت، وقوله: بعد أن تؤبر في بعض الروايات لغوًا لا فائدة فيه، فيتعين أن","vol":"3","page":166},{"text":"ذكر وصف التأبير ليحترز به عن غيره، ومعلوم أن الإمام أبا حنيفة ﵀ لا يقول بحجِّية مفهوم المخالفة، فالجاري على أصوله أن النبي -  ﷺ  - في الحديث المذكور نص على حكم الثمرة المؤبرة، وسكت عن غير المؤبرة فلم يتعرض لها أصلًا.\nوإن أَبّر بعض الثمرة التي بيعت أصولها، وبعضها الآخر لم يؤبر، فمذهب مالك أنَّه إقْ كان أحدهما أكثر فالأقل تابع له، وإن استويا فلكل حكمه، فالمؤبر للبائع وغيره للمشتري، ومذهب الإمام أحمد أن لكل واحد من المؤبر وغيره حكمه، وأَبو حنيفة لا فرق عنده بين المؤبر وغيره، فالجميع عنده للبائع، إلَّا إذا اشترطه المبتاع ومذهب الشَّافعي ﵀ الصحيح من الخلاف أن ما لم يؤبر تبع للمؤبر، فيبقى الجميع للبائع دفعًا لضرر اختلاف الأيدي.\nواعلم أن استثناء بعض الثمرة دون بعض يجوز في قول جمهور العلماء وفاقًا لأشهب من أصحاب مالك، وخالف ابن القاسم فقال: لا يجوز استثناء بعض المؤبرة.\nوحجةُ الجمهور أن ما جاز استثناء جميعه جاز استثناء بعضه.\nوحجة ابن القاسم أَن النص إنما ورد في اشتراط الجميع.\nواعلم أن أكثر العلماء على أن الثمرة المؤبرة التي هي للبائع إن لم يستثنها المشتري، فإنها تبقى إلى وقت الانتفاع المعتاد بها، ولا يكلفه المشتري بقطعها في الحال، وهو مذهب مالك، والشَّافعي وأحمد. وخالف في ذلك أَبو حنيفة قائلًا: يلزم قطعها في الحال وتفريغ النخل منها؛ لأنه مبيع مشغول بملك البائع، فلزم","vol":"3","page":167},{"text":"نقله وتفريغه منه، كما لو باع دارًا فيها طعام أو قماش له.\nواحتج الجمهور بأن النقل والتفريغ للمبيع على حسب العرف والعادة، كما لو باع دارًا فيها طعام لم يجب نقله إلَّا على حسب العادة في ذلك، وهو أن ينقله نهارًا شيئًا بعد شيء، ولا يلزمه النقل ليلًا، ولا جمع دواب البلد لنقله، كذلك هاهنا يفرغ النخل من الثمرة في أوان، وهو وقت الجذاذ. قاله ابن قدامة في \"المغني\".\nالمسألة الرابعة: لو اشتريت النخل وبقيت الثمرة للبائع فهل لمشتري الأصل أن يشتري الثمرة قبل بدو صلاحها.\nأولًا. اختلف العلماء في ذلك، فمشهور مذهب مالك جواز ذلك؛ لأن لها عنده حكم التبعية وإن أفردت بالعقد، وعنه في رواية أخرى لا يجوز ذلك، وللشافعية والحنابلة وجهان بالمنع والجواز. قاله ابن قدامة في \"المغني\"، ونسب القرطبي للشافعي وأبي حنيفة والثوري، وأهل الظاهر، وفقهاء الحديث القول بمنع ذلك. ثم قال: وهو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمرة قبل بدو صلاحها.\nالمسألة الخامسة: إذا اشتريت الثمرة وحدها دون الأصل قبل بدو صلاحها، فلها ثلاث حالات:\nالأولى: أن يبيعها بشرط التبقية إلى وقت الجذاذ، وفي هذه الحالة لا يصح البيع إجماعًا.\nالثانية: أن يبيعها بشرط قطعها في الحال، وفي هذه الحالة","vol":"3","page":168},{"text":"يصح البيع إجماعًا.\nالثالثة: أن يبيعها من غير شرط تبقية ولا قطع، بل سكتا عن ذلك وعقدا البيع مطلقًا، دون شرط، وفي هذه الحالة لا يصح البيع عند جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأحمد رحمهم الله تعالى. وأجاز أبو حنيفة ﵀ البيع في هذه الحالة، وأوجب قطع الثمرة حالًا قال: لأن إطلاق العقد يقتضي القطع، فهو كما لو اشترطه. وحجة الجمهور إطلاق النصوص الواردة بذلك عنه -  ﷺ  -، من ذلك ما أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عمر ﵄ قال: نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها، نهى البائع والمبتاع، وفي لفظ نهى عن بيع النخل حتى تزهو، وعن بيع السنبل حتى يبيض، ويأمن العاهة. رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.\nومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أنس ﵁ قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل: وما زهوها؟ قال: تحمّار وتصفّار\".\nومن ذلك أيضًا ما رواه أحمد، ومسلم، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁ قال: \"قال رسول الله -  ﷺ  - لا تبايعوا الثمار حتى يبدو صلاحها\".\nومن ذلك ما رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أنس ﵁ \"أن النبي -  ﷺ  - نهى عن بيع العنب حتى يسود، وعن بيع الحب حتى يشتد\".","vol":"3","page":169},{"text":"فإطلاقات هذه النصوص ونحوها تدل على منع بيع الثمرة قبل بدو صلاحها في حالة الإطلاق، وعدم الاشتراط كما تقدم.\nوقرأ هذه الآية الكريمة جماهير القراء ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ بصيغة الجمع، وقرأها حمزة (وأرْسَلنا الرِّيْح) بالإفراد، والألف واللام على قراءة حمزة للجنس، ولذلك صح الجمع في قوله لواقح.\nقال أبو حيان في \"البحر المحيط\": ومن قرأ بإفراد (الرِّيْح) فعلى تأويل الجنس، كما قالوا: أهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض اه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-598> قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة عظيم منته بإنزال الماء من السماء، وجعله إياه عذبًا صالحًا للسقيا، وبين ذلك أيضًا في مواضع آخر كقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالتحقيق أن أسقى وسقى لغتان معناهما واحد، كأسرى وسرى، الدليل على ذلك القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ فإنه قرأه بعض السبعة بضم النون من أسقى الرباعي، وقرأه بعضهم بفتحها من سقى الثلاثي، ويدل على ذلك أيضًا قول لبيد:","vol":"3","page":170},{"text":"سقى قومي بني مجد وأسقى ... نميرًا والقبائل من هلال\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-599> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾</span> فيه للعلماء وجهان من التفسير، كلاهما يشهد له قرآن:\nالأول: أن معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ أي: ليست خزائنه عندكم، بل نحن الخازنون له ننزله متى شئنا، وهذا الوجه تدل عليه آيات، كقوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات.\nالوجه الثاني: أن معنى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ بعد أن أنزلناه عليكم، أي: لا تقدرون على حفظه في الآبار والعيون، والغدران، بل نحن الحافظون له فيها؛ ليكون ذخيرة لكم عند الحاجة، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-600> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي يحيى ويميت، وأوضح ذلك في آيات كثيرة كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَإِلَيْنَا الْمَصِيرُ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ وبين في مواضعِ أخرِ أنه أحياهم مرتين وأماتهم مرتين، كقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية","vol":"3","page":171},{"text":"وقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية. والإماتة الأولى هي كونهم نطفًا وعلقًا ومضغًا، والإماتة الثانية هي موتهم عند انقضاء آجالهم في الدنيا، والإحياءة الأولى نفخ الروح فيهم وإخراجهم أحياء من بطون أمهاتهم، والإحياء الثانية بعثهم من قبورهم أحياء يوم القيامة. وسيأتي له إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-601> قوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه الوارث، ولم يبين الشيء الذي يرثه، وبين في مواضع آخر أنه يرث الأرض ومن عليها، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا وَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾ وقوله: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ ومعنى ما يقول، أي: نرثه الذي يقول: إنه يؤتاه يوم القيامة من المال والولد، كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ ومعنى كونه يرث الأرض ومن عليها أنه يبقى بعد فناء خلقه متصفًا بصفات الكمال والجلال، يفعل ما يشاء كيف يشاء.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-602> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه خلق أبانا آدم من صلصال من حمإ مسنون، والصلصال الطين اليابس الذي يصل، أي: يصوت من يبسه إذا ضربه شيء ما دام لم تمسه النار، فإذا مسته النار فهو حينئذ فخار. وأصل الصليل والصلصلة واحد، والفرق بينهما أنك إذا توهمت في الصوت مدًا فهو صليل، وإذا توهمت فيه ترجيعًا فهو صلصلة، والحمأ الطين الأسود المتغير، والمسنون قيل:","vol":"3","page":172},{"text":"المصور من سنة الوجه، وهي صورته، ومنه قول ذي الرمة:\nتريك سنة وجه غير مقرفة ... ملساء ليس بها خال ولا ندب\nوعن ابن عباس ﵄ أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن معنى المسنون، وأجابه بأنَّ معناه المصور، قال له: وهل تعرف العرب ذلك؟ فقال له ابن عباس: نعم أما سمعت قول حمزة بن عبد المطلب ﵁ وهو يمدح رسول الله -  ﷺ  -:\nأغر كأن البدر سنة وجهه ... جلا الغيم عنه ضوءه فتبددا\nوقيل: المسنون المصبوب المفرغ، أي: أفرغ صورة إنسان، كما تفرغ الصور من الجواهر المذوبة في أمثلتها، وقيل: المسنون المنتن. وقال بعض العلماء: المسنون الأملس، قال: ومنه قول عبد الرحمن بن حسان:\nثم خاصرتها إلى القبة الخضراء ... تمشي في مرمر مسنون\nأي: أملس صقيل. قاله ابن كثير.\nوقال مجاهد: الصلصال هو المنتن. وما قدمنا هو الحق بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾.\nإذا عرفت هذا فاعلم أن الله جل وعلا أوضح في كتابه أطوار هذا الطين الذي خلق منه آدم، فبيّن أَنه أولًا تراب بقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، ثم","vol":"3","page":173},{"text":"أشار إلى أن ذلك التراب بل فصار طينًا يعلق بالأيدي في مواضع آخر كقوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين أن ذلك الطين أسود وأنه متغير بقوله هنا: من حمأ مسنون، وبين أيضًا أنه يبس حتى صار صلصالًا، أي: تسمع له صلصلة من يبسه بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n• وقوله تعالى: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أن إبليس أبى أن يسجد لآدم، وبين في مواضع آخر أنه تكبر عن امتثال أمر ربه، كقوله في البقرة: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ﴾ الآية، وقوله في صَ: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. كما تقدمت الإشارة إليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-603> قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣٢)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه سأل إبليس سؤال توبيخ وتقريع عن الموجب لامتناعه من السجود لآدم الذي أمره به ربه جل وعلا، وبين أيضًا في الأعراف وصَ أنه وبخه أيضًا بهذا السؤال. قال في الأعراف: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ الآية. وقال في صَ: ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية. وناداه باسمه إبليس في الحجر وص، ولم يناده به في الأعراف.\n• قوله تعالى: ﴿قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ","vol":"3","page":174},{"text":"مَسْنُونٍ (٣٣)﴾ هذا القول الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن إبليس لعنه الله أنه لم يكن ليسجد لبشر مخلوق من الطين مقصوده به أنه خير من آدم؛ لأن آدم خلق من الطين وهو خلق من النار، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-604> قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (٣٤)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أمر إبليس بالخروج من الجنة مؤكدًا أنه رجيم، وبين في الأعراف أنه خروج هبوط، وأنه يخرج متصفًا بالصغار والذل والهوان بقوله: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-605> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٣٥)﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن اللعنة على إبليس إلى يوم الدين، وصرح في صَ بأن لعنته جل وعلا على إبليس إلى يوم الدين بقوله: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (٧٨)﴾ وقد قدمنا في الفاتحة بيان يوم الدين.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-606> قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾</span> الآية. قال بعض العلماء: هذا قسم من إبليس بإغواء الله له على أنه يغوي بني آدم إلا عباد الله المخلصين، ويدل له أنه أقسم بعزته تعالى على ذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ الآية. وقيل الباء في قوله: ﴿بِمَا أَغْوَيْتَنِي﴾ سببية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-607> قوله تعالى: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن إبليس أخبر أنه سيبذل جهده في إضلال بني آدم حتى يضل أكثرهم، وبين هذا المعنى في مواضع","vol":"3","page":175},{"text":"آخر، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (١١٨)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وهذا قاله إبليس قبل أن يقع ظنًا منه أنه يتمكن من إضلال أكثر بني آدم، وقد بين تعالى أنه صدق ظنه هذا بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وكل آية فيها ذكر إضلال إبليس لبني آدم بين فيها أن إبليس وجميع من تبعه كلهم في النار، كما قال هنا: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ﴾ الآية، وقال في الأعراف: ﴿قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (١٨)﴾ وقال في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ وقال في صَ: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-608> قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الشيطان لما أوعد بأنه سيضل أكثر بني آدم استثنى من ذلك عباد الله المخلصين معترفًا بأنه لا قدرة له على إضلالهم، ونظيره قوله في ص أيضًا: ﴿قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٨٣)﴾ وعباد الله المخلصون هم المرادون بالاستثناء في قوله في بني إسرائيل: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ وقوله في سبأ: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ وهم الذين احترز منهم بقوله: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وبين تعالى في مواضع آخر أَنّ الشيطان لا سلطان له على أولئك المخلصين، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ","vol":"3","page":176},{"text":"سُلْطَانٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ وقوله: ﴿الْمُخْلَصِينَ﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو بكسر اللام، اسم فاعل، وقرأه نافع والكوفيون بفتح اللام، بصيغة اسم المفعول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-609> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين يوم القيامة في جنات وعيون، ويقال لهم يوم القيامة: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (٤٦)﴾. وذكر في مواضع آخر صفات ثوابهم، وربما بين بعض تقواهم التي نالوا بها هذا الثواب الجزيل، كقوله في الذاريات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥) آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨) وَفِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ (١٩)﴾ وقوله في الدخان: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُتَقَابِلِينَ (٥٣) كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤) يَدْعُونَ فِيهَا بِكُلِّ فَاكِهَةٍ آمِنِينَ (٥٥) لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إِلَّا الْمَوْتَةَ الْأُولَى وَوَقَاهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٥٦) فَضْلًا مِنْ رَبِّكَ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٥٧)﴾ وقوله في الطور: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧) فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (١٨) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٩) مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٢٠)﴾ وقوله في القمر: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ وقوله في المرسلات: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١) وَفَوَاكِهَ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٤٢) كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا كُنْتُمْ","vol":"3","page":177},{"text":"تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أنّ الشيء الذي له أوصاف متعددة في القرآن نبين أوصافه عند ذكر بعضها، كما تقدم مثاله مرارًا وكما هنا.\nوالمتقي اسم فاعل الاتقاء، وأصل مادة الاتقاء (وق ى) لفيف مفروق، فاؤه واو، وعينه قاف، ولامه ياء، فدخله تاء الافتعال فصارت وقى أو تقى، فأبدلت الواو التي هي فاء الكلمة تاء للقاعدة المقررة في التصريف أَنّ كلَّ واو هي فاء الكلمة إذا دخلت عليها تاء الافتعال يجب إبدالها، أعني الواو تاء وإدغامها في تاء الافتعال، نحو اتصل من الوصل، واتزن من الوزن، واتحد من الوحدة واتقى من الوقاية، وعقد هذه القاعدة ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nذو اللين فاتا في افتعال أبدلا ... وشذ في ذي الهمز نحو ائتكلا\nوالاتقاء في اللغة: اتخاذ الوقاية دون المكروه، ومنه قول نابغة ذبيان:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\nيعني استقبلتنا بيدها جاعلة إياها وقاية تقيها من أن ننظر إلى وجهها؛ لأنها تستره بها، وقول الآخر:\nفألقت قناعًا دونه الشمس واتقت ... بأحسن موصولين كف ومعصم\nوالتقوى في اصطلاح الشرع: هي اتخاذ الوقاية دون عذاب","vol":"3","page":178},{"text":"الله وسخطه، وهي مركبة من أمرين: هما امتثال أمر الله، واجتناب نهيه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-610> قوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّه نزع ما في صدور أهل الجنة من الغل في حال كونهم إخوانًا، وبين هذا المعنى في الأعراف وزاد أنهم تجري من تحتهم الأنهار في نعيم الجنة وذلك في قوله: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا﴾ الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-611> قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾</span> بين في هذه الآية الكريمة أن المتقين الذين هم أهل الجنة يوم القيامة يكونون على سرر، وأنهم متقابلون ينظر بعضهم إلى وجه بعض، ووصف سررهم بصفات جميلة في غير هذا الموضع.\nمنها أنها منسوجة بقضبان الذهب، وهي الموضونة، قال في الواقعة: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾ وقيل: الموضونة المصفوفة كقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾ الآية.\nومنها أنها مرفوعة، كقوله في الغاشية: ﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾ الآية، وقوله في الواقعة: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-612> قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يمسهم فيها نصب، وهو التعب","vol":"3","page":179},{"text":"والإعياء، وقوله: نصب، نكرة في سياق النفي، فتعم كل نصب فتدل الآية على سلامة أهل الجنة من جميع أنواع التعب والمشقة، وأكد هذا المعني في قوله تعالى: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾ لأن اللغوب هو التعب والإعياء أيضًا، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله أمرني أن أبشر خديجة ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-613> قوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ مِنْهَا بِمُخْرَجِينَ (٤٨)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أَنّ أهل الجنة لا يخرجون منها، وأكد نفي إخراجهم منها بالباء في قوله: بمخرجين، فهم دائمون في نعيمها أبدًا بلا انقطاع. وأوضح هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-614> قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾</span> بين في مواضع أخر أن ضيف إبراهيم المذكورين في هذه الآية أنهم ملائكة، كقوله في هود: ﴿وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ كما تقدم، وقوله: ﴿قَالَ فَمَا خَطْبُكُمْ أَيُّهَا الْمُرْسَلُونَ (٣١) قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-615> قوله تعالى: ﴿إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ (٥٢)﴾</span> لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة هل رد إبراهيم السلام","vol":"3","page":180},{"text":"الملائكة أو لا؟ لأنه لم يذكر هنا رده السلام عليهم، وإنما قال عنه: إنه قال لهم: إنا منكم وجلون، وبين في هود والذاريات أنه رد ﵈ بقوله في هود: ﴿قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾ وقوله في الذاريات: ﴿قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥) فَرَاغَ إِلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ (٢٦)﴾ وبين أن الوجل المذكور هنا هو الخوف لقوله في القصة بعينها في هود: ﴿وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لا تَخَفْ﴾ وقوله في الذاريات: ﴿فَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ﴾ وقد قدمنا أن من أنواع البيان في هذا الكتاب بيان اللفظ بمرادف له أشهر منه كما هنا لأن الخوف يرادف الوجل وهو أشهر منه، وبين أن سبب خوفه هو عدم أكلهم بقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-616> قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن أولئك الضيف الكرام الذين هم ملائكة بشروا إبراهيم بغلام موصوف بالعلم، ونظير ذلك قوله تعالى أيضًا في الذاريات: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨)﴾ وهذا الغلام بين تعالى أنه هو إسحاق كما يوضح ذلك قوله في الذاريات: ﴿وَبَشَّرُوهُ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٢٨) فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩) قَالُوا كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ إِنَّهُ هُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٣٠)﴾ لأن كونها أقبلت في صَرّة؛ أي: صيحة وضجة وصكت وجهها، أي: لطمته قائلة: إنها عجوز عقيم يدل على أن الولد المذكور هي أمه كما لا يخفى ويزيده إيضاحًا تصريحه تعالى ببشارتها هي بأنها تلده مصرحًا باسمه واسم ولده يعقوب، وذلك في قوله تعالى في هود في القصة بعينها: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ﴾","vol":"3","page":181},{"text":"وأما الغلام الذي بشر به إبراهيم الموصوف بالحلم المذكور في الصافات في قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ﴾ الآية. فهو إسماعيل. وسترى إن شاء الله تعالى في سورة الصافات دلالة الآيات القرآنية على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق على وجه قاطع للنزاع، والغلام يطلق في لغة العرب على العبد، وعلى الصغير الذي لم يبلغ، وعلى الرجل البالغ، ومن إطلاقه على البالغ قول علي ﵁ يوم النهروان:\nأنا الغلام القرشي المؤتمن ... أبو حسين فاعلمن والحسن\nوقول صفوان بن المعطل السلمي لحسان ﵄:\nتلق ذباب السيف عني فإنني ... غلام إذا هوجيت لست بشاعر\nوقول ليلى الأخيلية تمدح الحجاج بن يوسف:\nإذا نزل الحجاج أرضًا مريضة ... تتبع أقصى دائها فشفاها\nشفاها من الداء العضال الذي بها ... غلام إذا هز القناة سقاها\nوربما قالوا للأنثى: غلامة، ومنه قول أوس بن غلفاء الهجيمي يصف فرسًا:\nومركضة صريحي أبوها ... يهان لها الغلامة والغلام\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-617> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال: إنه وقت البشرى بإسحاق مسه الكبر، وصرح في هود بأن امرأته أيضًا قالت: إنه","vol":"3","page":182},{"text":"شيخ كبير في قوله عنها: ﴿وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا﴾ كما صرح عنها هي أنها وقت البشرى عجوز كبيرة السن، وذلك كقوله في هود: ﴿يَاوَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ﴾ الآية، وقوله في الذاريات: ﴿فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ (٢٩)﴾ وبين في موضع آخر عن نبيه إبراهيم أنه وقت هبة الله له ولده إسماعيل أنه كبير السن أيضًا، وذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ (٣٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-618> قوله تعالى: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾</span> الظاهر أن استفهام نبي الله إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام للملائكة بقوله فبم تبشرون استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى، ويدل لذلك أنه تعالى ذكر أن ما وقع له وقع نظيره لامرأته حيث قالت: أألد وأنا عجوز وقد بين تعالى أن ذلك الاستفهام لعجبها من ذلك الأمر الخارق للعادة في قوله: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ الآية. ويدل له أيضًا وقوع مثله من نبي الله زكريا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه لما قال: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآية ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى﴾ عجب من كمال قدرة الله تعالى فقال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾ الآية وقوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾ قرأه ابن عامر وأبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي بفتح النون مخففة، وهي نون الرفع، وقرأه نافع بكسر النون مخففة، وهي نون الوقاية مع حذف ياء المتكلم لدلالة الكسرة عليها، وقرأه ابن كثير بالنون المكسورة المشددة مع المد، فعلى قراءة ابن كثير لم تحذف نون الرفع، ولا المفعول به، بل نون الرفع مدغمة في نون الوقاية، وياء المتكلم","vol":"3","page":183},{"text":"هي المفعول به، وعلى قراءة الجمهور فنون الرفع ثابتة، والمفعول به محذوف على حد قول ابن مالك:\nوحذف فضلة أجز إن لم يضر ... كحذف ما سيق جوابًا أو حصر\nوعلى قراءة نافع فنون الرفع محذوفة؛ لاستثقال اجتماعها مع نون الوقاية.\n\nتنبيه\nحذف نون الرفع له خمس حالات: ثلاثٌ منها يجب فيها حذفها، وواحدة يجوز فيها حذفها وإثباتها، وواحدة يقصر فيها حذفها على السماع.\nأما الثلاث التي يجب فيها الحذف فالأولى منها إذا دخل على الفعل عامل جزم، والثانية إذا دخل عليه عامل نصب، والثالثة إذا أكد الفعل بنون التوكيد الثقيلة نحو لتبلون.\nوأما الحالة التي يجوز فيها الإثبات والحذف فهي ما إذا اجتمعت مع نون الرفع نون الوقاية؛ لكون المفعول ياء المتكلم، فيجوز الحذف والإثبات، ومن الحذف قراءة نافع في هذه الآية فَبِمَ تبشرون بالكسر وكذلك قوله تعالى: ﴿قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾ بكسر النون مع التخفيف في الجميع، وقوله: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ﴾ الآية، بالكسر مع التخفيف أيضًا، وكلها قرأها بعض القراء بالتشديد لإثبات نون الرفع وإدغامها في نون الوقاية.\nوأما الحالة الخامسة المقصورة على السماع فهي حذفها لغير","vol":"3","page":184},{"text":"واحد من الأسباب الأربعة المذكورة، كقول الراجز:\nأبيتُ أسري وتبيتِ تدلُكِي ... وجهك بالعنبر والمسك الذكي\nأما بقاء نون الرفع مع الجازم في قوله:\nلولا فوارس من نعم وأسرتهم ... يوم الصليفاء لم يوفون بالجار\nفهو نادر حملًا لِـ \"لم\" على أختها لا النافية، أو ما النافية، وقيل: هو لغة قوم كما صرح به في التسهيل، وكذلك بقاء النون مع حرف النصب في قوله:\nأن تقرآن على أسماء ويحكما ... مني السلام وألا تشعرا أحدا\nفهو لغة قوم حملوا أن المصدرية على أختها ما المصدرية في عدم النصب بها، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوبعضهم أهمل أن حملًا على ... ما أختها حيث استحقت عملا\nولا ينافي كون استفهام إبراهيم للتعجب من كمال قدرة الله قول الملائكة له فيما ذكر الله عنهم: ﴿قَالُوا بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ (٥٥)﴾ بدليل قوله: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ (٥٦)﴾ لأنه دليل على أن استفهامه ليس استفهام منكر ولا قانط. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-619> قوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن نبيه إبراهيم قال للملائكة: إنه لا يقنط من رحمة الله جل وعلا إلا الضالون عن طريق الحق، وبين أن هذا المعنى قاله أيضًا يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم لبنيه في","vol":"3","page":185},{"text":"قوله: ﴿يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾.\nقال أبو حيان في البحر المحيط في تفسير قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ﴾ الآية: وروح الله رحمته وفرجه وتنفيسه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-620> قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٥٨) إِلَّا آلَ لُوطٍ﴾</span> الآية. أشار في هذه الآية الكريمة إلى أَن المراد بهؤلاء القوم المجرمين قوم لوط الذين أرسل إليهم فكذبوه، ووجه إشارته تعالى لذلك استثناء لوط وأهله غير امرأته في قوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَتَهُ﴾ الآية. وصرح بأنهم قوم لوط بقوله في هود في القصة بعينها: ﴿قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ (٧٠)﴾ الآية. وصرح في الذاريات بأنهم أرسلوا إلى هؤلاء القوم المجرمين ليرسلوا عليهم حجارة من طين في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ وصرح في العنكبوت أنهم قالوا: إنهم مهلكوهم بسبب ظلمهم، ومنزلون عليهم رجزًا من السماء بسبب فسقهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ (٣١) قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٣٣) إِنَّا مُنْزِلُونَ عَلَى أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ بين في هذه الآية الكريمة أنه استثنى آل لوط من ذلك العذاب النازل بقومه، وأوضح هذا المعنى في آيات آخر، كما","vol":"3","page":186},{"text":"تقدم في هود في قوله: ﴿قَالُوا يَالُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَنْ يَصِلُوا إِلَيْكَ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍ مِنَ اللَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنْكُمْ أَحَدٌ إِلَّا امْرَأَتَكَ إِنَّهُ﴾ الآية، وقوله في العنكبوت: ﴿وَقَالُوا لَا تَخَفْ وَلَا تَحْزَنْ إِنَّا مُنَجُّوكَ وَأَهْلَكَ إِلَّا امْرَأَتَكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ أَجْمَعِينَ (١٧٠)﴾ إِلَّا عَجُوزًا فِي الْغَابِرِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَاهَا مِنَ الْغَابِرِينَ (٥٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكر في هذه الآية الكريمة من استثناء امرأته من أهله الناجين في قوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ أوضحه في هذه الآيات التي ذكرناها آنفًا، ونحوها من الآيات، وبين في الذاريات أنه أنجى من كان في قوم لوط من المؤمنين، وأنهم لم يكن فيهم من المسلمين إلا بيت واحد، وهم آل لوط، وذلك في قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾.\n\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة دليلٌ واضح لما حققه علماء الأصول من جواز الاستثناء من الاستثناء؛ لأنه تعالى استثنى آل لوط من إهلاك المجرمين بقوله: ﴿إِلَّا آلَ لُوطٍ إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٩)﴾ ثم استثنى من هذا الاستثناء امرأة لوط بقوله: ﴿إِلَّا امْرَأَتَهُ قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ وبهذا تعلم أن قول ابن مالك في الخلاصة:\n\n• وحكمها في القصد حكم الأول *\nليس صحيحًا على إطلاقه، وأوضح مسألة تعدد الاستثناء","vol":"3","page":187},{"text":"بأقسامها صاحب مراقي السعود في مبحث المخصص المتصل بقوله:\nوذا تعدد بعطف حصل ... بالاتفاق مسجلًا للأول\nإلا فكل للذي به اتصل ... وكلها مع التساوي قد بطل\nإن كان غير الأول المستغرقا ... فالكل للمخرج منه حققا\nوحيثما استغرق الأول فقط ... فالغ واعتبر بخلف في النمط\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-621> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آلَ لُوطٍ الْمُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن لوطًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما جاءه الملائكة المرسلون لإهلاك قومه قال لهم: إنكم قوم منكرون. وصرح في مواضع آخر أنه حصلت له مساءة بمجيئهم، وأنه ضاق بهم ذرعًا بذلك، كقوله في هود: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا وَقَالَ هَذَا يَوْمٌ عَصِيبٌ (٧٧)﴾ وقوله في العنكبوت: ﴿وَلَمَّا أَنْ جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا سِيءَ بِهِمْ وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ الآية، وذكر تعالى في الذاريات أن نبيه إبراهيم قال لهم أيضًا: قوم منكرون، كما ذكر عن لوط هنا، وذلك في قوله: ﴿سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٢٥)﴾ قيل: معناه أنهم غير معروفين، والنكرة ضد المعرفة، وقيل: إنه رآهم في صفة شباب حسان الوجوه فخاف أن يفعل بهم قومه فاحشة اللواط، فقال: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ مُنْكَرُونَ (٦٢)﴾.\nوقال الزمخشري في الكشاف: منكرون، أي: تنكركم نفسي وتفر منكم، فأخاف أن تطرقوني بشر بدليل قوله: ﴿قَالُوا بَلْ جِئْنَاكَ بِمَا كَانُوا فِيهِ يَمْتَرُونَ (٦٣) وَأَتَيْنَاكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية، ويدل لهذا الوجه أنه بين","vol":"3","page":188},{"text":"في هود أن سبب إنكار إبراهيم لهم عدم أكلهم من لحم العجل الذي قدمه إليهم، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً﴾ لأن من استضاف وامتنع من الأكل خيف منه الشر، وقوله تعالى في هذه الآيات: ﴿إِنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ قرأه حمزة والكسائي بإسكان النون بعد الميم المضمومة مخففًا اسم فاعل أنجى على وزن أفعل، وقرأه غيرهما من القراء بفتح النون وتشديد الجيم اسم فاعل نجى على وزن فعل بالتضعيف، والإنجاء والتنجية معناهما واحد.\nوقوله: ﴿قَدَّرْنَا إِنَّهَا لَمِنَ الْغَابِرِينَ (٦٠)﴾ قرأه أبو بكر عن عاصم بتخفيف الدال، وقرأه غيره بتشديدها، وهما لغتان معناهما واحد.\nوقوله: ﴿جَاءَ آلَ لُوطٍ﴾ قرأه قالون والبزي وأبو عمرو بإسقاط الهمزة الأولى، وتحقيق الثانية مع القصر والمد، وقرأه ورش بتحقيق الأولى وإبدال الثانية ألفا مع القصر والمد، وعن ورش أيضًا تحقيق الأولى، وتسهيل الثانية مع القصر والتوسط والمد، وقرأه قنبل مثل قراءة ورش إلا أنه ليس له مع التسهيل إلا القصر، وقرأ الباقون بتحقيق الهمزتين، وكل على أصله من المد، وما ذكر من قراءة ورش وقنبل هو التحقيق عنهما. وإن قيل غيره. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-622> قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ (٦٧)﴾</span> سبب استبشار قوم لوط أنهم ظنوا الملائكة شبابًا من بني آدم فحدثتهم أنفسهم بأن يفعلوا فاحشة اللواط، كما يشير لذلك قوله تعالى:","vol":"3","page":189},{"text":"﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ (٦٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ رَاوَدُوهُ عَنْ ضَيْفِهِ فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَاءَهُ قَوْمُهُ يُهْرَعُونَ إِلَيْهِ وَمِنْ قَبْلُ كَانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-623> قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن فيما أوقع من النكال بقوم لوط آيات للمتأملين في ذلك تحصل لهم بها الموعظة والاعتبار والخوف من معصية الله أن ينزل بهم مثل ذلك العذاب الذي أنزل بقوم لوط لما عصوه وكذبوا رسوله، وبين هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله في العنكبوت: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ وقوله في الذاريات: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾ وقوله هنا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ وقوله في الشعراء بعد ذكر قصة قوم لوط: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ الآية، كما صرح بمثل ذلك في إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب في الشعراء. وقوله: ﴿لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ أصل التوسم تفعل من الوسم، وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب غيرها، يقال: توسمت فيه الخير إذا رأيت ميسمه فيه، أي: علامته التي تدل عليه ومنه قول عبد الله بن رواحة ﵁ في النبي - ﷺ -:\nإني توسمت فيك الخير أعرفه ... والله يعلم أني ثابت النظر\nوقال الآخر:\nتوسمته لما رأيت مهابة ... عليه وقلت: المرء من آل هاشم\nهذا أصل التوسم، وللعلماء فيه أقوال متقاربة يرجع معناها","vol":"3","page":190},{"text":"كلها إلى شيء واحد، فعن قتادة: للمتوسمين، أي: المعتبرين، وعن مجاهد: للمتوسمين، أي: المتفرسين، وعن ابن عباس، والضحاك للمتوسمين، أي: للناظرين، وعن مالك عن بعض أهل المدينة للمتوسمين، أي: للمتأملين.\nولا يخفى أن الاعتبار والنظر والتفرس والتأمل معناها واحد، وكذلك قول ابن زيد ومقاتل: للمتوسمين، أي: للمتفكرين، وقول أبي عبيدة: للمتوسمين، أي: للمتبصرين، فمآل جميع الأقوال راجع إلى شيء واحد، وهو أن ما وقع لقوم لوط فيه موعظة وعبرة لمن نظر في ذلك وتأمل فيه حق التأمل، وإطلاق التوسم على التأمل والنظر والاعتبار مشهور في كلام العرب، ومنه قول زهير:\nوفيهن ملهى للصديق ومنظر ... أنيق لعين الناظر المتوسم\nأي: المتأمل في ذلك الحسن، وقول طريف بن تميم العنبري:\nأو كلما وردت عكاظ قبيلة ... بعثوا إلى عريفهم يتوسم\nأي ينظر ويتأمل.\nوقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: للناظرين، وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ في العظمة عن قتادة في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ قال: للمعتبرين، وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، عن مجاهد في قوله: ﴿لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: هم المتفرسون، وأخرج أبو نعيم في الحلية عن جعفر بن محمد في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾","vol":"3","page":191},{"text":"قال: هم المتفرسون، وأخرج البخاري في تاريخه، والترمذي، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وابن السني، وأبو نعيم معًا -في الطب- وابن مردويه، والخطيب عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" ثم قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥)﴾ قال: \"للمتفرسين\" وأخرج ابن جرير عن ابن عمر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اتقوا فراسة المؤمن فإن المؤمن ينظر بنور الله\" وأخرج ابن جرير عن ثوبان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"احذروا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله، وينطق بتوفيق الله\" وأخرج الحكيم الترمذي، والبزار، وابن السني، وأبو نعيم عن أنس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن لله عبادًا يعرفون الناس بالتوسم\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-624> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن ديار قوم لوط، وآثار تدمير الله لها بسبيل مقيم، أي: بطريق ثابت يسلكه الناس لم يندرس بعد، يمر بها أهل الحجاز في ذهابهم إلى الشام، والمراد أن آثار تدمير الله لهم التي تشاهدون في أسفاركم فيها لكم عبرة ومزدجر، يوجب عليكم الحذر من أن تفعلوا كفعلهم، لئلا ينزل الله بكم مثل ما أنزل بهم، وأوضح هذا المعنى في مواضع آخر، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ وقوله فيها، وفي ديار أصحاب الأيكة: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":192},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-625> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية أن أصحاب الأيكة كانوا ظالمين، وأنه جل وعلا انتقم منهم بسبب ظلمهم، وأوضح هذه القصة في مواضع آخر، كقوله في الشعراء: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ لْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦) إِذْ قَالَ لَهُمْ شُعَيْبٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٧٧) إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ (١٧٨) فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (١٧٩) وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالمِينَ (١٨٠) أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣) وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤) قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٨٥) وَمَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (١٨٦) فَأَسْقِطْ عَلَيْنَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧) قَالَ رَبِّي أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨٨) فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٨٩) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٩٠)﴾ فبين في هذه الآية أن ظلمهم هو تكذيبهم رسولهم، وتطفيفهم في الكيل، وبخسهم الناس أشياءهم، وأن انتقامه منهم بعذاب يوم الظلة، وبين أنه عذاب يوم عظيم، والظلة: سحابة أظلتهم فأضرمها الله عليهم نارًا فأحرقتهم. والعلم عند الله تعالى. وقرأ نافع وابن عامر وابن كثير (لَيْكَةَ) في الشعراء، وص بلام مفتوحة أول الكلمة وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف على أنه اسم للقرية غير منصرف. وقرأ أبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (الأيكةِ) بالتعريف والهمز وكسر التاء، وقرأ كذلك جميع القراء في الحجر.\nقال أبو عبيدة: (لَيْكة والأيكة) اسم مدينتهم كمكة وبكة، والأيكة في لغة العرب الغيضة، وهي جماعة الشجر، والجمع الأيك، وإنما سموا أصحاب الأيكة؛ لأنهم كانوا أصحاب غياض","vol":"3","page":193},{"text":"ورياض، ويروى أن شجرهم كان دومًا، وهو المقل، ومن إطلاق الأيكة على الغيضة قول النابغة:\nتجلو بقادمتي حمامة أيكة ... بردا أسف لثاته بالإثمد\nوقال الجوهري في صحاحه: ومن قرأ ﴿أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ﴾ فهي الغيضة، ومن قرأ ﴿لَيْكَةَ﴾ فهي اسم القرية، ويقال: هما مثل بكة ومكة. وقال بعض العلماء: الأيكة الشجرة، والأيك هو الشجر الملتف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-626> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾</span>.\nالحجر: منازل ثمود بين الحجاز الشام عند وادي القرى. فمعنى الآية الكريمة: كذبت ثمود المرسلين، وقد بين تعالى تكذيب ثمود لنبيه صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في مواضع آخر، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١) إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ صَالِحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٤٢)﴾ الآيات، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا﴾ إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وإنما قال: إنهم كذبوا المرسلين مع أن الذي كذبوه هو صالح وحده؛ لأن دعوة جميع الرسل واحدة، وهي تحقيق معنى \"لا إله إلا الله\" كما بينه تعالى بأدلة عمومية وخصوصية، قال معممًا لجميعهم: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقال: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ","vol":"3","page":194},{"text":"الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقال في تخصيص الرسل بأسمائهم: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقال: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فإذا حققت أن دعوة الرسل واحدة عرفت أن من كذب واحدًا منهم فقد كذب جميعهم، ولذا صرح تعالى بأن من كفر ببعضهم فهو كافر حقًا. قال: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ وبين أنه لا تصح التفرقة بينهم بقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾ ووعد الأجر على عدم التفرقة بينهم في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآية. وقد بينا هذه المسألة في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\".\n\nتنبيه\nاعلم أنه -  ﷺ  - مر بالحجر المذكور في هذه الآية في طريقه في غزوة تبوك، فقد أخرج البخاري في صحيحه في غزوة تبوك عن ابن عمر ﵄ قال: لما مر النبي -  ﷺ  - بالحجر قال: \"لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم أن يصيبكم ما أصابهم، إلا أن تكونوا باكين، ثم قنع رأسه وأسرع السير حتى أجاز الوادي\". هذا لفظ البخاري.\nوأخرج البخاري في كتاب أحاديث الأنبياء أيضًا عن ابن عمر","vol":"3","page":195},{"text":"﵄: أن رسول الله -  ﷺ  - لما نزل الحجر في غزوة تبوك \"أمرهم ألا يشربوا من بئرها ولا يستقوا منها. فقالوا: قد عجنا منها واستقينا، فأمرهم أن يطرحوا ذلك العجين ويهرقوا ذلك الماء\".\nثم قال البخاري: ويروى عن سبرة بن معبد، وأبي الشموس: أن النبي -  ﷺ  - \"أمر بإلقاء الطعام\" ثم قال: وقال أبو ذر عن النبي -  ﷺ  -: \"من اعتجن بمائه\".\nثم ساق بسنده عن نافع، عن ابن عمر ﵄ أنه أخبره: أن الناس نزلوا مع رسول الله -  ﷺ  - أرض ثمود الحجر واستقوا من بئرها واعتجنوا به، فأمرهم رسول الله -  ﷺ  - \"أن يهرقوا ما استقوا من بيارها، وأن يعلفوا الإبل العجين، وأمرهم أن يستقوا من البئر التي كان تردها الناقة\".\nثم قال: تابعه أسامة، عن نافع. ثم ساق بسنده عن سالم بن عبد الله، عن أبيه: أن النبي -  ﷺ  - لما مر بالحجر قال: \"لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم، ثم تقنع بردائه وهو على الرحل\".\nثم ساق أيضًا بسنده عن سالم أَن ابن عمر قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"لا تدخلوا مساكين الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين أن يصيبكم ما أصابهم\" هذا كله لفظ البخاري في صحيحه. وقال ابن حجر في الفتح: أما حديث سبرة بن معبد فوصله أحمد والطبراني من طريق عبد العزيز بن الربيع بن سبرة بن معبد، عن أبيه عن جده، سبرة، وهو بفتح السين المهملة وسكون الباء الموحدة=","vol":"3","page":196},{"text":"-الجهني قال: قال رسول الله -  ﷺ  - لأصحابه حين راح من الحجر: \"من كان عجن منكم من هذا الماء عجينة أو حاس حيسًا فليلقه\" وليس لسبرة بن معبد في البخاري إلا هذا الموضع.\nوأما حديث أبي الشموس -وهو بمعجمة ثم مهملة، وهو بكري لا يعرف اسمه- فوصله البخاري في الأدب المفرد، والطبراني، وابن منده من طريق سليم بن مطير، عن أبيه عنه قال: \"كنا مع رسول الله -  ﷺ  - فذكر الحديث وفيه: فألقى ذو العجين عجينه، وذو الحيس حيسه\" ورواه ابن أبي عاصم من هذا الوجه وزاد: \"فقلت: يا رسول الله -  ﷺ  - قد حست حيسة فألقمها راحلتي قال: نعم\".\nوقال ابن حجر أيضًا: قوله: وقال أبو ذر عن النبي -  ﷺ  -: \"من اعتجن بمائه\" وصله البزار من طريق عبد الله بن قدامة عنه: \"أنهم كانوا مع النبي -  ﷺ  - في غزوة تبوك، فأتوا على واد فقال لهم النبي -  ﷺ  -: إنكم بواد ملعون فأسرعوا\" وقال: \"من اعتجن عجينة أو طبخ قدرًا فليكبها\" الحديث -وقال: لا أعلمه إلا بهذا الإسناد.\nوأخرج البخاري في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾ عن ابن عمر ﵄: أن رسول الله -  ﷺ  - قال لأصحاب الحجر: \"لا تدخلوا على هؤلاء القوم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل ما أصابهم\" وأخرج البخاري أيضًا عن ابن عمر \"في كتاب الصلاة\" في \"باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب\" أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"لا تدخلوا على هؤلاء المعذبين إلا أن تكونوا باكين،","vol":"3","page":197},{"text":"فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم لا يصيبكم ما أصابهم\" وبعض هذه الروايات التي ذكرناها عن البخاري أخرجه مسلم أيضًا في صحيحه، فقد اتفقا على النهي عن دخول ديارهم إلا في حال البكاء، وعلى إسراعه -  ﷺ  - حتى جاوز ديارهم.\nوفي هذه الروايات الصحيحة النهي عن الدخول إلى مواضع الخسف والعذاب إلا في حالة البكاء، وفيها الإسراع بمجاوزتها وعدم الاستسقاء من مياهها، وعدم أكل الطعام الذي عجن بها، ومن هنا قال بعض العلماء: لا يجوز التطهر بمائها، ولا تصح الصلاة فيها؛ لأن ماءها لما لم يصلح للأكل وللشرب علم أنه غير صالح للطهارة التي هي تقرب إلى الله تعالى.\nقال البخاري في صحيحه: \"باب الصلاة في مواضع الخسف والعذاب\" ويذكر أن عليًا ﵁ كره الصلاة بخسف بابل.\nوقال ابن حجر في الفتح: هذا الأثر رواه ابن أبي شيبة من طريق عبد الله بن أبي المحل -وهو بضم الميم وكسر المهملة وتشديد اللام- قال: \"كنا مع علي فمررنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه، أي: تعداه\" ومن طريق أخرى عن علي قال: \"ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرار\".\nوالظاهر أن قوله ثلاث مرار ليس متعلقًا بالخسف؛ لأنه ليس فيها إلا خسف واحد، وإنما أراد أن عليًا قال ذلك ثلاثًا. ورواه أبو داود مرفوعًا من وجه آخر عن علي ولفظه: \"نهاني حبيبي -  ﷺ  - أن أصلي في أرض بابل فإنها ملعونة\" في إسناده ضعف، واللائق بتعليق المصنف ما تقدم والمراد بالخسف هنا ما ذكره الله تعالى في","vol":"3","page":198},{"text":"قوله: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ الآية. ذكر أهل التفسير والأحبار: أن المراد بذلك أن النمروذ بن كنعان بنى ببابل بنيانًا عظيمًا قال: إن ارتفاعه كان خمسة آلاف ذراع فخسف الله بهم؛ قال الخطابي: \"لا أعلم أحدًا من العلماء حرم الصلاة في أرض بابل\" انتهى محل الغرض من فتح الباري.\nوقول الخطابي يعارضه ما رأيته عن علي ﵁، ولكنه يشهد له عموم الحديث الصحيح: \"وجعلت لنا الأرض مسجدًا وطهورا\".\nوحديث أبي داود المرفوع عن علي الذي أشار له ابن حجر أن فيه ضعفًا هو قوله: \"حدثنا سليمان بن داود، أخبرنا ابن وهب، قال: حدثني ابن لهيعة، ويحيى بن أزهر، عن عمار بن سعد المرادي، عن أبي صالح الغفاري: أن عليًا ﵁ مر ببابل وهو يسير، فجاءه المؤذن يؤذنه بصلاة العصر؛ فلما برز منها أمر المؤذن فأقام الصلاة فلما فرغ منها قال: إن حبيبي -  ﷺ  - نهاني أن أصلي في المقبرة، ونهاني أن أصلي في أرض بابل؛ فإنها ملعونة\".\nحدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب، أخبرني يحيى بن أزهر وابن لهيعة، عن الحجاج بن شداد، عن أبي صالح الغفاري عن علي بمعنى سليمان بن داود قال: \"فلما خرج\" مكان \"فلما برز\" اه وقد يظهر للناظر في إسنادي هذا الحديث أنه لا يقل عن درجة القبول، ولكن فيه علة خفية نبه عليها ابن يونس.\nأما كونه لا يقل عن درجة القبول فلأن طريقه الأولى أول طبقاتها سليمان بن داود، ولا خلاف في كونه ثقة، وفي الثانية","vol":"3","page":199},{"text":"أحمد بن صالح مكان سليمان المذكور، وأحمد بن صالح ثقة حافظ. وكلام النسائي فيه غلظ مردود عليه، كما قال العراقي في ألفيته:\nوربما رد كلام الجارح ... كالنسائي في أحمد بن صالح\nوسبب غلطه في ذلك أَنّ ابن معين كذب أحمد بن صالح الشموني، فظن النسائي أن مراد ابن معين أحمد بن صالح هذا الذي هو أبو جعفر بن الطبري المصري، وليس كذلك كما جزم به ابن حبان.\nوالطبقة الثانية في كلا الإسنادين: ابن وهب، وهو عبد الله بن وهب بن مسلم القرشي مولاهم أبو محمد المصري، ثقة حافظ عابد مشهور.\nوالطبقة الثالثة من الإسنادين: يحيى بن أزهر، وعبد الله بن لهيعة، ويحيى بن أزهر البصري مولى قريش صدوق، وعبد الله بن لهيعة صدوق خلط بعد احتراق كتبه. والظاهر أن اعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل عن درجة الحسن. ويؤيد ذلك أن راوي الحديث ابن وهب، ومعلوم أن رواية ابن وهب، وابن المبارك عن ابن لهيعة أعدل من رواية غيرهما عنه.\nوالطبقة الرابعة في الإسناد الأول: عمار بن سعد المرادي. وفي الإسناد الثاني الحجاج بن شداد، وعمار بن سعد المرادي، ثم السلهمي، والحجاج بن شداد الصنعاني نزيل مصر كلاهما مقبول، كما قاله ابن حجر في التقريب، واعتضاد أحدهما بالآخر لا يقل","vol":"3","page":200},{"text":"عن درجة الحسن.\nوالطبقة الخامسة في كلا الإسنادين: أبو صالح الغفاري، وهو سعيد بن عبد الرحمن، وعداده في أهل مصر، وهو ثقة.\nوالطبقة السادسة في كليهما: أمير المؤمنين علي ﵁. فالذي يظهر صلاحية الحديث للاحتجاج، ولكنه فيه علة خفية ذكرها ابن يونس، وهي أن رواية أبي صالح الغفاري، عن علي مرسلة، كما ذكره ابن حجر في التقريب.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: \"باب من كره الصلاة في موضع الخسف والعذاب\" أنبأ أبو علي الروذباري، أنبأ أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثم ساق حديث أبي داود المذكور آنفًا بلفظه في المتن والإسنادين. ثم قال: وروينا عن عبد الله بن أبي محل العمري قال: \"كنا مع علي بن أبي طالب فمر بنا على الخسف الذي ببابل فلم يصل حتى أجازه\" وعن حجر الحضرمي عن علي ابن أبي طالب ﵁ قال: \"ما كنت لأصلي بأرض خسف الله بها ثلاث مرات\".\nثم قال البيهقي: وهذا النهي عن الصلاة فيها إن ثبت مرفوعًا ليس لمعنى يرجع إلى الصلاة، فلو صلى فيها لم يعد.\nثم ساق البيهقي بعض روايات حديث ابن عمر الذي قدمنا عن البخاري ومسلم. ثم قال: إن النبي -  ﷺ  - أحب الخروج من تلك المساكن، وكره المقام فيها إلا باكيًا فدخل في ذلك المقام للصلاة وغيرها. اه.","vol":"3","page":201},{"text":"وهذا الذي ذكرنا هو حاصل ما جاء في الصلاة في مواضع الخسف والتطهير بمياهها، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الصلاة بها صحيحة، والتطهر بمائها مجزئ.\nواستدلوا بعموم النصوص كقوله -  ﷺ  -: \"وجعلت لي الأرض مسجدًا\" الحديث. وكعموم الأدلة على رفع الحدث، وحكم الخبث بالماء المطلق.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أنها لا تجوز الصلاة فيها، ولا تصح الطهارة بمائها، واستدلوا بحديث علي المرفوع أن حبيبه -  ﷺ  - \"نهاه عن الصلاة في خسف بابل لأنها أرض ملعونة\" قالوا: والنهي يقتضي الفساد؛ لأن ما نهى عنه -  ﷺ  - ليس من أمرنا، ومن أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد، كما ثبت في الحديث.\nواحتجوا لعدم الطهارة بمائها بأن النبي -  ﷺ  - منع من استعماله في الأكل والشرب وهما ليسا بقربة؛ فدل ذلك على منع الطهارة به من باب أولى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لنا رجحانه أن من مر عليها ينبغي له أن يسرع في سيره حتى يخرج منها كفعله -  ﷺ  -، وفعل صهره وابن عمه وأبي سبطيه ﵃ جميعًا، وأنه لا يدخل إلا باكيًا للحديث الصحيح، فلو نزل فيها وصلى فالظاهر صحة صلاته إذ لم يقم دليل صحيح بدلالة واضحة على بطلانها، والحكم ببطلان العبادة يحتاج إلى نص قوي المتن والدلالة، والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":202},{"text":"مسائل لها تعلق بهذه الآية الكريمة\nقد علمت أن الحجر المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ﴾ الآية: هو ديار ثمود، وأنه ورد النبي -  ﷺ  - في مواضع الخسف؛ فبهذه المناسبة نذكر الأماكن التي نهى عن الصلاة فيها، ونبين ما صح فيه النهي، وما لم يصح.\nوالمواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها تسعة عشر موضعًا ستأتي كلها.\nعن زيد بن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر أن رسول الله -  ﷺ  - \"نهى أن يصلى في سبعة مواطن: في المزبلة والمجزرة، والمقبرة، وقارعة الطريق، وفي الحمام، وفي أعطان الإبل وفوق ظهر بيت الله\" رواه عبد بن حميد في مسنده، والترمذي، وابن ماجه.\nوقال الترمذي في إسناده: ليس بذاك. وقد روى الليث بن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري، عن نافع، عن ابن عمر عن النبي -  ﷺ  - مثله. والحديث ضعيف لا تقوم به حجة؛ لأن الإسناد الأول فيه زيد بن جبيرة، وهو متروك.\nقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: هو لا شيء، وقال البخاري: منكر الحديث، وقال في موضع آخر: متروك الحديث. وقال النسائي: ليس بثقة، وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث، منكر الحديث جدًا، متروك الحديث لا يكتب حديثه، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا","vol":"3","page":203},{"text":"يتابعه عليه أحد.\nقلت: وقال الساجي: حدث عن داود بن الحصين بحديث منكر جدًا، يعني حديث النهي عن الصلاة في سبع مواطن.\nوقال الفسوي: ضعيف منكر الحديث. وقال الأزدي: متروك. وقال ابن حبان: يروي المناكير عن المشاهير فاستحق التنكب عن روايته.\nوقال الحاكم: روى عن أبيه داود بن الحصين وغيرهما المناكير.\nوقال الدارقطني: ضعيف.\nقال ابن عبد البر: أجمعوا على أنه ضعيف اه كلام ابن حجر.\nوأحد إسنادي ابن ماجه فيه أبو صالح كاتب الليث وهو كثير الغلط، وفيه ابن عمر العمري ضعفه بعض أهل العلم وأخرج له مسلم.\nوقال ابن أبي حاتم في العلل: هما جميعًا -يعني الحديثين- واهيان؛ وصحح الحديث المذكور ابن السكن وإمام الحرمين.\nأعلم أولًا أن المواضع التي ورد النهي عن الصلاة فيها هي السبعة المذكورة، والصلاة إلى المقبرة، وإلى جدار مرحاض عليه نجاسة، والكنيسة، والبيعة، وإلى التماثيل، وفي دار العذاب، وفي المكان المغصوب، والصلاة إلى النائم، والمتحدث، وفي بطن الوادي، وفي مسجد الضرار، والصلاة إلى التنور، فالمجموع تسعة","vol":"3","page":204},{"text":"عشر موضعًا. وسنبين أدلة النهي عنها مفصلة إن شاء الله تعالى.\nأما في مواضع الخسف والعذاب فقد تقدم حكم ذلك قريبًا.\nوأما الصلاة في المقبرة والصلاة إلى القبر فكلاهما ثبت عن النبي -  ﷺ  - النهي عنه.\nأما الصلاة في المقابر فقد وردت أحاديث صحيحة في النهي عنها:\nمنها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂: أن النبي -  ﷺ  - قال في مرض موته \"لعن اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، يحذر ما صنعوا، ولولا ذلك أبرز قبره -  ﷺ  - غير أنه خشي أن يتخذ مسجدًا\".\nوفي الصحيحين أيضًا نحوه عن أبي هريرة.\nوقد ثبت في الصحيح أيضًا عن ابن عباس ﵄، وفي بعض الروايات المتفق عليها \"لعن الله اليهود والنصارى\" وفي بعض الروايات الصحيحة الاقتصار على اليهود. والنبي -  ﷺ  - لا يلعن إلا على فعل حرام شديد الحرمة. وعن حديث جندب بن عبد الله بن سفيان البجلي ﵁ قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - قبل أن يموت بخمس وهو يقول: \"إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل، فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا كما اتخذ إبراهيم خليلًا، ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا، ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، إني أنهاكم عن ذلك\" أخرجه مسلم","vol":"3","page":205},{"text":"في صحيحه بهذا اللفظ، ورواه النسائي أيضًا.\nوعن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا\" أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه.\nوقوله -  ﷺ  - في هذا الحديث \"ولا تتخذوها قبورًا\" دليل على أن القبور ليست محل صلاة.\nوقال بعض العلماء: يحتمل أن يكون معنى الحديث صلوا ولا تكونوا كالأموات في قبورهم، فإنهم لا يصلون.\nوأخرج الإمام أحمد بسند جيد عن ابن مسعود ﵁ مرفوعًا: \"إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد\" ورواه ابن أبي حاتم أيضًا.\nوالأحاديث في هذا الباب كثيرة صحيحة لا مطعن فيها، وهي تدل دلالة واضحة على تحريم الصلاة في المقبرة؛ لأن كل موضع صلى فيه يطلق عليه اسم المسجد؛ لأن المسجد في اللغة مكان السجود، ويدل لذلك قوله -  ﷺ  - في الحديث الصحيح: \"وجعلت لي الأرض مسجدًا\" الحديث. أي: كل مكان منها يجوز الصلاة فيه. وظاهر النصوص المذكورة العموم سواء نبشت المقبرة واختلط ترابها بصديد الأموات، أو لم تنبش؛ لأن علة النهي ليست بنجاسة المقابر، كما يقول الشافعية بدليل اللعن الوارد من النبي -  ﷺ  - على من اتخذ قبور الأنبياء مساجد، ومعلوم أن قبور الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ليست نجسة، فالعلة للنهي سد الذريعة؛ لأنهم إذا","vol":"3","page":206},{"text":"عبدوا الله عند القبور آل بهم الأمر إلى عبادة القبور. فالظاهر من النصوص المذكورة منع الصلاة عند المقابر مطلقًا، وهو مذهب الإمام أحمد، وفي صحتها عنده روايتان وإن تحققت طهارتها. وذهب مالك إلى أن الصلاة فيها مكروهة.\nوذهب الشافعية إلى أنها إذا كانت نجسة؛ لاختلاط أرضها بصديد الأموات لأجل النبش فالصلاة فيها باطلة، وإن كانت لم تنبش فالصلاة فيها مكروهة عندهم.\nوذكر النووي عن ابن المنذر أنه قال: روينا عن علي، وابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي أنهم كرهوا الصلاة في المقبرة. قال: ولم يكرهها أبو هريرة، وواثلة بن الأسقع، والحسن البصري.\nونقل صاحب الحاوي عن داود أنه قال: تصح الصلاة وإن تحقق نبشها. وذكر ابن حزم النهي عن الصلاة في المقبرة عن خمسة من الصحابة: وهم عمر، وعلي، وأبو هريرة، وأنس، وابن عباس. وقال: ما نعلم لهم مخالفًا، وحكاه عن جماعة من التابعين إبراهيم النخعي، ونافع بن جبير بن مطعم، وطاوس، وعمرو بن دينار وخيثمة وغيرهم.\nوقد حكى الخطابي في معالم السنن عن عبد الله بن عمر أنه رخص في الصلاة في المقبرة. وحكى أيضًا عن الحسن أنه صلى في المقبرة. وعن ابن جريج قال: قلت لنافع: أكان ابن عمر يكره أن يصلي وسط القبور؟ قال: لقد صلينا على عائشة، وأم سلمة ﵄ وسط البقيع، والإمام يوم صلينا على عائشة،","vol":"3","page":207},{"text":"أبو هريرة ﵁، وحضر ذلك عبد الله بن عمر؛ رواه البيهقي وغيره.\nوممن كره الصلاة في المقبرة أبو حنيفة، والثوري والأوزاعي.\nواحتج من قال بجواز الصلاة في المقبرة بأن النبي -  ﷺ  - صلى على المسكينة السوداء بالمقبرة. وسيأتي قريبًا إن شاء الله حكم الصلاة إلى جهة القبر.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا في هذه المسألة عندي قول الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى؛ لأن النصوص صريحة في النهي عن الصلاة في المقابر، ولعن من اتخذ المساجد عليها، وهي ظاهرة جدًا في التحريم.\nأما البطلان فمحتمل؛ لأن النهي يقتضي الفساد لقوله -  ﷺ  -: \"من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد\" والصلاة في المقابر منهي عنها، فليست من أمرنا فهي رد.\nويحتمل أن يقال: الصلاة من أمرنا فليست ردًا، وكونها في المكان المنهي عنه هو الذي ليس من أمرنا. كما علم الخلاف بين العلماء في كل منهي عنه له جهتان: إحداهما: مأمور به منها، ككونه صلاة، والأخرى منهي عنه منها، ككونه في موضع نهي، أو وقت نهي، أو أرض مغصوبة، أو بحرير، أو ذهب، ونحو ذلك، فإنهم يقولون: إن انفكت جهة الأمر عن جهة النهي لم يقتض النهي الفساد، وإن لم تنفك عنها اقتضاه. ولكنهم عند التطبيق يختلفون، فيقول أحدهم: الجهة هنا منفكة. ويقول الآخر:","vol":"3","page":208},{"text":"ليست منفكة كالعكس، فيقول الحنبلي مثلًا: الصلاة في الأرض المغصوبة لا يمكن أن تنفك فيها جهة الأمر عن جهة النهي، لكون حركة أركان الصلاة كالركوع والسجود والقيام كلها يشغل المصلي به حيزًا من الفراغ ليس مملوكًا له، فنفس شغله له ببدنه أثناء الصلاة حرام، فلا يمكن أن يكون قربة بحال. فيقول المعترض، كالمالكي والشافعي: الجهة منفكة هنا؛ لأن هذا الفعل من حيث كونه صلاة قربة، ومن حيث كونه غصبًا حرام، فله صلاته وعليه غصبه، كالصلاة بالحرير. وإلى هذه المسألة وأقوال العلماء فيها أشار في مراقي السعود بقوله:\nدخول ذي كراهة فيما أمر ... به بلا قيد وفصل قد حظر\nفنفي صحة ونفي الأجر ... في وقت كره للصلاة يجري\nوإن يك النهي عن الأمر انفصل ... فالفعل بالصحة لا الأجر اتصل\nوذا إلى الجمهور ذو انتساب ... وقيل بالأجر مع العقاب\nوقد روى البطلان والقضاء ... وقيل ذا فقط له انتفاء\nمثل الصلاة بالحرير والذهب ... أو في مكان الغصب والوضو انقلب\nومعطن ومنهج ومقبره ... كنيسة وذي حميم مجزره\nوأما الصلاة إلى القبور فإنها لا تجوز أيضًا، بدليل ما أخرجه مسلم في صحيحه، والإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي، والنسائي عن أبي مرثد الغنوي ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها\" هذا لفظ مسلم. وفي لفظ له","vol":"3","page":209},{"text":"أيضًا: \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" والقاعدة المقررة في الأصول: أن النهي يقتضي التحريم. فأظهر الأقوال دليلًا منع الصلاة في المقبرة، وإلى القبر، لأن صيغة النهي المتجردة من القرآن تقتضي التحريم. أما اقتضاء النهي الفساد إذا كان للفعل جهة أمر وجهة نهي، ففيه الخلاف الذي قدمناه آنفًا، وإن كانت جهته واحدة اقتضى الفساد. وقال صاحب المراقي في اقتضاء النهي الفساد:\nوجاء في الصحيح للفساد ... إن لم يجي الدليل للسداد\nوقد نهى -  ﷺ  - في هذا الحديث الصحيح عن الصلاة إلى القبور وقد قال: \"وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" وقال تعالى: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقد قدمنا أن لعنه -  ﷺ  - من اتخذ القبور مساجد يدل دلالة واضحة على التحريم.\nواحتج من قال بصحة الصلاة في المقابر، وإلى القبور بأدلة:\nمنها: عموم قوله -  ﷺ  - الثابت في الصحيح: \"وجعلت لي الأرض مسجدًا\" الحديث. قالوا: عمومه يشمل المقابر.\nويجاب عن هذا الاستدلال من وجهين:\nأحدهما: أن أحاديث النهي منه -  ﷺ  - عن الصلاة المقبرة وإلى القبر خاصة، وحديث \"جعلت لي الأرض مسجدًا\" عام، والخاص يقضى به على العام، كما تقرر في الأصول عند الجمهور.\nوالثاني: أن النبي -  ﷺ  - استثنى من عموم كون الأرض مسجدًا المقبرة والحمام، فقد أخرج أحمد، وأبو داود، والترمذي، وابن","vol":"3","page":210},{"text":"ماجه، والشافعي، وابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم وصححاه عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام\" قال ابن حجر في \"فتح الباري\" في الكلام على قول البخاري: باب \"كراهية الصلاة في المقابر\". في حديث أبي سعيد هذا رواه أبو داود، والترمذي ورجاله ثقات، لكن اختلف في وصله وإرساله، وحكم مع ذلك بصحته الحاكم، وابن حبان.\nوقال الشوكاني ﵀ \"في نيل الأوطار\": صححه الحاكم في المستدرك، وابن حزم الظاهري، وأشار ابن دقيق العيد إلى صحته.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق أن الحديث إذا اختلف في وصله وإرساله، وثبت موصولًا من طريق صحيحة حكم بوصله، ولا يكون الإرسال في الرواية الأخرى علة فيه؛ لأن الوصل زيادة، وزيادات العدول مقبولة؛ وإليه الإشارة بقول صاحب \"مراقي السعود\":\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ\nمن أدلة من قال: تصح الصلاة في القبور= ما رواه الشيخان من حديث أبي هريرة \"أن امرأة سوداء كانت تقم المسجد أو شابًا فقدها رسول الله -  ﷺ  - فسأل عنها أو عنه، فقالوا: مات قال: أفلا آذنتموني\" قال: فكأنهم صغروا أمرها، أو أمره فقال \"دلوني على قبره فدلوه فصلى عليها\" ثم قال: \"هذه القبور مملوءة ظلمة على أهلها وإن الله ينورها لهم بصلاتي عليهم\" وليس للبخاري \"إن هذه","vol":"3","page":211},{"text":"القبورة مملوءة ظلمة\" إلى آخر الخبر، قالوا: فهذا الحديث يدل على مشروعية الصلاة إلى القبر.\nومن أدلتهم أيضًا: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي -  ﷺ  - صلى على قبر.\nومن أدلتهم: ما قدمنا من الصلاة على عائشة وأم سلمة ﵄ وسط البقيع، وهذه الأدلة يستدل بها على جواز الصلاة إلى القبور وصحتها؛ لا مطلق صحتها دون الجواز.\nومن أدلتهم: ما ذكره البخاري تعليقًا عن عمر بن الخطاب ﵁ بلفظ: \"ورأى عمر أنس بن مالك ﵁ يصلي عند قبر؛ فقال: القبر القبر ولم يأمره بالإعادة\" اه.\nوقال ابن حجر في الفتح: أورد أثر عمر الدال على أن النهي في ذلك لا يقتضي فساد الصلاة. والأثر المذكور عن عمر رويناه موصولًا في كتاب الصلاة لأبي نعيم شيخ البخاري. ولفظه: \"بينما أنس يصلي إلى قبر ناداه عمر: القبر القبر! فظن أنه يعني القمر، فلما رأى أنه يعني القبر جاوز القبر وصلى\".\nوله طرق أخرى بينتها في تغليق التعليق؛ منها من طريق حميد عن أنس نحوه، زاد فيه: فقال بعض من يليني: إنما يعني القبر فتنحيت عنه.\nوقوله القبر القبر بالنصب فيهما على التحذير.\nوقوله ولم يأمره بالإعادة استنبطه من تمادى أنس على الصلاة، ولو كان ذلك يقتضي فسادها لقطعها واستأنف اه منه بلفظه.","vol":"3","page":212},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: هذه الأدلة يظهر للناظر أنها متعارضة، ومعلوم أن الجمع واجب إذا أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح، وفي هذه المسألة يجب الجمع والترجيح معًا.\nأما وجه الجمع فإن جميع الأدلة المذكورة في الصلاة إلى القبور كلها في الصلاة على الميت، وليس فيها ركوع ولا سجود، وإنما هي دعاء للميت، فهي من جنس الدعاء للأموات عند المرور بالقبور، ولا يفيد شيء من تلك الأدلة جواز صلاة الفريضة أو النافلة التي هي صلاة ذات ركوع وسجود.\nويؤيده تحذير عمر لأنس من الصلاة عند القبر. نعم تتعارض تلك الأدلة مع ظاهر عموم \"لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها\" فإنه يعم كل ما يصدق عليه اسم الصلاة، فيشمل الصلاة على الميت، فيتحصل أن الصلاة ذات الركوع والسجود لم يرد شيء يدل على جوازها إلى القبر أو عنده بل العكس. أما الصلاة على الميت فهي التي تعارضت فيها الأدلة. والمقرر في الأصول أن الدليل الدال على النهي مقدم على الدليل الدال على الجواز.\nوللمخالف أن يقول: لا يتعارض عام وخاص. فحديث \"لا تصلوا إلى القبور\" عام في ذات الركوع والسجود والصلاة على الميت، والأحاديث الثابتة في الصلاة على قبر الميت خاصة، والخاص يقضي به على العام، فأظهر الأقوال بحسب الصناعة الأصولية: منع الصلاة ذات الركوع والسجود عند القبر وإليه مطلقًا للعنه -  ﷺ  - لمتخذي القبور مساجد، وغير ذلك من الأدلة، وأن الصلاة على قبر الميت التي هي للدعاء له الخالية من الركوع","vol":"3","page":213},{"text":"والسجود تصح؛ لفعله -  ﷺ  - الثابت في الصحيح من حديث أبي هريرة، وابن عباس، وأنس، ويومئ لهذا الجمع حديث \"لعن متخذي القبور مساجد\" لأنه أماكن السجود، وصلاة الجنازة لا سجود فيها؛ فموضعها ليس بمسجد لغة لأنه ليس موضع سجود.\n\nتنبيه\nاعلم أن ما يزعمه بعض من لا علم عنده: من أن الكتاب والسنة دلا على اتخاذ القبور مساجد، يعني بالكتاب قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ ويعني بالسنة ما ثبت في الصحيح من أن موضع مسجد النبي -  ﷺ  - كان فيه قبور المشركين -في غاية السقوط، وقائله من أجهل خلق الله.\nأما الجواب عن الاستدلال بالآية فهو أن تقول: من هؤلاء القوم الذين قالوا: لنتخذن عليهم مسجدًا؟ أهم ممن يقتدى به! أم هم كفرة لا يجوز الاقتداء بهم؟ وقد قال أبو جعفر بن جرير الطبري رحمه الله تعالى في هؤلاء القوم ما نصه: \"وقد اختلف في قائلي هذه المقالة، أهم الرهط المسلمون أم هم الكفار\"؟ فإذا علمت ذلك فاعلم أنهم على القول بأنهم كفار فلا إشكال في أن فعلهم ليس بحجة، إذ لم يقل أحد بالاحتجاج بأفعال الكفار كما هو ضروري، وعلى القول بأنهم مسلمون كما يدل له ذكر المسجد لأن اتخاذ المساجد من صفات المسلمين، فلا يخفى على أدنى عاقل أن قول قوم من المسلمين في القرون الماضية: إنهم سيفعلون كذا لا يعارض به النصوص الصحيحة الصريحة عن النبي -  ﷺ  - إلا من طمس الله بصيرته، فقابل قولهم: \"لنتخذن عليهم مسجدًا\" بقوله","vol":"3","page":214},{"text":"-  ﷺ  - في مرض موته قبل انتقاله إلى الرفيق الأعلى بخمس \"لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد\". الحديث. يظهر لك أن من اتبع هؤلاء القوم في اتخاذهم المسجد على القبور ملعون على لسان الصادق المصدوق -  ﷺ  - كما هو واضح، ومن كان ملعونًا على لسانه -  ﷺ  - فهو ملعون في كتاب الله كما صح عن ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية. ولهذا صرح ابن مسعود ﵁ بأن الواصلة والواشمة ومن ذكر معهما في الحديث كل واحدة منهن ملعونة في كتاب الله. وقال للمرأة التي قالت له: قرأت ما بين الدفتين فلم أجد: إن كنت قرأته فقد وجدته، ثم تلا الآية الكريمة، وحديثه مشهور في الصحيحين وغيرهما، وبه تعلم أن من اتخذ المساجد على القبور ملعون في كتاب الله جل وعلا على لسان رسوله -  ﷺ  -، وأنه لا دليل في آية: ﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾.\nوأما الاستدلال بأن مسجد النبي -  ﷺ  - بالمدينة مبني في محل مقابر المشركين فسقوطه ظاهر، لأن النبي -  ﷺ  - أمر بها فنبشت وأزيل ما فيها. ففي الصحيحين من حديث أنس ﵁: \"فكان فيه ما أقول لكم: قبور المشركين، وفيه خرب، وفيه نخل، فأمر النبي -  ﷺ  - بقبور المشركين فنبشت، ثم بالخرب فسويت، وبالنخل فقطع، فصفوا النخل قبلة المسجد، وجعلوا عضادتيه الحجارة ... \" الحديث. هذا لفظ البخاري، ولفظ مسلم قريب منه بمعناه. فقبور المشركين لا حرمة لها، ولذلك أمر -  ﷺ  - بنبشها وإزالة ما فيها. فصار الموضع كأن لم يكن فيه قبر أصلًا؛ لإزالته بالكلية. وهو واضح كما ترى اه.","vol":"3","page":215},{"text":"والتحقيق الذي لا شك فيه: أنه لا يجوز البناء على القبور، ولا تجصيصها؛ كما رواه مسلم في صحيحه وغيره عن أبي الهياج الأسدي: أن عليًا ﵁ قال له: \"ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله -  ﷺ  - ألا تدع تمثالًا إلا طمسته، ولا قبرًا مشرفًا إلا سويته\".\nولما ثبت في صحيح مسلم وغيره أيضًا عن جابر ﵁ قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - أن يجصص القبر، وأن يقعد عليه، وأن يبنى عليه\".\nفهذا النهي ثابت عنه -  ﷺ  -، وقد قال: \"وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" وقال جل وعلا: ﴿مَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوقد تبين مما ذكرنا حكم الصلاة في مواضع الخسف، وفي المقبرة، وإلى القبر، وفي الحمام.\nوأما أعطان الإبل فقد ثبت عن النبي -  ﷺ  - أيضًا النهي عن الصلاة فيها، فقد أخرج مسلم في صحيحه من حديث جابر بن سمرة ﵁: أن رجلًا سأل رسول الله -  ﷺ  -: أأتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: \"إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ\" قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: \"نعم توضأ من لحوم الإبل\". قال: أصلي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\" قال: أصلي في مبارك الإبل؟ قال: \"لا\" هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوأخرج الإمام أحمد، والترمذي وصححه، وابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁ أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"صلوا في","vol":"3","page":216},{"text":"مرابض الغنم، ولا تصلوا في أعطان الإبل\".\nوأخرج النسائي، والبيهقي، وابن ماجه من حديث عبد الله بن مغفل ﵁ أن النبي -  ﷺ  - نهى عن الصلاة في أعطان الإبل.\nوقال النووي في (شرح المهذب): إن الإسناد الذي أخرجه به البيهقي حسن. وأخرج أبو داود في سننه في (باب الوضوء) من لحوم الإبل، وفي (باب النهي عن الصلاة في مبارك الإبل) عن البراء بن عازب ﵁ قال: سئل رسول الله -  ﷺ  - عن الصلاة في مبارك الإبل فقال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها من الشياطين\".\nوسئل عن الصلاة في مرابض الغنم، فقال: \"صلوا فيها فإنها بركة\".\nوأخرج ابن ماجه عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله -  ﷺ  - أنه قال: \"صلوا في مراح الغنم، ولا تصلوا في معاطن الإبل\".\nوأخرج ابن ماجه عن سبرة بن معبد الجهني ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا يصلى في أعطان الإبل، ويصلى في مراح الغنم\".\nوترجم البخاري ﵀ في صحيحه لهذه المسألة، فقال: (باب الصلاة في مواضع الإبل) ثم قال: حدثنا صدقة بن الفضل قال: أخبرنا سليمان بن حيان، قال حدثنا عبيد الله، عن نافع قال: رأيت ابن عمر يصلي إلى بعيره وقال: رأيت النبي -  ﷺ  - يفعله.","vol":"3","page":217},{"text":"وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذه الترجمة التي لم يأت البخاري بحديث يطابقها ما نصه: كأنه يشير إلى أن الأحاديث الواردة في التفرقة بين الإبل والغنم ليست على شرطه، ولكن لها طرق قوية، منها حديث جابر بن سمرة عند مسلم، وحديث البراء بن عازب عند أبي داود، وحديث أبي هريرة عند الترمذي، وحديث عبد الله بن مغفل عند النسائي، وحديث سبرة بن معبد عند ابن ماجه، وفي معظمها التعبير بمعاطن. الإبل. ووقع في حديث جابر بن سمرة والبراء \"مبارك الإبل\" ومثله في حديث سليك عند الطبراني، وفي حديث سبرة، وكذا في حديث أبي هريرة عند الترمذي \"أعطان الإبل\" وفي حديث أسيد بن حضير عند الطبراني \"مناخ الإبل\" وفي حديث عبد الله بن عمرو، عند أحمد \"مرابد الإبل\" فعبر المصنف بالمواضع لأنها أشمل، والمعاطن أخص من المواضع؛ لأن المعاطن مواضع إقامتها عند الماء خاصة.\nوقد ذهب بعضهم إلى أن النهي خاص بالمعاطن دون غيرها من الأماكن التي تكون فيها الإبل، وقيل: مأواها مطلقًا، نقله صاحب المغني عن أحمد -اه كلام ابن حجر.\nوقال ابن حزم: إن أحاديث النهي عن الصلاة في أعطان الإبل متواترة بنقل تواتر يوجب العلم.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن العلماء اختلفوا في صحة الصلاة في أعطان الإبل.\nفذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنها لا تصح فيها، وهو الصحيح من مذهب الإمام أحمد، وعليه جل أصحابه.","vol":"3","page":218},{"text":"قال صاحب (الإنصاف): هذا المذهب وعليه الأصحاب. وفي الفروع هو أشهر وأصح في المذهب. وقال المصنف وغيره: هذا ظاهر المذهب وهو من المفردات. وممن قال بهذا القول (ابن حزم).\nوذهب جمهور أهل العلم إلى أن النهي للكراهة، وأنه لو صلى فيها لصحت صلاته. وقد قدمنا كلام أهل الأصول في مثل هذه المسألة.\nواعلم أن العلماء اختلفوا في علة النهي عن الصلاة في أعطان الإبل.\nفقيل: لأنها خلقت من الشياطين، كما تقدم في الحديث عن النبي -  ﷺ  -، وهذا هو الصحيح في التعليل؛ لأن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا تصلوا في مبارك الإبل فإنها خلقت من الشياطين\" وترتيبه كونها خلقت من الشياطين بالفاء على النهي يدل على أنه هو علته كما تقرر في مبحث مسلك النص، ومسلك الإيماء، والتنبيه.\nوقال جماعة من أهل العلم: معنى كونها \"خلقت من الشياطين\" أنها ربما نفرت وهو في الصلاة فتؤدي إلى قطع صلاته، أو أذاه، أو تشوش خاطره. وقد قدمنا أن كل عات متمرد تسميه العرب شيطانًا، والإبل إذا نفرت فهي عاتية متمردة، فتسميتها باسم الشياطين مطابق للغة العرب.\nوالعرب تقول: خلق من كذا للمبالغة، كما يقولون: خلق هذا من الكرم، ومنه قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ على أصح التفسيرين.","vol":"3","page":219},{"text":"وعلى هذا فيفرق بين كون الإبل في معاطنها، وبين غيبتها عنها إذ يؤمن نفورها حينئذ.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار: ويرشد إلى صحة هذا حديث ابن مغفل عند أحمد بإسناد صحيح بلفظ: \"لا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الجن، ألا ترون إلى عيونها وهيئاتها إذا نفرت\".\nوقد يحتمل أن علة النهي أن يجاء بها إلى معاطنها بعد شروعه في الصلاة فيقطعها، أو يستمر فيها مع شغل خاطره. اه كلام الشوكاني.\nومن هذا التعليل المنصوص فهم العلماء القائلون بعدم بطلانها أنه لما كانت علة النهي ما ذكر دل ذلك على أن الصلاة إذا فعلها تامة أنها غير باطلة.\nوقيل: العلة أن أصحاب الإبل يتغوطون في مباركها بخلاف أهل الغنم.\nوقيل: العلة أن الناقة تحيض، والجمل يمني.\nوكلها تعليلات لا معول عليها، والصحيح التعليل المنصوص عنه -  ﷺ  - بأنها خلقت من الشياطين. والعلم عند الله تعالى.\n\nتنبيه\nفإن قيل: ما حكم الصلاة في مبارك البقر؟\nفالجواب: أن أكثر العلماء يقولون: إنها كمرابض الغنم. ولو","vol":"3","page":220},{"text":"قيل: إنها كمرابض الإبل لكان لذلك وجه.\nقال ابن حجر في فتح الباري: وقع في مسند أحمد من حديث عبد الله بن عمر أن النبي -  ﷺ  - كان يصلي في مرابض الغنم، ولا يصلي في مرابض الإبل والبقر. قال: وسنده ضعيف، فلو ثبت لأفاد أن حكم البقر حكم الإبل، بخلاف ما ذكره ابن المنذر أن البقر في ذلك كالغنم. اه كلام ابن حجر.\nوما يقوله أبو داود ﵀ من أن العمل بالحديث الضعيف خير من العمل بالرأي له وجه وجيه. والعلم عند الله تعالى.\nأما الصلاة في المزبلة، والمجزرة، وقارعة الطريق، وفوق ظهر بيت الله الحرام فدليل النهي عنها هو ما تقدم من حديث زيد ابن جبيرة، عن داود بن حصين، عن نافع، عن ابن عمر عنه -  ﷺ  -، وقد قدمنا ما في إسناده من الكلام.\nوأما الصلاة إلى جدار مرحاض عليه نجاسة، فلما روي من النهي عن ذلك عن بعض الصحابة ﵃.\nقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وأما الصلاة إلى جدار مرحاض فلحديث ابن عباس في سبعة من الصحابة بلفظ \"نهى عن الصلاة في المسجد تجاهه حش \" أخرجه ابن عدي. قال العراقي: ولم يصح إسناده. وروى ابن أبي شيبة في المصنف عن عبد الله بن عمرو قال: لا يصلى إلى الحش.\nوعن علي قال: لا يصلي تجاه حش. وعن إبراهيم: كانوا يكرهون ثلاثة أشياء. . فذكر منها الحش.","vol":"3","page":221},{"text":"وفي كراهته استقباله خلاف بين العلماء اه كلام الشوكاني.\nوالمراد بالحش -بضم الحاء وفتحها- بيت الخلاء.\nوأما الصلاة في الكنيسة والبيعة -والمراد بهما متعبدات اليهود والنصارى- فقد كرهها جماعة من أهل العلم.\nقال النووي في شرح المهذَّب: حكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، ومالك ﵃.\nقال الشوكاني: وقد رويت الكراهة أيضًا عن الحسن.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن ما روي من ذلك عن عمر، وابن عباس ليس على إطلاقه، وإنما هو في الكنائس والبيع التي فيها الصور خاصة. ومما يدل على ذلك ما ذكره البخاري ﵀ في صحيحه قال: (باب الصلاة في البيعة) وقال عمر ﵁: \"إنا لا ندخل كنائسكم من أجل التماثيل التي فيها الصور\". وكان ابن عباس يصلي في البيعة إلا بيعة فيها تماثيل.\nوقال ابن حجر في الفتح: إن الأثر الذي علقه البخاري عن عمر وصله عبد الرزاق من طريق أسلم مولى عمر، والأثر الذي علق عن ابن عباس وصله البغوي في الجعديات اه.\nومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلا ما هو ثابت عنده.\nورخص في الصلاة في الكنيسة والبيعة جماعة من أهل العلم، منهم أبو موسى، وعمر بن عبد العزيز، والشعبي،","vol":"3","page":222},{"text":"وعطاء بن أبي رباح، وابن سيرين، والنخعي والأوزاعي، وغيرهم.\nوقال العلامة الشوكاني ﵀: ولعل وجه الكراهة هو ما تقدم من اتخاذ قبور أنبيائهم وصلحائهم مساجد؛ لأنه يصير جميع البيع والكنائس مظنة لذلك.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ويحتمل أن تكون العلة أن الكنيسة والبيعة موضع يعصى الله فيه ويكفر به فيه، فهي بقعة سخط وغضب.\nوأما النهي عن الصلاة إلى التماثيل فدليله ثابت في الصحيح.\nفمن ذلك ما أخرجه البخاري في صحيحه في كتاب الصلاة، قال: (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير: هل تفسد صلاته؟ وما ينهى عن ذلك) حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو قال: حدثنا عبد الوارث قال: حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال النبي -  ﷺ  -: \"أميطي عنا قرامك هذا فإنه لا تزال تصاويره تعرض في صلاتي\".\nوقال البخاري أيضًا في كتاب اللباس: (باب كراهية اللباس في التصاوير): حدثنا عمران بن ميسرة، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس ﵁ قال: كان قرام لعائشة سترت به جانب بيتها، فقال لها النبي -  ﷺ  -: \"أميطي عني فإنه لا تزال تصاويره تعرض لي في صلاتي \".\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن عبد الرحمن بن القاسم قال: سمعت القاسم يحدث عن عائشة: أنه كان لها ثوب فيه تصاوير","vol":"3","page":223},{"text":"ممدود إلى سهوة، فكان النبي -  ﷺ  - يصلي إليه فقال: \"أخريه عني\" قالت: فأخرته فجعلته وسائد. والثوب في هذه الرواية هو القرام المذكور، والقرام -بالكسر-: ستر فيه رقم ونقوش، أو الستر الرقيق، ومنه قول لبيد في معلقته يصف الهودج:\nمن كل محفوف يظل عصيه ... زوج عليه كلة وقرامها\nوقول الآخر يصف دارًا:\nعلى ظهر جرعاء العجوز كأنها ... دوائر رقم في سراة قرام\nوالكلة في بيت لبيد: هي القرام إذا خيط فصار كالبيت.\nفهذه النصوص الصحيحة تدل على أنه لا تجوز الصلاة إلى التماثيل.\nومما يدل لذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة ﵂ أن أم حبيبة، وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير لرسول الله -  ﷺ  -، فقال يا رسول الله -  ﷺ  -: \"إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدًا وصورا فيه تلك الصور، أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة\". اه هذا لفظ مسلم، ولفظ البخاري قريب منه اه.\nأَما بطلان صلاة من صلّى إلى التماثيل ففيه اختلاف بين العلماء، وقد أشار له البخاري بقوله الذي قدمنا عنه (باب إن صلى في ثوب مصلب، أو تصاوير هل تفسد صلاته) إلخ.\nوقد قدمنا أن منشأ الخلاف في البطلان هو الاختلاف في","vol":"3","page":224},{"text":"انفكاك جهة النهي عن جهة الأمر. والعلم عند الله تعالى.\nوأما منع تصوير الحيوان وتعذيب فاعليه يوم القيامة أشد العذاب، وأمرهم بإحياء ما صوروا، وكون الملائكة لا تدخل محلًا فيه صورة أو كلب، فكله معروف ثابت عن رسول الله -  ﷺ  -.\nوأما الصلاة في المكان المغصوب فإِنّها لا تجوز بإجماع المسلمين؛ لأن اللبث فيها حرام في غير الصلاة، فلأن يحرم في الصلاة أولى.\nوذهب جمهور أهل العلم: إلى أنه لو صلى في أرض مغصوبة فصلاته صحيحة؛ لانفكاك الجهة لأنه آثم بغصبه، مطيع بصلاته كالمصلي بحرير.\nوذهب الإمام أحمد في أصح الروايات عنه، والجبائي وغيره من المعتزلة إلى أنها باطلة؛ لعدم انفكاك جهة الأمر عن جهة النهي كما قدمنا وقد قدمنا أقوال عامة العلماء في هذه المسألة في أبيات مراقي السعود التي استشهدنا بها.\nوأما النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث فدليله ما أخرجه أبو داود في سننه قال: (باب الصلاة إلى المتحدثين والنيام) حدثنا عبد الله بن مسلمة القعنبي، حدثنا عبد الملك بن محمد بن أيمن، عن عبد الله بن يعقوب بن إسحاق، عمن حدثه، عن محمد بن كعب القرظي قال: قلت له -يعني لعمر بن عبد العزيز-: حدثني عبد الله بن عباس: أن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا تصلوا خلف النائم ولا المتحدث\" اهـ.","vol":"3","page":225},{"text":"وهذا الحديث لا يخفى ضعفه؛ لأن الراوي في هذا الإسناد عن محمد بن كعب لا يدرى من هو كما ترى.\nوقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن إسماعيل، ثنا زيد ابن الحباب، حدثني أبو المقدام، عن محمد بن كعب، عن ابن عباس قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - أن يصلي خلف المتحدث أو النائم\". وإسناد ابن ماجه هذا لا يحتج به أيضًا؛ لأن الراوي فيه عن محمد بن كعب أبو المقدام، وهو هشام بن زياد بن أبي يزيد، وهو هشام بن أبي هشام، ويقال له أيضًا: هشام بن أبي الوليد المدني، وهو لا يحتج بحديثه. قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك. وقال في تهذيب التهذيب: قال عبد الله بن أحمد، وأبو زرعة: ضعيف الحديث. وقال الدوري عن ابن معين: ليس بثقة. وقال في موضع آخر: ضعيف، ليس بشيء. وقال البخاري: يتكلمون فيه. وقال أبو داود: غير ثقة. وقال الترمذي: يضعف. وقال النسائي وعلي بن الجنيد الأزدي: متروك الحديث. وقال النسائي أيضًا: ضعيف. وقال النسائي: ليس بثقة، ومرة ليس بشيء. وقال أبو حاتم: ضعيف الحديث ليس بالقوي، وكان جارًا لأبي الوليد فلم يرو عنه وكان لا يرضاه. ويقال: إنه أخذ كتاب حفص المنقري عن الحسن فروى عن الحسن، وعنده عن الحسن أحاديث منكرة.\nقلت: وقال ابن حبان: يروي الموضوعات عن الثقات لا يجوز الاحتجاج به. وقال الدارقطني: ضعيف، وترك ابن المبارك حديثه. وقال ابن سعد: كان ضعيفًا في الحديث. وقال أبو بكر بن","vol":"3","page":226},{"text":"خزيمة: لا يحتج بحديثه. وقال العجلي: ضعيف. وقال يعقوب بن سفيان: ضعيف لا يفرح بحديثه اه كلام ابن حجر.\nوبه تعلم أن الصلاة إلى النائم والمتحدث لم يثبت النهي عنها من طريق صحيح.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن الصلاة إلى النائم ثبت عن النبي -  ﷺ  - أنه فعلها.\nقال البخاري في صحيحه (باب الصلاة خلف النائم) حدثنا مسدد قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا هشام قال: حدثني أبي عن عائشة قالت: كان النبي -  ﷺ  - يصلي، وأنا راقدة معترضة على فراشه، فإذا أراد أن يوتر أيقظني فأوترت.\nوقال ابن حجر في الفتح: أورد فيه حديث عائشة أيضًا من وجه آخر، بلفظ آخر للإشارة إلى أنه قد يفرق مفرق بين كونها نائمة أو يقظى. وكأنه أشار أيضًا إلى تضعيف الحديث الوارد في النهي عن الصلاة إلى النائم، فقد أخرجه أبو داود، وابن ماجه من حديث ابن عباس. وقال أبو داود: طرقه كلها واهية -يعني حديث ابن عباس اه.\nوفي الباب عن ابن عمر أخرجه ابن عدي، وعن أبي هريرة أخرجه الطبراني في الأوسط وهما واهيان أيضًا.\nوكره مجاهد وطاوس، ومالك الصلاة إلى النائم خشية أن يبدر منه ما يلهي المصلي عن صلاته.\nوظاهر تصرف المصنف أن عدم الكراهة حيث يحصل الأمن","vol":"3","page":227},{"text":"من ذلك- انتهى كلام ابن حجر في (فتح الباري).\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر -والله تعالى أعلم- أنه لم يثبت نص خاص في النهي عن الصلاة إلى النائم والمتحدث، ولكن ذلك لا ينافي أخذ الكراهة من عموم نصوص أخر، كتعليل كراهة الصلاة إلى النائم بما ذكر من خشية أن يبدو منه ما يلهي المصلي عن صلاته؛ لأن النائم لا يدري عن نفسه، وكتعليل كراهية الصلاة إلى المتحدث بأن الحديث يشوش على المصلي في صلاته. والله تعالى أعلم.\nوأما كراهة الصلاة في بطن الوادي، فيستدل لها بما جاء في بعض روايات حديث زيد بن جبيرة المتقدم في المواضع التي نهى عن الصلاة فيها \"وبطن الوادي\" بدل \"المقبرة\" قال الشوكاني: قال الحافظ: وهي زيادة باطلة لا تعرف.\nوقال بعض العلماء: كراهة الصلاة في بطن الوادي مختصة بالوادي الذي حضر فيه الشيطان النبي -  ﷺ  - وأصحابه، فناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت الشمس، وأمرهم النبي -  ﷺ  - بأن يتأخروا عن ذلك الموضع الذي حضرهم فيه الشيطان.\nويجاب عن هذا: بأن الشيطان يمكن أن يكون ذهب عن الوادي. والله تعالى أعلم.\nوأما النهي عن الصلاة في مسجد الضرار فدليله قوله تعالى: ﴿لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَإِرْصَادًا لِمَنْ حَارَبَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ مِنْ قَبْلُ﴾","vol":"3","page":228},{"text":"الآية. وقوله: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠٩) لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ﴾ الآية. فهذه الآيات تدل على التباعد عن موضع ذلك المسجد، وعدم القيام فيه كما هو ظاهر.\nوأما كراهة الصلاة إلى التنور فلما رواه ابن أبي شيبة في المصنف عن محمد ابن سيرين: أنه كره الصلاة إلى التنور، وقال: هو بيت نار.\nوظاهر صنيع البخاري أَنَ الصلاة إلى التنور عنده غير مكروهة، وأن عرض النار على النبي -  ﷺ  - في صلاته يدل على عدم الكراهة.\nقال البخاري في صحيحه (باب من صلى وقدامه تنور أو نار، أو شيء مما يعبد فأراد به الله) وقال الزهري: أخبرني أنس قال: قال النبي -  ﷺ  - \"عرضت علي النار وأنا أصلي\" حدثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله بن عباس قال: انخسفت الشمس فصلى رسول الله -  ﷺ  - ثم قال: \"رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم قط أفظع\" اه.\nوعرض النار عليه -  ﷺ  - وهو في صلاته دليل على عدم الكراهة؛ لأنه لم يقطع.\nوقد دل بعض الروايات الثابتة في الصحيح على أن النار عرضت عليه من جهة وجهه، لا من جهة اليمين ولا الشمال، ففي بعض الروايات الصحيحة أنهم قالوا له بعد أن انصرف: يا رسول","vol":"3","page":229},{"text":"الله، رأيناك تناولت شيئًا في مقامك، ثم رأيناك تكعكعت -أي تأخرت إلى خلف؟ وفي جوابه: أن ذلك بسبب كونه أري النار .. إلخ.\nفهذا هو حاصل كلام العلماء في الأماكن التي ورد عن الصلاة فيها، التي لها مناسبة بآية الحجر التي نحن بصددها -والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-627> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا فَكَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٨١)﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه آتى أصحاب الحجر -وهم ثمود- آياته فكانوا عنها معرضين. والإعراض: الصدود عن الشيء وعدم الالتفات إليه، كأنه مشتق من العرض -بالضم- وهو الجانب؛ لأن المعرض لا يولي وجهه، بل يثني عطفه ملتفتًا صادًا.\nولم يبين جل وعلا هنا شيئًا من تلك الآيات التي آتاهم، ولا كيفية إعراضهم عنها، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر، فبين أن من أعظم الآيات التي آتاهم: تلك الناقة التي أخرجها الله لهم، بل قال بعض العلماء: إن في الناقة المذكورة آيات جمة: كخروجها عشراء، وبراء، جوفاء من صخرة صماء، وسرعة ولادتها عند خروجها، وعظمها حتى لم تشبهها ناقة، وكثرة لبنها حتى يكفيهم جميعًا، وكثرة شربها؛ كما قال تعالى: ﴿لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ وقال: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَيْنَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن مما يبين قوله هنا: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ آيَاتِنَا﴾ قوله: ﴿فَأْتِ بِآيَةٍ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٥٤) قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا","vol":"3","page":230},{"text":"شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾ وقوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿وَيَاقَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين إعراض قوم صالح عن تلك الآيات في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾ وقوله: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١) إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢) فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣) فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ الآية. وقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾. وقوله: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ (١٥٣) مَا أَنْتَ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا فَأْتِ بِآيَةٍ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-628> قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنّ أصحاب الحجر وهم ثمود قوم صالح كانوا آمنين في أوطانهم، وكانوا ينحتون الجبال بيوتًا.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَتُتْرَكُونَ فِي مَا هَاهُنَا آمِنِينَ (١٤٦) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٤٧) وَزُرُوعٍ وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ (١٤٨) وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا فَارِهِينَ (١٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ","vol":"3","page":231},{"text":"جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ (٩)﴾ أي قطعوا الصخر بنحته بيوتًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-629> قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه ما خلق السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق؛ أي ليدل بذلك على أنه المستحق لأن يعبد وحده، وأنه يكلف الخلق ويجازيهم على أعمالهم.\nفدلت الآية على أنه لم يخلق الخلق عبثًا ولا لعبًا ولا باطلًا. وقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-630> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾</span> ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الساعة آتية، وأكد ذلك بحرف التوكيد الذي هو \"إن\" وبلام الابتداء التي تزحلقها إن المكسورة عن المبتدأ إلى الخبر. وذلك يدل على أمرين:","vol":"3","page":232},{"text":"أحدهما: إتيان الساعة لا محالة.\nوالثاني: أن إتيانها أنكره الكفار؛ لأن تعدد التوكيد يدل على إنكار الخبر، كما تقرر في فن المعاني.\nوأوضح هذين الأمرين في آيات أخر، فبين أن الساعة آتية لا محال في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾ وقوله: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوبين جل وعلا إنكار الكفار لها في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-631> قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾</span> أمر الله جل وعلا نبيه ﵊ في هذه الآية الكريمة أن يصفح عمن أساء الصفح الجميل: أي بالحلم والإغضاء.\nوقال علي وابن عباس: الصفح الجميل: الرضا بغير عتاب.","vol":"3","page":233},{"text":"وأمره - ﷺ - يشمل حكمه الأمة؛ لأنه قدوتهم والمشرع لهم، وبين تعالى ذلك المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٨٩)﴾ ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ وقوله: ﴿فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ﴾ الآية.\nإلى غير ذلك من الآيات.\nوقال بعض العلماء: هذا الأمر بالصفح منسوخ بآيات السيف وقيل: هو غير منسوخ. والمراد به حسن المخالقة، وهي المعاملة بحسن الخلق.\nقال الجوهري في صحاحه: والخلق والخلق: السجية، يقال خالصِ المؤمن، وخالقِ الفاجر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-632> قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨٦)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه الخلاق العليم. والخلاق العليم كلاهما صيغة مبالغة.\nوالآيةُ تشير إلى أنه لا يمكن أن يتصف الخلّاق بكونه خلاقًا إلا وهو عليم بكل شيء، لا يخفى عليه شيء، إذ الجاهل بالشيء لا يمكنه أن يخلقه.\nوأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ","vol":"3","page":234},{"text":"الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا (١٢)﴾ وقوله تعالى مجيبًا للكفار لما أنكروا البعث وقالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ مبينًا أن العالم بما تمزق في الأرض من أجسادهم قادر على إحيائهم: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-633> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أتى نبيه - ﷺ - سبعًا من المثاني والقرآن العظيم. ولم يبين هنا المراد بذلك.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة إِنْ كان لها بيان في كتاب الله غير واف بالمقصود أننا نتمم ذلك البيان من السنة، فنبين الكتاب بالسنة من حيث إنها بيان القرآن المبين باسم الفاعل.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن النبي - ﷺ - بين في الحديث الصحيح أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم في هذه الآية الكريمة هو فاتحة الكتاب، ففاتحة الكتاب مبينة للمراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم، وإنما بينت ذلك بإيضاح النبي - ﷺ - لذلك في الحديث الصحيح.\nقال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثني محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد بن المعلى قال: مر بي النبي - ﷺ - وأنا أصلي، فدعاني فلم آته حتى صليت، ثم أتيت فقال: \"ما منعك أن تأتيني؟ \" فقلت: كنت أصلي. فقال: \"ألم يقل","vol":"3","page":235},{"text":"الله ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ﴾ -ثم قال: - ألا أعلمك أعظم سورة في القرآن قبل أن أخرج من المسجد\" فذهب النبي -  ﷺ  - ليخرج فذكرته فقال: \"الحمد لله رب العالمين، هي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته\".\nحدثنا آدم حدثنا ابن أبي ذئب، حدثنا سعيد المقبري، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"أم القرآن هي السبع المثاني والقرآن العظيم\".\nفهذا نص صحيح من النبي -  ﷺ  - أن المراد بالسبع المثاني والقرآن العظيم فاتحة الكتاب، وبه تعلم أن قول من قال: إنها السبع الطوال غير صحيح، إذ لا كلام لأحد معه -  ﷺ  -.\nومما يدل على عدم صحة ذلك القول: أن آية الحجر هذه مكية، وأن السبع الطوال ما أنزلت إلا بالمدينة. والعلم عند الله تعالى.\nوقيل لها: \"مثاني\" لأنها تثنى قراءتها في الصلاة. وقيل لها: \"سبع\" لأنها سبع آيات. وقيل لها: \"القرآن العظيم\" لأنها هي أعظم سورة؛ كما ثبت عن النبي -  ﷺ  - في الصحيح المذكور آنفًا.\nوإنما عطف القرآن العظيم على السبع المثاني مع أن المراد بهما واحد، وهو الفاتحة؛ لما علم في اللغة العربية من أن الشيء الواحد إذا ذكر بصفتين مختلفتين جاز عطف إحداهما على الأخرى تنزيلًا لتغاير الصفات منزلة تغاير الذوات؛ ومنه قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ","vol":"3","page":236},{"text":"الْمَرْعَى (٤)﴾، وقول الشاعر:\nإلى الملك القرم وابن الهمام ... وليث الكتيبة في المزدحم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-634> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾</span> لما بين تعالى أنه أتى النبي - ﷺ - السبع المثاني والقرآن العظيم، وذلك أكبر نصيب، وأعظم حظ عند الله تعالى، نهاه أن يمد عينيه إلى متاع الحياة الدنيا الذي متع به الكفار؛ لأن من أعطاه ربه جل وعلا النصيب الأكبر والحظ الأوفر، لا ينبغي له أن ينظر إلى النصيب الأحقر الأخس، ولاسيما إذا كان صاحبه إنما أعطيه لأجل الفتنة والاختبار. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في (طه): ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٣١) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ والمراد بالأزواج هنا: الأصناف من الذين متعهم الله بالدنيا.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-635> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾</span> الصحيح في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله نهى نبيه - ﷺ - عن الحزن على الكفار إذا امتنعوا من قبول الإسلام. ويدل لذلك كثرة ورود هذا المعنى في القرآن العظيم؛ كقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلَا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ","vol":"3","page":237},{"text":"رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالمعنى: قد بلغت ولست مسئولًا عن شقاوتهم إذا امتنعوا من الإيمان، فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب، فلا تحزن عليهم إذا كانوا أشقياء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-636> قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾</span> أمر الله جل وعلا نبيه في هذه الآية الكريمة بخفض جناحيه للمؤمنين. وخفض الجناح كناية عن لين الجانب والتواضع، ومنه قول الشاعر:\nوأنت الشهير بخفض الجناح ... فلا تك في رفعه أجدلا\nوبين هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في الشعراء: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾، وكقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nويفهم من دليل خطاب الآية الكريمة -أعني مفهوم مخالفتها- أن غير المؤمنين لا يخفض لهم الجناح، بل يعاملون بالشدة والغلظة.\nوقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ كما قدمناه فى المائدة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-637> قوله تعالى: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾</span> في المراد","vol":"3","page":238},{"text":"بالمقتسمين أقوال للعلماء معروفة، وكل واحد منها يشهد له قرآن؛ إلا أن في الآية الكريمة قرينة تضعف بعض تلك الأقوال:\nالأول: أن المراد بالمقتسمين: الذين يحلفون على تكذيب الرسل ومخالفتهم، وعلى هذا القول فالاقتسام افتعال من القسم بمعنى اليمين، وهو بمعنى التقاسم.\nومن الآيات التي ترشد لهذا الوجه قوله تعالى عن قوم صالح: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ الآية. أي: نقتلهم ليلًا، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. فكأنهم كانوا لا يكذبون بشيء إلا أقسموا عليه؛ فسموا مقتسمين.\nالقول الثاني: أن المراد بالمقتسمين: اليهود والنصارى. وإنما وصفوا بأنهم مقتسمون؛ لأنهم اقتسموا كتبهم فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها.\nويدل لهذا القول قوله تعالى: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ﴾ الآية.\nالقول الثالث: أن المراد بالمقتسمين: جماعة من كفار مكة اقتسموا القرآن بأقوالهم الكاذبة، فقال بعضهم: هو شعر. وقال بعضهم: هو سحر. وقال بعضهم: كهانة. وقال بعضهم: أساطير الأولين. وقال بعضهم: اختلقه محمد، -  ﷺ  -.","vol":"3","page":239},{"text":"وهذا القول تدل له الآيات الدالة على أنهم قالوا في القرآن تلك الأقوال المفتراة الكاذبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالقرينة في الآية الكريمة تؤيد هذا القول الثالث، ولا تنافي الثاني بخلاف الأول؛ لأن قوله: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾ أظهر في القول الثالث، لجعلهم له أعضاء متفرقة بحسب اختلاف أقوالهم الكاذبة، كقولهم: شعر، سحر، كهانة الخ. وعلى أنهم أهل الكتاب -فالمراد بالقرآن كتبهم التي جزءوها فآمنوا ببعضها وكفروا ببعضها، أو القرآن، لأنهم آمنوا بما وافق هواهم منه وكفروا بغيره.\nوقوله: ﴿عِضِينَ (٩١)﴾ جمع عضة، وهي العضو من الشيء، أي جعلوه أعضاء متفرقة. واللام المحذوفة أصلها واو. قال بعض العلماء: اللام المحذوفة أصلها هاء، وعليه فأصل العضة عضهة. والعضه السحر؛ فعلى هذا القول فالمعنى جعلوا القرآن سحرًا؛ كقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿سِحْرَانِ تَظَاهَرَا وَقَالُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالعرب تسمي الساحر عاضها، والساحرة عاضهة، والسحر عضها. ويقال: إن ذلك لغة قريش، ومنه قول الشاعر:","vol":"3","page":240},{"text":"أعوذ بربي من النافثا ... ت في عقد العاضة المعيضه\n\nتنبيه\nفإن قيل: بم تتعلق الكاف في قوله: ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ (٩٠)﴾؟\nفالجواب: ما ذكره الزمخشري في كشافه قال: فإن قلت: بم تعلق قوله ﴿كَمَا أَنْزَلْنَا﴾.\nقلت: فيه وجهان:\nأحدهما: أن يتعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ﴾ أي: أنزلنا عليك مثل ما أنزلنا على أهل الكتاب، وهم المقتسمون الذين جعلوا القرآن عضين، حيث قالوا بعنادهم وعدوانهم: بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل، وبعضه باطل مخالف لهما، فاقتسموه إلى حق وباطل وعضوه. وقيل: كانوا يستهزئون به فيقول بعضهم: \"سورة البقرة\" لي، ويقول الآخر: \"سورة آل عمران\" لي (إلى أن قال).\nالوجه الثاني: أن يتعلق بقوله: ﴿وَقُلْ إِنِّي أَنَا النَّذِيرُ الْمُبِينُ (٨٩)﴾ أي: وأنذر قريشًا مثل ما أنزلناه من العذاب على المقتسمين (يعني اليهود)، وهو ما جرى على قريظة والنضير. جعل المتوقع بمنزلة الواقع وهو من الإعجاز؛ لأنه إخبار بما سيكون، وقد كان. انتهى محل الغرض من كلام صاحب الكشاف.\nونقل كلامه بتمامه أبو حيان في \"البحر المحيط\" ثم قال أبو حيان: أما الوجه الأول وهو تعلق \"كما\" بـ \"آتيناك\" فذكره أبو البقاء","vol":"3","page":241},{"text":"على تقدير، وهو أن يكون في موضع نصب نعتًا لمصدر محذوف تقديره: آتيناك سبعًا من المثاني إيتاءكما كما أنزلنا، أو إنزالًا كما أنزلنا؛ لأن \"آتيناك\" بمعنى أنزلنا عليك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-638> قوله تعالى: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾</span> أي: فاجهر به وأظهره؛ من قولهم: صدع بالحجة إذا تكلم بها جهارًا، كقولك: صرح بها.\nوهذه الآية الكريمة أمر الله فيها نبيه - ﷺ - بتبليغ ما أمر به علنًا في غير خفاء ولا مواربة. وأوضحِ هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقد شهد له تعالى بأنه امتثل ذلك الأمر فبلغ على أكمل وجه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\nتنبيه\nقوله: ﴿فَاصْدَعْ﴾ قال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى الإظهار، ومنه قولهم: انصدع الصبح: انشق عنه الليل. والصديع: الفجر لانصداعه، ومنه قول عمرو بن معد يكرب:\nترى السرحان مفترشًا يديه ... كأن بياض لبته صديع\nأي: فجر. والمعنى على هذا القول: أظهر ما تؤمر به وبلغه علنًا على رءوس الأشهاد، وتقول العرب: صدعت الشيء: أظهرته؛ ومنه قول أبي ذؤيب:\nوكأنهن ربابة وكأنه ... يسر يفيض على القداح ويصدع","vol":"3","page":242},{"text":"قاله صاحب اللسان.\nوقال بعض العلماء: أصله من الصدع بمعنى التفريق والشق في الشيء الصلب كالزجاج والحائط. ومنه بمعنى التفريق: قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾ أي: يتفرقون: فريق في الجنة، وفريق في السعير؛ بدليل قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤)﴾ ومنه قول غيلان ذي الرمة:\nعشية قلبي في المقيم صديعه ... وراح جناب الظاعنين صديع\nيعني أن قلبه افترق إلى جزءين: جزء في المقيم، وجزء في الظاعنين.\nوعلى هذا القول: ﴿فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ﴾ أي: فرق بين الحق والباطل بما أمرك الله بتبليغه.\nوقوله: ﴿بِمَا تُؤْمَرُ﴾ يحتمل أن تكون \"ما\" موصولة، ويحتمل أن تكون مصدرية، بناء على جواز سبك المصدر من أن والفعل المبني للمفعول، ومنع ذلك جماعة من علماء العربية. قال أبو حيان في (البحر): والصحيح أن ذلك لا يجوز.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-639> قوله تعالى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾</span> في هذه الآية الكريمة قولان معروفان للعلماء:\nأحدهما: أن معنى: ﴿وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (٩٤)﴾ أي: لا تبال بتكذيبهم واستهزائهم، ولا يصعب عليك ذلك؛ فالله حافظك منهم.\nوالآية على هذا التأويل معناها: فاصدع بما تؤمر، أي بلغ:","vol":"3","page":243},{"text":"رسالة ربك، وأعرض عن المشركين، أي: لا تبال بهم ولا تخشهم. وهذا المعنى كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾.\nالوجه الثاني: وهو الظاهر في معنى الآية: أنه كان في أول الأمر مأمورًا بالإعراض عن المشركين، ثم نسخ ذلك بآيات السيف. ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾ وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-640> قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ (٩٥)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه كفى نبيه - ﷺ - المستهزئين الذين كانوا يستهزئون به وهم قوم من قريش. وذكر في مواضع أخر أنه كفاه غيرهم؛ كقوله في أهل الكتاب: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالمستهزئون المذكورون: هم الوليد بن المغيرة، والعاص بن وائل، والحارث بن قيس السهمي، والأسود بن عبد يغوث، والأسود بن المطلب.\nوالآفات التي سبب هلاكهم مشهورة في التاريخ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-641> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾</span>.","vol":"3","page":244},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم أن نبيه - ﷺ - يضيق صدره بما يقوله الكفار فيه: من الطعن والتكذيب، والطعن في القرآن. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ وقوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا شيئًا من ذلك في الأنعام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-642> قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾</span> أمر جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية بأمرين:\nأحدهما: قوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾.\nوالثاني: قوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾.\nوقد كرر تعالى في كتابه الأمر بالشيئين المذكورين في هذه الآية الكريمة، كقوله في الأول: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وقوله: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٥٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوأصل التسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء. ومعناه في عرف الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بجلاله وكماله. ومعنى سبح: نزه ربك جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.","vol":"3","page":245},{"text":"وقوله: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: في حال كونك متلبسًا بحمد ربك، أي: بالثناء عليه بجميع ما هو أهله من صفات الكمال والجلال؛ لأن لفظة: ﴿بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أضيفت إلى معرفة فتعم جميع المحامد من كل وصف كمال وجلال ثابت لله جل وعلا، فتستغرق الآية الكريمة الثناء بكل كمال؛ لأن الكمال يكون بأمرين:\nأحدهما: التخلي عن الرذائل، والتنزه عما لا يليق، وهذا معنى التسبيح.\nوالثاني: التحلي بالفضائل والاتصاف بصفات الكمال، وهذا معنى الحمد؛ فتم الثناء بكل كمال. ولأجل هذا المعنى ثبت في الصحيح عنه -  ﷺ  - أنه قال: \"كلمتان خفيفتان على اللسان، ثقيلتان في الميزان، حبيبتان إلى الرحمن: سبحان الله وِبحمده، سبحان الله العظيم\" وكقوله في الثاني وهو السجود: ﴿كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ ويكثر في القرآن العظيم إطلاق التسبيح على الصلاة.\nوقالت جماعة من العلماء: المراد بقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي: صل له، وعليه فقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ من عطف الخاص على العام والصلاة، فتضمن غاية التنزيه ومنتهى التقديس. وعلى كل حال فالمراد بقوله: ﴿وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾ أي: من المصلين، سواء قلنا: إن المراد بالتسبيح الصلاة، أو أعم منها من تنزيه الله عما لا يليق به. ولأجل كون المراد بالسجود الصلاة لم يكن هذا الموضع محل سجدة عند جمهور العلماء خلافًا لمن زعم","vol":"3","page":246},{"text":"أنه موضع سجود.\nقال القرطبي في تفسيره: قال ابن العربي: ظن بعض الناس أن المراد بالأمر هنا السجود نفسه، فرآى هذا الموضع محل سجود في القرآن، وقد شاهدت الإمام بمحراب زكريا من البيت المقدس طهره الله يسجد في هذا الموضع، وسجدت معه فيه، ولم يره جماهير العلماء.\nقلت: قد ذكر أبو بكر النقاش أن ههنا سجدة عند أبي حذيفة، ويمان بن رئاب ورأى أنها واجبة -انتهى كلام القرطبي.\nوقد تقدم معنى السجود في سورة الرعد. وعلى أن المراد بالتسبيح الصلاة، فالمسوغ لهذا الإطناب الذي هو عطف الخاص على العام هو أهمية السجود؛ لأن أقرب ما يكون العبد من ربه في حال كونه في السجود.\nقال مسلم في صحيحه: وحدثنا هارون بن معروف، وعمرو بن سواد قالا: حدثنا عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمارة بن غزية، عن سمي مولى أبي بكر، أنه سمع أبا صالح ذكوان يحدث عن أبي هريرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد فأكثروا الدعاء\".\n\nتنبيه\nاعلم أن ترتيبه جل وعلا الأمر بالتسبيح والسجود على ضيق صدره -  ﷺ  - بسبب ما يقولون له من السوء -دليل على أن الصلاة والتسبيح سبب لزوال ذلك المكروه؛ ولذا كان -  ﷺ  - إذا حزبه أمر","vol":"3","page":247},{"text":"بادر إلى الصلاة. وقال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية.\nويؤيد هذا ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث نعيم بن عمار ﵁، أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"قال الله تعالى: يابن آدم لا تعجز عن أربع ركعات من أول النهار أكفك آخره\" فينبغي للمسلم إذا أصابه مكروه أن يفزع إلى الله تعالى بأنواع الطاعات من صلاة وغيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-643> قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ﴾</span> أمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - بأن يعبد ربه، أي: يتقرب له على وجه الذل والخضوع والمحبة بما أمر أن يتقرب له به من جميع الطاعات على الوجه المشروع. وجُلّ القرآن في تحقيق هذا الأمر الذي هو حظ الاثبات من لا إله إلا الله، مع حظ النفي منها. وقد بين القرآن أن هذا لا ينفع إلا مع تحقيق الجزء الثاني من كلمة التوحيد، الذي هو حظ النفي منها. وهو خلع جميع المعبودات سوى الله تعالى في جميع أنواع العبادات؛ قال تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وقال: ﴿فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ﴾ وقال: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ وقال: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة جدًا.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾ قالت جماعة من أهل العلم، منهم سالم بن عبد الله بن عمر، ومجاهد، والحسن؛ وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وغيرهم: اليقين: الموت، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ","vol":"3","page":248},{"text":"الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾ وهو الموت.\nويؤيد هذا ما أخرجه البخاري في صحيحه من حديث الزهري عن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أم العلاء (امرأة من الأنصار) أن رسول الله -  ﷺ  - لما دخل على عثمان بن مظعون وقد مات، قالت أم العلاء: رحمة الله عليك أبا السائب! فشهادتي عليك لقد أكرمك الله، فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"وما يدريك أن الله قد أكرمه\"؟ فقالت: بأبي وأمي يا رسول الله! فمن يكرمه الله!؟ فقال: \"أما هو فقد جاءه اليقين، وإني لأرجو له الخير\" الحديث. وهذا الحديث الصحيح يدل على أن اليقين الموت. وقول من قال: إن المراد باليقين انكشاف الحقيقة، وتيقن الواقع لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن الإنسان إذا جاءه الموت ظهرت له الحقيقة يقينًا. ولقد أجاد التهامي في قوله:\nوالعيش نوم والمنية يقظة ... والمرء بينهما خيال ساري\nوقال صاحب الدر المنثور: أخرج سعيد بن منصور، وابن المنذر، والحاكم في التاريخ، وابن مردويه، والديلمي عن أبي مسلم الخولاني قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"ما أوحي إلى أن أجمع المال، وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\".\nوأخرج ابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ عن النبي  ﷺ  قال: \"ما أوحي إلى أن أجمع المال وأكون من التاجرين، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\".","vol":"3","page":249},{"text":"وأخرج ابن مردويه، والديلمي عن أبي الدرداء ﵁: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"ما أوحي إلى أن أكون تاجرًا ولا أجمع المال متكاثرًا، ولكن أوحي إلى: أن سبح بحمد ربك وكن من الساجدين، واعبد ربك حتى يأتيك اليقين\".\n\nتنبيهان\nالأول: هذه الآية الكريمة تدل على أن الإنسان ما دام حيًا، وله عقل ثابت يميز به، فالعبادة واجبة عليه بحسب طاقته، فإن لم يستطع الصلاة قائمًا فليصل قاعدًا، فإن لم يستطع فعلى جنب. وهكذا قال تعالى عن نبيه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾.\nوقال البخاري في صحيحه: \"باب إذا لم يطق قاعدًا صلى على جنب\" وقال عطاء: إن لم يقدر أن يتحول إلى القبلة صلى حيث كان وجهه.\nحدثنا عبدان، عن عبد الله، عن إبراهيم بن طهمان قال: حدثني الحسين المكتب، عن بريدة، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت بي بواسير، فسألت النبي -  ﷺ  - عن الصلاة فقال: \"صل قائمًا، فإن لم تستطع فقاعدًا، فإن لم تستطع فعلى جنب\" اه ونحو هذا معلوم؛ قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال -  ﷺ  - \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" الحديث.\nالتنبيه الثاني: اعلم أن ما يفسر به هذه الآية الكريمة بعض","vol":"3","page":250},{"text":"الزنادقة الكفرة المدعين للتصوف = من أن معنى اليقين المعرفة بالله جل وعلا، وأن الآية تدل على أن العبد إذا وصل من المعرفة بالله إلى تلك الدرجة المعبرة عنها باليقين = أنه تسقط عنه العبادات والتكاليف، لأن ذلك اليقين هو غاية الأمر بالعبادة.\nإن تفسير الآية بهذا كفر بالله وزندقة، وخروج عن ملة الإسلام بإجماع المسلمين. وهذا النوع لا يسمى في الاصطلاح تأويلًا، بل يسمى لعبًا كما قدمنا في آل عمران. ومعلوم أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم هم وأصحابهم هم أعلم الناس بالله، وأعرفهم بحقوقه وصفاته وما يستحق من التعظيم، وكانوا مع ذلك أكثر الناس عبادة لله جل وعلا، وأشدهم خوفًا منه وطمعًا في رحمته، وقد قال جل وعلا: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":251},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-644>سورة النحل</span>","vol":"3","page":252},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-645> قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾</span> أي: قرب وقت إتيان القيامة.\nوعبر بصيغة الماضي تنزيلًا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. واقتراب القيامة المشار إليه هنا بينه جلا وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ وقوله جلا وعلا: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالتعبير عن المستقبل بصيغة الماضي لتحقق وقوعه كثير في القرآن، كقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّار﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا يَفْعَلُونَ (٧٠) وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية.\nفكل هذه الأفعال الماضية بمعنى الاستقبال، نزل تحقق وقوعها منزلة الوقوع.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.","vol":"3","page":253},{"text":"نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن استعجال ما وعد به من الهول والعذاب يوم القيامة. والاستعجال هو طلبهم أن يعجل لهم ما يوعدون به من العذاب يوم القيامة.\nوالآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله جل وعلا: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالضمير في قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ في مفسره وجهان:\nأحدهما: أنه العذاب الموعد به يوم القيامة، المفهوم من قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾.\nوالثاني: أنه يعود إلى الله، أي: لا تطلبوا من الله أن يعجل لكم العذاب. قال معناه ابن كثير.\nوقال القرطبي في تفسيره: قال ابن عباس: لما نزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ قال الكفار: إن هذا يزعم أن القيامة قد قربت! فأمسكوا عن بعض ما كنتم تعملون، فأمسكوا فانتظروا فلم يروا شيئًا، فقالوا: ما نرى شيئًا! فنزلت: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية، فأشفقوا وانتظروا قرب الساعة؛ فامتدت الأيام فقالوا:","vol":"3","page":254},{"text":"ما نرى شيئًا، فنزلت: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ فوثب رسول الله - ﷺ - والمسلمون وخافوا، فنزلت: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ فاطمأنوا، فقال النبي - ﷺ -: \"بعثت أنا والساعة كهاتين، وأشار بأصبعيه السبابة والتي تليها\" اه محل الغرض من كلام القرطبي، وهو يدل على أن المراد بقوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي: لا تظنوه واقعًا الآن عن عجل، بل هو متأخر إلى وقته المحدد له عند الله تعالى.\nوقول الضحاك ومن وافقه: إن معنى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾ أي: فرائضه وحدوده قوله مردود ولا وجه له، وقد رده الإمام ابن جرير الطبري في تفسيره قائلًا: إنه لم يبلغنا أن أحدًا من أصحاب رسول الله - ﷺ - استعجل فرائض قبل أن تفرض عليهم فيقال لهم من أجل ذلك: قد جاءتكم فرائض الله فلا تستعجلوها، أما مستعجلو العذاب من المشركين فقد كانوا كثيرًا اه.\nوالظاهر المتبادر من الآية الكريمة: أنها تهديد للكفار باقتراب العذاب يوم القيامة مع نهيهم عن استعجاله.\nقال ابن جرير في تفسيره: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب قول من قال: هو تهديد من الله لأهل الكفر به وبرسوله، وإعلام منه لهم قرب العذاب منهم والهلاك، وذلك أنه عقب ذلك بقوله ﷾: ﴿عَمَّا يُشْرِكُونَ (١)﴾ فدل بذلك على تقريعه المشركين به ووعيده لهم اه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-646> قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾</span>.","vol":"3","page":255},{"text":"أظهر الأقوال في معنى الروح في هذه الآية الكريمة: أن المراد بها الوحي؛ لأن الوحي به حياة الأرواح، كما أن الغذاء به حياة الأجسام.\nويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ وقوله: ﴿رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾.\nومما يدل على أن المراد بالروح الوحي إتيانه بعد قوله: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ﴾ بقوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ لأن الإنذار إنما يكون بالوحي؛ بدليل قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية. وكذلك إتيانه بعد قوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ بقوله: ﴿لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥)﴾ الآية؛ لأن الإنذار إنما يكون بالوحي أيضًا. وقرأ هذا الحرف ابن كثير وأبو عمرو \"ينزل\" بضم الياء وإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بالضم والتشديد.\n\"من\" في الآية تبعضية، أو لبيان الجنس.\nوقوله: ﴿عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي: ينزل الوحي على من اختاره وعلمه أهلًا لذلك، كما بينه تعالى بقوله: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ وقوله: ﴿بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.","vol":"3","page":256},{"text":"وهذه الآيات وأمثالها رد على الكفار في قولهم: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-647> قوله تعالى: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾</span> الأظهر في \"أن\" من قوله: ﴿أَنْ أَنْذِرُوا﴾ أنها هي المفسرة؛ لأن إنزال الملائكة بالروح -أي بالوحي- فيه معنى القول دون حروفه، فيكون المعنى: أن الوحي الذي أنزلت به الملائكة مفسر بإنذار الناس بـ \"لا إله إلا الله\" وأمرهم بتقواه.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى الإنذار، ومعنى التقوى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-648> قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو خالق السموات والأرض، وأن من يخلق هذه المخلوقات العظيمة يتنزه ويتعاظم أن يعبد معه مالا يخلق شيئًا، ولا يملك لنفسه شيئًا. فالآية تدل على أن من يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود، لا يصح أن يعبد معه من لا يقدر على شيء، ولهذا أتبع قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ بقوله: ﴿تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾.","vol":"3","page":257},{"text":"وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية. فدل على أن المعبود هو الخالق دون غيره، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ وقوله: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥) أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ الآية، وقوله ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nفهذه الآيات تبين أن الذي يستحق أن يعبد هو من يخلق الخلق ويبرزهم من العدم إلى الوجود. أما غيره فهو مخلوق مربوب، محتاج إلى من يخلقه، ويدبر شئونه.","vol":"3","page":258},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-649> قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الإنسان من نطفة، وهي مني الرجل ومني المرأة، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ أي: أخلاط من ماء الرجل، وماء المرأة.\nوقال صاحب الدر المنثور بعد ذكر بعض الروايات في تفسير الأمشاج بالأخلاط: من ماء الرجل وماء المرأة. وأخرج الطستي عن ابن عباس: أن نافع بن الأزرق قال: أخبرني عن قوله: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ قال: اختلاط ماء الرجل وماء المرأة إذا وقع في الرحم. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت أبا ذؤيب وهو يقول:\nكأن الريش والفوقين منه ... خلال النصل خالطه مشيج\nونسب في اللسان هذا البيت لزهير بن حرام الهذلي، وأنشده هكذا:\nكأن النصل والفوقين منها ... خلال الريش سيط به مشيج\nقال: ورواه المبرد:\nكأن المتن والشرجين منه ... خلاف النصل سيط به مشيج\nقال: ورواه أبو عبيدة:\nكأن الريش والفوقين منها ... خلال النصل سيط به المشيج\nومعنى \"سيط به المشيج\": خلط به الخلط.\nإذا عرفت معنى ذلك، فاعلم أنه تعالى بين أن ذلك الماء","vol":"3","page":259},{"text":"الذي هو النطفة، منه ما هو خارج من الصلب، أي: وهو ماء الرجل، ومنه ما هو خارج من الترائب، وهو ماء المرأة، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦) يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ لأن المراد بالصلب صلب الرجل وهو ظهره، والمراد بالترائب ترائب المرأة، وهي موضع القلادة منها؛ ومنه قول امرئ القيس:\nمهفهفة بيضاء غير مفاضة ... ترائبها مصقولة كالسجنجل\nواستشهد ابن عباس لنافع بن الأزرق على أن الترائب موضع القلادة بقول المخبل، أو ابن أبي ربيعة:\nوالزعفران على ترائبها ... شرقًا به اللبات والنحر\nفقوله هنا: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ يدل على أن الأمشاج هي الأخلاط المذكورة. وأمر الإنسان بأن ينظر مم خلق في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ﴾ تنبيه له على حقارة ما خلق منه؛ ليعرف قدره، ويترك التكبر والعتو، ويدل لذلك قوله: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ الآية.\nوبين جل وعلا حقارته بقوله: ﴿أَيَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ (٣٨) كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ والتعبير عن النطفة بما الموصولة في قوله: ﴿مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ فيه غاية تحقير ذلك الأصل الذي خلق منه الإنسان. وفي ذلك أعظم ردع، وأبلغ زجر عن التكبر والتعاظم.\nوقوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ أظهر القولين","vol":"3","page":260},{"text":"فيه: أنه ذم للإنسان المذكور. والمعنى: خلقناه ليعبدنا ويخضع لنا ويطيع؛ ففاجأ بالخصومة والتكذيب، كما تدل عليه \"إذا\" الفجائية. ويوضح هذا المعنى قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ مع قوله جلا وعلا: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤) وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا (٦٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح لهذا المبحث في \"سورة الطارق\".\n\nتنبيه\nاختلف علماء العربية في \"إذا\" الفجائية؛ فقال بعضهم: هي حرف. وممن قال به الأخفش.\nقال ابن هشام في \"المغني\": ويرجح هذا القول قولهم: خرجت فإذا إن زيدًا بالباب (بكسر إن) لأن \"إن\" المكسورة لا يعمل ما بعدها فيما قبلها. وقال بعضهم: هي ظرف مكان. وممن قال به المبرد. وقال بعضهم: هي ظرف زمان. وممن قال به الزجاج.\nوالخصيم صيغة مبالغة، أي: شديد الخصومة، وقيل: الخصيم المخاصم؛ وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير في كلام العرب، كالقعيد بمعنى المقاعد، والجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المؤاكل، ونحو ذلك.","vol":"3","page":261},{"text":"وقوله: ﴿مُبِينٌ (٤)﴾ الظاهر أنه اسم فاعل أبان اللازمة، بمعنى بان وظهر، أي: بين الخصومة. ومن إطلاق أبان بمعنى بان قول جرير:\nإذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب\nأي: ظهر. وقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nلو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور\nيعني لظهر من آثارهن ورم في الجلد، وقيل: من أبان المتعدية والمفعول محذوف، أي: مبين خصومته ومظهر لها. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-650> قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه خلق الأنعام لبني آدم ينتفعون بها تفضلًا منه عليهم. وقد قدمنا في \"آل عمران\" أن القرآن بين أن الأنعام هي الأزواج الثمانية التي هي الذكر والأنثى من الإبل، والبقر، والضأن، والمعز. والمراد بالدفء على أظهر القولين: أنه اسم لما يدفأ به، كالملء اسم لما يملأ به، وهو الدفاء من اللباس المصنوع من أصواف الأنعام وأوبارها وأشعارها.\nويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾ وقيل: الدفء نسلها. والأول أظهر، والنسل داخل في قوله: ﴿وَمَنَافِعُ﴾ أي: من","vol":"3","page":262},{"text":"نسلها ودرها: ﴿وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾.\nومنافع الأنعام التي بين الله جل وعلا امتنانه بها على خلقه في هذه الآية الكريمة، بينها لهم أيضًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالأظهر في إعراب ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ أن عامله وهو ﴿خَلَقَ﴾ اشتغل عنه بالضمير فنصب بفعل مقدر وجوبًا يفسره ﴿خَلَقَ﴾ المذكور، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nفالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد أظهرا\nوإنما كان النصب هنا أرجح من الرفع؛ لأنه معطوف على معمول فعل، وهو قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ ...﴾ الآية، فيكون عطف الجملة الفعلية على الجملة الفعلية أولى من عطف الاسمية على الفعلية لو رفع الاسم السابق، وإلى هذا أشار","vol":"3","page":263},{"text":"ابن مالك في الخلاصة بقوله عاطفًا على ما يختار فيه النصب:\nوبعد عاطف بلا فصل على ... معمول فعل مستقر أولا\nوقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ﴾ معطوف على ﴿الْإِنْسَانَ﴾ من قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ﴾ والأول أظهر كما ترى.\nواظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ أن قوله: ﴿دِفْءٌ﴾ مبتدأ خبره ﴿لَكُمْ فِيهَا﴾ وسوغ الابتداء بالنكرة اعتمادها على الجار والمجرور قبلها وهو الخبر كما هو معروف خلافًا لمن زعم أن ﴿دِفْءٌ﴾ فاعل الجار والمجرور الذي هو: ﴿لَكُمْ﴾.\nوفي الآية أوجه أخرى ذكرها بعض العلماء، تركنا ذكرها لعدم اتجاهها عندنا، والعلم عند الله تعالى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ﴾ يعني أن اقتناء هذه الأنعام وملكيتها فيه لمالكها عند الناس جمال، أي: عظمة ورفعة، وسعادة في الدنيا لمقتنيها. وكذلك قال في النخيل والبغال والحمير ﴿لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ فعبر في الأنعام بالجمال، وفي غيرها بالزينة. والجمال: مصدر جمل فهو جميل وهي جميلة. ويقال أيضًا: هي جملاء؛ وأنشد لذلك الكسائي قول الشاعر:\nفهي جملاء كبدر طالع ... بذات الخلق جميعًا بالجمال\nوالزينة: ما يتزين به. وكانت العرب تفتخر بالخيل والإبل ونحو ذلك؛ كالسلاح، ولا تفتخر بالبقر والغنم. ويدل لذلك قول العباس بن مرداس يفتخر بمآثر قبيلته بني سليم:","vol":"3","page":264},{"text":"واذكر بلاء سليم في مواطنها ... ففي سليم لأهل الفخر مفتخر\nقوم هم نصروا الرحمن واتبعوا ... دين الرسول وأمر الناس مشتجر\nلا يغرسون فسيل النخل وسطهم ... ولا تخاور في مشتاهم البقر\nإلا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر\nوالسوابح: الخيل. والمقربة: المهيأة المعدة قريبًا. والأخطار: جمع خطر -بفتح فسكون، أو كسر فسكون- وهو عدد كثير من الإبل على اختلاف في قدره، والعكر -بفتحتين- جمع عكرة، وهي القطيع الضخم من الإبل أيضًا على اختلاف في تحديد قدره. وقول الآخر:\nلعمري لقوم قد ترى أمس فيهم ... مرابط للأمهار والعكر الدثر\nأحب إلينا من أناس بقنة ... يروح على آثار شائهم النمر\nوقوله: \"العكر الدثر\" أي: المال الكثير من الإبل.\nوبدأ بقوله: ﴿حِينَ تُرِيحُونَ﴾ لأنها وقت الرواح أملأ ضروعًا وبطونًا منها وقت سراحها للمرعى.\nوأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿وَزِينَةً﴾ أنه مفعول لأجله، معطوف على ما قبله، أي لأجل الركوب والزينة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-651> قوله تعالى: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يخلق مالا يعلم المخاطبون وقت نزولها، وأبهم ذلك الذي يخلقه لتعبيره عنه","vol":"3","page":265},{"text":"بالموصول ولم يصرح هنا بشيء منه، ولكن قرينة ذكر ذلك في معرض الامتنان بالمركوبات تدل على أن منه ما هو من المركوبات، وقد شوهد ذلك في إنعام الله على عباده بمركوبات لم تكن معلومة وقت نزول الآية، كالطائرات، والقطارات والسيارات. ويؤيد ذلك إشارة النبي -  ﷺ  - إلى ذلك في الحديث الصحيح.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن سعيد بن أبي سعيد، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة أنه قال: قال رسول الله -  ﷺ  -: \"والله لينزلن ابن مريم حكمًا عادلًا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير، وليضعن الجزية، ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها، ولتذهبن الشحناء، والتباغض والتحاسد، وليدعون إلى المال فلا يقبله أحد\" اه.\nومحل الشاهد من هذا الحديث الصحيح: قوله -  ﷺ  -: \"ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها\" فإنه قسم من النبي -  ﷺ  - أنه ستترك الإبل فلا يسعى عليها. وهذا مشاهد الآن للاستغناء عن ركوبها بالمراكب المذكورة. وفي هذا الحديث معجزة عظمى، تدل على صحة نبوته -  ﷺ  - وإن كانت معجزاته صلوات الله عليه وسلامه أكثر من أن تحصر.\nوهذه الدلالة التي ذكرنا تسمى دلالة الاقتران، وقد ضعفها أكثر أهل الأصول، كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:\nأما قران اللفظ في المشهور ... فلا يساوي في سوى المذكور\nوصحح الاحتجاج بها بعض العلماء. ومقصودنا من الاستدلال","vol":"3","page":266},{"text":"بها هنا أن ذكر: ﴿وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨)﴾ في معرض الامتنان بالمركوبات لا يقل عن قرينة دالة على أن الآية تشير إلى أن من المراد بها بعض المركوبات، كما قد ظهرت صحة ذلك بالعيان.\nوقد ذكر في موضع آخر: أنه يخلق ما لا يعلمه خلقه غير مقترن بالامتنان بالمركوبات، وذلك في قوله: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-652> قوله تعالى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾</span>.\nاعلم أولًا: أن قصد السبيل: هو الطريق المستقيم القاصد، الذي لا اعوجاج فيه. وهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول زهير بن أبي سلمى المزني:\nصحا القلب عن سلمى وأقصر باطله ... وعرى أفراسُ الصبا ورواحِلُه\nوأقصرت عما تعلمين وسُدِّدَتْ ... علَيَّ سوى قصدِ السبيل معادِلُه\nوقول امرئ القيس:\nومن الطريقة جائر وهدى ... قصد السبيل ومنه ذو دخل\nفإذا علمت ذلك فاعلم: أن في معنى الآية الكريمة وجهين معروفين للعلماء، وكل منهما له مصداق في كتاب الله، إلا أن أحدهما أظهر عندي من الآخر.\nالأول منهما: أن معنى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾: أن طريق الحق التي هي قصد السبيل على الله، أي موصلة إليه، ليست حائدة، ولا جائرة عن الوصول إليه وإلى مرضاته ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾:","vol":"3","page":267},{"text":"أي: ومن الطريق جائر لا يصل إلى الله، بل هو زائغ وحائد عن الوصول إليه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، وقوله: ﴿وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾.\nويؤيد هذا التفسير قوله بعده: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ وهذا الوجه أظهر عندي. واستظهره ابن كثير وغيره، وهو قول مجاهد.\nالوجه الثاني: أن معنى الآية الكريمة: ﴿وَعَلَى اللَّهِ قَصْدُ السَّبِيلِ﴾ أي عليه جل وعلا أن يبين لكم طريق الحق على ألسنة رسله.\nويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ وقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوعلى هذا القول، فمعنى قوله: ﴿وَمِنْهَا جَائِرٌ﴾ غير واضح؛ لأن المعنى: ومن الطريق جائر عن الحق، وهو الذي نهاكم الله عن سلوكه. والجائر: المائل عن طريق الحق. والوجهان المذكوران في هذه الآية جاريان في قوله: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى (١٢)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-653> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (٩)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه لو شاء هداية جميع خلقه لهداهم أجمعين. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾ وقوله:","vol":"3","page":268},{"text":"﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات وقد قدمنا هذا في سورة يونس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-654> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ﴾</span> تقدم الكلام على ما يوضح معنى هذه الآية الكريمة في سورة الحجر.\nوقوله جل وعلا: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (١١)﴾.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إنباته بالماء ما يأكله الناس من الحبوب والثمار، وما تأكله المواشي من المرعى= من أعظم نعمه على بني آدم، ومن أوضح آياته الدالة على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا","vol":"3","page":269},{"text":"بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\n\nتنبيهان\nالأول: اعلم أن النظر في هذه الآيات واجب، لما تقرر في الأصول \"أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب إلا لدليل يصرفها عن الوجوب\" والله جل وعلا أمر الإنسان أن ينظر إلى طعامه الذي به حياته، ويفكر في الماء الذي هو سبب إنبات حبه، من أنزله!؟ ثم بعد إنزال الماء وري الأرض من يقدر على شق الأرض عن النبات وإخراجه منها!؟ ثم من يقدر على إخراج الحب من ذلك النبات!؟ ثم من يقدر على تنميته حتى يصير صالحًا للأكل!؟ ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ﴾ الآية. وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nوكذلك يجب على الإنسان النظر في الشيء الذي خلق منه، لقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥)﴾ وظاهر القرآن: أن النظر في ذلك واجب، ولا دليل يصرف عن ذلك.\nالتنبيه الثاني: اعلم أنه جل وعلا أشار في هذه الآيات من أول سورة \"النحل\" إلى براهين البعث الثلاثة التي قدمنا أن القرآن العظيم يكثر فيه الاستدلال بها على البعث.\nالأول: خلق السموات والأرض المذكور في قوله: ﴿خَلَقَ","vol":"3","page":270},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ﴾ الآية. والاستدلال بذلك على البعث كثير في القرآن، كقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا﴾ إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى﴾ قوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.\nالبرهان الثانى: خلق الإنسان أولًا المذكور في قوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ لأن من اخترع قادر على الإعادة ثانيًا وهذا يكثر الاستدلال به أيضًا على البعث، كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.\nالبرهان الثالث: إحياء الأرض بعد موتها المذكور هنا في قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ الآية، فإنه يكثر في القرآن الاستدلال به على البعث أيضًا، كقوله: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ أي: كذلك الإحياء خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ أي: من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ","vol":"3","page":271},{"text":"كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ وقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.\nفهذه البراهين الثلاثة يكثر جدًا الاستدلال بها على البعث في كتاب الله كما رأيت وكما تقدم.\nوهناك برهان رابع يكثر الاستدلال به على البعث أيضًا، ولا ذكر له في هذه الآيات، وهو إحياء الله بعض الموتى في دار الدنيا، كما تقدمت الإشارة إليه في \"سورة البقرة\" لأن من أحيا نفسًا واحدة بعد موتها قادر على إحياء جميع النفوس: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾.\nوقد ذكر جل وعلا هذا البرهان في \"سورة البقرة\" في خمسة مواضع.\nالأول: قوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾.\nالثاني: قوله: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾.\nالثالث: قوله جل وعلا: ﴿فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ﴾\nالرابع: قوله: ﴿فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى","vol":"3","page":272},{"text":"كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٥٩)﴾.\nالخامس: قوله تعالى: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٦٠)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ أي: ترعون مواشيكم السائمة في ذلك الشجر الذي هو المرعى. والعرب تطلق اسم الشجر على كل ما تنبته الأرض من المرعى؛ ومنه قول النمر بن تولب العكلي:\nإنا أتيناك وقد طال السفر ... نقود خيلًا ضمرًا فيها صعر\n\n• نطعمها اللحم إذا عز الشجر *\nوالعرب تقول: سامت المواشي إذا رعت في المرعى الذي ينبته الله بالمطر. وأسامها صاحبها: أي رعاها فيه، ومنه قول الشاعر:\nمثل ابن بزعة أو كآخر مثله ... أولى لك ابن مسيمة الأجمال\nيعني يا ابن راعية الجمال التي تُسيمها في المرعى.\nوقوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ﴾ قرأه شعبة عن عاصم \"ننبت\" بالنون. والباقون بالياء التحتية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-655> قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه سخر لخلقه خمسة","vol":"3","page":273},{"text":"أشياء عظام فيها من عظيم نعمته ما لا يعلمه إلا هو، وفيها الدلالات الواضحات لأهل العقول على أنه الواحد المستحق لأن يعبد وحده.\nوالخمسة المذكورة هي: الليل، والنهار، والشمس، والقمر، والنجوم.\nوكرر في القرآن ذكر إنعامه بتسخير هذه الأشياء، وأنها من أعظم أدلة وحدانيته واستحقاقه للعبادة وحده؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالمِينَ (٥٤)﴾ وإغشاؤه الليل والنهار: هو تسخيرهما، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٣٨) وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ حَتَّى عَادَ كَالْعُرْجُونِ الْقَدِيمِ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي هذه الآية الكريمة ثلاث قراءات سبعيات في الأسماء الأربعة الأخيرة، التي هي الشمس، والقمر، والنجوم، ومسخرات؛ فقرأ بنصبها كلها نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمزة، والكسائي، وعاصم في رواية شعبة. وقرأ برفع الأسماء الأربعة ابن عامر، على أن: ﴿وَالشَّمْسَ﴾ مبتدأ وما بعده معطوف عليه، و: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ خبر المبتدأ. وقرأ حفص عن عاصم بنصب: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾","vol":"3","page":274},{"text":"عطفًا على: ﴿اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ ورفع: ﴿وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ﴾ على أنه مبتدأ وخبر. وأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿مُسَخَّرَاتٌ﴾ على قراءة النصب أنها حال مؤكدة لعاملها. والتسخير في اللغة: التذليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-656> قوله تعالى: ﴿وَمَا ذَرَأَ لَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَمَا﴾ في محل نصب عطفًا على قوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ﴾ أي: وسخر لكم ما ذرأ لكم في الأرض، أي: ما خلق لكم فيها في حال كونه مختلفًا ألوانه.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة امتنانه على خلقه بما سخر لهم مما خلق لهم في الأرض منبهًا على أن خلقه لما خلق لهم في الأرض مع ما فيه من النعم العظام= فيه الدلالة الواضحة لمن يذكر ويتعظ على وحدانيته واستحقاقه لأن يعبد وحده. وكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحَانُ (١٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)﴾.\nوأشار في هذه الآية الكريمة إلى أن اختلاف ألوان ما خلق في الأرض من الناس والدواب وغيرهما من أعظم الأدلة على أنه خالق كل شيء، وأنه الرب وحده، المستحق أن يعبد وحده.\nوأوضح هذا في آيات أخر؛ كقوله في \"سورة فاطر\": ﴿أَلَمْ تَرَ","vol":"3","page":275},{"text":"أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ ولا شك أن اختلاف الألوان والمناظر والمقادير والهيئات وغير ذلك = فيه الدلالة القاطعة على أن الله جل وعلا واحد، لا شبيه له ولا نظير ولا شريك، وأنه المعبود وحده.\nوفيه الدلالة القاطعة على أن كل تأثير فهو بقدرة وإرادة الفاعل المختار، وأن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا.\nكما أوضح ذلك في قوله: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ وَجَنَّاتٌ مِنْ أَعْنَابٍ وَزَرْعٌ وَنَخِيلٌ صِنْوَانٌ وَغَيْرُ صِنْوَانٍ يُسْقَى بِمَاءٍ وَاحِدٍ وَنُفَضِّلُ بَعْضَهَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْأُكُلِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٤)﴾ فالأرض التي تنبت فيها الثمار واحدة؛ لأن قطعها متجاورة، والماء الذي تسقى به ماء واحد، والثمار تخرج متفاضلة، مختلفة في الألوان والأشكال والطعوم، والمقادير والمنافع.\nفهذا أعظم برهان قاطع على وجود فاعل مختار، يفعل ما يشاء كيف يشاء سبحانه جل وعلا عن الشركاء والأنداد.\nومن أوضح الأدلة على أن الطبيعة لا تؤثر في شيء إلا بمشيئته جل وعلا = أن النار مع شدة طبيعة الإحراق فيها الحطب وإبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ولاشك أن الحطب أصلب وأقسى وأقوى من جلد إبراهيم ولحمه؛ فأحرقت الحطب","vol":"3","page":276},{"text":"بحرها، وكانت على إبراهيم بردًا وسلامًا لما قال لها خالقها: ﴿يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾ فسبحان من لا يقع شيء كائنًا ما كان إلا بمشيئته جل وعلا، فعال لما يريد.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَذَّكَّرُونَ (١٣)﴾ أصله يتذكرون، فأدغمت التاء في الذال. والإذكار: الاعتبار والاتعاظ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-657> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر البحر؛ أي: ذلّله لعباده حتى تمكنوا من ركوبه، والانتفاع بما فيه من الصيد والحلية، وبلوغ الأقطار التي تحول دونها البحار، للحصول على أرباح التجارات ونحو ذلك.\nفتسخير البحر للركوب من أعظم آيات الله؛ كما بينه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوذكر في هذه الآية أربع نعم من نعمه على خلقه بتسخير البحر لهم:\nالأولى: قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن؛ كقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ","vol":"3","page":277},{"text":"وَلِلسَّيَّارَةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية.\nالثانية: قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وكرر الامتنان بهذه النعمة أيضًا في القرآن، كقوله: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٢٣)﴾ واللؤلؤ والمرجان: هما الحلية التي يستخرجونها من البحر للبسها، وقوله: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.\nالثالثة: قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ﴾ وكرر في القرآن الامتنان بشق أمواج البحر على السفن، كقوله: ﴿وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾.\nالرابعة: الابتغاء من فضله بأرباح التجارات بواسطة الحمل على السفن المذكور في قوله هنا: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: كأرباح التجارات. وكرر في القرآن الامتنان بهذه النعمة أيضًا؛ كقوله في \"سورة البقرة\": ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وقوله في \"فاطر\": ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ فِيهِ مَوَاخِرَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ وقوله في \"الجاثية\": ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: لا مفهوم مخالفة لقوله: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾ فلا","vol":"3","page":278},{"text":"يقال: يفهم من التقييد بكونه طريًا أن اليابس كالقديد مما في البحر لا يجوز أكله، بل يجوز أكل القديد مما في البحر بإجماع العلماء.\nوقد تقرر في الأصول: أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون النص مسوقًا للامتنان، فإنه إنما قيد بالطري لأنه أحسن من غيره، فالامتنان به أتم.\nوقد أشار إلى هذا صاحب مراقي السعود بقوله عاطفًا على موانع اعتبار مفهوم المخالفة:\nأو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع\nومحل الشاهد قوله: \"أو امتنان\" وقد قدمنا هذا في \"سورة المائدة\".\nالمسألة الثانية: اعلم أن علماء المالكية قد أخذوا من هذه الآية الكريمة: أن لحوم ما في البحر كلها جنس واحد؛ فلا يجوز التفاضل بينها في البيع، ولا بيع طريها بيابسها، لأنها جنس واحد.\nقالوا: لأن الله عبر عن جميعها بلفظ واحد، وهو قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ وهو شامل لما في البحر كله.\nومن هنا جعل علماء المالكية للحوم أربعة أجناس لا خامس لها: الأول: لحم ما في البحر كله جنس واحد، لما ذكرنا.\nالثاني: لحوم ذوات الأربع من الأنعام والوحوش كلها عندهم","vol":"3","page":279},{"text":"جنس واحد. قالوا: لأن الله فرق بين أسمائها في حياتها فقال: ﴿مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ ثم قال: ﴿وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ﴾ أما بعد ذبحها فقد عبر عنها باسم واحد فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ فجمعها بلحم واحد.\nوقال كثير من العلماء: يدخل في بهيمة الأنعام الوحش كالظباء.\nالثالث: لحوم الطير بجميع أنواعها جنس واحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾ فجمع لحومها باسم واحد.\nالرابع: الجراد هو جنس واحد عندهم.\nوقد قدمنا في \"سورة البقرة\" الإشارة إلى الاختلاف في ربويته عندهم. ومشهور مذهب مالك عدم ربويته، بناء على أن غلبة العيش بالمطعوم من أجزاء العلة في الربا؛ لأن علة الربا في الربويات عند مالك: هي الاقتيات والادخار. قيل: وغلبة العيش. وقد قدمنا: أن الاختلاف في اشتراط غلبة العيش تظهر فائدته في أربعة أشياء: وهي الجراد، والبيض، والتين، والزيت. وقد قدمنا تفصيل ذلك في \"سورة البقرة\".\nفإذا علمت ذلك -فاعلم أن كل جنس من هذه الأجناس المذكورة يجوز بيعه بالجنس الآخر متفاضلًا يدًا بيد، ويجوز بيع طريه بيابسه يدًا بيد أيضًا في مذهب مالك رحمه الله تعالى.\nومذهبُ الإمام أبي حنيفة ﵀: أن اللحوم تابعة لأصولها، فكل لحم جنس مستقل كأصله، فلحم الإبل عنده جنس","vol":"3","page":280},{"text":"مستقل، وكذلك لحم الغنم، ولحم البقر، وهكذا؛ لأن اللحوم تابعة لأصولها، وهي مختلفة كالأدقة والأدهان.\nأما مذهب الشافعي وأحمد في هذه المسألة: فكلاهما عنه فيها روايتان: أما الروايتان عن الشافعي فإحداهما: أن اللحوم كلها جنس واحد؛ لاشتراكها في الاسم الخاص الذي هو اللحم.\nالثانية: أنها أجناس كأصولها؛ كقول أبي حنيفة.\nوقال صاحب المهذب: إنَّ هذا قول المزني، وهو الصحيح.\nوأما الروايتان في مذهب الإمام أحمد فإحداهما: أن اللحوم كلها جنس واحد. وهو ظاهر كلام الخرقي، فإنه قال: وسائر اللحمان جنس واحد.\nقال صاحب المغني: وذكره أبو الخطاب، وابن عقيل رواية عن أحمد. ثم قال: وأنكر القاضي أبو يعلى كون هذا رواية عن أحمد، وقال: الأنعام والوحوش والطير ودواب الماء أجناس، يجوز التفاضل فيها رواية واحدة، وإنما في اللحم روايتان.\nإحداهما: أنه أربعة أجناس كما ذكرنا.\nالثانية: أنه أجناس باختلاف أصوله. انتهى من المغني بتصرف يسير، بحذف مالا حاجة له، فهذه مذاهب الأربعة في هذه المسألة.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: اختلاف العلماء في هذه","vol":"3","page":281},{"text":"المسألة من الاختلاف في تحقيق مناط نص من نصوص الشرع، وذلك أنه ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث عبادة بن الصامت ﵁: أن النبي -  ﷺ  - قال: \"فإذا اختلفت هذه الأصناف فبيعوا كيف شئتم إذا كان يدًا بيد\" فعلم أن اختلاف الصنفين مناط جواز التفاضل، واتحادهما مناط منع التفاضل، واختلاف العلماء في تحقيق هذا المناط، فبعضهم يقول: اللحم جنس واحد يعبر عنه باسم واحد، فمناط تحريم التفاضل موجود فيه، وبعضهم يقول: هي لحوم مختلفة الجنس؛ لأنها من حيوانات مختلفة الجنس؛ فمناط منع التفاضل غير موجود. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: لا يجوز بيع اللحم بالحيوان الذي يجوز أكله من جنسه. وهذا مذهب أكثر العلماء؛ منهم مالك، والشافعي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة ﵀: ويجوز بيع اللحم بالحيوان؛ لأن الحيوان غير ربوي، فأشبه بيعه باللحم بيع اللحم بالأثمان.\nواحتج الجمهور بما رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم عن سعيد بن المسيب: أن رسول الله -  ﷺ  - نهى عن بيع اللحم بالحيوان.\nوفي \"الموطأ\" أيضًا عن مالك، عن داود بن الحصين: أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم بالشاة والشاتين.\nوفي \"الموطأ\" أيضًا عن مالك، عن أبي الزناد، عن سعيد بن","vol":"3","page":282},{"text":"المسيب أنه كان يقول: نهى عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: فقلت لسعيد بن المسيب: أرأيت رجلًا اشترى شارفًا بعشر شياه؟ فقال سعيد: إن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك. قال أبو الزناد: وكل من أدركت من الناس ينهون عن بيع الحيوان باللحم. قال أبو الزناد: وكان ذلك يكتب في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان، وهشام بن إسماعيل ينهون عن ذلك اه من الموطأ.\nوقال ابن قدامة في المغني: لا يختلف المذهب أنه لا يجوز بيع اللحم بحيوان من جنسه، وهو مذهب مالك والشافعي، وقول فقهاء المدينة السبعة.\nوحكي عن مالك: أَنّه لا يجوز بيع اللحم بحيوان معد للحم ويجوز بغيره.\nوقال أبو حنيفة: يجوز مطلقًا، لأنه باع مال الربا بما لا ربا فيه، فأشبه بيع اللحم بالدراهم، أو بلحم عن غير جنسه.\nولنا ما روي: أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن بيع اللحم بالحيوان\" رواه مالك في الموطأ عن زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب، عن النبي -  ﷺ  -. قال ابن عبد البر: هذا أحسن أسانيده، وروي عن النبي -  ﷺ  - \"أنه نهى أن يباع حي بميت\" ذكره الإمام أحمد. وروي عن ابن عباس: \"أن جزورًا نحرت فجاء رجل بعناق، فقال: أعطوني جزءًا بهذه العناق، فقال أبو بكر: لا يصلح هذا.\nقال الشافعي: لا أعلم مخالفًا لأبي بكر في ذلك.","vol":"3","page":283},{"text":"وقال أبو الزناد: كل من أدركت ينهى عن بيع اللحم بالحيوان، ولأن اللحم نوع فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله فلم يجز؛ كبيع السمسم بالشيرج اه.\nوقال صاحب المهذب: ولا يجوز بيع حيوان يؤكل لحمه بلحمه، لما روى سعيد بن المسيب ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"لا يباع حي بميت\" وروى ابن عباس ﵄: أن جزورًا نحرت على عهد أبي بكر ﵁؛ فجاء رجل بعناق فقال: أعطوني بها لحمًا فقال أبو بكر: لا يصلح هذا\" ولأنه جنس فيه الربا بيع بأصله الذي فيه مثله، فلم يجز كبيع الشيرج بالسمسم اه.\nوقال ابن السبكي في تكملته لشرح المهذب: حديث سعيد ابن المسيب رواه أبو داود من طريق الزهري عن سعيد كما ذكره المصنف، ورواه مالك في الموطأ، والشافعي في \"المختصر\" و\"الأم\" وأبو داود من طريق زيد بن أسلم، عن سعيد بن المسيب: \"أن رسول الله -  ﷺ  - نهى عن بيع اللحم بالحيوان\" هذا لفظ الشافعي عن مالك، وأبي داود عن القعنبي عن مالك، وكذلك هو في موطأ ابن وهب. ورأيت في موطأ القعنبي عن بيع الحيوان باللحم، والمعنى واحد، وكلا الحديثين أعني رواية الزهري، وزيد بن أسلم، مرسل، ولم يسنده واحد عن سعيد. وقد روي من طرق أخر:\nمنها: عن الحسن، عن سمرة: \"أن النبي -  ﷺ  - نهى أن تباع الشاة باللحم\" رواه الحاكم في المستدرك وقال: رواته عن آخرهم","vol":"3","page":284},{"text":"أئمة حفاظ ثقات، وقد احتج البخاري بالحسن، عن سمرة، وله شاهد مرسل في الموطأ. هذا كلام الحاكم. ورواه البيهقي في سننه الكبير، وقال: هذا إسناد صحيح. ومن أثبت سماع الحسن عن سمرة عده موصولًا، ومن لم يثبته فهو مرسل جيد انضم إلى مرسل سعيد. ومنها: عن سهل بن سعد قال: \"نهى رسول الله -  ﷺ  - عن بيع اللحم بالحيوان\" رواه الدارقطني وقال: تفرد به يزيد بن مروان، عن مالك بهذا الإسناد ولم يتابع عليه. وصوابه في الموطأ عن ابن المسيب مرسلًا، وذكره البيهقي في سننه الصغير، وحكم بأن ذلك من غلط يزيد بن مروان، ويزيد المذكور تكلم فيه يحيى بن معين. وقال ابن عدي: وليس هذا بذلك المعروف.\nومنها: عن ابن عمر ﵄ أن النبي -  ﷺ  - \"نهى عن بيع الحيوان باللحم\" قال عبد الحق: أخرجه البزار في مسنده من رواية ثابت بن زهير عن نافع، وثابت رجل من أهل البصرة منكر الحديث لا يُشتغل به، ذكره أبو حاتم الرازي. انتهى محل الغرض من كلام صاحب تكملة المجموع.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لا يخفى أن هذا الذي ذكرنا يثبت به منع بيع اللحم بالحيوان. أما على مذهب من يحتج بالمرسل كمالك، وأبي حنيفة، وأحمد فلا إشكال. وأما على مذهب من لا يحتج بالمرسل فمرسل سعيد بن المسيب حجة عند كثير ممن لا يحتج بالمرسل، ولاسيما أنه اعتضد بحديث الحسن عن سمرة. فعلى قول من يصحح سماع الحسن عن سمرة فلا إشكال في ثبوت ذلك؛ لأنه حينئذ حديث صحيح متصل، وأما على قول من لا يثبت","vol":"3","page":285},{"text":"سماع الحسن عن سمرة فأقل درجاته أنه مرسل صحيح، اعتضد بمرسل صحيح، ومثل هذا يحتج به من يحتج بالمرسل ومن لا يحتج به. وقد قدمنا في \"سورة المائدة\" كلام العلماء في سماع الحسن عن سمرة، وقدمنا في \"سورة الأنعام\" أن مثل هذا المرسل يحتج به بلا خلاف عند الأئمة الأربعة. فظهر بهذه النصوص أن بيع الحيوان باللحم من جنسه لا يجوز خلافًا لأبي حنيفة. وأما إن كان من غير جنسه كبيع شاة بلحم حوت، أو بيع طير بلحم إبل فهو جائز عند مالك؛ لأن المزابنة تنتفي باختلاف الجنس، وحمل معنى الحديث على هذا وإن كان ظاهره العموم. ومذهب الشافعي مع اختلاف الجنس فيه قولان:\nأحدهما: جواز بيع اللحم بالحيوان إذا اختلف جنسهما.\nوالثاني: المنع مطلقًا لعموم الحديث.\nومذهب أحمد في المسألة ذكره ابن قدامة في المغني بقوله: وأما بيع اللحم بحيوان من غير جنسه فظاهر كلام أحمد والخرقي: أنه لا يجوز، فإن أحمد سئل عن بيع الشاة باللحم فقال: لا يصح؛ لأن النبي -  ﷺ  - \"نهى أن يباع حي بميت\" واختار القاضي جوازه، وللشافعي فيه قولان.\nواحتج من منعه بعموم الأخبار، وبأن اللحم كله جنس واحد ومن أجازه قال: مال الربا بيع بغير أصله ولا جنسه، فجاز كما لو باعه بالأثمان. وإن باعه بحيوان غير مأكول اللحم جاز في ظاهر قول أصحابنا، وهو قول عامة الفقهاء -انتهى كلام صاحب المغني.","vol":"3","page":286},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: قد عرفت مما تقدم أن بعض العلماء قال: إن اللحم كله جنس واحد، وبعضهم قال: إن اللحوم أجناس. فعلى أن اللحم جنس واحد فمنع بيع الحيوان باللحم هو الظاهر، وعلى أن اللحوم أجناس مختلفة فبيع اللحم بحيوان من غير جنسه الظاهر فيه الجواز؛ لقوله -  ﷺ  -: \"فإذا اختلفت الأجناس فبيعوا كيف شئتم\" والعلم عند الله تعالى.\n\nتنبيه\nاشترط المالكية في منع بيع الحيوان باللحم من جنسه: ألا يكون اللحم مطبوخًا، فإن كان مطبوخًا جاز عندهم بيعه بالحيوان من جنسه، وهو معنى قول خليل في مختصره: \"وفسد منهى عنه إلا بدليل، كحيوان بلحم جنسه إن لم يطبخ\" واحتجوا لذلك بأن الطبخ ينقل اللحم عن جنسه، فيجوز التفاضل بينه وبين اللحم الذي لم يطبخ، فبيعه بالحيوان من باب أولى -هكذا يقولون، والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة يدل على أنه يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ والمرجان؛ لأن الله جل وعلا قال فيها في معرض الامتنان العام على خلقه عاطفًا على الأكل: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ وهذا الخطاب خطاب الذكور كما هو معروف، ونظير ذلك قوله تعالى في سورة فاطر: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.\nوقال القرطبي في تفسيره: امتن الله سبحانه على الرجال والنساء امتنانًا عامًا بما يخرج من البحر، فلا يحرم عليهم شيء","vol":"3","page":287},{"text":"منه، وإنما حرم تعالى على الرجال الذهب والحرير.\nوقال صاحب الإنصاف: يجوز للرجل والمرأة التحلي بالجوهر ونحوه، وهو الصحيح من المذهب. وذهب بعض أهل العلم إلى أنه لا يجوز للرجل أن يلبس الثوب المكلل باللؤلؤ مثلًا، ولا أعلم للتحريم مستندًا إلا عموم الأحاديث الواردة بالزجر البالغ عن تشبه الرجال بالنساء، كالعكس. قال البخاري في صحيحه: \"باب المتشبهين بالنساء والمتشبهات بالرجال\": حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: \"لعن رسول الله -  ﷺ  - المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال\" فهذا الحديث نص صريح في أن تشبه الرجال بالنساء حرام، لأن النبي -  ﷺ  - لا يلعن أحدًا إلا على ارتكاب حرام شديد الحرمة، ولاشك أن الرجل إذا لبس اللؤلؤ والمرجان فقد تشبه بالنساء.\nفإن قيل: يجب تقديم الآية على هذا الحديث، وما جرى مجراه من الأحاديث من وجهين:\nالأول: أَنَّ الآية نص متواتر، والحديث المذكور خبر آحاد، والمتواتر مقدم على الآحاد.\nالثاني: أن الحديث عام في كل أنواع التشبه بالنساء، والآية خاصة في إباحة الحلية المستخرجة من البحر، والخاص مقدم على العام.\nفالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا، والذي يظهر لنا -والله","vol":"3","page":288},{"text":"تعالى أعلم- أن الآية الكريمة وإن كانت أقوى سندًا وأخص في محل النزاع فإن الحديث أقوى دلالة على محل النزاع منها، وقوة الدلالة في نص صالح للاحتجاج على محل النزاع أرجح من قوة السند؛ لأن قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ يحتمل معناه احتمالًا قويًا: أن وجه الامتنان به أن نساءهم يتجملن لهم به، فيكون تلذذهم وتمتعهم بذلك الجمال والزينة الناشيء عن تلك الحلية من نعم الله عليهم، وإسناد اللباس إليهم لنفعهم به، وتلذذهم بلبس أزواجهم له، بخلاف الحديث فهو نص صريح غير محتمل في لعن من تشبه بالنساء، ولاشك أن المتحلي باللؤلؤ مثلًا متشبه بهن؛ فالحديث يتناوله بلاشك.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: واستدل به على أنه يحرم على الرجل لبس الثوب المكلل باللؤلؤ، وهو واضح، لورود علامات التحريم، وهو لعن من فعل ذلك. وأما قول الشافعي: \"ولا أكره للرجل لبس اللؤلؤ إلا لأنه من زي النساء\" فليس مخالفًا لذلك؛ لأن مراده أنه لم يرد في النهي عنه بخصوصه شيء.\nالمسألة الخامسة: لا يخفى أن الفضة والذهب يمنع الشرب في آنيتهما مطلقًا. ولا يخفى أَيضًا أنه يجوز لبس الذهب والحرير للنساء ويمنع للرجال. وهذا مما لا خلاف فيه، لكثرة النصوص الصحيحة المصرحة به عن النبي -  ﷺ  - وإجماع المسلمين على ذلك، ومن شذ فهو محجوج بالنصوص الصريحة، وإجماع من يعتد به من المسلمين على ذلك. وسنذكر طرفًا قليلًا من","vol":"3","page":289},{"text":"النصوص الكثيرة الواردة في ذلك.\nأما الشرب في آنيتهما: فقد أخرج الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن عن حذيفة ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تأكلوا في صحافها فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" ولفظة \"ولا تأكلوا في صحافها\" في صحيح مسلم.\nوعن أم سلمة ﵂ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"إن الذي يشرب في آنية الفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" متفق عليه. وفي رواية لمسلم: \"إن الذي يأكل أو يشرب في إناء الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" والأحاديث بمثل هذا كثيرة.\nوأما لبس الحرير والديباج الذي هو نوع من الحرير فعن حذيفة ﵁ قال: سمعت رسول الله -  ﷺ  - يقول: \"لا تلبسوا الحرير ولا الديباج، ولا تشربوا في آنية الذهب والفضة فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" أخرجه الشيخان وباقي الجماعة.\nوعن عمر ﵁ سمعت النبي -  ﷺ  - يقول: \"لا تلبسوا الحرير فإن من لبسه في الدنيا لم يلبسه في الآخرة\" متفق عليه.\nوعن أنس ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"من لبس الحرير في الدنيا فلن يلبسه في الآخرة\" متفق عليه أيضًا. والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوأما لبس الذهب: فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من","vol":"3","page":290},{"text":"حديث البراء بن عازب ﵁ أن النبي -  ﷺ  - \"نهاهم عن خاتم الذهب\".\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا أشعث بن سليم قال: سمعت معاوية بن سويد بن مقرن قال: سمعت البراء بن عازب ﵄ يقول: \"نهانا النبي -  ﷺ  - عن سبع: نهى عن خاتم الذهب -أو قال: حلقة الذهب- وعن الحرير، والاستبرق، والديباج، والميثرة الحمراء، والقسي، وآنية الفضة، وأمرنا بسبع بعيادة المريض، واتباع الجنائز، وتشميت العاطس، ورد السلام، وإجابة الداعي، وإبرار المقسم، ونصر المظلوم\" ولفظ مسلم في صحيحه قريب منه، إلا أن مسلمًا قدم السبع المأمور بها على السبع المنهي عنها، وقال في حديثه \"ونهانا عن خواتيم، أو عن تختم بالذهب\" وهذا الحديث المتفق عليه يدل على أن لبس الذهب لا يحل للرجال؛ لأنه إذا منع الخاتم منه فغيره أولى، وهو كالمعلوم من الدين بالضرورة، والأحاديث فيه كثيرة.\nوأما جواز لبس النساء للحرير فله أدلة كثيرة:\nمنها: حديث علي ﵁ أهديت للنبي -  ﷺ  - حلة سيراء، فبعث بها إلى فلبستها، فعرفت الغضب في وجهه، فقال: \"إني لم أبعث بها إليك لتلبسها إنما بعثت بها إليك لتشقها خمرًا بين نسائك\" متفق عليه وعن أنس بن مالك ﵁ أنه رأى على أم كلثوم بنت رسول الله -  ﷺ  - برد حلة سيراء. أخرجه البخاري، والنسائي، وأبو داود، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وإباحة الحرير للنساء كالمعلوم بالضرورة. ومخالفة عبد الله بن الزبير ﵄ في","vol":"3","page":291},{"text":"ذلك لا أثر لها؛ لأنه محجوج بالنصوص الصحيحة، واتفاق عامة علماء المسلمين.\nوأما جواز لبس الذهب للنساء فقد وردت فيه أحاديث كثيرة:\nمنها: ما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، والحاكم وصححاه، والطبراني من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي -  ﷺ  - قال: \"أحل الذهب والحرير للإناث من أمتي، وحرم على ذكورها\" وفي هذا الحديث كلام؛ لأن راويه عن أبي موسى -وهو سعيد بن أبي هند- قال بعض العلماء: لم يسمع من أبي موسى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ولو فرضنا أنه لم يسمع منه فالحديث حجة؛ لأنه مرسل معتضد بأحاديث كثيرة. منها ما هو حسن، ومنها ما إسناده مقارب، كما بينه الحافظ في التلخيص وبإجماع المسلمين.\nوقد قال البيهقي ﵀ في سننه الكبرى \"باب سياق أخبار تدل على تحريم التحلي بالذهب\" وساق أحاديث في ذلك، ثم قال: \"باب سياق أخبار تدل على إباحته للنساء\" ثم ساق في ذلك أحاديث، وذكر منها حديث سعيد بن أبي هند المذكور عن أبي موسى، ثم قال: ورويناه من حديث علي بن أبي طالب، وعقبة ابن عامر، وعبد الله بن عمرو عن النبي -  ﷺ  -، وذكر منها أيضًا حديث عائشة قالت: قدمت على النبي -  ﷺ  - حلية من عند النجاشي أهداها له، فيها خاتم من ذهب، فأخذه رسول الله -  ﷺ  - بعود معرضًا عنه أو ببعض أصابعه؛ ثم دعا أمامة بنت أبي العاصي بنت ابنته زينب","vol":"3","page":292},{"text":"فقال: \"تحلي هذا يا بنية\" وذكر منها أيضًا حديث بنت أسعد بن زرارة ﵁ أنها كانت هي وأختاها في حجر النبي -  ﷺ  -؛ لأن أباهن أوصى إليه بهن، قالت: فكان -  ﷺ  - يحلينا الذهب واللؤلؤ\" وفي رواية \"يحلينا رعاثا من ذهب ولؤلؤ\" وفي رواية \"يحلينا التبر واللؤلؤ\" ثم قال البيهقي: قال أبو عبيد: قال أبو عمرو: وواحد الرعاث رعثة، ورعثة، وهو القرط. ثم قال البيهقي: فهذه الأخبار وما ورد في معناها تدل على إباحة التحلي بالذهب للنساء، واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة.\nوقد قال بعض أهل العلم: إن موافقة الإجماع لخبر الآحاد تصيره قطعيًا لاعتضاده بالقطعي، وهو الإجماع. وقد تقدم ذلك في \"سورة التوبة\" والله أعلم.\nفتحصل أنه لاشك في تحريم لبس الذهب والحرير على الرجال، وإباحته للنساء.\nالمسألة السادسة: أما لبس الرجال خواتم الفضة فهو جائز بلاشك، وأدلته معروفة في السنة، ومن أوضحها خاتم رسول الله -  ﷺ  - من الفضة المنقوش فيه \"محمد رسول الله\" الذي كان يلبسه بعده أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان؛ حتى سقط في بئر أريس كما هو ثابت في الصحيحين.\nأما لبس الرجال لغير الخاتم من الفضة ففيه خلاف بين العلماء، وسنوضح هذه المسألة إن شاء الله.\nاعلم أولًا: أن الرجل إذا لبس من الفضة مثل ما يلبسه النساء","vol":"3","page":293},{"text":"من الحلي كالخلخال والسوار والقرط والقلادة ونحو ذلك، فهذا لا ينبغي أن يختلف في منعه؛ لأنه تشبه بالنساء، ومن تشبه بهن من الرجال فهو ملعون على لسان رسول الله -  ﷺ  - كما مر آنفًا، وكل من كان ملعونًا على لسانه -  ﷺ  - فهو ملعون في كتاب الله، كما قال ابن مسعود ﵁؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وأما غير ذلك كجعل الرجال الفضة في الثوب، واستعمال الرجل شيئًا محلى بأحد النقدين فجماهير العلماء منهم الأئمة الأربعة على أن ذلك ممنوع، مع الإجماع على جواز تختم الرجل بخاتم الفضة. والاختلاف في أشياء كالمنطقة وآلة الحرب ونحوه والمصحف. والاتفاق على جعل الأنف من الذهب، وربط الأسنان بالذهب والفضة. وسنذكر بعض النصوص من فروع المذاهب الأربعة في ذلك.\nقال خليل بن إسحاق المالكي في مختصره الذي قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى ما نصه: \"وحرم استعمال ذكر محلى، ولو منطقة، وآلة حرب؛ إلا السيف والأنف، وربط سن مطلقًا، وخاتم فضة؛ لا ما بعضه ذهب ولو قل، وإناء نقد واقتناؤه وإن لامرأة، وفي المغشى والمموه والمضبب وذي الحلقة وإناء الجوهر قولان. وجاز للمرأة الملبوس مطلقًا ولو نعلًا لا كسرير\". انتهى الغرض من كلام خليل مع اختلاف في بعض المسائل التي ذكرها عند المالكية. وقال صاحب تبيين الحقائق في مذهب الإمام أبي حنيفة ما نصه: \"ولا يتحلى الرجل بالذهب والفضة إلا بالخاتم والمنطقة وحلية السيف من الفضة\" اه.\nوقال النووي في شرح المهذب في مذهب الشافعي: \"فصل","vol":"3","page":294},{"text":"فيما يحل ويحرم من الحلي\" فالذهبُ أَصله على التحريم في حق الرجال، وعلى الإباحة للنساء ... إلى أن قال: وأما الفضة فيجوز للرجل التختم بها، وهل له ما سوى الخاتم من حلي الفضة كالدملج والسوار والطوق والتاج؛ فيه وجهان. قطع الجمهور بالتحريم. انتهى محل الغرض من كلام النووي.\nوقال ابن قدامة في المقنع في مذهب الإمام أحمد: ويباح للرجال من الفضة الخاتم، وفي حلية المنطقة روايتان، وعلى قياسها الجوشن والخوذة والخف والران والحمائل؛ ومن الذهب قبيعة السيف. ويباح للنساء من الذهب والفضة كل ما جرت عادتهن بلبسه قل أو كثر. انتهى محل الغرض من المقنع.\nفقد ظهر من هذه النقول: أن الأئمة الأربعة في الجملة متفقون على منع استعمال المحلى بالذهب أو الفضة من ثوب أو آلة أو غير ذلك، إلا في أشياء استثنوها على اختلاف بينهم في بعضها.\nوقال بعض العلماء: لا يمنع لبس شيء من الفضة. واستدل من قال بهذا بأمرين:\nأحدهما: أنها لم يثبت فيها تحريم. قال صاحب الإنصاف في شرح قول صاحب المقنع. وعلى قياسها الجوشن والخوذة إلخ ما نصه: وقال صاحب الفروع فيه: ولا أعرف على تحريم الفضة نصًا عن أحمد. وكلام شيخنا يدل على إباحة لبسها للرجال إلا ما دل الشرع على تحريمه. انتهى.\nوقال الشيخ تقي الدين أيضًا: لبس الفضة إذا لم يكن فيه لفظ عام لم يكن لأحد أن يحرم منه إلا ما قام الدليل الشرعي على","vol":"3","page":295},{"text":"تحريمه، فإذا أباحت السنة خاتم الفضة دل على إباحة ما في معناه، وما هو أولى منه بالإباحة، وما لم يكن كذلك فيحتاج إلى نظر في تحليله وتحريمه، والتحريم يفتقر إلى دليل، والأصل عدمه. ونصره صاحب الفروع ورد جميع ما استدل به الأصحاب. انتهى كلام صاحب الانصاف.\nالأمر الثاني: حديث عن النبي -  ﷺ  - يدل على ذلك.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا عبد العزيز يعني ابن محمد، عن أسيد بن أبي أسيد البراد، عن نافع ابن عياش، عن أبي هريرة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"من أحب أن يحلق حبيبه حلقة من نار فليحلقه حلقة من ذهب، ومن أحب أن يطوق حبيبه طوقًا من نار فليطوقه طوقًا من ذهب، ومن أحب أن يسور حبيبه سوارًا من نار فليسوره سوارا من ذهب، ولكن عليكم بالفضة فالعبوا بها\" هذا لفظ أبي داود.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله أعلم- أن هذا الحديث لا دليل فيه على إباحة لبس الفضة للرجال، ومن استدل بهذا الحديث على جواز لبس الرجال للفضة فقد غلط، بل معنى الحديث: أن الذهب كان حرامًا على النساء، وأن النبي -  ﷺ  - نهى الرجال عن تحلية نسائهم بالذهب، وقال لهم: \"العبوا بالفضة\" أي: حلوا نساءكم منها بما شئتم، ثم بعد ذلك نسخ تحريم الذهب على النساء.\nوالدليل على هذا الذي ذكرنا أمور:","vol":"3","page":296},{"text":"الأول: أن الحديث ليس في خطاب الرجال بما يلبسونه بأنفسهم، بل بما يحلون به أحبابهم، والمراد نساؤهم؛ لأن النّبي -  ﷺ  - قال فيه: \"من أحب أن يحلق حبيبه\" \"أن يطوق حبيبه\" \"أن يسور حبيبه\" ولم يقل: من أحب أن يحلق نفسه، ولا أن يطوق نفسه، ولا أن يسور نفسه، فدل ذلك دلالة واضحة لا لبس فيها على أن المراد بقوله: \"فالعبوا بها\" أي: حلوا بها أحبابكم كيف شئتم؛ لارتباط آخر الكلام بأوله.\nالأمر الثاني: أنه ليس من عادة الرجال أن يلبسوا حلق الذهب؛ ولا أن يطوقوا بالذهب، ولا يتسوروا به في الغالب، فدل ذلك على أن المراد بذلك من شأنه لبس الحلقة والطوق والسوار من الذهب، وهن النساء بلاشك.\nالأمر الثالث: أن أبا داود ﵀ قال بعد الحديث المذكور متصلًا به: حدثنا مسدد، ثنا أبو عوانة، عن منصور، عن ربعي بن خراش، عن امرأته، عن أخت لحذيفة أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"يا معشر النساء، أما لكن في الفضة ما تحلين به، أما إنه ليس منكن امرأة تحلى ذهبًا تظهره إلا عذبت به\".\nحدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا أبان بن يزيد العطار، ثنا يحيى أن محمد بن عمرو الأنصاري حدثه أن أسماء بنت يزيد حدثته أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"أيما امرأة تقلدت قلادة من ذهب قلدت في عنقها مثله من النار يوم القيامة، وأيما امرأة جعلت في أذنها خرصًا من ذهب جعل في أذنها مثله من النار يوم القيامة\".\nفهذان الحديثان يدلان على المراد بالحديث الأول منع","vol":"3","page":297},{"text":"الذهب للنساء، وأن قوله: \"فالعبوا بها\" معناه: فحلوا نساءكم من الفضة بما شئتم كما هو صريح في الحديثين الأخيرين، وهذا واضح جدًا كما ترى.\nويدل له أَن الحافظ البيهقي ﵀ ذكر الأحاديث الثلاثة المذكورة التي من جملتها \"وعليكم بالفضة فالعبوا بها\" في سياق الأحاديث الدالة على تحريم الذهب على النساء أولًا دون الفضة. ثم بعد ذلك ذكر الأحاديث الدالة على النسخ، ثم قال: واستدللنا بحصول الإجماع على إباحته لهن على نسخ الأخبار الدالة على تحريمه فيهن خاصة. والله أعلم انتهى.\nومن جملة تلك الأحاديث المذكورة حديث: \"فالعبوا بها\" وهو واضح جدًا فيما ذكرنا.\nفإن قيل: قوله -  ﷺ  - في الحديث المذكور \"يحلق حبيبه\" \"أن يطوق حبيبه\" \"أن يسور حبيبه\" يدل على أن المراد ذكر؛ لأنّه لو أراد الأنثى لقال: حبيبته بتاء الفرق بين الذكر والأنثى.\nفالجواب: أن إطلاق الحبيب على الأنثى باعتبار إرادة الشخص الحبيب مستفيض في كلام العرب لا إشكال فيه، ومنه قول حسان بن ثابت ﵁:\nمنع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغار النجوم\nمن حبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم\nومراده بالحبيب أنثى، بدليل قوله بعده:\nلم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم","vol":"3","page":298},{"text":"وقوله كثير عزة:\nلئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب\nومثل هذا كثير في كلام العرب فلا نطيل به الكلام.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي من كتاب الله جل وعلا وسنة نبيه -  ﷺ  -: أن لبس الفضة حرام على الرجال، وأن من لبسها منهم في الدنيا لم يلبسها في الآخرة.\nوإيضاح ذلك أن البخاري قال في صحيحه في باب: \"لبس الحرير للرجال وقدر ما يجوز منه\": حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بماء في إناء من فضة؛ فرماه به وقال: إني لم أرمه إلا أني نهيته فلم ينته! قال رسول الله -  ﷺ  -: \"الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\".\nفقول النبي -  ﷺ  - في هذا الحديث الصحيح: \"الذهب والفضة والحرير والديباج هي لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" يدخل في عمومه تحريم لبس الفضة؛ لأن الثلاث المذكورات معها يحرم لبسها بلا خلاف، وما شمله عموم نص ظاهر من الكتاب والسنة لا يجوز تخصيصه إلا بنص صالح للتخصيص؛ كما تقرر في علم الأصول.\nفإن قيل: الحديث وارد في الشرب في إناء الفضة لا في لبس الفضة؟","vol":"3","page":299},{"text":"فالجواب: أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، لاسيما أن النبي -  ﷺ  - ذكر في الحديث مالا يحتمل غير اللبس كالحرير والديباج.\nفإن قيل: جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يفسر هذا، ويبين أن المراد بالفضة الشراب في آنيتها لا لبسها؛ قال البخاري في صحيحه \"باب الشرب فى آنية الذهب\" حدثنا حفص بن عمر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى قال: كان حذيفة بالمدائن فاستسقى فأتاه دهقان بقدح فضة فرماه به فقال: إني لم أرمه إلا أَنّي نهيته فلم ينته، وأن النبي -  ﷺ  - نهانا عن الحرير والديباج، والشرب في آنية الذهب والفضة وقال: \"هن لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" \"باب آنية الفضة\" حدثنا محمد بن المثنى حدثنا ابن أبي عدي، عن ابن عون، عن مجاهد، عن ابن أبي ليلى قال: خرجنا مع حذيفة، وذكر النبي -  ﷺ  - قال: \"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة، ولا تلبسوا الحرير والديباج، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" انتهى.\nفدل هذا التفصيل -الذي هو النهي عن الشرب في آنية الذهب والفضة، والنهي عن لبس الحرير والديباج- على أن ذلك هو المراد بما في الرواية الأولى، وإذن فلا حجة في الحديث على منع لبس الفضة؛ لأنه تعين بهاتين الروايتين أن المراد الشرب في آنيتها، لا لبسها؛ لأن الحديث حديث واحد.\nفالجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الرواية المتقدمة عامة بظاهرها في الشرب واللبس","vol":"3","page":300},{"text":"معًا، والروايات المقتصرة على الشرب في آنيتها دون اللبس ذاكرة بعض أفراد العام ساكتة عن بعضها. وقد تقرر في الأصول: \"أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه\" وهو الحق كما بيناه في غير هذا الموضع. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما لا يخصص به العموم على الصحيح:\nوذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد\nالوجه الثاني: أن التفصيل المذكور لو كان هو مراد النبي -  ﷺ  - لكان الذهب لا يحرم لبسه، وإنما يحرم الشرب في آنيته فقط، كما زعم مدعي ذلك التفصيل في الفضة؛ لأن الروايات التي فيها التفصيل المذكور \"لا تشربوا في آنية الذهب والفضة\" فظاهرها عدم الفرق بين الذهب والفضة، ولبس الذهب حرام إجماعًا على الرجال.\nالوجه الثالث: وهو أقواها، ولا ينبغي لمن فهمه حق الفهم أن يعدل عنه لظهور وجهه، وهو: أن هذه الأربعة المذكورة في هذا الحديث -التي هي: الذهب، والفضة، والحرير، والديباج- صرح النبي -  ﷺ  - أنها للكفار في الدنيا، وللمسلمين في الآخرة، فدل ذلك على أن من استمتع بها في الدنيا لم يستمتع بها في الآخرة، وقد صرح جل وعلا في كتابه العزيز بأن أهل الجنة يتمتعون بالذهب والفضة من جهتين:\nإحداهما: الشرب في آنيتهما.\nوالثانية: التحلي بهما. وبين أن أهل الجنة يتنعمون بالحرير","vol":"3","page":301},{"text":"والديباج من جهة واحدة وهي لبسها، وحكم الاتكاء عليهما داخل في حكم لبسهما، فتعين تحريم الذهب والفضة من الجهتين المذكورتين تحريم الحرير والديباج من الجهة الواحدة، لقوله -  ﷺ  - الثابت في الروايات الصحيحة في الأربعة المذكورة: \"هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" لأنه لو أبيح التمتع بالفضة في الدنيا والآخرة لكان ذلك معارضًا لقوله -  ﷺ  -: \"هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" وسنوضح ذلك إن شاء الله تعالى من كتاب الله جل وعلا.\nاعلم أولًا: أن الديباج هو المعبر عنه في كتاب الله بالسندس والإستبرق، فالسندس: رقيق الديباج، والإستبرق غليظه.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أَنّ الله جل وعلا بين تنعم أهل الجنة بلبس الذهب والديباج الذي هو السندس والإستبرق في \"سورة الكهف\" في قوله: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن لبس الذهب والديباج في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في \"الكهف\".\nوذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الحرير والذهب في \"سورة الحج\" في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣) وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ (٢٤)﴾.\nوبين أيضًا تنعمهم بلبس الذهب والحرير في \"سورة فاطر\" في","vol":"3","page":302},{"text":"قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ﴾ الآية. فمن لبس الَذهبَ والحرير في الدنيا منع من هذا التنعم بهما المذكور في \"سورة الحج وفاطر\".\nوذكر جل وعلا تنعمهم بلبس الحرير في \"سورة الإنسان\" في قوله: ﴿وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا (١٢)﴾ وفي \"الدخان\" بقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١) فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٢) يَلْبَسُونَ مِنْ سُنْدُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن لبس الحرير في الدنيا منع من هذا التنعم به المذكور في \"سورة الإنسان والدخان\".\nوذكر جل وعلا تنعمهم بالاتكاء على الفرش التي بطائنها من إستبرق في \"سورة الرحمن\" بقوله: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾ الآية. فمن اتكأ على الديباج في الدنيا منع هذا التنعم المذكور في \"سورة الرحمن\".\nوذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بلبس الديباج الذي هو السندس والإستبرق ولبس الفضة في \"سورة الإنسان\" أيضًا في قوله: ﴿عَالِيَهُمْ ثِيَابُ سُنْدُسٍ خُضْرٌ وَإِسْتَبْرَقٌ وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.\nفمن لبس الديباج أو الفضة في الدنيا منع من التنعم بلبسهما المذكور في \"سورة الإنسان\" لقوله -  ﷺ  -: \"هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\" فلو أبيح لبس الفضة في الدنيا مع قوله في نعيم أهل الجنة: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ﴾ لكان ذلك مناقضا لقوله -  ﷺ  -: \"هي لهم في الدنيا، ولكم في الآخرة\".","vol":"3","page":303},{"text":"وذكر تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الذهب في \"سورة الزخرف\" في قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾ الآية. فمن شرب في الدنيا في أواني الذهب منع من هذا التنعمُ بها المذكور في \"الزخرف\".\nوذكر جل وعلا تنعم أهل الجنة بالشرب في آنية الفضة في \"سورة الإنسان\" في قوله: ﴿وَيُطَافُ عَلَيْهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦) وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَيْنًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾ فمن شرب في آنية الفضة في الدنيا منع هذا التنعم بها المذكور في \"سورة الإنسان\"، فقد ظهر بهذا للمنصف دلالة القرآن والسنة الصحيحة على منع لبس الفضة؛ والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nفإن قيل: عموم حديث حذيفة المذكور الذي استدللتم به، وبيان القرآن أنه شامل للبس الفضة والشرب فيها، وقلتم: إن كونه واردًا في الشرب في آنية الفضة لا يجعله خاصًا بذلك. فما الدليل في ذلك على أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب؟ .\nفالجواب: أن النبي -  ﷺ  - سئل عما معناه: هل العبرة بعموم اللفظ أو بخصوص السبب؟ فأجاب بما معناه: أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن ابن مسعود","vol":"3","page":304},{"text":"رضي الله تعالى عنه أن رجلًا أصاب من امرأة قبلة؛ فأتى رسول الله -  ﷺ  - فذكر ذلك له؛ فأنزلت عليه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ (١١٤)﴾ قال الرجل: ألي هذه؟ قال: \"لمن عمل بها من أمتي\" اه لفظ البخاري في التفسير في \"سورة هود\" وفي رواية في الصحيح قال: \"لجميع أمتي كلهم\" اه.\nفهذا الذي أصاب القبلة من المرأة نزلت في خصوصه آية عامة اللفظ، فقال للنبي -  ﷺ  -: ألي هذه؟ ومعنى ذلك: هل النص خاص بي لأني سبب وروده؟ أو هو على عموم لفظه؟ وقول النبي -  ﷺ  - له: \"لجميع أمتي\" معناه أن العبرة بعموم لفظ: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ لا بخصوص السبب. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ﴾ أي: السفن. وقد دل القرآن على أن ﴿الْفُلْكَ﴾ يطلق على الواحد وعلى الجمع، وأنه إن أطلق على الواحد ذكر، وإن أطلق على الجمع أنث، فأطلقه على المفرد مذكرًا في قوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾. وأطلقه على الجمع مؤنثًا في قوله: ﴿وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ وقوله: ﴿مَوَاخِرَ﴾ جمع ماخرة، وهو اسم فاعل، مخرت السفينة تمخر -بالفتح- وتمخر -بالضم- مخرًا ومخورًا: جرت في البحر تشق الماء مع صوت. وقيل: استقبلت الريح في جريتها. والأظهر في قوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أنه معطوف على قوله: ﴿لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ ولعل هنا التعليل كما تقدم.","vol":"3","page":305},{"text":"والشكر فى الشرع: يطلق من العبد لربه؛ كقوله هنا: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٤)﴾ وشكر العبد لربه: هو استعماله نعمه التي أنعم عليه بها في طاعته. وأما من يستعين بنعم الله على معصيته فليس من الشاكرين؛ وإنما هو كنود كفور.\nوشكر الرب لعبده المذكور في القرآن، كقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾ هو أن يثيب عبده الثواب الجزيل من العمل القليل. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-658> قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥) وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾</span> ذكر جل وعلا في هاتين الآيتين أربع نعم من نعمه على خلقه، مبينًا لهم عظيم منته عليهم بها:\nالأولى: إلقاؤه الجبال في الأرض لتثبت ولا تتحرك، وكرر الامتنان بهذه النعمة في القرآن، كقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا (٧)﴾ وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ شَامِخَاتٍ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nومعنى تميد: تميل وتضطرب.\nوفي معنى قوله: ﴿أَنْ﴾ وجهان معروفان للعلماء:\nأحدهما: كراهة أن تميد بكم.\nوالثاني: أن المعنى: لئلا تميد بكم، وهما متقاربان.","vol":"3","page":306},{"text":"الثانية: إجراؤه الأنهار في الأرض المذكور هنا في قوله: ﴿وَأَنْهَارًا﴾ وكرر تعالى في القرآن الامتنان بتفجيره الماء في الأرض لخلقه، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢) وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ (٣٤) لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nالثالثة: جعله في الأرض سبلًا يسلكها الناس، ويسيرون فيها من قطر إلى قطر في طلب حاجاتهم المذكور هنا في قوله: ﴿وَسُبُلًا﴾ وهو جمع سبيل بمعنى الطريق، وكرر الامتنان بذلك في القرآن؛ كقوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾ وقوله: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nالرابعة: جعله العلامات لبني آدم، ليهتدوا بها في ظلمات البر والبحر المذكور هنا في قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقد ذكر الامتنان بنحو ذلك في القرآن في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-659> قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾</span> الآية. تقدم بيان مثل هذه الآية في موضعين.","vol":"3","page":307},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-660> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن بني آدم لا يقدرون على إحصاء نعم الله؛ لكثرتها عليهم، وأتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ فدل ذلك على تقصير بني آدم في شكر تلك النعم، وأن الله يغفر لمن تاب منهم، ويغفر لمن شاء أن يغفر له ذلك التقصير في شكر النعم، وبين هذا المفهوم المشار إليه هنا بقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن كل النعم علي بني آدم منه جل وعلا، وذلك في قوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ الآية.\nوفي هذه الآية الكريمة دليل على أن المفرد إذا كان اسم جنس وأضيف إلى معرفة أنه يعم كما تقرر في الأصول؛ لأن ﴿نِعْمَةَ اللَّهِ﴾ مفرد أضيف إلى معرفة فعم النعم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود عاطفًا على صيغ العموم:\nأو بإضافة إلى معرف ... إذا تحقق الخصوص قد نفى\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-661> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا سئلوا عما أنزل الله على نبيه محمد - ﷺ - قالوا: لم ينزل عليه شيء، وإنما هذا الذي يتكلم به من أساطير الأولين، نقله من كتبهم. والأساطير: جمع أسطورة أو إسطارة، وهي الشيء المسطور في كتب الأقدمين من الأكاذيب والأباطيل. أصلهما من سطر، إذا كتب. ومنه قوله تعالى: ﴿وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢)﴾","vol":"3","page":308},{"text":"وقال بعض العلماء الأساطير: الترهات والأباطيل. وأوضح هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿مَاذَا﴾ يحتمل أن تكون \"ذا\" موصولة و\"ما\" مبتدأ، وجملة ﴿أَنْزَلَ﴾ صلة الموصول، والموصول وصلته خبر المبتدأ، ويحتمل أن يكِون مجموعهما اسمًا واحدًا في محل نصب، على أنه مفعول ﴿أَنْزَلَ﴾ كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nومثل ماذا بعد ما استفهام ... أو من إذا لم تلغ في الكلام\nوبين جل وعلا كذب الكفار في دعواهم أن القرآن أساطير الأولين بقوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ الآية، وبقوله هنا: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-662> قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أولئك الكفار الذين يصرفون الناس عن القرآن بدعواهم أنه أساطير الأولين، تحملوا أوزارهم -أي: ذنوبهم- كاملة، وبعض أوزار أتباعهم الذين اتبعوهم في الضلال، كما يدل عليه حرف التبعيض الذي هو \"من\" في قوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ﴾ الآية.\nوقال القرطبي: \"من \" لبيان الجنس، فهم يحملون مثل أوزار","vol":"3","page":309},{"text":"من أضلوهم كاملة.\nوأوضح تعالى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾ واللام في قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا﴾ تتعلق بمحذوف دل المقام عليه، أي: قدرنا عليهم أن يقولوا في القرآن: أساطير الأولين، ليحملوا أوزارهم.\n\nتنبيه\nفإن قيل: ما وجه تحملهم بعض أوزار غيرهم المنصوص عليه بقوله: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ مع أن الله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ويقول جل وعلا: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾ ويقول: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nفالجواب -والله تعالى أعلم-: أن رؤساء الضلال وقادته تحملوا وزرين:\nأحدهما: وزر ضلالهم في أنفسهم.\nوالثاني: وزر إضلالهم غيرهم؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص من ذلك من أوزارهم شيئًا، وإنما أخذ بعمل غيره؛ لأنه هو الذي سنه وتسبب فيه، فعوقب عليه من هذه الجهة؛ لأنه من فعله، فصار غير مناف لقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ ...﴾ الآية.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني زهير","vol":"3","page":310},{"text":"ابن حرب، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن الأعمش، عن موسى ابن عبد الله بن يزيد، وأبي الضحى، عن عبد الرحمن بن هلال العبسي عن جرير بن عبد الله قال: جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله -  ﷺ  - عليهم الصوف؛ فرأى سوء حالهم، قد أصابتهم حاجة، فحث الناس على الصدقة، فأبطئوا عنه حتى رؤي ذلك في وجهه، قال: ثم إن رجلًا من الأنصار جاء بصرة من ورق، ثم جاء آخر، ثم تتابعوا حتى عرف السرور في وجهه؛ فقال رسول الله -  ﷺ  -: \"من سن في الإسلام سنة فعمل بها بعده كتب له مثل أجر من عمل بها ولا ينقص من أجورهم شيء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة فعمل بها بعده كتب عليه مثل وزر من عمل بها ولا ينقص من أوزارهم شيء\" اه.\nأخرج مسلم في صحيحه هذا الحديث عن جرير بن عبد الله من طرق متعددة، وأخرجه نحوه أيضًا من حديث أبي هريرة بلفظ: أن رسول الله -  ﷺ  - قال: \"من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه لا ينقص ذلك من أجورهم شيئًا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من تبعه لا ينقص ذلك من آثامهم شيئًا\" اه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذه النصوص الصحيحة تدل على رفع الإشكال بين الآيات، كما تدل على أن جميع حسنات هذه الأمة في صحيفة النبي -  ﷺ  -، فله مثل أجور جميعهم؛ لأنه صلوات الله وسلامه هو الذي سن لهم السنن الحسنة جميعها في الإسلام، نرجو الله له الوسيلة والدرجة الرفيعة، وأن يصلي ويسلم عليه أتم","vol":"3","page":311},{"text":"صلاة وأزكى سلام.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ يدل على أن الكافر غير معذور بعد إبلاغ الرسل المؤيد بالمعجزات، الذي لا لبس معه في الحق، ولو كان يظن أن كفره هدى؛ لأنه ما منعه من معرفة الحق مع ظهوره إلا شدة التعصب للكفر، كما قدمنا الآيات الدالة على ذلك في الأعراف؛ كقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ (٤٧)﴾ وحملهم أوزارهم هو اكتسابهم الإثم الذي هو سبب ترديهم في النار -أعاذنا الله والمسلمين منها؟ .\nوقال بعض العلماء: معنى حملهم أوزارهم: أن الواحد منهم عند خروجه من قبره يوم القيامة يستقبله شيء كأقبح صورة وأنتنها ريحًا؛ فيقول: من أنت؟ فيقول: أو ما تعرفني! فيقول: لا والله، إلا أن الله قبح وجهك! وأنتن ريحك! فيقول: أنا عملك الخبيث، كنت في الدنيا خبيث العمل منتنه فطالما ركبتني في الدنيا! هلم أركبك اليوم؛ فيركب على ظهره. اه.\nوقوله: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ﴿سَاءَ﴾: فعل جامد؛ لإنشاء الذم بمعنى بئس و﴿مَا﴾: فيها الوجهان المشار إليهما بقوله في الخلاصة:\nوما مميز وقيل: فاعل ... في نحو نعم ما يقول الفاضل","vol":"3","page":312},{"text":"وقوله: ﴿يَزِرُونَ﴾: أي: يحملون. وقال قتادة: يعملون. اه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-663> قوله تعالى: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين كانوا قبل كفار مكة قد مكروا، وبين ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلِلَّهِ الْمَكْرُ جَمِيعًا﴾ وقوله: ﴿وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ (٤٦)﴾.\nوبين بعض مكر كفار مكة بقوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.\nوذكر بعض مكر اليهود بقوله: ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)﴾.\nوبين بعض مكر قوم صالح بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنَا مَكْرًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٠) فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.\nوذكر بعض مكر قوم نوح بقوله: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ﴾ الآية.\nوبين مكر رؤساء الكفار في قوله: ﴿بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ﴾ الآية. والمكر: إظهار الطيب وإبطان الخبيث، وهو الخديعة. وقد بين جل وعلا أن المكر السيء لا يرجع ضرره إلا على فاعله، وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-664> قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾</span> أي: اجتثه","vol":"3","page":313},{"text":"من أصله واقتلعه من أساسه، فأبطل عملهم وأسقط بنيانهم. وهذا الذي فعل بهؤلاء الكفار الذين هم نمروذ وقومه -كما قدمنا في \"سورة الحجر\"- فعل مثله أيضًا بغيرهم من الكفار، فأبطل ما كانوا يفعلون ويدبرون؛ كقوله: ﴿وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (١٣٧)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-665> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُخْزِيهِمْ﴾</span> أي: يفضحهم على رءوس الأشهاد ويهينهم بإظهار فضائحهم، وما كانت تجنه ضمائرهم، فيجعله علانية.\nوبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾ أي: أظهر علانية ما كانت تكنه الصدور، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾.\nوقد بين جل وعلا في موضع آخر: أن من أدخل النار فقد ناله هذا الخزي المذكور، وذلك في قوله: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيْتَهُ﴾ وقد قدمنا في سورة \"هود\" إيضاح معنى الخزي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-666> قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فِيهِمْ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يسأل المشركين يوم القيامة سؤال توبيخ، فيقول لهم: أين المعبودات التي كنتم تخاصمون رسلي وأتباعهم بسببها، قائلين: إنكم لابد لكم أن تشركوها معي في عبادتي!.","vol":"3","page":314},{"text":"وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢)﴾ وقوله: ﴿وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٩٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ (٩٣)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ قِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٧٣) مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا﴾ الآية.\nإلى غير ذلك من الآيات.\nوقرأ عامة القراء ﴿شُرَكَاءِيَ﴾ بالهمزة وياء المتكلم، ويروى عن ابن كثير من رواية البزي أنه قرأ \"شركاي\" بياء المتكلم دون همز، ولم تثبت هذه القراءة.\nوقرأ الجمهور ﴿تُشَاقُّونَ﴾ بنون الرفع مفتوحة مع حذف المفعول.\nوقرأ نافع ﴿تُشَاقُّونِ﴾ بكسر النون الخفيفة التي هي نون الوقاية، والمفعول به ياء المتكلم المدلول عليها بالكسرة مع حذف نون الرفع، لجواز حذفها من غير ناصب ولا جازم إذا اجتمعت مع نون الوقاية، كما تقدم تحريره في \"سورة الحجر\" في الكلام على قوله: ﴿فَبِمَ تُبَشِّرُونَ (٥٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-667> قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾</span> أي الاستسلام والخضوع. والمعنى: أظهروا كمال الطاعة والانقياد، وتركوا ما كانوا عليه من الشقاق، وذلك عندما يعاينون الموت، أو يوم القيامة. يعني أنهم في الدنيا يشاقون الرسل، أي: يخالفونهم ويعادونهم، فإذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم، أي: خضعوا واستسلموا وانقادوا حيث لا ينفعهم ذلك.","vol":"3","page":315},{"text":"ومما يدل من القرآن على أن المراد بإلقاء السلم: الخضوع والاستسلام قوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ على قراءة نافع وابن عامر وحمزة بلا ألف بعد اللام، بمعنى الانقياد والإذعان، وقوله: ﴿فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ وقوله: ﴿فِيهَا فَإِنْ لَمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُوا إِلَيْكُمُ﴾ الآية.\nوالقول بأن السلم في الآيتين الأخيرتين: الصلح والمهادنة لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن المصالح منقاد مذعن لما وافق من ترك السوء. وقوله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾ فكله بمعنى الاستسلام والخضوع والانقياد. والانقياد عند معاينة الموت لا ينفع، كما قدمنا، وكما دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-668> وقوله تعالى: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾</span> يعني أن الذين تتوفاهم الملائكة في حال كونهم ظالمي أنفسهم إذا عاينوا الحقيقة ألقوا السلم، وقالوا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ معمول قول محذوف بلا خلاف.\nوالمعنى: أنهم ينكرون ما كانوا يعملون من السوء، وهو الكفر وتكذيب الرسل والمعاصي. وقد بين الله كذبهم بقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾.","vol":"3","page":316},{"text":"وبين في مواضع أخر: أنهم ينكرون ما كانوا عليه من الكفرِ والمعاصي كما ذكر هنا، وبين كذبهم في ذلك أيضًا، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣) انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وقوله: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أي: حرامًا محرمًا أن تمسونا بسوء؛ لأنا لم نفعل ما نستحق به ذلك، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله هنا: ﴿بَلَى﴾ تكذيب لهم في قولهم: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.\n\nتنبيه\nلفظة \"بلى\" لا تأتي في اللغة العربية إلا لأحد معنيين لا ثالث لهما:\nالأول: أن تأتي لإبطال نفي سابق في الكلام، فهي نقيضة \"لا\"؛ لأن \"لا\" لنفي الإثبات، و\"بلى\" لنفي النفي؛ كقوله هنا: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ فهذا النفي نفته لفظة \"بلى\" أي: كنتم تعملون السوء من الكفر والمعاصي؛ وكقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وكقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى﴾ فإنه نفى هذا النفي بقوله جل وعلا: ﴿بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآية، ومثل هذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.","vol":"3","page":317},{"text":"الثاني: أن تكون جوابًا لاستفهام مقترن بنفي خاصة؛ كقوله: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا﴾ وهذا أيضًا كثير في القرآن وفي كلام العرب. أما إذا كان الاستفهام غير مقترن بنفي فجوابه بـ \"نعم\" لا بـ \"بلى\" وجواب الاستفهام المقترن بنفي بـ \"نعم\" مسموع غير قياسي، كقوله:\nأليس الليل يجمع أم عمرو ... وإيانا فذاك لنا تداني\nنعم، وترى الهلال كما أراه ... ويعلوها النهار كما علاني\nفالمحل لـ \"بلى\" لا لـ \"نعم\" في هذا البيت.\nفإن قيل: هذه الآيات تدل على أن الكفار يكتمون يوم القيامة ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي، كقوله عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾\nوقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ ونحو ذلك، مع أن الله صرح بأنهم لا يكتمون حديثه في قوله: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.\nفالجواب: هو ما قدمنا من أنهم يقولون بألسنتهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ فيختم الله على أفواههم وتتكلم أيديهم وأرجلهم لما كانوا يكسبون، فالكتم باعتبار النطق بالجحود وبالألسنة، وعدم الكتم باعتبار شهادة أعضائهم عليهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-669> قوله تعالى: ﴿فَادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ﴾</span> الآية. لم يبين هنا عدد أبوابها، ولكنه بين ذلك في \"سورة الحجر\" في قوله جل وعلا:","vol":"3","page":318},{"text":"﴿لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾ أرجو الله أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها ومن جميع أبوابها! إنه رحيم كريم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-670> قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا خَيْرًا﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين إذا سئلوا عما أنزل الله على رسوله - صلي الله عليه وسلم - قالوا: أنزل عليه خيرًا، أي: رحمة وهدي وبركة لمن اتبعه وآمن به. ويفهم من صفة أهل هذا الجواب بكونهم متقين -أن غير المتقين يجيبون جوابًا غير هذا. وقد صرح تعالي بهذا المفهوم في قوله عن غير المتقين وهم الكفار: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ مَاذَا أَنْزَلَ رَبُّكُمْ قَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ [النحل: ٢٤] كما تقدم.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-671> قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن عمله في هذه الدار التي هي الدنيا كان له عند الله الجزاء الحسن في الآخرة. وأوضح هذا المعني في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَي وَزِيَادَةٌ وَلَا يَرْهَقُ وُجُوهَهُمْ قَتَرٌ وَلَا ذِلَّةٌ﴾ الآية. والحسني: الجنة. والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم. وقوله: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ وقوله في هذه الآية: ﴿حَسَنَةٌ﴾ أي: مجازاة حسنة بالجنة ونعيمها. والآيات في مثل ذلك كثيرة.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-672> قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن دار الآخرة خير من دار الدنيا. وكرر هذا المعني في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ لِلْأَبْرَارِ﴾ وقوله: ﴿بَلْ","vol":"3","page":319},{"text":"تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤)﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿خَيْرٌ﴾: صيغة تفضيل، حذفت همزتها لكثرة الاستعمال تخفيفًا، وإليه أشار ابن مالك في الكافية بقوله:\nوغالبًا أغناهم خير شر ... عن قولهم: أخير منه وأشر\nوإنما قيل لتلك الدار: الدار الآخرة؛ لأنها هي آخر المنازل، فلا انتقال عنها ألبتة إلى دار أخرى.\nوالإنسان قبل الوصول إليها ينتقل من محل إلى محل، فأول ابتدائه من التراب، ثم انتقل من أصل التراب إلى أصل النطفة، ثم إلى العلقة، ثم إلى المضغة، ثم إلى العظام، ثم كسا الله العظام لحمًا، وأنشأها خلقًا آخر، وأخرجه للعالم في هذه الدار، ثم ينتقل إلى القبر، ثم إلى المحشر، ثم يتفرقون: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا﴾ فسالك ذات اليمين إلى الجنة، وسالك ذات الشمال إلى النار: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ فإذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار: فعند ذلك","vol":"3","page":320},{"text":"تلقي عصا التسيار، ويذبح الموت، ويقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت! ويا أهل النار خلود فلا موت! ويبقي ذلك دائمًا لا انقطاع له ولا تحول عنه إلى محل آخر.\nفهذا معني وصفها بالآخرة؛ كما أوضحه جل وعلا بقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾.\n\nتنبيه\nأضاف جل وعلا في هذه الآية الكريمة الدار إلى الآخرة، مع أن الدار هي الآخرة بدليل قوله: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ الآية، بتعريف الدار ونعتها بالآخرة في غير هذا الموضع. وعلي مقتضي قول ابن مالك في الخلاصة:\nولا يضاف اسم لما به اتحد ... معني وأول موهمًا إذا ورد\nفإن لفظ: ﴿الدَّارُ﴾ بمسمي الآخرة. وقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في \"سورة فاطر\" في الكلام على قوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ أن الذي يظهر لنا أن إضافة الشيء إلى نفسه بلفظين مختلفين -أسلوب من أساليب اللغة العربية، لتنزيل التغاير في اللفظ منزلة التغاير في المعني. وبينا كثرته في القرآن، وفي كلام العرب. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-673> قوله تعالى: ﴿وَلَنِعْمَ دَارُ الْمُتَّقِينَ﴾</span> مدح الله جل وعلا","vol":"3","page":321},{"text":"دار المتقين التي هي الجنة في هذه الآية الكريمة؛ لأن \"نعم\" فعل جامد لإنشاء المدح. وكرر الثناء عليها في آيات كثيرة؛ لأن فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر علي قلب بشر، كما قال تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ ثَمَّ رَأَيْتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-674> قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين يدخلون يوم القيامة جنات عدن. والعدن في لغة العرب: الإقامة، فمعني جنات عدن: جنات إقامة في النعيم، لا يرحلون عنها، ولا يتحولون. وبين في آيات كثيرة: أنهم مقيمون في الجنة علي الدوام، كما أشار له هنا بلفظة ﴿عَدْنٍ﴾ كقوله: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. والمقامة: الإقامة. وقد تقرر في التصريف: أن الفعل إذا زاد علي ثلاثة أحرف فالمصدر الميمي منه، واسم الزمان، واسم المكان كلها بصيغة اسم المفعول. وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ (٥١)﴾ علي قراءة نافع وابن عامر بضم الميم من الإقامة. وقوله: إلى ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ بين أنواع تلك الأنهار في قوله: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ -إلى قوله -مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾ وقوله هنا: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ﴾ وضحه في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿وَفِيهَا مَا","vol":"3","page":322},{"text":"تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ وقوله: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ﴾ يدل علي أن تقوي الله هو السبب الذي به تنال الجنة.\nوقد أوضح تعالي هذا المعني في مواضع أخر، كقوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n• قولة تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يمتثلون أوامر ربهم، ويجتنبون نواهيه تتوفاهم الملائكة، أي: يقبضون أرواحهم في حال كونهم طيبين، أي: طاهرين من الشرك والمعاصي -على أصح التفسيرات- ويبشرونهم بالجنة، ويسلمون عليهم.\nوبين هذا المعني أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةِ","vol":"3","page":323},{"text":"يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ (٢٤)﴾. والبشارة عند الموت، وعند دخول الجنة من باب واحد؛ لأنها بشارة بالخير بعد الانتقال إلى الآخرة. ويفهم من صفات هؤلاء الذين تتوفاهم الملائكة طيبين ويقولون لهم: سلام عليكم أدخلوا الجنة -أن الذين لم يتصفوا بالتقوي لم تتوفهم الملائكة على تلك الحال الكريمة، ولم تسلم عليهم، ولم تبشرهم.\nوقد بين تعالى هذا المفهوم في مواضع أخر، كقوله: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ -إلى قوله- وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٩٧)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وقوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ﴾ قرأهما عامة القراء غير حمزة: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ﴾ بتاءين فوقيتين. وقرأ حمزة \"يتوفاهم\" بالياء في الموضعين.\n\nتنبيه\nأسند هنا جل وعلا التوفي للملائكة في قوله: ﴿تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ وأسنده في \"السجدة\" لملك الموت في قوله: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ﴾ وأسنده في \"الزمر\" إلى نفسه جل وعلا في قوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ الآية. وقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة \"السجدة\": أنه لا معارضة بين الآيات المذكورة، فإسناده التوفي لنفسه؛ لأنه لا يموت أحد إلا بمشيئته تعالى، كما قال: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ","vol":"3","page":324},{"text":"إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ وأسنده لملك الموت؛ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأسنده إلى الملائكة لأن لملك الموت أعوانًا من الملائكة ينزعون الروح من الجسد إلى الحلقوم فيأخذها ملك الموت، كما قاله بعض العلماء. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-675> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث في كل أمة رسولًا بعبادة الله وحده، واجتناب عبادة ما سواه، وهذا هو معني \"لا إله إلا الله\"؛ لأنها مركبة من نفي وإثبات، فنفيها هو خلع جميع المعبودات غير الله تعالى في جميع أنواع العبادات، وإثباتها هو إفراده جل وعلا بجميع أنواع العبادات بإخلاص، علي الوجه الذي شرعه علي ألسنة رسله عليهم صلوات الله وسلامه.\nوأوضح هذا المعني كثيرًا في القرآن عن طريق العموم، والخصوص. فمن النصوص الدالة عليه مع عمومها قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nومن النصوص الدالة عليه مع الخصوص في أفراد الأنبياء وأممهم قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله تعالي ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى غير","vol":"3","page":325},{"text":"ذلك من الآيات.\nواعلم أن كل ما عبد من دون الله، فهو طاغوت، ولا تنفع عبادة الله إلا بشرط اجتناب عبادة ما سواه، كما بينه تعالى بقوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-676> قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأمم التي بعث فيها الرسل بالتوحيد منهم سعيد، ومنهم شقي، فالسعيد منهم يهديه الله إلى اتباع ما جاءت به الرسل، والشقي منهم يسبق عليه الكتاب فيكذب الرسل، ويكفر بما جاءوا به، فالدعوة إلى دين الحق عامة، والتوفيق للهدي خاص، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾ فقوله: ﴿فَمِنهُم﴾ أي: من الأمم المذكورة في قوله: ﴿فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ وقوله: ﴿مَّنْ هَدَي اللَّهُ﴾ أي: وفقه لاتباع ما جاءت به الرسل، والضمير المنصوب الذي هو رابط الصلة بالموصول محذوف؛ أي: فمنهم من هداه الله على حد قوله في الخلاصة:\nوالحذف عندهم كثير منجلي ... في عائد متصل إن انتصب\n\n• بفعل أو وصف كمن نرجو يهب *\nوقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ﴾ أي: وجبت عليه ولزمته، لما سبق في علم الله من أنه يصير إلى الشقاوة. والمراد","vol":"3","page":326},{"text":"بالضلالة: الذهاب عن طريق الإسلام إلى الكفر.\nوقد بين تعالى هذا المعنى في آيات أخر، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله: ﴿فَمِنْهُمْ شَقِيٌّ وَسَعِيدٌ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-677> قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية: أن حرص النبي - ﷺ - علي إسلام قومه لا يهدي من سبق في علم الله أنه شقي.\nوأوضح هذا المعني في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١٨٦)﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقرأ هذا الحرف نافع، وابن عامر، وابن كثير، وأبو عمر: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ بضم الياء وفتح الدال من ﴿يَهْدِي﴾ مبنيًا للمفعول. وقوله: ﴿مَن﴾ نائب الفاعل. والمعني: أن من أضله الله لا يهدي، أي: لا هادي له.\nوقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بفتح الياء وكسر الدال، من ﴿يَهْدِي﴾ مبنيًا للفاعل. وقوله: ﴿مَنْ﴾ مفعول به ليهدي، والفاعل ضمير عائد إلى الله تعالى. والمعنى: أن من أضله الله لا يهديه الله.","vol":"3","page":327},{"text":"وهي على هذه القراءة فيمن سبقت لهم الشقاوة في علم الله؛ لأن غيرهم قد يكون ضالًا ثم يهديه الله كما هو معروف.\nوقال بعض العلماء: لا يهدي من يضل ما دام في إضلاله له، فإن رفع الله عنه الضلالة وهداه فلا مانع من هداه، والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالي ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار حلفوا جهد أيمانهم -أي: اجتهدوا في الحلف- وغلظوا الأيمان علي أن الله لا يبعث من يموت، وكذبهم الله جل وعلا في ذلك بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ وكرر في آيات كثيرة هذا المعني المذكور هنا من إنكارهم للبعث وتكذيبه لهم في ذلك، كقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوقوله: ﴿بَلَى﴾ نفي لنفيهم البعث كما قدمنا، وقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مصدر مؤكد لما دلت عليه ﴿بَلَى﴾؛ لأن ﴿بَلَى﴾ تدل علي نفي قولهم: لا يبعث الله من يموت، ونفي هذا النفي إثبات، معناه: لتبعثن، وهذا البعث المدلول علي إثباته بلفظة ﴿بَلَى﴾ فيه معني وعد الله بأنه سيكون، فقوله: ﴿وَعْدًا﴾ مؤكد له، وقوله: ﴿حَقًّا﴾ مصدر أيضًا، أي: وعد الله بذلك وعدًا، وحقه حقا، وهو","vol":"3","page":328},{"text":"مؤكد أيضًا لما دلت عليه ﴿بَلَى﴾ واللام في قوله: ﴿لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ﴾ وفي قوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، تتعلق بقوله: ﴿بَلَى﴾ أي يبعثهم ليبين لهم. . إلخ، والضمير في قوله: ﴿لَهُمُ﴾ عائد إلى من يموت، لأنه شامل للمؤمنين والكافرين.\nوقال بعض العلماء: اللام في الموضعين تتعلق بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية، أي بعثناه ليبين لهم. . إلخ. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-678> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا يتعاصي علي قدرته شيء، وإذ يقول للشيء ﴿كُن﴾ فيكون بلا تأخير وذلك أن الكفار لما ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ ورد الله عليهم كذبهم بقوله: ﴿بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ بين أنه قادر علي كل شيء، وأنه كلما قال لشيء ﴿كُن﴾ كان.\nوأوضح هذا المعني في مواضع أخرى، كقوله في الرد علي من قال: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ﴾: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.\nوبين أنه لا يحتاج أن يكرر قوله: ﴿كُن﴾ بل إذا قال للشيء: ﴿كُن﴾ مرة واحدة، كان في أسرع من لمح البصر في قوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ ونظيره قوله: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ الآية، وقال: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾","vol":"3","page":329},{"text":"إلى غير ذلك من الآيات.\nوعبر تعالى عن المراد قبل وقوعه باسم الشيء؛ لأن تحقق وقوعه كالوقوع بالفعل، فلا تنافي الآية إطلاق الشيء على خصوص الموجود دون المعدوم؛ لأنه لما سبق في علم الله أنه يوجد ذلك الشيء، وأنه يقول له: كن فيكون = كان تحقق وقوعه بمنزلة وقوعه. أو لأنه أطلق عليه اسم الشيء باعتبار وجوده المتوقع، كتسمية العصير خمرًا في قوله: ﴿إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا﴾ نظرًا إلى ما يؤول إليه في ثاني حال. وقرأ هذا الحرف ابن عامر والكسائي ﴿فَيَكوُنُ﴾ بفتح النون منصوبًا بالعطف على قوله: أن نقول. وقيل: منصوب بان المضمرة بعد الفاء في جواب الأمر. وقرأ الباقون بالرفع علي أنه خبر مبتدأ محذوف، أي فهو يكون.\nولقد أجاد من قال:\nإذا ما أراد الله أمرًا فإنما ... يقول له كن قوله فيكون\nواللام في قوله: ﴿لِشَيءٍ﴾ وقوله: ﴿لَهُ﴾ للتبليغ. قاله أبو حيان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-679> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لم يرسل قبله - ﷺ - من الرسل إلا رجالًا، أي: لا ملائكة. وذلك أن الكفار استغربوا جدًا بعث الله رسلًا من البشر، وقالوا: الله أعظم من أن يرسل بشرًا يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، فلو كان مرسلًا أحدًا حقًا لأرسل ملائكة كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى","vol":"3","page":330},{"text":"رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ النَّاسَ﴾ وقوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد بين الله جل وعلا في آيات كثيرة: أن الله ما أرسل لبني آدم إلا رسلًا من البشر، وهم رجال يأكلون الطعام، ويمشون في الأسواق، ويتزوجون، ونحو ذلك من صفات البشر، كقوله هنا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية. . إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":331},{"text":"وقرأ جمهور القراء هذا الحرف \"يوحى إليهم\" بالياء المثناة التحتية، وفتح الحاء مبنيًا للمفعول. وقرأه حفص عن عاصم: ﴿نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ بالنون، وكسر الحاء مبنيًا للفاعل، وكذلك قوله في آخر سورة يوسف: \"إلا رجالًا يوحي إليهم من أهل القري\" وأول الأنبياء: \"إلا رجالًا يوحي إليهم فاسألوا أهل الذكر\" الآية. كل هذه المواضع قرأ فيها حفص وحده بالنون وكسر الحاء، والباقون بالياء التحتية، وفتح الحاء أيضًا، وأما الثانية في سورة الأنبياء وهي قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا﴾ الآية، فقد قرأه بالنون وكسر الحاء حمزة والكسائي وحفص، والباقون بالياء التحتية وفتح الحاء أيضًا.\nوحصر الرسل في الرجال في الآيات المذكورة لا ينافي أن من الملائكة رسلًا، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾ وقال: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ الآية؛ لأن الملائكة يرسلون إلى الرسل، والرسل ترسل إلى الناس. والذي أنكره الكفار هو إرسال الرسل إلى الناس، وهو الذي حصر الله فيه الرسل في الرجال من الناس، فلا ينافي إرسال الملائكة للرسل بالوحي، ولقبض الأرواح، وتسخير الرياح والسحاب، وكتب أعمال بني آدم، وغير ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾.\n\nتنبيه\nيفهم من هذه الآيات أن الله لم يرسل امرأة قط؛ لقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا﴾ ويفهم من قوله: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ","vol":"3","page":332},{"text":"الذِّكْرِ﴾ الآية- أن من جهل الحكم، يجب عليه سؤال العلماء والعمل بما أفتوه به. والمراد بأهل الذكر في الآية، أهل الكتاب، وهذه الأمة أيضًا يصدق عليها أنها أهل الذكر، لقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ﴾ الآية. إلا أن المراد في الآية أهل الكتاب.\nوالباء في قوله: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ﴾ قيل: تتعلق بـ ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا﴾ داخلًا تحت حكم الاستثناء مع ﴿رِجَالًا﴾ أي: وما أرسلنا إلا رجالًا بالبينات، كقولك: ما ضربت إلا زيدًا بالسوط؛ لأن أصله ضربت زيدًا بالسوط. وقيل: تتعلق بقوله: ﴿رِجَالًا﴾ صفة له، أي: رجالًا متلبسين بالبينات. وقيل: تتعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَا﴾ مضمرًا دل عليه ما قبله؛ كأنه قيل: بم أرسلوا؟ قيل: بالبينات، وقيل: تتعلق بـ ﴿نُّوحِيَ﴾ أي: نوحي إليهم بالبينات، قاله صاحب الكشاف، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-680> قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ﴾</span>. المراد بالذكر في هذه الآية: القرآن، كقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية حكمتين من حكم إنزال القرآن علي النبي - ﷺ -.\nإحداهما: أن يبين للناس ما نزل إليهم في هذا الكتاب من الأوامر والنواهي، والوعد والوعيد، ونحو ذلك، وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا؛ كقوله: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ﴾ الآية.","vol":"3","page":333},{"text":"الحكمة الثانية: هي التفكر في آياته والاتعاظ بها، كما قال هنا: ﴿وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ وقد بين هذه الحكمة في غير هذا الموضع أيضًا، كقوله: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-681> قوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ يَخْسِفَ اللَّهُ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٤٥)﴾</span> أنكر الله جلا وعلا علي الذين يعملون السيئات من الكفر والمعاصي، ومع ذلك يأمنون عذاب الله ولا يخافون أخذه الأليم، وبطشه الشديد، وهو قادر علي أن يخسف بهم الأرض، ويهلكهم بأنواع العذاب. والخسف: بلع الأرض المخسوف به وقعودها به إلى أسفل، كما فعل الله بقارون، قال الله تعالى فيه: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ الآية. وبين هذا المعني في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨)﴾ وقوله: ﴿أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾ وقد قدمنا طرفًا من هذا في أول \"سورة الأعراف\".\nواختلف العلماء في إعراب ﴿السَّيِّئَاتِ﴾ في هذه الآية الكريمة، فقال بعض العلماء: نعت لمصدر محذوف؛ أي: مكروا المكرات السيئات، أي: القبيحات قبحًا شديدًا؛ كما ذكر الله عنهم في قوله: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾ الآية.","vol":"3","page":334},{"text":"وقال بعض العلماء: مفعول به لـ ﴿مَكَرُوا﴾ على تضمين ﴿مَكَرُوا﴾ معني فعلوا، وهذا أقرب أوجه الإعراب عندي، وقيل: مفعول به لـ \"أمن\" أي: أأمن الماكرون السيئات؛ أي: العقوبات الشديدة التي تسوءهم عند نزولها بهم. ذكر الوجه الأول الزمخشري، والأخيرين ابن عطية. وذكر الجميع أبو حيان في \"البحر المحيط\".\nتنبيه\nكل ما جاء في القرآن من همزة استفهام بعدها واو للعطف أو فاؤه؛ كقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا﴾ ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ ﴿أَفَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الخ، فيه وجهان معروفان عند علماء العربية:\nأحدهما: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة ما بعدها علي محذوف دل المقام عليه؛ كقولك مثلًا: أنمهلكم فنضرب عنكم الذكر صفحًا؟! أعموا فلم يروا إلى ما بين أيديهم؟! ألم تأتكم آياتي فلم تكن تتلي عليكم؟! وهكذا -وإلى هذا الوجه أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nوحذف متبوع بدا هنا استبح ... وعطفك الفعل علي الفعل يصح\nومحل الشاهد في الشطر الأول دون الثاني.\nالوجه الثاني: أن الفاء والواو كلتاهما عاطفة للجملة المصدرة بهمزة الاستفهام علي ما قبلها؛ إلا أن همزة الاستفهام تزحلقت عن محلها فتقدمت علي الفاء والواو، وهي متأخرة عنهما في المعني، وإنما تقدمت لفظًا عن محلها معني؛ لأن الاستفهام له صدر الكلام.","vol":"3","page":335},{"text":"فبهذا تعلم أن في قوله تعالى في هذه الآية التي هي قوله: ﴿أَفَأَمِنَ الَّذِينَ مَكَرُوا السَّيِّئَاتِ﴾ الآية - الوجهين المذكورين؛ فعلي الأول: فالمعنى أجهل الذين مكروا السيئات وعيد الله بالعقاب؟ فأمن الذين مكروا السيئات الخ، وعلى الثاني: فالمعنى فأأمن الذين مكروات السيئات؛ فالفاء عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام، والأول هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-682> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ</span>. .﴾ الآية، تقدم بيان هذه الآية وأمثالها من الآيات في \"سورة الرعد\".\n•<span data-type=\"title\" id=toc-683> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ اللَّهُ لَا تَتَّخِذُوا إِلَهَيْنِ اثْنَيْنِ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٥١)﴾</span> نهي الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة جميع البشر عن أن يعبدوا إلهًا آخر معه، وأخبرهم أن المعبود المستحق لأن يعبد وحده واحد، ثم أمرهم أن يرهبوه، أي: يخافوه وحده؛ لأنه هو الذي بيده الضر والنفع، لا نافع ولا ضار سواه.\nوأوضح هذا المعني في آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَأَلْقِيَاهُ فِي الْعَذَابِ الشَّدِيدِ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.\nوبين جل وعلا في مواضع أخر إستحالة تعدد الآلهة عقلًا، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ وقوله:","vol":"3","page":336},{"text":"﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾. والآيات الآمرة بعبادته وحده كثيرة جدًا، فلا نطيل بها الكلام.\nوقدم المفعول في قوله: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ للدلالة على الحصر. وقد تقرر في الأصول في مبحث \"مفهوم المخالفة، وفي المعاني في مبحث القصر\" \"أن تقديم المعمول من صيغ الحصر\" أي: خافون وحدي ولا تخافوا سواي. وهذا الحصر المشار إليه هنا بتقديم المعمول بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية، وقوله: ﴿الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالَاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلَا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية؛ وقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلَّا اللَّهَ﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-684> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾</span> الدين هنا: الطاعة، ومنه سميت أوامر الله ونواهيه دينًا، كقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقوله: ﴿وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.\nوالمراد بالدين في الآيات: طاعة الله بامتثال جميع الأوامر، واجتناب جميع النواهي، ومن الدين بمعني الطاعة، قول عمرو بن كلثوم في معلقته:\nوأيامٍ لنا غُرٍّ كرامٍ ... عصينا الملك فيها أن ندينا\nأي: عصيناه وامتنعنا أن ندين له، أي: نطيعه.","vol":"3","page":337},{"text":"وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ أي: دائمًا، أي: له جل وعلا الطاعة والذل والخضوع دائمًا؛ لأنه لا يضعف سلطانه، ولا يعزل عن سلطانه، ولا يعلن ولا يغلب، ولا يتغير له حال، بخلاف ملوك الدنيا، فإن الواحد منهم يكون مطاعًا له السلطنة والحكم، والناس يخافونه ويطمعون فيما عنده برهة من الزمن، ثم يعزل أو يموت، أو يذل بعد عز، ويتضع بعد رفعة، فيبقي لا طاعة له ولا يعبأ به أحد، فسبحان من لم يتخذ ولدًا، ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل، وكبره تكبيرا.\nوهذا المعني الذي أشار إليه مفهوم الآية بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾ لأنها ترفع أقوامًا كانت منزلتهم منخفضة في الدنيا، وتخفض أقوامًا كانوا ملوكًا في الدنيا لهم المكانة الرفيعة، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾.\nونظير هذه الآية المذكورة قوله: ﴿وَيُقْذَفُونَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ (٨) دُحُورًا وَلَهُمْ عَذَابٌ وَاصِبٌ (٩)﴾ أي: دائم. وقيل: عذاب موجع مؤلم. والعرب تطلق الوصب علي المرض، وتطلق الوصوب على الدوام.\nوروي عن ابن عباس أنه لما سأله نافع بن الأزرق عن قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ قال له: الواصب الدائم، واستشهد له بقول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nوله الدين واصبًا وله الملـ ... ـك وحمد له على كل حال","vol":"3","page":338},{"text":"ومنه قول الدؤلي:\nلا أبتغي الحمد القليل بقاؤه ... يومًا بذم الدهر أجمع واصبا\nوممن قال بأن معنى الواصب في هذه الآية الدائم: ابن عباس ومجاهد، وعكرمة، وميمون بن مهران، والسدي وقتادة، والحسن والضحاك، وغيرهم.\nوروي عن ابن عباس أيضًا واصبًا، أي: واجبًا. وعن مجاهد أيضًا: واصبًا، أي: خالصًا. وعلي قول مجاهد هذا فالخبر بمعني الإنشاء، أي: ارهبوا أن تشركوا بي شيئًا، وأخلصوا لي الطاعة. وعليه فالآية كقوله: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله: ﴿وَاصِبًا﴾ حال عمل فيه الظرف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-685> وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾</span> أنكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة على من يتقي غيره؛ لأنه لا ينبغي أن يتقي إلا من بيده النفع كله والضر كله؛ لأن غيره لا يستطيع أن ينفعك بشيء لم يرده الله لك، ولا يستطيع أن يضرك بشيء لم يكتبه الله عليك.\nوقد أشار تعالى هنا إلى أن إنكار اتقاء غير الله لأجل أن الله هو الذي يرجي منه النفع، ويخشي منه الضر، ولذلك أتبع قوله: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ﴾ بقوله: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ (٥٣)﴾ ومعني تجأرون: ترفعون أصواتكم بالدعاء والاستغاثة عند نزول الشدائد، ومنه قول الأعشي، أو النابغة يصف بقرة:","vol":"3","page":339},{"text":"فطافت ثلاثًا بين يوم وليلة ... وكان النكير أن تضيف وتجأرا\nوقول الأعشى:\nيراوح من صلوات المليك ... طورًا سجودًا وطورًا جؤارا\nومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد\" وفي حديث ابن عباس المشهور: \"واعلم أن الأمة لو اجتمعت علي أن ينفعوك لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، وإن اجتمعوا علي أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء كتبه الله عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-686> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنْكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْكُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٥٤)﴾</span> بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن بني آدم إذا مسهم","vol":"3","page":340},{"text":"الضر دعوا الله وحده مخلصين له الدين، فإذا كشف عنهم الضر، وأزال عنهم الشدة إذا فريق منهم -وهم الكفار- يرجعون في أسرع وقت إلى ما كانوا عليه من الكفر والمعاصي. وقد كرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن، كقوله في \"يونس\": ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ -إلى قوله- إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله في \"الإسراء\": ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧)﴾ وقوله في آخر \"العنكبوت\": ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ﴾ وقوله في \"الأنعام\": ﴿قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا هذا في \"سورة الأنعام\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-687> قوله تعالى: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾</span> صيغة الأمر في قوله: ﴿فَتَمَتَّعُوا﴾ للتهديد. وقد تقرر في \"فن المعاني، في مبحث الإنشاء\" وفي \"فن الأصول، في مبحث الأمر\" أن من المعاني التي تأتي لها صيغة إفعل التهديد، كقوله هنا: ﴿فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٥٥)﴾ وتشهد لهذا المعنى آيات أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقوله: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦)﴾ وقوله:","vol":"3","page":341},{"text":"﴿فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-688> قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾</span> في ضمير الفاعل في قوله: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ وجهان:\nأحدهما: أنه عائد إلى الكفار، أي: ويجعل الكفار للأصنام التي لا يعلمون أن الله أمر بعبادتها، ولا يعلمون أنها تنفع عابدها أو تضر عاصيها - نصيبًا الخ، كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَمَا لَيْسَ لَهُمْ بِهِ عِلْمٌ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٧١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقال صاحب الكشاف: ومعنى كونهم لا يعلمونها أنهم يسمونها آلهة، ويعتقدون فيها أنها تضر وتنفع، وتشفع عند الله، وليس كذلك، وحقيقتها أنها جماد، لا يضر ولا ينفع، فهم إذًا جاهلون بها.\nوالوجه الثاني: أن واو ﴿يَعْلَمُونَ﴾ واقعة على الأصنام، فهي جماد لا يعلم شيئًا، أي: ويجعلون للأصنام الذين لا يعلمون شيئًا لكونهم جمادًا - نصيبًا الخ. وهذا الوجه كقوله: ﴿أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى هذا القول: فالواو راجعة إلى \"ما\" من قوله: ﴿لِمَا لَا يَعْلَمُونَ﴾ وعبر عنهم بـ\"ما\" التي هي لغير العاقل؛ لأن تلك","vol":"3","page":342},{"text":"المعبودات التي جعلوا لها من رزق الله نصيبًا جماد لا تعقل شيئًا. وعبر بالواو في ﴿لَا يَعْلَمُونَ﴾ على هذا القول لتنزيل الكفار لها منزلة العقلاء في زعمهم أنها تشفع، وتضر وتنفع.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة بينه تعالى في غِير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وذلك أن الكفار كانوا إذا حرثوا حرثًا، أو كانت لهم ثمرة جعلوا لله منها جزءًا، وللوثن جزءًا فما جعلوا من نصيب الأوثان حفظوه، وإن اختلط به شيء مما جعلوه لله ردوه إلى نصيب الأصنام، وإن وقع شيء مما جعلوه لله في نصيب الأصنام تركوه فيه، وقالوا: الله غني والصنم فقير. وقد أقسم جل وعلا: على أنه يسألهم يوم القيامة عن هذا الافتراء والكذب، وهو زعمهم أن نصيبًا مما خلق الله للأوثان التي لا تنفع ولا تضر في قوله: ﴿تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ﴾ وهو سؤال توبيخ وتقريع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-689> قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨) يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ أَيُمْسِكُهُ عَلَى هُونٍ أَمْ يَدُسُّهُ فِي التُّرَابِ أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾</span>\nقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ﴾ أي: يعتقدون. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يعتقدون أن لله بنات إناثًا. وذلك أن خزاعة وكنانة كانوا يقولون: الملائكة بنات الله، كما بينه تعالى بقوله:","vol":"3","page":343},{"text":"﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ الآية. فزعموا لله الأولاد، ومع ذلك زعموا له أخس الولدين وهو الأنثى، فالإناث التي جعلوها لله يكرهونها لأنفسهم ويأنفون منها، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ أي: لأن شدة الحزن والكآبة تسود لون الوجه ﴿وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾: أي: ممتلئ حزنًا، وهو ساكت، وقيل: ممتلئ غيظًا على امرأته التي ولدت له الأنثى. ﴿يَتَوَارَى مِنَ الْقَوْمِ مِنْ سُوءِ مَا بُشِّرَ بِهِ﴾ أي: يختفي من أصحابه من أجل سوء ما بشر به لئلا يروا ما هو فيه من الحزن والكآبة، أو لئلا يشمتوا به ويعيروه، ويحدث نفسه وينظر: ﴿أَيُمْسِكُهُ﴾ أي: ما بشر به وهو الأنثى ﴿عَلَى هُونٍ﴾ أي: هوان وذل ﴿أَمْ يَدُسُّهُ﴾ في التراب، أي: يدفن المذكور الذي هو الأنثى حيًا في التراب، يعني ما كانوا يفعلون بالبنات من الوأد، وهو دفن البنت حية، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨) بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ (٩)﴾.\nوأوضح جل وعلا هذه المعاني المذكورة في هذه الآيات في مواضع أخر، فبين أن جعلهم الإناث لله، أو الذكور لأنفسهم قسمة غير عادلة، وأنها من أعظم الباطل.\nوبين أنه لو كان متخذًا ولدًا ﷾ عن ذلك، لاصطفى أحسن النصيبين، ووبخهم على أن جعلوا له أخس الولدين، وبين كذبهم في ذلك وشدة عظم ما نسبوه إليه، كل هذا ذكره في مواضع متعددة، كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ","vol":"3","page":344},{"text":"بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ وقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَي مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ وقال: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.\nوبين شدة عظم هذا الافتراء بقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ مبتدأ وخبر.\nوذكر الزمخشري والفراء وغيرهما: أنه يجوز أن تكون ﴿مَّا﴾ في محل نصب عطفًا على ﴿الْبَنَاتُ﴾ أي: ويجعلون لله البنات، ويجعلون لأنفسهم ما يشتهون. ورد إعرابه بالنصب الزجاج، وقال: العرب تستعمل في مثل هذا ويجعلون لأنفسهم. قاله القرطبي.\nوقال أبو حيان \"في البحر المحيط\": قال الزمخشري: ويجوز في ﴿مَّا﴾ فيما يشتهون الرفع على الابتداء، والنصب على أن يكون معطوفًا على ﴿البَنَاتِ﴾ أي: وجعلوا لأنفسهم ما يشتهون من الذكور. انتهى. وهذا الذي أجازه من النصب تبع فيه الفراء والحوفي.","vol":"3","page":345},{"text":"وقال أبو البقاء -وقد حكاه-: وفيه نظر. وذهل هؤلاء عن قاعدة في النحو: وهي أن الفعل الرافع لضمير الاسم المتصل لا يتعدى إلى ضميره المتصل المنصوب؛ فلا يجوز: زيد ضربه، أي: زيدًا. تريد ضرب نفسه؛ إلا في باب ظن وأخواتها من الأفعال القلبية، أو فقد وعدم؛ فيجوز: زيد ظنه قائمًا، وزيد فقده، وزيد عدمه. والضمير المجرور بالحرف كالمنصوب المتصل، فلا يجوز: زيد غضب عليه، تريد غضب على نفسه. فعلى هذا الذي تقرر لا يجوز النصب، إذ يكون التقدير: ويجعلون لهم ما يشتهون. فالواو ضمير مرفوع \"ولهم\" مجرور باللام. فهو نظير: زيد غضب عليه اهـ.\nوالبشارة تطلق في العربية على الخبر بما يسر، وبما يسوء. ومن إطلاقها على الخبر بما يسوء قوله هنا: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من بغضهم للبنات مشهور معروف في أشعارهم؛ ولما خطبت إلى عقيل بن علفة المري ابنته الجرباء قال:\nوإني وإن سيق إلى المهر ... ألف وعبدان وذود عشر\n\n• أحب أصهاري إلى القبر*\nويروي لعبد الله بن طاهر قوله:\nلكل أبي بنت يراعي شئونها ... ثلاثة أصهار إذا حمد الصهر","vol":"3","page":346},{"text":"فبعل يراعيها وخدر يكنها ... وقبر يواريها وخيرهم القبر\nوهم يزعمون أن موجب رغبتهم في موتهن، وشدة كراهيتهم لولادتهن الخوف من العار، وتزوج غير الأكفاء، وأن تهان بناتهم بعد موتهم، كما قال الشاعر في ابنة له تسمي مودة:\nمودة تهوي عمر شيخ يسره ... لها الموت قبل الليل لو أنها تدري\nيخاف عليها جفوة الناس بعده ... ولا ختن يرجي أود من القبر\nوقال الآخر:\nتهوي حياتي وأهوي موتها شفقًا ... والموت أكرم نزال على الحرم\nوقد ولدت امرأة أعرابي أنثي، فهجرها لشدة غيظه من ولادتها أنثى فقالت:\nما لأبي حمزة لا يأتينا ... يظل بالبيت الذي يلينا\nغضبان ألا نلد البنينا ... ليس لنا من أمرنا ماشينا\n\n• وإنما نأخذ ما أعطينا*\nتنبيه\nلفظة \"جعل\" تأتي في اللغة العربية لأربعة معان:\nالأول: بمعني اعتقد؛ كقوله تعالى هنا: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ قال في الخلاصة:\n\n• وجعل اللذ كاعتقد*","vol":"3","page":347},{"text":"الثاني: بمعنى صير كما تقدم في الحجر؛ كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ قال في الخلاصة:\n... ... ... ... والتي كصيرا ... أيضًا بها انصب مبتدا وخبرا\nالثالث: بمعنى خلق كقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي: خلق الظلمات والنور.\nالرابع: بمعنى شرع، كقوله:\nوقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السكر\nقال في الخلاصة:\nكأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي: تنزيهًا له جل وعلا عما لا يليق بكماله وجلاله، وهو ما ادعوا له من البنات ﷾ عن ذلك علوًا كبيرا!.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-690> وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لو عاجل الخلق بالعقوبة لأهلك جميع من في الأرض، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ لأن العجلة من شأن من يخاف فوات الفرصة، ورب السموات والأرض لا يفوته شيء أراده. وذكر هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في \"آخر سورة فاطر\": ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ","vol":"3","page":348},{"text":"بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾ الآية، وأشار بقوله: ﴿وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ إلى أنه تعالى يمهل ولا يهمل. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾.\nوبين هنا: أن الإنسان إذا جاء أجله لا يستأخر عنه، كما أنه لا يتقدم عن وقت أجله. وأوضح ذلك في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أن قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فيه وجهان للعلماء:\nأحدهما: أنه خاص بالكفار؛ لأن الذنب ذنبهم، والله يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ ومن قال هذا القول قال: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ أي: كافرة، ويروي عن ابن عباس. وقيل: المعنى أنه لو أهلك الآباء بكفرهم لم تكن الأبناء.\nوجمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وأبو الأحوص، وأبو هريرة وغيرهم -كما نقله عنهم ابن كثير وغيره- على أن الآية عامة، حتى إن ذنوب بني آدم لتهلك الجعل في جحره، والحباري في وكرها، ونحو ذلك، لولا أن الله حليم لا يعجل بالعقوبة، ولا يؤاخذهم بظلمهم.","vol":"3","page":349},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول هو الصحيح، لما تقرر في الأصول من: أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة \"من\" تكون نصًا صريحًا في العموم. وعليه فقوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يشمل كل ما يطلق عليه اسم الدابة نصًا.\nوقال القرطبي في تفسيره: فإن قيل: فكيف يعم الهلاك مع أن فيهم مؤمنًا ليس بظالم؟\nقيل: يجعل هلاك الظالم انتقامًا وجزاء، وهلاك المؤمن معوضًا بثواب الآخرة.\nوفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا أراد الله بقوم عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم\" اهـ. محل الغرض منه بلفظه. والأحاديث بمثله كثيرة معروفة.\nوإذا ثبت في الأحاديث الصحيحة: أن العذاب إذا نزل بقوم عم الصالح والطالح، فلا إشكال في شمول الهلاك للحيوانات التي لا تعقل. وإذا أراد الله إهلاك قوم أمر نبيهم ومن آمن منهم أن يخرجوا عنهم؛ لأن الهلاك إذا نزل عم.\nتنبيه\nقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الضمير في ﴿عَلَيْها﴾ راجع إلى غير مذكور، وهو الأرض؛ لأن قوله: ﴿مِنْ دَابَّةٍ﴾ يدل عليه؛ لأن من المعلوم: أن الدواب إنما تدب على الأرض. ونظيره قوله تعالى:  ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾  وقوله: ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ (٣٢)﴾","vol":"3","page":350},{"text":"أي: الشمس ولم يجر لها ذكر، ورجوع الضمير إلى غير مذكور يدل عليه المقام كثير في كلام العرب، ومنه قول حميد بن ثور:\nوصهباء منها كالسفينة نضجت ... به الحمل حتى زاد شهرًا عديدها\nفقوله: \"صهباء منها\" أي: من الإبل، وتدل له قرينة \"كالسفينة\" مع أن الإبل لم يجر لها ذكر، ومنه أيضًا قول حاتم الطائي:\nأماري ما يغني الثراء عن الفتي ... إذا حشرجت يومًا وضاق بها الصدر\nفقوله: \"حشرجت وضاق بها\" يعني النفس، ولم يجر لها ذكر؛ كما تدل له قرينة \"وضاق بها الصدر\" ومنه أيضًا قول لبيد في معلقته:\nحتى إذا ألقت يدًا في كافر ... وأجن عورات الثغور ظلامها\nفقوله: \"ألقت\" أي: الشمس، ولم يجر لها ذكر، ولكن يدل له قوله:\n\n• وأجن عورات الثغور ظلامها*\nلأن قوله: \"ألقت يدًا في كافر\" أي: دخلت في الظلام.\nومنه أيضًا قول طرفة في معلقته:\nعلى مثلها أمضي إذا قال صاحبي ... ألا ليتني أفديك منها وأفتدي\nفقوله: \"أفديك منها\" أي: الفلاة، ولم يجر لها ذكر، ولكن قرينة سياق الكلام تدل عليها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ الظاهر أن","vol":"3","page":351},{"text":"المفاعلة فيه بمعنى الفعل المجرد؛ فمعني آخذ الناس يؤاخذهم: أخذهم بذنوبهم؛ لأن المفاعلة تقتضي الطرفين. ومجيئها بمعنى المجرد مسموع نحو: سافر وعافي.\nوقوله: ﴿يُؤَاخِذُ﴾ إن قلنا: إن المضارع فيه بمعنى الماضي فلا إشكال. وإن قلنا: إنه بمعنى الاستقبال فهو على إيلاء لو المستقبل وهو قليل؛ كقوله: ﴿وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ﴾ وقول قيس بن الملوح:\nولو تلتقي أصداؤنا بعد موتنا ... ومن دون رمسينا من الأرض سبسب\nلظل صدي صوتي وإن كنت رمة ... لصوت صدي ليلي يهش ويطرب\nوالجواب بحمله على المضي في الآية تكلف ظاهر، ولا يمكن بتاتًا في البيتين، وأمثلته كثيرة في القرآن وفي كلام العرب. وقد أشار لذلك في الخلاصة بقوله:\nلو حرف شرط في مضي ويقل ... إيلاؤها مستقبلًا لكن قبل\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-691> قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾</span> أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه؛ لأنه عبر عنه بـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة الموصول لم تُبيِّن مِن وَصفِ هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره. قال في البنات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية. وقال في الشركاء: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في","vol":"3","page":352},{"text":"رزقهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إذا كان الواحد منكم لا يرضي أن يكون المملوك شريكًا له مثل نفسه في جميع ما عنده، فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا -إلى قوله- سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كما تقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-692> قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب، فيزعمون أن لهم الحسنى، والحسنى تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور، كما تقدم في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ والحق الذي لا شك فيه: أن المراد بالحسني: هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقًا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان:\nأحدهما: كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى، كقوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"3","page":353},{"text":"والدليل الثاني: أن الله أتبع قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الآية، فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله.\nوالمصدر المنسبك من ﴿أَنَّ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ في محل نصب، بدل من قوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحًا لا خفاء فيه.\nوقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. ما نصه:\nفإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟\nقلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-693> قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾</span> في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة ثالثة غير سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدا نافعًا: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول، من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل، من أفرط. والقراءة ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروي هذه القراءة عن أبي جعفر. وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله.\nأما قراءة الجمهور ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بصيغة المفعول فهو اسم","vol":"3","page":354},{"text":"مفعول أفرطه: إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه، فقوله: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ أي: متروكون منسيون في النار.\nويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ وقوله: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ﴾ فالنسيان في هذه الآيات معناه: الترك في النار.\nأما النسيان بمعنى زوال العلم: فهو مستحيل على الله؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ وقال: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾.\nوممن قال بأن معنى ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ منسيُّون متروكون في النار: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم.\nوقال بعض العلماء: معنى قوله ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ على قراءة الجمهور، أي: مقدمون إلى النار معجلون؛ من أفرطت فلانًا وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: \"أنا فرطكم على الحوض\" أي: متقدمكم. ومنه قول القطامي:\nفاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد\nوقول الشنفري:\nهممتُ وهمتْ فابتدرنا وأسبلت ... وشمَّر مني فارط متمهِّل","vol":"3","page":355},{"text":"أي: متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف فيه وجاوز الحد.\nويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها.\nوقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًا أن لهم النار.\nوقال القرطبي في تفسيره: (لا) ردٌّ لكلامهم (وتم الكلام)، أي: ليس كما تزعمون! جَرَمَ أن لهم النار: حقًا أن لهم النار. وقال بعض العلماء: ﴿لَا﴾ صلة، و﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسب، أي: كسب لهم عملهم أن لهم النار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-694> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾</span> الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن في الأنعام عبرة دالة على تفرد من خلقها، وأخلص لبنها من بين فرث ودم - بأنه هو وحده المستحق لأن يعبد، ويطاع ولا يعصى.\nوأوضح هذا المعنى أيضًا في غير هذا الموضوع؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ","vol":"3","page":356},{"text":"وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد دلت الآيات المذكورة على أن الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها؛ لأنه ذكرها هنا في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأنثها \"في سورة قد أفلح المؤمنون\" في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ ومعلوم في العربية: أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى معني الجماعة الداخلة تحت اسم الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفًا. وجاء فيه تذكير النخل وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ ونحو ذلك. وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ والآية، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن شواهده قول قيس بن الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم:\nفي كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه\nوقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بفتح النون. والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده \"في سورة الحجر\".\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير","vol":"3","page":357},{"text":"في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾: أن لبن الفحل يفيد التحريم. وقال: إنما جيء به مذكرًا لأنه راجع إلى ذكر النعم؛ لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضي النبي - ﷺ - \"أن لبن الفحل يحرم\" حيث أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس، فللمرأة السقي، وللرجل اللقاح؛ فجري الاشتراك فيه بينهما اهـ. بواسطة نقل القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أما اعتبار لبن الفحل في التحريم فلا شك فيه، ويدل له الحديث المذكور في قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس؛ فإنه متفق عليه مشهور. وأما استنباط ذلك من عود الضمير في الآية فلا يخلو عندي من بعد وتعسف. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية: استنبط النقاش وغيره من هذه الآية الكريمة: أن المني ليس بنجس، قالوا: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغًا خالصًا، كذلك يجوز أن يخرج المني من مخرج البول طاهرًا.\nقال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع! اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة، ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة. وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقًا به، أو مقيسًا عليه.\nقال القرطبي بعد أن نقل الكلام المذكور: قلت: قد يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؟ وقد قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ","vol":"3","page":358},{"text":"وَحَفَدَةً﴾ وهذا غاية في الامتنان.\nفإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجري البول.\nقلنا: هو ما أردناه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية الكريمة لا يخلو عندي من بعد. وسنبين إن شاء الله حكم المني هل هو نجس أو طاهر، وأقوال العلماء في ذلك، مع مناقشة الأدلة.\nاعلم أن في مني الإنسان ثلاثة أقوال للعلماء:\nالأول: أنه طاهر، وأن حكمه حكم النخامة والمخاط، وهذا هو مذهب الشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة ﵃. كما نقله النووي في (شرح المهذب) وغيره.\nالقول الثاني: أنه نجس، ولابد في طهارته من الماء سواء كان يابسًا أو رطبًا؛ وهذا هو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي.\nالقول الثالث: أنه نجس، ورطبه لابد له من الماء، ويابسه لا يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتى يزول منه، وهذا هو مذهب أبي حنيفة.","vol":"3","page":359},{"text":"واختار الشوكاني في \"نيل الأوطار\": أنه نجس، وأن إزالته لا تتوقف على الماء مطلقًا.\nأما حجة من قال: إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معًا، ومعلوم في الأصول: أن القياس الموافق للنص لا مانع منه؛ لأنه دليل آخر عاضد للنص، ولا مانع من تعاضد الأدلة.\nأما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: \"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ -، ثم يذهب فيصلي فيه\". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد. قالوا: فركها له يابسًا، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل -دليل على الطهارة. وفي رواية عند أحمد: كان رسول الله - ﷺ - يسلت المني من ثوبه بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه. وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني: \"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا\". وعن إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي - ﷺ - عن المني يصيب الثوب فقال: \"إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة\".\nقال صاحب (منتقي الأخبار) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك.\nقلت: وهذا لا يضر؛ لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.","vol":"3","page":360},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: ما قاله الإمام المجد ﵀ في المنتقي من قبول رفع العدل وزيادته، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارًا. إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله.\nوأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين:\nأحدهما: إلحاق المني بالبيض، بجامع أن كلًا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعًا، فيلزم كون المني طاهرًا أيضًا.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إبراهيم  (^١)  بن علية كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوابن علية يري للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير\nوصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة، كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته، وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة، وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة، وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم، وكإلحاق خنزير البحر وكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول.\nواستدل من قال بالقياس الصوري: بأن النصوص دلت على\n_________\n(^١)  الأصل: إسماعيل، وهو سبق قلم.","vol":"3","page":361},{"text":"اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام؛ كقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور، وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف - ﷺ - بكرًا ورد رباعيًا كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره - ﷺ - بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض؛ لأن القيافة قياس صوري؛ لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة.\nالوجه الثاني من وجهي القياس المذكور: إلحاق المني بالطين، بجامع أن كلًا منهما مبتدأ خلق بشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ الآية.\nفإن قيل: هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم الجامد؛ لأنها أيضًا مبتدأ خلق بشر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ والدم نجس بلا خلاف.\nفالجواب: أن قياس الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني.\nوأما حجة من قال بأن المني نجس فهي بالنص والقياس أيضًا. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: \"كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - ﷺ -، ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء\". متفق عليه. قالوا: غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم عن عائشة بلفظ: \"أن رسول الله - ﷺ - كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا","vol":"3","page":362},{"text":"أنظر إلى أثر الغسل فيه\".\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة؛ لأن المقرر في الأصول، أن الفعل المضارع بعد لفظة \"كان\" يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه: \"إن رسول الله - ﷺ - كان يغسل\" تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل، وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضًا، أن رجلًا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله - ﷺ - فركًا فيصلي فيه. اهـ.\nقالوا: هذه الرواية الثابتة في الصحيح عن عائشة صرحت فيها بأنه إنما يجزئه غسل مكانه، وقد تقرر في الأصول (في مبحث دليل الخطاب) وفي المعاني (في مبحث القصر) أن \"إنما\" من أدوات الحصر؛ فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل، فدل ذلك على أن الفرك لا يجزئ دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على غسله.\nوأما القياس: فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا: ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة.\nوأما حجة من قال: إنه نجس، وأن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدارقطني الذي قدمناه آنفًا،","vol":"3","page":363},{"text":"\"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - ﷺ - إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا\".\nوقال المجد في منتقي الأخبار بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه: قلت: فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء. ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء، فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه. ومن هذا القبيل قول الشوكاني: إنه يطهر مطلقًا بالإزالة دون الغسل، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها.\nورد من قال: إن المني طاهر احتجاج القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس؛ لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب. قالوا: ولم يثبت نقل بالأمر بغسله، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز.\nقال ابن حجر في التلخيص: وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحه، رواه ابن الجارود في المنتقي عن محسن بن يحيى، عن أبي حذيفة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب، فجعل يغسل ما أصابه، فقالت عائشة: كان رسول الله - ﷺ - يأمرنا بحته -","vol":"3","page":364},{"text":"إلى أن قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له.\nوأجابوا عن قول عائشة: \"إنما يجزئك أن تغسل مكانه\" لحمله على الاستحباب؛ لأنها احتجت بالفرك. قالوا: فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب فقالت: \"غسل كل الثوب بدعة منكرة، وإنما يجزيك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه\" إلخ.\nوأجابوا عن قياس المني على البول والدم بأن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلاف البول والدم.\nوأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع، قالوا: بل مخرجهما مختلف، وقد شق ذكر رجل بالروم، فوجد كذلك، فلا ينجسه بالشك، قالوا: ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر.\nوأجابوا عن دعوي أن المذي جزء من المني بالمنع أيضًا قالوا: بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج؛ لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي فعكسه، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي.\nوهذه المسألة فيها للعلماء مناقشات كثيرة، كثير منها لا طائل تحته. وهذا الذي ذكرنا فيها هو خلاصة أقوال العلماء وحججهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا في هذه المسألة عندي والله أعلم: أن المني طاهر؛ لما قدمنا من حديث","vol":"3","page":365},{"text":"إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - قال: \"إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة\" وهذا نص في محل النزاع.\nوقد قدمنا عن صاحب (المنتقى) أن الدارقطني قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، وأنه هو قال: قلت: وهذا لا يضر لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين؛ فيقبل رفعه وزيادته. انتهى.\nوقد قدمنا مرارًا أن هذا هو الحق؛ فلو جاء الحديث موقوفًا من طريق، وجاء مرفوعًا من طريق أخرى صحيحة حكم برفعه؛ لأن الرفع زيادة، وزيادات العدول مقبولة، قال في مراقي السعود:\nوالرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ ... إلخ\nوبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة، ولاسيما أن لها شاهدًا من طريق أخرى.\nقال ابن حجر (في التلخيص) ما نصه: فائدة:\nروي الدارقطني، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي - ﷺ - عن المني يصيب الثوب؟ قال: \"إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق - وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة\" ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي من","vol":"3","page":366},{"text":"طريق عطاء، عن ابن عباس موقوفًا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح. انتهى.\nفقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس، وهي مقوية لطريق إسحاق الأزرق المتقدمة.\nواعلم أن قول البيهقي ﵀: والموقوف هو الصحيح. لا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة؛ لأنه يري أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة. وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل الحديث والأصول، ولكن الحق: أن الرفع زيادة مقبولة من العدل، وبه تعلم صحة الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني، وهي نص صريح في محل النزاع، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني.\nفإن قيل: أخرج البزار، وأبو يعلي الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، والدارقطني، والبيهقي، والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم في المعرفة من حديث عمار بن ياسر ﵄: أن النبي - ﷺ - مر بعمار فذكر قصة، وفيها: \"إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء يا عمار. ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركونك إلا سواء\".\nفالجواب: أن في إسناده ثابت بن حماد، عن على بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم -إلا أبا يعلي- بثابت ابن حماد، واتهمه بعضهم بالوضع.","vol":"3","page":367},{"text":"وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه. وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروي عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع؛ قاله ابن حجر في (التلخيص).\nثم قال: قلت: ورواه البزار، والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. انتهى.\nوبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذًا من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حيًا وميتًا فهو طاهر، ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. وعلي القولين جميعًا تثبت الحرمة؛ لأن الصبي قد يتغذي به كما يتغذي من الحية. وذلك أن رسول الله - ﷺ - قال: \"الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم\"، ولم يخص - انتهى كلام القرطبي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-695> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا</span>. .﴾ الآية.","vol":"3","page":368},{"text":"جمهور العلماء على أن المراد بالسكر في هذه الآية الكريمة: الخمر؛ لأن العرب تطلق اسم السكر على ما يحصل به السكر، من إطلاق المصدر وإرادة الاسم. والعرب تقول: سكر \"بالكسر\" سكرًا \"بفتحتين\" وسكرًا \"بضم فسكون\".\nوقال الزمخشري في الكشاف: والسكر: الخمر، سميت بالمصدر من سكر وسكرًا وسكرًا، نحو رشد رشدًا ورشدًا. قال:\nوجاءونا بهم سكر علينا ... فأجلى اليومُ والسكران صاحي اهـ\nومن إطلاق السكر على الخمر قول الشاعر:\nبئس الصحاة وبئس الشرب شربهم ... إذا جرى فيهم المراء والسكر\nوممن قال بأن السكر في الآية الخمر: ابن عباس، وابن مسعود، وابن عمر، وأبو رزين، والحسن، ومجاهد، والشعبي، والنخعي، وابن أبي ليلى، والكلبي، وابن جبير، وأبو ثور، وغيرهم وقيل: السكر: الخل. وقيل: الطعم. وقيل: العصير الحلو.\nوإذا عرفت أن الصحيح هو مذهب الجمهور، وأن الله امتن على هذه الأمة بالخمر قبل تحريمها: فاعلم أن هذه الآية مكية، نزلت بعدها آيات مدنية بينت تحريم الخمر، وهي ثلاث آيات نزلت بعد هذه الآية الدالة على إباحة الخمر:\nالأولى: آية البقرة التي ذكر فيها بعض معائبها ومفاسدها، ولم يجزم فيها بالتحريم، وهي قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ وبعد نزولها تركها قوم للإثم الذي فيها، وشربها","vol":"3","page":369},{"text":"آخرون للمنافع التي فيها.\nالثانية: آية النساء الدالة على تحريمها في أوقات الصلوات، دون الأوقات التي يصحو فيها الشارب قبل وقت الصلاة، كما بين صلاة العشاء وصلاح الصبح، وما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى ..﴾ الآية.\nالثالثة: آية المائدة الدالة على تحريمها تحريمًا باتًا، وهي قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)  -إلى قوله-  فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾.\nوهذه الآية الكريمة تدل على تحريم الخمر أتم دلالة وأوضحها؛ لأنه تعالى صرح بأنها رجس، وأنها من عمل الشيطان، وأمر باجتنابها أمرًا جازمًا في قوله: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ واجتناب الشيء: هو التباعد عنه، بأن تكون في غير الجانب الذي هو فيه، وعلق رجاء الفلاح على اجتنابها في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ ويفهم منه: أنه من لم يجتنبها لم يفلح، وهو كذلك.\nثم بين بعض مفاسدها بقوله: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ﴾.\nثم أكد النهي عنها بأن أورده بصيغة الاستفهام في قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾؟ فهو أبلغ في الزجر من صيغة الأمر التي هي ﴿انْتَهَوْا﴾ وقد تقرر في فن المعاني: أن من معاني صيغة الاستفهام التي ترد لها الأمر؛ كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ","vol":"3","page":370},{"text":"أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية؛ أي أسلموا.\nوالجار والمجرور في قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ الآية -يتعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ وكرر لفظ \"من\" للتأكيد، وأفرد الضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ مراعاة للمذكور، أي: تتخذون منه، أي مما ذكر من ثمرات النخيل والأعناب، ونظيره قول رؤبة:\nفيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق\nفقوله: \"كأنه\" أي ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقيل: الضمير راجع إلى محذوف دل المقام عليه، أي: ومن عصير ثمرات النخيل والأعناب تتخذون منه، أي: عصير الثمرات المذكورة. وقيل: قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ﴾ معطوف على قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ أي: نسقيكم مما في بطونه ومن ثمرات النخيل. وقيل: يتعلق بـ ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ محذوفة دلت عليها الأولى؛ فيكون من عطف الجمل. وعلى الأول يكون من عطف المفردات إذا اشتركا في العامل. وقيل: معطوف على \"الأنعام\" وهو أضعفها عندي.\nوقال الطبري: التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون منه سكرًا، فحذف ﴿الْأَنْعَامِ﴾.\nقال أبو حيان في البحر: وهو لا يجوز على مذهب البصريين. وقيل: يجوز أن يكون صفة موصوف محذوف، أي: ومن ثمرات النخيل والأعناب ثمر تتخذون منه. ونظير هذا من كلام العرب قول الراجز:\nمالك عندي غير سوط وحجر ... وغير كبداء شديدة الوتر","vol":"3","page":371},{"text":"• جادت بكفي كان من أرمى البشر*\nأي بكفي رجل كان. إلخ ذكره الزمخشري وأبو حيان.\nقال مقيده عفا الله عنه: أظهر هذه الأقوال عندي: أن قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ﴾ يتعلق بـ ﴿تَتَّخِذُونَ﴾ أي: تتخذون من ثمرات النخيل، وأن \"من\" الثانية توكيد للأولى، والضمير في قوله: ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى جنس الثمر المفهوم من ذكر الثمرات، والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن التحقيق على مذهب الجمهور: أن هذه الآية الكريمة التي هي قوله جل وعلا: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ﴾ منسوخة بآية المائدة المذكورة. فما جزم به صاحب مراقي السعود فيه، وفي شرحه (نشر البنود) من أن تحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها الأولى بناء على أن إباحتها الأولى إباحة عقلية، والإباحة العقلية هي البراءة الأصلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي، وهي ليست من الأحكام الشرعية فرفعها ليس بنسخ، وقد بين في المراقي: أنها ليست من الأحكام الشرعية بقوله:\nوما من البراءة الأصلية ... قد أخذت فليست الشرعية\nوقال أيضًا في إباحة الخمر قبل التحريم:\nأباحها في أول الإسلام ... براءة ليست من الأحكام\nكل ذلك ليس بظاهر، بل غير صحيح؛ لأن إباحة الخمر قبل التحريم دلت عليها هذه الآية الكريمة، التي هي قوله: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ","vol":"3","page":372},{"text":"النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا﴾ الآية. وما دلت على إباحته آية من كتاب الله لا يصح أن يقال: إن إباحته عقلية، بل هي إباحة شرعية منصوصة في كتاب الله، فرفعها نسخ. نعم على القول بأن معنى السكر في الآية: الخل أو الطعم أو العصير، فتحريم الخمر ليس نسخًا لإباحتها، وإباحتها الأولى عقلية. وقد بينا هذا المبحث في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).\nفإن قيل: الآية واردة بصيغة الخبر، والأخبار لا يدخلها النسخ كما تقرر في الأصول.\nفالجواب: أن النسخ وارد على ما يفهم من الآية من إباحة الخمر، والإباحة حكم شرعي كسائر الأحكام قابل للنسخ؛ فليس النسخ واردًا على نفس الخمر، بل على الإباحة المفهومة من الخبر؛ كما حققه ابن العربي المالكي وغيره.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ أي: التمر والرطب، والعنب والزبيب، والعصير ونحو ذلك.\nتنبيه آخر\nاعلم: أن النبيذ الذي يسكر منه الكثير لا يجوز أن يشرب منه القليل الذي لا يسكر لقلته، وهذا مما لا شك فيه.\nفمن زعم جواز شرب القليل الذي لا يسكر منه كالحنفية وغيرهم فقد غلط غلطًا فاحشًا؛ لأن ما يسكر كثيره يصدق عليه بدلالة المطابقة أنه مسكر، والنبي - ﷺ - يقول: \"كل مسكر حرام\" وقد ثبت عنه في الصحيح - ﷺ - أنه قال: \"كل مسكر خمر، وكل","vol":"3","page":373},{"text":"خمر حرام\" ولو حاول الخصم أن ينازع في معنى هذه الأحاديث، فزعم أن القليل الذي لا يسكر يرتفع عنه اسم الإسكار فلا يلزم تحريمه.\nقلنا: صرح - ﷺ - بأن \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" وهذا نص صريح في محل النزاع لا يمكن معه كلام. وعن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله - ﷺ -: \"كل مسكر حرام، وما أسكر الفرق منه فملء الكف منه حرام\" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والترمذي وقال: حديث حسن. وعن ابن عمر عن النبي - ﷺ - قال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" رواه أحمد، وابن ماجه، والدارقطني وصححه. ولأبي داود، وابن ماجه، والترمذي مثله سواء من حديث جابر، وكذا لأحمد، والنسائي، وابن ماجه من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وكذلك للدارقطني من حديث الإمام على بن أبي طالب ﵁. وعن سعد بن أبي وقاص: أن النبي - ﷺ - \"نهى عن قليل ما أسكر كثيره\" رواه النسائي والدارقطني. وعن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - أتاه قوم فقالوا: يا رسول الله إنا ننبذ النبيذ فنشربه على غدائنا وعشائنا؟ فقال: \"اشربوا فكل مسكر حرام\" فقالوا: يا رسول الله، إنا نكسره بالماء؟ فقال: \"حرام قليل ما أسكر كثيره\" رواه الدارقطني. اهـ بواسطة نقل المجد في (منتقى الأخبار).\nفهذه الأحاديث لا لبس معها في تحريم قليل ما أسكر كثيره. قال ابن حجر في فتح الباري في شرح قوله - ﷺ - عند البخاري: \"كل شراب أسكر فهو حرام\" ما نصه: فعند أبي داود، والنسائي،","vol":"3","page":374},{"text":"وصححه ابن حبان من حديث جابر قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" وللنسائي من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده مثله، وسنده إلى عمرو صحيح. ولأبي داود من حديث عائشة مرفوعًا \"كل مسكر حرام، وما أسكر منه الفرق فملء الكف منه حرام\" ولابن حبان، والطحاوي من حديث عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه عن النبي - ﷺ - قال: \"أنهاكم عن قليل ما أسكر كثيره\" وقد اعترف الطحاوي بصحة هذه الأحاديث -إلى أن قال-: وجاء أيضًا عن على عند الدارقطني، وعن ابن عمر عند إسحاق، والطبراني، وعن خوات بن جبير عند الدارقطني، والحاكم، والطبراني، وعن زيد بن ثابت عن الدارقطني، وفي أسانيدها مقال؛ لكنها تزيد الأحاديث التي قبلها قوة وشهرة.\nقال أبو المظفر ابن السمعاني (وكان حنفيًّا فتحول شافعيًّا): ثبتت الأخبار عن النبي - ﷺ - في تحريم المسكر.\nثم ساق كثيرًا منها، ثم قال: والأخبار في ذلك كثيرة، ولا مساغ لأحد في العدول عنها والقول بخلافها؛ فإنها حجج قواطع. قال: وقد زل الكوفيون في هذا الباب، ورووا فيه أخبارًا معلولة، لا تعارض هذه الأخبار بحال. ومن ظن أن رسول الله - ﷺ - شرب مسكرًا فقد دخل في أمر عظيم، وباء بإثم كبير، وإنما الذي شربه كان حلوًا ولم يكن مسكرًا. وقد روى ثمامة بن حزن القشيري: أنه سأل عائشة عن النبيذ؟ فدعت جارية حبشية فقالت: سل هذه، فإنها كانت تنبذه لرسول الله - ﷺ -. فقالت الحبشية: كنت أنبذ له في سقاء من الليل، أوكئه وأعلقه فإذا أصبح شرب منه. أخرجه مسلم.","vol":"3","page":375},{"text":"وروى الحسن البصري عن أمه عن عائشة نحوه. ثم قال: فقياس النبيذ على الخمر بعلة الإسكار والاضطراب من أجل الأقيسة وأوضحها، والمفاسد التي توجد في الخمر توجد في النبيذ -إلى أن قال: وعلى الجملة، فالنصوص المصرحة بتحريم كل مسكر قل أو كثر مغنية عن القياس. والله أعلم.\nوقد قال عبد الله بن المبارك: لا يصح في حل النبيذ الذي يسكر كثيره عن الصحابة شيء ولا عن التابعين، إلا عن إبراهيم النخعي. انتهى محل الغرض من (فتح الباري) بحذف ما لا حاجة إليه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: تحريم قليل النبيذ الذي يسكر كثيره لا شك فيه، لما رأيت من تصريح النبي - ﷺ - بأن \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\".\nواعلم: أن قياس النبيذ المسكر كثيره على الخمر بجامع الإسكار لا يصح؛ لأن النبي - ﷺ - صرح بأن \"كل مسكر حرام\" والقياس يشترط فيه ألا يكون حكم الفرع منصوصًا عليه كحكم الأصل، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوحيثما يندرج الحكمان ... في النص فالأمران قل: سيان\nوقال ابن المنذر: وجاء أهل الكوفة بأخبار معلولة، وإذا اختلف الناس في الشيء وجب رد ذلك إلى كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-696> قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾</span> الآية. المراد بالإيحاء","vol":"3","page":376},{"text":"هنا: الإلهام. والعرب تطلق الإيحاء على الإعلام بالشيء في خفية، ولذا تطلقه على الإشارة، وعلى الكتابة، وعلى الإلهام. ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ أي: ألهمها.\nوقال: ﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾ الآية، أي: أشار إليهم. وسمى أمره للأرض إيحاء في قوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤) بِأَنَّ رَبَّكَ أَوْحَى لَهَا (٥)﴾ ومن إطلاق الوحي على الكتابة قول لبيد في معلقته:\nفمدافع الريان عري رسمها ... خلقًا كما ضمن الوحي سلامها\nفـ\"الوحي\" في البيت (بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء) جمع وحي بمعنى الكتابة. وسيأتي لهذه المسألة إن شاء الله زيادة إيضاح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-697> قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ قَدِيرٌ (٧٠)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس من يموت قبل بلوغ أرذل العمر، ومنهم من يعمر حتى يرد إلى أرذل العمر. وأرذل العمر آخره الذي تفسد فيه الحواس، ويختل فيه النطق والفكر، وخص بالرذيلة لأنه حالًا لا رجاء بعدها لإصلاح ما فسد؛ بخلاف حال الطفولة، فإنها حالة ينتقل منها إلى القوة وإدراك الأشياء. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في سورة الحج: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وقوله في الروم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ","vol":"3","page":377},{"text":"ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ الآية. وأشار إلى ذلك أيضًا بقوله: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ وقوله في سورة المؤمن: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾.\nوقال البخاري في صحيحه في الكلام على هذه الآية الكريمة: باب قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا هارون بن موسى أبو عبد الله الأعور، عن شعيب، عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: أن رسول الله - ﷺ - كان يدعو \"أعوذ بالله من البخل والكسل، وأرذل العمر، وعذاب القبر، وفتنة الدجال، وفتنة المحيا والممات\" اهـ.\nوعن على رضي الله تعالى عنه: أن أرذل العمر خمس وسبعون سنة. وعن قتادة: تسعون سنة. والظاهر أنه لا تحديد له بالسنين، وإنما هو باعتبار تفاوت حال الأشخاص؛ فقد يكون ابن خمس وسبعين أضعف بدنًا وعقلًا، وأشد خرفًا من آخر ابن تسعين سنة، وظاهر قول زهير في معلقته:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا لا أبا لك يسأم\nأن ابن الثمانين بالغ أرذل العمر، ويدل له قول الآخر:\nإن الثمانين وبلغتها ... قد أحوجت سمعي إلى ترجمان\nوقوله: ﴿لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ﴾ أي يرد إلى أرذل العمر، لأجل أن يزول ما كان يعلم من العلم أيام الشباب، ويبقى لا يدري شيئًا، لذهاب إدراكه بسبب الخرف. ولله في ذلك حكمة.","vol":"3","page":378},{"text":"وقال بعض العلماء: إن العلماء العاملين لا ينالهم هذا الخرف، وضياع العلم والعقل من شدة الكبر؛ ويستروح لهذا المعنى من بعض التفسيرات في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-698> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾</span>.\nأظهر التفسيرات في هذه الآية الكريمة: أن الله ضرب فيها مثلًا للكفار، بأنه فضل بعض الناس على بعض في الرزق، ومن ذلك تفضيله المالكين على المملوكين في الرزق، وأن المالكين لا يرضون لأنفسهم أن يكون المملوكون شركاءهم فيما رزقهم الله من الأموال والنساء وجميع نعم الله. ومع هذا يجعلون الأصنام شركاء لله في حقه على خلقه، الذي هو إخلاص العبادة له وحده، أي: إذا كنتم لا ترضون بإشراك عبيدكم معكم في أموالكم ونسائكم، فكيف تشركون عبيدي معي في سلطاني!.\nويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ﴾ الآية. ويؤيده أن \"ما\" في قوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ نافية، أي: ليسوا برادي رزقهم عليهم حتى يسووهم مع أنفسهم اهـ.\nفإذا كانوا يكرهون هذا لأنفسهم، فكيف يشركون الأوثان مع الله في عبادته! مع اعترافهم بأنها ملكه، كما كانوا يقولون في","vol":"3","page":379},{"text":"تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.\nوهذه الآية الكريمة نص صريح في إبطال مذهب الاشتراكية القائل بأنه لا يكون أحد أفضل من أحد في الرزق، ولله في تفضيل بعضهم على بعض في الرزق حكمة؛ قال تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ الآية، وقال: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقال: ﴿عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي معنى هذه الآية الكريمة قولان آخران:\nأحدهما: أن معناها أنه جعلكم متفاوتين في الرزق؛ فرزقكم أفضل مما رزق مماليككم، وهم بشر مثلكم وإخوانكم، فكان ينبغي أن تردوا فضل ما رزقتموه عليهم، حتى تتساووا في الملبس والمطعم؛ كما ثبت عن النبي - ﷺ -: أنه أمر مالكي العبيد \"أن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون\" وعلى هذا القول فقوله تعالى: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ لوم لهم، وتقريع على ذلك.\nالقول الثاني: أن معنى الآية: أنه جل وعلا هو رازق المالكين والمملوكين جميعًا، فهم في رزقه سواء، فلا يحسبن المالكون أنهم يردون على مماليكهم شيئًا من الرزق، فإنما ذلك رزق الله يجريه لهم على أيديهم. والقول الأول هو الأظهر وعليه جمهور العلماء، ويدل له القرآن كما بينا. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله: ﴿أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (٧١)﴾ إنكار من الله عليهم جحودهم بنعمته؛ لأن الكافر يستعمل نعم الله في معصية الله،","vol":"3","page":380},{"text":"فيستعين بكل ما أنعم به عليه على معصيته، فإنه يرزقهم ويعافيهم، وهم يعبدون غيره. وجحد: تتعدى بالباء في اللغة العربية، كقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾ والجحود بالنعمة هو كفرانها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-699> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾</span> الآية.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه امتن على بني آدم أعظم منة بأن جعل لهم من أنفسهم أزواجًا من جنسهم وشكلهم، ولو جعل الأزواج من نوع آخر ما حصل الائتلاف والمودة والرحمة، ولكن من رحمته خلق من بني آدم ذكورًا وإناثًا، وجعل الإناث أزواجًا للذكور، وهذا من أعظم المنن، كما أنه من أعظم الآيات الدالة على أنه جل وعلا هو المستحق أن يعبد وحده. وأوضح في غير هذا الموضع: أن هذه نعمة عظيمة، وأنها من آياته جل وعلا، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾. وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية.\nواختلف العلماء في المراد بالحفدة في هذه الآية الكريمة، فقال جماعة من العلماء الحفدة: أولاد الأولاد، أي: وجعل لكم من أزواجكم بنين، ومن البنين حفدة. وقال بعض العلماء: الحفدة الأعوان والخدم مطلقًا، ومنه قول جميل:","vol":"3","page":381},{"text":"حفد الولائد حولهن وأسلمت ... بأكفهن أزمة الأجمال\nأي: أسرعت الولائد الخدمة، والولائد الخدم، الواحدة وليدة، ومنه قول الأعشى:\nكلفت مجهولها نوقًا يمانية ... إذا الحداة على أكسائها حفدوا\nأي: أسرعوا في الخدمة. ومنه قوله في سورة الحفد التي نسخت: \"وإليك ونسعى ونحفد\" أي: نسرع في طاعتك.\nوسورة الخلع وسورة الحفد اللتان نسختا يسن عند المالكية القنوت بهما في صلاة الصبح كما هو معروف.\nوقيل: الحفدة الأختان، وهم أزواج البنات، ومنه قول الشاعر:\nفلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت ... لها حفد مما يعد كثير\nولكنها نفس علي أبية ... عيوف لإصهار اللئام قذور\nوالقذور: التي تنزه عن الوقوع فيما لا ينبغي، تباعدًا عن التدنس بقذره.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الحفدة: جمع حافد، اسم فاعل من الحفد، وهو الإسراع في الخدمة والعمل. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة قول بعض العلماء في الآية، فنبين ذلك.\nوفي هذه الآية الكريمة قرينة دالة على أن الحفدة أولاد الأولاد؛ لأن قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾  دليل","vol":"3","page":382},{"text":"ظاهر على اشتراك البنين والحفدة في كونهم من أزواجهم، وذلك دليل على أنهم كلهم من أولاد أزواجهم. ودعوى أن قوله: ﴿وَحَفَدَةً﴾ معطوف على قوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾ غير ظاهرة، كما أن دعوى أنهم الأختان، وأن الأختان أزواج بناتهم، وبناتهم من أزواجهم، وغير ذلك من الأقوال، كله غير ظاهر، وظاهر القرآن هو ما ذكر، وهو اختيار ابن العربي المالكي، والقرطبي وغيرهما. ومعلوم أن أولاد الرجل، وأولاد أولاده من خدمه المسرعين في خدمته عادة. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nفي قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية - رد على العرب التي كانت تعتقد أنها كانت تزوج الجن وتباضعها، حتى روي أن عمرو بن يربوع بن حنظلة بن مالك تزوج سعلاة منهم، وكان يخبؤها عن سنا البرق لئلا تراه فتنفر، فلما كان في بعض الليالي لمع البرق وعاينته السعلاة، فقالت: عمرو! ونفرت، فلم يرها أبدًا، ولذا قال علباء بن أرقم يهجو أولاد عمرو المذكور:\nألا لَحَى الله بني السعلاة ... عمرو بن يربوع لئام النات\n\n• ليسوا بأعفاف ولا أكيات*\nوقوله \"النات\" أصله \"الناس\" أبدلت فيه السين تاء، وكذلك قوله \"أكيات\" أصله \"أكياس\" جمع كيس، أبدلت فيه السين تاء أيضًا.","vol":"3","page":383},{"text":"وقال المعري يصف مراكب إبل متغربة عن الأوطان، إذا رأت لمعان البرق تشتاق إلى أوطانها؛ فزعم أنه يستر عنها البرق لئلا يشوقها إلى أوطانها كما كان عمرو يستره عن سعلاته:\nإذا لاح إيماض سترت وجوهها ... كأني عمرو والمطي سعالي\nوالسعلاة: عجوز الجن. وقد روي من حديث أبي هريرة: أن النبي - ﷺ - قال: \"أحد أبوي بلقيس كان جنيًا\".\nقال صاحب الجامع الصغير: أخرجه أبو الشيخ في العظمة، وابن مردويه في التفسير، وابن عساكر.\nوقال شارحه المناوي: في إسناده سعيد بن بشر. قال في الميزان عن ابن معين: ضعيف. وعن ابن مسهر: لم يكن ببلدنا أحفظ منه، وهو ضعيف منكر الحديث، ثم ساق من مناكيره هذا الخبر اهـ. وبشير بن نهيك أورده الذهبي في الضعفاء. وقال أبو حاتم: لا يحتج به. ووثقه النسائي. انتهى.\nوقال المناوي في شرح حديث \"أحد أبوي بلقيس كان جنيًّا\" قال قتادة: ولهذا كان مؤخر قدميها كحافر الدابة.\nوجاء في آثار: أن الجني الأم، وذلك أن أباها ملك اليمن خرج ليصيد فعطش، فرفع له خباء فيه شيخ فاستسقاه، فقال: يا حسنة اسقي عمك؛ فخرجت كأنها شمس بيدها كأس من ياقوت، فخطبها من أبيها، فذكر أنه جني، وزوجها منه بشرط أنه إن سألها عن شيء عملته فهو طلاقها، فأتت منه بولد ذكر، ولم يذكر قبل ذلك، فذبحته فكرب لذلك، وخاف أن يسألها فتبين منه، ثم أتت","vol":"3","page":384},{"text":"ببلقيس فأظهرت البشر فاغتم فلم يملك أن سألها، فقالت: هذا جزائي منك! باشرت قتل ولدي من أجلك! وذلك أن أبي يسترق السمع فسمع الملائكة تقول: إن الولد إذا بلغ الحلم ذبحك، ثم استرق السمع في هذه فسمعهم يعظمون شأنها، ويصفون ملكها، وهذا فراق بيني وبينك؛ فلم يرها بعد. هذا محصول ما رواه ابن عساكر عن يحيى الغساني اهـ. من شرح المناوي للجامع الصغير.\nوقال القرطبي في تفسير \"سورة النحل\": كان أبو بلقيس وهو السرح بن الهداهد بن شراحيل، ملكًا عظيم الشأن، وكان يقول لملوك الأطراف: ليس أحد منكم كفأ لي، وأبى أن يتزوج منهم؛ فزوجوه امرأة من الجن يقال لها: ريحانة بنت السكن، فولدت له بلقمة وهي بلقيس، ولم يكن له ولد غيرها.\nوقال أبو هريرة: قال النبي - ﷺ -: \"كان أحد أبوي بلقيس جنيًا -إلى أن قال:- ويقال: إن سبب تزوج أبيها من الجن أنه كان وزيرًا لملك عات، يغتصب نساء الرعية، وكان الوزير غيورًا فلم يتزوج؛ فصحب مرة في الطريق رجلًا لا يعرفه فقال: هل لك من زوجة؟ فقال: لا أتزوج أبدًا؛ فإن ملك بلدنا يغتصب النساء من أزواجهن. فقال: لئن تزوجت ابنتي لا يغتصبها أبدًا. قال: بل يغتصبها! قال: إنا قوم من الجن لا يقدر علينا، فتزوج ابنته فولدت له بلقيس - إلى غير ذلك من الروايات.\nوقال القرطبي أيضًا: وروى وهب بن جرير بن حازم، عن الخليل بن أحمد، عن عثمان بن حاضر، قال: كانت أم بلقيس من الجن، يقال لها: بلعمة بنت شيصان.","vol":"3","page":385},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن الحديث الوارد في كون أحد أبوي بلقيس جنيًا ضعيف، وكذلك الآثار الواردة في ذلك ليس منها شيء يثبت.\nمسألة\nاختلف العلماء في جواز المناكحة بين بني آدم والجن، فمنعها جماعة من أهل العلم، وأباحها بعضهم.\nقال المناوي (في شرح الجامع الصغير): ففي الفتاوى السراجية للحنفية: لا تجوز المناكحة بين الإنس والجن وإنسان الماء، لاختلاف الجنس. وفي فتاوى البارزي من الشافعية: لا يجوز التناكح بينهما. ورجح ابن العماد جوازه اهـ.\nوقال الماوردي: وهذا مستنكر للعقول، لتباين الجنسين، واختلاف الطبعين، إذ الآدمي جسماني، والجني روحاني، وهذا من صلصال كالفخار، وذلك من مارج من نار، والامتزاج مع هذا التباين مدفوع، والتناسل مع هذا الاختلاف ممنوع اهـ. وقال ابن العربي المالكي: نكاحهم جائز عقلًا؛ فإن صح نقلًا فبها ونعمت.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لا أعلم في كتاب الله ولا في سنة نبيه - ﷺ - نصًّا يدل على جواز مناكحة الإنس الجن، بل الذي يستروح من ظواهر الآيات عدم جوازه. فقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية. ممتنًا على بني آدم بأن أزواجهم من نوعهم وجنسهم - يفهم منه أنه ما جعل لهم أزواجًا","vol":"3","page":386},{"text":"تباينهم كمباينة الإنس للجن، وهو ظاهر.\nويؤيده قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ فقوله: ﴿أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ في معرض الامتنان -يدل على أنه ما خلق لهم أزواجًا من غير أنفسهم.\nويؤيد ذلك ما تقرر في الأصول من \"أن النكرة في سياق الامتنان تعم\" فقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ جمع منكر في سياق الامتنان فهو يعم، وإذا عم دل ذلك على حصر الأزواج لنا فيما هو من أنفسنا، أي: من نوعنا وشكلنا، مع أن قومًا من أهل الأصول زعموا \"أن الجموع المنكرة في سياق الإثبات من صيغ العموم\" والتحقيق أنها في سياق الإثبات لا تعم، وعليه درج في مراقي السعود حيث قال في تعداده للمسائل التي عدم العموم فيها أصح:\nمنه منكر الجموع عرفًا ... وكان والذي عليه انعطفا\nأما في سياق الامتنان فالنكرة تعم. وقد تقرر في الأصول \"أن النكرة في سياق الامتنان تعم\" كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا﴾ أي: فكل ماء نازل من السماء طهور، وكذلك النكرة في سياق النفي أو الشرط أو النهي؛ كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا﴾ الآية. ويستأنس لهذا بقوله: ﴿وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ فإنه يدل في الجملة على أن تركهم ما خلق الله لهم من أزواجهم، وتعديه إلى غيره يستوجب الملام، وإن","vol":"3","page":387},{"text":"كان أصل التوبيخ والتقريع على فاحشة اللواط؛ لأن أول الكلام: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ﴾ فإنه وبخهم على أمرين:\nأحدهما: إتيان الذكور. والثاني: ترك ما خلق لهم ربهم من أزواجهم.\nوقد دلت الآيات المتقدمة على أن ما خلق لهم من أزواجهم هو الكائن من أنفسهم، أي: من نوعهم وشكلهم، كقوله: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية، فيفيد أنه لم يجعل لهم أزواجًا من غير أنفسهم، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-700> قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعبدون من دون الله ما لا يملك لهم رزقًا من السماوات بإنزال المطر، ولا من الأرض بإنبات النبات، وأكد عجز معبوداتهم عن ذلك بأنهم لا يستطيعون، أي: لا يملكون أن يرزقوا. والاستطاعة منفية عنهم أصلًا؛ لأنهم جماد ليس فيه قابلية استطاعة شيء.\nويفهم من الآية الكريمة: أنه لا يصح أن يعبد إلا من يرزق الخلق؛ لأن أكلهم رزقه، وعبادتهم غيره كفر ظاهر لكل عاقل. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية الكريمة بينه جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا وَتَخْلُقُونَ إِفْكًا إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾","vol":"3","page":388},{"text":"وقوله: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وقوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾ وقوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nفي قوله: ﴿شَيْئًا﴾ هو في هذه الآية الكريمة ثلاثة أوجه من الإعراب:\nالأول: أن قوله: ﴿رِزْقًا﴾ مصدر، وأن: ﴿شَيْئًا﴾ مفعول به لهذا المصدر، أي: ويعبدون من دون الله ما لا يملك أن يرزقهم شيئًا من الرزق.\nونظير هذا الإعراب قوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ الآية. فقوله: ﴿يَتِيمًا﴾ مفعول به للمصدر الذي هو إطعام؛ أي: أن يطعم يتيمًا ذا مقربة. ونظيره من كلام العرب قول المرار ابن منقذ التيمي:\nيضرب بالسيوف رؤوس قوم ... أزلنا هامهن عن المقيل\nفقوله: \"رؤوس قوم\" مفعول به للمصدر المنكر الذي هو قوله: \"بضرب\" وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله:","vol":"3","page":389},{"text":"بفعله المصدر ألحق في العمل ... مضافًا أو مجردًا أو مع أل\nالوجه الثاني: أن قوله: ﴿شَيْئًا﴾ بدل من قوله: ﴿رِزْقًا﴾ بناء على أن المراد بالرزق هو ما يرزقه الله عباده، لا المعنى المصدري.\nالوجه الثالث: أن يكون قوله: ﴿شَيْئًا﴾ ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَمْلِكُ﴾ أي: لا يملك شيئًا من الملك، بمعنى لا يملك ملكًا قليلًا أن يرزقهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-701> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَالَ﴾</span> نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة خلقه أن يضربوا له الأمثال، أي: يجعلوا له أشباها ونظراء من خلقه، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرا!.\nوبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-702> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُ السَّاعَةِ إِلَّا كَلَمْحِ الْبَصَرِ﴾</span> الآية. أظهر الأقوال فيها: أن المعنى أن الله إذا أراد الإتيان بها فهو قادر على أن يأتي بها في أسرع من لمح البصر؛ لأنه يقول للشيء كن فيكون. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾.\nوقال بعض العلماء: المعنى هي قريب عنده تعالى كلمح البصر وإن كانت بعيدًا عندكم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧)﴾ وقال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾","vol":"3","page":390},{"text":"واختار أبو حيان في البحر المحيط أن ﴿أَوْ﴾ في قوله: ﴿أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ للإيهام على المخاطب، وتبع في ذلك الزجاج، قال: ونظيره: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧)﴾ وقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-703> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخرج بني آدم من بطون أمهاتهم لا يعلمون شيئًا، وجعل لهم الأسماع والأبصار والأفئدة، لأجل أن يشكروا له نعمه. وقد قدمنا: أن \"لعل\" للتعليل. ولم يبين هنا هل شكروا أو لم يشكروا، ولكنه بين في مواضع أخر: أن أكثرهم لم يشكروا، كما قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)﴾ وقال: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nلم يأت السمع في القرآن مجموعًا، وإنما يأتي فيه بصيغة الإفراد دائمًا، مع أنه يجمع ما يذكر معه كالأفئدة والأبصار.\nوأظهر الأقوال في نكتة إفراده دائمًا: أن أصله مصدر سمع سمعًا، والمصدر إذا جعل اسمًا ذكر وأفرد؛ كما قال في الخلاصة:\nونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-704> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾</span> ذكر جل وعلا في","vol":"3","page":391},{"text":"هذه الآية الكريمة: أن تسخيره الطير في جو السماء ما يمسكها إلا هو - من آياته الدالة على قدرته، واستحقاقه لأن يعبد وحده. وأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)﴾.\nتنبيه\nلم يذكر علماء العربية الفعل بفتح فسكون من صيغ جموع التكسير.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية: أن الفعل -بفتح فسكون- جمع تكسير لفاعل وصفًا لكثرة وروده في اللغة جمعًا له؛ كقوله هنا: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ﴾ فالطير جمع طائر، وكالصحب فإنه جمع صاحب؛ قال امرؤ القيس:\nوقوفًا بها صَحْبي عليَّ مطيهم ... يقولون لا تهلك أسًى وتجمل\nفقوله \"صَحْبي\" أي: أصحابي، وكالرَّكْب فإنه جمع راكب؛ قال تعالى: ﴿وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ﴾ وقال ذو الرمة:\nأستحدث الركب عن أشياعهم خبرًا ... أم راجع القلب من أطرابه طرب\nفالركب جمع راكب. وقد رد عليه ضمير الجماعة في قوله \"عن أشياعهم\"، وكالشرب فإنه جمع شارب، ومنه قول نابغة ذبيان:\nكأنه خارجًا من جنب صفحته ... سفود شرب نسوه عند مفتأد\nفإنه رد على الشرب ضمير الجماعة في قوله: \"نسوه\" إلخ","vol":"3","page":392},{"text":"وكالسفر فإنه جمع سافر؛ ومنه حديث: \"أتموا فإنا قوم سفر\". وقول الشنفرى:\nكأن وغاها حَجْرتيه وحوله ... أضاميم من سَفْر القبائل نُزَّل\nوكالرجل جمع راجل؛ ومنه قراءة الجمهور ﴿وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ﴾ بسكون الجيم. وأما على قراءة حفص عن عاصم بكسر الجيم فالظاهر أن كسرة الجيم إتباع لكسرة اللام؛ فمعناه معنى قراءة الجمهور. ونحو هذا كثير جدًا في كلام العرب، فلا نطيل به الكلام. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-705> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾</span> الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة منته على خلقه؛ بأنه جعل لهم سرابيل تقيهم الحر، أي: والبرد؛ لأن ما يلقى الحر من اللباس يقي البرد. والمراد بهذه السرابيل: القمصان ونحوها من ثياب القطن والكتان والصوف.\nوقد بين هذه النعمة الكبرى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا﴾ الآية، وقوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. أي: وتلك الزينة هي ما خلق الله لهم من اللباس الحسن. وقوله هنا: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ المراد بها الدروع ونحوها، مما يقي لابسه وقع السلاح، ويسلمه من بأسه.\nوقد بين أيضًا هذه النعمة الكبرى، واستحقاق من أنعم بها لأن يشكر له في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ","vol":"3","page":393},{"text":"لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ وإطلاق السرابيل على الدروع ونحوها معروف. ومنه قول كعب بن زهير:\nشم العرانين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-706> قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾</span> الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يعرفون نعمة الله؛ لأنهم يعلمون أنه هو الذي يرزقهم ويعافيهم، ويدبر شئونهم، ثم ينكرون هذه النعمة، فيعبدون معه غيره، ويسوونه بما لا ينفع ولا يضر، ولا يغني شيئًا.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ فقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ دليل على معرفتهم نعمته. وقوله: ﴿فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ دليل على إنكارهم لها. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوروي عن مجاهد: أن سبب نزول هذه الآية الكريمة: أن أعرابيًّا أتى النبي - ﷺ - فسأله، فقرأ عليه رسول الله - ﷺ -: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا﴾ فقال الأعرابي: نعم! قال: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا﴾ الآية. قال الأعرابي: نعم، ثم قرأ عليه كل ذلك يقول الأعرابي: نعم! حتى بلغ: ﴿كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ (٨١)﴾ فولى الأعرابي، فأنزل الله: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية.","vol":"3","page":394},{"text":"وعن السدي ﵀: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ﴾ أي: نبوة محمد - ﷺ - ثم ينكرونها، أي يكذبونه وينكرون صدقه.\nوقد بين جل وعلا: أن بعثه نبيه - ﷺ - فيهم من منن الله عليهم، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. وبين في موضع آخر: أنهم قابلوا هذه النعمة بالكفران. وذلك في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾. وقيل: يعرفون نعمة الله في الشدة، ثم ينكرونها في الرخاء. وقد تقدمت الآيات الدالة على ذلك، كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ ونحوها من الآيات - إلى غير ذلك من الأقوال في الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ﴾ قال بعض العلماء: معناه أنهم كلهم كافرون، أطلق الأكثر وأراد الكل. قاله القرطبي والشوكاني.\nوقال الشوكاني: أو أراد بالأكثر العقلاء دون الأطفال ونحوهم، أو أراد كفر الجحود، ولم يكن كفر كلهم كذلك، بل كان كفر بعضهم كفر جهل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-707> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾</span> لم يبين تعالى في هذه الآية الكريمة متعلق الإذن في قوله: ﴿لَا يُؤْذَنُ﴾ ولكنه بين في (المرسلات) أن متعلق الإذن الاعتذار، أي: لا يؤذن لهم في الاعتذار؛ لأنهم ليسِ لهم عذر يصح قبوله، وذلك في قوله: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾.","vol":"3","page":395},{"text":"فإن قيل: ما وجعه الجمع بين نفي اعتذارهم المذكور هنا، وبين ما جاء في القرآن من اعتذارهم، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيْئًا﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nفالجواب: من أوجه.\nمنها: أنهم يعتذرون حتى إذا قيل لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ انقطع نطقهم ولم يبق إلا الزفير والشهيق، كما قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾.\nومنها: أن نفي اعتذارهم يراد به اعتذار فيه فائدة. أما الاعتذار الذي لا فائدة فيه فهو كالعدم، يصدق عليه في لغة العرب: أنه ليس بشيء، ولذا صرح تعالى بأن المنافقين بكم في قوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ﴾ مع قوله عنهم: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم، وقال عنهم أيضًا: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فهذا الذي ذكره جل وعلا من فصاحتهم وحدة ألسنتهم، مع تصريحه بأنهم بكم - يدل على أن الكلام الذي لا فائدة فيه كلا شيء، كما هو واضح.\nوقال هبيرة بن أبي وهب المخزومي:\nوإن كلام المرء في غير كنهه ... لكالنبل تهوي ليس فيها نصالها\nوقد بينا هذا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في مواضع منه.\nوالترتيب بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَا","vol":"3","page":396},{"text":"يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ على قوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا﴾ لأجل الدلالة على أن ابتلاءهم بالمنع من الاعتذار المشعر بالإقناط الكلي أشد من ابتلائهم بشهادة الأنبياء عليهم بكفرهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-708> قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾</span> اعلم أولًا: أن استعتب تستعمل في اللغة بمعنى طلب العتبى، أي: الرجوع إلى ما يرضي العائب ويسره. وتستعمل أيضًا في اللغة بمعنى أعتب: إذا أعطى العتبى، أي: رجع إلى ما يحب العائب ويرضى، فإذا علمت ذلك: فاعلم أن قوله: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ وجهين من التفسير متقاربي المعنى.\nقال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: لا تطلب منهم العتبى، بمعنى لا يكلفون أن يرضوا ربهم؛ لأن الآخرة ليست بدار تكليف، فلا يردون إلى الدنيا ليتوبوا.\nوقال بعض العلماء: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ﴾ أي: يعتبون، بمعنى يزال عنهم العتب، ويعطون العتبى وهي الرضا؛ لأن الله لا يرضى عن القوم الكافرين. وهذا المعنى كقوله تعالى في قراءة الجمهور: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ أي: وإن يطلبوا العتبى -وهي الرضا عنهم لشدة جزعهم- فما هم من المعتبين، بصيغة اسم المفعول، أي: المعطين العتبى، وهي الرضا عنهم؛ لأن العرب تقول: أعتبه إذا رجع إلى ما يرضيه ويسره، ومنه قول أبو ذؤيب الهذلي:\nأمِنَ المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمُعْتِب من يجزع","vol":"3","page":397},{"text":"أي: لا يرجع الدهر إلى مسرة من جزع ورضا. وقول النابغة:\nفإن كنت مظلومًا فعبد ظلمته ... وإن كنت ذا عتبى فمثلك يعتب\nوأما قول بشر بن أبي خازم:\nغضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم التسار فأعتبوا بالصيلم\nيعني أعتبناهم بالسيف، أي أرضيناهم بالقتل، فهو من قبيل التهكُم، كقول عمرو بن معدي كرب:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحية بينهم ضرب وجيع\nلأن القتل ليس بإرضاء، والضرب الوجيع ليس بتحية.\nوأما على قراءة من قرأ: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا﴾ بالبناء للمفعول: ﴿فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ﴾ بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنهم لو طلبت منهم العتبى وردوا إلى الدنيا ليعملوا بطاعة الله وطاعة رسله، فما هم من المعتبين، أي: الراجعين إلى ما يرضي ربهم، بل يرجعون إلى كفرهم الذي كانوا عليه أولًا. وهذه القراءة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-709> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ ظَلَمُوا الْعَذَابَ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا العذاب لا يخفف عنهم، ولا ينظرون، أي: لا يمهلون، وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، وبين أنهم يرون النار، وأنها تراهم، وأنها تكاد تتقطع من شدة الغيظ عليهم؛ كقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ","vol":"3","page":398},{"text":"ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩) بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾ وقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾ وقوله: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-710> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المشركين يوم القيامة إذا رأوا معبوداتهم التي كانوا يشركونها بالله في عبادته قالوا لربهم: ربنا هؤلاء شركاؤنا الذين كنا ندعو من دونك! وأن معبوداتهم تكذبهم في ذلك فيقولون لهم: كذبتم! ما كنتم إيانا تعبدون!.\nوأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nفإن قيل: كيف كذبتهم آلهتهم ونفوا أنهم عبدوهم، مع أن","vol":"3","page":399},{"text":"الواقع خلاف ما قالوا، وأنهم كانوا يعبدونهم في دار الدنيا من دون الله!.\nفالجواب: أن تكذيبهم لهم منصب على زعمهم أنهم آلهة، وأن عبادتهم حق وأنها تقربهم إلى الله زلفى. ولا شك أن كل ذلك من أعظم الكذب وأشنع الافتراء، ولذلك هم صادقون فيما ألقوا إليهم من القول، ونطقوا فيه بأنهم كاذبون. ومراد الكفار بقولهم لربهم: هؤلاء شركاؤنا، قيل: ليحملوا شركاءهم تبعة ذنبهم. وقيل: ليكونوا شركاءهم فيم العذاب، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾\nوقد نص تعالى على أنهم وما يعبدونه من دون الله في النار جميعًا في قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾ الآية. وأخرج من ذلك الملائكة وعيسى وعزيرًا بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ الآية؛ لأنهم ما عبدوهم برضاهم، بل لو أطاعوهم لأخلصوا العبادة لله وحده جل وعلا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-711> قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٨٧)﴾</span> وإلقاؤهم إلى الله السلم: هو انقيادهم له، وخضوعهم، حيث لا ينفعهم ذلك كما تقدم في قوله: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ والآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله: ﴿بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ وقوله: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾.","vol":"3","page":400},{"text":"وقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ أي: غاب عنهم واضمحل ما كانوا يفترونه: من أن شركائهم تشفع لهم وتقربهم إلى الله زلفى، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، وكقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ وضلال ذلك عنهم مذكور في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾ وقوله: ﴿فَعَلِمُوا أَنَّ الْحَقَّ لِلَّهِ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٧٥)﴾ وقد قدمنا معاني \"الضلال\" في القرآن وفي اللغة بشواهدها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-712> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾</span> اعلم أولًا أن \"صد\" تستعمل في اللغة العربية استعمالين:\nأحدهما: أن تستعمل متعدية إلى المفعول، كقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية، ومضارع هذه المتعدية \"يصد\" بالضم على القياس، ومصدرها \"الصد\" على القياس أيضًا.\nوالثاني: أن تستعمل \"صد\" لازمة غير متعدية إلى المفعول، ومصدر هذه \"الصدود\" على القياس، وفي مضارعها الكسر على القياس، والضم على السماع، وعليهما القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ﴾ بالكسر والضم.\nفإذا عرفت ذلك: فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ محتمل لأن تكون \"صد\" متعدية، والمفعول محذوف لدلالة المقام عليه، على حد قوله في الخلاصة:","vol":"3","page":401},{"text":"وحذف فضلة أجز إن لم يضر ... كحذف ما سيق جوابًا أو حصر\nومحتمل لأن تكون \"صد\" لازمة غير متعدية إلى المفعول. ولكن في الآية الكريمة ثلاث قرائن تدل على أن \"صد\" متعدية، والمفعول محذوف، أي: وصدوا الناس عن سبيل الله.\nالأولى: أنا لو قدرنا \"صد\" لازمة، وأن معناها: صدودهم في أنفسهم عن الإسلام: لكان ذلك تكرارًا من غير فائدة مع قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بل معنى الآية: كفروا في أنفسهم، وصدوا غيرهم عن الدين فحملوه على الكفر أيضًا.\nالقرينة الثانية: قوله تعالى: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ فإن هذه الزيادة من العذاب لأجل إضلالهم غيرهم، والعذاب المزيدة فوقه: هو عذابهم على كفرهم في أنفسهم، بدليل قوله في المضلين الذين أضلوا غيرهم: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه.\nالقرينة الثالثة: قوله: ﴿بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾ فإنه يدل على أنهم كانوا يفسدون على غيرهم مع ضلالهم في أنفسهم، وقوله: ﴿فَوْقَ الْعَذَابِ﴾ أي: الذي استحقوه بضلالهم وكفرهم.\nوعن ابن مسعود: أن هذا العذاب المزيد: عقارب أنيابها كالنخل الطوال، وحيات مثل أعناق الإبل، وأفاعي كأنها البخاتي تضربهم. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها! العلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ","vol":"3","page":402},{"text":"وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة يبعث في كل أمة شهيدًا عليهم من أنفسهم يشهد عليهم بما أجابوا به رسولهم، وأنه يأتي بنبينا - ﷺ - شاهدًا علينا. وبين هذا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ﴾ الآية، وكقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾ وكقوله: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما عن ابن مسعود ﵁ أنه قال له رسول الله - ﷺ -: \"اقرأ على\" قال: فقلت: يا رسول الله، أأقرأ عليك وعليك أنزل؟! قال: \"نعم. إني أحب أن أسمعه من غيري\" فقرأت \"سورة النساء\" حتى أتيت إلى هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ وفقال: \"حسبك الآن\" فإذا عيناه تذرفان اهـ.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ﴾ منصوب، بـ\"اذكر\" مقدرًا. والشهيد في هذه الآية فعيل بمعنى فاعل، أي: شاهدًا عليهم من أنفسهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-713> قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه نزل على رسوله هذا الكتاب العظيم تبيانًا لكل شيء. وبين ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ على القول بأن المراد بالكتاب فيها القرآن. أما على القول بأنه اللوح المحفوظ: فلا بيان بالآية. وعلى","vol":"3","page":403},{"text":"كل حال فلا شك أن القرآن فيه بيان كل شيء. والسنة كلها تدخل في آية واحدة منه، وهي قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nوقال السيوطي في \"الإكليل في استنباط التنزيل\" قال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقال: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ وقال - ﷺ -: \"ستكون فتن. قيل: وما المخرج منها؟ قال: كتاب الله فيه نبأ ما قبلكم، وخبر ما بعدكم، وحكم ما بينكم\". أخرجه الترمذي وغيره.\nوقال سعيد بن منصور في سننه: حدثنا خديج بن معاوية، عن أبي إسحاق، عن مرة، عن ابن مسعود قال: من أراد العلم فعليه بالقرآن، فإن فيه خبر الأولين والآخرين.\nقال البيهقي: أراد به أصول العلم.\nوقال الحسن البصري: أنزل الله مائة وأربعة كتب، أودع علومها أربعة: التوراة، والإنجيل، والزبور، والفرقان، ثم أودع علوم المفصل، فاتحة الكتاب، فمن علم تفسيرها كان كمن علم تفسير الكتب المنزلة. أخرجه البيهقي \"في الشعب\".\nوقال الإمام الشافعي ﵁: جميع ما تقوله الأمة شرح للسنة، وجميع شرح السنة شرح للقرآن.\nوقال بعض السلف: ما سمعت حديثًا إلا التمست له آية من كتاب الله.\nوقال سعيد بن جبير: ما بلغني حديث عن رسول الله - ﷺ -","vol":"3","page":404},{"text":"على وجهه إلا وجدت مصداقه في كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن مسعود: إذا حدثتكم بحديث أنبأتكم بتصديقه من كتاب الله. أخرجه ابن أبي حاتم.\nوقال ابن مسعود أيضًا: أنزل في القرآن كل علم، وبين لنا فيه كل شيء، ولكن علمنا يقصر عما بين لنا في القرآن. أخرجه ابن جرير، وابن أبي حاتم.\nوأخرج أبو الشيخ في العظمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لو أغفل شيئًا لأغفل الذرة والخردلة والبعوضة\". وقال الشافعي أيضًا: جميع ما حكم به النبي - ﷺ - فهو مما فهمه من القرآن.\nقلت: ويؤيد هذا قوله - ﷺ -: \"إني لا أحل إلا ما أحل الله في كتابه، ولا أحرم إلا ما حرم الله في كتابه\" رواه بهذا اللفظ الطبراني في الأوسط من حديث عائشة.\nوقال الشافعي أيضًا: ليست تنزل بأحد في الدين نازلة إلا في كتاب الله الدليل على سبيل الهدى فيها.\nفإن قيل: من الأحكام ما ثبت ابتداء بالسنة؟\nقلنا: ذلك مأخوذ من كتاب الله في الحقيقة؛ لأن كتاب الله أوجب علينا اتباع الرسول - ﷺ -، وفرض علينا الأخذ بقوله.\nوقال الشافعي مرة بمكة: سلوني عما شئتم، أخبركم عنه من كتاب الله. فقيل له: ما تقول في المحرم يقتل الزنبور؟ فقال: بسم","vol":"3","page":405},{"text":"الله الرحمن الرحيم، قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وحدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي بن خراش، عن حذيفة بن اليمان، عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر\" وحدثنا سفيان، عن مسعر بن كدام، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن عمر بن الخطاب: أنه أمر بقتل المحرم الزنبور.\nوروى البخاري عن ابن مسعود قال: \"لعن الله الواشمات والمستوشمات، والمتنمصات والمتفلجات للحسن: المغيرات لخلق الله\" فقالت له امرأة في ذلك. فقال: وما لي لا ألعن من لعن رسول الله - ﷺ -، وهو  في كتاب الله. فقالت: لقد قرأت ما بين اللوحين فما وجدت فيه ما تقول؟! قال: لئن قرأتيه لقد وجدتيه! أما قرأت: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالت: بلى. قال: فإنه قد نهى عنه.\nوقال ابن برجان: ما قال النبي - ﷺ - من شيء فهو في القرآن، أو فيه أصله قرب أو بعد، فهمه من فهم، أو عمه عنه من عمه، وكذا كل ما حكم أو قضى به.\nوقال غيره: ما من شيء إلا يمكن استخراجه من القرآن لمن يفهمه الله تعالى؛ حتى إن بعضهم استنبط عمر النبي - ﷺ - ثلاثًا وستين من قوله \"في سورة المنافقين\": ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ فإنها رأس ثلاث وستين سورة، وعقبها \"بالتغابن\" ليظهر التغابن في فقده.\nوقال المرسي: جمع القرآن علوم الأولين والآخرين، بحيث","vol":"3","page":406},{"text":"لم يحط بها علمًا حقيقة إلا المتكلم به، ثم رسول الله - ﷺ - خلا ما استأثر الله به سبحانه، ثم وردت عنه معظم ذلك سادات الصحابة وأعلامهم؛ مثل الخلفاء الأربعة، ومثل ابن مسعود، وابن عباس حتى قال: لو ضاع لي عقال بعير لوجدته في كتاب الله. ثم وردت عنهم التابعون لهم بإحسان، ثم تقاصرت الهمم، وفترت العزائم، وتضاءل أهل العلم، وضعفوا عن حمل ما حمله الصحابة والتابعون من علومه وسائر فنونه؛ فنوعوا علومه، وقامت كل طائفة بفن من فنونه.\nفاعتنى قوم بضبط لغاته، وتحرير كلماته، ومعرفة مخارج حروفه وعددها، وعدد كلماته وآياته، وسوره وأجزائه، وأنصافه وأرباعه، وعدد سجداته، إلى غير ذلك من حصر الكلمات المتشابهة، والآيات المتماثلة، من غير تعرض لمعانيه، ولا تدبر لما أودع فيه، فسموا القراء.\nواعتنى النحاة بالمعرب منه، والمبني من الأسماء والأفعال، والحروف العاملة وغيرها. وأوسعوا الكلام في الأسماء وتوابعها، وضروب الأفعال، واللازم والمتعدي، ورسوم خط الكلمات، وجميع ما يتعلق به، حتى إن بعضهم أعرب مشكله، وبعضهم أعربه كلمة كلمة.\nواعتنى المفسرون بألفاظه، فوجدوا منه لفظًا يدل على معنى واحد، ولفظًا يدل على معنيين، ولفظًا يدل على أكثر، فأجروا الأول على حكمه، وأوضحوا الخفي منه، وخاضوا إلى ترجيح أحد محتملات ذي المعنيين أو المعاني، وأعمل كل منهم فكره، وقال","vol":"3","page":407},{"text":"بما اقتضاه نظره.\nواعتنى الأصوليون بما فيه من الأدلة العقلية، والشواهد الأصلية والنظرية، مثل قوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة، فاستنبطوا منه أدلة على وحدانية الله ووجوده، وبقائه وقدمه، وقدرته وعلمه، وتنزيهه عما لا يليق به، وسموا هذا العلم بـ\"أصول الدين\".\nوتأملت طائفة معاني خطابه، فرأت منها ما يقتضي العموم، ومنها ما يقتضي الخصوص، إلى غير ذلك، فاستنبطوا منه أحكام اللغة من الحقيقة والمجاز، وتكلموا في التخصيص والإضمار، والنص والظاهر، والمجمل والمحكم والمتشابه، والأمر والنهي والنسخ، إلى غير ذلك من أنواع الأقيسة، واستصحاب الحال والاستقراء، وسموا هذا الفن \"أصول الفقه\" وأحكمت طائفة صحيح النظر، وصادق الفكر فيما فيه من الحلال والحرام، وسائر الأحكام، فأسسوا أصوله وفروعه، وبسطوا القول في ذلك بسطًا حسنًا، وسموه بـ\"علم الفروع\" وبـ\"الفقه أيضًا\".\nوتلمحت طائفة ما فيه من قصص القرون السابقة، والأمم الخالية، ونقلوا أخبارهم، ودونوا آثارهم ووقائعهم، حتى ذكروا بدء الدنيا، وأول الأشياء، وسموا ذلك بـ\"التاريخ والقصص\".\nوتنبه آخرون لما فيه من الحكم والأمثال، والمواعظ التي تقلقل قلوب الرجال، وتكاد تدكدك الجبال، فاستنبطوا مما فيه من الوعد والوعيد، والتحذير والتبشير، وذكر الموت والمعاد، والنشر والحشر، والحساب والعقاب، والجنة والنار - أصولًا","vol":"3","page":408},{"text":"من المواعظ، وأصولًا من الزواجر؛ فسموا بذلك \"الخطباء والوعاظ\".\nواستنبط قوم مما فيه من أصول التعبير؛ مثل ما ورد في قصة يوسف: من البقرات السمان، وفي منامي صاحبي السجن، وفي رؤية الشمس والقمر والنجوم ساجدات، وسموه \"تعبير الرؤيا\" واستنبطوا تفسير كل رؤيا من الكتاب؛ فإن عز عليهم إخراجها منه، فمن السنة التي هي شارحة الكتاب، فإن عسر فمن الحكم والأمثال. ثم نظروا إلى اصطلاح العوام في مخاطباتهم، وعرف عاداتهم الذي أشار إليه القرآن بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ﴾.\nوأخذ قوم مما في آيات المواريث من ذكر السهام وأربابها، وغير ذلك \"علم الفرائض\" واستنبطوا منها من ذكر النصف والثلث، والربع والسدس والثمن \"حساب الفرائض\"، ومسائل العول؛ واستخرجوا منه أحكام الوصايا.\nونظر قوم إلى ما فيه من الآيات الدالات على الحكم الباهرة في الليل والنهار، والشمس والقمر ومنازله، والنجوم والبروج، وغير ذلك -فاستخرجوا \"علم المواقيت\".\nونظر الكتاب والشعراء إلى ما فيه من جزالة اللفظ، وبديع النظم، وحسن السياق والمبادئ، والمقاطيع والمخالص والتلوين في الخطاب، والإطناب والإيجاز، وغير ذلك؛ فاستنبطوا منه \"علم المعاني والبيان والبديع\".\nونظر فيه أرباب الإشارات وأصحاب الحقيقة، فلاح لهم من","vol":"3","page":409},{"text":"ألفاظه معان ودقائق، جعلوا لها أعلامًا اصطلحوا عليها، مثل الفناء والبقاء، والحضور والخوف والهيبة، والأنس والوحشة، والقبض والبسط، وما أشبه ذلك. هذه الفنون التي أخذتها الملة الإسلامية منه.\nوقد احتوى على علوم أخر من علوم الأوائل، مثل: الطب والجدل والهيئة، والهندسة، والجبر والمقابلة، والنجامة، وغير ذلك.\nأما الطب: فمداره على حفظ نظام الصحة، واستحكام القوة، وذلك إنما يكون باعتدال المزاج تبعًا للكيفيات المتضادة، وقد جمع ذلك في آية واحدة وهي قوله: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾.\nوعرفنا فيه بما يعيد نظام الصحة بعد اختلاله، وحدوث الشفاء للبدن بعد اعتلاله فى قوله: ﴿شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ﴾.\nثم زاد على طب الأجساد بطب القلوب، وشفاء الصدور.\nوأما الهيئة: ففي تضاعيف سورة من الآيات التي ذكر فيها من ملكوت السموات والأرض، وما بث في العالم العلوي والسفلي من المخلوقات.\nوأما الهندسة: ففي قوله: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾ فإن فيه قاعدة هندسية، وهو أن الشكل المثلث لا ظل له.\nوأما الجدل: فقد حوت آياته من البراهين والمقدمات","vol":"3","page":410},{"text":"والنتائج، والقول بالموجب، والمعارضة، وغير ذلك شيئًا كثيرًا، ومناظرة إبراهيم أصل في ذلك عظيم.\nوأما الجبر والمقابلة: فقد قيل: إن أوائل السور ذكر عدد وأعوام وأيام لتواريخ أمم سالفة، وإن فيها تاريخ بقاء هذه الأمة، وتاريخ مدة الدنيا، وما مضى وما بقى، مضروبًا بعضها في بعض. وأما النجامة: ففي قوله: ﴿أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ﴾ فقد فسره ابن عباس بذلك.\nوفيه من أصول الصنائع، وأسماء الآلات التي تدعو الضرورة إليها: فمن الصنائع الخياطة في قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ الآية. والحدادة في قوله تعالى: ﴿آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ﴾ وقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠)﴾ الآية. والبناء في آيات؛ والنجارة: ﴿أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ﴾ والغزل: ﴿نَقَضَتْ غَزْلَهَا﴾ والنسج: ﴿كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا﴾ والفلاحة: ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾ في آيات أخر، والصيد في آيات، والغوص: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ ﴿وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً﴾ والصياغة: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا﴾ الآية، والزجاجة: ﴿صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ﴾ ﴿الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ﴾ والفخارة: ﴿فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ﴾ والملاحة: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ والكتابة: ﴿الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤)﴾ في آيات أخر، والخبز والطحن: ﴿أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ﴾ والطبخ: ﴿بِعِجْلٍ حَنِيذٍ (٦٩)﴾، والغسل والقصارة: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ ﴿قَالَ الْحَوَارِيُّونَ﴾ وهم القصارون، والجزارة: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ والبيع والشراء في آيات كثيرة، والصبغ: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ﴾ الآية،","vol":"3","page":411},{"text":"﴿جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ﴾ الآية، والحجارة: ﴿وَتَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا﴾، والكيالة والوزن في آيات كثيرة، والرمي: ﴿وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ﴾ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.\nوفيه من أسماء الآلات، وضروب المأكولات والمشروبات والمنكوحات، وجميع ما وقع ويقع في الكائنات = ما يحقق معنى قوله: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ انتهى كلام المرسى ملخصًا مع زيادات.\nقلت: قد اشتمل كتاب الله على كل شيء.\nأما أنواع العلوم فليس منها باب ولا مسألة هي أصل، إلا وفي القرآن ما يدل عليها. وفيه علم عجائب المخلوقات، وملكوت السموات والأرض، وما في الأفق الأعلى، وما تحت الثرى، وبدء الخلق، وأسماء مشاهير الرسل والملائكة، وعيون أخبار الأمم السالفة؛ كقصة آدم مع إبليس في إخراجه من الجنة، وفي الولد الذي سماه عبد الحارث، ورفع إدريس وإغراق قوم نوح، وقصة عاد الأولى والثانية، وثمود، والناقة، وقوم لوط، وقوم شعيب الأولين والآخرين فإنه أرسل مرتين، وقوم تبع، ويونس، وإلياس، وأصحاب الرس، وقصة موسى في ولادته، وفي إلقائه في اليم، وقتله القبطي، ومسيره إلى مدين وتزوجه ابنة شعيب، وكلامه تعالى بجانب الطور، وبعثه إلى فرعون، وخروجه وإغراق عدوه، وقصة العجل، والقوم الذين خرج بهم، وأخذتهم الصعقة، وقصة القتال، وذبح البقرة، وقصته في قتال الجبارين، وقصته مع الخضر، والقوم الذين ساروا في سرب من الأرض إلى الصين،","vol":"3","page":412},{"text":"وقصة طالوت وداود مع جالوت وقتله، وقصة سليمان، وخبره مع ملكة سبأ وفتنته، وقصة القوم الذين خرجوا فرارًا من الطاعون فأماتهم الله ثم أحياهم، وقصة إبراهيم في مجادلته قومه، ومناظرته النمروذ، ووضعه إسماعيل مع أمه بمكة، وبنائه البيت، وقصة الذبيح، وقصة يوسف وما أبسطها، وقصة مريم، وولادتها عيسى وإرساله ورفعه، وقصة زكريا وابنه يحيى، وأيوب وذي الكفل، وقصة ذي القرنين ومسيره إلى مطلع الشمس ومغربها وبنائه السد، وقصة أصحاب الكهف والرقيم، وقصة بختنصر، وقصة الرجلين اللذين لأحدهما الجنة، وقصة أصحاب الجنة الذين أقسموا ليصرمنها مصبحين، وقصة مؤمن آل فرعون، وقصة أصحاب الفيل، وقصة الجبار الذي أراد أن يصعد إلى السماء.\nوفيه من شأن النبي - ﷺ - دعوة إبراهيم به، وبشارة عيسى وبعثه وهجرته، ومن غزواته: غزوة بدر (في سورة الأنفال) وأحد (في آل عمران) وبدر الصغرى فيها، والخندق (في الأحزاب) والنضير (في الحشر) والحديبية (في الفتح) وتبوك (في براءة) وحجة الوداع (في المائدة) ونكاحه زينب بنت جحش، وتحريم سريته، وتظاهر أزواجه عليه، وقصة الإفك، وقصة الإسراء، وانشقاق القمر، وسحر اليهود إياه.\nوفيه بدء خلق الإنسان إلى موته، وكيفية الموت، وقبض الروح، وما يفعل بها بعد صعودها إلى السماء، وفتح الباب للمؤمنة وإلقاء الكافرة، وعذاب القبر والسؤال فيه، ومقر الأرواح، وأشراط الساعة الكبرى العشرة، وهي:","vol":"3","page":413},{"text":"نزول عيسى، وخروج الدجال، ويأجوج ومأجوج، والدابة، والدخان، ورفع القرآن، وطلوع الشمس من مغربها، وإغلاق باب التوبة، والخسف.\nوأحوال البعث: من نفخة الصور، والفزع، والصعق، والقيام، والحشر والنشر، وأهوال الموقف، وشدة حر الشمس، وظل العرش، والصراط، والميزان، والحوض، والحساب لقوم، ونجاة آخرين منه، وشهادة الأعضاء، وإيتاء الكتب بالأيمان والشمائل وخلف الظهور، والشفاعة، والجنة وأبوابها، وما فيها من الأشجار والثمار والأنهار، والحلي والألوان، والدرجات، ورؤيته تعالى، والنار وما فيها من الأودية، وأنواع العقاب، وألوان العذاب، والزقوم والحميم، إلى غير ذلك مما لو بسط جاء في مجلدات.\nوفي القرآن جميع أسمائه تعالى الحسنى كما ورد في حديث. وفيه من أسمائه مطلقًا ألف اسم، وفيه من أسماء النبي - ﷺ - جملة.\nوفيه شعب الإيمان البضع والسبعون.\nوفيه شرائع الإسلام الثلاثمائة وخمس عشرة.\nوفيه أنواع الكبائر وكثير من الصغائر.\nوفيه تصديق كل حديث ورد عن النبي - ﷺ - هذه جملة القول في ذلك اهـ. كلام السيوطي (في الإكليل).\nوإنما أوردناه برمته مع طوله؛ لما فيه من إيضاح: أن القرآن فيه بيان كل شيء، وإن كانت في الكلام المذكور أشياء جديرة بالانتقاد تركنا مناقشتها خوف الإطالة المملة، مع كثرة الفائدة في","vol":"3","page":414},{"text":"الكلام المذكور في الجملة.\nوفي قوله تعالى: ﴿تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾: وجهان من الإعراب:\nأحدهما: أنه مفعول من أجله.\nوالثاني: أنه مصدر منكر وقع حالًا؛ على حد قوله في الخلاصة:\nومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع\nتنبيه\nأظهر القولين: أن التبيان مصدر، ولم يسمع كسر تاء التفعال مصدرًا إلا في التبيان والتلقاء.\nوقال بعض أهل العلم: التبيان اسم لا مصدر.\nقال أبو حيان (فى البحر): والظاهر أن ﴿تِبْيَانًا﴾ مصدر جاء على تفعال، وإن كان باب المصادر يجيء على تفعال (بالفتح) كالترداد والتطواف. ونظير تبيان في كسر تائه: تلقاء، وقد جوز الزجاج فتحه في غير القرآن.\nوقال ابن عطية: ﴿تِبْيَانًا﴾ اسم، وليس بمصدر، وهو قول أكثر النحاة. وروى ثعلب عن الكوفيين، والمبرد عن البصريين: أنه مصدر، ولم يجيء على تفعال من المصادر إلا ضربان: تبيان وتلقاء اهـ - والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-714> وقوله تعالى: ﴿وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم هدى ورحمة وبشرى للمسلمين. ويفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة -أي","vol":"3","page":415},{"text":"مفهوم مخالفتها-: أن غير المسلمين ليسوا كذلك. وهذا المفهوم من هذه الآية صرح به جل وعلا في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ في الموضعين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-715> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يأمر خلقه بالعدل والإحسان، وإيتاء ذي القربى، وأنه ينهاهم عن الفحشاء والمنكر والبغي، لأجل أن يتعظوا بأوامره ونواهيه، فيمتثلوا أمره، ويجتنبوا نهيه. وحذف مفعول ﴿يَأْمُرُ، وَيَنْهَى﴾ لقصد التعميم.\nومن الآيات التي أمر فيها بالعدل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾.\nومن الآيات التي أمر فيها بالإحسان قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)﴾ وقوله: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله: ﴿وَأَحْسِنْ كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي","vol":"3","page":416},{"text":"الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ وقوله: ﴿مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nومن الآيات التي أمر فيها بإيتاء ذي القربى قوله تعالى: ﴿فَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ذَلِكَ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٣٨)﴾ وقوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ وقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الآيات التي نهى فيها عن الفحشاء والمنكر والبغي قوله: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (١٢٠)﴾ والمنكر وإن لم يصرح باسمه في هذه الآيات، فهو داخل فيها.\nومن الآيات التي جمع فيها بين الأمر بالعدل والتفضل بالإحسان قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ وقوله ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾.\nوقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾ فهذا عدل. ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ الآية؛ فهذا عدل،","vol":"3","page":417},{"text":"ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾ وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ فهذا عدل، ثم دعا إلى الإحسان بقوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ إلى ذلك من الآيات.\nفإذا عرفت هذا، فاعلم أن العدل في اللغة: القسط والإنصاف، وعدم الجور؛ وأصله التوسط بين المرتبتين؛ أي: الإفراط والتفريط، فمن جانب الإفراط والتفريط فقد عدل. والإحسان مصدر أحسن، وهي تستعمل متعدية بالحرف نحو: أحسن إلى والديك؛ ومنه قوله تعالى عن يوسف: ﴿وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ﴾ الآية. وتستعمل متعدية بنفسها؛ كقولك: أحسن العامل عمله، أي: أجاده وجاء به حسنًا، والله جل وعلا يأمر بالإحسان بمعنييه المذكورين، فهما داخلان في الآية الكريمة؛ لأن الإحسان إلى عباد الله لوجه الله عمل أحسن فيه صاحبه.\nوقد فسر النبي - ﷺ - الإحسان في حديث جبريل بقوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه؛ فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" وقد قدمنا إيضاح ذلك (في سورة هود).\nفإذا عرفت هذا، فاعلم أن أقوال المفسرين في الآية الكريمة راجعة في الجملة إلى ما ذكرنا: كقول ابن عباس؛ العدل: لا إله إلا الله، والإحسان: أداء الفرائض؛ لأن عبادة الخالق دون المخلوق هي عين الإنصاف والقسط، وتجنب التفريط والإفراط، ومن أدى فرائض الله على الوجه الأكمل فقد أحسن، ولذا قال النبي - ﷺ - في الرجل الذي حلف لا يزيد على الواجبات: \"أفلح إن صدق\" وكقول","vol":"3","page":418},{"text":"سفيان: العدل: استواء العلانية والسريرة. والإحسان: أن تكون السريرة أفضل من العلانية، وكقول على ﵁: العدل: الإنصاف، والإحسان: التفضل إلى غير ذلك من أقوال السلف. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ الوعظ: الكلام الذي تلين له القلوب.\nتنبيه\nفإن قيل: يكثر في القرآن إطلاق الوعظ على الأوامر والنواهي، كقوله هنا: ﴿يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ مع أنه ما ذكر إلا الأمر والنهي في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ -إلى قوله- وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ﴾ الآية، وكقوله في (سورة البقرة) بعد أن ذكر أحكام الطلاق والرجعة: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وقوله (في الطلاق) في نحو ذلك أيضًا: ﴿ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وقوله في النهي عن مثل قذف عائشة: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾ الآية. مع أن المعروف عند الناس: أن الوعظ يكون بالترغيب والترهيب ونحو ذلك، لا بالأمر والنهي.\nفالجواب: أن ضابط الوعظ: هو الكلام الذي تلين له القلوب، وأعظم ما تلين له قلوب العقلاء أوامر ربهم ونواهيه، فإنهم إذا سمعوا الأمر خافوا من سخط الله في عدم امتثاله، وطمعوا فيما عند الله من الثواب في امتثاله، وإذا سمعوا النهي خافوا من سخط الله في عدم اجتنابه، وطمعوا فيما عنده من الثواب في","vol":"3","page":419},{"text":"اجتنابه، فحداهم حادي الخوف والطمع إلى الامتثال، فلانت قلوبهم للطاعة خوفًا وطمعًا، والفحشاء في لغة العرب: الخصلة المتناهية في القبح، ومنه قيل لشديد البخل: فاحش، كما في قول طرفة في معلقته:\nأري الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد\nوالمنكر اسم مفعول أنكر، وهو في الشرع: ما أنكره الشرع ونهي عنه، وأوعد فاعله العقاب، والبغي: الظلم.\nوقد بين تعالى: أن الباغي يرجع ضرر بغيه على نفسه في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\nوقوله: ﴿ذِي الْقُرْبَى﴾ أي: صاحب القرابة من جهة الأب أو الأم، أو هما معًا؛ لأن إيتاء ذي القربي صدقة وصلة رحم. والإيتاء: الإعطاء، وأحد المفعولين محذوف؛ لأن المصدر أضيف إلى المفعول الأول وحذف الثاني. والأصل وإيتاء صاحب القرابة، كقوله: ﴿وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-716> قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾</span>.\nأمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عباده أن يوفوا بعهد الله إذا عاهدوا، وظاهر الآية أنه شامل لجميع العهود فيما بين العبد وربه، وفيما بينه وبين الناس، وكرر هذا في مواضع أخر كقوله (في الأنعام) ﴿وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ﴾ الآية، وقوله \"في الإسراء\": ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ وقد","vol":"3","page":420},{"text":"قدمنا هذا (في الأنعام).\nوبين في موضع آخر: أن من نقض العهد إنما يضر بذلك نفسه، وأن من أوفى به يؤتيه الله الأجر العظيم على ذلك؛ وذلك في قوله: ﴿فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَي بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ وبين في موضع آخر: أن نقض الميثاق يستوجب اللعن، وذلك في قوله ﴿فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-717> قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما عنده من نعيم الجنة باق لا يفني. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-718> قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾</span> أقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيجزي الذين صبروا أجرهم -أي: جزاء عملهم- بأحسن ما كانوا يعملون.\nوبين في موضع آخر: أنه جزاء بلا حساب؛ كما في قوله: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾\nتنبيه\nاستنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن فعل المباح حسن؛ لأن قوله في هذه الآية: ﴿بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾","vol":"3","page":421},{"text":"صيغة تفضيل تدل على المشاركة، والواجب أحسن من المندوب، والمندوب أحسن من المباح، فيجازون بالأحسن الذي هو الواجب والمندوب، دون مشاركهما في الحسن وهو المباح، وعليه درج في مراقي السعود في قوله:\nما ربنا لم ينه عنه حسن ... وغيره القبيح والمستهجن\nإلا أن الحسن ينقسم إلى حسن وأحسن؛ ومن ذلك قوله تعالى لموسى: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾ الآية. فالجزاء المنصوص عليه في قوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ حسن، والصبر المذكور في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أحسن؛ وهكذا.\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير وعاصم وابن ذكوان بخلف عنه: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّ﴾ بنون العظمة. وقرأه الباقون بالياء، وهو الطريق الثاني لابن ذكوان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-719> قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كل عامل سواء كان ذكرًا أو أنثي عمل عملًا صالحًا فإنه جل وعلا يقسم ليحيينه حياة طيبة، وليجزينه أجره بأحسن ما كان يعمل.\nاعلم أولًا: أن القرآن العظيم دل على أن العمل الصالح هو مما استكمل ثلاثة أمور:\nالأول: موافقته لما جاء به النبي - ﷺ -؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا","vol":"3","page":422},{"text":"آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\nالثاني: أن يكون خالصًا لله تعالى؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.\nالثالث: أن يكون مبنيًا على أساس العقيدة الصحيحة؛ لأن الله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ فقيد ذلك بالإيمان، ومفهوم مخالفته أنه لو كان غير مؤمن لما قبل منه ذلك العمل الصالح.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات كثيرة، كقوله في عمل غير المؤمن: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَي مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواختلف العلماء في المراد بالحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة:\nفقال قوم: لا تطيب الحياة إلا في الجنة، فهذه الحياة الطيبة في الجنة؛ لأن الحياة الدنيا لا تخلو من المصائب والأكدار، والأمراض والآلام والأحزان؛ ونحو ذلك؛ وقد قال تعالى: ﴿وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٦٤)﴾ والمراد بالحيوان: الحياة.","vol":"3","page":423},{"text":"وقال بعض العلماء: الحياة الطيبة في هذه الآية الكريمة في الدنيا، وذلك بأن يوفق الله عبده إلى ما يرضيه، ويرزقه العافية والرزق الحلال، كما قال تعالى: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وفي الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بالحياة الطيبة في الآية: حياته في الدنيا حياة طيبة، وتلك القرينة هي أننا لو قدرنا أن المراد بالحياة الطيبة: حياته في الجنة في قوله: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ صار قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ تكرارًا معه؛ لأن تلك الحياة الطيبة هي أجر عملهم، بخلاف ما لو قدرنا أنها في الحياة الدنيا، فإنه يصير المعنى: فلنحيينه في الدنيا حياة طيبة، ولنجزينه في الآخرة بأحسن ما كان يعمل، وهو واضح.\nوهذا المعنى الذي دل عليه القرآن تؤيده السنة الثابتة عنه - ﷺ -.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: والحياة الطيبة تشمل وجوه الراحة من أي جهة كانت. وقد روي عن ابن عباس وجماعة: أنهم فسروها بالرزق الحلال الطيب. وعن علي بن أبي طالب ﵁: أنه فسرها بالقناعة، وكذا قال ابن عباس وعكرمة ووهب بن منبه -إلى أن قال-: وقال الضحاك: هي الرزق الحلال، والعبادة في الدنيا. وقال الضحاك أيضًا: هي العمل بالطاعة والانشراح بها.\nوالصحيح: أن الحياة الطيبة تشمل هذا كله، كما جاء في","vol":"3","page":424},{"text":"الحديث الذي رواه الإمام أحمد: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا سعيد بن أبي أيوب، حدثني شرحبيل بن شريك، عن أبي عبد الرحمن الحبلي، عن عبد الله ابن عمر: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"قد أفلح من أسلم ورزق كفافًا، وقنعه الله بما آتاه\" ورواه مسلم من حديث عبد الله بن يزيد المقري به. وروي الترمذي والنسائي من حديث أبي هانئ: عن أبي على الجنبي، عن فضالة بن عبيد: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"قد أفلح من هدي إلى الإسلام وكان عيشه كفافًا وقنع به\" وقال الترمذي: هذا حديث صحيح.\nوقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا همام، عن يحيى، عن قتادة عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لا يظلم المؤمن حسنة يعطي بها في الدنيا ويثاب عليها في الآخرة. وأما الكافر فيطعم بحسناته في الدنيا حتى إذا أفضي إلى الآخرة لم تكن له حسنة يعطي بها خيرًا\" انفرد بإخراجه مسلم اهـ من ابن كثير.\nوهذه الأحاديث ظاهرة في ترجيح القول بأن الحياة الطيبة في الدنيا؛ لأن قوله - ﷺ -: \"أفلح\" يدل على ذلك لأن من نال الفلاح نال حياة طيبة، وكذلك قوله - ﷺ -: \"يعطي بها في الدنيا\" يدل على ذلك أيضًا. وابن كثير إنما ساق الأحاديث المذكورة لينبه على أنها ترجح القول المذكور. والعلم عند الله تعالى.\nوقد تقرر في الأصول: أنه إذا دار الكلام بين التوكيد والتأسيس رجح حمله على التأسيس؛ وإليه أشار في مراقي السعود جامعًا له مع نظائر يجب فيها تقديم الراجح من الاحتمالين بقوله:","vol":"3","page":425},{"text":"كذاك ما قابل ذا اعتلال ... من التأصل والاستقلال\nومن تأسس عموم وبقا ... الأفراد والإطلاق مما ينتقي\nكذاك ترتيب لإيجاب العمل ... بما له الرجحان مما يحتمل\nومعنى كلام صاحب المراقي: أنه يقدم محتمل اللفظ الراجح على المحتمل المرجوح، كالتأصل، فإنه يقدم على الزيادة؛ نحو: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ يحتمل كون الكاف زائدة، ويحتمل أنها غير زائدة. والمراد بالمثل الذات، كقول العرب: مثلك لا يفعل هذا، يعنون أنت لا ينبغي لك أن تفعل هذا. فالمعنى: ليس كالله شيء. ونظيره من إطلاق المثل وإرادة الذات: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾ أي: على نفس القرآن، لا شيء آخر مماثل له، وقوله: ﴿كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: كمن هو في الظلمات، وكالاستقلال، فإنه يقدم على الإضمار، كقوله تعالى: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا﴾ الآية. فكثير من العلماء يضمرون قيودًا غير مذكورة فيقولون: أن يقتلوا إذا قتلوا، أو يصلبوا إذا قتلوا وأخذوا المال، أو تقطع أيديهم وأرجلهم إذا أخذوا المال ولم يقتلوا. . الخ.\nفالمالكية يرجحون أن الإمام مخير بين المذكورات مطلقًا؛ لأن استقلال اللفظ أرجح من إضمار قيود غير مذكورة؛ لأن الأصل عدمها حتى تثبت بدليل، كما أشرنا إليه سابقًا في (المائدة) وكذلك التأسيس يقدم على التأكيد، وهو محل الشاهد، كقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ في (سورة الرحمن) وقوله: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ في (المرسلات) قيل: تكرار اللفظ فيهما توكيد، وكونه تأسيسًا أرجح لما ذكرنا، فتحمل الآلاء في كل موضع على ما تقدم قبل","vol":"3","page":426},{"text":"لفظ ذلك التكذيب، فلا يتكرر منها لفظ. وكذا يقال في (سورة المرسلات) فيحمل على المكذبين بما ذكر قبل كل لفظ الخ.\nفإذا علمت ذلك فاعلم: أنا إن حملنا الحياة الطيبة في الآية على الحياة الدنيا كان ذلك تأسيسًا، وإن حملناها على حياة الجنة تكرر ذلك مع قوله بعده: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية. لأن حياة الجنة الطيبة هي أجرهم الذي يجزونه.\nوقال أبو حيان في (البحر): والظاهر من قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أن ذلك في الدنيا؛ وهو قول الجمهور. ويدل عليه قوله: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ يعني في الآخرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-720> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾</span>.\nأظهر القولين في هذه الآية الكريمة: أن الكلام على حذف الإرادة؛ أي: فإذا أردت قراءة القرآن فاستعذ بالله. . الآية. وليس المراد أنه إذا قرأ القرآن وفرغ من قراءته استعاذ بالله من الشيطان كما يفهم من ظاهر الآية، وذهب إليه بعض أهل العلم.\nوالدليل على ما ذكرنا تكرر حذف الإرادة في القرآن وفي كلام العرب لدلالة المقام عليها؛ كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، أي: أردتم القيام إليها كما هو ظاهر، وقوله: ﴿إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْا بِالْإِثْمِ﴾ الآية؛ أي: إذا أردتم أن تتناجوا فلا تتناجوا بالإثم؛ لأن النهي إنما هو عن أمر مستقبل يراد فعله، ولا يصح النهي عن فعل مضي وانقضي كما هو واضح.\nوظاهر هذه الآية الكريمة: أن الاستعاذة من الشيطان الرجيم","vol":"3","page":427},{"text":"واجبة عند القراءة؛ لأن صيغة افعل للوجوب كما تقرر في الأصول.\nوقال كثير من أهل العلم: إن الأمر في الآية للندب والاستحباب، وحكي عليه الإجماع أبو جعفر بن جرير وغيره من الأئمة، وظاهر الآية أيضًا: الأمر بالاستعاذة عند القراءة في الصلاة لعموم الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-721> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الشيطان ليس له سلطان على المؤمنين المتوكلين على الله، وأن سلطانه إنما هو على أتباعه الذين يتولونه والذين هم به مشركون.\nوبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا (٦٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ مِمَّنْ هُوَ مِنْهَا فِي شَكٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾\nواختلف العلماء في معني السلطان في هذه الآيات، فقال أكثر أهل العلم: هو الحجة، أي: ليس للشيطان عليهم حجة فيما يدعوهم إليه من عبادة الأوثان.\nوقال بعضهم: ليس له سلطان عليهم، أي: تسلط وقدرة على أن يوقعهم في ذنب لا توبة منه. وقد قدمنا هذا. والمراد","vol":"3","page":428},{"text":"بـ ﴿الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الذين يطيعونه فيوالونه بالطاعة.\nوأظهر الأقوال في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ﴾ أن الضمير عائد إلى الشيطان، لا إلى الله، ومعنى كونهم مشركين به هو طاعتهم له في الكفر والمعاصي، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ وقوله عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وأما سلطانه على الذين يتولونه فهو ما جعلوه له أنفسهم من الطاعة والاتباع والموالاة، بغير موجب يستوجب ذلك.\nتنبيه\nفإن قيل: أثبت الله للشيطان سلطانًا على أوليائه في آيات؛ كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ فالاستثناء يدل على أن له سلطانًا على من اتبعه من الغاوين، مع أنه نفي عنه السلطان عليهم في آيات أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠) وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية.\nوقوله تعالى حاكيًا عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾.\nفالجواب هو: أن السلطان الذي أثبته له عليهم غير السلطان الذي نفاه، وذلك من وجهين:\n الأول: أن السلطان المثبت له هو سلطان إضلاله لهم","vol":"3","page":429},{"text":"بتزيينه، والسلطان المنفي هو سلطان الحجة، فلم يكن لإبليس عليهم من حجة يتسلط بها، غير أنه دعاهم فأجابوه بلا حجة ولا برهان. وإطلاق السلطان على البرهان كثير في القرآن.\nالثاني: أن الله لم يجعل له عليهم سلطانًا ابتداء البتة، ولكنهم هم الذين سلطوه على أنفسهم بطاعاته ودخولهم في حزبه، فلم يتسلط عليهم بقوة؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)﴾ وإنما يتسلط عليهم بإرادتهم واختيارهم.\nذكر هذا الجواب بوجهيه العلامة ابن القيم ﵀. وقد بينا هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-722> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إذا بدل آية مكان آية، بأن نسخ آية أو أنساها، وأتي بخير منها أو مثلها: أن الكفار يجعلون ذلك سببًا للطعن في الرسول - ﷺ -، بادعاء أنه كاذب على الله، مفتر عليه زعمًا منهم أن نسخ الآية بالآية يلزمه البداء، وهو الرأي المجدد، وأن ذلك مستحيل على الله، فيفهم عندهم من ذلك أن النبي - ﷺ - مفتر على الله زاعمين أنه لو كان من الله لأقره وأثبته، ولم يطرأ له فيه رأي متجدد حتى ينسخه.\nوالدليل على أن قوله: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ معناه: نسخنا آية وأنسيناها، قوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا﴾ وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ أي: أن تنساه.","vol":"3","page":430},{"text":"والدليل على أنه إن نسخ آية أو أنساها، لابد أن يأتي ببدل خير منها أو مثلها: قوله تعالى: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ وقوله هنا: ﴿بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾.\nوما زعمه المشركون واليهود: من أن النسخ مستحيل على الله لأنه يلزمه البداء -وهو الرأي المتجدد- ظاهر السقوط، واضح البطلان لكل عاقل؛ لأن النسخ لا يلزمه البداء البتة، بل الله جل وعلا يشرع الحكم، وهو عالم بأن مصلحته ستنقضي في الوقت المعين، وأنه عند ذلك الوقت ينسخ ذلك الحكم ويبدله بالحكم الجديد الذي فيه المصلحة، فإذا جاء ذلك الوقت المعين أنجز جل وعلا ما كان في علمه السابق من نسخ ذلك الحكم، الذي زالت مصلحته بذلك الحكم الجديد الذي فيه المصلحة، كما أن حدوث المرض بعد الصحة وعكسه، وحدوث الغني بعد الفقر وعكسه، ونحو ذلك لا يلزم فيه البداء؛ لأن الله عالم بأن حكمته الإلهية تقتضي ذلك التغيير في وقته المعين له، على وفق ما سبق في العلم الأزلي كما هو واضح.\nوقد أشار جل وعلا إلى علمه بزوال المصلحة من المنسوخ، وتمحضها في الناسخ بقوله هنا: ﴿وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ﴾ وقوله: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦)﴾ وقوله: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى (٦) إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ فقوله: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَمَا يَخْفَى (٧)﴾ بعد قوله: ﴿إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ يدل على أنه أعلم بما ينزل، فهو عالم بمصلحة الإنسان، ومصلحة تبديل الجديد من الأول المنسي.","vol":"3","page":431},{"text":"مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: لا خلاف بين المسلمين في جواز النسخ عقلًا وشرعًا، ولا في وقوعه فعلًا، ومن ذكر عنه خلاف في ذلك كأبي مسلم الأصفهاني: فإنه إنما يعني أن النسخ تخصيص لزمن الحكم بالخطاب الجديد؛ لأن ظاهر الخطاب الأول استمرار الحكم في جميع الزمن. والخطاب الثاني دل على تخصيص الحكم الأول بالزمن الذي قبل النسخ، فليس النسخ عنده رفعا للحكم الأول.\nوقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله في تعريف النسخ:\nرفع لحكم أو بيان الزمن ... بمحكم القرآن أو بالسنن\nوإنما خالف فيه اليهود وبعض المشركين، زاعمين أنه يلزمه البداء كما بينا، ومن هنا قالت اليهود: إن شريعة موسى يستحيل نسخها.\nالمسألة الثانية: لا يصح نسخ حكم شرعي إلا بوحي من كتاب أو سنة؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ وبه تعلم أن النسخ بمجرد العقل ممنوع، وكذلك لا نسخ بالإجماع؛ لأن الإجماع لا ينعقد إلا بعد وفاته - ﷺ -؛ لأنه ما دام حيًا فالعبرة بقوله وفعله وتقريره - ﷺ -، ولا حجة معه في قول الأمة؛ لأن اتباعه فرض على كل أحد، ولذا لابد في تعريف الإجماع من التقييد بكونه بعد وفاته - ﷺ -، كما قال صاحب المراقي في تعريف الإجماع:","vol":"3","page":432},{"text":"وهو الاتفاق من مجتهدي ... الأمة من بعد وفاة أحمد\nوبعد وفاته ينقطع النسخ؛ لأنه تشريع، ولا تشريع البتة بعد وفاته - ﷺ -، وإلي كون العقل والإجماع لا يصح النسخ بمجردهما - أشار في مراقي السعود أيضًا بقوله في النسخ:\nفلم يكن بالعقل أو مجرد ... الإجماع بل ينمي إلى المستند\nوقوله: \"بل ينمي إلى المستند\" يعني أنه إذا وجد في كلام العلماء أن نصًا منسوخ بالإجماع، فإنهم إنما يعنون أنه منسوخ بالنص الذي هو مستند الإجماع، لا بنفس الإجماع، لما ذكرنا من منع النسخ به شرعًا. وكذلك لا يجوز نسخ الوحي بالقياس على التحقيق، وإليه أشار في المراقي بقوله:\nومنع نسخ النص بالقياس ... هو الذي ارتضاه جل الناس\nأي: وهو الحق.\nالمسألة الثالثة: اعلم أن ما يقوله بعض أهل الأصول من المالكية والشافعية وغيرهم: من جواز النسخ بلا بدل، وعزاه غير واحد للجمهور، وعليه درج في المراقي بقوله:\nوينسخ الخف بماله ثقل ... وقد يجيء عاريًا من البدل\nأنه باطل بلا شك. والعجب ممن قال به من العلماء الأجلاء مع كثرتهم، مع أنه خالف مخالفة صريحة لقوله تعالى: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فلا كلام البتة لأحد بعد كلام الله تعالى: ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا (١٢٢)﴾ ﴿وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ","vol":"3","page":433},{"text":"حَدِيثًا (٨٧)﴾ ﴿أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ﴾ فقد ربط جل وعلا في هذه الآية الكريمة بين النسخ، وبين الإتيان ببدل المنسوخ على سبيل الشرط والجزاء، ومعلوم أن الصدق والكذب في الشرطية يتواردان على الربط، فيلزم أنه كلما وقع النسخ وقع الإتيان بخير من المنسوخ أو مثله كما هو ظاهر.\nوما زعمه بعض أهل العلم من أن النسخ وقع في القرآن بلا بدل، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَاجَيْتُمُ الرَّسُولَ فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً﴾ فإنه نسخ بقوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ. .﴾ الآية، ولا بدل لهذا المنسوخ.\nفالجواب: أن له بدلًا، وهو أن وجوب تقديم الصدقة أمام المناجاة لما نسخ بقي استحباب الصدقة وندبها، بدلًا من الوجوب المنسوخ كما هو ظاهر.\nالمسألة الرابعة: اعلم أنه يجوز نسخ الأخف بالأثقل، والأثقل بالأخف. فمثال نسخ الأخف بالأثقل: نسخ التخيير بين الصوم والإطعام المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ بأثقل منه، وهو تعيين إيجاب الصوم في قوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ ونسخ حبس الزواني في البيوت المنصوص عليه بقوله: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾ الآية، بأثقل منه وهو الجلد والرجم المنصوص على الأولى منهما في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وعلى الثاني منهما بآية الرجم التي نسخت تلاوتها وبقي حكمها ثابتًا، وهي قوله: ﴿والشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة","vol":"3","page":434},{"text":"نكالًا من الله والله عزيز حكيم﴾ ومثال نسخ الأثقل بالأخف: نسخ وجوب مصابرة المسلم عشرة من الكفار المنصوص عليه في قوله: ﴿إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية، بأخف منه وهو مصابرة المسلم اثنين منهم المنصوص عليه في قوله: ﴿الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفًا فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ الآية. وكنسخ قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية، بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فإنه نسخ للأثقل بالأخف كما هو ظاهر، وكنسخ اعتداد المتوفى عنها بحول، المنصوص عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ الآية، بأخف منه، وهو الاعتداد بأربعة أشهر وعشر، المنصوص عليه في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nتنبيه\nاعلم: أن في قوله جل وعلا: ﴿نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ إشكالًا من جهتين:\nالأولى: أن يقال: إما أن يكون الأثقل خيرًا من الأخف؛ لأنه أكثر أجرًا، أو الأخف خير من الأثقل لأنه أسهل منه، وأقرب إلى القدرة على الامتثال، وكون الأثقل خيرًا يقتضي منع نسخه بالأخف، كما أن كون الأخف خيرًا يقتضي منع نسخه بالأثقل؛ لأن الله صرح بأنه يأتي بما هو خير من المنسوخ أو مماثل له، لا ما هو دونه، وقد عرفت: أن الواقع جواز نسخ كل منهما بالآخر.","vol":"3","page":435},{"text":"الجهة الثانية من جهتي الإشكال في قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ لأنه يقال: ما الحكمة في نسخ المثل ليبدل منه مثله؟ وأي مزية للمثل على المثل حتى ينسخ ويبدل منه؟.\nوالجواب عن الإشكال الأول: هو أن الخيرية تارة تكون في الأثقل؛ لكثرة الأجر، وذلك فيما إذا كان الأجر كثيرًا جدًا، والامتثال غير شديد الصعوبة؛ كنسخ التخيير بين الإطعام والصوم بإيجاب الصوم، فإن في الصوم أجرًا كثيرًا كما في الحديث القدسي \"إلا الصوم فإنه لي وأنا أجزي به\" والصائمون من خيار الصابرين؛ لأنهم صبروا لله عن شهوة بطونهم وفروجهم، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾ ومشقة الصوم عادية ليس فيها صعوبة شديدة تكون مظنة لعدم القدرة على الامتثال، وإن عرض ما يقتضي ذلك كمرض أو سفر؛ فالتسهيل برخصة الإفطار منصوص بقوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ وتارة تكون الخيرية في الأخف، وذلك فيما إذا كان الأثقل المنسوخ شديد الصعوبة بحيث يعسر فيه الامتثال، فإن الأخف يكون خيرًا منه؛ لأن مظنة عدم الامتثال تعرض المكلف للوقوع فيما لا يرضي الله، وذلك كقوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ فلو لم تنسخ المحاسبة بخطوات القلوب لكان الامتثال صعبًا جدًا، شاقًا على النفوس، لا يكاد يسلم من الإخلال به، إلا من سلمة الله تعالى، فلا شك أن نسخ ذلك بقوله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ خير للمكلف من بقاء ذلك الحكم الشاق، وهكذا.\nوالجواب عن الإشكال الثاني: هو أن قوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾","vol":"3","page":436},{"text":"يراد به مماثلة الناسخ والمنسوخ في حد ذاتيهما، فلا ينافي أن يكون الناسخ يستلزم فوائد خارجة عن ذاته يكون بها خيرًا من المنسوخ، فيكون باعتبار ذاته مماثلًا للمنسوخ، وباعتبار ما يستلزمه من الفوائد التي لا توجد في المنسوخ خيرًا من المنسوخ.\nوإيضاحه: أن عامة المفسرين يمثلون لقوله: ﴿أَوْ مِثْلِهَا﴾ بنسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام؛ فإن هذا الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى ذاتيهما متماثلان؛ لأن كل واحد منهما جهة من الجهات، وهي في حقيقة أنفسها متساوية، فلا ينافي أن يكون الناسخ مشتملًا على حكم خارجة عن ذاته تصيره خيرًا من المنسوخ بذلك الاعتبار، فإن استقبال بيت الله الحرام تلزمه نتائج متعددة مشار لها في القرآن ليست موجودة في استقبال بيت المقدس. منها: أنه يسقط به احتجاج كفار مكة على النبي - ﷺ - بقولهم: تزعم أنك على ملة إبراهيم ولا تستقبل قبلته! وتسقط به حجة اليهود بقولهم: تعيب ديننا وتستقبل قبلتنا، وقبلتنا من ديننا! وتسقط به أيضًا حجة علماء اليهود فإنهم عندهم في التوراة: أنه - ﷺ - سوف يؤمر باستقبال بيت المقدس، ثم يؤمر بالتحول عنه إلى استقبال بيت الله الحرام، فلو لم يؤمر بذلك لاحتجوا عليه بما عندهم في التوراة من أنه سيحول إلى بيت الله الحرام، والفرض أنه لم يحول.\nوقد أشار تعالى إلى هذه الحكم التي هي إدحاض هذه الحجج الباطلة بقوله: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ ثم بين الحكمة بقوله: ﴿لِئَلَّا","vol":"3","page":437},{"text":"يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾ الآية. وإسقاط هذه الحجج من الدواعي التي دعته - ﷺ - إلى حب التحويل إلى بيت الله الحرام المشار إليه في قوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية.\nالمسألة الخامسة: اعلم أن النسخ على ثلاثة أقسام:\nالأول: نسخ التلاوة والحكم معًا، ومثاله ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عائشة ﵂ قالت: \"كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن\" الحديث. فآية عشر رضعات منسوخة التلاوة والحكم إجماعًا.\nالثاني: نسخ التلاوة وبقاء الحكم، ومثاله آية الرجم المذكورة آنفًا، وآية خمس رضعات على قول الشافعي وعائشة ومن وافقهما.\nالثالث: نسخ الحكم وبقاء التلاوة، وهو غالب ما في القرآن من المنسوخ، كآية المصابرة، والعدة، والتخيير بين الصوم والإطعام، وحبس الزواني. كما ذكرنا ذلك كله آنفًا.\nالمسألة السادسة: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في نسخ القرآن بالقرآن، ونسخ السنة بمتواتر السنة. واختلفوا في نسخ القرآن بالسنة كعكسه، وفي نسخ المتواتر بأخبار الآحاد. وخلافهم في هذه المسائل معروف. وممن قال: بأن الكتاب لا ينسخ إلا بالكتاب، وإن السنة لا تنسخ إلا بالسنة الشافعي ﵀.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- هو أن الكتاب والسنة كلاهما ينسخ بالآخر؛ لأن الجميع","vol":"3","page":438},{"text":"وحي من الله تعالى. فمثال نسخ السنة بالكتاب: نسخ استقبال بيت المقدس باستقبال بيت الله الحرام، فإن استقبال بيت المقدس أولًا إنما وقع بالسنة لا بالقرآن، وقد نسخه الله بالقرآن في قوله: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا﴾ الآية. ومثال نسخ الكتاب بالسنة: نسخ آية عشر رضعات تلاوة وحكمًا بالسنة المتواترة؛ ونسخ سورة الخلع وسورة الحفد تلاوة وحكمًا بالسنة المتواترة. وسورة الخلع وسورة الحفد: هما للقنوت في الصبح عند المالكية.\nوقد أوضح صاحب (الدر المنثور) وغيره تحقيق أنهما كانتا سورتين من كتاب الله ثم نسختا، وقد قدمنا (في سورة الأنعام) أن الذي يظهر لنا أنه الصواب: هو أن أخبار الآحاد الصحيحة يجوز نسخ المتواتر بها إذا ثبت تأخرها عنه، وأنه لا معارضة بينهما؛ لأن المتواتر حق، والسنة الواردة بعده إنما بينت شيئًا جديدًا لم يكن موجودًا قبل، فلا معارضة بينهما ألبتة لاختلاف زمنهما.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ الآية، يدل بدلالة المطابقة دلالة صريحة على إباحة لحوم الحمر الأهلية؛ لصراحة الحصر بالنفي والإثبات في الآية في ذلك. فإذا صرح النبي - ﷺ - بعد ذلك يوم خيبر في حديث صحيح \"بأن لحوم الحمر الأهلية غير مباحة\" فلا معارضة البتة بين ذلك الحديث الصحيح وبين تلك الآية النازلة قبله بسنين؛ لأن الحديث دل على تحريم جديد، والآية ما نفت تجدد شيء في المستقبل كما هو واضح.\nفالتحقيق إن شاء الله: هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد","vol":"3","page":439},{"text":"الصحيحة الثابت تأخرها عنه، وإن خالف فيه جمهور الأصوليين، ودرج على خلافه وفاقًا للجمهور صاحب المراقي بقوله:\nوالنسخ بالآحاد للكتاب ... ليس بواقع على الصواب\nومن هنا تعلم: أنه لا دليل على بطلان قول من قال: إن الوصية للوالدين والأقربين منسوخة بحديث \"لا وصية لوارث\". والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: اعلم أن التحقيق هو جواز النسخ قبل التمكن من الفعل.\nفإن قيل: ما الفائدة في تشريع الحكم أولًا إذا كان سينسخ قبل التمكن من فعله؟.\nفالجواب: أن الحكمة ابتلاء المكلفين بالعزم على الامتثال. ويوضح هذا أن الله أمر إبراهيم أن يذبح ولده، وقد نسخ عنه هذا الحكم بفدائه بذبح عظيم قبل أن يتمكن من الفعل، وبين أن الحكمة في ذلك: الابتلاء بقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ ومن أمثلة النسخ قبل التمكن من الفعل: نسخ خمس وأربعين صلاة ليلة الإسراء، بعد أن فرضت الصلاة خمسين صلاة، كما هو معروف. وقد أشار إلى هذه المسألة في مراقي السعود بقوله:\nوالنسخ من قبل وقوع الفعل ... جاء وقوعًا في صحيح النقل\nالمسألة الثامنة: اعلم أن التحقيق: أنه ما كل زيادة على النص تكون نسخًا، وإن خالف في ذلك الإمام أبو حنيفة ﵀، بل","vol":"3","page":440},{"text":"الزيادة على النص قسمان:\nقسم مخالف للنص المذكور قبله، وهذه الزيادة تكون نسخًا على التحقيق، كزيادة تحريم الحمر الأهلية، وكل ذي ناب من السباع مثلًا، على المحرمات الأربعة المذكورة في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ﴾ الآية؛ لأن الحمر الأهلية ونحوها لم يسكت عن حكمه في الآية، بل مقتضي الحصر بالنفي والإثبات في قوله: ﴿لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ﴾ الآية - صريح في إباحة الحمر الأهلية وما ذكر معها، فكون زيادة تحريمها نسخًا أمر ظاهر.\nوقسم لا تكون الزيادة فيه مخالفة للنص، بل تكون زيادة شيء سكت عنه النص الأول، وهذا لا يكون نسخًا، بل بيان حكم شيء كان مسكوتًا عنه، كتغريب الزاني البكر، وكالحكم بالشاهد، واليمين في الأموال، فإن القرآن في الأول أوجب الجلد وسكت عما سواه، فزاد النبي حكمًا كان مسكوتًا عنه، وهو التغريب، كما أن القرآن في الثاني فيه: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية. وسكت عن حكم الشاهد واليمين، فزاد النبي - ﷺ - حكمًا كان مسكوتًا عنه، وإلي هذا أشار في مراقي السعود بقوله:\nوليس نسخًا كل ما أفادا ... فيما رسا بالنص إلا ازديادا\nوقد قدمنا هذا (في الأنعام) في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-723> قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ </span>..﴾ الآية.","vol":"3","page":441},{"text":"أمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يقول إن هذا القرآن الذي زعموا أنه افتراء بسبب تبديل الله آية مكان آية: أنه نزل عليه روح القدس من ربه جل وعلا؛ فليس مفتريًا له، وروح القدس: جبريل، ومعناه الروح المقدس؛ أي: الطاهر من كل ما لا يليق.\nوأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وقوله: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-724> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾</span>.\nأقسم جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم أن الكفار يقولون: إن هذا القرآن الذي جاء به النبي - ﷺ - ليس وحيًا من الله، وإنما تعلمه من بشر من الناس.\nوأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾ وقوله: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي: يرويه محمد - ﷺ - عن غيره، وقوله: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ الآية. كما تقدم (في الأنعام).\nوقد اختلف العلماء في تعيين هذا البشر الذي زعموا أنه يعلم النبي - ﷺ -، وقد صرح القرآن بأنه أعجمي اللسان؛ فقيل: هو غلام","vol":"3","page":442},{"text":"الفاكه بن المغيرة، واسمه جبر، وكان نصرانيًا فأسلم. وقيل: اسمه يعيش عبد لبني الحضرمي، وكان يقرأ الكتب الأعجمية. وقيل: غلام لبني عامر بن لؤي. قيل: هما غلامان: اسم أحدهما يسار، واسم الآخر جبر، وكانا صيقليين يعملان السيوف، وكانا يقرآن كتابًا لهم. وقيل: كانا يقرآن التوراة والإنجيل، إلى غير ذلك من الأقوال.\nوقد بين جل وعلا كذبهم وتعنتهم في قولهم: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ بقوله: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ أي: كيف يكون تعلمه من ذلك البشر، مع أن ذلك البشر أعجمي اللسان، وهذا القرآن عربي مبين فصيح، لا شائبة فيه من العجمة؛ فهذا غير معقول.\nوبين شدة تعنتهم أيضًا بأنه لو جعل القرآن أعجميًا لكذبوه أيضًا، وقالوا: كيف يكون هذا القرآن أعجميًا مع أن الرسول الذي أنزل عليه عربي؛ وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾ أي: أقرآن أعجمي، ورسول عربي. فكيف ينكرون أن القرآن أعجمي والرسول عربي، ولا ينكرون أن المعلم المزعوم أعجمي، مع أن القرآن المزعوم تعليمه له عربي.\nكما بين تعنتهم أيضًا بأنه لو نزل هذا القرآن العربي المبين، على أعجمي فقرأه عليهم عربيًا لكذبوه أيضًا، مع ذلك الخارق للعادة؛ لشدة عنادهم وتعنتهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ أي: يميلون عن","vol":"3","page":443},{"text":"الحق. والمعنى لسان البشر الذي يلحدون، أي: يميلون قولهم عن الصدق والاستقامة إليه = أعجمي غير بين، وهذا القرآن لسان عربي مبين، أي: ذو بيان وفصاحة. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بفتح الياء والحاء، من الحد الثلاثي، وقرأ الباقون: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ بضم الياء وكسر الحاء من الحد الرباعي، وهما لغتان، والمعني واحد؛ أي: يميلون عن الحق إلى الباطل. وأما: ﴿يُلْحِدُونَ﴾ التي في (الأعراف، والتي في فصلت) فلم يقرأهما بفتح الياء والحاء إلا حمزة وحده دون الكسائي، وإنما وافقه الكسائي في هذه التي في (النحل) وأطلق اللسان على القرآن لأن العرب تطلق اللسان وتريد به الكلام؛ فتؤنثها وتذكرها، ومنه قول أعشي باهلة:\nإن أتتني لسان لا أسر بها ... من علو لا عجب فيها ولا سخر\nوقول الآخر:\nلسان الشر تهديها إلينا ... وخنت وما حسبتك أن تخونا\nوقول الآخر:\nأتتني لسان بني عامر ... أحاديثها بعد قول نكر\nومنه قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ أي: ثناء حسنًا باقيًا. ومن إطلاق اللسان بمعنى الكلام مذكرًا قول الحطيئة:\nندمت على لسان فات مني ... فليت بأنه في جوف عكم\n\n• قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً","vol":"3","page":444},{"text":"يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢) وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١١٣)﴾.\nقال بعض أهل العلم: إن هذا مثل ضربه الله لأهل مكة، وهو رواية العوفي عن ابن عباس، وإليه ذهب مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وحكاه مالك عن الزهري ﵀، نقله عنهم ابن كثير وغيره.\nوهذه الصفات المذكورة التي اتصفت بها هذه القرية: تتفق مع صفات أهل مكة المذكورة في القرآن؛ فقوله عن هذه القرية: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ قال نظيره عن أهل مكة، كقوله: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا﴾ الآية. وقوله: ﴿يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ﴾ قال نظيره عن أهل مكة أيضًا، كقوله: ﴿إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا﴾ وقوله: ﴿لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ فإن رحلة الشتاء كانت إلى اليمن، ورحلة الصيف كانت إلى الشام، وكانت تأتيهم من كلتا الرحلتين أموال وأرزاق، ولذا أتبع الرحلتين بامتنانه عليهم: بأن أطعمهم من جوع. وقوله في دعوة إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.","vol":"3","page":445},{"text":"وقوله: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ ذكر نظيره عن أهل مكة في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾.\nوقد قدمنا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾ وقع نظيره قطعًا لأهل مكة، لما لجوا في الكفر والعناد، ودعا عليهم رسول الله - ﷺ -، وقال: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر، واجعلها عليهم سنين كسنين يوسف\" فأصابتهم سنة أذهبت كل شيء، حتى أكلوا الجيف والعلهز \"وهو وبر البعير يخلط بدمه إذا نحروه\" وأصابهم الخوف الشديد بعد الأمن، وذلك الخوف من جيوش رسول الله - ﷺ -، وغزواته وبعوثه وسراياه. وهذا الجوع والخوف أشار لهما القرآن على بعض التفسيرات، فقد فسر ابن مسعود آية \"الدخان\" بما يدل على ذلك.\nقال البخاري في صحيحه: باب ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠)﴾ فارتقب: فانتظر.\nحدثنا عبدان، عن أبي حمزة، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله قال: مضي خمس: الدخان، والروم، والقمر، والبطشة، واللزام. ﴿يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾.\nحدثنا يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق قال: قال عبد الله: إنما كان هذا لأن قريشًا لما","vol":"3","page":446},{"text":"استعصوا على النبي - ﷺ - دعا عليهم بسنين كسني يوسف؛ فأصابهم قحط وجهد، حتى أكلوا العظام، فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيري ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، فأنزل الله تعالى: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١)﴾ فأتي رسول الله - ﷺ - فقيل: يا رسول الله، استسق الله لمضر، فإنها قد هلكت! قال: \"لمضر! إنك لجريء! \" فاستسقي فسقوا، فنزلت: ﴿إِنَّكُمْ عَائِدُونَ﴾ فلما أصابتهم الرفاهية عادوا إلى حالهم حين أصابتهم الرفاهية، فأنزل الله ﷿: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ يعني يوم بدر.\nباب قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ حدثنا يحيى، حدثنا وكيع عن الأعمش، عن أبي الضحى، عن مسروق قال: دخلت على عبد الله فقال: إن من العلم أن تقول لما لا تعلم: الله أعلم، إن الله قال لنبيه - ﷺ -: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾ إن قريشًا لما غلبوا النبي - ﷺ - واستعصوا عليه قال: \"اللهم أعني عليهم بسبع كسبع يوسف\" فأخذتهم سنة أكلوا فيها العظام والميتة من الجهد، حتى جعل أحدهم يرى ما بينه وبين السماء كهيئة الدخان من الجوع ﴿رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ (١٢)﴾ فقيل له: إن كشفنا عنهم عادوا، فدعا ربه فكشف عنهم فعادوا، فانتقم الله منهم يوم بدر، فذلك قوله: ﴿فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ (١٠) -إلى قوله جل ذكره- إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ انتهى بلفظه من صحيح البخاري.\nوفي تفسير ابن مسعود ﵁ لهذه الآية الكريمة - ما","vol":"3","page":447},{"text":"يدل دلالة واضحة أن ما أذيقت هذه القرية المذكورة في \"سورة النحل\" من لباس الجوع أذيقه أهل مكة، حتى أكلوا العظام، وصار الرجل منهم يتخيل له مثل الدخان من شدة الجوع. وهذا التفسير من ابن مسعود ﵁ له حكم الرفع، لما تقرر في علم الحديث: من أن تفسير الصحابي المتعلق بسبب النزول له حكم الرفع، كما أشار له صاحب طلعة الأنوار بقوله:\nتفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق\nوكما هو معروف عند أهل العلم. وقد قدمنا ذلك في \"سورة البقرة\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾.\nوقد ثبت في صحيح مسلم، أن الدخان من أشراط الساعة. ولا مانع من حمل الآية الكريمة على الدخانين: الدخان الذي مضي، والدخان المستقبل جمعًا بين الأدلة. وقد قدمنا أن التفسيرات المتعددة في الآية إن كان يمكن حمل الآية على جميعها فهو أولى. وقد قدمنا أن ذلك هو الذي حققه أبو العباس ابن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن بأدلته.\nوأما الخوف المذكور في آية النحل: فقد ذكر جل وعلا مثله عن أهل مكة أيضًا على بعض تفسيرات الآية الكريمة التي هي: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ فقد جاء عن جماعة من السلف تفسير القارعة التي تصيبهم بسرية من سرايا رسول الله - ﷺ -.\nقال صاحب الدر المنثور: أخرج الفريابي وابن جرير، وابن","vol":"3","page":448},{"text":"مردويه عن طريق عكرمة، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: السرايا.\nوأخرج الطيالسي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، من طريق سعيد بن جبير ﵁، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية   ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: أنت يا محمد ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتح مكة.\nوأخرج ابن مردويه، عن أبي سعيد ﵁ في قوله: ﴿تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ﴾ قال: سرية من سرايا رسول الله - ﷺ - ﴿أَوْ تَحُلُّ﴾ يا محمد ﴿قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر وأبو الشيخ، والبيهقي في الدلائل، عن مجاهد ﵁ قال: \"القارعة\" السرايا ﴿أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ﴾ قال: الحديبية ﴿حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ قال: فتح مكة.\nوأخرج ابن جرير عن عكرمة ﵁ في قوله: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا ...﴾ الآية - نزلت بالمدينة في سرايا النبي - ﷺ -، أو تحل أنت يا محمد قريبًا من دارهم اهـ محل الغرض منه.\nفهذا التفسير المذكور في آية (الرعد) هذه، والتفسير المذكور قبله في آية (الدخان) يدل على أن أهل مكة أبدلوا بعد سعة الرزق بالجوع، وبعد الأمن والطمأنينة بالخوف، كما قال في القرية","vol":"3","page":449},{"text":"المذكورة: ﴿كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (١١٢)﴾ وقوله في القرية المذكورة: ﴿وَلَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ﴾ الآية - لا يخفي أنه قال مثل ذلك عن قريش في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nوالآيات المصرحة بكفرهم وعنادهم كثيرة جدًا، كقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥) وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nفمجموع ما ذكرنا يؤيد قول من قال: إن المراد بهذه القرية المضروبة مثلًا في آية (النحل) هذه: هي مكة. وروي عن حفصة وغيرها: أنها المدينة، قالت ذلك لما بلغها قتل عثمان ﵁.\nوقال بعض العلماء: هي قرية غير معينة، ضربها الله مثلًا للتخويف من مقابلة نعمة الأمن والاطمئنان والرزق، بالكفر والطغيان. وقال من قال بهذا القول: إنه يدل عليه تنكير القرية في الآية الكريمة في قوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً﴾ الآية.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وعلى كل حال، فيجب على كل عاقل أن يعتبر بهذا المثل، وألا يقابل نعم الله بالكفر والطغيان؛ لئلا يحل به ما حل بهذه القرية المذكورة، ولكن الأمثال","vol":"3","page":450},{"text":"لا يعقلها عن الله إلا من أعطاه الله علمًا، لقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾.\nوفي قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَرْيَةً﴾ وجهان من الإعراب.\nأحدهما: أنه بدل من قوله: ﴿مَثَلًا﴾.\nالثاني: أن ﴿وَضَرَبَ﴾ مضمن معنى جعل، وأن ﴿قَريَةً﴾ هي المفعول الأول، و﴿مَثَلًا﴾ المفعول الثاني، وإنما أخرت قرية لئلا يقع الفصل بينها وبين صفاتها المذكورة في قوله:  ﴿كَانَتْ آمِنَةً ..﴾    الخ.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُّطمَئِنَّةً﴾ أي: لا يزعجها خوف؛ لأن الطمأنينة مع الأمن، والانزعاج والقلق مع الخوف.\nوقوله: ﴿رَغَدًا﴾ أي: واسعًا لذيذًا. والأنعم قيل: جمع نعمة كشدة وأشد، أو على ترك الاعتداد بالتاء، كدرع وأدرع، أو جمع نعم كبؤس وأبؤس كما تقدم في (سورة الأنعام) في الكلام على قوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغُ أَشُدَّهُ﴾ الآية.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، هو أن يقال: كيف أوقع الإذاقة على اللباس في قوله: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ..﴾ الآية. وروي أن ابن الراوندي الزنديق قال لابن الأعرابي إمام اللغة والأدب: هل اللباس؟! يريد الطعن في قوله تعالى: ﴿فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ ..﴾ الآية. فقال له ابن الأعرابي: لا بأس أيها النسناس! هب أن محمدًا - ﷺ - ما كان نبيًا! أما كان عربيًا؟.","vol":"3","page":451},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: والجواب عن هذا السؤال ظاهر، وهو أنه أطلق اسم اللباس على ما أصابهم من الجوع والخوف؛ لأن آثار الجوع والخوف تظهر على أبدانهم، وتحيط بها كاللباس. ومن حيث وجدانهم ذلك اللباس المعبر به عن آثار الجوع والخوف أوقع عليه الإذاقة، فلا حاجة إلى ما يذكره البيانيون من الاستعارات في هذه الآية الكريمة. وقد أوضحنا في رسالتنا التي سميناها (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز): أنه لا يجوز لأحد أن يقول: إن في القرآن مجازًا، وأوضحنا ذلك بأدلته وبينا أن ما يسميه البيانيون مجازًا أنه أسلوب من أساليب اللغة العربية.\nوقد اختلف أهل البيان في هذه الآية، فبعضهم يقول: فيها استعارة مجردة؛ يعنون أنها جيء فيها بما يلائم المستعار له. وذلك في زعمهم أنه استعار اللباس لما غشيهم من بعض الحوادث كالجوع والخوف، بجامع اشتماله عليهم كاشتمال اللباس على اللابس على سبيل الاستعارة التصريحية الأصلية التحقيقية، ثم ذكر الوصف الذي هو الإذاقة ملائمًا للمستعار له الذي هو الجوع والخوف؛ لأن إطلاق الذوق على وجدان الجوع والخوف جري عندهم مجري الحقيقة لكثرة الاستعمال؛ فيقولون: ذاق البؤس والضر، وأذاقه غيره إياهما، فكانت الاستعارة مجردة لذكر ما يلائم المستعار له، الذي هو المشبه في الأصل في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة. ولو أريد ترشيح هذه الاستعارة في زعمهم لقيل: فكساها؛ لأن الإتيان بما يلائم المستعار منه الذي هو المشبه به في التشبيه الذي هو أصل الاستعارة يسمى \"ترشيحًا\" والكسوة تلائم","vol":"3","page":452},{"text":"اللباس، فذكرها ترشيح للاستعارة. قالوا: وإن كانت الاستعارة المرشحة أبلغ من المجردة، فتجريد الاستعارة في الآية أبلغ؛ من حيث إنه روعي المستعار له الذي هو الخوف والجوع، بذكر الإذاقة المناسبة لذلك ليزداد الكلام وضوحًا.\nوقال بعضهم: هي استعارة مبنية على استعارة؛ فإنه أولًا استعار لما يظهر على أبدانهم من الاصفرار والذبول والنحول اسم اللباس، بجامع الإحاطة بالشيء والاشتمال عليه، فصار اسم اللباس مستعارًا لآثار الجوع والخوف على أبدانهم، ثم استعار اسم الإذاقة لما يجدونه من ألم ذلك الجوع والخوف المعبر عنه باللباس، بجامع التعرف والاختيار في كل من الذوق بالفم، ووجود الألم من الجوع والخوف؛ وعليه ففي اللباس استعارة أصلية كما ذكرنا، وفي الإذاقة المستعارة لمس ألم الجوع والخوف استعارة تبعية.\nوقد ألممنا هنا بطرف قليل من كلام البيانيين هنا ليفهم الناظر مرادهم، مع أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن كل ذلك لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، وأن العرب تطلق الإذاقة على الذوق، وعلى غيره من وجود الألم واللذة، وأنها تطلق اللباس على المعروف، وتطلقه على غيره مما فيه معنى اللباس من الاشتمال؛ كقوله: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾.\nوقول الأعشى:\nإذا ما الضجيع ثني عطفها ... تثنت علية فكانت لباسا","vol":"3","page":453},{"text":"وكلها أساليب عربية. ولا إشكال في أنه إذا أطلق اللباس على مؤثر مؤلم يحيط بالشخص إحاطة اللباس، فلا مانع من إيقاع الإذاقة على ذلك الألم المحيط المعبر عنه باسم اللباس. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-725> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾</span>.\nنهي الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار عن تحريم ما أحل الله من رزقه، مما شرع لهم عمرو بن لحي (لعنه الله) من تحريم ما أحل الله.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿حِجْرٌ﴾ أي: حرام، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم.\nوفي قوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ أوجه من الإعراب.\nأحدهما: أنه منصوب بـ ﴿تَقُولُواْ﴾ أي: لا تقولوا الكذب لما","vol":"3","page":454},{"text":"تصفه ألسنتكم من رزق الله بالحل والحرمة؛ كما ذكر في الآيات المذكورة آنفًا من غير استناد ذلك الوصف إلى دليل، واللام مثلها في قولك: لا تقولوا لما أحل الله: هو حرام، وكقوله: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ﴾ الآية. وجملة: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ بدل من ﴿الْكَذِبَ﴾ وقيل: إن الجملة المذكورة في محل نصب بـ ﴿تَصِفُ﴾ بتضمينها معني تقول، أي: ولا تقولوا الكذب لما تصفه ألسنتكم، فتقول: هذا حلال وهذا حرام. وقيل: ﴿الْكَذِبَ﴾ مفعول به لـ ﴿تَصِفُ﴾ و\"ما\" مصدرية، وجملة: ﴿هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ متعلقة بـ ﴿وَلَا تَقُولُواْ﴾ أي: لا تقولوا هذا حلال، وهذا حرام لوصف ألسنتكم الكذب، أي: لا تحرموا ولا تحللوا لأجل قول تنطق به ألسنتكم، ويجول في أفواهكم، لا لأجل حجة وبينه. قاله صاحب الكشاف، وقيل: ﴿الْكَذِبَ﴾ بدل من هاء المفعول المحذوفة، أي: لما تصفه ألسنتكم الكذب.\nتنبيه\nكان السلف الصالح ﵃ يتورعون عن قولهم: هذا حلال وهذا حرام، خوفًا من هذه الآيات.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة:\nقال الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا هارون، عن حفص، عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون، وكانوا يستحبون.\nوقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن","vol":"3","page":455},{"text":"يقولوا: هذا حلال وهذا حرام، ولكن يقولوا: إياكم كذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا. انتهى.\nوقال الزمخشري: واللام في قوله: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ من التعليل الذي لا يتضمن معني الفرض اهـ. وكثير من العلماء يقولون: هي لام العاقبة. والبيانيون يزعمون أن حرف التعليل كاللام إذا لم تقصد به علة غائية، كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا ..﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ﴾ أن في ذلك استعارة تبعية في معنى الحرف.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: بل كل ذلك من أساليب اللغة العربية. فمن أساليبها: الإتيان بحرف التعليل للدلالة على العلة الغائية كقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ. .﴾ الآية.\nومن أساليبها الإتيان باللام للدلالة على ترتب أمر على أمر، كترتب المعلول على علته الغائية. وهذا الأخير كقوله: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾؛ لأن العلة الغائية الباعثة لهم على التقاطه ليست هي أن يكون لهمِ عدوًا، بل ليكون لهم قرة عين، كما قالت امرأة فرعون: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ ولكن لما كان كونه عدوًا لهم وحزنًا يترتب على التقاطهم له، كترتب المعلول على علته الغائية - عبر فيه باللام الدالة على ترتيب المعلول على العلة. وهذا أسلوب عربي، فلا حاجة إلى ما يطيل به البيانيون في مثل هذا المبحث.\n\n• قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ","vol":"3","page":456},{"text":"قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يفترون عليه الكذب -أي: يختلقونه عليه- كدعواهم أنه حرم هذا، وهو لم يحرمه، ودعواهم له الشركاء والأولاد لا يفلحون؛ لأنهم في الدنيا لا ينالون إلا متاعًا قليلًا لا أهمية له، وفي الآخرة يعذبون العذاب العظيم، الشديد المؤلم. وأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في يونس: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿مَتَاعٌ قَلِيلٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي: متاعهم في الدنيا متاع قليل.\nوقال الزمخشري: منفعتهم في الدنيا متاع قليل. وقوله: ﴿لَا يُفْلِحُونَ﴾ أي: لا ينالون الفلاح، وهو يطلق على معنيين:\nأحدهما: الفوز بالمطلوب الأكبر.\nوالثاني: البقاء السرمدي؛ كما تقدم بشواهده.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-726> قوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا مَا قَصَصْنَا عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ </span>..﴾ الآية. هذا المحرم عليهم، المقصوص عليه من قبل المحال عليه هنا هو المذكور في (سورة الأنعام) في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا","vol":"3","page":457},{"text":"حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (١٤٦)﴾.\nوجملة المحرمات عليهم في الآية الكريمة ظاهرة، وهو كل ذي ظفر: كالنعامة والبعير، والشحم الخالص من البقر والغنم (وهو الثروب) وشحم الكلي. أما الشحم الذي على الظهر، والذي في الحوايا وهي الأمعاء، والمختلط بعظم كلحم الذنب وغيره من الشحوم المختلطة بالعظام - فهو حلال لهم؛ كما هو واضح من الآية الكريمة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-727> قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ </span>(١٢١)﴾.\nأثني الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين على نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: بأنه أمة؛ أي: إمام مقتدي به، يعلم الناس الخير، كما قال تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وأنه قانت لله، أي: مطيع له وأنه لم يكن من المشركين، وأنه شاكر لأنعم الله، وأن الله اجتباه، أي: اختاره واصطفاه، وأنه هداه إلى صراط مستقيم.\nوكرر هذا الثناء عليه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ وقوله عنه: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ وقوله:","vol":"3","page":458},{"text":"﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة في الثناء عليه.\nوقد قدمنا معاني \"الأمة\" في القرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-728> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً </span>..﴾ الآية. قال بعض العلماء: الحسنة التي أتاه الله في الدنيا: الذرية الطيبة، والثناء الحسن. ويستأنس لهذا بأن الله بين أنه أعطاه بسبب إخلاصه لله، واعتزاله أهل الشرك: الذرية الطيبة. وأشار أيضًا لأنه جعل له ثناء حسنًا باقيًا في الدنيا؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ وقال: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ وقال: ﴿وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-729> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٣)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحي إلى نبينا - ﷺ - الأمر باتباع ملة إبراهيم حنيفًا وما كان من المشركين.\nوبين هذا أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٦١)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ إلى قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ ..﴾","vol":"3","page":459},{"text":"الآية، إلى غير ذلك من الآيات، والملة: الشريعة. والحنيف: المائل عن كل دين باطل إلى دين الحق. وأصله من الحنف: وهو اعوجاج الرجلين، يقال: برجله حنف، أي: اعوجاج. ومنه قول أم الأحنف بن قيس ترقصه وهو صبي:\nوالله لولا حنف برجله ... ما كان في فتيانكم من مثله\nوقوله: ﴿حَنِيفا﴾ حال من المضاف إليه، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nأو كان جزء ماله أضيفا ... أو مثل جزئه فلا تحيفا\nلأن المضاف هنا وهو ﴿مِلَّةَ﴾ كالجزء من المضاف إليه وهو ﴿إِبْرَاهِيمَ﴾ لأنه لو حذف لبقي المعنى تامًا؛ لأن قولنا: أن اتبع إبراهيم، كلام تام المعنى كما هو ظاهر، وهذا هو مراده بكونه مثل جزئه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-730> قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾</span> أمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يجادل خصومه بالطريق التي هي أحسن طرق المجادلة: من إيضاح الحق بالرفق واللين.\nوعن مجاهد ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ قال: أعرض عن أذاهم. وقد أشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾ أي: إلا الذين نصبوا للمؤمنين الحرب فجادلهم بالسيف حتى يؤمنوا، أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون.\nونظير ما ذكر هنا من المجادلة بالتي هي أحسن: قوله","vol":"3","page":460},{"text":"لموسي وهارون في شأن فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ ومن ذلك القول اللين: قول موسى له: ﴿هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-731> قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١٢٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أعلم بمن ضل عن سبيله، أي: زاغ عن طرق الصواب والحق، إلى طريق الكفر والضلال.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في أول القلم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٧) فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾ وقوله في الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ وقوله في النجم: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوالظاهر أن صيغة التفضيل التي هي: ﴿أَعْلَمُ﴾ في هذه الآيات يراد بها مطلق الوصف لا التفضيل؛ لأن الله لا يشاركه أحد في علم ما يصير إليه خلقه من شقاوة وسعادة، فهي كقول الشنفري:\nوإن مُدَّت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذ أجشع القوم أعجل\nأي: لم أكن بعجلهم. وقول الفرزدق:\nإن الذي سمك السماء بني لنا ... بيتًا دعائمه أعزُّ وأطول","vol":"3","page":461},{"text":"أي: عزيزة طويلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-732> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾</span> نزلت هذه الآية الكريمة من سورة النحل بالمدينة، في تمثيل المشركين بحمزة ومن قتل معه يوم أحد. فقال المسلمون: لئن أظفرنا الله بهم لنمثلن بهم، فنزلت الآية الكريمة، فصبروا لقوله تعالى: ﴿لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ أن سورة النحل مكية، إلا هذه الآيات الثلاث من آخرها. والآية فيها جواز الانتقام والإرشاد إلى أفضلية العفو. وقد ذكر تعالى هذا المعنى في القرآن، كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾ إلى قوله ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ وقوله: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ كما قدمنا.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: يؤخذ من هذه الآية حكم مسألة الظفر، وهي أنك إن ظلمك إنسان: بأن أخذ شيئًا من مالك بغير الوجه الشرعي ولم يمكن لك إثباته، وقدرت له على مثل ما ظلفك به على وجه تأمن معه الفضيحة والعقوبة؛ فهل لك أن تأخذ قدر حقك أو لا؟.\nأصح القولين وأجراهما على ظواهر النصوص وعلى القياس: أن لك أن تأخذ قدر حقك من غير زيادة، لقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ","vol":"3","page":462},{"text":"بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾.\nوممن قال بهذا القول: ابن سيرين، وإبراهيم النخعي، وسفيان ومجاهد، وغيرهم.\nوقالت طائفة من العلماء منهم مالك: لا يجوز ذلك، وعليه درج خليل بن إسحاق المالكي في مختصره بقوله في الوديعة: \"وليس له الأخذ منها لمن ظلمه بمثلها\".\nواحتج من قال بهذا القول بحديث \"أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك\" اهـ. وهذا الحديث على فرض صحته لا ينهض الاستدلال به؛ لأن من أخذ قدر حقه ولم يزد عليه لم يخن من خانه، وإنما أنصف نفسه ممن ظلمه.\nالمسألة الثانية: أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة المماثلة في القصاص. فمن قتل بحديدة قتل بها، ومن قتل بحجر قتل به. ويؤيده رضه - ﷺ - رأس يهودي بين حجرين قصاصًا لجارية فعل بها مثل ذلك. وهذا قول أكثر أهل العلم خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه زاعمًا أن القتل بغير المحدد شبه عمد، لا عمد صريح حتى يجب فيه القصاص. وسيأتي لهذا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح في سورة الإسراء.\nالمسألة الثالثة: أطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة اسم العقوبة على الجناية الأولى في قوله: ﴿بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ والجناية الأولى ليست عقوبة؛ لأن القرآن بلسان عربي مبين ومن أساليب اللغة العربية المشاكلة بين الألفاظ فيؤدي لفظ بغير معناه","vol":"3","page":463},{"text":"الموضوع له مشاكلة للفظ آخر مقترن به الكلام؛ كقول الشاعر:\nقالوا: اقترح شيئًا نجد لك طبخه ... قلت: اطبخوا لي جبة وقميصا\nأي: خيطوا لي. وقال بعض العلماء: ومنه قول جرير:\nهذه الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر\nبناء على القول بأن الأرامل لا تطلق في اللغة إلا على الإناث.\nونظير الآية الكريمة في إطلاق إحدى العقوبتين على ابتداء الفعل مشاكلة للفظ الآخر قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ ..﴾ الآية، ونحوه أيضًا قوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ مع أن القصاص ليس بسيئة، وقوله: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ﴾ الآية؛ لأن القصاص من المعتدي أيضًا ليس باعتداء كما هو ظاهر، وإنما أدي بغير لفظه للمشاكلة بين اللفظين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-733> قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾</span> الآية.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه - ﷺ - مأمور بالصبر، وأنه لا يمتثل ذلك الأمر بالصبر إلا بإعانة الله وتوفيقه؛ لقوله: ﴿وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ﴾ وأشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥)﴾ لأن قوله: ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ ..﴾ الآية، معناه أن خصلة الصبر لا يلقاها إلا من كان له عند الله الحظ الأكبر والنصيب الأوفر، بفضل الله عليه، وتيسير ذلك له.","vol":"3","page":464},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-734> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مع عباده المتقين المحسنين. وقد تقدم إيضاح معنى التقوى والإحسان.\nوهذه المعية خاصة بعباده المؤمنين، وهي بالإعانة والنصر والتوفيق. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقوله: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا﴾ وقوله: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما المعية العامة لجميع الخلق فهي بالإحاطة التامة والعلم، ونفوذ القدرة، وكون الجميع في قبضته جل وعلا؛ فالكائنات في يده جل وعلا أصغر من حبة خردل، وهذه هي المذكورة أيضًا في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nفهو جل وعلا مستو على عرشه كما قال، على الكيفية اللائقة بكماله وجلاله، وهو محيط بخلقه، كلهم في قبضة يده، لا يعزب عنه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر إلا في كتاب مبين.","vol":"3","page":465},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-735>سُورة بني إسرائيل</span>","vol":"3","page":466},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-736> قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى</span>. .﴾ الآية.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. فإنا نبين ذلك. فإذا علمت ذلك.\nفاعلم أن هذا الإسراء به - ﷺ - المذكور في هذه الآية الكريمة. زعم بعض أهل العلم أنه بروحه - ﷺ - دون جسده زاعمًا أنه في المنام لا اليقظة؛ لأن رؤيا الأنبياء وحي.\nوزعم بعضهم: أن الإسراء بالجسد، والمعراج بالروح دون الجسد. ولكن ظاهر القرآن يدل على أنه بروحه وجسده - ﷺ - يقظة لا منامًا، لأنه قال: ﴿بِعَبْدِهِ﴾ والعبد عبارة عن مجموع الروح والجسد، ولأنه قال: ﴿سُبْحَانَ﴾ والتسبيح إنما يكون عند الأمور العظام. فلو كان منامًا لم يكن له كبير شأن حتى يتعجب منه. ويؤيده قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾ لأن البصر من آلات الذات لا الروح، وقوله هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾.","vol":"3","page":467},{"text":"ومن أوضح الأدلة القرآنية على ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ فإنها رؤيا عين يقظة لا رؤيا منام؛ كما صح عن ابن عباس وغيره.\nومن الأدلة الواضحة على ذلك: أنها لو كانت رؤيا منام لما كانت فتنة، ولا سببًا لتكذيب قريش؛ لأن رؤيا المنام ليست محل إنكار؛ لأن المنام قد يرى فيه ما لا يصح. فالذي جعله الله فتنة هو ما رآه بعينه من الغرائب والعجائب؛ فزعم المشركون أن من ادعي رؤية ذلك بعينه فهو كاذب لا محالة، فصار فتنة لهم. وكون الشجرة الملعونة التي هي شجرة الزقوم على التحقيق فتنة لهم - أن الله لما أنزل قوله: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت بالأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار! كما تقدم في البقرة.\nويؤيد ما ذكرنا من كونها رؤيا عين يقظة قوله تعالى هنا: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ وما زعمه بعض أهل العلم من أن الرؤيا لا تطلق بهذا اللفظ لغة إلا على رؤيا المنام مردود. بل التحقيق: أن لفظ الرؤيا يطلق في لغة العرب على رؤية العين يقظة أيضًا، ومنه قول الراعي وهو عربي قح:\nفكبر للرؤيا وهش فؤاده ... وبشر نفسًا كان قبل يلومها\nفإنه يعني رؤية صائد بعينه. ومنه أيضًا قول أبي الطيب:\n\n• ورؤياك أحلى في العيون من الغمض*","vol":"3","page":468},{"text":"قاله صاحب اللسان: وزعم بعض أهل العلم: أن المراد بالرؤيا في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ ...﴾ الآية، رؤيا منام، وأنها هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية. والحق الأول.\nوركوبه - ﷺ - على البراق يدل على أن الإسراء بجسمه؛ لأن الروح ليس من شأنه الركوب على الدواب كما هو معروف، وعلى كل حال.\nفقد تواترت الأحاديث الصحيحة عنه: أنه أسرى به من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى، وأنه عرج به من المسجد الأقصى حتى جاوز السموات السبع.\nوقد دلت الأحاديث المذكورة على أن الإسراء والمعراج كليهما بجسمه وروحه، يقظة لا منامًا، كما دلت على ذلك أيضًا الآيات التي ذكرنا. وعلى ذلك من يعتد به من أهل السنة والجماعة، فلا عبرة بمن أنكر ذلك من الملحدين.\nوما ثبت في الصحيحين من طريق شريك عن أنس ﵁: أن الإسراء المذكور وقع منامًا = لا ينافي ما ذكرنا مما عليه أهل السنة والجماعة، ودلت عليه نصوص الكتاب والسنة، لإمكان أن يكون رأى الإسراء المذكور نومًا، ثم جاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فأسرى به يقظة تصديقًا لتلك الرؤيا المنامية. كما رأى في النوم أنهم دخلوا المسجد الحرام، فجاءت تلك الرؤيا كفلق الصبح فدخلوا المسجد الحرام في عمرة القضاء عام سبع يقظة لا منامًا تصديقًا لتلك الرؤيا، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا","vol":"3","page":469},{"text":"بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ ...﴾ الآية. ويؤيد ذلك حديث عائشة الصحيح \"فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح\"، مع أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن شريك بن عبد الله ابن أبي نمر ساء حفظه في تلك الرواية المذكورة عن أنس، وزاد فيها ونقص، وقدم وأخر. ورواها عن أنس غيره من الحفاظ على الصواب، فلم يذكروا المنام الذي ذكره شريك المذكور. وانظر رواياتهم بأسانيدها ومتونها في تفسير ابن كثير رحمه الله تعالى، فقد جمع طرق حديث الإسراء جمعًا حسنًا بإتقان. ثم قال ﵀: والحق أنه ﵊ أسرى به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق، فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب، ودخله فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا، ثم إلى بقية السموات السبع، فتلقاه من كل سماء مقربوها، وسلم على الأنبياء الذين في السموات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة، ثم جاوز منزليهما صلى الله وسلم عليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام -أي: أقلام القدر- بما هو كائن، ورأى سدرة المنتهى، وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة، وغشيتها الملائكة، ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح، ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق، ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسندًا ظهره إليه؛ لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه","vol":"3","page":470},{"text":"إلى يوم القيامة، ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هناك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفًا بعباده. وفي هذا اعتناء بشرف الصلاة وعظمتها، ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ. ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء. والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه، والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبا إلى الجانب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى.\nثم لما فرغ من الذي أريد به اجتمع به هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ في ذلك، ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس. والله ﷾ أعلم. انتهى بلفظه من تفسير الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثبت الإسراء في جميع مصنفات الحديث، وروي عن الصحابة في كل أقطار الإسلام، فهو متواتر بهذا الوجه. وذكر النقاش ممن رواه: عشرين صحابيًا، ثم شرع يذكر بعض طرقه في الصحيحين وغيرهما، وبسط قصة الإسراء، تركناه لشهرته عند العامة، وتواتره في الأحاديث.\nوذكر الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في آخر كلامه على هذه الآية الكريمة فائدتين، قال في أولاهما: فائدة حسنة جليلة -","vol":"3","page":471},{"text":"وروى الحافظ أبو نعيم الأصبهاني في كتاب (دلائل النبوة) من طريق محمد بن عمر الواقدي: حدثني مالك بن أبي الرجال، عن عمر بن عبد الله، عن محمد بن كعب القرظي قال: بعث رسول الله - ﷺ - دحية بن خليفة إلى قيصر .. فذكر وروده عليه وقدومه إليه، وفي السياق دلالة عظيمة على وفور عقل هرقل، ثم استدعى من بالشام من التجار فجيء بأبي سفيان صخر بن حرب وأصحابه، فسألهم عن تلك المسائل المشهورة التي رواها البخاري ومسلم كما سيأتي بيانه. وجعل أبو سفيان يجتهد أن يحقر أمره ويصغره عنده، قال في هذا السياق عن أبي سفيان: والله ما منعني من أن أقول عليه قولًا أسقطه به من عينه إلا أني أكره أن أكذب عنده كذبة يأخذها على ولا يصدقني في شيء. قال: حتى ذكرت قوله ليلة أسري به، قال: فقلت: أيها الملك، ألا أخبرك خبرًا تعرف به أنه قد كذب. قال: وما هو؟ قال: قلت: إنه يزعم لنا أنه خرج من أرضنا أرض الحرم في ليلة، فجاء مسجدكم هذا مسجد إيلياء، ورجع إلينا تلك الليلة قبل الصباح. قال: وبطريق إيلياء عند رأس قيصر، فقال بطريق إيلياء: قد علمت تلك الليلة.\nقال: فنظر إليه قيصر وقال: وما علمك بهذا؟ قال: إني كنت لا أنام ليلة حتى أغلق أبواب المسجد؛ فلما كانت تلك الليلة أغلقت الأبواب كلها غير باب واحد غلبني، فاستعنت عليه بعمالي ومن يحضرني كلهم فغلبنا، فلم نستطع أن نحركه كأنما نزاول به جبلًا، فدعوت إليه النجاجرة فنظروا إليه فقالوا: إن هذا الباب سقط عليه النجاف والبنيان ولا نستطيع أن نحركه، حتى نصبح فننظر من أين أتى! قال: فرجعت وتركت البابين مفتوحين. فلما أصبحت","vol":"3","page":472},{"text":"غدوت عليهما، فإذا المجر الذي في زاوية المسجد مثقوب، وإذا فيه أثر مربط الدابة. قال: فقلت لأصحابي: ما حبس هذا الباب الليلة إلا على نبي وقد صلى الليلة في مسجدنا اهـ.\nثم قال في الأخرى: فائدة: قال الحافظ أبو الخطاب عمر بن دحية في كتابه (التنوير في مولد السراج المنير) وقد ذكر حديث الإسراء من طريق أنس وتكلم عليه فأجاد وأفاد. ثم قال: وقد تواترت الروايات في حديث الإسراء عن عمر بن الخطاب وعلي، وابن مسعود وأبي ذر، ومالك بن صعصعة، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وابن عباس، وشداد بن أوس، وأبي بن كعب، وعبد الرحمن بن قرط، وأبي حبة، وأبي ليلى الأنصاريين، وعبد الله بن عمر، وجابر وحذيفة، وبريدة، وأبي أيوب، وأبي أمامة، وسمرة بن جندب، وأبي الحمراء، وصهيب الرومي، وأم هانئ، وعائشة، وأسماء ابنتي أبي بكر الصديق ﵃ أجمعين. منهم من ساقه بطوله، ومنهم من اختصره على ما وقع في المسانيد، وإن لم تكن رواية بعضهم على شرط الصحة. فحديث الإسراء أجمع عليه المسلمون، وأعرض عنه الزنادقة والملحدون، ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ اهـ من ابن كثير بلفظه.\nوقد قدمنا أن أحسن أوجه الإعراب في ﴿سُبحَانَ﴾ أنه مفعول مطلق، منصوب بفعل محذوف: أي: أسبح الله سبحانًا، أي: تسبيحًا. والتسبيح: الإبعاد عن السوء. ومعناه في الشرع: التنزيه عن كل ما لا يليق بجلال الله، كما قدمنا وزعم بعض أهل العلم: أن لفظة  ﴿سُبْحَانَ﴾  علم للتنزيه: وعليه فهو علم جنس لمعنى التنزيه","vol":"3","page":473},{"text":"على حد قول ابن مالك في الخلاصة. مشيرًا إلى أن علم الجنس يكون للمعنى كما يكون للذات:\nومثله برة للمبرة ... كذا فجار علم للفجرة\nوعلى أنه علم فهو ممنوع من الصرف للعلمية وزيادة الألف والنون. والذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أنه غير علم؛ وأن معنى ﴿سُبْحَانَ﴾ تنزيهًا لله عن كل ما لا يليق به. ولفظة: ﴿سُبْحَانَ﴾ من الكلمات الملازمة للإضافة، وورودها غير مضافة قليل؛ كقول الأعشى:\nفقلت لما جاءني فخره ... سبحان من علقمة الفاخر\nومن الأدلة على أنه غير علم: ملازمته للإضافة، والأعلام تقل إضافتها، وقد سمعت لفظة: ﴿سُبْحَانَ﴾ غير مضافة مع التنوين والتعريف؛ فمثاله مع التنوين قوله:\nسبحانه ثم سبحانا نعوذ به ... وقبلنا سبح الجودي والجمد\nومثاله معرَّفًا قول الراجز:\n\n• سبحانك اللهم ذا السبحان*\nوالتعبير بلفظ العبد في هذا المقام العظيم يدل دلالة واضحة على أن مقام العبودية هو أشرف صفات المخلوقين وأعظمها وأجلها؛ إذ لو كان هناك وصف أعظم منه لعبر به في هذا المقام العظيم، الذي اخترق العبد فيه السبع الطباق، ورأى من آيات ربه الكبرى. وقد قال الشاعر في محبوب مخلوق، ولله المثل الأعلى:","vol":"3","page":474},{"text":"يا قوم قلبي عند زهراء ... يعرفه السامع والرائي\nلا تدعني إلا بيا عبدها ... فإنه أشرف أسمائي\nواختلف العلماء في النكتة البلاغية التي نكر من أجلها  ﴿لَيْلًا﴾  في هذه الآية الكريمة.\nقال الزمخشري في الكشاف: أراد بقوله:  ﴿لَيْلًا﴾  بلفظ التنكير تقليل مدة الإسراء، وأنه أسري به في بعض الليل من مكة إلى الشام مسيرة أربعين ليلة. وذلك أن التنكير فيه قد دل على معنى البعضية، ويشهد لذلك قراءة عبد الله وحذيفة \"من الليل\" أي: بعض الليل، كقوله: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ   فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً﴾  يعني بالقيام في بعض الليل اهـ. واعترض بعض أهل العلم هذا. وذكر بعضهم: أن التنكير في قوله:  ﴿لَيْلًا﴾  للتعظيم؛ أي: ليلًا أي ليل، دنا فيه المحب إلى المحبوب! وقيل فيه غير ذلك. وقد قدمنا: أن أسرى وسرى لغتان. كسقى وأسقى، وقد جمعهما قول حسان ﵁:\nحي النضيرة ربة الخدر ... أسرت إليك ولم تكن تسري\n بفتح التاء من \"تسري\" والباء في اللغتين للتعدية، كالباء في: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ﴾ وقد تقدمت شواهد هذا في (سورة هود).\nتنبيه\nاختلف العلماء: هل رأى رسول الله - ﷺ - ربه ليلة الإسراء بعين رأسه أو لا؟ فقال ابن عباس وغيره: رآه بعين رأسه، وقالت عائشة وغيرها: لم يره. وهو خلاف مشهور بين أهل العلم معروف.","vol":"3","page":475},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق الذي دلت عليه نصوص الشرع: أنه - ﷺ - لم يره بعين رأسه. وما جاء عن بعض السلف من أنه رآه، فالمراد به الرؤية بالقلب، كما في صحيح مسلم: أنه رآه بفؤاده مرتين، لا بعين الرأس.\nومن أوضح الأدلة على ذلك: أن أبا ذر ﵁ (وهو هو في صدق اللهجة) سأل النبي - ﷺ - عن هذه المسألة بعينها، فأفتاه بما مقتضاه: أنه لم يره.\nقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع، عن يزيد بن إبراهيم، عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي ذر قال: سألت رسول الله - ﷺ -: هل رأيت ربك؟ قال: \"نور!! أنى أراه\"؟.\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا معاذ بن هشام، حدثنا أبي (ح) وحدثني حجاج بن الشاعر، حدثنا عفان بن مسلم، حدثنا همام، كلاهما عن قتادة، عن عبد الله بن شقيق قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله - ﷺ - لسألته، فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله: هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: \"رأيت نورًا\" هذا لفظ مسلم.\nوقال النووي في شرحه لمسلم: أما قوله - ﷺ - \"نور؟ أنى أراه\"!! فهو بتنوين \"نور\" وفتح الهمزة في \"أنى\" وتشديد النون وفتحها. و\"أراه\" بفتح الهمزة هكذا رواه جميع الرواة في جميع الأصول والروايات. ومعناه: حجابه نور، فكيف أراه!!.","vol":"3","page":476},{"text":"قال الإمام أبو عبد الله المازري ﵀: الضمير في \"أراه\" عائد إلى الله ﷾، ومعناه: أن النور منعني من الرؤية، كما جرت العادة بإغشاء الأنوار الأبصار، ومنعها من إدراك ما حالت بين الرائي وبينه:\nوقوله - ﷺ -: \"رأيت نورًا\" معناه: رأيت النور فحسب ولم أر غيره. قال: وروى \"نوراني\" بفتح الراء وكسر النون وتشديد الياء. ويحتمل أن يكون معناه راجعًا إلى ما قلناه، أي: خالق النور المانع من رؤيته، فيكون من صفات الأفعال.\nقال القاضي عياض ﵀: هذه الرواية لم تقع إلينا! ولا رأيناها في شيء من الأصول اهـ محل الغرض من كلام النووي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق الذي لا شك فيه هو: أن معنى الحديث هو ما ذكر، من كونه لا يتمكن أحد من رؤيته لقوة النور الذي هو حجابه.\nومن أصرح الأدلة على ذلك أيضًا حديث أبي موسى المتفق عليه \"حجابه النور، أو النار لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\" وهذا هو معنى قوله - ﷺ -: \"نور! أنى أراه\"؟، أي: كيف أراه وحجابه نور، من صفته أنه لو كشفه لأحرق ما انتهى إليه بصره من خلقه.\nوقد قدمنا: أن تحقيق المقام في رؤية الله جل وعلا بالأبصار: أنها جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، بدليل قول موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأنه لا يجهل المستحيل في حقه جل وعلا، وأنها","vol":"3","page":477},{"text":"جائزة شرعًا، وواقعة يوم القيامة، ممتنعة شرعًا في الدنيا قال: ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾ إلى قوله ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾.\nومن أصرح الأدلة في ذلك حديث \"إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا\" في صحيح مسلم، وصحيح ابن خزيمة كما تقدم.\nوأما قوله: ﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ﴾ الآية - فذلك جبريل على التحقيق، لا الله جل وعلا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-737> قوله تعالى: ﴿الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾</span> أظهر التفسيرات فيه: أن معنى ﴿بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ أكثرنا حوله الخير والبركة بالأشجار والثمار والأنهار. وقد وردت آيات تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالَمِينَ (٧١)﴾ وقوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ فإن المراد بتلك الأرض: الشام، والمراد بأنه بارك فيها: أنه أكثر فيها البركة والخير بالخصب والأشجار والثمار والمياه كما عليه جمهور العلماء.\nوقال بعض العلماء: المراد بأنه بارك فيها أنه بعث الأنبياء منها. وقيل غير ذلك. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-738> قوله تعالى: ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾</span> الظاهر إنما أراه الله من آياته في هذه الآية الكريمة: أنه أراه إياه رؤية عين؛ فهمزة التعدية داخلة على رأى البصرية؛ كقولك: أرأيت زيدًا دار عمرو؛ أي: جعلته يراها بعينه. و﴿مِن﴾ في الآية للتبعيض، والمعنى ﴿لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ أي: بعض آياتنا فنجعله يراها بعينه، وذلك ما رآه - ﷺ - بعينه","vol":"3","page":478},{"text":"ليلة الإسراء من الغرائب والعجائب؛ كما جاء مبينًا في الأحاديث الكثيرة.\nويدل لما ذكرنا في الآية الكريمة قوله تعالى في سورة النجم: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-739> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ﴾</span> لما بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة عظم شأن نبيه محمد - ﷺ -، ذكر عظم شأن موسى بالكتاب العظيم، الذي أنزله إليه وهو التوراة، مبينًا أنه جعله هدى لبني إسرائيل. وكرر جل وعلا هذا المعنى في القرآن؛ كقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣) وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-740> قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾</span> اعلم أن هذا الحرف قرأه جمهور القراء \"ألا تتخذون\" بالتاء على وجه الخطاب، وعلى هذا فـ\"أن\" هي المفسرة، فجعل التوراة هدى لبني إسرائيل مفسر بنهيهم عن اتخاذ وكيل من دون الله؛ لأن الإخلاص لله في عبادته هو ثمرة الكتب المنزلة على الأنبياء صلوات الله عليهم وسلامه. وعلى هذه القراءة فـ\"لا\" في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا﴾ ناهية. وقرأه أبو عمرو من السبعة \"ألا يتخذوا من دوني وكيلا\" بالياء على","vol":"3","page":479},{"text":"الغيبة. وعلى هذه القراءة فالمصدر المنسبك من \"أن\" وصلتها مجرور بحرف التعليل المحذوف، أي: وجعلناه هدى لبني إسرائيل لأجل ألا يتخذوا من دوني وكيلا؛ لأن اتخاذ الوكيل الذي تسند إليه الأمور، وتفوض من دون الله ليس من الهدى، فمرجع القراءتين إلى شيء واحد، وهو أن التوكل إنما يكون على الله وحده لا على غيره.\nوكرر هذا المعنى في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا (٩)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الرَّحْمَنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنَا﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (١٢٩)﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ إِنَّ اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (١١)﴾ وقوله:   ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾  الآية، وقوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٣)﴾ وقوله: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوالوكيل: فعيل من التوكل، أي: متوكلًا عليه، تفوضون إليه أموركم، فيوصل إليكم النفع، ويكف عنكم الضر.\nوقال الزمخشري: ﴿وكيلًا﴾ أي: ربًا تكلون إليه أموركم.","vol":"3","page":480},{"text":"وقال ابن جرير: حفيظًا لكم سواي.\nوقال أبو الفرج ابن الجوزي: قيل للرب: وكيل لكفايته وقيامه بشئون عباده، لا على معنى ارتفاع منزلة الموكل وانحطاط أمر الوكيل اهـ؛ قاله أبو حيان في البحر.\nوقال القرطبي: ﴿وَكِيلًا (٢)﴾ أي: شريكًا، عن مجاهد، وقيل: كفيلًا بأمورهم، حكاه الفراء. وقيل: ربًا يتوكلون عليه في أمورهم، قاله الكلبي. وقال الفراء: كافيًا اهـ. والمعاني متقاربة، ومرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الوكيل. من يتوكل عليه، فتفوض الأمور إليه، ليأتي بالخير، ويدفع الشر، وهذا لا يصح إلا لله وحده جل وعلا، ولهذا حذر من اتخاذ وكيل دونه؛ لأنه لا نافع ولا ضار، ولا كافي إلا هو وحده جل وعلا. عليه توكلنا، وهو حسبنا ونعم الوكيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-741> قوله تعالى: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْدًا شَكُورًا (٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من حملهم مع نوح؛ تنبيهًا على النعمة التي نجاهم بها من الغرق، ليكون في ذلك تهييج لذرياتهم على طاعة الله. أي: يا ذرية من حملنا مع نوح فنجيناهم من الغرق، تشبهوا بأبيكم، فاشكروا نعمنا. وأشار إلى هذا المعنى في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية.\nوبين في مواضع أخر الذين حملهم مع نوح من هم؟ وبين الشيء الذي حملهم فيه، وبين من بقي له نسل وعقب منهم، ومن","vol":"3","page":481},{"text":"انقطع ولم يبق له نسل ولا عقب.\nفبين أن الذين حملهم مع نوح: هم أهله ومن آمن معه من قومه في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ﴾ وبين أن الذين آمنوا من قومه قليل بقوله: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.\nوبين أن ممن سبق عليه القول من أهله بالشقاء امرأته وابنه. قال في امرأته: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ﴾ إلى قوله ﴿وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾ وقال في ابنه: ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وقال فيه أيضًا: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ أي: الموعود بنجاتهم في قوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.\nوبين أن الذي حملهم فيه هو السفينة في قوله: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا ..﴾ الآية، أي: السفينة، وقوله: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ ..﴾ الآية، أي: أدخل فيها، أي: السفينة ﴿مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ﴾.\nوبين أن ذرية من حمل مع نوح لم يبق منها إلا ذرية نوح في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾ وكان نوح يحمد الله على طعامه وشرابه، ولباسه وشأنه كله، فسماه الله عبدًا شكورًا.\nوأظهر أوجه الإعراب في قوله: ﴿ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا﴾ الآية: أنه منادى بحرف محذوف.","vol":"3","page":482},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-742> قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾</span> الآية. أظهر الأقوال فيه: أنه بمعنى أخبرناهم وأعلمناهم.\nومن معاني القضاء: الإخبار والإعلام، ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَيْهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾ والظاهر أن تعديته بـ ﴿إِلَى﴾ لأنه مضمن معنى الإيحاء. وقيل: مضمن معنى: تقدمنا إليهم فأخبرناهم. قال معناه ابن كثير. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-743> قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾</span> بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أحسن -أي: بالإيمان والطاعة- فإنه إنما يحسن إلى نفسه؛ لأن نفع ذلك لنفسه خاصة. وأن من أساء -أي: بالكفر والمعاصي- فإنه إنما يسيء على نفسه؛ لأن ضرر ذلك عائد إلى نفسه خاصة.\nوبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ وقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. واللام في قوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ بمعنى على، أي: فعليها، بدليل قوله: ﴿وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ ومن إتيان اللام بمعنى على قوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ الآية؛ أي: عليها، وقوله: ﴿فَسَلَامٌ لَكَ﴾ الآية؛ أي: سلام عليك. على ما قاله بعض العلماء. ونظير ذلك من كلام العرب: قول جابر التغلبي، أو شريح العبسي، أو زهير المزني أو غيرهم:","vol":"3","page":483},{"text":"تناوله بالرمح ثم انثنى له ... فخر صريعًا لليدين وللفم\nأي: على اليدين وعلى الفم. والتعبير بهذه اللام في هذه الآية للمشاكلة؛ كما قدمنا في نحو: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ ...﴾ الآية، ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ ...﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-744> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ </span>...﴾ الآية. جواب: \"إذا\" في هذه الآية الكريمة محذوف، وهو الذي تتعلق به اللام في قوله: ﴿لِيَسُوءُوا﴾ وتقديره: فإذا جاء وعد الآخرة بعثناهم ليسوءوا وجوهكم؛ بدليل قوله في الأولى: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا ..﴾ الآية، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nقال ابن قتيبة في (مشكل القرآن): ونظيره في حذف العامل قول حميد بن ثور:\nرأتني بحبليها فصدت مخافة ... وفي الحبل روعاء الفؤاد فروق\nأي: رأتني أقبلت، أو مقبلًا.\nوفي هذا الحرف ثلاث قراءات سبعيات: قرأه على الكسائي \"لنسوء وجوهكم\" بنون العظمة وفتح الهمزة؛ أي: لنسوءها بتسليطنا إياهم عليكم يقتلونكم ويعذبونكم. وقرأه ابن عامر وحمزة وشعبة عن عاصم: ﴿ليسوء وجوهكم﴾ بالياء وفتح الهمزة والفاعل ضمير عائد إلى الله؛ أي: ليسوء هو؛ أي: الله وجوهكم بتسليطه إياهم عليكم. وقرأه الباقون: ﴿لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ﴾ بالياء وضم الهمزة بعدها واو الجمع التي هي فاعل الفعل، ونصبه بحذف","vol":"3","page":484},{"text":"النون، وضمير الفاعل الذي هو الواو عائد إلى الذين بعثهم الله عليهم؛ ليسوءوا وجوههم بأنواع العذاب والقتل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-745> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾</span> لما بين جل وعلا أن بني إسرائيل قضى إليهم في الكتاب أنهم يفسدون في الأرض مرتين، وأنه إذا جاء وعد الأولى منهما: بعث عليهم عبادًا له أولى بأس شديد فاحتلوا بلادهم وعذبوهم، وأنه إذا جاء وعد المرة الآخرة: بعث عليهم قومًا ليسوءوا وجوههم، وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة، وليتبروا ما علوا تتبيرًا.\nوبين أيضًا: أنهم إن عادوا للإفساد المرة الثالثة فإنه جل وعلا يعود للانتقام منهم بتسليط أعدائهم عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ ولم يبين هنا: هل عادوا للإفساد المرة الثالثة، أو لا؟ ولكنه أشار في آيات أخر إلى أنهم عادوا للإفساد بتكذيب الرسول - ﷺ -، وكتم صفاته ونقض عهوده، ومظاهرة عدوه عليه، إلى غير ذلك من أفعالهم القبيحة، فعاد الله جل وعلا للانتقام منهم تصديقًا لقوله: ﴿وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا﴾ فسلط عليهم نبيه - ﷺ - والمسلمين، فجرى على بني قريظة، والنضير، وبني قينقاع، وخيبر ما جرى من القتل والسبي والإجلاء، وضرب الجزية على من بقي منهم، وضرب الذلة والمسكنة.\nفمن الآيات الدالة على أنهم عادوا للإفساد قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ بَغْيًا أَنْ","vol":"3","page":485},{"text":"يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩٠)﴾ وقوله: ﴿أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْدًا نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ ..﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nومن الآيات الدالة على أنه تعالى عاد للانتقام منهم قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ (٢) وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا ..﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nوتركنا بسط قصة الذين سلطوا عليهم في المرتين؛ لأنها أخبار إسرائيلية، وهي مشهورة في كتب التفسير والتاريخ. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-746> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾</span> في قوله: ﴿حَصِيرًا (٨)﴾ في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء، كل منهما يشهد لمعناه قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها وجهان أو أوجه، وكلها صحيح، ويشهد له قرآن، فنورد جميع ذلك لأنه كله حق.","vol":"3","page":486},{"text":"الأول: أن الحصير: المحبس والسجن، من الحصر وهو الحبس. قال الجوهري: يقال: حصره يحصره حصرًا: ضيق عليه وأحاط به، وهذا الوجه يدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nالوجه الثاني: أن معنى ﴿حَصِيًرا﴾ أي: فراشا ومهادًا، من الحصير الذي يفرش؛ لأن العرب تسمي البساط الصغير حصيرًا. قال الثعلبي: وهو وجه حسن. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. والمهاد: الفراش.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-747> قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾</span> الآية. ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم الذي هو أعظم الكتب السماوية، وأجمعها لجميع العلوم، وآخرها عهدًا برب العالمين جل وعلا: يهدي للتي هي أقوم، أي: الطريقة التي هي أسد وأعدل وأصوب، فـ\"التي\" نعت لموصوف محذوف، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nوما من المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل\nوقال الزجاج، والكلبي، والفراء: للحال التي هي أقوم الحالات، وهي توحيد الله والإيمان برسله.\nوهذه الآية الكريمة أجمل الله جل وعلا فيها جميع ما في القرآن من الهدي إلى خير الطرق وأعدلها وأصوبها، فلو تتبعنا تفصيلها على وجه الكمال لأتينا على جميع القرآن العظيم،","vol":"3","page":487},{"text":"لشمولها لجميع ما فيه من الهدى إلى خير الدنيا والآخرة، ولكننا إن شاء الله تعالى سنذكر جملًا وافرة في جهات مختلفة كثيرة من هدي القرآن للطريق التي هي أقوم بيانًا لبعض ما أشارت إليه الآية الكريمة، تنبيهًا ببعضه على كله من المسائل العظام، والمسائل التي أنكرها الملحدون من الكفار، وطعنوا بسببها في دين الإسلام، لقصور إدراكهم عن معرفة حكمها البالغة.\nفمن ذلك توحيد الله جلا وعلا؛ فقد هدى القرآن فيه للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها، وهي توحيده جل وعلا في ربوبيته، وفي عبادته، وفي أسمائه وصفاته. وقد دل استقراء القرآن العظيم على أن توحيد الله ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: توحيده في ربوبيته، وهذا النوع من التوحيد جبلت عليه فطر العقلاء، قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ ..﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وإنكار فرعون لهذا النوع من التوحيد في قوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ تجاهل من عارف أنه عبد مربوب؛ بدليل قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ وهذا النوع من التوحيد لا ينفع إلا بإخلاص العبادة لله، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ (١٠٦)﴾ والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًا.\nالثاني: توحيده جل وعلا في عبادته. وضابط هذا النوع من","vol":"3","page":488},{"text":"التوحيد هو تحقيق معنى \"لا إله إلا الله\" وهي متركبة من نفي وإثبات، فمعنى النفي منها: خلع جميع أنواع المعبودات غير الله كائنة ما كانت في جميع أنواع العبادات كائنة ما كانت. ومعنى الإثبات منها: إفراد الله جل وعلا وحده بجميع أنواع العبادات بإخلاص، على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام. وأكثر آيات القرآن في هذا النوع من التوحيد، وهو الذي فيه المعارك بين الرسل وأممهم ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.\nومن الآيات الدالة على هذا النوع من التوحيد قوله تعالى: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ . .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ فقد أمر في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنما أوحي إليه محصور في هذا النوع من التوحيد؛ لشمول كلمة \"لا إله إلا الله\" لجميع ما جاء في الكتب؛ لأنها تقتضي طاعة الله بعبادته وحده، فيشمل ذلك جميع العقائد والأوامر والنواهي، وما يتبع ذلك من ثواب وعقاب، والآيات في هذا النوع من التوحيد كثيرة.\nالنوع الثالث: توحيده جل وعلا في أسمائه وصفاته. وهذا النوع من التوحيد ينبني على أصلين:","vol":"3","page":489},{"text":"الأول: تنزيه الله جل وعلا عن مشابهة المخلوقين في صفاتهم؛ كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾.\nوالثاني: الإيمان بما وصف الله به نفسه، أو وصفه به رسوله - ﷺ - على الوجه اللائق بكماله وجلاله، كما قال بعد قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾ مع قطع الطمع عن إدراك كيفية الاتصاف، قال تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾ وقد قدمنا هذا المبحث مستوفى موضحًا بالآيات القرآنية \"في سورة الأعراف\".\nويكثر في القرآن العظيم الاستدلال على الكفار باعترافهم بربوبيته جل وعلا: على وجوب توحيده في عبادته، ولذلك يخاطبهم في توحيد الربوبية باستفهام التقرير، فإذا أقروا بربوبيته احتج بها عليهم على أنه هو المستحق لأن يعبد وحده، ووبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره، مع اعترافهم بأنه هو الرب وحده؛ لأن من اعترف بأنه هو الرب وحده لزمه الاعتراف بأنه هو المستحق لأن يعبده وحده.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ﴾ إلى قوله ﴿فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ فلما أقروا بربوبيته وبخهم منكرًا عليهم شركهم به غيره بقوله: ﴿أَفَلَا تَتَّقُونَ﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما اعترفوا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ","vol":"3","page":490},{"text":"وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾ ثم قال: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ﴾ فلما أقروا وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾ فلما صح الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٦١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح إقرارهم وبخهم منكرًا عليهم شركهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ فلما صح اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم البتة غيره: هو أن القادر على خلق السموات والأرض وما ذكر معها خير من جماد لا يقدر على","vol":"3","page":491},{"text":"شيء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره كما قبله، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ ثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ ولا شك أن الجواب كما قبله، فلما تعين إقرارهم بذلك وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾ ثم قال جل وعلا: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ولا شك ان الجواب كما قبله، فلما تعين الاعتراف وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾ وقوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ ولا شك أن الجواب الذي لا جواب لهم غيره هو: لا! أي: ليس من شركائنا من يقدر على أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور، من الخلق والرزق والإماتة والإحياء، فلما تعين اعترافهم وبخهم منكرًا عليهم بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nوالآيات بنحو هذا كثيرة جدًا. ولأجل ذلك ذكرنا في غير هذا الموضع: أن كل الأسئلة المتعلقة بتوحيد الربوبية استفهامات تقرير، يراد منها أنهم إذا أقروا رتب لهم التوبيخ والإنكار على ذلك","vol":"3","page":492},{"text":"الإقرار؛ لأن المقر بالربوبية يلزمه الإقرار بالألوهية ضرورة؛ نحو قوله تعالى: ﴿أَفِي اللَّهِ شَكٌّ﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا﴾ وإن زعم بعض العلماء أن هذا استفهام إنكار؛ لأن استقراء القرآن دل على أن الاستفهام المتعلق بالربوبية استفهام تقرير، وليس استفهام إنكار؛ لأنهم لا ينكرون الربوبية، كما رأيت كثرة الآيات الدالة عليه.\nوالكلام على أقسام التوحيد ستجده إن شاء الله في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك، بحسب المناسبات في الآيات التي نتكلم على بيانها بآيات أخر.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: جعله الطلاق بيد الرجل؛ كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ ..﴾ الآية، ونحوها من الآيات؛ لأن النساء مزارع وحقول، تبذر فيها النطف كما يبذر الحب في الأرض؛ كما قال تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾.\nولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق: أن الزارع لا يرغم على الازدراع في حقل لا يرغب فيه؛ لأنه يراه غير صالح له، والدليل الحسي القاطع على ما جاء به القرآن من أن الرجل زارع، والمرأة مزرعة: أن آلة الازدراع مع الرجل؛ فلو أرادت المرأة أن تجامع الرجل وهو كاره لها، لا رغبة له فيها لم ينتشر، ولم يقم ذكره إليها فلا تقدر منه على شيء، بخلاف الرجل فإنه قد يرغمها وهي كارهة فتحمل وتلد، كما قال أبو كبير الهذلي:\nممن حملن به وهن عواقد ... حبك النطاق فشب غير مهبل\nفدلت الطبيعة والخلقة على أنه فاعل وأنها مفعول به؛ ولذا","vol":"3","page":493},{"text":"أجمع العقلاء على نسبة الولد له لا لها.\nوتسوية المرأة بالرجل في ذلك مكابرة في المحسوس، كما لا يخفى.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: إباحته تعدد الزوجات إلى أربع، وأن الرجل إذا خاف عدم العدل بينهن لزمه الاقتصار على واحدة، أو ملك يمينه، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ ولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها هي إباحة تعدد الزوجات؛ لأمور محسوسة يعرفها كل العقلاء.\nمنها: أن المرأة الواحدة تحيض وتمرض، وتنفس إلى غير ذلك من العوائق المانعة من قيامها بأخص لوازم الزوجية، والرجل مستعد للتسبب في زيادة الأمة، فلو حبس عليها في أحوال أعذارها لعطلت منافعه باطلًا في غير ذنب.\nومنها: أن الله أجرى العادة بأن الرجال أقل عددًا من النساء في أقطار الدنيا، وأكثر تعرضًا لأسباب الموت منهن في جميع ميادين الحياة؛ فلو قصر الرجل على واحدة، لبقى عدد ضخم من النساء محرومًا من الزواج، فيضطرون إلى ركوب الفاحشة، فالعدول عن هدي القرآن في هذه المسألة من أعظم أسباب ضياع الأخلاق، والانحطاط إلى درجة البهائم في عدم الصيانة، والمحافظة على الشرف والمروءة والأخلاق! فسبحان الحكيم الخبير، ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾.","vol":"3","page":494},{"text":"ومنها: أن الإناث كلهن مستعدات للزواج، وكثير من الرجال لا قدرة لهم على القيام بلوازم الزواج لفقرهم، فالمستعدون للزواج من الرجال أقل من المستعدات له من النساء؛ لأن المرأة لا عائق لها، والرجل يعوقه الفقر وعدم القدرة على لوازم النكاح، فلو قصر الواحد على الواحدة لضاع كثير من المستعدات للزواج أيضًا بعدم وجود أزواج، فيكون ذلك سببا لضياع الفضيلة وتفشي الرذيلة، والانحطاط الخلقي، وضياع القيم الإنسانية، كما هو واضح. فإن خاف الرجل ألا يعدل بينهن، وجب عليه الاقتصار على واحدة، أو ما ملك يمينه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ الآية. والميل بالتفضيل في الحقوق الشرعية بينهن لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ﴾ أما الميل الطبيعي بمحبة بعضهن أكثر من بعض، فهو غير مستطاع دفعه للبشر؛ لأنه انفعال وتأثر نفساني لا فعل، وهو المراد بقوله: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ﴾ الآية، كما أوضحناه في غير هذا الموضع.\nوما يزعمه بعض الملاحدة من أعداء دين الإسلام، من أن تعدد الزوجات يلزمه الخصام والشغب الدائم المفضي إلى نكد الحياة؛ لأنه كلما أرضى إحدى الضرتين سخطت الأخرى؛ فهو بين سخطتين دائمًا، وأن هذا ليس من الحكمة. فهو كلام ساقط، يظهر سقوطه لكل عاقل؛ لأن الخصام والمشاغبة بين أفراد أهل البيت لا انفكاك عنه ألبتة، فيقع بين الرجل وأمه، وبينه وبين أبيه، وبينه وبين أولاده، وبينه وبين زوجته الواحدة، فهو أمر عادي ليس له كبير شأن، وهو في جنب المصالح العظيمة التي ذكرنا في","vol":"3","page":495},{"text":"تعدد الزوجات من صيانة النساء وتيسير التزويج لجميعهن، وكثرة عدد الأمة لتقوم بعددها الكثير في وجه أعداء الإسلام - كلا شيء؛ لأن المصلحة العظمى يقدم جلبها على دفع المفسدة الصغرى.\nفلو فرضنا أن المشاغبة المزعومة في تعدد الزوجات مفسدة، أو أن إيلام قلب الزوجة الأولى بالضرة مفسدة، لقدمت عليها تلك المصالح الراجحة التي ذكرنا، كما هو معروف في الأصول.\nقال في مراقي السعود عاطفًا على ما تلغى فيه المفسدة المرجوحة في جنب المصلحة الراجحة:\nأو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى\nوانظر تدلى دوالى العنب ... في كل مشرق وكل مغرب\nففداء الأسارى مصلحة راجحة، ودفع فدائهم النافع للعدو مفسدة مرجوحة، فتقدم عليها المصلحة الراجحة. أما إذا تساوت المصلحة والمفسدة، أو كانت المفسدة أرجح كفداء الأسارى بسلاح يتمكن بسببه العدو من قتل قدر الأسارى أو أكثر من المسلمين، فإن المصلحة تلغى لكونها غير راجحة كما قال في المراقي:\nاخرم مناسبا بمفسد لزم ... للحكم وهو غير مرجوح علم\nوكذلك العنب تعصر منه الخمر وهي أم الخبائث، إلا أن مصلحة وجود العنب والزبيب والانتفاع بهما في أقطار الدنيا مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر منها ألغيت لها تلك المفسدة المرجوحة.","vol":"3","page":496},{"text":"واجتماع الرجال والنساء في البلد الواحد قد يكون سببًا لحصول الزنى إلا أن التعاون بين المجتمع من ذكور وإناث مصلحة أرجح من تلك المفسدة؛ ولذا لم يقل أحد من العلماء إنه يجب عزل النساء في محل مستقل عن الرجال، وأن يجعل عليهن حصن قوى لا يمكن الوصول إليهن معه، وتجعل المفاتيح بيد أمين معروف بالتقى والديانة كما هو مقرر في الأصول.\nفالقرآن أباح تعدد الزوجات لمصلحة المرأة في عدم حرمانها من الزواج، ولمصلحة الرجل بعدم تعطل منافعه في حال قيام العذر بالمرأة الواحدة، ولمصلحة الأمة ليكثر عددها فيمكنها مقاومة عدوها لتكون كلمة الله هي العليا، فهو تشريع حكيم خبير لا يطعن فيه إلا من أعمى الله بصيرته بظلمات الكفر. وتحديد الزوجات بأربع تحديد من حكيم خبير، وهو أمر وسط بين القلة المفضية إلى تعطل بعض منافع الرجل، وبين الكثرة التي هي مظنة عدم القدرة على القيام بلوازم الزوجية للجميع، والعلم عند الله تعالى.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: تفضيله الذكر على الأنثى في الميراث، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٧٦)﴾.\nوقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه يبين لخلقه هذا البيان الذي من جملته تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث لئلا نضل، فمن سوى بينهما فيه فهو ضال قطعًا.\nثم بين أنه أعلم بالحكم والمصالح وبكل شيء من خلقه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ وقال: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ","vol":"3","page":497},{"text":"لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ ..﴾ الآية.\nولا شك أن الطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها: تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث الذي ذكره الله تعالى؛ كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ﴾ أي: وهو الرجال ﴿عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: وهو النساء.\nوقوله: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ﴾ وذلك لأن الذكورة كمال خلقي، وقوة طبيعية، وشرف وجمال، والأنوثة نقص خلقي وضعف طبيعي، كما هو محسوس مشاهد لجميع العقلاء، لا يكاد ينكره إلا مكابر في المحسوس.\nوقد أشار جل وعلا إلى ذلك بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ لأن الله أنكر عليهم في هذه الآية الكريمة: أنهم نسبوا له ما لا يليق به من الولد، ومع ذلك نسبوا له أخس الولدين وأنقصهما وأضعفهما؛ ولذلك ينشأ في الحلية، أي: الزينة من أنواع الحلي والحلل؛ ليجبر نقصه الخلقي الطبيعي بالتجميل بالحلى والحلل وهو الأنثى، بخلاف الرجل. فإن كمال ذكورته وقوتها وجمالها يكفيه عن الحلي، كما قال الشاعر:\nوما الحلى إلا زينة من نقيصة ... يتمم من حسن إذا الحسن قصرا\nوأما إذا كان الجمال موفرًا ... كحسنك لم يحتج إلى أن يزورا\nوقال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ وإنما كانت هذه القسمة ضيزى -أي: غير عادلة-؛ لأن الأنثى أنقص من الذكر خلقة وطبيعة، فجعلوا هذا النصيب الناقص لله جل","vol":"3","page":498},{"text":"وعلا -﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا- وجعلوا الكامل لأنفسهم كما قال: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أي: وهو البنات. وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ إلى قوله ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾ وقال: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا -أي: وهو الأنثى- ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (١٧)﴾.\nوكل هذه الآيات القرآنية تدل على أن الأنثى ناقصة بمقتضى الخلقة والطبيعة، وأن الذكر أفضل وأكمل منها ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾ ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا ..﴾ الآية والآيات الدالة على تفضيله عليها كثيرة جدًا.\nومعلوم عند عامة العقلاء: أن الأنثى متاع لابد له ممن يقوم بشئونه ويحافظ عليه.\nوقد اختلف العلماء في التمتع بالزوجة: هل هو قوت؟ أو تفكه؟ وأجرى علماء المالكية على هذا الخلاف حكم إلزام الابن بتزويج أبيه الفقير، قالوا: فعلى أن النكاح قوت فعليه تزويجه؛ لأنه من جملة القوت الواجب له عليه، وعلى أنه تفكه لا يجب عليه على قول بعضهم. فانظر شبه النساء بالطعام والفاكهة عند العلماء. وقد جاءت السنة الصحيحة بالنهي عن قتل النساء والصبيان في الجهاد؛ لأنهما من جملة مال المسلمين الغانمين، بخلاف الرجال فإنهم يقتلون.\nومن الأدلة على أفضلية الذكر على الأنثى: أن المرأة الأولى خلقت من ضلع الرجل الأول، فأصلها جزء منه.","vol":"3","page":499},{"text":"فإذا عرفت من هذه الأدلة: أن الأنوثة نقص خلقي، وضعف طبيعي = فاعلم أن العقل الصحيح الذي يدرك الحكم والأسرار، يقضي بأن الناقص الضعيف بخلقته وطبيعته يلزم أن يكون تحت نظر الكامل في خلقته، القوي بطبيعته، ليجلب له ما لا يقدر على جلبه من النفع، ويدفع عنه ما لا يقدر على دفعه من الضر، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾.\nوإذا علمت ذلك: فاعلم أنه لما كانت الحكمة البالغة، تقتضي أن يكون الضعيف الناقص مقومًا عليه من قبل القوي الكامل، اقتضى ذلك أن يكون الرجل ملزمًا بالإنفاق على نسائه، والقيام بجميع لوازمهن في الحياة، كما قال تعالى: ﴿وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾ ومال الميراث ما مسحا في تحصيله عرفًا، ولا تسببا فيه البتة، وإنما هو تمليك من الله ملكهما إياه تمليكًا جبريًا؛ فاقتضت حكمة الحكيم الخبير أن يؤثر الرجل على المرأة في الميراث وإن أدليا بسبب واحد؛ لأن الرجل مترقب للنقص دائمًا بالإنفاق على نسائه، وبذل المهور لهن، والبذل في نوائب الدهر، والمرأة مترقبة للزيادة بدفع الرجل لها المهر، وإنفاقه عليها وقيامه بشئونها، وإيثار مترقب النقص دائمًا على مترقب الزيادة دائمًا لجبر بعض نقصه المترقب = حكمته ظاهرة واضحة، لا ينكرها إلا من أعمى الله بصيرته بالكفر والمعاصي، ولذا قال تعالى: ﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ ولأجل هذه الحكم التي بينا بها فضل نوع الذكر على الأنثى في أصل الخلقة والطبيعة = جعل الحكيم الخبير الرجل هو المسئول عن المرأة في جميع أحوالها، وخصه بالرسالة والنبوة والخلافة دونها، وملكه الطلاق دونها، وجعله","vol":"3","page":500},{"text":"الولي في النكاح دونها، وجعل انتساب الأولاد إليه لا إليها، وجعل شهادته في الأموال بشهادة امرأتين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وجعل شهادته تقبل في الحدود والقصاص دونها، إلى غير ذلك من الفوارق الحسية والمعنوية والشرعية بينهما.\nألا ترى أن الضعف الخلقي والعجز عن الإبانة في الخصام عيب ناقص في الرجال، مع أنه يعد من جملة محاسن النساء التي تجذب إليها القلوب، قال جرير:\nإن العيون التي في طرفها حور ... قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا\nيصرعن ذا اللب حتى لا حراك به ... وهن أضعف خلق الله أركانا\nوقال ابن الدمينة:\nبنفسي وأهلي من إذا عرضوا له ... ببعض الأذى لم يدر كيف يجيب\nفلم يعتذر عذر البريء ولم تزل ... به سكتة حتى يقال مريب\nفالأول: تشبب بهن بضعف أركانهن، والثاني: بعجزهن عن الإبانة في الخصام، كما قال تعالى: ﴿فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ ولهذا التباين في الكمال والقوة بين النوعين، صح عن النبي - ﷺ - اللعن على من تشبه منهما بالآخر.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: \"لعن رسول الله - ﷺ - المتشبهين من","vol":"3","page":501},{"text":"الرجال بالنساء، والمتشبهات من النساء بالرجال\" هذا لفظ البخاري في صحيحه. ومعلوم أن من لعنه رسول الله - ﷺ - فهو ملعون في كتاب الله؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ..﴾ الآية. كما ثبت عن ابن مسعود ﵁ كما تقدم.\nفلتعلمن أيتها النساء اللاتي تحاولن أن تكن كالرجال في جميع الشئون أنكن مترجلات متشبهات بالرجال، وأنكن ملعونات في كتاب الله على لسان رسوله - ﷺ -، وكذلك المخنثون المتشبهون بالنساء، فهم أيضًا ملعونون في كتاب الله على لسانه - ﷺ -، ولقد صدق من قال فيهم:\nوما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجاب\nواعلم -وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه-: أن هذه الفكر الكافرة، الخاطئة الخاسئة، المخالفة للحس والعقل، وللوحي السماوي، وتشريع الخالق البارئ: من تسوية الأنثى بالذكر في جميع الأحكام والميادين فيها من الفساد والإخلال بنظام المجتمع الإنساني ما لا يخفى على أحد إلا من أعمى الله بصيرته، وذلك لأن الله جل وعلا جعل الأنثى بصفاتها الخاصة بها صالحة لأنواع من المشاركة في بناء المجتمع الإنساني، صلاحًا لا يصلحه لها غيرها. كالحمل، والوضع، والإرضاع، وتربية الأولاد، وخدمة البيت، والقيام على شئونه: من طبخ، وعجن، وكنس، ونحو ذلك. وهذه الخدمات التي تقوم بها للمجتمع الإنساني داخل بيتها في ستر وصيانة، وعفاف ومحافظة على الشرف، والفضيلة والقيم الإنسانية: لا تقل عن خدمة الرجل بالاكتساب؛ فزعم أولئك","vol":"3","page":502},{"text":"السفلة الجهلة من الكفار وأتباعهم: أن المرأة لها من الحقوق في الخدمة خارج بيتها مثل ما للرجل، مع أنها في زمن حملها ورضاعها ونفاسها لا تقدر على مزاولة أي عمل فيه أي مشقة كما هو مشاهد، فإذا خرجت هي وزوجها بقيت خدمات البيت كلها ضائعة: من حفظ الأولاد الصغار، وإرضاع من هو في زمن الرضاع منهم، وتهيئة الأكل والشرب للرجل إذا جاء من عمله، فلو أجروا إنسانًا يقوم مقامها، لتعطل ذلك الإنسان في ذلك البيت التعطل الذي خرجت المرأة فرارًا منه، فعادت النتيجة في حافرتها، على أن خروج المرأة وابتذالها فيه ضياع المروءة والدين؛ لأن المرأة متاع، هو خير متاع الدنيا، وهو أشد أمتعة الدنيا تعرضًا للخيانة؛ لأن العين الخائنة إذا نظرت إلى شيء من محاسنها فقد استغلت بعض منافع ذلك الجمال خيانة ومكرًا، فتعريضها لأن تكون مائدة للخونة فيه ما لا يخفى على أدنى عاقل، وكذلك إذا لمس شيئًا من بدنها بدن خائن سرت لذة ذلك اللمس في دمه ولحمه بطبيعة الغريزة الإنسانية، ولاسيما إذا كان القلب فارغًا من خشية الله تعالى، فاستغل نعمة ذلك البدن خيانة وغدرًا، وتحريك الغرائز بمثل ذلك النظر واللمس يكون غالبًا سببًا لما هو شر منه؛ كما هو مشاهد بكثرة في البلاد التي تخلت عن تعاليم الإسلام، وتركت الصيانة، فصارت نساؤها يخرجن متبرجات عاريات الأجسام إلا ما شاء الله؛ لأن الله نزع من رجالها صفة الرجولة والغيرة على حريمهم، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم! نعوذ بالله من مسخ الضمير والذوق، ومن كل سوء، ودعوى الجهلة السفلة: أن دوام خروج النساء بادية الرءوس والأعناق، والمعاصم والأذرع والسُّوْق، ونحو","vol":"3","page":503},{"text":"ذلك يذهب إثارة غرائز الرجال؛ لأن كثرة الإمساس تذهب الإحساس. كلام في غاية السقوط والخسة؛ لأن معناه: إشباع الرغبة مما لا يجوز، حتى يزول الأرب بكثرة مزاولته، وهذا كما ترى، ولأن الدوام لا يذهب إثارة الغريزة باتفاق العقلاء؛ لأن الرجل يمكث مع امرأته سنين كثيرة حتى تلد أولادهما، ولا تزال ملامسته لها، ورؤيته لبعض جسمها تثير غريزته، كما هو مشاهد لا ينكره إلا مكابر:\nلقد أسمعت لو ناديت حيًّا ... ولكن لا حياة لمن تنادي\nوقد أمر رب السموات والأرض، خالق هذا الكون ومدبر شئونه، العالم بخفايا أموره، وبكل ما كان وما سيكون بغض البصر عما لا يحل، قال تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ ..﴾ الآية.\nونهى المرأة أن تضرب برجلها لتسمع الرجال صوت خلخالها في قوله: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ ونهاهن عن لين الكلام لئلا يطمع أهل الخنى فيهن، قال تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق المقام في مسألة الحجاب في (سورة الأحزاب) كما قدمنا الوعد بذلك في ترجمة هذا الكتاب المبارك.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: ملك الرقيق المعبر عنه القرآن بملك اليمين فى آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)","vol":"3","page":504},{"text":"إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ \"في سورة قد أفلح المؤمنون، وسأل سائل\"، وقوله: ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ ..﴾ الآية، وقوله جل وعلا: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إِلَّا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ ..﴾ الآية. وقوله جل وعلا:  ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ﴾  وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ﴾ وقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nفالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات ونحوها: ملك الرقيق بالرق. ومن الآيات الدالة على مالك الرقيق قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ ..﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nوسبب الملك بالرق: هو الكفر، ومحاربة الله ورسوله. فإذا أقدر الله المسلمين المجاهدين الباذلين مهجهم وأموالهم، وجميع قواهم، وما أعطاهم الله فتكون كلمة الله هي العليا على الكفار = جعلهم ملكًا لهم بالسبي، إلا إذا اختار الإمام المن أو الفداء؛ لما","vol":"3","page":505},{"text":"في ذلك من المصلحة على المسلمين.\nوهذا الحكم من أعدل الأحكام وأوضحها وأظهرها حكمة. وذلك أن الله جل وعلا خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، ويمتثلوا أوامره ويجتنبوا نواهيه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾ وأسبغ عليهم نعمه ظاهرة وباطنة، كما قال: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (٣٤)﴾ وفي الآية الأخرى \"في سورة النحل\": ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٨)﴾ وجعل لهم السمع والأبصار والأفئدة ليشكروه، كما قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ فتمرد الكفار على ربهم وطغوا وعتوا، وأعلنوا الحرب على رسله لئلا تكون كلمته هي العليا، واستعملوا جميع المواهب التي أنعم عليهم بها في محاربته، وارتكاب ما يسخطه، ومعاداته ومعاداة أوليائه القائمين بأمره. وهذا أكبر جريمة يتصورها الإنسان.\nفعاقبهم الحكم العدل اللطيف الخبير جل وعلا = عقوبة شديدة تناسب جريمتهم؛ فسلبهم التصرف، ووضعهم من مقام الإنسانية إلى مقام أسفل منه كمقام الحيوانات، فأجاز بيعهم وشراءهم، وغير ذلك من التصرفات المالية، مع أنه لم يسلبهم حقوق الإنسانية سلبًا كليًا، فأوجب على مالكيهم الرفق والإحسان إليهم، وأن يطعموهم مما يطعمون، ويكسوهم مما يلبسون، ولا يكلفوهم من العمل ما لا يطيقون، وإن كلفوهم أعانوهم؛ كما هو","vol":"3","page":506},{"text":"معروف في السنة الواردة عنه - ﷺ -، مع الإيصاء عليهم في القرآن؛ كما في قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى﴾ إلى قوله ﴿وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ كما تقدم.\nوتشوف الشارع تشوفًا شديدًا للحرية والإخراج من الرق؛ فأكثر أسباب ذلك، كما أوجبه في الكفارات من قتل خطأ وظهار ويمين وغير ذلك، وأوجب سراية العتق، وأمر بالكتابة في قوله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾ ورغب في الإعتاق ترغيبا شديدًا. ولو فرضنا (ولله المثل الأعلى) أن حكومة من هذه الحكومات التي تنكر الملك بالرق، وتشنع في ذلك على دين الإسلام = قام عليها رجل من رعاياها كانت تغدق عليه النعم، وتسدي إليه جميع أنواع الإحسان، ودبر عليها ثورة شديدة يريد بها إسقاط حكمها، وعدم نفوذ كلمتها، والحيلولة بينها وبين ما تريده من تنفيذ أنظمتها، التي يظهر لها أن بهما صلاح المجتمع، ثم قدرت عليه بعد مقاومة شديدة فإنها تقتله شر قتلة. ولا شك أن ذلك القتل يسلبه جميع تصرفاته وجميع منافعه؛ فهو أشد سلبًا لتصرفات الإنسان ومنافعه من الرق بمراحل. والكافر قام ببذل كل ما في وسعه ليحول دون إقامة نظام الله الذي شرعه؛ ليسير عليه خلقه فينشر بسببه في الأرض الأمن والطمأنينة؛ والرخاء والعدالة، والمساواة في الحقوق الشرعية، وتنتظم به الحياة على أكمل الوجوه وأعدلها وأسماها: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٩٠)﴾ فعاقبه الله هذه المعاقبة بمنعه التصرف ووضع درجته، وجريمته تجعله","vol":"3","page":507},{"text":"يستحق العقوبة بذلك.\nفإن قيل: إذا كان الرقيق مسلمًا فما وجه ملكه بالرق؟ مع أن سبب الرق الذي هو الكفر ومحاربة الله ورسله قد زال؟.\nفالجواب: أن القاعدة المعروفة عند العلماء وكافة العقلاء: أن الحق السابق لا يرفعه الحق اللاحق، والأحقية بالأسبقية ظاهرة لا خفاء بها، فالمسلمون عندما غنموا الكفار بالسبي: ثبت لهم حق الملكية بتشريع خالق الجميع، وهو الحكيم الخبير، فإذا استقر هذا الحق وثبت، ثم أسلم الرقيق بعد ذلك كان حقه في الخروج من الرق بالإسلام مسبوقًا بحق المجاهد الذي سبقت له الملكية قبل الإسلام، وليس من العدل والإنصاف رفع الحق السابق بالحق المتأخر عنه؛ كما هو معلوم عند العقلاء. نعم، يحسن بالمالك ويجمل به أن يعتقه إذا أسلم، وقد أمر الشارع بذلك ورغب فيه، وفتح له الأبواب الكثيرة كما قدمنا - فسبحان الحكيم الخبير ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾ فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ أي: في الأخبار، وقوله: ﴿وَعَدْلًا﴾ أي: في الأحكام. ولا شك أن من ذلك العدل: الملك بالرق وغيره من أحكام القرآن.\nوكم من عائب قولًا صحيحًا ... وآفته من الفهم السقيم\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: القصاص؛ فإن الإنسان إذا غضب وهَمَّ بأن يقتل إنسانًا آخر، فتذكر أنه إن قتله قتل به، خاف العاقبة فترك القتل؛ فحَيَّ ذلك الذي كان يريد قتله، وحَيَّ هو؛ لأنه لم يقتل فيقتل قصاصًا، فقتل القاتل يحيا به ما لا يعلمه إلا الله كثرة","vol":"3","page":508},{"text":"كما ذكرنا، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ  (١٧٩)﴾ ولا شك أن هذا من أعدل الطرق وأقومها، ولذلك يشاهد في أقطار الدنيا قديمًا وحديثًا قلة وقوع القتل في البلاد التي تحكم بكتاب الله؛ لأن القصاص رادع عن جريمة القتل، كما ذكره الله في الآية المذكورة آنفًا. وما يزعمه أعداء الإسلام من أن القصاص غير مطابق للحكمة؛ لأن فيه إقلال عدد المجتمع بقتل إنسان ثان بعد أن مات الأول، وأنه ينبغي أن يعاقب بغير القتل فيحبس، وقد يولد له في الحبس فيزيد المجتمع، كله كلام ساقط، عار من الحكمة؛ لأن الحبس لا يردع الناس عن القتل، فإذا لم تكن العقوبة رادعة فإن السفهاء يكثر منهم القتل. فيتضاعف نقص المجتمع بكثرة القتل.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: قطع يد السارق المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ  (٣٨)﴾ وقال النبي - ﷺ -: \"لو سرقت فاطمة لقطعت يدها\".\nوجمهور العلماء على أن القطع من الكوع، وأنها اليمنى. وكان ابن مسعود وأصحابه يقرءون \"فاقطعوا أيمانهما\".\nوالجمهور أنه إن سرق ثانيًا قطعت رجله اليسرى، ثم إن سرق فيده اليسرى، ثم إن سرق فرجله اليمنى، ثم يعزر. وقيل: يقتل. كما جاء في الحديث: \"ولا قطع إلا في ربع دينار أو قيمته أو ثلاثة دراهم\"  (^١)  كما هو معروف في الأحاديث.\n_________\n(^١)  كذا في الأصل، ولا تظهر المناسبة بين الحديث وما استدل له به.","vol":"3","page":509},{"text":"وليس قصدنا هنا تفصيل أحكام السرقة، وشروط القطع، كالنصاب والإخراج من حرز، ولكن مرادنا أن نبين أن قطع يد السارق من هدي القرآن للتي هي أقوم.\nوذلك أن هذه اليد الخبيثة الخائنة، التي خلقها الله لتبطش وتكتسب في كل ما يرضيه من امتثال أوامره، واجتناب نهيه، والمشاركة في بناء المجتمع الإنساني - فمدت أصابعها الخائنة إلى مال الغير لتأخذه بغير حق، واستعملت قوة البطش المودعة فيها في الخيانة والغدر، وأخذ أموال الناس على هذا الوجه القبيح يد نجسة قذرة، ساعية في الإخلال بنظام المجتمع، إذ لا نظام له بغير المال، فعاقبها خالقها بالقطع والإزالة، كالعضو الفاسد الذي يجر الداء بسائر البدن، فإنه يزال بالكلية، إبقاء على البدن، وتطهيرًا له من المرض. ولذلك فإن قطع اليد يطهر السارق من دنس ذنب ارتكاب معصية السرقة، مع الردع البالغ بالقطع عن السرقة.\nقال البخاري في صحيحه: \"باب: الحدود كفارة\" حدثنا محمد بن يوسف، أخبرنا ابن عيينة، عن الزهري، عن أبي إدريس الخولاني، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: كنا عند النبي - ﷺ - في مجلس، فقال: \"بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئًا، ولا تسرقوا ولا تزنوا -وقرأ هذه الآية كلها- فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب به فهو كفارته، ومن أصاب من ذلك شيئًا فستره الله عليه إن شاء غفر له وإن شاء عذبه\" اهـ هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقوله - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح","vol":"3","page":510},{"text":"\"فهو كفارته\" نص صريح في أن الحدود تطهر المرتكبين لها من الذنب.\nوالتحقيق في ذلك ما حققه بعض العلماء: من أن حقوق الله يطهر منها بإقامة الحد، وحق المخلوق يبقى، فارتكاب جريمة السرقة مثلًا يطهر منه بالحد، والمؤاخذة بالمال تبقى؛ لأن السرقة علة موجبة حكمين: وهما القطع، والغرم، قال في مراقي السعود:\nوذاك في الحكم الكثير أطلقه ... كالقطع مع غرم نصاب السرقة\nمع أن جماعة من أهل العلم قالوا: لا يلزمه الغرم مع القطع، لظاهر الآية الكريمة، فإنها نصت على القطع ولم تذكر غرمًا.\nوقال جماعة: يغرم المسروق مطلقًا، فات أو لم يفت، معسرًا كان أو موسرًا، ويتبع به دينا إن كان معسرًا.\nوقال جماعة: يرد المسروق إن كان قائمًا، وإن لم يكن قائمًا رد قيمته إن كان موسرًا، فإن كان معسرًا فلا شيء عليه ولا يتبع به دينًا.\nوالأول مذهب أبي حنيفة. والثاني مذهب الشافعي وأحمد. والثالث مذهب مالك.\nوقطع السارق كان معروفًا في الجاهلية فأقره الإسلام. وعقد ابن الكلبي بابًا لمن قطع في الجاهلية بسبب السرقة، فذكر قصة الذين سرقوا غزال الكعبة فقطعوا في عهد عبد المطلب. وذكر ممن قطع في السرقة عوف ابن عبد بن عمرو بن مخزوم، ومقيس بن قيس بن عدي بن سهم وغيرهما، وأن عوفًا السابق لذلك - انتهى.","vol":"3","page":511},{"text":"وكان من هدايا الكعبة صورة غزالين من ذهب، أهدتهما الفرس لبيت الله الحرام، كما عقده البدوي الشنقيطي في نظم عمود النسب بقوله:\nومن خباياه غزالا ذهب ... أهدتهما الفرس لبيت العرب\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وقد قطع السارق في الجاهلية، وأول من حكم بقطعه في الجاهلية الوليد بن المغيرة، فأمر الله بقطعه في الإسلام، فكان أول سارق قطعه رسول الله - ﷺ - في الإسلام من الرجال الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، ومن النساء مرة بنت سفيان بن عبد الأسد من بني مخزوم. وقطع أبو بكر يد اليمني الذي سرق العقد، وقطع عمر يد ابن سمرة أخي عبد الرحمن بن سمرة اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ما ذكره القرطبي ﵀ من أن المخزومية التي سرقت فقطع النبي - ﷺ - يدها أولًا، هي مرة بنت سفيان. خلاف التحقيق. والتحقيق أنها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم، وهي بنت أخي أبي سلمة بن عبد الأسد الصحابي الجليل الذي كان زوج أم سلمة قبل النبي - ﷺ -؛ قتل أبوها كافرًا يوم بدر، قتله حمزة بن عبد المطلب ﵁. وقطع النبي - ﷺ - يدها وقع في غزوة الفتح، وأما سرقة أم عمرو بنت سفيان بن عبد الأسد ابنة عم المذكورة، وقطع النبي - ﷺ - يدها ففي حجة الوداع، بعد قصة الأولى بأكثر من سنتين.\nفإن قيل: أخرج الشيخان في صحيحهما، وأصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عمر ﵄: أن النبي - ﷺ -","vol":"3","page":512},{"text":"قطع في مجن ثمنه ثلاثة دراهم. وفي لفظ بعضهم قيمته ثلاثة دراهم.\nوأخرج الشيخان في صحيحهما، وأصحاب السنن غير ابن ماجه وغيرهم من حديث عائشة ﵂: أن النبي - ﷺ - \"كان يقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا\" والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًا، مع أنه عرف من الشرع أن اليد فيها نصف الدية، ودية الذهب ألف دينار؟ فتكون دية اليد خمسمائة دينار، فكيف تؤخذ في مقابلة ربع الدينار؟ وما وجه العدالة والإنصاف في ذلك.\nفالجواب: أن هذا النوع من اعتراضات الملحدين الذين لا يؤمنون بالله ورسوله، هو الذي نظمه المعري بقوله:\nيد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار\nوللعلماء عنه أجوبة كثيرة نظمًا ونثرًا، منها قول القاضي عبد الوهاب مجيبًا له في بحره ورويه:\nعز الأمانة أغلاها، وأرخصها ... ذل الخيانة، فافهم حكمة الباري\nوقال بعضهم: لما خانت هانت. ومن الواضح: أن تلك اليد الخسيسة الخائنة لما تحملت رذيلة السرقة، وإطلاق اسم السرقة عليها في شيء حقير كثمن المجن والأترجة، كان من المناسب المعقول أن تؤخذ في ذلك الشيء القليل، الذي  تحملت فيه هذه الرذيلة الكبرى.\nوقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم إنا أجبنا عن هذا الطعن، بأن الشرع إنما قطع يده بسبب أنه تحمل الدناءة","vol":"3","page":513},{"text":"والخساسة في سرقة ذلك القدر القليل، فلا يبعد أن يعاقبه الشرع بسبب تلك الدناءة هذه العقوبة العظيمة اهـ.\nفانظر ما يدعو إليه القرآن: من مكارم الأخلاق، والتنزه عما لا يليق، وقطع يد السارق في ربع دينار فصاعدًا يدل على أن التشريع السماوي يضع درجة الخائن من خمسمائة درجة إلى ربع درجة، فانظر هذا الحط العظيم لدرجته، بسبب ارتكاب الرذائل.\nوقد استشكل بعض الناس قطع يد السارق في السرقة خاصة دون غيرها من الجنايات على الأموال، كالغصب، والانتهاب، ونحو ذلك.\nقال المازري ومن تبعه: صان الله الأموال بإيجاب قطع سارقها، وخص السرقة لقلة ما عداها بالنسبة إليها، من الانتهاب والغصب، ولسهولة إقامة البينة على ما عدا السرقة بخلافها، وشدد العقوبة فيها ليكون أبلغ في الزجر، ولم يجعل دية الجناية على العضو المقطوع منها بقدر ما يقطع فيه حماية لليد، ثم لما خانت هانت، وفي ذلك إثارة إلى الشبهة التي نسبت إلى أبي العلاء المعري في قوله:\nيد بخمس مئين عسجد وديت ... ما بالها قطعت في ربع دينار\nفأجابه القاضي عبد الوهاب المالكي بقوله:\nصيانة العضو أغلاها وأرخصها ... حماية المال فافهم حكمة الباري\nوشرح ذلك: أن الدية لو ... كانت ربع دينار لكثرت الجنايات","vol":"3","page":514},{"text":"على الأيدي، ولو كان نصاب القطع خمسمائة دينار لكثرت الجنايات على الأموال، فظهرت الحكمة في الجانبين، وكان في ذلك صيانة من الطرفين.\nوقد عسر فهم المعنى المقدم ذكره في الفرق بين السرقة وبين النهب ونحوه على بعض منكري القياس، فقال: القطع في السرقة دون الغصب وغيره غير معقول المعنى، فإن الغصب أكثر هتكًا للحرمة من السرقة، فدل على عدم اعتبار القياس؛ لأنه إذا لم يعمل به في الأعلى فلا يعمل به في المساوي.\nوجوابه: أن الأدلة على العمل بالقياس أشهر من أن يتكلف لإيرادها. وستأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في كتاب الأحكام اهـ بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الفرق بين السرقة وبين الغصب ونحوه الذي أشار إليه المازري = ظاهر، وهو أن النهب والغصب ونحوهما قليل بالنسبة إلى السرقة، ولأن الأمر الظاهر غالبًا توجد البينة عليه بخلاف السرقة، فإن السارق إنما يسرق خفية بحيث لا يطلع عليه أحد، فيعسر الإنصاف منه، فغلظت عليه الجناية ليكون أبلغ في الزجر. والعلم عند الله تعالى.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: رجم الزاني المحصن ذكرًا كان أو أنثى، وجلد الزاني البكر مائة جلدة ذكرًا كان أو أنثى.\nأما الرجم: فهو منصوص بآية منسوخة التلاوة باقية الحكم، وهي قوله تعالى: \"الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا","vol":"3","page":515},{"text":"من الله والله عزيز حكيم\".\nوقد قدمنا ذم القرآن للمعرض عما في التوراة من حكم الرجم، فدل القرآن في آيات محكمة: كقول: ﴿يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ..﴾ الآية - على ثبوت حكم الرجم في شريعة نبينا - ﷺ - لذمه في كتابنا للمعرض عنه كما تقدم.\nوما ذكرنا من أن حكم الرجم ثابت بالقرآن لا ينافي قول علي ﵁، حين رجم امرأة يوم الجمعة: \"رجمتها بسنة رسول الله - ﷺ -\"؛ لأن السنة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باق بعد نسخ تلاوتها. ويدل لذلك قول عمر ﵁ في حديث الصحيح المشهور: \"فكان مما أنزل إليه آية الرجم، فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول الله - ﷺ - ورجمنا بعده .. \" الحديث.\nوالملحدون يقولون: إن الرجم قتل وحشي لا يناسب الحكمة التشريعية، ولا ينبغي أن يكون مثله في الأنظمة التي يعامل بها الإنسان، لقصور إدراكهم عن فهم حكم الله البالغة في تشريعه.\nوالحاصل: أن الرجم عقوبة سماوية معقولة المعنى؛ لأن الزاني لما أدخل فرجه في فرج امرأة على وجه الخيانة والغدر، فإنه ارتكب أخس جريمة عرفها الإنسان بهتك الأعراض، وتقذير الحرمات، والسعي في ضياع أنساب المجتمع الإنساني. والمرأة التي تطاوعه في ذلك مثله. ومن كان كذلك فهو نجس قذر لا يصلح للمصاحبة، فعاقبه خالقه الحكيم الخبير بالقتل ليدفع شره البالغ غاية الخبث والخسة، وشر أمثاله عن المجتمع، ويطهره هو","vol":"3","page":516},{"text":"من التنجيس بتلك القاذورة التي ارتكب، وجعل قتلته أفظع قتلة؛ لأن جريمته أفظع جريمة، والجزاء من جنس العمل.\nوقد دل الشرع المطهر على أن إدخال الفرج في الفرج المأذون فيه شرعًا يوجب الغسل، والمنع من دخول المسجد على كل واحد منهما حتى يغتسل بالماء. فدل ذلك أن ذلك الفعل يتطلب طهارة في الأصل، وطهارته المعنوية إن كان حرامًا قتل صاحبه المحصن؛ لأنه إن رجم كفر ذلك عنه ذنب الزنى، ويبقى عليه حق الآدمي، كالزوج إن زنى بمتزوجة، وحق الأولياء في إلحاق العار بهم كما أشرنا له سابقًا. وشدة قبح الزنى أمر مركوز في الطبائع، وقد قالت هند بنت عتبة وهي كافرة: ما أقبح ذلك الفعل حلالًا! فكيف به وهو حرام، وغلظ جل وعلا عقوبة المحصن بالرجم تغليظًا أشد من تغليظ عقوبة البكر بمائة جلدة؛ لأن المحصن قد ذاق عسيلة النساء، ومن كان كذلك يعسر عليه الصبر عنهن، فلما كان الداعي إلى الزنى أعظم، كان الرادع عنه أعظم وهو الرجم.\nوأما جلد الزاني البكر ذكرًا كان أو أنثى مائة جلدة فهذا منصوص بقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ ..﴾ الآية. لأن هذه العقوبة تردعه وأمثاله عن الزنى، وتطهره من ذنب الزنى كما تقدم. وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيل ما يلزم الزناة من ذكور وإناث، وعبيد وأحرار \"في سورة النور\".\nوتشريع الحكيم الخبير جل وعلا  = مشتمل على جميع الحكم من درء المفاسد وجلب المصالح، والجري على مكارم","vol":"3","page":517},{"text":"الأخلاق، ومحاسن العادات، ولا شك أن من أقوم الطرق معاقبة فظيع الجناية بعظيم العقاب جزاء وفاقًا.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم هديه إلى أن التقدم لا ينافي التمسك بالدين، فما خيله أعداء الدين لضعاف العقول ممن ينتمي إلى الإسلام: من أن التقدم لا يمكن إلا بالانسلاخ من دين الإسلام = باطل لا أساس له، والقرآن الكريم يدعو إلى التقدم في جميع الميادين التي لها أهمية في دنيا أو دين، ولكن ذلك التقدم في حدود الدين، والتحلي بآدابه الكريمة، وتعاليمه السماوية؛ قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية. وقال: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْرَ وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ..﴾ الآية. فقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ يدل على الاستعداد لمكافحة العدو، وقوله: ﴿وَاعْمَلُوا صَالِحًا﴾ يدل على أن ذلك الاستعداد لمكافحة العدو في حدود الدين الحنيف، وداود من أنبياء \"سورة الأنعام\" المذكورين فيها في قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ الآية، وقد قال تعالى مخاطبًا لنبينا - ﷺ - وعليهم بعد أن ذكرهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nوقد ثبت في صحيح البخاري، عن مجاهد أنه سأل ابن عباس ﵄ من أين أخذت السجدة \"في ص\"، فقال: أو ما تقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود، فسجدها رسول الله - ﷺ -.\nفدل ذلك على أنا مخاطبون بما تضمنته الآية مما أمر به","vol":"3","page":518},{"text":"داود. فعلينا أن نستعد لكفاح العدو من التمسك بديننا، وانظر قوله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فهو أمر جازم بإعداد كل ما في الاستطاعة من قوة، ولو بلغت القوة من التطور ما بلغت، فهو أمر جازم بمسايرة التطور في الأُمور الدنيوية، وعدم الجمود على الحالات الأول إِذا طرأ تطور جديد، ولكن كل ذلك مع التمسك بالدين.\nومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ ..﴾ الآية. فصلاة الخوف المذكورة في هذه الآية الكريمة تدل على لزوم الجمع بين مكافحة العدو، وبين القيام بما شرعه الله جل وعلا من دينه، فأمره تعالى في هذه الآية بإقامة الصلاة في وقت التحام الكفاح المسلح يدل على ذلك دلالة في غاية الوضوح. وقد قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٤٥)﴾ فأمره في هذه الآية الكريمة بذكر الله كثيرًا عند التحام القتال يدل على ذلك أيضًا دلالة واضحة. فالكفار خيلوا لضعاف العقول أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين، والسمت الحسن، والأخلاق الكريمة = تباين مقابلة كتباين النقيضين، كالعدم والوجود، والنفي والإثبات، أو الضدين كالسواد والبياض، والحركة والسكون، أو المتضائفين كالأبوة والبنوة، والفوق والتحت، أو العدم والملكة كالبصر والعمى.","vol":"3","page":519},{"text":"فإن الوجود والعدم لا يجتمعان في شيء واحد في وقت واحد من جهة واحدة، وكذلك الحركة والسكون مثلًا، وكذلك الأبوة والبنوة، فكل ذات ثبتت لها الأبوة لذات استحالت عليها البنوة لها، بحيث يكون شخص أبًا وابنًا لشخص واحد؛ كاستحالة اجتماع السواد والبياض في نقطة بسيطة، أو الحركة والسكون في جرم، وكذلك البصر والعمى لا يجتمعان.\nفخيلوا لهم أن التقدم والتمسك بالدين متباينان تباين مقابلة، بحيث يستحيل اجتماعهما؛ فكان من نتائج ذلك انحلالهم من الدين رغبة في التقدم فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.\nوالتحقيق: أن النسبة بين التقدم والتمسك بالدين بالنظر إلى العقل وحده، وقطع النظر عن نصوص الكتاب والسنة = إنما هي تباين المخالفة، وضابط المتباينين تباين المخالفة أن تكون حقيقة كل منهما في حد ذاتها تباين حقيقة الآخر، ولكنهما يمكن اجتماعهما عقلًا في ذات أخرى، كالبياض والبرودة، والكلام والقعود، والسواد والحلاوة.\nفحقيقة البياض في حد ذاتها تباين حقيقة البرودة، ولكن البياض والبرودة يمكن اجتماعهما في ذات واحدة كالثلج، وكذلك الكلام والقعود، فإن حقيقة الكلام تباين حقيقة القعود، مع إمكان أن يكون الشخص الواحد قاعدًا متكلمًا في وقت واحد. وهكذا فالنسبة بين التمسك بالدين والتقدم بالنظر إلى حكم العقل من هذا القبيل، فكما أن الجرم الأبيض يجوز عقلًا أن يكون باردًا كالثلج، والإنسان القاعد يجوز عقلًا أن يكون متكلمًا، فكذلك","vol":"3","page":520},{"text":"المتمسك بالدين يجوز عقلًا أن يكون متقدمًا، إذ لا مانع في حكم العقل من كون المحافظ على امتثال أوامر الله واجتناب نواهيه، مشتغلًا في جميع الميادين التقدمية كما لا يخفى، وكما عرفه التاريخ للنبي - ﷺ - وأصحابه ومن تبعهم بإحسان. أما بالنظر إلى نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ وقوله: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾ ونحو ذلك من الآيات وما في معناها من الأحاديث.\nفإن النسبة بين التمسك بالدين والتقدم، كالنسبة بين الملزوم ولازمه؛ لأن التمسك بالدين ملزوم للتقدم، بمعنى أنه يلزم عليه التقدم، كما صرحت به الآيات المذكورة. ومعلوم أن النسبة بين الملزوم ولازمه لا تعدو أحد أمرين: إما أن تكون المساواة، أو الخصوص المطلق؛ لأن الملزوم لا يمكن أن يكون أعم من لازمه. وقد يجوز أن يكون مساويًا له، أو أخف منه، ولا يتعدى ذلك. ومثال ذلك: الإنسان مثلا، فإنه ملزوم للبشرية والحيوانية، بمعنى أن الإنسان يلزم على كونه إنسانًا أن يكون بشرًا وأن يكون حيوانًا، وأحد هذين اللازمين مساوٍ له في الماصدق وهو البشر. والثاني أعم منه ماصدقا وهو الحيوان، فالإنسان أخص منه خصوصًا مطلقًا كما هو معروف.","vol":"3","page":521},{"text":"فانظر كيف خيلوا لهم أن الربط بين الملزوم ولازمه، كالتنافي الذي بين النقيضين والضدين، وأطاعوهم في ذلك لسذاجتهم وجهلهم وعمى بصائرهم، فهم ما تَقوّلوا على الدين الإسلامي ورموه بما هو منه برئ إلا لينفروا منه ضعاف العقول ممن ينتمي للإسلام؛ ليمكنهم الاستيلاء عليهم؛ لأنهم لو عرفوا الدين حقًا واتبعوه لفعلوا بهم ما فعل أسلافهم بأسلافهم، فالدين هو هو وصلته بالله هي هي، ولكن المنتسبين إليه في جل أقطار الدنيا تنكروا له، ونظروا إليه بعين المقت والازدراء؛ فجعلهم الله أرقاء للكفرة الفجرة؛ ولو راجعوا دينهم لرجع لهم عزهم ومجدهم، وقادوا جميع أهل الأرض. وهذا مما لا شك فيه: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: بيانه أن كل من اتبع تشريعًا غير التشريع الذي جاء به سيد ولد آدم محمد بن عبد الله صلوات الله وسلامه عليه فاتباعه لذلك التشريع المخالف كفر بواح، مخرج من الملة الإسلامية. ولما قال الكفار للنبي - ﷺ -. الشاة تصبح ميتة من قتلها؟ فقال لهم: \"الله قتلها\" فقالوا له: ما ذبحتم بأيديكم حلال، وما ذبحه الله بيده الكريمة تقولون: إنه حرام! فأنتم إذن أحسن من الله!؟ = أنزل الله فيهم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ وحذف الفاء من قوله: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ يدل على قسم محذوف على حد قوله في الخلاصة:\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أخرت فهو ملتزم","vol":"3","page":522},{"text":"إذ لو كانت الجملة جوابًا للشرط لاقترنت بالفاء على حد قوله في الخلاصة أيضًا:\nواقرن بفا حتمًا جوابًا لو جعل ... شرطًا لإن أو غيرها لم ينجعل\nفهو قسم من الله جل وعلا أقسم به على أن من اتبع الشيطان في تحليل الميتة أنه مشرك، وهذا الشرك مخرج عن الملة بإجماع المسلمين، وسيوبخ الله مرتكبه يوم القيامة بقوله: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠)﴾ لأن طاعته في تشريعه المخالف للوحي هي عبادته، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ أي: ما يعبدون إلا شيطانًا، وذلك باتباعهم تشريعه. وقال: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ..﴾ الآية، فسماهم شركاء؛ لأنهم أطاعوهم في معصية الله تعالى. وقال عن خليله: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ الآية، أي: بطاعته في الكفر والمعاصي. ولما سأل عدي بن حاتم النبي - ﷺ - عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ الآية، بين له أن معنى ذلك أنهم أطاعوهم في تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرم. والآيات بمثل هذا كثيرة.\nوالعجب ممن يحكم غير تشريع الله ثم يدعى الاسلام، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾ وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾ وقال: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي","vol":"3","page":523},{"text":"أنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤)﴾.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى أن الرابطة التي يجب أن يعتقد أنها هي التي تربط بين أفراد المجتمع، وأن ينادى بالارتباط بها دون غيرها إنما هي دين الإسلام؛ لأنه هو الذي يربط بين أفراد المجتمع حتى يصير بقوة تلك الرابطة جميع المجتمع الإسلامي كأنه جسد واحد، إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى، فربط الإسلام لك بأخيك كربط يدك بمعصمك، ورجلك بساقك، كما جاء في الحديث عن النبي - ﷺ -: \"إن مثل المؤمنين في تراحمهم وتعاطفهم وتوادهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\" ولذلك يكثر في القرآن العظيم إطلاق النفس، وإرادة الأخ تنبيهًا على أن رابطة الإسلام تجعل أخا المسلم كنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ الآية، أي: لا تخرجون إخوانكم، وقوله: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾ أي: بإخوانهم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، أي: إخوانكم على أصح التفسيرين، وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ﴾ الآية، أي: لا يأكل أحدكم مال أخيه، إلى غير ذلك من الآيات، ولذلك ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\".\nومن الآيات الدالة على أن الرابطة الحقيقية هي الدين، وأن تلك الرابطة تتلاشى معها جميع الروابط النسبية  والعصبية: قوله","vol":"3","page":524},{"text":"تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾ إذ لا رابطة نسبية أقرب من رابطة الآباء والأبناء والاخوان والعشائر. وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾ وقوله:  ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾  الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nفهذه الآيات وأَمثالها تدل على أن النداء برابطة أخرى غير الإسلام كالعصبية المعروفة بالقومية: لا يجوز، ولا شك أنه ممنوع بإجماع المسلمين.\nومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾\nحدثنا الحميدي، حدثنا سفيان قال: حفظناه من عمرو بن دينار قال: سمعت جابر بن عبد الله ﵄ يقول: كنا في غزاة فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار!! وقال المهاجري: يا للمهاجرين!! فسمعها الله رسوله قال: ما هذا\"؟ قالوا: كسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار، وقال المهاجري: يا للمهاجرين، فقال النبي - ﷺ -: \"دعوها فإنها منتنة .. \" الحديث. فقول هذا الأنصاري: يا للأنصاري، وهذا المهاجري: يا للمهاجرين = هو النداء بالقومية العصبية بعينه، وقول النبي - ﷺ -: \"دعوها فإنها منتنة\" يقتضي وجوب ترك النداء بها؛ لأن قوله: \"دعوها\" أمر صريح بتركها، والأمر","vol":"3","page":525},{"text":"المطلق يقتضي الوجوب على التحقيق كما تقرر في الأصول؛ لأن الله يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ويقول لإبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فدل على أن مخالفة الأمر معصية. وقال تعالى عن نبيه موسى في خطابه لأخيه: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ فأطلق اسم المعصية على مخالفة الأمر؛ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فدلت الآية على أن أمر الرسول - ﷺ - مانع من الاختيار، موجب للامتثال، لاسيما وقد أكد النبي - ﷺ - هذا الأمر بالترك بقوله: \"فإنها منتنة\" وحسبك بالنتن موجبًا للتباعد؛ لدلالته على الخبث البالغ.\nفدل هذا الحديث الصحيح على أن النداء برابطة القومية مخالف لما أمر به النبي - ﷺ -، وأن فاعله يتعاطى المنتن، ولا شك أن المنتن خبيث، والله تعالى يقول: ﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ ..﴾ الآية، ويقول: ﴿وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ﴾ وحديث جابر هذا الذي قدمناه عن البخاري أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه قال ﵀:\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وأحمد بن عبدة الضبي، وابن أبي عمر، واللفظ لابن أبي شيبة قال ابن عبدة: أخبرنا، وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة قال: سمع عمرو جابر بن عبد الله يقول: كنا مع النبي - ﷺ - في غزاة، فكسع رجل من المهاجرين رجلًا من الأنصار، فقال الأنصاري: يا للأنصار!؟ وقال المهاجري: يا للمهاجرين!؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"ما بال دعوى الجاهلية\"! قالوا: يا رسول الله، كسع رجل من المهاجرين","vol":"3","page":526},{"text":"رجلًا من الأنصار. فقال: \"دعوها فإنها منتنة\" الحديث.\nوقد عرفت وجه دلالة هذا الحديث على التحريم، مع أن في بعض رواياته الثابتة في الصحيح التصريح بأن دعوى الرجل: \"يا لبني فلان\" من دعوى الجاهلية. وإذا صح بذلك أنها من دعوى الجاهلية فقد صح عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"ليس منا من ضرب الخدود، وشق الجيوب، ودعا بدعوى الجاهلية\" وفي رواية في الصحيح: \"ليس منا من ضرب الخدود، أو شق الجيوب، أو دعا بدعوى الجاهلية\" وذلك صريح في أن من دعا تلك الدعوى ليس منا، وهو دليل واضح على التحريم الشديد.\nومما يدل لذلك قوله - ﷺ -: \"من تعزى عليكم بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا\" هذا حديث صحيح، أخرجه الإمام أحمد من طرق متعددة عن عتي بن ضمرة السعدي، عن أبي بن كعب ﵁، وذكره صاحب الجامع الصغير بلفظ \"إذا سمعتم من يتعزى بعزاء الجاهلية فأعضوه ولا تكنوا\" وأشار لأنه أخرجه أحمد في المسند، والنسائي، وابن حبان، والطبراني في الكبير، والضياء المقدسي عن أُبَي ﵁، وجعل عليه علامة الصحة. وذكره أيضًا صاحب الجامع الصغير بلفظ \"إذا رأيتم الرجل يتعزى .. \" إلخ، وأشار إلى أنه أخرجه الإمام أحمد في المسند، والترمذي، وجعل عليه علامة الصحة.\nوقال شارحه المناوي: ورواه عنه أيضًا الطبراني.\nقال الهيثمي: ورجاله ثقات.","vol":"3","page":527},{"text":"وقال شارحه العزيزي: هو حديث صحيح.\nوقال فيه الشيخ إسماعيل بن محمد العجلوني في كتابه (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس) قال النجم: رواه أحمد، والنسائي وابن حبان، عن أبي بن كعب ﵁. ومراده بالنجم: الشيخ محمد نجم الدين الغزي في كتابه المسمى (إتقان ما يحسن من الأخبار الدائرة على الألسن) فانظر كيف سمى النبي - ﷺ - ذلك النداء \"عزاء الجاهلية\" وأمر أن يقال للداعي به: \"اعضض على هن أبيك\" أي: فرجه، وأن يصرح له بذلك ولا يعبر عنه بالكناية. فهذا يدل على شدة قبح هذا النداء، وشدة بغض النبي - ﷺ - له.\nواعلم أن رؤساء الدعاة إلى نحو هذه القومية العربية: أبو جهل، وأبو لهب، والوليد بن المغيرة، ونظراؤهم من رؤساء الكفرة.\nوقد بين تعالى تعصبهم لقوميتهم في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ الآية، وأمثال ذلك من الآيات.\nواعلم أنه لا خلاف بين العلماء -كما ذكرنا آنفًا- في منع النداء برابطة غير الإسلام؛ كالقوميات والعصبيات النسبية، ولاسيما إذا كان النداء بالقومية يقصد من ورائه القضاء على رابطة الإسلام وإزالتها بالكلية؛ فإن النداء بها حينئذ معناه الحقيقي: أنه نداء إلى التخلي عن دين الإسلام، ورفض الرابطة السماوية رفضًا باتًا، على أن يعتاض من ذلك روابط عصبية قومية، مدارها على أن هذا من العرب، وهذا منهم أيضًا مثلًا؛ فالعروبة لا يمكن أن تكون خلفًا","vol":"3","page":528},{"text":"من الإسلام، واستبدالها به صفقة خاسرة؛ فهي كما قال الراجز:\nبدلت بالجمة رأسًا أزعرا ... وبالثنايا الواضحات الدردرا\n\n• كما اشترى المسلم إذ تنصرا*\nوقد علم في التاريخ حال العرب قبل الإسلام وحالهم بعده كما لا يخفى.\nوقد بين الله جل وعلا في محكم كتابه: أن الحكمة في جعله بني آدم شعوبًا وقبائل هي التعارف فيما بينهم، وليست هي أن يتعصب كل شعب على غيره، وكل قبيلة على غيرها؛ قال جل وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ فاللام في قوله: ﴿لِتَعَارَفُوا﴾ لام التعليل، والأصل لتتعارفوا، وقد حذفت إحدى التاءين. فالتعارف هو العلة المشتملة على الحكمة لقوله: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾ ونحن حين نصرح بمعنى النداء بالروابط العصبية والأوامر النسبية، ونقيم الأدلة على منع ذلك = لا ننكر أن المسلم ربما انتفع بروابط نسبية لا تمت إلى الإسلام بصلة، كما نفع الله نبيه - ﷺ - بعمه أبي طالب. وقد بين الله جل وعلا أن عطف ذلك العم الكافر على نبيه - ﷺ - من منن الله عليه، قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوَى (٦)﴾ أي: آواك بأن ضمك إلى عمك أبي طالب.\nومن آثار هذه العصبية النسبية قول أبي طالب فيه - ﷺ -:\nوالله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا\nكما قدمنا في سورة هود.","vol":"3","page":529},{"text":"وقد نفع الله بتلك العصبية النسبية شعيبًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام كما قال تعالى عن قومه: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الآية.\nوقد نفع الله بها نبيه صالحًا أيضًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كما أشار تعالى لذلك بقوله: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾ فقد دلت الآية على أنهم يخافون من أولياء صالح، ولذلك لم يفكروا أن يفعلوا به سوءًا إلا ليلًا خفية، وقد عزموا أنهم إن فعلوا به ذلك أنكروا وحلفوا لأوليائه أنهم ما حضروا ما وقع بصالح خوفًا منهم. ولما كان لوط عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لا عصبة له في قومه ظهر فيه أثر ذلك حتى قال: ﴿لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً أَوْ آوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ﴾ وقد قدمنا هذا مستوفى في \"سورة هود\".\nفيلزم الناظر في هذه المسألة أن يفرق بين الأمرين، ويعلم أن النداء بروابط القوميات لا يجوز على كل حال، ولاسيما إذا كان القصد بذلك القضاء على رابطة الإسلام، وإزالتها بالكلية بدعوى أنه لا يساير التطور الجديد، أو أنه جمود وتأخر عن مسايرة ركب الحضارة. نعوذ بالله من طمس البصيرة. وأن منع النداء بروابط القوميات لا ينافي أنه ربما انتفع المسلم بنصرة قريبه الكافر بسبب العواطف النسبية، والأواصر العصبية التي لا تمت إلى الاسلام بصلة، كما وقع من أبي طالب للنبي - ﷺ -، وقد ثبت في الصحيح عنه - ﷺ - أنه قال: \"إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر\" ولكن تلك القرابات النسبية لا يجوز أن تجعل هي الرابطة بين المجتمع؛","vol":"3","page":530},{"text":"لأنها تشمل المسلم والكافر، ومعلوم أن المسلم عدو الكافر، كما قال تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية، كما تقدم.\nوالحاصل: أن الرابطة الحقيقية التي تجمع المفترق وتؤلف المختلف هي رابطة \"لا إله إلا الله\"، ألا ترى أن هذه الرابطة التي تجعل المجتمع الإسلامي كله كأنه جسد واحد، وتجعله كالبنيان يشد بعضه بعضًا، عطفت قلوب حملة العرش ومن حوله من الملائكة على بني آدم في الأرض مع ما بينهم من الاختلاف قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ (٧) رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٨) وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٩)﴾ فقد أشار تعالى إلى أن الرابطة التي ربطت بين حملة العرش ومن حوله، وبين بني آدم في الأرض حتى دعوا الله لهم هذا الدعاء الصالح العظيم، إنما هي الإيمان بالله جل وعلا؛ لأنه قال عن الملائكة: ﴿وَيُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ فوصفهم بالإيمان. وقال عن بني آدم في استغفار الملائكة لهم: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ فوصفهم أيضًا بالإيمان، فدل ذلك على أن الرابطة بينهم هي الإيمان، وهو أعظم رابطة.\nومما يوضح لك أن الرابطة الحقيقية هي دين الإسلام: قوله تعالى في أبي لهب عم النبي - ﷺ -: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾","vol":"3","page":531},{"text":"ويقابل ذلك بما لسلمان الفارسي من الفضل والمكانة عند النبي - ﷺ - والمسلمين، وقد جاء عن النبي - ﷺ - أنه قال فيه: \"سلمان منا أهل البيت\" ورواه الطبراني، والحاكم في المستدرك، وجعل عليه صاحب الجامع الصغير علامة الصحة. وضعفه الحافظ الذهبي.\nوقال الهيثمي: فيه عند الطبراني كثير بن عبد الله المزني ضعفه الجمهور، وبقية رجاله ثقات. وقد أجاد من قال:\nلقد رفع الإسلامُ سلمانَ فارس ... وقد وضع الكفرُ الشريفَ أبا لهب\nوقد أجمع العلماء: على أن الرجل إن مات، وليس له من القرباء إلا ابن كافر، أن إرثه يكون للمسلمين بأخوة الإسلام، ولا يكون لولده لصلبة الذي هو كافر، والميراث دليل القرابة، فدل ذلك على أن الأخوة الدينية أقرب من النبوة النسبية.\nوبالجملة، فلا خلاف بين المسلمين أن الرابطة التي تربط أفراد أهل الأرض بعضهم ببعض، وتربط بين أهل الأرض والسماء، هي رابطة \"لا إله إلا الله\" فلا يجوز البتة النداء برابطة غيرها. ومن والى الكفار بالروابط النسبية محبة لهم، ورغبة فيهم يدخل في قوله تعالى:  ﴿وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ﴾  وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾ والعلم عند الله تعالى.\nوبالجملة: فالمصالح التي عليها مدار الشرائع ثلاثة:\nالأولى: درء المفاسد المعروف عند أهل الأصول بالضروريات.\nوالثانية: جلب المصالح، المعروف عند أهل الأصول بالحاجيات.","vol":"3","page":532},{"text":"والثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، المعروف عند أهل الأصول بالتحسينيات والتتميميات. وكل هذه المصالح الثلاث هدى فيها القرآن العظيم للطريق التي هي أقوم الطرق وأعدلها.\nفالضروريات التي هي درء المفاسد: إنما هي درؤها عن ستة أشياء:\nالأولى: الدين، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، كما قال تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي آية الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ وقال تعالى: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ وقال - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" الحديث، وقال - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\" إلى غير ذلك من الأدلة على المحافظة على الدين.\nوالثاني: النفس، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليها بأقوم الطرق وأعدلها، ولذلك أوجب القصاص درءًا للمفسدة عن الأنفس، كما قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى﴾ الآية، وقال: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية.\nالثالث: العقل، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ  -إلى قوله-  فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وقال - ﷺ -: \"كل مسكر حرام\" وقال: \"ما أسكر كثيره فقليله حرام\" كما قدمنا ذلك مستوفى \"في سورة النحل\" وللمحافظة على العقل","vol":"3","page":533},{"text":"أوجب - ﷺ - حد الشارب درءًا للمفسدة عن العقل.\nالرابع: النسب، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، ولذلك حرم الزنى وأوجب فيه الحد الرادع، وأوجب العدة على النساء عند المفارقة بطلاق أو موت، لئلا يختلط ماء رجل بماء آخر فى رحم امرأة محافظة على الأنساب، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات، وقال تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ الآية. وقد قدمنا آية الرجم والأدلة الدالة على أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم، وقال تعالى في إيجاب العدة حفظًا للأنساب: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ وإن كانت عدة الوفاة فيها شبه تعبد لوجوبها مع عدم الخلوة بين الزوجين.\nولأجل المحافظة على النسب منع سقي زرع الرجل بماء غيره؛ فمنع نكاح الحامل حتى تضع، قال تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.\nالخامس: العرض، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها، فنهى المسلم عن أن يتكلم في أخيه بما يؤذيه، وأوجب عليه إن رماه بفرية حد القذف ثمانين جلدة؛ قال تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ وقبح جل وعلا غيبة المسلم غاية التقبيح؛ بقوله: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾ وقال: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (١١)﴾ وقال في إيجاب حد القاذف: ﴿وَالَّذِينَ","vol":"3","page":534},{"text":"يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.\nالسادس: المال، وقد جاء القرآن بالمحافظة عليه بأقوم الطرق وأعدلها؛ ولذلك منع أخذه بغير حق شرعي؛ وأوجب على السارق حد السرقة، وهو قطع اليد كما تقدم؛ قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)﴾ وقال: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنَ اللَّهِ﴾ الآية. وكل ذلك محافظة على المال ودرء للمفسدة عنه.\nالمصلحة الثانية: جلب المصالح، وقد جاء القرآن بجلب المصالح بأقوم الطرق وأعدلها؛ ففتح الأبواب لجلب المصالح في جميع الميادين، قال تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقال: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال: ﴿يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَآخَرُونَ﴾ وقال: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.\nولأجل هذا جاء الشرع الكريم بإباحة المصالح المتبادلة بين أفراد المجتمع على الوجه المشروع: ليستجلب كل مصلحته من الآخر، كالبيوع والإجارات والأكرية والمساقاة والمضاربة، وما جرى مجرى ذلك.\nالمصلحة الثالثة: الجري على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات، وقد جاء القرآن بذلك بأقوم الطرق وأعدلها. والحض","vol":"3","page":535},{"text":"على مكارم الأخلاق ومحاسن العادات كثير جدًا في كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، ولذلك لما سئلت عائشة ﵂ عن خلقه - ﷺ - قالت: \"كان خلقه القرآن\" لأن القرآن يشتمل على جميع مكارم الأخلاق؛ لأن الله تعالى يقول في نبيه - ﷺ -: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.\nفدل مجموع الآية، وحديث عائشة على أن المتصف بما في القرآن من مكارم الأخلاق: أنه يكون على خلق عظيم، وذلك لعظم ما في القرآن من مكارم الأخلاق، وسنذكر لك بعضًا من ذلك تنبيهًا به على غيره.\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ الآية. فانظر ما في هذه الآية من الحض على مكارم الأخلاق من الأمر بالعفو والنهي عن نسيان الفضل.\nوقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾. فانظر ما في هذه الآيات من مكارم الأخلاق، والأمر بأن تعامل من عصى الله فيك بأن تطيعه فيه.\nوقال تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فانظر إلى هذا من مكارم الأخلاق، والأمر بالإحسان إلى المحتاجين والضعفاء، وقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي","vol":"3","page":536},{"text":"الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ما يدعو إليه القرآن من مكارم الأخلاق، ومحاسن العادات.\nومن هدي القرآن للتي هي أقوم: هديه إلى حل المشاكل العالمية بأقوم الطرق وأعدلها. ونحن دائمًا في المناسبات نبين هدي القرآن العظيم إلى حل ثلاث مشكلات، هي من أعظم ما يعانيه العالم في جميع المعمورة ممن ينتمي إلى الإسلام، - تنبيهًا بها على غيرها:\nالمشكلة الأولى\nهي ضعف المسلمين في أقطار الدنيا في العدد والعدد عن مقاومة الكفار. وقد هدى القرآن العظيم إلى حل هذه المشكلة بأقوم الطرق وأعدلها؛ فبين أن علاج الضعف عن مقاومة الكفار إنما هو بصدق التوجه إلى الله تعالى، وقوة الإيمان به والتوكل عليه؛ لأن الله قوي عزيز، قاهر لكل شيء؛ فمن كان من حزبه على الحقيقة لا يمكن أن يغلبه الكفار ولو بلغوا من القوة ما بلغوا.\nفمن الأدلة المبينة لذلك: أن الكفار لما ضربوا على المسلمين ذلك الحصار العسكري العظيم في غزوة الأحزاب المذكور في قوله تعالى: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ","vol":"3","page":537},{"text":"وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ -كان علاج ذلك هو ما ذكرنا؛ فانظر شدة هذا الحصار العسكري وقوة أثره في المسلمين، مع أن جميع أهل الأرض في ذلك الوقت مقاطعوهم سياسة واقتصادًا، فإذا عرفت ذلك فاعلم أن العلاج الذي قابلوا به هذا الأمر العظيم، وحلوا به هذه المشكلة العظمى، هو ما بينه جل وعلا (في سورة الأحزاب) بقوله: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾.\nفهذا الإيمان الكامل، وهذا التسليم العظيم لله جل وعلا، ثقة به، وتوكلًا عليه، هو سبب حل هذه المشكلة العظمى.\nوقد صرح الله تعالى بنتيجة هذا العلاج بقوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا (٢٥) وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا (٢٦) وَأَوْرَثَكُمْ أرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾.\nوهذا الذي نصرهم الله به على عدوهم ما كانوا يظنونه، ولا يحسبون أنهم ينصرون به وهو الملائكة والريح، قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ ولما علم جل وعلا من أهل بيعة الرضوان الإخلاص الكامل، ونوه عن إخلاصهم بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾: أي: من الإيمان والإخلاص .. كان من","vol":"3","page":538},{"text":"نتائج ذلك ما ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَأُخْرَى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا قَدْ أَحَاطَ اللَّهُ بِهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرًا (٢١)﴾ فصرح جل وعلا في هذه الآية بأنهم لم يقدروا عليها، وأن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، وذلك من نتائج قوة إيمانهم وشدة إخلاصهم.\nفدلت الآية على أن الإخلاص لله وقوة الإيمان به، هو السبب لقدرة الضعيف على القوي وغلبته له: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾ وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ فعل في سياق النفي، والفعل في سياق النفي من صيغ العموم على التحقيق، كما تقرر في الأصول. ووجهه ظاهر؛ لأن الفعل الصناعي \"أعني الذي يسمى في الاصطلاح فعل الأمر أو الفعل الماضي أو الفعل المضارع\" ينحل عند النحويين، وبعض البلاغيين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nالمصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن\nوعند جماعة من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهذا هو الظاهر كما حرره بعض البلاغيين، في بحث الاستعارة التبعية.\nفالمصدر إذن كامن في مفهوم الفعل إجماعًا، فيتسلط النفي الداخل على الفعل على المصدر الكامن في مفهومه، وهو في المعنى نكرة، إذ ليس له سبب يجعله معرفة، فيئول إلى معنى النكرة في سياق النفي. وهي من صيغ العموم.","vol":"3","page":539},{"text":"فقوله: ﴿لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْهَا﴾ في معنى لا قدرة لكم عليها، وهذا يعم سلب جميع أنواع القدرة؛ لأن النكرة في سياق النفي تدل على عموم السلب وشموله لجميع الأفراد الداخلة تحت العنوان، كما هو معروف في محله.\nوبهذا تعلم أن جميع أنواع القدرة عليها مسلوب عنهم، ولكن الله جل وعلا أحاط بها فأقدرهم عليها، لما علم من الإيمان والإخلاص في قلوبهم: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾.\nالمشكلة الثانية\nهي تسليط الكفار على المؤمنين بالقتل والجراح، وأنواع الإيذاء، مع أن المسلمين على الحق، والكفار على الباطل.\nوهذه المشكلة استشكلها أصحاب النبي - ﷺ -، فأفتى الله جل وعلا فيها، وبين السبب في ذلك بفتوى سماوية تتلى في كتابه جل وعلا.\nوذلك أنه لما وقع ما وقع بالمسلمين يوم أحد، فقتل عم رسول الله - ﷺ - وابن عمته، ومثل بهما، وقتل غيرهما من المهاجرين، وقتل سبعون رجلًا من الأنصار، وجرح - ﷺ -، وشقت شفته، وكسرت رباعيته، وشج - ﷺ -.\nاستشكل المسلمون ذلك وقالوا: كيف ينال منا المشركون؟ ونحن على الحق وهم على الباطل؟! فأنزل الله قوله تعالى: ﴿أَوَ لَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ فيه إجمال بينه تعالى","vol":"3","page":540},{"text":"بقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبُّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا  -إلى قوله-  لِيَبْتَلِيَكُمْ﴾.\nففي هذه الفتوى السماوية بيان واضح؛ لأن سبب تسليط الكفار على المسلمين هو فشل المسلمين، وتنازعهم في الأمر، وعصيانهم أمره - ﷺ -، وإرادة بعضهم الدنيا مقدمًا لها على أمر الرسول - ﷺ -. وقد أوضحنا هذا في سورة \"آل عمران\" ومن عرف أصل الداء عرف الدواء، كما لا يخفى.\nالمشكلة الثالثة\nهي اختلاف القلوب الذي هو أعظم الأسباب في القضاء على كيان الأمة الإسلامية، لاستلزامه الفشل، وذهاب القوة والدولة، كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة \"الأنفال\".\nفترى المجتمع الإسلامي اليوم في أقطار الدنيا يضمر بعضهم لبعض العداوة والبغضاء، وإن جامل بعضهم بعضًا فإنه لا يخفى على أحد أنها مجاملة، وأن ما تنطوي عليه الضمائر مخالف لذلك.\nوقد بين تعالى في سورة \"الحشر\" أن سبب هذا الداء الذي عمت به البلوى إنما هو ضعف العقل؛ قال تعالى: ﴿تَحْسَبُهُمْ جَمِيعًا وَقُلُوبُهُمْ شَتَّى﴾ ثم ذكر العلة لكون قلوبهم شتى بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ (١٤)﴾ ولا شك أن داء ضعف العقل الذي يصيبه فيضعفه عن إدراك الحقائق، وتمييز الحق من الباطل، والنافع من","vol":"3","page":541},{"text":"الضار، والحسن من القبيح، لا دواء له إلا إنارته بنور الوحي؛ لأن نور الوحي يحيا به من كان ميتًا، ويضيء الطريق للمتمسك به؛ فيريه الحق حقًا والباطل باطلًا، والنافع نافعًا، والضار ضارًا؛ قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ وقال تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ ومن أخرج من الظلمات إلى النور أبصر الحق؛ لأن ذلك النور يكشف له عن الحقائق فيريه الحق حقًا، والباطل باطلًا، وقال تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلَى وَجْهِهِ أَهْدَى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢)﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) وَلَا الظُّلُمَاتُ وَلَا النُّورُ (٢٠) وَلَا الظِّلُّ وَلَا الْحَرُورُ (٢١) وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ وقال تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإيمان يكسب الإنسان حياة بدلًا من الموت الذي كان فيه، ونورًا بدلًا من الظلمات التي كان فيها.\nوهذا النور العظيم يكشف الحقائق كشفًا عظيمًا؛ كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ﴾ -إلى قوله-: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣٥)﴾ ولما كان تتبع جميع ما تدل عليه هذه الآية الكريمة من هدي القرآن للتي هي أقوم = يقتضي تتبع جميع القرآن وجميع السنة لأن العمل بالسنة من هدي القرآن للتي هي أقوم؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وكان تتبع جميع ذلك غير ممكن في هذا الكتاب المبارك، اقتصرنا على هذه الجمل التي ذكرنا من هدي القرآن للتي هي أقوم تنبيهًا بها على غيرها. والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":542},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-748> قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير للعلماء، وأحدهما يشهد له قرآن، وهو: أن معنى الآية: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ﴾ كأن يدعو على نفسه أو ولده بالهلاك عند الضجر من أمر؛ فيقول: اللهم أهلكني، أو أهلك ولدي؛ فيدعو بالشر دعاء لا يحب أن يستجاب له. وقوله: ﴿دُعَاءَهُ بِالْخَيْرِ﴾ أي: يدعو بالشر كما يدعو بالخير، فيقول عند الضجر: اللهم أهلك ولدي، كما يقول في غير وقت الضجر: اللهم عافه، ونحو ذلك من الدعاء.\nولو استجاب الله دعاءه بالشر لهلك. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ أي: لو عجل لهم الإجابة بالشر، كما يعجل لهم الإجابة بالخير لقضى إليهم أجلهم، أي: لهلكوا وماتوا؛ فالاستعجال بمعنى التعجيل.\nويدخل في دعاء الإنسان بالشر قول النضر بن الحارث العبدري: ﴿اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾.\nوممن فسر الآية الكريمة بما ذكرنا: ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، وهو أصح التفسيرين لدلالة آية يونس عليه.\nالوجه الثاني في تفسير الآية: أن الإنسان كما يدعو بالخير فيسأل الله الجنة، والسلامة من النار، ومن عذاب القبر، كذلك قد","vol":"3","page":543},{"text":"يدعو بالشر فيسأل الله أن ييسر له الزنى بمعشوقته، أو قتل مسلم هو عدو له ونحو ذلك. ومن هذا القبيل قول ابن جامع:\nأطوف بالبيت فيمن يطوف ... وأرفع من مئزري المسبل\nوأسجد بالليل حتى الصباح ... وأتلو من المحكم المنزل\nعسى فارج الهم عن يوسف ... يسخر لي ربة المحمل\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-749> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل الليل والنهار آيتين؛ أي: علامتين دالتين على أنه الرب المستحق أن يعبد وحده، ولا يشرك معه غيره. وكرر تعالى هذا المعنى في مواضع كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ -إلى قوله- لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾ وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا (٦٢)﴾ وقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ","vol":"3","page":544},{"text":"وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (٥)﴾ وقوله: ﴿فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٩٦)﴾ وقوله: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١) وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا (٢) وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى (٢)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ يعني أنه جعل الليل مظلمًا مناسبًا للهدوء والراحة، والنهار مضيئًا مناسبًا للحركة والاشتغال بالمعاش في الدنيا؛ فيسعون في معاشهم في النهار، ويستريحون حين تعب العمل بالليل، ولو كان الزمن كله ليلًا لصعب عليهم العمل في معاشهم، ولو كان كله نهارًا لأهلكهم التعب من دوام العمل.\nفكما أن الليل والنهار آيتان من آياته جل وعلا، فهما أيضًا نعمتان من نعمه جل وعلا. وبين هذا المعنى المشار إليه هنا في مواضع أخر، كقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.\nفقوله: ﴿لِتَسْكُنُوا فِيهِ﴾ أي: في الليل، وقوله: ﴿وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: في النهار، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ","vol":"3","page":545},{"text":"لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ بين فيه نعمة أخرى على خلقه، وهي معرفتهم عدد السنين والحساب؛ لأنهم باختلاف الليل والنهار يعلمون عدد الأيام والشهور والأعوام، ويعرفون بذلك يوم الجمعة ليصلوا فيه صلاة الجمعة، ويعرفون شهر الصوم، وأشهر الحج، ويعلمون مضي أشهر العدة لمن تعتد بالأشهر المشار إليها في قوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾. ويعرفون مضي الآجال المضروبة للديون والإجارات، ونحو ذلك.\nوبين جل وعلا هذه الحكمة في مواضع أخر، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ وقوله جل وعلا: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ فيه وجهان من التفسير للعلماء.\nأحدهما: أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: وجعلنا","vol":"3","page":546},{"text":"نيري الليل والنهار، أي: الشمس القمر آيتين.\nوعلى هذا القول: فآية الليل هي القمر، وآية النهار هي الشمس، والمحو الطمس. وعلى هذا القول: فمحو آية الليل قيل: معناه السواد الذي في القمر؛ وبهذا قال على ﵁، ومجاهد، وروي عن ابن عباس ﵄.\nوقيل: معنى ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ أي: لم نجعل في القمر شعاعًا كشعاع الشمس ترى به الأشياء رؤية بينة، فنقص نور القمر عن نور الشمس هو معنى الطمس على هذا القول.\nوهذا أظهر عندي لمقابلته تعالى له بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ والقول بأن معنى محو آية الليل: السواد الذي في القمر ليس بظاهر عندي، وإن قال به بعض الصحابة الكرام، وبعض أجلاء أهل العلم؟.\nوقوله: ﴿وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ﴾ على التفسير المذكور، أي: الشمس ﴿مُبْصِرَةً﴾ أي: ذات شعاع يبصر في ضوئها كل شيء على حقيقته.\nقال الكسائي: هو من قول العرب: أبصر النهار: إذ أضاء وصار بحالة يبصر بها - نقله عنه القرطبي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا التفسير من قبيل قولهم: نهاره صائم، وليله قائم، ومنه قوله:\nلقد لمتنا يا أم الغيلان في السرى ... ونمت وما ليل المحب بنائم","vol":"3","page":547},{"text":"وغاية ما في الوجه المذكور من التفسير: حذف مضاف، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب إن دلت عليه قرينة؛ قال في الخلاصة:\nوما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا\nوالقرينة في الآية الكريمة الدالة على المضاف المحذوف قوله: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً﴾ بإضافة الآية إلى الليل والنهار دليل على أن الآيتين المذكورتين لهما لاهما أنفسهما. وحذف المضاف كثير في القرآن، كقوله: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا﴾ وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ أي: نكاحها، وقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ أي: أكلها، ونحو ذلك. وعلى القول بتقدير المضاف، وأن المراد بالآيتين الشمس والقمر = فالآيات الموضحة لكون الشمس والقمر آيتين تقدمت موضحة في سورة النحل.\nالوجه الثاني من التفسير: أن الآية الكريمة ليس فيها مضاف محذوف، وأن المراد بالآيتين نفس الليل والنهار، لا الشمس والقمر.\nوعلى هذا القول فإضافة الآية إلى الليل والنهار من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ، تنزيلًا لاختلاف اللفظ منزلة الاختلاف في المعنى. وإضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظ كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ..﴾ الآية، ورمضان هو نفس الشهر بعينه على التحقيق، وقوله: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ ..﴾ الآية، والدار هي الآخرة","vol":"3","page":548},{"text":"بعينها، بدليل قوله في موضع آخر: ﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ﴾ بالتعريف، والآخرة نعت للدار، وقوله: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ ..﴾ الآية، والمكر هو السيء بدليل قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\nومن أمثلته في كلام العرب قول امرئ القيس:\nكَبِكْر المُقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\nلأن المقاناة هي البكر بعينها، وقول عنترة في معلقته:\nومشكّ سابغة هتكتُ فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم\nلأن مراده بالمشك: السابغة بعينها؛ بدليل قوله: هتكت فروجها لأن الضمير عائد إلى السابغة التي عبر عنها بالمشك.\nوقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة فاطر. وبينا أن الذي يظهر لنا: أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف لفظ المضاف والمضاف إليه، أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ لأن تغاير اللفظين ربما نزل منزلة التغاير المعنوي، لكثرة الإضافة المذكورة في القرآن، وفي كلام العرب. وجزم بذلك ابن جرير في بعض مواضعه في القرآن، وعليه فلا حاجة إلى التأويل المشار إليه بقوله في الخلاصة:\nولا يضاف اسم لما به اتحد ... معنى وأول موهمًا إذا ورد\nومما يدل على ضعف التأويل المذكور قوله:\nوإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتبع الذي ردف","vol":"3","page":549},{"text":"لأن إيجاب إضافة العلم إلى اللقب مع اتحادهما في المعنى إن كانا مفردين المستلزم للتأويل، ومنع الاتباع الذي لا يحتاج إلى تأويل = دليل على أن ذلك من أساليب اللغة العربية، ولو لم يكن من أساليبها لوجب تقديم ما لا يحتاج إلى تأويل على المحتاج إلى تأويل كما ترى. وعلى هذا الوجه من التفسير: فالمعنى: فمحونا الآية التي هي الليل، وجعلنا الآية التي هي النهار مبصرة، أي: جعلنا الليل ممحو الضوء مطموسه، مظلمًا لا تستبان فيه الأشياء كما لا يستبان ما في اللوح الممحو، وجعلنا النهار مبصرًا، أي: تبصر فيه الأشياء وتستبان.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ فَصَّلْنَاهُ تَفْصِيلًا (١٢)﴾ تقدم إيضاحه، والآيات الدالة عليه في سورة \"النحل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-750> قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾</span>.\nفي قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ﴾ وجهان معروفان من التفسير:\nالأول: أن المراد بالطائر: العمل، من قولهم: طار له سهم إذا خرج له، أي: ألزمناه ما طار له من عمله.\nالثاني: أن المراد بالطائر ما سبق له في علم الله من شقاوة أو سعادة. والقولان متلازمان؛ لأن ما يطير له من العمل هو سبب ما يئول إليه من الشقاوة أو السعادة.","vol":"3","page":550},{"text":"فإذا عرفت الوجهين المذكورين فاعلم أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها للعلماء قولان، أو أقوال، وكلها حق، ويشهد له قرآن، فنذكر جميع الأقوال وأدلتها من القرآن؛ لأنها كلها حق، والوجهان المذكوران في تفسير هذه الآية الكريمة كلاهما يشهد له قرآن.\nأما على القول الأول بأن المراد بطائره عمله: فالآيات الدالة على أن عمل الإنسان لازم له كثيرة جدًا؛ كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ (٦)﴾ وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوأما على القول بأن المراد بطائره نصيبه الذي طار له في الأزل من الشقاوة أو السعادة = فالآيات الدالة على ذلك أيضًا كثيرة، كقوله ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي: للاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وقوله: ﴿فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ﴾ وقوله: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِي عُنُقِهِ﴾ أي: جعلنا عمله، أو ما سبق له من شقاوة في عنقه؛ أي: لازمًا له لزوم القلادة أو الغل لا ينفك عنه؛ ومنه قول العرب: تقلدها طوق","vol":"3","page":551},{"text":"الحمامة. وقولهم: الموت في الرقاب. وهذا الأمر ربقة في رقبته، ومنه قول الشاعر:\nاذهب بها إذهب بها ... طوقتها طوق الحمامه\nفالمعنى في ذلك كله: اللزوم وعدم الانفكاك.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العمل الذي ألزم الإنسان إياه يخرجه له يوم القيامة مكتوبًا في كتاب يلقاه منشورا، أي: مفتوحًا يقرؤه هو وغيره.\nوبين أشياء من صفات هذا الكتاب الذي يلقاه منشورًا في آيات أخر، فبين أن من صفاته: أن المجرمين مشفقون، أي: خائفون مما فيه، وأنه لا يترك صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأنهم يجدون فيه جميع ما عملوا حاضرًا ليس منه شيء غائبًا، وأن الله جل وعلا لا يظلمهم في الجزاء عليه شيئًا، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾.\nوبين في موضع آخر: أن بعض الناس يؤتى هذا الكتاب بيمينه -جعلنا الله وإخواننا المسلمين منهم- وأن من أوتيه بيمينه يحاسب حسابًا يسيرًا، ويرجع إلى أهله مسرورًا، وأنه في عيشة راضية، في جنة عالية، قطوفها دانية، قال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾","vol":"3","page":552},{"text":"وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١) فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (٢٢) قُطُوفُهَا دَانِيَةٌ (٢٣)﴾\nوبين في موضع آخر: أن من أوتيه بشماله يتمنى أنه لم يؤته. وأنه يؤمر به فيصلى الجحيم، ويسلك في سلسلة من سلاسل النار ذرعها سبعون ذراعًا. وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) وَلَمْ أَدْرِ مَا حِسَابِيَهْ (٢٦) يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨) هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ (٢٩) خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ أعاذنا الله وإخواننا والمسلين من النار، وما قرب إليها من قول وعمل.\nوبين في موضع آخر: أن من أوتي كتابه وراء ظهره يصلى السعير، ويدعو الثبور؛ وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ يعني أن نفسه تعلم أنه لم يظلم، ولم يكتب عليه إلا ما عمل؛ لأنه في ذلك الوقت يتذكر كل ما عمل في الدنيا من أول عمره إلى آخره؛ كما قال تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾.\nوقد بين تعالى في مواضع أخر: أنه إن أنكر شيئًا من عمله شهدت عليه جوارحه، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي","vol":"3","page":553},{"text":"ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾ وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة القيامة.\nتنبيه\nلفظة ﴿كَفَى﴾ تستعمل في القرآن واللغة العربية استعمالين:\nتستعمل متعدية، وهي تتعدى غالبًا إلى مفعولين، وفاعل هذه المتعدية لا يجر بالباء، كقوله: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ وكقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ ..﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات.\nوتستعمل لازمة، ويطرد جر فاعلها بالباء المزيدة لتوكيد الكفاية؛ كقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (٨١)﴾ وقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (٦)﴾ ونحو ذلك.\nويكثر إتيان التمييز بعد فاعلها المجرور بالباء. وزعم بعض علماء العربية: أن جر فاعلها بالباء لازم. والحق أنه يجوز عدم جره بها، ومنه قول الشاعر:\nعميرة ودع إن تجهزت غاديًا ... كفى الشيب والإسلام للمرء ناهيا\nوقول الآخر:\nويخبرني عن غائب المرء هديه ... كفى الهدى عما غيب المرء مخبرا\nوعلى قراءة من قرأ: ﴿يُلقَّاه﴾ بضم الياء وتشديد القاف","vol":"3","page":554},{"text":"مبنيًا للمفعول = فالمعنى: أن يلقيه ذلك الكتاب يوم القيامة؛ فحذف الفاعل فبنى الفعل للمفعول. وقراءة من قرأ ﴿يَخرُجْ﴾ بفتح الياء وضم الراء، مضارع خرج مبنيًا للفاعل، فالفاعل ضمير يعود إلى الطائر بمعنى العمل.\nوقوله: ﴿كِتَابًا﴾ حال من ضمير الفاعل؛ أي: ويوم القيامة يخرج هو، أي: العمل المعبر عنه بالطائر في حال كونه كتابًا يلقاه منشورا. وكذلك على قراءة ﴿يخرج﴾ بضم الياء وفتح الراء مبنيًا للمفعول، فالضمير النائب عن الفاعل راجع أيضًا إلى الطائر الذي هو العمل، أي: يخرج له هو، أي: طائره بمعنى عمله، في حال كونه كتابًا.\nوعلى قراءة: ﴿يخرج﴾ بضم الياء وكسر الراء مبنيًا للفاعل، فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، وقوله: ﴿كِتَابًا﴾ مفعول به؛ أي: ويوم القيامة يخرج هو، أي: يخرج الله له كتابًا يلقاه منشورا.\nوعلى قراءة الجمهور منهم السبعة: فالنون في: ﴿وَنُخْرِجُ﴾ نون العظمة لمطابقة قوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ﴾ و﴿كِتَابًا﴾ مفعول به لنخرج كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-751> قوله تعالى: ﴿مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من اهتدى فعمل بما يرضي الله جل وعلا، أن اهتداءه ذلك إنما هو لنفسه؛ لأنه هو الذي ترجع إليه فائدة ذلك الاهتداء، وثمرته في الدنيا والآخرة.","vol":"3","page":555},{"text":"وأن من ضل عن طريق الصواب فعمل بما يسخط ربه جل وعلا، أن ضلاله ذلك إنما هو على نفسه؛ لأنه هو الذي يجني ثمرة عواقبه السيئة الوخيمة، فيخلد به في النار.\nوبين هذا المعنى في مواضع كثيرة؛ كقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَمَا أَنَا عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (١٠٨)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقد قدمنا طرفًا منها في سورة \"النحل\".\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا تحمل نفس ذنب أخرى؛ بل لا تحمل نفس إلا ذنبها. فقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ﴾ أي: لا تحمل، من وزر يزر إذا حمل. ومنه سمى وزير السلطان؛ لأنه يحمل أعباء تدبير شئون الدولة. والوزر: الإثم؛ يقال: وزر يزر وزرًا، إذا أثم. والوزر أيضًا: الثقل المثقل، أي: لا تحمل نفس وازرة، أي: آثمة وزر نفس أخرى؛ أي: إثمها، أو حملها الثقيل؛ بل لا تحمل إلا وزر نفسها.\nوهذا المعنى جاء في آيات أخرى؛ كقوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ","vol":"3","page":556},{"text":"مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا في سورة \"النحل\" بإيضاح: أن هذه الآيات لا يعارضها قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ ..﴾ الآية، ولا قوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية؛ لأن المراد بذلك أنهم حملوا أوزار ضلالهم في أنفسهم، وأوزار إضلالهم غيرهم؛ لأن من سن سنة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها، لا ينقص ذلك من أوزارهم شيئًا - كما تقدم مستوفى.\nتنبيه\nيرد على هذه الآية الكريمة سؤالان:\nالأول: ما ثبت في الصحيح عن ابن عمر ﵄ من \"أن الميت يعذب ببكاء أهله عليه\" فيقال: ما وجه تعذيبه ببكاء غيره، إذ مؤاخذته ببكاء غيره قد يظن من لا يعلم أنها من أخذ الإنسان بذنب غيره؟.\nالسؤال الثاني: إيجاب دية الخطأ على العاقلة، فيقال: ما وجه إلزام العاقلة الدية بجناية إنسان آخر؟\nوالجواب عن الأول: هو أن العلماء حملوه على أحد أمرين: الأول: أن يكون الميت أوصى بالنوح عليه، كما قال طرفة بن العبد في معلقته:\nإذا مت فانعيني بما أنا أهله ... وشقي علي الجيب يا ابنة معبد","vol":"3","page":557},{"text":"لأنه إذ كان أوصى بأن يناح عليه: فتعذيبه بسبب إيصائه بالمنكر، وذلك من فعله لا فعل غيره.\nالثاني: أن يهمل نهيهم عن النوح عليه قبل موته، مع أنه يعلم أنهم سينوحون عليه؛ لأن إهماله نهيهم تفريط منه، ومخالفة لقوله تعالى: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ فتعذيبه إذًا بسبب تفريطه، وتركه ما أمر الله به من قوله: ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية - وهذا ظاهر كما ترى.\nوعن الثاني: بأن إيجاب الدية على العاقلة ليس من تحميلهم وزر القاتل، ولكنها مواساة محضة أوجبها الله على عاقلة الجاني؛ لأن الجاني لم يقصد سوءًا، ولا إثم عليه البتة، فأوجب الله في جنايته خطأ الدية بخطاب الوضع، وأوجب المواساة فيها على العاقلة، ولا إشكال في إيجاب الله على بعض خلقه؛ كما أوجب أخذ الزكاة من مال الأغنياء وردها إلى الفقراء.\nواعتقد من أوجب الدية على أهل ديوان القاتل خطأ كأبي حنيفة وغيره = أنها باعتبار النصرة فأوجبها على أهل الديوان. ويؤيد هذا القول ما ذكره القرطبي في تفسيره قال: \"وأجمع أهل السير والعلم: أن الدية كانت في الجاهلية تحملها العاقلة، فأقرها رسول الله - ﷺ - في الإسلام، وكانوا يتعاقلون بالنصرة، ثم جاء الإسلام فجرى الأمر على ذلك، حتى جعل عمر الديوان، واتفق الفقهاء على رواية ذلك والقول به. وأجمعوا أنه لم يكن في زمن رسول الله - ﷺ - ولا زمن أبي بكر ديوان، وأن عمر جعل الديوان، وجمع بين الناس، وجعل أهل كل ناحية يدًا، وجعل عليهم قتال","vol":"3","page":558},{"text":"من يليهم من العدو. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-752> قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا لا يعذب أحدًا من خلقه لا في الدنيا ولا في الآخرة، حتى يبعث إليه رسولًا ينذره ويحذره فيعصي ذلك الرسول، ويستمر على الكفر والمعصية بعد الإنذار والإعذار.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ فصرح في هذه الآية الكريمة: بأنه لابد أن يقطع حجة كل أحد بإرسال الرسل، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار.\nوهذه الحجة التي أوضح هنا قطعها بإرسال الرسل مبشرين ومنذرين. بينها في آخر سورة طه بقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾.\nوأشار لها في سورة القصص بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله جل وعلا: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ وقوله: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ عَلَى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ أَنْ تَقُولُوا مَا جَاءَنَا مِنْ بَشِيرٍ وَلَا نَذِيرٍ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ","vol":"3","page":559},{"text":"وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (١٥٦) أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nويوضح ما دلت عليه هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم من أن الله جل وعلا لا يعذب أحدًا إلا بعد الإنذار والإعذار على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام = تصريحه جل وعلا في آيات كثيرة: بأنه لم يدخل أحد النار إلا بعد الإعذار والإنذار على ألسنة الرسل؛ فمن ذلك قوله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.\nومعلوم أن قوله جل وعلا: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ يعم جميع الأفواج الملقين في النار.\nقال أبو حيان في \"البحر المحيط\" في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها ما نصه: و﴿كُلَّمَا﴾ تدل على عموم أزمان الإلقاء فتعم الملقين؛ ومن ذلك قوله جل وعلا: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ وقوله في هذه الآية: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ عام لجميع الكفار.\nوقد تقرر في الأصول: أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم؛ لعمومها في كل ما تشمله صلاتها، وعقده في","vol":"3","page":560},{"text":"مراقي السعود بقوله في صيغ العموم:\nصِيَغهُ كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع\nومراده بالبيت: أن لفظة \"كل، وجميع، والذي، والتي\" وفروعهما كل ذلك من صيغ العموم؛ فقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا  -إلى قوله -  قَالُوا بَلَى﴾ عام في جميع الكفار. وهو ظاهر في أن جميع أهل النار قد أنذرتهم الرسل في دار الدنيا؛ فعصوا أمر ربهم كما هو واضح.\nونظيره أيضًا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ فقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ  -إلى قوله-  وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ﴾ عام أيضًا في جميع أهل النار؛ كما تقدم إيضاحه قريبًا.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع أهل النار أنذرتهم الرسل في دار الدنيا.\nوهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن تدل على عذر أهل الفترة بأنهم لم يأتهم نذير ولو ماتوا على الكفر؛ وبهذا قالت جماعة من أهل العلم.","vol":"3","page":561},{"text":"وذهبت جماعة أخرى من أهل العلم إلى أن كل من مات على الكفر فهو في النار ولو لم يأته نذير، واستدلوا بظواهر آيات من كتاب الله، وبأحاديث عن النبي - ﷺ -. فمن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾ الآية، وقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوظاهر جميع هذه الآيات العموم؛ لأنها لم تخصص كافرًا دون كافر؛ بل ظاهرها شمول جميع الكفار.\nومن الأحاديث الدالة على أن الكفار لا يعذرون في كفرهم بالفترة ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عفان، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس: أن رجلًا قال: يا رسول الله، أين أبي؟. قال: \"في النار\" فلما قفى دعاه فقال: \"إن أبي وأباك في النار\" اهـ.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثني يحيى بن أيوب، ومحمد بن عباد -واللفظ ليحيى- قالا: حدثنا مروان بن معاوية، عن يزيد يعني ابن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة","vol":"3","page":562},{"text":"قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"استأذنت ربي أن أستغفر لأمي فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي\". حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قال: حدثنا محمد ابن عبيد، عن يزيد بن كيسان، عن أبي حازم، عن أبي هريرة قال: زار النبي - ﷺ - قبر أمه فبكى وأبكى من حوله؛ فقال: \"استأذنت ربي في أن أستغفر لها فلم يؤذن لي، واستأذنته في أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الموت\" اهـ. إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على عدم عذر المشركين بالفترة.\nوهذا الخلاف مشهور بين أهل الأصول -هل المشركون الذين ماتوا في الفترة وهم يعبدون الأوثان في النار لكفرهم، أو معذورون بالفترة؛ وعقده في \"مراقي السعود\" بقوله:\nذو فترة بالفرع لا يراع ... وفي الأصول بينهم نزاع\nوممن ذهب إلى أَنّ أهل الفترة الذين ماتوا على الكفر في النار: النووي في شرح مسلم، وحكى عليه القرافي -في شرح التنقيح- الإجماع؛ كما نقله عنه صاحب \"نشر البنود\".\nوأجاب أهل هذا القول عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ من أربعة أوجه:\nالأول: أن التعذيب المنفي في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ..﴾ الآية، وأمثالها من الآيات: إنما هو التعذيب الدنيوي؛ كما وقع في الدنيا من العذاب بقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وقوم موسى وأمثالهم. وإذًا فلا ينافي ذلك التعذيب","vol":"3","page":563},{"text":"في الآخرة. ونسب هذا القول القرطبي، وأبو حيان، والشوكاني وغيرهم في تفاسيرهم إلى الجمهور.\nوالوجه الثاني: أن محل العذر بالفترة المنصوص في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ ..﴾ الآية، وأمثالها في غير الواضح الذي لا يخفى على أدنى عاقل، أما الواضح الذي لا يخفى على من عنده عقل كعبادة الأوثان فلا يعذر فيه أحد؛ لأن الكفار يقرون بأن الله هو ربهم، الخالق الرازق، النافع، الضار، ويتحققون كل التحقق أن الأوثان لا تقدر على جلب نفع ولا على دفع ضر، كما قال عن قوم إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ وكما جاءت الآيات القرآنية بكثرة بأنهم وقت الشدائد يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن غيره لا ينفع ولا يضر، كقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن الكفار غالطوا أنفسهم لشدة تعصبهم لأوثانهم، فزعموا أنها تقربهم إلى الله زلفى، وأنها شفعاؤهم عند الله، مع أن العقل يقطع بنفي ذلك.\nالوجه الثالث: أن عندهم بقية إنذار مما جاءت به الرسل الذين أرسلوا قبل نبينا - ﷺ -، كإبراهيم وغيره، وأن الحجة قائمة عليهم بذلك. وجزم بهذا النووي في شرح مسلم، ومال إليه العبادي في (الآيات البينات).\nالوجه الرابع: ما جاء من الأحاديث الصحيحة عن النبي - ﷺ -،","vol":"3","page":564},{"text":"الدالة على أن بعض أهل الفترة في النار، كما قدمنا بعض الأحاديث الواردة بذلك في صحيح مسلم وغيره.\nوأجاب القائلون بعذرهم بالفترة عن هذه الأوجه الأربعة: فأجابوا عن الوجه الأول، وهو كون التعذيب في قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ إنما هو التعذيب الدنيوي دون الأخروي من وجهين:\nالأول: أنه خلاف ظاهر القرآن؛ لأن ظاهر القرآن انتفاء التعذيب مطلقًا، فهو أعم من كونه في الدنيا، وصرف القرآن عن ظاهره ممنوع إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nالوجه الثاني: أن القرآن دل في آيات كثيرة على شمول التعذيب المنفي في الآية للتعذيب في الآخرة، كقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ وهو دليل على أن جميع أفواج أهل النار ما عذبوا في الآخرة إلا بعد إنذار الرسل، كما تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية.\nوأجابوا عن الوجه الثاني: وهو أن محل العذر بالفترة في غير الواضح الذي لا يخفى على أحد - بنفس الجوابين المذكورين آنفًا؛ لأن الفرق بين الواضح وغيره مخالف لظاهر القرآن، فلابد له من دليل يجب الرجوع إليه، ولأن الله نص على أن أهل النار ما عذبوا بها حتى كذبوا الرسل في دار الدنيا، بعد إنذارهم من ذلك الكفر الواضح، كما تقدم إيضاحه.\nوأجابوا عن الوجه الثالث الذي جزم به النووي، ومال إليه","vol":"3","page":565},{"text":"العبادي وهو قيام الحجة عليهم بإنذار الرسل الذين أرسلوا قبله - ﷺ - بأنه قول باطل بلا شك؛ لكثرة الآيات القرآنية المصرحة ببطلانه؛ لأن مقتضاه أنهم أنذروا على ألسنة بعض الرسل، والقرآن ينفي هذا نفيًا باتًا في آيات كثيرة، كقوله في \"يس\": ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ و﴿مَا﴾ في قوله: ﴿مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ نافية على التحقيق، لا موصولة، وتدل لذلك الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ وكقوله في \"القصص\": ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَيْنَا وَلَكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ..﴾ الآية، وكقوله في \"سبأ\": ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾ وكقوله في \"ألم السجدة\": ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأجابوا عن الوجه الرابع: بأن تلك الأحاديث الواردة في صحيح مسلم وغيره أخبار آحاد يقدم عليها القاطع، وهو قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوأجاب القائلون بالعذر بالفترة أيضًا عن الآيات التي استدل بها مخالفوهم كقوله: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾ إلى آخر ما تقدم من الآيات = بأن محل ذلك فيما إذا أرسلت إليهم الرسل فكذبوهم بدليل قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\nوأجاب القائلون بتعذيب عبدة الأوثان من أهل الفترة عن قول","vol":"3","page":566},{"text":"مخالفيهم: إن القاطع الذي هو قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ يجب تقديمه على أخبار الآحاد الدالة على تعذيب بعض أهل الفترة، كحديثي مسلم في صحيحه المتقدمين = بأن الآية عامة، والحديثين كلاهما خاص في شخص معين، والمعروف في الأصول أنه لا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام كما هو مذهب الجمهور، خلافًا لأبي حنيفة ﵀، كما بيناه في غير هذا الموضع.\nفما أخرجه دليل خاص خرج من العموم، وما لم يخرجه دليل خاص بقي داخلًا في العموم؛ كما تقرر في الأصول.\nوأجاب المانعون بأن هذا التخصيص يبطل حكمة العام؛ لأن الله جل وعلا تمدح بكمال الإنصاف؛ وأنه لا يعذب حتى يقطع حجة المعذب بإنذار الرسل في دار الدنيا، وأشار لأن ذلك الإنصاف الكامل، والإعذار الذي هو قطع العذر علة لعدم التعذيب، فلو عذب إنسانًا واحدًا من غير إنذار لاختلت تلك الحكمة التي تمدح الله بها، ولثبتت لذلك الإنسان الحجة التي أرسل الله الرسل لقطعها؛ كما بينه بقوله: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوأجاب المخالفون عن هذا: بأنه لو سلم أن عدم الإنذار في دار الدنيا علة لعدم التعذيب في الآخرة، وحصلت علة الحكم التي هي عدم الإنذار في الدنيا، مع فقد الحكم الذي هو عدم التعذيب","vol":"3","page":567},{"text":"في الآخرة للنص في الأحاديث على التعذيب فيها؛ فإن وجود علة الحكم فقد الحكم المسمى في اصطلاح أهل الأصول بـ\"النقض\" تخصيص للعلة، بمعنى أنه قصر لها على بعض أفراد معلولها بدليل خارج كتخصيص العام؛ أي: قصره على بعض أفراده بدليل. والخلاف في النقض هل هو إبطال للعلة، أو تخصيص لها معروف في الأصول، وعقد الأقوال في ذلك صاحب \"مراقى السعود\" بقوله في مبحث القوادح:\nمنها وجود الوصف دون الحكم ... سماه بالنقض وعاة العلم\nوالأكثرون عندهم لا يقدح ... بل هو تخصيص وذا مصحح\nوقد روي عن مالك تخصيص ... إن يك الاستنباط لا التنصيص\nوعكس هذا قد رآه البعض ... ومنتقى ذي الاختصار النقض\nإن لم تكن منصوصة بظاهر ... وليس فيما استنبطت بضائر\nإن جا لفقد الشرط أو لما منع ... والوفق في مثل العرايا قد وقع\nفقد أشار في الأبيات إلى خمسة أقوال في النقض: هل هو تخصيص، أو إبطال للعلة، مع التفاصيل التي ذكرها في الأقوال المذكورة.\nواختار بعض المحققين من أهل الأصول: أن تخلف الحكم عن الوصف إن كان لأجل مانع من تأثير العلة، أو لفقد شرط تأثيرها فهو تخصيص للعلة، وإلا فهو نقض وإبطال لها، فالقتل العمد العدوان علة لوجوب القصاص إجماعًا.","vol":"3","page":568},{"text":"فإذا وجد هذا الوصف المركب الذي هو القتل العمد العدوان، ولم يوجد الحكم الذي هو القصاص في قتل الوالد ولده لكون الأبوة مانعًا من تأثير العلة في الحكم = فلا يقال هذه العلة منقوضة؛ لتخلف الحكم عنها في هذه الصورة، بل هي علة منع من تأثيرها مانع، فيخصص تأثيرها بما لم يمنع منه مانع.\nوكذلك من زوج أمته من رجل، وغره فزعم له أنها حرة فولد منها؛ فإن الولد يكون حرًا، مع أن رق الأم علة لرق الولد إجماعًا؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها؛ لأن الغرور مانع، منع من تأثير العلة التي هي رق الأم في الحكم الذي هو رق الولد.\nوكذلك الزنى، فإنه علة للرجم إجماعًا.\nفإذا تخلف شرط تأثير هذه العلة التي هي الزنى في هذا الحكم الذي هو الرجم، ونعني بذلك الشرط الإحصان، فلا يقال: إنها علة منقوضة، بل هي علة تخلف شرط تأثيرها. وأمثال هذا كثيرة جدًا، هكذا قاله بعض المحققين.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر: أن آية \"الحشر\" دليل على أن النقض تخصيص للعلة مطلقًا، والله تعالى أعلم. ونعني بآية \"الحشر\" قوله تعالى في بني النضير: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣)﴾.\nثم بين جل وعلا علة هذا العقاب بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ الآية. وقد يوجد بعض من شاق الله ورسوله، ولم يعذب بمثل العذاب الذي عذب به بنو النضير، مع الاشتراك في العلة التي","vol":"3","page":569},{"text":"هي مشاقة الله ورسوله .. فدل ذلك على أن تخلف الحكم عن العلة في بعض الصور: تخصيص للعلة لا نقض لها. والعلم عند الله تعالى.\nأما مثل بيع التمر اليابس بالرطب في مسألة بيع العرايا، فهو تخصيص للعلة إجماعًا لا نقض لها، كما أشار له في الأبيات بقوله:\n\n• والوفق في مثل العرايا قد وقع*\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الظاهر أن التحقيق في هذه المسألة التي هي: هل يعذر المشركون بالفترة أو لا! هو أنهم معذورون بالفترة في الدنيا، وأن الله يوم القيامة يمتحنهم بنار يأمرهم باقتحامها، فمن اقتحمها دخل الجنة، وهو الذي كان يصدق الرسل لو جاءته في الدنيا، ومن امتنع دخل النار وعذب فيها، وهو الذي كان يكذب الرسل لو جاءته في الدنيا؛ لأن الله يعلم ما كانوا عاملين لو جاءتهم الرسل.\nوإنما قلنا: إن هذا هو التحقيق في هذه المسألة لأمرين:\nالأول: أن هذا ثبت عن رسول الله - ﷺ -، وثبوته عنه نص في محل النزاع، فلا وجه للنزاع ألبتة مع ذلك.\nقال الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها -بعد أن ساق الأحاديث الكثيرة الدالة على عذرهم بالفترة وامتحانهم يوم القيامة رادًا على ابن عبد البر تضعيف أحاديث عذرهم وامتحانهم، بأن الآخرة دار جزاء لا عمل، وأن","vol":"3","page":570},{"text":"التكليف بدخول النار تكليف بما لا يطاق وهو لا يمكن ما نصه-:\nوالجواب عما قال: أن أحاديث هذا الباب منها ما هو صحيح كما قد نص على ذلك كثير من أئمة العلماء، ومنها ما هو حسن، ومنها ما هو ضعيف يتقوى بالصحيح والحسن، وإذا كانت أحاديث الباب الواحد متصلة متعاضدة على هذا النمط، أفادت الحجة عند الناظر فيها.\nوأما قوله: إن الدار الآخرة دار جزاء، فلا شك أنها دار جزاء، ولا ينافي التكليف في عرصاتها قبل دخول الجنة أو النار، كما حكاه الشيخ أبو الحسن الأشعري عن مذهب أهل السنة والجماعة من امتحان الأطفال، وقد قال تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ الآية.\nوقد ثبت في الصحاح وغيرها: \"أن المؤمنين يسجدون لله يوم القيامة، وأن المنافق لا يستطيع ذلك، ويعود ظهره كالصفيحة الواحدة طبقًا واحدًا، كلما أراد السجود خر لقفاه\"؛ وفي الصحيحين في الرجل الذي يكون آخر أهل النار خروجًا منها: \"أن الله يأخذ عهوده ومواثيقه ألا يسأل غير ما هو فيه، ويتكرر ذلك منه، ويقول الله تعالى: يا ابن آدم، ما أغدرك! ثم يأذن له في دخول الجنة\".\nوأما قوله: فكيف يكلفهم الله دخول النار، وليس ذلك في وسعهم؟ فليس هذا بمانع من صحة الحديث؛ فإن الله يأمر العباد يوم القيامة بالجواز على الصراط \"وهو جسر على متن جهنم أحد من السيف وأدق من الشعر، ويمر المؤمنون عليه بحسب أعمالهم، كالبرق، وكالريح، وكأجاويد الخيل والركاب، ومنهم الساعي،","vol":"3","page":571},{"text":"ومنهم الماشي، ومنهم من يحبو حبوًا، ومنهم المكدوس على وجهه في النار\" وليس ما ورد في أولئك بأعظم من هذا، بل هذا أطم وأعظم!.\nوأيضًا: فقد ثبتت السنة بأن الدجال يكون معه جنة ونار، وقد أمر الشارع المؤمنين الذين يدركونه أن يشرب أحدهم من الذي يرى أنه نار فإنه يكون عليه بردًا وسلامًا؛ فهذا نظير ذلك.\nوأيضًا: فإن الله تعالى أمر بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، فقتل بعضهم بعضا حتى قتلوا فيما قيل في غداة واحدة سبعين ألفًا، يقتل الرجل أباه وأخاه، وهم في عماية غمامة أرسلها الله عليهم، وذلك عقوبة لهم على عبادة العجل. وهذا أيضًا شاق على النفوس جدًا لا يتقاصر عما ورد في الحديث المذكور. والله أعلم. انتهى كلام ابن كثير بلفظه.\nوقال ابن كثير رحمه الله تعالى أيضًا قبل هذا الكلام بقليل ما نصه:\nومنهم من ذهب إلى أنهم يمتحنون يوم القيامة في عرصات المحشر، فمن أطاع دخل الجنة، وانكشف علم الله فيه بسابق السعادة، ومن عصى دخل النار داخرًا، وانكشف علم الله فيه بسابق الشقاوة.\nوهذا القول يجمع بين الأدلة كلها، وقد صرحت به الأحاديث المتقدمة المتعاضدة، الشاهد بعضها لبعض.\nوهذا القول هو الذي حكاه الشيخ أبو الحسن على بن إسماعيل","vol":"3","page":572},{"text":"الأشعري عن أهل السنة والجماعة، وهو الذي نصره الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب (الاعتقاد) وكذلك غيره من محققي العلماء والحفاظ والنقاد. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى، وهو واضح جدًا فيما ذكرنا.\nالأمر الثاني: أن الجمع بين الأدلة واجب متى ما أمكن بلا خلاف؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، ولا وجه للجمع بين الأدلة إلا هذا القول بالعذر والامتحان، فمن دخل النار فهو الذي لم يمتثل ما أمر به عند ذلك الامتحان، وتتفق بذلك جميع الأدلة، والعلم عند الله تعالى.\nولا يخفى أن مثل قول ابن عبد البر رحمه الله تعالى: إن الآخرة دار جزاء لا دار عمل = لا يصح أن ترد به النصوص الصحيحة الثابتة عن النبي - ﷺ -، كما أوضحناه في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-753> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾</span>\nفي معنى قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ في هذه الآية الكريمة ثلاثة مذاهب معروفة عند علماء التفسير:\nالأول: وهو الصواب الذي يشهد له القرآن، وعليه جمهور العلماء: أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا﴾ هو الأمر الذي هو ضد النهي، وأن متعلق الأمر محذوف لظهوره. والمعنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ بطاعة الله وتوحيده، وتصديق رسله واتباعهم فيما جاءوا به ﴿فَفَسَقُوا﴾","vol":"3","page":573},{"text":"أي: خرجوا عن طاعة أمر ربهم، وعصوه وكذبوا رسله ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها الوعيد ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ أي: أهلكناها إهلاكًا مستأصلًا. وأكد فعل التدمير بمصدره للمبالغة في شدة الهلاك الواقع بهم.\nوهذا القول الذي هو الحق في هذه الآية تشهد له آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ ..﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا بأنه لا يأمر بالفحشاء دليل واضح على أن قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا﴾ أي: أمرناهم بالطاعة فعصوا، وليس المعنى أمرناهم بالفسق ففسقوا؛ لأن الله لا يأمر بالفحشاء.\nومن الآيات الدالة على هذا قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ فقوله في هذه الآية: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ ..﴾ الآية، لفظ عام في جميع المترفين من جميع القرى أن الرسل أمرتهم بطاعة الله فقالوا لهم: إنا بما أرسلتم به كافرون، وتبجحوا بأموالهم وأولادهم. والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوبهذا التحقيق تعلم: أن ما زعمه الزمخشري في كشافه من أن معنى: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أي: أمرناهم بالفسق ففسقوا، وأن هذا مجاز تنزيلًا لإسباغ النعم عليهم الموجب لبطرهم وكفرهم منزلة الأمر بذلك = كلام كله ظاهر السقوط والبطلان؛ وقد أوضح إبطاله أبو حيان في \"البحر\"، والرازي في تفسيره، مع أنه لا يشك منصف عارف في بطلانه.","vol":"3","page":574},{"text":"وهذا القول الصحيح في الآية جار على الأسلوب العربي المألوف، من قولهم: أمرته فعصاني، أي: أمرته بالطاعة فعصى. وليس المعنى: أمرته بالعصيان كما لا يخفى.\nالقول الثاني في الآية: هو أن الأمر في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا﴾ أمر كوني قدري، أي: قدرنا عليهم ذلك وسخرناهم له؛ لأن كلًا ميسر لما خلق له، والأمر الكوني القدري كقوله: ﴿وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ وقوله: ﴿أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾.\nالقول الثالث في الآية: أن ﴿أَمْرُنَا﴾ بمعنى أكثرنا، أي: أكثرنا مترفيها ففسقوا.\nوقال أبو عبيدة ﴿أَمْرُنَا﴾ بمعنى أكثرنا لغة فصيحة كآمرنا بالمد. ويدل لذلك الحديث الذي أخرجه الإمام أحمد عن سويد بن هبيرة أن النبي - ﷺ - قال: \"خير مال امرئ مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة\".\nقال ابن كثير: قال الإمام أبو عبيد القاسم بن سلام ﵀ في كتابه (الغريب): المأمورة: كثيرة النسل، والسكة: الطريقة المصطفة من النخل، والمأبورة: من التأبير، وهو تعليق طلع الذكر على النخلة لئلا يسقط ثمرها. ومعلوم أن إتيان المأمورة على وزن المفعول يدل على أن أمر بفتح الميم مجردًا عن الزوائد متعد بنفسه إلى المفعول، فيتضح كون أمره بمعنى أكثر. وأنكر غير واحد تعدي أمر الثلاثي بمعنى الإكثار إلى المفعول وقالوا: حديث سويد","vol":"3","page":575},{"text":"ابن هبيرة المذكور من قبيل الازدواج، كقولهم: الغدايا والعشايا، وكحديث \"ارجعن مأزورات غير مأجورات\" لأن الغدايا لا يجوز، وإنما ساغ للازدواج مع العشايا، وكذلك مأزورات بالهمز فهو على غير الأصل؛ لأن المادة من الوزر بالواو. إلا أن الهمز في قوله: \"مأزورات\" للازدواج مع \"مأجورات\". والازدواج يجوز فيه ما لا يجوز في غيره كما هو معلوم. وعليه فقوله: \"مأمورة\" إتباع لقوله: \"مأبورة\" وإن كان مذكورًا قبله للمناسبة بين اللفظين.\nوقال الشيخ أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قوله تعالى: ﴿أَمْرُنَا﴾ قرأ أبو عثمان النهدي، وأبو رجاء، وأبو العالية، والربيع، ومجاهد، والحسن ﴿أَمْرُنَا﴾ بالتشديد. وهي قراءة على ﵁، أي: سلطنا شرارها فعصوا فيها، فإذا فعلوا ذلك أهلكناهم.\nوقال أبو عثمان النهدي: ﴿أَمْرُنَا﴾ بتشديد الميم: جعلناهم أمراء مسلطين.\nوقاله ابن عزيز: وتأمر عليهم تسلط عليهم. وقرأ الحسن أيضًا، وقتادة، وأبو حيوة الشامي، ويعقوب، وخارجة عن نافع، وحماد بن سلمة عن ابن كثير وعلي وابن عباس باختلاف عنهما \"آمرنا\" بالمد والتخفيف، أي: أكثرنا جبابرتها وأمراءها، قاله الكسائي.\nوقال أبو عبيدة: \"آمرته -بالمد- وأمرته لغتان بمعنى أكثرته؛ ومنه الحديث \"خير المال مهرة مأمورة، أو سكة مأبورة\" أي: كثيرة النتاج والنسل. وكذلك قال ابن عزيز: آمرنا وأمرنا بمعنى واحد،","vol":"3","page":576},{"text":"أي: أكثرنا. وعن الحسن أيضًا، ويحيى بن يعمر: أمرنا -بالقصر وكسر الميم- على فعلنا، ورويت عن ابن عباس. قال قتادة والحسن: المعنى أكثرنا، وحكى نحوه أبو زيد وأبو عبيد. وأنكره الكسائي وقال: لا يقال من الكثرة إلا آمرنا بالمد، وأصلها أأمرنا فخفف. حكاه المهدوي.\nوفي الصحاح: قال أبو الحسن: أمر ماله -بالكسر- أي: كثر. وأمر القوم، أي: كثروا، قال الشاعر وهو الأعشى:\nطرفون ولادون كل مبارك ... أمرون لا يرثون سهم القعدد\nوآمر الله ماله -بالمد-. الثعلبي: ويقال للشيء الكثير: أمر، والفعل منه أمر القوم يأمرون أمرًا: إذا كثروا.\nقال ابن مسعود: كنا نقول في الجاهلية للحى إذا كثروا: أمر أمر بني فلان؛ قال لبيد:\nكلُّ بني حُرَّة مصيرُهُمُ ... قُلٌّ وإن أكثرَتْ من العدد\nإن يُغْبَطوا يُهْبَطوا وإن أَمِروا ... يومًا يصيروا للهُلْك والنكدِ\nقلت: وفي حديث هرقل الحديث الصحيح: لقد أَمر أمرُ ابن أبي كبشة، إنه ليخافه ملك بني الأصفر؛ أي: كثر، وكلها غير متعد، ولذلك أنكره الكسائي. والله أعلم.\nقال المهدوي: ومن قرأ أمر فهي لغة. ووجه تعدية أمر أنه شبهه بعمر من حديث كانت الكثرة أقرب شيء إلى العمارة؛ فعدى كما عدى عمر - إلى أن قال: وقيل: أمرناهم جعلناهم أمراء؛ لأن","vol":"3","page":577},{"text":"العرب تقول: أمير غير مأمور، أي: غير مؤمر. وقيل معناه: بعثنا مستكبريها. قال هارون: وهي قراءة أبي: بعثنا أكابر مجرميها ففسقوا فيها. ذكره الماوردي.\nوحكى النحاس: وقال هارون في قراءة أبي: وإذا أردنا أن نهلك قرية بعثنا فيها أكابر مجرميها فمكروا فيها فحق عليها القول اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي.\nوقد علمت أن التحقيق الذي دل عليه القرآن أن معنى الآية: أمرنا مترفيها بالطاعة فعصوا أمرنا؛ فوجب عليهم الوعيد فأهلكناهم كما تقدم إيضاحه.\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن الله أسند الفسق فيها لخصوص المترفين دون غيرهم في قوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ مع أنه ذكر عموم الهلاك للجميع المترفين وغيرهم في قوله: ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا (١٦)﴾ يعني القرية، ولم يستثن منها غير المترفين؟\nوالجواب من وجهين:\nالأول: أن غير المترفين تبع لهم، وإنما خص بالذكر المترفين الذين هم سادتهم وكبراؤهم؛ لأن غيرهم تبع لهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ وكقوله: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ﴾ الآية، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ","vol":"3","page":578},{"text":"أَضَلُّونَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (١٧) ..﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nالوجه الثاني: أن بعضهم إن عصى الله وبغى وطغى، ولم ينههم الآخرون فإن الهلاك يعم الجميع، كما قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾ وفي الصحيح من حديث أم المؤمنين زينب بنت جحش ﵂: أنها لما سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"لا إله إلا الله، ويل للعرب من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل، هذه -وحلق بأصبعه الإبهام والتي تليها-\" قالت له: يا رسول الله، أنهلك وفينا الصالحون؟ قال: \"نعم، إذا كثر الخبث\" وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في سورة المائدة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-754> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أهلك كثيرًا من القرون من بعد نوح؛ لأن لفظة ﴿وَكَمْ﴾ في قوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ خبرية، معناها الإخبار بعدد كثير، وأنه جل وعلا خبير بصير بذنوب عباده. وأكد ذلك بقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ﴾ الآية.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحته آيات أخر من أربع جهات:","vol":"3","page":579},{"text":"الأول: أن في الآية تهديدًا لكفار مكة، وتخويفًا لهم من أن ينزل بهم ما نزل بغيرهم من الأمم التي كذبت رسلها، أي: أهلكنا قرونًا كثيرة من بعد نوح بسبب تكذيبهم الرسل، فلا تكذبوا رسولنا لئلا نفعل بكم مثل ما فعلنا بهم.\nوالآيات التي أوضحت هذا المعنى كثيرة، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وكقوله فيهم أيضًا: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ وقوله بعد ذكره جل وعلا إهلاكه لقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب في سورة الشعراء: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقوله في قوم موسى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٢٦)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَهُمْ خَيْرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالة على تخويفهم بما وقع لمن قبلهم.\nالجهة الثانية: أن هذه القرون تعرضت لبيانها آيات أخر؛ فبينت كيفية إهلاك قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه من قوم موسى، وذلك مذكور في مواضع متعددة معلومة من كتاب الله تعالى، وبين أن تلك القرون كثيرة في قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ وبين في موضع آخر: أن منها ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا، وذلك","vol":"3","page":580},{"text":"في قوله في سورة إبراهيم: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. وبين في موضعين آخرين أن رسلهم منهم من قص خبره على نبينا - ﷺ -، ومنهم من لم يقصصه عليه، وهما قوله في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾ وقوله في سورة المؤمن: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.\nالجهة الثالثة: أن قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ يدل على أن القرون التي كانت بين آدم ونوح أنها على الإسلام، كما قال ابن عباس: كانت بين آدم ونوح عشرة قرون، كلهم على الإسلام. نقله عنه ابن كثير في تفسير هذه الآية.\nوهذا المعنى تدل عليه آيات أخر، كقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾ الآية؛ لأن معنى ذلك على أصح الأقوال أنهم كانوا على طريق الإسلام، حتى وقع ما وقع من قوم نوح من الكفر، فبعث الله النبيين ينهون عن ذلك الكفر، مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار، وأولهم في ذلك نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nويدل على هذا قوله: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وفي أحاديث الشفاعة الثابتة في الصحاح وغيرها أنهم يقولون لنوح: إنه أول رسول بعثه الله لأهل الأرض","vol":"3","page":581},{"text":"كما قدمنا ذلك في سورة البقرة.\nالجهة الرابعة: أن قوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾ فيه أعظم زجر عن ارتكاب ما لا يرضى الله تعالى.\nوالآيات الموضحة لذلك كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ وقوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا هذا المبحث موضحًا في أول سورة هود. ولفظة ﴿وَكَمْ﴾ في هذه الآية الكريمة في محل نصب مفعول به لـ ﴿أَهْلَكْنَا﴾ و﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الْقُرُونِ﴾ بيان لقوله: ﴿وَكَمْ﴾ وتمييز له كما يميز العدد بالجنس. وأما لفظه ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ فالظاهر أنها لابتداء الغاية، وهو الذي اختاره أبو حيان في \"البحر\". وزعم الحوفي أن ﴿مِنْ﴾ الثانية بدل من الأولى، ورده عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-755> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا﴾ أي: عمل لها عملها الذي تنال به، وهو امتثال أمر الله، واجتناب نهيه بإخلاص على الوجه المشروع ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ أي: موحد لله جل وعلا، غير مشرك به ولا كافر به، فإن الله يشكر سعيه، بأن يثيبه الثواب الجزيل عن عمله القليل.","vol":"3","page":582},{"text":"وفي الآية الدليل على أن الأعمال الصالحة لا تقع إلا مع الإيمان بالله؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة؛ لأنه شرط في ذلك قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾.\nوقد أوضح تعالى هذا في آيات كثيرة: كقوله: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾ وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومفهوم هذه الآيات: أن غير المؤمنين إذا أطاع الله بإخلاص لا ينفعه ذلك، لفقد شرط القبول الذي هو الإيمان بالله جل وعلا.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المفهوم في آيات أخر، كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد بين جل وعلا في مواضع آخر: أن عمل الكافر الذي يتقرب به إلى الله يجازى به في الدنيا، ولا حظ له منه في الآخرة؛ كقوِله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي","vol":"3","page":583},{"text":"حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ﴾.\nوثبت عن النبي - ﷺ - نحو ما جاءت به هذه الآيات؛ من انتفاع الكافر بعمله في الدنيا من حديث أنس.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب -واللفظ لزهير- قالا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته ما عمل بها لله في الدنيا، حتى إذا أمضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها\".\nحدثنا عاصم بن النضر التيمي، حدثنا معتمر قال: سمعت أبي، حدثنا قتادة عن أنس بن مالك: أنه حدث عن رسول الله - ﷺ -: \"أن للكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة من الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة، ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته\".\nحدثنا محمد بن عبد الله الرازي، أخبرنا عبد الوهاب بن عطاء، عن سعيد، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - بمثل حديثهما.\nواعلم أن هذا الذي ذكرنا أدلته من الكتاب والسنة من أن الكافر ينتفع بعمله الصالح في الدنيا: كبر الوالدين، وصلة الرحم، وإكرام الضيف والجار، والتنفيس عن المكروب ونحو ذلك، كله","vol":"3","page":584},{"text":"مقيد بمشيئة الله تعالى؛ كما نص على ذلك بقوله: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ..﴾ الآية.\nفهذه الآية الكريمة مقيدة لما ورد من الآيات والأحاديث. وقد تقرر في الأصول أن المقيد يقضي على المطلق، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا. وأشار له في \"مراقي السعود\" بقوله:\nوحمل مطلق على ذاك وجب ... إن فيهما اتحد حكم والسبب\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-756> قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا﴾</span>.\nالظاهر أن الخطاب في هذه الآية الكريمة. متوجه إلى النبي - ﷺ -؛ ليشرع لأمته على لسانه إخلاص التوحيد في العبادة له جل وعلا؛ لأنه - ﷺ - معلوم أنه لا يجعل مع الله إلهًا آخر، وأنه لا يقعد مذمومًا مخذولًا.\nومن الآيات الدالة دلالة واضحة على أنه - ﷺ - يوجه إليه الخطاب، والمراد بذلك التشريع لأمته لا نفس خطابه هو - ﷺ - = قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ لأن معنى قوله: ﴿﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ ..﴾ الآية: أي: إن يبلغ عندك والدك أو أحدهما الكبر فلا تقل لهما أف. ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل ذلك بزمن طويل، فلا وجه لاشتراط بلوغهما أو أحدهما الكبر بعد أن ماتا منذ زمن طويل، إلا أن المراد التشريع لغيره - ﷺ -. ومن أساليب اللغة العربية خطابهم إنسانًا والمراد بالخطاب غيره. ومن الأمثلة السائرة في ذلك قول","vol":"3","page":585},{"text":"الراجز، وهو سهل بن مالك الفزاري:\nإياك أعني واسمعي يا جاره\nوسبب هذا المثل: أنه زار حارثة بن لأم الطائي فوجده غائبًا؛ فأنزلته أخته وأكرمته، وكانت جميلة، فأعجبه جمالها، فقال مخاطبًا لأخرى غيرها ليسمعها هي:\nيا أخت خير البدو والحضاره ... كيف ترين في فتى فزاره\nأصبح يهوى حرة معطاره ... إياك أعني واسمعي يا جاره\nففهمت المرأة مراده، وأجابته بقولها:\nإني أقول يا فتى فزاره ... لا أبتغي الزوج ولا الدعاره\nولا فراق أهل هذه المحاره ... فارحل إلى أهلك باستحاره\nوالظاهر أن قولها: \"باستحارة\" أن أصله استفعال من المحاورة بمعنى رجع الكلام بينهما، أي: ارحل إلى أهلك بالمحاورة التي وقعت بيني وبينك، وهي كلامك وجوابي له، ولا تحصل مني على غير ذلك! والهاء في \"الاستحاره\" عوض من العين الساقطة بالإعلال، كما هو معروف في فن الصرف.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الخطاب في قوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ ونحو ذلك من الآيات = متوجه إلى المكلف.\nومن أساليب اللغة العربية: إفراد الخطاب مع قصد التعميم، كقول طرفة بن العبد في معلقته:","vol":"3","page":586},{"text":"ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nوقال الفراء، والكسائي، والزمخشري: ومعنى قوله: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ أي: تصير. وجعل الفراء منه قول الراجز:\nلا يقنع الجارية الخضاب ... ولا الوشاحان ولا الجلباب\nمن دون أن تلتقى الأركاب ... ويقعد الأير له لعاب\nأي: يصير له لعاب.\nوحكى الكسائي: قعد لا يسأل حاجة إلا قضاها؛ بمعنى صار. قاله أبو حيان في البحر.\nثم قال أيضًا: والقعود هنا عبارة عن المكث، أي؛ فتمكث في الناس مذمومًا مخذولًا، كما تقول لمن سأل عن حال شخص: هو قاعد في أسوأ حال. ومعناه ماكث ومقيم، سواء كان قائمًا أم جالسًا. وقد يراد القعود حقيقة؛ لأن من شأن المذموم المخذول أن يقعد حائرًا متفكرًا، وعبر بغالب حاله وهو القعود. وقيل: معنى: ﴿فَتَقْعُدَ﴾ فتعجز. والعرب تقول: ما أقعدك عن المكارم اهـ محل الغرض من كلام أبي حيان.\nوالمذموم هنا: هو من يلحقه الذم من الله ومن العقلاء من الناس، حيث أشرك بالله ما لا ينفع ولا يضر، ولا يقدر على شيء.\nوالمخذول: هو الذي لا يضره من كان يؤمل منه النصر، ومنه قوله:\nإن المرء ميتًا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا","vol":"3","page":587},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-757> قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾</span>.\nأمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بإخلاص العبادة له وحده، وقرن بذلك الأمر بالإحسان إلى الوالدين.\nوجعله بن الوالدين مقرونًا بعبادته وحده جل وعلا المذكور هنا ذكره في آيات أخر، كقوله في سورة \"النساء\": ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، وقوله في البقرة: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية، وقوله في سورة لقمان: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ وبين في موضع آخر أن برهما لازم ولو كانا مشركين داعيين إلى شركهما، كقوله في \"لقمان\": ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾ وقوله في \"العنكبوت\": ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ ..﴾ الآية.\nوذكره جل وعلا في هذه الآيات: بر الوالدين مقرونًا بتوحيده جل وعلا في عبادته، يدل على شدة تأكد وجوب بر الوالدين. وجاءت عن النبي - ﷺ - في ذلك أحاديث كثيرة.\nوقوله جل وعلا في الآيات المذكورة: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بينه بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا (٢٤)﴾ لأن هذا من الإحسان إليهما المذكور في الآيات. وسيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح معنى","vol":"3","page":588},{"text":"خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة \"الشعراء\" وقد أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في رسالتنا المسماة \"منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز\".\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ معناه: أمر وألزم، وأوجب ووصى ألا تعبدوا إلا إياه.\nوقال الزمخشري: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ﴾ أي: أمر أمرًا مقطوعًا به. واختار أبو حيان في \"البحر المحيط\" أن إعراب قوله: ﴿إِحْسَانًا﴾ أنه مصدر نائب عن فعله؛ فهو بمعنى الأمر، وعطف الأمر المعنوي أو الصريح على النهي معروف؛ كقوله:\nوقوفًا بها صحبى على مطيهم ... يقولون: لا تهلك أسى وتجمل\nوقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ أي: وأحسنوا بالوالدين إحسانًا، أو بأن تحسنوا بالوالدين إحسانًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-758> قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿عَنْهُمُ﴾ راجع إلى المذكورين قبله في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ ..﴾ الآية. ومعنى الآية: إن تعرض عن هؤلاء المذكورين فلم تعطهم شيئًا لأنه ليس عندك. وإعراضك المذكور عنهم ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا﴾ أي: رزق حلال، كالفيء يرزقكه الله فتعطيهم منه ﴿فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾ أي: لينًا لطيفًا طيبًا، كالدعاء لهم بالغنى وسعة الرزق. ووعدهم بأن الله إذا يسر من فضله رزقًا أنك تعطيهم منه.","vol":"3","page":589},{"text":"وهذا تعليم عظيم من الله لنبيه لمكارم الأخلاق، وأنه إن لم يقدر على الإعطاء الجميل فليتجمل في عدم الإعطاء؛ لأن الرد الجميل خير من الإعطاء القبيح.\nوهذا الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، صرح به الله جل وعلا في سورة \"البقرة\" فى قوله: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ وَمَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِنْ صَدَقَةٍ يَتْبَعُهَا أَذًى﴾ الآية. ولقد أجاد من قال:\nإلا تكن ورق يوما أجود بها ... للسائلين فإني لين العود\nلا يعدم السائلون الخير من خلقي ... إما نوالي وإما حسن مردودي\nوالآية الكريمة تشير إلى أنه - ﷺ - لا يعرض عن الإعطاء إلا عند عدم ما يعطي منه، وأن الرزق المنتظر إذا يسره الله فإنه يعطيهم منه، ولا يعرض عنهم. وهذا هو غاية الجود وكرم الأخلاق.\nوقال القرطبي: ﴿قَوْلًا مَيْسُورًا (٢٨)﴾   مفعول بمعنى الفاعل من لفظ اليسر كالميمون.\nوقد علمت مما قررنا أن قوله: ﴿ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾ متعلق بفعل الشرط الذي هو ﴿تُعْرِضَنَّ﴾ لا بجزاء الشرط.\nوأجاز الزمخشري في الكشاف تعلقه بالجزاء وتقديمه عليه. ومعنى ذلك: فقل لهم قولًا ميسورًا ابتغاء رحمة من ربك، أي: يسر عليهم والطف بهم، لابتغائك بذلك رحمة الله. ورد ذلك عليه أبو حيان في \"البحر المحيط\" بأن ما بعد فاء الجواب لا يعمل فيما قبله. قال: لا يجوز في قولك: إن يقم فاضرب خالدًا = أن تقول: إن يقم خالدًا فاضرب. وهذا منصوص عليه - انتهى.","vol":"3","page":590},{"text":"وعن سعيد بن جبير ﵀، أن الضمير في قوله: ﴿وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ﴾ راجع للكفار، أي: إن تعرض عن الكفار ابتغاء رحمة من ربك، أي: نصر لك عليهم، أو هداية من الله لهم. وعلى هذا فالقول الميسور: المداراة باللسان. قاله أبو سليمان الدمشقي، انتهى من البحر. ويسر بالتخفيف يكون لازمًا ومتعديًا، وميسور من المتعدي، تقول: يسرت لك كذا إذا أعددته. قاله أبو حيان أيضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-759> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من قتل مظلومًا فقد جعل الله لوليه سلطانًا، ونهاه عن الإسراف في القتل، ووعده بأنه منصور.\nوالنهي عن الإسراف في القتل هنا شامل ثلاث صور:\nالأولى: أن يقتل اثنين أو أكثر بواحد، كما كانت العرب تفعله في الجاهلية، كقول مهلهل بن ربيعة لما قتل بجير بن الحارث بن عباد في حرب البسوس المشهورة: بؤ بشسع نعل كليب، فغضب الحارث بن عباد، وقال قصيدته المشهورة:\nقربا مربط النعامة مني ... لقحت حرب واتل عن حيال\nقربا مربط النعامة منى ... إن بيع الكرام بالشسع غالي - الخ\nوقال مهلهل أيضًا:\nكل قتيل في كليب غره ... حتى ينال القتل آل مره","vol":"3","page":591},{"text":"ومعلوم أن قتل جماعة بواحد لم يشتركوا في قتله إسراف في القتل داخل في النهي المذكور في الآية الكريمة.\nالثانية: أن يقتل بالقتيل واحدًا فقط ولكنه غير القاتل؛ لأن قتل البريء بذنب غيره إسراف في القتل، منهي عنه في الآية أيضًا.\nالثالثة: أن يقتل نفس القاتل ويمثل به، فإن زيادة المثلة إسراف في القتل أيضًا.\nوهذا هو التحقيق في معنى الآية الكريمة. فما ذكره بعض أهل العلم -ومال إليه الرازي في تفسيره بعض الميل- من أن معنى الآية: فلا يسرف الظالم الجاني في القتل، تخويفًا له من السلطان، والنصر الذي جعله الله لولي المقتول = لا يخفى ضعفه، وأنه لا يلتئم مع قوله بعده: ﴿إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا (٣٣)﴾.\nوهذا السلطان الذي جعله الله لولي المقتول لم يبينه هنا بيانًا مفصلًا، ولكنه أشار في موضعين إلى أن هذا السلطان: هو ما جعله الله من السلطة لولي المقتول على القاتل، من تمكينه من قتله إن أحب. ولا ينافي ذلك أنه إن شاء عفا على الدية أو مجانًا.\nالأول: قول هنا: ﴿فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ﴾ بعد ذكر السلطان المذكور؛ لأن النهي عن الإسراف في القتل مقترنًا بذكر السلطان المذكور يدل على أن السلطان المذكور هو ذلك القتل المنهي عن الإسراف فيه.\nالموضع الثاني: قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى  -إلى قوله-  وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ ..﴾ الآية. فهو يدل","vol":"3","page":592},{"text":"على أن السلطان المذكور هو ما تضمنته آية القصاص هذه، وخير ما يبين به القرآن القرآن.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: يفهم من قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ أن من قتل غير مظلوم ليس لوليه سلطان على قاتله، وهو كذلك؛ لأن من قتل بحق فدمه حلال، ولا سلطان لوليه في قتله، كما قدمنا بذلك حديث ابن مسعود المتفق عليه قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله - ﷺ - إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\" كما تقدم إيضاحه في سورة \"المائدة\".\nوبيان هذا المفهوم في قوله: ﴿مَظْلُومًا﴾ يظهر به بيان المفهوم في قوله أيضًا: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾.\nوأعلم: أنه قد ورد في بعض الأدلة أسباب أخر لإباحة قتل المسلم غير الثلاث المذكورة، على اختلاف في ذلك بين بعض العلماء.\nمن ذلك: المحاربون إذا لم يقتلوا أحدًا؛ عند من يقول بأن الإمام مخير بين الأمور الأربعة المذكورة، في قوله: ﴿أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا ..﴾ الآية، كما تقدم إيضاحه مستوفى في سورة \"المائدة\".\nومن ذلك: قتل الفاعل والمفعول به في فاحشة اللواط، وقد قدمنا الأقوال في ذلك وأدلتها بإيضاح في سورة \"هود\".","vol":"3","page":593},{"text":"وأما قتل الساحر فلا يبعد دخوله في قتل الكافر المذكور في قوله: \"التارك لدينه المفارق للجماعة\" لدلالة القرآن على كفر الساحر في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُر ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾.\nوأما قتل مانع الزكاة: فإنه إن أنكر وجوبها فهو كافر مرتد داخل في \"التارك لدينه المفارق للجماعة\" وأما إن منعها وهو مقر بوجوبها فالذي يجوز فيه: القتال لا القتل، وبين القتال والقتل فرق واضح معروف.\nوأما ما ذكره بعض أهل العلم من: أن من أتى بهيمة يقتل هو وتقتل البهيمة معه لحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوها معه\".\nقال الهيثمي في \"مجمع الزوائد\": رواه أبو يعلى، وفيه محمد بن عمرو بن علقمة، وحديثه حسن، وبقية رجاله ثقات. ورواه ابن ماجه عن طريق داود بن الحصين، عن عكرمة، عن ابن عباس مرفوعًا. وأكثر أهل العلم على أنه لا يقتل؛ لأن حصر ما يباح به دم المسلم في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود المتفق عليه أولى بالتقديم من هذا الحديث، مع التشديد العظيم في الكتاب والسنة في قتل المسلم بغير حق، إلى غير ذلك من المسائل المذكورة في الفروع.","vol":"3","page":594},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحصر في الثلاث المذكورة في حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح لا ينبغي أن يزاد عليه، إلا ما ثبت بوحي ثبوتًا لا مطعن فيه، لقوته. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية: قد جاءت آيات أخر تدل على أن المقتول خطأ لا يدخل في هذا الحكم، كقوله: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا ..﴾ الآية، لما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي - ﷺ - لما قرأها، قال الله: نعم قد فعلت. وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ ثم بين ما يلزم القاتل خطأ بقوله: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا ..﴾ الآية. وقد بين - ﷺ - الدية قدرًا وجنسًا كما هو معلوم في كتب الحديث والفقه كما سيأتي إيضاحه.\nالمسألة الثالثة: يفهم من إطلاق قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا﴾ أن حكم الآية يستوي فيه القتل بمحدد كالسلاح، وبغير محدد كرضخ الرألس بحجر ونحو ذلك؛ لأن الجميع يصدق عليه اسم القتل ظلمًا فيجب القصاص. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايتين.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\": هو مذهب جماهير العلماء.\nوخالف في هذه المسألة الإمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى فقال: لا يجب القصاص إلا في القتل بالمحدد خاصة، سواء كان من حديد، أو حجر، أو خشب، أو فيما كان معروفًا بقتل الناس","vol":"3","page":595},{"text":"كالمنجنيق، والإلقاء في النار.\nواحتج الجمهور على أن القاتل عمدًا بغير المحدد يقتص منه بأدلة:\nالأول: ما ذكرنا في إطلاق النصوص في ذلك.\nالثاني: حديث أنس بن مالك المشهور الذي أخرجه الشيخان، وباقي الجماعة: أن يهوديًا قتل جارية على أوضاح لها، فرضخ رأسها بالحجارة، فاعترف بذلك فقتله رسول الله - ﷺ - بين حجرين، رض رأسه بهما.\nوهذا الحديث المتفق عليه نص صريح صحيح في محل النزاع، تقوم به الحجة على الإمام أبي حنيفة ﵀، ولاسيما على قوله: باستواء دم المسلم والكافر المعصوم الدم كالذمي.\nالثالث: ما أخرجه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه وغيرهما، عن حمل بن مالك من القصاص في القتل بالمسح.\nقال النسائي: أخبرنا يوسف بن سعيد، قال حدثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج، قال أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوسًا يحدث عن ابن عباس، عن عمر ﵁: أنه نشد قضاء رسول الله - ﷺ - في ذلك، فقام حمل بن مالك فقال: كنت بين حجرتي امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى النبي - ﷺ - في جنينها بغرة، وأن تقتل بها.\nوقال أبو داود: حدثنا محمد بن مسعود المصيصي، حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج قال: أخبرني عمرو بن دينار: أنه سمع","vol":"3","page":596},{"text":"طاوسًا عن ابن عباس، عن عمر: أنه سأل في قضية النبي - ﷺ - في ذلك فقام حمل ابن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وجنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في جنينها بغرة، وأن تقتل.\nقال أبو داود: قال النضر بن شميل: المسطح هو الصولج.\nقال أبو داود: وقال أبو عبيد: المسطح عود من أعواد الخباء.\nوقال ابن ماجه: حدثنا أحمد بن سعيد الدارمي،  ثنا أبو عاصم، أخبرني ابن جريج، حدثني عمرو بن دينار: أنه سمع طاوسًا، عن ابن عباس، عن عمر بن الخطاب أنه نشد الناس قضاء النبي - ﷺ - في ذلك (يعني في الجنين) فقام حمل بن مالك بن النابغة فقال: كنت بين امرأتين لي، فضربت إحداهما الأخرى بمسطح فقتلتها وقتلت جنينها، فقضى رسول الله - ﷺ - في الجنين بغرة عبد، وأن تقتل بها. انتهى من السنن الثلاث بألفاظها.\nولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح، فرواية أبي داود، عن محمد بن مسعود المصيصي، وهو ابن مسعود بن يوسف النيسابوري، ويقال له: المصيصي أبو جعفر العجمي نزيل طرسوس والمصيصة، وهو ثقة عارف، ورواية ابن ماجه عن أحمد بن سعيد الدارمي، وهو ابن سعيد بن صخر الدارمي أبو جعفر، وهو ثقة حافظ، وكلاهما (أعني محمد بن مسعود المذكور عند أبي داود، وأحمد ابن سعيد المذكور عند ابن ماجه) روى هذا الحديث عن أبي عاصم، وهو الضحاك بن مخلد بن الضحاك بن مسلم الشيباني، وهو أبو عاصم النبيل، وهو ثقة ثبت، والضحاك رواه عن ابن","vol":"3","page":597},{"text":"جريج، وهو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وهو ثقة فقيه فاضل، وكان يدلس ويرسل، إلا أن هذا الحديث صرح فيه بالتحديث والإخبار عن عمرو بن دينار، وهو ثقة ثبت، عن طاوس، وهو ثقة فقيه فاضل، عن ابن عباس، عن حمل، عن النبي - ﷺ -.\nوأما رواية النسائي فهي عن يوسف بن سعيد، وهو ابن سعيد بن مسلم المصيصي، ثقة حافظ، عن حجاج بن محمد، وهو ابن محمد المصيصي الأعور أبو محمد الترمذي الأصل نزيل بغداد ثم المصيصة، ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، عن ابن جريج، إلى آخر السند المذكور عند أبي داود وابن ماجه.\nوهذا الحديث لم يخلط فيه حجاج المذكور في روايته له عن ابن جريج، بدليل رواية أبي عاصم له عند أبي داود وابن ماجه، عن ابن جريج كرواية حجاج المذكور عند النسائي، وأبو عاصم ثقة ثبت. ورواه البيهقي، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج.\nوجزم بصحة هذا الإسناد ابن حجر في الإصابة في ترجمة حمل المذكور.\nوقال البيهقي في \"السنن الكبرى\" في هذا الحديث: وهذا إسناد صحيح. وفيما ذكر أبو عيسى الترمذي في كتاب \"العلل\" قال: سألت محمدًا (يعني البخاري) عن هذا الحديث فقال: هذا حديث صحيح، رواه ابن جريج، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس. وابن جريج حافظ اهـ.","vol":"3","page":598},{"text":"فهذا الحديث نص قوي في القصاص في القتل بغير المحدد؛ لأن المسطح عمود.\nقال الجوهري في صحاحه: والمسطح أيضًا عمود الخباء. قال الشاعر وهو مالك بن عوف النصري:\nتعرض ضيطار وخزاعة دوينا ... وما خير ضيطار يقلب مسطحا\nيقول: تعرض لنا هؤلاء القوم ليقاتلونا وليسوا بشيء؛ لأنهم لا سلاح معهم سوى المسطح والضيطار، هو الرجل الضخم الذي لا غناء عنده.\nالرابع: ظواهر آيات من كتاب الله تدل على القصاص في القتل بغير المحدد، كقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ وقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ الآية.\nوفي الموطأ ما نصه: وحدثني يحيى عن مالك، عن عمر بن حسين مولى عائشة بنت قدامة: أن عبد الملك بن مروان أقاد ولي رجل عن رجل قتله بعصًا، فقتله وليه بعصا.\nقال مالك: والأمر المجتمع عليه الذي لا اختلاف فيه عندنا: أن الرجل إذا ضرب الرجل أو رماه بحجر، أو ضربه عمدًا فمات من ذلك، فإن هذا هو العمد وفيه القصاص. قال مالك: فقتل العمد عندنا أن يعمد الرجل إلى الرجل فيضربه حتى تفيض نفسه اهـ.","vol":"3","page":599},{"text":"وقد قدمنا أن هذا القول بالقصاص في القتل بالمثقل هو الذي عليه جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة، والنخعي، والزهري، وابن سيرين، وحماد، وعمرو بن دينار، وابن أبي ليلى، وإسحاق، وأبو يوسف، ومحمد. نقله عنهم ابن قدامة في المغني.\nوخالف في ذلك أبو حنيفة، والحسن، والشعبي، وابن المسيب، وعطاء، وطاوس ﵏ فقالوا: لا قصاص في القتل بالمثقل. واحتج لهم بأدلة:\nمنها: أن القصاص يشترط له العمد، والعمد من أفعال القلوب، ولا يعلم إلا بالقرائن الجازمة الدالة عليه، فإن كان القتل بآلة القتل كالمحدد، علم أنه عامد قتله، وإن كان بغير ذلك لم يعلم عمده للقتل، لاحتمال قصده أن يشجه أو يؤلمه من غير قصد قتله فيئول إلى شبه العمد.\nومنها: ما رواه الشيخان وغيرهما من حديث أبي هريرة ﵁ قال: \"قضى رسول الله - ﷺ - في جنين امرأة من بني لحيان سقط ميتًا بغرة عبد أو أمة، ثم إن المرأة التي قضى عليها بالغرة توفيت، فقضى رسول الله - ﷺ - بأن ميراثها لبنيها وزوجها، وأن العقل على عصبتها\".\nوفي رواية \"اقتتلت امرأتان من هذيل، فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى رسول الله - ﷺ - فقضى أن دية جنينها غرة عبد أو وليدة، وقضى بدية المرأة على عاقلتها\".\nقالوا: فهذا حديث متفق عليه، يدل على عدم القصاص في","vol":"3","page":600},{"text":"القتل بغير المحدد؛ لأن روايات هذا الحديث تدل على القتل بغير محدد؛ لأن في بعضها أنها قتلتها بعمود، وفي بعضها أنها قتلتها بحجر.\nومنها: ما روي عن النعمان بن بشير، وأبي هريرة، وعلي، وأبي بكرة ﵃ مرفوعًا: أن النبي - ﷺ - قال: \"لا قود إلا بحديدة\" وفي بعض رواياته \"كل شيء خطأ إلا السيف، ولكل خطأ أرش\".\nوقد حاول بعض من نصر هذا القول من الحنفية رد حجج مخالفيهم؛ فزعم أن رض النبي - ﷺ - رأس اليهودي بين حجرين إنما وقع بمجرد دعوى الجارية التي قتلها، وأن ذلك دليل على أنه كان معروفًا بالإفساد في الأرض؛ ولذلك فعل به - ﷺ - ما فعل.\nورد رواية ابن جريج عن طاوس عن ابن عباس المتقدمة = بأنها مخالفة للروايات الثابتة في صحيح البخاري ومسلم وغيرهما: أن النبي - ﷺ - قضى بالدية على عاقلة المرأة لا بالقصاص.\nقال البيهقي في (السنن الكبرى) بعد أن ذكر صحة إسناد الحديث عن ابن عباس بالقصاص من المرأة التي قتلت بمسطح كما تقدم ما نصه: إلا أن في لفظ الحديث زيادة لم أرها في شيء من طرق هذا الحديث، وهي قتل المرأة بالمرأة. وفي حديث عكرمة عن ابن عباس موصولًا، وحديث ابن طاوس عن أبيه مرسلًا، وحديث جابر وأبي هريرة موصولًا ثابتًا = أنه قضى بديتها على العاقلة. انتهى محل الغرض من كلام البيهقي بلفظه.","vol":"3","page":601},{"text":"وذكر البيهقي أيضًا: أن عمرو بن دينار روجع في هذا الحديث بأن ابن طاوس رواه عن أبيه على خلاف رواية عمرو، فقال للذي راجعه: شككتني.\nوأجيب من قبل الجمهور عن هذه الاحتجاجات: بأن رضه رأس اليهودي قصاص؛ ففي رواية ثابتة في الصحيحين وغيرهما: أن النبي لم يقتله حتى اعترف بأنه قتل الجارية؛ فهو قتل قصاص باعتراف القاتل، وهو نص متفق عليه، صريح في محل النزاع، ولاسيما عند من يقول باستواء دم المسلم والكافر كالذمي، كأبي حنيفة ﵀.\nوأجابوا عن كون العمد من أفعال القلوب، وأنه لا يعلم كونه عامدًا إلا إذا ضرب بالآلة المعهودة للقتل = بأن المثقل كالعمود والصخرة الكبيرة من آلات القتل كالسيف؛ لأن المشدوخ رأسه بعمود أو صخرة كبيرة يموت من ذلك حالًا عادة كما يموت المضروب بالسيف؛ وذلك يكفي من القرينة على قصد القتل.\nوأجابوا عما ثبت من قضاء النبي - ﷺ - على عاقلة المرأة القاتلة بعمود أو حجر بالدية = من ثلاثة أوجه:\nالأول: أنه معارض بالرواية الصحيحة التي قدمناها عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه من حديث حمل بن مالك وهو كصاحب القصة؛ لأن القاتلة والمقتولة زوجتاه = من كونه - ﷺ - قضى فيها بالقصاص لا بالدية.\nالثاني: ما ذكره النووي في شرح مسلم وغيره قال: وهذا","vol":"3","page":602},{"text":"محمول على حجر صغير وعمود صغير لا يقصد به القتل غالبًا، فيكون شبه عمد تجب فيه الدية على العاقلة، ولا يجب فيه قصاص ولا دية على الجاني. وهذا مذهب الشافعي والجماهير اهـ كلام النووي ﵀.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا الجواب غير وجيه عندي؛ لأن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح: أنها قتلت بعمود فسطاط، وحمله على الصغير الذي لا يقتل غالبًا بعيد.\nالثالث: هو ما ذكره ابن حجر في \"فتح الباري\" من أن مثل هذه المرأة لا تقصد غالبًا قتل الأخرى، قال ما نصه:\nوأجاب من قاله به -يعني القصاص في القتل بالمثقل- بأن عمود الفسطاط يختلف بالكبر والصغر، بحيث يقتل بعضه غالبًا، ولا يقتل بعضه غالبًا، وطرد المماثلة في القصاص إنما يشرع فيما إذا وقعت الجناية بما يقتل غالبًا.\nوفي هذا الجواب نظر: فإن الذي يظهر أنه إنما لم يجب فيه القود لأنها لم يقصد مثلها، وشرط القود العمد، وهذا إنما هو شبه العمد، فلا حجة فيه للقتل بالمثقل ولا عكسه. انتهى كلام ابن حجر بلفظه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والدليل القاطع على أن قتل هذه المرأة لضرتها خطأ في القتل، شبه عمد؛ لقصد الضرب دون القتل بما لا يقتل غالبًا = تصريح الروايات المتفق عليها: بأنه - ﷺ - جعل الدية على العاقلة، والعاقلة لا تحمل العمد بإجماع المسلمين.","vol":"3","page":603},{"text":"وأجابوا عن حديث \"لا قود إلا بحديدة\" بأنه لم يثبت.\nقال البيهقي في \"السنن الكبرى\" بعد أن ساق طرقه عن النعمان بن بشير، وأبي بكرة، وأبي هريرة، وعلي ﵃ ما نصه: وهذا الحديث لم يثبت له إسناد، معلى بن هلال الطحان متروك، وسليمان بن أرقم ضعيف، ومبارك بن فضالة لا يحتج به، وجابر بن يزيد الجعفي مطعون فيه اهـ.\nوقال ابن حجر \"في فتح الباري في باب إذا قتل بحجر أو عصا\" ما نصه: وخالف الكوفيون فاحتجوا بحديث \"لا قود إلا بالسيف\" وهو حديث ضعيف أخرجه البزار، وابن عدي من حديث أبي بكرة. وذكر البزار الاختلاف فيه مع ضعف إسناده؛ وقال ابن عدي: طرقه كلها ضعيفة. وعلى تقدير ثبوته فإنه على خلاف قاعدتهم في: أن السنة لا تنسخ الكتاب ولا تخصصه.\nواحتجوا أيضًا بالنهي عن المثلة، وهو صحيح، ولكنه محمول عند الجمهور على غير المثلة في القصاص جمعًا بين الدليلين. انتهى الغرض من كلام ابن حجر بلفظه.\nوقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في \"نيل الأوطار\" ما نصه: وذهبت العترة والكوفيون، ومنهم أبو حنيفة وأصحابه: إلى أن الاقتصاص لا يكون إلا بالسيف.\nواستدلوا بحديث النعمان بن بشير عند ابن ماجه، والبزار، والطحاوي، والطبراني، والبيهقي، بألفاظ مختلفة منها \"لا قود إلا بالسيف\" وأخرجه ابن ماجه أيضًا، والبزار، والبيهقي، من حديث","vol":"3","page":604},{"text":"أبي بكرة، وأخرجه الدارقطني، والبيهقي، من حديث أبي هريرة، وأخرجه الدارقطني من حديث على، وأخرجه البيهقي، والطبراني من حديث ابن مسعود، وأخرجه ابن أبي شيبة عن الحسن مرسلًا.\nوهذه الطرق كلها لا تخلو واحدة منها من ضعيف أو متروك، حتى قال أبو حاتم: حديث منكر. وقال عبد الحق وابن الجوزي: طرقه كلها ضعيفة. وقال البيهقي: لم يثبت له إسناد، انتهى محل الغرض من كلام الشوكاني رحمه الله تعالى.\nولا شك في ضعف هذا الحديث عند أهل العلم بالحديث. وقد حاول الشيخ ابن التركماني تقويته في \"حاشيته على سنن البيهقي\" بدعوى تقوية جابر بن يزيد الجعفي، ومبارك بن فضالة، مع أن جابرًا ضعيف رافضي، ومبارك يدلس تدليس التسوية.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي: هو القصاص مطلقًا في القتل عمدًا بمثقل كان أو بمحدد، لما ذكرنا من الأدلة، ولقوله جل وعلا: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ..﴾ الآية؛ لأن القاتل بعمود أو صخرة كبيرة إذا علم أنه لا يقتص منه جرأه ذلك على القتل، فتنتفي بذلك الحكمة المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ ..﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: جمهور العلماء على أن السلطان الذي جعله الله في هذه الآية لولي المقتول ظلما يستلزم الخيار بين ثلاثة أشياء: وهي القصاص، والعفو على الدية جبرًا على الجاني، والعفو مجانًا في غير مقابل، وهو أحد قولي الشافعي.","vol":"3","page":605},{"text":"قال النووي في شرح مسلم: وبه قال سعيد بن المسيب، وابن سيرين، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور. وعزاه ابن حجر في الفتح إلى الجمهور.\nوخالف في ذلك مالك، وأبو حنيفة، والثوري ﵏ فقالوا: ليس للولي إلا القصاص، أو العفو مجانًا؛ فلو عفا على الدية، وقال الجاني: لا أرضى إلا القتل، أو العفو مجانًا ولا أرضى الدية؛ فليس لولي المقتول إلزامه الدية جبرًا.\nواعلم أن الذين قالوا: إن الخيار للولي بين القصاص والدية اختلفوا في عين ما يوجبه القتل عمدًا إلى قولين:\nأحدهما: أنه القود فقط؛ وعليه فالدية بدل منه.\nوالثاني: أنه أحد شيئين: هما القصاص والدية.\nوتظهر ثمرة هذا الخلاف فيما لو عفا عن الجاني عفوًا مطلقًا، لم يصرح فيه بإرادة الدية ولا العفو عنها، فعلى أن الواجب عينا القصاص فإن الدية تسقط بالعفو المطلق، وعلى أن الواجب أحد الأمرين فإن الدية تلزم مع العفو المطلق. أما لو عفا على الدية فهي لازمة، ولو لم يرض الجاني عند أهل هذا القول. والخلاف المذكور روايتان عن الشافعي، وأحمد رحمهما الله.\nواحتج من قال: بأن الخيار بين القصاص والدية لولي المقتول بقوله - ﷺ -: \"من قتل له قتيل فهو بخير النظرين، إما أن يفدى، وأما أن يقتل\" أخرجه الشيخان، والإمام أحمد، وأصحاب السنن من حديث أبي هريرة ﵁؛ لكن لفظ الترمذي:","vol":"3","page":606},{"text":"\"إما أن يقتل وإما أن يعفو\" ومعنى \"يفدى\" في بعض الروايات، \"ويودي\" في بعضها: يأخذ الفداء بمعنى الدية. وقوله: \"يقتل\" بالبناء للفاعل، أي: يقتل قاتل وليه. قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه نص في محل النزاع، مصرح بأن ولي المقتول مخير بين القصاص وأخذ الدية، وأن له إجبار الجاني على أي الأمرين شاء. وهذا الدليل قوي دلالة ومتنًا كما ترى.\nواحتجوا أيضًا بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ قالوا: إن الله جل وعلا رتب الاتباع بالدية بالفاء على العفو في قوله: ﴿فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ ..﴾ الآية؛ وذلك دليل واضح على أنه بمجرد العفو تلزم الدية، وهو دليل قرآني قوي أيضًا.\nواحتج بعض العلماء للمخالفين في هذا؛ كمالك وأبي حنيفة رحمهما الله بأدلة؛ منها ما قاله الطحاوي. وهو أن الحجة لهم حديث أنس في قصة الربيع عمته فقال النبي - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\" فإنه حكم بالقصاص ولم يخير، ولو كان الخيار للولي لأعلمهم النبي - ﷺ -؛ إذ لا يجوز للحاكم أن يتحكم لمن ثبت له أحد شيئين بأحدهما من قبل أن يُعلمه بأن الحق له في أحدهما، فلما حكم بالقصاص وجب أن يحمل عليه قوله: \"فهو بخير النظرين\" أي: ولي المقتول مخير بشرط أن يرضى الجاني أن يغرم الدية اهـ.\nوتعقب ابن حجر في \"فتح الباري\" احتجاج الطحاوي هذا بما نصه: وتعقب بأن قوله - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\" إنما وقع عند","vol":"3","page":607},{"text":"طلب أولياء المجني عليه في العمد القود؛ فاعلم أن كتاب الله نزل على أن المجني عليه إذا طلب القود أجيب إليه، وليس فيما ادعاه من تأخير البيان.\nالثاني: ما ذكره الطحاوي أيضًا: من أنهم أجمعوا على أن الولي لو قال للقاتل: رضيت أن تعطيني كذا على ألا أقتلك = أن القاتل لا يجبر على ذلك، ولا يؤخذ منه كرهًا، وإن كان يجب عليه أن يحقن دم نفسه.\nالثالث: أن قوله - ﷺ - في الحديث المذكور \"فهو بخير النظرين .. \" الحديث جار مجرى الغالب فلا مفهوم مخالفة له. وقد تقرر في الأصول: أن النص إذا جرى على الغالب لا يكون له مفهوم مخالفة لاحتمال قصد نفس الأغلبية دون قصد إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ولذا لم يعتبر جمهور العلماء مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ ..﴾ الآية؛ لجريه على الغالب، وقد ذكرنا هذه المسألة في هذا الكتاب المبارك مرارًا.\nوإيضاح ذلك في الحديث: أن مفهوم قوله \"فهو بخير النظرين\" أن الجاني لو امتنع من قبول الدية، وقدم نفسه للقتل ممتنعًا من إعطاء الدية = أنه يجبر على إعطائها؛ لأن هذا أحد النظرين اللذين خير الشارع ولي المقتول بينهما. والغالب أن الإنسان يقدم نفسه على ماله فيفتدي بماله من القتل. وجريان الحديث على هذا الأمر الغالب يمنع من اعتبار مفهوم مخالفته كما ذكره أهل الأصول، وعقده في \"مراقي السعود\" بقوله في موانع","vol":"3","page":608},{"text":"اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nومحل الشاهد قوله \"أو جرى على الذي غلب\" إلى غير ذلك من الأدلة التي احتجوا بها.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة: أن ولي المقتول هو المخير بين الأمرين، فلو أراد الدية وامتنع الجاني فله إجباره على دفعها؛ لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك، ودلالة الآية المتقدمة عليه، ولأن الله يقول: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ..﴾ الآية، ويقول: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾.\nومن الأمر الواضح أنه إذا أراد إهلاك نفسه صونًا لماله للوارث = أن الشارع يمنعه من هذا التصرف الزائغ عن طريق الصواب، ويجبره على صون دمه بماله.\nوما احتج به الطحاوي من الإجماع على أنه لو قال له: أعطني كذا على ألا أقتلك لا يجبر على ذلك.\nويجاب عنه بأنه لو قال: أعطني الدية المقررة في قتل العمد فإنه يجبر على ذلك، لنص الحديث، والآية المذكورين.\nولو قال له: أعطني كذا غير الدية لم يجبر؛ لأنه طلب غير الشيء الذي أوجبه الشارع، والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: جمهور العلماء على أن القتل له ثلاث حالات:","vol":"3","page":609},{"text":"الأولى: العمد، وهو الذي فيه السلطان المذكور في الآية كما قدمنا.\nوالثانية: شبه العمد. والثالثة: الخطأ.\nوممن قال بهذا: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، وأحمد، والشافعي. ونقله في المغني عن عمر، وعلي ﵄، والشعبي والنخعي، وقتادة، وحماد، وأهل العراق، والثوري، وغيرهم.\nوخالف الجمهور مالك ﵀ فقال: القتل له حالتان فقط. الأولى: العمد. والثانية: الخطأ. وما يسميه غيره شبه العمد جعله من العمد.\nواستدل ﵀ بأن الله لم يجعل في كتابه العزيز واسطة بين العمد والخطأ؛ بل ظاهر القرآن أنه لا واسطة بينهما، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ ..﴾ الآية، ثم قال في العمد: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ ..﴾ الآية، فلم يجعل بين الخطأ والعمد واسطة، وكقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ..﴾ الآية، فلم يجعل فيها بين الخطأ والعمد واسطة وإن كانت في غير القتل.\nواحتج الجمهور على أن هناك واسطة بين الخطأ المحض، والعمد المحض، تسمى خطأ شبه عمد بأمرين:\nالأول: أن هذا هو عين الواقع في نفس الأمر؛ لأن من","vol":"3","page":610},{"text":"ضرب بعصا صغيرة أو حجر صغير لا يحصل به القتل غالبًا، وهو قاصد للضرب معتقدًا أن المضروب لا يقتله ذلك الضرب، ففعله هذا شبه العمد من جهة قصده أصل الضرب، وهو خطأ في القتل؛ لأنه ما كان يقصد القتل، بل وقع القتل من غير قصده إياه.\nوالثاني: حديث دل على ذلك، وهو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا سليمان بن حرب، ومسدد المعنى قالا: حدثنا حماد، عن خالد، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - -قال مسدد: خطب يوم الفتح بمكة، فكبر ثلاثًا، ثم قال: \"لا إله إلا الله وحده، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده (إلى هاهنا حفظته عن مسدد، ثم اتفقا) - ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية تذكر وتدعى من دم أو مال تحت قدمي إلا ما كان من سقاية الحاج، أو سدانة البيت، ثم قال: ألا إن دية الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل، منها أربعون في بطونها أولادها\" وحديث مسدد أتم.\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، عن خالد بهذا الإسناد نحو معناه.\nحدثنا مسدد، حدثنا عبد الوارث، عن على بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ - بمعناه قال: خطب رسول الله - ﷺ - يوم الفتح -أو فتح مكة- على درجة البيت أو الكعبة.\nقال أبو داود: كذا رواه ابن عيينة أيضًا، عن على بن زيد، عن القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر، عن النبي - ﷺ -.","vol":"3","page":611},{"text":"ورواه أيوب السختياني، عن القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو مثل حديث خالد، ورواه حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن يعقوب الدوسي، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - اهـ. محل الغرض من سنن أبي داود.\nوأخرج النسائي نحوه، وذكر الاختلاف على أيوب في حديث القاسم بن ربيعة فيه، وذكر الاختلاف على خالد الحذاء فيه، وأطال الكلام في ذلك. وقد تركنا لفظ كلامه لطوله.\nوقال ابن ماجه ﵀ في سننه: حدثنا محمد بن بشار. حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، ومحمد بن جعفر، قالا: حدثنا شعبة، عن أيوب، سمعت القاسم بن ربيعة، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - قال: \"قتيل الخطإ شبه العمد قتيل السوط والعصا مائة من الإبل: أربعون منها خلفة في بطونها أولادها\".\nحدثنا محمد بن يحيى، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة، عن عقبة بن أوس، عن عبد الله بن عمرو، عن النبي - ﷺ - نحوه.\nحدثنا عبد الله بن محمد الزهري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن ابن جدعان، سمعه من القاسم بن ربيعة، عن ابن عمر أن رسول الله - ﷺ - قال يوم فتح مكة وهو على درج الكعبة، فحمد الله وأثنى عليه فقال: \"الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا إن قتيل الخطإ قتيل السوط والعصا فيه مائة من الإبل: منها أربعون خلفة في بطونها أولادها\".\nوساق البيهقي ﵀ طرق هذا الحديث، وقال بعد أن","vol":"3","page":612},{"text":"ذكر الرواية عن ابن عمر التي في إسنادها على بن زيد بن جدعان: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت محمد بن إسماعيل السكري يقول: سمعت محمد بن إسحاق بن خزيمة يقول: حضرت مجلس المزني يومًا وسأله سائل من العراقيين عن شبه العمد .. فقال السائل: إن الله ﵎ وصف القتل في كتابه صفتين: عمدًا وخطأ، فلم قلتم: إنه على ثلاث أصناف؟ ولم قلتم: شبه العمد؟.\nفاحتج المزني بهذا الحديث فقال له مناظره: أتحتج بعلي بن زيد بن جدعان؟ فسكت المزني، فقلت لمناظره: قد روى هذا الخبر غير على بن زيد، فقال: ومن رواه غير على؟ قلت: رواه أيوب السختياني وخالد الحذاء. قال لي: فمن عقبة بن أوس؟ فقلت: عقبة بن أوس رجل من أهل البصرة، وقد رواه عنه محمد ابن سيرين مع جلالته. فقال للمزني: أنت تناظر! أو هذا؟ فقال: إذا جاء الحديث فهو يناظر؛ لأنه أعلم بالحديث مني، ثم أتكلم أنا اهـ ثم شرع البيهقي يسوق من طرق الحديث المذكور.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأسانيد أن الحديث ثابت من عبد الله بن عمرو بن العاص، وأن الرواية عن ابن عُمر وهم، وآفتها من على بن زيد بن جدعان؛ لأنه ضعيف.\nوالمعروف في علوم الحديث: أن الحديث إذا جاء صحيحًا من وجه لا يعل بإتيانه من وجه آخر غير صحيح.\nوالقصة التي ذكرها البيهقي في مناظرة محمد بن إسحاق بن خزيمة للعراقي الذي ناظر المزني، تدل على صحة الاحتجاج","vol":"3","page":613},{"text":"بالحديث المذكور عند ابن خزيمة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إذا عرفت الاختلاف بين العلماء في حالات القتل: هل هي ثلاث، أو اثنتان؟ وعرفت حجج الفريقين = فاعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه ما ذهب إليه الجمهور من أنها ثلاث حالات: عمد محض، وخطأ محض، وشبه عمد؛ لدلالة الحديث الذي ذكرنا على ذلك، ولأنه ذهب إليه الجمهور من علماء المسلمين. والحديث إنما أثبت شيئًا سكت عنه القرآن، فغاية ما في الباب زيادة أمر سكت عنه القرآن بالنسبة، وذلك لا إشكال فيه على الجاري على أصول الأئمة إلا أبا حنيفة ﵀؛ لأن المقرر في أصوله أن الزيادة على النص نسخ، وأن المتواتر لا ينسخ بالآحاد، كما تقدم إيضاحه في سورة \"الأنعام\". ولكن الإمام أبا حنيفة ﵀ وافق الجمهور في هذه المسألة، خلافًا لمالك كما تقدم.\nفإذا تقرر ما ذكرنا من أن حالات القتل ثلاث = فاعلم أن العمد المحض فيه القصاص، وقد قدمنا حكم العفو فيه، والخطأ شبه العمد، والخطأ المحض فيهما الدية على العاقلة.\nواختلف العلماء في أسنان الدية فيهما. وسنبين إن شاء الله تعالى مقادير الدية في العمد المحض إذا وقع العفو على الدية، وفي شبه العمد، وفي الخطإ المحض.\nاعلم أن الجمهور على أن الدية في العمد المحض، وشبه العمد سواء. واختلفوا في أسنانها فيهما، فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تكون أرباعًا: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس","vol":"3","page":614},{"text":"وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.\nوهذا هو مذهب مالك وأبي حنيفة، والرواية المشهورة عن أحمد، وهو قول الزهري، وربيعة، وسليمان بن يسار، ويروى عن ابن مسعود، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني.\nوذهبت جماعة أخرى إلى أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون في بطونها أولادها.\nوهذا مذهب الشافعي، وبه قال عطاء، ومحمد بن الحسن، وروي عن عمر، وزيد، وأبي موسى، والمغيرة. ورواه جماعة عن الإمام أحمد.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول هو الذي يقتضي الدليل رجحانه، لما تقدم في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه: من أن النبي - ﷺ - قال: \"منها أربعون خلفة في بطونها أولادها، وبعض طرقه صحيح كما تقدم.\nوقال البيهقي في بيان الستين التي لم يتعرض لها هذا الحديث: (باب صفة الستين التي مع الأربعين)، ثم ساق أسانيده عن عمر، وزيد بن ثابت، والمغيرة بن شعبة، وأبي موسى الأشعري، وعثمان بن عفان، وعلي في إحدى روايتيه عنه أنها ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة.\nوقال ابن قدامة في المغني مستدلًا لهذا القول: ودليله هو ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قال:","vol":"3","page":615},{"text":"\"من قتل متعمدًا دفع إلى أولياء المقتول فإن شاءوا قتلوه، وإن شاءوا أخذوا الدية وهي ثلاثون حقة، وثلاثون جذعة، وأربعون خلفة، وما صولحوا عليه فهو لهم\" وذلك لتشديد القتل. رواه الترمذي وقال: هو حديث حسن غريب اهـ محل الغرض منه بلفظه، ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو بن العاص الذي قدمنا.\nثم قال مستدلًا للقول الأول: ووجه الأول ما روى الزهري عن السائب بن يزيد قال: كانت الدية على عهد رسول الله - ﷺ - أرباعًا: خمسًا وعشرين جذعة، وخمسًا وعشرين حقة، وخمسًا وعشرين بنت لبون، وخمسًا وعشرين بنت مخاض\" وهو قول ابن مسعود اهـ منه.\nوفي الموطإ عن مالك: أن ابن شهاب كان يقول في دية العمد إذا قبلت: خمس وعشرون بنت مخاض، وخمس وعشرون بنت لبون، وخمس وعشرون حقة، وخمس وعشرون جذعة.\nوقد قدمنا: أن دية العمد، ودية شبه العمد سواء عند الجمهور.\nوفي دية شبه العمد للعلماء أقوال غير ما ذكرنا، منها ما رواه البيهقي، وأبو داود عن على ﵁ أنه قال: الدية في شبه العمد أثلاث: ثلاث وثلاثون حقة، وثلاث وثلاثون جذعة، وأربع وثلاثون ثنية إلى بازل عامها، وكلها خلفة.\nومنها ما رواه البيهقي وغيره عن ابن مسعود أيضًا: أنها أرباع: ربع بنات لبون، وربع حقاق، وربع جذاع وربع ثنية إلى بازل عامها.","vol":"3","page":616},{"text":"هذا حاصل أقوال أهل العلم في دية العمد، وشبه العمد.\nوأولى الأقوال وأرجحها: ما دلت عليه السنة، وهو ما قدمنا من كونها ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها.\nوقد قال البيهقي ﵀ في السنن الكبرى بعد أن ساق الأقوال المذكورة ما نصه: قد اختلفوا هذا الاختلاف، وقول من يوافق سنة النبي - ﷺ - المذكورة في الباب قبله أولى بالاتباع، وبالله التوفيق.\nتنبيه\nاعلم أنَّ الدية في العمد المحض إذا عفا أولياء المقتول: إنما هي في مال الجاني، ولا تحملها العاقلة إجماعًا.\nوأظهر القولين: أنها حالة غير منجمة في سنين، وهو قول جمهور أهل العلم. وقيل بتنجيمها.\nوعند أبي حنيفة أن العمد ليس فيه دية مقررة أصلًا، بل الواجب فيه ما اتفق عليه الجاني وأولياء المقتول، قليلًا كان أو كثيرًا، وهو حال عنده.\nأما الدية في شبه العمد فهي منجمة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في آخر كل سنة من السنين الثلاث، ويعتبر ابتداء السنة من حين وجوب الدية.\nوقال بعض أهل العلم: ابتداؤها من حين حكم الحاكم","vol":"3","page":617},{"text":"بالدية، وهي على العاقلة لما قدمناه في حديث أبي هريرة المتفق عليه من كونها على العاقلة. وهو مذهب الأئمة الثلاثة: أبي حنيفة، والشافعي، وأحمد ﵏. وبه قال الشعبي والنخعي، والحكم، والثوري، وابن المنذر وغيرهم، كما نقله عنهم صاحب المغني. وهذا القول هو الحق.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن الدية في شبه العمد في مال الجاني لا على العاقلة، لقصده الضرب وإن لم يقصد القتل، وبهذا قال ابن سيرين، والزهري والحارث العكلي، وابن شبرمة، وقتادة، وأبو ثور، واختاره أبو بكر عبد العزيز اهـ من \"المغني\" لابن قدامة، وقد علمت أن الصواب خلافه، لدلالة الحديث المتفق عليه على ذلك.\nأما مالك ﵀ فلا يقول بشبه العمد أصلًا، فهو عنده عمد محض كما تقدم.\nوأما الدية في الخطأ المحض فهي أخماس في قول أكثر أهل العلم.\nواتفق أكثرهم على السن والصنف في أربع منها، واختلفوا في الخامس، أما الأربع التي هي محل اتفاق الأكثر فهي عشرون جذعة، وعشرون حقة، وعشرون بنت لبون وعشرون بنت مخاض، وأما الخامس الذي هو محل الخلاف، فبعض أهل العلم يقول: هو عشرون ابن مخاض ذكرًا، وهو مذهب أحمد وأبي حنيفة، وبه قال ابن مسعود والنخعي، وابن المنذر.\nواستدل أهل هذا القول بحديث ابن مسعود الوارد بذلك.","vol":"3","page":618},{"text":"قال أبو داود في سننه: حدثنا عبد الواحد، ثنا الحجاج عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون ابن مخاض ذكرًا. وهو قول عبد الله - انتهى منه بلفظه.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا على بن سعيد بن مسروق قال: حدثنا يحيى بن زكريا بن أبي زائدة، عن حجاج عن زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائى، قال: سمعت ابن مسعود يقول: قضى رسول الله - ﷺ - الخطأ عشرين بنت مخاض، وعشرين ابن مخاض ذكورًا، وعشرين بنت لبون، وعشرين جذعة، وعشرين حقة.\nوقال ابن ماجه في سننه: حدثنا عبد السلام بن عاصم، ثنا الصباح بن محارب، ثنا حجاج بن أرطاة، ثنا زيد بن جبير، عن خشف بن مالك الطائي، عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"في دية الخطأ عشرون حقة، وعشرون جذعة، وعشرون بنت مخاض، وعشرون بنت لبون، وعشرون بني مخاض ذكورًا\" ونحو هذا أخرجه الترمذي أيضًا عن ابن مسعود.\nوأخرج الدارقطني عنه نحوه؛ إلا أن فيه: وعشرون بني لبون (بدل) بني مخاض.\nوقال الحافظ في \"بلوغ المرام\": إن إسناده أقوى من إسناد الأربعة. قال: وأخرجه ابن أبي شيبة من وجه آخر موقوفًا، وهو أصح من المرفوع.","vol":"3","page":619},{"text":"وأما القول الثاني في هذا الخامس المختلف فيه: فهو أنه عشرون ابن لبون ذكرًا، مع عشرين جذعة، وعشرين حقة، وعشرين بنت لبون، وعشرين بنت مخاض. وهذا هو مذهب مالك والشافعي. وبه قال عمر بن عبد العزيز، وسليمان بن يسار، والزهري، والليث، وربيعة. كما نقله عنهم ابن قدامة في \"المغني\" وقال: هكذا رواه سعيد في سننه عن النخعي، عن ابن مسعود.\nوقال الخطابي: روى أن النبي - ﷺ - \"ودى الذي قتل بخيبر بمائة من إبل الصدقة\" وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: وأخبرنا أبو الحسن على بن محمد بن يوسف الرفاء البغدادي، أنبأ أبو عمرو عثمان بن محمد ابن بشر، ثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي، ثنا إسماعيل بن أبي أويس، وعيسى بن مينا قالا: حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، أن أباه قال: كان من أدركت من فقهائنا الذين ينتهى إلى قولهم، منهم سعيد بن المسيب، وعروة بن الزبير، والقاسم بن محمد، وأبو بكر ابن عبد الرحمن، وخارجة بن زيد بن ثابت، وعبيد الله بن عبد الله بن عتبة، وسليمان بن يسار، في مشيخة جلة سواهم من نظرائهم، وربما اختلفوا في الشيء فأخذنا بقول أكثرهم وأفضلهم رأيًا، وكانوا يقولون: العقل في الخطأ خمسة أخماس: فخمس جذاع، وخمس حقاق، وخمس بنات لبون، وخمس بنات مخاض، وخمس بنو لبون ذكور، والسن في كل جرح قل أو كثر خمسة أخماس على هذه الصفة - انتهى كلام البيهقي ﵀.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: جعل بعضهم أقرب القولين دليلًا","vol":"3","page":620},{"text":"قول من قال: إن الصنف الخامس من أبناء المخاض الذكور لا من أبناء اللبون؛ لحديث عبد الله بن مسعود المرفوع المصرح بقضاء النبي - ﷺ - بذلك. قال: والحديث المذكور وإن كان فيه ما فيه أولى من الأخذ بغيره من الرأي. وسند أبي داود، والنسائي رجاله كلهم صالحون للاحتجاج؛ إلا الحجاج بن أرطاة فإن فيه كلامًا كثيرًا واختلافًا بين العلماء؛ فمنهم من يوثقه، ومنهم من يضعفه. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك تضعيف بعض أهل العلم له، وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ والتدليس.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: حجاج المذكور من رجال مسلم. وأعل أبو داود والبيهقي وغيرهما الحديث بالوقف على ابن مسعود، قالوا: رفعه إلى النبي - ﷺ - خطأ، وقد أشرنا إلى ذلك قريبًا.\nأما وجه صلاحية بقية رجال السنن: فالطبقة الأولى من سنده عند أبي داود مسدد وهو ثقة حافظ، وعند النسائي سعيد بن على ابن سعيد بن مسروق الكندي الكوفي وهو صدوق.\nوالطبقة الثانية عند أبي داود عبد الواحد، وهو ابن زياد العبدي مولاهم البصري، ثقة، في حديثه عن الأعمش وحده مقال، وعند النسائي يحيى بن زكريا ابن أبي زائدة، وهو ثقة متقن.\nوالطبقة الثالثة عندهما حجاج بن أرطاة المذكور.\nوالطبقة الرابعة عندهما زيد بن جبير، وهو ثقة.\nوالطبقة الخامسة عندهما خشف بن مالك الطائي، وثقه النسائي.","vol":"3","page":621},{"text":"والطبقة السادسة عندهما عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه عن النبي - ﷺ -.\nوالطبقة الأولى عند ابن ماجه: عبد السلام بن عاصم الجعفي الهسنجاني الرازي، وهو مقبول.\nوالطبقة الثانية عنده الصباح بن محارب التيمي الكوفي نزيل الري، وهو صدوق، ربما خالف.\nوالطبقة الثالثة عنده حجاج بن أرطاة إلى آخر السند المذكور.\nوالحاصل: أن الحديث متكلم فيه من جهتين:\nالأولى: من قبل حجاج بن أرطاة، وقد ضعفه الأكثر، ووثقه بعضهم، وهو من رجال مسلم.\nوالثانية: إعلاله بالوقف.\nوما احتج به الخطابي من أن النبي - ﷺ - \"ودى الذي قتل بخيبر من إبل الصدقة\" وليس في أسنان الصدقة ابن مخاض، يقال فيه: إن الذي قتل في خيبر قتل عمدًا، وكلامنا في الخطأ.\nوحجة من قال: يجعل أبناء اللبون بدل أبناء المخاض رواية الدارقطني المرفوعة التي قال ابن حجر: إن سندها أصح من رواية أبناء المخاض، وكثرة من قال بذلك من العلماء.\nوفي دية الخطأ للعلماء أقوال أخر غير ما ذكرنا.\nواستدلوا لها بأحاديث أخرى، انظرها في \"سنن النسائي، وأبي داود، والبيهقي\" وغيرهم.","vol":"3","page":622},{"text":"واعلم أن الديةَ على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثنا عشر ألف درهم عند الجمهور.\nوقال أبو حنيفة: عشرة آلاف درهم، وعلى أهل البقر مائتا بقرة، وعلى أهل الشاء ألفا شاة، وعلى أهل الحلل مائتا حلة.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا يحيى بن حكيم، حدثنا عبد الرحمن بن عثمان، ثنا حسين المعلم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانت قيمة الدية على عهد رسول الله - ﷺ - ثمانمائة دينار، أو ثمانية آلاف درهم، ودية أهل الكتاب يومئذ النصف من دية المسلمين.\nقال: فكان ذلك كذلك، حتى استخلف عمر رحمه الله تعالى فقام خطيبًا فقال: ألا إن الإبل قد غلت، قال: ففرضها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألفًا، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وترك دية أهل الكتاب لم يرفعها فيما رفع من الدية.\nحدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عطاء بن أبي رباح: أن رسول الله - ﷺ - \"قضى في الدية على أهل الإبل مائة من الإبل، وعلى أهل البقر مائتي بقرة، وعلى أهل الشاء ألفي شاة، وعلى أهل الحلل مائتي حلة، وعلى أهل القمح .. \" شيئًا لم يحفظه محمد.\nقال أبو داود: قرأت على سعيد بن يعقوب الطالقاني قال: ثنا أبو تميلة، ثنا محمد بن إسحاق، قال: ذكر عطاء عن جابر بن","vol":"3","page":623},{"text":"عبد الله قال: فرض رسول الله - ﷺ - .. فذكر مثل حديث موسى - وقال: وعلى أهل الطعام شيئًا لم أحفظه.\nوقال النسائي في سننه أخبرنا أحمد بن سليمان قال: حدثنا يزيد بن هارون، قال: أنبأنا محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"من قتل خطأ فديته مائة من الإبل: ثلاثون بنت مخاض، وثلاثون بنت لبون، وثلاثون حقة، وعشرة بني لبون ذكور\".\nقال: وكان رسول الله - ﷺ - يقومها على أهل القرى أربعمائة دينار، أو عدلها من الورق، ويقومها على أهل الإبل إذا غلت رفع قيمتها، وإذا هانت نقص من قيمتها، على نحو الزمان ما كان، فبلغ قيمتها على عهد رسول الله - ﷺ - ما بين الأربعمائة دينار، إلى ثمانمائة دينار، أو عدلها من الورق.\nقال: وقضى رسول الله - ﷺ - أن من كان عقله في البقر على أهل البقر مائتي بقرة، ومن كان عقله في الشاء ألفي شاة، وقضى رسول الله - ﷺ - \"أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم، فما فضل فللعصبة\" وقضى رسول الله - ﷺ - \"أن يعقل على المرأة عصبتها من كانوا ولا يرثون منها إلا ما فضل عن ورثتها، وإن قتلت فعقلها بين ورثتها وهم يقتلون قاتلها\".\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن المثنى، عن معاذ ابن هانئ قال: حدثني محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار (ح) وأخبرنا أبو داود قال: حدثنا معاذ بن هانئ قال: حدثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قتل","vol":"3","page":624},{"text":"رجل رجلًا على عهد رسول الله - ﷺ -؛ فجعل النبي - ﷺ - ديته اثني عشر ألفًا، وذكر قوله: ﴿إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ في أخذهم الدية. واللفظ لأبي داود: أخبرنا محمد بن ميمون قال: حدثنا سفيان، عن عمرو، عن عكرمة، عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - \"قضى باثني عشر ألفًا\" يعني في الدية - انتهى كلام النسائي ﵀.\nوقال أبو داود في سننه أيضًا: حدثنا محمد بن سليمان الأنباري، ثنا زيد بن الحباب، عن محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس أن رجلًا من بني عدي قتل؛ فجعل النبي - ﷺ - ديته اثني عشر ألفًا. قال أبو داود رواه ابن عيينة، عن عمرو، عن عكرمة، عن النبي - ﷺ - ولم يذكر ابن عباس.\nوقال ابن ماجه في سننه: حدثنا العباس بن جعفر، ثنا محمد ابن سنان، ثنا محمد بن مسلم، عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس، عن النبي - ﷺ -: \"جعل الدية اثني عشر ألفًا\" قال: وذلك قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ قال: بأخذهم الدية.\nوفي الموطأ عن مالك: أنه بلغه أن عمر بن الخطاب قوم الدية على أهل القرى فجعلها على أهل الذهب ألف دينار، وعلى أهل الورق اثني عشر ألف درهم.\nقال مالك: فأهل الذهب أهل الشام، وأهل مصر، وأهل الورق أهل العراق.\nوعن مالك في الموطأ أيضًا: أنه سمع أن الدية تقطع في","vol":"3","page":625},{"text":"ثلاث سنين أو أربع سنين.\nقال مالك: والثلاث أحب ما سمعت إلى في ذلك.\nقال مالك: الأمر المجتمع عليه عندنا أنه لا يقبل من أهل القرى في الدية الإبل، ولا من أهل العمود الذهب ولا الورق، ولا من أهل الذهب الورق، ولا من أهل الورق الذهب.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالأول: جمهور أهل العلم على أن الدية في الخطأ وشبه العمد مؤجلة في ثلاث سنين، يدفع ثلثها في كل واحدة من السنين الثلاث.\nقال ابن قدامة في \"المغني\": ولا خلاف بينهم في أنها مؤجلة في ثلاث سنين؛ فإن عمر وعليًا ﵄ جعلا دية الخطأ على العاقلة في ثلاث سنين، ولا نعرف لهما في الصحابة مخالفًا؛ فاتبعهم على ذلك أهل العلم اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ومثل هذا يسمى إجماعًا سكوتيًا، وهو حجة ظنية عند جماعة من أهل الأصول، وأشار إلى ذلك صاحب \"مراقي السعود\" مع بيان شرط الاحتجاج به عند من يقول بذلك بقوله:\nوجعل من سكت مثل من أقر ... فيه خلاف بينهم قد اشتهر\nفالاحتجاج بالسكوتي نما ... تفريعه عليه من تقدما\nوهو بفقد السخط والضد حرى ... مع مضى مهلة للنظر","vol":"3","page":626},{"text":"وتأجيلها في ثلاث سنين هو قول أكثر أهل العلم.\nالفرع الثاني: اختلف العلماء في نفس الجاني؛ هل يلزمه قسط من دية الخطأ كواحد من العاقلة، أو لا؟\nفمذهب أبي حنيفة، ومشهور مذهب مالك: أن الجاني يلزمه قسط من الدية كواحد من العاقلة.\nوذهب الإمام أحمد، والشافعي إلى أَنّه لا يلزمه من الدية شيء، لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم أن النبي - ﷺ - \"قضى بالدية على عاقلة المرأة\" وظاهره قضاؤه بجميع الدية على العاقلة.\nوحجة القول الآخر: أن أصل الجناية عليه، وهم معينون له؛ فيتحمل عن نفسه مثل ما يتحمل رجل من عاقلته.\nالفرع الثالث: اختلف العلماء في تعيين العاقلة التي تحمل عن الجاني دية الخطأ. فمذهب الإمام أبي حنيفة ﵀: أن العاقلة هم أهل ديوان القاتل إن كان القاتل من أهل ديوان، وأهل الديوان أهل الرايات، وهم الجيش الذين كتبت أسماؤهم في الديوان لمناصرة بعضهم بعضًا، تؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين، وإن لم يكن من أهل ديوان فعاقلته قبيلته، وتقسم عليهم في ثلاث سنين، فإن لم تتسع القبيلة لذلك ضم إليهم أقرب القبائل نسبًا على ترتيب العصبات.\nومذهب مالك ﵀: البداءة بأهل الديوان أيضًا؛ فتؤخذ الدية من عطاياهم في ثلاث سنين، فإن لم يكن عطاؤهم قائمًا","vol":"3","page":627},{"text":"فعاقلته عصبته الأقرب فالأقرب، ولا يحمل النساء ولا الصبيان شيئًا من العقل.\nوليس لأموال العاقلة حد إذا بلغته عقلوا، ولا لما يؤخذ منهم حد، ولا يكلف أغنياؤهم الأداء عن فقرائهم، ومن لم تكن له عصبة فعقله في بيت مال المسلمين.\nوالموالي بمنزلة العصبة من القرابة، ويدخل في القرابة الابن والأب.\nقال سحنون: إن كانت العاقلة ألفًا فهم قليل، يضم إليهم أقرب القبائل إليهم.\nومذهب أبي حنيفة ﵀: أنه لا يؤخذ من واحد من أفراد العصبة من الدية أكثر من درهم وثلث في كل سنة من السنين الثلاث؛ فالمجموع أربعة دراهم.\nومذهب أحمد والشافعي: أن أهل الديوان لا مدخل لهم في العقل إلا إذا كانوا عصبة. ومذهبهما رحمهما الله: أن العاقلة هي العصبة، إلا أنهم اختلفوا هل يدخل في ذلك الأبناء والآباء؟ فعن أحمد في إحدى الروايتين: أنهم داخلون في العصبة؛ لأنهم أقرب العصبة. وعن أحمد رواية أخرى والشافعي: أنهم لا يدخلون في العاقلة؛ لظاهر حديث أبي هريرة المتفق عليه المتقدم: \"أن ميراث المرأة لولدها، والدية على عاقلتها\" وظاهرة عدم دخول أولادها؛ فقيس الآباء على الأولاد.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": واختلف أهل العلم فيما يحمله","vol":"3","page":628},{"text":"كل واحد منهم.\nفقال أحمد: يحملون على قدر ما يطيقون هذا لا يتقدر شرعًا؛ وإنما يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم؛ فيفرض على كل واحد قدرًا يسهل ولا يؤذي، وهذا مذهب مالك؛ لأن التقدير لا يثبت إلا بتوقيف؛ ولا يثبت بالرأي والتحكم، ولا نص في هذه المسألة فوجب الرجوع فيها إلى اجتهاد الحاكم كمقادير النفقات.\nوعن أحمد رواية أخرى: أنه يفرض على الموسر نصف مثقال؛ لأنه أقل مال يتقدر في الزكاة فكان معبرًا بها. ويجب على المتوسط ربع مثقال؛ لأن ما دون ذلك تافه لكون اليد لا تقطع فيه. وقد قالت عائشة ﵂: لا تقطع اليد في الشيء التافه، وما دون ربع دينار لا تقطع فيه. وهذا اختيار أبي بكر، ومذهب الشافعي.\nوقال أبو حنيفة: أكثر ما يحمل على الواحد أربعة دراهم، وليس لأقله حد اهـ كلام صاحب \"المغني\".\nوهذا الذي نقل عن أبي حنيفة هو معنى ما قدمناه عنه؛ لأن درهمًا وثلثا في كل سنة من السنين الثلاث أربعة دراهم.\nالفرع الرابع: لا تحمل العاقلة شيئًا من الكفارة المنصوص عليها في قوله: ﴿وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ بل هي في مال الجاني إجماعًا. وشذ من قال: هي في بيت المال.\nوالكفارة في قتل الخطأ واجبة إجماعًا بنص الآية الكريمة الصريحة في ذلك. واختلفوا في العمد، واختلافهم فيه مشهور،","vol":"3","page":629},{"text":"وأجرى القولين على القياس عندي قول من قال: لا كفارة في العمد؛ لأن العمد في القتل أعظم من أن يكفره العتق؛ لقوله تعالى في القاتل عمدًا: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)﴾ فهذا الأمر أعلى وأفخم من أن يكفر بعتق رقبة. والعلم عند الله تعالى.\nوالدية لا تحملها العاقلة إن كان القتل خطأ ثابتًا بإقرار الجاني ولم يصدقوه، بل إنما تحملها إن ثبت القتل ببينة، كما ذهب إلى هذا عامة أهل العلم، منهم ابن عباس، والشعبي، وعمر بن عبد العزيز، والحسن، والزهري، وسليمان بن موسى، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق. وبه قال الشافعي، وأحمد، ومالك، وأبو حنيفة وغيرهم. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: جمهور العلماء على أن دية المرأة الحرة المسلمة نصف دية الرجل الحر المسلم على ما بينا.\nقال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن دية المرأة نصف دية الرجل. وحكى غيرهما عن ابن علية والأَصم أنهما قالا: ديتها كدية الرجل. وهذا قول شاذ، مخالف لإجماع الصحابة كما قاله صاحب المغني.\nوجراح المرأة تساوي جراح الرجل إلى ثلث الدية، فإن بلغت الثلث فعلى النصف.\nقال ابن قدامة في \"المغني\": وروي هذا عن عمر، وابن عمر، وزيد بن ثابت. وبه قال سعيد بن المسيب؛ وعمر بن","vol":"3","page":630},{"text":"عبد العزيز، وعروة بن الزبير، والزهري، وقتادة، والأعرج، وربيعة، ومالك.\nقال ابن عبد البر: وهو قول فقهاء المدينة السبعة؛ وجمهور أهل المدينة وحكى عن الشافعي في القديم.\nوقال الحسن: يستويان إلى النصف. وروي عن على ﵁: أنها على النصف فيما قل أو أكثر. وروي ذلك عن ابن سيرين. وبه قال الثوري، والليث، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأصحابه؛ وأبو ثور، والشافعي في ظاهر مذهبه، واختاره ابن المنذر؛ لأنهما شخصان تختلف دية نفسهما فاختلف أرش جراحهما اهـ وهذا القول أقيس.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: كلام ابن قدامة والخرقي صريحٌ في أن ما بلغ ثلث الدية يستويان فيه، وأن تفضيله عليها بنصف الدية إنما هو فيما زاد على الثلث؛ فمقتضى كلامهما أن دية جائفة المرأة ومأمومتها كدية جائفة الرجل ومأمومته؛ لأن في كل من الجائفة والمأمومة ثلث الدية، وأن عقلها لا يكون على النصف من عقله إلا فيما زاد على الثلث، كدية أربعة أصابع من اليد، فإن فيها أربعين من الإبل، إذ في كل إصبع عشر، والأربعون أكثر من ثلث المائة. وكلام مالك في الموطإ وغيره صريح في أن ما بلغ الثلث كالجائفة والمأمومة تكون دية المرأة فيه على النصف من دية الرجل، وأن محل استوائهما إنما هو فيما دون الثلث خاصة كالموضحة والمثقلة، والإصبع والإصبعين والثلاثة. وهما قولان معروفان لأهل العلم. وأصحهما هو ما ذكرناه عن مالك، ورجحه","vol":"3","page":631},{"text":"ابن قدامة في آخر كلامه بالحديث الآتي إن شاء الله تعالى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول مشكل جدًا، لأنه يقتضي أن المرأة إن قطعت من يدها ثلاثة أصابع، كانت ديتها ثلاثين من الإبل كأصابع الرجل، لأنها دون الثلث، وإن قطعت من يدها أربعة أصابع كانت ديتها عشرين من الإبل؛ لأنها زادت على الثلث فصارت على النصف من دية الرجل. وكون دية الأصابع الثلاثة ثلاثين من الإبل، ودية الأصابع الأربعة. عشرين في غاية الإشكال كما ترى.\nوقد استشكل هذا ربيعة بن أبي عبد الرحمن، على سعيد بن المسيب، فأجابه بأن هذا هو السنة. ففي موطإ مالك ﵀ عن مالك، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن قال: سألت سعيد بن المسيب كم في إصبع المرأة؟ قال: عشر من الإبل فقلت: كم في إصبعين؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: كم في ثلاث؟ فقال: ثلاثون من الإبل. فقلت: كم في أربع؟ قال: عشرون من الإبل. فقلت: حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها نقص عقلها!؟ فقال سعيد: أعراقي أنت؟ فقلت: بل عالم متثبت، أو جاهل متعلم .. فقال سعيد: هي السنة يا ابن أخي!.\nوظاهر كلام سعيد هذا: أن هذا من سنة النبي - ﷺ -. ولو قلنا: إن هذا له حكم الرفع فإنه مرسل؛ لأن سعيدًا لم يدرك زمن النبي - ﷺ - ومراسيل سعيد بن المسيب قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة \"الأنعام\" مع أن بعض أهل العلم قال: إن مراده بالسنة هنا سنة أهل السنة.","vol":"3","page":632},{"text":"وقال النسائي ﵀ في سننه: أخبرنا عيسى بن يونس قال: حدثنا حمزة، عن إسماعيل بن عياش، عن ابن جريج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها\" اهـ. وهذا يعضد قول سعيد: إن هذا هو السنة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إسناد النسائي هذا ضعيف فيما يظهر من جهتين:\nإحداهما: أن إسماعيل بن عياش رواه عن ابن جريج، ورواية إسماعيل المذكور عن غير الشاميين ضعيفة كما قدمنا إيضاحه. وابن جريج ليس بشامي، بل هو حجازي مكي.\nالثانية: أن ابن جريج عنعنه عن عمرو بن شعيب، وابن جريج ﵀ مدلس، وعنعنة المدلس لا يحتج بها ما لم يثبت السماع من طريق أخرى كما تقرر في علوم الحديث.\nويؤيد هذا الإعلال ما قاله الترمذي ﵀: من أن محمد ابن إسماعيل -يعني البخاري- قال: إن ابن جريج لم يسمع من عمرو بن شعيب، كما نقله عنه ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" في ترجمة ابن جريج المذكور.\nوبما ذكرنا تعلم أن تصحيحَ ابن خزيمة لهذا الحديث غير صحيح وإن نقله عنه ابن حجر في \"بلوغ المرام\" وسكت عليه. والله أعلم.\nوهذا مع ما تقدم من كون ما تضمنه هذا الحديث يلزمه أن","vol":"3","page":633},{"text":"يكون في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثون، وفي أربعة أصابع عشرون. وهذا مخالف لما عهد من حكمة هذا الشرع الكريم كما ترى. اللهم إلا أن يقال: إن جعل المرأة على النصف من الرجل فيما بلغ الثلث فصاعدًا أنه في الزائد فقط؛ فيكون في أربعة أصابع من أصابعها خمس وثلاثون، فيكون النقص في العشرة الرابعة فقط. وهذا معقول وظاهر، والحديث محتمل له، والله أعلم.\nومن الأدلة على أن دية المرأة على النصف من دية الرجل: ما رواه البيهقي في السنن الكبرى من وجهين عن عبادة بن نسي، عن ابن غنم، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"دية المرأة على النصف من دية الرجل\" ثم قال البيهقي ﵀: وروي من وجه آخر، عن عبادة بن نسي وفيه ضعف.\nومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل؛ فالضعف الذي يعنيه البيهقي من غيره. وأخرج البيهقي أيضًا عن على مرفوعًا \"دية المرأة على النصف من دية الرجل في الكل\" وهو من رواية إبراهيم النخعي عنه، وفيه انقطاع.\nوأخرجه ابن أبي شيبة من طريق الشعبي عنه، وأخرجه أيضًا من وجه آخر عنه، وعن عمر. قاله الشوكاني ﵀.\nالفرع السادس: اعلم أن أصح الأقوال وأظهرها دليلًا أن دية الكافر الذمي على النصف من دية المسلم؛ كما قدمنا عن أبي داود من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ أن دية أهل الكتاب كانت على عهد رسول الله - ﷺ - على النصف من دية المسلمين، وأن عمر لم يرفعها فيما رفع عند تقويمه الدية لما غلت الإبل.","vol":"3","page":634},{"text":"وقال أبو داود أيضًا في سننه: حدثنا يزيد بن خالد بن موهب الرملي، ثنا عيسى بن يونس، عن محمد بن إسحاق، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي - ﷺ - قال: \"دية المعاهد نصف دية الحر\".\nقال أبو داود: ورواه أسامة بن زيد الليثي، وعبد الرحمن بن الحارث، عن عمرو ابن شعيب مثله اهـ.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن على قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن راشد، عن سليمان بن موسى .. -وذكر كلمة معناها- عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"عقل أهل الذمة نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى\".\nأخبرنا أحمد بن عمرو بن السرح قال: أنبأنا ابن وهب قال: أخبرني أسامة بن زيد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله ابن عمرو: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"عقل الكافر نصف عقل المؤمن\".\nوقال ابن ماجه ﵀ في سننه. حدثنا هشام بن عمار، ثنا حاتم ابن إسماعيل، عن عبد الرحمن بن عياش، عن عمرو ابن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن رسول الله - ﷺ - \"قضى أن عقل أهل الكتابين نصف عقل المسلمين، وهم اليهود والنصارى\". وأخرج نحوه الإمام أحمد، والترمذي، عن عمرو، عن أبيه، عن جده.\nقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": وحديث عمرو بن شعيب","vol":"3","page":635},{"text":"هذا حسنه الترمذي، وصححه ابن الجارود.\nوبهذا تعلم أن هذا القول أولى من قول من قال: دية أهل الذمة كدية المسلمين، كأبي حنيفة ومن وافقه، ومن قال: إنها قدر ثلث دية المسلم، كالشافعي ومن وافقه. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن الروايات التي جاءت بأن دية الذمي والمعاهد كدية المسلم ضعيفة لا يحتج بها. وقد بين البيهقي رحمه الله تعالى ضعفها في \"السنن الكبرى\" وقد حاول ابن التركماني ﵀ في حاشيته على سنن البيهقي أن يجعل تلك الروايات صالحة للاحتجاج، وهي ليس فيها شيء صحيح.\nأما الاستدلال بظاهر قوله تعالى: ﴿وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ فيقال فيه: هذه دلالة اقتران، وهي غير معتبرة عند الجمهور. وغاية ما في الباب أن الآية لم تبين قدر دية المسلم ولا الكافر، والسنة بينت أن دية الكافر على النصف من دية المسلم. وهذا لا إشكال فيه.\nأما استواؤهما قدر الكفارة فلا دليل فيه على الدية؛ لأنها مسألة أخرى. والأدلة التي ذكرنا دلالتها أنها على النصف من دية المسلم أقوى، ويؤيدها أن في الكتاب الذي كتبه النبي - ﷺ - لعمرو ابن حزم: \"وفي النفس المؤمنة مائة من الإبل\" فمفهوم قوله \"المؤمنة\" أن النفس الكافرة ليست كذلك. على أن المخالف في هذا الإمام أبو حنيفة ﵀، والمقرر في أصوله أنه لا يعتبر دليل الخطاب أعني مفهوم المخالفة كما هو معلوم عنه، ولا يقول يحمل المطلق على المقيد، فيستدل بإطلاق النفس عن قيد الإيمان","vol":"3","page":636},{"text":"في الأدلة الأخرى على شمولها للكافر. والقول بالفرق بين الكافر المقتول عمدًا، فتكون ديته كدية المسلم، وبين المقتول خطأ، فتكون على النصف من دية المسلم = لا نعلم له مستندًا من كتاب ولا سنة. والعلم عند الله تعالى.\nوأما دية المجوسي: فأكثر أهل العلم على أنها ثلث خمس دية المسلم؛ فهي ثمانمائة درهم، ونساؤهم على النصف من ذلك.\nوهذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأكثر أهل العلم، منهم عمر، وعثمان، وابن مسعود ﵃، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وإسحاق.\nوروى عن عمر بن عبد العزيز، أنه قال: ديته نصف دية المسلم كدية الكتابي، وقال النخعي، والشعبي: ديته كدية المسلم. وهذا هو مذهب أبي حنيفة ﵀.\nوالاستدلال على أن دية المجوسي كدية الكتابي بحديث \"سنوا بهم سنة أهل الكتاب\" لا يتجه؛ لأنا لو فرضنا صلاحية الحديث للاحتجاج، فالمراد به أخذ الجزية منهم فقط، بدليل أن نساءهم لا تحل، وذبائحهم لا تؤكل اهـ.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": إن قول من ذكرنا من الصحابة: إن دية المجوسي ثلث خمس دية المسلم، لم يخالفهم فيه أحد من الصحابة فصار إجماعًا سكوتيًا. وقد قدمنا قول من قال: إنه حجة.\nوقال بعض أهل العلم: دية المرتد إن قتل قبل الاستتابة كدية المجوسي، وهو مذهب مالك. وأما الحربيون فلا دية لهم مطلقًا.","vol":"3","page":637},{"text":"والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السابع: اعلم أن العلماء اختلفوا في موجب التغليظ في الدية، وبم تغلظ؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أنها تغلظ بثلاثة أشياء: وهي القتل في الحرم، وكون المقتول محرمًا بحج أو عمرة، أو في الأشهر الحرم، فتغلظ الدية في كل واحد منها بزيادة ثلثها.\nفمن قتل محرمًا فعليه دية وثلث، ومن قتل محرمًا في الحرم فدية وثلثان، ومن قتل محرمًا في الحرم في الشهر الحرام فديتان.\nوهذا مذهب الإمام أحمد ﵀. وروى نحوه عن عمر، وعثمان، وابن عباس ﵃. نقله عنهم البيهقي وغيره.\nوممن روي عنه هذا القول: سعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، والشعبي، ومجاهد، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وقتادة، والأوزاعي، وإسحاق، وغيرهم، كما نقله عنهم صاحب المغني.\nوقال أصحاب الشافعي ﵀: تغلظ الدية بالحرم، والأشهر الحرم، وذي الرحم المحرم، وفي تغليظها بالإحرام عنهم وجهان.\nوصفة التغليظ عند الشافعي: هي أن تجعل دية العمد في الخطأ. ولا تغلظ الدية عند مالك ﵀ إلا في قتل الوالد ولده قتلًا شبه عمد، كما فعل المدلجي بأبيه، والجد والأم عنده كالأب.\nوتغليظها عنده: هو تثليثها بكونها ثلاثين حقة، وثلاثين","vol":"3","page":638},{"text":"جذعة، وأربعين خلفة في بطونها أولادها، لا يبالي من أي الأسنان كانت، ولا يرث الأب عنده في هذه الصورة من دية الولد ولا من ماله شيئًا.\nوظاهر الأدلة أن القاتل لا يرث مطلقًا من دية ولا غيرها، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ.\nوفرق المالكية في الخطأ بين الدية وغيره، فمنعوا ميراثه من الدية دون غيرها من مال التركة، والإطلاق أظهر من هذا التفصيل، والله أعلم.\nوقصة المدلجي: هي ما رواه مالك في الموطإ، عن يحيى ابن سعيد، عن عمرو بن شعيب: أن رجلًا من بني مدلج يقال له: \"قتادة\" حذف ابنه بالسيف، فأصاب ساقه فَنُزِيَ في جرحه فمات .. فقدم سراقة بن جعشم على عمر بن الخطاب فذكر ذلك له، فقال له عمر: أعدد على ماء قديد عشرين ومائة بعير حتى أقدم عليك، فلما قدم إليه عمر بن الخطاب أخذ من تلك الإبل ثلاثين حقة، وثلاثين جذعة، وأربعين خلفة، وقال: أين أخو المقتول؟ قال: هأنذا. قال: خذها؛ فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"ليس لقاتل شيء\".\nالفرع الثامن: اعلم أن دية المقتول ميراث بين ورثته؛ كسائر ما خلفه من تركته.\nومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي عن سعيد بن المسيب أن عمر ﵁ قال: الدية للعاقلة، لا ترث المرأة من دية","vol":"3","page":639},{"text":"زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان الكلابي: أن رسول الله - ﷺ - كتب إلى أن أورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها؛ رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي وصححه. ورواه مالك في الموطإ من رواية ابن شهاب عن عمر، وزاد: قال ابن شهاب: وكان قتلهم أشيم خطأ. وما روى عن الضحاك ابن سفيان ﵁ روي نحوه عن المغيرة بن شعبة، وزرارة بن جري؛ كما ذكره الزرقاني في شرح الموطإ.\nومنها ما رواه عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن النبي - ﷺ - \"قضى أن العقل ميراث بين ورثة القتيل على فرائضهم\" رواه الإمام أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه. وقد قدمنا نص هذا الحديث عند النسائي في حديث طويل.\nوهذا الحديث قواه ابن عبد البر، وأعلّه النسائي. قاله الشوكاني. وهو معتضد بما تقدم وبما يأتي، وبإجماع الحجة من أهل العلم على مقتضاه.\nومنها ما رواه البخاري في تاريخه عن قرة بن دعموص النميري قال: أتيت النبي - ﷺ - أنا وعمي، فقلت: يا رسول الله، عند هذا دية أبى فمره يعطنيها -وكان قتل في الجاهلية- فقال: \"أعطه دية أبيه\" فقلت: هل لأمى فيها حق؟ قال: \"نعم\" وكانت ديته مائة من الإبل.\nوقد ساقه البخاري في التاريخ هكذا: قال قيس بن حفص: أنا الفضيل بن سليمان النميري قال: أنا عائذ بن ربيعة بن قيس النميري قال: حدثني قرة بن دعموص قال: أتيت النبي - ﷺ -","vol":"3","page":640},{"text":"أنا وعمي- إلى آخر الحديث باللفظ الذي ذكرنا. وسكت عليه البخاري ﵀. ورجال إسناده صالحون للاحتجاج؛ إلا عائذ ابن ربيعة بن قيس النميري فلم نر من جرحه ولا من عدله.\nوذكر له البخاري في تاريخه، وابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ترجمة، وذكرا أنه سمع قرة بن دعموص، ولم يذكرا فيه جرحًا ولا تعديلًا.\nوظاهر هذه الأدلة يقتضي أن دية المقتول تقسم كسائر تركته على فرائض الله، وهو الظاهر؛ سواء كان القتل عمدًا أو خطأ. ولا يخلو ذلك من خلاف. وروي عن على ﵁ أنها ميراث كقول الجمهور، وعنه رواية أخرى: أن الدية لا يرثها إلا العصبة الذين يعقلون عنه، وكان هذا هو رأي عمر، وقد رجع عنه لما أخبره الضحاك بأمر النبي - ﷺ - إياه: أن يورث زوجة أشيم المذكور من دية زوجها.\nوقال أبو ثور: هي ميراث، ولكنها لا تقضي منها ديونه، ولا تنفذ منها وصاياه. وعن أحمد رواية بذلك.\nقال ابن قدامة في \"المغني\": وقد ذكر الخرقي فيمن أوصى بثلث ماله لرجل فقتل وأخذت ديته؛ فللموصي له بالثلث ثلث الدية في إحدى الروايتين.\nوالأخرى: ليس لمن أوصى له بالثلث من الدية شيء.\nومبنى هذا: على أن الدية ملك للميت، أو على ملك الورثة ابتداء. وفيه روايتان: إحداهما أنها تحدث على ملك الميت؛ لأنها","vol":"3","page":641},{"text":"بدل نفسه، فيكون بدلها له كدية أطرافه المقطوعة منه في الحياة، ولأنه لو أسقطها عن القاتل بعد جرحه إياه كان صحيحًا، وليس له إسقاط حق الورثة، ولأنها مال موروث فأشبهت سائر أمواله. والأخرى أنها تحدث على ملك الورثة ابتداء، لأنها إنما تستحق بعد الموت، وبالموت تزول أملاك الميت الثابتة له، ويخرج عن أن يكون أهلًا لذلك، وإنما يثبت الملك لورثته ابتداء. ولا أعلم خلافًا في أن الميت يجهز منها اهـ محل الغرض من كلام ابن قدامة ﵀.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أَظهر القولين عندي: أنه يقرر ملك الميت لديته عند موته فتورث كسائر أملاكه؛ لتصريح النبي - ﷺ - للضحاك في الحديث المذكور بتوريث امرأة أشيم الضبابي من ديته، والميراث لا يطلق شرعًا إلا على ما كان مملوكًا للميت، والله تعالى أعلم.\nالمسألة السادسة: اختلف العلماء في تعيين ولي المقتول الذي جعل الله له هذا السلطان المذكور في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية.\nفذهب جماعة من أهل العلم إلى أن المراد بالولي في الآية: الورثة من ذوي الأنساب والأسباب، والرجال والنساء، والصغار والكبار؛ فإن عفا من له ذلك منهم صح عفوه وسقط به القصاص، وتعينت الدية لمن لم يعف. وهذا مذهب الإمام أحمد بن حنبل، والإمام أبي حنيفة والإمام الشافعي رحمهم الله تعالى.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": هذا قول أكثر أهل العلم؛","vol":"3","page":642},{"text":"منهم عطاء، والنخعي، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو حنيفة، والشافعي، وروي معنى ذلك عن عمر، وطاوس، والشعبي.\nوقال الحسن، وقتادة، والزهري، وابن شبرمة، والليث، والأوزاعي: ليس للنساء عفو؛ أي: فهن لا يدخلن عندهم في اسم الولي الذي له السلطان في الآية.\nثم قال ابن قدامة: والمشهور عن مالك أنه موروث للعصبات خاصة. وهو وجه لأصحاب الشافعي.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: مذهب مالك في هذه المسألة فيه تفصيل: فالولي الذي له السلطان المذكور في الآية الذي هو استيفاء القصاص أو العفو عنده هو أقرب الورثة العصبة الذكر، والجد والإخوة في ذلك سواء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: \"والاستيفاء للعاصب كالولاء، إلا الجد والإخوة فسيان\" اهـ.\nوليس للزوجين عنده حق في القصاص ولا العفو، وكذلك النساء غير الوارثات: كالعمات، وبنات الإخوة، وبنات العم.\nأما النساء الوارثات: كالبنات، والأخوات، والأمهات فلهن القصاص. وهذا فيما إذا لم يوجد عاصب مساو لهن في الدرجة. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: \"وللنساء إن ورثن ولم يساوهن عاصب\".\nفمفهوم قوله: \"إن ورثن\" أن غير الوارثات لا حق لهن، وهو كذلك.","vol":"3","page":643},{"text":"ومفهوم قوله: \"ولم يساوهن عاصب\" أنهن إن ساواهن عاصب: كبنين، وبنات، وإخوة وأخوات، فلا كلام للإناث مع الذكور. وأما إن كان معهن عاصب غير مساو لهن: كبنات، وإخوة؛ فثالث الأقوال هو مذهب المدونة: أن لكل منهما القصاص ولا يصح العفو عنه إلا باجتماع الجميع، أعني ولو عفا بعض هؤلاء، وبعض هؤلاء. وهذا هو معنى قول خليل في مختصره: \"ولكلٍ القتلُ ولا عفوَ إلا باجتماعهم\" يعني هؤلاء وبعض هؤلاء.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يقتضي الدليل رجحانه عندي في هذه المسألة: أن الولي في هذه الآية عَمّ الورثة ذكورًا كانوا أو إناثًا، ولا مانع من إطلاق الولي على الأنثى؛ لأن المراد جنس الولي الشامل لكل من انعقد بينه وبين غيره سبب يجعل كلًا منهما يوالي الآخر، كقوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وقوله: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ ...﴾ الآية.\nوالدليلُ على شمول الولي في الآية للوارثات من النساء ولو بالزوجية = الحديث الوارد بذلك.\nقال أبو داود في سننه: (باب عفو النساء عن الدم) حدثنا داود بن رشيد، ثنا الوليد، عن الأوزاعي أنه سمع حصنًا، أنه سمع أبا سلمة يخبر عن عائشة ﵂، عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة\".\nقال أبو داود: بلغني أن عفو النساء في القتل جائز إذا كانت إحدى الأولياء. وبلغني عن أبي عبيدة في قوله: \"ينحجزوا\" يكفوا عن القود.","vol":"3","page":644},{"text":"وقال النسائي ﵀ في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم قال: حدثنا الوليد، عن الأوزاعي قال: حدثني حصن قال: حدثني أبو سلمة (ح).\nوأنبأنا الحسين بن حريث قال: حدثنا الوليد، قال: حدثنا الأوزاعي قال: حدثني حصن أنه سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله - ﷺ - قال: \"وعلى المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كان امرأة\" اهـ. وهذا الإسناد مقارب؛ لأن رجاله صالحون للاحتجاج، إلا حصنًا المذكور فيه ففيه كلام.\nفطبقته الأولى عند أبي داود: هي داود بن رشيد الهاشمي مولاهم الخوارزمي نزيل بغداد وهو ثقة، وعند النسائي حسين بن حريث، وإسحاق بن إبراهيم، وحسين بن حريث الخزاعي مولاهم أبو عمار المروزي ثقة.\nوالطبقة الثانية عندهما: هي الوليد بن مسلم القرشي مولاهم، أبو العباس الدمشقي ثقة، لكنه كثير التدليس والتسوية، وهو من رجال البخاري ومسلم وباقي الجماعة.\nوالطبقة الثالثة عندهما: هي الإمام الأوزاعي وهو عبد الرحمن ابن عمرو ابن أبي عمرو أبو عمرو الأوزاعي، وهو الإمام الفقيه المشهور، ثقة جليل.\nوالطبقة الرابعة عندهما: هي حصن المذكور وهو ابن عبد الرحمن، أو ابن محصن التراغمي أبو حذيفة الدمشقي.\nقال فيه ابن حجر في \"التقريب\": مقبول، وقال فيه في","vol":"3","page":645},{"text":"\"تهذيب التهذيب\": قال الدارقطني: شيخ يعتبر به، له عند أبي داود والنسائي حديث واحد \"على المقتتلين أن ينحجزوا الأول فالأول وإن كانت امرأة\" (قلت): وذكره ابن حبان في الثقات. وقال ابن القطان لا يعرف حاله (اهـ) وتوثيق ابن حبان له لم يعارضه شيء مانع من قبوله؛ لأن من اطلع على أنه ثقة حفظ ما لم يحفظه مدعي أنه مجهول لا يعرف حاله. وذكر ابن حجر في \"تهذيب التهذيب\" عن أبي حاتم ويعقوب بن سفيان أنهما قالا: لا نعلم أحدًا روى عنه غير الأوزاعي.\nوالطبقة الخامسة عندهما: أبو سلمة بن عبد الرحمن بن عوف ﵁، وهو ثقة مشهور.\nوالطبقة السادسة عندهما: عائشة ﵂ عن النبي - ﷺ -، فقد رأيت أن ابن حبان ﵀ ذكر حصنًا المذكور في الثقات، وأن بقية طبقات السند كلها صالح للاحتجاج، والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nإذا كان بعض أولياء الدم صغيرًا، أو مجنونًا، أو غائبًا، فهل للبالغ الحاضر العاقل: القصاص قبل قدوم الغائب، وبلوغ الصغير، وإفاقة المجنون؟ أو يجب انتظار قدوم الغائب، وبلوغ الصغير .. الخ.\nفإن عفا الغائب بعد قدومه، أو الصغير بعد بلوغه مثلًا سقط القصاص ووجبت الدية، في ذلك خلاف مشهور بين أهل العلم.","vol":"3","page":646},{"text":"فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنه لابد من انتظار بلوغ الصغير، وقدوم الغائب، وإفاقة المجنون، وهذا هو ظاهر مذهب الإمام أحمد.\nقال ابن قدامة: وبهذا قال ابن شبرمة، والشافعي، وأبو يوسف، وإسحاق، ويروى عن عمر بن عبد العزيز ﵀. وعن أحمد رواية أخرى للكبار العقلاء استيفاؤه، وبه قال حماد، ومالك، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة اهـ محل الغرض من كلام صاحب المغني.\nوذكر صاحب المغني أيضًا: أنه لا يعلم خلافًا في وجوب انتظار قدوم الغائب، ومنع استبداد الحاضر دونه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إن كانت الغيبة قريبة فهو كما قال، وإن كانت بعيدة ففيه خلاف معروف عند المالكية، وظاهر المدونة الانتظار ولو بعدت غيبته.\nوقال بعض علماء المالكية منهم سحنون: لا ينتظر بعيد الغيبة، وعليه درج خليل بن إسحاق في مختصره في مذهب مالك، الذي قال في ترجمته مبينا لما به الفتوى بقوله: (وانتظر غائب لم تبعد غيبته، لا مطبق وصغير لم يتوقف الثبوت عليه).\nوقال ابن قدامة في \"المغني\" ما نصه: والدليل على أن للصغير والمجنون فيه حقًا أربعة أمور:\nأحدها: أنه لو كان منفردًا لاستحقه؛ ولو نافاه الصغر مع غيره لنافاه منفردًا كولاية النكاح. والثاني: أنه لو بلغ لاستحق،","vol":"3","page":647},{"text":"ولو لم يكن مستحقًا عند الموت لم يكن مستحقًا بعده؛ كالرقيق إذا عتق بعد موت أبيه.\nوالثالث: أنه لو صار الأمر إلى المال لاستحق، ولو لم يكن مستحقًا للقصاص لما استحق بدله كالأجنبي.\nوالرابع: أنه لو مات الصغير لاستحقه ورثته، ولو لم يكن حقًا لم يرثه كسائر ما لم يستحقه.\nواحتج من قال: إنه لا يلزم انتظار بلوغ الصبي، ولا إفاقة المجنون المطبق بأمرين:\nأحدهما: أن القصاص حق من حقوق القاصر، إلا أنه لما كان عاجزًا عن النظر لنفسه كان غيره يتولى النظر في ذلك كسائر حقوقه، فإن النظر فيها لغيره، ولا ينتظر بلوغه في جميع التصرف بالمصلحة في جميع حقوقه، وأولى من ينوب عنه في القصاص الورثة المشاركون له فيه، وهذا لا يرد عليه شيء من الأمور الأربعة التي ذكرها صاحب المغني؛ لأنه يقال فيه بموجبها فيقال فيه: هو مستحق لكنه قاصر في الحال، فيعمل غيره بالمصلحة في حقه في القصاص كسائر حقوقه؛ ولاسيما شريكه الذي يتضرر بتعطيل حقه في القصاص إلى زمن بعيد.\nالأمر الثاني: أن الحسن بن علي ﵁ قتل عبد الرحمن ابن ملجم المرادي قصاصًا بقتله عليًا ﵁، وبعض أولاد على إذ ذاك صغار، ولم ينتظر بقتله بلوغهم، ولم ينكر عليه ذلك أحد من الصحابة ولا غيرهم، وقد فعل ذلك بأمر علي","vol":"3","page":648},{"text":"﵁ كما هو مشهور في كتب التاريخ، ولو كان انتظار بلوغ الصغير واجبًا لانتظره.\nوأجيب عن هذا من قبل المخالفين بجوابين:\nأحدهما: أن ابن ملجم كافر؛ لأنه مستحل دم علي، ومن استحل دم مثل علي ﵁ فهو كافر، وإذا كان كافرًا فلا حجة في قتله.\nالثاني: أنه ساع في الأرض بالفساد، فهو محارب، والمحارب إذا قتل وجب قتله على كل حال ولو عفا أولياء الدم؛ كما قدمناه في سورة \"المائدة\" وإذن فلا داعي للانتظار.\nقال البيهقي في السنن الكبرى ما نصه: قال بعض أصحابنا: إنما استبد الحسن بن علي ﵄ بقتله قبل بلوغ الصغار من ولد علي ﵁؛ لأنه قتله حدًا لكفره لا قصاصًا.\nوقال ابن قدامة في \"المغني\": فأما ابن ملجم فقد قيل: إنه قتله بكفره؛ لأنه قتل عليًا مستحلًا لدمه، معتقدًا كفره، متقربًا بذلك إلى الله تعالى. وقيل: قتله لسعيه في الأرض بالفساد وإظهار السلاح، فيكون كقاطع الطريق إذا قتل، وقتله متحتم، وهو إلى الإمام، والحسن هو الإمام، ولذلك لم ينتظر الغائبين من الورثة، ولا خلاف بيننا في وجوب انتظارهم. وإن قدر أنه قتله قصاصًا فقد اتفقنا على خلافه، فكيف يحتج به بعضنا على بعض. انتهى كلام صاحب المغني.\nوقال ابن كثير في تاريخه ما نصه: قال العلماء: ولم ينتظر","vol":"3","page":649},{"text":"بقتله بلوغ العباس بن علي، فإنه كان صغيرا يوم قتل أبوه. قالوا: لأنه كان قتل محاربة لا قصاصًا. والله أعلم اهـ.\nواستدل القائلون بأن ابن ملجم كافر بالحديث الذي رواه علي عن النبي - ﷺ - قال: قال لي رسول الله - ﷺ -: \"من أشقى الأولين\"؟ قلت: عاقر الناقة. قال: \"صدقت. فمن أشقى الآخرين\"؟ قلت: لا علم لي يا رسول الله - ﷺ -. قال: \"الذي يضربك على هذا -وأشار بيده على يافوخه- فيخضب هذه من هذه -يعني لحيته- من دم رأسه\" قال: فكان يقول: وددت أنه قد انبعث أشقاكم\" وقد ساق طرق هذا الحديث ابن كثير ﵀ في تاريخه، وابن عبد البر في \"الاستيعاب\" وغيرهما.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي عليه أهل التاريخ والأخبار -والله تعالى أعلم- أن قتل ابن ملجم كان قصاصا لقتله عليًا ﵁؛ لا لكفر ولا حرابة، وعلي ﵁ لم يحكم بكفر الخوارج، ولما سئل عنهم قال: من الكفر فروا، فقد ذكر المؤرخون أن عليًا ﵁ أمرهم أن يحبسوا ابن ملجم ويحسنوا إساره، وأنه إن مات قتلوه به قصاصا، وإن حَيَّ فهو ولي دمه؛ كما ذكره ابن جرير، وابن الأثير، وابن كثير وغيرهم في تواريخهم.\nوذكره البيهقي في سننه، وهو المعروف عند الإخباريين. ولا شك أن ابن ملجم متأول -قبحه الله- ولكنه تأويل بعيد فاسد، مورد صاحبه النار، ولما ضرب عليا ﵁ قال: الحكم لله يا علي، لا لك ولا لأصحابك، ومراده أن رضاه بتحكيم الحكمين:","vol":"3","page":650},{"text":"أبي موسى، وعمرو بن العاص = كفر بالله لأن الحكم لله حده، لقوله: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾.\nولما أراد أولاد علي ﵁ أن يتشفوا منه فقطعت يداه ورجلاه لم يجزع، ولا فتر عن الذكر، ثم كحلت عيناه وهو في ذلك يذكر الله، وقرأ سورة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ إلى آخرها، وإن عينيه لتسيلان على خديه، ثم حاولوا لسانه ليقطعوه فجزع من ذلك جزعًا شديدًا، فقيل له في ذلك؛ فقال: إني أخاف أن أمكث فواقًا، لا أذكر الله اهـ ذكره ابن كثير وغيره.\nولأجل هذا قال عمران بن حطان السدوسي يمدح ابن ملجم -قبحه الله- في قتله أمير المؤمنين عليا ﵁:\nيا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\nإني لأذكره يومًا فأحسبه ... أوفى البرية عند الله ميزانا\nوجزى الله خيرًا الشاعر الذي يقول في الرد عليه:\nقل لابن ملجم والأقدار غالبة ... هدمت ويلك للإسلام أركانا\nقتلت أفضل من يمشي على قدم ... وأول الناس إسلاما وإيمانا\nوأعلم الناس بالقرآن ثم بما ... سن الرسول لنا شرعًا وتبيانا\nصهر النبي ومولاه وناصره ... أضحت مناقبه نورًا وبرهانا\nوكان منه على رغم الحسود له ... مكان هارون من موسى بن عمرانا\nذكرت قاتله والدمع منحدر ... فقلت: سبحان رب العرش سبحانا","vol":"3","page":651},{"text":"إني لأحسبه ما كان من بشر ... يخشى المعاد ولكن كان شيطانا\nأشقى مراد إذا عدت قبائلها ... وأخسر الناس عند الله ميزانا\nكعاقر الناقة الأولى التي جلبت ... على ثمود بأرض الحجر خسرانا\nقد كان يخبرهم أن سوف يخضبها ... قبل المنية أزمانا فأزمانا\nفلا عفا الله عنه ما تحمله ... ولا سقى قبر عمران بن حطانا\nلقوله في شقي ظل مجترمًا ... وناله ما ناله ظلمًا وعدوانا\n\"يا ضربة من تقي ما أراد بها ... إلا ليبلغ من ذي العرش رضوانا\"\nبل ضربة من غوي أوردته لظى ... فسوف يلقى بها الرحمن غضبانا\nكأنه لم يرد قصدًا بضربته ... إلا ليصلى عذاب الخلد نيرانا\nوبما ذكرنا: تعلم أن قتل الحسن بن علي ﵁ لابن ملجم قبل بلوغ الصغار من أولاد علي يقوي حجة من قال بعدم انتظار بلوغ الصغير.\nوحجة من قال أيضًا بكفره قوية للحديث الدال على أنه أشقى الآخرين مقرونًا بقاتل ناقة صالح المذكور في قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾ وذلك يدل على كفره. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: اعلم أن هذا القتل ظلمًا، الذي جعل الله بسببه هذا السلطان والنصر المذكورين في هذه الآية الكريمة، التي هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا . .﴾ الآية، يثبت بواحد من ثلاثة أشياء: اثنان منها متفق عليها، وواحد","vol":"3","page":652},{"text":"مختلف فيه.\nأما الإثنان المتفق على ثبوته بهما: فهما الإقرار بالقتل، والبينة المشاهدة عليه.\nوأما الثالث المختلف فيه: فهو أيمان القسامة مع وجود اللوث، وهذه أدلة ذلك كله.\nوأما الإقرار بالقتل: فقد دلت أدلة على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة به.\nقال البخاري في صحيحه: [باب إذا أقر بالقتل مرة قتل به] حدثني إسحاق، أخبرنا حبان، حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس بن مالك أن يهوديًا رض رأس جارية بين حجرين فقيل لها: من فعل بك هذا؟ أفلان؟ أفلان؟ حتى سمي اليهودي؛ فأومأت برأسها، فجيء باليهودي فاعترف، فأمر به النبي - ﷺ - فرض رأسه بالحجارة. وقد قال همام: بحجرين.\nوقد قال البخاري أيضًا: (باب سؤال القاتل حتى يقر) ثم ساق حديث أنس هذا وقال فيه: فلم يزل به حتى أقر فرض رأسه بالحجارة. وهو دليل صحيح واضح على لزوم السلطان المذكور في الآية الكريمة بإقرار القاتل. وحديث أنس هذا أخرجه أيضًا مسلم، وأصحاب السنن، والإمام أحمد.\nومن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عبيد الله بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا أبو يونس عن سماك بن حرب أن علقمة بن وائل حدثه أن أباه حدثه قال: إني","vol":"3","page":653},{"text":"لقاعد مع النبي - ﷺ - إذ جاء رجل يقود آخر بنسعة فقال: يا رسول الله، هذا قتل أخي! فقال رسول الله - ﷺ -: \"أقتلته\"؟ فقال: إنه لو لم يعترف أقمت عليه البينة. قال: نعم قتلته. قال: كيف قتلته؟ قال: كنت أنا وهو نختبط من شجرة؛ فسبني فأغضبني فضربته بالفأس على قرنه فقتلته. فقال له النبي - ﷺ -: \"هل لك من شيء تؤديه عن نفسك\"؟ قال: ما لي مال إلا كسائي وفأسي. قال: فترى قومك يشترونك؟ \" قال: أنا أهون عليهم من ذاك! فرمى إليه بنسعته وقال: \"دونك صاحبك .. \" الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بالإقرار.\nومن الأدلة على ذلك إجماع المسلمين عليه. وسيأتي إن شاء الله إيضاح إلزام الإنسان ما أقر به على نفسه في سورة \"القيامة\".\nوأما البينة الشاهدة بالقتل عمدًا عدوانًا = فقد دل الدليل أيضًا على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بها.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا الحسن بن علي بن راشد، أخبرنا هشيم، عن أبي حيان التيمي، ثنا عباية بن رفاعة، عن رافع ابن خديج قال: أصبح رجل من الأنصار مقتولًا بخيبر؛ فانطلق أولياؤه إلى النبي - ﷺ - فذكروا ذلك له، فقال: \"لكم شاهدان يشهدان على قتل صاحبكم\"؟ قالوا: يا رسول الله - ﷺ -، لم يكن ثم أحد من المسلمين، وإنما هم يهود! وقد يجترئون على أعظم من هذا! قال: \"فاختاروا منهم خمسين فاستحلفوهم فأبوا؛ فوداه النبي - ﷺ - من عنده\" اهـ.\nفقول النبي - ﷺ - في هذا الحديث: \"لكم شاهدان على قتل","vol":"3","page":654},{"text":"صاحبكم\" فيه دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية بشهادة شاهدين على القتل.\nوهذا الحديث سكت عليه أبو داود، والمنذري، ومعلوم أن رجال هذا الإسناد كلهم رجال الصحيح؛ إلا الحسن بن علي بن راشد وقد وثق. وقال فيه ابن حجر في \"التقريب\": صدوق رمي بشيء من التدليس.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن معمر، قال: حدثنا روح بن عبادة، قال: حدثنا عبيد الله بن الأخنس، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: أن ابن محيصة الأصغر أصبح قتيلًا على أبواب خيبر؛ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته\" قال: يا رسول الله، ومن أين أصيب شاهدين، وإنما أصبح قتيلًا على أبوابهم. قال: \"فتحلف خمسين قسامة\" قال: يا رسول الله، وكيف أحلف على ما لا أعلم. فقال رسول الله - ﷺ -: \"فتستحلف منهم خمسين قسامة\" فقال: يا رسول الله، كيف نستحلفهم وهم اليهود! فقسم رسول الله - ﷺ - ديته عليهم وأعانهم بنصفها اهـ.\nفقوله - ﷺ - في هذا الحديث: \"أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته\" = دليل واضح على ثبوت السلطان المذكور في الآية الكريمة بشهادة شاهدين. وأقل درجات هذا الحديث الحسن. وقال فيه ابن حجر في \"الفتح\": هذا السند صحيح حسن.\nومن الأدلة الدالة على ذلك: إجماع المسلمين على ثبوت القصاص بشهادة عدلين على القتل عمدًا عدوانًا.","vol":"3","page":655},{"text":"وقد قدمنا قول من قال من العلماء: إن أخبار الآحاد تعتضد بموافقة الإجماع لها حتى تصير قطعية كالمتواتر، لاعتضادها بالمعصوم، وهو إجماع المسلمين. وأكثر أهل الأصول يقولون: إن اعتضاد خبر الآحاد بالإجماع لا يصيره قطعيًا؛ وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث أخبار الآحاد:\nولا يفيد القطع ما يوافق الـ ... إجماع والبعض بقطع ينطق\nوبعضهم يفيد حيث عولا ... عليه وانفه إذا ما قد خلا\nمع دواعي رده من مبطل ... كما يدل لخلافة علي\nوقوله: وانفه إذا ما قد خلا .. الخ: مسألة أخرى غير التي نحن بصددها. وإنما ذكرناها لارتباط بعض الأبيات ببعض.\nوأما أيمان القسامة مع وجود اللوث: فقد قال بعض أهل العلم بوجوب القصاص بها. وخالف في ذلك بعضهم.\nفممن قال بوجوب القود بالقسامة: مالك وأصحابه، وأحمد، وهو أحد قولي الشافعي، وروى عن ابن الزبير، وعمر بن عبد العزيز. والظاهر أن عمر بن عبد العزيز رجع عنه.\nوبه قال أبو ثور، وابن المنذر، وهو قول الزهري، وربيعة، وأبي الزناد، والليث، والأوزاعي، وإسحاق، وداود.\nوقضى بالقتل بالقسامة عبد الملك بن مروان، وأبوه مروان. وقال أبو الزناد: قلنا بها وأصحاب رسول الله - ﷺ - متوافرون، إني لأرى أنهم ألف رجل فما اختلف منهم اثنان.","vol":"3","page":656},{"text":"وقال ابن حجر (في فتح الباري): إنما نقل ذلك أبو الزناد عن خارجة بن زيد بن ثابت؛ كما أخرجه سعيد بن منصور والبيهقي من رواية عبد الرحمن بن أبي الزناد عن أبيه، وإلا فأبو الزناد لا يثبت أنه رأى عشرين من الصحابة فضلًا عن ألف.\nوممن قال بأن القسامة تجب بها الدية ولا يجب بها القود: الشافعي في أصح قوليه، وهو مذهب أبي حنيفة، وروي عن أبي بكر، وعمر، وابن عباس، ومعاوية ﵃، وهو مروي عن الحسن البصري، والشعبي، والنخعي، وعثمان البتي، والحسن ابن صالح، وغيرهم.\nوعن معاوية: القتل بها أيضًا؛ وذهبت جماعة أخرى إلى أن القسامة لا يثبت بها حكم من قصاص ولا دية. وهذا مذهب الحكم ابن عتيبة، وأبي قلابة، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، وقتادة، ومسلم بن خالد، وإبراهيم بن علية. وإليه ينحو البخاري، وروى عن عمر بن عبد العزيز باختلاف عنه.\nوروي عن عبد الملك بن مروان أنه ندم على قتله رجلًا بالقسامة، ومحا أسماء الذين حلفوا أيمانهم من الديوان، وسيرهم إلى الشام؛ قاله البخاري في صحيحه.\nفإذا عرفت أقوال أهل العلم في القسامة، فدونك أدلتهم على أقوالهم في هذه المسألة.\nأما الذين قالوا بالقصاص بالقسامة فاستدلوا على ذلك بما ثبت في بعض روايات حديث سهل بن أبي حثمة في صحيح مسلم","vol":"3","page":657},{"text":"وغيره: أن رسول الله - ﷺ - قال في قتل عبد الله بن سهل الأنصاري بخيبر مخاطبًا لأولياء المقتول: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته .. \" الحديث. فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الثابت في صحيح مسلم وغيره \"فيدفع برمته\" معناه: أنه يسلم لهم ليقتلوه بصاحبهم. وهو صحيح صريح في القود بالقسامة.\nومن أدلتهم على ذلك حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند النسائي الذي قدمناه قريبًا. وقد قدمنا عن ابن حجر أنه قال فيه: صحيح حسن. فقول النبي - ﷺ - فيه: \"أقم شاهدين على من قتله أدفعه إليكم برمته\" صريح أيضًا في القود بالقسامة.\nوادعاء أن معنى دفعه إليهم برمته: أي ليأخذوا منه الدية = بعيد جدًا كما ترى.\nومن أدلتهم ما ثبت في رواية متفق عليها في حديث سهل المذكور: أن رسول الله - ﷺ - قال لأولياء المقتول: \"تحلفون خمسين يمينًا وتستحقون قاتلكم أو صاحبكم .. \" الحديث. قالوا: فعلى أن الرواية \"قاتلكم\" فهي صريح في القود بالقسامة، وعلى أنها \"صاحبكم\" فهي محتملة لذلك احتمالًا قويًا.\nوأجيب من جهة المخالف بأن هذه الرواية لا يصح الاحتجاج بها للشك في اللفظ الذي قاله رسول الله - ﷺ -، ولو فرضنا أن لفظ الحديث في نفس الأمر \"صاحبكم\" لاحتمل أن يكون المراد به المقتول، وأن المعنى: تستحقون ديته، والاحتمال المساوي يبطل الاستدلال كما هو معروف في الأصول؛ لأن مساواة الاحتمالين يصير بها اللفظ مجملًا، والمجمل يجب التوقف عنه حتى يرد دليل","vol":"3","page":658},{"text":"مبين للمراد منه.\nومن أدلتهم ما جاء في رواية عند الإمام أحمد: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"تسمون قاتلكم ثم تحلفون عليه خمسين يمينًا ثم نسلمه\".\nومن أدلتهم ما جاء في رواية عند مسلم وغيره: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم\" قالوا: معنى \"دم صاحبكم\" قتل القاتل.\nوأجيب من جهة المخالف باحتمال أن المراد \"بدم صاحبكم\" الدية، وهو احتمال قوي أيضًا؛ لأن العرب تطلق الدم على الدية، ومنه قوله:\nأكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر\nومن أدلتهم ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمود بن خالد وكثير ابن عبيد قالا: حدثنا الوليد (ح).\nوحدثنا محمد بن الصباح بن سفيان، أخبرنا الوليد، عن أبي عمرو، عن عمرو بن شعيب، عن رسول الله - ﷺ - \"أنه قتل بالقسامة رجلًا من بني نصر بن مالك ببحرة الرغاء على شط لية البحرة، قال: القاتل والمقتول منهم\" وهذا لفظ محمود ببحرة أقامه محمود وحده على شط لية اهـ وانقطاع سند هذا الحديث واضح في قوله: \"عن عمرو بن شعيب عن رسول الله - ﷺ -\" كما ترى.\nوقد ساق البيهقي في السنن الكبرى حديث أبي داود هذا وقال: هذا منقطع، ثم قال: وروى أبو داود أيضًا في المراسيل عن","vol":"3","page":659},{"text":"موسى بن إسماعيل، عن حماد عن قتادة، وعامر الأحول، عن أبي المغيرة: أن رسول الله - ﷺ - \"أقاد بالقسامة الطائف\" وهو أيضًا منقطع.\nوروى البيهقي في سننه عن أبي الزناد قال: أخبرني خارجة ابن زيد بن ثابت، أن رجلًا من الأنصار قتل وهو سكران رجلًا ضربه بشوبق، ولم يكن على ذلك بينة قاطعة إلا لطخ أو شبيه ذلك، وفي الناس يومئذ من أصحاب رسول الله - ﷺ -، ومن فقهاء الناس ما لا يحصى، وما اختلف اثنان منهم أن يحلف ولاة المقتول ويقتلوا أو يستحيوا، فحلفوا خمسين يمينًا وقتلوا، وكانوا يخبرون أن رسول الله - ﷺ - قضى بالقسامة، ويرونها للذي يأتي به من اللطخ أو الشبهة أقوى مما يأتي به خصمه، ورأوا ذلك في الصهبي حين قتله الحاطبيون وفي غيره. ورواه ابن وهب عن أبي الزناد وزاد فيه: أن معاوية كتب إلى سعيد بن العاصي: إن كان ما ذكرنا له حقًا ألا يحلفنا على القاتل ثم يسلمه إلينا.\nوقال البيهقي في سننه أيضًا: أخبرنا أبو سعيد بن أبي عمرو، ثنا أبو العباس الأصم، ثنا بحر بن نصر، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن أبي الزناد: أن هشام بن عروة أخبره: أن رجلًا من آل حاطب بن أبي بلتعة كانت بينه وبين رجل من آل صهيب منازعة .. فذكر الحديث في قتله قال: فركب يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب إلى عبد الملك بن مروان في ذلك؛ فقضى بالقسامة على ستة نفر من آل حاطب، فثنى عليهم الأيمان، فطلب آل حاطب أن يحلفوا على اثنين ويقتلوهما؛ فأبى عبد الملك إلا أن","vol":"3","page":660},{"text":"يحلفوا على واحد فيقتلوه. فحلفوا على الصهيبي فقتلوه.\nقال هشام: فلم ينكر ذلك عروة، ورأى أن قد أصيب فيه الحق، وروينا فيه عن الزهري وربيعة.\nويذكر عن ابن أبي مليكة عن عمر بن عبد العزيز وابن الزبير: أنهما أفادا بالقسامة.\nويذكر عن عمر بن عبد العزيز أنه رجع عن ذلك وقال: إن وجد أصحابه بينة وإلا فلا تظلم الناس، فإن هذا لا يقضى فيه إلى يوم القيامة - انتهى كلام البيهقي ﵀. هذه هي أدلة من أوجب القود بالقسامة.\nوأما حجج من قال: لا يجب بها إلا الدية - فمنها ما ثبت في بعض روايات حديث سهل المذكور عند مسلم وغيره: أن النبي - ﷺ - قال: \"إما أن يدوا صاحبكم، وإما أن يؤذنوا بحرب\".\nقال النووي في شرح مسلم: معناه إن ثبت القتل عليهم بقسامتكم، فإما أن يدوا صاحبكم -أي: يدفعوا إليكم ديته- وإما أن يعلمونا أنهم ممتنعون من التزام أحكامنا، فينتقض عهدهم، ويصيرون حربًا لنا.\nوفيه دليل لمن يقول: الواجب بالقسامة الدية دون القصاص اهـ كلام النووي، ﵀.\nومنها ما ثبت في بعض روايات الحديث المذكور في صحيح البخاري وغيره: أن النبي - ﷺ - قال: \"أفتستحقون الدية بأيمان خمسين منكم\" قالوا: هذه الرواية الثابتة في صحيح البخاري","vol":"3","page":661},{"text":"صريحة في أن المستحق بأيمان القسامة إنما هو الدية لا القصاص.\nومن أدلتهم أيضًا ما ذكره الحافظ (في فتح الباري) قال: وتمسك من قال: لا يجب فيها إلا الدية، بما أخرجه الثوري في جامعه، وابن أبي شيبة، وسعيد بن منصور بسند صحيح إلى الشعبي قال: وجد قتيل بين حيين من العرب، فقال عمر: قيسوا ما بينهما فأيهما وجدتموه إليه أقرب فأحلفوهم خمسين يمينًا، وأغرموهم الدية. وأخرجه الشافعي عن سفيان بن عيينة، عن منصور، عن الشعبي: أن عمر كتب في قتيل وجد بين خيران ووادعة أن يقاس ما بين القريتين؛ فإلى أيهما كان أقرب أخرج إليهم منهم خمسون رجلًا حتى يوافوه في مكة، فأدخلهم الحجر فأحلفهم، ثم قضى عليهم الدية. فقال: \"حقنت أيمانكم دماءكم، ولا يطل دم رجل مسلم\".\nقال الشافعي: إنما أخذه الشعبي عن الحارث الأعور، والحارث غير مقبول. انتهى.\nوله شاهد مرفوع من حديث أبي سعيد عند أحمد: أن قتيلًا وجد بين حيين فأمر النبي - ﷺ - \"أن يقاس إلى أيهما أقرب فألقى ديته على الأقرب\" ولكن سنده ضعيف.\nوقال عبد الرزاق في مصنفه: قلت لعبد الله بن عمر العمري: أعلمت أن رسول الله - ﷺ - أقاد بالقسامة؟ قال: لا، قلت: فأبو بكر؟ قال: لا. قلت: فعمر؟ قال: لا. قلت: فلم تجترئون عليها! فسكت.\nوأخرج البيهقي من طريق القاسم بن عبد الرحمن أن عمر قال","vol":"3","page":662},{"text":"في القسامة: توجب العقل ولا تسقط الدم. انتهى كلام ابن حجر ﵀.\nفهذه هي أدلة من قال: إن القسامة توجب الدية ولا توجب القصاص.\nوأما حجة من قال: إن القسامة لا يلزم بها حكم = فهي أن الذين يحلفون أيمان القسامة إنما يحلفون على شيء لم يحضروه، ولم يعلموا أحق هو أم باطل، وحلف الإنسان على شيء لم يره دليل على أنه كاذب.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو بشر إسماعيل بن إبراهيم الأسدي، حدثنا الحجاج بن أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء من آل أبي قلابة، حدثني أبو قلابة أن عمر بن عبد العزيز أبرز سريره يومًا للناس، ثم أذن لهم فدخلوا، فقال: ما تقولون في القسامة؟ قالوا: نقول: القسامة القود بها حق، وقد أقادت بها الخلفاء. قال لي: ما تقول يا أبا قلابة؟ ونصبني للناس. فقلت: يا أمير المؤمنين، عندك رءوس الأجناد وأشراف العرب! أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل محصن بدمشق أنه قد زنى لم يروه، أكنت ترجمه؟ قال: لا. قلت: أرأيت لو أن خمسين منهم شهدوا على رجل بحمص أنه سرق، أكنت تقطعه ولم يروه؟ قال: لا. قلت: فوالله ما قتل رسول الله - ﷺ - أحدًا قط إلا في إحدى ثلاث خصال: رجل قتل بجريرة نفسه فقتل، أو رجل زنى بعد إحصان، أو رجل حارب الله ورسوله وارتد عن الإسلام .. إلى آخر حديثه.","vol":"3","page":663},{"text":"ومراد أبي قلابة واضح، وهو أنه كيف يقتل بأيمان قوم يحلفون على شيء لم يروه ولم يحضروه!.\nهذا هو حاصل كلام أهل العلم في القود  بالقسامة، وهذه حججهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال عندي دليلًا: القود بالقسامة؛ لأن الرواية الصحيحة التي قدمنا فيها أن النبي - ﷺ - قال: \"إنهم إن حلفوا أيمان القسامة دفع القاتل برمته إليهم\" وهذا معناه القتل بالقسامة كما لا يخفى. ولم يثبت ما يعارض هذا.\nوالقسامة أصل وردت به السنة، فلا يصح قياسه على غيره من رجم أو قطع؛ كما ذهب إليه أبو قلابة في كلامه المار آنفًا؛ لأن القسامة أصل من أصول الشرع مستقل بنفسه؛ شرع لحياة الناس وردع المعتدين، ولم تمكن فيه أولياء المقتول من أيمان القسامة إلا مع حصول لوث يغلب على الظن به صدقهم في ذلك.\nتنبيه\nاعلم: أن رواية سعيد بن عبيد، عن بشير بن يسار، عن سهل ابن أبي حثمة التي فيها: أن النبي - ﷺ - \"لما سأل أولياء المقتول هل لهم بينة\" وأخبروه بأنهم ليس لهم بينة، قال: \"يحلفون\" يعني اليهود المدعى عليهم، وليس فيها ذكر حلف أولياء المقتول أصلًا = لا دليل فيها لمن نفى القود بالقسامة؛ لأن سعيد بن عبيد وهم فيها، فأسقط من السياق تبدئة المدعين باليمين، لكونه لم يذكر في روايته رد اليمين.","vol":"3","page":664},{"text":"ورواه يحيى بن سعيد عن بشير بن يسار فذكر أن النبي - ﷺ - عرض الأيمان أولًا على أولياء المقتول، فلما أبوا عرض عليهم رد الأيمان على المدعى عليهم، فاشتملت رواية يحيى بن سعيد على زيادة من ثقة حافظ فوجب قبولها.\nوقد ذكر البخاري ﵀ رواية سعيد بن عبيد (في باب القسامة) وذكر رواية يحيى بن سعيد (في باب الموادعة والمصالحة مع المشركين) وفيها: \"تحلفون وتستحقون قاتلكم\" أو \"صاحبكم\" الحديث. والخطاب في قوله \"تحلفون وتستحقون لأولياء المقتول\".\nوجزم بما ذكرنا من تقديم رواية يحيى بن سعيد المذكورة على رواية سعيد بن عبيد = ابن حجر في الفتح وغير واحد؛ لأنها زيادة من ثقة حافظ لم يعارضها غيرها فيجب قبولها، كما هو مقرر في علم الحديث، وعلم الأصول.\nوقال القرطبي في تفسيره في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا ..﴾ الآية؛ وقد أسند حديث سهل أن النبي - ﷺ - بدأ المدعين: يحيى بن سعيد، وابن عيينة، وحماد بن زيد، وعبد الوهاب الثقفي، وعيسى بن حماد، وبشر بن المفضل، فهؤلاء سبعة. وإن كان أرسله مالك فقد وصله جماعة الحفاظ، وهو أصح من حديث سعيد بن عبيد.\nوقال مالك ﵀ (في الموطإ) بعد أن ساق رواية يحيى ابن سعيد المذكورة: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون اهـ","vol":"3","page":665},{"text":"محل الغرض منه.\nواعلم أن العلماء أجمعوا على أن القسامة يشترط لها لوث، ولكنهم اختلفوا في تعيين اللوث الذي تحلف معه أيمان القسامة، فذهب مالك ﵀ إلى أنه أحد أمرين:\nالأول: أن يقول المقتول: دمي عند فلان. وهل يكفي شاهد واحد على قوله ذلك، أو لابد من اثنين؟ خلاف عندهم.\nوالثاني: أن تشهد بذلك بينة لا يثبت بها القتل كاثنين غير عدلين.\nقال مالك في الموطإ: الأمر المجتمع عليه عندنا، والذي سمعته ممن أرضى في القسامة، والذي اجتمعت عليه الأئمة في القديم والحديث: أن يبدأ بالأيمان المدعون في القسامة فيحلفون، وأن القسامة لا تجب إلا بأحد أمرين: إما أن يقول المقتول دمي عند فلان، أو يأتي ولاة الدم بلوث من بينة، وإن لم تكن قاطعة على الذي يدعى عليه الدم، فهذا يوجب القسامة لمدعي الدم على من ادعوه عليه، ولا تجب القسامة عندنا إلا بأحد هذين الوجهين - اهـ محل الغرض منه، هكذا قال في الموطإ. وستأتي زيادة عليه إن شاء الله.\nواعلم أن كثيرًا من أهل العلم أنكروا على مالك ﵀ إيجابه القسامة بقول المقتول قتلني فلان. قالوا: هذا قتل مؤمن بالإيمان على دعوى مجردة.\nواحتج مالك ﵀ بأمرين:","vol":"3","page":666},{"text":"الأول: أن المعروف من طبع الناس عند حضور الموت: الإنابة والتوبة والندم على ما سلف من العمل السيء، وقد دلت على ذلك آيات قرآنية، كقوله: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾ وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ وقوله: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nفهذا معهود من طبع الإنسان، ولا يعلم من عادته أن يدع قاتله ويعدل إلى غيره، وما خرج عن هذا نادر في الناس لا حكم له.\nالأمر الثاني: أن قصة قتيل بني إسرائيل تدل على اعتبار قول المقتول دمي عند فلان؛ فقد استدل مالك بقصة القتيل المذكور على صحة القول بالقسامة بقوله: قتلني فلان، أو دمي عند فلان -في رواية ابن وهب وابن القاسم-.\nورد المخالفون هذا الاستدلال بأن إحياء القتيل معجزة لنبي الله موسى، وقد أخبر الله تعالى أنه يحييه، وذلك يتضمن الإخبار بقاتله خبرًا جزمًا لا يدخله احتمال، فافترقا.\nورد ابن العربي المالكي هذا الاعتراض بأن المعجزة إنما كانت في إحياء المقتول، فلما صار حيًا كان كلامه كسائر كلام الناس كلهم في القبول والرد.\nقال: وهذا فن دقيق من العلم لم يتفطن له إلا مالك، وليس","vol":"3","page":667},{"text":"في القرآن أنه إذا أخبر وجب صدقه؛ فلعله أمرهم بالقسامة معه اهـ كلام ابن العربي. وهو غير ظاهر عندي؛ لأن سياق القرآن يقتضي أن القتيل إذا ضرب ببعض البقرة وحيي أخبرهم بقاتله، فانقطع بذلك النزاع المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾ فالغرض الأساسي من ذبح البقرة قطع النزاع بمعرفة القاتل بإخبار المقتول إذا ضرب ببعضها فحيي، والله تعالى أعلم.\nوالشاهد العدل لوث عند مالك في رواية ابن القاسم، وروى أشهب عن مالك: أنه يقسم مع الشاهد غير العدل ومع المرأة وروى ابن وهب: أن شهادة النساء لوث، وذكر محمد عن ابن القاسم: أن شهادة المرأتين لوث، دون شهادة المرأة الواحدة.\nوقال القاضي أبو بكر بن العربي: اختلف في اللوث اختلافًا كثيرًا. ومشهور مذهب مالك: أنه الشاهد العدل، وقال محمد: هو أحب إلى، قال: وأخذ به ابن القاسم وابن عبد الحكم.\nوممن أوجب القسامة بقوله: دمي عند فلان: الليث بن سعد، وروي عن عبد الملك بن مروان.\nوالذين قالوا بالقسامة بقول المقتول: دمي عند فلان، منهم من يقول: يشترط في ذلك أن يكون به جراح، ومنهم من أطلق.\nوالذي به الحكم، وعليه العمل عند المالكية: أنه لابد في ذلك من أثر جرح أو ضرب بالمقتول، ولا يقبل قوله بدون وجود أثر الضرب.\nواعلم أنه بقيت صورتان من صور القسامة عند مالك.","vol":"3","page":668},{"text":"الأولى: أن يشهد عدلان بالضرب، ثم يعيش المضروب بعده أيامًا ثم يموت منه من غير تخلل إفاقة، وبه قال الليث أيضًا.\nوقال الشافعي: يجب في هذه الصورة القصاص بتلك الشهادة على الضرب، وهو مروي أيضًا عن أبي حنيفة.\nالثانية: أن يوجد مقتول وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا، ولا يوجد غيره فتشرع القسامة عند مالك. وبه قال الشافعي. ويلحق بهذا أن تفترق جماعة عن قتيل. وفي رواية عن مالك في القتيل يوجد بين طائفتين مقتتلتين أن القسامة على الطائفة التي ليس منها القتيل إن كان من إحدى الطائفتين، أَمّا إن كان من غيرهما فالقسامة عليهما، والجمهور على أن القسامة عليهما معًا مطلقًا. قاله ابن حجر في الفتح.\nوأما اللوث الذي تجب به القسامة عند الإمام أبي حنيفة فهو أن يوجد قتيل في محلة أو قبيلة لم يدر قاتله، فيحلف خمسون رجلًا من أهل تلك المحلة التي وجد بها القتيل يتخيرهم الولي: ما قتلناه ولا علمنا له قاتلًا، ثم إذا حلفوا غرم أهل المحلة الدية، ولا يحلف الولي، وليس في مذهب أبي حنيفة ﵀ قسامة إلا بهذه الصورة.\nوممن قال بأن وجود القتيل بمحلة لوث يوجب القسامة: الثوري والأوزاعي. وشرط هذا عند القائلين به إلا الحنفية: أن يوجد بالقتل أثر.\nوجمهور أهل العلم على أن وجود القتيل بمحلة لا يوجب","vol":"3","page":669},{"text":"القسامة، بل يكون هدرًا لأنه قد يقتل ويلقى في المحلة لتلصق بهم التهمة. وهذا ما لم يكونوا أعداء للمقتول ولم يخالطهم غيرهم وإلا وجبت القسامة، كقصة اليهود مع الأنصاري.\nوأما الشافعي ﵀ فإن القسامة تجب عنده بشهادة من لا يثبت القتل بشهادته، كالواحد، أو جماعة غير عدول، وكذلك تجب عنده بوجود المقتول يتشحط في دمه، وعنده أو بالقرب منه من بيده آلة القتل، وعليه أثر الدم مثلًا ولا يوجد غيره، ويلحق به افتراق الجماعة عن قتيل.\nوقد قدمنا قول الجمهور في القتيل يوجد بين الطائفتين المقتتلتين. والذي يظهر لي أنه إن كان من إحدى الطائفتين المقتتلتين: أن القسامة فيه تكون على الطائفة الأخرى دون طائفته التي هو منها، وكذلك تجب عنده فيما يشبه قصة اليهودي مع الأنصاري.\nوأما الإمام أحمد فاللوث الذي تجب به القسامة عنده فيه روايتان.\nالأولى: أن اللوث هو العداوة الظاهرة بين المقتول والمدعى عليه، كنحو ما بين الأنصار واليهود، وما بين القبائل والأحياء وأهل القرى الذين بينهم الدماء والحروب وما جرى مجرى ذلك. ولا يشترط عنده على الصحيح ألا يخالطهم غيرهم - نص على ذلك الإمام أحمد في رواية مهنا. واشترط القاضي ألا يخالطهم غيرهم كمذهب الشافعي. قاله في المغني.\nوالرواية الثانية عن أحمد ﵀: أن اللوث هو ما يغلب","vol":"3","page":670},{"text":"به على الظن صدق المدعي، وذلك من وجوه: أحدها: العداوة المذكورة.\nوالثاني: أن يتفرق جماعة عن قتيل فيكون ذلك لوثًا في حق كل واحد منهم، فإن ادعى الولي على واحد فأنكر كونه مع الجماعة فالقول قوله مع يمينه. ذكره القاضي، وهو مذهب الشافعي.\nوالثالث: أن يوجد المقتول ويوجد بقربه رجل معه سكين، أو سيف ملطخ بالدم، ولا يوجد غيره.\nالرابع: أن تقتتل فئتان فيفترقون عن قتيل من إحداهما، فاللوث على الأخرى، ذكره القاضي. فإن كانوا بحيث لا تصل سهام بعضهم بعضا فاللوث على طائفة القتيل. وهذا قول الشافعي. وروى عن أحمد: أن عقل القتيل على الذين نازعوهم فيما إذا اقتتلت الفئتان إلا أن يدعوا على واحد بعينه. وهذا قول مالك. وقال ابن أبي ليلى: على الفريقين جميعًا؛ لأنه يحتمل أنه مات من فعل أصحابه فاستوى الجميع فيه. وقد قدمنا عن ابن حجر أن هذا قول الجمهور.\nالخامس: أن يشهد بالقتل عبيد ونساء، فعن أحمد هو لوث لأنه يغلب على الظن صدق المدعي، وعنه ليس بلوث؛ لأنها شهادة مردودة فلم يكن لها أثر.\nفأما القتيل الذي يوجد في الزحام كالذي يموت من الزحام يوم الجمعة أو عند الجمرة: فظاهر كلام أحمد أن ذلك ليس بلوث، فإنه قال فيمن مات بالزحام يوم الجمعة: ديته في بيت","vol":"3","page":671},{"text":"المال. وهذا قول إسحاق، وروي عن عمر وعلي، فإن سعيدًا روى في سننه عن إبراهيم قال: قتل رجل في زحام الناس بعرفة، فجاء أهله إلى عمر فقال: بينتكم على من قتله، فقال علي: يا أمير المؤمنين، لا يطل دم امرئ مسلم إن علمت قاتله، وإلا فأعطهم ديته من بيت المال. انتهى من المغني.\nوقد قال ابن حجر في الفتح في باب إذا مات في الزحام أو قتل به في الكلام على قتل المسلمين يوم أحد اليمان والد حذيفة ﵄ ما نصه: وحجته (يعني إعطاء ديته من بيت المال) ما ورد في بعض طرقه قصة حذيفة، وهو ما أخرجه أبو العباس السراج في تاريخه من طريق عكرمة: أن والد حذيفة قتل يوم أحد، قتله بعض المسلمين يظن أنه من المشركين، فواداه رسول الله - ﷺ -. وقد تقدم له شاهد مرسل أيضًا (في باب العفو عن الخطأ) وروى مسدد في مسنده من طريق يزيد بن مذكور: أن رجلًا زحم يوم الجمعة فمات فوداه علي من بيت المال.\nوفي المسألة مذاهب أخرى:\n(منها) قول الحسن البصري: أن ديته تجب على جميع من حضر، وهو أخص من الذي قبله. وتوجيهه: أنه مات بفعلهم فلا يتعداهم إلى غيرهم.\n(ومنها) قول الشافعي ومن اتبعه: أنه يقال لوليه ادع على من شئت واحلف؛ فإن حلفت استحققت الدية، وإن نكلت حلف المدعى عليه على النفي وسقطت المطالبة. وتوجيهه: أن الدم لا يجب إلا بالطلب.","vol":"3","page":672},{"text":"(ومنها) قول مالك: دمه هدر. وتوجيهه: أنه إذا لم يعلم قاتله بعينه استحال أن يؤخذ به أحد. وقد تقدمت الإشارة إلى الراجح من هذه المذاهب (في باب العفو عن الخطأ) - انتهى كلام ابن حجر ﵀.\nوالترجيح السابق الذي أشار له هو قوله في قول حذيفة ﵁ مخاطبا للمسلمين الذين قتلوا أباه خطأ: غفر الله لكم. استدل به من قال: إن ديته وجبت على من حضر؛ لأن معنى قوله: \"غفر الله لكم\" عفوت عنكم، وهو لا يعفو إلا عن شيء استحق أن يطالب به. انتهى محل الغرض منه. فكأن ابن حجر يميل إلى ترجيح قول الحسن البصري ﵀.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال عندي في اللوث الذي تجب القسامة به: أنه كل ما يغلب على الظن صدق أولياء المقتول في دعواهم؛ لأن جانبهم يترجح بذلك فيحلفون معه. وقد تقرر في الأصول \"أن المعتبر في الروايات والشهادات ما تحصل به غلبة الظن\" وعقده صاحب مراقي السعود بقوله في شروط الراوي:\nبغالب الظن يدور المعتبر ... فاعتبر الإسلام كل من غير - الخ\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: لا يحلف النساء ولا الصبيان في القسامة، وإنما يحلف فيها الرجال، وبهذا قال أبو حنيفة وأحمد، والثوري والأوزاعي، وربيعة والليث، وافقهم مالك في قسامة العمد، وأجاز حلف النساء الوارثات في قسامة الخطأ خاصة، وأما الصبي","vol":"3","page":673},{"text":"فلا خلاف بين العلماء في أنه لا يحلف أيمان القسامة.\nوقال الشافعي: يحلف في القسامة كل وارث بالغ ذكرًا كان أو أنثى، عمدًا كان أو خطأ.\nواحتج القائلون بأنه لا يحلف إلا الرجال بأن في بعض روايات الحديث في القسامة يقسم خمسون رجلًا منكم. قالوا: ويفهم منه أن غير الرجال لا يقسم.\nواحتج الشافعي ومن وافقه بقوله - ﷺ -: \"تحلفون خمسين يمينًا فتستحقون دم صاحبكم\" فجعل الحالف هو المستحق للدية والقصاص، ومعلوم أن غير الوارث لا يستحق شيئًا، فدل على أن المراد حلف من يستحق الدية.\nوأجاب الشافعية عن حجة الأولين بما قاله النووي في شرح مسلم؛ فإنه قال في شرحه لقوله - ﷺ -: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم\" ما نصه: هذا مما يجب تأويله؛ لأن اليمين إنما تكون على الوارث خاصة لا على غيره من القبيلة. وتأويله عند أصحابنا: أن معناه يؤخذ منكم خمسون يمينًا، والحالف هم الورثة، فلا يحلف أحد من الأقارب غير الورثة، يحلف كل الورثة ذكورًا كانوا أو إناثًا، سواء كان القتل عمدًا أو خطأ. هذا مذهب الشافعي، وبه قال أبو ثور وابن المنذر. ووافقنا مالك فيما إذا كان القتل خطأ، وأما فى العمد فقال: يحلف الأقارب خمسين يمينًا، ولا تحلف النساء ولا الصبيان. ووافقه ربيعة والليث، والأوزاعي، وأحمد، وداود، وأهل الظاهر. انتهى الغرض من كلام النووي ﵀.\nومعلوم أن هذا التأويل الذي أولوا به الحديث بعيد من ظاهر","vol":"3","page":674},{"text":"اللفظ، ولاسيما على الرواية التي تصرح بتمييز الخمسين بالرجل عند أبي داود وغيره.\nالفرع الثاني: قد علمت أن المبدأ بأيمان القسامة أولياء الدم على التحقيق كما تقدم إيضاحه، فإن حلفوا استحقوا القود أو الدية على الخلاف المتقدم، وإن نكلوا ردت الأيمان على المدعى عليهم؛ فإن حلفوها برئوا عند الجمهور، وهو الظاهر لقوله - ﷺ -: \"فتبرئكم يهود بأيمان خمسين منهم\" أي: يبرءون منكم بذلك. وهذا قول مالك والشافعي، والرواية المشهورة عن أحمد، وبه قال يحيى بن سعيد الأنصاري، وربيعة، وأبو الزناد، والليث، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني.\nوذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنهم إن حلفوا لزم أهل المحلة التي وجد بها القتيل أن يغرموا الدية، وذكر نحوه أبو الخطاب رواية عن أحمد، وقد قدمنا أن عمر ألزمهم الدية بعد أن حلفوا. ومعلوم أن المبدأ بالأيمان عند أبي حنيفة المدعى عليهم، ولا حلف على الأولياء عنده كما تقدم.\nالفرع الثالث: إن امتنع المدعون من الحلف ولم يرضوا بأيمان المدعى عليهم فالظاهر أن الإمام يعطي ديته من بيت المال؛ لأن النبي - ﷺ - فعل كذلك، والله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nالفرع الرابع: إن رُدت الأيمان على المدعى عليهم فقد قال بعض أهل العلم: لا يبرأ أحد منهم حتى يحلف بانفراده خمسين يمينًا، ولا توزع الأيمان عليهم بقدر عددهم.","vol":"3","page":675},{"text":"قال مالك في الموطإ: وهذا أحسن ما سمعت في ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد.\nوقال بعض علماء الحنابلة: تقسم الأيمان بينهم على عددهم بالسوية؛ لأن المدعى عليهم متساوون. وللشافعي قولان كالمذهبين اللذين ذكرنا، فإن امتنع المدعى عليهم من اليمين فقيل: يحبسون حتى يحلفوا، وهو قول أبي حنيفة، ورواية عن أحمد، وهو مذهب مالك أيضًا؛ إلا أن المالكية يقولون: إن طال حبسهم ولم يحلفوا تركوا، وعلى كل واحد منهم جلد مائة وحبس سنة، ولا أعلم لهذا دليلًا.\nوأظهر الأقوال عندي: أنهم تلزمهم الدية بنكولهم عن الأيمان، ورواه حرب بن إسماعيل عن أحمد، وهو اختيار أبي بكر؛ لأنه حكم ثبت بالنكول فثبت في حقهم هاهنا كسائر الدعاوى. قال في المغني: وهذا القول هو الصحيح. والله تعالى أعلم.\nالفرع الخامس: اختلف العلماء في أقل العدد الذي يصح أن يحلف أيمان القسامة. فذهب مالك وأصحابه إلى أنه لا يصح أن يحلف أيمان القسامة في العمد أقل من رجلين من العصبة؛ فلو كان للمقتول ابن واحد مثلًا، استعان برجل آخر من عصبة المقتول، ولو غير وارث يحلف معه أيمانها، وأظهر الأقوال دليلًا هو صحة استعانة الوارث بالعصبة غير الوارثين في أيمان القسامة؛ لأن النبي - ﷺ - قال لحويصة ومحيصة: \"يحلف خمسون منكم .. \" الحديث. وهما ابنا عم المقتول، ولا يرثان فيه لوجود أخيه، وقد قال لهم: \"يحلف خمسون منكم\" وهو يعلم أنه لم يكن لعبد الله بن","vol":"3","page":676},{"text":"سهل المقتول عشرون رجلًا وارثون؛ لأنه لا يرثه إلا أخوه ومن هو في درجته، أو أقرب منه نسبًا.\nوأجاب المخالفون: بأن الخطاب للمجموع مرادًا به بعضهم، وهو الوارثون منهم دون غيرهم ولا يخفى بعده، فإن كانوا خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل من ذلك وزعت عليهم بحسب استحقاقهم في الميراث، فإن نكل بعضهم رد نصيبه على الباقين إن كان الناكل معينًا لا وارثًا، فإن كان وارثًا يصح عفوه عن الدم سقط القود بنكوله، وردت الأيمان على المدعى عليهم على نحو ما قدمنا. هذا مذهب مالك ﵀.\nوأما القسامة في الخطأ عند مالك ﵀: فيحلف أيمانها الوارثون على قدر أنصبائهم، فإن لم يوجد إلا واحد ولو امرأة حلف الخمسين يمينًا كلها واستحق نصيبه من الدية.\nوأما الشافعي ﵀ فقال: لا يجب الحق حتى يحلف الورثة خاصة خمسين يمينًا سواء قلوا أم كثروا، فإن كان الورثة خمسين حلف كل واحد منهم يمينًا، وإن كانوا أقل أو نكل بعضهم ردت الأيمان على الباقين؛ فإن لم يكن إلا واحد حلف خمسين يمينًا واستحق حتى لو كان من يرث بالفرض والتعصيب أو بالنسب والولاء حلف واستحق.\nوقد قدمنا: أن الصحيح في مذهب الشافعي ﵀: أن القسامة إنما تستحق بها الدية لا القصاص.\nوأما الإمام أحمد فعنه في هذه المسألة روايتان:","vol":"3","page":677},{"text":"الأولى: أنه يحلف خمسون رجلًا من العصبة خمسين يمينًا، كل رجل يحلف يمينًا واحدة؛ فإن وجدت الخمسون من ورثة المقتول فذلك، وإلا كملت الخمسون من العصبة الذين لا يرثون، الأقرب منهم فالأقرب حتى تتم الخمسون. وهذا قول لمالك أيضًا، وهذا هو ظاهر بعض روايات حديث سهل الثابتة في الصحيح.\nوالرواية الأخرى عن الإمام أحمد: أنه لا يحلف أيمان القسامة إلا الورثة خاصة، وتوزع عليهم على قدر ميراث كل واحد منهم، فإن لم يكن إلا واحد حلف الخمسين واستحق؛ إلا أن النساء لا يحلفن أيمان القسامة عند أحمد، فالمراد بالورثة عنده الذكور خاصة. وهذه الرواية هي ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي حامد.\nوأما الإمام أبو حنيفة ﵀: فقد قدمنا أن أَيمان القسامة عنده لا يحلفها إلا خمسون رجلًا من أهل المحلة التي وجد بها القتيل؛ فيقسمون أنهم ما قتلوه ولا علموا له قاتلا.\nتنبيه\nقد علمت كلام العلماء فيمن يحلف أيمان القسامة؛ فإذا وزعت على عدد أقل من الخمسين، ووقع فيها انكسار فإن تساووا جبر الكسر عليهم، كما لو خلف المقتول ثلاثة بنين؛ فإن على كل واحد منهم ثلث الخمسين يمينًا وهو ست عشرة وثلثان، فيتمم الكسر على كل واحد منهم؛ فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يمينًا.\nفإن قيل: يلزم على ذلك خلاف الشرع في زيادة الأيمان على","vol":"3","page":678},{"text":"خمسين يمينًا؛ لأنها تصير بذلك إحدى وخمسين يمينًا.\nفالجواب: أن نقص الأيمان عن خمسين لا يجوز، وتحميل بعض الورثة زيادة على الآخرين لا يجوز؛ فعلم استواؤهم في جبر الكسر، فإذا كانت اليمين المنكسرة لم يستو في قدر كسرها الحالفون، كأن كان على أحدهم نصفها، وعلى آخر ثلثها، وعلى آخر سدسها، حلفها من عليه نصفها تغليبًا للأكثر، ولا تجبر على صاحب الثلث والسدس. وهذا هو مذهب مالك وجماعة من أهل العلم. وقال غيرهم: تجبر على الجميع. والله تعالى أعلم.\nوقال بعض أهل العلم: يحلف كل واحد من المدعين خمسين يمينًا، سواء تساووا في الميراث أو اختلفوا فيه.\nواحتج من قال بهذا بأن الواحد منهم لو انفرد لحلف الخمسين يمينًا كلها. قال: وما يحلفه منفردًا يحلفه مع غيره كاليمين الواحدة في سائر الدعاوى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول بعيد فيما يظهر؛ لأن الأحاديث الواردة في القسامة تصرح بأن عدد أيمانها خمسون فقط، وهذا القول قد تصير به مئات كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السادس: لا يقتل بالقسامة عند من يوجب القود بها إلا واحد، وهذا قول أكثر القائلين بالقود بها، منهم مالك، وأحمد والزهري، وبعض أصحاب الشافعي وغيرهم.\nوهذا القول هو الصواب. وتدل عليه الرواية الصحيحة التي قدمناها عند مسلم وغيره: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم","vol":"3","page":679},{"text":"فيدفع برمته .. \" الحديث. فقوله - ﷺ - في معرض بيان حكم الواقعة: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم\" يدل على أنهم ليس لهم أن يقسموا على غير واحد. وقيل: يستحق بالقسامة قتل الجماعة؛ لأنها بينة موجبة للقود، فاستوى فيها الواحد والجماعة كالبينة. وممن قال بهذا أبو ثور. قاله ابن قدامة في المغني.\nوهل تسمع الدعوى في القسامة على غير معين أو لا؟ وهل تسمع على أكثر من واحد أو لا؟ فقال بعض أهل العلم: تسمع على غير معين. وهو مذهب أبي حنيفة ﵀ مستدلًا بقصة الأنصاري المقتول بخيبر؛ لأن أولياءه ادعوا على يهود خيبر. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن الدعوى فيها لا تسمع إلا على معين، قالوا: ولا دليل في قصة اليهود والأنصاري؛ لأن النبي - ﷺ - قال فيها: \"يقسم خمسون منكم على رجل منهم\" فبين أن المدعى عليه لابد أن يعين.\nوقال بعض من اشترط كونها على معين: لابد أن تكون على واحد، وهو قول أحمد ومالك.\nوقال بعض من يشترط كونها على معين: يجوز الحلف على جماعة معينين، وقد قدمنا اختلافهم: هل يجوز قتل الجماعة أو لا يقتل إلا واحد، وهو ظاهر الحديث، وهو الحق إن شاء الله.\nوقال أشهب صاحب مالك: لهم أن يحلفوا على جماعة ويختاروا واحدًا للقتل، ويسجن الباقون عامًا، ويضربون مائة.\nقال ابن حجر في الفتح. وهو قول لم يسبق إليه. والعلم عند الله تعالى.","vol":"3","page":680},{"text":"الفرع السابع: اعلم أن أيمان القسامة تحلف على البت، ودعوى القتل أيضًا على البت.\nفإن قيل: كيف يحلف الغائب على أمر لم يحضره، وكيف يأذن الشارع في هذه اليمين التي هي من الأيمان على غير معلوم؟\nفالجواب: أن غلبة الظن تكفي في مثل هذا، فإن غلب على ظنه غلبة قوية أنه قتله حلف على ذلك، وإن لم يغلب على ظنه غلبة قوية فلا يجوز له الإقدام على الحلف.\nالفرع الثامن: إن مات مستحق الأيمان قبل أن يحلفها انتقل إلى وارثه ما كان عليه من الأيمان، وكانت بينهم على حسب مواريثهم، ويجبر الكسر فيها عليهم كما يجبر في حق ورثة القتيل على نحو ما تقدم؛ لأن من مات عن حق انتقل إلى وارثه.\nولنكتف بما ذكرنا من أحكام القسامة خوف الإطالة المملة، ولأن أحكامها كثيرة متشعبة جدًا، وقد بسط العلماء عليها الكلام في كتب الفروع.\nغريبة تتعلق بهذه الآية الكريمة\nوهي أن عبد الله بن عباس ﵄ استنبط من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيام النزاع بين علي ﵁ وبين معاوية ﵁ = أن السلطنة والملك سيكونان لمعاوية؛ لأنه من أولياء عثمان ﵁، وهو مقتول ظلمًا، والله تعالى يقول: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. وكان الأمر كما قال ابن عباس.","vol":"3","page":681},{"text":"وهذا الاستنباط عنه ذكره ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة، وساق الحديث في ذلك بسنده عند الطبراني في معجمه. وهو استنباط غريب عجيب. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة خوف الإطالة المملة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-760> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾</span>.\nنهى جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اتباع الإنسان ما ليس له به علم، ويشمل ذلك قوله: رأيت ولم ير، وسمعت ولم يسمع، وعلمت ولم يعلم. ويدخل فيه كل قول بلا علم، وأن يعمل الإنسان بما لا يعلم. وقد أشار جل وعلا إلى هذا المعنى في آيات أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا (٢٨)﴾ وقوله: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ﴾، والآيات بمثل هذا في ذم اتباع غير العلم المنهي عنه في هذه الآية الكريمة كثيرة جدًا. وفي الحديث: \"إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث\".\nتنبيه\nأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة منع التقليد، قالوا: لأنه اتباع غير العلم.","vol":"3","page":682},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: لا شك أن التقليد الأعمى الذي ذم الله به الكفار في آيات من كتابه تدل هذه الآية وغيرها من الآيات على منعه، وكفر متبعه؛ كقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ وقوله: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١) بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢) وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nأما استدلال بعض الظاهرية كابن حزم ومن تبعه بهذه الآية التي نحن بصددها وأمثالها من الآيات: على منع الاجتهاد في الشرع مطلقًا، وتضليل القائل به، ومنع التقليد من أصله، فهو من وضع القرآن في غير موضعه، وتفسيره بغير معناه، كما هو كثير في الظاهرية؛ لأن مشروعية سؤال الجاهل للعالم وعمله بفتياه أمر معلوم من الدين بالضرورة. ومعلوم أنه كان العامي يسأل بعض أصحاب النبي - ﷺ - فيفتيه فيعمل بفتياه، ولم ينكر ذلك أحد من المسلمين، كما أنه من المعلوم أن المسألة إن لم يوجد فيها نص من كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ - فاجتهاد العالم حينئذ بقدر طاقته في","vol":"3","page":683},{"text":"تفهم كتاب الله وسنة نبيه - ﷺ - ليعرف حكم المسكوت عنه من المنطوق به = لا وجه لمنعه، وكان جاريًا بين أصحاب رسول الله - ﷺ -، ولم ينكره أحد من المسلمين. وسنوضح غاية الإيضاح إن شاء الله تعالى \"في سورة الأنبياء، والحشر\" مسألة الاجتهاد في الشرع، واستنباط حكم المسكوت عنه من المنطوق به بإلحاقه به قياسًا كان الإلحاق أو غيره. ونبين أدلة ذلك، ونوضح رد شبه المخالفين كالظاهرية والنظام، ومن قال بقولهم في احتجاجهم بأحاديث وآيات من كتاب الله على دعواهم، وبشبه عقلية حتى يتضح بطلان جميع ذلك.\nوسنذكر هنا طرفًا قليلًا من ذلك، يعرف به صحة القول بالاجتهاد والقياس فيما لا نص فيه، وأن إلحاق النظير بنظيره المنصوص عليه غير مخالف للشرع الكريم.\nاعلم أولًا: أن إلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به بنفي الفارق بينهما لا يكاد ينكره إلا مكابر، وهو نوع من القياس الجلي، ويسميه الشافعي ﵀ \"القياس في معنى الأصل\" وأكثر أهل الأصول لا يطلقون عليه اسم القياس، مع أنه إلحاق مسكوت عنه بمنطوق به؛ لعدم الفرق بينهما؛ أعني الفرق المؤثر في الحكم.\nومن أمثلة هذا النوع قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فإنه لايشك عاقل في أن النهي عن التأفيف المنطوق به يدل على النهي عن الضرب المسكوت عنه.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ","vol":"3","page":684},{"text":"يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ فإنه لا شك أيضًا في أن التصريح بالمؤاخذة بمثقال الذرة والإثابة عليه المنطوق به يدل على المؤاخذة والإثابة بمثقال الجبل المسكوت عنه.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ﴾ الآية، لا شك في أنه يدل على أن شهادة أربعة عدول مقبولة، وإن كانت شهادة الأربعة مسكوتًا عنها.\nونهيه - ﷺ - عن التضحية بالعوراء يدل على النهي عن التضحية بالعمياء، مع أن ذلك مسكوت عنه.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ..﴾ الآية؛ لا شك في أنه يدل على منع إحراق مال اليتيم وإغراقه، لأن الجميع إتلاف له بغير حق.\nوقوله - ﷺ -: \"من أعتق شركًا له في عبد فكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم عليه قيمة عدل، فأعطي شركاؤه حصصهم وعتق عليه العبد، وإلا فقد عتق منه ما عتق\" يدل على أن من أعتق شركًا له في أمة فحكمه كذلك، لما عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان، لا تأثير لهما في أحكام العتق، وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالشهادة والميراث وغيرهما.\nوقوله - ﷺ -: \"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان\" لا شك في أنه يدل على منع قضاء الحكم في كل حال يحصل بها التشويش المانع من استيفاء النظر؛ كالجوع والعطش المفرطين، والسرور","vol":"3","page":685},{"text":"والحزن المفرطين، والحقن والحقب المفرطين.\nونهيه - ﷺ - عن البول في الماء الراكد، لا شك في أنه يدل على النهي عن البول في قارورة مثلًا، وصب البول من القارورة في الماء الراكد؛ إذ لا فرق يؤثر في الحكم بين البول فيه مباشرة، وصبه فيه من قارورة ونحوها، وأمثال هذا كثيرة جدًا، ولا يمكن أن يخالف فيها إلا مكابر. ولا  شك أن في ذلك كله استدلالًا بمنطوق به على مسكوت عنه.\nوكذلك نوع الاجتهاد المعروف في اصطلاح أهل الأصول \"بتحقيق المناط\" لا يمكن أن ينكره إلا مكابر، ومسائله التي لا يمكن الخلاف فيها من غير مكابر لا يحيط بها الحصر، وسنذكر أمثلة منها:\nفمن ذلك قوله تعالى: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فكون الصيد المقتول يماثله النوع المعين من النعم اجتهاد في تحقيق مناط هذا الحكم، نص عليه جل وعلا في محكم كتابه. وهو دليل قاطع على بطلان قول من يجعل الاجتهاد في الشرع مستحيلًا من أصله.\nوالإنفاق على الزوجات واجب، وتحديد القدر اللازم لابد فيه من نوع من الاجتهاد في تحقيق مناط ذلك الحكم. وقيم المتلفات واجبة على من أتلف، وتحديد القدر الواجب لابد فيه من اجتهاد.\nوالزكاة لا تصرف إلا في مصرفها، كالفقير ولا يعلم فقره إلا بأمارات ظنية يجتهد في الدلالة عليها بالقرائن؛ لأن حقيقة","vol":"3","page":686},{"text":"الباطن لا يعلمها إلا الله، ولا يحكم إلا بقول العدل، وعدالته إِنما تعلم بأمارات ظنية يجتهد في معرفتها بقرائن الأخذ والإعطاء وطول المعاشرة، وكذلك الاجتهاد من المسافرين في جهة القبلة بالأمارات، إلى غير ذلك مما لا يحصى.\nومن النصوص الدالة على مشروعية الاجتهاد في مسائل الشرع: ما ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - في ذلك.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى ابن يحيى التميمي، أخبرنا عبد العزيز بن محمد، عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن يسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله - ﷺ - قال: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\".\nوحدثني إسحاق بن إبراهيم، ومحمد بن أبي عمر كلاهما عن عبد العزيز بن محمد بهذا الإسناد مثله، وزاد في عقب الحديث: قال  يزيد: فحدثت هذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة.\nوحدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي: أخبرنا مروان يعني ابن محمد الدمشقي، حدثنا الليث بن سعد، حدثني يزيد بن عبد الله ابن أسامة بن الهاد الليثي بهذا الحديث، مثل رواية عبد العزيز بن محمد بالإسنادين جميعا. انتهى.\nفهذا نص صحيح من النبي - ﷺ - صريح في جواز الاجتهاد في","vol":"3","page":687},{"text":"الأحكام الشرعية، وحصول الأجر على ذلك وإن كان المجتهد مخطئًا في اجتهاده. وهذا يقطع دعوى الظاهرية: منع الاجتهاد من أصله وتضليل فاعله والقائل به قطعًا باتًا كما ترى.\nوقال النووي في شرح هذا الحديث: قال العلماء: أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم، فإن أصاب فله أجران: أجر باجتهاده، وأجر بإصابته، وإن أخطأ فله أجر باجتهاده.\nوفي الحديث محذوف تقديره: إذا أراد الحاكم أن يحكم فاجتهد. قالوا: فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم؛ فإن حكم فلا أجر له بل هو آثم، ولا ينعقد حكمه سواء وافق الحق أم لا؛ لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي، فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا، وهي مردودة كلها، ولا يعذر في شيء من ذلك. وقد جاء في الحديث في السنن: \"القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، واثنان في النار، قاض عرف الحق فقضى به فهو في الجنة، وقاض عرف الحق فقضى بخلافه فهو في النار، وقاض قضى على جهل فهو في النار\" انتهى الغرض من كلام النووي.\nفإن قيل: الاجتهاد المذكور في الحديث هو الاجتهاد في تحقيق المناط دون غيره من أنواع الاجتهاد.\nفالجواب: أن هذا صرف لكلامه - ﷺ - عن ظاهره من غير دليل يجب الرجوع إليه، وذلك ممنوع.\nوقال البخاري في صحيحه: باب أجر الحاكم إذا اجتهد","vol":"3","page":688},{"text":"فأصاب أو أخطأ.\nحدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا حيوة، حدثني يزيد بن عبد الله ابن الهاد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عمرو ابن حزم فقال: هكذا حدثني أبو سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.\nوقال عبد العزيز بن المطلب، عن عبد الله بن أبي بكر، عن أبي سلمة عن النبي - ﷺ - مثله اهـ.\nفهذا الحديث المتفق عليه يدل على بطلان قول من منع الاجتهاد من أصله في الأحكام الشرعية. ومحاولة ابن حزم تضعيف هذا الحديث المتفق عليه الذي رأيت أنه في أعلى درجات الصحيح لاتفاق الشيخين عليه لا تحتاج إلى إبطالها لظهور سقوطها كما ترى؛ لأنه حديث متفق عليه مروي بأسانيد صحيحة عن صحابيين جليلين من أصحاب رسول الله - ﷺ - عن النبي - ﷺ -.\nومن الأدلة الدالة على ذلك ما روي عن معاذ بن جبل ﵁ أن النبي - ﷺ - حين بعثه إلى اليمن قال له: \"فبم تحكم \"؟ قال: بكتاب الله. قال: \"فإن لم تجد\"؟ قال: بسنة رسول الله - ﷺ -. قال: \"فإن لم تجد\"؟ قال: أجتهد رأي. قال: فضرب رسول الله - ﷺ - في صدره وقال: \"الحمد لله الذي وفق رسولَ رسولِ الله - ﷺ - لما يرضي رسول الله - ﷺ -\".","vol":"3","page":689},{"text":"قال ابن كثير ﵀ في مقدمة تفسيره بعد أن ذكر هذا الحديث ما نصه: وهذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد كما هو مقرر في موضعه.\nوقال ابن قدامة (في روضة الناظر) بعد أن ساق هذا الحديث: قالوا: هذا الحديث يرويه الحارث بن عمرو، عن رجال من أهل حمص، والحارث، والرجال مجهولون. قاله الترمذي.\nقلنا: قد رواه عباده بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ ﵁. انتهى.\nومراد ابن قدامة ظاهر؛ لأن رد الظاهرية لهذا الحديث بجهالة من رواه عن معاذ مردود بأنه رواه عبادة بن نسي عن عبد الرحمن بن غنم عنه. وهذه الرواية ليست هي مراد ابن كثير بقوله: هذا الحديث في المسند والسنن بإسناد جيد لأنها ليست في المسند ولا في السنن، ولعل مراده بجودة هذا الإسناد، أن الحارث ابن أخي المغيرة بن شعبة، وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ يراهم عدولًا، ليس فيهم مجروح، ولا متهم.\nوسيأتي استقصاء البحث في طرق هذا الحديث في سورة الأنبياء، ومعلوم أن عبادة بن نسي ثقة فاضل كما قدمنا، وعبد الرحمن ابن غنم قيل: صحابي، وذكره العجلي في كبار ثقات التابعين. قاله في التقريب.\nوحديث معاذ هذا تلقته الأمة قديمًا وحديثًا بالقبول.\nوسيأتي إن شاء الله \"في سورة الأنبياء\"، و\"سورة الحشر\"","vol":"3","page":690},{"text":"ما استدل به أهل العلم على هذا من آيات القرآن العظيم.\nومن الأدلة الدالة على أن إلحاق النظير بنظيره في الشرع جائز: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عباس ﵄ قال: جاءت امرأة إلى النبي - ﷺ - فقالت: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم نذر، أفأصوم عنها؟ قال: \"أفرأيت لو كان على أمك دين فقضيته، أكان يؤدى ذلك عنها\"؟ قالت: نعم. قال: \"فصومي عن أمك\" وفي رواية لهما عنه قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن أمي ماتت وعليها صوم شهر، أفأقضيه عنها؟ قال: \"لو كان على أمك دين، أكنت قاضيه عنها\"! قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق أن يقضى\" انتهى.\nواختلاف الرواية في هذا الحديث لا يعد اضطرابًا؛ لأنها وقائع متعددة سألته امرأة فأفتاها، وسأله رجل فأفتاه بمثل ما أفتى به المرأة، كما نبه عليه غير واحد.\nوهذا نص صحيح عن النبي - ﷺ - صريح في مشروعية إلحاق النظير بنظيره المشارك له في علة الحكم؛ لأنه - ﷺ - بين إلحاق دين الله تعالى بدين الآدمي، بجامع أن الكل حق مطالب به تسقط المطالبة به بأدائه إلى مستحقه وهو واضح في الدلالة على القياس كما ترى.\nومن الأدلة الدالة على ذلك أيضًا: ما رواه الشيخان في صحيحيهما أيضًا من حديث أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل من بني فزارة إلى النبي - ﷺ - فقال: إن امرأتي ولدت غلامًا أسود! فقال النبي - ﷺ -: \"هل لك إبل\"؟ قال: نعم. قال: \"فما","vol":"3","page":691},{"text":"ألوانها\"؟ قال: حمر. قال: \"فهل يكون فيها من أورق\"؟ قال: إن فيها لورقًا. قال: \"فأنى أتاها ذلك\"؟ قال: عسى أن يكون نزعه عرق. قال: \"وهذا عسى أن يكون نزعه عرق\" اهـ.\nفهذا نص صحيح عن النبي - ﷺ - صريح في قياس النظير على نظيره، وقد ترتب على هذا القياس حكم شرعي، وهو كون سواد الولد مع بياض أبيه وأمه ليس موجبًا للعان؛ فلم يجعل سواده قرينة على أنها زنت بإنسان أسود، لإمكان أن يكون في أجداده من هو أسود فنزعه إلى السواد سواد ذلك الجد؛ كما أن تلك الإبل الحمر فيها جمال ورق، يمكن أن لها أجدادًا ورقًا نزعت ألوانها إلى الورقة. وبهذا اقتنع السائل.\nومن الأدلة الدالة على إلحاق النظير بنظيره: ما رواه أبو داود، والإمام أحمد، والنسائي، عن عمر ﵁ قال: هششت يومًا فقبلت وأنا صائم؛ فأتيت النبي - ﷺ - فقلت: صنعت اليوم أمرًا عظيمًا! قبلت وأنا صائم!؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"أرأيت لو تمضمضت بماء وأنت صائم\"؟ فقلت: لا بأس بذلك. فقال - ﷺ - \"فمه\" اهـ.\nفإن قيل: هذا الحديث قال فيه النسائي: منكر.\nقلنا: صححة ابن خزيمة، وابن حبان، والحاكم. قاله الشوكاني في نيل الأوطار.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحديث ثابت وإسناده صحيح.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن يونس، ثنا الليث","vol":"3","page":692},{"text":"(ح) وثنا عيسى بن حماد، أخبرنا الليث بن سعد، عن بكير بن عبد الله، عن عبد الملك بن سعيد، عن جابر بن عبد الله قال: قال عمر بن الخطاب: هششت فقبلت ... إلى آخر الحديث بلفظه المذكور آنفًا.\nولا يخفى أن هذا الإسناد صحيح، فإن طبقته الأولى أحمد ابن يونس، وعيسى بن حماد، أما أحمد فهو ابن عبد الله بن يونس الكوفي التميمي اليربوعي ثقة حافظ، وعيسى بن حماد بن مسلم التجيبي أبو موسى الأنصاري الملقب زغبة، ثقة.\nوطبقته الثانية الليث بن سعد بن عبد الرحمن الفهمي أبو الحارث المصري ثقة ثبت، فقيه إمام مشهور.\nوطبقته الثالثة بكير بن عبد الله بن الأشج مولى بني مخزوم أبو عبد الله، أو أبو يوسف المدني نزيل مصر ثقة.\nوطبقته الرابعة  عبد الملك بن سعيد بن سويد الأنصاري المدني ثقة.\nوطبقته الخامسة جابر بن عبد الله عن عمر بن الخطاب عن النبي - ﷺ -. فهذا إسناد صحيح رجاله ثقات كما ترى. فهو نص صحيح صريح في أنه - ﷺ - قاس القبلة على المضمضة؛ لأن المضمضة مقدمة الشرب، والقبلة مقدمة الجماع؛ فالجامع بينهما أن كلًا منهما مقدمة المفطر، وهي لا تفطر بالنظر لذاتها.\nفهذه الأدلة التي ذكرنا فيها الدليل الواضح على أن إلحاق النظير بنظيره من الشرع لا مخالف له؛ لأنه - ﷺ - فعله، والله يقول:","vol":"3","page":693},{"text":"﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو - ﷺ - لم يفعله إلا لينبه الناس له.\nفإن قيل: إنما فعله - ﷺ - لأن الله أوحى إليه ذلك.\nقلنا: فعله حجة في فعل مثل ذلك الذي فعل، ولو كان فعله بوحي كسائر أقواله وأفعاله وتقريراته، فكلها تثبت بها الحجة، وإن كان هو - ﷺ - فعل ما فعل من ذلك بوحي من الله تعالى.\nمسألة\nقال ابن خويز منداد من علماء المالكية: تضمنت هذه الآية الحكم بالقافة؛ لأنه لما قال: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ دل على جواز ما لنا به علم؛ فكل ما علمه الإنسان أو غلب على ظنه جاز أن يحكم به. وبهذا احتججنا على إثبات القرعة والخرص؛ لأنه ضرب من غلبة الظن، وقد يسمى علمًا اتساعًا، فالقائف يلحق الولد بأبيه من طريق الشبه بينهما، كما يلحق الفقيه الفرع بالأصل عن طريق الشبه. وفي الصحيح عن عائشة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - دخل علي مسرورًا تبرق أسارير وجهه فقال: \"ألم تري أن مجززًا المدلجي نظر آنفًا إلى زيد بن حارثة، وأسامة بن زيد عليهما قطيفة، قد غطيا رءوسهما وبدت أقدامهما فقال: إن بعض هذه الأقدام لمن بعض\" وفي حديث يونس بن يزيد: وكان مجزز قائفًا اهـ. بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: من المعلوم أن العلماء اختلفوا في اعتبار أقوال القافة؛ فذهب بعضهم إلى عدم اعتبارها.","vol":"3","page":694},{"text":"واحتج من قال بعدم اعتبارها بقصة الأنصارية التي لاعنت زوجها وجاءت بولد شبيه جدًّا بمن رُميت به، ولم يعتبر هذا الشبه النبي - ﷺ -، فلم يحكم بأن الولد من زنى ولم يجلد  (^١)  المرأة.\nقالوا: فلو كان الشبه تثبت به الأنساب لأثبت النبي - ﷺ - به أن ذلك الولد من ذلك الرجل الذي رميت به؛ فيلزم على ذلك إقامة الحد عليها، والحكم بأن الولد ابن زنى، ولم يفعل النبي - ﷺ - شيئًا من ذلك كما يأتي إيضاحه \"في سورة النور\" إن شاء الله تعالى.\nوهذا القول بعدم اعتبار أقوال القافة مروي عن أبي حنيفة وإسحاق والثوري وأصحابهم.\nوذهب جمهور أهل العلم إلى اعتبار أقوال القافة عند التنازع في الولد، محتجين بما ثبت في الصحيحين من حديث عائشة: أن النبي - ﷺ - سر بقول مجزز بن الأعور المدلجي: إن بعض هذه الأقدام من بعض، حتى برقت أسارير وجهه من السرور.\nقالوا: وما كان - ﷺ - ليسر بالباطل ولا يعجبه، بل سروره بقول القائف دليل على أنه من الحق لا من الباطل؛ لأن تقريره وحده كاف في مشروعية ما قرر عليه، وأحرى في ذلك ما لو زاد السرور بالأمر على التقرير عليه، وهو واضح كما ترى.\nواعلم أن الذين قالوا باعتبار أقوال القافة اختلفوا، فمنهم من قال: لا يقبل ذلك إلا في أولاد الإماء دون أولاد الحرائر، ومنهم من قال: يقبل ذلك في الجميع.\n_________\n(^١)  كذا في الأصل، ولعلها: ولم يرجم.","vol":"3","page":695},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق اعتبار ذلك في أولاد الحرائر والإماء لأن سرور النبي - ﷺ - وقع في ولد حرة، وصورة سبب النزول قطعية الدخول كما تقرر في الأصول، وهو قول الجمهور وهو الحق، خلافًا للإمام مالك ﵀ قائلًا: إن صورة السبب ظنية الدخول، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله:\nواجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإمام ظنًا تصب\nتنبيهان\nالأول: لا تعتبر أقوال القافة في شبه مولود برجل إن كانت أمه فراشًا لرجل آخر؛ لأن النبي - ﷺ - رأى شدة شبه الولد الذي اختصم فيه سعد بن أبي وقاص، وعبد بن زمعة بعتبة بن أبي وقاص ولم يؤثر عنده هذه الشبه في النسب، لكون أم الولد فراشًا لزمعة، فقال - ﷺ -: \"الولد للفراش وللعاهر الحجر\" ولكنه - ﷺ - اعتبر هذا الشبه من جهة أخرى غير النسب، فقال لسودة بنت زمعة ﵂: \"احتجبي عنه\" مع أنه ألحقه بأبيها فلم ير سودة قط.\nوهذه المسألة أصل عند المالكية في مراعاة الخلاف كما هو معلوم عندهم.\nالتنبيه الثاني: قال بعض علماء العربية: أصل القفو البهت والقذف بالباطل، ومنه الحديث الذي روى عن النبي - ﷺ -: \"نحن بنو النضر ابن كنانة لا نقفوا أمنا ولا ننتفي من أبينا\" أخرجه الإمام أحمد، وابن ماجه وغيرهما من حديث الأشعث بن قيس.\nوساق طرق هذا الحديث ابن كثير في تاريخه. وقوله: \"لا","vol":"3","page":696},{"text":"نقفوا أمنا\" أي: لا نقذف أمنا ونسبها، ومنه قول الكميت:\nفلا أرمي البريء بغير ذنب ... ولا أقفوا الحواصن إن قفينا\nوقول النابغة الجعدي:\nومثل الدمى ثم العرانين ساكن ... بهن الحياء لا يشعن التقافيا\nوالذي يظهر لنا أن أصل القفو في لغة العرب: الاتباع كما هو معلوم من اللغة. ويدخل فيه اتباع المساوئ كما ذكره من قال: إن أصله القذف والبهت.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ فيه وجهان من التفسير:\nالأول: أن معنى الآية: أن الإنسان يسأل يوم القيامة عن أفعال جوارحه، فيقال له: لم سمعت ما لا يحل لك سماعه!؟ ولم نظرت إلى ما لا يحل لك النظر إليه!؟ ولم عزمت على ما لم يحل لك العزم عليه؟.\nويدل لهذا المعنى آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوالوجه الثاني: أن الجوارح هي التي تسأل عن أفعال صاحبها، فتشهد عليه جوارحه بما فعل.\nقال القرطبي في تفسيره: وهذا المعنى أبلغ في الحجة، فإنه يقع تكذيبه من جوارحه، وتلك غاية الخزي كما قال: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ","vol":"3","page":697},{"text":"عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والقول الأول أظهر عندي، وهو قول الجمهور.\nوفي الآية الكريمة نكتة نبه عليها في مواضع أخر؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (٣٦)﴾ يفيد تعليل النهي في قوله: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ بالسؤال عن الجوارح المذكورة، لما تقرر في الأصول في مسلك الإيمان والتنبيه: أن ﴿إِنَّ﴾ المكسورة من حروف التعليل. وإيضاحه: أن المعنى انته عما لا يحل لك؛ لأن الله أنعم عليك بالسمع والبصر والعقل لتشكره، وهو مختبرك بذلك وسائلك عنه، فلا تستعمل نعمه في معصيته.\nويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ ونحوها من الآيات.\nوالإشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة بقوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعة إلى ﴿السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ﴾ وهو دليل على الإشارة بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ لغير العقلاء وهو الصحيح.\nومن شواهده في العربية قول الشاعر وهو العرجي:\nيا ما أميلح غزلانا شدن لنا ... من هؤليائكن الضال والسمر\nوقول جرير:","vol":"3","page":698},{"text":"ذم المنازل بعد منزلة اللوى ... والعيش بعد أولئك الأيام\nخلافًا لمن زعم أن بيت جرير لا شاهد فيه، وأن الرواية فيه \"بعد أولئك الأقوام\" والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-761> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾</span>.\nنهى الله جل وعلا الناس في هذه الآية الكريمة عن التجبر والتبختر في المشية.\nوقوله: ﴿مَرَحًا﴾ مصدر منكر، وهو حال على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nومصدر منكر حالا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع\nوقرئ: ﴿مَرَحًا﴾ بكسر الراء على أَنّه الوصف من مرح (بالكسر) يمرح (بالفتح) أي: لا تمش في الأرض في حال كونك متبخترًا متمايلًا مشي الجبارين.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله عن لقمان مقررًا له: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (١٨) وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأصل المرح في اللغة: شدة الفرح والنشاط، وإطلاقه على مشي الإنسان متبخترًا مشي المتكبرين؛ لأن ذلك من لوازم شدة الفرح والنشاط عادة.","vol":"3","page":699},{"text":"وأظهر القولين عندي في قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ أن معناه لن تجعل فيها خرقًا بدوسك لها، وشدة وطئك عليها، ويدل لهذا المعنى قوله بعده: ﴿وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾ أي: أنت أيها المتكبر المختال ضعيف حقير عاجز محصور بين جمادين! أنت عاجز عن التأثير فيهما، فالأرض التي تحتك لا تقدر أن تؤثر فيها فتخرقها بشدة وطئك عليها، والجبال الشامخة فوقك لا يبلغ طولك طولها، فاعرف قدرك، ولا تتكبر، ولا تمش في الأرض مرحًا.\nالقول الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ﴾ لن تقطعها بمشيك. قاله ابن جرير، واستشهد له بقوله رؤبة بن العجاج:\nوقاتم الأعماق خاوي المخترق ... مشتبه الأعلام لماع الخفق\nلأن مراده بالمخترق مكان الاختراق، أي: المشي والمرور فيه.\nوأجود الأعاريب في قوله: ﴿طُولًا (٣٧)﴾ أنه تمييز محول عن الفاعل، أي: لن يبلغ طولك الجبال خلافًا لمن أعربه حالًا، ومن أعربه مفعولًا من أجله. وقد أجاد من قال:\nولا تمش فوق الأرض إلا تواضعًا ... فكم تحتها قوم هم منك أرفع\nوإن كنت في عز وحرز ومنعة ... فكم مات من قوم هم منك أمنع\nواستدل بعض أهل العلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾ على منع الرقص وتعاطيه؛ لأن فاعله ممن يمشي مرحًا.\n\n• قوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ","vol":"3","page":700},{"text":"لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ الهمزة في قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ﴾ للإنكار. ومعنى الآية: أفخصكم ربكم على وجه الخصوص والصفاء بأفضل الأولاد وهم البنون، لم يجعل فيهم نصيبًا لنفسه، واتخذ لنفسه أدونهم وهي البنات؛ وهذا خلاف المعقول والعادة، فإن السادة لا يؤثرون عبيدهم بأجود الأشياء وأصفاها من الشوب، ويتخذون لأنفسهم أردأها وأدونها، فلو كان جل وعلا متخذًا ولدًا \"﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا\" لاتخذ أجود النصيبين ولم يتخذ أردأهما! ولم يصطفكم دون نفسه بأفضلهما.\nوهذا الإنكار متوجه على الكفار في قولهم: الملائكة بنات الله، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، فقد جعلوا له الأولاد! ومع ذلك جعلوا له أضعفها وأردأها وهو الإناث! وهم لا يرضونها لأنفسهم.\nوقد بين الله هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ وقوله: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾ وقوله: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وقد بينا ذلك بإيضاح في \"سورة النحل\".\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ بين فيه أن ادعاء الأولاد لله -﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا- أمر عظيم جدًا، وقد بين شدة عظمه بقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)","vol":"3","page":701},{"text":"إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣) لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ فالمشركون قبحهم الله جعلوا الملائكة الذين هم عباد الرحمن إناثًا، ثم ادعوا أنهم بنات الله، ثم عبدوهم؛ فاقترفوا الجريمة العظمى في المقامات الثلاث. والهمزة والفاء في نحو قوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ﴾ قد بينا حكمها بإيضاح في \"سورة النحل\" أيضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-762> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾</span> قرأ جمهور القراء \"كما تقولون\" بتاء الخطاب، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿كَمَا يَقُولُونَ﴾ بياء الغيبة.\nوفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير، كلاهما حق، ويشهد له قرآن. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية قد يكون فيها وجهان، كلاهما حق، وكلاهما يشهد له قرآن، فنذكر الجميع لأنه كله حق.\nالأول من الوجهين المذكورين: أن معنى الآية الكريمة: لو كان مع الله آلهة أخرى كما يزعم الكفار لابتغوا -أي: الآلهة المزعومة- أي: لطلبوا إلى ذي العرش -أي: إلى الله- سبيلًا، أي: إلى مغالبته وإزالة ملكه؛ لأنهم إذًا يكونون شركاءه كما يفعل الملوك بعضهم مع بعض. سبحان الله وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا!.\nوهذا القول في معنى الآية هو الظاهر عندي، وهو المتبادر من معنى الآية الكريمة. ومن الآيات الشاهدة لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيْبِ","vol":"3","page":702},{"text":"وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾ وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾ وهذا المعنى في الآية مروي عن ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبي علي الفارسي، والنقاش، وأبي منصور، وغيره من المتكلمين.\nالوجه الثاني في معنى الآية الكريمة؛ أن المعنى لابتغوا إلى ذي العرش سبيلًا، أي: طريقًا ووسيلة تقربهمِ إليه لاعترافهم بفضله. ويدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية. ويروى هذا القول عن قتادة. واقتصر عليه ابن كثير في تفسيره.\nولا شك أن المعنى الظاهر المتبادر من الآية بحسب اللغة العربية هو القول الأول؛ لأن في الآية فرض المحال، والمحال المفروض الذي هو وجود ألهة مع الله مشاركة له لا يظهر معه أنها تتقرب إليه، بل تنازعه لو كانت موجودة، ولكنها معدومة مستحيلة الوجود. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-763> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾</span> في هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير.\nالأول: أن المعنى: وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابًا، أي: حائلًا وساترًا يمنعهم من تفهم القرآن وإدراكه؛ لئلا يفقهوه فينتفعوا به. وعلى هذا القول: فالحجاب المستور هو ما حجب الله به قلوبهم عن الانتفاع بكتابه. والآيات الشاهدة لهذا المعنى كثيرة، كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾","vol":"3","page":703},{"text":"وقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ. .﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وممن قال بهذا القول في معنى الآية: قتادة، والزجاج وغيرهما.\nالوجه الثاني في الآية: أن المراد بالحجاب المستور أن الله يستره عن أعين الكفار فلا يرونه.\nقال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية: أخرج أبو يعلى، وابن أبي حاتم وصححه، وابن مردويه، وأبو نعيم، والبيهقي معًا في الدلائل عن أسماء بنت أبي بكر ﵄ قالت: لما نزلت: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ﴾ أقبلت العوراء أم جميل ولها ولولة، وفي يدها فهر وهي تقول:\nمذمما أبينا ... ودينه قلينا ... وأمره عصينا\nورسول الله - ﷺ - جالس، وأبو بكر ﵁ إلى جنبه، فقال أبو بكر ﵁: لقد أقبلت هذه وأنا أخاف أن تراك؟ فقال: \"إنها لن تراني\" وقرأ قرآنا اعتصم به، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ فجاءت حتى قامت على أبي بكر ﵁ فلم تر النبي - ﷺ - فقالت: يا أبا بكر، بلغني أن صاحبك هجاني!؟ فقال أبو بكر ﵁: لا ورب هذا البيت ما هجاك، فانصرفت وهي تقول: قد علمت قريش أني بنت سيدها. إلى غير ذلك من الروايات بهذا المعنى.\nوقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية، بعد أن ساق بعض الروايات نحو ما ذكرنا في هذا الوجه الأخير ما نصه:","vol":"3","page":704},{"text":"ولقد اتفق لي ببلادنا الأندلس بحصن منثور من أعمال قرطبة مثل هذا. وذلك أني هربت أمام العدو وانحزت إلى ناحية عنه، فلم ألبث أن خرج في طلبي فارسان، وأنا في فضاء من الأرض قاعد ليس يسترني عنهما شيء، وأنا أقرأ أول سورة يس وغير ذلك من القرآن، فعبرا علي ثم رجعا من حيث جاءا، وأحدهما يقول للآخر: هذا ديبله (يعنون شيطانًا) وأعمى الله ﷿ أبصارهم، فلم يروني اهـ وقال القرطبي: إن هذا الوجه في معنى الآية هو الأظهر. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾ قال بعض العلماء: هو من إطلاق اسم المفعول وإرادة اسم الفاعل؛ أي: حجابًا ساترًا، وقد يقع عكسه كقوله تعالى: ﴿مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ أي: مدفوق ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٢١)﴾ أي: مرضية، فإطلاق كل من اسم الفاعل واسم المفعول وإرادة الآخر أسلوب من أساليب اللغة العربية؛ والبيانيون يسمون مثل ذلك الإطلاق \"مجازًا عقليًا\".\nومن أمثلة إطلاق المفعول وإرادة الفاعل كالقول في الآية = قولهم: ميمون ومشئوم، بمعنى يامن وشائم.\nوقال بعض أهل العلم: قوله ﴿مَسْتُورًا (٤٥)﴾ على معناه الظاهر من كونه اسم مفعول؛ لأن ذلك الحجاب مستور عن أعين الناس فلا يرونه، أو مستورًا به القارئ فلا يراه غيره، واختار هذا أبو حيان في البحر. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-764> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾</span> بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الكفار","vol":"3","page":705},{"text":"أكنة، جمع كنان، وهو ما يستر الشيء ويغطيه ويكنه، لئلا يفقهوا القرآن، أو كراهة أن يفقهوه لحيلولة تلك الأكنة بين قلوبهم وبين فقه القرآن، أي: فهم معانيه فهمًا ينتفع به صاحبه، وأنه جعل في آذانهم وقرًا، أي: صممًا وثقلًا لئلا يسمعوه سماع قبول وانتفاع.\nوبين في مواضع أخر سبب الحيلولة بين القلوب وبين الانتفاع به، وأنه هو كفرهم، فجازاهم الله على كفرهم بطمس البصائر، وإزاغة القلوب والطبع والختم والأكنة المانعة من وصول الخير إليها، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا. .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة: الرد الواضح على القدرية في قولهم: إن الشر لا يقع بمشيئة الله، بل بمشيئة العبد: سبحان الله وتعالى علوًا كبيرًا عن أن يقع في ملكه شيء ليس بمشيئته؟ ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾ ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-765> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾</span>.\nوبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه - ﷺ - إذا ذكر","vol":"3","page":706},{"text":"ربه وحده في القرآن بأن قال: \"لا إله إلا الله\" ولى الكافرون على أدبارهم نفورًا، بغضًا منهم لكلمة التوحيد، ومحبة للإشراك به جل وعلا.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، مبينًا أن نفورهم من ذكره وحده جل وعلا سبب خلودهم في النار، كقوله: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥) وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿نُفُورًا (٤٦)﴾ جمع نافر؛ فهو حال، أي: ولوا على أدبارهم في حال كونهم نافرين من ذكر الله وحده من دون إشراك. والفاعل يجمع على فعول كساجد وسجود، وراكع وركوع.\nوقال بعض العلماء: ﴿نُفُورًا (٤٦)﴾ مصدر، وعليه فهو ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿وَلَّوْا﴾ لأن التولية عن ذكره وحده بمعنى النفور منه.\n\n• قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ","vol":"3","page":707},{"text":"أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا (٥٧)﴾.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المعبودين من دون الله الذين زعم الكفار أنهم يقربونهم إلى الله زلفى، ويشفعون لهم عنده لا يملكون كشف الضر عن عابديهم، أي: إزالة المكروه عنهم، ولا تحويلًا، أي: تحويله من إنسان إلى آخر، أو تحويل المرض إلى الصحة، والفقر إلى الغنى، والقحط إلى الجدب ونحو ذلك. ثم بين فيها أيضًا أن المعبودين الذين عبدهم الكفار من دون الله يتقربون إلى الله بطاعته، ويبتغون الوسيلة إليه، أي: الطريق إلى رضاه ونيل ما عنده من الثواب بطاعته فكان الواجب عليكم أن تكونوا مثلهم.\nقال ابن مسعود: نزلت هذه الآية في قوم من العرب من خزاعة أو غيرهم كانوا يعبدون رجالًا من الجن، فأسلم الجنيون وبقي الكفار يعبدونهم، فأنزل الله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ. .﴾ الآية.\nوعن ابن عباس: أن هذه الآية نزلت في الذين كانوا يعبدون عزيرًا والمسيح وأمه.\nوعنه أيضًا، وعن ابن مسعود، وابن زيد، والحسن: أنها نزلت في عبدة الملائكة. وعن ابن عباس: أنها نزلت في عبدة الشمس والقمر والكواكب وعزير والمسيح وأمه.\nوهذا المعنى الذي بينه جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن كل معبود من دون الله لا ينفع عابده، وأن كل معبود من دونه","vol":"3","page":708},{"text":"مفتقر إليه ومحتاج له جل وعلا = بينه أيضًا في مواضع أخر، كقوله \"في سبإ\": ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢) وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾ وقوله \"في الزمر\": ﴿أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد قدمنا \"في سورة المائدة\" أن المراد بالوسيلة في هذه الآية الكريمة \"وفي آية المائدة\": هو التقرب إلى الله بالعمل الصالح؛ ومنه قول لبيد:\nأرى الناس لا يدرون ما قدر أمرهم ... بلى كل ذي لب إلى الله واسل\nوقد قدمنا \"في المائدة\" أن التحقيق أن قول عنترة:\nإن الرجال لهم إليك وسيلة ... إن يأخذوك تكحلي وتخضبي\nمن هذا المعنى، كما قدمنا أنها تجمع على وسائل، كقوله:\nإذا غفل الواشون عدنا لوصلنا ... وعاد التصافي بيننا والوسائل\nوأصح الأعاريب في قوله: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ أنه بدل من واو الفاعل في قوله: ﴿يَبْتَغُونَ﴾ وقد أوضحنا هذا \"في سورة المائدة\" بما أغنى عن إعادته هنا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-766> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا (٥٨)﴾</span>\nقال بعض أهل العلم: في هذه الآية الكريمة حذف الصفة،","vol":"3","page":709},{"text":"أي: وإن من قرية ظالمة إلا نحن مهلكوها. وهذا النعت المحذوف دلت عليه آيات من كتاب الله تعالى؛ كقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (١٣١)﴾ أي: بل لابد أن تنذرهم الرسل فيكفروا بهم وبربهم، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ (١١٧)﴾ وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وغاية ما في هذا القول حذف النعت مع وجود أدلة تدل عليه. ونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي: كل سفينة صالحة؛ بدليل أن خرق الخضر للسفينة التي ركب فيها هو وموسى يريد به سلامتها من أخذ الملك لها؛ لأنه لا يأخذ المعيبة التي فيها الخرق وإنما يأخذ الصحيحة، ومن حذف النعت قوله تعالى: ﴿قَالُوا الْآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ﴾ أي: بالحق الواضح الذي لا لبس معه في صفات البقرة المطلوبة، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر، وهو المرقش الأكبر:\nورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد\nأي: فرع فاحم وجيد طويل، وقول عبيد بن الأبرص:\nمن قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل\nأي: قوله قول فصل، وفعله فعل جميل، ونائله نائل جزيل، وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله:\nوما المنعوت والنعت عقل ... يجوز حذفه وفي النعت يقل","vol":"3","page":710},{"text":"وقال بعض أهل العلم: الآية عامة، فالقرية الصالحة إهلاكها بالموت، والقرية الطالحة إهلاكها بالعذاب، ولا شك أن كل نفس ذائقة الموت. والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ، والمسطور: المكتوب، ومنه قول جرير:\nمن شاء بايعته مالي وخلعته ... ما تكمل التيم في ديوانها سطرا\nوما يرويه مقاتل عن كتاب الضحاك بن مزاحم في تفسير هذه الآية: من أن مكة تخربها الحبشة، وتهلك المدينة بالجوع، والبصرة بالغرق، والكوفة بالترك، والجبال بالصواعق والرواجف. وأما خراسان فهلاكها ضروب، ثم ذكر بلدًا بلدًا = لا يكاد يعول عليه؛ لأنه لا أساس له من الصحة، وكذلك ما يروى عن وهب بن منبه: أن الجزيرة آمنة من الخراب حتى تخرب أرمينية، وأرمينية آمنة حتى تخرب مصر، ومصر آمنة حتى تخرب الكوفة، ولا تكون الملحمة الكبرى حتى تخرب الكوفة، فإذا كانت الملحمة الكبرى فتحت قسطنطينية على يد رجل من بني هاشم، وخراب الأندلس من قبل الزنج، وخراب إفريقية من قبل الأندلس، وخراب مصر من انقطاع النيل واختلاف الجيوش فيها، وخراب العراق من الجوع، وخراب الكوفة من قبل عدو يحصرهم ويمنعهم الشراب من الفرات، وخراب البصرة من قبيل الغرق، وخراب الأبلة من عدو يحصرهم برًا وبحرًا، وخراب الري من الديلم، وخراب خراسان من قبل التبت، وخراب التبت من قبل الصين، وخراب الهند واليمن من قبل الجراد والسلطان، وخراب مكة من الحبشة، وخراب المدينة من الجوع اهـ كل ذلك لا يعول عليه؛ لأنه من قبيل الإسرائيليات.","vol":"3","page":711},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-767> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾</span> الآية.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى ثمود الناقة في حال كونها آية مبصرة، أي: بينةً تجعلهم يبصرون الحق واضحًا لا لبس فيه فظلموا بها، ولم يبين ظلمهم بها هاهنا، ولكنه أوضحه في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ. .﴾ الآية، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-768> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ</span>. .﴾ الآية. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخبر نبيه - ﷺ - أنه أحاط بالناس؛ أي: فهم في قبضته يفعل فيهم كيف يشاء فيسلط نبيه عليهم ويحفظه منهم.\nقال بعض أهل العلم: ومن الآيات التي فصلت بعض التفصيل في هذه الإحاطة، قوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ﴾ وفي هذا أن هذه الآية مكية، وبعض الآيات المذكورة مدني. أما آية القمر وهي قوله: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ الآية فلا إشكال في البيان بها لأنها مكية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-769> قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾</span> التحقيق في معنى هذه الآية الكريمة: أن الله جل وعلا جعل ما أراه نبيه - ﷺ - من الغرائب والعجائب ليلة الإسراء والمعراج فتنة للناس، لأن عقول بعضهم ضاقت عن قبول ذلك، معتقدة أنه لا يمكن أن يكون حقًا، قالوا: كيف يصلي ببيت","vol":"3","page":712},{"text":"المقدس، ويخترق السبع الطباق، ويرى ما رأى في ليلة واحدة، ويصبح في محله بمكة؟ هذا محال! فكان هذا الأمر فتنة لهم؛ لعدم تصديقهم به، واعتقادهم أنه لا يمكن، وأنه جل وعلا جعل الشجرة الملعونة في القرآن التي هي شجرة الزقوم فتنة للناس؛ لأنهم لما سمعوه - ﷺ - يقرأ: ﴿إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ قالوا: ظهر كذبه؛ لأن الشجر لا ينبت في الأرض اليابسة، فكيف ينبت في أصل النار؟ فصار ذلك فتنة. وبين أن هذا هو المراد من كون الشجرة المذكورة فتنة لهم بقوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤). .﴾ الآية، وهو واضح كما ترى. وأشار في موضع آخر إلى الرؤيا التي جعلها فتنة لهم، وهو قوله: ﴿أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى (١٢) وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾ وقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة.\nوبهذا التحقيق الذي ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن الرؤيا التي أراه الله إياها هي رؤياه في المنام بني أمية على منبره، وإن المراد بالشجرة الملعونة في القرآن بنو أمية لا يعول عليه، إذ لا أساس له من الصحة، والحديث الوارد بذلك ضعيف لا تقوم به حجة، وإنما وصف الشجرة باللعن لأنها في أصل النار، وأصل النار بعيد من رحمة الله. واللعن: الإبعاد عن رحمة الله، أو لخبث صفاتها التي وصفت بها في القرآن، أو للعن الذين يطعمونها. والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا","vol":"3","page":713},{"text":"إِبْلِيسَ قَالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾.\nقوله تعالى في هذه الآية عن إبليس: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا (٦١)﴾ يدل فيه إنكار إبليس للسجود بهمزة الإنكار على إبائه وإستكباره عن السجود لمخلوق من طين، وصرح بهذا الإباء والاستكبار في مواضع أخر، فصرح بهما معًا \"في البقرة\" في قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾ وصرح بإبائه \"في الحجر\" بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ وباستكباره \"في ص\" بقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾ وبين سبب استكباره بقوله: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ كما تقدم إيضاحه في \"البقرة\".\nوقوله: ﴿طِينًا (٦١)﴾ حال، أي: لمن خلقته في حال كونه طينًا. وتجويز الزمخشري كونه حالًا من نفس الموصول غير ظاهر عندي. وقيل: منصوب بنزع الخافض، أي: من طين. وقيل: تمييز، وهو أضعفها. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-770> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن إبليس اللعين قال له: ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ أي: أخبرني هذا الذي كرمته علي فأمرتني بالسجود له وهو آدم، أي: لم كرمته علي وأنا خير منه! والكاف في ﴿أَرَأَيْتَكَ﴾ حرف خطاب، وهذا مفعول به لأرأيت، والمعنى: أخبرني؛ وقيل: إن الكاف مفعول به، و﴿هَذَا﴾ مبتدأ، وهو قول ضعيف.\nوقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ قال ابن عباس: لأستولين","vol":"3","page":714},{"text":"عليهم، وقاله الفراء. وقال مجاهد: لأحتوينهم. وقال ابن زيد: لأضلنهم.\nقال القرطبي: والمعنى متقارب، أي: لأستأصلنهم بالإغواء والإضلال، ولأجتاحنهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي في معنى الآية: أن المراد بقوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ أي: لأقودنهم إلى ما أشاء، من قول العرب: احتنكت الفرس: إذا جعلت الرسن في حنكه لتقوده حيث شئت. تقول العرب: حنكت الفرس أحنكه من باب ضرب ونصر واحتنكته: إذا جعلت فيه الرسن؛ لأن الرسن يكون على حنكه. وقول العرب: احتنك الجراد الأرض، أي: أكل ما عليها من هذا القبيل؛ لأنه يأكل بأفواهه، والحنك حول الفم. هذا هو أصل الاستعمال في الظاهر، فالاشتقاق في المادة من الحنك، وإن كان يستعمل في الإسلاك مطلقًا والاستئصال، كقول الراجز:\nأشكر إليك سنة قد أجحفت ... جهدًا إلى جهد بنا وأضفت\n\n• واحتنكت أموالنا واجتلفت*\nوهذا الذي ذكر جل وعلا عن إبليس في هذه الآية من قوله: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ. .﴾ الآية، بينه أيضًا في مواضع أخر من كتابه، كقوله: ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (١٦) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾ وقوله: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه \"في سورة النساء\" وغيرها.","vol":"3","page":715},{"text":"وقوله في هذه الآية: ﴿إِلَّا قَلِيلًا (٦٢)﴾ بين المراد بهذا القليل في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٢) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ﴾ وقوله: ﴿لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقول إبليس في هذه الآية: ﴿لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ. .﴾ الآية. قاله ظنًا منه أنه سيقع وقد تحقق له هذا الظن، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-771> قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾</span> قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿قَالَ اذْهَبْ﴾ هذا أمر إهانة؛ أي: اجهد جهدك، فقد أنظرتك ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ﴾ أي: أطاعك من ذرية آدم ﴿فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ أي: وافرًا؛ عن مجاهد وغيره.\nوقال الزمخشري وأبو حيان: ﴿اذْهَبْ﴾ ليس من الذهاب الذي هو نقيض المجيء، وإنما معناه: امض لشأنك الذي اخترته، وعقبه بذكر ما جره سوء اختياره في قوله: ﴿فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾.\nوهذا الوعيد الذي أوعد به إبليس ومن تبعه في هذه الآية الكريمة بينه أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾ وقوله: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَزَاءً﴾ مفعول مطلق","vol":"3","page":716},{"text":"منصوب بالمصدر قبله؛ على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nبمثله أو فعل أو وصف نصب ... وكونه أصلًا لهذين انتخب\nوالذي يظهر لي: أن قول من قال إن ﴿مَوْفُورًا (٦٣)﴾ بمعنى وافر لا داعي له، بل ﴿مَوْفُورًا (٦٣)﴾ اسم مفعول على بابه؛ من قولهم: وفر الشيء يفره، فالفاعل وافر، والمفعول موفور؛ ومنه قول زهير:\nومن يجعل المعروف من دون عرضه ... يفره ومن لا يتق الشتم يشتم\nوعليه: فالمعنى جزاء مكملًا متممًا. وتستعمل هذه المادة لازمة أيضًا تقول: وفر ماله فهو وافر، أي: كثير.\nوقوله: ﴿مَوْفُورًا (٦٣)﴾ نعت للمصدر قبله كما هو واضح، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-772> قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾</span> قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذا أمر قدري، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ أي: تزعجهم إلى المعاصي إزعاجًا، وتسوقهم إليها سوقًا. انتهى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي أن صيغ الأمر في قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ﴾، وقوله: ﴿وَشَارِكْهُمْ﴾ إنما هي للتهديد، أي: افعل ذلك فسترى عاقبته الوخيمة، كقوله: ﴿اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ﴾ وبهذا جزم أبو حيان \"في البحر\"، وهو واضح كما","vol":"3","page":717},{"text":"ترى. وقوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ أي: استخف من استطعت أن تستفزه منهم، فالمفعول محذوف لدلالة المقام عليه. والاستفزاز: الاستخفاف. ورجل فز: أي: خفيف، ومنه قيل لولد البقرة: فز، لخفة حركته. ومنه قول زهير:\nكما استغاث بسيءٍ فَزُّ غَيطلةٍ ... خافَ العيونَ ولم يُنظر به الحَشَكُ\n\"والسيء\" في بيت زهير -بالسين المهملة مفتوحة بعدها ياء ساكنة وآخره همز- اللبن الذي يكون في أطراف الأخلاف قبل نزول الدرة. والحشك أصله السكون؛ لأنه مصدر حشكت الدرة: إذا امتلأت، وإنما حركه زهير للوزن. والغيطلة هنا: بقرة الوحش ذات اللبن.\nوقوله: ﴿بِصَوْتِكَ﴾ قال مجاهد: هو اللهو والغناء والمزامير، أي: استخف من استطعت أن تستخفه منهم باللهو والغناء والمزامير. وقال ابن عباس: صوته يشمل كل داع دعا إلى معصية؛ لأن ذلك إنما وقع طاعة له. وقيل: ﴿بِصَوْتِكَ﴾: أي: وسوستك.\nوقوله: ﴿وَأَجْلِبْ﴾ أصل الإجلاب: السوق بجلبة من السائق. والجلبة: الأصوات، تقول العرب: أجلب على فرسه، وجلب عليه: إذا صاح به من خلفه واستحثه للسبق. والخيل تطلق على نفس الأفراس، وعلى الفوارس الراكبين عليها، وهو المراد في الآية. والرجل: جمع راجل، كما قدمنا أن التحقيق جمع الفاعل وصفًا على فعل بفتح فسكون وأوضحنا أمثلته بكثرة، واخترنا أنه جمع موجود أغفله الصرفيون، إذ ليست فعل بفتح فسكون عندهم من صيغ الجموع. فيقولون فيما ردد من ذلك كراجل ورجل،","vol":"3","page":718},{"text":"وصاحب وصحب، وراكب وركب، وشارب وشرب: إنه اسم جمع لا جمع، وهو خلاف التحقيق.\nوقرأ حفص عن عاصم: ﴿وَرَجِلِكَ﴾ بكسر الجيم لغة في الرجل جمع راجل.\nوقال الزمخشري: هذه القراءة على أن فعلًا بمعنى فاعل، نحو تعب وتاعب، ومعناه وجمعك الرجل اهـ أي: الماشيين على أرجلهم.\n﴿وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ﴾.\nأما مشاركته لهم في الأموال - فعلى أصناف:\n(منها): ما حرموا على أنفسهم من أموالهم طاعة له، كالبحائر والسوائب ونحو ذلك، وما يأمرهم به من إنفاق الأموال في معصية الله تعالى، وما يأمرهم به من اكتساب الأموال بالطرق المحرمة شرعًا كالربا والغصب وأنواع الخيانات؛ لأنهم إنما فعلوا ذلك طاعة له.\nوأما مشاركته لهم في الأولاد فعلى أصناف أيضًا:\n(منها): قتلهم بعض أولادهم طاعة له.\n(ومنها): أنهم يمجسون أولادهم ويهودونهم وينصرونهم طاعة له وموالاة.\n(ومنها): تسميتهم أولادهم عبد الحارث، وعبد شمس، وعبد العزى ونحو ذلك؛ لأنهم بذلك سموا أولادهم عبيدًا لغير الله","vol":"3","page":719},{"text":"طاعة له. ومن ذلك أولاد الزنى؛ لأنهم إنما تسببوا في وجودهم بارتكاب الفاحشة طاعة له إلى غير ذلك.\nفإذا عرفت هذا: فاعلم أن الله قد بين في آيات من كتابه بعض ما تضمنته هذه الآية من مشاركة الشيطان لهم في الأموال والأولاد، كقوله: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (١٤٠)﴾ فقتلهم أولادهم المذكور في هذه الآية طاعة للشيطان مشاركة منه لهم في أولادهم حيث قتلوهم في طاعته، وكذلك تحريم بعض ما رزقهم الله المذكور في الآية طاعة له مشاركة منه لهم في أموالهم أيضًا، وكقوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا ..﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣٨)﴾ وقوله: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الأحاديث المبينة بعض مشاركته لهم فيما ذكر: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث عياض بن حمار ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"يقول الله ﷿: إني خلقت عبادي حنفاء فجاءتهم الشياطين فاجتالتهم عن دينهم، وحرمت عليهم ما أحللت لهم\".\nوما ثبت في الصحيحين عن حديث ابن عباس ﵄","vol":"3","page":720},{"text":"عن رسول الله - ﷺ - أنه قال: \"لو أن أحدكم إذا أراد أن يأتي أهله فقال: بسم الله، اللهم جنبنا الشيطان، وجنب الشيطان ما رزقتنا، فإنه إن يقدر بينهما ولد في ذلك لم يضره شيطان\" انتهى.\nفاجتيال الشياطين لهم عن دينهم، وتحريمها عليهم ما أحل الله لهم في الحديث الأول، وضرها لهم لو تركوا التسمية في الحديث الثاني: كل ذلك من أنواع مشاركتهم فيهم.\nوقوله \"فاجتالتهم\" أصله افتعل من الجولان؛ أي: استخفتهم الشياطين فجالوا معهم في الضلال؛ يقال: جال واجتال: إذا ذهب وجاء، ومنه الجولان في الحرب واجتال الشيء: إذا ذهب به وساقه. والعلم عند الله تعالى.\nوالأمر في قوله: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ كالأمر في قوله: ﴿وَاسْتَفْزِزْ﴾ وقوله: ﴿وَأَجْلِبْ﴾ وقد قدمنا أنه للتهديد.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (٦٤)﴾ بين فيه أن مواعيد الشيطان كلها غرور وباطل؛ كوعده لهم بأن الأصنام تشفع لهم وتقربهم عند الله زلفى، وأن الله لما جعل لهم المال والولد في الدنيا سيجعل لهم مثل ذلك في الآخرة، إلى غير ذلك من المواعيد الكاذبة.\nوقد بين تعالى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (١٢٠)﴾ وقوله: ﴿وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ","vol":"3","page":721},{"text":"وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-773> قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ </span>..﴾ الآية.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن عباده الصالحين لا سلطان للشيطان عليهم؛ فالظاهر أن في هذه الآية الكريمة حذف الصفة كما قدرنا، ويدل على الصفة المحذوفة إضافته العباد إليه إضافة تشريف. وتدل لهذه الصفة المقدرة أيضًا آيات أخر؛ كقوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-774> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن الكفار إذا مسهم الضر في البحر، أي: اشتدت عليهم الريح فغشيتهم أمواج البحر كأنها الجبال، وظنوا أنهم لا خلاص لهم من ذلك: ضل عنهم، أي: غاب عن أذهانهم وخواطرهم في ذلك الوقت كل ما كانوا يعبدون من دون الله جل وعلا، فلا يدعون في ذلك الوقت إلا الله جل وعلا وحده، لعلمهم أنه لا ينقذ من ذلك الكرب وغيره من الكروب إلا هو وحده جل وعلا، فأخلصوا العبادة والدعاء له","vol":"3","page":722},{"text":"وحده في ذلك الحين الذي أحاط بهم فيه هول البحر، فإذا نجاهم الله وفرج عنهم، ووصلوا إلى البر رجعوا إلى ما كانوا عليه من الكفر، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا﴾.\nوهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة أوضحه الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢) فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ وقوله: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤)﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمَا يَجْحَدُ بِآيَاتِنَا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ (٣٢)﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام وغيرها.\nثم إِنَّ الله جل وعلا بين في هذا الموضع الذي نحن بصدده سخافة عقول الكفار، وأنهم إذا وصلوا إلى البر ونجوا من هول البحر رجعوا إلى كفرهم آمنين عذاب الله، مع أنه قادر على إهلاكهم بعد وصولهم إلى البر، بأن يخسف بهم جانب البر الذي يلي البحر فتبتلعهم الأرض، أو يرسل عليهم حجارة من السماء فتهلكهم، أو","vol":"3","page":723},{"text":"يعيدهم مرة أخرى في البحر فتغرقهم أمواجه المتلاطمة، كما قال هنا منكرًا عليهم أمنهم وكفرهم بعد وصول البر: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا﴾ وهو المطر أو الريح اللذينِ فيهما الحجارة ﴿أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي بسبب كفركم، فالباء سببية، وما مصدرية. والقاصف: ريح البحار الشديدة التي تكسر المراكب وغيرها، ومنه قول أبي تمام:\nإن الرياح إذا ما أعصفت قصفت ... عيدان نجد ولا يعبأن بالرتم\nيعني: إذا ما هبت بشدة كسرت عيدان شجر نجد رتمًا كان أو غيره.\nوهذا المعنى الذي بينه جل وعلا هنا من قدرته على إهلاكهم، في غير البحر بخسف، أو عذاب من السماء = أوضحه في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حَاصِبًا فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧)﴾ وقوله \"في قوم لوط\": ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ حَاصِبًا إِلَّا آلَ لُوطٍ نَجَّيْنَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ وقوله: ﴿لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والحاصب في هذه الآية قد قدمنا أنه قيل: إنها السحابة أو الريح، وكلا القولين صحيح؛ لأن كل ريح شديدة ترمي بالحصباء تسمى حاصبًا وحصبة. وكل سحابة ترمي بالبرد تسمى حاصبًا أيضًا؛ ومنه قول الفرزدق:","vol":"3","page":724},{"text":"مستقبلين شمال الشام يضربنا ... بحاصب كنديف القطن منثور\nوقول لبيد:\nجرت عليها أن خوت من أهلها ... أذيالها كل عصوف حصبه\nوقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ فعيل بمعنى فاعل؛ أي: تابعًا يتبعنا بالمطالبة بثأركم، كقوله: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤) وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا (١٥)﴾ أي: لا يخاف عاقبة تبعة تلحقه بذلك، وكل مطالب بدين أو ثأر أو غير ذلك تسميه العرب تبيعًا، ومنه قول الشماخ يصف عقابًا:\nتلوذ ثعالب الشرفين منها ... كما لاذ الغريم من التبيع\nأي: كعياذ المدين من صاحب الدين الذي يطالبه بغرمه منه. ومنه قول الآخر:\nغدوا وغدت غزلانهم وكأنها ... ضوامن غرم لدهن تبيع\nأي: خصمهن مطالب بدين، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ﴾ الآية، وقوله - ﷺ -: \"إذ أتبع أحدكم على مليء فليتبع\" وهذا هو معنى قول ابن عباس وغيره ﴿تَبِيعًا (٦٩)﴾: أي: نصيرًا، وقول مجاهد: نصيرًا ثائرًا.\nتنبيه\nلا يخفى على الناظر في هذه الآية الكريمة: أن الله ذم الكفار وعابهم بأنهم في وقت الشدائد والأهوال خاصة يخلصون العبادة له وحده، ولا يصرفون شيئًا من حقه لمخلوق، وفي وقت الأمن","vol":"3","page":725},{"text":"والعافية يشركون به غيره في حقوقه الواجبة له وحده، التي هي عبادته وحده في جميع أنواع العبادة، ويعلم من ذلك أن بعض جهلة المتسمين باسم الإسلام أسوأ حالًا من عبدة الأوثان، فإنهم إذا دهمتهم الشدائد، وغشيتهم الأهوال والكروب التجئوا إلى غير الله ممن يعتقدون فيه الصلاح، في الوقت الذي يخلص فيه الكفار العبادة لله، مع أن الله جل وعلا أوضح في غير موضع: أن إجابة المضطر، وإنجاءه من الكرب من حقوقه التي لا يشاركه فيها غيره.\nومن أوضح الأدلة في ذلك قوله تعالى \"في سورة النمل\": ﴿آللَّهُ خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠) أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١) أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ ..﴾ الآيات. فتراه جل وعلا في هذه الآيات الكريمات جعل إجابة المضطر إذا دعا وكشف السوء عنه من حقه الخالص الذي لا يشاركه فيه أحد؛ كخلقه السموات والأرض، وإنزاله الماء من السماء، وإنباته به الشجر، وجعله الأرض قرارًا، وجعله خلالها أنهارًا، وجعله لها رواسي، وجعله بين البحرين حاجزا، إلى آخر ما ذكر في هذه الآيات من غرائب صنعه وعجائبه التي لا يشاركه فيها أحد؛ ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوهذا الذي ذكره الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمات: كان سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل؛ فإنه لما فتح رسول الله - ﷺ -","vol":"3","page":726},{"text":"مكة ذهب فارًا منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجهًا إلى الحبشة؛ فجاءتهم ريح عاصف فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره فإنه لا ينفع في البر غيره! اللهم لك علي عهد، لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد - ﷺ - فلأجدنه رءوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله - ﷺ - فأسلم وحسن إسلامه ﵁ اهـ.\nوالظاهر أن الضمير في قوله: ﴿بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾ راجع إلى الإهلاك بالإغراق المفهوم من قوله: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ﴾ أي: لا تجدون تبيعًا يتبعنا بثأركم بسبب ذلك الإغراق.\nوقال صاحب روح المعاني. وضمير ﴿بِهِ﴾ قيل: للإرسال، وقيل: للإغراق، وقيل: لهما باعتبار ما وقع. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-775> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾</span> قال بعض أهل العلم: من تكريمه لبني آدم خلقه لهم على أكمل الهيئات وأحسنها، فإن الإنسان يمشي قائمًا منتصبًا على رجليه، ويأكل بيديه، وغيره من الحيوانات يمشي على أربع، ويأكل بفمه.\nومما يدل لهذا من القرآن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤)﴾ وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾ وفي الآية كلام غير هذا. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ..﴾ الآية، أي: في","vol":"3","page":727},{"text":"البر على الأنعام، وفي البحر على السفن.\nوالآيات الموضحة لذلك كثيرة جدًا، كقوله: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ وقد قدمنا هذا مستوفى بإيضاح \"في سورة النحل\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-776> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾</span> قال بعض العلماء: المراد ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ هنا كتاب أعمالهم.\nويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ وقوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ واختار هذا القول ابن كثير، لدلالة آية \"يس\" المذكورة عليه. وهذا القول رواية عن ابن عباس ذكرها ابن جرير وغيره، وعزاه ابن كثير لابن عباس وأبي العالية والضحاك والحسن.\nوعن قتادة ومجاهد: أن المراد ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ نبيهم.\nويدل لهذا القول قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ ..﴾ الآية.","vol":"3","page":728},{"text":"قال بعض السلف: وفي هذا أكبر شرف لأصحاب الحديث؛ لأن إمامهم النبي - ﷺ -.\nوقال بعض أهل العلم: ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: بكتابهم الذي أنزل على نبيهم من التشريع، وممن قال به: ابن زيد، واختاره ابن جرير.\nوقال بعض أهل العلم: ﴿يَوْمَ نَدْعُو كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ أي: ندعو كل قوم بمن يأتمون به، فأهل الإيمان أئمتهم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم، وأهل الكفر أئمتهم سادتهم وكبراؤهم من رؤساء الكفرة، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ ..﴾ الآية. وهذا الأخير أظهر الأقوال عندي. والعلم عند الله تعالى.\nفقد رأيت أقوال العلماء في هذه الآية، وما يشهد لها من قرآن.\nوقوله بعد هذا: ﴿فَمَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ﴾ من القرائن الدالة على ترجيح ما اختاره ابن كثير من أن الإمام في هذه الآية كتاب الأعمال.\nوذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يؤتون كتابهم بأيمانهم يقرءونه ولا يظلمون فتيلًا.\nوقد أوضح هذا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩)  -إلى قوله-  وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥)﴾ وقد قدمنا هذا مستوفى في أول هذه السورة الكريمة.","vol":"3","page":729},{"text":"وقول من قال: إن المراد ﴿بِإِمَامِهِمْ﴾ كمحمد بن كعب \"أمهاتهم\" أي: يقال: يا فلان ابن فلانة = قول باطل بلا شك. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر مرفوعًا: \"يرفع يوم القيامة لكل غادر لواء فيقال هذه غدرة فلان ابن فلان\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-777> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾</span>.\nالمراد بالعمى في هذه الآية الكريمة: عمى القلب لا عمى العين. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾ لأن عمى العين مع إبصار القلب لا يضر، بخلاف العكس، فإن أعمي العين يتذكر فتنفعه الذكرى ببصيرة قلبه، قال تعالى: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤)﴾.\nإذا بصر القلب المروءة والتقى ... فإن عمى العينين ليس يضير\nوقال ابن عباس ﵄: لما عمي في آخر عمره -كما روي عنه من وجوه- كما ذكره ابن عبد البر وغيره:\nإن يأخذ الله من عيني نورهما ... ففي لساني وقلبي منهما نور\nقلبي ذكي وعقلي غير ذي دخل ... وفي فمي صارم كالسيف مأثور\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ قال بعض أهل العلم: ليست الصيغة صيغة تفضيل، بل المعنى فهو في الآخرة أعمى كذلك لا يهتدي إلى نفع، وبهذا جزم الزمخشري.","vol":"3","page":730},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يتبادر إلى الذهن أن لفظة ﴿أَعْمَى﴾ الثانية صيغة تفضيل، أي: هو أشد عمى في الآخرة.\nويدل عليه قوله بعده: ﴿وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾ فإنها صيغة تفضيل بلا نزاع. والمقرر في علم العربية: أن صيغتي التعجب وصيغة التفضيل لا يأتيان من فعل الوصف منه على أفعل الذي أنثاه فعلاء، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\n\n• وغير ذي وصف يضاهي أشهلا*\nوالظاهر أن ما وجد في كلام العرب مصوغًا من صيغة تفضيل أو تعجب غير مستوف للشروط = أنه يحفظ ولا يقاس عليه، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوبالندور احكم لغير ما ذكر ... ولا تقس على الذي منه أثر\nومن أمثلة ذلك قوله:\nما في المعالي لكم ظل ولا ثمر ... وفي المخازي لكم أشباح أشياخ\nأما الملوك فأنت اليوم ألأمهم ... لؤمًا وأبيضهم سربال طباخ\nوقال بعض العلماء: إن قوله في هذا البيت \"وأبيضهم سربال طباخ\" ليس صيغة تفضيل، بل المعنى أنت وحدك الأبيض سربال طباخ من بينهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-778> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ لِتَفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذًا لَاتَّخَذُوكَ خَلِيلًا (٧٣)﴾</span> روي عن سعيد بن جبير أنها نزلت في المشركين من قريش، قالوا له - ﷺ -: لا ندعك تستلم","vol":"3","page":731},{"text":"الحجر الأسود حتى تستلم آلهتنا.\nوعن ابن عباس في رواية عطاء: أنها نزلت في وفد ثقيف، أتوا النبي فسألوه شططًا قالوا: متعنا بآلهتنا سنة حتى نأخذ ما يهدى لها، وحرم وادينا كما حرمت مكة، إلى غير ذلك من الأقوال في سبب نزولها. وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\nومعنى الآية الكريمة: أن الكفار كادوا يفتنونه، أي: قاربوا ذلك. ومعنى يفتنونك: يزلونك عن الذي أوحينا إليك لتفتري علينا غيره مما لم نوحه إليك.\nقال بعض أهل العلم: قاربوا ذلك في ظنهم، لا فيما في نفس الأمر. وقيل: معنى ذلك أنه خطر في قلبه - ﷺ - أن يوافقهم في بعض ما أحبوا، ليجرهم إلى الإسلام لشدة حرصه على إسلامهم.\nوبين في موضع آخر: أنهم طلبوا منه الإتيان بغير ما أوحي إليه، وأنه امتنع أشد الامتناع وقال لهم: إنه لا يمكنه أن يأتي بشيء من تلقاء نفسه، بل يتبع ما أوحى إليه ربه، وذلك في قوله: ﴿قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ وقوله في هذه الآية: ﴿وَإِنْ كَادُوا﴾ هي المخففة من الثقيلة، وهي هنا مهملة، واللام هي الفارقة بينها وبين إن النافية كما قال في الخلاصة:\nوخففت إن فقل العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل","vol":"3","page":732},{"text":"والغالب أنها لا تكون كذلك مع فعل إِلَاّ إن كان ناسخًا كما في هذه الآية، قال في الخلاصة:\nوالفعل إن لم يك ناسخًا فلا ... تلفيه غالبًا بإن ذي موصلا\nكما هو معروف في النحو.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-779> قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لَأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيرًا (٧٥)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة تثبيته لنبيه - ﷺ -، وعصمته له من الركون إلى الكفار، وأنه لو ركن إليهم لأذاقه ضعف الحياة وضعف الممات؛ أي: مثلي عذاب الحياة في الدنيا، ومثلي عذاب الممات في الآخرة؛ وبهذا جزم القرطبي في تفسيره.\nوقال بعضهم: المراد بضعف عذاب الممات: العذاب المضاعف في القبر، والمراد بضعف الحياة: العذاب المضاعف في الآخرة بعد حياة البعث. وبهذا جزم الزمخشري وغيره. والآية تشمل الجميع، وهذا الذي ذكره هنا من شدة الجزاء لنبيه -لو خالف- بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) ..﴾ الآية.\nوهذا الذي دلت عليه هذه الآية من أنه إذا كانت الدرجة أعلى كان الجزاء عند المخالفة أعظم بينه في موضع آخر، كقوله: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ ..﴾ الآية. ولقد أجاد من قال:","vol":"3","page":733},{"text":"وكبائر الرجل الصغير صغائر ... وصغائر الرجل الكبير كبائر\nتنبيه\nهذه الآية الكريمة أوضحت غاية الإيضاح براءة نبينا - ﷺ - من مقاربة الركون إلى الكفار، فضلًا عن نفس الركون؛ لأن ﴿وَلَوْلَا﴾ حرف امتناع لوجود، فمقاربة الركون منعتها ﴿وَلَوْلَا﴾ الامتناعية لوجود التثبيت من الله جل وعلا لأكرم خلقه - ﷺ -، فصح يقينًا انتفاء مقاربة الركون فضلًا عن الركون نفسه، وهذه الآية تبين ما قبلها، وأنه لم يقارب الركون إليهم ألبتة؛ لأن قوله: ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا﴾ أي: قاربت تركن إليهم هو عين الممنوع بـ ﴿وَلَوْلَا﴾ الامتناعية كما ترى. ومعنى ﴿تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ﴾: تميل إليهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-780> قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ </span>..﴾ الآية.\nقد بينا \"في سورة النساء\": أن هذه الآية الكريمة من الآيات التي أشارت لأوقات الصلاة؛ لأن قوله: ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ أي: لزوالها على التحقيق، فيتناول وقت الظهر والعصر؛ بدليل الغاية في قوله: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ أي: ظلامه، وذلك يشمل وقت المغرب والعشاء. وقوله: ﴿قُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ أي: صلاة الصبح، كما تقدم إيضاحه وأشرنا للآيات المشيرة لأوقات الصلوات؛ كقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ اللَّيْلِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) ..﴾ الآية. وأتممنا بيان ذلك من السنة في الكلام على قوله: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ فراجعه هناك إن شئت. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-781> قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾</span>","vol":"3","page":734},{"text":"الحق في لغة العرب: الثابت الذي ليس بزائل ولا مضمحل، والباطل: هو الذاهب المضمحل. والمراد بالحق في هذه الآية: هو ما في هذا القرآن العظيم والسنة النبوية من دين الإسلام، والمراد بالباطل فيها: الشرك بالله، والمعاصي المخالفة لدين الإسلام.\nوقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الإسلام جاء ثابتًا راسخًا، وأن الشرك بالله زهق؛ أي: ذهب واضمحل وزال. تقول العرب: زهقت نفسه: إذا خرجت وزالت من جسده.\nثم بين جل وعلا أن الباطل كان زهوقًا، أي: مضمحلًا غير ثابت في كل وقت. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع. وذكر أن الحق يزيل الباطل ويذهبه؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٤٨) قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾ وقوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ ..﴾ الآية.\nوقال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أَخرج ابنُ أبي شيبة، والبخاري، ومسلم، والترمذي، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن مردويه عن ابن مسعود ﵁ قال: دخل النبي - ﷺ - مكة، وحول البيت ستوِن وثلثمائة نصب، فجعل يطعنها بعود في يده ويقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وأبو يعلى، وابن المنذر عن جابر ﵁ قال: دخلنا مع رسول الله - ﷺ - مكة، وحول البيت ثلاثمائة وستون صنمًا؛ فأمر بها رسول الله - ﷺ - فأكبت لوجهها، وقال: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.","vol":"3","page":735},{"text":"وأخرج الطبراني في الصغير، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس ﵄ قال: دخل رسول الله - ﷺ - مكة يوم الفتح، وعلى الكعبة ثلاثمائة وستون صنمًا؛ فشد لهم إبليس أقدامها بالرصاص؛ فجاء ومعه قضيب فجعل يهوي إلى كل صنمِ منها فيخر لوجهه فيقول: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾ حتى مر عليها كلها.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وفي هذه الآية دليل على كسر نصب المشركين وجميع الأوثان إذا غلب عليهم. ويدخل بالمعنى كسر آلة الباطل كله، وما لا يصلح إلا لمعصية الله كالطنابير والعيدان والمزامير التي لا معنى لها إلا اللهو بها عن ذكر الله.\nقال ابن المنذر: وفي معنى الأصنام الصور المتخذة من المدر والخشب وشبهها، وكل ما يتخذه الناس مما لا منفعة فيه إلا اللهو المنهي عنه، ولا يجوز بيع شيء منه إلا الأصنام التي تكون من الذهب والفضة والحديد والرصاص إذا غيرت عما هي عليه وصارت نقدًا أو قطعًا فيجوز بيعها والشراء بها.\nقال المهلب: وما كسر من آلات الباطل وكان في حبسها بعد كسرها منفعة فصاحبها أولى بها مكسورة؛ إلا أن يرى الإمام حرقها بالنار على معنى التشديد والعقوبة في المال. وقد تقدم حرق ابن عمر ﵁. وقد هم النبي - ﷺ - بتحريق دور من تخلف عن صلاة الجماعة. وهذا أصل في العقوبة في المال؛ مع قوله - ﷺ - في الناقة التي لعنتها صاحبتها \"دعوها فإنها ملعونة\" فأزال ملكها عنها تأديبًا لصاحبتها، وعقوبة لها فيما دعت عليه بما دعت به. وقد","vol":"3","page":736},{"text":"أراق عمر بن الخطاب ﵁ لبنًا شيب بماء على صاحبه اهـ الغرض من كلام القرطبي رحمه الله تعالى.\nوقوله - ﷺ -: \"والله لينزلن عيسى ابن مريم حكمًا عدلًا فليكسرن الصليب، وليقتلن الخنزير\" الحديث = من قبيل ما ذكرنا دلالة الآية عليه والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-782> قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (٨٢)﴾</span> قد قدمنا في أول \"سورة البقرة\" الآيات المبينة لهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ كقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقوله في هذه الآية: ﴿مَا هُوَ شِفَاءٌ﴾ يشمل كونه شفاء للقلب من أمراضه؛ كالشك والنفاق وغير ذلك، وكونه شفاء للأجسام إذا رقى عليها به؛ كما تدل له قصة الذي رقى الرجل اللديغ بالفاتحة، وهي صحيحة مشهورة. وقرأ أبو عمرو ﴿وَنُنَزِّلُ﴾ بإسكان النون وتخفيف الزاي. والباقون بفتح النون وتشديد الزاي. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-783> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (٨٣)﴾</span> بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إذا أنعم على الإنسان بالصحة والعافية والرزق = أعرض عن ذكر الله وطاعته، ونأى بجانبه، أي: تباعد عن طاعة ربه؛ فلم يمتثل أمره،","vol":"3","page":737},{"text":"ولم يجتنب نهيه.\nوقال الزمخشري: أعرض عن ذكر الله كأنه مستغن عنه، مستبد بنفسه ﴿وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ تأكيد للإعراض؛ لأن الإعراض عن الشيء أن يوليه عرض وجهه، والنأي بالجانب، أن يلوي عنه عطفه، ويوليه ظهره، وأراد الاستكبار؛ لأن ذلك من عادة المستكبرين. واليئوس: شديد اليأس، أي: القنوط من رحمة الله.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى في مواضع كثيرة من كتابه، كقوله \"في سورة هود\": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ (٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ (١٠)﴾ وقوله في \"آخر فصلت\": ﴿لَا يَسْأَمُ الْإِنْسَانُ مِنْ دُعَاءِ الْخَيْرِ وَإِنْ مَسَّهُ الشَّرُّ فَيَئُوسٌ قَنُوطٌ (٤٩) وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾ وقوله \"في سورة الروم\": ﴿وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ (٣٣)﴾ وقوله فيها أيضًا: ﴿وَإِذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَةً فَرِحُوا بِهَا وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ إِذَا هُمْ يَقْنَطُونَ (٣٦)﴾ وقوله \"في سورة يونس\": ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾ الآية، وقوله \"في سورة الزمر\": ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ الآية، وقوله فيها","vol":"3","page":738},{"text":"أيضًا: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ بَلْ هِيَ فِتْنَةٌ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد استثنى الله من هذه الصفات عباده المؤمنين في قوله \"في سورة هود\": ﴿إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١١)﴾ كما تقدم إيضاحه. وقرأ ابن ذكوان \"وناء\" كجاء، وهو بمعنى نآى؛ كقولهم: راء في رأى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-784> قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أعطى خلقه من العلم إلا قليلًا بالنسبة إلى علمه جل وعلا؛ لأن ما أعطيه الخلق من العلم بالنسبة إلى علم الخالق قليل جدًا.\nومن الآيات التي فيها الإشارة إلى ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-785> قوله تعالى: ﴿إِنَّ فَضْلَهُ كَانَ عَلَيْكَ كَبِيرًا (٨٧)﴾</span> بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فضله على نبيه - ﷺ - كبير.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١) لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢) وَيَنْصُرَكَ اللَّهُ نَصْرًا عَزِيزًا (٣)﴾ وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١) وَوَضَعْنَا عَنْكَ وِزْرَكَ (٢) الَّذِي أَنْقَضَ ظَهْرَكَ (٣) وَرَفَعْنَا لَكَ ذِكْرَكَ (٤)﴾ إلى غير","vol":"3","page":739},{"text":"ذلك من الآيات.\nوبين تعالى في موضع آخر: أن فضله كبير على جميع المؤمنين، وهو قوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ وبين المراد بالفضل الكبير في قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-786> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١) أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢) أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابًا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآيات الكريمة شدة عناد الكفار وتعنتهم، وكثرة اقتراحاتهم لأجل التعنت لا لطلب الحق، فذكر أنهم قالوا له - ﷺ -: إنهم لن يؤمنوا له -أي: لن يصدقوه- حتى يفجر لهم من الأرض ينبوعًا، وهو يفعول من نبع: أي: ماء غزير، ومنه قوله تعالى: ﴿فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ ﴿أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ أي: بستان من نخيل وعنب، فيفجر خلالها، أي: وسطها أنهارًا من الماء، أو يسقط السماء عليهم كسفًا، أي: قطعًا كما زعم؛ أي: في قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ ..﴾ الآية. أو يأتيهم بالله والملائكة قبيلًا، أي: معاينة. قاله قتادة وابن جريج. كقوله: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا﴾.\nوقال بعض العلماء: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾: أي: كفيلًا؛ من تقبله","vol":"3","page":740},{"text":"بكذا: إذا كفله به. والقبيل والكفيل والزعيم بمعنى واحد.\nوقال الزمخشري: قبيلًا بما تقول، شاهدًا بصحته. وكون القبيل في هذه الآية بمعنى الكفيل مروي عن ابن عباس والضحاك. وقال مقاتل: ﴿قَبِيلًا (٩٢)﴾ شهيدًا. وقال مجاهد: هو جمع قبيلة؛ أي: تأتي بأصناف الملائكة. وعلى هذا القول فهو حال من الملائكة، أو يكون له بيت من زخرف، أي: من ذهب؛ ومنه قوله \"في الزخرف\": ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ إلى قوله ﴿وَزُخْرُفًا﴾ أي ذهبًا.\nأو يرقى في السماء، أي: يصعد فيه، وإنهم لن يؤمنوا لرقيه، أي: من أجل صعوده، حتى ينزل عليهم كتابًا يقرءونه. وهذا التعنت والعناد العظيم الذي ذكره جل وعلا عن الكفار هنا بينه في مواضع أخر. وبين أنهم لو فعل الله ما اقترحوا ما آمنوا؛ لأن من سبق عليه الشقاء لا يؤمن؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.\nوقوله في هذه الآية: ﴿كِتَابًا نَقْرَؤُهُ﴾ أي: كتابًا من الله إلى كل رجل منا.","vol":"3","page":741},{"text":"ويوضح هذا قوله تعالى \"في المدثر\": ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾ كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ ..﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ أي: تنزيهًا لربي جل وعلا عن كل ما لا يليق به، ويدخل فيه تنزيهه عن العجز عن فعل ما اقترحتم؛ فهو قادر على كل شيء، لا يعجزه شيء، وأنا بشر أتبع ما يوحيه إلى ربي.\nوبين هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ وقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ ..﴾ الآية. وكقوله تعالى عن جميع الرسل: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ ﴿تَفْجُرَ﴾ الأولى عاصم وحمزة والكسائي بفتح التاء وإسكان الفاء وضم الجيم، والباقون بضم التاء وفتح الفاء وتشديد الجيم مكسورة. واتفق الجميع على هذا في الثانية، وقرأ نافع وابن عامر وعاصم ﴿كِسَفًا﴾ بفتح السين، والباقون بإسكانها، وقرأ أبو عمرو ﴿تُنَزِّلَ﴾ بإسكان النون وتخفيف الزاي، والباقون بفتح النون وشد الزاي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-787> قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾</span> هذا المانع المذكور هنا عادي؛ لأنه جرت عادة جميع الأمم باستغرابهم بعث الله رسلًا من البشر؛ كقوله: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾","vol":"3","page":742},{"text":"الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالدليل على أن المانع في هذه الآية عادي: أنه تعالى صرح بمانع آخر غير هذا \"في سورة الكهف\" وهو قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ فهذا المانع المذكور \"في الكهف\" مانع حقيقي؛ لأن من أراد الله به سنة الأولين: من الإهلاك، أو أن يأتيه العذاب قبلًا، فإرادته به ذلك مانعة من خلاف المراد؛ لاستحالة أن يقع خلاف مراده جل وعلا، بخلاف المانع في آية \"بني إسرائيل\" هذه، فهو مانع عادي يصح تخلفه. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-788> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾</span>.\nبين جلا وعلا في هذه الآية: أن الرسول يلزم أن يكون من جنس المرسل إليهم، فلو كان مرسلًا رسولًا إلى الملائكة لنزل عليهم ملكًا مثلهم؛ أي: وإذا أرسل إلى البشر أرسل لهم بشرًا مثلهم.\nوقد أورضحِ هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا","vol":"3","page":743},{"text":"مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-789> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ وَجَعَلَ﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من خلق السموات والأرض مع عظمهما قادر على بعث الإنسان بلا شك؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر فهو على خلق الأصغر قادر بلا شك.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ..﴾ الآية، أي: ومن قدر على خلق الأكبر فهو قادر على خلق الأصغر، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-790> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية: أن بني آدم لو كانوا يملكون خزائن رحمته -أي: خزائن الأرزاق والنعم- لبخلوا بالرزق على غيرهم، ولأمسكوا عن الإعطاء، خوفًا من الإنفاق لشدة بخلهم.","vol":"3","page":744},{"text":"وبين أن الإنسان قتور، أي: بخيل مضيق، من قولهم: قتر عن عياله، أي: ضيق عليهم.\nوبين هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا (١٩) إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا (٢٠) وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا (٢١) إِلَّا الْمُصَلِّينَ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالمقرر في علم العربية أن ﴿لَّوْ﴾ لا تدخل إلا على الأفعال، فيقدر لها في الآية فعل محذوف، والضمير المرفوع بعد ﴿لَّوْ﴾ أصله فاعل الفعل المحذوف، فلما حذف الفعل فصل الضمير، والأَصل: قل: لو تملكون. فحذف الفعل فبقيت الواو فجعلت ضميرًا منفصلًا، هو: أنتم. هكذا قاله غير واحد، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-791> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ </span>..﴾ الآية.\nقال بعضُ أهل العلم: هذه الآيات التسع، هي: العصا، واليد، والسنون، والبحر، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، آيات مفصلات.\nوقد بين جل وعلا هذه الآيات في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (١٠٧) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (١٠٨)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾ وقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ","vol":"3","page":745},{"text":"وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة لما ذكرنا. وجعل بعضهم الجبل بدل \"السنين\" وعليه فقد بين ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ﴾ ونحوها من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-792> قوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ </span>..﴾ الآية.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون عالم بأن الآيات المذكورة ما أنزلها إلا رب السموات والأرض بصائر، أي: حججًا واضحة، وذلك يدل على أن قول فرعون: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ وقوله: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣)﴾ كل ذلك منه تجاهل عارف.\nوقد أوضح جل وعلا هذا المعنى مبينًا سبب جحوده لما علمه في \"سورة النمل\" بقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-793> قوله تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل هذا القرآن بالحق، أي: متلبسًا به متضمنًا له؛ فكل ما فيه حق، فأخباره صدق، وأحكامه عدل؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ وكيف لا! وقد أنزله جل وعلا بعلمه؛ كما قال تعالى:","vol":"3","page":746},{"text":"﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ ..﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ يدل على أنه لم يقع فيه تغيير ولا تبديل في طريق إنزاله؛ لأن الرسول المؤتمن على إنزاله قوي لا يغلب عليه حتى يغير فيه، أمين لا يغير ولا يبدل، كما أشار إلى هذا بقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ﴾ الآية، قوله ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠) مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ (٢١)﴾ الآية، وقوله في هذه الآية: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي: لتبليغه عن ربه، بدلالة لفظ الرسول؛ لأنه يدل على أنه مرسل به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-794> قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾</span> قرأ هذا الحرف عامة القراء ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتخفيف، أي: بيناه وأوضحناه، وفصلناه وفرقنا فيه بين الحق والباطل. وقرأ بعض الصحابة ﴿فَرَقْنَاهُ﴾ بالتشديد، أي: أنزلناه مفرقًا بحسب الوقائع في ثلاث وعشرين سنة. ومن إطلاق فرق بمعنى بين وفصل قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) ..﴾ الآية.\nوقد بين جل وعلا أنه بين هذا القرآن لنبيه، ليقرأه على الناس على مكث، أي: مهل وتؤدة وتثبت، وذلك يدل على أن القرآن لا ينبغي أن يقرأ إلا كذلك، وقد أمر تعالى بما يدل على ذلك في قوله: ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ ويدل لذلك أيضًا قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا﴾ منصوب بفعل محذوف يفسره ما بعده، على حد قوله في الخلاصة:","vol":"3","page":747},{"text":"فالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد أظهرا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-795> قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾</span> أمر الله جل وعلا عباده في هذه الآية الكريمة: أن يدعوه بما شاءوا من أسمائه، إن شاءوا قالوا: يا ألله، وإن شاءوا قالوا: يا رحمن، إلى غير ذلك من أسمائه جل وعلا.\nوبين هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾ وقوله: ﴿هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (٢٢) هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٢٣) هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٤)﴾.\nوقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أنهم تجاهلوا اسم الرحمن في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ..﴾ الآية. وبين لهم بعض أفعال الرحمن جل وعلا في قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ ولذا قال بعض العلماء: إن قوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ جواب لقولهم: ﴿قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ ..﴾ الآية. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح \"في سورة الفرقان\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-796> قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة الناس على لسان نبيه","vol":"3","page":748},{"text":"- ﷺ -؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما قدمنا = أن يقولوا: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ﴾ أي: كل ثناء جميل لائق بكماله وجلاله ثابت له، مبينًا أنه منزه عن الأولاد والشركاء والعزة بالأولياء، ﷾ عن ذلك كله علوًا كبيرًا.\nفبين تنزهه عن الولد والصاحبة في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١)﴾ إلى آخر السورة، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) ..﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوبين في مواضع أخر: أنه لا شريك له في ملكه، أي: ولا في عبادته؛ كقوله: ﴿وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١)﴾ وقوله: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ ..﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nومعنى قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ﴾ يعني أنه لا يذل فيحتاج إلى ولي يعز به؛ لأنه هو العزيز القهار، الذي كل شيء تحت قهره وقدرته، كما بينه في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ الآية، وقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)﴾ والعزيز: الغالب، وقوله: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾ والآيات","vol":"3","page":749},{"text":"بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله: ﴿وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا (١١١)﴾ أي: عظمه تعظيمًا شديدًا. ويظهر تعظيم الله في شدة المحافظة على امتثال أمره واجتناب نهيه، والمسارعة إلى كا ما يرضيه، كقوله تعالى: ﴿وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ ونحوها من الآيات، والعلم عند الله تعالى.\nوروى ابن جرير في تفسيره هذه الآية الكريمة عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أن النبي - ﷺ - كان يعلم الصغير والكبير من أهله هذه الآية ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا ..﴾ الآية.\nوقال ابن كثير: قلت: وقد جاء فى حديث: أن رسول الله - ﷺ - سمى هذه الآية آية العز.\nوفي بعض الآثار: أنها ما قرئت في بيت في ليلة فيصيبه سرق أو آفة. والله أعلم.\nثم ذكر حديثًا عن أبي يعلى من حديث أبي هريرة مقتضاه: أن قراءة هذه الآية تذهب السقم والضر، ثم قال: إسناده ضعيف، وفي متنه نكارة. والله تعالى أعلم.\nوصلى الله على نبينا محمد وسلم، - ﷺ -.\n\nوهذا آخر الجزء الثالث من هذا الكتاب المبارك. ويليه الجزء الرابع إن شاء الله تعالى، وأوله \"سورة الكهف\" وبالله التوفيق.","vol":"3","page":750},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-797>سورة الكهف</span>","vol":"4","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n• ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣) وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.\nعلَّم الله جل وعلا عباده في أول هذه السورة الكريمة أن يحمدوه على أعظم نعمة أنعمها عليهم؛ وهي إنزاله على نبينا - ﷺ - هذا القرآن العظيم، الذي لا اعوجاج فيه؛ بل هو في كمال الاستقامة. أخرجهم به من الظلمات إلى النور، وبين لهم فيه العقائد، والحلال والحرام، وأسباب دخول الجنة والنار، وحذرهم فيه من كل ما يضرهم، وحضهم فيه على كل ما ينفعهم، فهو النعمة العظمى على الخلق، ولذا علمهم ربهم كيف يحمدونه على هذه النعمة الكبرى بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ ..﴾ الآية.\nوما أشار له هنا من عظيم الإنعام والامتنان على خلقه بإنزال هذا القرآن العظيم، منذرًا من لم يعمل به، ومبشرًا من عمل به = ذكره جل وعلا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ","vol":"4","page":5},{"text":"مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (١٧٥)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦) وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦) وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ (١٠٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا  -إلى قوله-  ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢)﴾.\nوهو تصريح منه جل وعلا بأن إيراث هذا الكتاب فضل كبير، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ أي لم يجعل في القرآن عوجًا؛ أي لا اعوجاج فيه ألبتة، لا من جهة الألفاظ، ولا من جهة المعاني. أخباره كلها  صدق، وأحكامه عدل، سالم من جميع العيوب في ألفاظه ومعانيه، وأخباره وأحكامه؛ لأن قوله: ﴿عِوَجًا (١)﴾ نكرة في سياق النفي؛ فهي تعم نفيَ جميع أنواع العِوَج.\nوما ذكره جل وعلا هنا من أنه لا اعوجاج فيه؛ بينه في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾، وقوله:","vol":"4","page":6},{"text":"﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ أي في الأخبار، وقوله: ﴿وَعَدْلًا﴾ أي في الأحكام. وكقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿قَيِّمًا﴾ أي مستقيمًا لا ميل فيه ولا زيغ. وما ذكره هنا من كونه ﴿قَيِّمًا﴾ لا ميل فيه ولا زيغ؛ بينه أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ (١) رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾، وقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾، وقوله: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوهذا الذي فسرنا به قوله تعالى: ﴿قَيِّمًا﴾ هو قول الجمهور وهو الظاهر. وعليه فهو تأكيد في المعنى لقوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ لأنه قد يكون الشيء مستقيمًا في الظاهر وهو لا يخلو من اعوجاج في حقيقة الأمر؛ ولذا جمع تعالى بين نفي العوج وإثبات الاستقامة.\nوفي قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ وجهان آخران من التفسير:","vol":"4","page":7},{"text":"الأول: أن معنى كونه ﴿قَيِّمًا﴾ أنه قيم على ما قبله من الكتب السماوية، أي مهيمن عليه. وعلى هذا التفسير فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ ..﴾ الآية.\nولأجل هيمنته على ما قبله من الكتب قال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، وقال: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾، وقال: ﴿يَاأَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية.\nالوجه الثاني: أن معنى كونه ﴿قَيِّمًا﴾: أنه قيم بمصالح الخلق الدينية والدنيوية. وهذا الوجه في الحقيقة يستلزمه الوجه الأول.\nواعلم أن علماء العربية اختلقوا في إعراب قوله: ﴿قَيِّمًا﴾؛ فذهب جماعة إلى أنه حال من الكتاب، وأن في الآية تقديمًا وتأخيرًا، وتقديره على هذا: أنزل على عبده الكتاب في حال كونه قيمًا ولم يجعل له عوجًا. ومنع هذا الوجه من الإعراب الزمخشري في \"الكشاف\" قائلًا: إن قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ معطوف على صلة الموصول التي هي جملة: ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ والمعطوف على الصلة داخل في حيز الصلة، فجَعْل ﴿قَيِّمًا﴾ حال من ﴿الْكِتَابَ﴾ يؤدي إلى الفصل بين الحال وصاحبها ببعض الصلة، وذلك لا يجوز.\nوذهب جماعة آخرون إلى أن ﴿قَيِّمًا﴾ حال من ﴿الْكِتَابَ﴾","vol":"4","page":8},{"text":"وأن المحذور الذي ذكره الزمخشري منتفٍ. وذلك أنهم قالوا: إن جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾ ليست معطوفة على الصلة، وإنما هي جملة حالية. وقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ حال بعد حال، وتقديره أن المعنى: أنزل على عبده الكتاب في حال كونه غير جاعل فيه عوجًا، وفي حال كونه قيمًا. وتعدد الحال لا إشكال فيه، والجمهور على جواز تعدد الحال مع اتحاد عامل الحال وصاحبها، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوالحال قد يجيء ذا تعدد ... لمفرد فاعلم وغير مفرد\nوسواء كان ذلك بعطف أو بدون عطف. فمثاله مع العطف: قوله تعالى: ﴿أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾، ومثاله بدون عطف قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا ..﴾ الآية. وقول الشاعر:\nعلَيَّ إذا ما جئتُ ليلى بخفية ... زيارةَ بيت الله رجلان حافيا\nونُقل عن أبي الحسن بن عصفور منع تعدد الحال ما لم يكن العامل فيه صيغة التفضيل، في نحو قوله: هذا بسرًا أطيب منه رطبًا. ونُقل منع ذلك أيضًا عن الفارسي وجماعة. وهؤلاء الذين يمنعون تعدد الحال يقولون: إن الحال الثانية إنما هي حال من الضمير المستكنّ في الحال الأولى. والأولى عندهم هي العامل في الثانية. فهي عندهم أحوال متداخلة، أو يجعلون الثانية نعتًا للأولى. وممن اختار أن جملة ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ﴾ حالية، وأن ﴿قَيِّمًا﴾ حال بعد حال الأصفهاني.\nوذهب بعضهم إلى أن قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ بدل من قوله: ﴿وَلَمْ","vol":"4","page":9},{"text":"يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾؛ لأن انتفاء العوج عنه هو معنى كونه قيمًا.\nوعزا هذا القول الرازي وأبو حيان لصاحب \"حل العقد\"، وعليه فهو بدل مفرد من جملة.\nكما قالوا في \"عرفت زيدًا أبو من\": إنه بدل جملة من مفرد. وفي جواز ذلك خلاف عند علماء العربية.\nوزعم قوم أن ﴿قَيِّمًا﴾ حال من الضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾. واختار الزمخشري وغيره أن ﴿قَيِّمًا﴾ منصوب بفعل محذوف، وتقديره: ولم يجعل له عوجًا وجعله قيمًا، وحَذْف ناصب الفضلة إذا دل عليه المقام جائز؛ كما قال في الخلاصة:\nويُحذف النَّاصبها إن عُلما ... وقد يكون حذفُه ملتزما\nوأقرب أوجه الإعراب في قوله: ﴿قَيِّمًا﴾ أنه منصوب بمحذوف، أو حال ثانية من ﴿الْكِتَابَ﴾ والله تعالى أعلم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا﴾ اللام فيه متعلقة بـ ﴿أَنْزَلَ﴾ وقال الحوفي: هي متعلقة بقوله: ﴿قَيِّمًا﴾ والأول هو الظاهر.\nوالإنذار: الإعلام المقترن بتخويف وتهديد. فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا. والإنذار يتعدى إلى مفعولين، كما في قوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤)﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَنْذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا﴾ الآية.\nوفي أول هذه السورة الكريمة كرر تعالى الإنذار، فحذف في","vol":"4","page":10},{"text":"الموضع الأول مفعول الإنذار الأول، وحذف في الثاني مفعول الثاني، فصار المذكور دليلًا على المحذوف في الموضعين. وتقدير المفعول الأول المحذوف في الموضع الأول: لينذر الذين كفروا بأسًا شديدًا من لدنه. وتقدير المفعول الثاني المحذوف في الموضع الثاني: وينذر الذين قالوا اتخذ الله ولدًا بأسًا شديدًا من لدنه.\nوقد أشار تعالى في هذه الآية الكريمة إلى أن هذا القرآن العظيم تخويف وتهديد للكافرين، وبشارة للمؤمنين المتقين؛ إذ قال في تخويف الكفرة به: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾، وقال: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾. وقال في بشارته للمؤمنين: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾.\nوهذا الذي ذكره هنا من كونه إنذارًا لهؤلاء وبشارة لهؤلاء؛ بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾، وقوله: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\nوقد أوضحنا هذا المبحث في أول سورة الأعراف، وأوضحنا هنالك المعاني التي ورد بها الإنذار في القرآن.\nوالبأس الشديد الذي أنذرهم إياه: هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة.\nوالبشارة: الخبر بما يسر. وقد تطلق العرب البشارة على الإخبار بما يسوء، ومنه قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾. ومنه","vol":"4","page":11},{"text":"قول الشاعر:\nوبشَّرْتني يا سعد أن أحِبَّتي ... جفوني وقالوا الود موعده الحشر\nوقول الآخر:\nيبشِّرني الغراب بِبَيْن أهلي ... فقلت له ثَكِلْتُك من بشير\nوالتحقيق: أن إطلاق البشارة على الإخبار بما يسوء، أسلوب من أساليب اللغة العربية. ومعلوم أن علماء البلاغة يجعلون مثل ذلك مجازًا، ويسمونه استعارة عنادية، ويقسمونها إلى تهكمية وتمليحية، كما هو معروف في محله.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ بينت المراد به آياتٌ أُخَر، فدلت على أن العمل لا يكون صالحًا إلا بثلاثة أمور:\nالأول: أن يكون مطابقًا لما جاء به النبي - ﷺ -. فكل عمل مخالف لما جاء به صلوات الله وسلامه عليه فليس بصالح، بل هو باطل، قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ ..﴾ الآية، وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية، وقال: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nالثاني: أن يكون العامل مخلصًا في عمله لله فيما بينه وبين الله، قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية، وقال: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢) قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣) قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا","vol":"4","page":12},{"text":"مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nالثالث: أن يكون العمل مبنيًا على أساس الإيمان والعقيدة الصحيحة؛ لأن العمل كالسقف، والعقيدة كالأساس، قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، فجعل الإيمان قيدًا في ذلك.\nوبين مفهوم هذا القيد في آيات كثيرة، كقوله في أعمال غير المؤمنين: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا  (٢٣)﴾، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.\nوالتحقيق: أن مفرد ﴿الصَّالِحَاتِ﴾ في قوله: ﴿يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ ونحو ذلك أنه: صالحة، وأن العرب تطلق لفظة الصالحة على الفعلة الطيبة؛ كإطلاق اسم الجنس لتناسي الوصفية، كما شاع ذلك الإطلاق في الحسنة مرادًا بها الفعلة الطيبة.\nومن إطلاق العرب لفظ الصالحة على ذلك قول أبي العاص ابن الربيع في زوجه زينب بنت رسول الله - ﷺ -:\nبنت الأمين جزاك الله صالحة ... وكل بعل سيثني بالذي علما\nوقول الحطيئة:\nكيف الهجاء ولا تنفك صالحة ... من آل لأم  (^١)  بظهر الغيب تأتيني\n_________\n(^١)  الرواية في \"الديوان\": \"إذا ذُكِرت\".","vol":"4","page":13},{"text":"وسئل أعرابي عن الحب فقال:\nالحب مشغلة عن كل صالحة ... وسكرة الحب تنفي سكرة الوسن\n\n• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ أي: وليبشرهم بأن لهم أجرًا حسنًا. والأجر: جزاء العمل، وجزاء عملهم -المعبر عنه هنا بالأجر- هو الجنة؛ ولذا قال: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ﴾ وذَكَّر الضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ لأنه راجع إلى الأجر وهو مُذكَّر، وإن كان المراد بالأجر الجنة.\nووصف أجرهم هنا بأنه حسن، وبين أوجه حُسْنه في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤) عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيْهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦) -إلى قوله- ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾، وكقوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا معلومة.\n\n• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ أي: خالدين فيه بلا انقطاع.\nوقد بين هذا المعنى في مواضع أخر كثيرة، كقوله: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ أي غير مقطوع، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ أي ما له من انقطاع وانتهاء، وقوله: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾، وقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n• وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ","vol":"4","page":14},{"text":"اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ أي: ينذرهم بأسًا شديدًا ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ أي: من عنده كما تقدم. وهذا منَ عطف الخاص على العام؛ لأن قوله: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ﴾ شامل للذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾، ولغيرهم من سائر الكفار.\nوقد تقرر في فن المعاني: أن عطف الخاص على العام -إذا كان الخاص يمتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة أو قبيحة- من الإطناب المقبول؛ تنزيلًا للتغاير في الصفات منزلة التغاير في الذوات.\nومثاله في الممتاز عن سائر أفراد العام بصفات حسنة: قوله تعالى: ﴿وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾.\nومثاله في الممتاز بصفات قبيحة: الآية التي نحن بصددها، فإن الذين قالوا: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا﴾ امتازوا عن غيرهم بفرية شنعاء؛ ولذا ساغ عطفهم على اللفظ الشامل لهم ولغيرهم.\nوالآيات الدالة على شدة عظم فريتهم كثيرة جدًا؛ كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nوقد قدمنا أن القرآن بَيَّنَ أن الذين نسبوا الولد لله سبحانه","vol":"4","page":15},{"text":"وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا ثلاثةُ أصناف من الناس: اليهود، والنصارى، قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ ...﴾ الآية. والصنف الثالث مشركو العرب؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾، والآيات بنحوها كثيرة معلومة.\n\n• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ﴾ يعني أن ما نسبوه له جل وعلا من اتخاذ الولد لا علم لهم به؛ لأنه مستحيل.\nوالآية تدل دلالة واضحة على أن نفي الفعل لا يدل على إمكانه؛ ومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾؛ لأن ظلمهم لربنا، وحصول العلم لهم باتخاذه الولد = كل ذلك مستحيل عقلًا؛ فنفيه لا يدل على إمكانه. ومن هذا القبيل قول المنطقيين: \"السالبة لا تقتضي وجود الموضوع\"، كما بيناه في غير هذا الموضع.\nوما نفاه عنهم وعن آبائهم من العلم باتخاذه الولد ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؛ بينه في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ (١٠٠)﴾، وقوله في آبائهم: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ يعني أن ما قالوه بأفواههم مِن أنَّ الله اتخذ ولدًا أمر كبير عظيم؛ كما بينا الآيات الدالة على عِظَمِه آنفًا؛ كقوله: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ","vol":"4","page":16},{"text":"قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) ..﴾ الآية. وكفى بهذا كبرًا وعظمًا.\nوقال بعض علماء العربية: إن قوله: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ معناه التعجب؛ فهو بمعنى ما أكبرها كلمة، أو أَكْبِر بها كلمة.\nوالمقرر في علم النحو: أن \"فَعُل\" بالضم تصاغ لإنشاء الذم والمدح، فتكون من باب نعم وبئس، ومنه قوله تعالى:   ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً ..﴾ الآية. وإلى هذا أشار في الخلاصة بقوله:\nواجعل كبئس ساء واجعل فعلا ... من ذي ثلاثة كنعم مسجلا\nوقوله: \"كنعم\" أي اجعله من باب \"نعم\" فيشمل بئس. وإذا تقرر ذلك ففاعل \"كبر\" ضمير محذوف، و\"كلمة\" نكرة مميزة للضمير المحذوف؛ على حد قوله في الخلاصة:\nويرفعان مضمرًا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره\nوالمخصوص بالذم محذوف، والتقدير: كبرت هي كلمة خارجة من أفواههم تلك المقالة التي فاهوا بها، وهي قولهم: اتخذ الله ولدًا.\nوأعرب بعضهم ﴿كَلِمَةً﴾ بأنها حال، أي كبرت فريتهم في حال كونها كلمة خارجة من أفواههم. وليس بشيء.\nوقال ابن كثير في تفسيره: ﴿تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾: أي ليس لها مستند سوى قولهم، ولا دليل لهم عليها إلا كذبهم وافتراؤهم، ولذا قال: ﴿إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا (٥)﴾.","vol":"4","page":17},{"text":"وهذا المعنى الذي ذكره ابن كثير له شواهد في القرآن، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ مَا لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ونحو ذلك  من الآيات.\nوالكذب: مخالفة الخبر للواقع على أصح الأقوال.\nفائدة\nلفظة \"كبر\" إذا أريد بها غير الكبر في السن فهي مضمومة الباء في الماضي والمضارع، كقوله هنا: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقوله: ﴿أَوْ خَلْقًا مِمَّا يَكْبُرُ فِي صُدُورِكُمْ﴾ ونحو ذلك.\nوإن كان المراد بها الكبر في السن فهي مكسورة الباء في الماضي، مفتوحتها في المضارع على القياس، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا﴾، وقول المجنون:\nتعشَّقْت ليلى وهي ذات ذوائب ... ولم يبد للعينين من ثديها حَجْم\nصغيرين نرعى البهم ياليت أننا ... إلى اليوم لم نكْبَر ولم تكْبَر البَهْم\nوقوله في هذا البيت: \"صغيرين\" شاهد عند أهل العربية في إتيان الحال من الفاعل والمفعول معًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً﴾ يعني بالكلمة: الكلام الذي هو قولهم: ﴿اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله يطلق اسم الكلمة على الكلام أوضحته آيات أخر؛ كقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا ..﴾ الآية، والمراد بها قوله: ﴿قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ","vol":"4","page":18},{"text":"صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ﴾. وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ وما جاء لفظ الكلمة في القرآن إلا مرادًا به الكلام المفيد.\n\n• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عِوَجًا (١)﴾ هو بكسر العين في المعاني، كما في هذه الآية الكريمة. وبفتحها فيما كان منتصبًا كالحائط.\nقال الجوهري في صحاحه: قال ابن السكيت: وكل ما كان ينتصب كالحائط والعود قيل فيه \"عَوج\" بالفتح. والعِوج -بالكسر- ما كان في أرض أو دين أو معاش، يقال: في دينه عِوج. اهـ.\nوقرأ هذا الحرف حفص عن عاصم في الوصل ﴿عِوَجًا (١)﴾ بالسكت على الألف المبدلة من التنوين سكتة يسيرة من غير تنفس، إشعارًا بأن ﴿قَيِّمًا﴾ ليس متصلًا بـ ﴿عِوَجًا (١)﴾ في المعنى، بل للإشارة إلى أنه منصوب بفعل مقدر، أي جعله قيمًا كما قدمنا.\nوقرأ أبو بكر عن عاصم ﴿مِنْ لَدُنْهُ﴾ بإسكان الدال مع إشمامها الضم وكسر النون والهاء ووصلها بياء في اللفظ.\nوقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ قرأه الجمهور بضم الياء وفتح الحاء الموحدة وكسر الشين مشددة، وقرأه حمزة والكسائي (يَبْشر) بفتح الياء وإسكان الباء الموحدة وضم الشين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-798> قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾</span>.\nاعلم أولًا: أن لفظة \"لعل\" تكون للترجي في المحبوب،","vol":"4","page":19},{"text":"وللإشفاق في المحذور. واستظهر أبو حيان في البحر المحيط: أن \"لعل\" في قوله هنا: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ﴾ للإشفاق عليه - ﷺ - أن يبخع نفسه لعدم إيمانهم به.\nوقال بعضهم: إن \"لعل\" في الآية للنهي. وممن قال به العسكري، وهو معنى كلام ابن عطية كما نقله عنهما صاحب البحر المحيط.\nوعلى هذا القول فالمعنى: لا تبخع نفسك لعدم إيمانهم. وقيل: هي في الآية للاستفهام المضمن معنى الإنكار. وإتيان لعل للاستفهام مذهب كوفي معروف.\nوأظهر هذه الأقوال عندي في معنى \"لعل\" أن المراد بها في الآية النهي عن الحزن عليهم.\nوإطلاق لعل مضمنة معنى النهى فى مثل هذه الآية أسلوبٌ عربي يدل عليه سياق الكلام.\nومن الأدلة على أن المراد بها النهى عن ذلك كثرة ورود النهي صريحًا عن ذلك؛ كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوالباخع: المهلك: أي مهلك نفسك من شدة الأسف على عدم إيمانهم، ومنه قول ذي الرمة:\nألا أيهذا الباخع الوجد نفسه ... لشيء نحته عن يديه المقادر","vol":"4","page":20},{"text":"كما تقدم.\nوقوله: ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾، قال القرطبي: آثارهم جمع أثر. ويقال: إثر. والمعنى: على أثر توليهم وإعراضهم عنك.\nوقال أبو حيان في البحر: ومعنى ﴿عَلَى آثَارِهِمْ﴾ من بعدهم، أي بعد يأسك من إيمانهم، أو بعد موتهم على الكفر، يقال: مات فلان على أثر فلان؛ أي بعده.\nوقال الزمخشري: شبهه وإياهم حين تولوا عنه ولم يؤمنوا به، وما داخله من الوجد والأسف على توليهم برجل فارقته أحبته وأعزته، فهو يتساقط حسرات على آثارهم، ويبخع نفسه وجدًا عليهم، وتلهفًا على فراقهم! والأسف هنا: شدة الحزن. وقد يطلق الأسف على الغضب؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾.\nفإذا حققت معنى هذه الآية الكريمة؛ فاعلم أن ما ذكره فيها جل وعلا من شدة حزن نبيه - ﷺ - عليهم، وعن نهيه له عن ذلك مبين في آيات أخر كثيرة، كقوله: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾، وكقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾، وكقوله: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾، وكقوله: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ كما قدمناه موضحًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَسَفًا﴾ مفعول من أجله، أي مهلك نفسك من أجل الأسف. ويجوز إعرابه حالًا؛ أي في حال كونك آسفًا عليهم. على حد قوله في الخلاصة:","vol":"4","page":21},{"text":"ومصدر منكر حالًا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-799> قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧) وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾</span>.\nقال الزمخشري في معنى هذه الآية الكريمة: ﴿مَا عَلَيْهَا﴾ يعني ما على الأرض مما يصلح أن يكون زينة لها ولأهلها من زخارف الدنيا وما يستحسن منها.\nوقال بعض العلماء: كل ما على الأرض زينة لها من غير تخصيص. وعلى هذا القول: فوجه كون الحيَّات وغيرها مما يؤذي زينة للأرض؛ لأنه يدل على وجود خالقه، واتصافه بصفات الكمال والجلال، ووجود ما يحصل به هذا العلم في شيء زينة له.\nوقد قدمنا في ترجمة (^١) هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان المذكورة فيه: أن يذكر لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. مع تصريحه بأن البدن داخلة في هذا العموم بقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله في هذة الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ قد صرح في مواضع أخر ببعض الأفراد الداخلة فيه، كقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n_________\n(^١) يعني مقدمته.","vol":"4","page":22},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾ أي أرضًا بيضاء لا نبات بها. وقد قدمنا معنى \"الصعيد\" بشواهده العربية في سورة \"المائدة\".\nوالجرز: الأرض التي لا نبات بها، كما قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾ ومنه قول ذي الرمة:\nطوى النحز والأجراز ما في غروضها ... وما بقيت إلا الضلوع الجراشع\nلأن مراده \"بالأجراز\" الفيافي التي لا نبات فيها، والأجراز: جمع جِرَزَة، والجِرَزَة: جمع جُرُز، فهو جمع الجمع للجُرُز، كما قاله الجوهري في صحاحه.\nقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا﴾ من هذه الزينة ﴿صَعِيدًا جُرُزًا﴾ أي مثل أرض بيضاء لا نبات فيها بعد أن كانت خضراء معشبة في إزالة بهجته، وإماطة حسنه، وإبطال ما به كان زينة؛ من إماتة الحيوان، وتجفيف النبات والأشجار اهـ.\nوهذا المعنى المشار إليه هنا جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (٢٤)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ","vol":"4","page":23},{"text":"هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا (٤٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ أي: لنختبرهم على ألسنة رسلنا.\nوهذه الحكمة التي ذكرها هنا لجعل ما على الأرض زينة لها وهي الابتلاء في إحسان العمل = بيّن في مواضع أخر أنها هي الحكمة في خلق الموت والحياة والسموات والأرض، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nوقد بين - ﷺ - الإحسان بقوله: \"أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك\" كما تقدم.\nوهذا الذي أوضحنا من أنه جل وعلا جعل ما على الأرض زينة لها ليبتلي خلقه، ثم يهلك ما عليها ويجعله صعيدًا جرزًا: فيه أكبر واعظ للناس، وأعظم زاجر عن اتباع الهوى، وإيثار الفاني على الباقي، ولذا قال - ﷺ -: \"إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر ماذا تعملون. فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء\". فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-800> قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ وَالرَّقِيمِ كَانُوا مِنْ آيَاتِنَا عَجَبًا (٩)﴾</span>.","vol":"4","page":24},{"text":"﴿أَمْ﴾ في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة عن التحقيق، ومعناها عند الجمهور \"بل والهمزة\"، وعند بعض العلماء بمعنى \"بل\" فقط، فعلى القول الأول فالمعنى: بل أحسبت، وعلى الثاني فالمعنى: بل حسبت، فهي على القول الأول جامعة بين الإضراب والإنكار. وعلى الثاني فهي للإضراب الانتقالي فقط.\nوأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة: أن الله يقول لنبيه - ﷺ -: إن قصة أصحاب الكهف وإن استعظمها الناس وعجبوا منها، فليست شيئًا عجبًا بالنسبة إلى قدرتنا وعظيم صنعنا، فإن خلقنا للسموات والأرض، وجعلنا ما على الأرض زينة لها، وجعلنا إياها بعد ذلك صعيدًا جرزا: أعظم وأعجب مما فعلنا بأصحاب الكهف، ومن كوننا أنمناهم هذا الزمن الطويل، ثم بعثناهم. ويدل لهذا الذي ذكرنا آيات كثيرة:\nمنها: أنه قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا  -إلى قوله-  صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾، ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَهْفِ ..﴾ الآية، فدل ذلك على أن المراد أن قصتهم لا عجب فيها بالنسبة إلى ما خلقنا مما هو أعظم منها.\nومنها: أنه يكثر في القرآن العظيم تنبيه الناس على أن خلق السموات والأرض أعظم من خلق الناس، ومن خلق الأعظم فهو قادر على الأصغر بلا شك، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ ..﴾ الآية، وكقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)  -إلى قوله-  مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ كما قدمناه مستوفى في سورة \"البقرة، والنحل\".","vol":"4","page":25},{"text":"ومن خَلَق هذه المخلوقات العظام، كالسماء والأرض وما فيهما؛ فلا عجب في إقامته أهل الكهف هذه المدة الطويلة، ثم بعثه إياهم، كما هو واضح.\nوالكهف: النقب المتسع في الجبل، فإن لم يك واسعًا فهو غار. وقيل: كلُّ غارٍ في جبل كهف. وما يروى عن أنس من أن الكهف نفس الجبل غريب، غير معروف في اللغة.\nواختلف العلماء في المراد بـ ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ في هذه الآية على أقوال كثيرة، قيل: الرقيم اسم كلبهم، وهو اعتقاد أمية بن أبي الصلت حيث يقول:\nوليس بها إلا الرقيم مجاورًا ... وصيدهم والقوم في الكهف هُمَّد\nوعن الضحاك أن الرقيم: بلدة بالروم، وقيل: اسم الجبل الذي فيه الكهف. وقيل: اسم للوادي الذي فيه الكهف. والأقوال فيه كثيرة. وعن ابن عباس أنه قال: لا أدري ما الرقيم، أكتاب أم بنيان؟\nوأظهر الأقوال عندي بحسب اللغة العربية وبعض آيات القرآن: أن الرقيم معناه: المرقوم، فهو فعيل بمعنى مفعول، من رقمت الكتاب إذا كتبته، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ مَرْقُومٌ (٩)﴾. سواء قلنا: إن الرقيم كتاب كان عندهم فيه شرعهم الذي تمسكوا به، أو لوح من ذهب كتبت فيه أسماؤهم وأنسابهم وقصتهم وسبب خروجهم، أو صخرة نقشت فيها أسماؤهم. والعلم عند الله تعالى.\nوالظاهر أن أصحاب الكهف والرقيم: طائفة واحدة أضيفت","vol":"4","page":26},{"text":"إلى شيئين: أحدهما معطوف على الآخر، خلافًا لمن قال: إن أصحاب الكهف طائفة، وأصحاب الرقيم طائفة أخرى، وأن الله قص على نبيه هذه السورة الكريمة قصة أصحاب الكهف ولم يذكر له شيئًا عن أصحاب الرقيم. وخلافًا لمن زعم أن أصحاب الكهف هم الثلاثة الذين سقطت عليهم صخرة فسدت عليهم باب الكهف الذي هم فيه، فدعو الله بأعمالهم الصالحة؛ وهم البار بوالديه، والعفيف، والمستأجر. وقصتهم مشهورة ثابتة في الصحيح، إلا أن تفسير الآية بأنهم هم المراد بعيدٌ كما ترى.\nواعلم أن قصة أصحاب الكهف وأسماءهم، وفي أي محل من الأرض كانوا = كل ذلك لم يثبت فيه عن النبي - ﷺ - شيء زائد على ما في القرآن والمفسرين في ذلك أخبار كثيرة إسرائيلية، أعرضنا عن ذكرها لعدم الثقة بها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿عَجَبًا (٩)﴾ صفة لمحذوف، أي: شيئًا عجبًا، أو آية عجبًا.\nوقوله. ﴿مِنْ آيَاتِنَا﴾ في موضع الحال. وقد تقرر في فن النحو أن نعت النكرة إذا تقدم عليها صار حالًا، وأصل المعنى: كانوا عجبًا كائنًا من آياتنا، فلما قدم النعت صار حالًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-801> قوله تعالى: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقَالُوا رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفة أصحاب الكهف أنهم فتية، وأنهم أووا إلى الكهف، وأنهم دعوا ربهم هذا","vol":"4","page":27},{"text":"الدعاء العظيم الشامل لكل خير، وهو قوله عنهم: ﴿رَبَّنَا آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا (١٠)﴾.\n وبين في غير هذا الموضع أشياء أخرى من صفاتهم وأقوالهم، كقوله: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣) -إلى قوله-  يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾. و(إِذْ) في قوله هنا: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ﴾ منصوبة بـ (اذكر) مقدرًا. وقيل: بقوله (عجبًا). ومعنى قوله: ﴿إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾ أي: جعلوا الكهف مأوى لهم ومكان اعتصام.\nومعنى قوله: ﴿آتِنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: أعطنا رحمة من عندك. والرحمة هنا تشمل الرزق، والهدى، والحفظ مما هربوا خائفين منه من أذى قومهم، والمغفرة.\nوالفِتْية: جمع \"فتى\" جمع تكسير، وهو من جموع القلة. ويدل لفظ الفتية على قلتهم، وأنهم شباب لا شيب، خلافًا لما زعمه ابن السراج: من أن الفتية اسم جمع لا جمع تكسير. وإلى كون مثل الفتية جمع تكسير من جموع القلة أشارَ ابنُ مالك في الخلاصة بقوله:\nأفعلة أفعل ثم فِعْلَه ... كذاك أفعال جموع قله\nوالتهيئة: التقريب والتيسير، أي: يسر لنا وقرب لنا من أمرنا رشدًا. والرشد: الاهتداء والديمومة عليه.\nو﴿مِنْ﴾ في قوله ﴿مِنْ أَمْرِنَا﴾ فيها وجهان؛ أحدهما: أنها هنا للتجريد، وعليه فالمعنى: اجعل لنا أمرنا رشدًا كله؛ كما","vol":"4","page":28},{"text":"تقول: لقيت من زيد أسدًا. ومن عمرو بحرًا.\nوالثاني: أنها للتبعيض؛ وعليه فالمعنى: واجعل لنا بعض أمرنا؛ أي وهو البعض الذي نحن فيه من مفارقة الكفار رشدًا، حتى نكون بسببه راشدين مهتدين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-802> قوله تعالى: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ضرب على آذان أصحاب الكهف سنين عددًا. ولم يبين قدر هذا العدد هنا، ولكنه بينه في موضع آخر؛ وهو قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.\nوضَرْبُه جل وعلا على آذانهم في هذه الآية كناية عن كونه أنامهم، ومفعول (ضربنا) محذوف، أي: ضربنا على آذانهم حجابًا مانعًا من السماع فلا يسمعون شيئًا يوقظهم. والمعنى: أنمناهم إنامة ثقيلة لا تنبههم فيها الأصوات.\nوقوله: ﴿سِنِينَ عَدَدًا (١١)﴾ على حذف مضاف، أي: ذات عدد، أو مصدر بمعنى اسم المفعول، أي سنين معدودة. وقد ذكرنا الآية المبينة لقدر عددها بالسنة القمرية والشمسية، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾.\nوقال أبو حيان في البحر في قوله: ﴿فَضَرَبْنَا عَلَى آذَانِهِمْ﴾ عَبَّر بالضرب ليدل علي قوة المباشرة واللصوق واللزوم، ومنه: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾، وضَرْب الجزية، وضَرْب البعث. وقال الفرزدق:\nضربت عليك العنكبوتُ بنسجها ... وقضى عليك به الكتابُ المنزلُ","vol":"4","page":29},{"text":"وقال الأسود بن يعفر:\nومن الحوادث لا أبالك أنني ... ضربَتْ علَيَّ الأرض بالأسداد\nوقال آخر:\nإن المروءة والسماحةَ والندى ... في قبة ضُرِبَتْ على ابن الحشرج\nوذكر الجارحة التي هي الآذان، إذ هي يكون منها السمع؛ لأنه لا يستحكم نوم إلا مع تعطل السمع. وفي الحديث: \"ذلك رجل بال الشيطان في أذنه\" أي استثقل نومه جدًا حتى لا يقوم بالليل اهـ كلام أبي حيان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-803> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى لِمَا لَبِثُوا أَمَدًا (١٢)﴾</span> ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مِن حِكَم بَعْثه لأصحاب الكهف بعد هذه النومة الطويلة: أن يبين للناس أي الحزبين المختلفين في مدة لبثهم أحصى لذلك وأضبط له. ولم يبين هنا شيئًا عن الحزبين المذكورين.\nوأكثر المفسرين على أن أحد الحزبين: هم أصحاب الكهف. والحزب الثاني: هم أهل المدينة الذين بُعِث الفتية على عهدهم حين كان عندهم التاريخ بأمر الفتية. وقيل: هما حزبان من أهل المدينة المذكورة، كان منهم مؤمنون وكافرون. وقيل: هما حزبان من المؤمنين في زمن أصحاب الكهف اختلفوا في مدة لبثهم، قاله الفراء. وعن ابن عباس: الملوك الذين تداولوا ملك المدينة حزب، وأصحاب الكهف حزب. إلى غير ذلك من الأقوال.","vol":"4","page":30},{"text":"والذي يدل عليه القرآن: أن الحزبين كليهما من أصحاب الكهف. وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ هم الذين علموا أن لبثهم قد تطاول.\nولقائل أن يقول: قوله عنهم: ﴿رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾ يدل على أنهم لم يحصوا مدة لبثهم. والله تعالى أعلم.\nوقد يجاب عن ذلك بأن رَدَّ العلم إلى الله لا ينافي العلم، بدليل أن الله أعلم نبيه بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ﴾ الآية، ثم أمره برد العلم إليه في قوله: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿بَعَثْنَاهُمْ﴾ أي: من نومتهم الطويلة. والبعث: التحريك من سكون، فيشمل بعث النائم والميت، وغير ذلك.\nوقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يذكر الله جل وعلا حِكمة لشيء في موضع، ويكون لذلك الشيء حِكَم أُخر مذكورة في مواضع أخرى؛ فإنا نُبينها، ومثلنا لذلك، وذكرنا منه أشياء متعددة في هذا الكتاب المبارك.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أنه تعالى هنا في هذه الآية الكريمة بين من حِكَم بعثهم: إظهاره للناس أيّ الحزبين أحصى لِما لبثوا أمدًا. وقد بين لذلك حِكَمًا أخر في غير هذا الموضع.","vol":"4","page":31},{"text":"منها: أن يتساءلوا عن مدة لبثهم، كقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾ الآية.\nومنها: إعلام الناس أن البعث حق، وأن الساعة حق، لدلالة قصة أصحاب الكهف على ذلك. وذلك في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ الآية.\nواعلم أن قوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ﴾ الآية، لا يدل على أنه لم يكن عالمًا بذلك قبل بعثهم وإنما علم بعد بعثهم كما زعمه بعض الكفرة الملاحدة! بل هو جل وعلا عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، لا يخفى عليه من ذلك شيء. والآيات الدالة على ذلك لا تحصى كثرة.\nوقد قدمنا: أن من أصرح الأدلة على أنه جل وعلا لا يستفيد بالاختبار والابتلاء علمًا جديدًا -﷾ عن ذلك علوًا كبيرا- قولَه تعالى في آل عمران: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾، فقوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ﴾ دليل واضح في ذلك.\nوإذا حققت ذلك فمعنى: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ﴾ أي: نعلم ذلك علمًا يظهر الحقيقة للناس، فلا ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك دون خلقه.\nواختلف العلماء في قوله: ﴿أَحْصَى﴾ فذهب بعضهم إلى أنه فعل ماض و﴿أَمَدًا﴾ مفعوله. و\"ما\" في قوله: ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾","vol":"4","page":32},{"text":"مصدرية؛ وتقرير المعنى على هذا: لنعلم أيُّ الحزبين ضبَطَ (أمدًا) للبثهم في الكهف.\nوممن اختار أن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض: الفارسي والزمخشري وابن عطية وغيرهم.\nوذهب بعضهم إلى أن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل، و﴿أَمَدًا﴾ تمييز. وممن اختاره الزجاج والتبريزي وغيرهما. وجوز الحوفي وأبو البقاء الوجهين.\nوالذين قالوا: إن ﴿أَحْصَى﴾ فعل ماض قالوا: لا يصح فيه أن يكون صيغة تفضيل؛ لأنها لا يصح بناؤها هي ولا صيغة فعل التعجب قياسًا إلا من الثلاثي، و﴿أَحْصَى﴾ رباعي فلا تصاغ منه صيغة التفضيل ولا التعجب قياسًا. قالوا: وقولهم: ما أعطاه، وما أولاه للمعروف، وأعدى من الجرب، وأفلس من ابن المُذلَّق = شاذ لا يقاس عليه، فلا يجوز حمل القرآن عليه.\nواحتج الزمخشري في الكشاف أيضًا لأن ﴿أَحْصَى﴾ ليست صيغة تفضيل: بأن ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ لا يخلو: إما أن ينتصب بأفعل، فأفعل لا يعمل. وإما أن ينتصب بـ ﴿لَبِثُوا﴾، فلا يسدّ عليه المعنى -أي: لا يكون سديدًا على ذلك القول- وقال: فإن زعمت نصبه بإضمار فعل يدل عليه ﴿أَحْصَى﴾ كما أضمر في قوله:\n\n• وأضرب منا بالسيوف القوانسا*\nأي: نضرب القوانس، فقد أبعدت المتناول وهو قريب، حيث أبيتَ أن يكون ﴿أَحْصَى﴾ فعلًا، ثم رجعت مضطرًا إلى تقديره","vol":"4","page":33},{"text":"وإضماره. انتهى كلام الزمخشري.\nوأجيب من جهة المخالفين عن هذا كله قالوا: لا نسلم أن صيغة التفضيل لا تصاغ من غير الثلاثي، ولا نسلم أيضًا أنها لا تعمل.\nوحاصل تحرير المقام في ذلك: أن في كون صيغة التفضيل تصاغ من \"أفعل\" كما هنا، أو لا تصاغ منه؛ ثلاثة مذاهب لعلماء النحو:\nالأولى: جواز بنائها من \"أفعل\" مطلقًا، وهو ظاهر كلام سيبويه، وهو مذهب أبي إسحاق، كما نقله عنه أبو حيان في البحر.\nوالثاني: لا يبنى منه مطلقًا، وما سُمع منه فهو شاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه. وهو الذي درج عليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nوبالندور احكم لغير ما ذكر ... ولا تقس على الذي منه أُثِر\nكما قدمناه في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله: ﴿فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٧٢)﴾.\nالثالث: تصاغ من \"أفعل\" إذا كانت همزتها لغير النقل خاصة؛ كأظلم الليل، وأشكل الأمر. لا إن كانت الهمزة للنقل، فلا تصاغ منها. وهذا هو اختيار أبي الحسن بن عصفور. وهذه المذاهب مذكورة بأدلتها في كتب النحو.\nوأما قول الزمخشري: \"فأفعل لا يعمل\"، فليس بصحيح؛ لأن صيغة التفضيل تعمل في التمييز بلا خلاف، وعليه درج في","vol":"4","page":34},{"text":"الخلاصة بقوله:\nوالفاعل المعنى انصِبَن بأفعلا ... مفضَلًا كانت أعلى منزلا\nو﴿أَمَدًا (١٢)﴾ تمييز كما تقدم؛ فنصبه بصيغة التفضيل لا إشكال فيه.\nوذهب الطبري إلى أن: ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ منصوب بـ ﴿لَبِثُوا﴾ وقال ابن عطية: إن ذلك غير متجه.\nوقال أبو حيان: قد يتجه ذلك؛ لأن الأمد هو الغاية، ويكون عبارة عن المدة من حيث إن المدة غاية. و\"ما\" بمعنى الذي، و﴿أَمَدًا﴾ منتصب على إسقاط الحرف، أي: لما لبثوا من أمد، أي مدة. ويصير \"من أمد\" تفسيرًا لما انبهمِ في لفظ ﴿لِمَا لَبِثُوا﴾، كقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ﴾، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ ولما سقط الحرف وصل إليه الفعل.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: إطلاق الأمد على الغاية معروف في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان:\nإلا لمثلكَ أو من أنتَ سابقه ... سبق الجواد إذا استولَى على الأمدِ\nوقد قدمنا في سورة \"النساء\": أن علي بن سليمان الأخفش الصغير أجاز النصب بنزع الخافض عند أمن اللبس مطلقًا. ولكن نصب قوله: ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ بقوله: ﴿لَبِثُوا﴾ غير سديد كما ذكره الزمخشري وابن عطية، وكما لا يخفى.\nوأجاز الكوفيون نصب المفعول بصيغة التفضيل، وأعربوا","vol":"4","page":35},{"text":"قول العباس بن مرداس السلمي:\nفلم أر مثل الحيِّ حيًا مصبحًا ... ولا مثلنا يوم التقينا فوارسا\nأكرَّ وأحْمَى للحقيقة منهم ... وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا\nبأن \"القوانس\" مفعول به لصيغة التفضيل التي هي \"أضرب\". قالوا: ولا حاجة لتقدير فعل محذوف. ومن هنا قال بعض النحويين: إن ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾ منصوب بصيغة التفضيل قبله نَصْب المفعول به.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ومذهب الكوفيين هذا أجرى عندي على المعنى المعقول؛ لأن صيغة التفضيل فيها معنى المصدر الكامن فيها فلا مانع من عملها عمله. ألا ترى أن قوله: \"وأضربَ مِنَّا بالسيوف القوانسا\" معناه: يزيد ضربنا بالسيوف القوانس على ضرب غيرنا، كما هو واضح. وعلى هذا الذي قررنا فلا مانع من كون ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ منصوب بـ ﴿أَحْصَى﴾ نصب المفعول به على أنه صيغة تفضيل. وإن كان القائلون بأن ﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل أعربوا ﴿أَمَدًا (١٢)﴾ بأنه تمييز.\nتنبيه\nفإن قيل: ما وجه رفع ﴿أَيُّ﴾ من قوله: ﴿لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصَى﴾ الآية، مع أنه في محل نصب لأنه مفعول به؟ فالجواب: أن للعلماء في ذلك أجوبة، منها: أن ﴿أَيُّ﴾ فيها معنى الاستفهام، والاستفهام يعلق الفعل عن مفعوليه كما قال ابن مالك في الخلاصة عاطفًا على ما يعلق الفعل القلبي عن مفعوليه:","vol":"4","page":36},{"text":"وإنْ وَلا لامُ ابتداءٍ أو قسم ... كذا والاستفهامُ ذا له انحتَمْ\nومنها: ما ذكره الفخر الرازي وغيره، من أن الجملة بمجموعها متعلق العلم، ولذلك السبب لم يظهر عمل قوله: ﴿لِنَعْلَمَ﴾ في لفظة ﴿أَيُّ﴾ بل بقيت على ارتفاعها. ولا يخفى عدم اتجاه هذا القول كما ترى.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر أوجه الأعاريب عندي في الآية: أن لفظة ﴿أَيُّ﴾ موصولة استفهامية. و﴿أَيُّ﴾ مبنية لأنها مضافة، وصدر صلتها محذوف على حد قوله في الخلاصة:\nأيٌّ كما وأُعربت ما لم تضف ... وصدرُ وصلها ضميرٌ انحذف\nولبنائها لم يظهر نصبها. وتقرير المعنى على هذا: لنعلم الحزب الذي هو أحصى لما لبثوا أمدًا ونميزه عن غيره. و﴿أَحْصَى﴾ صيغة تفضيل كما قدمنا توجيهه. نعم، للمخالف أن يقول: إن صيغة التفضيل تقتضي بدلالة مطابقتها الاشتراك بين المفضل والمفضل عليه في أصل الفعل، وأحد الحزبين لم يشارك الآخر في أصل الإحصاء لجهله بالمدة من أصلها، وهذا مما يقوي قول من قال: إن ﴿أَحْصَى﴾ فعل، والعلم عند الله تعالى.\nفإن قيل: أي فائدة مهمة في معرفة الناس للحزب المحصي أمد اللبث من غيره، حتى يكون علة غائية لقوله: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَاهُمْ لِنَعْلَمَ ..﴾ الآية؟ وأي فائدة مهمة في مساءلة بعضهم بعضًا، حتى يكون علة غائية لقوله: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ﴾؟\nفالجواب: أنا لم نر من تعرض لهذا. والذي يظهر لنا والله","vol":"4","page":37},{"text":"تعالى أعلم: أن ما ذكر من إعلام الناس بالحزب الذي هو أحصى أمدًا لما لبثوا، ومساءلة بعضهم بعضًا عن ذلك، يلزمه أن يظهر للناس حقيقة أمر هؤلاء الفتية، وأن الله ضرب على آذانهم في الكهف ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعًا، ثم بعثهم أحياء طرية أبدانهم لم يتغير لهم حال. وهذا من غريب صنعه جل وعلا الدال على كمال قدرته، وعلى البعث بعد الموت. ولاعتبار هذا اللازم جعل ما ذكرنا علة غائية، والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-804> قوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى (١٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة لنبيه - ﷺ -: أنه يقص عليه نبأ أصحاب الكهف بالحق. ثم أخبره مؤكدًا له أنهم فتية آمنوا بربهم، وأن الله جل وعلا زادهم هدى.\nويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من آمن بربه وأطاعه زاده ربه هدى؛ لأن الطاعة سبب للمزيد من الهدى والإيمان.\nوهذا المفهوم من هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ الآية، وقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"4","page":38},{"text":"وهذه الآيات المذكورة نصوص صريحة في أن الإيمان يزيد، مفهوم منها أنه ينقص أيضًا، كما استدل بها البخاري ﵀ على ذلك. وهي تدل عليه دلالة صريحة لا شك فيها، فلا وجه معها للاختلاف في زيادة الإيمان ونقصه كما ترى، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-805> قوله تعالى: ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا﴾</span>.\nأي: ثبتنا قلوبهم وقويناهم على الصبر، حتى لا يجزعوا ولا يخافوا من أن يصدعوا بالحق، ويصبروا على فراق الأهل والنعيم، والفرار بالدين في غار في جبل لا أنيس به، ولا ماء ولا طعام.\nويفهم من هذه الآية الكريمة: أن من كان في طاعة ربه جل وعلا، أنه تعالى يقوِّي قلبه، ويثبته على تحمل الشدائد، والصبر الجميل.\nوقد أشار تعالى إلى وقائع من هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله في أهل بدر مخاطبًا نبيه - ﷺ - وأصحابه: ﴿إِذْ يُغَشِّيكُمُ النُّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ وَيُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ وَلِيَرْبِطَ عَلَى قُلُوبِكُمْ وَيُثَبِّتَ بِهِ الْأَقْدَامَ (١١) إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وكقوله في أم موسى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠)﴾.\nوأكثر المفسرين على أن قوله: ﴿إِذْ قَامُوا﴾ أي: بين يدي ملك بلادهم، وهو ملك جبار يدعو إلى عبادة الأوثان، يزعمون أن اسمه: دقيانوس.","vol":"4","page":39},{"text":"وقصتهم مذكورة في جميع كتب التفسير، أعرضنا عنها لأنها إسرائيليات. وفي قيامهم المذكور هنا أقوال أخر كثيرة. والعامل في قوله: ﴿إِذْ﴾ هو ﴿وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ حين قاموا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-806> قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِنْ دُونِهِ إِلَهًا لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا (١٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم فزادهم ربهم هدى قالوا: إن ربهم هو رب السموات والأرض، وأنهم لن يدعوا من دونه إلهًا، وأنهم لو فعلوا ذلك قالوا شططًا. أي: قولًا ذا شطط. أو هو من النعت بالمصدر للمبالغة؛ كأن قولهم هو نفس الشطط. والشطط: البعد عن الحق والصواب. وإليه ترجع أقوال المفسرين، كقول بعضهم ﴿شَطَطًا (١٤)﴾: جورًا، تعديًا، كذبًا، خطأً، إلى غير ذلك من الأقوال.\nوأصل مادة الشطط: مجاوزة الحد، ومنه: أَشَطَّ في السَّوْم، إذا جاوز الحد؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ الآية. أو البعد، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:\nتشط غدًا دار جيراننا ... وللدار بعد غد أبعد\nويكثر استعمال الشطط في الجور والتعدي، ومنه قول الأعشى:\nاتنتَهون ولن ينهى ذوي شططٍ ... كالطعن يذهبُ فيه الزيتُ والفُتُلُ\nوهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن من أشرك مع خالق السموات والأرض معبودًا آخر، فقد جاء بأمر شططٍ بعيد عن الحق والصواب، في غاية الجور والتعدي. لأن الذي يستحق","vol":"4","page":40},{"text":"العبادة هو الذي يبرز الخلائق من العدم إلى الوجود؛ لأن الذي لا يقدر على خلق غيره مخلوقٌ يحتاج إلى خالق يخلقه ويرزقه ويدبر شئونه.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر كثيرة، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ وقوله تعالى ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ أي: الواحد القهار الذي هو خالق كل شيء، هو المستحق للعبادة وحده جل وعلا. وقوله جل وعلا: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا﴾ أي: إذا دعونا من دونه إلهًا؛ فقد قلنا شططًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-807> قوله تعالى: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَوْلَا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطَانٍ بَيِّنٍ﴾</span>. ﴿لَوْلَا﴾ في هذه الآية الكريمة للتحضيض، وهو الطلب بحث وشدة. والمراد بهذا الطلب التعجيز؛ لأنه من المعلوم أنه لا يقدر أحد أن يأتي بسلطان بَيِّن على جواز عبادة غير الله تعالى. والمراد بالسلطان البيِّن: الحجة الواضحة.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من تعجيزهم عن","vol":"4","page":41},{"text":"الإتيان بحجة على شركهم وكفرهم، وإبطال حجة المشركين على شركهم = جاءَ موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾، وقوله تعالى منكرًا عليهم: ﴿أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾، وقوله جل وعلا: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾، والآيات الدالة على أن المشركين لا مستند لهم في شركهم إلا تقليد آبائهم الضالين كثيرة جدًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ مبتدأ، و﴿قَوْمُنَا﴾ قيل: عطف بيان، والخبر جملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ وقيل: ﴿قَوْمُنَا﴾ خبر المبتدأ، وجملة ﴿اتَّخَذُوا﴾ في محل حال. والأول أظهر، والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-808> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا (١٥)﴾</span>.\nأي: لا أحد أظلم ممن افترى على الله الكذب بادعاء أن له شريحًا، كما افتراه عليه قوم أصحاب الكهف، كما قال عنهم أصحاب الكهف: ﴿هَؤُلَاءِ قَوْمُنَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآية.","vol":"4","page":42},{"text":"وهذا المعنى الذي ذكره هنا من أن افتراء الكذب على الله يجعل الشركاء له هو أعظم الظلم = جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جَاءَهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-809> قوله تعالى: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ يَنْشُرْ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا (١٦)﴾</span>.\n﴿وَإِذِ﴾ في قوله: ﴿وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ للتعليل على التحقيق، كما قاله ابن هشام، وعليه فالمعنى: ولأجل اعتزالكم قومكم الكفار وما يعبدونه من دون الله، فاتخذوا الكهف مأوى ومكان اعتصام، ينشر لكم ربكم من رحمته، ويهيئ لكم من أمركم مرفقًا. وهذا يدل على أن اعتزال المؤمن قومه الكفار ومعبوديهم من أسباب لطف الله به ورحمته.\nوهذا المعنى يدل عليه أيضًا قوله تعالى في نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا (٤٨) فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩) وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾. واعتزالهم إياهم هو مجانبتهم لهم، وفرارهم منهم بدينهم.\nوقوله: ﴿وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّه﴾ اسم موصول في محل نصب معطوف على الضمير المنصوب في قوله: ﴿اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ أي:","vol":"4","page":43},{"text":"واعتزلتم معبوديهم من دون الله. وقيل: \"ما\" مصدرية، أي: اعتزلتموهم واعتزلتم عبادتهم غير الله تعالى. والأول أظهر.\nوقوله: ﴿إِلَّا اللَّهَ﴾ قيل: هو استثناء متصل، بناء على أنهم كانوا يعبدون الله والأصنام. وقيل: هو استثناء منقطع بناء على القول بأنهم كانوا لا يعبدون إلا الأصنام، ولا يعرفون الله ولا يعبدونه.\nوقوله: ﴿مِرْفَقًا﴾ أي: ما ترتفقون به أي تنتفعون به. وقرأه نافع وابن عامر بفتح الميم وكسر الفاء مع تفخيم الراء. وقرأه باقي السبعة بكسر الميم وفتح الفاء وترقيق الراء، وهما قراءتان ولغتان فيما يرتفق به، وفي عضو الإنسان المعروف. وأنكر الكسائي في \"المرفق\" -بمعنى عضو الإنسان- فتحَ الميم وكسرَ الفاء، وقال: هو بكسر الميم وفتح الفاء، ولا يجوز غير ذلك.\nوزعم ابن الأنباري أن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ﴾ بمعنى البدلية، أي: يهيئ لكم بدلًا من ﴿أَمْرِكُمْ﴾ الصعب مرفقا. وعلى هذا الذي زعم آيات  (^١)  كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي: بدلًا منها وعوضا عنها. ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nفليتَ لنا من ماء زمزم شربة ... مبرَّدة باتت على طَهَيان\nأي: بدلًا من ماء زمزم، والله تعالى أعلم.\n_________\n(^١)  المطبوعة: \"غاية\" أو: \"فاية\"!.","vol":"4","page":44},{"text":"ومعنى ﴿يَنْشُرْ لَكُمْ﴾: يبسط لكم؛ كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ ..﴾ الآية: وقوله: ﴿وَيُهَيِّئْ﴾ أي: يُيَسِّر ويقرِّب ويسهِّل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-810> قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾</span>.\nاعلم أولًا أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وذكرنا من ذلك أمثلة متعددة.\nوإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية على قولين، وفي نفس الآية قرينة تدل على صحة أحدهما، وعدم صحة الآخر.\nأما القول الذي تدل القرينة في الآية على خلافه: فهو أن أصحاب الكهف كانوا في زاوية من الكهف، وبينهم وبين الشمس حواجز طبيعية من نفس الكهف، تقيهم حر الشمس عند طلوعها وغروبها؛ على ما سنذكر تفصيله إن شاء الله تعالى.\nوأما القول الذي تدل القرينة في هذه الآية على صحته: فهو أن أصحاب الكهف كانوا في فجوة من الكهف على سمت تصيبه الشمس وتقابله؛ إلا أن الله منع ضوء الشمس من الوقوع عليهم على وجه خرق العادة؛ كرامة لهؤلاء القوم الصالحين، الذين فروا بدينهم طاعة لربهم جل وعلا.","vol":"4","page":45},{"text":"والقرينة الدالة على ذلك هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ إذ لو كان الأمر كما ذكره أصحاب القول الأول لكان ذلك أمرًا معتادًا مألوفًا، وليس فيه غرابة حتى يقال فيه ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾. وعلى هذا الوجه الذي ذكرناه أنه تشهد له القرينة المذكورة؛ فمعنى تزاور الشمس عن كهفهم ذات اليمين عند طلوعها، وقرضها إياهم ذات الشمال عند غروبها: هو أن الله يقلص ضوءَها عنهم، ويبعده إلى جهة اليمين عند الطلوع، وإلى جهة الشمال عند الغروب؛ والله جل وعلا قادر على كل شيء، يفعل ما يشاء. فإذا علمت هذا؛ فاعلم أن أصحاب القول الأول اختلفوا في كيفية وضع الكهف.\nوجزم ابن كثير في تفسيره بأن الآية تدل على أن باب الكهف كان من نحو الشمال، قال: لأنه تعالى أخبر بأن الشمس إذا دخلته عند طلوعها تزاور عنه ذات اليمين، أي يتقلّص الفيءُ يَمْنة. كما قال ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة: تزاور أي: تميل، وذلك أنها كلما ارتفعت في الأفق تقلص شعاعها بارتفاعها حتى لا يبقى منه شيء عند الزوال في ذلك المكان، ولهذا قال تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ ذَاتَ الشِّمَالِ﴾ أي: تدخل إلى غارهم من شمال بابه وهو من ناحية الشرق، فدل على صحة ما قلناه. وهذا بين لمن تأمله، وكان له علم بمعرفة الهيئة وسير الشمس والقمر والكواكب.\nوبيانه: أنه لو كان باب الغار من ناحية الشرق لما دخل إليه منها شيء عند الغروب. ولو كان من ناحية القبلة لما دخل إليه منها شيء عند الطلوع ولا عند الغروب. ولا تزاور الفيء يمينًا وشمالًا.","vol":"4","page":46},{"text":"ولو كان من جهة الغرب لما دخلته وقت الطلوع، بل بعد الزوال ولم تزل فيه إلى الغروب، فتعين ما ذكرناه، ولله الحمد. انتهى كلام ابن كثير.\nوقال الفخر الرازي في تفسيره: أصحاب هذا القول قالوا: إن باب الكهف كان مفتوحًا إلى جانب الشمال، فإذا طلعت الشمس كانت على يمين الكهف، وإذا غربت كانت على شماله، فضوء الشمس ما كان يصل إلى داخل الكهف، وكان الهواء الطيب والنسيم الموافق يصل إليه. انتهى كلام الرازي.\nوقال أبو حيان في تفسير هذه الآية: وهذه الصفة مع الشمس تقتضي أنه كان لهم حاجب من جهة الجنوب، وحاجب من جهة الدبور وهم في زاوية. وقال عبد الله بن مسلم: كان باب الكهف ينظر إلى بنات نعش، وعلى هذا كان أعلى الكهف مستورًا من المطر.\nقال ابن عطية: كان كهفهم مستقبل بنات نعش لا تدخله الشمس عند الطلوع ولا عند الغروب، اختار الله لهم مضجعا متسعًا في مقنأة لا تدخل عليهم الشمس فتؤذيهم. انتهى الغرض من كلام أبي حيان. والمقنأة: المكان الذي لا تطلع عليه الشمس.\nإلى غير ذلك من أقوال العلماء. والقول الأول أنسب للقرينة القرآنية التي ذكرنا.\nوممن اعتمد القول الأول لأجل القرينة المذكورة: الزجاج، ومال إليه بعض الميل الفخر الرازي والشوكاني. في تفسيريهما،","vol":"4","page":47},{"text":"لتوجيههما قول الزجاج المذكور بقرينة الآية المذكورة.\nوقال الشوكاني ﵀ في تفسيره: ويؤيد القول الأول قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ فإن صَرْف الشمس عنهم مع توجه الفجوة إلى مكان تصل إليه عادة أنسب بمعنى كونها آية. ويؤيده أيضًا إطلاق الفجوة وعدم تقييدها بكونها إلى جهة كذا. ومما يدل على أن الفجوة المكان الواسع قول الشاعر:\nألبستَ قومك مخزاة ومنقصة ... حتى أُبِيْحوا وحلّوا فجوةَ الدار\nانتهى كلام الشوكاني.\nومعلوم أن الفجوة: هي المتسع. وهو معروف في كلام العرب ومنه البيت المذكور، وقول الآخر:\nونحن ملأنا كلَّ واد وفجوة ... رجالًا وخيلًا غير ميل ولا عزل\nومنه الحديث: \"فإذا وجد فجوة نصَّ\".\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ﴾ أي: ترى أيها المخاطب الشمس عند طلوعها تميل على كهفهم. والمعنى: أنك لو رأيتهم لرأيتهم كذلك. لا أن المخاطب رآهم بالفعل، كما يدل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ..﴾ الآية والخطاب بمثل هذا مشهور في لغة العرب التي نزل بها هذا القرآن العظيم.\nوأصل مادة التزاور: الميل، فمعنى تزاور: تميل. والزور: الميل، ومنه شهادة الزور؛ لأنها ميل عن الحق. ومنه الزيارة؛ لأن","vol":"4","page":48},{"text":"الزائر يميل إلى المزور. ومن هذا المعنى قول عنترة في معلقته:\nفازورَّ من وقع القنا بلبانه ... وشكا إليَّ بعبرة وتَحَمْحُم\nوقول عمر بن أبي ربيعة:\nوخُفِّض عني الصوتُ أقبلتُ مشيةَ الـ ... ـحُباب وشخصي خشيةَ الحيِّ أزْوَر\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَاتَ الْيَمِينِ﴾ أي: جهة اليمين، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين. وقال أبو حيان في البحر: وذات اليمين: جهة يمين الكهف، وحقيقتها الجهة المسماة باليمين، يعني يمين الداخل إلى الكهف، أو يمين الفتية اهـ وهو منصوب على الظرف.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَرَبَتْ تَقْرِضُهُمْ﴾ من القرض بمعنى القطيعة والصرم؛ أي: تقطعهم وتتجافى عنهم ولا تقربهم. وهذا المعنى معروف في كلام العرب؛ ومنه قول غيلان ذي الرمة:\nنظرت بجرعاء السبيبة نظرة ... ضحى وسواد العين في الماء شامس\nإلى ظُعُن يقرضن أقواز مشرف ... شمالًا وعن أيمانهن الفوارس\nفقوله: \"يقرضن أقواز مشرف\" أي: يقطعنها ويبعدنها ناحية الشمال، وعن أيمانهن الفوارس، وهو موضع أو رمال الدهناء. والأقواز: جمع قوز -بالفتح- وهو العالي من الرمل كأنه جبل. ويروى: \"أجواز مشرف\"، جمع جوز؛ من المجاز بمعنى الطريق.\nوهذا الذي ذكرنا هو الصواب في معنى قوله تعالى: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ خلافًا لمن زعم أن معنى تقرضهم: تقطعهم من ضوئها شيئًا ثم","vol":"4","page":49},{"text":"يزول سريعًا كالقرض يُسترد. ومراد قائل هذا القول: أن الشمس تميل عنهم بالغداة، وتصيبهم بالعشي إصابة خفيفة، بقدر ما يطيب لهم هواء المكان ولا يتعفن.\nقال أبو حيان في البحر: ولو كان من القرض الذي يعطى ثم يسترد لكان الفعل رباعيًا، فتكون التاء في قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ مضمومة، لكن دل فتح التاء من قوله: ﴿تَقْرِضُهُمْ﴾ على أنه من القرض بمعنى القطع، أي: تقطع لهم من ضوئها شيئًا، وقد علمت أن الصواب القول الأول. وقد قدمنا أن الفجوة: المتسع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ فيه ثلاث قراءات سبعيات:\nقرأه ابن عامر الشامي \"تَزْوَرّ\" بإسكان الزاي، وإسقاط الألف وتشديد الراء؛ على وزن \"تَحْمَرّ\"، وهو على هذه القراءة من الازورار بمعنى الميل؛ كقول عنترة المتقدم:\n\n• فازورَّ من وقع القنا ... * ... البيت\nوقرأه الكوفيون -وهم عاصم وحمزة والكسائي- بالزاي المخففة بعدها ألف. وعلى هذه القراءة فأصله \"تتزاور\" فحذفت منه إحدى التاءين؛ على حد قوله في الخلاصة:\nوما بتاءين ابتُدِي قد يُقتصر ... فيه على كَتبَيَّنُ العِبَر\nوقرأه نافع المدني وابن كثير المكي وأبو عمرو البصري \"تَزَّاوَرُ\" بتشديد الزاي بعدها ألف، وأصله \"تتزاور\" أدغمت فيه التاء في الزاي. وعلى هاتين القراءتين -أعني قراءة حذف إحدى التاءين،","vol":"4","page":50},{"text":"وقراءة إدغامها في الزاي- فهو من التزاور بمعنى الميل أيضًا. وقد يأتي التفاعل بمعنى مجرد الفعل كما هنا، وكقولهم: سافر وعاقب وعافى.\nوعلى قول من قال: إن في الكهف حواجز طبيعية تمنع من دخول الشمس بحسب وضع الكهف، فالإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ﴾ راجعة إلى ما ذكر من حديثهم، أي: ذلك المذكور، أي: هدايتهم إلى التوحيد وإخراجهم من بين عبدة الأوثان، وإيوائهم إلى ذلك الكهف، وحمايتهم من عدوهم إلى آخر حديثهم = من آيات الله.\nوأصل الآية عند المحققين \"أَيَيَة\" بثلاث فتحات، أبدلت فيه الياء الأولى ألفًا؛ والغالب في مثل ذلك أنه إذا اجتمع موجبا إعلال كان الإعلال في الأخير، لأن التغيير عادة أكثر في الأواخر، كما في \"طوى ونوى\"، ونحو ذلك. وهنا أعل الأول على خلاف الأغلب، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوإن لحرفينِ ذا الاعلالُ استُحِق ... صُحِّح أولٌ وعَكْسٌ قد يَحِق\nوالآية تطلق في اللغة العربية إطلاقين، وتطلق في القرآن العظيم إطلاقين أيضًا. أما إطلاقاها في اللغة، الأول منهما: أنها تطلق بمعنى العلامة، وهو الإطلاق المشهور، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ ...﴾ الآية، وقول عمر بن أبي ربيعة:\nبآية ما قالت غداةَ لقيتها ... بمدفع أكنانٍ أهذا المُشَهَّرُ","vol":"4","page":51},{"text":"يعني أن قولها ذلك هو العلامة بينها وبين رسوله إليها المذكور في قوله قبله:\nألِكْني إليها بالسلام فإنه ... يُشَهَّر إلمامي بها ويُنَكَّرُ\nوقد جاء في شعر نابغة ذبيان وهو جاهلي تفسير الآية بالعلامة في قوله:\nتوهَّمتُ آياتٍ لها فعرفتها ... لستةِ أعوامٍ وذا العامُ سابعُ\nثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار بقوله بعده:\nرمادٌ ككُحْل العين لأيًا أُبيْنُه ... ونُويٌ كجِذْم الحوض أَثْلَم خاشِعُ\nوأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم، أي: بجماعتهم. ومنه قول برج بن مسهر أو غيره:\nخرجنا من النقبين لا حَيّ مثلنا ... بآياتنا نزجي اللقاح المطافلا\nفقو له: \"بآياتنا\" أي: بجماعتنا.\nوإما إطلاقاها في القرآن؛ فالأول منهما: إطلاقها على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾ أي علامات كونية قدرية، يعرف بها أصحاب العقول السليمة أن خالقها هو الرب المعبود وحده جل وعلا. والآية الكونية القدرية في القرآن من \"الآية\" بمعنى العلامة لغة.\nوأما إطلاقها الثاني في القرآن؛ فهو إطلاقها على الآية","vol":"4","page":52},{"text":"الشرعية الدينية، كقوله: ﴿رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ ...﴾ الآية، ونحوها من الآيات.\nوالآية الشرعية الدينية قيل: هي من \"الآية\" بمعنى العلامة لغة؛ لأنها علامات على صدق من جاء بها. أو أن فيها علامات على ابتدائها وانتهائها.\nوقيل: من \"الآية\". بمعنى الجماعة، لاشتمال الآية الشرعية الدينية على طائفة وجماعة من كلمات القرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-811> قوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الهدى والإضلال بيده وحده جل وعلا، فمن هداه فلا مضل له، ومن أضله فلا هادي له.\nوقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾، وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ والآيات","vol":"4","page":53},{"text":"بمثل هذا كثيرة جدًا.\nويؤخذ من هذه الآيات وأمثالها في القرآن بطلان مذهب القدرية: أن العبد مستقل بعمله من خير أو شر، وأن ذلك ليس بمشيئة الله بل بمشيئة العبد. سبحانه جل وعلا عن أن يقع في ملكه شيء بدون مشيئته! وتعالى عن ذلك علوًا كبيرًا! وسيأتي بسط هذا المبحث إن شاء الله تعالى.\nوقد أوضحناه أيضًا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"الشمس\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.\nوقوله: ﴿فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾ أي: لن يكون بينه وبينه سبب للموالاة يرشده إلى الصواب والهدى، أي: لن يكون ذلك؛ لأن من أضله الله فلا هادي له. وقوله: ﴿فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾ قرأه بإثبات الياء في الوصل دون الوقف نافع وأبو عمرو. وبقية السبعة قرءوه بحذف الياء في الحالين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-812> قوله تعالى: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظًا وَهُمْ رُقُودٌ﴾</span>.\nالحسبان بمعنى الظن. والأيقاظ: جمع يقظ -بكسر القاف وضمها-، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:\nفلما رأت من قد تنبَّه منهم ... وأَيْقاظَهم قالت أَشِرْ كيفَ تأمُرُ\nوالرقود: جمع راقد وهو النائم، أي: تظنهم أيها المخاطب لو رأيتهم أيقاظًا والحال أنهم رقود. ويدل على هذا المعنى قوله تعالى في نظيره: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا ..﴾ الآية. وقال","vol":"4","page":54},{"text":"بعض العلماء: سبب ظن الرائي أنهم أيقاظ هو أنهم نيام وعيونهم مفتحة. وقيل: لكثرة تقلبهم. وهذا القول يشير له قوله تعالى بعده: ﴿وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ﴾. وكلام المفسرين هنا في عدد تقلبهم من كثرة وقلة لا دليل عليه؛ ولذا أعرضنا عن ذكر الأقوال فيه.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَتَحْسَبُهُمْ﴾ قرأه بفتح السين على القياس ابن عامر وعاصم وحمزة. وقرأه بكسر السين نافع وابن كثير وأبو عمرو والكسائي، وهما قراءتان سبعيتان، ولغتان مشهورتان، والفتح أقيس والكسر أفصح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-813> قوله تعالى: ﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾</span>.\nاختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ ﴿بِالْوَصِيدِ﴾ فقيل: هو فناء البيت. ويروى عن ابن عباس ومجاهد وسعيد بن جبير. وقيل الوصيد: الباب، وهو مروي عن ابن عباس أيضًا. وقيل: الوصيد العتبة. وقيل: الصعيد. والذي يشهد له القرآن أن الوصيد هو الباب. ويقال له \"أصيد\" أيضًا؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ أي مغلقة مطبقة؛ وذلك بإغلاق كل وصيد أو أصيد، وهو الباب من أبوابها. ونظير الآية من كلام العرب قول الشاعر:\nتحن إلى أجبال مكة ناقتي ... ومن دونها أبواب صنعاء موصدة\nوقول ابن قيس الرقيات:\nإن في القصر لو دخلنا غزالًا ... مُصْفقًا موصدًا عليه الحجابُ\nفالمراد بالإيصاد في جميع ذلك: الإطباق والإغلاق؛ لأن","vol":"4","page":55},{"text":"العادة فيه: أن يكون بالوصيد وهو الباب. ويقال فيه أصيد. وعلى اللغتين القراءتان في قوله: ﴿مُؤْصَدَةٌ (٨)﴾ مهموزًا من \"الأصيد\"، وغير مهموز من \"الوصيد\".\nومن إطلاق العرب الوصيد على الباب قول عبيد بن وهب العبسي، وقيل زهير:\nبأرض فضاءٍ لا يُسد وصيدُها ... علَيَّ ومعروفي بها غير منكر\nأي: لا يسد بابها علَيَّ، يعني ليست فيها أبواب حتى تسد علي؛ كقول الآخر:\n\n• ولا ترى الضب بها ينجحر*\nفإن قيل: كيف يكون الوصيد هو الباب في الآية، والكهف غار في جبل لا باب له؟.\nفالجواب: أن الباب يطلق على المدخل الذي يدخل للشيء منه؛ فلا مانع من تسمية المدخل إلى الكهف بابًا. ومن قال: الوصيد الفناء، لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن فناء الكهف هو بابه. وقد قدمنا مرارًا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك: أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا وتكون فى الآية قرينة تدل على خلافه.\nوقد قال بعض أهل العلم في هذه الآية الكريمة: إن المراد بالكلب في هذه الآية: رجل منهم لا كلب حقيقي. واستدلوا لذلك ببعض القراءات الشاذة، كقراءة \"وكالبهم باسط ذراعيه بالوصيد\" وقراءة \"وكالئهم باسط ذراعيه\".","vol":"4","page":56},{"text":"وقوله جل وعلا: ﴿بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ﴾ قرينة على بطلان ذلك القول؛ لأن بسط الذراعين معروف من صفات الكلب الحقيقي، ومنه حديث أنس المتفق عليه عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه انبساط الكلب\" وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، فهو قرينة على أنه كلب حقيقي، وقراءة \"وكالئهم\" بالهمزة لا تنافي كونه كلبًا، لأن الكلب يحفظ أهله ويحرسهم. والكلاءة: الحفظ.\nفإن قيل: ما وجه عمل اسم الفاعل الذي هو ﴿بَاسِطٌ﴾ في مفعوله الذي هو ﴿ذِرَاعَيْهِ﴾، والمقرر في النحو أن اسم الفاعل إذا لم يكن صلة \"أل\" لا يعمل إلا إذا كان واقعًا في الحال أو المستقبل؟.\nفالجواب: أن الآية هنا حكاية حال ماضية، ونظير ذلك من القرآن قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢)﴾.\nواعلم أن ذكره جل وعلا في كتابه هذا الكلب، وكونه باسطًا ذراعيه بوصيد كهفهم في معرض التنويه بشأنهم - يدل على أن صحبة الأخيار عظيمة الفائدة.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: وشملت كلبهم بركتهم، فأصابه ما أصابهم من النوم على تلك الحال، وهذا فائدة صحبة الأخيار، فإنه صار لهذا الكلب ذكر وخبر وشأن اهـ.\nويدل لهذا المعنى قوله - ﷺ - لمن قال إني أحب الله ورسوله: \"أنت مع من أحببت\" متفق عليه من حديث أنس.","vol":"4","page":57},{"text":"ويفهم من ذلك أن صحبة الأشرار فيها ضرر عظيم؛ كما بينه الله تعالى في سورة \"الصافات\" في قوله: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) -إلى قوله- تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.\nوما يذكره المفسرون من الأقوال في اسم كلبهم، فيقول بعضهم: اسمه قطمير. ويقول بعضهم: اسمه حمران، إلى غير ذلك، لم نطل به الكلام لعدم فائدته.\nففي القرآن العظيم أشياء كثيرة لم يبينها الله لنا ولا رسوله، ولم يثبت في بيانها شيء، والبحث عنها لا طائل تحته ولا فائدة فيه.\nوكثير من المفسرين يطنبون في ذكر الأقوال فيها بدون علم ولا جدوى، ونحن نعرض عن مثل ذلك دائمًا؛ كلون كلب أصحاب الكهف، واسمه، وكالبعض الذي ضرب به القتيل من بقرة بني إسرائيل، وكاسم الغلام الذي قتله الخضر، وأنكر عليه موسى قتله، وكخشب سفينة نوح من أي شجر هو، وكم طول السفينة وعرضها، وكم فيها من الطبقات، إلى غير ذلك مما لا فائدة في البحث عنه، ولا دليل على التحقيق فيه.\nوقد قدمنا في سورة \"الأنعام\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ ..﴾ الآية حكمَ أكل لحم الكلب وبيعه، وأخذ قيمته إن قتل، وما يجوز اقتناؤه منها وما لا يجوز. وأوضحنا الأدلة في ذلك وأقوال العلماء فيه.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ بَعَثْنَاهُمْ لِيَتَسَاءَلُوا بَيْنَهُمْ قَالَ قَائِلٌ","vol":"4","page":58},{"text":"مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالُوا رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثْتُمْ﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه بعث أصحاب الكهف من نومتهم الطويلة ليتساءلوا بينهم، أي ليسأل بعضهم بعضًا عن مدة لبثهم في الكهف في تلك النومة، وأن بعضهم قال: إنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم، وبعضهم رد علم ذلك إلى الله جل وعلا.\nولم يبين هنا قدر المدة التي تساءلوا عنها في نفس الأمر، ولكنه بين في موضع آخر أنها ثلاثمائة سنة بحساب السنة الشمسية، وثلاثمائة سنة وتسع سنين بحساب السنة القمرية، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ كما تقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-814> قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أَيُّهَا أَزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ﴾</span>.\nفي قوله هذه الآية ﴿أَزْكَى﴾ قولان للعلماء.\nأحدهما: أن المراد بكونه ﴿أَزْكَى﴾ أطيب لكونه حلالًا ليس مما فيه حرام ولا شبهة.\nوالثاني: أن المراد بكونه أزكى أنه أكثر، كقولهم: زكا الزرع إذا كثر، وكقول الشاعر:\nقبائلنا سبع وأنتم ثلاثة ... وللسبع أزكى من ثلاث وأطيب\nأي: أكثر من ثلاثة.\nوالقول الأول هو الذي يدل له القرآن؛ لأن أكل الحلال","vol":"4","page":59},{"text":"والعمل الصالح أمر الله به المؤمنين كما أمر المرسلين قال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا ..﴾ الآية، وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ﴾. ويكثر في القرآن إطلاق مادة الزكاة على الطهارة كقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، وقوله: ﴿فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا (٨١)﴾، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nفالزكاة في هذه الآيات ونحوها: يراد الطهارة من أدناس الذنوب والمعاصي، فاللائق بحال هؤلاء الفتية الأخيار المتقين أن يكون مطلبهم في مأكلهم: الحِلِّيَّة والطهارة، لا الكثرة. وقد قال بعض العلماء: إن عهدهم بالمدينة فيها مؤمنون يخفون إيمانهم، وكافرون. وأنهم يريدون الشراء من طعام المؤمنين دون الكافرين. وأن ذلك هو مرادهم بالزكاة في قوله: ﴿أَزْكَى طَعَامًا﴾ وقيل: كان فيها أهل كتاب ومجوس. والعلم عند الله تعالى.\nوالوَرِق في قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ﴾: الفضة. وأخذ علماء المالكية وغيرهم من هذه الآية الكريمة مسائل من مسائل الفقه:\nالمسألة الأولى: جواز الوكالة وصحتها؛ لأن قولهم: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ ..﴾ الآية يدل على توكيلهم لهذا المبعوث لشراء الطعام. وقال بعض العلماء: لا تدل الآية على جواز التوكيل مطلقًا بل مع التقية والخوف؛ لأنهم لو خرجوا كلهم","vol":"4","page":60},{"text":"لشراء حاجتهم لعلم بهم أعداؤهم في ظنهم فهم معذورون، فالآية تدل على توكيل المعذور دون غيره. وإلى هذا ذهب أبو حنيفة. وهو قول سحنون من أصحاب مالك في التوكيل على الخصام.\nقال ابن العربي: وكأنَّ سحنون تلقَّفه من أسد بن الفرات، فحكم به أيام قضائه. ولعله كان يفعل ذلك لأهل الظلم والجبروت إنصافًا منهم وإذلالًا لهم. وهو الحق، فإن الوكالة معونة ولا تكون لأهل الباطل اهـ.\nوقال القرطبي: كلام ابن العربي هذا حسن؛ فأما أهل الدين والفضل فلهم أن يوكلوا وإن كانوا حاضرين أصحاء. والدليل على صحة جواز الوكالة للشاهد الصحيح: ما أخرجه الصحيحان وغيرهما عن أبي هريرة قال: كان لرجل على النبي - ﷺ - سن من الإبل، فجاء يتقاضاه فقال: \"أعطوه\" فطلبوا سِنَّهُ فلم يجدوا إلا سنًا فوقها. فقال \"أعطوه\" فقال: أوفيتني أوفى الله لك. قال النبي - ﷺ -: \"إن خيركم أحسنكم قضاء\" لفظ البخاري.\nفدل هذا الحديث مع صحته على جواز توكيل الحاضر الصحيح البدن، فإن النبي - ﷺ -: أمر أصحابه أن يعطوا عنه السن التي عليه، وذلك توكيل منه لهم على ذلك، ولم يكن النبي - ﷺ - مريضًا ولا مسافرًا. وهذا يرد قول أبي حنيفة وسحنون في قولهما: إنه لا يجوز توكيل الحاضر الصحيح إلا برضا خصمه، وهذا الحديث خلاف قولهما اهـ كلام القرطبي.\nولا يخفى ما فيه؛ لأن أبا حنيفة وسحنونًا إنما خالفا في الوكالة على المخاصمة بغير إذن الخصم فقط، ولم يخالفا في","vol":"4","page":61},{"text":"الوكالة في دفع الحق.\nوبهذه المناسبة سنذكر إن شاء الله الأدلة من الكتاب والسنة على صحة الوكالة وجوازها، وبعض المسائل المحتاج إليها من ذلك، تنبيهًا بها على غيرها.\nاعلم أولًا: أن الكتاب والسنة والإجماع كلها دل على جواز الوكالة وصحتها في الجملة؛ فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى هنا: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا ..﴾ الآية، فإن عملهم عليها توكيل لهم على أخذها.\nواستدل لذلك بعض العلماء أيضًا بقوله: ﴿اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي ..﴾ الآية؛ فإنه توكيل لهم من يوسف على إلقائهم قميصه على وجه أبيه ليرتد بصيرًا.\nواستدل بعضهم لذلك أيضًا بقوله تعالى عن يوسف: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ﴾ الآية، فإنه توكيل على ما في خزائن الأرض.\nوأما السنة: فقد دلت أحاديث كثيرة على جواز الوكالة وصحتها؛ من ذلك حديث أبي هريرة المتقدم في كلام القرطبي، الدال على التوكيل في قضاء الدين، وهو حديث متفق عليه. وأخرج الجماعة إلا البخاري من حديث أبي رافع عن النبي - ﷺ - نحوه.\nومنها حديث عروة بن أبي الجعد البارقي: أن النبي - ﷺ -","vol":"4","page":62},{"text":"أعطاه دينارًا ليشتري به له شاة، فاشترى له به شاتين. فباع إحداهما بدينار وجاءه بدينار وشاة، فدعا بالبركة في بيعه؛ وكان لو اشترى التراب لربح فيه، رواه الإمام أحمد والبخاري وأبو داود والترمذي وابن ماجه والدارقطني، وفيه التوكيل على الشراء.\nومنها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: أردت الخروج إلى خيبر، فأتيت رسول الله - ﷺ - فقلت: إني أردت الخروج إلى خيبر، فقال: \"إذا أتيت وكيلي فخذ منه خمسة عشر وسقًا، فإن ابتغى منك آية فضع يدك على ترقوته\" أخرجه أبو داود والدارقطني. وفيه التصريح منه - ﷺ - بأن له وكيلًا.\nومنها قوله - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"واغْدُ يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" وهو صريح في التوكيل في إقامة الحدود.\nومنها حديث علي ﵁ قال: \"أمرني رسول الله - ﷺ - أن أقوم على بدنه وأن أتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وألا أعطي الجازر منها شيئًا، وقال: نحن نعطيه من عندنا\" متفق عليه. وفيه التوكيل على القيام على البدن والتصدق بلحومها وجلودها وأجلتها، وعدم إعطاء الجازر شيئًا منها.\nومنها حديث عقبة بن عامر ﵁: أن النبي - ﷺ - أعطاه غنما يقسمها على أصحابه فبقى عتود، فذكره للنبي - ﷺ -، فقال \"ضح أنت به\" متفق عليه أيضًا. وفيه الوكالة في تقسيم الضحايا. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة. وقد أخرج الشيخان في صحيحيهما طرفا كافيًا منها، ذكرنا بعضه هنا.","vol":"4","page":63},{"text":"وقد قال ابن حجر في فتح الباري في كتاب الوكالة ما نصه: اشتمل كتاب الوكالة -يعني من صحيح البخاري- على ستة وعشرين حديثًا، المعلق منها ستة، والبقية موصولة. المكرر منها فيه وفيما مضى اثنا عشر حديثًا، والبقية خالصة وافقه مسلم على تخريجها، سوى حديث عبد الرحمن بن عوف في قتل أمية بن خلف، وحديث كعب بن مالك في الشاة المذبوحة، وحديث وفد هوازن من طريقيه، وحديث أبي هريرة في حفظ زكاة رمضان، وحديث عقبة بن الحرث في قصة النعيمان، وفيه من الآثار عن الصحابة وغيرهم ستة آثار، والله أعلم. انتهى من فتح الباري. وكل تلك الأحاديث دالة على جواز الوكالة وصحتها.\nوأما الإجماع فقد أجمع المسلمون على جواز الوكالة وصحتها في الجملة، قال ابن قدامة في المغني: وأجمعت الأمة على جواز الوكالة في الجملة، ولأن الحاجة داعية إلى ذلك؛ فإنه لا يمكن كلَّ أحد فعل ما يحتاج إليه، فدعت الحاجةُ إليها. انتهى منه. وهذا مما لا نزاع فيه.\nفروع تتعلق بمسألة الوكالة\nالفرع الأول: لا يجوز التوكيل إلا في شيء تصح النيابة فيه؛ فلا تصح في فعل محرم؛ لأن التوكيل من التعاون، والله يقول: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ ..﴾ الآية.\nولا تصح في عبادة محضة كالصلاة والصوم ونحوهما؛ لأن ذلك مطلوب من كل أحد بعينه، فلا ينوب فيه أحد عن أحد؛ لأن الله يقول: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) . .﴾ الآية.","vol":"4","page":64},{"text":"أما الحج عن الميت والمعضوب، والصوم عن الميت، فقد دلت أدلة أخر على النيابة في ذلك. وإن خالف كثير من العلماء في الصوم عن الميت؛ لأن العبرة بالدليل الصحيح من الوحي، لا بآراء العلماء إلا عند عدم النص من الوحي.\nالفرع الثاني: ويجوز التوكيل في المطالبة بالحقوق وإثباتها والمحاكمة فيها، سواء كان الموكل حاضرًا أو غائبًا، صحيحًا أو مريضًا. وهذا قول جمهور العلماء، منهم مالك والشافعي وأحمد وابن أبي ليلى وأبو يوسف ومحمد وغيرهم. وقال أبو حنيفة: للخصم أن يمتنع من محاكمة الوكيل إذا كان الموكل حاضرًا غير معذور، لأن حضوره مجلس الحكم ومخاصمته حق لخصمه عليه، فلم يكن له نقله إلى غيره بغير رضا خصمه. وقد قدمنا في كلام القرطبي أن هذا قول سحنون أيضًا من أصحاب مالك. واحتج الجمهور بظواهر النصوص لأن الخصومة أمر لا مانع من الاستنابة فيه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي -والله تعالى أعلم- في مسألة التوكيل على الخصام والمحاكمة: أن الصواب فيها التفصيل.\nفإن كان الموكل ممن عرف بالظلم والجبروت والادعاء بالباطل: فلا يقبل منه التوكيل لظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥)﴾. وإن كان معروفًا بغير ذلك فلا مانع من توكيله على الخصومة. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث: ويجوز التوكيل بجُعْل وبدون جُعْل، والدليل","vol":"4","page":65},{"text":"على التوكيل بغير جعل: أنه - ﷺ - وكَّل أنيسًا في إقامة الحد على المرأة، وعروة البارقي في شراء الشاة من غير جعل. وأمثال ذلك كثير في الأحاديث التي ذكرنا غيرها.\nوالدليل على التوكيل بجُعْل قوله تعالى: ﴿وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا﴾ فإنه توكيل على جباية الزكاة وتفريقها بجُعْلٍ منها كما ترى.\nالفرع الرابع: إذا عزل الموكل وكيله في غيبته وتصرف الوكيل بعد العزل وقبل العلم به، أو مات موكله وتصرف بعد موته وقبل العلم به، فهل يمضي تصرفه نظرًا لاعتقاده، أو لا يمضي نظرًا للواقع في نفس الأمر؛ في ذلك خلاف معروف بين أهل العلم مبني على قاعدة أصولية، وهي:\nهل يستقل الحكم بمطلق وروده وإن لم يبلغ المكلف، أو لا يكون ذلك إلا بعد بلوغه للمكلف، ويبنى على الخلاف في هذه القاعدة الاختلاف في خمس وأربعين صلاة التي نسخت من الخمسين بعد فرضها ليلة الإسراء، هل يسمى ذلك نسخًا في حق الأمة لوروده، أو لا يسمى نسخًا في حقهم؛ لأنه وقع قبل بلوغ التكليف بالمنسوخ لهم. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nهل يستقل الحكم بالورود ... أو ببلوغه إلى الموجود\nفالعزل بالموت أو العزل عرض ... كذا قضاء جاهل للمفترض\nومسائل الوكالة معروفة مفصلة في كتب فروع المذاهب الأربعة، ومقصودنا ذكر أدلة ثبوتها بالكتاب والسنة والإجماع،","vol":"4","page":66},{"text":"وذكر أمثلة من فروعها تنبيها بها على غيرها؛ لأنها باب كبير من أبواب الفقه.\nالمسألة الثانية: أخذ بعض علماء المالكية من هذه الآية الكريمة جواز الشَّرِكة؛ لأنهم كانوا مشتركين في الورق التي أرسلوها ليُشْتَرى لهم طعام بها.\nوقال ابن العربي المالكي: لا دليل في هذه الآية على الشركة، لاحتمال أن يكون كل واحد منهم أرسل معه نصيبه منفردًا ليشتري له به طعامه منفردًا. وهذا الذي ذكره ابن العربي متجه كما ترى. وقد دلت أدلة أخرى على جواز الشركة. وسنذكر إن شاء الله بهذه المناسبة أدلة ذلك، وبعض مسائله المحتاج إليها، وأقوال العلماء في ذلك.\nاعلم أولًا: أن الشركة جائزة في الجملة بالكتاب والسنة وإجماع المسلمين.\nأما الكتاب: فقد دلت على ذلك منه آيات في الجملة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ عند من يقول: إن الخلطاء الشركاء، وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ الآية، وهي تدل على الاشتراك من جهتين.\nوأما السنة: فقد دلت على جواز الشركة أحاديث كثيرة سنذكر هنا إن شاء الله طرفًا منها. فمن ذلك ما أخرجه الشيخان عن ابن عمر ﵄، أن النبي - ﷺ - قال: \"من أعتق شِرْكًا له في","vol":"4","page":67},{"text":"عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل فأعطى شركاءه حصصهم، وإلا فقد عَتَق عليه ما عَتَق\". وقد ثبت نحوه في الصحيح عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -، وفي التصريح منه - ﷺ - بالاشتراك في الرقيق. وقد ترجم البخاري ﵀ في صحيحه لحديث ابن عمر وأبي هريرة المذكورين بقوله: (باب الشركة في الرقيق). ومن ذلك: ما أخرجه الإمام أحمد والبخاري رحمهما الله عن أبي المنهال قال: اشتريت أنا وشريك لي شيئًا يدًا بيد ونسيئة، فجاءنا البراء بن عازب فسألناه فقال: فعلت أنا وشريكي زيد بن أرقم وسألنا النبي - ﷺ - عن ذلك فقال: \"ما كان يدًا بيد فخذوه، وما كان نسيئة فذروه\". وفيه إقراره - ﷺ - البراء وزيدًا المذكورين على ذلك الاشتراك.\nوترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب الاشتراك في الذهب والفضة وما يكون فيه الصرف). ومن ذلك إعطاؤه - ﷺ - أرض خيبر لليهود ليعملوا فيها ويزرعوها، على أن لهم شطر ما يخرج من ذلك، وهو اشتراك في الغلة الخارجة منها. وقد ترجم البخاري ﵀ لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب مشاركة الذميين والمشركين في المزارعة). ومن ذلك ما أخرجه أحمد والبخاري عن جابر ﵁: أن النبي - ﷺ - قضى بالشفعة في كل ما لم يُقْسم، فإذا وقعت الحدود وصرفت الطرق فلا شفعة. وترجم البخاري لهذا الحديث في كتاب الشركة بقوله: (باب الشركة في الأرضين وغيرها) ثم ساق الحديث بسند آخر. وترجم له أيضًا بقوله: (باب إذا قسم الشركاء الدور وغيرها، فليس لهم رجوع ولا شفعة). ومن","vol":"4","page":68},{"text":"ذلك ما رواه أبو داود عن أبي هريرة مرفوعًا قال: إن الله يقول: \"أنا ثالث الشريكين ما لم يخن أحدهما صاحبه، فإذا خانه خرجت من بينهما\".\nقال العلامة الشوكاني رحمه الله تعالى في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه الحاكم وأعله ابن القطان بالجهل بحال سعيد بن حيان، وقد ذكره ابن حبان في الثقات. وأعله أيضًا ابن القطان بالإرسال، فلم يذكر فيه أبا هريرة وقال: إنه الصواب، ولم يسنده غير أبي همام محمد بن الزبرقان وسكت أبو داود والترمذي على هذا الحديث، وأخرج نحوه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب عن حكيم بن حزام. انتهى منه. ومن المعروف عن أبي داود ﵀ أنه لا يسكت عن الكلام في حديث إلا وهو يعتقد صلاحيته للاحتجاج. والسند الذي أخرجه به أبو داود الظاهر منه أنه صالح للاحتجاج، فإنه قال: حدثنا محمد بن سليمان المصيصي ثنا محمد ابن الزبرقان عن أبي حيان التيمي عن أبيه عن أبي هريرة ﵀ رفعه قال: إن الله يقول: \"أنا ثالث الشريكين\" إلى آخر الحديث.\nفالطبقة الأولى من هذا الإسناد هي: محمد بن سليمان، وهو أبو جعفر العلاف الكوفي. ثم المصيصي لقبه لُوَيْن بالتصغير، وهو ثقة.\nوالطبقة الثانية منه: محمد بن الزبرقان أبو همام الأهوازي، وهو من رجال الصحيحين، وقال في التقريب: صدوق ربما وهم.\nوالطبقة الثالثة منه هي: أبو حيان التيمي، وهو يحيى بن","vol":"4","page":69},{"text":"سعيد بن حيان الكوفيِّ، وهو ثقة.\nوالطَّبقة الرابعة منه هي: أبوه سعيد بن حيان المذكور الذي قدمنا في كلام الشوكاني أن ابن القطان أعل هذا الحديث بأنه مجهول، ورد ذلك بأن ابن حبان قد ذكره في الثقات. وقال ابن حجر في التقريب: إنَّه وثقه العجلي أيضًا.\nوالطَّبقة الخامسة منه: أبو هريرة رفعه.\nفهذا إسناد صالح كما ترى. وإعلال الحديث بأنه روي موقوفًا من جهة أخرى، يقال فيه: إن الرَّفع زيادة وزيادة العدول مقبولة كما تقرر في الأصول وعلوم الحديث. ويؤيده كونه جاء من طريق أخرى عن حكيم بن حزام كما ذكرناه في كلام الشوكاني آنفًا.\nومن ذلك حديث السَّائب بن أبي السَّائب أنَّه قال للنبي - ﷺ -: كنت شريكي في الجاهلية فكنت خير شريك، لا تداريني ولا تماريني أخرجه أبو داود وابن ماجَهْ. ولفظه: كنت شريكي ونعم الشريك. كنت لا تداري ولا تماري وأخرجه أيضًا النَّسائيّ والحاكم وصححه. وفيه إقرار النَّبيّ - ﷺ - له على كونه كان شريكًا له. والأحاديث الدّالة على الشركة كثيرة جدًا.\nوقد قال ابن حجر في فتح الباري في آخر كتاب الشركة ما نصه: اشتمل كتاب الشركة (يعني من صحيح البُخاريّ) من الأحاديث المرفوعة على سبعة وعشرين حديثًا، المعلق منها واحد، والبقية موصولة، المكرر منها فيه وفيما مضى ثلاثة عشر حديثًا،","vol":"4","page":70},{"text":"والخالص أربعة عشر، وافقه مسلم على تخريجها سوى حديث النُّعمان \"مثل القائم على حدود الله\"، وحديثي عبد الله بن هشام، وحديثي عبد الله بن عمر، وحديث عبد الله بن الزُّبير في قصته، وحديث ابن عباس الأخير. وفيه من الآثار أثر واحد. والله أعلم انتهى كلام ابن حجر. وبهذا تعلم كثرة الأحاديث الدّالة على الشركة في الجملة.\nوأمَّا الإجماع فقد أجمع جميع علماء المسلمين على جواز أنواع من أنواع الشركات، وإنَّما الخلاف بينهم في بعض أنواعها.\nأعلم أولًا: أن الشركة قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود.\nفشركة الأملاك: أن يملك عينًا اثنان أو أكثر بإرث، أو شراء، أو هبة ونحو ذلك. وهي المعروفة عند المالكيّة بالشركة الأعمية.\nوشركة العقود: تنقسم إلى شركة مفاوضة، وشركة عنان، وشركة وجوه، وشركة أبدان، وشركة مضاربة. وقد تتداخل هذه الأنواع فيجتمع بعضها مع بعض.\nأما شركة الأملاك فقد جاء القرآن الكريم بها في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ﴾ ولا خلاف فيها بين العلماء.\nوأما أنواع شركة العقود فسنذكر إن شاء الله هنا معانيها، وكلام العلماء فيها، وأمثلة للجائز منها تنبيهًا بها على غيرها، وما ورد من الأدلة في ذلك.","vol":"4","page":71},{"text":"أعلم: أن شركة المفاوضة مشتقة من التفويض؛ لأنَّ كل واحد منهما يفوض أمر التصرف في مال  الشركة إلى الآخر؛ ومن هذا قوله تعالى عن مؤمن آل فرعون: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ ..﴾ الآية.\nوقيل: أصلها من المساواة؛ لاستواء الشريكين فيها في التصرف والضمان. وعلى هذا فهي من الفوضى بمعنى التساوي. ومنه قوله الأفوه الأودي:\nلا يصلح النَّاس فوضى لا سراة لهم ... ولا سراة إذا جهالهم سادوا\nإذا تولى سراة النَّاس أمرهم ... نما على ذاك أمر القوم وازدادوا\nفقوله: \"لا يصلح النَّاس فوضى\" أي: لا تصلح أمورهم في حال كونهم فوضى، أي متساوين لا أشراف لهم يأمرونهم وينهونهم. والقول الأوَّل هو الصواب. هذا هو أصلها في اللُّغة.\nوأمَّا شركة العنان: فقد اختلف في أصل اشتقاقها اللغوي؛ فقيل: أصلها من عنّ الأمر يعن -بالكسر والضم- عنَّا وعنونًا إذا عرض؛ ومنه قوله امرئ القيس:\nفعَنَّ لنا سِرْبٌ كأنَّ نِعاجَه ... عَذَارى دوارٍ في مُلاءٍ مُذَيَّل\nقال ابن منظور في اللسان: وشِرْكُ العنان وشِرْكَةُ العنان: شَرِكَة في شيء خاص دون سائر أموالهما؛ كأنه عنَّ لهما شيء فاشترياه واشتركا فيه. واستشهد لذلك بقوله النابغة الجعدي:\nفشاركنا قريشًا في تُقاها ... وفي أحسابها شِرْك العنان","vol":"4","page":72},{"text":"بما ولدت نساءُ بني هلال ... وما ولدَتْ نساء بني أبان\nوبهذا تعلم: أن شركة العنان معروفة في كلام العرب، وأن قوله ابن القاسم من أصحاب مالك: إنَّه لا يعرف شركة العنان عن مالك، وأنَّه لم يَر أحدًا من أهل الحجاز يعرفها، وإنَّما يروى عن مالك والشَّافعيّ من أنَّهما لم يطلقا هذا الاسم على هذه الشركة، وأنهما قالا: هي كلمة تطرق بها أهل الكوفة ليمكنهم التَّمييز بين الشركة العامة والخاصة من غير أن يكون مستعملًا في كلام العرب = كلُّ ذلك فيه نظر لما عرفت أن كان ثابتًا عنهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-:\nاعلم أن مراد النابغة في بيتيه المذكورين: *بما ولدت نساء بني هلال* ابن عامر بن صعصعة، أن منهم لبابة الكبرى، ولبابة الصغرى، وهما أختان، ابنتا الحارث بن حزن بن بجير بن الهُزَم بن رُوَيبة بن عبد الله بن هلال، وهما أختا ميمونة بنت الحارث زوج النَّبيّ - ﷺ -.\nأما لبابة الكبرى: فهي زوج العباس بن عبد المطلب ﵁، وهي أم أبنائه: عبد الله، وعبيد الله، والفضل، وبه كانت تكنى، وفيها يقول الراجز:\nما ولدت نجيبة من فحل ... كستة من بطن أم الفضل\nوأمَّا لبابة الصغرى: فهي أم خالد بن الوليد ﵁، وعمتهما صفية بنت حزن هي أم أبي سفيان بن حرب، وهذا مراده *بما ولدت نساء بني هلال*.","vol":"4","page":73},{"text":"وأمَّا نساء بني أبان: فإنَّه يعني أن أبا العاص، والعاص، وأبا العيص، والعيص أبناء أميَّة بن عبد شمس، أمهم آمنة بنت أبان بن كليب بن ربيعة ابن عامر بن صعصعة. فهذه الأرحام المختلطة بين العامريين وبين قريش هي مراد النابغة بمشاركتهم لهم في الحسب والتقى - شرك العنان.\nوقيل: إن شركة العنان أصلها من عنان الفرس؛ كما يأتي إيضاحه إن شاء الله. وهو المشهور عند العلماء.\nوقيل: هي من المعاناة بمعنى المعارضة، يقال: عاننته إذا عارضته بمثل ماله أو فعاله، فكل واحد من الشريكين يعارض الآخر بماله وفعاله. وهي بكسر العين على الصَّحيح خلافًا لمن زعم فتحها، ويروى عن عياض وغيره وادعاء أن أصلها من عنان السماء بعيد جدًا كما ترى.\nوأمَّا شركة الوجوه: فأصلها من الوجاهة؛ لأنَّ الوجيه تتبع ذمته بالدين، وإذا باع شيئًا باعه بأكثر مما يبيع به الخامل.\nوأمَّا شركة الأبدان: فأصلها اللغوي واضح؛ لأنهما يشتركان بعمل أبدانهما، ولذا تسمى شركة العمل، إذ ليس الاشتراك فيها بالمال، وإنَّما هو بعمل البدن.\nوأمَّا شركة المضاربة وهي القراض: فأصلها من الضرب في الأرض؛ لأنَّ التاجر يسافر في طلب الربح. والسفر يكنى عنه بالضرب في الأرض، كما في قوله تعالى: ﴿وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ","vol":"4","page":74},{"text":"أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ ...﴾ الآية.\nفإذا عرفت معاني أنواع الشركة في اللُّغة، فسنذكر لك إن شاء الله تعالى هنا معانيها المرادة بها في الاصطلاح عند الأئمة الأربعة وأصحابهم، وأحكامها؛ لأنهم مختلفون في المراد بها اصطلاحًا، وفي بعض أحكامها.\nأما مذهب مالك في أنواع الشركة وأحكامها فهذا تفصيله:\nاعلم أن شركة المفاوضة جائزة عند مالك وأصحابه. والمراد بشركة المفاوضة عندهم هو أن يطلق كل واحد منهما التصرف لصاحبه في المال الذي اشتركا فيه غيبة وحضورًا، وبيعًا وشراءًا، وضمانًا وتوكيلًا، وكفالة وقراضًا، فما فعل أحدهما من ذلك لزم صاحبه إذا كان عائدًا على شركتهما.\nولا يكونان شريكين إلَّا فيما يعقدان عليه الشركة من أموالهما، دون ما ينفرد به كل واحد منهما من ماله. وسواء اشتركا في كل ما يملكانه أو في بعض أموالهما، وتكون يد كل منهما كيد صاحبه، وتصرفه كتصرفه ما لم يتبرع بشيء ليس في مصلحة الشركة.\nوسواء كانت المفاوضة بينهما في جميع أنواع المتاجر أو في نوع واحد منها، كرقيق يتفاوضان في التجارة فيه فقط، ولكل واحد منهما أن يبيع بالدين ويشتري به ويلزم ذلك صاحبه وهذا هو الصواب؛ خلافًا لخليل في مختصره في الشراء بالدين.\nوقد أشار خليل في مختصره إلى جواز شركة المفاوضة في مذهب مالك مع تعريفها، وما يستلزمه عقدها من الأحكام بالنسبة","vol":"4","page":75},{"text":"إلى الشركين بقوله: \"ثم إن أطلقا التصرف وإن بنوع فمفاوضة. ولا يفسدها انفراد أحدهما بشيء، وله أن يتبرع إن استألفَ به أو خفَّ كإعارة آلة ودَفْع كِسْرة، ويُبْضع ويقارض ويودع لعُذْر وإلا ضمن، ويشارك في معيَّن ويقيل ويولِّي ويقبل المعيبَ وإن أبي الآخر، ويقر بدينٍ لمن لا يتهم عليه، ويبيع بالدين لا الشراء به؛ ككتابة وعتقٍ على مال، وإذنٌ لعبد في تجارة أو مفاوضة\".\nوقد قدمنا أن الشراء بالدين كالبيع به؛ فللشريك فعله بغير إذن شريكه على الصَّحيح من مذهب مالك خلافًا لخليل. وأمَّا الكتابة والعتق على المال وما عطف عليه؛ فلا يجوز شيء منه إلَّا بإذن الشريك.\nواعلم: أن شركة المفاوضة هذه في مذهب مالك لا تتضمن شيئًا من أنواع الغرر التي حرمت من أجلها شركة المفاوضة عند الشَّافعية ومن وافقهم؛ لأنَّ ما استفاده أحد الشريكين المتفاوضين من طريق أخرى كالهبة والإرث، واكتساب مباح؛ كاصطياد واحتطاب ونحو ذلك لا يكون شيء منه لشريكه. كما أن ما لزمه غرمه خارجًا عن الشركة كأرش جناية، وثمن مغصوب ونحو ذلك، لا شيء منه على شريكه، بل يقتصر كل ما بينهما على ما كان متعلقًا بمال الشركة، فكل منهما وكيل عن صاحبه، وكفيل عليه في جميع ما يتعلق بمال الشركة، وهكذا اقتضاء العقد الذي تعاقدا عليه. فلا موجب للمنع ولا غرر في هذه الشركة عند المالكية؛ لأنهم لا يجعلون المتفاوضين شريكين في كل ما اكتسبا جميعًا حتَّى يحصل الغرر بذلك، ولا متضامنين في كل ما جنيا حتَّى يحصل الغرر","vol":"4","page":76},{"text":"بذلك؛ بل هو عقد على أن كل واحد منهما نائب عن الآخر في كل التصرفات في مال الشركة، وضامن عليه في كل ما يتعلق بالشركة. وهذا لا مانع منه كما ترى، وبه تعلم أن اختلاف المالكية والشافعية في شركة المفاوضة خلاف في حال، لا في حقيقة.\nوأمَّا شركة العنان: فهي جائزة عند الأئمة الأربعة؛ مع اختلافهم في تفسيرها. وفي معناها في مذهب مالك قولان، وهي جائزة على كلا القولين: الأوَّل وهو المشهور: أنَّها هي الشركة التي يشترط كل واحد من الشريكين فيها على صاحبه ألا يتصرف في مال الشركة إلَّا بحضرته وموافقته، وعلى هذا درج خليل في مختصره بقوله: \"وإن اشترطا نفي الاستبداد فعنان\"، وهي على هذا القول من عنان الفرس؛ لأنَّ عنان كل واحد من الشريكين بيد الآخر فلا يستطيع الاستقلال دونه بعمل، كالفرس التي يأخذ راكبها بعنانها، فإنَّها لا تستطيع الذهاب إلى جهة بغير رضاه.\nوالقول الثَّاني عند المالكيّة: أن شركة العنان هي الاشتراك في شيء خاص. وبهذا جزم ابن رشد ونقله عنه المواق في شرح قول خليل: \"وإن اشترطا نفي الاستبداد\" إلخ. وهذا المعنى الأخير أقرب للمعروف في اللُّغة كما قدمنا عن ابن منظور في اللسان.\nوأمَّا شركة الوجوه: فلها عند العلماء معان:\nالأوَّل منها: هو أن يشترك الوجيهان عند النَّاس بلا مال ولا صنعة؛ بل ليشتري كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معًا. فإذا باعا كان الربح الفاضل عن الأثمان بينهما.\nوهذا النوع من شركة الوجوه هو المعروف عند المالكيّة","vol":"4","page":77},{"text":"بشركة الذمم، وهو فاسد عند المالكيّة والشافعية، خلافًا للحنفية والحنابلة. ووجه فساده ظاهر؛ لما فيه من الغرر، لاحتمال أن يخسر هذا ويربح هذا كالعكس. وإلى فساد هذا النوع من الشركة أشار ابن عاصم المالكي في تحفته بقوله:\nوفسخها إن وقعت على الذمم ... ويقسمان الربح حكم ملتزم\nالمعنى الثَّاني من معانيها: أن يبيع وجيه مال خاملٍ بزيادة ربح، على أن يكون له بعض الربح الذي حصل في البيع بسبب وجاهته؛ لأنَّ الخامل لو كان هو البائع لما حصل ذلك الربح. وهذا النوع أيضًا فاسد؛ لأنَّه عوض جاه، كما قاله غير واحد من أهل العلم.\nوالمعنى الثالث: أن يتفق وجيه وخامل على أن يشتري الوجيه في الذمة ويبيع الخامل ويكون الربح بينهما. وهذا النوع أيضًا فاسد عند المالكيّة والشافعية، لما ذكرنا من الغرر سابقًا.\nوأمَّا شركة الأبدان عند المالكية؛ فهو جائز بشروط، وهي: أن يكون عمل الشريكين متحدًا كخياطين. أو متلازمًا كأن يغزل أحدهما وينسج الآخر؛ لأنَّ النسج لابد له من الغزل، وأن يتساويا في العمل جودة ورداءة وبطأ وسرعة، أو يتقاربا في ذلك، وأن يحصل التعاون بينهما. وإلى جواز هذا النوع من الشركة بشروطه أشار خليل في مختصره بقوله: \"وجازت بالعمل إن اتحد أو تلازم وتساويا فيه أو تقاربا وحصل التعاون، وإن بمكانين. وفي جواز إخراجِ كلّ آلةً واستئجارِه من الآخر، أو لابد من ملك أو كراء تأويلان، كطبيبين اشتركا في الدواء، وصائدين في البازين. وهل","vol":"4","page":78},{"text":"وإن افترقا، رُوِيَت عليهما، وحافرَيْن بكَرِكَازٍ ومعدنٍ، ولم يستحق وارثه بقيته وأقطعه الإمام، وقيد بما لم يبد، ولزمه ما يقبله صاحبه، وإن تفاصلا وألغِيَ مرض كيومين ..\" إلخ.\nوبهذا نعلم أن شركة الأبدان جائزة عند المالكيّة في جميع أنواع العمل؛ من صناعات بأنواعها، وطب واكتساب مباح، كالاصطياد والاحتشاش والاحتطاب، وغير ذلك بالشروط المذكورة. وقال ابن عاصم في تحفته:\nشركة بمال أو بعمل ... أو بهما تجوز لا لأجل\nوبقي نوع معروف عند المالكيّة من أنواع الشركة يسمى في الاصطلاح بـ\"شركة الجبر\" وكثير من العلماء يخالفهم في هذا النوع الذي هو \"شركة الجبر\".\nوشركة الجبر: هي أن يشتري شخص سلعة بسوقها المعهود لها، ليتجر بها بحضرة بعض تجار جنس تلك السلعة الذين يتجرون فيها، ولم يتكلم أولئك التجار الحاضرون. فإن لهم إن أرادوا الاشتراك في تلك السلعة مع ذلك المشتري أو يجبروه على ذلك، ويكونون شركاؤه في تلك السلعة شاء أو أبي.\nوشركتهم هذه معه جبرًا عليه، هي \"شركة الجبر\" المذكورة. فإن كان اشتراها ليقتنيها لا ليتجر بها، أو اشتراها ليسافر بها إلى محل آخر ولو للتجارة بها فيه = فلا جبر لهم عليه. وأشار خليل في مختصره إلى \"شركة الجبر\" بقوله: \"وأُجْبِر عليها إن اشترى شيئًا بسوقه لا لِكَسَفَرٍ أو قُنية، وغيره حاضر لم يتكلم من تُجَّارِه. وهل","vol":"4","page":79},{"text":"في الزُّقاق لا كبيته قولان\".\nوأمَّا شركة المضاربة: فهي القراض، وهو أن يدفع شخص إلى آخر مالًا ليتجر به على جزء من ربحه يتفقان عليه. وهذا النوع جائز بالإجماع إذا استوفى الشروط، كما سيأتي إن شاء الله دليله.\nوأما أنواع الشركة في مذهب الشَّافعي ﵀ فهي أربعة، ثلاثة منها باطلة في مذهبه، والرابع صحيح.\nوأمَّا الثلاثة الباطلة: فالأول منها \"شركة الأبدان\" كشركة الحمالين، وسائر المحترفين؛ كالخياطين، والنجارين، والدلالين، ونحو ذلك، ليكون بينهما كسبهما متساويًا أو متفاوتًا مع اتفاق الصنعة أو اختلافها.\nفاتفاق الصنعة كشركة خياطين، واختلافها كشركة خياط ونجار ونحو ذلك. كل ذلك باطل في مذهب الشَّافعي، ولا تصح عنده الشركة إلَّا بالمال فقط لا بالعمل.\nووجه بطلان شركة الأبدان عند الشَّافعية: هو أنَّها شركة لا مال فيها، وأن فيها غررًا؛ لأنَّ كل واحد منهما لا يدري أيكتسب صاحبه شيئًا أم لا، ولأن كل واحد منهما متميز ببدنه ومنافعه فيختص بفوائده، كما لو اشتركا في ماشيتهما وهي متميزة على أن يكون النسل والدر بينهما، وقياسًا على الاحتطاب والاصطياد. هكذا توجيه الشَّافعية للمنع في هذا النوع من الشركة.\nوقد علمت فيما مر شروط جواز هذا النوع عند المالكيّة، إذ بتوفر الشروط المذكورة ينتفي الغرر.","vol":"4","page":80},{"text":"والثَّاني من الأنواع الباطلة عند الشَّافعية: هو شركة المفاوضة، وهي عندهم أن يشتركا على أن يكون بينهما جميع كسبهما بأموالهما وأبدانهما، وعليهما جميع ما يعرض لكل واحد منهما من غرم، سواء كان بغصب أو إتلاف أو بيع فاسد أو غير ذلك. ولا شك أن هذا النوع مشتمل على أنواع من الغرر فبطلانه واضح، وهو ممنوع عند المالكيّة، ولا يجيزون هذا ولا يعنونه بـ\"شركة المفاوضة\" كما قدمنا.\nوقد قال الشَّافعي ﵀ في هذا النوع: إن لم تكن شركة المفاوضة باطلة، فلا باطل أعرفه في الدُّنيا. يشير إلى كثرة الغرر والجهالات فيها؛ لاحتمال أن يكسب كل واحد منهما كسبًا دون الآخر، وأن تلزم كل واحد منهما غرامات دون الآخر، فالغرر ظاهر في هذا النوع جدًا.\nوالثالث من الأنواع الباطلة عند الشَّافعية: هو \"شركة الوجوه\" وهي عندهم أن يشترك الوجيهان ليبتاع كل واحد منهما بمؤجل في ذمته لهما معًا فإذا باعا كان الفاضل من الأثمان بينهما. وهذا النوع هو المعروف عند المالكيّة بـ\"شركة الذمم\". ووجه فساده ظاهر، لما فيه من الغرر؛ لأنَّ كلًا منهما يشتري في ذمته ويجعل كل منهما للآخر نصيبًا من ربح ما اشترى في ذمته، مقابل نصيب من ربح ما اشترى الآخر في ذمته. والغرر في مثل هذا ظاهر جدًا.\nوبقية أنواع \"شركة الوجوه\" ذكرناه في الكلام عليها في مذهب مالك، وكلها ممنوعة في مذهب مالك ومذهب الشَّافعي، ولذا اكتفينا بما قدمنا عن الكلام على بقية أنواعها في مذهب الشَّافعي.","vol":"4","page":81},{"text":"أما النوع الرابع من أنواع الشركة الذي هو صحيح عند الشَّافعية: فهو \"شركة العنان\" وهي: أن يشتركا في مال لهما ليتجرا فيه. ويشترط فيها عندهم صيغة تدل على الإذن في التصرف في مال الشركة، فلو اقتصرا على لفظ \"اشتركنا\" لم يكف على الأصح عندهم.\nويشترط في الشريكين أهلية التوكيل والتوكل، وهذا الشرط مجمع عليه. وتصح \"شركة العنان\" عند الشَّافعية في المثليات مطلقًا دون المقومات، وقيل: تختص بالنقد المضروب.\nويشترط عندهم فيها خلط المالين؛ بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر. والحيلة عندهم في الشركة في العروض: هي أن يبيع كل واحد بعض عرضه ببعض عرض الآخر ويأذن له في التصرف، ولا يشترط عندهم تساوي المالين. والربح والخسران على قدر المالين، سواء تساويا في العمل أو تفاوتا. وإن شرطا خلاف ذلك فسد العقد، ويرجع كل واحد منهما على الآخر بأجرة عمله في ماله.\nعقد الشركة المذكورة يسلط كل واحد منهما على التصرف في مال الشركة بلا ضرر، فلا يبيع بنسيئة، ولا بغبن فاحش، ولا يبضعه بغير إذن شريكه، ولكل منهما فسخها متى شاء.\nوأمَّا تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام   أبي حنيفة ﵀، فهو أن الشركة تنقسم إلى ضربين:\nشركة ملك، وشركة عقد.\nفشركة الملك واضحة؛ كأن يملكان شيئًا بإرث أو هبة ونحو","vol":"4","page":82},{"text":"ذلك كما تقدم. وشركة العقد عندهم تنقسم إلى ثلاثة أقسام:\nشركة بالمال، وشركة بالأعمال، وشركة بالوجوه. وكل قسم من هذه الأقسام الثلاثة عندهم ينقسم قسمين: مفاوضة، وعنان؛ فالمجموع ستة أقسام.\nأما شركة المفاوضة عندهم: فهي جائزة إن توفرت شروطها، وهي عندهم الشركة التي تتضمن وكالة كل من الشريكين للآخر، وكفالة كل منهما الآخر، ولابد فيها من مساواة الشريكين في المال والدِّين والتصرف.\nفبتضمنها الوكالة يصح تصرَّف كل منهما في نصيب الآخر.\nوبتضمنها الكفالة يطلب كل منهما بما لزم الآخر.\nوبمساواتهما في المال يمتنع أن يستبد أحدهما بشيء تصح الشركة فيه دون الآخر. ولذا لو ورث بعد العقد شيئًا تصح الشركة فيه كالنقد بطلت المفاوضة، ورجعت الشركة شركة عنان.\nوبتضمنها المساواة في الدِّين تمتنع بين مسلم وكافر.\nوبتضمنها المساواة في التصرف تمتنع بين بالغ وصبي، وبين حر وعبد، وكل ما اشتراه واحد من شريكي المفاوضة فهو بينهما؛ إلَّا طعام أهله وكسوتهم، وكل دين لزم أحدهما بتجارة وغصب وكفالة لزم الآخر.\nولا تصح عندهم شركة مفاوضة أو عنان بغير النقدين والتبر والفلوس النافقه. والحيلة في الشركة في العروض عندهم، هي ما","vol":"4","page":83},{"text":"قدمناه عن الشَّافعية، فهم متفقون في ذلك.\nوأمَّا شركة العنان فهي جائزة عند الحنفية. وقد قدمنا الإجماع على جوازها على كل المعاني التي تراد بها عند العلماء.\nوشركة العنان عند الحنفية: هي الشركة التي تتضمن الوكالة وحدها، ولم تتضمن الكفالة. وهي: أن يشتركا في نوع بز أو طعام أو في عموم التجارة، ولم يذكر الكفالة.\nويعلم من هذا: أن كل ما اشتراه أحدهما كان بينهما، ولا يلزم أحدهما ما لزم الآخر من الغرامات، وتصح عندهم شركة العنان المذكورة مع التساوي في المال دون الربح وعكسه إذا كانت زيادة الربح لأكثرهما عملًا؛ لأنَّ زيادة الربح في مقابلة زيادة العمل وفاقًا للحنابلة. وعند غيرهم لابد أن يكون الربح بحسب المال. ولو اشترى أحد الشريكين \"شركة العنان\" بثمن فليس لمن باعه مطالبة شريكه الآخر؛ لأنها لا تتضمن الكفالة بل يطالب الشريك الذي اشترى منه فقط، ولكن الشريك يرجع على شريكه بحصته. ولا يشترط في هذه الشركة عندهم خلط المالين، فلو اشترى أحدهما مسألة وهلك مال الآخر كان المشتري بينهما، ويرجع على شريكه بحصته منه.\nوتبطل هذه الشركة عندهم بهلاك المالين أو أحدهما قبل الشراء. وتفسد عندهم باشتراط دراهم مسماة من الربح لأحدهما. ويجوز عندهم لكل من شريكي المفاوضة والعنان: أن يبضع ويستأجر، ويودع ويضارب ويوكل. ويد كل منهما في مال الشركة يد أمانة، كالوديعة والعارية.","vol":"4","page":84},{"text":"وأمَّا شركة الأعمال ففيها تفصيل عند الحنفية. فإن كان العمل من الصناعات ونحوها جازت عندهم شركة الأعمال، ولا يشترطون اتحاد العمل أو تلازمه؛ خلافًا للمالكية كما تقدم. فيجوز عند الحنفية أن يشترك خياطان مثلًا، أو خياط وصباغ على أن يتقبلا الأعمال، ويكون الكسب بينهما، وكل عمل يتقبله أحدهما يلزمهما؛ وإذا عمل أحدهما دون الآخر فما حصل من عمله فهو بينهما. وإنَّما استحق فيه الذي لم يعمل لأنَّه ضمنه بتقبل صاحبه له، فاستحق نصيبه منه بالضمان.\nوهذا النوع الذي أجازه الحنفية لا يخفى أنَّه لا يخلو من غرر في الجملة عند اختلاف صنعة الشريكين؛ لاحتمال أن يحصل أحدهما أكثر مما حصله الآخر. فالشروط التي أجاز بها المالكيّة \"شركة الأعمال\" أحوط وأبعد من الغرر كما ترى.\nوأمَّا إن كانت الأعمال من جنس اكتساب المباحات فلا تصح فيها الشركة عند الحنفية؛ كالاحتطاب والاحتشاش، والاصطياد واجتناء الثمار من الجبال والبراري، خلافًا للمالكية والحنابلة.\nووجه منعه عند الحنفية: أن من اكتسب مباحًا كحطب أو حشيش أو صيد ملكه ملكًا مستقلًا؛ فلا وجه لكون جزء منه لشريك آخر؛ لأنَّه لا يصح التوكيل فيه ومن أجازه قال: إن كل واحد منهما جعل للآخر نصيبًا من ذلك المباح الذي يكتسبه في مقابل النصيب الذي يكتسبه الآخر. والمالكية القائلون بجواز هذا يشترطون اتحاد العمل أو تقاربه، فلا غرر في ذلك، ولا موجب للمنع. وفي اشتراط ذلك عند الحنابلة خلاف كما سيأتي إن شاء الله.","vol":"4","page":85},{"text":"وأمَّا \"شركة الوجوه\" التي قدمنا أنَّها هي المعروفة عند المالكيّة \"بشركة الذمم\" وقدمنا منعها عند المالكيّة والشافعية؛ فهي جائزة عند الحنفية، سواء كانت مفاوضة أو عنانًا. وقد علمت مما تقدم أن المفاوضة عندهم تتضمن الوكالة والكفالة. وأن العنان تتضمن الوكالة فقط، وإن اشترط الشريكان في \"شركة الوجوه\" مناصفة المشتري أو مثالثته؛ فالربح كذلك عندهم. وبطل عندهم شرط الفضل؛ لأنَّ الربح عندهم لا يستحق إلَّا بالعمل؛ كالمضارب. أو بالمال  كرب المال. أو بالضمان كالأستاذ الذي يتقبل العمل من النَّاس ويلقيه على التلميذ بأقل مما أخذ، فيطيب له الفضل بالضمان؛ هكذا يقولون. ولا يخفى ما في \"شركة الوجوه\" من الغرر.\nوأعلم أن الربح في الشركة الفاسدة على حسب المال إن كانت شركة مال، وعلى حسب العمل إن كانت شركة عمل، وهذا واضح، وتبطل الشركة بموت أحدهما.\nوأمَّا تفصيل أنواع الشركة في مذهب الإمام أحمد ﵀؛ فهي أيضًا قسمان: شركة أملاك، وشركة عقود.\nوشركة العقود عند الحنابلة خمسة أنواع: شركة العنان، والأبدان، والوجوه، والمضاربة، والمفاوضة.\nأما شركة الأبدان فهي جائزة عندهم، سواء كان العمل من الصناعات أو اكتساب المباحات. أما مع اتحاد العمل فهي جائزة عندهم بلا خلاف. وأمَّا مع اختلاف العمل فقال أبو الخطَّاب: لا تجوز وفاقًا للمالكية. وقال القاضي: تجوز وفاقًا للحنفية في","vol":"4","page":86},{"text":"وإن اشتركا على أن يتقبل أحدهما العمل ويعمله الثَّاني والأجرة بينهما صحت الشركة عند الحنابلة والحنفية خلافًا لزفر. والربح في شركة الأبدان على ما اتفقوا عليه عند الحنابلة.\nوأمَّا شركة الوجوه التي قدمنا أنَّها هي المعروفة بشركة الذمم عند المالكيّة فهي جائزة أيضًا في مذهب الإمام أحمد وفاقًا لأبي حنيفة، وخلافًا لمالك والشافعيُّ.\nوأمَّا شركة العنان فهي جائزة أيضًا عند الإمام أحمد. وقد قدمنا الإجماع على جوازها. وهي عندهم: أن يشترك رجلان بماليهما على أن يعملا فيهما بأبدانهما والربح بينهما. وهذه الشركة إنَّما تجوز عندهم بالدنانير والدراهم، ولا تجوز بالعروض.\nوأمَّا شركة المفاوضة: فهي عند الحنابلة قسمان: أحدهما جائز، والآخر ممنوع.\nوأمَّا الجائز منهما فهو: أن يشتركا في جميع أنواع الشركة؛ كأن يجمعا بين شركة العنان والوجوه والأبدان فيصح ذلك؛ لأنَّ كل نوع منها يصح على انفراده فصح مع غيره.\nوأمَّا النوع الممنوع عندهم منها فهو: أن يدخلا بينهما في الشركة الاشتراك فيما يحصل لكل واحد منهما من ميراث أو يجده من ركاز أو لقطة. ويلزم كل واحد منهما ما لزم الآخر من أرش جناية وضمان غصب، وقيمة متلف، وغرامة ضمان، وكفالة. وفساد هذا النوع ظاهر لما فيه من الغرر كما ترى.\nوأمَّا شركة المضاربة -وهي القراض-: فهي جائزة عند","vol":"4","page":87},{"text":"الجميع. وقد قدمنا أنَّها هي: أن يدفع شخص لآخر مالًا يتجر فيه على أن يكون الربح بينهما بنسبة يتفقان عليها، وكون الربح في المضاربة بحسب ما اتفقا عليه لا خلاف فيه بين العلماء، سواء كان النصف أو أقل أو أكثر لرب المال أو للعامل.\nوأمَّا شركة العنان عند الشَّافعية والحنابلة والحنفية والمالكية، وشركة المفاوضة عند المالكيّة: فاختلف في نسبة الربح، فذهب مالك والشَّافعيّ إلى أنَّه لابد من كون الربح والخسران بحسب المالين، وذهب أبو حنيفة وأحمد إلى أن الربح بينهما على ما اتفقا عليه، فلهما أن يتساويا في الربح مع تفاضل المالين.\nوحجة القول الأوَّل: أن الربح تبع للمال، فيلزم أن يكون بحسبه. وحجة القول الأخير أن العمل مما يستحق به الربح، وقد يكون أحدهما أبصر بالتجارة وأقوى على العمل من الآخر، فتزاد حصته لزيادة عمله.\nهذا خلاصة مذاهب الأئمة الأربعة في أنواع الشركة. وقد علمت أنهم أجمعوا على جواز شركة العنان، وشركة المضاربة، وشركة الأملاك. واختلفوا فيما سوى ذلك. فأجاز الحنفية والحنابلة شركة الوجوه، ومنعها المالكية والشافعية.\nوأجاز المالكية والحنفية والحنابلة شركة الأبدان إلَّا في اكتساب المباحات فقط فلم يجزه الحنفية. ومنع الشَّافعية شركة الأبدان مطلقًا.\nوأجاز المالكية شركة المفاوضة، وصوروها بصورة العنان","vol":"4","page":88},{"text":"عند الشَّافعية والحنابلة.\nوأجاز الحنفية شركة المفاوضة، وصوروها بغير ما صورها به المالكيّة، وأجاز الحنابلة نوعًا من أنواع المفاوضة وصوروه بصورة مخالفة لتصوير غيرهم لها؛ ومنع الشَّافعية المفاوضة كما منعوا شركة الأبدان والوجوه. وصوروا المفاوضة بصورة أخرى كما تقدم.\nوالشافعية إنَّما يجيزون الشركة بالمثلي مطلقًا نقدًا أو غيره، لا بالمقومات.\nوالحنفية لا يجيزونها إلَّا بالنقدين والتبر والفلوس النافقة. والحنابلة لا يجيزونها إلَّا بالدنانير والدراهم كما تقدَّم جميع ذلك.\nوقد بينا كيفية الحيلة في الاشتراك بالعروض عند الشَّافعية والحنفية، وعند المالكيّة تجوز بدنانير من كل واحد منهما، وبدراهم من كل واحد منهما، وبدنانير ودراهم من كل واحد منهما، وبنقد من أحدهما وعرض من الآخر، وبعرض من كل واحد منهما سواء اتفقا أو اختلفا، وقيل: إن اتفقا لا إن اختلفا، إلَّا أن العروض تقوَّم. وأمَّا خلط المالين فلابد منه عند الشَّافعي -﵀- حتَّى لا يتميز أحدهما عن الآخر كما تقدم. ويكفي في مذهب مالك أن يكون المالان في حوز واحد، ولو كان كل واحد من المالين في صرته لم يختلط بالآخر. ولا يشترط خلط المالين عند الحنفية كما تقدم. وكذلك لا يشترط خلط المالين عند الحنابلة.\nفتحصَّل أنَّه لم يشترط خلط المالين إلَّا الشَّافعية؛ وأن المالكيّة","vol":"4","page":89},{"text":"إنَّما يشترطون كون المالين في محل واحد؛ كحانوت أو صندوق، وإن كان كل واحد منهما متميزًا عن الآخر.\nفإذا عرفت ملخص كلام العلماء في أنواع الشركة، فسنذكر ما تيسر من أدلتها. أما النوع الذي تسميه المالكيّة \"مفاوضة\" ويعبر عنه الشَّافعية والحنابلة بـ\"شركة العنان\"؛ فقد يستدل له بحديث البراء بن عازب الذي قدمنا عن البُخاريّ والإمام أحمد، فإنَّه يدل على الاشتراك في التجارة والبيع والشراء؛ لأنَّ المقصود بالاشتراك التعاون على العمل المذكور، فينوب كل واحد من الشريكين عن الآخر. ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة يرفعه قال: إن الله يقول: \"أنا ثالث الشريكين .. \" الحديث المتقدم. وقد بينا كلام العلماء فيه، وبينا أنَّه صالح للاحتجاج، وهو ظاهر في أنَّهما يعملان معًا في مال الشركة بدليل قوله: \"ما لم يخن أحدهما صاحبه .. \" الحديث. ويدل لذلك أيضًا حديث السائب بن أبي السائب المتقدم في أنَّه كان شريك النَّبيّ - ﷺ - كما تقدم، وهو اشتراك في التجارة والبيع والشراء.\nوأمَّا شركة الأبدان فيحتج لها بما رواه أبو عبيدة عن أبيه عبد الله بن مسعود ﵁ قال: اشتركت أنا وعمار وسعد فيما نُصِيب يوم بدر قال: فجاء سعد بأسيرين ولم أجيء أنا وعمار بشيء؛ رواه أبو داود والنَّسائيُّ وابن ماجَهْ، وقال المجد في \"منتقى الأخبار\" بعد أن ساقه: وهو حجة في شركة الأبدان وتملك المباحات. وأُعِلَّ هذا الحديث بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه عبد الله المذكور فالحديث مرسل. وقد قدمنا مرارًا أن الأئمة الثلاثة","vol":"4","page":90},{"text":"يحتجون بالمرسل خلافًا للمحدثين.\nوأمَّا المضاربة فلم يثبت فيها حديث صحيحٌ مرفوع، ولكن الصّحابة أجمعوا عليها لشيوعها وانتشارها فيهم من غير نكير. وقد مضى على ذلك عمل المسلمين من لدن الصّحابة إلى الآن من غير نكير. قال ابن حزم في مراتب الإجماع: كل أبواب الفقه فلها أصل من الكتاب والسنة، حاشا القراض فما وجدنا له أصلًا فيهما ألبتة، ولكنه إجماع صحيح مجرد. والذي يقطع به أنَّه كان في عصر النَّبيّ - ﷺ - فعلم به وأقره، ولولا ذلك لما جاز. اهـ منه بواسطة نقل الشوكاني في نيل الأوطار.\nواعلم أن اختلاف الأئمة الذي قدمنا في أنواع الشركة المذكورة راجع إلى الاختلاف في تحقيق المناط، فبعضهم يقول: هذه الصورة يوجد فيها الغرر، وهو مناط المنع فهي ممنوعة، فيقول الآخر: لا غرر في هذه الصورة يوجب المنع، فمناط المنع ليس موجودًا فيها. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: أخذ بعض علماء المالكيّة وغيرهم من هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها أيضًا: جواز خلط الرفقاء طعامهم وأكل بعضهم مع بعض، وإن كان بعضهم أكثر أكلًا من الآخر؛ لأنَّ أصحاب الكهف بعثوا ورقهم ليشترى لهم بها طعام يأكلونه جميعًا. وقد قدمنا في كلام ابن العربي أنَّه تحتمل انفراد ورق كل واحد منهم وطعامه؛ فلا تدل الآية على خلطهم طعامهم. كما قدمنا عنه: أنَّه لا تدل على الاشتراك للاحتمال المذكور، وله وجه كما ترى.\nوقال ابن العربي: ولا معول في هذه المسألة إلَّا على","vol":"4","page":91},{"text":"حديثين، أحدهما: أن ابن عمر مر بقوم يأكلون تمرًا فقال: نهى رسول الله - ﷺ - عن الاقتران إلَّا أن يستأذن الرجل أخاه. والثَّاني: حديث أبي عبيدة في جيش الخبط. وهذا دون الأوَّل في الظهور؛ لأنَّه يحتمل أن يكون أبو عبيدة يعطيهم كفافًا من ذلك القوت ولا يجمعهم اهـ   كلام ابن العربي المالكي رحمه الله تعالى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا النوع من الاشتراك وهو خلط الرفقة طعامهم واشتراكهم في الأكل فيه: هو المعروف بـ\"النهد\" بكسر النون وفتحها، ولجوازه أدلة من الكتاب والسنة.\nأما دليل ذلك من الكتاب: فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فإنَّها تدل على خلط طعام اليتيم مع طعام وصيه وأكلهما جميعًا، وقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَأْكُلُوا جَمِيعًا أَوْ أَشْتَاتًا﴾ ومن صور أكلهم جميعًا أن يكون الطَّعام بينهم فيأكلون جميعًا.\nوأمَّا السنة: فقد دلت على ذلك أحاديث صحيحة. منها حديث جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"بعث رسول الله - ﷺ - بعثًا إلى الساحل، فأمر عليهم أبا عبيدة بن الجراح، وهم ثلثمائة نفر، وأنا فيهم. فخرجنا حتَّى إذا كُنَّا ببعض الطَّريق فنى الزاد، فأمر أبو عبيدة بأزواد ذلك الجيش، فجمع ذلك كله، فكان مزودي تمر، فكان يقوتنا كل يوم قليلًا حتَّى فني، فلم يكن يصيبنا إلَّا تمرة تمرة. فقلت: وما تغني تمرة؟ فقال لقد وجدنا فقدها حين فنيت. ثم انتهينا إلى البحر فإذا حوت .. \" الحديث. وهذا الحديث ثابت في الصَّحيح، واللفظ الذي سقناه به لفظ البُخاريّ في كتاب \"الشركة\".","vol":"4","page":92},{"text":"وفيه جَمْع أبي عبيدة بقية أزواد القوم وخلطها في مزودي تمر، ولم ينكر عليه - ﷺ - بعد قدومهم إليه.\nومنها حديث سلمة ابن الأكوع ﵁ قال: خفت أزواد القوم وأملقوا، فأتوا النَّبيّ - ﷺ - في نحر إبلهم، فأذن لهم فلقيهم عمر فأخبروه فقال: ما بقاؤكم بعد إبلكم، فدخل على النَّبيّ - ﷺ - فقال: يا رسول الله، ما بقاؤهم بعد إبلهم؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"ناد في النَّاس فيأتون بفضل أزوادهم\" فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع، فقام رسول الله - ﷺ - فدعا وبرك عليه، ثم دعاهم بأوعيتهم فاحتثى النَّاس حتَّى فرغوا، ثم قال رسول الله - ﷺ -: \"أشهد أن لا إله إلَّا الله وأني رسول الله\" هذا الحديث ثابت في الصَّحيح، واللفظ الذي سقناه به للبخاري أيضًا في كتاب \"الشركة\" وفيه: خلط طعامهم بعضه مع بعض.\nومنها حديث ابن عمر ﵄ قال: نهى النَّبيّ - ﷺ - أن يقرن الرجل بين التمرتين جميعًا حتَّى يستأذن أصحابه. في رواية في الصَّحيح: أن النَّبيّ - ﷺ - نهى عن الإقران إلَّا أن يستأذن الرجل منكم أخاه. كل هذا ثابت في الصَّحيح واللفظ للبخاري ﵀ في كتاب \"الشركة\". وإذن صاحبه له يدل على اشتراكهما في التمر كما ترى. وهذا الذي ذكرنا جوازه من خلط الرفقاء طعامهم وأكلهم منه جميعًا. هو مراد البُخاريّ ﵀ بلفظ \"النهد\" في قوله \"كتاب الشركة، الشركة في الطَّعام والنهد -إلى قوله- لم يَر المسلمون في النهد بأسًا أن يأكل هذا بعضًا وهذا بعضًا\" إلخ.","vol":"4","page":93},{"text":"فروع تتعلق بمسألة الشركة\nالأوَّل: إن دفع شخص دابته لآخر ليعمل عليها وما يرزق الله بينهما نصفين أو أثلاثًا أو كيفما شرطًا؛ ففي صحة ذلك خلاف بين العلماء، فقال بعضهم: يصح ذلك. وهو مذهب الإمام أحمد، ونقل نحوه عن الأوزاعي. وقال بعضهم: لا يصح ذلك، وما حصل فهو للعامل وعليه أجرة مثل الدابة. وهذا هو مذهب مالك. قال ابن قدامة في \"المغني\": وكره ذلك الحسن والنخعي. وقال الشَّافعي وأبو ثور وابن المنذر وأصحاب الرأي: لا يصح، والربح كله لرب الدابة، وللعامل أجرة مثله.\nهذا حاصل كلام أهل العلم في هذه المسألة. وأقوى الأقوال دليلًا عندي فيها: مذهب من أجاز ذلك، كالإمام أحمد، بدليل حديث رويفع بن ثابت قال: إن كان أحدنا في زمن رسول الله - ﷺ - ليأخذ نضو أخيه على أن له النصف مما يغنم ولنا النصف، وإن كان أحدنا ليطير له النصل والريش وللآخر القدح. هذا الحديث أخرجه أحمد وأبو داود والنَّسائيُّ. قال الشوكاني في \"نيل الأوطار\": إسناد أبي داود فيه شيبان بن أميَّة القتباني وهو مجهول، وبقية رجاله ثقات. وقد أخرجه النَّسائيّ من غير طريق هذا المجهول بإسناد رجاله كلهم ثقات، والحديث دليل صريح على جواز دفع الرجل إلى الآخر راحلته في الجهاد على أن تكون الغنيمة بينهما. وهو عمل على الدابة على أنّ ما يرزق الله بينهما كما ترى. والتفريق بين العمل في الجهاد وبين غيره لا يظهر. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثَّاني: أن يشترك ثلاثة: من أحدهم دابة، ومن آخر","vol":"4","page":94},{"text":"راوية، ومن الثالث العمل: على أن ما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يجوز هذا؟ اختلف في ذلك. فمن العلماء من قال لا يجوز هذا. وهو مذهب مالك، وهو ظاهر قول الشَّافعي؛ وممن قال بذلك: القاضي من الحنابلة وأجازه بعض الحنابلة. وقال ابن قدامة في \"المغني\": إنَّه صحيح في قياس قول أحمد ﵀.\nالفرع الثالث: أن يشترك أربعة: من أحدهم دكان، ومن آخر رحى، ومن آخر بغل، ومن الرابع العمل، على أن يطحنوا بذلك، فما رزق الله تعالى فهو بينهم، فهل يصح ذلك أو لا. اختلف فيه، فقيل: يصح ذلك وهو مذهب الإمام أحمد. وخالف فيه القاضي من الحنابلة وفاقًا للقائلين بمنع ذلك كالمالكية. قال ابن قدامة: ومَنْعه هو ظاهر قول الشَّافعي؛ لأنَّ هذا لا يجوز أن يكون مشاركة ولا مضاربة. فلو كان صاحب الرحى، وصاحب الدابة، وصاحب الحانوت اتفقوا على أن يعملوا جميعًا وكان كراء الحانوت والرحى والدابة متساويًا، وعمل أربابها متساويًا فهو جائز عند المالكيّة. وهذه المسألة هي التي أشار إليها خليل في مختصره بقوله عاطفًا على ما لا يجوز: \"وذي رحًى، وذي بيت، وذي دابة ليعملوا إن لم يتساو الكراء وتساووا في الغلة وترادوا الأكرية. وإن اشْتُرط عمل رب الدابة فالغلة له وعليه كراؤهما\".\nولا يخفى أن \"الشركة\" باب كبير من أبواب الفقه، وأن مسائلها مبينة باستقصاء في كتب فروع الأئمة الأربعة ﵃. وقصدنا هنا أن نبين جوازها بالكتاب والسنة والإجماع. ونذكر أقسامها ومعانيها اللغوية والاصطلاحية، واختلاف العلماء","vol":"4","page":95},{"text":"فيها. وبيان أقوالهم، وذكر بعض فروعها تنبيهًا بها على غيرها، وقد أتينا على جميع ذلك. والحمد لله رب العالمين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-815> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أصحاب الكهف: أنهم قالوا: إن قومهم الكفار الذين فروا منهم بدينهم إن يظهروا عليهم؛ أي يطلعوا عليهم ويعرفوا مكانهم، يرجموهم بالحجارة، وذلك من أشنع أنواع القتل. وقيل: يرجموهم بالشتم والقذف، أو يعيدوهم في ملتهم؛ أي يردوهم إلى ملة الكفر.\nوهذا الذي ذكره هنا من فعل الكفار مع المسلمين -من الأذى أو الرد إلى الكفر- ذكر في مواضع أخر أنَّه هو فعل الكفار مع الرسل وأتباعهم؛ كقوله جل وعلا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (٨٨) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nمسألة\nأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة أن العذر بالإكراه من خصائص هذه الأمة؛ لأنَّ قوله من أصحاب الكهف: ﴿إِن","vol":"4","page":96},{"text":"يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ ظاهر في إكراههم على ذلك وعدم طواعيتهم، ومع هذا قال عنهم: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ فدل ذلك على أن ذلك الإكراه ليس بعذر. ويشهد لهذا المعنى حديث طارق بن شهاب في الذي دخل النَّار في ذباب قرَّبه مع الإكراه بالخوف من القتل؛ لأنَّ صاحبه الذي امتنع أن يقرب ولو ذبابًا قتلوه.\nويشهد له أيضًا دليل الخطاب؛ أي مفهوم المخالفة في قوله - ﷺ -: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". فإنَّه يفهم من قوله: \"تجاوز لي عن أمتي\" أن غير أمته من الأمم لم يتجاوز لهم عن ذلك. وهذا الحديث وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فقد تلقاه العلماء قديمًا وحديثًا بالقبول، وله شواهد ثابتة في القرآن العظيم والسنة الصحيحة. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"الكهف\"، في الكلام على قوله: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ ..﴾ الآية؛ ولذلك اختصرناها هنا. أما هذه الأمة فقد صرح الله تعالى بعذرهم بالإكراه في قوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-816> قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾</span>.\nلم يبين الله هنا من هؤلاء الذين غلبوا على أمرهم، هل هم من المسلمين، أو من الكفار؟ وذكر ابن جرير وغيره فيهم قولين: أحدهما: أنهم كفار. والثَّاني: أنهم مسلمون، وهي قولهم:","vol":"4","page":97},{"text":"﴿لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَسْجِدًا (٢١)﴾ لأنَّ اتخاذ المساجد من صفات المؤمنين لا من صفات الكفار. هكذا قال بعض أهل العلم. ولقائل أن يقول: اتخاذ المساجد على القبور من فعل الملعونين على لسان رسول الله - ﷺ -، لا من فعل المسلمين، وقد قدمنا ذلك مستوفى بأدلته في سورة \"الحجر\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَذَّبَ أَصْحَابُ الْحِجْرِ الْمُرْسَلِينَ (٨٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-817> قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْمًا بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾</span>.\nأخبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن اختلاف النَّاس في عدة أصحاب الكهف، فذكر ثلاثة أقوال. على أنَّه لا قائل برابع، وجاء في الآية الكريمة بقرينة تدل على أن القول الثالث هو الصَّحيح والأولان باطلان؛ لأنَّه لما ذكر القولين الأولين بقوله: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلَاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿رَجْمًا بِالْغَيْبِ﴾ أي قولًا بلا علم، كمن يرمى إلى مكان لا يعرفه فإنَّه لا يكاد يصيب، وإن أصاب بلا قصد، كقوله: ﴿وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٣)﴾ وقال القرطبي: الرجم القول بالظن، يقال لكل ما يُخرص: رجم فيه ومرجوم ومُرْجم، كما قال زهير:\nوما الحرب إلَّا ما علمتم وذقتم ... وما هو عنها بالحديث المرجَّم\nثم حكى القول الثالث بقوله: ﴿وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾ فأقره، ولم يذكر بعده أن ذلك رجم بالغيب، فدل على","vol":"4","page":98},{"text":"أنَّه الصَّحيح. وقوله: ﴿مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قال ابن عباس: أنا من ذلك القليل الذي يعلمهم، كانوا سبعة. وقوله: ﴿قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ﴾ فيه تعليم للنَّاس أن يردوا علم الأشياء إلى خالقها جل وعلا وإن علموا بها، كما أعلم نبيه - ﷺ - بمدة لبثهم في قوله: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا (٢٥)﴾ ثم أمره مع ذلك برد العلم إليه جل وعلا في قوله جل وعلا: ﴿قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ..﴾ الآية. وما قدمنا من أنَّه لا قائل برابع قاله ابن كثير أخذًا من ظاهر الآية الكريمة. مع أن ابن إسحاق وابن جريج قالا: كانوا ثمانية، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-818> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾</span>.\nنهى الله نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يقول: إنَّه سيفعل شيئًا في المستقبل إلَّا معلقًا ذلك على مشيئة الله الذي لا يقع شيء في العالم كائنًا ما كان إلَّا بمشيئته جل وعلا، فقوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ﴾ أي: لا تقولن لأجل شيء تعزم على فعله في المستقبل: إنِّي فاعل ذلك الشيء غدًا. والمراد بالغد: ما يستقبل من الزمان لا خصوص الغد. ومن أساليب العربيَّة إطلاق الغد على المستقبل من الزمان؛ ومنه قول زهير:\nوأعلمُ علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غدٍ عمِ\nيعني أنَّه لا يعلم ما يكون في المستقبل، إذ لا وجه لتخصيص الغد المعين بذلك. وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ إلَّا قائلًا في ذلك: إلَّا أن يشاء الله؛ أي معلقًا بمشيئة الله. أو لا تقولنه إلَّا بإن شاء الله،","vol":"4","page":99},{"text":"أي إلَّا بمشيئة الله. وهو في موضع الحال، يعني إلَّا متلبسًا بمشيئة الله قائلًا: إن شاء الله، قاله الزمخشري وغيره.\nوسبب نزول هذه الآية الكريمة: أن اليهود قالوا لقريش: سلوا محمدًا \"- ﷺ -\" عن الروح، وعن رجل طواف في الأرض (يعنون ذا القرنين)، وعن فتية لهم قصَّة عجيبة في الزمان الماضي (يعنون أصحاب الكهف). فقال لهم رسول الله - ﷺ -: \"سأخبركم غدًا عما سألتم عنه\" ولم يقل إن شاء الله، فلبث عنه الوحي مدة، قيل: خمس عشرة ليلة، وقيل غير ذلك. فأحزنه تأخر الوحي عنه، ثم أنزل عليه الجواب عن الأسئلة الثلاثة، قال في الروح: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي ..﴾ الآية. وقال في الفتية: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ ..﴾ الآيات إلى آخر قصتهم. وقال في الرجل الطواف: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (٨٣) . .﴾ الآيات إلى آخر قصته.\nفإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة وسبب نزولها، وأن الله عاتب نبيه فيها على عدم قوله: إن شاء الله، لما قال لهم سأخبركم غدًا = فاعلم أنَّه دلت آية أخرى بضميمة بيان السنة لها على أن الله عاتب نبيه سليمان على عدم قوله: إن شاء الله، كما عاتب نبيه في هذه الآية على ذلك. بل فتنة سليمان بذلك كانت أشد؛ فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁ أن النَّبيّ - ﷺ - قال: \"قال سليمان ابن داود عليهما وعلى نبينا الصَّلاة والسلام: لأطوفن الليلة على سبعين امرأة -وفي رواية تسعين امرأة، وفي رواية مائة امرأة- تلد كل امرأة منهن غلامًا يقاتل في","vol":"4","page":100},{"text":"سبيل الله\" فقيل له: وفي رواية قال له الملك: \"قل إن شاء الله\" فلم يقل. فطاف بهن فلم تلد منهن إلَّا امرأة واحدة نصف إنسان؛ فقال رسول الله - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لم يحنث وكان دركًا لحاجته\". وفي رواية \"ولقاتلوا في سبيل الله فرسانًا أجمعون\" اهـ.\nفإذا علمت هذا فاعلم أن هذا الحديث الصَّحيح بين معنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ..﴾ الآية. وأن فتنة سليمان كانت بسبب تركه قوله: \"إن شاء الله\"، وأنَّه لم يلد من تلك النساء إلَّا واحدة نصف إنسان، وأن ذلك الجسد الذي هو نصف إنسان هو الذي أُلقي على كرسيه بعد موته في قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ..﴾ الآية، فما يذكره المفسرون في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ ..﴾ الآية، من قصَّة الشَّيطان الذي أخذ الخاتم وجلس على كرسي سليمان، وطرد سليمان عن ملكه؛ حتَّى وجد الخاتم في بطن السمكة التي أعطاها له من كان يعمل عنده بأجر مطرودًا عن ملكه، إلى آخر القصة = لا يخفى أنَّه باطل لا أصل له، وأنَّه لا يليق بمقام النبوة؛ فهو من الإسرائيليات التي لا يخفى أنَّها باطلة.\nوالظاهر في معنى الآية هو ما ذكرنا، وقد دلت السنة الصحيحة عليه في الجملة، واختاره بعض المحقّقين. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-819> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة قولان معروفان لعلماء التفسير:\nالأوَّل: أن هذه الآية الكريمة متعلقة بما قبلها، والمعنى:","vol":"4","page":101},{"text":"أنك إن قلت: سأفعل غدًا كذا ونسيت أن تقول: إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك فقل: إن شاء الله؛ أي اذكر ربك معلقًا على مشيئته ما تقول أنك ستفعله غدًا إذا تذكرت بعد النسيان. وهذا القول هو الظاهر؛ لأنَّه يدل عليه قوله تعالى قبله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ وهو قول الجمهور. وممن قال به ابن عباس والحسن البصري وأبو العالية وغيرهم.\nالقول الثَّاني: أن الآية لا تعلق لها بما قبلها. وأن المعنى: إذا وقع منك النسيان لشيء فاذكر الله؛ لأنَّ النسيان من الشَّيطان؛ كما قال تعالى عن فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، وكقوله: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾ وذكر الله تعالى يطرد الشَّيطان؛ كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ (١) مَلِكِ النَّاسِ (٢) إِلَهِ النَّاسِ (٣) مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ الآية؛ أي: الوسواس عند الغفلة عن ذكر الله. الخناس الذي يخنس ويتأخر صاغرًا عند ذكر الله، فإذا ذهب الشَّيطان ذهب النسيان. وقال بعضهم: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: صلِّ الصَّلاة التي كنت ناسيًا لها عند ذكرك لها، كما قال تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ وقول من قال: إذا نسيت؛ أي إذا غضبت، ظاهر السقوط.\nمسألة\nاشتهر على ألسنة العلماء عن ابن عباس ﵄ أنَّه","vol":"4","page":102},{"text":"استنبط من هذه الآية الكريمة: أن الاستثناء يصح تأخيره عن المستثنى منه زمنًا طويلًا. قال  بعضهم: إلى شهر. وقال بعضهم: إلى سنة. وقال بعضهم عنه: له الاستثناء أبدًا. ووجه أخذه ذلك من الآية: أن الله تعالى نهى نبيه أن يقول: إنَّه سيفعل شيئًا في المستقبل إلَّا من الاستثناء بـ\"إن شاء الله\". ثم قال: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ أي: إن نسيت تستثنى بـ\"إن شاء الله\" فاستثن إذا تذكرت من غير تقييد باتصال ولا قرب.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه: أن الاستثناء لا يصح إلَّا مقترنًا بالمستثنى منه. وأن الاستثناء المتأخر لا أثر له ولا تحل به اليمين. ولو كان الاستثناء المتأخر يصح لما علم في الدُّنيا أنَّه تقرر عقد ولا يمين ولا غير ذلك، لاحتمال طرو الاستثناء بعد ذلك، وهذا في غاية البطلان كما ترى. ويحكى عن المنصور أنَّه بلغه أن أبا حنيفة ﵀ يخالف مذهب ابن عباس المذكور؛ فاستحضره لينكر عليه ذلك، فقال الإمام أبو حنيفة للمنصور: هذا يرجع عليك! إنك تأخذ البيعة بالأيمان، أفترضى أن يخرجوا من عندك فيستثنوا فيخرجوا عليك!؟ فاستحسن كلامه ورضي عنه.\nفائدة\nقال ابن العربي المالكي: سمعت فتاة ببغداد تقول لجارتها: لو كان مذهب ابن عباس صحيحًا في الاستثناء ما قال الله تعالى لأيوب: ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ بل يقول: استثن بـ\"إن شاء الله\". انتهى منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود في شرح قوله في مراقي السعود:","vol":"4","page":103},{"text":"بشركة وبالتوطي قالا ... بعض وأوجب فيه الاتصالا\nوفي البواقي دون ما اضطرار ... وأبطلن بالصمت للتذكار\nفإن قيل: فما الجواب الصَّحيح عن ابن عباس ﵄ فيما نسب إليه من القول بصحة الاستثناء المتأخر.\nفالجواب: أن مراد ابن عباس ﵄: أن الله عاتب نبيه على قوله: إنَّه سيفعل كذا غدًا ولم يقل: إن شاء الله، وبين له أن التعليق بمشيئة الله هو الذي ينبغي أن يفعل؛ لأنَّه تعالى لا يقع شيء إلَّا بمشيئته، فإذا نسي التعليق بالمشيئة ثم تذكّر ولو بعد طول فإنَّه يقول: إن شاء الله؛ ليخرج بذلك من عهدة عدم التعليق بالمشيئة، ويكون قد فوض الأمر إلى من لا يقع إلَّا بمشيئته. فنتيجة هذا الاستثناء: هي الخروج من عهدة تركه الموجب للعتاب السابق، لا أنَّه يحل اليمين لأنَّ تداركها قد فات بالانفصال. هذا هو مراد ابن عباس كما جزم به الطبري وغيره. وهذا لا محذور فيه ولا إشكال.\nوأجاب بعض أهل العلم بجواب آخر وهو: أنَّه نوى الاستثناء بقلبه ونسي المنطق به بلسانه؛ فأظهر بعد ذلك الاستثناء الذي نواه وقت اليمين.\nهكذا قاله بعضهم. والأول هو الظاهر. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-820> قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنَّه هو المختص بعلم الغيب في السموات والأرض. وذكر هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله:","vol":"4","page":104},{"text":"﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾. وبين في مواضع أخر أنَّه يطلع من شاء من خلقه على ما شاء من وحيه، كقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا (٢٦) إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ..﴾ الآية. وقد أشار إلى ذلك بقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-821> قوله تعالى: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ﴾</span>.\nأي: ما أبصره وما أسمعه جلَّ وعلا. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من اتصافه جلَّ وعلا بالسمع والبصر، ذكره أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وقوله: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ","vol":"4","page":105},{"text":"رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾. والآيات بذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-822> قوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أصحاب الكهف ليس لهم ولي من دونه جل وعلا، بل هو وليهم جل وعلا. وهذا المعنى مذكور في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ فبين أنَّه ولي المؤمنين، وأن المؤمنين أولياؤه، والولي: هو من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. فالإيمان سبب يوالي به المؤمنون ربهم بالطاعة، ويواليهم به بالثواب والنصر والإعانة.\nوبين في مواضع أخر: أن المؤمنين بعضهم أولياء بعض، كقوله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ..﴾ الآية. وبين في مواضع أخر: أن نبينا - ﷺ - أولى بالمؤمنين من أنفسهم، وهو قوله تعالى: ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾.\nوبين في موضع آخر: أنَّه تعالى مولى المؤمنين دون الكافرين، وهو قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ﴾. وهذه الولاية المختصة بالمؤمنين هي ولاية الثواب والنصر والتوفيق والإعانة، فلا تنافي أنَّه مولى الكافرين ولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة، كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾. وقال بعض العلماء: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾","vol":"4","page":106},{"text":"راجع لأهل السموات والأرض المفهومين من قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وقيل: الضمير في قوله: ﴿مَا لَهُمْ﴾ راجع لمعاصري النَّبيّ - ﷺ - من الكفار؛ ذكره القرطبي. وعلى كل حال فقد دلت الآيات المتقدمة أن ولاية الجميع لخالقهم جل وعلا، وأن منها ولاية ثواب وتوفيق وإعانة، وولاية ملك وقهر ونفوذ مشيئة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-823> قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾</span>. قرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا ابن عامر: ﴿وَلَا يُشْرِكُ﴾ بالياء المثناة التحتية، وضم الكاف على الخبر، ولا نافية، والمعنى: ولا يشرك الله جل وعلا أحدًا في حكمه، بل الحكم له وحده جل وعلا، لا حكم لغيره ألبتة، فالحلال ما أحله تعالى، والحرام ما حرمه، والدين ما شرعه، والقضاء ما قضاه. وقرأه ابن عامر من السبعة: \"ولا تُشْركْ\" بضم التاء المثناة الفوقية وسكون الكاف بصيغة النَّهي، أي: لا تشرك يا نبي الله، أو لا تشرك أيها المخاطب أحدًا في حكم الله جل وعلا، بل أخلص الحكم لله من شوائب شرك غيره في الحكم. وحكمه جل وعلا المذكور في قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ شامل لكل ما يقضيه جل وعلا. ويدخل في ذلك التّشريع دخولًا أوليًا.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الحكم لله وحده لا شريك له فيه على كلتا القراءتين جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ","vol":"4","page":107},{"text":"شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾، وقوله: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nويفهم من هذه الآيات كقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا﴾: أن متبعي أحكام المشرِّعين غير ما شرعه الله أنهم مشركون بالله. وهذا المفهوم جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله فيمن اتبع تشريع الشَّيطان في إباحة الميتة بدعوى أنَّها ذبيحة الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾، فصرح بأنهم مشركون بطاعتهم. وهذا الإشراك في الطاعة، واتباع التّشريع المخالف لما شرعه الله تعالى، هو المراد بعبادة الشَّيطان في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾، وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ أي: ما يعبدون إلَّا شيطانًا، أي وذلك باتباع تشريعه؛ ولذا سمَّى اللهُ تعالى الذين يطاعون فيما زينوا من المعاصي: شركاءَ في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ ..﴾ الآية.","vol":"4","page":108},{"text":"وقد بين النَّبيّ - ﷺ - هذا لعديّ بن حاتم ﵁ لما سأله عن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ ..﴾ الآية، فبين له أنهم أحلوا لهم ما حرم الله، وحرموا عليهم ما أحل الله فاتبعوهم في ذلك، وأن ذلك هو اتخاذهم إياهم أربابًا.\nومن أصرح الأدلة في هذا: أن الله جل وعلا في سورة النساء بين أن من يريدون أن يتحاكموا إلى غير ما شرعه الله يتعجب من زعمهم أنهم مؤمنون، وما ذلك إلا لأن دعواهم الإيمان مع إرادة التحاكم إلى الطاغوت بالغة من الكذب ما يحصل منه العجب؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.\nوبهذه النصوص السماوية التي ذكرنا يظهر غاية الظهور: أن الذين يتبعون القوانين الوضعية التي شرعها الشَّيطان على ألسنة أوليائه مخالفة لما شرعه الله جل وعلا على ألسنة رسله - ﷺ -، أنه لا يشكُّ في كفرهم وشركهم إلَّا من طمس الله بصيرته، وأعماه عن نور الوحي مثلهم.\nتنبيه\nأعلم أنَّه يجب التفصيل بين النظام الوضعي الذي يقتضي تحكيمه الكفر بخالق السموات والأرض، وبين النظام الذي لا يقتضي ذلك.\nوإيضاح ذلك: أن النظام قسمان: إداري، وشرعي. أما الإداري الذي يراد به ضبط الأمور وإتقانها على وجه غير مخالف","vol":"4","page":109},{"text":"للشرع، فهذا لا مانع منه، ولا مخالف فيه من الصحابة، فمن بعدهم. وقد عمل عمر ﵁ من ذلك أشياء كثيرة ما كانت في زمن النَّبيّ - ﷺ -؛  ككتبه أسماء الجند في ديوان لأجل الضبط، ومعرفة من غاب ومن حضر، كما قدمنا إيضاح المقصود منه في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على العاقلة التي تحمل دية الخطأ، مع أن النَّبيّ - ﷺ - لم يفعل ذلك، ولم يعلم بتخلف كعب بن مالك عن غزوة تبوك إلَّا بعد أن وصل تبوك - ﷺ -، وكاشترائه -أعني عمر ﵁- دار صفوان بن أميَّة وجعله إياها سجنًا في مكّة المكرمة، مع أنَّه - ﷺ - لم يتخذ سجنًا هو ولا أبو بكر. فمثل هذا من الأمور الإدارية التي تفعل لإتقان الأمور مما لا يخالف الشرع، لا بأس به؛ كتنظيم شئون الموظفين، وتنظيم إدارة الأعمال على وجه لا يخالف الشرع. فهذا النوع من الأنظمة الوضعية لا بأس به، ولا يخرج عن قواعد الشرع من مراعاة المصالح العامة.\nوأمَّا النظام الشرعي المخالف لتشريع خالق السموات والأرض فتحكيمه كفر بخالق السموات والأرض؛كدعوى أن تفضيل الذكر على الأنثى في الميراث ليس بإنصاف، وأنهما يلزم استواؤهما في الميراث. وكدعوى أن تعدد الزوجات ظلم، وأن الطلاق ظلم للمرأة، وأن الرجم والقطع ونحوهما أعمال وحشية لا يسوغ فعلها بالإنسان، ونحو ذلك.\nفتحكيم هذا النوع من النظام في أنفس المجتمع وأموالهم وأعراضهم وأنسابهم وعقولهم وأديانهم، كفر بخالق السموات والأرض، وتمرُّد على نظام السماء الذي وضعه من خَلَق الخلائق","vol":"4","page":110},{"text":"كلها وهو أعلم بمصالحها ﷾ من أن يكون معه مُشَرِّع آخر علوًا كبيرًا ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقد قدمنا جملة وافية من هذا النوع في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-824> قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يتلو هذا القرآن الذي أوحاه إليه ربه. والأمر في قوله: ﴿وَاتْلُ﴾ شامل للتلاوة بمعنى القراءة. والتلو: بمعنى الاتباع.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى نبيه - ﷺ - بتلاوة القرآن العظيم واتباعه جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ ..﴾ الآية. وكقوله تعالى في آخر سورة النمل: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ ..﴾ الآية، ﴿وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على الأمر بتلاوته، وكقوله تعالى في الأمر باتباعه: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ","vol":"4","page":111},{"text":"أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على الأمر باتباع هذا القرآن العظيم.\nوقد بين في مواضع أخر بعض النتائج التي تحصل بسبب تلاوة القرآن واتباعه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)﴾ والعبرة في هذه الآية بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-825> قوله تعالى: ﴿لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه لا مبدل لكلماته؛ أي لأنَّ أخبارها صدق، وأحكامها عدل، فلا يقدر أحد أن يبدل صدقها كذبًا. ولا أن يبدل عدلها جورًا، وهذا الذي ذكره هنا جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١١٥)﴾. فقوله: ﴿صِدْقًا﴾ يعني في الإخبار. وقوله: ﴿وَعَدْلًا﴾ أي في الأحكام. وكقوله ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾.\nوقد بين تعالى في مواضع أخر، أنَّه هو يبدل ما شاء من الآيات مكان ما شاء منها؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ ..﴾ الآية. وقوله: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ","vol":"4","page":112},{"text":"نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-826> قوله تعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٧)﴾</span>.\nأصل الملتحد: مكان الالتحاد وهو الافتعال، من اللحد بمعنى الميل، ومنه اللحد في القبر؛ لأنَّه ميل في الحَفْر، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي آيَاتِنَا لَا يَخْفَوْنَ عَلَيْنَا﴾، وقوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ ..﴾، الآية. فمعنى اللحد والإلحاد في ذلك: الميل عن الحق. والملحد المائل عن دين الحق. وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إن زاد ماضيه على ثلاثة أحرف فمصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه كلها بصيغة اسم المفعول كما هنا. فالملتحد بصيغة اسم المفعول، والمراد به مكان الالتحاد، أي المكان الذي يميل فيه إلى ملجإ أو منجى ينجيه مما يريد الله أن يفعله به.\nوهذا الذي ذكره هنا من أن نبيه - ﷺ - لا يجد من دونه ملتحدًا؛ أي مكانًا يميل إليه ويلجأ إليه إن لم يبلغ رسالة ربه ويطعه، جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنِّي لَا أَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا رَشَدًا (٢١) قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا (٢٢) إِلَّا بَلَاغًا مِنَ اللَّهِ وَرِسَالَاتِهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧) ..﴾ الآية.\nوكونه ليس له ملتحد؛ أي مكان يلجأ إليه، تكرر نظيره في القرآن بعبارات مختلفة؛ كالمناص، والمحيص، والملجأ، والموئل،","vol":"4","page":113},{"text":"والمفر، والوَزَر، كقوله: ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١)﴾، وقوله: ﴿فَنَقَّبُوا فِي الْبِلَادِ هَلْ مِنْ مَحِيصٍ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، وقوله: ﴿يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾، فكل ذلك راجع في المعنى إلى شيء واحد، وهو انتفاء مكان يلجئون إليه ويعتصمون به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-827> قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يصبر نفسه -أي يحبسها- مع المؤمنين الذين يدعون ربهم أول النهار وآخره مخلصين له، لا يريدون بدعائهم إلَّا رضاه جل وعلا.\nوقد نزلت هذه الآية الكريمة في فقراء المهاجرين، كعمار، وصهيب، وبلال، وابن مسعود ونحوهم. لما أراد صناديد الكفار من النَّبيّ - ﷺ - أن يطردهم عنه، ويجالسهم بدون حضور أولئك الفقراء المؤمنين. وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الله كما أمره هنا بأن يصبر نفسه معهم أمره بألا يطردهم، وأنَّه إذا رآهم يسلم عليهم، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢) -إلى قوله- وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾، وقد أشار إلى ذلك المعنى في قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى (١) أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى (٢) وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى (٣) أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى (٤) أَمَّا مَنِ اسْتَغْنَى (٥) فَأَنْتَ لَهُ تَصَدَّى (٦) وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى (٧) وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ","vol":"4","page":114},{"text":"يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩) فَأَنْتَ عَنْهُ تَلَهَّى (١٠) كَلَّا﴾. وقد قدمنا أن ما طلبه الكفار من نبينا - ﷺ - من طرده فقراء المؤمنين وضعفائهم تكبرًا عليهم وازدراء بهم، طلبه أيضًا قوم نوح من نوح عليه وعلى نبينا الصَّلاة والسلام، وأنَّه امتنع من طردهم أيضًا، كقوله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾، وقوله عنهم أيضًا: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ﴾، وقال عن نوح في امتناعه من طردهم: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤) إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾، وكقوله تعالى عنه: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٣٠)﴾.\nوقوله: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ فيه الدليل على أن مادة الصبر تتعدى بنفسها للمفعول، ونظير ذلك من كلام العرب قول أبي ذؤيب أو عنترة:\nفصبرت عارفة بذلك حرة ... ترسو إذا نفس الجبان تطلع\nوالغداة: أول النهار. والعشيّ: آخره. وقال بعض العلماء: ﴿يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ﴾ أي يصلون صلاة الصبح والعصر. والتحقيق أن الآية تشمل أعم من مطلق الصَّلاة. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-828> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾</span>.\nنهى الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن تعدو عيناه عن ضعفاء المؤمنين وفقرائهم، طموحًا إلى الأغنياء وما لديهم من زينة الحياة الدُّنيا. ومعنى ﴿وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ﴾ أي: لا تتجاوزهم عيناك وتنبوا عن رثاثة زيهم، محتقرًا لهم طامحًا إلى أهل الغني","vol":"4","page":115},{"text":"والجاه والشرف بدلًا منهم. وعدا يعدو: تتعدى بنفسها إلى المفعول وتلزم. والجملة في قوله: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ في محل حال، والرابط الضمير، على حد قوله في الخلاصة:\nوذاتُ بدءٍ بمضارع ثبت ... حَوَت ضميرًا ومن الواو خَلَت\nوصاحب الحال المذكورة هو الضمير المضاف إليه في قوله: ﴿عَيْنَاكَ﴾ وإنَّما ساغ ذلك لأنَّ المضاف هنا جزء من المضاف إليه، على حد قوله في الخلاصة:\nولا تُجِزْ حالًا من المضاف له ... إلَّا إذا اقتضى المضافُ عملَه\nأو كان جزءُ مالَه أُضيفا ... أو مِثْل جزئه فلا تحيفا\nوما نهى الله عنه نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة من طموح العين إلى زينة الحياة الدُّنيا، مع الاتصاف بما يرضيه جل وعلا من الثبات على الحق، كمجالسة فقراء المؤمنين = أشار له أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠) وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ (٨٧) لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-829> قوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾</span>.\nنهى الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة عن طاعة من أغفل الله قلبه عن ذكره واتبع هواه، وكان أمره فرطًا. وقد","vol":"4","page":116},{"text":"كرر في القرآن نهي نبيه - ﷺ - عن أتباع مثل هذا الغافل عن ذكر الله المتبع هواه، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ (٩) وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠) هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ (١١) مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ (١٢) عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أمره في موضع آخر بالإعراض عن المتولين عن ذكر الله، والذين لا يريدون غير الحياة الدُّنيا، وبين له أن ذلك هو مبلغهم من العلم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ﴾ يدل على أن ما يعرض للعبد من غفلة ومعصية، إنَّما هو بمشيئة الله تعالى؛ إذ لا يقع شيء البتة كائنًا ما كان إلَّا بمشيئته الكونية القدرية، جل وعلا، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ ..﴾ الآية،  ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾،  ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾، ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى﴾، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ ..﴾ الآية، ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدّالة على أن كل شيء من خير وشر، لا يقع إلَّا بمشيئة خالق السموات والأرض. فما يزعمه المعتزلة، ويحاول الزمخشري في تفسيره دائمًا تأويل آيات القرآن على نحو ما يطابقه من استقلال قدرة العبد وإرادته بأفعاله دون مشيئة الله = لا يخفى بطلانه، كما تدل عليه الآيات المذكورة آنفًا، وأمثالها في القرآن كثيرة.","vol":"4","page":117},{"text":"ومعنى اتباعه هواه: أنَّه يتبع ما تميل إليه نفسه الأمارة بالسوء وتهواه من الشر، كالكفر والمعاصي.\nوقوله: ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ قيل: هو من التفريط الذي هو التقصير، وتقديم العجز بترك الإيمان. وعلى هذا فمعنى ﴿وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: كانت أعماله سفها وضياعا وتفريطًا. وقيل: من الإفراط الذي هو مجاوزة الحد، كقول الكفار المحتقرين لفقراء المؤمنين: نحن أشراف مُضر وساداتها، إن اتبعناك اتبعك جميع النَّاس. وهذا من التكبر والإفراط في القول. وقيل: ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾ أي: قَدَمًا في الشر. من قولهم: فرط منه أمر، أي سبق. وأظهر الأقوال في معنى الآية الكريمة عندي -بحسب اللُّغة العربية التي نزل بها القرآن- أن معنى قوله ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متقدمًا للحق والصَّواب، نابذًا له وراء ظهره؛ من قولهم: فرس فرط، أي متقدم للخيل. ومنه قول لبيد في معلقته:\nولقد حَمَيت الخيلَ تَحْمِل شَكَّتي ... فُرْطُ وِشاحي إذ غدوتُ لجامها\nوإلى ما ذكرنا في معنى الآية ترجع أقوال المفسرين كلها، كقول قتادة ومجاهد ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي ضياعًا. وكقول مقاتل بن حيان ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي سرفًا. وكقول الفراء ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي متروكًا. وكقول الأخفش ﴿فُرُطًا (٢٨)﴾: أي مجاوزًا للحد، إلى غير ذلك من الأقوال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-830> قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يقول","vol":"4","page":118},{"text":"للناس الحقَّ من ربكم. وفي إعرابه وجهان:\nأحدهما: أن ﴿الْحَقُّ﴾ مبتدأ، والجار والمجرور خبره، أي الحق الذي جئتكم به في هذا القرآن العظيم، المتضمن لدين الإسلام كائن مبدؤه من ربكم جل وعلا. فليس من وحي الشيطان، ولا من افتراء الكهنة، ولا من أساطير الأولين، ولا غير ذلك. بل هو من خالقكم جل وعلا، الذي تلزمكم طاعته وتوحيده، ولا يأتي من لدنه إلا الحق الشامل للصدق في الأخبار، والعدل في الأحكام، فلا حق إلا منه جل وعلا.\nالوجه الثاني: أنه خبر مبتدأ محذوف، أي هذا الذي جئتكم به الحق.\nوهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة ذكره أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله في سورة البقرة: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾، وقوله في آل عمران: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-831> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة -بحسب الوضع اللغوي- التخيير بين الكفر والإيمان، ولكن المراد من الآية الكريمة ليس هو التخيير، وإنما المراد بها التهديد والتخويف. والتهديد بمثل هذه الصيغة التي ظاهرها التخيير أسلوب من أساليب اللغة العربية. والدليل من القرآن العظيم على أن المراد في الآية التهديد والتخويف: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا","vol":"4","page":119},{"text":"بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾  وهذا أصرح دليل على أن المراد التهديد والتخويف؛ إذ لو كان التخيير على بابه لما توعد فاعل أحد الطرفين المخير بينهما بهذا العذاب الأليم. وهذا واضح كما ترى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَعْتَدْنَا﴾ أصله من الإعتاد، والتاء فيه أصلية وليست مبدلة من دال على الأصح؛ ومنه العتاد بمعنى العدة للشيء. ومعنى ﴿أَعْتَدْنَا﴾: أرصدنا وأعددنا. والمراد بالظالمين هنا: الكفار؛ بدليل قوله قبله: ﴿وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ وقد قدمنا كثرة إطلاق الظلم على الكفر في القرآن؛ كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾   وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾  ونحو ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن الظلم في لغة العرب: وَضْع الشيء في غير محله، ومن أعظم ذلك وضع العبادة في مخلوق. وقد جاء في القرآن إطلاق الظلم على النقص في قوله: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيئًا﴾  وأصل معنى مادة الظلم هو ما ذكرنا من وضع الشيء في غير موضعه، ولأجل ذلك قيل في الذي يضرب اللبن قبل أن يروب: ظالم؛ لوضعه ضرب لبنه في غير موضعه، لأن ضربه قبل أن يروب يضيع زبده. ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nوقائلة ظلمت لكم سقائي ... وهل يخفى على العكد الظليم\nفقوله \"ظلمت لكم سقائي\" أي ضربته لكم قبل أن يروب. ومنه قول الآخر في سقاء له ظلمة بنحو ذلك:","vol":"4","page":120},{"text":"وصاحب صدق لم تُرِبني شَكاتُه ... ظلمتُ وفي ظلمي له عامدًا أجر\nوفي لغز الحريري في مقاماته في الذي يضرب لبنه قبل أن يروب قال: أيجوز أن يكون الحاكم ظالمًا؟ قال: نعم، إذا كان عالمًا. ومن ذلك أيضًا قولهم للأرض التي حفر فيها وليست محل حفر في السابق: أرض مظلومة، ومنه قول نابغة ذبيان:\nإلا الأواريَّ لأيًا ما أُبَيَّنُهَا ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومة الجَلَدِ\nوما زعمه بعضهم من أن \"المظلومة\" في البيت هي التي ظلمها المطر بتخلفه عنها وقت إبانه المعتاد = غير صواب. والصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى. ولأجل ما ذكرنا قالوا للتراب المخرج من القبر عند حفره ظليم بمعنى مظلوم، لأنه حفر في غير محل الحفر المعتاد، ومنه قول الشاعر يصف رجلًا مات ودفن:\nفأصبح في غبراء بعد إشاحة ... على العيش مردود عليها ظليمها\nوقوله: ﴿أَحَاطَ بِهِمْ﴾ أي أحدق بهم من كل جانب. وقوله: ﴿سُرَادِقُهَا﴾ أصل السرادق واحد السرادقات التي تمد فوق صحن الدار. وكل بيت من كُرْسف فهو سرادق. والكرسف: القطن، ومنه قول رؤبة أو الكذاب الحِرْمازي:\nيا حكم ابن المنذر بن الجارودْ ... سُرادِقُ المجدِ عليك ممدودْ\nوبيت مسردق: أن مجعول له سرادق، ومنه قول سلامة بن جندل يذكر أبرويز وقتله للنعمان بن المنذر تحت أرجل الفيلة:\nهو المُدْخِل النعمان بيتًا سماؤه ... صدور الفيول بعد بيتٍ مُسَرْدَق","vol":"4","page":121},{"text":"هذا هو أصل معنى السُّرَادق في اللغة. ويطلق أيضًا في اللغة على الحجرة التي حول الفُسْطاط.\nوأما المراد بالسرادق في الآية الكريمة، ففيه للعلماء أقوال مرجعها إلى شيء واحد، وهو إحداق النار بهم من كل جانب، فمن العلماء من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: أي سورها، قاله ابن الأعرابي وغيره. ومنهم من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: سور من نار، وهو مروي عن ابن عباس. ومنهم من يقول ﴿سُرَادِقُهَا﴾: عنق يخرج من النار فيحيط بالكفار كالحظيرة، قاله الكلبي. ومنهم من يقول: هو دخان يحيط بهم. وهو المذكور في \"المرسلات\" في قوله تعالى: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾، و\"الواقعة\" في قوله: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾  .\nومنهم من يقول: هو البحر المحيط بالدنيا. وروى يعلى بن أمية عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"البحر هو جهنم، ثم تلا: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾، ثم قال: والله لا أدخلها أبدًا ما دمت حيًّا ولا تصيبني منها قطرة\" ذكره الماوردي. وروى ابن المبارك من حديث أبي سعيد الخدري، عن النبي - ﷺ - قال: \"لسرادق النار أربعة جدر كشف، كل جدار مسيرة أربعين سنة\"، أخرجه أبو عيسى الترمذي وقال فيه: حديث حسن صحيح غريب. انتهى من القرطبي.\nوهذا الحديث رواه أيضًا الإمام أحمد وابن جرير وأبو يعلى وابن أبي حاتم وابن حبان وأبو الشيخ، والحاكم وصححه، وابن مردويه وابن أبي الدنيا؛ قاله صاحب الدر المنثور وتبعه الشوكاني.\nوحديث يعلى بن أمية رواه أيضًا ابن جرير في تفسيره. قال","vol":"4","page":122},{"text":"الشوكاني. ورواه أحمد والبخاري وابن أبي حاتم والحاكم وصححه، ورواه صاحب الدر المنثور عن البخاري في تاريخه، وأحمد وابن أبي الدنيا وابن جرير والحاكم وصححه، وابن مردويه والبيهقي.\nوعلى كل حال، فمعنى الآية الكريمة: أن النار محيطة بهم من كل جانب، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾، وقال:  ﴿لَهُمْ  مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ﴾، وقال: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾   إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا﴾ يعني إن يطلبوا الغوث مما هم فيه من الكرب يغاثوا، يؤتوا بغوث هو ماء كالمهل. والمهل في اللغة: يطلق على ما أذيب من جواهر الأرض، كذائب الحديد والنحاس، والرصاص ونحو ذلك.\nويطلق أيضًا على دُرْديّ الزيت وهو عكره. والمراد بالمهل في الآية: ما أذيب من جواهر الأرض. وقيل: دُرْديّ الزيت. وقيل: هو نوع من القطران. وقيل: السم.\nفإن قيل: أي إغاثة في ماء كالمهل مع أنه من أشد العذاب، وكيف قال الله تعالى: ﴿يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾؟.\nفالجواب: أن هذا من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن. ونظيره من كلام العرب قول بشر بن أبي حازم:\nغضبت تميمٌ أن تَقَتَّلَ عامرٌ ... يوم النِّسار فأُعْتِبوا بالصَّيْلَمِ\nفمعنى قوله \"أعتبوا بالصيلم\": أي أُرضوا بالسيف. يعني ليس","vol":"4","page":123},{"text":"لهم منا إرضاء إلا بالسيف. وقول عمرو بن معد يكرب:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيةَ بينهم ضربٌ وجيعُ\nيعني: لا تحية لهم إلا الضرب الوجيع. وإذا كانوا لا يغاثون إلا بماء كالمهل: علم من ذلك أنهم لا إغاثة لهم البتة. والياء في قوله: ﴿يَسْتَغِيثُوا﴾ والألف في قوله: ﴿يُغَاثُوا﴾ كلتاهما مبدلة من واو، لأن مادة الاستغاثة من الأجوف الواوي العين، ولكن العين أعلت الساكن الصحيح قبلها، على حد قوله في الخلاصة:\nلساكنٍ صحَّ انقل التحريكَ من ... ذي لينٍ آتٍ عينَ فعلٍ كأَبنْ\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ أي: يحرقها حتى تسقط فروة الوجه، أعاذنا الله والمسلمين منه! وعن النبي - ﷺ - في تفسير هذه الآية الكريمة أنه قال: ﴿كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوه﴾ هو كعكر الزيت فإذا قرب إليه سقطت فروة وجهه\". قال ابن حجر ﵀ في (الكافي الشاف، في تخريج أحاديث الكشاف): أخرجه الترمذي من طريق رشدين بن سعد، عن عمرو بن الحارث، عن درَّاج، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد، واستغربه وقال: لا يعرف إلا من حديث رشدين بن سعد، وتعقب قوله بأن أحمد وأبا يعلى أخرجاه من طريق ابن لهيعة عن دراج، وبأن ابن حبان والحاكم أخرجاه من طريق وهب عن عمرو بن الحارث.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ المخصوص بالذم فيه محذوف، تقديره: بئس الشراب ذلك الماء الذي يغاثون به. والضمير الفاعل في قوله: ﴿وَسَاءَتْ﴾ عائد إلى النار.","vol":"4","page":124},{"text":"والمرتفق: مكان الارتفاق. وأصله أن يتكئ الإنسان معتمدًا على مرفقه. وللعلماء في المراد بالمرتفق في الآية أقوال متقاربة في المعنى. قيل مرتفقًا: أي منزلًا. وهو مروي عن ابن عباس. وقيل: مقرًا، وهو مروي عن عطاء. وقيل: مجلسًا وهو مروي عن العتبيّ. وقال مجاهد: مرتفقًا أي مجتمعًا. فهو عنده مكان الارتفاق بمعنى مرافقة بعضهم لبعض في النار.\nوحاصل معنى الأقوال: أن النار بئس المستقر هي، وبئس المقام هي. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٦٦)﴾، وكون أصل الارتفاق هو الاتكاء على المرفق، معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nنام الخليُّ وبتُّ الليل مرتفقًا ... كأنَّ عَينيَ فيها الصابُ مذبوحُ\nويروى \"وبت الليل مشتجرًا\" وعليه فلا شاهد في البيت. ومنه قول أعشى باهلة:\nقد بتُّ مرتفقًا للنجم أرقبه ... حيران ذا حذر لو ينفع الحذر\nوقول الراجز:\nقالت له وارتفقت: ألا فتًى ... يسوق بالقومِ غزالات الضُّحى\nوهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من صفات هذا الشراب، الذي يسقى به أهل النار، جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿تُسْقَى مِنْ عَينٍ آنِيَةٍ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا","vol":"4","page":125},{"text":"وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ والحميم الآني: الماء المتناهي في الحرارة، وقوله تعالى: ﴿وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا بَرْدًا وَلَا شَرَابًا (٢٤) إلا حَمِيمًا وَغَسَّاقًا (٢٥) ..﴾ الآية؛ وقوله تعالى: ﴿هَذَا فَلْيَذُوقُوهُ حَمِيمٌ وَغَسَّاقٌ (٥٧) وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة \"يونس\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-832> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من عمل صالحًا وأحسن في عمله أنه جل وعلا لا يضيع أجره، أي جزاء عمله؛ بل يُجازى بعمله الحسن الجزاء الأوفى.\nوبيَّن هذا المعنى في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾؛ وقوله تعالى: ﴿يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ (١٧١)﴾، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾ والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًّا. وفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان عند العلماء:\nالأول: أن يقال: أين خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية؟ فإذا قيل: خبرها جملة ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ توجه السؤال.","vol":"4","page":126},{"text":"الثاني: وهو أن يقال: أين رابط الجملة الخبرية بالمبتدأ الذي هو اسم ﴿إِنَّ﴾؟.\nاعلم أن خبر ﴿إِنَّ﴾ في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ قيل هو جملة ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ وعليه فقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ جملة اعتراضية. وعلى هذا فالرابط موجود ولا إشكال فيه. وقيل: ﴿إِنَّ﴾ الثانية واسمها وخبرها، كل ذلك خبر ﴿إِنَّ﴾ الأولى. ونظير الآية من القرآن في الإخبار عن ﴿إِنَّ﴾ بـ ﴿إِنَّ﴾ وخبرها واسمها قوله تعالى في سورة \"الحج\": ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَينَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ  ..﴾  الآية، وقول الشاعر:\nإنَّ الخليفةَ إنَّ اللهَ ألبسه ... سربال ملك به تُرْجى الخواتيم\nعلى أظهر الوجهين في خبر \"إن\" الأولى في البيت. وعلى هذا فالجواب عن السؤال الثاني من وجهين:\nالأول: أن الضمير الرابط محذوف، تقديره: لا نُضِيع أجر من أحسن منهم عملا؛ كقولهم: السَّمْن مَنَوانٌ بدرهم، أي مَنَوانٌ منه بدرهم، كما تقدم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ...﴾  الآية. أي: يتربصن بعدهم.\nالوجه الثاني: أن ﴿مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا (٣٠)﴾ هم الذين آمنوا وعملوا الصالحات. وإذا كان الذين آمنوا، ومن أحسن عملًا، ينظمها معنى واحد قام ذلك مقام الربط بالضمير. وهذا هو مذهب الأخفش، وهو الصواب؛ لأن الربط حاصل بالاتحاد في المعنى.","vol":"4","page":127},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-833> قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ -إلى قوله- وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾</span>.\nبيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة أجر من أحسن عملًا، فذكر أنه جنات عدن تجري من تحتهم فيها الأنهار، ويحلون فيها أساور الذهب، ويلبسون فيها الثياب الخضر من السندس والاستبرق، في حال كونهم متكئين فيها على الأرائك وهي السرر في الحجال، والحجال: جمع حجلة وهو بيت يزين للعروس بجميع أنواع الزينة. ثم أثنى على ثوابهم بقوله: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾؛ وهذا الذي بينه هنا من صفات جزاء المحسنين الذين آمنوا وعملوا الصالحات، جاء مبينًا في مواضع كثيرة جدًّا من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى في سورة الإنسان: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) -إلى قوله- وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾، وكقوله في سورة \"الواقعة\": ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢) -إلى قوله- لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن.\nوقد بين في سورة السجدة أن ما أخفاه الله لهم من قرة أعين لا يعلمه إلا هو جل وعلا، وذلك في قوله: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ ...﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ أي إقامة لا رحيل بعدها ولا تحول؛ كما قال تعالى: ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ أصله من عدن بالمكان: إذا أقام به. وقد تقدم في سورة النحل معنى السندس والإستبرق بما أغنى عن إعادته هنا، والأساور:","vol":"4","page":128},{"text":"جمع سوار. وقال بعضهم: جمع أسورة. والثواب: الجزاء مطلقًا على التحقيق؛ ومنه قول الشاعر:\nلكلِّ أخي مدحٍ ثوابٌ علمته ... وليس لمدحِ الباهليِّ ثواب\nوقول من قال: إن الثواب في اللغة يختص بجزاء الخير بالخير، غير صواب: بل يطلق الثواب أيضًا على جزاء الشر بالشر؛ ومنه قوله تعالى: ﴿هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيهِ ..﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ الضمير في قوله: ﴿وَحَسُنَتْ﴾ راجع إلى ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾. والمرتفق قد قدمنا أقوال العلماء فيه. وقوله هنا في الجنة: ﴿وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ يبين معناه قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥) خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-834> قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن هذا الرجل الكافر الظالم لنفسه، الذي ضربه مثلًا مع الرجل المؤمن في هذه الآيات لرؤساء الكفار، الذين افتخروا بالمال والجاه على ضعفاء المسلمين الفقراء كما تقدم، أنه دخل جنته في حال كونه ظالمًا لنفسه وقال: إنه ما يظن أن تهلك جنته ولا تفنى؛ لما رأى من حسنها ونضارتها، وقال: إنه لا يظن الساعة قائمة، وإنه إن قُدِّر أن يبعث ويرد إلى ربه","vol":"4","page":129},{"text":"ليجدن عنده خيرًا من الجنة التي أعطاه في الدنيا.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من جهل الكفار واغترارهم بمتاع الحياة الدنيا، وظنهم أن الآخرة كالدنيا ينعم عليهم فيها أيضًا بالمال والولد، كما أنعم عليهم في الدنيا، جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله في \"فصلت\": ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، وقوله في \"مريم\": ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾، وقوله في \"سبأ\": ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿فَقَال لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا (٣٤)﴾ .\nوبين جل وعلا كذبهم واغترارهم فيما ادعوه من أنهم يجدون نعمة الله في الآخرة كما أنعم عليهم بها في الدنيا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله:  ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾،  وقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى ...﴾   الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾  إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿مُنْقَلَبًا﴾ أي: مرجعًا وعاقبة. وانتصابه على التمييز. وقوله: ﴿لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا﴾ قرأه ابن عامر ونافع وابن كثير \"منهما\" بصيغة تثنية الضمير. وقرأه الباقون ﴿مِنْهَا﴾ بصيغة إفراد هاء الغائبة. فالضمير على قراءة تثنيته راجع إلى الجنتين في قوله:","vol":"4","page":130},{"text":"﴿جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَينِ﴾، وقوله: ﴿كِلْتَا الْجَنَّتَينِ﴾. وعلى قراءة الإفراد راجع إلى الجنة في قوله: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ ...﴾ الآية.\nفإن قيل: ما وجه إفراد الجنة مع أنهما جنتان؟ فالجواب: أنه قال ما ذكره الله عنه حين دخل إحداهما، إذ لا يمكن دخوله فيهما معًا في وقت واحد. وما أجاب به الزمخشري عن هذا السؤال ظاهر السقوط، كما نبه عليه أبو حيان في البحر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-835> قوله تعالى: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧) لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الرجل المؤمن المضروب مثلًا للمؤمنين، الذين تكبر عليهم أولو المال والجاه من الكفار، قال لصاحبه الآخر الكافر المضروب مثلًا لذوي المال والجاه من الكفار منكرًا عليه كفره: أكفرت بالذي خلقك من تراب، ثم من نطفة، ثم سواك رجلًا، لأن خلقه إياه من تراب ثم من نطفة، ثم تسويته إياه رجلًا، كل ذلك يقتضي إيمانه بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، وجعله بشرًا سويًا، ويجعله يستبعد منه كل البعد الكفر بخالقه الذي أبرزه من العدم إلى الوجود. وهذا المعنى المبين هنا بينه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿كَيفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ (٧٩) وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ","vol":"4","page":131},{"text":"يَشْفِينِ (٨٠) وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ (٨١) ..﴾  الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾   إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا كثيرًا من الآيات الدالة على أن ضابط من يستحق العبادة وحده دون غيره: أن يكون هو الذي يخلق المخلوقات، ويظهرها من العدم إلى الوجود بما أغنى عن إعادته هنا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾   معنى خلقه إياه من تراب: أي خلق آدم الذي هو أصله من التراب؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ...﴾  الآية. ونظير الآية التي نحن بصددها قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ...﴾   الآية.\nوقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ أي بعد أن خلق آدم من التراب، وخلق حواء من ضلعه، وجعلها زوجًا له؛ كانت طريق إيجاد الإنسان بالتناسل. فبعد طور التراب طور النطفة؛ ثم طور العلقة إلى آخر أطواره المذكورة في قوله: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾  وقد أوضحها تعالى إيضاحًا تامًّا في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ .\nومما يبين خلق الإنسان من تراب، ثم من نطفة: قوله تعالى في \"السجدة\": ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ","vol":"4","page":132},{"text":"كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا﴾ كقوله: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ أي بعد أن كان نطفة صار إنسانًا خصيمًا شديد الخصومة في توحيد ربه. وقوله: ﴿سَوَّاكَ﴾ أي خلقك مستوي الأجزاء، معتدل القامة والخلق، صحيح الأعضاء في أكمل صورة، وأحسن تقويم؛ كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾، وقوله: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ (٦) الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ (٧) فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ (٨)﴾، وقوله: ﴿رَجُلًا﴾ أي ذكرًا بالغًا مبلغ الرجال، وربما قالت العرب للمرأة: رجلة، ومنه قول الشاعر:\nكل جار ظل مغتبطًا ... غير جيران بني جبله\nمزقوا ثوب فتاتهم ... لم يراعوا حرمة الرَّجُله\nوانتصاب ﴿رَجُلًا﴾ على الحال. وقيل مفعول ثان لـ\"سَوَّى\" على تضمينه معنى: جعلك أو صيرك رجلًا. وقيل: هو تمييز. وليس بظاهر عندي، والظاهر أن الإنكار المدلول عليه بهمزة الإنكار في قوله: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾ مضمن معنى الاستبعاد، لأنه يستبعد جدًّا كفر المخلوق بخالقه، الذي أبرزه من العدم إلى الوجود، ويستبعد إنكار البعث ممن علم أن الله خلقه من","vol":"4","page":133},{"text":"تراب، ثم من نطفة، ثم سواه رجلًا؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ...﴾  الآية. ونظير الآية في الدلالة على الاستبعاد لوجود موجبه قول الشاعر:\nولا يكشف الغماء إلا ابن حرة ... يرى غمرات الموت ثم يزورها\nلأن من عاين غمرات الموت يستبعد منه اقتحامها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا (٣٨)﴾  بين فيه أن هذا الرجل المؤمن قال لصاحبه الكافر: أنت كافر! لكن أنا لست بكافر! بل مخلص عبادتي لربي الذي خلقني، أي لأنه هو الذي يستحق مني أن أعبده، لأن المخلوق محتاج مثلي إلى خالق يخلقه، تلزمه عبادة خالقه كما تلزمني. ونظير قول هذا المؤمن ما قدمنا عن الرجل المؤمن المذكور في \"يس\" في قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي﴾   أي أبدعني وخلقني وإليه ترجعون. وما قدمنا عن إبراهيم في قوله: ﴿فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨) ...﴾   الآية، وقوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾  الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ﴾  بعد قوله: ﴿وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً﴾ يدل على أن الشك في البعث كفر بالله تعالى. وقد صرح بذلك في أول سورة \"الرعد\" في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾  .\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَكِنَّا﴾ أصله \"لكن أنا\"","vol":"4","page":134},{"text":"فحذفت همزة \"أنا\" وأدغمت نون \"لكن\" في نون \"أنا\" بعد حذف الهمزة. وقال بعضهم: نقلت حركة الهمزة إلى نون \"لكن\" فسقطت الهمزة بنقل حركتها، ثم أدغمت النون في النون؛ ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:\nوترمينني بالطرف أي أنت مذنب ... وتقلينني لكنَّ إيَّاكِ لم أَقْلِ\nأي: لكن أنا إياك لم أَقْلِ. وقال بعضهم: لا يتعين في البيت ما ذكر؛ لجواز أن يكون المقصود لكنني فحذف اسم \"لكن\" كقول الآخر:\nفلو كنت ضبيًا عرفت قرابتي ... ولكنَّ زنجي عظيم المشافر\nأي: لكنك زنجي في رواية من روى \"زنجي\" بالرفع. وأنشد الكسائي لنحو هذا الحذف من \"لكن أنا\" قول الآخر:\nلهنَّكِ من عَبْسية لَوَسيمَة ... على هَنَواتٍ كاذب من يقولها\nقال: أراد بقوله \"لهنك\" لله إنك؛ فحذف إحدى اللامين من \"لله\"، وحذف الهمزة من \"إنك\" نقله القرطبي عن أبي عبيد.\nوقوله تعالى: ﴿لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي﴾ قرأه جماهير القراء في الوصل \"لكن\" بغير ألف بعد النون المشددة. وقرأه ابن عامر من السبعة ﴿لَكِنَّا﴾ بالألف في الوصل. ويروى ذلك عن عاصم، ورواه المسيلي عن نافع، ورويس عن يعقوب. واتفق الجميع على إثبات الألف في الوقف. ومد نون \"أنا\" لغة تميم إن كان بعدها همزة. وقال أبو حيان في البحر: إن إثبات ألف \"أنا\" مطلقًا في الوصل لغة بني تميم، وغيرها يثبتونها على الاضطرار. قال:","vol":"4","page":135},{"text":"فجاءت قراءة ﴿لَكِنَّا﴾ بإثبات الألف في الوصل على لغة تميم. ومن شواهد مد \"أنا\" قبل غير الهمزة قول الشاعر:\nأنا سيف العشيرة فاعرفوني ... حميدًا قد تذريت السناما\nوقول الأعشى:\nفكيف أنا وانتحال القوافي ... بعد المشيب كفى ذاك عارا\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُحَاورُهُ﴾ جملة حالية. والمحاورة: المراجعة في الكلام، ومنه قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا﴾، وقول عنترة في معلقته:\nلو كان يدري ما المحاورةُ اشتكى ... ولكان لو عَلِم الجوابَ مُكَلِّمي\nوكلام المفسرين في الرجلين المذكورين هنا في قصتهما كبيان أسمائهما، ومن أي الناس هما؛ أعرضنا عنه لما ذكرنا سابقًا من عدم الفائدة فيه، وعدم الدليل المقنع عليه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-836> قوله تعالى: ﴿أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾</span>.\nمعنى قوله: ﴿غَوْرًا﴾ أي غائرًا؛ فهو من الوصف بالمصدر؛ كما قال في الخلاصة:\nونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا\nوالغائر: ضد النابع. وقوله: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾ لأن الله إذا أعدم ماءها بعد وجوده، لا تجد من يقدر على أن يأتيك به","vol":"4","page":136},{"text":"غيره جل وعلا. وأشار إلى نحو هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ولا شك أن الجواب الصحيح: لا يقدر على أن يأتينا به إلا الله وحده؛ كما قال هنا: ﴿فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا (٤١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-837> قوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣) هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا وَخَيرٌ عُقْبًا (٤٤)﴾</span>.\nاعلم أن في هذه الآية الكريمة: قراءات سبعية، وأقوالًا لعلماء التفسير، بعضها يشهد له قرآن، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد تكون فيها مذاهب للعلماء، يشهد لكل واحد منها قرآن؛ فنذكر الجميع وأدلته في القرآن. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله في هذه الآية: ﴿وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي بالتاء المثناة الفوقية. وقرأه حمزة والكسائي \"ولم يكن له فئة\" بالياء المثناة التحتية. وقوله: ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ﴾ قرأه السبعة ما عدا حمزة والكسائي أيضًا: ﴿الْوَلَايَةُ﴾ بفتح الواو. وقرأه حمزة والكسائي بكسر الواو. وقوله: ﴿الْحَقِّ﴾ قرأه السبعة ما عدا أبا عمرو والكسائي بالخفض نعتًا ﴿لِلَّهِ﴾ وقرأه أبو عمرو والكسائي بالرفع نعتًا للولاية. فعلى قراءة من قرأ ﴿الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ بفتح الواو؛ فإن معناها: الموالاة والصلة، وعلى هذه القراءة ففي معنى الآية وجهان:\nالأول: أن معنى ﴿هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ﴾ أي في ذلك المقام، وتلك الحال تكون الولاية من كل أحد لله، لأن الكافر إذا رأى العذاب رجع إلى الله. وعلى هذا المعنى فالآية كقوله تعالى:","vol":"4","page":137},{"text":"﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾، وقوله في فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾    ونحو ذلك من الآيات.\nالوجه الثاني: أن الولاية في مثل ذلك المقام وتلك الحال لله وحده، فيوالي فيه المسلمين ولاية رحمة، كما في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا ...﴾  الآية، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾  . وله على الكافرين ولاية الملك والقهر، كما في قوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾  .\nوعلى قراءة حمزة والكسائي فـ (الولاية) بالكسر بمعنى الملك والسلطان، والآية على هذه القراءة كقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ...﴾  الآية، وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَينَهُمْ﴾ .\nوعلى قراءة ﴿الْحَقِّ﴾ بالجر نعتًا لله، فالآية كقوله: ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ ...﴾   الآية، وقوله: ﴿فَذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ ...﴾  الآية، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾  إلى غير ذلك من الآيات. وعلى قراءة ﴿الْحَقُّ﴾ بالرفع نعتًا للولاية، على أن الولاية بمعنى الملك، فهو كقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ ...﴾   الآية.\nوما ذكره جل وعلا عن هذا الكافر: من أنه لم تكن له فئة ينصرونه من دون الله، ذكر نحوه عن غيره من الكفار، كقوله في قارون: ﴿فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِنْ فِئَةٍ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ","vol":"4","page":138},{"text":"وَمَا كَانَ مِنَ الْمُنْتَصِرِينَ (٨١)﴾، وقوله: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿هُنَالِكَ﴾ قال بعض العلماء: هو متعلق بما بعده، والوقف تام على قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا (٤٣)﴾  . وقال بعضهم: هو متعلق بما قبله، فعلى القول الأول فالظرف الذي هو ﴿هُنَالِكَ﴾ عامله ما بعده، أي الولاية كائنة لله هنالك. وعلى الثاني فالعامل في الظرف اسم الفاعل الذي هو ﴿مُنْتَصِرًا﴾ أي لم يكن انتصاره واقعًا هنالك. وقوله: ﴿هُوَ خَيرٌ ثَوَابًا﴾ أي جزاء كما تقدم. وقوله: ﴿عُقْبًا﴾ أي عاقبة ومآلًا. وقرأه السبعة ماعدا عاصمًا وحمزة ﴿عُقُبًا﴾ بضمتين. وقراءة عاصم وحمزة ﴿عُقْبًا﴾ بضم العين وسكون القاف والمعنى واحد. وقوله: ﴿ثَوَابًا﴾ وقوله: ﴿عُقْبًا﴾ كلاهما منصوب على التمييز بعد صيغة التفضيل التي هي ﴿خَيرٌ﴾ كما قال في الخلاصة:\nوالفاعلَ المعنى انصبَنْ بأفعلا ... مُفَضِّلًا كأنتَ أعلى منزِلا\nولفظة \"خير وشر\" كلتاهما تأتي صيغة تفضيل حذفت منها الهمزة تخفيفًا لكثرة الاستعمال، قال ابن مالك في الكافية:\nوغالبًا أغناهم خَير وشَرّ ... عن قولهم أخيْرَ منه وأشَر\nتنبيه\nقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فِئَةٌ﴾ محذوف منه حرف بلا خلاف، إلا أن العلماء اختلفوا في الحرف المحذوف؛ هل هو ياء أو واو، وهل هو العين أو اللام؟ قال بعضهم: المحذوف العين،","vol":"4","page":139},{"text":"وأصله ياء. وأصل المادة (ف ي أ)، من فاء يفيء إذا رجع، لأن فئة الرجل طائفته التي يرجع إليها في أموره، وعلى هذا فالتاء عوض عن العين المحذوفة، ووزنه بالميزان الصرفي \"فلة\". وقال بعضهم: المحذوف اللام، وأصله واو؛ من فأوت رأسه إذا شققته نصفين. وعليه فالفئة الفرقة من الناس. وعلى هذا فوزنه بالميزان الصرفي \"فعة\" والتاء عوض عن اللام. وكلا القولين نصره بعض أهل العلم، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-838> قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ أَمَلًا (٤٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المال والبنين زينة الحياة الدنيا، وأن الباقيات الصالحات خير عند الله ثوابًا وخير أملًا.\nوالمراد من الآية الكريمة: تنبيه الناس للعمل الصالح؛ لئلا يشتغلوا بزينة الحياة الدنيا من المال والبنين عما ينفعهم في الآخرة عند الله من الأعمال الباقيات الصالحات. وهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤) قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (١٥)﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا","vol":"4","page":140},{"text":"أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ..﴾   الآية، وقوله: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨) إلا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٩)﴾  إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الإنسان لا ينبغي له الاشتغال بزينة الحياة الدنيا عما ينفعه في آخرته. وأقوال العلماء في الباقيات الصالحات كلها راجعة إلى شيء واحد، وهو الأعمال التي ترضي الله، سواء قلنا: إنها الصلوات الخمس، كما هو مروي عن جماعة من السلف؛ منهم ابن عباس، وسعيد بن جبير، وأبو ميسرة، وعمرو بن شرحبيل. أو أنها: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم. وعلى هذا القول جمهور العلماء، وجاءت دالة عليه أحاديث مرفوعة عن أبي سعيد الخدري، وأبي الدرداء، وأبي هريرة، والنعمان بن بشير، وعائشة ﵃.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق أن ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ﴾ لفظ عام، يشمل الصلوات الخمس، والكلمات الخمس المذكورة، وغير ذلك من الأعمال التي ترضي الله تعالى؛ لأنها باقية لصاحبها غير زائلة ولا فانية كزينة الحياة الدنيا، ولأنها أيضًا صالحة لوقوعها على الوجه الذي يرضي الله تعالى. وقوله: ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ تقدم معناه. وقوله: ﴿وَخَيرٌ أَمَلًا﴾ أي الذي يؤمل من عواقب الباقيات الصالحات، خير مما يؤمله أهل الدنيا من زينة حياتهم الدنيا، وأصل الأمل: طمع الإنسان بحصول ما يرجوه في المستقبل. ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى في \"مريم\": ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾   والمَرَدّ: المرجع إلى الله يوم القيامة. وقال بعض العلماء: ﴿مَرَدًّا (٧٦)﴾","vol":"4","page":141},{"text":"مصدر ميمي، أي: وخير ردًّا للثواب على فاعلها، فليست كأعمال الكفار التي لا ترد ثوابًا على صاحبها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-839> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَيَوْمَ﴾ منصوب بـ\"اذكر\" مقدرًا. أو بفعل للقول المحذوف كل قوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾ أي: قلنا لهم يوم نسير الجبال: لقد جئتمونا فرادى. وقول من زعم أن العامل فيه ﴿خَيرٌ﴾ يعني والباقيات الصالحات خير يوم نسير الجبال، بعيد جدًّا كما ترى.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن يوم القيامة يختل فيه نظام هذا العالم الدنيوي، فتسير جباله، وتبقى أرضه بارزة لا حجر فيها ولا شجر، ولا بناء ولا وادي ولا عَلَم = ذكره في مواضع أخر كثيرة، فذكر أنه يوم القيامة يحمل الأرض والجبال من أماكنهما، ويدكهما دكة واحدة، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) ..﴾ الآية.\nوما ذكره من تسيير الجبال في هذه الآية الكريمة: ذكره أيضًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾، وقوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ ...﴾ الآية.\nثم ذكر في مواضع أخر: أنه جل وعلا يفتتها حتى تذهب","vol":"4","page":142},{"text":"صلابتها الحجرية وتلين، فتكون في عدم صلابتها ولينها كالعهن المنفوش، وكالرمل المتهايل، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (٤) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾   والعهن: الصوف. وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾  أي فتتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، على أشهر التفسيرات.\nثم ذكر جل وعلا: أنه يجعلها هباءً وسرابًا، قال: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ [الواقعة: ٥]، وقال: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾  .\nوبين في موضع آخر: أن السراب عبارة عن لا شيء؛ وهو قوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ -إلى قوله- لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾  .\nوقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال﴾  قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو (تُسَيَّرُ الجبالُ) بالتاء المثناة الفوقية وفتح الياء المشددة من قوله \"تُسَيَّر\" مبينًا للمفعول. و\"الجبال\" بالرفع نائب فاعل \"تسير\" والفاعل المحذوف ضمير يعود إلى الله جل وعلا. وقرأه باقي السبعة (نُسَيِّرُ) بالنون وكسر الياء المشددة مبنيًّا للفاعل، و﴿الْجِبَال﴾ منصوب مفعول به، والنون في قوله: ﴿نُسَيِّرُ﴾ للتعظيم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ البروز: الظهور؛ أي ترى الأرض ظاهرة منكشفة لذهاب الجبال والظراب","vol":"4","page":143},{"text":"والآكام، والشجر والعمارات التي كانت عليها. وهذا المعنى الذي ذكره هنا؛ بينه أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥) فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾  . وأقوال العلماء في معنى ذلك راجعة إلى شيء واحد، وهو أنها أرض مستوية لا نبات فيها، ولا بناء ولا ارتفاع ولا انحدار. وقول من قال: إن معنى ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾: أي بارزًا ما كان في بطنها من الأموات والكنوز، بعيد جدًّا كما ترى. وبروز ما في بطنها من الأموات والكنوز دلت عليه آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْأَرْضُ مُدَّتْ (٣) وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلَّتْ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ (٩) وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ (٤)﴾  .\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾ أي جمعناهم للحساب والجزاء. وهذا الجمع المعبر عنه بالحشر هنا: جاء مذكورًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ...﴾   الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ...﴾   الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين في موضع آخر: أن هذا الحشر المذكور شامل للعقلاء وغيرهم من أجناس المخلوقات، وهو قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي","vol":"4","page":144},{"text":"الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيهِ إلا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ أي لم نترك. والمغادرة: الترك؛ ومنه الغدر؛ لأنه ترك الوفاء والأمانة.\nوسمى الغدير من الماء غديرًا، لأن السيل ذهب وتركه. ومن المغادرة بمعنى الترك قول عنترة في مطلع معلقته:\nهل غادر الشعراء من متردَّم ... أم هل عرفت الدار بعد توهم\nوقوله أيضًا:\nغادرتُه مُتَعَفِّرًا أوصالُه ... والقومُ بين مجرِّحِ ومُجَدَّلِ\nوما ذكره في هذه الآية الكريمة -من أنه حشرهم ولم يترك منهم أحدًا- جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ...﴾ الآية، ونحوها من الآيات، لأن حشرهم جميعًا هو معنى أنه لم يغادر منهم أحدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-840> قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الخلائق يوم القيامة يعرضون على ربهم صفًّا، أي في حال كونهم مصطفين. قال بعض العلماء: صفًّا بعد صف. وقال بعضهم: صفًّا واحدًا وقال بعض العلماء: ﴿صَفًّا﴾ أي جميعًا، كقوله: ﴿ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ على القول فيه بذلك. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وخرج الحافظ أبو القاسم عبد الرحمن بن منده في كتاب التوحيد عن معاذ بن جبل: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ﵎ ينادي يوم القيامة","vol":"4","page":145},{"text":"بصوت رفيع غير فظيع: يا عبادي، أنا الله لا إله إلا أنا أرحم الراحمين وأحكم الحاكمين وأسرع الحاسبين. يا عبادي، لا خوف عليكم اليوم ولا أنتم تحزنون، أحْضِروا حُجَّتكم ويسروا جوابًا فإنكم مسئولون محاسبون. يا ملائكتي، أقيموا عبادي صفوفًا على أطراف أنامل أقدامهم للحساب\". قلت: هذا الحديث غاية في البيان في تفسير الآية. ولم يذكره كثير من المفسرين، وقد كتبناه في كتاب التذكرة ومنه نقلناه، والحمد لله. انتهى كلام القرطبي. والحديث المذكور يدل على أن ﴿صَفًّا﴾ في هذه الآية يراد به صفوفًا؛ كقوله في الملائكة: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾  . ونظير الآية قوله في الملائكة: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨)﴾  .\nفإذا علمت أن الله جل وعلا ذكر في هذه الآية الكريمة حالًا من أحوال عرض الخلائق عليه يوم القيامة؛ فاعلم أنه بين في مواضع أخر أشياء أخر من أحوال عرضهم عليه؛ كقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾ . وبين في مواضع أخر ما يلاقيه الكفار، وما يقال لهم عند ذلك العرض على ربهم؛ كقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الْأَشْهَادُ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٨) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (١٩)﴾ .\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿صَفًّا﴾ أصله مصدر، والمصدر المنكر قد يكون حالًا على حد قوله في الخلاصة:\nومصدرٌ منكَّرٌ حالًا يقع ... بكثرةٍ كبغتةً زيدٌ طَلَع","vol":"4","page":146},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-841> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾</span>.\nهذا الكلام مقول قول محذوف. وحذف القول مطرد في اللغة العربية، كثير جدًّا في القرآن العظيم. والمعنى: يقال لهم يوم القيامة: لقد جئتمونا، أي: والله لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة، أي حفاة عراة غرلًا، أي غير مختونين، كل واحد منكم فرد لا مال معه ولا ولد، ولا خدم ولا حشم.\nوقد أوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا (٩٤) كُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا ...﴾ الآية، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (٢٩)﴾ كما تقدم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ \"ما\" مصدرية، والمصدر المنسبك منها ومن صلتها نعت لمصدر محذوف على حذف مضاف. وإيضاح تقريره: ولقد جئتمونا كما خلقناكم، أي: مجيئا مثل مجيء خلقكم، أي: حفاة عراة غرلا كما جاء في الحديث، وخالين من المال والولد. وهذا الإعراب هو مقتضى كلام أبي حيان في البحر. ويظهر لي أنه يجوز إعرابه أيضًا حالًا، أي: جئتمونا في حال كونكم مشابهين لكم في حالتكم الأولى، لأن التشبيه يؤول بمعنى الوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nويكثرُ الجمودُ في سعرٍ وفي ... مُبْدِي تأوُّلٍ بلا تكلُّفِ\nكبِعْه مُدًّا بكذا يدًا بيدْ ... وكرَّ زيدٌ أسدًا أي كأسدْ","vol":"4","page":147},{"text":"فقوله: \"وكر زيد أسدًا أي كأسد\" مثال لمُبْدي التأوُّل، لأنه في تأويل \"كر\" في حال كونه مشابهًا للأسد كما ذكرنا، واعلم أن حذف القول وإثبات مقوله مطرد في اللغة العربية، وكثير في القرآن العظيم كما ذكرناه آنفًا. لكن عكسه وهو إثبات القول وحذف مقوله قليل جدًّا، ومنه قول الشاعر:\nلنحن الألى قلتم فأنى مُلِئتم ... برؤيتنا قبل اهتمامٍ بكم رُعبا (^١)\nلأن المراد: لنحن الألى قلتم نقاتلهم، فحذف جملة \"نقاتلهم\" التي هي مقول القول. وقوله: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾ عبر فيه بالماضي وأراد المستقبل، لأن تحقيق وقوع ذلك ينزله منزلة الواقع بالفعل. والتعبير بصيغة الماضي عن المستقبل لما ذكرنا كثير جدًّا في القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا﴾. ومنه قوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ ونحو ذلك كثير في القرآن لما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-842> قوله تعالى: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار زعموا أن الله لن يجعل لهم موعدًا. والموعد يشمل زمان الوعد ومكانه. والمعنى: أنهم زعموا أن الله لم يجعل وقتًا ولا مكانًا لإنجاز ما وعدهم على ألسنة رسله من البعث والجزاء والحساب.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من إنكارهم للبعث؛ جاء\n_________\n(^١) كذا بالأصل.","vol":"4","page":148},{"text":"مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا ...﴾ الآية، وقوله عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقد بين الله تعالى كذبهم في إنكارهم للبعث في آيات كثيرة؛ كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، وقوله: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد قدمنا في سورة \"البقرة\" وسورة \"النحل\" البراهينَ التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ﴾ إضراب انتقالي من خبر إلى خبر آخر، لا إبطالي كما هو واضح. و\"أن\" في قوله: ﴿أَلَّنْ نَجْعَلَ﴾ مخففة من الثقيلة، وجملة الفعل الذي بعدها خبرها، والاسم ضمير الشأن المحذوف؛ على حد قوله في الخلاصة.\nوإن تخفف أن ... البيت\nوالفعل المذكور متصرف وليس بدعاء، ففصل بينه وبينها بالنفي؛ على حد قوله في الخلاصة:\nوإن يكن فعلًا ولم يكن دعا .. البيتين\n\n• قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ","vol":"4","page":149},{"text":"وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾ .\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكتاب يوضع يوم القيامة. والمراد بالكتاب: جنس الكتاب؛ فيشمل جميع الصحف التي كتبت فيها أعمال المكلفين في دار الدنيا. وأن المجرمين يشفقون مما فيه، أي يخافون منه، وأنهم يقولون: ﴿يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ﴾ . أي لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ من المعاصي التي عملنا ﴿إلا أَحْصَاهَا﴾ أي ضبطها وحصرها.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ . وبين أن بعضهم يؤتى كتابه بيمينه. وبعضهم يؤتاه بشماله. وبعضهم يؤتاه وراء ظهره. قال: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِشِمَالِهِ فَيَقُولُ يَاليتَنِي لَمْ أُوتَ كِتَابِيَهْ (٢٥) ..﴾   الآية، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩) وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢)﴾   وقد قدمنا هذا في سورة \"بني إسرائيل\". وما ذكره من وضع الكتاب هنا ذكره في \"الزمر\" في قوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ ...﴾  الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ﴾ تقدم معنى مثله في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى الشَّمْسَ إِذَا طَلَعَتْ ...﴾ الآية. والمجرمون: جمع المجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه عليه","vol":"4","page":150},{"text":"النكال. ومعنى كونهم ﴿مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾: أنهم خائفون مما في ذلك الكتاب من كشف أعمالهم السيئة، وفضيحتهم على رءوس الأشهاد، وما يترتب على ذلك من العذاب السرمدي. وقولهم: ﴿يَاوَيلَتَنَا﴾ الويلة: الهلكة، وقد نادوا هلكتهم التي هلكوها خاصة من بين الهلكات فقالوا: يا ويلتنا! أي يا هلكتنا احضري فهذا أوان حضورك! وقال أبو حيان في البحر: المراد من بحضرتهم: كأنهم قالوا: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. وكذا ما جاء من نداء ما لا يعقل كقوله: ﴿يَاأَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾، ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، ﴿يَاوَيلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾، وقوله:\nيا عجبًا لهذه الفليقة.\nفيا عجبًا من رحلها المتحمَّل.\nإنما يراد به تنبيه من يعقل بالتعجب مما حل بالمنادى. انتهى كلام أبي حيان. وحاصل ما ذكره: أن أداة النداء في قوله: ﴿يَاوَيلَتَنَا﴾ ينادى بها محذوف، وأن ما بعدها مفعول فعل محذوف، والتقدير كما ذكره: يا من بحضرتنا انظروا هلكتنا. ومعلوم أن حذف المنادى مع إثبات أداة النداء، ودلالة القرينة على المنادى المحذوف مسموع في كلام العرب؛ ومنه قول عنترة في معلقته:\nيا شاةَ ما قَنَصٍ لِمَن حلَّتْ له ... حَرُمَت عليَّ وليتها لم تَحْرُم\nيعني: يا قوم انظروا شاة قنص. وقول ذي الرمة:\nألا يا اسلمي يا دارَمَيَّ على البِلَى ... ولا زال مُنْهَلًّا بِجَرْعانك القَطْر\nيعني: يا هذه اسلمي.","vol":"4","page":151},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ أي: أي شيء ثبت لهذا الكتاب ﴿لَا يُغَادِرُ﴾ أي لا يترك ﴿صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً﴾ أي من المعاصي. وقول من قال: الصغيرة القُبْلة، والكبيرة الزنى، ونحو ذلك من الأقوال في الآية، إنما هو على سبيل التمثيل لا على سبيل الحصر. وللعلماء اختلاف كثير في تعريف الكبيرة معروف في الأصول. وقد صرح تعالى بأن المنهيات منها كبائر. ويفهم من ذلك أن منها صغائر. وبين أن اجتناب الكبائر يكفر الله به الصغائر؛ وذلك في قوله: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية. ويروى عن الفضيل بن عياض في هذه الآية أنه قال: ضجوا من الصغائر قبل الكبائر، وجملة ﴿لَا يُغَادِر﴾ حال من ﴿الْكِتَابِ﴾.\nتنبيه\nهذه الآية الكريمة يفهم منها: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنهم وجدوا في كتاب أعمالهم صغائر ذنوبهم محصاة عليهم، فلو كانوا غير مخاطبين بها لما سجلت عليهم في كتاب أعمالهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-843> قوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم في يوم القيامة يجدون أعمالهم التي عملوها في الدنيا حاضرة محصاة عليهم. وأوضح هذا أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾، وقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ ...﴾ الآية، وقوله:","vol":"4","page":152},{"text":"﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾، وقوله: ﴿يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-844> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا يظلم أحدًا، فلا ينقص من حسنات محسن، ولا يزيد من سيئات مسيء، ولا يعاقب على غير ذنب.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمَهُمُ اللَّهُ وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١١٨)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-845> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾</span>.\nقدمنا في سورة \"البقرة\" أن قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ محتمل لأن يكون أمرهم بذلك قبل وجود آدم أمرًا معلقًا على وجوده. ومحتمل لأنه أمرهم بذلك تنجيزًا بعد وجود آدم. وأنه جل وعلا بين في سورة \"الحجر\" وسورة \"ص\" أن أصل الأمر بالسجود متقدم على خلق آدم معلق عليه. قال في \"الحجر\": ﴿وَإِذْ قَال رَبُّكَ","vol":"4","page":153},{"text":"لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٢٩)﴾، وقال في \"ص\": ﴿إِذْ قَال رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾   ولا ينافي هذا أنه بعد وجود أدم جدد لهم الأمر بالسجود له تنجيزًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوا﴾ محتمل لأن يكونوا سجدوا كلهم أو بعضهم، ولكنه بين في مواضع أخر أنهم سجدوا كلهم، كقوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠)﴾   ونحوها من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾   ظاهر في أن سبب فسقه عن أمر ربه كونه من الجن. وقد تقرر في الأصول في \"مسلك النص\" وفي \"مسلك الإيماء والتنبيه\": أن الفاء من الحروف الدالة على التعليل، كقولهم: سرق فقطعت يده، أي لأجل سرقته. وسها فسجد، أي لأجل سهوه، ومن هذا القبيل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ أي لعلة سرقتهما. وكذلك قوله هنا: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ أي لعلة كينونته من الجن، لأن هذا الوصف فرق بينه وبين الملائكة، لأنهم امتثلوا الأمر وعصا هو. ولأجل ظاهر هذه الآية الكريمة ذهبت جماعة من العلماء إلى أن إبليس ليس من الملائكة في الأصل بل من الجن، وأنه كان يتعبد معهم، فأطلق عليه اسمهم لأنه تبع لهم، كالحليف في القبيلة يطلق عليه اسمها.\nوالخلاف في إبليس هل هو ملك في الأصل وقد مسخه الله شيطانًا، أو ليس في الأصل بملك، وإنما شمله لفظ الملائكة","vol":"4","page":154},{"text":"لدخوله فيهم وتعبده معهم؛ مشهور عند أهل العلم. وحجة من قال: إن أصله ليس من الملائكة أمران: أحدهما: عصمة الملائكة من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾  . والثاني: أن الله صرح في هذه الآية الكريمة بأنه من الجن، والجن غير الملائكة. قالوا: وهو نص قرآني في محل النزاع. واحتج من قال: إنه ملك في الأصل بما تكرر في الآيات القرآنية من قوله: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ﴾   قالوا: فإخراجه بالاستثناء من لفظ الملائكة دليل على أنه منهم. وقال بعضهم: والظواهر إذا كثرت صارت بمنزلة النص. ومن المعلوم أن الأصل في الاستثناء الاتصال لا الانقطاع. قالوا: ولا حجة لمن خالفنا في قوله تعالى: ﴿كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ لأن الجن قبيلة من الملائكة، خلقوا من بين الملائكة من نار السموم كما روي عن ابن عباس. والعرب تعرف في لغتها إطلاق الجن على الملائكة؛ ومنه قول الأعشى في سليمان بن داود:\nوسخَّر من جن الملائك تسعة ... قيامًا لديه يعملون بلا أجر\nقالوا: ومن إطلاق الجن على الملائكة قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا بَينَهُ وَبَينَ الْجِنَّةِ نَسَبًا﴾  عند من يقول: بأن المراد بذلك قولهم: الملائكة بنات الله -﷾ عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا- وممن جزم بأنه ليس من الملائكة في الأصل لظاهر هذه الآية الكريمة: الحسن البصري، ونصره الزمخشري في تفسيره. وقال القرطبي في تفسير سورة \"البقرة\": إن كونه من الملائكة هو","vol":"4","page":155},{"text":"قول الجمهور: ابن عباس، وابن مسعود، وابن جريج، وابن المسيب، وقتادة وغيرهم. وهو اختيار الشيخ أبي الحسن، ورجحه الطبري، وهو ظاهر قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ﴾ اهـ. وما يذكره المفسرون عن جماعة من السلف كابن عباس وغيره: من أنه كان من أشراف الملائكة، ومن خزان الجنة، وأنه كان يدبر أمر السماء الدنيا، وأنه كان اسمه عزازيل، كله من الإسرائيليات التي لا معول عليها.\nوأظهر الحجج في المسألة؛ حجة من قال: إنه غير ملك؛ لأن قوله تعالى: ﴿إلا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ ..﴾ الآية، هو أظهر شيء في الموضوع من نصوص الوحي. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾ أي خرج عن طاعة أمر ربه. والفسق في اللغة: الخروج؛ ومنه قول رؤية بن العجاج:\nيَهْوِينَ في نجد وغورًا غائرا ... فواسقًا عن قَصْدِها جوائرا\nوهذا المعنى ظاهر لا إشكال فيه. فلا حاجة لقول من قال: إن ﴿عَنْ﴾ سببية، كقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾   أي بسببه، وأن المعنى: ففسق عن أمر ربه، أي بسبب أمره حيث لم يمتثله، ولا غير ذلك من الأقوال.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾   الهمزة فيه للإنكار والتوبيخ، ولا شك أن فيها معنى الاستبعاد كما تقدم نظيره مرارًا. أي: أَبَعْدَ ما ظهر منه من الفسق والعصيان، وشدة العداوة لكم ولأبويكم آدم","vol":"4","page":156},{"text":"وحواء، تتخذونه وذريته أولياء من دون خالقكم جل وعلا! بئس للظالمين بدلًا من الله إبليس وذريته! وقال: ﴿لِلظَّالِمِينَ﴾ لأنهم اعتاضوا الباطل من الحق، وجعلوا مكان ولايتهم لله ولايتهم لإبليس وذريته. وهذا من أشنع الظلم الذي هو في اللغة: وضع الشيء في غير موضعه؛ كما تقدم مرارًا. والمخصوص بالذم في الآية محذوف دل عليه المقام، وتقديره: بئس البدل من الله إبليس وذريته. وفاعل ﴿بِئْسَ﴾ ضمير محذوف يفسره التمييز الذي هو ﴿بَدَلًا (٥٠)﴾ على حد قوله له في الخلاصة:\nويرفعان مضمرًا يفسره ... مميز كنعم قومًا معشره\nوالبدل: العوض من الشيء، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من عداوة الشيطان لبني آدم جاء مبينًا في آيات أخر؛ كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾  . وكذلك الأبوان، كما قال تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾  .\nوقد بين في غير هذا الموضع: أن الذين اتخذوا الشياطين أولياء بدلًا من ولاية الله يحسبون أنهم في ذلك على حق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾  . وبين في مواضع أخر أن الكفار أولياء الشيطان؛ كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ ...﴾  الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ","vol":"4","page":157},{"text":"مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَذُرِّيَّتَهُ﴾ دليل على أن للشيطان ذرية؛ فادعاء أنه لا ذرية له مناقض لهذه الآية مناقضة صريحة كما ترى. وكل ما ناقض صريح القرآن فهو باطل بلا شك! ولكن طريقة وجود نسله هل هي عن تزويج أو غيره، لا دليل عليها من نص صريح، والعلماء مختلفون فيها. وقال الشعبي: سألني رجل: هل لإبليس زوجة؟ فقلت: إن ذلك عرس لم أشهده! ثم ذكرت قوله تعالى:  ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي﴾  فعلمت أنه لا تكون ذرية إلا من زوجة فقلت: نعم. وما فهمه الشعبي من هذه الآية من أن الذرية تستلزم الزوجة رُوي مثله عن قتادة. وقال مجاهد: إن كيفية وجود النسل منه أنه أدخل فرجه في فرج نفسه فباض خمس بيضات؛ قال: فهذا أصل ذريته. وقال بعض أهل العلم: إن الله تعالى خلق له في فخذه اليمنى ذكرًا، وفي اليسرى فرجًا، فهو ينكح هذا بهذا فيخرج له كل يوم عشر بيضات، يخرج من كل بيضة سبعون شيطانًا وشيطانة. ولا يخفى أن هذه الأقوال ونحوها لا معوَّل عليها لعدم اعتضادها بدليل من كتاب أو سنة. فقد دلت الآية الكريمة على أن له ذرية. أما كيفية ولادة تلك الذرية فلم يثبت فيه نقل صحيح، ومثله لا يعرف بالرأي. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: قلت: الذي ثبت في هذا الباب من الصحيح ما ذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين عن الإمام أبي بكر البرقاني: أنَّه خرج في كتابه مسندًا عن أبي محمد عبد الغني بن سعيد الحافظ، من رواية عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تكن أول من يدخل السوق ولا آخر من","vol":"4","page":158},{"text":"يخرج منها، فيها باض الشيطان وفرخ\" وهذا يدل على أن للشيطان ذرية من صلبه.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: هذا الحديث إنما يدل على أنه يبيض ويفرخ، ولكن لا دلالة فيه على ذلك؛ هل هي من أنثى هي زوجة له، أو من غير ذلك. مع أن دلالة الحديث على ما ذكرنا لا تخلو من احتمال؛ لأنه يكثر في كلام العرب إطلاق باض وفرخ على سبيل المثل؛ فيحتمل معنى باض وفرخ أنه فعل بها ما شاء من إضلال وإغواء ووسوسة ونحو ذلك على سبيل المثل، لأن الأمثال لا تُغَيَّر ألفاظها.\nوما يذكره كثير من المفسرين وغيرهم من تعيين أسماء أولاده ووظائفهم التي قلدهم إياها؛ كقوله: زَلَنْبور صاحب الأسواق. وثَبْر صاحب المصائب يأمر بضرب الوجوه وشق الجيوب ونحو ذلك. والأعور صاحب أبواب الزنى، ومِسْوَط صاحب الأخبار يلقيها في أفواه الناس فلا يجدون لها أصلًا. وداسم هو الشيطان الذي إذا دخل الرجل بيته فلم يسلِّم ولم يذكر اسم الله بَصَّرَه ما لم يرفع من المتاع وما لم يحسن موضعه يثير شره على أهله. وإذا أكل ولم يذكر اسم الله أكل معه. والولهان صاحب الطهارة يوسوس فيها. والأقيس صاحب الصلاة يوسوس فيها. ومرة صاحب المزامير وبه كان يكنى إبليس، إلى غير ذلك من تعيين أسمائهم ووظائفهم؛ كله لا معول عليه؛ إلا ما ثبت منه عن النبي - ﷺ -.\nومما ثبت عنه - ﷺ - من تعيين وظيفة الشيطان واسمه ما رواه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن خلف الباهلي،","vol":"4","page":159},{"text":"حدثنا عبد الأعلى عن سعيد الجريري عن أبي العلاء: أن عثمان بن أبي العاص أتى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، إن الشيطان قد حال بيني وبين صلاتي وقراءتي يُلَبسها عليَّ!! فقال: رسول الله - ﷺ - \"ذاك شيطان يقال له خنزب. فإذا أحسسته فتعوذ بالله منه، واتفل عن يسارك ثلاثًا\" قال: ففعلت ذلك فأذهبه الله عني.\nوتحريش الشيطان بين الناس وكون إبليس يضع عرشه على البحر، ويبعث سرايا فيفتنون الناس فأعظمهم عنده أعظمهم فتنة؛ كل ذلك معروف ثابت في الصحيح. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-846> قوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾</span>.\nالتحقيق في معنى هذه الآية الكريمة؛ أن الله يقول: ما أشهدت إبليس وجنوده؛ أي ما أحضرتهم خلق السموات والأرض، فأستعين بهم على خلقها ولا خلق أنفسهم، أي ولا أشهدتهم خلق أنفسهم، أي ما أشهدت بعضهم خلق بعضهم فأستعين به على خلقه، بل تفردت بخلق جميع ذلك لغير معين ولا ظهير! فكيف تصرفون لهم حقي وتتخذونهم أولياء من دوني وأنا خالق كل شيء؟!.\nوهذا المعنى الذي أشارت له الآية من أن الخالق هو المعبود وحده؛ جاء مبينًا في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع متعددة، كقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾، وقوله: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾، وقوله: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ","vol":"4","page":160},{"text":"الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات كما قدمناه مرارًا.\nوقال بعض العلماء ﴿وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾: ما أشهدتهم خلق أنفسهم؛ بل خلقتهم على ما أردت وكيف شئت.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾ فيه الإظهار في محل الإضمار، لأن الأصل الظاهر: وما كنت متخذهم عضدًا، كقوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ﴾ والنكتة البلاغية في الإظهار في محل الإضمار هي ذمه تعالى لهم بلفظ الإضلال. وقوله: ﴿عَضُدًا (٥١)﴾ أي أعوانًا.\nوفي هذه الآية الكريمة: التنبيه على أن الضالين المضلين لا تنبغي الاستعانة بهم، والعبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب. والمعنى المذكور أشير له في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾ والظهير: المعين، والمضلون: الذين يضلون أتباعهم عن طريق الحق. وقد قدمنا معنى الضلال وإطلاقاته في القرآن بشواهده العربية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-847> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾</span>.\nأي: واذكر يوم يقول الله جل وعلا للمشركين الذين كانوا يشركون معه الآلهة والأنداد من الأصنام وغيرها من المعبودات من","vol":"4","page":161},{"text":"دون الله توبيخًا لهم وتقريعًا: نادوا شركائي الذين زعمتم أنهم شركاء معي، فالمفعولان محذوفان، أي: زعمتموهم شركاء لي كذبًا وافتراء. أي: ادعوهم واستغيثوا بهم لينصروكم ويمنعوكم من عذابي، فدعوهم فلم يستجيبوا لهم، أي فاستغاثوا بهم فلم يغيثوهم.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من عدم استجابتهم لهم إذا دعوهم يوم القيامة جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة \"القصص\": ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ أَينَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٦٢) قَال الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَينَا أَغْوَينَاهُمْ كَمَا غَوَينَا تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣) وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)  إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقوله: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَينَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾، والآيات في تبرئهم منهم يوم القيامة، وعدم استجابتهم لهم كثيرة جدًّا. وخطبة الشيطان المذكورة في سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ   -إلى قوله- إِنَي كفرت بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ (٢٢)﴾   من","vol":"4","page":162},{"text":"قبيل ذلك المعنى المذكور في الآيات المذكورة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾  اختلف العلماء فيه من ثلاث جهات:\nالأولى: في المراد بالظرف الذي هو \"بين\". والثانية: في مرجع الضمير. والثالثة: في المراد بالموبق. وسنذكر هنا أقوالهم، وما يظهر لنا رجحانه منها إن شاء الله تعالى.\nأما الموبق؛ فقيل: المهلك. وقيل واد في جهنم. وقيل الموعد. قال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم من طريق علي عن ابن عباس في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ يقول: مهلكًا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ يقول: مهلكًا. وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر عن مجاهد في قوله: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: واد في جهنم. وأخرج عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد، وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم، والبيهقي في الشعب عن أنس في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال. واد في جهنم من قيح ودم. وأخرج أحمد في الزهد، وابن جرير وابن أبي حاتم، والبيهقي عن ابن عمر في قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: هو واد عميق في النار، فرق الله به يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة. وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن عمرو البكالي قال: الموبق الذي ذكر الله: واد في النار، بعيد القعر، يفرق الله به يوم القيامة بين أهل الإسلام وبين من سواهم من الناس. وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة في قوله تعالى: ﴿مَوْبِقًا (٥٢)﴾ قال: هو نهر يسيل نارا على حافتيه","vol":"4","page":163},{"text":"حيات أمثال البغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها. وأخرج ابن أبي حاتم عن كعب قال: إن في النار أربعة أودية يعذب الله بها أهلها: غليظ، وموبق، وأثام، وغي. انتهى كلام صاحب الدر المنثور.\nونقل ابن جرير عن بعض أهل العلم بكلام العرب من أهل البصرة؛ أن الموبق: الموعد، واستدل لذلك بقول الشاعر:\nوحادَ شَرَوْرَى والسِّتار فلم يدع ... تِعارًا له والوادِيَين بمَوْبِق\nيعني بموعد. والتحقيق: أن الموبق المهلك، من قولهم وَبَق يَبِق، كوَعَد يَعِد: إذا هلك. وفيه لغة أخرى وهي: وَبِق يَوْبَق كوَجل يَوْجل. ولغة ثالثة أيضًا وهي: وَبِق يَبقُ كَورِث يَرِث. ومعنى كل ذلك: الهلاك. والمصدر من وَبَق -بالفتح- الوبوق على القياس، والوبق. ومن وَبق -بالكسر- الوَبَق بفتحتين على القياس. وأوبقته ذنوبه: أهلكته، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ أي: يهلكهن، ومنه الحديث: \"فموبق نفسه أو بائعها فمعتقها\" وحديث \"السبع الموبقات\" أي المهلكات، ومن هذا المعنى قول زهير:\nومن يشتري  (^١)  حسنَ الثناءِ بماله ... يَصُن عرضَه عن كل شنعاءَ موبِقِ\nوقول من قال: إن الموبق العداوة، وقول من قال: إنه المجلس؛ كلاهما ظاهر السقوط. والتحقيق فيه هو ما قدمنا.\n_________\n(^١)  الديوان: \"يلتمس\".","vol":"4","page":164},{"text":"وأما أقوال العلماء في المراد بلفظة \"بين\" فعلى قول الحسن ومن وافقه: أن الموبق العداوة، فالمعنى واضح؛ أي وجعلنا بينهم عداوة؛ كقوله: ﴿الْأَخِلَّاءُ يَوْمَئِذٍ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ... (٦٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا ...﴾   الآية، إلى غير ذلك من الآيات. ولكن تفسير الموبق بالعداوة بعيد كما قدمنا. وقال بعض العلماء: المراد بالبين في الآية: الوصل؛ أي وجعلنا تواصلهم في الدنيا ملكًا لهم يوم القيامة؛ كما قال تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦)﴾     أي المواصلات التي كانت بينهم في الدنيا. وكما قال: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾، وكما قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾  ونحو ذلك من الآيات. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾: جعلنا الهلاك بينهم؛ لأن كلًّا منهم معين على هلاك الآخر لتعاونهم على الكفر والمعاصي فهم شركاء في العذاب؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾، وقوله: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾     ومعنى هذا القول مروي عن ابن زيد. وقال بعض العلماء: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾: أي بين المؤمنين والكافرين موبقًا، أي مهلكًا يفصل بينهم، فالداخل فيه في هلاك، والخارج عنه في عافية.\nوأظهر الأقوال عندي وأجراها على ظاهر القرآن، أن المعنى: وجعلنا بين الكفار وبين من كانوا يعبدونهم ويشركونهم مع الله موبقًا أي مهلكًا؛ لأن الجميع يحيط بهم الهلاك من كل جانب،","vol":"4","page":165},{"text":"كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ ...﴾ الآية. وقال ابن الأعرابي: كل شيء حاجز بين شيئين يسمى موبقًا، نقله عنه القرطبي. وبما ذكرنا تعلم أن الضمير في قوله: ﴿بَينَهُمْ﴾ قيل: راجع إلى أهل النار. وقيل: راجع إلى أهل الجنة وأهل النار معًا. وقيل: راجع للمشركين وما كانوا يعبدونه من دون الله. وهذا هو أظهرها لدلالة ظاهر السياق عليه؛ لأن الله يقول: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ﴾ ثم قال مخبرًا عن العابدين والمعبودين: ﴿وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾ أي مهلكًا يفصل بينهم ويحيط بهم. وهذا المعنى كقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَينَهُمْ ...﴾ الآية. أي فرقنا بينهم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة بالياء المثناة التحتية. وقرأه حمزة \"نقول\" بنون العظمة، وعلى قراءة الجمهور فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أي يقول هو، أي الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-848> قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار يوم القيامة، ويظنون أنهم مواقعوها، أي مخالطوها وواقعون فيها. والظن في هذه الآية بمعنى اليقين؛ لأنهم أبصروا الحقائق وشاهدوا الواقع. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم موقنون","vol":"4","page":166},{"text":"بالواقع؛ كقوله عنهم: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، وكقوله: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا ...﴾   الآية. ومن إطلاق الظن على اليقين قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥) الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾    أي يوقنون أنهم ملاقوا ربهم. وقوله تعالى: ﴿قَال الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (٢٤٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾  فالظنُّ في هذه الآيات كلها بمعنى اليقين. والعرب تطلق الظن على اليقين وعلى الشك. ومن إطلاقه على اليقين في كلام العرب قول دريد ابن الصمة:\nفقلت لهم ظنوا بألفَي مُدَجَّج ... سراتهم في الفارسي المسرد\nوقول عميرة بن طارق:\nبأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبًا مرجمًا\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المجرمين يرون النار، وبين في موضع آخر أنها هي تراهم أيضًا، وهو قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١) إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾  . وما جرى على ألسنة العلماء من أن الظن جل الاعتقاد اصطلاح للأصوليين والفقهاء. ولا مشاحة في الاصطلاح.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا (٥٣)﴾","vol":"4","page":167},{"text":"المصْرِف: المَعْدِل، أي: ولم يجدوا عن النار مكانًا ينصرفون إليه ويعدلون إليه، ليتخذوه ملجأ ومعتصمًا ينجون فيه من عذاب الله. ومن إطلاق المصرف على المعدل بمعنى مكان الانصراف للاعتصام بذلك المكان؛ قول أبي كبير الهذلي:\nأزهيرُ هل عن شيبةٍ من مَصْرِف ... أم لا خلودَ لباذلٍ متكلَّفِ\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّار﴾ من رأى البصرية، فهي تتعدى لمفعول واحد، والتعبير بالماضي عن المستقبل نظرًا لتحقق الوقوع، فكان ذلك لتحقق وقوعه كالواقع بالفعل، كما تقدم مرارًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-849> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ أي ردَّدنا وكثَّرنا تصريف الأمثال بعبارات مختلفة، وأساليب متنوعة في هذا القرآن للناس؛ ليهتدوا إلى الحق، ويتعظوا؛ فعارضوا بالجدل والخصومة. والمثل: هو القول الغريب السائر في الآفاق. وضَرْب الأمثال كثير في القرآن جدًّا؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾، ومن أمثلة ضرب المثل فيه: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَو اجْتَمَعُوا لَهُ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١)﴾، وقوله: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَص","vol":"4","page":168},{"text":"لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (١٧٦) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية، وكقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ .. الآية، وقوله: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنْفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٧٥)﴾، وقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلَينِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ أَينَمَا يُوَجِّهْهُ لَا يَأْتِ بِخَيرٍ هَلْ يَسْتَوي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٦)﴾، وقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ ..﴾ الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًا. وفي هذه الأمثال وأشباهها في القرآن عبر ومواعظ وزواجر عظيمة جدًا، لا لبس في الحق معها؛ إلا أنها لا يعقل معانيها إلا أهل العلم؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾. ومن حكم ضرب المثل: أن يتذكر الناس؛ كما قال تعالى: ﴿وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٥)﴾.\nوقد بين تعالى في مواضع أخر: أن الأمثال مع إيضاحها للحق يهدي بها الله قومًا، ويضل بها قومًا آخرين؛ كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾، وأشار إلى هذا المعنى في سورة \"الرعد\"؛ لأنه لما ضرب المثل بقوله: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ","vol":"4","page":169},{"text":"أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾، أتْبَعَ ذلك بقوله: ﴿لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِرَبِّهِمُ الْحُسْنَى وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾. ولا شك أن الذين استجابوا لربهم هم العقلاء الذين عقلوا معنى الأمثال، وانتفعوا بما تضمنت من بيان الحق. وأن الذين لم يستجيبوا له هم الذين لم يعقلوها، ولم يعرفوا ما أوضحته من الحقائق. فالفريق الأول: هم الذين قال الله فيهم: ﴿وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا﴾، والفريق الثاني: هم الذين قال فيهم: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا﴾ وقال فيهم: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلا الْفَاسِقِينَ﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا﴾ قال بعض العلماء: مفعول ﴿صَرَّفْنَا﴾ محذوف، تقديره: البينات والعبر. وعلى هذا فـ ﴿مِن﴾ لابتداء الغاية؛ أي: ولقد صرفنا الآيات والعبر من أنواع ضرب المثل للناس في هذا القرآن ليذكروا، فقابلوا ذلك بالجدال والخصام؛ ولذا قال: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا﴾ وهذا هو الذي استظهره أبو حيان في البحر، ثم قال: وقال ابن عطية يجوز أن تكون ﴿مِن﴾ زائدة للتوكيد؛ فالتقدير: ولقد صرفنا كل مثل؛ فيكون مفعول ﴿صَرَّفْنَا﴾: ﴿كُلِّ مَثَلٍ﴾ وهذا التخريج هو على مذهب الكوفيين والأخفش، لا على مذهب جمهور البصريين. انتهى الغرض من كلام صاحب البحر المحيط. وقال الزمخشري: ﴿مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾ من كل معنى هو كالمثل في غرابته وحسنه اهـ.","vol":"4","page":170},{"text":"وضابط ضَرْب المثل الذي يرجع إليه كل معانيه التي يفسر بها: هو إيضاح معنى النظير بذكر نظيره؛ لأن النظير يعرف بنظيره. وهذا المعنى الذي ذكره في هذه الآية الكريمة جاء مذكورًا في آيات أخر؛ كقوله في \"الإسراء\": ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إلا كُفُورًا (٨٩)﴾، وقوله تعالى. ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إلا نُفُورًا (٤١)﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧) قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (٢٨)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ أي أكثر الأشياء التي من شأنها الخصومة إن فصلتها واحدًا بعد واحد. ﴿جَدَلًا﴾ أي خصومة ومماراة بالباطل لقصد إدحاض الحق. ومن الآيات الدالة على خصومة الإنسان بالباطل لإدحاض الحق؛ قوله هنا: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾، غير ذلك من الآيات. وما فسرنا به قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ من أن معناه كثرة خصومة الكفار ومماراتهم بالباطل ليدحضوا به الحق هو السياق الذي نزلت فيه الآية الكريمة؛ لأن قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ","vol":"4","page":171},{"text":"لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ﴾  أي ليذكروا ويتعظوا وينيبوا إلى ربهم؛ بدليل قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا﴾، وقوله: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ فلما أتبع ذلك بقوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾، علمنا من سياق الآية أن الكفار أكثروا الجدل والخصومة والمراء لإدحاض الحق الذي أوضحه الله بما ضربه في هذا القرآن من كل مثل. ولكن كون هذا هو ظاهر القرآن وسبب النزول لا ينافي تفسير الآية الكريمة بظاهر عمومها؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما بيناه بأدلته فيما مضى. ولأجل هذا لما طرق النبي - ﷺ - عليًّا وفاطمة ﵄ ليلة فقال: \"ألا تصليان\"؟ وقال علي ﵁: يا رسول الله - ﷺ - إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا. انصرف النبي - ﷺ - راجعًا وهو يضرب فخذه ويقول: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ والحديث مشهور متفق عليه. فإيراده  - ﷺ - الآية على قول علي ﵁ \"إنما أنفسنا بيد الله، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا\"، دليل على عموم الآية الكريمة، وشمولها لكل خصام وجدل، لكنه قد دلت آيات أخر على أن من الجدل ما هو محمود مأمور به لإظهار الحق، كقوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾، وقوله: ﴿جَدَلًا﴾ منصوب على التمييز، على حد قوله في الخلاصة:\nوالفاعلَ المعنى انصِبْنَ بأفعلا ... مفضِّلًا كانت أعلى منزلًا\nوقوله: ﴿أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ أي: أكثر الأشياء التي يتأتى منها الجدل جدلًا كما تقدم. وصيغة التفضيل إذا أضيفت إلى نكرة","vol":"4","page":172},{"text":"كما في هذه الآية، أو جردت من الإضافة والتعريف بالألف واللام؛ لزم إفرادها وتذكيرها كما عقده في الخلاصة بقوله:\nوإن لمنكورٍ يُضَفْ أو جُرِّدا ... أُلْزِمَ تذكيرًا وأَنْ يُوَحَّدا\nوقال ابن جرير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة مبينًا بعض الآيات المبنية للمراد بجدل الإنسان في الآية الكريمة، بعد أن ساق سنده إلى ابن زيد في قوله: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيءٍ جَدَلًا (٥٤)﴾ قال: الجدل الخصومة، خصومة القوم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاءوا به. وقرأ: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣)﴾، وقرأ: ﴿يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيكُمْ﴾، وقرأ (حتى نؤتى ...) الآية، ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ لَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾، وقرأ: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ (١٥)﴾ انتهى من تفسير الطبري.\nولا شك أن هذه الآيات التي ذكر عن ابن زيد أنها مفسرة لجدل الإنسان المذكور في الآية أنها كذلك، كما قدمنا أن ذلك هو ظاهر السياق وسبب النزول، والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة في القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-850> قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم، وكلاهما تدل على مقتضاه آيات من كتاب الله تعالى، وأحد","vol":"4","page":173},{"text":"الوجهين أظهر عندي من الآخر.\nالأول منهما: أن معنى الآية: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إذ جاءتهم الرسل بالبينات الواضحات، إلا ما سبق في علمنا: من أنهم لا يؤمنون، بل يستمرون على كفرهم حتى تأتيهم سنة الأولين، أي سنتنا في إهلاكهم بالعذاب المستأصل. أو يأتيهم العذاب قبلا. والظاهر أن ﴿أَوْ﴾ في هذه الآية مانعة خلو، فهي تجوز الجمع لإمكان إهلاكهم بالعذاب المستأصل في الدنيا كسنة الله في الأولين من الكفار، وإتيان العذاب إياهم يوم القيامة قبلًا. وعلى هذا القول فالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾. والآيات في مثل هذا المعنى كثيرة.\nالقول الثاني: أن في الآية الكريمة مضافًا محذوفًا، تقديره: وما منع الناس من الإيمان والاستغفار إلا طلبهم أن تأتيهم سنة الأولين، أو يأتيهم العذاب قبلًا.\nوالآيات الدالة على طلبهم الهلاك والعذاب عنادًا وتعنتًا كثيرة جدًا، كقوله عن قوم شعيب: ﴿فَأَسْقِطْ عَلَينَا كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (١٨٧)﴾، وكقوله عن قوم هود: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا","vol":"4","page":174},{"text":"فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾، وكقوله عن قوم صالح: ﴿وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧)﴾، وكقوله عن قوم لوط: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٩)﴾، وكقوله عن قوم نوح: ﴿قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣٢)﴾.\nفهذه الآيات وأمثالها في القرآن ذكر الله فيها شيئًا من سنة الأولين؛ أنهم يطلبون تعجيل العذاب عنادًا وتعنتًا. وبين تعالى أنه أهلك جميعهم بعذاب مستأصل، كإهلاك قوم نوح بالطوفان، وقوم صالح بالصيحة، وقوم شعيب بعذاب يوم الظلة، وقوم هود بالريح العقيم، وقوم لوط بجعل عالي قراهم سافلها، وإرسال حجارة السجيل عليهم، كما هو مفصل في الآيات القرآنية.\nوبين في آيات كثيرة: أن كفار هذه الأمة كمشركي قريش سألوا العذاب كما سأله من قبلهم، كقوله: ﴿وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَينَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَو ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣٢)﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ وأصل القط: كتاب الملك الذي فيه الجائزة، وصار يطلق على النصيب. فمعنى ﴿عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا﴾ أي: نصيبنا المقدر لنا من العذاب الذي تزعم وقوعه بنا إن لم نصدقك ونؤمن بك، كالنصيب الذي يقدره الملك في القط الذي هو كتاب الجائزة، ومنه قول الأعشى:\nولا الملك النعمان يوم لقيته ... بغبطته يعطى القطوط ويأفق\nوقوله: \"يأفق\" أي: يفضل بعضًا على بعض في العطاء.","vol":"4","page":175},{"text":"والآيات بمثل ذلك كثيرة. والقول الأول أظهر عندي؛ لأن ما لا تقدير فيه أولى مما فيه تقدير إلا بحجة يجب الرجوع إليها تثبت المحذوف المقدر. والله تعالى أعلم.\nوقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله تعالى هنا: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ ...﴾ الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ بما حاصله باختصار: أن المانع المذكور في سورة \"الإسراء\" مانع عادي يجوز تخلفه؛ لأن استغرابهم بعث رسول من البشر مانع عادي يجوز تخلفه؛ لإمكان أن يستغرب الكافر بعث رسول من البشر ثم يؤمن به مع ذلك الاستغراب، فالحصر في قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ حصر في المانع العادي. وأما الحصر في قوله هنا: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا (٥٥)﴾ فهو حصر في المانع الحقيقي؛ لأن إرادته جل وعلا عدم إيمانهم، وحكمه عليهم بذلك، وقضاءه به مانع حقيقي من وقوع غيره.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذَابُ قُبُلًا﴾ قرأه الكوفيون: وهم عاصم وحمزة والكسائي ﴿قُبُلًا﴾ بضم القاف والباء. وقرأه الأربعة الباقون من السبعة: وهم نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وابن عامر (قِبَلًا) بكسر القاف وفتح الباء. أما على قراءة الكوفيين فقوله: ﴿قُبُلًا﴾ بضمتين جمع قبيل. والفعيل إذا","vol":"4","page":176},{"text":"كان اسمًا يجمع على \"فُعُل\"، كسرير وسُرُر، وطريق وطُرُق، وحصير وحُصُر، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nوفُعُلٌ لاسمٍ رباعيٍّ بِمَدْ ... قَدْ زِيدَ قبلَ لامٍ اعلالًا فَقَدْ\nما لم يُضاعَفْ في الأعمِّ ذو الأَلِفْ ... ................. إلخ.\nوعلى هذا؛ فمعنى الآية: أو يأتيهم العذاب قبلًا، أي أنواعًا مختلفة، يتلو بعضها بعضًا. وعلى قراءة من قرءوا (قِبَلًا) كـ\"عِنَب\"، فمعناه عيانًا، أي: أو يأتيهم العذاب عيانًا. وقال مجاهد ﵀ (قِبَلًا) أي فجأة. والتحقيق: أن معناه عيانًا. وأصله من المقابلة؛ لأن المتقابلين يعاين كل واحد منهما الآخر. وذكر أبو عبيد: أن معنى القراءتين واحد، وأن معناهما عيانًا، وأصله من المقابلة. وانتصاب ﴿قُبُلًا﴾ على الحال على كلتا القراءتين. وهو على القولين المذكورين في معنى ﴿قُبُلًا﴾ إن قدرنا أنه بمعنى عيانًا، فهو مصدر منكر حال كما قدمنا مرارًا. وعلى أنه جمع قبيل: فهو اسم جامد مؤول بمشتق، لأنه في تأويل: أو يأتيهم العذاب في حال كونه أنواعًا وضروبًا مختلفة. والمصدر المنسبك من ﴿أَن﴾ وصلتها في قوله: ﴿أنَّ يُؤْمِنُوا﴾ في محل نصب؛ لأنه مفعول \"منع\" الثاني، والمنسبك من ﴿أَن﴾ وصلتها في قوله ﴿إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ في محل رفع؛ لأنه فاعل \"منع\"؛ لأن الاستثناء مفرغ، وما قبل ﴿إلَّا﴾ عامل فيما بعدها، فصار التقدير: منع الناس الإيمان إتيان سنة الأولين. على حد قوله في الخلاصة:\nوإنْ يُفَرَّغ سابِقٌ إلَّا لِمَا ... بَعْدُ يَكُنْ كما لَو الا عُدِما\nوالاستغفار في قوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ﴾ هو طلب المغفرة","vol":"4","page":177},{"text":"منه جل وعلا لجميع الذنوب السالفة بالإنابة إليه، والندم على ما فات، والعزم المصمم على عدم العود إلى الذنب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-851> قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما يرسل الرسل إلا مبشرين من أطاعهم بالجنة، ومنذرين من عصاهم بالنار. وكرر هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٤٨)﴾ وقد أوضحنا معنى البشارة والإنذار في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ ...﴾ الآية، وانتصاب قوله: ﴿مُبَشِّرِينَ﴾ على الحال، أي ما نرسلهم إلا في حال كونهم مبشرين ومنذرين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-852> قوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا يجادلون بالباطل، أي يخاصمون الرسل بالباطل، كقولهم في الرسول: ساحر، شاعر، كاهن. وكقولهم في القرآن: أساطير الأولين، سحر، شعر، كهانة. وكسؤالهم عن أصحاب الكهف، وذي القرنين. وسؤالهم عن الروح عنادًا وتعنتًا، ليبطلوا الحق بجدالهم وخصامهم بالباطل، فالجدال: المخاصمة. ومفعول \"يجادل\" محذوف دل ما قبله عليه؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ﴾ يدل على أن الذين يجادلهم الكفار بالباطل هم المرسلون المذكورون آنفًا، وحذف الفضلة إذا دل المقام عليها جائز وواقع كثيرًا في القرآن وفي كلام العرب؛ كما عقده في الخلاصة بقوله:","vol":"4","page":178},{"text":"وحَذْف فَضْلَةٍ أَجِزْ إنْ لم يَضِرْ ... كحَذْفِ ما سِيقَ جوابًا أو حُصِرْ\nوالباطل: ضد الحق، وكل شيء زائل مضمحل تسميه العرب: باطلًا، ومنه قول لبيد:\nألا كل شيء ما خلا الله باطل ... وكلُّ نعيم لا محالة زائل\nويجمع الباطل كثيرًا على أباطيل على غير القياس، فيدخل في قول ابن مالك في الخلاصة:\nوحائدٌ عن القياسِ كلُّ ما ... خالفَ في البابين حُكْمًا رُسِما\nومنه قول كعب بن زهير:\nكانت مواعيد عرقوب لها مثلًا ... وما مواعيدها إلا الأباطيل\nويجمع أيضًا على البواطل قياسًا. والحق: ضد الباطل. وكل شيء ثابت غير زائل ولا مضمحل تسميه العرب حقًّا، وقوله تعالى: ﴿لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ أي ليبطلوه ويزيلوه به، وأصله من إدحاض القدم، وهو إزلاقها وإزالتها عن موضعها. تقول العرب، دحضت رجله: إذا زلقت، وأدحضها الله: أزلقها، ودحضت حجته: إذا بطلت، وأدحضها الله: أبطلها، والمكان الدحض: هو الذي تزل فيه الأقدام، ومنه قول طرفة:\nأبا منذر رُمْت الوفاء فهبته ... وحُدْت كما حاد البعير عن الدحض\nوهذا الذي ذكره هنا من مجادلة الكفار للرسل بالباطل أوضحه في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ ...﴾ الآية. وقوله جل وعلا: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ","vol":"4","page":179},{"text":"يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾ وإرادتهم إطفاء نور الله بأفواههم، إنما هي بخصامهم وجدالهم بالباطل.\nوقد بين تعالى في مواضع أخر: أن ما أراده الكفار من إدحاض الحق بالباطل لا يكون، وأنهم لا يصلون إلى ما أرادوا، بل الذي سيكون هو عكس ما أرادوه، فيحق الحق ويبطل الباطل، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾؛ وكقوله: ﴿وَيَأْبَى اللَّهُ إلا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٣٢)﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ وَلَكُمُ الْوَيلُ مِمَّا تَصِفُونَ (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَال (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الحق سيظهر ويعلو، وأن الباطل سيضمحل ويزهق ويذهب جفاء. وذلك هو نقيض ما كان يريده الكفار من إبطال الحق وإدحاضه بالباطل عن طريق الخصام والجدال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-853> قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار اتخذوا آياته","vol":"4","page":180},{"text":"التي أنزلها على رسوله، وإنذاره لهم هزؤا، أي سخرية واستخفافًا، والمصدر بمعنى اسم المفعول، أي اتخذوها مهزوءًا بها مستخفًا بها؛ كقوله: ﴿إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾.\nوهذا المعنى المذكور هنا جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا﴾، وكقوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. و\"ما\" في قوله: ﴿وَمَا أُنْذِرُوا﴾ مصدرية، كما قررنا، وعليه فلا ضمير محذوف. وقيل هي موصولة والعائد محذوف. تقديره: وما أنذروا به هزؤا. وحذف العائد المجرور بحرف إنما يطرد بالشروط التي ذكرها في الخلاصة بقوله:\nكذا الذي جُرَّ بما الموصولَ جَرْ ... كمُرَّ بالذي مَرَرْتُ فهو بَرْ\nوفي قوله: ﴿هُزُوًا (٥٦)﴾ ثلاث قراءات سبعية، قرأه حمزة بإسكان الزاي في الوصل. وبقية السبعة بضم الزاي وتحقيق الهمزة. إلا حفصًا عن عاصم فإنه يبدل الهمزة واوًا، وذلك مروي عن حمزة في الوقف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-854> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد أظلم، أي:","vol":"4","page":181},{"text":"أكثر ظلمًا لنفسه (ممن ذُكِّر) أي: وُعِظ بآيات ربه، وهي هذا القرآن العظيم ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ أي تولى وصد عنها. وإنما قلنا: إن المراد بالآيات هذا القرآن العظيم لقرينة تذكير الضمير العائد إلى الآيات في قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾، أي القرآن المعبر عنه بالآيات. ويحتمل شمول الآيات للقرآن وغيره، ويكون الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي ما ذكر من الآيات، كقول رؤبة:\nفيها خطوط من سواد وبَلَق ... كأنه في الجلد توليع البَهَق\nونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿قَال إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ أي ذلك الذي ذكر من الفارض والبكر. ونظيره من كلام العرب قول ابن الزَّبَعْرَى:\nإنَّ للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل\nأي: كلا ذلك المذكور من خير وشر. وقد قدمنا إيضاح هذا. وقوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي من المعاصي والكفر، مع أن الله لم ينسه بل هو محصيه عليه ومجازيه، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ شَهِيدٌ (٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إلا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَينَ أَيدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَينَ ذَلِكَ وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾، وقال تعالى: ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾. وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي تركه عمدًا ولم يتب منه. وبه صدر القرطبي رحمه الله تعالى. وما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الإعراض عن التذكرة بآيات الله من أعظم الظلم، قد زاد عليه في مواضع أخر بيان أشياء من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة","vol":"4","page":182},{"text":"الناشئة عن الإعراض عن التذكرة. فمن نتائجه السيئة: ما ذكره هنا من أن صاحبه من أعظم الناس ظلمًا. ومن نتائجه السيئة جعل الأكنة على القلوب حتى لا تفقه الحق، وعدم الاهتداء أبدًا كما قال هنا مبينا بعض ما ينشأ عنه في العواقب السيئة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾. ومنها انتقام الله جل وعلا من المعرض عن التذكرة، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾. ومنها كون المعرض كالحمار، كما قال تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (٤٩) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (٥٠) ..﴾ الآية. ومنها الإنذار بصاعقة مثل صاعقة عاد وثمود، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) ...﴾ الآية. ومنها المعيشة الضنك والعمى، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾. ومنها سلكه العذاب الصعد، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا (١٧)﴾ ومنها تقييض القرناء من الشياطين، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦)﴾، إلى غير ذلك من النتائج السيئة، والعواقب الوخيمة الناشئة عن الإعراض عن التذكير بآيات الله جل وعلا. وقد أمر تعالى في موضع آخر بالإعراض عن المتولي عن ذكره، القاصر نظره على الحياة الدنيا. وبين أن ذلك هو مبلغه من العلم، فلا علم عنده بما ينفعه في معاده، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إلا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾. وقد نهى جل وعلا عن طاعة مثل ذلك المتولي عن الذكر الغافل عنه في قوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ","vol":"4","page":183},{"text":"أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا (٢٨)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقوله في هذه الآية: ﴿مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ أي ما قدم من أعمال الكفر. ونسبة التقديم إلى خصوص اليد؛ لأن اليد أكثر مزاولة للأعمال من غيرها من الأعضاء، فنسبت الأعمال إليها على عادة العرب في كلامهم، وإن كانت الأعمال التي قدمها منها ما ليس باليد كالكفر باللسان والقلب، وغير ذلك من الأعمال التي لا تزاول باليد كالزنى.\nوقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الإضطراب عن آيات الكتاب) وجه الجمع بين قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾ ونحو ذلك من الآيات. وأشهر أوجه الجمع في ذلك وجهان: أحدهما: أن كل من قال الله فيه: ومن أظلم ممن فعل كذا، لا أحد أظلم من واحد منهم. وإذا فهم متساوون في الظلم لا يفوق بعضهم فيه بعضًا، فلا إشكال في كون كل واحد منهم لا أحد أظلم منه. والثاني: أن صلة الموصول تعيِّنُ كل واحد في محله، وعليه فالمعنى في قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾. لا أحد أظلم ممن ذُكِّر فأعرض أظلم ممن ذُكِّر بآيات ربه فأعرض عنها. وفي قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا﴾، لا أحد من المفترين أظلم ممن افترى على الله كذبًا، وهكذا. والأول أولى؛ لأنه جار على ظاهر القرآن ولا إشكال فيه. وممن اختاره أبو حيان في البحر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-855> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾</span>.","vol":"4","page":184},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه جعل على قلوب الظالمين المعرضين عن آيات الله إذا ذكروا بها أكِنَّة، أي: أغطية تغطي قلوبهم فتمنعها من إدراك ما ينفعهم مما ذُكِّروا به. وواحد الأكنة: كِنَان، وهو الغطاء. وأنه جعل في آذانهم وقرًا، أي: ثقلًا يمنعها من سماع ما ينفعهم من الآيات التي ذكروا بها. وهذا المعنى أوضحه الله تعالى في آيات أخر؛ كقوله: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾، وقوله: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَينَكَ وَبَينَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا (٤٦)﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾، وقوله: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.\nفإن قيل: إذا كانوا لا يستطيعون السمع ولا يبصرون ولا يفقهون؛ لأن الله جعل الأكنة المانعة من الفهم على قلوبهم. والوَقْر الذي هو الثقل المانع من السمع في آذانهم فهم مجبورون. فما وجه تعذيبهم على شيء لا يستطيعون العدول عنه والانصراف إلى غيره؟!.\nفالجواب: أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة من كتابه العظيم؛ أن تلك الموانع التي يجعلها على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، كالختم والطبع والغشاوة والأكنة، ونحو ذلك؛ إنما جعلها عليهم جزاء وفاقًا لما بادروا إليه من الكفر وتكذيب الرسل","vol":"4","page":185},{"text":"باختيارهم، فأزاغ الله قلوبهم بالطبع والأكنة ونحو ذلك، جزاء على كفرهم، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ أي بسبب كفرهم، وهو نص قرآني صريح في أن كفرهم السابق هو سبب للطبع على قلوبهم. وقوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهو دليل أيضًا واضح على أن سبب إزاغة الله قلوبهم وهو زيغهم السابق. وقوله. ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ...﴾، وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الطبع على القلوب ومنعها من فهم ما ينفع عِقابٌ من الله على الكفر السابق على ذلك.\nوهذا الذي ذكرنا هو وجه رد شبهة الجبرية التي يتمسكون بها في هذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن العظيم. وبهذا الذي قررنا يحصل الجواب أيضًا عن سؤال يظهر لطالب العلم فيما قررنا؛ وهو أن يقول: قد بينتم في الكلام على الآية التي قبل هذه أن جعل الأكنة على القلوب من نتائج الإعراض عن آيات الله عند التذكير بها، مع أن ظاهر الآية يدل على عكس ذلك من أن الإعراض المذكور سببه هو جعل الأكنة على القلوب؛ لأن \"إن\" من حروف التعليل كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، كقولك: اقطعه إنه سارق، وعاقبه إنه ظالم، فالمعنى: اقطعه لعلة سرقته، وعاقبه لعلة ظلمه. وكذلك قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً﴾ أي أعرض عنها لعلة","vol":"4","page":186},{"text":"جعل الأكنة على قلوبهم؛ لأن الآيات الماضية دلت على أن الطبع الذي يعبر عنه تارة بالطبع، وتارة بالختم، وتارة بالأكنة، ونحو ذلك؛ سببه الأول الإعراض عن آيات الله والكفر بها كما تقدم إيضاحه.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان: الأول: أن يقال: ما مفسر الضمير في قوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ وقد قدمنا أنه الآيات في قوله: ﴿ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ﴾ بتضمين الآيات معنى القرآن. فقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: القرآن المعبر عنه بالآيات كما تقدم إيضاحه قريبًا.\nالسؤال الثاني: أن يقال: ما وجه إفراد الضمير في قوله: ﴿ذُكِّرَ﴾، وقوله: ﴿فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾، وقوله: ﴿وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ مع الإتيان بصيغة الجمع في الضمير في قوله:  ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾  مع أن مفسر جميع الضمائر المذكورة واحد، وهو الاسم الموصول في قوله: ﴿مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ..﴾ الآية.\nوالجواب: هو أن الإفراد باعتبار لفظ \"من\" والجمع باعتبار معناها؛ وهو كثير في القرآن العظيم. والتحقيق في مثل ذلك جواز مراعاة اللفظ تارة، ومراعاة المعنى تارة أخرى مطلقًا؛ خلافًا لمن زعم أن مراعاة اللفظ بعد مراعاة المعنى لا تصح؛ والدليل على صحته قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا (١١)﴾ فإنه في هذه الآية الكريمة راعى لفظ ﴿وَمَن﴾ أولًا فأفرد الضمير في قوله: ﴿يُؤْمِن﴾، وقوله: ﴿وَيَعْمَلْ﴾، وقوله: ﴿يُدْخِلْهُ﴾، وراعى المعنى في قوله: ﴿خَالِدِينَ﴾","vol":"4","page":187},{"text":"فأتى فيه بصيغة الجمع، ثم راعى اللفظ بعد ذلك في قوله: ﴿قَدْ أَحْسَنَ اللَّهُ لَهُ رِزْقًا﴾.\nوقوله: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ فيه وفي كل ما يشابهه من الألفاظ وجهان معروفان لعلماء التفسير: أحدهما: أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة لئلا يفقهوه. وعليه فلا النافية محذوفة دل المقام عليها. وعلى هذا القول هنا اقتصر ابن جرير الطبري. والثاني: أن المعنى جعلنا على قلوبهم أكنة كراهة أن يفقهوه، وعلى هذا فالكلام على تقدير مضاف، وأمثال هذه الآية في القرآن كثيرة. وللعلماء في كلها الوجهان المذكوران كقوله تعالى: ﴿يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا﴾ أي لئلا تضلوا، أو كراهة أن تضلوا. وقوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ﴾، أو كراهة أن تصيبوا، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن العظيم.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾. فالفقه: الفهم، ومنه قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ أي يفهمونه، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ﴾ أي ما نفهمه. والوقر: الثقل. وقال الجوهري في صحاحه: الوَقْر -بالفتح-: الثقل في الأذن. والوِقْر -بالكسر-: الحمل، يقال جاء يحمل وقره، وأوقر بعيره. وأكثر ما يستعمل الوقر في حمل البغل والحمار اهـ. وهذا الذي ذكره الجوهري وغيره جاء به القرآن، قال في ثقل الأذن: ﴿وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، وقال في الحمل: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-856> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾</span>.","vol":"4","page":188},{"text":"بين في هذه الآية الكريمة: أن الذين جعل الله على قلوبهم أكنة تمنعهم أن يفقهوا ما ينفعهم من آيات القرآن التي ذكروا بها لا يهتدون أبدًا، فلا ينفع فيهم دعاؤك إياهم إلى الهدى. وهذا المعنى الذي أشار له هنا من أن من أشقاهم الله لا ينفع فيهم التذكير جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٧)﴾.\nوهذه الآية وأمثالها في القرآن فيها وجهان معروفان عند العلماء.\nأحدهما: أنها في الذين سبق لهم في علم الله أنهم أشقياء، عياذًا بالله تعالى.\nوالثاني: أن المراد أنهم كذلك ما داموا متلبسين بالكفر. فإن هداهم الله إلى الإيمان وأنابوا زال ذلك المانع. والأول أظهر والعلم عند الله تعالى.\nوالفاء في قوله: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ لأن الفعل الذي بعد \"لن\" لا يصلح أن يكون شرطًا لـ\"إن\" ونحوها. والجزاء إذا لم يكن صالحًا لأن يكون شرطًا لـ\"إن\" ونحوها، لزم اقترانه بالفاء؛ كما عقده في الخلاصة بقوله:","vol":"4","page":189},{"text":"واقْرُن بِفا حتمًا جوابًا لو جُعِلْ ... شرطًا لإنْ أو غيرِها لم يَنْجَعِل\nوقوله في هذه الآية الكريمة ﴿إِذًا﴾ جزاء وجواب؛ فدل على انتفاء اهتدائهم لدعوة الرسول - ﷺ -، بمعنى أنهم جعلوا ما يجب أن يكون سببًا للاهتداء سببًا لانتفائه؛ لأن المعنى: فلن يهتدوا إذا دعوتهم، ذكر هذا المعنى الزمخشري، وتبعه أبو حيان في البحر. وهذا المعنى قد غلطًا فيه، وغلط فيه خلق لا يحصى كثرة من البلاغيين وغيرهم.\nوإيضاح ذلك: أن الزمخشري هنا وأبا حيان ظنا أن قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا﴾ شرط وجزاء، وأن الجزاء مرتب على الشرط كترتيب الجزاء على ما هو شرط فيه؛ ولذا ظنا أن الجزاء الذي هو عدم الاهتداء المعبر عنه في الآية بقوله: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا﴾ مرتب على الشرط الذي هو دعاؤه إياهم المعبر عنه في الآية بقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى﴾ المشار إليه أيضًا بقوله: ﴿إِذًا﴾ فصار دعاؤه إياهم سبب انتفاء اهتدائهم. وهذا غلط؛ لأن هذه القضية الشرطية في هذه الآية الكريمة ليست شرطية لزومية، حتى يكون بين شرطها وجزائها ارتباط، بل هي شرطية اتفاقية، والشرطية الاتفاقية لا ارتباط أصلًا بين طرفيها، فليس أحدهما سببًا في الآخر، ولا ملزومًا ولا لازمًا له، كما لو قلت: إن كان الإنسان ناطقًا فالفرس صاهل، فلا ربط بين الطرفين؛ لأن الجزاء في الاتفاقية له سبب آخر غير مذكور، كقولك: لو لم يخف الله لم يعصه؛ لأن سبب انتفاء العصيان ليس هو عدم الخوف الذي هو شرط، بل هو شيء آخر غير مذكور، وهو تعظيم الله جل وعلا،","vol":"4","page":190},{"text":"ومحبته المانعة من معصيته. وكذلك قوله هنا: ﴿فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ سببه الحقيقي غير مذكور معه، فليس هو قوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ﴾ كما ظنه الزمخشري وأبو حيان وغيرهما. بل سببه هو إرادة الله جل وعلا انتفاء اهتدائهم على وفق ما سبق في علمه أزلًا.\nونظير هذه الآية الكريمة في عدم الارتباط بين طرفي الشرطية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ لأن سبب بروزهم إلى مضاجعهم شيء آخر غير مذكور في الآية، وهو ما سبق في علم الله من أن بروزهم إليها لا محالة واقع، وليس سببه كينونتهم في بيوتهم المذكورة في الآية. وكذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحت الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في أرجوزتي في المنطق وشرحي لها في قولي:\nمقدم الشرطية المتصله ... مهما تكن صحبة ذاك التال له\nلموجب قد اقتضاها كسبب ... فهي اللزومية ثم إن ذهب\nموجب الاصطحاب ذا بينهما ... فالاتفاقية عند العلما\nومثال للشرطية المتصلة اللزومية قولك: كلما كانت الشمس طالعة كان النهار موجودًا، لظهور التلازم بين الطرفين، ويكفي في ذلك حصول مطلق اللازمية دون التلازم من الطرفين، كقولك: كلما كان الشيء إنسانًا كان حيوانًا، إذ لا يصدق عكسه.\nفلو قلت: كلما كان الشيء حيوانًا كان إنسانًا لم يصدق؛ لأن","vol":"4","page":191},{"text":"اللزوم في أحد الطرفين لا يقتضي الملازمة في كليهما، ومطلق اللزوم تكون به الشرطية لزومية، أما إذا عُدِم اللزوم من أصله بين طرفيها فهي اتفاقية. ومثالها: كلما كان الإنسان ناطقًا كان الحمار ناهقًا. وبسبب عدم التنبه للفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية، ارتبك خلق كثير من النحويين والبلاغيين في الكلام على معنى \"لو\"؛ لأنهم أرادوا أن يجمعوا في المعنى بين قولك: \"لو كانت الشمس طالعة لكان النهار موجودًا\"، وبين قولك: \"لو لم يخف الله لم يعصه\"، مع أن الشرط سبب في الجزاء في الأول، لأنها شرطية لزومية، ولا ربط بينهما في الثاني لأنها شرطية اتفاقية، ولا شك أن من أراد أن يجمع بين المفترقين ارتبك، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-857> قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفور، أي كثير المغفرة، وأنه ذو الرحمة يرحم عباده المؤمنين يوم القيامة، ويرحم الخلائق في الدنيا.\nوبين في مواضع أخر: أن هذه المغفرة شاملة لجميع الذنوب بمشيئته جل وعلا إلا الشرك؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ﴾.\nوبين في موضع آخر: أن رحمته واسعة، وأنه سيكتبها للمتقين؛ وهو قوله: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ ..﴾ الآية.","vol":"4","page":192},{"text":"وبين في مواضع أخر سعة مغفرته ورحمته؛ كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾؛ ونحو ذلك من الآيات.\nوبين في مواضع أخر أنه مع سعة رحمته ومغفرته، شديد العقاب؛ كقوله: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ لِلنَّاسِ عَلَى ظُلْمِهِمْ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ الْعِقَابِ (٦)﴾، وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n• قوله تعالى: ﴿لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ﴾.\nبين في هذه الآية الكريمة: أنه لو يؤاخذ الناس بما كسبوا من الذنوب كالكفر والمعاصي لعجَّل لهم العذاب لشناعة ما يرتكبونه، ولكنه حليم لا يعجل بالعقوبة؛ فهو يمهل ولا يهمل.\nوأوضح هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقوله: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ وقد قدمنا هذا في سورة \"النحل\" مستوفى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-858> قوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه وإن لم يعجل لهم العذاب في الحال فليس غافلًا عنهم، ولا تاركًا عذابهم، بل هو تعالى جاعل لهم موعدًا يعذبهم فيه، لا يتأخر العذاب عنه ولا يتقدم.","vol":"4","page":193},{"text":"وبين هذا في مواضع أخر، كقوله في \"النحل\": ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١)﴾، وقوله في آخر سورة \"فاطر\": ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِعِبَادِهِ بَصِيرًا (٤٥)﴾، وكقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾، وكقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ ..﴾ الآية.\nوقد دلت آيات كثيرة على أن الله لا يؤخر شيئًا عن وقته الذي عين له ولا يقدمه عليه، كقوله: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾، وقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ ..﴾، الآية، وقوله: ﴿لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ﴾، وقوله: ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا﴾ أي: ملجأ يلجئون إليه فيعتصمون به من ذلك العذاب المجعول له الموعد المذكور. وهو اسم مكان، من \"وَأَلَ يئلُ وأْلًا ووؤلًا\" بمعنى: لجأ. ومعلوم في فن الصرف أن واويّ الفاء من الثلاثي ينقاس مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه، على المفعِل بكسر العين كما هنا، ما لم يكن معتل اللام فالقياس فيه الفتح كالمولى، والعرب تقول: لا وَأَلَتْ نفسُه، أي: لا وجدت منجى تنجو به، ومنه قول الشاعر:\nلا وألت نفسك خليتها ... للعامريين ولم تكلم","vol":"4","page":194},{"text":"وقال الأعشى:\nوقد أخالسُ ربَّ البيت غَفْلته ... وقد يُحاذِرُ منِّي ثم ما يَئِلُ\nأي: ما ينجو.\nوأقوال المفسرين في \"الموئل\" راجعة إلى ما ذكرنا، كقول بعضهم: (موئلًا) محيصًا، وقول بعض: منجى. وقول بعضهم: محرزًا، إلى غير ذلك. فكله بمعنى ما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-859> وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى أَهْلَكْنَاهُمْ لَمَّا ظَلَمُوا وَجَعَلْنَا لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا (٥٩)﴾</span>.\nبين في هذه الآية الكريمة: أن القرى الماضية لما ظلمت بتكذيب الرسل والعناد واللجاج في الكفر والمعاصي أهلكهم الله بذنوبهم.\nوهذا الإجمال في تعيين هذه القرى وأسباب هلاكها، وأنواع الهلاك التي وقعت بها؛ جاء مفصلًا في آيات أخر كثيرة، كما جاء في القرآن من قصة قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وقوم موسى، كما تقدم بعض تفاصيله. والقرى: جمع قرية على غير قياس؛ لأن جمع التكسير على \"فُعَل\" -بضم ففتح- لا ينقاس إلا في جمع \"فُعْلَة\" -بالضم- اسمًا كغُرفة وقُربة. أو \"فُعْلى\" إذا كانت أنثى الأفعل خاصة، كالكبرى والكبر، كما أشار لذلك في الخلاصة بقوله:\n\n• وفُعَلٌ جمعًا لفُعْلَة عُرِف*\n\n• ونحوُ كُبْرى .. إلخ*","vol":"4","page":195},{"text":"أي: وأما في غير ذلك فسماع يحفظ ولا يقاس عليه. وزاد في التسهيل نوعًا ثالثًا ينقاس فيه \"فُعَل\" بضم ففتح، وهو \"الفُعُلة\" بضمتين إن كان اسمًا كجُمُعة وجُمَع. واسم الإشارة في قوله: ﴿وَتِلْكَ الْقُرَى﴾ إنما أشير به لهم لأنهم يمرون عليها في أسفارهم، كقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ مبتدأ و﴿الْقُرَى﴾ صفة له. أو عطف بيان. وقوله: ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ هو الخبر. يجوز أن يكون الخبر هو ﴿الْقُرَى﴾ وجملة ﴿أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ في محل حال، كقوله: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاويَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾. ويجوز أن يكون قوله: ﴿وَتِلْكَ﴾ محل نصب بفعل محذوف يفسره العامل المشتغل بالضمير، على حد قوله في الخلاصة:\nإن مُضْمرُ اسمٍ سابقٍ فعلًا شَغَل ... عنه بنصبِ لَفْظِه أو المَحَل\nفالسابقَ انصِبْه بفعلٍ أُضْمِرا ... حتمًا موافقٍ لما قد أُظْهِرا\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِمَهْلِكِهِمْ مَوْعِدًا﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا عاصمًا بضم الميم وفتح اللام على صيغة اسم المفعول. وهو محتمل على هذه القراءة أن يكون مصدرًا ميميًا، أي: جعلنا لإهلاكهم موعدًا. وأن يكون اسم زمان، أي: وجعلنا لوقت إهلاكهم موعدًا. وقد تقرر في فن الصرف أن كل فعل زاد ماضيه على ثلاثة أحرف مطلقًا فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه واسم زمانه أن يكون الجميع بصيغة اسم المفعول. والمُهْلك","vol":"4","page":196},{"text":"-بضم الميم- من أهلكه الرباعي. وقرأه حفص عن عاصم ﴿لِمَهْلِكِهِمْ﴾ بفتح الميم وكسر اللام. وقرأه شعبة عن عاصم ﴿لِمَهْلَكِهِمْ﴾ بفتح الميم واللام معًا. والظاهر أنه على قراءة حفص اسم زمان، أي: وجعلنا لوقت هلاكهم موعدًا؛ لأنه من هلك يهلك بالكسر. وما كان ماضيه على \"فعل\" بالفتح ومضارعه \"يفعل\" بالكسر \"هلك يهلك\"، و\"ضرب يضرب\"، و\"نزل ينزل\"، فالقياس في اسم مكانه وزمانه \"المفعل\" بالكسر. وفي مصدره الميمي \"المفْعَل\" بالفتح. تقول: \"هذا مَنزِله\" -بالكسر- أي مكان نزوله أو وقت نزوله، و\"هذا مَنْزَله\" بفتح الزاي؛ أي نزوله، وهكذا. منه قول الشاعر:\nأإن ذكَّرَتك الدارُ منزلها جُمْلُ ... بكيتَ فدمعُ العينِ مُنْحَدِر سَجْلُ\nفقوله \"منزلها جمل\" بالفتح؛ أي: نزول جمل إياها. وبه تعلم أنه على قراءة شعبة (لِمَهْلَكِهِمْ) بفتح الميم واللام أنه مصدر ميمي؛ أي: وجعلنا لهلاكهم موعدًا. والموعد: الوقت المحدد لوقوع ذلك فيه.\nتنبيه\nلفظة \"لما\" ترد في القرآن وفي كلام العرب على ثلاثة أنواع:\nالأول: لمَّا النافية الجازمة للمضارع؛ نحو قوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ ...﴾ الآية. وهذه حرف بلا خلاف، وهي مختصة بالمضارع. والفوارق المعنوية بينها وبين لم النافية مذكورة في علم العربية، وممن","vol":"4","page":197},{"text":"أوضحها ابن هشام وغيره.\nالثاني: أن تكون حرف استثناء بمعنى إلا؛ فتدخل على الجملة الاسمية؛ كقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤)﴾ في قراءة من شدد \"لمّا\" أي: ما كل نفس إلا عليها حافظ. ومن هذا النوع قول العرب: أنشدك الله لما فعلت؛ أي: ما أسألك إلا فعلت؛ ومنه قول الراجز:\nقالت له: بالله ياذا البُرْدَين ... لمّا غَنِثْتَ نَفَسًا أو نفسين\nفقولها \"غَنِثْتَ\" بغين معجمة ونون مكسورة وثاء مثلثة مسندًا لتاء المخاطب. والمراد بقولها \"غَنِثَ\" تنفست في الشرب؛ كَنَّت بذلك عن الجماع، تريد عدم متابعته لذلك، وأن يتنفس بين ذلك. وهذا النوع حرف أيضًا بلا خلاف. وبعض أهل العلم يقول: إنه لغة هذيل.\nالثالث: من أنواع \"لما\" هو النوع المختص بالماضي المقتضي جملتين، توجد ثانيتهما عند وجود أولاهما، كقوله: ﴿لَمَّا ظَلَمُوا﴾ أي: لما ظلموا أهلكناهم، فما قبلها دليل على الجملة المحذوفة. وهذا النوع هو الغالب في القرآن وفي كلام العرب. و\"لمَّا\" هذه التي تقتضي ربط جملة بجملة اختلف فيها النحويون؛ هل هي حرف، أو اسم، وخلافهم فيها مشهور، وممن انتصر لأنها حرف ابن خروف وغيره. وممن انتصر لأنها اسم ابن السراج والفارسي وابن جني وغيرهم. وجواب \"لما\" هذه يبهون فعلًا ماضيًا بلا خلاف؛ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ ...﴾ الآية، ويكون جملة اسمية مقرونة بـ\"إذا\" الفجائية؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ","vol":"4","page":198},{"text":"إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾. أو مقرونة بالفاء كقوله: ﴿فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ ..﴾ الآية، ويكون جوابها فعلًا مضارعًا كما قاله ابن عصفور؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤) ..﴾ الآية. وبعض ما ذكرنا لا يخلو من مناقشة عند علماء العربية، ولكنه هو الظاهر.\nهذه الأنواع الثلاثة، هي التي تأتي لها \"لما\" في القرآن وفي كلام العرب.\nأما \"لما\" المتركبة من كلمات أو كلمتين، فليست من \"لما\" التي كلامنا فيها؛ لأنها غيرها، فالمركبة من كلمات كقول بعض المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ كُلًّا لَمَّا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ رَبُّكَ﴾ في قراءة ابن عامر وحمزة وحفص عن عاصم بتشديد نون ﴿وَإِنَّ﴾ منه وميم ﴿لَّمَّا﴾ على قول من زعم أن الأصل على هذه القراءة: لمن ما بـ\"من\" التبعيضية، و\"ما\" بمعنى \"من\"، أي: وإن كلًّا لمن جملة ما يوفيهم ربك أعمالهم، فأبدلت نون \"من\" ميمًا وأدغمت في \"ما\"، فلما كثرت الميمات حذفت الأولى فصار \"لما\". وعلى هذا القول فـ\"لمَّا\" مركبة من ثلاث كلمات: الأولى الحرف الذي هو \"اللام\"، والثانية \"من\"، والثالثة \"ما\"، وهذا القول -وإن قال به بعض أهل العلم- لا يخفى ضعفه وبعده، وأنه لا يجوز حمل القرآن عليه. وقصدنا مطلق التمثيل لـ\"لما\" المركبة من كلمات على قول من قال بذلك. وأما المركبة من كلمتين فكقول الشاعر:\nلما رأيت أبا يزيد مقاتلًا ... أدع القتال وأشهد الهيجاء\nلأن قوله \"لما\" في هذا البيت، مركبة من \"لن\" النافية الناصبة","vol":"4","page":199},{"text":"للمضارع و\"ما\" المصدرية الظرفية، أي: لن أدع القتال ما رأيت أبا يزيد مقاتلًا، أي مدة رؤيتي له مقاتلًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-860> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وفتاه نسيا حوتهما لما بلغا مجمع البحرين، ولكنه تعالى أوضح أن النسيان واقع من فتى موسى؛ لأنه هو الذي كان تحت يده الحوت، وهو الذي نسيه. وإنما أسند النسيان إليهما؛ لأن إطلاق المجموع مرادًا بعضه أسلوب عربي كثير في القرآن وفي كلام العرب. وقد أوضحنا أن من أظهر أدلته قراءة حمزة والكسائي: (فإنْ قَتَلوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين لا من القتال، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. والدليل على أن النسيان إنما وقع من فتى موسى دون موسى قوله تعالى عنهما: ﴿فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢) قَال أَرَأَيتَ إِذْ أَوَينَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ ..﴾ الآية؛ لأن قول موسى: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا﴾ يعني به الحوت، فهو يظن أن فتاه لم ينسه، كما قاله غير واحد. وقد صرح فتاه: بأنه نسيه بقوله: ﴿فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ دليل على أن النسيان من الشيطان كما دلت عليه آيات أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ ..﴾ الآية.\nوفتى موسى هو يوشع بن نون. والضمير في قوله تعالى:","vol":"4","page":200},{"text":"﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ عائد إلى ﴿الْبَحْرَينِ﴾ المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَينِ ..﴾ الآية. والمجمع: اسم مكان على القياس، أي مكان اجتماعهما.\nوالعلماء مختلفون في تعيين ﴿الْبَحْرَينِ﴾ المذكورين. فذهب أكثرهم إلى أنهما بحر فارس مما يلي المشرق، وبحر الروم مما يلي المغرب. وقال محمد بن كعب القرظي: ﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ عند طنجة في أقصى بلاد المغرب. وروى ابن أبي حاتم من طريق السدي قال: هما الكر والرس حيث يصبان في البحر. وقال ابن عطية: ﴿مَجْمَعَ بَينِهِمَا﴾ ذراع في أرض فارس من جهة أذربيجان، يخرج من البحر المحيط من شماله إلى جنوبه، وطرفيه مما يلي بر الشام. وقيل: هما بحر الأردن والقلزم. وعن ابن المبارك قال: قال بعضهم: بحر أرمينية. وعن أبي بن كعب قال: بإفريقية. إلى غير ذلك من الأقوال. ومعلوم أن تعيين ﴿الْبَحْرَينِ﴾ من النوع الذي قدمنا أنه لا دليل عليه من كتاب ولا سنة، وليس في معرفته فائدة، فالبحث عنه تعب لا طائل تحته، وليس عليه دليل يجب الرجوع إليه. وزَعْمُ بعضِ الملاحدة الكفرة المعاصرين: أن موسى لم يسافر إلى مجمع بحرين، بدعوى أنه لم يعرف ذلك في تاريخه = زَعْمٌ في غاية الكذب والبطلان، ويكفي في القطع بذلك أنه مناقض لقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَينِهِمَا ..﴾ الآية، مع التصريح بأنه سفر فيه مشقة وتعب، وذلك لا يكون إلا في بعيد السفر، ولذا قال تعالى عن موسى: ﴿لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا (٦٢)﴾. ومعلوم أن ما ناقض القرآن فهو باطل؛ لأن نقيض الحق باطل بإجماع العقلاء لاستحالة صدق النقيضين معًا.","vol":"4","page":201},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ﴾ قرأه عامة القراء ما عدا حفصًا (أنْسَنِيهِ) بكسر الهاء. وقرأه حفص عن عاصم ﴿أَنْسَانِيهُ﴾ بضم الهاء.\n\n• قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا (٦٥)﴾.\nهذا العبد المذكور في هذه الآية الكريمة هو الخضر ﵇ بإجماع العلماء، ودلالة النصوص الصحيحة على ذلك من كلام النبي - ﷺ -. وهذه الرحمة والعلم اللدني اللذان ذكر الله امتنانه عليه بهما، لم يبين هنا هل هما رحمة النبوة وعلمها، أو رحمة الولاية وعلمها. والعلماء مختلفون في الخضر: هل هو نبي، أو رسول، أو ولي؛ كما قال الراجز:\nواختلفت في خضر أهل العقول ... قيل نبيٌّ أو وليٌّ أو رسول\nوقيل: مَلَك. ولكنه يفهم من بعض الآيات أن هذه الرحمة المذكورة هنا رحمة نبوة. وأن هذا العلم اللدُنِّي علم وحي، مع العلم بأن في الاستدلال بها على ذلك مناقشات معروفة عند العلماء.\nاعلم أولًا: أن الرحمة تكرر إطلاقها على النبوة في القرآن. وكذلك العلم المؤتى من الله تكرر إطلاقه فيه على علم الوحي. فمن إطلاق الرحمة على النبوة قوله تعالى في \"الزخرف\": ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ..﴾ الآية. أي: نبوته، حتى يتحكموا في إنزال القرآن على رجل عظيم من القريتين. وقوله تعالى في سورة \"الدخان\": ﴿فِيهَا","vol":"4","page":202},{"text":"يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ...﴾ الآية، وقوله تعالى في آخر \"القصص\": ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ ...﴾ الآية. ومن إطلاق إيتاء العلم على النبوة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ ...﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nومعلوم أن الرحمة وإيتاء العلم اللدني أعم من كون ذلك عن طريق النبوة وغيرها. والاستدلال بالأعم على الأخص فيه: أن وجود الأعم لا يستلزم وجود الأخص كما هو معروف. ومن أظهر الأدلة أن الرحمة والعلم اللدني اللذين أمتنَّ الله بهما على عبده الخضر عن طريق النبوة والوحي قوله تعالى عنه: ﴿وَمَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ أي: وإنما فعلته عن أمر الله جل وعلا. وأمر الله إنما يتحقق عن طريق الوحي، إذ لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه إلا الوحي من الله جل وعلا، ولاسيما قتل الأنفس البريئة في ظاهر الأمر، وتعييب سفن الناس بخرقها؛ لأن العدوان على أنفس الناس وأموالهم لا يصح إلا عن طريق الوحي من الله تعالى. وقد حصر تعالى طرق الإنذار في الوحي في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ و﴿إِنَّمَا﴾ صيغة حصر.\nفإن قيل: قد يكون ذلك عن طريق الإلهام؟\nفالجواب: أن المقرر في الأصول أن الإلهام من الأولياء لا يجوز الاستدلال به على شيء، لعدم العصمة، وعدم الدليل على الاستدلال به. بل ولوجود الدليل على عدم جواز الاستدلال به،","vol":"4","page":203},{"text":"وما يزعمه بعض المتصوفة من جواز العمل بالإلهام في حق الملهم دون غيره، وما يزعمه بعض الجبرية أيضًا من الاحتجاج بالإلهام في حق الملهم وغيره جاعلين الإلهام كالوحي المسموع مستدلين بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾، وبخبر: \"اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله\" كله باطل لا يُعَوَّل عليه، لعدم اعتضاده بدليل. وغير المعصوم لا ثقة بخواطره؛ لأنه لا يأمن دسيسة الشيطان. وقد ضمنت الهداية في اتباع الشرع، ولم تضمن في اتباع الخواطر والإلهامات. والإلهام في الاصطلاح: إيقاع شيء في القلب يثلج له الصدر من غير استدلال بوحي ولا نظر في حجة عقلية، يختص الله به من يشاء من خلقه. أما ما يلهمه الأنبياء مما يلقيه الله في قلوبهم فليس كإلهام غيرهم؛ لأنهم معصومون بخلاف غيرهم. قال في مراقي السعود في كتاب الاستدلال:\nوينبذ الإلهام بالعراء ... أعني به إلهام الأولياء\nوقد رآه بعضُ من تصوَّفا ... وعصمة النبي توجب اقتفا\nوبالجملة، فلا يخفى على من له إلمام بمعرفة دين الإسلام أنه لا طريق تعرف بها أوامر الله ونواهيه، وما يتقرب إليه به من فعل وترك إلا عن طريق الوحي. فمن ادعى أنه غني في الوصول إلى ما يرضي ربه عن الرسل، وما جاءوا به ولو في مسألة واحدة؛ فلا شك في زندقته. والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا تحصى، قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ ولم يقل: حتى نلقي في القلوب إلهامًا. وقال تعالى: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾، قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ","vol":"4","page":204},{"text":"بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ ...﴾ الآية. والآيات والأحاديث بمثل هذا كثيرة جدًّا. وقد بينا طرفًا من ذلك في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾. وبذلك تعلم أن ما يدعيه كثير من الجهلة المدعين التصوف؛ من أن لهم ولأشياخهم طريقًا باطنة توافق الحق عند الله ولو كانت مخالفةً لظاهر الشرع، كمخالفة ما فعله الخضر لظاهر العلم الذي عند موسى = زندقة، وذريعة إلى الانحلال بالكلية من دين الإسلام، بدعوى أن الحق في أمور باطنة تخالف ظاهره.\nقال القرطبي ﵀ في تفسيره ما نصه: قال شيخنا الإمام أبو العباس: ذهب قوم من زنادقة الباطنية إلى سلوك طريق لا تلزم منه هذه الأحكام الشرعية فقالوا: هذا الأحكام الشرعية العامة إنما يحكم بها على الأنبياء والعامة. وأما الأولياء وأهل الخصوص فلا يحتاجون إلى تلك النصوص؛ بل إنما يراد منهم ما يقع في قلوبهم. ويحكم عليهم بما يغلب عليهم من خواطرهم. وقالوا: وذلك لصفاء قلوبهم عن الأكدار، وخلوها عن الأغيار، فتتجلى لهم العلوم الإلهية، والحقائق الربانية، فيقفون على أسرار الكائنات، ويعلمون أحكام الجزئيات، فيستغنون بها عن أحكام الشرائع الكليات، كما اتفق للخضر فإنه استغنى بما تجلى له من العلوم عما كان عند موسى من تلك الفهوم. وقد جاء فيما ينقلون \"استفت قلبك وإن أفتاك المفتون\". قال شيخنا ﵁: وهذا القول زندقة وكفر، يقتل قائله ولا يستتاب؛ لأنه إنكار ما علم من الشرائع، فإن الله تعالى قد أجرى سنته، وأنفذ حكمته بأن","vol":"4","page":205},{"text":"أحكامه لا تعلم إلا بواسطة رسله السفراء بينه وبين خلقه، وهم المبلغون عنه رسالته وكلامه، المبينون شرائعه وأحكامه، اختارهم لذلك وخصهم بما هنالك، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وعلى الجملة، فقد حصل العلم القطعي واليقين الضروري، واجتماع السلف والخلف على أن لا طريق لمعرفة أحكام الله تعالى التي هي راجعة إلى أمره ونهيه، ولا يعرف شيء منها إلا من جهة الرسل. فمن قال: إن هناك طريقًا أخرى يعرف بها أمره ونهيه غير الرسل حيث يستغنى عن الرسل، فهو كافر يقتل ولا يستتاب، ولا يحتاج معه إلى سؤال وجواب. ثم هو قول بإثبات أنبياء بعد نبينا - ﷺ -؛ الذي قد جعله الله خاتم أنبيائه ورسله، فلا نبي بعده ولا رسول.\nوبيان ذلك؛ أن من قال: يأخذ عن قلبه؛ وأن ما يقع فيه حكم الله تعالى، وأنه يعمل بمقتضاه، وأنه لا يحتاج مع ذلك إلى كتاب ولا سنة، فقد أثبت لنفسه خاصة النبوة؛ فإن هذا نحو ما قاله - ﷺ -: \"إن روح القدس نفث في روعي .. \" الحديث. انتهى من تفسير القرطبي.\nوما ذكره في كلام شيخه المذكور من أن الزنديق لا يستتاب هو مذهب مالك ومن وافقه، وقد بينا أقوال العلماء في ذلك وأدلتهم، وما يرجحه الدليل في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن","vol":"4","page":206},{"text":"آيات الكتاب) في سورة \"آل عمران\".\nوما يستدل به بعض الجهلة ممن يدعي التصوف على اعتبار الإلهام من ظواهر بعض النصوص كحديث: \"استفت قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك\"، لا دليل فيه البتة على اعتبار الإلهام؛ لأنه لم يقل أحد ممن يعتد به أن المفتي الذي تتلقى الأحكام الشرعية من قبله القلب، بل معنى الحديث: التحذير من الشبه؛ لأن الحرام بين والحلال بين، وبينهما أمور مشتبهة لا يعلمها كل الناس. فقد يفتيك المفتي بحِلِّيةِ شيء وأنت تعلم من طريق آخر أنه يحتمل أن يكون حرامًا، وذلك باستناد إلى الشرع، فإن قلب المؤمن لا يطمئن لما فيه الشبهة. والحديث كقوله: \"دع ما يَرِيبك إلى ما لا يَريبك\"، وقوله  - ﷺ -: \"البر حسن الخلق، والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس\" رواه مسلم من حديث النواس بن سمعان ﵁، وحديث وابصة بن معبد ﵁ المشار إليه قال: أتيت رسول الله - ﷺ - فقال: \"جئت تسأل عن البر\"؟ قلت: نعم، قال: \"استفت قلبك، البر ما اطمأنت إليه النفس واطمأن إليه القلب. والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك\" قال النووي في رياض الصالحين: حديث حسن، رواه أحمد والدارمي في مسنديهما. ولا شك أن المراد بهذا الحديث ونحوه، الحث على الورع وترك الشبهات، فلو التبست مثلًا ميتة بمذكَّاة، أو امرأة محرم بأجنبية، وأفتاك بعض المفتين بحلية إحداهما لاحتمال أن تكون هي المذكاة في الأول، والأجنبية في الثاني؛ فإنك إذا استفتيت قلبك علمت أنه يحتمل أن تكون هي الميتة أو الأخت، وأن ترك الحرام والاستبراء للدين والعرض، لا","vol":"4","page":207},{"text":"يتحقق إلا بتجَنُّب الجميع؛ لأن ما لا يتم ترك الحرام إلا بتركه فتركه واجب. فهذا يحيك في النفس ولا تنشرح له، لاحتمال الوقوع في الحرام فيه كما ترى. وكل ذلك مستند لنصوص الشرح لا للإلهام.\nومما يدل على ما ذكرنا من كلام أهل الصوفية المشهود لهم بالخير والدين والصلاح: قول الشيخ أبي القاسم الجنيد بن محمد بن الجنيد الخزاز القواريري ﵀: مذهبنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، نقله عنه غير واحد ممن ترجمه ﵀، كابن كثير وابن خلكان وغيرهما. ولا شك أن كلامه المذكور هو الحق، فلا أمر ولا نهي إلا على ألسنة الرسل عليهم الصلاة والسلام. وبهذا كله تعلم: أن قتل الخضر للغلام، وخرقه للسفينة، وقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ دليل ظاهر على نبوته. وعزا الفخر الرازي في تفسيره القول بنبوته للأكثرين، ومما يستأنس به للقول بنبوته تواضع موسى ﵊ له في قوله: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦)﴾، وقوله: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا (٦٩)﴾ مع قول الخضر له: ﴿وَكَيفَ تَصْبِرُ عَلَى مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْرًا (٦٨)﴾.\nمسألة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في الخضر: هل هو حي إلى الآن، أو هو غير حي، بل ممن مات فيما مضى من الزمان؟ فذهب كثير من أهل العلم إلى أنه حي، وأنه شرب من عين تسمى عين الحياة. وممن نصر القول بحياته القرطبي في تفسيره، والنووي في شرح مسلم وغيره، وابن الصلاح، والنقاش وغيرهم. قال ابن عطية: وأطنب النقاش في هذا المعنى، يعني حياة الخضر وبقاءه إلى يوم","vol":"4","page":208},{"text":"القيامة. وذكر في كتابه أشياء كثيرة عن علي بن أبي طالب وغيره، وكلها لا تقوم على ساق. انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.\nوحكايات الصالحين عن الخضر أكثر من أن تحصر. ودعواهم أنه يحج هو وإلياس كل سنة، ويروون عنهما بعض الأدعية؛ كل ذلك معروف. ومستند القائلين بذلك ضعيف جدًّا؛ لأن غالبه حكايات عن بعض من يظن به الصلاح. ومنامات وأحاديث مرفوعة عن أنس وغيره، وكلها ضعيف لا تقوم به حجة.\nومن أقواه عند القائلين به: آثار التعزية حين توفي النبي  - ﷺ - . وقد ذكر ابن عبد البر في تمهيده عن علي ﵁ قال: لما توفي النبي - ﷺ - وسجى بثوب هتف هاتف من ناحية البيت يسمعون صوته ولا يرون شخصه: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. السلام عليكم أهل البيت ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ...﴾ الآية. إن في الله خلقًا عن كل هالك، وعوضًا من كل تالف، وعزاء من كل مصيبة، فبالله فثقوا، وإياه فارجو؛ فإن المصاب من حرم الثواب. فكانوا يرون أنه الخضر   ﵇؛ يعني أصحاب النبي  - ﷺ - . انتهى بواسطة نقل القرطبي في تفسيره.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والاستدلال على حياة الخضر بآثار التعزية كهذا الأثر الذي ذكرنا آنفًا، مردود من وجهين:\nالأول: أنه لم يثبت ذلك بسند صحيح. قال ابن كثير في تفسيره: وحكى النووي وغيره في بقاء الخضر إلى الآن، ثم إلى يوم القيامة قولين، ومال هو وابن الصلاح إلى بقائه. وذكروا في ذلك حكايات عن السلف وغيرهم. وجاء ذكره في بعض الأحاديث،","vol":"4","page":209},{"text":"ولا يصح شيء من ذلك. وأشهرها حديث التعزية وإسناده ضعيف. اهـ. منه.\nالثاني: أنه على فرض أن حديث التعزية صحيح لا يلزم من ذلك عقلًا ولا شرعًا ولا عرفانًا أن يكون ذلك المعزى هو الخضر؛ بل يجوز أن يكون غير الخضر من مؤمني الجن؛ لأن الجن هم الذين قال الله فيهم: ﴿إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾. ودعوى أن ذلك المعزى هو الخضر تحكم بلا دليل. وقولهم: كانوا يرون أنه الخضر ليس حجة يجب الرجوع إليها؛ لاحتمال أن يخطئوا في ظنهم، ولا يدل ذلك على إجماع شرعي معصوم، ولا متمسك لهم في دعواهم أنه الخضر كما ترى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل في هذه المسألة أن الخضر ليس بحي بل توفى، وذلك لعدة أدلة:\nالأول: ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾، فقوله: ﴿لِبَشَرٍ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر، فيلزم من ذلك نفي الخلد عن كل بشر من قبله. والخضر بشر من قبله؛ فلو كان شرب من عين الحياة وصار حيًّا خالدًا إلى يوم القيامة لكان الله قد جعل لذلك البشر الذي هو الخضر من قبله الخلد.\nالثاني: قوله  - ﷺ -: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\" فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا هناد بن السريّ، حدثنا ابن المبارك، عن عكرمة بن عمار، حدثني سماك الحنفي قال: سمعت ابن عباس يقول: حدثني عمر بن","vol":"4","page":210},{"text":"الخطاب قال: لما كان يوم بدر، (ح) وحدثنا زهير بن حرب واللفظ له، حدثنا عمر بن يونس الحنفي، حدثنا عكرمة بن عمار، حدثني أبو زميل هو سماك الحنفي، حدثني عبد الله ابن عباس قال: حدثني عمر بن الخطاب قال: لما كان يوم بدر نظر رسول الله - ﷺ - إلى المشركين وهم ألف وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلًا؛ فاستقبل النبي  - ﷺ -  القبلة ثم مد يديه فجعل يهتف بربه: \"اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض\" فمازال يهتف بربه مادًّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبيه؛ فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه ثم التزمه من ورائه وقال: يا نبي الله! كفاك مناشدتك ربك، فإنه سينجز لك ما وعدك، فأنزل الله ﷿: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ (٩)﴾ فأمده الله بالملائكة .. الحديث. ومحل الشاهد منه قوله  - ﷺ -: \"لا تعبد في الأرض\" فِعلٌ في سياق النفي فهو بمعنى: لا تقع عبادة لك في الأرض؛ لأن الفعل ينحلّ عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر ونسبة وزمن عند كثير من البلاغيين. فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، فيتسلط عليه النفي فيؤول إلى النكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم كما تقدم إيضاحه في سورة \"بني إسرائيل\". وإلى كون الفعل في سياق النفي والشرط من صيغ العموم أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يفيد العموم:\nونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا\nفإذا علمت أن معنى قوله - ﷺ -: \"إن تهلك هذه العصابة لا","vol":"4","page":211},{"text":"تعبد في الأرض\" أي لا تقع عبادة لك في الأرض؛ فاعلم أن ذلك النفي يشمل بعمومه وجود الخضر حيًّا في الأرض؛ لأنه على تقدير وجوده حيًّا في الأرض فإن الله يعبد في الأرض، ولو على فرض هلاك تلك العصابة من أهل الإسلام؛ لأن الخضر مادام حيًّا فهو يعبد الله في الأرض.\nوقال البخاري في صحيحه: حدثني محمد بن عبد الله بن حوشب حدثنا عبد الوهاب، حدثنا خالد عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبي - ﷺ - يوم بدر: \"اللهم أنشدك عهدك ووعدك. اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض\" فأخذ أبو بكر بيده فقال: حسبك! فخرج وهو يقول: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾؛ فقوله - ﷺ - في هذا الحديث: \"اللهم إن شئت لم تعبد في الأرض\" أي إن شئت إهلاك هذه الطائفة من أهل الإسلام لم تعبد في الأرض؛ فيرجع معناه إلى الرواية التي ذكرنا عن مسلم في صحيحه من حديث عمر بن الخطاب ﵁. وقد بينا وجه الاستدلال بالحديث عن وفاة الخضر.\nالثالث: إخباره - ﷺ - على رأس مائة سنة من الليلة التي تكلم فيها بالحديث لم يبق على وجه الأرض أحد ممن هو عليها تلك الليلة؛ فلو كان الخضر حيًّا في الأرض لما تأخر بعد المائة المذكورة. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن رافع، وعبد بن حميد، قال محمد بن رافع: حدثنا، وقال عبد: أخبرنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر عن الزهري، أخبرني سالم بن عبد الله وأبو بكر بن سليمان: أن عبد الله بن عمر قال:","vol":"4","page":212},{"text":"صلى بنا رسول الله - ﷺ - ذات ليلة صلاة العشاء في آخر حياته؛ فلما سلم قام فقال: \"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن على رأس مائة سنة منها لا يبقى ممن هو على ظهرها أحد\". قال ابن عمر: فوَهَل الناسُ في مقالة رسول الله - ﷺ - تلك فيما يتحدثون من هذه الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد\"، يريد بذلك أن ينخرم ذلك القرن. حدثني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، أخبرنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب. ورواه الليث عن عبد الرحمن بن خالد بن مسافر، كلاهما عن الزهري بإسناد معمر كمثل حديثه.\nحدثني هارون بن عبد الله، وحجاج بن الشاعر قالا: حدثنا حجاج بن محمد، قال: قال ابن جريج: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله يقول: سمعت النبي - ﷺ - يقول قبل أن يموت بشهر: \"تسألوني عن الساعة وإنما علمها عند الله، وأقسم بالله ما على الأرض من نفس منفوسة تأتي عليها مائة سنة\". حدثنيه محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج بهذا الإسناد، ولم يذكر: \"قبل موته بشهر\".\nحدثني يحيى بن حبيب، ومحمد بن عبد الأعلى، كلاهما عن المعتمر، قال ابن حبيب: حدثنا معتمر بن سليمان، قال: سمعت أبي، حدثنا أبو نضرة عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - أنه قال ذلك قبل موته بشهر أو نحو ذلك: \"ما من نفس منفوسة اليوم تأتي عليها مائة سنة وهي حية يومئذ\". وعن عبد الرحمن صاحب السقاية، عن جابر بن عبد الله عن النبي - ﷺ - بمثل ذلك. وفسرها عبد الرحمن قال:","vol":"4","page":213},{"text":"نقص العمر. حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا سليمان التيمي بالإسنادين جميعًا مثله. حدثنا ابن نمير، حدثنا أبو خالد عن داود واللفظ له. (ح) وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا سليمان بن حيان عن داود عن أبي نضرة عن أبي سعيد قال: لما رجع النبي  - ﷺ -  من تبوك سألوه عن الساعة، فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تأتي مائة سنة وعلى الأرض نفس منفوسة اليوم\". حدثني إسحاق بن منصور، أخبرنا أبو الوليد، أخبرنا أبو عوانة عن حصين عن سالم عن جابر بن عبد الله قال: قال النبي - ﷺ -: \"ما من نفس منفوسة تبلغ مائة سنة\" فقال سالم: تذاكرنا ذلك عنده: إنما هي كل نفس مخلوقة يومئذ. اهـ منه بلفظه.\nفهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي  - ﷺ -  ابن عمر، وجابر، وأبو سعيد، فيه تصريح النبي  - ﷺ -  بأنه لا تبقى نفس منفوسة حية على وجه الأرض بعد مائة سنة. فقوله \"نفس منفوسة\" ونحوها من الألفاظ في روايات الحديث نكرة في سياق النفي فهي تعم كل نفس مخلوقة على الأرض. ولا شك أن ذلك العموم بمقتضى اللفظ يشمل الخضر؛ لأنه نفس منفوسة على الأرض.\nوقال البخاري في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: حدثني سالم بن عبد الله بن عمر، وأبو بكر بن أبي حثمة أن عبد الله بن عمر قال: صلى النبي  - ﷺ -  صلاة العشاء في آخر حياته، فلما سلم قام النبي - ﷺ - فقال: \"أرأيتكم ليلتكم هذه، فإن رأس مائة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض أحد\" فوهل الناس في مقالة رسول الله  - ﷺ - إلى ما يتحدثون من هذه","vol":"4","page":214},{"text":"الأحاديث عن مائة سنة. وإنما قال النبي  - ﷺ -: \"لا يبقى ممن هو اليوم على ظهر الأرض\" يريد بذلك أنها تخرم ذلك القرن. انتهى منه بلفظه. وقد بينا وجه دلالته على المراد قريبًا.\nالرابع: أن الخضر لو كان حيًّا إلى زمن النبي  - ﷺ -  لكان من أتباعه، ولنصره وقاتل معه؛ لأنه مبعوث إلى جميع الثقلين الإنس والجن. والآيات الدالة على عموم رسالته كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ ويوضح هذا أنه تعالى بين في سورة \"آل عمران\": أنه أخذ على جميع النبيين الميثاق المؤكد أنهم إن جاءهم نبينا - ﷺ - مصدقًا لما معهم أن يؤمنوا به وينصروه، وذلك في قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَال أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَال فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾.\nوهذه الآية الكريمة على القول بأن المراد بالرسول فيها نبينا - ﷺ -، كما قاله ابن العباس وغيره، فالأمر واضح. وعلى أنها عامة فهو - ﷺ - يدخل في عمومها دخولًا أوليًّا؛ فلو كان الخضر حيًّا في زمنه لجاءه ونصره وقاتل تحت رايته. ومما يوضح أنه لا يدركه نبي إلا اتبعه ما رواه الإمام أحمد وابن أبي شيبة والبزار من حديث جابر ﵁: أن عمر ﵁ أتى النبي - ﷺ - بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب فقرأه عليه فغضب وقال: \"لقد جئتكم بها","vol":"4","page":215},{"text":"بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبوا به، أو بباطل فتصدقوا به. والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًّا ما وسعه إلا أن يتبعني\" اهـ. قال ابن حجر في الفتح: ورجاله موثوقون، إلا أن في مجالد ضعفًا. وقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه بعد أن ساق آية \"آل عمران\" المذكورة آنفًا مستدلًّا بها على أن الخضر لو كان حيا لجاء النبي - ﷺ - ونصره ما نصه: قال ابن عباس ﵄: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق لئن بعث محمد - ﷺ - وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه، وأمره أن يأخذ على أمته الميثاق لئن بعث محمد - ﷺ - وهم أحياء ليؤمنن به وينصرونه، ذكره البخاري عنه.\nفالخضر إن كان نبيًّا أو وليًّا فقد دخل في هذا الميثاق، فلو كان حيًّا في زمن رسول الله - ﷺ - لكان أشرف أحواله أن يكون بين يديه، يؤمن بما أنزل الله عليه، وينصره أن يصل أحد من الأعداء إليه؛ لأنه إن كان وليًّا فالصديق أفضل منه. وإن كان نبيًّا فموسى أفضل منه.\nوقد روى الإمام أحمد في مسنده: حدثنا شريح بن النعمان، حدثنا هشيم أنبأنا مجالد عن الشعبي عن جابر بن عبد الله: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"والذي نفسي بيده، لو أن موسى كان حيًا ما وسعه إلا أن يتبعني\" وهذا الذي يقطع به ويعلم من الدين علم الضرورة.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة: أن الأنبياء كلهم لو فرض أنهم أحياء مكلفون في زمن رسول الله - ﷺ - لكانوا كلهم أتباعًا له وتحت أوامره، وفي عموم شرعه. كما أنه صلوات الله وسلامه عليه لما","vol":"4","page":216},{"text":"اجتمع بهم في الإسراء رُفِع فوقهم كلهم، ولما هبطوا معه إلى بيت المقدس وحانت الصلاة أمره جبريل عن أمر الله أن يؤمهم؛ فصلى بهم في محل ولايتهم ودار إقامتهم. فدل على أنه الإمام الأعظم، والرسول الخاتم المبجل المقدم، صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين.\nفإذا علم هذا -وهو معلوم عند كل مؤمن- عُلِم أنه لو كان الخضر حيًّا لكان من جملة أمة محمد - ﷺ -، وممن يقتدي بشرعه لا يسعه إلا ذلك. هذا عيسى ابن مريم   ﵇   إذا نزل في آخر الزمان يحكم بهذه الشريعة المطهرة، لا يخرج منها ولا يحيد عنها، وهو أحد أولي العزم الخمسة المرسلين، وخاتم أنبياء بني إسرائيل. والمعلوم أن الخضر لم ينقل بسند صحيح ولا حسن تسكن النفس إليه أنه اجتمع برسول الله  - ﷺ -  في يوم واحد، ولم يشهد معه قتالًا في مشهد من المشاهد. وهذا يوم بدر يقول الصادق المصدوق فيما دعا به ربه ﷿ واستنصره واستفتحه على من كفره: \"اللهم إن تهلك هذه العصابة لا تعبد بعدها في الأرض\" وتلك العصابة كان تحتها سادة المسلمين يومئذ، وسادة الملائكة حتى جبريل ﵇؛ كما قال حسان بن ثابت في قصيدة له في بيت يقال بأنه أفخر بيت قالته العرب:\nوببئر بدر إذ يرد وجوههم ... جبريل تحت لوائنا ومحمد\nفلو كان الخضر حيًّا لكان وقوفه تحت هذه الراية أشرف مقاماته، وأعظم غزواته. قال القاضي أبو يعلى محمد بن الحسين بن الفراء الحنبلي: سئل بعض أصحابنا عن الخضر هل مات؟","vol":"4","page":217},{"text":"فقال: نعم. قال: وبلغني مثل هذا عن أبي طاهر بن العبادي قال: وكان يحتج بأنه لو كان حيًا لجاء إلى رسول الله - ﷺ -، نقله ابن الجوزي في العجالة. فإن قيل: فهل يقال إنه كان حاضرًا في هذه المواطن كلها ولكن لم يكن أحد يراه؟ فالجواب أن الأصل عدم هذا الاحتمال البعيد الذي يلزم منه تخصيص العمومات بمجرد التوهمات، ثم ما الحامل له على هذا الاختفاء؟ وظهوره أعظم لأجره، وأعلى في مرتبته، وأظهر لمعجزته. ثم لو كان باقيًا بعده لكان تبليغه عن رسول الله - ﷺ - الأحاديث النبوية، والآيات القرآنية، وإنكاره لما وقع من الأحاديث المكذوبة، والروايات المقلوبة، والآراء البدعية، والأهواء العصبية، وقتاله مع المسلمين في غزواتهم، وشهوده جمعهم وجماعاتهم، ونفعه إياهم، ودفعه الضرر عنهم مما سواهم، وتسديده العلماء والحكام، وتقريره الأدلة والأحكام، أفضل مما يقال عن كونه في الأمصار، وجوبه الفيافي والأقطار، واجتماعه بعباد لا تعرف أحوال كثير منهم، وجعله كالنقيب المترجم عنهم؟!.\nوهذا الذي ذكرته لا يتوقف أحد فيه بعد التفهم، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير رحمه الله تعالى.\nفتحصل أن الأحاديث المرفوعة التي تدل على وجود الخضر حيًّا باقيًا لم يثبت منها شيء. وأنه قد دلت الأدلة المذكورة على وفاته، كما قدمنا إيضاحه.\nوممن بين ضعف الأحاديث الدالة على حياة الخضر وبقائه:","vol":"4","page":218},{"text":"ابن كثير في تاريخه وتفسيره. وبين كثيرًا من أوجه ضعفها ابن حجر في الإصابة.\nوقال ابن كثير في البداية والنهاية بعد أن ساق الأحاديث والحكايات الواردة في حياة الخضر: وهذه الروايات والحكايات هي عمدة من ذهب إلى حياته إلى اليوم. وكل من الأحاديث المرفوعة ضعيفة جدًّا، لا تقوم بمثلها حجة في الدين. والحكايات لا يخلو أكثرها من ضعف في الإسناد. وقصاراها أنها صحيحة إلى من ليس بمعصوم من صحابي أو غيره؛ لأنه يجوز عليه الخطأ، والله أعلم. إلى أن قال ﵀: وقد تصدى الشيخ أبو الفرج بن الجوزي ﵀ في كتابه (عُجالة المنتظِر في شرح حال الخضر) للأحاديث الواردة في ذلك من المرفوعات، فبين أنها موضوعات، ومن الآثار عن الصحابة والتابعين فمن بعدهم. فبين ضعف أسانيدها ببيان أحوالها، وجهالة رجالها، وقد أجاد في ذلك وأحسن الانتقاد. اهـ منه.\nواعلم أن جماعة من أهل العلم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا أنها تدل على وفاته؛ فزعموا أنه لا يشمله عموم ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ ولا عموم حديث: \"أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لم يبق على ظهر الأرض أحد ممن هو عليها اليوم\" كما تقدم. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره رحمه الله تعالى: ولا حجة لمن استدل به -يعني الحديث المذكور- على بطلان قول من يقول: إن الخضر حي؛ لعموم قوله: \"ما من نفس منفوسة. .\" لأن العموم وإن كان مؤكد الاستغراق ليس نصًّا فيه، بل هو قابل","vol":"4","page":219},{"text":"للتخصيص، فكما لم يتناول عيسى   ﵇   فإنه لم يمت ولم يقتل، بل هو حي بنص القرآن ومعناه. ولا يتناول الدجال مع أنه حي بدليل حديث الجساسة؛ فكذلك لم يتناول الخضر  ﵇، وليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا، فمثل هذا العموم لا يتناوله. وقيل: إن أصحاب الكهف أحياء، ويحجون مع عيسى  ﵇ كما تقدم. وكذلك فتى موسى في قول ابن عباس كما ذكرنا اهـ منه.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: كلام القرطبي هذا ظاهر السقوط، كما لا يخفى على من له إلمام بعلوم الشرع، فإنه اعترف بأن حديث النبي - ﷺ - عام في منفس منفوسة عمومًا مؤكدًا؛ لأن زيادة \"مِن\" قبل النكرة في سياق النفي تجعلها نصًّا صريحًا في العموم لا ظاهرًا فيه كما هو مقرر في الأصول. وقد أوضحناه في سورة \"المائدة\".\nولو فرضنا صحة ما قاله القرطبي -رحمه الله تعالى- من أنه ظاهر في العموم لا نصٌّ فيه، وقررنا أنه قابل للتخصيص كما هو الحق في كل عام، فإن العلماء مجمعون على وجوب استصحاب عموم العام حتى يرد دليل مخصص صالح للتخصيص سندًا ومتنًا؛ فالدعوى المجردة عن دليل من كتاب أو سنة لا يجوز أن يخصص بها نص من كتاب أو سنة إجماعًا.\nوقوله: \"إن عيسى لم يتناوله عموم الحديث\"، فيه: أن لفظ الحديث من أصله لم يتناوله عيسى؛ لأن النبي - ﷺ - قال فيه: \"لم يبق على ظهر الأرض ممن هو بها اليوم أحد\"؛ فخصص","vol":"4","page":220},{"text":"ذلك بظهر الأرض فلم يتناول اللفظ من في السماء، وعيسى قد رفعه الله عن الأرض كما صرح بذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾ وهذا واضح جدًا كما ترى.\nودعوى حياة أصحاب الكهف، وفتى موسى ظاهرة السقوط، ولو فرضنا حياتهم فإن الحديث يدل على موتهم عند المائة كما تقدم، ولم يثبت شيء يعارضه.\nوقوله \"إن الخضر ليس مشاهدًا للناس، ولا ممن يخالطهم حتى يخطر ببالهم حالة مخاطبة بعضهم بعضًا\" يقال فيه: إن الاعتراض يتوجه عليه من جهتين:\nالأولى: أن دعوى كون الخضر محجوبًا عن أعين الناس كالجن والملائكة، دعوى لا دليل عليها والأصل خلافها؛ لأن الأصل أن بني آدم يرى بعضهم بعضًا لاتفاقهم في الصفات النفسية، ومشابهتهم فيما بينهم.\nالثانية: أنا لو فرضنا أنه لا يراه بنو آدم، فالله الذي أعلم النبي بالغيب الذي هو \"هلاك كل نفس منفوسة في تلك المائة\" عالم بالخضر، وبأنه نفس منفوسة. ولو سلمنا جدليًّا أن الخضر فرد نادر لا تراه العيون، وأن مثله لم يقصد بالشمولي في العموم، فأصح القولين عند علماء الأصول شمول العام والمطلق للفرد النادر والفرد غير المقصود. خلافًا لمن زعم أن الفرد النادر وغير المقصود لا يشملهما العام ولا المطلق.\nقال صاحب جمع الجوامع في مبحث العام ما نصه: \"والصحيح","vol":"4","page":221},{"text":"دخول النادرة وغير المقصودة تحته\". فقوله: \"النادرة وغير المقصودة\"، يعني الصورة النادرة وغير المقصودة. وقوله: \"تحته\" يعني العام. والحق أن الصورة النادرة، وغير المقصودة صورتان لا واحدة، وبينهما عموم وخصوص من وجه على التحقيق؛ لأن الصورة النادرة قد تكون مقصودة وغير مقصودة. والصورة غير المقصودة قد تكون نادرة وغير نادرة. ومن الفروع التي تبنى على دخول الصورة النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما، اختلاف العلماء في جواز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيل. وإيضاحه: أنه جاء في الحديث الذي رواه أصحاب السنن والإمام أحمد من حديث أبي هريرة أن النبي - ﷺ - قال: \"لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر\" ولم يذكر فيه ابن ماجه \"أو نصل\" والفيل ذو خف، وهو صورة نادرة. فعلى القول بدخول الصورة النادرة في العام يجوز دفع السَّبَق -بفتحتين- في المسابقة على الفيلة. والسَّبَق المذكور هو المال المجعول للسابق. وهذا الحديث جعله بعض علماء الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في المطلق لا العام. قال: لأن قوله: \"إلا في خف\" نكرة في سياق الإثبات؛ لأن ما بعد \"إلا\" مثبت، والنكرة في سياق الإثبات إطلاق لا عموم. وجعله بعض أهل الأصول مثالًا لدخول الصورة النادرة في العام.\nقال الشيخ زكريا: وجه عمومه مع أنه نكرة في الإثبات أنه في حَيِّز الشرط معنى، إذ التقدير: إلا إذا كان في خف. والنكرة في سياق الشرط تعم، وضابط الصورة النادرة عند أهل الأصول هي: أن يكون ذلك الفرد لا يخطر غالبًا ببال المتكلم لندرة وقوعه.","vol":"4","page":222},{"text":"ومن أمثلة الاختلاف في الصورة النادرة: هل تدخل في العام والمطلق أو لا؛ اختلاف العلماء في وجوب الغسل من خروج المني الخارج بغير لذة، كمن تلدغه عقرب في ذكره فينزل منه المني. وكذلك الخارج بلذة غير معتادة؛ كالذي ينزل في ماء حار، أو تهزه دابة فينزل منه المني. فنزول المني بغير لذة، أو بلذة غير معتادة صورة نادرة، ووجوب الغسل منه يجري على الخلاف المذكور في دخول الصور النادرة في العام والمطلق وعدم دخولها فيهما. فعلى دخول تلك الصورة النادرة في عموم \"إنما الماء من الماء\" فالغسل واجب، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة ذلك في المطلق ما لو أوصى رجل برأس من رقيقه، فهل يجوز دفع الخنثى أو لا؟ فعلى دخول الصورة النادرة في المطلق يجوز دفع الخنثى، وعلى العكس فلا. ومن أمثلة الاختلاف في دخول الصورة غير المقصودة في الإطلاق: ما لو وكَّلَ رجلٌ آخر على أن يشتري له عبدًا ليخدمه، فاشترى الوكيل عبدًا يعتق على الموكل، فالموكل لم يقصد من يعتق عليه، وإنما أراد خادمًا يخدمه، فعلى دخول الصورة غير المقصودة في المطلق يمضي البيع ويعتق العبد، وعلى العكس فلا. وإلى هاتين المسألتين أشار في المراقي بقوله:\nهل نادر في ذي العموم يدخل ... ومطلق أو لا خلافَ يُنْقَل\nفما لغير لذةٍ والفيلُ ... ومُشْبِهٌ فيه تنافَى القِيل\nوما من القصد خلا فيه اختلف ... وقد يجيء بالمجاز متصف\nوممن مال إلى عدم دخول الصور النادرة وغير المقصودة في العام والمطلق أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله تعالى.","vol":"4","page":223},{"text":"قال مقيده -عفا الله عنه-: الذي يظهر رجحانه بحسب المقرر في الأصول، شمول العام والمطلق للصور النادرة؛ لأن العام ظاهر في عمومه حتى يرد دليل مخصص من كتاب أو سنة. وإذا تقرر أن العام ظاهر في عمومه وشموله لجميع الأفراد؛ فحكم الظاهر أنه لا يعدل عنه، بل يجب العمل به إلا بدليل يصلح للتخصيص. وقد كان الصحابة ﵃ يعملون بشمول العمومات من غير توقف في ذلك. وبذلك تعلم أن دخول الخضر في عموم قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ ..﴾ الآية وعموم قوله - ﷺ -: \"أرأيتكم ليلتكم هذه فإنه على رأس مائة سنة لا يبقى على وجه الأرض ممن هو عليها اليوم أحد\" هو الصحيح، ولا يمكن خروجه من تلك العمومات إلا بمخصص صالح للتخصيص.\nومما يوضح ذلك: أن الخنثى صورة نادرة جدًّا، مع أنه داخل في عموم آيات المواريث والقصاص والعتق، وغير ذلك من عمومات أدلة الشرع. وما ذكره القرطبي من خروج الدجال من تلك العمومات بدليل حديث الجساسة لا دليل فيه؛ لأن الدجال أخرجه دليلَ صالح للتخصيص، وهو الحديث الذي أشار له القرطبي، وهو حديث ثابت في الصحيح من حديث فاطمة بنت قيس ﵂، سمعت النبي - ﷺ - يقول: إنه حدثه به تميم الداري، وأنه أعجبه حديث تميم المذكور؛ لأنه وافق ما كان يحدث به أصحابه من خبر الدجال. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، وحجاج بن الشاعر كلاهما عن عبد الصمد -واللفظ لعبد الوارث بن عبد الصمد- حدثنا أبي عن جدي عن الحسين بن ذكوان، حدثنا ابن بريدة","vol":"4","page":224},{"text":"حدثني عامر بن شراحيل الشعبي -شعب همدان- أنه سأل فاطمة بنت قيس -وكانت من المهاجرات الأول- فقال: حدثيني حديثًا سمعتيه من رسول الله - ﷺ - لا تسنديه إلى أحد غيره. فقالت لئن شئت لأفعلن، فقال لها: أجل حدثيني. فقالت:. . ثم ساق الحديث وفيه طول. ومحل الشاهد منه قول تميم الداري: فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا: ويلك مالك؟! الحديث بطوله -إلى قوله- وإني مخبركم عني، إني أنا المسيح، وإني أوشك أن يؤذن لي في الخروج فأخرج فأسير في الأرض، فلا أدع قرية إلا هبطتها في أربعين ليلة غير مكة وطيبة، فهما محرمتان عليَّ كلتاهما. . . الحديث.\nفهذا نص صحيح صريح في أن الدجال حي موجود في تلك الجزيرة البحرية المذكورة في حديث تميم الداري المذكور، وأنه باق وهو حي حتى يخرج في آخر الزمان. وهذا نص صالح للتخصيص يُخْرج الدجال من عموم حديث موت كل نفس في تلك المائة. والقاعدة المقررة في الأصول: أن العموم يجب إبقاؤه على عمومه، فما أخرجه نص مخصص خرج من العموم وبقي العام حجة في بقية الأفراد التي لم يدل على إخراجها دليل، كما قدمناه مرارًا وهو الحق ومذهب الجمهور، وهو غالب ما في الكتاب والسنة من العمومات يخرج منها بعض الأفراد بنص مخصص، ويبقى العام حجة في الباقي، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود في مبحث التخصيص بقوله:","vol":"4","page":225},{"text":"وهو حجة لدى الأكثر إن ... مخَصِّص له معينًا يَبِن\nوبهذا كله يتبين أن النصوص الدالة على موت كل إنسان على وجه الأرض في ظرف تلك المائة، ونفي الخلد عن كل بشر قبله؛ تتناول بظواهرها الخضر، ولم يخرج منها نص صالح للتخصيص كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن العلماء اختلفوا اختلافًا كثيرًا في نسب الخضر، فقيل: هو ابن آدم لصلبه. وقال ابن حجر في الإصابة: وهذا قول رواه الدارقطني في الأفراد من طريق رواد بن الجراح عن مقاتل بن سليمان عن الضحاك عن ابن عباس، ورواد ضعيف، ومقاتل متروك، والضحاك لم يسمع من ابن عباس. وقيل: إنه ابن قابيل ابن آدم، قال ابن حجر: ذكره أبو حاتم السجستاني في كتاب المعمرين. ثم ساق سنده وقال: هو معضل، وحكى صاحب هذا القول: أن اسمه خضرون وهو الخضر. وقيل: اسمه عامر، ذكره أبو الخطاب بن دحية عن ابن حبيب البغدادي. وقيل: إن اسمه بليان بن ملكان بن فالغ بن شالخ بن أرفخشد بن سام بن نوح. ذكر هذا القول ابن قتيبة في المعارف عن وهب بن منبه، قاله ابن كثير وغيره. وقيل: إن اسمه المعمر بن مالك بن عبد الله بن نصر بن الأزد، وهذا قول إسماعيل بن أبي أويس، نقله عنه ابن كثير وغيرهما.\nوقيل: خضرون بن عماييل من ذرية العيص بن إسحاق بن إبراهيم الخليل، وهذا القول حكاه ابن قتيبة أيضًا ذكره عنه ابن حجر. وقيل: إنه من سبط هارون أخي موسى، وروى ذلك عن","vol":"4","page":226},{"text":"الكلبي عن أبي صالح عن أبي هريرة عن ابن عباس، ذكره ابن حجر أيضًا ثم قال: وهو بعيد، وأعجب منه قول ابن إسحاق: إنه أرميا بن حلقيا، وقد رد ذلك أبو جعفر بن جرير. وقيل: إنه ابن بنت فرعون، حكاه محمد بن أيوب عن ابن لهيعة.\nوقيل: ابن فرعون لصلبه، حكاه النقاش. وقيل: إنه اليسع، حُكي عن مقاتل. وقال ابن حجر: إنه بعيد. وقيل: إنه من ولد فارس. قال ابن حجر: جاء ذلك عن ابن شوذب، أخرجه الطبري بسند جيد من رواية ضمرة بن ربيعة عن ابن شوذب. وقيل: إنه من ولد بعض من كان آمن بإبراهيم وهاجر معه عن أرض بابل، حكاه ابن جرير الطبري في تاريخه. وقيل: كان أبوه فارسيًّا، وأمه رومية. وقيل عكس ذلك اهـ. والله أعلم بحقيقة الواقع. وقد ثبت في الصحيح عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة أنه قال: إنما سمى الخضر لأنه جلس على فروة بيضاء، فإذا هي تهتز من خلفه خضراء. والفروة البيضاء: ما على وجه الأرض من الحشيش الأبيض وشبهه من الهشيم. وقيل: الفروة الأرض البيضاء التي لا نبات فيها. وقيل: هي الهشيم اليابس.\nومن ذلك القبيل تسمية جلدة الرأس فروة، كما قدمنا في سورة \"البقرة\" في قول الشاعر:\nدنس الثياب كأن فروة رأسه ... غرست فأنبت جانباها فلفلا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-862> قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة من أكبر الأدلة التي يستدل بها القائلون:","vol":"4","page":227},{"text":"بأن المجاز في القرآن؛ زاعمين أن إرادة الجدار الانقضاض لا يمكن أن تكون حقيقة، وإنما هي مجاز. وقد دلت آيات من كتاب الله على أنه لا مانع من كون إرادة الجدار حقيقة؛ لأن الله تعالى يعلم للجمادات إرادات وأفعالًا وأقوالًا لا يدركها الخلق كما صرح تعالى بأنه يعلم من ذلك ما لا يعلمه خلقه في قوله جل وعلا: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ فصرح بأننا لا نفقه تسبيحهم وتسبيحهم واقع عن إرادة لهم يعلمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن والسنة.\nفمن الآيات الدالة على ذلك؛ قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية. فتصريحه تعالى بأن بعض الحجارة يهبط من خشية الله دليل واضح في ذلك؛ لأن تلك الخشية بإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه. وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ ..﴾ الآية. فتصريحه جل وعلا بأن السماء والأرض والجبال أبت وأشفقت، أي خافت؛ دليل على أن ذلك واقع بإرادة وإدراك يعلمه هو جل وعلا ونحن لا نعلمه.\nومن الأحاديث الدالة على ذلك ما ثبت في صحيح مسلم: أن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأعرف حجرًا كان يسلم علَيَّ بمكة\" وما ثبت في صحيح البخاري من حنين الجذع الذي كان يخطب عليه - ﷺ - جَزَعًا لفراقه، فتسليم ذلك الحجر، وحنين ذلك الجذع كلاهما بإرادة وإدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه، كما صرح بمثله في قوله:","vol":"4","page":228},{"text":"﴿وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.\nوزَعْمُ من لا علم عنده أن هذه الأمور لا حقيقة لها، وإنما هي ضرب أمثال = زَعْمٌ باطل؛ لأن نصوص الكتاب والسنة لا يجوز صرفها عن معناها الواضح المتبادر إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وأمثال هذا كثيرة جدًا. وبذلك تعلم أنه لا مانع من إبقاء إرادة الجدار على حقيقتها لإمكان أن يكون الله علم منه إرادة الانقضاض، وإن لم يعلم خلقه تلك الإرادة. وهذا واضح جدًا كما ترى. مع أنه من الأساليب العربية إطلاق الإرادة على المقاربة والميل إلى الشيء. كما في قول الشاعر:\nيريد الرمح صدر أبي براء ... ويعدل عن دماء بني عقيل\nأي: يميل إلى صدر أبي براء. وكقول راعي نمير:\nفي مَهْمَهٍ قلقت به هامتها ... قلق الفؤوس إذا أردن نضولا\nفقوله: \"إذا أردن نضولا\" أي قاربنه. وقول الآخر:\nإن دهرًا يلف شملي بجمل ... لزمان يهم بالإحسان\nفقوله \"لزمان يهم بالإحسان\"، أي: يقع الإحسان فيه. وقد بينا في رسالتنا المسماه (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن جميع الآيات التي يزعمون أنها مجاز أن ذلك لا يتعين في شيء منها. وبينا أدلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-863> قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة: أن ذلك الملك يأخذ كل سفينة،","vol":"4","page":229},{"text":"صحيحة كانت أو معيبة. ولكنه يفهم من آية أخرى أنه لا يأخذ المعيبة، وهي قوله: ﴿فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا﴾ أي لئلا يأخذها، وذلك هو الحكمة في خرقه لها المذكور في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾ ثم بين أن قصده بخرقها سلامتها لأهلها من أخذ ذلك الملك الغاصب؛ لأن عيبها يزهده فيها. ولأجل ما ذكرنا كانت هذه الآية الكريمة مثالًا عند علماء العربية لحذف النعت؛ أي: وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة صحيحة غير معيبة، بدليل ما ذكرنا. وقد قدمنا الشواهد العربية على ذلك في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا ..﴾ الآية. واسم ذلك الملك: هدد بن بدر؛ وقوله: ﴿وَرَاءَهُمْ﴾ أي: أمامهم كما تقدم في سورة \"إبراهيم\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-864> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾</span>.\nقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحفص عن عاصم: ﴿حَمِئَةٍ﴾ بلا ألف بعد الحاء، وبهمزة مفتوحة بعد الميم المكسورة. وقرأه ابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (حامية) بألف بعد الحاء، وياء مفتوحة بعد الميم المكسورة على صيغة اسم الفاعل. فعلى القراءة الأولى فمعنى ﴿حَمِئَةٍ﴾ وذات حمأة وهي الطين الأسود، ويدل لهذا التفسير قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ والحمأ: الطين كما تقدم. ومن هذا المعنى قول تُبَّع الحميري فيما يؤثر عنه يمدح ذا القرنين:","vol":"4","page":230},{"text":"بلغ المشارق والمغارب يبتغي ... أسباب أمر من حكيم مرشد\nفرأى مغيب الشمس عند غروبها ... في عين ذي خُلُب وثأْطٍ حَرْمد\nوالخُلُب -في لغة حِمْير-: الطين. والثأط: الحمأة. والحرمد: الأسود. وعلى قراءة (حامية) بصيغة اسم الفاعل، فالمعنى: أنها حارة، وذلك لمجاورتها وهج الشمس عند غروبها، وملاقاتها الشعاع بلا حائل. ولا منافاة بين القراءتين لأن كلا القراءتين حق. قال ابن كثير ﵀ في تفسيره: ﴿وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَينٍ حَمِئَةٍ﴾ أي: رأى الشمس في منظره تغرب في البحر المحيط، وهذا شأن كل من انتهى إلى ساحله يراها كأنها تغرب فيه. . إلى آخر كلامه. ومقتضى كلامه أن المراد بالعين في الآية البحر المحيط، وهو ذو طين أسود. والعين تطلق في اللغة على ينبوع الماء. والينبوع: الماء الكثير. فاسم العين يصدق على البحر لغة. وكون من على شاطئ المحيط الغربي يرى الشمس في نظر عينه تسقط في البحر أمر معروف. وعلى هذا التفسير فلا إشكال في الآية، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-865> قوله تعالى: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾</span>.\nاعلم أولًا أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أنه إن كان لبعض الآيات بيان من القرآن لا يفي بإيضاح المقصود وقد بينه النبي - ﷺ - فإنا نتمم بيانه بذكر السنة المبينة له. وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك فإذا علمت ذلك فاعلم؛ أن هاتين الآيتين الكريمتين لهما بيان من كتاب أوضحته السنة، فصار بضميمة السنة إلى القرآن","vol":"4","page":231},{"text":"بيانًا وافيًا بالمقصود، والله جل وعلا قال في كتابه لنبيه - ﷺ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾ فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة، وآية الأنبياء قد دلتا في الجملة على أن السدَّ الذي بناه ذو القرنين دون يأجوج ومأجوج إنما يجعله الله دكًّا عند مجيء الوقت الموعود بذلك فيه. وقد دلتا على أنه بقرب يوم القيامة؛ لأنه قال هنا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (٩٨) وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ..﴾ الآية. وأظهر الأقوال في الجملة المقدرة التي عوض عنها تنوين ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ من قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ يَوْمَئِذٍ يَمُوجُ فِي بَعْضٍ﴾ أنه: يوم إذ جاء وعد ربي بخروجهم وانتشارهم في الأرض. ولا ينبغي العدول عن هذا القول لموافقته لظاهر سياق القرآن العظيم. وإذا تقرر أن معنى ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ يوم إذ جاء الوعد بخروجهم وانتشارهم؛ فاعلم أن الضمير في قوله: ﴿وَتَرَكْنَا بَعْضَهُمْ﴾ على القول بأنه لجميع بني آدم، فالمراد يوم القيامة. وإذًا فقد دلت الآية على اقترانه بالخروج إذا دك السد، وقربه منه. وعلى القول بأن الضمير راجع إلى يأجوج ومأجوج. فقوله بعده: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾ يدل في الجملة على أنه قريب منه. قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: ﴿قَال هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي﴾ هو إشارة إلى السد؛ أي هذا السد نعمة من الله ورحمة على عباده. أو هذا الإقدار والتمكين من تسويته ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي﴾ يعني فإذا دنا مجيء يوم القيامة، وشارف أن يأتي جعل السد دكًّا؛ أي مدكوكًا مبسوطًا مسوّى بالأرض. وكل ما انبسط من بعد ارتفاع فقد اندك؛ ومنه الجمل الأدك المنبسط السنام. اهـ.\nوآية الأنبياء المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ","vol":"4","page":232},{"text":"يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦) وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا ..﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ﴾ وإتْباعه لذلك بقوله: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يدل في الجملة على ما ذكرنا في تفسير آية الكهف التي نحن بصددها. وذلك يدل على بطلان قول من قال: إنهم روسية، وأن السد فتح منذ زمان طويل. فإذا قيل: إنما تدل الآيات المذكورة في \"الكهف\" و\"الأنبياء\" على مطلق اقتراب يوم القيامة من دك السد، واقترابه من يوم القيامة لا ينافي كونه قد وقع بالفعل؛ كما قال قال: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ ...﴾ الآية. وقال: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾، وقال النبي - ﷺ -: \"ويل للعرب، من شر قد اقترب، فتح اليوم من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه -وحلق بأصبعيه الإبهام والتي تليها-. .\" الحديث، وقد قدمناه في سورة \"المائدة\". فقد دل القرآن والسنة الصحيحة على أن اقتراب ما ذُكِر لا يستلزم اقترانه له، بل يصح اقترابه مع مهلة، وإذًا فلا ينافي دك السد الماضي المزعوم الاقتراب من يوم القيامة، فلا يكون في الآيات المذكورة دليل على أنه لم يدك السد إلى الآن.\nفالجواب: هو ما قدمنا أن هذا البيان بهذه الآيات ليس  وافيًا بتمام الإيضاح إلا بضميمة السنة له، ولذلك ذكرنا أننا نتمم مثله من السنة لأنها مبينة للقرآن. قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو خيثمة زهير بن حرب، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثني عبد الرحمن بن يزيد بن جابر، حدثني يحيى بن جابر الطائي قاضي حمص، حدثني عبد الرحمن بن جبير عن أبيه جبير بن نفير","vol":"4","page":233},{"text":"الحضرمي: أنه سمع النواس بن سمعان الكلابي (ح) وحدثني محمد بن مهران الرازي (واللفظ له)، حدثني الوليد بن مسلم، حدثنا عبد الرحمن بن يزيد بن جابر عن يحيى بن جابر الطائي، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير عن أبيه جبير بن نفير، عن النواس بن سمعان قال: ذكر رسول الله - ﷺ - الدجال ذات غداة فخَفَّض فيه ورَفَّع حتى ظنناه في طائفة النخل، فلما رحنا إليه عرف ذلك فينا فقال: \"ما شأنكم\"؟ قلنا: يا رسول الله، ذكرت الدجال غداةً فخفَّضْت فيه ورَفَّعْت، حتى ظنناه في طائفة النخل؟ فقال: \"غير الدجال أخوفني عليكم! إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجه دونكم، وإن يخرج ولست فيكم فامرؤ حجيجُ نفسِه، والله خليفتي على كل مسلم. إنه شاب قطط، عينه طافئة، كأني أشبهه بعبد العزى بن قَطَن، فمن أدركه منكم فليقرأ عليه فواتح سورة \"الكهف\"، إنه خارج خَلَّة بين الشام والعراق، فعاث يمينًا وعاث شمالًا. يا عباد الله فاثبتوا\" قلنا: يا رسول الله، وما لبثه في الأرض؟ قال: \"أربعون يومًا، يوم كسنة، ويوم كشهر، ويوم كجمعة، وسائر أيامه كأيامكم\". قلنا: يا رسول الله، فذلك اليوم الذي كسنة، أتكفينا فيه صلاة يوم؟ قال: \"لا، أقدروا له قدره\". قلنا. يا رسول الله، وما إسراعه في الأرض؟ قال: \"كالغيث استدبرته الريح. فيأتي على القوم فيدعوهم فيؤمنون به ويستجيبون له، فيأمر السماء فتمطر، والأرض فتنبت، فتروح عليهم سارحتهم أطول ما كانت ذُرًا وأسبغه ضروعًا، وأمدَّه خواصر؛ ثم يأتي القوم فيدعوهم فيردُّون عليه قوله، فينصرف عنهم، فيصبحون مُمْحِلِين ليس بأيديهم شيء من أموالهم، ويمر بالخربة فيقول لها: أخرجي كنوزك، فتتبعه","vol":"4","page":234},{"text":"كنوزها كيعاسيب النحل، ثم يدعو رجلًا ممتلئًا شبابًا فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغَرَض، ثم يدعوه فيقبل ويتهلل وجهه يضحك. فبينما هو كذلك إذ بعث الله المسيح ابن مريم، فينزل عند المنارة البيضاء شرقي دمشق بين مهرودتين، واضعًا كفيه على أجنحة ملكين، إذا طأطأ رأسه قَطَر، وإذا رفعه تحدر منه جمان كاللؤلؤ؛ فلا يحلُّ لكافر يجد ريح نفسه إلا مات، ونَفَسُه ينتهي حيثما ينتهي طرفه، فيطلبه حتى يدركه بباب لُدٍّ فيقتله. ثم يأتي عيسى ابن مريم قوم قد عصمهم الله منه، فيمسح عن وجوههم، ويحدثهم بدرجاتهم في الجنة، فبينما هو كذلك إذ أوحى الله إلى عيسى: إني قد أخرجت عبادًا لي لا يدان لأحد بقتالهم، فحَرِّز عبادي إلى الطور. ويبعث الله يأجوج ومأجوج، وهم من كل حدب ينسلون؛ فيمر أوائلهم على بحيرة طبرية فيشربون ما فيها، ويمر آخرهم فيقولون لقد كان بهذه مرة ماء، ويُحصر نبي الله عيسى وأصحابه حتى يكون رأس الثور لأحدهم خيرًا من مائة دينار لأحدكم اليوم. فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه فيرسل الله عليهم النغف في رقابهم؛ فيصبحون فرسى كموت نفس واحدة. ثم يهبط نبي الله عيسى وأصحابه إلى الأرض فلا يجدون في الأرض موضع شبر إلا ملأه زهمهم ونتنهم؛ فيرغب نبي الله عيسى وأصحابه إلى الله فيرسل الله طيرًا كأعناق البخت فتحملهم فتطرحهم حيث شاء الله. ثم يرسل الله مطرًا لا يَكُنُّ منه بيت مدر ولا وبر، فيغسل الأرض حتى يتركها كالزَّلَفَة ثم يقال للأرض: انبتي ثمرتك، وردي بركتك، فيومئذ تأكل العصابة من الرمانة، ويستظلون بِقِحْفها، ويُبارك في الرِّسْل حتى إن اللِّقْحَة من الإبل لتكفي الفئام من الناس. واللقحة من البقر لتكفي القبيلة","vol":"4","page":235},{"text":"من الناس. واللقحة من الغنم لتكفي الفخذ من الناس. فبينما هم كذلك إذ بعث الله ريحًا طيبة فتأخذهم تحت آباطهم؛ فتقبض روح كل مؤمن وكل مسلم. ويبقى شرار الناس يتهارجون فيها تهارج الحمر فعليهم تقوم الساعة\" انتهى بلفظه من صحيح مسلم رحمه الله تعالى.\nوهذا الحديث الصحيح قد رأيت فيه تصريح النبي - ﷺ -: بأن الله يوحي إلى عيسى ابن مريم خروج يأجوج ومأجوج بعد قتله الدجال. فمن يدعي أنهم روسية، وأن السد قد اندك منذ زمان فهو مخالف لما أخبر به النبي - ﷺ - مخالفة صريحة لا وجه لها. ولا شك أن كل خبر ناقض خبر الصادق المصدوق - ﷺ - فهو باطل؛ لأن نقيض الخبر الصادق كاذب ضرورة كما هو معلوم. ولم يثبت في كتاب الله ولا سنة نبيه - ﷺ - شيء يعارض هذا الحديث الذي رأيت صحة سنده، ووضوح دلالته على المقصود.\nوالعمدة في الحقيقة لمن ادعى أن يأجوج ومأجوج هم روسية، ومن ادعى من الملحدين أنهم لا وجود لهم أصلًا؛ هي حجة عقلية في زعم صاحبها، وهي بحسب المقرر في الجدل قياس استثنائي مركب من شرطية متصلة لزومية في زعم المستدل به يستثنى فيه نقيض التالي، فينتج نقيض المقدم. وصورة نظمه أن يقول: لو كان يأجوج ومأجوج وراء السد إلى الآن، لاطلع عليهم الناس لتطور طرق المواصلات، لكنهم لم يطلع عليهم أحد، ينتج فهم: ليسوا وراء السد إلى الآن، لأن استثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم كما هو معلوم. وبعبارة أوضح لغير المنطقي: لأن","vol":"4","page":236},{"text":"نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم؛ هذا هو عمدة حجة المنكرين وجودهم إلى الآن وراء السد. ومن المعلوم أن القياس الاستثنائي المعروف بالشرطي، إذا كان مركبا من شرطية متصلة واستثنائية، فإنه يتوجه عليه القدح من ثلاث جهات:\nالأولى: أن يقدح فيه من جهة شرطيته، لكون الربط بين المقدم والتالي ليس صحيحًا.\nالثانية: أن يقدح فيه من جهة استثنائيته.\nالثالثة: أن يقدح فيه من جهتهما معًا. وهذا القياس المزعوم يقدح فيه من جهة شرطيته فيقول للمعترض: الربط فيه بين المقدم والتالي غير صحيح. فقولكم: لو كانوا موجودين وراء السد إلى الآن لاطلع عليهم الناس، غير صحيح؛ لإمكان أن يكونوا موجودين والله يخفي مكانهم على عامة الناس حتى يأتي الوقت المحدد لإخراجهم على الناس. ومما يؤيد إمكان هذا ما ذكره الله تعالى في سورة \"المائدة\" من أنه جعل بني إسرائيل يتيهون في الأرض أربعين سنة، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ..﴾ الآية، وهم في فراسخ قليلة من الأرض، يمشون ليلهم ونهارهم ولم يطلع عليهم الناس حتى انتهى أمد التيه؛ لأنهم لو اجتمعوا بالناس لبينوا لهم الطريق، وعلى كل حال، فربك فعال لما يريد. وأخبار رسوله - ﷺ - الثابتة عنه صادقة، وما يوجد بين أهل الكتاب مما يخالف ما ذكرنا ونحوه من القصص الواردة في القرآن والسنة الصحيحة، زاعمين أنه منزل في التوراة أو غيره من الكتب السماوية؛ باطل يقينًا لا يعول عليه؛ لأن الله جل وعلا","vol":"4","page":237},{"text":"صرح في هذا القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد بأنهم بدلوا وحرفوا وغيروا في كتبهم؛ كقوله: ﴿يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وقوله: ﴿تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيرًا﴾، وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيدِيهِمْ وَوَيلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات؛ بخلاف هذا القرآن العظيم، فقد تولى الله جل وعلا حفظه بنفسه، ولم يكله إلى أحد حتى يغير فيه أو يبدل أو يحرف، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وقال: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾، وقال: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾. وقال في النبي - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾، وقد صح عن النبي - ﷺ - أنه أذن لأمته أن تحدث عن بني إسرائيل، ونهاهم عن تصديقهم وتكذيبهم، خوف أن يصدقوا بباطل، أو يكذبوا بحق.\nومن المعلوم أن ما يروى عن بني إسرائيل من الأخبار المعروفة بالإسرائيليات له ثلاث حالات، في واحدة منها يجب تصديقه، وهي ما إذا دل الكتاب أو السنة الثابتة على صدقه. وفي واحدة يجب تكذيبه، وهي ما إذا دل القرآن أو السنة أيضًا على كذبه. وفي الثالثة لا يجوز التكذيب ولا التصديق، كما في الحديث المشار إليه آنفًا: وهي ما إذا لم يثبت في كتاب ولا سنة صدقه ولا","vol":"4","page":238},{"text":"كذبه. وبهذا التحقيق: تعلم أن القصص المخالفة للقرآن والسنة الصحيحة التي توجد بأيدي بعضهم، زاعمين أنها في الكتب المنزلة؛ يجب تكذيبهم فيها لمخالفتها نصوص الوحي الصحيح، التي لم تحرف ولم تبدل. والعلم عند الله تعالى.\n\n• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر وأبو عمرو (دكًّا) بالتنوين مصدر دكه. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي: ﴿جَعَلَهُ دَكَّاءَ﴾ بألف التأنيث الممدودة تأنيث الأدك. ومعنى القراءتين راجع إلى شيء واحد، وقد قدمنا إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-866> قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَعَرَضْنَا﴾ أي أبرزنا وأظهرنا جهنم ﴿يَوْمَئِذٍ﴾ أي يوم إذ جمعناهم جمعًا؛ كما دل على ذلك قوله قبله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْنَاهُمْ جَمْعًا (٩٩)﴾. وقال بعض العلماء: اللام في قوله: ﴿لِلْكَافِرِينَ﴾ بمعنى على، أي عرضنا جهنم على الكافرين، وهذا يشهد له القرآن في آيات متعددة؛ لأن العرض في القرآن يتعدى بعلى لا باللام؛ كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ﴾، وقوله: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾، ونظيره في كلام العرب من إتيان اللام بمعنى على؛ البيت الذي قدمناه في أول سورة \"هود\"، وقدمنا الاختلاف في قائله، وهو قوله:\nهتكتُ له بالرمح جيب قميصه ... فخَرَّ صريعًا لليدين وللفم\nأي: خر صريعًا على اليدين.","vol":"4","page":239},{"text":"وقد علم من هذه الآيات: أن النار تعرض عليهم ويعرضون عليها؛ لأنها تقرب إليهم ويقربون إليها؛ كما قال تعالى في عرضها عليهم هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾، وقال في عرضهم عليها: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ ..﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وقد بينا شيئًا من صفات عرضهم دلت عليه آيات أخر من كتاب الله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا﴾. وقول من قال: إن قوله هنا: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ﴾ الآية فيه قلب، وأن المعنى: وعرضنا الكافرين لجهنم، أي عليها = بعيد، كما أوضحه أبو حيان في البحر. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-867> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾</span>.\nالتحقيق في قوله: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ﴾ أنه في محل خفض نعتًا للكافرين. وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات الكافرين الذين تعرض لهم جهنم يوم القيامة، أنهم كانت أعينهم في دار الدنيا في غطاء عن ذكره تعالى، وكانوا لا يستطيعون سمعًا. وقد بين هذا من صفاتهم في آيات كثيرة، كقوله في تغطية أعينهم: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً ..﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩) ..﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا. وقال في عدم استطاعتهم السمع: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ (٢٣)﴾، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. وقد بينا معنى كونهم لا","vol":"4","page":240},{"text":"يستطيعون السمع في أول سورة \"هود\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ فأغنى عن إعادته هنا. وقد بينا أيضًا طرفًا من ذلك في الكلام على قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وقد بين تعالى في موضع آخر: أن الغطاء المذكور الذي يعشو بسببه البصر عن ذكره تعالى يقيض الله لصاحبه شيطانًا فيجعله له قرينًا؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-868> قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ يَتَّخِذُوا عِبَادِي مِنْ دُونِي أَوْلِيَاءَ إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾</span>.\nالهمزة في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبَ﴾ للإنكار والتوبيخ. وفي الآية حذف دل المقام عليه. قال بعض العلماء: تقدير المحذوف هو: أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، ولا أعاقبهم العقاب الشديد؟ كلا!! بل سأعاقبهم على ذلك العقاب الشديد؛ بدليل قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾ وقال بعض العلماء: تقديره. أفحسب الذين كفروا أن يتخذوا عبادي من دوني أولياء، وأن ذلك ينفعهم. كلا! لا ينفعهم بل يضرهم. ويدل لهذا قوله تعالى عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقوله عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾. ثم إنه تعالى بين بطلان ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾، وما أنكره عليهم هنا من ظنهم أنهم يتخذون من دونه أولياء من عباده ولا يعاقبهم؛ أو أن ذلك ينفعهم؛ جاء مبينًا في مواضع، كقوله في أول","vol":"4","page":241},{"text":"سورة \"الأعراف\": ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ ..﴾ الآية. فقد نهاهم عن اتباع الأولياء من دونه في هذه الآية؛ لأنه يضرهم ولا ينفعهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن من الأدلة على أنه لا ولي مني دون الله لأحد، وإنما الموالاة في الله، كقوله: ﴿أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ (١١٣)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ وَلِيٍّ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَذَكِّرْ بِهِ أَنْ تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيٌّ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات. وسيأتي له قريبًا إن شاء الله تعالى زيادة إيضاح وأمثلة.\nوالأظهر المتبادر من الإضافة في قوله: ﴿عِبَادِي﴾ أن المراد بهم نحو الملائكة وعيسى وعزير، لا الشياطين ونحوهم، لأن مثل هذه الإضافة للتشريف غالبًا. وقد بين تعالى: أنهم لا يكونون أولياء لهم في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا﴾ قد أوضحنا معناه في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا ..﴾ الآية، فأغنى عن إعادته هنا. وفي قوله: ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ أوجه من التفسير للعلماء، أظهرها: أن \"النزل\" هو ما يقدم للضيف عند نزوله، والقادم عند قدومه. والمعنى: أن الذي يهيأ لهم من الإكرام عند قدومهم إلى ربهم هو جهنم المعدة لهم، كقوله: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾. وقد قدمنا شواهده العربية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ﴾ لأن ذلك","vol":"4","page":242},{"text":"الماء الذي يشوي الوجوه ليس فيه إغاثة، كما أن جهنم ليست نزل إكرام الضيف أو القادم.\nالوجه الثاني: أن ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ بمعنى المنزل، أي اعتدنا جهنم للكافرين منزلًا، أي: مكان نزول، لا منزل لهم غيرها. وأضعف الأوجه ما زعمه بعضهم من أن \"النزل\" جمع نازل، كجمع الشارف على شُرُف بضمتين. والذي يظهر في إعراب ﴿نُزُلًا (١٠٢)﴾ أنه حال مؤولة بمعنى المشتق. أو مفعول لـ ﴿أَعْتَدْنَا﴾ بتضمينه معنى صيرنا أو جعلنا. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-869> قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾</span>.\nالمعنى: قل لهم يا نبي الله: هل ننبئكم أي: نخبركم بالأخسرين أعمالًا، أي: بالذين هم أخسر الناس أعمالًا وأضيعها. فالأخسر صيغة تفضيل من الخسران وأصله نقص مال التاجر، والمراد به في القرآن غبنهم بسبب كفرهم ومعاصيهم في حظوظهم مما عند الله لو أطاعوه؛ وقوله: ﴿أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ منصوب على التمييز.\nفإن (^١) قيل: نبئنا بالأخسرين أعمالًا من هم؟\nكان الجواب: هم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وبه تعلم أن ﴿الَّذِينَ﴾ من قوله: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ خبر مبتدأ محذوف جوابًا للسؤال المفهوم من المقام، ويجوز نصبه على الذم، وجره على أنه بدل من (الأخسرين) أو\n_________\n(^١) كذا في المطبوعة، والأولى أن تكون \"كأنه\".","vol":"4","page":243},{"text":"نعت له، وقوله: ﴿ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل عملهم وحبط، فصار كالهباء وكالسراب وكالرماد! كما في قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ ..﴾ الآية؟ وقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ ومع هذا فهم يعتقدون أن عملهم حسن مقبول عند الله.\nوالتحقيق: أن الآية نازلة في الكفار الذين يعتقدون أن كفرهم صواب وحق، وأن فيه رضي ربهم؛ كما قال عن عبدة الأوثان: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وقال عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ وقال عن الرهبان الذين يتقربون إلى الله على غير شرع صحيح: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (٤) ..﴾ الآية، على القول فيها بذلك. وقوله تعالى في الكفار: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾، وقوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾، والدليل على نزولها في الكفار تصريحه تعالى بذلك في قوله بعده يليه: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ..﴾ الآية. فقول من قال: إنهم الكفار، وقول من قال: إنهم الرهبان، وقول من قال: إنهم أهل الكتاب الكافرون بالنبي - ﷺ - = كل ذلك تشمله هذه الآية. وقد روى البخاري في صحيحه عن سعد بن أبي وقاص ﵁ أنه سأله ابنه مصعب عن ﴿بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣)﴾ في هذه الآية هل هم الحرورية؟ فقال: لا هم اليهود والنصارى. أما اليهود فكفروا بمحمد - ﷺ -. وأما النصارى فكفروا بالجنة، وقالوا لا طعام فيها ولا شراب. والحرورية الذين","vol":"4","page":244},{"text":"ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، وكان سعيد يسميهم الفاسقين. اهـ من البخاري. وما روي عن علي ﵁ من أنهم أهل حروراء المعروفون بالحروريين معناه أنهم يكون فيهم من معنى الآية بقدر ما فعلوا؛ لأنهم يرتكبون أمورًا شنيعة من الضلال، ويعتقدون أنها هي معنى الكتاب والسنة، فقد ضل سعيهم وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا، وإن كانوا في ذلك أقل من الكفار المجاهرين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب كما قد قدمنا إيضاحه وأدلته.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل. وقد قدمنا أن الضلال يطلق في القرآن واللغة العربية ثلاثة إطلاقات:\nالأول: الضلال بمعنى الذهاب عن طريق الحق إلى طريق الباطل؛ كالذهاب عن الإسلام إلى الكفر، وهذا أكثر استعمالاته في القرآن؛ ومنه قوله تعالى: ﴿غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ (٧٧)﴾.\nالثاني: الضلال بمعنى الهلاك والغيبة والاضمحلال، ومنه قول العرب: ضل السمن في الطعام إذا استهلك فيه وغاب فيه. ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾ أي غاب واضمحل، وقوله هنا: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ أي بطل واضمحل، وقول الشاعر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... عن الحي المضلل أين ساروا","vol":"4","page":245},{"text":"أي عن الحي الذي غاب واضمحل، ومن هنا سمي الدفن إضلالًا؛ لأن مآل الميت المدفون إلى أن تختلط عظامه بالأرض، فيضل فيها كما يضل السمن في الطعام. ومن إطلاق الضلال على الدفن قول نابغة ذبيان:\nفآب مضلوه  (^١)  بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل\nفقوله \"مضلوه\" يعني دافنيه في قبره. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ ..﴾ الآية. فمعنى: ﴿ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ أنهم اختلطت عظامهم الرميم بها فغابت واستهلكت فيها.\nالثالث: الضلال بمعنى الذهاب عن علم حقيقة الأمر المطابقة للواقع، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى  (٧)﴾ أي ذاهبًا عما تعلمه الآن من العلوم والمعارف التي لا تعرف إلا بالوحي فهداك إلى تلك العلوم والمعارف بالوحي. وحدد هذا المعنى قوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ  (٩٥)﴾ أي ذهابك عن العلم بحقيقة أمر يوسف، ومن أجل ذلك تطمع في رجوعه إليك، وذلك لا طمع فيه على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي تذهب عن حقيقة علم المشهود به بنسيان أو نحوه، بدليل قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى  (٥٢)﴾ ومن هذا المعنى قول الشاعر:\n_________\n(^١)  كذا بالضاد المعجمة، لكن في \"الديوان\": ١٢١: \"مُصلُّوه\" بالصاد المهملة.","vol":"4","page":246},{"text":"وتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم\nفقوله \"أراها في الضلال\" أي الذهاب عن علم حقيقة الأمر حيث تظنني أبغي بها بدلًا، والواقع بخلاف ذلك.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَهُمْ يَحْسَبُونَ﴾ أي يظنون. وقرأه بعض السبعة بكسر السين، وبعضهم بفتحها، كما قدمنا مرارًا في جميع القرآن. ومفعولا \"حسب\" هما المبتدأ والخبر اللذان عملت فيهما \"أن\" والأصل ويحسبون أنفسهم محسنين صنعهم. وقوله: ﴿صُنْعًا﴾ أي عملًا وبين قوله: ﴿يَحْسَبُونَ﴾ و﴿يُحْسِنُونَ﴾ الجناس المسمى عند أهل البديع \"تجنيس التصحيف\" وهو أن يكون النقط فرقًا بين الكلمتين، كقول البحتري:\nولم يكن المغتر بالله إذ سرى ... ليعجز والمعتز بالله طالبه\nفبين \"المغتر والمعتز\" الجناس المذكور.\n\n• وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ الآية، نص في أن الكفر بآيات الله ولقائه يحبط العمل، والآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًا، كقوله تعالى في \"العنكبوت\": ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٣)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وسيأتي بعض أمثلة لذلك قريبًا إن شاء الله.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ فيه للعلماء أوجه:\nأحدها: أن المعنى أنهم ليس لهم حسنات توزن في الكفة","vol":"4","page":247},{"text":"الأخرى في مقابلة سيئاتهم، بل لم يكن لهم إلا السيئات، ومن كان كذلك فهو في النار، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣) تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾، وقال: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ ..﴾ الآية، وقال: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩) وَمَا أَدْرَاكَ مَا هِيَهْ (١٠) نَارٌ حَامِيَةٌ (١١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال بعض أهل العلم: معنى ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ أنهم لا قدر لهم عند الله لحقارتهم وهوانهم بسبب كفرهم؛ وذلك كقوله عنهم: ﴿سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾ أي صاغرين أذلاء حقيرين، وقوله: ﴿قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨)﴾ وقوله: ﴿قَال اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هوانهم وصغارهم وحقارتهم.\nوقد دلت السنة الصحيحة على أن معنى الآية يدخل فيه الكافر السمين العظيم البدن؛ لا يزن عند الله يوم القيامة جناح بعوضة. قال البخاري في صحيحه في تفسير هذه الآية: حدثنا محمد بن عبد الله، حدثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا المغيرة بن عبد الرحمن، حدثني أبو الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة لا يزن عند الله جناح بعوضة وقال: اقرءوا: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾\" وعن يحيى بن بكير، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن","vol":"4","page":248},{"text":"أبي الزناد مثله اهـ. من البخاري.\nوهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه، وهو يدل على أن نفس الكافر العظيم السمين لا يزن عند الله جناح بعوضة. وفيه دلالة على وزن الأشخاص. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية بعد أن أشار إلى حديث أبي هريرة المذكور ما نصه: وفي هذا الحديث من الفقه ذم السمن لمن تكلفه؛ لما في ذلك من تكلف المطاعم والاشتغال بها عن المكارم. بل يدل على تحريم الأكل الزائد على قدر الكفاية، المبتغى به الترفه والسمن؛ وقد قال - ﷺ -: \"إن أبغض الرجال إلى الله تعالى الحبر السمين\" ومن حديث عمران بن حصين عن النبي - ﷺ - قال: \"خيركم قرني ثم الذين يلونهم -قال عمران: فلا أدري أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة- ثم إن من بعدكم قومًا يشهدون ولا يستشهدون، ويخونون ولا يؤتمنون، وينذرون ولا يوفون، ويظهر فيهم السمن\" وهذا ذم. وسبب ذلك: أن السمن المكتسب إنما هو من كثرة الأكل والشره والدعة والراحة والأمن، والاسترسال مع النفس على شهواتها؛ فهو عبد نفسه لا عبد ربه. ومن كان هذا حاله وقع لا محالة في الحرام، وكل لحم تولد من سحت فالنار أولى به. وقد ذم الله تعالى الكفار بكثرة الأكل فقال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾ فإذا كان المؤمن يتشبه بهم، ويتنعم تنعمهم في كل أحواله وأزمانه، فأين حقيقة الإيمان والقيام بوظائف الإسلام. ومن كثر أكله وشربه كثر نهمه وحرصه، وزاد بالليل كسله ونومه، فكان نهاره هائمًا، وليله نائمًا اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي، وما تضمنه كلامه من الجزم بأن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله","vol":"4","page":249},{"text":"يبغض الحبر السمين\" فيه نظر؛ لأنه لم يصح مرفوعًا، وقد حسنه البيهقي من كلام كعب. وما ذكر من ذم كثرة الأكل والشرب والسمن المكتسب ظاهر وأدلته كثيرة \"وحسب المؤمن لقيمات يقمن صلبه\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-870> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الأعمال الصالحة والإيمان سبب في نيل جنات الفردوس. والآيات الموضحة لكون العمل الصالح سببًا في دخول الجنة كثيرة جدًا، كقوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ أي بسببه، وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nفإن قيل: هذه الآيات فيها الدلالة على أن طاعة الله بالإيمان والعمل الصالح سبب في دخول الجنة. وقوله - ﷺ -: \"لن يدخل أحدكم عمله الجنة\" قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: \"ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\" يرد بسببه إشكال على ذلك.\nفالجواب: أن العمل لا يكون سببًا لدخول الجنة إلا إذا تقبله","vol":"4","page":250},{"text":"الله تعالى، وتَقَبُّله له فضل منه. فالفعل الذي هو سبب لدخول الجنة هو الذي تقبله الله بفضله، وغيره من الأعمال لا يكون سببًا لدخول الجنة. وللجمع بين الحديث والآيات المذكورة أوجه أخر، هذا أظهرها عندي. والعلم عند الله تعالى. وقد قدمنا أن \"النزل\" هو ما يهيأ من الإكرام للضيف أو القادم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-871> قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾</span>.\nأي: خالدين في جنات الفردوس ﴿لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا (١٠٨)﴾ أي: تحولًا إلى منزل آخر؛ لأنها لا يوجد منزل أحسن منها يرغب في التحول إليه عنها، بل هم خالدون فيها دائمًا من غير تحول ولا انتقال. وهذا المعنى المذكور هنا جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ﴾ أي الإقامة أبدًا، وقوله: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾، وقوله: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على دوامهم فيها، ودوام نعيمها لهم. والحِوَل: اسم مصدر بمعنى التحول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-872> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾</span>.\nأمر جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يقول: ﴿لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ أي لو كان ماء البحر مدادًا للأقلام التي تكتب بها كلمات الله ﴿لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾ أي فرغ وانتهى قبل أن تنفد كلمات ربي ﴿وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا (١٠٩)﴾ أي ببحر آخر مثله مددًا، أي زيادة عليه. وقوله: ﴿مَدَدًا (١٠٩)﴾ منصوب على التمييز، ويصح","vol":"4","page":251},{"text":"إعرابه حالًا. وقد زاد هذا المعنى إيضاحًا في سورة \"لقمان\" في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾ الآية. وقد دلت هذه الآيات على أن كلماته تعالى لا نفاد لها ﷾ علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-873> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾</span>.\nأمر جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يقول للناس: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾ أي: لا أقول لكم إني ملك ولا غير بشر، بل أنا بشر مثلكم أي بشر من جنس البشر، إلا أن الله تعالى فضلني وخصني بما أوحى إلي من توحيده وشرعه. وقوله هنا: ﴿يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾ أي فوحدوه، ولا تشركوا به غيره. وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية، أوضحه في مواضع أخر، كقوله في أول \"فصلت\": ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ وقوله: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ ..﴾ الآية. وهذا الذي أمر الله به نبيه - ﷺ - في هذه الآية من أنه يقول للناس: إنه بشر، ولكن الله فضله على غيره بما أوحى إليه من وحيه جاء؛ مثله عن الرسل غيره صلوات الله وسلامه عليهم في قوله تعالى: ﴿قَالتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية. فكون الرسل مثل البشر من حيث أن أصل الجميع وعنصرهم واحد، وأنهم تجري على جميعهم الأعراض البشرية، لا ينافي تفضيلهم على سائر البشر بما خصهم الله به من وحيه واصطفائه","vol":"4","page":252},{"text":"وتفضيله كما هو ضروري.\nوقال بعض أهل العلم: معنى هذه الآية قل يا محمد للمشركين: إنما أنا بشر مثلكم، فمن زعم منكم أني كاذب فليأت بمثل ما جئت به، فإنني لا أعلم الغيب فيما أخبرتكم به عما سألتم عنه من أخبار الماضين كقصة أصحاب الكهف، وخبر ذي القرنين. وهذا له اتجاه والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-874> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾</span>.\nقوله في هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يشمل كونه يأمل ثوابه، ورؤية وجهه الكريم يوم القيامة، وكونه يخشى عقابه؛ أي فمن كان راجيًا من ربه يوم يلقاه الثواب الجزيل والسلامة من الشر؛ فليعمل عملًا صالحًا. وقد قدمنا إيضاح العمل الصالح وغير الصالح في أول هذه السورة الكريمة وغيرها، فأغنى عن إعادته هنا.\nوقوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ قال جماعة من أهل العلم: أي لا يرائي الناس في عمله؛ لأن العمل بعبادة الله لأجل رياء الناس من نوع الشرك، كما هو معروف عند العلماء أن الرياء من أنواع الشرك. وقد جاءت في ذلك أحاديث مرفوعة. وقد ساق طرقها ابن كثير في تفسير هذه الآية. والتحقيق أن قوله: ﴿وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ أعم من الرياء وغيره، أي: لا يعبد ربه رياء وسمعة، ولا يصرف شيئًا من حقوق خالقه لأحد من خلقه؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ ..﴾ الآية في الموضعين، ويقول: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيرُ أَوْ تَهْوي بِهِ","vol":"4","page":253},{"text":"الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الذي يشرك أحدًا بعبادة ربه، ولا يعمل صالحًا أنه لا يرجو لقاء ربه، والذي لا يرجو لقاء ربه لا خير له عند الله يوم القيامة.\nوهذا المفهوم جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى فيما مضى قريبًا: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥) ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ ..﴾ الآية؛ لأن من كفر بلقاء الله لا يرجو لقاءه. وقوله في \"العنكبوت\": ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَلِقَائِهِ أُولَئِكَ يَئِسُوا مِنْ رَحْمَتِي ..﴾ الآية، وقوله في \"الأعراف\": ﴿وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إلا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤٧)﴾ وقوله في \"الأنعام\": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ..﴾ الآية، وقوله تعالى في \"يونس\": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾، وقوله في \"الفرقان\": ﴿وَقَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَينَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾، وقوله في \"الروم\": ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nاعلم أن الرجاء كقوله هنا: ﴿يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ﴾ يستعمل في رجاء الخير، ويستعمل في الخوف أيضًا. واستعماله في رجاء الخير مشهور. ومن استعمال الرجاء في الخوف قول أبي ذؤيب الهذلي:","vol":"4","page":254},{"text":"إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وحالفها في بيت نوب عواسل\nفقوله \"لم يرج لسعها\" أي لم يخف لسعها. ويُرْوَى \"حالفها\" بالحاء والخاء، ويروى \"عواسل\" بالسين، و\"عوامل\" بالميم.\nفإذا علمت أن الرجاء يطلق على كلا الأمرين المذكورين؛ فاعلم أنهما متلازمان، فمن كان يرجو ما عند الله من الخير فهو يخاف ما لديه من الشر كالعكس.\nواختلف العلماء في سبب نزول هذه الآية الكريمة، أعني قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا ..﴾ الآية، فعن ابن عباس أنها نزلت في جندب بن زهير الأزدي الغامدي، قال: يا رسول الله، إنني أعمل العمل لله تعالى وأريد وجه الله تعالى، إلا أنه إذا اطلع عليه سرني؟ فقال النبي - ﷺ -: \"إن الله طيب ولا يقبل إلا الطيب، ولا يقبل ما شورك فيه\" فنزلت الآية. ذكره القرطبي في تفسيره، وذكر ابن حجر في الإصابة: أنه من رواية ابن الكلبي في التفسير عن أبي صالح عن أبي هريرة، وضَعْف هذا السند مشهور، وعن طاوس أنه قال: جاء رجل إلى رسول الله - ﷺ - فقال: إني أحب الجهاد في سبيل الله تعالى، وأحب أن يرى مكاني. فنزلت هذه الآية. وعن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال يا رسول الله، إني أتصدق وأصل الرحم، ولا أصنع ذلك إلا لله تعالى، فيذكر ذلك مني، وأُحْمَد عليه فيسرني ذلك، وأعجب به. فسكت رسول الله - ﷺ - ولم يقل شيئًا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ انتهى من تفسير القرطبي.\nومعلوم أن من قصد بعمله وجه الله ففعله لله ولو سره اطلاع","vol":"4","page":255},{"text":"الناس على ذلك، ولاسيما إن كان سروره بذلك لأجل أن يقتدوا به فيه. ومن قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله. والعلم عند الله تعالى. وقال صاحب الدر المنثور: أخرج ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن عباس في قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ..﴾ الآية قال: نزلت في المشركين الذين عبدوا مع الله إلاهًا غيره، وليست هذه في المؤمنين. وأخرج عبد الرزاق وابن أبي الدنيا في الإخلاص، وابن أبي حاتم والطبراني والحاكم عن طاوس قال: قال رجل: يا نبي الله إني أقف مواقف أبتغي وجه الله، وأحب أن يرى موطني، فلم يرد عليه شيئًا حتى نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾. وأخرجه الحاكم وصححه، والبيهقي موصولًا عن طاوس عن ابن عباس. وأخرج ابن أبي حاتم عن مجاهد قال: كان من المسلمين من يقاتل وهو يحب أن يرى مكانه. فأنزل الله ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ..﴾ الآية. وأخرج ابن منده وأبو نعيم في الصحابة، وابن عساكر من طريق السدي الصغير، عن الكلبي، عن أبي صالح عن ابن عباس قال: كان جندب بن زهير إذا صلى أو صام أو تصدق فذكر بخير ارتاح له، فزاد في ذلك لمقالة الناس فلامه الله، فنزل في ذلك: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾، وأخرج هناد في الزهد عن مجاهد قال: جاء رجل إلى النبي - ﷺ - فقال: يا رسول الله، أتصدق بالصدقة وألتمس بها ما عند الله، وأحب أن يقال لي خير، فنزلت: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ ..﴾ الآية اهـ من الدر المنثور في التفسير بالمأثور، والعلم عند الله تعالى.","vol":"4","page":256},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-876> قوله تعالى: ﴿كهيعص (١) ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا (٢) إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣) قَال رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور؛ كقوله هنا: ﴿كهيعص (١)﴾ في سورة \"هود\"، فأغنى عن إعادته هنا. وقوله ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ خبر مبتدأ محذوف؛ أي هذا ذكر رحمة ربك. وقيل: مبتدأ خبره محذوف، وتقديره: فيما يتلى عليكم ذكر رحمة ربك، والأول أظهر. والقول بأنه خبر عن قوله: ﴿كهيعص (١)﴾ ظاهر السقوط لعدم ربط بينهما. وقوله: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ﴾ لفظة ﴿ذِكْرُ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله. ولفظة ﴿رَحْمَتِ﴾ مصدر مضاف إلى فاعله وهو ﴿رَبِّكَ﴾. وقوله: ﴿عَبْدَهُ﴾ مفعول به للمصدر الذي هو ﴿رَحْمَتِ﴾ المضاف إلى فاعله، على حد قوله في الخلاصة:\nوبعد جره الذي أضيف له ... كمل بنصب أو برفع عمله\nوقوله: ﴿زَكَرِيَّا (٢)﴾ بدل من قوله: ﴿عَبْدَهُ﴾ أو عطف بيان عليه.\nوقد بين جل وعلا في هذه الآية: أن هذا الذي يتلى في أول","vol":"4","page":257},{"text":"هذه السورة الكريمة هو ذكر الله رحمته التي رحم بها عبده زكريا حين ناداه نداء خفيًّا أي دعاه في سر وخفية. وثناؤه جل وعلا عليه بكون دعائه خفيًّا يدل على أن إخفاء الدعاء أفضل من إظهاره وإعلانه. وهذا المعنى المفهوم من هذه الآية جاء مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (٥٥)﴾. وإنما كان الإخفاء أفضل من الإظهار لأنه أقرب إلى الإخلاص، وأبعد من الرياء. فقول من قال: إن سبب إخفائه دعاءه أنه خوفه من قومه أن يلوموه على طلب الولد، في حالة لا يمكن فيها الولد عادة لكبر سنه وسن امرأته، وكونها عاقرًا، وقول من قال: إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي، فإن أجاب الله دعاءه فيه نال ما كان يريد. وإن لم يجبه لم يعلم ذلك أحد، إلى غير ذلك من الأقوال، كل ذلك ليس بالأظهر. والأظهر أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء. ودعاء زكريا هذا لم يبين الله في هذا الموضع مكانه ولا وقته، ولكنه أشار إلى ذلك في سورة في \"آل عمران\" في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧) هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ الآية. فقوله ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك المكان الذي وجد فيه ذلك الرزق عند مريم. وقال بعضهم: ﴿هُنَالِكَ﴾ أي في ذلك الوقت، بناء على أن هنا ربما أشير بها إلى الزمان. وقوله في دعائه هذا: ﴿رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي﴾ أي ضعف. والوهن: الضعف. وإنما ذكر ضعف العظم لأنه عمود البدن وبه قوامه، وهو أصل بنائه","vol":"4","page":258},{"text":"فإذا وهن دل على ضعف جميع البدن؛ لأنه أشد ما فيه وأصلبه، فوهنه يستلزم وهن غيره من البدن.\nوقوله: ﴿وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيبًا﴾ الألف واللام في ﴿الرَّأْسُ﴾ قاما مقام المضاف إليه. إذ المراد: واشتعل رأسي شيبًا. والمراد باشتعال الرأس شيبًا: انتشار بياض الشيب فيه. قال الزمخشري في كشافه؛ شبه الشيب بشواظ النار في بياضه وإنارته وانتشاره في الشعر وفشوه فيه، وأخذه منه كل مأخذ باشتعال النار، ثم أخرجه مخرج الاستعارة، ثم أسند الاشتعال إلى مكان الشعر ومنبته وهو الرأس وأخرج الشيب مميزًا، ولم يضف الرأس اكتفاء بعلم المخاطب أنه رأس زكرياء. فمن ثم فصحت هذه الجملة وشهد لها بالبلاغة. انتهى منه. والظاهر عندنا كما بينا مرارًا: أن مثل هذا من التعبير عن انتشار بياض الشيب في الرأس باشتعال الرأس شيبًا أسلوب من أساليب اللغة العربية الفصحى جاء القرآن به، ومنه قول الشاعر:\nضيعت حزمي في إبعادي الأملا ... وما أرعويت وشيبًا رأسي اشتعلا\nومن هذا القبيل قول ابن دريد في مقصورته:\nواشتعل المبيض في مسوده ... مثل اشتعال النار في جزل الغضا\nوقوله: ﴿شَيبًا﴾ تمييز محول عن الفاعل في أظهر الأعاريب. خلافًا لمن زعم أنه ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿وَاشْتَعَلَ﴾ لأنه اشتعل بمعنى شاب، فيكون ﴿شَيبًا﴾ مصدرًا منه في المعنى؛ ومن زعم أيضًا أنه مصدر منكر في موضع الحال.\nوهذا الذي ذكره الله هنا عن زكرياء في دعائه من إظهار","vol":"4","page":259},{"text":"الضعف والكبر جاء في مواضع أخر؛ كقوله هنا: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾، وقوله في \"آل عمران\": ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ ..﴾ الآية. وهذا الذي ذكره هنا من إظهار الضعف يدل على أنه ينبغي للداعي إظهار الضعف والخشية والخشوع في دعائه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا (٤)﴾ أي لم أكن بدعائي إياك شقيًّا، أي لم تكن تخيب دعائي إذا دعوتك، يعني أنك عودتني الإجابة فيما مضى. والعرب تقول: شقى بذلك إذا تعب فيه ولم يحصل مقصوده. وربما أطلقت الشقاء على التعب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾ وأكثر ما يستعمل في ضد السعادة. ولا شك أن إجابة الدعاء من السعادة، فيكون عدم إجابته من الشقاء.\n\n• قوله تعالى عن زكرياء: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾.\nمعنى قوله: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ أي خفت أقاربي وبني عمي وعصبتي: أن يضيعوا الدين بعدي، ولا يقوموا لله بدينه حق القيام، فارزقني ولدًا يقوم بعدي بالدين حق القيام. وبهذا التفسير تعلم أن معنى قوله ﴿يَرِثُنِي﴾ أنه إرث علم ونبوة، ودعوة إلى الله وقيام بدينه، لا إرث مال. ويدل لذلك أمران:\nأحدهما: قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان، فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والدين.\nوالأمر الثاني: ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله","vol":"4","page":260},{"text":"وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال، وإنما يورث عنهم العلم والدين؛ فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق ﵁، عنه - ﷺ - أنه قال: \"لا نورث، ما تركنا صدقه\". ومن ذلك أيضًا ما رواه الشيخان أيضًا عن عمر ﵁ أنه قال لعثمان، وعبد الرحمن بن عوف، والزبير، وسعد، وعلي، والعباس، ﵃: أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض، أتعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركنا صدقة\"، قالوا: نعم. ومن ذلك ما أخرجه الشيخان أيضًا عن عائشة ﵂ أن أزواج النبي - ﷺ - حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألنه ميراثهن؛ فقالت عائشة: أليس قال النبي - ﷺ -: \"ما تركنا صدقة\". ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضًا عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا تقتسم ورثتي دينارًا، ما تركت بعد نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة\" وفي لفظ عند أحمد: \"لا تقتسم ورثتي دينارًا ولا درهمًا\". ومن ذلك أيضًا ما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه؛ عن أبي هريرة: أن فاطمة ﵂ قالت لأبي بكر ﵁: من يرثك إذا مت؟ قال: ولدي وأهلي. قالت: فما لنا لا نرث النبي - ﷺ -؟ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"إن النبي لا يورث\" ولكن أَعُوْل من كان رسول الله - ﷺ - يعوله، وأنفق على من كان رسول الله - ﷺ - ينفق.\nفهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين. فإن قيل: هذا مختص به - ﷺ -؛ لأن قوله \"لا نورث\" يعني به نفسه؛ كما قال عمر ﵁ في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفًا: أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء","vol":"4","page":261},{"text":"والأرض، هل تعلمون أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" يريد رسول الله - ﷺ - نفسه. فقال الرهط: قد قال ذلك. . . الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح أن عمر قال: إن مراد النبي - ﷺ - بقوله: \"لا نورث\" نفسه، وصدقه الجماعة المذكورون في ذلك، وهذا دليل على الخصوص فلا مانع إذن من كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها هو المال؟ فالجواب من أوجه:\nالأول: أن ظاهر صيغة الجمع شمول جميع الأنبياء، فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة. وقول عمر لا يصح تخصيص نص من السنة به؛ لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول.\nالوجه الثاني: أن قول عمر \"يريد - ﷺ - نفسه\" لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء، لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو - ﷺ - يعني نفسه فإنه لا يورث، ولم يقل عمر إن اللفظ لم يشمل غيره، وكونه يعني نفسه لا ينافي أن غيره من الأنبياء لا يورث أيضًا.\nالوجه الثالث: ما جاء من الأحاديث صريحًا في عموم عدم الإرث المالي في جميع الأنبياء. وسنذكر طرفًا من ذلك هنا إن شاء الله تعالى.\nقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث\" فقد أنكره جماعة من الأئمة، وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ \"نحن\" لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد","vol":"4","page":262},{"text":"بلفظ \"إنا معاشر الأنبياء لا نورث. .\" الحديث، أخرجه عن محمد بن منصور، عن ابن عيينة عنه، وهو كذلك في مسند الحميدي عن ابن عيينة، وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه. وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبي بكر الصديق باللفظ المذكور. وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور. وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانئ عن فاطمة ﵂، عن أبي بكر الصديق بلفظ: \"إن الأنبياء لا يورثون\" انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء. وقد قال ابن حجر: إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم إلا بالنسبة لخصوص لفظ \"نحن\" وهذه الروايات التي أشار لها تشد بعضها. وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحًا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، وعليه؛ فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه \"لا نورث\" أنه يعني نفسه كما قال عمر، وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة. والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك. قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان:\nتصيير مشكل من الجلي ... وهو واجب على النبي\nإذا أريد فهمه وهو بما ... من الدليل مطلقًا يجلو العما\nوبهذا الذي قررنا تعلم: أن قوله هنا: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ يعني وراثة العلم والدين لا المال. وكذلك قوله: ﴿وَوَرِثَ","vol":"4","page":263},{"text":"سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ الآية؛ فتلك الوراثة أيضًا وراثة علم ودين. والوراثة قد تطلق في الكتاب والسنة على وراثة العلم والدين، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ (١٤)﴾، وقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nومن السنة الواردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"العلماء ورثة الأنبياء\" وهو في المسند والسنن قال صاحب تمييز الطيب من الخبيث، فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث: رواه أحمد وأبو داود والترمذي وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعًا بزيادة \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا، وإنما ورثوا العلم\" وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما. انتهى منه بلفظه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: \"العلماء ورثة الأنبياء\" رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعًا بزيادة \"إن الأنبياء لم يورثوا دينارًا ولا درهمًا وإنما ورثوا العلم. .\" الحديث، وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما، وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد. ولذا قال الحافظ: له طرق يعرف بها أن للحديث أصلًا، ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة اهـ محل الغرض منه. والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتضاد بعض طرقه ببعض. فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال، فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:","vol":"4","page":264},{"text":"الأول: هو ما ذكرنا.\nوالثاني: أنها وراثة مال.\nوالثالث: أنها وراثة مال بالنسبة له، وبالنسبة لآل يعقوب في قوله: ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ وراثة علم ودين. وهذا اختيار ابن جرير الطبري. وقد ذكر من قال: إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثًا عن النبي - ﷺ - في ذلك أنه قال: \"رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته\" أي ماذا يضره إرث ورثته لماله. ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي - ﷺ -. والأرجح فيما يظهر لنا هو ما ذكرنا من أنها وراثة علم ودين؛ للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك. وقد ذكر ابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه. قال ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾: وجه خوفه أنه خشى أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفًا سيئًا فسأل الله ولدًا يكون نبيًّا من بعده؛ ليسوسهم بنبوءته بما يوحي إليه فأجيب في ذلك؛ لا أنه خشى من وراثتهم له ماله؛ فإن النبي أعظم منزلة، وأجل قدرًا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده، وأن يأنف من وراثة عصباته له، ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم. وهذا وجه.\nالثاني: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال؛ بل كان نجارًا يأكل من كسب يديه. ومثل هذا لا يجمع مالًا، ولاسيما الأنبياء، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.\nالثالث: أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا نورث ما تركنا صدقة\" وفي رواية عند الترمذي","vol":"4","page":265},{"text":"بإسناد صحيح: \"نحن معشر الأنبياء لا نورث\" وعلى هذا فتعين حمل قوله: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي﴾ على ميراث النبوة. ولهذا قال ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ كقوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيمَانُ دَاوُودَ﴾ أي في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة. إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل: أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث: \"نحن معاشر الأنبياء لا نورث، ما تركنا فهو صدقة\" اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير، ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له \"يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله\" الحديث. ثم قال في أسانيده: وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح.\nواعلم أن لفظ \"نحن معاشر الأنبياء\" ولفظ \"إنا معاشر الأنبياء\" مؤداهما واحد؛ إلا أن \"إن\" دخلت على \"نحن\" فأبدلت لفظة \"نحن\" التي هي المبتدأ بلفظة \"نا\" الصالحة للنصب، والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت بـ\"إن\" كما لا يخفى.\n\n• وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥)﴾ يعني بهذا الولي الولد خاصة دون غيره من الأولياء؛ بدليل قوله تعالى في القصة نفسها: ﴿هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَال رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً ..﴾ الآية، وأشار إلى أنه الولد أيضًا بقوله: ﴿وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيرُ الْوَارِثِينَ﴾ فقوله: ﴿لَا تَذَرْنِي فَرْدًا﴾ أي واحدًا بلا ولد.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة، عن زكريا: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ","vol":"4","page":266},{"text":"الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ أي من بعدي إذا مت أن يغيروا في الدين. وقد قدمنا أن الموالي الأقارب والعصبات، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾ الآية. والمولى في لغة العرب: يطلق على كل من انعقد بينك وبينه سبب يواليك وتواليه به. وكثيرًا ما يطلق في اللغة على ابن العم؛ لأن ابن العم يوالي ابن عمه بالقرابة العصبية. ومنه قول طرفة ابن العبد:\nواعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\nيعني إذا ذلت بنو عمه فهو ذليل. وقول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:\nسهلا ابن عمنا مهلا موالينا ... لا تنبشوا بيننا ما كان مدفونا\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ ظاهر في أنها كانت عاقرًا في زمن شبابها. والعاقر: هي العقيم التي لا تلد وهو يطلق على الذكر والأنثى؛ فمن إطلاقه على الأنثى هذه الآية، وقوله تعالى عن زكريا أيضًا: ﴿وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. ومن إطلاقه على الذكر قول عامر بن الطفيل:\nلبئس الفتى إن كنت أعور عاقرًا ... جبانًا فما عذري لدى كل محضر\nوقد أشار تعالى إلى أنه أزال عنها العقم، وأصلحها، فجعلها ولودًا بعد أن كانت عاقرًا في قوله ﷿: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ﴾ فهذا الإصلاح هو كونها صارت تلد بعد أن كانت عقيمًا. وقول من قال: إن إصلاحها المذكور هو جعلها حسنة الخلق بعد أن كانت سيئة الخلق لا ينافي","vol":"4","page":267},{"text":"ما ذكر لجواز أن يجمع له بين الأمرين فيها، مع أن كون الإصلاح هو جعلها ولودًا بعد العقم هو ظاهر السياق، وهو قول ابن عباس وسعيد بن جبير، ومجاهد وغيرهم. والقول الثاني يروى عن عطاء.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن زكريا: ﴿وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا (٦)﴾ أي مرضيًا عندك وعند خلقك في أخلاقه وأقواله وأفعاله ودينه، وهو فعيل بمعنى مفعول.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك. وقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قرأه أبو عمرو والكسائي بإسكان الثاء المثلثة من الفعلين، أعني (يَرِثْنِي ويَرِثْ من آل يعقوب) وهما على هذه القراءة مجزومان لأجل جواب الطلب الذي هو \"هب لي\" والمقرر عند علماء العربية: أن المضارع المجزوم في جواب الطلب مجزوم بشرط مقدر يدل عليه فعل الطلب، وتقديره في هذه الآية التي نحن بصددها: إن تهب لي من لدنك وليًّا يرثنى ويرث من آل يعقوب. وقرأ الباقون: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ برفع الفعلين على أن الجملة نعت لقوله: ﴿وَلِيًّا (٥)﴾ أي وليًّا وارثًا لي، ووارثًا من آل يعقوب، كما قال فِي الخلاصة:\nونعتوا بجملةٍ منكَّرًا ... فأُعْطِيَت ما أُعْطِيَتْه خَبَرا\nوقراءة الجمهور برفع الفعلين أوضح معنى. وقرأ ابن كثير بفتح الياء من قوله: ﴿مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي﴾ والباقون بإسكانها. وقرأ (زكريا) بلا همزة بعد الألف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم. والباقون قرءوا (زكرياء) بهمزة بعد الألف،","vol":"4","page":268},{"text":"وبه تعلم أن المد في قوله: (وزكريا إذ نادى) منفصل على قراءة حمزة والكسائي وحفص، ومتصل على قراءة الباقين. والهمزة الثانية على قراءة الجمهور التي هي همزة \"إذا\" مسهلة في قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو، ومحققة في قراءة ابن عامر وشعبة عن عاصم. وقراءة: ﴿خِفْتُ الْمَوَالِيَ﴾ بفتح الخاء والفاء المشددة بصيغة الفعل الماضي بمعنى أن مواليه خفوا أي قلوا شاذة لا تجوز القراءة بها وإن رويت عن عثمان بن عفان، ومحمد بن علي، وعلي بن الحسين، وغيرهم ﵃. وامرأة زكريا المذكورة قال القرطبي: هي إيشاع بنت فاقوذ بن قبيل، وهي أخت حنة بنت ناقوذ، قاله الطبري. وحنة: هي أم مريم. وقال القتيبي: امرأة زكريا هي إيشاع بنت عمران؛ فعلى هذا القول يكون يحيى ابن خالة عيسى ﵉ على الحقيقة. وعلى القول الأول يكون ابن خالة أمه. وفي حديث الإسراء قال ﵊: \"فلقيت ابني الخالة يحيى وعيسى\" شاهدًا للقول الأول. اهـ منه. والظاهر شهادة الحديث للقول الثاني لا للأول، خلافًا لما ذكره رحمه الله تعالى، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-877> قوله تعالى: ﴿يَازَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، وتقديره: فأجاب الله دعاءه فنودي: ﴿يَازَكَرِيَّا ..﴾ الآية. وقد أوضح جل وعلا في موضع آخر هذا الذي أجمله هنا، فبين أن الذي ناداه بعض الملائكة، وأن النداء المذكور وقع وهو قائم يصلي في المحراب؛ وذلك قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي","vol":"4","page":269},{"text":"الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ﴾ قال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل. ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلًا: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل، وإسناد الفعل للمجموع مرادًا بعضه قد بيناه فيما مضى مرارًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿اسْمُهُ يَحْيَى﴾ يدل على أن الله هو الذي سماه، ولم يكل تسميته إلى أبيه. وفي هذا منقبة عظيمة ليحيى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ اعلم أولًا أن السمي يطلق في اللغة العربية إطلاقين؛ الأول: قولهم: فلان سَمِيّ فلان أي: مسمى باسمه. فمن كان اسمهما واحدًا فكلاهما سمي الآخر أي مسمى باسمه.\nوالثاني: إطلاق السمِيّ يعني المسامي أي المماثل في السمو والرفعة والشرف، وهو فعيل بمعنى مفاعل من السمو بمعنى العلو والرفعة، ويكثر في اللغة إتيان الفعيل بمعنى المفاعل؛ كالقعيد والجليس بمعنى: المقاعد والمجالس. والأكيل والشريب بمعنى: المؤاكل والمشارب، وكذلك السمي بمعنى المسامي أي المماثل في السمو. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله هنا: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا (٧)﴾ أي: لم نجعل من قبله أحدًا يتسمى باسمه؛ فهو أول من كان اسمه يحيى. وقول من قال: إن معناه لم نجعل له سميًّا أي نظيرًا في السمو والرفعة، غير صواب؛ لأنه ليس بأفضل","vol":"4","page":270},{"text":"من إبراهيم وموسى ونوح، فالقول الأول هو الصواب. وممن قال به ابن عباس وقتادة والسدي وابن أسلم وغيرهم. ويروى القول الثاني عن مجاهد وابن عباس أيضًا. وإذا علمت أن الصواب أن معنى قوله: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ أي: لم نسم أحدًا باسمه قبله؛ فاعلم أن قوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَاعْبُدْهُ وَاصْطَبِرْ لِعِبَادَتِهِ هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ معناه: أنه تعالى ليس له نظير ولا مماثل يساميه في العلو والعظمة والكمال على التحقيق. وقال بعض العلماء: وهو مروي عن ابن عباس ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾ هل تعلم أحدًا يسمَّى باسمه الرحمن جل وعلا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-878> قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكريا لما بشر بيحيى قال: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ وهذا الذي ذكر أنه قاله هنا ذكره أيضًا في \"آل عمران\" في قوله: ﴿قَال رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ قرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين اتباعًا للكسرة التي بعدها، ومجانسة للياء وقرأه الباقون (عُتِيًّا) بضمها على الأصل. ومعنى قوله: ﴿وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا (٨)﴾ أنه بلغ غاية الكبر في السن؛ حتى نحل عظمه ويبس. قال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية: يقول وقد عتوت من الكبر فصرت نحيل العظام يابسها؛ يقال منه للعود اليابس: عود عات وعاس. وقد عتا يعتو عتوًا وعتيًا. وعسا يعسو","vol":"4","page":271},{"text":"عسيًا وعسوًا. وكل متناه إلى غاية في كبر أو فساد أو كفر فهو عات وعاس.\nتنبيه\nفإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء.\nفالجواب من ثلاثة أوجه قد ذكرناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"آل عمران\" وواحد منها فيه بُعد، وإن رُويَ عن عكرمة والسدي وغيرهما.\nالأول: أن استفهام زكريا استفهام استخبار واستعلام؛ لأنه لا يعلم هل الله يأتيه بالولد من زوجه العجوز على كبر سنهما على سبيل خرق العادة. أو يأمره بأن يتزوج شابة، أو يردهما شابين؟ فاستفهم عن الحقيقة ليعلمها. ولا إشكال في هذا، وهو أظهرها.\nالثاني: أن استفهامه استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى.\nالثالث: وهو الذي ذكرنا أن فيه بعدًا هو ما ذكره ابن جرير عن عكرمة والسدي: من أن زكرياء لما نادته الملائكة وهو قائم يصلي في المحراب أن الله يبشرك بيحيى، قال له الشيطان: ليس هذا نداء الملائكة، وإنما هو نداء الشيطان، فداخل زكرياء الشك في أن النداء من الشيطان، فقال عند ذلك الشك الناشئ عن وسوسة الشيطان قبل أن يتيقن أنه من الله: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ ولذا طلب الآية من الله على ذلك بقوله: ﴿رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً﴾ الآية. وإنما قلنا: إن هذا القول فيه بعد لأنه لا يلتبس على زكرياء","vol":"4","page":272},{"text":"نداء الملائكة بنداء الشيطان.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عِتِيًّا﴾ أصله عتوًا، فأبدلت الواو ياء. ومن إطلاق العتيّ على الكبر المتناهي قول الشاعر:\nإنما يعذر الوليد ولا يعـ ... ـذر من كان في الزمان عتيًّا\nوقراءة \"عسيا\" بالسين شاذة لا تجوز القراءة بها. وقال القرطبي: وبها قرأ ابن عباس، وهي كذلك في مصحف أبي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-879> قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾</span>.\nهذا الذي ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة؛ ذكره أيضًا في \"آل عمران\" في قوله: ﴿قَال كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (٤٠)﴾. وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿كَذَلِكَ﴾ للعلماء في إعرابه أوجه:\nالأول: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: الأمر كذلك، ولا محالة أن تلد الغلام المذكور. وقيل: الأمر كذلك أنت كبير في السن، وامرأتك عاقر. وعلى هذا فقوله: ﴿قَال رَبُّكَ﴾ ابتداء كلام.\nالوجه الثاني: أن ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب بـ ﴿قَال﴾ وعليه فالإشارة بقوله: \"ذلك\" إلى مبهم يفسره قوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ ونظيره على هذا القول قوله تعالى: ﴿وَقَضَينَا إِلَيهِ ذَلِكَ الْأَمْرَ أَنَّ دَابِرَ هَؤُلَاءِ مَقْطُوعٌ مُصْبِحِينَ (٦٦)﴾، وغير هذين من أوجه إعرابه تركناه لعدم وضوحه عندنا. وقوله: ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي يسير سهل.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ","vol":"4","page":273},{"text":"تَكُ شَيئًا (٩)﴾ أي: ومن خلقك ولم تك شيئًا فهو قادر على أن يرزقك الولد المذكور كما لا يخفى. وهذا الذي قاله هنا لزكرياء: من أنه خلقه ولم يك شيئًا؛ أشار إليه بالنسبة إلى الإنسان في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيئًا مَذْكُورًا (١)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾ دليل على أن المعدوم ليس بشيء؛ ونظيره قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾، وهذا هو الصواب. خلافًا للمعتزلة القائلين: إن المعدوم الممكن وجوده شيء، مستدلين لذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ قالوا: قد سماه الله شيئًا قبل أن يقول له كن فيكون، وهو يدل على أنه شيء قبل وجوده. ولأجل هذا قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: لأن المعدوم ليس بشيء. أو ليس شيئًا يعتد به؛ كقولهم: عجبت من لا شيء. وقول الشاعر:\nوضاقت الأرض حتى كان هاربهم ... إذا رأى غير شيءٍ ظنه رجلا\nلأن مراده بقوله: غير شيء، أي إذا رأى شيئًا تافهًا لا يعتد به كأنه لا شيء لحقارته ظنه رجلًا؛ لأن غير شيء بالكلية لا يصح وقوع الرؤية عليه. والتحقيق هو ما دلت عليه هذه الآية وأمثالها في القرآن: من أن المعدوم ليس بشيء؟ والجواب عن استدلالهم بالآية: أن ذلك المعدوم لما تعلقت الإرادة بإيجاده، صار تحقق وقوعه كوقوعه بالفعل، كقوله: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله:","vol":"4","page":274},{"text":"﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ﴾، وقوله: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾ الآية، وأمثال ذلك. كل هذه الأفعال الماضية الدالة على الوقوع بالفعل فيما مضى: أطلقت مرادًا بها المستقبل؛ لأن تحقق وقوع ما ذكر صيره كالواقع بالفعل. وكذلك تسميته شيئًا قبل وجوده لتحقق وجوده بإرادة الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ﴾ قرأه عامة السبعة ما عدا حمزة والكسائي ﴿خَلَقْتُكَ﴾ بتاء الفاعل المضمومة التي هي تاء المتكلم. وقرأه حمزة والكسائي: (وقد خلقناك) بنون بعدها ألف، وصيغة الجمع فيها للتعظيم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-880> قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾</span>.\nالمراد بالآية هنا: العلامة، أي اجعل لي علامة أعلم بها وقوع ما بشرت به من الولد. قال بعض أهل العلم: طلب الآية على ذلك لتتم طمأنينته بوقوع ما بشر به. ونظيره على هذا القول قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَال أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَال بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾. وقيل: أراد بالعلامة أن يعرف ابتداء حمل امرأته؛ لأن الحمل في أول زمنه يخفى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾ أي: علامتك على وقوع ذلك ألا تكلم الناس، أي أن تُمْنَع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سويًّا، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك","vol":"4","page":275},{"text":"ممنوع من الكلام على سبيل خرق العادة، كما قدمنا في \"آل عمران\". أما ذكر الله فليس ممنوعًا منه بدليل قوله في \"آل عمران\": ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. وقول من قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا (١٠)﴾ أي ثلاث ليال متتابعات؛ غير صواب، بل معناه هو ما قدمنا من كون اعتقال لسانه عن كلام قومه ليس لعلة ولا مرض حدث به؛ ولكن بقدرة الله تعالى وقد قال تعالى هنا: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ ولم يذكر معها أيامها، ولكنه ذكر الأيام في \"آل عمران\"، في قوله: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ﴾ الآية. فدلت الآيتان على أنها ثلاث ليالي بأيامهن.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يعني إلا بالإشارة أو الكتابة، كما دل عليه قوله هنا: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾، وقوله في \"آل عمران\": ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ الآية؛ لأن الرمز: الإشارة والإيماء بالشفتين والحاجب. والإيحاء في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ الآية، قال بعض العلماء: هو الإشارة وهو الأظهر بدليل قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾ كما تقدم آنفًا. وممن قال بأن الوحي في الآية الإشارة: قتادة، والكلبي، وابن منبه، والقتيبي، كما نقله عنهم القرطبي وغيره. وعن مجاهد، والسدي ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ﴾ أي كتب لهم في الأرض. وعن عكرمة: كتب لهم في كتاب. والوحي في لغة العرب يطلق على كل إلقاء في سرعة وخفاء. ولذلك أطلق على الإلهام، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾ الآية. وعلى الإشارة كما هو الظاهر في قوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ الآية. ويطلق على الكتابة كما هو القول الآخر في هذه الآية","vol":"4","page":276},{"text":"الكريمة. وإطلاق الوحي على الكتابة مشهور في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:\nفمدافع الريَّان عُرِّي رسمُها ... خلقًا كما ضمن الوُحِيَّ سلامها\nفقوله \"الوُحِيّ\" بضم الواو وكسر الحاء وتشديد الياء، جمع وَحْي بمعنى الكتابة. وقول عنترة:\nكوَحْي صحائف من عهد كسرى ... فأهداها لأعجم طَمْطَمِي\nوقول ذي الرمة:\nسوى الأرْبُعِ الدُّهْم اللواتي كأنها ... بقيةُ وَحْي في بطونِ الصحائفِ\nوقول جرير:\nكأنَّ أخا الكتاب يخطُّ وحيًا ... بكافٍ في منازلها ولام\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-881> قوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (١١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن زكرياء خرج على قومه من المحراب فأشار إليهم، أو كتب لهم: أن سبحوا الله أول النهار وآخره. فالبكرة أول النهار، والعشي آخره. وقد بين تعالى في \"آل عمران\" أن هذا الذي أمر به زكرياء قومه بالإشارة أو الكتابة من التسبيح بكرة وعشيًّا: أن الله أمر زكرياء به أيضًا، وذلك في قوله: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ (٤١)﴾. والظاهر أن هذا المحراب الذي خرج منه على قومه هو المحراب الذي بشر بالولد وهو قائم يصلي فيه، المذكور في قوله تعالى: ﴿فَنَادَتْهُ","vol":"4","page":277},{"text":"الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. قال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: والمحراب: أرفع المواضع، وأشرف المجالس. وكانوا يتخذون المحاريب فيما ارتفع من الأرض اهـ. وقال الجوهري في صحاحه: قال الفراء: المحاريب: صدور المجالس، ومنه سمي محراب المسجد، والمحراب: الغرفة. قال وضاح اليمن:\nربة محراب إذا جئتها ... لم ألقها أو أرتقي سلمًا\nومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ﴾ الآية.\nتنبيه\nأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة. مشروعية ارتفاع الإمام على المأمومين في الصلاة؛ لأن المحراب موضع صلاة زكرياء، كما دل عليه قوله: ﴿وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ﴾. والمحراب أرفع من غيره، فدل ذلك على ما ذكر. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره: هذه الآية تدل على أن ارتفاع إمامهم على المأمومين كان مشروعًا عندهم. وقد اختلف في هذه المسألة فقهاء الأمصار، فأجاز ذلك الإمام أحمد وغيره، متمسكًا بقصة المنبر، ومنع مالك ذلك في الارتفاع الكثير دون اليسير. وعلل أصحابه المنع بخوف الكبر على الإمام.\nقلت: وهذا فيه نظر، وأحسن ما فيه ما رواه أبو داود عن همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان؛ فأخذ أبو مسعود","vol":"4","page":278},{"text":"بقميصه فجبذه؛ فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن هذا، أو ينهى عن ذلك؟ قال: بلى، ذكرت ذلك حين مددتني. وروى أيضًا عن عدي بن ثابت الأنصاري قال: حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن؛ فأقيمت الصلاة فتقدم عمار بن ياسر، وقام على دكان يصلي والناس أسفل منه فتقدم حذيفة فأخذ على يديه فاتبعه عمار حتى أنزله حذيفة. فلما فرغ عمار من صلاته قال له حذيفة: ألم تسمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"إذا أم الرجل القوم فلا يقم في مكان أرفع من مقامهم\" أو نحو ذلك؟ فقال عمار: لذلك اتبعتك حين أخذت على يدي.\nقلت: فهؤلاء ثلاثة من الصحابة قد أخبروا بالنهي عن ذلك، ولم يحتج أحد منهم على صاحبه بحديث المنبر؛ فدل على أنه منسوخ، ومما يدل على نسخه: أن فيه عملًا زائدًا في الصلاة وهو النزول والصعود، فنسخ كما نسخ الكلام والسلام. وهذا أولى مما اعتذر به أصحابنا من أن النبي - ﷺ - كان معصومًا من الكبر؛ لأن كثيرًا من الأئمة يوجدون لا كبر عندهم. ومنهم من علله بأن ارتفاع المنبر كان يسيرًا، والله أعلم. انتهى كلام القرطبي رحمه الله تعالى.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: سنتكلم هنا إن شاء الله تعالى على الأحاديث المذكورة، ونبين أقوال العلماء في هذه المسألة، وأدلتهم وما يظهر رجحناه بالدليل.\nأما الحديثان اللذان ذكرهما القرطبي عن أبي داود فقد ساقهما أبو داود في سننه حدثنا أحمد بن سنان وأحمد بن الفرات أبو مسعود الرازي المَعْنيّ قال: ثنا يعلى ثنا الأعمش عن إبراهيم عن","vol":"4","page":279},{"text":"همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان، فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، إلى آخر الحديث. ثم قال أبو داود ﵀: حدثنا أحمد بن إبراهيم ثنا حجاج عن ابن جريج أخبرني أبو خالد عن عدي بن ثابت الأنصاري، حدثني رجل أنه كان مع عمار بن ياسر بالمدائن. إلى آخر الحديث.\nولا يخفى أن هذا الحديث الأخير ضعيف، لأن الراوي فيه عن عمار رجل لا يدرى من هو كما ترى. وأما الأثر الأول فقد صححه غير واحد، ورُوي مرفوعًا صريحًا. قال ابن حجر في التلخيص في الكلام على الأثر والحديث المذكورين: ويعارضه ما رواه أبو داود من طريق همام: أن حذيفة أم الناس بالمدائن على دكان فأخذ أبو مسعود بقميصه فجبذه، فلما فرغ من صلاته قال: ألم تعلم أنهم كانوا ينهون عن ذلك؟ قال: بلى. وصححه ابن خزيمة وابن حبان والحاكم، وفي رواية للحاكم التصريح برفعه. ورواه أبو داود من وجه آخر، وفيه أن الإمام كان عمار بن ياسر، والذي جبذه حذيفة، وهو مرفوع لكن فيه مجهول. والأول أقوى، ويقويه ما رواه الدارقطني من وجه آخر عن همام عن أبي مسعود. نهى رسول الله - ﷺ - أن يقوم الإمام فوق شيء والناس خلفه أسفل منه. اهـ من التلخيص.\nوقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث صلاة حذيفة على الدكان وجبذ أبي مسعود له المذكور: رواه الشافعي وأبو داود والبيهقي؛ ومن لا يحصى من كبار المحدثين ومصنفيهم، وإسناده صحيح. ويقال: جذب وجبذ، لغتان مشهورتان اهـ منه.","vol":"4","page":280},{"text":"وأما قصة المنبر التي أشار لها القرطبي، وقال: إنها حجة من يجيز ارتفاع الإمام على المأموم؛ فهي حديث سهل بن سعد: أن النبي - ﷺ - جلس على المنبر في أول يوم وضع، فكبر وهو عليه ثم ركع ثم نزل القهقرى فسجد وسجد الناس معه، ثم عاد حتى فرغ، فلما انصرف قال: \"أيها الناس، إنما فعلت هذا لتأتموا بي، ولتعلموا صلاتي\" متفق عليه.\nأما أقوال الأئمة في هذه المسألة: فمذهب الشافعي فيها هو كراهة علو الإمام على المأموم. وكذلك عكسه إلا إذا كان ذلك لغرض صحيح محتاج إليه، كارتفاع الإمام ليعلم الجاهلين الصلاة كما فعل النبي - ﷺ - في صلاته على المنبر، وبين أنه فعل ذلك لقصد التعليم، وكارتفاع المأموم ليبلغ غيره من المأمومين تكبيرات الإمام، فإن كان ارتفاع أحدهما لنحو هذا الغرض استحب له الارتفاع لتحصيل الغرض المذكور.\nقال النووي في شرح المهذب: هذا مذهبنا، وهو رواية عن أبي حنيفة، وعنه رواية: أنه يكره الارتفاع مطلقًا، وبه قال مالك والأوزاعي. وحكى الشيخ أبو حامد عن الأوزاعي: أنه قال تبطل به الصلاة.\nوأما مذهب مالك في المسألة ففيه تفصيل بين علو الإمام على المأموم وعكسه. فعلو المأموم جائز عنده. وقد رجع إلى كراهته، وبقى بعض أصحابه على قوله بجوازه. وعلو الإمام لا يعجبه. وفي المدونة قال مالك: لا بأس في غير الجمعة أن يصلي الرجل بصلاة الإمام على ظهر المسجد والإمام في داخل المسجد.","vol":"4","page":281},{"text":"ثم كرهه. وأخذ ابن القاسم بقوله الأول. انتهى بواسطة نقل المواق في الكلام على قول خليل بن إسحاق في مختصره عاطفًا على ما يجوز: \"وعلو مأموم ولو بسطح\". وفي المدونة أيضًا قال مالك: إذا صلى الإمام بقوم على ظهر المسجد والناس خلفه أسفل من ذلك فلا يعجبني. انتهى بواسطة نقل المواق أيضًا. وقوله \"لا يعجبني\" ظاهر في الكراهة. وحمله بعضهم على المنع. وفي وجوب إعادة الصلاة قولان. ومحل الخلاف ما لم يقصد المرتفع بارتفاعه التكبر على الناس، فإن قصد ذلك بطلت صلاته عندهم إمامًا كان أو مأمومًا. وهذه المسألة ذكرها خليل بن إسحاق في مختصره في قوله: \"وعلو مأموم ولو بسطح لا عكسه، وبطلب بقصد إمام ومأموم به الكبر إلا بكشبرٍ اهـ. وقوله \"إلا بكشبر\" يعني إلا أن يكون الارتفاع بكشبرٍ، ونحو الشبر عظم الذراع عندهم. ومحل جواز الارتفاع اليسير المذكور ما لم يقصد به الكبر. فقوله \"إلا بكشبر\" مستثنى من قوله \"لا عكسه\" لا من مسألة قصده الكبر فالصلاة فيها باطلة عندهم مطلقًا: قال المواق في شرحه لكلام خليل المذكور من المدونة: كره مالك وغيره أن يصلي الإمام على شيء أرفع مما يصلي عليه من خلفه، مثل الدكان يكون في المحراب ونحوه. قال ابن القاسم: فإن فعل أعادوا أبدًا، لأنهم يعبثون إلا أن يكون ذلك دكانًا يسير الارتفاع مثل ما كان عندنا بمصر فتجزئهم الصلاة. قال أبو محمد: مثل الشبر وعظم الذراع؛ إلى أن قال: وانظر إذا صلى المقتدي كذلك أعني على موضع مرتفع قصدًا إلى التكبر عن مساواة الإمام. قال ابن بشير: صلاته أيضًا باطلة، اهـ محل الغرض منه. وقول ابن القاسم \"لأنهم يعبثون\" يعني برفع ذلك البنيان الذي","vol":"4","page":282},{"text":"يصلي عليه الإمام، كما قال تعالى عن نبيه هود مخاطبًا لقومه عاد: ﴿أَتَبْنُونَ بِكُلِّ رِيعٍ آيَةً تَعْبَثُونَ (١٢٨) وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ وإذا ارتفعت مع الإمام طائفة من المصلين سائر الناس؛ أعني ليست من أشراف الناس وأعيانهم، ففي نفي الكراهة بذلك خلاف عندهم وإليه أشار خليل في مختصره بقوله: \"وهل يجوز إن كان مع الإمام طائفة كغيرهم تردد\". هذا هو حاصل مذهب مالك في هذه المسألة.\nوأما مذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: فهو أن ارتفاع كل من الإمام والمأموم على الآخر مكروه. وقال الطحاوي: لا يكره علو المأموم على الإمام، ومحل الكراهة عند الحنفية في الارتفاع غير اليسير، ولا كراهة عندهم في اليسير. وقدر الارتفاع الموجب للكراهة عندهم قدر قامة، ولا بأس بما دونها، ذكره الطحاوي، وهو مروي عن أبي يوسف. وقيل: هو مقدر بقدر ما يقع عليه الامتياز. وقيل: مقدر بقدر ذراع اعتبارًا بالسترة. قال صاحب تبيين الحقائق: وعليه الاعتماد. وإن كان مع الإمام جماعة في مكانه المرتفع، وبقية المأمومين أسفل منهم فلا يكره ذلك على الصحيح عندهم. انتهى بمعناه من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق.\nوأما مذهب الإمام أحمد في هذه المسألة: فهو التفصيل بين علو الإمام على المأموم، فيكره على المشهور من مذهب أحمد. وبين علو المأموم على الإمام فيجوز. قال ابن قدامة في المغني: المشهور في المذهب أنه يكره أن يكون الإمام أعلى من المأمومين، سواء أراد تعليمهم الصلاة، أو لم يرد. وهو قول مالك والأوزاعي وأصحاب الرأي. ورُوي عن أحمد ما يدل على أنه لا","vol":"4","page":283},{"text":"يكره. اهـ. محل الغرض منه. وقال في المغني أيضًا: فإن صلى الإمام في مكان أعلى من المأمومين فقال ابن حامد: لا تصح صلاتهم. وهو قول الأوزاعي؛ لأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه. وقال القاضي: لا تبطل، وهو قول أصحاب الرأي. اهـ محل الغرض منه.\nفإذا عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في هذه المسألة؛ فاعلم أن حجة من كره علو الإمام على المأموم أو منعه؛ هي ما قدمنا في قصة جبذ أبي مسعود لحذيفة لمَّا أمَّ الناس، وقام يصلي على دكان. الحديث المتقدم. وقد بينا أقوال أهل العلم في الحديث المذكور. وحجة من أجاز ذلك للتعليم حديث سهل بن سعد المتفق عليه في قصة صلاة النبي - ﷺ - على المنبر وجواب المخالفين عن صلاته على المنبر بأنه ارتفاع يسير، وذلك لا بأس به، أو بأنه منسوخ كما تقدم في كلام القرطبي.\nوحجة من أجاز علو المأموم على الإمام ما رُوِي عن أبي هريرة: أنه صلى بصلاة الإمام وهو على سطح المسجد. قال ابن حجر في التلخيص: رواه الشافعي عن إبراهيم بن محمد قال: حدثني صالح مولى التوأمة أنه رأى أبا هريرة يصلي فوق ظهر المسجد بصلاة الإمام في المسجد. ورواه البيهقي من حديث القعنبي عن ابن أبي ذئب عن صالح، ورواه سعد بن منصور، وذكره البخاري تعليقًا. انتهى محل الغرض من كلامه. فقد رأيت مذاهب العلماء في المسألة وأدلتهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والذي يظهر -والله تعالى أعلم-","vol":"4","page":284},{"text":"وجوب الجمع بين الأدلة المذكورة، وأن علو الإمام مكروه لما تقدم. ويجمع بينه وبين قصة الصلاة على المنبر بجوازه للتعليم دون غيره. ويدل لهذا إخباره - ﷺ - أنه ارتفع على المنبر ليعلمهم الصلاة؛ لأنه إذا ارتفع رأوه وإذا نزل لم يره إلا من يليه، وجمع بعضهم بأن ارتفاعه على المنبر ارتفاع يسير وهو مغتفر. أما علو المأموم فقد تعارض فيه القياس مع فعل أبي هريرة؛ لأن القياس يقتضي كراهة ارتفاع المأموم قياسًا على ارتفاع الإمام وهو قياس جلي، وإذا تعارض القياس مع قول الصحابي فمن الأصوليين من يقول بتقديم القياس، وهو مذهب مالك وجماعة، ومنهم من يقول بتقديم قول الصحابي. ولا شك أن الأحوط تجنب علو كل واحد من الإمام والمأموم على الآخر. والعلم عند الله تعالى.\nو﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا﴾ هي المفسرة. والمعنى أن ما بعدها يفسر الإيحاء المذكور قبلها. فهذا الذي أشار لهم به هو الأمر بالتسبيح بكرة وعشيًّا، وهذا هو الصواب. ويحتمل أن تكون مصدرية بناء على أن \"أن\" المصدرية تأتي مع الأفعال الطلبية؛ وعليه فالمعنى: أوحى إليهم، أي أشار إليهم بأن سبحوا، أي بالتسبيح أو كتب لهم ذلك بناء على القول بأن المراد به الكتابة، وكونها مفسرة هو الصواب. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-882> قوله تعالى: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢) وَحَنَانًا مِنْ لَدُنَّا وَزَكَاةً وَكَانَ تَقِيًّا (١٣) وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤) وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾</span>.\nاعلم أولًا: أنا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من","vol":"4","page":285},{"text":"أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر شيء مع بعض صفاته وله صفات أخر مذكورة في موضع آخر، فإنا نبينها، وقد مر فيه أمثلة كثيرة من ذلك، وأكثرها في الموصوفات من أسماء الأجناس لا الأعلام، وربما ذكرنا ذلك في صفات الأعلام كما هنا. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أنه تعالى ذكر في هذه الآية الكريمة بعض صفات يحيى، وقد ذكر شيئًا من صفاته أيضًا في غير هذا الموضع. وسنبين إن شاء الله المراد بالمذكور منها هنا، والمذكور في غير هذا الموضع.\nاعلم أنه هنا وصفه بأنه قال له: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ﴾ ووصفه بقوله: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ -إلى قوله-  وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾، فقوله: ﴿يَايَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ﴾ مقول قول محذوف؛ أي وقلنا له: يا يحيى خذ الكتاب بقوة. والكتاب: التوراة؛ أي خذ التوراة بقوة؛ أي: بجدٍّ واجتهاد، وذلك بتفهُّم المعنى أولًا حتى يفهمه على الوجه الصحيح، ثم يعمل به من جميع الجهات، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويتأدب بآدابه، ويتعظ بمواعظه، إلى غير ذلك من جهات العمل به. وعامة المفسرين على أن المراد بالكتاب هنا: التوراة. وحكى غير واحد عليه الإجماع. وقيل: هو كتاب أنزل على يحيى، وقيل: هو اسم جنس يشمل الكتب المتقدمة. وقيل: هو صحف إبراهيم. والأظهر قول الجمهور: إنه التوراة كما قدمنا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ﴾ أي أعطيناه الحكم، وللعلماء في المراد بالحكم أقوال متقاربة، مرجعها إلى شيء واحد، وهو أن الله أعطاه الفهم في الكتاب؛ أي إدراك","vol":"4","page":286},{"text":"ما فيه والعمل به في حال كونه صبيًّا. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ أي الفهم والعلم والجد والعزم، والإقبال على الخير والإكباب عليه، والاجتهاد فيه وهو صغير حدث. قال عبد الله بن المبارك قال معمر: قال الصبيان ليحيى بن زكريا: اذهب بنا نلعب، فقال: ما للعب خلقنا! فلهذا أنزل الله ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾. وقال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ يقول تعالى ذكره: وأعطيناه الفهم بكتاب الله في حال صباه قبل بلوغه أسنان الرجال. وقد حدثنا أحمد بن منيع قال: حدثنا عبد الله بن المبارك قال: أخبرني معمر ولم يذكره عن أحد في هذه الآية ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾ قال: بلغني أن الصبيان قالوا ليحيى: اذهب بنا نلعب. فقال: ما للعب خلقنا، فأنزل الله ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا (١٢)﴾. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَآتَينَاهُ الْحُكْمَ﴾ أي الحكمة، ومنه قول نابغة ذبيان:\nاحكُم كحكم فتاةِ الحيِّ إذ نظرت ... إلى حمامٍ شِراعٍ واردِ الثَّمَدِ\nوقال أبو حيان في البحر في تفسير هذه الآية: والحكم النبوة، أو حكم الكتاب، أو الحكمة، أو العلم بالأحكام. أو اللب وهو العقل، أو آداب الخدمة، أو الفراسة الصادقة. أقوال.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي: هو أن الحكم العلم النافع والعمل به، وذلك بفهم الكتاب السماوي فهمًا صحيحًا، والعمل به حقًّا، فإن هذا يشمل جميع أقوال العلماء في الآية الكريمة. وأصل معنى ﴿الْحُكْمَ﴾ المنع، والعلم النافع والعمل","vol":"4","page":287},{"text":"به يمنع الأقوال والأفعال من الخلل والفساد والنقصان.\nوقوله تعالى: ﴿صَبِيًّا (١٢)﴾ أي لم يبلغ، وهو الظاهر. وقيل: صبيًّا أي: شابًّا لم يبلغ سن الكهولة؛ ذكره أبو حيان وغيره، والظاهر الأول. قيل ابن ثلاث سنين، وقيل ابن سبع، وقيل ابن سنتين. والله أعلم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَنَانًا﴾ معطوف على ﴿الْحُكْمَ﴾ أي: وآتيناه حنانًا من لدنا. والحنان: هو ما جبل عليه من الرحمة، والعطف والشفقة. وإطلاق الحنان على الرحمة والعطف مشهور في كلام العرب، ومنه قولهم: حنانك وحنانيك يارب، بمعنى رحمتك. ومن هذا المعنى قول امرئ القيس:\nأبنت الحارث الملك بن عمرو ... له ملك العراق إلى عمان\nويمنحُها بنو شَمَجَى بن جَرْم ... مَعِيزَهم حنانك ذا الحنان\nيعني رحمتك يا رحمن؛ وقول طرفة بن العبد:\nأبا منذر أفنيت فاستبق بعضنا ... حنانيك بعض الشر أهون من بعض\nوقول منذر بن درهم الكلبي:\nوأحدث عهد من أمينة نظرة ... على جانب العلياء إذ أنا واقف\nفقالت حنان ما أتى بك هاهنا ... أذو نسب أم أنت بالحي عارف\nفقوله \"حنان\" أي: أمري حنان؛ أي رحمة لك وعطف وشفقة عليك، وقول الحطيئة أو غيره:\nتحنَّنْ عليَّ هداك المليك ... فإن لكل مقام مقالا","vol":"4","page":288},{"text":"وقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ أي من عندنا. وأصح التفسيرات في قوله: ﴿وَزَكَاةً﴾ أنه معطوف على ما قبله، أي: أو أعطيناه زكاة، أي طهارة من أدران الذنوب والمعاصي بالطاعة، والتقرب إلى الله بما يرضيه. وقد قدمنا في سورة \"الكهف\" الآيات الدالة على إطلاق الزكاة في القرآن بمعنى الطهارة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَزَكَاةً﴾ الزكاة: التطهير والبركة والتنمية في وجوه الخير؛ أي جعلناه مباركًا للناس يهديهم. وقيل المعنى: زكيناه بحسن الثناء عليه كما يزكي الشهود إنسانًا. وقيل: \"زكاة\" صدقة على أبويه؛ قاله ابن قتيبة. انتهى كلام القرطبي. وهو خلاف التحقيق في معنى الآية. والتحقيق فيه إن شاء الله هو ما ذكرنا من أن المعنى: وأعطيناه زكاة أي طهارة من الذنوب والمعاصي بتوفيقنا إياه للعمل بما يرضي الله تعالى. وقول من قال من العلماء: بأن المراد بالزكاة في الآية العمل الصالح، راجع إلى ما ذكرنا؛ لأن العمل الصالح هو الذي به الطهارة من الذنوب والمعاصي.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ تَقِيًّا (١٣)﴾ أي: ممتثلًا لأوامر ربه مجتنبًا كل ما نهى عنه؛ ولذا لم يعمل خطيئة قط، ولم يلم بها، قاله القرطبي وغيره عن قتادة وغيره. وفي نحو ذلك أحاديث مرفوعة، والظاهر أنه لم يثبت شيء من ذلك مرفوعًا، إما بانقطاع، وإما بعنعنة مدلس: وإما بضعف راو، كما أشار له ابن كثير وغيره. وقد قدمنا معنى التقوى مرارًا وأصل مادتها في اللغة العربية.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَيهِ﴾ البَرَّ بالفتح هو فاعل البر -بالكسر-","vol":"4","page":289},{"text":"كثيرًا، أي: وجعلناه كثير البر بوالديه، أي محسنًا إليهما، لطيفًا بهما، لين الجانب لهما. وقوله: ﴿وَبَرًّا﴾ معطوف على قوله: ﴿تَقِيًّا (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ جَبَّارًا عَصِيًّا (١٤)﴾ أي لم يكن مستكبرًا عن طاعة ربه وطاعة والديه، ولكنه كان مطيعًا لله، متواضعًا لوالديه، قاله ابن جرير. والجبار: هو كثير الجبر، أي القهر للناس، والظلم لهم. وكل متكبر على الناس يظلمهم، فهو جبار. وقد أطلق في القرآن على شديد البطش في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ (١٣٠)﴾ وعلى من يتكرر منه القتل في قوله: ﴿أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إلا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. والظاهر أن قوله: ﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ فعول قلبت فيه الواو ياء وأدغمت في الياء على القاعدة التصريفية المشهورة؛ التي عقدها ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nإن يسكنِ السابقُ من واوٍ ويا ... واتَّصلا ومن عُرُوضٍ عَرِيا\nفياءً الواوَ اقلبنَّ مُدْغمًا ... وشذَّ مُعْطًى غيرَ ما قد رُسِما\nفأصل ﴿عَصِيًّا (١٤)﴾ على هذا \"عصويًا\" كصبور، أي كثير العصيان. ويحتمل أن يكون أصله فعيلًا وهي من صيغ المبالغة أيضًا، قاله أبو حيان في البحر.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ قال ابن جرير: وسلام عليه، أي: أمان له. وقال ابن عطية: والأظهر عندي أنها التحية المتعارفة، فهي أشرف من الأمان؛ لأن الأمان متحصل له بنفي العصيان عنه وهو أقل درجاته، وإنما الشرف في أن سلم الله عليه وحيَّاه في المواطن","vol":"4","page":290},{"text":"التي الإنسان فيها في غاية الضعف والحاجة، وقلة الحيلة والفقر إلى الله تعالى عظيم الحول. انتهى كلام ابن عطية بواسطة نقل القرطبي في تفسير هذه الآية. ومرجع القولين إلى شيء واحد؛ لأن معنى سلام التحية، الأمانُ والسلامة مما يكره. وقول من قال: هو الأمان، يعني أن ذلك الأمان من الله. والتحية من الله معناها الأمان والسلامة مما يكره. والظاهر المتبادر أن قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ تحية من الله ليحيى ومعناه الأمان والسلامة. وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ﴾ مبتدأ، وسوغ الابتداء به وهو نكرة أنه في معنى الدعاء، وإنما خص هذه الأوقات الثلاثة بالسلام التي هي وقت ولادته، ووقت موته، ووقت بعثه، في قوله: ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ ..﴾ الآية، لأنها أوحش من غيرها. قال سفيان بن عيينة: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن: يوم يولد فيرى نفسه خارجًا مما كان فيه، ويوم يموت فيرى قومًا لم يكن عاينهم، ويوم يُبْعَث فيرى نفسه في محشر عظيم. قال: فأكرم الله فيها يحيى بن زكريا فخصه بالسلام عليه فيها. رواه عنه ابن جرير وغيره. وذكر ابن جرير الطبري في تفسير هذه الآية بإسناده عن الحسن ﵀ قال: إن عيسى ويحيى التقيا فقال له عيسى: استغفر لي، أنت خير مني. فقال الآخر: استغفر لي، أنت خير مني. فقال عيسى: أنت خير مني، سلَّمْتُ على نفسي وسلَّمَ الله عليك. وقد نقل القرطبي هذا الكلام الذي رواه ابن جرير عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم قال: انتزع بعض العلماء من هذه الآية في التسليم فضل عيسى بأن قال: إدلاله في التسليم على نفسه ومكانته من الله تعالى التي اقتضت ذلك حين قرر وحكى في محكم التنزيل أعظم في المنزلة","vol":"4","page":291},{"text":"من أن يُسَلّم عليه، قال ابن عطية: ولكل وجه. انتهى كلام القرطبي. والظاهر أن سلام الله على يحيى في قوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ الآية أعظم من سلام عيسى على نفسه في قوله: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ كما هو ظاهر.\nتنبيه\nالفتحة في قوله: ﴿يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ يحتمل أن تكون في الظروف الثلاثة فتحة إعراب نصبًا على الظرفية. ويحتمل أن تكون فتحة بناء لجواز البناء في نحو ذلك، والأجود أن تكون فتحة ﴿يَوْمَ وُلِدَ﴾ فتحة بناء، وفتحة ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فتحة نصب؛ لأن بناءَ ما قبل الفعل الماضي أجودُ من إعرابه، وإعرابَ ما قبل المضارعِ والجملةِ الاسمية أجودُ من بنائه، كما عقده في الخلاصة بقوله:\nوابنِ أو اعْرِب ما كإذْ قد أُجْرِيا ... واخترْ بنا متلُوّ فِعْلٍ بُنِيا\nوقَبْلَ فِعْلٍ معربٍ أو مُبْتدا ... أعْرِب ومَنْ بنى فَلَن يُفَنَّدا\nوالأحوال في مثل هذا أربعة:\nالأول: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني بناء أصليًّا وهو الماضي، كقول نابغة ذبيان:\nعلى حين عاتبت المشيب على الصِّبا ... فقلت ألمَّا أَصْحُ والشيبُ وازع\nفبناء الظرف في مثل ذلك أجود، وإعرابه جائز.\nالثاني: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة فعلية فعلها مبني","vol":"4","page":292},{"text":"بناء عارضًا، كالمضارع المبني لاتصاله بنون النسوة؛ كقول الآخر:\nلأجتذِبَنْ منهنَّ قلبي تحلُّما ... على حين يستصبين كلَّ حليمِ\nوحكم هذا كما قبله.\nالثالث: أن يضاف إلى جملة فعلية فعلها معرب؛ كقول أبي صخر الهذلي:\nإذا قلت هذا حين أسلو يهيجني ... نسيم الصبا من حيث يطَّلِع الفجر\nفإعراب مثل هذا أجود، وبناؤه جائز.\nالرابع: أن يضاف الظرف المذكور إلى جملة اسمية؛ كقول الشاعر:\nألم تعلمي يا عمرك الله أنني ... كريم على حين الكرام قليل\nوقول الآخر:\nتذكر ما تذكر من سليمى ... على حين التواصل غير دان\nوحكم هذا كما قبله. واعلم أن هذه الأوجه إنما هي في الظرف المبهم الماضي. وأما إن كان الظرف المبهم مستقبل المعنى، كقوله: ﴿وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ﴾ فإنه لا يضاف إلا إلى الجمل الفعلية دون الاسمية؛ فتكون فيه الأوجه الثلاثة المذكورة دون الرابع. وأجاز ابن مالك إضافته إلى الجملة الاسمية بقلة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾. وقول سواد بن قارب:\nوكن لي شفيعًا يوم لا ذو شفاعة ... بمغْنٍ فتيلًا عن سوادِ بن قارب","vol":"4","page":293},{"text":"لأن الظرف في الآية والبيت المذكورين مستقبل لا ماض. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا (١٥)﴾ قال أبو حيان: فيه تنبيه على كونه من الشهداء، لقوله تعالى فيهم: ﴿بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وجه هذا الاستنباط أن الحال قيد لعاملها، وصف لصاحبها. وعليه فبعثه مقيد بكونه حيًّا، وتلك حياة الشهداء، وليس بظاهر كل الظهور. والله تعالى أعلم.\nهذا هو حاصل ما ذكره الله تعالى في هذه السورة الكريمة من صفات يحيى، وذكر بعض صفاته في غير هذا الموضع، كقوله في \"آل عمران\": ﴿فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (٣٩)﴾ ومعنى كونه: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ أنه مصدق بعيسى، وإنما قيل لعيسى: كلمة؛ لأن الله أوجده بكلمة هي قوله: ﴿كُنْ﴾ فكان، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ الآية. وقال: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية. وهذا هو قول جمهور المفسرين في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ وقيل: المراد بـ\"كلمة\" الكتاب، أي: مصدقًا بكتاب الله. والكلمة في القرآن تطلق على الكلام المفيد، كقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى﴾، وقوله: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وباقي الأقوال تركناه لظهور ضعفه. والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا. وقوله: ﴿وَسَيِّدًا﴾ وزن السيد بالميزان الصرفي \"فيعل\" وأصل مادته (س ود) سكنت ياء الفيعل الزائدة قبل الواو","vol":"4","page":294},{"text":"التي هي في موضع العين، فأبدلت الواو ياء عن القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة:\n\n• إن يسكن السابق من واو ويا*\nالبيتين المتقدمين آنفًا. وأصله من السواد وهو الخلق الكثير. فالسيد من يطيعه، ويتبعه سواد كثير من الناس. والدليل على أن عين المادة واو أنك تقول فيه: ساد يسود بالواو، وتقول: سودوه إذا جعلوه سيدًا. والتضعيف يردّ العين إلى أصلها، ومنه قول عامر بن الطفيل العامري:\nوإني وإن كنت ابن سيد عامر ... وفارسها المشهور في كل موكب\nفما سوَّدتني عامرٌ عن وراثة ... أبي الله أن أسمو بأم ولا أب\nوقال الآخر:\nوإن بقوم سودوك لحاجة ... إلى سيد لو يظفرون بسيد\nوشهرة مثل ذلك تكفي عن بيانه. والآية فيها دليل على إطلاق السيد على من ساد من الناس، وقد جاء في الصحيحين وغيرهما أن النبي - ﷺ - قال في الحسن بن علي ﵄: \"إن ابني هذا سيد\" الحديث. وأنه - ﷺ -: لما جاء سعد بن معاذ ﵁ للحكم في بني قريظة قال - ﷺ -: \"قوموا لسيدكم\".\nوالتحقيق في معنى قوله: ﴿وَحَصُورًا﴾ أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلًا منه، وانقطاعًا لعبادة الله. وكان ذلك جائزًا في شرعه. وأما سنة النبي - ﷺ - فهي التزوج وعدم","vol":"4","page":295},{"text":"التبتل. أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن = فليس بصحيح؛ لأن العُنَّة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثني عليه بها. فالصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، واختاره غير واحد من العلماء. وقول من قال: إن الحصور هو الذي لا يدخل مع القوم في الميسر كما قال الأخطل:\nوشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار\nقول ليس بالصواب في معنى الآية. بل معناها هو ما ذكرنا وإن كان إطلاق الحصور على ذلك صحيحًا لغة. وقوله: ﴿وَنَبِيًّا﴾ على قراءة نافع بالهمزة معناه واضح، وهو فعيل بمعنى مفعول، من النبإ وهو الخبر الذي له شأن؛ لأن الوحى خبر له شأن يخبره الله به. وعلى قراءة الجمهور بالياء المشددة فقال بعض العلماء: معناه كمعنى قراءة نافع، إلا أن الهمزة أبدلت ياء وأدغمت فيها الياء التي قبلها. وعلى هذا فهو كالقراءتين السبعيتين في قوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ بالهمزة وتشديد الياء. وقال بعض العلماء: هو على قراءة الجمهور من النبوة بمعنى الارتفاع لرفعة النبي وشرفه. والصالحون: هم الذين صلحت عقائدهم، وأعمالهم، وأقوالهم، ونياتهم، والصلاح ضد الفساد. وقد وصف الله تعالى يحيى بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة \"الأنعام\" في قوله: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ (٨٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-883> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾</span>.","vol":"4","page":296},{"text":"أمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب، وهو القرآن ﴿مَرْيَمَ﴾ حين انتبذت من أهلها مكانًا شرقيًّا. وقوله: ﴿انْتَبَذَتْ﴾ أي: تنحَّت عنهم واعتزلتهم منفردة عنهم. وقوله: ﴿مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ أي مما يلي شرقي بيت المقدس. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذِ﴾ بدل اشتمال؛ لأن الأحيان مشتملة على ما فيها اشتمال الظرف على مظروفه. قاله الزمخشري في الكشاف، واعترضه عليه أبو البقاء وأبو حيان؛ والظاهر سقوط اعتراضهما، وأن الصواب معه، والله تعالى أعلم.\nولم يذكر هنا شيئًا عن نسب \"مريم\" ولا عن قصة ولادتها، وبين في غير هذا الموضع أنها ابنة عمران، وأن أمها نذرت ما في بطنها محررًا، تعني لخدمة بيت المقدس، تظن أنها ستلد ذكرًا فولدت \"مريم\". قال في بيان كونها ابنة عمران: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا﴾ الآية. وذكر قصة ولادتها في \"آل عمران\" في قوله: ﴿إِذْ قَالتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ منصوب لأنه ظرف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-884> قوله تعالى: ﴿فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيهَا رُوحَنَا﴾</span>.\nأظهر الأقوال أن المراد بقوله: ﴿رُوحَنَا﴾ جبريل. ويدل","vol":"4","page":297},{"text":"لذلك قوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ ..﴾ الآية، وإضافته إلى الله إضافة تشريف وتكريم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-885> قوله تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَويًّا (١٧)﴾</span>.\nتمثله لها بشرًا سويًّا المذكور في الآية يدل على أنه ملك وليس بآدمي. وهذا المدلول صرح به تعالى في قوله: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾ الآية. وهذا الذي بشرها به هو الذي قال لها هنا: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾. وقوله: ﴿بَشَرًا سَويًّا (١٧)﴾ حالان من ضمير الفاعل في قوله: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-886> قوله تعالى: ﴿قَال إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك الروح الذي هو جبريل قال لها: إنه رسول ربها ليهب لها، أي ليعطيها (غلامًا) أي ولدًا (زكيًّا) أي طاهرًا من الذنوب والمعاصي، كثير البركات. وبين في غير هذا الموضع كثيرًا من صفات هذا الغلام الموهوب لها، وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾، وقوله: ﴿وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٤٨) وَرَسُولًا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِ الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ","vol":"4","page":298},{"text":"وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات المشتملة على صفات هذا الغلام.\nوقرأ هذا الحرف أبو عمرو وورش عن نافع وقالون عنه أيضًا بخلف عنه \"لِيَهب\" بالياء المفتوحة بعد اللام، أي: ليهب لك هو، أي ربك غلامًا زكيًّا. وقرأ الباقون ﴿لِأَهَبَ﴾ بهمزة المتكلم، أي: لأهب لك أنا أيها الرسول من ربك غلامًا زكيًّا. وفي معنى إسناده الهبة إلى نفسه على قراءة الجمهور خلاف معروف بين العلماء. وأظهر الأقوال في ذلك عندي: أن المراد بقول جبريل لها: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩)﴾ أي: لأكون سببًا في هبة الغلام بالنفخ في الدرع الذي وصل إلى الفرج، فصار بسببه حملها عيسى. وبين تعالى في سورة \"التحريم\" أن هذا النفخ في فرجها في قوله تعالى: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ الآية. والضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى فرجها. ولا ينافي ذلك قوله تعالى في \"الأنبياء\": ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ لأن النفخ وصل إلى الفرج فكان منه حمل عيسى، وبهذا فسر الزمخشري في الكشاف الآية.\nوقال بعض العلماء: قول جبريل ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا﴾ حكاية منه لقول الله جل وعلا. وعليه فالمعنى: إنما أنا رسول ربك، وقد قال لي: أرسلتك لأهب غلامًا. والأول أظهر. وفي الثاني بعد عن ظاهر اللفظ. وقال بعض العلماء: جعل الهبة من قِبَله لما كان الإعلام بها من قِبَله. وبهذا صدر القرطبي في تفسيره. وأظهرها الأول. والعلم عند الله تعالى.","vol":"4","page":299},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-887> قوله تعالى: ﴿قَالتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم لما بشرها جبريل بالغلام الزكي -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- قالت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ﴾ أي: كيف ألد غلامًا والحال أني لم يمسسني بشر. تعني: لم يجامعني زوج بنكاح، ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾، أي لم أك زانية. وإذا انتفى عنها مسيس الرجال حلالًا وحرامًا فكيف تحمل. والظاهر أن استفهامها استخبار واستعلام عن الكيفية التي يكون بها حمل الغلام المذكور؛ لأنها مع عدم مسيس الرجال لم تتضح لها الكيفية. ويحتمل أن يكون استفهامها استفهام تعجب من كمال قدرة الله تعالى، وهذا الذي ذكر الله جل وعلا عنها: أنها قالته هنا ذكره عنها أيضًا في سورة \"آل عمران\" في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾. واقتصارها في آية \"آل عمران\" على قولها: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ﴾ يدل على أن مسيس البشر المنفي عنها شامل للمسيس بنكاح والمسيس بزنى، كما هو الظاهر. وعليه فقولها في سورة \"مريم\": ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾ يظهر فيه أن قولها: ﴿وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا﴾ تخصيص بعد تعميم؛ لأن مسيس البشر يشمل الحلال والحرام. وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠)﴾: جعل المس عبارة عن النكاح الحلال لأنه كناية عنه؛ كقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ﴾، ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾ والزنى","vol":"4","page":300},{"text":"ليس كذلك، إنما يقال فيه: فجر بها، وخبث بها وما أشبه ذلك. وليس بقمن أن تراعى فيه الكنايات والآداب. اهـ.\nوالأظهر الأول، وآية آل عمران تدل عليه. ويؤيده أن لفظة ﴿بَشَرٌ﴾ نكرة في سياق النفي فهي تعم كل بشر؛ فينتفي مسيس كل بشر كائنًا من كان. والبَغِيّ: المجاهرة المشتهرة بالزنى. ووزنه \"فعول\" عند المبرّد، اجتمعت فيه واو وياء سبقت إحداهما بالسكون، فقلبت الواو ياء وأدغمت في الياء وكسر ما قبلها لأجل الياء كما كسرت في \"عِصيّ ودليّ\" جمع \"عصا ودلو\". كما قدمنا هذا مرارًا. والقائل بأن أصل البغيّ \"فعول\"، يقول: لو كان أصله \"فعيلًا\" للحقته هاء التأنيث؛ لأنها لازمة في فعيل بمعنى فاعل. وقال ابن جني في كتاب التمام: أصل البَغِيّ على وزن فعيل، ولو كان فعولًا لقيل: بغو؛ كما قيل: فلان نهو عن المنكر. وعلى هذا القول فقد يجاب عن عدم لحوق تاء التأنيث: بأن البغيّ وصف مختص بالإناث. والرجل يقال فيه: باغٍ لا بغي؛ كما قاله أبو حيان في البحر. والأوصاف المختصة بالإناث لا تحتاج إلى تاء الفرق بين الذكر والأنثى كحائض، كما عقده ابن مالك في الكافية بقوله:\nوما من الصفات بالأنثى يخص ... عن تاء استغنى لأن اللفظ نص\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-888> قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ قَال رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾</span>.\nقد قدمنا تفسير هذه الآية مستوفى في قصة زكرياء، فأغنى عن إعادته هنا. وقول جبريل لمريم في هذه الآية: ﴿كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: وستلدين ذلك الغلام المبشر به من غير أن يمسِّك بشر، وقد أشار تعالى إلى معنى هذه الآية في سورة \"آل عمران\"","vol":"4","page":301},{"text":"• في قوله: ﴿قَالتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَال كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-889> قوله تعالى: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من حِكَم خلقه عيسى من امرأة بغير زوج ليجعل ذلك آية للناس؛ أي علامة دالة على كمال قدرته. وأنه تعالى يخلق ما يشاء كيف يشاء. إن شاء خلقه من أنثى بدون ذكر كما فعل بعيسى. وإن شاء خلقه من ذكر بدون أنثى كما فعل بحواء؛ كما نص على ذلك في قوله: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ أي: خلق من تلك النفس التي هي آدم زوجها حواء. وإن شاء خلقه بدون الذكر والأنثى معًا كما فعل بآدم. وإن شاء خلقه من ذكر وأنثى كما فعل بسائر بني آدم. فسبحان الله العظيم القادر على كل شيء! وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونه جعل عيسى آية حيث ولدته أمه من غير زوج أشار له أيضًا في \"الأنبياء\" بقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (٩١)﴾، وفي \"الفلاح\" بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً ..﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ فيه حذف دل المقام عليه. قال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ﴾ تعليل معلله محذوف، أي: ولنجعله آية للناس فعلنا ذلك. أو هو معطوف على تعليل مضمر، أي لنبين به قدرتنا ولنجعله آية. ونحوه: ﴿وَخَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ﴾ اهـ.","vol":"4","page":302},{"text":"وقوله في هذه الآية: ﴿وَرَحْمَةً مِنَّا﴾ أي لمن آمن به. ومن كفر به فلم يبتغ الرحمة لنفسه، كما قال تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا﴾ أي: وكان وجود ذلك الغلام منك أمرًا مقضيًّا، أي مقدرًا في الأزل، مسطورًا في اللوح المحفوظ لابد من وقوعه، فهو واقع لا محالة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-890> قوله تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢) فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن مريم حملت عيسى. فقوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ أي: عيسى ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: تنحت به وبعدت معتزلة عن قومها ﴿مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ أي: في مكانٍ بعيد. والجمهور على أن المكان المذكور بيت لحم. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾ أي: ألجأها الطلق إلى جذع النخلة، أي: جذع نخلة في ذلك المكان. والعرب تقول: جاء فلان، وأجاءه غيره: إذا حمله على المجيء، ومنه قول زهير:\nوجار سار معتمدًا إلينا ... أجاءته المخافة والرجاء\nوقول حسان ﵁:\nإذ شددنا شدة صادقة ... فأجأناكم إلى سفح الجبل\nوالمخاض: الطلق، وهو وجع الولادة، وسمى مخاضًا من المخض، وهو الحركة الشديدة لشدة تحرك الجنين في بطنها إذا أراد الخروج.","vol":"4","page":303},{"text":"وقوله: ﴿قَالتْ يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا  (٢٣)﴾ تمنت أن تكون قد ماتت قبل ذلك ولم تكن شيئًا يذكر. فإذا عرفت معنى هاتين الآيتين، فاعلم أنه هنا لم يبين كيفية حملها به، ولم يبين هل هذا الذي تنحت عنهم من أجله، وتمنت من أجله أن تكون ماتت قبل ذلك، وكانت نسيًا منسيًّا، وهو خوفها من أن يتهموها بالزنى، وأنها جاءت بذلك الغلام من زنى وقعت فيه أو سلمت منه. ولكنه تعالى بين كل ذلك في غير هذا الموضع، فأشار إلى أن كيفية حملها أنه نفخ فيها فوصل النفخ إلى فرجها فوقع الحمل بسبب ذلك، كما قال: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا﴾ وقال: ﴿الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا ..﴾ الآية. والذي عليه الجمهور من العلماء: أن المراد بذلك النفخ نفخ جبريل فيها بإذن الله فحملت، كما تدل لذلك قراءة الجمهور في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا  (١٩)﴾ كما تقدم. ولا ينافي ذلك إسناد الله جل وعلا النفخ المذكور لنفسه في قوله: ﴿فَنَفَخْنَا﴾؛ لأن جبريل إنما أوقعه بإذنه وأمره ومشيئته، وهو تعالى الذي خلق الحمل من ذلك النفخ؛ فجبريل لا قدرة له على أن يخلق الحمل من ذلك النفخ بل من  (^١)  أجل كونه بإذنه ومشيئته وأمره تعالى، ولا يمكن أن يقع النفخ المذكور ولا وجود الحمل منه إلا بمشيئته جل وعلا -أسنده إلى نفسه- والله تعالى أعلم.\nوقول من قال: إن فرجها الذي نفخ فيه الملك هو جيب\n_________\n(^١)  المطبوعة: \"وهن\".","vol":"4","page":304},{"text":"درعها؛ ظاهر السقوط، بل النفخ الواقع في جيب الدرع وصل إلى الفرج المعروف فوقع الحمل.\nوقد بين تعالى في مواضع أخر، أن ذلك الذي خافت منه وهو قذفهم لها بالفاحشة؛ قد وقعت فيه، ولكن الله برأها، وذلك كقوله عنهم: ﴿قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون الفاحشة، وقوله عنهم: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ يعنون فكيف فجرت أنت وجئت بهذا الولد؟ وكقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾.\nوقوله: ﴿مَكَانًا قَصِيًّا﴾ القصي: البعيد، ومنه قول الراجز:\nلتقعدن مقعد القصيّ ... مني ذي القاذورة المقليّ\nأو تحلفي بربك العلي ... أني أبو ذيالك الصبيّ\nوهذا المكان القصي قد وصفه الله تعالى في غير هذا الموضع بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾؛ وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: انتبذت وهو في بطنها. والإشارة في قوله: (هذا) إلى الحمل والمخاض الذي أصابها للوضع.\nوقوله في هذه الآية الكريمة عنها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾ النَّسْي والنِّسْي -بالكسر والفتح-: هو ما من حقه أن يطرح وينسى لحقارته؛ كخرق الحيض، وكالوتد والعصا، ونحو ذلك. ومن كلام العرب إذا ارتحلوا عن الدار قولهم: \"انظروا أنساءكم\" جمع نَسْي، أي الأشياء الحقيرة التي من شأنها أن تترك وتنسى كالعصا","vol":"4","page":305},{"text":"والوتد؛ ونحو ذلك. فقولها: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ أي شيئًا تافهًا حقيرًا من حقه أن يترك وينسى عادة. وقولها: ﴿مَنْسِيًّا (٢٣)﴾ تعني أن ذلك الشيء التافه الذي من عادته أن يترك ويُنسى قد نُسِي وطُرِح بالفعل فوجد فيه النسيان الذي هو حقه. وأقوال المفسرين في الآية راجعة إلى ما ذكرنا، ومن إطلاق النسي على ما ذكرنا قول الكميت:\nأتجعلنا جسرًا لكلب قضاعة ... ولست بنسي في معدٍّ ولا دَخْل\nفقوله \"بنسي\" أي شيء تافه منسي، وقول الشنفرى:\nكان لها في الأرض نسيًا تقصّه ... على أمها وإن تُحَدْثك تَبْلَت\nفقوله: \"نسيًا\" أي شيء تركته ونسيته، وقوله: \"تبلت\" بفتح التاء وسكون الباء الموحدة وفتح اللام بعدها تاء التأنيث. أي تقطع كلامها من الحياء. والبلت في اللغة: القطع. وقرأ نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿يَاليتَنِي مِتُّ﴾ بكسر الميم. وقرأ الباقون (مُتُّ) بضم الميم. وقرأ حفص عن عاصم وحمزة: ﴿وَكُنْتُ نَسْيًا﴾ بفتح النون. والباقون بكسرها، وهما لغتان فصيحتان، وقراءتان صحيحتان.\nتنبيه\nقراءة (مِتُّ) بكسر الميم كثيرًا ما يخفى على طلبة العلم وجهها؛ لأن لغة \"مات يموت\" لا يصح منها \"مِتّ\" بكسر الميم. ووجه القراءة بكسر الميم أنه من \"مات يمات\"، كخاف يخاف؛ لا من \"مات يموت\"؛ كقال يقول. فلفظ \"مات\" فيها لغتان عربيتان فصيحتان؛ الأولى منهما: \"مَوَت\" بفتح الواو فأبدلت الواو ألفًا على","vol":"4","page":306},{"text":"القاعدة التصريفية المشار لها بقوله في الخلاصة:\nمن ياءٍ أو واو بتحريكٍ أَصُل ... ألفًا أبدل بعد فتحٍ مُتَّصل\nإن حُرِّك التالي ........ ... .................... إلخ\nومضارع هذه المفتوحة \"يموت\" بالضم على القياس، وفي هذه ونحوها إن أسند الفعل إلى تاء الفاعل أو نونه سقطت العين بالاعتلال وحُرِّكت الفاء بحركة تناسب العين، والحركة المناسبة للواو هي الضمة، فتقول \"مُت\" بضم الميم، ولا يجوز غير ذلك.\nالثانية أنها \"مَوِت\" بكسر الواو، أبدلت الواو ألفًا للقاعدة المذكورة آنفًا. ومضارع هذه \"يمات\" بالفتح؛ لأن \"فَعِل\" بكسر العين ينقاس في مضارعها \"يَفْعَل\" بفتح العين، كما قال ابن مالك في اللامية:\n\n• وافتح موضع الكسر في المبنيِّ من فَعِلا*\nويستثنى من هذه القاعدة كلمات معروفة سماعية تحفظ ولا يقاس عليها. والمقرر في فن الصرف: أن كل فعل ثلاثي أجوف -أعني معتل العين- إذا كان على وزن \"فَعِل\" بكسر العين، أو \"فَعُل\" بضمها فإنه إذا أسند إلى تاء الفاعل أو نونه تسقط عينه بالاعتلال وتنقل حركة عينه الساقطة بالاعتلال إلى الفاء فتكسر فاؤه إن كان من \"فَعِل\" بكسر العين، وتضم إن كان من \"فَعُل\" بضمها. مثال الأول: \"مِتّ\" من مات يمات؛ لأن أصلها \"مَوت\" بالكسر وكذلك خاف يخاف، ونام ينام، فإنك تقول فيها: \"مِت\" بكسر الميم، و\"نمت\" بكسر النون، \"وخفت\" بكسر الخاء؛ لأن حركة","vol":"4","page":307},{"text":"العين نقلت إلى الفاء وهي الكسرة، ومثاله في الضم \"طال\" فأصلها \"طول\" بضم الواو فتقول فيها \"طلت\" بالضم لنقل حركة العين إلى الفاء. أما إذا كان الثلاثي من \"فَعَل\" بفتح العين كمات يموت، وقال يقول، فإن العين تسقط بالاعتلال وتحرك الفاء بحركة مناسبة للعين الساقطة فيُضم الفاء إن كانت العين الساقطة واوًا كمات يموت، وقال يقول، فتقول: مُت وقُلت -بالضم- وتكسر الفاء إن كانت العين الساقطة ياء، كباع وسار، فتقول: بِعت وسِرت -بالكسر فيهما- وإلى هذا أشار ابن مالك في اللامية بقوله:\nوانقل لفاء الثلاثيِّ شكل عينٍ إذا اعْـ ... ـتلَّت وكان بتا الإضمار متصلا\nأو نوْنِه وإذا فتحًا يكون فمنـ ... ـه اعتض مجانسَ تلك العين منتقِلا\nواعلم أن \"مات يمات\"، من \"فَعِل\" -بالكسر- يَفْعَل -بالفتح- لغة فصيحة. ومنها قول الراجز:\nبنيتي سيدة البنات ... عيشي ولا نأمن أن تما\nوأما \"مات يميت\" فهي لغة ضعيفة. وقد أشار إلى اللغات الثلاث الفصيحتين والردية بعض أدباء قُطر شنقيط في بيت رجز هو قوله:\nمِن مَنَعَت زوجتُه منه المبيت ... مات يموت ويمات ويميت\nوأقوال العلماء في قدر المدة التي حملت فيها مريم بعيسى قبل الوضع لم نذكرها، لعدم دليل على شيء منها. وأظهرها: أنه حمل كعادة حمل النساء وإن كان منشؤه خارقًا للعادة، والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":308},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-891> قوله تعالى: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾</span>.\nاعلم أولًا: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين: قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بكسر الميم على أن ﴿مِنْ﴾ حرف جر، وخفض تاء ﴿تَحْتِهَا﴾؛ لأن الظرف مجرور بـ ﴿مِنْ﴾. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم، (فناداها مَنْ تَحْتَها) بفتح ميم (مَن) على أنه اسم موصول هو فاعل نادى، أي ناداها الذي تحتها. وفتح (تَحْتَها)، فعلى القراءة الأولى ففاعل النداء ضمير محذوف. وعلى الثانية فالفاعل الاسم الموصول الذي هو (مَن).\nوإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء مختلفون في هذا المنادى الذي ناداها، المعبَّرُ عنه في إحدى القراءتين بالضمير، وفي الثانية بالاسم الموصول من هو؟ فقال بعض العلماء: هو عيسى. وقال بعض العلماء: هو جبريل. وممن قال: إن الذي نادى مريم هو جبريل: ابن عباس، وعَمْرو بن ميمون الأودي، والضحاك، وقتادة، والسدي، وسعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه. وأهل هذا القول قالوا: لم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها.\nوممن قال: إن الذي ناداها هو عيسى عندما وضعته: أُبيٌّ، ومجاهد، والحسن، ووهب بن منبه، وسعيد بن جبير في الرواية الأخرى عنه، وابن زيد.\nفإذا علمت ذلك فاعلم أن من قال: إنه الملك يقول: فناداها جبريل من مكان تحتها؛ لأنها على ربوة مرتفعة، وقد ناداها من","vol":"4","page":309},{"text":"مكان منخفض عنها. وبعض أهل هذا القول يقول: كان جبريل تحتها يقبل الولد كما تقبله القابلة. والظاهر الأول على هذا القول. وعلى قراءة (فناداها مَنْ تَحْتَها) بفتح الميم وتاء (تَحْتَها) عند أهل هذا القول. فالمعنى: فناداها الذي هو تحتها، أي: في مكان أسفل مكانها، أو تحتها يقبل الولد كما تقبل القابلة، مع ضعف الاحتمال الأخير كما قدمنا، أي: وهو جبريل، فعلى القراءة الأولى على هذا القول ﴿فَنَادَاهَا﴾ هو أي جبريل من تحتها. وعلى القراءة الثانية (فناداها مَنْ تَحْتَها) أي: الذي تحتها وهو جبريل. وأما على القول بأن المنادى هو عيسى، فالمعنى على القراءة الأولى: فناداها هو أي المولود الذي وضعته من تحتها؛ لأنه كان تحتها عند الوضع. وعلى القراءة الثانية: (فناداها مَنْ تَحْتَها) أي الذي تحتها وهو المولود المذكور الكائن تحتها عند الوضع. وممن اختار أن الذي ناداها هو عيسى: ابن جرير الطبري في تفسيره، واستظهره أبو حيان في البحر، واستظهر القرطبيُّ أنه جبريل.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر القولين عندي أن الذي ناداها هو ابنها عيسى، وتدل على ذلك قرينتان:\nالأولى: أن الضمير يرجع إلى أقرب مذكور إلا بدليل صارف عن ذلك يجب الرجوع إليه، وأقرب مذكور في الآية هو عيسى لا جبريل؛ لأن الله قال: ﴿فَحَمَلَتْهُ﴾ يعني عيسى ﴿فَانْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي بعيسى. ثم قال بعده: ﴿فَنَادَاهَا﴾ فالذي يظهر ويتبادر من السياق أنه عيسى.\nوالقرينة الثانية: أنها لما جاءت به قومها تحمله، وقالوا لها","vol":"4","page":310},{"text":"ما قالوا، أشارت إلى عيسى ليكلموه؛ كما قال تعالى عنها: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته. وبهذه القرينة الأخيرة استدل سعيد بن جبير في إحدى الروايتين عنه على أنه عيسى؛ كما نقله عنه غير واحد. و\"أن\" في قوله: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي﴾ هي المفسرة، فهي بمعنى: أي. وضابط \"أن\" المفسرة أن يتقدمها معنى القول دون حروفه كما هنا. فالنداء فيه بمعنى القول دون حروفه ومعنى كونها مفسرة: أن الكلام الذي بعدها هو معنى ما قبلها؛ فالنداء المذكور قبلها هو: لا تحزني قد جعل ربك تحتك سريًّا.\nواختلف العلماء في المراد بالسري هنا. فقال بعض العلماء: هو الجدول وهو النهر الصغير؛ لأن الله أجرى لها تحتها نهرًا؛ وعليه فقوله تعالى: ﴿فَكُلِي﴾ أي: من الرطب المذكور في قوله: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾، ﴿وَاشْرَبِي﴾ أي: من النهر المذكور في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ وإطلاق السريّ على الجدول مشهور في كلام العرب؛ ومنه قول لبيد في معلقته:\nفتوسَّطا عُرْض السَّريِّ وصدَّعا ... مسجورة متجاورًا قُلّامها\nوقول لبيد أيضًا يصف نخلًا نابتًا على ماء النهر:\nسُحُق يُمَتِّعها الصفا وسَرِيُّه ... عُمٌّ نواعمُ بينهنَّ كرومُ\nوقول الآخر:\nسهلُ الخليقة ماجدٌ ذو نائلٍ ... مثل السَّرِيِّ تمدُّه الأنهار","vol":"4","page":311},{"text":"فقوله \"سريه\"؛ وقولهما: \"السريّ\" بمعنى الجدول. وكذلك قول الراجز:\nسَلْم ترى الداليَّ منه أزْوَرا ... إذا يعبُّ في السريّ هرهرا\nوقال بعض أهل العلم: السريّ هو عيسى. والسريّ هو الرجل الذي له شرف ومروءة؛ يقال: في فعله سُروّ بالضم. وسَرَا -بالفتح- يسرو سَرْوا فيهما. وسَرِيَ -بالكسر- يَسْرَى سرًى وسراءً وسَرْوا إذا شَرُف. ويُجمع \"السري\" هذا على \"أسرياء\" على القياس، وسُرَواء وسَرَاة بالفتح. وعن سيبويه أن السَّرَاة -بالفتح- اسم جمع لا جمع؛ ومنه قول الأفوه الأودي:\nلا يصلح الناس فوضى لا سَرَاة لهم ... ولا سَرَاة إذا جُهالهم سادوا\nويُجمع السراة على سروات؛ ومنه قول قيس بن الحطيم:\nوعمرة من سروات النساء ... تنفح بالمسك أردانها\nومن إطلاق السَّرِيّ بمعنى الشريف قول الشاعر:\nتلقى السَّرِيّ من الرجال بنفسه ... وابن السَّري إذا سرا أسراهما\nوقوله: \"أسراهما\" أي: أشرفهما؛ قاله في اللسان.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر القولين عندي أن السَّريَّ في الآية النهر الصغير، والدليل على ذلك أمران:\nأحدهما: القرينة من القرآن، فقوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي﴾ قرينة على أن ذلك المأكول والمشروب هو ما تقدم الامتنان به في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾، وقوله: ﴿تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا","vol":"4","page":312},{"text":"جَنِيًّا (٢٥)﴾، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَآوَينَاهُمَا إِلَى رَبْوَةٍ ذَاتِ قَرَارٍ وَمَعِينٍ (٥٠)﴾ لأن المعين: الماء الجاري. والظاهر أنه الجدول المعبر عنه بالسَّرِي في هذه الآية. والله تعالى أعلم.\nالأمر الثاني: حديث جاء بذلك عن النبي - ﷺ -. قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقد جاء بذلك حديث مرفوع، قال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحراني، حدثنا يحيى بن عبد الله البابْلُتِّي، حدثنا أيوب بن نهيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس، سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن السَّرِيّ الذي قال الله لمريم: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾، نهر أخرجه الله لها لتشرب منه\" وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحلبي، قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زرعة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. انتهى كلام ابن كثير.\nوقال ابن حجر ﵀ في \"الكافِ الشافِ، في تخريج أحاديث الكشاف\" في الحديث المذكور: أخرجه الطبراني في الصغير، وابن عدي من رواية أبي سنان سعيد بن سنان، عن أبي إسحاق، عن البراء عن النبي - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤)﴾ قال: \"السريّ: النهر\". قال الطبراني: لم يرفعه عن أبي إسحاق إلا أبو سنان، رواه عنه يحيى بن معاوية وهو ضعيف. وأخرجه عبد الرزاق، عن الثوري، عن أبي إسحاق عن البراء موقوفًا. وكذا ذكره البخاري تعليقًا عن وكيع، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق. ورواه ابن مردويه من طريق آدم، عن إسرائيل كذلك، وأخرجه الحاكم من وجه آخر عن أبي إسحاق موقوفًا. وفي الباب","vol":"4","page":313},{"text":"عن ابن عمر رصي الله عنهما قال: \"إن السَّريَّ الذي قاله لمريم نهرٌ أخرجه الله لتشرب منه\". أخرجه الطبراني وأبو نعيم في الحلية في ترجمة عكرمة عن ابن عمر، وراويه عن عكرمة أيوب بن نهيك ضعفه أبو حاتم وأبو زرعة. انتهى.\nفهذا الحديث المرفوع إلى النبي - ﷺ - وإن كانت طرقه لا يخلو شيء منها من ضعف؛ أقرب إلى الصواب من دعوى أن السَّرِي عيسى بغير دليل يجبُ الرجوع إليه. وممن اختار أن السَّرِيّ المذكور في الآية النهر: ابنُ جرير في تفسيره، وبه قال البراء بن عازب، وعلي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والضحاك، وإبراهيم النخعي، وقتادة، والسُّدِّي، ووهب بن منبه وغيرهم. وممن قال: إنه عيسى: الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عباد بن جعفر؛ وهو إحدى الروايتين عن قتادة. وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، قاله ابن كثير وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-892> قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾</span>.\nلم يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو \"الرطب الجني\" المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه \"بالسَّرِيّ\" كما تقدم. هذا هو الظاهر.\nوقال بعض العلماء: إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به","vol":"4","page":314},{"text":"كان جذعًا يابسًا؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جنيّ. وقال بعض العلماء: كان الجذع جذع نخلة نابتة إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطبًا جنيًّا. وقال بعض العلماء: كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجودًا. والذي يفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابسًا أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطبًا جنيًّا. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾ يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الريبة، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسيًا منسيًّا، لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا في \"آل عمران\" على خرقه لها العادة في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في سورة \"آل عمران\".","vol":"4","page":315},{"text":"مسألة\nأخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ ..﴾ الآية. أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعًا، وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا. وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة، أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعًا لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلُّفَ تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف.\nومن أصرح الأدلة في ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) ..﴾ الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادًا من حرها في الوقت الذي هي فيه كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا.\nومن أوضح الأدلة في ذلك: أنه ربما جعل الشيء سببًا لشيء آخر مع أنه مناف له؛ كجعله ضرب مَيِّت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببًا لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ وذلك يوضح أنه","vol":"4","page":316},{"text":"جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جل وعلا.\nومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله: قوله تعالى عن يعقوب: ﴿وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به؛ لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلًا أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين، فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيًا للسبب في السلامة من إصابة العين؛ كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: ﴿وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وبين التوكل على الله في قوله: ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك:\nألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يسَّاقط الرطب\nولو شاء أن تجنيه من غير هزه ... جنته ولكن كل شيء له سبب\nوقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن خير ما تطعمه النفساء الرطب. قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من","vol":"4","page":317},{"text":"الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن خثيم وغيره. والباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مزيدة للتوكيد؛ لأن فعل الهز يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لأن المتبادر من اللغة أن الأصل: وهزي إليك جذع النخلة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ ..﴾ الآية. وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) ..﴾ الآية، وقوله: (تُنْبت بِالدُّهْنِ) على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي؛ لأن الرباعي الذي هو أنبت يُنْبِت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nإذ يسقون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون خبزًا فطيرا\nلأن الأصل: يسقون الدقيق، فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي:\nهن الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المعاجر لا يقرأن بالسور\nفالأصل: لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره:\nبواد يمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان\nفالأصل: وأسفله المرخ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت","vol":"4","page":318},{"text":"الباء لما ذكر. وقول الأعشى:\nضمنت برزق عيالنا أرماحنا ... ملء المراجل والصريح الأجردا\nفالأصل: ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز:\nنحو بنو جعدة أصحاب الفَلَج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج\nأي: نرجو الفرج. وقول امرئ القيس:\nفلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميَّال\nفالأصل: هصرت غصنا؛ لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب.\nوفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تُسَاقِطْ﴾ تسع قراءات، ثلاث منها سبعية. وست شاذة. أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة (تَسَاقَط) بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، أصله: تتساقط؛ فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ هو تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، مضارع ساقطت تُساقط. وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ مفعول به للفعل الذي هو ﴿تُسَاقِطْ﴾ هي أي النخلة رطبًا. وقرأه بقية السبعة: (تَسَّاقَط) بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله: تتساقط؛ فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة؛ وغير هذا من القراءات شاذ.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ الجنيّ: هو","vol":"4","page":319},{"text":"ما طاب وصلح لأن يجنى فيؤكل. وعن أبي عمرو بن العلاء: أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن يدي متناوله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-893> قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾</span>.\nقائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه؛ هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ ...﴾ الآية. أنه قول باللسان. واستدل من قال: إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيًّا، فإذا قالت لإنسي بلسانها: إني نذرت للرحمن صومًا، فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير ﵀، قال في تفسير هذه الآية: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾: المراد بهذا القول الإشارة إليه لذلك، لا أن المراد القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ بعد قولي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فقد رأيت كلام العلماء في الآية، وأن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق،","vol":"4","page":320},{"text":"وأن الثاني يدل عليه قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقًا. قال أبو حيان في البحر: وقوله ﴿إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله: ﴿إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائنًا من كان.\nمسألة\nاعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام؛ لأنها في هذه الآية سميت قولًا على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيرًا إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله:\nإذا كلَّمَتني بالعيون الفواتر ... رددتُ عليها بالدموع البوادر\nوسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المُفْهِمة تنزَّل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال العلماء في ذلك.\nاعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك. فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام: قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله - ﷺ -: \"أين الله\"؟ فأشارت إلى السماء. فقال - ﷺ -: \"اعتقها فإنها","vol":"4","page":321},{"text":"مؤمنة\" فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يُعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار. والقصة مشهورة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي ﵃. وفي بعض رواياتهم: أنهم أشارت إلى السماء.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي - ﷺ - بجارية سوداء فقال: يا رسول الله، إن عليَّ رقبة مؤمنة؟ فقال لها: \"أين الله\"؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها: \"فمن أنا\"؟ فأشارت إلى النبي - ﷺ - وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال: \"أعتقها فإنها مؤمنة\". والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها: أين الله قالت: في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة؛ لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضًا.\nوقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة \"آل عمران\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ ما نصه: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي - ﷺ - من أمر السوداء حين قال لها: \"أين الله\"؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: \"اعتقها فإنها مؤمنة\"، فأجاز الإسلام","vol":"4","page":322},{"text":"بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز به الدم والمال، وتُستحق به الجنة، ويُنجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ابن القاسم عن مالك: أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف. وإن شك فيها فهذا باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي ﵀.\nوقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء متعددة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله - ﷺ - ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: \"الشهر هكذا وهكذا وهكذا -ثم عقد إبهامه في الثالثة- فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغميَ عليكم فاقدروا له ثلاثين\" هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في أنه - ﷺ - نزل إشارته بأصابعه -إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وقد يكون ثلاثين- منزلة نطقه بذلك. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا أورده البخاري في باب (اللعان) مستدلًا به على أن الإشارة كاللفظ. وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه أحاديث كثيرة تدل على جعل الإشارة كالنطق، قال رحمه الله تعالى: (باب الإشارة في الطلاق","vol":"4","page":323},{"text":"والأمور) وقال ابن عمر: قال النبي - ﷺ -: \"لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا\" فأشار إلى لسانه، وقال كعب بن مالك: أشار النبي - ﷺ - إليَّ: أن خذ النصف. وقالت أسماء: صلى النبي - ﷺ - في الكسوف؛ فقلت لعائشة: ما شأن الناس -وهي تصلي؟ - فأومأت برأسها إلى الشمس. فقلت: آية؟ فأومأت برأسها: أن نعم. وقال أنس: أومأ النبي - ﷺ - بيده إلى أبي بكر: أن يتقدم. وقال ابن عباس: أومأ النبي - ﷺ - بيده: لا حرج. وقال أبو قتادة: قال النبي - ﷺ - في الصيد للمحرم: \"أحدٌ منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ \" قالوا: لا. قال: \"فكلوا\".\nحدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله - ﷺ - على بعير، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. وقالت زينب: قال رسول الله - ﷺ -: \"فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه\" وعقد تسعين. حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم - ﷺ -: \"في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه\" وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر قلنا: يزهدها. وقال الأويسي: حدثنا إبراهيم بن سعد عن شعبة بن الحجاج عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك قال: عدا يهودي في عهد رسول الله - ﷺ - على جارية فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها؛ فأتى بها أهلها رسول الله - ﷺ - وهي في آخر رمق وقد أُصْمِتت. فقال لها رسول الله - ﷺ -: \"من قتلك؟ فلان\" -لغير الذي","vol":"4","page":324},{"text":"قتلها- فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال: \"ففلان؟ \" لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا. فقال: \"فلان\"؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم. فأمر به رسول الله - ﷺ - فرُضِخَ رأسه بين حجرين. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"الفتنة من هاهنا\" وأشار إلى المشرق. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا في سفر مع رسول الله - ﷺ -، فلما غربت الشمس قال لرجل: \"أنزل فاجدح لي\"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ ثم قال: \"أنزل فاجدح لي\"، قال: يا رسول الله لو أمسيت إن عليك نهارا، ثم قال: \"أنزل فاجدح\" فنزل فجدح له في الثالثة، فشرب رسول الله - ﷺ -، ثم أومأ بيده إلى المشرق فقال: \"إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم\". حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: \"لا يمنعن أحدًا منكم نداء بلال -أو قال أذانه- من سحوره، فإنما ينادي -أو قال يؤذن- ليرجع قائمكم\" وليس أن يقول -كأنه يعني الصبح أو الفجر- وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما من الأخرى. وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق شيئًا إلا مادَّت على جلده حتى تُجِنُّ بنانَه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، فهو يوسعها فلا تتسع\" ويشير بأصبعه إلى","vol":"4","page":325},{"text":"حلقه. انتهى من صحيح البخاري.\nفهذه أحاديث دالة على قيام الإشارة مقام النطق في أمور متعددة. وقال ابن حجر في الفتح في هذا الباب: ذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة؛ أولها: قوله: وقال ابن عمر، هو طرف من حديث تقدم موصولًا في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة، وفيها: \"ولكن الله يعذب بهذا\" وأشار إلى لسانه.\nثانيها: وقال كعب بن مالك، هو أيضًا طرف من حديث تقدم موصولًا في الملازمة، وفيها: وأشار إليَّ أن خذ النصف. ثالثها: وقالت أسماء هي بنت أبي بكر، صلى نبي الله - ﷺ - في الكسوف، الحديث تقدم موصولًا في كتاب الإيمان بلفظ: فأشارت إلى السماء. وفيه: فأشارت برأسها أي نعم. وفي صلاة الكسوف بمعناه. وفي صلاة السهو باختصار. إلى آخر كلامه.\nوبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها موصولًا في الباب المذكور فأمره واضح. وأما ما جاء منها معلقًا في الباب المذكور فقد جاءه موصولًا في محل آخر من البخاري.\nوالحديث الأول: دل على أن النبي - ﷺ - جعل إشارته إلى اللسان أن الله يعذب به كنطقه بذلك.\nوالحديث الثاني: جعل فيه النبي - ﷺ - إشارته إلى كعب بن مالك أن يسقط نصف ديته عن ابن أبي حَدْرد ويأخذ النصف الباقي منه، كنطقه بذلك.","vol":"4","page":326},{"text":"والحديث الثالث: جعلت فيه عائشة إشارتها لأختها أن الكسوف آية من آيات الله هي السبب في صلاة النبي - ﷺ -، كنطقها بذلك.\nوالحديث الرابع: جعل فيه النبي - ﷺ - إشارته إلى أبي بكر ﵁ أن يتقدم، كنطقه له بذلك. وإيضاح ذلك هو ما رواه البخاري عن أنس في باب (أهل العلم والفضل أحق بالإمامة).\nقال أنس: لم يخرج النبي - ﷺ - ثلاثًا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم. فقال نبي الله - ﷺ - بالحجاب فرفعه، فلما وضح وجه النبي - ﷺ - ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي - ﷺ - حين وضح لنا؛ فأومأ النبي - ﷺ - بيده إلى أبي بكر أن يتقدم؛ وأرخى النبي - ﷺ - الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات اهـ. هذا لفظ البخاري. وقد جعل النبي - ﷺ - في هذا الحديث في مرض موته وقبل وفاته - ﷺ - بقليل إشارته إلى أبي بكر أن يتقدم ليصلي بالناس كنطقه له بذلك؛ لأن أبا بكر ﵁ لما رأى النبي - ﷺ - كشف الحجاب نكص على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي - ﷺ - خارج إلى الصلاة كما ثبت في صحيح البخاري في الباب المذكور آنفًا من حديث أنس، فأشار إليه أن يتقدم، وقامت الإشارة مقام النطق.\nوالحديث الخامس: جعل فيه النبي - ﷺ - الفتيا بإشارة اليد كالفتيا بالنطق. وإيضاحه هو ما رواه البخاري في كتاب العلم (في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب، قال حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي - ﷺ - سئل في حجته فقال: \"ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ","vol":"4","page":327},{"text":"بيده قال: ولا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده ولا حرج\". ومن أمثلة الفتيا بإشارة اليد ما رواه البخاري في هذا الباب المذكور آنفًا من حديث أبي هريرة عن النبي - ﷺ - قال: \"يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج\" قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل اهـ فجعل - ﷺ - إشارته بيده كنطقه: بأن المراد بالهرج القتل.\nوالحديث السادس: جعل النبي - ﷺ - إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المُحِل كأمره له باصطياده بالنطق. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة \"المائدة\".\nوالحديث السابع: جعل فيه النبي - ﷺ - الإشارة إلى الركن في طوافه كاستلامه وتقبيله بالفعل.\nوالحديث الثامن: جعل فيه النبي - ﷺ - إشارته بأصابعه كعقد التسعين؛ لبيان القدر الذي فتح من ردم يأجوج ومأجوج، كالنطق بذلك.\nوالحديث التاسع: فيه أنه جعل وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر؛ مشيرًا بذلك لقلة زمن الساعة التي يجاب فيها الدعاء بالخير يوم الجمعة. أو مشيرا بذلك لوقتها عند من قال: إن وضع الأنملة في وسط الكف يراد به الإشارة إلى أن ساعة الجمعة في وسط يوم الجمعة. ووضعها على الخنصر يراد به أنها في آخر النهار؛ لأن الخنصر آخر أصابع الكف كالنطق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم؛ أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم","vol":"4","page":328},{"text":"في إسناد الحديث. وعليه ففي سياق هذا الحديث عند البخاري إدراج.\nوالحديث العاشر: جعل فيه النبي - ﷺ - إشارة الجارية التي قتلها اليهودي كنطقها بأن اليهودي قتلها، وأن من سمى لها غيره لم يكن هو الذي قتلها. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة \"بني إسرائيل\" وبينا هنالك أن النبي - ﷺ - وإن كان جعل إشارة الجارية كنطقها لم يقتل اليهودي بإشارة الجارية القائمة مقام نطقها بمن قتلها، ولكنه اعترف بأنه قتلها فثبت عليه القتل باعترافه واقتص لها منه بذلك.\nوالحديث الحادي عشر: فيه أن النبي - ﷺ - قال: \"الفتنة من هنا\" وأشار إلى المشرق، فجعل إشارته إلى المشرق كنطقه بذلك.\nوالحديث الثاني عشر: فيه أنه - ﷺ - أومأ بيده إلى المشرق فقال: \"إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم\" فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق.\nوالحديث الثالث عشر: جعل فيه الإشارة باليد إلى الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق بذلك.\nوالحديث الرابع عشر: قال فيه  - ﷺ -: \"فهو يوسعها ولا تتسع\" ويشير بأصبعه إلى حلقه، فجعل إشارته إلى أن درع الحديد المضروب بها المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه، كالنطق بذلك.\nفهذه أربعة عشر حديثًا أوردها البخاري ﵀ في الباب","vol":"4","page":329},{"text":"المذكور، وسقناها هنا، وبينا وجه الدلالة على أن الإشارة كالنطق في كل واحد منها، مع ما قدمنا من الأحاديث الدالة على ذلك زيادة على ما ذكره البخاري هنا.\nوقد ذكر البخاري ﵀ في أول باب (اللعان) خمسة أحاديث أيضًا كل واحد منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا كفاية.\nوقال ابن حجر في الفتح في آخر كلامه على أحاديث الباب المذكورة؛ قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة النطق. وخالف الحنفية في بعض ذلك. ولعل البخاري رد عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي - ﷺ - الإشارة قائمة مقام النطق. وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز.\nوقال ابن المنير: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اهـ. ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه، مع من فَرق بين لعان الأخرس وطلاقه، والله أعلم.\nفهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن الإشارة المُفْهِمة تقوم مقام اللفظ.\nواحتج من قال: بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها:","vol":"4","page":330},{"text":"﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ فإن في هذه الآية التصريح بنذرها الإمساك عن كلام كل إنسي، مع أنه تعالى قال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ أي أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر فهذه إشارة مفهمة، وقد فهمها قومها فأجابوها جوابًا مطابقًا لفهمهم ما أشارت به: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم إنسيًّا. فالآية صريحة في أن الكلام باللفظ يخل بنذرها، وأن الإشارة ليست كذلك، فقد جاء الفرق صريحًا في القرآن بين اللفظ والإشارة، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ فإن الله جعل له آية على ما بشر به وهي منعه من الكلام، مع أنه لم يمنع من الإشارة بدليل قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا ...﴾ الآية. فدل ذلك على أن الإشارة ليست كالكلام. والآية الأولى أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ، لأن الآية الثانية محتملة لكون الإشارة كالكلام، لأن استثناءه تعالى قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾ من قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال. والله تعالى أعلم.\nفإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة، هل هي كاللفظ أو لا؛ فاعلم أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة، هل تنزل منزلة اللفظ أو لا؟ وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى جملًا من أقوال أهل العلم في ذلك، وما يظهر رجحانه بالدليل.\nقال ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري في آخر \"باب","vol":"4","page":331},{"text":"الإشارة في الطلاق والأمور\" ما نصه: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة؛ فأما في حقوق الله فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك، فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه، ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسًا من نطقه. وعن بعض الحنابلة: إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي. وعن الأوزاعي: إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول: إن قال: فلان حر ثم أُصْمِت، فقيل له: وفلان؟ فأومأ صح. وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم منه مقام النية، كما لو طلق امرأته فقيل له: كم طلقة؟ فأشار بأصبعه. انتهى منه.\nوقال البخاري في أول (باب اللعان) ما نصه: فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم؛ لأن النبي - ﷺ - قد أجاز الإشارة في الفرائض. وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم، وقال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾. وقال الضحاك: ﴿إلا رَمْزًا﴾ إشارة. وقال بعض الناس: لا حد ولا لعان. ثم زعم أنه إن طلق بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز، وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام. قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق. وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة: إذا قال أنت طالق -فأشار بأصابعه- تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه. وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز. انتهى محل الغرض من كلام البخاري ﵀.","vol":"4","page":332},{"text":"ومذاهب الأئمة الأربعة متقاربة في هذه المسألة، وبينهم اختلاف في بعض فروعها.\nفمذهب مالك ﵀: أن الإشارة المفهمة تقوم مقام النطق. قال خليل بن إسحاق في مختصره -الذي قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى، يعني في مذهب مالك-: \"الكلام على الصيغة التي يحصل بها الطلاق. ولزم بالإشارة المفهمة\". يعني أن الطلاق يلزم بالإشارة المفهمة مطلقًا من الأخرس والناطق. وقال شارحه المواق رحمه الله تعالى من المدونة: ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح. أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم. وروى الباجي إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه، لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ اهـ منه. ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب.\nومذهب أبي حنيفة ﵀: أن إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته، كإعتاقه وطلاقه، وبيعه وشرائه، ونحو ذلك. أما السليم فلا تقبل عنده إشارته لقدرته على النطق. وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيه حد ولا لعان؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وعدم التصريح شبهة عنده؛ لأن الإشارة قد تُفهم ما لا يقصد المشير. ولأن أيمان اللعان لها صِيَغ لابد منها ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده؛ لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان. وكذلك عنده القذف لا يصح من الأخرس؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات.","vol":"4","page":333},{"text":"وقال بعض العلماء من الحنفية: إن القياس منع اعتبار إشارة الأخرس؛ لأنها لا تفهم كالنطق في الجميع، وأنهم أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان، والقياس المنع مطلقًا.\nومذهب الشافعي في هذه المسألة: اعتبار إشارة الأخرس في اللعان وغيره، وعدم اعتبار إشارة السليم.\nوأما مذهب الإمام أحمد: فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس، كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي وأبو الخطاب: إن فهمت إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه. وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ذلك فالإشارة فيه كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم: فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه.\nهذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة. وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي رجحانه في المسألة: أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقًا، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة. فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها، وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي فيها الإشارة، والله جل وعلا أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾","vol":"4","page":334},{"text":"أي إمساكًا عن الكلام، في قول الجمهور. والصوم في اللغة: الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان:\nخيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما\nفقوله: \"خيل صيام\" أي: ممسكة عن الجري. وقيل: عن العلف، \"وخيل غير صائمة\" أي: غير ممسكة عما ذكر. وقول امرئ القيس:\nكأنَّ الثريا عُلِّقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صُمِّ جندل\nفقوله: \"في مصامها\" أي: مكان صومها، يعني إمساكها عن الحركة. وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية: أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل قوله بعده ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن حجر (في الفتح في باب اللعان). وقد ثبت من حديث أُبيّ بن كعب وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا. أخرجه الطبراني وغيره اهـ. وقال بعض العلماء: المراد بالصوم في الآية: هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيًّا كان جائزًا في شريعتهم. أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا - ﷺ - فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به. قال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس","vol":"4","page":335},{"text":"قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي - ﷺ -: \"مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه\" قال عبد الوهاب: حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي - ﷺ - اهـ.\nوقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث: وفي حديثه أن السكوت عن المباح ليس من طاعة الله، وقد أخرج أبو داود من حديث علي \"ولا صمت يوم إلى الليل\" وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق للمرأة: إن هذا -يعني الصمت- من فعل الجاهلية. وفيه: أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلًا مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس؛ ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر، فإنه - ﷺ - أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره. وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه. وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل. قال القرطبي: في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه، وقد قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله - ﷺ - أمره بالكفارة. انتهى كلام صاحب فتح الباري.\nوقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها: وقد نهى عن صوم الصمت. فقال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: لم أره هكذا. وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ: \"لا صمت يوم إلى الليل\" وفيه حرام بن عثمان وهو ضعيف. ولأبي داود من حديث علي مثله، وقد تقدم في","vol":"4","page":336},{"text":"تفسير سورة \"النساء\".\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ معناه: فإن تري من البشر أحدًا. فلفظة \"إما\" مركبة من \"إن\" الشرطية و\"ما\" المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل \"ترْأَيين\" على وزن تفعلين، تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا فصارت \"ترْآين\"، فحذفت الهمزة ونُقلت حركتها إلى الراء؛ لأن اللغة الفصحى التي هي الأغلب في كلام العرب حذف همزة \"رأى\" في المضارع والأمر، ونقل حركتها إلى الراء فصارت \"ترَاين\"، فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف، فصار \"تَرَين\"، ودخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي، والجازم الذي هو إن الشرطية؛ لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، فصار \"تَرَينَّ\"، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد المثقلة؛ لأن كل حرف مشدد فهو حرفان، فحركت الياء بحركة تناسبها وهي الكسرة فصارت \"تَرَيِنّ\"، كما أشار إلى هذا ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nواحْذِفْه من رافعِ هاتينِ وفي ... واوٍ ويا شَكْلٌ مجانِسٌ قُفِي\nنحو اخْشَين يا هندُ بالكسرِ ويا ... قومُ اخشَوْنْ وَاضْمُم وقِسْ مُسَوِّيا\nوما ذكرنا من أن همزة \"رأى\" تحذف في المضارع والأمر هو القياس المطرد في كلام العرب ولقاؤها على الأصل مسموع، ومنه قول سراقة بن مرداس البارقي الأصغر:\nأري عيني ما لم تَرْأياه ... كلانا عالم بالترهات","vol":"4","page":337},{"text":"وقول الأعلم بن جرادة السعدي، أو شاعر من تيم الرباب:\nألم تَرْأ ما لاقيت والدهر أعصر ... ومن يتملَّ العيش يَرْأَ ويسمع\nوقول الآخر:\nأحنُّ إذا رأيت جبالَ نجد ... ولا أرأى إلى نجد سبيلا\nونون التوكيد في العمل المضارع بعد \"إما\" لازمة عند بعض علماء العربية. وممن قال بلزومها بعد \"إما\" كقوله هنا: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: المبرد والزجاج. ومذهب سيبويه والفارسي وجماعة أن نون التوكيد في الفعل المضارع بعد \"إما\" غير لازمة، ويدل له كثرة وروده في شعر العرب، كقول الأعشى ميمون بن قيس:\nفإما تريني ولي لِمَّة ... فإن الحوادث أودى بها\nوقول لبيد بن ربيعة:\nفإما تريني اليوم أصبحت سالمًا ... فلست بأحيا من كلاب وجعفر\nوقول الشنفرى:\nفإما تريني كابنة الرمل ضاحيًا ... على رِقَّة أحفى ولا أتنعَّلُ\nوقول الأفوه الأودي:\nأما تري رأسي أزْرَى به ... مأس زمان ذي انتكاس مؤوسِ\nوقول الآخر:\nزعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدّد أبينوها الأصاغر خلتي","vol":"4","page":338},{"text":"وقول الآخر:\nيا صاح إما تجدني غير ذي جِدَة ... فما التخلي عن الخلان من شيمي\nوأمثال هذا كثيرة في شعر العرب. والمبرد والزجاج يقولان: إن حذف النون في الأبيات المذكورة ونحوها إنما هو لضرورة الشعر. ومن خالفهم كسيبويه والفارسي يمنعون كونه للضرورة، ويقولون: إنه جائز مطلقًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-894> قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧) يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾</span>.\nلما اطمأنت مريم بسبب ما رأت من الآيات الخارقة للعادة التي تقدم ذكرها آنفًا؛ أتت به (أي بعيسى) قومها تحمله غير محتشمة ولا مكترثة بما يقولون، فقالوا لها: ﴿يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾، قال مجاهد وقتادة وغير واحد: ﴿فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي: عظيمًا. وقال سعيد بن مسعدة: ﴿فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي: مختلقًا مفتعلًا. وقال أبو عبيدة والأخفش: ﴿فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي: عجيبًا نادرًا.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يفهم من الآيات القرآنية أن مرادهم بقولهم: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ أي: منكرًا عظيمًا؛ لأن الفريّ فعيل من الفرية، يعنون به الزنى؛ لأن ولد الزنى كالشيء المفترى المختلق؛ لأن الزانية تدعي إلحاقه بمن ليس أباه. ويدل على أن مرادهم بقولهم: ﴿فَرِيًّا (٢٧)﴾ الزنى قوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ لأن ذلك البهتان العظيم الذي هو ادعاؤهم أنها زنت، وجاءت بعيسى من ذلك الزنى","vol":"4","page":339},{"text":"-حاشاها وحاشاه من ذلك- هو المراد بقولهم لها: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾. ويدل لذلك قوله تعالى بعده: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾، والبغي: الزانية كما تقدم. يعنون كان أبواك عفيفين لا يفعلان الفاحشة، فما لك أنت ترتكبينها!! ومما يدل على أن ولد الزنى كالشيء المفترى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ قال بعض العلماء: معنى قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ بَينَ أَيدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ﴾ أي: ولا يأتين بولد زنى يقصدن إلحاقه برجل ليس أباه، هذا هو الظاهر الذي دل عليه القرآن في معنى الآية. وكل عمل أجاده عامله فقد فراه لغة، ومنه قول الراجز وهو زرارة بن صعب بن دهر:\nقد أطمعتني دقلًا حوليًّا ... مسوسًا مدودًا حجريًا\nقد كنت تفرين به الفريا\nيعني تعملين به العمل العظيم. والظاهر أنه يقصد أنها تأكله أكلًا لمًا عظيمًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس المراد به هارون بن عمران أخا موسى كما يظنه بعض الجهلة. وإنما هو رجل آخر صالح من بني إسرائيل يسمى هارون. والدليل على أنه ليس هارون أخا موسى ما رواه مسلم رحمه الله تعالى في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ومحمد بن عبد الله بن نمير، وأبو سعيد الأشج، ومحمد بن المثنى العنزي -واللفظ لابن نمير- قالوا: حدثنا ابن إدريس عن أبيه، عن سماك بن حرب، عن علقمة","vol":"4","page":340},{"text":"ابن وائل، عن المغيرة بن شعبة قال: لما قدمت نجران سألوني فقالوا: إنكم تقرءون ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وموسى قبل عيسى بكذا وكذا. فلما قدمت على رسول الله - ﷺ - سألته عن ذلك فقال: \"إنهم كانوا يسمون بأنبيائهم والصالحين قبلهم\" اهـ. هذا لفظ مسلم في الصحيح. وهو دليل على أنه رجل آخر غير هارون أخي موسى، ومعلوم أن هارون أخا موسى قبل مريم بزمن طويل. وقال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في قول الزمخشري: إنما عنوا هارون النبي ما نصه: لم أجده هكذا إلا عند الثعلبي بغير سند، ورواه الطبري عن السدي قوله وليس بصحيح؛ فإن عند مسلم والنسائي والترمذي عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني النبي - ﷺ - إلى نجران فقالوا لي: أرأيتم شيئًا يقرءونه ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ وبين موسى وعيسى ما شاء الله من السنين، فلم أدر ما أجيبهم؟ فقال لي النبي - ﷺ -: \"هلا أخبرتهم أنهم كانوا يسمون بأسماء أنبيائهم والصالحين من قبلهم\"، وروى الطبري من طريق ابن سيرين: نبئت أن كعبًا قال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾ ليس بهارون أخي موسى، فقالت له عائشة: كذبت؟ فقال لها: يا أم المؤمنين، إن كان النبي - ﷺ - قال فهو أعلم، وإلا فأنا أجد بينهما ستمائة سنة. انتهى كلام ابن حجر.\nوقال صاحب الدر المنثور في قوله تعالى ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ﴾: أخرج ابن أبي شيبة، وأحمد، وعَبْد بن حميد، ومسلم، والترمذي والنسائي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن حبان، والطبراني، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل عن المغيرة بن شعبة قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى نجران .. إلى آخر الحديث كما تقدم آنفًا. وبهذا","vol":"4","page":341},{"text":"الحديث الصحيح الذي رأيت إخراج هؤلاء الجماعة له، وقد قدمناه بلفظه عند مسلم في صحيحه = تعلم أن قول من قال: إن المراد هارون أخو موسى باطل سواء قيل: إنها أخته، أو أن المراد بأنها أخته أنها من ذريته، كما يقال للرجل: يا أخا تميم، والمراد يا أخا بني تميم؛ لأنه من ذرية تميم. ومن هذا القبيل قوله: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ﴾؛ لأن هودًا إنما قيل له أخو عاد لأنه من ذريته، فهو أخي بني عاد، وهم المراد بعاد في الآية؛ لأن المراد بها القبيلة لا الجد. وإذا حققت أن المراد بهارون في الآية غير هارون أخي موسى، فاعلم أن بعض العلماء قال: إن لها أخًا اسمه هارون. وبعضهم يقول: إن هارون المذكور رجل من قومها مشهور بالصلاح، وعلى هذا فالمراد بكونها أخته أنها تشبهه في العبادة والتقوى. وإطلاق اسم الأخ على النظير المشابه معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾، ومنه في كلام العرب قوله:\nوكل أخ يفارقه أخوه ... لعمر أبيك إلا الفرقدان\nفجعل الفرقدين أخوين.\nوكثيرًا ما تطلق العرب اسم الأخ على الصديق والصاحب، ومن إطلاقه على الصاحب قول القلاخ بن حزن:\nأخا الحرب لبَّاسًا إليها جلالها ... وليس بولَّاج الخوالف أعقلا\nفقوله: \"أخا الحرب\" يعني صاحبها؛ ومنه قول الراعي،","vol":"4","page":342},{"text":"وقيل لأبي ذؤيب:\nعشية سعدى لو تراءت لراهب ... بدومة تجر دونه وحجيج\nقلى دينه واهتاج للشوق إنها ... على النأي إخوان العزاء هيوج\nفقوله: \"إخوان العزاء\" يعني أصحاب الصبر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-895> قوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾</span>.\nمعنى إشارتها إليه: أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر. والدليل على أن هذا هو مرادها بإشارتها إليه قوله تعالى بعده: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾ فالفعل الماضي الذي هو ﴿كَانَ﴾ بمعنى الفعل المضارع المقترن بالحال كما يدل عليه السياق. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-896> قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَينَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أول كلمة نطق لهم بها عيسى وهو صبي في مهده أنه عبد الله، وفي ذلك أعظم زجر للنصارى عن دعواهم أنه الله، أو ابنه أو إله معه! وهذه الكلمة التي نطق بها عيسى في أول خطابه لهم ذكرها الله جل وعلا عنه في مواضع أخر؛ كقوله تعالى ﴿وَقَال الْمَسِيحُ يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ وقوله في \"آل عمران\": ﴿إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٥١)﴾، وقوله في \"الزخرف\": ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ","vol":"4","page":343},{"text":"اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤)﴾، وقوله هنا في سورة \"مريم\": ﴿وَإِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إلا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ ...﴾ الآية؛ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠)﴾ التحقيق فيه إن شاء الله: أنه عبر بالماضي عما سيقع في المستقبل تنزيلًا لتحقق الوقوع منزلة الوقوع. ونظائره في القرآن كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨) وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا   عَمِلَتْ  -إلى قوله-  وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ﴾.\nفهذه الأفعال الماضية المذكورة في الآيات بمعنى المستقبل؛ تنزيلًا لتحقق وقوعه منزلة الوقوع بالفعل، ونظائرها كثيرة في القرآن .. وهذا الذي ذكرنا؛ من أن الأفعال الماضية في قوله تعالى: ﴿آتَانِيَ الْكِتَابَ﴾ إلخ؛ بمعنى المستقبل هو الصواب إن شاء الله، خلافًا لمن زعم أنه نُبِّئ وأوتي الكتاب في حال صباه لظاهر اللفظ. وقوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ أي كثير البركات؛ لأنه يعلم الخير ويدعو إلى الله، ويبرئ الأكمه والأبرص ويحيي الموتى بإذن الله. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿مُبَارَكًا أَيْنَ مَا﴾: عن رسول الله - ﷺ - حيث كنت. وقال ابن حجر في الكافي الشاف: أخرجه","vol":"4","page":344},{"text":"أبو نعيم في الحلية في ترجمة يونس بن عبيد عن الحسن عن أبي هريرة بهذا وأتم. وقال: تفرد به هشيم عن يونس، وعنه شعيب بن محمد الكوفي، ورواه ابن مردويه من هذا الوجه اهـ.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي﴾ قال الحوفي وأبو البقاء: هو معطوف على قوله: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾. قال أبو حيان في البحر: وفيه بعد الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بالجملة التي هي ﴿وَأَوْصَانِي﴾ ومتعلقها؛ والأولى أنه منصوب بفعل مضمر؛ أي: وجعلني برًّا بوالدتي. ولما قال: ﴿بِوَالِدَتِي﴾ ولم يقل بوالدي؛ عُلِم أنه أمر من قبل الله؛ كما ذكره القرطبي عن ابن عباس ﵄. وقد قدمنا معنى \"الجبار والشقي\". وقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿شَقِيًّا (٣٢)﴾ أي خائبًا من الخير. ابن عباس: عاقًّا. وقيل عاصيًا لربه. وقيل: لم يجعلني تاركًا لأمره فأشقى كما شقى إبليس. اهـ كلام القرطبي.\nتنبيه\nاحتج مالك ﵀ بهذه الآية على القدرية. قال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى في هذه الآية: ما أشدها على أهل القدر؛ أخبر عيسى ﵇ بما قضى من أمره وبما هو كائن إلى أن يموت اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-897> وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾</span>.\nاعلم أن هذا الحرف فيه قراءتان سبعيتان: قرأه نافع وابن كثير","vol":"4","page":345},{"text":"وأبو عمرو وحمزة والكسائي: (قَوْلُ الحق) بضم اللام. وقرأه ابن عامر وعاصم: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ بالنصب. والإشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾ راجعة إلى المولود المذكور في الآيات المذكورة قبل هذا. وقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ و﴿عِيسَى﴾، خبره، و﴿ابْنُ مَرْيَمَ﴾ نعت لـ ﴿عِيسَى﴾ وقيل بدل منه. وقيل خبر بعد خبر.\nوقوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب مصدر مؤكد لمضمون الجملة. وإلى نحوه أشار ابن مالك بقوله في الخلاصة:\n\n• والثاني كابنى أنت حقًّا صرفا*\nوقيل: منصوب على المدح؛ وأما على قراءة الجمهور بالرفع (قَوْلُ الحق) خبر مبتدأ محذوف؛ أي: هو أي نسبته إلى أمه فقط قول الحق؛ قاله أبو حيان. وقال الزمخشري: وارتفاعه على أنه خبر بعد خبر، أو بدل، أو خبر مبتدأ محذوف.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: اعلم أن لفظة ﴿الْحَقِّ﴾ في قوله هنا: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ فيها للعلماء وجهان:\nالأول: أن المراد بالحق ضد الباطل بمعنى الصدق والثبوت؛ كقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وعلى هذا القول فإعراب قوله: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب أنه مصدر مؤكد لمضمون الجملة كما تقدم. وعلى قراءة الرفع فهو خبر مبتدأ محذوف كما تقدم. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في \"آل عمران\" في القصة بعينها: ﴿الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾.\nالوجه الثاني: أن المراد بالحق في الآية الله جل وعلا؛ لأن","vol":"4","page":346},{"text":"من أسمائه \"الحق\" كقوله: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الآية. وعلى هذا القول فإعراب قوله تعالى: ﴿قَوْلَ الْحَقِّ﴾ على قراءة النصب أنه منصوب على المدح. وعلى قراءة الرفع فهو بدل من ﴿عِيسَى﴾ أو خبر بعد خبر، وعلى هذا الوجه فـ (قولُ الحق) هو ﴿عِيسَى﴾ كما سماه الله كلمة في قوله: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾ الآية. وإنما سمى ﴿عِيسَى﴾ كلمة؛ لأن الله أوجده بكلمته التي هي ﴿كُنْ﴾ فكان؛ كما قال: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ﴾. والقول والكلمة على هذا الوجه من التفسير بمعنى واحد.\nوقوله: ﴿الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾ أي: يشكون؛ فالامتراء افتعال من المرية وهي الشك. وهذا الشك الذي وقع للكفار نهى الله عنه المسلمين على لسان نبيهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (٦٠)﴾ وهذا القول الحق الذي أوضح الله به حقيقة الأمر في شأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام بعد نزوله على نبينا - ﷺ -، أمره ربه أن يدعو من حاجَّه في شأن عيسى إلى المباهلة؛ ثم أخبره أن ما قص عليه من خبر عيسى هو القصص الحق، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ الآية. ولما نزلت ودعا النبي - ﷺ - وفد نجران إلى المباهلة خافوا الهلاك وأدوا كما هو مشهور.","vol":"4","page":347},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-898> قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٣٥)﴾</span>.\nاعلم أولًا أن لفظ ﴿مَا كَانَ﴾ يدل على النفي، فتارة يدل ذلك النفي من جهة المعنى على الزجر والردع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ﴾ الآية. وتارة يدل على التعجيز، كقوله تعالى: ﴿آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩) أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا﴾ الآية. وتارة يدل على التنزيه، كقوله هنا: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ وقد أعقبه بقوله: ﴿سُبْحَانَهُ﴾ أي تنزيهًا له عن اتخاذ الولد وكل ما لا يليق بكماله وجلاله، فقوله: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ﴾ بمعنى ما يصح ولا يتأتى ولا يتصور في حقه جل وعلا أن يتخذ ولدًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. والآية كقوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾. وفي هذه الآية الرد البالغ على النصارى الذين زعموا المحال في قولهم: \"عيسى ابن الله\" وما نزه عنه جل وعلا نفسه هنا من الولد المزعوم كذبًا كعيسى؛ نزه عنه نفسه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ -إلى قوله- إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ﴾ الآية. والآيات الدالة على مثل ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة \"الكهف\".\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا﴾ أي أراد","vol":"4","page":348},{"text":"قضاءه، بدليل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ وحَذْف فعل الإرادة لدلالة المقام عليه كثير في القرآن وفي كلام العرب، ومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ الآية، أي إذا أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ أي إذا أردت قراءة القرآن، كما تقدم مستوفى.\nوقوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: ﴿مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ زيدت فيه لفظة ﴿مِنْ﴾ قبل المفعول به لتأكيد العموم. وقد تقرر في الأصول أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها لفظة ﴿مِنْ﴾ لتوكيد العموم كانت نصًّا صريحًا في العموم، وتطرد زيادتها للتوكيد المذكور قبل النكرة في سياق النفي في ثلاثة مواضع: قبل الفاعل كقوله تعالى: ﴿مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ﴾، وقبِل المفعول كهذه الآية، وكقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ﴾ الآية؛ وقبل المبتدأ كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-899> قوله تعالى: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾</span>.\nأظهر الأقوال في ﴿الْأَحْزَابُ﴾ المذكورة في هذه الآية: أنهم فرق اليهود والنصارى الذين اختلفوا في شأن عيسى. فقالت طائفة: هو ابن زنى. وقالت طائفة: هو ابن الله. وقالت طائفة: هو الله. وقالت طائفة: هو إله مع الله. ثم إن الله توعد الذين كفروا منهم بالويل لهم من شهود يوم القيامة؛ وذلك يشمل من كفر بالتفريط","vol":"4","page":349},{"text":"في عيسى كالذي قال: إنه ابن زنى. ومن كفر بالإفراط فيه كالذين قالوا: إنه الله أو ابنه. وقوله: \"ويل\" كلمة عذاب؛ فهو مصدر لا فعل له من لفظه. وسوغ الابتداء به وهو نكرة كونه في معنى الدعاء. والظاهر أن \"المشهد\" في الآية مصدر ميمي؛ أي فويل لهم من شهود ذلك اليوم أي حضوره، لما سيلاقونه فيه من العذاب. خلافًا لمن زعم أن \"المشهد\" في الآية اسم مكان؛ أي فويل لهم من ذلك المكان الذي يشهدون فيه تلك الأهوال والعذاب. والأول هو الظاهر وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nوهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة \"الزخرف\" في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ عِيسَى بِالْبَيِّنَاتِ قَال قَدْ جِئْتُكُمْ بِالْحِكْمَةِ وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٦٣) إِنَّ اللَّهَ هُوَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦٤) فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾. وما أشار إليه في الآيتين: من أن الذين كفروا بالإفراط أو التفريط في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أنه لم يعاجلهم بالعذاب، وأنه يؤخر عذابهم إلى الوقت المحدد لذلك = أشار له في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾. وبالجملة فالله تعالى يمهل الظالم إلى وقت عذابه، ولكنه لا يهمله. وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري ﵁؛ أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"؛ ثم قرأ رسول الله - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ","vol":"4","page":350},{"text":"ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِنْ بَينِهِمْ﴾ قال أبو حيان في البحر: ومعنى قوله: ﴿مِنْ بَينِهِمْ﴾ أن الاختلاف لم يخرج عنهم بل كانوا هم المختلفين. انتهى محل الغرض منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-900> قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾</span>.\nقوله: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ﴾ صيغتا تعجب. ومعنى الآية الكريمة: أن الكفار يوم القيامة يسمعون ويبصرون الحقائق التي أخبرتهم بها الرسل سمعًا وإبصارًا عجيبين، وأنهم في دار الدنيا في ضلال وغفلة لا يسمعون الحق ولا يبصرونه؛ وهذا الذي بينه تعالى في هذه الآية الكريمة؛ بينه في مواضع أخر؛ كقوله في سمعهم وإبصارهم يوم القيامة: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾، وكقوله في غفلتهم في الدنيا وعدم إبصارهم وسمعهم: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾، وقوله: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾، وقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾، وقوله: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَينِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ ...﴾ الآية. والمراد بالأعمى والأصم: الكفار. والآيات بمثل هذا كثيرة. واعلم أن صيغة التعجب إذا كانت على","vol":"4","page":351},{"text":"وزن \"أفْعِل به\" فهي فعل عند الجمهور، وأكثرهم يقولون: إنه فعل ماض جاء على صورة الأمر. وبعضهم يقول: إنه فعل أمر لإنشاء التعجب، وهو الظاهر من الصيغة، ويؤيده دخول نون التوكيد عليه؛ كقول الشاعر:\nومستبدلٍ من بعدِ غَضْبَى صريمةً ... فأَحْرِ بِهِ من طول فقرٍ وأَحْرِيا\nلأن الألف في قوله: \"وأحريا\" مبدلة من نون التوكيد الخفيفة على حد قوله في الخلاصة:\nوأبدلَنْها بعد فتحٍ ألفًا ... وَقْفًا كما تقول في قِفَنْ: قِفا\nوالجمهور أيضًا على أن صيغة التعجب الأخرى التي هي \"ما أفعله\" فعل ماض. خلافًا لجماعة من الكوفيين في قولهم: إنها اسم بدليل تصغيرها في قول العرجى:\nياما أُمَيلحَ غزلانا شدنَّ لنا ... من هؤلَيَّاء، بين الضَّالِ السَّمُر\nقالوا: والتصغير لا يكون إلا في الأسماء. وأجاب من خالفهم بأن تصغيرها في البيت المذكور شاذ يحفظ ولا يقاس عليه.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٣٩)﴾.\nالحسرة: أشد الندم والتلف على الشيء الذي فات ولا يمكن تداركه. والإنذار: الإعلام المقترن بتهديد؛ أي أنذر الناس يوم القيامة. وقيل له: يوم الحسرة لشدة ندم الكفار فيه على التفريط.","vol":"4","page":352},{"text":"وقد يندم فيه المؤمنون على ما كان منهم من التقصير. وقد أشار تعالى إلى هذا المعنى في مواضع أخر كقوله: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾.\nوأشار إلى ما يحصل فيه من الحسرة في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا ..﴾ الآية، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ أي: في غفلة الدنيا معرضون عن الآخرة. وجملة ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ حالية، والعامل فيها ﴿وَأَنْذِرْهُمْ﴾ أي: أنذرهم في حال غفلتهم غير مؤمنين. خلافًا لمن قال: إن العامل في الجملة الحالية قوله قبل هذا: ﴿فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾. وقد جاء في الحديث الصحيح ما يدل على أن المراد بقوله هنا: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. قال البخاري ﵀ في صحيحه: (باب قوله ﷿: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ﴾) حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح فينادي مناد: يا أهل الجنة فيشرئبون وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه. ثم ينادي: يا أهل النار فيشرئبون وينظرون فيقول: هل تعرفون هذا فيقولون: نعم هذا الموت وكلهم قد رآه؛ فيذبح. ثم يقول: يا أهل الجنة خلود فلا موت، ويا أهل النار","vol":"4","page":353},{"text":"خلود فلا موت\" ثم قرأ: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ﴾ وهؤلاء في غفلة الدنيا وهم لا يؤمنون. انتهى من صحيح البخاري.\nوالحديث مشهور متفق عليه. وقراءة النبي - ﷺ - الآية بعد ذكره ذبح الموت تدل على أن المراد بقوله: ﴿إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ﴾ أي ذبح الموت. وفي معناه أقوال أخر غير هذا تركناها لدلالة الحديث الصحيح على المعنى الذي ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-901> قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾</span>.\nمعنى قوله جل وعلا في هذه الآية: أنه يرث الأرض ومن عليها: أنه يميت جميع الخلائق الساكنين بالأرض، ويبقى هو جل وعلا لأنه الحي الذي لا يموت، ثم يرجعون إليه يوم القيامة. وقد أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-902> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢) يَاأَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَويًّا (٤٣) يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤) يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه محمدًا - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب الذي هو القرآن العظيم المنزل إليه من الله:","vol":"4","page":354},{"text":"إبراهيم -عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام- ويتلو على الناس في القرآن نبأه مع قومه ودعوته لهم إلى عبادة الله وحده وترك عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تنفع ولا تضر. وكرر هذا المعنى المذكور في هذه الآيات في آيات أخر من كتابه جل وعلا. فهذا الذي أمر به نبيه هنا من ذكره في الكتاب إبراهيم: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِر﴾ الآية. أوضحه في سورة \"الشعراء\" في قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠)﴾. فقوله هنا: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ﴾ هو معنى قوله: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩)﴾، وزاد في \"الشعراء\" أن هذا الذي قاله لأبيه من النهي عن عبادة الأوثان قاله أيضًا لسائر قومه. وكرر تعالى الإخبار عنه بهذا النهي لأبيه وقومه عن عبادة الأوثان في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١) قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤) قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤) قَالُوا أَجِئْتَنَا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ (٥٥) قَال بَلْ رَبُّكُمْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ وَأَنَا عَلَى ذَلِكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْ شِيعَتِهِ لَإِبْرَاهِيمَ (٨٣) إِذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (٨٤)","vol":"4","page":355},{"text":"إِذْ قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦) فَمَا ظَنُّكُمْ بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٨٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ﴾ الظرف الذي هو ﴿وَإِذْ﴾ بدل اشتمال من ﴿إِبْرَاهِيمُ﴾ في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ كما تقدم نظيره في قوله: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ ..﴾ الآية. وقد قدمنا هناك إنكار بعضهم لهذا الإعراب. وجملة: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ معترضة بين البدل والمبدل منه على الإعراب المذكور. والصِّدِّيق صيغة مبالغة من الصدق؛ لشدة صدق إبراهيم في معاملته مع ربه وصدق لهجته، كما شهد الله له بصدق معاملته في قوله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾، وقوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾.\nومن صدقه في معاملته ربه: رضاه بأن يذبح ولده، وشروعه بالفعل في ذلك طاعة لربه؛ مع أن الولد فلذة من الكبد.\nلكنما أولادنا بيننا ... أكبادنا تمشي على الأرض\nقال تعالى: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا ..﴾ الآية.\nومن صدقه في معاملته مع ربه: صبره على الإلقاء في النار؛ كما قال تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾،","vol":"4","page":356},{"text":"وقال: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ..﴾ الآية.\nوذكر علماء التفسير في قصته أنهم لما رموه إلى النار لقيه جبريل فسأله: هل لك حاجة؟ فقال: أما إليك فلا! وأما إلى الله فنعم. فقال له: لم لا تسأله؟ فقال: علمه بحالي كاف عن سؤالي!.\nومن صدقه في معاملته ربه: صبره على مفارقة الأهل والوطن فرارًا بدينه؛ كما قال تعالى: ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ وقد هاجر من سواد العراق إلى دمشق. وقد بين جل وعلا في مواضع أخر أنه لم يكتف بنهيهم عن عبادة الأوثان وبيان أنها لا تنفع ولا تضر، بل زاد على ذلك أنه كسرها وجعلها جذاذًا وترك الكبير من الأصنام، ولما سألوه هل هو الذي كسرها؟ قال لهم: إن الذي فعل ذلك كبير الأصنام، وأمرهم بسؤال الأصنام إن كانت تنطق؛ كما قال تعالى عنه: ﴿وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ (٥٧) فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إلا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيهِ يَرْجِعُونَ (٥٨) قَالُوا مَنْ فَعَلَ هَذَا بِآلِهَتِنَا إِنَّهُ لَمِنَ الظَّالِمِينَ (٥٩) قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠) قَالُوا فَأْتُوا بِهِ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ (٦١) قَالُوا أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَذَا بِآلِهَتِنَا يَاإِبْرَاهِيمُ (٦٢) قَال بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِنْ كَانُوا يَنْطِقُونَ (٦٣) فَرَجَعُوا إِلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظَّالِمُونَ (٦٤) ثُمَّ نُكِسُوا عَلَى رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥) قَال أَفَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكُمْ شَيئًا وَلَا يَضُرُّكُمْ (٦٦) أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾. وقال تعالى: ﴿فَرَاغَ إِلَى آلِهَتِهِمْ فَقَال أَلَا تَأْكُلُونَ (٩١) مَا لَكُمْ لَا تَنْطِقُونَ (٩٢) فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣) فَأَقْبَلُوا إِلَيهِ يَزِفُّونَ (٩٤)","vol":"4","page":357},{"text":"قَال أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ (٩٥) وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ (٩٦)﴾، فقوله: ﴿فَرَاغَ عَلَيهِمْ ضَرْبًا بِالْيَمِينِ (٩٣)﴾ أي مال إلى الأصنام يضربها ضربا بيمينه حتى جعلها جذاذًا، أي: قطعًا متكسرة من قولهم: جَذَّه إذا قطعه وكسره.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا﴾ أي كثير الصدق يعرف منه أن الكذبات الثلاث المذكورة في الحديث عن إبراهيم كلها في الله تعالى، وأنها في الحقيقة من الصدق لا من الكذب بمعناه الحقيقي، وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح لهذا في سورة \"الأنبياء\".\nوقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ﴾ التاء فيه عوض عن ياء المتكلم؛ فالأصل: يا أبي كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوفي النِّدا أبَتِ أُمَّتِ عَرَضْ ... واكسِرْ أو افْتَح ومِنَ اليا التَّا عِوَضْ\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لِمَ تَعْبُدُ﴾ أصله ﴿مَا﴾ الاستفهامية، فدخل عليها حرف الجر الذي هو \"اللام\" فحذف ألفها على حد قوله في الخلاصة:\nوما في الاستفهام إن جُرَّتْ حُذِف ... ألِفُها وأَوْلِها الْها إنْ تَقِف\nومعلوم أن القراءة سنة متبعة لا تجوز بالقياس؛ ولذا يوقف على ﴿لِمَ﴾ بسكون الميم لا بهاء السكت كما في البيت. ومعنى عبادته للشيطان في قوله: ﴿لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ﴾ طاعته للشيطان في الكفر والمعاصى. فذلك الشرك شرك طاعة، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾ كما تقدم هذا المبحث مستوفى","vol":"4","page":358},{"text":"في سورة \"الإسراء\" وغيرها.\nوالآية تدل على أن الكفار المعذبين يوم القيامة أولياء الشيطان؛ لقوله هنا: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾. والآيات الدالة على أن الكفار أولياء الشيطان كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا من ذلك في سورة الكهف وغيرها، كقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ ..﴾ الآية، أي يخوفكم أولياءه؛ وقوله: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ..﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم. وكل من كان الشيطان يزين له الكفر والمعاصي فيتبعه في ذلك في الدنيا فلا ولي له في الآخرة إلا الشيطان؛ كما قال تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ ومن كان لا ولي له يوم القيامة إلا الشيطان تحقق أنه لا ولي له ينفعه يوم القيامة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ﴾ يعني ما علمه الله من الوحي وما ألهمه وهو صغير، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١)﴾ ومحاجة إبراهيم لقومه كما ذكرنا بعض الآيات الدالة عليها أثنى الله بها على إبراهيم، وبين أنها حجة الله آتاها نبيه إبراهيم؛ كما قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ ..﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَال أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ ..﴾ الآية، وكون الآيات المذكورة واردة في محاجته لهم المذكورة في سورة \"الأنعام\" لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن أصل","vol":"4","page":359},{"text":"المحاجة في شيء واحد وهو توحيد الله جل وعلا، وإقامة الحجة القاطعة على أنه لا معبود إلا هو وحده جل وعلا في سورة \"الأنعام\" وفي غيرها. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-903> قوله تعالى: ﴿قَال أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦) قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (٤٧)﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن إبراهيم لما نصح أباه النصيحة المذكورة مع ما فيها من الرفق واللين، وإيضاح الحق والتحذير من عبادة ما لا يسمع ولا يبصر ومن عذاب الله تعالى وولاية الشيطان؛ خاطبه هذا الخطاب العنيف، وسماه باسمه ولم يقل له: يا بُني في مقابلة قوله له: يا أبتِ. وأنكر عليه أنه راغب عن عبادة الأوثان أي معرض عنها لا يريدها؛ لأنه لا يعبد إلا الله وحده جل وعلا. وهدده بأنه إن لم ينته عما يقوله له ليرجمنه قيل بالحجارة وقيل باللسان شتمًا، والأول أظهر. ثم أمره بهجره مليًّا أي زمانًا طويلًا، ثم بين أن إبراهيم قابل أيضًا جوابه العنيف بغاية الرفق واللين في قوله: ﴿قَال سَلَامٌ عَلَيكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية. وخطاب إبراهيم لأبيه الجاهل بقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ قد بين جل وعلا أنه خطاب عباده المؤمنين للجهال إذا خاطبوهم، كما قال تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾. وما ذكره تعالى هنا من أن إبراهيم لما أقنع أباه بالحجة القاطعة، قابله","vol":"4","page":360},{"text":"أبوه بالعنف والشدة؛ بين في مواضع أخر أنه هو عادة الكفار المتعصبين لأصنامهم، كلما أفحموا بالحجة القاطعة لجئوا إلى استعمال القوة، كقوله تعالى عن إبراهيم لما قال له الكفار عن أصنامهم: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (٦٥)﴾ قال: ﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ فلما أفحمهم بهذه الحجة لجئوا إلى القوة، كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾. ونظيره قوله تعالى عن قوم إبراهيم: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ ..﴾ الآية، وقوله عن قوم لوط لما أفحمهم بالحجة: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾ يعني لا ينالك مني أذى ولا مكروه، بل ستسلم مني فلا أوذيك. وقوله: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ وعد من إبراهيم لأبيه باستعفاره له، وقد وفى بذلك الوعد، كما قال تعالى عنه: ﴿وَاغْفِرْ لِأَبِي إِنَّهُ كَانَ مِنَ الضَّالِّينَ (٨٦)﴾، وكما قال تعالى عنه: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ (٤١)﴾.\nولكن الله لما بين له أنه عدو لله تبرأ منه، ولم يستغفر له بعد ذلك، كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ (١١٤)﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ﴾ والموعدة المذكورة هي قوله هنا: ﴿سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ..﴾ الآية. ولما اقتدى المؤمنون بإبراهيم فاستغفروا لموتاهم المشركين، واستغفر النبي - ﷺ - لعمه أبي طالب؛","vol":"4","page":361},{"text":"أنزل الله فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (١١٣)﴾. ثم قال: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ ..﴾ الآية. وبين في سورة \"الممتحنة\" أن الاستغفار للمشركين مستثنى من الأسوة بإبراهيم، والأسوة الاقتداء، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ -إلى قوله- إلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ   لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ   ..﴾ الآية، أي فلا أسوة لكم في إبراهيم في ذلك. ولما ندم المسلمون على استغفارهم للمشركين حين قال فيهم: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ..﴾ الآية. بين الله تعالى أنهم معذورون في ذلك؛ لأنه لم يبين لهم منع ذلك قبل فعله، وذلك في قوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ ..﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي﴾ يجوز فيه أن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ خبرًا مقدمًا، و﴿أَنْتَ﴾ مبتدأ مؤخرًا، وأن يكون ﴿أَرَاغِبٌ﴾ مبتدأ و﴿أَنْتَ﴾ فاعل سد مسد الخبر. ويترجح هذا الإعراب الأخير على الأول من وجهين: الأول: أنه لا يكون فيه تقديم ولا تأخير؛ والأصل في الخبر التأخير كما هو معلوم. الوجه الثاني: هو ألا يكون فصل بين العامل الذي هو ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين معموله الذي ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بما ليس بمعمول للعامل؛ لأن الخبر ليس هو عاملًا في المبتدأ، بخلاف كون ﴿أَنْتَ﴾ فاعلًا؛ فإنه معمول ﴿أَرَاغِبٌ﴾ فلم يفصل بين ﴿أَرَاغِبٌ﴾ وبين ﴿عَنْ آلِهَتِي﴾ بأجنبي، وإنما فصل بينهما بمعمول المبتدأ الذي هو فاعله الساد مسد خبره. والرغبة عن الشيء: تركه عمدًا للزهد فيه، وعدم","vol":"4","page":362},{"text":"الحاجة إليه. وقد قدمنا في سورة \"النساء\" الفرق بين قولهم: رغب عنه، وقولهم: رغب فيه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ ..﴾ الآية. والتحقيق في قوله: ﴿مَلِيًّا  (٤٦)﴾ أن المراد به الزمن الطويل ومنه قول مهلهل:\nفتصدعت صم الجبال لموته ... وبكت عليه المرملات مليًّا\nوأصله واويّ اللام؛ لأنه من الملاوة وهي مدة العيش. ومن ذلك قيل لليل والنهار: الملوان. ومنه قول ابن مقبل:\nألا يا ديار الحي بالسبعان ... أملّ عليها بالبِلَى المَلَوان\nوقول الآخر:\nنهار وليل دائمٌ مَلَواهما ... على كلِّ حالِ المرء يختلفان\nوقيل \"الملوان\" في بيت ابن مقبل: طرفا النهار. وقوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا  (٤٧)﴾ أي لطيفًا بي. كثير الإحسان إلي. وجملة: ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ عطف على جملة: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَأَرْجُمَنَّكَ﴾، وذلك دليل على جواز عطف الجملة الإنشائية على الجملة الخبرية. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:\nوإن شفائي عبرة إن سفحتها ... وهل عند رَسْمٍ دارسٍ من مُعَوَّل  (^١)\nفجملة \"وإن شفائي\" خبرية، وجملة \"وهل عند رسم\" الخ إنشائية معطوفة عليها. وقول الآخر أيضًا:\n_________\n(^١)  رواية البيت كما في معلقته:\nوإن شفائي عبرة مهراقة ... فهل ................... إلخ.","vol":"4","page":363},{"text":"تناغى غزالًا عند باب ابن عامر ... وكحل مآقيك الحسان بإثمد\nوهذا هو الظاهر كما قاله أبو حيان عن سيبويه. وقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت: علام عطف ﴿وَاهْجُرْنِي﴾ قلت: على معطوف عليه محذوف يدل عليه ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ أي فاحذرني واهجرني؛ لأن ﴿لَأَرْجُمَنَّكَ﴾ تهديد وتقريع. اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-904> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥١)﴾</span>.\nاعلم أن في قوله: ﴿مُخْلَصًا﴾ قراءتين سبعيتين: قرأه عاصم وحمزة والكسائي بفتح اللام بصيغة اسم المفعول، والمعنى على هذه القراءة أن الله استخلصه واصطفاه. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي ..﴾ الآية. ومما يماثل هذه القراءة في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَخْلَصْنَاهُمْ بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ (٤٦)﴾ فالذين أخلصهم الله هم المَخْلَصون بفتح اللام، وقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (مُخْلِصًا) بكسر اللام بصيغة اسم الفاعل؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) ..﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-905> قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾</span>.\nقال ابن جرير الطبري ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى ذكره: ونادينا موسى من ناحية الجبل. ويعني بالأيمن يمين موسى؛ لأن الجبل لا يمين له ولا شمال، وإنما ذلك كما يقال: قام عن يمين القبلة وعن شمالها، وهذه القصة جاءت مبينة","vol":"4","page":364},{"text":"في مواضع متعددة من كتاب الله تعالى. وذلك أن موسى لما قضى الأجل الذي بينه وبين صهره، وسار بأهله راجعًا من مدين إلى مصر آنس من جانب الطور نارًا، فذهب إلى تلك النار ليجد عندها من يدله على الطريق، وليأتي بجذوة منها ليوقد بها النار لأهله ليصطلوا بها؛ فناداه الله وأرسله إلى فرعون، وشفعه في أخيه هارون فأرسله معه، وأراه في ذلك الوقت معجزة العصا واليد ليستأنس بذلك قبل حضوره عند فرعون؛ لأنه لما رأى العصا في المرة الأولى صارت ثعبانًا ولَّى مدبرًا ولم يعقِّب، فلو فعل ذلك عندما انقلبت ثعبانًا لما طالبه فرعون وقومه بآية لكان ذلك غير لائق، ولأجل هذا مرن عليها في أول مرة ليكون مستأنسًا غير خائف منها حين تصير ثعبانًا مبينًا. قال تعالى في سورة \"طه\": ﴿وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (٩) إِذْ رَأَى نَارًا فَقَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢) وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى (١٣) إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾، وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾ هو معنى قوله في \"طه\": ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١) إِنِّي أَنَا رَبُّكَ﴾.\nوقوله: ﴿بِقَبَسٍ﴾ أي شهاب؛ بدليل قوله في \"النمل\": ﴿أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧)﴾ وذلك هو المراد بالجذوة في قوله: ﴿أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ أي من يهديني إلى الطريق ويدلني عليها؛ لأنهم كانوا ضلوا الطريق، والزمن زمن برد، وقوله: ﴿آنَسْتُ نَارًا﴾ أي أبصرتها. وقوله: ﴿فَاخْلَعْ نَعْلَيكَ﴾ قال بعض العلماء: لأنهما كانتا","vol":"4","page":365},{"text":"من جلد حمار غير ذكي، ويروى هذا عن كعب وعكرمة وقتادة، نقله عنهم القرطبي وغيره. وروى أيضًا عن علي والحسن والزهري كما رواه عنهم صاحب الدر المنثور، ونقله ابن كثير عن علي وأبي أيوب وغير واحد من السلف. ويروى هذا القول عن غير من ذكر، وجاء فيه حديث مرفوع من حديث عبد الله بن مسعود رواه الترمذي وغيره ولا يصح. وفيه أقوال أخر للعلماء غير ذلك. وأظهرها عندي والله تعالى أعلم: أن الله أمره بخلع نعليه أي نزعهما من قدميه ليعلمه التواضع لربه حين ناداه، فإن نداء الله لعبده أمر عظيم، يستوجب من العبد كمال التواضع والخضوع. والله تعالى أعلم. وقول من قال: إنه أمر بخلعهما احترامًا للبقعة يدل له أنه أتبع أمره بخلعهما بقوله: ﴿إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى (١٢)﴾ وقد تقرر في مسلك الإيماء والتنبيه: أن \"إن\" من حروف التعليل. وأظهر الأقوال في قوله: ﴿طُوًى (١٢)﴾: أنه اسم للوادي، فهو بدل من الوادي أو عطف بيان. وفيه أقوال أخر غير ذلك. وقوله: ﴿وَأَنَا اخْتَرْتُكَ﴾ أي اصطفيتك برسالتي، كقوله: ﴿إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلَامِي﴾ ومعنى الاستعلاء في قوله: ﴿عَلَى النَّارِ﴾ أن المصطلين بالنار يستعلون المكان القريب منها. ونظير ذلك من كلام العرب قول الأعشى:\nتشب لمقرورين يصطليانها ... وبات على النار الندى والمحلق\nوقال تعالى في سورة \"النمل\": ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ (٦) إِذْ قَال مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهَابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٧) فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا وَسُبْحَانَ","vol":"4","page":366},{"text":"اللَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨) يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، فقوله في \"النمل\": ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ﴾ هو معنى قوله في \"مريم\": ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾. وقوله في \"طه\": ﴿فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَامُوسَى (١١)﴾ الآية، وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ﴾ ومعنى قوله في \"طه\": ﴿أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى (١٠)﴾ أي من يدلني على الطريق فيخبرني عنها فآتيكم بخبره عنها. وقال تعالى في سورة \"القصص\": ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَال لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ (٢٩) فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ الآية. فالنداء في هذه الآية هو المذكور في \"مريم، وطه، والنمل\". وقد بين هنا أنه نودي من شاطئ الوادي الأيمن في البقعة المباركة من الشجرة. فدلت الآيات على أن الشجرة التي رأى فيها النار عن يمين الجبل الذي هو الطور، وفي يمين الوادي المقدس الذي هو طوى على القول بأن طوى اسم له. وقد قدمنا قول ابن جرير: أن المراد يمين موسى؛ لأن الجبل ومثله الوادي لا يمين له ولا شمال. وقال ابن كثير في قوله: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾ أي: من جانب الوادي مما يلي الجبل عن يمينه من ناحية الغرب؛ كما قالى تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْرَ﴾ فهذا مما يرشد إلى أن موسى قصد النار إلى جهة القبلة والجبل الغربي عن يمينه اهـ منه. وهو معنى قوله: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا ..﴾ الآية.\nوالنداء المذكور في جميع الآيات المذكورة: نداء الله له؛","vol":"4","page":367},{"text":"فهو كلام الله أسمعه نبيه موسى. ولا يعقل أنه كلام مخلوق، ولا كلام خَلَقَه الله في مخلوق كما يزعم ذلك بعض الجهلة الملاحدة؛ إذ لا يمكن أن يقول غير الله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، ولا أن يقول: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، ولو فُرِضَ أن الكلام المذكور قاله مخلوق افتراءً على الله، كقول فرعون: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ على سبيل فرض المحال = فلا يمكن أن يذكره الله في معرض أنه حق وصواب.\nفقوله: ﴿إِنَّنِي أَنَا اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدْنِي﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩)﴾، صريح في أن الله هو المتكلم بذلك صراحة لا تحتمل غير ذلك؛ كما هو معلوم عند من له أدنى معرفة بدين الإسلام.\nوقوله تعالى: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ قال الزمخشري في الكشاف: ﴿مِنَ﴾ الأولى والثانية لابتداء الغاية؛ أي: أتاه النداء من شاطئ الوادي من قبل الشجرة و﴿مِنَ الشَّجَرَةِ﴾ بدل من قوله:  ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ﴾  بدل اشتمال؛ لأن الشجرة كانت نابتة على الشاطئ؛ كقوله: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ﴾.\nوقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ ..﴾ الآية. قال المهدوي: وكلم الله تعالى موسى   ﵇   من فوق عرشه، وأسمعه كلامه من الشجرة على ما شاء. انتهى منه. وشاطئ الوادي جانبه. وقال بعض أهل العلم: معنى ﴿الْأَيمَنِ﴾ في قوله: ﴿مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ﴾. وقوله:","vol":"4","page":368},{"text":"﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ﴾ من اليُمْن وهو البركة؛ لأن تلك البلاد بارك الله فيها. وأكثر أهل العلم على أن النار التي رآها موسى \"نور\" وهو يظنها نارًا. وفي قصته أنه رأى النار تشتعل فيها وهي لا تزداد إلا خضرة وحسنًا. قيل: هي شجرة عوسج. وقيل: شجرة عليق. وقيل: شجرة عناب. وقيل: سمرة. والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى في سورة \"النمل\": ﴿فَلَمَّا جَاءَهَا نُودِيَ أَنْ بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ اختلفت عبارات المفسرين في المراد بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ في هذه الآية من سورة \"النمل\" فقال بعضهم: هو الله جل وعلا، وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، والحسن، وسعيد بن جبير، ومحمد بن كعب قالوا: ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: تقدس الله وتعالى. وقالوا: كان نور رب العالمين في الشجرة. واستدل من قال بهذا القول بحديث أبي موسى الثابت في الصحيح: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ﷿ لا ينام ولا ينبغي له أن ينام، يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور أو النار، لو كشفه لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه\".\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وهذا القول بعيد من ظاهر القرآن، ولا ينبغي أن يطلق على الله أنه في النار التي في الشجرة؛ سواء قلنا: إنها نار أو نور، سبحانه جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله! وتأويل ذلك بـ ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ سلطانه وقدرته لا يصح، لأن صرف كتاب الله عن ظاهره المتبادر منه لا يجوز إلا بدليل يجب الرجوع إليه من كتاب الله أو سنة نبيه - ﷺ -. وبه تعلم أن قول أبي حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس، وابن جبير،","vol":"4","page":369},{"text":"والحسن وغيرهم: أراد بمن في النار ذاته. وعبر بعضهم بعبارات شنيعة مردودة بالنسبة إلى الله تعالى. وإذا ثبت ذلك عن ابن عباس ومن ذكر أُوِّلَ على حذف، أي: بورك من قدرته وسلطانه في النار اهـ = أنه أصاب في تنزيهه لله عن تلك العبارات، ولم يصب فيما ذكر من التأويل، والله أعلم. وقال بعضهم: إن معنى ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: بوركت النار لأنها نور. وبعده عن ظاهر القرآن واضح كما ترى. وقال بعضهم: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي بوركت الشجرة التي تتقد فيها النار. وبعده عن ظاهر القرآن أيضًا واضح كما ترى. وإطلاق لفظة ﴿مَن﴾ على الشجرة وعلى ما في النار من أمر الله، غير مستقيم في لغة العرب التي نزل بها القرآن العظيم كما ترى.\nوأقرب الأقوال في معنى الآية إلى ظاهر القرآن العظيم: قول من قال: إن في النار التي هي نور ملائكة وحولها ملائكة وموسى. وأن معنى: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾ أي: الملائكة الذين هم في ذلك النور ومن حولها؛ أي وبورك الملائكة الذين هم حولها، وبورك موسى لأنه حولها معهم. وممن يروى عنه هذا: السدي. وقال الزمخشري في الكشاف: ومعنى أن ﴿بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ بورك من في مكان النار ومن حول مكانها، ومكانها البقعة التي حصلت فيها، وهي البقعة المباركة المذكورة في قوله تعالى: ﴿نُودِيَ مِنْ شَاطِئِ الْوَادِ الْأَيمَنِ فِي الْبُقْعَةِ الْمُبَارَكَةِ﴾ وتدل عليه قراءة أُبّي: \"أن تباركت النار ومن حولها\". وعنه \"بوركت النار\".\nوقال القرطبي ﵀ في قوله: ﴿أن بُورِكَ مَنْ فِي النَّارِ﴾: وهذا تحية من الله لموسى، وتكرمة له كما حيا إبراهيم على ألسنة الملائكة حين دخلوا إليه قال: رحمة الله وبركاته عليكم أهل","vol":"4","page":370},{"text":"البيت. وقوله: ﴿مَنْ فِي النَّارِ﴾ نائب فاعل ﴿بُورِكَ﴾ والعرب تقول: باركك الله، وبارك فيك، وبارك عليك، وبارك لك؛ فهي أربع لغات. قال الشاعر:\nفبوركْتَ مولودًا وبوركْتَ ناشئًا ... وبوركت عند الشيب إذ أنت أشيب\nوقال أبو طالب بن عبد المطلب يرثي مسافر بن أبي عمرو بن أمية:\nليت شعري مسافر بن أبي عمـ ... ـر  وليت يقولها المحزون\nبورك الميت الغريب كما ... بورك نبع الرمان والزيتون\nوقال آخر:\nفبورك في بنيك وفي بنيهم ... إذا ذكروا ونحن لك الفداء\nوالآيات في هذه القصة الدالة على أنه أراه آية اليد والعصا ليتمرن على ذلك قبل حضوره عند فرعون وقومه، وأنه ولَّى مدبرًا خوفًا منها في المرة الأولى لما صارت ثعبانًا؛ جاءت في مواضع متعددة؛ كقوله تعالى في سورة \"طه\": ﴿قَال أَلْقِهَا يَامُوسَى (١٩) فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى (٢٠) قَال خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى (٢١) وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى (٢٢)﴾، فقوله: ﴿وَلَا تَخَفْ﴾ يدل على أنه فزع منها لما صارت ثعبانًا مبينًا؛ كما جاء مبينًا في \"النمل والقصص\". وقوله في آية \"طه\" هذه ﴿مِنْ غَيرِ سُوءٍ﴾ أي: من غير برص. وفيه ما يسميه البلاغيون احتراسًا، وكقوله تعالى في سورة \"النمل\": ﴿يَامُوسَى إِنَّهُ أَنَا اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٩) وَأَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ","vol":"4","page":371},{"text":"لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ (١٠) إلا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١) وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ ...﴾ الآية. وقوله في \"القصص\": ﴿وَأَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَلَمَّا رَآهَا تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ وَلَّى مُدْبِرًا وَلَمْ يُعَقِّبْ يَامُوسَى أَقْبِلْ وَلَا تَخَفْ إِنَّكَ مِنَ الْآمِنِينَ (٣١) اسْلُكْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ وَاضْمُمْ إِلَيكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِنْ رَبِّكَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٣٢)﴾. والبرهانان المشار إليهما بقوله: ﴿فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ﴾ هما اليد والعصا؛ فلما تمرَّن موسى على البرهانين المذكورين، وبلغ الرسالة هو وأخوه إلى فرعون وملئه، طالبوه بآية تدل على صدقه؛ فجاءهم بالبرهانين المذكورين، ولم يخف من الثعبان الذي صارت العصا إياه، كما قال تعالى: ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ ونحوها من الآيات.\nوقوله في \"النمل، والقصص\": ﴿وَلَمْ يُعَقِّبْ﴾ أي: لم يرجع من فراره منها؛ يقال: عقَّب الفارس إذا كر بعد الفرار. ومنه قوله:\nفما عقَّبوا إذ قيل هل من مُعَقِّب ... ولا نزلوا يوم الكريهة منزلًا\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ أي: قرب الله موسى في حال كونه نجيًّا. أي مناجيًا لربه. وإتيان الفعيل بمعنى المفاعل كثير كالقعيد والجليس. وقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: روى ابن جرير حدثنا ابن بشار حدثنا يحيى هو القطان، حدثنا سفيان، عن عطاء بن يسار، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: أُدْنيَ حتى سمع","vol":"4","page":372},{"text":"صريف القلم. وهكذا قال مجاهد وأبو العالية وغيرهم. يعنون صريف القلم بكتابة التوراة. وقال السدي ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: أُدْخِل في السماء فكُلِّم. وعن مجاهد نحوه. وقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾ قال: نجيًا بصدقه. اهـ محل الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.\nوقوله تعالى في طه: ﴿اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١)﴾ أي: قَوِّني به. والأزر: القوة وآزره: أي قوَّاه. وقوله في القصص: ﴿سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ﴾ أي: سنقويك به؛ وذلك لأن العَضُد هو قوام اليد، وبشدتها تشتد اليد، قال طرفة:\nأبنى لُبَينَى لستمو بيدٍ ... إلا يد ليست لها عضدُ\nوقوله: ﴿ردءًا﴾ أي: مُعِينًا؛ لأن الرِّدْء اسم لكل ما يعان به. ويقال: ردأته أي أعنته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-906> قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾</span>.\nمعنى الآية الكريمة: أن الله وهب لموسى نبوة هارون. والمعنى أنه سأله ذلك فآتاه سؤله. وهذا المعنى أوضحه تعالى في آيات أخر، كقوله في سورة \"طه\" عنه: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي (٣١) وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي (٣٢) -إلى قوله- قَال قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦)﴾ وقوله في \"القصص\": ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣) وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا فَأَرْسِلْهُ مَعِيَ رِدْءًا يُصَدِّقُنِي إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (٣٤) قَال سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾،","vol":"4","page":373},{"text":"وقوله في سورة \"الشعراء\": ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١) قَال رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤) قَال كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥) فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦)﴾ فهذه الآيات تبين أنه سأل ربه أن يرسل معه أخاه، فأجاب ربه جل وعلا سؤاله في ذلك. وذلك يبين أن الهبة في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا﴾ هي في الحقيقة واقعة على رسالته لا على نفس هارون؛ لأن هارون أكبر من موسى، كما قاله أهل التاريخ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-907> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَبِيًّا (٥٤)﴾</span>.\nأمر اللهُ جل وعلا نبيَّه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يذكر في الكتاب وهو هذا القرآن العظيم جدَّه إسماعيل، وأثنى عليه -أعني إسماعيل- بأنه كان صادق الوعد وكان رسولًا نبيًّا. ومما يبين من القرآن شدة صدقه في وعده: أنه وعد أباه بصبره على ذبحه ثم وفَّى بهذا الوعد. ومن وفي بوعده في تسليم نفسه للذبح فإن ذلك من أعظم الأدلة على عظيم صدقه في وعده؛ قال تعالى: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَال يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَال يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢)﴾ فهذا وعده. وقد بين تعالى وفاءه به في قوله: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) ...﴾ الآية. والتحقيق أن الذبيح هو إسماعيل. وقد دلت على ذلك آيتان من كتاب الله تعالى دلالة واضحة لا لبس فيها. وسنوضح ذلك إن شاء الله غاية الإيضاح في سورة \"الصافات\". وثناؤه جل وعلا في","vol":"4","page":374},{"text":"هذه الآية الكريمة على نبيه إسماعيل بصدق الوعد يفهم من دليل خطابه -أعني مفهوم مخالفته- أن إخلاف الوعد مذموم. وهذا المفهوم قد جاء مبينا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ (٧٧)﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وفي الحديث: \"آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أوتُمِن خان\".\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ﴾، قد بين في مواضع أخر: أن نبينا - ﷺ - كان يفعل ذلك الذي أثنى الله به على جده إسماعيل، كقوله تعالى: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيهَا ..﴾ الآية. ومعلوم أنه امتثل هذا الأمر. وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا ..﴾ الآية. ويدخل في ذلك أمرهم أهليهم بالصلاة والزكاة؛ إلى غير ذلك من الآيات.\nمسألة\nاختلف العلماء في لزوم الوفاء بالعهد؛ فقال بعضهم: يلزم الوفاء به مطلقًا. وقال بعضهم: لا يلزم مطلقًا. وقال بعضهم: إن أدخله بالوعد في ورطة لزم الوفاء به، وإلا فلا. ومثاله: ما لو قال له: تزوج. فقال له: ليس عندي ما أصدق به الزوجة. فقال: تزوج والتزم لها الصداق وأنا أدفعه عنك، فتزوج على هذا الأساس، فإنه قد أدخله بوعده في ورطة التزام الصداق. واحتج من قال يلزمه: بأدلة منها آيات من كتاب الله دلت بظواهر عمومها على ذلك","vol":"4","page":375},{"text":"وبأحاديث. فالآيات كقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا ..﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات والأحاديث كحديث \"العِدَة دَين\" فجَعْلها دينًا دليل على لزومها. قال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: \"العدة دين\" رواه الطبراني في الأوسط والقضاعي وغيرهما عن ابن مسعود بلفظ قال: لا يعد أحدكم صبِيَّه ثم لا ينجز له، فإن رسول الله - ﷺ - قال: \"العِدَة دين\" ورواه أبو نعيم عنه بلفظ: إذا وعد أحدكم صبيه فلينجز له، فإني سمعت رسول الله - ﷺ - .. وذكره بلفظ \"عطية\". ورواه البخاري في الأدب المفرد موقوفًا، ورواه الطبراني، والديلمي عن علي مرفوعًا بلفظ: \"العِدَة دين، ويل لمن وعد ثم أخلف، ويل له .. \" ثلاثًا. ورواه القضاعي بلفظ الترجمة فقط. والديلمي أيضًا بلفظ: \"الواعد بالعدة مثل الدين أو أشد\" أي: وَعْد الواعد. وفي لفظ له \"عدة المؤمن دين. وعدة المؤمن كالأخذ باليد\". وللطبراني في الأوسط عن قَباث بن أشيم الليثي مرفوعًا: \"العدة عطية\". وللخرائطي في المكارم عن الحسن البصري مرسلًا: أن امرأة سألت رسول الله - ﷺ - شيئًا فلم تجد عنده، فقالت: عِدْني. فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن العِدَة عطية\"، وهو في مراسيل أبي داود. وكذا في الصمت لابن أبي الدنيا عن الحسن: أن النبي - ﷺ - قال: \"العدة عطية\". وفي رواية لهما عن الحسن أنه قال: سأل رجل النبي - ﷺ - شيئًا، فقال: \"ما عندي ما أعطيك\"، قال في المقاصد بعد ذكر الحديث وطرقه:","vol":"4","page":376},{"text":"وقد أفردته مع ما يلائمه بجزء. انتهى منه.\nوقد عَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث من رواية علي عند الديلمي في مسند الفردوس بالضعف. وقال شارحه المناوي: وفيه دارم بن قبيصة، قال الذهبي: لا يعرف اهـ. ولكن قد مر بك أن طرقه متعددة. وقد رُوِيَ عن غير علي من الصحابة كما قدمنا روايته عن ابن مسعود، وقَبَاث بن أشيم الكناني الليثي ﵄. وسيأتي في هذا المبحث إن شاء الله أحاديث صحيحة دالة على الوفاء بالوعد.\nواحتج من قال بأن الوعد لا يلزم الوفاء به: بالإجماع على أن من وعد رجلًا بمال إذا فلس الواعد لا يضرب للموعود بالوعد مع الغرماء، ولا يكون مثل ديونهم اللازمة بغير الوعد، حكى الإجماع على هذا ابن عبد البر؛ كما نقله عنه القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة، وفيه مناقشة. وحجة من فرق بين إدخاله إياه في ورطة بالوعد فيلزم. وبين عدم إدخاله إياه فيها فلا يلزم: أنه إذا أدخله في ورطة بالوعد، ثم رجع في الوعد وتركه في الورطة التي أدخله فيها؛ فقد أضرَّ به. وليس للمسلم أن يضر بأخيه، لحديث: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nوقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: قال مالك: إذا سأل الرجلُ الرجلَ أن يهب له الهبة فيقول له: نعم، ثم يبدو له ألا يفعل فما أرى يلزمه. قال مالك: ولو كان ذلك في قضاء دين فسأله أن يقضيه عنه فقال: نعم، وثَمَّ رجال يشهدون عليه، فما أحراه أن يلزمه إذا شهد عليه اثنان.","vol":"4","page":377},{"text":"وقال أبو حنيفة وأصحابه، والأوزاعي، والشافعي وسائر الفقهاء: إن العدة لا يلزم منها شيء؛ لأنها منافع لم يقبضها في العارية لأنها طارئة، وفي غير العارية هي أشخاص وأعيان موهوبة لم تقبض، فلصاحبها الرجوع فيها. وفي البخاري: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ وقضى ابن أشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة بن جندب، قال البخاري: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتجُ بحديث ابن أشوع. اهـ كلام القرطبي. وكلام البخاري الذي ذكر القرطبي بعضه، هو قوله في آخر (كتاب الشهادات): باب من أمر بإنجاز الوعد، وفَعَله الحسن، واذكر في الكتاب  (^١)  إسماعيل إنه كان صادق الوعد، وقضى ابنُ الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سَمُرة. وقال المسور بنِ مخرمة: سمعت النبي - ﷺ -، وذكر صهرًا له، قال: وعَدَني فَوَفى لي. قال أبو عبد الله: ورأيت إسحاق بن إبراهيم يحتج بحديث ابن أشوع. حدثنا إبراهيم بن حمزة، حدثنا إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله: أن عبد الله بن عباس ﵄ أخبره قال: أخبرني أبو سفيان: أن هرقل قال له: سألتك ماذا يأمركم؛ فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة. قال: وهذه صفة نبي. حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا إسماعيل بن جعفر عن أبي سهيل نافع بن مالك بن أبي عامر، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"آية\n_________\n(^١)  في البخاري (٣/ ١٨٠) طبع بولاق: \"وفَعَلَه الحسنُ، وذَكَرَ إسماعيلَ إنه كان صادق الوعد .. \". وعليها علامة التصحيح.","vol":"4","page":378},{"text":"المنافق ثلاث: إذا حدث كذب، وإذا أوتمن خان، وإذا وعد أخلف\". حدثنا إبراهيم بن موسى، أخبرنا هشام، عن ابن جريج قال: أخبرني عَمرو بن دينار عن محمد بن علي، عن جابر بن عبد الله ﵃ قال: لما مات النبي - ﷺ - جاء أبا بكر مال من قِبَل العلاء بن الحضرمي، فقال أبو بكر: من كان له على النبي - ﷺ - دين، أو كانت له قِبَله عِدَة فليأتنا. قال جابر: فقلت: وعدني رسول الله - ﷺ - أن يعطيني هكذا وهكذا وهكذا، فبسط يديه ثلاث مرات. قال جابر: فعدَّ في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة. حدثنا محمد بن عبد الرحيم، أخبرنا سعيد بن سليمان، حدثنا مروان بن شجاع، عن سالم الأفطس، عن سعيد بن جبير: قال: سألني يهودي من أهل الحيرة: أيَّ الأجلين قضى موسى؟ قلت: لا أدري حتى أقدم على حبر العرب فأسأله، فقدمت فسألت ابن عباس، قال: قضى أكثرهما وأطيبهما. إن رسول الله - ﷺ - إذا قال فعل. انتهى من صحيح البخاري.\nوقوله في ترجمة الباب المذكور: \"وفَعَله الحسن\" يعني الأمر بإنجاز الوعد. ووجه احتجاجه بآية ﴿إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ أن الثناء عليه بصدق الوعد يُفْهَم منه أن إخلافه مذموم فاعله، فلا يجوز. وابن الأشوع المذكور هو سعيد بن عَمْرو بن أشوع الهَمْداني الكوفي، كان قاضي الكوفة في زمان إمارة خالد القسري على العراق، وقد وقع بيان روايته المذكورة عن سمرة بن جندب في تفسير إسحاق بن راهويه، وهو إسحاق ابن إبراهيم الذي ذكر البخاري أنه رآه يحتج بحديث ابن أشوع، كما قاله ابن حجر في الفتح. والمراد أنه كان يحتج به في القول بوجوب إنجاز الوعد.","vol":"4","page":379},{"text":"وصهر النبي - ﷺ - الذي أثنى عليه بوفائه له بالوعد هو أبو العاص بن الربيع زوج زينب بنت رسول الله - ﷺ -، وقد أسره المسلمون يوم بدر كافرا، وقد وعده بردِّ ابنته زينب إليه وردَّها إليه. خلافًا لمن زعم أن الصهر المذكور أبو بكر ﵁. وقد ذكر البخاري في الباب المذكور أربعة أحاديث في كل واحد منها دليل على الوفاء بإنجاز الوعد.\nالأول: حديث أبي سفيان بن حرب في قصة هرقل وهو طرف من حديث صحيح مشهور. ووجه الدلالة منه في قوله: \"فزعمت أنه أمركم بالصلاة والصدق والعفاف والوفاء بالعهد وأداء الأمانة\"، فإن جميع المذكورات في هذا الحديث مع الوفاء بالعهد كلها واجبة، وهي الصلاة والصدق والعفاف وأداء الأمانة. وقد ذكر بعد ذلك أن هذه الأمور صفة نبيّ، والاقتداء بالأنبياء واجب.\nالثاني: حديث أبي هريرة في آية المنافق. ومحل الدليل منه قوله: \"وإذا وعد أخلف\" فكون إخلاف الوعد من علامات المنافق يدل على أن المسلم لا يجوز له أن يتسِمَ بسمات المنافقين.\nالثالث: حديث جابر في قصته مع أبي بكر: ووجه الدلالة منه أن أبا بكر قال: من كان له على النبي - ﷺ - دين أو كانت له قِبَله عِدَة .. الحديث. فجعل العدة كالدين، وأنجز لجابر ما وعده النبي - ﷺ - من المال؛ فدل ذلك على الوجوب.\nالرابع: حديث ابن عباس في أي الأجلين قضى موسى: ووجه الدلالة منه أنه قضى أطيبهما وأكثرهما، وأن رسول الله - ﷺ - إذا قال فعل. فعلى المؤمنين الاقتداء بالرسل، وأن يفعلوا إذا","vol":"4","page":380},{"text":"قالوا. وفي الاستدلال بهذه الأحاديث مناقشات من المخالفين. ومن أقوى الأدلة في الوفاء بالعهد قوله تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾؛ لأن المقت الكبير من الله على عدم الوفاء بالقول يدل على التحريم الشديد في عدم الوفاء به. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على ترجمة الباب المذكور: وقال المهلب: إنجاز الوعد مأمور به مندوب إليه عند الجميع وليس بفرض؛ لاتفاقهم على أن الموعود لا يضاربا بما وعد به مع الغرماء اهـ. ونَقْل الإجماع في ذلك مردود، فإن الخلاف مشهور لكن القائل به قليل؛ وقال ابن عبد البر وابن العربي أَجَلُّ من قال به عمرُ بن عبد العزيز. انتهى محل الغرض من كلام الحافظ في الفتح. وقال أيضًا: وخرَّج بعضُهم الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في الهبة، هل تُمْلك بالقبض أو قبله.\nفإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة. وما استدل به كل فريق منهم؛ فاعلم أن الذي يظهر لي في هذه المسألة -والله تعالى أعلم-: أن إخلاف الوعد لا يجوز، لكونه من علامات المنافقين، ولأن الله يقول: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ وظاهر عمومه يشمل إخلاف الوعد ولكن الواعد إذا امتنع من إنجاز الوعد لا يحكم عليه به ولا يلزم به جبرًا؛ بل يؤمر به ولا يجبر عليه، لأن أكثر علماء الأمة على أنه لا يُجْبر على الوفاء به؛ لأنه وعد بمعروف محض. والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ","vol":"4","page":381},{"text":"وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾.\nالإشارة في قوله: ﴿أُولَئِكَ﴾ راجعة إلى الأنبياء المذكورين في هذه السورة الكريمة. وقد بين الله هنا أنه أنعم عليهم واجتباهم وهداهم. وزاد على هذا في سورة \"النساء\" بيان جميع من أنعم عليهم من غير الأنبياء في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾. وبين في سورة الفاتحة: أن صراط الذين أنعم عليهم غير صراط المغضوب عليهم ولا الضالين فِي قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال السدي وابن جرير رحمهما الله: فالذي عنى به ﴿مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ﴾: إدريس. والذي عنى به من ذرية ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾: إبراهيم. والذي عنى به ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ﴾: إسحاق ويعقوب وإسماعيل. والذي عنى به من ذرية ﴿وَإِسْرَائِيلَ﴾: موسى وهارون وزكريا ويحيى وعيسى ابن مريم. قال ابن جرير: ولذلك فرَّق أنسابهم وإن كان يجمع جميعهم آدم؛ لأن فيهم من ليس من ولد من كان مع نوح في السفينة وهو إدريس فإنه جد نوح.\nقلت: هذا هو الأظهر أن إدريس في عمود نسب نوح عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. وقد قيل: إنه من أنبياء بني إسرائيل أخذًا من حديث الإسراء حيث قال في سلامه على النبي - ﷺ -: مرحبًا بالنبي الصالح، والأخ الصالح، ولم يقل والولد الصالح، كما قال آدم وإبراهيم عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام. انتهى","vol":"4","page":382},{"text":"الغرض من كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.\nوقال ابن كثير أيضًا في تفسير هذه الآية الكريمة: يقول تعالى هؤلاء النبيون، وليس المراد المذكورين في هذه السورة فقط؛ بل جنس الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. استطرد من ذكر الأشخاص إلى الجنس، إلى أن قال في آخر كلامه: ومما يؤيد أن المراد بهذه الآية جنس الأنبياء أنها كقوله تعالى في سورة \"الأنعام\": ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَينَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (٨٣) وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلًّا هَدَينَا وَنُوحًا هَدَينَا مِنْ قَبْلُ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ -إلى قوله- أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ اهـ. وقد قال تعالى في صفة هؤلاء المذكورين في \"الأنعام\": ﴿وَاجْتَبَينَاهُمْ وَهَدَينَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٨٧)﴾. كما قال في صفة هؤلاء المذكورين في سورة \"مريم\": ﴿وَمِمَّنْ هَدَينَا وَاجْتَبَينَا﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَنِ خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا (٥٨)﴾ بين فيه أن هؤلاء الأنبياء المذكورين إذا تتلى عليهم آيات ربهم بكوا وسجدوا. وأشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر بالنسبة إلى المؤمنين لا خصوص الأنبياء، كقوله تعالى: ﴿قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لَا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨) وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا (١٠٩)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ","vol":"4","page":383},{"text":"اللَّهِ﴾. فكل هذه الآيات فيها الدلالة على أنهم إذا سمعوا آيات ربهم تتلى تأثروا تأثرًا عظيمًا، يحصل منه لبعضهم البكاء والسجود. ولبعضهم قشعريرة الجلد ولين القلوب والجلود، ونحو ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَبُكِيًّا﴾ جمع باك. وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قرأ هذه الآية من سورة \"مريم\" فسجد وقال: هذا السجود، فأين البكى؟ يريد البكاء. وهذا الموضع من عزائم السجود بلا خلاف بين العلماء في ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-908> قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩) إلا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ راجع إلى النبيين المذكورين في قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ الآية. أي فخلف من بعد أولئك النبيين خَلْف، أي: أولاد سوء. قال القرطبي ﵀ في تفسير سورة \"الأعراف\": قال أبو حاتم: الخَلْف بسكون اللام: الأولاد، الواحد والجمع فيه سواء. والخَلَف -بفتح اللام- البَدَل ولدًا كان أو غريبًا. وقال ابن الأعرابي: الخَلَف -بالفتح- الصالح. وبالسكون: الطالح. قال لبيد:\nذهب الذين يُعاش في أكنافهم ... وبقيتُ في خَلَف كجلد الأجرب\nومنه قيل للرديء من الكلام: خَلْف؛ ومنه المثل السائر \"سكت ألْفًا ونطق خَلْفًا\". فخَلْف في الذم بالإسكان. وخَلَف بالفتح","vol":"4","page":384},{"text":"في المدح. هذا هو المستعمل المشهور؛ قال - ﷺ -: \"يحمل هذا العلم من كل خَلَف عُدُوْله\" وقد يستعمل كل واحد منهما موضع الآخر؛ قال حسان بن ثابت ﵁:\nلنا القدم الأولى إليك وخلفنا ... لأولنا في طاعة الله تابع\nوقال آخر:\nإنا وجدنا خَلَفًا بئس الخَلَف ... أغلقَ عنَّا بابه ثم حَلَف\nلا يدخل البواب إلا من عرف ... عبدًا إذا ما ناء بالحمل وقف\nويروى: خضف، أي ردم. انتهى منه. والردم: الضراط.\nومعنى الآية الكريمة: أن هذا الخلف السيء الذي خلف من بعد أولئك النبيين الكرام كان من صفاتهم القبيحة: أنهم أضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات. واختلف أهل العلم في المراد بإضاعتهم الصلاة، فقال بعضهم: المراد بإضاعتها تأخيرها عن وقتها. وممن يروى عنه هذا القول ابن مسعود، والنخعي، والقاسم ابن مخيمرة، ومجاهد، وعمر بن عبد العزيز وغيرهم. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن هذا القول هو الصحيح. وقال بعضهم: إضاعتها الإخلال بشروطها، وممن اختار هذا القول الزجاج، وقال بعضهم: المراد بإضاعتها جحد وجوبها؛ ويروى هذا القول وما قبله عن محمد بن كعب القرظي. وقيل: إضاعتها في غير الجماعات. وقيل: إضاعتها تعطيل المساجد، والاشتغال بالصنائع والأسباب.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: وكل هذه الأقوال تدخل","vol":"4","page":385},{"text":"في الآية؛ لأن تأخيرها عن وقتها، وعدم إقامتها في الجماعة، والإخلال بشروطها، وجحد وجوبها، وتعطيل المساجد منها؛ كل ذلك إضاعة لها، وإن كانت أنواع الإضاعة تتفاوت.\nواختلف العلماء أيضًا في الخلف المذكورين من هم؟ فقيل: هم اليهود. ويروى عن ابن عباس ومقاتل. وقيل: هم اليهود والنصارى، ويروى عن السدي. وقيل: هم قوم من أمة محمد - ﷺ - يأتون عند ذهاب الصالحين منها، يركب بعضهم بعضًا في الأزقة زنى، ويروى عن مجاهد وعطاء وقتادة ومحمد بن كعب القرظي. وقيل: إنهم البربر. وقيل: إنهم أهل الغرب. وفيهم أقوال أخر.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وكونهم من أمة محمد - ﷺ - ليس بوجيه عندي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ صيغة تدل على الوقوع في الزمن الماضي، ولا يمكن صرفها إلى المستقبل إلا بدليل يجب الرجوع إليه كما ترى. والظاهر أنهم اليهود والنصارى وغيرهم من الكفار الذين خلفوا أنبياءهم وصالحيهم قبل نزول الآية، فأضاعوا الصلاة، واتبعوا الشهوات، وعلى كل حال فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات يدخلون في الذم والوعيد المذكور في هذه الآية. واتباع الشهوات المذكور في الآية عام في اتباع كل مشتهى يشغل عن ذكر الله وعن الصلاة. وعن علي ﵁: من بنى المشيد، وركب المنظور، ولبس المشهور؛ فهو ممن اتبع الشهوات.\nوقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾ اعلم أولًا أن العرب","vol":"4","page":386},{"text":"تطلق الغي على كل شر. والرشاد على كل خير. قال المرقش الأصغر:\nفمن يلق خيرًا يحمد الناسُ أمره ... ومن يغوَ لا يعدم على الغي لائما\nفقوله: \"ومن يغو\" يعني ومن يقع في شر. والإطلاق المشهور هو أن الغي الضلال. وفي المراد بقوله: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية أقوال متقاربة. منها: أن الكلام على حذف مضاف، أي فسوف يلقون جزاء غي، ولا شك أنهم سيلقون جزاء ضلالهم. وممن قال بهذا القول: الزجاج. ونظير هذا التفسير قوله تعالى. ﴿يَلْقَ أَثَامًا﴾ عند من يقول إن معناه يلق مجازاة أثامه في الدنيا، ويشبه هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾، وقوله: ﴿أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إلا النَّارَ﴾؛ فأطلق النار على ما أكلوا في بطونهم في الدنيا من المال الحرام لأنها جزاؤه، كما أطلق الغي والأثام على العذاب لأنه جزاؤهما. ومنها: أن الغي في الآية الخسران والحصول في الورطات. وممن روى عنه هذا القول: ابن عباس، وابن زيد. ورُويَ عن ابن زيد أيضًا: ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ أي شرًّا أو ضلالًا أو خيبة. وقال بعضهم: إن المراد بقوله ﴿غَيًّا (٥٩)﴾ في الآية: واد في جهنم من قيح؛ لأنه يسيل فيه قيح أهل النار وصديدهم، وهو بعيد القعر خبيث الطعم. وممن قال بهذا ابن مسعود، والبراء ابن عازب. ورُويَ عن عائشة، وشُفيِّ بن ماتع.\nوجاء حديث مرفوع بمقتضى هذا القول من حديث أبي أمامة وابن عباس فيه: أن النبي - ﷺ - قال: \"إن غيًا واد في جهنم\" كما في حديث ابن عباس. وفي حديث أبي أمامة: أن غيًا وأثامًا: نهران","vol":"4","page":387},{"text":"في أسفل جهنم، يسيل فيهما صديد أهل النار. والظاهر أنه لم يصح في ذلك شيء عن النبي - ﷺ -. وقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية حديث أبي أمامة صُدي بن عجلان الباهلي الذي أشرنا له آنفًا، ثم قال: هذا حديث غريب ورَفْعه منكر. وقيل: إن المعنى: فسوف يلقون غيًا أي: ضلالًا في الآخرة عن طريق الجنة، ذكره الزمخشري. وفيه أقوال أخر، ومدار جميع الأقوال في ذلك على شيء واحد، وهو: أن أولئك الخلف الذين أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات سوف يلقون يوم القيامة عذابًا عظيمًا.\nفإذا عرفت كلام العلماء في هذه الآية الكريمة، وأن الله تعالى توعد فيها من أضاع الصلاة واتبع الشهوات بالغي الذي هو الشر العظيم والعذاب الأليم = فاعلم أنه أشار إلى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في ذم الذين يضيعون الصلاة ولا يحافظون عليها وتهديدهم: ﴿فَوَيلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥) الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ (٦) وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ (٧)﴾، وقوله في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلا قَلِيلًا (١٤٢)﴾، وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إلا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إلا وَهُمْ كُسَالى وَلَا يُنْفِقُونَ إلا وَهُمْ كَارِهُونَ (٥٤)﴾. وأشار في مواضع كثيرة إلى ذم الذين يتبعون الشهوات وتهديدهم، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُوا وَتَمَتَّعُوا قَلِيلًا إِنَّكُمْ مُجْرِمُونَ (٤٦) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"4","page":388},{"text":"ويفهم من مفهوم مخالفة الآية الكريمة: أن الخلف الطيبين لا يضيعون الصلاة، ولا يتبعون الشهوات، وقد أشار تعالى إلى هذا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) -إلى قوله- وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩) أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وكقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:\nالمسألة الأولى\nأجمع العلماء على أن تارك الصلاة الجاحد لوجوبها كافر، وأنه يقتل كفرًا ما لم يتب. والظاهر أن ترك ما لا تصح الصلاة دونه كالوضوء وغسل الجنابة كتركها. وجَحْد وجوبه كجحد وجوبها.\nالمسألة الثانية\nاختلف العلماء في تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا مع اعترافه بوجوبها، هل هو كافر أو مسلم. وهل يقتل كفرًا أو حدًّا أو لا يقتل. فذهب بعض أهل العلم إلى أنه كافر مرتد يستتاب، فإن تاب فذلك، وإن لم يتب قتل كفرًا. وممن قال بهذا: الإمام أحمد ﵀ في أصح الروايتين. وهو مروي عن علي بن أبي طالب ﵁. وبه قال ابن المبارك، وإسحاق بن راهويه، ومنصور الفقيه من الشافعية. ويروى أيضًا عن أبي الطيب بن سلمة من الشافعية. وهو رواية ضعيفة عن مالك. واحتج أهل هذا القول","vol":"4","page":389},{"text":"بأدلة، منها قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ الآية. ويفهم من مفهوم الآية: أنهم إن لم يقيموا الصلاة لم يكونوا من إخوان المؤمنين، ومن انتفت عنهم أخوة المؤمنين فهم من الكافرين؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ ..﴾ الآية. ومنها حديث جابر الثابت في صحيح مسلم عنه عن النبي - ﷺ - من طريقين. لفظ المتن في الأولى منهما: سمعت النبي - ﷺ - يقول: \"إن بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\". ولفظ المتن في الأخرى: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة\". انتهى منه. وهو واضح في أن تارك الصلاة كافر؛ لأن عطف الشرك على الكفر فيه تأكيد قوي لكونه كافرًا. ومنها: حديث أم سلمة، وحديث عوف بن مالك الآتيين الدالين على قتال الأمراء إذا لم يصلوا، وهما في صحيح مسلم مع حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه قال: بايعنا رسول الله على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا وعسرنا ويسرنا وأثرة علينا، وألا ننازع الأمر أهله. قال: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم فيه من الله برهان\". فدلَّ مجموع الأحاديث المذكورة أن ترك الصلاة كفر بواح عليه من الله برهان. وقد قدمنا هذه الأحاديث المذكورة في سورة \"البقرة\". وهذا من أقوى أدلة أهل هذا القول. ومنها: حديث بريدة بن الحصيب الأسلمي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر\" أخرجه الإمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في هذا الحديث: صححه النسائي، والعراقي. وقال النووي في شرح المهذب: رواه","vol":"4","page":390},{"text":"الترمذي والنسائي، قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وقال الحاكم في المستدرك بعد أن ساق هذا الحديث بإسناده: هذا حديث صحيح الإسناد، لا تعرف له علة بوجه من الوجوه. فقد احتجَّا جميعًا بعبد الله بن بريدة عن أبيه. واحتج مسلم بالحسين بن واقد، ولم يخرجاه بهذا اللفظ. ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا. أخبرنا أحمد بن سهل الفقيه ببخارى، حدثنا قيس بن أنيف، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بشر بن المفضل، عن الجريري، عن عبد الله بن شقيق، عن أبي هريرة قال: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. وأقره الذهبي على تصحيحه لحديث بريدة المذكور. وقال في أَثَر ابن شقيق عن أبي هريرة المذكور: لم يتكلم عليه وإسناده صالح.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن قول الحافظ الذهبي ﵀: \"لم يتكلم عليه\" سهو منه؛ لأنه تكلم عليه في كلامه على حديث بريدة المذكور آنفًا، حيث قال: ولهذا الحديث شاهد صحيح على شرطهما جميعًا؛ يعني أثر ابن شقيق المذكور كما ترى. وقال النووي في شرح المهذب: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي التابعي المتفق على جلالته: كان أصحاب محمد - ﷺ - لا يرون شيئًا من الأعمال تركه كفر غير الصلاة. رواه الترمذي في كتاب الإيمان بإسناد صحيح. اهـ منه، وقد ذكر النووي ﵀ في كلامه هذا الاتفاق على جلالة ابن شقيق المذكور مع أن فيه نصبًا. وقال المجد في المنتقى: وعن عبد الله بن شقيق العقيلي: كان أصحاب رسول الله - ﷺ - إلى آخره. ثم قال: رواه الترمذي اهـ، ولا يخفى عليك أن رواية الحاكم فيها أبو هريرة","vol":"4","page":391},{"text":"ورواية الترمذي ليس فيها أبو هريرة. وحديث بريدة بن الحصيب وأثر ابن شقيق المذكورين فيها الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة عمدًا تهاونًا كفر ولو أقر تاركها بوجوبها. وبذلك يعتضد حديث جابر المذكور عند مسلم.\nومن الأدلة الدالة على أن ترك الصلاة كفر: ما رواه الإمام أحمد والطبراني في الكبير والأوسط من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص عن النبي - ﷺ -، أنه ذكر الصلاة يومًا فقال: \"من حافظ عليها كانت له نورًا وبرهانًا ونجاة يوم القيامة. ومن لم يحافظ عليها لم يكن له نور ولا برهان ولا نجاة، وكان يوم القيامة مع قارون وفرعون وهامان وأُبيّ بن خلف\" اهـ. وهذا الحديث أوضح دلالة على كفر تارك الصلاة؛ لأن انتفاء النور والبرهان والنجاة، والكينونة مع فرعون وهامان وقارون وأُبيّ بن خلف يوم القيامة أوضح دليل على الكفر كما ترى. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد في هذا الحديث: رواه أحمد والطبراني في الكبير والأوسط، ورجال أحمد ثقات اهـ. وفي الباب أحاديث غير ما ذكرنا، منها ما هو ضعيف، ومنها ما هو صالح للاحتجاج، وذكر طرفًا منها الهيثمي في مجمع الزوائد. وفيما ذكرناه كفاية.\nوذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن تارك الصلاة عمدًا تهاونًا وتكاسلًا إذا كان معترفًا بوجوبها غير كافر، وأنه يقتل حدًّا كالزاني المحصن لا كفرًا. وهذا هو مذهب مالك وأصحابه، وهو مذهب الشافعي وجمهور أصحابه، وعزاه النووي في شرح المهذب للأكثرين من السلف والخلف، وقال في شرح مسلم: ذهب مالك","vol":"4","page":392},{"text":"والشافعي رحمهما الله تعالى والجماهير من السلف والخلف إلى أنه لا يكفر بل يفسق ويستتاب؛ فإن تاب وإلا قتلناه حدًّا كالزاني المحصن، ولكنه يقتل بالسيف اهـ.\nواعلم أن هذا القول يحتاج إلى الدليل من جهتين، وهما عدم كفره، وأنه يُقتل. وهذه أدلتهم على الأمرين معًا. أما أدلتهم على أنه يقتل:\nفمنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فإن الله تعالى في هذه الآية اشترط في تخلية سبيلهم إقامتهم للصلاة. ويفهم من مفهوم الشرط أنهم إن لم يقيموها لم يخل سبيلهم وهو كذلك.\nومنها: ما رواه الشيخان عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة؛ فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها\" اهـ.\nفهذا الحديث الصحيح يدل على أنهم لا تعصم دماؤهم ولا أموالهم إلا بإقامة الصلاة كما ترى.\nومنها: ما أخرجه الشيخان عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: بعث علي ﵁ وهو باليمن إلى النبي - ﷺ - بذهيبة فقسمها بين أربعة؛ فقال رجل: يا رسول الله، اتق الله. فقال \"ويلك، أو لست أحق أهل الأرض أن يتقي الله\"؟! ثم ولى الرجل، فقال خالد بن الوليد: يا رسول الله، ألا أضرب عنقه؟ فقال: \"لا،","vol":"4","page":393},{"text":"لعله أن يكون يصلي\" فقال خالد: وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه؟ فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس، ولا أشق بطونهم\" مختصر من حديث متفق عليه. فقوله - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح: \"لا\" يعني لا تقتله. وتعليله ذلك بقوله: \"لعله أن يكون يصلي\" فيه الدلالة الواضحة على النهي عن قتل المصلين، ويفهم منه أنه إن لم يصل يقتل، وهو كذلك.\nومنها: ما رواه مسلم في صحيحه عن أم سلمة ﵂ عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون؛ فمن كره فقد برئ، ومن أنكر فقد سلم، ولكن من رضي وتابع\" قالوا: يا رسول الله، ألا نقاتلهم؟ قال: \"لا، ما صلوا\" هذا لفظ مسلم في صحيحه. و\"ما\" في قوله: \"ما صلوا\" مصدرية ظرفية؛ أي: لا تقاتلوهم مدة كونهم يصلون. ويفهم منه أنهم إن لم يصلوا قوتلوا، وهو كذلك، مع أنه - ﷺ - قال في حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان\"، فحديث أم سلمة هذا ونحوه حديث عوف بن مالك الآتي يدل على قتل من لم يصل، وبضميمة حديث عبادة بن الصامت إلى ذلك يظهر الدليل على الكفر بترك الصلاة؛ لأنه قال في حديث عبادة بن الصامت: \"إلا أن تروا كفرًا بواحًا .. \" الحديث. وأشار في حديث أم سلمة وعوف بن مالك: إلى أنهم إن تركوا الصلاة قوتلوا. فدل ذلك على أن تركها من الكفر البواح. وهذا من أقوى أدلة أهل القول الأول. وحديث عوف بن مالك المذكور هو ما رواه مسلم في صحيحه عنه عن رسول الله - ﷺ - بلفظ قال: \"خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم ويصلون عليكم","vol":"4","page":394},{"text":"وتصلون عليهم. وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم\" قيل: يا رسول الله، أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: \"لا، ما أقاموا فيكم الصلاة .. \" الحديث. وفيه الدلالة الواضحة على قتالهم إذا لم يقيموا الصلاة كما ترى.\nومن أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة: ما رواه الأئمة الثلاثة: مالك في موطئه، والشافعي، وأحمد في مسنديهما، عن عبيد الله بن عدي بن الخيار: أن رجلًا من الأنصار حدثه أنه أتى رسول الله - ﷺ - وهو في مجلس يساره يستأذنه في قتل رجل من المنافقين؛ فجهر رسول الله - ﷺ - فقال: \"أليس يشهد ألا إله إلا الله\"؟ قال الأنصاري: بلى يا رسول الله، ولا شهادة له! قال: \"أليس يشهد أن محمدًا رسول الله\"؟ قال: بلى ولا شهادة له! قال: \"أليس يصلي\"؟ قال: بلى ولا صلاة له. قال: \"أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم\". اهـ  (^١) . هذا هو خلاصة أدلة أهل هذا القول على قتل تارك الصلاة.\nواعلم أن جمهور من قال بقتله يقولون: إنه يقتل بالسيف. وقال بعضهم: يضرب بالخشب حتى يموت. وقال ابن سريج: ينخس بحديدة أو يضرب بخشبة، ويقال له: صل وإلا قتلناك. ولا يزال يكرر عليه حتى يصلي أو يموت.\nواختلفوا في استتابته؛ فقال بعضهم: يستتاب ثلاثة أيام. فإن تاب وإلا قتل. وقال بعضهم: لا يستتاب؛ لأنه يقتل حدًّا والحدود\n_________\n(^١)  بعده في المطبوعة: \"وفي رواية عنهم\" وكأنها مقحمة.","vol":"4","page":395},{"text":"لا تسقط بالتوبة. وقال بعضهم: إن لم يبق من الضروري إلا قدر ركعة ولم يصل قتل. وبعضهم يقول: لا يقتل حتى يخرج وقتها.\nوالجمهور على أنه يقتل بترك صلاة واحدة، وهو ظاهر الأدلة. وقيل: لا يقتل حتى يترك أكثر من واحدة. وعن الإمام أحمد روايتان: إحداهما أنه لا يقتل حتى يضيق وقت الصلاة الثانية المتروكة مع الأولى. والأخرى لا يقتل حتى يضيق وقت الرابعة.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر الأقوال عندي أنه يقتل بالسيف، وأنه يستتاب، للإجماع على قبول توبته إذا تاب. والأظهر أنه يستتاب في الحال، ولا يمهل ثلاثة أيام وهو يمتنع من الصلاة لظواهر النصوص المذكورة، وأنه لا يقتل حتى لا يبقى من الوقت الضروري ما يسع ركعة بسجدتيها. والعلم عند الله تعالى.\nوأما أدلة أهل هذا القول على عدم كفره، فمنها: قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. ومنها: حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي رواه مالك في الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محيريز: أن رجلًا من بني كنانة يدعى المخدجي سمع رجلًا بالشام يكنى أبا محمد يقول: إن الوتر واجب. فقال المخدجي: فرُحْت إلى عبادة بن الصامت فاعترضت له وهو رائح إلى المسجد فأخبرته بالذي قال أبو محمد، فقال عبادة: كذب أبو محمد! سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"خمس صلوات كتبهن الله ﷿ على العباد فمن جاء بهن لم يضيع منهن شيئًا استخفافًا بحقهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة. ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد","vol":"4","page":396},{"text":"إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة\" اهـ منه بلفظه. وفي سنن أبي داود: حدثنا القعنبي، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن حبان، إلى آخر الإسناد والمتن كلفظ الموطأ الذي ذكرنا. وفي سنن النسائي: أخبرنا قتيبة، عن مالك، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان. إلى آخر الإسناد والمتن كاللفظ المذكور. وفي سنن ابن ماجه: حدثنا محمد بن بشار، ثنا ابن أبي عدي، عن شعبة، عن عبد ربه بن سعيد، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن ابن محريز عن المخدجي، عن عبادة بن الصامت قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"خمس صلوات افترضهن الله على عباده .. \" إلى آخر الحديث المذكور بمعناه قريبًا من لفظه. ومعلوم أن رجال هذه الأسانيد ثقات معروفون إلا المخدجي المذكور وقد ذكره ابن حبان في الثقات، وبتوثيقه تعلم صحة الحديث المذكور، وله شواهد يعتضد بها أيضًا. قال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن حرب الواسطي، ثنا يزيد يعني ابن هارون، ثنا محمد بن مطرف، عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن عبد الله الصنابحي قال: زعم أبو محمد: أن الوتر واجب؛ فقال عبادة بن الصامت كذب أبو محمد، أشهد أني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"خمس صلوات افترضهن الله .. \" إلى آخر الحديث بمعناه. وعبد الله الصنابحي المذكور قيل: إنه صحابي مدني. وقيل: هو عبد الرحمن بن عسيلة المرادي أبو عبد الله الصنابحي، وهو ثقة من كبار التابعين، قدم المدينة بعد وفاة النبي - ﷺ - بخمسة أيام، مات في خلافة عبد الملك. وعلى كلا التقديرين فرواية الصنابحي المذكور إما رواية صحابي أو تابعي ثقة، وبها تعتضد رواية المخدجي المذكور. ورجال سند أبي","vol":"4","page":397},{"text":"داود هذا غير عبد الله الصنابحي ثقات معروفون لا مطعن فيهم. وبذلك تعلم صحة حديث عبادة بن الصامت المذكور.\nوقال الزرقاني في شرح الموطأ: وفيه -يعني حديث عبادة المذكور- أن تارك الصلاة لا يكفر ولا يتحتم عذابه؛ بل هو تحت المشيئة بنص الحديث. وقد أخرجه أحمد، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه، من طريق مالك، وصححه ابن حبان، والحاكم، وابن عبد البر. وجاء من وجه آخر عن عبادة بنحوه في أبي داود، والنسائي، والبيهقي، وله شاهد عند محمد بن نصر من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص. اهـ منه.\nوقال العلامة الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: ولهذا الحديث شاهد من حديث أبي قتادة عند ابن ماجه، ومن حديث كعب بن عجرة عند أحمد، ورواه أبو داود عن الصنابحي اهـ محل الغرض منه.\nوقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عبادة بن الصامت المذكور: هذا حديث صحيح، رواه أبو داود وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن عبد البر: هو حديث صحيح ثابت، لم يختلف عن مالك فيه. فإن قيل: كيف صححه ابن عبد البر مع أنه قال: إن المخدجي المذكور في سنده مجهول؟ فالجواب عن هذا من جهتين: الأولى: أن صحته من قبيل الشواهد التي ذكرنا، فإنها تصيره صحيحًا. والثانية: هي ما قدمنا من توثيق ابن حبان المخدجي المذكور. وحديث عبادة المذكور فيه الدلالة الواضحة على أن ترك الصلاة ليس بكفر؛ لأن كونه تحت المشيئة المذكور فيه دليل على","vol":"4","page":398},{"text":"عدم الكفر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nومن أدلة أهل هذا القول على أن تارك الصلاة المقر بوجوبها غير كافر: ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة الصلاة المكتوبة، فإن أتمها وإلا قيل: انظروا هل له من تطوع، فإن كان له تطوع أكملت الفريضة من تطوعه. ثم يفعل بسائر الأعمال المفروضة مثل ذلك\" اهـ.\nوقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: الحديث أخرجه أبو داود من ثلاث طرق: طريقين متصلتين بأبي هريرة. والطريق الثالثة متصلة بتميم الداري. وكلها لا مطعن فيها، ولم يتكلم عليه هو ولا المنذري بما يوجب ضعفه. وأخرجه النسائي من طريق إسنادها جيد ورجالها رجال الصحيح، كما قال العراقي، وصححها ابنُ القطان. وأخرج الحديث الحاكم في المستدرك وقال: هذا صحيح الإسناد ولم يخرجاه. وفي الباب عن تميم الداري عند أبي داود وابن ماجه بنحو حديث أبي هريرة، قال العراقي: وإسناده صحيح، وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: إسناده صحيح على شرط مسلم اهـ محل الغرض منه.\nووجه الاستدلال بالحديث المذكور على عدم كفر تارك الصلاة: أن نقصان الصلوات المكتوبة وإتمامها من النوافل يتناول بعمومه ترك بعضها عمدًا، كما يقتضيه ظاهر عموم اللفظ كما ترى.\nوقال المجد في المنتقى بعد أن ساق الأدلة التي ذكرنا على","vol":"4","page":399},{"text":"عدم كفر تارك الصلاة المقر بوجوبها عمدًا ما نصه: ويعضد هذا المذهب عمومات، منها: ما رُويَ عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من شهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن عيسى عبد الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه، والجنة والنار حق  = أدخله الله الجنة على ما كان من العمل\" متفق عليه. وعن أنس بن مالك أن النبي - ﷺ - قال ومعاذ رديفه على الرحل: \"يا معاذ\"، قال: لبيك يا رسول الله وسعديك ثلاثًا، ثم قال: \"ما من عبد يشهد ألا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله إلا حرمه الله على النار\" قال: يا رسول الله، أفلا أخبر بها الناس فيستبشروا؟ قال: \"إذًا يتكلوا\" فأخبر بها معاذ عند موته تأثمًا، أي خوفًا من الإثم بترك الخبر به. متفق عليه، وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"لكل نبي دعوة مستجابة فتعجل كل نبي دعوته، وإني اختبأت دعوتي شفاعة لأمتي فهي نائلة إن شاء الله من مات من أمتي لا يشرك بالله شيئًا\" رواه مسلم. وعنه أيضًا: أن النبي - ﷺ -، قال: \"أسعد الناس بشفاعتي من قال لا إله إلا الله خالصًا من قلبه\" رواه البخاري اهـ محل الغرض منه.\nوقالت جماعة من أهل العلم، منهم الإمام أبو حنيفة ﵀ وأصحابه، وجماعة من أهل الكوفة، وسفيان الثوري، والمزني صاحب الشافعي: إن تارك الصلاة عمدًا تكاسلًا وتهاونًا مع إقراره بوجوبها لا يقتل ولا يكفر؛ بل يعزَّر ويحبس حتى يصلي، واحتجوا على عدم كفره بالأدلة التي ذكرنا آنفًا لأهل القول الثاني. واحتجوا لعدم قتله بأدلة، منها حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في سورة \"المائدة\" وغيرها: \"لا يحل دم امرئ مسلم يشهد ألا","vol":"4","page":400},{"text":"إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة\". قالوا: هذا حديث متفق عليه، صرح فيه النبي - ﷺ - أنه لا يحل دم مسلم إلا بإحدى ثلاث، ولم يذكر منها ترك الصلاة؛ فدل ذلك على أنه غير موجب للقتل. قالوا: والأدلة التي ذكرتم على قتله إنما دلت عليه بمفاهيمها -أعني مفاهيم المخالفة- كما تقدم إيضاحه. وحديث ابن مسعود دل على ما ذكرنا بمنطوقه والمنطوق مقدم على المفهوم؛ مع أن المقرر في أصول الإمام أبي حنيفة ﵀: أنه لا يعتبر المفهوم المعروف بدليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة؛ وعليه فإنه لا يعترف بدلالة الأحاديث المذكورة على قتله؛ لأنها إنما دلت عليه بمفهوم مخالفتها، وحديث ابن مسعود دل على ذلك بمنطوقه. ومنها قياسهم ترك الصلاة على ترك الصوم والحج مثلًا؛ فإن كل واحد منهما من دعائم الإسلام ولم يقتل تاركها، فكذلك الصلاة.\nأما الذين قالوا بأنه كافر، وأنه يقتل؛ فقد أجابوا عن حديث ابن مسعود؛ بأنه عام يخصص بالأحاديث الدالة على قتل تارك الصلاة. وعن قياسه على تارك الحج والصوم: بأنه فاسد الاعتبار لمخالفته للأحاديث المذكورة الدالة على قتله. وعن الأحاديث الدالة على عدم الكفر: بأن منها ما هو عام يخصص بالأحاديث الدالة على كفره. ومنها ما هو ليس كذلك، كحديث عبادة ابن الصامت الدال على أنه تحت المشيئة. فالأحاديث الدالة على كفره مقدمة عليه؛ لأنها أصح منه؛ لأن بعضها في صحيح مسلم وفيه التصريح بكفره وشركه. ومنها حديث عبادة بن الصامت المتفق عليه، مع حديث أم سلمة وعوف بن مالك في صحيح مسلم","vol":"4","page":401},{"text":"كما تقدم إيضاحه.\nورد القائلون بأنه غير كافر أدلةَ مخالفيهم: بأن المراد بالكفر في الأحاديث المذكورة كفر دون كفر. وليس المراد الكفر المخرج عن ملة الإسلام. واحتجوا لهذا بأحاديث كثيرة يصرح فيها النبي - ﷺ - بالكفر، وليس مراده الخروج عن ملة الإسلام. قال المجد في المنتقى: وقد حملوا أحاديث التكفير على كفر النعمة، أو على معنى قد قارب الكفر، وقد جاءت أحاديث في غير الصلاة أريد بها ذلك؛ فروى ابن مسعود قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"سباب المسلم فسوق وقتاله كفر\" متفق عليه. وعن أبي ذر أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"ليس من رجل ادعى لغير أبيه وهو يعلمه إلا كفر، ومن ادعى ما ليس له فليس منا وليتبوأ مقعده من النار\" متفق عليه. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب، والنياحة على الميت\" رواه أحمد ومسلم. وعن ابن عمر ﵄ قال: كان عمر يحلف \"وأبي\" فنهاه النبي - ﷺ - وقال: \"من حلف بشيء دون الله فقد أشرك\" رواه أحمد. وعن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"مدمن الخمر إن مات لقى الله كعابد وثن\" انتهى منه بلفظه. وأمثاله في السنة كثيرة جدًا. ومن ذلك القبيل تسمية الرياء شركًا؛ ومنه الحديث الصحيح في البخاري وغيره أن النبي - ﷺ - قال: \"رأيت النار فلم أر منظرًا كاليوم أفظع، ورأيت أكثر أهلها النساء\" قالوا: بم يا رسول الله - ﷺ -؟ قال: \"بكفرهن\" قيل: يكفرن بالله؟ قال: \"يكفرن العشير، ويكفرن الإحسان، لو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله ثم رأت منك شيئًا قالت ما رأيت منك خيرًا قط\" هذا لفظ البخاري في بعض","vol":"4","page":402},{"text":"المواضع التي أخرج فيها الحديث المذكور. وقد أطلق فيه النبي - ﷺ - اسم الكفر عليهن؛ فلما استفسروه عن ذلك تبين أن مراده غير الكفر المخرج عن ملة الإسلام.\nهذا هو حاصل كلام العلماء وأدلتهم في مسألة ترك الصلاة عمدًا مع الاعتراف بوجوبها. وأظهر الأقوال أدلة عندي: قول من قال: إنه كافر. وأجرى الأقوال على مقتضى الصناعة الأصولية وعلوم الحديث قول الجمهور: إنه كفر غير مخرج عن الملة؛ لوجوب الجمع بين الأدلة إذا أمكن. وإذا حمل الكفر والشرك المذكوران في الأحاديث على الكفر الذي لا يخرج عن الملة حصل بذلك الجمع بين الأدلة والجمع واجب إذا أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث. وقال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق أدلة من قالوا إنه غير كافر ما نصه: ولم يزل المسلمون يوَرِّثون تارك الصلاة ويوْرَثون عنه، ولو كان كافرًا لم يغفر له ولم يَرِث ولم يَوْرَث.\nوأما الجواب عما احتج به من كَفَّره من حديث جابر وبريدة، ورواية ابن شقيق: فهو أن كل ذلك محمول على أنه شارك الكافر في بعض أحكامه وهو القتل. وهذا التأويل متعين للجمع بين نصوص الشرع وقواعده التي ذكرناها. انتهى محل الغرض منه.\nالمسألة الثالثة\nأجمع العلماء على أن من نسي الصلاة أو نام عنها حتى خرج وقتها يجب عليه قضاؤها. وقد دلت على ذلك أدلة صحيحة:\nمنها: ما رواه الشيخان في صحيحيهما عن أنس بن مالك","vol":"4","page":403},{"text":"﵁: أن النبي - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك\".\nومنها: ما رواه مسلم عن أنس أيضًا مرفوعًا: \"إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها، فإن الله ﷿ يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ \".\nومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، والنسائي، وابن ماجه عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها؛ فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ \".\nومنها: ما رواه النسائي، والترمذي وصححه، عن أبي قتادة ﵁ قال: ذكروا للنبي - ﷺ - نومهم عن الصلاة؟ فقال: \"إنه ليس في النوم تفريط، إنما التفريط في اليقظة، فإذا نسيَ أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها\".\nومنها: ما رواه مسلم، والإمام أحمد، عن أبي قتادة في قصة نومهم عن صلاة الفجر قال: ثم أذن بلال بالصلاة؛ فصلى رسول الله - ﷺ - ركعتين، ثم صلى الغداة فصنع كما كان يصنع كل يوم.\nومنها: ما أخرجه الإمام أحمد، وابن خزيمة، وابن حبان في صحيحيهما، وابن أبي شيبة، والطبراني وغيرهم، عن عمران بن حصين ﵄ قال: سرينا مع النبي - ﷺ -؛ فلما كان في آخر الليل عرسنا فلم نستيقظ حتى أيقظنا حر الشمس، فجعل الرجل منا يقوم دهشًا إلى طهوره، ثم أمر بلالًا فأذن، ثم صلى الركعتين قبل","vol":"4","page":404},{"text":"الفجر، ثم أقام فصلينا. فقالوا: يا رسول الله، ألا نعيدها في وقتها من الغد؟ فقال: \"أينهاكم ربكم تعالى عن الربا ويقبله منكم\"؟ اهـ. وأصل حديث عمران هذا في الصحيحين، وليس فيهما ذكر الأذان والإقامة، ولا قوله: فقالوا: يا رسول الله ألا نعيدها إلى آخره.\nوالحاصل أن قضاء النائم والناسي لا خلاف فيه بين العلماء. وقد دلت عليه الأحاديث التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكره.\nالمسألة الرابعة\nاعلم أن التحقيق أنه يجب تقديم الصلوات الفوائت على الصلاة الحاضرة. والدليل على ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث جابر ﵁: أن عمر بن الخطاب ﵁ جاء يوم الخندق بعدما غربت الشمس، فجعل يسب كفار قريش. قال: يا رسول الله، ما كدت أصلي العصر حتى كادت الشمس تغرب؟ فقال النبي - ﷺ -: \"والله ما صليتها\" فقمنا إلى بطحان فتوضأ للصلاة وتوضأنا لها؛ فصلى العصر بعدما غربت الشمس ثم صلى بعدها المغرب اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه فيه التصريح بأن النبي - ﷺ - صلى العصر قضاء بعد غروب الشمس وقدمها على المغرب. وهو نص صحيح صريح في تقديم الفائتة على الحاضرة. والمقرر في الأصول: أن أفعال النبي - ﷺ - المجردة من قرينة الوجوب وغيره تحمل على الوجوب، لعموم النصوص الواردة بالتأسي به - ﷺ - في أقواله وأفعاله. وللاحتياط في الخروج من عهدة التكليف.\nومن أظهر الأدلة في ذلك أنه لما خلع نعله في الصلاة فخلع أصحابه نعالهم تأسيًا به - ﷺ - قبل أن يعلموا أن جبريل أخبره أن","vol":"4","page":405},{"text":"بباطنها أذى، وسألهم - ﷺ - لِمَ خلعوا نعالهم؟ وأجابوا بأنهم رأوه خلع نعله، وهو فعل مجرد من قرائن الوجوب وغيره؛ أقرهم على ذلك ولم ينكر عليهم؛ فدل ذلك على لزوم التأسِّي به في أفعاله المجردة من القرائن. والحديث وإن ضعفه بعضهم بالإرسال فقد رجح بعضهم وصله.\nوالأدلة الكثيرة الدالة على وجوب التأسي به - ﷺ - في الكتاب والسنة شاهدة له. وإلى كون أفعاله - ﷺ - المجردة من القرائن تحمل على الوجوب أشار في مراقي السعود في كتاب السنة بقوله:\nوكل ما الصفة فيه تُجْهَل ... فللوجوب في الأصح يُجعل\nوفي حمله على الوجوب مناقشات معروفة في الأصول؛ انظرها في نشر البنود وغيره.\nويعتضد ما ذكرنا من أن فعله المجرد الذي هو تقديم العصر الفائتة على المغرب الحاضرة يقتضي الوجوب بقوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\". وقال الحافظ في فتح الباري في استدلال البخاري على تقديم الأولى من الفوائت فالأُوْلَى بفعل النبيِّ - ﷺ - المذكور ما نصُّه: ولا ينهض الاستدلال به لمن يقول بترتيب الفوائت، إلا إذا قلنا: إن أفعال النبي - ﷺ - المجردة للوجوب. اللهم إلا أن يستدل له بعموم قوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\". وقد اعتبر ذلك الشافعية في أشياء غير هذا. انتهى منه.\nونحن نقول: الأظهر أن الأفعال المجردة تقتضي الوجوب، كما جزم به صاحب المراقي في البيت المذكور، وكذلك عموم","vol":"4","page":406},{"text":"حديث: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" يقتضي ذلك أيضًا. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أنه إن تذكَّر فائتةً في وقت حاضرة ضيق؛ فقد اختلف العلماء: هل يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة أو لا؛ إلى ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنه يقدم الفائتة وإن خرج وقت الحاضرة؛ وهذا هو مذهب مالك وجل أصحابه.\nالثاني: أن يبدأ بالحاضرة محافظة على الوقت؛ وهو مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأصحابه وأكثر أصحاب الحديث.\nالثالث: أنه يخير في تقديم ما شاء منهما؛ وهو قول أشهب من أصحاب مالك. قال عياض: ومحل الخلاف إذا لم تكثر الصلوات الفوائت؛ فأما إذا كثرت فلا خلاف أنه يبدأ بالحاضرة. واختلفوا في حد القليل في ذلك. فقيل صلاة يوم. وقيل أربع صلوات.\nالمسألة الخامسة\nأما ترتيب الفوائت في أنفسها؛ فأكثر أهل العلم على وجوبه مع الذكر لا مع النسيان؛ وهو الأظهر: وقال الشافعي ﵀: لا يجب الترتيب فيها بل يندب؛ وهو مروي عن طاوس، والحسن البصري، ومحمد بن الحسن، وأبي ثور، وداود. وقال بعض أهل العلم: الترتيب واجب مطلقًا، قلّت الفوائت أم كثرت. وبه قال أحمد وزفر. وعن أحمد ﵀. لو نسي الفوائت صحت","vol":"4","page":407},{"text":"الصلوات التي صلى بعدها. وقال أحمد وإسحاق: لو ذكر فائتة وهو في حاضرة تمم التي هو فيها ثم قضى الفائتة، ثم يجب إعادة الحاضرة. واحتج لهم بحديث عن ابن عمر ﵄ عن النبي - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة فلم يذكرها إلا وهو مع الإمام فإذا فرغ من صلاته فليعد الصلاة التي نسي، ثم ليعد الصلاة التي صلاها مع الإمام\". قال النووي في شرح المهذب: وهذا حديث ضعيف، ضعفه موسى بن هارون الحمال -بالحاء- الحافظ. وقال أبو زرعة الرازي، ثم البيهقي: الصحيح أنه موقوف.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي وجوب ترتيب الفوائت في أنفسها الأولى فالأولى. والدليل على ذلك حديث أبي سعيد الخدري، وحديث عبد الله بن مسعود ﵄. قال النسائي في سننه: أخبرنا عمرو بن علي قال: حدثنا يحيى قال: حدثنا ابن أبي ذئب قال: حدثنا سعيد بن أبي سعيد، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد، عن أبيه قال: شغلنا المشركون يوم الخندق عن صلاة الظهر حتى غربت الشمس، وذلك قبل أن ينزل في القتال ما نزل؛ فأنزل الله ﷿: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَال﴾ فأمر رسول الله - ﷺ - بلالًا فأقام لصلاة الظهر فصلاها كما كان يصليها لوقتها، ثم أقام للعصر فصلاها كما كان يصليها في وقتها ثم أذن للمغرب فصلاها كما كان يصليها في وقتها اهـ. فهذا الإسناد صحيح كما ترى، ورجاله ثقات معروفون. فعمرو بن علي هو أبو حفص الفلاس وهو ثقة حافظ، ويحيى هو القطان وجلالته معروفة. وكذلك ابن أبي ذئب جلالته معروفة. وسعيد بن أبي سعيد هو المقبري وهو ثقة. وعبد الرحمن بن أبي سعيد الخدري ثقة. فهذا","vol":"4","page":408},{"text":"إسناد صحيح كما ترى، وفيه التصريح بأن النبي - ﷺ - رتب الفوائت في القضاء؛ الأولى فالأولى.\nوقد قدمنا أن أفعاله المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب على الأصح، وأن ذلك يعتضد بحديث مالك بن الحويرث الثابت في الصحيح: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" وحديث أبي سعيد هذا أخرجه أيضًا الإمام أحمد. قال الشوكاني في نيل الأوطار: ورجال إسناده رجال الصحيح. وقال الشوكاني أيضًا: عن ابن سيد الناس اليعمري: إن حديث أبي سعيد رواه الطحاوي عن المزني عن الشافعي: حدثنا ابن أبي فديك، عن ابن أبي ذئب، عن المقبري، عن عبد الرحمن بن أبي سعيد عن أبيه قال: وهذا إسناد صحيح جليل اهـ. وقال النسائي في سننه: أخبرنا هنَّاد، عن هشيم، عن أبي الزبير، عن نافع بن جبير، عن أبي عبيدة قال: قال عبد الله: إن المشركين شغلوا النبي - ﷺ - عن أربع صلوات يوم الخندق، فأمر بلالًا فأذن، ثم أقام فصلى الظهر، ثم أقام فصلى العصر، ثم أقام فصلى المغرب، ثم أقام فصلى العشاء اهـ. أخبرنا القاسم بن زكريا بن دينار قال: حدثنا حسين بن علي، عن زائدة قال: حدثنا سعيد بن أبي عَرُوبة قال: حدثنا هشام: أن أبا الزبير المكي حدثهم عن نافع بن جبير: أن أبا عبيدة بن عبد الله ابن مسعود حدثهم أن عبد الله بن مسعود قال: كنا في غزوة فحبسنا المشركون عن صلاة الظهر والعصر والمغرب والعشاء؛ فلما انصرف المشركون أمر رسول الله - ﷺ - مناديًا فأقام لصلاة الظهر فصلينا، وأقام لصلاة العصر فصلينا، وأقام لصلاة المغرب فصلينا، وأقام لصلاة العشاء فصلينا، ثم طاف علينا فقال: \"ما على الأرض عصابة يذكرون الله ﷿ غيركم\" اهـ.","vol":"4","page":409},{"text":"وحديث ابن مسعود هذا أخرجه الترمذي أيضًا. قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: إن إسناده لا بأس به.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والظاهر أن إسناد حديث ابن مسعود هذا لا يخلو من ضعف؛ لأن راويه عنه ابنه أبو عبيدة، وروايته عنه مرسلة لأنه لم يسمع منه. ولكن هذا المرسل يعتضد بحديث أبي سعيد الذي قدمنا آنفًا أنه صحيح، ومن يحتج من العلماء بالمرسل يحتج به ولو لم يعتضد بغيره.\nواعلم أن حديث أبي سعيد وابن مسعود المذكورين لا يعارضهما ما في الصحيحين من كونهم شغلوهم عن العصر وحدها؛ لأن ما فيهما زيادة، وزيادة العدول مقبولة، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ. وبه تعلم أن ما ذكره ابن العربي من تقديم ما في الصحيحين على الزيادة التي في حديث أبي سعيد وابن مسعود خلاف التحقيق.\nتنبيه\nاعلم أن الأئمة الأربعة وأصحابهم وجماهير فقهاء الأمصار: على أن من نسي صلاة أو أنام عنها قضاها وحدها ولا تلزمه زيادة صلاة أخرى. قال البخاري في صحيحه: (باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة) وقال إبراهيم: من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة. حدثنا أبو نعيم، وموسى بن إسماعيل قالا: حدثنا همام، عن قتادة، عن أنس، عن النبي - ﷺ - قال: \"من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك\". ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾ قال موسى: قال","vol":"4","page":410},{"text":"همام: سمعته يقول بعد ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤)﴾: حدثنا همام، حدثنا قتادة، حدثنا أنس عن النبي - ﷺ - مثله اهـ. وقال في فتح الباري في الكلام على هذا الحديث وترجمته قال علي بن المنير: صرح البخاري بإثبات هذا الحكم مع كونه مما اختلف فيه لقوة دليله، ولكنه على وفق القياس، إذ الواجب خمس صلوات لا أكثر. فمن قضى الفائتة كمل العدد المأمور به، ولكونه على مقتضى ظاهر الخطاب، لقول الشارع: \"فليصلها\" ولم يذكر زيادة، وقال أيضًا: \"لا كفارة لها، إلا ذلك\" فاستفيد من هذا الحصر أن لا يجب غير إعادتها. وذهب مالك إلى أن من ذكر بعد أن صلى صلاة أنه لم يصل التي قبلها فإنه يصلي التي ذكر، ثم يصلي التي كان صلاها مراعاة للترتيب. انتهى منه.\nفإن قيل: جاء في صحيح مسلم في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة نوم النبي - ﷺ - وأصحابه عن صلاة الصبح حتى ضربتهم الشمس ما نصه: ثم قال: يعني النبي - ﷺ -: \"أما إنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الصلاة الأخرى؛ فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها. فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها\" اهـ. فقوله في هذا الحديث: \"فإذا كان الغد ... إلخ\" يدل على أنه يقضي الفائتة مرتين: الأولى عند ذكرها، والثانية: عند دخول وقتها من الغد؟ فالجواب ما ذكره النووي في شرحه للحديث المذكور قال: وأما قوله - ﷺ -: \"فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها\" فمعناه أنه إذا فاتته صلاة فقضاها لا يتغير وقتها ويتحول في المستقبل، بل يبقى كما كان، فإذا كان الغد صلى صلاة الغد في وقتها المعتاد ولا يتحول. وليس معناه أنه","vol":"4","page":411},{"text":"يقضي الفائتة مرتين: مرة في الحال، ومرة في الغد، وإنما معناه ما قدمناه. فهذا هو الصواب في معنى هذا الحديث. وقد اضطربت أقوال العلماء فيه. واختار المحققون ما ذكرته والله أعلم انتهى منه. وهذا الذي فسَّر به هذه الرواية هو الذي يظهر لنا صوابه والعلم عند الله تعالى. ولكن جاء في سنن أبي داود في بعض طرق حديث أبي قتادة في قصة النوم عن الصلاة المذكورة ما نصه: \"فمن أدرك منكم صلاة الغد من غد صالحًا فليقض معها مثلها\" اهـ. وهذا اللفظ صريح في أنه يقضي الفائتة مرتين، ولا يحمل المعنى الذي فسر به النووي وغيره لفظ رواية مسلم.\nوللعلماء عن هذه الرواية أجوبة، قال ابن حجر في فتح الباري بعد أن أشار إلى رواية أبي داود المذكورة ما نصه: قال الخطابي: لا أعلم أحدًا قال بظاهره وجوبًا، قال: ويشبه أن يكون الأمر فيه للاستحباب ليحوز فضيلة الوقت في القضاء. انتهى. ولم يقل أحد من السلف باستحباب ذلك أيضًا؛ بل عدوا الحديث غلطًا من راويه. حكى ذلك الترمذي وغيره عن البخاري. ويؤيده ما رواه النسائي من حديث عمران بن حصين أنهم قالوا: يا رسول الله، ألا نقضيها لوقتها من الغد؟ فقال - ﷺ -: \"لا ينهاكم الله عن الربا ويأخذه منكم\" اهـ كلام صاحب الفتح. وحديث عمران المذكور قد قدمناه وذكرنا من أخرجه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة\nاعلم أن العلماء اختلفوا فيمن ترك الصلاة عمدًا تكاسلًا حتى خرج وقتها وهو معترف بوجوبها: هل يجب عليه قضاؤها أو","vol":"4","page":412},{"text":"لا يجب عليه. فقد قدمنا خلاف العلماء في كفره. فعلى القول بأنه كافر مرتد يجري على الخلاف في المرتد، هل يجب عليه قضاء ما فاته في زمن ردته أو لا يجب عليه.\nواعلم أولًا أن الكافر تارة يكون كافرًا أصليًّا لم يسبق عليه إسلام، وتارة يكون كافرًا بالردة عن دين الإسلام بعد أن كان مسلمًا.\nأما الكافر الأصلي فلا يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في حال كفره وهذا لا خلاف فيه بين علماء المسلمين؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقد أسلم في عصر النبي - ﷺ - خلق كثير فلم يأمر أحدًا منهم بقضاء شيء فائت وقت  (^١)  كفره.\nوأما المرتد؛ ففيه خلاف بين العلماء معروف. قال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما تركه في زمن ردته، ولا في زمن إسلامه قبل ردته؛ لأن الردة تحبط جميع عمله وتجعله كالكافر الأصلي عياذًا بالله تعالى؛ وإن كان قد حج حجة الإسلام أبطلتها ردته على هذا القول؛ فعليه إعادتها إذا رجع إلى الإسلام. وتمسك من قال بهذا بظاهر قوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ  (٥)﴾. وقال بعض أهل العلم: يلزمه قضاء ما تركه من العبادات في زمن ردته وزمن إسلامه قبل ردته، ولا تجب عليه إعادة حجة الإسلام؛ لأن الردة لم تبطلها. واحتج من قال بهذا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ\n_________\n(^١)  زيادة يستقيم بها السياق.","vol":"4","page":413},{"text":"حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ..﴾ الآية، فجعل الموت على الكفر شرطًا في حبوط العمل. وبالأول قال مالك، ومن وافقه. وبالثاني قال الشافعي، ومن وافقه. وهما روايتان عن الإمام أحمد. وقد ذكرنا في غير هذا الموضع: أن قول الشافعي ومن وافقه في هذه المسألة أجرى على الأصول؛ لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولاسيما إذا اتحد الحكم والسبب كما هنا.\nوأما على قول الجمهور بأنه غير كافر فقد اختلفوا أيضًا في وجوب القضاء عليه. اعلم أولًا أن علماء الأصول اختلفوا في الأمر بالعبادة المؤقتة بوقت معين، هل هو يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج وقتها من غير احتياج إلى أمر جديد بالقضاء أو لا يستلزم القضاء بعد خروج الوقت، ولابد للقضاء من أمر جديد، فذهب أبو بكر الرازي من الحنفية وفاقًا لجمهور الحنفية إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت من غير احتياج إلى أمر جديد، واستدلوا لذلك بقاعدة هي قولهم: الأمر بالمركب أمر بكل جزء من أجزائه، فإذا تعذر بعض الأجزاء لزم فعل بعضها الذي لم يتعذر. فالأمر بالعبادة المؤقتة كالصلوات الخمس أمر بمركب من شيئين: الأول منهما: فعل العبادة. والثاني: كونها مقترنة بالوقت المعين لها، فإذا خرج الوقت تعذر أحدهما وهو الاقتران بالوقت المعين، وبقي الآخر غير متعذر وهو فعل العبادة، فيلزم من الأمر الأول فعل الجزء المقدور عليه؛ لأن الأمر بالمركب أمر بأجزائه.\nوهذا القول صدر به ابن قدامة في روضة الناظر، وعزاه هو","vol":"4","page":414},{"text":"والغزالي في المستصفى إلى بعض الفقهاء.\nوذهب جمهور أهل الأصول إلى أن الأمر بالعبادة المؤقتة لا يستلزم الأمر بقضائها بعد خروج الوقت، واستدلوا لذلك بقاعدة وهي: أن تخصيص العبادة بوقت معين دون غيره من الأوقات لا يكون إلا لمصلحة تختص بذلك الوقت دون غيره، إذ لو كانت المصلحة في غيره من الأوقات لما كان لتخصيصه دونها فائدة. قالوا: فتخصيصه الصلوات بأوقاتها المعينة، والصوم برمضان مثله، كتخصيص الحج بعرفات، والزكاة بالمساكين، والصلاة بالقبلة، والقتل بالكافر ونحو ذلك.\nواعلم أن الذين قالوا: إن الأمر لا يستلزم القضاء، وهم الجمهور؛ اختلفوا في إعادة الصلاة المتروكة عمدًا على قولهم: إن تاركها غير كافر، فذهب جمهورهم إلى وجوب إعادتها، قالوا: نحن نقول: إن القضاء لابد له من أمر جديد، ولكن الصلاة المتروكة عمدًا جاءت على قضائها أدلة، منها: قياس العامد على الناسي والنائم، المنصوص على وجوب القضاء عليهما، قالوا: فإذا وجب القضاء على النائم، والناسي فهو واجب على العامد من باب أولى، وقال النووي في شرح المهذب: ومما يدل على وجوب القضاء حديث أبي هريرة ﵁: أن النبي - ﷺ - أمر المجامع في نهار رمضان أن يصوم يومًا مع الكفارة، أي بدل اليوم الذي أفسده بالجماع عمدًا. رواه البيهقي بإسناد جيد، وروى أبو داود نحوه. انتهى كلام النووي.\nومن أقوى الأدلة على وجوب القضاء على التارك عمدًا عموم","vol":"4","page":415},{"text":"الحديث الصحيح الذي قدمناه في سورة \"الإسراء\" الذي قال فيه النبي - ﷺ -: \"فدين الله أحق أن يقضى\"، فقوله: \"دين الله\" اسم جنس مضاف إلى معرفة فهو عام في كل دين، كقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ ..﴾ الآية، فهو عام في كل نعمة. ولا شك أن الصلاة المتروكة عمدًا دين لله في ذمة تاركها، فدل عموم الحديث على أنها حقيقة جديرة بأن تقضى، ولا معارض لهذا العموم.\nوقال بعض أهل العلم: ليس على التارك الصلاة عمدًا قضاء؛ لأن القضاء يحتاج إلى أمر جديد ولم يأت أمر جديد بقضاء التارك عمدًا. وممن قال بهذا ابن حزم واختاره أبو العباس بن تيمية ﵀. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالأمر لا يستلزم القضاءَا ... بل هو بالأمر الجديد جاءا\nلأنه في زمن معين ... يجي لما عليه من نفع بُني\nوخالف الرازي إذ المركبُ ... لكلِّ جزء حكمه ينسحبُ\nتنبيه\nسبب اختلاف العلماء في هذه المسألة أنها تجاذبها أصلان مختلفان؛ فنظرت كل طائفة إلى أحد الأصلين المختلفين:\nأحدهما: الأمر بالمركب أمر بأجزائه؛ وإليه نظر الحنفية ومن وافقهم.\nوالثاني: الأمر بالعبادة في وقت معين لا يكون إلا لمصلحة تختص بالوقت المذكور، وإليه نظر الجمهور. ومثل هذا من الأشياء التي تكون سببًا للاختلاف في المسألة كما أشار له الشيخ","vol":"4","page":416},{"text":"ميارة في التكميل بقوله:\nوإن يكن في الفرع تقريران ... بالمنع والجواز فالقولان\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-909> قوله تعالى: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ إِنَّهُ كَانَ وَعْدُهُ مَأْتِيًّا (٦١)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه وعد عباده المؤمنين المطيعين جنات عدن. ثم بين أن وعدَه مأتي؛ بمعنى أنهم يأتونه وينالون ما وعدوا به؛ لأنه جل وعلا لا يخلف الميعاد. وأشار لهذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ ..﴾ الآية؛ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٣١)﴾ وقوله: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤) فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّدًا (١٠٧) وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولًا (١٠٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَيفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿مَأْتِيًّا (٦١)﴾ اسم مفعول \"أتاه\" إذا جاءه. والمعنى: أنهم لابد أن يأتون ما وعدوا به. خلافًا لمن زعم أن ﴿مَأْتِيًّا (٦١)﴾ صيغة مفعول أريد بها الفاعل؛ أي كان وعده آتيًا، إذ لا داعي لهذا مع وضوح ظاهر الآية.","vol":"4","page":417},{"text":"تنبيه\nمثَّل بعض علماء البلاغة بهذه الآية لنوع من أنواع البدل؛ وهو بدل الكل من البعض، قالوا: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بدل من الجنة في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ بدل كل من بعض.\nقالوا: ومن أمثلة بدل الكل من البعض قوله:\nرحم الله أعظمًا دفنوها ... بسجستان طلحة الطلحات\n\"فطلحة\" بدل من قوله \"أعظمًا\" بدل كل من بعض. وعليه فأقسام البدل ستة: بدل الشيء من الشيء. وبدل البعض من الكل. وبدل الكل من البعض. وبدل الاشتمال. وبدل البداء. وبدل الغلط.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ولا يتعين عندي في الآية والبيت كون البدل بدل كل من بعض، بل يجوز أن يكون بدل الشيء من الشيء؛ لأن الألف واللام في قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ﴾ للجنس، وإذا كان للجنس جاز أن يراد بها جميع الجنات، فيكون قوله: ﴿جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ بدلًا من ﴿الْجَنَّةَ﴾ بدل الشيء من الشيء؛ لأن المراد بالأول الجمع كما تقدم كثير من أمثلة ذلك. والأعْظُم في البيت كناية عن الشخص، \"فطلحة\" بدل منه بدل الشيء من الشيء؛ لأنهم لم يدفنوا الأعْظُم وحدها بل دفنوا الشخص المذكور جميعه، أعظمه وغيرها من بدنه، وعبر هو عنه بالأعظم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-910> قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾</span>.","vol":"4","page":418},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين إذا أدخلهم ربهم جنات عدن التي وعدهم ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا﴾ أي في الجنات المذكورة ﴿لَغْوًا﴾ أي كلامًا تافهًا ساقطًا كما يسمع في الدنيا. واللغو: هو فضول الكلام، وما لا طائل تحته. ويدخل فيه فحش الكلام وباطله، ومنه قول رؤبة وقيل العجاج:\nورب أسراب حجيج كظم ... عن اللغا ورفث التكلم\nكما تقدم في سورة \"المائدة\".\nوالظاهر أن قوله: ﴿إلا سَلَمًا﴾ استثناء منقطع، أي لكن يسمعون فيها سلامًا؛ لأنهم يسلم بعضهم على بعض. وتسلم عليهم الملائكة، كما يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿تَحِيُّهُم فِيها سَلَام (٢٣) ..﴾ الآية وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣) سَلَامٌ عَلَيكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ. ... (٢٤)﴾ الآية. كما تقدم مستوفى.\nوهذا المعنى الذي أشار له هنا جاء في غير هذا الموضع أيضًا كقوله في \"الواقعة\": ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾ وقد جاء الاستثناء المنقطع في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ..﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠)﴾، وقوله: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾، وكقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. فكل الاستثناءات المذكورة في هذه الآيات منقطعة. ونظير ذلك من كلام العرب في الاستثناء المنقطع قول نابغة ذبيان:","vol":"4","page":419},{"text":"وقفت فيها أصيلًا لا أسائلها ... عيَّت جوابًا وما بالربع من أحد\nإلَّا الأواريّ لأيًا ما أُبَيُّنها ... والنُّؤي كالحوضِ بالمظلومة الجَلَد\n\"فالأواري\" التي هي مرابط الخيل ليست من جنس \"الأحد\".\nوقول الفرزدق:\nوبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنان وعامله\nوقول جران العود:\nوبلدةٍ ليس بها أنيسٌ ... إلَّا اليعافيرُ وإلَّا العيسُ\n\"فالسنان\" ليس من جنس \"الخاطب\" و\"اليعافير والعيس\" ليس واحد منهما من جنس\"الأنيس\". وقول ضرار بن الأزور:\nأجاهد إذ كان الجهاد غنيمة ... ولله بالعبد المجاهد أعلم\nعشية لا تغني الرماح مكانها ... ولا النيل إلَّا المشرفي المصمم\nوبهذا الذي ذكرنا تعلم صحة وقوع الاستثناء المنقطع كما عليه جماهير الأصوليين، خلافًا للإمام أحمد بن حنبل وبعض الشَّافعية القائلين: بأن الاستثناء المنقطع لا يصح؛ لأن الاستثناء إخراج ما دخل في اللفظ، وغير جنس المستثنى منه لم يدخل في اللفظ أصلًا حتَّى يخرج بالاستثناء.\nتنبيهات\nالأول: اعلم أن تحقيق الفرق بين الاستثناء المتصل والمنقطع يحصل بأمرين يتحقق بوجودهما أن الاستثناء متصل؛ وإن اختل","vol":"4","page":420},{"text":"واحد منهما فهو منقطع. الأول: أن يكون المستثنى من جنس المستثنى منه، نحو: جاء القوم إلَّا زيدًا؛ فإن كان من غير جنسه فهو منقطع، نحو: جاء القوم إلَّا حمارًا. الثاني: أن يكون الحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثني منه. ومعلوم أن نقيض الإثبات النفي كالعكس، ومن هنا كان الاستثناء من النفي إثباتًا، ومن الإثبات نفيًا؛ فإن كان الحكم على المستثنى ليس نقيض الحكم على المستثنى منه فهو منقطع ولو كان المستثنى من جنس المستثنى منه. فقوله تعالى: ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ إلا الْمَوْتَةَ الْأُولَى﴾ استثناء منقطع على التحقيق، مع أن المستثنى من جنس المستثنى منه. وكذلك قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وإنَّما كان منقطعًا في الآيتين؛ لأنه لم يحكم على المستثنى بنقيض الحكم على المستثنى منه. فنقيض ﴿لَا يَذُوقُونَ فِيهَا الْمَوْتَ﴾ هو: يذوقون فيها الموت. وهذا النقيض الذي هو ذوق الموت في الآخرة لم يحكم به على المستثنى بل حكم بالذوق في الدنيا. ونقيض ﴿لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالكُمْ بَينَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾: كلوها بالباطل، ولم يحكم له في المستثنى.\nفتحصَّل أن انقطاع الاستثناء قسمان؛ أحدهما: بالحكم على غير جنس المستثنى منه؛ كقولك: رأيت أخويك إلَّا ثوبًا. الثاني: بالحكم بغير النقيض؛ نحو: رأيت أخويك إلَّا زيدًا لم يسافر.\nالتنبيه الثاني: اعلم أنَّه يبنى على الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع بعض الفروع الفقهية؛ فلو أقر رجل لآخر فقال له: علَيَّ","vol":"4","page":421},{"text":"ألف دينار إلَّا ثوبًا؛ في القول بعدم صحة الاستثناء المنقطع يكون قوله: \"إلَّا ثوبًا\" لغوًا وتلزمه الألف كاملة. وعلى القول بصحة الاستثناء المنقطع لا يُلغى قوله: \"إلَّا ثوبًا\" وتسقط قيمة الثوب من الألف. والذين قالوا تسقط قيمته اختلفوا في توجيهه على قولين: أحدهما: أنَّه مجاز، وأنه أطلق الثوب وأراد قيمته. والثاني: أن فيه إضمارًا؛ أي حذف مضاف، يعني: إلَّا قيمة ثوب. فمن قال: يقدم المجاز على الإضمار قال: \"إلَّا ثوبًا\" مجاز، أطلق الثوب وأراد القيمة؛ كإطلاق الدم على الدية. ومن قال: يقدم الإضمار على المجاز، قال: \"إلَّا ثوبًا\" أي: إلَّا قيمة ثوب. واعتمد صاحب مراقي السعود تقديم المجاز على الإضمار في قوله:\nوبعد تخصيص مجاز فَيَلي ... الإضمار فالنقل على المعول\nومعنى البيت: أن المقدم عندهم التخصيص، ثم المجاز، ثم الإضمار، ثم النقل؛ مثال تقديم التخصيص على المجاز إذا احتمل اللفظ كل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ يحتمل التخصيص؛ لأن بعض المشركين كالذميين والمعاهدين أخرجهم دليلٌ مخَصِّص لعموم المشركين. ويحتمل عند القائلين بالمجاز أنَّه مجاز مرسل، أطلق فيه الكل وأراد البعض؛ فيقدم التخصيص لأمرين: أحدهما: أن اللفظ يبقى حقيقة فيما لم يخرجه المخصص، والحقيقة مقدمة على المجاز. الثاني: أن اللفظ يبقى مستصحبًا في الأفراد الباقية بعد التخصيص من غير احتياج إلى قرينة.\nومثال تقديم المجاز على الإضمار عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قول السيد لعبده الذي هو أكبر منه سنًّا: أنت أبي،","vol":"4","page":422},{"text":"يحتمل أنَّه مجاز مرسل، من إطلاق الملزوم وإرادة اللازم. أي أنت عتيق؛ لأن الأَبوة يلزمها العتق. ويحتمل الإضمار؛ أي أنت مثل أبي في الشفقة والتعظيم. في الأول يعتق. وعلى الثاني لا يعتق. ومن أمثلته: المسألة التي نحن بصددها.\nومثال تقديم الإضمار على النقل عند احتمال اللفظ لكل واحد منهما: قوله تعالى: ﴿وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ يحتمل الإضمار؛ أي: أَخْذ الرِّبَا وهو الزِّيادة في بيع درهم بدرهمين مثلًا. وعلى هذا لو حذف الدرهم الزائد لصح البيع في الدرهم بالدرهم. ويحتمل نقل الرِّبَا إلى معنى العقد؛ فيمتنع عقد بيع الدرهم بالدرهمين. ولو حذف الزائد فلابد من عقد جديد مطلقًا.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: وعلى هذين الوجهين اللذين ذكروهما في \"له علي ألف دينارًا إلَّا ثوبًا\" وهما الإضمار والنقل يرجع الاستثناء إلى كونه متصلا؛ لأن قيمة الثوب من جنس الألف التي أقر بها. سواء قلنا إن القيمة مضمرة، أو قلنا إنها معبر عنها بلفظ الثوب.\nالتنبيه الثالث: اعلم أن الخلاف في صحة الاستثناء المنقطع هو في الحقيقة خلاف لفظي؛ لأن الذين منعوه لم يمنعوه بالكلية، وإنَّما قالوا: إنه ليس من الاستثناء الحقيقي؛ لأن أداة الاستثناء فيه بمعنى لكن، فهو إلى الاستدراك أقرب منه إلَّا الاستثناء. وبعض القائلين بالاستثناء المنقطع يقول: إن الثوب في المثال المتقدم لغو، ويعد ندمًا من المقر بالألف. والنسبة بين الاستثناء المتصل والمنقطع عند القائلين به قيل: إنها نسبة تواطؤ. وقيل: إنها من","vol":"4","page":423},{"text":"قبيل الاشتراك. وإلى مسألة الاستثناء المنقطع والفرق بينه وبين المتصل أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالحكم بالنقيض للحكم حصل ... لما عليه الحكم قبل متصل\nوغيره منقطع ورجحا ... جوازه وهو مجازًا وَضُحا\nفَلْتنمِ ثوبًا بعد ألف درهم ... للحذف والمجاز أو للندم\nوقيل بالحذف لدى الإقرار ... والعقدُ معنى الواو فيه جار\nبِشِرْكَةٍ وبالتواطي قالا ... بعضٌ وأوجب فيه الاتصالا\nوما ذكرنا من أن الاستثناء في قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾ منقطع هو الظاهر. وقيل: هو من قبيل تأكيد المدح بما يشبه الذم، كقول نابغة ذبيان:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفَهم ... بهنَّ فلولٌ من قِراع الكتائب\nوقول الآخر:\nفما يك فيّ من عيبٍ فإني ... جبان الكلب مهزول الفصيل\nوعلى هذا القول فالآية كقوله: ﴿وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إلا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات كما تقدم مستوفى في سورة \"براءة\".\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه ذكر البكرة والعشيّ، مع","vol":"4","page":424},{"text":"أن الجنَّةَ ضياء دائم ولا ليل فيها. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة:\nالأول: أن المراد بالبكرة والعشيّ قدر ذلك من الزمن، كقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرُ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾: قدر شهر. ورُويَ معنى هذا عن ابن عبَّاس، وابن جريج وغيرهما.\nالجواب الثاني: أن العرب كانت في زمنها ترى أن من وجد غداء وعشاء فذلك الناعم، فنزلت الآية مرغِّبة لهم وإن كان ما في الجنَّةِ أكثر من ذلك. ويروى هذا عن قَتَادة، والحسن، ويحيى بن أبي كثير.\nالجواب الثالث: أن العرب تعبر عن الدوام بالبكرة والعشيّ، والمساء والصباح، كما يقول الرجل: أنا عند فلان صباحًا ومساء، وبكرة وعشيًّا. يريد الديمومة ولا يقصد الوقتين المعلومين.\nالجواب الرابع: أن تكون البكرة هي الوقت الذي قبل اشتغالهم بلذاتهم. والعشي: هو الوقت الذي بعد فراغهم من لذاتهم؛ لأنه يتخللها فترات انتقال من حال إلى حال وهذا يرجع معناه إلى الجواب الأول.\nالجواب الخامس: هو ما رواه التِّرمِذي الحكيم في نوادر الأصول من حديث أبان عن الحسن وأبي قلابة قالا: قال رجل: يا رسول الله، هل في الجنة من ليل؟ قال: \"وما يهيجك على هذا\"؟ قال: سمعت الله تعالى يذكر: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾ ققلت: الليل بين البكرة والعشي. فقال رسول الله - ﷺ -: \"ليس هناك ليل، إنما هو ضوء ونور، يرد الغدو على الرواح والرواح على","vol":"4","page":425},{"text":"الغدو، تأتيهم طرف الهدايا من الله تعالى لمواقيت الصلاة التي كانوا يصلون فيها في الدنيا، وتسلم عليهم الملائكة\" انتهى بواسطة نقل صاحب الدر المنثور والقرطبي في تفسيره. وقال القرطبي بعد أن نقل هذا: وهذا في غاية البيان لمعنى الآية. وقد ذكرناه في كتاب التذكرة ثم قال: وقال العلماء ليس في الجنَّة ليل ولا نهار، وإنَّما هو في نور أبدًا، إنما يعرفون مقدار الليل من النهار بإرخاء الحُجُب، وإغلاق الأَبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب، وفتح الأَبواب؛ ذكره أَبو الفرج الجوزي والمهدوي وغيرهما اهـ منه. وهذا الجواب الأخير الذي ذكره الحكيم التِّرمِذي عن الحسن وأبي قلابة عن النبي - ﷺ - راجع إلى الجواب الأول. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-911> قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾</span>.\nالإشارة في قوله: ﴿تِلْكَ﴾ إلى ما تقدم من قوله: ﴿فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ شَيئًا (٦٠) جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدَ الرَّحْمَنُ عِبَادَهُ بِالْغَيبِ ..﴾ الآية، وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه يورث المتقين من عباده جنته. وقد بين هذا المعنى أيضًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢) -إلى قوله- أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣). ...﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات،","vol":"4","page":426},{"text":"ومعنى إيراثهم الجنَّة: الإنعام عليهم بالخلود فيها في أكمل نعيم وسرور، قال الزمخشري في الكشاف: نورث أي نبقي عليه الجنَّة كما نبقي على الوارث مال الموروث، ولأن الأتقياء يلقون ربهم يوم القيامة قد انقضت أعمالهم، وثمرتها باقية وهي الجنَّة. فإذا أدخلهم الجنَّة فقد أورثهم من تقواهم كما يورث الوارث المال من المتوفى. اهـ. وقال بعض أهل العلم: معنى إيراثهم الجنَّة أن الله تعالى خلق لكل نفس منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، فإذا دخل أهل الجنَّة الجنَّة، أراهم منازلهم في النار لو كفروا وعصوا الله؛ ليزداد سرورهم وغبطتهم، وعند ذلك يقولون: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا   ...﴾ الآية. وكذلك يرى أهل النار منازلهم في الجنَّة لو آمنوا واتقوا الله لتزداد ندامتهم وحسرتهم، وعند ذلك يقول الواحد منهم: ﴿لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٥٧)﴾. ثم إنه تعالى يجعل منازل أهل الجنَّة في النار لأهل النار، ومنازل أهل النار في الجنَّة لأهل الجنَّة فيرثون منازل أهل النار في الجنَّة. وهذا هو معنى الإيراث المذكور على هذا القول.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد جاء حديث يدل لما ذكر من أن لكل أحد منزلًا في الجنَّة ومنزلًا في النار، إلَّا أن حمل الآية عليه غير صواب؛ لأن أهل الجنَّة يرثون من الجنَّة منازلهم المعدة لهم بأعمالهم وتقواهم، كما قد قال تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. ولو فرضنا أنهم يرثون منازل أهل النار فحمل الآية على ذلك يوهم أنهم ليس لهم في الجنَّة إلَّا ما أورثوا من منازل أهل النار، والواقع بخلاف","vol":"4","page":427},{"text":"ذلك كما ترى. والحديث المذكور هو ما رواه الإمام أحمد في المسند، والحاكم في المستدرك من حديث أبي هريرة: \"كل أهل الجنَّة يرى مقعده من النار فيقول: لولا أن الله هداني فيكون له شكر. وكل أهل النار يرى مقعده من الجنَّة فيقول: لولا أن الله هداني فيكون عليه حسرة\" اهـ. وعَلَّم في الجامع الصغير على هذا الحديث علامة الصحة، وقال شارحه المناوي: قال الحاكم صحيح على شرطهما وأقره الذهبي. وقال الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-912> قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية في أُبيّ بن خلف، وجد عظامًا بالية ففتتها بيده وقال: زعم محمد أنا نبعث بعد الموت! قاله الكلبي، وذكره الواحدي والثعلبي. وقال المهدوي: نزلت في الوليد بن المغيرة وأصحابه، وهو قول ابن عبَّاس. وقيل: نزلت في العاص بن وائل. وقيل: في أبي جهل، وعلى كل واحد من هذه الأقوال (^١) فقد أسند تعالى هذا القول لجنس الإنسان وهو صادر من بعض أفراد الجنس؛ لأن من الأساليب العربية إسناد الفعل إلى المجموع، مع أن فاعله بعضهم لا جميعهم. ومن أظهر الأدلة القرآنية في ذلك قراءة حمزة والكسائي: (فإن قَتَلُوكم فاقتلوهم) من القتل في الفعلين، أي: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر كما تقدم مرارًا. ومن أظهر الشواهد العربية في ذلك\n_________\n(^١) كذا في المطبوعة.","vol":"4","page":428},{"text":"قول الفرزدق:\nفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\nفقد أسند الضرب إلى بني عبس، مع أنَّه صرح بأن الضارب الذي بيده السيف هو ورقاء، وهو ابن زهير بن جذيمة العبسي. وخالد هو ابن جعفر الكلابي. وقصة قتله لزهير المذكور مشهورة.\nوقد بين تعالى في هذه الآية: أن هذا الإنسان الكافر يقول منكرًا البعث: أئذا مت لسوف أخرج حيًّا؟ زعمًا منه أنَّه إذا مات لا يمكن أن يحيا بعد الموت. وقد رد الله عليه مقالته هذه بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ يعني: أيقول الإنسان مقالته هذه في إنكار البعث، ولا يذكر أنا أوجدناه الإيجاد الأول ولم يك شيئًا، بل كان عدمًا فأوجدناه، وإيجادنا له المرة الأولى دليل قاطع على قدرتنا على إيجاده بالبعث مرة أخرى.\nوهذا البرهان الذي أشار له هنا قد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة \"البقرة، والنحل\" وغيرهما، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ ..﴾ الآية وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ..﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم","vol":"4","page":429},{"text":"إيضاحه.\nوفي الحديث الصحيح الذي يرويه - ﷺ - عن ربه: \"يقول الله تعالى كذبني ابن آدم ولم يكن له أن يكذبني، وآذاني ابن آدم ولم يكن له أن يؤذيني. أما تكذيبه إياي فقوله: لن يعيدني كما بدأني. وليس أول الخلق أهون علي من آخره. وأما أذاه إياي فقوله: إن لي ولدًا، وأنا الأحدُ الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد\". فإن قيل: أين العامل في الظرف الذي هو \"إذا\" فالجواب: أنَّه منصوب بفعل مضمر دل عليه جزاء الشرط؛ وتقديره: أأخرج حيًّا إذا ما مت، أي: حين يتمكَّن في الموت والهلاك أخرج حيًّا. يعني لا يمكن ذلك. فإن قيل: لم لا تقول بأنه منصوب ب ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكور في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ على العادة المعروفة، من أن العامل في \"إذا\" هو جزاؤها؟ فالجواب: أن لام الابتداء في قوله: ﴿لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ مانعة من عمل ما بعدها فيما قبلها كما هو معلوم في علم العربية. فلا يجوز أن تقول: اليوم لزيد قائم؛ تعني لزيد قائم اليوم. وما زعمه بعضهم من أن حرف التنفيس الذي هو \"سوف\" مانع من عمل ما بعده فيما قبله أيضًا، حتَّى إنه على قراءة طلحة بن مصرف \"أئذا ما مت سأخرج حيًّا\" بدون اللام يمتنع نصب \"إذا\" بـ ﴿أُخْرَجُ﴾ المذكورة؛ فهو خلاف التحقيق.\nوالتحقيق أن حرف التنفيس لا يمنع من عمل ما بعده فيما قبله. ودليله وجوده في كلام العرب؛ كقول الشاعر:\nفلما رأته آمنا هان وجدها ... وقالت أَبونا هكذا سوف يفعل\nفقوله: \"هكذا\" منصوب بقوله: \"يفعل\" كما أوضحه أَبو حيان","vol":"4","page":430},{"text":"في البحر. وعليه فعلى قراءة طلحة بن مصرف فقوله: \"إذا\" منصوب بقوله: \"أخرج\" لعدم وجود اللام فيها وعدم منع حرف التنفيس من عمل ما بعده فيما قبله.\nتنبيه\nفإن قلت: لام الابتداء الداخلة على المضارع تعطي معنى الحال، فكيف جامعت حرف التنفيس الدال على الاستقبال؟ فالجواب: أن اللام هنا جردت من معنى الحال، وأخلصت لمعنى التوكيد فقط. ولذلك جامعت حرف الاستقبال كما بينه الزمخشري في الكشاف، وتعقبه أَبو حيان في البحر المحيط بأن من علماء العربية من يمنع أن اللام المذكورة تعطى معنى الحال، وعلى قوله يسقط الإشكال من أصله. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-913> قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾</span>.\nلما أقام الله جل وعلا البرهان على البعث بقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ أقسم جل وعلا بنفسه الكريمة، أنَّه يحشرهم أي الكافرين المنكرين للبعث وغيرهم من الناس، ويحشر معهم الشياطين الذين كانوا يضلونهم في الدنيا، وأنه يحضرهم حول جهنم جثيًّا. وهذان الأمران اللذان ذكرهما في هذه الآية الكريمة أشار إليهما في غير هذا الموضع. أما حشره لهم ولشياطينهم فقد أشار إليه في قوله: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ على أحد التفسيرات. وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ","vol":"4","page":431},{"text":"فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾.\nوأما إحضارهم حول جهنم جثيًّا فقد أشار له في قوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾، وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جِثِيًّا﴾، جمع جاث. والجاثي اسم فاعل جثا يجثو جثوًا. وجثى يجثي جثيًّا: إذا جلس على ركبتيه أو قام على أطراف أصابعه. والعادة عند العرب: أنهم إذا كانوا في موقف ضنك وأمر شديد، جثوا على ركبهم، ومنه قول بعضهم:\nفمن للحماة ومن للكماة ... إذا ما الكماة جثوا للركب\nإذا قيل مات أَبو مالك ... فتى المكرمات قريع العرب\nوكون معنى قوله: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ في هذه الآية، وقوله: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً﴾ الآية: أنَّه جثيهم على ركبهم هو الظاهر، وهو قول الأكثر، وهو الإطلاق المشهور في اللغة؛ ومنه قول الكميت:\nهم تركوا سَرَاتهم جثيًّا ... وهم دون السراة مقرَّنينا\nوعن ابن عبَّاس في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ أن معناه جماعات. وعن مقاتل ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾،: أي جمعًا جمعًا، وهو على هذا القول جمع \"جثوة\" مثلثة الجيم، وهي الحجارة المجموعة والتراب المجموع. فأهل الخمر يحضرون حول جهنم على حدة، وأهل الزنى على حدة؛ وأهل السرقة على حدة، وهكذا. ومن هذا المعنى قول طرفة بن العبد في معلقته:\nترى جُثْوتين من ترابٍ عليهما ... صفائحُ صمّ من صفيح منضَّد","vol":"4","page":432},{"text":"هكذا قال بعض أهل العلم. ولكنه يرد عليه أن \"فعلة\" كجثوة لم يعهد جمعها على \"فعول\" كجثى. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ بكسر الجيم إتباعًا للكسرة بعده وقرأ الباقون: (جُثِيًّا) بضم الجيم على الأصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-914> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩) ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾</span>.\nقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ أي: لنستخرجن ﴿مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ﴾ أي: من كل أمة أهل دين واحد. وأصل الشيعة فِعْلة كفرقة، وهي الطائفة التي شاعت غيرها أي: تبعته في هدى أو ضلال؛ تقول العرب: شاعه شياعًا: إذا تبعه.\nوقوله تعالى: ﴿أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ أي: لنستخرجن ولنميزن من كل طائفة من طوائف الغي والفساد أعصاهم فأعصاهم، وأعتاهم فأعتاهم، فيبدأ بتعذيبه وإدخاله النار على حسب مراتبهم في الكفر، والإضلال والضلال. وهذا هو الظاهر في معنى الآية الكريمة: أن الرؤساء القادة في الكفر يعذبون قبل غيرهم ويشدد عليهم العذاب لضلالهم وإضلالهم.\nوقد جاءت آيات من كتاب الله تعالى تدل على هذا، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣) وقوله: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ولأجل هذا كان في أمم النار أولى وأخرى.","vol":"4","page":433},{"text":"فالأولى: التي يبدأ بعذابها وبدخولها النار. والأخرى التي تدخل بعدها على حسب تفاوتهم في أنواع الكفر والضلال، كما قال تعالى: ﴿قَال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَينَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ بِالَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهَا صِلِيًّا (٧٠)﴾ يعني: أنَّه جل وعلا أعلم بمن يستحق منهم أن يصلى النار، ومن هو أولى بذلك. وقد بين أن الرؤساء والمرءوسين كلهم ممن يستحق ذلك في قوله: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ ..﴾ الآية، والصِّلِي مصدر صَلِي النار كرضي يصلاها صِلِيًّا -بالضم والكسر- إذا قاسى ألمها، وباشر حرها.\nواختلف العلماء في وجه رفع \"أي\" مع أنَّه منصوب؛ لأنه مفعول ﴿لَنَنْزِعَنَّ﴾؛ فذهب سيبويه ومن تبعه إلى أن لفظة \"أي\" موصولة، وأنها مبنية على الضم إذا كانت مضافة وصدر صلتها ضمير محذوف كما هنا. وعقده ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nأيٌّ كما وأُعْرِبت ما لم تُضَف ... وصدْرُ وصلها ضميرٌ انحَذَف\nوبعضُهم أعربَ مطلقًا .. إلخ. ويدل على صحة قول سيبويه ﵀ قول غسان بن وعلة:\nإذا ما لقيتَ بني مالك ... فسلِّم على أيُّهم أفضل","vol":"4","page":434},{"text":"والرواية بضم \"أيهم\"، وخالف الخليل ويونس وغيرهما سيبويه في \"أي\" المذكورة. فقال الخليل: إنها في الآية استفهامية محكية بقول مقدر، والتقدير: ثم لننزعن من كل شيعة الذي يقال فيه: أيهم أشد؛ وأنشد الخليل لهذا المعنى الذي ذهب إليه قول الشاعر:\nولقد أبيتُ من الفتاة بمنزل ... فأبيتُ لا حَرِج ولا محروم\nأي: فأبيت بمنزلة الذي يقال له: لا هو حرج ولا محروم. وأما يونس فذهب إلى أنَّها استفهامية أيضًا؛ لكنه حكم بتعليق الفعل قبلها بالاستفهام لأن التعليق عنده لا يختص بأفعال القلوب، واحتج لسيبويه على الخليل ويونس ومن تبعهما ببيت غسان بن وعلة المذكور آنفًا؛ لأن الرواية فيه بضم ﴿أَيُّهُمْ﴾ مع أن حروف الجر، لا يضمر بينها وبين معمولها قول ولا تعلق على الأصوب، وإن خالف فيه بعضهم ببعض التأويلات. وبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره بعضهم من أن جميع النحويين غلَّطوا سيبويه في قوله هذا في \"أي\" في هذه الآية الكريمة = خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى. وقرأ حمزة والكسائى وحفص ﴿عِتِيًّا﴾ بكسر العين. و﴿صِلِيًّا (٧٠)﴾ بكسر الصاد للإتباع. وقرأ الباقون بالضم فيهما على الأصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-915> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١) ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بورود النار في هذه الآية الكريمة على أقوال:\nالأول: أن المراد بالورود الدخول، ولكن الله يصرف أذاها","vol":"4","page":435},{"text":"عن عباده المتقين عند ذلك الدخول.\nالثاني: أن المراد بورود النار المذكور: الجواز على الصراط؛ لأنه جسر منصوب على متن جهنم.\nالثالث: أن الورود المذكور هو الإشراف عليها والقرب منها.\nالرابع: أن حظ المؤمنين من ذلك الورود هو حر الحمى في دار الدنيا. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على أحد المعاني الداخلة في معنى الآية بكونه هو الغالب في القرآن فغلبته فيه دليل استقرائي على عدم خروجه من معنى الآية. وقد قدمنا أمثلة لذلك. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن ابن عبَّاس ﵄ استدل على المراد بورود النار في الآية بمثل ذلك الدليل الذي ذكرنا أنَّه من أنواع البيان في هذا الكتاب المبارك.\nوإيضاحه: أن ورود النار جاء في القرآن في آيات متعددة، والمراد في كل واحدة منها الدخول. فاستدل بذلك ابن عبَّاس على أن الورود في الآية التي فيها النزاع هو الدخول، لدلالة الآيات الأخرى على ذلك، كقوله تعالى: ﴿يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾ قال: فهذا ورود دخول، وكقوله: ﴿لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ فهو ورود دخول أيضًا، وكقوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾ وبهذا استدل ابن عبَّاس على نافع بن الأزرق في أن الورود الدخول.","vol":"4","page":436},{"text":"واحتج من قال بأن الورود: الإشراف والمقاربة بقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ ...﴾   الآية. قال: فهذا ورود مقاربة وإشراف عليه. وكذا قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلُوْا وَارِدَهُمْ ...﴾ الآية. ونظيره من كلام العرب قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:\nفلما وردن الماء زرقًا جمامه ... وضعن عصى الحاضر المتخيم\nقالوا: والعرب تقول: وردت القافلة البلد وإن لم تدخله، ولكن قربت منه. واحتج من قال بأن الورود في الآية التي نحن بصددها؛ ليس نفس الدخول بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢)﴾ قالوا: إبعادهم عنها المذكور في هذه الآية يدل على عدم دخولهم فيها؛ فالورود غير الدخول.\nواحتج من قال: بأن ورود النار في الآية بالنسبة للمؤمنين -حر الحمى في دار الدنيا- بحديث: \"الحمى من فيح جهنم فأبردوها بالماء\" وهو حديث متفق عليه من حديث عائشة وأسماء ابنتي أبي بكر، وابن عمر ورافع بن خديج ﵃. ورواه البخاريّ أيضًا مرفوعًا عن ابن عبَّاس.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد دلت على أن الورود في الآية معناه الدخول أدلة: الأول: هو ما ذكره ابن عبَّاس ﵄ من أن جميع ما في القرآن من ورود النار معناه دخولها غير محل النزاع، فدل ذلك على أن محل النزاع كذلك، وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الدليل الثاني: هو أن في نفس الآية قرينة دالة على ذلك، وهي أنَّه تعالى لما خاطب جميع الناس بأنهم","vol":"4","page":437},{"text":"سيردون النار برهم وفاجرهم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ بيَّن مصيرهم ومآلهم بعد ذلك الورود المذكور بقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا﴾ أي: نترك الظالمين فيها؛ دليل على أن ورودهم لها دخولهم فيها، إذ لو لم يدخلوها لم يقل: ونذر الظالمين فيها؛ بل يقول: وندخل الظالمين، وهذا واضح كما ترى. وكذلك قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ دليل على أنهم وقعوا فيما من شأنه أنَّه هلكة، ولذا عطف على قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾، قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا﴾.\nالدليل الثالث: ما روى من ذلك عن النبي - ﷺ -، قال صاحب الدر المنثور في الكلام على هذه الآية الكريمة: أخرج أحمد وعبد بن حميد، والحكيم التِّرمِذي، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في البعث، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا ثم ينجي الله الذين اتقوا. فلقيت جابر بن عبد الله ﵄ فذكرت له ذلك فقال وأهوى بأصبعيه إلى أذنيه: صُمَّتا إن لم أكن سمعت رسول الله ﷺ يقول: \"لا يبقى بر ولا فاجر إلَّا دخلها: فتكون على المؤمنين بردًا وسلامًا كما كانت على إبراهيم، حتَّى إن للنار ضجيجًا من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثيا\" اهـ. وقال  ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف في هذا الحديث: رواه أحمد وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد قالوا: حدَّثنا سليمان بن حرب، وأخرجه أَبو يعلى والنَّسائي في الكنى، والبيهقي في الشعب في باب النار، والحكيم في","vol":"4","page":438},{"text":"النوادر، كلهم من طريق سليمان قال: حدَّثنا أَبو صالح غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فسألنا جابرًا فذكر الحديث أتم من اللفظ الذي ذكره الزمخشري. وخالفهم كلهم الحاكم فرواه من طريق سليمان بهذا الإسناد فقال عن سمية الأزدية عن عبد الرحمن بن شيبة بدل أبي سمية عن جابر اهـ. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال الإمام أحمد: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا غالب بن سليمان، عن كثير بن زياد البرساني، عن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن. وقال بعضهم: يدخلونها جميعًا ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبد الله فقلت: إنا اختلفنا في الورود فقال: يدخلونها جميعًا .. ثم ذكر الحديث المتقدم. ثم قال ابن كثير ﵀: غريب ولم يخرجوه.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الظاهر أن الإسناد المذكور لا يقل عن درجة الحسن لأن طبقته الأولى: سليمان بن حرب، وهو ثقة إمام حافظ مشهور. وطبقته الثانية: أَبو صالح أو أَبو سلمة غالب بن سليمان العتكي الجهضمي الخراساني أصله من البصرة، وهو ثقة. وطبقته الثالثة: كثير بن زياد أَبو سهل البرساني بصري نزل بلخ، وهو ثقة. وطبقته الرابعة: أَبو سمية وقد ذكره ابن حبان في الثقات، قاله ابن حجر في تهذيب التهذيب، وبتوثيق أبي سمية المذكور تتضح صحة الحديث؛ لأن غيره من رجال هذا الإسناد ثقات معروفون، مع أن حديث جابر المذكور يعتضد بظاهر القرآن وبالآيات الأخرى التي استدل بها ابن عبَّاس، وآثار جاءت عن علماء السلف ﵃ كما ذكره ابن كثير عن","vol":"4","page":439},{"text":"خالد بن معدان، وعبد الله بن رواحة ﵁، وذكره هو وابن جرير عن أبي ميسرة، وذكره ابن كثير عن عبد الله بن المبارك عن الحسن البصري، كلهم يقولون: إنه ورود دخول. وأجاب من قال: بأن الورود في الآية الدخول عن قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ بأنهم مبعدون عن عذابها وألمها. فلا ينافي ذلك ورودهم إياها من غير شعورهم بألم ولا حر منها كما أوضحناه في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية الكريمة.\nوأجابوا عن الاستدلال بحديث \"الحمى من فيح جهنم\" بالقول بموجبه، قالوا: الحديث حق صحيح ولكنه لا دليل فيه لمحل النزاع؛ لأن السياق صريح في أن الكلام في النار في الآخرة وليس في حرارة منها في الدنيا؛ لأن أول الكلام قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)  -إلى أن قال-  وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فدل على أن كل ذلك في الآخرة لا في الدنيا كما ترى. والقراءة في قوله تعالى: ﴿جِثِيًّا (٦٨)﴾ كما قدمنا في قوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨)﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي﴾ قرأه الكسائي بإسكان النون الثانية وتخفيف الجيم، وقرأه الباقون بفتح النون الثانية وتشديد الجيم. وقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب أن جماعة رووا عن ابن مسعود: أن ورود النار المذكور في الآية هو المرور عليها؛ لأن الناس تمر على الصراط وهو جسر منصوب على متن جهنم. وأن الحسن وقَتَادة رُوي عنهما نحو ذلك أيضًا. ورُوي عن ابن مسعود أيضًا مرفوعًا: أنهم يردونها جميعًا ويُصَدُّون عنها بحسب أعمالهم. وعنه أيضًا","vol":"4","page":440},{"text":"تفسير الورود بالوقوف عليها. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ يعني أن ورودهم النار المذكور كان حتمًا على ربك مقضيًّا، أي: أمرًا واجبًا مفعولًا لا محالة، والحتم: الواجب الذي لا محيد عنه. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nعبادك يخطئون وأنت رب ... يكفيك يكفيك المنايا والحتوم\nفقوله: \"والحتوم\" جمع حتم، يعني الأمور الواجبة التي لابد من وقوعها. وما ذكره جماعة من أهل العلم من أن المراد بقوله: ﴿حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ قسمًا واجبًا، كما رُوي عن عكرمة وابن مسعود ومجاهد وقَتَادة وغيرهم؛ لا يظهر كل الظهور.\nواستدل من قال: إن في الآية قسمًا بحديث أبي هريرة الثابت في الصحيحين. قال البخاري في صحيحه: حدَّثنا علي، حدَّثنا سفيان قال: سمعت الزُّهْريّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يموت لمسلم ثلاثة من الولد فيلج النار إلَّا تحلة القسم\" قال أَبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ اهـ. وقال مسلم في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد فتمسه النار إلَّا تحِلّة القسم\". حدَّثنا أَبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب قالوا: حدَّثنا سفيان بن عيينة (ح) وحدثنا عبد بن حميد، وابن رافع، عن عبد الرزاق، أخبرنا معمر كلاهما عن الزُّهْريّ بإسناد مالك، وبمعنى حديثه إلَّا أن في","vol":"4","page":441},{"text":"حديث سفيان: \"فيلج النار إلَّا تحلة القسم\" اهـ. قالوا: المراد بالقسم المذكور في هذا الحديث الصحيح هو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ وهو معنى ما ذكرنا عن البخاري في قوله: قال أَبو عبد الله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾. والذين استدلوا بالحديث المذكور على أن الآية الكريمة قسمًا اختلفوا في موضع القسم من الآية، فقال بعضهم: هو مقدر دل عليه الحديث المذكور، أي: والله وإن منكم إلَّا واردها. وقال بعضهم: هو معطوف على القسم قبله، والمعطوف على القسم قسم، والمعنى: فوربك لنحشرنهم والشياطين وربك إن منكم إلَّا واردها، وقال بعضهم: القسم المذكور مستفاد من قوله: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ أي قسمًا واجبًا كما قدمناه عن ابن مسعود ومجاهد، وعكرمة، وقَتَادة. وقال بعضهم: يحتمل أن يكون المراد بالقسم ما دل على القطع والبتّ من السياق؛  فإن قوله تعالى: ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْمًا مَقْضِيًّا (٧١)﴾ تذييل وتقرير لقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ وهذا بمنزلة القسم في تأكيد الإخبار. بل هذا أبلغ للحصر في الآية بالنفي والإثبات.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن الآية ليس يتعين فيها قسم؛ لأنها لم تقترن بأداة من أدوات القسم، ولا قرينة واضحة دالة على القسم، ولم يتعين عطفها على القسم. والحكم بتقدير قسم في كتاب الله دون قرينة ظاهرة فيه زيادة على معنى كلام الله بغير دليل يجب الرجوع إليه. وحديث أبي هريرة المذكور المتفق عليه لا يتعين منه أن في الآية قسمًا؛ لأن من أساليب اللغة العربية التعبير بتحلة القسم عن القلة","vol":"4","page":442},{"text":"الشديدة وإن لم يكن هناك قسم أصلًا. يقولون: ما فعلت كذا إلَّا تحلة القسم، يعنون إلَّا فعلًا قليلًا جدًا قدر ما يحلل به الحالف قسمه. وهذا أسلوب معروف في كلام العرب، ومنه قول كعب بن زهير في وصف ناقته:\nتَخْذِي على يَسَراتٍ وهي لاحِقَةٌ ... ذوابلٌ مَسُّهُنَّ الأرضَ تحليلُ\nيعني: أن قوائم ناقته لا تمس الأرض لشدة خفتها إلَّا قدر تحليل القسم، ومعلوم أنَّه لا يمين من ناقته أنَّها تمس الأرض حتَّى يكون ذلك المس تحليلًا لها كما ترى. وعلى هذا المعنى المعروف: فمعنى قوله - ﷺ - \"إلَّا تحلة\" أي: لا يلج النار إلَّا ولوجًا قليلًا جدًا لا ألم فيه ولا حر، كما قدمنا في حديث جابر المرفوع. وأقرب أقوال من قالوا: إن في الآية قسمًا قول من قال: إنه معطوف على قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾، لأن الجمل المذكورة بعده معطوفة عليه، كقوله: ﴿ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ﴾، وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لَنَحْنُ أَعْلَمُ﴾ لدلالة قرينة لام القسم في الجمل المذكورة على ذلك. أما قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إلا وَارِدُهَا﴾ فهو محتمل للعطف أيضًا، ومحتمل للاستئناف. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-916> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣) وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿خَيرٌ مَقَامًا﴾ قرأه ابن كثير بضم الميم. والباقون بفتحها. وقوله: ﴿وَرِئْيًا (٧٤)﴾ قرأه قالون وابن ذكوان \"ورِيّا\" بتشديد الياء من غير همز. وقرأه الباقون بهمزة","vol":"4","page":443},{"text":"ساكنة بعد الراء وبعدها ياء مخففة.\nومعنى الآية الكريمة: أن كفار قريش كانوا إذا يتلوا عليهم رسول الله - ﷺ - وأصحابه آيات هذا القرآن، في حال كونها بينات أي مرتلات الألفاظ، واضحات المعاني، بينات المقاصد، إما محكمات جاءت واضحة، أو متشابهات قد تبعها البيان بالمحكمات، أو تبيين الرسول - ﷺ - قولًا أو فعلًا، أو ظاهرات الإعجاز تحدى بها فلم يقدر على معارضتها، أو حججًا وبراهين.\nوالظاهر أن قوله: ﴿بَيِّنَاتٍ﴾ حال مؤكدة؛ لأن آيات الله لا تكون إلَّا كذلك. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا﴾ أي: إذا تُتلى عليهم آيات الله في حال كونها متصفة بما ذكرنا عارضوها واحتجوا على بطلانها، وأن الحق معهم لا مع من يتلوها، بشبهة ساقطة لا يحتج بها إلَّا من لا عقل له. ومضمون شبهتهم المذكورة: أنهم يقولون لهم: نحن أوفر منكم حظًّا في الدنيا، فنحن أحسن منكم منازل، وأحسن منكم متاعًا، وأحسن منكم منظرًا، فلولا أننا أفضل عند الله منكم لما آثرنا عليكم في الحياة الدنيا، وأعطانا من نعيمها وزينتها ما لم يعطكم.\nفقوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا﴾ أي. نحن وأنتم أينا خير مقامًا. والمقام على قراءة ابن كثير بضم الميم محل الإقامة، وهو المنازل والأمكنة التي يسكنونها. وعلى قراءة الجمهور فالمقام -بفتح الميم- مكان القيام وهو موضع قيامهم وهو مساكنهم ومنازلهم. وقيل: وهو موضع القيام بالأمور الجليلة. والأول هو الصواب.","vol":"4","page":444},{"text":"وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ أي: مجلسًا ومجتمعًا. والاستفهام في قوله: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ﴾ الظاهر أنَّه استفهام تقرير؛ ليحملوا به ضعفاء المسلمين الذين هم في تقشف ورثاثة هيئة على أن يقولوا أنتم خير مقامًا وأحسن نديًا منا. وعلى كل حال فلا خلاف أن مقصودهم بالاستفهام المذكور أنهم -أي كفار قريش- خير مقامًا وأحسن نديًّا من أصحاب النبي - ﷺ -، وأن ذلك هو دليلهم على أنهم على الحق، وأنهم أكرم على الله من المسلمين.\nوما في التلخيص وشروحه من أن السؤال بـ ﴿أَيُّ﴾ في الآية التي نحن بصددها سؤال بها عما يميز أحد المشتركين في أمر يعمهما كالعادة في \"أي\"؛ غَلَطٌ منهم؛ لأنهم فسروا الآية الكريمة بغير معناها الصحيح. والصواب ما ذكرناه إن شاء الله تعالى.\nواستدلالهم هذا بحظهم في الحياة الدنيا على حظهم يوم القيامة، وأن الله ما أعطاهم في الدنيا إلَّا لمكانتهم عنده، واستحقاقهم لذلك لسخافة عقولهم = ذكره الله تعالى في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ وَإِذْ لَمْ يَهْتَدُوا بِهِ فَسَيَقُولُونَ هَذَا إِفْكٌ قَدِيمٌ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾، وقوله: ﴿قَال مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا (٣٥) وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا","vol":"4","page":445},{"text":"مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فكل هذه الآيات دالة على أنهم لجهلهم يظنون أن الله لم يعطهم نصيبًا من الدنيا إلَّا لرضاه عنهم، ومكانتهم عنده، وأن الأمر في الآخرة سيكون كذلك.\nوقد أبطل الله تعالى دعواهم هذه في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ والمعنى: أهلكنا قرونًا كثيرة، أي: إنما كانت قبلهم وهم أكثر نصيبًا في الدنيا منهم، فما منعهم ما كان عندهم من زينة الدنيا ومتاعها من إهلاك الله إياهم لما عصوا وكذبوا رسله، فلو كان الحظ والنصيب في الدنيا يدل على رضا الله والمكانة عنده، لما أهلك الذين من قبلكم، الذين هم أحسن أثاثًا ورئيًا منكم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَمْ﴾ هي الخبرية، ومعناها الإخبار بعدد كثير، وهي في محلِّ نصب على المفعول به لأهلكنا، أي: أهلكنا كثيرًا. و﴿مِنْ﴾ مبينة لـ ﴿وَكَمْ﴾ وكل أهل عصر قَرْن لمن بعدهم لأنهم يتقدمونهم. قيل: سموا قرنًا لاقترانهم في الوجود. والأثاث: متاع البيت. وقيل: هو الجديد من الفرش. وغير الجديد منها يسمى \"الخُرْثيّ\" بضم الخاء وسكون الراء والثاء المثلثة بعدها ياء مشددة. وأنشد لهذا التفصيل الحسن بن علي الطوسي قول الشاعر:\nتقادم العهد من أم الوليد بنا ... دهرًا وصار أثاث البيت خُرْثيّا\nوالإطلاق المشهور في العربية هو إطلاق الأثاث على متاع","vol":"4","page":446},{"text":"البيت مطلقًا. قال الفراء: لا واحد له. ويطلق الأثاث على المال أجمع: الإبل، والغنم، والعبيد، والمتاع. والواحد أثاثة. وتأثث فلان: إذا أصاب رياشًا، قاله الجوهري عن أبي زيد. وقوله: ﴿وَرِئْيًا  (٧٤)﴾ على قراءة الجمهور مهموزًا، أي: أحسن منظرًا وهيئة، وهو فعل بمعنى مفعول من رأى البصرية. والمراد به الذي تراه العين من هيأتهم الحسنة ومتاعهم الحسن. وأنشد أَبو عبيدة لمحمد بن نمير الثقفي في هذا المعنى قوله:\nأشاقتك الظعائن يوم بانوا ... بذي الرِّئي الجميل من الأثاث\nوعلى قراءة قالون وابن ذكوان بتشديد الياء من غير همز. فقال بعض العلماء: معناه معنى القراءة الأولى، إلَّا أن الهمزة أبدلت ياء فأدغمت في الياء. وقال بعضهم: لا همز على قراءتهما أصلًا بل عليها  (^١)  فهو من الرِّي الذي هو النعمة والترَفُّه، من قولهم: هو ريَّان من النعيم، وهي رَيًّا منه. وعلى هذا فالمعنى أحسن نعمة وترَفّها. والأول أظهر عندي. والله تعالى أعلم.\nوالآيات التي أبطل الله بها دعواهم هذه كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ  (١٧٨)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ  (٣٧)﴾؛ وقوله: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ  (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ\n_________\n(^١)  كذا!.","vol":"4","page":447},{"text":"بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وقد قدمنا شيئًا من ذلك.\nوقول الكفار الذي حكاه الله عنهم في هذه الآية الكريمة: ﴿أَيُّ الْفَرِيقَينِ خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ الظاهر فيه أن وجه ذكرهم للمقام والندي: أن المقام هو محل السكنى الخاص لكل واحد منهم. والندي محل اجتماع بعضهم ببعض، فإذا كان كل منهما للكفار أحسن من نظيره عند المسلمين دل ذلك على أن نصيبهم في الدنيا أوفر من نصيب أصحاب النبي - ﷺ - في ذلك الوقت. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:\nيومان يوم مقامات وأندية ... ويوم سير إلى الأعداء تأويب\nوالمقامات: جمع مقامة بمعنى المقام. والأندية: جمع ناد بمعنى الندي وهو مجلس القوم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ فالنادي والندي يطلقان على المجلس، وعلى القوم الجالسين فيه. وكذلك المجلس يطلق على القوم الجالسين، ومن إطلاق الندي على المكان قول الفرزدق:\nوما قام منا قائم في نديِّنا ... فينطق إلَّا بالتي هي أعرف\nوقوله تعالى هنا: ﴿وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾.\nومن إطلاقه على القوم قوله: ﴿فَلْيَدْعُ نَادِيَهُ (١٧) سَنَدْعُ الزَّبَانِيَةَ (١٨)﴾.\nومن إطلاق المجلس على القوم الجالسين فيه قول ذي الرمة:\nلهم مجلس صهب السبال أذلة ... سواسية أحرارها وعبيدها\nوالجملة في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾؛ قال الزمخشري:","vol":"4","page":448},{"text":"هي في محل نصب صفة لقوله: ﴿وَكَمْ﴾ ألا ترى أنك لو تركت لفظة ﴿هُمْ﴾ لم يكن لك بد من نصب ﴿أَحْسَنُ﴾ على الوصفية اهـ. وتابع الزمخشري أَبو البقاء على ذلك. وتعقبه أَبو حيان في البحر بأن بعض علماء النحو نصوا على أن ﴿وَكَمْ﴾ سواء كانت استفهامية أو خبرية لا توصف ولا يوصف بها. قال: وعلى هذا يكون ﴿هُمْ أَحْسَنُ﴾ في موضع الصفة لـ ﴿قَرْنٍ﴾ وجمع نعت القرن اعتبارًا لمعنى القرن، وهذا هو الصواب عندي لا ما ذكره الزمخشري وأَبو البقاء. وصيغة التفضيل في قوله: ﴿هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا (٧٤)﴾ تلزمها ﴿مِنْ﴾ لتجردها من الإضافة والتعريف، إلَّا أنَّها محذوفة لدلالة المقام عليها. والتقدير: هم أحسن أثاثًا ورئيًا منهم، على حد قوله في الخلاصة:\nوأفعلَ التفضيلِ صِلْه أبدًا ... تقديرًا أو لفظًا بِمِن إن جُرَّدا\nفإن قيل: أين مرجع الضمير في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا. . .﴾ الآية؟ فالجواب: أنَّه راجع إلى الكفار المذكورين في قوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ ...﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (٧٢)﴾ قاله القرطبي. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-917> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾</span>.\nفي معنى هذه الآية الكريمة وجهان من التفسير معروفان عند العلماء. وكلاهما يشهد له قرآن:\nالأول: أن الله جل وعلا أمر نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن","vol":"4","page":449},{"text":"يقول هذه الكلمات كدعاء المباهلة بينه وبين المشركين. وإيضاح معناه: قل يا نبي الله (- ﷺ -) لهؤلاء المشركين الذين ادعوا أنهم خير منكم، وأن الدليل على ذلك أنهم خير منكم مقامًا وأحسن منكم نديًّا: من كان مِنَّا ومنكم في الضلالة أي السَّفر والضلال عن طريق الحق فليمدد له الرحمن مدًّا، أي فليمهله الرحمن إمهالًا فيما هو فيه حتَّى يستدرجه بالإمهال ويموت على ذلك ولا يرجع عنه، بل يستمر على ذلك حتَّى يرى ما يوعده الله، وهو إما عذاب في الدنيا بأيدي المسلمين، كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ﴾ أو بغير ذلك. وإما عذاب الآخرة إن ماتوا وهم على ذلك الكفر. وعلى ذلك التفسير فصيغة الطلب المدلول عليها باللام في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ على بابها. وعليه فهي لام الدعاء بالإمهال في الضلال على الضال من الفريقين، حتَّى يرى ما يوعده من الشر وهو على أقبح حال من الكفر والضلال. واقتصر على هذا التفسير ابن كثير وابن جرير، وهو الظاهر من صيغة الطلب في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ ونظير هذا المعنى في القرآن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١)﴾ لأنه على ذلك التفسير يكون في كلتا الآيتين دعاء بالشر على الضال من الطائفتين. وكذلك قوله تعالى في اليهود: ﴿فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٤)﴾ في \"البقرة والجمعة\" عند من يقول: إن المراد بالتمني الدعاء بالموت على الكاذبين من الطائفتين، وهو اختيار ابن كثير. وظاهر الآية لا يساعد عليه.\nالوجه الثاني: أن صيغة الطلب في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ يراد بها","vol":"4","page":450},{"text":"الإخبار عن سنة الله في الضالين، وعليه فالمعنى: أن الله أجرى العادة بأنه يمهل الضال ويملي له فيستدرجه بذلك، حتَّى يرى ما يوعده وهو في غفلة وكفر وضلال.\nوتشهد لهذا الوجه آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا ...﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً ..﴾ الآية، كما قدمنا قريبًا بعض الآيات الدالة عليه.\nومما يؤيد هذا الوجه ما أخرجه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن حبيب بن أبي ثابت قال: في حرف أُبيّ: \"قل من كان في الضلالة فإنه يزيده الله ضلالة\" اهـ قاله صاحب الدر المنثور. ومثل هذا من جنس التفسير لا من جنس القراءة. فإن قيل على هذا الوجه؛ ما النكتة في إطلاق صيغة الطلب في معنى الخبر؟ فالجواب: أن الزمخشري أجاب في كشافه عن ذلك، قال: في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾: أي مد له الرحمن، يعني أمهله وأملى له في العمر؛ فأخرج على لفظ الأمر إيذانًا بوجوب ذلك، وأنه مفعول لا محالة، كالمأمور به الممتثل لتنقطع معاذير الضال، ويقال له يوم القيامة: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ﴾ اهـ محل الغرض منه. وأظهر الأقوال عندي في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا رَأَوْا مَا يُوعَدُونَ﴾ أنَّه متعلق بما قبله لا بما يليه، والمعنى: فليمدد له الرحمن مدًّا حتَّى إذا رأى ما يوعد عَلِم أن الأمر على خلاف ما كان يظن. وقال: الزمخشري: إن ﴿حَتَّى﴾ في هذه الآية هي التي تحكى بعدها الجمل. واستدل على ذلك بمجيء الجملة الشرطية بعدها.","vol":"4","page":451},{"text":"وقوله: ﴿مَا يُوعَدُونَ﴾ لفظة ﴿مَا﴾ مفعول به لـ﴿رَأَوْا﴾. وقوله: ﴿إِمَّا الْعَذَابَ وَإِمَّا السَّاعَةَ﴾ بدل من المفعول به الذي هو ﴿مَا﴾  . ولفظة ﴿مَنْ﴾ من قوله: ﴿فَسَيَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ ...﴾ الآية، قال بعض العلماء: هي موصولة في محل نصب على المفعول به ليعلمون. وعليه فعلم هنا عرفانية تتعدى إلى مفعول واحد. وقال بعض أهل العلم: ﴿مَنْ﴾ استفهامية والفعل القلبي الذي هو يعلمون معلق بالاستفهام. وهذا أظهر عندي.\nوقوله: ﴿شَرٌّ مَكَانًا وَأَضْعَفُ جُنْدًا (٧٥)﴾ في مقابلة قولهم: ﴿خَيرٌ مَقَامًا وَأَحْسَنُ نَدِيًّا (٧٣)﴾ لأن مقامهم هو مكانهم ومسكنهم. والندي: المجلس الجامع لوجوه قومهم وأعوانهم وأنصارهم. والجند: هم الأنصار والأعوان، فالمقابلة المذكورة ظاهرة. وقد دلت آية من كتاب الله على إطلاق ﴿شَرٌّ مَكَانًا﴾. والمراد اتصاف الشخص بالشر لا المكان؛ وهو قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَال أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ فتفضيل المكان في الشر هاهنا الظاهر أن المراد به تفضيله إخوته في الشر على نفسه فيما نسبوا إليه من شر السرقة لا نفس المكان، اللهم إلَّا أن يراد بذلك المكان المعنوي: أي أنتم شر منزلة عند الله تعالى.\nوقوله في هذه الآيات المذكورة (مقامًا، ونديًّا، وأثاثًا، ومكانًا، وجندًا) كل واحد منها تمييز محول عن الفاعل، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوالفاعلَ المعنى انصِبَنْ بأفعلا ... مفَضِّلًا كأنت أعلى منزِلا","vol":"4","page":452},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-918> قوله تعالى: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾</span>.\nقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ دليل على رجحان القول الثاني في الآية المتقدمة. وأن المعنى: أن من كان في الضلالة زاده الله ضلالة، ومن اهتدى زاده الله هدى. والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله في الضلال: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيهَا بِكُفْرِهِمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ ...﴾ الآية، كما قدمنا كثيرًا من الآيات الدالة على هذا المعنى.\nوقال في الهدى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾، وقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ...﴾ الآية؛ وقد جمع بينهما في آيات أخر؛ كقوله: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إلا خَسَارًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيهِمْ عَمًى ...﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ (١٢٥)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقوله: ﴿وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ تقدم إيضاحه في سورة \"الكهف\".","vol":"4","page":453},{"text":"فإن قيل: ظاهر الآية أن لفظة ﴿خَيرٌ﴾ في قوله: ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ صيغة تفضيل، والظاهر أن المفضل عليه هو جزاء الكافرين؛ ويدل لذلك ما قاله صاحب الدر المنثور، قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿خَيرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾. يعني خير جزاء من جزاء المشركين. ﴿وَخَيرٌ مَرَدًّا (٧٦)﴾ يعني: مرجعًا من مرجعهم إلى النار. والمعروف في العربية أن صيغة التفضيل تقتضي مشاركة المفضل والمفضل عليه في أصل المصدر، مع أن المفضل يزيد فيه على المفضل عليه. والخيرية منفية بتاتًا عن جزاء المشركين وعن مرَدِّهم، فلم يشاركوا في ذلك المسلمين حتَّى يفضلوا عليهم.\nفالجواب: أن الزمخشري في كشافه حاول الجواب عن هذا السؤال بما حاصله: أنَّه كأنه قيل: ثوابهم النار، والجنة خير منها على طريقة قول بشر بن أبي حازم:\nغضبت تميم أن تقتل عامر ... يوم النسار فأُعْتِبوا بالصيلم\nفقوله: \"أعتبوا بالصيلم\" يعني: أُرْضوا بالسيف، أي: لا رضي لهم عندنا إلَّا السيف نقتلهم به. ونظيره قول عمرو بن معدي كرب:\nوخيل قد دلفت لها بخيل ... تحيةَ بَينَهم ضرب وجيع\nأي: لا تحية بينهم إلَّا الضرب الوجيع. وقول الآخر:\nشجعاء جرتها الذميل تلوكه ... أصلًا إذا راح المطى غراثا\nيعني: أن هذه الناقة لا جرة لها تخرجها من كرشها فتمضغها إلَّا السير. وعلى هذا المعنى فالمراد: لا ثواب لهم إلَّا النار.","vol":"4","page":454},{"text":"وباعتبار جعلها ثوابًا بهذا المعنى فضل عليها ثواب المؤمنين. هذا هو حاصل جواب الزمخشري مع إيضاحنا له.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ويظهر لي في الآية جواب آخر أقرب من هذا، وهو أنا قدمنا أن القرآن والسنة الصحيحة دلًّا على أن الكافر يُجازَى بعمله الصالح في الدنيا، فإذا برَّ والديه ونفَّس عن المكروب، وقرى الضيف، ووصل الرحم مثلًا يبتغي بذلك وجه الله فإن الله يثيبه في الدنيا، كما قدمنا دلالة الآيات عليه، وحديث أَنس عند مسلم. فثوابه هذا الراجع إليه من عمله في الدنيا، هو الذي فضل الله عليه في الآية ثواب المؤمنين. وهذا واضح لا إشكال فيه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-919> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾</span>.\nأخرج الشيخان وغيرهما من غير وجه عن خبَّاب بن الأرتّ ﵁ قال: جئت العاص بن وائل السهمى أتقاضاه حقًّا لي عنده؛ فقال: لا أعطيك حتَّى تكفر بمحمد (- ﷺ -). فقلت: لا، حتَّى تموت ثم تبعث. قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قلت: نعم. قال: إن لي هناك مالًا وولدًا فأقضيك؛ فنزلت هذه الآية: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾. وقال بعض أهل العلم: إن مراده بقوله: ﴿لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ الاستهزاء بالدين وبخباب بن الأرت ﵁، والظاهر: أنَّه زعم أنَّه يؤتى مالًا وولدًا قياسا منه للآخرة على الدنيا، كما بينا الآيات الدالة على ذلك؛ كقوله: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾، وقوله:","vol":"4","page":455},{"text":"﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ ..﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي (وَوُلْدًا) بضم الواو الثانية وسكون اللام. وقرأه الباقون بفتح الواو واللام معًا، وهما لغتان معناهما واحد كالعَرَب والعُرْب، والعَدَم والعُدْم. ومن إطلاق العرب الوُلْد بضم الواو وسكون اللام كقراءة حمزة والكسائي قول الحارث بن حِلِّزة:\nولقد رأيت معاشرًا ... قد ثمَّروا مالًا ووُلْدًا\nوقول رؤبة:\nالحمد لله العزيز فردًا ... لم يتخذ من وُلْد شيء وُلْدا\nوزعم بعض علماء العربية: أن الوَلَد بفتح الواو واللام مفرد. وأن الوُلْد بضم الواو وسكون اللام جمع له؛ كأَسَد بالفتح يجمع على أُسْد بضم فسكون. والظاهر عدم صحة هذا.\nومما يدل على أن \"الوُلْد\" بالضم ليس يجمع قول الشاعر:\nفليت فلانًا كان في بطن أمه ... وليت فلانًا كان وُلْدَ حمارِ\nلأن \"الوُلْد\" في هذا البيت بضم الواو وسكون اللام، وهو مفرد قطعًا كما ترى.\n\n• قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا﴾.\nاعلم أن الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد على العاص بن وائل السهمي قوله: إنه يؤتى يوم القيامة مالًا وولدًا، بالدليل","vol":"4","page":456},{"text":"المعروف عند الجدليين بالتقسيم والترديد، وعند الأصوليين بالسبر والتقسيم. وعند المنطقيين بالشرطي المنفصل.\nوضابط هذا الدليل العظيم أنَّه متركب من أصلين: أحدهما: حصر أوصاف المحل بطريق من طرق الحصر، وهو المعبر عنه بالتقسيم عند الأصوليين والجدليين، وبالشرطي المنفصل عند المنطقيين.\nوالثاني: هو اختيار تلك الأوصاف المحصورة، وإبطال ما هو باطل منها وإبقاء ما هو صحيح منها كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. وهذا الأخير هو المعبر عنه عند الأصوليين بـ\"السبر\"، وعند الجدليين بـ\"الترديد\"، وعند المنطقيين بـ\"الاستثناء في الشرطي المنفصل\". والتقسيم الصحيح في هذه الآية الكريمة يحصر أوصاف المحل في ثلاثة، والسبر الصحيح يبطل اثنين منها ويصحح الثالث. وبذلك يتم إلقام العاص بن وائل الحجر في دعواه: أنَّه يؤتى يوم القيامة مالًا وولدًا.\nأما وجه حصر أوصاف المحل في ثلاثة فهو أنا نقول: قولك: إنك تؤتى مالًا وولدًا يوم القيامة، لا يخلو مستندك فيه من واحد من ثلاثة أشياء:\nالأول: أن تكون اطلعت على الغيب، وعلمت أن إيتاءك المال والولد يوم القيامة مما كتبه الله في اللوح المحفوظ.\nوالثاني: أن يكون الله أعطاك عهدًا بذلك، فإنه إن أعطاك عهدًا لن يخلفه.","vol":"4","page":457},{"text":"الثالث: أن تكون قلت ذلك افتراءً على الله من غير عهد ولا اطلاع غيب.\nقد ذكر تعالى القسمين الأولين في قوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ مبطلًا لهما بأداة الإنكار. ولا شك أن كلا هذين القسمين باطل؛ لأن العاص المذكور لم يَطَّلع الغيب؛ ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا. فتعين القسم الثالث، وهو أنَّه قال ذلك افتراء على الله. وقد أشار تعالى إلى هذا القسم الذي هو الواقع بحرف الزجر والردع وهو قوله: ﴿كَلَّا﴾ أي: لأنه يلزمه ليس الأمر كذلك، لم يطلع الغيب، ولم يتخذ عند الرحمن عهدًا، بل قال ذلك افتراء على الله؛ لأنه لو كان أحدهما حاصلًا لم يستوجب الردع عن مقالته كما ترى. وهذا الدليل الذي أبطل به دعوى ابن وائل هذه هو الذي أبطل به بعينه دعوى اليهود: أنهم لن تمسهم النار إلَّا أيامًا معدودة في سورة \"البقرة\"، وصرح في ذلك بالقسم الذي هو الحق، وهو أنهم قالوا ذلك كذبًا من غير علم. وحذف في \"البقرة\" قسم اطلاع الغيب المذكور في \"مريم\" لدلالة ذكره في \"مريم\" على قصده في \"البقرة\" كما أن كذبهم الذي صرح به في \"البقرة\" لم يصرح به في \"مريم\"؛ لأن ما في \"البقرة\" يبين ما في \"مريم\" لأن القرآن العظيم يبين بعضه بعضًا؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إلا أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ فالأوصاف هنا هي الأوصاف الثلاثة المذكورة في \"مريم\" كما أوضحنا، وما حذف منها يدل عليه ذكره في \"مريم\" فاتخاذ العهد ذكره في \"البقرة ومريم\" معًا، والكذب في ذلك على الله صرح به","vol":"4","page":458},{"text":"في \"البقرة\" بقوله: ﴿أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)﴾ وأشار إليه في \"مريم\" بحرف الزجر الذي هو ﴿كَلَّا﴾ واطلاع الغيب صرح به في \"مريم\" وحذفه في \"البقرة\" لدلالة ما في \"مريم\" على المقصود في \"البقرة\" كما أوضحنا.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:\nالمسألة الأولى\nاعلم أن هذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم تكرر وروده في القرآن العظيم، وقد ذكرنا الآن مثالين لذلك أحدهما في \"البقرة\" والثاني في \"مريم\" كما أوضحناه آنفًا. وذكر السيوطي في الإتقان في كلامه على جدل القرآن مثالًا واحدًا للسبر والتقسيم، ومضمون المثال الذي ذكره باختصار، هو ما تضمنه قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَينِ﴾ الآيتين، فكأن الله يقول للذين حرموا بعض الإناث كالبحائر والسوائب دون بعضها، وحرموا بعض الذكور كالحامي دون بعضها: لا يخلو تحريمكم لبعض ما ذكر دون بعضه من أن يكون معللًا بعلة معقولة أو تعبديًّا. وعلى أنَّه معلل بعلة؛ فإما أن تكون العلة في المحرم من الإناث الأنوثة، ومن الذكور الذكورة. أو تكون العلة فيهما معًا التخلق في الرحم، واشتمالها عليهما. هذه هي الأقسام التي يمكن ادعاء إناطة الحكم بها. ثم بعد حصر الأوصاف بهذا التقسيم نرجع إلى سبر الأقسام المذكورة؛ أي: اختبارها ليتميز الصحيح من الباطل، فنجدها كلها باطلة بالسبر الصحيح؛ لأن كون العلة المذكورة يقتضي تحريم كل ذكر وأنتم تحلون بعض الذكور، فدل ذلك على بطلان","vol":"4","page":459},{"text":"التعليل بالذكورة، لقادح النقض الذي هو عدم الاطراد. وكون العلة الأنوثة يقتضي تحريم كل أنثى كما  (^١)  ذكرنا فيما قبله. وكون العلة اشتمال الرحم عليهما يقتضي تحريم الجميع. وإلى هذا الإبطال أشار تعالى بقوله: ﴿قُلْ آلذَّكَرَينِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَينِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَينِ﴾ أي فلو كانت العلة الذكورة لحرم كل ذكر. ولو كانت الأنوثة لحرمت كل أنثى. ولو كانت اشتمال الرحم عليهما لحرم الجميع. وكون ذلك تعبديًّا يقتضي بأن الله وصاكم به بلا واسطة؛ إذ لم يأتكم منه رسول بذلك. فدل ذلك على أنَّه باطل أيضًا، وأشار تعالى إلى بطلانه بقوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ ثم بين أن ذلك التحريم بغير دليل من أشنع الظلم، وأنه كذب مفترى وإضلال بقوله: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ  (١٤٤)﴾، ثم أكد عدم التحريم في ذلك بقوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ﴾.\nوالحاصل: أن إبطال جميع الأوصاف المذكورة دليل على بطلان الحكم المذكور كما أوضحنا. ومن أمثلة السبر والتقسيم في القرآن قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ  (٣٥)﴾ فكأنه تعالى يقول: لا يخلو الأمر من واحدة من ثلاث حالات بالتقسيم الصحيح. الأولى: أن يكونوا خلقوا من غير شيء أي: بدون خالق أصلًا. الثانية: أن يكونوا خلقوا أنفسهم. الثالثة: أن يكون خلقهم\n_________\n(^١)  كذا، ولعله: \"ويقال فيه كما ... \".","vol":"4","page":460},{"text":"خالق غير أنفسهم. ولا شك أن القسمين الأولين باطلان، وبطلانهما ضروري كما ترى، فلا حاجة إلى إقامة الدليل عليه لوضوحه. والثالث: هو الحق الذي لا شك فيه، وهو جل وعلا خالقهم المستحق منهم أن يعبدوه وحده جل وعلا.\nواعلم أن المنطقيين والأصوليين والجدليين كل منهم يستعملون هذا الدليل في غرض ليس هو غرض الآخر من استعماله، إلَّا أن استعماله عند الجدليين أعم من استعماله عند المنطقيين والأصوليين.\nالمسألة الثانية\nاعلم أن مقصود الجدليين من هذا الدليل معرفة الصحيح والباطل من أوصاف محل النزاع، وهو عندهم يتركب من أمرين: الأول: حصر أوصاف المحل. والثاني: إبطال الباطل منها وتصحيح الصحيح مطلقًا، وقد تكون باطلة كلها فيتحقق بطلان الحكم المستند إليها، كآية ﴿قُلْ آلذَّكَرَينِ﴾ المتقدمة. وقد يكون بعضها باطلًا وبعضها صحيحًا: كآية \"مريم، والبقرة، والطور\" التي قدمنا إيضاح هذا الدليل في كل واحدة منها. وهذا الدليل أعم نفعًا، وأكثر فائدة على طريق الجدليين منه على طريق الأصوليين والمنطقيين.\nالمسألة الثالثة\nاعلم أن السبر والتقسيم عند الأصوليين يستعمل في شيء خاص، وهو استنباط علة الحكم الشرعي بمسلك السبر والتقسيم. وضابط هذا المسلك عند الأصوليين أمران: الأول: هو حصر أوصاف الأصل المقيس عليه بطريق من طرق الحصر التي سنذكر","vol":"4","page":461},{"text":"بعضها إن شاء الله تعالى. والثاني: إبطال ما ليس صالحًا للعلة بطريق من طرق الإبطال التي سنذكر أيضًا بعضها إن شاء الله تعالى. وزاد بعضهم أمرًا ثالثًا: وهو الإجماع على أن حكم الأصل معلل في الجملة لا تعبدي، والجمهور لا يشترطون هذا الأخير.\nوالحاصل: أن هذا الدليل يتركب عند الأصوليين من أمرين؛ الأول: حصر أوصاف المحل. والثاني: إبطال ما ليس صالحًا للعلة، فإن كان الحصر والإبطال معًا قطعيين فهو دليل قطعي، وإن كانا ظنيين أو أحدهما ظنيًّا فهو دليل ظني. ومثال ما كان الحصر والإبطال فيه قطعيين قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾ لأن حصر أوصاف المحل في الأقسام الثلاثة قطعي لا شك فيه؛ لأنهم إما أن يخلقوا من غير شيء أو يخلقوا أنفسهم أو يخلقهم خالق غير أنفسهم. ولا رابع ألبتة. وإبطال القسمين الأولين قطعي لا شك فيه، فيتعين أن الثالث حق لا شك فيه، وقد حُذِف في الآية لظهوره. فدلالة هذا السبر والتقسيم على عبادة الله وحده قطعية لا شك فيها، وإن كان المثال بهذه الآية للقطعي من هذا الدليل إنما يصح على المراد به عند الجدليين دون الأصوليين؛ لأن المراد التمثيل للقطعي من هذا الدليل ولو بمعناه الأعم، والقطعي منه لا يمكن الاختلاف فيه. وأما الظني فإن العلماء يختلفون فيه لاختلاف ظنون المجتهدين عند نظرهم في المسائل. وقد اختلفوا في الرِّبَا في أشياء كثيرة كالتفاح ونحوه. والنورة ونحوها، بسبب اختلافهم في إبطال ما ليس بصالح فيقول بعضهم: هذا وصف يصح إبطاله، ويقول الآخر: هو ليس بصالح فيلزم إبطاله، كقولهم مثلًا في حصر أوصاف البرِّ الذي هو الأصل مثلًا المحرم فيه الرِّبَا","vol":"4","page":462},{"text":"إذا أريد قياس الذرة عليه مثلًا: إما أن يكون علة تحريم الرِّبَا في البر الكيل أو الطعم أو الاقتيات والادخار أو هما وغلبة العيش به أو المالية والملكية. فيقول المالكي: غير الاقتيات والادخار باطل، ويدَّعي أن دليل بطلانه عدم الاطراد الذي هو النقض. ويقول الحنفي والحنبلي: غير الكيل من تلك الأوصاف باطل، والكيل هو العلة التي هي مناط الحكم، ويستدل على ذلك بأحاديث كحديث حيان بن عبيد الله عند الحاكم، وفيه بعد ذكر الستة التي يمنع فيها الرِّبَا: \"وكذلك كل ما يكال أو يوزن\"، وبالحديث الصحيح الذي فيه: وكذلك الميزان، كما قدمناه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على آية الرِّبَا. ويقول الشَّافعي: غير الطعم باطل، والعلة في تحريم الرِّبَا في البر الطعم، ويستدل بحديث معمر بن عبد الله عند مسلم \"الطَّعام بالطعام مثلًا بمثل ... \" الحديث كما تقدم إيضاحه أيضًا في البقرة. وهذا النوع من القياس الذي يختلف المجتهدون في العلة فيه هو المعروف عند أهل الأصول بمركب الأصل، وأشار إليه في مراقي السعود بقوله:\nوإن يكن لعلتين اختلفا ... تركَّب الأصل لدى من سلفا\nوأشار إلى مركب الوصف بقوله:\nمركب الوصف إذا الخَصمُ منع ... وجود ذا الوصف في الأصل المتبع\nوالقياس المركب بنوعيه المذكورين لا تنهض الحجة به على الخصم خلافًا لبعض الجدليين. وإلى كون رده بالنسبة للخصم المخالف هو المختار. أشار في مراقي السعود بقوله:\nورده انْتُقِي وقيل يُقبل ... وفي التقدم خلاف ينقل","vol":"4","page":463},{"text":"والضمير في قوله \"ورده\" راجع إلى المركب بنوعيه وهذا هو الحق؛ فلا تنهض الحجة بقول الشَّافعي: إن العلة في تحريم الرِّبَا في البر الطعم على الحنفي والحنبلي القائلين: إنها الكيل كالعكس وهكذا. أما في حق المجتهد ومقلديه فظنه المذكور حجة ناهضة له ولمقلديه.\nواعلم أن لحصر أوصاف المحل طرقًا؛ منها: أن يكون الحصر عقليًّا كما قدمنا في آية ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾. وكقولك: إما أن يكون النبي - ﷺ - عالمًا بهذا الأمر الذي تدعو الناس إليه أو غير عالم به؛ كما يأتي إيضاحه. فأوصاف المحل محصورة في الأمرين المذكورين إذ لا ثالث ألبتة؛ لأنه لا واسطة بين الشيء ونقيضه كما هو معروف. ومنها: أن يدل على الحصر المذكور إجماع؛ ومثل له بعض الأصوليين بإجبار البكر البالغة على النكاح عند من يقول به؛ فإن علة الإجبار إما الجهل بالمصالح، وإما البكارة؛ فإن قال المعترض: أين دليل حصر الأوصاف في الأمرين؟ أجيب: بأنه الإجماع على عدم التعليل بغيرهما، فلو ادعى المستدل حصر أوصاف المحل، فقال المعترض: أين دليل الحصر؟ فقال المستدل: بحثت بحثًا تامًّا عن أوصاف المحل فلم أجد غير ما ذكرت، أو قال: الأصل عدم غير ما ذكرت، فالصحيح أن هذا يكفيه في إثبات الحصر. فإن قال المعترض: أنا أعلم وصفًا زائدًا لم تذكره. قيل له: بَيِّنه، فإن لم يبينه سقط اعتراضه. وإن بين وصفًا زائدًا على الأوصاف التي ذكرها المستدل بطل حصر المستدل بمجرد إبداء المعترض الوصف الزائد؛ إلَّا أن يبين المستدل أنَّه لا يصلح للعلية فيكون إذًا وجوده وعدمه سواء. وقول من قال: إنه","vol":"4","page":464},{"text":"لا يكفيه قوله: بحثت فلم أجد غير هذا؛ خلاف التحقيق. وأشار في مراقي السعود إلى هذا المسلك من مسالك العلة بقوله:\nوالسبر والتقسيم قسم رابع ... أن يحصر الأوصاف فيه جامع\nويبطل الذي لها لا يصلح ... فيما بقي تعيينه متَّضِح\nمعترض الحصر في دفعه يرد ... بحثت ثم بعد بحثي لم أجد\nأو انفقاد ما سواها الأصل ... وليس في الحصر لظن حظل\nوهو قطعي إذا ما نُمِيا ... للقطع والظني سواه وُعيا\nحجية الظني عند الأكثر ... في حق ناظر وفي المناظر\nإن يبد وصفًا زائدًا معترض ... وفّى به دون البيان الغرض\nوقطع ذي السبر إذًا منحتم ... والأمر في إبطاله منبهم\nوقوله في هذه الأبيات \"في حق ناظر وفي المناظر\" محله ما لم يدع المناظر علة غير علته، وإن ادعاها فلا تكون علة أحدهما حجة على الآخر، كما أوضحناه آنفًا، وكما أشار له بقوله المذكور آنفًا \"ورده انتُقِي .. \" إلخ.\nوإذا حصل حصر أوصاف المحل فإبطال غير الصالح منها له طرق معروفة:\nمنها: بيان أن الوصف طردي محض، إما بالنسبة إلى جميع الأحكام كالطول والقصر، والبياض والسواد، أو بالنسبة إلى خصوص الحكم المتنازع في ثبوته أو نفيه، كالذكورة والأنوثة بالنسبة إلى باب العتق، فإنه لا فرق في أحكام العتق بين الذكر","vol":"4","page":465},{"text":"والأنثى؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إليه وصفان طرديان. وإن كانا غير طرديين في غير العتق كالإرث والشهادة، والقضاء وولاية النكاح؛ فإن الذكر في ذلك ليس كالأنثى. ويعرف كون الوصف طرديًّا (أي لا مدخل له في التعليل أصلًا) باستقراء موارد الشرع ومصادره، إما مطلقًا، وإما في بعض الأَبواب دون بعضها كما قدمناه آنفًا.\nومثال إبطال الطردي في جميع الأحكام: ما جاء في بعض روايات الحديث في المجامع في رمضان؛ فإن في بعض الروايات أنَّه أعرابي. وفي بعضها أنَّه جاء ينتف شعره ويضرب صدره. والقاعدة المقررة في الأصول: أن المثال لا يُعترض؛ لأن المراد منه بيان القاعدة. ويكفي فيه الفرض ومطلق الاحتمال، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوالشأن لا يُعْترض المثال ... إذ قد كفى الفَرْض والاحتمال\nفإذا عرفت ذلك فاعلم: أن كونه أعرابيًّا، وكونه جاء يضرب صدره وينتف شعره، من أوصاف المحل في هذا الحكم، وهي أوصاف يجب إبطالها وعدم تعليل وجوب الكفارة بها؛ لأنها أوصاف طردية لا تحصل من إناطة الحكم بها فائدة أصلًا، فالأعرابي وغيره في ذلك سواء. ومن جاء في سكينة ووقار، ومن جاء يضرب صدره وينتف شعره في ذلك سواء أيضًا. ومثال الإبطال يكون الوصف طرديًّا في الباب الذي فيه النزاع دون غيره حديث: \"من أعتق شركًا له في عبد وكان له مال يبلغ ثمن العبد قوم العبد عليه قيمة عدل، فأعطى شركاءه حصصهم وعتق عليه العبد .. \" الحديث،","vol":"4","page":466},{"text":"وهو متفق عليه من حديث ابن عمر، وقد قدمناه في سورة \"الإسراء والكهف\". فلفظ \"العبد\" الذَّكَر في هذا الحديث وصف طردي؛ فمن أعتق شركًا له في أمة فكذلك، لأنه عرف من استقراء الشرع أن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا تناط بهما أحكام العتق، وإن كانت الذكورة والأنوثة غير طرديين في غير العتق كالميراث والشهادة كما تقدم. والوصف الطردي في اصطلاح أهل الأصول: هو ما عُلِمَ من الشرع إلغاؤه وعدم اعتباره؛ لأنه ليس في إناطة الحكم به مصلحة أصلًا فهو خال من المناسبة، ومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر ألا تظهر للوصف مناسبة. والمناسبة في اصطلاح أهل الأصول: هي كون إناطة الحكم بالوصف تترتب عليها مصلحة، فعدم المناسبة المذكورة من طرق إبطاله في مسلك السبر، وإن كان عدم ظهور المناسبة في الوصف لا يبطله في بعض المسالك غير السبر كالإيماء على الأصح والدوران. فالأحوال ثلاثة:\nالأول: أن تظهر المناسبة، وظهورها لابد منه في مسلك السبر ومسلك المناسبة والإخالة.\nالثاني: ألا تظهر المناسبة ولا عدمها. وهذا يكفي في الدوران والإيماء على الصحيح.\nالثالث: أن يظهر عدم المناسبة، فيكون الوصف طرديًّا كما تقدم قريبًا.\nومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر: كون الوصف مُلْغى وإن كان مناسبًا للحكم المتنازع فيه، ويكون الإلغاء باستقلال","vol":"4","page":467},{"text":"الوصف المستبقى بالحكم دونه في صورة مجمع عليها؛ حكاه الفهري. ومثاله: قول الشَّافعي: إن الكيل والاقتيات ونحو ذلك أوصاف ملغاة بالنسبة إلى تحريم الرِّبَا في ملء كف من البر، لأنه لا يكال ولا يقات لقلته؛ فعِلَّة تحريم الرِّبَا فيه الطعم لاستقلال علة الطعم بالحكم دون غيرها من الأوصاف في هذه الصورة، والقصد مطلق التمثيل لا مناقشة الأمثلة.\nومن طرق الإبطال بعد ثبوت الحصر: كون الوصف الذي أبقاه المستدل متعديًا من محل الحكم إلى غيره، والوصف الذي يريد المعترض إبقاءه قاصر على محل الحكم. قال صاحب الضياء اللامع: وذلك يشبه تعارض العلة المتعدية والقاصرة، وهو كما قال، ومثاله: اختلاف الأئمة ﵏ في علة الكفارة في الإفطار عمدًا في نهار رمضان. فبعضهم يقول: العلة في ذلك خصوص الجماع. وبعضهم يقول: العلة في ذلك انتهاك حرمة رمضان. فكون الوصف المعلل به في هذا الحكم الجماع يقتضي عدم التعدي من محل الحكم إلى غيره، فلا تكون كفارة إلَّا في الجماع خاصة. وكونه في هذا الحكم انتهاك حرمة رمضان يقضي التعدي من محل الحكم إلى غيره، فتلزم الكفارة في الأكل والشرب عمدًا في نهار رمضان، بجامع انتهاك حرمة رمضان في الجميع من جماع وأكل وشرب، فيترجح هذا الوصف بكونه متعديًا على الآخر لقصوره على حمل الحكم. وقصدنا التمثيل لا مناقشة الأمثلة. ولا ينافي ما ذكرنا أن يأتي من يقول: العلة الجماع بمرجحات أخر لعلته، وأشار في مراقي السعود إلى طرق الإبطال المذكورة بقوله:\nأبطل لما طردا يرى ويبطل ... غير مناسب له المنخزل","vol":"4","page":468},{"text":"كذلك بالإلغا وإن قد ناسبا ... ويتعدى وصفه الذي اجتبى\nهذا هو حاصل كلام أهل الأصول في المقصود عندهم بهذا الدليل الذي هو السبر والتقسيم.\nالمسألة الرابعة\nاعلم أن المقصود من هذا الدليل المذكور عند المنطقيين يخالف المقصود منه عند الأصوليين والجدليين. فالتقسيم عند المنطقيين لا يكون إلا في الأوصاف التي بينها تناف وتنافر، وهذا التقسيم هو المعبر عنه عندهم بالشرطي المنفصل. ومقصودهم من ذكر تلك الأوصاف المتنافية هو أن يستدلوا بوجود بعضها على عدم بعضها، أو بعدمه على وجوده، وهذا هو المعبر عنه عندهم (بالاستثناء في الشرطي المنفصل)، وحرف الاستثناء عندهم هو \"لكن\"، والتنافي المذكور بين الأوصاف المذكورة يحصره العقل في ثلاثة أقسام؛ لأنه إما أن يكون في الوجود والعدم معًا، أو الوجود فقط، أو العدم فقط، ولا رابع البتة.\nفإن كان في الوجود والعدم معًا فهي عندهم الشرطية المنفصلة المعروفة بالحقيقية، وهي مانعة الجمع والخلو معًا، ولا تتركب إلا من النقيضين، أو من الشيء ومساوي نقيضيه. وضابطها أن طوفيها لا يجتمعان معًا ولا يرتفعان معًا؛ بل لابد من وجود أحدهما وعدم الآخر، وعدم اجتماعهما لما بينهما من المنافرة والعناد في الوجود، وعدم ارتفاعهما لما بينهما من المنافرة والعناد في العدم، وضروبها الأربعة منتجة، كما لو قلت: العدد إما زوج وإما فرد. فلو قلت: لكنه زوج أنتج فهو غير فرد. ولو قلت: لكنه فرد أنتج فهو غير","vol":"4","page":469},{"text":"زوج. ولو قلت: ولكنه غير زوج أنتج فهو فرد. ولو قلت: لكنه غير فرد أنتج فهو زوج. وضابط قياسها أنه يرجع إلى الاستدلال بعدم النقيض، أو مساويه على وجود النقيض، أو مساويه كعكسه.\nوإن كان التنافر والعناد بين طرفيها في الوجود فقط: فهي مانعة الجمع المجوزة للخلو، ولا يلزم فيها حصر الأوصاف، ولا تتركب إلا من قضية وأخص من نقيضها، وضابطها: أن طرفيها لا يجتمعان لما بينهما من المنافرة والعناد في الوجود، ولا مانع من ارتفاعهما لعدم العناد والمنافرة بينهما في العدم. ومانعة الجمع المذكورة ينتج من قياسها ضربان، ويعقم منه ضربان. ومثالها قولك: الجسم إما أبيض، وإما أسود، فإن استثناء عين كل واحد من الطرفين ينتج نقيض الآخر. بخلاف استثناء نقيض أحدهما فلا ينتج شيئًا. فلو قلت: الجسم إما أبيض، وإما أسود لكنه أبيض، أنتج فهو غير أسود. وإن قلت: لكنه أسود أنتج فهو غير أبيض. بخلاف ما لو قلت: لكنه غير أبيض فلا ينتج كونة أسود؛ لأن غير الأبيض صادق بالأسود وغيره. وكذلك لو قلت: لكنه غير أسود، فلا ينتج كونه أبيض لصدق غير الأسود بالأبيض وغيره، فلا مانع من انتفاء الطرفين وكون جسم غير أبيض وغير أسود؛ لأن مانعة الجمع تجوز الخلو من الطرفين بأن يكونا معدومين معًا. وإنما جاز فيها الخلو من الطرفين معًا لواحد من سببين.\nالأول: وجود واسطة أخرى غير طرفي القضية المذكورة. فقولنا في المثال السابق: الجسم إما أبيض وإما أسود، يجوز فيه الخلو عن البياض والسواد لوجود واسطة أخرى من الألوان غير السواد والبياض؛ كالحمرة والصفرة مثلًا. فالجسم الأحمر مثلًا غير","vol":"4","page":470},{"text":"أبيض ولا أسود.\nالسبب الثاني: ارتفاع المحل، كقولك: الجسم إما متحرك، وإما ساكن، فإنه إن انعدم بعض الأجسام التي كانت موجودة ورجع إلى العدم بعد الوجود فإنه يرتفع عنه كل من طرفي القضية المذكورة، فلا يقال للمعدوم: هو ساكن ولا متحرك؛ لأن المعدوم ليس بشيء، بدليل قوله تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيئًا (٩)﴾، وقوله: ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾.\nوإن كان العناد والمنافرة بين طرفيها في العدم فقط: فهي مانعة الخلو المجوزة للجمع. وهي عكس التي ذكرنا قبلها تصورًا وإنتاجًا، ولا تتركب إلا من قضية وأعم من نقيضها. وضابطها: أن طرفيها لا يرتفعان لما بينهما من المنافرة والعناد في العدم، ولا مانع من اجتماعهما لعدم المنافرة والعناد بينهما في الوجود. ومثالها: الجسم إما غير أبيض، وإما غير أسود، فإن هذا المثال قد يجتمع فيه الطرفان فلا مانع من وجود جسم موصوف بأنه غير أبيض وغير أسود، كالأحمر فإنه غير أبيض وغير أسود، ولكنه لا يمكن بحال وجود جسم خال من طرفي هذه القضية التي مثلنا بها، فيكون خاليًا من كونه غير أبيض وغير أسود؛ لأنك إذا نفيت غير أبيض أثبت أنه أبيض؛ لأن نفي النفي إثبات. وإذا أثبت أنه أبيض استحال ارتفاع الطرف الثاني الذي هو غير أسود؛ لأن الأبيض موصوف ضرورة بأنه غير أسود، وهكذا في الطرف الآخر؛ لأنك إذا نفيت غير أسود أثبت أنه أسود، وإذا أثبت أنه أسود لزم ضرورة أنه غير أبيض، وهو عين الآخر من طرفي القضية المذكورة،","vol":"4","page":471},{"text":"وقياس هذه ينتج منه الضربان العقيمان في قياس التي قبلها، ويعقم منه الضربان المنتجان في قياس التي قبلها. فتبين أن استثناء نقيض كل واحد من الطرفين في قياس هذه الأخيرة ينتج عين الآخر، وأن استثناء عين الواحد منهما لا ينتج شيئًا.\nفقولنا في المثال السابق: الجسم إما غير أبيض وإما غير أسود لو قلت فيه: لكنه أبيض، أنتج فهو غير أسود. ولو قلت: لكنه أسود، أنتج فهو غير أبيض، بخلاف ما لو قلت: لكنه غير أبيض، فلا ينتج نفي الطرف الآخر ولا وجوده؛ لأن غير الأبيض يجوز أن يكون أسود، ويجوز أن يكون غير أسود بل أحمر أو أصفر؛ وكذلك لو قلت: لكنه غير أسود، لم يلزم منه نفي الطرف الآخر ولا إثباته؛ لأن غير الأسود يجوز أن يكون أبيض وغير أبيض لكونه أحمر مثلًا. هذه خلاصة موجزة عن هذا الدليل المذكور في نظر المنطقيين.\nالمسألة الخامسة\nاعلم أن لهذا الدليل آثارًا تاريخية، وسنذكر هنا إن شاء الله بعضها.\nفمن ذلك: أن هذا الدليل العظيم جاء في التاريخ: أنه أول سبب لضعف المحنة العظمى على المسلمين في عقائدهم بالقول بخلق القرآن العظيم. وذلك أن محنة القول بخلق القرآن نشأت في أيام المأمون، واستفحلت جدًا في أيام المعتصم، واستمرت على ذلك في أيام الواثق. وهي في جميع ذلك التاريخ قائمة على ساق وقدم.","vol":"4","page":472},{"text":"ومعلوم ما وقع فيها من قتل بعض أهل العلم الأفاضل وتعذيبهم، واضطرار بعضهم إلى المداهنة بالقول خوفًا.\nومعلوم ما وقع فيها لسيد المسلمين في زمنه الإمام أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل تغمده الله برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا من الضرب المبرح أيام المعتصم. وقد جاء أن أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة وكبح جماحها هو هذا الدليل العظيم.\nقال الخطيب البغدادي في تاريخ بغداد في الكلام على ترجمة \"أحمد بن أبي دؤاد\": أخبرنا محمد بن الفرج بن علي البزار، أخبرنا عبد الله بن إبراهيم بن ماسي، حدثنا جعفر بن شعيب الشاشي، حدثني محمد بن يوسف الشاشي، حدثني إبراهيم بن منبه قال: سمعت طاهر بن خلف يقول: سمعت محمد بن الواثق الذي يقال له المهتدي بالله يقول: كان أبي إذا أراد أن يقتل رجلًا أحضرنا ذلك المجلس، فأتى بشيخ مخضوب مقيد فقال أبي: ائذنوا لأبي عبد الله وأصحابه (يعني ابن أبي دؤاد) قال: فأدخل الشيخ والواثق في مصلاه فقال: السلام عليك يا أمير المؤمنين. فقال له: لا سلّم الله عليك! فقال: يا أمير المؤمنين، بئس ما أدبك مؤدبك! قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾ والله ما حييتني بها ولا بأحسن منها. فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، الرجل متكلم. فقال له: كلمه. فقال: يا شيخ، ما تقول في القرآن؟ قال الشيخ: لم تنصفني (يعني ولي السؤال) فقال له: سل: فقال له الشيخ: ما تقول في القرآن؟ فقال مخلوق. فقال: هذا شيء علمه النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي والخلفاء الراشدون؟ أم","vol":"4","page":473},{"text":"شيء لم يعلموه؟ فقال: شيء لم يعلموه. فقال: سبحان الله! شيء لم يعلمه النبي - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون، علمته أنت!؟ قال: فخجل. فقال: أقِلْني والمسألة بحالها. قال نعم. قال: ما تقول في القرآن؟ فقال مخلوق. فقال: هذا شيء علمه النبي - ﷺ - وأبو بكر وعمر والخلفاء الراشدون أو لم يعلموه؟ فقال: علموه ولم يدعوا الناس إليه. قال: أفلا وسعك ما وسعهم!؟ قال: ثم قام أبي فدخل مجلس الخلوة واستلقى على قفاه، ووضع إحدى رجليه على الأخرى وهو يقول: هذا شيء لم يعلمه النبي - ﷺ -، ولا أبو بكر، ولا عمر، ولا عثمان، ولا علي، ولا الخلفاء الراشدون علمته أنت! سبحان الله! شيء علمه النبي - ﷺ -، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي ﵃، والخلفاء الراشدون ولم يدعوا الناس إليه، أفلا وسعك ما وسعهم؟! ثم دعا عمارًا الحاجب، فأمر أن يرفع عنه القيود ويعطيه أربعمائة دينار، ويأذن له في الرجوع، وسقط من عينه ابن أبي دؤاد، ولم يمتحن بعد ذلك أحدًا. اهـ منه. وذكر ابن كثير في تاريخه هذه القصة عن الخطيب البغدادي، ولما انتهى من سياقها قال: ذكره الخطيب في تاريخه بإسناد فيه بعض من لا يعرف اهـ.\nويستأنس لهذه القصة بما ذكره الخطيب وغيره: من أن الواثق تاب من القول بخلق القرآن.\nقال ابن كثير في البداية والنهاية: قال الخطيب: وكان ابن أبي دؤاد استولى على الواثق وحمله على التشديد في المحنة، ودعا الناس إلى القول بخلق القرآن؛ قال: ويقال إن الواثق رجع عن ذلك قبل موته. فأخبرني عبد الله بن أبي الفتح، أبنا","vol":"4","page":474},{"text":"أحمد بن إبراهيم بن الحسن، ثنا إبراهيم بن محمد بن عرفة، حدثني حامد بن العباس، عن رجل عن المهتدي: أن الواثق مات وقد تاب من القول بخلق القرآن. وعلى كل حال فهذه القصة لم تزل مشهورة عند العلماء، صحيحة الاحتجاج فيها إلقام الخصم الحجر.\nوحاصل هذه القصة التي ألقم بها هذا الشيخ -الذي كان مكبلًا بالقيود يراد قتله- أحمدَ بن أبي دؤاد حجرًا، هو هذا الدليل العظيم الذي هو السبر والتقسيم؛ فكان الشيخ المذكور يقول لابن أبي دؤاد: مقالتك هذه التي تدعو الناس إليها لا تخلو بالتقسيم الصحيح من أحد أمرين: إما أن يكون النبي - ﷺ - وخلفاؤه الراشدون عالمين بها أو غير عالمين بها ولا واسطة بين العلم وغيره؛ فلا قسم ثالث البتة. ثم إنه رجع بالسبر الصحيح إلى القسمين المذكورين فبين أن السبر الصحيح يظهر أن أحمد بن أبي دؤاد ليس على كل تقدير من التقديرين.\nأما على أن النبي كان عالمًا بها هو وأصحابه، وتركوا الناس ولم يدعوهم إليها = فدعوة ابن أبي دؤاد إليها مخالفة لما كان عليه النبي وأصحابه من عدم الدعوة لها، وكان يسعه ما وسعهم.\nوأما على كون النبي وأصحابه غير عالمين بها، فلا يمكن لابن أبي دؤاد أن يدَّعيَ أنه عالم بها مع عدم علمهم بها؛ فظهر ضلاله على كل تقدير، ولذلك سقط من عين الواثق، وترك الواثق لذلك امتحان أهل العلم. فكان هذا الدليل العظيم أول مصدر تاريخي لضعف هذه المحنة الكبرى؛ حتى أزالها الله بالكلية على","vol":"4","page":475},{"text":"يد المتوكل ﵀، وفي هذا منقبة تاريخية عظيمة لهذا الدليل المذكور.\nومن آثار هذا الدليل التاريخية؛ ما ذكره بعض المؤرخين: من أن عبد الله بن همام السلولي وشى به واش إلى عبيد الله بن زياد؛ فأدخل ابن زياد الواشي في محل قريب من مجلسه، ثم نادى ابن همام السلولي وقال له: ما حملك على أن تقول فيَّ كذا وكذا .. !؟ فقال السلولي: أصلح الله الأمير! والله ما قلت شيئًا من ذلك!! فأخرج ابن زياد الواشي، وقال: هذا أخبرني أنك قلت ذلك. فسكت ابن همام هنيهة ثم قال مخاطبًا للواشي:\nوأنت امرؤ إما ائتمنتك خاليًا ... فخنتَ وإما قلتَ قولًا بلا علمٍ\nفأنت من الأمر الذي كان بيننا ... بمنزلة بين الخيانة والإثم\nفقال ابن زياد: صدقت! وطرد الواشي. وحاصل هذين البيتين الذين طرد بهما ابن زياد الواشي ولم يتعرض للسلولي بسوء بسببيهما: هو هذا الدليل العظيم المذكور. فكأنه يقول له: لا يخلو قولك هذا من أحد أمرين: إما أن أكون ائتمنتك على سر فأفشيته. وإما بأن تكون قلته عليَّ كذبًا. ثم رجع بالسبر إلى القسمين المذكورين، فبين أن الواشي مرتكب ما لا ينبغي على كل تقدير من التقديرين؛ لأنه إذا كان ائتمنه على سر فأفشاه فهو خائن له، وإن كان قال عليه ذلك كذبًا وافتراه فالأمر واضح.\nالمسألة السادسة\nاعلم أن هذا الدليل التاريخي العظيم يوضح غاية الإيضاح","vol":"4","page":476},{"text":"موقف المسلمين الطبيعي من الحضارة الغربية. وبذلك الإيضاح التام يتميز النافع من الضار، والحسن من القبيح، والحق من الباطل. وذلك أن الاستقراء التام القطعي دل على أن الحضارة الغربية المذكورة تشتمل على نافع وضار، أما النافع منها: فهو من الناحية المادية وتقدمها في جميع الميادين المادية أوضح من أن أبينه. وما تضمنته من المنافع للإنسان أعظم مما كان يدخل تحت التصور، فقد خدمت الإنسان خدمات هائلة من حيث إنه جسد حيواني. وأما الضار منها: فهو إهمالها بالكلية للناحية التي هي رأس كل خير، ولا خير البتة في الدنيا بدونها، وهي التربية الروحية للإنسان وتهذيب أخلاقه. وذلك لا يكون إلا بنور الوحي السماوي الذي يوضح للإنسان طريق السعادة، ويرسم له الخطط الحكمية في كل ميادين الحياة الدنيا والآخرة، ويجعله على صلة بربه في كل أوقاته.\nفالحضارة الغربية غنية بأنواع المنافع من الناحية الأولى، مفلسة إفلاسًا كليًّا من الناحية الثانية.\nومعلوم أن طغيان المادة على الروح يهدد العالم أجمع بخطر داهم، وهلاك مستأصل، كما هو مشاهد الآن. وحل مشكلته لا يمكن البتة إلا بالاستضاءة بنور الوحي السماوي الذي هو تشريع خالق السموات والأرض؛ لأن من أطغته المادة حتى تمرد على خالقه ورازقه لا يفلح أبدًا.\nوالتقسيم الصحيح يحصر أوصاف المحل الذي هو الموقف من الحضارة الغربية في أربعة أقسام لا خامس لها، حصرًا عقليًّا لا شك فيه:","vol":"4","page":477},{"text":"الأول: ترك الحضارة المذكورة نافعها وضارها.\nالثاني: أخذها كلها ضارها ونافعها.\nالثالث: أخذ ضارها وترك نافعها.\nالرابع: أخذ نافعها وترك ضارها. فنرجع بالسبر الصحيح إلى هذه الأقسام الأربعة، فنجد ثلاثة منها باطلة بلا شك، وواحدًا صحيحا بلا شك.\nأما الثلاثة الباطلة: فالأول منها تركها كلها، ووجه بطلانه واضح؛ لأن عدم الاشتغال بالتقدم المادي يؤدي إلى الضعف الدائم، والتواكل والتكاسل، ويخالف الأمر السماوي في قوله جل وعلا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ ..﴾ الآية.\nلا يسلم الشرفُ الرفيعُ من الأذى ... حتى يُراق على جوانبه الدمُ\nالقسم الثاني من الأقسام الباطلة: أخذها كلها؛ لأن ما فيها من الانحطاط الخلقي وضياع القيم الروحية والمثل العليا للإنسانية؛ أوضح من أن أبينه. ويكفي في ذلك ما فيها من التمرد على نظام السماء، وعدم طاعة خالق هذا الكون جل وعلا: ﴿آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾.\nوالقسم الثالث من الأقسام الباطلة: هو أخذ الضار وترك النافع. ولا شك أن هذا لا يفعله من له أقل تمييز. فتعينت صحة القسم الرابع بالتقسيم والسبر الصحيح، وهو أخذ النافع وترك الضار.","vol":"4","page":478},{"text":"وهكذا كان - ﷺ - يفعل، فقد انتفع بحفر الخندق في غزوة الأحزاب، مع أن ذلك خطة عسكرية كانت للفرس، أخبره بها سلمان فأخذ بها، ولم يمنعه من ذلك أن أصلها للكفار. وقد هم - ﷺ - بأن يمنع وطء النساء المراضع خوفًا على أولادهن؛ لأن العرب كانوا يظنون أن الغيلة (وهي وطء المرضع) تضعف ولدها وتضره، ومن ذلك قول الشاعر:\nفوارس لم يغالوا في رضاع ... فتنبوا في أكفهم السيوف\nفأخبرته - ﷺ - فارس والروم بأنهم يفعلون ذلك ولا يضر أولادهم، فأخذ - ﷺ - منهم تلك الخطة الطبية، ولم يمنعه من ذلك أن أصلها من الكفار.\nوقد انتفع - ﷺ - بدلالة ابن الأريقط الدؤلي له في سفر الهجرة على الطريق، مع أنه كافر.\nفاتضح من هذا الدليل أن الموقف الطبيعي للإسلام والمسلمين من الحضارة الغربية: هو أن يجتهدوا في تحصيل ما أنتجته من النواحي المادية، ويحذروا مما جنته من التمرد على خالق الكون جل وعلا فتصلح لهم الدنيا والآخرة. والمؤسف أن أغلبهم يعكسون القضية، فيأخذون منها الانحطاط الخلقي، والانسلاخ من الدين، والتباعد من طاعة خالق الكون، ولا يحصلون على نتيجة مما فيها من النفع المادي؛ فخسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين.\nوما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا ... وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل\nوقد قدمنا طرفًا نافعًا في كون الدين لا ينافي التقدم المادي","vol":"4","page":479},{"text":"في سورة \"بني إسرائيل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد عرف في تاريخ النبي - ﷺ - وأصحابه، أنهم كانوا يسعون في التقدم في جميع الميادين مع المحافظة على طاعة خالق السموات والأرض جل وعلا.\nوأظهر الأقوال عندي في معنى العهد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ أن المعنى: أم أعطاه الله عهدًا أنه سيفعل له ذلك، بدليل قوله تعالى في نظيره في سورة \"البقرة\": ﴿قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ﴾. وخير ما يفسره به القرآن القرآن. وقيل: العهد المذكور: العمل الصالح. وقيل: شهادة أن لا إله إلا الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-920> قوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩) وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سيكتب ما قاله ذلك الكافر افتراء عليه، من أنه يوم القيامة يؤتى مالًا وولدًا مع كفره بالله، وأنه يمد له من العذاب مدًّا. قال القرطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾: أي يزيده عذابًا فوق عذاب. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ أي نطول له من العذاب ما يستأهله؛ ونعذبه بالنوع الذي يعذب به المستهزئون، أو نزيده من العذاب ونضاعف له من المدد، يقال: مده وأمده بمعنى. وتدل عليه قراءة علي بن أبي طالب ﵁: (ونُمِدّ له) بالضم وأكد ذلك بالمصدر. وذلك من فرط غضب الله، نعوذ به","vol":"4","page":480},{"text":"من التعرض لما يستوجب غضبه اهـ.\nوأصل المدد لغة: الزيادة، ويدل لذلك المعنى قوله تعالى في أكابر الكفار الذين كفروا وصدوا عن سبيل الله: ﴿زِدْنَاهُمْ عَذَابًا فَوْقَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يُفْسِدُونَ﴾، وقوله في الأتباع والمتبوعين: ﴿قَال لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ﴾ أي ما يقول إنه يؤتاه يوم القيامة من مال وولد، أي نسلبه منه في الدنيا ما أعطيناه من المال والولد بإهلاكنا إياه. وقيل: نحرمه ما تمناه من المال والولد في الآخرة، ونجعله للمسلمين. ويدل للمعنى الأول قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا وَإِلَينَا يُرْجَعُونَ (٤٠)﴾، ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ وَنَحْنُ الْوَارِثُونَ (٢٣)﴾ كما تقدم إيضاحه في هذه السورة الكريمة.\nوقوله: ﴿وَيَأْتِينَا فَرْدًا (٨٠)﴾ أي منفردا لا مال له ولا ولد ولا خدم ولا غير ذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ ..﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا (٩٥)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nفإن قيل: كيف عبر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بحرف التنفيس الدال على الاستقبال في قوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ مع أن ما يقوله الكافر يكتب بلا تأخير؛ بدليل قوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾؟.\nفالجواب: أن الزمخشري في كشافه تعرض للجواب عن هذا السؤال بما نصه: قلت فيه وجهان: أحدهما: سنظهر له ونعلمه أنا","vol":"4","page":481},{"text":"كتبنا قوله؛ على طريقة قول زائد بن صعصعة الفقعسي:\nإذ ما انتسبنا لم تلدني لئيمةٌ ... ولم تجدي من أن تقري بها بدًا\nأي تبين وعلم بالانتساب أني لست بابن لئيمة. والثاني: أن المتوعد يقول للجاني: سوف أنتقم منك، يعني أنه لا يخل بالانتصار وإن تطاول به الزمان واستأخر، فجردها هنا لمعنى الوعيد اهـ منه بلفظه. إلا أنا زدنا اسم قائل البيت وتكملته.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه يكتب ما يقول هذا الكافر ذكر نحوه في مواضع متعددة من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُ أَسْرَعُ مَكْرًا إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾؛ وقوله تعالى: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ تُكَذِّبُونَ بِالدِّينِ (٩) وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-921> قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المتقدم","vol":"4","page":482},{"text":"ذكرهم في قوله: ﴿وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا  (٧٢)﴾ اتخذوا من دون الله آلهة، أي معبودات من أصنام وغيرها يعبدونها من دون الله، وأنهم عبدوهم لأجل أن يكونوا لهم عزًّا؛ أي أنصارًا وشفعاء ينقذونهم من عذاب الله؛ كما أوضح تعالى مرادهم ذلك في قوله: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إلا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ فتقريبهم إياهم إلى الله زلفى في زعمهم هو عزهم الذي أفَلُوه بهم؛ وكقوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية. فالشفاعة عند الله عز لهم  (^١)  يزعمونه كذبًا وافتراء على الله؛ كما بينه بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ  (١٨)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿كَلَّا﴾ زجر وردع لهم عن ذلك الظن الفاسد الباطل؛ أي ليس الأمر كذلك! لا تكون المعبودات التي عبدتم من دون الله عزًّا لكم، بل تكون بعكس ذلك؛ فيكونون عليكم ضدًّا، أي أعوانًا عليكم في خصومتكم وتكذيبكم والتبرؤ منكم. وأقوال العلماء في الآية تدور حول هذا الذي ذكرنا؛ كقول ابن عباس: ﴿ضِدًّا﴾ أي أعوانًا. وقول الضحاك: ﴿ضِدًّا﴾ أي أعداء. وقول قتادة: ﴿ضِدًّا﴾ أي قرناء في النار يلعن بعضهم بعضًا، وكقول ابن عطية: ﴿ضِدًّا﴾ يجيئهم منهم خلاف ما أملوه فيئول بهم ذلك إلى الذل والهوان، ضد ما أملوه من العز.\nوهذا المعنى الذي ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: بينه أيضًا في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ\n_________\n(^١)  بعدها في المطبوعة: \"بهم\"!.","vol":"4","page":483},{"text":"اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾  إلى غير ذلك من الآيات. وضمير الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُوَنَ﴾ فيه وجهان للعلماء، وكلاهما يشهد له قرآن؛ إلا أن لأحدهما قرينة ترجحه على الآخر.\nالأول: أن واو الفاعل في قوله: ﴿سَيَكْفُرُوَنَ﴾ راجعة إلى المعبودات التي كانوا يعبدونها من دون الله. أما العاقل منها فلا إشكال فيه. وأما غير العاقل فالله قادر على أن يخلق له إدراكًا يخاطب به من عبدوه ويكفر به بعبادته إياه. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى عنهم: ﴿تَبَرَّأْنَا إِلَيكَ مَا كَانُوا إِيَّانَا يَعْبُدُونَ (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا إِلَيهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَال شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَينَنَا وَبَينَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nالوجه الثاني: أن العابدين هم الذين يكفرون بعبادتهم شركاءهم وينكرونها ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾، وقوله عنهم: ﴿بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِنْ قَبْلُ شَيئًا ..﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالقرينة المرجحة للوجه الأول: أن الضمير في قوله: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ راجع للمعبودات؛ وعليه فرجوع الضمير في: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾","vol":"4","page":484},{"text":"للمعبودات أظهر؛ لانسجام الضمائر بعضها مع بعض.\nأما على القول الثاني: فإنه يكون ضمير: ﴿سَيَكْفُرُونَ﴾ للعابدين، وضمير: ﴿وَيَكُونُونَ﴾ للمعبودين، وتفريق الضمائر خلاف الظاهر. والعلم عند الله تعالى.\nوقول من قال من العلماء. إن ﴿كَلَّا﴾ في هذه الآية متعلقة بما بعدها لا بما قبلها، وأن المعنى: كلا سيكفرون، أي حقًّا سيكفرون بعبادتهم؛ محتمل، ولكن الأول أظهر منه وأرجح، وقائله أكثر. والعلم عند الله تعالى، وفي قوله: ﴿كَلَّا﴾ قراءات شاذة تركنا الكلام عليها لشذوذها.\nوقوله في هذه الآية: ﴿لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾ أفرد فيه العز مع أن المراد الجمع؛ لأن أصله مصدر على حد قوله في الخلاصة:\nونعتوا بمصدرٍ كثيرا ... فالتزموا الإفرادَ والتذكيرا\nوالإخبار بالمصدر يجري على حكم النعت به. وقوله: ﴿ضِدًّا﴾ مفردًا أيضًا أريد به الجمع. قال ابن عطية: لأنه مصدر في الأصل؛ حكاه عنه أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: الضد العون، وحد توحيده قوله ﵇: \"هم يد على من سواهم\" لاتفاق كلمتهم، وأنهم كشيء واحد لفرط تضامنهم وتوافقهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-922> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾</span>.\nقوله: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية: أي سلطانهم عليهم وقيضناهم لهم؛ وهذا هو الصواب. خلافًا لمن زعم أن معنى: ﴿أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ﴾ الآية؛ أي خلينا بينهم وبينهم، ولم نعصمهم من","vol":"4","page":485},{"text":"شرهم؛ يقال: أرسلت البعير أي خليته.\nوقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: الأز والهز والاستفزاز بمعنى، ومعناها التهييج وشدة الإزعاج. فقوله: ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ أي تهيجهم وتزعجهم إلى الكفر والمعاصي.\nوأقوال أهل العلم في الآية راجعة إلى ما ذكرنا: كقول ابن عباس ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تغويهم إغواء. وكقول مجاهد ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تشليهم إشلاء. وكقول قتادة ﴿تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾: أي تزعجهم إزعاجًا.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه سلط الشياطين على الكافرين، وقيضهم لهم يضلونهم عن الحق بينه في مواضع أخر من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-923> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾</span>.\nقوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ﴾ أي لا تستعجل وقوع العذاب بهم فإن الله حدد له أجلًا معينًا معدودًا، فإذا انتهى ذلك الأجل جاءهم العذاب. فقوله: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ أي نعد الأعوام والشهور والأيام التي دون وقت هلاكهم، فإذا جاء الوقت المحدد لذلك","vol":"4","page":486},{"text":"أهلكناهم؛ والعرب تقول: عجلت عليه بكذا إذا استعجلته منه.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن هلاك الكفار حدد له أجل معدود ذكره في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا نُؤَخِّرُهُ إلا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ لَيَقُولُنَّ مَا يَحْبِسُهُ﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nورُويَ أن المأمون قرأ هذه السورة الكريمة فمر بهذه الآية وعنده جماعة من الفقهاء، فأشار إلى ابن السماك أن يعظه. فقال: إذا كانت الأنفاس بالعدد، ولم يكن لها مدد، فما أسرع ما تنفد.\nوالأظهر في الآية هو ما ذكرنا من أن العد المذكور عد الأعوام والأيام والشهور من الأجل المحدد.\nوقال بعض أهل العلم: هو عد أنفاسهم؛ كما أشار إليه ابن السماك في موعظته للمأمون التي ذكرنا إن صح ذلك. وعن ابن عباس ﵄ أنه كان إذا قرأها بكى وقال: آخر العدد خروج نفسك، آخر العدد: فراق أهلك، آخر العدد: دخول قبرك.\nوقال بعض أهل العلم: ﴿إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾ أي نعد","vol":"4","page":487},{"text":"أعمالهم لنجازيهم عليها، والظاهر هو ما قدمنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-924> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المتقين الذين كانوا يتقونه في دار الدنيا بامتثال أمره واجتناب نهيه يحشرون إليه يوم القيامة في حال كونهم وفدًا. والوفد على التحقيق: جمع وافد كصاحب وصَحْب، وراكب ورَكْب. وقدمنا في سورة \"النحل\" أن التحقيق أن \"الفَعْل\" بفتح فسكون من صيغ جموع الكثرة للفاعل وصفًا، وبينا شواهد ذلك من العربية، وإن أغفله الصرفيون. والوافد: من يأتي إلى الملك مثلًا في أمر له شأن. وجمهور المفسرين على أن معنى قوله: ﴿وَفْدًا (٨٥)﴾ أي ركبانًا. وبعض العلماء يقول: هم ركبان على نجائب من نور من مراكب الدار الآخرة. وبعضهم يقول: يحشرون ركبانًا على صور من أعمالهم الصالحة في الدنيا في غاية الحسن وطيب الرائحة.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال ابن أبي حاتم حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا ابن خالد عن عمرو بن قيس الملائي عن ابن مرزوق ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: يستقبل المؤمن عند خروجه من قبره أحسن صورة رآها وأطيبها ريحًا، فيقول: من أنت؟ فيقول: أما تعرفني؟ فيقول: لا إلا أن الله قد طيب ريحك، وحسن وجهك، فيقول: أنا عملك الصالح، وهكذا كنت في الدنيا حسن العمل طيبه، فطالما ركبتك","vol":"4","page":488},{"text":"في الدنيا فهلم اركبني. فذلك قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾. وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: ركبانًا. وقال ابن جرير: حدثني ابن المثنى، حدثني ابن مهدي، عن سعيد، عن إسماعيل عن رجل عن أبي هريرة ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: على الإبل. وقال ابن جريج: على النجائب. وقال الثوري: على الإبل النوق. وقال قتادة: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: إلى الجنة. وقال عبد الله بن الإمام أحمد في مسند أبيه: حدثنا سويد بن سعيد، أخبرنا علي بن مسهر عن عبد الرحمن بن إسحاق، حدثنا النعمان بن سعيد قال: كنا جلوسًا عند علي ﵁ فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ قال: والله ما على أرجلهم يحشرون. ولا يحشر الوفد على أرجلهم، ولكن بنوق لم ير الخلائق مثلها، عليها رحائل من ذهب فيركبون عليها حتى يضربوا أبواب الجنة. وهكذا رواه ابن أبي حاتم، وابن جرير من حديث عبد الرحمن بن إسحاق المدني به، وزاد: عليها رحائل من ذهب، وأزمتها الزبرجد ..، والباقي مثله. وروى ابن أبي حاتم هنا حديثًا غريبًا جدًا مرفوعًا عن علي قال: حدثنا أبي، حدثنا أبو غسان مالك بن إسماعيل النهدي، حدثنا سلمة بن جعفر البجلي، سمعت أبا معاذ البصري يقول: إن عليًا كان ذات يوم عند رسول الله - ﷺ - فقرأ هذه الآية: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥)﴾ فقال: ما أظن الوفد إلا الركب يا رسول الله (- ﷺ -)؟ فقال النبي - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده، إنهم إذا خرجوا من قبورهم يستقبلون أو يؤتون بنوق. بيض لها أجنحة وعليها رحائل الذهب، شرك نعالهم نور","vol":"4","page":489},{"text":"يتلألأ، كل خطوة منها مد البصر، فينتهون إلى شجرة ينبع من أصلها عينان فيشربون من إحداهما فتغسل ما في بطونهم من دنس، ويغتسلون من الأخرى فلا تشعث أبشارهم ولا أشعارهم بعدها أبدًا، وتجري عليهم نضرة النعيم فينتهون أو فيأتون باب الجنة فإذا حلقة من ياقوت حمراء على صفائح الذهب؛ فيضربون بالحلقة على الصفحة فيسمع لها طنين يا علي؛ فيبلغ كل حوراء أن زوجها قد أقبل فتبعث قيمها ليفتح له فإذا رآه خر له (قال سلمة: أراه قال ساجدًا) فيقول ارفع رأسك فإنما أنا قيمك وكلت بأمرك، فيتبعه ويقفوا أثره فتستخفّ الحوراء العجلة فتخرج من خيام الدر والياقوت حتى تعتنقه .. \" إلى آخر الحديث بطوله. وفي آخر السياق: هكذا وقع في هذه الرواية مرفوعًا. وقد رويناه في المقدمات من كلام علي ﵁، وهو أشبه بالصحة. والله أعلم. وركوبهم المذكور إنما يكون من المحشر إلى الجنة، أما من القبر فالظاهر أنهم يحشرون مشاة؛ بدليل حديث ابن عباس الدال على أنهم يحشرون حفاة عراة غرلًا. هذا هو الظاهر وجزم به القرطبي. والله تعالى أعلم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا﴾ السَّوْق معروف. والمجرمون: جمع تصحيح للمجرم، وهو اسم فاعل الإجرام. والإجرام: ارتكاب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه به النكال والعذاب. ولم يأت الإجرام في القرآن إلا من \"أجرم\" الرباعي على وزن \"أفعل\". ويجوز إتيانه في اللغة بصيغة الثلاثي فتقول: جَرَم يجرم، كضرب يضرب؛ والفاعل منه جارم، والمفعول مجروم، كما هو ظاهر، ومنه قول عمرو بن","vol":"4","page":490},{"text":"البرَّاقة النِّهمي:\nوننصر مولانا ونعلم أنه ... كما الناس مجروم عليه وجارم\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وِرْدًا (٨٦)﴾ أي عطاشًا. وأصل الورد: الإتيان إلى الماء، ولما كان الإتيان إلى الماء لا يكون إلا من العطش أطلق هنا اسم الوِرْد على الجماعة العطاش، أعاذنا الله والمسلمين من العطش في الآخرة والدنيا. ومن إطلاق الورد على المسير إلى الماء قول الراجز يخاطب ناقته:\nرِدِي رِدِي وِرْدَ قطاةٍ صمَّا ... كُدْرِيَّةٍ أعجَبَها بَرْدُ المَا\nواختلف العلماء في العامل الناصب لقوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ﴾ فقيل منصوب بـ ﴿يَمْلِكُونَ﴾ بعده؛ أي لا يملكون الشفاعة يوم نحشر المتقين. واختاره أبو حيان في البحر. وقيل: منصوب بـ\"اذكر\" أو احذر مقدرًا. وفيه أقوال غير ذلك.\nوهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة \"الزمر\": ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١) قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢) وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾.\n\n• قوله تعالى: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إلا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ","vol":"4","page":491},{"text":"عَهْدًا (٨٧)﴾.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون في الآية وجهان أو أوجه من التفسير كلها حق، وكل واحد منها يشهد له قرآن، فإنا نذكر الجميع وأدلته من كتاب الله تعالى لأنه كله حق، فإذا علمت ذلك فاعلم أن هذه الآية الكريمة من ذلك النوع. قال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ المذكورين في قوله: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ أي لا يملك المجرمون الشفاعة، أي لا يستحقون أن يشفع فيهم شافع يخلصهم مما هم فيه من الهول والعذاب.\nوهذا الوجه من التفسير تشهد له آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا تَنْفَعُهُمْ شَفَاعَةُ الشَّافِعِينَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠) وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾ الآية؛ وقوله: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾ مع قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوهذا الوجه يفهم منه بالأحرى أن المجرمين لا يشفعون في غيرهم؛ لأنهم إذا كانوا لا يستحقون أن يشفع فيهم غيرهم لكفرهم فشفاعتهم في غيرهم ممنوعة من باب أولى. وعلى كون الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ راجعة إلى ﴿الْمُجْرِمِينَ﴾ فالاستثناء منقطع و﴿مَنِ﴾ في محل نصب. والمعنى: لكن من اتخذ عند الرحمن عهدًا يملكون الشفاعة، أي بتمليك الله إياهم وإذنه لهم فيها. فيملكها الشافعون","vol":"4","page":492},{"text":"بما ذكرنا، ويستحقها به المشفوع لهم، قال تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَشْفَعُونَ إلا لِمَنِ ارْتَضَى﴾، وقال: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾.\nوقال بعض أهل العلم: الواو في قوله: ﴿لَا يَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ﴾ راجحة إلى \"المتقين والمجرمين\" جميعًا المذكورين في قوله: ﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا (٨٥) وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ ورْدًا (٨٦)﴾ وعليه فالاستثناء في قوله: ﴿إلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٨٧)﴾: متصل. و﴿مَنِ﴾ بدل من الواو في ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ أي لا يملك من جميعهم أحد الشفاعة إلا من اتخذ عند الرحمن عهدًا وهم المؤمنون. والعهد: العمل الصالح. والقول بأنه لا إله إلا الله وغيره من الأقوال يدخل في ذلك؛ أي إلا المؤمنون فإنهم يشفع بعضهم في بعض، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا (١٠٩)﴾. وقد بين تعالى في مواضع أخر: أن المعبودات التي يعبدونها من دون الله لا تملك الشفاعة، وأن من شهد بالحق يملكها بإذن الله له في ذلك، وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إلا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٨٦)﴾ الآية: أي لكن من شهد بالحق يشفع بإذن الله له في ذلك. وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُبْلِسُ الْمُجْرِمُونَ (١٢) وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ﴾ الآية. والأحاديث في الشفاعة وأنواعها كثيرة معروفة. والعلم عند الله تعالى.\nوفي إعراب جملة ﴿لَا يَمْلِكُونَ﴾ وجهان: الأول: أنها حالية؛","vol":"4","page":493},{"text":"أي: نسوق المجرمين إلى جهنم في حال كونهم لا يملكون الشفاعة. أو نحشر المتقين ونسوق المجرمين في حال كونهم لا يملكون الشفاعة إلا من اتخذ منهم عند الرحمن عهدًا. والثاني: أنها مستأنفة للإخبار، حكاه أبو حيان في البحر. ومن أقوال العلماء في العهد المذكور في الآية: أنه المحافظة على الصلوات الخمس، واستدل من قال ذلك بحديث عبادة بن الصامت الذي قدمنا الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.\nوقال بعضهم: العهد المذكور: هو أن يقول العبد كل صباح ومساء: اللهم فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة إني أعهد إليك في هذه الحياة بأني أشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، وأن محمدًا عبدك ورسولك، فلا تكلني إلى نفسي؛ فإنك إن تكلني إلى نفسي تباعدني من الخير وتقربني من الشر، وإني لا أثق إلا برحمتك، فاجعل لي عندك عهدًا توفينيه يوم القيامة؛ إنك لا تخلف الميعاد. فإذا قال ذلك طبع الله عليها طابعًا ووضعها تحت العرش، فإذا كان يوم القيامة نادى مناد: أين الذين لهم عند الله عهد؟ فيقوم فيدخل الجنة. انتهى. ذكره القرطبي بهذا اللفظ مرفوعًا عن ابن مسعود. وذكر صاحب الدر المنثور أنه أخرجه ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه عن ابن مسعود موقوفًا عليه، وليس فيه قوله: فإذا قال ذلك إلخ. وذكر صاحب الدر المنثور أيضًا: أن الحكيم الترمذي أخرج نحوه مرفوعًا عن أبي بكر الصديق ﵁. والظاهر أن المرفوع لا يصح. والذي يظهر لي أن العهد في الآية يشمل الإيمان بالله وامتثال أمره واجتناب نهيه. خلافًا لمن","vol":"4","page":494},{"text":"زعم أن العهد في الآية كقول العرب: عَهِد الأمير إلى فلان بكذا؛ أي أمره به. أي لا يشفع إلا من أمره الله بالشفاعة. فهذا القول ليس صحيحًا في المراد بالآية وإن كان صحيحًا في نفسه. وقد دلت على صحته آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إلا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾، وقوله: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾ الآيات، قد تكلمنا عليها وعلى الآيات التي بمعناها في القرآن في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-925> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا (٩٦)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر في القرآن لفظ عام ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وقد قدمنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أنه جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكر أنه سيجعل لعباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات ودًّا؛ أي محبة في قلوب عباده. وقد صرح في موضع آخر بدخول نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام في هذا العموم، وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾ الآية. وفي حديث أبي هريرة المتفق عليه عن النبي - ﷺ - أنه قال: \"إن الله إذا أحب عبدًا دعا جبريل فقال يا جبريل إني أحب فلانًا فأحبه، قال: فيحبه جبريل،","vol":"4","page":495},{"text":"ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يجب فلانًا فأحبوه، قال: فيحبه أهل السماء، ثم يوضع له القبول في الأرض. وإن الله إذا أبغض عبدًا دعا جبريل، فقال: يا جبريل إني أبغض فلانًا فأبغضه، قال: فيبغضه جبريل، ثم ينادي في أهل السماء: إن الله يبغض فلانًا فأبغضوه، قال: فيبغضه أهل السماء، ثم يوضع له البغضاء في الأرض\" اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-926> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه إنما يسر هذا القرآن بلسان هذا النبي العربي الكريم، ليبشر به المتقين، وينذر به الخصوم الألداء وهم الكفرة. وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر. أما ما ذكر فيها من تيسير هذا القرآن العظيم فقد أوضحه في مواضع أخر، كقوله في سورة \"القمر\" مكررًا لذلك: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾، وقوله في آخر \"الدخان\": ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾. وأما ما ذكر فيها من كونه بلسان هذا النبي العربي الكريم فقد ذكره في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وقوله تعالى. ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ (١) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"4","page":496},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة \"الكهف\" وغيرها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وأظهر الأقوال في قوله: ﴿لُدًّا﴾ أنه جمع الألد، وهو شديد الخصومة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾، وقول الشاعر:\nأبيتُ نجيًّا للهموم كأنني ... أخاصم أقوامًا ذوي جدل لُدَّا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-927> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾</span>.\n﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا﴾ في هذه الآية الكريمة هي الخبرية، وهي في محل نصب لأنها مفعول ﴿أَهْلَكْنَا﴾؛ و﴿مِنَ﴾ هي المبينة لـ ﴿وَكَمْ﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقوله: ﴿هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي هل ترى أحدًا منهم، أو تشعر به، أو تجده ﴿أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾ أي صوتًا. وأصل الركز: الصوت الخفي؛ ومنه ركز الرمح: إذا غيب طرفه وأخفاه في الأرض. ومنه الركاز: وهو دفن جاهلي مغيب بالدفن في الأرض. ومن إطلاق الركز على الصوت قول لبيد في معلقته:\nفتوجست رِكْز الأنيس فراعها ... عن ظهر غيب والأنيسُ سَقامها\nوقول طرفة في معلقته:\nوصادقتا سَمْع التوجّس للسُّرى ... لرِكْز خفيٍّ أو لصوت مندد\nوقول ذي الرمة:","vol":"4","page":497},{"text":"إذا توجس رِكزًا مقفر ندس ... بنبأة الصوت ما في سمعه كذب\nوالاستفهام في قوله: ﴿هَلْ﴾ يراد به النفي. والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم الماضية فما ترى منهم أحد ولا تسمع لهم صوتًا. وما ذكره في هذه الآية من عدم رؤية أشخاصهم، وعدم سماع أصواتهم؛ ذكر بعضه في غير هذا الموضع؛ كقوله في عاد: ﴿فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾، وقوله فيهم: ﴿فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ﴾، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n* * *","vol":"4","page":498},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-929> قوله تعالى: ﴿طه </span>(١)﴾ أظهر الأقوال فيه عندي: أنه من الحروف المقطعة في أوائل السور، ويدل لذلك أن الطاء والهاء المذكورتين في فاتحة هذه السور، جاءتا في مواضع أخر لا نزاع فيها في أنهما من الحروف المقطعة. أما الطاء ففي فاتحة \"الشعراء\": ﴿طسم (١)﴾ وفاتحة \"النمل\": ﴿طس﴾؛ وفاتحة \"القصص\" وأما الهاء ففي فاتحة \"مريم\" في قوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾، وقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أول سورة \"هود\" وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوقال بعض أهل العلم: قوله ﴿طه (١)﴾: معناه: يا رجل. قالوا: وهي لغة بني عك بن عدنان، وبني طيء، وبني عكل، قالوا: لو قلت لرجل من بني عك: يا رجل، لم يفهم أنك تناديه حتى تقول: طه، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي:\nدعوت بطه في القتال فلم يجب ... فخفت عليه أن يكون موائلا\nويروى: مزايلا؛ وقال عبد الله بن عمرو: معنى (طه) بلغة عك: يا حبيبي، ذكره الغزنوي. وقال قطرب: هو بلغة طيء، وأنشد ليزيد بن المهلهل:\nإن السفاهة طه في شمائلكم ... لا بارك الله في القوم الملاعين","vol":"4","page":499},{"text":"ويروى:\nإن السفاهة طه من خلائقكم ... لا قدس الله أرواح الملاعين\nوممن روى عنه أن معنى ﴿طه (١)﴾: يا رجل، ابن عباس ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء ومحمد بن كعب وأبو مالك وعطية العوفي والحسن وقتادة والضحاك والسدي وابن أبزى وغيرهم، كما نقله عنهم ابن كثير وغيره. وذكر القاضي عياض في الشفاء عن الربيع بن أنس قال: كان النبي - ﷺ - إذا صلى قام على رجل ورفع الأخرى، فأنزل الله ﴿طه (١)﴾ يعني طأ الأرض بقدميك يا محمد. وعلى هذا القول فالهاء مبدلة من الهمزة، والهمزة خففت بإبدالها ألفا كقول الفرزدق:\nراحت بمسلمة البغال عشية ... فارعى فزارة لا هَناك المرتع (^١)\nثم بنى عليه الأمر والهاء للسكت. ولا يخفى ما في هذا القول من التعسف والبعد عن الظاهر.\nوفي قوله: ﴿طه (١)﴾ أقوال أخر ضعيفة، كالقول بأنه من أسماء النبي - ﷺ -. والقول بأن الطاء من الطهارة، والهاء من الهداية، يقول لنبيه: يا طاهرًا من الذنوب، يا هادي الخلق إلى علام الغيوب، وغير ذلك من الأقوال الضعيفة. والصواب إن شاء الله في الآية هو ما صدَّرْنا به، ودل عليه القرآن في مواضع أخر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-930> قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾</span>.\n_________\n(^١) رواية البيت كما في ديوانه ص ٥٠٨: ومضت لمسلمة الركاب مودعا: فارعى. الخ.","vol":"4","page":500},{"text":"في قوله تعالى: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ وجهان من التفسير، وكلاهما يشهد له قرآن:\nالأول: أن المعنى: ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى؛ أي لتتعب التعب الشديد بفرط تأسفك عليهم وعلى كفرهم؛ وتحسرك على أن يؤمنوا. وهذا الوجه جاءت بنحوه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾، وقوله: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾؛ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع من هذا الكتاب المبارك.\nالوجه الثاني: أنه - ﷺ - صلى بالليل حتى تورمت قدماه، فأنزل الله ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ أي تنهك نفسك بالعبادة وتذيقها المشقة الفادحة؛ وما بعثناك إلا بالحنيفية السمحة. وهذا الوجه تدل له ظواهر آيات من كتاب الله، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. والعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.\nويفهم من قوله: ﴿لِتَشْقَى﴾ أنه أنزل عليه ليسعد؛ كما يدل له الحديث الصحيح: \"من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين\" وقد روى الطبراني عن ثعلبة بن الحكم ﵁، عن النبي - ﷺ -: أن الله يقول للعلماء يوم القيامة: \"إني لم أجعل علمي وحكمتي فيكم إلا وأنا أريد أن أغفر لكم على ما كان منكم ولا أبالي\". وقال ابن كثير: إن إسناده جيد، ويشبه معنى الآية على هذا القول الأخير قوله تعالى: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ الآية. وأصل الشقاء في لغة","vol":"4","page":501},{"text":"العرب: العناء والتعب، ومنه قول أبي الطيب:\nذو العقل يشقى في النعيم بعقله ... وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم\nومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-932> وقوله تعالى: ﴿إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾</span>.\nأظهر الأقوال فيه: أنه مفعول لأجله، أي ما أنزلنا عليك القرآن إلا تذكرة، أي إلا لأجل التذكرة لمن يخشى الله ويخاف عذابه. والتذكرة: الموعظة التي تلين لها القلوب؛ فتمتثل أمر الله، وتجتنب نهيه. وخص بالتذكرة من يخشى دون غيرهم؛ لأنهم هم المنتفعون بها، كقوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيبِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾. فالتخصيص المذكور في الآيات بمن تنفع فيهم الذكرى لأنهم هم المنتفعون بها دون غيرهم. وما ذكره هنا من أنه ما أنزل القرآن إلا للتذكرة، بينه في غير هذا الموضع كقوله: ﴿إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ لِلْعَالمِينَ (٢٧) لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إلا ذِكْرَى لِلْعَالمِينَ (٩٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وإعراب: ﴿إلا تَذْكِرَةً﴾ بأنه بدل من ﴿لِتَشْقَى﴾ لا يصح؛ لأن التذكرة ليست بشقاء. وإعرابه مفعولًا مطلقًا أيضًا غير ظاهر. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إلا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾: ما أنزلنا عليك هذا المتعب الشاق إلا ليكون تذكرة. وعلى هذا الوجه يجوز أن يكون ﴿تَذْكِرَةً﴾ حالًا ومفعولًا له.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-931> قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾</span>.","vol":"4","page":502},{"text":"في قوله: ﴿تَنْزِيلًا﴾ أوجه كثيرة من الإعراب ذكرها المفسرون. وأظهرها عندي: أنه مفعول مطلق، منصوب بـ\"نزَّل\" مضمرة دل عليها قوله: ﴿مَا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢)﴾ أي نزَّله الله تنزيلًا ﴿مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ﴾ الآية، أي فليس بشعر ولا كهانة، ولا سحر ولا أساطير الأولين، كما دل لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣)﴾ والآيات المصرحة بأن القرآن منزل من رب العالمين كثيرة جدًا معروفة، كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢)﴾ الآية، وقوله: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾، وقوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-933> قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾</span>.\nتقدم إيضاح الآيات الموضحة لهذه الآية وأمثالها في القرآن في سورة \"الأعراف\" مستوفى. فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-934> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾</span>.\nخاطب الله نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة بأنه: إن يجهر بالقول أي: يقُلْه جهرة في غير خفاء، فإنه جل وعلا يعلم السر وما هو أخفى من السر. وهذا المعنى الذي أشار إليه هنا ذكره في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُسِرُّونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي المراد بقوله في هذه الآية: ﴿وَأخَفَى﴾ أوجه معروفة","vol":"4","page":503},{"text":"كلها حق ويشهد لها قرآن. قال بعض أهل العلم ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أي ما قاله العبد سرًّا ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ أي ويعلم ما هو أخفى من السر، وهو ما توسوس به نفسه؛ كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾. وقال بعض أهل العلم: ﴿فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾: أي ما توسوس به نفسه ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾  من ذلك، وهو ما علم الله أن الإنسان سيفعله قبل أن يعلم الإنسان أنه فاعله، كما قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْمَالٌ مِنْ دُونِ ذَلِكَ هُمْ لَهَا عَامِلُونَ (٦٣)﴾، وكما قال تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾ فالله يعلم ما يسره الإنسان اليوم؛ وما سيسره غدًا. والعبد لا يعلم ما في غد، كما قال زهير في معلقته:\nوأعلمُ علم اليوم والأمسِ قبلَه ... ولكنِّني عن عِلْم ما في غدٍ عَمِ\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ صيغة تفضيل كما بينا، أي ويعلم ما هو أخفى من السر. وقول من قال: إن ﴿وَأَخْفَى (٧)﴾ فعل ماض بمعنى أنه يعلم سر الخلق، وأخفى عنهم ما يعلمه هو؛ كقوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا (١١٠)﴾، ظاهر السقوط كما لا يخفى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ﴾ أي فلا حاجة لك إلى الجهر بالدعاء ونحوه، كما قال تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ الآية. ويوضح هذا المعنى الحديث الصحيح؛ لأن النبي - ﷺ - لما سمع أصحابه","vol":"4","page":504},{"text":"رفعوا أصواتهم بالتكبير قال - ﷺ -: \"أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا بصيرًا، إن الذي تدعون أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-935> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه المعبود وحده، وأن له الأسماء الحسنى. وبين أنه المعبود وحده في آيات لا يمكن حصرها لكثرتها، كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ الآية.\nوبين في مواضع أخر أن له الأسماء الحسنى، وزاد في بعض المواضع الأمر بدعائه بها، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَو ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وزاد في موضع آخر تهديد من ألحد في أسمائه؛ وهو قوله: ﴿وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٨٠)﴾.\nقال بعض العلماء: ومن إلحادهم في أسمائه أنهم اشتقوا العُزَّى من اسم العزيز، واللات من اسم الله. وفي الحديث الصحيح عن النبي - ﷺ -: \"إن لله تسعة وتسعين اسمًا مائة إلا واحدًا، من أحصاها دخل الجنة\". وقد دل بعض الأحاديث على أن من أسمائه جل وعلا ما استأثر به ولم يعلمه خلقه، كحديث: \"أسألك بكل اسم هو لك سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدًا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك\" الحديث. وقوله: ﴿الْحُسْنَى (٨)﴾ تأنيث الأحسن، وإنما وصف أسماءه جل وعلا بلفظ المؤنث المفرد؛ لأن جمع التكسير مطلقًا وجمع المؤنث السالم","vol":"4","page":505},{"text":"يجريان مجرى المؤنثة الواحدة المجازية التأنيث، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوالتاءُ مع جمعٍ سوى السالمِ مِن ... مذكَّرٍ كالتاءِ مع إحدى اللَّبِن\nونظير قوله هنا: ﴿الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى (٨)﴾ من وصف الجمع بلفظ المفرد المؤنث قوله: ﴿مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى (٢٣)﴾، وقوله: ﴿مَآرِبُ أُخْرَى (١٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-936> وقوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى (١٥)</span> ..﴾ الآيات. قد بينا الآيات الموضحة لها في سورة \"مريم\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَينَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-937> قوله تعالى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾</span>.\nقال بعض العلماء: دل قوله: ﴿عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ بالتنكير والإفراد، وإتباعه لذلك بقوله: ﴿يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ على أنه لم يسأل إزالة جميع ما بلسانه من العقد، بل سأل إزالة بعضها الذي يحصل بإزالته فهم كلامه مع بقاء بعضها. وهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى عنه: ﴿وَأَخِي هَارُونُ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّي لِسَانًا﴾ الآية، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾ والاستدلال بقول فرعون في موسى، فيه أن فرعون معروف بالكذب والبهتان. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-938> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧) إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ مَا يُوحَى (٣٨) أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾</span>.","vol":"4","page":506},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه مَنَّ على موسى مرة أخرى قبل مَنِّهِ عليه بالرسالة ورسالة أخيه معه، وذلك بإنجائه من فرعون وهو صغير، إذ أوحى إلى أمه، أي: ألهمها وقذف في قلبها، وقال بعضهم: هي رؤيا منام. وقال بعضهم: أوحى إليها ذلك بواسطة ملك كلَّمها بذلك. ولا يلزم من الإيحاء في أمر خاص أن يكون الموحى إليه نبيًّا، و﴿أَنِ﴾ في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ هي المفسرة؛ لأن الإيحاء فيه معنى القول دون حروفه. والتعبير بالموصول في قوله: ﴿مَا يُوحَى (٣٨)﴾ للدلالة على تعظيم شأن الأمر المذكور، كقوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾ والتابوت: الصندوق. واليم: البحر. والساحل: شاطئ البحر. والبحر المذكور: نيل مصر. والقذف: الإلقاء والوضع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ﴾. ومعنى ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ﴾ أي ضعيه في الصندوق. والضمير في قوله: ﴿أَنِ اقْذِفِيهِ﴾ راجع إلى موسى بلا خلاف. وأما الضمير في قوله: ﴿فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ﴾ وقوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ فقيل: راجع إلى التابوت. والصواب رجوعه إلى موسى في داخل التابوت؛ لأن تفريق الضمائر غير حسن، وقوله: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ هو فرعون، وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ فيها وجهان معروفان عند العلماء:\nأحدهما: أن صيغة الأمر معناها الخبر. قال أبو حيان في البحر المحيط: و﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أمر معناه الخبر، وجاء بصيغة الأمر مبالغة، إذ الأمر أقطع الأفعال وأوجبها.\nالوجه الثاني: أن صيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيُلْقِهِ﴾ أريد بها","vol":"4","page":507},{"text":"الأمر الكوني القدري، كقوله: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾ فالبحر لابد أن يلقيه بالساحل؛ لأن الله أمره بذلك كونًا وقدرًا. وقد قدمنا ما يشبه هذين الوجهين في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآيات، أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في \"القصص\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾، وقد بين تعالى شدة جزع أمه عليه لما ألقته في البحر، وألقاه اليم بالساحل وأخذه عدوه فرعون = في قوله تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَنْ رَبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَأْخُذْهُ﴾ مجزوم في جواب الطلب الذي هو ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾، وعلى أنه بمعنى الأمر الكوني فالأمر واضح. وعلى أنه بمعنى الخبر فالجزم مراعاة لصيغة اللفظ. والعلم عند الله تعالى. وذكر في قصتها أنها صنعت له التابوت وطلته بالقار -وهو الزفت- لئلا يتسرب منه الماء إلى موسى في داخل التابوت، وحشته قطنًا محلوجًا. وقيل: إن التابوت المذكور من شجر الجميز، وأن الذي نَجَره لها هو مؤمن آل فرعون، قيل: واسمه حزقيل. وكانت عقدت في التابوت حبلًا فإذا خافت على موسى من عيون فرعون أرسلته في البحر وأمسكت طرف الحبل عندها، فإذا أمنت جذبته إليها بالحبل. فذهبت مرة لتشد الحبل في منزلها فانفلت منها وذهب البحر بالتابوت الذي فيه موسى فحصل لها بذلك من الغم والهم ما ذكره","vol":"4","page":508},{"text":"الله تعالى في قوله: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ الآية.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من مننه المتتابعة على موسى حيث قال: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾؛ أشار إلى ما يشبهه في قوله: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-939> قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾</span>.\nمن آثار هذه المحبة التي ألقاها الله على عبده ونبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ما ذكره جل وعلا في \"القصص\" في قوله: ﴿وَقَالتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَينٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ﴾ الآية، قال ابن عباس ﴿وَأَلْقَيتُ عَلَيكَ مَحَبَّةً مِنِّي﴾: أي أحبه الله وحببه إلى خلقه. وقال ابن عطية: جعل عليه مسحة من جمال؛ لا يكاد يصبر عنه من رآه. وقال قتادة: كانت في عيني موسى ملاحة، ما رآه أحد إلا أحبه وعشقه؛ قاله القرطبي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-940> قوله تعالى: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ فَرَجَعْنَاكَ إِلَى أُمِّكَ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ﴾</span>.\nاختلف في العامل الناصب للظرف الذي هو ﴿إِذْ﴾ من قوله: ﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ﴾ فقيل: هو ﴿وَأَلْقَيتُ﴾ أي ألقيت عليك محبة مني حين تمشي أختك. وقيل: هو ﴿وَلِتُصْنَعَ﴾ أي تصنع على عيني حين تمشي أختك. وقيل: هو بدل ﴿إِذْ﴾ في قوله: ﴿إِذْ أَوْحَينَا إِلَى أُمِّكَ﴾.\nقال الزمخشري: فإن قلت: كيف يصح البدل والوقتان مختلفان متباعدان؟ قلت: كما يصح وإن اتسع الوقت وتباعد طرفاه","vol":"4","page":509},{"text":"أن يقول لك الرجل: لقيت فلانًا سنة كذا. فتقول: وأنا لقيته إذ ذاك. وربما لقيه هو في أولها وأنت في آخرها.\nوهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون أخته مشت إليهم، وقالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾؛ أوضحه جل وعلا في سورة \"القصص\" فبين أن أخته المذكورة مرسلة من قِبَل أمها لتتعرف خبره بعد ذهابه في البحر، وأنها أبصرته عن بعد وهم لا يشعرون بذلك. وأن الله حرم عليه المراضع غير أمه تحريمًا كونيًّا قدريًّا. فقالت لهم أخته: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى مَنْ يَكْفُلُهُ﴾ أي: على مرضع يقبل هو ثديها وتكفله لكم بنصح وأمانة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١) وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقَالتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢) فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَي تَقَرَّ عَينُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣)﴾ فقوله تعالى في آية \"القصص\" هذه: ﴿وَقَالتْ لِأُخْتِهِ﴾ أي: قالت أم موسى لأخته وهي ابنتها: ﴿قُصِّيهِ﴾ أي اتبعي أثره، وتطَلَّبي خبره حتى تطلعي على حقيقة أمره.\nوقوله: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾ أي رأته من بعيد كالمعرضة عنه، تنظر إليه وكأنها لا تريده ﴿وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (١١)﴾ بأنها أخته جاءت لتعرف خبره فوجدته ممتنعًا من أن يقبل ثدي مرضعة؛ لأن الله يقول: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيهِ الْمَرَاضِعَ﴾ أي تحريمًا كونيًّا قدريًّا، أي منعناه منها ليتيسر بذلك رجوعه إلى أمه؛ لأنه لو قبل غيرها أعطوه لذلك الغير الذي قبله ليرضعه ويكفله فلم يرجع إلى أمه. وعن","vol":"4","page":510},{"text":"ابن عباس: أنها لما قالت لهم: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ (١٢)﴾ أخذوها وشكُّوا في أمرها وقالوا لها: ما يدريك بنصحهم له وشفقتهم عليه؟! فقالت لهم: نصحهم له، وشفقتهم عليه رغبة في سرور الملك، ورجاء منفعته، فأرسلوها. فلما قالت لهم ذلك وخلصت من أذاهم، ذهبوا معها إلى منزلهم فدخلوا به على أمه فأعطته ثديها فالتقمه ففرحوا بذلك فرحًا شديدًا وذهب البشير إلى امرأة الملك فاستدعت أم موسى، وأحسنت إليها، وأعطتها عطاء جزيلًا وهي لا تعرف أنها أمه في الحقيقة، ولكن لكونه قبل ثديها. ثم سألتها \"آسية\" أن تقيم عندها فترضعه فأبت عليها وقالت: إن لي بعلا وأولادًا، ولا أقدر على المقام عندك، ولكن إن أحببت أن أرضعه في بيتي فعلت فأجابتها امرأة فرعون إلى ذلك، وأجرت عليها النفقة والصلات والكساوي والإحسان الجزيل. فرجعت أم موسى بولدها قد أبدلها الله بعد خوفها أمنًا في عز وجاه، ورزق دار. اهـ من ابن كثير.\nوقوله تعالى في آية \"القصص\": ﴿وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وعد الله المذكور هو قوله: ﴿وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧)﴾ والمؤرخون يقولون: إن أخت موسى المذكوره اسمها \"مريم\". وقوله: ﴿كَي تَقَرَّ عَينُهَا﴾ إن قلنا فيه: إن ﴿كَي﴾ حرف مصدري فاللام محذوفة، أي: لكي تقر. وإن قلنا: إنها تعليلية، فالفعل منصوب بـ\"أن\" مضمرة. وقوله: ﴿تَقَرَّ عَينُهَا﴾ قيل: أصله من القرار؛ لأن ما يحبه الإنسان تسكن عينه عليه، ولا تنظر إلى غيره؛ كما قال أبو الطيب:\nوخَصْر تثبت الأبصار فيه ... كأنَّ عليه من حَدَق نطاقا","vol":"4","page":511},{"text":"وقيل: أصله من القُر -بضم القاف- وهو البرد، تقول العرب: يوم قر -بالفتح- أي بارد، ومنه قول امرئ القيس:\nتميم بن مر وأشياعها ... وكندة حولي جميعًا صبر\nإذا ركبوا الخيل واستلأموا ... تحرَّقَتِ الأرضُ واليوم قر\nومنه أيضًا قول حاتم الطائي الجواد:\nأوْقِد فإن الليلَ ليلٌ قرُّ ... والريحُ يا واقد ريحُ صِرُّ\nعسى يرى نارَك من يمرُّ ... إن جلبَتْ ضيفًا فأنت حُرُّ\nوعلى هذا القول: فقرة العين من بردها؛ لأن عين المسرور باردة، ودمع البكاء من السرور بارد جدًا، بخلاف عين المحزون فإنها حارة، ودمع البكاء من الحزن حار جدًا. ومن أمثال العرب: أحر من دمع المقلات. وهي التي لا يعيش لها ولد، فيشتد حزنها لموت أولادها فتشتد حرارة دمعها لذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-941> قوله تعالى: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّينَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾</span>.\nلم يبين هنا جل وعلا في هذه الآية الكريمة سبب قتله لهذه النفس، ولا ممن هي، ولم يبين السبب الذي نجاه به من ذلك الغم، ولا الفتون الذي فتنه، ولكنه بين في سورة \"القصص\" خبر القتيل المذكور في قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَينِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ قَال هَذَا مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (١٥) قَال رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (١٦)﴾،","vol":"4","page":512},{"text":"وأشار إلى القتيل المذكور في قوله: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ وهو المراد بالذنب في قوله تعالى عن موسى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣) وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾ وهو مراد فرعون بقوله لموسى فيما ذكره الله عنه: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ﴾ الآية. وقد أشار تعالى في \"القصص\" أيضًا إلى غم موسى، وإلى السبب الذي أنجاه الله به منه في قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَال يَامُوسَى إِنَّ الْمَلَأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَال رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١) وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَال عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ (٢٢) -إلى قوله-     قَالَ لَا تَخَفْ  نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾، وقوله: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا﴾ قال بعض أهل العلم: الفتون مصدر، وربما جاء مصدر الثلاثي المتعدي على فعول. وقال بعضهم: هو جمع فتنة. وقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فُتُونًا﴾ يجوز أن يكون مصدرًا على فعول في المتعدي كالثبور والشكور والكفور. وجمع فتن أو فتنة على ترك الاعتداد بتاء التأنيث، كحجوز وبدور في حجزة وبدرة، أي فتناك ضروبًا من الفتن. وقد جاء في تفسير الفتون المذكور حديث معروف عند أهل العلم بحديث \"الفتون\"، أخرجه النسائي عن سعيد بن جبير عن ابن عباس، وساقه ابن كثير في تفسيره عن النسائي بسنده. وهو حديث طويل يقتضي أن الفتون يشمل كل ما جرى على موسى من المحن من فرعون في صغره وكبره، كالخوف عليه من الذبح وهو صغير، ومن أجل ذلك أُلقي في التابوت وقُذِف في اليم فألقاه اليم بالساحل. وكخوفه وهو كبير من أن يقتله فرعون بالقبطي الذي قتله. وعلى هذا فالآيات التي ذكرت فيها تلك المحن مبينة للفتون على تفسير","vol":"4","page":513},{"text":"ابن عباس للفتون المذكور. وقال ابن كثير -﵀- بعد أن ساق حديث الفتون بطوله: هكذا رواه النسائي في السنن الكبرى، وأخرجه أبو جعفر بن جرير، وابن أبي حاتم في تفسيريهما كلهم من حديث يزيد بن هارون به، وهو موقوف من كلام ابن عباس، وليس فيه مرفوع إلا قليل منه، وكأنه تلقاه ابن عباس ﵁ مما أبيح نقله من الإسرائيليات عن كعب الأحبار أو غيره، والله أعلم. وسمعت شيخنا الحافظ أبا الحجاج المزي يقول ذلك أيضًا اهـ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-942> قوله تعالى: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾</span>.\nالسنين التي لبثها في مدين هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَال إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِنْدِكَ﴾ وقد قدمنا في سورة \"مريم\" أنه أتم العشر، وبينا دليل ذلك من السنة. وبه تعلم أن الأجل في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى مُوسَى الْأَجَلَ﴾ أنه عشر سنين لا ثمان. وقال بعض أهل العلم: لبث موسى في مَدْين ثمانيًا وعشرين سنة، عشر منها مهر ابنة صهره، وثمان عشرة أقامها هو اختيارًا. والله تعالى أعلم.\nوأظهر الأقوال في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى (٤٠)﴾ أي جئت على القدر الذي قدَّرْته وسبق في علمي أنك تجيء فلم تتأخر عنه ولم تتقدم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾، وقال: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾، وقال: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا (٣٨)﴾. وقال جرير يمدح عمر بن عبد العزيز:","vol":"4","page":514},{"text":"نال الخلافة إذ كانت له قدرًا ... كما أتى ربه موسى على قدر\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-943> وقوله تعالى: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: المراد بالآيات في قوله هنا: ﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي﴾ الآيات التسع المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ﴾ الآية. والآيات التسع المذكورة هي: العصا واليد البيضاء .. إلى آخرها. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة \"بني إسرائيل\".\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ طَغَى (٢٤)﴾ أصل الطغيان: مجاوزة الحد. ومنه: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ وقد بين الله تعالى شدة طغيان فرعون ومجاوزته الحد في قوله عنه: ﴿فَقَال أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، وقوله عنه: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ وقوله عنه أيضًا: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا تَنِيَا﴾ مضارع ونى يني، على حد قول ابن مالك في الخلاصة:\nفا أمْرٍ أو مضارعٍ مِن كوَعَد ... إحْذِف وَفِي كَعِدَةٍ ذاكَ اطَّرَد\nوالونى في اللغة: الضعف والفتور، والكلال والإعياء، ومنه قول امرئ القيس في معلقته:\nمِسَحٍّ إذا ما السابحات على الونى ... أثرْنَ غبارًا بالكديد المَركِّل\nوقول العجاج:\nفما ونى محمد مذ أن غفر ... له الإله ما مضى وما غبر","vol":"4","page":515},{"text":"فقوله: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ أي: لا تضعفا ولا تفترا في ذكري. وقد أثنى الله على من يذكره في جميع حالاته في قوله: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وأمر بذكر الله عند لقاء العدو في قوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسيره هذه الآية الكريمة: والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله في حال مواجهة فرعون؛ ليكون ذكر الله عونًا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانًا كاسرًا له، كما جاء في الحديث: \"إن عبدي كل عبدي الذي يذكرني وهو مناجز قِرْنه\" اهـ منه.\nوقال بعض أهل العلم: ﴿وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي (٤٢)﴾ لا تزالا في ذكري، واستشهد لذلك بقول طرفة:\nكأن القدور الراسيات أمامهم ... قباب بنوها لا تني أبدًا تغلي\nأي لا تزال تغلي. ومعناه راجع إلى ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-944> قوله تعالى: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه موسى وهارون عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يقولا لفرعون في حال تبليغ رسالة الله إليه ﴿قَوْلًا لَيِّنًا﴾ أي: كلامًا لطيفًا سهلًا رقيقًا، ليس فيه ما يغضب وينفر. وقد بين جل وعلا المراد بالقول اللين في هذه الآية بقوله: ﴿اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى (١٧) فَقُلْ هَلْ لَكَ إِلَى أَنْ تَزَكَّى (١٨) وَأَهْدِيَكَ إِلَى رَبِّكَ فَتَخْشَى (١٩)﴾ وهذا","vol":"4","page":516},{"text":"والله غاية لين الكلام ولطافته ورقته كما ترى. وما أمر به موسى وهارون في هذه الآية الكريمة أشار له تعالى في غير هذا الموضع، كقوله ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\nمسألة\nيؤخذ من هذه الآية الكريمة: أن الدعوة إلى الله يجب أن تكون بالرفق واللين؛ لا بالقسوة والشدة والعنف. كما بيناه في سورة \"المائدة\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال يزيد الرقاشي عند قوله: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا﴾: يا من يتحَبَّب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ اهـ ولقد صدق من قال:\nولو أنَّ فرعون لمَّا طغى ... وقال على الله إفكًا وزورا\nأناب إلى الله مستغفرَا ... لما وجدَ اللهَ إلا غفورا\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ قد قدمنا قول بعض العلماء: إن \"لعل\" في القرآن بمعنى التعليل، إلا التي في سورة \"الشعراء\": ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ فهي بمعنى كأنكم. وقد قدمنا أيضًا أن \"لعل\" تأتي في العربية للتعليل؛ ومنه قوله:\nفقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثَّقتم لنا كل موثق\nفلما كَفَفْنا الحرب كانت عهودكم ... كشبه سراب بالفلا متألق\nفقوله: \"لعلنا نكف\" أي لأجل أن نكف.","vol":"4","page":517},{"text":"وقال بعض أهل العلم: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ معناه على رجائكما وطمعكما، فالترجِّي والتوقع المدلول عليه بلعل راجع إلى جهة البشر. وعزا القرطبي هذا القول لكبراء النحويين كسيبويه وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-945> قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾</span>.\nألف الاثنين في قوله: ﴿فَأْتِيَاهُ﴾ راجعة إلى موسى وهارون. والهاء راجعة إلى فرعون. أي: فأتيا فرعون: ﴿فَقُولَا﴾ له: \"إنا رسولان إليك من ربك فأرسل معنا بني إسرائيل\" أي: خل عنهم وأطلقهم لنا يذهبون معنا حيث شاءوا، ولا تعذبهم.\nالعذاب الذي نهى الله فرعون أن يفعله ببني إسرائيل: هو المذكور في سورة \"البقرة\" في قوله: ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾، وفي سورة \"إبراهيم\" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية، وفي سورة \"الأعراف\" في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ﴾ الآية؛ وفي سورة \"الدخان\" في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾، وفي سورة \"الشعراء\" في قوله: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ الآية.","vol":"4","page":518},{"text":"وما أمر به الله موسى وهارون في آية \"طه\" هذه من أنهما يقولان لفرعون إنهما رسولا ربه إليه، وأنه يأمره بإرسال بني إسرائيل ولا يعذبهم. أشار إليه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة \"الشعراء\": ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾.\nتنبيه\nفإن قيل: ما وجه الإفراد في قوله: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ﴾ في \"الشعراء\" مع أنهما رسولان؟ كما جاء الرسول مثنَّى في \"طه\" فما وجه التثنية في \"طه\" والإفراد في \"الشعراء\"، وكل واحد من اللفظين: المثنى والمفرد يراد به موسى وهارون؟.\nفالذي يظهر -والله تعالى أعلم-: أن لفظ الرسول أصله مصدر وصف به، والمصدر إذا وصف به ذُكِّر وأُفْرِد كما قدمنا مرارًا. فالإفراد في \"الشعراء\" نظرًا إلى أن أصل الرسول مصدر. والتثنية في \"طه\" اعتداد بالوصفية العارضة وإعراضًا عن الأصل، ولهذا يجمع الرسول اعتدادًا بوصفيته العارضة، ويفرد مرادًا به الجمع نظرًا إلى أن أصله مصدر. ومثال جمعه قوله تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ﴾ الآية، وأمثالها في القرآن. ومثال إفراده مرادًا به الجمع قول أبي ذؤيب الهذلي:\nألِكْني إليها وخير الرسول ... أعلمهم بنواحي الخبر\nومن إطلاق الرسول مرادًا به المصدر على الأصل قوله:\nلقد كذب الواشون ما مُهْت عندهم ... بقولٍ ولا أرسلتهم برسول","vol":"4","page":519},{"text":"أي برسالة. وقول الآخر:\nألا بلغ بني عُصم رسولا ... بأني عن فُتاحَتِكم غني (^١)\nيعني: أبلغهم رسالة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ﴾ يراد به جنس الآية، الصادق بالعصا واليد وغيرهما؛ لدلالة آيات أخر على ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى (٤٧)﴾ يدخل فيه السلام على فرعون إن اتبع الهدى. ويفهم من الآية: أن من لم يتبع الهدى لا سلام عليه، وهو كذلك، ولذا كان في أول الكتاب الذي كتبه رسول الله - ﷺ - إلى هرقل عظيم الروم \"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. من محمَّد رسول الله - ﷺ - إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى. أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإِسلام .. \" إلى آخر كتابه - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-946> قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن موسى وهارون. أن الله أوحى إليهما أن العذاب على من كذب وتولى. أشير إلى نحوه في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى؛ كقوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ طَغَى (٣٧)\n_________\n(^١) رواية البيت كما في لسان العرب مادة \"فتح\".\nألا من مبلغ عمرًا رسولًا ... بأني ........... إلخ ...","vol":"4","page":520},{"text":"وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٣٨) فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى (١٤) لَا يَصْلَاهَا إلا الْأَشْقَى (١٥) الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى (١٦)﴾؛ وقوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢) ثُمَّ ذَهَبَ إِلَى أَهْلِهِ يَتَمَطَّى (٣٣) أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٤) ثُمَّ أَوْلَى لَكَ فَأَوْلَى (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-947> قوله تعالى: ﴿قَال فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩) قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى وهارون لما بلَّغا فرعون ما أُمِرا بتبليغه إياه قال لهما: من ربكما الذي تزعمان أنه أرسلكما إليَّ!؟ زاعمًا أنه لا يعرفه؛ وأنه لا يعلم لهما إلهًا غير نفسه، كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، وقال: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. وبين جل وعلا في غير هذا الموضع أن قوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا﴾ تجاهلُ عارفٍ بأنه عبد مربوب لرب العالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ كما تقدم إيضاحه. وسؤال فرعون عن رب موسى، وجواب موسى له جاء موضحًا في سورة \"الشعراء\" بأبسط مما هنا، وذلك في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالمِينَ (٢٣) قَال رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤) قَال لِمَنْ حَوْلَهُ أَلَا تَسْتَمِعُونَ (٢٥) قَال رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ (٢٦) قَال إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧) قَال رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَمَا بَينَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ (٢٨) قَال لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَال فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (٣٢) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (٣٣)﴾ إلى آخر القصة.","vol":"4","page":521},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَال رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ فيه للعلماء أوجه لا يَكذِّب بعضها بعضًا، وكلها حق، ولا مانع من شمول الآية لجميعها. منها: أن معنى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أنه أعطى كل شيء نظير خلقه في الصورة والهيئة، كالذكور من بني آدم أعطاهم نظير خلقهم من الإناث أزواجًا. وكالذكور من البهائم أعطاها نظير خلقها في صورتها وهيئتها من الإناث أزواجًا؛ فلم يعط الإنسان خلاف خلقه فيزوجه بالإناث من البهائم، ولا البهائم بالإناث من الإنس، ثم هدى الجميع لطريق المنكح الذي منه النسل والنماء، كيف يأتيه، وهدى الجميع لسائر منافعهم من المطاعم والمشارب وغير ذلك.\nوهذا القول مروي عن ابن عباس ﵄ من طريق علي بن أبي طلحة، وعن السدي وسعيد بن جبير، وعن ابن عباس أيضًا ﴿ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي هداه إلى الألفة والاجتماع والمناكحة.\nوقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ أي: أعطى كل شيء صلاحه ثم هداه إلى ما يصلحه، وهذا مروي عن الحسن وقتادة.\nوقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾: أي أعطى كل شيء صورته المناسبة له؛ فلم يجعل الإنسان في صورة البهيمة، ولا البهيمة في صورة الإنسان، ولكنه خلق كل شيء على الشكل المناسب له فقدره تقديرًا، كما قال الشاعر:\nوله في كل شيء خِلْقة ... وكذاك الله ما شاء فعل\nيعني بالخلقة: الصورة، وهذا القول مروي عن مجاهد","vol":"4","page":522},{"text":"ومقاتل وعطية وسعيد بن جبير ﴿ثُمَّ هَدَى (٥٠)﴾ كل صنف إلى رزقه وإلى زوجه.\nوقال بعض أهل العلم ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ﴾: أي أعطى كل شيء صورته وشكله الذي يطابق المنفعة المنوطة به، كما أعطى العين الهيئة التي تطابق الإبصار، والأذن الشكل الذي يوافق الاستماع. وكذلك الأنف والرجل واللسان وغيرها، كل واحد منها مطابق لما علق به من المنفعة غير ناب عنه. وهذا القول روى عن الضحاك. وعلى جميع هذه الأقوال المذكورة فقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ هو المفعول الأول لـ ﴿أَعْطَى﴾، و﴿خَلْقَهُ﴾ هو المفعول الثاني.\nوقال بعض أهل العلم: إن ﴿خَلْقَهُ﴾ هو المفعول الأول، و﴿كُلَّ شَيءٍ﴾ هو المفعول الثاني. وعلى هذا القول فالمعنى: أنه تعالى أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه، ثم هداهم إلى طريق استعماله. ومعلوم أن المفعول من مفعولي باب كسا ومنه ﴿أَعْطَى﴾ في الآية لا مانع من تأخيره وتقديم المفعول الأخير إن أُمِنَ اللبس، ولم يحصل ما يوجب الجري على الأصل، كما هو معلوم في علم النحو. وأشار له في الخلاصة بقوله:\nويلزمُ الأصلُ لموجبٍ عرى ... وتركُ ذاك الأصلِ حتمًا قد يُرَى\nقال مقيده -عفا الله عنه-: ولا مانع من شمول الآية الكريمة لجميع الأقوال المذكورة؛ لأنه لا شك أن الله أعطى الخلائق كل شيء يحتاجون إليه في الدنيا، ثم هداهم إلى طريق الانتفاع به. ولا شك أنه أعطى كل صنف شكله وصورته المناسبة له، وأعطى","vol":"4","page":523},{"text":"كل ذكر وأنثى الشكل المناسب له من جنسه في المناكحة والألفة والاجتماع. وأعطى كل عضو شكله الملائم للمنفعة المنوطة به. فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وأكمل قدرته!.\nوفي هذه الأشياء المذكورة في معنى هذه الآية الكريمة براهين قاطعة على أنه جل وعلا رب كل شيء، وهو المعبود وحده جل وعلا: ﴿لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ﴾.\nوقد حرر العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن: أن مثل هذا الاختلاف من اختلاف السلف في معاني الآيات ليس اختلافًا حقيقيًّا متضادًا يكذب بعضه بعضًا، ولكنه اختلاف تنوعي لا يكذب بعضه بعضًا، والآيات تشمل جميعه، فينبغي حملها على شمول ذلك كله، وأوضَحَ أن ذلك هو الجاري على أصول الأئمة الأربعة ﵃، وعزاه لجماعة من خيار أهل المذاهب الأربعة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-948> قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي ﴿مَهْدًا﴾ بفتح الميم وإسكان الهاء من غير ألف. وقرأ الباقون من السبعة بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف. والمهاد: الفراش. والمهد بمعناه. وكون أصله مصدرًا لا ينافي أن يستعمل اسمًا للفراش.\nوقوله في هذه الآية: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ﴾ في محل رفع","vol":"4","page":524},{"text":"نعت لـ ﴿رَبِّي﴾ من قوله قبله: ﴿قَال عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ أي: لا يضل ربي الذي جعل لكم الأرض مهدًا. ويجوز أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، أي: هو الذي جعل لكم الأرض. ويجوز أن ينصب على المدح، وهو أجود من أن يقدر عامل النصب لفظة \"أعني\"، كما أشار إلى هذه الأوجه من الإعراب في الخلاصة بقوله:\nوارفعْ أو انصب إن قطعت مضمرًا ... مبتدأ أو ناصبًا لن يظهرا\nهكذا قال غير واحد من العلماء. والتحقيق أنه يتعين كونه خبر مبتدأ محذوف؛ لأنه كلام مستأنف من كلام الله. ولا يصح تعلقه بقول موسى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ لأن قوله: ﴿فَأَخْرَجْنَا﴾ يعين أنه من كلام الله، كما نبه عليه أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى.\nوقد بين جل وعلا في هاتين الآيتين أربع آيات من آياته الكبرى الدالة على أنه المعبود وحده؛ ومع كونها من آيات على كمال قدرته واستحقاقه العبادة وحده دون غيره، فهي من النعم العظمى على بني آدم.\nالأولى: فرشه الأرض على هذا النمط العجيب.\nالثانية: جعله فيها سبلًا يمر معها بنو آدم ويتوصلون بها من قطر إلى قطر.\nالثالثة: إنزاله الماء من السماء على هذا النمط العجيب.\nالرابعة: إخراجه أنواع النبات من الأرض.","vol":"4","page":525},{"text":"أما الأولى -التي هي جعله الأرض مهدًا-: فقد ذكر الامتنان بها مع الاستدلال بها على أنه المعبود وحده في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦) وَالْجِبَال أَوْتَادًا (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوأما الثانية: التي هي جَعْله فيها سبلًا؛ فقد جاء الامتنان والاستدلال بها في آيات كثيرة؛ كقوله في \"الزخرف\": ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾. وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقد قدمنا الآيات الدالة على هذا في سورة \"النحل\" في الكلام على قوله: ﴿وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾.\nوأما الثالثة والرابعة: وهما إنزال الماء من السماء وإخراج النبات به من الأرض؛ فقد تكرر ذكرهما في القرآن على سبيل الامتنان والاستدلال معًا؛ كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ الآية. وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا﴾ فيه التفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم؛ ونظيره في القرآن قوله تعالى في \"الأنعام\": ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً","vol":"4","page":526},{"text":"فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية، وقوله في \"فاطر\": ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ الآية، وقوله في \"النمل\": ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ الآية.\nوهذا الالتفات من الغيبة إلى التكلم بصيغة التعظيم في هذه الآيات كلها في إنبات النبات؛ يدل على تعظيم شأن إنبات النبات لأنه لو لم ينزل الماء ولم ينبت شيئًا لهلك الناس جوعًا وعطشًا. فهو يدل على عظمته جل وعلا، وشدة احتياج الخلق إليه، ولزوم طاعتهم له جل وعلا.\nوقوله في هذه الآية: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى﴾ أي أصنافًا مختلفة من أنواع النبات، فالأزواج: جمع زوج، وهو هنا المصنف من النبات، كما قال تعالى في سورة \"الحج\": ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي: من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى في سورة \"لقمان\": ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾ أي: من كل نوع حسن من أنواع النبات، وقال تعالى في سورة \"يس\": ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ نعت لقوله: ﴿أَزْوَاجًا﴾. ومعنى قوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ أي أصنافًا مختلفة الأشكال والمقادير،","vol":"4","page":527},{"text":"والمنافِع والألوان، والروائح والطعوم. وقيل: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ نعت لـ ﴿نَبَاتٍ﴾ أي نبات مختلف كما بينا. والأظهر الأول، وقوله: ﴿شَتَّى (٥٣)﴾ جمع شتيت؛ كمريض ومرضى. والشتيت: المتفرق؛ ومنه قول رؤبة يصف إبلًا جاءت مجتمعة ثم تفرقت، وهي تثير غبارًا مرتفعًا:\nجاءت معًا وأطرقت شتيتًا ... وهي تثير الساطع السختيتا\nوثغر شتيت: أي متفلج لأنه متفرق الأسنان؛ أي ليس بعضها لاصقًا ببعض.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ قد قدمنا أن معنى السلك: الإدخال. وقوله: ﴿وَسَلَكَ﴾ هنا معناه أنه جعل في داخل الأرض بين أوديتها وجبالها سبلًا فجاجًا يمر الخلق معها. وعبر عن ذلك هنا بقوله: ﴿وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا﴾ وعبر في مواضع أخر عن ذلك بالجعل، كقوله في \"الأنبياء\": ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ وقوله في \"الزخرف\": ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾ وعبر في بعض المواضِع عن ذلك بالإلقاء كقوله في \"النحل\": ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾؛ لأن عطف السُّبل على الرواسي ظاهر في ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ أي كلوا أيها الناس من الثمار والحبوب التي أخرجناها لكم من الأرض بالماء الذي أنزلنا من جميع ما هو غذاء لكم من الحبوب والفواكه ونحو ذلك، وارعوا أنعامكم؛ أي: أسيموها وسرحوها في المرعى","vol":"4","page":528},{"text":"الذي يصلح لأكلها. تقول: رعت الماشية الكلأ، ورعاها صاحبها: أي: أسامها وسرَّحها. يلزم ويتعدَّى. والأمر في قوله: ﴿كُلُوا وَارْعَوْا﴾ للإباحة. ولا يخفى ما تضمنه من الامتنان والاستدلال على استحقاق المنعم بذلك للعبادة وحده.\nوما ذكره في هذه الآية الكريمة من الامتنان علي بني آدم بأرزاقهم وأرزاق أنعامهم جاء موضَّحًا في مواضعِ أخر؛ كقوله في سورة \"السجدة\": ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾، وقوله في \"النازعات\": ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾، وقوله في \"عبس\": ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾، وقوله في \"النحل\": ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ أي لأصحاب العقول. فالنُّهى: جمع نُهْية بضم النون، وهي العقل؛ لأنه ينهى صاحبه عما لا يليق. تقول العرب: نَهُو الرجل بصيغة فعل بالضم: إذا كملت نُهْيته أي عقله. وأصله نهي بالياء، فأبدلت الياء واوًا لأنها لام فعل بعد ضم؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوواوًا إثْرَ الضمِّ رُدَّ الْيا متى ... أُلْفِيَ لامَ فعلٍ أو مِن قَبْل تا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-949> قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾</span>.","vol":"4","page":529},{"text":"الضمير في قوله: ﴿مِنْهَا﴾ معًا، وقوله: ﴿وَفِيهَا﴾ راجع إلى ﴿الْأَرْضَ﴾ المذكورة في قوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا﴾.\nوقد ذكر في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:\nالأولى: أنه خلق بني آدم من الأرض.\nالثانية: أنه يعيدهم فيها.\nالثالثة: أنه يخرجهم منها مرة أخرى. وهذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية جاءت موضحة في غير هذه الموضع.\nأما خلقه إياهم من الأرض: فقد ذكره في مواضع من كتابه؛ كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وقوله في سورة \"المؤمن\": ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالتحقيق أن معنى خلقه الناس من تراب: أنه خلق أباهم آدم منها؛ كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية. ولما خلق أباهم من تراب وكانوا تبعًا له في الخلق صدق عليهم أنهم خلقوا من تراب. وما يزعمه بعض أهل العلم من أن معنى خلقهم من تراب أن النطفة إذا وقعت في الرحم انطلق الملك الموكل بالرحم فأخذ من تراب المكان الذي يدفن فيه فيذره على النطفة فيخلق الله النسمة من النطفة والتراب معًا، فهو خلاف التحقيق؛ لأن القرآن يدل على أن مرحلة النطفة بعد مرحلة التراب بمهلة؛ فهي غير مقارنة لها بدليل الترتيب بينهما","vol":"4","page":530},{"text":"بـ ﴿ثُمَّ﴾ في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾. وكذلك ما يزعمه بعض المفسرين من أن معنى خلقهم من تراب: أن المراد أنهم خلقوا من الأغذية التي تتولد من الأرض، فهو ظاهر السقوط كما ترى.\nوأما المسألة الثانية: فقد ذكرها تعالى أيضًا في غير هذا الموضع؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ فقوله: ﴿كِفَاتًا (٢٥)﴾ أي: موضعهم الذي يكفتون فيه أي يضمون فيه أحياء على ظهرها، وأمواتًا في بطنها، وهو معنى قوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.\nوأما المسألة الثالثة: وهي إخراجهم من الأرض أحياء يوم القيامة فقد جاءت موضحة في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ أي من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ أي من القبور بالبعث يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ","vol":"4","page":531},{"text":"الْخُرُوجِ (٤٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية، كقوله تعالى: ﴿قَال فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (٢٥)﴾. والتارة في قوله: ﴿تَارَةً أُخْرَى (٥٥)﴾ بمعنى المرة. وفي حديث السنن: أن رسول الله - ﷺ - حضر جنازة، فلما أرادوا دفن الميت أخذ قبضة من التراب فألقاها في القبر وقال: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ ثم أخذ أخرى وقال: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ ثم أخرى وقال: ﴿وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-950> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾</span>.\nأظهر القولين أن الإضافة في قوله: ﴿آيَاتِنَا﴾ مضمنة معنى العهد كالألف واللام. والمراد بآياتنا المعهودة لموسى كلها وهي التسع المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ﴾ الآية. وقال بعضهم: الآيات التسع المذكورة هي: العصا، واليد البيضاء، وفلق البحر، والحجر الذي انفجرت منه اثنتا عشرة عينًا، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة. وقد قدمنا كلام أهل العلم في الآيات التسع في سورة \"الإسراء\". وقال بعض أهل العلم: العموم على ظاهره، وإن الله أرى فرعون جميع الآيات التي جاء بها موسى، والتي جاء بها غيره من الأنبياء، وذلك بأن عرفه موسى جميع معجزاته ومعجزات سائر الأنبياء. والأول هو الظاهر.\nوقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن الآيات التي أراها فرعون وقومه بعضها أعظم من بعض، كما قال تعالى في","vol":"4","page":532},{"text":"سورة \"الزخرف\": ﴿وَمَا نُرِيهِمْ مِنْ آيَةٍ إلا هِيَ أَكْبَرُ مِنْ أُخْتِهَا﴾ وقوله: ﴿لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾، وقوله: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠)﴾؛ لأن الكبرى في الموضعين تأنيث الأكبر، وهي صيغة تفضيل تدل على أنها أكبر من غيرها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾ يعني أنه مع ما أراه الله من الآيات المعجزات الدالة على صدق نبيه موسى، كذب رسول ربه موسى، وأبى عن قبول الحق. وقد أوضح جل وعلا في غير هذا الموضع شدة إبائه وعناده وتكبره على موسى في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ (٤٧)﴾، وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَال يَاقَوْمِ أَلَيسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٥١) أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢) فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾. ومقصوده بذلك كله تعظيم أمر نفسه وتحقير أمر موسى، وأنه لا يمكن أن يتبع الفاضل المفضول.\nوقد بين جل وعلا: أن فرعون كذب وأبى، وهو عالم بأن ما جاء به موسى حق. وأن الآيات التي كذب بها وأبي عن قبولِها ما أنزلها إلا الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وقوله: ﴿قَال لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إلا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقوله: ﴿أَرَينَاهُ﴾ أصله من رأى البصرية على الصحيح.","vol":"4","page":533},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-951> قوله تعالى: ﴿قَال أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه لما أرى فرعون آياته على يد نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال: إن الآيات التي جاء بها موسى سحر، وأنه يريد بها إخراج فرعون وقومه من أرضهم.\nأما دعواه هو وقومه أن موسى ساحر: فقد ذكره الله جل وعلا في مواضع كثيرة من كتابه؛ كقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣)﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا إِنَّ هَذَا لَسِحْرٌ مُبِينٌ (٧٦)﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقوله: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما ادعاؤهم أنه يريد إخراجهم من أرضهم بالسحر فقد ذكره الله جل وعلا أيضًا في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَامُوسَى (٥٧)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠)﴾، وقوله في \"الشعراء\": ﴿قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥)﴾، وقوله في \"يونس\": ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقال سحرة فرعون: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-952> قوله تعالى: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾</span>.","vol":"4","page":534},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون -لعنه الله- لما رأى آيات الله ومعجزاته الباهرة، وادعى أنها سحر؛ أقسم ليأتين موسى بسحر مثل آيات الله التي يزعم هو أنها سحر. وقد بين في غير هذا الموضع: أن إتيانهم بالسحر وجمعهم السحرة كان عن اتفاق ملئهم على ذلك؛ كقوله في \"الأعراف\": ﴿قَال الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (١٠٩) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (١١٠) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾، وقوله في \"الشعراء\": ﴿قَال لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (٣٥) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧)﴾؛ لأن قوله: ﴿فَمَاذَا تَأْمُرُونَ﴾ في الموضعين يدل على أن قول فرعون: ﴿فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِثْلِهِ﴾ وقع بعد مشاورة واتفاق الملأ منهم على ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-953> قوله تعالى: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ مَكَانًا سُوًى (٥٨) قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون لما وعد موسى بأنه يأته بسحر مثل ما جاء به موسى في زعمه قال لموسى: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ والإخلاف: عدم إنجاز الوعد. وقرر أن يكون مكان الاجتماع للمناظرة والمغالبة في السحر في زعمه مكانًا سوى. وأصح الأقوال في قوله: ﴿سُوًى﴾ على قراءة الكسر والضم: أنه مكان وسط تستوي أطراف البلد فيه؛ لتوسطه بينها، فلم يكن أقرب للشرق من الغرب، ولا للجنوب من الشمال. وهذا هو معنى قول المفسرين: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ أي:","vol":"4","page":535},{"text":"نصفًا وعدلًا ليتمكن جميع الناس أن يحضروا. وقوله: ﴿سُوًى (٥٨)﴾ أصله من الاستواء؛ لأن المسافة من الوسط إلى الطرفين لا تفاوت فيها بل هي مستوية. وقوله: ﴿سُوًى (٥٨)﴾ فيه ثلاث لغات: الضم، والكسر مع القصر، وفتح السين مع المد. والقراءة بالأوليين دون الثالثة هنا. ومن القراءة بالثالثة: ﴿إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ﴾ ومن إطلاق العرب ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ على المكان المتوسط بين الفريقين قول موسى بن جابر الحنفي، وقد أنشده أبو عبيدة شاهدًا لذلك:\nوإن أبانا كان حلَّ ببلدةٍ ... سِوًى بين قيسٍ قيسِ عيلان والفِزْرِ\nوالفِزْر: سعد بن زيد مناة بن تميم؛ يعني حل ببلدة مستوية مسافتها بين قيس عيلان والفزر.\nوأن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أجاب فرعون إلى ما طلب منه من الموعد، وقرر أن يكون وقت ذلك يوم الزينة. وأقوال أهل العلم في يوم الزينة راجعة إلى أنه يوم معروف لهم، يجتمعون فيه ويتزينون؛ سواء قلنا: إنه يوم عيد لهم، أو يوم عاشوراء، أو يوم النيروز، أو يوم كانوا يتخذون فيه سوقًا ويتزينون فيه بأنواع الزينة.\nقال الزمخشري: وإنما واعدهم موسى ذلك اليوم؛ ليكون علو كلمة الله وظهور دينه، وكبت الكافر وزهوق الباطل، على رءوس الأشهاد في المجمع الغاص؛ لتقوى رغبة من رغب في اتباع الحق، ويكلّ حدُّ المبطلين وأشياعهم، ويكثر المحدِّث بذلك الأمر؛ ليعلم في كل بدو وحضر، ويشيع في جميع أهل الوبر","vol":"4","page":536},{"text":"والحضر اهـ منه. والمصدر المنسبك من \"أن\" وصلتها في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾ في محل جر عطفًا على ﴿الزِّينَةِ﴾ أي موعدكم يوم الزينة وحشر الناس أو في محل رفع عطفًا على قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ على قراءة الجمهور بالرفع. والحشر: الجمع؛ والضحى: من أول النهار حين تشرق الشمس. والضحى يذكر ويؤنث؛ فمن أنثه ذهب إلى أنه جمع ضحوة. ومن ذَكَّرَه ذهب إلى أنه اسم مفرد جاء على \"فُعَل\" بضم ففتح كـ\"صُرَد وزُفَر\". وهو منصرف إذا لم تُرِد ضحى يوم معين بلا خلاف. وإن أردت ضحى يومك المعين فقيل: يمنع من الصرف كسحر. وقيل: لا.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون المناظرة بين موسى والسحرة عين لوقتها يوم معلوم يجتمع الناس فيه؛ ليعرفوا الغالب من المغلوب = أشير له في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في \"الشعراء\": ﴿فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨) وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنْتُمْ مُجْتَمِعُونَ (٣٩) لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِنْ كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (٤٠)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾ اليوم المعلوم: هو يوم الزينة المذكور هنا. وميقاته وقت الضحى منه المذكور في قوله: ﴿وَأَنْ يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى (٥٩)﴾.\nتنبيه\nاعلم أن في تفسير هذه الآية الكريمة أنواعًا من الإشكال معروفة عند العلماء، وسنذكر إن شاء الله تعالى أوجه الإشكال فيها، ونبين إزالة الإشكال عنها.\nاعلم أولًا: أن الفعل الثلاثي إن كان مثالًا أعني واوي الفاء","vol":"4","page":537},{"text":"كـ\"وعد ووصل\"، فالقياس في مصدره الميمي واسم مكانه وزمانه كلها \"المَفْعِل\" -بفتح الميم وكسر العين- ما لم يكن معتل اللام؛ فإن كان معتلها فالقياس فيه المَفْعَل -بفتح الميم والعين- كما هو معروف في فن الصرف.\nفإذا علمت ذلك، فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ صالح بمقتضى القياس الصرفي لأن يكون مصدرًا ميميًّا بمعنى الوعد، وأن يكون اسم زمان يراد به وقت الوعد، وأن يكون اسم مكان يراد به مكان الوعد. ومن إطلاق \"الموعِد\" في القرآن اسم زمان قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ﴾ أي وقت وعدهم بالإهلاك الصبح. ومن إطلاقه في القرآن اسم مكان قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣)﴾ أي مكان وعدهم بالعذاب.\nوأوجه الإشكال في هذا: أن قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنْتَ﴾ يدل على أن الموعد مصدر؛ لأن الذي يقع عليه الإخلاف هو الوعد لا زمانه ولا مكانه.\nوقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم مكان.\nوقوله: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يدل على أن الموعد في الآية اسم زمان. فإن قلنا: إن الموعد في الآية مصدر، أشْكَل على ذلك ذكر المكان في قوله: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾، والزمان في قوله: ﴿يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وإن قلنا: إن الموعد اسم مكان، أَشْكَل عليه قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾؛ لأن نفس المكان لا يُخلف وإنما يُخْلف الوعد، وأشْكَل","vol":"4","page":538},{"text":"عليه أيضًا قوله: ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾. وإن قلنا: إن الموعد اسم زمان أشكل عليه أيضًا قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾، وقوله: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾.\nهذه هي أوجه الإشكال في هذه الآية الكريمة. وللعلماء عن هذا أجوبة؛ منها ما ذكره الزمخشري في الكشاف قال: لا يخلو الموعد في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ من أن يجعل زمانًا أو مكانًا أو مصدرًا؛ فإن جعلته زمانًا نظرًا في أن قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ مطابق له، لزمك شيئان: أن تجعل الزمان مخلفًا وأن يعضل عليك ناصب ﴿مَكَانًا﴾ وإن جعلته مكانًا لقوله تعالى: ﴿مَكَانًا سُوًى (٥٨)﴾، لزمك أيضًا أن توقع الإخلاف على المكان، ولا يطابق قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ إلى أن قال: فبقى أن يجعل مصدرًا بمعنى الوعد ويقدر مضاف محذوف، أي مكان الوعد، ويجعل الضمير في ﴿نُخْلِفُهُ﴾ للموعد و﴿مَكَانًا﴾ بدل من المكان المحذوف.\nفإن قلت: كيف طابقه قوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولابد من أن تجعله زمانًا والسؤال واقع عن المكان لا عن الزمان؟.\nقلت: هو مطابق معنًى وإن لم يطابق لفظًا؛ لأنهم لابد لهم من أن يجتمعوا يوم الزينة في مكان بعينه مشتهر باجتماعهم فيه في ذلك اليوم؛ فبذكر الزمان علم المكان. انتهى محل الغرض منه. ولا يخفى ما في جوابه هذا من التعسف والحذف والإبدال من المحذوف.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أظهر ما أجيب به عما","vol":"4","page":539},{"text":"ذكرنا من الإشكال عندي في هذه الآية الكريمة: أن فرعون طلب من موسى تعيين مكان الموعد، وأنه يكون مكانًا سُوى، أي وسطًا بين أطراف البلد كما بينا. وأن موسى وافق على ذلك وعين زمان الوعد وأنه يوم الزينة ضحى؛ لأن الوعد لابد له من مكان وزمان. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن الذي يترجح عندي المصير إليه هو قول من قال في قوله: ﴿فَاجْعَلْ بَينَنَا وَبَينَكَ مَوْعِدًا﴾ إنه اسم مكان أي: مكان الوعد، وقوله: ﴿مَكَانًا﴾ بدل من قوله موعدًا؛ لأن الموعد إذا كان اسم مكان صار هو نفس المكان فاتضح كون ﴿مَكَانًا﴾ بدلًا. ولا إشكال في ضمير ﴿نُخْلِفُهُ﴾ على هذا. ووجه إزالة الإشكال عنه أن المعروف في فن الصرف: أن اسم المكان مشتق من المصدر كاشتقاق الفعل منه، فاسم المكان ينحل عن مصدر ومكان. فالمنزل مثلًا مكان النزول، والمجلس مكان الجلوس، والموعد مكان الوعد. فإذا اتضح لك أن المصدر كامن في مفهوم اسم المكان، فالضمير في قوله: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ راجع إلى المصدر الكامن في مفهوم اسم المكان، كرجوعه للمصدر الكامن في مفهوم الفعل في قوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾؛ فقوله: ﴿هُوَ﴾ أي العدل المفهوم من ﴿اعْدِلُوا﴾ وكذلك قوله تعالى: ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ أي: الوعد الكامن في مفهوم اسم المكان الذي هو الموعد؛ لأنه مكان الوعد، فمعناه مركب إضافي وآخر جزأيه لفظ الوعد وهو مرجع الضمير في ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾.\nفإذا عرفت معنى هذا الكلام الذي أخبر الله أن فرعون قاله لموسى؛ فاعلم أن قوله عن موسى ﴿قَال مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ يدل على أنه وافق على طلب فرعون ضمنًا، وزاد تعيين زمان الوعد","vol":"4","page":540},{"text":"بقوله: ﴿مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ ولا إشكال في ذلك. هذا هو الذي ظهر لنا صوابه. وأقرب الأوجه التي ذكرها العلماء بعد هذا عندي قول من قال: إن الموعد في الآية مصدر، وعليه فـ ﴿لَا نُخْلِفُهُ﴾ راجع للمصدر، و﴿مَكَانًا﴾ منصوب بفعل دل عليه الموعد؛ أي عِدْنا مكانًا سوى. ونَصبُ المكان بأنه مفعول المصدر الذي هو ﴿مَوْعِدًا﴾ أو أحد مفعولي ﴿فَاجْعَلْ﴾ غيرُ صواب فيما يظهر لي والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَكَانًا سُوًى﴾ قرأه ابن عامر وعاصم وحمزة ﴿سُوًى (٥٨)﴾ بضم السين والباقون بكسرها. ومعنى القراءتين واحد كما تقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-954> قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيدَهُ ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ قال بعض العلماء: معنى ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ انصرف مُدْبرًا من ذلك المقام ليهيئ ما يحتاج إليه مما تواعد عليه هو وموسى. ويدل لهذا الوجه قوله تعالى في سورة \"النازعات\" في القصة بعينها: ﴿ثُمَّ أَدْبَرَ يَسْعَى (٢٢) فَحَشَرَ فَنَادَى (٢٣)﴾ وقوله: ﴿فَحَشَرَ﴾ أي جمع السحرة.\nوقال بعض العلماء: معنى قوله: ﴿فَتَوَلَّى فِرْعَوْنُ﴾ أي: أعرض عن الحق الذي جاءه به موسى. ومن معنى هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَمَعَ كَيدَهُ﴾ الظاهر أن المراد بـ ﴿كَيدَهُ﴾ ما جمعه من السِّحْر ليغلب به موسى في زعمه. وعليه فالمراد","vol":"4","page":541},{"text":"بقوله: ﴿فَجَمَعَ كَيدَهُ﴾ هو جمعة للسحرة من أطراف مملكته، ويدل على هذا أمران: أحدهما: تسمية السحر في القرآن كيدًا؛ كقوله: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ الآية، وقوله تعالى عن السحرة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ﴾ وكيدُهم سِحْرُهم. الثاني: أن الذي جمعه فرعون هو السحرة كما دلت عليه آيات من كتاب الله؛ كقوله تعالى في \"الأعراف\": ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (١١٢)﴾، وقوله: ﴿حَاشِرِينَ (١١١)﴾ أي: جامعين يجمعون السحر من أطراف مملكته، وقوله في \"الشعراء\": ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ (٣٧) فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٣٨)﴾، وقوله في \"يونس\": ﴿وَقَال فِرْعَوْنُ ائْتُونِي بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (٧٩)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ أَتَى (٦٠)﴾ أي: جاء فرعون بسحرته للميعاد ليغلب نبي الله موسى بسحره في زعمه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-955> قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن السحرة لما جمعهم فرعون واجتمعوا مع موسى للمغالبة قالوا له متأدبين معه: ﴿إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى (٦٥)﴾ وقد بين تعالى مقالتهم هذه في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"الأعراف\": ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ﴾. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يحذف مفعول فعل في موضع، ثم يبين في موضع آخر، فإنا نبين ذلك، وقد حذف هنا في هذه الآية مفعول ﴿تُلْقِيَ﴾، ومفعول أول من ﴿أَلْقَى (٦٥)﴾ وقد بين تعالى في مواضع أخر أن مفعول إلقاء موسى هو عصاه وذلك في قوله في","vol":"4","page":542},{"text":"\"الأعراف\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾، وقوله في \"الشعراء\": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾، وقوله هنا: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ الآية. وما في يمينه هو عصاه؛ كما قال تعالى: ﴿وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَامُوسَى (١٧) قَال هِيَ عَصَايَ﴾ الآية.\nوقد بين تعالى أيضًا في موضع آخر أن مفعول إلقائهم هو حبالهم وعصيهم، وذلك في قوله في \"الشعراء\": ﴿فَأَلْقَوْا حِبَالهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾. وقد أشار تعالى إلى ذلك أيضًا بقوله هنا: ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى﴾؛ لأن في الكلام حذفًا دل المقام عليه، والتقدير: قال: بل ألقوا، فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. والمصدر المنسبك من ﴿أَنْ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تُلْقِيَ﴾ وفي قوله: ﴿أَنْ نَكُونَ﴾ فيه وجهان من الإعراب: الأول: أنه في محل نصب بفعل محذوف دل المقام عليه، والتقدير: إما أن تختار أن تلقي، أي تختار إلقاءك أولًا، أو تختار إلقاءنا أولًا. وتقدير المصدر الثاني: وإما أن تختار أن نكون أي كوننا أول من ألقى. والثاني: أنه في محل رفع، وعليه فقيل: هو مبتدأ، والتقدير: إما إلقاؤك أول، أو إلقاؤنا أول. وقيل: خبر مبتدأ محذوف، أي: إما الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-956> قوله تعالى: ﴿قَال بَلْ أَلْقُوا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما خيره سحرة فرعون أن يلقي قبلهم","vol":"4","page":543},{"text":"أو يلقوا قبله قال لهم: ﴿أَلْقُوا﴾ يعني: ألقوا ما أنتم ملقون كما صرح به في \"الشعراء\" في قوله تعالى: ﴿قَال لَهُمْ مُوسَى أَلْقُوا مَا أَنْتُمْ مُلْقُونَ (٤٣)﴾ وذلك هو المراد أيضًا بقوله في \"الأعراف\": ﴿قَال أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية.\nتنبيه\nقول موسى للسحرة: ألقوا المذكور في \"الأعراف، وطه، والشعراء\" فيه سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف قال هذا النبي الكريم للسحرة: ألقوا؛ أي: ألقوا حبالكم وعصيكم، يعني اعملوا السحر وعارضوا به معجزة الله التي أيد بها رسوله، وهذا أمرٌ بمنكر؟ والجواب: هو أن قصد موسى بذلك قصد حسن يستوجبه المقام؛ لأن إلقاءهم قبله يستلزم إبراز ما معهم من مكائد السحر، واستنفاد أقصى طرقهم ومجهودهم؛ فإذا فعلوا ذلك كان في إلقائه عصاه بعد ذلك وابتلاعها لجميع ما ألقوا من إظهار الحق وإبطال الباطل ما لا جدال بعده في الحق لأدنى عاقل. ولأجل هذا قال لهم: ألقوا، فلو ألقى قبلهم وألقوا بعده لم يحصل ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-957> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف ابن ذكوان عن ابن عامر \"تُخَيِّل\" بالتاء، أي تخيِّل هي، أي الحبال والعصي أنها تسعى. والمصدر في ﴿أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ بدل من ضمير الحبال والعصي الذي هو نائب فاعل \"تخيل\" بدل اشتمال. وقرأ الباقون بالياء التحتية. والمصدر في","vol":"4","page":544},{"text":"﴿أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ نائب فاعل: ﴿يُخَيَّلُ﴾.\nوفي هذه الآية الكريمة حذف دل المقام عليه، والتقدير: قال بل ألقوا فألقوا حبالهم وعصيهم، فإذا حبالهم وعصيهم يخيل إليه من سحرهم أنها تسعى. وبه تعلم أن ألفاء في قوله: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ﴾ عاطفة على محذوف كما أشار لنحو ذلك ابن مالك في الخلاصة بقوله:\n\n• وحَذْفَ متبوعٍ بدا هُنا اسْتَبِحْ*\nو\"إذا\" هي الفجائية، وقد قدمنا كلام العلماء فيها فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والحبال: جمع حبل، وهو معروف. والعِصي: جمع عصا، وألف العصا منقلبة عن واو، ولذا ترد إلى أصلها في التثنية؛ ومنه قول غيلان ذي الرمة:\nفجاءت بنسجِ العنكبوت كأنه ... على عَصَوَيها سابريٌّ مُشَبْرَق\nوأصل العِصِيّ \"عصوو\" على وزن \"فعول\" جمع عصا؛ فأُعِل بإبدال الواو التي في موضع اللام ياء فصار \"عصويًا\"، فأبدلت الواو ياء وأدغمت في الياء، فالياءان أصلهما واوان. وإلى جواز هذا النوع من الإعلال في واوي اللام مما جاء على فعول أشار في الخلاصة بقوله:\nكذاكَ ذا وجهين جا المفعولُ مِنْ ... ذِي الواو لامَ جمعٍ أو فَرْدٍ يَعِنْ\nوضمة الصاد في ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ أبدلت كسرة لمجانسة الياء، وضمة عين ﴿وَعِصِيُّهُمْ﴾ أبدلت كسرة لإتباع كسرة الصاد. والتخيل في قوله: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ هو إبداء أمر لا حقيقة له،","vol":"4","page":545},{"text":"ومنه الخيال. وهو الطيف الطارق في النوم. قال الشاعر:\nألا يا لقومي للخيال المشوق ... والدار تنأى بالحبيب ونلتقي\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ يدل على أن السحر الذي جاء به سحرة فرعون تخييل لا حقيقة له في نفس الأمر. وهذا الذي دلت عليه آية \"طه\" هذه: دلت عليه آية \"الأعراف\" وهي قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ يدل على أنهم خيلوا لأعين الناظرين أمرًا لا حقيقة له. وبهاتين الآيتين احتج المعتزلة ومن قال بقولهم على أن السحر خيال لا حقيقة له.\nوالتحقيق الذي عليه جماهير العلماء من المسلمين: أن السحر منه ما هو أمر له حقيقة لا مطلق تخييل لا حقيقة له، ومما يدل على أن منه ماله حقيقة قوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فهذه الآية تدل على أنه شيء موجود له حقيقة تكون سببًا للتفريق بين الرجل وامرأته وقد عبر الله عنه بـ\"ما\" الموصولة وهي تدل على أنه شيء له وجود حقيقي. ومما يدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ (٤)﴾ يعني السواحر اللاتي يعقدن في سحرهن وينفثن في عقدهن. فلولا أن السحر حقيقة لم يأمر الله بالاستعاذة منه. وسيأتي إن شاء الله أن السحر أنواع: منها ما هو أمر له حقيقة، ومنها ما هو تخييل لا حقيقة له. وبذلك يتضح عدم التعارض بين الآيات الدالة على أن له حقيقة، والآيات الدالة على أنه خيال.\nفإن قيل: قوله في \"طه\": ﴿يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ﴾ الآية، وقوله","vol":"4","page":546},{"text":"في \"الأعراف\": ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الدالان على أن سحر سحرة فرعون خيال لا حقيقة له، يعارضهما قوله في \"الأعراف\": ﴿وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (١١٦)﴾ لأن وصف سحرهم بالعظم يدل على أنه غير خيال. فالذي يظهر في الجواب -والله أعلم- أنهم أخذوا كثيرًا من الحبال والعصي، وخيلوا بسحرهم لأعين الناس أن الحبال والعصي تسعى وهي كثيرة. فظن الناظرون أن الأرض ملئت حيات تسعى، لكثرة ما ألقوا من الحبال والعصي فخافوا من كثرتها، وبتخييل سَعْي ذلك العدد الكثير وصف سحرهم بالعظم. وهذا ظاهر لا إشكال فيه. وقد قال غير واحد: إنهم جعلوا الزئبق على الحبال والعصي، فلما أصابها حر الشمس تحرك الزئبق فحرك الحبال والعصي، فخيل للناظرين أنها تسعى. وعن ابن عباس: أنهم كانوا اثنين وسبعين ساحرًا، مع كل ساحر منهم حبال وعصي. وقيل: كانوا أربعمائة. وقيل كانوا اثني عشر ألفًا. وقيل أربعة عشر ألفًا. وقال ابن المنكدر: كانوا ثمانين ألفًا. وقيل: كانوا مجمعين على رئيس يقال له: شمعون. وقيل: كان اسمه يوحنا معه اثني عشر نقيبًا، مع كل نقيب عشرون عريفًا، مع كل عريف ألف ساحر. وقيل: كانوا ثلاثمائة ألف ساحر من الفيوم، وثلاثمائة ألف ساحر من الصعيد وثلاثمائة ألف ساحر من الريف فصاروا تسعمائة ألف، وكان رئيسهم أعمى اهـ. وهذه الأقوال من الإسرائيليات، ونحن نتجنبها دائمًا، ونقلل من ذكرها، وربما ذكرنا قليلًا منها منبهين عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-958> قوله تعالى: ﴿وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾</span>.","vol":"4","page":547},{"text":"قرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو وحمزة والكسائي وقنبل عن ابن كثير، وهشام عن ابن عامر، وشعبة عن عاصم بتاء مفتوحة مخففة بعدها لام مفتوحة ثم قاف مفتوحة مشددة بعدها فاء ساكنة، وهو مضارع تلقف وأصله تتلقف بتاءين فحذفت إحداهما تخفيفًا، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوما بتاءين ابتُدِي قد يُقْتَصَر ... فيه على تا كتبَيَّنُ العِبَر\nوالمضارع مجزوم؛ لأنه جزاء الطلب في قوله: ﴿أَلْقِ﴾ وجمهور علماء العربية على أن الجزم في نحو ذلك بشرط مقدر دلت عليه صيغة الطلب، وتقديره هنا: إن تلق ما في يمينك تلقف ما صنعوا. وقرأه البزي عن ابن كثير كالقراءة التي ذكرنا، إلا أنه يشدد تاء تلقف وصلًا. ووجه تشديد التاء هو إدغام إحدى التاءين في الأخرى وهو جائز في كل فعل بدئ بتاءين كما هنا، وأشار إليه في الخلاصة بقوله:\nوحَيِيَ افْكُك وادَّغِمْ دونَ حَذَر ... كذاكَ نحوُ تتجلَّى واسْتَتَر\nومحل الشاهد منه قوله: \"نحو تتجلى\" ومثاله في الماضي قوله:\nتولى الضجيع إذا ما التذها خصرا ... عذب المذاق إذا ما اتابع القُبَل\nأصله تتابع، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر كالقراءة المذكورة للجمهور إلا أنه يضم الفاء، فالمضارع على قراءته مرفوع، ووجه رفعه أن جملة الفعل حال، أي: ألق بما في يمينك في حال كونها متلقفة ما صنعوا. أو مستأنفة، وعليه فهي خبر مبتدأ محذوف، أي","vol":"4","page":548},{"text":"فهي تلقف ما صنعوا. وقرأ حفص عن عاصم ﴿تَلْقَفْ﴾ بفتح التاء وسكون اللام وفتح القاف مخففة مع الجزم، مضارع \"لَقِفه\" بالكسر يَلْقَفه بالفتح ومعنى القراءتين واحد؛ لأن معنى تلقفه ولقفه إذا تناوله بسرعة، والمراد بقوله: ﴿تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا﴾ على جميع القراءات أنها تبتلع كل ما زوروه وافتعلوه من الحبال والعصى التي خيلوا للناس أنها تسعى وصنعهم في قوله تعالى: ﴿مَا صَنَعُوا﴾ واقع في الحقيقة على تخييلهم إلى الناس بسحرهم أن الحبال والعصي تسعى، لا على نفس الحبال والعصي لأنها من صنع الله تعالى. ومن المعلوم أن كل شيء كائنًا ما كان بمشيئته تعالى الكونية القدرية.\nوهذا المعنى الذي ذكره جل وعلا هنا في هذه الآية الكريمة، من كونه أمر نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام أن يُلقي ما في يمينه أي يده اليمنى، وهو عصاه فإذا هي تبتلع ما يأفكون من الحبال والعصي التي خيلوا إليه أنها تسعى؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في \"الأعراف\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩)﴾، وقوله تعالى في \"الشعراء\": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ فذِكْر العصا في \"الأعراف، والشعراء\" يوضح أن المراد بما في يمينه في \"طه\" أنه عصاه كما لا يخفى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا يَأْفِكُونَ (٤٥)﴾ أي يختلقونه ويفترونه من الكذب، وهو زعمهم أن الحبال والعصى تسعى حقيقة، وأصله من قولهم: أفكه عن الشيء يأفكه عنه، من","vol":"4","page":549},{"text":"باب ضرب، إذا صرفه عنه وقلبه. فأصل الأفك بالفتح القلب والصرف عن الشيء. ومنه قيل لقرى قوم لوط: المؤتفكات؛ لأن الله أفكها أي قلبها؛ كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾. ومنه قولي تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أي يصرف عنه من صرف، وقوله: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا﴾ أي لتصرفنا عن عبادتها، وقول عمرو بن أذينة:\nإن تك عن أحسن المروءة مأ ... فُوْكًا ففي آخرين قد أُفِكُوا\nوأكثر استعمال هذه المادة في الكذب؛ لأنه صرف وقلب للأمر عن حقيقته بالكذب والافتراء؛ كما قال تعالى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا صَنَعُوا كَيدُ سَاحِرٍ﴾ \"ما\" موصولة وهي اسم \"إن\"، و﴿كَيدُ﴾ خبرها، والعائد إلى الموصول محذوف؛ على حد قوله في الخلاصة:\n....................... ... والحذفُ عندهم كثيرٌ مُنْجلي\nفي عائدٍ متصلٍ إن انتصبْ ... بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يَهَبْ\nوالتقدير: إن الذي صنعوه كيد ساحر. وأما على قراءة من قرأ (كْيَدَ ساحر) بالنصب فـ ﴿مَا﴾ كافة و(كَيدَ) مفعول ﴿صَنَعُوا﴾ وليست سبعية، وعلى قراءة حمزة والكسائي \"كيد سِحْر\" بكسر السين وسكون الحاء، فالظاهر أن الإضافة بيانية؛ لأن الكيد المضاف إلى السحر هو المراد بالسحر. وقد بسطنا الكلام في نحو","vol":"4","page":550},{"text":"ذلك في غير هذا الموضع. والكيد: هو المكر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-959> قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾</span>.\nقد قدمنا في سورة \"بني إسرائيل\" أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم؛ لأنه ينحل عند بعض أهل العلم عن مصدر وزمان، وعند بعضهم عن مصدر وزمان ونسبة؛ فالمصدر كامن في مفهومه إجماعًا، وهذا المصدر الكامن في مفهوم الفعل في حكم النكرة فيرجع ذلك إلى النكرة في سياق النفي وهي صيغة عموم عند الجمهور. فظهر أن الفعل في سياق النفي من صيغ العموم، وكذلك الفعل في سياق الشرط؛ لأن النكرة في سياق الشرط أيضًا صيغة عموم. وأكثر أهل العلم على ما ذكرنا من أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم، خلافًا لبعضهم فيما إذا لم يؤكد الفعل المذكور بمصدر؛ فإن أكد به فهو صيغة عموم بلا خلاف، كما أشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله عاطفًا على صيغ العموم:\nونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جُلِبا\nوالتحقيق في هذه المسألة: أنها لا تختص بالفعل المتعدي دون اللازم، خلافًا لمن زعم ذلك، وأنه لا فرق بين التأكيد بالمصدر وعدمه؛ لإجماع النحاة على أن ذكر المصدر بعد الفعل تأكيد للفعل، والتأكيد لا ينشأ به حكم، بل هو مطلق تقوية لشيء ثابت قبل ذلك، كما هو معروف. وخلاف العلماء في عموم الفعل المذكور هل هو بدلالة المطابقة أو الالتزام؛ معروف. وإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِر﴾ الآية. يعم نفي جميع أنواع الفلاح عن الساحر، وأكد","vol":"4","page":551},{"text":"ذلك بالتعميم في الأمكنة بقوله: ﴿حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ وذلك دليل على كفره؛ لأن الفلاح لا ينفى بالكلية نفيًا عامًّا إلا عمن لا خير فيه، وهو الكافر. ويدل على ما ذكرنا أمران:\nالأول: هو ما جاء من الآيات الدالة على أن الساحر كافر؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ الآية؛ فقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ﴾ يدل على أنه لو كان ساحرًا -وحاشاه من ذلك- لكان كافرًا. وقوله: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾ صريح في كفر معلم السحر، وقوله تعالى عن هاروت وماروت مقررًا له: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ أي من نصيب، ونفي النصيب في الآخرة بالكلية لا يكون إلا للكافر عياذًا بالله تعالى، وهذه الآيات أدلة واضحة على أن من السحر ما هو كفر بواح، وذلك مما لا شك فيه.\nالأمر الثاني: أنه عرف باستقراء القرآن أن الغالب فيه أن لفظة ﴿لَا يُفْلِحُ﴾ يراد بها الكافر، كقوله تعالى في سورة \"يونس\": ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦٨) قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، وقوله في \"يونس\" أيضًا: ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْمُجْرِمُونَ (١٧)﴾، وقوله في \"الأنعام\":","vol":"4","page":552},{"text":"﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ (٢١)﴾؛ إلى غير ذلك من الآيات.\nويُفهم من مفهوم مخالفة الآيات المذكورة: أن من جانب تلك الصفات التي استوجبت نفي الفلاحِ عن السحرة والكفرة غيرهم أنه ينال الفلاح، وهو كذلك، كما بينه جل وعلا في آيات كثيرة؛ كقوله: ﴿أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ﴾ مضارع أفلح بمعنى نال الفلاح. والفلاح يطلق في العربية على الفوز بالمطلوب؛ ومنه قول لبيد:\nفاعقلي إن كنت لمَّا تعقلي ... ولقد أفلح من كان عَقَل\nفقوله: \"ولقد أفلح من كان عقل\" يعني أن من رزقه الله العقل فاز بأكبر مطلوب. ويطلق الفلاح أيضًا على البقاء والدوام في النعيم؛ ومنه قول لبيد:\nلو أن حيًّا مُدرك الفلاح ... لناله مُلاعبُ الرِّماح\nفقوله: \"مدرك الفلاح\" يعني البقاء. وقول الأضبط بن قريع السعدي، وقيل: كعب بن زهير:\nلكلِّ همٍّ من الهموم سَعَهْ ... والمُسْي والصبح لا فلاحَ مَعَهْ\nيعني أنه ليس مع تعاقب الليل والنهار بقاء. وبكل واحد من","vol":"4","page":553},{"text":"المعنيين فسر بعض أهل العلم \"حي على الفلاح\" في الأذان والإقامة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ حيث كلمة تدل على المكان، كما تدل حين على الزمان، ربما ضمنت معنى الشرط. فقوله: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ أي حيث توجه وسلك. وهذا أسلوب عربي معروف يقصد به التعميم؛ كقولهم: فلان متصف بكذا حيث سير، وأية سلك، وأينما كان؛ ومن هذا القبيل قول زهير:\nبان الخليطُ ولم يأووا لمن تَرَكوا ... وزوَّدُوْك اشتياقًا أيَّةً سلكوا\nوقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ أي لا يفوز ولا ينجو حيث أتى من الأرض. وقيل: حيث احتال. والمعنى في الآية هو ما بينا والله تعالى أعلم.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن السحر يطلق في اللغة على كل شيء خَفِي سببه ولَطُف ودق؛ ولذلك تقول العرب في الشيء الشديد الخفاء: أخفى من السحر؛ ومنه قول مسلم بن الوليد الأنصاري:\nجعلت علامات المودة بيننا ... مصائد لحظهن أخفى من السحر\nفأعرف منها الوصل في لين طرفها ... وأعرف منها الهجر في النظر الشَّزْر\nولهذا قيل لملاحة العينين: سحر؛ لأنها تصيب القلوب بسهامها في خفاء. ومنه قول المرأة التي شببت بنصر بن حجاج السلمي:","vol":"4","page":554},{"text":"وانظر إلى السحر يجري في لواحظه ... وانظر إلى دَعَج في طرفه الساجي\nالمسألة الثانية: اعلم أن السحر في الاصطلاح لا يمكن حده بحد جامع مانع؛ لكثرة الأنواع المختلفة الداخلة تحته، ولا يتحقق قدر مشترك بينها يكون جامعًا لها مانعًا لغيرها؛ ومن هنا اختلفت عبارات العلماء في حده اختلافًا متباينًا.\nالمسألة الثالثة: اعلم أن الفخر الرازي في تفسيره قسم السحر إلى ثمانية أقسام:\nالقسم الأول: سحر الكلدانيين والكسدائيين، الذين كانوا في قديم الدهر يعبدون الكواكب، ويزعمون أنها هي المدبرة لهذا العالم، ومنها تصدر الخيرات والشرور، والسعادة والنحوسة، وهم الذين بعث الله تعالى إبراهيم   ﵇   مبطلًا لمقالتهم ورادًا عليهم. وقد أطال الكلام في هذا النوع من السحر.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ومعلوم أن هذا النوع من السحر كفر بلا خلاف؛ لأنهم كانوا يتقربون فيه للكواكب كما يتقرب المسلمون إلى الله، ويرجون الخير من قبل الكواكب ويخافون الشر من قبلها، كما يرجو المسلمون ربهم ويخافونه؛ فهم كفرة يتقربون إلى الكواكب في سحرهم بالكفر البواح.\nالنوع الثاني من السحر: سحر أصحاب الأوهام والنفوس القوية. ثم استدل على تأثير الوهم بأن الإنسان يمكنه أن يمشي على الجسر الموضوع على وجه الأرض، ولا يمكنه المشي عليه إذا كان ممدودًا على نهر أو نحوه قال: وما ذاك إلا أن تخيل","vol":"4","page":555},{"text":"السقوط متى قويَ أوجبه. وقال: واجتمعت الأطباء على نهي المرعوف عن النظر إلى الأشياء الحمر، والمصروع عن النظر إلى الأشياء القوية اللمعان والدوران؛ وما ذاك إلا أن النفوس خلقت مطيعة للأوهام. قال: وحكى صاحب الشفاء عن أرسطو في طبائع الحيوان: أن الدجاجة إذا تشبهت كثيرًا بالديكة في الصوت وفي الحراب مع الديكة نبت على ساقها مثل الشيء الثابت على ساق الديك، قال: ثم قال صاحب الشفاء: وهذا يدلس على أن الأحوال الجسمانية تابعة للأحوال النفسانية. قال: واجتمعت الأمم على أن الدعاء اللساني الخالي عن الطلب النفساني قليل العمل عدم الأثر. فدل ذلك على أن للهمم والنفوس آثارًا .. إلى آخر كلامه في هذا النوع من أنواع السحر، وقد أطال فيه الكلام.\nومعلوم أن النفوس الخبيئة لها آثار بإذن الله تعالى، ومن أصرح الأدلة الشرعية في ذلك قوله - ﷺ -: \"العين حق ولو كان شيء سابق القدر لسبقته العين\". وهذا الحديث الصحيح يدل على أن همة العائن وقوة نفسه في الشر جعلها الله سببًا للتأثير في المصاب بالعين.\nوقال الرازي في هذا النوع من أنواع السحر؛ إذا عرفت هذا فنقول: النفوس التي تفعل هذه الأفاعيل قد تكون قوية جدًا فتستغني في هذه الأفعال عن الاستعانة بالآلات والأدوات، وقد تكون ضعيفة فتحتاج إلى الاستعانة بهذه الآلات. وتحقيقه: أن النفس إذا كانت مستعلية على البدن شديدة الانجذاب إلى عالم السماء كانت كأنها روح من الأرواح السماوية، فكانت قوية على","vol":"4","page":556},{"text":"التأثير في مواد هذا العالم، أما إذا كانت ضعيفة شديدة التعلق بهذه الذات البدنية فحينئذ لا يكون لها تصرف البتة إلا في هذا البدن. إلى آخر كلامه. ولا يخفى ما فيه على من نظره.\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تفسيره في سورة \"البقرة\" بعد أن ساق كلام الرازي الذي ذكرناه آنفًا ما نصه: ثم أرشد إلى مداواة هذا الداء بتقليل الغذاء والانقطاع عن الناس. قلت: وهذا الذي يشير إليه هو التصرف بالحال وهو على قسمين: تارة يكون حالًا صحيحة شرعية، يتصرف بها فيما أمر الله به ورسوله - ﷺ -، ويترك ما نهى الله تعالى عنه ورسوله - ﷺ -. فهذه الأحوال مواهب من الله تعالى، وكرامات للصالحين من هذه الأمة، ولا يسمى هذا سحرًا في الشرع. وتارة تكون الحال فاسدة لا يمتثل صاحبها ما أمر الله تعالى به ورسوله - ﷺ -، ولا يتصرف بها في ذلك. فهذه حال الأشقياء المخالفين للشريعة، ولا يدل إعطاء الله إياهم هذه الأحوال على محبته لهم؛ كما أن الدجال له من خوارق العادات ما دلت عليه الأحاديث الكثيرة، مع أنه مذموم شرعًا لعنه الله. وكذلك من شابهه من مخالفي الشريعة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.\nالنوع الثالث من أنواع السحر المذكورة: الاستعانة بالأرواح الأرضية، يعني تسخير الجن واستخدامهم. قال:\nواعلم أن القول بالجن مما أنكره بعض المتأخرين من الفلاسفة والمعتزلة. أما أكابر الفلاسفة فلم ينكروا القول بها؛ إلا أنهم سموها بالأرواح الأرضية. والجن المذكورون قسمان: مؤمنون وكافرون،","vol":"4","page":557},{"text":"وهم الشياطين.\nقال الرازي في كلامه على هذا النوع من السحر: واتصال النفوس الناطقة بها أسهل من اتصالها بالأرواح السماوية لما بينهما من المناسبة والقرب. ثم إن أصحاب الصنعة وأصحاب التجربة شاهدوا بأن الاتصال بهذه الأرواح الأرضية يحصل بأعمال سهلة من الرقى والدخن والتجريد. وهذا النوع هو المسمى بالعزائم، وعمل تسخير الجن. وقد أطال الرازي أيضًا الكلام في هذا النوع من أنواع السحر.\nالنوع الرابع من أنواع السحر: هو التخيلات والأخذ بالعيون. ومبنى هذا النوع منه على أن القوة الباصرة قد ترى الشيء على خلاف ما هو عليه في الحقيقة لبعض الأسباب العارضة؛ ولأجل هذا كانت أغلاط البصر كثيرة. ألا ترى أن راكب السفينة إذا نظر إلى الشط رأى السفينة واقفة والشط متحركًا، وذلك يدل على أن الساكن يرى متحركًا، والمتحرك ساكنًا. والقطرة النازلة ترى خطًّا مستقيمًا .. إلى آخر كلام الرازي. وقد أطال الكلام أيضًا في هذا النوع.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسيره في سورة \"البقرة\" مختصرًا كلام الرازي المذكور: ومبناه على أن البصر قد يخطئ ويشتغل بالشيء المعين دون غيره. ألا ترى ذا الشعبذة الحاذق يظهر عمل شيء يذهل أذهان الناظرين به، ويأخذ عيونهم إليه، حتى إذا استغرقهم الشغل بذلك الشيء بالتحديق ونحوه؛ عمل شيئًا آخر عملًا بسرعة شديدة، وحينئذ، يظهر لهم شيء غير ما انتظروه","vol":"4","page":558},{"text":"فيتعجبون منه جدًا، ولو أنه سكت ولم يتكلم بما يصرف الخواطر إلى ضد ما يريد أن يعمله، ولم تتحرك النفوس والأوهام إلى غير ما يريد إخراجه لفطن الناظرون لكل ما يفعله. قال: وكلما كانت الأحوال تفيد حسنَ البصر نوعًا من أنواع الخلل أشد، كان العمل أحسن؛ مثل أن يجلس المشعبذ في موضع مضيء جدًا أو مظلم، فلا تقف القوة الناظرة على أحوالها بكلالها والحالة هذه. اهـ منه. ولا يخفى أن يكون سحر سحرة فرعون من هذا النوع؛ فهو تخييل وأخذ بالعيون كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى (٦٦)﴾ فإطلاق التخييل في الآية على سحرهم نص صريح في ذلك. وقد دل على ذلك أيضًا قوله في \"الأعراف\": ﴿فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ الآية؛ لأن إيقاع السحر على أعين الناس في الآية يدل على أن أعينهم تخيلت غير الحقيقة الواقعة، والعلم عند الله تعالى.\nالنوع الخامس من أنواع السحر: الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية، كفارس على فرس في يده بوق، فلما مضت ساعة من النهار ضرب بالبوق من غير أن يمسه أحد. ومنها الصور التي يصورها الروم والهند حتى لا يفرق الناظر بينها وبين الإنسان، حتى إنهم يصورونها ضاحكة وباكية، حتى يفرق فيها بين ضحك السرور، وبين ضحك الخجل، وضحك الشامت.\nفهذه الوجوه من لطيف أمور المخايل. قال الرازي: وكان سحر سحرة فرعون من هذا الضرب. ومن هذا الباب تركيب صندوق الساعات. ويندرج في هذا الباب علم جر الأثقال، وهو أن يجر","vol":"4","page":559},{"text":"ثقيلًا عظيمًا بآلة خفيفة سهلة، وهذا في الحقيقة لا ينبغي أن يعد من باب السحر لأن لها أسبابًا معلومة نفيسة، من اطلع عليها قدر عليها، إلا أن الاطلاع عليها لما كان عسيرًا عُدّ على الظاهر ذلك من باب السحر لخفاء مأخذه. اهـ.\nوقد علمت أن الرازي يرى أن سحر سحرة فرعون من هذا النوع الأخير؛ لأن السحرة جعلوا الزئبق على الحبال والعصي فحركته حرارة الشمس فتحركت الحبال والعصي فظنوا أنها حركة طبيعية حقيقية. والذي يظهر لنا أنه من النوع الذي قبله كما قدمنا، ولا مانع من أن يتوارد نوعان على شيء واحد فيكون داخلًا في هذا وفي هذا. والله تعالى أعلم.\nوقال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر كلام الرازي الذي ذكرنا في هذا النوع من السحر. قلت: ومن هذا القبيل حيل النصارى على عامتهم بما يُرُونهم إياه من الأنوار، كقضية قمامة الكنيسة التي لهم ببيت المقدس، وما يحتالون به من إدخال النار خفية إلى الكنيسة، وإشعال ذلك القنديل بصنعة لطيفة تروج على الطغام منهم، وأما الخواص منهم فمعترفون بذلك، ولكن يتأولون أنهم يجمعون شمل أصحابهم على دينهم، فيرون ذلك سائغًا لهم، وفيهم شبه من الجهلة الأغبياء من متعبدي الكرامية الذين يرون جواز وضع الأحاديث في الترغيب والترهيب، فيدخلون في عداد من قال رسول الله - ﷺ - فيهم: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعده من النار\"، وقوله: \"حدثوا عني ولا تكذبوا علي، فإنه من يكذب علي يلج النار\". ثم ذكرها هنا -يعني الرازي- حكاية عن بعض الرهبان، وهي أنه سمع صوت طائر حزين الصوت، ضعيف","vol":"4","page":560},{"text":"الحركة، فإذا سمعته الطيور ترق له فتذهب فتلقي في وكره من ثمر الزيتون ليتبلغ به، فعمد هذا الراهب إلى صنعة طائر على شكله وتوصل إلى أن جعله أجوف، فإذا دخلته الريح سمع منه صوت كصوت ذلك الطائر. وانقطع في صومعة ابتناها، وزعم أنها على قبر بعض صالحيهم، وعلق ذلك الطائر في مكان منها، فإذا كان زمان الزيتون فتح بابا من ناحيته فتدخل الريح إلى داخل هذه الصورة فيسمع صوتها كل طائر في شكله أيضًا، فتأتي الطيور فتحمل من الزيتون شيئًا كثيرًا فلا ترى النصارى إلا ذلك الزيتون في هذه الصومعة ولا يدرون ما سببه. ففتنهم بذلك وأوهمهم أن هذا من كرامات صاحب ذلك القبر، عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة. انتهى كلام ابن كثير.\nوذكر الرازي في هذه المسألة التي نقلها عنه ابن كثير: أن ذلك الطائر المذكور يسمى البراصل، وأن الذي عمل صورته يسمى أرجعيانوس الموسيقار، وأنه جعل ذلك على هيكل أورشليم العتيق عند تجديده إياه، وأن الذي قام بعمارة ذلك الهيكل أولًا اسطرخس الناسك.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: وهذا النوع الخامس الذي عده الرازي من أنواع السحر، الذي هو الأعمال العجيبة التي تظهر من تركيب الآلات المركبة على النسب الهندسية .. إلخ، لا ينبغي عده اليوم من أنواع السحر؛ لأن أسبابه صارت واضحة متعارفة عند الناس، بسبب تقدم العلم المادي. والواضح الذي صار عاديًا لا يدخل في حد السحر، وقد كانت أمور كثيرة خفية الأسباب فصارت اليوم ظاهرتها جدًا. والله تعالى أعلم.","vol":"4","page":561},{"text":"النوع السادس من أنواع السحر: الاستعانة بخواص الأدوية، مثل أن يجعل في طعامه بعض الأدوية المبلدة المزيلة للعقل والدخن المسكرة نحو دماغ الحمار إذا تناوله الإنسان تبلد عقله، وقلت فطنته، قاله الرازي. ثم قال: واعلم أنه لا سبيل إلى إنكار الخواص؛ فإن أثر المغناطيس مشاهد إلا أن الناس قد أكثروا فيه وخلطوا الصدق بالكذب، والباطل بالحق. اهـ كلام الرازي.\nوقال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر هذا النوع من السحر نقلًا عن الرازي: قلت: يدخل في هذا القبيل كثير ممن يدعي الفقر، ويتحيل على جهلة الناس بهذه الخواص مدعيًا أنها أحوال له؛ من مخالطة النيران، ومسك الحيات إلى غير ذلك من المحالات. انتهى كلام ابن كثير.\nالنوع السابع من أنواع السحر المذكور: تعليق القلب، وهو أن يدعي الساحر أنه قد عرف الاسم الأعظم، وأن الجن يطيعونه وينقادون له في أكثر الأحوال؛ فإذا اتفق أن كان السامع لذلك ضعيف العقل قليل التمييز؛ اعتقد أنه حق؛ وتعلق قلبه بذلك؛ حصل في نفسه نوع من الرعب والمخافة؛ وإذا حصل الخوف ضعفت القوى الحساسة؛ فحينئذ يتمكن الساحر من أن يفعل ما يشاء. قال الرازي: وإن من جرب الأمور وعرف أحوال أهل العلم علم أن لتعلق القلب أثرًا عظيمًا في تنفيذ الأعمال وإخفاء الأسرار. وقال ابن كثير بعد أن نقل هذا النوع من السحر عن الرازي: قلت: هذا النمط يقال له التَّنَبْلَة، وإنما يروج على ضعفاء العقول من بني آدم. وفي علم الفراسة ما يرشد إلى معرفة كامل العقل من ناقصه؛ فإذا كان النبيل حاذقًا في علم الفراسة عرف من ينقاد له من","vol":"4","page":562},{"text":"الناس من غيره.\nالنوع الثامن من أنواع السحر: السعي بالنميمة والتضريب من وجوه لطيفة خفية وذلك شائع في الناس اهـ. والتضريب بين القوم: إغراء بعضهم على بعض.\nوقال ابن كثير ﵀ بعد أن نقل هذا النوع الأخير عن الرازي قلت: النميمة على قسمين: تارة تكون على وجه التحريش بين الناس، وتفريق قلوب المؤمنين؛ فهذا حرام متفق عليه. فأما إن كانت على وجه الإصلاح بين الناس، وائتلاف كلمة المسلمين كما جاء في الحديث \"ليس الكذاب من ينم خيرًا\" أو يكون على وجه التخذيل والتفريق بين جموع الكفرة، فهذا أمر مطلوب كما جاء في الحديث \"الحرب خدعة\"، وكما فعل نعيم بن مسعود في تفريقه بين كلمة الأحزاب وبين قريظة، جاء إلى هؤلاء ونمى إليهم عن هؤلاء، ونقل من هؤلاء إلى أولئك شيئًا آخر، ثم لأم بين ذلك فتناكرت النفوس وافترقت. وإنما يحذو على مثل هذا الذكاء ذو البصيرة النافذة. والله المستعان.\nثم قال الرازي: فهذه جملة الكلام في أقسام السحر وشرح أنواعه وأصنافه.\nقلت: وإنما أدخل كثيرًا من هذه الأنواع المذكورة في فن السحر للطافة مداركها؛ لأن السحر في اللغة عبارة عما لطف وخَفِي سببه، ولهذا جاء في الحديث \"إن من البيان لسحرًا\" وسمى السحور سحورًا لكونه يقع خفيًّا آخر الليل. والسَّحْر: الرئة وهي محل الغذاء، وسميت بذلك لخفائها ولطف مجاريها إلى أجزاء","vol":"4","page":563},{"text":"البدن وغضونه، كما قال أبو جهل يوم بدر لعتبة: انتفخ سَحْرك، أي انتفخت رئته من الخوف. وقالت عائشة ﵂: توفي رسول الله - ﷺ - بين سَحْري ونَحْري. وقال تعالى: ﴿سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ﴾ أي أخفوا عنهم عملهم. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.\nهذا هو حاصل الأقسام الثمانية التي ذكر الفخر الرازي في تفسيره في سورة \"البقرة\" انقسام السحر إليها. ولأهل العلم فيه تقسيمات متعددة يرجع غالبها إلى هذه الأقسام المذكورة وقد قسمه الشيخ سيدي عبد الله ابن الحاج إبراهيم العلوي الشنقيطي صاحب التأليف العديدة المفيدة في نظمه المسمى (رشد الغافل) وشرحه له، الذي بين فيه أنواع علوم الشر لتتقى وتجتنب إلى أقسام متعددة:\n(منها) قسم يسمى (بالهِيمِياء) بكسر الهاء بعدها مثناة تحتية فميم فياء بعدها ألف التأنيث الممدودة، على وزن كبرياء. قال: وهو ما تركب من خواص سماوية تضاف لأحوال الأفلاك، يحصل لمن عمل له شيء من ذلك أمور معلومة عند السحرة، وقد يبقى له إدراك، وقد يسلبه بالكلية فتصير أحواله كحالات النائم من غير فرق، حتى يتخيل مرور السنين الكثيرة في الزمن اليسير. وحدوث الأولاد وانقضاء الأعمار وغير ذلك في ساعة ونحوها من الزمن اليسير. ومن لم يعمل له ذلك لا يجد شيئًا مما ذكر. وهذا تخييل لا حقيقة له اهـ.\n(ومنها) نوع يسمى (بالسِّيمِياء) بكسر السين المهملة وبقية","vol":"4","page":564},{"text":"حروفه كحروف ما قبله. قال: وهو عبارة عما تركب من خواص أرضية كدهن خاص، أو مائعات خاصة يبقى معها إدراك، وقد يسلب بالكلية إلى آخر ما تقدم في الهيمياء.\n(ومنها) نوع هو رقى ضارة. قال: كرقى الجاهلية وأهل الهند، وربما كانت كفرًا. قال: ولهذا نهى مالك ﵀ عن الرقى بالعجمية. قال: وقال ابن زكرى في شرح (النصيحة): ولا يقال لما يُحْدث ضررًا: رقى، بل ذلك يقال له: سحر.\n(ومنها) قسم يسمى خصائص بعض الحقائق التي لها تسلط على النفوس؛ كالمشط والمشاقة وجف طلع الذكر من النخل، وقصة جعل اليهودي الذي سحر النبي - ﷺ - لما ذكر في سحره مشهورة. وسيأتي إيضاح ذلك إن شاء الله تعالى.\nومن أمثلة هذا النوع عند أهله: أن بعض أنواع الكلاب من شأنه إذا رُمي بحجر أن يعضه، فإذا رُميَ بسبع حجارة وعض كل واحدة منها وطُرِحت تلك الحجارة في ماء، فمن شرب منه فإن السحرة يزعمون أنه تظهر فيه آثار مخصوصة معروفة عندهم؛ قبحهم الله تعالى.\n(ومنها) نوع يسمى (بالطلاسم) وهو عبارة عن نقش أسماء خاصة لها تعلق بالأفلاك والكواكب على زعم أهلها في جسم من المعادن أو غيرها، تحدث بها خاصية ربطت في مجاري العادات، ولابد مع ذلك من نفس صالحة لهذه الأعمال؛ فإن بعض النفوس لا تجري الخاصة المذكورة على يده.\n(ومنها) نوع يسمى (بالعزائم) وهم يزعمون أن لكل نوع من","vol":"4","page":565},{"text":"الملائكة أسماء أمروا بتعظيمها، ومتى أقسم عليهم بها أطاعوا وأجابوا وفعلوا ما طلب منهم اهـ. ولا يخفى ما في هذا الزعم من الفساد.\n(ومنها) نوع يسمونه الاستخدام للكواكب والجن. وأهل الاستخدمات يزعمون أن الكواكب إدراكات روحانية؛ فإذا قوبلت الكواكب ببخور خاص ولباس خاص على الذي يباشر البخور، كانت روحانية فلك الكواكب مطيعة له، متى ما أراد شيئًا فعلته له على زعمهم لعنهم الله تعالى. وهذا النوع من سحر الكلدانيين المتقدم. وكذلك ملوك الجان يزعمون أنهم إذا عملوا لهم أشياء خاصة بكل ملك من ملوكهم أطاعوا وفعلوا لهم ما أرادوا. قال: وشروط هذه الأمور مستوعبة في كتبهم. وذكر ﵀ من علوم الشر أنواعًا كثيرة: كالخط، والأشكال، والموالد، والقرعة، والفأل، وعلم الكتف، والموسيقى، والرعدى، والكهانة، وغير ذلك.\nوالخط الرملي معروف. والأشكال جمع شكل، ويسمى علمها علم الجداول وعلم الأوفاق، وهي معروفة وهي من الباطل.\nوالموالد جمع مولد، وهي أن يدعى من معرفة النجم الذي كان طالعًا عند ولادة الشخص أنه يكون سلطانًا أو عالمًا، أو غنيًّا أو فقيرًا، أو طويل العمر أو قصيره، ونحو ذلك.\nوالقرعة ما يسمونه قرعة الأنبياء، وحاصلها جدول مرسوم في بيوته أسماء الأنبياء وأسماء الطيور؛ وبعد الجدول تراجم لكل","vol":"4","page":566},{"text":"اسم ترجمة خاصة به، ويذكر فيها أمور من المنافع والمضار، يقال للشخص: غمض عينيك وضع أصبعك في الجدول؛ فإذا وضعها على اسم قرئت له ترجمته ليعتقد أنه يكون له ذلك المذكور منها. قال: وقد عدها العلماء من باب الاستقسام بالأزلام.\nومراده بالفأل: الفأل المكتسب؛ كأن يريد إنسان التزوج أو السفر مثلًا، فيخرج ليسمع ما يفهم منه الإقدام أو الإحجام، ويدخل فيه النظر في المصحف لذلك؛ ولا يخفى أن ذلك من نوع الاستقسام بالأزلام. أما ما يعرض من غير اكتساب كأن يسمع قائلًا يقول: يا مفلح، فليس من هذا القبيل كما جاءت به الأحاديث الصحيحة.\nوعلم الكتف: علم يزعم أهل الشر والضلال أن من علمه يكون إذا نظر في أكتاف الغنم اطلع على أمور من الغيب، وربما زعم المشتغل به أن السلطان يموت في تاريخ كذا، وأنه يطرأ رخص أو غلاء أو موت الأعيان كالعلماء والصالحين، وقد يذكر شأن الكنوز أو الدفائن، ونحو ذلك.\nوالموسيقى: معروفه، وكلها من الباطل كما لا يخفى على من له إلمام بالشرع الكريم.\nوالرعديات: علم يزعم أهله أن الرعد إذا كان في وقت كذا من السنة والشهر فهو علامة على أمور غيبية من جدب وخصب، وكثرة الرواج في الأسواق وقلته، وكثرة الموت وهلاك الماشيه، وانقراض الملك ونحو ذلك. والفرق بين العرافة والكهانة مع أنهما يشتركان في دعوى الاطلاع على الغيب: أن العرافة مختصة بالأمور الماضية، والكهانة مختصة بالأمور المستقبلة اهـ منه.","vol":"4","page":567},{"text":"وعلوم الشر كثيرة، وقصدنا بذكر ما ذكرنا منها التنبيه على خِسَّتها وقبحها شرعًا، وأن منها ما هو كفر بواح، ومنها ما يؤدي إلى الكفر، وأقل درجاتها التحريم الشديد. وقد دل بعض الأحاديث والآثار على أن العيافة والطرق والطيرة من السحر. وقد قدمنا معنى ذلك في \"الأنعام\". وعنه - ﷺ - من حديث ابن عباس ﵁: \"من اقتبس شعبة من النجوم فقد اقتبس شعبة من السحر زاد ما زاد\" رواه أبو داود بإسناد صحيح. والنسائي من حديث أبي هريرة: \"من عقد عقدة ثم نفث فيها فقد سحر، ومن سحر فقد أشرك، ومن تعلق شيئًا وُكِلَ إليه\".\nالمسألة الرابعة\nاختلف العلماء في السحر هل هو حقيقة أو هو تخييل لا حقيقة له. والتحقيق: أن منه ما هو حقيقة كما قدمنا، ومنه ما هو تخييل كما تقدم إيضاحه. وهو مفهوم من أقسام السحر المتقدمة في كلام الرازي وغيره.\nالمسألة الخامسة\nاختلف العلماء فيمن يتعلم السحر ويستعمله، فقال بعضهم: إنه يكفر بذلك، وهو قول جمهور العلماء منهم مالك وأبو حنيفة وأصحاب أحمد وغيرهم. وعن أحمد ما يقتضي عدم كفره. وعن الشافعي أنه إذا تعلم السحر قيل له: صِفْ لنا سحرك؛ فإن وصف ما يستوجب الكفر، مثل سحر أهل بابل من التقرب للكواكب، وأنها تفعل ما يطلب منها فهو كافر، وإن كان لا يوجب الكفر فإن اعتقد إباحته فهو كافر، وإلا فلا. وأقوال أهل العلم في ذلك كثيرة","vol":"4","page":568},{"text":"معروفة.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: التحقيق في هذه المسألة هو التفصيل؛ فإن كان السحر مما يعظم فيه غير الله كالكواكب والجن وغير ذلك مما يؤدي إلى الكفر فهو كفر بلا نزاع. ومن هذا النوع سحر هاروت وماروت المذكور في سورة \"البقرة\" فإنه كفر بلا نزاع؛ كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيثُ أَتَى (٦٩)﴾ كما تقدم إيضاحه. وإن كان السحر لا يقتضي الكفر كالاستعانة بخواص بعض الأشياء من دهانات وغيرها، فهو حرام حرمة شديدة ولكنه لا يبلغ بصاحبه الكفر. هذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى في هذه المسألة التي اختلف فيها العلماء.\nالمسألة السادسة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في الساحر هل يقتل بمجرد فعله للسحر واستعماله له أو لا؟ قال ابن كثير في تفسيره: قال ابن هبيرة: وهل يقتل بمجرد فعله واستعماله له؟ فقال مالك وأحمد: نعم. وقال الشافعي وأبو حنيفة: لا. فأما إن قتل بسحره إنسانًا فإنه يقتل عند مالك والشافعي وأحمد. وقال أبو حنيفة: لا يقتل حتى يتكرر منه ذلك. أو يقر بذلك في حق شخص معين. وإذا قتل فإنه يقتل حدًّا عندهم إلا الشافعي فإنه قال: يقتل والحالة هذه قصاصًا.\nوهل إذا تاب الساحر تقبل توبته؟ فقال مالك وأبو حنيفة","vol":"4","page":569},{"text":"وأحمد في المشهور عنهم: لا تقبل. وقال الشافعي وأحمد في الرواية الأخرى: تقبل التوبة.\nوأما ساحر أهل الكتاب؛ فعند أبي حنيفة أنه يقتل كما يقتل الساحر المسلم. وقال مالك والشافعي وأحمد: لا يقتل؛ يعني لقصة لبيد بن الأعصم.\nواختلفوا في المسلمة الساحرة؛ فعند أبي حنيفة أنها لا تقتل، ولكن تحبس. وقال الثلاثة: حكمها حكم الرجل. وقال أبو بكر الخلال: أخبرنا أبو بكر المرُّوْذي قال: قُرأ على أبي عبد الله -يعني أحمد بن حنبل- عمر بن هارون أخبرنا يونس عن الزهري قال: يقتل ساحر المسلمين ولا يقتل ساحر المشركين؛ لأن رسول الله - ﷺ - سحرته امرأة من اليهود فلم يقتلها. وقد نقل القرطبي عن مالك ﵀ أنه قال في الذمي: يقتل إن قتل بسحره. وحكى ابن خويز منداد عن مالك روايتين في الذمي إذا سحر؛ إحداهما: أنه يستتاب فإن أسلم وإلا قتل. والثانية: أنه يقتل وإن أسلم.\nوأما الساحر المسلم فإن تضمن سحره كفرًا كفر عند الأئمة الأربعة وغيرهم، لقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ﴾ لكن قال مالك: إذا ظهر عليه لم تقبل توبته؛ لأنه كالزنديق، فإن تاب قبل أن يظهر عليه وجاء تائبًا قبلناه؛ فإن قتل بِسِحْره قُتِل. قال الشافعي: فإن قال لم أتعمد القتل، فهو مخطئ تجب عليه الدية. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى.\nوقال النووي في شرح مسلم: وأما تعلمه وتعليمه فحرام، فإن تضمن ما يقتضي الكفر كفر وإلا فلا. وإذا لم يكن فيه ما يقتضي","vol":"4","page":570},{"text":"الكفر عُزِّر واستتيب منه ولا يقتل عندنا، قإن تاب قبلت توبته. وقال مالك: الساحر كافر يقتل بالسحر ولا يستتاب، ولا تقبل توبته بل يتحتم قتله؛ والمسألة مبنية على الخلاف في قبول توبة الزنديق؛ لأن الساحر عنده كافر كما ذكرنا، وعندنا ليس بكافر، وعندنا تقبل توبة المنافق والزنديق، وقال القاضي عياض: وبقول مالك قال أحمد بن حنبل، وهو مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين. قال أصحابنا: فإذا قتل الساحر بسحره إنسانًا واعترف أنه مات بسحره وأنه يقتل غالبًا لزم القصاص. وإن قال مات به ولكنه قد يقتل وقد لا يقتل فلا قصاص، وتجب الدية في ماله لا على عاقلته؛ لأن العاقلة لا تحمل ما ثبت باعتراف الجاني. وقال أصحابنا: ولا يتصور القتل بالسحر بالبينة، وإنما يتصور باعتراف الساحر، والله أعلم. انتهى كلام النووي.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على قول البخاري ﵀: (باب السحر) وقول الله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ﴾، وقد استدل بهذه الآية على أن السحر كفر ومتعلمه كافر، وهو واضح في بعض أنواعه التي قدمتها، وهو التعبد للشياطين أو الكواكب. وأما النوع الآخر الذي هو من باب الشعوذة فلا يكفر به من تعلمه أصلًا.\nقال النووي: عمل السحر حرام، وهو من الكبائر بالإجماع، وقد عده النبي - ﷺ - من السبع الموبقات، ومنه ما يكون كفرًا، ومنه ما لا يكون كفْرًا، بل معصية كبيرة. فإن كان فيه قول أو فعل يقتضي الكفر فهو كفر وإلا فلا. وأما تعلمه وتعليمه فحرام. إلى آخر كلام","vol":"4","page":571},{"text":"النووي الذي ذكرناه عنه آنفًا. ثم إن ابن حجر لما نقله عنه قال: وفي المسألة اختلاف كبير وتفاصيل ليس هذا موضع بسطها اهـ.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: التحقيق في هذه المسألة إن شاء الله تعالى أن السحر نوعان كما تقدم؛ منه ما هو كفر، ومنه ما لا يبلغ بصاحبه الكفر، فإن كان الساحر استعمل السحر الذي هو كفر فلا شك في أنه يقتل كفرًا؛ لقوله - ﷺ -: \"من بدل دينه فاقتلوه\". وأظهر القولين عندي في استتابته أنه يستتاب، فإن تاب قبلت توبته. وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"آل عمران\" أن أظهر القولين دليلًا أن الزنديق تقبل توبته؟ لأن الله لم يأمر نبيه ولا أمته - ﷺ - بالتنقيب عن قلوب الناس، بل بالاكتفاء بالظاهر. وما يخفونه في سرائرهم أمره إلى الله تعالى. خلافًا للإمام مالك ﵀ وأصحابه القائلين بأن الساحر له حكم الزنديق؛ لأنه مُسْتَسِر بالكفر، والزنديق لا تقبل توبته عنده إلا إذا جاء تائبًا قبل الاطلاع عليه. وأظهر القولين عندي: أن المرأة الساحرة حكمها حكم الرجل الساحر، وأنها إن كفرت بسحرها قتلت كما يقتل الرجل؛ لأن لفظة \"من\" في قوله: \"من بدل دينه فاقتلوه\" تشمل الأنثى على أظهر القولين وأصحهما إن شاء الله تعالى. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى﴾ الآية. فأدخل الأنثى في لفظة ﴿وَمَنْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وإلى هذه المسألة التي هي شمول لفظة \"من\" في الكتاب والسنة للأنثى أشار في مراقي السعود بقوله:","vol":"4","page":572},{"text":"وما شمول من للأنثى جنفُ ... وفي شبيه المسلمين اختلفوا\nوأما إن كان الساحر عمل السحر الذي لا يبلغ بصاحبه الكفر، فهذا هو محل الخلاف بين العلماء. فالذين قالوا يقتل ولو لم يكفر بسحره قال أكثرهم: يقتل حدا ولو قتك إنسانًا بسحره، وانفرد الشافعي في هذه الصورة بأنه يقتل قصاصًا لا حدًّا.\nوهذه حجج الفريقين ومناقشتها:\nأما الذين قالوا: يقتل مطلقًا إذا عمل بسحره ولو لم يقتل به أحدًا، فاستدلوا بآثار عن الصحابة ﵃، وبحديث جاء بذلك إلا أنه لم يصح. فمن الآثار الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه في كتاب (الجهاد في باب الجزية): حدثنا علي بن عبد الله حدثنا سفيان قال: سمعت عمرًا قال: كنت جالسًا مع جابر بن زيد وعمرو بن أوس فحدثهما بجالة سنة سبعين عام حج مصعب بن الزبير بأهل البصرة عند درج زمزم قال: كنت كاتبًا لجزء ابن معاوية عم الأحنف، فأتانا كتاب عمر بن الخطاب قبل موته بسنة: اقتلوا كل ساحر، وفرقوا بين كل ذي محرم من المجوس قال: فقتلنا في يوم واحد ثلاث سواحر وفرقنا بين المحارم منهم. ورواه أيضًا أحمد وأبو داود. واعلم أن لفظة \"اقتلوا كل ساحر\" الخ في هذا الأثر ساقطة في بعض روايات البخاري، ثابتة في بعضها، وهي ثابتة في رواية مسدد وأبي يعلى؛ قاله في الفتح. ومن الآثار الدالة على ذلك أيضًا: ما رواه مالك في الموطأ عن محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة أنه بلغه أن حفصة زوج النبي - ﷺ - قتلت جارية لها سحرتها، وقد كانت دبرتها فأمرت بها","vol":"4","page":573},{"text":"فقتلت. قال مالك: الساحر الذي يعمل السحر ولم يعمل ذلك له غيره هو مثل الذي قال الله ﵎ في كتابه: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ﴾ فأرى أن يقتل ذلك إذا عمل ذلك هو نفسه. انتهى من الموطأ. ونحوه أخرجه عبد الرزاق. ومن الآثار الدالة على ذلك: ما رواه البخاري في تاريخه الكبير: حدثنا إسحاق، حدثنا خالد الواسطي، عن خالد الحذاء، عن أبي عثمان: كان عند الوليد رجل يلعب فذبح إنسانًا وأبان رأسه، فجاء جندب الأزدي فقتله. حدثني عمرو بن محمد، حدثنا هشيم عن خالد عن أبي عثمان عن جندب البجلي: أنه قتله. حدثنا موسى قال حدثنا عبد الواحد عن عاصم عن أبي عثمان: قتله جندب بن كعب. وفي فتح المجيد شرح كتاب التوحيد للعلامة الشيخ عبد الرحمن بن حسن رحمه الله تعالى بعد أن أشار لكلام البخاري في التاريخ الذي ذكرنا: ورواه البيهقي في الدلائل مطولًا، وفيه: فأمر به الوليد فسجن. فذكر القصة بتمامها ولها طرق كثيرة. انتهى منه.\nفهذه آثار عن ثلاثة من الصحابة في قتل الساحر: وهم عمر وابنته أم المؤمنين حفصة ﵃ جميعًا، وجندب ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة ﵃. ويعتضد ذلك بما رواه الترمذي والدارقطني عن جندب قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"حد الساحر ضربة بالسيف\". وضعف الترمذي إسناد هذا الحديث وقال: الصحيح عن جندب موقوف، وتضعيفه بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي وهو يضعف في الحديث. وقال في فتح المجيد أيضًا في الكلام على حديث جندب المذكور: روى ابن السكن من حديث بريدة أن النبي - ﷺ - قال: \"يضرب ضربة","vol":"4","page":574},{"text":"واحدة فيكون أمة وحده\" اهـ منه.\nوقال ابن كثير في تفسيره بعد أن ذكر تضعيفه بإسماعيل المذكور: قلت قد رواه الطبراني من وجه آخر، عن الحسن عن جندب مرفوعًا اهـ. وهذا يقويه كما ترى.\nفهذه الآثار التي لم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكرها على من عمل بها مع اعتضادها بالحديث المرفوع المذكور هي حجة من قال بقتله مطلقًا. والآثار المذكورة والحديث فيهما الدلالة على أنه يقتل ولو لم يبلغ به سحره الكفر؛ لأن الساحر الذي قتله جندب ﵁ كان سحره من نحو الشعوذة والأخذ بالعيون، حتى إنه يخيل إليهم أنه أبان رأس الرجل، والواقع بخلاف ذلك. وقول عمر: \"اقتلوا كل ساحر\" يدل على ذلك لصيغة العموم. وممن قال بمقتضى هذه الآثار وهذا الحديث: مالك، وأبو حنيفة، وأحمد في أصح الروايتين، وعمر، وعثمان، وابن عمر، وحفصة، وجندب بن عبد الله، وجندب بن كعب، وقيس بن سعد، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني خلافًا للشافعي، وابن المنذر ومن وافقهما.\nواحتج من قال: بأنه إن كان سحره لم يبلغ به الكفر لا يقتل بحديث ابن مسعود المتفق عليه: \"لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث ... \" الحديث، وقد قدمناه مرارًا. وليس السحر الذي لم يكفر صاحبه من الثلاث المذكورة. قال القرطبي منتصرًا لهذا القول: وهذا صحيح، ودماء المسلمين محظورة لا تستباح إلا بيقين، ولا يقين مع الاختلاف؛ والله أعلم.","vol":"4","page":575},{"text":"واحتجوا أيضًا بأن عائشة ﵂ باعت مدبرة لها سحرتها، ولو وجب قتلها لما حل بيعها؛ قاله ابن المنذر وغيره. وما حاوله بعضهم من الجمع بين الأدلة المذكورة بحمل السحر على الذي يقتضي الكفر في قول من قال بالقتل، وحمله على الذي لا يقتضي الكفر في قول من قال بعدم القتل. لا يصح؛ لأن الآثار الواردة في قتله جاءت بقتل الساحر الذي سحره  من نوع الشعوذة كساحر جندب الذي قتله، وليس ذلك مما يقتضي الكفر المخرج من ملة الإسلام، كما تقدم إيضاحه. فالجمع غير ممكن. وعليه فيجب الترجيح، فبعضهم يرجح عدم القتل بأن دماء المسلمين حرام إلا بيقين، وبعضهم يرجح القتل بأن أدلته خاصة ولا يتعارض عام وخاص؛ لأن الخاص يقضي على العام عند أكثر أهل الأصول كما هو مقرر في محله.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي أن الساحر الذي لم يبلغ به سحره الكفر، ولم يقتل به إنسانًا أنه لا يقتل؛ لدلالة النصوص القطعية، والإجماع على عصمة دماء المسلمين عامة إلا بدليل واضح. وقتل الساحر الذي لم يكفر بسحره لم يثبت فيه شيء عن النبي - ﷺ -، والتجرؤ على دم مسلم من غير دليل صحيح من كتاب أو سنة مرفوعة غير ظاهر عندي. والعلم عند الله تعالى، مع أن القول بقتله مطلقًا قوي جدًا لفعل الصحابة له من غير نكير.\nالمسألة السابعة\nاعلم أن الناس اختلفوا في تعلم السحر من غير عمل به. هل يجوز أو لا؟ والتحقيق وهو الذي عليه الجمهور: هو أنه لا يجوز،","vol":"4","page":576},{"text":"ومن أصرح الأدلة في ذلك تصريحه تعالى بأنه يضر ولا ينفع؛ في قوله: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ وإذا أثبت الله أن السحر ضار ونفى أنه نافع فكيف يجوز تعلم ما هو ضرر محض لا نفع فيه!؟.\nوجزم الفخر الرازي في تفسيره في سورة \"البقرة\" بأنه جائز بل واجب قال ما نصه: المسألة الخامسة: في أن العلم بالسحر غير قبيح ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك لأن العلم لذاته شريف، وأيضًا لعموم قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ﴾، ولأن السحر لو لم يكن يعلم لما أمكن الفرق بينه وبين المعجزة، والعلم بكون المعجز معجزًا واجب، وما يتوقف الواجب عليه فهو واجب، فهذا يقتضي أن يكون تحصيل العلم بالسحر واجبًا، وما يكون واجبًا كيف يكون حرامًا وقبيحًا. انتهى منه بلفظه. ولا يخفى سقوط هذا الكلام وعدم صحته. وقد تعقبه ابن كثير ﵀ في تفسيره بعد أن نقله عنه بلفظه الذي ذكرنا بما نصه: وهذا الكلام فيه نظر من وجوه؛ أحدها: قوله: \"العلم بالسحر ليس بقبيح\" إن عنى به ليس بقبيح عقلًا فمخالفوه من المعتزلة يمنعون هذا، وإن عنى أنه ليس بقبيح شرعًا ففي هذه الآية الكريمة يعني قوله تعالى: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾ تبشيع لعلم السحر. وفي السنن: \"من أتى عرافًا أو كاهنًا فقد كفر بما أنزل على محمد\"، وفي السنن: \"من عقد عقدة ونفث فيها فقد سحر\" وقوله: \"ولا محظور، اتفق المحققون على ذلك\" كيف لا يكون محظورًا مع ما ذكرناه من الآية والحديث؟! واتفاق المحققين يقتضي أن يكون قد نص على هذه المسألة أئمة العلماء أو أكثرهم؛ وأين نصوصهم","vol":"4","page":577},{"text":"على ذلك؟!.\nثم إدخاله علم السحر في عموم قوله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ فيه نظر؛ لأن هذه الآية إنما دلت على مدح العالمين العلم الشرعي، ولِمَ قلتَ: إن هذا منه؟ ثم ترقِّيه إلى وجوب تعلمه بأنه لا يحصل العلم بالمعجز إلا به ضعيف بل فاسد؛ لأن أعظم معجزات رسولنا ﵊ هي القرآن العظيم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد. ثم إن العلم بأنه معجز لا يتوقف على علم السحر أصلًا. ثم من المعلوم بالضرورة أن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين وعامتهم كانوا يعلمون المعجز، ويفرقون بينه وبين غيره، ولم يكونوا يعلمون السحر ولا تعلموه ولا علموه، والله أعلم. انتهى.\nولا يخفى أن كلام ابن كثير هذا صواب، وأن رده على الرازي واقع موقعه، وأن تعلم السحر لا ينبغي أن يختلف في منعه؛ لقوله جل وعلا: ﴿وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ﴾. وقول ابن كثير في كلامه المذكور؛ وفي الصحيح \"من أتى عرافًا أو كاهنًا .. الخ\". إن كان يعني أن الحديث بذلك صحيح فلا مانع، وإن كان يعني أنه في الصحيحين أو أحدهما فليس كذلك.\nوبذلك كله تعلم أن قول ابن حجر في فتح الباري، وقد أجاز بعض العلماء تعلم السحر لأمرين: إما لتمييز ما فيه كفر من غيره. وإما لإزالته عمن وقع فيه.\nفأما الأول: فلا محذور فيه إلا من جهة الاعتقاد، فإذا سلم","vol":"4","page":578},{"text":"الاعتقاد فمعرفة الشيء بمجرده لا تستلزم منعًا؛ كمن يعرف كيفية عبادة أهل الأوثان للأوثان؛ لأن كيفية ما يعمله الساحر إنما هي حكاية قول أو فعل، بخلاف تعاطيه والعمل به.\nوأما الثاني: فإن كان لا يتم كما زعم بعضهم إلا بنوع من أنواع الكفر أو الفسق؛ فلا يحل أصلا، وإلا جاز المعنى المذكور اهـ = خلاف التحقيق، إذ ليس لأحد أن يبيح ما صرح الله بأنه يضر ولا ينفع، مع أن تعلمه قد يكون ذريعة للعمل به، والذريعة إلى الحرام يجب سدها كما قدمنا. قال في المراقي:\nسد الذرائع إلى المحرم ... حَتْم كفتحها إلى المنحتم\nهذا هو الظاهر لنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في حل السحر عن المسحور؛ فأجازه بعضهم، ومنعه بعضهم. وممن أجازه سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى. قال البخاري في صحيحه (باب هل يستخرج السحر)؛ وقال قتادة: قلت لسعيد بن المسيب: رجل به طب أو يؤخذ عن امرأته، أيحل عنه، أو ينشر؟ قال: لا بأس به، إنما يريدون به الإصلاح؛ فأما ما ينفع فلم ينه عنه اهـ. ومال إلى هذا المزني. وقال الشافعي: لا بأس بالنشرة، قاله القرطبي. وقال أيضًا: قال ابن بطال: وفي كتاب وهب بن منبه: أن يأخذ سبع ورقات من سدر أخضر فيدقه بين حجرين، ثم يضربه بالماء ويقرأ عليه آية الكرسي ثم يحسو منه ثلاث حسوات ويغتسل. فإنه يذهب عنه كل ما به إن شاء الله تعالى، وهو جيد للرجل إذا حبس عن","vol":"4","page":579},{"text":"أهله. انتهى منه.\nوممن أجاز النُّشْرة وهي حل السحر عن المسحور: أبو جعفر الطبري، وعامر الشعبي وغيرهما. وممن كره ذلك: الحسن. وفي الصحيح عن عائشة أنها قالت للنبي - ﷺ - لما سحره لبيد بن الأعصم: هلا تنشرت؟ فقال: \"أما الله فقد شفاني وكرهت أن أثير على الناس شرًّا\".\nقال مقيده -عفا الله عنه-: التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه في هذه المسألة: أن استخراج السحر إن كان بالقرآن كالمعوذتين، وآية الكرسي ونحو ذلك مما تجوز الرقيا به فلا مانع من ذلك. وإن كان بسحر أو بألفاظ عجمية، أو بما لا يفهم معناه، أو بنوع آخر مما لا يجوز فإنه ممنوع. وهذا واضح وهو الصواب إن شاء الله تعالى كما ترى.\nوقال ابن حجر في فتح الباري ما نصه: (تكميل) قال ابن القيم ﵀: من أنفع الأدوية، وأقوى ما يوجد من النشرة مقاومة السحر الذي هو من تأثيرات الأرواح الخبيثة بالأدوية الإلهية: من الذكر، والدعاء، والقراءة؛ فالقلب إذا كان ممتلئًا من الله، معمورًا بذكره، وله ورد من الذكر والدعاء والتوجه، لا يخل به؛ كان ذلك من أعظم الأسباب المانعة من إصابة السحر له. قال: وسلطان تأثير السحر هو في القلوب الضعيفة؛ ولهذا غالب ما يؤثر فيه النساء والصبيان والجهال؛ لأن الأرواح الخبيثة إنما تنشط على الأرواح، تلقاها مستعدة لما يناسبها. انتهى ملخصًا. ويعكر عليه حديث الباب، وجواز السحر على النبي - ﷺ -، مع عظيم مقامه،","vol":"4","page":580},{"text":"وصدق توجهه، وملازمة ورده، ولكن يمكن الانفصال عن ذلك بأن الذي ذكره محمول على الغالب، وإنما وقع به - ﷺ - لبيان تجويز ذلك، والله أعلم. انتهى من فتح الباري.\nالمسألة التاسعة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في تحقيق القدر الذي يمكن أن يبلغه تأثير السحر في المسحور، واعلم أن لهذه المسألة واسطة وطرفين: طرف لا خلاف في أن تأثير السحر يبلغه، كالتفريق بين الرجل وامرأته، وكالمرض الذي يصيب المسحور من السحر ونحو ذلك، ودليل ذلك القرآن والسنة الصحيحة. أما القرآن فقوله تعالى: ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَينَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ﴾ فصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأن من تأثير السحر التفريق بين المرء وزوجه. وأما السنة فما ثبت في الصحيحين وغيرهما من حديث عائشة ﵂ بألفاظ متعددة متقاربة: أن رسول الله - ﷺ - سُحِر حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن؛ فقال: \"يا عائشة أعلمت أن الله قد أفتاني فيما استفتيته فيه، أتاني رجلان فقعد أحدهما عند رأسي، والآخر عند رجلي، فقال الذي عند رأسي للآخر: ما بال الرجل؟ قال: مطبوب، قال: ومن طبه؟ قال: لبيد بن الأعصم رجل من بني زريق حليف اليهودي كان منافقًا، قال: وفيم؟ قال: في مشط ومشاطة؟ قال: وأين؟ قال: في جف طلعة ذكر تحت راعوفة في بئر ذروان\" قالت: فأتى النبي - ﷺ - البئر حتى استخرجه، فقال: \"هذه البئر التي أريتها، وكأن ماءها نقاعة الحناء، وكأن نخلها رءوس الشياطين، فاستخرج\" قالت فقلت: أفلا أي تنشرت؟ فقال: \"أما الله فقد شفاني وأكره أن أثير على أحد من","vol":"4","page":581},{"text":"الناس شرًّا\" اهـ هذا لفظ البخاري في بعض رواياته لهذا الحديث. والقصة مشهورة صحيحة. ففي هذا الحديث الصحيح: أن تأثير السحر فيه - ﷺ - سبَّب له المرض؛ بدليل قوله: \"أما الله فقد شفاني\" وفي بعض الروايات الثابتة في صحيح البخاري وغيره بلفظ: فقال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل؟ قال: مطبوب؛ أي مسحور. وهو تصريح بأن السحر سبَّب له وجعًا. ونَفْي بعض الناس لهذه القصة مستدلًا بأنها لا تجوز في حقه - ﷺ -، لقوله تعالى عن الكفار منكرًا عليهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾. ساقط؛ لأن الروايات الصحيحة الثابتة لا يمكن ردها بمثل هذه الدعاوي. وسترى في آخر بحث هذه المسألة إن شاء الله تعالى إيضاح وجه ذلك. وطرف لا خلاف في أن تأثير السحر لا يمكن أن يبلغه؛ كإحياء الموتى، وفلق البحر، ونحو ذلك.\nقال القرطبي في تفسيره: أجمع المسلمون على أنه ليس في السحر ما يفعل الله عنده إنزال الجراد والقمل والضفادع، وفلق البحر، وقلب العصا، وإحياء الموتى، وإنطاق العجماء، وأمثال ذلك من عظيم آيات الرسل عليهم الصلاة والسلام. فهذا ونحوه مما يجب القطع بأنه لا يكون لا يفعله الله عند إرادة الساحر. قال القاضي أبو بكر بن الطيب: وإنما منعنا ذلك بالإجماع ولولاه لأجزناه. انتهى كلام القرطبي.\nوأما الواسطة فهي محل خلاف بين العلماء، وهي هل يجوز أن ينقلب بالسحر الإنسان حمارًا مثلًا، والحمار إنسانًا؟ وهل يصح أن يطير الساحر في الهواء، وأن يستدق جسمه حتى يدخل من كُوَّة ضيقة. وينتصب على رأس قصبة، ويجري على خيط مستدق،","vol":"4","page":582},{"text":"ويمشي على الماء، ويركب الكلب ونحو ذلك. فبعض الناس يجيز هذا. وجزم بجوازه الفخر الرازي في تفسيره، وكذلك صاحب رشد الغافل وغيرهما. وبعضهم يمنع مثل هذا.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أما بالنسبة إلى أن الله قادر على أن يفعل جميع ذلك، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وإن لم تكن هناك مناسبة عقلية بين السبب والمسبب كما قدمناه مستوفى في سورة \"مريم\" فلا مانع من ذلك، والله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾. وأما بالنسبة إلى ثبوت وقوع مثل ذلك بالفعل فلم يقم عليه دليل مقنع؛ لأن غالب ما يستدل عليه به قائله حكايات لم تثبت عن عدول، ويجوز أن يكون ما وقع منها من جنس الشعوذة والأخذ بالعيون، لا قلب الحقيقة مثلًا إلى حقيقة أخرى. وهذا هو الأظهر عندي، والله تعالى أعلم.\nتنبيه\nاعلم أن ما وقع من تأثير السحر في رسول الله - ﷺ - لا يستلزم نقصًا ولا محالًا شرعيًّا حتى ترد بذلك الروايات الصحيحة؛ لأنه من نوع الأعراض البشرية، كالأمراض المؤثرة في الأجسام، ولم يؤثر البتة فيما يتعلق بالتبليغ. واستدلال من منع ذلك زاعمًا أنه محال في حقه - ﷺ - بآية ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ مردود كما سنوضحه إن شاء الله في آخر هذا البحث.\nقال ابن حجر في الفتح: قال المازري: أنكر بعض المبتدعة هذا الحديث، وزعموا أنه يحط منصب النبوة ويشكك فيها. قالوا:","vol":"4","page":583},{"text":"وكل ما أدى إلى ذلك فهو باطل. وزعموا أن تجويز هذا يعدم الثقة بما شرعوه من الشرائع، إذ يحتمل على هذا أن يخيل إليه أنه يرى جبريل وليس هو ثم، وأنه يوحى إليه بشيء ولم يوح إليه بشيء. قال المازري: وهذا كله مردود؛ لأن الدليل قد قام على صدق النبي - ﷺ - فيما يبلغه عن الله تعالى، وعلى عصمته في التبليغ، والمعجزات شاهدات بتصديقه؛ فتجويز ما قام الدليل على خلافه باطل. وأما ما يتعلق ببعض أمور الدنيا التي لم يبعث لأجلها، ولا كانت الرسالة من أجلها، فهو في ذلك عرضة لما يعتري البشر كالأمراض. فغير بعيد أن يخيل الله في أمر من أمور الدنيا ما لا حقيقة له مع عصمته عن مثل ذلك في أمور الدين. قال: وقد قال بعض الناس: إن المراد بالحديث: أنه كان - ﷺ - يخيل إليه أنه وطئ زوجاته ولم يكن وطئهن، وهذا كثيرًا ما يقع تخيله للإنسان في المنام؛ فلا يبعد أن يخيل إليه في اليقظة.\nقلت: وهذا قد ورد صريحًا في رواية ابن عيينة في الباب الذي يلي هذا، ولفظه: \"حتى كان يُرَى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن\" وفي رواية الحميدي \"أنه يأتي أهله ولا يأتيهم\" قال الداوودي: \"يُرَى\" بضم أوله أي يظن. وقال ابن التين: ضبطت \"يَرَى\" بفتح أوله. قلت: وهو من الرأي لا من الرؤية فيرجع إلى معنى الظن. وفي مرسل يحيى بن يعمر عند عبد الرزاق: سحر النبي - ﷺ - عن عائشة، حتى أنكر بصره. وعنده في مرسل سعيد ابن المسيب: حتى كاد ينكر بصره. قال عياض: فظهر بهذا أن السحر إنما تسلط على جسده وظواهر جوارحه، لا على تمييزه ومعتقده. قلت: ووقع في مرسل عبد الرحمن بن كعب عند ابن سعد؛ فقالت أخت","vol":"4","page":584},{"text":"لبيد بن الأعصم: إن يكن نبيًّا فسيخبر، وإلا فسيذهله هذا السحر حتى يذهب عقله؛ قلت: فوقع الشق الأول كما في هذا الحديث الصحيح. وقد قال بعض العلماء: لا يلزم من أنه كان يظن أنه فعل الشيء ولم يكن فعله أن يجزم بفعله ذلك، وإنما يكون ذلك من جنس الخاطر يخطر ولا يثبت. فلا يبقى على هذا الملحد حجة.\nوقال عياض: يحتمل أن يكون المراد بالتخيل المذكور أنه يظهر له من نشاطه ما ألفه من سابق عادته من الاقتدار على الوطء، فإذا دنا من المرأة فتر من ذلك كما هو شأن المعقود، ويكون قوله في الرواية الأخرى: \"حتى كاد ينكر بصره\" أي صار كالذي أنكر بصره بحيث إنه إذا رأى الشيء يخيل إليه أنه على غير صفته؛ فإذا تأمله عرف حقيقته. ويؤيد جميع ما تقدم أنه لم ينقل عنه - ﷺ - في خبر من الأخبار أنه قال قولًا فكان بخلاف ما أخبر به. وقال المهلب: صون النبي - ﷺ - من الشياطين لا يمنع إرادتهم كيده، فقد مضى في الصحيح: أن شيطانًا أراد أن يفسد عليه صلاته، فأمكنه الله منه. فكذلك السحر ما ناله من ضرره ما يدخل نقصًا على ما يتعلق بالتبليغ، بل هو من جنس ما كان يناله من ضرر سائر الأمراض؛ من ضعف عن الكلام، أو عجز عن بعض الفعل، أو حدوث تخيل لا يستمر بل يزول، ويبطل الله كيد الشياطين.\nواستدل ابن القصار على أن الذي أصابه كان من جنس المرض بقوله في آخر الحديث: \"أما أنا فقد شفاني الله\" وفي الاستدلال به نظر؛ لكن يؤيد المدعى أن في رواية عمرة عن عائشة عند البيهقي في الدلائل: فكان يدور ولا يدري ما وجعه. وفي حديث ابن عباس عند ابن سعد: مرض النبي - ﷺ -، وأخذ عن النساء","vol":"4","page":585},{"text":"والطعام والشراب، فهبط عليه ملكان .. الحديث. انتهى من فتح الباري.\nوعلى كل حال فهو - ﷺ - معصوم بالإجماع من كل ما يؤثر خللًا في التبليغ والتشريع. وأما بالنسبة إلى الأعراض البشرية: كأنواع الأمراض والآلام، ونحو ذلك فالأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم يعتريهم من ذلك ما يعتري البشر؛ لأنهم بشر كما قال تعالى عنهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوأما قوله تعالى: ﴿إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا رَجُلًا مَسْحُورًا﴾ فمعناه أنهم يزعمون أن - ﷺ - مسحور أو مطبوب، قد خبله السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره. يقولون ذلك لينفروا الناس عنه. وقال مجاهد: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ أي مخدوعًا؛ مثل قوله: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ أي من أين تخدعون. ومعنى هذا راجع إلى ما قبله؛ لأن المخدوع مغلوب في عقله. وقال أبو عبيدة: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ معناه أن له سَحْرًا أي: رِئة، فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو مثلكم وليس بملك؛ كقولهم: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله عن الكفار: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات. ويقال لكل من أكل أو شرب من آدمي أو غيره: مسحور ومسحَّر؛ ومنه قول لبيد:\nفإن تسألينا فيمَ نحن فإننا ... عصافير من هذا الأنام المُسَحَّر\nوقال امرؤ القيس:","vol":"4","page":586},{"text":"أرانا موضعين لأمر غيب ... ونُسْحَر بالطعام وبالشراب\nأي: نغذى ونعلل.\nوإذا علمت أن أقوال العلماء في قوله: ﴿مَسْحُورًا (٤٧)﴾ راجعة إلى دعواهم اختلال عقله بالسحر أو الخديعة، أو كونه بشرًا؛ علمت أنه لا دليل في الآية على منع بعض التأثيرات العرضية التي لا تعلق لها بالتبليغ والتشريع كما ترى، والعلم عند الله تعالى.\nوقد أشرنا فيما تقدم لحكم ساحر أهل الذمة، واختلاف العلماء في قتله، واستدلال من قال بأنه لا يقتل بعدم قتله - ﷺ - لبيد بن الأعصم الذي سحره. والقول بأنه قتله ضعيف، ولم يثبت أنه قتله. وأظهر الأقوال عندنا أنه لا يكون أشد حرمة من ساحر المسلمين، بل يقتل كما يقتل ساحر المسلمين. وأما عدم قتله - ﷺ - لابن الأعصم فقد بينت الروايات الصحيحة أنه ترك قتله اتقاء إثارة فتنة، فدل على أنه لولا ذلك لقتله. وقد ترك المنافقين لئلا يقول الناس: محمد يقتل أصحابه؛ فيكون في ذلك تنفير عن دين الإسلام، مع اتفاق العلماء على قتل الزنديق وهو عبارة عن المنافق. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-960> قوله تعالى: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى (٧٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما عاينوا عصا موسى تبتلع جميع حبالهم وعصيهم خرُّوا سجدًا لله تعالى قائلين: آمنا بالله الذي هو رب هارون وموسى. فهداهم الله بذلك البرهان الإلهي، هذه الهداية العظيمة. وقد أوضح تعالى هذا المعنى في مواضع أخر؛ كقوله في \"الأعراف\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى","vol":"4","page":587},{"text":"مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١١٨) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (١١٩) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (١٢٠) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٢١) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (١٢٢)﴾، وقوله في \"الشعراء\": ﴿فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (٤٥) فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (٤٦) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالمِينَ (٤٧) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (٤٨﴾، وقوله: ﴿فَأُلْقِيَ﴾ يدل على قوة البرهان الذي عاينوه؛ كأنهم أمسكهم إنسان وألقاهم ساجدين بالقوة لعظم المعجزة التي عاينوها. وذكر في قصتهم أنهم عاينوا منازلهم في الجنة في سجودهم. والظاهر أن ذلك من نوع الإسرائيليات، وأطلق عليهم اسم السحرة في حال سجودهم لله مؤمنين به نظرًا إلى حالهم الماضية؛ كقوله: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالهُمْ﴾ فأطلق عليهم اسم اليتم بعد البلوغ نظرًا إلى الحال الماضية كما هو معروف في محله.\nوالظاهر أن تقديم هارون على موسى في هذه الآية لمراعاة فواصل الآيات.\nواعلم أن علم السحر مع خِسَّته، وأن الله صرح بأنه يضر ولا ينفع، قد كان سببًا لإيمان سحرة فرعون؛ لأنهم لمعرفتهم بالسحر عرفوا أنَّ معجزة العصا خارجة عن طور السحر، وأنها أمر إلهي فلم يداخلهم شك في ذلك؛ فكان ذلك سببًا لإيمانهم الراسخ الذي لا يزعزعه الوعيد والتهديد. ولو كانوا غير عالمين بالسحر جدًا، لأمكن أن يظنوا أن مسألة العصا من جنس الشعوذة. والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله تعالى: ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي","vol":"4","page":588},{"text":"عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن سحرة فرعون لما آمنوا برب هارون وموسى قال لهم فرعون منكرًا عليهم: ﴿آمَنْتُمْ لَهُ﴾ أي صدقتموه في أنه نبي مرسل من الله، وآمنتم بالله قبل أن آذن لكم. يعني أنهم لم يكفوا عن الإيمان حتى يأذن لهم؛ لأنه يزعم أنهم لا يحق لهم أن يفعلوا شيئًا إلا بعد إذنه هو لهم. وقال لهم أيضًا: إن موسى هو كبيرهم؛ أي كبير السحرة وأستاذهم الذي علمهم السحر. ثم هددهم مقسمًا على أنه يقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف؛ يعني اليد اليمنى والرجل اليسرى مثلًا؛ لأنه أشد على الإنسان من قطعهما من جهة واحدة؛ لأنه إن كان قطعهما من جهة واحدة يبقى عنده شق كامل صحيح، بخلاف قطعهما من خلاف. فالجنب الأيمن يضعف بقطع اليد، والأيسر يضعف بقطع الرجل كما هو معلوم. وأنه يصلبهم في جذوع النخل، وجذع النخلة هو أخشن جذع من جذوع الشجر، والتصليب عليه أشد من التصليب على غيره من الجذوع كما هو معروف.\nوما ذكره جل وعلا عنه هنا أوضحه في غير هذا الموضع أيضًا؛ كقوله في سورة \"الشعراء\": ﴿قَال آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (٤٩)﴾. وذكر هذا أيضًا في سورة \"الأعراف\" وزاد فيها التصريح بفاعل \"قال\". وادعاء فرعون أن موسى والسحرة تمالئوا على أن يظهروا أنه غلبهم مكرًا ليتعاونوا على إخراج فرعون وقومه من مصر؛ وذلك في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ","vol":"4","page":589},{"text":"إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (١٢٣) لَأُقَطِّعَنَّ أَيدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ وقوله في \"طه\": ﴿وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ﴾ يبين أن التصليب في جذوع النخل هو مراده بقوله في \"الأعراف، والشعراء\": ﴿لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾؛ أي في جذوع النخل. وتعدية التصليب بـ\"في\" أسلوب عربي معروف، ومنه قول سويد بن أبي كامل:\nهم صلبوا العبدي في جذع نخلة ... فلا عطست شيبان إلا بأجدعا\nومعلوم عند علماء البلاغة: أن في مثل هذه الآية استعارة تبعية في معنى الحرف كما سيأتي إن شاء الله تعالى إيضاح كلامهم في ذلك ونحوه في سورة \"القصص\". وقد أوضحنا في كتابنا المسمى (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن ما يسميه البلاغيون من أنواع المجاز مجازًا كلها أساليب عربية نطقت بها العرب في لغتها. وقد بينا وجه عدم جواز المجاز في القرآن وما يترتب على ذلك من المحذور.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ قال بعض أهل العلم: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾: يعني: أنا أم رب موسى أشد عذابًا وأبقى. واقتصر على هذا القرطبي؛ وعليه ففرعون يدعي أن عذابه أشد وأبقى من عذاب الله؛ وهذا كقوله: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾، وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾، وقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾. وقال بعضهم: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا﴾ أنا أم موسى أشد عذابًا وأبقى. وعلى هذا فهو كالتهكم بموسى لاستضعافه له، وأنه لا يقدر على أن يعذب من لم","vol":"4","page":590},{"text":"يطعه؛ كقوله: ﴿أَمْ أَنَا خَيرٌ مِنْ هَذَا الَّذِي هُوَ مَهِينٌ﴾ الآية. والله جل وعلا أعلم.\nواعلم أن العلماء اختلفوا: هل فعل بهم فرعون ما توعدهم به، أو لم يفعله بهم؟ فقال قوم: قتلهم وصلبهم. وقوم أنكروا ذلك، وأظهرهما عندي: أنه لم يقتلهم، وأن الله عصمهم منه لأجل إيمانهم الراسخ بالله تعالى؛ لأن الله يقول لموسى وهارون: ﴿أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-961> قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾</span>.\nقوله: ﴿لَنْ نُؤْثِرَكَ﴾ أي: لن نختار اتباعك، وكوننا من حزبك، وسلامتنا من عذابك على ما جاءنا من البينات؛ كمعجزة العصا التي أتتنا وتيقنا صحتها. والواو في قوله: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ عاطفة على ﴿مَا﴾ من قوله: ﴿عَلَى مَا جَاءَنَا﴾ أي: لن نختارك ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ ولا على ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ أي: خلقنا وأبرزنا من العدم إلى الوجود. وقيل: هي واو القسم والمقسم عليه محذوف دل عليه ما قبله؛ أي: ﴿وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾ لا نؤثرك ﴿مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾، ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ أي اصنع ما أنت صانع، فلسنا راجعين عما نحن عليه ﴿إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٧٢)﴾ أي إنما ينفذ أمرك فيها. فـ ﴿هَذِهِ﴾ منصوب على الظرف على الأصح. أي وليس فيها شيء يهم لسرعة زوالها وانقضائها.\nوما ذكره جل وعلا عنهم في هذا الموضع؛ من ثباتهم على الإيمان، وعدم مبالاتهم بتهديد فرعون ووعيده رغبة فيما عند الله =","vol":"4","page":591},{"text":"قد ذكره في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"الشعراء\" عنهم في القصة بعينها: ﴿قَالُوا لَا ضَيرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إلا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾. وقوله: ﴿فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ﴾ عائد الصلة محذوف، أي: ما أنت قاضيه لأنه مخفوض بالوصف، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nكذاك حذف ما يوصف خفضا ... كأنت قاضٍ بعد أمرٍ من قَضَى\nونظيره من كلام العرب قول سعد بن ناشب المازني:\nويصغر في عيني تلادي إذا انثنت ... يميني بإدراك الذي كنت طالبا\nأي: طالبه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-962> قوله تعالى: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى (٧٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن فرعون لعنه الله لما قال للسحرة ما قال لما آمنوا، قالوا له: ﴿إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا﴾ يعنون ذنوبهم السالفة كالكفر وغيره من المعاصي ﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ أي: ويغفر لنا ما أكرهتنا عليه من السحر. وهذا الذي ذكره عنهم هنا أشار له في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى في \"الشعراء\" عنهم: ﴿إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (٥٠) إِنَّا نَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لَنَا رَبُّنَا خَطَايَانَا أَنْ كُنَّا أَوَّلَ الْمُؤْمِنِينَ (٥١)﴾، وقوله عنهم في \"الأعراف\": ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَينَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (١٢٦)﴾.\nوفي آية \"طه\" هذه سؤال معروف، وهو أن يقال: قولهم:","vol":"4","page":592},{"text":"﴿وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيهِ مِنَ السِّحْرِ﴾ يدل على أنه أكرههم عليه، مع أنه دلت آيات أخر على أنهم فعلوه طائعين غير مكرهين، كقوله في \"طه\": ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى (٦٢) قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يُخْرِجَاكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (٦٣) فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى (٦٤)﴾، فقولهم: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا﴾ صريح في أنهم غير مكرهين، وكذلك قوله عنهم في \"الشعراء\": ﴿قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٢)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾ فتلك الآيات تدل على أنهم غير مكرهين.\nوللعلماء عن هذا السؤال أجوبة معروفة:\nمنها: أنه أكرههم على الشخوص من أماكنهم ليعارضوا موسى بسحرهم، فلما أكرهوا على القدوم وأمروا بالسحر أتوه طائعين، فإكراههم بالنسبة إلى أول الأمر، وطوعهم بالنسبة إلى آخر الأمر، فانفكت الجهة وبذلك ينتفي التعارض، ويدل لهذا قوله: ﴿وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (١١١)﴾.\nومنها: أنه كان يكرههم على تعليم أولادهم السحر في حال صغرهم، وأن ذلك هو مرادهم بإكراههم على السحر. ولا ينافي ذلك أنهم فعلوا ما فعلوا من السحر بعد تعلمهم وكبرهم طائعين.\nومنها: أنهم فعلوا لفرعون: أرنا موسى نائمًا: ففعل فوجدوه تحرسه عصاه، فقالوا: ما هذا بسحر الساحر؛ لأن الساحر إذا نام","vol":"4","page":593},{"text":"بطل سحره؛ فأبى إلا أن يعارضوه، وألزمهم بذلك. فلما لم يجدوا بدًا من ذلك فعلوه طائعين. وأظهرها عندي الأول، والعلم عند الله تعالى.\nوقوله: في هذه الآية الكريمة ﴿خَطَايَانَا﴾ جمع خطيئة، وهي الذنب العظيم: كالكفر ونحوه. والفعيلة تجمع على فعائل، والهمزة في فعائل مبدلة من الياء في فعيلة، ومثلها الألف والواو، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوالمدُّ زِيد ثالثًا في الواحدِ ... همزًا يُرَى في مِثْل كالقلائدِ\nفأصل خطايا: خطايئ بياء مكسورة، وهي ياء خطيئة، وهمزة بعدها هي لام الكلمة. ثم أبدلت الياء همزة على حد الإبدال في صحائف! فصارت \"خطائئ\" بهمزتين، ثم أبدلت الثانية ياء للزوم إبدال الهمزة المتطرفة بعد الهمزة المكسورة ياء، فصارت \"خطائي\"، ثم فتحت الهمزة الأولى تخفيفًا فصار \"خطاءي\"، ثم أبدلت الياء ألفًا لتحركها وانفتاح ما قبلها فصار \"خطاءًا\" بألفين بينهما همزة، والهمزة تشبه الألف؛ فاجتمع شبه ثلاثة ألفات، فأبدلت الهمزة ياء فصار \"خطايا\" بعد خمسة أعمال، وإلى ما ذكرنا أشار في الخلاصة بقوله:\nوافتحْ ورُدَّ الهمز يا فيما أُعِلْ ... لامًا وفي مِثْل هراوةٍ جُعِلْ\nواوًا ... إلخ.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاللَّهُ خَيرٌ وَأَبْقَى﴾ ظاهره المتبادر منه: أن المعنى خير من فرعون وأبقى منه؛ لأنه باق لا يزول","vol":"4","page":594},{"text":"ملكه، ولا يذل ولا يموت، ولا يعزل. كما أوضحنا هذا المعنى في سورة \"النحل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ الآية. أي بخلاف فرعون وغيره من ملوك الدنيا فإنه لا يبقى، بل يموت أو يعزل، أو يذل بعد العز. وأكثر المفسرين على أن المعنى: أن ثوابه خير مما وعدهم فرعون في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (١١٣) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (١١٤)﴾. وأبقى: أي أدْوَم؛ لأن ما وعدهم به فرعون زائل، وثواب الله باق؛ كما قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ وقال تعالى: ﴿بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (١٦) وَالْآخِرَةُ خَيرٌ وَأَبْقَى (١٧)﴾. وقال بعض العلماء: ﴿وَأَبْقَى (١٧)﴾ أي أبقى عذابًا من عذابك، وأدوم منه. وعليه فهو رد لقول فرعون: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (٧١)﴾ ومعنى ﴿وَأَبْقَى (٧١)﴾ أكثر بقاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-963> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ﴾ أي الأمر والشأن ﴿مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿مُجْرِمًا﴾ أي: مرتكبًا الجريمة في الدنيا حتى مات على ذلك كالكافر عياذًا بالله تعالى ﴿فَإِنَّ لَهُ﴾ عند الله ﴿جَهَنَّمَ﴾ يُعَذَّب فيها فـ ﴿لَا يَمُوتُ﴾ فيستريح ﴿وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ حياة فيها راحة.\nوهذا الذي ذكره هنا؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا","vol":"4","page":595},{"text":"وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ وَيُسْقَى مِنْ مَاءٍ صَدِيدٍ (١٦) يَتَجَرَّعُهُ وَلَا يَكَادُ يُسِيغُهُ وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ وَمِنْ وَرَائِهِ عَذَابٌ غَلِيظٌ (١٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ونظير ذلك من كلام العرب قول عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أحد فقهاء المدينة السبعة:\nألا مَن لنفسٍ لا تموت فينقضي ... شقاها ولا تحيا حياة لها طعم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-964> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ﴾ يوم القيامة في حال كونه ﴿مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ﴾ أي في الدنيا حتى مات على ذلك ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمُ﴾ عند الله ﴿الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥)﴾ والعلى: جمع عُلْيا وهي تأنيث الأعلى. وقد أشار إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾، وقوله: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-965> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أوحى إلى نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: أن يسري بعباده، وهم بنو","vol":"4","page":596},{"text":"إسرائيل فيخرجهم من قبضة فرعون ليلًا، وأن يضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا، أي يابسًا لا ماء فيه ولا بلل، وأنه لا يخاف دركًا من فرعون وراءه أن يناله بسوء. ولا يخشى من البحر أمامه أن يغرق قومه. وقد أوضح هذه القصة في غير هذا الموضع، كقوله في سورة \"الشعراء\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٥٢) فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢) فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣)﴾، فقوله في \"الشعراء\": ﴿أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ﴾ أي فضربه فانفلق؛ يوضح معنى قوله: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا﴾، وقوله: ﴿قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾ الآية. يوضح معنى قوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى (٧٢)﴾ وقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله في \"الدخان\": ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢) فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣) وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا طرفًا من ذلك في سورة \"البقرة\" والقصة معروفة واضحة من القرآن العظيم. وقرأ نافع وابن كثير ﴿أَنْ أسْرِ﴾ بهمزة وصل وكسر نون \"أن\" لالتقاء الساكنين. والباقون قرءوا ﴿أَنْ أَسْرِ﴾ بهمزة قطع مفتوحة مع إسكان نون ﴿أَنْ﴾ وقد قدمنا في سورة \"هود\" أن أسْرَى وسَرَى لغتان وبينا شواهد ذلك العربية.\nوقرأ حمزة ﴿لَا تَخَفْ﴾ بسكون الفاء بدون ألف بين الخاء","vol":"4","page":597},{"text":"والفاء، وهو مجزوم لأنه جزاء الطلب، أي فاضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف، وقد قدمنا أن نحو ذلك من الجزم بشرط محذوف تدل عليه صيغة الطلب، أي أن تضرب لهم طريقًا في البحر يبسًا لا تخف. وعلى قراءة الجمهور ﴿لَا تَخَفْ﴾ بالرفع، فلا إشكال في قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ لأنه فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، معطوف على فعل مضارع مرفوع هو قوله: ﴿لَا تَخَافُ﴾. وأما على قراءة حمزة ﴿لَا تَخَفْ﴾ بالجزم ففي قوله: ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ إشكال معروف، وهو أنه معطوف على مضارع مجزوم، وذلك يقتضي جزمه، ولو جزم لحذفت الألف من ﴿تَخْشَى (٧٧)﴾ على حد قوله في الخلاصة:\n.... واحذف جازما ... ثلاثَهُنَّ تقْضِ حكمًا لازِمًا\nوالألف لم تحذف فوقع الإشكال بسبب ذلك.\nوأُجيب عنه من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن ﴿وَلَا تَخْشَى (٧٧)﴾ مستأنف خبر مبتدأ محذوف، تقديره: وأنت لا تخشى، أي: ومن شأنك أنك آمن لا تخشى.\nوالثاني: أن الفعل مجزوم، والألف ليست هي الألف التي في موضع لام الكلمة، ولكنها زيدت للإطلاق من أجل الفاصلة، كقوله: ﴿فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾، وقوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠)﴾.\nوالثالث: أن إشباع الحركة بحرف مد يناسبها أسلوب معروف من أساليب اللغة العربية، كقول عبد يغوث بن وقاص الحارثي:","vol":"4","page":598},{"text":"وتضحك منِّي شيخةٌ عبشمية ... كأنْ لم ترا قبلي أسيرًا يمانيًّا\nوقول الراجز:\nإذا العجوز غضبت فطلِّقِ ... ولا ترضَّاها ولا تملَّقِ\nوقول الآخر:\nقلت وقد خرت على الكلكال ... يا ناقتي ما جلت من مجال\nوقول عنترة في معلقته:\nينباعُ من ذِفْرى غضوبٍ جَسْرة ... زيَّافةٍ مثلَ الفنيقِ المُكْدَم\nفالأصل في البيت الأول: \"كأن لم تر\"، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثاني: \"ولا ترضها\"، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الثالث: \"على الكلكل\" يعني الصدر، ولكن الفتحة أشبعت. والأصل في الرابع: \"ينبع\" يعني أن العرق ينبع من عظم الذفرى من ناقته على التحقيق، ولكن الفتحة أشبعت، وإشباع الفتحة بألف في هذه الأبيات وأمثالها مما لم نذكره ليس لضرورة الشعر لتصريح علماء العربية بأنه أسلوب عربي معروف. ويؤيد ذلك أنه مسموع في النثر، كقولهم في النثر: كلكال، وخاتام، وداناق، يعنون: كلكلًا، وخاتمًا، ودانقًا. وقد أوضحنا هذه المسألة، وأكثرنا من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"البلد\" في الكلام على قوله: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ مع قوله: ﴿وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣)﴾.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾: فاجعل لهم طريقًا، من قولهم: ضرب له في ماله سهمًا، وضرب","vol":"4","page":599},{"text":"اللبن عمله اهـ. والتحقيق أن ﴿يَبَسًا﴾ صفة مشبهة جاءت على \"فَعَل\" بفتحتين كبَطَل وحَسَن. وقال الزمخشري: اليبس مصدر وصف به؛ يقال: يبس يُبْسًا ويَبَسًا، ونحوهما العُدْم والعَدَم، ومن ثم وصف به المؤنث فقيل: شاتنا يبس، وناقتنا يبس؛ إذا جف لبنها.\nوقوله: ﴿لَا تَخَافُ دَرَكًا﴾ الدرك: اسم مصدر بمعنى الإدراك، أي: لا يدركك فرعون وجنوده، ولا يلحقونك من ورائك، ولا تخشى من البحر أمامك. وعلى قراءة الجمهور: ﴿لَا تَخَفْ﴾ فالجملة حال من الضمير في قوله: ﴿فَاضْرِبْ﴾ أي: فاضرب لهم طريقًا في حال كونك غير خائف دركًا ولا خاش. وقد تقرر في علم النحو أن الفعل المضارع المنفي بلا إذا كانت جملته حالية وجب الربط فيها بالضمير وامتنع بالواو؛ كقوله هنا: ﴿فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا﴾ أي في حال كونك لا تخاف دركًا، وقوله: ﴿مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ وقوله: ﴿وَمَا لَنَا لَا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ﴾ ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:\nولو أن قومًا لارتفاع قبيلة ... دخلوا السماء دخلتُها لا أحجبُ\nيعني: دخلتها في حال كوني غير محجوب، وبذلك تعلم أن قوله في الخلاصة:\nوذاتُ بدءٍ بمضارعٍ ثَبَت ... حَوَت ضميرًا ومن الواو خَلَت\nفي مفهومه تفصيل كما هو معلوم في علم النحو.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-966> قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾</span>.","vol":"4","page":600},{"text":"التحقيق أن أتبع واتبع بمعنى واحد؛ فقوله: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ﴾ أي: اتبعهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾ وقوله: فـ ﴿فَأَتْبَعَهُ الشَّيطَانُ﴾ الآية. والمعنى: أن موسى لما أسرى ببني إسرائيل ليلًا أتبعهم فرعون وجنوده ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ﴾ أي البحر ﴿مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ أي: أغرق الله فرعون وجنوده في البحر فهلكوا عن آخرهم. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن فرعون أتبع بني إسرائيل هو وجنوده، وأن الله أغرقهم في البحر؛ أوضحه في غير هذا الموضع. وقد بين تعالى أنهم اتبعوهم في أول النهار عند إشراق الشمس، فمن الآيات الدالة على اتباعه لهم قوله تعالى في \"الشعراء\": ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ﴾ يعني سيتبعكم فرعون وجنوده. ثم بين كيفية اتباعه لهم فقال: ﴿فَأَرْسَلَ فِرْعَوْنُ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (٥٣) إِنَّ هَؤُلَاءِ لَشِرْذِمَةٌ قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُمْ لَنَا لَغَائِظُونَ (٥٥) وَإِنَّا لَجَمِيعٌ حَاذِرُونَ (٥٦) فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩) فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠) فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَال أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ (٦١) قَال كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ (٦٢)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ أي أول النهار عند إشراق الشمس. ومن الآيات الدالة على ذلك أيضًا قوله تعالى في \"يونس\": ﴿وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا﴾، وقوله في \"الدخان\": ﴿فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيلًا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على إتباعه لهم. وأما غرقه هو وجميع قومه المشار إليه بقوله هنا: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ فقد أوضحه تعالى في مواضع متعددة من كتابه العزيز؛ كقوله في \"الشعراء\": ﴿فَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ","vol":"4","page":601},{"text":"فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (٦٣) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ (٦٤) وَأَنْجَينَا مُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَجْمَعِينَ (٦٥) ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٦٧)﴾ الآية، وقوله في \"الأعراف\": ﴿فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ﴾ الآية، وقوله في \"الزخرف\": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ وقوله في \"البقرة\": ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَينَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ وقوله في \"يونس\": ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَال آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾، وقوله في \"الدخان\": ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. والتعبير بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ يدل على تعظيم الأمر وتضخيم شأنه، ونظيره في القرآن قوله: ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦)﴾، وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣) فَغَشَّاهَا مَا غَشَّى (٥٤)﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى (١٠)﴾. واليم: البحر. والمعنى: فأصابهم من البحر ما أصابهم وهو الغرق والهلاك المستأصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-967> قوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾</span>.\nيعني أن فرعون أضل قومه عن طريق الحق وما هداهم إليها. وهذه الآية الكريمة بين الله فيها كذب فرعون في قوله: ﴿قَال فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إلا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إلا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾ ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٩٦) إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧) يَقْدُمُ قَوْمَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَأَوْرَدَهُمُ النَّارَ وَبِئْسَ الْورْدُ الْمَوْرُودُ (٩٨)﴾. والنكتة البلاغية في حذف المفعول في قوله: ﴿وَمَا هَدَى (٧٩)﴾ ولم يقل وما هداهم، هي مراعاة فواصل الآيات، ونظيره في القرآن قوله تعالى:","vol":"4","page":602},{"text":"﴿مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى (٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-968> قوله تعالى: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ عَدُوِّكُمْ وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠) كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾</span>.\nوذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: امتنانه على بني إسرائيل بإنجائه إياهم من عدوهم فرعون، وأنه واعدهم جانب الطور الأيمن، وأنه نزل عليهم المن والسلوى، وقال لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم؛ ولا تطغوا فيغضب عليكم ربكم. وما ذكره هنا أوضحه في غير هذا الموضع؛ كقوله في امتنانه عليهم بإنجائهم من عدوهم فرعون في \"سورة البقرة\": ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (١٤١)﴾، وقوله في \"الدخان\": ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾، وقوله في سورة \"إبراهيم\": ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٦)﴾، وقوله في \"الشعراء\": ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية، وقوله في \"الدخان\": ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية، وقوله في \"القصص\": ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً -إلى قوله- يَحْذَرُونَ (٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"4","page":603},{"text":"وقوله هنا: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ﴾ الأظهر أن ذلك الوعد هو المذكور في قوله: ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ وهو الوعد بإنزال التوراة. وقيل فيه غير ذلك.\nوقوله هنا: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى (٨٠)﴾ قد أوضح امتنانه عليهم بذلك في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"البقرة\": ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾ وقوله في \"الأعراف\": ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى﴾. وأكثر العلماء على أن المن: الترنجبين، وهو شيء ينزل من السماء كنزول الندى ثم يتجمد، وهو يشبه العسل الأبيض. والسلوى: طائر يشبه السماني. وقيل: هو السماني. وهذا قول الجمهور في المن والسلوى. وقيل: السلوى العسل. وأنكر بعضهم إطلاق السلوى على العسل. والتحقيق: أن \"السلوى\" يطلق على العسل لغة؛ ومنه قول خالد بن زهير الهذلي:\nوقاسمها بالله جهدًا لأنتم ألذ ... من السلوى إذا ما نشورها\nيعني ألذ من العسل إذا ما نستخرجها؛ لأن الشور: استخراج العسل. قال مؤرج بن عمر السدوسي: إطلاق السلوى على العسل لغة كنانة؛ سمي به لأنه يسلى؛ قاله القرطبي. إلا أن أكثر العلماء على أن ذلك ليس هو المراد في الآية. واختلفوا في السلوى؛ هل هو جمع أو مفرد؟ فقال بعضهم: هو جمع، واحده سلواة، وأنشد الخليل لذلك قول الشاعر:\nوإني لتعروني لذِكْراك هِزَّة ... كما انتفض السلواة من بلل القطر","vol":"4","page":604},{"text":"ويروى هذا البيت:\n\n• كما انتفض العصفورُ بلَّله القطرُ*\nوعليه فلا شاهد في البيت. وقال الكسائي: السلوى مفرد وجمعه سلاوى. وقال الأخفش: هو جمع لا واحد له من لفظه؛ مثل الخير والشر، وهو يشبه أن يكون واحده \"سلوى\" مثل جماعته؛ كما قالوا: دِفْلى وسمانى وشُكَاعَى في الواحد والجمع. والدِّفْلى كذِكْرَى: شجر أخضر مر حسن المنظر، يكون في الأودية. والشُّكاعى كحُبارى وقد تفتح: نوع من دقيق النبات صغير أخضر، دقيق العيدان يتداوى به. والسمانى: طائر معروف.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: والأظهر عندي في المن: أنه اسم جامع لما يمن الله به على عبده من غير كد ولا تعب، فيدخل فيه الترنجبين الذي منَّ الله به علي بني إسرائيل في التيه. ويشمل غير ذلك مما يماثله. ويدل على هذا قوله - ﷺ - الثابت في الصحيحين: \"الكمأة من المن وماؤها شفاء للعين\".\nوالأظهر عندي في السلوى: أنه طائر، سواء قلنا إنه السمانى، أو طائر يشبهه، لإطباق جمهور العلماء من السلف والخلف على ذلك. مع أن السلوى، يطلق لغة على العسل، كما بينا.\nوقوله في آية \"طه\" هذه: ﴿كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ أي من المن والسلوى، والأمر فيه للإباحة والامتنان.\nوقد ذكر ذلك أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله في \"البقرة\": ﴿وَأَنْزَلْنَا عَلَيكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ","vol":"4","page":605},{"text":"كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)﴾، وقوله في \"الأعراف: ﴿وَظَلَّلْنَا عَلَيهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (١٦٠)﴾ وقوله: ﴿كُلُوا﴾ في هذه الآيات مقول قول محذوف، أي وقلنا لهم: كلوا، والضمير المجرور في قوله: ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ راجع إلى الموصول الذي ﴿مَا﴾ أي كلوا من طيبات الذي رزقناكم ﴿وَلَا تَطْغَوْا فِيهِ﴾ أي فيما رزقناكم. ونهاهم عن الطغيان فيما رزقهم، وهو أن يتعدوا حدود الله فيه بأن يكفروا نعمته به، ويشغلهم اللهو والنعيم عن القيام بشكر نعمه، وأن ينفقوا رزقه الذي أنعم عليهم به في المعاصي، أو يستعينوا به على المعصية، أو يمنعوا الحقوق الواجبة عليهم فيه، ونحو ذلك.\nوبين أن ذلك يسبب لهم أن يحل عليهم غضبه جل وعلا؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَيَحِلَّ﴾ سببية، والفعل منصوب بأن مضمرة بعدها؛ لأنه بعد النهي وهو طلب محض، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nوبعدَ فا جوابَ نفي أو طَلَب ... محضَين أن وسَتْره حتمٌ وجب\nوقرأ هذا الحرف الكسائي (فَيَحُلّ) بضم الحاء (ومن يَحْلُل) بضم اللام. والباقون قرءوا \"يحل\" بكسر الحاء و﴿يَحْلِلْ﴾ كسر اللام. وعلى قراءة الكسائي (فيَحُل) بالضم أي ينزل بكم غضبي. وعلى قراءة الجمهور فهو من حل يحل بالكسر: إذا وجب، ومنه = حل دينه إذا وجب أداؤه. ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيتِ الْعَتِيقِ (٣٣)﴾. وقوله: ﴿فَقَدْ هَوَى﴾ أي هلك وصار إلى الهاوية، وأصله أن","vol":"4","page":606},{"text":"يسقط من جبل أو نحوه فيهوي إلى الأرض فيهلك، ومنه قول الشاعر:\nهوى من رأس مرقبة ... ففتت تحتها كبده\nويقولون: هوت أمه، أي سقط سقوطًا لا نهوض بعده. ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:\nهَوَتْ أمُّه ما يبعثُ الصبحُ غاديًا ... وماذا يؤدي الليلُ حين يؤُوبُ\nونحو هذا هو أحد التفسيرات في قوله تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ وعن شُفَي بن ماتع الأصبحي قال: إن في جهنم جبلًا يدعى صعودا يطلع فيه الكافر أربعين خريفًا قبل أن يرقاه؛ قال الله تعالى: ﴿سَأُرْهِقُهُ صَعُودًا (١٧)﴾ وإن في جهنم قصرًا يقال له: هوى، يرمى الكافر من أعلاه فيهوي أربعين خريفًا قبل أن يبلغ أصله، قال الله تعالى: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾ قاله القرطبي وابن كثير، والله تعالى أعلم.\nواعلم أن الغضب صفة وصف الله بها نفسه إذا انتهكت حرماته، تظهر آثارها في المغضوب عليهم. نعوذ بالله من غضبه جل وعلا. ونحن معاشر المسلمين نمرها كما جاءت فنصدق ربنا في كل ما وصف به نفسه، ولا نكذب بشيء من ذلك -مع تنزيهنا التام له جل وعلا عن مشابهة المخلوقين ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا- كما أوضحنا ذلك غاية الإيضاح في سورة \"الأعراف\". وقرأ حمزة والكسائي في هذه الآية: \"قد أنجيتكم من عدوكم وواعدتكم\" بتاء المتكلم فيهما. وقرأه الباقون: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ﴾ و﴿أَنْجَينَاكُمْ﴾ بالنون الدالة على العظمة، فصيغة الجمع في قراءة","vol":"4","page":607},{"text":"الجمهور للتعظيم. وقرأ أبو عمرو: \"ووعدناكم\" بلا ألف بعد الواو الثانية بصيغة الفعل المجرد، من الوعد لا من المواعدة مع نون التعظيم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-969> قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غفار أي كثير المغفرة لمن تاب إليه من معاصيه وكفره، وآمن به وعمل صالحا ثم اهتدى. وقد أوضح هذا المعنى في مواضع متعددة من كتابه، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ الآية. وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣) وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا معنى التوبة والعمل الصالح.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ اهْتَدَى (٨٢)﴾ أي استقام وثبت على ما ذكر من التوبة والإيمان والعمل الصالح ولم ينكث. ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا﴾، وفي الحديث: \"قل آمنت بالله ثم استقم\". وقال تعالى: ﴿فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-970> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ يَامُوسَى (٨٣) قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ رَبِّ لِتَرْضَى (٨٤)﴾</span>.\nأشار جل وعلا في هذه الآية الكريمة إلى قصة مواعدته","vol":"4","page":608},{"text":"موسى أربعين ليلة وذهابه إلى الميقات، واستعجاله إليه قبل قومه. وذلك أنه لما واعده ربه وجعل له الميقات المذكور، وأوصى أخاه هارون أن يخلفه في قومه، استعجل إلى الميقات فقال له ربه: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ الآية. وهذه القصة التي أجملها هنا أشار لها في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"الأعراف\": ﴿وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيلَةً وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَال رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيكَ﴾ الآية.\nوفي هذه الآية سؤال معروف: وهو أن جواب موسى ليس مطابقًا للسؤال الذي سأله ربه؛ لأن السؤال عن السبب الذي أعجله عن قومه، والجواب لم يأت مطابقا لذلك؛ لأنه أجاب بقوله: ﴿قَال هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي وَعَجِلْتُ إِلَيكَ﴾ الآية.\nوأجيب عن ذلك بأجوبة: (منها) أن قوله: ﴿هُمْ أُولَاءِ عَلَى أَثَرِي﴾ يعني هم قريب وما تقدمتهم إلا بيسير يغتفر مثله، فكأني لم أتقدمهم ولم أعجل عنهم لقرب ما بيني وبينهم. (ومنها) أن الله جل وعلا لما خاطبه بقوله: ﴿وَمَا أَعْجَلَكَ عَنْ قَوْمِكَ﴾ داخله من الهيبة والإجلال والتعظيم لله جل وعلا ما أذهله عن الجواب المطابق. والله أعلم.\nوقوله: ﴿هُمْ أُولَاءِ﴾ المد فيه لغة الحجازيين. ورجحها ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nوالمد أولى ...\nولغة التميميين (أُوْلا) بالقصر، ويجوز دخول اللام على لغة","vol":"4","page":609},{"text":"التميميين في البعد، ومنه قول الشاعر:\nأولالك قومي لم يكونوا أشابة ... وهل يعظ الضليل إلا أولالكا\nوأما على لغة الحجازيين بالمد فلا يجوز دخول اللام عليها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-971> قوله تعالى: ﴿قَال فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾</span>.\nالظاهر أن الفتنة المذكورة هي عبادتهم العجل؛ فهي فتنة إضلال؛ كقوله: ﴿إِنْ هِيَ إلا فِتْنَتُكَ تُضِلُّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ﴾. وهذه الفتنة بعبادة العجل جاءت مبينة في آيات متعددة؛ كقوله: ﴿وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nقوله هنا: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ أوضح كيفية إضلاله لهم في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ -إلى قوله- اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ أي: اتخذوه إلهًا، وقد صنعه السامري لهم من حلي القبط فأضلهم بعبادته. وقوله هنا: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾ والسامري: قيل اسمه هرون، وقيل: اسمه موسى بن ظفر. وعن ابن عباس أنه من قوم كانوا يعبدون البقر. وقيل: كان رجلًا من القبط؛ وكان جارًا لموسى آمن به وخرج معه. وقيل: كان عظيمًا من عظماء بني إسرائيل من قبيلة تعرف بالسامرة وهم معروفون بالشام. قال سعيد بن جبير: كان من أهل كرمان. والفتنة أصلها في اللغة. وضع الذهب في النار ليتبين أهو خالص أم زائف. وقد أطلقت","vol":"4","page":610},{"text":"في القرآن إطلاقات متعددة: (منها) الوضع في النار، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي يحرقون بها، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية؛ أي أحرقوهم بنار الأخدود. (ومنها) الاختبار وهو الأغلب في استعمال الفتنة؛ كقوله: ﴿أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾. (ومنها) نتيجة الاختبار إذا كانت سيئة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الشرك، كقوله: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾، وقوله هنا: ﴿فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ﴾ الآية. (ومنها) الحجة، كقوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إلا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ أسند إضلالهم إليه؛ لأنه هو الذي تسبب فيه بصياغته لهم العجل من حلي القبط ورميه عليه التراب الذي مسه حافر الفرس التي جاء عليها جبريل، فجعله الله بسبب ذلك عجلًا جسدًا له خوار، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾، وقال في \"الأعراف\": ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ الآية. والخوار: صوت البقر. قال بعض العلماء: جعل الله بقدرته ذلك الحلي المصوغ جسدًا من لحم ودم، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿عِجْلًا جَسَدًا﴾. وقال بعض العلماء: لم تكن تلك الصورة لحمًا ولا دمًا، ولكن إذا دخلت فيها الريح صوتت كخوار العجل. والأول أقرب لظاهر الآية، والله تعالى قادر على أن يجعل الجماد لحمًا ودمًا، كما جعل آدم لحمًا ودمًا وكان طينًا.","vol":"4","page":611},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-972> قوله تعالى: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى رجع إلى قومه بعد مجيئه للميقات في حال كونه في ذلك الرجوع غضبان أسفًا على قومه من أجل عبادتهم العجل.\nوقوله: ﴿أَسِفًا﴾ أي شديد الغضب. فالأسف هنا: شدة الغضب. وعلى هذا فقوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ أي: غضبان شديد الغضب. ومن إطلاق الأسف على الغضب في القرآن قوله تعالى في \"الزخرف\": ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ أي: فلما أغضبونا بتماديهم في الكفر مع توالي الآيات عليهم انتقمنا منهم. وقال بعض العلماء: والأسف هنا الحزن والجزع؛ أي رجع موسى في حال كونه غضبان حزينًا جزعًا لكفر قومه بعبادتهم العجل. وقيل: أسفًا أي مغتاظًا؛ وقائل هذا يقول: الفرق بين الغضب والغيظ: أن الله وصف نفسه بالغضب، ولم يجز وصفه بالغيظ؛ حكاه الفخر الرازي. ولا يخفى عدم اتجاهه في تفسير هذه الآية؛ لأنه راجع إلى القول الأول، ولا حاجة في ذلك إلى التفصيل المذكور.\nوقوله: ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ حالان. وقد قدمنا فيما مضى أن التحقيق جواز تعدد الحال من صاحب واحد مع كون العامل واحدًا؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوالحالُ قد يجيءُ ذا تعدِّد ... لمفردٍ فاعلم وغيرِ مفردِ\nوما ذكره جل وعلا في آية \"طه\" هذه من كون موسى رجع","vol":"4","page":612},{"text":"إلى قومه ﴿غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ ذكره في غير هذا الموضع، وذكر أشياء من آثار غضبه المذكور، كقوله في \"الأعراف\": ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي﴾ الآية. وقد بين تعالى أن من آثار غضب موسى إلقاءه الألواح التي فيها التوراة، وأخذه برأس أخيه يجره إليه، كما قال في \"الأعراف\": ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقال في \"طه\" مشيرًا لأخذه برأس أخيه: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾. وهذه الآيات فيها الدلالة على أن الخبر ليس كالعيان؛ لأن الله لما أخبر موسى بكفر قومه بعبادتهم العجل كما بينه في قوله: ﴿قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ (٨٥)﴾ وهذا خبر من الله يقين لا شك فيه فلم يلق الألواح، ولكنه لما عاين قومه حول العجل يعبدونه أثرت فيه معاينة ذلك أثرًا لم يؤثره فيه الخبر اليقين بذلك، فألقى الألواح حتى تكسرت، وأخذ برأس أخيه يجره إليه لِمَا أصابه من شدة الغضب من انتهاك حرمات الله تعالى.\nوقال ابن كثير في تفسيره في سورة \"الأعراف\": وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عفان، حدثنا أبو عوانة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يرحم الله موسى ليس المعاين كالمخبر، أخبره ربه ﷿ أن قومه فتنوا بعده فلم يلق الألواح، فلما رآهم وعاينهم ألقى الألواح\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-973> قوله تعالى: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦) قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾</span>.","vol":"4","page":613},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما رجع إلى قومه، ووجدهم قد عبدوا العجل من بعده قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾.\nوأظهر الأقوال عندي في المراد بهذا الوعد الحسن؛ أنه وعدهم أن ينزل على نبيهم كتابًا فيه كل ما يحتاجون إليه من خير الدنيا والآخرة. وهذا الوعد الحسن المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَوَاعَدْنَاكُمْ جَانِبَ الطُّورِ الْأَيمَنَ﴾ الآية، وفيه أقوال غير ذلك.\nوقوله: ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ الاستفهام فيه للإنكار، يعني لم يطل العهد؛ كما يقال في المثل: وما بالعهد من قدم؛ لأن طول العهد مظنة النسيان، والعهد قريب لم يطل، فكيف نسيتم؟.\nوقوله: ﴿أَمْ أَرَدْتُمْ أَنْ يَحِلَّ عَلَيكُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ قال بعض العلماء: ﴿أَمْ﴾ هنا هي المنقطعة، والمعنى: بل أردتم أن يحل عليكم غضب من ربكم، ومعنى إرادتهم حلول الغضب: أنهم فعلوا ما يستوجب غضب ربهم بإرادتهم؛ فكأنهم أرادوا الغضب لما أرادوا سببه، وهو الكفر بعبادة العجل.\nوقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَوْعِدِي (٨٦)﴾ كانوا وعدوه أن يتبعوه لما تقدمهم إلى الميقات، وأن يثبتوا على طاعة الله تعالى؛ فعبدوا العجل وعكفوا عليه ولم يتبعوا موسى؛ فأخلفوا موعده بالكفر وعدم الذهاب في أثره، ﴿قَالُوا مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ قرأه نافع وعاصم ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بفتح الميم. وقرأه حمزة والكسائي ﴿بِمُلْكِنَا﴾ بضم الميم، وقرأه ابن كثير وابن عامر وأبو عمرو ﴿بِمَلْكِنَا﴾ بكسر","vol":"4","page":614},{"text":"الميم. والمعنى على جميع القراءات: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا أمرنا، فلو ملكنا أمرنا ما أخلفنا موعدك. وهو اعتذار منهم بأنهم ما أخلفوا الموعد باختيارهم، ولكنهم مغلوبون على أمرهم من جهة السامري وكيده. وهو اعتذار بارد ساقط كما ترى!! ولقد صدق من قال:\nإذا كان وجه العذر ليس ببيِّن ... فإن اطِّراح العذرِ خيرٌ من العذر\nوأما على قول من قال: إن الذين قالوا لموسى: ﴿مَا أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾ هم الذين لم يعبدوا العجل؛ لأنهم وعدوه أن يتبعوه، ولما وقع ما وقع من عبادة أكثرهم للعجل تأخروا عن اتباع موسى بسبب ذلك، ولم يتجرءوا على مفارقتهم خوفًا من الفرقة؛ فالعذر له وجه في الجملة، كما يشير إليه قوله تعالى في القصة في هذه السورة الكريمة: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣) قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾. والمصدر في قوله: ﴿بِمَلْكِنَا﴾ مضاف إلى فاعله ومفعوله محذوف، أي بملكنا أمرنا. وقال القرطبي: كأنه قال: بملكنا الصواب بل أخطأنا؛ فهو اعتراف منهم بالخطأ. وقال الزمخشري ﴿أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾: الزمان، يريد مدة مفارقته لهم.\nتنبيه\nكل فعل مضارع في القرآن مجزوم بـ\"لم\" إذا تقدمتها همزة استفهام؛ كقوله هنا: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء:","vol":"4","page":615},{"text":"الأول: أن مضارعته تنقلب ماضوية، ونفيه ينقلب إثباتًا؛ فيصير قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ﴾ بمعنى وعدكم، وقوله: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ﴾ بمعنى شرحنا، وقوله: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ (٨)﴾ بمعنى جعلنا له عينين. وهكذا. ووجه انقلاب المضارعة ماضوية ظاهر؛ لأن \"لم\" حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي كما هو معروف. ووجه انقلاب النفي إثباتًا أن الهمزة إنكارية، فهي مضمنة معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في \"لم\" فينفيه، ونفي النفي إثبات فيؤول إلى معنى الإثبات.\nالوجه الثاني: أن الاستفهام في ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: \"بلى\" وعليه فالمراد من قوله: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا﴾ حملهم على أن يقروا بذلك فيقولوا: بلى هكذا. ونظير هذا من كلام العرب قول جرير:\nألستم خير من ركب المطايا ... وأندى العالمين بطون راح\nفإذا عرفت أن قوله هنا: ﴿فَرَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا -إلى قوله- بِمَلْكِنَا﴾ قد بين الله فيه أن موسى لما رجع إليهم في شدة غضب مما فعلوا وعاتبهم قال لهم في ذلك العتاب: ﴿أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا أَفَطَال عَلَيكُمُ الْعَهْدُ﴾ الآية؛ فاعلم أن بعض عتابه لهم لم يبينه هنا، وكذلك بعض فعله، ولكنه بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"الأعراف\" في القصة بعينها: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَال بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ﴾، وبين بعض ما فعل بقوله في \"الأعراف\": ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقد أشار إلى ذلك هنا في \"طه\" في قوله:","vol":"4","page":616},{"text":"﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا فَكَذَلِكَ أَلْقَى السَّامِرِيُّ (٨٧) فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ (٨٨)﴾.\nقرأ هذا الحرف أبو عمرو وشعبة عن عاصم، وحمزة والكسائي (حَمَلْنَا) بفتح الحاء والميم المخففة مبنيًّا للفاعل مجردا. وقرأه نافع وابن كثير وابن عامر وحفص عن عاصم ﴿حُمِّلْنَا﴾ بضم الحاء وكسر الميم المشددة مبنيًّا للمفعول. و\"نا\" على القراءة الأولى فاعل \"حمل\" وعلى الثانية نائب فاعل \"حمل\" بالتضعيف. والأوزار في قوله: ﴿أَوْزَارًا﴾ قال بعض العلماء: معناها الأثقال. وقال بعض العلماء: معناها الآثام. ووجه القول الأول أنها أحمال من حلى القبط الذي استعاروه منهم. ووجه الثاني أنها آثام وتبعات؛ لأنهم كانوا معهم في حكم المستأمنين في دار الحرب، وليس للمستأمن أن يأخذ مال الحربي، ولأن الغنائم لم تكن تحل لهم. والتعليل الأخير أقوى.\nوقوله: ﴿مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ المراد بالزينة الحُلي، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي ألقيناها وطرحناها في النار التي أوقدها السامري في الحفرة، وأمَرَنا أن نطرح الحلي فيها. وأظهر الأقوال عندي في ذلك: هو أنهم جعلوا جميع الحلى في النار ليذوب فيصير قطعة واحدة؛ لأن ذلك أسهل لحفظه حتى يرى نبي الله موسى فيه رأيه. والسامري يريد تدبير خطة لم يطلعوا عليها. وذلك أنه لما جاء","vol":"4","page":617},{"text":"جبريل ليذهب بموسى إلى الميقات وكان على فرس، أخذ السامري ترابًا مسه حافر تلك الفرس، ويزعمون في القصة أنه عاين موضع أثرها ينبت فيه النبات، فتفرس أن الله جعل فيها خاصية الحياة، فأخذ تلك القبضة من التراب واحتفظ بها، فلما أرادوا أن يطرحوا الحلى في النار ليجعلوه قطعة واحدة أو لغير ذلك من الأسباب وجعلوه فيها، ألقى السامري عليه تلك القبضة من التراب المذكورة، وقال له: كن عجلًا جسدًا له خوار؛ فجعله الله عجلًا جسدًا له خوار؛ فقال لهم: هذا العجل هو إلهكم وإله موسى، كما يشير إلى ذلك قوله تعالى عن موسى: ﴿قَال فَمَا خَطْبُكَ يَاسَامِرِيُّ (٩٥) قَال بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي (٩٦)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ هو من بقية اعتذارهم الفاسد البارد، وهو يدل على أن ذلك الاعتذار من الذين عبدوا العجل لا من غيرهم، ولا يبعد معه احتمال أنه من غيرهم؛ لأنه ليس فيه ما يعين كون الاعتذار منهم تعينًا غير محتمل. ومعلوم أن هذا العذر عذر لا وجه له على كل حال.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: نسي موسى إلهه هنا وذهب يطلبه في محل آخر؛ قاله ابن عباس في حديث الفتون. وهو قول مجاهد. وعن ابن عباس أيضًا من طريق عكرمة ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: نسي أن يذكركم به. وعن ابن عباس أيضًا ﴿فَنَسِيَ (٨٨)﴾ أي: السامري ما كان عليه من الإسلام، وصار كافرًا بادعاء ألوهية العجل وعبادته.","vol":"4","page":618},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-975> قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا (٨٩)﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة سخافة عقول الذين عبدوا العجل، وكيف عبدوا ما لا يقدر على رد الجواب لمن سأله، ولا يملك نفعًا لمن عبده، ولا ضرًّا لمن عصاه. وهذا يدل على أن المعبود لا يمكن أن يكون عاجزًا عن النفع والضر ورد الجواب. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"الأعراف\" في القصة بعينها: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (١٤٨)﴾ ولا شك أن من اتخذ من لا يكلمه ولا يهديه سبيلًا إلهًا أنه من أظلم الظالمين. ونظير ذلك قوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيئًا (٤٢)﴾، وقوله تعالى عنه أيضًا: ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾. وقد قدمنا الكلام مستوفى في همزة الاستفهام التي بعدها أداة عطف كالفاء والواو، كقوله هنا: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقرأ هذا الحرف جماهير القراء ﴿أَلَّا يَرْجِعُ﴾ بالرفع لأن \"أن\" مخففة من الثقيلة. والدليل على أنها مخففة من الثقيلة تصريحه تعالى","vol":"4","page":619},{"text":"بالثقيلة في قوله في المسألة بعينها في \"الأعراف\": ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ﴾ الآية، ورأى في آية \"طه، والأعراف\" علمية على التحقيق؛ لأنهم يعلمون علمًا يقينًا أن ذلك العجل المصوغ من الحُلي لا ينفع ولا يضر ولا يتكلم.\nواعلم أن المقرر في علم النحو أن: \"أن\" لها ثلاث حالات: الأولى: أن تكون مخففة من الثقيلة قولًا واحدًا، ولا يحتمل أن تكون \"أن\" المصدرية الناصبة للفعل المضارع. وضابط هذه: أن تكون بعد فعل للعلم وما جرى مجراه من الأفعال الدالة على اليقين؛ كقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾، وقوله: ﴿لِيَعْلَمَ أَنْ قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالاتِ رَبِّهِمْ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، وقول الشاعر:\nواعلم فعِلْم المرء ينفعه ... أن سوف يأتي كل ما قدرا\nوقول الآخر:\nفي فتية كسيوف الهند قد علموا ... أنْ هالِكٌ كلُّ من يَحْفى ويَنْتعل\nوإذا جاء بعد هذه المخففة من الثقيلة فعل مضارع فإنه يرفع ولا ينصب كقوله:\nعلموا أن يؤملون فجادوا ... قبل أن يسألوا بأعظم سؤل\nو\"أن\" هذه المخففة من الثقيلة يكون اسمها مستكنًا غالبًا، والأغلب أن يكون ضمير الشأن. وقيل: لا يكون إلا ضمير الشأن، وخبرها الجملة التي بعدها، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nوإن تخفف أنْ فاسمها استكن ... والخبر اجعل جملةً من بعد أن","vol":"4","page":620},{"text":"وما سمع في شعر العرب من بروز اسمها في حال كونه غير ضمير الشأن؛ فمن ضرورة الشعر؛ كقول جنوب أخت عمرو ذي الكلب:\nلقد علمَ الضيفُ والمُرمِلون ... إذا اغْبَرَّ أُفْقٌ وهبَّتْ شِمالا\nبأنْكَ ربيعٌ وغَيثٌ مَرِيع ... وأنك  (^١)  هناك تكون الثِّمالا\nوقول الآخر:\nفلو أنك في يوم الرخاء سألتني ... طلاقك لم أبخل وأنت صديق\nالحالة الثانية: أن تكون محتملة لكونها المصدرية الناصبة للمضارع. ومحتملة لأن تكون هي المخففة من الثقيلة، وإن جاء بعدها فعل مضارع جاز نصبه للاحتمال الأول، ورفعه للاحتمال الثاني، وعليه القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ بنصب ﴿تَكُونَ﴾ ورفعه، وضابط \"أن\" هذه أن تكون بعد فعل يقتضي الظن ونحوه من أفعال الرجحان. وإذا لم يفصل بينها وبين الفعل فاصل فالنصب أرجح، ولذا اتفق القراء على النصب في قوله تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا﴾ الآية، وقيل: إن \"أن\" الواقعة بعد الشك ليس فيها إلا النصب؛ نقله الصبان في حاشيته عن أبي حيان بواسطة نقل السيوطي.\nالحالة الثالثة: أن تكون \"أن\" ليست بعد ما يقتضي اليقين ولا الظن ولم يجر مجراهما، فهي المصدرية الناصبة للفعل المضارع\n_________\n(^١)  اللسان: وقِدْمًا.","vol":"4","page":621},{"text":"قولًا واحدًا. وإلى الحالات الثلاث المذكورة أشار بقوله في الخلاصة:\nوبلَنْ انصِبْه وكي كذا بأنْ ... لا بعدَ عِلْمٍ والتي مِن بعدِ ظنْ\nفانصب بها والرفعَ صحِّح واعتقِدْ ... تخفيفَها مِن أنَّ فهوَ مطَّرد\nتنبيه\nقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: وليس المقصود من هذا أن العجل لو كان يكلمهم لكان إلهًا؛ لأن الشيء يجوز أن يكون مشروطًا بشروط كثيرة، ففوات واحد منها يقتضي فوات المشروط، ولكن حصول الواحد فيها لا يقتضي حصول المشروط. انتهى كلامه. وما ذكره مقرر في الأصول؛ فكل ما توقف على شرطين فصاعدًا لا يحصل إلا بحصول جميع الشروط. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد وصلى وحج فأعطه دينارًا؛ لم يجز له إعطاؤه الدينار إلا بالشروط الثلاثة. ومحل هذا ما لم يكن تعليق الشروط على سبيل البدل فإنه يكفي فيه واحد. فلو قلت لعبدك: إن صام زيد أو صلى فأعطه درهمًا؛ فإنه يستوجب إعطاء الدرهم بأحد الأمرين. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود في مبحث المخصصات المتصلة بقوله:\nوإن تعلق على شرطَين ... شيء فبالحصول للشرطين\nوما على البدل قد تعلَّقا ... فبحصول واحدٍ تحقَّقا\nوقال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآية: وقد تقدم في حديث الفتون عن الحسن البصري: أن هذا العجل اسمه","vol":"4","page":622},{"text":"يهموت. وحاصل ما اعتذر به هؤلاء الجهلة: أنهم تورعوا عن زينة القبط فألقوها عنهم وعبدوا العجل، فتورعوا عن الحقير وفعلوا الأمر الكبير، كما جاء في الحديث الصحيح عن عبد الله بن عمر: أنه سأله رجل من أهل العراق عن دم البعوض إذا أصاب الثوب، يعني هل يصلى فيه أم لا؟ فقال ابن عمر ﵄: انظروا إلى أهل العراق قتلوا ابن بنت رسول الله - ﷺ - (يعني الحسين ﵁) وهم يسألون عن دم البعوضة. انتهى منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-976> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ قَال لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَاقَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي (٩٠) قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَينَا مُوسَى (٩١)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: أن بني إسرائيل لما فتنهم السامريّ وأضلهم بعبادة العجل، نصحهم نبي الله هارون عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وبين لهم أن عبادتهم العجل فتنة فتنوا بها؛ أي: كفر وضلال ارتكبوه بذلك، وبين لهم أن ربهم الرحمن خالق كل شيء جل وعلا، وأن عجلًا مصطنعًا من حُلي لا يعبده إلا مفتون ضال كافر. وأمرهم باتباعه في توحيد الله تعالى، والوفاء بموعد موسى عليهما وعلى نبينا الصلاة والسلام وأن يطيعوه في ذلك؛ فصارحوه بالتمرد والعصيان والديمومة على الكفر حتى يرجع موسى، وهذا يدل على أنه بلغ معهم غاية جهده وطاقته، وأنهم استضعفوه وتمردوا عليه ولم يطيعوه.\nوقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في \"الأعراف\": ﴿قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ","vol":"4","page":623},{"text":"بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ فقوله عنهم في خطابهم له: ﴿لَنْ نَبْرَحَ عَلَيهِ عَاكِفِينَ﴾ يدل على استضعافهم له وتمردهم عليه المصرح به في \"الأعراف\" كما بينا. وقال أبو عبد الله القرطبي رحمه الله تعالى في تفسير هذه الآيات الكريمات ما نصه: وسئل الإمام أبو بكر الطرطوشي ﵀: ما يقول سيدنا الفقيه في مذهب الصوفية؟ وأُعلِمَ حرس الله مدته: أنه اجتمع جماعة من رجال، فيكثرون من ذكر الله تعالى وذكر محمد - ﷺ -، ثم إنهم يوقعون بالقضيب على شيء من الأديم، ويقوم بعضهم يرقص ويتواجد حتى يقع مغشيًّا عليه، ويحضرون شيئًا يأكلونه. هل الحضور معهم جائز أم لا؟ أفتونا مأجورين. وهذا القول الذي يذكرونه:\nيا شيخُ كفَّ عن الذنوب ... قبلَ التفرُّق والزَّلَل\nواعمل لنفسك صالحًا ... مادام ينفعك العمل\nأما الشبابُ فقد مضى ... ومشيبُ رأسك قد نزل\nوفي مثل هذا ونحوه.\nالجواب يرحمك الله: مذهب الصوفية بطالة وجهالة وضلالة، وما الإسلام إلا كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وأما الرقص والتواجد؛ فأول من أحدثه أصحاب السامري لما اتخذ لهم عجلًا جسدًا له خوار، قاموا يرقصون حواليه، ويتواجدون، فهو دين الكفار وعباد العجل. وأما القضيب؛ فأول من اتخذه الزنادقة ليشغلوا به المسلمين عن كتاب الله تعالى. وإنما كان يجلس النبي - ﷺ - مع أصحابه كأنما على رءوسهم الطير من الوقار؛ فينبغي للسلطان ونوابه أن يمنعهم من حضور المساجد وغيرها. ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم","vol":"4","page":624},{"text":"الآخر أن يحضر معهم، ولا أن يعينهم على باطلهم. هذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم من أئمة المسلمين وبالله التوفيق. انتهى منه للفظه.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد قدمنا في سورة \"مريم\" ما يدل على أن بعض الصوفية على الحق؛ ولا شك أن منهم ما هو على الطريق المستقيم من العمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، وبذلك عالجوا أمراض قلوبهم وحرسوها، وراقبوها وعرفوا أحوالها، وتكلموا على أحوال القلوب كلامًا مفصلًا كما هو معلوم، كعبد الرحمن بن عطية، أو ابن أحمد بن عطية، أو ابن عسكر أعني أبا سليمان الداراني، وكعون بن عبد الله الذي كان يقال له: حكيم الأمة، وأضرابهما، وكسهل بن عبد الله التستري، وأبي طالب المكي، وأبي عثمان النيسابوري، ويحيى بن معاذ الرازي، والجنيد بن محمد، ومن سار على منوالهم، لأنهم عالجوا أمراض أنفسهم بكتاب الله وسنة نبيه - ﷺ -، ولا يحيدون عن العمل بالكتاب والسنة ظاهرًا وباطنًا، ولم تظهر منهم أشياء تخالف الشرع. فالحكم بالضلال على جميع الصوفية لا ينبغي ولا يصح على إطلاقه، والميزان الفارق بين الحق والباطل في ذلك هو كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -. فمن كان منهم متبعًا لرسول الله - ﷺ - في أقواله وأفعاله، وهديه وسمته، كمن ذكرنا وأمثالهم، فإنهم من جملة العلماء العاملين، ولا يجوز الحكم عليهم بالضلال، وأما من كان على خلاف ذلك فهو الضال.\nنعم، صار المعروف في الآونة الأخيرة، وأزمنة كثيرة قبلها بالاستقراء، أن عامة الذين يدعون التصوف في أقطار الدنيا إلا من شاء الله منهم دجاجلة يتظاهرون بالدين ليضلوا العوام الجهلة وضعاف","vol":"4","page":625},{"text":"العقول من طلبة العلم، ليتخذوا بذلك أتباعًا وخدمًا، وأموالًا وجاهًا، وهم بمعزل عن مذهب الصوفية الحق، لا يعملون بكتاب الله ولا بسنة نبيه، واستعمارهم لأفكار ضعاف العقول أشد من استعمار كل طوائف المستعمرين. فيجب التباعد عنهم، والاعتصام من ضلالتهم بكتاب الله وسنة نبيه، ولو ظهر على أيديهم بعض الخوارق، ولقد صدق من قال:\nإذا رأيت رجلًا يطير ... وفوق ماء البحر قد يسير\nولم يقف عند حدودِ الشرع ... فإنه مُسْتدرج أو بِدعي\nوالقول الفصل في ذلك هو قوله تعالى: ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤) وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، فمن كان عمله مخالفًا للشرع كمتصوفة آخر الزمان فهو الضال، ومن كان عمله موافقًا لما جاء به نبينا ﵊ فهو المهتدي. نرجو الله تعالى أن يهدينا وإخواننا المؤمنين، وألا يزيغنا ولا يضلنا عن العمل بكتابه وسنة نبيه - ﷺ - التي هي محجة بيضاء، ليلها كنهارها، لا يزيغ عنها إلا هالك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-977> قوله تعالى: ﴿قَال يَاهَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: \"لا\" في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ زائدة للتوكيد. واستدل من قال ذلك بقوله تعالى في \"الأعراف\": ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ قال لأن المراد: ما منعك أن تسجد إذ أمرتك؛","vol":"4","page":626},{"text":"بدليل قوله في القصة بعينها في سورة \"ص\": ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية؛ فحذف لفظة \"لا\" في \"ص\" مع ثبوتها في \"الأعراف\" والمعنى واحد؛ فدل ذلك على أنها مزيدة للتوكيد.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد عرف في اللغة العربية أن زيادة لفظة \"لا\" في الكلام الذي فيه معنى الجحد لتوكيده مطردة؛ كقوله هنا: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ أي ما منعك أن تتبعني، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ﴾ بدليل قوله في \"ص\": ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ الآية؛ أي: ليعلم أهل الكتاب، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: فوربك لا يؤمنون، وقوله: ﴿وَلَا تَسْتَوي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: والسيئة، وقوله: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ على أحد القولين، وقوله: ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ الآية على أحد الأقوال فيها. ونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:\nفلا وأبيك ابنةَ العامري ... لا يدَّعِي القومُ أني أَفِرْ\nيعني: فوأبيك. وقول أبي النجم:\nفما ألوم البِيضَ ألا تسخرا ... لما رأَين الشَّمَط القَفَنْدَرا\nيعني: أن تسخر. وقول الآخر:\nما كان يرضي رسول الله دينهم ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر\nيعني: وعمر. وقول الآخر:","vol":"4","page":627},{"text":"وتلحينني في اللهو ألَّا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل\nيعني أن أحبه، و\"لا\" مزيدة في جميع الأبيات لتوكيد الجحد فيها. وقال الفراء: إنها لا تزاد إلا في الكلام الذي فيه معنى الجحد كالأمثلة المتقدمة. والمراد بالجحد النفي وما يشبهه كالمنع في قوله: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾ ونحو ذلك. والذي يظهر لنا والله تعالى أعلم: أن زيادة لفظة \"لا\" لتوكيد الكلام وتقويته أسلوب من أساليب اللغة العربية، وهو في الكلام الذي فيه معنى الجحد أغلب مع أن ذلك مسموع في غيره. وأنشد الأصمعي لزيادة \"لا\" قول ساعدة الهذلي:\nأفعنك لا برق كان وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب\nويروى \"أفمنك\" بدل \"أفعنك\" و\"تشيمه\" بدل \"تسنمه\" يعني أعنك برق و\"لا\" زائدة للتوكيد، والكلام ليس فيه معنى الجحد. ونظيره قول الآخر:\nتذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع\nيعني: كاد يتقطع. وأنشد الجوهري لزيادة \"لا\" قول العجاج:\nفي بئر لا حور سرى وما شعر ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر\nوالحور الهلكة؛ يعني في بئر هلكة و\"لا\" زائدة للتوكيد؛ قاله أبو عبيدة وغيره. والكلام ليس فيه معنى الجحد. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"البلد\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-978> قوله تعالى: ﴿أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣)﴾</span>.\nالظاهر أن أمره المذكور في هذه الآية هو المذكور في قوله","vol":"4","page":628},{"text":"تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾.\nوهذه الآية الكريمة تدل على اقتضاء الأمر للوجوب؛ لأنه أطلق اسم المعصية على عدم امتثال الأمر، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فجعل أمره وأمر رسوله - ﷺ - مانعا من الاختيار، موجبا للامتثال. وقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فوبخه هذا التوبيخ الشديد على عدم امتثال الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل في قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾. وجماهير الأصوليين على أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما هو مماثل لها؛ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:\nوافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل للندب أو المطلوب\nالخ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-979> قوله تعالى: ﴿قَال يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَينَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هارون قال لأخيه موسى: ﴿يَبْنَؤُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي﴾ وذلك يدل على أنه لشدة غضبه أراد أن يمسك برأسه ولحيته. وقد بين تعالى في \"الأعراف\" أنه أخذ برأسه يجره إليه؛ وذلك في قوله: ﴿وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيهِ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي (٩٤)﴾ من بقية كلام هارون؛","vol":"4","page":629},{"text":"أي: خشيت أن تقول: فرقت بين بني إسرائيل، وأن تقول لي: لم ترقب قولي، أي: لم تعمل بوصيتي وتمتثل أمري.\nتنبيه\nهذه الآية الكريمة بضميمة آية \"الأنعام\" إليها تدل على لزوم إعفاء اللحية، فهي دليل قرآني على إعفاء اللحية وعدم حلقها. وآية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ﴾ الآية. ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا - ﷺ - بالاقتداء بهم، وأمره - ﷺ - بذلك أمر لنا؛ لأن أمر القدوة أمر لأتباعه، كما بينا إيضاحه بالأدلة القرآنية في هذا الكتاب المبارك في سورة \"المائدة\" وقد قدمنا هناك: أنه ثبت في صحيح البخاري: أن مجاهدًا سأل ابن عباس: من أين أخذت السجدة في \"ص\" قال: أوَ ما تقرأ ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ .. أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فسجدها داود فسجدها رسول الله - ﷺ -  (^١) . فإذا علمت بذلك أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا - ﷺ - بالاقتداء بهم في سورة \"الأنعام\"، وعلمت أن أمره أمر لنا؛ لأن لنا فيه الأسوة الحسنة، وعلمت أن هارون كان موفرًا شعر لحيته بدليل قوله\n_________\n(^١)  رواية البخاري كما في ص ٦ ص ١٣٤ طبع بولاق سنة ١٣١٤:\n\"عن العوام قال: سألت مجاهدًا عن سجدة ص، فقال: سألت ابن عباس من أين سجدت؟ فقال: أو ما تقرأ: \"ومن ذريته داود وسليمان ... أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده\" فكان داود ممن أمر نبيكم - ﷺ - أن يقتدي به. فسجدها رسول الله - ﷺ -\".","vol":"4","page":630},{"text":"لأخيه: ﴿لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي﴾؛ لأنه لو كان حالقًا لما أراد أخوه الأخذ بلحيته. تبين لك من ذلك بإيضاح: أن إعفاء اللحية من السمت الذي أمرنا به في القرآن العظيم، وأنه كان سمت الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم. والعجب من الذين مسخت ضمائرهم، واضمحل ذوقهم، حتى صاروا يفرون من صفات الذكورية، وشرف الرجولة، إلى خنوثة الأنوثة، ويمثلون بوجوههم بحلق أذقانهم، ويتشبهون بالنساء حيث يحاولون القضاء على أعظم الفوارق الحسية بين الذكر والأنثى وهو اللحية. وقد كان   - ﷺ - كث اللحية، وهو أجمل الخلق وأحسنهم سورة. والرجال الذين أخذوا كنوز كسرى وقيصر، ودانت لهم مشارق الأرض ومغاربها: ليس فيهم حالق. نرجو الله أن يرينا وإخواننا المؤمنين الحق حقًّا، ويرزقنا اتباعه، والباطل باطلًا ويرزقنا اجتنابه.\nأما الأحاديث النبوية الدالة على إعفاء اللحية، فلسنا بحاجة إلى ذكرها لشهرتها بين الناس، وكثرة الرسائل المؤلفة في ذلك. وقصدنا هنا أن نبين دليل ذلك من القرآن.\nوإنما قال هرون لأخيه: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ لأن قرابة الأم أشد عطفًا وحنانًا من قرابة الأب. وأصله: يابنؤمي بالإضافة إلى ياء المتكلم، ويطرد حذف الياء وإبدالها ألفًا وحذف الألف المبدلة منها كما هنا، وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله:\nوفتحٌ أو كسرٌ وحذفُ اليا استَمَرْ ... في يا ابن أُمَّ يا ابنَ عمَّ لا مفَرْ\nوأما ثبوت ياء المتكلم في قول حرملة بن المنذر:\nيا بنؤمِّي ويا شقيق نفسي ... أنت خليتني لدهر شديد","vol":"4","page":631},{"text":"فلغة قليلة. وقال بعضهم: هو لضرورة الشعر. وقوله: ﴿يَبْنَؤُمَّ﴾ قرأه ابن عامر وشعبة عن عاصم وحمزة والكسائي بكسر الميم. وقرأه الباقون بفتحها. وكذلك قوله في \"الأعراف\": ﴿قَال ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-980> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيءٍ عِلْمًا (٩٨)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية: أن العجل الذي صنعه السامري من حُليّ القبط لا يمكن أن يكون إلهًا؟ وذلك لأنه حصر الإله أي المعبود بحق بـ ﴿إِنَّمَا﴾ التي هي أداة حصر على التحقيق في خالق السموات والأرض، الذي لا إله إلا هو؛ أي لا معبود بالحق إلا هو وحده جل وعلا، وهو الذي وسع كل شيء علمًا. وقوله: ﴿عِلْمًا﴾ تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء.\nوما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى هو الإله المعبود بحق دون غيره، وأنه وسع كل شيء علمًا. ذكره في آيات كثيرة من كتابه تعالى؛ كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا اللَّهُ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في إحاطة علمه بكل شيء: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ","vol":"4","page":632},{"text":"وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-981> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾</span>.\nالكاف في قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ في محل نصب على أنه نعت لمصدر محذوف، أي: نقص عليك من أنباء ما سبق قصصًا مثل ذلك القَصَص الحسن الحق الذي قصصنا عليك عن موسى وهارون، وعن موسى وقومه والسامري. والظاهر أن ﴿مِنْ﴾ في قوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ للتبعيض، ويفهم من ذلك أن بعضهم لم يقصص عليه خبره. ويدل لهذا المفهوم قوله تعالى في سورة \"النساء\": ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله في سورة \"المؤمن\": ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله في سورة \"إبراهيم\": ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إلا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية. والأنباء: جمع نبأ وهو الخبر الذي له شأن.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه قص على نبيه - ﷺ - أخبار الماضين؛ أي ليبين بذلك صدق نبوته؛ لأنه أمي لا يكتب ولا يقرأ الكتب، ولم يتعلم أخبار الأمم وقصصهم، فلولا أن الله أوحى إليه ذلك لما عَلِمه = بِيَّنه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله في \"آل عمران\": ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)﴾ أي: فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما كان لك علم به. وقوله تعالى في سورة \"هود\": ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهَا إِلَيكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا","vol":"4","page":633},{"text":"أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ (٤٩)﴾، وقوله في \"هود\" أيضًا: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية. وقوله تعالى في سورة \"يوسف\": ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ (١٠٢)﴾، وقوله في \"يوسف\" أيضًا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾، وقوله في \"القصص\": ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَينَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر﴾، وقوله فيها: ﴿وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الطُّورِ إِذْ نَادَينَا﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ ثَاويًا فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِنَا﴾، إلى غير ذلك من الآيات. يعني لم تكن حاضرًا يا نبي الله لتلك الوقائع، فلولا أن الله أوحى إليك ذلك لما علمته. وقوله: ﴿مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ﴾ أي: أخبار ما مضى من أحوال الأمم والرسل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-982> وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩)﴾</span>.\nأي: أعطيناك من عندنا ذكرًا وهو هذا القرآن العظيم، وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله؛ كقوله: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾، ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: ثم في","vol":"4","page":634},{"text":"تسمية القرآن بالذكر وجوه:\nأحدها: أنه كتاب فيه ذكر ما يحتاج إليه الناس من أمر دينهم ودنياهم.\nوثانيها: أنه يذكر أنواع آلاء الله ونعمائه تعالى؛ ففيه التذكير والمواعظ.\nوثالثها: أنه فيه الذكر والشرف لك ولقومك على ما قال: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾.\nواعلم أن الله تعالى سمى كل كتبه ذكرًا فقال: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْر﴾ اهـ المراد من كلام الرازي.\nويدل للوجه الثاني في كلامه قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-983> قوله تعالى: ﴿مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن هذا الذكر الذي هو القرآن العظيم، أي: صد وأدبر عنه، ولم يعمل بما فيه من الحلال والحرام، والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من القصص والأمثال، ونحو ذلك؛ فإنه يحمل يوم القيامة وزرًا، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: يريد بالوزر: العقوبة الثقيلة الباهظة، سماها وزرًا تشبيهًا في ثقلها على المعاقَب وصعوبة احتمالها بالحِمْل الذي يفدح","vol":"4","page":635},{"text":"الحامل وينقض ظهره، ويُلقي عليه بُهْره. أو لأنها جزاء الوزر وهو الإثم.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد دلت آيات كثيرة من كتاب الله: على أن المجرمين يأتون يوم القيامة يحملون أوزارهم؛ أي: أثقال ذنوبهم على ظهورهم؛ كقوله في سورة \"الأنعام\": ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٣١)﴾، وقوله في \"النحل\": ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ وقوله في \"العنكبوت\": ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾، وقوله في \"فاطر\": ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.\nوبهذه الآيات التي ذكرنا وأمثالها في القرآن: تعلم أن معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا﴾ وقوله: ﴿وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا﴾ أن المرادَ بذلك الوزرِ المحمولِ أثقالُ ذنوبهم وكفرهم يأتون يوم القيامة يحملونها؛ سواء قلنا: إن أعمالهم السيئة تتجسم في أقبح سورة وأنتنها، أو غير ذلك كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله. وقد قدمنا عمل ﴿وَسَاءَ﴾ التي بمعنى يئس مرارًا؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿خَالِدِينَ فِيهِ﴾ يريد مقيمين فيه، أي في جزائه، وجزاؤه جهنم.","vol":"4","page":636},{"text":"تنبيه\nإفراد الضمير في قوله: ﴿أَعْرِضْ﴾، وقوله: ﴿فَإِنَّهُ﴾ وقوله: ﴿يُحْمَلْ﴾ باعتبار لفظ ﴿مَنْ﴾. وأما جمع ﴿خَالِدِينَ﴾ وضمير ﴿لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فباعتبار معنى \"من\" كقوله: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحًا يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: اللام في ﴿لَهُمْ﴾ ما هي؟ وبم تتعلق؟ قلت: هي للبيان كما في ﴿هَيتَ لَكَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-984> قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم يسألونه عن الجبال، وأمره أن يقول لهم: إن ربه ينسفها نسفًا، وذلك بأن يقلعها من أصولها، ثم يجعلها كالرمل المتهايل الذي يسيل، وكالصوف المنفوش تطيرها الرياح هكذا وهكذا.\nواعلم أنه جل وعلا بين الأحوال التي تصير إليها الجبال يوم القيامة في آيات من كتابه. فبين أنه ينزعها من أماكنها. ويحملها فيدكها دكًا؛ وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾.\nثم بين أنه يسيرها في الهواء بين السماء والأرض؛ وذلك في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧) وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ","vol":"4","page":637},{"text":"صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾، وقوله: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾.\nثم بين أنه يفتتها ويدقها كقوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي: فتت حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن أو نحوه، على القول بذلك، وقوله: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾.\nثم بين أنه يصيرها كالرمل المتهايل، وكالعِهْن المنفوش، وذلك في قوله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾ في \"المعارج، والقارعة\". والعهن: الصوف المصبوغ؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:\nكأن فُتات العِهن في كل منزلٍ ... نزلنَ به حبُّ الفنا لم يُحَطَّم\nثم بين أنها تصير كالهباء المنبثّ في قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا﴾ ثم بين أنها تفسير سرابًا، وذلك في قوله: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ وقد بين في موضع آخر: أن السراب لا شيء؛ وذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾ وبين أنّه ينسفها نسفًا في قوله هنا: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا﴾.\nتنبيه\nجرت العادة في القرآن: أن الله إذا قال لنبيه - ﷺ -: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ﴾ قال له: ﴿قُلِ﴾ بغير فاء؛ كقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ﴾","vol":"4","page":638},{"text":"الآية، وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيرٍ فَلِلْوَالِدَينِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، أما في آية \"طه\" هذه فقال فيها: ﴿فَقُلْ يَنْسِفُهَا﴾ بالفاء. وقد أجاب القرطبي ﵀ عن هذا في تفسير هذه الآية بما نصه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ﴾ أي: عن حال الجبال يوم القيامة ﴿فَقُل﴾ جاء هذا بفاء، وكل سؤال في القرآن \"قل\" بغير فاء إلا هذا؛ لأن المعنى: إن سألوك عن الجبال فقل، فتضمن الكلام معنى الشرط. وقد علم الله أنهم يسألونه عنها فأجابهم قبل السؤال، وتلك أسئلة تقدمت، سألوا عنها النبي - ﷺ - فجاء الجواب عقب السؤال؛ فلذلك كان بغير فاء، وهذا سؤال لم يسألوه عنه بعد فتفهمه. انتهى منه. وما ذكره يحتاج إلى دليل، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-985> قوله تعالى: ﴿فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا (١٠٦) لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿فَيَذَرُهَا﴾ فيه وجهان معروفان عند العلماء:\nأحدهما: أنه راجع إلى الأرض وإن لم يجر لها ذكر. ونظير هذا القول في هذه الآية قوله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾، وقوله: ﴿مَا تَرَكَ عَلَيهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ فالضمير فيهما راجع إلى الأرض ولم يجر لها ذكر. وقد بينا شواهد ذلك من العربية والقرآن","vol":"4","page":639},{"text":"بإيضاح في سورة \"النحل\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوالثاني: أنه راجع إلى منابت الجبال التي هي مراكزها ومقارّها لأنها مفهومة من ذكر الجبال. والمعنى: فيذر مواضعها التي كانت مستقرة فيها من الأرض قاعًا صفصفًا. والقاع: المستوي من الأرض. وقيل: مستنقع الماء. والصفصف: المستوي الأملس الذي لا نبات فيه ولا بناء، فإنه على صف واحد في استوائه. وأنشد لذلك سيبويه قول الأعشى:\nوكم دون بيتك من صفصف ... ودكداك رمل وأعقادها\nومنه قول الآخر:\nوملومة شهباء لو قذفوا بها ... شماريخ من رضوى إذًا أعاد صفصفا\nوقوله: ﴿لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا (١٠٧)﴾ أي: لا اعوجاج فيها ولا أمت. والأمت: النتوء اليسير؛ أي ليس فيها اعوجاج ولا ارتفاع بعضها على بعض، بل هي مستوية، ومن إطلاق الأمت بالمعنى المذكور قول لبيد:\nفاعرنزمَتْ ثم سارت وهي لاهيةٌ ... في كافر ما به أمتٌ ولا شرفُ\nوقول الآخر:\nفأبصرَتْ لمحةً من رأس عِكْرِشةٍ ... في كافر ما به أَمتٌ ولا عِوَجُ\nوالكافر في البيتين: قيل: الليل. وقيل: المطر؛ لأنه يمنع العين من رؤية الارتفاع والانحدار في الأرض.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: قد","vol":"4","page":640},{"text":"فرقوا بين العِوَج والعَوَج. فقالوا: العِوَج بالكسر في المعاني. والعَوَج بالفتح في الأعيان. والأرض عين، فكيف صح فيها المكسور العين؟.\nقلت: اختيار هذا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة، ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون. وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها، وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة، واتفقتم على أنه لم يبق فيها اعوجاج قط، ثم استطلعت رأي المهندس فيها، وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثر فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر، ولكن بالقياس الهندسي، فنفى الله ﷿ ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك، اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة، وذلك الاعوجاج لِمَا لم يُدرك إلا بالقياس دون الإحساس لحق بالمعاني فقيل فيه: عِوج بالكسر، والأمت: النتوء اليسير، يقال: مد حبله حتى ما فيه أمت. انتهى منه. وقد قدمنا في أول سورة الكهف ما يغني عن هذا الكلام الذي ذكره، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-986> قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾</span>.\nقوله: ﴿يَوْمَئِذ﴾ أي: يوم إذ نسفت الجبال يتبعون الداعي. والداعي: هو الملك الذي يدعوهم إلى الحضور للحساب. قال بعض أهل العلم: يناديهم أيتها العظام النخرة، والأوصال المتفرقة، واللحوم المتمزقة، قومي إلى ربك للحساب والجزاء، فيسمعون","vol":"4","page":641},{"text":"الصوت ويتبعونه. ومعنى ﴿لَا عِوَجَ لَهُ﴾ أي: لا يحيدون عنه، ولا يميلون يمينًا ولا شمالًا. وقيل: لا عوج لدعاء الملك عن أحد، أي: لا يعدل بدعائه عن أحد، بل يدعوهم جميعًا. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من اتباعهم للداعي للحساب، وعدم عدولهم عنه = بيَّنه في غير هذا الموضعِ، وزاد أنهم يسرعون إليه، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ يَوْمَ يَدْعُ الدَّاعِ إِلَى شَيءٍ نُكُرٍ (٦) خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾، والإهطاع: الإسراع. وقوله تعالى: ﴿وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٤١) يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَخَشَعَتِ الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ﴾ أي: خفضت وخفتت، وسكنت هيبةً لله، وإجلالًا وخوفًا ﴿فَلَا تَسْمَعُ﴾ في ذلك اليوم صوتًا عاليًا، بل لا تسمع ﴿إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾ أي: صوتًا خفيًّا خافتًا من شدة الخوف. أو ﴿إلا هَمْسًا (١٠٨)﴾ أي إلا صوت خفق الأقدام ونقلها إلى المحشر. والهمس يطلق في اللغة على الخفاء، فيشمل خفض الصوت وصوت الأقدام؛ كصوت أخفاف الإبل في الأرض التي فيها يابس النبات، ومنه قوله الراجز:\nوهنَّ يمشين بنا هميسَا ... إن تصدق الطير ننك لميسَا\nوما ذكره جل وعلا هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله ﴿رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا الرَّحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا (٣٧) يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إلا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَال صَوَابًا (٣٨)﴾.","vol":"4","page":642},{"text":"وقوله هنا: ﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ﴾ الآية، قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في \"مريم\" وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-987> قوله تعالى: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا (١١١)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَعَنَتِ﴾ أي: ذلَّت وخضعت؛ تقول العرب: عنا يعنو عنوًا أو عناء: إذ ذلَّ وخضع وخشع؛ ومنه قيل للأسير: عان؛ لذله وخضوعه لمن أسره. ومنه قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nمليك على عرش السماء مهيمن ... لعزته تعنو الوجوه وتسجد\nوقوله أيضًا:\nوعنا له وجهي وخلقي كله ... في الساجدين لوجهه مشكورا\nواعلم أن العلماء اختلفوا في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد بالوجوه التي ذلت وخشعت للحي القيوم: وجوه العصاة خاصة وذلك يوم القيامة؛ وأسند الذل والخشوع لوجوههم؛ لأن الوجه تظهر فيه آثار الذل والخشوع. ومما يدل على هذا المعنى من الآيات القرآنية قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ (٢٤) تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣) تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً﴾ وعلى هذا القول اقتصر الزمخشري واستدل له ببعض الآيات المذكورة.\nوقال بعض العلماء ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ﴾: أي ذلت وخضعت وجوه المؤمنين لله في دار الدنيا، وذلك بالسجود والركوع. وظاهر القرآن يدل على أن المراد الذل والخضوع لله يوم القيامة؛ لأن","vol":"4","page":643},{"text":"السياق في يوم القيامة، وكل الخلائق تظهر عليهم في ذلك اليوم علامات الذل والخضوع لله جل وعلا.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ قال بعض العلماء: أي خسر من حمل شركًا. وتدل لهذا القول الآيات القرآنية الدالة على تسمية الشرك ظلمًا، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والأظهر أن الظلم في قوله: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ يعم الشرك وغيره من المعاصي. وخيبة كل ظالم بقدر ما حمل من الظلم، والعلم عند الله تعالى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ الحي: المتصف بالحياة الذي لا يموت أبدًا. والقيوم صيغة مبالغة، لأنه جل وعلا هو القائم بتدبير شئون جميع الخلق. وهو القائم على كل نفس بما كسبت. وقيل: القيوم الدائم الذي لا يزول.\n\n• قوله تعالى. ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْمًا وَلَا هَضْمًا (١١٢)﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من يعمل من الصالحات وهو مؤمن بربه فإنه لا يخاف ظلمًا ولا هضمًا. وقد بين هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾،","vol":"4","page":644},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا ذلك.\nوفرق بعض أهل العلم بين الظلم والهضم: بأن الظلم المنع من الحق كله. والهضم: النقص والمنع من بعض الحق. فكل ظلم هضم، ولا ينعكس. ومن إطلاق الهضم على ما ذكر قول المتوكل الليثي:\nإن الأذلة واللئام لمعشر ... مولاهم المُتَهضَّم المظلوم\nفالمتهضَّم: اسم مفعول تهضمه إذا اهتضمه في بعض حقوقه وظلمه فيها. وقرأ هذا الحرف عامة السبعة ماعدا ابن كثير ﴿فَلَا يَخَافُ﴾ بضم الفاء وبألف بعد الخاء مرفوعًا ولا نافية؛ أي فهو لا يخاف، أو فإنه لا يخاف. وقرأه ابن كثير \"فلا يَخَفْ\" بالجزم من غير ألف بعد الخاء. وعليه فـ\"لا\" ناهية جازمة للمضارع. وقول القرطبي في تفسيره: إنه على قراءة ابن كثير مجزوم؛ لأنه جواب لقوله: ﴿وَمَن يعمَل﴾؛ غلط منه ﵀؛ لأن الفاء في قوله: (فلا يخف) مانعة من ذلك. والتحقيق هو ما ذكرنا من أن \"لا\" ناهية على قراءة ابن كثير، والجملة الطلبية جزاء الشرط، فيلزم اقترانها بالفاء؛ لأنها لا تصلح فعلًا للشرط كما قدمناه مرارًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة \"الكهف\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-988> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (١١٤)﴾</span>.","vol":"4","page":645},{"text":"كان النبي - ﷺ - إذا جاءه جبريل بالوحي كلما قال جبريل آية قالها معه - ﷺ - من شدة حرصه على حفظ القرآن؛ فأرشده الله في هذه الآية إلى ما ينبغي. فنهاه عن العجلة بقراءة القرآن مع جبريل، بل أمره أن ينصت لقراءة جبريل حتى ينتهي، ثم يقرؤه هو بعد ذلك، فإن الله ييسر له حفظه. وهذا المعنى المشار إليه في هذه الآية أوضحه الله في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"القيامة\": ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾. وقال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل قال: حدثنا أبو عوانة قال: حدثنا موسى بن أبي عائشة قال: حدثنا سعيد بن جبير عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦)﴾ قال: كان رسول الله - ﷺ - يعالج من التنزيل شدة، وكان مما يحرك شفتيه، فقال ابن عباس: فأنا أحركهما لكم كما كان رسول الله - ﷺ - يحركهما. وقال سعيد: أنا أحركهما كما رأيت ابن عباس يحركهما، فحرك شفتيه؛ فأنزل الله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ قال: جمعه لك في صدرك، ونقرأه: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ قال: فاستمع له وأنصت ﴿ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ ثم علينا أن نقرأه. فكان رسول الله - ﷺ - بعد ذلك إذا أتاه جبريل استمع؛ فإذا انطلق جبريل قرأه النبي - ﷺ - كما قرأه. اهـ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-989> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ﴾ أي أوصيناه ألا يقرب تلك الشجرة. وهذا العهد إلى آدم الذي أجمله هنا بينه في غير هذا","vol":"4","page":646},{"text":"الموضع، كقوله في سورة \"البقرة\": ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ فقوله: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ هو عهده إلى آدم المذكور هنا. وقوله في \"الأعراف\": ﴿وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٩)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَنسِيَ﴾ فيه للعلماء وجهان معروفان:\nأحدهما: أن المراد بالنسيان الترك، فلا ينافي كون الترك عمدًا. والعرب تطلق النسيان وتريد به الترك ولو عمدًا، ومنه قوله تعالى: ﴿قَال كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ فالمراد في هذه الآية: الترك قصدًا. وكقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٥١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَذُوقُوا بِمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا إِنَّا نَسِينَاكُمْ وَذُوقُوا عَذَابَ الْخُلْدِ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤)﴾: وعلى هذا فمعنى قوله: ﴿فَنسَى﴾ أي ترك الوفاء بالعهد، وخالف ما أمره الله به من ترك الأكل من تلك الشجرة؛ لأن النهي عن الشيء يستلزم الأمر بضده.\nوالوجه الثاني: هو أن المراد بالنسيان في الآية: النسيان الذي هو ضد الذكر؛ لأن إبليس لما أقسم له بالله أنه له ناصح فيما دعاه إليه من الأكل من الشجرة التي نهاه ربه عنها. غيره وخدعه بذلك، حتى أنساه العهد المذكور؛ كما يشير إليه قوله تعالى:","vol":"4","page":647},{"text":"﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾. وعن ابن عباس ﵄ قال: إنما سمى الإنسان لأنه عهد  إليه فنسى. رواه عنه ابن أبي حاتم اهـ. ولقد قال بعض الشعراء:\nوما سُمِّي الإنسان إلا لنسيه ... ولا القلب إلا أنه يتقلَّب\nأما على القول الأول فلا إشكال في قوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾، وأما على الثاني ففيه إشكال معروف؛ لأن الناسي معذور فكيف يقال فيه: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾. وأظهر أوجه الجواب عندي عن ذلك: أن آدم لم يكن معذورًا بالنسيان، وقد بينت في كتابي (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الأدلة الدالة على أن العذر بالنسيان والخطإ والإكراه من خصائص هذه الأمة، كقوله هنا: ﴿فَنسَى﴾ مع قوله: ﴿وَعَصَى﴾ فأسند إليه النسيان والعصيان؛ فدل على أنه غير معذور بالنسيان. ومما يدل على هذا ما ثبت في صحيح مسلم من حديث ابن عباس وأبي هريرة: أن النبي - ﷺ - لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: \"نعم قد فعلت\". فلو كان ذلك معفوًا عن جميع الأمم لما كان لذكره على سبيل الامتنان وتعظيم المنة عظيم موقع. ويستأنس لذلك بقوله: ﴿كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ ويؤيد ذلك حديث: \"إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه\". فقوله: \"تجاوز لي عن أمتي\" يدل على الاختصاص بأمته، وليس مفهوم لقب؛ لأن مناط التجاوز عن ذلك هو ما خصه الله به من التفضيل على غيره من الرسل. والحديث المذكور وإن أعله الإمام أحمد وابن أبي حاتم فله شواهد ثابتة في الكتاب والسنة. ولم يزل علماء الأمة قديمًا وحديثًا يتلقونه بالقبول. ومن الأدلة على ذلك","vol":"4","page":648},{"text":"حديث طارق ابن شهاب المشهور في الذي دخل النار في ذبابٍ قرَّبه مع أنه مكره وصاحبه الذي امتنع من تقريب شيء للصنم ولو ذبابًا قتلوه. فدل ذلك على أن الذي قربه مكره؛ لأنه لو لم يقرب لقتلوه كما قتلوا صاحبه، ومع هذا دخل النار فلم يكن إكراهه عذرًا. ومن الأدلة على ذلك قوله تعالى عن أصحاب الكهف: ﴿إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ فقوله: ﴿يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ﴾ دليل على الإكراه. وقوله: ﴿وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا (٢٠)﴾ دليل على عدم العذر بذلك الإكراه؛ كما أوضحنا ذلك في غير هذا الموضع.\nواعلم أن في شرعنا ما يدل على نوع من التكليف بذلك في الجملة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. فتحرير الرقبة هنا كفارة لذلك القتل خطأ. والكفارة تشعر بوجود الذنب في الجملة؛ كما يشير إلى ذلك قوله في كفارة القتل خطأ ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَينِ مُتَتَابِعَينِ تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)﴾ فجعل صوم الشهرين بدلًا من العتق عند العجز عنه. وقوله بعد ذلك: ﴿تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ﴾ يدل على أن هناك مؤاخذة في الجملة بذلك الخطإ، مع قوله: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ﴾ وما قدمنا من حديث مسلم: أن النبي - ﷺ - لما قرأ ﴿لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله: \"نعم قد فعلت\"، فالمؤاخذة التي هي الإثم مرفوعة، والكفارة المذكورة قال بعض أهل العلم: هي بسبب التقصير في التحفظ والحذر من وقوع الخطإ والنسيان، والله جل وعلا أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾","vol":"4","page":649},{"text":"هو ونحوه من الآيات مستند من قال من أهل الأصول بعدم عصمة الأنبياء من الصغائر التي لا تتعلق بالتبليغ؛ لأنهم يتداركونها بالتوبة والإنابة إلى الله حتى تصير كأنها لم تكن.\nواعلم أن جميع العلماء أجمعوا على عصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم في كل ما يتعلق بالتبليغ. واختلفوا في عصمتهم من الصغائر التي لا تعلق لها بالتبليغ اختلافًا مشهورًا معروفًا في الأصول. ولا شك أنهم صلوات الله عليهم وسلامه إن وقع منهم بعض الشيء فإنهم يتداركونه بصدق الإنابة إلى الله حتى يبلغوا بذلك درجة أعلا من درجة من لم يقع منه ذلك؛ كما قال هنا: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾ ثم أتبع ذلك بقوله: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾، يدل على أن أبانا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس من الرسل الذين قال الله فيهم: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ وهم: نوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ومحمد - ﷺ -. وقيل: هم جميع الرسل. وعن ابن عباس وقتادة ﴿وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ أي لم نجد له صبرًا عن أكل الشجرة ومواظبة على التزامِ الأمر. وأقوال العلماء راجعة إلى هذا، والوجود في قوله: ﴿وَلَمْ نَجِدْ﴾ قال أبو حيان في البحر: يجوز أن يكون بمعنى العلم، ومفعولاه ﴿لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾ وأن يكون نقيض العدم؛ كأنه قال: وعدمنا له عزمًا. اهـ منه. والأول أظهر، والله تعالى أعلم.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلَّا","vol":"4","page":650},{"text":"إِبْلِيسَ أَبَى﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أمر الملائكة بالسجود لآدم فسجدوا إلا إبليس أبى. أي: أبى أن يسجد؛ فذكر عنه هنا الإباء ولم يذكر عنه هنا الاستكبار. وذكر عنه الإباء أيضًا في \"الحجر\" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾. وقوله في آية \"الحجر\" هذه: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (٣١)﴾ يبين معمول ﴿أَبَى﴾ المحذوف في آية \"طه\" هذه التي هي قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى﴾ أي: أبى أن يكون مع الساجدين، كما صرح به في \"الحجر\"، وكما أشار إلى ذلك في \"الأعراف\" في قوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (١١)﴾ وذكر عنه في سورة \"ص\" الاستكبار وحده في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ اسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٧٤)﴾، وذكر عنه الإباء والاستكبار معًا في سورة \"البقرة\" في قوله: ﴿إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾. وقد بينا في سورة \"البقرة\" سبب استكباره في زعمه وأدلة بطلان شبهته في زعمه المذكور. وقد بينا في سورة \"الكهف\" كلام العلماء فيه؛ هل أصله ملك من الملائكة أو لا؟.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ﴾ صرح في غير هذا الموضع أن السجود المذكور سجده الملائكة كلهم أجمعون لا بعضهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إلا إِبْلِيسَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-990> قوله تعالى: ﴿فَقُلْنَا يَاآدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى (١١٧) إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾</span>.","vol":"4","page":651},{"text":"قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في \"الكهف\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ أي فتتعب في طلب المعيشة بالكد والاكتساب؛ لأنه لا يحصل لقمة العيش في الدنيا بعد الخروج من الجنة حتى يحرث الأرض، ثم يزرعها، ثم يقوم على الزرع حتى يدرك، ثم يدرسه، ثم ينقيه، ثم يطحنه، ثم يعجنه، ثم يخبزه. فهذا شقاؤه المذكور.\nوالدليل على أن المراد بالشقاء في هذه الآية: التعب في اكتساب المعيشة قوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨) وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ يعني احذر من عدوك أن يخرجك من دار الراحة التي يضمن لك فيها الشبع والري، والكسوة والسكن. قال الزمخشري: وهذه الأربعة هي الأقطاب التي يدور عليها كفاف الإنسان، فذكره استجماعها له في الجنة، وأنه مكفي لا يحتاج إلى كفاية كاف، ولا إلى كسب كاسب كما يحتاج إلى ذلك أهل الدنيا. وذكرها بلفظ النفي لنقائضها التي هي الجوع والعُرْي والظمأ والضحو، ليطرق سمعه بأسامي أصناف الشقوة التي حذره منها، حتى يتحامى السبب الموقع فيها كراهة لها. اهـ.\nفقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ قرينة واضحة على أن الشقاء المحذر منه تعب الدنيا في كد المعيشة ليدفع به الجوع والظمأ والعرى والضحاء. والجوع معروف، والظمأ: العطش. والعُري بالضم: خلاف اللبس.","vol":"4","page":652},{"text":"وقوله: ﴿وَلَا تَضْحَى  (١١٩)﴾ أي لا تصير بارزًا للشمس، ليس لك ما تستكِنُّ فيه من حرها. تقول العرب: ضحي يضحى، كرضي يرضى. وضحَى يضحى كسعى يسعى إذا كان بارزًا لحر الشمس ليس له ما يكنه منه. ومن هذا المعنى قول عمر بن أبي ربيعة:\nرأتْ رجلًا أما إذا الشمس عارضت ... فيَضْحَى وأما بالعشى فيَحضَر  (^١)\nوقول الآخر:\nضحيت له كي أستظلّ بظله ... إذا الظل أضحى في القيامة قالصا\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة ما عدا نافعًا وشعبة عن عاصم ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ﴾ بفتح همزة \"أن\"، والمصدر المنسبك من \"أن\" وصلتها معطوف على المصدر المنسبك من \"أن\" وصلتها في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ﴾ أي: وإن لك أنك لا تظمأ فيها ولا تضحى. ويجوز في المصدر المعطوف المذكور النصب والرفع، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nوجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب \"إن\" بعد أن تستكملا\nوإيضاح تقدير المصدرين المذكورين: إن لك عدم الجوع فيها، وعدم الظمأ.\nتنبيه\nأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وجوب نفقة الزوجة على زوجها لأن الله لما قال: ﴿إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ\n_________\n(^١)  في المطبوعة: \"فينحصر\". والمثبت من الديوان.","vol":"4","page":653},{"text":"الْجَنَّةِ﴾ بخطاب شامل لآدم وحواء، ثم خص آدم بالشقاء دونها في قوله: ﴿فَتَشْقَى (١١٧)﴾ دل ذلك على أنه هو المكلف بالكد عليها وتحصيل لوازم الحياة الضرورية لها: من مطعم، ومشرب، وملبس، ومسكن.\nقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما خصه بذكر الشقاء ولم يقل فتشقيا: يعلمنا أن نفقة الزوجة على الزوج، فمن يومئذ جرت نفقة النساء على الأزواج. فلما كانت نفقة حواء على آدم كذلك نفقات بناتها علي بني آدم بحق الزوجية. وأعلمنا في هذه الآية: أن النفقة التي تجب للمرأة على زوجها هذه الأربعة: الطعام، والشراب، والكسوة، والمسكن. فإذا أعطاها هذه الأربعة فقد خرج إليها من نفقتها، فإن تفضل بعد ذلك فهو مأجور. فأما هذه الأربعة فلابد لها منها؛ لأن بها إقامة المهجة اهـ منه.\nوذكر في قصة آدم: أنه لما أهبط إلى الأرض أهبط إليه ثور أحمر وحبات من الجنة، فكان يحرث على ذلك الثور ويمسح العرق عن جبينه وذلك من الشقاء المذكور في الآية.\nوالظاهر أن الذي في هذه الآية الكريمة من البديع المعنوي في إصطلاح البلاغيين، هو ما يسمى \"مراعاة النظير\"، ويسمى \"التناسب والائتلاف، والتوفيق والتلفيق\"؛ فهذه كلها أسماء لهذا النوع من البديع المعنوي. وضابطه: أنه جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد؛ كقوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾ فإن الشمس والقمر متناسبان لا بالتضاد. وكقول البحتري يصف الإبل الأنضاء","vol":"4","page":654},{"text":"المهازيل، أو الرماح:\nكالقِسِيّ المعطَّفات بل الأسـ ... ـهمِ مَبريَّة، بل الأوتار\nوبين \"الأسهم والقسي المعطفات والأوتار\" مناسبة في الرقة وإن كان بعضها أرق من بعض، وهي مناسبة لا بالتضاد. وكقول ابن رشيق:\nأصحُّ وأقوى ما سمعناه في الندى ... من الخبر المأثور منذ قديم\nأحاديثُ ترويها السيول عن الحيا ... عن البحر عن كف الأمير تميم\nفقد ناسب بين الصحة والقوة، والسماع والخبر المأثور، والأحاديث والرواية، وكذا ناسب بين السيل والحيا وهو المطر، والبحر وكف الأمير تميم. وكقول أسيد بن عنقاء الفزاري:\nكأنَّ الثريا عُلِّقت في جبينه ... وفي خدِّه الشِّعرى وفي وجهه البدر\nفقد ناسب بين الثريا والشعرى والبدر، كما ناسب بين الجبين والوجنة والوجه. وأمثلة هذا النوع كثيرة معروفة في فن البلاغة.\nوإذا علمت هذا فاعلم: أنه جل وعلا ناسب في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (١١٨)﴾ بين نفي الجوع المتضمن لنفي الحرارة الباطنية والألم الباطني الوجداني، وبين نفي العُري المتضمن لنفي الألم الظاهري من أذى الحر والبرد، وهي مناسبة لا بالتضاد. كما أنه تعالى ناسب في قوله: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (١١٩)﴾ نفي الظمأ المتضمن لنفي الألم الباطني الوجداني الذي يسببه الظمأ. وبين نفي الضَّحى المتضمن لنفي","vol":"4","page":655},{"text":"الألم الظاهري الذي يسببه حر الشمس ونحوه كما هو واضح.\nبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن في الآية المذكورة ما يسمع قطع النظير عن النظير، وأن الغرض من قطع النظير عن النظير المزعوم تحقيق تعداد هذه النعم وتكثيرها؛ لأنه لو قرن النظير بنظيره لأوهم أن المعدودات نعمة واحدة، ولهذا قطع الظمأ عن الجوع، والضحو عن الكسوة، مع ما بين ذلك من التناسب. وقالوا: ومن قطع النظير عن النظير المذكور قول امرئ القيس:\nكأني لم أركب جوادًا للذة ... ولم أتبطن كاعبًا ذات خلخال\nولم أسبا الزق الروى ولم أقل ... لخيلي كري كرة بعد إجفال\nفقطع ركوب الجواد من قوله: \"لخيلي كري كرة\" وقطع \"تبطن الكاعب\" عن شرب \"الزق الروي\" مع التناسب في ذلك. وغرضه أن يعدد ملاذَّه ومفاخره ويكثرها = كله كلام لا حاجة له لظهور المناسبة بين المذكورات في الآية كما أوضحنا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-991> قوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾</span>.\nالوسوسة والوسواس: الصوت الخفي. ويقال لهمس الصائد والكلاب، وصوت الحَلْي: وسواس. والوِسْواس بكسر الواو الأولى مصدر، وبفتحها الاسم، وهو أيضًا من أسماء الشيطان، كما في قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾ ويقال لحديث النفس: وسواس ووسوسة. ومن إطلاق الوسواس على صوت","vol":"4","page":656},{"text":"الحَلْي قول الأعشى:\nتسمعُ للحَلْي وسواسًا إذا انصرفت ... كما استعان بريحٍ عِشرقٌ زَجِل\nومن إطلاقه على همس الصائد قول ذي الرمة:\nفبات يُشْئِزُه ثأدٌ ويُسْهِره ... تَذَؤبُ الريحِ والوسواسُ والهَضَبُ\nوقول رؤبة:\nوسوسَ يدعو مخلصًا ربَّ الفلق ... سرًّا وقد أوَّنَ تأوين العُقُق\nفي الزرب لم يمضع شربًا ما بصق\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ أي: كلمه كلامًا خفيًّا فسمعه منه آدم وفهمه. والدليل على أن الوسوسة المذكورة في هذه الآية الكريمة كلام من إبليس سمعه آدم وفهمه أنه فسر الوسوسة في هذه الآية بأنها قول، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ الآية. فالقول المذكور هو الوسوسة المذكورة. وقد أوضح هذا في سورة \"الأعراف\" وبين أنه وسوس إلى حواء أيضًا مع آدم، وذلك في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ  -إلى قوله-  وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾؛ لأن تصريحَه تعالى في آية \"الأعراف\" هذه بأن إبليس قاسمهما أي حلف لهما على أنه ناصح لهما فيما ادعاه من الكذب: دليلٌ واضح على أن الوسوسة المذكورة كلام مسموع.\nواعلم أن في وسوسة الشيطان إلى آدم إشكالًا معروفًا، وهو أن يقال: إبليس قد أخرج من الجنة صاغرًا مذمومًا مدحورًا، فكيف","vol":"4","page":657},{"text":"أمكنه الرجوع إلى الجنة حتى وسوس لآدم؟ والمفسرون يذكرون في ذلك قصة الحية، وأنه دخل فيها فأدخلته الجنة، والملائكة الموكلون بها لا يشعرون بذلك. وكلُّ ذلك من الإسرائيليات. والواقع أنه لا إشكال في ذلك، لإمكان أن يقف إبليس خارج الجنة قريبًا من طرفها بحيث يسمع آدم كلامه وهو في الجنة، وإمكان أن يدخله الله إياها لامتحان آدم وزوجه، لا لكرامة إبليس. فلا محال عقلًا في شيء من ذلك. والقرآن قد جاء بأن إبليس كلم آدم، وحلف له حتى غيره وزَوْجَه بذلك.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾ أضاف الشجرة إلى الخلد وهو الخلود؛ لأن من أكل منها يكون في زعمه الكاذب خالدًا لا يموت ولا يزول، وكذلك يكون له في زعمه ملك لا يبلى أي لا يفنى ولا ينقطع. وقد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠)﴾ يدل لمعنى قراءة من قرأ (إلا أن تكونا مَلِكَين) بكسر اللام. وقوله: ﴿أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ﴾ هو معنى قوله في \"طه\": ﴿هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ﴾.\nوالحاصل: أن إبليس لعنه الله كان من جملة ما وسوس به إلى آدم وحواء: أنهما إن أكلا من الشجرة التي نهاهما الله عنها نالا الخلود والملك، وصارا ملكين، وحلف لهما أنه ناصح لهما في ذلك، يريد لهما الخلود والبقاء والملك فدلاهما بغرور. وفي القصة: أن آدم لما سمعه يحلف بالله اعتقد من شدة تعظيمه لله أنه لا يمكن أن يحلف به أحد على الكذب، فأنساه ذلك العهد بالنهي عن الشجرة.","vol":"4","page":658},{"text":"تنبيه\nفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف عدى فعل الوسوسة في \"طه\" بإلى في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ مع أنه عداه في \"الأعراف\" باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة.\nأحدها: أن حروف الجر يخْلُف بعضها بعضًا؛ فاللام تأتي بمعنى إلى كعكس ذلك.\nقال الجوهري في صحاحه: وقوله تعالى: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ يريد إليهما، ولكن العرب توصل بهذه الحروف كلها الفعل اهـ. وتبعه ابن منظور في اللسان. ومن الأجوبة عن ذلك: إرادة التضمين، قال الزمخشري في تفسير هذه الآية: فإن قلت كيف عدى ﴿فَوَسْوَسَ﴾ تارة باللام في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ وأخرى بإلى؟ قلت: وسَوْسَة الشيطان كوَلْوَلة الثكلَى، ووَعوَعة الذئب، ووَقْوَقة الدجاجة، في أنها حكايات للأصوات، وحكمها حكم صوَّت وأجْرَس؛ ومنه وسوس المبرسم وهو موسوس بالكسر والفتح لحن. وأنشد ابن الأعرابي:\nوسوس يدعو مخلصا ربَّ الفلق ... .........................\nفإذا قلت: وسوس له؛ فمعناه لأجله؛ كقوله:\nأجْرِس لها يا ابن أبي كباش ... فما لها الليلة من إنفاش\nغير السُّرى وسائق نجّاش\nومعنى ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ﴾ أنهى إليه الوسوسة؛ كقوله:","vol":"4","page":659},{"text":"حدث إليه وأسر إليه. اهـ منه. وهذا الذي أشرنا إليه هو معنى الخلاف المشهور بين البصريين والكوفيين في تعاقب حروف الجر؛ وإتيان بعضها مكان بعض هل هو بالنظر إلى التضمين، أو لأن الحروف يأتي بعضها بمعنى بعض؟ وسنذكر مثالًا واحدًا من ذلك يتضح به المقصود؛ فقوله تعالى مثلًا: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ الآية، على القول بالتضمين. فالحرف الذي هو \"من\" وارد في معناه، لكن \"نصر\" هنا مضمنة معنى الإنجاء والتخليص، أي أنجيناه وخلصناه من الذين كذبوا بآياتنا. والإنجاء مثلًا يتعدى بمن. وعلى القول الثاني فـ\"نصر\" وارد في معناه، لكن \"من\" بمعنى على، أي نصرناه على القوم الذين كذبوا الآية، وهكذا في كل ما يشاكله.\nوقد قدمنا في سورة \"الكهف\" أن اختلاف العلماء في تعيين الشجرة التي نهى الله آدم عن الأكل منها اختلاف لا طائل تحته، لعدم الدليل على تعيينها، وعدم الفائدة في معرفة عينها. وبعضهم يقول: هي السنبلة. وبعضهم يقول: هي شجرة الكرم. وبعضهم يقول: هي شجرة التين، إلى غير ذلك من الأقوال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-992> قوله تعالى: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾</span>.\nالفاء في قوله: ﴿فَأَكَلَا﴾ تدل على أن سبب أكلهما هو وسوسة الشيطان المذكورة قبله في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ أي فأكلا منها بسبب تلك الوسوسة. وكذلك الفاء في قوله: ﴿فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ تدل على أن سبب ذلك هو أكلهما","vol":"4","page":660},{"text":"من الشجرة المذكورة، فكانت وسوسة الشيطان سببًا للأكل من تلك الشجرة. وكان الأكل منها سببًا لبدو سوءاتهما. وقد تقرر في الأصول في مسلك (الإيماء والتنبيه): أن الفاء تدل على التعليل كقولهم: سها فسجد، أي لِعِلّة سهوه. وسرق فقطعت يده، أي لِعِلّة سرقته، كما قدمناه مرارًا. وكذلك قوله هنا: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ قَال يَاآدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَا يَبْلَى (١٢٠) فَأَكَلَا مِنْهَا﴾ أي بسبب تلك الوسوسة فبدت لهما سوءاتها، أي بسبب ذلك الأكل، ففي الآية ذكر السبب. وما دلت عليه الفاء هنا كما بينا من أن وسوسة الشيطان هي سبب ما وقع من آدم وحواء؛ جاءَ مبينًا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَأَزَلَّهُمَا الشَّيطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ﴾   فصرح بأن الشيطان هو الذي أزلهما. وفي القراءة الأخرى \"فأزالهما\" وأنه هو الذي أخرجهما مما كانا فيه، أي من نعيم الجنة، وقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكره جل وعلا في آية \"طه\" هذه من ترتب بدو سوءاتهما على أكلهما من تلك الشجرة؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله في \"الأعراف\": ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾، وقوله فيها. أيضًا: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾.\nوقد دلت الآيات المذكورة على أن آدم وحواء كانا في ستر من الله يستر به سوءاتهما، وأنهما لما أكلا من الشجرة التي نهاهما ربهما عنهما انكشف ذلك الستر بسبب تلك الزلة، فبدت سوءاتهما","vol":"4","page":661},{"text":"أي عوراتهما. وسميت العورة سوءة لأن انكشافها يسوء صاحبها، وصارا يحاولان ستر العورة بورق شجر الجنة، كما قال هنا: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾، وقال في \"الأعراف\": ﴿فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَطَفِقَا﴾ أي شرعا؛ فهي من أفعال الشروع، ولا يكون خبر أفعال الشروع إلا فعلًا مضارعًا غير مقترن بـ\"أن\" وإلى ذلك أشار في الخلاصة بقوله:\n..................... ... وترك أن مع ذي الشروع وجبا\nكأنشأ السائق يحدو وطفق ... كذا جعلت وأخذت وعلق\nفمعنى قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ﴾ أي شرعا يلزقان عليهما من ورق الجنة بعضه ببعض ليسترا به عوراتهما. والعرب تقول: خصف النعل يخصفها: إذا خرزها؛ وخصف الورق على بدنه: إذا ألزقها وأطبقها عليه ورقة ورقة. وكثير من المفسرين يقولون: إن ورق الجنة التي طفق آدم وحواء يخصفان عليهما منه إنه ورق التين. والله تعالى أعلم.\nواعلم أن الستر الذي كان على آدم وحواء، وانكشف عنهما لما ذاقا الشجرة اختلف العلماء في تعيينه؛ فقالت جماعة من أهل العلم: كان عليهما لباس من جنس الظفر؛ فلما أكلا من الشجرة أزاله الله عنهما إلا ما أبقى منه على رءوس الأصابع. وقال بعض أهل العلم: كان لباسهما نورًا يستر الله به سوءاتهما. وقيل: لباس من ياقوت، إلى غير ذلك من الأقوال . وهو من الاختلاف الذي","vol":"4","page":662},{"text":"لا طائل تحته، ولا دليل على الواقع فيه كما قدمنا كثيرًا من أمثلة ذلك في سورة \"الكهف\". وغاية ما دل عليه القرآن: أنهما كان عليهما لباس يسترهما الله به؛ فلما أكلا من الشجرة نزع عنهما فبدت لهما سوءاتهما. ويمكن أن يكون اللباس المذكور الظفر أو النور، أو لباس التقوى، أو غير ذلك من الأقوال المذكورة فيه.\nوأسند جلا وعلا إبداء ما ووري عنهما من سوءاتهما إلى الشيطان قوله: ﴿لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا﴾ كما أسند له نزع اللباس عنهما في قوله تعالى: ﴿كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا﴾ لأنه هو المتسبب في ذلك بوسوسته وتزيينه كما قدمناه قريبًا. وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جعل سبب الزلة في هذه الآية وهو وسوسة الشيطان مختصًّا بآدم دون حواء قوله: ﴿فَوَسْوَسَ إِلَيهِ الشَّيطَانُ﴾ مع أنه ذكر أن تلك الوسوسة سببت الزلة لهما معًا كما أوضحناه.\nوالجواب ظاهر، وهو أنه بين في \"الأعراف\" أنه وسوس لحواء أيضًا مع آدم في القصة بعينها في قوله: ﴿فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيطَانُ﴾ فبينت آية \"الأعراف\" ما لم تبينه آية \"طه\" كما ترى، والعلم عند الله تعالى.\nمسألة\nأخذ بعض أهل العلم من هذه الآية الكريمة: وجوب ستر العورة؛ لأن قوله: ﴿وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ﴾ يدل على قبح انكشاف العورة، وأنه ينبغي بذل الجهد في سترها. قال","vol":"4","page":663},{"text":"القرطبي ﵀ في تفسيره في سورة \"الأعراف\" ما نصه: وفي الآية دليل على قبح كشف العورة، وأن الله أوجب عليهما الستر، ولذلك ابتدرا إلى سترها، ولا يمتنع أن يؤمرا بذلك في الجنة كما قيل لهما: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ﴾. وقد حكى صاحب البيان عن الشافعي: أن من لم يجد ما يستر به عورته إلا ورق الشجر لزمه أن يستتر بذلك؛ لأنه سترة ظاهرة عليه التستر بها كما فعل آدم في الجنة. والله أعلم. انتهى كلام القرطبي.\nووجوب ستر العورة في الصلاة مجمع عليه بين المسلمين. وقد دلت عليه نصوص من الكتاب والسنة، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية، وكبعثه - ﷺ - من ينادي عام حج أبي بكر بالناس عام تسع: \"ألا يحج بعد هذا العام مشرك، وألا يطوف بالبيت عريان\". وكذلك لا خلاف بين العلماء في منع كشف العورة أمام الناس. وسيأتي بعض ما يتعلق بهذا إن شاء الله في سورة \"النور\".\nفإن قيل: لم جمع السوءات في قوله: ﴿سَوءاتُهُمَا﴾ مع أنهما سوأتان فقط؟ فالجواب من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: أن آدم وحواء كل واحد منهما له سوءتان: القبل والدبر، فهي أربع، فكل منهما يرى قبل نفسه وقبل الآخر، ودبره. وعلى هذا فلا إشكال في الجمع.\nالوجه الثاني: أن المثنى إذا أضيف إليه شيئان هما جزاءه جاز في ذلك المضاف الذي هو شيئان الجمع والتثنية، والإفراد، وأفصحها الجمع، فالإفراد، فالتثنية على الأصح، سواء كانت","vol":"4","page":664},{"text":"الإضافة لفظا أو معنى. ومثال اللفظ: شربت رءوس الكبشين أو رأسهما، أو رأسيهما. ومثال المعنى: قطعت من الكبشين الرءوس، أو الرأس، أو الرأسين. فإن فرق المثنى المضاف إليه فالمختار في المضاف الإفراد، نحو: على لسان داود وعيسى ابن مريم. ومثال جمع المثنى المضاف المذكور الذي هو الأفصح قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، ومثال الإفراد قول الشاعر:\nحمامة بطن الواديين ترنَّمي ... سقاك من الغير الغوادي مطيرها\nومثال التثنية قول الراجز:\nومهمهين قذفين مرتين ... ظهراهما مثل ظهور الترسين\nوالضمائر الراجعة إلى المضاف المذكور المجموع لفظًا وهو مثنى معنًى، يجوز فيها الجمع نظرًا إلى اللفظ، والتثنية نظرًا إلى المعنى، فمن الأول قوله:\nخليلي لا تهلك نفوسكما أسى ... فإن لها فيما به دهيت أسى\nومن الثاني قوله:\nقلوبكما يغشاهما الأمن عادة ... إذا منكما الأبطال يغشاهم الذعر\nالوجه الثالث: ما ذهب إليه مالك بن أنس من أن أقل الجمع اثنان. قال في مراقي السعود:\nأقل معنى الجمع في المشتهر ... الاثنان في رأي الإمام الحِمْيَري\nوأما إن كان الاثنان المضافان منفصلين عن المثنى المضاف","vol":"4","page":665},{"text":"إليه، أي كانا غير جزءيه؛ فالقياس الجمع وفاقًا للفراء، كقولك: ما أخرجكما من بيوتكما، وإذا أويتما إلى مضاجعكما، وضرباه بأسيافهما، وسألتا عن إنفاقهما على أزواجهما، ونحو ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-993> قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾</span>.\nالمعصية خلف للطاعة، فقوله: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ﴾ أي: لم يطعه في اجتناب ما نهاه عنه من قربان تلك الشجرة.\nوقوله: ﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ الغي: الضلال، وهو الذهاب عن طريق الصواب. فمعنى الآية: لم يطع آدم ربه فأخطأ طريق الصواب بسبب عدم الطاعة. وهذا العصيان والغي بين الله جل وعلا في غير موضع من كتابه أن المراد به: أن الله أباح له أن يأكل هو وامرأته من الجنة رغدًا حيث شاءا، ونهاهما أن يقربا شجرة معينة من شجرها؛ فلم يزل الشيطان يوسوس لهما ويحلف لهما بالله إنه لهما لناصح، وإنهما إن أكلا منها نالا الخلود والملك الذي لا يبلى. فخدعهما بذلك كما نص الله على ذلك في قوله: ﴿وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (٢١) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ﴾ فأكلا منها، وكان بعض أهل العلم يقول: من خادعنا بالله خدعنا؛ وهو مروي عن عمر. وفي حديث أبي هريرة عند أبي داود والترمذي والحاكم: \"المؤمن غر كريم، والفاجر خب لئيم\". وأنشد لذلك نفطويه:\nإن الكريم إذا تشاء خدعتَه ... وترى اللئيم مجرِّبًا لا يُخْدَع\nفآدم ﵊ ما صدرت منه الزلة إلا بسبب غرور إبليس له. وقد قدمنا قول بعض أهل العلم: إن آدم من شدة","vol":"4","page":666},{"text":"تعظيمه لله اعتقد أنه لا يمكن أن يحلف به أحد وهو كاذب فأنساه حلف إبليس بالله العهد بالنهي عن الشجرة. وقول بعض أهل العلم: إن معنى قوله: ﴿فَغَوَى﴾ أي: فسد عليه عيشه بنزوله إلى الدنيا.\nقالوا: والغي: الفساد، خلاف الظاهر، وإن حكاه النقاش واختاره القشيري واستحسنه القرطبي. وكذلك قول من قال: ﴿فَغوَى﴾ أي: بشم من كثرة الأكل. والبشم: التخمة، فهو قول باطل. وقال فيه الزمخشري في الكشاف: وهذا كان صح على لغة من يقلب الياء المكسورة ما قبلها ألفًا فيقول في فَنِي وبَقِي: فنا وبقا، وهم بنو طيء. تفسير خبيث، اهـ منه. وما أشار إليه الزمخشري من لغة طيئ معروف؛ فهم يقولون للجارية: جاراة، وللناصية: ناصاة، ويقولون في بقي: بقى، كرمى. ومن هذه اللغة قول الشاعر:\nلعمرك لا أخشى التصعلك ما بقى ... على الأرض قيسيّ يسوق الأباعرا\nوهذه اللغة التي ذكرها الزمخشري لا حاجة لها في التفسير الباطل المذكور؛ لأن العرب تقول: غوى الفصيل كرضى وكرمى: إذا بشم من اللبن.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَعَصَى آدَمُ﴾ يدل على أن معنى ﴿فَغَوَى (١٢١)﴾ ضل عن طريق الصواب كما ذكرنا. وقد قدمنا أن هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن هي حجة من قال بأن الأنبياء غير معصومين من الصغائر. وعصمة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم مبحث أصولي لعلماء الأصول فيه كلام كثير واختلاف معروف،","vol":"4","page":667},{"text":"وسنذكر هنا طرفًا من كلام أهل الأصول في ذلك. قال ابن الحاجب في مختصره في الأصول:\nمسألة\nالأكثر على أنه لا يمتنع عقلًا على الأنبياء معصية. وخالف الروافض، وخالف المعتزلة إلا في الصغائر؛ ومعتمدهم التقبيح العقلي. والإجماع على عصمتهم بعد الرسالة من تعمد الكذب في الأحكام؛ لدلالة المعجزة على الصدق. وجوزه القاضي غلطًا وقال: دلت على الصدق اعتقادًا. وأما غيره من المعاصي فالإجماع على عصمتهم من الكبائر والصغائر الخسيسة. والأكثر على جواز غيرهما. اهـ منه بلفظه.\nوحاصل كلامه: عصمتهم من الكبائر، ومن صغائر الخسمة دون غيرها من الصغائر. وقال العلامة العلوي الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود في الكلام على قوله:\nوالأنبياء عصموا مما نهوا ... عنه ولم يكن لهم تفكه\nبجائز بل ذاك للتشريع ... أو نية الزلفى من الرفيع\nما نصه: فقد أجمع أهل الملل والشرائع كلها على وجوب عصمتهم من تعمد الكذب فيما دل المعجز القاطع على صدقهم فيه؛ كدعوى الرسالة، وما يبلغونه عن الله تعالى الخلائق. وصدور الكذب عنهم فيما ذكر سهوًا أو نسيانًا منعه الأكثرون. وما سوى الكذب في التبليغ؛ فإن كان كفرًا فقد أجمعت الأمة على عصمتهم منه قبل النبوة وبعدها، وإن كان غيره فالجمهور على","vol":"4","page":668},{"text":"عصمتهم من الكبائر عمدًا. ومخالف الجمهور الحشوية.\nواختلف أهل الحق: هل المانع لوقوع الكبائر منهم عمدًا العقل أو السمع؟ وأما المعتزلة فالعقل، وإن كان سهوًا فالمختار العصمة منها. وأما الصغائر عمدًا أو سهوًا؛ فقد جوزها الجمهور عقلًا؛ لكنها لا تقع منهم غير صغائر الخسة فلا يجوز وقوعها منهم لا عمدًا ولا سهوًا. انتهى منه.\nوحاصل كلامه: عصمتهم من الكذب فيما يبلغونه عن الله ومن الكفر والكبائر وصغائر الخسة، وأن الجمهور على جواز وقوع الصغائر الأخرى منهم عقلًا؛ غير أن ذلك لم يقع فعلًا. وقال أبو حيان في البحر في سورة \"البقرة\": وفي المنتخب للإمام أبي عبد الله محمد بن أبي الفضل المرسى ما ملخصه: منعت الأمة وقوع الكفر من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، إلا الفضيلية من الخوارج قالوا: وقد وقع منهم ذنوب، والذنب عندهم كفر. وأجاز الإمامية إظهار الكفر منهم على سبيل التقية. واجتمعت الأمة على عصمتهم من الكذب والتحريف فيما يتعلق بالتبليغ، فلا يجوز عمدًا ولا سهوًا. ومن الناس من جوز ذلك سهوًا. وأجمعوا على امتناع خطئهم في الفتيا عمدًا. واختلفوا في السهو. وأما أفعالهم فقالت الحشوية: يجوز وقوع الكبائر منهم على جهة العمد. وقال أكثر المعتزلة: بجواز الصغائر عمدًا إلا في القول كالكذب. وقال الجبائي: يمتنعان عليهم إلا على جهة التأويل. وقيل: يمتنعان عليهم إلا على جهة السهو والخطأ، وهم مأخوذون بذلك وإن كان موضوعًا عن أمتهم. وقالت الرافضة: يمتنع ذلك على كل جهة.","vol":"4","page":669},{"text":"واختلف في وقت العصمة؛ فقالت الرافضة: من وقت مولدهم. وقال كثير من المعتزلة: من وقت النبوة. والمختار عندنا أنه لم يصدر عنهم ذنب حالة النبوة البتة لا للكبيرة ولا الصغيرة؛ لأنهم لو صدر عنهم الذنب لكانوا أقل درجة من عصاة الأمة لعظيم شرفهم وذلك محال، ولئلا يكونوا غير مقبولي الشهادة، ولئلا يجب زجرهم وإيذاؤهم، ولئلا يقتدى بهم في ذلك، ولئلا يكونوا مستحقين للعقاب، ولئلا يفعلوا ضد ما أمروا به لأنهم مصطفون، ولأن إبليس استثناهم في الإغواء. انتهى ما لخصناه من المنتخب، والقول في الدلائل لهذه المذاهب. وفي إبطال ما ينبغي إبطاله منها مذكور في كتب أصول الدين. انتهى كلام أبي حيان.\nوحاصل كلام الأصوليين في هذه المسألة: عصمتهم من الكفر وفي كل ما يتعلق بالتبليغ، ومن الكبائر وصغائر الخسة كسرقة لقمة وتطفيف حبة. وأن أكثر أهل الأصول على جواز وقوع للصغائر غير صغائر الخسة منهم. ولكن جماعة كثيرة من متأخري الأصوليين اختاروا أن ذلك وإن جاز عقلًا لم يقع فعلًا، وقالوا: إن ما جاء في الكتاب والسنة من ذلك إنما فعلوه بتأويل أو نسيانًا أو سهوًا، أو نحو ذلك.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لنا أنه الصواب في هذه المسألة: أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لم يقع منهم ما يزرى بمراتبهم العلية، ومناصبهم السامية. ولا يستوجب خطأ منهم ولا نقصًا فيهم صلوات الله وسلامه عليهم، ولو فرضنا أنه وقع منهم بعض الذنوب إلا أنهم يتداركون ما وقع منهم بالتوبة، والإخلاص، وصدق الإنابة إلى الله حتى ينالوا بذلك","vol":"4","page":670},{"text":"أعلى الدرجات، فتكون بذلك درجاتهم أعلى من درجة من لم يرتكب شيئًا من ذلك. ومما يوضح هذا قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١) ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾. فانظر أي أثر يبقى للعصيان والغي بعد توبة الله عليه، واجتبائه أي: اصطفائه إياه، وهدايته له، ولا شك أن بعض الزلات ينال صاحبها بالتوبة منها درجة أعلى من درجته قبل ارتكاب تلك الزلة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-994> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾</span>.\nالاجتباء: الاصطفاء والاختيار؛ أي: ثم بعدما صدر من آدم بمهلة اصطفاه ربه واختاره فتاب عليه وهداه إلى ما يرضيه. ولم يبين هنا السبب لذلك، ولكنه بين في غير هذا الموضع أنه تلقى من ربه كلمات فكانت سبب توبة ربه عليه، وذلك في قوله: ﴿فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيهِ﴾ أي بسبب تلك الكلمات كما تدل عليه الفاء. وقد قدمنا في سورة \"البقرة\": أن الكلمات المذكورة هي المذكورة في سورة \"الأعراف\" في قوله تعالى: ﴿قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-995> قوله تعالى: ﴿قَال اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾</span>.\nالظاهر أن ألف الاثنين في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ راجعة إلى آدم وحواء المذكورين في قوله: ﴿فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا﴾ الآية، خلافًا لمن زعم أنها راجعة إلى إبليس وآدم، وأمره إياهما بالهبوط من الجنة المذكور في آية \"طه\" هذه جاء مبينًا في غير هذا","vol":"4","page":671},{"text":"الموضع؛ كقوله في سورة \"البقرة\": ﴿وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)﴾، وقوله فيها أيضًا: ﴿قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾، وقوله في \"الأعراف\": ﴿قَال اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٢٤)﴾.\nوفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن يقال: كيف جيء بصيغة الجمع في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ في \"البقرة\" و\"الأعراف\" وبصيغة التثنية في \"طه\" في قوله: ﴿اهْبِطَا﴾ مع أنه أتبع صيغة التثنية في \"طه\" بصيغة الجمع في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾؟ وأظهر الأجوبة عندي عن ذلك: أن التثنية باعتبار آدم وحواء فقط، والجمع باعتبارهما مع ذريتهما. خلافًا لمن زعم أن التثنية باعتبار آدم وإبليس، والجمع باعتبار ذريتهما معهما، وخلافًا لمن زعم أن الجمع في قوله: ﴿اهْبِطُوا﴾ مراد به آدم وحواء وإبليس والحية. والدليل على أن الحية ليست مراده في ذلك هو أنها لا تدخل في قوله: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى﴾ لأنها غير مكلفة.\nواعلم أن المفسرين يذكرون قصة الحية، وأنها كانت ذات قوائم أربع كالبختية من أحسن دابة خلقها الله، وأن إبليس دخل في فمها فأدخلته الجنة، فوسوس لآدم وحواء بعد أن عرض نفسه على كثير من الدواب فلم يدخله إلا الحية، فأُهْبط هو إلى الأرض ولُعِنت هي ورُدِّت قوائمها في جوفها، وجعلَت العداوة بينها وبين بني آدم، ولذلك أمروا بقتلها. وبهذه المناسبة ذكر القرطبي ﵀ في تفسيره في سورة \"البقرة\" جملًا من أحكام","vol":"4","page":672},{"text":"قتل الحيات؛ فذكر عن ساكنة بنت الجعد أنها روت عن سراء بنت نبهان الغَنَوية أنها سمعت النبي - ﷺ - يأمر بقتل الحيات صغيرها وكبيرها، وأسودها وأبيضها، ويرغب في ذلك. ثم ذكر عن ابن جريج عن عمرو بن دينار عن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود حديثًا فيه: أن النبي - ﷺ - أمر أصحابه بقتل حية فسبقتهم إلى جحرها؛ فأمرهم أن يضرموا عليها نارًا. وذكر عن علماء المالكية أنهم خصصوا بذلك النهيَ عن الإحراق بالنار، وعن أن يعذب أحد بعذاب الله. ثم ذكر عن إبراهيم النخعي: أنه كره أن تُحرق العقرب بالنار، وقال: هو مُثْلَة. وأجاب عن ذلك بأنه يحتمل أنه لم يبلغه الخبر المذكور. ثم ذكر حديث عبد الله بن مسعود الثابت في الصحيحين قال: كنا مع النبي - ﷺ - في غار، وقد أنزلت عليه ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١)﴾ فنحن نأخذها من فيه رطبة، إذ خرجت علينا حية فقال: \"اقتلوها\"، فابتدرناها لنقتلها، فسبقتنا. فقال رسول الله - ﷺ -: \"وقاها الله شركم كما وقاكم شرها\" فلم يُضرم نارًا، ولا احتال في قتلها، وأجاب هو عن ذلك: بأنه يحتمل أنه لم يجد نارًا في ذلك الوقت، أو لم يكن الجحر بهيئة ينتفع بالنار هناك، مع ضرر الدخان وعدم وصوله إلى الحية. ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات من الإرشاد إلى دفع المضرة المَخُوْفة من الحيات، ثم ذكر أن الأمر بقتل الحيات عام في جميع أنواعها إن كانت غير حيات البيوت، ثم ذكر فيما خرجه أبو داود من حديث عبد الله بن مسعود: \"اقتلوا الحيات كلهن، فمن خاف ثأرهن فليس مني\". ثم ذكر أن حيات البيوت لا تقتل حتى تؤذن ثلاثة أيام؛ لحديث: \"إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذِنوه ثلاثة أيام\" ثم ذكر أن بعض","vol":"4","page":673},{"text":"العلماء خص ذلك بالمدينة دون غيرها؛ لحديث: \"إن بالمدينة جنًا قد أسلموا\". قالوا: ولا نعلم هل أسلم من جن غير المدينة أحد أو لا؛ قاله ابن نافع. ثم ذكر عن مالك النهي عن قتل جنان البيوت في جميع البلاد. ثم قال: وهو الصحيح؛ لأن الله ﷿ قال: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية. وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود عن النبي - ﷺ - قال: \"أتاني داعي الجن فذهبت معهم فقرأت عليهم القرآن\"، وفيه: وسألوه الزاد وكانوا من جن الجزيرة. وسيأتي بكماله في سورة \"الجن\" إن شاء الله تعالى. وإذا ثبت هذا فلا يقتل شيء منها حتى يحرج عليه وينذر؛ على ما يأتي بيانه إن شاء الله.\nثم قال: روى الأئمة عن أبي السائب مولى هشام بن زُهرة: أنه دخل على أبي سعيد الخدري في بيته، قال: فوجدته يصلي فجلست أنتظره حتى يقضي صلاته، فسمعت تحريكًا في عراجين ناحية البيت، فالتفت فإذا حية، فوثبت لأقتلها، فأشار إليَّ أن أجلس فجلست، فلما انصرف أشار إلى بيت في الدار فقال: أترى هذا البيت؟ فقلت: نعم. قال: كان فيه فتى منا حديث عهد بعرس، قال: فخرجنا مع رسول الله - ﷺ - إلى الخندق، فكان ذلك الفتى يستأذن رسول الله - ﷺ - بأنصاف النهار فيرجع إلى أهله، فاستأذنه يومًا فقال له رسول الله - ﷺ -: \"خذ عليك سلاحك، فإنني أخشى عليك قريظة\"، فأخذ الرجلُ سلاحَه ثم رجع، فإذا امرأته بين البابين قائمة، فأهوى إليها بالرمح ليطعنها به وأصابته غيرة، فقالت له: اكفف عليك رمحك، وادخل البيت حتى تنظر ما الذي أخرجني، فدخل فإذا بحية عظيمة منطوية على الفراش، فأهوى","vol":"4","page":674},{"text":"إليها بالرمح فانتظمها به، ثم خرج فركزه في الدار فاضطربت عليه، فما يُدْرَى أيهما كان أسرع موتًا الحية أم الفتى. قال: فجئنا إلى رسول الله - ﷺ - فذكرنا ذلك له، وقلنا: ادع الله يحيه لنا، فقال: \"استغفروا لأخيكم\" ثم قال: \"إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا، فإذا رأيتم منهم شيئًا فآذنوه ثلاثة أيام، فإن بدا لكم بعد ذلك فاقتلوه فإنما هو شيطان\". وفي طريق أخرى فقال رسول الله - ﷺ -: \"إن لهذه البيوت عوامر، فإذا رأيتم شيئًا منها فحرِّجوا عليها ثلاثًا، فإن ذهب وإلا فاقتلوه فإنه كافر\" وقال لهم: \"اذهبوا فادفنوا صاحبكم\". ثم قال: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: لا يفهم من هذا الحديث أن هذا الجان الذي قتله الفتى كان مسلمًا، وأن الجن قتلته به قصاصًا؛ لأنه لو سلم أن القصاص مشروع بيننا وبين الجن لكان إنما يكون في العمد المحض، وهذا الفتى لم يقصد ولم يتعمد قتل نفس مسلمة إذ لم يكن عنده علم من ذلك، وإنما قصد إلى قتل ما سُوِّغ قتل نوعه شرعًا، فهذا قتل خطأ ولا قصاص فيه. فالأولى أن يقال: إن كفار الجن أو فسقتهم قتلوا الفتى بصاحبهم عَدْوًا وانتقامًا. وقد قتلت سعد بن عبادة ﵁، وذلك أنه وجد ميتًا في مغتسله وقد اخضر جسده، ولم يشعروا بموته حتى سمعوا قائلًا يقول ولا يرون أحدًا:\nقد قتلنا سيِّدَ الخز ... رج سعد بن عبادَه\nورميناه بِسَهميـ ... ـن فلم نُخْطِ فؤادَه\nوإنما قال النبي - ﷺ -: \"إن بالمدينة جنًّا قد أسلموا\" ليبين طريقًا يحصل به التحرز من قتل المسلم منهم، ويتسلط به على قتل","vol":"4","page":675},{"text":"الكافر منهم. وروي من وجوه: أن عائشة زوج النبي - ﷺ - قتلت جانًّا؛ فأُرِيت في المنام أن قائلًا يقول لها: لقد قتلت مسلمًا. فقالت: لو كان مسلمًا لم يدخل على أزواج النبي - ﷺ -. قال: ما دخل عليك إلا وعليك ثيابك؛ فأصبحت فأمرت باثني عشر ألف درهم فجعلت في سبيل الله. وفي رواية: ما دخل عليك إلا وأنت مستترة؛ فتصدقت وأعتقت رقابًا. وقال الربيع بن بدر: الجان من الحيات التي نهى النبي - ﷺ - عن قتلها: هي التي تمشي ولا تلتوى. وعن علقمة نحوه.\nثم ذكر صفة إنذار حيات البيوت فقال: قال مالك: أحب إلي أن يُنذروا ثلاثة أيام. وقاله عيسى بن دينار، وإن ظهر في اليوم مرارًا، ولا يُقتصر على إنذاره ثلاث مرار في يوم واحد حتى يكون في ثلاثة أيام. وقيل: يكفي ثلاث مرار؛ لقوله ﷺ: \"فليؤذِنْه ثلاثًا\"، وقوله: \"حَرِّجوا عليه ثلاثًا\"، ولأن ثلاثًا للعدد المؤنث، فظهر أن المراد ثلاث مرات. وقول مالك أولى لقوله - ﷺ -: \"ثلاثة أيام\" وهو نص صحيح مقيد لتلك المطلقات، ويحمل ثلاثًا على إرادة ليالي الأيام الثلاث، فغلَّب الليلة على عادة العرب في باب التاريخ، فإنها تغلّب فيها التأنيث. قال مالك: ويكفي في الإنذار أن يقول: أحرج عليك بالله واليوم الآخر ألا تبدو لنا ولا تؤذونا. وذكر ثابت البناني، عن عبد الرحمن ابن أبي ليلى أنه ذكر عنده حيات البيوت فقال: إذا رأيتم منها شيئًا في مساكنكم فقولوا: أنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم نوح ﵇، وأنشدكم بالعهد الذي أخذ عليكم سليمان  ﵇، فإذا رأيتم منهن شيئًا بعد فاقتلوه. ثم قال: وقد حكى ابن حبيب","vol":"4","page":676},{"text":"عن النبي - ﷺ - أنه يقول: \"أنشدكن بالعهد الذي أخذ عليكن سليمان   ﵇  ألا تؤذونا ولا تظهرن علينا\" انتهى كلام القرطبي ملخصًا قريبًا من لفظه.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: التحقيق في هذه المسألة: أن ما لم يكن من الحيات في البيوت فإنه يقتل كالحيات التي توجد في الفيافي، وأن حيات البيوت لا تقتل إلا بعد الإنذار. وأظهر القولين عندي عموم الإنذار في المدينة وغيرها، وأنه لابد من الإنذار ثلاثة أيام، ولا تكفي ثلاث مرات في يوم أو يومين؛ كما تقدمت أدلة ذلك في كلام القرطبي. وأن الأبتر وذا الطفيتين يقتلان في البيوت بلا إنذار؛ لما ثبت في بعض روايات مسلم بلفظ: فقال أبو لبابة: إنه قد نهى عنهن، يريد عوامر البيوت. وأمر بقتل الأبتر ذي الطفيتين. وفي رواية في صحيح البخاري عن أبي لبابة: \"لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين، فإنه يسقط الولد، ويذهب البصر فاقتلوه\".\nوالدليل على قتل الحيات وإنذار حيات البيوت ثابت في الصحيحين وغيرهما.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا هشام بن يوسف حدثنا معمر عن الزهري، عن سالم عن ابن عمر ﵄: أنه سمع النبي - ﷺ - يخطب على المنبر يقول: \"اقتلوا الحيات واقتلوا ذا الطفيتين والأبتر؛ فإنهما يطمسان البصر، ويستسقطان الحبل\" قال عبد الله: فبينا أنا أطارد حية لأقتلها فناداني أبو لبابة: لا تقتلها. فقلت: إن رسول الله - ﷺ - قد أمر بقتل","vol":"4","page":677},{"text":"الحيات، فقال: إنه نهى بعد ذلك عن ذوات البيوت، وهي العوامر. وقال عبد الرزاق عن معمر: فرآني أبو لبابة أو زيد بن الخطاب، وتابعه يونس وبن عينيه وإسحاق الكلبي والزبيدي، وقال صالح وابن أبي حفصة وابن مجمع عن الزهري عن سالم عن ابن عمر: فرآني أبو لبابة وزيد بن الخطاب. اهـ من صحيح البخاري رحمه الله تعالى. وقال مسلم ابن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني عمرو بن محمد الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري عن سالم عن أبيه عن النبي - ﷺ -: \"اقتلوا الحيات وذا الطفيتين والأبتر، فإنهما يستسقطان الحبل ويلتمسان البصر\" قال: فكان ابن عمر يقتل كل حية وجدها؛ فأبصره أبو لبابة بن عبد المنذر، أو زيد بن الخطاب وهو يطارد حية فقال: إنه قد نهى عن ذوات البيوت. ثم ذكره عن طرق متعددة. وفي كلها التصريح بالنهي عن قتل جنان البيوت -يعني إلا بعد الإنذار ثلاثًا- وعن مالك ﵀: يقتل ما وجد منها بالمساجد. وقوله - ﷺ - في هذا الحديث: \"وذا الطُّفْيتين\" هو بضم الطاء المهملة وإسكان الفاء بعدها ياء. وأصل الطفية خوصة المقل وهو شجر الدوم. وقيل: المقل ثمر شجر الدوم. وجمعها طُفَى بضم ففتح على القياس. والمراد بالطفيتين في الحديث: خطان أبيضان. وقيل: أسودان على ظهر الحية المذكورة، يشبهان في صورتها خوص المقل المذكور. والأبتر: قصير الذنب من الحيات؛ وقال النضر بن شُمَيل: هو صنف من الحيات أزرق مقطوع الذنب، لا تنظر إليه حامل إلا ألقت ما في بطنها، وقال الداودي: هو الأفعى التي تكون قدر شبر أو أكثر قليلًا. وقوله في هذا الحديث: \"يستسقطان الحبل\" معناها أن المرأة الحامل","vol":"4","page":678},{"text":"إذا نظرت إليهما وخافت أسقطت جنينها غالبًا. وقد ذكر مسلم عن الزهري ما يدل على أن إسقاط الحبل المذكور خاصية فيهما من سمهما. والأظهر في معنى \"يلتمسان البصر\" أن الله جعل فيهما من شدة سمهما خاصية يخطفان بها البصر، ويطمسانه بها بمجرد نظرهما إليه. والقول بأن معناه أنهما يقصدان البصر باللسع والنهش؛ ضعيف. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله - ﷺ - في الحديث المتفق عليه: \"اقتلوا الحيات\" يدل على وجوب قتلها؛ لما قدمنا من أن صيغة الأمر المجردة عن القرائن تدل على الوجوب.\nوالجمهور على أن الأمر بذلك القتل المذكور للندب والاستحباب، والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ﴾ على ما ذكرنا أنه الأظهر. فالمعنى: أن بعض بني آدم عدو لبعضهم؛ كما قال تعالى: ﴿أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ﴾ ونحوها من الآيات. وعلى أن المراد بقوله: ﴿اهْبِطَا﴾ آدم وإبليس، فالمعنى أن إبليس وذريته أعداء لآدم وذريته؛ كما قال تعالى: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ ونحوها من الآيات.\nوالظاهر أن ما ذكره القرطبي: من إحراق الحية بالنار لم يثبت، وأنه لا ينبغي أن يعذب بعذاب الله، فلا ينبغي أن تقتل بالنار، والله أعلم.\nفإن قيل: الحديث المذكور يدل على أن ذا الطفيتين غير","vol":"4","page":679},{"text":"الأبتر لعطفه عليه في الحديث، ورواية البخاري التي قدمنا عن أبي لبابة: \"لا تقتلوا الجنان إلا كل أبتر ذي طفيتين\" يقتضي أنهما واحد. فالجواب: أن ابن حجر في الفتح أجاب عن هذا؛ بأن الرواية المذكورة ظاهرها اتحادهما، ولكنها لا تنفي المغايرة اهـ. والظاهر أن مراده بأنها لا تنفي المغايرة: أن الأبتر وإن كان ذا طُفْيتين فلا ينافي وجود ذي طفيتين غير الأبتر. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-996> قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾</span>.\nالظاهر أن الخطاب لبني آدم؛ أي فإن يأتكم مني هدى، أي رسول أرسله إليكم، وكتاب يأتي به رسول، فمن اتبع منكم هداي، أي من آمن برسلي وصدق بكتبي، وامتثل ما أمرتُ به، واجتنب ما نهيتُ عنه على ألسنة رسلي؛ فإنه لا يضل في الدنيا، أي لا يزيغ عن طريق الحق لاستمساكه بالعروة الوثقى، ولا يشقى في الآخرة؛ لأنه كان في الدنيا عاملًا بما يستوجب السعادة من طاعة الله تعالى وطاعة رسله. وهذا المعنى المذكور هنا ذكر في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"البقرة\": ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾ ونحو ذلك من الآيات. وفي هذه الآيات دليل على أن الله بعد أن أخرج أبوينا من الجنة لا يردُّ إليها أحدًا منا إلا بعد الابتلاء والامتحان بالتكاليف من الأوامر والنواهي، ثم يطيع الله فيما ابتلاه به؛ كما تقدمت الإشارة إليه في سورة \"البقرة\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-997> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾</span>.\nقد قدمنا في سورة \"الكهف\" في الكلام على قوله: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ","vol":"4","page":680},{"text":"مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية. الآياتِ الموضحة نتائج الإعراض عن ذكر الله تعالى الوخيمة؛ فأغنى ذلك عن إعادته هنا. وقد قدمنا هناك أن منها المعيشة الضنك. واعلم أن الضنك في اللغة: الضيق؛ ومنه قول عنترة:\nإن يُلحقو أكْرر وإن يُستلحموا ... أشْدُد وإن يُلفوا بضنك أنزِلِ\nوقوله أيضًا:\nإن المنيةَ لو تُمَثَّل مُثِّلَتْ ... مثلي إذا نزلوا بضَنْك المنزلِ\nوأصل الضَّنْك مصدر وصف به، فيستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والجمع. وبه تعلم أن معنى قوله: ﴿مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾ أي عيشًا ضيقًا والعياذ بالله تعالى.\nواختلف العلماء في المراد بهذا العيش الضيق على أقوال متقاربة، لا يكذب بعضها بعضًا. وقد قدمنا مرارًا أن الأولى في مثل ذلك شمول الآية لجميع الأقوال المذكورة. ومن الأقوال في ذلك: أن معنى ذلك أن الله ﷿ جعل مع الدين التسليم والقناعة، والتوكل على الله، والرضا بقسمته، فصاحبه ينفق مما رزقه الله بسماح وسهولة، فيعيش عيشًا هنيئًا. ومما يدل على هذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ الآية؛ كما تقدم إيضاح ذلك كله.\nوأما المُعْرض عن الدين فإنه يستولي عليه الحرص الذي","vol":"4","page":681},{"text":"لا يزال يطمح به إلى الازدياد من الدنيا مسلط عليه الشح الذي يقبض يده عن الانفاق، فعيشه ضنك، وحاله مظلمة. ومن الكفرة من ضرب الله عليه الذلة والمسكنة بسبب كفره، كما قالى تعالى: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآيات. وذلك من العيش الضنك بسبب الإعراض عن ذكر الله. وبين في مواضع أخر أنهم لو تركوا الإعراض عن ذكر الله فأطاعوه تعالى: أن عيشهم يصير واسعًا رغدًا لا ضنكًا، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وكقوله تعالى عن نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾،  وقوله تعالى عن هود: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّو اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَينَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوعن الحسن أن المعيشة الضنك: هي طعام الضريع والزقوم يوم القيامة، وذلك مذكور في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿لَيسَ لَهُمْ طَعَامٌ إلا مِنْ ضَرِيعٍ (٦)﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ (٤٣) طَعَامُ الْأَثِيمِ (٤٤)﴾ الآية ونحو ذلك من الآيات. وعن عكرمة والضحاك ومالك بن دينار: المعيشة الضنك: الكسب الحرام، والعمل السيء. وعن أبي سعيد الخدري وعبد الله بن مسعود وأبي هريرة: المعيشة الضنك: عذاب القبر وضغطته. وقد","vol":"4","page":682},{"text":"أشار تعالى إلى فتنة القبر وعذابه في قوله: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ (٢٧)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: قد جاء عن النبي - ﷺ - من حديث أبي هريرة: أن المعيشة الضنك في الآية: عذاب القبر. وبعض طرقه بإسناد جيد كما قاله ابن كثير في تفسير هذه الآية. ولا ينافي ذلك شمول المعيشة الضنك لمعيشته في الدنيا. وطعام الضريع والزقوم، فتكون معيشته ضنكًا في الدنيا والبرزخ والآخرة، والعياذ بالله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-998> قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من أعرض عن ذكره يحشره يوم القيامة في حال كونه أعمى. قال مجاهد وأبو صالح والسدي: أعمى، أي لا حجة له. وقال عكرمة: عمى عليه كل شيء إلا جهنم، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. وقد ذكرنا أمثلة متعددة لذلك. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن في هذه الآية الكريمة قرينة دالة على خلاف قول مجاهد وأبي صالح والسدي وعكرمة. وأن المراد بقوله: ﴿أَعْمَى (١٢٤)﴾ أي: أعمى البصر لا يرى شيئًا، والقرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥)﴾ فصرح بأن عماه هو العمى المقابل للبصر وهو بصر العين؛ لأن الكافر كان في الدنيا أعمى القلب كما دلت على","vol":"4","page":683},{"text":"ذلك آيات كثيرة من كتاب الله، وقد زاد جل وعلا في سورة \"بني إسرائيل\" أنه مع ذلك العمى يحشر أصم أبكم أيضًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾.\nتنبيه\nفي آية \"طه\" هذه وآية \"الإسراء\" المذكورتين إشكال معروف. وهو أن يقال: إنهما قد دلتا على أن الكافر يحشر يوم القيامة أعمى، وزادت آية \"الإسراء\" أنه يحشر أبكم أصم أيضًا، مع أنه دلت آيات من كتاب الله على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويسمعون ويتكلمون؛ كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب) الجواب عن هذا الإشكال من ثلاثة أوجه:\nالوجه الأول: -واستظهره أبو حيان- أن المراد بما ذكر من العمى والصمم والبكم حقيقته؛ ويكون ذلك في مبدأ الأمر ثم يرد الله تعالى إليهم أبصارهم ونطقهم وسمعهم فيرون النار ويسمعون زفيرها، وينطقون بما حكى الله تعالى عنهم في غير موضع.\nالوجه الثاني: أنهم لا يرون شيئًا يسرهم، ولا يسمعون كذلك، ولا ينطقون بحجة، كما أنهم كانوا في الدنيا لا يستبصرون ولا ينطقون بالحق ولا يسمعونه. وأخرج ذلك ابن جرير وابن أبي","vol":"4","page":684},{"text":"حاتم عن ابن عباس، ورُوي أيضًا عن الحسن كما ذكره الألوسي وغيره. وعلى هذا القول فقد نَزَّل ما يقولونه ويسمعونه ويبصرونه منزلة العدم لعدم الانتفاع به؛ كما أوضحنا في غير هذا الموضع. ومن المعلوم أن العرب تطلق لا شيء على ما لا نفع فيه. ألا ترى أن الله يقول في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ الآية، مع أنه يقول فيهم: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾، ويقول فيهم: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم وحلاوة ألسنتهم. ويقول فيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وما ذلك إلا لأن الكلام ونحوه الذي لا فائدة فيه كلا شيء؛ فيصدق على صاحبه أنه أعمى وأصم وأبكم، ومن ذلك قول قعنب بن أم صاحب:\nصم إذا سمعوا خيرًا ذُكِرتُ به ... وإن ذُكِرت بسوء عندهم أذنوا\nوقول الآخر:\nأصم عن الأمر الذي لا أريده ... وأسمع خلق الله حين أريد\nوقول الآخر:\nقل ما بدا لك من زورٍ ومن كذب ... حلمي أصم وأذني غيرُ صمَّاء\nونظائر هذا كثيرة في كلام العرب من إطلاق الصمم على السماع الذي لا فائدة فيه. وكذلك الكلام الذي لا فائدة فيه، والرؤية التي لا فائدة فيها.\nالوجه الثالث: أن الله إذا قال لهم: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ﴾ وقع بهم ذلك العمى والصمم والبكم من شدة الكرب واليأس من الفرج. قال تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾","vol":"4","page":685},{"text":"وعلى هذا القول تكون الأحوال الخمسة مقدرة: أعني قوله في \"طه\": ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾، وقوله فيها: ﴿لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى﴾، وقوله في \"الإسراء\": ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾. وأظهرها عندي الأول. والله تعالى أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى (١٢٦)﴾ من النسيان بمعنى الترك عمدًا، كما قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله: ﴿فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-999> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يجازي المسرفين ذلك الجزاء المذكور. وقد دل مسلك الإيماء والتنبيه على أن ذلك الجزاء لعلة إسرافهم على أنفسهم في الطغيان والمعاصي، وبين في غير هذا الموضع أن جزاء الإسراف النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ وبين في موضع آخر: أن محل ذلك إذا لم ينيبوا إلى الله ويتوبوا إليه، وذلك في قوله: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1000> قوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى (١٢٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن عذاب الآخرة أشد وأبقى؛ أي أشد ألمًا وأدوم من عذاب الدنيا، ومن المعيشة الضنك التي هي عذاب القبر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛","vol":"4","page":686},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٣٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ﴾ الآية. تقدم بعض الآيات الموضحة له في سورة \"مريم\" وسيأتي له بعد هذا إن شاء الله زيادة إيضاح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1001> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾</span>.\nأظهر الأقوال عندي في معنى هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على عادتهم في التعنت آية على النبوة، كالعصا واليد من آيات موسى، وكناقة صالح، واقتراحهم لذلك بحرف التحضيض الدال على شدة الحض في طلب ذلك في قوله: ﴿لَوْلَا يَأْتِينَا﴾ أي هلا يأتينا محمد بآية كناقة صالح، وعصا موسى، أي نطلب ذلك منه بحض وحث. فأجابهم الله بقوله: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ وهي هذا القرآن العظيم؛ لأنه آية هي أعظم الآيات وأدلها على الإعجاز. وإنما عبر عن هذا القرآن العظيم بأنه بينة ما في الصحف الأولى؛ لأن القرآن برهان قاطع على صحة جميع الكتب المنزلة من الله تعالى، فهو بينة واضحة على صدقها وصحتها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيمِنًا عَلَيهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٩٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"4","page":687},{"text":"وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية على هذا التفسير الذي هو الأظهر؛ أوضحه جل وعلا في سورة \"العنكبوت\" في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، فقوله في \"العنكبوت\": ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ هو معنى قوله في \"طه\": ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى. ويزيد ذلك إيضاحًا الحديث المتفق عليه: \"ما من نبي من الأنبياء إلا أوتي ما آمن البشر على مثله، وإنما كان الذي أوتيته وحيًا أوحاه الله إليّ، فأرجو أن أكون أكثرهم تابعًا يوم القيامة\". وفي الآية أقوال أخر غير ما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1002> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَى (١٣٤)﴾</span>.\nقد قدمنا في سورة \"النساء\" أن آية \"طه\" هذه تشير إلى معناها آية \"القصص\" التي هي قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وأن تلك الحجة التي يحتجون بها لو لم يأتهم نذير هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\n\n• فقوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا﴾.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يقول للكفار الذين يقترحون عليه الآيات عنادًا وتعنتًا: كل منا ومنكم","vol":"4","page":688},{"text":"متربص، أي منتظر ما يحل بالآخر من الدوائر كالموت والغلبة. وقد أوضح في غير هذا الموضع أن ما ينتظره النبي - ﷺ - وأصحابه والمسلمون كله خير، بعكس ما ينتظره ويتربص الكفار؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إلا إِحْدَى الْحُسْنَيَينِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ (٥٢)﴾، وقوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والتربص: الانتظار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1003> قوله تعالى: ﴿فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحَابُ الصِّرَاطِ السَّويِّ وَمَنِ اهْتَدَى (١٣٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار سيعلمون في ثاني حال مَن أصحاب الصراط السويّ ومن اهتدى، أي وُفق لطريق الصواب والديمومة على ذلك. وأمر نبيه أن يقول ذلك للكفار. والمعنى: سيتضح لكم أنَّا مهتدون. وأنَّا على صراط مستقيم، وأنكم على ضلال وباطل. وهذا يظهر لهم يوم القيامة إذا عاينوا الحقيقة، ويظهر لهم في الدنيا لِمَا يرونه من نصر الله لنبيه - ﷺ -.\nوهذا المعنى الذي ذكره هنا بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾، وقوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾، وقوله: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والصراط في لغة العرب: الطريق الواضح. والسويّ: المستقيم، وهو الذي لا اعوجاج فيه؛ ومنه قول جرير:","vol":"4","page":689},{"text":"أميرُ المؤمنين على صراط ... إذا اعوجَّ المواردُ مستقيمِ\nو ﴿مَنْ﴾  في قوله: ﴿مَنْ أَصْحَابُ﴾ قال بعض العلماء: هي موصولة مفعول به لـ\"يعلمون\". وقال بعضهم: هي استفهامية معلقة لفعل العلم، كما قدمنا إيضاحه في \"مريم\". والعلم عند الله تعالى.","vol":"4","page":690},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\nقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في أول سورة \"النحل\"، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1005> قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أخفوا النجوى فيما بينهم، قائلين: إن النبي - ﷺ - ما هو إلا بشر مثلهم، فكيف يكون رسولًا إليهم؟ والنجوى: الإسرار بالكلام وإخفاؤه عن الناس. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من دعواهم: أن بَشَرًا مثلهم لا يمكن أن يكون رسولًا، وتكذيب الله لهم في ذلك = جاء في آيات كثيرة، وقد قدمنا كثيرًا من ذلك، كقوله: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إلا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾، وقوله: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾، وقوله: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك","vol":"4","page":691},{"text":"كثيرة جدًا، كما تقدم إيضاح ذلك.\nوقد رد الله عليهم هذه الدعوى الكاذبة التي هي منع إرسال البشر، كقوله هنا في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا نُوحِي إِلَيهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وجملة ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. قيل: بدل من ﴿النَّجْوَى﴾؛ أي أسروا النجوى التي هي هذا الحديث الخفي الذي هو قولهم: هل هذا إلا بشر مثلكم. وصدَّرَ به الزمخشري، وقيل: مفعول به للنجوى؛ لأنها بمعنى القول الخفي. أي: قالوا في خفية: ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾. وقيل: معمول قول محذوف؛ أي: قالوا: هل هذا إلا بشر مثلكم. وهو أظهرها؛ لاطِّراد حذف القول مع بقاء مقوله. وفي قوله: ﴿الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ أوجه كثيرة من الإعراب معروفة، وأظهرها عندي: أنها بدل من الواو في قوله: ﴿وَأَسَرُّوا﴾ بدلُ بعضٍ من كل، وقد تقرر في الأصول: أن بدل البعض من الكل من المخصِّصات المتصلة، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾، فقوله: ﴿مَنِ﴾ بَدَل من ﴿النَّاسِ﴾ بدل بعض من كل، وهي مخصِّصة لوجوب الحج بأنه لا يجب إلا على من استطاع إليه سبيلًا؛ كما قدمنا هذا في سورة \"المائدة\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1006> قوله تعالى: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾</span>.","vol":"4","page":692},{"text":"إعراب هذه الجملة جار مجرى إعراب الجملة التي قبلها، التي هي: ﴿هَلْ هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾، والمعنى: أنهم زعموا أن ما جاء به نبينا - ﷺ - سحر، وبناء على ذلك الزعم الباطل أنكروا على أنفسهم إتيان السحر وهم يبصرون. يعنون بذلك تصديق النبي - ﷺ -، أي: لا يمكن أن نصدقك ونتبعك، ونحن نبصر أن ما جئت به سحر. وقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع أنهم ادعوا أن ما جاء به - ﷺ - سحر، كقوله عن بعضهم: ﴿إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢)﴾. وقد ردَّ الله عليهم دعواهم أن القرآن سحر بقوله هنا: ﴿قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٤)﴾ يعني أن الذي يعلم القول في السماء والأرض الذي هو السميع العليم، المحيط علمه بكل شيء، هو الذي أنزل هذا القرآن العظيم، وكون من أنزله هو العالم بكل شيء يدل على كمال صدقه في الأخبار وعدله في الأحكام، وسلامته من جميع العيوب والنقائص، وأنه ليس بسحر. وقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (١٦٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿قَال رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ﴾ بألف بعد القاف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي، وقرأه الباقون (قُلْ) بضم القاف وإسكان اللام بصيغة الأمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1007> قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾</span>. الظاهر أن الإضراب في قوله هنا: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ","vol":"4","page":693},{"text":"أَحْلَامٍ﴾ إلخ، إضراب انتقالي لا إبطالي؛ لأنهم قالوا ذلك كله، وقال بعض العلماء: كل هذه الأقوال المختلفة التي حكاها الله عنهم صدرت من طائفة متفقة لا يثبتون على قول، بل تارة يقولون: هو ساحر، وتارة شاعر، وهكذا؛ لأن المبطل لا يثبت على قول واحد. وقال بعض أهل العلم: كل واحد من تلك الأقوال قالته طائفة، كما قدمنا الإشارة إلى هذا في سورة \"الحجر\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ (٩١)﴾. وقد رد الله عليهم هذه الدعاوى الباطلة في آيات من كتابه، كرده دعواهم أنه شاعر أو كاهن في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إلا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩) لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾، وقوله في رد دعواهم أنه افتراء: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٧) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله في رد دعواهم أنه كاهن أو مجنون: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَعِظُكُمْ بِوَاحِدَةٍ أَنْ تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا","vol":"4","page":694},{"text":"مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾، وقوله: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩) أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات المبينة إبطال كل ما ادعوه في النبي - ﷺ - والقرآن. وقوله: ﴿أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ﴾ أي أخلاط كالأحلام المختلفة التي يراها النائم ولا حقيقة لها؛ كما قال الشاعر:\nأحاديث طسم أو سراب بفدفد ... ترقرق للساري وأضغاث حالم\nوعن اليزيدي: الأضغاث ما لم يكن له تأويل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1008> قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار اقترحوا على نبينا أن يأتيهم بآية كآيات الرسل قبله؛ نحو ناقة صالح، وعصى موسى، وريح سليمان، وإحياء عيسى للأموات وإبرائه الأكمه والأبرص، ونحو ذلك. وإيضاح وجه التشبيه في قوله: ﴿كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (٥)﴾ هو أنه في معنى: كما أتى الأولون بالآيات -لأن إرسال الرسل متضمن للإتيان بالآيات- فكذلك أرسل محمد - ﷺ - بالمعجزة. وقد بين تعالى أن الآيات التي اقترحوها لو جاءتهم ما آمنوا، وأنها لو جاءتهم وتمادوا على كفرهم أهلكهم الله بعذاب مستأصل؛ كما أهلك قوم صالح لما عقروا الناقة؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إلا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَينَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾. وأشار إلى ذلك هنا في قوله: ﴿مَا آمَنَتْ","vol":"4","page":695},{"text":"قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾ يعني: أن الأمم الذين اقترحوا الآيات من قبلهم وجاءتهم رسلهم بما اقترحوا، لم يؤمنوا بل تمادوا فأهلكهم الله، وأنتم أشد منهم عتوًا وعنادًا؛ فلو جاءكم ما اقترحتم ما آمنتم فهلكتم كما هلكوا. وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين أنهم جاءتهم آية هي أعظم الآيات، فيستحق من لم يكتف بها التقريع والتوبيخ، وذلك في قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيهِ آيَاتٌ مِنْ رَبِّهِ قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥٠) أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ﴾ الآية. وقد ذكرنا أن هذا المعنى يشير إليه قوله: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا يَأْتِينَا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1009> وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إلا رِجَالًا -إلى قوله- وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾</span> قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1010> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَينَاهُمْ وَمَنْ نَشَاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (٩)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآيات: أنه أرسل الرسل إلى الأمم فكذبوهم، وأنه وعد الرسل بأن لهم النصر والعاقبة الحسنة، وأنه صدق رسله ذلك الوعد فأنجاهم، وأنجى معهم ما شاء أن ينجيه، والمراد به من أمن بهم من أممهم، وأهلك المسرفين وهم الكفار المكذبون للرسل، وقد أوضح هذا المعنى في مواضع كثيرة من","vol":"4","page":696},{"text":"كتابه، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا اسْتَيأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ مُخْلِفَ وَعْدِهِ رُسُلَهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّينَا شُعَيبًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والظاهر أن \"صدق\" تتعدى بنفسها وبالحرف، تقول: صدقته الوعد، وصدقته في الوعد؛ كقوله هنا: ﴿ثُمَّ صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾. فقول الزمخشري ﴿صَدَقْنَاهُمُ الْوَعْدَ﴾ كقوله: ﴿وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا﴾ لا حاجة إليه، والله أعلم. والإسراف: مجاوزة الحد في المعاصي كالكفر، ولذلك يكثر في القرآن إطلاق المسرفين على الكفار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1011> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١)﴾</span>.\n﴿وَكَمْ﴾ هنا للإخبار بعدد كثير، وهي في محل نصب لأنها مفعول ﴿قَصَمْنَا﴾ أي قصمنا كثير من القرى التي كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قومًا آخرين. وهذا المعنى المذكور هنا جاء مبينًا في مواضع كثيرة من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ","vol":"4","page":697},{"text":"مِنْ بَعْدِ نُوحٍ وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾، وقوله: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاويَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَال أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا﴾ أصل القصم: أفظع الكسر؛ لأنه الكسر الذي يبين تلاؤم الأجزاء، بخلاف الفصم بالفاء فهو كسر لا يبين تلاؤم الأجزاء بالكلية. والمراد بالقصم في الآية: الإهلاك الشديد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1012> قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (١٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة \"الحجر\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وكذلك قوله: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ﴾ الآية. قد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة \"بني إسرائيل\"، وكذلك الآيات التي بعد هذا قد قدمنا في مواضع متعددة ما يبينها من كتاب الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1013> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦) لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار لعنهم الله قالوا عليه أنه اتخذ ولدًا. وقد بينا ذلك فيما مضى بيانًا شافيًا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك -سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا- وبين هنا بطلان ما ادعوه على ربهم من اتخاذ","vol":"4","page":698},{"text":"الأولاد -وهم في زعمهم الملائكة- بحرف الإضراب الإبطالي الذي هو ﴿بَلْ﴾ مبينًا أنهم عباده المكرمون، والعبد لا يمكن أن يكون ولدًا لسيده. ثم أثنى على ملائكته بأنهم عباد مكرمون، لا يسبقون ربهم بالقول، أي لا يقولون إلا ما أمرهم أن يقولوه لشدة طاعتهم له ﴿وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ (٢٧)﴾. وما أشار إليه في هذه الآية الكريمة من أن الملائكة عبيده وملكه، والعبد لا يمكن أن يكون ولدًا لسيده؛ أشار له في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"البقرة\": ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾، وقوله في \"النساء\": ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾ أي والمالك لكل شيء لا يمكن أن يكون له ولد؛ لأن الملك ينافي الولدية، ولا يمكن أن يوجد شيء سواه إلا وهو ملك له جل وعلا.\nوما ذكره في هذه الآية الكريمة: من الثناء الحسن على ملائكته عليهم صلوات الله وسلامه؛ بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿عَلَيهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقولى تعالى: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nمسألة\nأخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن: أن الأب إذا ملك ابنه عتق عليه بالملك. ووجه ذلك واضح؛ لأن","vol":"4","page":699},{"text":"الكفار زعموا أن الملائكة بنات الله، فنفى الله تلك الدعوى بأنهم عباده وملكه. فدل ذلك على منافاة الملك للولدية، وأنهما لا يصح اجتماعهما. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1014> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (٢٩)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿مِنْهُمْ﴾ عائد إلى الملائكة المذكورين في قوله: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ (٢٦)﴾ والمعنى: أنهم مع كرامتهم على الله لو ادعى أحد منهم أن له الحق في صرف شيء من حقوق الله الخاصة به إليه لكان مشركًا، وكان جزاؤه جهنم. ومعلوم أن التعليق يصح فيما لا يمكن ولا يقع؛ كقوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ والمراد بذلك تعظيم أمر الشرك. وهذا الفرض والتقدير الذي ذكره جل وعلا هنا في شأن الملائكة، ذكره أيضًا في شأن الرسل على الجميع صلوات الله وسلامه، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ ولما ذكر جل وعلا من ذكر من الأنبياء في سورة \"الأنعام\" في قوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ﴾ إلى آخر من ذكر منهم قال بعد ذلك: ﴿ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ﴾ الآية؛ دليل قاطع على أن حقوق الله الخالصة له من جميع أنواع العبادة لا يجوز أن يصرف شيء منها لأحد ولو ملكًا مقربًا، أو نبيًّا مرسلًا. ومما يوضح ذلك قوله","vol":"4","page":700},{"text":"تعالى: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى مخاطبًا لسيد الخلق صلوات الله وسلامه عليه: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1015> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة السبعة ماعدا ابن كثير ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ بواو بعد الهمزة، وقرأه ابن كثير \"ألم ير الذين كفروا\" بدون واو، وكذلك هو في مصحف مكة. والاستفهام لتوبيخ الكفار وتقريعهم، حيث يشاهدون غرائب صنع الله وعجائبه، ومع هذا يعبدون من دونه ما لا ينفع من عبده، ولا يضر من عصاه، ولا يقدر على شيء.\nوقوله: ﴿كَانَتَا﴾ التثنية باعتبار النوعين اللذين هما نوع السماء، ونوع الأرض؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾ ونظيره قول عمر بن شيبم:\nألم يحزنك أن جبال قيس ... وتغلب قد تباينتا انقطاعا\nوالرتق مصدر رتقه رتقًا: إذا سده؛ ومنه: الرتقاء، وهي التي انسد فرجها، ولكن المصدر وصف به هنا، ولذا أفرده ولم يقل: كانتا رتقين. والفتق: الفصل بين الشيئين المتصلين؛ فهو ضد","vol":"4","page":701},{"text":"الرتق. ومنه قول الشاعر:\nيهون عليهم إذا يغضبو ... ن سخط العداة وإرغامها\nورتق الفتوق وفتق الرتـ ... ـوق ونقض الأمور وإبرامها\nواعلم أن العلماء اختلفوا في المراد بالرتق والفتق في هذه الآية على خمسة أقوال، بعضها في غاية السقوط، وواحد منها تدل له قرائن من القرآن العظيم:\nالأول: أن معنى ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي كانت السموات والأرض متلاصقة بعضها مع بعض، ففتقها الله وفصل بين السموات والأرض، فرفع السماء إلى مكانها، وأقر الأرض في مكانها، وفصل بينهما بالهواء الذي بينهما كما ترى.\nالقول الثاني: أن السموات السبع كانت رتقًا؛ أي متلاصقة بعضها ببعض، ففتقها الله وجعلها سبع سموات، كل اثنتين منها بينهما فصل، والأرضون كذلك كانت رتقا ففتقها، وجعلها سبعًا بعضها منفصل عن بعض.\nالقول الثالث: أن معنى ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ أن السماء كانت لا ينزل منها مطر، والأرض كانت لا ينبت فيها نبات، ففتق الله السماء بالمطر، والأرض بالنبات.\nالرابع: أنهما ﴿كَانَتَا رَتْقًا﴾ أي في ظلمة لا يرى من شدتها شيء ففتقهما الله بالنور. وهذا القول في الحقيقة يرجع إلى القول الأول والثاني.","vol":"4","page":702},{"text":"الخامس: وهو أبعدها لظهور سقوطه: أن الرتق يراد به العدم. والفتق يراد به الإيجاد؛ أي كانتا عدمًا فأوجدناهما. وهذا القول كما ترى!\nفإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه الآية، فاعلم أن القول الثالث منها وهو كونهما كانتا رتقًا بمعنى أن السماء لا ينزل منها مطر، والأرض لا تنبت شيئًا ففتق الله السماء بالمطر والأرض بالنبات؛ قد دلت عليه قرائن من كتاب الله تعالى.\nالأولى: أن قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يدل على أنهم رأوا ذلك؛ لأن الأظهر في \"رأى\" أنها بصرية، والذي يرونه بأبصارهم هو أن السماء تكون لا ينزل منها مطر، والأرض ميتة هامدة لا نبات فيها؛ فيشاهدون بأبصارهم إنزال الله المطر، وإنباته به أنواع النبات.\nالقرينة الثانية: أنه أتبع ذلك بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾. والظاهر اتصال هذا الكلام بما قبله؛ أي وجعلنا من الماء الذي أنزلناه بفتقنا السماء، وأنبتنا به أنواع النبات بفتقنا الأرض كلَّ شيءٍ حي.\nالقرينة الثالثة: أن هذا المعنى جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الرَّجْعِ (١١) وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ (١٢)﴾ لأن المراد بالرجع نزول المطر منها تارة بعد أخرى، والمراد بالصدع: انشقاق الأرض عن النبات. وكقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦)﴾ الآية. واختار هذا القول ابن جرير وابن عطية وغيرهما للقرائن التي ذكرنا. ويؤيد","vol":"4","page":703},{"text":"ذلك كثرة ورود الاستدلال بإنزال المطر، وإنبات النبات في القرآن العظيم على كمال قدرة الله تعالى، وعظم منته على خلقه، وقدرته على البعث. والذين قالوا: إن المراد بالرتق والفتق أنهما كانتا متلاصقتين ففتقهما الله وفصل بعضهما عن بعض قالوا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ﴾ أنها من \"رأى\" العلمية لا البصرية. وقالوا: وجه تقريرهم بذلك أنه جاء في القرآن، وما جاء في القرآن فهو أمر قطعي لا سبيل للشك فيه. والعلم عند الله تعالى.\nوأقرب الأقوال في ذلك: هو ما ذكرنا دلالةَ القرائن القرآنية عليه، وقد قال فيه الفخر الرازي في تفسيره: ورجحوا هذا الوجه على سائر الوجوه بقوله بعد ذلك: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ وذلك لا يليق إلا وللماء تعلق بما تقدم، ولا يكون كذلك إلا إذا كان المراد ما ذكرنا.\nفإن قيل: هذا الوجه مرجوح؛ لأن المطر لا ينزل من السموات بل من سماء واحدة وهي سماء الدنيا.\nقلنا: إنما أطلق عليه لفظ الجمع لأن كل قطعة منها سماء؛ كما يقال ثوب أخلاق، وبرمة أعشار اهـ منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1016> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ (٣٠)﴾</span>.\nالظاهر أن \"جعل\" هنا بمعنى خلق؛ لأنها متعدية لمفعول واحد. ويدل لذلك قوله تعالى في سورة \"النور\": ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾.\nواختلف العلماء في معنى خلق كل شيء من الماء. قال","vol":"4","page":704},{"text":"بعض العلماء: الماء الذي خلق منه كل شيء هو النطفة؛ لأن الله خلق جميع الحيوانات التي تولد عن طريق التناسل من النطف، وعلى هذا فهو من العام المخصوص.\nوقال بعض العلماء: هو الماء المعروف لأن الحيوانات إما مخلوقة منه مباشرة كبعض الحيوانات التي تتخلق من الماء. وإما غير مباشرة لأن النطف من الأغذية، والأغذية كلها ناشئة عن الماء، وذلك في الحبوب والثمار ونحوها ظاهر، وكذلك هو في اللحوم والألبان والأسمان  (^١)  ونحوها؛ لأنه كله ناشيء بسبب الماء.\nوقال بعض أهل العلم: معنى خلقه كل حيوان من ماء. أنه كأنما خلقه من الماء لفرط احتياجه إليه، وقلة صبره عنه؛ كقوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ إلى غير ذلك من الأقوال. وقد قدمنا المعاني الأربعة التي تأتي لها لفظة \"جعل\" وما جاء منها في القرآن وما لم يجيء فيه في سورة \"النحل\".\nوقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لقائل أن يقول: كيف قال وخلقنا من الماء كل حيوان، وقد قال: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ  (٢٧)﴾؟ وجاء في الأخبار: أن الله تعالى خلق الملائكة من النور، وقال تعالى في حق عيسى ﵇: ﴿وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي﴾، وقال في حق آدم: ﴿خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾؟.\n_________\n(^١)  كذا بالمطبوعة.","vol":"4","page":705},{"text":"والجواب: اللفظ وإن كان عامًّا إلا أن القرينة المخصصة قائمة، فإن الدليل لابد وأن يكون مشاهدًا محسوسًا ليكون أقرب إلى المقصود. وبهذا الطريق تخرج عنه الملائكة والجن وآدم وقصة عيسى ﵈؛ لأن الكفار لم يروا شيئًا من ذلك اهـ منه.\nثم قال الرازي أيضًا: اختلف المفسرون، فقال بعضهم: المراد من قوله: ﴿كُلَّ شَيءٍ حَيٍّ﴾ الحيوان فقط. وقال آخرون: بل يدخل فيه النبات والشجر؛ لأنه من الماء صار ناميًا، وصار فيه الرطوبة والخضرة، والنور والثمر. وهذا القول أليق بالمعنى المقصود، كأنه تعالى قال: ففتقنا السماء لإنزال المطر، وجعلنا منه كل شيء في الأرض من النبات وغيره حيًّا. حجة القول الأول: أن النبات لا يسمى حيًّا. قلنا: لا نسلم، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾. انتهى منه أيضًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1017> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة \"النحل\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1018> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾</span>.\nتضمنت هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:\nالأولى: أن الله جل وعلا جعل السماء سقفًا، أي لأنها للأرض كالسقف للبيت.","vol":"4","page":706},{"text":"الثانية: أنه جعل ذلك السقف محفوظًا.\nالثالثة: أن الكفار معرضون عما فيها -أي السماء- من الآيات، لا يتعظون به ولا يتذكرون. وقد أوضح هذه المسائل الثلاث في غير هذا الموضع.\nأما كونه جعلها سقفًا فقد ذكره في سورة \"الطور\" أنه مرفوع وذلك في قوله: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥)﴾ الآية.\nوأما كون ذلك السقف محفوظًا فقد بينه في مواضع مِن كتابه، فبين أنه محفوظ من السقوط في قوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾، وقوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾، وقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ على قول من قال: وما كنا عن الخلق غافلين؛ إذ لو كنا نغفل لسقطت عليهم السماء فأهلكتهم. وبين أنه محفوظ من التشقق والتفطر، لا يحتاج إلى ترميم ولا إصلاح كسائر السقوف إذا طال زمنها؛ كقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ أي ليس فيها من شقوق ولا صدوع. وبين أن ذلك السقف المذكور محفوظ من كل شيطان رجيم؛ كقوله: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾، وقد بينا الآيات الدالة على حفظها من جميع الشياطين في سورة \"الحجر\". وأما كون الكفار معرضين عما","vol":"4","page":707},{"text":"فيها من الآيات فقد بينه في مواضع من كتابه؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾، وقوله: ﴿وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1019> قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: كان المشركون ينكرون نبوته - ﷺ - ويقولون: هو شاعر يتربص به ريب المنون، ولعله يموت كما مات شاعر بني فلان؛ فقال الله تعالى: قد مات الأنبياء من قبلك، وتولى الله دينه بالنصر والحياطة، فهكذا نحفظ دينك وشرعك.\nوقال بعض أهل العلم: لما نعى جبريل إلى النبي - ﷺ - نفسه قال: \"فمن لأمتي\"؟ فنزلت: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرٍ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ والأول أظهر؛ لأن السورة مكية؛ ومعنى الآية: أن الله لم يجعل لبشر قبل نبيه الخلد؛ أي دوام البقاء في الدنيا، بل كلهم يموت.\nوقوله: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ استفهام، إنكاري معناه النفي.\nوالمعنى: أنك إن مت فهم لن يخلدوا بعدك، بل سيموتون. ولذلك أتبعه بقوله: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾. وما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية من أنه - ﷺ - سيموت، وأنهم سيموتون، وأن الموت ستذوقه كل نفس؛ أوضحه في غير هذا الموضع؛ كقوله","vol":"4","page":708},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾، كقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله في سورة \"آل عمران\": ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾، وقوله في سورة \"العنكبوت\": ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦) كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَينَا تُرْجَعُونَ (٥٧)﴾، وقوله تعالى في سورة \"النساء\": ﴿أَينَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا في سورة \"الكهف\" استدلال بعض أهل العلم بهذه الآية الكريمة على موت الخضر  ﵇  . وقال بعض أهل العلم في قوله ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾: هو استفهام حذفت أداته؛ أي أفَهُم الخالدون. وقد تقرر في علم النحو أن حذف همزة الاستفهام إذا دل المقام عليها جائز، وهو قياسي عند الأخفش مع \"أم\" ودونها ذكر الجواب أم لا؛ فمن أمثلته دون \"أم\" ودون ذكر الجواب قول الكميت:\nطربت وما شوقًا إلى البيض أطرب ... ولا لعبًا مني وذو الشيب يلعب\nيعني: أو ذو الشيب يلعب؟! وقول أبي خراش الهذلي واسمه خويلد:\nرفوني وقالوا يا خويلد لم ترع ... فقلت وأنكرت الوجوه هم هم\nيعني: أهم هم على التحقيق؟! ومن أمثلته دون \"أم\" مع ذكر الجواب قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب","vol":"4","page":709},{"text":"يعني: أتحبها على الصحيح. وهو مع \"أم\" كثير جدًا، وأنشد له سيبويه قول الأسود يعفر التميمي:\nلعمرك ما أدري وإن كنتُ داريًا ... شعيث بن سهم أم شعيث بن منقر\nيعني: أشعيث بن سهم، ومنه قول ابن أبي ربيعة المخزومي:\nبدا لي منها معصم يوم جمرت ... وكف خضيب زينت ببنان\nفوالله ما أدري وإني لحاسب ... بسبع رميت الجمر أم بثمان\nيعني: أبسبع. وقول الأخطل:\nكذبتك عينُك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا\nيعني: أكذبتك عينك. كما نص سيبويه في كتابه على جواز ذلك في بيت الأخطل هذا، وإن خالف في ذلك الخليل قائلًا: إن \"كذبتك\" صيغة خبرية ليس فيها استفهام محذوف، وإن \"أم\" بمعنى بل؛ ففي البيت على قول الخليل نوع من أنواع البديع المعنوي يسمى \"الرجوع\". وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرها من شواهدها العربية في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة \"آل عمران\" وذكرنا أن قوله تعالى في آية \"الأنبياء\" هذه ﴿فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾ من أمثلة ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ﴾ قرأه نافع وحفص عن عاصم وحمزة والكسائي ﴿مِّتَّ﴾ بكسر الميم. والباقون بضم الميم. وقد أوضحنا في سورة \"مريم\" وجه كسر الميم. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَإِنْ مِتَّ فَهُمُ الْخَالِدُونَ (٣٤)﴾","vol":"4","page":710},{"text":"يفهم منه أنه لا ينبغي للإنسان أن يفرح بموت أحد لأجل أمر دنيوي يناله بسبب موته؛ لأنه هو ليس مخلدًا بعده.\nوروى عن الشافعي ﵀ أنه أنشد هذين البيتين مستشهدًا بهما:\nتمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لستُ فيها بأوْحَدِ\nفقل للذي يبغي خلافَ الذي مضى ... تهيأ لأخرى مثلها فكأنْ قَدِ\nونظير هذا قول الآخر:\nفقل للشامتين بنا أفيقوا ... سيلقى الشامتون كما لقينا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1020> قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ فِتْنَةً وَإِلَينَا تُرْجَعُونَ (٣٥)﴾</span>.\nالمعنى: ونختبركم بما يجب فيه الصبر من البلايا، وبما يجب فيه الشكر من النعم، وإلينا مرجعكم فنجازيكم على حسب ما يوجد منكم من الصبر أو الشكر. وقوله: ﴿فِتْنَةً﴾ مصدر مؤكد لـ ﴿وَنَبْلُوكُمْ﴾ من غير لفظه.\nوما ذكره جل وعلا: من أنه يبتلي خلقه، أي يختبرهم بالشر والخير؛ قد بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (١٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ","vol":"4","page":711},{"text":"الْعَالمِينَ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إلا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآيات الكريمة: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ﴾ يدل على أن بلا يبلو تستعمل في الاختبار بالنعم، وبالمصائب والبلايا. وقال بعض العلماء: أكثر ما يستعمل في الشر بلا يبلو، وفي الخير أبلى يبلى. وقد جمع اللغتين في الخير قول زهير بن أبي سلمى:\nجزى الله بالإحسان ما فعلا بكم ... وأبلاهما خير البلاء الذي يبلو\nوعن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيرِ﴾ قال: أي نبتليكم بالشر والخير فتنة بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية، والهدى والضلال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1021> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا رأوا النبي - ﷺ - ما يتخذونه إلا هزوًا، أي مستهزأ به مستخفًا به. والهزؤ: السخرية، فهو مصدر وصف به. ويقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم أي يعيبها وينفي أنها تشفع لكم وتقربكم إلى الله","vol":"4","page":712},{"text":"زلفى، ويقول: إنها لا تنفع من عبدها، ولا تضر من لم يعبدها، وهم مع هذا كله كافرون بذكر الرحمن. فالخطاب في قوله: ﴿وَإِذَا رَآكَ﴾ للنبي - ﷺ -. و﴿إِنْ﴾ في قوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ نافية. والاستفهام في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ قال فيه أبو حيان في البحر: إنه للإنكار والتعجيب. والذي يظهر لي أنهم يريدون بالاستفهام المذكور التحقير بالنبي - ﷺ -، كما تدل عليه قرينة قوله: ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾. وقد تقرر في فن المعاني: أن من الأغراض التي تؤدى بالاستفهام التحقير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية: إن جواب ﴿وَإِذَا﴾ هو القول المحذوف، وتقديره: وإذا رءاك الذين كفروا يقولون: أهذا الذي يذكر آلهتكم. وقال: إن جملة ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا﴾ جملة معترضة بين إذا وجوابها. واختار أبو حيان في البحر أن جواب ﴿وَإِذَا﴾ هو جملة ﴿إِنْ يَتَّخِذُونَكَ﴾ وقال: إن جواب \"إذا\" بجملة مصدرة بـ ﴿إِنْ﴾ أو \"ما\" النافيتين لا يحتاج إلى الاقتران بالفاء. وقوله: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ أي يعيبها. ومن إطلاق الذكر بمعنى العيب قوله تعالى: ﴿قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ (٦٠)﴾ أي: يعيبهم. وقول عنترة:\nلا تذكري مهري وما أطعمته ... فيكون جلدك مثل جلد الأجرب\nأي: لا تعيبي مهري، قاله القرطبي.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: الذكر يكون بخير وبخلافه. فإذا دلت الحال على أحدهما أطلق ولم يقيد، كقولك للرجل: سمعت فلانًا يذكرك، فإن كان الذاكر صديقًا فهو","vol":"4","page":713},{"text":"ثناء؛ وإن كان عدوًا فذم، ومنه قوله تعالى: ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾، وقوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ انتهى محل الغرض منه. والجملة في قوله: ﴿وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ حالية. وقال بعض أهل العلم: معنى كفرهم بذكر الرحمن هو الموضح في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾، وقولهم: ما نعرف الرحمن إلا رحمان اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب. وقد بين ابن جرير الطبري وغيره: أن إنكارهم لمعرفتهم الرحمن تجاهل منهم ومعاندة مع أنهم يعرفون أن الرحمن من أسماء الله تعالى. قال: وقال بعض شعراء الجاهلية الجهلاء:\nألا ضربت تلك الفتاة هجينها ... ألا قطع الرحمن ربي يمينها\nوقال سلامة بن جندل الطهوي:\nعجلتم علينا عجلتينا عليكم ... وما يشأ الرحمن يعقد ويطلق\nوفي هذه الآية الكريمة دلالة واضحة على سخافة عقول الكفار؛ لأنهم عاكفون على ذكر أصنام لا تنفع ولا تضر، ويسوءهم أن تذكر بسوء، أو يقال: إنها لا تشفع ولا تقرب إلى الله. وأما ذكر الله وما يجب أن يذكر به من الوحدانية فهم به كافرون لا يصدقون به، فهم أحق بأن يتخذوا هزؤا من النبي - ﷺ - الذي اتخذوه هزؤا، فإنه محق وهم مبطلون.\nفإذا عرفت معنى هذه الآية الكريمة؛ فاعلم أن هذا المعنى الذي دلت عليه جاء أيضًا مبينًا في سورة \"الفرقان\" في قوله تعالى:","vol":"4","page":714},{"text":"﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إلا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ فتحقيرهم -لعنهم الله- له - ﷺ - المذكور في \"الأنبياء\" في قوله: ﴿أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو المذكور في قوله في \"الفرقان\": ﴿أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١)﴾. وذكره لآلهتهم بالسوء المذكور في \"الأنبياء\" في قوله: ﴿يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ﴾ هو المذكور في \"الفرقان\" في قوله: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيهَا﴾ أي: لِمَا يُبين من معائبها، وعدم فائدتها، وعظم ضرر عبادتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1022> قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر بعض العلماء في الآية قولًا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف ذلك القول. فإذا علمت ذلك فاعلم: أن في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ عَجَلٍ﴾ فيه للعلماء قولان معروفان، وفي نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة أحدهما. أما القول الذي دلت القرينة المذكورة على عدم صحته؛ فهو قول من قال: العجل: الطين وهي لغة حميرية؛ كما قال شاعرهم:\nالبيع في الصخرة الصماء منبته ... والنخل ينبت بين الماء والعجل\nيعني: بين الماء والطين. وعلى هذا القول فمعنى الآية: خلق الإنسان من طين، كقوله تعالى: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾،","vol":"4","page":715},{"text":"وقوله: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾. والقرينة المذكورة الدالة على أن المراد بالعجل  في الآية ليس الطين قوله بعده: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾، وقوله: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣٨)﴾. فهذا يدل على أن المراد بالعَجَل هو العَجَلَة التي هي خلاف التأنِّي والتثبت. والعرب تقول: خلق من كذا. يعنون بذلك المبالغة في الاتصاف؛ كقولهم: خلق فلان من كرم، وخلقت فلانة من الجمال. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ﴾ على الأظهر. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَيَدْعُ الْإِنْسَانُ بِالشَّرِّ دُعَاءَهُ بِالْخَيرِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ أي: ومن عجلته دعاؤه على نفسه أو ولده بالشر. قال بعض العلماء: كانوا يستعجلون عذاب الله وآياته الملجئة إلى العلم والإقرار، ويقولون متى هذا الوعد؛ فنزل قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ للزجر عن ذلك. كأنه يقول لهم: ليس ببدع منكم أن تستعجلوا؛ فإنكم مجبولون على ذلك، وهو طبعكم وسجيتكم. ثم وعدهم بأنه سيريهم آياته، ونهاهم أن يستعجلوا بقوله: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. وقال بعض أهل العلم: المراد بالإنسان في قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ آدم. وعن سعيد بن جبير والسدي: لما دخل الروح في عيني آدم نظر في ثمار الجنة، فلما دخل جوفه اشتهى الطعام، فوثب من قبل أن تبلغ الروح رجليه عجلان إلى ثمار الجنة؛ فذلك قوله: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾. وعن مجاهد والكلبي وغيرهما: خلق آدم يوم الجمعة في آخر النهار، فلما أحيا الله رأسه استعجل وطلب تتميم نفخ الروح فيه قبل غروب الشمس.","vol":"4","page":716},{"text":"والظاهر أن هذه الأقوال ونحوها من الإسرائيليات. وأظهر الأقوال أن معنى الآية: أن جنس الإنسان من طبعه العجل وعدم التأني كما بينا، والعلم عند الله تعالى.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول - ﷺ -، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم، واستعجلت ذلك؛ فقال الله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر؛ ولهذا قال: ﴿سَأُرِيكُمْ آيَاتِي﴾ أي نقمي وحكمي، واقتداري على من عصاني فلا تستعجلون. انتهى منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1023> قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ (٣٩)﴾</span>.\nجواب ﴿لَوْ﴾ في هذه الآية محذوف، وقد قدمنا أدلة ذلك وشواهده من \"العربية\" في سورة \"البقرة\"، وأشرنا إليه في سورة \"إبراهيم\" وسورة \"يوسف\". ومعنى الآية الكريمة: لو يعلم الكفار الوقت الذي يسألون عنه بقولهم: متى هذا الوعد؟ وهو وقت صعب شديد، تحيط بهم فيه النار من وراء وقدام. فلا يقدرون على منعها ودفعها عن أنفسهم، ولا يجدون ناصرًا ينصرهم، لما كانوا بتلك الصفة من الكفر والاستهزاء والاستعجال، ولكن جهلهم بذلك هو الذي هونه عليهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من المعاني جاء مبينًا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى.\nأما إحاطة النار بهم في ذلك اليوم: فقد جاءت موضحة في","vol":"4","page":717},{"text":"آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ يَاعِبَادِ فَاتَّقُونِ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. نرجو الله الكريم العظيم أن يعيذنا منها ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل، إنه قريب مجيب.\nوما تضمنته من كونهم في ذلك اليوم ليس لهم ناصر ولا قوة يدفعون بها عن أنفسهم؛ جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾ والآيات في ذلك كثيرة.\nوما أشارت إليه هذه الآية من أن الذي هوَّن عليهم ذلك اليوم العظيم حتى استعجلوه واستهزءوا بمن يخوفهم منه إنما هو جهلهم به؛ جاء مبينًا أيضًا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ يَعْلَمُ﴾ قال بعض أهل العلم: هو فعل متعد، والظاهر أنها عرفانية، فهي تتعدى إلى مفعول واحد؛ كما أشار له في الخلاصة بقوله:","vol":"4","page":718},{"text":"لعلمِ عِرْفانٍ وظنِّ تُهَمَهْ ... تَعْدِيَةٌ لواحدٍ مُلْتَزَمَهْ\nوعلى هذا فالمفعول هنا قوله: ﴿حِينَ﴾ أي لو يعرفون حين وقوع العذاب بهم وما فيه من الفظائع لَمَا استخفوا به واستعجلوه. وعلى هذا فـ\"الحين\" مفعول به لا مفعول فيه؛ لأن العلم الذي هو بمعنى المعرفة واقع على نفس الحين المذكور. وقال بعض أهل العلم: فِعْل العلم في هذه الآية منزَّل منزلة اللازم، فليس واقعًا على مفعول، وعليه فالمعنى: لو كان لهم علم ولم يكونوا جاهلين لما كانوا مستعجلين. وعلى هذا فالآية كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ والمعنى: لا يستوي من عنده علم ومن لا علم عنده. وقد تقرر في فن المعاني: أنه إذا كان الغرض إثبات الفعل لفاعله في الكلام المثبت، أو نفيه عنه في الكلام المنفي، مع قطع النظر عن اعتبار تعلق الفعل بمن وقع عليه، فإنه يجري مجرى اللازم، كقوله: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾؛ لأنه يراد منه أن من ثبتت له صفة العلم لا يستوي هو ومن انتفت عنه، ولم يعتبر هنا وقوع العلم على معلومات من اتصف بذلك العلم. وعلى هذا القول فقوله: ﴿حِينَ لَا يَكُفُّونَ﴾ منصوب بمضمر؛ أي حين لا يكفون عن وجوههم النار يعلمون أنهم كانوا على الباطل. والأول هو الأظهر. واستظهر أبو حيان أن مفعول ﴿يَعْلَمُ﴾ محذوف، وأنه هو العامل في الظرف الذي هو ﴿حِينَ﴾، والتقدير: لو يعلم الذين كفروا مجيء الموعود الذي استعجلوه حين لا يكفون لما كفروا واستعجلوا واستهزءوا.\nواعلم أنه لا إشكال في قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾","vol":"4","page":719},{"text":"مع قوله: ﴿فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ (٣٧)﴾ فلا يقال: كيف يقول: إن الإنسان خُلِق من العجل وجُبِل عليه، ثم ينهاه عما خلق منه وجُبِل عليه؛ لأنه تكليف بمحال!؟ لأنا نقول: نعم هو جُبِل على العجل، ولكن في استطاعته أن يلزم نفسه بالتأني؛ كما أنه جُبِل على حب الشهوات مع أنه في استطاعته أن يلزم نفسه بالكف عنها؛ كما قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1024> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة تسلية للنبي - ﷺ - بأن إخوانه من الرسل الكرام صلوات الله وسلامه عليهم استهزأ بهم الكفار، كما استهزءوا به - ﷺ -. يعني: فاصبر كما صبروا، ولك العاقبة الحميدة، والنصر النهائي كما كان لهم. وما تضمنته هذه الآية الكريمة من ذلك جاء موضحًا في مواضع من كتاب الله؛ كقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالزُّبُرِ وَبِالْكِتَابِ الْمُنِيرِ (٢٥) ثُمَّ أَخَذْتُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَاقَ بِالَّذِينَ﴾ أي أحاط","vol":"4","page":720},{"text":"بهم. ومادة حاق يائية العين؛ بدليل قوله في المضارع: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾ ولا تستعمل هذه المادة إلا في إحاطة المكروه خاصة؛ فلا تقول: حاق به الخير بمعنى أحاط به. والأظهر في معنى الآية: أن المراد: وحاق بهم العذاب الذي كانوا يكذبون به في الدنيا ويستهزئون به. وعلى هذا اقتصر ابن كثير. وقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿فَحَاقَ﴾ أي أحاط ودار ﴿بِالَّذِينَ﴾ كفروا و﴿سَخِرُوا مِنْهُمْ﴾ وهزءوا بهم ﴿مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٤١)﴾ أي جزاء استهزائهم. والأول أظهر، والعلم عند الله تعالى. والآية تدل على أن السخرية من الاستهزاء وهو معروف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1025> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة: أن يقول للمعرضين عن ذكر ربهم: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي من هو الذي يحفظكم ويحرسكم ﴿بِاللَّيلِ﴾ في حال نومكم ﴿وَالنَّهَار﴾ في حال تصرفكم في أموركم. والكِلاءة بالكسر: الحفظ والحراسة؛ يقال: اذهب في كِلاءة الله؛ أي في حفظه. واكتلأت منهم: احترست. ومنه قول ابن هرمة:\nإن سُليمى والله يكلؤها ... ضنَّت بشيءٍ ما كان يَرْزَؤها\nوقول كعب بن زهير:\nأنخت بعيري واكتلأت بعينه ... وآمرت نفسي أيّ أمريَّ أفعلُ\nو﴿مِنَ﴾ في قوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ فيها للعلماء وجهان معروفان: أحدهما -وعليه اقتصر ابن كثير-: أن ﴿مِنَ﴾ هي التي","vol":"4","page":721},{"text":"بمعنى بدل. وعليه فقوله: ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ بدل الرحمن، يعني غيره. وأنشد ابن كثير لذلك قول الراجز:\nجارية لم تلبس المرتّقا ... ولم تذق من البقول الفُسْتقا\nأي: لم تذق بدل البقول الفستق. وعد هذا القول فالآية كقوله تعالى: ﴿أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ﴾ أي بدلها ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:\nأخذوا المخاض من الفصيل غلبة ... ظلمًا ويكتب للأمير أفيلا\nيعني أخذوا في الزكاة المخاض بدل الفصيل. والوجه الثاني: أن المعنى ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ أي يحفظكم ﴿مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ أي من عذابه وبأسه. وهذا هو الأظهر عندي. ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيتُهُ﴾ أي من ينصرني منه فيدفع عني عذابه.\nوالاستفهام في قوله تعالى: ﴿مَنْ يَكْلَؤُكُمْ﴾ قال أبو حيان في البحر: هو استفهام تقريع وتوبيخ. وهو عندي يحتمل الإنكار والتقرير؛ فوجه كونه إنكاريًّا أن المعنى: لا كالئ لكم يحفظكم من عذاب الله ألبتة إلا الله تعالى؛ أي فكيف تعبدون غيره؟! ووجه كونه تقريريًّا أنهم إذا قيل لهم: من يكلؤكم؟ اضطروا إلى أن يقروا بأن الذي يكلؤهم هو الله؛ لأنهم يعلمون أنه لا نافع ولا ضار إلا هو تعالى، ولذلك يخلصون له الدعاء عند الشدائد والكروب، ولا يدعون معه غيره، كما قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة \"الإسراء\" وغيرها. فإذا أقروا بذلك توجه إليهم التوبيخ والتقريع،","vol":"4","page":722},{"text":"كيف يصرفون حقوق الذي يحفظهم بالليل والنهار إلى ما لا ينفع ولا يضر؟! وهذا المعنى الذي أشارت إليه هذه الآية الكريمة: أنه لا أحد يمنع أحدًا من عذاب الله، ولا يحفظه ولا يحرسه من الله، وأن الحافظ لكل شيء هو الله وحده؛ جاء مبينًا في مواضع أخر؛ كقوله تعالى: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَينِ يَدَيهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ﴾ على أظهر التفسيرات، وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1026> قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ آلِهَةٌ تَمْنَعُهُمْ مِنْ دُونِنَا لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾</span>.\nقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ﴾ هي المنقطعة، وهي بمعنى بل والهمزة، فقد اشتملت على معنى الإضراب والإنكار، والمعنى: ألهم آلهة تجعلهم في منعة وعز حتى لا ينالهم عذابنا؟ ثم بين أن آلهتهم التي يزعمون لا تستطيع نفع أنفسها، فكيف تنفع غيرها بقوله: ﴿لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَ أَنْفُسِهِمْ﴾.\nوقوله: ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ فيه وجهان: أحدهما: أنه متعلق بـ ﴿آلِهَةٌ﴾ أي: ألهم آلهة ﴿مِنْ دُونِنَا﴾ أي سوانا ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ مما نريد أن نفعله بهم من العذاب! كلا! ليس الأمر كذلك. الوجه","vol":"4","page":723},{"text":"الثاني: أنه متعلق بـ ﴿تَمْنَعُهُمْ﴾ لقول العرب: منعت دونه، أي كففت أذاه. والأظهر عندي الأول. ونحوه كثير في القرآن كقوله: ﴿وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿واتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الآلهة التي اتخذوها لا تستطيع نصر أنفسها فكيف تنفع غيرها؛ جاء مبينًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (١٩٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَسْمَعُوا وَتَرَاهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ وَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (١٩٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن تلك الآلهة المعبودة من دون الله ليس فيها نفع البتة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ أي يجارون؛ أي ليس لتلك الآلهة مجير يجيرهم منا؛ لأن الله يجير","vol":"4","page":724},{"text":"ولا يجار عليه كما صرح بذلك في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ في قوله: ﴿قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨)﴾. والعرب تقول: أنا جار لك وصاحب من فلان؛ أي مجير لك منه. ومنه قول الشاعر:\nينادي بأعلى صوته متعوذًا ... ليُصحَب منَّا والرماح دواني\nيعتي ليجار ويغاث منا. وأغلب أقوال العلماء في الآية راجعة إلى ما ذكرنا؛ كقول بعضهم: ﴿يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ يمنعون. وقول بعضهم: ينصرون. وقول بعضهم: ﴿وَلَا هُمْ مِنَّا يُصْحَبُونَ (٤٣)﴾ أي لا يصحبهم الله بخير، ولا يجعل الرحمة صاحبًا لهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1027> قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْنَا هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى طَال عَلَيهِمُ الْعُمُرُ﴾</span>.\nالظاهر أن الإضراب بـ ﴿بَلْ﴾ في هذه الآية الكريمة انتقالي، والإشارة في قوله: ﴿هَؤُلَاءِ﴾ راجعة إلى المخاطبين من قبل في قوله: ﴿قُلْ مَنْ يَكْلَؤُكُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ﴾ الآية، وهم كفار قريش، ومن اتخذ آلهة من دون الله. والمعنى: أنه متع هؤلاء الكفار وآباءهم قبلهم بما رزقهم من نعيم الدنيا حتى طالت أعمارهم في رخاء ونعمة، فحملهم ذلك على الطغيان واللجاج في الكفر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه تعالى يمهل الكفار ويملي لهم في النعمة، وأن ذلك يزيدهم كفرًا وضلالًا؛ جاء موضحًا في مواضع كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ","vol":"4","page":725},{"text":"الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعمر يطلق على مدة العيش.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1028> قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾</span>.\nفي معنى إتيان الله الأرض ينقصها من أطرافها في هذه الآية الكريمة أقوال معروفة للعلماء؛ وبعضها تدل له قرينة قرآنية.\nقال بعض العلماء: نقصها من أطرافها: موت العلماء، وجاء في ذلك حديث مرفوع عن أبي هريرة. وبُعْد هذا القول عن ظاهر القرآن بحسب دلالة السياق ظاهر كما ترى.\nوقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها خرابها عند موت أهلها.\nوقال بعض أهل العلم: نقصها من أطرافها هو نقص الأنفس والثمرات، إلى غير ذلك من الأقوال، وأما القول الذي دلت عليه القرينة القرآنية: فهو أن معنى ﴿نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي ننقص أرض الكفر ودار الحرب، ونحذف أطرافها بتسليط المسلمين عليها وإظهارهم على أهلها، وردها دار إسلام. والقرينة الدالة على","vol":"4","page":726},{"text":"هذا المعنى هي قوله بعده: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤﴾، والاستفهام لإنكار غلبتهم. وقيل: لتقريرهم بأنهم مغلوبون لا غالبون فقوله: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ دليل على أن نقص الأرض من أطرافها سبب لغلبة المسلمين للكفار، وذلك إنما يحصل بالمعنى المذكور. ومما يدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا تُصِيبُهُمْ بِمَا صَنَعُوا قَارِعَةٌ أَوْ تَحُلُّ قَرِيبًا مِنْ دَارِهِمْ حَتَّى يَأْتِيَ وَعْدُ اللَّهِ﴾ على قول من قال: إن المراد بالقارعة التي تصيبهم سرايا النبي - ﷺ - تفتح أطراف بلادهم، أو تحل أنت يا نبي الله قريبًا من دارهم. وممن يُروى عنه هذا القول: ابن عباس وأبو سعيد وعكرمة ومجاهد وغيرهم. وهذا المعنى الذي ذكر الله هنا ذكره في آخر سورة \"الرعد\" أيضًا في قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ وَهُوَ سَرِيعُ الْحِسَابِ(٤١)﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير آية \"الأنبياء\" هذه: إن أحسن ما فسر به قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾، هو قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٧)﴾.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ما ذكره ابن كثير ﵀ صواب، واستقراء القرآن العظيم يدل عليه. وعليه فالمعنى: أفلا يري كفار مكة ومن سار سيرهم في تكذيبك يا نبي الله، والكفر بما جئت به ﴿أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنْقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا﴾ أي بإهلاك الذين كذبوا الرسل كما أهلكنا قوم صالح وقوم لوط، وهم يمرون بديارهم. وكما أهلكنا قوم هود، وجعلنا سبأ أحاديث ومزقناهم كل ممزق كل ذلك بسبب تكذيب الرسل، والكفر بما جاءوا به. وهذا هو معنى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى﴾ كقوم صالح وقوم","vol":"4","page":727},{"text":"لوط وقوم هود وسبإ، فاحذروا من تكذيب نبينا محمد - ﷺ -، لئلا تنزل بكم مثل ما أنزلنا بهم. وهذا الوجه لا ينافي قوله بعده: ﴿أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ (٤٤)﴾ والمعنى: أن الغلبة لحزب الله القادر على كل شيء، الذي أهلك ما حولكم من القرى بسبب تكذيبهم رسلهم، وأنتم لستم بأقوى منهم، ولا أكثر أموالًا ولا أولادًا؛ كما قال تعالى: ﴿أَهُمْ خَيرٌ أَمْ قَوْمُ تُبَّعٍ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ أَهْلَكْنَاهُمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾، وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوإنذار الذين كذبوه - ﷺ - بما وقع لمن كذب من قبله من الرسل كثير جدًا في القرآن. وبه تعلم اتجاه ما استحسنه ابن كثير ﵀ من تفسير آية \"الأنبياء\" هذه بآية \"الأحقاف\" المذكورة كما بينا.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: أي فائدة في قوله: ﴿نَأْتِي الْأَرْضَ﴾؟ قلت: فيه تصوير ما كان الله يجريه على أيدي المسلمين، وأن عساكرهم وسراياهم كانت تغزو أرض المشركين، وتأتيها غالبة عليها ناقصة من أطرافها. اهـ منه. والله جل وعلا أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1029> قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾</span>.","vol":"4","page":728},{"text":"ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يضع الموازين القسط ليوم القيامة؛ فتوزن أعمالهم وزنا في غاية العدالة والإنصاف؛ فلا يظلم الله أحدًا شيئًا، وأن عمله من الخير أو الشر وإن كان في غاية القلة والدقة كمثقال حبة من خردل، فإن الله يأتي به؛ لأنه لا يخفى عليه شيء وكفى به جل وعلا حاسبًا؛ لإحاطة علمه بكل شيء.\nوبين في غير هذا الموضع: أن الموازين عند ذلك الوزن منها ما يخف، ومنها ما يثقل، وأن من خفت موازينه هلك، ومن ثقلت موازينه نجا؛ كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١) فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ (٦) فَهُوَ فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ (٧) وَأَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ (٨) فَأُمُّهُ هَاويَةٌ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن موازين يوم القيامة موازين قسط؛ ذكره في \"الأعراف\" في قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ﴾ لأن الحق عدل وقسط. وما ذكره فيها: من أنه لا تظلم نفس شيئًا؛ بينه في مواضع أخر كثيرة؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَال ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ وقد قدمنا الآيات الدالة على","vol":"4","page":729},{"text":"هذا في سورة \"الكهف\".\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من كون العمل وإن كان مثقال ذرة من خير أو شر أتى به جل وعلا؛ أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله عن لقمان مقررًا له: ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ﴾ جمع ميزان. وظاهر القرآن تعدد الموازين لكل شخص، لقوله: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ فظاهر القرآن يدل على أن للعامل الواحد موازين يوزن بكل واحد منها صنف من أعماله، كما قال الشاعر:\nملك تقوم الحادثات لعدله ... فلكل حادثة لها ميزان\nوالقاعدة المقررة في الأصول: أن ظاهر القرآن لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه. وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة: الأكثر على أنه إنما هو ميزان واحد، وإنما جمع باعتبار تعدد الأعمال الموزونة فيه. وقد قدمنا في آخر سورة \"الكهف\" كلام العلماء في كيفية وزن الأعمال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله في هذه الآية: ﴿الْقِسْطِ﴾ أي العدل، وهو مصدر","vol":"4","page":730},{"text":"وصف به، ولذا لزم إفراده، كما قال في الخلاصة:\nونعتوا بمصدر كثيرًا ... فالتزموا الإفراد والتذكيرا\nكما قدمناه مرارًا. ومعلوم أن النعت بالمصدر يقول فيه بعض العلماء: إنه للمبالغة. وبعضهم يقول: هو بنية المضاف المحذوف، فعلى الأول كأنه بالغ في عدالة الموازين حتى سماها القسط الذي هو العدل. وعلى الثاني فالمعنى: الموازين ذوات القسط.\nواللام في قوله: ﴿لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ فيها أوجه معروفة عند العلماء:\n(منها) أنها للتوقيت، أي الدلالة على الوقت، كقول العرب: جئت لخمس ليال بقين من الشهر، ومنه قول نابغة ذبيان:\nتوهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع\n(ومنها) أنها لام كي، أي نضع الموازين القسط لأجل يوم القيامة، أي لحساب الناس فيه حسابًا في غاية العدالة والإنصاف.\n(ومنها) أنها بمعنى في، أي نضع الموازين القسط في يوم القيامة.\nوالكوفيون يقولون: إن اللام تأتي بمعنى في، ويقولون: إن من ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ أي في يوم القيامة، وقوله تعالى: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾ أي في وقتها. ووافقهم في ذلك ابن قتيبة من المتقدمين، وابن مالك من المتأخرين، وأنشد مستشهدًا لذلك قول مسكين الدارمي:\nأولئك قومي قد مضوا لسبيلهم ... كما قد مضى من قبل عاد وتبع","vol":"4","page":731},{"text":"يعني مضوا في سبيلهم. وقول الآخر:\nوكل أب وابن وإن عمرا معًا ... مقيمين مفقود لوقت وفاقد\nأي في وقت.\nوقوله تعالى فيم هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا﴾ يجوز أن يكون ﴿شَيئًا﴾ المفعول الثاني لـ ﴿تُظْلَمُ﴾ ويجوز أن يكون ما ناب عن المطلق؛ أي شيئًا من الظلم لا قليلًا ولا كثيرًا. ومثقال الشيء. وزنه. والخردل: حب في غاية الصغر والدقة. وبعض أهل العلم يقول: هو زريعة الجرجير. وأنث الضمير في قوله: ﴿بِهَا﴾ وهو راجع إلى المضاف الذي هو ﴿مِثْقَال﴾ وهو مذكر لاكتسابه التأنيث من المضاف إليه الذي هو ﴿حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ﴾ على حد قوله في الخلاصة:\nوربما أكسبَ ثانٍ أولًا ... تأنيثًا ان كان لحذفٍ مُوْهَلا\nونظير ذلك من كلام العرب قول عنترة في معلقته:\nجادت عليه كلُّ عينٍ ثرَّة ... فتركنَ كلَّ قرارة كالدِّرْهَمِ\nوقول الراجز:\nطول الليالي أسرعت في نقضي ... نقضنَ كلِّي ونقض بعضي\nوقول الأعشى:\nوتشرق بالقول الذي قد أذعته ... كما شرقت صدر القناة من الدم\nوقول الآخر:","vol":"4","page":732},{"text":"مشين كما اهتزت رماح تسفهت ... أعاليها مر الرياح النواسم\nفقد أنث في البيت الأول لفظة \"كل\" لإضافتها إلى \"عين\". وأنث في البيت الثاني لفظة \"طول\" لإضافتها إلى \"الليالي\". وأنث في البيت الثالث الصدر لإضافته إلى \"القناة\". وأنث في البيت الرابع \"مر\" لإضافته إلى \"الرياح\". والمضافات المذكورة لو حذفت لبقي الكلام مستقيمًا؛ كما قال في الخلاصة:\n\n• ... ان كان لحذفٍ مُوْهَلا*\nوقرأ هذا الحرف عامة القراء ماعدا نافعًا ﴿وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ﴾ بنصب ﴿مِثْقَال﴾ على أنه خبر ﴿كَانَ﴾ أي: وإن كان العمل الذي يراد وزنه مثقال حبة من خردل. وقرأ نافع وحده (وإن كان مثقالُ) بالرفع فاعل ﴿كَانَ﴾ على أنها تامة؛ كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1030> قوله تعالى: ﴿وَهَذَا ذِكْرٌ مُبَارَكٌ أَنْزَلْنَاهُ أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم ﴿ذِكْرٌ مُبَارَكٌ﴾ أي كثير البركات والخيرات؛ لأن فيه خير الدنيا والآخرة. ثم وبَّخ من ينكرونه منكرًا عليهم بقوله: ﴿أَفَأَنْتُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٥٠)﴾. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن هذا القرآن مبارك؛ بينه في مواضع متعددة من كتابه؛ كقوله تعالى في \"الأنعام\": ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾، وقوله فيها أيضًا: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية؛ وقوله تعالى في \"ص\": ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا","vol":"4","page":733},{"text":"آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾، إلى غير ذلك من الآيات. فنرجو الله تعالى القريب المجيب: أن تغمرنا بركات هذا الكتاب العظيم المبارك بتوفيق الله تعالى لنا لتدبر آياته، والعمل بما فيها من الحلال والحرام، والأوامر والنواهي، والمكارم والآداب، امتثالًا واجتنابا، إنه قريب مجيب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1031> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ﴾</span>.\nقد قدمنا ما يوضح هذه الآيات إلى آخر القصة من القرآن في سورة \"مريم\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1032> قوله تعالى: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام لما أفحم قومه الكفرة بالبراهين والحجج القاطعة، لجئوا إلى استعمال القوة فقالوا: ﴿حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ أي بقتلكم عدوها إبراهيم شر قتلة، وهي الإحراق بالنار.\nولم يذكر هنا أنهم أرادوا قتله بغير التحريق؛ ولكنه تعالى ذكر في سورة \"العنكبوت\" أنهم ﴿قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ وذلك في قوله: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ﴾ الآية.\nوقد جرت العادة بأن المبطل إذا أفحم بالدليل لجأ إلى ما عنده من القوة ليستعملها ضد الحق.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ (٦٨)﴾ أي إن كنتم ناصرين آلهتكم نصرًا مؤزرًا. فاختاروا له أفظع قتلة،","vol":"4","page":734},{"text":"وهي الإحراق بالنار. وإلا فقد فرطتم في نصرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1033> قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾</span>.\nفي الكلام حذف دل المقام عليه، وتقديره: قالوا حرقوه فرموه في النار، فلما فعلوا ذلك قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا. وقد بين في \"الصافات\" أنهم لما أرادوا أن يلقوه في النار بنوا له بنيانًا ليلقوه فيه.\nوفي القصة: أنهم ألقوه من ذلك البنيان العالي بالمنجنيق بإشارة رجل من أعراب فارس (يعنون الأكراد)، وأن الله خسف به الأرض فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿قَالُوا ابْنُوا لَهُ بُنْيَانًا فَأَلْقُوهُ فِي الْجَحِيمِ (٩٧)﴾، والمفسرون يذكرون من شدة هذه النار وارتفاع لهبها، وكثرة حطبها شيئًا عظيمًا هائلًا. وذكروا عن نبي الله إبراهيم أنهم لما كتفوه مجردًا ورموه إلى النار، قال له جبريل: هل لك حاجة؟ قال: أما إليك فلا، وأما الله فنعم! قال: لم لا تسأله؟ قال: علمه بحالي كاف عن سؤالي.\nوما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه أمر النار بأمره الكوني القدري أن تكون بردًا وسلامًا على إبراهيم؛ يدل على أنه أنجاه من تلك النار؛ لأن قوله تعالى: ﴿كُونِي بَرْدًا﴾ يدل على سلامته من حرها. وقوله: ﴿وَسَلَامًا﴾. يدل على سلامته من شر بردها الذي انقلبت الحرارة إليه. وإنجاؤه إياه منها الذي دل عليه أمره الكوني القدري هنا جاء مصرحًا به في \"العنكبوت\" في قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وأشار إلى ذلك هنا بقوله:","vol":"4","page":735},{"text":"﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ (٧٠)﴾ يوضحه ما قبله. فالكيد الذي أرادوه به إحراقه بالنار نصرًا منهم لآلهتهم في زعمهم، وجعله تعالى إياهم الأخسرين؛ أي الذين هم أكثر خسرانًا لبطلان كيدهم وسلامته من نارهم.\nوقد أشار تعالى إلى ذلك أيضًا في سورة \"الصافات\" في قوله: ﴿فَأَرَادُوا بِهِ كَيدًا فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَسْفَلِينَ (٩٨)﴾ وكونهم الأسفلين واضح لعلوه عليهم وسلامته من شرهم. وكونهم الأخسرين لأنهم خسروا الدنيا والآخرة، ذلك هو الخسران المبين. وفي القصة: أن الله سلط عليهم خلقًا من أضعف خلقه فأهلكهم وهو البعوض. وفيها أيضًا: أن كل الدواب تطفيء عن إبراهيم النار، إلا الوزغ فإنه ينفخ النار عليه.\nوقد قدمنا الأحاديث الواردة بالأمر بقتل الأوزاغ في سورة \"الأنعام\"، وعن أبي العالية: لو لم يقل الله: ﴿وَسَلَامًا﴾ لكان بردها أشد عليه من حرها. ولو لم يقل ﴿عَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾: لكان بردها باقيًا إلى الأبد. وعن علي وابن عباس ﵃ لو لم يقل: ﴿وَسَلَامًا﴾ لمات إبراهيم من بردها. وعن السدي: لم تبق في ذلك اليوم نار إلا طفئت. وعن كعب وقتادة: لم تحرق النار من إبراهيم إلا وثاقه. وعن المنهال بن عمرو: قال إبراهيم: ما كنت أيامًا قط أنعم مني في الأيام التي كنت فيها في النار. وعن شعيب الحماني: أنه ألقِي في النار وهو ابن ست عشرة سنة. وعن ابن جريج: ألقي فيها وهو ابن ست وعشرين. وعن الكلبي: بردت نيران الأرض","vol":"4","page":736},{"text":"جميعًا، فما أنضجت ذلك اليوم كراعًا. وذكروا في القصة: أن نمروذ أشرف على النار من الصرح فرأى إبراهيم جالسًا على السرير يؤنسه ملك الظل، فقال: نعم الرب ربك، لأقربنَّ له أربعة آلاف بقرة وكف عنه. وكل هذا من الإسرائيليات. والمفسرون يذكرون كثيرًا منها في هذه القصة وغيرها من قصص الأنبياء.\nوقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس، أُرَاه قال: حدثنا أبو بكر عن أبي حَصِين عن أبي الضحى عن ابن عباس ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾ قالها إبراهيم ﵇ حين ألقي في النار، وقالها محمد - ﷺ - حين قالوا: ﴿إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣)﴾. حدثنا مالك ابن إسماعيل، حدثنا إسرائيل عن أبي حَصِين عن أبي الضحى عن ابن عباس قال. كان آخر قول إبراهيم حين ألقي في النار: \"حسبي الله ونعم الوكيل\". انتهى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1034> قوله تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ وَلُوطًا إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ عائد إلي إبراهيم. قال أبو حيان في البحر المحيط. وضمن قوله: ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ معنى أخرجناه بنجاتنا إلى الأرض؛ ولذلك تعدى ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ بـ\"إلى\" ويحتمل أن يكون ﴿إِلَى﴾ متعلقًا بمحذوف؛ أي منتهيًا إلى الأرض، فيكون في موضع الحال. ولا تضمين في ﴿وَنَجَّينَاهُ﴾ على هذا. والأرض التي خرجا منها: هي كُوْثَى من أرض العراق، والأرض التي خرجا إليها: هي أرض الشام اهـ منه. وهذه الآية الكريمة","vol":"4","page":737},{"text":"تشير إلى هجرة إبراهيم ومعه لوط من أرض العراق إلى الشام فرارًا بدينهما.\nوقد أشار تعالى إلى ذلك في غير هذا الموضع؛ كقوله في \"العنكبوت\": ﴿فَآمَنَ لَهُ لُوطٌ وَقَال إِنِّي مُهَاجِرٌ إِلَى رَبِّي﴾ الآية، وقوله في \"الصافات\": ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ على أظهر القولين؛ لأنه فار إلى ربه بدينه من الكفار. وقال القرطبي ﵀ في تفسير قوله تعالى ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾: هذه الآية أصل في الهجرة والعزلة، وأول من فعل ذلك إبراهيم   ﵇، وذلك حين خلصه الله من النار قال: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي﴾ أي مهاجر من بلد قومي ومولدي، إلى حيث أتمكن من عبادة ربي ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ فيما نويت إلى الصواب. وما أشار إليه جل وعلا من أنه بارك للعالمين في الأرض المذكورة، التي هي الشام على قول الجمهور في هذه الآية بقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا لِلْعَالمِينَ (٧١)﴾ = بينه في غير الموضع؛ كقوله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ﴾ الآية. ومعنى كونه بارك فيها؛ هو ما جعل فيها من الخصب والأشجار والأنهار والثمار؛ كما قال تعالى: ﴿لَفَتَحْنَا عَلَيهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ ومن ذلك أنه بعث أكثر الأنبياء منها.\nوقال بعض أهل العلم: ومن ذلك أن كل ماء عذب أصل منبعه من تحت الصخرة التي عند بيت المقدس. وجاء في ذلك حديث مرفوع، والظاهر أنه لا يصح. وفي قوله تعالى: ﴿إِلَى الْأَرْضِ","vol":"4","page":738},{"text":"الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَ﴾ أقوال أخر تركناها لضعفها في نظرنا.\nوفي هذه الآية الكريمة دليل على أن الفرار بالدين من دار الكفر إلى بلد يتمكن فيه الفار بدينه من إقامة دينه؛ واجب. وهذا النوع من الهجرة وجوبه باق بلا خلاف بين العلماء في ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1035> قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ نَافِلَةً وَكُلًّا جَعَلْنَا صَالِحِينَ (٧٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه وهب لإبراهيم ابنه إسحاق، وابن ابنه يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم، وأنه جعل الجميع صالحين. وقد أوضح البشارة بهما في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾، وقوله: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾. وقد أشار تعالى في سورة \"مريم\" إلى أنه لما هجر الوطن والأقارب عوضه الله من ذلك قرة العين بالذرية الصالحة، وذلك في قوله: ﴿فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلًّا جَعَلْنَا نَبِيًّا (٤٩)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿نَافِلَةً﴾ قال فيه ابن كثير: قال عطاء ومجاهد: نافلة عطية، وقال ابن عباس وقتادة والحكم بن عتيبة: النافلة: ولد الولد، يعني أن يعقوب ولد إسحاق.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: أصل النافلة في اللغة: الزيادة على الأصل، ومنه النوافل في العبادات؛ لأنها زيادات على الأصل الذي هو الفرض. وولد الولد زيادة على الأصل، الذي هو","vol":"4","page":739},{"text":"ولد الصلب، ومن ذلك قول أبي ذؤيب الهذلي:\nفإن تك أنثى من معدٍّ كريمة ... علينا فقد أعطيت نافلة الفضل\nأي أعطيت الفضل عليها والزيادة في الكرامة علينا، كما هو التحقيق في معنى بيت أبي ذؤيب هذا، وكما شرحه به أبو سعيد الحسن بن الحسين السكري في شرحه لأشعار الهذليين. وبه تعلم أن إيراد صاحب اللسان بيت أبي ذؤيب المذكور مستشهدًا به لأن النافلة الغنيمة غير صواب، بل هو غلط. مع أن الأنفال التي هي الغنائم راجعة في المعنى إلى معنى الزيادة؛ لأنها زيادة تكريم أكرم الله بها هذا النبي الكريم فأحلها له ولأمته. أو لأن الأموال المغنومة أموال أخذوها زيادة علي أموالهم الأصلية بلا تمن.\nوقوله: ﴿نَافِلَةً﴾ فيه وجهان من الإعراب، فعلى قول من قال: النافلة العطية؛ فهو ما ناب عن المطلق من ﴿وَوَهَبْنَا﴾ أي وهبنا له إسحاق ويعقوب هبة. وعليه فالنافلة مصدر جاء بصيغة اسم الفاعل، كالعاقبة والعافية. وعلى أن النافلة بمعنى الزيادة فهو حال من ﴿وَيَعْقُوبَ﴾ أي وهبنا له يعقوب في حال كونه زيادة على إسحاق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1036> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾ يشمل كل المذكورين: إبراهيم، ولوطًا، وإسحاق، ويعقوب، كما جزم به أبو حيان في البحر المحيط، وهو الظاهر.","vol":"4","page":740},{"text":"وقد دلت هذه الآية الكريمة على أن الله جعل إسحاق ويعقوب من الأئمة، أي جعلهم رؤساء في الدين يقتدى بهم في الخيرات وأعمال الطاعات وقوله: ﴿بِأَمْرِنَا﴾ أي بما أنزلنا عليهم من الوحي والأمر والنهي، أو يهدون الناس إلى ديننا بأمرنا إياهم، بإرشاد الخلق ودعائهم إلى التوحيد.\nوهذه الآية الكريمة تبين أن طلب إبراهيم الإمامة لذريته المذكور في سورة \"البقرة\" أجابه الله فيه بالنسبة إلى بعض ذريته دون بعضها، وضابط ذلك: أن الظالمين من ذريته لا ينالون الإمامة بخلاف غيرهم؛ كإسحاق ويعقوب فإنهم ينالونها كما صرح به تعالى في قوله هنا: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً﴾. وطلب إبراهيم هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾. فقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ أي وإجعل من ذريتي أئمة يقتدى بهم في الخير؛ فأجابه الله بقوله: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ أي لا ينال الظالمين عهدي بالإمامة؛ على الأصوب. ومفهوم قوله: ﴿الظَّالِمِينَ﴾ أن غيرهم يناله عهده بالإمامة، كما صرح به هنا. وهذا التفصيل المذكور في ذرية إبراهيم أشار له تعالى في \"الصافات\" بقهوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَيهِمْ فِعْلَ الْخَيرَاتِ﴾ أي أن يفعلوا الطاعات، ويأمروا الناس بفعلها. وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة من جملة الخيرات، فهو من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مرارًا النكتة البلاغية المسوغة للإطناب في عطف الخاص على العام. وعكسه في القرآن. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.","vol":"4","page":741},{"text":"وقوله: ﴿وَكَانُوا لَنَا عَابِدِينَ (٧٣)﴾ أي مطيعين باجتناب النواهي وامتثال الأوامر بإخلاص؛ فهم يفعلون ما يأمرون الناس به، ويجتنبون ما ينهونهم عنه؛ كما قال نبي الله شعيب: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ أُخَالِفَكُمْ إِلَى مَا أَنْهَاكُمْ عَنْهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَئِمَّةً﴾ معلوم أنه جمع إمام. والإمام: هو المقتدى به، ويطلق في الخير كما هنا، وفي الشر كما في قوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية. وما ظنه الزمخشري من الإشكال في هذه الآية ليس بواقع؛ كما نبه عليه أبو حيان. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ﴾ لم تعوض هنا تاء عن العين الساقطة بالاعتلال على القاعدة التصريفية المشهورة؛ لأن عدم تعويضها عنه جائز كما هنا، كما أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\n.......................... ... وألِفَ الإفعالِ واسْتِفْعال\nأزِل لِذا الإعلالِ والتا الْزَمْ عِوَض ... وحذفُها بالنقلِ رُبَّما عَرَض\nوقد أشار في أبنية المصادر إلى أن تعويض التاء المذكورة من العين هو الغالب بقوله:\nواستعِذِ استعاذةً ثمَّ أَقِمْ ... إقامةً وغالبًا ذا التَّا لَزِمْ\nوما ذكرناه من أن التاء المذكورة عوض عن العين أجود من قول من قال: إن العين باقية وهي الألف الباقية، وأن التاء عوض عن ألف الإفعال.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا آتَينَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ","vol":"4","page":742},{"text":"الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤) وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٧٥)﴾.\nقوله: ﴿وَلُوطًا﴾ منصوب بفعل مضمر وجوبًا يفسره آتيناه؛ كما قال في الخلاصة:\nفالسابق انصبه بفعلٍ أُضْمرا ... حتمًا موافق لما قد أُظْهِرا\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية: الحكم: النبوة، والعلم: المعرفة بأمر الدين، وما يقع به الحكم بين الخصوم. وقيل: علمًا فهمًا، وقال الزمخشري: حكمًا: حكمة، وهو ما يجب فعله، أو فصلًا بين الخصوم، وقيل: هو النبوة.\nقال مقيده -عفا الله عنه-: أصل الحكم في اللغة: المنع كما هو معروف. فمعنى الآيات: أن الله آتاه من النبوة والعلم ما يمنع أقواله وأفعاله من أن يعتريها الخلل. والقرية التي كانت تعمل الخبائث: هي سدوم وأعمالها، والخبائث التي كانت تعملها جاءت موضحة في آيات من كتاب الله: (منها) اللواط، وأنهم هم أول من فعله من الناس، كما قال تعالى: ﴿أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالمِينَ (٨٠)﴾، وقال: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾. ومن الخبائث المذكورة إتيانهم المنكر في ناديهم، وقطعهم الطريق، كما قال تعالى: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَال وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ الآية. ومن أعظم خبائثهم: تكذيب نبي الله لوط وتهديدهم له بالإخراج من الوطن؛ كما قال تعالى عنهم: ﴿قَالُوا لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَالُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ (١٦٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فَمَا","vol":"4","page":743},{"text":"كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إلا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (٥٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بين الله في مواضع متعددة من كتابه: أنه أهلكهم فقلب بهم بلدهم، وأمطر عليهم حجارة من سجيل، كما قال تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ والآيات بنحو ذلك كثيرة. والخبائث: حمع خبيثة، وهي الفعلة السيئة، كالكفر واللواط وما جرى مجرى ذلك.\nوقوله: ﴿قَوْمَ سَوْءٍ﴾ أي أصحاب عمل سيء، ولهم عند الله جزاء يسوءهم؛ وقوله: ﴿فَاسِقِينَ (٧٤)﴾ أي خارجين عن طاعة الله، وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ﴾ يعني لوطًا: ﴿فِي رَحْمَتِنَا﴾ شامل لنجاته من عذابهم الذي أصابهم، وشامل لإدخاله إياه في رحمته التي هي الجنة كما في الحديث الصحيح: \"تحاجت النار والجنة .. \" الحديث. وفيه: \"فقال للجنة أنت رحمتي أرحم بها من أشاء من عبادي\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1037> قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَنُوحًا﴾ منصوب بـ\"اذكر\" مقدرًا، أي واذكر نوحًا حين نادى من قبل، أي من قبل إبراهيم ومن ذُكِر معه. ونداء نوح هذا المذكور هنا هو المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾، وقد أوضح الله هذا النداء بقوله: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)","vol":"4","page":744},{"text":"فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١)﴾ الآية. والمراد بالكرب العظيم في الآية: الغرق بالطوفان الذي تتلاطم أمواجه كأنها الجبال العظام. كما قال تعالى: ﴿وَهِيَ تَجْرِي بِهِمْ فِي مَوْجٍ كَالْجِبَالِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. والكرب: هو أقصى الغم، والأخذ بالنفس.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ﴾ يعني إلا من سبق عليه القول من أهله بالهلاك مع الكفرة الهالكين، كما قال تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَينِ اثْنَينِ وَأَهْلَكَ إلا مَنْ سَبَقَ عَلَيهِ الْقَوْلُ﴾ الآية. ومن سبق عليه القول منهم: ابنه المذكور في قوله: ﴿وَحَال بَينَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ (٤٣)﴾ وامرأته المذكورة في قوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ كَفَرُوا امْرَأَتَ نُوحٍ -إلى قوله- وَقِيلَ ادْخُلَا النَّارَ مَعَ الدَّاخِلِينَ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1038> قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ﴾ منصوب بـ\"اذكر\" مقدرًا. وقيل: معطوف قوله: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ﴾ أي: واذكر نوحًا إذ نادى من قبل ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذْ﴾ بدل من ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ بدل اشتمال كما أوضحناه في سورة \"مريم\" وذكرنا بعض المناقشة فيه، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا ويكون في نفس الآية قرينة تدل على خلاف","vol":"4","page":745},{"text":"ذلك القول. وذكرنا في هذا الكتاب مسائل كثيرة من ذلك. فإذا علمت ذلك فاعلم أن جماعة من العلماء قالوا: إن حكم داود وسليمان في الحرث المذكور في هذه الآية كان بوحي. إلا أن ما أوحي إلى سليمان كان ناسخًا لما أوحي إلى داود.\nوفي الآية قرينتان على أن حكمهما كان باجتهاد لا بوحي، وأن سليمان أصاب فاستحق الثناء باجتهاده وإصابته، وأن داود لم يصب فاستحق الثناء باجتهاده ولم يستوجب لومًا ولا ذمًا بعدم إصابته؛ كما أثنى على سليمان بالإصابة في قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾، وأثنى عليهما في قوله: ﴿وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فدل قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ على أنهما حكما فيها معًا، كل منهما بحكم مخالف لحكم الآخر، ولو كان وحيًا لما ساغ الخلاف. ثم قال: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ فدل ذلك على أنه لم يفهمها داود، ولو كان حكمه فيها بوحي لكان مفهمًا إياها كما ترى. فقوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ﴾ مع قوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ﴾ قرينة على أن الحكم لم يكن بوحي بل باجتهاد، وأصاب فيه سليمان دون داود بتفهيم الله إياه ذلك.\nوالقرينة الثانية: هي أن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ الآية يدل على أنه فهمه إياها من نصوص ما كان عندهم من الشرع؛ لا أنه أنزل عليه فيها وحيًا جديدًا ناسخًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أليق بالأول من الثاني، كما ترى.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة:\nالمسألة الأولى\nاعلم أن هذا الذي ذكرنا أن القرينة تدل عليه في هذه الآية","vol":"4","page":746},{"text":"من أنهما حكما فيها باجتهاد، وأن سليمان أصاب في اجتهاده؛ جاءت السنة الصحيحة بوقوع مثله منهما في غير هذه المسألة؛ فدل ذلك على إمكانه في هذه المسألة، وقد دلت القرينة القرآنية على وقوعه، قال البخاري في صحيحه: (باب إذا ادعت المرأة ابنًا) حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"كانت امرأتان معهما ابناهما، جاء الذئب فذهب بابن إحداهما، فقالت لصاحبتها: إنما ذهب بابنك. فقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك. فتحاكمتا إلى داود   ﵇، فقضى به للكبرى، فخرجتا على سليمان بن داود ﵉، فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا تفعل يرحمك الله هو ابنها؛ فقضى به للصغرى. قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ، وما كنا نقول إلا المدية\". انتهى من صحيح البخاري.\nوقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثني شبابة، حدثني ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة، عن النبي - ﷺ - قال: \"بينما امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما. فقالت هذه لصاحبتها: إنما ذهب بابنك أنت. وقالت الأخرى: إنما ذهب بابنك، فتحاكمتا إلى داود فقضى به للكبرى. فخرجتا على سليمان بن داود ﵉؛ فأخبرتاه فقال: ائتوني بالسكين أشقه بينكما. فقالت الصغرى: لا يرحمك الله\". انتهى منه. فهذا الحديث الصحيح يدل دلالة واضحة على أنهما قضيا معًا بالاجتهاد في شأن الولد المذكور، وأن سليمان","vol":"4","page":747},{"text":"أصاب في ذلك، إذ لو كان قضاء داود بوحي لما جاز نقضه بحال. وقضاء سليمان واضح أنه ليس بوحي؛ لأنه أوهم المرأتين أنه يشقه بالسكين، ليعرف أمه بالشفقة عليه، ويعرف الكاذبة برضاها بشقه لتشاركها أمه في المصيبة فعرف الحق بذلك. وهذا شبيه جدًا بما دلت عليه الآية حسبما ذكرنا، وبينا دلالة القرينة القرآنية عليه. ومما يشبه ذلك من قضائهما القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في ترجمة \"سليمان\"   ﵇  من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، وعن سعيد بن بشر، عن قتادة عن مجاهد عن ابن عباس فذكر قصة مطولة، ملخصها: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها؛ فشهدوا عند داود   ﵇   أنها مكنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر يرجمها، فلما كان عشية ذلك اليوم جلس سليمان، واجتمع معه ولدان مثله؛ فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزي أولئك، وآخر بزي المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم. فسأل أولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود، فعزله. واستدعى الآخر فسأله عن لونه؟ فقال: أحمر. وقال الآخر: أغبش. وقال الآخر: أبيض، فأمر عند ذلك بقتلهم، فحكي ذلك لداود   ﵇، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم. انتهى بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية الكريمة. وكل هذا مما يدل على صحة ما فسرنا به الآية، لدلالة القرينة القرآنية عليه. وممن فسرها بذلك الحسن","vol":"4","page":748},{"text":"البصري ﵀ كما ذكره البخاري وغيره عنه. قال البخاري ﵀ في صحيحه (باب متى يستوجب الرجل القضاء): وقال الحسن: أخذ الله على الحكام أن لا يتبعوا الهوى، ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياتي ثمنًا قليلًا -إلى أن قال- وقرأ: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيمَانَ وَكُلًّا آتَينَا حُكْمًا وَعِلْمًا﴾ فحمد سليمان ولم يلم داود. ولولا ما ذكره الله من أمر هذين لرأيت أن القضاة هلكوا، فإنه أثنى على هذا بعلمه، وعذر هذا باجتهاده. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم أن الحسن ﵀ يرى أنا معنى الآية الكريمة كما ذكرنا، ويزيد هذا إيضاحًا ما قدمناه في سورة \"بني إسرائيل\" من الحديث المتفق عليه عن النبي - ﷺ -، من حديث عمرو بن العاص وأبي هريرة ﵄ \"إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب فله أجران، وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر\" كما قدمنا إيضاحه.\nالمسألة الثانية\nاعلم أن الاجتهاد في الأحكام في الشرع دلت عليه أدلة من الكتاب والسنة؛ منها هذا الذي ذكرنا هنا. وقد قدمنا في سورة بني \"إسرائيل\" طرفًا من ذلك، ووعدنا بذكره مستوفى في هذه السورة الكريمة، وسورة \"الحشر\"، وهذا أوان الوفاء بذلك الوعد في هذه السورة الكريمة. وقد علمت مما مر في سورة \"بني إسرائيل\" أنا ذكرنا طرفًا من الأدلة على الاجتهاد، فبيَّنا إجماع العلماء على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بالإلحاق بنفي الفارق الذي يسميه","vol":"4","page":749},{"text":"الشافعي: القياس في معنى الأصل، وهو تنقيح المناط. وأوضحنا أنه لا ينكره إلا مكابر، وبينا الإجماع أيضًا على العمل بنوع الاجتهاد المعروف بتحقيق المناط، وأنه لا ينكره إلا مكابر، وذكرنا أمثلة له في الكتاب والسنة، وذكرنا أحاديث دالة على الاجتهاد، منها الحديث المتفق عليه المتقدم، ومنها حديث معاذ حين بعثه النبي - ﷺ - إلى اليمن، وقد وعدنا بأن نذكر طرقه هنا إلى آخر ما ذكرنا هناك.\nاعلم أن جميع روايات هذا الحديث المذكورة في المسند والسنن، كلها من طريق شعبة عن أبي عون عن الحارث بن عمرو ابن أخي المغيرة بن شعبة عن أناس من أصحاب معاذ، عن معاذ، عن رسول الله - ﷺ -.\nأما الرواية المتصلة الصحيحة التي ذكرنا سابقًا عن ابن قدامة في روضة الناظر أن عبادة بن نُسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، فهذا الإسناد وإن كان متصلًا ورجاله معرفون بالثقة، فإني لم أقف على من خرج هذا الحديث من هذه الطريق، إلا ما ذكره العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن أبي بكر الخطيب بلفظ: وقد قيل، إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ اهـ منه. ولفظة \"قيل\" صيغة تمريض كما هو معروف. وإلا ما ذكره ابن كثير في تاريخه، فإنه لما ذكر فيه حديث معاذ المذكور باللفظ الذي ذكرنا بالإسناد الذي أخرجه به الإمام أحمد قال: وأخرجه أبو داود، والترمذي من حديث شعبة به. وقال الترمذي: لا نعرفه إلا من هذا الوجه وليس إسناده عندي بمتصل،","vol":"4","page":750},{"text":"ثم قال ابن كثير: وقد رواه ابن ماجه من وجه آخر عنه، إلا أنه من طريق محمد بن سعيد بن حسان وهو المصلوب أحد الكذابين، عن عبادة بن نسي عن عبد الرحمن عن معاذ به نحوه.\nواعلم أن النسخة الموجودة بأيدينا من تاريخ ابن كثير التي هي من الطبعة الأولى سنة ١٣٥١ فيها تحريف مطبعي في الكلام الذي ذكرنا. ففيها محمد بن سعد بن حسان، والصواب محمد بن سعيد لا سعد. وفيها: عن عياذ بن بشر، والصواب. عن عبادة بن نسي.\nوما ذكره ابن كثير ﵀ من إخراج ابن ماجه لحديث معاذ المذكور من طريق محمد بن سعيد المصلوب، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن وهو ابن غنم، عن معاذ، لم أره في سنن ابن ماجه، والذي في سنن ابن ماجه بالإسناد المذكور من حديث معاذ غير المتن المذكور، وهذا لفظه: حدثنا الحسن بن حماد سجادة، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن سعيد بن حسان، عن عبادة بن نسي، عن عبد الرحمن بن غنم، حدثنا معاذ بن جبل قال: بعثني رسول الله - ﷺ - إلى اليمن قال: \"لا تقضين ولا تفصلن إلا بما تعلم، وإن أشكل عليك أمر فقف حتى تبينه أو تكتب إليَّ فيه\" اهـ منه. وما أدري أوهم الحافظ ابن كثير فيما ذكر؟ أو هو يعتقد أن معنى \"تبينه\" في الحديث أي تعلمه باجتهادك في استخراجه من المنصوص، فيرجع إلى معنى الحديث المذكور؟ وعلى كل حال فالرواية المذكورة من طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم عن معاذ فيها كذاب وهو محمد بن سعيد المذكور الذي قتله","vol":"4","page":751},{"text":"أبو جعفر المنصور في الزندقة وصلبه، وقال أحمد بن صالح: وضع أربعة آلاف حديث؛ فإذا علمت بهذا انحصار طرق الحديث المذكور الذي فيه أن معاذًا قال للنبي - ﷺ -: إنه إن لم يجد المسألة في كتاب الله ولا سنة رسول الله - ﷺ - اجتهد فيها رأيه. وأقره النبي - ﷺ - على ذلك في الطريقتين المذكورتين؛ علمت وجه تضعيف الحديث ممن ضعفه، وأنه يقول: طريق عبادة بن نسي عن ابن غنم لم تسندوها ثابتة من وجه صحيح إليه. والطريق الأخرى التي في المسند والسنن فيها الحارث ابن أخي المغيرة وهو مجهول، والرواة فيها أيضًا عن معاذ مجاهيل؛ فمن أين قلتم بصحتها؟ وقد قدمنا أن ابن كثير ﵀ قال في مقدمة تفسيره: إن الطريقة المذكورة في المسند والسنن بإسناد جيد. وقلنا: لعله يرى أن الحرث المذكور ثقة، وقد وثقه ابن حبان، وأن أصحاب معاذ لا يعرف فيهم كذاب ولا متهم.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ويؤيد ما ذكرنا عن مراد ابن كثير بجودة الإسناد المذكور ما قاله العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، قال فيه: وقد أقر النبي - ﷺ - معاذًا على اجتهاد رأيه فيما لم يجد فيه نصًّا عن الله ورسوله، فقال شعبة: حدثني أبو عون عن الحارث بن عمرو، عن أناس من أصحاب معاذ: أن رسوله - ﷺ - لما بعثه إلى اليمن قال: \"كيف تصنع إن عرض لك قضاء\"؟ قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: \"فإن لم يكن في كتاب الله\"؟ قال: فبسنة رسول الله - ﷺ -، قال: \"فإن لم يكن في سنة رسول الله - ﷺ -\"؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو. فضرب رسول الله - ﷺ - صدري ثم قال: \"الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله - ﷺ -","vol":"4","page":752},{"text":"لما يرضي رسول الله\". فهذا حديث إن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث. وأن الذي حدث له الحرث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم ولو سُمِّي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى، ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب، ولا مجروح؛ بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به. قال أبو بكر الخطيب: وقد قيل إن عبادة بن نسي رواه عن عبد الرحمن بن غنم، عن معاذ، وهذا إسناد متصل، ورجاله معروفون بالثقة، على أن أهل العلم قد نقلوه، واحتجوا به؛ فوقفنا بذلك على صحته عندهم، كما وقفنا بذلك على صحة قول رسول الله - ﷺ -: \"لا وصية لوارث\". وقوله في البحر: \"هو الطهور ماؤه، الحل ميتته\" وقوله: \"إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة تحالفا وترادا البيع\"، وقوله: \"الدية على العاقلة\". وإن كانت هذه الأحاديث لا تثبت من جهة الإسناد ولكن لما تلقتها الكافة عن الكافة غنوا بصحتها عندهم عن طلب الإسناد لها؛ فكذلك حديث معاذًا لما احتجوا به جميعًا غنوا عن طلب الإسناد له. انتهى منه. وحديث عمرو بن العاص وأبي هريرة الثابت في الصحيحين شاهد له كما قدمنا، وله شواهد غير ذلك ستراها إن شاء الله تعالى.\nالمسألة الثالثة\nاعلم أن الاجتهاد الذي دلت عليه نصوص الشرع أنواع متعددة:","vol":"4","page":753},{"text":"(منها) الاجتهاد في تحقيق المناط، وقد قدمنا كثيرا من أمثلته في \"الإسراء\".\n(ومنها) الاجتهاد في تنقيح المناط، ومن أنواعه: السبر، والتقسيم، والإلحاق بنفي الفارق.\nواعلم: أن الاجتهاد بإلحاق المسكوت عنه بالمنطوق به قسمان:\nالأول: الإلحاق بنفي الفارق، وهو قسم من تنقيح المناط كما ذكرناه آنفًا. ويسمى عند الشافعي: القياس في معنى الأصل، وهو بعينه مفهوم الموافقة، ويسمى أيضًا القياس الجلي.\nوالثاني من نوعي الإلحاق: هو القياس المعروف بهذا الاسم في اصطلاح أهل الأصول.\nأما القسم الأول الذي هو الإلحاق بنفي الفارق، فلا يحتاج فيه إلى وصف جامع بين الأصل والفرع وهو العلة؛ بل يقال فيه: لم يوجد بين هذا المنطوق به وهذا المسكوت عنه فرق فيه يؤثر في الحكم البتة فهو مثله في الحكم. وأقسامه أربعة: لأن المسكوت عنه إما أن يكون مساويًا للمنطق به في الحكم، أو أولى به منه، وفي كل منهما إما أن يكون نفي الفارق بينهما مقطوعًا به أو مظنونًا؛ فالمجموع أربعة:\n(الأول منها): أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به مع القطع بنفي الفارق كقوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فالضرب المسكوت عنه أولى بالحكم الذي هو التحريم من التأفيف","vol":"4","page":754},{"text":"المنطوق به مع القطع بنفي الفارق، وكقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ فشهادة أربعة عدول المسكوت عنها أولى بالحكم وهو القبول من المنطوق به وهو شهادة العدلين مع القطع بنفي الفارق.\n(والثاني منها): أن يكون المسكوت عنه أولى بالحكم من المنطوق به أيضًا، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا بل مظنونًا ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين، ومثاله: نهيه - ﷺ - عن التضحية بالعوراء؛ فالتضحية بالعمياء المسكوت عنها أولى بالحكم وهو المنع من التضحية بالعوراء المنطوق بها، إلا أن نفي الفارق بينهما ليس قطعيًّا بل مظنونًا ظنًّا قويًّا؛ لأن علة النهي عن التضحية بالعوراء كونها ناقصة ذاتًا وثمنًا وقيمة، وهذا هو الظاهر. وعليه فالعمياء أنقص منها ذاتًا وقيمة. وهناك احتمال آخر: هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن تكون علة النهي عن التضحية بالعوراء: أن العور مظنة الهزال؛ لأن العوراء ناقصة البصر، وناقصة البصر تكون ناقصة الرعي؛ لأنها لا ترى إلا ما يقابل عينًا واحدة، ونقص الرعي مظنة للهزال، وعلى هذا الوجه فالعمياء ليست كالعوراء؛ لأن العمياء يختار لها أحسن العلف؛ فيكون ذلك مظنة لسمنها.\n(والثالث منها): أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم مع القطع بنفي الفارق؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا﴾ الآية. فإحراق أموال اليتامى وإغراقها المسكوت عنه مساوٍ للأكل المنطوق به في الحكم الذي هو التحريم والوعيد بعذاب النار مع القطع بنفي الفارق.","vol":"4","page":755},{"text":"(والرابع منها): أن يكون المسكوت عنه مساويًا للمنطوق به في الحكم أيضًا: إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا مزاحمًا لليقين، ومثاله الحديث الصحيح \"من أعتق شركًا له في عبد ... \" الحديث المتقدم في \"الإسراء، والكهف\" فإن المسكوت عنه وهو عتق بعض الأمة مساوٍ للمنطوق به وهو عتق بعض العبد في الحكم الذي هو سراية العتق المبينة في الحديث المتقدم مرارًا. إلا أن نفي الفارق بينهما مظنون ظنًّا قويًّا؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى العتق وصفان طرديان لا يناط بهما حكم من أحكام العتق؛ كما قدمناه مستوفى في سورة \"مريم\" وهناك احتمال آخر هو الذي منع من القطع بنفي الفارق، وهو احتمال أن يكون الشارع نص على سراية العتق في خصوص العبد الذكر، مخصصًا له بذلك الحكم دون الأنثى؛ لأن عتق الذكر يترتب عليه من الآثار الشرعية ما لا يترتب على عتق الأنثى، كالجهاد والإمامة والقضاء. ونحو ذلك من المناصب المختصة بالذكور دون الإناث. وقد أكثرنا من أمثلة هذا النوع الذي هو الإلحاق بنفي الفارق في سورة \"بني إسرائيل\".\n(وأما النوع الثاني من أنواع الإلحاق): فهو القياس المعروف في الأصول، وهو المعروف بقياس التمثيل. وسنعرفه هنا لغة واصطلاحًا، ونذكر أقسامه، وما ذكره بعض أهل العلم من أمثلته في القرآن:\nاعلم أن القياس في اللغة: التقدير والتسوية؛ يقال: قاس الثوب بالذراع، وقاس الجرح بالمِيل -بالكسر- وهو المرود: إذا","vol":"4","page":756},{"text":"قدر عمقه به؛ ولهذا سمي الميل مقياسًا، ومن هذا المعنى قول البعيث بن بشر يصف جراحة أو شجة:\nإذا قاسها الآسي النطاسي أدبرت ... غثيثتها وازداد وهيًا هزومها\nفقوله: \"قاسها\" يعني قدر عمقها بالميل. والآسى: الطبيب، والنطاسي (بكسر النون وفتحها): الماهر بالطب؛ والغثيثة (بثاءين مثلثتين): مدة الجرح وقيحه، وما فيه من لحم ميت. والوهي: التخرق والتشقق. والهزوم: غمز الشيء باليد فيصير فيه حفرة كما يقع في الورم الشديد.\nوتعريف القياس المذكور في اصطلاح أهل الأصول، كثرت فيه عبارات الأصوليين، مع مناقشات معروفة في تعريفاتهم له. واختار غير واحد منهم تعريفه بأنه: حمل معلوم على معلوم -أي إلحاقه به في حكمه- لمساواته له في علة الحكم. وهذا التعريف إنما يشمل القياس الصحيح دون الفاسد. والتعريف الشامل للفاسد: هو أن تزيد على تعريف الصحيح لفظة عند الحامل؛ فتقول: هو إلحاق معلوم في حكمه لمساواته له في علة الحكم عند الحامل، فيدخل الفاسد في الحد مع الصحيح، كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله معرفًا للقياس:\nبحمل معلوم على ما قد علم ... للاستوا في علة الحكم وسم\nوإن ترد شموله لما فَسَدْ ... فزد لدى الحامل والزيد أَسَدْ\nومعلوم أن أركان القياس المذكور أربعة: وهي الأصل المقيس عليه، والفرع المقيس، والعلة الجامعة بينهما، وحكم","vol":"4","page":757},{"text":"الأصل المقيس عليه.\nفلو قسنا النبيذ على الخمر؛ فالأصل الخمر، والفرع النبيذ، والعلة الإسكار، وحكم الأصل الذي هو الخمر التحريم. وشروط هذه الأركان الأربعة والبحث فيها، مستوفى في أصول الفقه، فلا نطيل به الكلام هنا.\nواعلم أن القياس المذكور ينقسم بالنظر إلى الجامع بين الفرع والأصل إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: قياس العلة. والثاني: قياس الدلالة. والثالث: قياس الشبه.\nأما قياس العلة فضابطه: أن يكون الجمع بين الفرع والأصل بنفس علة الحكم، فالجمع بين النبيذ والخمر بنفس العلة التي هي الإسكار. والقصد مطلق التمثيل، لأنا قد قدمنا أن قياس النبيذ على الخمر لا يصح، لوجود النص على أن \"كل مسكر خمر، وأن ما أسكر كثيره فقليله حرام\". والقياس لا يصح مع التنصيص على أن حكم الفرع المذكور كحكم الأصل، إلا أن المثال يصح بالتقدير والفرض ومطلق الاحتمال كما تقدم. وكالجمع بين البر والذرة بنفس العلة التي هي الكيل مثلًا عند من يقول بذلك، وإلى هذا أشار في المراقي بقوله:\nوما بذات علة قد جُمعا ... فيه فقيس علة قد سمعا\nوأما قياس الدلالة فضابطه: أن يكون الجمع فيه بدليل العلة لا بنفس العلة، كأن يجمع بين الفرع والأصل بملزوم العلة أو أثرها","vol":"4","page":758},{"text":"أو حكمها، فمثال الجمع بملزوم العلة أن يقال: النبيذ حرام كالخمر بجامع الشدة المطربة، وهي ملزوم للإسكار، بمعنى أنها يلزم من وجود الإسكار. ومثال الجمع بأثر العلة أن يقال: القتل بالمثقل يوجب القصاص كالقتل بمحدد بجامع الإثم، وهو أثر العلة وهي القتل العمد العدوان. ومثال الجمع بحكم العلة أن يقال: تقطع الجماعة بالواحد كما يقتلون به، بجامع وجوب الدية عليهم في ذلك حيث كان غير عمد، وهو حكم العلة التي هي القطع منهم في الصورة الأولى، والقتل منهم في الثانية. وإلى تعريف قياس الدلالة المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:\nجامع ذي الدلالة الذي لزم ... فأثر فحكمها كما رسم\nوقوله: \"الذي لزم\" بالبناء للفاعل يعني اللازم، وتعبيره هنا باللازم تبعًا لغيره غلط منه ﵀، وممن تبعه هو؛ لأن وجود اللازم لا يكون دليلًا على وجود الملزوم بإطباق العقلاء؛ لاحتمال كون اللازم أعم من الملزوم، ووجود الأعم لا يقتضي وجود الأخص كما هو معروف. ولذا أجمع النظار على استثناء عين التالي في الشرطي المتصل لا ينتج عين المقدم؛ لأن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. والصواب ما مثلنا به من الجمع بملزوم العلة؛ لأن الملزوم هو الذي يقتضي وجوده وجود اللازم كما هو معروف. فالشدة المطربة والإسكار متلازمان، ودلالة الشدة المطربة على الإسكار إنما هي من حيث إنها ملزوم له لا لازم، لما عرفت من أن وجود اللازم لا يقتضي وجود الملزوم. واقتضاؤه له هنا إنما هو للملازمة بين الطرفين؛ لأن كلًّا منهما لازم للآخر وملزوم له","vol":"4","page":759},{"text":"للملازمة بينهما من الطرفين.\nوأما قياس الشبه: فقد اختلفت فيه عبارات أهل الأصول. فعرف بعضهم الشبه بأنه منزلة بين المناسب والطرد. وعرفه بعضهم بأنه المناسب بالتبع لا بالذات. ومعنى هذا كمعنى تعريف من عرفه بأنه المستلزم للمناسب.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: عبارات أهل الأصول في الشبه الذي هو المسلك السادس من مسالك العلة عند المالكية والشافعية، كلها تدور حول شيء واحد، وهو أن الوصف الجامع في قياس الشبه يشبه المناسب من وجهه، ويشبه الوصف الطردي من جهة أخرى. وقد قدمنا في سورة \"مريم\" أن المناسب هو الوصف الذي تتضمن إناطة الحكم به مصلحة من جلب نفع أو دفع ضر، والطردي هو ما ليس كذلك، إما في جميع الأحكام وإما في بعضها؛ ولا خلاف بين أهل الأصول في أن ما يسمى بغلبة الأشياء لا يخرج عن قياس الشبه؛ لأن بعضهم يقول إنه داخل فيه، وهو الظاهر. وبعضهم يقول هو بعينه لا شيء آخر. وغلبة الأشباه هي إلحاق فرع متردد بين أصلين بأكثرهما شبهًا به؛ كالعبد فإنه متردد بين أصلين لشبهه بكل واحد منهما؛ فهو يشبه المال لكونه يباع ويشترى ويوهب ويورث إلى غير ذلك من أحوال المال. ويشبه الحر من حيث إنه إنسان ينكح ويطلِّق ويثاب ويعاقب، وتلزمه أوامر الشرع ونواهيه. وأكثر أهل العلم يقولون: إن شبهه بالمال أكثر من شبهه بالحر؛ لأنه يشبه المال في الحكم والصفة معًا أكثر مما يشبه الحر فيهما.","vol":"4","page":760},{"text":"فمن شَبَهه بالمال في الحكم كونه يباع ويشترى ويورث، ويوهب ويعار، ويدفع في الصداق والخلع، ويرهن إلى غير ذلك من التصرفات المالية.\nومن شَبَهه بالمال في الصفة كونه تتفاوت قيمته بحسب تفاوت أوصافه جودة ورداءة. كسائر الأموال. فلو قتل إنسان عبدًا لآخر لزمته قيمته نظرًا إلى أن شبهه بالمال أغلب. وقال بعض أهل العلم: تلزمه ديته كالحر زعمًا منه أن شبهه بالحر أغلب. فإن قيل: بأي طريق يكون هذا النوع الذي هو غلبة الأشباه من الشبه؛ لأنكم قررتم أنه مرتبة بين المناسب والطردي، فما وجه كونه مرتبة بين المناسب والطردي؟ فالجواب: أن إيضاح ذلك فيه أن أوصافه المشابهة للمال ككونه يباع ويشترى إلخ طردية بالنسبة إلى لزوم الدية؛ لأن كونه كالمال ليس صالحًا لأن يناط به لزوم ديته إذا قتل، وكذلك أوصافه المشابهة للحر ككونه مخاطبًا يثاب ويعاقب إلخ؛ فهي طردية بالنسبة إلى لزوم القيمة، لأن كونه كالحر ليس صالحًا لأن يناط به لزوم القيمة، فهو من هذه الحيثية يشبه الطردي كما ترى. أما ترتب القيمة على أوصافه المشابهة لأوصاف المال فهو مناسب كما ترى. وكذلك ترتب الدية على أوصافه المشابهة لأوصاف الحر مناسب، وبهذين الاعتبارين يتضح كونه مرتبة بين المناسب والطردي.\nومن أمثلة أنواع الشبه غير غلبة الأشباه: الشبه الذي الوصف الجامع فيه لا يناسب لذاته، ولكنه يستلزم المناسب لذاته، وقد شهد الشرع بتأثير جنسه القريب في جنس الحكم القريب؛ كقولك في الخل مائع لا تبنى القنطرة على جنسه، فلا يرفع به الحدث،","vol":"4","page":761},{"text":"ولا حكم الخبث قياسًا على الدهن. فقولك: \"لا تبنى القنطرة على جنسه\" ليس مناسبًا في ذاته؛ لأن بناء القنطرة على المائع في حد ذاته وصف طردي إلا أنه مستلزم للمناسب؛ لأن العادة المطردة أن القنطرة لا تبنى على المائع القليل، بل على الكثير كالأنهار، والقلة مناسبة، لعدم مشروعية المتصف بها من المائعات للطهارة العامة. فإن الشرع العام يقتضي أن تكون أسبابه عامة الوجود. أما تكليف الجميع بما لا يجده إلا البعض فبعيد من القواعد؛ فصار قولك: \"لا تبنى القنطرة على جنسه\" ليس بمناسب، وهو مستلزم للمناسب. وقد شهد الشرع بتأثير جنس القلة والتعذر في عدم مشروعية الطهارة، بدليل أن الماء إذا قل واشتدت إليه الحاجة فإنه يسقط الأمر بالطهارة به وينتقل إلى التيمم.\nوأما الشبه الصوري: فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة \"النحل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَينِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾ وقد قدمنا في أول سورة \"براءة\" كلام ابن العربي الذي قال فيه: ألا ترى إلى عثمان وأعيان الصحابة كيف لجئوا إلى قياس الشبه عند عدم النص، ورأوا أن قصة \"براءة\" شبيهة بقصة \"الأنفال\" فألحقوها بها. فإذا كان القياس يدخل في تأليف القرآن؛ فما ظنك بسائر الأحكام؟ وإلى الشبه المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالشبه المستلزم المناسبا ... مثل الوضو يستلزم التقربا\nمع اعتبار جنسه القريب ... في مثله للحكم لا الغريب\nصلاحه لم يدر دون الشرع ... ولم ينط مناسب بالسمع","vol":"4","page":762},{"text":"وحيثما أمكن قيس العلة ... فتركه بالاتفاق أثبت\nإلا ففي قبوله تردد ... غلبة الأشباه هو الأجود\nفي الحكم والصفة ثم الحكم ... فصفة فقط لدى ذي العلم\nوابن علية يرى للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير\nواعلم أن قياس الطرد يصدق بأمرين؛ لأن الطرد يطلق إطلاقين: يطلق على الوصف الطردي الذي لا يصلح لإناطة حكم به لخلوه من الفائدة؛ كما لو ظن بعض القائلين بنقض الوضوء بلحم الجزور؛ أن علة النقض به الحرارة فألحق به لحم الظبي قائلًا: إنه ينقض الوضوء قياسًا على لحم الجزور بجامع الحرارة. فهذا القياس باطل؛ لأنه الوصف الجامع فيه طردي. ومثله كل ما كان الوصف الجامع فيه طرديًّا وهو أحد الأمرين الذين يطلق عليهما قياس الطرد.\nوالأمر الثاني منهما: هو القياس الذي الوصف الجامع فيه مستنبطًا بالمسلك الثامن المعروف بالطرد وهو الدوران الوجودي، وإيضاحه: أنه مقارنة الحكم للوصف في جميع صوره غير الصورة التي فيها النزاع في الوجود فقط دون العدم. والاختلاف في إفادته العلة معروف في الأصول.\nواعلم أن القياس وما يتعلق به موضَّح في فن أصول الفقه، والأدلة التي تدل على أن الوصف المعين علة للحكم المعين هي المعروفة بمسالك العلة، وهي عشرة عند من يعد منها \"إلغاء الفارق\"، وتسعة عند من لا يعده منها، وهي: النص، والإجماع،","vol":"4","page":763},{"text":"والإيماء، والسبر والتقسيم، والمناسبة، والشبه، والدوران، والطرد، وتنقيح المناط، وإلغاء الفارق، والتحقيق أنه نوع من تنقيح المناط كما قدمنا. وقد نظمها بعضهم بقوله:\nمسالك علة رتب فنص ... فإجماع فإيماء فسبر\nمناسبة كذا شبهٌ فيتلو ... له الدوران طَرْد يستمر\nفتنقيح المناط فألْغِ فرقًا ... وتلك لمن أراد الحصرَ عشر\nومحل إيضاحها فن أصول الفقه، وقد أوضحناها في غير هذا المحل.\nوأما القوادح في الدليل من قياس وغيره، فهي معروفة في فن الأصول وقد نظمها باختصار الشيخ عمر الفاسي بقوله:\nالقدح بالنقض وبالكسر معًا ... نخلف العكس وبالقلب اسمعا\nوعدم التأثير بالوصف وفي ... أصل وفرع ثم حكم فاقتفي\nوالمنع والفرق وبالتقسيم ... وباختلاف الضابط المعلوم\nوفقد الانضباط والظهور ... والخدش في تناسب المذكور\nوكون ذاك الحكم لا يفضي إلى ... مقصود ذي الشرع العزيز فاقبلا\nوالخدش في الوضع والاعتبار ... والقول بالموجب ذو اعتبار\nوابدأ باستفسار في الإجمال ... أو الغرابة بلا إشكال\nوإنما لم نوضح هنا المسالك والقوادح؛ لأن ذلك يفضي إلى الإطالة المملة، مع أن الجميع موضح في أصول الفقه، وقد","vol":"4","page":764},{"text":"أوضحناه في غير هذا الموضع، وقصدنا هنا التنبيه عليه في الجملة من غير تفصيل. فإذا علمت ذلك؛ فاعلم أن العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى شفى الغليل بما لا مزيد عليه في هذه المسائل في كتابه إعلام الموقعين عن رب العالمين، وسنذكر هنا إن شاء الله جملًا وافية مفيدة من كلامه في هذا الموضوع الذي نحن بصدده. قال ﵀ في كلامه على قول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في رسالته المشهورة إلى أبي موسى: (ثم الفهم الفهم فيما أُدْلي إليك مما وَرَد عليك مما ليس في قرآن ولا سنة، ثم قايس بين الأمور عند ذلك، واعرف الأمثال، ثم اعمد فيما ترى إلى أحبها إلى الله، وأشبهها بالحق)؛ ما نصه:\n\"هذا أحد ما اعتمد عليه القياسيون في الشريعة، قالوا: هذا كتاب عمر إلى أبي موسى، ولم ينكره أحد من الصحابة، بل كانوا متفقين على القول بالقياس وهو أحد أصول الشريعة، ولا يستغني عنه فقيه. وقد أرشد الله تعالى عباده إليه في غير موضع من كتابه، فقاس النشأة الثانية على النشأة الأولى في الإمكان، وجعل النشأة الأولى أصلًا، والثانية فرعًا عليها، وقاس حياة الأموات على حياة الأرض بعد موتها بالنبات، وقاس الخلق الجديد الذي أنكره أعداؤه على خلق السموات والأرض، وجعله من قياس الأولى، كما جعل قياس النشأة الثانية على الأولى من قياس الأولى، وقاس الحياة بعد الموت على اليقظة بعد النوم. وضرب الأمثال وصرفها في الأنواع المختلفة، وكلها أقيسة عقلية ينبه بها عباده على أن حكم الشيء حكم مثله، فإن الأمثال كلها قياسات يعلم منها حكم الممثل من الممثل به. وقد اشتمل القرآن على بضعة وأربعين مثلًا تتضمن","vol":"4","page":765},{"text":"تشبيه الشيء بنظيره والتسوية بينهما في الحكم، وقال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلا الْعَالِمُونَ﴾ بالقياس في ضرب الأمثال من خاصة العقل، وقد ركز الله في فطر الناس وعقولهم التسوية بين المتماثلين وإنكار التفريق بينهما، والفرق بين المختلفين وإنكار الجمع بينهما قالوا: ومدار الاستدلال جميعه على التسوية بين المتماثلين، والفرق بين المختلفين؛ فإنه إما استدلال بمعين على معين، أو بمعين على عام، أو بعام على معين، أو بعام على عام. فهذه الأربعة هي مجامع ضروب الاستدلال. فالاستدلال بالمعين على المعين هو الاستدلال بالملزوم على لازمه، بكل ملزوم دليل على لازمه، فإن كان التلازم من الجانبين كان كل منهما دليلًا على الآخر ومدلولًا له. وهذا النوع ثلاثة أقسام: أحدها: الاستدلال بالمؤثر على الأثر، والثاني: الاستدلال بالأثر على المؤثر. والثالث: الاستدلال بأحد الأثرين على الآخر. فالأول: كالاستدلال بالنار على الحريق. والثاني: كالاستدلال بالحريق على النار. والثالث: كالاستدلال بالحريق على الدخان. ومدار ذلك كله على التلازم؛ فالتسوية بين المتماثلين هو الاستدلال بثبوت أحد الأثرين على الآخر وقياس الفرق هو استدلال بانتفاء أحد الأثرين على انتفاء الآخر، أو بانتفاء اللازم على انتفاء ملزومه؛ فلو جاز التفريق بين المتماثلين لانسدت طريق الاستدلال، وغلقت أبوابه.\nقالوا: وأما الاستدلال بالمعين على العام فلا يتم إلا بالتسوية بين المتماثلين، إذ لو جاز الفرق لما كان هذا المعين دليلًا على الأمر العام المشترك بين الأفراد. ومن هذا أدلة القرآن بتعذيب المعينين الذين عذبهم على تكذيب رسله وعصيان أمره، على أن","vol":"4","page":766},{"text":"هذا الحكم عام شامل على من سلك سبيلهم، واتصف بصفتهم، وهو سبحانه قد نبه عباده على نفس هذا الاستدلال، وتعدية هذا الخصوص إلى العموم، كما قال تعالى عقيب إخباره عن عقوبات الأمم المكذبة لرسلهم وما حل بهم: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ أَمْ لَكُمْ   بَرَاءَةٌ فِي الزُّبُرِ﴾، فهذا محض تعدية الحكم إلى من عدا المذكورين بعموم العلة، وإلا فلو لم يكن حكم الشيء حكم مثله لما لزمت التعدية، ولا تمت الحجة. ومثل هذا قوله تعالى عقيب إخباره عن عقوبة قوم هود حين رأوا العارض في السماء: ﴿قَالُوا هَذَا عَارِضٌ مُمْطِرُنَا﴾، فقال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إلا مَسَاكِنُهُمْ كَذَلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ (٢٥)﴾ ثم قال: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيءٍ إِذْ كَانُوا يَجْحَدُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٢٦)﴾ فتأمل قوله: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ تجد المعنى: أن حكمكم كحكمهم، وأنا إذا كنا قد أهلكناهم بمعصية رسولنا ولم يدفع عنهم ما مكنوا فيه من أسباب العيش. فأنتم كذلك تسوية بين المتماثلين. وأن هذا محض عدل الله بين عباده.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ فأخبر أن حكم الشيء حكم مثله. وكذلك كل موضع أمر الله سبحانه فيه بالسير في الأرض سواء كان السير الحسِّي على الأقدام والدواب، أو السير المعنوي بالتفكير والاعتبار، أو كان اللفظ يعمهما وهو الصواب، فإنه يدل على الاعتبار والحذر أن يحل بالمخاطبين ما حل بأولئك،","vol":"4","page":767},{"text":"ولهذا أمر سبحانه أولي الأبصار باعتبار بما حل بالمكذبين، ولولا أن حكم النظير حكم نظيره حتى تعبر العقول منه إليه لما حصل الاعتبار، وقد نفى الله سبحانه عن حكمه وحكمته التسوية بين المختلفين في الحكم، فقال تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ﴾، وأخبر أن هذا حكم باطل في الفطر والعقول، لا تليق نسبته إليه سبحانه. وقال تعالى:  ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾، وقال تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾ أفلا تراه كيف ذكر العقول، ونبه الفطر بما أودع فيها من إعطاء النظير حكم نظيره، وعدم التسوية بين الشيء ومخالفه في الحكم. وكل هذا من الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، وجعله قرينه ووزيره؛ فقال تعالى:  ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾، وقال: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وقال تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ فهذا الكتاب، ثم قال: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ﴾ والميزان يراد به العدل، والآلة التي يعرف بها العدل وما يضاده. والقياس الصحيح هو الميزان، فالأولى تسميته بالاسم الذي سماه الله به؛ فإنه يدل على العدل، وهو اسم مدح واجب على كل واحد في كل حال بحسب الإمكان؛ بخلاف اسم القياس فإنه ينقسم إلى حق وباطل، وممدوح ومذموم، ولهذا لم يجيء في القرآن مدحه ولا ذمه، ولا الأمر به ولا النهي عنه، فإنه مورد تقسم إلى صحيح وفاسد. فالصحيح هو الميزان الذي أنزله الله مع كتابه، والفاسد ما يضاده كقياس الذين قاسوا البيع","vol":"4","page":768},{"text":"على الربا بجامع ما يشتركان فيه من التراضي بالمعاوضة المالية؛ وقياس الذين قاسوا الميتة على المذكى في جواز أكلها بجامع ما يشتركان فيه من إزهاق الروح، هذا بسببٍ من الآدميين، وهذا بفعل الله؛ ولهذا تجد في كلام السلف ذم القياس، وأنه ليس من الدين، وتجد في كلامهم استعماله والاستدلال به، وهذا حق وهذا حق؛ كما سنبينه إن شاء الله تعالى.\nوالأقْيِسة المستعملة في الاستدلال ثلاثة: قياس علة، وقياس دلالة، وقياس شبه، وقد وردت كلها في القرآن.\nفأما قياس العلة: فقد جاء في كتاب الله ﷿ في مواضع؛ منها قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَال لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٥٩)﴾ فأخبر تعالى أن عيسى نظير آدم في التكوين، بجامع ما يشتركان فيه من المعنى الذي تعلق به وجود سائر المخلوقات، وهو مجيئها طوعًا لمشيئته وتكوينه، فكيف يستنكر وجود عيسى من غير أب من يقرُّ بوجود آدم من غير أب ولا أم، ووجود حواء من غير أم. فآدم وعيسى نظيران يجمعهما الذي يصح تعليق الإيجاد والخلق به.\nومنها قوله تعالى: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (١٣٧)﴾ أي: قد كان من قبلكم أمم أمثالكم، فانظروا إلى عواقبهم السيئة، واعلموا أن سبب ذلك ما كان من تكذيبهم بآيات الله ورسله، وهم الأصل، وأنتم الفرع، والعلة الجامعة: التكذيب، والحكم: الهلاك.\nومنها قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي","vol":"4","page":769},{"text":"الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ (٦)﴾ فذكر سبحانه إهلاك من قبلنا من القرون، وبين أن ذلك كان لمعنى القياس وهو ذنوبهم، فهم الأصل، ونحن الفرع، والذنوب العلة الجامعة، والحكم: الهلاك. فهذا محض قياس العلة، وقد أكده سبحانه بضربٍ من الأَوْلى، وهو أن من قبلنا كانوا أقوى منا فلم تدفع عنهم قوتهم وشدتهم ما حل بهم. ومنه قوله تعالى: ﴿كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٦٩)﴾ وقد اختلف في محل هذا \"الكاف\" وما يتعلق به، فقيل: هو رفع خبر مبتدأ محذوف، أي: أنتم كالذين من قبلكم. وقيل: نصب بفعل محذوف تقديره: فعلتم كفعل الذين من قبلكم. والتشبيه على هذين القولين في أعمال الذين من قبل، وقيل: التشبيه في العذاب. ثم قيل: العامل محذوف؛ أي لعنهم وعذبهم كما لعن الذين من قبلهم. وقيل: بل العامل ما تقدم؛ أي وَعَد الله المنافقين كوعد الذين من قبلكم، ولَعَنهم كلعنهم، ولهم عذاب مقيم كالعذاب الذي لهم.\nوالمقصود أنه سبحانه ألحقهم بهم في الوعيد، وسوَّى بينهم فيه كما تساووا في الأعمال، وكونهم كانوا أشد منهم قوة وأكثر أموالًا وأولادًا فَرْقٌ غير مؤثر، فعلق الحكم بالوصف الجامع المؤثر، وألغى الوصف الفارق، ثم نبه على أن مشاركتهم في الأعمال اقتضت مشاركتهم في الجزاء فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ","vol":"4","page":770},{"text":"فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ فهذه هي العلة المؤثرة والوصف الجامع، وقوله: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾ هو الحكم، والذين من قبلهم الأصل، والمخاطبون الفرع.\nقال عبد الرزاق في تفسيره: أنا معمر، عن الحسن في قوله: ﴿فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ﴾ قال: بدينهم؛ ويروى عن أبي هريرة.\nوقال ابن عباس: استمتعوا بنصيبهم من الآخرة في الدنيا. وقال آخرون: بنصيبهم من الدنيا. وحقيقة الأمر: أن الخلاق هو النصيب والحظ، كأنه الذي خُلِق للإنسان وقُدِّر له، كما يقال: قَسْمه الذي قُسِم له، ونَصِيبه الذي نُصب له أي: أُثبت. وقِطُّه الذي قُطَّ له أي: قُطِع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠)﴾ وقول النبي - ﷺ -: \"إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة\". والآية تتناول ما ذكره السلف كله، فإنه سبحانه قال: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً﴾ فبتلك القوة التي كانت فيهم كانوا يستطيعون أن يعملوا للدنيا والآخرة، وكذلك الأموال والأولاد، وتلك القوة والأموال والأولاد هي الخلاق، فاستمتعوا بقوتهم وأموالهم في الدنيا، ونفس الأعمال التي عملوها بهذه القوة من الخلاق الذي استمتعوا به. ولو أرادوا بذلك اللهَ والدارَ الآخرة لكان لهم خلاق في الآخرة، فتمتعهم بها أخذ حظوظهم العاجلة، وهذا حال من لم يعمل إلا لدنياه، سواء كان عمله من جنس العبادات أو غيرها. ثم ذكر سبحانه حال الفروع فقال: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ﴾ فدل هذا على أن حكمهم","vol":"4","page":771},{"text":"حكمهم، وأنهم ينالهم ما ينالهم؛ لأن حكم النظير حكم نظيره. ثم قال: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾. فقيل: \"الذي\" صفة لمصدر محذوف، أي: كالمخوض الذي خاضوا، وقيل: لموصوف محذوف؛ أي: كخوض القوم الذي خاضوا وهو فاعل الخوض. وقيل: \"الذي\" مصدرية كـ\"ما\"، أي كخوضهم. وقيل: هي موضع الذين. والمقصود أنه سبحانه جمع بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض بالباطل؛ لأن فساد الدين إما أن يقع بالاعتقاد الباطل والتكلم به وهو الخوض، أو يقع بالعمل، بخلاف الحق والصواب وهو الاستمتاع بالخلاق. فالأول: البدع، والثاني: اتباع الهوى، وهذان هما أصل كل شر وفتنة وبلاء، وبهما كُذبت الرسل وعُصي الرب، ودُخِلت النار، وحَلَّت العقوبات.\nفالأول من جهة الشبهات، والثاني من جهة الشهوات، ولهذا كان السلف يقولون: احذروا عن الناس صنفين: صاحب هوى فتَنَه هواه، وصاحب دنيا أعجبته دنياه. وكانوا يقولون: احذروا فتنة العالم الفاجر، والعابد الجاهل، فإن فتنتهما فتنة لكل مفتون، فهذا يشبه المغضوب عليهم الذين يعلمون الحق ويعملون بخلافه، وهذا يشبه الضالين الذين يعملون بغير علم.\nوفي صفة الإمام أحمد ﵀: عن الدنيا ما كان أصبره، وبالماضين ما كان أشبه، أتته البدع فنفاها، والدنيا فأباها. وهذه حال أئمة المتقين، الذين وصفهم الله تعالى في كتابه بقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ فبالصبر تُتْرك الشهوات، وباليقين تُدْفع الشبهات، كما قال تعالى:","vol":"4","page":772},{"text":"﴿وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أُولِي الْأَيدِي وَالْأَبْصَارِ (٤٥)﴾.\nوفي بعض المراسيل: \"إن الله يحب البصرَ الناقد عند ورود الشبهات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات\". فقوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ﴾ إشارة إلى اتباع الشهوات، وهو داء العصاة. وقوله: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ إشارة إلى الشبهات، وهو داء المبتدعة وأهل الأهواء والخصومات، وكثيرًا ما يجتمعان. فقلَّ من تجده فاسد الاعتقاد إلا وفساد اعتقاده يظهر في عمله. والمقصود أن الله أخبر أن في هذه الأمة من يستمتع بخلاقه كما استمتع الذين من قبله بخلاقهم، ويخوض كخوضهم، وأن لهم من الذم والوعيد كما للذين من قبلهم، ثم حضهم على القياس والاعتبار بمن قبلهم فقال: ﴿أَلَمْ يَأْتِهِمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ إِبْرَاهِيمَ وَأَصْحَابِ مَدْيَنَ وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٧٠)﴾ فتأمل صحة هذا القياس وإفادته لِمَا عُلِّق عليه من الحكم، وأن الأصل والفرع قد تساويا في المعنى الذي علق به العقاب، وأكَّده كما تقدم بضرب من الأوْلَى وهو شدة القوة وكثرة الأموال والأولاد، فإذا لم يتعذر على الله عقاب الأقوى منهم بذنبه فكيف يتعذر عليه عقاب من هو دونه؟!.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ﴾ فهذا قياس جلي، يقول سبحانه: إن شئت أذهبتكم واستخلفت","vol":"4","page":773},{"text":"غيركم، كما أذهبت من قبلكم واستخلفتكم، بذكر أركان القياس الأربعة؛ علة الحكم وهي عموم مشيئته وكمالها، والحكم وهو إذهابه إياهم وإتيانه بغيرهم، والأصل وهو ما كان من قبل، والفرع وهم المخاطبون.\nومنه قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْويلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ (٣٩)﴾ فأخبر أن من قبل المكذبين أصل يعتبر به، والفرع نفوسهم؛ فإذا ساووهم في المعنى ساووهم في العاقبة. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا إِلَيكُمْ رَسُولًا شَاهِدًا عَلَيكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إِلَى فِرْعَوْنَ رَسُولًا (١٥) فَعَصَى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾ فأخبر سبحانه أنه أرسل موسى إلى فرعون، وأن فرعون عصى رسوله فأخذه أخذًا وبيلًا؛ فهكذا من عصى منكم محمدًا - ﷺ -. وهذا في القرآن كثير جدًا فقد فُتِحَ لك بابه.\nفصل\nوأما قياس الدلالة: فهو الجمع بين الأصل والفرع، بدليل العلة وملزومها، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ فدل سبحانه عباده بما أراهم من الإحياء الذي تحققوه وشاهدوه، على الإحياء الذي استبعدوه، وذلك قياس إحياء على إحياء، واعتبار الشيء بنظيره، والعلة الموجبة هي عموم قدرته سبحانه وكمال حكمته، وإحياء الأرض دليل العلة.\nومنه قوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ","vol":"4","page":774},{"text":"الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾. فدل بالنظير على النظير، وقرب أحدهما من الآخر جدًا بلفظ الإخراج، أي: يخرجون من الأرض أحياء كما يخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.\nومنه قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ فبين سبحانه كيفية الخلق واختلاف أحوال الماء في الرحم إلى أن صار منه الزوجان الذكر والأنثى، وذلك أمارة وجود صانع قادر على ما يشاء، ونبه سبحانه عباده بما أحدثه في النطفة المهينة الحقيرة من الأطوار، وسوقها في مراتب الكمال، من مرتبة إلى مرتبة أعلى منها، حتى صارت بشرًا سويًّا في أحسن خلقة وتقويم، على أنه لا يحسن به أن يترك هذا البشر سدًى مهملًا معطلًا، لا يأمره ولا ينهاه، ولا يقيمه في عبوديته، وقد ساقه في مراتب الكمال من حين كان نطفة إلى أن صار بشرًا سويًّا، فكذلك يسوقه في مراتب كماله طبقًا بعد طبق، وحالًا بل حال، إلى أن يصير جاره في داره؛ يتمتع بأنواع النعيم، وينظر إلى وجهه، ويسمع كلامه\". إلى آخر كلام ابن القيم رحمه الله تعالى، فإنه أطال في ذكر الأمثلة على النحو المذكور، ولم نذكر جميع كلامه خوفًا من الإطالة المملة. وفيما ذكرنا من كلامه تنبيه على ما لم نذكره، وقد تكلم على قياس الشبه فقال فيه:\n\"وأما قياس الشبه فلم يحكه الله سبحانه إلا عن المبطلين؛ فمنه قوله تعالى إخبارًا عن إخوة يوسف أنهم قالوا لما وجدوا الصُّواع في رحل أخيهم: ﴿إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ﴾ فلم","vol":"4","page":775},{"text":"يجمعوا بين الفرع والأصل بعلة ولا دليلها، وإنما ألحقوا أحدهما بالآخر من غير دليل جامع سوى مجرد الشبه الجامع بينه وبين يوسف، فقالوا هذا مقيس على أخيه بينهما شبه من وجوه عديدة، وذلك قد سرق فكذلك هذا، وهذا هو الجمع بالشبه الفارغ والقياس بالصورة المجردة عن العلة المقتضية للتساوي، وهو قياس فاسد، والتساوي في قرابة الأخوة ليس بعلة للتساوي في السرقة لو كان حقًّا، ولا دليل على التساوي فيها، فيكون الجمع لنوع شبهٍ خال من العلة ودليلها\".\nثم ذكر ﵀ لقياس الشبه الفاسد أمثلة أخرى في الآيات الدالة على أن الكفار كذبوا الرسل بقياس الشبه حيث شبهوهم بالبشر، وزعموا أن ذلك الشبه مانع من رسالتهم، كقوله تعالى عن الكفار أنهم قالوا: ﴿مَا نَرَاكَ إلا بَشَرًا مِثْلَنَا﴾، وقوله تعالى عنهم: ﴿مَا هَذَا إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات. فالمشابهة بين الرسل وغيرهم في كون الجميع بشرًا لا تقتضي المساواة بينهم في انتفاء الرسالة عنهم جميعًا، ولما قالوا للرسل: ﴿مَا أَنْتُمْ إلا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ أجابوهم بقولهم: ﴿إِنْ نَحْنُ إلا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾. وقياس الكفار الرسلَ على سائر البشر في عدم الرسالة قياس ظاهر البطلان؛ لأن الواقع من التخصيص والتفضيل، وجعل بعض البشر شريفًا وبعضه دنيًا، وبعضه مرءوسًا وبعضه رئيسًا، وبعضه ملكًا وبعضه سوقًا؛ يُبْطل هذا القياس؛ كما أشار إليه جواب الرسل المذكور آنفًا، يشير إليه قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا","vol":"4","page":776},{"text":"وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ وهذه الأمثلة من قياس الشبه ليس فيها وصف مناسب بالذات ولا بالتبع؛ فلذلك كانت باطلة.\nثم ذكر ابن القيم ﵀: أن جميع الأمثال في القرآن كلها قياسات شبه صحيحة؛ لأن حقيقة المثل تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس أو أحد المحسوسين من الآخر واعتبار أحدهما بالآخر. ثم سرد الأمثال القرآنية ذلك فيها واحدًا واحدًا، وأطال الكلام في ذلك فأجاد وأفاد.\nوقال في آخر كلامه: قالوا فهذا بعض ما اشتمل عليه القرآن من التمثيل والقياس، والجمع والفرق، واعتبار العلل والمعاني وارتباطها بأحكامها تأثيرًا واستدلالًا. قالوا: وقد ضرب الله سبحانه الأمثال، وصرفها قدرًا وشرعًا، ويقظة ومنامًا، ودل عباده على الاعتبار بذلك؛ وعبورهم من الشيء إلى نظيره، واستدلالهم بالنظير على النظير؛ بل هذا أصل عبارة الرؤيا التي هي جزء من أجزاء النبوة، ونوع من أنواع الوحي؛ فإنها مبنية على القياس والتمثيل، واعتبار المعقول بالمحسوس.\nألا ترى أن الثياب في التأويل كالقميص تدل على الدين؛ فما كان فيها من طول أو قصر، أو نظافة أو دنس فهو في الدين؛ كما أول النبي - ﷺ - القميص بالدين والعلم، والقدر المشترك بينهما أن كلًّا منهما يستر صاحبه ويجمله بين الناس.\nومن هذا تأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة، وأن الطفل إذا خلي وفطرته لم يعدل عن اللبن؛ فهو مفطور على إيثاره على ما سواه، وكذلك فطرة","vol":"4","page":777},{"text":"الإسلام التي فطر الله عليها الناس.\nومن هذا تأويل البقر بأهل الدين والخير الذين بهم عمارة الأرض، كما أن البقر كذلك، مع عدم شرها وكثرة خيرها، وحاجة الأرض وأهلها إليها؛ ولهذا لما رأى النبي - ﷺ - بقرًا تُنْحَر كان ذلك نحرًا في أصحابه.\nومن ذلك تأويل الزرع والحرث بالعمل؛ لأن العامل زارع للخير والشر، ولابد أن يخرج له ما بذره كما يخرج للباذر زرع ما بذره، فالدنيا مزرعة، والأعمال البذر، ويوم القيامة يوم طلوع الزرع وحصاده.\nومن ذلك تأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين، والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك؛ ولهذا شبه تعالى المنافقين بالخُشُب المسندة؛ لأنهم أجسام خالية عن الإيمان والخير. وفي كونها مسندة نكتة أخرى: وهي أن الخشب إذا انتفع به جعل في سقف أو جدار أو غيرهما من مظان الانتفاع، ومادام متروكًا فارغًا غير منتفع به جعل مسندًا بعضه إلى بعض؛ فشبه المنافقين بالخشب في الحالة التي لا ينتفع فيها بها إلى آخر كلامه ﵀. وقد ذكر أشياء كثيرة من عبارة الرؤيا فأجاد وأفاد ﵀، وكلها راجعة إلى اعتبار النظير بنظيره، وذلك كله يدل دلالة واضحة على أن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل.\nثم قال ابن القيم ﵀: فهذا شرع الله وقدره ووحيه، وثوابه وعقابه، كله قائم بهذا الأصل وهو إلحاق النظير بالنظير،","vol":"4","page":778},{"text":"واعتبار المثل بالمثل؛ ولهذا يذكر الشارع العلل والأوصاف المؤثرة، والمعاني المعتبرة في الأحكام القدرية والشرعية والجزائية؛ ليدل بذلك على تعلق الحكم بها أين وجدت، واقتضائها لأحكامها، وعدم تخلفها عنها إلا لمانع يعارض اقتضاءها ويوجب تخلف آثارها عنها، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ﴾، ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾، ﴿ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ (٧٥)﴾، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾، ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾، ﴿وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ﴾.\nوقد جاء التعليل في الكتاب العزيز بالباء تارة، وباللام تارة، وبـ\"أن\" تارة، وبمجموعهما تارة، وبـ\"كي\" تارة، و\"من أجل\" تارة، وترتيب الجزاء على الشرط تارة، وبالفاء المؤذنة بالسببية تارة، وترتيب الحكم على الوصف المقتضي له تارة، وبـ\"لما\" تارة، وبـ\"أن\" المشددة تارة، وبـ\"لعل\" تارة، وبالمفعول له تارة. فالأول كما تقدم. واللام كقوله: ﴿ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، و\"أن\" كقوله: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾. ثم قيل: التقدير لئلا تقولوا، وقيل: كراهة أن تقولوا. و\"أن واللام\" كقوله: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وغالب ما يكون هذا النوع في النفي فتأمله. و\"كي\" كقوله: ﴿كَي لَا يَكُونَ دُولَةً﴾ والشرط والجزاء كقوله: ﴿وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لَا يَضُرُّكُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾، و\"الفاء\" كقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْنَاهُمْ﴾، ﴿فَعَصَوْا رَسُولَ رَبِّهِمْ فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رَابِيَةً (١٠)﴾، ﴿فَعَصَى فِرْعَوْنُ","vol":"4","page":779},{"text":"الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذًا وَبِيلًا (١٦)﴾، وترتيب الحكم على الوصف كقوله: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾، وقوله: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (١٧٠)﴾، ﴿وَلَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ (٥٦)﴾، ﴿اللَّهَ لَا يَهْدِي كَيدَ الْخَائِنِينَ (٥٢)﴾ ولما كقوله: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾، ﴿فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (١٦٦)﴾. و\"إنّ\" المشددة كقوله: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾، ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ (٧٤)﴾. و\"لعل\" كقوله: ﴿لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)﴾، ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١٥٢)﴾، والمفعول له كقوله: ﴿وَمَا لِأَحَدٍ عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةٍ تُجْزَى (١٩) إلا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الْأَعْلَى (٢٠) وَلَسَوْفَ يَرْضَى (٢١)﴾ أي لم يفعل ذلك جزاء نعمة أحد من الناس؛ وإنما فعله ابتغاء وجه ربه الأعلى. و\"مِن أَجْل\" كقوله: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\nوقد ذكر النبي - ﷺ - علل الأحكام والأوصاف المؤثرة فيها ليدل على ارتباطها بها؛ وتعديها بتعدي أوصافها وعللها، كقوله في نبيذ التمر: \"تمرة طيبة، وماء طهور\"، وقوله: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\"، وقوله: \"إنما نهيتكم من أجل الدافة\"؛ وقوله في الهرة: \"ليست بنجس إنها من الطوافين عليكم والطوافات\". ونهيه عن تغطية رأس المحرم الذي وقصته ناقته وتقريبه الطيب، وقوله: \"فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًّا\"، وقوله: \"إنكم إذا فعلتم ذلكم قطعتم أرحامكم\" ذكره تعليلًا لنهيه عن نكاح المرأة على عمتها وخالتها. وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾، وقوله في الخمر والميسر: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ","vol":"4","page":780},{"text":"بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾، وقوله - ﷺ - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر: \"أينقص الرطب إذا جف\"؟ قالوا: نعم، فنهى عنه. وقوله: \"لا يتناجى إثنان دون الثالث فإن ذلك يحزنه\"؛ وقوله: \"إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء. وإنه يتقى بالجناح الذي فيه الداء\"، وقوله: \"إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس\"، وقال وقد سئل عن مس الذكر هل ينقض الوضوء: \"هل هو إلا بضعة منك\"، وقوله في ابنة حمزة: \"إنها لا تحل لي إنها ابنة أخي من الرضاعة\"، وقوله في الصدقة: \"إنها لا تحل لآل محمد، إنما هي أوساخ الناس\". وقد قرب النبي - ﷺ - الأحكام لأمته بذكر نظائرها وأسبابها، وضرب لها الأمثال. إلى آخر كلامه ﵀.\nوقد ذكر فيه أقيسة فعلها النبي - ﷺ -. منها قياس القبلة على المضمضة في حديث عمر المتقدم. وقياس دين الله على دين الآدمي في وجوب القضاء. وقد قدمناه مستوفى كما قبله في سورة \"بني إسرائيل\".\nومنها قياس العكس في حديث: أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟ قال: \"أرأيتم لو وضعها في حرام أيكون عليه وزر\" وقد قدمناه مستوفى في سورة \"التوبة\".\nومنها قصة الذي ولدت امرأته غلامًا أسود، وقد قدمنا ذلك مستوفى في سورة \"بني إسرائيل\".\nومنها حديث المستحاضة الذي قاس فيه النبي - ﷺ - دم العرق","vol":"4","page":781},{"text":"الذي هو دم الاستحاضة على غيره من دماء العروق التي لا تكون حيضًا. وكل ذلك يدل على أن إلحاق النظير بالنظير من الشرع، لا مخالف له كما يزعمه الظاهرية ومن تبعهم.\nالمسألة الرابعة\nاعلم أن الصحابة ﵃ كانوا يجتهدون في مسائل الفقه في حياة النبي - ﷺ - ولم ينكر عليهم، وبعد وفاته من غير نكير، وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى أمثلة كثيرة لذلك.\nفمن ذلك أمره - ﷺ - أصحابه أن يصلوا العصر في بني قريظة، فاجتهد بعضهم وصلاها في الطريق وقال: لم يرد منا تأخير العصر، وإنما أراد سرعة النهوض، فنظروا إلى المعنى. واجتهد آخرون وأخروها إلى بني قريظة فصلوها ليلًا؛ وقد نظروا إلى اللفظ، وهؤلاء سلف أهل الظاهر. وأولئك سلف أصحاب المعاني والقياس.\nومنها: أن عليًّا ﵁ لما كان باليمن أتاه ثلاثة نفر يختصمون في غلام فقال كل منهم: هو ابني. فأقرع بينهم، فجعل الولد للقارع وجعل عليه للرجلين الآخرين ثلثي الدية؛ فبلغ ذلك النبي - ﷺ - فضحك حتى بدت نواجذه من قضاء علي ﵁.\nومنها: اجتهاد سعد بن معاذ ﵁ في حكمه في بني قريظة، وقد صوبه النبي - ﷺ - وقال: \"لقد حكمت فيهم بحكم الله من فوق سبع سموات\".\nومنها: اجتهاد الصحابيين اللذين خرجا في سفر فحضرت","vol":"4","page":782},{"text":"الصلاة وليس معهما ماء، فصليا ثم وجدا الماء في الوقت، فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر؛ فصوبهما النبي - ﷺ -، وقال للذي لم يعد: \"أصبت السنة وأجزأتك صلاتك\"، وقال للآخر: \"لك الأجر مرتين\".\nومنها: اجتهاد مجزز المدلجي بالقيافة، وقال: إن أقدام زيد وأسامة بعضها من بعض، وقد سر النبي - ﷺ - بذلك حتى برقت أسارير وجهه. وذلك دليل على صحة إلحاق ذلك القائف الفرع بالأصل، مع أن زيدًا أبيض وأسامة أسود؛ فألحق هذا القائف الفرع بنظيره وأصله، وألغى وصف السواد والبياض الذي لا تأثير له في الحكم.\nومنها: اجتهاد أبي بكر الصديق ﵁ في الكلالة قال: أقول فيها برأي فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان (أراه ما خلا الوالد والولد) فلما استخلف عمر قال: إني لأستحيي من الله أن أرد شيئًا قاله أبو بكر.\nقال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: ومن أغرب الأشياء عندي ما جاء عن عمر بن الخطاب ﵁: من أن النبي - ﷺ - أشار له إلى معنى الكلالة إشارة واضحة ظاهرة جدًا. ولم يفهمها عنه مع كمال فهمه وعلمه، وأن الوحي ينزل مطابقًا لقوله مرارًا. وذلك أنه ﵁ قال: ما سألت النبي - ﷺ - عن شيء أكثر ما سألته عن الكلالة حتى طعن بأصبعة في صدري وقال: \"تكفيك آية الصيف التي في آخر سورة النساء\". وهذا الإرشاد من النبي - ﷺ - واضح كل الوضوح في أنه يريد: أن الكلالة هي ماعدا الولد والوالد؛ لأن آية الصيف المذكورة التي أخبره أنها تكفيه دلت على ذلك دلالة كافية واضحة فقوله تعالى فيها: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ","vol":"4","page":783},{"text":"وَلَدٌ﴾ صريح في أن الكلالة لا يكون فيها ولد. وقوله فيها: ﴿وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ﴾ يدل بالإلتزام على أنها لا أب فيها؛ لأن الإخوة والأخوات لا يرثون مع الأب، وذلك مما لا نزاع فيه، فظهر أن آية الصيف المذكورة تدل بكل وضوح على أن الكلالة ما عدا الولد والوالد، ولم يفهم عمر ﵁ الإشارة النبوية المذكورة، فالكمال التام لله جل وعلا وحده، ﷾ علوًا كبيرًا.\nومنها: اجتهاد ابن مسعود ﵁ في المرأة التي توفى زوجها ولم يفرض لها صداقًا ولم يدخل بها. فقال: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله؛ لها كمهر نسائها لا وكس ولا شطط، ولها الميراث وعليها العدة. وقد شهد لابن مسعود بعض الصحابة أن النبي - ﷺ - قضى بنحو ذلك في بروع بنت واشق، ففرح بذلك.\nومنها: اجتهاد الصحابة في أن أبا بكر ﵁ أولى من غيره بالإمامة؛ لأن النبي - ﷺ - قدمه على غيره في إمامة الصلاة.\nومنها: اجتهاد أبي بكر في العهد بالخلافة إلى عمر، سواء قلنا إنه من المصالح المرسلة، أو قلنا إنه قاس العهد بالولاية على العقد لها. ومن ذلك اجتهادهم في جمع المصحف بالكتابة. ومن ذلك اجتهادهم في الجد والإخوة، والمشتركة المعروفة بالحِماريَّة، واليمية  (^١) .\nومنها: اجتهاد أبي بكر في التسوية بين الناس في العطاء، واجتهاد عمر في تفضيل بعضهم على بعض فيه.\n_________\n(^١)  كذا! ولعلها: العمرية.","vol":"4","page":784},{"text":"ومنها: اجتهادهم في جلد السكران ثمانين، قالوا: إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى فحدوه حد الفرية. وأمثال هذا كثيرة جدًا. وهي تدل على أن اجتهاد الصحابة في مسائل الفقه متواتر معنى، فإن الوقائع منهم في ذلك وإن لم تتواتر آحادها فمجموعها يفيد العلم اليقيني لتواترها معنى، كما لا يخفى على من عرف ذلك. ورسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى المتضمنة لذلك مشهورة. وقال ابن القيم في إعلام الموقعين: وقال الشعبي عن شريح قال لي عمر: اقض بما استبان لك من كتاب الله، فإن لم تعلم كل كتاب الله فاقض بما استبان لك من قضاء رسول الله - ﷺ -، فإن لم تعلم كل أقضية رسول الله - ﷺ - فاقض بما استبان لك من أئمة المهتدين، فإن لم تعلم كل ما قضت به أئمة المهتدين فاجتهد رأيك، واستشر أهل العلم والصلاح .. إلى أن قال: وقايس علي بن أبي طالب ﵁ زيد بن ثابت في المكاتب، وقايسه في الجد والإخوة، وقاس ابن عباس الأضراس بالأصابع وقال: عقلها سواء، اعتبروها بها. قال المزني: الفقهاء من عهد رسول الله - ﷺ - إلى يومنا هذا وهلم جرا استعملوا المقاييس في الفقه في جميع الأحكام في أمر دينهم، وأجمعوا بأن نظير الحق حق، ونظير الباطل باطل، فلا يجوز لأحد إنكار القياس لأنه التشبيه بالأمور والتمثيل عليها.\nقال أبو عمر بعد حكاية ذلك عنه: ومن القياس المجمع عليه صيد ماعدا الكلب من الجوارح قياسًا على الكلاب بقوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ﴾، وقال ﷿: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ فدخل في ذلك المحصنون قياسًا. وكذلك قوله في الإماء. ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾","vol":"4","page":785},{"text":"فدخل في ذلك العبد قياسيًا عند الجمهور إلا من شذ ممن لا يكاد يعد قوله خلافًا. وقال في جزاء الصيد المقتول في الإحرام: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا﴾ فدخل فيه قتل الخطأ قياسًا عند الجمهور إلا من شذ. وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ فدخل في ذلك الكتابيات قياسًا.\nوقال في الشهادة في المداينات: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ فدخل في معنى: ﴿إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ قياسًا المواريث والودائع والغصوب وسائر الأموال. وأجمعوا على توريث البنتين الثلثين قياسًا على الأختين. وقال عمن أعسر بما عليه من الربا: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيسَرَةٍ﴾ فدخل في ذلك كل معسر بدين حلال، وثبت ذلك قياسه.\nومن هذا الباب توريث الذكر ضعفي ميراث الأنثى منفردًا، وإنما ورد النص في اجتماعهما بقوله: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾، وقال: ﴿وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَينِ﴾.\nومن هذا الباب قياس التظاهر بالبنت على التظاهر بالأم فيم لو قال لزوجته: أنت علي كظهر بنتي. وقياس الرقبة في الظهار على الرقبة في القتل بشرط الإيمان. وقياس تحريم الأختين وسائر القرابات من الإماء على الحرائر في الجمع في التسري. قال: وهذا لو تقصيته لطال به الكتاب.\nقلت: بعض هذه المسائل فيها نزاع. وبعضها لا يعرف فيها","vol":"4","page":786},{"text":"نزاع بين السلف. وقد رام بعض نفاة القياس إدخال هذه المسائل المجمع عليها في العمومات اللفظية، فأدخل قذف الرجال في قذف المحصنات، وجعل المحصنات صفة للفروج لا للنساء. وأدخل صيد الجوارح كلها في قوله: ﴿وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنَ الْجَوَارِحِ﴾، وقوله: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ وإن كان من لفظ الكلب فمعناه مغرين لها على الصيد؛ قاله مجاهد والحسن، وهو رواية عن ابن عباس. وقال أبو سليمان الدمشقي: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ معناه معلمين، وإنما قيل لهم: ﴿مُكَلِّبِينَ﴾ لأن الغالب من صيدهم إنما يكون بالكلاب، وهؤلاء وإن أمكنهم ذلك في بعض المسائل، كما جزموا بتحريم أجزاء الخنزير لدخوله في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ وأعادوا الضمير إلى المضاف إليه دون المضاف؛ فلا يمكنهم ذلك في كثير من المواضع، وهم يضطرون فيها ولابد إلى القياس أو القول بما لم يقل به غيرهم ممن تقدمهم؛ فلا يعلم أحد من أئمة الفتوى يقول في قول النبي - ﷺ - وقد سئل عن فأرة وقعت في سمن: \"ألقوها وما حولها وكلوه\"؛ إن ذلك مختص بالسمن دون سائر الأدهان والمائعات. هذا مما يقطع بأن الصحابة والتابعين وأئمة الفتيا لا يفرقون فيه بين السمن والزيت والشيرج والدبس، كما لا يفرق بين الفأرة والهرة في ذلك.\nوكذلك نهى النبي - ﷺ - عن بيع الرطب بالتمر، لا يفرق عالم يفهم عن الله رسوله بين ذلك وبين بيع العنب بالزبيب. ومن هذا أن الله سبحانه قال في المطلقة ثلاثًا: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾ أي إن طلقها الثاني فلا جناح عليها وعلى الزوج الأول أن يتراجعا. والمراد به تجديد العقد، وليس ذلك مختصًا بالصورة التي يطلق","vol":"4","page":787},{"text":"فيها الثاني فقط، بل متى تفارقا بموت أو خلع أو فسخ أو طلاق حلت للأول قياسًا على الطلاق.\nومن ذلك قول النبي - ﷺ -: \"لا تأكلوا في آنية الذهب والفضة ولا تشربوا في صحافها، فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\"، وقوله: \"الذي يشرب في آنية الذهب والفضة: إنما يجرجر في بطنه نار جهنم\" وهذا التحريم لا يختص بالأكل والشرب، بل يعم سائر وجوه الانتفاع، فلا يحل له أن يغتسل بها، ولا يتوضأ بها، ولا يكتحل منها وهذا أمر لا يشك فيه عالم.\nومن ذلك النبي - ﷺ - المحرم عن لبس القميص والسراويل والعمامة والخفين، ولا يختص ذلك بهذه الأشياء فقط، بل يتعدى النهي إلى الجباب والأقبية والطيلسان والقلنسوة، وما جرى مجرى ذلك من الملبوسات.\nومن هذا قوله - ﷺ -: \"إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار\" فلو ذهب معه بخرقة تنظيف أكثر من الأحجار، أو قطن أو صوف أو خز ونحو ذلك جاز، وليس للشارع غرض في غير التنظيف والإزالة، فما كان أبلغ في ذلك كان مثل الأحجار في الجواز أو أولى.\nومن ذلك أن النبي - ﷺ - \"نهى أن يبيع الرجل على بيع أخيه أو يخطب على خطبته\". معلوم أن المفسدة التي نهى عنها في البيع والخطبة موجودة في الإجارة؛ فلا يحل له أن يؤجر على إجارته. وإن قدر دخول الإجارة في لفظ البيع العام وهو بيع المنافع فحقيقتها غير حقيقة البيع، وأحكامها غير أحكامه.","vol":"4","page":788},{"text":"ومن ذلك قوله ﷾ في آية التيمم: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ فألحقت الأمة أنواع الحدث الأصغر على اختلافها في نقضها بالغائط والآية لم تنص من أنواع الحدث الأصغر إلا عليه وعلى اللمس، على قول من فسره بما دون الجماع وألحقت الاحتلام بملامسة النساء، وألحقت واجد ثمن الماء بواجده. وألحقت من خاف على نفسه أو بهائمه من العطش إذا توضأ بعادم الماء؛ فجوزت له التيمم وهو واجد الماء. وألحقت من خشى المرض من شدة برد الماء بالمريض في العدول عنه إلى البدل. وإدخال هذه الأحكام وأمثالها في العمومات المعنوية التي لا يستريب من له فهم عن الله ورسوله في قصد عمومها وتعليق الحكم به، وكونه متعلقًا بمصلحة العبد أولى من إدخالها في عمومات لفظية بعيدة التناول لها ليست بحرية الفهم مما لا ينكر تناول العموميين لها. فمن الناس من يتنبه لهذا، ومنهم من يتفطن لتناول العموميين لها.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ﴾ قاست الأئمة الرهن في الحضر على الرهن في السفر مع وجود الكاتب على الرهن مع عدمه. فإن استدل على ذلك بأن النبي - ﷺ - رهن درعه في الحضر فلا عموم في ذلك؛ فإنما رهنها على شعير استقرضه من يهودي فلابد من القياس: إما على الآية، وإما على السنة.\nومن ذلك أن سمرة بن جندب لما باع خمر أهل الذمة وأخذ","vol":"4","page":789},{"text":"ثمنها في العشور التي عليهم، فبلغ ذلك عمر قال: قاتل الله سمرة؟ أما علم أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها وباعوها وأكلوا أثمانها\". وهذا محض القياس من عمر ﵁؛ فإن تحريم الشحوم على اليهود كتحريم الخمر على المسلمين. وكما يحرم ثمن الشحوم المحرمة فكذلك يحرم ثمن الخمر الحرام.\nومن ذلك أن الصحابة ﵃ جعلوا العبد على النصف من الحر في النكاح والطلاق والعدة، قياسًا على ما نص الله عليه من قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَينَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾. ثم ذكر ﵀ آثارًا دالة على أن الصحابة جعلوا العبد على النصف من الحر فيما ذكر قياسًا على ما نص الله عليه من تنصيف الحد على الأمة.\nومن ذلك توريث عثمان بن عفان ﵁ المبتوتة في مرض الموت برأيه، ووافقه الصحابة على ذلك.\nومن ذلك قول ابن عباس ﵄ في نهي النبي - ﷺ - عن بيع الطعام قبل قبضه، قال: أحسب كل شيء بمنزلة الطعام.\nومن ذلك أن عمر وزيدًا ﵄ لما قالا: إن الأم ترث ما بقى بعد أحد الزوجين في مسألة زوج أو زوجة مع الأبوين، قاسا وجود أحد الزوجين مع الأبوين على ما إذا لم يكن هناك زوج ولا زوجة، فإنه حينئذ يكون للأب ضعف ما للأم، فقدرا أن الباقي بعد الزوج أو الزوجة كل المال. وهذا من أحسن القياس؛ فإن قاعدة الفرائض: أن الذكر والأنثى إذا اجتمعا وكانا في درجة","vol":"4","page":790},{"text":"واحدة، فإما أن يأخذ الذكر ضعف ما تأخذه الأنثى كالأولاد وبني الأب، وإما أن تساويه كولد الأم. وأما أن الأنثى تأخذ ضعف ما يأخذ مع مساواته لها في درجته فلا عهد به في الشريعة. فهذا من أحسن الفهم عن الله ورسوله.\nومن ذلك أخذ الصحابة ﵃ في الفرائض بالعول، وإدخال النقص على جميع ذوي الفرائض قياسًا على إدخال النقص على الغرماء إذا ضاق مال المفلس عن توفيتهم. ولا شك أن العول الذي أخذ به الصحابة ﵃ أعدل من توفية بعض المستحقين حقه كاملًا ونقص بعضهم بعض حقه، فهذا ظلم لا شك فيه، وأمثال هذا كثيرة، فلو تقصيناها لطال الكلام جدا. وهذه الوقائع التي ذكرنا وأمثالها مما لم نذكر تدل دلالة قطعية على أن الصحابة ﵃ كانوا يستعملون القياس في الأحكام، ويعرفونها بالأمثال والأشباه والنظائر، ولا يلتفت إلى من يقدح في كل سند من أسانيدها، فإنها في كثرة طرقها واختلاف مخارجها وأنواعها جارية مجرى التواتر المعنوي الذي لا شك فيه وإن لم يثبت كل فرد فرد من الإخبار بها، كما هو معروف في أصول الفقه وعلم الحديث.\n\nالمسألة الخامسة\nاعلم أن القياس جاءت على منعه في الجملة أدلة كثيرة، وبها تمسك الظاهرية ومن تبعهم، وسنذكر هنا إن شاء الله جملًا وافية من ذلك ثم نبين الصواب فيه إن شاء الله تعالى.\nقالوا: فمن ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ","vol":"4","page":791},{"text":"وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وأجمع المسلمون على أن الرد إلى الله سبحانه هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه هو الرد إليه في حضوره وحياته، وإلى سنته في غيبته وبعد مماته. والقياس ليس بهذا ولا هذا، ولا يقال الرد إلى القياس هو من الرد إلى الله ورسوله؛ لدلالة كتاب الله وسنة رسوله ﵊ كما تقدم تقريره؛ لأن الله سبحانه إنما ردنا إلى كتابه وسنة رسوله، ولم يردنا إلى قياس عقولنا وآرائنا فقط، بل قال تعالى لنبيه - ﷺ -: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقال: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ ولم يقل: بما رأيت أنت. وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٤٥)﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤٧)﴾، وقال تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ﴾، وقال: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ فلو كان القياس هدى لم ينحصر الهدى في الوحي. وقال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ﴾ فنفى الإيمان حتى يوجد تحكيمه وحده، وهو تحكيمه في حال حياته وتحكيم سنته فقط بعد وفاته، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ أي لا تقولوا حتى يقول قال نفاة القياس: والإخبار عنه بأنه حرَّم ما سكت عنه، أو أوجبه قياسًا على ما تكلم بتحريمه أو إيجابه تقدُّمٌ بين يديه. فإنه إذا قال: حرمت عليكم الربا في البر، فقلنا: ونحن","vol":"4","page":792},{"text":"نقيس على قولك البلوط، فهذا محض التقدُّم، قالوا: وقد حرم سبحانه أن نقول عليه ما لا نعلم. فإذا قلنا ذلك فقد واقعنا هذا المحرم يقينًا، فإنا غير عالمين بأنه أراد من تحريم الربا في الذهب والفضة تحريمه في القديد من اللحوم، وهذا قَفْو منا ما ليس لنا به علم، وتعدٍّ لما حد لنا، ومن يتعد حدود الله فقد ظلم نفسه. والواجب أن نقف عند حدوده، ولا نتجاوزها ولا نقصر بها. ولا يقال: فإبطال القياس وتحريمه والنهي عنه تقدُّم بين يدي الله ورسوله، وتحريم لما لم ينص على تحريمه، وقَفْو منكم لما ليس لكم به علم؛ لأنا نقول: الله ﷾ أخرجنا من بطون أمهاتنا لا نعلم شيئًا، وأنزل علينا كتابه، وأرسل إلينا رسوله يعلمنا الكتاب والحكمة؛ فما علمناه وبينه لنا فهو من الدين، وما لم يعلمناه ولا بين لنا أنه من الدين فليس من الدين ضرورة. وكل ما ليس من الدين فهو باطل، فليس بعد الحق إلا الضلال. وقال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ فالذي أكمله الله سبحانه، وبينه هو ديننا لا دين لنا سواه؛ فأين فيما أكمله لنا: قيسوا ما سكتُّ عنه على ما تكلمت بإيجابه أو تحريمه أو إباحته، سواء كان الجامع بينهما علة أو دليل علة، أو وصفًا شبهيًّا، فاستعملوا ذلك كله، وانسبوه إليّ وإلى رسولي وإلى ديني، واحكموا به علَيّ.\nقالوا: وقد أخبر سبحانه أن الظن لا يغني من الحق شيئًا، وأخبر رسوله \"أن الظن أكذب الحديث\" ونهى عنه، ومن أعظم الظن ظن القياسيين؛ فإنهم ليسوا على يقين أن الله ﷾ حرم بيع السمسم بالشيرج، والحلوى بالعنب، والنشا بالبر، وإنما هي ظنون مجردة لا تغني من الحق شيئًا.","vol":"4","page":793},{"text":"قالوا: وإن لم يكن قياس الضراط على السلام عليكم من الظن الذي نهينا عن اتباعه وتحكيمه، وأخبرنا أنه لا يغني عن الحق شيئًا فليس في الدنيا ظن باطل؛ فأين الضراط من السلام عليكم! وإن لم يكن قياس الماء الذي لاقى الأعضاء الطاهرة الطيبة عند الله في إزالة الحدث على الماء الذي لاقى أخبث العذرات والميتات والنجاسات ظنًّا؛ فلا ندري ما الظن الذي حرم الله سبحانه القول به، وذمه في كتابه، وسلخه من الحق. وإن لم يكن قياس أعداء الله ورسوله من عباد الصلبان واليهود الذين هم أشد الناس عداوة للمؤمنين على أوليائه وخيار خلقه، وسادات الأمة وعلمائها وصلحائها في تكافؤ دمائهم وجريان القصاص بينهم ظنًا؛ فليس في الدنيا ظن يذم أتباعه.\nقالوا: ومن العجب أنكم قستم أعداء الله على أوليائه في جريان القصاص بينهم، فقتلتم ألف ولي لله تعالى قتلوا نصرانيًّا واحدًا، ولم تقيسوا من ضرب رجلًا بدبوس فنثر دماغه بين يديه على من طعنه بمسلة فقتله.\nقالوا: وسنبين لكم من تناقض أقيستكم واختلافها وشدة اضطرابها، ما يبين أنها من عند غير الله. قالوا: والله تعالى لم يكل بيان شريعته إلى آرائنا وأقيستنا واستنباطنا، وإنما وكلها إلى رسوله المبين عنه. فما بينه عنه وجب اتباعه، وما لم يبينه فليس من الدين، ونحن نناشدكم الله هل اعتمادكم في هذه الأقيسة الشبهية والأوصاف الحدسية التخمينية على بيان الرسول، أو على آراء الرجال، وظنونهم وحدسهم؛ قال الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيكَ الذِّكْرَ","vol":"4","page":794},{"text":"لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ فأين بين النبي - ﷺ -: أني إذا حرمت شيئًا أو أوجبته أو أبحته، فاستخرجوا وصفًا ما شبيهًا جامعًا بين ذلك وبين جميع ما سكتُّ عنه فألحقوه به وقيسوه عليه؟.\nقالوا: والله تعالى قد نهى عن ضرب الأمثال له، فكما لا تضرب له الأمثال لا تضرب لدينه، وتمثيل ما لم ينص على حكمه بما نص عليه لشبهٍ ما ضرب الأمثال لدينه. قالوا: وما ضربه الله ورسوله من الأمثال فهو حق خارج عما نحن بصدده من إثباتكم الأحكام بالرأي والقياس من غير دليل من كتاب ولا سنة. وذكروا شيئًا كثيرًا من الأمثال التي ضربها رسول الله - ﷺ - معترفين بأنها حق، قالوا: ولا تفيدكم في محل النزاع، قالوا: فالأمثال التي ضربها رسول الله - ﷺ - إنما هي لتقريب المراد، وتفهيم المعنى وإيصاله إلى ذهن السامع وإحضاره في نفسه بصورة المثال الذي مثل به؛ فإنه قد يكون أقرب إلى تعقله وفهمه، وضبطه واستحضاره له باستحضار نظيره. فإن النفس تأنس بالنظائر والأشباه الأنس التام، وتنفر من الغربة والوحدة وعدم النظير. ففي الأمثال من تأنيس النفس وسرعة قبولها وانقيادها لما ضرب لها مثله من الحق أمر لا يجحده أحد ولا ينكره. وكلما ظهرت لها الأمثال ازداد المعنى ظهورًا ووضوحًا. فالأمثال شواهد المعنى المراد، وتزكية له؛ وهي كزرع أخرج شطأة فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه، وهي خاصة العقل ولبه وثمرته، ولكن أين في الأمثال التي ضربها الله ورسوله على هذا الوجه؟ فهمنا أن الصداق لا يكون أقل من ثلاثة دراهم أو عشرة، قياسًا وتمثيلًا على أقل ما يقطع فيه السارق، هذا بالألغاز والأحاجي أشبه منه بالأمثال المضروبة للفهم؛ كما قال إمام الحديث محمد بن","vol":"4","page":795},{"text":"إسماعيل البخاري في جامعه الصحيح: (باب من شبه أصلًا معلومًا بأصل مبين قد بين الله حكمهما ليفهم السامع).\nقالوا: فنحن لا ننكر هذه الأمثال التي ضربها الله ورسوله، ولا نجهل ما أريد بها، وإنما ننكر أن يستفاد وجوب الدم على من قطع من جسده أو رأسه ثلاث شعرات أو أربعًا من قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وأن الآية تدل على ذلك. وأن قوله - ﷺ - في صدقة الفطر: \"صاع من تمر أو صاع من شعير أو صاع من أقط أو صاع من بر أو صاع من زبيب\" يفهم منه أنه لو أعطى صاعًا من إهليلج جاز، وأنه يدل على ذلك بطريق التمثيل والاعتبار. وأن قوله - ﷺ -: \"الولد للفراش\" يستفاد منه ومن دلالته أنه لو قال الولي بحضرة الحاكم: زوجتك ابنتي، وهو بأقصى الشرق وهي بأقصى الغرب، فقال: قبلت هذا التزويج وهي طالق ثلاثًا، ثم جاءت بعد ذلك بولد لأكثر من ستة أشهر؛ أنه ابنه، وقد صارت فراشًا بمجرد قوله: قبلت هذا التزويج، ومع هذا لو كانت له سرية يطؤها ليلًا ونهارًا لم تكن فراشًا له، ولو أتت بولد لم يلحقه نسبه إلا أن يدعيه ويستلحقه، فإن لم يستلحقه فليس بولده.\nوأين يفهم من قوله - ﷺ -: \"إن في قتل الخطأ شبه العمد ما كان بالسوط والعصا مائة من الإبل\"؛ أنه لو ضربه بحجر المنجنيق أو بكور الحداد أو بمرازب الحديد العظام، حتى خلط دماغه بلحمه وعظمه؛ أن هذا خطأ شبه عمد لا يوجب قودًا؟.\nوأين يفهم من قوله - ﷺ -: \"ادرءوا الحدود عن المسلمين","vol":"4","page":796},{"text":"ما استطعتم فإن لم يكن له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام إن يخطئ في العفو خير له من أن يخطئ في العقوبة\"؛ أن من عقد على أمه أو ابنته أو أخته ووطئها فلا حد عليه. وأن هذا مفهوم من قوله: \"ادرءوا الحدود بالشبهات\" فهذا في معنى الشبهة التي تدرأ بها الحدود، وهي الشبهة في المحل أو في الفاعل أو في الاعتقاد. ولو عرض هذا على فهم من فرض من العالمين لم يفهمه من هذا اللفظ بوجه من الوجوه. وإن من يطأ خالته أو عمته بملك اليمين فلا حد عليه مع علمه بأنها خالته أو عمته وتحريم الله لذلك، ويفهم هذا من \"ادرءوا الحدود بالشبهات\"، وأضعاف أضعاف هذا مما لا يكاد ينحصر.\nقالوا: فهذا التمثيل والتشبيه هو الذي ننكره، وننكر أن يكون في كلام الله ورسوله دلالة على فهمه بوجه ما.\nقالوا: ومن أين يفهم من قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾، ومن قوله: ﴿فَاعْتَبِرُوا﴾؛ تحريم بيع الكشك بالبن، وبيع الخل بالعنب، ونحو ذلك. قالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ولم يقل إلى قياساتكم وآرائكم، ولم يجعل الله آراء الرجال وأقيستها حاكمة بين الأمة أبدًا.\nقالوا: وقد قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فإنما منعهم من الخيرة عند حكمه وحكم رسوله؛ لا عند آراء الرجال وأقيستهم وظنونهم.\nوقد أمر سبحانه رسوله باتباع ما أوحاه إليه خاصة، وقال: ﴿إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾، وقال: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾، وقال","vol":"4","page":797},{"text":"تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ قالوا: فدل هذا النص على أن ما لم يأذن به الله من الدين فهو شرع غيره الباطل.\nقالوا: وقد أخبر النبي - ﷺ - عن ربه ﵎: أن كل ما سكت عن إيجابه أو تحريمه فهو عفو عفا عنه لعباده، مباح إباحة العفو، فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه قياسًا على ما أوجبه أو حرمه بجامع بينهما، فإن ذلك يستلزم رفع هذا القسم بالكلية وإلغاءه، إذ المسكوت عنه لابد أن يكون بينه وبين المحرم شبه ووصف جامع، وبينه وبين الواجب. فلو جاز إلحاقه به لم يكن هناك قسم قد عفا عنه؛ ولم يكن ما سكت عنه قد عفا عنه، بل يكون ما سكت عنه قد حرمه قياسًا على ما حرمه، وهذا لا سبيل إلى دفعه، وحينئذ فيكون تحريم ما سكت عنه تبديلًا لحكمه. وقد ذم الله تعالى من بدل غير القول الذي أمر به، فمن بدل غير الحكم الذي شرع له فهو أولى بالذم، وقد قال النبي - ﷺ -: \"إن من أعظم المسلمين في المسلمين جرمًا: من سأل عن شيء لم يحرم فحرم على الناس من أجل مسألته\" فإذا كان هذا فيمن تسبب إلى تحريم الشارع صريحًا بمسألته عن حكم ما سكت عنه، فكيف بمن حرم المسكوت عنه بقياسه ورأيه!! يوضحه أن المسكوت عنه لما كان عفوًا عفا الله لعباده عنه، وكان البحث عنه سببًا لتحريم الله إياه لما فيه من مقتضى التحريم لا لمجرد السؤال عن حكمه، وكان الله قد عفا عن ذلك وسامح به عباده كما يعفو عما فيه مفسدة من أعمالهم وأقوالهم. فمن المعلوم أن سكوته عن ذكر لفظ عام يحرمه؛ يدل على أنه عفو منه، فمن حرمه بسؤاله عن علة التحريم وقياسه على","vol":"4","page":798},{"text":"المحرم بالنص، كان أدخل في الذم ممن سأله عن حكمة لحاجته إليه، فحرم من أجل مسألته، بل كان الواجب عليه ألا يبحث عنه؛ ولا يسأل عن حكمه اكتفاء بسكوت الله عن عفوه عنه. فهكذا الواجب عليه ألا يحرم المسكوت عنه بغير النص الذي حرم أصله الذي يلحق به.\nقالوا: وقد دل على هذا كتاب الله حيث يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (١٠١) قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (١٠٢)﴾. وقد قال النبي - ﷺ - في الحديث الصحيح: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" فأمرهم أن يتركوه من السؤال ما تركهم. ولا فرق في هذا بين حياته وبين مماته. فنحن مأمورون أن نتركه - ﷺ - وما نص عليه، فلا نقول له لم حرمت كذا لنلحق به ما سكت عنه، بل هذا أبلغ في المعصية من أن نسأله عن حكم شيء لم يحكم فيه؛ فتأمله فإنه واضح، ويدل عليه قوله في نفس الحديث: \"وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" فجعل الأمور ثلاثة لا رابع لها: مأمور به، فالفرض عليهم فعله بحسب الاستطاعة. ومنهي عنه، فالفرض عليهم اجتنابه بالكلية، ومسكوت عنه، فلا يتعرض للسؤال والتفتيش عليه.\nوهذا حكم لا يختص بحياته فقط، ولا يخص الصحابة دون","vol":"4","page":799},{"text":"من بعدهم، بل فرض علينا نحن امتثال أمره، واجتناب نهيه، وترك البحث والتفتيش عما سكت عنه. وليس ذلك الترك جهلًا وتجهيلًا لحكمه، بل إثبات لحكم العفو وهو الإباحة العامة، ورفع الحرج عن فاعله.\nفقد استوعب الحديث أقسام الدين كلها، فإنها: إما واجب، وإما حرام، وإما مباح. والمكروه والمستحب فرعان على هذه الثلاثة غير خارجين عن المباح. وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ فوكل بيانه إليه سبحانه، لا إلى القياسيين والآرائيين.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾ فقسم الحكم إلى قسمين:  قسم أذن فيه هو الحق، وقسم افترى عليه وهو ما لم يأذن فيه. فأين أذِن لنا أن نقيس البلوط على التمر في جريان الربا فيه، وأن نقيس القزدير وعلى الذهب والفضة، والخردل على البر، فإن كان الله ورسوله وصانا بهذا فسمعًا وطاعة لله ورسوله، وإلا فإنا قائلون لمنازعينا: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾ فما لم تأتونا به وصية من عند الله على لسان رسوله - ﷺ - فهو عين الباطل، وقد أمرنا الله برد ما تنازعنا فيه إليه وإلى رسوله - ﷺ -، فلم يبح لنا قط أن نرد ذلك إلى رأي ولا قياس، ولا تقليد إمام ولا منام، ولا كشوف ولا إلهام، ولا حديث قلب ولا استحسان، ولا معقول ولا شريعة للديوان، ولا سياسة الملوك، ولا عوائد الناس التي ليس على شرائع المرسلين أضر منها. فكل هذه طواغيت! من","vol":"4","page":800},{"text":"تحاكم إليها أو دعا منازعه إلى التحاكم إليها فقد حاكم إلى الطاغوت!.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾. قالوا: ومن تأمل هذه الآية حق التأمل؛ تبين له أنها نص على إبطال القياس وتحريمه؛ لأن القياس كله ضرب الأمثال للدين وتمثيل ما لا نص فيه بما فيه نص. ومن مثل ما لم ينص الله سبحانه على تحريمه أو إيجابه بما حرمه أو أوجبه فقد ضرب لله الأمثال، ولو علم سبحانه أن الذي سكت عنه مثل الذي نص عليه لأعلمنا بذلك، ولما أغفله سبحانه، وما كان ربك نسيًّا، وليبين لنا ما نتقي كما أخبر عن نفسه بذلك إذ يقول سبحانه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾. ولَمَا وكَلَه إلى آرائنا ومقاييسنا التي ينقض بعضها بعضًا. فهذا يقيس ما يذهب إليه على ما يزعم أنه نظيره، فيجيء منازعه فيقيس ضد قياسه من كل وجه، ويبدي من الوصف الجامع مثل ما أبداه منازعه أو أظهر منه، ومحال أن يكون القياسان معًا من عند الله، وليس أحدهما أولى من الآخر فليسا من عنده. وهذا وحده كاف في إبطال القياس، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾، وقال: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيهِمْ﴾ فكل ما بينه رسول الله - ﷺ - فعن ربه سبحانه، بينه بأمره وإذنه. وقد علمنا يقينًا وقوع كل اسم في اللغة على مسماه فيها، وأن اسم البر لا يتناول الخردل، واسم التمر لا يتناول البلوط، واسم الذهب والفضة لا يتناول القزدير، وأن تقدير نصاب السرقة لا يدخل فيه تقدير المهر، وأن تحريم أكل الميتة لا يدل على أن","vol":"4","page":801},{"text":"المؤمن الطيب عند الله حيًّا وميتًا إذا مات صار نجسًا خبيثًا. وأن هذا عن البيان الذي ولاه الله ورسوله وبعثه به أبعد شيء وأشده منافاة له؛ فليس هو مما بعث به الرسول قطعًا، فليس إذًا من الدين. وقال النبي - ﷺ -: \"ما بعث الله من نبي إلا كان حقًّا عليه أن يدل أمته على خير ما يعلمه لهم، وينهاهم عن شر ما يعلمه لهم\" ولو كان الرأي والقياس خيرًا لهم لدلهم عليه، وأرشدهم إليه، ولقال لهم إذا أوجبت عليكم شيئًا أو حرمته فقيسوا عليه ما كان بينه وصف جامع، أو ما أشبهه. أو قال ما يدل على ذلك أو يستلزمه، ولَمَا حذرهم من ذلك أشد الحذر. وقد أحكم اللسان كل اسم على مسماه لا على غيره. وإنما بعث الله سبحانه محمدًا - ﷺ - بالعربية التي يفهمها العرب من لسانها، فإذا نص سبحانه في كتابه أو نص رسوله على اسم من الأسماء، وعلق عليه حكمًا من الأحكام؛ وجب ألا يوقع ذلك الحكم إلا على ما اقتضاه ذلك الاسم، ولا يتعدى به الوضع الذي وضعه الله ورسوله فيه، ولا يخرج عن ذلك الحكم شيء، مما يقتضيه الاسم، فالزيادة عليه زيادة في الدين، والنقص منه نقص في الدين. فالأول القياس، والثاني التخصيص الباطل، وكلاهما ليس من الدين، ومن لم يقف مع النصوص فإنه تارة يزيد في النص ما ليس منه، ويقول هذا قياس. ومرة ينقص منه بعض ما يقتضيه ويخرجه عن حكمه ويقول هذا تخصيص. ومرة يترك النص جملة ويقول ليس العمل عليه، أو يقول هذا خلاف القياس، أو خلاف الأصول.\nقالوا: ولو كان القياس من الدين لكان أهله أتبع الناس للأحاديث، وكان كلما توغل فيه الرجل كان أشد اتباعًا للأحاديث","vol":"4","page":802},{"text":"والآثار. قالوا: ونحن نرى أن كلما اشتد توغل الرجل فيه اشتدت مخالفته للسنن، ولا نرى خلاف السنن والآثار إلا عند أصحاب الرأس والقياس. فلله كم من سنة صحيحة صريحة قد عطلت به، وكم من أثر دَرَسَ حكمه بسببه، فالسنن والآثار عند الآرائيين والقياسيين خاوية على عروشها، معطلة أحكامها، معزولة عن سلطانها وولايتها، لها الاسم ولغيرها الحكم، لها السكة والخطبة ولغيرها الأمر والنهي؛ وإلا فلماذا ترك حديث العرايا، وحديث قسم الابتداء، وأن للزوجة حق العقد سبع ليال إن كانت بكرًا، أو ثلاثًا إن كانت ثيبًا. ثم يقسم بالسوية، وحديث تغريب الزاني غير المحصن، وحديث الاشتراط في الحج، وجواز التحلل بالشرط، وحديث المسح على الجوربين، وحديث عمران بن حصين وأبي هريرة في أن كلام الناسي والجاهل لا يبطل الصلاة، وحديث   دفع اللقطة إلى من جاء فوصف وعاءها ووكاءها وعفاصها، وحديث المصراة، وحديث القرعة بين العبيد إذا أعتقوا في المرض ولم يحملهم الثلث، وحديث خيار المجلس، وحديث إتمام الصوم لمن أكل ناسيًا، وحديث إتمام الصبح لمن طلعت عليه الشمس وقد صلى منها ركعة، وحديث الصوم عن الميت، وحديث الحج عن المريض المأيوس من برئه، وحديث الحكم بالقافة، وحديث \"من وجد متاعه عند رجل قد أفلس\"، وحديث النهي عن بيع الرطب بالتمر، وحديث بيع المدبر، وحديث القضاء بالشاهد مع اليمين، وحديث \"الولد للفراش إذا كان من أمة\" وهو سبب الحديث، وحديث تخيير الغلام بين أبويه إذا افترقا، وحديث قطع السارق في ربع دينار، وحديث رجم الكتابيين في الزنى، وحديث من تزوج","vol":"4","page":803},{"text":"امرأة أبيه أمر بضرب عنقه وأخذ ماله، وحديث \"لا يقتل مؤمن بكافر\"، وحديث \"لعن الله المحلل والمحلل له\"، وحديث \"لا نكاح إلا بولي\"، وحديث \"المطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة\"، وحديث: \"أعتق صفية وجعل عتقها صداقها\"، وحديت، \"أصْدِقها ولو خاتمًا من حديد\"، وحديث \"إباحة لحوم الخيل\"، وحديث \"كل مسكر حرام\"، وحديث \"ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة\"، وحديث المزارعة والمساقاة، وحديث \"ذكاة الجنين ذكاة أمه\"، وحديث \"الرهن مركوب ومحلوب\"، وحديث النهي عن تخليل الخمر، وحديث قصة الغنيمة \"للراجل سهم وللفارس ثلاثة\"، وحديث \"لا تحرم المصة والمصتان\"، وأحاديث حرمة المدينة، وحديث إشعار الهدي وحديث \"إذا لم يجد المحرم الإزار فليلبس السراويل\"، وحديث الوضوء من لحوم الإبل، وأحاديث المسح على العمامة، وحديث الأمر بإعادة الصلاة لمن صلى خلف الصف وحده، وحديث السراويل، وحديث منع الرجل من تفضيل بعض ولده على بعض؛ وأنه جور لا تجوز الشهادة عليه، وحديث \"أنت ومالك لأبيك\"، وحديث \"من دخل والإمام يخطب يصلي تحية المسجد\"، وحديث الصلاة على الغائب، وحديث الجهر بـ\"آمين\" في الصلاة، وحديث جواز رجوع الأب فيما وهبه لولده ولا يرجع غيره، وحديث \"الكلب الأسود يقطع الصلاة\"، وحديث الخروج إلى العيد من الغد إذا علم بالعيد بعد الزوال، وحديث نضح بول الغلام الذي لم يأكل الطعام، وحديث الصلاة على القبر، وحديث \"من زرع في أرض قوم بغير إذنهم فليس له من الزرع شيء وله نفقته\"، وحديث بيع جابر بعيره واشتراط ظهره، وحديث النهي","vol":"4","page":804},{"text":"عن جلود السباع، وحديث \"لا يمنع أحدكم جاره أن يغرز خشبة في جداره\"، وحديث \"إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج\"، وحديث \"من باع عبدًا وله مال فماله للبائع\"، وحديث \"إذا أسلم وتحته أختان اختار أيتهما شاء\"، وحديث الوتر على الراحلة، وحديث \"كل ذي ناب من السباع حرام\"، وحديث \"من السنة وضع اليمنى على اليسرى في الصلاة، وحديث \"لا تجزئ صلاة لا يقيم الرجل فيها صلبه من ركوعه وسجوده\"، وأحاديث رفع اليدين في الصلاة عند الركوع والرفع منه، وأحاديث الاستفتاح، وحديث: كان للنبي - ﷺ - سكتتان في الصلاة، وحديث \"تحريمها التكبير وتحليلها التسليم\"، وحديث حمل الصبية في الصلاة، وأحاديث القرعة، وأحاديث العقيقة، وحديث \"لو أن رجلًا طلع عليك بغير إذنك\"، وحديث \"أيدع يده في فيك تقضمها كما يقضم الفحل\"، وحديث \"إن بلالًا يؤذن بليل\"، وحديث النهي عن صوم يوم الجمعة، وحديث النهي عن الذبح بالسن والظفر، وحديث صلاة الكسوف والاستسقاء، وحديث النهي عن عسيب الفحل، وحديث \"المحرم إذا مات لم يخمر رأسه، ولم يقرب طيبًا\" إلى أضعاف ذلك من الأحاديث التي كان تركها من أجل القول بالقياس والرأي.\nفلو كان القياس حقًّا لكان أهله أتبع الأمة للأحاديث، ولا حُفِظ لهم ترك حديث واحد إلا لنص ناسخ له؛ فحيث رأينا كل من كان أشد توغلًا في القياس والرأي كان أشد مخالفة للأحاديث الصحيحة الصريحة؛ علمنا أن القياس ليس من الدين، وأن شيئًا تُترك له سنن لأبين شيء منافاة للدين، فلو كان القياس من عند الله","vol":"4","page":805},{"text":"لطابق السنة أعظم مطابقة، ولم يخالف أصحابه حديثًا واحدًا منها، ولكانوا أسعد بها من أهل الحديث. فَلْيُرُوا أهلَ الحديث والأثر حديثًا واحدًا صحيحًا قد خالفوه. كما أريناهم آنفًا ما خالفوه من السنة بجريرة القياس.\nقالوا: وقد أخذ الله الميثاق على أهل الكتاب وعلينا بعدهم: ألا نقول على الله إلا بالحق؛ فلو كانت هذه الأقيسة المتعارضة المتناقضة التي ينقض بعضها بعضًا بحيث لا يدري الناظر فيها أيها الصواب حقًّا؛ لكانت متفقة يصدق بعضها بعضًا كالسنة التي يصدق بعضها بعضًا، وقال تعالى: ﴿وَيُحِقُّ اللَّهُ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ﴾ لا بآرائنا ولا مقاييسنا، وقال: ﴿وَاللَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ وَهُوَ يَهْدِي السَّبِيلَ (٤)﴾ فما لم يقله سبحانه ولا هدى إليه فليس من الحق، وقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ﴾ فقسم الأمور إلى قسمين لا ثالث لهما: اتباع لما دعا إليه الرسول - ﷺ -، واتباع الهوى.\nقالوا: والرسول - ﷺ - لم يَدْع أمته إلى القياس قط، بل قد صح عنه أنه أنكر على عمر وأسامة محض القياس في شأن الحلتين اللتين أرسل بهما إليهما فلبسها أسامة قياسًا للبس على التملك والانتفاع والبيع، وكسوتها لغيره، وردها عمر قياسًا لتملكها على لبسها. فأسامة أباح، وعمر حرم قياسًا؛ فأبطل رسول الله - ﷺ - كل واحد من القياسين. وقال لعمر: \"إنما بعثت بها إليك لتستمتع بها\". وقال لأسامة: \"إني لم أبعث إليك بها لتلبسها ولكن بعثتها إليك لتشقها خمرًا لنسائك\"، والنبي - ﷺ - إنما تقدم إليهم في الحرير بالنص على تحريم لبسه فقط، فقاسا قياسًا أخطآ فيه؛ فأحدهما قاس اللبس على الملك، وعمر قاس التملك على اللبس، والنبي","vol":"4","page":806},{"text":"- ﷺ - بين أن ما حرمه من اللبس لا يتعدى إلى غيره، وما أباحه من التملك لا يتعدى إلى اللبس.\nقالوا: وهذا عين إبطال القياس. وقالوا: وقد صح عن النبي - ﷺ - من حديث أبي ثعلبة الخشني، قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها، وحد حدودًا فلا تعتدوها، ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها، وسكت عن أشياء رحمة لكم غير نسيان فلا تبحثوا عنها\". قالوا: وهذا الخطاب عام لجميع الأمة أولها وآخرها.\nقالوا: وقد جاء عن النبي - ﷺ - بإسناد جيد من حديث سلمان ﵁ قال: سئل النبي - ﷺ - عن أشياء فقال: \"الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرم الله، وما سكت عنه فهو مما عفا عنه\". قالوا: وكل ذلك يدل على أن المسكوت عنه معفو عنه؛ فلا يجوز تحريمه ولا إيجابه بإلحاقه بالمنطوق به.\nقالوا: وقال عبد الله بن المبارك؛ ثنا عيسى بن يونس، عن حَرِيز بن عثمان، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه عن عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"تفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة، أعظمها فتنة على أمتي قوم يقيسون الأمور برأيهم؛ فيحلون الحرام ويحرمون الحلال\". قال قاسم بن أصبغ: حدثنا محمد بن إسماعيل الترمذي، ثنا نعيم بن حماد، حدثنا عبد الله .. فذكره. وهؤلاء كلهم أئمة ثقات حفاظ؛ إلا حَرِيز بن عثمان فإنه كان منحرفًا عن علي ﵁، ومع ذلك فقد احتج به البخاري في صحيحه، وقد روى عنه أنه تبرأ مما","vol":"4","page":807},{"text":"نسب إليه من الانحراف عن علي، ونعيم بن حماد إمام جليل، وكان سيفًا على الجهمية، روى عنه البخاري في صحيحه.\nقالوا: وقد صح عن النبي - ﷺ - صحةً تقرب من التواتر أنه قال: \"ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين من قبلكم بكثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم، ما نهيتكم عنه فاجتنبوه، وما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم\". وقد قدمنا إيضاح مرادهم بالاستدلال بالحديث.\nوقد ذكروا عن الصحابة والتابعين آثارًا كثيرة في ذم الرأي والقياس، والتحذير من ذلك. وذلك كثير معروف عن الصحابة فمن بعدهم. وذكروا كثيرًا من أقيسة الفقهاء التي يزعمون أنها باطلة، وعارضوها بأقيسة تماثلها في زعمهم. وذكروا أشياء كثيرة يزعمون أن الفقهاء فرقوا فيها بين المجتمع، وجمعوا فيها بين المفترق، إلى غير ذلك من أدلتهم الكثيرة على إبطال الرأي والقياس.\nوقد ذكرنا في هذا الكلام جملًا وافية من أدلتهم على ذلك بواسطة نقل العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن رب العالمين ولم نتتبع جميع أدلتهم لئلا يؤدي ذلك إلى الإطالة المملة. وقد رأيت فيما ذكرنا حجج القائلين بالقياس والاجتهاد فيما لا نص فيه، وحجج المانعين لذلك.\nالمسألة السادسة\nاعلم أن تحقيق المقام في هذه المسألة التي وقع فيها من الاختلاف ما رأيت؛ أن القياس قسمان: قياس صحيح، وقياس فاسد.","vol":"4","page":808},{"text":"أما القياس الفاسد: فهو الذي ترد عليه الأدلة التي ذكرها الظاهرية وتدل على بطلانه، ولا شك أنه باطل، وأنه ليس من الدين كما قالوا، وكما هو الحق.\nوأما القياس الصحيح: فلا يرد عليه شيء من تلك الأدلة، ولا يناقض بعضه بعضًا، ولا يناقض البتة نصًّا صحيحًا من كتاب أو سنة. فكما لا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة، فإنه لا تتناقض دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح، بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضًا، ويشهد بعضها لبعض. فلا يناقض القياس الصحيح النص الصحيح أبدًا.\nوضابط القياس الصحيح: هو أن تكون العلة التي علق الشارع بها الحكم وشرعه من أجلها موجودة بتمامها في الفرع من غير معارض في الفرع يمنع حكمها فيه. وكذلك القياس المعروف بـ\"القياس في معنى الأصل\" الذي هو الإلحاق بنفي الفارق المؤثر في الحكم؛ فمثل ذلك لا تأتي الشريعة بخلافه، ولا يعارض نصًّا، ولا يتعارض هو في نفسه. وسنضرب لك أمثلة من ذلك. تستدل بها على جهل الظاهرية القادح الفاضح، وقولهم على الله وعلى رسوله وعلى دينه أبطل الباطل، الذي لا يشك عاقل في بطلانه، وعظم ضرره على الدين؛ بدعوى أنهم واقفون مع النصوص، وأن كل ما لم يصرح بلفظه في كتاب أو سنة فهو معفو عنه، ولو صرح بعلة الحكم المشتملة على مقصود الشارع من حكمة التشريع، فأهدروا المصالح المقصودة من التشريع، وقالوا على الله ما يقتضي أنه يشرع المضار الظاهرة لخلقه.","vol":"4","page":809},{"text":"فمن ذلك ما ثبت في الصحيحين من حديث أبي بكرة ﵁: من أن النبي - ﷺ - قال: \"لا يقضين حكم بين اثنين وهو غضبان\" فالنبي - ﷺ - في هذا الحديث الصحيح نهى عن الحكم في وقت الغضب، ولا يشك عاقل أنه خص وقت الغضب بالنهي دون وقت الرضا؛ لأن الغضب يشوش الفكر فيمنع من استيفاء النظر في الحكم؛ فيكون ذلك سببًا لضياع حقوق المسلمين. فيلزم على قول الظاهرية كما قدمنا إيضاحه: أن النهي يختص بحالة الغضب ولا يتعداها إلى غيرها من حالات تشويش الفكر المانعة من استيفاء النظر في الحكم. فلو كان القاضي في حزن مفرط يؤثر عليه تأثيرًا أشد من تأثير الغضب بأضعاف، أو كان في جوع أو عطش مفرط يؤثر عليه أعظم من تأثير الغضب؛ فعلى قول الظاهرية فحكمه بين الناس في تلك الحالات المانعة من استيفاء النظر في الحكم عفو جائز؛ لأن الله سكت عنه في زعمهم، فيكون الله قد عفا للقاضي عن التسبب في إضاعة حقوق المسلمين التي نصبه الإمام من أجل صيانتها وحفظها من الضياع، مع أن تنصيص النبي - ﷺ - على النهي عن الحكم في حالة الغضب دليل واضح على المنع من الحكم في حالة تشويش الفكر تشويشًا كتشويش الغضب أو أشد منه كما لا يخفى على عاقل!! فانظر عقول الظاهرية وقولهم على الله ما يقتضي أنه أباح للقضاة الحكم في حقوق المسلمين في الأحوال المانعة من القدرة على استيفاء النظر في الأحكام، مع نهي النبي - ﷺ - الصريح عن ذلك في صورة من صوره وهي الغضب؛ بزعمهم أنهم واقفون مع النصوص.\nومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ","vol":"4","page":810},{"text":"فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾ فالله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نص على أن الذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء يجلدون ثمانين جلدة، وترد شهادتهم ويحكم بفسقهم. ثم استثنى من ذلك من تاب من القاذفين من بعد ذلك وأصلح. ولم يتعرض في هذا النص لحكم الذين يرمون المحصنين الذكور.\nفيلزم على قول الظاهرية: أن من قذف محصنًا ذكرًا ليس على أئمة المسلمين جلده ولا رد شهادته، ولا الحكم بفسقه؛ لأن الله سكت عن ذلك في زعمهم، وما سكت عنه فهو عفو!.\nفانظر عقول الظاهرية، وما يقولون على الله ورسوله من عظائم الأمور، بدعوى الوقوف مع النص!! ودعوى بعض الظاهرية: أن آية ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ شاملة للذكور بلفظها، بدعوى أن المعنى: يرمون الفروج المحصنات من فروج الإناث والذكور، من تلاعبهم وجهلهم بنصوص الشرع؟ وهل تمكن تلك الدعوى في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية. فهل يمكنهم أن يقولوا إن الفروج هي الغافلات المؤمنات، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ كما هو واضح؟؟.\nومن ذلك نهيه - ﷺ - عن البول في الماء الراكد: فإنه لا يشك عاقل أن علة نهيه عنه أن البول يستقر فيه لركوده فيقذره. فيلزم على قول الظاهرية: أنه لو ملأ آنية كثيرة من البول ثم صبها في الماء الراكد، أو تغوط فيه؛ أن كل ذلك عفو لأنه مسكوت عنه؛","vol":"4","page":811},{"text":"فيكون الله على قولهم ينهى عن جعل قليل من البول فيه إذا باشر البول فيه، ويأذن في جعل أضعاف ذلك من البول فيه بصبه فيه من الآنية. وكذلك يأذن في التغوط فيه!.\nوهذا لو صدر من أدنى عاقل لكان تناقضا معيبًا عند جميع العقلاء. فكيف بمن ينسب ذلك إلى الله ورسوله عياذًا بالله تعالى بدعوى الوقوف مع النصوص!! وربما ظن الإنسان الأجر والقربة فيما هو إلى الإثم والمعصية أقرب؛ كما قيل:\nأمنفقة الأيتام من كد فرجها ... لك الويل لا تزني ولا تتصدقي\nومن ذلك: نهيه - ﷺ - عن التضحية بالعوراء مع سكوته عن حكم التضحية بالعمياء؛ فإنه يلزم على قول الظاهرية: أن يناط ذلك الحكم بخصوص لفظ العور خاصة؛ فتكون العمياء مما سكت الله عن حكم التضحية به فيكون ذلك عفوًا. وإدخال العمياء في اسم العوراء لغة غير صحيح؛ لأن المفهوم من العور غير المفهوم من العمى؛ لأن العور لا يطلق إلا في صورة فيها عين تبصر، بخلاف العمى فلا يطلق في ذلك. وتفسير العور: بأنه عمى إحدى العينين لا ينافي المغايرة؛ لأن العمى المقيد بإحدى العينين غير العمى الشامل للعينين معًا. وبالجملة فالمعنى المفهوم من لفظ العور غير المعنى المفهوم من لفظ العمى. فوقوف الظاهرية مع لفظ النص يلزمه جواز التضحية بالعمياء لأنها مسكوت عنها. وأمثال هذا منهم كثيرة جدًا. وقصدنا التنبيه على بطلان أساس دعواهم، وهو الوقوف مع اللفظ من غير نظر إلى معاني التشريع والحكم والمصالح التي هي مناط الأحكام، وإلحاق النظير بنظيره الذي لا فرق بينه وبينه","vol":"4","page":812},{"text":"يؤثر في الحكم.\nواعلم أن التحقيق الذي لا شك فيه: أن الله تعالى يشرع الأحكام لمصالح الخلق؛ فأفعاله وتشريعاته كلها مشتملة على الحكم والمصالح  من جلب المنافع، ودفع المضار. فما يزعمه كثير من متأخري المتكلمين تقليدًا لمن تقدمهم: من أن أفعاله جل وعلا لا تعلل بالعلل الغائية، زاعمين أن التعليل بالأغراض يستلزم الكمال بحصول الغرض المتعلل به، وأن الله جل وعلا منزه من ذلك لاستلزامه النقص؛ كله كلام باطل! ولا حاجة إليه البتة؛ لأنه من المعلوم بالضرورة من الدين: أن الله جل وعلا غني لذاته الغنى المطلق، وجميع الخلق فقراء إليه غاية الفقر والفاقة والحاجة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾، ولكنه جل وعلا يشرع ويفعل لأجل مصالح الخلق المحتاجين الفقراء إليه؛ لا لأجل مصلحة تعود إليه هو ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوادعاء كثير من أهل الأصول: أن العلل الشرعية مطلق أمارات وعلامات للأحكام؛ ناشئ عن ذلك الظن الباطل؛ فالله جل وعلا يشرع الأحكام لأجل العلل المشتملة على المصالح التي يعود نفعها إلى خلقه الفقراء إليه؛ لا إلى الله جل وعلا ﴿إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾. وقد صرح تعالى وصرح رسوله - ﷺ -: بأنه يشرع الأحكام من أجل الحِكَم المنوطة بذلك التشريع. وأصرح لفظ في ذلك لفظة ﴿مِنْ أَجْلِ﴾ وقد قال تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية، وقال - ﷺ -:","vol":"4","page":813},{"text":"\"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\".\nوقد قدمنا أمثلة متعددة لحروف التعليل في الآيات القرآنية الدالة على العلل الغائية المشتملة على مصالح العباد، وهو أمر معلوم عند من له علم بحكم التشريع الإسلامي.\nوقال العلامة ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين عن رب العالمين بعد أن ذكر قول من منع القياس مطلقًا، وقول من غلا فيه، وذكر أدلة الفريقين ما نصه:\nقال المتوسطون بين الفريقين: قد ثبت أن الله سبحانه قد أنزل الكتاب والميزان؛ فكلاهما في الإنزال أخوان، وفي معرفة الإحكام شقيقان، وكما لا يتناقض الكتاب في نفسه، فالميزان الصحيح لا يتناقض في نفسه، ولا يتناقض الكتاب والميزان، فلا تتناقض دلالة النصوص الصحيحة ولا دلالة الأقيسة الصحيحة، ولا دلالة النص الصريح والقياس الصحيح؛ بل كلها متصادقة متعاضدة متناصرة، يصدق بعضها بعضًا ويشهد بعضها لبعض، فلا يناقض القياس الصحيح، النص الصحيح أبدًا.\nونصوص الشارع نوعان: أخبار، وأوامر، فكما أن أخباره لا تخالف العقل الصحيح، بل هي نوعان: نوع يوافقه ويشهد على ما يشهد به جملة، أو جملة وتفصيلًا. ونوع يعجز عن الاستقلال بإدراك تفصيله وإن أدركه من حيث الجملة. فهكذا أوامره سبحانه نوعان: نوع يشهد به القياس والميزان، ونوع لا يستقل بالشهادة به ولكن لا يخالفه.\nوكما أن القسم الثالث في الأخبار محال وهو ورودها بما","vol":"4","page":814},{"text":"يرده العقل الصحيح، فكذلك الأوامر ليس فيها ما يخالف القياس والميزان الصحيح. وهذه الجملة إنما تنفصل بتمهيد قاعدتين عظيمتين.\nإحداهما: أن الذكر الأمري محيط بجميع أفعال المكلفين أمرًا ونهيًا، وإذنًا وعفوًا. كما أن الذكر القدري محيط بجميعها علمًا وكتابة وقدرًا. فعلمه وكتابته وقدره قد أحصى جميع أفعال عباده الواقعة تحت التكليف وغيرها. وأمره ونهيه وإباحته وعفوه قد أحاط بجميع أفعالهم التكليفية. فلا يخرج فعل من أفعالهم عن أحد الحكمين: إما الكوني، وإما الشرعي الأمري؛ فقد بين الله سبحانه على لسان رسوله - ﷺ - بكلامه وكلام رسوله جميع ما أمر به، وجميع ما نهى عنه، وجميع ما أحله، وجميع ما حرمه، وجميع ما عفا عنه؛ وبهذا يكون دينه كاملًا، كما قال تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي﴾ ولكن قد يقصر فهم أكثر الناس عن فهم ما دلت عليه النصوص، وعن وجه الدلالة وموقعها، وتفاوت الأمة في مراتب الفهم عن الله ورسوله لا يحصيه إلا الله جل وعلا. ولو كانت الأفهام متساوية لتساوت أقدام العلماء في العلم، ولما خص سبحانه سليمان بفهم الحكومة في الحرث، وقد أثنى عليه وعلى داود بالحكم والعلم. وقد قال عمر لأبي موسى في كتابه إليه: \"الفهم الفهم فيما أُدْلي إليك\". وقال علي ﵁: إلا فهمًا يؤتيه الله عبدًا في كتابه. وقال أبو سعيد: كان أبو بكر ﵁ أعلمنا برسول الله ﷺ. ودعا النبي - ﷺ - لعبد الله ابن عباس: \"أن يفقهه في الدين ويعلمه التأويل\". والفرق بين الفقه والتأويل: أن الفقه هو فهم المعنى المراد والتأويل إدراك الحقيقة","vol":"4","page":815},{"text":"التي يئول إليها المعنى التي هي آخيته وأصله، وليس  كل من فقه في الدين عرف التأويل. فمعرفة التأويل يختص بها الراسخون في العلم، وليس المراد به تأويل التحريف وتبديل المعنى، فإن الراسخين في العلم يعلمون بطلانه، والله يعلم بطلانه؛ إلى أن قال ﵀:\nوكل فرقة من هؤلاء الفرق الثلاث: يعني نفاة القياس بالكلية، والغالين فيه؛ والقائلين بأن العلل الشرعية أمارات وعلامات فقط، لا مصالح أنيطت بها الأحكام وشرعت من أجلها؛ سدوا على أنفسهم طريقًا من طرق الحق؛ فاضطروا إلى توسعة طريق أخرى أكثر مما تحتمله. فنفاة القياس لما سدوا على نفوسهم باب التمثيل والتعليل، واعتبار الحكم والمصالح، وهو من الميزان والقسط الذي أنزله الله؛ احتاجوا إلى توسعة الظاهر والاستصحاب، فحملوها فوق الحاجة، ووسعوهما أكثر مما يسعانه. فحيث فهموا من النص حكمًا أثبتوه ولم يبالوا مما وراءه، وحيث لم يفهموه منه نفوه وحملوا الاستصحاب، وأحسنوا في اعتنائهم بالنصوص ونصرها، والمحافظة عليها، وعدم تقديم غيرها عليها من رأي أو قياس أو تقليد. وأحسنوا في رد الأقيسة الباطلة، وبيانهم تناقض أهلها في نفس القياس، وتركهم له، وأخذوا بقياس تركهم وما هو أولى منه؛ ولكن أخطئوا من أربعة أوجه:\nأحدها: رد القياس الصحيح، ولاسيما المنصوص على علته التي يجري النص عليها مجرى التنصيص على التعميم باللفظ، ولا يتوقف عاقل في أن قول النبي - ﷺ - لما لعن عبد الله حمارًا على كثرة شربه للخمر: \"لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله\" بمنزلة قوله:","vol":"4","page":816},{"text":"لا تلعنوا كل من يحب الله ورسوله. وفي قوله: \"إن الله ورسوله ينهيانكم عن لحوم الحمر فإنها رجس\" بمنزلة قوله: ينهيانكم عن كل رجس. وفي أن قوله تعالى ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾: نهى عن كل رجس. وفي أن قوله في الهرة: \"ليست بنجس لأنها من الطوافين عليكم والطوافات\" بمنزلة قوله: كل ما هو من الطوافين عليكم والطوافات فإنه ليس بنجس، ولا يستريب أحد في أن من قال لغيره: لا تأكل من هذا الطعام فإنه مسموم؛ نهي له عن كل طعام كذلك، وإذا قال: لا تشرب هذا الشراب فإنه مسكر؛ فهو نهي له عن كل مسكر. ولا تتزوج هذه المرأة فإنها فاجرة، وأمثال ذلك.\nالخطأ الثاني: تقصيرهم في فهم النصوص؛ فكم من حكم دل عليه النص ولم يفهموا دلالته عليه. وسبب هذا الخطأ حصرهم الدلالة في مجرد ظاهر اللفظ دون إيمائه وتنبيهه، وإشارته وعرفه عند المخاطبين. فلم يفهموا من قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ضربًا ولا سبًّا ولا إهانة غير لفظة: ﴿أُفٍّ﴾ فقصروا في فهم الكتاب كما قصروا في اعتبار الميزان.\nالخطأ الثالث: تحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، وجزمهم بموجبه لعدم علمهم بالناقل. وليس عدم العلم علمًا بالعدم.\nوقد تنازع الناس في الاستصحاب، ونحن نذكر أقسامه ... ثم شرع ﵀ يبين أقسام الاستصحاب، وقد ذكرنا بعضها في سورة \"براءة\" وجعلها هو ﵀ ثلاثة أقسام، وأطال فيها الكلام.","vol":"4","page":817},{"text":"والمعروف في الأصول أن الاستصحاب أربعة أقسام:\nالأول: استصحاب العدم الأصلي حتى يرد الناقل عنه وهو البراءة الأصلية والإباحة العقلية؛ كقولنا: الأصل براءة الذمة من الدين فلا تعمر بدين إلا بدليل ناقل عن الأصل يثبت ذلك. والأصل براءة الذمة من وجوب صوم شهر آخر غير رمضان، فيلزم استصحاب هذا العدم حتى يرد ناقل عنه، وهكذا.\nالنوع الثاني: استصحاب الوصف المثبت للحكم حتى يثبت خلافه، كاستصحاب بقاء النكاح وبقاء الملك وبقاء شغل الذمة حتى يثبت خلافه.\nالثالث: استصحاب حكم الإجماع في محل النزاع، والأكثر على أن هذا الأخير ليس بحجة. وهو ﵀ يرى أنه حجة. وكلا الأولين حجة بلا خلاف في الجملة.\nالرابع: الاستصحاب المقلوب، وقد قدمنا إيضاحه وأمثلته في سورة \"التوبة\".\nالخطأ الرابع لهم: هو اعتقادهم أن عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم كلها على الباطل حتى يقوم دليل على الصحة، فإذا لم يقم عندهم دليل على صحة شرط أو عقد أو معاملة استصحبوا بطلانه؛ فأفسدوا بذلك كثيرًا من معاملات الناس وعقودهم وشروطهم بلا برهان من الله؛ بناء على هذا الأصل، وجمهور الفقهاء على خلافه، وأن الأصل في العقود والشروط الصحة إلا ما أبطله الشارع أو نهى عنه. وهذا القول هو الصحيح؛ فإن الحكم ببطلانها حكم","vol":"4","page":818},{"text":"بالتحريم والتأثيم. ومعلوم أنه لا حرام إلا ما حرمه الله ورسوله، ولا تأثيم إلا ما أثم الله ورسوله به فاعله. كما أنه لا واجب إلا ما أوجبه الله، ولا حرام إلا ما حرمه الله؛ ولا دين إلا ما شرعه الله، فالأصل في العبادات البطلان حتى يقوم دليل على الأمر. والأصل في العقود والمعاملات الصحة حتى يقوم دليل على البطلان والتحريم. والفرق بينهما: أن الله سبحانه لا يُعْبد إلا بما شرعه على ألسنة رسله؛ فإن العبادة حقه على عباده، وحقه الذي أحقه هو ورضي به وشرعه. وأما العقود والشروط والمعاملات فهي عفو حتى يحرمها، ولذا نعى الله سبحانه على المشركين مخالفة هذين الأصلين: وهو تحريم ما لم يحرمه، والتقرب إليه بما لم يشرعه، وهو سبحانه لو سكت عن إباحة ذلك وتحريمه لكان ذلك عفوًا لا يجوز الحكم بتحريمه وإبطاله؛ فإن الحلال ما أحله الله، والحرام ما حرمه الله، وما سكت عنه فهو عفو. فكل شرط وعقد ومعاملة سكت عنها، فإنه لا يجوز القول بتحريمها؛ فإنه سكت عنها رحمة منه من غير نسيان وإهمال؛ فكيف وقد صرحت النصوص بأنها على الإباحة فيماعدا ما حرمه! وقد أمر الله تعالى بالوفاء بالعقود والعهود كلها فقال: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ﴾، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾، وقال: ﴿بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)﴾، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ وهذا كثير في القرآن.","vol":"4","page":819},{"text":"وفي صحيح مسلم من حديث الأعمش عن عبد الله بن مرة عن مسروق عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا وعد أخلف، وإذا خاصم فجر\". وفيه من حديث سعيد بن المسيب عن أبي هريرة عن النبي - ﷺ -: \"من علامات المنافق ثلاث وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم: إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا اؤتمن خان\".\nوفي الصحيحين من حديث ابن عمر عن النبي - ﷺ -: \"يُرْفع لكل غادر لواء يوم القيامة بقدر غدرته، فيقال: هذه غدرة فلان ابن فلان\". وفيهما من حديث عقبة بن عامر عن النبي - ﷺ -: \"إن أحق الشروط أن توفوا به: ما استحللتم به الفروج\". وفي سنن أبي داود عن أبي رافع قال: بعثتني قريش إلى رسول الله - ﷺ -، فلما رأيته أُلقي في قلبي الإسلام فقلت: يا رسول الله، والله إني لا أرجع إليهم أبدًا! فقال رسول الله - ﷺ -: \"إني لا أخيس بالعهد، ولا أحبس البُرُد، ولكن ارجع إليهم فإن كان في نفسك الذي في نفسك الآن فارجع\" قال: فذهبت ثم أتيت النبي - ﷺ - فأسلمت.\nوفي صحيح مسلم عن حذيفة قال: ما منعني أن أشهد بدرًا إلا أني خرجت أنا وأبي حسيل، فأخذنا كفار قريش فقالوا: إنكم تريدون محمدًا، فقلنا: ما نريده، ما نريد إلا المدينة. فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه. فأتينا رسول الله - ﷺ - فأخبرناه الخبر فقال: \"انصرفا، نفي لهم بعهدهم","vol":"4","page":820},{"text":"ونستعين الله عليهم ..\" إلى آخر كلامه ﵀ في هذا المبحث. والمقصود عنده دلالة النصوص على الوفاء بالعهود والشروط، ومنع الإخلاف في ذلك، إلا ما دل عليه دليل خاص، وذلك واضح من النصوص التي ساقها كما ترى.\nثم بين ﵀ أن المخالفين في ذلك يجيبون عن الحجج المذكورة تارة بنسخها، وتارة بتخصيصها ببعض العهود والشروط، وتارة بالقدح في سند ما يمكنهم القدح فيه، وتارة بمعارضتها بنصوص أخر، كقول النبي - ﷺ -: \"ما بال أقوام يشترطون شروطًا ليست في كتاب الله، ما كان من شرط ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط، كتاب الله أحق وشرط الله أوثق\". وكقوله - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\".\nوكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩)﴾. وأمثال ذلك في الكتاب والسنة. قال: وأجاب الجمهور عن ذلك بأن دعوى النسخ والتخصيص تحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه ولا دليل عليها، وبأن القدح في بعضها لا يقدح في سائرها، ولا يمنع من الاستشهاد بالضعيف وإن لم يكن عمدة لاعتضاده بالصحيح، وبأنها لا تَعارُضَ بينها وبين ما عارضوها به من النصوص.\nثم بين أن معنى قوله - ﷺ -: \"وما كان من شرط ليس في كتاب الله\" أي في حكمه وشرعه، كقوله تعالى: ﴿كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾، وقوله - ﷺ -: \"كتاب الله القصاص\" في كسر السن، قال: فكتابه سبحانه يطلق على كلامه وعلى حكمه الذي حكم به على لسان رسوله - ﷺ -. ومعلوم أن كل شرط ليس في حكم الله فهو مخالف له،","vol":"4","page":821},{"text":"فيكون باطلًا. فإذا كان الله ورسوله - ﷺ - حكم بأن الولاء للمعتق، فشرط خلاف ذلك يكون شرطًا مخالفًا لحكم الله. ولكن أين في هذا: أن ما سكت عن تحريمه من العقود والشروط يكون باطلًا حرامًا، وتعدي حدود الله هو تحريم ما أحله، أو إباحة ما حرمه، أو إسقاط ما أوجبه لا إباحة ما سكت عنه، وعفا عنه، بل تحريمه هو نفس تعدي حدوده. إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى.\nثم بين ﵀: أن دلالة النصوص عامة في جميع الأحكام، إلا أن الناس يتفاوتون في ذلك تفاوتًا كثيرًا. وبين مسائل كثيرة مما فهم فيه بعض الصحابة من النصوص خلاف المراد.\nقال: وقد أنكر النبي - ﷺ - على عمر فهمه إتيان البيت الحرام عام الحديبية من إطلاق قوله: \"إنك ستأتيه وتطوف به\" فإنه لا دلالة في هذا اللفظ على تعيين العام الذي يأتونه فيه.\nوأنكر على عديّ بن حاتم فهمه من الخيط الأبيض والخيط الأسود نفس العقالين.\nوأنكر على من فهم من قوله: \"لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال حبة خردلة من كبر\" شمول لفظه لحُسْن الثوب وحُسْن النعل، وأخبرهم أنه \"بطر الحق وغمط الناس\". وأنكر على من فهم من قوله: \"من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه\" أنه كراهة الموت، وأخبرهم أن هذا للكافر إذا احتضر وبُشر بالعذاب، فإنه حينئذ يكره لقاء الله والله يكره لقاءه. وأن المؤمن إذا احتضر وبشر بكرامة الله أحب لقاء الله وأحب الله لقاءه.\nوأنكر على عائشة إذ فهمت من قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يُحَاسَبُ","vol":"4","page":822},{"text":"حِسَابًا يَسِيرًا (٨)﴾ معارضته لقوله - ﷺ -: \"من نوقش الحساب عذب\". وبين لها أن الحساب اليسير هو العرض، أي حساب العرض لا حساب المناقشة.\nوأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ أن هذا الجزاء إنما هو في الآخرة، وأنه لا يسلم أحد من عمل السوء. وبين أن هذا الجزاء قد يكون في الدنيا بالهم والحزن، والمرض والنصب، وغير ذلك من مصائبها، وليس في اللفظ تقييد الجزاء بيوم القيامة.\nوأنكر على من فهم من قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٨٢)﴾ أنه ظلم النفس بالمعاصي، وبين أنه الشرك، وذكر قول لقمان لابنه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وأوضح ﵀ وجه ذلك بسياق القرآن.\nقال: ثم سأله عمر بن الخطاب عن الكلالة وراجعه فيها مرارًا فقال: \"يكفيك آية الصيف\" واعترف عمر ﵁ بأنه خَفِي عليه فهمها، وفَهِمَها الصديق.\nوقد نهى النبي - ﷺ - عن لحوم الحمر الأهلية، ففهم بعض الصحابة من نهيه أنه لكونها لم تخمس. وفهم بعضهم أن النهي لكونها كانت حمولة القوم وظهرهم. وفهم بعضهم أنه لكونها كانت جوَّالي القرية. وفهم علي بن أبي طالب ﵁ وكبار الصحابة ما قصده رسول الله - ﷺ - بالنهي وصرح بعلته لكونها رجسًا.\nوفهمت المرأة من قوله تعالى: ﴿وَآتَيتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾","vol":"4","page":823},{"text":"جواز المغالاة في الصداق، فذكرته لعمر، فاعترف به.\nوفهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ أن المرأة قد تلد لستة أشهر، ولم يفهمه عثمان، فهمَّ برجم امرأة ولدت لها، حتى ذكَّره ابن عباس فأقر به.\nولم يفهم عمر من قوله: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقهم\": قتال مانعي الزكاة، حتى بين له الصديق فأقر به.\nوفهم قدامة بن مظعون من قوله تعالى: ﴿لَيسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾: رَفْع الجناح عن الخمر، حتى بين له عمر أنه لا يتناول الخمر، ولو تأمل سياق الآية لفهم المراد منها، فإنه إنما رفع الجناح عنهم فيما طعموه متقين له فيه، وذلك إنما يكون باجتناب ما حرمه من المطاعم؛ فالآية لا تتناول المحرم بوجه.\nوقد فهم من فهم من قوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾ انغماس الرجل في العدو؛ حتى بين له أبو أيوب الأنصاري أن هذا ليس من الإلقاء بيده إلى التهلكة، بل هو من بيع الرجل نفسه ابتغاء مرضاة الله، وأن الإلقاء بيده إلى التهلكة هو ترك الجهاد والإقبال على الدنيا وعمارتها.\nوقال الصديق ﵁: أيها الناس، إنكم تقرءون هذه الآية وتضعونها على غير مواضعها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ","vol":"4","page":824},{"text":"لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾ وإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بالعقاب من عنده\" فأخبرهم أنهم يضعونها على غير مواضعها في فهمهم منها خلاف ما أريد بها.\nوأشكل على ابن عباس أمر الفرقة الساكتة التي لم ترتكب ما نُهِيت عنه من اليهود، هل عذبوا أو نجوا حتى بين له مولاه عكرمة دخولهم في الناجين دون المعذبين، وهذا هو الحق؛ لأنه سبحانه قال عن الساكتين: ﴿وَإِذْ قَالتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ فأخبر أنهم أنكروا فعلهم وغضبوا عليهم، وإن لم يواجهوهم بالنهي، فقد واجههم به من أدى الواجب عنهم. فإن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، فلما قام به أولئك سقط عن الباقين فلم يكونوا ظالمين بسكوتهم.\nوأيضًا: فإنه سبحانه إنما عذب الذين نسوا ما ذكروا به، وعتوا عما نهوا عنه، وهذا لا يتناول الساكتين قطعًا؛ فلما بين عكرمة لابن عباس أنهم لم يدخلوا في الظالمين المعذبين كساه برده وفرح به.\nوقد قال عمر بن الخطاب للصحابة: ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ السورة؟ قالوا: أمر الله نبيه إذا فتح عليه أن يستغفر. فقال لابن عباس: ما تقول أنت؟ قال: هو أَجَلُ رسول الله - ﷺ - أعلمه إياه. فقال: ما أعلم منها غير ما تعلم. إلى أن قال ﵀:\nوالمقصود تفاوت الناس في مراتب الفهم في النصوص، وأن منهم من يفهم في الآية حكمًا أو حكمين. ومنهم من يفهم منها","vol":"4","page":825},{"text":"عشرة أحكام أو أكثر من ذلك. ومنهم من يقتصر في الفهم على مجرد اللفظ دون سياقه ودون إيمائه وإشارته وتنبيهه واعتباره، وأخص من هذا وألطف ضمه إلى نص آخر متعلق به، فيفهم من اقترانه به قدرًا زائدًا على ذلك اللفظ بمفرده.\nوهذا باب عجيب من فهم القرآن، لا يتنبه له إلا النادر من أهل العلم، فإن الذهن قد لا يشعر بارتباط هذا بهذا وتعلقه به؛ كما فهم ابن عباس من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، مع قوله: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ أن المرأة قد تلد لستة أشهر .. إلى آخر كلامه ﵀.\nوإنما أكثرنا في هذه المباحث من نقل كلام ابن القيم ﵀ كما رأيت؛ لأنه جاء فيها بما لم يأت به من تقدمه ولا من تأخر عنه؛ تغمده الله برحمته الواسعة، وجزاه عن الإسلام والمسلمين خيرًا. وقد تركنا كثيرًا من نفائس كلامه في هذه المواضيع خشية الإطالة الكثيرة.\nالمسألة السابعة\nاعلم أن استهزاء الظاهرية وسخريتهم بالأئمة المجتهدين ﵏، ودعواهم أن قياساتهم متناقضة ينقض بعضها بعضا، وأن ذلك دليل على أنها كلها باطلة وليست من الدين في شيء؛ إذا تأمل فيه المنصف العارف وجد الأئمة ﵏ أقرب في أغلب ذلك إلى الصواب، والعمل بما دلت عليه النصوص من الظاهرية الساخرين المستهزئين. وسنضرب لك بعض الأمثلة لذلك لتستدل به على غيره.","vol":"4","page":826},{"text":"اعلم أن من أعظم المسائل التي قال فيها الظاهرية بتناقض أقيسة الأئمة، وتكذيب بعضها لبعض، وأن ذلك يدل على بطلان كل قياس من أقيستهم، هي مسألة الربا التي قال فيها النبي - ﷺ -: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد؛ فمن زاد أو استزاد فقد أربى\".\nقال الظاهرية: فالنبي - ﷺ - إنما حرم الربا في الستة المذكورة؛ فتحريمه في شيء غيرها قول على الله وعلى رسوله، وتشريع زائد على ما شرعه رسول الله - ﷺ -. قالوا: والذين زادوا على النص أشياء يحرم فيها الربا اختلفت أقوالهم، وتناقضت أقيستهم. فبعضهم يقول: هي الطُّعْم  (^١) . وبعضهم يقول: هي الكيل. وبعضهم يقول: هي الاقتيات والادخار إلخ.\nفهذه أقيسة متضاربة متناقضة فليست من عند الله، وإذا تأملت في هذه المسألة التي سخروا بسببها من الأئمة، وادعوا عليهم أنهم حرموا الربا في أشياء لا دليل على تحريمه فيها كالتفاح عند من يقول: العلة الطعم كالشافعي، وكالأشنان عند من يقول: العلة الكيل؛ علمت أن الأئمة أقرب إلى العمل بالنص في ذلك من الظاهرية المدعين الوقوف مع ظاهر النص. أما الشافعي الذي قال: العلة في تحريم الربا الطعم فقد استدل لذلك بما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب،\n_________\n(^١)  كان في المطبوعة: \"يقول: التمر والبلوط ثمر شجر يؤكل ويدبغ بقشره\"! وهذا كلام مقحم.","vol":"4","page":827},{"text":"أخبرني عمرو (ح) وحدثني أبو الطاهر، أخبرنا ابن وهب عن عمرو بن الحرث: أن أبا النضر حدثه أن بسر بن سعيد حدثه عن معمر بن عبد الله: أنه أرسل غلامه بصاع قمح .. الحديث، وفيه. فإني كنت أسمع رسول الله - ﷺ - يقول: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\" وكان طعامنا يومئذ الشعير؛ فهذا حديث صحيح صرح فيه النبي - ﷺ - بأن الطعام إذا بيع بالطعام بيع مثلًا بمثل. والطعام في اللغة العربية: اسم لكل ما يؤكل؛ قال تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ ...﴾ الآية، وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾، وقال تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ﴾ ولا خلاف في ذبائحهم في ذلك. وفي صحيح مسلم: أن النبي - ﷺ - قال في زمزم: \"إنها طعام طعم\" وقال لبيد في معلقته:\nلمعفَّر قَهْد تنازع شلوه ... غبس كواسب ما يُمَنّ طعامُها\nيعني بطعامها فريستها؛ كما قدمنا هذا مستوفى في سورة \"البقرة\".\nفالشافعي ﵀ وإن سَخِر الظاهرية منه في تحريمه الربا في التفاح، فهو متمسِّك في ذلك بظاهر حديث صحيح، يقول فيه النبي - ﷺ -: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\"، فما المانع للظاهرية من القول بظاهر هذا الحديث الصحيح على عادتهم التي يزعمون فيحكمون على الطعام بأنه مثل بمثل؟ وما مستندهم في مخالفة ظاهر هذا الحديث الصحيح؟ وحكمهم بالربا في البر والشعير والتمر والملح دون غيرها من سائر المطعومات، مع أن لفظ الطعام","vol":"4","page":828},{"text":"في الحديث المذكور عام للأربعة المذكورة وغيرها كما ترى. فهل الشافعي في تحريم الربا في التفاح أقرب إلى ظاهر النص أو الظاهرية؟ وكذلك سخريتهم من الإمام أبي حنيفة وأحمد رحمهما الله في قولهما بدخول الربا في كل مكيل وموزون، مستهزئين بمن يقول بالربا في الأشنان قياسًا على التمر. إذا تأملت فيه وجدت الإمامين رحمهما الله أقرب في ذلك إلى ظاهر النص من الظاهرية.\nقال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو بكر أحمد بن سليمان الفقيه، ثنا الحسن بن مكرم، ثنا روح بن عبادة، ثنا حيان بن عبيد الله العدوي قال: سألت أبا مجلز عن الصرف فقال: كان ابن عباس ﵄ لا يرى به بأسًا زمانًا من عمره ما كان منه عينًا يعني: يدًا بيد، فكان يقول: إنما الربا في النسيئة. فلقيه أبو سعيد الخدري فقال: يا ابن عباس، ألا تتقي الله إلى متى تؤكل الناس الربا؟ أما بلغك أن رسول الله - ﷺ - قال ذات يوم وهو عند زوجه أم سلمة: \"إني لأشتهي تمر عجوة\" فبعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فجاء بدل صاعين صاع من تمر عجوة. فقامت فقدمته إلى رسول الله - ﷺ - فلما رآه أعجبه، فتناول تمرة ثم أمسك فقال: \"من أين لكم هذا\"؟ فقالت أم سلمة: بعثت صاعين من تمر إلى رجل من الأنصار فأتانا بدل الصاعين هذا الصاع الواحد، وها هو، كل، فالقى التمرة بين يديه فقال: \"ردوه لا حاجة لي فيه، التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والذهب بالذهب، والفضة بالفضة، يدًا بيد، عينًا بعين، مثلًا بمثل فمن زاد فهو ربًا\" ثم قال: \"كذلك ما يكال ويوزن أيضًا\" إلى آخره.\nثم قال الحاكم ﵀: هذا حديث صحيح الإسناد، ولم","vol":"4","page":829},{"text":"يخرجاه بهذه السياقة. وهذا الحديث الذي قال الحاكم إنه صحيح الإسناد، فيه التصريح بأن ما يكال ويوزن يباع مثلًا بمثل، يدًا بيد. وقد قدمنا مرارًا أن الموصولات من صيغ العموم لعمومها في كل ما تشمله صلاتها. فأبو حنيفة مثلًا القائل بالربا في الأشنان متمسك بظاهر هذا الحديث؛ فهو أقرب إلى ظاهر النص من الظاهرية المستهزئين به الزاعمين أنه بعيد في ذلك عن النص.\nفإن قيل: هذا الحديث لا يحتج به لضعفه، وقد قال الذهبي متعقبًا على الحاكم تصحيحه للحديث المذكور ما نصه: قلت: حيان فيه ضعف وليس بالحجة، وقد أشار البيهقي إلى تضعيف هذا الحديث، وأعله ابن حزم من ثلاثة أوجه: الأول: زعمه أنه منقطع؛ لأن أبا مجلز لم يسمع من أبي سعيد ولا من ابن عباس. الثاني: أن في الحديث أن ابن عباس رجع عن القول بإباحة ربا الفضل. واعتقاد ابن حزم أن ذلك باطل لقول سعيد بن جبير إن ابن عباس لم يرجع عن ذلك. والثالث: أن حيان بن عبيد الله المذكور في سند هذا الحديث مجهول.\nفالجواب عن ذلك كله هو ما ستراه الآن إن شاء الله، وهو راجع إلى شيئين؛ الأول: مناقشة من ضعف الحديث، وبيان أنه ليس بضعيف. والثاني: أنا لو سلمنا ضعفه تسليمًا جدليًّا فهو معتضد بما يثبت الاحتجاج به من الشواهد.\nأما المناقشة في تضعيفه، فقول الذهبي: إن حيان فيه ضعف وليس بالحجة؛ معارض بقول أبي حاتم فيما ذكره عنه ابنه في كتاب الجرح والتعديل: إنه صدوق، ومعلوم أن الصحيح","vol":"4","page":830},{"text":"أن التعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل إلا مبينًا مفصلًا كما هو مقرر في علوم الحديث. وقد ترجم له البخاري في تاريخه الكبير ولم يذكر فيه جرحًا. وإعلال ابن حزم له بأنه منقطع؛ وأن حيان مجهول قد قدمنا مناقشته فيه في سورة \"البقرة\" لأن أبا مجلز أدرك ابن عباس وسمع عنه.\nقال ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل في أبي مجلز المذكور: وهو لاحق بن حميد السدوسي البصري، توفى أيام عمر بن عبد العزيز، وروى عن ابن عمر وابن عباس وأنس وجندب إلخ، وتصريحه بروايته عن ابن عباس يدل على عدم صحة قول ابن حزم: إنه لم يسمع من ابن عباس. وقال البخاري في تاريخه الكبير في لاحق بن حميد المذكور: أبو مجلز السدوسي البصري مات قبل الحسن بقليل، ومات الحسن سنة عشر ومائة، سمع ابن عمر وابن عباس وأنس بن مالك إلخ. وفيه تصريح البخاري بسماع أبي مجلز من ابن عباس، ومع هذا فابن حزم يقول: هو منقطع لعدم سماعه منه. وأما أبو سعيد فلا شك أنه أدركه أبو مجلز المذكور، والمعاصرة تكفي ولا يشترط ثبوت اللقي على التحقيق؛ كما أوضحه مسلم بن الحجاج ﵀ في مقدمة صحيحه.\nوقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في أبي مجلز المذكور: روى عن أبي موسى الأشعري، والحسن بن علي، ومعاوية، وعمران بن حصين، وسمرة بن جندب، وابن عباس، والمغيرة بن شعبة، وحفصة، وأم سلمة، وأنس، وجندب بن عبد الله، وسلمة بن كهيل، وقيس بن عباد وغيرهم. وأرسل عن عمر بن الخطاب،","vol":"4","page":831},{"text":"وحذيفة إلخ. ومما يوضح معاصرة أبي مجلز لأبي سعيد: أن جماعة من هؤلاء الصحابة الذين ذكر ابن حجر أنه روى عنهم ماتوا قبل أبي سعيد ﵃؛ فأبو سعيد ﵁ توفي سنة ثلاث أو أربع أو خمس بعد الستين، وقد مات قبله الحسن بن علي، وأبو موسى الأشعري، وعمران بن حصين، ومعاوية، وسمرة بن جندب كما هو معلوم.\nوأما قول ابن حزم: إنه مجهول فقد قدمنا مناقشة السبكي له في تكملة المجموع، وأنه قال: فإن أراد ابن حزم أنه مجهول العين فليس بصحيح، بل هو رجل مشهور، روى عنه حديث الصرف هذا روح بن عبادة، ومن جهته أخرجه الحاكم، وذكره ابن حزم. وإبراهيم بن الحجاج الشامي، ومن جهته رواه ابن عدي. ويونس بن محمد، ومن جهته رواه البيهقي. وهو حيان بن عبيد الله بن حيان بن بشر بن عدي بصري، سمع أبا مجلز لاحق بن حميد والضحاك وعن أبيه، وروى عن عطاء وابن بريدة، روى عنه موسى بن إسماعيل ومسلم بن إبراهيم، وأبو داود وعبيد الله بن موسى، عقد له البخاري وابن أبي حاتم ترجمة فذكر كل منهما بعض ما ذكرته. وله ترجمة في كتاب ابن عدي كما أشرت إليه، فزال عنه جهالة العين. وإن أراد جهالة الحال فهو قد رواه من طريق إسحاق بن راهويه فقال في إسناده: أخبرنا روح قال: حدثنا حيان بن عبيد الله، وكان رجل صدق. فإن كانت هذه الشهادة له بالصدق من روح بن عبادة فروح محدث نشأ في الحديث، عارف به، مصنف متفق على الاحتجاج به، بصري بلدي للمشهود له فتقبل شهادته له، وإن كان هذا القول من إسحاق بن راهويه فناهيك به، ومن","vol":"4","page":832},{"text":"إسحاق! وقد ذكر ابن أبي حاتم حيان بن عبيد الله هذا، وذكر جماعة من المشاهير ممن رووا عنه وممن روى عنهم، وقال: إنه سأل أباه عنه فقال: صدوق اهـ من تكملة المجموع كما قدمناه في سورة \"البقرة\". والذي رأيت في سنن البيهقي الكبرى: أن الراوي عن حيان المذكور في إسناده له إبراهيم بن الحجاج، وقال صاحب الجوهر النقي: وحيان هذا ذكره ابن حبان في الثقات من أتباع التابعين. وقال الذهبي في الضعفاء: جائز الحديث. وقال عبد الحق في أحكامه: قال أبو بكر البزار: حيان رجل من أهل البصرة مشهور وليس به بأس. وقال فيه أبو حاتم: صدوق. وقال بعض المتأخرين فيه: مجهول؛ ولعله اختلط عليه بحيان بن عبيد الله المروي، وبما ذكر تعلم أن دعوى ابن حزم أن الحديث منقطع، وأن حيان المذكور مجهول ليست بصحيحة.\nوأما دعواه عدم رجوع ابن عباس لقول سعيد بن جبير: إنه لم يرجع عن القول بإباحة ربا الفضل؛ فقد قدمنا الروايات الواردة برجوعه مستوفاة في سورة \"البقرة\" عن جماعة من أصحابه، ولا شك أنها أولى من قول سعيد بن جبير؛ لأنهم جماعة وهو واحد، ولأنهم مثبتون رجوعه وهو نافيه، والمثبت مقدم على النافي. وأما شواهد حديث حيان المذكور الدال على أن الربا في كل ما يكال ويوزن؛ فمنها ما قدمنا في سورة \"البقرة\" من حديث أنس وعبادة بن الصامت عند الدارقطني: أن النبي - ﷺ - قال: \"ما وُزِن مثل بمثل إذا كان نوعًا واحدًا، وما كيل فمثل ذلك. فإذا اختلف النوعان فلا بأس به\" وقد قدمنا في سورة \"البقرة\" قول الشوكاني: إن حديث أنس وعبادة هذا أشار إليه ابن حجر في","vol":"4","page":833},{"text":"التلخيص ولم يتكلم عليه، وفي إسناده الربيع بن صبيح وثقه أبو زرعة وغيره، وضعفه جماعة، وقد أخرج هذا الحديث البزار أيضًا. ويشهد لصحته حديث عبادة المذكور أولًا وغيره من الأحاديث. انتهى منه كما تقدم. وفي هذا الحديث المذكور دليل واضح على أن كل ما يكال أو يوزن فيه الربا وإن سخر الظاهرية ممن يقول بذلك، ومن شواهد حديث حيان المذكور الحديث المتفق عليه. قال البخاري في صحيحه في (كتاب الوكالة): حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف، عن سعيد بن المسيب، عن أبي سعيد الخدري وأبي هريرة ﵄ أن رسول الله - ﷺ - استعمل رجلًا على خيبر فجاءهم بتمر جنيب، فقال: \"أكل تمر خيبر هكذا\"؟ فقال: إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين، والصاعين بالثلاثة. فقال: \"لا تفعل؛ بع الجمع بالدراهم؛ ثم ابتع بالدراهم جنيبًا\"، وقال في الميزان مثل ذلك. انتهى منه.\nومحل الشاهد منه قوله: وقال في الميزان مثل ذلك، ومعناه ظاهر جدًا في أن ما يوزن بالميزان مثل ذلك في منع الربا، وقد قدمنا أقوال من أول هذا الحديث وصرفه عن المعنى المذكور في سورة \"البقرة\". وقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة بن قعنب، حدثنا سليمان يعني ابن بلال، عن عبد المجيد بن سهيل بن عبد الرحمن: أنه سمع سعيد بن المسيب يحدث أن أبا هريرة وأبا سعيد حدثاه أن رسول الله - ﷺ - بعث أخا بني عدي الأنصاري فاستعمله على خيبر، فقدم بتمر جنيب؛ فقال له رسول الله - ﷺ -: \"أكل تمر خيبر هكذا؟ \"، قال: لا والله يا رسول الله، إنا","vol":"4","page":834},{"text":"لنشتري الصاع بالصاعين من الجمع. فقال رسول الله - ﷺ -: \"لا تفعلوا ولكن مثلًا بمثل، أو بيعوا هذا واشتروا بثمنه من هذا، وكذلك الميزان\" انتهى منه. وقوله في هذا الحديث المتفق عليه: \"وكذلك الميزان\" ظاهر جدًا في أن ما يوزن كما يكال، وأن في ذلك كله الربا. ولا شك أن هذه الأحاديث التي عمل بها بعض الأئمة وإن استهزأ بهم الظاهرية في ذلك؛ أقرب إلى ظاهر النص من قول الظاهرية: إنه لا ربا إلا في الستة المذكورة قبل. والمقصود التمثيل لأحوالهم مع الأئمة المجتهدين ﵏.\nتنبيه\nاعلم أنا نقول بموجب الأحاديث التي استدل بها الظاهرية، على أن ما سكت عنه الشارع فهو عفو. ونقول مثلًا: إن صوم شهر آخر غير رمضان لم يوجب علينا فهو عفو. ولكن لا نسلم أن آية: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ ساكتة عن تحريم ضرب الوالدين؛ بل نقول: هي دالة عليه، وادعاء أنها لم تتعرض لذلك باطل كما ترى. ولا نقول: إن آية ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ﴾ الآية ساكتة عن مؤاخذة من عمل مثقال جبل؛ بل هي دالة على المؤاخذة بذلك. وهكذا إلى آخر ما ذكرنا من أمثلة ذلك في هذه المباحث، وفي سورة \"بني إسرائيل\". وما ذكرنا سابقًا من أن الصواب في مسألة القياس أنه قسمان، صحيح، وفاسد -كما بينا وكما أوضحه ابن القيم ﵀ في كلامه الذي نقلنا- اعتمدَه صاحبُ مراقي السعود في قوله في القياس:\nوما رُوي من ذمه فقد عُني ... به الذي على الفساد قد بُني","vol":"4","page":835},{"text":"المسألة الثامنة\nاعلم أن جماهير القائلين بالقياس يقولون: إنه إن خالف النص فهو باطل، ويسمون القدح فيه بمخالفته للنص فساد الاعتبار؛ كما أشار إليه صاحب مراقي السعود بقوله:\nوالخُلْف للنص أو إجماع دعا ... فسادَ الاعتبار كلُّ من وعى\nكما قدمناه في سورة \"البقرة\".\nواعلم أن ما يذكره بعض علماء الأصول من المالكية وغيرهم عن الإمام مالك ﵀: من أنه يقدم القياس على أخبار الآحاد خلاف التحقيق. والتحقيق: أنه ﵀ يقدم أخبار الآحاد على القياس. واستقراء مذهبه يدل على ذلك دلالة واضحة، ولذلك أخذ بحديث المصراة في دفع صاع التمر عوض اللبن. ومن أصرح الأدلة التي لا نزاع بعدها في ذلك: أنه ﵀ يقول: إن في ثلاثة أصابع من أصابع المرأة ثلاثين من الإبل، وفي أربعة أصابع من أصابعها عشرين من الإبل؛ كما قدمناه مستوفى في سورة \"بني إسرائيل\". ولا شيء أشد مخالفة للقياس من هذا كما قال ربيعة بن أبي عبد الرحمن لسعيد بن المسيب حين عظم جرحها، واشتدت مصيبتها؛ نقص عقلها. ومالك خالف القياس في هذا لقول سعيد بن المسيب: إنه السنة كما تقدم. وبعد هذا فلا يمكن لأحد أن يقول: إن مالكًا يقدم القياس على النص، ومسائل الاجتهاد والتقليد مدونة في أصول الفقه، ولأجل ذلك نكتفي بما ذكرنا من ذلك هنا.","vol":"4","page":836},{"text":"المسألة التاسعة\nاعلم أن أكثر أهل العلم قالوا: إن الحرث الذي حكم فيه سليمان وداود إذ نفشت فيه غنم القوم بستان عنب؛ والنفش: رعي الغنم ليلًا خاصة؛ ومنه قول الراجز:\nبدلن بعد النَّفَش الوجيفا ... وبعد طول الجرة الصريفا\nوقيل: كان الحرث المذكور زرعًا، وذكروا أن داود حكم بدفع الغنم لأهل الحرث عوضًا عن حرثهم الذي نفشت فيه فأكلته. وقال بعض أهل العلم: اعتبر قيمة الحرث فوجد الغنم بقدر القيمة فدفعها إلى أصحاب الحرث؛ إما لأنه لم يكن لهم دراهم أو تعذر بيعها، ورضوا بدفعها ورضي أولئك بأخذها بدلًا من القيمة. وأما سليمان فحكم بالضمان على أصحاب الغنم، وأن يضمنوا ذلك بالمثل بأن يعمروا البستان حتى يعود كما كان حين نفشت فيه غنمهم. ولم يضيع عليهم غلته من حين الإتلاف إلى حين العود، بل أعطى أصحاب البستان ماشية أولئك ليأخذوا من نمائها بقدر نماء البستان فيستوفوا من نماء غنمهم نظير ما فاتهم من نماء حرثهم. وقد اعتبر النماءين فوجدهما سواء، قالوا: وهذا هو العلم الذي خصه الله به، وأثنى عليه بإدراكه، هكذا يقولون، والله تعالى أعلم.\nالمسألة العاشرة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في مثل هذه القصة؛ فلو نفشت غنم قوم في حرث آخرين فتحاكموا إلى حاكم من حكام المسلمين فماذا","vol":"4","page":837},{"text":"يفعل؟ اختلف العلماء في ذلك؛ فذهب أكثر أهل العلم إلى أن ما أفسدته البهائم ليلًا يضمنه أرباب الماشية بقيمته، وهو المشهور من مذهب مالك والشافعي وأحمد ﵏. وقيل: يضمنونه بمثله كقضية سليمان. قال ابن القيم: وهذا هو الحق. وهو أحد القولين في مذهب أحمد، ووجه للشافعية والمالكية، والمشهور عنهم خلافه. والآية تشير إلى اختصاص الضمان بالليل؛ لأن النفش لا يطلق لغة إلا على الرعي بالليل كما تقدم. واحتج الجمهور لضمان أصحاب البهائم ما أفسدته ليلًا بحديث حرام بن محيصة: أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا فأفسدت فيه؛ فقضى نبي الله - ﷺ -: \"أن على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وأن ما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها\" رواه الأئمة: مالك، والشافعي، وأحمد، وأبو داود، وابن ماجه، والدارقطني، وابن حبان، وصححه الحاكم فقال بعد أن ساق الحديث المذكور: هذا حديث صحيح الإسناد على خلاف فيه بين معمر والأوزاعي؛ فإن معمرًا قال: عن الزهري عن حرام بن محيصة عن أبيه، وأقره الذهبي على تصحيحه ولم يتعقبه.\nوقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في الحديث المذكور: صححه الحاكم والبيهقي. قال الشافعي: أخذنا به لثبوته واتصاله ومعرفة رجاله اهـ منه. والاختلاف على الزهري في رواية هذا الحديث كثير معروف.\nوقال ابن عبد البر: وهذا الحديث وإن كان مرسلًا فهو حديث مشهور، أرسله الأئمة، وحدث به الثقات، واستعمله فقهاء الحجاز","vol":"4","page":838},{"text":"وتلقوه بالقبول، وجرى في المدينة العمل به، وحسبك باستعمال أهل المدينة وسائر أهل الحجاز لهذا الحديث، وعلى كل حال فالحديث المذكور احتج به جمهور العلماء، منهم الأئمة الثلاثة المذكورون على أن ما أفسدته البهائم بالليل على أربابها، وفي النهار على أهل الحوائط حفظها. ومشهور مذهب مالك وأحمد والشافعي أنه يضمن بقيمته كما تقدم. وأبو حنيفة يقول: لا ضمان مطلقًا في جناية البهائم، ويستدل بالحديث الصحيح: \"العجماء جبار\" أي جرحها هدر. والجمهور يقولون: إن الحديث المذكور عام وضمان ما أفسدته ليلًا مخصص له. وذهب داود ومن وافقه إلى أن ما أتلفته البهائم بغير علم مالكها ولو ليلًا لا ضمان فيه، وأما إذا رعاها صاحبها باختياره في حرث غيره فهو ضامن بالمثل.\nواعلم أن القائلين بلزوم قيمة ما أفسدته البهائم ليلًا يقولون: يضمنه أصحابها ولو زاد على قيمتها. خلافًا للَّيث القائل: لا يضمنون ما زاد على قيمتها. وفي المسألة تفاصيل مذكورة في كتب الفروع. وصيغة الجمع في الضمير في قوله: ﴿لِحُكْمِهِمْ﴾ الظاهر أنها مراد بها سليمان وداود وأصحاب الحرث وأصحاب الغنم، وأضاف الحكم إليهم لأن منهم حاكمًا ومحكومًا له ومحكومًا عليه.\nوقوله: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا﴾ أي القضية أو الحكومة المفهومة من قوله: ﴿إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾، وقوله: ﴿وَكُلًّا آتَينَا﴾ أي أعطينا كلًّا من داود وسليمان حكمًا وعلمًا، والتنوين في قوله: ﴿وَكُلًّا﴾ عوض عن كلمة أي: كل واحد منهما.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ وَالطَّيرَ وَكُنَّا","vol":"4","page":839},{"text":"فَاعِلِينَ (٧٩)﴾.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر الجبال أي ذللها، وسخر الطير تسبح مع داود. وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من تسخيره الطير، والجبال تسبح مع نبيه داود؛ بينه في غير هذا الموضع؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيرَ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾ أي: رَجِّعي معه التسبيح، ﴿وَالطَّيرَ﴾ أي: ونادينا الطير بمثل ذلك من ترجيع التسبيح معه. وقول من قال: ﴿أَوِّبِي مَعَهُ﴾: أي سيري معه، وأن التأويب سير النهار؛ ساقط كما ترى. وكقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا الْأَيدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ (١٧) إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَال مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ (١٨) وَالطَّيرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ (١٩)﴾.\nوالتحقيق: أن تسبيح الجبال والطير مع داود المذكور تسبيح حقيقي؛ لأن الله جل وعلا يجعل لها إدراكات تسبح بها، يَعْلَمها هو جل وعلا ونحن لا نعلمها؛ كما قال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الآية. وقد ثبت في صحيح البخاري: أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي - ﷺ - لما انتقل عنه بالخطبة إلى المنبر سمع له حنين، وقد ثبت في صحيح مسلم أن النبي - ﷺ - قال: \"إني لأعرف حجرًا كان يسلم علي في مكة\" وأمثال هذا كثيرة. والقاعدة المقررة عند العلماء: أن نصوص الكتاب والسنة","vol":"4","page":840},{"text":"لا يجوز صرفها عن ظاهرها المتبادر منها إلا بدليل يجب الرجوع إليه. والتسبيح في اللغة: الإبعاد عن السوء، وفي اصطلاح الشرع: تنزيه الله جل وعلا عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال﴾ أي: جعلناها بحيث تطيعه إذا أمرها بالتسبيح، والظاهر أن قوله: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ مؤكد لقوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ وَالطَّيرَ﴾ والموجب لهذا التأكيد: أن تسخير الجبال وتسبيحها أمر عجب خارق للعادة، مظنة لأن يكذب به الكفرة الجهلة.\nوقال الزمخشري: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ أي قادرين على أن نفعل هذا. وقيل: كنا نفعل بالأنبياء مثل ذلك. وكلا القولين اللذين قال ظاهر السقوط، لأن تأويل ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ بمعنى كنا قادرين بعيد، ولا دليل عليه كما لا دليل على الآخر كما ترى.\nوقال أبو حيان: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾ أي: فاعلين هذه الأعاجيب من تسخير الجبال وتسبيحهن، والطير لمن نخصه بكرامتنا اهـ. وأظهرها عندي هو ما تقدم، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1039> وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾</span>.\nالضمير في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾ راجع إلى داود. والمراد بصنعة اللبوس: صنعة الدروع ونسجها؛ والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع: أنه أتبعه بقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي","vol":"4","page":841},{"text":"لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض؛ لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح والسهم، كما هو معروف. وقد أوضح هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، فقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: أن اصنع دروعًا سابغات من الحديد الذي ألنَّاه لك. والسَّرْد: نسج الدرع. ويقال فيه الزرد، ومن الأول قول أبي ذؤيب الهذلي:\nوعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع\nومن الثاني قول الآخر:\nنقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زَرَّاد\nومراده بالزرَّاد: ناسج الدرع. وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي اجعل الحلق والمسامير في نسجك للدرع بأقدار متناسبة؛ فلا تجعل المسمار دقيقًا لئلا ينكسر، ولا يشد بعض الحلق ببعض، ولا تجعله غليظًا غلظًا زائدًا فيفصم الحلقة. وإذا عرفت أن اللبوس في الآية الدروع؛ فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية؛ ومنه قول الشاعر:\nعليها أسود ضاويات لبوسهم ... سوابغ بيض لا يخرقها النبل\nفقوله: \"سوابغ\" أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير:\nشمُّ العرانيين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل\nومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع. والعرب تطلق اللبوس أيضًا على جميع السلاح، درعًا كان أو جوشنًا أو","vol":"4","page":842},{"text":"سيفًا أو رمحًا. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحًا:\nومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل\nوتطلق اللبوس أيضًا على كل ما يلبس؛ ومنه قول بيهس:\nالبس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها\nوما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من بأس السلاح تقدم إيضاحه في سورة \"النحل\" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ الظاهر فيه أن صيغة الاستفهام هنا يراد بها الأمر، ومن إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ أي: انتهوا. ولذا قال عمر ﵁: انتهينا يا رب، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية، أي: أسلموا. وقد تقرر في فن المعاني: أن من المعاني التي تؤدى بصيغة الاستفهام: الأمر، كما ذكرنا.\nوقوله: ﴿شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ شكر العبد لربه: هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشُكْر الرب لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل. ومادة \"شكر\" لا تتعدى غالبًا إلا باللام، وتعديتها بنفسها دون اللام قليلة، ومنه قول أبي نخيلة:\nشَكَرْتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي","vol":"4","page":843},{"text":"وفي قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ ثلاث قراءات سبعية؛ قرأه عامة السبعة ماعدا ابن عامر وعاصمًا \"ليحصنكم\" بالياء المثناة التحتية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل عائد إلى داود، أو إلى اللبوس؛ لأن تذكيرها باعتبار معنى ما يلبس من الدروع جائز. وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل راجع إلى اللبوس وهي مؤنثة، أو إلى الصنعة المذكورة في قوله: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾، وقرأه شعبة عن عاصم: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ بالنون الدالة على العظمة، وعلى هذه القراءة فالأمر واضح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1040> قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ﴾ معطوف على معمول ﴿وَسَخَّرْنَا﴾ في قوله: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال﴾ أي وسخرنا لسليمان الريح في حال كونها عاصفة؛ أي شديدة الهبوب. يقال: عصفت الريح أي اشتدت، فهي ريح عاصف وعصوف، وفي لغة بني أسد: أعصفت فهي مُعْصف ومُعْصفة، وقد قدمنا بعض شواهده العربية في سورة \"الإسراء\".\nوقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ أي: تطيعه وتجري إلى المحل الذي يأمرها به، وما ذكره في هذه الآية: من تسخير الريح لسليمان، وأنها تجري بأمره؛ بينه في غير هذا الموضع وزاد بيان قدر سرعتها، وذلك في قوله: ﴿وَلِسُلَيمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، وقوله: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾.","vol":"4","page":844},{"text":"تنبيه\nاعلم أن في هذه الآيات التي ذكرنا سؤالين معروفين:\nالأول: أن يقال: إن الله وصف الريح المذكورة هنا في سورة \"الأنبياء\" بأنها عاصفة، أي شديدة الهبوب، ووصفها في سورة \"ص\" بأنها تجري بأمره رخاء. والعاصفة غير التي تجري رخاء.\nوالسؤال الثاني: هو أنه هنا في سورة \"الأنبياء\" خص جريها به بكونه إلى الأرض التي بارك فيها للعالمين، وفي سورة \"ص\" قال: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾، وقوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ يدل على التعميم في الأمكنة التي يريد الذهاب إليها على الريح، فقوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ أي حيث أراد؛ قال مجاهد. وقال ابن الأعرابي: العرب تقول: أصاب الصواب، وأخطأ الجواب؛ أي أراد الصواب وأخطأ الجواب. ومنه قول الشاعر:\nأصاب الكلام فلم يستطع ... فأخطا الجواب لدى المفصل\nقاله القرطبي. وعن رؤبة: أن رجلين من أهل اللغة تصداه ليسألاه عن معنى \"أصاب\"؛ فخرج إليهما فقال: أين تصيبان؟ فقالا: هذه طلبتنا، ورجعا.\nأما الجواب عن السؤال الأول فمن وجهين: الأول: أنها عاصفة في بعض الأوقات، ولينة رخاء في بعضها بحسب الحاجة؛ كأن تعصف ويشتد هبوبها في أول الأمر حيث ترفع البساط الذي عليه سليمان وجنوده، فإذا ارتفع سارت به رخاء حيث أصاب.\nالجواب الثاني: هو ما ذكره الزمخشري قال: فإن قلت:","vol":"4","page":845},{"text":"وصفت هذه الريح بالعصف تارة وبالرخاء أخرى، فما التوفيق بينهما؟ قلت: كانت في نفسها رخية طيبة كالنسيم، فإذا مرت بكرسيه أبعدت به في مدة يسيرة، على ما قال: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾، فكان جمعها بين الأمرين: أن تكون رخاء في نفسها، وعاصفة في عملها مع طاعتها لسليمان، وهبوبها على حسب ما يريد ويحتكم. اهـ محل الغرض منه.\nوأما الجواب عن السؤال الثاني: فهو أن قوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ يدل على أنها تجري بأمره حيث أراد من أقطار الأرض. وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيءٍ عَالِمِينَ (٨١)﴾ لأن مسكنه فيها وهي الشام، فترده إلى الشام. وعليه فقوله: ﴿حَيثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ في حالة الذهاب. وقوله: ﴿إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ في حالة الإياب إلى محل السكنى. فانفكت الجهة فزال الإشكال. وقد قال نابغة ذبيان:\nإلا سليمان إذ قال الإله له ... قم في البرية فاحددها عن الفند\nوخيس الجن إني قد أذنت لهم ... يبنون تدمر بالصفاح والعمد\nوتدمر: بلد بالشام. وذلك مما يدل على أن الشام هو محل سكناه كما هو معروف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1041> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾</span>.\nالأظهر في قوله: ﴿مَنْ يَغُوصُونَ﴾ أنه في محل نصب عطفًا على معمول ﴿وَسَخَّرْنَا﴾ أي: وسخرنا له من يغوصون له من","vol":"4","page":846},{"text":"الشياطين. وقيل: ﴿مَنْ﴾ مبتدأ، والجار والمجرور قبله خبره.\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه سخر لسليمان من يغوصون له من الشياطين؛ أي يغوصون له في البحار فيستخرجون له منها الجواهر النفيسة؛ كاللؤلؤ، والمرجان، والغوص: النزول تحت الماء. والغواص: الذي يغوص البحر ليستخرج منه اللؤلؤ ونحوه؛ ومنه قول نابغة ذبيان:\nأو دُرَّة صدفيَّةٍ غوَّاصها ... بَهِجٌ متى يَرَها يُهِلَّ ويسجُدِ\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أيضًا. أن الشياطين المسخرين له يعملون له عملًا دون ذلك؛ أي سوى ذلك الغوص المذكور؛ أي كبناء المدائن والقصور، وعمل المحاريب والتماثيل، والجفان والقدور الراسيات، وغير ذلك من اختراع الصنائع العجيبة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾ أي من أن يزيفوا عن أمره، أو يبدلوا أو يغيروا، أو يوجد منهم فساد فيما هم مسخرون فيه. وهذه المسائل الثلاث التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت مبينة في غير هذا الموضع. كقوله في الغوص والعمل سواء: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾ الآية، وقوله في العمل غير الغوص: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَينَ يَدَيهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾، وقوله: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾، وكقوله في حفظهم من أن يزيغوا عن أمره: ﴿وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ (١٢)﴾، وقوله: ﴿وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٣٨)﴾.","vol":"4","page":847},{"text":"وصفة البساط، وصفة حمل الريح له، وصفة جنود سليمان من الجن والإنس والطير؛ كل ذلك مذكور بكثرة في كتب التفسير، ونحن لم نطل به الكلام في هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1042> قوله تعالى: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَينَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾</span>.\nالظاهر أن قوله: ﴿وَأَيُّوبَ﴾ منصوب بـ\"اذكر\" مقدرًا، ويدل على ذلك قوله تعالى في \"ص\": ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾.\nوقد أمر جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين نبيه - ﷺ -: أن يذكر أيوب حين نادى ربه قائلًا: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وأن ربه استجاب له فكشف عنه جميع ما به من الضر، وأنه آتاه أهله، وآتاه مثلهم معهم رحمة منه جل وعلا به، وتذكيرًا للعابدين، أي الذين يعبدون الله لأنهم هم المنتفعون بالذكرى.\nوهذا المعنى الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة \"ص\" في قوله: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ والضر الذي مس أيوب، ونادى ربه ليكشفه عنه كان بلاء أصابه في بدنه وأهله وماله. ولما أراد الله إذهاب الضر عنه أمره أن يركض برجله ففعل، فنبعت له عين ماء فاغتسل منها فزال كل ما بظاهر بدنه من الضر، وشرب منها فزال كل ما بباطنه؛ كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا","vol":"4","page":848},{"text":"مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢)﴾.\nوما ذكره في \"الأنبياء\": من أنه آتاه أهله ومثلهم معهم رحمة منه وذكرى لمن يعبده؛ بينه في \"ص\" في قوله: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾، وقوله في \"الأنبياء\": ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾ مع قوله في \"ص\": ﴿وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾ فيه الدلالة الواضحة على أن أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، هم الذين يعبدون الله وحده ويطيعونه. وهذا يؤيد قول من قال من أهل العلم، إن من أوصى بشيء من ماله لأعقل الناس؛ أن تلك الوصية تُصْرف لأتقى الناس وأشدهم طاعة لله تعالى؛ لأنهم هم أولو الألباب؛ أي العقول الصحيحة السالمة من الاختلال.\nتنبيه\nفي هذه الآيات المذكورة سؤال معروف، وهو أن يقال: إن قول أيوب المذكور في \"الأنبياء\" في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ وفي \"ص\" في قوله: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ يدل على أنه ضجر من المرض فشكا منه؛ مع أن قوله تعالى عنه: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٤٤)﴾ يدل على كمال صبره؟.\nوالجواب: أن ما صدر من أيوب دعاء وإظهار فقر وحاجة إلى ربه، لا شكوى ولا جزع.\nقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية","vol":"4","page":849},{"text":"الكريمة: ولم يكن قوله: ﴿مَسَّنِيَ الضُّرُّ﴾ جزعًا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ بل كان ذلك دعاء منه. والجزع في الشكوى إلى الخلق لا إلى الله تعالى، والدعاء لا ينافي الرضا. قال الثعلبي: سمعت أستاذنا أبا القاسم بن حبيب يقول: حضرت مجلسًا غاصًا بالفقهاء والأدباء في دار السلطان؛ فسئلت عن هذه الآية الكريمة بعد اجتماعهم على أن قول أيوب كان شكاية وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا﴾ فقلت: ليس هذا شكاية، وإنما كان دعاء؛ بيانه ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ والإجابة تتعقب الدعاء لا الاشتكاء. فاستحسنوه وارتضوه. وسئل الجنيد عن هذه الآية الكريمة فقال: عَرَّفه فاقة السؤال ليمنَّ عليه بكرم النوال. انتهى منه.\nودعاء أيوب المذكور ذكره الله في سورة \"الأنبياء\" من غير أن يسند مس الضر أيوب إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (٨٣)﴾ وذكره في سورة \"ص\" وأسند ذلك إلى الشيطان في قوله: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١)﴾ والنصب على جميع القراءات معناه: التعب والمشقة، والعذاب: الألم. وفي نسبة ما أصابه من المشقة والألم إلى الشيطان في آية \"ص\" هذه إشكال قوي معروف؛ لأن الله ذكر في آيات من كتابه: أن الشيطان ليس له سلطان على مثل أيوب من الأنبياء الكرام؛ كقوله: ﴿إِنَّهُ لَيسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية، وقوله تعالى عنه مقررًا له: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيسَ لَكَ عَلَيهِمْ سُلْطَانٌ إلا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوينَ (٤٢)﴾.","vol":"4","page":850},{"text":"وللعلماء عن هذا الإشكال أجوبة؛ منها ما ذكره الزمخشري قال:\nفإن قلت: لم نسبه إلى الشيطان، ولا يجوز أن يسلطه على أنبيائه ليقضي من إتعابهم وتعذيبهم وطره، ولو قدر على ذلك لم يدع صالحًا إلا وقد نكبه وأهلكه، وقد تكرر في القرآن أنه لا سلطان له إلا الوسوسة فحسب؟.\nقلت: لما كانت وسوسته إليه، وطاعته له فيما وسوس سببًا فيما مسه الله به من النصب والعذاب نَسَبَه إليه، وقد راعى الأدب في ذلك حيث لم ينسبه إلى الله في دعائه، مع أنه فاعله ولا يقدر عليه إلا هو. وقيل: أراد ما كان يوسوس به إليه في مرضه من تعظيم ما نزل به من البلاء، ويغريه على الكراهة والجزع، فالتجأ إلى الله تعالى في أن يكفيه ذلك بكشف البلاء، أو بالتوفيق في دفعه ورده بالصبر الجميل.\nوروي أنه كان يعوده ثلاثة من المؤمنين؛ فارتد أحدهم فسأل عنه، فقيل: ألقى إليه الشيطان أن الله لا يبتلي الأنبياء الصالحين. وذكر في سبب بلائه: أن رجلًا استغاثه على ظالم فلم يغثه. وقيل: كانت مواشيه في ناحية ملك كافر فداهنه ولم يغزه. وقيل: أعجب بكثرة ماله. انتهى منه.\nومنها ما ذكره جماعة من المفسرين: أن الله سلط الشيطان على ماله وأهله ابتلاء لأيوب؛ فأهلك الشيطان ماله وولده، ثم سلطه على بدنه ابتلاء له فنفخ في جسده نفخة أشتعل منها، فصار في جسده ثآليل، فحكها بأظافره حتى دميت، ثم بالفخار حتى","vol":"4","page":851},{"text":"تساقط لحمه، وعصم الله قلبه ولسانه. (وغالب ذلك من الإسرائيليات) وتسليطه للابتلاء على جسده وماله وأهله ممكن، وهو أقرب من تسليطه عليه بحمله على أن يفعل ما لا ينبغي؛ كمداهنة الملك المذكور، وعدم إغاثة الملهوف، إلى غير ذلك من الأشياء التي يذكرها المفسرون. وقد ذكروا هنا قصة طويلة تتضمن البلاء الذي وقع فيه، وقدر مدته (وكل ذلك من الإسرائيليات) وقد ذكرنا هنا قليلًا.\nوغاية ما دل عليه القرآن: أن الله ابتلى نبيه أيوب عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأنه ناداه فاستجاب له وكشف عنه كل ضر، ووهبه أهله ومثلهم معهم، وأن أيوب نسب ذلك في \"ص\" إلى الشيطان. ويمكن أن يكون سلطه الله على جسده وماله وأهله؛ ابتلاء ليظهر صبره الجميل، وتكون له العاقبة الحميدة في الدنيا والآخرة، ويرجع له كل ما أصيب فيه، والعلم عند الله تعالى. وهذا لا ينافي أن الشيطان لا سلطان له على مثل أيوب؛ لأن التسليط على الأهل والمال والجسد من جنس الأسباب التي تنشأ عنها الأعراض البشرية كالمرض، وذلك يقع للأنبياء؛ فإنهم يصيبهم المرض، وموت الأهل، وهلاك المال لأسباب متنوعة. ولا مانع من أن يكون جملة تلك الأسباب تسليط الشيطان على ذلك للابتلاء. وقد أوضحنا جواز وقوع الأمراض والتأثيرات البشرية على الأنبياء في سورة \"طه\"، وقول الله لنبيه أيوب في سورة \"ص\": ﴿وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ﴾ الآية، قال المفسرون فيه: إنه حلف في مرضه ليضربن زوجه مائة سوط، فأمره الله أن يأخذ ضغثًا فيضربها به ليخرج من يمينه، والضغث: الحزمة الصغيرة من حشيش أو ريحان","vol":"4","page":852},{"text":"أو نحو ذلك. والمعنى: أنه يأخذ حزمة فيها مائة عود فيضربها بها ضربة واحدة، فيخرج بذلك من يمينه. وقد قدمنا في سورة \"الكهف\" الاستدلال بآية ﴿وَلَا تَحْنَثْ﴾ على أن الاستثناء المتأخر لا يفيد؛ إذ لو كان يفيد لقال الله لأيوب: قل إن شاء الله؛ ليكون ذلك استثناء في يمينك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1043> قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾</span>.\nأي: واذكر ذا النون. والنون: الحوت. ﴿وَذَا﴾ بمعنى صاحب. فقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ معناه صاحب الحوت؛ كما صرح الله بذلك في \"القلم\" في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.\nوقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.\nالأول: أن المعنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق \"قدر\" بمعنى \"ضيق\" في القرآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق الرزق على من شاء، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ الآية. فقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ﴾ أي ومن ضيق عليه رزقه.","vol":"4","page":853},{"text":"الوجه الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. \"وقَدِر\" بالتخفيف تأتي بمعنى \"قدر\" المضعفة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ أي: قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:\nفليست عشياتُ الحمى برواجعٍ ... لنا أبدًا ما أورق السَّلم النضرُ\nولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركْتَ ما تَقْدِر يقع ولك الشكر\nوالعرب تقول: قدر الله لك الخير يَقْدِره قدرًا، كضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدَّره لك تقديرًا؛ ومنه على أصح القولين \"ليلة القدر\"؛ لأن الله يقدر فيها الأشياء؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ والقَدَر بالفتح، والقَدْر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء؛ ومنه قول هدبة بن الخشرم:\nألا يا لقومي للنوائب والقَدْر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري\nأما قول من قال: إن ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ من القدرة؛ فهو قول باطل بلا شك؛ لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: في حال كونه مغاضبًا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج؛ قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضًا: وقيل معنى ﴿مُغَاضِبًا﴾ غضبان، وهو من المفاعلة التي","vol":"4","page":854},{"text":"لا تقتضي اشتراكًا؛ نحو عاقبت اللص، وسافرت اهـ.\nواعلم أن قول من قال: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: مغاضبًا لربه كما رُوي عن ابن مسعود، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتيبي، واستحسنه المهدوي؛ يجب حمله على معنى القول الأول؛ أي: مغاضبًا من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا: وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله ﷿ إذا عُصِي. انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه، أي: من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية.\nوقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. و﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ﴾ مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى ﴿أَنْ لَا إِلَهَ﴾، ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:\nوداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يَسْتجبه عند ذاك مجيبُ\nوما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات؛ هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من","vol":"4","page":855},{"text":"الغم أوضحه في غير هذا الموضع.\nوبيَّن في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم.\nوبين في بعضها: أنه خرج بغير إذن كخروج العبد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه.\nوبين في بعضها: أن الله تداركه برحمته؛ ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذمومًا، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في \"الصافات\": ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾، فقوله في آيات \"الصافات\" المذكورة: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي: حين أبق، وهو من قول العرب: عبد آبق؛ لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين في القرعة؛ لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر:","vol":"4","page":856},{"text":"قتلنا المدْحَضين بكلِّ فجٍّ ... فقد قرَّت بقتلهم العيون\nوقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض؛ راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة:\nورفعتُ رِجلًا لا أخاف عِثارها ... ونبذتُ بالبلد العراءِ ثيابي\nوشجرة اليقطين: هي الدباء. وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في \"القلم\": ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ فقوله في آية \"القلم\" هذه: ﴿إِذْ نَادَى﴾ أي: نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾: مملوء كربًا. قال الماوردي: والفرق بين الغم والكرب: أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ محبوس. والكظم: الحبس؛ ومنه قولهم: كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد. انتهى من القرطبي.\nوآية \"القلم\" المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم، بدليل قوله مخاطبًا نبينا - ﷺ - فيها: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. فإن أمره لنبينا - ﷺ - بالصبر ونهيه إياه أن","vol":"4","page":857},{"text":"يكون كصاحب الحوت؛ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين تعالى في سورة \"يونس\": أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيًا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولاسيما إذا دعا بدعاء يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي - ﷺ - قال في دعاء يونس المذكور: \"لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له\" رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين. وقوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بنونين أولاهما مضمومة، والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة فياء ساكنة، وهو مضارع \"أنجى\" الرباعي على صيغة \"أفعل\"، والنون الأولى دالة على العظمة. وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم: \"وكذلك نُجِّي المؤمنين\" بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني","vol":"4","page":858},{"text":"للمفعول من \"نَجَّى\" المضعَّفة على وزن \"فَعَّل\" بالتضعيف.\nوفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي: أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال: كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية؛ لأن نجَّى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء \"نجى\" لا إسكانها.\nوأجاب العلماء عن هذا بأجوبة: منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه: أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة (نُنَجِّي) بفتح النون الثانية مضارع \"نجَّى\" مضعفًا، فحذفت النون الثانية تخفيفًا، أو \"نُنْجي\" بسكونها مضارع أنجى، وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في \"إجّاصة وإجّانة\" بتشديد الجيم فيهما، والأصل \"إنجاصة وإنجانة\" فأدغمت النون فيهما، والإجاصة: واحدة الإجاص، قال في القاموس: الإجاص بالكسر مشددًا: ثمر معروف دخيل؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمةٍ، الواحدةُ بهاءٍ. ولا تقل انجاص، أو لغية اهـ. والإجانة: واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها. ويقال: إنجانة كما يقال: إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون اهـ.","vol":"4","page":859},{"text":"فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ مفعول به بـ﴿نُنْجِي﴾.\nومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة: أن \"نُجِّي\" على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجي هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ الآية، ببناء \"يجزي\" للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ليجزي هو أي الجزاء، ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعديًا للمفعول تَرِد بقِلَّة، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوقابلٌ من ظرفٍ أو من مصدرِ ... أو حرفِ جرٍّ بنيابةٍ حَرِي\nولا ينوبُ بعضُ هذي إن وُجِد ... في اللفظِ مفعولٌ به وقد يَرِد\nومحل الشاهد منه قوله: \"وقد يرد\" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق:\nولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا\nيعني لسب هو أي السب. وقول الراجز:\nلم يعن بالعلياء إلا سيدًا ... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى\nوأما إسكان ياء \"نُجِّي\" على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب: رضي، وبقي بإسكان الياء تخفيفًا. ومنه قراءة الحسن (وذروا ما بَقِي من الربا) بإسكان ياء (بَقِي) ومن شواهد تلك اللغة","vol":"4","page":860},{"text":"قول الشاعر:\nخمَّر الشيب لمتي تخميرًا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا\nليت شعري إذ القيامة قامت ... ودُعي بالحساب أين المصيرا\nوأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها. أما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفًا من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظًا بذكر الحرف المحذوف. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1044> قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾</span>.\nقد قدمنا معاني \"الأمة\" في القرآن في سورة \"هود\". والمراد بالأمة هنا: الشريعة والملة. والمعنى: وأن هذه شريعتكم شريعة واحدة، وهي توحيد الله على الوجه الأكمل من جميع الجهات، وامتثال أمره، واجتناب نهيه بإخلاص في ذلك؛ على حسب ما شرعه لخلقه ﴿وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢)﴾ أي وحدي، والمعنى دينكم واحد وربكم واحد، فلم تختلفون ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في الدين وكانوا شيعًا؛ فمنهم يهودي، ومنهم نصراني، ومنهم عابد وثن إلى غير ذلك من الفرق المختلفة.\nثم بين بقوله ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ أنهم جميعهم راجعون إليه يوم القيامة، وسيجازيهم بما فعلوا. وقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ﴾ المعنى:","vol":"4","page":861},{"text":"جعلوا أمر دينهم فيما بينهم قطعًا كما يتوزع الجماعة الشيء ويقتسمونه؛ فيصير لهذا نصيب ولذلك نصيب؛ تمثيلًا لاختلافهم فيه، وصيرورتهم فرقًا شتى اهـ.\nوظاهر الآية أن \"تقطع\" متعدية إلى المفعول ومفعولها \"أمرهم\" ومعنى تقطعوه: أنهم جعلوه قطعًا كما ذكرنا. وقال القرطبي قال الأزهري: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ﴾ أي: تفرقوا في أمرهم فنصب ﴿أَمْرَهُمْ﴾ بحذف \"في\" ومن إطلاق الأمة بمعنى الشريعة والدين كما في هذه الآية؛ قوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي: على شريعة وملة ودين. ومن ذلك قول نابغة ذبيان:\nحلفتُ فلم أترك في نفسكَ ريبةً ... وهل يأْثَمَنْ ذو إمَّةٍ وهو طائع\nومعنى قوله: \"وهل يأْثَمن ذو إمّة .. إلخ\" أن صاحب الدين لا يرتكب الإثم طائعًا.\nوما ذكره جل وعلا في هاتين الآيتين الكريمتين: من أن الدين واحد والرب واحد فلا داعي للاختلاف. وأنهم مع ذلك اختلفوا وصاروا فرقًا؛ أوضحه في سورة \"قد أفلح المؤمنون\"، وزاد أن كل حزب من الأحزاب المختلفة فرحون بما عندهم؛ وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١) وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾. وقوله في هذه الآية: ﴿زُبُرًا﴾ أي: قطعًا كزبر الحديد والفضة، أي: قطعها، وقوله: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾ أي: كل فرقة من هؤلاء الفرق الضالين المختلفين المتقطعين دينهم قطعًا؛ فرحون بباطلهم،","vol":"4","page":862},{"text":"مطمئنون إليه، معتقدون أنه هو الحق.\nوقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع: أن ما فرحوا به، واطمئنوا إليه باطل، كما قال تعالى في سورة \"المؤمن\": ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤)﴾، وقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ هَذِهِ﴾ \"هذه\" اسم ﴿إِنَّ﴾ وخبرها ﴿أُمَّتُكُمْ﴾، وقوله: ﴿أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ حال كما هو ظاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1045> قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار لهم فيها زفير والعياذ بالله تعالى. وأظهر الأقوال في الزفير: أنه كأول صوت الحمار، وأن الشهيق كآخره، وقد بين تعالى أن أهل النار لهم فيها زفير في غير هذا الموضع وزاد على ذلك الشهيق والخلود، كقوله في \"هود\": ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيهَا زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ (١٠٦) خَالِدِينَ فِيهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1046> قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِيهَا لَا يَسْمَعُونَ (١٠٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار لا يسمعون فيها. وبين في غير هذا الموضع: أنهم لا يتكلمون ولا يبصرون، كقوله في \"الإسراء\": ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ","vol":"4","page":863},{"text":"عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾، وقوله: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ مع أنه جل وعلا ذكر في آيات أخر ما يدل على أنهم يسمعون ويبصرون ويتكلمون، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ الآية. وقد بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في \"طه\" فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1047> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين سبقت لهم منه في علمه الحسنى وهي تأنيث الأحسن، وهي الجنة أو السعادة؛ مبعدون يوم القيامة عن النار. وقد أشار إلى نحو ذلك في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾، وقوله: ﴿هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إلا الْإِحْسَانُ (٦٠)﴾، ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1048> قوله تعالى: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن عباده المؤمنين الذين سبقت لهم منه الحسنى ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ أي تستقبلهم بالبشارة، وتقول لهم: ﴿هَذَا يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ أي توعدون فيه أنواع الكرامة والنعيم. قيل: تستقبلهم على أبواب الجنة بذلك. وقيل: عند الخروج من القبور كما تقدم.\nوما ذكره جل وعلا من استقبال الملائكة لهم بذلك: بينه في","vol":"4","page":864},{"text":"غير هذا الموضع، كقوله في \"فصلت\": ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾، وقوله في \"النحل\": ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1049> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾</span>.\nقوله: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ﴾ منصوب بقوله: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ﴾، أو بقوله: ﴿وَتَتَلَقَّاهُمُ﴾. وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يوم القيامة يطوي السماء كطي السجل للكتب. وصرح في \"الزمر\" بأن الأرض جميعًا قبضته يوم القيامة، وأن السماوات مطويات بيمينه، وذلك في قوله: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾. وما ذكره من كون السماوات مطويات بيمينه في هذه الآية: جاء في الصحيح أيضًا عن النبي - ﷺ - وقد قدمنا مرارًا أن الواجب في ذلك إمراره كما جاء، والتصديق به، مع اعتقاد أن صفة الخالق أعظم من أن تماثل صفة المخلوق. وأقوال العلماء في معنى قوله: ﴿كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾ راجعة إلى أمرين:\nالأول: أن السجل الصحيفة: والمراد بالكتب: ما كتب فيها، واللام بمعنى على، أي: كطي السجل على الكتب، أي كطي","vol":"4","page":865},{"text":"الصحيفة على ما كتب فيها، وعلى هذا فطي السجل مصدر مضاف إلى مفعوله؛ لأن السجل على هذا المعنى مفعول الطي.\nالثاني: أن السجل ملك من الملائكة، وهو الذي يطوي كتب أعمال بني آدم إذا رفعت إليه، ويقال: إنه في السماء الثالثة، ترفع إليه الحفظة الموكلون بالخلق أعمال بني آدم في كل خميس واثنين، وكان من أعوانه (فيما ذكروا) هاروت وماروت، وقيل: إنه لا يطوي الصحيفة حتى يموت صاحبها فيرفعها ويطويها إلى يوم القيامة، وقول من قال: إن السجل صحابي، كاتب للنبي - ﷺ -؛ ظاهر السقوط كما ترى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿لِلْكُتُبِ﴾ قرأه عامة السبعة غير حمزة والكسائي وحفص عن عاصم (للكتاب) بكسر الكاف وفتح التاء بعدها ألف بصيغة الإفراد. وقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم ﴿لِلْكُتُبِ﴾ بضم الكاف والتاء بصيغة الجمع. ومعنى القراءتين واحد؛ لأن المراد بالكتاب على قراءة الإفراد جنس الكتاب، فيشمل كل الكتب.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾.\nأظهر الأقوال عندي في هذه الآية الكريمة: أن الزبور الذي هو الكتاب يراد به جنس الكتاب فيشمل الكتب المنزلة، كالتوراة والإنجيل، وزبور داود، وغير ذلك. وأن المراد بالذِّكْر: أم الكتاب، وعليه فالمعنى: ولقد كتبنا في الكتب المنزلة على الأنبياء أن الأرض يرثها عبادي الصالحون بعد أن كتبنا ذلك في أم الكتاب.","vol":"4","page":866},{"text":"وهذا المعنى واضح لا إشكال فيه. وقيل الزبور في الآية: زبور داود، والذكر: التوراة؛ وقيل غير ذلك. وأظهرها هو ما ذكرنا واختاره غير واحد.\nواعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن الآية قد يكون فيها قولان للعلماء، وكلاهما حق ويشهد له قرآن فنذكر الجميع؛ لأنه كله حق داخل في الآية. ومن ذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن المراد بالأرض في قوله هنا: ﴿أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ (١٠٥)﴾ فيه للعلماء وجهان:\nالأول: أنها أرض الجنة يورثها الله يوم القيامة عباده الصالحين. وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ فَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ (٧٤)﴾ وقد قدمنا معنى إيراثهم الجنة مستوفى في سورة \"مريم\".\nالثاني: أن المراد بالأرض: أرض العدو يورثها الله المؤمنين في الدنيا؛ ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ وَأَرْضًا لَمْ تَطَئُوهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾، وقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (١٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير حمزة ﴿فِي الزَّبُورِ﴾","vol":"4","page":867},{"text":"بفتح الزاي ومعناه الكتاب. وقرأ حمزة وحده (في الزُّبور) بضم الزاي. قال القرطبي: وعلى قراءة حمزة فهو جمع زبر. والظاهر أنه يريد الزِّبر بالكسر بمعنى المزبور أي المكتوب. وعليه فمعنى قراءة حمزة: ولقد كتبنا في الكتب. وهي تؤيد أن المراد بالزبور على قراءة الفتح جنس الكتب لا خصوص زبور داود كما بينا. وقرأ حمزة أيضًا: ﴿يَرِثُهَا عِبَادِيَ﴾ بإسكان الياء. والباقون بفتحها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1050> قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾</span>.\nالإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم، الذي منه هذه السورة الكريمة. والبلاغ: الكفاية، وما تبلغ به البغية. وما ذكره هنا من أن هذا القرآن فيه الكفاية للعابدين، وما يبلغون به بغيتهم، أي من خير الدنيا والآخرة؛ ذكره في غير هذا الموضع؛ كقوله: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ وخص القوم العابدين بذلك لأنهم هم المنتفعون به.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1051> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه ما أرسل هذا النبي الكريم صلوات الله وسلامه عليه إلى الخلائق إلا رحمة لهم؛ لأنه جاءهم بما يسعدهم وينالون به كل خير من خير الدنيا والآخرة إن اتبعوه، ومن خالف ولم يتبع فهو الذي ضيع على نفسه نصيبه من تلك الرحمة العظمى. وضرب بعض أهل العلم لهذا مثلًا قال: لو فجر الله عينًا للخلق غزيرة الماء، سهلة التناول؛ فسقى الناس زروعهم ومواشيهم بمائها. فتتابعت عليهم النعم بذلك، وبقى أناس مفرطون كُسالى عن العمل؛ فضيعوا نصيبهم من تلك العين، فالعين","vol":"4","page":868},{"text":"المفجرة في نفسها رحمة من الله، ونعمة للفريقين. ولكن الكسلان محنة على نفسه حيث حرمها ما ينفعها. ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨)﴾. وقيل: كونه رحمة للكفار من حيثما إن عقوبتهم أخرت بسببه، وأمِنوا به عذابَ الاستئصال. والأول أظهر.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أنه ما أرسله إلا رحمة للعالمين؛ يدل على أنه جاء بالرحمة للخلق فيما تضمنه هذا القرآن العظيم. وهذا المعنى جاء موضحًا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة \"الكهف\" في موضعين منها. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة ﵁ قال: قيل: يا رسول الله، ادع على المشركين. قال: \"إني لم أبعث لعانًا وإنما بعثت رحمة\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1052> قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾</span>.\nقوله: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا وصدوا عما تدعوهم إليه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: أعلمتكم أني حرب لكم كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنتم برآء مني. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية أشارت إليه آيات أخر، كقوله: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ أي: ليكن علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ","vol":"4","page":869},{"text":"بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾، وقوله: ﴿آذَنْتُكُمْ﴾ الأذان: الإعلام؛ ومنه الأذان للصلاة. وقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أي إعلام منه، قوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، أي: اعلموا. ومنه قول الحرث بن حلزة:\nآذنتنا ببينها أسماءُ ... رُب ثاوٍ يُمَلُّ منه الثَّواءُ\nيعني: أعلمتنا ببينها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1053> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (١١٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم ما يجهر به خلقه من القول، ويعلم ما يكتمونه. وقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة؛ كقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٩٩)﴾ في الموضعين، وقوله: ﴿قَال أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1054> قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حفص عن عاصم (قُلْ رَبِّ) بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. وقرأه حفص وحده ﴿قَالَ﴾ بفتح القاف واللام بينهما ألف بصيغة الماضي. وقراءة الجمهور تدل على أنه - ﷺ - أن يقول ذلك. وقراءة حفص تدل","vol":"4","page":870},{"text":"على أنه امتثل الأمر بالفعل. وما أمره أن يقوله هنا قاله نبي الله شعيب كما ذكره الله عنه في قوله: ﴿رَبَّنَا افْتَحْ بَينَنَا وَبَينَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾، وقوله: ﴿افْتَحْ﴾ أي: احكم كما تقدم، وقوله: ﴿وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١١٢)﴾ أي تصفونه بألسنتكم من أنواع الكذب بادعاء الشركاء والأولاد وغير ذلك؛ كما قال تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية، وقال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. وما قاله النبي - ﷺ - في هذه الآية قاله يعقوب لمَّا علم أن أولاده فعلوا بأخيهم يوسف شيئًا غير ما أخبروه به؛ وذلك في قوله: ﴿قَال بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ (١٨)﴾ والمستعان: المطلوب منه العون. والعلم عند الله تعالى.\n\nوهذا آخر الجزء \"الرابع\" من هذا الكتاب المبارك، ويليه الجزء \"الخامس\" إن شاء الله، وأوله سورة \"الحج\" وبالله التوفيق، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه. اهـ.","vol":"4","page":871},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1055>سورة الحج</span>","vol":"5","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1056> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١) يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّا أَرْضَعَتْ وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾</span>.\nأمر جل وعلا في أول هذه السورة الكريمة الناس بتقواه جل وعلا بامتثال أمره، واجتناب نهيه، وبين لهم أن زلزلة الساعة شيء عظيم، تذهل بسببه المراضع عن أولادها، وتضع بسببه الحوامل أحمالها، من شدة الهول والفزع، وأن الناس يُرَوْنَ فيه كأنهم سكارى من شدة الخوف، وما هم بسكارى من شرب الخمر، ولكن عذابه شديد.\nوما ذكره تعالى هنا من الأمر بالتقوى، ذكره في مواضع كثيرة جدًّا من كتابه، كقوله في أول سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.\nوما بينه هنا من شدة أهوال الساعة، وعظم زلزلتها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١) أَخْرَجَتِ","vol":"5","page":5},{"text":"الْأَرْضُ أَثْقَالهَا (٢) وَقَال الْإِنْسَانُ مَا لَهَا (٣) يَوْمَئِذٍ تُحَدِّثُ أَخْبَارَهَا (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1057> وقوله تعالى: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾</span> إلى غير ذلك من الآيات الدالة على عظم هول الساعة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ﴾ قد أوضحنا فيما مضى معنى التقوى بشواهده العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والزلزلة: شدة التحريك والا زعاج، ومضاعفة زليل (^١) الشيء عن مقره ومركزه، أي: تكرير انحرافه وتزحزحه عن موضعه؛ لأن الأرض إذا حركت حركة شديدة تزلزل كل شيء عليها زلزلة قوية.\nوقوله: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا﴾ منصوب بـ ﴿تَذْهَلُ﴾، والضمير عائد إلى الزلزلة، والرؤية: بصرية؛ لأنهم يرون زلزلة الأشياء بأبصارهم، وهذا هو الظاهر، وقيل: إنها من \"رأى\" العلمية.\nوقوله: ﴿تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي: بسبب تلك الزلزلة، والذهول: الذهاب عن الأمر مع دهشة، ومنه قول عبد الله بن رواحة ﵁:\nضربًا يزيلُ الهامَ عن مقيله ... ويُذهِل الخليلَ عن خليله\nوقال قطرب: ذهل عن الأمر: اشتغل عنه. وقيل: ذهل عن الأمر: غفل عنه لطرو شاغل، من همّ أو مرض، أو نحو ذلك، والمعنى واحد، وبقية الأقوال راجعة إلى ما ذكرنا.\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"5","page":6},{"text":"وقوله: ﴿كُلُّ مُرْضِعَةٍ﴾ أي: كل أنثى ترضع ولدها، ووجه قوله: ﴿مُرْضِعَةٍ﴾، ولم يقل: \"مرضع\" هو ما تقرر في علم العربية من أن الأوصاف المختصة بالإِناث إن أريد بها الفعل لحقها التاء، وإن أريد بها النسب جردت من التاء، فإن قلت: هي مرضع تريد أنها ذات رضاع، جردته من التاء، كقول امرئ القيس:\nفمثلكِ حُبلى قد طرقت ومرضع ... فألهيتها عن ذي تمائِمَ مغيل\nوإن قلت: هي مرضعة بمعنى أنها تفعل الرضاع، أي: تلقم الولد الثدي، قلت: هي مرضعة بالتاء، ومنه قوله:\nكمرضعة أولاد أُخْرى وضيَّعت ... بَنِي بَطنها هذَا الضَّلال عن القصْدِ\nكما أشار له بقوله:\nوما من الصفات بالأنثى يُخص ... عن تاء استغنى لأن اللَّفظ نص\nوحيث معنى الفعل يعني التّاء زد ... كذي غدت مرضعة طفْلًا ولَد\nوما زعمه بعض النحاة الكوفيين: من أن أم الصبي \"مرضعة\" بالتاء، والمستأجرة للإِرضاع: \"مرضع\" بلا هاء، باطلٌ، قاله أبو حيان في \"البحر\". واستدل عليه بقوله: كمرضعة أولاد أخرى. . . البيت. فقد أثبت التاء لغير الأم.\nوقول الكوفيين أيضًا: إن الوصف المختص بالأنثى لا يحتاج فيه إلى التاء؛ لأن المراد منها الفرق بين الذكر والأنثى، والوصف المختص بالأنثى لا يحتاج إلى فرق؛ لعدم مشاركة الذكر لها فيه، مردود أيضًا، قاله أبو حيان في \"البحر\" أيضًا مستدلًا بقول العرب: مرضعة، وحائضة، وطالقة. والأظهر في ذلك هو ما قدمنا: من أنه إن أريد الفعل جيء بالتاء، وإن أريد النسبة جرد","vol":"5","page":7},{"text":"من التاء، ومن مجيء التاء للمعنى المذكور قول الأعشى:\nأجارَتنا بينِي فإنَّكِ طالقَهْ ... كذَاك أمورُ النَّاس غادٍ وطَارِقَهْ\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لِمَ قيل: مرضعة دون مرضع؟ قلت: المرضعة التي هي في حال الإِرضاع ملقمة ثديها الصبي، والمرضع: التي شأنها أن ترضع، وإن لم تباشر الإِرضاع في حال وصفها به، فقيل: مرضعة، ليدل على أن ذلك الهول إذا فوجئت به هذه، وقد ألقمت الرضيع ثديها نزعته عن فيه، لما يلحقها من الدهشة.\nوقوله تعالى: ﴿عَمَّا أَرْضَعَتْ﴾ الظاهر أن ما: موصولة، والعائد محذوف، أي: أرضعته، على حد قوله في \"الخلاصة\":\n\n• والحذف عندهم كثير مُنْجَلي *\nفي عائدٍ مُتَّصل إن انتصب ... بفعلٍ أو وصفٍ كمن نرجو يهب\nوقال بعض العلماء: هي مصدرية، أي: تذهل كل مرضعة عن إرضاعها.\nقال أبو حيان في \"البحر\": ويقوي كونها موصولة تعدي \"وضع\" إلى المفعول به في قوله: ﴿حَمْلَهَا﴾ لا إلى المصدر.\nوقوله: ﴿وَتَضَعُ كُلُّ ذَاتِ حَمْلٍ حَمْلَهَا﴾ أي: كل صاحبة حمل تضع جنينها من شدة الفزع والهول. والحمل بالفتح: ما كان في بطن من جنين، أو على رأس شجرة من ثمر.\n﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾ جمع سكران، أي: يشبِّههم من رآهم بالسكارى، من شدة الفزع ﴿وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ من الشراب ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ والخوف منه هو الذي صيَّر من رآهم يشبِّههم","vol":"5","page":8},{"text":"بالسكارى، لذهاب عقولهم من شدة الخوف، كما يذهب عقل السكران من الشراب.\nوقرأ حمزة والكسائي: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ بفتح السين، وسكون الكاف في الحرفين، على وزن \"فعْلَى\" بفتح فسكون. وقرأه الباقون: ﴿سُكَارَى﴾ بضم السين، وفتح الكاف بعدها ألف في الحرفين أيضًا، وكلاهما جمع \"سكران\" على التحقيق. وقيل: إن (سَكْرَى) بفتح فسكون جمع \"سَكِر\" بفتح فكسر، بمعنى السكران، كما يجمع الزَّمِن على \"الزَّمْنَى\"، قاله أبو علي الفارسي، كما نقله عنه أبو حيان في \"البحر\". وقيل: إن (سَكْرى) مفرد، وهو غير صواب.\nواستدلال المعتزلة بهذه الآية الكريمة على أن المعدوم يسمى شيئًا؛ لأنه وصف زلزلة الساعة بأنها شيء في حال عدمها قبل وجودها قد بينا وجه رده في سورة مريم، فأغنى عن إعادته هنا.\nمسألة\nاختلف العلماء في وقت هذه الزلزلة المذكورة هنا، هل هي بعد قيام الناس من قبورهم يوم نشورهم إلى عرصات القيامة، أو هي عبارة عن زلزلة الأرض قبل قيام الناس من القبور؟\nفقالت جماعة من أهل العلم: هذه الزلزلة كائنة في آخر عمر الدنيا، وأول أحوال الساعة، وممن قال بهذا القول: علقمة، والشعبي، وإبراهيم، وعبيد بن عمير، وابن جريج. وهذا القول من حيث المعنى له وجه من النظر، ولكنه لم يثبت ما يؤيده من النقل، بل الثابت من النقل يؤيد خلافه؛ وهو القول الآخر.","vol":"5","page":9},{"text":"وحجة من قال بهذا القول حديث مرفوع جاء بذلك، إلَّا أنه ضعيف لا يجوز الاحتجاج به.\nقال ابن جرير الطبري في تفسيره مبينًا دليل من قال: إن الزلزلة المذكورة في آخر الدنيا قبل يوم القيامة. حدثنا أبو كريب قال: حدثنا عبد الرحمن بن محمد المحاربي، عن إسماعيل بن رافع المدني، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل من الأنصار، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"لما فرغ الله من خلق السمواتِ والأرضِ خلق الصُّوْر، فأعطى إسرافيلَ، فهو واضعه على فِيهِ شاخص ببصره إلى السماء ينظر متى يُؤْمر. قال أبو هريرة: يا رسول الله، وما الصُّوْر؟ قال: قَرْن، قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم ينفخ فيه ثلاث نفخات، الأولى: نفخة الفزع، والثانية: نفخة الصَّعق. والثالثة: نفخة القيام لرب العالمين، يأمر الله ﷿ إسرافيلَ بالنَّفخة الأولى: انْفخ نفخةَ الفزع، فتفزعُ أهلُ السَّموات والأرضِ إلَّا من شاء الله، ويأمره الله فيديمها ويطولها فلا يفتر، وهي التي يقول الله: ﴿وَمَا يَنْظُرُ هَؤُلَاءِ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً مَا لَهَا مِنْ فَوَاقٍ (١٥)﴾ فَيُسَيِّرُ الله الجبال فتكون سرابًا، وترج الأرض بأهلها رجًّا، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الرَّاجِفَةُ (٦) تَتْبَعُهَا الرَّادِفَةُ (٧) قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨)﴾ فتكون الأرض كالسفينة الموبقة في البحر، تضربها الأمواج تكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش، ترججه الأرواح، فتميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع وتضع الحوامل، وتشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار، فتلقَّاها الملائكة، فتضرب وجوهها، ويولي الناس مُدْبرين، ينادي بعضهم بعضًا، وهو الذي يقول الله: ﴿يَوْمَ","vol":"5","page":10},{"text":"التَّنَادِ (٣٢) يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾ فبينما هم على ذلك، إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر فرأوا أمرًا عظيمًا، وأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به، ثم نظروا إلى السماء، فإذا هي كالمُهل، ثم خسفت شمسها، وخسف قمرها، وانتثرت نجومها، ثم كشطت عنهم، قال رسول الله  -  ﷺ  -: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك، فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إلا مَنْ شَاءَ﴾؟ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون، وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله، يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ إلى قوله: ﴿وَلَكِنَّ عَذَابَ اللَّهِ شَدِيدٌ (٢)﴾ انتهى منه.\nولا يخفى ضعف الإسناد المذكور كما ترى. وابن جرير ﵀ قبل أن يسوق الإسناد المذكور قال ما نصه: وقد روي عن النبي  -  ﷺ  -  بنحو ما قال هؤلاء خبر في إسناده نظر، وذلك ما حدثنا أبو كريب إلى آخر الإسناد، كما سقناه عنه آنفًا.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقد أورد الإِمام أبو جعفر بن جرير مستند من قال ذلك في حديث الصور، من رواية إسماعيل بن رافع، عن يزيد بن أبي زياد، عن رجل من الأنصار، عن محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -، ثم ساق الحديث نحو ما ذكرناه بطوله، ثم قال: هذا الحديث قد رواه الطبراني، وابن جرير، وابن أبي حاتم، وغير واحد مطولًا جدًّا. والغرض منه أنه دلَّ على أن هذه الزلزلة كائنة قبل يوم","vol":"5","page":11},{"text":"القيامة أضيفت إلى الساعة لقربها منها، كما يقال: أشراط الساعة، ونحو ذلك، والله أعلم. انتهى منه. وقد علمت ضعف الإِسناد المذكور.\nوأما حجة أهل القول الآخر القائلين: بأن الزلزلة المذكورة كائنة يوم القيامة بعد البعث من القبور، فهي ما ثبت في الصحيح عن النبي  -  ﷺ  -  من تصريحه بذلك. وبذلك تعلم أن هذا القول هو الصواب كما لا يخفى.\nقال البخاري ﵀ في \"صحيحه\" في التفسير في باب قوله: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى﴾: حدثنا عمر بن حفص، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري، قال: قال النبي  -  ﷺ  -: \"يقول الله ﷿ يوم القيامة: يا آدم، فيقول: لبيك ربنا وسعديك، فينادي بصوت: إن الله يأمرك أن تخرج من ذريتك بعثًا إلى النار، قال: يا رب، وما بحث النار؟ قال: من كل ألف  - أراه قال -  تسعمائة وتسعة وتسعين، فحينئذٍ تضع الحامل حملها، ويشيب الوليد، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى، ولكن عذاب الله شديد. فشق ذلك على الناس، حتى تغيرت وجوههم، فقال النبي  -  ﷺ  -: من يأجوج ومأجوج تسعمائة وتسعة وتسعين، ومنكم واحد، وأنتم في الناس كالشعرة السوداء في جنب الثور الأبيض، أو كالشعرة البيضاء في جنب الثور الأسود، وإني لأرجو أن تكونوا ربع أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: ثلث أهل الجنة، فكبرنا ثم قال: شطر أهل الجنة، فكبرنا\". وقال أبو أسامة، عن الأعمش: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين. وقال جرير، وعيسى بن يونس،","vol":"5","page":12},{"text":"وأبو معاوية: ﴿سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾. انتهى من \"صحيح البخاري\".\nوفيه تصريح النبي  -  ﷺ  -  بأن الوقت الذي تضع فيه الحامل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى: هو يوم القيامة، لا آخر الدنيا.\nوقال البخاري في \"صحيحه\" أيضًا في كتاب: الرقاق في باب: إن زلزلة الساعة شيء عظيم: حدثني يوسف بن موسى، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد قال: \"يقول الله: يا آدم، فيقول: لبيك وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار. قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكرى، وما هم بسكرى؛ ولكن عذاب الله شديد. فاشتد ذلك عليهم فقالوا: يا رسول الله أينا ذلك الرجل؟ قال: أبشروا، فإن من يأجوج ومأجوج ألفًا، ومنكم رجل، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا ثلث أهل الجنة، فحمدنا الله وكبرنا، ثم قال: والذي نفسي بيده إني لأطمع أن تكونوا شطر أهل الجنة، إن مثلكم في الأمم كمثل الشعرة البيضاء في جلد الثور الأسود، أو كالرقمة في ذراع الحمار\" انتهى منه. ودلالته على المقصود ظاهرة.\nوقال البخاري أيضًا في \"صحيحه\" في كتاب: بدء الخلق في أحاديث الأنبياء في باب قول الله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَينِ﴾ إلى قوله: ﴿سَبَبًا (٨٤)﴾: حدثنا إسحاق بن نصر، حدثنا أبو أسامة، عن الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي سعيد الخدري رضي الله","vol":"5","page":13},{"text":"عنه، عن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"يقول الله تعالى: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، فيقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، فعنده يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد. . .\" إلى آخر الحديث نحو ما تقدم.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: في آخر كتاب الإِيمان  - بكسرة الهمزة -  في باب: بيان كون هذه الأمة نصف أهل الجنة: حدثنا عثمان بن أبي شيبة العبسي، حدثنا جرير، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي سعيد، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"يقول الله ﷿: يا آدم، فيقول: لبيك، وسعديك، والخير في يديك، قال: يقول: أخرج بعث النار، قال: وما بعث النار؟ قال: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعين، قال: فذلك حين يشيب الصغير، وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد\" إلى آخر الحديث نحو ما تقدم.\nفحديث أبِي سعيد هذا الذي اتفق عليه الشيخان كما رأيت، فيه التصريح من النبي  -  ﷺ  -  بأن الوقت الذي تضع فيه كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى، وما هم بسكارى بعد القيام من القبور كما ترى، وذلك نص صحيح صريح في محل النزاع.\nفإن قيل: هذا النص فيه إشكال، لأنه بعد القيام من القبور لا تحمل الإِناث، حتى تضع حملها من الفزع، ولا ترضع، حتى تذهل عما أرضعت.","vol":"5","page":14},{"text":"فالجواب عن ذلك من وجهين:\nالأول: هو ما ذكره بعض أهل العلم، من أن من ماتت حاملًا تبعث حاملًا، فتضع حملها من شدة الهول والفزع، ومن ماتت مرضعة بعثت كذلك، ولكن هذا يحتاج إلى دليل.\nالوجه الثاني: أن ذلك كناية عن شدة الهول، كقوله تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾ هو ومثل ذلك من أساليب اللغة العربية المعروفة.\nتنبيه\nاعلم أن هذا الذي دلت عليه الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا بعضها يَرِد عليه سؤال، وهو أن يقال: إذا كانت الزلزلة المذكورة بعد القيام من القبور، فما معناها؟\nوالجواب: أن معناها شدة الخوف، والهول، والفزع؛ لأن ذلك يسمى زلزالًا، بدليل قوله تعالى فيما وقع بالمسلمين يوم الأزِاب من الخوف: ﴿إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾ أي: وهو زلزال فزع وخوف، لا زلزال حركة الأرض، وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾ يدل على أن عظم الهول يوم القيامة موجب واضح للاستعداد لذلك الهول بالعمل الصالح، في دار الدنيا قبل تعذر الإِمكان؛ لما قدمنا مرارًا من أن \"إنَّ\" المشددة المكسورة تدل على التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه، ومسلك النص والظاهر، أي: اتقوا الله؛ لأن أمامكم أهوالًا عظيمة، لا نجاة منها إلَّا بتقواه جل وعلا.","vol":"5","page":15},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1058> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من الناس بعضًا يجادل في الله بغير علم، أي: يخاصم في الله بأن ينسب إليه ما لا يليق بجلاله وكماله، كالذي يدعي له الأولاد والشركاء، ويقول: إن القرآن أساطير الأولين، ويقول: لا يمكن أن يحيي الله العظام الرميم، كالنضر بن الحارث، والعاص بن وائل، وأبي جهل بن هشام، وأمثالهم من كفار مكة الذين جادلوا في الله ذلك الجدال الباطل بغير مستند من علم عقلي، ولا نقلي، ومع جدالهم في الله ذلك الجدال الباطل يتبعون كل شيطان مريد، أي: عاتٍ طاغٍ من شياطين الإِنس والجن ﴿كُتِبَ عَلَيهِ﴾ أي: كتب الله عليه كتابة قدر وقضاء ﴿أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ﴾ أي: كل من صار وليًّا له، أي: للشيطان المريد المذكور، فإنه يضله عن طريق الجنة إلى النار، وعن طريق الإِيمان إلى الكفر، ويهديه إلى عذاب السعير، أي: النار الشديدة الوقود.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن بعض الجهال كالكفار يجادل في الله بغير علم، أي: يخاصم فيه بغير مستند من علم، بَيَّنَهُ في غير هذا الموضع، كقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى في لقمان: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ","vol":"5","page":16},{"text":"اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾ فقوله في آية لقمان هذه: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾، كقوله في الحج: ﴿كُتِبَ عَلَيهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ وهذه الآية الكريمة التي هي قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ الآية، يدخل فيما تضمنته من الوعيد والذم أهل البدع والضلال، المعرضين عن الحق، المتبعين للباطل، يتركون ما أنزل الله على رسوله من الحق المبين، ويتبعون أقوال رؤساء الضلالة الدعاة إلى البدع والأهواء والآراء، بقدر ما فعلوا من ذلك؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب.\nومن الآيات الدالة على مجادلة الكفار في الله بغير علم قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧) وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة، وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه قدر وقضى أن من تولَّى الشيطان، فإن الشيطان يضله ويهديه إلى عذاب السعير، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ","vol":"5","page":17},{"text":"السَّعِيرِ (٢١)﴾ وقوله تعالى عن نبيه وخليله إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيطَانِ وَلِيًّا (٤٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أنه يفهم من دليل خطاب هذه الآية الكريمة، أعني مفهوم مخالفتها أن من يجادل بعلم على ضوء هدي كتاب منير، كهذا القرآن العظيم، ليحق الحق، ويبطل الباطل بتلك المجادلة الحسنة أن ذلك سائغ محمود؛ لأن مفهوم قوله: ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ إن كان بعلم، فالأمر بخلاف ذلك، وليس فِي ذلك اتباع للشيطان. ويدل هذا المفهوم المذكور قوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\nوقال الفخر الرازي في تفسيره: هذه الآية بمفهومها تدل على جواز المجادلة الحقة؛ لأن تخصيص المجادلة مع عدم العلم بالدلائل، يدل على أن المجادلة مع العلم جائزة، فالمجادلة الباطلة هي المراد من قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ والمجادلة الحقة هي المراد من قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾. اهـ. منه.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ يعني عذاب النار، فالسعير النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها.\nوالظاهر أن أصل السعير فعيل، بمعنى: مفعول، من قول العرب: سعر النار، يسعرها، كمنع يمنع إذا أوقدها، وكذلك سعرها بالتضعيف. وعلى لغة التضعيف والتخفيف القراءتان السبعيتان في قوله: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢)﴾ فقد قرأه من السبعة نافع وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية حفص سعرت بتشديد العين،","vol":"5","page":18},{"text":"وقرأه الباقون بتخفيف العين. ومما جرى من كلام العرب على نحو قراءة نافع، وابن ذكوان، وحفص قول بعض شعراء الحماسة:\nقالت له عرسهُ يومًا لتُسْمعني ... مهلًا فإن لنا في أمِّنا أربا\nولو رأتني في نار مُسعَّرة ... ثم استطاعت لزادَت فوْقها حَطبا\nإذ لا يخفى أن قوله: مسعرة اسم مفعول سعرت بالتضعيف، وبما ذكرنا يظهر أن أصل السعير فعيل بمعنى اسم المفعول، أي: النار المسعرة، أي: الموقدة إيقادًا شديدًا؛ لأنها بشدة الإِيقاد يزداد حرها عياذًا بالله منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل. وفي ذلك لغة ثالثة إلا أنها ليست في القرآن، وهي أسعر النار بصيغة أفعل، بمعنى أوقدها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ يدل على أن الهدى كما أنه يستعمل في الإِرشاد والدلالة على الخير، يستعمل أيضًا في الدلالة على الشر؛ لأنه قال: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ونظير ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية؛ لأن الإِمام هو من يقتدى به في هديه وإرشاده.\nوإطلاق الهدى في الضلال كما ذكرنا أسلوب عربي معروف وكلام البلاغيين في مثل ذلك بأن فيه استعارة عنادية، وتقسيمهم العنادية إلى تهكمية وتلميحية معروف كما أشرنا إليه سابقًا.\nوقوله تعالى: ﴿كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ قد أوضحنا معنى الشيطان في سورة الحجر، والمريد والمارد في اللغة العربية العاتي، تقول: مرد الرجل بالضم يمرد، فهو مارد، ومريد إذا كان عاتيًا.","vol":"5","page":19},{"text":"والظاهر أن الشيطان في هذه الآية، يشمل كل عات يدعو إلى عذاب السعير، ويضل عن الهدى، سواء كان من شياطين الجن أو الإِنس. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1059> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة والآيات التي بعدها تدل على أن جدال الكفار المذكور في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ يدخل فيه جدالهم في إنكار البعث، زاعمين أنه جل وعلا لا يقدر أن يحيي العظام الرميم، سبحانه وتعالى عما يقولون علوًا كبيرًا، كما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وكقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ ونحو ذلك من الآيات كما قدمنا الإِشارة إليه قريبًا.\nولأجل ذلك أقام تعالى البراهين العظيمة على بعث الناس من قبورهم أحياء إلى عرصات القيامة للحساب، والجزاء فقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ فمن أوجدكم الإِيجاد الأول، وخلقكم من التراب، لا شك أنه قادر على إيجادكم، وخلقكم مرة ثانية بعد أن بليت عظامكم، واختلطت بالتراب؛ لأن الإِعادة لا يمكن أن تكون أصعب من ابتداء الفعل،","vol":"5","page":20},{"text":"وهذا البرهان القاطع على القدرة على البعث الذي هو خلقه تعالى للخلائق المرة الأولى المذكور هنا جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾ وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، وقد أوضحنا ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما، ولأجل قوة دلالة هذا البرهان المذكور على البعث بين جل وعلا أن من أنكر البعث فهو ناس للإِيجاد الأول، كقوله: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾ الآية، إذ لو تذكر الإِيجاد الأول، على الحقيقة، لما أمكنه إنكار الإِيجاد الثاني، وكقوله: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧)﴾ إذ لو تذكر ذلك تذكرًا حقيقيًّا لما أنكر الخلق الثاني.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾ أي: في شك من أن الله يبعث الأموات، فالريب في القرآن يراد به الشك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ قد قدمنا في سورة طه أن التحقيق في معنى خلقه للناس من تراب، أنه خلق أباهم آدم منها، ثم خلق منه زوجه، ثم خلقهم منهما عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ","vol":"5","page":21},{"text":"تُرَابٍ﴾ الآية، فلما كان أصلهم الأول من تراب، أطلق عليهم أنه خلقهم من تراب؛ لأن الفروع تبع للأصل.\nوقد بينا في طه أيضًا أن قول من زعم أن معنى خلقه إياهم من تراب أنه خلقهم من النطف، والنطف من الأغذية، والأغذية راجعة إلى التراب غير صحيح، وقد بينا هناك الآيات الدالة على بطلان هذا القول.\nوقد ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أطوار خلق الإِنسان، فبين أن ابتداء خلقه من تراب كما أوضحنا آنفًا، فالتراب هو الطور الأول.\nوالطور الثاني هو النطفة، والنطفة في اللغة: الماء القليل، ومنه قول الشاعر وهو رجل من بني كلاب:\nوما عليك إذا أخبرتني دنفًا ... وغاب بعْلكِ يومًا أن تعودِيني\nوتجعلي نطفةً في القعْب باردةً ... وتغمسي فاكِ فيها ثم تسقيني\nفقوله: وتجعلي نطفة، أي: ماء قليلًا في القعب، والمراد بالنطفة في هذه الآية الكريمة نطفة المني. وقد قدمنا في سورة النحل أن النطفة مختلطة من ماء الرجل، وماء المرأة، خلافًا لمن زعم أنها من ماء الرجل وحده.\nالطور الثالث: العلقة، وهي القطعة من العلق، وهو الدم الجامد، فقوله: ﴿ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ﴾ أي: قطعة دم جامدة، ومن إطلاق العلق على الدم المذكور قول زهير:\nإليك أعملتها فتلا مرافقها ... شهرين يجْهُض من أرحامها العَلَق\nالطور الرابع: المضغة، وهي القطعة الصغيرة من اللحم، على","vol":"5","page":22},{"text":"قدر ما يمضغه الآكل، ومنه قوله  -  ﷺ  -: \"إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله\" الحديث.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ﴾ في معناه أوجه معروفة عند العلماء، سنذكرها هنا إن شاء الله، ونبين ما يقتضي الدليل رجحانه.\nمنها أن قوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ صفة للنطفة، وأن المخلقة هي ما كان خلقًا سويًّا، وغير المخلقة هي ما دفعته الأرحام من النطف، وألقته قبل أن يكون خلقًا. وممن روي عنه هذا القول عبد الله بن مسعود ﵁، نقله عنه ابن جرير وغيره، ولا يخفى بعد هذا القول؛ لأن المخلقة وغير المخلقة من صفة المضغة، كما هو ظاهر.\nومنها: أن معنى مخلقة تامة، وغير مخلقة، أي: غير تامة، والمراد بهذا القول عند قائله أن الله جل وعلا يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة، سالم من العيوب، ومنها: ما هو على العكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس، في خلقهم، وصورهم، وطولهم، وقصرهم، وتمامهم، ونقصانهم.\nوممن روي عنه هذا القول قتادة كما نقله عنه ابن جرير وغيره، وعزاه الرازي لقتادة والضحاك.\nومنها: أن معنى مخلقة مصورة إنسانًا، وغير مخلقة، أي: غير مصورة إنسانًا، كالسقط الذي هو مضغة، ولم يجعل له تخطيط وتشكيل، وممن نقل عنه هذا القول، مجاهد، والشعبي، وأبو العالية كما نقله عنهم ابن جرير الطبري. ومنها: أن المخلقة هي ما ولد حيًّا، وغير المخلقة هي ما كان من سقط.","vol":"5","page":23},{"text":"وممن روي عنه هذا القول ابن عباس ﵄.\nوقال صاحب الدر المنثور: إنه أخرجه عنه ابن أبي حاتم وصححه، ونقله عنه القرطبي، وأنشد لذلك قول الشاعر:\nأفي غير المخلَّقةِ البكاءُ ... فأين الحزمُ وَيحك والحيَاءُ\nوقال أبو جعفر بن جرير رحمه الله تعالى: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: المخلقة المصورة خلقًا تامًّا، وغير المخلقة السقط قبل تمام خلقه؛ لأن المخلقة، وغير المخلقة من نعت المضغة، والنطفة بعد مصيرها مضغة لم يبق لها حتى تصير خلقًا سويًّا إلا التصوير. وذلك هو المراد بقوله: ﴿مُخَلَّقَةٍ﴾ خلقًا سويًّا، و﴿وَغَيرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ بأن تلقيه الأم مضغة ولا تصوير، ولا ينفخ الروح. انتهى منه.\nوهذا القول الذي اختاره ابن جرير اختاره أيضًا غير واحد من أهل العلم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الذي اختاره الإِمام الجليل الطبري رحمه الله تعالى لا يظهر صوابه، وفي نفس الآية الكريمة قرينة تدل على ذلك، وهي قوله جل وعلا في أول الآية: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ لأنه على القول المذكور الذي اختاره الطبري يصير المعنى ثم خلقناكم من مضغة مخلقة، وخلقناكم من مضغة غير مخلقة. وخطاب الناس بأن الله خلق بعضهم من مضغة غير مصورة،\nفيه من التناقض كما ترى فافهم.\nفإن قيل: في نفس الآية الكريمة قرينة تدل على أن المراد بغير المخلقة السقط؛ لأن قوله: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾","vol":"5","page":24},{"text":"يفهم منه أن هناك قسمًا آخر لا يقره الله في الأرحام إلى ذلك الأجل المسمى، وهو السقط.\nفالجواب: أنه لا يتعين فهم السقط من الآية؛ لأن الله يقر في الأرحام ما يشاء أن يقره إلى أجل مسمى، فقد يقره ستة أشهر، وقد يقره تسعة، وقد يقره أكثر من ذلك كيف يشاء.\nأما السقط فقد دلت الآية على أنه غير مراد بدليل قوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية؛ لأن السقط الذي تلقيه أمه ميتًا ولو بعد التشكيل والتخطيط لم يخلق الله منه إنسانًا واحدًا من المخاطبين بقوله: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية. فظاهر القرآن يقتضي أن كلًّا من المخلقة، وغير المخلقة يخلق منه بعض المخاطبين في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية.\nوبذلك تعلم أن أولى الأقوال في الآية هو القول الذي لا تناقض فيه؛ لأن القرآن أنزل ليصدق بعضه بعضًا، لا ليتناقض بعضه مع بعض، وذلك هو القول الذي قدمنا عن قتادة والضحاك. وقد اقتصر عليه الزمخشري في الكشاف ولم يحك غيره، وهو أن المخلقة هي التامة، وغير المخلقة هي غير التامة.\nقال الزمخشري في الكشاف: والمخلقة المسواة الملساء من النقصان والعيب، يقال: خلق السواك والعود إذا سواه وملسه. من قولهم: صخرة خلقاء، إذا كانت ملساء، كأن الله تعالى يخلق المضغ متفاوتة، منها: ما هو كامل الخلقة أملس من العيوب، ومنها: ما هو على عكس ذلك، فيتبع ذلك التفاوت تفاوت الناس في خلقهم وصورهم وطولهم وقصرهم وتمامهم ونقصانهم. انتهى منه.","vol":"5","page":25},{"text":"وهذا المعنى الذي ذكره الزمخشري معروف في كلام العرب، تقول العرب: حجر أخلق، أي: أملس مصمت لا يؤثر فيه شيء، وصخرة خلقاء بينة الخلق، أي: ليس فيها وصم، ولا كسر، ومنه قول الأعشى:\nقد يتركُ الدّهرُ في خلقاءَ راسية ... وَهْيَا وينزل منها الأعصم الصَّدعا\nوالدهر في البيت فاعل يترك، والمفعول به وهيا. يعني أن صرف الدهر قد يؤثر في الحجارة الصم السالمة من الكسر والوصم، فيكسرها، ويوهيها، ويؤثر في العصم من الأوعال برؤوس الجبال، فينزلها من معاقلها، ومن ذلك أيضًا قول ابن أحمر يصف فرسًا، وقد أنشده صاحب اللسان للمعنى المذكور:\nبمقلّص درك الطريدة متنهُ ... كصفا الخليقة بالفضاء الملبَد\nفقوله: كصفا الخليقة، يعني أن متن الفرس المذكور كالصخرة الملساء التي لا كسر فيها، ولا وصم، وهو من إضافة الموصوف إلى صفته. والسهم المخلق هو الأملس المستوي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو أولى الأقوال بالصواب فيما يظهر لي؛ لجريانه على اللغة التي نزل بها القرآن وسلامته من التناقض، والله جل وعلا أعلم.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾، أي: لنبين لكم بهذا النقل من طور إلى طور كمال قدرتنا على البعث بعد الموت، وعلى كل شيء؛ لأن من قدر على خلق البشر من تراب أولًا، ثم من نطفة ثانيًا، مع ما بين النطفة والتراب من المنافاة والمغايرة، وقدر على أن يجعل النطفة علقة، مع ما بينهما من التباين","vol":"5","page":26},{"text":"والتغاير، وقدر على أن يجعل العلقة مضغة، والمضغة عظامًا، فهو قادر بلا شك على إعادة ما بدأه من الخلق، كما هو واضح.\nوقوله: ﴿لِنُبَيِّنَ﴾ الظاهر أنه متعلق بخلقناكم في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، أي: خلقناكم خلقًا من بعد خلق على التدريج المذكور؛ لنبين لكم قدرتنا على البعث وغيره.\nوقال الزمخشري مبينًا نكتة حذف مفعول لنبين لكم ما نصه: وورود الفعل غير معدى إلى المبين إعلام بأن أفعاله هذه يتبين بها من قدرته وعلمه ما لا يكتنهه الذكر، ولا يحيط به الوصف. انتهى منه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: نقر في أرحام الأمهات ما نشاء إقراره فيها، من الأحمال، والأجنة إلى أجل مسمى، أي: معلوم معين في علمنا، وهو الوقت الذي قدره الله لوضع الجنين. والأجنة تختلف في ذلك حسبما يشاؤه الله جل وعلا، فتارة تضعه أمه لستة أشهر، وتارة لتسعة، وتارة لأكثر من ذلك. وما لم يشأ الله إقراره من الحمل مجته الأرحام وأسقطته. ووجه رفع \"ونقر\" أن المعنى ونحن نقر في الأرحام، ولم يعطف على قوله: ﴿لِنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ لأنه ليس علة لما قبله، فليس المراد خلقناكم من تراب، ثم من نطفة، لنقر في الأرحام ما نشاء، وبذلك يظهر لك رفعه، وعدم نصبه. وقراءة من قرأ \"ونقرَّ\" بالنصب عطفًا على لنبين، على المعنى الذي نفيناه على قراءة الرفع، ويؤيد معنى قراءة النصب قوله بعده: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي:","vol":"5","page":27},{"text":"وذلك بعد أن يخلق الله المضغة عظامًا، ثم يكسو العظام لحمًا، ثم ينشئ ذلك الجنين خلقًا آخر، فيخرجه من بطن أمه في الوقت المعين لوضعه في حال كونه طفلًا، أي: ولدًا بشرًا سويًّا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ﴾ أي: لتبلغوا كمال قوتكم، وعقلكم، وتمييزكم بعد إخراجكم من بطون أمهاتكم في غاية الضعف، وعدم علم شيء.\nوقد قدمنا أقوال العلماء في المراد بالأشد، وهل هو جمع، أو مفرد مع بعض الشواهد العربية في سورة الأنعام، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى﴾ أي: ومنكم أيها الناس من يتوفى من قبل، أي: من قبل بلوغه أشده، ومنكم من ينسأ له في أجله، فيعمر حتى يهرم، فيرد من بعد شبابه وبلوغه غاية أشده إلى أرذل العمر، وهو الهرم، حتى يعود كهيئته في حال صباه من الضعف، وعدم العلم.\nوقد أوضحنا كلام العلماء في أرذل العمر، ومعنى: ﴿لِكَيلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيئًا﴾ في سورة النحل، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوهذا الذي ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من الاستدلال على كمال قدرته على بعث الناس بعد الموت، وعلى كل شيء ينقله الإِنسان من طور إلى طور، من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة إلى آخر الأطوار المذكورة، ذكره جل وعلا في مواضع من كتابه مبينًا أنه من البراهين القطعية على قدرته، على البعث وغيره.\nفمن الآيات التي ذكر فيها ذلك من غير تفصيل لتلك الأطوار","vol":"5","page":28},{"text":"قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ أي: طورًا بعد طور، كما بينا، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ وقوله في آية الزمر هذه ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾، أي: ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة، فقد ركب تعالى عظام الإِنسان بعضها ببعض وكساها اللحم، وجعل فيها العروق والعصب، وفتح مجاري البول والغائط، وفتح العيون والآذان والأفواه، وفرق الأصابع وشد رؤوسها بالأظفار إلى غير ذلك من غرائب صنعه، وعجائبه، وكل هذا في تلك الظلمات الثلاث، لم يحتج إلى شق بطن أكره، وإزالة تلك الظلمات. سبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه! وما أكمل قدرته! هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، لا إله إلا هو العزيز الحكيم، ولأجل هذه الغرائب والعجائب من صنعه تعالى قال بعد التنبيه عليها: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾.\nومن الآيات التي أوضح فيها تلك الأطوار على التفصيل قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ وقد ذكر تعالى تلك الأطوار مع حذف بعضها في قوله في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا","vol":"5","page":29},{"text":"أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾ وقوله تعالى في الكهف: ﴿قَال لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاورُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد بينت السنة الصحيحة القدر الذي تمكثه النطفة قبل أن تصير علقة، والقدر الذي تمكثه العلقة، قبل أن تصير مضغة، والقدر الذي تمكثه المضغة مضغة.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو معاوية، ووكيع ح، وحدثنا محمد بن عبد الله بن نمير الهمداني - واللفظ له - حدثنا أبي، وأبو معاوية، ووكيع، قالوا: حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله - ﷺ - وهو الصادق المصدوق -: \"إن أحدكم يُجمع خلقهُ في بطن أُمِّه أربعين يومًا، ثم يكون في ذلك علقةً مثل ذلك، ثم يكون في ذلك مضغة مثل ذلك، ثم يُرسل الملك فينفخ فيه الروحَ، ويُؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه، وأجله، وعمله، وشقي أو سعيد\" الحديث.\nففي هذا الحديث الصحيح تصريحه - ﷺ - بأن الجنين يمكث أربعين يومًا نطفة، ثم يصير علقة، ويمكث كذلك أربعين يومًا، ثم يصير مضغة ويمكث كذلك أربعين يومًا، ثم ينفخ فيه الروح، فنفخ الروح إذًا في أول الشهر الخامس من أشهر الحمل.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد","vol":"5","page":30},{"text":"هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، أنبأني سليمان الأعمش، قال: سمعت زيد بن وهب، عن عبد الله قال: حدثنا رسول الله  -  ﷺ  - وهو الصادق المصدوق -  قال: \"إن أحدكم يجمع في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يبعث الله ملكًا فيؤمر بأربعة برزقه، وأجله، وشقي أو سعيد\" الحديث. وهذه الرواية في البخاري ينقص منها ذكر العمل، وهو مذكور في روايات أُخر صحيحة معروفة. وقد قدمنا وجه الدلالة المقصودة من الحديث المذكور. والله أعلم.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: ما وجه الإِفراد في قوله: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ مع أن المعنى نخرجكم أطفالًا؟. وللعلماء عن هذا السؤال أجوبة.\nمنها: ما ذكره ابن جرير الطبري قال: ووحد الطفل وهو صفة للجمع؛ لأنه مصدر مثل عذر وزور، وتبعه غيره في ذلك.\nومنها: قول من قال: ﴿نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي: نخرج كل واحد منكم طفلًا، ولا يخفى عدم اتجاه هذين الجوابين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي من استقراء اللغة العربية التي نزل بها القرآن، هو أن من أساليبها أن المفرد إذا كان اسم جنس يكثر إطلاقه مرادًا به الجمع مع تنكيره كما في هذه الآية، وتعريفه بالألف واللام، وبالإِضافة، فمن أمثلته في القرآن مع التنكير قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ أي: وأنهار، بدليل قوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا (٧٤)﴾ أي: أئمة، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ الآية، أي: أنفسًا، وقوله تعالى: ﴿مُسْتَكْبِرِينَ بِهِ سَامِرًا","vol":"5","page":31},{"text":"تَهْجُرُونَ (٦٧)﴾ أي: سامرين، وقوله تعالى: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾ أي: بينهم، وقوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩)﴾ أي: رفقاء، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ أي: مجنبين، أو أجنابًا، وقوله تعالى ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ أي: مظاهرون، ومن أمثلة ذلك مع التنكير في كلام العرب قول عقيل بن علفة المري:\nوكان بَنُو فزارَة شَرَّ عمٍّ ... وكنتُ لهم كشرّ بني الأخِينَا\nيعني شر أعمام، وقول قعنب بن أم صاحب:\nما بال قوم صديق ثم ليس لهم ... دين وليس لهم عقل إذا ائتمنوا\nيعني ما بال قوم أصدقاء، وقول جرير:\nنصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا ... بأعين أعداء وهن صديق\nيعني صديقات، وقول الآخر:\nلعمري لئن كنتم على النأي والنوى ... بكم مثل ما بي إنكم لصديق\nوقول الآخر:\nيا عاذلاتي لا تزدن ملامة ... إن العواذل ليس لي بأمير\nأي: لسن لي بأمراء.\nومن أمثلته في القرآن واللفظ مضاف قوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكْتُمْ مَفَاتِحَهُ أَوْ صَدِيقِكُمْ﴾ أي: أصدقائكم، وقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ أي: أوامره، وقوله: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ أي: نعم الله، وقوله: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ ضَيفِي﴾ الآية، أي: أضيافي، ونظير ذلك من كلام العرب قول علقمة بن عبدة التميمي:\nبها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض، وأما جلدها فصليب","vol":"5","page":32},{"text":"أي: وأما جلودها فصليبة، وقول الآخر:\nكلوا في بعض بطنكم تعفُّوا ... فإن زمانكم زمنٌ خميصٌ\nأي: بطونكم. وهذا البيت والذي قبله أنشدهما سيبويه في كتابه مستشهدًا بهما لما ذكرنا.\nومن أمثلة ذلك قول العباس بن مرداس السلمي:\nفقلنا: أسْلموا إنَّا أخوكم ... وقد سلِمَت من الإِحَنِ الصّدور\nأي: إنا إخوانكم، وقول جرير:\nإذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب\nأي: إذا آباؤنا وآباؤك عدوا، وهذا البيت، والذي قبله يحتمل أن يراد بهما جمع التصحيح للأب وللأخ، فيكون الأصل أبون وأخون فحذفت النون للإِضافة، فصار كلفظ المفرد.\nومن أمثلة جمع التصحيح في جمع الأخ بيت عقيل بن علقة المذكور آنفًا، حيث قال فيه: كشر بني الأخينا.\nومن أمثلة تصحيح جمع الأب قول الآخر:\nفلما تبيَّن أصواتنا ... بكين وفديننا بالأبينا\nومن أمثلة ذلك في القرآن  - واللفظ معرف بالألف واللام -  قوله تعالى: ﴿وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾ أي: بالكتب كلها، بدليل قوله: ﴿كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: الغرف، بدليل قوله: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾ وقوله: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا","vol":"5","page":33},{"text":"صَفًّا (٢٢)﴾ أي: الملائكة، بدليل قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾، وقوله تعالى: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ أي: الأدبار، بدليل قوله تعالى: ﴿تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَو الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾، أي: الأطفال، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ﴾ أي. الأعداء، ونحو هذا كثير في القرآن، وفي كلام العرب، وهو في النعت بالمصدر مطرد، كما تقدم مرارًا.\nومن أمثلة ذلك قول زهير:\nمتى يَشْتَجِر قومٌ يقل سرواتهم ... هم بيننا هم رضي وهم عدل\nأي: عدول مرضيون.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: إذا مجت الرحم النطفة في طورها الأول قبل أن تكون علقة، فلا يترتب على ذلك حكم من أحكام إسقاط الحمل، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء.\nالمسألة الثانية: إذا سقطت النطفة في طورها الثاني  - أعني في حال كونها علقة، أي: قطعة جامدة من الدم -  فلا خلاف بين العلماء في أن تلك العلقة لا يصلى عليها ولا تغسل ولا تكفن ولا ترث.\nولكن اختلف في أحكام آخر متعددة من أحكامها:\nمنها: ما إذا كان سقوطها بسبب ضرب إنسان بطن المرأة التي ألقتها، هل تجب فيها غرة أو لا؟\nفذهب مالك ﵀ إلى أن من ضرب بطن حامل، فألقت","vol":"5","page":34},{"text":"حملها علقة فهو ضامن دية العلقة ضمان الجنين، فتلزمه غرة، أو عشر دية الأم.\nوفي المدونة الجنين ما علم أنه حمل، وإن كان مضغة أو علقة أو مصورًا.\nوذهب جمهور أهل العلم إلى أن الجنين لا ضمان فيه حتى تظهر فيه صورة الآدمي. وممن قال به الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد ﵏، وظهور بعض الصورة كظهور كلها في الأظهر، واحتجوا لأنه لا يتحقق أنه حمل حتى يصور، والمالكية قالوا: الحمل تمكن معرفته في حال العلقة فما بعدها، فاختلافهم هذا من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط.\nومنها: ما إذا كانت المرأة معتدة من طلاق، أو وفاة، وكانت حاملًا، فألقت حملها علقة، هل تنقضي بذلك عدتها أو لا؟\nفمذهب مالك ﵀ أنها تقتضي عدتها بإسقاط العلقة المذكورة.\nواحتج المالكية بأن العلقة المذكورة يصدق عليها أنها حمل، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ وقال ابن العربي المالكي: لا يرتبط بالجنين شيء من هذه الأحكام إلَّا أن يكون مخلقًا يعني مصورًا، وذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة وغيرهم إلى أن وضع العلقة لا تنقضي به العدة، قالوا: لأنها دم جامد، ولا يتحقق كونه جنينًا.\nومنها: ما إذا ألقت العلقة المذكورة أمة هي سرية لسيدها، هل تكون أم ولد بوضع تلك العلقة أو لا؟","vol":"5","page":35},{"text":"فذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أنها تصير أم ولد بوضع تلك العلقة؛ لأن العلقة مبدأ جنين، ولأن النطفة لما صارت علقة صدق عليها أنها خلقت علقة، بعد أن كانت نطفة، فدخلت في قوله تعالى: ﴿خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾ فيصدق عليها أنها وضعت جنينًا من سيدها، فتكون به أم ولد، وهذا رواية عن أحمد، وبه قال إبراهيم النخعي.\nوذهب جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى أنها لا تكون أم ولد بوضعها العلقة المذكورة. وقد قدمنا توجيههم لذلك.\nالمسألة الثالثة: إذا أسقطت المرأة النطفة في طورها الثالث  - أعني كونها مضغة، أي: قطعة من لحم -  فلذلك أربع حالات:\nالأولى: أن يكون ظهر في تلك المضغة شيء من صورة الإنسان، كاليد والرجل، والرأس ونحو ذلك، فهذا تنقضي به العدة، وتلزم فيه الغرة، وتصير به أم ولد، وهذا لا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم.\nالحالة الثانية: أن تكون المضغة المذكورة لم يتبين فيها شيء من خلق الإِنسان، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنهن اطلعن فيها على تخطيط، وتصوير خفي، والأظهر في هذه الحالة أن حكمها كحكم التي قبلها؛ لأنه قد تبين بشهادة أهل المعرفة أن تلك المضغة جنين لما اطلعوا عليه فيها من الصورة الخفية.\nالحالة الثالثة: هي أن تكون تلك المضغة المذكورة ليس فيها تخطيط، ولا تصوير ظاهر، ولا خفي، ولكن شهدت ثقات من القوابل أنها مبدأ خلق آدمي.","vol":"5","page":36},{"text":"وهذه الصورة فيها للعلماء خلاف، فقال بعض أهل العلم: لا تنقضي عدتها بها، ولا تصير أم ولد، ولا يجب على الضارب المسقط لها الغرة.\nقال ابن قدامة في المغني: وهذا ظاهر كلام الخرقي، والشافعي، وظاهر ما نقله الأثرم عن الإِمام أحمد ﵀، وظاهر كلام الحسن والشعبي، وسائر من اشترط أن يتبين فيه شيء من خلق الإِنسان؛ لأنه لم يتبين فيه شيء من خلق الآدمي، فأشبه النطفة والعلقة.\nوقال بعض أهل العلم: تنقضي عدتها بوضع المضغة المذكورة، وتصير به أم ولد، وتجب فيها الغرة، وهو رواية عن الإِمام أحمد.\nوقال بعض أهل العلم: لا تنقضي بها العدة، وتصير به أم ولد.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي  - والله تعالى أعلم -  أنه إذا شهد ثقات من القوابل العارفات بأن تلك المضغة مبدأ جنين، وأنها لو بقيت لتخلقت إنسانًا، أنها تنقضي بها العدة، وتصير بها الأمة أم ولد، وتجب بها الغرة على الجاني، والله تعالى أعلم.\nالحالة الرابعة: أن تكون تلك المضغة ليس فيها تصوير ظاهر، ولا خفي، ولم تشهد القوابل بأنها مبدأ إنسان، فحكم هذه كحكم العلقة، وقد قدمناه قريبًا مستوفى.\nالمسألة الرابعة: إذا أسقطت المرأة جنينها ميتًا بعد أن كملت فيه صورة الآدمي، فلا خلاف بين أهل العلم في انقضاء العدة بوضعه، وكونها أم ولد، ووجوب الغرة فيه، ولكن العلماء اختلفوا","vol":"5","page":37},{"text":"في الصلاة عليه، وغسله، وتكفينه. فذهب مالك ﵀ إلى أنه لا يصلى عليه، ولا يغسل، ولا يحنط، ولا يسمى، ولا يورث، ولا يرث حتى يستهل صارخًا، ولا عبرة بعطاسه، ورضاعه، وبوله، فلو عطس، أو رضع، أو بال لم يكن ذلك موجبًا للصلاة عليه في قول مالك، وعليه جمهور أصحابه. وقال المازري: رضاعه تتحقق به حياته، فتجب به الصلاة عليه، وغيرها من الأحكام.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الصواب في هذه المسألة أنه إن علمت حياته، ولو بسبب آخر غير أن يستهل صارخًا، فإنه يصلى عليه؛ وقد علمت أن مشهور مذهب الإِمام مالك أن المدار على أن يستهل صارخًا، فإن لم يستهل صارخًا غسل دمه، ولف بخرقة، وَوُورِيَ.\nومذهب الشافعي أنه إن استهل صارخًا، أو تحرك حركة تدل على الحياة، ثم مات صلِّي عليه، وورِث وَوُرث، وإن لم يستهل، ولم يتحرك، فإن لم يكن له أربعة أشهر، لم يصل عليه، ولكنه يلف بخرقة، ويدفن، وإن كان له أربعة أشهر فقولان: قال في القديم: يصلى عليه، وقال في الأم: لا يصلى عليه، وهو الأصح.\nوحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة، وأصحابه، وجابر بن زيد التابعي، والحكم، وحماد، والأوزاعي، ومالك أنه إذا لم يستهل صارخًا لا يصلى عليه. وعن ابن عمر: أنه يصلى عليه، وإن لم يستهل. وبه قال ابن سيرين، وابن المسيب، وإسحاق. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب.\nومذهب الإِمام أحمد ﵀ أنه إذا لم يستهل صارخًا، ولم يتحرك، فإن كان له أربعة أشهر غسل، وصلِّي عليه،","vol":"5","page":38},{"text":"وإلَّا فلا، أما إن استهل صارخًا، فلا خلاف بينهم في الصلاة عليه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أن اختلاف الأئمة في هذه المسألة من قبيل الاختلاف في تحقيق المناط؛ لأن مناط الأمر بالصلاة عليه هو أن يعلم أنه تقدمت له حياة؛ ومناط عدم الصلاة عليه هو أن يعلم أنه لم تتقدم له حياة، فمالك ومن وافقه رأوا أنه إن استهل صارخًا، أو طالت مدته حيًّا علم بذلك أنه مات بعد حياة، فيغسل ويصلى عليه، وقالوا: إن مطلق الحركة لا يدل على الحياة؛ لأن المذبوح قد يتحرك حركة قوية، وقالوا: إنه إن رضع لم يدل ذلك على حياته. قالوا: قد كان عمر بن الخطاب ﵁ لما طعنه عدو الله معدودًا في الأموات لو مات له مورث في ذلك الوقت ما ورثه، وهو قول ابن القاسم. ولو قتل رجل عمر في ذلك الوقت لما قتل به؛ لأنه في حكم الميت، وإن كان عمر في ذلك الوقت يتكلم ويعهد.\nوالذين خالفوا هؤلاء قالوا: لا نسلم ذلك، فكل حركة قوية تدل على الحياة، وعمر ما دام قادرًا على الحركة القوية الدالة على الحياة، فهو حي تجري عليه أحكام الحياة.\nوالذين قالوا: يغسل إن سقط بعد أربعة أشهر، استندوا في ذلك إلى حديث ابن مسعود المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث نحو ما ساقه البخاري ومسلم، فإنه يدل على أنه بعد الأربعين الثالثة ينفخ فيه الروح، وانتهاء الأربعين الثالثة هو انتهاء أربعة أشهر، فقد دلَّ الحديث على نفخ الروح فيه بعد انتهاء الأشهر الأربعة، ونفخ الروح فيه في ذلك الحين مشعر بأنه مات بعد حياة. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":39},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1060> قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾</span>.\nهذا برهان قاطع آخر على البعث. وقوله: ﴿وَتَرَى﴾ أي: يا نبي الله؛ وقيل: وترى أيها الإنسان المخاطب. وهي رؤية بصرية تتعدى إلى مفعول واحد. فقوله: ﴿هَامِدَةً﴾ حال من الأرض، لا مفعول ثانٍ لترى. وقوله: هامدة، أي: يابسة قاحلة لا نبات فيها.\nوقال بعض أهل العلم: هامدة، أي: دارسة الآثار من النبات، والزرع. قالوا: وأصل الهمود الدروس والدثور. ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس:\nقالت قتيلةُ: ما لجسْمك شاحِبًا ... وأرى ثيابَك بالياتٍ هُمّدا\nأي: وأرى ثيابك باليات دارسات.\n﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ﴾ أي: سواء كان من المطر، أو الأنهار، أو العيون أو السواني ﴿اهْتَزَّتْ﴾ أي: تحركت بالنبات. ولما كان النبات نابتًا فيها متصلًا بها، كان اهتزازه كأنه اهتزازها، فأطلق عليها بهذا الاعتبار أنها اهتزت بالنبات؛ وهذا أسلوب عربي معروف.\nوقال أبو حيان في البحر المحيط: واهتزازها تخلخلها واضطراب بعض أجسامها لأجل خروج النبات، وقوله: ﴿وَرَبَتْ﴾ أي: زادت وارتفعت. وقال بعض أهل العلم: وربت انتفخت لأجل خروج النبات.\nوقال ابن جرير الطبري: وربت، أي: أضعفت النبات بمجيء الغيث.","vol":"5","page":40},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أصل المادة التي منها ربت الزيادة، والظاهر أن معنى الزيادة الحاصلة في الأرض هي أن النبات لما كان نابتًا فيها متصلًا بها صار كأنه زيادة حصلت في نفس الأرض.\nوقال الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة: والاهتزاز الحركة على سرور، فلا يكاد يقال: اهتز فلان لكيت وكيت إلَّا إذا كان الأمر من المحاسن والمنافع. اهـ. منه.\nوالاهتزاز أصله شدة الحركة، ومنه قوله:\nتَثني إذا قامتْ وتهتزُّ إن مشتْ ... كما اهتزَّ غصْنُ البانِ في وَرَقٍ خُضْر\nوقوله: ﴿وَأَنْبَتَتْ﴾ أي: أنبت الله فيها ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ﴾ أي: صنف من أصناف النبات، والزرع، والثمار ﴿بَهِيجٍ (٥)﴾ أي: حسن، والبهجة الحسن. ومنه قوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾ تقول: بهج بالضم بهاجة فهو بهيج، إذا كان حسنًا، وقرأ عامة السبعة وربت، وهو من قولهم: ربا يربو إذا نَما وزاد، وقرأ من الثلاثة أبو جعفر يزيد بن القعقاع \"وربأت\" بهمزة مفتوحة بعد الباء، أي: ارتفعت، كأنه من الربيئة أو الربيئي، وهو الرقيب الذي يعلو على شيء مشرف يحرس القوم ويحفظهم.\nومنه قول امرئ القيس:\nبَعثنا ربيئًا قبل ذاك مخمَّلًا ... كذئبِ الغضَا يمشي الضَّراء ويتَّقي\nوما أشار إليه جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن إحياء الأرض بعد موتها برهان قاطع على قدرة من فعل ذلك على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت، وإيجاد بعد عدم،","vol":"5","page":41},{"text":"بينه في آيات كثيرة، وقد قدمنا في سورة البقرة، والنحل كثرة الاستدلال بهذا البرهان في القرآن على البعث، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ أي: من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ أي: خروجكم من القبور أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ وقوله ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَحْيَينَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾.\nومن ذلك قوله هنا: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ بدليل قوله بعده: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى﴾ - إلى قوله - ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1061> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: الآية الأولى التي هي: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ مَرِيدٍ (٣)﴾ نازلة في الأتباع الجهلة الذين يجادلون بغير علم، اتباعًا لرؤسائهم، من شياطين","vol":"5","page":42},{"text":"الإِنس والجن، وهذه الآية الأخيرة في الرؤساء الدعاة إلى الضلال المتبوعين في ذلك، ويدل لهذا أنه قال في الأولى: ﴿وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيطَانٍ﴾ وقال في هذه. ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فتبين بذلك أنه مضل لغيره، متبوع في الكفر والضلال، على قراءة الجمهور بضم ياء \"يضل\". وأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو بفتح الياء، فليس في الآية دليل على ذلك، وقد قدمنا معنى جدال الكفرة في الله بغير علم، فأغنى عن إعادته هنا.\nوقال بعض العلماء في قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿بِغَيرِ عِلْمٍ﴾ أي: بدون علم ضروري حاصل لهم بما يجادلون به: ﴿وَلَا هُدًى﴾ أي: استدلال، ونظر عقلي يهتدي به العقل للصواب: ﴿وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠)﴾ أي: وحي نير واضح يعلم به ما يجادل به، فليس عنده علم ضروري، ولا علم مكتسب بالنظر الصحيح العقلي، ولا علم من وحي، فهو جاهل محض من جميع الجهات.\nوقوله: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ حال من ضمير الفاعل المستكن في: ﴿وَيُجَادِلُ﴾ أي: يخاصم بالباطل في حال كونه ثاني عطفه، أي: لاوي عنقه عن قبول الحق استكبارًا وإعراضًا. فقوله: ﴿ثَانِيَ﴾ اسم فاعل ثنى الشيء إذا لواه، وأصل العطف الجانب، وعطفا الرجل جانباه من لدن رأسه إلى وركيه، تقول العرب: ثنى فلان عنك عطفه تعني أعرض عنك؛ وإنما عبر العلماء هنا بالعنق فقالوا: ﴿ثَانِيَ عِطْفِهِ﴾ لاوي عنقه مع أن العطف يشمل العنق وغيرها؛ لأن أول ما يظهر فيه الصدود عنق الإِنسان يلويها، ويصرف وجهه عن الشيء بِلَيِّها، والمفسرون يقولون: إن اللام في قوله: ﴿لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُ﴾ ونحوها من الآيات مما لم تظهر فيه العلة الغائية، كقوله:","vol":"5","page":43},{"text":"﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ الآية، ونحو ذلك لام العاقبة، والبلاغيون يزعمون أن في ذلك استعارة تبعية، في معنى الحرف. وقد وعدنا بإيضاح ذلك في سورة القصص.\nونقول هنا: إن الظاهر في ذلك أن الصواب فيه غير ما ذكروا، وأن اللام في الجميع لام التعليل، والمعنى واضح لا إشكال فيه كما نبه عليه الحافظ ابن كثير ﵀ في مواضع من تفسيره.\nوإيضاح ذلك أن الله هو الذي قدر على الكافر في أزله أن يجادل في الله بغير علم في حال كونه لاوي عنقه إعراضًا عن الحق، واستكبارًا، وقد قدر عليه ذلك ليجعله ضالًّا مضلًا؛ وله الحكمة البالغة في ذلك، كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي: لئلا يفقهوه؛ وكذلك: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، أي: قدر الله عليهم أن يلتقطوه، لأجل أن يجعله لهم عدوًا وحزنًا؛ وهذا واضح لا إشكال فيه كما ترى.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية من إعراض بعض الكفار عن الحق واستكبارهم أوضحه في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا يَسْتَغْفِرْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ لَوَّوْا رُءُوسَهُمْ وَرَأَيتَهُمْ يَصُدُّونَ وَهُمْ مُسْتَكْبِرُونَ (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾ وقوله تعالى عن لقمان في وصيته لابنه: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ الآية، أي: لا تمل وجهك عنهم، استكبارًا عليهم، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨) فَتَوَلَّى بِرُكْنِهِ﴾ فقوله: ﴿فَتَوَلَّى","vol":"5","page":44},{"text":"بِرُكْنِهِ﴾ بمعنى ثنى عطفه؛ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾ أي: ذل وإهانة. وقد أذل الله الذين جادلوا في الله بغير علم، ولا هدى، ولا كتاب منير، كأبي جهل بن هشام، والنضر بن الحارث بالقتل يوم بدر.\nويفهم من هذه الآية الكريمة أن من ثنى عطفه استكبارًا عن الحق، وإعراضًا عنه عامله الله بنقيض قصده فأذله وأهانه؛ وذلك الذل والإِهانة نقيض ما كان يؤمله من الكبر والعظمة.\nوهذا المفهوم من هذه الآية دلت عليه آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقوله في إبليس لما استكبر: ﴿فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ والصغار الذل والهوان، عياذًا بالله من ذلك، كما قدمنا إيضاحه. وقوله: ﴿وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ (٩)﴾ أي: نحرقه بالنار، ونذيقه ألم حرها يوم القيامة. وسمي يوم القيامة؛ لأن الناس يقومون فيه له جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1062> قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾</span>.\nالمعنى أن الكافر إذا أذيق يوم القيامة عذاب الحريق، يقال له: ﴿ذَلِكَ﴾ أي: هذا العذاب الذي نذيقكه بسبب ما ﴿قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ أي: قدمته في الدنيا من الكفر والمعاصي ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ","vol":"5","page":45},{"text":"لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ فلا يظلم أحدًا مثقال ذرة ﴿إِوَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ والظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠)﴾ في محل خفض عطفًا على ما المجرورة بالباء.\nوالمعنى هذا العذاب الذي يذيقكه الله حصل لك بسببين، وهما ما قدمته يداك، من عمل السوء من الكفر والمعاصي، وعدالة من جازاك ذلك الجزاء الوفاق، وعدم ظلمه.\nوقد أوضحنا فيما مضى إزالة الإِشكال المعروف في نفي صيغة المبالغة في قوله: ﴿لَيسَ بِظَلَّامٍ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوفي هذه الآية الكريمة ثلاثة أسئلة:\nالأول: هو ما ذكرنا آنفًا أنا أوضحنا الجواب عنه سابقًا، وهو أن المعروف في علم العربية أن النفي إذا دخل على صيغة المبالغة، لم يقتضِ نفي أصل الفعل.\nفلو قلت: ليس زيد بظلام للناس، فمعناه المعروف أنه غير مبالغ في الظلم، ولا ينافي ذلك حصول مطلق الظلم منه. وقد قدمنا إيضاح هذا.\nوالسؤال الثاني: أنه أسند كل ما قدم إلى يديه في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ وكفره الذي هو أعظم ذنوبه ليس من فعل اليد، وإنما هو من فعل القلب واللسان، وإن كان بعض أنواع البطش باليد، يدل على الكفر، فهو في اللسان والقلب أظهر منه في اليد. وزناه لم يفعله بيده، بل بفرجه، ونحو ذلك من المعاصي التي تزاول بغير اليد.\nوالجواب عن هذا ظاهر وهو أن من أساليب اللغة العربية، التي","vol":"5","page":46},{"text":"نزل بها القرآن إسناد جميع الأعمال إلى اليد، نظرًا إلى أنها الجارحة التي يزاول بها أكثر الأعمال، فغلبت على غيرها، ولا إشكال في ذلك.\nوالسؤال الثالث: هو أن يقال: ما وجه إشارة البعد في قوله: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ مع أن العذاب المشار إليه قريب منه حاضر؟\nوالجواب عن هذا أن من أساليب اللغة العربية وضع إشارة البعد موضع إشارة القرب. وقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في الكلام على قوله تعالى في أول سورة البقرة: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ الآية، أي: هذا الكتاب.\nومن شواهد ذلك في اللغة العربية قول خفاف بن ندبة السلمي:\nفإن تَكُ خيلي قد أُصيب صَميمُها ... فعمْدًا على عيني تيمَّمت مالِكَا\nأقول له والرُّمح يأْطِرُ متنه ... تأمَّل خِفافًا إنَّني أَنا ذَلِكَا\nيعني أنا هذا.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكافر يقال له يوم القيامة: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ﴾ الآية، لا يخفى أنه توبيخ، وتقريع، وإهانة له، وأمثال ذلك القول في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧) ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩) إِنَّ هَذَا مَا كُنْتُمْ بِهِ تَمْتَرُونَ (٥٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنْتُمْ لَا تُبْصِرُونَ (١٥) اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.","vol":"5","page":47},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1063> قوله تعالى: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (١٢)﴾</span>.\nضمير الفاعل في قوله: ﴿يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ﴾ راجع إلى الكافر المشار إليه في قوله: ﴿وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾ أي: يدعو ذلك الكافر المذكور من دون الله ما لا يضره، إن ترك عبادته، وكفر به، وما لا ينفعه، إن عبده، وزعم أنَّه يشفع له.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الأوثان لا تضر من كفر بها، ولا تنفع من عبدها، بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ وقوله تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿قَال هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾.\nإذ المعنى أنهم اعترفوا بأنهم لا يسمعون، ولا ينفعون ولا يضرون، ولكنهم عبدوهم تقليدًا لآبائهم، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nتنبيه\nفإن قيل: ما وجه الجمع بين نفيه تعالى النفع والضر معًا عن ذلك المعبود من دون الله في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ مع إثباتهما في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ لأن صيغة التفضيل في قوله: أقرب دلت على أن هناك نفعًا، وضرًّا، ولكن الضر أقرب من النفع.","vol":"5","page":48},{"text":"فالجواب: أن للعلماء أجوبة عن ذلك:\nمنها: ما ذكره الزمخشري، قال: فإن قلت: الضر والنفع منفيان عن الأصنام، مثبتان لها في الآيتين، وهذا تناقض.\nقلت: إذا حصل المعنى ذهب هذا الوهم؛ وذلك أن الله تعالى سفَّه الكافر، بأنه يعبد جمادًا لا يملك ضرًّا، ولا نفعًا، وهو يعتقد فيه بجهله وضلاله أنه يستنفع به، حين يستشفع به، ثم قال: يوم القيامة يقول هذا الكافر بدعاء وصراخ حين يرى استضراره بالأصنام ودخوله النار بعبادتها، ولا يرى أثر الشفاعة التي ادعاها لها: لمن ضره أقرب من نفعه لبئس المولى، ولبئس العشير؛ وكرر يدعو كأنه قال: يدعو يدعو من دون الله ما لا يضره، وما لا ينفعه. ثم قال: لمن ضره بكونه معبودًا أقرب من نفعه بكونه شفيعًا، لبئس المولى، ولبئس العشير. اهـ منه.\nولا يخفى أن جواب الزمخشري هذا غير مقنع؛ لأن المعبود من دون الله ليس فيه نفع ألبتة، حتى يقال فيه: إن ضره أقرب من نفعه، وقد بين أبو حيان عدم اتجاه جوابه المذكور.\nومنها: ما أجاب به أبو حيان في البحر.\nوحاصله أن الآية الأولى في الذين يعبدون الأصنام، فالأصنام لا تنفع من عبدها، ولا تضر من كفر بها، ولذا قال فيها: ما لا يضره وما لا ينفعه. والقرينة على أن المراد بذلك الأصنام هي التعبير بلفظة \"ما\" في قوله: ﴿مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ﴾ لأن لفظة \"ما\" تأتي لما لا يعقل، والأصنام لا تعقل.\nأما الآية الأخرى فهي فيمن عبد بعض الطغاة المعبودين من","vol":"5","page":49},{"text":"دون الله، كفرعون القائل: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرِي﴾ ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى (٢٤)﴾ فإن فرعون ونحوه من الطغاة المعبودين قد يغدقون نعم الدنيا على عابديهم، ولذا قال له القوم الذين كانوا سحرة: ﴿أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (٤١) قَال نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ فهذا النفع الدنيوي بالنسبة إلى ما سيلاقونه من العذاب، والخلود في النار كلا شيء، فضر هذا المعبود بخلود عابده في النار أقرب من نفعه بعرض قليل زائل من حطام الدنيا، والقرينة على أن المعبود في هذه الآية الأخيرة بعضى الطغاة الذين هم من جنس العقلاء هي التعبير بمن التي تأتي لمن يعقل في قوله: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ هذا هو خلاصة جواب أبي حيان وله اتجاه. والله تعالى أعلم.\nواعلم أن اللام في: ﴿يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ فيها إشكال معروف. وللعلماء عن ذلك أجوبة:\nذكر ابن جرير الطبري ﵀ منها ثلاثة:\nأحدها: أن اللام متزحلقة عن محلها الأصلي، وأن ذلك من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، والأصل يدعو من لضره أقرب من نفعه، وعلى هذا فمن الموصولة في محل نصب مفعول به ليدعوا، واللام موطئة للقسم، داخلة على المبتدأ الذي هو وخبره صلة الموصول، وتأكيد المبتدأ في جملة الصلة باللام، وغيرها لا إشكال فيه.\nقال ابن جرير وحكى عن العرب سماعًا: منها: عندي لما غيره خير منه، أي: عندي ما لغيره خير منه، وأعطيتك لما غيره خير منه، أي: ما لغيره خير منه.","vol":"5","page":50},{"text":"والثاني منها: أن قوله: يدعو تأكيد ليدعو في الآية التي قبلها، وعليه فقوله: ﴿لَمَنْ ضَرُّهُ﴾ في محل رفع بالابتداء، وجملة: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ صلة الموصول الذي هو من والخبر هو جملة: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ هو الآية. وهذا المعنى كقول العرب: لما فعلت لهو خير لك.\nقال ابن جرير لما ذكر هذا الوجه: واللام الثانية في: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾ جواب اللام الأولى. قال: وهذا القول على مذهب أهل العربية أصح، والأول إلى مذهب أهل التأويل أقرب. اهـ.\nوالثالث منها: أن ﴿مَنْ﴾ في موضع نصب بـ (يدعو)، وأن اللام دخلت على المفعول به، وقد عزا هذا لبعض البصريين مع نقله عمن عزاه إليه أنه شاذ، وأقربها عندي الأول.\nوقال القرطبي ﵀: ولم ير منه نفعًا أصلًا، ولكنه قال: ﴿ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ﴾ ترفيعًا للكلام، كقوله: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ وباقي الأقوال في اللام المذكورة تركناه، لعدم اتجاهه في نظرنا. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿لَبِئْسَ الْمَوْلَى﴾.\nالمولى: هو كل ما انعقد بينك وبينه سبب يواليك، وتواليه به. والعشير: هو المعاشر، وهو الصاحب والخليل.\nوالتحقيق أن المراد بالمولى والعشير المذموم في هذه الآية الكريمة هو المعبود الذي كانوا يدعونه من دون الله، كما هو الظاهر المتبادر من السياق.","vol":"5","page":51},{"text":"وقوله: ﴿ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ﴾ أي: البعيد عن الحق والصواب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1064> قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ مَا يَغِيظُ (١٥)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة أوجه من التفسير معروفة عند العلماء، وبعضها يشهد لمعناه قرآن:\nالأول: أن المعنى ﴿مَنْ كَانَ﴾ من الكفرة الحسدة له - ﷺ -، ﴿يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ﴾ أي: أن لن ينصر الله نبيه محمدًا - ﷺ - ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ﴾ أي: بحبل إلى السماء، أي: سماء بيته، والمراد به السقف؛ لأن العرب تسمِّي كلَّ ما علاك سماء، كما قال:\nوقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر\nكما أوضحناه في سورة الحجر.\nوالمعنى فليعقد رأس الحبل في خشبة السقف: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ أي: ليختنق بالحبل، فيشده في عنقه، ويتدلى مع الحبل المعلق في السقف حتى يموت، وإنما أطلق القطع على الاختناق؛ لأن الاختناق بقطع النفس بسبب حبس مجاريه، ولذا قيل للبهر وهو تتابع النفس: قطع، فلينظر إذا اختنق ﴿هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيدُهُ﴾ أي: هل يذهب فعله ذلك ما يغيظه من نصر الله نبيه - ﷺ -، في الدنيا والآخرة.\nوالمعنى لا يذهب ذلك الذي فعله ذلك الكافر الحاسد ما يغيظه ويغضبه من نصر الله لنبيه محمد - ﷺ -.","vol":"5","page":52},{"text":"قال الزمخشري: وسمى فعله كيدًا؛ لأنه وضعه موضع الكيد، حيث لم يقدر على غيره، أو على سبيل الاستهزاء؛ لأنه لم يكد به محسوده، إنما كاد به نفسه، والمراد ليس في يده إلَّا ما ليس بمذهب لما يغيظه. اهـ منه.\nوحاصل هذا القول أن الله يقول لحاسديه  -  ﷺ  -  الذين يتربصون به الدوائر، ويظنون أن ربه لن ينصره موتوا بغيظكم، فهو ناصره لا محالة على رغم أنوفكم. وممن قال بهذا القول: مجاهد، وقتادة، وعكرمة، وعطاء، وأبو الجوزاء، وغيرهم. كما نقله عنهم ابن كثير، وهو أظهرها عندي.\nومما يشهد لهذا المعنى من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيظِكُمْ﴾.\nالوجه الثاني: أن المعنى من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه محمدًا  -  ﷺ  -  في الدنيا والآخرة، والحال أن النصر يأتيه  -  ﷺ  -  من السماء، فليمدد بسبب إلى السماء فيرتقي بذلك السبب، حتى يصعد إلى السماء، فيقطع نزول الوحي من السماء، فيمنع النصر عنه  -  ﷺ  - .\nوالمعنى أنه وإن غاظه نصر الله لنبيه، فليس له حيلة، ولا قدرة على منع النصر؛ لأنه لا يستطيع الارتقاء إلى السماء، ومنع نزول النصر منها عليه  -  ﷺ  - . وعلى هذا القول فصيغة الأمر في قوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ﴾ للتعجيز ﴿ثم لينظر﴾ ذلك الحاسد العاجز عن قطع النصر عنه  -  ﷺ  -  هل يذهب كيده إذا بلغ غاية جهده في كيد النبي  -  ﷺ  -  ما يغيظه من نصر الله لنبيه  -  ﷺ  - .\nوالمعنى أنه إن أعمل كل ما في وسعه، من كيد النبي  -  ﷺ  - .","vol":"5","page":53},{"text":"ليمنع عنه نصر الله، فإنه لا يقدر على ذلك، ولا يذهب كيده ما يغيظه من نصر الله لنبيه  -  ﷺ  - .\nومما يشهد لهذا القول من القرآن قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحزَابِ (١١)﴾، وقد أوضحنا معنى هذه الآية في سورة الحجر.\nولبعض أهل العلم قول ثالث في معنى الآية الكريمة: وهو أن الضمير في: ﴿لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ عائد إلى ﴿مَنْ﴾ في قوله تعالى: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ﴾ وأن النصر هنا بمعنى الرزق، وأن المعنى من كان يظن أن لن ينصره الله، أي: لن يرزقه، فليختنق، وليقتل نفسه، إذ لا خير في حياة ليس فيها رزق الله وعونه، أو فليختنق، وليمت غيظًا وغمًا، فإن ذلك لا يغير شيئًا مما قضاه الله وقدره. والذين قالوا هذا القول قالوا: إن العرب تسمى الرزق نصرًا. وعن أبي عبيدة قال: وقف علينا سائل من بني بكر، فقال: من ينصرني نصره الله، يعني: من يعطيني أعطاه الله. قالوا: ومن ذلك قول العرب: أرض منصورة، أي: ممطورة، ومنه قول رجل من بني فقعس:\nوإنك لا تُعطي امرأً فوق حقِّه ... ولا تملك الشِّق الذي الغيث ناصره\nأي: معطيه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير ظاهر السقوط، كما ترى. والذين قالوا: إن الضمير في قوله: ﴿أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللهُ﴾ راجع إلى الدين، أو الكتاب، لا يخالف قولهم قول من قال: إن الضمير للنبي  -  ﷺ  -؛ لأن نصر الدين، والكتاب هو نصره  -  ﷺ  -  كما لا يخفى، ونصر الله له  -  ﷺ  -  في الدنيا بإعلائه كلمته، وقهره أعداءه،","vol":"5","page":54},{"text":"وإظهار دينه، وفي الآخرة بإعلاء درجته، والانتقام ممن كذبه، ونحو ذلك، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾.\nفإن قيل: قررتم أن الضمير في ينصره عائد إليه - ﷺ -، وهو لم يجر له ذكر، فكيف قررتم رجوع الضمير إلى غير مذكور؟\nفالجواب: هو ما قاله غير واحد من أنَّه - ﷺ - وإن لم يجر له ذكر، فالكلام دال عليه؛ لأن الإيمان في قوله في الآية التي قبلها (^١): ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ﴾ الآية، هو الإيمان بالله، وبمحمد - ﷺ -، والانقلاب عن الدين المذكور في قوله: ﴿انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ﴾ انقلاب عما جاء به محمد - ﷺ -.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ثُمَّ لَيَقْطَعَ﴾ قرأه أَبو عمرو، وابن عامر، وورش عن نافع بكسر اللام على الأصل في لام الأمر، وقرأه الباقون بإسكان اللام تخفيفًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1065> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾</span> إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1066> قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠) وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾.\n_________\n(^١)</span> المطبوعة: \"قبلها تليها\".","vol":"5","page":55},{"text":"ما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أنواع عذاب أهل النار  - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل -  جاء مبينًا في آيات أخر من كتاب الله، فقوله هنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَار﴾ أي: قطع الله لهم من النار ثيابًا، وألبسهم إياها تتقد عليهم، كقوله فيهم: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ﴾ والسرابيل: هي الثياب التي هي القمص، كما قدمنا إيضاحه، وكقوله: ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾: جمع غاشية: وهي غطاء كاللحاف، وذلك هو معنى قوله هنا: ﴿قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾.\nوقوله تعالى هنا: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾ ذكره أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨) ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ والحميم: الماء البالغ شدة الحرارة، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ﴾ الآية.\nوقوله هنا: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَالْجُلُودُ (٢٠)﴾ أي: يذاب بذلك الحميم إذا سقوه فوصل إلى بطونهم كل ما في بطونهم من الشحم والأمعاء وغير ذلك، كقوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾ والعرب تقول: صهرت الشيء فانصهر، فهو صهير، أي: أذبته فذاب، ومنه قول ابن أحمر يصف تغذية قطاة لفرخها في فلاة من الأرض:\nتروي لقى ألْقي في صَفْصَفٍ ... تَصْهره الشَّمس فما يَنْصَهِرْ\nأي: تذيبه الشمس، فيصبر على ذلك، ولا يذوب.\nوقوله: ﴿وَالْجُلُوُد (٢٠)﴾ الظاهر أنَّه معطوف على \"ما\" من قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ التي هي نائب فاعل يصهر، وعلى هذا","vol":"5","page":56},{"text":"الظاهر المتبادر من الآية فذلك الحميم يذيب جلودهم، كما يذيب ما في بطونهم، لشدة حرارته.\nإذا المعنى: يصهر به ما بطونهم، وتصهر به الجلود؛ أي: جلودهم، فالألف واللام قامتا مقام الإِضافة. وقال بعض أهل العلم: والجلود مرفوع بفعل محذوف معطوف على تصهر، وتقديره: وتحرق به الجلود. ونظير ذلك في تقدير العامل المحذوف الرافع الباقي معموله مرفوعًا بعد الواو قول لبيد في معلقته:\nفعلا فروعُ الأيهقَانِ وأطفَلت ... بالْجَلَهتَينِ ظباؤُهَا ونَعامُهَا\nيعني: وباض نعامها، لأن النعامة لا تلد الطفل، وإنَّما تبيض، بخلاف الظبية فهي تلد الطفل، ومثاله في المنصوب قول الآخر:\nإذا ما الغانياتُ برزْنَ يومًا ... وزجَّجْنَ الحواجِبَ والعُيونَا\nترى منَّا الأيور إذارأَوْهَا ... قِيامًا راكِعينَ وساجِدينَا\nيعني زججن الحواجب، وأكحلن العيون، وقوله:\nورَأيت زوجَك في الوَغَى ... متقلِّدًا سيفًا ورُمْحًا\nأي: وحاملًا رمحًا، لأن الرمح لا يتقلد، وقول الآخر:\nتراه كأنَّ الله يجدعُ أنفَه ... وعينيه إنْ مولاه ثابَ له وفرْ\nيعني: ويفقأ عينيه، ومن شواهده المشهورة قول الراجز:\nعلَفْتها تِبْنًا وماءً باردًا ... حتَّى شتت همالةً عيناها\nيعني: وسقيتها ماءً باردًا. ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية، أي: وأخلصوا الإِيمان،","vol":"5","page":57},{"text":"أو ألفوا الإِيمان. ومثال ذلك في المخفوض قولهم: ما كل بيضاء شحمة، ولا سوداء تمرة، أي: ولا كل سوداء تمرة. وإلى هذه المسألة أشار في الخلاصة بقوله:\n\n• وهي انفردت *\nبعطف عامل مُزال قَدْ بَقَي ... معمولُه دفعًا لوهْمٍ اتُّقي\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَهُمْ مَقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ (٢١)﴾ المقامع: جمع مقمعة بكسر الميم الأولى، وفتح الميم الأخيرة، ويقال: مقمع بلا هاء، وهو في اللغة: حديدة كالمحجن يضرب بها على رأس الفيل. وهي في الآية مرازب عظيمة من حديد تضرب بها خزنة النار رؤوس أهل النار، وقال بعض أهل العلم: المقامع: سياط من نار. ولا شك أن المقامع المذكورة في الآية من الحديد لتصريحه تعالى بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبِّهِمْ فَالَّذِينَ كَفَرُوا قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِنْ نَارٍ﴾ الآية نزل في المبارزين يوم بدر، وهم: حمزة بن عبد المطلب، وعلي بن أبي طالب، وعبيدة بن الحارث بن المطلب، وفي أقرانهم المبارزين من الكفار وهم: عتبة بن ربيعة، وابنه الوليد بن عتبة، وأخوه شيبة بن ربيعة، كما ثبت في الصحيحين، وغيرهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1067> قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار كلما أرادوا الخروج منها؛ لما يصيبهم من الغم فيها عياذًا بالله منها، أعيدوا","vol":"5","page":58},{"text":"فيها، ومنعوا من الخروج منها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله في المائدة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦) يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية.\nوقوله في آية الحج هذه: ﴿أُعِيدُوا فِيهَا وَذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (٢٢)﴾ حذف فيه القول. والمعنى أعيدوا فيها، وقيل لهم: ذوقوا عذاب الحريق، وهذا القول المحذوف في الحج صرح به في السجدة في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾ والمفسرون يقولون: إن لهب النار يرفعهم، حتَّى يكاد يرميهم خارجها، فتضربهم خزنة النار بمقامع الحديد، فتردهم في قعرها، نعوذ بالله منها، ومن كل ما يقرب إليها من قول وعمل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1068> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾</span>.\nاعلم أن خبر إن في قوله هنا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ محذوف كما ترى.\nوالذي تدل عليه الآية أن التقدير: إن الذين كفروا، ويصدون عن سبيل الله، نذيقهم من عذاب أليم. كما دل على هذا قوله في آخر الآية: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.","vol":"5","page":59},{"text":"فإن قيل: ما وجه عطف الفعل المضارع على الفعل الماضي، في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ﴾؟\nفالجواب: من أربعة أوجه: واحد منها ظاهر السقوط.\nالأول: هو ما ذكره بعض علماء العربية من أن المضارع، قد لا يلاحظ فيه زمان معين من حال، أو استقبال، فيدل إذ ذاك على الاستمرار، ومنه: ﴿وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ﴾ قاله أَبو حيان وغيره.\nالثاني: أن يصدون خبر مبتدأ محذوف. والتقدير: إن الذين كفروا، وهم يصدون، وعليه فالجملة المعطوفة اسمية لا فعلية، وهذا القول استحسنه القرطبي.\nالثالث: أن يصدون مضارع أريد به الماضي، أي: كفروا، وصدوا، وليس بظاهر.\nالرابع: أن الواو زائدة، وجملة يصدون خبر إن، أي: إن الذين كفروا يصدون الآية. وهذا هو الذي قدمنا أنَّه ظاهر السقوط، وهو كما ترى، وما ذكره جل وعلا في هذه الآية من أن من أعمال الكفار الصد عن سبيل الله، وعن المسجد الحرام بينه في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾","vol":"5","page":60},{"text":"قرأه عامة السبعة غير حفص عن عاصم: سواء، بضم الهمزة، وفي إعرابه على قراءة الجمهور هذه برفع سواء وجهان:\nالأول: أن قوله: العاكف مبتدأ، والباد معطوف عليه، وسواء خبر مقدم، وهو مصدر أطلق وأريد به الوصف.\nفالمعنى: العاكف والبادي سواء، أي: مستويان فيه، وهذا الإِعراب أظهر.\nالوجه الثاني: أن سواء مبتدأ، والعاكف فاعل سد مسد الخبر، والظاهر أن مسوغ الابتداء بالنكرة التي هي سواء على هذا الوجه هو عملها في المجرور الذي هو فيه، إذ المعنى سواء فيه العاكف والبادي، وجملة المبتدأ وخبره في محل المفعول الثاني لجعلنا. وقرأ حفص عن عاصم سواء بالنصب، وهو المفعول الثاني لجعلنا التي بمعنى صبرنا، والعاكف فاعل سواء، أي: مستويًا فيه العاكف والبادي. ومن كلام العرب: مررت برجل سواء هو والعدم. ومن قال: إن \"جعل\" في الآية تتعدى إلى مفعول واحد قال: إن سواء حال من الهاء في جعلناه، أي: وضعناه للناس في حال كونه سواء العاكف فيه والبادي، كقوله: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ﴾ الآية.\nوقال بعض أهل العلم: إن المراد بالمسجد الحرام في هذه الآية الكريمة يشمل جميع الحرم. ولذلك أخذ بعض العلماء من هذه الآية أن رباع مكة لا تملك، وقد قدمنا الكلام مستوفى في هذه المسألة، وأقوال أهل العلم فيها، ومناقشة أدلتهم في سورة الأنفال، فأغنى ذلك عن إعادته هنا. والعاكف: هو المقيم في الحرم، والبادي: الطارئ عليه من البادية، وكذلك غيرها من أقطار الدنيا.","vol":"5","page":61},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: والبادي قرأه أَبو عمرو وورش، عن نافع بإثبات الياء بعد الدال في الوصل، وإسقاطها في الوقف، وقرأه ابن كثير بإثباتها وصلًا ووقفًا، وقرأه باقي السبعة بإسقاطها، وصلًا ووقفًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ قد أوضحنا إزالة الإِشكال عن دخول الباء على المفعول في قوله: بإلحاد، ونظائره في القرآن، وأكثرنا على ذلك من الشواهد العربية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوالإِلحاد في اللغة أصله: الميل، والمراد بالإِلحاد في الآية: أن يميل، ويحيد عن دين الله الذي شرعه، ويعم ذلك كل ميل وحيدة عن الدين، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًّا الكفر بالله، والشرك به في الحرم، وفعل شيء مما حرمه، وترك شيء مما أوجبه. ومن أعظم ذلك: انتهاك حرمات الحرم. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك احتكار الطَّعام بمكة. وقال بعض أهل العلم: يدخل في ذلك قول الرجل: لا والله، وبلى والله، وعن ابن عمر ﵄ أنَّه كان له فسطاطان: أحدهما: في طرف الحرم، والآخر: في طرف الحل، فإِذا أراد أن يعاتب أهله، أو غلامه فعل ذلك في الفسطاط الذي ليس في الحرم، يرى أن مثل ذلك يدخل في الإِلحاد فيه بظلم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر في هذه المسألة، أن كل مُخَالفَةُ بترك واجب، أو فعل محرم تدخل في الظلم المذكور، وأما الجائزات كعتاب الرجل امرأته، أو عبده، فليس من الإِلحاد، ولا من الظلم.","vol":"5","page":62},{"text":"مسألة\nقال بعض أهل العلم: من هم أن يعمل سيئة في مكة، أذاقه الله العذاب الأليم بسبب همه بذلك وإن لم يفعلها، بخلاف غير الحرم المكي من البقاع، فلا يعاقب فيه بالهم. وعن عبد الله بن مسعود ﵁: لو أنَّ رجلًا أراد بإلحاد فيه بظلم وهو بعدن أبين، لأذاقه الله من العذال الأليم. وهذا ثابت عن ابن مسعود، ووقفه عليه أصح من رفعه.\nوالذين قالوا هذا القول استدلوا له بظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ لأنه تعالى رتب إذاقة العذاب الأليم على إرادة الإِلحاد بالظلم فيه ترتيب الجزاء على شرطه، ويؤيد هذا قول بعض أهل العلم: إن الباء في قوله: بإِلحاد، لأجل أن الإِرادة مضمنة معنى الهم، أي: ومن يهمم فيه بإلحاد. وعلى هذا الذي قاله ابن مسعود وغيره فهذه الآية الكريمة مخصصة لعموم قوله  -  ﷺ  -: \"ومن هم بسيئة فلم يعملها كُتبت له حسنة\" الحديث، وعليه فهذا التخصيص لشدة التغليظ في المخالفة في الحرم المكي، ووجه هذا ظاهر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ويحتمل أن يكون معنى الإِرادة في قوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ العزم المصمم على ارتكاب الذنب فيه، والعزم المصمم على الذنب ذنب يعاقب عليه في جميع بقاع الله مكة وغيرها.\nوالدليل على أن إرادة الذنب إذا كانت عزمًا مصممًا عليه أنَّها كارتكابه حديث أبي بكرة الثابت في الصحيح: \"إذا الْتقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار، قالوا: يا رسول الله، قد عرفنا","vol":"5","page":63},{"text":"القاتل فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" فقولهم: ما بال المقتول سؤال عن تشخيص عين الذنب الذي دخل بسببه النار مع أنَّه لم يفعل القتل، فبين النبي - ﷺ - بقوله: \"إنه كان حريصًا على قتل صاحبه المسلم\"، وقد قدمنا مرارًا أن إن المكسورة المشددة تدل على التعليل، كما تقرر في مسلك الإِيماء والتنبيه.\nومثال المعاقبة على العزم المصمم على ارتكاب المحظور فيه ما وقع بأصحاب الفيل من الإهلاك المستأصل بسبب طير أبابيل: ﴿تَرْمِيهِم بِحِجِارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ لعزمهم على ارتكاب المناكر في الحرم، فأهلكهم الله بذلك العزم قبل أن يفعلوا ما عزموا عليه. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن الضمير في قوله: ﴿فِيهِ﴾ راجع إلى المسجد الحرام، ولكن حكم الحرم كله في تغليظ الذنب المذكور كذلك. والله تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1069> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾</span>.\nأي: اذكر حين بوأنا، تقول العرب: بوأت له منزلًا، وبوأته منزلًا، وبوأته في منزل بمعنى واحد كلها بمعنى هيأته له، ومكنت له فيه، وأنزلته فيه، فتبوأه، أي: نزله، وتبوأت له منزلًا أيضًا هيأته له، وأنزلته فيه، فبوأه المتعدي بنفسه، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾ الآية وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ الآية، ومنه قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي:\nكمْ من أخٍ لي ماجدٍ ... بوَّأته بيدي لحْدا","vol":"5","page":64},{"text":"أي: هيأته له، وأنزلته فيه، وبوأت له، كقوله هنا: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، وبوأته فيه كقول الشاعر:\nوبُؤِّئت في صميم مَعْشَرِها ... وتمَّ في قومها مُبوِّؤُها\nأي: نزلت من الكرم في صميم النسب، وتبوأت له منزلًا كقوله تعالى: ﴿وَأَوْحَينَا إِلَى مُوسَى وَأَخِيهِ أَنْ تَبَوَّآ لِقَوْمِكُمَا بِمِصْرَ بُيُوتًا﴾ وتبوأه كقوله: ﴿وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيثُ نَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ يَتَبَوَّأُ مِنْهَا حَيثُ يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ﴾ الآية. وأصل التبوء: من المباءة: وهي منزل القوم في كل موضع، فقوله: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ أي: هيأناه له، وعرفناه إياه، ليبنيه بأمرنا على قواعده الأصلية المندرسة، حين أمرناه ببنائه، كما يهيأ المكان لمن يريد النزول فيه.\nوالمفسرون يقولون: بوأه له، وأراه إياه بسبب ريح تسمى الخجوج كنست ما فوق الأساس حتَّى ظهر الأساس الأول الذي كان مندرسًا، فبناه إبراهيم وإسماعيل عليه. وقيل: أرسل له مزنة فاستقرت فوقه، فكان ظلها على قدر مساحة البيت، فحفرا عن الأساس، فظهر لها فبنياه عليه. وهم يقولون أيضًا: إنه كان مندرسًا من زمن طوفان نوح، وأن محله كان مربض غنم لرجل من جرهم، والله تعالى أعلم.\nوغاية ما دل عليه القرآن أن الله بوأ مكانه لإِبراهيم، فهيأه له، وعرفه إياه ليبنيه في محله. وذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول من بناه إبراهيم ولم يبن قبله. وظاهر قوله حين ترك إسماعيل، وهاجر في مكة: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ يدل على أنَّه كان مبنيًّا، واندرس، كما يدل عليه قوله هنا:","vol":"5","page":65},{"text":"﴿مَكَانَ الْبَيتِ﴾ لأنه يدل على أن له مكانًا سابقًا كان معروفًا. والله أعلم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، متعلق بمحذوف، وقد دلت على تقدير المحذوف المذكور آية البقرة، وهي قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، فدلت آية البقرة المذكورة على أن معنى آية الحج هذه: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيتِ﴾ وعهدنا إليه، أي: أوصيناه أن لا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي للطائفتين، وزادت آية البقرة أن إسماعيل مأمور بذلك أيضًا مع أبيه إبراهيم. وإذا عرفت أن المعنى: وعهدنا إلى إبراهيم ألا تشرك بي شيئًا، وطهر بيتي. الآية.\nفاعلم أن في \"أن\" وجهين:\nأحدهما: أنَّها هي المفسرة، وعليه طهير البيت من الشرك، وغيره هو تفسير العهد إلى إبراهيم، أي: والعهد هو إيصاؤه بالتطهير المذكور.\nوالثاني: أنَّها مصدرية بناء على دخول \"أن\" المصدرية على الأفعال الطلبية.\nفإن قيل: كيف تكون مفسرة للعهد إلى إبراهيم، وهو غير مذكور هنا؟\nفالجواب: أنَّه مذكور في سورة البقرة في المسألة بعينها، والقرآن يفسر بعضه بعضًا، فالمذكور هناك كأنه مذكور هنا؛ لأن كلام الله يصدق بعضه بعضًا. والتطهير هنا في قوله: ﴿وَطَهِّر بَيتِي﴾ يشمل التطهير المعنوي والحسي، فيطهره الطهارة الحسية: من الأقذار،","vol":"5","page":66},{"text":"والمعنوية: من الشرك والمعاصي، ولذا قال: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ وكانت قبيلة جرهم تضع عنده الأصنام تعبدها من دون الله، وقد قدمنا في سورة الإِسراء الكلام مستوفى فيما كان عند الكعبة من الأصنام عام الفتح، وطهرها رسول الله  -  ﷺ  -  من أنجاس الأوثان وأقذارها، كما أمر الله بذلك إبراهيم هنا، وقال لنبينا  -  ﷺ  -: ﴿ثُمَّ أَوْحَينَا إِلَيكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، والمراد بالطائفين في هذه الآية: الذين يطوفون حول البيت، والمراد بالقائمين، والركع السجود المصلون، أي: طهر بيتي للمعتبدين، بطواف، أو صلاة، والركع جمع راكع، والسجود جمع ساجد.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيئًا﴾ لفظة \"شيئًا\" مفعول له ﴿لَا تُشْرِكْ﴾ أي: لا تشرك بي شيئًا من الشركاء كائنًا ما كان، ويحتمل أن تكون ما نال عن المطلق، من ﴿لَا تُشْرِكْ﴾، أي: لا تشرك بي شيئًا من الشرك، لا قليلًا، ولا كثيرًا.\nفالمعنى على هذا: لا تشرك بي شركًا قليلًا، ولا كثيرًا. وقرأ نافع وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام بيتي بفتح الياء، وقرأ باقي السبعة بإسكانها.\nواعلم أن المؤرخين لهم كلام كثير في قصة بناء إبراهيم، وإسماعيل للبيت، ومن جملة ما يزعمون أن البيت الحرام رفعه الله إلى السماء أيام الطوفان، وأنه كان من ياقوتة حمراء، ودرج على ذلك ناظم عمود النسب فقال:\nودلَّت إبراهيم مزنةٌ عليه ... فهي على قدر المساحة تُريه\nوقيل: دلَّته خجوجٌ كنست ... ما حولَه حتَّى بدا ما أسَّست\nقَبْل الملائك من البناء ... قبل ارتفاعه إلى السماء","vol":"5","page":67},{"text":"ومعلوم أن هذا ونحوه شبيه بالإِسرائيليات لا يصدق منه إلَّا ما قام دليل من كتاب، أو سنة على صدقه، ولذلك نقلل من ذكر مثل ذلك في الغالب.\nمسألة\nيؤخذ من هذه الآية الكريمة أنَّه لا يجوز أن يترك عند بيت الله الحرام قذر من الأقذار، ولا نجس من الأنجاس المعنوية، ولا الحسية، فلا يترك فيه أحد يرتكب ما لا يرضى الله، ولا أحد يلوثه بقذر من النجاسات.\nولا شك أن دخول المصورين في المسجد الحرام حول بيت الله الحرام بآلات التصوير يصورون بها الطائفين والقائمين والركع السجود أن ذلك منافٍ لما أمر الله به من تطهير بيته الحرام للطائفين والقائمين والركع السجود، فانتهاك حرمة بيت الله بارتكاب حرمة التصوير عنده لا يجوز؛ لأن تصوير الإِنسان دلت الأحاديث الصحيحة على أنَّه حرام، وظاهرها العموم في كل أنواع التصوير؛ ولا شك أن ارتكاب، أي: شيء حرمه رسول الله - ﷺ - أنَّه من الأقذار، والأنجاس المعنوية التي يلزم تطهير بيت الله منها؛ وكذلك ما يقع في المسجد من الكلام المخل بالدين والتوحيد لا يجوز إقرار شيء منه، ولا تركه.\nونرجو الله لنا ولمن ولاه الله أمرنا، ولإخواننا المسلمين التوفيق إلى ما يرضيه في حرمه، وسائر بلاده، إنه قريب مجيب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1070> قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾</span>.","vol":"5","page":68},{"text":"الأذان في اللغة الإعلام ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ﴾ وقول الحارث بن حلزة:\nآذَنتْنا ببيْنها أسماء ... رُبَّ ثاوٍ يُملُّ منه الثَّواء\nوالحج في اللغة القصد، وكثرة الاختلاف، والتردد، تقول العرب: حج بنو فلان فلانًا إذا قصدوه، وأطالوا الاختلاف إليه، والتردد عليه. ومنه قول المخبل السعدي.\nألم تَعْلمي يا أمَّ أسْعَد أنَّما ... تخاطأَني ريبُ المنونِ لأكبَرا\nوأشْهد من عوف حلولًا كثيرةً ... يحجُّون سِبَّ الزّبرقان المزعْفَرا\nقوله: يحجون يعني يكثرون قصده، والاختلاف إليه، والتردد عليه. والسب بالكسر العمامة. وعنى بكونهم يحجون عمامته أنهم يحجونه، فكني عنه بالعمامة. والرجال في الآية جمع راجل، وهو الماشي على رجليه، والضامر البعير ونحوه المهزول الذي أتعبه السفر. وقوله \"يأتين\" يعني الضوامر المعبر عنها بلفظ كل ضامر؛ لأنه في معنى وعلى ضوامر يأتين من كل فج عميق؛ لأن لفظة \"كل\" صيغة عموم، يشمل ضوامر كثيرة. والفج الطَّرِيق، وجمعه فجاج، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾ والعميق البعيد، ومنه قول الشاعر.\nإذَا الخَيل جاءَتْ مِن فجاجٍ عميقةٍ ... يمدّ بها في السير أشْعث شاحِب\nوأكثر ما يستعمل العمق في البعد سفلًا، تقول: بئر عميقة، أي: بعيدة القعر. والخطاب في قوله: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ لإِبراهيم كما هو ظاهر من السياق، وهو قول الجمهور خلافًا لمن زعم أن الخطاب لنبينا صلَّى الله عليه، وعلى إبراهيم وسلم. وممن","vol":"5","page":69},{"text":"قال بذلك الحسن، ومال إليه القرطبي، فقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ أي: وأمرنا إبراهيم أن أذن في الناس بالحج، أي: أعلمهم، وناد فيهم بالحج، أي: بأن الله أوجب عليهم حج بيته الحرام.\nوذكر المفسرون أنَّه لما أَمره ربه أن يأذن في الناس بالحج قال: يا رب كيف أبلغ الناس، وصوتي لا ينفذهم، فقال: ناد وعلينا البلاغ، فقام على مقامه. وقيل: على الحجر. وقيل: على الصفا. وقيل: على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجوه، فيقال: إن الجبال تواضعت، حتَّى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنَّه يحج إلى يوم القيامة: لَبَّيكَ اللهم لَبَّيكَ.\nقال ابن كثير ﵀ بعد أن ذكر هذا الكلام: هذا مضمون ما ورد عن ابن عبَّاس، ومجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد من السلف. والله أعلم، وأوردها ابن جرير وابن أبي حاتم مطولة. انتهى منه.\nوقوله تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ مجزوم في جواب الطلب، وهو عند علماء العربية مجزوم بشرط مقدر، دل عليه الطلب على الأصح، أي: إن تؤذن في الناس بالحج يأتوك. وإنَّما قال: \"يأتوك\" لأن المدعو يتوجه نحو الداعي، وإن كان إتيانهم في الحقيقة للحج، لأن نداء إبراهيم للحج، أي: يأتوك ملبين دعوتك، حاجين بيت الله الحرام، كما ناديتهم لذلك.\nوعلى قول الحسن الذي ذكر عنه أن الخطاب للنبي  -  ﷺ  -، ففي","vol":"5","page":70},{"text":"هذه الآية دليل على وجوب الحج، وعلى قول الجمهور فوجوب الحج بها على هذه الأمة مبني على أن شرع من قبلنا شرع لنا، كما أوضحناه في سورة المائدة، مع أنَّه دلت آيات أخر على أن الإِيجاب المذكور على لسان إبراهيم وقع مثله أيضًا على لسان نبينا محمد  -  ﷺ  -، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيتَ أَو اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقوله: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، قد يستدل بهذه الآية من ذهب من العلماء إلى أن الحج ماشيًا لمن قدر عليه أفضل من الحج راكبًا، لأنه قدمهم في الذكر، فدل على الاهتمام بهم وقوة هممهم. وقال وكيع، عن أبي العميس، عن أبي حلحلة، عن محمد بن كعب، عن ابن عبَّاس قال: ما آسى على شيء إلَّا أني وددت أني كنت حججت ماشيًا؛ لأن الله يقول: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾.\nوالذي عليه الأكثرون أن الحج راكبًا أفضل اقتداءً برسول الله  -  ﷺ  -، فإنه حج راكبًا مع كمال قوته  -  ﷺ  - . انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: اعلم أنَّه قد تقرر في الأصول أن منشأ الخلاف في هذه المسألة التي هي: هل الركوب في الحج، أفضل، أو المشي؟ ونظائرها كون أفعال النبي  -  ﷺ  -  بالنظر إلى الجبلة والتشريع ثلاثة أقسام:\nالقسم الأول: هو الفعل الجبلي المحض، أعني الفعل الذي تقتضيه الجبلة البشرية بطبيعتها، كالقيام، والقعود، والأكل،","vol":"5","page":71},{"text":"والشرب، فإن هذا لم يفعل للتشريع والتأسي، فلا يقول أحد: أنا أجلس وأقوم تقربًا لله، واقتداء بنبيه  -  ﷺ  -؛ لأنه كان يقوم ويجلس؛ لأنه لم يفعل ذلك للتشريع والتأسي. وبعضهم يقول: فعله الجبلي يقتضي الجواز، وبعضهم يقول: يقتضي الندب. والظاهر ما ذكرنا من أنَّه لم يفعل للتشريع، ولكنه يدل على الجواز.\nالقسم الثاني: هو الفعل التشريعي المحض؛ وهو الذي فعل لأجل التأسي، والتشريع كافعال الصلاة، وأفعال الحج مع قوله: \"صلُّوا كما رأيتموني أُصلي\" وقوله: \"خُذوا عني مناسكَكم\".\nالقسم الثالث: وهو المقصود هنا هو الفعل المحتمل للجبلي والتشريعي. وضابطه: أن تكون الجبلة البشرية تقضيه بطبيعتها، ولكنه وقع متعلقًا بعبادة بأن وقع فيها، أو في وسيلتها كالركوب في الحج، فإن ركوبه  -  ﷺ  -  في حجه محتمل للجبلة؛ لأن الجبلة البشرية تقتضي الركوب، كما كان يركب  -  ﷺ  -  في أسفاره غير متعبد بذلك الركوب، بل لاقتضاء الجبلة إياه، ومحتمل للشرعي؛ لأنه  -  ﷺ  -  فعله في حال تلبسه بالحج وقال: \"خذوا عني مناسككم\" ومن فروع هذه المسألة جلسة الاستراحة في الصلاة، والرجوع من صلاة العيد في طريق أخرى غير التي ذهب فيها إلى صلاة العيد، والضجعة على الشق الأيمن بين ركعتي الفجر، وصلاة الصبح، ودخول مكة من كداء بالفتح والمد، والخروج من كدى بالضم والقصر؛ والنزول بالمحصب بعد النفر من مِنى، ونحو ذلك.\nففي كل هذه المسائل خلاف بين أهل العلم؛ لاحتمالها للجبلي والتشريعي. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nوفعلُه المركوزُ في الجبلّه ... كالأكل والشرب فليس ملَّه","vol":"5","page":72},{"text":"من غير لمح الوصف والَّذي احتمل ... شَرعًا ففيه قُل تردد حصل\nفالحجّ راكبًا عليه يجري ... كضجعةٍ بعد صلاةِ الفجرِ\nومشهور مذهب مالك: أن الركوب في الحج أفضل إلَّا في الطواف والسعي، فالمشي فيهما واجب.\nوقال سند واللخمي من المالكية: إن المشي أفضل للمشقة، وركوبه  -  ﷺ  -  جبلي لا تشريعي.\nوما ذكرنا عن مالك من أن الركوب في الحج أفضل من المشي، هو قول أكثر أهل العلم، وبه قال أَبو حنيفة، والشَّافعي وغيرهما.\nقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن الصحيح في مذهبنا أن الركوب أفضل. قال العبدري: وبه قال أكثر الفقهاء، وقال داود: ماشيًا أفضل، واحتج بحديث عائشة أن النبي  -  ﷺ  -  قال لعائشة: \"ولكنَّها على قدر نفقتكِ أو نصبكِ\" رواه البخاري ومسلم، وفي رواية صحيحة \"على قدر عنائكِ ونصبك\" وروى البيهقي بإسناده، عن ابن عبَّاس قال: ما آسى على شيء ما آسى أني لم أحج ماشيًا، وعن عبيد بن عمير قال ابن عبَّاس: ما ندمت على شيء فاتني في شبابي إلَّا أني لم أحج ماشيًا. ولقد حج الحسن بن علي خمسًا وعشرين حجة ماشيًا، وإن النجائب لتقاد معه، ولقد قاسم الله تعالى ماله ثلاث مرات حتَّى كان يعطي الخف، ويمسك النعل. انتهى محل الغرض منه. والحديث المرفوع عن ابن عبَّاس في فضل الحج ماشيًا ضعيف، وحديث عائشة المتفق عليه الذي أشار إليه النووي يقوي حجة من قال: بأن المشي في الحج أفضل من الركوب؛ لأنه أكثر نصبًا وعناء. ولفظ البخاري \"ولكنها على قدر نفقتك أو نصبك\" ولفظ","vol":"5","page":73},{"text":"مسلم \"ولكنها على قدر نصبك\" أو قال \"نفقتك \" والنصب: التعب، والمشقة.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: قد دل الكتاب، والسنة، وإجماع المسلمين: على وجوب الحج مرة واحدة في العمر، وهو إحدى الدعائم الخمس، التي بني عليها الإِسلام إجماعًا.\nأما دليل وجوبه من كتاب الله: فقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.\nوأما السنَّة فالأحاديث في ذلك كثيرة، ومن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ بلفظ قال: \"خطبنا رسول الله  -  ﷺ  -، فقال: أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أكل عام يا رسول الله  -  ﷺ  -: فسكت حتَّى قالها ثلاثًا، فقال رسول الله  -  ﷺ  -: لو قلت: نعم لوجبت ولما استطعتم، ثم قال: ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم، واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه\". انتهى منه.\nومحل الشاهد من هذا الحديث قوله  -  ﷺ  -: \"أيها الناس قد فرض الله عليكم الحج فحجوا\"، ونحوه أخرجه الإِمام أحمد والنَّسائي. واستدل بهذا الحديث على أن الأمر المجرد من القرائن، لا يقتضي التكرار كما هو مقرر في الأصول.\nوالدليل على أنَّه إحدى الدعائم الخمس التي بني عليها الإِسلام حديث ابن عمر المتفق عليه، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -  \"بني الإِسلام","vol":"5","page":74},{"text":"على خمس: شهادة أن لَا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، والحج، وصوم رمضان\" هذا لفظ البخاري.\nوقد وردت في فضل الحج والترغيب فيه أحاديث كثيرة: فمن ذلك حديث أبي هريرة ﵁ قال: سئل رسول الله - ﷺ -، أي: الأعمال أفضل؟ قال \"إيمان بالله ورسوله، قيل: ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور\" متفق عليه.\nوعنه ﵁ أيضًا قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: \"من حج فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\" متفق عليه أيضًا.\nوعنه أيضًا ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"العمرة إلى العمرة كفارة لما بينهما، والحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنَّة\" متفق عليه أيضًا. وعن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله نرى الجهاد أفضل العمل، أفلا نجاهد؟ قال: \"لكن أفضل من الجهاد، حج مبرور\" رواه البخاري. وعنها أيضًا ﵂ أن رسول الله - ﷺ - قال: \"ما من يوم أكثر من أن يعتق الله فيه عبدًا من النار من يوم عرفة، وإنه ليدنو ثم يباهي بهم الملائكة، فيقول: ما أراد هؤلاء\" أخرجه مسلم بهذا اللفظ. والأحاديث في الباب كثيرة. وفضل الحج وكونه من الدعائم الخمس معروف.\nواعلم أن وجوب الحج المذكور تشترط له شروط: وهي: العقل، والبلوغ، والإِسلام، والحرية، والاستطاعة. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم. أما العقل فكونه شرطًا في وجوب كل تكليف واضح؛ لأن غير العاقل لا يصح تكليفه بحال. وأما اشتراط البلوغ فواضح؛ لأن الصبي مرفوع عنه القلم، حتَّى يحتلم، فالبلوغ والعقل كلاهما شرط وجوب. وأما الإِسلام فالظاهر أنَّه على القول بأن الكفار","vol":"5","page":75},{"text":"مخاطبون بفروع الشريعة، فهو شرط صحة، لا شرط وجوب، وعلى أنهم غير مخاطبين بها، فهو شرط وجوب. والأصح خطاب الكفار بفروع الشريعة كما أوضحنا أدلته في غير هذا الموضع، فيكون الإِسلام شرط صحة في حقهم، ومعلوم أنَّه على أنَّه شرط وجوب، فهو شرط صحة أيضًا؛ لأن بعض شروط الوجوب يكون شرطًا في الصحة أيضًا كالوقت للصلاة، فإنه شرط لوجوبها وصحتها أيضًا، وقد يكون شرط الوجوب ليس شرطًا في الصحة كالبلوغ، والحرية، فإن الصبي لا يجب عليه الحج، مع أنَّه يصح منه لو فعله، وكذلك العبد إلَّا أنَّه لا يجزئ عن حجة الإِسلام إلَّا إذا كان بعد البلوغ وبعد الحرية. وأما الحرية فهي شرط وجوب، فلا يجب الحج على العبد. واستدل العلماء على عدم وجوب الحج على العبد بأمرين:\nالأول: إجماع أهل العلم على ذلك، ولكنه إذا حج صح حجه، ولم يجزئه عن حجة الإِسلام، فإن عتق بعد ذلك فعليه حجة الإِسلام.\nقال النووي في شرح المهذب: أجمعمت الأمة على أن العبد لا يلزمه الحج؛ لأن منافعه مستحقة لسيده، فليس هو مستطيعًا. ويصح منه الحج بإذن سيده، وبغير إذنه بلا خلاف عندنا.\nقال القاضي أَبو الطيب: وبه قال الفقهاء كافة، وقال داود: لا يصح بغير إذنه. انتهى محل الغرض منه.\nالأمر الثاني: حديث جاء عن النبي - ﷺ - يدل على ذلك، وهو أنَّه - ﷺ - جاء عنه من حديث ابن عبَّاس أنَّه قال: \"أيما صبي حج ثم بلغ فعليه حجة الإِسلام، وأيما عبدٍ حج ثم عتق فعليه حجة الإِسلام\".","vol":"5","page":76},{"text":"قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه ابن خزيمة، والإِسماعيلي في مسند الأعمَش، والحاكم، والبيهقي، وابن حزم، وصححه، والخطيب في التاريخ من حديث محمد بن المنهال، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن الأعمَش، عن أبي ظبيان عنه. قال ابن خزيمة: الصحيح موقوف، بل خرجه كذلك من رواية ابن أبي عدي عن شعبة. وقال البيهقي: تفرد برفعه محمد بن المنهال، ورواه الثَّوري عن شعبة موقوفًا.\nقلت: لكن هو عند الإِسماعيلي، والخطيب، عن الحارث بن سريج، عن يزيد بن زريع متابعة لمحمد بن المنهال. ويؤيد صحة رفعه ما رواه ابن أبي شيبة في مصنفه: أنا أَبو معاوية، عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس قال: احفظوا عني ولا تقولوا: قال ابن عبَّاس. فذكره. وهذا ظاهر أنَّه أراد أنَّه مرفوع، فلذا نهاهم عن نسبته إليه.\nوفي الباب عن جابر أخرجه ابن عدي بلفظ \"لو حج صغير لكان عليه حجة أخرى\" الحديث، وسنده ضعيف، وأخرجه أَبو داود في المراسيل عن محمد بن كعب القرظي نحو حديث ابن عبَّاس مرسلًا، وفيه راوٍ مبهم. انتهى من التلخيص.\nوقال البيهقي في سننه: وأخبرنا أَبو الحسن المقري، ثنا الحسن بن محمد بن إسحاق، ثنا يوسف بن يعقوب، ثنا محمد بن المنهال، ثنا يزيد بن زريع، ثنا شعبة عن سليمان الأعمَش، عن أبي ظبيان، عن ابن عبَّاس، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"أيما صبي حج ثم بلغ الحنث فعليه أن يحج حجة أخرى، وأيما أعرابي حج ثم هاجر فعليه حجة أخرى، وأيما عبدٍ حج ثم عتق فعليه حجة أخرى\"","vol":"5","page":77},{"text":"ثم ساق الحديث بسند آخر موقوفًا على ابن عبَّاس، وسكت ولم يبين هل الموقوف أصح أو المرفوع؟\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه البيهقي في الباب الأول من كتاب الحج بإسناد جيد، ورواه أيضًا موقوفًا، ولا يقدح ذلك فيه، ورواية المرفوع قوية، ولا يضر تفرد محمد بن المنهال بها، فإنه ثقة مقبول ضابط، روى عنه البخاري ومسلم في صحيحيهما. اهـ.\nوقد علمت من كلام ابن حجر أن ابن المنهال تابعه على رفع الحديث المذكور الحارث بن سريج فقد زال التفرد. والظاهر أن الحارث المذكور هو ابن سريج النقال، ولا يحتج به لضعفه. وبما ذكرنا تعلم أن الحديث المذكور لا يقل عن درجة الاحتجاج، ووجه الدلالة منه على أن الحرية شرط في وجوب الحج أنَّه لو حج وهو مملوك، ثم أعتق بعد ذلك لزمته حجة الإِسلام، فلو كان واجبًا عليه في حال كونه مملوكًا أجزأه حجه عن حجة الإِسلام كما هو ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\nوقال أَبو عيسى التِّرمِذي ﵀ ما نصه: وقد أجمع أهل العلم أن الصبي إذا حج قبل أن يدرك، فعليه الحج إذا أدرك، لا تجزئ عنه تلك الحجة عن حجة الإِسلام، وكذلك المملوك إذا حج في رقه ثم أعتق فعليه الحج إذا وجد إلى ذلك سبيلًا، ولا يجزئ عنه ما حج في حال رقه، وهو قول الثَّوري، والشَّافعي، وأحمد وإسحاق.\nوأما الاستطاعة: فقد نص تعالى على اشتراطها في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ","vol":"5","page":78},{"text":"الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ ومعنى الاستطاعة في اللغة العربية معروف، وتفسير الاستطاعة في الآية اختلف فيه العلماء.\nفالاستطاعة في مشهور مذهب مالك الذي به الفتوى: هي إمكان الوصول، بلا مشقة عظيمة زائدة على مشقة السفر العادية، مع الأمن على النفس، والمال. ولا يشترط عندهم الزاد والراحلة، بل يجب الحج عندهم على القادر على المشي إن كانت له صنعة يحصل منها قوته في الطَّرِيقِ، كالجمال، والخراز، والنجار، ومن أشبههم.\nوقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: \"ووجب باستطاعة بإمكان الوصول، بلا مشقة عظمت، وأمن على نفس، ومال\" ما نصه: وقال مالك في كتاب محمد، وفي سماع أشهب لما سئل عن قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ أذلك الزاد، والراحلة؟ قال: لا والله، ما ذلك إلَّا طاقة الناس، الرجل يجد الزاد والراحلة، ولا يقدر على المسير، وآخر يقدر أن يمشي علي رجليه ولا صفة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ وزاد في كتاب محمد: وربَّ صغير أجلد من كبير. ونقل في المقدمات كلام مالك ثم قال بعده: فمن قدر على الوصول إلى مكة، إما راجلًا بغير كبير مشقة، أو راكبًا بشراء أو كراء، فقد وجب عليه الحج، ونقله في التوضيح. انتهى من الحطاب.\nواعلم: أن بعض المالكية يشترطون في الصنعة المذكورة ألا تكون مرزية به.\nواعلم أن المالكية اختلفوا في الفقير الذي عادته سؤال الناس في بلده، وعادة الناس إعطاؤه، وذلك السؤال هو الذي منه عيشته إذا علم أنَّه إن خرج حاجًّا، وسأل أعطاه الناس ما يعيش به، كما كانوا","vol":"5","page":79},{"text":"يعطونه في بلده، هل سؤاله الناس وإعطاؤهم إياه يكون بسببه مستطيعًا لقدرته على الزاد بذلك، فيجب عليه الحج بذلك، أو لا يجب عليه بذلك؟\nفذهب بعضهم إلى أن ذلك لا يجب عليه به الحج، ولا يعد استطاعة، وبهذا القول جزم خليل بن إسحاق ﵀ في مختصره الذي قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى، وذلك في قوله فيما لا تحصل به الاستطاعة \"لا بدين أو عطية أو سؤال مطلقًا\".\nومعنى كلامه: أن من لم يمكنه الوصول إلَّا مكة إلَّا بتحمل دين في ذلك، أو قبول عطية ممن أعطاه مالًا، أو سؤال الناس مطلقًا، أنَّه لا يعدّ بذلك مستطيعًا، ولا يجب عليه الحج. وقوله: أو سؤال مطلقًا يعني بالإِطلاق، سواء كان السؤال عادته في بلده، أو لا، وسواء كانت عادة الناس إعطاءه، أو لا، أما إذا كانت عادة الناس عدم إعطائه، فالحج حرام عليه؛ لأنه إلقاء باليد إلى التهلكة، سواء كان السؤال عادته في بلده، أو لا، وأما إن كانت عادة الناس إعطاءه، ولم يكن السؤال عادته في بلده، فلا خلاف في أنَّه لا يعد مستطيعًا ولا يجب عليه الحج، وأما إن كانت عادته السؤال في بلده، ومنه عيشته، وعادة الناس إعطاؤه، فهو محل الخلاف، وقد ذكرنا آنفًا قول خليل في مختصره أنَّه لا يجب عليه الحج، ولا يعدّ مستطيعًا بسؤال الناس، وذلك في قوله: \"أو بسؤال مطلقًا\".\nوقال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل: \"وسؤال مطلقًا\" وقال خليل في منسكه: وظاهر المذهب أنَّه لا يجب على من عادته السؤال إذا كانت العادة إعطاءه، ويكره له المسير، فإن لم تكن عادته السؤال، أو لم تكن العادة إعطاءه سقط الحج بالاتفاق.","vol":"5","page":80},{"text":"وقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل: \"أو سؤال مطلقًا\" ما نصه: وأما الصورة الرابعة: وهي ما إذا كانت عادته في بلده السؤال، ومنه عيشه والعادة إعطاؤه، فقال المصنِّف في توضيحه ومنسكه: إن ظاهر المذهب أنَّه لا يجب عليه الحج، ويكره له الخروج، وجزم به هنا، وقال في الشامل: إنه المشهور، وأقر في شروحه كلام المؤلف على إطلاقه، وكذلك البساطي والشيخ زروق، ولم ينبه عليه ابن غازي. انتهى محل الغرض منه.\nوقال الحطاب أيضًا: وذكر ابن الحاجب القولين من غير ترجيح، وقبلهما ابن عبد السلام، والمصنِّف في التوضيح، وابن فرحون، وصاحب الشامل، ومن بعدهم، ورجحوا القول بالسقوط، وصرح بعضهم بتشهيره، وكذلك شراح المختصر. اهـ. محل الغرض منه.\nومعنى قوله: ورجحوا القول بالسقوط، يعني سقوط وجوب الحج عمن عادته السؤال والإِعطاء.\nالقول الثاني من قولي المالكية: أن الفقير الذي عادته السؤال في بلده وعادة الناس إعطاءه إذا كانت عادتهم إعطاءه في سفر الحج كما كانوا يعطونه في بلده، أنَّه يعد بذلك مستطيعًا، وأن تحصيله زاده بذلك السؤال، يعد استطاعة، وعلى هذا القول أكثر المالكية.\nوقال الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: \"أو سؤال مطلقًا\" بعد أن ذكر القول بأن ذلك السؤال والإِعطاء لا يعد استطاعة، ولا يجب به الحج، بل يكره الخروج في تلك الحال ما نصه:\nقلت: ونصوص أهل المذهب التي وقفت عليها مصرحة","vol":"5","page":81},{"text":"بخلاف ذلك، وأن الحج واجب على من عادته السؤال إذا كانت العادة إعطاءه، ثم سرد كثيرًا من نقول علماء المالكية مصرحة بوجوب الحج عليه، وأهل هذا القول من علماء المالكية  - وهم الأكثرون -  وجهوه بأنه محمول على الفقير الذي يباح له السؤال، لعدم قدرته على كسب ما يعيش به، وأن ذلك السؤال لما كان جائزًا له، وصار عيشه منه في الحضر، فهو بذلك السؤال والإِعطاء قادر على الوصول إلى مكة. قالوا: ومن قدر على ذلك بوجه جائز لزمه الحج.\nقال مقيده، عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل من قولي المالكية في هذه المسألة هو القول الأول، وهو أن الحج لا يجب على من يعيش في طريقه بتكفف الناس، وأن سؤال الناس لا يعد استطاعة.\nومن الأدلة الدالة على ذلك عموم قوله جل وعلا: ﴿وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ﴾ الآية. وقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارًا: أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، وبينا أدلة ذلك من السنَّة الصحيحة، فقد صرح تعالى في هذه الآية الكريمة برفع الحرج عن الذين لا يجدون ما ينفقون. ولا شك أن الذي يتكفف الناس لشدة فقره داخل في عموم الذين لا يجدون ما ينفقون، وقد صرح تعالى بنفي الحرج عنهم، فيلزم من ذلك نفي الحرج عنه في وجب الحج، وهو واضح. وقد استدل الشيخ ابن القاسم ﵀ بهذه الآية المذكورة على ما ذكرنا.\nولكن كثيرًا من متأخري علماء المالكية حملوا قول ابن القاسم","vol":"5","page":82},{"text":"الذي احتج عليه بالآية المذكورة على من ليس عادته السؤال في بلده، قالوا: فلم يتناول قوله محل النزاع.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر الآية الكريمة العموم في جميع الذين لا يجدون ما ينفقون، فتخصيصها بمن ليس عادته السؤال، بدون دليل من كتاب، أو سنَّة لا يصح ولا يعول عليه. وقد تقرر في الأصول أنَّه لا يمكن تخصيص العام إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه سواء كان من المخصصات المتصلة، أو المنفصلة.\nومما يؤيد هذا في الجملة ما ثبت في صحيح البخاري: حدَّثنا يحيى بن بشر، حدَّثنا شبابة، عن ورقاء، عن عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: كان أهل اليمن يحجُّون، ولا يتزودون، ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا المدينة سألوا الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ ورواه ابن عيينة، عن عكرمة مرسلًا. انتهى من صحيح البخاري.\nوقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث: قال المهلب: في هذا الحديث من الفقه: أن ترك السؤال من التقوى، ويؤيده أن الله مدح من لم يسأل الناس إلحافًا، فإن قوله: ﴿فإِنَّ خَيرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ أي: تزودوا، واتقوا أذى الناس بسؤالكم إياهم والإِثم في ذلك. انتهى محل الغرض منه.\nوفيه دليل ظاهر: على حرمة خروج الإِنسان حاجًّا بلا زاد، ليسأل الناس، وظاهرها العموم في كل حاج يسأل الناس فقيرًا كان، أو غنيًّا، كانت عادته السؤال في بلده، أو لا. وحمل النصوص على ظواهرها واجب إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه. ومما يؤيد هذا أن","vol":"5","page":83},{"text":"الذين مدحهم الله في كتابه بتركهم سؤال الناس كانوا من أفقر الفقراء كما هو معلوم، وقد صرح تعالى بأنهم فقراء وأشار لشدة فقرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا﴾ الآية، فصرح بأنهم فقراء وأثنى عليهم بالتعفف وعدم السؤال.\nووجه إشارة الآية إلى شدة فقرهم، هو ما فسرها به بعض أهل العلم، من أن معنى قوله: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ أي: بظهور آثار الفقر والحاجة عليهم.\nوقال ابن جرير في تفسيره، بعد أن ذكر القول بأن المراد بسيماهم: علامة فقرهم من ظهور آثار الجوع، والفاقة عليهم، والقول الآخر: أن المراد بسيماهم: علامتهم التي هي التخشع، والتواضع ما نصه:\nوأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله ﷿ أخبر نبيه  -  ﷺ  -  أنَّه يعرفهم بعلاماتهم، وآثار الحاجة فيهم. انتهى محل الغرض منه.\nوقال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن الربيع: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ قول: تعرف في وجوههم الجهد من الحاجة. وأخرج ابن جرير، عن ابن زيد: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ قال: رثاثة ثيابهم. انتهى. ومثل هذا كثير في كلام المفسرين.\nفالآية الكريمة: تدل بمنطوقها على الثناء على الفقير الصابر","vol":"5","page":84},{"text":"المتعفف عن مسألة الناس، وتدل بمفهومها على ذم سؤال الناس، والأحاديث الواردة في ذم السؤال مطلقًا كثيرة جدًّا.\nوبذلك كله تعلم أن سؤال الناس ليس استطاعة على ركن من أركان الإِسلام، وأن قول بعض المالكية: إنه لا يعد استطاعة هو الصواب. وهو قول جمهور أهل العلم. وممن ذهب إليه: الشَّافعي، وأحمد، وأَبو حنيفة، ونقله ابن المنذر عن الحسن البصري، ومجاهد، وسعيد بن جبير، وأحمد، وإسحاق. وبه قال بعض أصحاب مالك. قال البغوي: وهو قول العلماء. اهـ. قاله النووي.\nوالاستطاعة عند أبي حنيفة الزاد، والراحلة، فلو كان يقدر على الشيء، وعادته سؤال الناس، لم يجب عليه الحج عنده كما قدمناه قريبًا.\nوالاستطاعة في مذهب الشَّافعي: الزاد والراحلة، بشرط أن يجدهما بثمن المثل، فإن لم يجدهما إلَّا بأكثر من المثل سقط عنه وجوب الحج. ويشترط عند الشَّافعية أيضًا: وجود الماء في أماكن النزول، وهذا شرط لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه إن لم يجد الماء هلك، ويشترط عند الشَّافعية أيضًا: أن يكون صحيحًا لا مريضًا، ولا ينبغي أن يختلف في أن المرض القوي الذي يشق معه السفر مشقة فادحة، مسقط لوجوب الحج. ويشترط عند الشَّافعي أيضًا: أن يكون الطَّرِيق آمنًا من غير خفارة. والخفارة مثلثة الخاء: هي المال الذي يؤخذ على الحاج. ويشترط عند الشَّافعي أيضًا: أن يكون عليه من الوقت ما يتمكن فيه من السير والأداء. وهذه الشروط في المستطيع بنفسه، لا فيما يسمونه المستطيع بغيره، فإن كان بينه وبين مكة مسافة تقصر فيها الصلاة","vol":"5","page":85},{"text":"وكان قادرًا على المشي على رجليه، ولم يجد راحلة، أو وجدها بأكثر من ثمن المثل، أو أجرة المثل؛ لم يجب عليه الحج عندهم، ولا يعد قدرته على المشي استطاعة عندهم، لحديث الزاد والراحلة في تفسير الاستطاعة، وإن لم يجد ما يصرفه في الزاد والماء، ولكنه كسوب ذو صنعة يكتسب بصنعته ما يكفيه، ففي ذلك عند الشَّافعي تفصيل حكاه إمام الحرمين عن العراقيين من الشَّافعية، وهو: أنَّه إن كان لا يكتسب في اليوم إلَّا كفاية يوم واحد؛ لم يجب عليه الحج؛ لأنه ينقطع عن الكسب في أيام الحج، وإن كان يكتسب في اليوم كفاية أيام لزمه الحج.\nقال الإِمام: وفيه احتمال، فإن القدرة على الكسب يوم العيد، لا تجعل كملك الصاع في وجوب الفطرة، هكذا ذكره الإِمام وحكاه الرافعي، وسكت عليه. انتهى من النووي، ومراده بالإِمام: إمام الحرمين.\nوقوله: وفيه احتمال يعني: أنَّه يحتمل عدم وجوب الحج بذلك مطلقًا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا الذي ذكره مبني على القاعدة المعروفة المختلف فيها: وهي هل القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل، أو لا؟ والأظهر أن القدرة على التحصيل بمنزلة التحصيل بالفعل. والعلم عند الله تعالى.\nوالاستطاعة عند أحمد وأصحابه: هي الزاد والراحلة.\nقال ابن قدامة في المغني: والاستطاعة المشترطة: ملك الزاد والراحلة، وبه قال الحسن، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشَّافعي،","vol":"5","page":86},{"text":"وإسحاق. قال التِّرمِذي: والعمل عليه عند أهل العلم. وقال عكرمة: هي الصحة. انتهى محل الغرض منه.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في معنى الاستطاعة المذكورة في قوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ فهذه أدلتهم.\nأما الأكثرون الذين فسروا الاستطاعة: بالزاد والراحلة، فحجتهم الأحاديث الواردة عن النبي  -  ﷺ  -  بتفسير الاستطاعة في الآية بالزاد والراحلة. وقد روى عنه ذلك من حديث ابن عمر، ومن حديث ابن عبَّاس، ومن حديث أَنس، ومن حديث عائشة، ومن حديث جابر، ومن حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، ومن حديث ابن مسعود. اهـ.\nأما حديث ابن عمر فقد أخرجه التِّرمِذي، وابن ماجة من طريق إبراهيم بن يزيد الخوزي، عن محمد بن عباد بن جعفر المخزومي، عن ابن عمر. وقال التِّرمِذي بعد أن ساقه: هذا الحديث حسن والعمل عليه عند أهل العلم أن الرجل إذا ملك زادًا وراحلة وجب عليه الحج. وإبراهيم بن يزيد هو الخوزي المكي، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. انتهى من التِّرمِذي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تحسين التِّرمِذي ﵀ لهذا الحديث لا وجه له؛ لأن إبراهيم الخوزي المذكور متروك لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد. وقد نقل الزيلعي في نصب الراية عن التِّرمِذي: انه لما ساق الحديث المذكور، قال فيه: حديث غريب، لا نعرفه إلَّا من حديث إبراهيم بن يزيد الخوزي. وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه. اهـ.","vol":"5","page":87},{"text":"ومقتضى ما نقل الزيلعي عنه أنَّه لم يحسنه، وإنَّما وصفه بالغرابة، وهذا الذي ذكره الزيلعي ذكره التِّرمِذي في موضع آخر، وقد علمت أن إبراهيم الخوزي لا يحتج به. فلا يكون حديث هو في إسناده حسنًا.\nقال صاحب نصب الراية: وله طريق آخر عند الدَّارَقُطني في سننه أخرجه محمد بن الحجاج المصفر، ثنا جرير بن حازم، عن محمد بن عباد بن جعفر، عن ابن عمر مرفوعًا. ومحمد بن الحجاج المصفر ضعيف. اهـ. وهو كما قال الزيلعي ضعيف.\nقال في الميزان فيه: روى عبَّاس، عن يحيى ليس بثقة. وقال أحمد: قد تركنا حديثه. وقال البخاري عن شعبة: سكتوا عنه، وقال النَّسائي: متروك. ثم ذكر بعض عجائبه، وعلى كل حال فهو لا يحتج به.\nواعلم: أن إبراهيم بن يزيد الخوزي كما تابعه في هذه الرواية جرير بن حازم من طريق محمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا آنفًا، أنَّه لا يحتج به، فقد تابعه أيضًا فيها غيره من الضعفاء.\nقال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر حديث إبراهيم الخوزي المذكور، عند التِّرمِذي، وابن ماجة: ورواه الدَّارَقُطني، ثم البيهقي في سننهما.\nقال الدَّارَقُطني: وقد تابع إبراهيم بن يزيد عليه محمد بن عبد الله بن عبيد ابن عمير الليثي، فرواه عن محمد بن عباد، عن ابن عمر عن النبي  -  ﷺ  -  كذلك انتهى. وهذا الذي أشار إليه رواه ابن عدي في الكامل وأعله بمحمد بن عبد الله الليثي، وأسند تضعيفه","vol":"5","page":88},{"text":"عن النَّسائي، وابن معين ثم قال: والحديث معروف بإبراهيم بن يزيد الخوزي، وهو من هذه الطَّرِيق غريب. ثم ذكر عن البيهقي إبراهيم المذكور. قال: وروى من أوجه أخر كلها ضعيفة. وروى عن ابن عبَّاس من قوله. ورويناه من أوجه صحيحة، عن الحسن، عن النبي  -  ﷺ  -  مرسلًا، وفيه قوة لهذا السند انتهى. ثم قال الزيلعي بعد هذا الكلام الذي نقلناه عنه: قال الشيخ في الإِمام: قوله: \"فيه قوة\" فيه نظر؛ لأن المعروف عندهم: أن الطَّرِيق إذا كان واحدًا، ورواه الثقات مرسلًا، وانفرد ضعيف برفعه، أن يعللوا المسند بالمرسل، ويحملوا الغلط على رواية الضعيف. فإذا كان ذلك موجبًا لضعف المسند، فكيف يكون تقوية له. اهـ. وهو كما قال كما هو معروف في الأصول وعلم الحديث. ثم قال الزيلعي: قال  - يعني الشيخ في الإِمام  -: والذي أشار إليه من قول ابن عبَّاس رواه أَبو بكر بن المنذر: حدَّثنا علان بن المغيرة، ثنا أَبو صالح عبد الله بن صالح، حدثني معاوية بن صالح، عن علي بن أبي طلحة، عن ابن عبَّاس قوله. والمرسل رواه سعيد بن منصور في سننه: حدَّثنا هشام، ثنا يونس، عني الحسن قال: لما نزلت: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال رجل: يا رسول الله، وما السبيل؟ قال  -  ﷺ  -: \"زاد وراحلة\". انتهى. حدَّثنا الهيثم، ثنا منصور، عن الحسن مثله.\nحدَّثنا خالد بن عبد الله، عن يونس، عن الحسن مثله. قال: وهذه أسانيد صحيحة إلَّا أنَّها مرسلة. وقال ابن المنذر: لا يثبت الحديث الذي فيه ذكر الزاد والراحلة مسندًا، والصحيح رواية الحسن، عن النبي  -  ﷺ  -  مرسلًا. وأما المسند فإنما رواه إبراهيم بن يزيد، وهو متروك ضعفه ابن معين وغيره. اهـ. من نصب الراية.","vol":"5","page":89},{"text":"وبهذا تعلم أن حديث ابن عمر المذكور لم يسند من وجه صحيح، ولم يثبت؛ لأن إبراهيم الخوزي متروك، ومحمد بن الحجاج المصفر الذي ذكرنا أن إبراهيم تابعه عليه جرير بن حازم من طريقه لا يحتج به، كما بيناه، وقد بينا أن متابعة محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي، لا تقويه؛ لأنه ضعيف، ضعفه النَّسائي، وأعل الحديث به ابن عدي في الكامل. وقال الذهبي في الميزان: ضعفه ابن معين. وقال البخاري: منكر الحديث. وقال النَّسائي متروك. اهـ. منه.\nوأما مرسل الحسن البصري المذكور، وإن كان إسناده صحيحًا إلى الحسن، فلا يحتج به، لأن مراسيل الحسن ﵀ لا يحتج بها.\nقال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وقال الدَّارَقُطني: مراسيل الحسن فيها ضعف. وقال في تهذيب التهذيب أيضًا: وقال محمد بن سعد: كان الحسن جامعًا عالمًا رفيعًا فقيهًا ثقة، مأمونًا، عابدًا، ناسكًا، كثير العلم، فصيحًا، جميلًا، وسيمًا، وكان ما أسند من حديثه، وروى عمن سمع منه، فهو حجة، وما أرسل فليس بحجة.\nوقال صاحب تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي: وقال أحمد بن حنبل: مرسلات سعيد بن المسيب أصح المرسلات، ومرسلات إبراهيم النخعي لا بأس بها، وليس في المرسلات أضعف من مرسلات الحسن، وعطاء؛ فإنهما كانا يأخذان عن كل واحد. انتهى.\nثم قال بعد هذا الكلام: وقال العراقي: مراسيل الحسن عندهم شبه الريح، وعدم الاحتجاج بمراسيل الحسن هو المشهور عند","vol":"5","page":90},{"text":"المحدثين. وقال بعض أهل العلم: هي صحاح إذا رواها عنه الثقات. قال ابن حجر في تهذيب التهذيب: وقال ابن المديني: مرسلات الحسن إذا رواها عنه الثقات صحاح، ما أقل ما يسقط منها. وقال أَبو زرعة: كل شيء يقول الحسن: قال رسول الله صلَّى الله عليه وعلى آله وسلَّم وجدت له أصلًا ثابتًا ما خلا أربعة أحاديث. اهـ.\nفهذا هو جملة الكلام في حديث ابن عمر عنه  -  ﷺ  -  أنَّه فسر الاستطاعة بالزاد والراحلة، وقد علمت أنَّه لم يثبت من وجه صحيح، بحسب صناعة علم الحديث.\nوأما حديث ابن عبَّاس، فرواه ابن ماجه في سننه: حدَّثنا سويد بن سعيد، ثنا هشام بن سليمان القرشي، عن ابن جريج قال. وأخبرنيه أيضًا عن ابن عطاء، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس ﵄ أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: \"الزاد والراحلة\" يعني قوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ وهذا الإِسناد فيه هشام بن سليمان بن عكرمة بن خالد بن العاص القرشي المخزومي قال فيه: أَبو حاتم مضطرب الحديث، ومحله الصدق، ما أرى به بأسًا. وقال العقيلي في حديثه عن ابن جريج: وهم، وقال فيه ابن حجر في التقريب: مقبول. اهـ.\nوقد أخرجه له مسلم.\nوقال البخاري في صحيحه في البيوع: وقال لي إبراهيم بن المنذر: أنبأنا هشام، أخبرنا ابن جريج، سمعت ابن أبي مليكة، عن نافع مولى ابن عمر قال: \"أيما ثمرة بيعت، ثم أبرت\" وذكر الحديث من قوله. وهذا يدل على أنَّه أيضًا من رجال البخاري. وقال ابن حجر في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر هذا الكلام الذي ذكرنا: وأما كون المتقدمين لم يذكروه في رجال البخاري؛ فلأن البخاري لم","vol":"5","page":91},{"text":"يخرج له سوى هذا الموضع في المتابعات، وأورده بألفاظ الشواهد. انتهى منه.\nوبما ذكرنا تعلم أن حديث ابن عبَّاس هذا عند ابن ماجة لا يقل عن درجة الحسن، مع أنَّه معتضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nوقال الزيلعي في نصب الراية: وأخرج حديث ابن عبَّاس المذكور الدَّارَقُطني في سننه، عن داود بن الزبرقان، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عبَّاس. وأخرج أيضًا عن حصين بن المخارق، عن محمد بن خالد، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عبَّاس قال: قيل: يا رسول الله الحج كل عام؟ قال: \"لا بل حجة\" قيل: فما السبيل إليه؟ قال: \"الزاد والراحلة\". انتهى.\nثم قال: وداد وحصين كلاهما ضعيفان. اهـ. وداود بن الزبرقان المذكور قال فيه ابن حجر في التقريب: متروك، وكذبه الأزدي، وحصين بن مخارق المذكور. قال فيه الذهبي في الميزان: قال الدَّارَقُطني: يضع الحديث، ونقل ابن الجوزي أن ابن حبان قال: لا يجوز الاحتجاج به. اهـ.\nوهذا حاصل ما في حديث ابن عبَّاس المذكور.\nوأما حديث أَنس فقد أخرجه الحاكم في المستدرك: حدَّثنا أَبو بكر محمد بن حازم الحافظ بالكوفة، وأَبو سعيد إسماعيل بن أحمد التاجر، قالا: ثنا علي بن عبَّاس بن الوليد البجلي، ثنا علي بن سعيد بن مسروق الكندي، ثنا ابن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قَتَادة، عن أَنس ﵁ عن النبي  -  ﷺ  -  في قوله","vol":"5","page":92},{"text":"﵎: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: قيل: يا رسول الله ما السبيل؟ قال: \"الزاد والراحلة\"، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وقد تابع حمَّاد بن سلمة سعيدًا على روايته، عن قَتَادة: حدَّثنا أَبو نصر أحمد بن سهل بن حمدوية الفقيه ببخاري، ثنا صالح بن محمد بن حبيب الحافظ، ثنا أَبو أمية عمرو بن هشام الحراني، ثنا أَبو قَتَادة، ثنا حمَّاد بن سلمة، عن قَتَادة، عن أَنس ﵁: أن رسول الله  -  ﷺ  -  سئل عن قول الله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ فقيل: ما السبيل؟ قال: \"الزاد والرحلة\"، ثم قال: هذا الحديث صحيح على شرط مسلم. ولم يخرجاه. انتهى من المستدرك. وأقره على تصحيح الطريقين المذكورتين الحافظ الذهبي، فحديث أَنس هذا صحيح كما ترى. وقال صاحب نصب الراية: ورواه الدَّارَقُطني في سننه بالإِسنادين. اهـ.\nوأما حديث عائشة فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدَّارَقُطني في سننه عن عتاب بن أعين، عن سفيان الثَّوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن أمه، عن عائشة قالت: سأل رجل رسول الله عن قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ قال: \"السبيل: الزاد والراحلة\". انتهى. رواه العقيلي في كتاب الضعفاء، وأعله بعتاب وقال: إن في حديثه وهمًا. انتهى.\nوقال البيهقي في كتاب المعرفة: وليس بمحفوظ، ثم أخرجه البيهقي، عن أبي داود الحفري، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: سئل النبي  -  ﷺ  -  عن السبيل؟ فقال: \"الزاد والراحلة\". اهـ.","vol":"5","page":93},{"text":"وقد علمت مما ذكرنا: أن حديث عائشة المذكور أعله العقيلي بعتاب بن أعين، وقال: إن في حديثه وهمًا، وأن البيهقي قال: ليس بمحفوظ. وقد قال الذهبي في الميزان في عتاب المذكور: قال العقيلي. في حديثه وهم. روى عنه هشام بن عبيد الله حديثًا خولف في سنده. انتهى منه.\nوأما مرسل الحسن الذي أشار له، فقد قدمنا الكلام عليه مستوفى قريبًا.\nوأما حديث جابر، فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدَّارَقُطني، عن محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير، عن أبي الزُّبَير أو عمرو بن دينار، عر جابر بن عبد الله ﵄ بلفظ حديث عائشة. ومحمد بن عبد الله بن عبيد الله الليثي تركوه، وأجمعوا على ضعفه، وقد تقدم، وقد قدمنا أن محمدًا المذكور لا يحتج به. وبهذا تعلم أن حديث جابر المذكور لا يصلح للاحتجاج.\nوأما حديث ابن مسعود فقد قال صاحب نصب الراية: أخرجه الدارقطني، عن بهلول بن عبيد، عن حمَّاد بن أبي سليمان، عن إبراهيم، عن علقمة عن عبد الله بن مسعود بنحوه. وبهلول بن عبيد، قال أَبو حاتم: ذاهب الحديث. اهـ.\nوقال الذهبي في الميزان في بهلول المذكور: قال أَبو حاتم: ضعيف الحديث ذاهب. وقال أَبو زرعة: ليس بشيء. وقال ابن حبان: يسرق الحديث. انتهى منه.\nوبما ذكر تعلم أن حديث ابن مسعود المذكور، ليس بصالح للاحتجاج.","vol":"5","page":94},{"text":"وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد قال صاحب نصب الراية أيضًا: أخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن ابن لهيعة، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، عن أبيه، عن جده بنحوه. وابن لهيعة والعرزمي ضعيفان. قال الشيخ في الإِمام: وقد خرج الدَّارَقُطني هذا الحديث، عن جابر، وأنس، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن مسعود، وعائشة، وليس فيها إسناد يحتج به. انتهى منه.\nهذا هو حاصل روايات الأحاديث الواردة بتفسير السبيل في الآية: بالزاد، والراحلة. وقال غيره واحد: إن هذا الحديث لا يثبت مسندًا، وأنه ليس له طريق صحيحة إلَّا الطَّرِيق التي أرسلها الحسن.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي  -  والله تعالى أعلم  -: أن حديث الزاد والراحلة المذكور ثابت لا يقل عن درجة الاحتجاج؛ لأن الطريقين اللتين أخرجهما به الحاكم في المستدرك عن أَنس قال: كلتاهما صحيحة الإِسناد، وأقر تصحيحهما الحافظ الذهبي، ولم يتعقبه بشيء. والدعوى على سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة في روايتهما الحديث، عن أَنس، عن النبي  -  ﷺ  -  أنَّها غلط، وأن الصحيح عن قَتَادة عن الحسن مرسلًا دعوى لا مستند لها، بل هي تغليط وتوهيم للعدول المشهورين من غير استناد إلى دليل.\nوالصحيح عند المحققين من الأصوليين والمحدثين: أن الحديث إذا جاء من طريق صحيحة، وجاء من طريق أخرى غير صحيحة، فلا تكون تلك الطرق علة في الصحيحة، إذا كان رواتها لم يخالفوا جميع الحفاظ، بل انفراد الثقة العدل بما لم يخالف فيه غيره مقبول عند المحققين.\nفرواية سعيد بن أبي عروبة وحماد بن سلمة الحديث المذكور","vol":"5","page":95},{"text":"عن قَتَادة، عن أَنس مرفوعًا لم يخالفوا فيها غيرهم، بل حفظوا ما لم يحفظه غيرهم، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، فادعاء الغلط عليهما بلا دليل غلط. وقول النووي في شرح المهذب: وروى الحاكم حديث أَنس، وقال: وهو صحيح، ولكن الحاكم متساهل كما سبق بيانه مرات. والله أعلم.\nيجاب عنه: بأنا لو سلمنا أن الحاكم متساهل في التصحيح، لا يلزم من ذلك أنَّه لا يقبل له تصحيح مطلقًا. ورب تصحيح للحاكم مطابق للواقع في نفس الأمر، وتصحيحه لحديث أَنس المذكور لم يتساهل فيه، ولذا لم يبد النووي وجهًا لتساهله فيه، ولم يتكلم في أحد من رواته، بل هو تصحيح مطابق.\nفإن قيل: متابعة حمَّاد بن سلمة لسعيد بن أبي عروبة المذكورة راوي عن حمَّاد هو أَبو قَتَادة عبد الله بن واقد الحراني، وهو متروك، لا يحتج بحديثه، كما جزم به غير واحد من العلماء بالرجال. وقال فيه ابن حجر في التقريب: متروك فقد تساهل الحاكم في قوله: إن هذه الطَّرِيق على شرط مسلم، مع أن في إسنادها أبا قَتَادة المذكور.\nفالجواب: أن أبا قَتَادة المذكور وإن ضعفه الأكثرون، فقد وثقه الإِمام أحمد وأثنى عليه، وناهيك بتوثيق الإِمام أحمد وثنائه، وذكر ابن حجر والذهبي: أن عبد الله بن أحمد قال لأبيه: إن يعقوب بن إسماعيل بن صبيح ذكر أن أبا قَتَادة المذكور كان يكذب، فعظم ذلك عنده جدًّا، وأثنى عليه وقال: إنه يتحرى الصدق. قال: ولقد رأيته يشبه أصحاب الحديث. وقال أحمد في موضع آخر: ما به بأس، رجل صالح، يشبه أهل النسك ربما أخطأ، وفي إحدى الروايتين عن ابن معين أنَّه قال: أَبو قَتَادة الحراني ثقة. ذكرها عنه ابن حجر","vol":"5","page":96},{"text":"والذهبي. وقول من قال: لعله كبر فاختلط تخمين وظن لا يثبت به اختلاطه، ومعلوم أن المقرر في الأصول وعلوم الحديث أن الصحيح أن التعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل إلَّا مفصلًا، مع أن رواية سعيد بن أبي عروبة، عن أَنس ليس في أحد من رواتها كلام.\nومما يؤيد ذلك موافقة الحافظ النقادة الذهبي للحاكم على تصحيح متابعة حمَّاد، مع أن حديث أَنس الصحيح المذكور معتضد بمرسل الحسن، ولا سيما على قول من يقول: أن مراسيله صحاح، إذا روتها عنه الثقات، كابن المديني وغيره، كما قدمناه.\nويؤيد ذلك أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارًا، ويؤيده أيضًا: الأحاديث المتعددة التي ذكرنا، وإن كانت ضعافًا لأنها تقوي غيرها، ولا سيما حديث ابن عبَّاس، فإنا قد ذكرنا سنده، وبينا أنَّه لا يقل عن درجة الاحتجاج.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضًا، فتصلح للاحتجاج.\nومما يؤيد الحديث المذكور أن أكثر أهل العلم على العمل به، كما قدمنا عن أبي عيسى التِّرمِذي أنَّه قال في حديث الزاد والراحلة: والعمل عليه عند أهل العلم، وقد بينا أنَّه قول الأكثرين منهم الأئمة الثلاثة: أَبو حنيفة، والشَّافعي، وأحمد.\nفالحاصل: أن حديث الزاد والراحلة، لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي أن المعتبر في ذلك ما يبلغه ذهابًا وإيابًا.","vol":"5","page":97},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي  -  والله تعالى أعلم  -: أن حديث الزاد والراحلة وإن كان صالحًا للاحتجاج لا يلزم منه أن القادر على المشي على رجليه بدون مشقة فادحة لا يلزمه الحج، إن كان عاجزًا عن تحصيل الراحلة، بل يلزمه الحج لأنه يستطيع إليه سبيلًا، كما أن صاحب الصنعة التي يحصل منها قوته في سفر الحج يجب عليه الحج؛ لأن قدرته على تحصيل الزاد في طريقه كتحصيله بالفعل.\nفإن قيل: كيف قلتم بوجوبه على القادر على المشي على رجليه، دون الراحلة مع اعترافكم بقبول تفسير النبي  -  ﷺ  -  السبيل: بالزاد والراحلة، وذلك يدل على أن المشي على الرجلين ليس من السبيل المذكور في الآية.\nفالجواب من وجهين.\nالأول: أن الظاهر المتبادر أنه  -  ﷺ  -  فسر الآية بأغلب حالات الاستطاعة؛ لأن الغالب أن أكثر الحجاج آفاقيون، قادمون من بلاد بعيدة، والغالب عجز الإِنسان عن المشي على رجليه في المسافات الطويلة، وعدم إمكان سفره بلا زاد، ففسر  -  ﷺ  -  الآية بالأغلب، والقاعدة المقررة في الأصول أن النص إذا كان جاريًا على الأمر الغالب، لا يكون له مفهوم مخالفة، ولأجل هذا منع جماهير العلماء تزويج الرجل ربيبته التي لم تكن في حجره قائلين: إن قوله تعالى: ﴿الَّلاتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ جرى على الغالب، فلا مفهوم مخالفة له كما قدمناه مرارًا، وإذا كان أغلب حالات الاستطاعة الزاد والراحلة، وجرى الحديث على ذلك فلا مفهوم مخالفة له، فيجب الحج على القادر على المشي على رجليه، إما لعدم طول المسافة، وإما لقوة","vol":"5","page":98},{"text":"ذلك الشخص على المشي، وكذلك يجب على ذي الصنعة التي يحصل منها قوته في سفره؛ لأنه في حكم واجد الزاد في المعنى. والعلم عند الله تعالى.\nالوجه الثاني: أن الله جل وعلا سوى في كتابه بين الحاج الراكب، والحاج الماشي على رجليه، وقدم الماشي على الراكب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾.\nوقد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة مستوفى، هذا هو حاصل ما يتعلق بالمستطيع بنفسه.\nوأما ما يسمونه المستطيع بغيره فهو نوعان:\nالأول منهما: هو من لا يقدر على الحج بنفسه، لكونه زمنًا، أو هرمًا ونحو ذلك، ولكنه له مال يدفعه إلى من يحج عنه، فهل يلزمه الحج نظرًا إلى أنه مستطيع بغيره، فيدخل في عموم: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾؟ أو لا يجب عليه الحج؛ لأنه عاجز غير مستطيع بالنظر إلى نفسه، فلا يدخل في عموم الآية.\nوبالقول الأول قال الشافعي وأصحابه، فيلزمه عندهم أجرة أجير يحج عنه بشرط أن يجد ذلك بأجرة المثل.\nقال النووي: وبه قال جمهور العلماء، منهم علي بن أبي طالب، والحسن البصري، والثوري، وأبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وابن المنذر، وداود.\nوقال مالك: لا يجب عليه ذلك، ولا يجب إلَّا أن يقدر على الحج بنفسه. واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا","vol":"5","page":99},{"text":"مَا سَعَى (٣٩)﴾ وبقوله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ وهذا لا يستطيع بنفسه، فيصدق عليه اسم غير المستطيع، وبأنها عبادة لا تصح فيها النيابة مع القدرة، فكذلك مع العجز، كالصلاة.\nواحتج الأكثرون القائلون بوجوب الحج عليه بأحاديث رواها الجماعة:\nمنها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس، عن الفضل بن عباس  -  ﵃  -  أن امرأة (ح) حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، حدثنا ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن ابن عباس  -  ﵄  -  قال: جاءت امرأة من خثعم عام حجة الوداع قالت: يا رسول الله، إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يستوي على الراحلة، فهل يقضي عنه أن أحج عنه؟ قال: \"نعم\" وفي رواية في صحيح البخاري عن ابن عباس فقالت: إن فريضة الله أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: \"نعم\" وذلك في حجة الوداع.\nوفي لفظ في صحيح البخاري، عن ابن عباس: إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يثبت على الراحلة أفأحج عنه؟ قال: \"نعم\" وذلك في حجة الوداع. اهـ.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن سليمان بن يسار، عن عبد الله بن عباس \"أنه كان الفضل رديف رسول الله، فجاءت امرأة من خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها، وتنظر إليه، فجعل رسول الله  -  ﷺ  -  يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر،","vol":"5","page":100},{"text":"قالت: يا رسول الله إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخًا كبيرًا لا يستطيع أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه قال: \"نعم\" وذلك في حجة الوداع.\nوفي لفظ لمسلم قالت: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير عليه فريضة الله في الحج، وهو لا يستطيع أن يستوي على ظهر بعيره. قال النبي  -  ﷺ  -  \"فحجي عنه\". اهـ.\nوهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان أخرجه باقي الجماعة، إلّا أن بعضهم يرويه عن ابن عباس، وهو عبد الله، وبعضهم يرويه عن أخيه الفضل بن عباس، عن النبي  -  ﷺ  - .\nوقال أبو داود في سننه: حدثنا حفص بن عمر، ومسلم بن إبراهيم بمعناه قالا: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين  - قال حفص في حديثه: رجل من بني عامر -  أنه قال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الحج، ولا العمرة، ولا الظعن. قال: \"احجج عن أبيك واعتمر\". وقال أبو عيسى الترمذي: حدثنا يوسف بن عيسى، نا وكيع عن شعبة، عن النعمان بن سالم، عن عمرو بن أوس، عن أبي رزين العقيلي أنه أتى النبي  -  ﷺ  -  فقال: يا رسول الله: إن أبي شيخ كبير ... إلى آخر الحديث كلفظ أبي داود الذي ذكرنا، ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. وإنما ذكرت العمرة عن النبي  -  ﷺ  -  في هذا الحديث أن يعتمر الرجل عن غيره. وأبو رزين العقيلي اسمه لقيط بن عامر. انتهى منه.\nوحديث أبي رزين هذا أخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعن علي بن محمد قال: حدثنا وكيع، عن شعبة به،","vol":"5","page":101},{"text":"نحو ما تقدم. وأخرجه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.\nوقال الترمذي بعد ذكره الحديث المتفق عليه في قصة استفتاء الخثعمية ما نصه. وقد صح عن النبي  -  ﷺ  -  في هذا الباب غير حديث. والعمل على هذا عند أهل العلم من أصحاب النبي  -  ﷺ  -  وغيرهم، وبه يقول الثوري، وابن المبارك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق: يرون أن يحج عن الميت.\nوقال مالك: إذا أوصى أن يحج عنه حج عنه. وقد رخص بعضهم أن يحج عن الحي، إذا كان كبيرًا أو بحال لا يقدر أن يحج، وهو قول ابن المبارك والشافعي. انتهى من سنن الترمذي.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا وكيع، قال: حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم ... إلى آخر السند والمتن كما ذكرناه آنفًا عند الترمذي. اهـ.\nوعن علي  -  ﵁  -: أن النبي  -  ﷺ  -  جاءته امرأة شابة من خثعم فقالت: إن أبي كبير، وقد أفند وأدركته فريضة الله في الحج، ولا يستطيع أداءها فيجزئ عنه أن أؤديها عنه؟ قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"نعم\" رواه أحمد والترمذي، وصححه. انتهى منهما بواسطة نقل المجد في المنتقى، والنووي في شرح المهذب.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحديث علي أخرجه أيضًا البيهقي. اهـ. وقوله في هذا الحديث: وقد أفند، أي: خرف وضعف عقله من الهرم.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا","vol":"5","page":102},{"text":"جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير، قال: جاء رجل من خثعم إلى رسول الله  -  ﷺ  -  فقال: إن أبي شيخ كبير لا يستطيع الركوب، وأدركته فريضة الله في الحج فهل يجزئ أن أحج عنه؟ قال: \"آنت أكبر ولده\"؟ قال: نعم، قال: \"أرأيت لو كان عليه دين أكنت تقضيه\"؟ قال: نعم. قال: \"فحج عنه\" وفي لفظ النسائي، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله  -  ﷺ  -  إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: \"أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه\"؟ قال: نعم، قال: \"فدَين الله أحق\" وفي لفظ عند النسائي، عن ابن عباس أن رجلًا سأل النبي  -  ﷺ  -: إن أبي أدركه الحج، وهو شيخ كبير لا يثبت على راحلته، فإن شددته خشيت أن يموت، أفأحج عنه؟ قال: \"أرأيت لو كان عليه دَين فقضيته، أكان مجزئًا\"؟ قال: نعم. قال: \"فحج عن أبيك\". اهـ. من سنن النسائي.\nوحديث ابن الزبير الذي ذكرناه آنفًا عند النسائي قال المجد في المنتقى: رواه الإِمام أحمد، والنسائي بمعناه.\nوقال الشوكاني: قال الحافظ: إن إسناده صالح. انتهى. والأحاديث بمثل هذا كثيرة.\nوأما النوع الثاني من نوعي المستطيع بغيره، فهو من لا يقدر على الحج بنفسه، وليس له مال يدفعه لمن يحج عنه، ولكن له ولد يطيعه إذا أمره بالحج والولد مستطيع، فهل يجب الحج على الوالد، ويلزمه أمر الولد بالحج عنه لأنه مستطيع بغيره؟ فيه خلاف بين أهل العلم.\nقال النووي في شرح المهذب: فرع: في مذاهبهم في المعضوب إذا لم يجد ما لا يحج به غيره، فوجد من يطيعه، قد ذكرنا","vol":"5","page":103},{"text":"أن مذهبنا وجوب الحج عليه. وقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد: لا يجب عليه، وقد علمت أن مالكًا احتج في مسألة العاجز الذي له مال بقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وبأنه عاجز بنفسه فهو غير مستطيع إلى الحج سبيلًا ... إلى آخر ما تقدم، وبأن سعيد بن منصور وغيره رووا عن ابن عمر بإسناد صحيح أنه لا يحج أحد عن أحد، ونحوه عن الليث ومالك، وأن الذين خالفوه احتجوا بالأحاديث التي ذكرنا وفيها ألفاظ ظاهرها الوجوب؛ كتشبيهه بدين الآدمي، وكقول السائل: يجزئ عنه أن أحج عنه. والإِجزاء دليل المطالبة، وفي بعض رواياتها أن السائل يقول: إن عليه فريضة الحج، ويستأذن النبي في الحج عنه، وهو  -  ﷺ  -  لم يبين له أن الحج سقط عنه بزمانته وعجزه عن الثبوت على الراحلة، وبقوله للولد: \"آنت أكبر ولده\" وأمره بالحج عنه.\nوأما الذين فرقوا بين وجود المعضوب مالًا فأوجبوا عليه الحج، وبين وجوده ولدًا يطيعه فلم يوجبوه عليه؛ فلأن المال ملكه، فعليه أن يستأجر به، والولد مكلف آخر ليس ملزمًا بفرض على شخص آخر؛ ولأنه وإن كان له ولد فليس بمستطيع ببدن، ولا بزاد وراحلة، ولو وجد إنسانًا غير الولد يطيعة في الحج عنه، فهل يكون حكمه حكم الولد؟ فيه خلاف معروف. وفي فروع الشافعية توجيه كل قول منها، فانظره في النووي في شرح المهذب، وأظهرها أنه كالولد.\nتنبيه\nإذا مات الشخص، ولم يحج، وكان الحج قد وجب عليه لاستطاعته بنفسه، أو بغيره عند من يقول بذلك، وكان قد ترك مالًا،","vol":"5","page":104},{"text":"فهل يجب أن يحج ويعتمر عنه من ماله؟ في ذلك خلاف بين أهل العلم، فقال بعضهم: يجب أن يحج عنه، ويعتمر عنه من تركته، سواء مات مفرطًا، أو غير مفرط؛ لكون الموت عاجله عن الحج فورًا. وبهذا قال الشافعي، وأحمد.\nقال ابن قدامة في المغني: وبهذا قال الحسن، وطاوس، والشافعي. وقال أبو حنيفة، ومالك: يسقط بالموت، فإن أوصى بذلك، فهو في الثلث. وبهذا قال الشعبي والنخعي لأنه عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة.\nواحتجوا أيضًا أن ظاهر القرآن كقوله: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ مقدم على ظاهر الأحاديث، بل على صريحها؛ لأنه أصح منها.\nوأجاب المخالفون بأن الأحاديث مخصصة لعموم القرآن، وبأن المعضوب وجب عليه الحج بسعيه، بتقديم المال، وأجرة من يحج عنه، فهذا من سعيه.\nوأجابوا عن قياسه على الصلاة بأنها لا تدخلها النيابة، بخلاف الحج.\nوالذين قالوا: يجب أن يحج عنه من رأس ماله استدلوا بأحاديث جاءت في ذلك، تقتضي أن من مات وقد وجب عليه الحج قبل موته أنه يحج عنه.\nمنها: ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس  -  ﵄  -: أن امرأة من جهينة جاءت إلى","vol":"5","page":105},{"text":"النبي  -  ﷺ  -، فقالت: إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج، حتى ماتت، أفأحج عنها؟ قال: \"نعم حجي عنها، أرأيت لو كان على أمك دَين أكنت قاضيته، اقضوا الله فالله أحق بالوفاء\". اهـ.\nوالحج في هذا الحديث وإن كان منذورًا فإيجاب الله له على عباده في كتابه أقوى من إيجابه بالنذر. واستدل بالحديث المذكور بعض أهل العلم على صحة نذر الحج ممن لم يحج.\nقال ابن حجر في الفتح: فإذا حج أجزأه عن حجة الإِسلام، عند الجمهور، وعليه الحج عن النذر. وقيل: يجزئ عن النذر، ثم يحج حجة الإِسلام. وقيل: يجزئ عنهما.\nوقال البخاري أيضًا في كتاب: الأيمان والنذور: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ قال: أتى رجل النبي  -  ﷺ  -  فقال له: إن أختي نذرت أن تحج، وإنها ماتت، فقال النبي  -  ﷺ  -: \"لو كان عليها دين أكنت قاضيه؟ \" قال: نعم، قال: \"فاقض الله فهو أحق بالقضاء\". اهـ.\nوقال المجد في المنتقى بعد أن أشار لحديث البخاري هذا: وهو يدل على صحة الحج عن الميت من الوارث وغيره، حيث لم يستفصله أوارث هو، أو لا؟ وشبهه بالدين. انتهى.\nوقد تقرر في الأصول: أن عدم الاستفصال من النبي  -  ﷺ  -، أي: طلب التفصيل في أحوال الواقعة، ينزل منزلة العموم القولي. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nونزّلن تركَ الاستفصالِ ... منزلةَ العمومِ في الأقْوَالِ\nوخالف في هذا الأصل أبو حنيفة ﵀ كما هو مقرر في","vol":"5","page":106},{"text":"الأصول، مع بيان الخلاف في المسائل الفقهية، تبعًا للخلاف في هذا الأصل المذكور.\nومنها: ما رواه النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن بشار قال: حدثنا محمد قال: حدثنا شعبة، عن أبي بشر قال: سمعت سعيد بن جبير، يحدث عن ابن عباس أن امرأة نذرت أن تحج فماتت، فأتى أخوها النبي  -  ﷺ  -  فسأله عن ذلك، فقال: \"أرأيت لو كان على أختك دَيْن أكنت قاضيه؟ \" قال: نعم قال: \"فاقضوا الله، فهو أحق بالوفاء\" انتهى.\nوهذه الأحاديث التي ذكرنا في نذر الحج، وقد بينا أن إيجاب الله فريضة الحج أعظم من إيجابها بالنذر، مع أن النبي  -  ﷺ  -  أمر بقضائها وشبهها بِدينِ الآدميّ. وسنذكر أيضًا إن شاء الله أحاديث ليس فيها نذر الحج.\nقال النسائي في سننه: أخبرنا أبو عاصم خشيش بن أصرم النسائي، عن عبد الرزاق، قال: أنبأنا معمر، عن الحكم بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال رجل: يا رسول الله إن أبي مات ولم يحج، أفأحج عنه؟ قال: \"أرأيت لو كان على أبيك دَين أكنت قاضيه؟ \" قال: نعم. قال: \"فدين الله أحق\". اهـ.\nورجال هذا الإِسناد ثقات معروفون، لا كلام في أحد منهم، إلَّا الحكم بن أبان العدني. وقد قال فيه ابن معين، والنسائي: ثقة. وقال أبو زرعة: صالح. وقال العجلي: ثقة صاحب سنة. قال ابن عيينة: أتيت عدن، فلم أر مثل الحكم بن أبان، وعده ابن حبان في الثقات. وقال: ربما أخطأ. وإنما وقع المناكير في روايته من رواية ابنه إبراهيم عنه، وإبراهيم ضعيف. وحكى ابن خلفون: توثيقه","vol":"5","page":107},{"text":"عن ابن نمير، وابن المديني، وأحمد بن حنبل. اهـ.\nوقال ابن عدي: فيه ضعف. وقال ابن خزيمة في صحيحه: تكلم أهل المعرفة بالحديث في الاحتجاج بخبره. وبما ذكر تعلم صحة الاحتجاج بالحديث المذكور، وليس فيه نذر الحج.\nوقال النسائي في سننه أيضًا: أخبرنا عمران بن موسى قال: حدثنا عبد الوارث، قال: حدثنا أبو التياح، قال: حدثني موسى بن سلمة الهذلي، أن ابن عباس قال: أمرت امرأة سنان بن سلمة الجهني أن تسأل رسول الله  -  ﷺ  -  أن أمها ماتت، ولم تحج، أفيجزئ عن أمها أن تحج عنها؟ قال: \"نعم لو كان على أمها دين فقضته عنها ألم يكن يجزئ عنها؟ فلتحج عن أمها\" وهذا الإِسناد صحيح. وفي لفظ عند النسائي أيضًا، عن ابن عباس، بإسناد آخر: أن امرأة سألت النبي  -  ﷺ  -، عن أبيها، مات ولم يحج. قال: \"حجي عن أبيك\" وإسناده صحيح أيضًا. وأخرج ابن ماجه نحوه من حديث ابن عباس بإسناد آخر صحيح.\nوقال المجد في المنتقى: وعن ابن عباس  -  ﵄  -  قال: أتى النبي  -  ﷺ  -  رجل، فقال: إن أبي مات، وعليه حجة الإِسلام، أفأحج عنه؟ قال: \"أرأيت لو أن أباكَ تركَ دَينًا عليه أقضيته عنه؟ \" قال: نعم قال: \"فاحجج عن أبيك\" رواه الدارقطني. انتهى من المنتقى.\nوقال الترمذي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، نا عبد الرزاق، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: جاءت امرأة إلى النبي  -  ﷺ  -  فقالت: إن أمي ماتت، ولم تحج، أفأحج عنها؟ قال: \"نعم حجي","vol":"5","page":108},{"text":"عنها\". اهـ. ثم قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح. اهـ. وأخرج البيهقي نحوه بإسناد صحيح.\nوقال الشافعي في مسنده: أخبرنا سعيد بن سالم، عن حنظلة، سمعت طاوسًا يقول: أتت النبي  -  ﷺ  -  امرأة، فقالت: إن أمي ماتت، وعليها حج قال: \"حجي عن أمك\" ولا يخفى أن حديث الشافعي هذا مرسل، ولكنه معتضد بما تقدم من الأحاديث وبما سيأتي إن شاء الله.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني علي بن حجر السعدي، حدثنا علي بن مسهر أبو الحسن، عن عبد الله بن عطاء، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه ﵁ قال: بينا أنا جالس عند رسول الله  -  ﷺ  -  إذ أتته امرأة فقالت: إني تصدقت على أمي بجارية، وإنها ماتت قال: فقال: \"وجب أجرك وردها عليك الميراث\" قالت: يا رسول الله إنه كان عليها صوم شهر، أفأصوم عنها؟ قال: \"صومي عنها\"، قالت: إنها لم تحج قط، أفأحج عنها؟ قال: \"حجي عنها\" انتهى من صحيح مسلم.\nفهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن وجب عليه الحج في الحياة، وترك مالًا وجب أن يحج عنه، وليست كلها ظاهرة في ذلك، ولكن بعضها ظاهر فيه كتشبيهه بِديْن الآدمي، ونحو ذلك مما تقدم.\nوأجاب المخالفون بأن الحج أعمال بدنية وإن كانت تحتاج إلى مال، والأعمال البدنية تسقط بالموت، فلا وجوب لعمل بعد الموت، والذي يحج عنه متطوع، وفاعل خيرًا. قالوا: ووجه تشبيهه بالدَّين انتفاع كل منهما بذلك الفعل، فالمدين ينتفع بقضاء الدين عنه، والميت ينتفع بالحج عنه، ولا يلزم من قضاء الدين عن أحد أن","vol":"5","page":109},{"text":"القضاء عنه واجب، بل يجوز أن يكون قضاؤه عنه غير واجب عليه.\nواحتجوا أيضًا بأن جميع الأحاديث الواردة بالحج عن الميت واردة بعد الاستئذان في الحج عنه، قالوا: والأمر بعد الاستئذان كالأمر بعد الحظر، فهو للإِباحة؛ لأن الاستئذان والحظر الأول كلاهما قرينة على صرف الأمر عن الوجوب إلى الإِباحة.\nقال ابن السبكي في جمع الجوامع في مبحث الأمر: فإن ورد بعد حظر قال الإِمام: أو استئذان فللإِباحة، وقال أبو الطيب، والشيرازي، والسمعاني، والإِمام: للوجوب، وتوقف إمام الحرمين انتهى منه. فتراه صدر بأن الأمر بعد الاستئذان للإِباحة، والخلاف في المسألة معروف، وقد ذكرنا فيه أقوال أهل العلم في أبيات مراقي السعود في أول سورة المائدة.\nومن أمثلة كون الأمر بعد الاستئذان للإِباحة أن الصحابة - ﵃ - لما سألوا النبي - ﷺ - عما اصطادوه بالجوارح، واستأذنوه في أكله، نزل دي ذلك قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيكُمْ﴾ فصار هذا الأمر بالأكل للإِباحة؛ لأنه وارد بعد سؤال، واستئذان.\nومن أمثلته من السنَّة حديث مسلم: أأصلي في مرابض الغنم؟ قال: \"نعم\" الحديث، فإن معنى نعم هنا: صَلِّ فيها. وهذا الأمر بالصلاة فيها للإِباحة؛ لأنه بعد الاستئذان، وخلاف أهل الأصول في مسألة الأمر بعد الحظر، أو الاستئذان معروف.\nهذا هو حاصل كلامهم في المستطيع بغيره، ووجوب الحج عمن وجب عليه في الحياة، ومات قبل أن يحج وترك مالًا، وقد علمت أدلتهم ومناقشتها.","vol":"5","page":110},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأحاديث التي ذكرنا تدل قطعًا على مشروعية الحج عن المعضوب، والميت.\nوقد قدمنا أن الأظهر عند وجوب الحج فورًا، وعليه فلو فرط، وهو قادر على الحج حتى مات مفرطًا مع القدرة أنه يحج عندنا من رأس ماله إن ترك مالًا؛ لأن فريضة الحج ترتبت في ذمته، فكانت دَيْنًا عليه، وقضاء دين الله صرح النبي  -  ﷺ  -  في الأحاديث المذكورة بأحقيته، حيث قال: \"فَدَيْنُ الله أحق أن يُقضى\".\nأما من عاجله الموت قبل التمكن، فمات غير مفرط، فالظاهر لنا أنه لا إثم عليه، ولا دَيْن لله عليه؛ لأنه لم يتمكن من أداء الفعل حتى يترتب في ذمته، ولن يكلف الله نفسًا إلَّا وسعها. وقد دلت الأحاديث المذكورة على جواز حج الرجل عن المرأة، وعكسه، وعليه عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلَّا الحسن بن صالح بن حي.\nوالأحاديث المذكورة حجة عليه، وقد قدمنا أن مالكًا ﵀ ومن وافقوه لم يعملوا بظاهر هذه الأحاديث التي ذكرنا مع كثرتها وصحتها؛ لأنها مخالفة عندهم لظاهر القرآن في قوله: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وقوله: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ والمعضوب والميت ليس واحد منهما بمستطيع، لصدق قولك: إنه غير مستطيع بنفسه.\nواعلم أن ما اشتهر عن مالك من أنه يقول: لا يحج أحد عن أحد: معناه عنده: أن الصحيح القادر لا يصح الحج عنه في الفرض. والمعضوب عنده ليس بقادر، وأحرى الميت؛ فالحج عنهما من مالهما لا يلزم عنده إلَّا بوصية، فإن أوصى به صح من الثلث. وتطوع وليه بالحج عنه خلاف الأولى عنده، بل مكروه.","vol":"5","page":111},{"text":"والأفضل عنده أن يجعل ذلك المال الذي يحج به عنه في غير الحج، كأن يتصدق به عنه، أو يعتق به عنه، ونحو ذلك، فإن أحرم بالحج عنه انعقد إحرامه وصح حجه عنه.\nوالحاصل: أن النيابة عن الصحيح في الفرض عنده ممنوعة، وفي غير الفرض مكروهة، والعاجز عنده لا فرض عليه أصلًا للحج.\nقال خليل بن إسحاق في مختصره: \"ومنع استنابة صحيح في فرض، وإلَّا كره\". اهـ.\nوقال شارحه الحطاب: ويدخل في قول المصنف: \"وإلَّا كره\" بحسب الظاهر ثلاث صور: استنابة الصحيح في النفل، واستنابة العاجز في الفرض، وفي النفل، لكن في التحقيق ليس هنا إلَّا صورتان؛ لأن العاجز لا فريضة عليه. اهـ.\nواعلم: أن بعض المالكية حمل الكراهة المذكورة على التحريم، والأحاديث التي ذكرنا حجة على مالك، ومن وافقه، والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن ما عليه جمهور العلماء من جواز الحج، عن المعضوب، والميت محله فيما إذا كان الذي يحج عنهما قد حج عن نفسه حجة الإِسلام خلافًا لمن لم يشترط ذلك.\nواحتج الجمهور القائلون بأن النائب عن غيره في الحج لا بد أن يكون حج عن نفسه حجة الإِسلام بحديث جاء في ذلك.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا إسحاق بن إسماعيل الطالقاني، وهناد بن السري  - المعنى واحد -، قال إسحاق: ثنا عبدة بن","vol":"5","page":112},{"text":"سليمان، عن ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن النبي  -  ﷺ  -  سمع رجلًا يقول: لبيك عن شبرمة قال: \"من شبرمة؟ \" قال: أخ لي، أو قريب لي، قال: \"حججت عن نفسك؟ \" قال: لا، قال: \"حج عن نفسك، ثم عن شبرمة\".\nوقال ابن ماجه في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، ثنا عبدة بن سليمان، عن سعيد، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن رسول الله  -  ﷺ  -  سمع رجلًا يقول: لبيك عن شُبْرمة، فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من شبرمة؟ \" قال: قريب لي، قال: \"هل حججت قط؟ \" قال: لا، قال: \"فاجعل هذه عن نفسك، ثم حج عن شبرمة\" وإسناد هذا الحديث عند أبي داود وابن ماجه رجاله كلهم ثقات، معروفون، إلَّا عزرة الذي رواه عنه قتادة، وقتادة روى عن ثلاثة كلهم اسمه عزرة. وعزرة المذكور في إسناد هذا الحديث عند أبي داود، وابن ماجه ذكراه غير منسوب، وجزم البيهقي بأنه عزرة بن يحيى، وعزرة بن يحيى لم يذكره البخاري في التاريخ، ولا ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل، ولم يخصه ابن حجر في تهذيب التهذيب بترجمة، ولم يذكره الذهبي في الميزان، وقد ذكره ابن حجر في التقريب، وقال فيه: مقبول.\nوقد روى هذا الحديث أيضًا الدارقطني، وابن حبان في صحيحه. وروى البيهقي من طريق عبدة بن سليمان الكلابي، عن سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن عزرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن النبي  -  ﷺ  - . ثم قال: هذا إسناد صحيح، ليس في هذا الباب أصح منه. أخرجه أبو داود في السنن عن إسحاق بن","vol":"5","page":113},{"text":"إسماعيل، وهناد بن السري، عن عبدة. وقال: يحيى بن معين، أثبت الناس سماعًا عن سعيد عبدة بن سليمان، ثم قال: قال الشيخ: وكذلك رواه أبو يوسف القاضي، عن سعيد، ثم ساق بإسناده رواية أبي يوسف، وأورد متن الحديث كما سبق، ثم قال: وكذلك روى عن محمد بن عبد الله الأنصاري، ومحمد بن بشر، عن ابن أبي عروبة، ورواه غندر عن سعيد بن أبي عروبة موقوفًا على ابن عباس. ومن رواه مرفوعًا حافظ ثقة، فلا يضره خلاف من خالفه. وعزرة هذا هو عزرة بن يحيى. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ قال: سمعت أبا علي الحافظ يقول ذلك، وقد روى قتادة أيضًا عن عزرة بن تميم، وعن عزرة بن عبد الرحمن. اهـ. من البيهقي. وقد أورد روايات أخر عن ابن عباس تؤيد الحديث المذكور، وذكره ابن حجر في التلخيص وأطال فيه الكلام، وذكر كلام البيهقي في تصحيحه، وكلام من لم يصححه، وذكر طرقه ثم قال ما نصه: فيجتمع من هذا صحة الحديث. اهـ. محل الغرض منه.\nوقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عباس في قصة شبرمة فرواه أبو داود، والدارقطني، والبيهقي، وغيرهم بأسانيد صحيحة، ثم ذكر لفظ أبي داود كما قدمنا، ثم قال: وإسناده على شرط مسلم. والظاهر أن النووي يظن أن عزرة المذكور في إسناده هو ابن عبد الرحمن، وذلك من رجال مسلم، والواقع خلاف ذلك، وهو عزر بن يحيى كما جزم به البيهقي. ثم قال النووي: ورواه البيهقي بإسناد صحيح عن ابن عباس. ثم ذكر بعض ما ذكرنا سابقًا من تصحيح البيهقي للحديث، وأن رفعه أصح من وقفه.\nفتحصل من هذا كله أن الحديث صالح للاحتجاج، وفيه دليل","vol":"5","page":114},{"text":"على أن النائب في الحج، لا بد أن يكون قد حج عن نفسه، وقاس العلماء العمرة على الحج في ذلك، وهو قياس ظاهر، والعلم عند الله تعالى.\nوخالف في ذلك بعض العلماء كأبي حنيفة ومن وافقه، فقالوا: يصح حج النائب عن غيره وإن لم يحج عن نفسه، واستدلوا بظواهر الأحاديث التي ذكرناها في الحج عن المعضوب والميت، فإن النبي  -  ﷺ  -  يقول فيها: \"حج عن أبيك، حج عن أمك\"، ونحو ذلك من العبارات، ولم يسأل أحدًا منهم هل حج عن نفسه أو لا. وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر تقديم الحديث الخاص الذي فيه قصة شُبرمة؛ لأنه لا يتعارض عام وخاص، فلا يحج أحد عن أحد، حتى يحج عن نفسه حجة الإِسلام. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nقد علمت مما مر أن الحج واجب مرة في العمر، وهل ذلك الوجوب على سبيل الفور أو التراخي؟\nاختلف أهل العلم في ذلك وسنبين هنا إن شاء الله أقوالهم، وحججهم، وما يرجحه الدليل عندنا من ذلك: فممن قال: إن وجوبه على التراخي: الشافعي وأصحابه. قال النووي: وبه قال الأوزاعي، والثوري، ومحمد بن الحسن، ونقله الماوردي عن ابن عباس، وأنس، وجابر، وعطاء، وطاوس. وممن قال إنه على الفور: الإِمام أحمد، وأبو يوسف، وجمهور أصحاب أبي حنيفة والمزني. قال النووي: ولا نص في ذلك لأبي حنيفة. وقال صاحب تبيين الحقائق","vol":"5","page":115},{"text":"في الفقه الحنفي: إن القول بأنه على الفور قول أبي يوسف، وعن أبي حنيفة ما يدل عليه، فإن ابن شجاع روى عنه أن الرجل إذا وجد ما يحج به وقد قصد التزوج، قال: يحج، ولا يتزوج، لأن الحج فريضة أوجبها الله على عبده، وهذا يدل على أنه على الفور انتهى.\nوأما مذهب مالك فعنه في المسألة قولان مشهوران، كلاهما شهره بعض علماء المالكية.\nأحدهما: أنه على الفور، والثاني: أنه على التراخي، ومحل الخلاف المذكور ما لم يخشَ الفوات بسبب من أسباب الفوات، فإن خشيه وجب عندهم فورًا اتفاقًا.\nقال خليل بن إسحاق في مختصره في الفقه المالكي: \"وفي فوريته وتراخيه لخوف الفوات خلاف\". اهـ.\nوقد ذكر في ترجمته أنه إن قال في مختصره: \"خلاف\"، فهو يعني بذلك اختلافهم في تشهير القول.\nوقال الشيخ المواق في كلامه على قول خليل المذكور ما نصه: الجلاب: من لزمه فرض الحج لم يجز له تأخيره، إلَّا من عذر وفرضه على الفور دون التراخي، والتسويف، وعن ابن عرفة هذا للعراقيين، وعزا لابن محرز والمغاربة وابن العربي، وابن رشد: أنه على التراخي ما لم يخف فواته.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه حججهم.\nأما الذين قالوا: إنه على التراخي فاحتجوا بأدلة.\nمنها: أنهم قالوا: إن الحج فرض عام ست من الهجرة، ولا","vol":"5","page":116},{"text":"خلاف أن آية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست من الهجرة في شأن ما وقع في الحديبية من إحصار المشركين رسول الله  -  ﷺ  -، وأصحابه، وهم محرمون بعمرة، وذلك في ذي القعدة من عام ست بلا خلاف، ويدل عليه ما تقدم في حديث كعب بن عجرة الذي نزل فيه: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ وذلك متصل بقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا﴾ الآية، ولذا جزم الشافعي، وغيره: بأن الحج فرض عام ست قالوا: وإذا كان الحج فرض عام ست، وكان النبي  -  ﷺ  -  لم يحج إلَّا عام عشر، فذلك دليل على أنه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما آخره عن أول وقت للحج، بعد نزول الآية. قالوا: ولا سيما أنه عام ثمان من الهجرة فتح مكة في رمضان، واعتمر عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، ثم رجع إلى المدينة، ولم يحج، قالوا: واستخلف عتاب بن أسيد، فأقام للناس الحج سنة ثمان، بأمر رسول الله  -  ﷺ  -، وكان رسول الله  -  ﷺ  -  مقيمًا بالمدينة هو أزواجه وعامة أصحابه، ولم يحجوا، قالوا: ثم غزا غزوة تبوك في عام تسع، وانصرف عنها قبل الحج، فبعث أبا بكر رضي الله تعالى عنه، فقام للناس الحج سنة تسع، ورسول الله  -  ﷺ  -  هو وأزواجه وعامة أصحابه قادرون على الحج، غير مشتغلين بقتال، ولا غيره، ولم يحجوا، ثم حج  -  ﷺ  -  هو وأزواجه وأصحابه كلهم سنة عشر حجة الوداع، قالوا: فتأخيره الحج المذكور إلى سنة عشر، دليل على أن الحج ليس وجوبه على الفور، بل على التراخي.\nواستدلوا لذلك أيضًا بما جاء في صحيح مسلم في قصة","vol":"5","page":117},{"text":"ضمام بن ثعلبة السعدي  -  ﵁  -: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا هاشم بن القاسم أبو النضر، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: نهينا أن نسأل رسول الله  -  ﷺ  -  عن شيء، فكان يعجبنا أن يجئ الرجل من أهل البادية العاقل فيسأله، ونحن نسمع، فجاءه رجل من أهل البادية فقال: يا محمد (-  ﷺ  -) أتانا رسولك فزعم لنا أنك تزعم أن الله أرسلك قال: \"صدق\" قال: فمن خلق السماء؟ قال: \"الله\" قال: فمن خلق الأرض؟ قال: \"الله\" قال: فمن نصب هذه الجبال وجعل فيها ما جعل؟ قال: \"الله\" قال: فبالذي خلق السماء، وخلق الأرض، ونصب هذه الجبال آلله أرسلك؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا خمس صلوات في يومنا وليلتنا، قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا زكاة في أموالنا، قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا صوم شهر رمضان في سنتنا، قال: \"صدق\" قال: فبالذي أرسلك آلله أمرك بهذا؟ قال: \"نعم\" قال: وزعم رسولك أن علينا حج البيت من استطاع إليه سبيلًا، قال: \"صدق\" ثم ولى قال: والذي بعثك بالحق لا أزيد عليهن، ولا أنقص منهن، فقال النبي  -  ﷺ  -: \"لئن صدق ليدخلن الجنة\". انتهى من صحيح مسلم.\nقالوا: هذا الحديث الصحيح جاء فيه وجوب الحج، وقد زعم الواقدي وغيره: أن قدوم الرجل المذكور وهو ضمام بن ثعلبة كان عام خمس، قالوا: وقد رواه شريك بن أبي نمر عن كريب فقال فيه: بعث بنو سعد ضمامًا في رجب سنة خمس، فدل ذلك على أن الحج","vol":"5","page":118},{"text":"كان مفروضًا عام خمس، فتأخيره  -  ﷺ  -  الحج إلى عام عشر دليل على أنه على التراخي، لا على الفور.\nومن أدلتهم على أنه على التراخي: \"أن النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع أمر المحرمين بالحج أن يفسخوه في عمرة\" فدل ذلك على جواز تأخير الحج، وهو دليل على أنه على التراخي.\nومن أدلتهم أيضًا: أنه إن أخر الحج من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله فإنه يسمى مؤديًا للحج لا قاضيًا له بالإِجماع، قالوا: ولو حرم تأخيره لكان قضاء لا أداء.\nومن أدلتهم على أنه على التراخي: ما هو مقرر في أصول الشافعية: وهو أن المختار عندهم أن الأمر المجرد عن القرائن، لا يقتضي الفور، وإنما المقصود منه الامتثال المجرد، فوجوب الفور يحتاج إلى دليل خاص زائد على مطلق الأمر.\nومن أدلتهم: أنهم قاسوا الحج على الصلاة الفائتة قالوا: فهي على التراخي، ويقاس الحج عليها، بجامع أن كلًّا منهما واجب ليس له وقت معين.\nومنها: أنهم قاسوه على قضاء رمضان في كونهما على التراخي، بجامع أن كليهما واجب، ليس له وقت معين. قالوا: ولكن ثبتت آثار: أن قضاء رمضان غاية زمنه مدة السنَّة. هذا هو حاصل أدلة القائلين بأن وجوب الحج على التراخي لا على الفور.\nوأما الذين قالوا: إنه على الفور فاحتجوا أيضًا بأدلة، ومنعوا أدلة المخالفين.","vol":"5","page":119},{"text":"فمن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور آيات من كتاب الله تعالى يفهم منها ذلك، وهي على قسمين:\nقسم منها: فيه الدلالة على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامره جل وعلا، والثناء على من فعل ذلك.\nوالقسم الثاني: يدل على توبيخ من لم يبادر، وتخويفه من أن يدركه الموت قبل أن يمتثل؛ لأنه قد يكون اقترب أجله، وهو لا يدري.\nأما آيات القسم الأول فكقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، فقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ قوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ﴾ فيه الأمر بالمسارعة، والمسابقة إلى مغفرته، وجنته جل وعلا، وذلك بالمبادرة، والمسابقة إلى امتثال أوامره، ولا شك أن المسارعة والمسابقة كلتاهما على الفور، لا التراخي، وكقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيرَاتِ﴾ الآية، ويدخل فيه الاستباق إلى الامتثال. وصيغ الأمر في ﴿سَابِقُوا﴾ قوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ وقوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿فَاسْتَبِقُوا﴾ تدل على الوجوب؛ لأن الصحيح المقرر في الأصول: أن صيغة افعل إذا تجردت عن القرائن اقتضت الوجوب، وإليه أشار في المراقي بقوله:\n\n• وافعل لدى الأكثر للوجوب * إلخ\nوذلك لأن الله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وقال جل وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فصرح","vol":"5","page":120},{"text":"جل وعلا بأن أمره قاطع للاختيار، موجب للامتثال، وقد سمى نبيه موسى عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك في قوله: ﴿أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ يعني قوله له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ وإنما قال موسى ذلك لأخيه هارون قبل أن يعلم حقيقة الحال، فلما علمها قال: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾.\nومما يدل على اقتضاء الأمر الوجوب: أن الله جل وعلا عنف إبليس لما خالف الأمر بالسجود، وذلك في قوله: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ والنصوص بمثل هذا كثيرة، وقد أجمع أهل اللسان العربي: أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلًا، فلم يمتثل أمره فأدبه على ذلك، أن ذلك التأديب واقع موقعه؛ لأنه عصاه بمخالفة أمره، فلو قال العبد: ليس لك أن تؤدبني؛ لأن أمرك لي بقولك اسقني ماء لا يقتضي الوجوب لقال له أهل اللسان: كذبت، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك عصيت سيدك، فدل ما ذكر على أن الشرع واللغة دلَّا على اقتضاء الأمر المجرد الوجوب، وذلك يدل على أن قوله: ﴿سَابِقُوا﴾ وقوله: ﴿وَسَارِعُوا﴾ يدل على وجوب المبادرة إلى امتثال أوامر الله فورًا.\nومن الآيات التي فيها الثناء على المبادرين إلى امتثال أوامر ربهم قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾.\nوأما القسم الدال على التخويف من الموت قبل الامتثال المتضمن الحث على الامتثال: فهو أن الله جل وعلا أمر خلقه أن ينظروا في غرائب صنعه، وعجائبه كخلقه للسماوات والأرض، ونحو","vol":"5","page":121},{"text":"ذلك في آيات من كتابه، كقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيفَ خُلِقَتْ (١٧) وَإِلَى السَّمَاءِ كَيفَ رُفِعَتْ (١٨) وَإِلَى الْجِبَالِ كَيفَ نُصِبَتْ (١٩) وَإِلَى الْأَرْضِ كَيفَ سُطِحَتْ (٢٠)﴾ ثم ذكر في آية أخرى ما يدل على أن ذلك النظر مع لزومه يجب معه النظر في اقتراب الأجل، فقد يقترب أجله، ويضيِع عليه أجر الامتثال بمعالجة الموت، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ إذ المعنى: أولم ينظروا في أنه عسى أن يكون أجلهم قد اقترب، فيضيع عليهم الأجر بعدم المبادرة قبل الموت، وفي الآية دليل واضح على أن الإِنسان يجب عليه أن يبادر إلى امتثال الأمر خشية أن يعاجله الموت قبل ذلك.\nومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور أحاديث جاءت دالة على ذلك، ولا يخلو شيء منها من مقال، إلَّا أنها تعتضد بالآيات المذكورة، وبما سنذكره إن شاء الله بعدها.\nمنها ما أخرجه أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أنبأنا الثوري، عن إسماعيل  - وهو أبو إسرائيل الملائي -  عن فضيل  - يعني: ابن عمرو -  عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس  - ﵄ -، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"تعجلوا إلى الحج\" يعني الفريضة. فقوله في هذا الحديث: \"تعجلوا\" يدل على الفور، وقد نقل حديث أحمد هذا المجد في المنتقى بحذف الإِسناد على عادته، فقال: عن ابن عباس، عن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"تعجلوا إلى الحج  - يعني الفريضة -  فإن أحدكم لا يدري ما يعرض له\" رواه أحمد. انتهى منه.","vol":"5","page":122},{"text":"وقد سكت على هذا الحديث، وسكت عليه أيضًا شارحه الشوكاني في نيل الأوطار، وظاهر سكوتهما عليه أنه صالح للاحتجاج عندهما. والظاهر عدم صلاحية هذا الحديث بانفراده للاحتجاج؛ لأن في سنده إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وهو لا يحتج بحديثه؛ لأنه ضعفه أكثر أهل العلم بالحديث، وكان شيعيًّا من غلاتهم، وكان ممن يكفر أمير المؤمنين عثمان بن عفان  -  ﵁  -؛ وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق، سيِّئ الحفظ، نسب إلى الغلو في التشيع.\nوالحاصل: أن أكثر أهل العلم لا يحتجون بحديثه، وانظر إن شئت أقوال أهل العلم في تهذيب التهذيب، والميزان وغيرهما.\nومن أدلتهم أيضًا على ذلك: ما رواه الإِمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الحسن بن عمرو الفقيمي، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -  \"من أراد الحج فليتعجل\". اهـ.\nورواه أبو داود: حدثنا مسدد، ثنا معاوية محمد بن خازم، عن الأعمش، عن الحسن بن عمرو، عن مهران أبي صفوان، عن ابن عباس قال: \"من أرد الحج فليتعجل\". اهـ.\nوقال الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو بكر بن إسحاق، أنبأنا أبو المثنى، ثنا أبو معاوية محمد بن خازم، عن الحسن بن عمرو الفقيمي، عن أبي صفوان، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من أراد الحج فليتعجل\" ثم قال: هذا حديث صحيح الإِسناد، ولم يخرجاه. وأبو صفوان هذا سماه غيره مهران مولى لقريش، ولا يعرف بالجرح. انتهى منه. وأقره الحافظ الذهبي على تصحيحه لهذا الإِسناد. ولا يخلو هذا السند من مقال؛ لأن فيه مهران أبا صفوان،","vol":"5","page":123},{"text":"قال فيه ابن حجر في التقريب: كوفي مجهول. وقال صاحب الميزان، لا يُدرى من هو. وقال فيه في تهذيب التهذيب: روي عن ابن عباس \"من أراد الحج فليتعجل\" وعنه الحسن بن عمرو الفقيمي. قال أبو زرعة: لا أعرفه إلَّا في هذا الحديث، وذكره ابن حبان في الثقات.\nقلت: وقال الحاكم لما أخرج حديثه هذا في المستدرك: لا يعرف بجرح. انتهى منه. وهو دليل على أن حديث مهران المذكور معتبر به، فيعتضد بما قبله، وبما بعده، مع أن ابن حبان عده في الثقات، وصحح حديثه الحاكم وأقره الذهبي على ذلك.\nوقال ابن ماجه في سنته: حدثنا علي بن محمد، وعمرو بن عبد الله، قالا: ثنا وكيع، ثنا إسماعيل أبو إسرائيل، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن الفضل أو أحدهما عن الآخر، قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من أراد الحج فليتعجل فإنه قد يمرض المريض، وتضل الضالة، وتعرض الحاجة\". اهـ. وفي سنده: إسماعيل بن خليفة أبو إسرائيل الملائي، وقد قدمنا قريبًا أن الأكثرين ضعفوه.\nومن أدلتهم على ذلك ما روي عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"من لم يحبسه مرض، أو مشقة ظاهرة، أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا، وإن شاء نصرانيًّا\".\nقال ابن حجر في التلخيص: هذا الحديث ذكره ابن الجوزي في الموضوعات. وقال العقيلي، والدارقطني: لا يصح فيه شيء. قلت: وله طرق:","vol":"5","page":124},{"text":"أحدها: أخرجه سعيد بن منصور في السنن، وأحمد، وأبو يعلى، والبيهقي من طرق عن شريك عن ليث بن أبي سليم، عن ابن سابط، عن أبي أمامة بلفظ \"من لم يحبسه مرض، أو حاجة ظاهرة أو سلطان جائر فلم يحج فليمت إن شاء يهوديًّا وإن شاء نصرانيًّا\" لفظ البيهقي، ولفظ أحمد \"من كان ذا يسار فمات ولم يحج\" الحديث. وليث ضعيف، وشريك سيِّئ الحفظ، وقد خالفه سفيان الثوري، فأرسله. رواه أحمد في كتاب الإِيمان له عن وكيع، عن سفيان، عن ليث، عن ابن سابط قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من مات ولم يحج ولم يمنعه من ذلك مرض حابس، أو سلطان ظالم، أو حاجة ظاهرة\" فذكره مرسلًا. وكذا ذكره ابن أبي شيبة، عن أبي الأحوص، عن ليث مرسلًا، وأورده أبو يعلى من طريق أخرى، عن شريك مخالفة للإِسناد الأول، وراويها عن شريك عمار بن مطر ضعيف. وقال الذهبي في الميزان  -  بعد أن ذكر طريق أبي يعلى هذه في ترجمة عمار بن مطر الرهاوي المذكور الراوي عن شريك: هذا منكر عن شريك.\nالثاني: عن علي بن أبي طالب  -  ﵁  -  مرفوعًا: \"من ملك زادًا وراحلة تبلغه إلى بيت الله ولم يحج فلا عليه أن يموت يهوديًّا أو نصرانيًّا، وذلك لأن الله تعالى في كتابه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ رواه الترمذي، وقال: غريب، وفي إسناده مقال، والحارث يضعف، وهلال بن عبد الله الراوي له عن أبي إسحاق مجهول. وسئل إبراهيم الحربي عنه فقال: من هلال؟ وقال ابن عدي: يعرف بهذا الحديث، وليس الحديث بمحفوظ. وقال العقيلي: لا يتابع عليه، وذكر في الميزان حديث علي هذا في","vol":"5","page":125},{"text":"ترجمة هلال بن عبد الله المذكور، وقال: قال البخاري: منكر الحديث. وقال الترمذي: مجهول، وقال العقيلي: لا يتابع على حديثه. اهـ. وقال فيه في التقريب: متروك. وقد روي عن علي موقوفًا، ولم يرو مرفوعًا من طريق أحسن من هذا، وقال المنذري: طريق أبي أمامة على ما فيها أصلح من هذه.\nالثالث: عن أبي هريرة رفعه: \"من مات ولم يحج حجة الإِسلام في غير وجع حابس، أو حاجة ظاهرة، أو سلطان جائر فليمت، أي: الميتتين شاء: إما يهوديًّا أو نصرانيًّا\" رواه ابن عدي من طريق عبد الرحمن الغطفاني، عن أبي المهزم - وهما متروكان - عن أبي هريرة. وله طريق صحيحة إلَّا أنها موقوفة، رواها سعيد بن منصور، والبيهقي، عن عمر بن الخطاب - ﵁ - قال: \"لقد هممت أن أبعث رجالًا إلى هذه الأمصار فتنظر كل من كانت له جدة ولم يحج فيضربوا عليه الجزية، ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين\" لفظ سعيد. ولفظ البيهقي أن عمر قال: ليمت يهوديًّا أو نصرانيًّا يقولها ثلاث مرات، رجل مات ولم يحج وجد لذلك سعة، وخليت سبيله.\nقلت: وإذا انضم هذا الموقوف إلى مرسل ابن سابط، علم أن لهذا الحديث أصلًا، ومحمله على من استحل الترك. وتبين بذلك خطأ من ادعى أنه موضوع. والله أعلم. اهـ من التلخيص الحبير بلفظه.\nوقول ابن حجر ومحمله على من استحل الترك هو قول من قال من المفسرين: إن الكفر في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾ يحمل على مستحل الترك، ولا دليل عليه.","vol":"5","page":126},{"text":"ووجه الدلالة من الأحاديث المذكورة على ما فيها من المقال أنها تصرح أنه لا يمنعه من الإِثم إلَّا مانع يمنعه من المبادرة إلى الحج، كالمرض، أو الحاجة الظاهرة، أو السلطان الجائر، فلو كان تراخيه لغير العذر المذكور لكان قد مات، وهو آثم بالتأخير، فدل على أن وجوب الحج على الفور، وأنه لا يجوز التراخي فيه إلا لعذر.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار  - بعد أن ساق الطرق التي ذكرناها عن صاحب التلخيص -: وهذه الطرق يقوي بعضها بعضًا وبذلك تتبين مجازفة ابن الجوزي في عده لهذا الحديث من الموضوعات، فإن مجموع تلك الطرق لا يقصر عن كون الحديث حسنًا لغيره، وهو محتج به عند الجمهور، ولا يقدح في ذلك قول العقيلي والدارقطني: لا يصح في الباب شيء؛ لأن نفي الصحة لا يستلزم نفي الحسن. اهـ محل الغرض منه.\nومن أدلتهم أيضًا على أن وجوب الحج على الفور ما قدمناه في سورة البقرة، من حديث الحجاج بن عمرو الأنصاري ﵁ قال: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"من كسر أو عرج فقد حل، وعليه الحج من قابل\" قال عكرمة: سألت ابن عباس، وأبا هريرة عن ذلك، يعني: حديث الحجاج بن عمرو المذكور فقالا: صدق. وقد قدمنا أن هذا الحديث ثابت من رواية الحجاج بن عمرو الأنصاري، وابن عباس وأبي هريرة. وقد قدمنا أنه رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، والحاكم، والبيهقي. وقد قدمنا: أنه سكت عليه أبو داود، والمنذري، وحسنه الترمذي، وأن النووي قال فيه: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، والبيهقي، وغيرهم","vol":"5","page":127},{"text":"بأسانيد صحيحة. ومحل الشاهد من الحديث المذكور قوله - ﷺ - في بعض روايات الحديث عند أبي داود، وابن ماجه: \"فقد حل، وعليه الحج من قابل\" لأن قوله: \"من قابل\" دليل على أن الوجوب على الفور، وقد قدمنا هناك ما يدل على أن ذلك القضاء الواجب على المحصر بمرض أو نحوه إنما هو في حجة الإِسلام، وأنه لا قضاء على المحصر في غيرها. وبينا أدلة ذلك هناك في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والرواية التي ذكرنا هناك: \"فقد حل، وعليه حجة أخرى\"، وهذه الرواية قد بينتها رواية: \"وعليه الحج من قابل\" وهي ثابتة، وهي دالة على الفور، مفسرة للرواية التي ذكرنا هناك.\nفهذه الأحاديث مع تعددها واختلاف طرقها تدل على أن وجوب الحج على الفور، وتعتضد بالآيات القرآنية التي قدمناها، وتعتضد بما سنذكره إن شاء الله من كلام أهل الأصول.\nواعلم أن المخالفين قالوا: إن هذه الأحاديث لم يثبت منها شيء، وأن حديث: \"من أراد أن يحج فليتعجل\" مع ضعفه حجة لهم لا عليهم؛ لأنه وكل الأمر إلى إرادته، فدل على أنه ليس على الفور، ولا يخفى أن الأحاديث التي ذكرنا لايقل مجموعها عن درجة الاحتجاج على أن وجوب الحج على الفور.\nومن أدلتهم على أن وجوب الحج على الفور: هو أن الله أمر به، وأن جماعة من أهل الأصول قالوا: إن الشرع واللغة والعقل كلها دال على اقتضاء الأمر الفور. أما الشرع فقد قدمنا الآيات القرآنية الدالة على المبادرة فورًا لامتثال أوامر الله، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وكقوله: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾","vol":"5","page":128},{"text":"الآية، وبينا دلالة تلك اليات وأمثالها على اقتضاء الأمر الفور، وأوضحنا ذلك.\nوأما اللغة: فإن أهل اللسان العربي مطبقون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء، فلم يفعل، فأدبه، فليس للعبد أن يقول له: صيغة افعل في قولك: اسقني ماء، تدل على التراخي، وكنت سأمتثل بعد زمن متراخٍ عن الأمر، بل يقولون: إن الصيغة ألزمتك فورًا، ولكنك عصيت أمر سيدك بالتواني والتراخي.\nوأما العقل: فإنا لو قلنا: إن وجوب الحج على التراخي، فلا يخلو من أحد أمرين: إما أن يكون ذلك التراخي له غاية معينة ينتهى عندها، وإما لا، والقسم الأول ممنوع؛ لأن الحج لم يعين له زمن يتحتم فيه، دون غيره من الأزمنة، بل العمر كله تستوي أجزاؤه بالنسبة إليه إن قلنا: إنه ليس على الفور.\nوالحاصل: أنه ليس لأحد تعيين غاية له لم يعينها الشرع.\nوالقسم الثاني الذي هو: أن تراخيه ليس له غاية، يقتضي عدم وجوبه؛ لأن ما جاز تركه جوازًا، لم تعين له غاية ينتهي إليها، فإن تركه جائز إلى غير غاية، وهذا يقتضي عدم وجوبه، والمفروض وجوبه.\nفإن قيل: غايته الوقت الذي يغلب على الظن بقاؤه إليه.\nفالجواب: أن البقاء إلى زمن متأخر، ليس لأحد أن يظنه؛ لأن الموت يأتي بغتة، فكم من إنسان يظن أنه يبقى سنين فيخترمه الموت فجأة، وقد قدمنا قوله تعالى في ذلك: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ولا ينتهي إلى حالة يتيقن الموت فيها إلَّا عند عجزه عن","vol":"5","page":129},{"text":"العبادات، ولا سيما العبادات الشاقة كالحج. والإِنسان طويل الأمل، يهرم، ويشب أمله، وتحديد وجوبه بستين سنة تحديد لا دليل عليه.\nفهذه جملة أدلة القائلين بأن وجوب الحج على الفور. ومنعوا أدلة المخالفين، قالوا: إن قولكم: إن الحج فرض سنة خمس بدليل قصة ضمام بن ثعلبة المتقدمة، فإن قدومه سنة خمس، وقد ذكر النبي  -  ﷺ  -  وجوب الحج، وأن قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ الآية، نزلت عام ست في عمرة الحديبية، فدلت على أن الحج مفروض عام ست، وأنه  -  ﷺ  -  آخره بعد فرضه إلى عام عشر، كل ذلك مردود، بل الحج إنما فرض عام تسع، قالوا: والصحيح أن قدوم ضمام بن ثعلبة السعدي كان سنة تسع.\nوقال ابن حجر في الإِصابة في ترجمة ضمام المذكور ما نصه: وزعم الواقدي أن قدومه كان في سنة خمس، وفيه نظر.\nوذكر ابن هشام عن أبي عبيد: أن قدومه كان سنة تسع، وهذا عندي أرجح. اهـ. منه، وانظر ترجيح ابن حجر لكون قدومه عام تسع.\nوذكر ابن كثير قدوم ضمام المذكور في حوادث سنة تسع، مع أنه ذكر قول من قال: إن قدومه كان قبل عام خمس. هذا وجه ردهم للاحتجاج بقصة ضمام. وأما وجه ردهم للاحتجاج بآية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فهو أنها لم يذكر فيها إلَّا وجوب الإِتمام بعد الشروع، فلا دليل فيها على ابتداء الوجوب. وقد أجمع أهل العلم على أن من أحرم بحج أو عمرة وجب عليه الإِتمام، ووجوب الإِتمام بعد الشروع لا يستلزم ابتداء الوجوب.","vol":"5","page":130},{"text":"قال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: وأما قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ فإنها وإن نزلت سنة ست عام الحديبية فليس فيها فريضة الحج، وإنما فيها الأمر بإتمامه، وإتمام العمرة بعد الشروع فيهما، وذلك لا يقتضي وجوب الابتداء.\nفإن قيل: فمن أين لكم تأخر نزول فرضه إلى التاسعة أو العاشرة.\nقيل: لأن صدر سورة آل عمران نزل عام الوفود، وفيه قدم وفد نجران على رسول الله  -  ﷺ  -  وصالحهم على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع، وفيها نزل صدر سورة آل عمران، وناظر أهل الكتاب ودعاهم إلى التوحيد والمباهلة، ويدل عليه أن أهل مكة وجدوا في نفوسهم على ما فاتهم من التجارة من المشركين لما أنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ فأعاضهم الله تعالى من ذلك الجزية، ونزول هذه الآيات، والمناداة بها إنما كان عام تسع، وبعث الصديق  -  ﵁  -  بذلك في مكة في موسم الحج، وأردفه بعلي  -  ﵁  -، وهذا الذي ذكرناه قد قاله غير واحد من السلف، والله أعلم. انتهى من زاد المعاد.\nفتحصل: أن آية: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ لم تدل على وجوب الحج ابتداءً، وإنما دلت على وجوب إتمامه بعد الشروع فيه كما هو ظاهر اللفظ، ولو كان يتعين كونه يدل على ابتداء الوجوب لما حصل خلاف بين أهل العلم في وجوب العمرة، والخلاف في وجوبها معروف، وسيأتي إن شاء الله إيضاحه.","vol":"5","page":131},{"text":"بل الذي أجمعوا عليه: هو وجوب إتمامها بعد الشروع فيها، كما هو ظاهر الآية، وأن قصة ضمام بن ثعلبة كانت عام تسع كما رجحه ابن حجر وغيره، فظهر سقوط الاستدلال بها وبالآية الكريمة، وأن الحج إنما فرض عام تسع كما أوضحه ابن القيم في كلامه المذكور آنفًا، لأن آية: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيهِ سَبِيلًا﴾ هي الآية التي فرض بها الحج، وهي من صدر سورة آل عمران، وقد نزل عام الوفود، وفيه قدم وقد نجران، وصالحهم النبي  -  ﷺ  -  على أداء الجزية، والجزية إنما نزلت عام تبوك سنة تسع كما تقدَّم قريبًا، وعلى كون الحج إنما فرض عام تسع غير واحد من العلماء، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nوبه تعلم أنه لا حجة في تأخير النبي  -  ﷺ  -  الحج عام فتح مكة؛ لأنه انصرف من مكة والحج قريب، ولم يحج؛ لأنه لم يفرض.\nفإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن سبب تأخيره الحج عام فتح مكة، مع تمكنه منه، وقدرته عليه أن الحج لم يكن مفروضًا في ذلك الوقت، وقد اعترفتم بأن الحج فرض عام تسع، وهو  -  ﷺ  -  لم يحج عام تسع، بل أخَّر حَجَّه إلى عام عشر، وهذا يكفينا في الدلالة على أن وجوبه على التراخي، إذ لو كان على الفور لما آخره بعد فرضه إلى عام عشر.\nفالجواب  -  والله تعالى أعلم  -: أن عام تسع لم يتمكن فيه النبي، وأصحابه من منع المشركين من الطواف بالبيت وهم عراة، وقد بيَّن الله تعالى في كتابه أن منعهم من قربان المسجد الحرام، إنما هو بعد ذلك العام الذي هو عام تسع، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ","vol":"5","page":132},{"text":"بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾، وعامهم هذا هو عام تسع، فدل على أنه لم يمكن منعهم عام تسع، ولذا أرسل عليًّا - ﵁ - بعد أبي بكر ينادي ببراءة، وأن لا يحج بعد العام مشرك، ولا عريان، فلو بادر - ﷺ - إلى الحج عام تسع لأدى ذلك إلى رؤيته المشركين يطوفون بالبيت وهم عراة، وهو لا يمكنه أن يحضر ذلك، ولا سيما في حجة الوداع التي يريد أن يبين للناس فيها مناسك حجهم، فأول وقت أمكنه فيه الحج صافيًا من الموانع والعوائق بعد وجوبه عام عشر، وقد بادر بالحج فيه. والعلم عند الله تعالى.\nوأجابوا عن قولهم: كونه - ﷺ - أمر أصحابه الذين لم يسوقوا الهدي أن يفسخوا حجهم في عمرة دليل على تأخير الحج؛ لأنهم بعد ما أحرموا فيه فسخوه في عمرة، وحلوا منه بأن هذا ليس فيه تأخير الحج؛ لعزمهم على أن يحجوا في تلك السنة بعينها، وتأخير الحج إنما هو بتأخيره من سنة إلى أخرى، وذلك ليس بواقع هنا، فلا تأخير للحج في الحقيقة؛ لأنهم حجوا في عين الوقت الذي حج فيه من لم يفسخ حجه في عمرة، فلا تأخير كما ترى.\nوأجابوا عن قولهم: إنه لو أخره من سنة إلى أخرى، أو إلى سنين، ثم فعله بعد ذلك فإنه يسمى مؤديًا، لا قاضيًا بالإِجماع، ولو حرم التأخير لكان قضاء بأن القضاء لا يكون إلَّا في العبادة المؤقتة بوقت معين، ثم خرج ذلك الوقت. المعين لها كما هو مقرر في الأصول، والحج لم يوقت بزمن معين، والعمر كله وقت له، وذلك لا ينافي وجوب المبادرة خوفًا من طرو العوائق، أو نزول الموت قبل الأداء، كما تقدم إيضاحه.\nوأجابوا عن قولهم: إن من تمكن من أداء الحج، ثم أخره، ثم","vol":"5","page":133},{"text":"فعله لا ترد شهادته فيما بين فعله وتأخيره، ولو كان التأخير حرامًا لردت شهادته؛ لارتكابه ما لا يجوز بأنه ما كل من ارتكب ما لا يجوز ترد شهادته، بل لا ترد إلَّا بما يؤدي إلى الفسق، وهنا قد يمنع من الحكم بتفسيقه مراعاة الخلاف، وقول من قال: إنه لم يرتكب حرامًا، وشبهة الأدلة التي أقاموها على ذلك. هذا هو حاصل أدلة الفريقين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي وأليقهما بعظمة خالق السموات والأرض هو: أن وجوب أوامره جل وعلا كالحج على الفور، لا على التراخي، لما قدمنا من النصوص الدالة على الأمر بالمبادرة، وللخوف من مباغتة الموت، كقوله: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، وما قدمنا معها من الآيات، وكقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ولما قدمنا من أن الشرع واللغة والعقل كلها يدل على أن أوامر الله تجب على الفور، وقد بينا أوجه الجواب عن كونه - ﷺ - لم يحج حجة الإِسلام إلَّا سنة عشر. والعلم عند الله تعالى الآية. وأشار في مراقي السعود إلى أن مذهب مالك أن وجوب الأمر على الفور بقوله:\nوكونه للفور أصلُ المذْهب ... وهو لَدى القيد بتأخير أبي\nالمسألة الثانية\nاعلم: أن من أراد الحج له أن يحرم مفردًا الحج، وله أن يحرم متمتعًا بالعمرة إلى الحج، وله أن يحرم قارنًا بين الحج والعمرة، وإنما الخلاف بين العلماء، فيما هو الأفضل من الثلاثة المذكورة.","vol":"5","page":134},{"text":"والدليل على التخيير بين الثلاثة ما رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث عائشة  -  ﵄  -  قالت: \"خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج ... \" الحديث. وهو نص صريح متفق عليه في جواز الثلاثة المذكورة.\nوقال النووي في شرح المهذب: وجواز الثلاثة قال به العلماء، وكافة الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلَّا ما ثبت في الصحيحين عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان  -  ﵄  -: أنهما كانا ينهيان عن التمتع. انتهى محل الغرض من كلامه.\nوقال أيضًا في شرح مسلم: وقد أجمع العلماء على جواز الأنواع الثلاثة.\nوقال ابن قدامة في المغني: وأجمع أهل العلم على جواز الإِحرام بأي الإنساك الثلاثة شاء، واختلفوا في أفضلها.\nوفي رواية في الصحيح عن عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  فقال: \"من أراد منكم أن يُهلْ بحج وعمرة فلْيفعلْ، ومن أراد أن يُهل بحج فليهلّ، ومن أراد أن يهل بعمرة فليهل، قالت عائشة  -  ﵄  -: فأهلَّ رسول الله  -  ﷺ  -  بحج وأهلّ به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهلَّ بالعمرة\" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو صريح في جواز الثلاثة المذكورة.\nوبه تعلم أن ادعاء بعض المعاصرين أن إفراد الحج ممنوع مخالف لما صح باتفاق مسلم والبخاري عن النبي  -  ﷺ  -، وأطبق عليه","vol":"5","page":135},{"text":"جماهير أهل العلم. وحكى غير واحد عليه الإِجماع، وسنذكر إن شاء الله كلام أهل العلم في التفضيل بينها مع مناقشة الأدلة.\nالمسألة الثالثة\nاعلم أن ممن قال: إن الإِفراد أفضل من التمتع والقران: مالك، وأصحابه، والشافعي في الصحيح من مذهبه وأصحابه.\nقال النووي في شرح المهذب: وبه قال عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، وابن عمر، وجابر، وعائشة، ومالك، والأوزاعي، وأبو ثور، وداود.\nواحتج من قال: بتفضيل إفراد الحج على غيره بأدلة متعددة.\nالأول: أحاديث صحيحة جاءت عن النبي  -  ﷺ  -  بأنه أفرد في حجة الوداع من رواية جابر، وابن عمر، وابن عباس، وعائشة  -  ﵃  -  وغيرهم، أما حديث عائشة فقد ذكرناه آنفًا، قالت: \"خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحجة وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله  -  ﷺ  -  بالحج ... \" الحديث. هذا لفظ البخاري، ومسلم، وهو صريح في أن رسول الله  -  ﷺ  -  أهل بالحج. ولا يحتمل لفظ عائشة هذا غير إفراد الحج؛ لأنها ذكرت معه التمتع والقران، وأن بعض الناس تمتع، وبعضهم قرن، وأن رسول الله  -  ﷺ  -  أهل بالحج فهو الحج المفرد. ولا يحتمل غيره.\nوفي رواية في الصحيح عنها  -  ﵂  -  قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  فقال: \"من أراد منكم أن يهل بحج وعمرة فليفعل، ومن أراد أن يهل بحج فليهل، ومن أراد أن","vol":"5","page":136},{"text":"يهل بعمرة فليهل. قالت عائشة  -  ﵂  -: فأهل رسول الله  -  ﷺ  -  بحج، وأهل به ناس معه، وأهل ناس بالعمرة والحج، وأهل ناس بعمرة، وكنت فيمن أهل بالعمرة\" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو لا يحتمل غير الإِفراد بحال؛ لأنها ذكرت القرآن، والتمتع، والإِفراد، وصرحت بأنه  -  ﷺ  -  أهل بالحج، فدل على أنها لا تريد القرآن ولا غيره.\nوفي رواية عنها في الصحيح قالت: \"خرجنا مع النبي  -  ﷺ  -، ولا نرى إلَّا الحج\"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا، \"ولا نذكر إلَّا الحج\"، وفي رواية عنها في الصحيح أيضًا: \"أن رسول الله  -  ﷺ  -  أفرد الحج\"، وفي رواية عنها  -  ﵂  -  في الصحيح: \"ولا نرى إلَّا أنه الحج\". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم. وبعضها في البخاري.\nوأما حديث جابر فقد روى عنه عطاء قال: حدثني جابر بن عبد الله  -  ﵄  -: \"أنه حج مع النبي  -  ﷺ  -  يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا ... \" الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم، وفي رواية عنه  -  ﵁  -  في الصحيح: \"قدمنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  ونحن نقول: لبيك اللَّهمَّ لبيك بالحج\". هذا لفظ البخاري، ومسلم أيضًا وفي رواية في الصحيح عن عطاء: حدثني جابر بن عبد الله  -  ﵄  -: \"أن النبي  -  ﷺ  -  أهل وأصحابه بالحج ... \" الحديث، هذا لفظ البخاري في صحيحه. وفي حديثه أعني جابرًا  -  ﵄  -  الطويل المشهور في صحيح مسلم الذي بين فيه حجة النبي  -  ﷺ  -  أكمل بيان، وساقها أحسن سياقة من أولها إلى آخرها، وقد دلَّ ذلك على ضبطه لها، وحفظه، وإتقانه ما نصه: قال جابر  -  ﵁  -: \"لسنا","vol":"5","page":137},{"text":"ننوي إلَّا الحج، لسنا نعرف العمرة ... \" الحديث، وهو تصريح منه  -  ﵁  -  بالإِفراد، دون التمتع، والقرآن لقوله: \"لسنا نعرف العمرة\".\nوفي رواية عنه في الصحيح قال: \"خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  مهلين بالحج ... \" الحديث.\nوفي رواية عنه في الصحيح أيضًا قال: \"أهللنا أصحاب محمد  -  ﷺ  -  بالحج خالصًا وحده\". وكلا الروايتين عنه بلفظ مسلم في الصحيح. وفي صحيح مسلم أيضًا عنه: \"قدمنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  مهلّين بالحج ... \" الحديث، وفي رواية في صحيح مسلم عنه أيضًا: \"أهللنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  بالحج\".\nوأما حديث ابن عمر. فقد قال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب، وعبد الله بن عون الهلالي، قالا: حدثنا عباد بن عباد المهلبي، حدثنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر  -  في رواية يحيى  -  قال: أهللنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  بالحج مفردًا، وفي رواية ابن عون: أن رسول الله  -  ﷺ  -  أهل بالحج مفردًا. وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، حدثنا حميد، عن بكر، عن أنس  -  ﵁  -  قال: سمعت النبي  -  ﷺ  -  يلبّي بالحج والعمرة جميعًا. قال بكر: فحدثت بذلك ابن عمر، فقال: لبي بالحج وحده، فلقيت أنسًا فحدثته بقول ابن عمر فقال أنس: ما تعدوننا إلَّا صبيانًا، سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"لبيك عمرة وحجًّا\" وحدثني أمية بن بسطام العيشي، حدثنا يزيد يعني ابن زريع، حدثنا حبيب بن الشهيد، عن بكر بن عبد الله، حدثنا أنس  -  ﵁  -: أنه رأى النبي  -  ﷺ  -  جمع بينهما بين الحج والعمرة، قال: فسألت ابن عمر فقال: أهللنا","vol":"5","page":138},{"text":"بالحج، فرجعت إلى أنس فأخبرته ما قال ابن عمر، فقال: كأنما كنا صبيانًا. انتهى منه.\nوحديث ابن عمر هذا لا يحتمل غير إفراد الحج، فلا يحتمل القرآن، ولا التمتع بحال، لأن فيه أن بكرًا قال لابن عمر: إن أنسًا يقول: إن النبي  -  ﷺ  -  قرن بين الحج والعمرة، فرد ابن عمر على أنس دعواه القرآن قائلًا: إن النبي  -  ﷺ  -  أحرم بالحج وحده. وهذا صريح في الإِفراد كما ترى. وحديث ابن عمر المذكور أخرجه البخاري أيضًا. اهـ.\nوفي رواية: أن رجلًا أتى ابن عمر  -  ﵄  -  فقال: بم أهل رسول الله  -  ﷺ  -؟ قال ابن عمر: أهل بالحج، فانصرف ثم أتاه من العام المقبل، فقال: بم أهل رسول الله  -  ﷺ  -؟ قال: ألم تأتني عام أول؟ قال: بلى، ولكن أنس بن مالك يزعم أنه قرن. قال ابن عمر  -  ﵄  -  إن أنس بن مالك كان يدخل على النساء، وهن منكشفات الرؤوس، وإني كنت تحت ناقة رسول الله  -  ﷺ  -  يمسني لعابها أسمعه يلبي بالحج. رواه البيهقي بإسناده.\nوقال النووي في شرح المهذب: إن إسناده صحيح.\nوأما حديث ابن عباس، فهو ما رواه عنه البخاري ومسلم قال: \"كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر. فقدم النبي  -  ﷺ  -  وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج ... \" الحديث. هذا لفظ البخاري ومسلم.\nوفي رواية في الصحيح عنه  -  ﵁  -: \"أهل رسول الله  -  ﷺ  -","vol":"5","page":139},{"text":"بالحج\". لفظ مسلم، وفي رواية عنه في الصحيح: \"خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  نهل بالحج\" وفي رواية عنه  -  ﵁  -  في الصحيح: \"ثم ركب راحلته، فلما استوت به على البيداء أهل بالحج\". كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم رحمه الله تعالى.\nوفي صحيح مسلم أيضًا من حديث أسماء بنت أبي بكر  -  ﵄  -  قالت: \"قدمنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  مهلين بالحج ... \" الحديث.\nقالوا: فهذه الأحاديث الصحاح دالة على أن النبي  -  ﷺ  -  أحرم مفردًا، ورواتها من أضبط الصحابة وأتقنهم، قالوا: فمنهم: جابر الذي عرف ضبطه وحفظه وخصوصًا ضبطه لحجته  -  ﷺ  -، ومنهم: ابن عمر الذي رد على أنس، وذكر أن لعاب ناقة النبي  -  ﷺ  -  كان يمسه، ومنهم: عائشة  -  ﵄  -  وحفظها وضبطها واطلاعها على أحوال النبي  -  ﷺ  -  كل ذلك معروف، ومنهم: ابن عباس  -  ﵄  - . ومكانته في العلم والحفظ معروفة.\nالأمر الثاني من الأمور التي احتج بها القائلون بأفضلية الإِفراد على التمتع، والقران: هو إجماع أهل العلم على أن المفرد إذا لم يفعل شيئًا من محظورات الإِحرام، ولم يخل بشيء من النسك، أنه لا دم عليه، وانتفاء الدم عنه مع لزومه في التمتع والقران يدل على أنه أفضل منهما؛ لأن الكامل بنفسه الذي لا يحتاج إلى الجبر بالدم أفضل من المحتاج إلى الجبر بالدم.\nوأجاب المخالفون عن هذا بأن دم التمتع والقران ليس دم جبر لنقص فيهما وإنما هو دم نسك محض ألزم في ذلك النسك. واحتجوا على أنه دم نسك بجواز أكل القارن، والمتمتع من دم قرانه، وتمتعه.","vol":"5","page":140},{"text":"قالوا: لو كان جبرًا لما جاز الأكل منه كالكفارات، وبأن الجبر في فعل ما لا يجوز والتمتع والقران جائزان، فلا جبر في مباح.\nورد هذا من يخالف في ذلك قائلًا: إنه دم جبر لا دم نسك، بدليل أن الصوم يقوم مقامه عند العجز عنه. قالوا: والنسك المحض كالأضاحي والهدايا لا يكون الصوم بدلًا عنه عند العجز عنه، فلا يكون الصوم بدلًا من دم، إلَّا إذا كان دم جبر. قالوا: ولا مانع من الأمر بعبادة مع ما يجبرها ويكملها، ولا مانع من أن يرد دليل خاص على جواز الأكل من بعض دماء الجبر.\nقالوا: والدليل على وقوع الجبر في المباح: لزوم فدية الأذى المنصوص في آية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. ولا شك أنه جبر في فعل مباح، وكذلك من لبس لمرض أو حر، أو برد شديدين، أو أكل صيدًا للضرورة المبيحة للميتة، أو احتاج للتداوي بطيب.\nقالوا: ومن الأدلة على أنه دم جبر لا نسك سقوطه عن أهل مكة المنصوص عليه في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فلو كان دم نسك محض لكان على الجميع من حاضري المسجد الحرام، وغيرهم لاستوائهم جميعًا في حكم النسك المحض. وهذا على قول الجمهور إن الإِشارة في قوله: ذلك راجعة إلى لزوم دم التمتع، أي: وأما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا دم عليه إن تمتع بالعمرة إلى الحج خلافًا لابن عباس، ومن وافقه من الحنفية وغيرهم في قولهم: إن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ راجعة إلى التمتع بالعمرة إلى الحج، وأن أهل مكة لا تمتع لهم؛ لأنه على قول الجمهور","vol":"5","page":141},{"text":"لا فرق بين الآفاقي، وحاضري المسجد الحرام موجبًا لوجوب دم التمتع على الأول، وسقوطه عن الثاني إلَّا أن الأول تمتع بالترفه بسقوط أحد السفرين لأحد النسكين؛ ولذلك قال مالك، وأصحابه، والشافعي وأصحابه، وأحمد وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه: إنه إن سافر بعد إحلاله من العمرة وأحرم للحج في سفر جديد أنه لا دم تمتع عليه؛ لزوال العلة مع اختلافهم في قدر السفر المسقط للدم المذكور، فبعضهم يكتفي بسفر مسافة القصر، وهو مذهب أحمد، وهو مروي عن عطاء، وإسحاق، والمغيرة، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني، وبعضهم يكتفي بالرجوع إلى الميقات، وهو مذهب الشافعي، وبعضهم يشترط الرجوع إلى محله الذي جاء منه، وعزاه في المغني لأبي حنيفة وأصحابه، وبعضهم يشترط ذلك أو سفر مسافة بقدره، أعني قدر مسافة المحل الذي جاء منه، وهو مذهب مالك وأصحابه. وهذا يدل على أن دم التمتع دم جبر؛ لنقص السفر المذكور، بدليل أن السفر إن حصل عندهم سقط الدم لزوال علة وجوبه.\nالأمر الثالث: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد بعض الأحاديث الواردة عن النبي  -  ﷺ  -  بالنهي عن التمتع والقران.\nقال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو علي الروذباري، أنبأنا أبو بكر بن داسة، ثنا أبو داود، ثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن وهب، أخبرني حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم الخراساني، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع","vol":"5","page":142},{"text":"رسول الله  -  ﷺ  -  في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.\nأخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن بن فورك، أنبأ عبد الله بن جعفر، ثنا يونس بن حبيب، ثنا أبو داود الطيالسي، حدثنا هشام، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي  - واسمه خيوان بن خالد -  أن معاوية قال لنفر من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -: إن رسول الله  -  ﷺ  -  نهى عن صفف النمور؟ قالوا: اللَّهم نعم. قال: وأنا أشهد قال: أتعلمون أن النبي  -  ﷺ  -  نهى عن لبس الذهب إلَّا مقطعًا؟ قالوا: اللَّهم نعم، قال: أتعلمون أن النبي  -  ﷺ  -  نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ قالوا: اللَّهم لا، قال: والله إنها لمعهن  - وكذلك رواه حماد بن سلمة، والأشعث بن بزاز عن قتادة، وحماد بن سلمة في حديثه -  ولكنكم نسيتم. ورواه مطر الوراق، عن أبي شيخ في متعة الحج. انتهى من البيهقي.\nوقد ذكر النووي في شرح المهذب، عن البيهقي: أنه ذكر بإسناده الحديثين الذين سقناهما عنه آنفًا، ثم قال في الأول منهما: ورواه أبو داود في سننه. وقد اختلفوا في سماع سعيد بن المسيب عن عمر، لكنه لم يرو هنا عن عمر، بل عن صحابي غير مسمى والصحابة كلهم عدول.\nثم قال في الثاني منهما: رواه البيهقي بإسناد حسن. انتهى.\nوقال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرنا حيوة، أخبرني أبو عيسى الخراساني، عن عبد الله بن القاسم، عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا من أصحاب النبي  -  ﷺ  -  أتى عمر بن الخطاب، فشهد عنده أنه سمع رسول الله  -  ﷺ  -  في مرضه الذي قبض فيه ينهى عن العمرة قبل الحج.","vol":"5","page":143},{"text":"حدثنا موسى أبو سلمة، ثنا حماد، عن قتادة، عن أبي شيخ الهنائي خيوان بن خلدة ممن قرأ على أبي موسى الأشعري من أهل البصرة: أن معاوية بن أبي سفيان قال لأصحاب النبي  -  ﷺ  -: هل تعلمون أن رسول الله  -  ﷺ  -  نهى عن كذا وكذا، وعن ركوب جلود النمور؟ قالوا: نعم، قال: فتعلمون أنه نهى أن يقرن بين الحج والعمرة؟ فقالوا: أما هذا فلا، فقال: أما إنها معهن، ولكنكم نسيتم. انتهى منه.\nالأمر الرابع: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد على غيره، أنه هو الذي كان الخلفاء الراشدون يفعلونه بعده  -  ﷺ  -، وهم أفضل الناس وأتقاهم، وأشدهم اتباعًا لرسول الله  -  ﷺ  -، فقد حج أبو بكر  -  ﵁  -  بالناس مفردًا، وحج عمر بن الخطاب عشر سنين بالناس مفردًا، وحج عثمان  -  ﵁  -  بهم مدة خلافته مفردًا قالوا: فمدة هؤلاء الخلفاء الراشدين الثلاثة حول أربع وعشرين سنة، وهم يحجون بالناس مفردين، ولو لم يكن الإِفراد أفضل من غيره لما واظبوا عليه هذه المدة الطويلة.\nقال النووي في شرح المهذب، وشرح مسلم في أدلة من فضل الإِفراد: ومنها: أن الخلفاء الراشدين  -  ﵃  -  بعد النبي  -  ﷺ  -  أفردوا الحج، وواظبوا عليه، كذلك فعل أبو بكر، وعمر، وعثمان؛ واختلف فعل علي  -  ﵃  -  أجمعين؛ وقد حج عمر بالناس عشر حجج مدة خلافته كلها مفردًا، ولو لم يكن هذا هو الأفضل عندهم، وعلموا أن النبي  -  ﷺ  -  حج مفردًا لم يواظبوا على الإِفراد مع أنهم الأئمة الأعلام، وقادة الإِسلام، ويقتدى بهم في عصرهم وبعدهم، وكيف يظن بهم المواظبة على خلاف فعل النبي  -  ﷺ  -،","vol":"5","page":144},{"text":"أو أنهم خفي عليهم جميعهم فعله  -  ﷺ  - . وأما الخلاف عن عليّ وغيره، فإنما فعلوه لبيان الجواز، وقد قدمنا عنهم ما يوضح هذا. انتهى منه.\nالأمر الخامس: من الأمور التي استدل بها القائلون بأفضلية الإِفراد: هو ما ذكره النووي في شرح المهذب قال: ومنها: أن الأمة أجمعت على جواز الإِفراد من غير كراهة، وكره عمر، وعثمان وغيرهما ممن ذكرناه قبل هذا التمتع، وبعضهم كره التمتع والقران وإن كانوا يجوزونه على ما سبق تأويله، فكان ما أجمعوا على أنه لا كراهة فيه أفضل. انتهى منه.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: فثبت بالسنَّة الثابتة عن رسول الله  -  ﷺ  -  جواز التمتع والقران والإِفراد، وثبت بمضي النبي  -  ﷺ  -  في حج مفرد، ثم باختلاف الصدر الأول في كراهية التمتع والقران دون الإِفراد كون إفراد الحج عن العمرة أفضل. والله أعلم. انتهى منه.\nوقال البيهقي في السنن الكبرى أيضًا: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحرث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر  -  ﵁  -  فجرد، ومع عمر  -  ﵁  -  فجرد، ومع عثمان  -  ﵁  -  فجرد.\nأخبرنا أبو الحسين علي بن محمد بن عبد الله بن بشران، أنبأ إسماعيل بن محمد الصفار، ثنا عبد الكريم بن الهيثم، ثنا أبو اليمان، أخبرني شعيب، أنبأنا نافع: أن ابن عمر كان يقول: إن عمر  -  ﵁  -  كان يقول: أن تفصلوا بين الحج والعمرة، وتجعلوا العمرة في","vol":"5","page":145},{"text":"غير أشهر الحج أتم لحج أحدكم، وأتم لعمرته. انتهى منه.\nثم ساق البيهقي بسنده عن عبد الله، والحسن ابني محمد بن علي بن أبي طالب  -  ﵃  -  عن أبيهما، عن علي أنه قال: يا بني أفرد الحج، فإنه أفضل. اهـ. وساق بسنده عن عبد الله بن مسعود  -  ﵁  -  أنه قال: جردوا الحج. وفي رواية له عنه: أنه أمر بإفراد الحج قال: فكان أحب أن يكون لكل واحد منهما شعث وسفر. انتهى من البيهقي.\nوقال الحافظ ابن كثير ﵀ في تاريخه: قال الحافظ أبو الحسن الدارقطني: ثنا الحسين بن إسماعيل، ثنا أبو هشام، ثنا أبو بكر بن عياش، ثنا أبو حصين، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه قال: حججت مع أبي بكر فجرد، ومع عمر فجرد، ومع عثمان فجرد. تابعه الثوري، عن أبي حصين، وهذا إنما ذكرناه هاهنا؛ لأن الظاهر أن هؤلاء الأئمة  -  ﵃  -  إنما يفعلون هذا عن توقيف.\nوالمراد بالتجريد هاهنا: الإِفراد، والله أعلم.\nوقال الدارقطني: ثنا أبو عبيد الله القاسم بن إسماعيل، ومحمد بن مخلد قالا: ثنا علي بن محمد بن معاوية الرزاز، ثنا عبد الله بن نافع، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن النبي  -  ﷺ  -  استعمل عتاب بن أسيد على الحج، فأفرد، ثم استعمل أبا بكر سنة تسع فأفرد الحج، ثم حج النبي  -  ﷺ  -  سنة عشر فأفرد الحج، ثم توفي رسول الله  -  ﷺ  -  واستخلف أبو بكر، فبعث عمر فأفرد الحج، ثم حج أبو بكر فأفرد الحج، ثم توفي أبو بكر، واستخلف عمر، فبعث عبد الرحمن بن عوف فأفرد الحج؛ ثم حج فأفرد الحج، ثم حصر عثمان فأقام عبد الله بن عباس للناس، فأفرد الحج. في","vol":"5","page":146},{"text":"إسناده عبد الله بن عمر العمري، وهو ضعيف. لكن قال الحافظ البيهقي: له شاهد بإسناد صحيح. انتهى من البداية والنهاية لابن كثير.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني هارون بن سعيد الإِيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو  - وهو ابن الحرث -  عن محمد بن عبد الرحمن. أن رجلًا من أهل العراق قال له: سل لي عروة بن الزبير، عن رجل يهل بالحج، فإذا طاف بالبيت أيحل أم لا؟ فإن قال لك: لا يحل، فقل له: إن رجلًا يقول ذلك، قال: فسألته فقال: لا يحل من أهل بالحج إلَّا بالحج، قلت: فإن رجلًا كان يقول ذلك. قال: بئسما قال، فتصداني الرجل، فسألني فحدثته فقال: فقل له فإن رجلًا كان يخبر أن رسول الله  -  ﷺ  -  قد فعل ذلك، وما شأن أسماء والزبير فعلا ذلك؟ قال: فجئته، فذكرت له ذلك فقال: من هذا؟ فقلت: لا أدري، قال: فما باله لا يأتيني بنفسه، يسألني، أظنه عراقيًّا؟ فقلت: لا أدري قال: فإنه قد كذب قد حج رسول الله  -  ﷺ  -  فأخبرتني عائشة  -  ﵂  -  أن أول شيء بدأ به حين قدم مكة أنه توضأ ثم طاف بالبيت، ثم حج أبو بكر، فكان أول شيء بدأبه الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم عمر مثل ذلك، ثم حج عثمان فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، ثم رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها بعمرة. وهذا ابن عمر عندهم أفلا يسألونه ولا أحد ممن مضى كانوا يبدؤون بشيء حين يضعون أقدامهم أول من الطواف بالبيت ثم لا يحلون، وقد رأيت أمي وخالتي حين","vol":"5","page":147},{"text":"تقدمان لا تبتدآن بشيء أول من البيت تطوفان به، ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أقبلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة قط، فلما مسحوا الركن حلوا، وقد كذب فيما ذكر من ذلك. انتهى من صحيح مسلم. وفيه التصريح من عروة بن الزبير ﵄ بأن الخلفاء الراشدين والمهاجرين، والأنصار كانت عادتهم أن يأتوا مفردين بالحج، ثم يتمونه كما رأيت.\nوقال النووي في شرح الحديث المذكور: وقوله: ثم لم يكن غيره، وكذا قال فيما بعده، ولم يكن غيره. هكذا هو في جميع النسخ غيره بالغين المعجمة والياء. قال القاضي عياض: كذا هو في جميع النسخ قال: وهو تصحيف، وصوابه: ثم لم تكن عمرة بضم العين المهملة وبالميم. وكان السائل لعروة إنما سأله عن فسخ الحج إلى العمرة عَلَى مذهب من رأى ذلك، واحتج بأمر النبي  -  ﷺ  -  لهم بذلك في حجة الوداع، فأعلمه عروة أن النبي  -  ﷺ  -  لم يفعل ذلك بنفسه، ولا من جاء بعده. هذا كلام القاضي.\nقلت: هذا الذي قاله من أن قول غيره تصحيف ليس كما قال، بل هو صحيح في الرواية وصحيح في المعنى؛ لأن قوله غيره يتناول العمرة وغيرها.\nويكون تقدير الكلام: ثم حج أبو بكر فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم يكن غيره، أي: لم يغير الحج، ولم ينقله، ويفسخه إلى غيره لا عمرة ولا قران. والله أعلم. انتهى كلام النووي، وهو صواب.\nوقال البخاري في صحيحه: حدثنا أحمد بن عيسى، حدثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن محمد بن","vol":"5","page":148},{"text":"عبد الرحمن بن نوفل القرشي: أنه سأل عروة بن الزبير فقال: قد حج النبي  -  ﷺ  -  فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم أنه توضأ، ثم طاف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر ﵁، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت ثم لم تكن عمرة، ثم عمر ﵁ مثل ذلك، ثم حج عثمان ﵁، فرأيته أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم معاوية، وعبد الله بن عمر، ثم حججت مع أبي الزبير بن العوام، فكان أول شيء بدأ به الطواف بالبيت، ثم لم تكن عمرة، ثم رأيت المهاجرين والأنصار يفعلون ذلك، ثم لم تكن عمرة، ثم آخر من رأيت فعل ذلك ابن عمر، ثم لم ينقضها عمرة، وهذا ابن عمر عندهم فلا يسألونه، ولا أحد ممن مضى، ما كانوا يبدأون بشيء حتى يضعوا أقدامهم من الطواف بالبيت، ثم لا يحلون. وقد رأيت أمي وخالتي حين تقدمان لا تبتدئان بشيء أول من البيت، تطوفان به ثم لا تحلان، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت، هي وأختها والزبير، وفلان، وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا أصبغ، عن ابن وهب: أخبرني عمرو، عن محمد بن عبد الرحمن ذكرت لعروة قال: فأخبرتني عائشة ﵂ أن أول شيء بدأ به حين قدم النبي  -  ﷺ  -  أنه توضأ، ثم طاف، ثم لم تكن عمرة، ثم حج أبو بكر، وعمر ﵄ مثله، ثم حججت مع أبي الزبير ﵁، فأول شيء بدأ به الطواف، ثم رأيت المهاجرين، والأنصار يفعلونه، وقد أخبرتني أمي أنها أهلت هي وأختها والزبير وفلان وفلان بعمرة، فلما مسحوا الركن حلوا. انتهى منه.","vol":"5","page":149},{"text":"قالوا: وجواب ابن عباس ﵄ عن حديث عروة المذكور لا يدفع احتجاج عروة بما ذكر، وكذلك جواب ابن حزم، وقد أجاب عروة ابن عباس فأسكته.\nأما جواب ابن عباس الذي ذكروه، فهو ما رواه الأعمش، عن فضيل بن عمرو، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: تمتع رسول الله  -  ﷺ  -  فقال عروة: نهى أبو بكر، وعمر عن المتعة، فقال ابن عباس: أراكم ستهلكون، أقول: قال رسول الله  -  ﷺ  -  وتقول: قال أبو بكر وعمر.\nوقال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أيوب قال: قال عروة لابن عباس: ألا تتقي الله ترخص في المتعة، فقال ابن عباس: سل أمك يا عرية، فقال عروة: أما أبو بكر وعمر فلم يفعلا. فقال ابن عباس: والله ما أراكم منتهين حتى يعذبكم الله، أحدثكم عن رسول الله، وتحدثوننا عن أبي بكر وعمر، فقال عروة: لهما أعلم بسنَّة رسول الله  -  ﷺ  - . وأتبع لها منك. اهـ. قالوا: فترى عروة أجاب ابن عباس بجواب أسكته به.\nولا شك أن الخلفاء الراشدين أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كانوا أعلم بسنَّة رسول الله  -  ﷺ  -  وأتبع لها، لا يمكن ابن عباس أن ينكر ذلك.\nوأما جواب ابن حزم فهو قوله: إن ابن عباس أعلم بسنَّة رسول الله  -  ﷺ  -  وأبي بكر، وعمر من عروة، وأنه  - يعني ابن عباس -  خير من عروة وأولى منه بالنبي  -  ﷺ  -، والخلفاء الراشدين. ثم ساق آثارًا من طريق البزار وغيره عن ابن عباس، يذكر فيها التمتع، عن","vol":"5","page":150},{"text":"أبي بكر، وعمر، وأن أول من نهى عنه معاوية. ولا يخفى سقوط كلام ابن حزم المذكور رده على عروة بن الزبير ﵄.\nأما قوله: إن ابن عباس أعلم من عروة، وأفضل فلا يرد رواية عروة بسند صحيح عن الخلفاء الراشدين أنهم كانوا يفردون كما ثبت في صحيح مسلم. وابن عباس لم يعارض عروة بأن فعلهما كان مخالفًا لما ذكره عروة عن الإِفراد، وإنما احتج بأن أمر النبي  -  ﷺ  -  أولى بالاتباع من أمرهما، وقد أجابه عروة بأنهما ما فعلا إلَّا ما علما من النبي  -  ﷺ  -  أنه أكمل وأتبع لسنته  -  ﷺ  - .\nوأما الآثار التي رواها من طريق ليث وغيره فلا يخفى أنها لا تعد شيئًا مع ما ثبت في الصحيحين عنهم من الروايات التي لا مطعن فيها أنهم كانوا يفضلون الإِفراد.\nومن فهم كلامهم حق الفهم أعني الخلفاء الراشدين علم أنهم ﵃ يعلمون جواز التمتع والقران علمًا لا يخالجه شك، ولكنهم يرون أنه أتم للحج والعمرة أن يفصل بينهما، كما لا يخفى والمعنى غير خاف، بل هو ظاهر من سياق السؤال والجواب لمن تأمل ذلك. ومما يدل على صحة ما ذكره عروة بن الزبير في حديث مسلم المذكور من أن الخلفاء كانوا يفردون ما ثبت في الصحيحين من نحو ذلك، عن عمر، وعثمان ﵄.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى ﵁ قال: بعثني النبي  -  ﷺ  -  إلى قوم باليمن، فجئت وهو بالبطحاء، فقال: بما أهللت؟ قلت: أهللت كإهلال النبي  -  ﷺ  -، قال: هل معك من هدي؟ قلت: لا، فأمرني فطفت بالبيت، وبالصفا","vol":"5","page":151},{"text":"والمروة، ثم أمرني فأحللت فأتيت امرأة من قومي فمشطتني، أو غسلت رأسي، فقدم عمر ﵁ فقال: إن نأخذ بكتاب الله، فإنه يأمر بالتمام قال الله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وإن نأخذ بسنَّة النبي  -  ﷺ  -، فإنه لم يحل حتى نحر الهدي. انتهى منه ونحوه أخرجه مسلم أيضًا.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: محصل جواب عمر في منعه الناس من التحلل بالعمرة، أن كتاب الله دال على منع التحلل لأمره بالإتمام، فيقتضي استمرار الإِحرام إلى فراغ الحج، وأن سنَّة رسول الله  -  ﷺ  -  أيضًا دالة على ذلك؛ لأنه لم يحل، حتى بلغ الهدي محله، لكن الجواب عن ذلك: هو ما أجاب به هو  -  ﷺ  -  حيث قال \"ولولا أن معي الهدى لأحللت\" فدل على جواز الإِحلال لمن لم يكن معه هدي، وتبين من مجموع ما جاء عن عمر أنه منع منه سدًّا للذريعة.\nوقال المازري: قيل: إن المتعة التي نهى عنها عمر فسخ الحج إلى العمرة، وقيل: العمرة في أشهر الحج، ثم الحج من عامه. وعلى الثاني إنما نهى عنها ترغيبًا في الإِفراد الذي هو أفضل، لا أنه يعتقد بطلانها وتحريمها. وقال عياض: الظاهر أنه نهى عن الفسخ، ولهذا كان يضرب الناس عليه، كما رواه مسلم بناء على معتقده أن الفسخ كان خاصًّا بتلك السنة.\nقال النووي: والمختار أنه نهى عن المتعة المعروفة التي هي الاعتمار في أشهر الحج ثم الحج من عامه، وهو على التنزيه للترغيب في الإِفراد، كما يظهر من كلامه، ثم انعقد الإِجماع على جواز التمتع من غير كراهة، وبقي الاختلاف في الأفضل. انتهى الغرض من كلام","vol":"5","page":152},{"text":"ابن حجر في الفتح. وهو واضح في أن عمر ﵁ ما كان يرى إلَّا تفضيل الإِفراد على غيره، وشاهد لصحة قول من قال: إنه حج بالناس عشر حجج مفردًا.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: سمعت قتادة يحدث عن أبي نضرة قال: كان ابن عباس يأمر بالمتعة، وكان ابن الزبير ينهى عنها قال: فذكرت ذلك لجابر بن عبد الله فقال: على يدي دار الحديث: تمتعنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  فلما قام عمر قال: إن الله كان يحل لرسوله ما شاء بما شاء، وإن القرآن قد نزل منازله، فأتموا الحج والعمرة لله كما أمركم الله وأبتوا نكاح هذه النساء، فلن أوتي برجل نكح امرأة إلى أجل إلَّا رجمته بالحجارة. وحدثنيه زهير بن حرب، حدثنا عفان، حدثنا همام، حدثنا قتادة بهذا الإِسناد. وقال في الحديث: فافصلوا حجكم من عمرتكم فإنه أتم لحجكم، وأتم لعمرتكم. اهـ. منه.\nوهو دليل على ما ذكرنا من أن عمر ﵁ يرى أن الإِفراد أفضل، ويدل على صدق من قال: إنه حج عشر حجج بالناس مفردًا كما تقدم.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن الحكم، عن علي بن حسين، عن مروان بن الحكم قال: شهدت عثمان، وعليًّا ﵄، وعثمان ينهى عن المتعة، وأن يجمع بينهما الحديث. وفيه التصريح بأن أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ كان يرى أفضلية الإِفراد على غيره؛ لنهيه عن التمتع والقران الثابت في الصحيح كما رأيت.","vol":"5","page":153},{"text":"وقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، وابن بشار قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن قتادة قال: قال عبد الله بن شقيق: كان عثمان ينهى عن المتعة، وكان علي يأمر بها الحديث. وفيه التصريح بنهي عثمان ﵁ عن التمتع. وبما ذكرنا كله تعلم أن أبا بكر وعمر وعثمان ﵃ كلهم كانوا يرون الإِفراد أفضل، وكان هو الذي يفعلونه كما رأيت الروايات الصحيحة بذلك، وهو المعروف عنهم ﵃، فما ورد مما يخالف ذلك فهو مردود بما رأيت.\nتنبيه\nفإن قيل: هؤلاء الذين يفضلون الإِفراد، كمالك، والشافعي، وأصحابهما، وكأبي بكر وعمر وعثمان ﵃، ومن ذكرنا سابقًا ممن يقول بأفضلية الإِفراد على غيره من أنواع النسك بأي جوابٍ يجيبون عن الأحاديث الصحيحة الواردة بأن النبي  -  ﷺ  -  كان قارنًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه كان متمتعًا، والأحاديث الصحيحة الواردة بأنه أمر كل من لم يسق هديًا من أصحابه بأن يتحلل من إحرامه بعمرة، فالذين أحرموا بالإِفراد أمرهم بفسخ الحج في عمرة، والتحلل التام من تلك العمرة، وتأسف هو  -  ﷺ  -  على أنه ساق الهدى الذي صار سببًا لمنعه من التحلل بعمرة وقال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدى ولجعلتها عمرة\" مع أنه  -  ﷺ  -  لا يتأسف على فوات العمرة، إلَّا وهي أفضل من غيرها، والقران الذي اختاره الله له لا يكون غيره أفضل منه؛ لأن الله لا يختار لنبيه في نسكه إلَّا ما هو الأفضل.","vol":"5","page":154},{"text":"فالجواب: أن المالكية والشافعية يقولون: إن التمتع الذي أمر به  -  ﷺ  -  من كان مفردًا، وذلك بفسخ الحج في العمرة لا شك أنه في ذلك الوقت، وفي تلك السنة أفضل من غيره، ولكن لا يلزم من أفضليته في ذلك الوقت أن يكون أفضل فيما سواه.\nوإيضاح ذلك: أنه دلت أدلة سيأتي قريبًا تفصيلها إن شاء الله على أن تحتم فسخ الحج المذكور في العمرة، وأمر النبي  -  ﷺ  -  أصحابه به خاص بذلك الركب وبتلك السنة، وأنه ما أمر بذلك لأفضلية ذلك في حد ذاته، ولكن لحكمة أخرى خارجة عن ذاته، وهي أن يبين للناس أن العمرة في أشهر الحج جائزة، وما فعله  -  ﷺ  -، أو أمر به للبيان والتشريع، فهو قربة في حقه، وإن كان مكروهًا، أو مفضولًا، فقد يكون الفعل بالنظر إلى ذاته مفضولًا أو مكروهًا، ويفعله النبي  -  ﷺ  -، أو يأمر به لبيان الجواز فيصير قربة في حقه، وأفضل مما هو دونه بالنظر إلى ذاته كما هو مقرر في الأصول، وإليه أشار صاحب مراقي السعود بقوله:\nوربما يفعل للمكروه ... مبينًا أنه للتنزيه\nفصار في جانبه من القرب ... كالنهي أن يشرب من فم القرب\nوقال في نشر البنود في شرحه للبيتين المذكورين: يعني أن النبي  -  ﷺ  -  قد يفعل المكروه المنهي عنه، مبينًا بذلك الفعل أن النهي للتنزيه، لا للتحريم، فصار ذلك الفعل في حقه قربة يثاب عليها؛ لما فيه من البيان، كنهيه عن الشرب من أفواه القرب، وقد شرب منها. انتهى منه.\nوليس قصدنا أن التمتع والقران مكروهان، بل لا كراهة في","vol":"5","page":155},{"text":"واحد منهما يقينًا، ولكن المقصود بيان أن الفعل الذي فعله  -  ﷺ  -  لبيان الجواز يكون بهذا الاعتبار أفضل من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته. وهذه هي الأدلة الدالة على أنه فعل ذلك لبيان الجواز، ولذلك يختص بذلك الركب، وتلك السنة.\nالأول: منها حديث ابن عباس المتفق عليه الذي قدمناه قال: كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، ويجعلون المحرم صفرًا، ويقولون: إذا برأ الدبر، وعفا الأثر، وانسلخ صفر، حلت العمرة لمن اعتمر، فقدم النبي  -  ﷺ  -  وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أيّ الحل؟ قال: \"الحل كله\" قالوا: فقوله في هذا الحديث المتفق عليه: \"كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض\"، وترتيبه بالفاء على ذلك قوله: \"فأمرهم أن يجعلوها عمرة\" ظاهر كل الظهور في أن السبب الحامل له  -  ﷺ  -  على أمرهم أن يجعلوا حجهم عمرة، هو أن يزيل من نفوسهم بذلك اعتقادهم أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، فالفسخ لبيان الجواز كما دل عليه هذا الحديث المتفق عليه، لا لأن الفسخ في حدّ ذاته أفضل. وقد تقرر في مسلك النص، ومسلك الإِيماء والتنبيه أن الفاء من حروف التعليل، كما قدمناه مرارًا قالوا: فقول: من زعم أن قوله في الحديث المذكور: \"كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور\" لا ارتباط بينه، وبين قوله: \"فأمرهم أن يجعلوها عمرة\" ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه لولم يقصد به ذلك، لكان ذكره قليل الفائدة.\nومما يدل على ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد بن","vol":"5","page":156},{"text":"السري، عن ابن أبي زائدة، حدثنا ابن جرير، ومحمد بن إسحاق، عن عبد الله بن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس قال: والله ما أعمر رسول الله  -  ﷺ  -  عائشة في ذي الحجة إلا ليقطع بذلك أمر أهل الشرك، فإن هذا الحي من قريش، ومن دان دينهم، كانوا يقولون: إذا عفا الوبر، وبرأ الدبر، ودخل الصفر، فقد حلت العمرة لمن اعتمر، فكانوا يحرمون العمرة، حتى ينسلخ ذو الحجة والمحرم. اهـ.\nوقد بين الحافظ البيهقي رحمه الله تعالى في السنن الكبرى أن حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور دال على ذلك، ولا ينافي ذلك أن ابن عباس ﵄ يرى فسخ الحج في العمرة لازمًا؛ لأنه لا مانع من أن يكون يعلم أن الفسخ لبيان الجواز المذكور، كما دل عليه حديثه، وهو يرى بقاء حكمه، ولو كان سببه الأول بيان الجواز، ولكن غيره من الخلفاء الراشدين وغيرهم من المهاجرين والأنصار خالفوه في رأيه ذلك.\nالدليل الثاني من أدلتهم: على أن فسخ الحج في العمرة المذكورة لبيان الجواز، وأنه خاص بذلك الركب، وتلك السنة، هو ما جاء من الأحاديث دالًّا على ذلك.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا النفيلي، حدثنا عبد العزيز  - يعني ابن محمد -  أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله فسخ الحج لنا خاصة أو لمن بعدنا؟ قال: \"بل لكم خاصة\". اهـ.\nوقال النسائي في سننه: أخبرنا إسحاق بن إبراهيم، قال: أنبأنا عبد العزيز  - وهو الدراوردي -  عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال، عن أبيه قال: قلت:","vol":"5","page":157},{"text":"يا رسول الله أفسخ الحج لنا خاصة، أم للناس عامة؟ قال: \"بل لنا خاصة\". اهـ.\nوقال ابن ماجة في سننه: حدثنا أبو مصعب، حدثنا عبد العزيز بن محمد الدراوردي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن الحارث بن بلال بن الحارث، عن أبيه قال: قلت: يا رسول الله، أرأيت فسخ الحج في العمرة لنا خاصة أم للناس عامة؟ فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"بل لنا خاصة\".\nوقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: وحدثنا سعيد بن منصور وأبو بكر بن أبي شيبة، وأبو كريب قالوا: حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁، قال: كانت المتعة في الحج لأصحاب محمد  -  ﷺ  -  خاصة.\nوحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان، عن عياش العامري، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، عن أبي ذر ﵁ قال: كانت رخصة يعني: المتعة في الحج.\nوحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا جرير، عن فضيل، عن زبيد، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه قال: قال أبو ذر ﵁: لا تصلح المتعتان إلا لنا خاصة، يعني متعة النساء، ومتعة الحج.\nحدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن بيان، عن عبد الرحمن بن أبي الشعثاء، قال: أتيت إبراهيم النخعي، وإبراهيم التيمي فقلت: إني أهم أن أجمع العمرة والحج العام، فقال إبراهيم النخعي: لكن أبوك لم يكن ليهم بذلك.\nقال قتيبة: حدثنا جرير، عن بيان، عن إبراهيم التيمي، عن","vol":"5","page":158},{"text":"أبيه: أنه مر بأبي ذر ﵁ بالربذة فذكر ذلك له فقال: إنما كانت لنا خاصة دونكم.\nوقال البيهقي وغيره من الأئمة: مراد أبي ذر بالمتعة المذكورة: المتعة التي أمر النبي  -  ﷺ  -  بها أصحابه ﵃، وهي فسخ الحج في العمرة.\nواستدلوا على أن الفسخ المذكور: هو مراد أبي ذر ﵁ بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هناد  - يعني ابن السري -  عن ابن أبي زائدة، أخبرنا محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن سليم بن الأسود: أن أبا ذر كان يقول فيمن حج ثم فسخها بعمرة: لم يكن ذلك إلا للركب الذين كانوا مع رسول الله  -  ﷺ  - . قالوا: فهذه الرواية التي في سنن أبي داود فيها التصريح من أبي ذر ﵁ بفسخ الحج في العمرة، وهي تفسر مراده بالمتعة في رواية مسلم. وضعفت رواية أبي داود هذه بأن ابن إسحاق المذكور فيها مدلّس. وقد قال: عن عبد الرحمن بن الأسود. وعنعنة المدلس لا تقبل عند أهل الحديث حتى يصح السماع من طريق أخرى. ويجاب عن تضعيف هذه الرواية من جهتين:\nالأولى: أن مشهور مذهب مالك، وأحمد، وأبي حنيفة ﵏ صحة الاحتجاج بالمرسل، ومعلوم أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما قدمناه مرارًا.\nوالثانية: أن المقصود من رواية أبي داود المذكورة بيان المراد برواية مسلم، والبيان يقع بكل ما يزيل الإِبهام ولو قرينة أو غيرها، كما هو مقرر في الأصول. وقد قدمناه مرارًا أيضًا.","vol":"5","page":159},{"text":"وما ذكره عن أبي ذر من الخصوصية المذكورة قاله عثمان بن عفان ﵁.\nورد المخالفون الاستدلال بالحديثين المذكورين من جهتين:\nالأولى منهما: تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال بن الحارث المزني ﵁ المذكور عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجه فيه ابنه الحارث بن بلال، وهو مجهول، قالوا: وقال الإِمام أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ في حديث بلال المذكور: هذا الحديث لا يثبت عندي، ولا أقول به. قال: وقد روى فسخ الحج في العمرة أحد عشر صحابيًّا، أين يقع الحارث بن بلال منهم؟ قالوا: وحديث أبي ذر عند مسلم موقوف عليه، وليس بمرفوع، وإذا كان الأول في سنده مجهول، والثاني موقوفًا تبين عدم صلاحيتهما للاحتجاج.\nالجهة الثانية: من جهتي رد الحديثين المذكورين: هي أنهما معارضان بأقوى منهما، وهو حديث جابر المتفق عليه: أن سراقة بن مالك بن جعشم، سأل النبي  -  ﷺ  -  فقال في تمتعهم المذكور: يا رسول الله، ألعامنا هذا أم للأبد؟ فقال النبي  -  ﷺ  -: \"بل للأبد\" وفي رواية في الصحيح فشبك رسول الله  -  ﷺ  -  أصابعه واحدة في الأخرى، وقال: \"دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد\".\nورد المانعون تضعيف الحديثين المذكورين، قالوا: حديث بلال المذكور سكت عليه أبو داود، ومعلوم من عادته أنه لا يسكت إلا عن حديث صالح للاحتجاج، قالوا: ولم يثبت في الحارث بن بلال جرح. وقد قال ابن حجر في التقريب فيه: هو مقبول، قالوا: واعتضد حديثه بما رواه مسلم عن أبي ذر، كما رأيته آنفًا. قالوا: إن","vol":"5","page":160},{"text":"قلنا إن الخصوصية التي ذكرها أبو ذر بذلك الركب مما لا مجال للرأي فيه، فهو حديث صحيح له حكم الرفع، وقائله اطلع على زيادة علم خفيت على غيره، وإن قلنا: إنه مما للرأي فيه مجال، كما يدل عليه كلام عمران بن حصين الآتي؛ وحكمنا بأنه موقوف على أبي ذر فصدق لهجة أبي ذر المعروف وتقاه، وبعده من الكذب يدلنا على أنه ما جزم بالخصوصية المذكورة إلا وهو عارف صحة ذلك، وقد تابعه في ذلك عثمان ﵁ قالوا: ويعتضد حديث الحارث بن بلال المذكور أيضًا بمواظبة الخلفاء الراشدين في زمن أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، الإِفراد، ولولم يعلموا أن فسخ الحج في العمرة خاص بذلك الركب لما عدلوا عنه إلى غيره، لما هو معلوم من تقاهم، وورعهم، وحرصهم على اتباع النبي  -  ﷺ  -، فمواظبتهم على إفراد الحج نحو أربع وعشرين سنة يقوي حديث الحارث بن بلال المذكور. وقد رأيت الرواية عنهم بذلك في صحيح البخاري ومسلم، وكذلك غيرهم من المهاجرين والأنصار، كما أوضحه عروة بن الزبير ﵄ في حديثه المتقدم عند مسلم. قالوا: ورد حديث الحارث بن بلال بأنه مخالف لحديث جابر المتفق عليه في سؤال سراقة بن مالك ابن جعشم المدلجي النبي  -  ﷺ  -، وإجابته له بقوله: بل للأبد لا يستقيم؛ لأنه لا معارضة بين الحديثين لإِمكان الجمع بينهما، والمقرر في علم الأصول، وعلم الحديث أنه إذا أمكن الجمع بين الحديثين وجب الجمع بينهما إجماعًا، ولا يرد غير الأقوى منهما بالأقوى؛ لأنهما صادقان، وليس بمتعارضين، وإنما أجمع أهل العلم على وجوب الجمع بين الدليلين إن أمكن؛ لأن إعمال الدليلين معًا أولى من إلغاء أحدهما، كما لا يخفى. ووجه","vol":"5","page":161},{"text":"الجمع بين الحديثين المذكورين أن حديث بلال بن الحارث المزني، وأبي ذر ﵄ محمولان على أن معنى الخصوصية المذكورة التحتم والوجوب، فتحتم فسخ الحج في العمرة، ووجوبه خاص بذلك الركب، لأمره  -  ﷺ  -  لهم بذلك، ولا ينافي ذلك بقاء جوازه ومشروعيته إلى أبد الأبد. وقوله في حديث جابر: بل للأبد محمول على الجواز، وبقاء المشروعية إلى الأبد، فاتفق الحديثان.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا صوابه في حديث \"بل للأبد\" وحديث الخصوصية بذلك الركب المذكورين: هو ما اختاره العلامة الشيخ تقي الدين أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: وهو الجمع المذكور بين الأحاديث بحمل الخصوصية المذكورة على الوجوب والتحتم، وحمل التأبيد المذكور على المشروعية والجواز، أو السنة، ولا شك أن هذا هو مقتضى الصناعة الأصولية والمصطلحية، كما لا يخفى.\nواعلم: أن الشافعية والمالكية، ومن وافقهم يقولون: إن قوله  -  ﷺ  -: \"بل للأبد\" لا يراد به فسخ الحج في العمرة، بل يراد به جواز العمرة في أشهر الحج، وقال بعضهم: المراد به دخول أفعالها في أفعال الحج في حالة القرآن.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: هذا المعنى الذي حملت عليه المالكية، والشافعية قول النبي لسراقة: \"بل للأبد\" ليس هو معناه، بل معناه: بقاء مشروعية فسخ الحج في العمرة، وبعض روايات الحديث ظاهرة في ذلك ظهورًا بينًا، لا يجوز العدول عنه إلا بدليل يجب الرجوع إليه، بل صريح في ذلك.\nوسنمثل هنا لبعض تلك الروايات فنقول: ثبت في صحيح","vol":"5","page":162},{"text":"مسلم من حديث جابر ﵁ ما لفظه: فقال النبي  -  ﷺ  -: \"لو أني استقبلت من أمري ما استدبرت لم أسق الهدي وجعلتها عمرة، فمن كان منكم ليس معه هدى فليحل، وليجعلها عمرة. فقام سراقة بن مالك بن جعشم فقال: يا رسول الله ألعامنا هذا أم للأبد؟ فشبك رسول الله  -  ﷺ  -  أصابعه واحدة في الأخرى وقال: دخلت العمرة في الحج مرتين، لا بل لأبد أبد\". انتهى المراد منه. وهو صريح في أن سؤال سراقة عن الفسخ المذكور، وجواب النبي له يدل على تأبيد مشروعيته كما ترى؛ لأن الجواب مطابق للسؤال، فقول المالكية، والشافعية، ومن وافقهم: بأن الفسخ ممنوع لغير أهل حجة الوداع، لا يستقيم مع هذا الحديث الصحيح المصرح، بخلافه كما ترى.\nودعواهم أن المراد بقوله: \"بل لأبد أبد\" جواز العمرة في أشهر الحج، أو اندراج أعمالها فيه في حالة القرآن بعيد من ظاهر المذكور كما ترى، وأبعد من ذلك دعوى من ادعى أن المعنى: أن العمرة اندرجت في الحج، أي: اندرج وجوبها في وجوبه، فلا تجب العمرة. وإنما تجب على المكلف حجة الإِسلام دون العمرة، وبعد هذا القول وظهور سقوطه كما ترى.\nوالصواب إن شاء الله: هو ما ذكرنا من الجمع بين الأدلة، ووجهه ظاهر لا إشكال فيه.\nوقال النووي في شرح المهذب في الجواب عن قول الإِمام أحمد: أين يقع الحارث بن بلال من أحد عشر صحابيًّا رووا الفسخ عنه  -  ﷺ  -  ما نصه: قلت: لا معارضة بينهم، وبينه، حتى يقدموا عليه، لأنهم أثبتوا الفسخ للصحابة، ولم يذكروا حكم غيرهم، وقد وافقهم","vol":"5","page":163},{"text":"الحارث في إثبات الفسخ للصحابة، ولكنه زاد زيادة لا تخالفهم، وهي اختصاص الفسخ بهم. اهـ.\nوإذا عرفت مما ذكرنا أدلة الذين ذهبوا إلى تفضيل الإِفراد على غيره من أنواع النسك، وعلمت أن جوابهم عن أمر النبي  -  ﷺ  -  بفسخ الحج في العمرة أنه لإِزالة ما كان في نفوسهم من أن العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، وأن الفعل المفعول لبيان الجواز، قد يكون أفضل بذلك الاعتبار من غيره، وإن كان غيره أفضل منه بالنظر إلى ذاته.\nفاعلم أنهم ادعوا الجمع بين الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه  -  ﷺ  -  كان قارنًا والأحاديث الصحيحة المصرحة بأنه  -  ﷺ  -  كان متمتعًا وكلها ثابتة في الصحيحين، وغيرهما في حجة الوداع مع الأحاديث المصرحة بأنه كان مفردًا التي هي معتمدهم في تفضيل الإِفراد بأنه  -  ﷺ  -  أحرم أولًا مفردًا، ثم بعد ذلك أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا فأحاديث الإِفراد يراد بها عندهم أنه هو الذي أحرم به أول إحرامه، وأحاديث القرآن عندهم حق، إلا أنه عندهم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا، وصيرورته قارنًا في آخر الأمر هي معنى أحاديث القرآن، فلا منافاة. أما الأحاديث الدالة على أنه كان متمتعًا، فلا إشكال فيها؛ لأن السلف يطلقون اسم التمتع على القرآن من حيث إن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج، وكذلك أمره لأصحابه بالتمتع وتمنيه له. وتأسفه على فواته بسبب سوق الهدي في قوله: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما سقت الهدي وجعلتها عمرة\" كفعله له. قالوا: وبهذا تتفق الأحاديث، ويكون التمتع المذكور بفسخ الحج في العمرة لبيان الجواز، وهو بالاعتبار أفضل من غيره، فلا ينافي أن الإِفراد","vol":"5","page":164},{"text":"أفضل منه بالنظر إلى ذاته، كما سار عليه أبو بكر وعمر وعثمان ﵃، قالوا: ولما أمرهم النبي  -  ﷺ  -  بفسخ الحج من العمرة أسفوا؛ لأنهم أحلوا وهو باقٍ على إحرامه، فأدخل العمرة على الحج لتطيب نفوسهم بأنه صار معتمرًا مع حجة لما أمرهم بالعمرة، والمانع له من أن يحل كما أحلوا هو سوق الهدي، قالوا: فعمرتهم لبيان الجواز، وعمرته التي بها صار قارنًا لمواساتهم لما شق عليهم أنه خالفهم، فصار تمتعهم، وقرانه بهذا الاعتبار أولى من غيرهما، ولا يلزم من ذلك أفضليتهما في كل الأحوال بعد زوال الموجب الحامل على ذلك.\nقالوا: وهذا هو الذي لاحظه الخلفاء الراشدين: أبو بكر، وعمر، وعثمان ﵃، فواظبوا على الإِفراد نحو أربع وعشرين سنة، كلهم يأخذ بسنة الخليفة الذي قبله في ذلك.\nقالوا: وما قاله جماعة من أجِّلاء العلماء من أن بيان جواز العمرة في أشهر الحج عام حجة الوداع لا داعي له، لأن النبي  -  ﷺ  -  بين ذلك بيانًا متكررًا في سنين متعددة، وذلك لأنه اعتمر عمرة الحديبية عام ست، وعمرة القضاء عام سبع، وعمرة الجعرانة عام ثمان، وكل هذه العمر الثلاث في ذي القعدة من أشهر الحج.\nقالوا: وهذا البيان المتكرر سنة بعد سنة كافٍ غاية الكفاية، فلا حاجة إلى بيان ذلك بأمر الصحابة بفسخ الحج في العمرة. وكذلك قوله: \"ومن شاء أن يهلّ بعمرة فليهلّ\" المتقدم في حديث عائشة. وإذا كان بيان ذلك لا حاجة إليه، تعين أن الأمر بالفسخ المذكور لأفضلية التمتع على غيره، لا لشيء آخر.\nلا شك في أنه ليس بصحيح، وأن بيان ذلك محتاج إليه غاية","vol":"5","page":165},{"text":"الاحتياج في حجة الوداع، ولشدة الاحتياج إلى ذلك البيان أمرهم  -  ﷺ  -  بفسخ الحج في العمرة، والدليل على ذلك هو ما ثبت في حديث ابن عباس المتفق عليه  - وقد ذكرناه في أول هذا البحث -  قال: \"كانوا يرون العمرة في أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض ... \" الحديث. وفيه: فقدم النبي  -  ﷺ  -، وأصحابه صبيحة رابعة مهلين بالحج، فأمرهم أن يجعلوها عمرة، فتعاظم ذلك عندهم فقالوا: يا رسول الله أي الحل؟ قال \"الحل كله\": وفي البخاري قال: \"حل كله\" فقول ابن عباس في هذا الحديث الصحيح: فتعاظم ذلك عندهم، دليل على أنه في ذلك الوقت لم يزل عظيمًا عندهم. ولو كانت العمر الثلاث المذكورة أزالت من نفوسهم ذلك إزالة كلية، لما تعاظم الأمر عندهم، فتعاظم ذلك الأمر عندهم المصرح به في حديث متفق عليه بعد صبح رابعة من ذي الحجة عام عشر دليل على أن العمرة عام ست، وعام سبع، وعام ثمان ما أزالت ما كان في نفوسهم؛ لشدة استحكامه فيها؛ وكذلك إذنه لمن شاء أن يهل بعمرة السابق في حديث عائشة. والنبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع مودع حريص على إتمام البيان، وحجة الوداع اجتمع فيها جمع من المسلمين، لم يجتمع مثله في موطن من المواطن في حياته  -  ﷺ  - .\nوقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على الحديث المذكور: فتعاظم عندهم، أي: لما كانوا يعتقدونه أولًا، وفي رواية إبراهيم بن الحجاج: فكبر ذلك عندهم. انتهى منه.\nقالوا: ولشدة عظمه عندهم لم يمتثلوا أمر النبي  -  ﷺ  -  بفسخ الحج في العمرة أولًا، حتى غضب عليهم بسبب ذلك. وبذلك كله يتضح لك أنما كان مستحكمًا في نفوسهم، من أن العمرة في أشهر","vol":"5","page":166},{"text":"الحج، من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل بالكلية إلى صبح رابعة ذي الحجة سنة عشر.\nقالوا: وبه تعلم أن بيان جواز ذلك في حجة الوداع بعمل كل الصحابة الذين لم يسوقوا هدايا لأمر النبي  -  ﷺ  -، واعتماره هو مع حجته، أعني قرانه بينهما أمر محتاج إليه جدًّا للبيان المذكور.\nومما يدل من الأحاديث الصحيحة على أن ما كان في نفوسهم من ذلك لم يزل بالكلية ما ثبت في الصحيح من حديث جابر ﵁ بلفظ \"وأن النبي  -  ﷺ  -  أذن لأصحابه أن يجعلوها عمرة يطوفوا بالبيت ثم يقصروا ويحلوا إلا من كان معه الهدي، فقالوا: ننطلق إلى مِنَى وذكَرُ أحدنا يقطر؟ فبلغ النبي  -  ﷺ  -  فقال: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أهديت ولولا أن معي الهدي لأحللت\" الحديث. هذا لفظ البخاري ﵀، فقولهم في هذا الحديث الصحيح بعد أن أمرهم  -  ﷺ  -  أن يحلوا: \"ننطلق إلى مِنَى، وذكر أحدنا يقطر\" يدل على شدة نفرتهم من الإِحلال بعمرة في زمن الحج كما ترى. وذلك يؤكد الاحتجاج إلى تأكيد بيان الجواز. وهذا الحديث الصحيح يدفع الاحتمال الذي في حديث ابن عباس المتقدم، لأن قوله: \"فتعاظم ذلك عندهم\" يحتمل أن يكون بموجب التعاظم أنهم كانوا أولًا محرمين بحج. ويدل لهذا الاحتمال حديث جابر الثابت في الصحيح أنه حج مع النبي  -  ﷺ  -  يوم ساق البدن معه، وقد أهلوا بالحج مفردًا، فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت. الحديث. وفيه فقالوا: كيف نجعلها متعة، وقد سمينا الحج؟ إلى آخر الحديث. فهذا الحديث يدل على أنهم إنما صعب عليهم الإِحلال بالعمرة؛ لأنهم قد سمّوا الحج، لا لأن ما كان في نفوسهم من أن العمرة في","vol":"5","page":167},{"text":"أشهر الحج من أفجر الفجور في الأرض، لم يزل باقيًا إلى ذلك الوقت، لأن حديث جابر المذكور، أعني قوله: فقالوا: ننطلق إلى منى وذكر أحدنا يقطر، لا يحتمل هذا الاحتمال، بل معناه: أن تعاظم الإِحلال بعمرة عندهم؛ لأنه في وقت الحج كما بينا، وهو يدل على أن ذلك هو المراد من هذا الحديث الأخير، وأنه ليس المراد الاحتمال المذكور، كما جزم به ابن حجر في الفتح في كلامه على الحديث الذي ذكرناه عنه آنفًا.\nويبين أيضًا أن ذلك هو معنى حديث جابر عند مسلم، حيث قال ﵀ في صحيحه: حدثنا ابن نمير، حدثني أبي، حدثنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: أهللنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  بالحج، فلما قدمنا مكة أمرنا أن نحل ونجعلها عمرة فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، فبلغ ذلك النبي  -  ﷺ  -  فما ندري أشيء بلغه من السماء، أم شيء من قبل الناس؟ فقال: \"أيها الناس أحلوا فلولا أن معي الهدي فعلت كما فعلتم\" الحديث.\nفقول جابر ﵁ في هذا الحديث الصحيح: فكبر ذلك علينا، وضاقت به صدورنا، يدل على أن ما كان في نفوسهم من كراهة العمرة في أشهر الحج لم يزل، ولولا ذلك لما كبر عليهم، ولا ضاقت صدورهم بالإِحلال بعمرة في أشهر الحج، كما أوضحه حديثه المذكور أيضًا. وعلى هذا الذي ذكروه فالذي استدبره من أمره، ولو استقبله لم يسق الهدي: هو ملاحظة البيان المذكور، وإن كان قد بين ذلك سابقًا لاحتياجه إلى تأكيد البيان في مثل ذلك الجمع، وهو مودع، ولا ينافي ذلك أنه أمر القارنين بالفسخ المذكور","vol":"5","page":168},{"text":"مع أن العمرة المقرونة مع الحج فيها البيان المذكور؛ لأن العمرة المفردة عن الحج أبلغ في البيان؛ لأنها ليست مع الحج، فهي مستقلة عنه، فلا يحتمل أنها إنما جازت تبعًا. وقد أوضحنا في هذا الكلام حجة من قال من أهل العلم بتفضيل الإِفراد على غيره، من أنواع النسك، وجوابهم عما جاء من الأحاديث دالًّا على أفضلية القرآن أو التمتع، ووجه جمعهم بين الأحاديث الصحيحة التي ظاهرها الاختلاف في حجة النبي  -  ﷺ  - .\nالمسألة الرابعة\nذهب جماعة من أهل العلم إلى أن القرآن هو أفضل أنواع النسك، وممن قال بهذا: أبو حنيفة، وأصحابه، وسفيان الثوري، وإسحاق بن راهويه، والمزني، وابن المنذر، وأبو إسحاق المروزي، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. واحتج أهل هذا القول بأحاديث كثيرة، دالة على أن النبي  -  ﷺ  -  كان قارنًا في حجته:\nمنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن ابن عمر ﵄، قال: \"تمتع رسول الله  -  ﷺ  -  في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى فساق معه الهدي من ذي الحليفة، وبدا رسول الله  -  ﷺ  -  فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج\" الحديث أخرجاه بهذا اللفظ.\nومنها: ما أخرجه الشيخان متصلًّا بحديث ابن عمر من طريق عروة بن الزبير، عن عائشة: أنها أخبرته عن رسول الله  -  ﷺ  -  بمثل حديث ابن عمر المذكور سواء، ومنها: ما رواه مسلم والبخاري في صحيحيهما من حديث قتيبة عن الليث عن نافع عن ابن عمر: \"أنه قرن الحج إلى العمرة، وطاف لهما طوافًا واحدًا\" ثم قال: هكذا فعل رسول الله  -  ﷺ  - .","vol":"5","page":169},{"text":"ومنها: ما رواه الشيخان، عن عمران بن حصين الخزاعي ﵄، قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله، يعني متعة الحج، وأمرنا بها رسول الله  -  ﷺ  -، ثم لم تنزل آية تنسخ آية متعة الحج، ولم ينه عنها رسول الله  -  ﷺ  -  حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء. الحديث. هكذا لفظ مسلم في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث، ولفظ البخاري قريب منه بمعناه في التفسير، وفي الحج. ومراد عمران بن حصين ﵄ بالتمتع المذكور القرآن بدليل الروايات الصحيحة الثابتة في صحيح مسلم، وغيره المصرح بذلك.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عبد الله بن معاذ، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف قال: قال لي عمران بن حصين أحدثك حديثًا عسى الله أن ينفعك به: إن رسول الله  -  ﷺ  -  جمع بين حجة وعمرة، ثم لم ينه عنه، حتى مات، ولم ينزل فيه قرآن بحرمة، وقد كان يسلم علي حتى اكتويت فتركت، ثم تركت الكي فعاد.\nحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قالا: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن حميد بن هلال، قال: سمعت مطرفًا قال: قال لي عمران بن حصين بمثل حديث معاذ.\nوحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن قتادة، عن مطرف قال: بعث إليَّ عمران بن حصين في مرضه الذي توفي فيه، فقال: إنني كنت محدثك بأحاديث لعل الله أن ينفعك بها بعدي، فإن عشت فاكتم عني، وإن مت فحدث بها إن شئت، إنه قد سلم علي. واعلم أن نبي الله  -  ﷺ  -  قد","vol":"5","page":170},{"text":"جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب الله، ولم ينه عنها نبي الله  -  ﷺ  -، قال رجل برأيه ما شاء.\nوحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عيسى بن يونس، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، عن مطرف بن عبد الله بن الشخير، عن عمران بن حصين ﵁ قال: اعلم أن رسول الله  -  ﷺ  -، جمع بين حج وعمرة، ثم لم ينزل فيها كتاب، ولم ينهنا عنها رسول الله  -  ﷺ  -، قال فيها رجل برأيه ما شاء. انتهى منه.\nوهذه الروايات تبين أن مراده بالتمتع القرآن، ومعروف عن الصحابة ﵃، أنهم يطلقون اسم التمتع على القرآن؛ لأن فيه عمرة في أشهر الحج مع الحج.\nومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك ﵁ \"أن النبي  -  ﷺ  -  جمع بين حج وعمرة\" ففي بعض روايات حديثه قال: \"صلى رسول الله  -  ﷺ  -  ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا، والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء حمد الله وسبح وكبر، ثم أهلّ بحج وعمرة، وأهلّ الناس بهما\" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. وقد قدمنا بعض ألفاظ مسلم في حديث أنس في القرآن، ومخالفة ابن عمر له في ذلك، قائلًا: إنه أفرد، وفي بعض روايات حديث أنس عند مسلم عن يحيى بن أبي إسحاق، وعبد العزيز بن صهيب، وحميد أنهم سمعوا أنسًا ﵁ قال: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -: أهلّ بهما جميعًا: لبيك عمرةً وحجًّا، لبّيك عمرة وحجًّا. وقد روى عن أنس ﵁ حديث قران النبي هذا ستة عشر رجلًا، كما بينه العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد، وهم الحسن البصري،","vol":"5","page":171},{"text":"وأبو قلابة، وحميد بن هلال، وحميد بن عبد الرحمن الطويل، وقتادة، ويحيى بن سعيد الأنصاري، وثابت البناني، وبكر بن عبد الله المزني، وعبد العزيز بن صهيب، وسليمان التيمي، ويحيى بن أبي إسحاق، وزيد بن أسلم، ومصعب بن سليم، وأبو أسماء، وأبو قدامة عاصم بن حسين، وأبو قزعة، وهو سويد بن حجر الباهلي.\nومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، قالت: يا رسول الله، ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: \"إني لبّدْت رأسي وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحر\". انتهى منهما بلفظه. وهذه العمرة المذكورة في هذا الحديث المتفق عليه عمرة مقرونة مع الحج بلا شك في ذلك، كما جزم به النووي في شرح مسلم.\nومنها: ما رواه البخاري في صحيحه، عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت النبي  -  ﷺ  -  بوادي العقيق، يقول: \"أتاني الليلة آت من ربي فقال: صل في هذا الوادي المبارك وقل: عمرة في حجة\". اهـ. وقوله في هذا الحديث وقل: \"عمرة في حجة\" يدل على القرآن، والمحتملات الأخر التي حمله عليها بعض المالكية والشافعية وغيرهم لا تظهر كل الظهور، بل معناه القرآن كما ذكرنا، وجزم به غير واحد. والله تعالى أعلم. والأحاديث بمثل ما ذكرنا كثيرة.\nوقد ذكر العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد منها بضعة وعشرين حديثًا، عن سبعة عشر صحابيًّا، وهم جابر، وعائشة،","vol":"5","page":172},{"text":"وعبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعمران بن حصين، والبراء بن عازب، وحفصة أم المؤمنين، وأبو قتادة، وابن أبي أوفى، وأبو طلحة، والهرماس بن زياد، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن عفان ﵃ جميعًا. وعده لعثمان ﵁ في جملة من روى القرآن، مع ما ثبت عنه من النهي عنه يعني به تقريره لعلي ﵁ على القرآن.\nوبالجملة: فثبوت كون النبي  -  ﷺ  -  كان قارنًا بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا طرفًا منها لا مطعن فيه، وقد قدمنا أن القائلين بأفضلية الإِفراد معترفون بقرانه  -  ﷺ  -  في حجة الوداع، إلَّا أنهم جمعوا بين الأحاديث بأنه أحرم أولًا مفردًا، ثم أدخل العمرة على الحج فصار قارنًا. والذين قالوا: بأفضلية القرآن جزموا بأنه  -  ﷺ  -  أحرم قارنًا في ابتداء إحرامه، واستدلوا لذلك بأحاديث صحيحة.\nمنها: حديث ابن عمر المتفق عليه، وقد قدمناه في هذا المبحث، وفيه: وبدأ رسول الله  -  ﷺ  -  فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج وهو تصريح منه ﵁ بأنه أهل بالعمرة قبل الحج.\nومنها: حديث عمر ﵁ عند البخاري، وقد قدمناه أيضًا وفيه \"وقل: عمرة في حجة\" وكان ذلك بالعقيق قبل إحرامه. وأهل هذا القول جمعوا بين الأحاديث الواردة بالإِفراد، والأحاديث الواردة بالقران، والأحاديث الواردة بالتمتع بغير الجمع الذي ذكرناه عن القائلين بأفضلية الإِفراد، وهو أن وجه الجمع أن المراد بالإِفراد إفراد أعمال الحج، لأن القارن يفعل في أعمال الحج كما يفعله","vol":"5","page":173},{"text":"الحاج المفرد، فيطوف لهما طوافًا واحدًا، ويسعى لهما سعيًا واحدًا، على أصح الأقوال، وأقواها دليلًا.\nوأما جوابهم عن أحاديث التمتع فواضح؛ لأن الصحابة يطلقون التمتع على القرآن كما قدمنا في حديث عمران بن حصين، وكما يدل له ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن سعيد بن المسيب قال: اجتمع عثمان وعلي ﵄، وكان عثمان ينهى عن المتعة فقال عليّ: ما تريد إلى أمر فعله رسول الله  -  ﷺ  -  تنهى عنه فقال عثمان: دعنا منك فقال: إني لا أستطيع أن أدعك، فلما رأى ذلك عليّ أهل بهما جميعًا. فهذا يبين أن من جمع بينهما كان متمتعًا عندهم، وأن هذا هو الذي فعله النبي  -  ﷺ  -، وأقره عثمان على أن النبي  -  ﷺ  -  فعل ذلك، لكن الخلاف بينهما في الأفضل من ذلك.\nومما يدل على أن القارن متمتع عندهم حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه في هذا المبحث فإن في لفظه عند الشيخين \"تمتع رسول الله  -  ﷺ  -  في حجة الوداع بالعمرة إلى الحج، وأهدى، فساق الهدي من ذي الحليفة، وبدأ رسول الله  -  ﷺ  -  فأهلّ بالعمرة، ثم أهلّ بالحج\" فتراه صرح بأن مراده بالتمتع القرآن.\nالمسألة الخامسة\nاعلم: أن حجة من قال: بأن التمتع أفضل مطلقًا، ومن قال: بأنه أفضل لمن لم يسق الهدي، وكلاهما مروي عن الإِمام أحمد هي: أن النبي  -  ﷺ  -  أمر جميع أصحابه الذين لم يسوقوا هديًا أن يفسخوا حجهم في عمرة كما هو ثابت عن جماعة من الصحابة بروايات صحيحة لا مطعن فيها، وتأسف هو صلوات الله وسلامه عليه على","vol":"5","page":174},{"text":"سوقه للهدي الذي كان سببًا لعدم تحلله بالعمرة معهم. قالوا: لو لم يكن التمتع هو أفضل الإنساك لما أمر به أصحابه، ولما تأسف على أنه لم يفعله في قوله: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة\".\nتنبيهات\nالتنبيه الأول: اعلم أن دعوى من ادعى أن النبي  -  ﷺ  -  كان متمتعًا التمتع المعروف، وأنه حل من عمرته، ثم أحرم للحج باطلة بلا شك، وقد ثبت بالروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه كان قارنًا، وأنه لم يحل حتى نحو هديه، كما قدمناه في هذا المبحث في حديث أم المؤمنين حفصة بنت عمر بن الخطاب ﵂، وعن أبيها، فإن لفظ النبي  -  ﷺ  -  في حديثها المتفق عليه قال: \"إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحو \"والأحاديث بمثله كثيرة.\nوسبب غلط من ادعى الدعوى الباطلة المذكورة هو ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس قال: قال ابن عباس: قال معاوية: أعلمت أني قصرت من رأس رسول الله  -  ﷺ  -  عند المروة بمشقص، قلت له: لا أعلم هذا إلَّا حجة عليك. وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج، حدثني الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن ابن عباس أن معاوية بن أبي سفيان أخبره قال: قصرت عن رسول الله  -  ﷺ  -  بمشقص وهو على المروة، أو رأيته يقصر عنه بمشقص، وهو على المروة. انتهى منه.","vol":"5","page":175},{"text":"وأخرج البخاري هذا الحديث عن معاوية بلفظ قال: قصرت عن رسول الله  -  ﷺ  -  بمشقص. فالاستدلال بهذا الحديث على أن النبي  -  ﷺ  -  أحل بعمرة في حجة الوداع غلط فاحش، مردود من وجهين:\nالأول: أنه ليس في الحديث المتفق عليه ذكر حجة الوداع، ولا شيء يدل على أن ذلك التقصير كان فيها.\nالثاني: ورود الرواية الصحيحة التي لا مطعن فيها أنه لم يحل إلَّا بعد الرجوع من عرفات، بعد أن نحر هديه.\nوقال النووي في كلامه على حديث معاوية هذا: وهذا الحديث محمول على أنه قصر عن النبي  -  ﷺ  -  في عمرة الجعرانة، لأن النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع كان قارنًا كما سبق إيضاحه، وثبت أنه  -  ﷺ  -  حلق بمنى، وفرق أبو طلحة ﵁ شعره بين الناس، فلا يجوز حمل تقصير معاوية على حجة الوداع، ولا يصح حمله أيضًا على عمرة القضاء الواقعة سنة سبع من الهجرة، لأن معاوية لم يكن يومئذ مسلمًا، إنما أسلم يوم الفتح سنة ثمان، هذا هو الصحيح المشهور. ولا يصح قول من حمله على حجة الوداع، وزعم أنه  -  ﷺ  -  كان متمتعًا؛ لأن هذا غلط فاحش فقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة السابقة في مسلم وغيره أن النبي  -  ﷺ  -  قيل له: ما شأن الناس حلوا ولم تحل أنت؟ قال: \"إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر الهدي\" وفي رواية \"حتى أحل من الحج\" والله تعالى أعلم. انتهى كلام النووي. ولا شك أن حمل حديث معاوية على حجة الوداع لا يصح بحال. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":176},{"text":"التنبيه الثاني\nاعلم أن دعوى من ادعى أنه لم يحل بعمرة من أصحاب النبي  -  ﷺ  -  حجة الوداع إلَّا من أحرم بالعمرة وحدها، وأن من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة لم يحل أحد منهم حتى كان يوم النحر دعوى باطلة أيضًا؛ لأن الروايات الصحيحة التي لا مطعن فيها عن جماعة من أصحاب النبي  -  ﷺ  -  متظاهرة بكل الوضوح والصراحة أن النبي  -  ﷺ  -  أمر كل من لم يكن معه هدي أن يحل بعمرة، سواء كان مفردًا أو قارنًا. ومستند من ادعى تلك الدعوى الباطلة هو ما أخرجه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  عام حجة الوداع، فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله  -  ﷺ  -  بالحج. فأما من أهل بعمرة فحل، وأما من أهل بحج، أو جمع الحج والعمرة فلم يحلوا حتى كان يوم النحر. انتهى منه؛ لأن الذين لم يحلوا من القارنين، والمفردين في هذا الحديث ونحوه من الأحاديث يجب حملهم على أن معهم الهدي؛ لأجل الروايات الصحيحة المصرحة بذلك، وبأن من لم يكن معهم هدي فسخوا حجهم في عمرة بأمر النبي  -  ﷺ  - .\nالتنبيه الثالث\nاعلم أن دعوى من قال: إن النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع أحرم إحرامًا مطلقًا، ولم يعين نسكًا، وأنه لم يزل ينتظر القضاء، حتى جاءه القضاء بين الصفا والمروة أنها دعوى غير صحيحة وإن قال الإِمام الشافعي في اختلاف الحديث أن ذلك ثابت عن النبي  -  ﷺ  -؛ لأن","vol":"5","page":177},{"text":"الروايات المتواترة المصرحة بأنه  -  ﷺ  -  عين ما أحرم به من ذي الحليفة من إفراد، أو قران، أو تمتع، لا تمكن معارضتها لقوتها، وتواترها، واتفاق جميعها على تعيين الإِحرام من ذي الحليفة وإن اختلف في نوعه. ومستند من ادعى تلك الدعوى أحاديث جاءت يفهم من ظاهرها ذلك:\nمنها: حديث عائشة قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -، لا نذكر\nحجًّا، ولا عمرة. وفي لفظ: يلبي، ولا يذكر حجًّا ولا عمرة، ونحو ذلك من الأحاديث. وهذا لا تعارض به تلك الروايات الصحيحة المتواترة.\nوقد أجاب العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد عن الأحاديث التي استدل بها من ادعى الدعوى المذكورة، فأفاد وأجاد. والعلم عند الله تعالى.\nالتنبيه الرابع\nاعلم أن الأحاديث الواردة بأنه كان مفردًا، والواردة بأنه كان قارنًا، والواردة بأنه كان متمتعًا لا يمكن الجمع ألبتة بينها إلَّا الواردة منها بالتمتع، والواردة بالقران، فالجمع بينهما واضح؛ لأن الصحابة كانوا يطلقون اسم التمتع على القران، كما هو معروف عنهم، ولا يمكن النزاع فيه، مع أن أمره  -  ﷺ  -  أصحابه بالتمتع قد يطلق عليه أنه تمتع؛ لأن أمره بالشيء كفعله إياه. أما الواردة بالإِفراد فلا يمكن الجمع بينها بحال مع الأحاديث الواردة بالتمتع، والقران، فادعاء إمكان الجمع بينها غلط وإن قال به خلق لا يحصى من أجلاء العلماء.","vol":"5","page":178},{"text":"واختلفوا في وجه الجمع على قولين كما أوضحناه، فمنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: أنه أحرم أولًا مفردًا، وأحاديث القرآن يراد بها: أنه بعد إحرامه مفردًا أدخل العمرة على الحج، فصار قارنًا، فصدق هؤلاء باعتبار أول الأمر، وصدق هؤلاء باعتبار آخره، مع أن أكثرهم يقولون: إن إدخال العمرة على الحج خاص به  -  ﷺ  -، ولا يجوز لغيره. وهذا الجمع قال به أكثر المالكية، والشافعية.\nوقال النووي: لا يجوز العدول عنه. ومنهم من جمع بأن أحاديث الإِفراد يراد بها: إفراد أعمال الحج، والقارن يعمل في سعيه وطوافه كعمل المفرد على أصح الأقوال وأقواها دليلًا، وكلا الجمعين غلط، مع كثرة وجلالة من قال به من العلماء. وإنما قلنا: إنهما كليهما غلط؛ لأن المعروف في أصول الفقه، وعلم الحديث أن الجمع لا يمكن بين نصين متناقضين تناقضًا صريحًا، بل الواجب بينهما الترجيح، وإنما يكون الجمع بين نصين لم يتناقضا تناقضًا صريحًا، فيحمل كل منهما على محمل ليس في الآخر التصريح بنقيضه، فيكونان صادقين، ولأجل هذا فجميع العلماء يقولون: يجب الجمع إن أمكن، ومفهوم قولهم: إن أمكن أنهما إن كانا متناقضين تناقضًا صريحًا، لا يمكن الجمع بينهما، بل يجب المصير إلى الترجيح.\nفإذا علمت هذا فاعلم أن أحاديث الإِفراد صريحة في نفي القران، والتمتع لا يمكن الجمع بينها أبدًا، وبين أحاديثهما، فابن عمر ﵄ في حديثه الصحيح المتقدم يكذب أنسًا في دعواه القرآن تكذيبًا صريحًا المرة بعد المرة، كما رأيته سابقًا، فكيف يمكن الجمع بين خبرين والمخبران بهما كل منهما يكذب الآخر","vol":"5","page":179},{"text":"تكذيبًا صريحًا، فالجمع في مثل هذا محال، ومن ادعى إمكانه فقد غلط كائنًا من كان، بالغًا ما بلغ من العلم والجلالة. وعائشة ﵂ في حديثها الصحيح المتقدم تقول: فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهلّ بحج، وأهل رسول الله  -  ﷺ  -  بحج. فذكرها الأقسام الثلاثة وتصريحها بأن النبي  -  ﷺ  -  أحرم بواحد معين منها، لا يمكن الجمع بينه، وبين خبر من قال: إنه أحرم بقسم من القسمين الآخرين كما ترى، وفي بعض الروايات \"أحرم بالحج خالصًا\"، وفي بعضها \"أحرم بالحج وحده\" وفي بعضها \"لا نعرف العمرة ... \" إلخ. وأحاديث القران فيها التصريح بأنه يقول: لبيك حجًّا وعمرة فالجمع بينهما لا يمكن بحال إلَّا على قول من قال: إنه كان قارنًا يلبي بهما معًا، فسمع بعضهم الحج والعمرة معًا، وسمع بعضهم الحج دون العمرة، وبعضهم العمرة دون الحج، فروى كل ما سمع. وعلى أن الجمع غير ممكن فالمصير إلى الترجيح واجب، ولا شك عند من جمع بين العلم والإِنصاف أن أحاديث القران أرجح من جهات متعددة:\nمنها: كثرة من رواها من الصحابة، وقد قدمنا عن ابن القيم أنها رواها سبعة عشر صحابيًّا، وأحاديث الإِفراد لم يروها إلَّا عدد قليل، وهم: عائشة، وابن عمر، وجابر، وابن عباس، وأسماء، وكثرة الرواة من المرجحات. قال في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي:\nوكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية\nكما قدمناه في البقرة.","vol":"5","page":180},{"text":"ومنها: أن من روى عنهم الإِفراد روى عنهم القرآن أيضًا. ويكفي في أرجحية أحاديث القرآن أن الذين قالوا بأفضلية الإفراد معترفون بأن من رووا القرآن صادقون في ذلك، وأنه  -  ﷺ  -  كان قارنًا باتفاق الطائفتين إلَّا أن بعضهم يقولون: إنه لم يكن قارنًا في أول الأمر، وإنما صار قارنًا في آخره، وقد ذكر ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: أن أحاديث القرآن أرجح من خمسة عشر وجهًا، فلينظره من أراد الوقوف عليها.\nوقد علمت مما تقدم: أن القائلين بأفضلية الإِفراد يقدحون في دلالة أحاديث القرآن على أفضليته على الإِفراد بالقادح المعروف في الأصول بالقول بالموجب، فيقولون: سلمنا أنه كان قارنًا مع بقاء نزاعنا في أفضلية القران على الإِفراد؛ لأن قرانه، وأمره أصحابه بالتمتع لم يكن لأفضلية القران والتمتع في حد ذاتيهما على الإِفراد، بل هما في ذلك الوقت أفضل لسبب منفصل وإن كان الإِفراد أفضل منهما في حد ذاته؛ لما قدمنا من أن الفعل المفضول أو المكروه إذا كان لبيان الجواز كان أفضل بهذا الاعتبار من الفعل الذي هو أفضل منه في حد ذاته، كما قدمنا إيضاحه.\nوقد قدمنا أدلة من قال بهذا كحديث بلال بن الحارث المزني في السنن، وحديث أبي ذر في مسلم أن ذلك كان خاصًّا بذلك الركب في حجة الوداع، وعمل الخلفاء الراشدين نحو أربع وعشرين سنة، وغيرهم من المهاجرين، والأنصار من أفاضل الصحابة، كما ثبت في الصحيحين عن عروة بن الزبير ﵄، وثبت عن الخلفاء الراشدين: أبي بكر، وعمر، وعثمان في الصحيحين وغيرهما ذلك. وقد قدمنا أن الآثار والأحاديث التي ذكرها ابن حزم","vol":"5","page":181},{"text":"عنهم مخالفة لذلك لا يلتفت إليها مع الروايات الثابتة في الصحيحين القاضية بخلافها.\nفإن قيل: سلمنا تسليمًا جدليًّا أن القرآن من النبي  -  ﷺ  -، والتمتع الواقع من الصحابة بأمره في حجة الوداع كانا لأجل بيان الجواز، فاللازم أن تكون مشروعية أفضليتهما باقية كالرمل في الطواف في الأشواط الثلاثة الأولى، فإنه  -  ﷺ  -  فعله، وأمر به لسبب خاص، وهو أن يرى المشركين قوة الصحابة، وأنهم لم يضعفهم مرض، ومع كون ذلك لهذا السبب فمشروعية سنيته باقية، فليكن قرانه، وتمتع أصحابه بأمره لذلك السبب كذلك.\nفالجواب: أن الرمل المذكور لم يرد فيه دليل يدل على خصوصه بذلك الوقت، بل ثبت ما يدل على بقاء مشروعيته، وهو رمله  -  ﷺ  -  في حجة الوداع بعد زوال السبب، والتمتع والقران المذكوران وردت فيهما أدلة تدل على خصوصهما بذلك الركب كحديث بلال بن الحارث المزني، وحديث أبي ذر إلى آخر ما تقدم. وقد قدمنا مناقشة من ضعف الأول، بأن الحارث بن بلال راوي الحديث، عن أبيه مجهول، وأن حديث أبي ذر موقوف.\nوبالجملة: فإنه يبعد كل البعد أن أبا بكر، وعمر، وعثمان ﵃ يتواطئون واحدًا بعد واحد في نحو أربع وعشرين سنة على إفراد الحج متعمدين لمخالفة هدي النبي  -  ﷺ  -  وجميع الصحابة حاضرون، ولم ينكر منهم أحد، فهذه دعوى باطلة. ومقتضاها أن الأمة جميعها، وخلفاءها الراشدين مكثت هذا الزمن الطويل، وهي على باطل فهذا باطل بلا شك.\nواعلم أن قول عمران بن حصين ﵁ في حديثه","vol":"5","page":182},{"text":"المتقدم، معرضًا بعمر ﵁ قال رجل برأيه ما شاء، يعني به: نهى عمر عن التمتع. أما إفراده الحج في زمن خلافته، فلم ينكره هو ولا غيره.\nومذهب ابن عباس ﵄ في أن من طاف حلّ بعمرة شاء أو أبى مذهب مهجور خالفه فيه الصحابة والتابعون، فمن بعدهم، فهو كقوله بنفي العول، وبأن الأم لا يحجبها من الثلث إلى السدس أقل من ثلاثة.\nفإن قيل: مذهبه هذا ليس كذلك؛ لأنه دلت عليه نصوص.\nفالجواب: هو ما ذكرنا من حجج من خالفوه، وهم عامة علماء الأمة. والعلم عند الله تعالى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة هو ما اختاره العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀ في منسكه، وهو: إفراد الحج بسفر ينشأ له مستقلًا، وإنشاء سفر آخر مستقل للعمرة.\nفقد قال ﵀ في منسكه: إن عمر ﵁ لم ينه عن المتعة البتة، وإنما قال: إن أتم لحجكم، وعمرتكم أن تفصلوا بينهما، فاختار عمر لهم أفضل الأمور، وهو إفراد كل واحد منهما بسفر ينشئه له من بلده، وهذا أفضل من القران، والتمتع الخاص بدون سفرة أخرى. وقد نص على ذلك أحمد، وأبو حنيفة، ومالك، والشافعي وغيرهم، وهذا هو الإِفراد الذي فعله أبو بكر، وعمر ﵄ وكان عمر يختاره للناس، وكذلك علي، وقال عمر، وعلي في قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك، وقد قال  -  ﷺ  -  لعائشة في عمرتها: \"أجرك على","vol":"5","page":183},{"text":"قدر نصبك\" فإذا رجع الحاج إلى دويرة أهله، فأنشأ العمرة منها، واعتمر قبل أشهر الحج، وأقام حتى يحج أو اعتمر في أشهره، ورجع إلى أهله، ثم حج فهاهنا قد أتى بكل واحد من النسكين من دويرة أهله. وهذا إتيان بهما على الكمال، فهو أفضل من غيره. انتهى منه بواسطة نقل تلميذه ابن القيم في الزاد. فترى هذا العلامة المحقق صرح بأن إفراد كل منهما بسفر أفضل من التمتع والقران، وأن الأئمة الأربعة متفقون على ذلك، وأن عمر، وعليًّا يريان ذلك عملًا بنص القرآن العظيم. وبذلك تعلم أن قول بعض المتأخرين بمنع الإِفراد مطلقًا مخالف للصواب كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة\nاعلم: أن العلماء اختلفوا في طواف القارن والمتمتع إلى ثلاثة مذاهب.\nالأول: أن على القارن طوافًا واحدًا وسعيًا واحدًا، وأن ذلك يكفيه لحجه، وعمرته، وأن على المتمتع طوافين وسعيين، وهذا مذهب جمهور العلماء منهم مالك، والشافعي، وأحمد في أصح الروايات.\nالثاني: أن على كل واحد منهما سعيين وطوافين، وهذا مذهب أبي حنيفة وأصحابه.\nالثالث: أنهما معًا يكفيهما طواف واحد، وسعي واحد، وهو مروي عن الإِمام أحمد.\nأما الجمهور المفرقون بين القارن والمتمتع القائلون بأن القارن يكفيه لحجة وعمرته طواف زيارة واحد، وهو طواف الإِفاضة، وسعي","vol":"5","page":184},{"text":"واحد فاحتجوا بأحاديث صحيحة ليس مع مخالفيهم ما يقاومها:\nمنها: ما ثبت في صحيح مسلم بن الحجاج ﵀: حدثني محمد بن حاتم، حدثنا بهز، حدثنا وهب، حدثنا عبد الله بن طاوس، عن أبيه، عن عائشة ﵂. أنها أهلت بعمرة، فقدمت ولم تطف بالبيت، حتى حاضت، فنسكت المناسك كلها، وقد أهلت بالحج، فقال لها النبي  -  ﷺ  -: \"يسعك طوافك لحجك وعمرتك\" الحديث ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنها كانت محرمة أولًا، ومنعها الحيض من الطواف فلم يمكنها أن تحل بعمرة، فأهلت بالحج مع عمرتها الأولى فصارت قارنة، وقد صرح النبي  -  ﷺ  -  في هذا الحديث الصحيح بأنها قارنة حيث قال: \"لحجك وعمرتك\" ومع ذلك صرح بأنها يكفيها لهما طواف واحد.\nوقال مسلم ﵀ أيضًا في صحيحه: وحدثني حسن بن علي الحلواني، حدثنا زيد بن الحباب، حدثني إبراهيم بن نافع، حدثني عبد الله بن أبي نجيح، عن مجاهد، عن عائشة ﵂: أنها حاضت بسرف فتطهرت بعرفة، فقال لها رسول الله  -  ﷺ  -: \"يجزئ عنك طوافك بالصفا والمروة عن حجك وعمرتك\". اهـ منه.\nفهذا الحديث الصحيح صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد وسعي واحد.\nومنها: حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه قال البخاري ﵀ في صحيحه في بعض رواياته لهذا الحديث: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن علية، عن أيوب، عن نافع: أن ابن عمر ﵄ دخل ابنه عبيد الله بن عبد الله وظهره في الدار","vol":"5","page":185},{"text":"فقال: إني لا آمن أن يكون العام بين الناس فقال: فيصدوك عن البيت، فلو أقمت فقال: قد خرج رسول الله  -  ﷺ  -، فحال كفار قريش بينه وبين البيت، فإن حيل بيني وبينه أفعل كما فعل رسول الله  -  ﷺ  -: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ثم قال: أشهدكم أني أوجبت مع عمرتي حجًّا، قال: ثم قدم فطاف لهما طوافًا واحدًا.\nحدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن نافع أن ابن عمر ﵄ أراد الحج عام نزل الحجاج بابن الزبير، فقيل له: إن الناس كائن بينهم ققال: وإنا نخاف أن يصدوك، فقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ إذًا أصنع كما صنع رسول الله  -  ﷺ  -  إني أشهدكم أني قد أوجبت عمرة، ثم خرج إذا كان بظاهر البيداء قال: ما شأن الحج والعمرة إلَّا واحد، أشهدكم أني قد أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ولم يزد على ذلك فلم ينحر، ولم يحل من شيء حرم منه، ولم يحلق، ولم يقصر حتى كان يوم النحر فنحر وحلق، ورأى أن قد قضى طواف الحج، والعمرة بطوافه الأول، وقال ابن عمر ﵄: كذلك فعل رسول الله  -  ﷺ  - . انتهى منه، وفي هذا الحديث الصحيح التصريح من ابن عمر باكتفاء القارن بطواف واحد، وأن النبي  -  ﷺ  -  كذلك فعل. وبعض العلماء حمل الطواف المذكور على طواف الإِفاضة، وبعضهم حمله على الطواف بين الصفا والمروة. أما حمله على طواف القدوم فباطل بلا شك؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  لم يكتف بطواف القدوم، بل طاف طواف الإِفاضة الذي هو ركن الحج بإجماع المسلمين.\nوقال الكرماني في شرح الحديث المذكور: فإن قلت: ما المقصود من الطواف الأول إذ لا يجوز أن يراد به طواف القدوم؟","vol":"5","page":186},{"text":"قلت: يعني أنه لم يكرر الطواف للقران، بل اكتفى بطواف واحد، وقد أخرج حديث ابن عمر هذا مسلم في صحيحه من طرق متعددة، وفي لفظ منها: أشهدكم أني قد أوجبت حجة مع عمرة، فانطلق حتى ابتاع بقديد هديًا، ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحل منهما حتى حل منهما بحجة يوم النحر. اهـ.\nوقال النووي معناه: حتى حل منهما يوم النحر بعمل حجة مفردة. وفي بعض روايات مسلم لحديث ابن عمر هذا: أشهدكم أني أوجبت حجًّا مع عمرتي، وأهدى هديًا اشتراه بقديد، ثم انطلق يهلّ بهما جميعًا حتى قدم مكة فطاف بالبيت وبالصفا والمروة، ولم يزد على ذلك، ولم ينحر، ولم يحلق، ولم يقصر، ولم يحلل من شيء حرم منه حتى كان يوم النحر فنحر وحلق ورأى أنه قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول. وقال ابن عمر: كذلك فعل رسول الله  -  ﷺ  - . انتهى منه. وهو صريح في أن القارن يكفيه لحجه وعمرته طواف واحد.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم أن مراد ابن عمر في قوله: ورأى أن قد قضى طواف الحج والعمرة بطوافه الأول في مسلم والبخاري، هو الطواف بين الصفا والمروة، ويدل على ذلك أمران:\nالأول منهما: هو ما قدمناه في بعض روايات مسلم في صحيحه مما لفظه: ثم طاف لهما طوافًا واحدًا بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم لم يحلل منهما، حتى حل منهما بحجة، ومعلوم أن الحل بحجة لا يمكن بدون طواف الإِفاضة. أما السعي في الحجة فيكفي فيه","vol":"5","page":187},{"text":"السعي الأول بعد طواف القدوم، فيتعين أن الطواف الأول الذي رأى إجزاءه عن حجه وعمرته هو الطواف بين الصفا والمروة، بدليل الرواية الصحيحة بأنه لم يحل منهما إلَّا بحجة يوم النحر، وحجة يوم النحر أعظم أركانها طواف الإِفاضة، فبدونه لا تسمى حجة، لأنه ركنها الأكبر المنصوص على الأمر به في كتاب الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾.\nالأمر الثاني: الدال على ذلك هو: أن ابن عمر ﵄ قال: كذلك فعل رسول الله  -  ﷺ  -، وفعل النبي  -  ﷺ  -  الثابت عنه في الروايات الصحيحة أنه اكتفى بسعيه بين الصفا والمروة بعد طواف القدوم لحجه وعمرته، وأنه بعد إفاضته من عرفات طاف طواف الإِفاضة يوم النحر عَلَى التحقيق. فحديث ابن عمر هذا نص صحيح متفق عليه على أن القارن يعمل كعمل المفرد، وعلى هذا يحمل الطواف الواحد في حديث عائشة الآتي، فيفسر بأنه الطواف بين الصفا والمروة، لأن القارن لا يسعى لحجه وعمرته إلَّا مرة واحدة.\nوقال ابن حجر في الفتح في كلامه على الروايتين اللتين أخرج بهما البخاري حديث ابن عمر المذكور، أعني اللتين سقناهما آنفًا ما نصه: والحديثان ظاهران في أن القارن لا يجب عليه إلَّا طواف واحد كالمفرد، وقد رواه سعيد بن منصور من وجه آخر عن نافع، عن ابن عمر أصرح من سياق حديثي الباب في الوفع، ولفظه عن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"من جمع بين الحج والعمرة كفاه لهما طواف واحد وسعي واحد\" وأعله الطحاوي بأن الدراوردي أخطأ فيه، وأن الصواب أنه موقوف، وتمسك في تخطئته بما رواه أيوب، والليث، وموسى بن عقبة وغير واحد عن نافع نحو سياق ما في الباب من أن ذلك وقع","vol":"5","page":188},{"text":"لابن عمر، وأنه قال: إن النبي  -  ﷺ  -  فعل ذلك، لا أنه روى هذا اللفظ عن النبي  -  ﷺ  - . وهو إعلال مردود، فالدراوردي صدوق، وليس ما رواه مخالفًا لما رواه غيره، فلا مانع من أن يكون الحديث عند نافع على الوجهين. انتهى كلام ابن حجر في الفتح.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الحديث الذي نحن بصدده ليس بموقوف على كلا التقديرين، لأن ابن عمر لما طاف لهما طوافًا واحدًا، أخبر بأن النبي  -  ﷺ  -  فعل كذلك، وهذا عين الرفع، فلا وقف البتة كما ترى، وحديث ابن عمر هذا الذي ذكر ابن حجر في الفتح أن سعيد بن منصور أخرجه أصرح من حديثي الباب عند البخاري، قال فيه المجد في المنتقى: رواه أحمد وابن ماجه، وفي لفظ: من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا. رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه.\nومنها: ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -: في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا\" الحديث، وفيه: وأما الذين جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى. وهو نص صريح متفق عليه دالٍّ على اكتفاء القارن بطواف واحد لحجه وعمرته.\nوقال بعض أهل العلم: إن المراد بالطواف في حديث عائشة، هذا هو الطواف بين الصفا والمروة، وله وجه من النظر، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":189},{"text":"ومنها: حديث جابر الذي قدمناه عند مسلم، وفيه: أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"دخلت العمرة في الحج مرتين\" وتصريحه  -  ﷺ  -  بدخولها فيه يدل على دخول أعمالها في أعماله حالة القران، وإن أوّله جماعات من أهل العلم بتأويلات أخر متعددة.\nوالأحاديث الدالة على أن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد كفعل المفرد كثيرة، وفيما ذكرنا هنا من الأحاديث الصحيحة كفاية لمن يريد الحق. وهذا الذي ذكرناه بعض أدلة القائلين بالفرق بين القران والتمتع، وأن القارن يكفيه طواف واحد وسعي واحد لعمرته وحجه. وقد رأيت ما ذكر من أدلتهم على أن القارن يكفيه طواف واحد، وسعي واحد.\nأما أدلة هذه الطائفة على أن المتمتع لا بدَّ له من طوافين وسعيين، طواف وسعي لعمرته، وطواف وسعي لحجه:\nفمنها: ما رواه البخاري في صحيحه قال: وقال أبو كامل فضيل بن حسين البصري: حدثنا أبو معشر، حدثنا عثمان بن غياث، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄: أنه سئل عن متعة الحج؟ فقال: أهل المهاجرون، والأنصار، وأزواج النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع، وأهللنا، فلما قدمنا مكة قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"اجعلوا إهلالكم بالحج عمرة إلَّا من قلد الهدي\" طفنا بالبيت وبالصفا والمروة وأتينا النساء ولبسنا الثياب. وقال: \"من قلد الهدي فإنه لا يحل له حتى يبلغ الهدي محله\" ثم أمرنا عشية التروية أن نهل بالحج، فإذا فرغنا من المناسك جئنا فطفنا بالبيت، وبالصفا والمروة، وقد تمَّ حجنا وعلينا الهدي. الحديث.\nفهذا الحديث الثابت في صحيح البخاري فيه الدلالة الواضحة","vol":"5","page":190},{"text":"على أن الذين تمتعوا، وأَحلوا من عمرتهم طافوا وسعوا لعمرتهم، وطافوا وسعوا مرة أخرى لحجهم، وهو نص في محل النزاع.\nواعلم أن دعوى من ادعى من العلماء أن رواية البخاري في هذا الإِسناد عن أبي كامل فضيل بن حسين البصري بلفظ: وقال أبو كامل، لها حكم التعليق غير مسلمة، بل الذي عليه الجمهور من المتأخرين أن الراوي إذا قال: قال فلان، فحكم ذلك كحكم عن فلان ونحو ذلك، فالرواية بذلك متصلة، لا معلقة إن كان الراوي غير مدلس، وكان معاصرًا لمن روى عنه بقال ونحوها. ولذا غلطوا ابن حزم في حديث المعازف حيث قال: إن قول البخاري في أول الإِسناد: وقال هشام بن عمار تعليق، وليس الحديث بمتصل، فغلطوه وحكموا للحديث بالاتصال، لأن هشام بن عمار من شيوخ البخاري والبخاري غير مدلس، فقوله: عن شيخه: قال فلان كقوله: عن فلان، وكل ذلك موصول لا معلق.\nواعلم أن قول ابن حجر في تهذيب التهذيب: إن البخاري روى عن فضيل المذكور تعليقًا مخالف لمذهب الجمهور من المتأخرين؛ لأن قوله: وقال أبو كامل في حكم ما لو قال: عن أبي كامل، وكل ذلك يحكم بوصله عند المحققين، فقول ابن حجر في الفتح أقرب إلى الصواب من قوله في التهذيب. وقد قال في فتح الباري في كلامه على الحديث المذكور: ويحتمل أن يكون البخاري أخذه عن أبي كامل نفسه، فإنه أدركه وهو من الطبقة الوسطى من شيوخه، ولم نجد له ذكرًا في كتابه غير هذا الموضع. انتهى منه.\nومعلوم أن أبا كامل مات سنة سبع وثلاثين ومائتين وله أكثر من ثمانين سنة، والبخاري مات سنة ست وخمسين ومائتين، وله اثنان","vol":"5","page":191},{"text":"وستون سنة، وبذلك تعلم معاصرتهما زمنًا طويلًا، وقد قال العراقي في ألفيته:\nوإن يكن أول الإِسناد حذف ... مع صيغة الجزم فتعليقًا ألف\nولو إلى آخره أما الذي ... لشيخه عزا بقال فكذي\nعنعنة كخبر المعازف ... لا تصغ لابن حزم المخالف\nوإذا علمت أنه في هذه الأبيات صرح بأن قوله: قال فلان، كقوله: عن فلان، تبين لك أن كل ذلك من قبيل المتصل، لامن قبيل المعلق، وقد قال العراقي في ألفيته أيضًا:\nوصححوا وصل معنعن سلم ... من دلسه راويه واللقا علم\nوبعضهم حكى بذا إجماعًا ... ومسلم لم يشرط اجتماعًا\nلكن تعاصرا وقيل يشترط ... طول صحابة وبعضهم شرط\nمعرفة الراوي بالأخذ عنه ... وقيل كل ما أتانا منه\nمنقطع حتى يبين الوصل ... وحكم أن حكم عن فالجل\nسووا وللقطع نحا البرديجي ... حتى يبين الوصل في التخريج\nقال ومثله رأى ابن شيبة ... كذا له ولم يصوب صوبه\nقلت الصواب أن من أدرك ما ... رواه بالشرط الذي تقدما\nيحكم له بالوصل كيفما روى ... بقال أو عن أو بأن فسوا\nوما حكي عن أحمد بن حنبل ... وقول يعقوب على ذا نزل\nوكثر استعمال عن في ذا الزمن ... إجازة وهو بوصلٍ ما قمن\nانتهى منه.\nفترى العراقي ﵀ جزم في الأبيات المذكورة باستواء قال فلان، وعن فلان، وأن فلانًا قال كذا، وأن الجميع من قبيل الوصل،","vol":"5","page":192},{"text":"لا من قبيل المعلق بالشروط المذكورة. وحكى مقابله بصيغة التمريض في قوله:\n........................ ... وقيل كل ما أتانا عنه\nمنقطعٌ ............... ... .................... إلخ\nوبه تعلم أن قول البخاري: وقال أبو كامل فضيل بن حسين إلخ من قبيل المتصل لا من قبيل المعلق. وقال صاحب تدريب الراوي: أما ما عزاه البخاري لبعض شيوخه بصيغة قال فلان، وزاد فلان، ونحو ذلك، فليس حكمه حكم التعليق عن شيوخ شيوخه، ومن فوقهم، بل حكمه حكم العنعنة من الاتصال بشرط اللقاء والسلامة من التدليس، كذا جزم به ابن الصلاح، قال: وبلغني عن بعض المتأخرين من المغاربة أنه جعله قسمًا من التعليق ثانيًا، وأضاف إليه قول البخاري: وقال فلان، وزاد فلان، فوسم كل ذلك بالتعليق. قال العراقي: وما جزم به ابن الصلاح هاهنا هو الصواب، وقد خالف ذلك في نوع الصحيح فجعل من أمثلة التعليق قال عفان كذا، وقال القعنبي كذا، وهما من شيوخ البخاري. والذي عليه عمل غير واحد من المتأخرين كابن دقيق العيد، والمزي، \"أن\" لها حكم العنعنة. قال ابن الصلاح هنا: وقد قال أبو جعفر بن حمدان النيسابوري  - وهو أعرف بالبخاري -: كل ما قال البخاري: قال لي فلان، أو قال لنا فلان فهو عرض ومناولة. انتهى محل الغرض منه. والنيسابوري المذكور هو المراد بالحيري في قول العراقي في ألفيته:\nوفي البخاري قال لي فجعله ... حيريهم للعرض والمناولة","vol":"5","page":193},{"text":"واعلم أن البخاري رحمه الله تعالى قد يقول: قال فلان مع سماعه منه لغرض غير التعليق.\nقال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث المعازف المذكور ناقلًا عن ابن الصلاح ولا التفات إلى أبي محمد بن حزم الظاهري الحافظ في رد ما أخرجه البخاري من حديث أبي عامر، أو أبي مالك الأشعري عن رسول الله  -  ﷺ  -: \"ليكونن في أمتي أقوام يستحلون الحر والحرير والخمر والمعازف\" من جهة أن البخاري أورده قائلًا: قال هشام بن عمار، وساقه بإسناده، فزعم ابن حزم أنه منقطع فيما بين البخاري وهشام، وجعله جوابًا عن الاحتجاج به على تحريم المعازف، وأخطأ في ذلك من وجوه. والحديث صحيح معروف الاتصال، بشرط الصحيح، والبخاري قد يفعل مثل ذلك لكونه قد ذكر ذلك الحديث في موضع آخر من كتابه مسندًا متصلًّا، وقد يفعل ذلك لغير ذلك من الأسباب التي لا يصحبها خلل الانقطاع. انتهى منه.\nوكون البخاري ﵀ يعبر بقال فلان لأسباب كثيرة غير التعليق يدل دلالة واضحة على أن الجزم في مثل ذلك بالتعليق بلا مستند دعوى لم يعضدها دليل.\nوقال ابن حجر في الفتح أيضًا في شرح الحديث المذكور: وحكى ابن الصلاح في موضع آخر: أن الذي يقول البخاري فيه: قال فلان، ويسمى شيخًا من شيوخه، يكون من قبيل الإِسناد المعنعن. وحكى عن بعض الحفاظ أنه يفعل ذلك فيما تحمله عن شيخه مذاكرةً. وعن بعضهم أنه فيما يرويه مناولة. اهـ، وهو صريح في أن قوله: قال فلان لا يستلزم التعليق.","vol":"5","page":194},{"text":"فإِن قيل: توجد في صحيح البخاري أحاديث يرويها عن بعض شيوخه بصيغة: قال فلان، ثم يوردها في موضع آخر بواسطة بينه وبين ذلك الشيخ.\nفالجواب من وجهين.\nالأول: أنه لا مانع عقلًا ولا عادة، ولا شرعًا من أن يكون روى ذلك الحديث عن الشيخ مباشرةً، ورواه عنه أيضًا بواسطة مع كون روايته عنه مباشرة تشتمل على سبب من الأسباب المؤدية للتعبير بلفظة قال المشار إليها آنفًا، والرواية عن الواسطة سالمة من ذلك.\nالوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن الصيغة المذكورة تقتضي التعليق، ولا تقتضي الاتصال، فتعليق البخاري بصيغة الجزم، حكمه عند علماء الحديث حكم الصحيح، كما هو معروف.\nوقد قال ابن حجر في الفتح في الكلام على حديث المعازف ما نصه: وقد تقرر عند الحفاظ أن الذي يأتي به البخاري من التعاليق كلها بصيغة الجزم يكون صحيحًا إلى من علق عنه ولو لم يكن من شيوخه. انتهى محل الغرض منه.\nفتبين بما ذكرنا أن حديث ابن عباس المذكور الدال على أن المتمتع يسعى، ويطوف لحجه بعد الوقوف بعرفة، ولا يكتفي بطواف العمرة السابق وسعيها، نص صحيح على كل تقدير في محل النزاع.\nومنها: ما رواه الشيخان عن عائشة ﵂ مما يدل على أن المتمتع يطوف لحجه بعد رجوعه من منى. قال البخاري في صحيحه: حدثنا عبد الله بن مسلمة، حدثنا مالك، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂ زوج النبي - ﷺ - قالت:","vol":"5","page":195},{"text":"خرجنا مع النبي في حجة الوداع، فأهللنا بعمرة، ثم قال النبي  -  ﷺ  -: \"من كان معه هدي فليهل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا\" الحديث، وفيه قالت: فطاف الذين كانوا أهلوا بالعمرة بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى، وأما الذين جمعوا الحج والعمرة، فإنما طافوا طوافًا واحدًا. اهـ منه.\nوقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، قال: قرأت على مالك، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  عام حجة الوداع. الحديث، وفيه: فطاف الذين أهلوا بالعمرة بالبيت، وبالصفا والمروة، ثم حلوا، ثم طافوا طوافًا آخر بعد أن رجعوا من منى لحجهم. وأما الذين كانوا جمعوا الحج والعمرة فإنما طافوا طوافًا واحدًا. انتهى منه.\nفهذا نص صريح متفق عليه، يدل على الفرق بين القارن والمتمتع، وأن القارن يفعل كفعل المفرد، والمتمتع يطوف لعمرته، ويطوف لحجه، فلا وجه للنزاع في هذه المسألة بعد هذا الحديث، وحديث ابن عباس المذكور قبله عند البخاري. وقول من قال: إن المراد بالطواف الواحد في حديث عائشة هذا السعي له وجه من النظر، واختاره ابن القيم، وهو وجيه عندي.\nفهذه النصوص تدل على صحة هذا القول المفرق بين القارن والمتمتع، وهو قول جمهور أهل العلم. وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nأما من قال: إن المتمتع كالقارن يكفيه طواف واحد وسعي","vol":"5","page":196},{"text":"واحد، وهو رواية عن الإِمام أحمد، فقد استدل بما رواه مسلم في صحيحه، قال: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج (ح) وحدثنا عبد بن حميد، أخبرنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄ يقول: لم يطف النبي  -  ﷺ  -، ولا أصحابه بين الصفا والمروة، إلَّا طوافًا واحدًا. زاد في حديث محمد بن بكر طوافه الأول. انتهى منه.\nقال من تمسك بهذا الحديث: هذا نص صحيح، صرح فيه جابر بأن النبي  -  ﷺ  -  لم يطف هو ولا أصحابه إلَّا طوافًا واحدًا، ومعلوم أن أصحابه فيهم القارن، وهو من كان معه الهدي، وفيهم المتمتع، وهو من لم يكن معه هدي، وإذن ففي هذا الحديث الصحيح الدليل على استواء القارن والمتمتع في لزوم طواف واحد وسعي واحد.\nوأجاب المخالفون عن هذا بأجوبة:\nالأول: هو أن الجمع واجب إن أمكن، قالوا: وهو هنا ممكن بحمل حديث جابر هذا على أن المراد بأصحاب النبي  -  ﷺ  -  الذين لم يطوفوا إلَّا طوافًا واحدًا للعمرة والحج خصوص القارنين منهم، كالنبي  -  ﷺ  -، لأنه كان قارنًا بلا شك، وإن حمل حديث جابر على هذا كان موافقًا لحديث عائشة، وحديث ابن عباس المتقدمين، وهذا واضح كما ترى. قال في مراقي السعود:\nوالجمع واجب متى ما أمكنا ... إلَّا فللأخير نسخ بينا\nوإنما كان قول العلماء كافة أن الجمع إن أمكن وجب المصير","vol":"5","page":197},{"text":"إليه؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما، كما هو معروف في الأصول.\nالجواب الثاني: أنا لو سلمنا أن الجمع غير ممكن هنا في حديث جابر المذكور مع حديث عائشة، وحديث ابن عبَّاس كما جاء في بعض الروايات، عن جابر عند مسلم بلفظ، لا يمكن فيه الجمع المذكور، وذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن يونس، حدَّثنا زهير، حدَّثنا أَبو الزُّبَير، عن جابر ﵁ قال: خرجنا مع رسول الله  -  ﷺ  -  مهلين بالحج معنا النساء والولدان، فلما قدمنا مكة طفنا بالبيت وبالصفا والمروة، فقال لنا رسول الله  -  ﷺ  -: \"من لم يكن معه هدي فليحلل، قال: قلنا، أي: الحل؟ قال: الحل كله. قال: فأتينا النساء ولبسنا الثياب ومسسنا الطيب، فلما كان يوم التروية أهللنا بالحج وكفانا الطواف الأول بين الصفا والمروة، فأمرنا رسول الله  -  ﷺ  -  أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة\". انتهى.\nولفظ جابر في حديث مسلم هذا في هذه الرواية، لا يمكن حمله على القارنين بحال؛ لأنه صرح بأنهم حلوا الحل كله، وأتوا النساء ولبسوا الثياب ومسوا الطيب، وأنهم أهلوا يوم التروية بحج، ومع هذا كله صرح بأنهم كفاهم طوافهم الأول بين الصفا والمروة، فإن حديث جابر ينفي طواف المتمتع بعد رجوعه من منى، وحديث عائشة وحديث ابن عبَّاس يثبتانه.\nوقد تقرر في الأصول وعلوم الحديث أن المثبت مقدم على النافي، فيجب تقديم حديث ابن عبَّاس وعائشة؛ لأنهما مثبتان على حديث جابر النافي.","vol":"5","page":198},{"text":"الجواب الثالث: أن عدم طواف المتمتع بعد رجوعه من منى الثابت في الصحيح رواه جابر وحده، وطوافه بعد رجوعه من منى رواه في الصحيح ابن عبَّاس، وعائشة، وما رواه اثنان أرجح مما رواه واحد.\nقال في مراقي السعود، في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي:\nوكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية\nوأما من قالوا: إن القارن والمتمتع يلزم كل واحد منهما طوافان وسعيان، طواف وسعي للعمرة، وطواف وسعي للحج كأبي حنيفة ومن وافقه، فقد استدلوا لذلك بأحاديث، ونحن نذكرها إن شاء الله هنا، ونبين وجه رد المخالفين لها من وجهين.\nفمن الأدلة التي استدلوا بها على أن القارن يسعى سعيين ويطوف طوافين لحجه وعمرته ما أخرجه النَّسائي في سننه الكبرى، ومسند علي عن حمَّاد بن عبد الرحمن الأنصاري، عن إبراهيم بن محمد بن الحنفية قال: طفت مع أبي، وقد جمع بين الحج والعمرة فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وحدثني أن عليًّا فعل ذلك، وحدثه أن رسول الله  -  ﷺ  -  فعل ذلك. انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية.\nثم قال بعد أن ساق الحديث كما ذكرنا: قال صاحب التنقيح: وحماد هذا ضعفه الأزدي، وذكره ابن حبان في الثقات. قال بعض الحفاظ: هو مجهول، والحديث من أجله لا يصح. انتهى.\nومن أدلتهم على الطوافين والسعيين للمتمتع والقارن معًا","vol":"5","page":199},{"text":"ما أخرجه الدَّارَقُطني عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عمر: أنَّه جمع بين عمرة وحج، فطاف لهما طوافين، وسعى سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  صنع كما صنعت. انتهى وأخرجه عن الحسن بن عمارة، عن الحكم عن ابن أبي ليلى، عن علي قال: رأيت النبي  -  ﷺ  -  قرن وطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى منه بواسطة نقل صاحب نصب الراية. ثم قال بعد أن ساقهما كما ذكرنا: قال الدَّارَقُطني: لم يروهما غير الحسن بن عمارة، وهو متروك. ثم هو قد روى عن ابن عبَّاس ضد هذا. ثم أخرجه عن الحسن بن عمارة، عن سلمة بن كهيل، عن طاوس قال: سمعت ابن عبَّاس يقول: لا والله: ما طاف لهما رسول الله إلَّا طوافًا واحدًا، فهاتوا من هذا الذي يحدث أن رسول الله  -  ﷺ  -  طاف لهما طوافين. انتهى.\nوبالسند الثاني رواه العقيلي في كتاب الضعفاء فقال: حدَّثنا عبد الله بن محمد بن صالح السمرقندي، ثنا يحيى بن حكيم المقوم قال: قلت لأبي داود الطيالسي: إن محمد بن الحسن صاحب الرأي، حدَّثنا عن الحسن بن عمارة، عن الحكم، عن ابن أبي ليلى، عن عليّ قال فذكره. فقال أَبو داود: من هذا كان شعبة يشق بطنه من الحسن بن عمارة، وأطال العقيلي في تضعيف الحسن بن عمارة، وأخرجه الدَّارَقُطني أيضًا عن حفص بن أبي داود، عن ابن أبي ليلى، عن الحكم، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن علي بنحوه، قال: وحفص هذا ضعيف، وابن أبي ليلى رديء الحفظ كثير الوهم. وأخرجه أيضًا عن عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي أن النبي  -  ﷺ  -  كان","vol":"5","page":200},{"text":"قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. انتهى. قال: وعيسى بن عبد الله، يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. انتهى من نصب الراية لأحاديث الهداية للزيلعي ﵀.\nومن أدلتهم على ذلك ما أخرجه الدَّارَقُطني عن أبي بردة عمرو بن يزيد، عن حمَّاد، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله قال: طاف رسول الله  -  ﷺ  -  لعمرته، وحجه طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر وعمر، وعلي، وابن مسعود. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة متروك، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء.\nومن أدلتهم أيضًا  ...  ما أخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن محمد بن يحيى الأزدي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة، عن حميد بن هلال، عن مطرف عن عمران بن حصين: أن النبي  -  ﷺ  -  طاف طوافين وسعى سعيين. انتهى. قال الدَّارَقُطني: يقال إن محمد بن يحيى حدث بهذا من حفظه، فوهم في متنه، والصواب بهذا الإِسناد أن النبي  -  ﷺ  -، قرن الحج، والعمرة، وليس فيه ذكر الطواف ولا السعي، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي، وحدث به على الصواب، كما حدَّثنا به محمد بن إبراهيم بن نيروز، حدَّثنا محمد بن يحيى الأزدي به أن النبي  -  ﷺ  -  قرن. انتهى. قال: وقد خالفه غيره فلم يذكر فيه الطواف، ولا السعي، كما حدَّثنا به أحمد بن عبد الله بن محمد بن الوكيل، ومحمد بن مخلد قالا: حدَّثنا القاسم بن محمد بن عباد المهلبي، ثنا عبد الله بن داود، عن شعبة بهذا الإِسناد أن النبي  -  ﷺ  -  قرن. انتهى كله من نصب الراية.\nوقد علمت منه أن جميع هذه الأحاديث الدالة على طوافين وسعيين للقارن ليس فيها حديث قائم كما رأيت.","vol":"5","page":201},{"text":"وقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج الحنفية بما روي عن علي أنَّه جمع بين الحج والعمرة، فطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، ثم قال: هكذا رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  فعل، وطرقه عن علي عند عبد الرزاق، والدارقطني، وغيرهما ضعيفة، وكذا أخرج من حديث ابن مسعود بإسنادٍ ضعيفٍ نحوه، وأخرج من حديث ابن عمر نحو ذلك، وفيه الحسن بن عمارة، وهو متروك. والمخرج في الصحيحين، وفي السنن عنه من طرق كثيرة الاكتفاء بطواف واحد. وقال البيهقي: إن ثبتت الرواية أنَّه طاف طوافين، فيحمل على طواف القدوم، وطواف الإِفاضة. وأما السعي مرتين فلم يثبت. وقال ابن حزم. لا يصح عن النبيِّ  -  ﷺ  -، ولا عن أحد من أصحابه بشيء في ذلك أصلًا. انتهى محل الغرض منه.\nوقال ابن القيم ﵀ في زاد المعاد: وأما من قال: إنه حج قارنًا قرانًا طاف له طوافين وسعى سعيين، كما قاله كثير من فقهاء الكوفة، فعذره ما رواه الدَّارَقُطني من حديث مجاهد، عن ابن عمر أنَّه جمع بين حج وعمرة معًا، وقال: سبيلهما واحد، قال: وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  صنع كما صنعت. وعن علي بن أبي طالب ﵁ أنَّه جمع بينهما، وطاف لهما طوافين، وسعى لهما سعيين، وقال: هكذا رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  صنع كما صنعت. وعن علي ﵁ أيضًا أن النبي  -  ﷺ  -  كان قارنًا، فطاف طوافين، وسعى سعيين. وعن علقمة عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: طاف رسول الله  -  ﷺ  -  لحجته وعمرته طوافين، وسعى سعيين، وأَبو بكر، وعمر، وعلي، وابن مسعود. وعن عمران بن حصين ﵄ أن النبي  -  ﷺ  -","vol":"5","page":202},{"text":"طاف طوافين، وسعى سعيين. وما أحسن هذا العذر لو كانت هذه الأحاديث صحيحة، بل لا يصح منها حرف واحد. أما حديث ابن عمر ففيه الحسن بن عمارة، وقال الدَّارَقُطني: لم يروه عن الحكم غير الحسن بن عمارة، وهو متروك الحديث. وأما حديث علي الأول ففيه حفص بن أبي داود، وقال أحمد ومسلم: حفص متروك الحديث. وقال ابن خراش: هو كذاب يضع الحديث، وفيه محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى ضعيف. وأما حديثه الثاني فيرويه عيسى بن عبد الله بن محمد بن عمر بن علي، حدثني أبي، عن أبيه، عن جده. قال الدَّارَقُطني: عيسى بن عبد الله يقال له: مبارك، وهو متروك الحديث. وأما حديث علقمة، عن عبد الله فيرويه أَبو بردة عمرو بن يزيد عن حمَّاد عن إبراهيم، عن علقمة. قال الدَّارَقُطني: وأَبو بردة ضعيف، ومن دونه في الإِسناد ضعفاء. انتهى. وفيه عبد العزيز بن أبان. قال يحيى: هو كذاب خبيث. قال الرازي والنَّسائي: متروك الحديث. وأما حديث عمران بن حصين فهو مما غلط فيه محمد بن يحيى الأزدي، وحدث به من حفظه فوهم فيه، وقد حدث به على الصواب مرارًا، ويقال: إنه رجع عن ذكر الطواف والسعي. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم.\nفإذا عرفت أن أحاديث السعيين والطوافين ليس فيها شيء قائم كما رأيت، فاعلم أن الذين قالوا بأن القارن يطوف طوافًا، ويسعى سعيًا كفعل المفرد، أجابوا عن الأحاديث المذكورة من وجهين:\nالأول: هو ما بيناه الآن بواسطة نقل الزيلعي، وابن حجر وابن القيم عن الدَّارَقُطني، وغيره من أوجه ضعفها.\nوالثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن بعضها يصلح للاحتجاج","vol":"5","page":203},{"text":"وضعافها يقوى بعضها بعضًا، فلا يقل مجموع طرقها عن درجة القبول، فهي معارضة بما هو أقوى منها، وأصح، وأرجح، وأولى بالقبول من الأحاديث الثابتة في الصحيح الدالة على أن النبي لم يفعل في قرانه إلَّا كما يفعل المفرد كحديث عائشة المتفق عليه، وحديث ابن عبَّاس عند البخاري، وكالحديث المتفق عليه أن النبي  -  ﷺ  -  قال لعائشة: \"يكفيك طوافك بالبيت وبالصفا والمروة لحجك وعمرتك\" كما قدمناه واضحًا.\nوقد اتضح من جميع ما كتبناه في هذه المسألة أن التحقيق فيها أن القارن يفعل كفعل المفرد لاندراج أعمال العمرة في أعمال الحج، وأن المتمتع يطوف، ويسعى لعمرته، ثم يطوف ويسعى لحجته. ومما يوضح من جهة المعنى أنَّه يطوف ويسعى لحجه بعد رجوعه من مِنًى أنَّه يهل بالحج بالإِجماع، والحج يدخل في معناه دخولًا مجزومًا به الطواف والسعي، فلو كان يكفيه طواف العمرة التي حل منها، وسعيها، لكان إهلاله بالحج إهلالًا بحج، لا طواف فيه ولا سعي، وهذا ليس بحج في العرف، ولا في الشرع. والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن صفة الطواف بالبيت هي أن يبتدئ طوافه من الركن الذي فيه الحجر الأسود، فيستقبله، ويستلمه، ويقبله إن لم يؤذ الناس بالمزاحمة، فيحاذي بجميع بدنه جميع الحجر فيمر جميع بدنه على جميع الحجر وذلك بحيث يصير جميع الحجر عن يمينه ويصير منكبه الأيمن عند طرف الحجر، ويتحقق أنَّه لم يبق وراءه جزء من الحجر ثم يبتدئ طوافه مارًّا بجميع بدنه على جميع","vol":"5","page":204},{"text":"الحجر، جاعلًا يساره إلى جهة البيت، ثم يمشي طائفًا بالبيت، ثم يمر وراء الحجر بكسر الحاء ويدور بالبيت؛ فيمر على الركن اليماني، ثم ينتهي إلى ركن الحجر الأسود، وهو المحل الذي بدأ منه طوافه، فتتم له بهذا طوافة واحدة، ثم يفعل كذلك، حتَّى يتمم سبعًا.\nوأصح أقوال أهل العلم فيما يظهر لنا والله أعلم أنَّه لا بد من أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن شاذروان الكعبة؛ لأنه منها، وكذلك لا بدَّ أن يكون خارجًا جميع بدنه حال طوافه عن جدار الحجر؛ لأن أصله من البيت، ولكن لم تبنه قريش على قواعد إبراهيم، ولأجل ذلك لم يشرع استلام الركنين الشاميين؛ لأن أصلهما من وسط البيت؛ لأن قريشًا لم تبنِ ما كان عن شمالها من البيت، وهو الحجر الذي عليه الجدار، وأصله من البيت كما بينا. ومما يدل على ذلك ما رواه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة ﵂.\nقال البخاري في صحيحه: حدَّثنا عبد الله بن مسلمة، عن مالك، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن محمد بن أبي بكر أخبر عبد الله بن عمر، عن عائشة ﵂ زوج النبي  -  ﷺ  -  أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال لها: \"ألم تري قومك لما بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم؟ فقلت: يا رسول الله ألا تردها على قواعد إبراهيم؟ قال: لولا حدثان قومك بالكفر، لفعلت\" قال عبد الله ﵁: لئن كانت عائشة ﵂ سمعت هذا من رسول الله  -  ﷺ  -  أرى رسول الله  -  ﷺ  -  ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها في صحيح البخاري قالت: \"سألت النبي  -  ﷺ  -  عن الجدر أمن","vol":"5","page":205},{"text":"البيت هو؟ قال: نعم، قلت: فما لهم لم يدخلوه في البيت؟ قال: ألم تري قومك قصرت بهم النفقة، قلت: فما شأن بابه مرتفعًا؟ قال: فعل ذلك قومك ليدخلوا من شاءوا، ويمنعوا من شاءوا، ولولا أن قومك حديث عهدهم بالجاهلية، فأخاف أن تنكر قلوبهم أن أدخل الجدر في البيت، وأن ألصق بابه الأرض\". اهـ. والمراد بالجدر بفتح الجيم، وسكون الدال المهملة هنا: الحجر. وفي رواية عنها ﵂ في صحيح البخاري أيضًا قالت: قال لي رسول الله  -  ﷺ  -: \"لولا حداثة قومك بالكفر، لنقضت البيت، ثم لبنيته على أساس إبراهيم  -  ﵇  -، فإِن قريشًا استقصرت بناءه، وجعلت لها خلفًا\" قال أَبو معاوية: حدَّثنا هشام خلفًا، يعني: بابًا. وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن النبي  -  ﷺ  -  قال لها: \"يا عائشة لولا أن قومك حديث عهد بجاهلية لأمرت بالبيت فهدم، فأدخلت فيه ما أخرج منه وألزقته بالأرض، وجعلت له بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا فبلغت به أساس إبراهيم\" فذلك الذي حمل ابن الزُّبَير ﵄ على هدمه. قال يزيد: وشهدت ابن الزُّبَير حين هدمه وبناه، وأدخل فيه من الحجر، وقد رأيت أساس إبراهيم حجارة كأسنمة الإِبل قال جرير: فقلت له: أين موضعه؟ قال: أريكه الآن، فدخلت معه الحجر، فأشار إلى مكان، فقال: هاهنا. قال جرير: فحزرت من الحجر ستة أذرع أو نحوها. انتهى من صحيح البخاري. ويزيد المذكور هو ابن رومان. وجرير هو ابن حازم، وهما مذكوران في سند الحديث المذكور.\nوقال مسلم في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا أَبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂،","vol":"5","page":206},{"text":"قالت: قال لي رسول الله  -  ﷺ  -: \"لولا حداثة عهد قومك بالكفر، لنقضت الكعبة، ولجعلتها على أساس إبراهيم، فإن قريشًا حين بنت البيت استقصرت، ولجعلت لها خلفًا\". اهـ.\nوقال النووي خلفًا، أي: بابًا من خلفها، وفي رواية عنها فيه أيضًا: أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: \"ألم ترى أن قومك حين بنوا الكعبة اقتصروا عن قواعد إبراهيم، قالت: فقلت: يا رسول الله أفلا تردها على قواعد إبراهيم؟ فقال رسول الله  -  ﷺ  -: لولا حدثان قومك بالكفر لفعلت\" فقال عبد الله بن عمر: لئن كانت عائشة سمعت هذا من رسول الله  -  ﷺ  -، ما أرى رسول الله  -  ﷺ  -  ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلَّا أن البيت لم يتمم على قواعد إبراهيم. وفي رواية عنها فيه أيضًا قالت: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية، أو قال: بكفر لأنفقت كنز الكعبة في سبيل الله، ولجعلت بابها بالأرض، ولأدخلت فيها من الحجر\" وفي رواية عنها فيه قالت: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"يا عائشة لولا أن قومك حديثو عهد بشرك لهدمت الكعبة فألزقتها بالأرض، وجعلت لها بابين، بابا شرقيًّا، وبابًا غربيًّا، وزدت فيها ستة أذرع من الحجر، فإن قريشًا اقتصرتها حين بنت الكعبة\" انتهى من صحيح مسلم. وحديثها هذا المتفق عليه الذي ذكرنا بعض رواياته في الصحيحين نص صريح فيما ذكرنا. وبه تعلم أن قول من زعم من أهل العلم أن من سلك نفس الحجر في طوافه، ثم رجع إلى بلده، لزمه دم مع صحة طوافه غير صحيح، لما رأيت من أن الحجر من البيت، وأن الطواف فيه ليس طوافًا بالبيت. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني: يسن الرمل في الأشواط الثلاثة الأول من أول","vol":"5","page":207},{"text":"طواف يطوفه القادم إلى مكة، سواء كان طواف عمرة، أو طواف قدوم في حج، وأما الأشواط الأربعة الأخيرة فإنه يمشي فيها، ولا يرمل، وذلك ثابت عن النبي  -  ﷺ  -  في الصحيحين وغيرهما.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدَّثنا سليمان بن حرب، حدَّثنا حمَّاد هو ابن زيد، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: قدم رسول الله  -  ﷺ  -، وأصحابه فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتم حمى يثرب، فأمرهم النبي  -  ﷺ  -  أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإِبقاء عليهم.\nثم قال البخاري ﵀: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرني ابن وَهْب، عن يونس، عن ابن شهاب، عن سالم، عن أبيه ﵁ قال: رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  حين يقدم مكة إذا استلم الركن الأسود أول ما يطوف يخب ثلاثة أطواف من السبع. ثم قال البخاري ﵀: حدثني محمد، حدَّثنا سريج بن النعمان، حدَّثنا فليح، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، قال: سعى النبي  -  ﷺ  -  ثلاثة أشواط، ومشى أربعة في الحج والعمرة. تابعه اللَّيث. قال: حدثني كثير بن فرقد، عن نافع، عن ابن عمر ﵄، عن النبي  -  ﷺ  - . حدَّثنا سعيد بن أبي مريم، أخبرنا محمد بن جعفر، قال: أخبرني زيد بن أسلم أن عمر بن الخطاب ﵁ قال للركن: أما والله إني لأعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت النبي  -  ﷺ  -  استلمك ما استلمتك، فاستلمه، ثم قال: فما لنا وللرمل إنما كنا رأينا المشركين، وقد أهلكهم الله، ثم قال: شيء صنعه النبي  -  ﷺ  -، فلا نحب أن نتركه. انتهى منه، وفي حديث جابر","vol":"5","page":208},{"text":"الطويل في حجة النبي  -  ﷺ  -  عند مسلم: حتَّى إذا أتينا البيت معه استلم الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا ... الحديث. وفي صحيح البخاري من حديث ابن عمر ﵄ بلفظ \"أن رسول الله  -  ﷺ  -  كان إذا طاف بالبيت الطواف الأول يخب ثلاثة أطواف، ويمشي أربعة، وأنه كان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة\" وفي لفظ عند البخاري، ومسلم عن ابن عمر ﵄: \"كان رسول الله  -  ﷺ  -  إذا طاف الطواف الأول خب ثلاثًا، ومشى أربعًا، وكان يسعى بطن المسيل إذا طاف بين الصفا والمروة\" زاد مسلم: وكان ابن عمر يفعل ذلك.\nوبهذه النصوص الصحيحة يتبين أن الرمل في الأشواط الثلاثة في طواف العمرة وطواف القدوم مما سنه رسول الله  -  ﷺ  -، وعلى ذلك عامة أهل العلم إلَّا من شذ، وإن ترك الرمل في الأشواط الأخيرة على الصواب، ولا يلزم بتركه دم على الأظهر، لعدم الدليل، خلافًا لمن أوجب فيه الدم.\nتنبيهان\nالأول: إن قيل: ما الحكمة في الرمل بعد زوال علته التي شرع من أجلها، والغالب اطراد العلة وانعكاسها، بحيث يدور معها المعلل بها وجودًا وعدمًا؟.\nفالجواب: أن بقاء حكم الرمل مع زوال علته، لا ينافي أن لبقائه علة أخرى، وهي أن يتذكر به المسلمون نعمة الله عليهم حيث كثرهم، وقواهم بعد القلة والضعف، كما قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ","vol":"5","page":209},{"text":"بِنَصْرِهِ﴾ الآية، وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ﴾ الآية.\nوصيغة الأمر في قوله: (اذكروا) في الآيتين المذكورتين تدل على تحتم ذكر النعمة بذلك، وإذًا فلا مانع من كون الحكمة في بقاء حكم الرمل هي تذكر نعمة الله بالقوة بعد الضعف، والكثرة بعد القلة. وقد أشار إلى هذا ابن حجر في الفتح. ومما يؤيده أن رسول الله  -  ﷺ  -  رمل في حجة الوداع بعد زوال العلة المذكورة، فلم يكن بعد ذلك تركه لزوالها. والعلم عند الله تعالى.\nالتنبيه الثاني: اعلم أن الروايات الثابتة في الصحيح في الرمل ظاهرها الاختلاف؛ لأن في بعضها أن الرمل ليس في الشوط كله، بل ما بين الركنين اليمانيين لا رمل فيه، وقد قدمنا في حديث ابن عبَّاس عند البخاري ما لفظه: فأمرهم النبي  -  ﷺ  -  أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا ما بين الركنين، ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها، إلَّا الإبقاء عليهم. ولفظه عند مسلم، عن ابن عبَّاس ﵄، قال: قدم رسول الله  -  ﷺ  -  وأصحابه مكة، وقد وهنتهم حمى يثرب. قال المشركون: إنه يقدم عليكم غدًا قوم قد وهنتهم الحمى، ولقوا منها شدة، فجلسوا مما يلي الحجر، وأمرهم النبي  -  ﷺ  -  أن يرملوا ثلاثة أشواط، ويمشوا ما بين الركنين؛ ليرى المشركون جلدهم، فقال المشركون: هؤلاء الذين زعمتم أن الحمى قد وهنتهم، هؤلاء أجلد من كذا وكذا. قال ابن عبَّاس: ولم يمنعه أن يأمرهم أن يرملوا الأشواط كلها إلَّا الإِبقاء عليهم. فحديث ابن عبَّاس هذا الذي أخرجه الشيخان فيه التصريح بأنهم لم يرملوا فيما بين الركنين، وقد بين ابن عبَّاس علة ذلك، وهي قوله: فجلسوا مما يلي","vol":"5","page":210},{"text":"الحجر، يعني: أن المشركين جلسوا في جهة البيت الشمالية مما يلي الحجر بكسر الحاء، وإذًا فالذي بين الركنين اليمانيين لا يرونه؛ لأن الكعبة تحول بينهم وبينه، وإذا كانوا لا يرونهم مشوا، فإذا ظهروا لهم عند ركن الحجر رملوا، مع أن في بعض الروايات الثابتة في الصحيح أنَّه - ﷺ - رمل الأشواط الثلاثة كلها، من الحَجَر إلى الحَجَر.\nففي صحيح مسلم من حديث ابن عمر ﵄ ما لفظه قال: \"رمل رسول الله - ﷺ - من الحَجَر إلى الحجَر ثلاثًا، ومشى أربعًا\" وفي لفظ في صحيح مسلم أيضًا عن نافع أن ابن عمر رمل من الحجر إلى الحجر، وذكر أن رسول الله - ﷺ - فعله، وفي لفظ عند مسلم أيضًا من حديث جابر بن عبد الله ﵄، أنَّه قال: رأيت رسول الله - ﷺ - رمل من الحجر الأسود، حتَّى انتهى إليه ثلاثة أطواف، وفيه عن جابر أيضًا بلفظ: أن رسول الله - ﷺ - رمل ثلاثة أطواف من الحَجَر إلى الحَجَر.\nوالجواب عن هذا الذي ذكرنا من اختلاف الروايات أن حديث ابن عبَّاس الذي فيه أنهم مشوا ما بين الركنين كان في عمرة القضاء في ذي القعدة عام سبع، وما في الروايات الأخرى من الرمل في كل شوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، كما أجاب بهذا غير واحد.\nوقال النووي في شرح مسلم: إن رمله - ﷺ - في كل الشوط من الحجر إلى الحجر في حجة الوداع، ناسخ للمشي بين الركنين الثابت في حديث ابن عبَّاس لأنه متأخر عنه، والمتأخر ينسخ المتقدم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يتعين النسخ الذي ذكره","vol":"5","page":211},{"text":"النووي، لما تقرر في الأصول عن جماعة من العلماء أن الأفعال لا تعارض بينها، فلا يلزم نسخ الآخر منها للأول، بناء على أن الفعل لا عموم له، فلا يقع في الخارج إلَّا شخصيًّا لا كليًّا، حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجائز أن يقع الفعل واجبًا في وقت، وفي وقت آخر بخلافه.\nقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة الفعلان لا يتعارضان، كصوم وأكل، لجواز تحريم الأكل في وقت، وإباحته في آخر .. إلخ. ومحل عدم تعارض الفعلين المذكور ما لم يقترن بالفعلين قول يدل على ثبوت الحكم، وإلَّا كان آخر الفعلين ناسخًا للأول عند قوم، وعند آخرين لا يكون ناسخًا، كما لو لم يقترن بهما قول. وعن مالك والشَّافعي يصار إلى الترجيح بين الفعلين، إن اقترن بهما القول وإن لم يترجح أحدهما، فالتخيير بينهما.\nمثال الفعلين اللذين لم يقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم مشيه - ﷺ - بين الركنين اليمانيين، ورمله في غير ذلك من الأشواط الثلاثة الأول في عمرة القضاء، مع رمله في الجميع في حجة الوداع.\nومثال الفعلين اللذين اقترن بهما قول يدل على ثبوت الحكم صلاته - ﷺ - صلاة الخوف على صفات متعددة، مختلفة كما أوضحناه في سورة النساء، مع أن تلك الأفعال المختلفة اقترنت بقول يدل على ثبوت الحكم، وهو قوله - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فالجاري على الأصول حسبما ذكرنا عن جماعة منهم: ابن الحاجب، والعضد، والرهوني، وغيرهم أن طواف الأشواط كلها ليس ناسخًا للمشي بين الركنين، وأن صيغة صلاة الخوف فيها الأقوال المارة: قيل: كل صورة بعد أخرى، فهي ناسخة لها، وقيل: كلها صحيحة لم ينسخ منها شيء وقيل: بالترجيح بين صورها، وإن لم يترجح","vol":"5","page":212},{"text":"واحد، فالتخيير، وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود بقوله:\nولم يكن تعارضُ الأفعال ... في كل حالة من الأحوال\nوإن يكُ القولُ بحكم لامعا ... فآخرُ الفعلين كان رافعا\nوالكل عند بعضهم صحيحُ ... ومالكٌ عنه روى التّرجيح\nوحيثما قد عدم المصير إليه ... فالأولى هو التخيير\nوقال صاحب الضياء اللامع شرح جمع الجوامع: تنبيه: لم يتعرض المصنِّف للتعارض بين الفعلين، وصرح الرهوني وغيره بأنه لا تعارض بينهما في الحقيقة سواء تماثل الفعلان، أو اختلفا، وسواء أمكن الجمع بينهما، أو لم يمكن؛ لأن الفعل لا عموم له من حيث هو إذ لا يقع في الأعيان إلَّا مشخصًا، فلا يكون كليًّا حتَّى ينافي فعلًا آخر، فجاز أن يكون واجبًا في وقت مباحًا في آخر، وهذا ما لم يقترن بالفعل قول يدل على ثبوت الحكم؛ كقوله ﵊: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" ورأوه صلى صلاة الخوف على صفات متعددة فقال الأبياري: هذا كاختلاف القولين على الصحيح، والمتأخر ناسخ، وقيل: يصح إيقاعها على كل وجه من تلك الوجوه، وبه قال القاضي، وللشافعي ميل إليه، وقيل: يطلب الترجيح، كما قال مالك والشَّافعي. انتهى محل الغرض منه.\nوالرمل: مصدر رمل بفتح الميم يرمل بضمها رملًا بفتح الميم ورملانًا: إذا أسرع في مشيته وهز منكبيه وهو في ذلك لا ينزو، أي: لا يثب. وأنشد المبرد:\nناقته ترمل في النقال ... متلف مال ومفيد مال","vol":"5","page":213},{"text":"ومراده بالنقال: المناقلة، وهو أن تضع رجليها مواضع يديها، وهو دليل على أن الرمل فيه إسراع، وهو الخبب، ولذا جاء في بعض روايات الحديث: رمل، وفي بعضها خب، والمعنى واحد.\nالفرع الثالث: التحقيق أن الاضطباع يسن في الطواف، لثبوت ذلك عنه  -  ﷺ  - .\nقال أَبو داود في سننه: حدَّثنا محمد بن كثير: أخبرنا سفيان، عن ابن جريج، عن ابن يعلى، عن يعلى، قال: \"طاف النبي  -  ﷺ  -  مضطبعًا ببرد أخضر\" حدَّثنا أَبو سلمة موسى، ثنا حمَّاد، عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس \"أن رسول الله  -  ﷺ  -  وأصحابه اعتمروا من الجعرانة، فرملوا بالبيت، وجعلوا أرديتهم تحت آباطهم، قد قذفوها على عواتقهم اليسرى\" انتهى منه.\nوقال التِّرمِذي في جامعه: حدَّثنا محمود بن غيلان، نا قبيصة، عن سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى، عن أبيه، عن النبي  -  ﷺ  -  طاف بالبيت مضطبعًا، وعليه برد\" قال أَبو عيسى: هذا حديث الثَّوري عن ابن جريج لا نعرفه إلَّا من حديثه، وهو حديث حسن صحيح. وعبد الحميد هو ابن جبير بن شيبة، عن ابن يعلى، عن أبيه، وهو يعلى بن أمية.\nوقال ابن ماجة في سننه: حدَّثنا محمد بن يحيى، ثنا محمد بن يوسف وقبيصة قالا: ثنا سفيان، عن ابن جريج، عن عبد الحميد، عن ابن يعلى بن أمية، عن أبيه يعلى \"أن النبي  -  ﷺ  -  طاف مضطبعًا\" قال قبيصة: وعليه برد. انتهى منه.","vol":"5","page":214},{"text":"وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عبَّاس الذي ذكرناه آنفًا في الاضطباع عند أبي داود: وحديث ابن عبَّاس هذا صحيح، رواه أَبو داود بإسناد صحيح، ولفظه: عن ابن عبَّاس. ثم ساقه كما سقناه آنفًا، ثم قال: ورواه البيهقي بإسناد صحيح قال: عن ابن عبَّاس قال: \"اضطبع النبي  -  ﷺ  -  هو وأصحابه، ورملوا ثلاثة أشواط، ومشوا أربعًا\" وعن يعلى بن أمية ﵁ \"أن رسول الله  -  ﷺ  -  طاف بالبيت مضطبعًا ببرد\" رواه أَبو داود والتِّرمِذي، وابن ماجة بأسانيد صحيحة.\nوقال التِّرمِذي: هو حديث حسن صحيح. وفي رواية البيهقي: \"رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  يطوف بالبيت مضطبعًا\" إسناده صحيح. وعن أسلم مولى عمر بن الخطاب ﵁ قال: سمعت عمر يقول: فيم الرملان والكشف عن المناكب، وَقَدْ وطد الله الإِسلام، ونفى الكفر وأهله، ومع ذلك لا نترك شيئًا كنا نصنعه مع رسول الله  -  ﷺ  - . رواه البيهقي بإسناد صحيح. انتهى كلام النووي.\nوبذلك تعلم سنية الاضطباع في الطواف، خلافًا لمالك ومن قال بقوله: إن الاضطباع ليس بسنَّة.\nوصفة الاضطباع: أن يجعل وسط الرداء تحت كتفه اليمنى، ويرد طرفيه على كتفه اليسرى، وتبقى كتفه اليمنى مكشوفة وهو افتعال من الضبع بفتح الضاد، وسكون الباء بمعنى العضد، سمي بذلك لإِبداء أحد الضبعين، والعرب تسمى العضد ضبعًا، ومنه قول طرفة في معلقته:\nوإن شئت سامى واسط الكور رأسها ... وعامت بضبعيها نجاء الخَفَيْدَدِ","vol":"5","page":215},{"text":"تقول العرب: ضبعه إذا مد إليه ضبعه، ليضربه. ومنه قول عمرو بن شاس.\nنذود الملوك عنكم وتذودنا ... ولا صلح حتَّى تضبعونا ونضبعا\nأي: تمدون أضباعكم إلينا بالسيوف، ونمد أضباعنا إليكم، وقيل: تضبعون، أي: تمدون أضباعكم للصلح والمصافحة. والطاء في الاضطباع مبدلة من تاء الافتعال؛ لأن الضاد من حروف الإِطباق على القاعدة المشار لها بقوله في الخلاصة:\nطاتا افتعال رد إثر مطبق ... في ادان وازدد وادكر دالًا بقي\nالفرع الرابع: في كلام العلماء في الطواف هل يشترط له ما يشترط للصلاة من طهارة الحدث والخبث وستر العورة أو لا يشترط ذلك؟\nاعلم أن اشتراط الطهارة من الحدث والخبث وستر العورة في الطواف هو قول أكثر أهل العلم، منهم مالك، وأصحابه، والشَّافعي، وأصحابه، وهو مشهور مذهب الإِمام أحمد.\nقال النووي في شرح المهذب: وحكاه الماوردي عن جمهور العلماء، وحكاه ابن المنذر في طهارة الحدث، عن عامة العلماء.\nوخالف الإِمام أَبو حنيفة ﵀ الجمهور في هذه المسألة، فقال: لا تشترط للطواف طهارة، ولا ستر عورة، فلو طاف جنبًا، أو محدثًا، أو عليه نجاسة، أو عريانًا صح طوافه عنده.\nواختلف أصحابه في وجوب الطهارة للطواف، مع اتفاقهم على أنها ليست بشرط فيه. ومن أشهر الأقوال عندهم أنَّه إذا طاف طواف الإِفاضة جنبًا، فعليه بدنة، وإن طافه محدثًا فعليه شاة، وأنه يعيد","vol":"5","page":216},{"text":"الطواف بطهارة ما دام بمكة، فإن رجع إلى بلده فالدم على التفصيل المذكور. واحتج الجمهور لاشتراط الطهارة للطواف، بأدلة:\nمنها: حديث عائشة المتفق عليه الذي ذكرناه سابقًا بسنده، ومتنه عند البخاري ومسلم: أن أول شيء بدأ به النبي  -  ﷺ  -  حين قدم \"أنَّه توضأ، ثم طاف بالبيت\" الحديث. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صرحت فيه عائشة ﵂ بأن النبي  -  ﷺ  -  بدأ بالوضوء قبل الطواف لطوافه، فدل على أنَّه لا بد للطواف من الطهارة.\nفإن قيل: وضوءه  -  ﷺ  -  المذكور في هذا الحديث فعل مطلق، وهو لا يدل على الوجوب فضلًا عن كونه شرطًا في الطواف.\nفالجواب: أن وضوءه لطواف المذكور في هذا الحديث قد دل دليلان على أنَّه لازم، لا بد منه.\nأحدهما: أنَّه  -  ﷺ  -  قال في حجة الوداع: \"خذوا عني مناسككم\" وهذا الأمر للوجوب والتحتم، فلما توضأ للطواف لزمنا أن نأخذ عنه الوضوء للطواف امتثالًا لأمره في قوله: \"خذوا عني مناسككم\".\nوالدليل الثاني: أن فعله في الطواف من الوضوء له، ومن هيئته التي أتى به عليها كلها بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد تقرر في الأصول أن فعل النبي  -  ﷺ  -  إذا كان لبيان نص من كتاب الله، فهو على اللزوم والتحتم. ولذا أجمع العلماء على قطع يد السارق من الكوع؛ لأن قطع النبي  -  ﷺ  -  للسارق من الكوع بيان وتفصيل لما أجمل في قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ لأن اليد تطلق على العضو إلى المرفق، وإلى المنكب.","vol":"5","page":217},{"text":"قال صاحب الضياء اللامع في شرح قول صاحب جمع الجوامع: \"ووقوعه بيانًا\" ما نصه: الثاني: أن يكون فعله  -  ﷺ  -  لبيان مجمل، إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإنه بيان لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾ وإما بقول كقوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: \"خذوا عني مناسككم\" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. انتهى محل الغرض منه.\nوأشار في مراقي السعود إلى أن فعله  -  ﷺ  -  الواقع لبيان مجمل من كيب الله إن كان المبين بصيغة اسم المفعول واجبًا فالفعل المبين له بصيغة اسم الفاعل واجب بقوله:\nمن غير تخصيص وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثال ظهرا\nومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان. يعني: أنَّه يعرف حكم فعل النبي  -  ﷺ  -  من الوجوب أو غيره بالبيان، فإذا بين أمرًا واجبًا كالصلاة والحج، وقطع السارق بالفعل، فهذا الفعل واجب إجماعًا؛ لوقوعه بيانًا لواجب إلَّا ما أخرجه دليل خاص، وبهذا تعلم أن الله تعالى أوجب طواف الركن بقوله: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد بينه  -  ﷺ  -  بفعله وقال: \"خذوا عني مناسككم\" ومن فعله الذي بينه به الوضوء له، كما ثبت في الصحيحين، فعلينا أن نأخذه عنه إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخالف ما ذكرنا.\nومن أدلتهم على اشتراط الطهارة من الحدث للطواف: ما أخرجاه في الصحيحين من حديث عائشة ﵂. قال البخاري ﵀ في كتاب الحيض: حدَّثنا أَبو نعيم،","vol":"5","page":218},{"text":"قال: حدَّثنا عبد العزيز بن أبي سلمة، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: خرجنا مع النبي  -  ﷺ  -، لا نذكر إلَّا الحج، فلما جئنا سرف طمثت الحديث، وفيه \"فافعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري\". انتهى منه.\nوأخرج مسلم في صحيحه حديث عائشة هذا بإسنادين عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عنها بلفظ: \"افعلي ما يفعل الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تطهري\" وفي لفظ لمسلم عنها: \"فاقضي ما يقضي الحاج غير ألا تطوفي بالبيت حتَّى تغتسلي\" قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه صرح فيه النبي  -  ﷺ  -  بنهي عائشة ﵂ عن الطواف إلى غاية هي الطهارة لقوله: \"حتَّى تطهري\" عند الشيخين و\"حتَّى تغتسلي\" عند مسلم، ومنع الطواف في حالة الحدث الذي هو الحيض إلى غاية الطهارة من جنابته يدل مسلك الإِيماء، والتنبيه على أن علة منعها من الطواف هو الحدث الذي هو الحيض، فيفهم منه اشتراط الطهارة من الجنابة للطواف كما ترى.\nفإن قيل: يجوز أن تكون علة النهي عن طوافها، وهي حائض، أن الحائض لا تدخل المسجد.\nفالجواب: أن نص الحديث يأبى هذا التعليل، لأنه  -  ﷺ  -  قال: \"حتَّى تطهري\" \"حتَّى تغتسلي\" ولو كان المراد ما ذكر لقال: حتَّى ينقطع عنك الدم.\nقال النووي في شرح المهذب: فإن قيل: إنما نهاها، لأن الحائض لا تدخل المسجد.\nقلنا: هذا فاسد؛ لأنه  -  ﷺ  -  قال: \"حتَّى تغتسلي\" ولم يقل حتَّى ينقطع دمك، وهو ظاهر.","vol":"5","page":219},{"text":"ومن أدلة الجمهور على اشتراط الطهارة في الطواف: ما جاء عن النبي  -  ﷺ  -  أنَّه قال: \"الطواف بالبيت صلاة\" الحديث.\nقال الزيلعي في نصب الراية: رواه ابن حبان في صحيحه في النوع السادس والستين من القسم الثالث من حديث فضيل بن عياض، والحاكم في المستدرك من حديث سفيان كلاهما عن عطاء بن السائب، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"الطواف بالبيت صلاة إلَّا أن الله قد أحل فيه النطق، فمن نطق فيه فلا ينطق إلَّا بخير\" انتهى. وسكت الحاكم عنه، وأخرجه التِّرمِذي في كتابه عن جرير، عن عطاء بن السائب به بلفظ: \"الطواف بالبيت مثل الصلاة\" قال: وقد روي هذا الحديث عن ابن طاوس وغيره، عن طاوس موقوفًا، ولا نعرفه مرفوعًا إلَّا من حديث عطاء بن السائب. وعن الحاكم رواه البيهقي في المعرفة بسنده ثم قال: وهذا حديث قد رفعه عطاء بن السائب في رواية جماعة عنه، وروي عنه موقوفًا، وهو أصح. انتهى. وقال الشيخ تقي الدين في الإِمام: هذا الحديث روي مرفوعًا وموقوفًا، أما المرفوع فله ثلاثة أوجه:\nأحدها: رواية عطاء بن السائب رواها عنه جرير، وفضيل بن عياض، وموسى بن أعين، وسفيان أخرجها كلها البيهقي.\nالوجه الثاني: رواية ليث بن أبي سليم رواها عنه موسى بن أعين، عن ليث، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا باللفظ المذكور، أخرجها البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه.\nالوجه الثالث: رواية الباغندي، عن أبيه، عن ابن عيينة، عن","vol":"5","page":220},{"text":"إبراهيم بن ميسرة، عن طاوس، عن ابن عبَّاس مرفوعًا نحوه، رواه البيهقي أيضًا.\nفأما طريق عطاء فإن عطاء من الثقات، لكنه اختلط بأخرة. قال ابن معين: من سمع منه قديمًا فهو صحيح، ومن سمع منه حديثًا، فليس بشيء، وجميع من روى عنه روى عنه في الاختلاط إلَّا شعبة، وسفيان. وما سمع منه جرير وغيره، فليس من صحيح حديثه.\nوأما طريق ليث، فليث رجل صالح صدوق يستضعف. قال ابن معين: ليث بن أبي سليم ضعيف مثل عطاء بن السائب، وقد أخرج له مسلم في المتابعات، وقد يقال: لعل اجتماعه مع عطاء يقوي رفع الحديث.\nوأما طريق الباغندي، فإن البيهقي لما ذكرها قال: ولم يصنع الباغندي شيئًا في رفعه لهذه الرواية، فقد رواه ابن جريج، وأَبو عوانة عن إبراهيم بن ميسرة موقوفًا. انتهى من نصب الراية للزيلعي.\nثم قال أيضًا: حديث آخر رواه الطبراني في معجمه الأوسط: حدَّثنا محمد بن أبان، ثنا أحمد بن ثابت الجحدري، ثنا أَبو حذيفة موسى بن مسعود، ثنا سفيان، عن حنظلة، عن طاوس، عن ابن عمر لا نعلمه إلَّا عن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"الطواف صلاة فأقلوا فيه الكلام\" انتهى منه.\nواعلم: أن علماء الحديث قالوا: إن وقف هذا الحديث على ابن عبَّاس أصح من رفعه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وقد علمت مما مر قريبًا أن حديث ابن عبَّاس المذكور رفعه عطاء بن السائب، وليث بن","vol":"5","page":221},{"text":"أبي سليم، والظاهر أن اجتماعهما معًا لا يقل عن درجة الحسن. ومما يؤيد ذلك أن ممن روى رفعه عن عطاء سفيان الثَّوري، وقد ذكروا أن رواية سفيان عنه صحيحة؛ لأنه روى عنه قبل اختلاطه، وعلى ذلك فهو دليل على اشتراط الطهارة، وستر العورة؛ لأن قوله: \"الطواف صلاة\" يدل على أنَّه يشترط فيه ما يشترط في الصلاة إلَّا ما أخرجه دليل خاص كالمشي فيه، والانحراف عن القبلة، والكلام، ونحو ذلك.\nفإن قيل: المحققون من علماء الحديث يرون أن الصحيح أن حديث: \"الطواف صلاة\" موقوف لا مرفوع؛ لأن من وقفوه أضبط، وأوثق ممن رفعه؟\nفالجواب: أنا لو سلمنا أنَّه موقوف، فهو قول صحابي اشتهر ولم يعلم له مخالف من الصحابة، فيكون حجة، لا سيما وقد اعتضد بما ذكرنا قبله من الأحاديث الصحيحة، وبينا وجه دلالتها على اشتراط الطهارة للطواف.\nوقال النووي في شرح المهذب في الكلام على حديث \"الطواف صلاة\" ما نصه: وقد سبق أن الصحيح أنَّه موقوف على ابن عبَّاس، وتحصل منه الدلالة أيضًا؛ لأنه قول صحابي اشتهر، ولم يخالفه أحد من الصحابة، فكان حجة كما سبق بيانه في مقدمة هذا الشرح، وقول الصحابي حجة أيضًا، عند أبي حنيفة. انتهى منه.\nفهذا الذي ذكرنا هو حاصل أدلة من قال باشتراط الطهارة من الحدث الأكبر والأصغر للطواف.\nوأما اشتراط ستر العورة للطواف فقد استدلوا له بحديث متفق عليه دال على ذلك.","vol":"5","page":222},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدَّثنا يحيى بن بكير، حدَّثنا اللَّيث، قال يونس: قال ابن شهاب: حدثني حميد بن عبد الرحمن أن أبا هريرة أخبره أن أبا بكر الصديق ﵁ بعثه في الحجة التي أمره عليها رسول الله  -  ﷺ  -  قبل حجة الوداع يوم النحر في رهط يؤذن في الناس: ألا يحج بعد العام مشرك، ولا يطوف بالبيت عريان.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدَّثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدَّثنا ابن وَهْب، أخبرني عمرو، عن ابن شهاب، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة (ح) وحدثنا حرملة بن يحيى التجيبي، أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس أن ابن شهاب أخبره، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي هريرة قال: بعثني أَبو بكر الصديق ﵁ في الحجة التي أمره عليها رسول الله  -  ﷺ  -  قبل حجة الوداع في رهط، يؤذن في الناس يوم النحر: \"لا يحج بعد العام مشرك ولا يطوف بالبيت عريان\" قال ابن شهاب: فكان حميد بن عبد الرحمن يقول: يوم النحر يوم الحج الأكبر، من أجل حديث أبي هريرة. فهذا الحديث المتفق عليه بلفظ \"ولا يطوف بالبيت عريان\" يدل فيه مسلك الإِيماء والتنبيه على أن علة المنع من الطواف كونه عريانًا، وهو دليل على اشتراط ستر العورة للطواف كما ترى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وجوب ستر العورة للطواف يدل عليه كتاب الله في قوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. وإيضاح دلالة هذه الآية الكريمة على ستر العورة للطواف يتوقف أولًا على مقدمتين:\nالأولى منهما: أن تعلم أن المقرر في علوم الحديث أن تفسير","vol":"5","page":223},{"text":"الصحابي إذا كان له تعلق بسبب النزول، أن له حكم الرفع كما أوضحناه في سورة البقرة.\nقال العلوي الشنقيطي في طلعة الأنوار:\nتفسير صاحب له تعلق ... بالسبب الرفع له محقق\nوقال العراقي في ألفيته:\nوعد ما فسره الصحابي ... رفعًا فمحمول على الأسباب\nالمقدمة الثانية: هي أن تعلم أن صورة سبب النزول قطعية الدخول عند جماهير الأصوليين، وهو الصواب إن شاء الله تعالى.\nفإذا علمت ذلك: فاعلم أن سبب نزول قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فكانت المرأة تطوف بالبيت وهي عريانة، فتقول: من يعيرني ثوبًا تجعله على فرجها، وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... وما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية في هذا السبب: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ الآية. ومن زينتهم التي أمروا بأخذها عند كل مسجد: لبسهم الثياب عند المسجد الحرام للطواف؛ لأنه هو صورة سبب النزول. فدخولها في حكم الآية قطعي عند الجمهور، كما ذكرناه الآن وأوضحناه سابقًا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك. فالأمر في: خذوا شامل لستر العورة للطواف، وهو أمر حتم أوجبه الله مخاطبًا به بني آدم، وهو السبب الذي نزل فيه الأمر.\nواعلم أيضًا: أنَّه ثبت عن ابن عبَّاس ما يدل على أنَّه فسر: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ بلبس الثياب للطواف استنادًا لسبب النزول.","vol":"5","page":224},{"text":"قال مسلم ﵀ في صحيحه: حدَّثنا محمد بن بشار، حدَّثنا محمد بن جعفر (ح) وحدثني أَبو بكر بن نافع واللفظ له، حدَّثنا غندر، حدَّثنا شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن مسلم البطين، عن سعيد بن جبير، عن ابن عبَّاس قال: كانت المرأة تطوف بالبيت، وهي عريانة فتقول: من يعيرني تطوافًا تجعله على فرجها وتقول:\nاليوم يبدو بعضه أو كله ... فما بدا منه فلا أحله\nفنزلت هذه الآية: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾. انتهى منه. ولأجل هذا كان ابن عبَّاس يفسر الزينة المذكورة في هذه الآية: باللباس، ولتعلق هذا التفسير بسبب النزول، فله حكم الرفع كما بينا والبيت المذكور بعده:\nجهم من الجهم عظيم ظله ... كم من لبيب عقله يضله\n\n• وبناظر ينظر ما يمله *\nقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير وابن أبي حاتم وابن مردويه، عن ابن عبَّاس في قوله: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ قال: كان رجال يطوفون بالبيت عراة، فأمرهم الله بالزينة، والزينة: اللباس، وهو ما يواري السوأة، وما سوى ذلك من جيد البز والمتاع. اهـ منه. وجماهير علماء التفسير مطبقون على هذا التفسير المتعلق بسبب النزول، فتبين بما ذكرنا أن القرآن والستة الصحيحة دلَّا معًا على ستر العورة للطواف، وقد قدمنا مرارًا كلام العلماء في اقتضاء النهي الفساد فأغنى ذلك عن إعادته هنا، وقد رأيت فيما كتبنا أدلة الجمهور على طهارة الحدث وستر العورة للطواف.\nأما طهارة الخبث: فقد استدلوا لها بما تقدم من أن الطواف","vol":"5","page":225},{"text":"صلاة، وقد بينا وجه الدلالة منه على ذلك، سواء قلنا: إنه موقوف، أو مرفوع. وقد يقال: إنه لا مجال للرأي فيه، فله حكم الرفع، واستأنس بعضهم لطهارة الخبث للطواف بقوله تعالى: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ الآية، لأنه يدل في الجملة على الأمر بالطهارة للطائفين، والعلم عند الله تعالى.\nوإذا علمت مما ذكرنا أن جماهير العلماء منهم الأئمة الثلاثة قالوا: باشتراط الطهارة وستر العورة للطواف، وأن أبا حنيفة خالف الجمهور في هذه المسألة، فلم يشترط الطهارة، ولا ستر العورة للطواف. فاعلم أن حجته في ذلك هي قاعدة مقررة في أصوله ترك من أجلها العمل بأحاديث صحيحة، عن النبي  -  ﷺ  -، وتلك القاعدة التي ترك من أجلها العمل ببعض الأحاديث الصحيحة، متركبة من مقدمتين:\nأحداهما: أن الزِّيادة على النص تنسخ.\nوالثانية: أن الأخبار المتواترة لا تنسخ بأخبار الآحاد، فقال في المسألة التي نحن بصددها: قال الله تعالى في كتابه: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وهو نص متواتر، فلو زدنا على الطواف اشتراط الطهارة، والستر، فإن هذه الزِّيادة نسخ، وأخبارها أخبار آحاد فلا تنسخ المتواتر الذي هو الآية، ولأجل هذا لم يقل بتغريب الزاني البكر، لأن الأحاديث الصحيحة الدالة عليه عنده أخبار آحاد، وزيادة التغريب على قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا﴾ الآية، نسخ له، وهو متواتر، فلا ينسخ بأخبار الآحاد. ولأجل ذلك أيضًا لم يقل بثبوت المال بالشاهد واليمين، لأنه يرى ذلك زيادة على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ","vol":"5","page":226},{"text":"الشُّهَدَاءِ﴾ الآية، والزِّيادة نسخ، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد. اهـ.\nوالتحقيق في مسألة الزِّيادة على النص هو التفصيل: فإن كانت الزِّيادة أثبتت شيئًا نفاه المتواتر، أو نفت شيئًا أثبته، فهي نسخ له، وإن كانت الزِّيادة زيد فيها شيء، لم يتعرض له النص المتواتر، فهي زيادة شيء مسكوت عنه لم ترفع حكمًا شرعيًّا، وإنَّما رفعت البراءة الأصلية التي هي الإِباحة العقلية، ورفعها ليس بنسخ.\nمثال الزِّيادة التي هي نسخ على التحقيق: زيادة تحريم الخمر بالقرآن، وتحريم الحمر الأهلية بالسنَّة الصحيحة، على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ فإن هذه الآية الكريمة لم تسكت عن إباحة الخمر، والحمر الأهلية وقت نزولها، بل صرحت بإباحتهما بمقتضى الحصر الصريح بالنفي في: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ والإِثبات في قوله: ﴿إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ الآية. فتحريم شيء زائد على الأربعة المذكورة في الآية زيادة ناسخة، لأنها أثبتت تحريمًا دلت الآية على نفيه.\nومثال الزِّيادة التي لم يتعرض لها النص بنفي ولا إثبات، زيادة تغريب الزاني البكر عامًا بالسنة الصحيحة على آية الجلد، وزيادة الحكم بالشاهد واليمين على آية: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية، وزيادة الطهارة، والستر التي بينا أدلتها على آية: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة الزِّيادة على النص بقوله:\nوليس نسخًا كل ما أفادا ... فيما رسا بالنص الازديادا","vol":"5","page":227},{"text":"وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ﴾ الآية، وبينا أن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا علم تأخرها عنه، وبيناها أيضًا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ الآية، ولذلك اختصرنا هاهنا، والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: اعلم أن الطواف في الحج المفرد والقران ثلاثة أنواع: طواف القدوم، وطواف الإفاضة: وهو طواف الزيارة، وطواف الوداع.\nأما طواف الإِفاضة فهو ركن من أركان الحج بإجماع العلماء، وأما طواف الوداع، وطواف القدوم: فقد اختلف فيهما العلماء، فذهب مالك وأصحابه، إلى أن طواف القدوم واجب يجبر بدم، وأن طواف الوداع سنة، ولا يلزم بتركه شيء.\nواستدل لوجوب طواف القدوم بحديث عائشة، وعروة المتفق عليه الذي قدمناه بسنده ومتنه عند الشيخين، وفيه أن النبي  -  ﷺ  -  إذا قدم أول ما يبدأ به الطواف، وكذلك الخلفاء الراشدون، والمهاجرون، والأنصار مع قوله  -  ﷺ  -: \"خذوا عني مناسككم\".\nواستدل لعدم وجوب طواف الوداع بترخيص النبي  -  ﷺ  -  للحائض في تركه، ولم يأمرها بدم ولا شيء، قالوا: فلو كان واجبًا لأمر يجبره.\nوأكثر أهل العلم على أن طواف القدوم لا يلزم بتركه شيء.\nوقال ابن حجر في الفتح: وذهب الجمهور إلى أن من ترك طواف القدوم لا شيء عليه. وعن مالك وأبي ثور عليه دم. ومن","vol":"5","page":228},{"text":"حججهم على أن طواف القدوم لا شيء في تركه أنَّه تحية، فلم يجب كتحية المسجد. وأكثر أهل العلم على أن طواف الوداع واجب، يجب بتركه الدم إلَّا أنَّه يرخص في تركه للحائض خاصة إذا نفرت رفقتها قبل أن تطهر.\nقال النووي في شرح مسلم: الصحيح في مذهبنا وجوب طواف الوداع، وأنه إذا تركه لزمه دم، ثم قال: وبه قال أكثر العلماء، منهم الحسن البصري، والحكم، وحماد، والثوري، وأَبو حنيفة، وأحمد، وإسحاق، وأَبو ثور. وقال مالك، وداود، وابن المنذر: هو سنة لا شيء في تركه. وعن مجاهد روايتان كالمذهبين. انتهى منه. وقد نقل ابن حجر كلامه هذا، ثم تعقب عزوه سنيته، لابن المنذر فقال: والذي رأيته في الأوسط لابن المنذر أنَّه واجب؛ للأمر به إلَّا أنَّه لا يجب بتركه شيء.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين في طواف الوداع دليلًا أنَّه واجب.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدَّثنا سعيد بن منصور، وزهير بن حرب، قالا: حدَّثنا سفيان، عن سليمان الأحول، عن طاوس، عن ابن عبَّاس قال: كان الناس ينصرفون في كل وجه، فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"لا ينفرن أحد حتَّى يكون آخر عهده بالبيت\" قال زهير: ينصرفون كل وجه، ولم يقل في. انتهى منه. فقوله  -  ﷺ  -  في هذا الحديث الصحيح بصيغة النهي الصريح: \"لا ينفرن أحد\" إلخ. دليل على منع النفر بدون وداع، وهو واضح في وجوب طواف الوداع. ثم قال مسلم ﵀: حدَّثنا سعيد بن منصور، وأَبو بكر بن أبي شيبة واللفظ لسعيد قالا: حدَّثنا سفيان، عن","vol":"5","page":229},{"text":"ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت، إلَّا أنَّه خفف عن المرأة الحائض. اهـ منه.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا مسدد، حدَّثنا سفيان، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلَّا أنَّه خفف عن الحائض. انتهى منه. وقوله: أمر بصيغة المبني للمفعول، ومعلوم في علوم الحديث، وأصول الفقه أن مثل ذلك له حكم الرفع. فهو حديث صحيح متفق عليه، يدل على أمر النبي - ﷺ - بطواف الوداع، مع الترخيص لخصوص الحائض، والله يقول: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وهو - ﷺ - يقول: \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\"، وقد نهى في حديث مسلم السابق عن النفر بدون طواف وداع، وأمر في الحديث المتفق عليه بالوداع. فدل ذلك الأمر، وذلك النهي على وجوبه. أما لزوم الدم في تركه، فيتوقف على دليل صالح لإِثبات ذلك، وسنذكر إن شاء الله ما تيسر من أدلة الدماء التي يوجبها الفقهاء. وحديث ترخيص النبي - ﷺ - لصفية أن تنفر وهي حائض من غير وداع معروف.\nالفرع السادس: في أول وقت طواف الإِفاضة وآخره:\nالظاهر أن أول وقته أول يوم النحر بعد الإِفاضة من عرفة ومزدلفة، كما فعل النبي - ﷺ - فإنه طاف طواف الإِفاضة، يوم النحر، بعد رمي جمرة العقبة، والنحر والحلق، وقال: \"خذوا عني مناسككم\" والشَّافعية، ومن وافقهم يقولون: إن أول وقته يدخل بنصف ليلة النحر، ولا أعلم لذلك دليلًا مقنعًا.\nوأما آخر وقت طواف الإِفاضة، فلم يرد فيه نص، وجمهور","vol":"5","page":230},{"text":"العلماء على أنَّه لا آخر لوقته، بل يبقى وقته ما دام صاحب النسك حيًّا، ولكن العلماء اختلفوا في لزوم الدم بالتأخير.\nقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا أن طواف الإِفاضة لا آخر لوقته، بل يبقى ما دام حيًّا، ولا يلزمه بتأخيره دم. قال ابن المنذر: ولا أعلم خلافًا بينهم في أن من آخره وفعله في أيام التشريق أجزأه ولا دم عليه، فإن آخره عن أيام التشريق، فقد قال جمهور العلماء كمذهبنا: لا دم. وممن قال به: عطاء، وعمرو بن دينار، وابن عيينة، وأَبو ثور، وأَبو يوسف، ومحمد، وابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال أَبو حنيفة: إن رجع إلى وطنه قبل الطواف لزمه العود للطواف، فيطوف، وعليه دم للتأخير، وهو الرواية المشهورة عن مالك. دليلنا أن الأصل عدم الدم حتَّى يرد الشرع به، والله أعلم. انتهى الغرض من كلام النووي.\nولزوم الدم بالتأخير فيه خلاف معروف عند المالكية، مع اتفاقهم على أن من آخره إلى انسلاخ شهر ذي الحجة عليه الدم.\nالفرع السابع: لا خلاف بين العلماء في استحباب استلام الحجر الأسود للطائف، وجماهيرهم على تقبيله، وإن عجز وضع يده عليه، وقبَّلها خلافًا لمالك قائلًا: إنه يضعها على فيه من غير تقبيل. وقال النووي في شرح المهذب: أجمع المسلمون على استحباب استلام الحجر الأسود، ويستحب عندنا مع ذلك تقبيله، والسجود عليه بوضع الجبهة كما سبق بيانه، فإن عجز عن تقبيله قبل اليد بعده. وممن قال بتقبيل اليد: ابن عمر، وابن عبَّاس، وجابر بن عبد الله، وأَبو هريرة، وأَبو سعيد الخدري، وسعيد بن جبير، وعطاء وعروة،","vol":"5","page":231},{"text":"وأيوب السختياني، والثوري، وأحمد، وإسحاق. حكاه عنهم ابن المنذر قال: وقال القاسم بن محمد ومالك: يضع يده على فيه من غير تقبيل.\nقال ابن المنذر: وبالأول أقول؛ لأن أصحاب النبي  -  ﷺ  -  معلوه، وتبعهم جملة الناس عليه، ورويناه عن النبي  -  ﷺ  - .\nوأما السجود على الحجر الأسود، فحكاه ابن المنذر عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس، وطاوس، والشَّافعي، وأحمد. وقال ابن المنذر: وبه أقول. قال: وقد روينا فيه عن النبي  -  ﷺ  - . وقال مالك: هو بدعة. واعترف القاضي عياض المالكي بشذوذ مالك عن الجمهور في المسألتين، فقال جمهور العلماء: على أنَّه يستحب تقبيل اليد إلَّا مالكًا في أحد قوليه، والقاسم بن محمد قالا: لا يقبلها. قال: وقال جميعهم: يسجد عليه إلَّا مالكًا وحده فقال: بدعة.\nوأما الركن اليماني ففيه للعلماء ثلاثة أقوال:\nالأول: أنَّه يستحب استلامه باليد، ولا يقبل، بل تقبل اليد بعد استلامه، وهذا هو مذهب الشَّافعي، قال النووي: وروي عن جابر، وأبي سعيد الخدري، وأبي هريرة.\nالقول الثاني: أنَّه يستلمه، ولا يقبل يده بعده، بل يضعها على فيه من غير تقبيل، وهو مشهور مذهب مالك، وأحمد، وعن مالك رواية: أنَّه يقبل يده بعد استلامه كمذهب الشَّافعي.\nالقول الثالث: أنَّه يقبله، وهو مروي عن أحمد.","vol":"5","page":232},{"text":"تنبيهان\nالأول: قد جاءت روايات متعارضة في الوقت الذي طاف فيه النبي  -  ﷺ  -  طواف الإِفاضة، وفي الموضع الذي صلى فيه ظهر يوم النحر، فقد جاء في بعض الووايات: أنَّه طاف يوم النحر، وصلى ظهر ذلك اليوم بمنى، وجاء في بعض الروايات: أنَّه صلى ظهر ذلك اليوم في مكة، وفي بعض الروايات: أنَّه طاف ليلًا لا نهارًا. ففي حديث جابر الطويل في حجة النبي  -  ﷺ  -  عند مسلم ما لفظه: \"ثم ركب رسول الله  -  ﷺ  -  فأفاض إلى البيت فصلى بمكة الظهر\" ففي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه أفاض نهارًا، وهو نهار يوم النحر، وأنه صلى ظهر يوم النحر بمكة، وكذلك قالت عائشة: أنَّه طاف يوم النحر، صلى الظهر بمكة.\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني محمد بن رافع، حدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر \"أن النبي  -  ﷺ  -  أفاض يوم النحر، ثم رجع فصلى الظهر بمنى\" قال نافع: فكان ابن عمر يفيض يوم النحر، ثم يرجع، فيصلي الظهر بمنى، ويذكر أن النبي  -  ﷺ  -  فعله. انتهى منه. فترى حديث جابر وحديث ابن عمر الثابتين في صحيح مسلم اتفقا على أنَّه طاف طواف الإِفاضة نهارًا، واختلفا في موضع صلاته لظهر ذلك اليوم، ففي حديث جابر أنَّه صلاها بمكة، وكذلك قالت عائشة. وفي حديث ابن عمر أنَّه صلاها بمنى بعدما رجع من مكة.\nووجه الجمع بين الحديثين: أنَّه  -  ﷺ  -  صلى الظهر بمكة، كما قال جابر وعائشة، ثم رجع إلى منى، فصلى بأصحابه الظهر مرة أخرى، كما صلى بهم صلاة الخوف مرتين: مرة بطائفة، ومرة بطائفة","vol":"5","page":233},{"text":"أخرى في بطن نخل، كما أوضحناه سابقًا في سورة النساء، فرأى جابر وعائشة صلاته في مكة فأخبرا بما رأيا وقد صدقا، ورأى ابن عمر صلاته بهم في منى فأخبر بما رأى، وقد صدق. وهذا واضح، وبهذا الجمع جزم النووي، وغير واحد.\nوقال البخاري في صحيحه: وقال أَبو الزُّبَير، عن عائشة، وابن عبَّاس ﵃: أخر النبي  -  ﷺ  -  الزيارة إلى الليل. انتهى محل الغرض منه. وقد قدمنا أن كل ما علقه البخاري بصيغة الجزم فهو صحيح إلى من علق عنه، مع أنَّه وصله أَبو داود والتِّرمِذي وأحمد، وغيرهم من طريق سفيان، وهو الثَّوري، عن أبي الزُّبَير به. وزيارته ليلًا في هذا الحديث المروي عن عائشة، وابن عبَّاس، مُخَالفَةُ لما قدمنا في حديث جابر وابن عمر، وللجمع بينهما أوجه من أظهرها عندي اثنان.\nالأول: أن النبي  -  ﷺ  -  طاف طواف الزيارة في النهار، يوم النحر، كما أخبر به جابر وعائشة، وابن عمر، ثم بعد ذلك صار يأتي البيت ليلًا، ثم يرجع إلى منى فيبيت بها، وإتيانه البيت في ليالي منى هو مراد عائشة، وابن عبَّاس.\nوقال البخاري في صحيحه بعد أن ذكر هذا الحديث الذي علقه بصيغة الجزم ما نصه: ويذكر عن أبي حسان، عن ابن عبَّاس ﵄ أن النبي  -  ﷺ  -  كان يزور البيت أيام منى. اهـ.\nوقال ابن حجر في الفتح: فكأن البخاري عقب هذا بطريق أبي حسان، ليجمع بين الأحاديث بذلك، فيحمل حديث جابر وابن عمر على اليوم الأول، وحديث ابن عبَّاس هذا على بقية الأيام، وهذا الجمع مال إليه النووي. وهذا ظاهر.","vol":"5","page":234},{"text":"الوجه الثاني: في الجمع بين الأحاديث المذكورة أن الطواف الذي طافه النبي  -  ﷺ  -  ليلًا طواف الوداع، فنشأ الغلط من بعض الرواة في تسميته بالزيارة، ومعلوم أن طواف الوداع كان ليلًا.\nقال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أصبغ بن الفرج، أخبرنا ابن وهب، عن عمرو بن الحرث، عن قَتَادة: أن أَنس بن مالك ﵁ حدثه \"أن النبي  -  ﷺ  -  صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء، ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت، فطاف به\".\nتابعه اللَّيث، حدثني خالد، عن سعيد، عن قَتَادة أن أَنس بن مالك ﵁ حدثه \"أن النبي  -  ﷺ  -\" انتهى من البخاري.\nوهو واضح في أنَّه طاف طواف الوداع ليلًا. وحديث عائشة المتفق عليه يدل لذلك، وإلى هذا الجمع مال ابن القيم في زاد المعاد. ولو فرضنا أن أوجه الجمع غير مقنعة فحديث جابر، وعائشة، وابن عمر أنَّه طاف طواف الزيارة نهارًا أصح مما عارضها، فيجب تقديمها عليه. والعلم عند الله تعالى.\nالتنبيه الثاني: اعلم أنَّه جاء في بعض الروايات الصحيحة ما يدل على أن النبي  -  ﷺ  -  طاف ماشيًا، ومما يدل على ذلك الأحاديث الصحيحة التي سقناها سابقًا في أنَّه رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، فإن ذلك يدل على أنَّه ماش على رجليه، لا راكب، مع أنَّه جاءت روايات أخر صحيحة تدل على أنَّه طاف راكبًا.\nقال البخاري في صحيحه: حدَّثنا أحمد بن صالح، ويحيى بن سليمان قالا: حدَّثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله، عن ابن عبَّاس ﵄ قال: \"طاف","vol":"5","page":235},{"text":"النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن \"تابعه الدراوردي، عن ابن أخي الزُّهْريّ، عن عمه.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثني أَبو طاهر، وحرملة بن يحيى، قالا: أخبرنا ابن وَهْب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن ابن عبَّاس \"أن رسول الله  -  ﷺ  -  طاف في حجة الوداع على بعير يستلم الركن بمحجن\".\nحدَّثنا أَبو بكر بن أبي شيبة قال: حدَّثنا علي بن مسهر، عن ابن جريج، عن أبي الزُّبَير، عن جابر قال: \"طاف رسول الله  -  ﷺ  -  في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجن؛ لأن يراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه\".\nوفي لفظ عن جابر عند مسلم \"طاف النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه، فإن الناس قد غَشَوْه\".\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثني الحكم بن موسى القنطري، حدَّثنا شعيب بن إسحاق، عن هشام بن عروة، عن عروة، عن عائشة قالت: \"طاف النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس\". انتهى منه.\nفهذه الأحاديث الصحيحة الثابتة عن ابن عبَّاس، وجابر، وعائشة، ﵃، صريحة في أنَّه طاف راكبًا.\nووجه الجمع بين هذه الأحاديث الدالة على طوافه راكبًا، مع الأحاديث الدالة على أنَّه طاف ماشيًا كأحاديث الرمل في الأشواط الثلاثة الأول، والمشي في الأربعة الأخيرة: هو \"أن النبي  -  ﷺ  -  طاف","vol":"5","page":236},{"text":"طواف القدوم ماشيًا، ورمل في أشواطه الثلاثة الأول، وطاف طواف الإِفاضة في حجة الوداع راكبًا\" هو نص صريح صحيح، يبين أن من طاف، وسعى راكبًا، فطوافه وسعيه كلاهما صحيح، لفعل النبي  -  ﷺ  -  ذلك مع قوله: \"خذوا عني مناسككم\" وقد قدمنا البحث مستوفى في المشي، والركوب في الحج مع مناقشة أدلة الفريقين. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثامن: أجمع العلماء على مشروعية صلاة ركعتين بعد الطواف، ولكنهم اختلفوا في ركعتي الطواف، هل حكمهما الوجوب أو السنية؟ فقال بعض أهل العلم: إن ركعتي الطواف واجبتان، واستدلوا لوجوبهما بصيغة الأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، قالوا: والنبي  -  ﷺ  -  لما طاف قرأ هذه الآية الكريمة وصلى ركعتين خلف المقام، ممتثلًا بذلك الأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ وقد قال  -  ﷺ  -: \"خذوا عني مناسككم\" والأمر في قوله: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾ على القراءة المذكورة يقتضي الوجوب كما بيناه مرارًا في هذا الكتاب المبارك.\nوقال جمهور العلماء: إن ركعتي الطواف من السنن، لا من الواجبات. واستدلوا لعدم وجوبهما بحديث طلحة بن عبيد الله ﵁ الثابت في الصحيح قال: جاء رجل إلى النبي  -  ﷺ  -  من أهل نجد، ثائر الرأس، يسمع دوي صوته، ولا يفقه ما يقول، فإذا هو يسأل عن الإِسلام؟ فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"خمس صلوات في اليوم والليلة، فقال: هل عليَّ غيرها؟ قال: لا، إلَّا أن تطوَّعَ\" الحديث. قالوا: وفي هذا الحديث الصحيح التصريح بأنه لا يجب شيء من","vol":"5","page":237},{"text":"الصلاة غير الخمس المكتوبة. وقد يجاب عن هذا الاستدلال بأن الأمر بصلاة ركعتي الطواف خلف المقام وارد بعد قوله  -  ﷺ  -: \"لا. إلَّا أن تطوع\" والعلم عند الله تعالى.\nوالمستحب أن يقرأ في الأولى من ركعتي الطواف: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١)﴾ وفي الثانية: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ كما هو ثابت في حديث جابر.\nوجمهور أهل العلم على أن ركعتي الطواف لا يشترط في صحة صلاتهما أن تكون خلف المقام، بل لوصلاهما في أي موضع غيره صح ذلك. ولو طاف في وقت نهي، فأحد قولي أهل العلم: إنه يؤخر صلاتهما إلى وقت لا نهي عن النافلة فيه. ومما يدل على هذين الأمرين أعني صحة صلاتهما في موضع آخر، وتأخير صلاتهما إلى وقت غير وقت النهي الذي طاف فيه ما ذكره البخاري في صحيحه تعليقًا بصيغة الجزم، قال: [باب الطواف بعد الصبح والعصر] وكان ابن عمر ﵄: يصلي ركعتي الطواف ما لم تطلع الشمس، وطاف عمر بعد الصبح، فركب حتَّى صلى الركعتين بذي طوى. وفعل عمر ﵁ هذا الذي ذكره البخاري يدل على عدم اشتراط كون الركعتين خلف المقام، بل تصح صلاتهما في أي موضع صلاهما فيه، وأن تأخيرهما عن وقت النهي هو الصواب. وممن قال به: أَبو سعيد الخدري، ومعاذ بن عفراء، ومالك وأصحابه، وعزاه بعضهم إلى الجمهور، وقد قدمنا مرارًا قول من يقول من أهل العلم: إن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات لا تدخل في عموم النهي في أوقات النهي، إلَّا أن القاعدة المقررة في الأصول: أن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح.","vol":"5","page":238},{"text":"وقال الشَّافعي وأصحابه: إن صلاة ركعتي الطواف جائزة في أوقات النهي بلا كراهة، واستدلوا لذلك بدليلين.\nأحدهما: عام وهو أن ذوات الأسباب الخاصة من الصلوات، لا تدخل في عموم النهي، لأن سببها الخاص، يخرجها من عموم النهي، كركعتي الطواف، فإنهما لسبب خاص، هو الطواف، وكتحية المسجد في وقت النهي، ونحو ذلك.\nوأحدهما خاص: وهو ما ورد في خصوص البيت الحرام، كحديث جبير بن مطعم ﵁ أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"يا بني عبد مناف لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى آية ساعة شاء من ليل أو نهار\" رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن، وصححه التِّرمِذي، ورواه أيضًا ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني.\nقال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه الشَّافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، والحاكم من حديث أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير بن مطعم. وصححه التِّرمِذي. ورواه الدَّارَقُطني من وجهين آخرين، عن نافع بن جبير، عن أبيه. ومن طريقين آخرين عن جابر وهو معلول، فإن المحفوظ عن أبي الزُّبَير، عن عبد الله بن باباه، عن جبير، لا عن جابر. وأخرجه الدَّارَقُطني أيضًا، عن ابن عبَّاس من رواية مجاهد عنه، ورواه الطبراني من رواية عطاء، عن ابن عبَّاس، ورواه أَبو نعيم في تاريخ أصبهان، والخطيب في التلخيص من طريق ثمامة بن عبيدة، عن أبي الزُّبَير، عن علي بن عبد الله بن عبَّاس، عن أبيه. وهو معلول. وروى ابن عدي من طريق سعيد بن أبي راشد، عن عطاء، عن أبي هريرة حديث \"لا صلاة بعد الفجر حتَّى تطلع","vol":"5","page":239},{"text":"الشمس\" الحديث. وزاد في آخره \"من طاف فليصل\" أي: حين طاف، وقال: لا يتابع عليه، وكذا قال البخاري. وروى البيهقي من طريق عبد الله بن باباه، عن أبي الدرداء: أنَّه طاف عند مغرب الشمس فصلى الركعتين، وقال: إن هذه البلدة ليست كغيرها.\nتنبيه: عزا المجد بن تيمية حديث جبير لمسلم، فإنه قال: رواه الجماعة، إلَّا البخاري. وهذا وهم منه تبعه عليه المحب الطَّبري، فقال: رواه السبعة إلَّا البخاري، وابن الرفعة، فقال: رواه مسلم، ولفظه \"لا تمنعوا أحدًا طاف بهذا البيت وصلى أية ساعة شاء من ليل أو نهار\" وكأنه والله أعلم: لما رأى ابن تيمية عزاه إلى الجماعة، دون البخاري اقتطع مسلمًا من بينهم واكتفى به عنهم، ثم ساقه باللفظ الذي أورده ابن تيمية، فأخطأ مكررًا.\nفائدة: قال البيهقي: يحتمل أن يكون المراد بهذه الصلاة صلاة الطواف خاصة، وهو الأشبه بالآثار، ويحتمل جميع الصلوات. انتهى كلام ابن حجر في التلخيص الحبير.\nوهذا الذي ذكرنا عن الشَّافعي وأصحابه من جواز صلاة ركعتي الطواف في أوقات النهي بلا كراهة، حكاه ابن المنذر، عن ابن عمر، وابن عبَّاس، والحسن، والحسين بن علي، وابن الزُّبَير، وطاوس، وعطاء، والقاسم بن محمد، وعروة، ومجاهد، وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. انتهى بواسطة نقل النووي في شرح المهذب.\nومما استدلوا به على ذلك ما رواه مجاهد عن أبي ذر مرفوعًا \"لا صلاة بعد العصر حتَّى تغرب الشمس، ولا صلاة بعد الصبح حتَّى تطلع الشمس إلَّا بمكة\".","vol":"5","page":240},{"text":"قال ابن حجر في التلخيص في هذا الحديث: رواه الشَّافعي أخبرنا عبد الله بن المؤمل، عن حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد. وفيه قصة، وكرر الاستثناء ثلاثًا. ورواه أحمد، عن يزيد، عن عبد الله بن المؤمل إلَّا أنَّه لم يذكر حميدًا في سنده. ورواه ابن عدي من حديث سعيد بن سالم، عن عبد الله بن المؤمل، فلم يذكر قيسًا، ورواه ابن عدي من طريق اليسع بن طلحة سمعت مجاهدًا يقول: بلغنا أن أبا ذر فذكره. وعبد الله ضعيف. وذكر ابن عدي هذا الحديث من جملة ما أنكر عليه. وقال البيهقي: تفرد به عبد الله، ولكن تابعه إبراهيم بن طهمان، ثم ساقه بسنده إلى خلاد بن يحيى قال: ثنا إبراهيم بن طهمان، ثنا حميد مولى غفرة، عن قيس بن سعد، عن مجاهد قال: جاءنا أَبو ذرٍّ فأخذ بحلقة الباب ... الحديث. وقال أَبو حاتم الرازي: لم يسمع مجاهد من أبي ذر، وكذا أطلق ذلك ابن عبد البر، والبيهقي، والمنذري، وغير واحد. قال البيهقي: قوله في رواية إبراهيم بن طهمان: جاءنا أَبو ذرٍّ أي: جاء بلدنا. قلت: ورواه ابن خزيمة في صحيحه، من حديث سعيد بن سالم كما رواه ابن عدي وقال: أنا أشك في سماع مجاهد من أبي ذر. انتهى كلام ابن حجر في التلخيص الحبير.\nهذا هو حاصل ما احتج به الشَّافعي، وأصحابه، ومن وافقهم على جواز صلاة ركعتي الطواف، في أوقات النهي، وحجة مخالفيهم هي عموم الأحاديث الواردة في النهي عن الصلاة في تلك الأوقات وظاهرها العموم.\nوقد قال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار: وأنت خبير بأن","vol":"5","page":241},{"text":"حديث جبير بن مطعم لا يصلح لتخصيص أحاديث النهي المتقدمة؛ لأنه أعم منها من وجه، وأخص من وجه، وليس أحد العمومين أولى بالتخصيص من الآخر، لما عرفت غير مرة. انتهى منه، وهو كما قال ﵀.\nوالقاعدة المقررة في الأصول: أن النصين إذا كان بينهما عموم، وخصوص من وجه، فإنهما يظهر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها، فيجب الترجيح بينهما. كما أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:\nوإن يك العموم من وجهٍ ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر\nوإيضاح كون حديث جبير المذكور بينه، وبين أحاديث النهي المذكورة عموم وخصوص من وجه، كما ذكره الشوكاني ﵀: هو أن أحاديث النهي عامةً في مكة وغيرها، خاصةً في أوقات النهي. وحديث جبير بن مطعم عام في أوقات النهي وغيرها، خاص بمكة حرسها الله، فتختص أحاديث النهي بأوقات النهي في غير مكة، ويختص حديث جبير بالأوقات التي لا ينهى عن الصلاة فيها بمكة، ويجتمعان في أوقات النهي في مكة، فعموم أحاديث النهي يشمل مكة وغيرها، وعموم إباحة الصلاة في جميع الزمن في حديث جبير، يشمل أوقات النهي وغيرها في مكة، فيظهر التعارض في أوقات النهي في مكة، فيجب الترجيح. وأحاديث النهي أرجح من حديث جبير من وجهين:\nأحدهما: أنَّها أصح منه لثبوتها في الصحيح.\nوالثاني: هو ما تقرر في الأصول أن النص الدال على النهي","vol":"5","page":242},{"text":"يقدم على النص الدال على الإِباحة؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، كما قدمناه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال العلماء، وأصحها إن شاء الله: أن الطواف لا يفتقر إلى نية تخصه؛ لأن نية الحج تكفي فيه، وكذلك سائر أعمال الحج كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، والسعي، والرمي، كلها لا تفتقر إلى نية؛ لأن نية النسك بالحج تشمل جميعها، وعلى هذا أكثر أهل العلم. ودليله واضح؛ لأن نية العبادة تشمل جميع أجزائها، فكما لا يحتاج كل ركوع وسجود من الصلاة إلى نية خاصة لشمول نية الصلاة لجميع ذلك، فكذلك لا تحتاج أفعال الحج لنية تخص كل واحد منها، لشمول نية الحج لجميعها.\nومما استدلوا به لذلك، أنَّه لو وقف بعرفة ناسيًا أجزأه ذلك بالإِجماع. قاله النووي. ومقابل القول الذي هو الصواب إن شاء الله قولان آخران لأهل العلم:\nأحدهما: وبه قال أَبو علي بن أبي هريرة من الشَّافعية أن ما كان منها مختصًّا بفعل كالطواف والسعي والرمي، فهو مفتقر إلى نية، وما كان منها غير مختص بفعل، بل هو لبث مجرد كالوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة فهو لا يفتقر إلى نية.\nوالثاني منهما: وبه قال أَبو إسحاق المروزي أنَّه لا يفتقر شيء من أعمال الحج إلى نية إلَّا الطواف؛ لأنه صلاة، والصلاة تفتقر إلى النية. وأظهرها وأصحها إن شاء الله الأول، وهو قول الجمهور.","vol":"5","page":243},{"text":"الفرع العاشر: أظهر قولي العلماء عندي أنَّه إن أقيمت الصلاة وهو في أثناء الطواف أنَّه يصلي مع الناس، ولا يستمر في طوافه مقدمًا إتمام الطواف على الصلاة، وممن قال بذلك: ابن عمر، وسالم، وعطاء، وأَبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأَحمد، وأصحابهم، وأَبو ثور. وروى ذلك عنهم في السعي أيضًا. ولكن عند المالكية لا يجوز قطع الطواف إلَّا للصلاة المكتوبة خاصة، إذا أقيمت، وهو في أثناء الطواف، ويبني عندهم إن قطعه للصلاة خاصة، ويندب عندهم إكمال الشوط إن قطعه في أثناء شوط، وإن قطعه لغيرها كصلاة الجنازة، أو تحصيل نفقة لا بدَّ منها لم يبن علي ما مضى منه، بل يستأنف الطواف عندهم؛ لأنه لا يجوز عندهم قطعه لذلك ابتداء، كما ذكرناه قريبًا. وقيل: يمضي في طوافه، ولا يقطعه للصلاة. واحتج من قال بهذا بأن الطواف صلاة، فلا تقطع لصلاة. ورد عليه بحديث \"إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلَّا المكتوبة\" ومن قال من أهل العلم: إن الطواف يجوز قطعه للصلاة على الجنازة والحاجة الضرورية كالشَّافعية والحنابلة، قالوا: يبني على ما أتى به من أشواط الطواف، فإن كان قطعه للطواف عند انتهاء شوط من أشواطه، بني على الأشواط المتقدمة، وجاء ببقية الأشواط، وإن كان قطعه له في أثناء الشوط، فأظهر قولي أهل العلم عندي أنَّه يبتدئ من الموضع الذي وصل إليه، ويعتد ببعض الشوط الذي فعله قبل قطع الطواف، خلافًا لمن قال: إنه يبتدئ الشوط الذي قطع الطواف في أثنائه، ولا يعتد ببعضه الذي فعله. وهو قول الحسن، وأحد وجهين عند بعض الشَّافعية، وهو مندوب عند المالكية إن قطعه للفريضة كما تقدم وكذلك لو أحدث في أثناء الطواف عند من يقول: إنه يتوضأ، ويبني","vol":"5","page":244},{"text":"على ما مضى من طوافه، وهو مذهب الشَّافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد.\nالفرع الحادي عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي أن من طاف قبل التحلل، وهو لابس مخيطًا أن الطواف صحيح، كمن صلى في ثوب حرير، ولكنه يلزمه الدم. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني عشر: لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم أن الطواف جائز في أوقات النهي عن الصلاة، وفي صلاة الركعتين إذا طاف وقت نهي الخلاف الذي تكلمنا عليه قريبًا.\nالفرع الثالث عشر: اختلف العلماء في صلاة النافلة في المسجد الحرام، والطواف بالبيت أيهما أفضل؟ فقال بعض أهل العلم: الطواف أفضل. وبه قال بعض علماء الشَّافعية. واستدلوا بأن الله قدم الطواف على الصلاة في قوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾ وقوله: ﴿وَطَهِّرْ بَيتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (٢٦)﴾ وقال بعض أهل العلم: الصلاة أفضل لأهل مكة، والطواف أفضل للغرباء. وممن قال به ابن عبَّاس، وعطاء، وسعيد بن جبير، ومجاهد، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب.\nالمسألة السادسة\nاختلف العلماء في السعي بين الصفا والمروة في الحج والعمرة، هل هو ركن من أركان الحج والعمرة، لا يصح واحد منهما بدونه، ولا يجبر بدم، أو هو واجب يجبر بدم، أو سنة لا يلزم بتركه","vol":"5","page":245},{"text":"دم؟ وممن قال: إنه ركن من أركان الحج والعمرة مالك، والشَّافعي وأصحابهما، وأم المؤمنين عائشة، وإسحاق، وأَبو ثور، وداود، وهو رواية عن الإِمام أحمد كما نقله النووي في شرح المهذب. وقال في شرح مسلم: مذهب جماهير العلماء من الصحابة والتابعين، ومن بعدهم أن السعي بين الصفا والمروة ركن من أركان الحج، لا يصح إلَّا به، ولا يجبر بدم. وممن قال بهذا مالك والشَّافعي، وأحمد وإسحاق، وأَبو ثور. انتهى محل الغرض منه، وعزوه إياه لأحمد، قد قدمنا فيه أنَّه إحدى الروايات عن أحمد.\nوقال ابن قدامة في المغني: وروى عن أحمد أنَّه ركن لا يتم الحج إلَّا به، وهو قول عائشة، وعروة، ومالك، والشَّافعي.\nوممن قال إنه واجب يجبر بدم: أَبو حنيفة وأصحابه، والحسن، وقَتَادة، والثوري، وبه قال القاضي من الحنابلة، وذكره النووي رواية عن أحمد. وقد رواه ابن القصار من المالكية، عن القاضي إسماعيل، عن مالك. وقال ابن قدامة في المغني: إنه أولى. وذكر النووي عن طاووس أنَّه قال: من ترك من السعي أربعة أشواط لزمه دم، وإن ترك دونها لزمه لكل شوط نصف صاع. وليس هو بركن، ثم قال: وهو مذهب أبي حنيفة. انتهى.\nوما قال النووي: إنه مذهب أبي حنيفة من أن ترك أقل السعي فيه الصدقة بنصف صاع من كل شوط، عزاه شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق للحاكم الشهيد في مختصره المسمى بالكافي.\nومعلوم أن مذهب أبي حنيفة في طواف الإِفاضة أن من ترك","vol":"5","page":246},{"text":"منه ثلاثة أشواط فأقل، فعليه دم، وحجه صحيح، وتفريقه بين الأقل والأكثر في الطواف الذي هو ركن يدل على التفريق بينهما في السعي. وممن روي عنه أن السعي بين الصفا والمروة سنة لا يلزم بتركه دم: ابن مسعود، وأُبي بن كعب، وأنس، وابن عبَّاس، وابن الزُّبَير، وابن سيرين.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في السعي: فاعلم أنا نريد هنا أن نبين أدلة كل منهم على ما ذهب إليه مع مناقشتها.\nفأما الذين قالوا: إنه ركن من أركان الحج والعمرة، فقد استدلوا لذلك بأدلة:\nمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالوا: فتصريحه تعالى بأن الصفا والمروة من شعائر الله، يدل على أن السعي بينهما أمر حتم لابدَّ منه؛ لأن شعائر الله عظيمة، لا يجوز التهاون بها. وقد أشار البخاري ﵀ في صحيحه إلى أن كونهما من شعائر الله يدل على ذلك. قال: باب وجوب الصفا والمروة، وجُعِل من شعائر الله.\nوقال ابن حجر في الفتح في شرح قول البخاري: وجعل من شعائر الله، أي: وجوب السعي بينهما، مستفاد من كونهما جعلا من شعائر الله. قاله ابن المنيِّر في الحاشية. انتهى الغرض من كلامه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يدل على أن شعائر الله لا يجوز التهاون بها، وعدم إقامتها قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ الآية.","vol":"5","page":247},{"text":"ومن أدلتهم على ذلك \"أن النبي  -  ﷺ  -  طاف في حجه وعمرته بين الصفا والمروة سبعًا\" وقد دلَّ على أن ذلك لا بد منه دليلان:\nالأول: هو ما قدمنا من أنه تقرر في الأصول أن فعل النبي  -  ﷺ  -  إذا كان لبيان نص مجمل من كتاب الله، أن ذلك الفعل يكون لازمًا، وسعيه بين الصفا والمروة، فعل بين به المراد من قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ والدليل على أنه فعله بيانًا للآية هو قوله  -  ﷺ  -: \"نبدأ بما بدأ الله به\" يعني الصفا؛ لأن الله بدأ بها في قوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية. وفي رواية \"أبدأ\" بهمزة المتكلم والفعل مضارع. وفي رواية عند النسائي \"ابدأوا بما بدأ الله به\" بصيغة الأمر.\nالدليل الثاني: أنه  -  ﷺ  -  قال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" وقد طاف بين الصفا والمروة سبعًا، فيلزمنا أن نأخذ عنه ذلك من مناسكنا، ولو تركناه لكنا مخالفين أمره بأخذه عنه، والله تعالى يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ فاجتماع هذه الأمور الثلاثة التي ذكرنا يدل على اللزوم: وهي كونه سعى بين الصفا والمروة سبعًا، وأن ذلك بيان منه لآية من كتاب الله، وأنه قال: \"لتأخذوا عني مناسككم\".\nأما طوافه بينهما سبعًا فهو ثابت بالروايات الصحيحة.\nمنها: حديث ابن عمر الثابت في الصحيح، ولفظه في صحيح البخاري قال: \"قدم رسول الله  -  ﷺ  -  فطاف بالبيت سبعًا، وصلى خلف المقام ركعتين، وطاف بين الصفا والمروة سبعًا. لقد كان لكم في","vol":"5","page":248},{"text":"رسول الله أسوة حسنة\" وفي لفظ في صحيح مسلم من حديث ابن عمر \"فأتى الصفا، فطاف بالصفا والمروة سبعة أطواف\" والروايات بسعيه  -  ﷺ  -  سبعًا بين الصفا والمروة كثيرة معروفة. وقد مثلنا لها بحديث ابن عمر المتفق عليه.\nوأما كون ذلك السعي بيانًا لآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. فهو أمر لا شك فيه، ويدل عليه أمران:\nأحدهما: سبب نزول الآية؛ لأنه ثبت في الصحيحين أنها نزلت في سؤالهم عن السعي بين الصفا والمروة، وإذا كانت نازلة جوابًا عن سؤالهم عن حكم السعي بين الصفا والمروة، فسعي النبي  -  ﷺ  -  بعد نزولها بيان لها.\nوالأمر الثاني: هو ما تقدم من قوله  -  ﷺ  -  \"أبدأ بما بدأ الله به\" يعني الصفا كما تقدم قريبًا.\nوأما حديث \"لتأخذوا عني مناسككم\" فقد قال مسلم في صحيحه في باب استحباب رمي جمرة العقبة يوم النحر راكبًا، وبيان قوله  -  ﷺ  -: \"لتأخذوا عني مناسككم\": حدثنا إسحاق بن إبراهيم، وعلي بن خشرم جميعًا، عن عيسى بن يونس، قال ابن خشرم: أخبرنا عيسى، عن ابن جريج، أخبرني أبو الزبير أنه سمع جابرًا يقول: رأيت النبي  -  ﷺ  -  يرمي على راحلته يوم النحر ويقول: \"لتأخذوا عني مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه\".\nوقال البيهقي في السنن الكبرى: في باب الإِيضاع في وادي محسر: وأخبرنا علي بن أحمد بن عبدان، أنبأنا سليمان بن أحمد بن","vol":"5","page":249},{"text":"أيوب، ثنا علي بن عبد العزيز، ثنا إبراهيم قال: وحدثنا حفص، ثنا قبيصة قال: وحدثنا يوسف القاضي، ومعاذ بن المثنى قالا: ثنا ابن كثير، قالوا: ثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر قال: أفاض النبي  -  ﷺ  -، وعليه السكينة، وأمرهم بالسكينة، وأوضع في وادي محسر، وأمرهم أن يرموا الجمار مثل حصى الخذف، وقال: \"خذوا عني مناسككم لعلي لا أراكم بعد عامي هذا\" انتهى منه.\nوقال النووي في شرح المهذب: إن هذا الإِسناد الذي رواه به البيهقي صحيح على شرط البخاري، ومسلم.\nواعلم أن رواية مسلم، ورواية البيهقي المذكورتين معناهما واحد؛ لأن \"خذوا عني مناسككم\" بصيغة فعل الأمر يؤدي معنى قوله: \"لتأخذوا عني\" بالفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، فكلتا الصيغتين صيغة أمر، ومن المعلوم أن الصيغ الدالة على الأمر أربع:\nالأولى: فعل الأمر نحو: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله: \"خذوا عني مناسككم\".\nالثانية: الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾ وقوله: \"لتأخذوا عني مناسككم\" في رواية مسلم.\nالثالثة: اسم فعل الأمر نحو قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.\nالرابعة: المصدر النائب عن فعله كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم.","vol":"5","page":250},{"text":"ومن أدلتهم على أن السعي فرض لا بد منه  ...  ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما، عن عائشة ﵂.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري قال عروة: سألت عائشة ﵂ فقلت لها: أرأيت قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ فوالله ما على أحد جناح ألَّا يطوف بالصفا والمروة. قالت: بئس ما قلت يابن أختي، إن هذه لو كانت كما أولتها عليه كانت لا جناح عليه ألا يطوف بهما، ولكنها أنزلت في الأنصار، كانوا قبل أن يسلموا يهلون لمناة الطاغية التي كانوا يعبدونها عند المشلل، فكان من أهلَّ يتحرج أن يطوف بالصفا والمروة، فلما أسلموا سألوا رسول الله  -  ﷺ  -  عن ذلك، قالوا: يا رسول الله إنا كنا نتحرج أن نطوف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قالت عائشة ﵂: وقد سنَّ رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، ثم أخبرت أبا بكر بن عبد الرحمن فقال: إن هذا العلم ما كنت سمعته، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يذكرون أن الناس إلَّا من ذكرت عائشة، ممن كان يهل لمناة كانوا يطوفون كلهم بالصفا والمروة، فلما ذكر الله تعالى الطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا والمروة، قالوا: يا رسول الله كنا نطوف بالصفا والمروة، وإن الله أنزل الطواف بالبيت، فلم يذكر الصفا، فهل علينا من حرج أن نطوف بالصفا، والمروة؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. قال أبو بكر: فأسمع هذه الآية نزلت في الفريقين كليهما، في الذين كانوا يتحرجون أن يطوفوا بالجاهلية بالصفا","vol":"5","page":251},{"text":"والمروة، والذين يطوفون ثم تحرجوا أن يطوفوا بهما في الإِسلام، من أجل أن الله تعالى أمر بالطواف بالبيت، ولم يذكر الصفا حتى ذكر ذلك بعدما ذكر الطواف بالبيت. انتهى من صحيح البخاري.\nوهذا الحديث الصحيح صريح في أن النبي  -  ﷺ  -  سن الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة، وقد أجابت عائشة عما يقال: إن رفع الجناح في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ينافي كونه فرضًا بأن ذلك نزل في قوم تحرجوا من السعي بين الصفا والمروة، وظنوا أن ذلك لا يجوز لهم، فنزلت الآية مبينة أن ما ظنوه من الحرج في ذلك منفي.\nوقد تقرر في الأصول أن النص الوارد في جواب سؤال لا مفهوم مخالفة له، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذه المسألة.\nوقال ابن حجر في: فتح الباري في الكلام على هذا الحديث:\nتنبيه: قول عائشة ﵂: سن رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بين الصفا والمروة، أي: فرضه بالسنة، وليس مرادها نفي فرضيته، ويؤيده قولها: لم يتم الله حج أحدكم، ولا عمرته ما لم يطف بينهما.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، حدثنا أبو معاوية، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة قال: قلت لها: إني لا أظن رجلًا لو لم يطف بين الصفا والمروة ما ضره. قالت لم؟ قلت: لأن الله تعالى يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية فقالت: ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة، ولو كان كما تقول، لكان: فلا جناح عليه","vol":"5","page":252},{"text":"ألَّا يطوف بهما الحديث. وفي رواية في صحيح مسلم، عن عروة قال: قلت لعائشة: ما أرى علي جناحًا ألا أطوف بين الصفا والمروة، قالت: لم؟ قلت: لأن الله ﷿ يقول: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، فقالت: لو كان كما تقول، لكان: فلا جناح عليه ألَّا يطوف بهما. إنما أنزل هذا في أناس من الأنصار، كانوا إذا أهلوا أهلوا لمناة في الجاهلية، فلا يحل لهم أن يطوفوا بين الصفا والمروة، فلما قدموا مع رسول الله  -  ﷺ  -  ذكروا ذلك له، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة\" وفي رواية عن عروة أيضًا في صحيح مسلم قال: قلت لعائشة زوج النبي  -  ﷺ  -: ما أرى على أحد لم يطف بين الصفا والمروة شيئًا، وما أبالي ألا أطوف بينهما. قالت: بئس ما قلت يابن أختي. طاف رسول الله  -  ﷺ  -  وطاف المسلمون، فكانت سنة، وإنما كان من أهلّ لمناة الطاغية التي بالمشلل لا يطوفون بين الصفا والمروة، فلما كان الإِسلام سألنا النبي  -  ﷺ  -  عن ذلك، فأنزل الله ﷿ ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ ولو كانت كما تقول، لكانت (فلا جناح عليه ألَّا يطوف بينهما). قال الزهري: فذكرت ذلك لأبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام فأعجبه ذلك، وقال: إن هذا العلم، ولقد سمعت رجالًا من أهل العلم يقولون: إنما كان من لا يطوف بين الصفا والمروة من العرب، يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر به بين الصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فأراها نزلت في","vol":"5","page":253},{"text":"هؤلاء وهؤلاء. وفي رواية في صحيح مسلم، عن عروة بن الزبير أيضًا قال: سألت عائشة. وساق الحديث بنحوه، وقال في الحديث: فلما سألوا رسول الله  -  ﷺ  -  عن ذلك فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطوف بالصفا والمروة، فأنزل الله ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قالت عائشة: قد سن رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بينهما فليس لأحد أن يترك الطواف بهما.\nفهذه الروايات الثابتة في الصحيحين عن عائشة ﵂ فيها الدلالة الواضحة على أن السعى بين الصفا والمروة ركن، لا بدَّ منه؛ لأنك رأيت في بعض هذه الروايات الثابتة عنها في الصحيح أنها قالت: ما أتم الله حج امرئ، ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. وفي بعضها قالت: فلعمري ما أتم الله حج من لم يطف بين الصفا والمروة. وفي رواية متفق عليها عنها ﵂: قد سنَّ رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما .. إلى آخر ما تقدم من الروايات. وفيها النص الصريح الصحيح على أن السعي لا بدَّ منه، وأن من لم يسع لم يتم له حج ولا عمرة.\nتنبيه\nاعلم أن ما يظنه كثير من أهل العلم من أن حديث عائشة هذا الدال على أن السعي لا بد منه، وأنه لا يتم بدونه حج، ولا عمرة أنه موقوف عليها غير صواب، بل هو مرفوع، ومن أصرح الأدلة في ذلك أنها رتبت بالفاء في الرواية المتفق عليها قولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، على قولها: قد سن رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بينهما، وهو صريح في أن قولها: ليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، لأجل","vol":"5","page":254},{"text":"أنه  -  ﷺ  -  سن الطواف بينهما، ودل هذا الترتيب بالفاء على أن مرادها بأنه سنَّة أنه فرضه بسنَّته كما جزم به ابن حجر في الفتح، مقتصرًا عليه، مستدلًا له بأنها قالت: ما أتم الله حج امرئٍ ولا عمرته لم يطف بين الصفا والمروة. فقولها: إن النبي  -  ﷺ  -  سنَّ الطواف بينهما وترتيبها على ذلك بالفاء قولها: فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، وجزمها بأنه لا يتم حج ولا عمرة إلَّا بذلك، دليلٌ واضحٌ على أنها إنما أخذت ذلك مما سنَّه رسول الله  -  ﷺ  -، لا برأى منها، كما ترى.\nوقد تقرَّر في الأصول في مبحث النص الظاهر من مسالك العلة أن الفاء في الكتاب، والسنَّة تفيد التعليل، وكذلك هي في كلام الراوي الفقيه، فهو المرتبة الثانية بعد الوحي من كتاب، أو سنة، ثم يلي ذلك الفاء من الراوي غير الفقيه.\nومثاله في الوحي قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ أي: لعلة سرقتهما. وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ أي: لعلة كون الحيض أذى.\nومثاله في كلام الراوي. حديث أنس المتفق عليه: أن يهوديًا رضَّ رأس جارية بين حجرين، فقيل لها: من فعل بك هذا فلان أو فلان؟ حتى سمي اليهودي، فأومأت برأسها، فجيء به فاعترف، فأمر به فرضَّ رأسه بحجرين. فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: فأمر به فرضَّ رأسه بحجرين، أي: لعلة رضه رأس الجارية المذكورة بين حجرين.\nومن أمثلة ذلك ما رواه أبو داود في سننه، عن عمران بن حصين \"أن النبي  -  ﷺ  -  صلَّى بهم فسها فسجد سجدتين، ثم تشهد ثم سلم\". اهـ. أي: سجد لعلة سهوه، وكذلك قول عائشة رضي الله","vol":"5","page":255},{"text":"عنها: قد سنَّ رسول الله  -  ﷺ  -  الطواف بينهما، فليس لأحد أن يترك الطواف بينهما، أي: لأجل أن النبي  -  ﷺ  -  سن ذلك، أي: فرضه بسنته كما تقدم إيضاحه، وإلى إفادة الفاء التعليل في كلام الشارع، ثم الراوي الفقيه، ثم الراوي غير الفقيه أشار في مراقي السعود بقوله في مراتب النص الظاهر:\nفالفاء للشارع فالفقيه ... فغيره يتبع بالشبيه\nومن أدلتهم على أن السعي ركن لا بدَّ منه: حديث \"إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\" وقد روي عن النبي  -  ﷺ  -  من حديث ابن عباس، ومن حديث حبيبة بنت أبي تجراة، ومن حديث تملك العبدرية، ومن حديث صفية بنت شيبة.\nقال الزيلعي في نصب الراية: أما حديث ابن عباس، فرواه الطبراني في معجمه، ثنا محمد بن النضر الأزدي، عن معاوية بن عمرو، عن الفضل بن صدقة، عن ابن جريج، وإسماعيل بن مسلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس قال: سئل رسول الله  -  ﷺ  -  عن الرَّمَل؟ فقال: \"إن الله ﷿ كتب عليكم السعي فاسعوا\". انتهى.\nوأما حديث حبيبة بنت أبي تجراة فرواه الشافعي، وأحمد وإسحاق بن راهويه، والحاكم في المستدرك وسكت عليه، وأعله ابن عدي في الكامل بابن المؤمل، وأسند تضعيفه عن أحمد والنسائي، ووافقهم. ومن طريق أحمد الطبراني في معجمه، ومن طريق الشافعي رواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننهما.\nقال الشافعي: أخبرنا عبد الله بن المؤمل العائذي، عن عمر بن عبد الرحمن بن مُحَيصن، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت","vol":"5","page":256},{"text":"شيبة عن حبيبة بنت أبي تجراة إحدى نساء بني عبد الدار قالت: رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  يطوف بين الصفا والمروة والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى، حتى أرى ركبتيه من شدة السعي، وهو يقول \"اسعوا فإن الله تعالى كتب عليكم السعي\". انتهى. وأخرجه الحاكم في المستدرك أيضًا في الفضائل، عن عبد الله بن نبيه، عن جدته صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة بنحوه. وسكت عنه أيضًا.\nورواه ابن أبي شيبة في مصنفه: حدثنا محمد عن عبد الله بن المؤمل، حدثنا عبد الله بن أبي حسين عن عطاء، عن حبيبة بنت أبي تجراة، فذكره. قال أبو عمر بن عبد البر: أخطأ ابن أبي شيبة أو شيخه في موضعين منه. أحدهما: أنه جعل موضع ابن محيصن عبد الله بن أبي حسين، والآخر أنه أسقط صفية بنت شيبة. قال ابن القطان في كتابه: وعندي أن الوهم من عبد الله بن المؤمل، فإن ابن أبي شيبة إمام كبير، وشيخه محمد بن بشر ثقة، وابن المؤمل: سيِّئ الحفظ، وقد اضطرب في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا فأسقط عطاء مرة، وابن محيصن أخرى، وصفية بنت شيبة أخرى، وأبدل ابن محيصن بابن أبي حسين أخرى، وجعل المرأة عبدرية، تارةً ويمنية أخرى. وفي الطواف تارةً، وفي السعي بين الصفا والمروة أخرى، وكل ذلك دليل على سوء حفظه، وقلة ضبطه. والله أعلم. انتهى.\nطريق آخر أخرجه الدارقطني في سننه، عن ابن المبارك، أخبرني معروف ابن مشكان، قال: أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية قالت: أخبرني نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن","vol":"5","page":257},{"text":"رسول الله  -  ﷺ  -  قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين، فرأينا رسول الله  -  ﷺ  -  يطوف إلى آخره.\nقال صاحب التنقيح: إسناده صحيح. ومعروف ابن مشكان باني كعبة الرحمن صدوق، لا نعلم من تكلم فيه. ومنصور هذا ثقة مخرج له في الصحيحين. انتهى.\nوأما حديث \"تملك العبدرية\" فأخرجه البيهقي في سننه، والطبراني في معجمه عن مهران بن أبي عمر، ثنا سفيان، ثنا المثنى بن الصباح، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة، عن تملك العبدرية. قالت: نظرت إلى رسول الله  -  ﷺ  -، وأنا في غرفة لي بين الصفا والمروة، وهو يقول: \"أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\". انتهى. تفرد به مهران بن أبي عمر. قال البخاري: في حديثه اضطراب.\nوأما حديث صفية بنت شيبة فرواه الطبراني في معجمه: حدثنا محمد بن عيد الحضرمي، ثنا علي بن الحكم الأودي، ثنا حميد بن عبد الرحمن، عن المثنى بن الصباح، عن المغيرة بن حكيم، عن صفية بنت شيبة قالت: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\". انتهى.\nوذكر الدارقطني في علله في هذا الحديث اضطرابًا كثيرًا. ثم قال: والصحيح قول من قال: عن عمر بن محيصن، عن عطاء، عن صفية، عن حبيبة بنت أبي تجراة. وهو الصواب. انتهى.\nوقال الحازمي في كتابه الناسخ والمنسوخ: الوجه السادس","vol":"5","page":258},{"text":"والعشرون من وجوه الترجيحات: هو أن يكون أحد الحديثين من قول النبي  -  ﷺ  -، وهو مقارن فعله، والآخر مجرد قوله لا غير، فيكون الأول أولى بالترجيح نحو ما روته حبيبة بنت أبي تجراة، قالت: رأيت النبي  -  ﷺ  -  في بطن المسيل يسعى: وهو يقول: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" فهو أولى من حديث \"الحج عرفة\" لأنه مجرد قول، والأول قول وفعل. وفيه أيضًا إخباره عن الله أنه أوجبه علينا، فكان أولى. انتهى كلامه.\nورواه الواقدي في كتاب المغازي: حدثنا علي بن محمد بن عبيد الله بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن منصور بن عبد الرحمن، عن أمه، عن برة بنت أبي تجراة قالت: لما انتهى  -  ﷺ  -  إلى السعي قال: \"أيها الناس إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\" قالت: فسعى حتى رأيت إزاره انكشف عن فخذه. انتهى كله من نصب الراية للزيلعي.\nوقد رأيته عزا لصاحب التنقيح أن حديث صفية بنت شيبة، عن نسوة من بني عبد الدار أدركن النبي  -  ﷺ  -  أنهن رأينه يطوف بين الصفا والمروة، وهو يقول: \"إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\" أن إسناده صحيح، وهو نص في محل النزاع. والظاهر أن الإِسناد المذكور صحيح كما قال؛ لأن معروف بن مشكان المذكور صدوق، ومنصور بن عبد الرحمن بن طلحة بن الحارث العبدري الحجي ثقة، وهو ابن صفية بنت شيبة المذكورة.\nوقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث صفية بنت شيبة، عن نسوة من بني عبد الدار أنهن سمعن من رسول الله  -  ﷺ  -، وقد استقبل الناس في المسعى، وقال: \"يا أيها الناس","vol":"5","page":259},{"text":"اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم\" رواه الدارقطني، والبيهقي بإسناد حسن. انتهى منه.\nوهو نص صالح للاحتجاج في أن السعي مما كتب على الناس، ولفظة \"كتب\" تدل على اللزوم.\nفإن قيل: حديث حبيبة المذكور في إسناده عبد الله بن المؤمل، وهو وإن كان وثقه ابن حبان وقال: يخطئ، فقد ضعفه غيره. وحديث صفية في إسناده موسى بن عبيدة، وهو ضعيف، وحديث: تملك المذكور فيه المثنى بن الصباح، وهو وإن وثقه ابن معين في رواية، فقد ضعفه جماعة. وحديث ابن عباس المذكور فيه المفضل بن صدقة، وهو متروك.\nفالجواب: أن رواية صفية بنت شيبة عن نسوة من بني عبد الدار عند الدارقطني والبيهقي، ليس في إسنادها شيء مما ذكر، وقد صحح إسنادها ابن الهمام في التنقيح، كما ذكره الزيلعي وحسنها النووي في شرح المهذب. والبيهقي روى حديثها المذكور من طريق الدارقطني، قال في سننه الكبرى: أخبرنا أبو عبد الرحمن السلمي، وأبو بكر بن الحارث الفقيه قالا: ثنا علي بن عمر الحافظ، ثنا يحيى بن صالحد، ثنا الحسن بن عيسى النيسابوري، ثنا ابن المبارك، أخبرني معروف ابن مشكان، أخبرني منصور بن عبد الرحمن، عن أمه صفية، أخبرتني عن نسوة من بني عبد الدار اللاتي أدركن رسول الله  -  ﷺ  -  قلن: دخلنا دار ابن أبي حسين، فأطلعنا من باب مقطع، ورأينا رسول الله  -  ﷺ  -  يشتد في المسعى، حتى إذا بلغ زقاق بني فلان، موضعًا قد سماه من المسعى، استقبل الناس فقال: \"يا أيها الناس اسعوا فإن السعي قد كتب عليكم\". انتهى منه.","vol":"5","page":260},{"text":"فهذا الإِسناد هو الذي صححه صاحب التنقيح، وحسنه النووي.\nواعلم أن اختلاف الروايات في المرأة التي روت عنها صفية المذكورة هذا الحديث لا يضر؛ لتصريحها في رواية الدارقطني والبيهقي هذه بأنها روت ذلك عن نسوة أدركن النبي  -  ﷺ  - . وإذن فلا مانع من أن تسمى واحدة منهن في رواية، وتسمي غيرها منهن في رواية أخرى كما لا يخفى.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: واحتج ابن المنذر للوجوب بحديث صفية بنت شيبة، عن حبيبة بنت أبي تجراة  -  بكسر المثناة، وسكون الجيم، بعدها راء، ثم ألف ساكنة، ثم هاء، وهي إحدى نساء بني عبد الدار  -  قالت: دخلت مع نسوة من قريش دار آل أبي حسين، فرأيت رسول الله  -  ﷺ  -  يسعى وإن مئزره ليدور من شدة السعي، وسمعته يقول: \"اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي\" أخرجه الشافعي، وأحمد وغيرهما. وفي إسناد هذا الحديث عبد الله بن المؤمل، وفيه ضعف، ومن ثم قال ابن المنذر: إن ثبت فهو حجة في الوجوب.\nقلت: له طريق أخرى في صحيح ابن خزيمة مختصرة، وعند الطبراني عن ابن عباس كالأولى، وإذا انضمت إلى الأولى قويت.\nواختلف على صفية بنت شيبة في اسم الصحابية التي أخبرتها، ويجوز أن تكون أخذته عن جماعة، فقد وقع عند الدارقطني عنها: أخبرتني نسوة من بني عبد الدار، فلا يضره الاختلاف. انتهى الغرض من كلام ابن حجر.","vol":"5","page":261},{"text":"وقد علمت مما ذكرنا أن بعض طرق حديث \"إن الله كتب عليكم السعي فاسعوا\" لا تقل عن درجة القبول. وهو نص في محل النزاع مع أنه معتضد بما ذكرناه من حديث عائشة، عند الشيخين. وبظاهر الآية كما بينا، وبما سيأتي أيضًا إن شاء الله تعالى.\nومن أدلتهم على لزوم السعي ما جاء في بعض روايات حديث أبي موسى المتفق عليه، من أمر النبي  -  ﷺ  -  بذلك.\nقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار، قال ابن المثنى: حدثنا محمد بن جعفر، أخبرنا شعبة، عن قيس بن مسلم، عن طارق بن شهاب، عن أبي موسى قال: قدمت على رسول الله  -  ﷺ  -، وهو منيخ بالبطحاء، فقال لي: \"أحججت؟ فقلت: نعم. فقال: بم أهللت؟ قال: قلت: لبيك بإهلال كإهلال النبي  -  ﷺ  - . قال: فقد أحسنت. طف بالبيت وبالصفا والمروة\" الحديث، قالوا: فقوله  -  ﷺ  -  لأبي موسى الأشعري: \"طف بالبيت وبالصفا والمروة\" أمر صريح منه  -  ﷺ  -  بذلك، وصيغة الأمر تقتضي الوجوب ما لم يقم دليل صارف عن ذلك، وقد دل على اقتضائها الوجوب: الشرع واللغة. وقال بعضهم: إن العقل يفيد ذلك، وليس بسديد عندي.\nأما دلالة الشرع على ذلك ففي نصوص كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وهذا الوعيد العظيم على مخالفة أمره يدل على وجوب امتثال أمره، وكقوله تعالى لإِبليس لما لم يمتثل الأمر المدلول عليه بصيغة أفعل التي هي قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾","vol":"5","page":262},{"text":"الآية، فتوبيخه وتقريعه له في هذه الآية لمخالفته الأمر، وقد سمى نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام مخالفة الأمر معصية، وذلك يدل على وجوب الامتثال في قوله تعالى عنه: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فجعل أمر الله ورسوله مانعًا من الاختيار، موجبًا للامتثال، منبهًا على أن عدم الامتثال معصية في قوله بعده: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقوله  -  ﷺ  -: \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم، وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" إلى غير ذلك من الأدلة.\nوأما دلالة اللغة على اقتضاء صيغة افعل الوجوب، فإيضاحها أن أهل اللسان العربي مجمعون على أن السيد لو قال لعبده: اسقني ماء مثلًا، ثم لم يمتثل العبد، وعاقبه سيده على عدم الامتثال كان ذلك العقاب واقعًا موقعه؛ لأن صيغة أفعل ألزمته الامتثال، وليس للعبد أن يقول: صيغة افعل لم توجب على الامتثال، ولم تلزمني إياه، فعقابك لي غلط؛ لأني لم أترك شيئًا لازمًا، حتى تعاقبني عليه. وإجماعهم على أنه ليس له ذلك، وأن عقابه له صواب لعصيانه، دليل على أن صيغة افعل تقتضي الوجوب، ما لم يصرف عنه صارف، وهو قول جمهور الأصوليين. ومقابله أقوال أخر، أشار لها في مراقي السعود بقوله في مبحث الأمر:\nوافعل لدى الأكثر للوجوب ... وقيل: للندب أو المطلوب\nوقيل: للوجوب أمر الرب ... وأمر من أرسله للندب\nومفهم الوجوب يُدرى الشرع ... أو الحجا أو المفيد الوضع","vol":"5","page":263},{"text":"وقال بعض أهل العلم: إن دلالة اللغة على اقتضاء الأمر الوجوب راجعة إلى دلالة الشرع؛ لأن الشرع هو الذي دل على وجوب طاعة العبد لسيده.\nومن أدلتهم على أن السعي بين الصفا والمروة لا بد منه ...  ما قدمنا من حديث ابن عمر عند الترمذي، أنه  -  ﷺ  -  قال: \"من أحرم بالحج والعمرة أجزأه طواف واحد، وسعي واحد منهما حتى يحل منهما جميعًا\" قال المجد في المنتقى: رواه الترمذي، وقال: هذا حديث حسن غريب. وفيه دليل على وجوب السعي، ووقوف التحلل عليه. انتهى منه.\nوالذي رأيته في الترمذي لما ساق الحديث بلفظه المذكور: هو أنه قال: قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح، تفرد به الدراوردي على ذلك اللفظ، وقد رواه غير واحد عن عبيد الله بن عمر، ولم يرفعوه. وهو أصح. انتهى منه.\nومن أدلتهم على ذلك ...  ما جاء في بعض الروايات الثابتة في الصحيح من أنه  -  ﷺ  -  قال لعائشة ﵂: \"يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك\" وهذا اللفظ في صحيح مسلم، قالوا: ويفهم من قوله: \"يجزئ عنك طوافك بين الصفا والمروة عن حجك وعمرتك\" أنها لو لم تطف بينهما لم يحصل لها إجزاء عن حجها وعمرتها. هذا هو حاصل ما استدل به القائلون بأنه ركن من أركان الحج والعمرة.\nوأما حجة الذين قالوا: إنه سنة لا يجب بتركه شيء، فهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ قالوا:","vol":"5","page":264},{"text":"فرفع الجناح في قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دليل قرآني على عدم الوجوب، كما قاله عروة بن الزبير لخالته أم المؤمنين عائشة ﵂.\nوالجواب عن الاستدلال بهذه الآية على عدم وجوب السعي: هو ما أجابت به عائشة عروة، فإنها أولًا ذمَّت هذا التفسير لهذه الآية بقولها: بئس ما قلت يا ابن أختي، ومعلوم أن لفظة بئس فعل جامد لإنشاء الدم، وما ذمت تفسير الآية بما ذكر إلَّا لأنه تفسير غير صحيح، وقد بينت له أن الآية نزلت جوابًا لسؤال من ظن أن في السعي بين الصفا والمروة جناحًا، وإذًا فذكر رفع الجناح لمطابقة الجواب للسؤال، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق، فلو سألك سائل مثلًا قائلًا: هل علي جناح في أن أصلي الخمس المكتوبة؟ وقلت له: لا جناح عليك في ذلك، لم يلزم من ذلك أنك تقول: بأنها غير واجبة. وإنما قلت: لا جناح في ذلك، ليطابق جوابك السؤال، وقد دلت قرينتان على أنه ليس المراد رفع الجناح عمن لم يسع بين الصفا والمروة.\nالأولى منهما: أن الله قال في أول الآية: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ وكونهما من شعائر الله لا يناسبه تخفيف أمرهما برفع الجناح عمن لم يطف بينهما، بل المناسب لذلك تعظيم أمرهما، وعدم التهاون بهما، كما أوضحناه في أول هذا المبحث.\nوالقرينة الثانية: هي أنه لو أراد ذلك المعنى لقال: فلا جناح عليه ألا يطوف بهما، كما قالت عائشة لعروة، وقد تقرر في الأصول أن اللفظ الوارد جوابًا لسؤال لا مفهوم مخالفة له؛ لأن المقصود به","vol":"5","page":265},{"text":"مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق. وقد أوضحنا هذا في سورة البقرة في الكلام على آية الطلاق. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما يمنع اعتبار دليل الخطاب، أعني مفهوم المخالفة:\nأو جهل الحكم أو النطق انجلب ... للسؤل أو جرى على الذي غلب\nومحل الشاهد منه قوله: أو النطق انجلب للسؤل.\nومعنى ذلك: أن المنطوق إذا كان جوابًا لسؤال فلا مفهوم مخالفة له؛ لأن المقصود بلفظ المنطوق مطابقة الجواب للسؤال، لا إخراج المفهوم عن حكم المنطوق.\nفإن قيل: جاء في بعض قراءات الصحابة: ﴿فلا جناح عليه أن لا يطوف بهما﴾ كما ذكره الطبري، وابن المنذر وغيرهما، عن أُبي بن كعب، وابن مسعود، وابن عباس. ﵃.\nفالجواب من وجهين:\nالأول: أن هذه القراءة لم تثبت قرآنًا؛ لإِجماع الصحابة على عدم كتبها في المصاحف العثمانية، وما ذكره الصحابي على أنه قرآن، ولم يثبت كونه قرآنًا ذهب كثير من أهل العلم إلى أنه لا يستدل به على شيء، وهو مذهب مالك، والشافعي. ووجهه أنه لما لم يذكره إلَّا لكونه قرآنًا، فبطل كونه قرآنًا بطل عن أصله، فلا يحتج به على شيء. وقال بعض أهل العلم: إذا بطل كونه قرآنًا لم يمنع ذلك من الاحتجاج به كأخبار الآحاد التي ليست بقرآن. فعلى القول الأول: فلا إشكال، وعلى الثاني: فيجاب عنه بأن القراءة المذكورة تخالف القراءة المجمع عليها المتواترة، وما خالف المتواتر المجمع","vol":"5","page":266},{"text":"عليه إن لم يمكن الجمع بينهما فهو باطل، والنفي والإِثبات لا يمكن الجمع بينهما لأنهما نقيضان.\nالوجه الثاني: هو ما ذكره ابن حجر في الفتح عن الطبري والطحاوي، من أن قراءة: أن لا يطوف بهما، محمولة على القراءة المشهورة، ولا زائدة انتهى. ولا يخلو من تكلف كما ترى.\nواعلم أن قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾ لا دليل فيه على أن السعي تطوع، وليس بفرض؛ لأن التطوع المذكور في الآية راجع إلى نفس الحج والعمرة، لا إلى السعي؛ لإِجماع المسلمين على أن التطوع بالسعي لغير الحاج والمعتمر غير مشروع. والعلم عند الله تعالى.\nوأما حجة من قال: السعي واجب يجبر بدم، فهي أن النبي  -  ﷺ  -  طاف بينهما فدل ذلك على أن الطواف بينهما، نسك، وفي الأثر المروي عن ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم. وسيأتي لهذا إن شاء الله زيادة إيضاح.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن جمهور العلماء على أن السعي لا تشترط له طهارة الحدث، ولا الخبث، ولا ستر العورة، فلو سعى وهو محدث، أو جنب، أو سعت امرأة وهي حائض، فالسعي صحيح، ولا يبطله ذلك. وممن قال به الأئمة الأربعة، وجماهير أهل العلم. وقال الحسن: إن كان قبل التحلل تطهر وأعاد السعي، وإن كان بعده، فلا شيء عليه. وذكر بعض الحنابلة رواية عن الإِمام أحمد أن الطهارة في السعي، كالطهارة في الطواف.","vol":"5","page":267},{"text":"قال ابن قدامة في المغني: ولا يعول عليه، والطهارة في السعي مستحبة عند كثير من أهل العلم، وهو مذهب مالك والشافعي، وأحمد وغيرهم.\nوحجة الجمهور على أن السعي لا تشترط له الطهارة هي ما تقدم من حديث عائشة المتفق عليه، وقد أمرها النبي  -  ﷺ  -  في الحديث المذكور: أن تفعل كل ما يفعله الحاج، وهي حائض إلَّا الطواف بالبيت خاصة. وهو دليل على أن السعي لا تشترط به الطهارة، خلافًا لمن قال: لا دليل في الحديث؛ لأن السعي لا يصح إلَّا بعد طواف، والحيض مانع من الطواف، وهو مردود بأن النفي والإِثبات نص في أن غير الطواف يصح من الحائض، ويدخل فيه السعي.\nوقال ابن قدامة في المغني: قال أبو داود: سمعت أحمد، يقول: إذا طافت المرأة بالبيت، ثم حاضت سعت بين الصفا والمروة ثم نفرت. وروي عن عائشة، وأم سلمة أنهما قالتا: إذا طافت المرأة بالبيت، وصلت ركعتين، ثم حاضت فلتطف بالصفا والمروة. رواه الأثرم. وقال ابن قدامة أيضًا: ولأن ذلك عبادة لا تتعلق بالبيت، فأشبهت الوقوف. انتهى منه.\nوقال أيضًا في المغني: ولا يشترط أيضًا الطهارة من النجاسة ولا الستارة للسعي؛ لأنه إذا لم تشترط له الطهارة من الحدث وهي آكد فغيرها أولى.\nالفرع الثاني: اعلم أن جمهور أهل العلم يشترطون في السعي الترتيب، وهو أن يبدأ بالصفا، ويختم بالمروة، فإن بدأ بالمروة لم يعتد بذلك الشوط، وممن قال باشتراط الترتيب: مالك، والشافعي،","vol":"5","page":268},{"text":"وأحمد، وأصحابهم، والحسن البصري، والأوزاعي، وداود، وجمهور العلماء، وعن أبي حنيفة خلاف في ذلك.\nقال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق، في فقه الإِمام أبي حنيفة ﵀: ولو بدأ من المروة لا يعتد بالأولى لمخالفته الأمر. انتهى منه.\nوقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق المذكور: قوله: ولو بدأ بالمروة لا يعتد بالأولى. وفي مناسك الكرماني: إن الترتيب فيه ليس بشرط عندنا، حتى لو بدأ بالمروة، وأتى الصفا جاز ويعتد به، ولكنه مكروه لترك السنَّة، فتستحب إعادة ذلك الشوط.\nقال السروجي ﵀ في الغاية: ولا أصل لما ذكره الكرماني.\nوقال الرازي في أحكام القرآن: فإن بدأ بالمروة قبل الصفا لم يعتد بذلك في الرواية المشهورة عن أصحابنا، وروي عن أبي حنيفة: أنه ينبغي له أن يعيد ذلك الشوط، فإن لم يفعل فلا شيء عليه، وجعله بمنزلة ترك الترتيب في أعضاء الطهارة. اهـ. فقول السروجي: لا أصل لما قاله الكرماني فيه نظر. انتهى منه.\nوحجة الجمهور في اشتراط الترتيب: أن النبي  -  ﷺ  -  فعل ذلك وقال: \"أبدأ بما بدأ الله به\" وفي رواية عند النسائي \"ابدؤوا بما بدأ الله به\" بصيغة الأمر، ومع ذلك فقد قال: \"خذوا عني مناسككم\" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الابتداء بما بدأ الله به، وفعله  -  ﷺ  -  عملًا بالقرآن العظيم.\nالفرع الثالث: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن السعي","vol":"5","page":269},{"text":"لا يصح إلَّا بعد طواف، فلو سعى قبل الطواف لم يصح سعيه عند الجمهور، منهم الأئمة الأربعة، ونقل الماوردي وغيره الإِجماع عليه.\nقال النووي في شرح المهذب: وحكى ابن المنذر، عن عطاء، وبعض أهل الحديث: أنه يصح، وحكاه أصحابنا عن عطاء، وداود. وحجة الجمهور: أن النبي  -  ﷺ  -  لم يسع في حج، ولا عمرة إلَّا بعد الطواف، وقد قال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" فعلينا أن نأخذ ذلك عنه.\nواحتج من قال بصحة السعي قبل الطواف بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، عن الشيباني، عن زياد بن علاقة، عن أسامة بن شريك قال. خرجت مع النبي  -  ﷺ  -  حاجًا فكان الناس يأتونه، فمن قال: يا رسول الله سعيت قبل أن أطوف، أو قدمت شيئًا، أو أخرت شيئًا، فكان يقول: لا حرج لا حرج إلَّا على رجل اقترض عرض رجل مسلم، وهو ظالم له، فذلك الذي حرج وهلك. انتهى منه. وهذا الإِسناد صحيح، ورجاله كلهم ثقات معروفون. وجرير المذكور فيه هو ابن عبد الحميد بن قرط الضبي أبو عبد الله الرازي القاضي. والشيباني المذكور فيه هو أبو إسحاق سليمان بن أبي سليمان الكوفي. ورجال هذا الإِسناد كلهم مخرج لهم في الصحيحين إلَّا الصحابي الذي هو أسامة بن شريك. وقد أخرج عنه أصحاب السنن، وروى عنه زياد بن علاقة المذكور، وعلي بن الأقمر، خلافًا لمن قال: لم يرو عنه إلَّا زياد المذكور، كما ذكره في تهذيب التهذيب عن الأزدي، وسعيد بن السكن، والحاكم وغيرهم. وهذا الحديث الصحيح يقتضي صحة السعي قبل الطواف، وجماهير أهل العلم على خلافه، وأنه لا يصح السعي، إلَّا مسبوقًا بالطواف.","vol":"5","page":270},{"text":"قال النووي في شرح المهذب في حديث أسامة بن شريك هذا بعد أن ذكر صحة الإِسناد المذكور: وهذا الحديث محمول على ما حمله عليه الخطابي وغيره، وهو أن قوله: سعيت قبل أن أطوف، أي: سعيت بعد طواف القدوم، وقبل طواف الإِفاضة. والله تعالى أعلم. انتهى منه.\nفقوله: قبل أن أطوف يعني: طواف الإِفاضة الذي هو ركن، ولا ينافي ذلك أنه سعى بعد طواف القدوم الذي هو ليس بركن.\nالفرع الرابع: اعلم أن جمهور أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة: مالك، وأحمد، والشافعي، وأصحابهم على أنه يشترط في صحة السعي أن يقطع جميع المسافة بين الصفا والمروة في كل شوط، فلو بقي منها بعض خطوة لم يصح سعيه، وقد قدمنا مذهب أبي حنيفة في السعي، وأنه لو تركه كله، أو ترك أربعة أشواط منه فأكثر لصح حجه، وعليه دم، وأنه إن ترك منه ثلاثة أشواط فأقل لزمه عن كل شوط نصف صاع.\nوحجة الجمهور أن المسافة للسعي محددة من الشارع، فالنقص عن الحد مبطل كما هو ظاهر.\nوحجة أبي حنيفة، ومن وافقه كطاووس هي تغليب الأكثر على الأقل، مع جبر الأقل بالصدقة. ولا أعلم مستندًا من النقل للتفريق بين الأربعة والثلاثة، ولا لجعل نصف الصاع مقابل الشوط. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: اعلم أنه لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو كان يمر من وراء المسعى، حتى يصل إلى الصفا","vol":"5","page":271},{"text":"والمروة من جهة أخرى لم يصح سعيه. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه. وعن الشافعي في القديم: أنه لو انحرف عن موضع السعي انحرافًا يسيرًا أنه يجزئه. والظاهر أن التحقيق خلافه، وأنه لا يصح السعي إلَّا في موضعه.\nالفرع السادس: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم دليلًا: أنه لو سعى راكبًا، أو طاف راكبًا أجزأه ذلك، لما قدمنا في الصحيح من أنه  -  ﷺ  -  طاف في حجة الوداع بالبيت، وبين الصفا والمروة، وهو على راحلته. ومعلوم أن من أهل العلم من يقول: لا يجزئه السعي، ولا الطواف راكبًا إلَّا لضرورة. ومنهم من منع الركوب في الطواف، وكرهه في السعي إلَّا لضرورة. ومنهم من يقول: إن ركب ولم يُعِدْ سعيه ماشيًا حتى رجع إلى وطنه فعليه الدم. والأظهر هو ما قدمنا؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  طاف راكبًا، وسعى راكبًا، وهو صلوات الله وسلامه عليه لا يفعل إلَّا ما يسوغ فعله. وقد قال لنا: \"خذوا عني مناسككم\" والذين قالوا: إن الطواف والسعي يلزم فيهما المشي. قالوا: إن ركوبه لعلة. وبعضهم يقول: هي كونه مريضًا كما جاء في بعض الروايات. وبعضهم يقول: هي أن يرتفع، ويشرف حتى يراه الناس ويسألوه. وبعضهم يقول: هي كراهيته أن يضرب عنه الناس، وقد قدمنا الروايات بذلك في صحيح مسلم، ففي حديث جابر عند مسلم: طاف رسول الله  -  ﷺ  -  بالبيت في حجة الوداع على راحلته يستلم الركن بمحجنه؛ لأن يراه الناس وليشرف، وليسألوه فإن الناس قد غشوه. وفي رواية في صحيح مسلم عن جابر ﵁: طاف النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع، على راحلته بالبيت، وبالصفا والمروة ليراه الناس، وليشرف، وليسألوه فإن الناس قد غشوه. وفي صحيح","vol":"5","page":272},{"text":"مسلم من حديث عائشة ﵂: طاف النبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع حول الكعبة على بعير يستلم الركن، كراهية أن يضرب عنه الناس.\nالمسألة السابعة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أن الوقوف بعرفة: ركن من أركان الحج لا يصح الحج بدونه، وأنهم أجمعوا على أن الوقوف ينتهي وقته بطلوع فجر يوم النحر، فمن طلع فجر يوم النحر، وهولم يأت عرفة فقد فاته الحج إجماعًا، ومن جمع في وقوف عرفة بين الليل والنهار، وكان جزء النهار الذي وقف فيه من بعد الزوال فوقوفه تام، ومن اقتصر على جزء من الليل دون النهار صح حجه، ولزمه دم عند المالكية، خلافًا لجماهير أهل العلم القائلين بأنه لا دم عليه. وما ذكره النووي عن بعض الخراسانيين: من أن الوقوف بالليل لا يجزئ ولا يصح به الحج حتى يقف معه بعض النهار ظاهر السقوط لمخالفته للنص، وعامة أهل العلم. ومن اقتصر على جزء من النهار دون الليل لم يصح حجه عند مالك، وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعي، وأبي حنيفة، وأحمد في الرواية الأخرى: حجه صحيح، وعليه دم، ولا خلاف بين العلماء أن عرفة كلها موقف.\nوالدليل على أن الوقوف بعرفة ركن، وأن وقته ينتهي بطلوع الفجر ليلة النحر  ...  ما رواه الإِمام أحمد وأصحاب السنن، وغيرهم من حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"الحج عرفة، فمن أدرك عرفة فقد أدرك الحج\".\nقال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني،","vol":"5","page":273},{"text":"والبيهقي من حديث عبد الرحمن بن يعمر، قال: شهدت رسول الله  -  ﷺ  -  وهو واقف بعرفات، وأتاه ناس من أهل نجد فقالوا: يا رسول الله كيف الحج؟ فقال: \"الحج عرفة، من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه\" لفظ أحمد وفي رواية لأبي داود \"من أدرك عرفة قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك الحج\" وألفاظ الباقين نحوه. وفي رواية للدارقطني والبيهقي: الحج عرفة، الحج عرفة. انتهى من التلخيص.\nوفي سنن أبي داود: الحج الحج عرفة، بتكرير لفظة الحج. وفي سنن النسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه.\nوقال ابن ماجه في سننه  -  بعد أن ساق الحديث باللفظ الذي ذكره صاحب التلخيص  -  قال محمد بن يحيى: ما أرى للثوري حديثًا أشرف منه.\nوقال النووي في شرح المهذب: حديث عبد الرحمن الديلي صحيح رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وآخرون بأسانيد صحيحة.\nوهذا لفظ الترمذي: عن عبد الرحمن بن يعمر: أن ناسًا من أهل نجد أتوا رسول الله  -  ﷺ  -، فسألوه عن الحج؟ فأمر مناديًا ينادي: الحج عرفة، من جاء ليلة جمع قبل طلوع الفجر فقد أدرك الحج. وفي رواية أبي داود \"فأمر رسول الله  -  ﷺ  -  رجلًا فنادى: الحج الحج يوم عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة جمع فتم حجه\" وفي رواية البيهقي، عن عبد الرحمن بن يعمر الديلي، قال: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"الحج عرفات، الحج عرفات، فمن أدرك ليلة جمع قبل أن يطلع الفجر فقد أدرك\" وإسناد هذه الرواية صحيح، وهو من رواية سفيان بن عيينة.","vol":"5","page":274},{"text":"قلت: عن سفيان الثوري، قال ابن عيينة: ليس عندكم بالكوفة، حديث أشرف ولا أحسن من هذا. انتهى كلام النووي.\nودليل الإِجماع على أن من جمع في وقوفه بعرفة بين جزء من الليل، وجزء من النهار من بعد الزوال: أن وقوفه تام  ...  هو ما ثبت في الروايات الصحيحة: \"أن النبي  -  ﷺ  -  كذلك فعل، وقال: لتأخذوا عني مناسككم\".\nفمن الروايات الصحيحة الدالة على ذلك  ...  ما رواه مسلم في صحيحه في حديث جابر الطويل في حجة النبي  -  ﷺ  -، فإن فيه \"فأجاز رسول الله  -  ﷺ  -  حتى أتى عرفة، فوجد القبة قد ضربت له بنمرة، فنزل حتى إذا زاغت الشمس أمر بالقصواء فرحلت له، فأتى بطن الوادي فخطب الناس إلى أن قال: ثم ركب رسول الله  -  ﷺ  -  حتى أتى الموقف، فجعل بطن ناقته القصواء إلى الصخرات، وجعل حبل المشاة بين يديه، واستقبل القبلة، فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص\" الحديث. ففي هذا الحديث الصحيح: أنه جمع في وقوفه بين النهار من بعد الزوال، وبين جزء قليل من الليل مع قوله: \"لتأخذوا عني مناسككم\". ودليل القائلين بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على جزء من الليل، دون النهار فقد تم حجه: حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور، فإن فيه تصريح النبي  -  ﷺ  -  بأن من أدرك عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. وجمع: هي المزدلفة، وليلتها: هي الليلة التي صبيحتها يوم النحر.\nودليل من ألزموه دمًا مع وقوفه بعرفة في جزء من الليل  -  وهم المالكية  -  أن النبي  -  ﷺ  -  لم يكتف بالليل، بل وقف معه جزءًا من النهار، فتارك الوقوف بالنهار تاركًا نسكًا. وفي الأثر المروي عن","vol":"5","page":275},{"text":"ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، ولكن قوله  -  ﷺ  -  في حديث الديلي: \"فقد تم حجه\" لا يساعد على لزوم الدم؛ لأن لفظ التمام، يدل على عدم الحاجة إلى الجبر بدم، فهو يؤيد مذهب الجمهور، والعلم عند الله تعالى.\nودليل من قال بأن من اقتصر في وقوفه بعرفة على النهار دون الليل أن وقوفه صحيح، وحجه تام  =  حديث عروة بن مضرس بن أوس بن حارثة بن لأم الطائي قال: أتيت رسول الله  -  ﷺ  -  بالمزدلفة، حين خرج إلى الصلاة، فقلت: يا رسول الله، إني جئت من جبلي طيء، أكللت راحلتي، وأتعبت نفسي، والله ما تركت من جبل، إلا وقفت عليه، فهل لي من حج؟ فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من شهد صلاتنا هذه، وقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه وقضى تفثه\". اهـ.\nقال المجد في المنتقى  -  بعد أن ساق هذا الحديث  -: رواه الخمسة، وصححه الترمذي. وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت الوقوف.\nوقال ابن حجر في التلخيص الحبير في هذا الحديث: رواه أحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم، والدارقطني. ثم قال: وصحح هذا الحديث الدارقطني، والحاكم، والقاضي أبو بكر بن العربي على شرطهما.\nوقال النووي في شرح المهذب في حديث عروة بن مضرس هذا: رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، بأسانيد صحيحة. وقال الترمذي: هو حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":276},{"text":"ودليل أن عرفة كلها موقف ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي عن جعفر، حدثني أبي، عن جابر في حديثه ذلك أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: \"نحرت ها هنا ومنى كلها منحر، فانحروا في رحالكم، ووقفت ها هنا وعرفة كلها موقف، ووقفت ها هنا وجمع كلها موقف\". انتهى من صحيح مسلم.\nوقال المجد في المنتقى  -  بعد أن ساق هذا الحديث بلفظ مسلم الذي سقناه به  -: رواه أحمد ومسلم، وأبو داود. ولابن ماجه وأحمد أيضًا نحوه، وفيه \"وكل فجاج مكة طريق ومنحر\" وقد قدمنا إجماع أهل العلم على أن وقت الوقوف ينتهي بطلوع الفجر ليلة جمع. وإجماعهم على أن ما بعد الزوال من يوم عرفة وقت للوقوف.\nوأما ما قبل الزوال من يوم عرفة، فجمهور أهل العلم على أنه ليس وقتًا للوقوف، وخالف الإِمام أحمد ﵀ الجمهور في ذلك قائلًا: إن يوم عرفة كله من طلوع فجره إلى غروبه وقت للوقوف، واحتج لذلك بحديث عروة بن المضرس، المذكور آنفًا فإن فيه: وقد وقف بعرفة ليلًا أو نهارًا، فقد تم حجه. فقوله  -  ﷺ  -: ليلًا أو نهارًا يدل على شمول الحكم لجميع الليل والنهار، وقد قدمنا قول المجد في المنتقى  -  بعد أن ساق هذا الحديث  -: وهو حجة في أن نهار عرفة كله وقت للوقوف.\nوحجة الجمهور هي: أن المراد بالنهار في حديث عروة المذكور خصوص ما بعد الزوال، بدليل أن النبي  -  ﷺ  -  والخلفاء الراشدين بعده لم يقفوا إلا بعد الزوال، ولم ينقل عن أحد أنه وقف قبله. قالوا: ففعله  -  ﷺ  -، وفعل خلفائه من بعده مبين للمراد من قوله: أو نهارًا.","vol":"5","page":277},{"text":"والحاصل أن الوقوف بعرفة ركن من أركان الحج إجماعًا، وأن من جمع بين الليل والنهار من بعد الزوال فوقوفه تام إجماعًا، وأن من اقتصر على الليل دون النهار فوقوفه تام ولا دم عليه عند الجمهور، خلافًا للمالكية القائلين بلزوم الدم، وأن من اقتصر على النهار دون الليل، لم يصح وقوفه عند المالكية. وعند جمهور العلماء: حجه صحيح. منهم الشافعي، وأبو حنيفة، وعطاء، والثوري، وأبو ثور، وهو الصحيح من مذهب أحمد.\nولكنهم اختلفوا في وجوب الدم، فقال أحمد وأبو حنيفة: يلزمه دم، وعن الشافعية قولان:\nأحدهما: لا دم عليه. وصححه النووي وغيره.\nوالثاني: عليه دم. قيل: وجوبًا، وقيل: استنانًا، وقيل: ندبًا. والأصح أنه سنَّة على القول به، كما جزم به النووي. وأن ما قبل الزوال من يوم عرفة ليس وقتًا للوقوف عند جماهير العلماء، خلافًا للإِمام أحمد ﵀، وقد رأيت أدلة الجميع.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أما من اقتصر في وقوفه على الليل دون النهار، أو النهار من بعد الزوال، دون الليل، فأظهر الأقوال فيه دليلًا: عدم لزوم الدم. أما المقتصر على الليل فلحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ الذي قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح. وفيه عند أحمد والنسائي: فمن أدرك ليلة عرفة قبل طلوع الفجر من ليلة جمع فقد تم حجه. هذا لفظ النسائي، ولفظ أحمد: من جاء عرفة قبل صلاة الفجر من ليلة جمع، فقد تم حجه. اهـ. ولفظ أحمد المذكور بواسطة نقل ابن حجر في التلخيص. فقوله  -  ﷺ  -  في هذا الحديث الثابت: فقد تم حجه مرتبًا","vol":"5","page":278},{"text":"ذلك على إتيانه عرفة قبل طلوع فجر يوم النحر نص صريح في أن المقتصر على الوقوف ليلًا، أن حجه تام، وظاهر التعبير بلفظ التمام عدم لزوم الدم، ولم يثبت ما يعارضه من صريح الكتاب أو السنة وعلى هذا جمهور أهل العلم، خلافًا للمالكية. وأما المقتصر على النهار دون الليل، فلحديث عروة بن مضرس الطائي وقد قدمناه قريبًا، وبينا أنه صحيح، وبينا أن فيه: أن النبي  -  ﷺ  -  قال فيه: وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه، وقضى تفثه، فقوله  -  ﷺ  -: فقد تم حجه مرتبًا له بالفاء على وقوفه بعرفة ليلًا أو نهارًا يدل على أن الواقف نهارًا يتم حجه بذلك والتعبير بلفظ التمام ظاهر في عدم لزوم الجبر بالدم، كما بيناه فيما قبله، ولم يثبت نقل صريح في معارضة ظاهر هذا الحديث. وعدم لزوم الدم للمقتصر على النهار هو الصحيح من مذهب الشافعي، لدلالة هذا الحديث على ذلك، كما ترى. العلم عند الله تعالى.\nوأما الاكتفاء بالوقوف يوم عرفة قبل الزوال، فقد قدمنا أن ظاهر حديث ابن مضرس المذكور يدل عليه؛ لأن قوله  -  ﷺ  -: أو نهارًا، صادق بأول النهار وآخره. كما ذهب إليه الإِمام أحمد. ولكن فعل النبي  -  ﷺ  -، وخلفائه من بعده كالتفسير للمراد بالنهار، في الحديث المذكور، وأنه بعد الزوال، وكلاهما له وجه من النظر، ولا شك أن عدم الاقتصار على أول النهار أحوط والعلم عند الله تعالى.\nوحجة مالك في أن الوقوف نهارًا لا يجزئ إلا إذا وقف معه جزءًا من الليل هي أن النبي  -  ﷺ  -  فعل كذلك، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" فيلزمنا أن نأخذ عنه من مناسكنا الجمع في الوقوف بين","vol":"5","page":279},{"text":"الليل والنهار، ولا يخفى أن هذا لا ينبغي أن يعارض به الحديث الصريح في محل النزاع الذي فيه: \"وكان قد وقف قبل ذلك بعرفة ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه\" كما ترى.\nواعلم: أنه إن وقف بعد الزوال بعرفة، ثم أفاض منها قبل الغووب، ثم رجع إلى عرفة في ليلة جمع أن وقوفه تام، ولا دم عليه في أظهر القولين؛ لأنه جمع في وقوفه بين الليل والنهار، خلافًا لأبي حنيفة، وأبي ثور القائلين بأن الدم لزمه بإفاضته قبل الليل وأن رجوعه بعد ذلك ليلًا لا يسقط عنه ذلك الدم بعد لزومه. والله أعلم.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في صحة الوقوف دون الطهارة، فيصح وقوف الجنب والحائض. وقد قدمنا دليل ذلك في حديث عائشة المتفق عليه؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  أمرها فيه بأن تفعل كل ما يفعله الحاج، غير أن لا تطوف بالبيت.\nالفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في صحة وقوف المغمى عليه بعرفة. قال النووي، في شرح المهذب: ذكرنا أن الأصح عندنا أنه لا يصح وقوف المغمى عليه. وحكاه ابن المنذر عن الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي ثور. قال: وبه أقول. وقال مالك وأبو حنيفة: يصح.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: ليس في وقوف المغمى عليه نص من كتاب ولا سنة يدل على صحته، أو عدمها.\nوأظهر القولين عندي: قول من قال بصحته لما قدمناه من أنه","vol":"5","page":280},{"text":"لا يشترط له نية تخصه، وإذا سلمنا صحته بدون النية، كما قدمنا أنه هو الصواب فلا مانع من صحته من المغمى عليه، كما يصح من النائم. وأحتج من خالف في ذلك بأن المغمى عليه ليس من أهل العبادة حتى يصح وقوله. وممن قال بعدم صحته. الحسن، وممن قال بصحته: عطاء. والله أعلم.\nالفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وقف بعرفات، وهو لا يعلم أنها عرفات. قال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا صحة وقوفه. وبه قال مالك، وأبو حنيفة. وحكى ابن المنذر عن بعض العلماء أنه لا يجزئه. انتهى منه.\nالفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين العلماء في مشروعية جمع الظهر والعصر جمع تقديم يوم عرفة، والمغرب والعشاء جمع تأخير بمزدلفة. وقد ثبت ذلك في صحيح مسلم وغيره من حديث جابر ﵁.\nوأظهر الأقوال دليلًا: أنه يؤذن للظهر فقط، ويقيم لكل واحدة منهما.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي: أن جميع الحجاج يجمعون الظهر والعصر، ويقصرون، وكذلك في جمع التأخير في مزدلفة يقصرون العشاء، وأن أهل مكة وغيرهم في ذلك سواء، وأن حديث \"أتموا فإنا قوم سفر\" إنما قاله لهم النبي  -  ﷺ  -  في مكة لا في عرفة ولا في مزدلفة. وروى مالك بإسناده الصحيح في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁ \"أنه لما قدم مكة صلى بهم ركعتين، ثم انصرف فقال: يا أهل مكة أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر، ثم صلى ركعتين بمنى، ولم يبلغني أنه قال لهم شيئًا\"، وممن قال بأن أهل مكة","vol":"5","page":281},{"text":"يقصرون بعرفة ومزدلفة ومنى. مالك، وأصحابه، والقاسم بن محمد، وسالم، والأوزاعي. وممن قال بأن أهل مكة يتمون صلاتهم في عرفة، ومزدلفة، ومنى: الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وعطاء، ومجاهد، والزهري، وابن جريج، والثوري، ويحيى القطان، وابن المنذر، كما نقله عنهم ابن قدامة في المغنى، وعزا النووي هذا القول للجمهور.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن ظاهر الروايات أن النبي  -  ﷺ  -  وجميع من معه جمعوا وقصروا، ولم يثبت شيء يدل على أنهم أتموا صلاتهم بعد سلامه في منى، ولا مزدلفة، ولا عرفة، بل ذلك الإِتمام في مكة. وقد قدمنا أن تحديد مسافة القصر لم يثبت فيه شيء عن النبي  -  ﷺ  - .\nوأن أقوى الأقوال دليلًا هو أن كل ما يطلق عليه اسم السفر لغة تقصر فيه الصلاة كما أوضحنا ذلك بأدلته في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ﴾ الآية.\nوقال العلامة ابن القيم ﵀ في زاد المعاد ما نصه: فلما أتمها  -  يعني الخطبة  -، يوم عرفة أمر بلالًا، فأذن، ثم أقام فصلى الظهر ركعتين، أسر فيهما بالقراءة. وكان يوم الجمعة. فدل على أن المسافر لا يصلي جمعة، ثم أقام، فصلى العصر ركعتين أيضًا، ومعه أهل مكة، وصلوا بصلاته قصرًا وجمعًا بلا ريب، ولم يأمرهم بالإِتمام، ولا بترك الجمع، ومن قال إنه قال لهم: \"أتموا صلاتكم فإنا قوم سفر\" فقد غلط عليه غلطًا بينًا، ووهم وهمًا قبيحًا، وإنما قال لهم ذلك في غزاة الفتح بجوف مكة حيث كانوا في ديارهم مقيمين.","vol":"5","page":282},{"text":"ولهذا كان أصح أقوال العلماء أن أهل مكة يقصرون، ويجمعون بعرفة، كما فعلوا مع النبي  -  ﷺ  - .\nوفي هذا أوضح دليل على أن سفر القصر لا يتحدد بمسافة معلومة، ولا بأيام معلومة، ولا تأثير للنسك في قصر الصلاة البتة، وإنما التأثير لما جعله الله سببًا، وهو السفر. هذا مقتضى السنة ولا وجه لما ذهب إليه المحددون. انتهى كلام ابن القيم ﵀.\nوقد قدمنا قول من قال: إن القصر والجمع المذكور لأهل مكة من أجل النسك. والعلم عند الله تعالى.\nولا يخفى أن حجة من قالوا بإتمام أهل مكة صلاتهم في عرفة ومزدلفة ومنى هو ما قدمنا من تحديدهم للمسافة بأربعة برد، أو ثلاثة أيام. وعرفة ومزدلفة ومنى أقل مسافة من ذلك، قالوا: ومن سافر دون مسافة القصر أتم صلاته. هذا هو دليلهم.\nالفرع الخامس: اعلم أن الصعود على جبل الرحمة الذي يفعله كثير من العوام لا أصل له، ولا فضيلة فيه؛ لأنه لم يرد في خصومه شيء، بل هو كسائر أرض عرفة، وعرفة كلها موقف، وكل أرضها سواء إلا موقف رسول الله  -  ﷺ  -، فالوقوف فيه أفضل من غيره، كما قاله غير واحد. وبذلك تعلم أنما قاله أبو جعفر بن جرير الطبري والماوردي من استحباب صعود جبل الرحمة لا يعول عليه. والعلم عند الله تعالى.\nوالتحقيق: أن عرنة ليست من عرفة، فمن وقف بعرنة لم يجزئه ذلك. وما يذكر عن مالك من أن وقوفه بعرنة يجزئ، وعليه دم. خلاف التحقيق الذي لا شك فيه. والظاهر أنه لم يصح عن مالك.","vol":"5","page":283},{"text":"المسألة الثامنة: لا خلاف بين العلماء أنه إن غربت الشمس واستحكم غروبها، وهو واقف بعرفة، أفاض منها إلى المزدلفة، وذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ الآية. كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة.\nوقد بينت الأحاديث الصحيحة كيفية إفاضته من عرفات، ففي حديث جابر الطويل عند مسلم \"فلم يزل واقفًا حتى غربت الشمس، وذهبت الصفرة قليلًا حتى غاب القرص، وأردف أسامة خلفه، ودفع رسول الله  -  ﷺ  -، وقد شنق للقصواء الزمام، حتى إن رأسها ليصيب مورك رحله، ويقول بيده اليمنى: أيها الناس السكينة السكينة، كلما أتى حبلًا من الحبال أرخى لها قليلًا، حتى تصعد حتى أتى المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء\" الحديث. وقول جابر في هذا الحديث: وقد شنق للقصواء الزمام، يعني أنه يكفها بزمامها عن شدة المشي، والمورك بفتح الميم وكسر الراء: هو الموضع الذي يثني الراكب رجله عليه قدام واسطة الرحل، إذا مل من الركوب. وضبطه القاضي عياض بفتح الراء قال: وهو قطعة أدم يتورك عليها الراكب، تجعل في مقدمة الرحل، شبه المخدة الصغيرة، وقوله: ويقول بيده السكينة السكينة، أي: يأمرهم بالسكينة مشيرًا بيده. والسكينة: الرفق والطمأنينة. وقول جابر في هذا الحديث: كلما أتى حبلًا من الحبال: هو بالحاء المهملة، والباء الموحدة، والمراد بالحبل في حديثه: الرمل المستطيل المرتفع، ومنه قول ذي الرمة:\nويومًا بذي الأرطى إلى جنب مشرف ... بوعسائه حيث اسبطرت حبالها","vol":"5","page":284},{"text":"وقول عمر بن أبي ربيعة:\nيا ليتني قد أجزتُ الحبلَ نحوكُمُ ... حبل المعرف أو جاوزت ذا عشر\nوحديث جابر هذا الدال على الرفق، وعدم الإِسراع، وما جاء في معناه من الأحاديث يفسره حديث أسامة الثابت في الصحيحين \"كان رسول الله  -  ﷺ  -  يسير العنق، فإذا وجد فجوة نص\" والعنق بفتحتين: ضرب من السير دون النص، ومنه قول الراجز:\nيا ناقُ سيري عَنَقًا فسيحًا ... إلى سليمانَ فنَستريحا\nوالنص: أعلى غاية الإِسراع، ومنه قول كثير:\nحلفت بربّ الراقصات إلى منىً ... يجوبُ الفيَافِي نصّها وذميلُها\nوالفجوة تقدم تفسيرها بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَهُمْ فِي فَجْوَةٍ مِنْهُ﴾.\nوإذا علمت وقت إفاضته  -  ﷺ  -  من عرفات إلى المزدلفة، وكيفية إفاضته، فاعلم أنه  -  ﷺ  -  نزل في الطريق، فبال، وتوضأ وضوءًا خفيفًا، وأخبرهم بأن الصلاة أمامهم، ثم أتى المزدلفة، فأسبغ وضوءه، وصلى المغرب والعشاء بأذان واحد، وإقامتين، ولم يصل بينهما شيئًا ثم اضطجع  -  ﷺ  -  حتى طلع الفجر، وصلى الفجر في أول وقته، حين تبين له الصبح بأذان، وإقامة، ثم ركب القصواء، حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة، فدعاه، وكبره، وهلله فلم يزل واقفًا حتى أسفر جدًّا، فدفع قبل أن تطلع الشمس. ومن فعل كفعله  -  ﷺ  -  فقد أصاب السنَّة، وقد قال  -  ﷺ  -: \"لتأخذوا عن مناسككم\".\nوأما من خالف في ذلك، فلم يبت بالمزدلفة، فقد اختلف العلماء في حكمه إلى ثلاثة مذاهب:","vol":"5","page":285},{"text":"الأول: إن المبيت بمزدلفة واجب يجبر بدم.\nالثاني: أنه ركن لا يتم الحج بدونه.\nالثالث: أنه سنة وليس بواجب. والقول: بأنه واجب يجبر بدم هو قول أكثر أهل العلم، منهم: مالك، وأحمد، وأبو حنيفة، والشافعي في المشهور عنه، وعطاء، والزهري، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.\nقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن المشهورون من مذهبنا أنه ليس بركن، فلو تركه صح حجه. قال القاضي أبو الطيب، وأصحابنا: وبهذا قال جماهير العلماء من السلف والخلف. انتهى منه.\nوممن قال بأنه ركن لا يصح الحج إلا به خمسة من أئمة التابعين، وبعض الشافعية. وأما الخمسة المذكورون: فهم علقمة، والأسود، والشعبي، والنخعي، والحسن البصري. وممن قال به من الشافعية: أبو عبد الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر محمد بن إسحاق بن خزيمة، كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. ونقله القرطبي أيضًا عن عكرمة، والأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان. قال: وروي عن ابن الزبير.\nوقال ابن القيم في زاد المعاد: وهو مذهب اثنين من الصحابة: ابن عباس، وابن الزبير. وإليه ذهب إبراهيم النخعي، والشعبي، وعلقمة، والحسن البصري، وهو مذهب الأوزاعي، وحماد بن أبي سليمان، وداد بن علي الظاهري، وأبي عبيد القاسم بن سلام. واختاره المحمدان: ابن جرير وابن خزيمة. وهو أحد الوجوه للشافعية. وهؤلاء القائلون بأن المبيت بمزدلفة ركن من أركان الحج","vol":"5","page":286},{"text":"يقولون: إن فاته المبيت بها تحلل من إحرامه بعمرة، ثم حج من قابل.\nوممن قال بأن المبيت بمزدلفة سنة لا يجب بتركه دم: بعض الشافعية، وذكر النووي أن هذا القول مشور أيضًا، لكن الأول أصح منه. وعن عطاء، والأوزاعي: أنها منزل من شاء نزل به. ومن شاء لم ينزل به، وروى نحوه الطبري بسند فيه ضعيف عن ابن عمر مرفوعًا. قاله الحافظ في الفتح.\nفإذا علمت أقوال أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة، فهذه تفاصيل أدلتهم: أما الذين قالوا بأنه واجب، وليس بركن. فقد استدلوا على أنه ليس بركن بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁، وقد قدمنا ألفاظ رواياته، وأنه صحيح، وقد بين النبي  -  ﷺ  -  فيه أن من أدرك عرفة ولو في آخر جزء من ليلة النحر قبل الصبح أنه تم حجه، وقضى تفثه، ومعلوم أن هذا الواقف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر قد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا بلا شك، ومع ذلك فقد صرح النبي  -  ﷺ  -  في الحديث المذكور بأن حجه تام.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن الاستدلال بهذا الحديث على هذا الحكم صحيح، ودلالته عليه هي المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإِشارة. ومعلوم في الأصول أن دلالة الإِشارة، ودلالة الاقتضاء، ودلالة الإِيماء، والتنبيه كلها من دلالة الالتزام، ومعلوم أن هذه الأنواع من دلالة الالتزام اختلف فيها هل هي من قبيل المنطوق غير الصريح، أو من قبيل المفهوم؟ وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:\nوفي كلام الوحي والمنطوق هل ... ما ليس بالصريح فيه قد دخل","vol":"5","page":287},{"text":"وهو دلالة اقتضاء أن يدل ... لفظ على ما دونه لا يستقل\nدلالة اللزوم مثل ذات ... إشارة كذلك الإِيما آتى. إلخ\nوقصدنا هنا إيضاح دلالة الإِشارة دون غيرها. وضابط دلالة الإِشارة هي: أن يساق النص لمعنى مقصود، فيلزم ذلك المعنى المقصود أمر آخر غير مقصود باللفظ لزومًا لا ينفعك، كما أشار له في المراقي بقوله:\nفأول إشارة اللفظ لما ... لم يكن القصد له قد علما\nفإذا علمت ذلك، فاعلم أنه  -  ﷺ  -  لم يذكر حديث عبد الرحمن بن يعمر المذكور لقصد بيان حكم المبيت بمزدلفة، ولكنه ذكره قاصدًا بيان أن من أدرك الوقوف بعرفة في آخر جزء من ليلة النحر أن حجه تام. وهذا المعنى المقصود يلزمه حكم آخر غير مقصود باللفظ، وهو عدم ركنية المبيت بمزدلفة؛ لأنه إذا لم يدرك عرفة إلا في الجزء الأخير من الليل، فقد فاته المبيت بمزدلفة قطعًا، ومع ذلك فقد صرح  -  ﷺ  -  بأن حجه تام.\nومن أمثلة دلالة الإِشارة في القرآن قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فإنه يدل بدلالة الإِشارة المذكورة على صحة صوم من أصبح جنبًا؛ لأن الآية الكريمة سيقت لبيان جواز الجماع في ليلة الصيام، وذلك صادق بآخر جزء منها بحيث لا يبقى بعده من الليل قدر ما يسع الاغتسال، فيلزم من جواز الجماع في آخر جزء من الليل الذي دلت عليه الآية أنه لا بد أن يصبح جنبًا، ولفظ الآية: لم يقصد به صحة صوم من أصبح جنبًا، ولكن المعنى الذي قصد به يلزمه ذلك كما بينا.","vol":"5","page":288},{"text":"ومن أمثلتها أيضًا في القرآن قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ مع قوله: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ﴾ فإن الآيتين لم يقصد بلفظهما بيان قدر أقل أمد الحمل، ولكن المعنى الذي قصد بهما يلزمه أن أقل أمد الحمل ستة أشهر؛ لأنه جمع الحمل والفصال في ثلاثين شهرًا، ثم بين أن الفصال في عامين، فيطرح من الثلاثين شهرًا أربعة وعشرون التي هي عاما الفصال، فيبقى ستة أشهر، فدلت الآيتان دلالة الإِشارة على أن أقل أمد الحمل ستة أشهر. ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، كما أوضحناه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾.\nومراد الأصوليين أن المدلول عليه بالإِشارة لم يقصد باللفظ، أن اللفظ لا يتناوله بحسب الوضع اللغوي، مع علمهم بأن علم الله محيط بكل شيء، سواء دل عليه اللفظ المذكور بمنطوقه، أولم يدل عليه. وحجتهم في أنه واجب يجبر بدم أنه نسك. وفي أثر ابن عباس: من ترك نسكًا فعليه دم، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nوأما حجة من قال: إنه ركن فهي من كتاب وسنة.\nأما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: فهذا الأمر القرآني الصريح يدل على أنه لا بد من ذكر الله عند المشعر الحرام بعد الإِفاضة من عرفة.\nوأما السنة، فمنها حديث عروة بن مضرس، الذي سقناه سابقًا، فإن فيه \"من أدرك معنا هذه الصلاة، وكان قد أتى عرفات،","vol":"5","page":289},{"text":"قبل ذلك ليلًا أو نهارًا فقد تم حجه وقضى تفثه\" قالوا: فقوله  -  ﷺ  -  في حديث ابن مضرس هذا: \"من أدرك معنا هذه الصلاة\" الحديث. يفهم منه أن من لم يدركها معهم لم يتم حجه، ولم يقض تفثه. والمراد بها صلاة الصبح بمزدلفة كما هو واضح. قالوا: وفي رواية عند النسائي، عن عروة بن مضرس: من أدرك جمعًا مع الإِمام، والناس حتى يفيضوا، فقد أدرك الحج، ومن لم يدرك مع الإِمام والناس فلم يدرك. قالوا: ولأبي يعلى: ومن لم يدرك جمعًا، فلا حج له.\nوأجاب الجمهور القائلون بأن المبيت بمزدلفة ليس بركن عن أدلة هؤلاء القائلين: إنه ركن لا يتم الحج إلا به.\nقالوا: أما الآية التي استدلوا بها على وجوب الوقوف بمزدلفة التي هي قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، فإنها لم تتعرض للوقوف بمزدلفة أصلًا، وإنما أمر فيها بذكر الله عند المشعر الحرام.\nقالوا: وقد أجمعوا كلهم على أن من وقف بمزدلفة، ولم يذكر الله أن حجه تام، فإذا كان الذكر المذكور في الكتاب ليس من صلب الحج بإجماعهم، فالموطن الذي يكون الذكر فيه أحرى أن لا يكون فرضًا.\nوأجابوا عن استدلالهم بمفهوم الشرط في حديث عروة بن مضرس المذكور \"من أدرك معنا هذه الصلاة\" الحديث. بأنهم أجمعوا كلهم على أنه لو بات بمزدلفة، ووقف قبل ذلك بعرفة، ونام عن صلاة الصبح، فلم يصلها مع الإِمام، حتى فاتته أنه حجه تام. وقد قدمنا دلالة حديث عبد الرحمن بن يعمر على ذلك.","vol":"5","page":290},{"text":"وأجابوا عن رواية النسائي التي أشرنا إليها التي قال فيها: أخبرنا محمد بن قدامة، قال: حدثني جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عروة بن مضرس قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"من أدرك جمعًا مع الإِمام والناس حتى يفيض منها فقد أدرك، ومن لم يدرك مع الناس والإِمام فلم يدرك\". اهـ. بأن هذه الزيادة في هذه الرواية، لم تثبت.\nقال ابن حجر في فتح الباري في بيان تضعيف الزيادة المذكورة: وقد صنف أبو جعفر العقيلي جزءًا في إنكار هذه الزيادة، وبين أنها من رواية مطرف عن الشعبي، عن عروة، وأن مطرفًا كان يهم في المتون. قال: وقد ارتكب ابن حزم الشطط فزعم: أن من لم يصل صلاة الصبح بمزدلفة مع الإِمام، أن الحج يفوته، ولم يعتبر ابن قدامة مخالفته هذه، فحكى الإِجماع على الإِجزاء كما حكاه الطحاوي. انتهى كلام ابن حجر مع حذف يسير.\nوأجابوا عن الرواية المذكورة عند أبي يعلى، وغيره بأنها ضعيفة.\nقال النووي في شرح المهذب في كلامه على قول القائلين بأنه ركن: واحتج لهم بالحديث المروي عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"من فاته المبيت بمزدلفة فقد فاته الحج\" ثم قال: وأما الحديث فالجواب عنه من وجهين:\nأحدهما: أنه ليس بثابت ولا معروف.\nوالثاني: أنه لو صح لحمل على فوات كمال الحج، لا فوات أصله. انتهى منه.","vol":"5","page":291},{"text":"وما ذكرنا عن ابن حجر من تضعيف الزيادة المذكورة، يعني به ما عند النسائي، وأبي يعلى منها في حديث عروة المذكور.\nومن أدلتهم على أن المبيت بمزدلفة ركن: أن النبي  -  ﷺ  -  كذلك فعل، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\".\nوأجاب الجمهور عن هذا: أنهم لم يخالفوا في أنه نسك ينبغي أن يؤخذ عنه  -  ﷺ  -، ولكن صحة الحج بدونه علمت بدليل آخر: وهو حديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي المذكور سابقًا الدال على عدم اشتراط المبيت بمزدلفة، كما أوضحنا وجه دلالته على ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nوأما حجة من قال: إن المبيت بمزدلفة سنة، وليس بركن، ولا واجب هي إنه مبيت، فكان سنة، كالمبيت بمنى ليلة عرفة. أعني: الليلة التاسعة، التي صبيحتها يوم عرفة. هذا هو حاصل أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المبيت بمزدلفة.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: قد قدمنا أن الاستدلال بحديث عبد الرحمن بن يعمر الديلي ﵁ على عدم ركنية المبيت بمزدلفة صحيح، وأن دلالته على ذلك إشارة كما هو معروف في الأصول. ولا شك أنه ينبغي للحاج أن يحرص على أن يفعل كفعل النبي  -  ﷺ  -  فيبيت بمزدلفة كما قدمنا إيضاحه. والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: قد قدمنا أن المزدلفة كلها موقف، فحيث وقف منها أجزأه، وهذا لا خلاف فيه بين العلماء. وقد قدمناه من حديث جابر عند مسلم.","vol":"5","page":292},{"text":"الفرع الثاني: اعلم أنه ينبغي التعجيل بصلاة الصبح يوم النحر بمزدلفة في أول وقتها، كما فعل  -  ﷺ  - .\nواعلم أن ما رواه البخاري، ومسلم في صحيحيهما من حديث عبد الله بن مسعود ﵁ قال: \"ما رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  صلى صلاة إلا بميقاتها إلا صلاتين: صلاة المغرب والعشاء بجمع، وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها\". ليس المراد به أنه صلى الصبح قبل طلوع الفجر؛ لأن ذلك ممنوع إجماعًا، ولكن مراده به أنه صلاها قبل ميقاتها المعتاد الذي كان يصليها فيه، ولكن بعد تحقق طلوع الفجر.\nومما يدل على هذا ما رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن مسعود نفسه ﵁، حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا زهير، حدثنا أبو إسحاق قال: سمعت عبد الرحمن بن يزيد يقول: حج عبد الله ﵁، فأتينا المزدلفة. الحديث. وفيه: فلما طلع الفجر قال: إن النبي  -  ﷺ  -  كان لا يصلي هذه الساعة إلا هذه الصلاة في هذا المكان من هذا اليوم. قال عبد الله: هما صلاتان يحولان عن وقتهما، صلاة المغرب بعدما يأتي الناس المزدلفة، والفجر حين يبزغ الفجر، قال: رأيت النبي  -  ﷺ  -  يفعله. انتهى من صحيح البخاري.\nفقول ابن مسعود في هذا الحديث الصحيح: فلما طلع الفجر، وقوله: والفجر حين يبزغ الفجر، وإتباعه ذلك بقوله: رأيت النبي  -  ﷺ  -  يفعله  ...  صريح فيما ذكرنا من أن مراده بقوله: قبل ميقاتها. يعني به: وقتها الذي يصليها فيه عادة، وليس مراده أنه صلاها قبل طلوع الفجر كما ترى.\nالفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يكفي في","vol":"5","page":293},{"text":"النزول بالمزدلفة، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن النزول بمزدلفة بقدر ما يصلي المغرب والعشاء، ويتعشى يكفيه في نزول مزدلفة ولو أفاض منها قبل نصف الليل، وبعضهم يقول: لا بد في ذلك من حط الرحال. وذهب الشافعي وأحمد إلى أنه إن دفع منها بعد نصف الليل أجزأه، وإن دفع منها قبل نصف الليل لزمه دم. وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن دفع منها قبل الفجر لزمه دم؛ لأن وقت الوقوف عنده بعد صلاة الصبح، ومن حضر المزدلفة في ذلك الوقت فقد أتى بالوقوف، ومن تركه ودفع ليلًا فعليه دم إلَّا إن كان لعذر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة هو أنه ينبغي أن يبيت إلى الصبح؛ لأنه لا دليل مقنعًا يجب الرجوع إليه مع من حدد بالنصف الأخير، ولا مع من اكتفى بالنزول. وقياسهم الأقوياء على الضعفاء قائلين: إنه لو كان الدفع بعد النصف ممنوعًا، لما رخص فيه  -  ﷺ  -  لضعفة أهله؛ لأنه لا يرخص لأحد في حرام، قياس مع وجود الفارق، ولا يخفى ما في قياس القوي على الضعيف الذي رخص له لأجل ضعفه كما ترى.\nولا خلاف بين العلماء أن السنَّة أنه يبقى بجمع حتى يطلع الفجر كما تقدم.\nومن المعلوم أن جمعًا، والمزدلفة، والمشعر الحرام أسماء مترادفة، يراد بها شيء واحد، خلافًا لمن خصص المشعر الحرام بقزح دون باقي المزدلفة.\nالفرع الرابع: اعلم أنه لا بأس بتقديم الضعفة إلى منى قبل طلوع الفجر. قال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم فيه مخالفًا. اهـ. ومن المعلوم أن ذلك ثابت عن النبي  -  ﷺ  - .","vol":"5","page":294},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب من قدم ضعفة أهله بليل فيقفون بالمزدلفة، ويدعون، ويقدم إذا غاب القمر: حدثنا يحيى بن بكير، حدثنا الليث، عن يونس، عن ابن شهاب قال سالم: وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقدم ضعفة أهله، فيقفون عند المشعر الحرام بالمزدلفة بليل فيذكرون الله ﷿ ما بدا لهم، ثم يرجعون قبل أن يقف الإِمام، وقبل أن يدفع، فمنهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة، وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله  -  ﷺ  - .\nحدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: بعثني رسول الله  -  ﷺ  -  من جمع بليل.\nحدثنا علي، حدثنا سفيان قال: أخبرني عبيد الله بن أبي يزيد سمع ابن عباس ﵄ يقول: أنا ممن قدم النبي  -  ﷺ  -  ليلة المزدلفة في ضعفة أهله.\nحدثنا مسدد، عن يحيى، عن ابن جريج، قال: حدثني عبد الله مولى أسماء، عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع عند المزدلفة، فقامت تصلي، فصلت ساعة، ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟ قلت: لا، فصلت ساعة، ثم قالت: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا حتى رمت الجمرة ثم رجعت. فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه: ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله  -  ﷺ  -  أذن للظعن.\nحدثنا محمد بن كثير، أخبرنا سفيان، حدثنا عبد الرحمن  -  هو","vol":"5","page":295},{"text":"ابن القاسم  -  عن القاسم، عن عائشة ﵂ قالت: استأذنت سودة النبي  -  ﷺ  -  ليلة جمع وكانت ثقيلة ثبطة، فأذن لها.\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا أفلح بن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ قالت: نزلنا بالمزدلفة، فاستأذنت النبي  -  ﷺ  -  سودة أن تدفع قبل حطمة الناس، وكانت امرأة بطيئة، فأذن لها فدفعت قبل حطمة الناس، وأقمنا حتى أصبحنا نحن. ثم دفعنا بدفعه فلأن أكون استأذنت رسول الله  -  ﷺ  -  كما استأذنت سودة أحب إلى من مفروح به. انتهى من صحيح البخاري.\nوهذه الأحاديث التي رواها البخاري عن ابن عمر، وابن عباس، وأسماء، وعائشة ﵃ رواها كلها مسلم في صحيحه أيضًا مع بعض اختلاف في الألفاظ، والمعنى واحد.\nوروى مسلم في صحيحه عن أم حبيبة ﵂: أن النبي  -  ﷺ  -  بعث بها من جمع بليل. وفي لفظ لها عند مسلم: كنا نفعله على عهد النبي  -  ﷺ  -  نغلس من جمع إلى منى. وفي رواية الناقد: نغلس من مزدلفة. اهـ. وهذه النصوص الصحيحة تدل على جواز تقديم الضعفة والنساء من المزدلفة ليلًا كما ترى.\nالفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في الوقت الذي يجوز فيه رمي جمرة العقبة من الضعفة وغيرهم، مع إجماعهم على أن من رماها بعد طلوع الشمس أجزأه ذلك. فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن أول الوقت الذي يجزئ فيه رمي جمرة العقبة هو ابتداء النصف الأخير من ليلة النحر، وممن قال بهذا: الشافعي، وأحمد، وعطاء، وابن أبي ليلى، وعكرمة بن خالد كما نقله عنهم ابن قدامة في المغني.","vol":"5","page":296},{"text":"وقال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وأحمد، وهو مذهب أسماء بنت أبي بكر، وابن أبي مليكة وعكرمة بن خالد.\nوذهبت جماعة من أهل العلم: إلى أن أول وقته يبتدئ من بعد طلوع الشمس، وهو مذهب مالك، وأبي حنيفة.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن أول وقته للضعفة من طلوع الفجر ولغيرهم من بعد طلوع الشمس. وهو اختيار ابن القيم.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما الذين قالوا: إن رمي جمرة العقبة يجوز في النصف الأخير من ليلة النحر فقد استدلوا بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا هارون بن عبد الله، ثنا ابن أبي فديك، عن الضحاك  -  يعني ابن عثمان  -  عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة أنها قالت: أرسل النبي  -  ﷺ  -  بأم سلمة ليلة النحر، فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت، فأفاضت وكان ذلك اليوم اليوم الذي يكون رسول الله  -  ﷺ  -  يعني عندها. انتهى منه.\nقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث عائشة في إرسال أم سلمة فصحيح. رواه أبو داود بلفظه بإسناد صحيح على شرط مسلم.\nوقال الزيلعي في نصب الراية  -  بعد أن ساق حديث أبي داود هذا عن عائشة: ورواه البيهقي في سننه وقال: إسناده صحيح لا غبار عليه. وما ذكره الزيلعي من أنه قال: إسناده صحيح لا غبار عليه لم أره في سننه الكبرى. وقد ذكر الحديث فيها بدون التصحيح المذكور.","vol":"5","page":297},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي من كون إسناد أبي داود المذكور صحيحًا، على شرط مسلم  =  صحيح؛ لأن طبقته الأولى هارون الحمال، وهو ثقة من رجال مسلم، وطبقته الثانية محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك، وهو صدوق. أخرج له الشيخان وغيرهما، وطبقته الثالثة الضحاك بن عثمان الحزامي الكبير، وهو صدوق يهم، وهو من رجال مسلم، وباقي الإِسناد: هشام، عن عروة بن الزبير، عن عائشة. وصحته ظاهرة، فالاحتجاج بهذا الإِسناد ظاهر؛ لأن جميع رجاله من رجال مسلم، وبعض رجاله أخرج له الجميع، فظاهره الصحة، مع أن بعض أهل العلم ضعفه قائلًا: إنه مضطرب متنًا وسندًا. وممن ذكر أنه ضعفه الإِمام أحمد وغيره. ولا يخفى أن رواية أبي داود المذكورة ظاهرها الصحة.\nوتعتضد بما رواه الخلال: أنبأنا علي بن حرب، حدثنا هارون بن عمران، عن سليمان بن أبي داود، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: أخبرتني أم سلمة قالت: قدمني رسول الله  -  ﷺ  -  فيمن قدم من أهله ليلة المزدلفة، قالت: فرميت بليل، ثم مضيت إلى مكة، فصليت بها الصبح، ثم رجعت إلى منى. انتهى منه. بواسطة نقل ابن القيم في زاد المعاد. ولا شك أن هذه الرواية عن أم سلمة تقوي الرواية الأولى عن عائشة. ولما ساق ابن القيم هذه الرواية التي ذكرها الخلال قال: قلت: سليمان بن أبي داود هذا هو الدمشقي الخولاني ويقال: ابن داود. قال أبو زرعة عن أحمد: رجل من أهل الجزيرة ليس بشيء، وقال عثمان بن سعيد: ضعيف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: رواية سليمان بن داود المذكورة لا تَقِل من أن تعضد الرواية المذكورة قبلها، وسليمان","vol":"5","page":298},{"text":"المذكور وَثَّقَه، وأثنى عليه غير واحد. قال فيه ابن حبان: سليمان بن داود الخولاني من أهل دمشق ثقة مأمون. وقال البيهقي: وقد أثنى على سليمان بن داود أبو زرعة، وأبو حاتم، وعثمان بن سعيد، وجماعة من الحفاظ. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في تهذيب التهذيب.\nوقال ابن حجر فيه أيضًا: قلت: أما سليمان بن داود الخولاني، فلا ريب في أنه صدوق. وقال فيه في التقريب: سليمان بن داود الخولاني أبو داود الدمشقي سكن داريا صدوق، من السابعة. وبذلك كله يعلم أن روايته لا تقل عن أن تكون عاضدًا لغيرها.\nهذا هو حاصل حجة من أجاز رمي الجمرة قبل الصبح.\nوأما حجة من قال: لا يجوز رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها \"أن النبي  -  ﷺ  -  رماها وقت الضحى، وقال: خذوا عني مناسككم\".\nومنها ما رواه أصحاب السنن وغيرهم من حديث ابن عباس ﵄ \"أن النبي  -  ﷺ  -: بعث بضعفة أهله، فأمرهم أن لا يرموا الجمرة حتى تطلع الشمس\" وفي لفظ عن ابن عباس، قال: \"قدمنا رسول الله  -  ﷺ  -  ليلة المزدلفة أغيلمة بني عبد المطلب على حمرات فجعل يلطح أفخاذنا ويقول: أُبَيِنيَّ لا ترموا الجمرة حتى تطلع الشمس\" قال أبو داود: اللطح الضرب اللين. وهذا الحديث صحيح. وقال الترمذي ﵀ في هذا الحديث: قال أبو عيسى: حديث ابن عباس حديث حسن صحيح، والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم. وقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس","vol":"5","page":299},{"text":"المذكور: أما حديث ابن عباس، فصحيح رواه أبو داود، والترمذي، والنسائي، وغيرهم بأسانيد صحيحة. قال الترمذي: حديث حسن صحيح. انتهى كلام النووي.\nوقال ابن القيم في زاد المعاد في حديث ابن عباس المذكور: حديث صحيح صححه الترمذي وغيره.\nوأما حجة من قال بجواز رمي جمرة العقبة للضعفة بعد الصبح قبل طلوع الشمس دون غيرهم، وأن غيرهم لا يجوز له رميها إلَّا بعد طلوع الشمس، فمنها حديث أسماء المتفق عليه الذي قدمناه.\nقال فيه: قالت: يا بني: هل غاب القمر؟ قلت: نعم، قالت: فارتحلوا، فارتحلنا، ومضينا، حتى رمت الجمرة، ثم رجعت، فصلت الصبح في منزلها، فقلت لها: يا هنتاه، ما أرانا إلَّا قد غلسنا، قالت: يا بني إن رسول الله  -  ﷺ  -  أذن للظعن. اهـ. فهذا الحديث المتفق عليه صريح أن أسماء رمت الجمرة قبل طلوع الشمس، بل بغلس، وهو بقية الظلام، ومنه قول الأخطل:\nكذبتك عينك أم رأيت بواسط ... غلس الظلام من الرباب خيالا\nوصرحت بأنه  -  ﷺ  -  أذن في ذلك للظعن، ومفهومه أنه لم يأذن للأقوياء الذكور كما ترى.\nومنها حديث ابن عمر المتفق عليه الذي قدمناه أيضًا، فإن فيه: أنه كان يقدم ضعفة أهله، وأن منهم من يقدم لصلاة الفجر، ومنهم من يقدم بعد ذلك، فإذا قدموا رموا الجمرة. وكان ابن عمر ﵄ يقول: أرخص في أولئك رسول الله  -  ﷺ  -، فحديث ابن عمر هذا المتفق عليه يدل دلالة واضحة على الترخيص للضعفة في رمي جمرة","vol":"5","page":300},{"text":"العقبة بعد الصبح قبل طلوع الشمس كما ترى. ومفهومه أنه لم يرخص لغيرهم في ذلك.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: إن الذي يقتضي الدليل رجحانه في هذه المسألة: أن الذكور الأقوياء لا يجوز لهم رمي جمرة العقبة، إلَّا بعد طلوع الشمس، وأن الضعفة والنساء لا ينبغي التوقف في جواز رميهم بعد الصبح قبل طلوع الشمس، لحديث أسماء، وابن عمر المتفق عليهما الصريحين في الترخيص لهم في ذلك. وأما رميهم أعني الضعفة والنساء، قبل طلوع الفجر، فهو محل نظر، فحديث عائشة عند أبي داود يقتضي جوازه، وحديث ابن عباس عند أصحاب السنن: يقتضي منعه.\nوالقاعدة المقررة في الأصول: هي أن يجمع بين النصين إن أمكن الجمع، وإلَّا فالترجيح بينهما، وقد جمعت بينهما جماعة من أهل العلم، فجعلوا لرمي جمرة العقبة وقتين: وقت فضيلة، ووقت جواز، وحملوا حديث ابن عباس: على وقت الفضيلة، وحديث عائشة: على وقت الجواز، وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nأما الذكور الأقوياء فلم يرد في الكتاب ولا السنَّة دليل يدل على جواز رميهم جمرة العقبة قبل طلوع الشمس؛ لأن جميع الأحاديث الواردة في الترخيص في ذلك كلها في الضعفة، وليس شيء منها في الأقوياء الذكور. وقد قدمنا أن قياس القوي على الضعيف الذي رخص له من أجل ضعفه قياس مع وجود الفارق، وهو مردود كما هو مقرر في الأصول. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nوالفرق بين الأصل والفرع قدح ... إبداء مختص بالأصل قد صلح\nأو مانع في الفرع ... إلخ","vol":"5","page":301},{"text":"ومحل الشاهد منه قوله: إبداء مختص بالأصل قد صلح؛ لأن معترض قياس القوي على الضعيف في هذه المسألة يبدي وصفًا مختصًا بالأصل، دون الفرع صالحًا للتعليل، وهو الضعف؛ لأن الضعف الموجود في الأصل المقيس عليه الذي هو علة الترخيص المذكور ليس موجودًا في الفرع المقيس، الذي هو الذكر القوي كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السادس: اعلم أن وقت رمي جمرة العقبة يمتد إلى آخر نهار يوم النحر، فمن رماها قبل الغروب من يوم النحر فقد رماها في وقت لها.\nقال ابن عبد البر: أجمع أهل العلم على أن من رماها يوم النحر قبل المغيب فقد رماها في وقت لها وإن لم يكن مستحبًا لها. انتهى منه بواسطة نقل ابن قدامة في المغني. فإن فات يوم النحر، ولم يرمها فقال بعض أهل العلم: يرميها ليلًا. والذين قالوا: يرميها ليلًا منهم من قال: رميها ليلًا أداء لا قضاء، وهو أحد وجهين مشهورين للشافعية حكاهما صاحب التقريب، والشيخ أبو محمد الجويني، وولده إمام الحرمين، وآخرون.\nقال النووي: وروى مالك في الموطأ عن أبي بكر بن نافع مولى ابن عمر، عن أبيه نافع: أن ابنة أخ لصفية بنت أبي عبيد نفست بالمزدلفة، فتخلفت هي وصفية، حتى أتتا من بعد أن غربت الشمس من يوم النحر، فأمرهما عبد الله بن عمر أن ترميا، ولم ير عليهما شيئًا. انتهى منه. وهو دليل على أن ابن عمر يرى أن رميها في الليل أداء، لمن كان له عذر كصفية وابنة أخيها. وممن قال يرميها ليلًا: مالك وأصحابه؛ لأن مذهبه قضاء الرمي الفائت في الليل وغيره.","vol":"5","page":302},{"text":"وفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك عمن نسي جمرة من الجمار في بعض أيام منى حتى يمسي؟ قال: ليرم أية ساعة ذكر من ليل أو نهار، كما يصلي الصلاة إذا نسيها، ثم ذكرها ليلًا أو نهارًا، فإن كان ذلك بعدما صدر، وهو بمكة، أو بعدما يخرج منها فعليه الهدي واجب. انتهى من الموطأ.\nوقال الشيخ المواق في شرحه لمختصر خليل بن إسحاق المالكي في الكلام على قوله: \"والليل قضاء\": قال ابن شاس: للرمي وقت أداء، ووقت قضاء، ووقت فوات، فوقت الأداء في يوم النحر من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. قال: وتردد الباجي في الليلة التي تلي يوم النحر هل هي وقت أداء، أو وقت قضاء؟ ووقت الأداء في كل يوم من الأيام الثلاثة من بعد الزوال إلى مغيب الشمس، ويتردد في الليل كما تقدم. انتهى منه.\nوقال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ولو أخر الرمي إلى الليل رماها، ولا شيء عليه؛ لأن الليل تبع لليوم في مثل هذا، كما في الوقوف بعرفة، فإن أخره إلى الغد رماه وعليه دم. انتهى كرماني انتهى منه.\nوقال بعض أهل العلم: إن غربت الشمس من يوم النحر، وهولم يرم جمرة العقبة، لم يرمها في الليل، ولكن يؤخر رميها، حتى تزول الشمس من الغد. قال ابن قدامة في المغني: فإن أخرها إلى الليل لم يرمها حتى تزول الشمس من الغد. وبهذا قال أبو حنيفة، وإسحاق. وقال الشافعي، ومحمد بن المنذر، ويعقوب: يرميها ليلًا لقول النبي  -  ﷺ  -: \"ارم ولا حرج\". انتهى من المغني.","vol":"5","page":303},{"text":"فإذا عرفت أقوال أهل العلم في الرمي ليلًا هل يجوز أو لا؟ وعلى جوازه هل هو أداء أو قضاء؟\nفاعلم أن من قال بجواز الرمي ليلًا، استدل بما ثبت عن النبي - ﷺ - من أنه لا حرج على من رمى بعدما أمسى.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قال: كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى فيقول: \"لا حرج\" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح؟ قال: \"اذبح ولا حرج\" وقال: رميت بعدما أمسيت فقال: \"لا حرج\" قالوا: قد صرح النبي - ﷺ - بأن من رمى بعدما أمسى لا حرج عليه، واسم المساء يصدق بجزء من الليل.\nواعلم أن من قالوا: لا يجوز الرمي ليلًا ردوا الاستدلال بهذا الحديث قائلين: إن مراد السائل بقوله: بعدما أمسيت يعني به بعد زوال الشمس في آخر النهار قبل الليل. قالوا: والدليل الواضح على ذلك أن حديث ابن عباس المذكور فيه كان النبي - ﷺ - يُسأل يوم النحر بمنى .. الحديث. فتصريحه بقوله: يوم النحر يدل على أن السؤال وقع في النهار، والرمي بعد الإِمساء وقع في النهار؛ لأن المساء يطلق لغة على ما بعد وقت الظهر إلى الليل.\nقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: قال: رميت بعدما أمسيت، أي: بعد دخول المساء، وهو يطلق على ما بعد الزوال إلى أن يشتد الظلام، فلم يتعين لكون الرمي المذكور كان بالليل. انتهى منه.","vol":"5","page":304},{"text":"وقال ابن منظور في لسان العرب: المساء بعد الظهر إلى صلاة المغرب، وقال بعضهم: إلى نصف الليل. اهـ.\nقالوا: فالحديث صريح في أن المراد بالإِمساء فيه آخر النهار بعد الزوال، لا الليل. وإذًا فلا حجة فيه للرمي ليلًا.\nوأجاب القائلون بجواز الرمي ليلًا عن هذا بأجوبة:\nالأول منها: أن قول النبي - ﷺ -: \"لا حرج\" بعد قول السائل: رميت بعدما أمسيت. يشمل لفظه نفي الحرج عمن رمى بعدما أمسى وخصوص سببه بالنهار لا عبرة به، لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، ولفظ المساء عام لجزء من النهار، وجزء من الليل. وسبب ورود الحديث المذكور خاص بالنهار. وقد قدمنا الأدلة الصحيحة على أن العبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\nالجواب الثاني: أنه ثبت في بعض روايات حديث ابن عباس المذكور ما هو أعم من يوم النحر، وهو صادق قطعًا بحسب الوضع اللغوي ببعض أيام التشريق. ومعلوم أن الرمي فيها لا يكون إلَّا بعد الزوال، فقول السائل في بعض أيام التشريق: رميت بعدما أمسيت لا ينصرف إلَّا إلى الليل؛ لأن الرمي فيها بعد الزوال معلوم فلا يسأل عنه صحابي.\nقال أبو عبد الرحمن النسائي في سننه: أخبرنا محمد بن عبد الله بن بزيع، قال: حدثنا يزيد - هو ابن زريع - قال: حدثنا خالد عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رسول الله - ﷺ - يسأل أيام منى فيقول: \"لا حرج\" فسأله رجل فقال: حلقت قبل أن أذبح قال:","vol":"5","page":305},{"text":"\"لا حرج\" فقال رجل: رميت بعدما أمسيت قال: \"لا حرج\". انتهى منه. وهذا الحديث صحيح الإِسناد كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بزيع، وهو ثقة معروف، وهو من رجال مسلم في صحيحه، وبقية إسناده هي بعينها إسناد البخاري الذي ذكرناه آنفًا، وقوله في هذا الحديث الصحيح: أيام منى بصيغة الجمع صادق بأكثر من يوم واحد، فهو صادق بحسب وضع اللغة ببعض أيام التشريق، والسؤال عن الرمي بعد المساء فيها لا ينصرف إلَّا إلى الليل كما بينا.\nفإن قيل: صيغة الجمع في رواية النسائي تخصص بيوم النحر الوارد في رواية البخاري، فيحمل ذلك الجمع على المفرد نظرًا لتخصيصه به. ويؤيد ذلك أن في رواية أبي داود، وابن ماجه لحديث ابن عباس المذكور يوم منى بالإِفراد.\nفالجواب: أن المقرر في الأصول أن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه على مذهب الجمهور، خلافًا لأبي ثور سواء كان العام، وبعض أفراده المذكور بحكمة في نص واحد أو نصين.\nفمثال كونهما في نص واحد قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ فلا يخصص عموم الأمر بالمحافظة على جميع الصلوات بالصلاة الوسطى، بل المحافظة على جميعها واجبة.\nومثال كونهما في نصين: حديث ابن عباس العام في جلود الميتة \"أيما إهاب دبغ فقد طهر\" مع حديثه الآخر أنه تصدق على مولاة لميمونة بشاة فماتت فمر بها رسول الله  -  ﷺ  -  فقال: \"هلا أخذتم إهابها فدبغتموه فانتفعتم به\" الحديث. فذكر جلد الشاة في هذا الحديث الأخير لا يخصص عموم الجلود المذكورة \"أيما إهاب دبغ\" الحديث. فجواز الانتفاع عام في جلد الشاة، وفي غيرها من الأهب","vol":"5","page":306},{"text":"إلَّا ما أخرجه دليل خاص؛ لأن ذكر بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه، وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله عاطفًا على ما لا يخصص به العموم.\nوذكر ما وافقه من مفرد ... ومذهب الراوي على المعتمد\nوللمخالفين القائلين: لا يجوز الرمي ليلًا أن يردوا هذا الاستدلال فيقولوا: رواية النسائي العامة في أيام منى فيها أنه كان يسأل فيها فيقول: \"لا حرج\" وأنه سأله رجل فقال: رميت بعدما أمسيت فقال: \"لا حرج\" ولم يعين اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت وعموم أيام منى صادق بيوم النحر. وقد بينت رواية البخاري أن ذلك السؤال وقع في خصوص يوم النحر من أيام منى، ولا ينافي ذلك أنه قال: لا حرج في أشياء أخر في بقية أيام منى. وغاية ذلك أن أيام منى عام ورواية البخاري عينت اليوم الذي قال فيه: رميت بعدما أمسيت.\nالجواب الثالث: هو ما قدمنا في الموطأ عن ابن عمر من أنه أمر زوجته صفية بنت أبي عبيد وابنة أخيها برمي الجمرة بعد الغروب، ورأى أنهما لا شيء عليهما في ذلك، وذلك يدل على أنه علم من النبي  -  ﷺ  -  أن الرمي ليلًا جائز. وقد يقال: إن صفية وابنة أخيها كان لهما عذر؛ لأن ابنة أخيها عذرها النفاس ليلة المزدلفة، وهي عذرها معاونة ابنة أخيها. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السابع: اعلم أنه لا بأس بلقط الحصيات من المزدلفة، أعني السبع التي ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر. وبعض أهل العلم يقول: إن لقطها من المزدلفة مستحب، واستدلوا لذلك بأمرين:\nالأول: حديث الفضل بن العباس ﵄ أن النبي  -  ﷺ  -","vol":"5","page":307},{"text":"قال له غداة يوم النحر: \"القط لي حصى\" فلقطت له حصيات مثل حصى الخذف.\nقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث الفضل بن عباس في لقط الحصيات، فصحيح رواه البيهقي بإسناد حسن أو صحيح، وهو على شرط مسلم من رواية عبد الله بن عباس، عن أخيه الفضل بن عباس. ورواه النسائي، وابن ماجه بإسنادين صحيحين، إسناد النسائي على شرط مسلم، لكنهما روياه من رواية ابن عباس مطلقًا. وظاهر روايتيهما أنه عبد الله بن عباس، لا الفضل. وكذا ذكره الحافظ أبو القاسم بن عساكر في الأطراف في مسند عبد الله بن عباس، لا الفضل بن عباس، ولم يذكره في مسند الفضل. والجميع صحيح كما ذكرناه، فيكون ابن عباس وصله في رواية البيهقي، وأرسله في روايتي النسائي، وابن ماجه. وهو مرسل صحابي وهو حجة لو لم يعرف المرسل عنه، فأولى بالاحتجاج، وقد عرف هنا أنه الفضل بن عباس. فالحاصل: أن الحديث صحيح من رواية الفضل بن عباس، والله أعلم. انتهى كلام النووي.\nالأمر الثاني: أن السنَّة أنه إذا أتى منى لا يشتغل بشيء قبل الرمي، فاستحب أن يأخذ الحصى من منزله بمزدلفة لِأَلَّا يشتغل عن الرمي بلقطه إذا أتى مني، ولا شك أنه إن أخذ الحصى من غير المزدلفة أنه يجزئه؛ لأن اسم الحصى يقع عليه. والله تعالى أعلم.\nالفرع الثامن: اعلم أن السنَّة أن يكون الحصى الذي يرمى به مثل حصى الخذف، لأحاديث واردة بذلك عن النبي  -  ﷺ  - . وفي حديث جابر الطويل في صحيح مسلم: فرماها بسبع حصيات، يكبر مع كل حصاة منها مثل حصى الخذف الحديث.","vol":"5","page":308},{"text":"قال في اللسان: والخذف رميك بحصاة، أو نواة تأخذها بين سبابتيك. وقال الجوهري في صحاحه: الخذف بالحصى الرمي به بالأصابع. ومنه قول الشاعر: \"خذف أعسرا\". اهـ منه. والشاعر امرؤ القيس وتمام البيت:\nكأن الحصى من خلفها وأمامها ... إذا نجلته رجلها خذف أعسرا\nالفرع التاسع: اعلم أن جمهور العلماء على أن رمي جمرة العقبة واجب يجبر بدم، وخالف عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك الجمهور فقال: هو ركن.\nواحتج الجمهور بالقياس على الرمي في أيام التشريق. واحتج ابن الماجشون بأن النبي  -  ﷺ  -  رماها، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" كما في صحيح مسلم، وفي رواية البيهقي \"خذوا عني مناسككم\" وفي رواية أبي داود: \"لتأخذوا مناسككم\".\nالفرع العاشر: أجمع العلماء على أنه لا يرمى من الجمرات يوم النحر إلَّا جمرة العقبة.\nالفرع الحادي عشر: اعلم أن الأفضل في موقف من أراد رمي جمرة العقبة أن يقف في بطن الوادي، وتكون منى عن يمينه، ومكة عن يساره، كما دلت الأحاديث الصحيحة على أن النبي  -  ﷺ  -  فعل كذلك.\nقال النووي في شرح المهذب: وبهذا قال جمهور العلماء، منهم ابن مسعود، وجابر، والقاسم بن محمد، وسالم، وعطاء، ونافع، والثوري، ومالك وأحمد. قال ابن المنذر: وروينا أن عمر ﵁ خاف الزحام فرماها من فوقها.","vol":"5","page":309},{"text":"المسألة التاسعة: اعلم أنه إذا رمى الجمرة يوم النحر وحلق فقد تحلل التحلل الأول، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام إلَّا النساء. وعند مالك: إلَّا النساء والصيد والطيب، فإن طاف طواف الإِفاضة وكان قد سعى بعد طواف القدوم، أو سعى بعد إفاضته فقد تحلل التحلل الثاني، وبه يحل كل شيء كان محظورًا بالإِحرام حتى النساء والصيد والطيب.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أنهم اختلفوا في الحلق، هل هو نسك كما قدمناه في سورة البقرة؟\nفمن قال: هو نسك قال: إن التحلل الأول لا يكون إلَّا بعد الرمي والحلق معًا، ومن قال: إن الحلق غير نسك قال: يتحلل التحلل الأول بمجرد انتهائه من رمي جمرة العقبة يوم النحر.\nوأظهر القولين عندي: أن الحلق نسك، كما قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية.\nالفرع الثاني: في مذاهب العلماء في مسألة التحلل: فمذهب مالك: أنه بمجرد رمي جمرة العقبة يوم النحر يحل له كل شيء إلَّا النساء والصيد والطيب، والطيب مكروه عنده بعد رميها، لا حرام، وإن طاف طواف الإِفاضة، وكان قد سعى حل له كل شيء. ومذهب أبي حنيفة: أنه إذا حلق، أو قصر حل التحلل الأول، ويحل به كل شيء عنده إلَّا النساء، وإن طاف طواف الإِفاضة حل له النساء. وهم يقولون: إن حل النساء بعد الطواف إنما هو بالحلق السابق،","vol":"5","page":310},{"text":"لا بالطواف؛ لأن الحلق هو المحلل، دون الطواف غير أنه أخر عمله إلى ما بعد الطواف، فإذا طاف عمل الحلق عمله، كالطلاق الرجعي أخر عمله إلى انقضاء العدة لحاجته إلى الاسترداد، فإذا انقضت عمل الطلاق عمله فبانت.\nوالدليل على ذلك: أنه لو لم يحلق حتى طاف بالبيت لم يحل له شيء حتى يحلق. وبذلك تعلم أن المدار عندهم على الحلق إلَّا أن الحلق عندهم بعد رمي جمرة العقبة وبعد النحر إن كان الحاج يريد النحر، ومذهب الشافعي في هذه المسألة هو أنه على القول بأن الحلق نسك، يحصل التحلل الأول باثنين من ثلاثة هي: رمي جمرة العقبة، والحلق، وطواف الإِفاضة، فإذا فعل اثنين من هذه الثلاثة تحلل التحلل الأول، وإن فعل الثالث منها تحلل التحلل الثاني، وبالأول يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، وبالثاني تحل النساء. وعلى القول بأن الحلق ليس بنسك فالتحلل الأول يحصل بواحد من اثنين: هما رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة، ويحصل التحلل الثاني بفعل الثاني. ومذهب الإِمام أحمد هو أنه إن رمى جمرة العقبة، ثم حلق تحلل التحلل الأول، وبه يحل عنده كل شيء إلَّا النساء، فإن طاف طواف الإِفاضة، حلت له النساء.\nوقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن هذا هو الصحيح من مذهب أحمد. وهذا قول ابن الزبير، وعائشة، وعلقمة، وسالم، وطاووس، والنخعي، وعبد الله بن الحسين، وخارجة بن زيد، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروى أيضًا عن ابن عباس. وعن أحمد أنه يحل له كل شيء إلَّا الوطء في الفرج؛ لأنه أغلظ المحرمات، ويفسد النسك، بخلاف غيره.","vol":"5","page":311},{"text":"وقال عمر بن الخطاب ﵁: يحل له كل شيء إلَّا النساء والطيب. وروي ذلك عن ابن عمر، وعروة بن الزبير، وعباد بن عبد الله بن الزبير؛ لأنه من دواعي الوطء فأشبه القبلة. وعن عروة: أنه لا يلبس القميص، ولا العمامة، ولا يتطيب. وروى في ذلك عن النبي  -  ﷺ  -  حديثًا. انتهى كلام صاحب المغني.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في المسألة، فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما حجة مالك في أن التحلل الأول يحل به ما سوى النساء والصيد والطيب. أما بالنسبة إلى الصيد، فلم أرَ له مستندًا من النقل، إلَّا أمرين:\nأحدهما: أثر مروي عن مكحول عن عمر ﵁ أنه قال: إذا رميتم الجمرة، فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء والطيب والصيد. ذكر هذا الأثر صاحب المهذب. وقال النووي في شرحه: وأما الأثر المذكور عن عمر ﵁ فهو مرسل؛ لأن مكحولًا لم يدرك عمر، فحديثه عنه منقطع ومرسل. والله أعلم.\nوالثاني: التمسك بظاهر قوله تعالى: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ لأن حرمة الجماع المتفق عليها بعد رمي جمرة العقبة، دليل على بقاء إحرامه في الجملة، فيشمله عموم: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾؛ لأنه لو زال حكم إحرامه بالكلية لما حرم عليه الوطء.\nوأما حجته أعني مالكًا بالنسبة إلى النساء والطيب، فهي ما روى في موطئه عن نافع، وعبد الله بن دينار، عن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب ﵁ خطب الناس بعرفة، وعلمهم أمر","vol":"5","page":312},{"text":"الحج، وقال لهم فيما قال: إذا جئتم منى، فمن رمى الجمرة، فقد حلَّ له ما حرم على الحاج إلَّا النساء، والطيب لا يمس أحد نساء ولا طيبًا حتى يطوف بالبيت. اهـ.\nومما يستدل به المالك على ذلك = ما رواه الحاكم في المستدرك: حدثنا أبو عبد الله محمد بن يعقوب الحافظ، ثنا إبراهيم بن عبد الله، أنبأ زيد بن هارون، أنبأ يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد، عن عبد الله بن الزبير قال: من سنَّة الحج أن يصلي الإِمام الظهر والعصر والمغرب والعشاء الآخرة والصبح بمنى، ثم يغدو إلى عرفة ... الحديث. وفيه: فإذا رمى الجمرة الكبرى حل له كل شيء حرم عليه إلَّا النساء والطيب حتى يزور البيت. اهـ. ثم قال: هذا حديث على شرط الشيخين، ولم يخرجاه، ولم يتعقبه عليه الذهبي.\nهذا هو حاصل حجة مالك وأصحابه في أن التحلل الأول يحل به، ما عدا النساء والصيد والطيب. وقد قدمنا أن الطيب بعد رمي الجمرة مكروه عنده، لا حرام.\nوأما حجة من قال: إنه إن رمى جمرة العقبة وحلق حل له كل شيء إلَّا النساء كأحمد، والشافعي ومن وافقهما، فمنها حديث عائشة المتفق عليه، قالت: كنت أطيب رسول الله  -  ﷺ  -  لإِحرامه، حين يحرم ولحله قبل أن يطوف بالبيت. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم في صحيحه عن عائشة قالت: طيبت رسول الله  -  ﷺ  -  لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت. وفي لفظ: طيبت رسول الله  -  ﷺ  -  بيدي لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل قبل أن يطوف بالبيت. وقد ذكر مسلم لهذا الحديث ألفاظًا متعددة متقاربة معناها واحد. منها","vol":"5","page":313},{"text":"قالت: طيبت رسول الله  -  ﷺ  -  لحرمه حين أحرم، ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت.\nومن أدلتهم على ذلك = ما رواه الإِمام أحمد، والنسائي، وابن ماجه عن ابن عباس ﵄ قال: إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء. قال رجل: والطيب؟ فقال ابن عباس: أما أنا فقد رأيت رسول الله  -  ﷺ  -  يضمخ رأسه بالمسك، أفطيب ذلك أم لا؟\nقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس هذا: وقد روى النسائي بإسناده عن الحسن بن عبد الله العرني، عن ابن عباس قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"إذا رميتم الجمرة فقد حل لكم كل شيء إلَّا النساء\" هكذا رواه النسائي، وابن ماجه مرفوعًا، وإسناده جيد إلَّا أن يحيى بن معين وغيره، قالوا: يقال: إن الحسن العرني لم يسمع ابن عباس. ورواه البيهقي موقوفًا على ابن عباس. انتهى كلام النووي ﵀.\nوالذي رأيته في سنن النسائي، وابن ماجه: أن حديث الحسن العرني المذكور موقوف عندهما على ابن عباس إلَّا ما ذكره من أنه رأى النبي  -  ﷺ  -  يتضمخ بالمسك.\nوقال ابن حجر في تهذيب التهذيب في الحسن العرني المذكور: قال أحمد: لم يسمع من ابن عباس شيئًا. وقال أبو حاتم: لم يدركه. اهـ. والعرني بضم العين، وفتح الراء ثم نون: نسبة إلى عرينة بطن من بجيلة.\nومن أدلتهم على ذلك = ما رواه أبو داود في سننه من طرق","vol":"5","page":314},{"text":"الحجاج بن أرطاة، عن الزهري، عن عمرة بنت عبد الرحمن، عن عائشة قالت: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"إذا رمى أحدكم جمرة العقبة، فقد حل له كل شيء إلَّا النساء\". اهـ.\nومعلوم أن هذا الحديث ضعيف من وجهين:\nأحدهما: هو ما قدمنا من تضعيف الحجاج بن أرطاة.\nوالثاني: أن الحجاج المذكور لم يسمع من الزهري.\nوقد قال أبو داود في سننه بعد أن ساق هذا الحديث: هذا حديث ضعيف. الحجاج لم ير الزهري، ولم يسمع منه.\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: أما حديث عائشة ﵂ فرواه أبو داود بإسنادٍ ضعيف جدًّا من رواية الحجاج بن أرطاة. وقال: هو حديث ضعيف. اهـ.\nهذا هو حاصل حجة من قال: إنه يحل له بعد رمي جمرة العقبة كل شيء إلَّا النساء.\nوأما ما ذكرنا عن الشافعي: من أنه يحل له كل شيء إلَّا النساء باثنين من ثلاثة: هي الرمي، والحلق، والطواف، وتحل النساء بالثالث منها، بناءً على أن الحلق نسك، وعلى أنه ليس بنسك.\nيحل له كل شيء إلَّا النساء بواحد من اثنين، هما: الرمي، والطواف، وتحل له النساء بالثاني منهما لم نعلم له نصًا يدل عليه هكذا. والظاهر أنه رأى هذه الأشياء لها مدخل في التحلل، وقد دل النص الصحيح على حصول التحلل الأول بعد الرمي والحلق، فجعل هو الطواف كواحد منهما. والله تعالى أعلم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أن الطيب يحل له","vol":"5","page":315},{"text":"بالتحلل الأول، لحديث عائشة المتفق عليه الذي هو صريح في ذلك. وكذلك لبس الثياب، وقضاء التفث، وأن الجماع لا يحل إلَّا بالتحلل الأخير. وأما حلية الصيد بالتحلل الأول فهي محل نظر؛ لأن الأحاديث التي فيها التصريح. بأنه يحل له كل شيء إلَّا النساء قد علمت ما فيها من الكلام. وحديث عائشة المتفق عليه لم يتعرض لحل الصيد.\nوظاهر قوله: ﴿لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ يمكن أن يتناول ما بعد التحلل الأول؛ لأن حرمة الجماع تدل على أنه متلبس بالإِحرام في الجملة، وإن كان قد حل له بعض ما كان حرامًا عليه. والله تعالى أعلم.\nالمسألة العاشرة: في أحكام الرمي:\nاعلم أنا قدمنا في الكلام على الإِفاضة من مزدلفة إلى منى بعض أحكام رمي جمرة العقبة، فبينا كلام العلماء في حكمه، وفي أول وقته وآخره، وذكرنا بعض الأحكام المتعلقة برميها قريبًا. والآن سنذكر إن شاء الله المهم من أحكام الرمي.\nأعلم أن الرمي في أيام التشريق واجب، يجبر بدم عند جماهير العلماء على اختلاف بينهم في تعدد الدماء فيه، وعدم تعددها، ولا خلاف بينهم في أنه ليس بركن؛ لأن الحج يتم قبله، ويتحلل صاحبه التحلل الأصغر والأكبر، فيحل له كل شيء حرم عليه بالإِحرام، فحجه قام إجماعًا قبل رمي أيام التشريق، ولكن رميها واجب يجبر بدم؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  رمى فيها، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\".","vol":"5","page":316},{"text":"فروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن التحقيق أنه لا يجوز الرمي في أيام التشريق إلَّا بعد الزوال، لثبوت ذلك عن النبي  -  ﷺ  - .\nففي صحيح مسلم من حديث جابر قال: \"رمى رسول الله  -  ﷺ  -  الجمرة يوم النحر ضحى، وأما بعد فإذا زالت الشمس\" هذا لفظ مسلم عنه في صحيحه. وحديث جابر هذا الذي رواه مسلم في صحيحه موصولًا باللفظ الذي ذكرنا رواه البخاري تعليقًا مجزومًا به بلفظ: وقال جابر: \"رمى النبي  -  ﷺ  -  يوم النحر ضحى، ورمى بعد ذلك بعد الزوال\" ثم ساق البخاري ﵀ بسنده عن ابن عمر قال: كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في قول ابن عمر: كنا نتحين ... الحديث، فأعلمه بما كانوا يفعلونه في زمن النبي  -  ﷺ  -، وهو دليل على أن الحافظ ابن حجر يرى قول ابن عمر: \"كنا نتحين، فإذا زالت الشمس رمينا\" له حكم الرفع. وحديث جابر الصحيح المذكور قبله صريح في الرفع. وروى الإِمام أحمد، وأبو داود، عن عائشة ﵂ قالت: \"أفاض رسول الله  -  ﷺ  -  آخر يوم حين صلَّى الظهر، ثم رجع إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق يرمي الجمرة إذا زالت الشمس\" الحديث. وفي إسناده محمد بن إسحاق، صاحب المغازي، وهو مدلس، وقد قال ابن إسحاق المذكور في الإِسناد المذكور: عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة. والمدلس إذا عنعن لم تقبل روايته عند أهل الحديث. وقد قدمنا مرارًا أن من يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، وأن المشهور عن أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: الاحتجاج بالمرسل.","vol":"5","page":317},{"text":"وروى الإِمام أحمد، وابن ماجه، والترمذي وحسَّنه عن ابن عباس قال: \"رمى رسول الله  -  ﷺ  -  الجمار حين زالت الشمس\".\nوبهذه النصوص الثابتة عن النبي  -  ﷺ  -  تعلم أن قول عطاء وطاووس بجواز الرمي في أيام التشريق قبل الزوال، وترخيص أبي حنيفة في الرمي يوم النفر قبل الزوال، وقول إسحاق: إن رمى قبل الزوال في اليوم الثالث أجزأه، كل ذلك خلاف التحقيق؛ لأنه مخالف لفعل النبي  -  ﷺ  -  الثابت عنه المعتضد بقوله: \"لتأخذوا عني مناسككم\" ولذلك خالف أبا حنيفة في ترخيصه المذكور صاحباه محمد، وأبو يوسف. ولم يرد في كتاب الله، ولا سنة نبيه  -  ﷺ  -  شيء يخالف ذلك. فالقول بالرمي قبل الزوال أيام التشريق لا مستند له البتة، مع مخالفته للسنَّة الثابتة عنه  -  ﷺ  -، فلا ينبغي لأحد أن يفعله، والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني: اعلم أنه يجب الترتيب في رمي الجمار أيام التشريق فيبدأ بالجمرة الأولى التي تلي مسجد الخيف، فيرميها بسبع حصيات، مثل حصى الخذف، يكبر مع كل حصاة، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى الجمرة الوسطى، فيرميها كالتي قبلها، ثم يقف، فيدعو طويلًا، ثم ينصرف إلى جمرة العقبة، فيرميها كذلك، ولا يقف عندها، بل ينصرف إذا رمى. وهذا الترتيب على النحو الذي ذكرنا هو الذي فعله النبي  -  ﷺ  -، وأمر بأخذ المناسك عنه. فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا الترتيب المذكور. ففي صحيح البخاري ﵀ من حديث ابن عمر ﵄: أنه كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات، يكبر على أثر كل حصاة، ثم يتقدم حتى يسهل، فيقوم مستقبل القبلة، فيقوم طويلًا، ويدعو ويرفع يديه، ثم","vol":"5","page":318},{"text":"يرمي الوسطى، ثم يأخذ ذات الشمال فيستهل، ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا، ويدعو، ويرفع يديه، ويقوم طويلًا، ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي، ولا يقف عندها، ثم ينصرف فيقول: هكذا رأيت النبي  -  ﷺ  -  يفعله. اهـ. روى البخاري هذا الحديث في ثلاثة أبواب متوالية، وهو نص صحيح صريح في الترتيب المذكور. وقد قال  -  ﷺ  -: \"لتأخذوا عني مناسككم\" فإن لم يرتب الجمرات، بأن بدأ بجمرة العقبة لم يجزئه الرمي منسكًا؛ لأنه خالف هدي النبي  -  ﷺ  -، وفي الحديث: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو ردّ\" وتنكيس الرمي عمل ليس من أمرنا، فيكون مردودًا. وبهذا قال مالك، والشافعي وأحمد، وجمهور أهل العلم. وقال أبو حنيفة: الترتيب المذكور سنة، فإن نكس الرمي أعاده وإن لم يعد أجزأه. وهو قول الحسن وعطاء. واحتجوا بأدلة لا تنهض. وعلى الصحيح الذي هو قول الجمهور: إن الترتيب شرط، لو بدأ بجمرة العقبة، ثم الوسطى، ثم الأولى، أو بدأ بالوسطى، ورمى الثلاث لم يجزه إلَّا الأولى، لعدم الترتيب في الوسطى، والأخيرة، فعليه أن يرمى الوسطى، ثم الأخيرة، ولو رمى جمرة العقبة، ثم الأولى، ثم الوسطى أعاد جمرة العقبة وحدها. هذا هو الظاهر.\nواعلم أن العلماء اختلفوا في مسائل كثيرة من مسائل الرمي، ليس فيها نص، وسنذكر هنا بعض ذلك مما يظهر لنا أنه أقرب للصواب، مع الاختصار، لعدم النصوص في ذلك.\nفمن ذلك: أن الأقرب فيما يظهر لنا أنه لا بد من رمي الحصاة بقوة، فلا يكفي طرحها، ولا وضعها باليد في المرمى؛ لأن ذلك ليس برمي في العرف، خلافًا لمن قال: إنه رمي، وأنه لا بد من وقوع","vol":"5","page":319},{"text":"الحصاة في نفس المرمى، وهو الجمرة التي يحيط بها البناء واستقرارها فيه خلافًا لمن قال: إنها إن وقعت في المرمى، ثم تدحرجت حتى خرجت منه أنه يجزئه، وأنها لو ضربت شيئًا دون المرمي، ثم طارت، وسقطت في المرمى أن ذلك يجزئه، بخلاف ما لو جاءت في محمل، أو في ثوب رجل، فتحرك المحمل، أو الرجل فسقطت في المرمى، فإنها لا تجزئ، وكذلك لو جاءت دون المرمي، فأطارت حصاة أخرى، فجاءت هذه الحصاة الأخرى في المرمى، فإنها لا تجزئه؛ لأن الحصاة التي رماها لم تسقط في المرمى، وإنما وقعت فيه الحصاة التي أطارتها، وأنها إن أخطأت المرمى، ولكن سقطت قريبًا منه، أن ذلك لا يجزئه، خلافًا لمن قال: يجزئه، وأنه لا ينبغي أن يرمي إلَّا بالحجارة، فلا ينبغي الرمي بالمدر، والطين، والمغرة، والنورة، والزرنيخ، والملح، والكحل، وقبضة التراب، والأحجار النفيسة: كالياقوت، والزبرجد، والزمرد، ونحو ذلك، خلافًا لمن أجاز الرمي بذلك.\nولا يجوز الرمي بالخشب، والعنبر، واللؤلؤ، والجوهر، والذهب، والفضة. والأقرب أيضًا أن الحصاة إن وقعت في شقوق في البناء المنتصب في وسط الجمرة، وسكنت فيها أنها لا تجزئ؛ لأنها وقعت في هواء المرمى، لا في نفس المرمى خلافًا لمن قال: إنها تجزئه. والأقرب: أنه لا يلزم غسل الحصى؛ لعدم الدليل على ذلك، وأنه لو رمى بحصاة نجسة أجزأه ذلك؛ لصدق اسم الرمي عليه، وعدم نص على اشتراط طهارة الحصى، مع كراهة ذلك عند بعض أهل العلم، وقول بعضهم بعدم الإِجزاء. والأقرب أنه لو رمى بحصاة قد رمى بها أنها تجزئه، لصدق اسم الرمي عليها، وعدم","vol":"5","page":320},{"text":"النص على منع ذلك، ولا على عدم إجزائه، ولكن الأحوط في الجميع الخروج من الخلاف، كما قال بعضهم:\nوأن الأورع الذي يخرج من ... خلافهم ولو ضعيفًا فاستبن\nوفي كتب الفروع هنا أشياء تركناها لكثرتها.\nتنبيه\nاعلم أن العلماء اختلفوا في المعنى الذي منه الجمرة، فقال بعض أهل العلم: الجمرة في اللغة: الحصاة، وسميت الجمرة التي هي موضع الرمي بذلك؛ لأنها المحل الذي يرمى فيه بالحصى، وعلى هذا فهو من تسمية الشيء باسم ما يحل فيه، وهو أسلوب عربي معروف، وهو عند البلاغيين من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، والتجمير رمي الحصى في الجمار. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:\nبدَا لِي منها معصمٌ يوم جَمَّرت ... وكفٌّ خضيبٌ زُيِّنت ببنانِ\nفوالله ما أدري وإني لحاسبٌ ... بسبع رميتَ الجمرَ أم بثمانِ\nوالمجمر بصيغة اسم المفعول مضعفًا: هو الموضع الذي ترمى فيه الجمار، ومنه قول حذيفة بن أنس الهذلي:\nلأدركهم شُعْث النواصي كأنَّهم ... سوابقُ حجَّاج توافي المجمرا\nوقال بعض أهل العلم: أصل الجمرة من التجمر بمعنى التجمع، تقول العرب: تجمَّر القوم، إذا اجتمعوا، وانضم بعضهم إلى بعض، وجمرهم الأمر: أحوجهم إلى التجمر، وهو التجمع، وجمر الشيء: جمعه، وجمر الأمير الجيش، إذا أطال حبسهم مجتمعين بالثغر، ولم يأذن لهم في الرجوع","vol":"5","page":321},{"text":"والتفرق، وروى الربيع: أن الشافعي أنشده في ذلك قول الشاعر:\nوجمَّرتْنا تجميرَ كسرى جُنوده ... ومنيتنا حتَّى نسينا الأمَانِيَا\nوالجمار: القوم المجتمعون، ومنه قول الأعشى:\nفَمِنْ مُبلغٍ وائلا قومَنا ... وأعني بذلك بكرا جمارا\nأي: مجتمعين، وعلى هذا فاشتقاق الجمرة من التجمر بمعنى: التجمع لاجتماع الحجيج عندها يرمونها. وقيل: لأن الحصى يتجمع فيها. وقيل: اشتقاق الجمرة من أجمر إذا أسرع؛ لأن الناس يأتون مسرعين لرميها. وقيل: أصلها من جمرته إذا نحيته. وأظهرها القول الأول والثاني. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث: في آخر وقت الرمي أيام التشريق.\nقد علمت أن أول وقت رميها بعد الزوال، ولا خلاف بين العلماء أن بقية اليوم وقت للرمي إلى الغروب.\nواختلفوا فيما بعد الغروب، فمنهم من يقول: إن غربت الشمس ولم يرمِ رمى بالليل، وبعضهم يقول: الليل قضاء، وبعضهم يقول: أداء، وقد قدمنا أقوالهم، وحججهم في الكلام على رمي جمرة العقبة، ومنهم من يقول: لا يرمي بالليل، بل يؤخر الرمي، حتى تزول الشمس من الغد كما قدمناه، مع إجماعهم على فوات وقت الرمي بغروب اليوم الثالث عشر من ذي الحجة الذي هو رابع يوم النحر.\nواعلم أن هذا الحكم له حالتان:\nالأولى: حكم الرمي في الليلة التي تلي اليوم الذي فاته الرمي فيه من أيام التشريق.","vol":"5","page":322},{"text":"والثانية: الرمي في يوم آخر من أيام التشريق.\nأما الليل فقد قدمنا أن الشافعية والمالكية والحنفية كلهم يقولون: يرمي ليلًا. والمالكية بعضهم يقولون: الرمي ليلًا قضاء، وهو المشهور عندهم، وبعضهم يتوقف في كونه قضاء أو أداء، كما قدمناه عن الباجي، والحنفية يقولون: إن الليلة التي بعد اليوم تبع له، فيجوز الرمي فيها تبعًا لليوم. والشافعية لهم وجهان مشهوران في الرمي في الليلة التي بعد اليوم، هل هو أداء، أو قضاء؟ كما قدمناه مستوفى. والحنابلة قدمنا أنهم يقولون: لا يرمي ليلًا، بل يرمي من الغد بعد زوال الشمس، كما ذكرنا فيه كلام صاحب المغني.\nوأما رمي يوم من أيام التشريق في يوم آخر منها، فلا خلاف فيه بين من يعتد به من أهل العلم، إلَّا أنهم اختلفوا في أيام التشريق الثلاثة هل هي كيوم واحد؟ فالرمي في جميعها أداء؛ لأنها وقت للرمي كيوم واحد، أو كل يوم منها مستقل، فإن فات هو وليلته التي بعده فات وقت رميه، فيكون قضاء في اليوم الذي بعده، فعلى القول الأول لو رمى عن اليوم الأول في الثاني، أو عن الثاني في الثالث، أو عن الأول والثاني في الثالث، فلا شيء عليه؛ لأنه رمي في وقت الرمي، وعلى الثاني يلزمه دم عن كل يوم فاته رمى فيه إلى الغد، عند من يقول بتعدد الدماء كالشافعية، أو دم واحد عن اليومين، عند من يقول بعدم التعدد.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في هذه المسألة أن أيام التشريق كاليوم الواحد بالنسبة إلى الرمي، فمن رمى عن يوم منها في يوم آخر منها أجزأه، ولا شيء عليه، كما هو مذهب أحمد، ومشهور مذهب الشافعي، ومن وافقهما.","vol":"5","page":323},{"text":"والدليل على ذلك: هو ما رواه مالك في الموطأ، والإِمام أحمد، والشافعي، وابن حبان، والحاكم، وأصحاب السنن الأربعة، عن عاصم بن عدي العجلاني ﵁ أن النبي  -  ﷺ  -  رخص لرعاء الإِبل أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا. هذا لفظ أبي داود، والنسائي، وابن ماجه. وفي لفظ: رخص رسول الله  -  ﷺ  -  لرعاء الإِبل في البيتوتة عن منى، يرمون يوم النحر، ثم يرمون الغداة، ومن بعد الغداة ليومين، ثم يرمون يوم النفر. ولهذا الحديث ألفاظ متقاربة غير ما ذكرنا، ومعناها واحد.\nوقال الإِمام مالك ﵀ في الموطأ ما نصه: تفسير الحديث الذي أرخص فيه رسول الله  -  ﷺ  -  لرعاء الإِبل في تأخير رمي الجمار فيما نرى، والله أعلم: أنهم يرمون يوم النحر، فإذا مضى اليوم الذي يلي يوم النحر رموا من الغد، وذلك يوم النفر الأول، فيرمون لليوم الذي مضى، ثم يرمون ليومهم ذلك؛ لأنه لا يقضي أحد شيئًا حتى يجب عليه، فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء بعد ذلك، فإن بدا لهم النفر فقد فرغوا، وإن أقاموا إلى الغد رموا مع الناس يوم النفر الآخر، ونفروا. انتهى منه. وهذا المعنى الذي فسر به الحديث هو صريح معناه في رواية من روى: أن يرموا يومًا، ويدعوا يومًا، وحديث عاصم العجلاني هذا قال فيه الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.\nفإن قيل: أنتم سقتم هذا الحديث مستدلين به على أن أيام التشريق كاليوم الواحد؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  لما رخص لهم في تأخير رمي يوم إلى اليوم الذي بعده، دل ذلك على أن اليوم الثاني وقت لرمي اليوم الأول؛ لأنه لو فات وقته لفات بفوات وقته؛ لإِجماع العلماء","vol":"5","page":324},{"text":"على أنه لا يقضى في اليوم الرابع عشر من ذي الحجة الذي هو خامس يوم النحر فما بعده. ولكن ظاهر كلام مالك في تفسيره الحديث المذكور يدل على أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء؛ لقوله في كلامه المذكور: فإذا وجب عليه ومضى كان القضاء.\nفالجواب عن ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن إطلاق القضاء على ما فات وقته بالكلية إصلاح حادث للفقهاء؛ لأن القضاء في الكتاب والسنَّة يطلق على فعل العبادة في وقتها، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ﴾ الآية. فالقضاء في هذه الآيات بمعنى الأداء.\nالوجه الثاني: أنا لو فرضنا أن مالكًا ﵀ يريد بالقضاء في كلامه المذكور المعنى الاصطلاحي عند الفقهاء، وهو أن القضاء فعل العبادة بعد خروج وقتها المعين لها تداركًا لشيء علم تقدم ما أوجب فعله في خصوص وقته، كما هو المعروف في مذهبه: أنه إن أخر الرمي إلى الليل فما بعده، أنه قضاء؛ يلزم به الدم، فإنا لا نسلم أن رمي يوم في اليوم الذي بعده قضاء لعبادة خرج وقتها بالكلية استنادًا لأمرين:\nالأول: أن رمي الجمار عبادة مؤقتة بالإِجماع، فأذن النبي  -  ﷺ  -  في فعلها في وقت، دليل واضح على أن ذلك الوقت من أجزاء وقت تلك العبادة المؤقتة؛ لأنه ليس من المعقول أن تكون هذه العبادة مؤقتة بوقت معين ينتهي بالإِجماع في وقت معروف، ويأذن النبي  -  ﷺ  -  في فعلها في زمن ليس من أجزاء وقتها المعين لها. فهذا لا يصح بحال. وإذا تقرر أن الوقت الذي أذن رسول الله  -  ﷺ  -  في فعل العبادة","vol":"5","page":325},{"text":"المؤقتة فيه أنه من وقتها، علم أنها أداء لا قضاء. والأداء في اصطلاح أهل الأصول هو إيقاع العبادة في وقتها المعين لها شرعًا، لمصلحة اشتمل عليها ذلك الوقت.\nالأمر الثاني: أنه لا يمكن أن يقال هنا: إن النبي  -  ﷺ  -  أمر بالرمي في وقت غير وقته، بل بعد فوات وقته، وأن أمره به في ذلك الوقت أمر بقضائه بعد فوات وقته المعين له، لما قدمنا من إجماع المسلمين على أنه لا يجوز الرمي في رابع يوم النحر، ولو كان يجوز قضاء الرمي بعد فوات وقته، لجاز الرمي في رابع النحر وخامسه، وما بعد ذلك. والقضاء في اصطلاح الفقهاء والأصوليين لا يطلق إلَّا على ما فات وقته بالكلية، والصلاة في آخر الوقت الضروري أداء عندهم، حتى إنه لو صلى بعضها في آخر الضروري، وبعضها بعد خروج الوقت الضروري، فهي أداء عندهم على الصحيح. ويدل له قوله  -  ﷺ  -: \"من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة\" وعرف في مراقي السعود الأداء والوقت والقضاء عند الأصوليين بقوله:\nفعل العبادة بوقتٍ عُينا ... شرعًا لها باسم الأداء قُرنا\nوكونه بفعل بعض يحصل ... لعاضد النص هو المعول\nوقيل ما في وقته أداء ... وما يكون خارجًا قضاء\nوالوقت ما قدره من شرعا ... من زمن مضيقًا موسعا\nوعكسه القضا تداركا لما ... سبق الذي أوجبه قد علما\nوقوله: وعكسه القضا يعني أن القضاء ضد الأداء.\nوبما ذكرنا: تعلم أن التحقيق أن أيام الرمي كلها كاليوم الواحد، وأن من رمى عن يوم في الذي بعده لا شيء عليه؛ لإِذن النبي  -  ﷺ  -  للرعاء في ذلك، ولكن لا يجوز تأخير يوم إلى يوم آخر إلَّا","vol":"5","page":326},{"text":"لعذر، فهو وقت له، ولكنه كالوقت الضروري. والله تعالى أعلم.\nأما رمي جمرة العقبة، فقال بعض أهل العلم: إن حكمه مع رمي أيام التشريق كواحد منها، فمن أخر رميه إلى يوم من أيام التشريق، فهو كمن أخر يومًا منها إلى يوم. وعليه ففيه الخلاف المذكور. وقال بعض أهل العلم: هو مستقل بوقته دونها؛ لأنه يخالفها في الوقت، والعدد، لأنها جمرة واحدة أول النهار، وأيام التشريق بعكس ذلك. وله وجه من النظر. والله أعلم.\nالفرع الرابع: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه إن قضى رمي اليوم الأول، والثاني من أيام التشريق في اليوم الثالث منها ينوي تقديم الرمي عن اليوم الأول قبل الثاني، ولا يجوز تقديم رمي الثاني بالنية؛ لأنه لا وجه لتقديم المتأخر، وتأخير المتقدم من غير استناد إلى دليل كما ترى. والظاهر أنه إن نوى تقديم الثاني لا يجزئه؛ لأنه كالمتلاعب، خلافًا لمن قال: يجزئه، والله تعالى أعلم.\nالفرع الخامس: اعلم أن العلماء اختلفوا في القدر الذي يوجب تركه الدم من رمي الجمار، فذهب مالك، وأصحابه إلى أن من أخر رمي حصاة واحدة من واحدة من الجمار إلى ليل ذلك اليوم، لزمه الدم، وما فوق الحصاة أحرى بذلك، وسواء عندهم في ذلك رمي جمرة العقبة، يوم النحر، ورمي الثلاث أيام التشريق. ومعلوم أن من توقف من المالكية في كون الرمي ليلًا قضاء يتوقف في وجوب الدم إن رمى ليلًا. ولكن مشهور مذهبه: هو أن الليل قضاء كما قال خليل في مختصره: \"والليل قضاء\". وذهب أبو حنيفة، وأصحابه: إلى أن الدم يلزمه بترك رمي الجمرات كلها، أو رمي يوم واحد من أيام التشريق، وكذلك عندهم رمي جمرة العقبة، فرمى جمرة العقبة،","vol":"5","page":327},{"text":"ورمى يوم من أيام التشريق، ورمي الجميع سواء عندهم، يلزم في ترك كل واحد منها دم واحد، وما هو أكثر من نصف رمي يوم عندهم كرمي اليوم يلزم فيه الدم، فلو رمى جمرة وثلاث حصيات من جمرة، وترك الباقي، فعليه دم؛ لأنه رمى عشر حصيات، وترك إحدى عشرة حصاة، فإن ترك أقل من نصف رمي يوم كأن ترك جمرة واحدة، فلا دم عليه، ولكن عليه الصدقة عندهم، فيلزمه لكل حصاة نصف صاع من بر، أو صاع من تمر، أو شعير إلَّا أن يبلغ ذلك دمًا فينقص ما شاء. هكذا يقولون. ولا أعلم له مستندًا من النقل. وقد قدمنا أن الدم يلزم عند أبي حنيفة بفوات الرمي في يومه وليلته التي بعده ولو رماه من الغد في أيام التشريق. وخالفه في ذلك صاحباه ومذهب الشافعي في هذه المسألة فيه اختلاف يرجع إلى قولين:\nالقول الأول: وعليه اقتصر صاحب المهذب: أنه إن ترك رمي الجمار الثلاث في يوم من أيام التشريق لزمه دم، وإن ترك ثلاث حصيات من جمرة، فما فوقها لزمه دم؛ لأن ثلاث حصيات فما فوقها يقع عليها اسم الجمع المطلق، فصار تركها كترك الجميع، وإن ترك حصاة واحدة فثلاثة أقوال:\nالأول: يجب عليه ثلث دم.\nوالثاني: مد.\nوالثالث: درهم. وحكم الحصاتين كذلك، قيل: يلزم فيها ثلثا دم، وقيل: مدان، وقيل درهمان. فإن ترك الرمي في أيام التشريق كلها، فعلى القول المشهور عندهم أنها كيوم واحد، واللازم دم واحد. وإن قلنا بأن كل يوم منفرد بوقته، فثلاثة دماء، وإن ترك رمي جمرة العقبة يوم النحر، ورمى أيام التشريق، فعلى القول بأن رمي","vol":"5","page":328},{"text":"يوم النحر كرمي يوم من أيام التشريق، لزمه على القول الأول أنها كيومٍ واحدٍ دمٌ واحدٌ، وإن قلنا بانفراد رمي يوم النحر عن أيام التشريق، لمخالفته لها وقتًا وعددًا، فإن قلنا بالمشهور أن أيام التشريق كيوم واحد لزمه دمان، وإن قلنا بانفراد كل يوم منها عن الآخر بوقته لزمه أربعة دماء.\nالقول الثاني: أن الجمرات الثلاث كلها كالشعرات الثلاث، فلا يكمل الدم في بعضها، بل لا يلزم إلا بترك جميعها، بأن يترك رمي يوم وعليه فإن ترك رمي جمرة من الجمار، ففيه الأقوال الثلاثة المشهورة عندهم، فيمن حلق شعرة أظهرها: مد، والثاني: درهم، والثالث: ثلث دم. فإن ترك جمرتين، فعلى هذا القياس، وهو لزوم مدين، أو درهمين، أو ثلثي دم، وعلى هذا لو ترك حصاة من جمرة، فعلى أن في الجمرة ثلث دم يلزمه في الحصاة جزء من واحد وعشرين جزءًا من دم. وعلى أن فيها مدًا أو درهمًا، ففي الحصاة سبع مد أو سبع درهم. وللشافعية في هذا المبحث تفاصيل كثيرة، تركناها لطولها. ومذهب الإِمام أحمد: أن من أخر الرمي كله عن أيام التشريق؛ لزمه دم، وعنه في ترك رمي الجمرة الواحدة دم، ولا شيء عنده في الحصاة، والحصاتين وعنه يتصدق بشيء. وروي عنه أن في الحصاة الواحدة دمًا كقول مالك. وروي عنه أن في ثلاث حصيات دمًا، كأحد قولي الشافعي وفيما دون ذلك كل حصاة مد، كأحد الأقوال عند الشافعية. والعلم عند الله تعالى.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في حكم من أخل بشيء من الرمي حتى فات وقته. فاعلم أن دليلهم في إجماعهم على أن من ترك الرمي كله؛ وجب عليه دم، هو ما جاء عن ابن عباس ﵄ أنه","vol":"5","page":329},{"text":"قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه، فليهرق دمًا. وهذا صح عن ابن عباس موقوفًا عليه، وجاء عنه مرفوعًا ولم يثبت. وقد روى مالك في موطئه عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: من نسي من نسكه شيئًا ... إلى آخره باللفظ الذي ذكرنا. وهذا إسناد في غاية الصحة إلى ابن عباس كما ترى.\nوقال البيهقي في سننه: أخبرنا أبو زكريا بن أبي إسحاق المزكي، ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الله ابن عمر، ومالك بن أنس، وغيرهما: أن أيوب بن أبي تميمة، أخبرهم عن سعيد بن جبير، عن عبد الله بن عباس أنه قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. اهـ.\nوقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث \"من ترك نسكًا فعليه دم\" فرواه مالك، والبيهقي، وغيرهما بأسانيد صحيحة، عن ابن عباس موقوفًا عليه لا مرفوعًا، ولفظه: عن مالك عن أيوب، عن سعيد بن جبير، أن ابن عباس قال: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. قال مالك: لا أدري قال: ترك أم نسي. قال البيهقي: وكذا رواه الثوري، عن أيوب: من ترك شيئًا فليهرق. وما قال البيهقي، فكأنه قالهما. يعني البيهقي أن \"أو \"ليست للشك كما أشار إليه مالك، بل للتقسيم. والمراد به يريق دمًا سواء ترك عمدًا أو سهوًا. والله أعلم. انتهى كلام النووي.\nوقال ابن حجر في التلخيص الحبير: حديث ابن عباس موقوفًا عليه ومرفوعًا: \"من ترك نسكًا فعليه دم\" أما الموقوف، فرواه مالك في الموطأ، والشافعي عنه، عن أيوب، عن سعيد بن جبير، عنه بلفظ","vol":"5","page":330},{"text":"\"من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا\" وأما المرفوع فرواه ابن حزم، من طريق علي بن الجعد، عن ابن عيينة، عن أيوب به. وأعله بالراوي، عن علي بن الجعد أحمد بن علي بن سهل المروزي فقال: إنه مجهول، وكذا الراوي عنه علي بن أحمد المقدسي، قال: هما مجهولان. انتهى من التلخيص.\nفإذا علمت أن الأثر المذكور ثابت بإسناد صحيح، عن ابن عباس. فاعلم أن وجه استدلال الفقهاء به على سائر الدماء التي قالوا بوجوبها غير الدماء الثابتة بالنص، أنه لا يخلو من أحد أمرين:\nالأول: أن يكون له حكم الرفع، بناء على أنه تعبد، لا مجال للرأي فيه، وعلى هذا فلا إشكال.\nوالثاني: أنه لو فرض أنه مما للرأي فيه مجال، وأنه موقوف ليس له حكم الرفع، فهو فتوى من صحابي جليل لم يعلم لها مخالف من الصحابة، وهم ﵃ خير أسوة بعد رسول الله  -  ﷺ  - .\nأما اختلاف العلماء في لزوم الدم بترك جمرة، أو رمي يوم أو حصاة أو حصاتين إلى آخر ما تقدم. فهو من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فمالك مثلًا القائل بأن في الحصاة الواحدة دمًا يقول: الحصاة الواحدة داخلة في أثر ابن عباس المذكور، فمناط لزوم الدم محقق فيها؛ لأنها شيء من نسكه، فيتناولها قوله: من نسي من نسكه شيئًا أو تركه ... إلخ؛ لأن لفظة: \"شيئًا\" نكرة في سياق الشرط، فهي صيغة عموم. والذين قالوا: لا يلزم في الحصاة والحصاتين دم، قالوا: الحصاة، والحصاتان، لا يصدق عليهما نسك، بل هما جزء من نسك. وكذلك الذين قالوا: لا يلزم في الجمرة الواحدة دم، قالوا: رمي اليوم الواحد نسك واحد، فمن ترك","vol":"5","page":331},{"text":"جمرة في يوم لم يترك نسكًا، وإنما ترك بعض نسك. وكذلك الذين قالوا: لا يلزم إلا بترك الجميع قالوا: إن الجميع نسك واحد. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السادس: اعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: يستحب رمي جمرة العقبة راكبًا إن أمكن، ورمي أيام التشريق ماشيًا في الذهاب والإِياب إلّا اليوم الأخير، فيرمي فيه راكبًا، وينفر عقب الرمي. وقال بعضهم: يرميه كله راكبًا.\nوأظهر الأقوال في المسألة: هو الاقتداء بالنبي  -  ﷺ  -، وهو قد رمى جمرة العقبة راكبًا، ورمى أيام التشريق ماشيًا ذهابًا وإيابًا. والله تعالى أعلم.\nالفرع السابع: إذا عجز الحاج عن الرمي، فله أن يستنيب من يرمي عنه. وبه قال كثير من أهل العلم، وهو الظاهر.\nوفي الموطأ قال يحيى: سئل مالك، هل يرمي عن الصبي والمريض؟ فقال: نعم، ويتحرى المريض حين يرمي عنه، فيكبر وهو في منزله، ويهريق دمًا. فإن صح المريض في أيام التشريق. رمى الذي رمى عنه، وأهدى وجوبًا. انتهى من الموطأ.\nأما الرمي عن الصبيان فهو كالتلبية عنهم، والأصل فيه ما رواه ابن ماجه في سننه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا عبد الله بن نمير، عن أشعث، عن أبي الزبير، عن جابر قال: حججنا مع رسول الله  -  ﷺ  -، ومعنا النساء، والصبيان، فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم. ورجال إسناد ابن ماجه هذا ثقات معروفون إلا أشعث، وهو ابن سوار الكندي النجار الكوفي مولى ثقيف، فقد ضعفه غير واحد،","vol":"5","page":332},{"text":"ومسلم إنما أخرج له في المتابعات، وهو ممن يعتبر بحديثه، كما يدل على ذلك إخراج مسلم له في المتابعات. وروى الدورقي عن يحيى: أشعث بن سوار الكوفي ثقة. وقال ابن عدي: لم أجد لأشعث متنًا منكرًا، وإنما يغلط في الأحايين في الأسانيد ويخالف.\nوأما الرمي عن المريض ونحوه ممن كان له عذر غير الصغر فلا أعلم له مستندًا من النقل إلا أن الاستنابة في الرمي هي غاية ما يقدر عليه. والله تعالى يقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وبعض أهل العلم يستدل لذلك بالقياس على الصبيان، بجامع العجز في الجميع. وبعضهم يقيس الرمي على أصل الحج.\nقال النووي في شرح المهذب: استدل أصحابنا على جواز الاستنابة في الرمي بالقياس على الاستنابة في أصل الحج. قالوا والرمي أولى بالجواز. اهـ.\nتنبيه\nإذا رمى النائب عن العاجز ثم زال عذر المستنيب، وأيام الرمي باقية، فقد قدمنا قول مالك في الموطأ: أنه يقضي كل ما رماه عنه النائب، مع لزوم الدم. وقال بعض أهل العلم: لا يلزمه قضاء ما رمى عنه النائب؛ لأن فعل النائب كفعل المنوب عنه، فيسقط به الفرض، ولكن تندب إعادته. وهذا هو مشهور مذهب الشافعي. وفي المسألة لأهل العلم غير ما ذكرنا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه المسألة: أنه إذا زال عذر المستنيب وأيام الرمي باق بعضهما أنه يرمي جميع ما رمى عنه، ولا شيء عليه؛ لأن الاستنابة إنما","vol":"5","page":333},{"text":"وقعت لضرورة العذر، فإذا زال العذر والوقت باق بعضه، فعليه أن يباشر فعل العبادة بنفسه.\nوقد قدمنا أن أقوى الأقوال دليلًا هو قول من قال: إن أيام الرمي كيوم واحد، بدليل ما قدمنا من ترخيصه  -  ﷺ  -  للرعاء أن يرموا يومًا، ويدعَوا يومًا، كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثامن: اعلم أن التحقيق في عدد الحصيات التي ترمى بها كل جمرة أنها سبع حصيات، فمجموع الحصى سبعون حصاة: سبع منها ترمى بها جمرة العقبة يوم النحر، والثلاث والستون الباقية تفرق على الأيام الثلاثة، في كل يوم إحدى وعشرون حصاة، لكل جمرة سبع.\nوأحوط الأقوال في ذلك قول مالك وأصحابه ومن وافقهم: أن من ترك حصاة واحدة كمن ترك رمي الجميع.\nوقال بعض أهل العلم: يجزئه الرمي بخمس أو ست.\nوقال ابن قدامة في المغني: والأولى ألا ينقص في الرمي عن سبع حصيات؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  رمى بسبع حصيات، فإن نقص حصاة أو حصاتين فلا بأس، ولا ينقص أكثر من ذلك عليه يعني أحمد. وهو قول مجاهد وإسحاق، وعنه: إن رمى بست ناسيًا، فلا شيء عليه، ولا ينبغي أن يتعمده، فإن تعمد ذلك تصدق بشيء. وكان ابن عمر يقول: ما أبالي رميت بست، أو بسبع. وعن أحمد: أن عدد السبع شرط، ونسبه إلى مذهب الشافعي، وأصحاب الرأي؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  رمى بسبع.","vol":"5","page":334},{"text":"وقال أبو حبة: لا بأس بما رمى به الرجل من الحصى، فقال عبد الله بن عمرو: صدق أبو حبة، وكان أبو حبة بدريًا.\nووجه الرواية الأولى ما روى ابن أبي نجيح قال: سئل طاووس عن رجل ترك حصاة؟ قال: يتصدق بتمرة أو لقمة، فذكرت ذلك لمجاهد فقال: إن أبا عبد الرحمن لم يسمع قول سعد، قال سعد: رجعنا من الحجة مع رسول الله  -  ﷺ  -  بعضنا يقول: رميت بست، وبعضنا يقول: بسبع، فلم يعب ذلك بعضنا على بعض. رواه الأثرم وغيره. انتهى كلام ابن قدامة في المغني.\nوما رواه عن أبي نجيح قال: سئل طاووس ... إلخ، رواه البيهقي بإسناده في السنن الكبرى، من طريق الفريابي، عن ابن عيينة، عن أبي نجيح.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أنه لا يجوز أقل من سبع حصيات؛ للروايات الصحيحة عن النبي  -  ﷺ  -: أنه كان يرمي الجمار بسبع حصيات مع قوله: \"خذوا عني مناسككم\" فلا ينبغي العدول عن ذلك، لوضوح دليله وصحته؛ ولأن مقابله لم يقم عليه دليل يقارب دليله. والعلم عند الله تعالى. والظاهر أن من شك في عدد ما رمى يبنى على اليقين، وروى البيهقي عن علي ﵁ ما يؤيده.\nالفرع التاسع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من غربت شمس يوم النفر الأول، وهو بمنى لزمه المقام بمنى حتى يرمي الجمار الثلاث بعد الزوال في اليوم الثالث، ولا ينفر ليلًا. وممن قال بهذا: الأئمة الثلاثة: مالك، والشافعي، وأحمد، وهو قول أكثر أهل العلم.","vol":"5","page":335},{"text":"وقال ابن قدامة في المغني: وهو قول عمر، وجابر بن زيد، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وأبان بن عثمان، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وابن المنذر.\nوقال ابن المنذر: ثبت عن عمر أنه قال: من أدركه المساء في اليوم الثاني، فليقم إلى الغد حتى ينفر مع الناس.\nوخالف أبو حنيفة الجمهور في هذه المسألة فقال: له أن ينفر ليلة الثالث عشر من الشهر حتى يطلع الفجر من اليوم الثالث، فإن طلع الفجر لزمه البقاء حتى يرمي.\nوالأظهر عندي: حجة الجمهور؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ولم يقل في يومين وليلة.\nووجه قول أبي حنيفة: هو أن من نفر بالليل فقد نفر في وقت لا يجب فيه الرمي، بل لا يجوز، فجاز له النفر كالنهار. وقد قدمنا أيضًا عن الحنفية أنهم يرون الليلة التي بعد اليوم من أيام التشريق تابعة له، فيجوز فيها ما يجوز في اليوم الذي قبلها، كالرمي فيها، والنفر فيها إن كان يجوز في يومها.\nوالأظهر عندي: أنه لو ارتحل من منى فغربت عليه الشمس، وهو سائر في منى لم يخرج منها أنه يلزمه المبيت والرمي؛ لأنه يصدق عليه أنه غربت عليه الشمس في منى، فلم يتعجل منها في يومين خلافًا للمشهور من مذهب الشافعي القائل بأن له أن يستمر في نفره، ولا يلزمه المبيت والرمي.\nوالأظهر عندي أيضًا: أنه لو غربت عليه الشمس، وهو في شغل الارتحال أنه يبيت، ويرمي خلافًا لمن قال: يجوز له الخروج","vol":"5","page":336},{"text":"منها بعد الغروب لأنها غربت، وهو مشتغل بالرحيل، وهما وجهان مشهوران عند الشافعية. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم: أن التحقيق أن التعجل جائز لأهل مكة، فهم فيه كغيرهم، خلافًا لمن فرق بين المكي وغيره، إلَّا لعذر، لأن الله قال: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وهو عموم شامل لأهل مكة وغيرهم، ولا شك أن التأخر أفضل من التعجل؛ لأن فيه زيادة عمل، والنبي  -  ﷺ  -  في حجة الوداع لم يتعجل.\nالفرع العاشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في المبيت في منى، ليالي أيام التشريق هل هو واجب أو مستحب، مع إجماعهم على أنه مشروع؟ فذهب مالك، وأصحابه: إلى أنه واجب، ولو بات ليلة واحدة منها أو جل ليلة، وهو خارج عن منى؛ لزمه دم؛ لأثر ابن عباس السابق.\nوروى مالك في الموطأ، عن نافع أنه قال: زعموا أن عمر بن الخطاب ﵁: كان يبعث رجالًا يدخلون الناس من وراء العقبة. وروى مالك في الموطأ أيضًا، عن نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄: أن عمر بن الخطاب قال: لا يبيتن أحد من الحاج ليالي منى من وراء العقبة. اهـ منه.\nوهو دليل على وجوب المبيت ليالي أيام التشريق بمنى كما أنه دليل على أن ما وراء جمرة العقبة، مما يلي مكة، ليس من منى، وهو معروف.\nومذهب أبي حنيفة: هو أن عدم المبيت بمنى ليالي منى مكروه، ولو بات بغير منى لم يلزمه شيء عند أبي حنيفة،","vol":"5","page":337},{"text":"وأصحابه؛ لأنهم يرون أن المبيت بمنى لأجل أن يسهل عليه الرمي، فلم يكن من الواجبات عندهم.\nومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن في المبيت بمنى ليالي منى طريقتين، أصحهما، وأشهرهما فيه قولان أصحهما: أنه واجب، والثاني: أنه سنَّة، والطريق الثاني أنه سنَّة قولًا واحدًا فعلى القول بأنه واجب، فالدم واجب في تركه، وعلى أنه سنَّة، فالدم سنَّة في تركه، ولا يلزم عندهم الدم إلَّا في ترك المبيت في الليالي كلها؛ لأنها عندهم كأنها نسك واحد، وإن ترك المبيت في ليلة من الليالي الثلاث، ففيه الأقوال المذكورة في ترك الحصاة الواحدة عندهم. أصحها أن في ترك مبيت الليلة الواحدة مدًّا، والثاني: أن فيه درهمًا، والثالث: أن فيه ثلث دم كما تقدم، وحكم الليلتين معلوم كما تقدم.\nومذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة: أن المبيت بمنى ليالي منى واجب، فلو ترك المبيت بها في الليالي الثلاث، فعليه دم على الصحيح من مذهبه، وعنه: يتصدق بشيء، وعنه: لا شيء عليه. فإن ترك المبيت في ليلة من لياليها، ففيه ما في الحصاة الواحدة من الأقوال التي قدمنا، قيل: مُد، وقيل: درهم، وقيل: ثلث دم.\nفإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فاعلم أن أظهر الأقوال دليلًا أن المبيت بمنى أيام منى نسك من مناسك الحج، يدخل في قول ابن عباس: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا.\nوالدليل على ذلك ثلاثة أمور:\nالأول: أن النبي  -  ﷺ  -  بات بها الليالي المذكورة وقال \"لتأخذوا","vol":"5","page":338},{"text":"عني مناسككم\" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا البيتوتة بمنى الليالي المذكورة.\nالثاني: هو ما ثبت في الصحيحين: أن النبي  -  ﷺ  -  رخص للعباس أن يبيت بمكة أيام منى، من أجل سقايته، وفي رواية: أذن للعباس.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في شرح حديث الترخيص للعباس المذكور عند البخاري ما نصه: وفي الحديث دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج؛ لأن التعبير بالرخصة يقتضي أن مقابلها عزيمة، وأن الإِذن وقع للعلة المذكورة، وإذا لم توجد هي أو ما في معناها لم يحصل الإِذن. وبالوجوب قال الجمهور. وفي قول للشافعي ورواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية: أنه سنَّة ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الاختلاف، ولا يحصل المبيت إلَّا بمعظم الليل. انتهى محل الغرض عنه. وما ذكره من أخذ الوجوب من الحديث المذكور واضح.\nوقال النووي في شرح مسلم في الكلام على الحديث المذكور: هذا يدل لمسألتين. إحداهما: أن المبيت بمنى ليالي أيام التشريق مأمور به، وهذا متفق عليه، لكن اختلفوا هل هو واجب أو سنَّة؟ وللشافعي: قولان، أصحهما: واجب، وبه قال مالك، وأحمد، والثاني: سنة. وبه قال ابن عباس، والحسن، وأبو حنيفة. فمن أوجبه أوجب الدم في تركه. وإن قلنا: سنَّة لم يجب الدم بتركه، ولكن يستحب. انتهى محل الغرض منه.\nوكأنه يقول: إن الحديث لا يؤخذ منه الوجوب، ولكن يؤخذ منه مطلق الأمر به؛ لأن رواية مسلم ليس فيها لفظ الترخيص، وإنما","vol":"5","page":339},{"text":"فيها التعبير بالإِذن. ورواية البخاري فيها رخص النبي  -  ﷺ  -  والتعبير بالترخيص يدل على الوجوب، كما أوضحه ابن حجر في كلامه الذي ذكرناه آنفًا.\nالأمر الثالث: هو ما قدمنا عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه كان يمنع الحجاج من المبيت، خارج منى، ويرسل رجالًا يدخلونهم في منى، وهو من الخلفاء الراشدين الذين أمرنا بالاقتداء بهم، والتمسك بسنتهم. والظاهر أن من ترك المبيت بمنى لعذر لا شيء عليه، كما دل عليه الترخيص للعباس من أجل السقاية، والترخيص لرعاء الإِبل في عدم المبيت، ورمي يوم بعد يوم.\nالفرع الحادي عشر: في حكمة الرمي:\nاعلم أنه لا شك في أن حكمة الرمي في الجملة هي طاعة الله فيما أمر به، وذكره بامتثال أمره على لسان نبيه  -  ﷺ  - . قال أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا عبيد الله بن أبي زياد، عن القاسم، عن عائشة قالت: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"إنما جعل الطواف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ورمي الجمار لإِقامة ذكر الله\".\nوقال النووي في شرح المهذب في حديث أبي داود هذا: وهذا الإِسناد كله صحيح إلَّا عبيد الله فضعفه أكثرهم تضعيفًا يسيرًا، ولم يضعف أبو داود هذا الحديث، فهو حسن عنده كما سبق.\nوروى الترمذي هذا الحديث من رواية عبيد الله هذا، وقال: هو حديث حسن، وفي بعض النسخ: حسن صحيح، فلعله اعتضد برواية أخرى. انتهى محل الغرض منه.","vol":"5","page":340},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: عبيد الله بن أبي زياد المذكور، هو القداح أبو الحصين المكي، وقد وثقه جماعة، وضعفه آخرون، وحديثه هذا معناه صحيح بلا شك. ويشهد لصحة معناه قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ﴾ لأنه يدخل في الذكر المأمور به: رمي الجمار، بدليل قوله بعده: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وذلك يدل على أن الرمي شرع لإِقامة ذكر الله، كما هو واضح، ولكن هذه الحكمة إجمالية. وقد روى البيهقي ﵀ في سننه عن ابن عباس مرفوعًا قال: لما أتى إبراهيم خليل الله ﵇ المناسك، عرض له الشيطان عند جمرة العقبة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له عند الجمرة الثانية، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض، ثم عرض له في الجمرة الثالثة، فرماه بسبع حصيات، حتى ساخ في الأرض. قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: الشيطان ترجمون وملة أبيكم تتبعون. انتهى بلفظه من السنن الكبرى للبيهقي، وقد روى هذا الحديث الحاكم في المستدرك مرفوعًا، ثم قال: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه. وعلى هذا الذي ذكره البيهقي، فذكر الله الذي شرع الرمي لإِقامته هو الاقتداء بإبراهيم في عداوة الشيطان، ورميه، وعدم الانقياد إليه، والله يقول: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾ الآية، فكأن الرمي رمز وإشارة إلى عداوة الشيطان التي أمرنا الله بها في قوله: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ وقوله منكرًا على من والاه: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، ومعلوم أن الرجم بالحجارة من أكبر مظاهر العداوة.","vol":"5","page":341},{"text":"وقال النووي في شرح المهذب: فرع في الحكمة في الرمي، قال العلماء: أصل العبادة الطاعة، وكل عبادة فلها معنى قطعًا؛ لأن الشرع لا يأمر بالعبث، ثم معنى العبادة قد يفهمه المكلف، وقد لا يفهمه، فالحكمة في الصلاة: التواضع، والخضوع، وإظهار الافتقار إلى الله تعالى، والحكمة في الصوم، كسر النفس، وقمع الشهوات، والحكمة في الزكاة: مواساة المحتاج، وفي الحج: إقبال العبد أشعث أغبر من مسافة بعيدة إلى بيت فضله الله كإقبال العبد إلى مولاه ذليلًا.\nومن العبادات التي لا يفهم معناها: السعي والرمي، فكلف العبد بهما ليتم انقياده، فإن هذا النوع لا حظ للنفس فيه، ولا للعقل، ولا يحمل عليه إلَّا مجرد امتثال الأمر، وكمال الانقياد، فهذه إشارة مختصرة تعرف بها الحكمة في جميع العبادات. والله أعلم. انتهى كلام النووي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره الشيخ النووي ﵀: من أن حكمة السعي والرمي غير معقولة المعنى غير صحيح فيما يظهر لي، والله تعالى أعلم، بل حكمة الرمي والسعي معقولة، وقد دل بعض النصوص، على أنها معقولة.\nأما حكمة السعي: فقد جاء النص الصحيح ببيانها، وذلك هو ما رواه البخاري في صحيحه، عن ابن عباس ﵄ في قصة ترك إبراهيم هاجر وإسماعيل في مكة، وأنه وضع عندهما جرابًا فيه تمر، وسقاء فيه ماء، وفي الحديث الصحيح المذكور \"وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل، وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفد ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه يتلوى أو قال:","vol":"5","page":342},{"text":"يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه، فوجدت الصفا أقرب جبل في الأرض يليها، فقامت عليه ثم استقبلت الوادي، تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت الوادي رفعت طرف درعها، ثم سعت سعي الإِنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي، ثم أتت المروة فقامت عليها، ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا ففعلت ذلك سبع مرات\" قال ابن عباس: قال النبي  -  ﷺ  -  \"فذلك سعي الناس بينهما\" الحديث. وهذا الطرف الذي ذكرنا من هذا الحديث سقناه بلفظ البخاري ﵀ في صحيحه، وقول النبي  -  ﷺ  -  في هذا الحديث الصحيح: \"فذلك سعي الناس بينهما\" فيه الإِشارة الكافية إلى حكمة السعي بين الصفا والمروة؛ لأن هاجر سعت بينهما السعي المذكور، وهي في أشد حاجة، وأعظم فاقة إلى ربها؛ لأن ثمرة كبدها، وهو ولدها إسماعيل تنظره يتلوى من العطش في بلد لا ماء فيه، ولا أنيس، وهي أيضًا في جوع وعطش في غاية الاضطرار إلى خالقها جل وعلا، وهي من شدة الكرب تصعد على هذا الجبل، فإذا لم تر شيئًا جرت إلى الثاني فصعدت عليه لترى أحدًا، فأمر الناس بالسعي بين الصفا والمروة، ليشعروا بأن حاجتهم، وفقرهم إلى خالقهم ورازقهم كحاجة وفقر تلك المرأة في ذلك الوقت الضيق والكرب العظيم إلى خالقها ورازقها، وليتذكروا أن من كان يطيع الله كإبراهيم عليه، وعلى نبينا الصلاة والسلام، لا يضيعه، ولا يخيب دعاءه وهذه حكمة بالغة ظاهرة دل عليها حديث صحيح. وقد قدمنا في حديث البيهقي المذكور حكمة الرمي أيضًا، فتبين بذلك أن حكمة السعي والرمي معروفة ظاهرة خلافًا لما ذكره النووي. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":343},{"text":"المسألة الحادية عشرة: في مواقيت الحج والعمرة\nاعلم أن الحج له ميقات زماني: وهو المذكور في قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ الآية، وهي: شوال، وذو القعدة، وعشر من ذي الحجة. وقيل: وذو الحجة، مع الإِجماع على فوات الحج بعدم الوقوف بعرفة قبل الفجر من ليلة النحر، وميقات مكاني، والمواقيت المكانية خمسة: أربعة منها بتوقيت النبي  -  ﷺ  -، بلا خلاف بين العلماء، لثبوت ذلك في الصحيحين وغيرهما عنه  -  ﷺ  -، وواحد مختلف فيه هل وقته النبي  -  ﷺ  -، أو وقته عمر ﵁.\nأما الأربعة المجمع على نقلها عن النبي  -  ﷺ  -  فهي: ذو الحليفة، وهو ميقات أهل المدينة، والجحفة، وهي: ميقات أهل الشام. وقرن المنازل وهو: ميقات أهل نجد، ويلملم، وهي: ميقات أهل اليمن. أخرج توقيت هذه المواقيت الأربعة الشيخان في صحيحيهما، عن ابن عباس، وابن عمر ﵃ إلَّا أن ابن عمر لم يسمع من النبي  -  ﷺ  -  توقيت يلملم لأهل اليمن، بل سمعه من غيره  -  ﷺ  -، وهو مرسل صحابي، والاحتجاج بمراسيل الصحابة معروف، أما ابن عباس فقد سمع منه  -  ﷺ  -  المواقيت الأربعة المذكورة.\nفتحصل: أن ذا الحليفة، والجحفة، وقرن المنازل اتفق الشيخان على إخراج توقيتها عن النبي  -  ﷺ  -، من حديث ابن عمر، وابن عباس، وأن يلملم اتفقا أيضًا على إخراج توقيته عنهما معًا إلَّا أن ابن عباس سمعه من النبي  -  ﷺ  -، وابن عمر سمعه من غيره، كما أوضحناه، وذو الحليفة هو المسمى الآن بآبار علي، وقرن المنازل هو المسمى الآن: بالسيل. والجحفة خراب الآن، والناس يحرمون","vol":"5","page":344},{"text":"من رابغ، وهو قبلها بقليل، وهو موضع معروف قديمًا. وفيه يقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nولما أجزنا الميل من بطن رابغ ... بدت نارها قمراء للمتنور\nوأما الميقات الخامس الذي اختلف العلماء فيه، هل وقته رسول الله  -  ﷺ  -، أو وقته عمر بن الخطاب ﵁، فهو: ذات عرق لأهل العراق، فقال بعض أهل العلم: توقيت ذات عرق، لأهل العراق من النبي  -  ﷺ  -، وقال بعضهم: هو بتوقيت عمر ﵁.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: كون توقيت ذات عرق ليس منصوصًا من النبي  -  ﷺ  -  بل بتوقيت عمر هو الذي قطع به الغزالي، والرافعي في شرح المسند، والنووي في شرح مسلم، وكذا وقع في المدونة لمالك. وصحح الحنفية، والحنابلة، وجمهور الشافعية، والرافعي في الشرح الصغير، والنووي في شرح المهذب: أنه منصوص. انتهى محل الغرض من فتح الباري.\nوقال النووي في شرح مسلم في الكلام على ميقات ذات عرق: واختلف العلماء، هل صارت ميقاتهم بتوقيت النبي  -  ﷺ  -، أم باجتهاد عمر بن الخطاب ﵁؟ وفي المسألة وجهان لأصحاب الشافعي أصحهما، وهو نص الشافعي ﵁ في الأم: بتوقيت عمر ﵁. انتهى محل الغرض منه.\nوقال النووي في شرح المهذب: وممن قال: إنه مجتهد فيه من السلف: طاووس، وابن سيرين، وأبو الشعثاء جابر بن زيد. وحكاه البيهقي وغيره عنهم. وممن قال من السلف: إنه منصوص عليه:","vol":"5","page":345},{"text":"عطاء بن أبي رباح وغيره. وحكاه ابن الصباغ، عن أحمد، وأصحاب أبي حنيفة.\nوإذا عرفت اختلاف أهل العلم فيمن وقت ذات عرق لأهل العراق، فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما الذين قالوا: إنه باجتهاد من عمر فاستدلوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثني علي بن مسلم، حدثنا عبد الله بن نمير، حدثنا عبيد الله، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: لما فتح هذان المصران أتوا عمر فقالوا: يا أمير المؤمنين إن رسول الله  -  ﷺ  -  حدَّ لأهل نجد: قرنًا، وهو جور عن طريقنا، وإنا إن أردنا قرنًا شق علينا. قال: فانظروا حذوها من طريقكم، فحدَّ لهم ذات عرق. اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح صريح في أن توقيت ذات عرق باجتهاد من عمر، وقد جاءت بذلك أيضًا آثار عن بعض السلف.\nوأما الذين قالوا: إنه بتوقيت النبي  -  ﷺ  -، فاستدلوا بأحاديث منها: ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، وعبد بن حميد، كلاهما عن محمد بن بكر، قال عبد: أخبرنا محمد، أخبرنا ابن جريج، أخبرني أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله ﵄، يسأل عن المهلّ؟ فقال: سمعت أحسبه رفع إلى النبي  -  ﷺ  -، فقال: مهلّ أهل المدينة من ذي الحليفة، والطريق الآخر الجحفة، ومهلّ أهل العراق: من ذات عرق، ومهلّ أهل نجد: من قرن، ومهلّ أهل اليمن: من يلملم. انتهى منه. وهذا الإِسناد صحيح كما ترى إلَّا أنه ليس فيه الجزم برفع الحديث إلى النبي  -  ﷺ  - .\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: فهذا إسناد","vol":"5","page":346},{"text":"صحيح، لكنه لم يجزم برفعه إلى النبي  -  ﷺ  -: فلا يثبت رفعه بمجرد هذا. ورواه ابن ماجه من رواية إبراهيم بن يزيد الخوزي بضم الخاء المعجمة بإسناده عن جابر مرفوعًا بغير شك، لكن الخوزي ضعيف، لا يحتج بروايته.\nورواه الإِمام أحمد في مسنده، عن جابر، عن النبي  -  ﷺ  -، بلا شك أيضًا، لكنه من رواية الحجاج بن أرطاة، وهو ضعيف. وعن عائشة \"أن النبي  -  ﷺ  -  وقَّت لأهل العراق: ذات عرق\" رواه أبو داود، والنسائي والدارقطني وغيرهم بإسناد صحيح، لكن نقل ابن عدي: أن أحمد بن حنبل أنكر على أفلح بن حميد روايته هذه، وانفراده به مع أنه ثقة، وعن الحارث بن عمرو السهمي الصحابي ﵁: \"أن النبي  -  ﷺ  -  وقَّت لأهل العراق: ذات عرق\" رواه أبو داود. وعن عطاء عن النبي  -  ﷺ  -: \"أنه وقت لأهل المشرق: ذات عرق\" رواه البيهقي، والشافعي بإسناد حسن، عن عطاء، عن النبي  -  ﷺ  -  مرسلًا، وعطاء من كبار التابعين. وقد قدمنا في مقدمة هذا الشرح أن مذهب الشافعي الاحتجاج بمرسل كبار التابعين، إذا اعتضد بأحد أربعة أمور. منها: أن يقول به بعض الصحابة، أو أكثر العلماء، وهذا قد اتفق على العمل به الصحابة، ومن بعدهم. قال البيهقي: هذا هو الصحيح من رواية عطاء أنه رواه مرسلًا. قال: وقد رواه الحجاج بن أرطاة، عن عطاء وغيره متصلًا، والحجاج ظاهر الضعف. انتهى كلام النووي.\nوقال صاحب نصب الراية: وأخرجه الدارقطني في سننه، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، عن حجاج، عن عطاء، عن جابر. وحجاج لا يحتج به، وذكر","vol":"5","page":347},{"text":"الحافظ في الفتح أن أحمد روى هذا الحديث من طريق ابن لهيعة من غير شك في الرفع.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا أن ذات عرق. وقّتها النبي  - ﷺ -  لأهل العراق، والدليل على ذلك من وجهين:\nأحدهما: أن ذلك ثابت عن النبي  - ﷺ -، في أحاديث، منها ما هو صحيح الإِسناد، ومنها ما في إسناده كلام، وبعضها يقوي بعضًا.\nقال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا هشام بن بهرام المدائني، ثنا المعافى بن عمران، عن أفلح يعني: ابن حميد، عن القاسم بن محمد، عن عائشة ﵂ \"أن رسول الله  - ﷺ -  وقت لأهل العراق ذات عرق\". انتهى من سنن أبي داود، وهذا الإِسناد صحيح كما ترى؛ لأن طبقته الأولى: هشام بن بهرام المدائني أبو محمد، وهو ثقة، وطبقته الثانية: المعافى بن عمران الأزدي الفهمي أبو مسعود الموصلي، وهو ثقة عابد فقيه. وطبقته الثالثة: أفلح بن حميد ابن نافع المدني أبو عبد الرحمن، ويقال له: ابن صغيراء، وهو ثقة، وطبقته الرابعة، والخامسة: القاسم بن محمد بن أبي بكر، عن عمته عائشة ﵂، فهذا إسناد في غاية الصحة كما ترى.\nوقال النسائي في سننه: حدثنا محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، قال: حدثنا أبو هاشم محمد بن علي، عن المعافى، عن أفلح بن حميد، عن القاسم، عن عائشة قالت: \"وقَّت رسول الله  - ﷺ -  لأهل المدينة: ذا الحليفة، ولأهل الشام ومصر: الجحفة، ولأهل العراق: ذات عرق، ولأهل نجد: قرنًا، ولأهل اليمن: يلملم\" وهذا","vol":"5","page":348},{"text":"إسناد صحيح أيضًا؛ لأن طبقته الأولى: محمد بن عبد الله بن عمار الموصلي، وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية: هي أبو هاشم محمد بن علي الأسدي، وهو ثقة عابد، وباقي الإِسناد هو ما تقدم الآن في إسناد أبي داود، وكلهم ثقات كما أوضحناه الآن. فهذا إسناد لا شك في صحته. ومتنه فيه التصريح بتوقيت النبي  - ﷺ -  ذات عرق لأهل العراق.\nواعلم أن تضعيف من ضعف هذا الحديث بأن الإِمام أحمد ﵀ أنكر على أفلح بن حميد ذكره في هذا الحديث لذات عرق، وأنه انفرد بذلك غير مسلّم؛ لأن أفلح بن حميد شقة، وزيادة العدل مقبولة، ولا يضره انفراد المعافى بن عمران أيضًا؛ لأنه ثقة، وكم من حديث صحيح غريب انفرد به ثقة عن ثقة، كما هو معلوم في الأصول وعلم الحديث.\nوقال الشيخ الذهبي ﵀ في ميزان الاعتدال في نقد الرجال في ترجمة أفلح بن حميد المذكور: وثقه ابن معين، وأبو حاتم. وقال ابن صالحد: كان أحمد ينكر على أفلح بن حميد قوله: ولأهل العراق ذات عرق. وقال ابن عدي في الكامل: هو عندي صالح، وهذا الحديث ينفرد به المعافى بن عمران، عن أفلح، عن القاسم عن عائشة. قلت: هو صحيح غريب. انتهى كلام الذهبي.\nوتراه صرح بأن هذا الحديث صحيح غريب، مع أن هذا الحديث في توقيت النبي  - ﷺ -  ذات عرق لأهل العراق له شواهد متعددة.\nمنها: حديث جابر في صحيح مسلم وإن كان لم يجزم فيه","vol":"5","page":349},{"text":"بالرفع؛ لأن قوله: أحسبه رفعه إلى النبي  - ﷺ -، ظن من أبي الزبير أن جابرًا رفع الحديث، وهذا الظن يقوي الروايات التي فيها الجزم بالرفع.\nومنها: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أبو معمر عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج، ثنا عبد الوارث، ثنا عتبة بن عبد الملك السهمي، حدثني زرارة بن كريم: أن الحارث بن عمرو السهمي، حدثه: قال: أتيت رسول الله  - ﷺ -  وهو بمنى أو بعرفات، وقد أطاف به الناس قال: فتجيء الأعراب، فإذا رأوا وجهه قالوا: هذا وجه مبارك، قال: ووقت ذات عرق: لأهل العراق. انتهى منه. وهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن؛ لأن طبقته الأولى: عبد الله بن عمرو بن أبي الحجاج أبو معمر المقعد التميمي المنقري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر، وطبقته الثانية: عبد الوارث، وهو ابن سعيد بن ذكوان العنبري مولاهم أبو عبيدة التنوري، وهو ثقة ثبت رمي بالقدر ولم يثبت عنه، وطبقته الثالثة: عتبة بن عبد الملك السهمي، وهو بصري. ذكره ابن حبان في الثقات، وطبقته الرابعة: زرارة بن كريم بن الحارث بن عمرو السهمي، وهو له رؤية، وذكره ابن حجان في ثقات التابعين، وطبقته الخامسة: الحارث بن عمرو السهمي الباهلي ﵁ وهو صحابي، فهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن، وهو صالح لأن يعتضد به حديث عائشة المتقدم عند أبي داود، والنسائي الذي قدمنا: أن إسناده صحيح، وقد سكت أبو داود على هذا الحديث. ومعلوم أن أبا داود إذا سكت على حديث، فهو صالح للاحتجاج عنده، كما قدمنا مرارًا.\nوقد ذكر ابن حجر في الإِصابة في ترجمة الحارث بن عمرو","vol":"5","page":350},{"text":"المذكور: أن حديثه هذا صححه الحاكم، ولم يتعقب ذلك بشيء وذكر البخاري هذا الحديث في تاريخه في ترجمة زرارة بن كريم بالسند الذي رواه به أبو داود، ولم يتعقبه بشيء.\nومنها: ما رواه أحمد، وابن أبي شيبة، وإسحاق بن راهويه، وأبو يعلى الموصلي في مسانيدهم، والدارقطني في سننه عن جابر: أن النبي - ﷺ - وقت ذات عرق لأهل العراق من غير شك في الرفع. وقد قدمنا في كلام النووي، والزيلعي، وابن حجر: أن في إسناده ابن لهيعة، والحجاج بن أرطاة، وكلاهما ضعيف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن رواية الحجاج بن أرطاة معتبر بها صالحة لاعتضاد غيرها، ومن أجل ذلك أخرج له مسلم في صحيحه مقرونًا بغيره، كما قاله الذهبي في الميزان، وقد أثنى عليه غير واحد، وروى عنه شعبة. وقال: اكتبوا حديث حجاج بن أرطاة، وابن إسحاق، فإنهما حافظان. وقال فيه الثوري: ما بقي أحد أعرف بما يخرج من رأسه منه، وقال فيه حماد بن زيد: كان أقهر عندنا لحديثه من سفيان. وقال فيه الذهبي في الميزان: هو أحد الأعلام على لين في حديثه. وقال فيه الذهبي: وأكثر ما نقم عليه التدليس، وفيه تيه لا يليق بأهل العلم. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق كثير الخطأ والتدليس. اهـ.\nوعلى كل حال: فلا شك في الاعتبار بروايته، وصلاحها لتقوية غيرها، وابن لهيعة لا شك في أن روايته تعضد غيرها، وقد أخرج له مسلم أيضًا مقرونًا بغيره. وقد قدمنا الكلام عليه.\nوعلى كل حال فرواية الحجاج وابن لهيعة عاضدة للرواية الصحيحة.","vol":"5","page":351},{"text":"ومنها الحديث الذي رواه عطاء مرسلًا كما قدمنا في كلام النووي، وقد قال: إنه رواه الشافعي، والبيهقي بإسناد حسن. ومرسل عطاء هذا في توقيت النبي  - ﷺ -: ذات عرق لأهل العراق محتج به عند الأئمة الأربعة. أما مالك، وأبو حنيفة، وأحمد، فالمشهور عنهم الاحتجاج بالمرسل كما قدمناه مرارًا. وأما الشافعي: فقد قدمنا عن النووي: أنه يعمل بمرسل التابعي الكبير إن قال به بعض الصحابة أو أكثر أهل العلم، ومرسل عطاء هذا أجمع على العمل به الصحابة، فمن بعدهم إلى غير ذلك من الأدلة العاضدة لأن توقيت ذات عرق لأهل العراق من النبي  - ﷺ - .\nوقال ابن حجر في فتح الباري بعد أن ساق بعض طرق حديث توقيت النبي  - ﷺ -  ذات عرق لأهل العراق ما نصه: وهذا يدل على أن للحديث أصلًا، فلعل من قال: إنه غير منصوص لم يبلغه، ورأى ضعف الحديث باعتبار أن كل طريق لا يخلو من مقال. انتهى محل الغرض منه.\nوقد بينا أن بعض روايات هذا الحديث صحيحة، ولا يضرها انفراد بعض الثقات بها.\nالأمر الثاني من الأمرين المذكورين في أول هذا المبحث: هو إنما ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عمر، مما يدل على أن توقيت ذات عرق، لأهل العراق باجتهاد من عمر، كما قدمناه لا يعارض هذه الأدلة التي ذكرناها على أنه منصوص، لاحتمال أن عمر لم يبلغه ذلك، فاجتهد فوافق اجتهاده توقيت النبي  - ﷺ -، وهو ﵁ معروف أنه وافقه الوحي في مسائل متعددة، فلا مانع من أن تكون هذه منها، لا شرعًا ولا عقلًا ولا عادة.","vol":"5","page":352},{"text":"وأما إعلال بعضهم حديث ذات عرق، بأن العراق لم تكن فتحت يومئذ فقد قال فيه ابن عبد البر: هي غفلة؛ لأن النبي  - ﷺ -  وقت المواقيت لأهل النواحي قبل الفتوح؛ لأنه علم أنها ستفتح، فلا فرق في ذلك بين الشام والعراق. انتهى بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن المواقيت الخمسة التي ذكرنا مواقيت أيضًا لكل من مر عليها من غير أهلها، وهو يريد النسك حجًا كان أو عمرة، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه، الذي ذكرناه في أول هذا المبحث بعد ذكر المواقيت المذكورة \"فهي لهن ولمن أتى عليهن من غير أهلهن لمن كان يريد الحج والعمرة\" هذا لفظ البخاري في صحيحه من رواية ابن عباس. وفي لفظ في البخاري، عن ابن عباس: \"هن لأهلهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة\" وكلا اللفظين في صحيح مسلم من رواية ابن عباس. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.\nالفرع الثاني: اعلم أن من كان مسكنه أقرب إلى مكة من الميقات، فميقاته من موضع سكناه، ففي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفًا: \"فمن كان دونهن فمهله من أهله\"، وفي رواية \"فمن كان دونهن فمن أهله\" وفي لفظ \"ومن كان دون ذلك فمن حيث أنشأ\" كل هذه الألفاظ في صحيح البخاري من حديث ابن عباس مرفوعًا، واللفظان الأخيران منها في صحيح مسلم أيضًا من حديث ابن عباس، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.","vol":"5","page":353},{"text":"الفرع الثالث: اعلم أن أهل مكة يهلون من مكة، وفي حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور آنفًا حتى أهل مكة، يهلون منها، وفي لفظ: حتى أهل مكة يهلون من مكة، وكلا اللفظين في الصحيحين من حديث ابن عباس المذكور، وهذا بالنسبة إلى الإِهلال بالحج، لا خلاف فيه بين أهل العلم إلَّا ما ذكره بعضهم من أن المكي يجوز له أن يحرم من أي موضع من الحرم ولو خارجًا عن مكة، وهو ظاهر السقوط؛ لمخالفته للنص الصريح، عن النبي  - ﷺ -، وأما إهلال المكي بالعمرة، فجماهير أهل العلم على أنه لا يهلّ بالعمرة من مكة، بل يخرج إلى الحل، ويحرم منه، وهو قول الأئمة الأربعة وأصحابهم، وحكي غير واحد عليه الإِجماع.\nقال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي. الموقت لأهل مكة الحرم في الحج، والحل في العمرة للإجماع على ذلك. انتهى منه.\nوقال ابن قدامة في المغنى في الكلام على ميقات المكي: وإن أراد العمرة فمن الحل، لا نعلم في هذا خلافًا. انتهى منه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في الكلام على ميقات أهل مكة: وأما المعتمر فيجب عليه أن يخرج إلى أدنى الحل، كما سيأتي بيانه في أبواب العمرة.\nقال المحب الطبري: لا أعلم أحدًا جعل مكة ميقاتًا للعمرة. انتهى محل الغرض منه.\nوقال ابن القيم: إن أهل مكة لا يخرجون من مكة للعمرة، وظاهر صنيع البخاري أنه يرى إحرامهم من مكة بالعمرة، حيث قال:","vol":"5","page":354},{"text":"باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المذكور، ومحل الشاهد عنده منه المطابق للترجمة هي قوله: \"حتى أهل مكة من مكة\"، فقوله في الترجمة: باب مهل أهل مكة للحج والعمرة، وإيراده لذلك \"حتى أهل مكة يهلون من مكة\" دليل واضح على أنه يرى أن أهل مكة يهلون من مكة للعمرة والحج معًا، كما هو واضح من كلامه.\nوإذا علمت ذلك، فاعلم أن دليل هذا القول هو عموم حديث ابن عباس المتفق عليه الذي فيه حتى أهل مكة يهلون من مكة، والحديث عام بلفظه في الحج والعمرة، فلا يمكن تخصيص العمرة منه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه.\nوأما القائلون بأنه لا بد أن يخرج إلى الحل، وهم جماهير أهل العلم كما قدمنا، فاستدلوا بدليلين.\nأحدهما: ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما من: أن النبي  - ﷺ -  أمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج بعائشة في عمرتها من مكة إلى التنعيم، وهو أدنى الحل. قالوا: فلو كان الإِهلال من مكة بالعمرة سائغًا لأمرها بالإِهلال من مكة.\nوأجاب المخالفون عن هذا: بأن عائشة آفاقية، والكلام في أهل مكة لا في الآفاقيين.\nوأجاب الآخرون عن هذا بأن الحديث الصحيح دل على أن من مر بميقات لغيره كان ميقاتًا له، فيكون ميقات أهل مكة في عمرتهم هو ميقات عائشة في عمرتها؛ لأنها صارت معهم عند ميقاتهم.\nالدليل الثاني: هو الاستقراء وقد تقرر في الأصول: أن","vol":"5","page":355},{"text":"الاستقراء من الأدلة الشرعية، ونوع الاستقراء المعروف عندهم بالاستقراء التام حجة بلا خلاف، وهو عند أكثرهم دليل قطعي. وأما الاستقراء الذي ليس بتام، وهو المعروف عندهم بإلحاق الفرد بالأغلب فهو حجة ظنية عند جمهورهم. والاستقراء التام المذكور هو: أن تتبع الأفراد، فيوجد الحكم في كل صورة منها، ما عدا الصورة التي فيها النزاع، فيعلم أن الصورة المتنازع فيها حكمها حكم الصور الأخرى التي ليست محل نزاع.\nوإذا علمت هذا فاعلم أن الاستقراء التام أعني تتبع أفراد النسك، دل على أن كل نسك من حج أو قران أو عمرة، غير صورة النزاع لا بد فيه من الجمع بين الحل والحرم، حتى يكون صاحب النسك زائرًا قادمًا على البيت من خارج كما قال تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية. فالمحرم بالحج أو القران من مكة لا بد أن يخرج إلى عرفات: وهي في الحل، والآفاقيون يأتون من الحل لحجهم وعمرتهم، فجميع صور النسك غير صورة النزاع، لا بد فيها من الجمع بين الحل والحرم، فيعلم بالاستقراء التام أن صورة النزاع لا بد فيها من الجمع أيضًا بين الحل والحرم، وإلى مسألة الاستقراء المذكورة أشار في مراقي السعود بقوله:\nومنه الاستقراء بالجزئيّ ... على ثبوت الحكم للكلي\nفإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق. . . إلخ\nوقوله: فإن يعم. . . البيت: يعني أن الاستقراء إذا عم الصور كلها غير صورة النزاع فهو حجة في صورة النزاع بلا خلاف، والشقاق الخلاف. فقوله: غير ذي الشقاق، أي: غير محل النزاع.\nواعلم أن جماعة من أهل العلم يقولون: إن أهل مكة ليس لهم","vol":"5","page":356},{"text":"التمتع، ولا القران، فالعمرة في التمتع والقران ليست لهم، وإنما لهم أن يحجوا بلا خلاف، والعمرة منهم في غير تمتع، ولا قران جائزة عند جل من لا يرون عمرة التمتع والقران لأهل مكة. وممن قال: لا تمتع ولا قران لأهل مكة: أبو حنيفة وأصحابه، ونقله بعض الحنفية عن ابن عمر، وابن عباس، وابن الزبير، وهو رأي البخاري ﵀ كما ذكره في صحيحه. ومنشأ الخلاف في أهل مكة هل لهم تمتع أو قران أو لا؟ هو اختلاف العلماء في مرجع الإِشارة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ فالذين قالوا: لأهل مكة تمتع وقران كغيرهم، قالوا: الإِشارة راجعة إلى الهدي والصوم، ومفهومه أن من كان أهله حاضري المسجد الحرام إذا تمتع فلا هدي عليه ولا صوم. والذين قالوا: ليس لأهل مكة تمتع ولا قران، قالوا: الإِشارة راجعة إلى قوله ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ﴾ أي: ذلك التمتع ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أما من كان أهله حاضري المسجد الحرام، فلا تمتع له، والقران داخل في اسم التمتع في عرف الصحابة، كما تقدم إيضاحه. والذين قالوا هذا القول زعموا أن في الآية بعض القرائن الدالة عليه، منها التعبير باللام في قوله: ﴿لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ﴾ الآية، لأن اللام تستعمل فيما لنا، لا فيما علينا، والتمتع لنا أن نفعله، وأن لا نفعله بخلاف الهدي، فهو علينا وكذلك الصوم عند العجز عن الهدي، ومنها: أنه جمع في الإِشارة بين اللام والكاف، وذلك يدل على شدة البعد، والتمتع أبعد في الذكر من الهدي والصوم.\nوأجاب المخالفون بأن الإِشارة ترجع إلى أقرب مذكور، وهو الهدي، والصوم، وأن الإِشارة إلى القريب إشارة البعيد أسلوب عربي معروف. وقد ذكره البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى","vol":"5","page":357},{"text":"ومنه قوله ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ أي: هذا الكتاب؛ لأن الكتاب قريب، ولذا تكثر الإِشارة إليه بإشارة القريب، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وقوله: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ﴾ الآية. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن. ومن إطلاق إشارة البعد على القريب قول خفاف بن ندبة السلمي:\nفإن تَكُ خيلي قد أصيب صَميمها ... فعمدًا على عيني تيمَّمتُ مالكًا\nأقول له والرُّمح يأطرُ مَتْنه ... تأمَّل خفافًا إنني أنا ذَلِكا\nفقد أشار إلى نفسه إشارة البعيد، ومعلوم أنه لا يمكن أن يكون بعيدًا من نفسه. قالوا: واللام تأتي بمعنى علي كقوله: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ أي: فعليها، وقوله تعالى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ﴾ أي: على الأذقان. ومنه قول الشاعر، وقد قدمناه في أول سورة هود:\nهتكت له بالرمح جيبَ قميصِه ... فخرَّ صريعًا لليديْن ولِلْفَم\nوفي الحديث \"واشترطي لهم الولاء\".\nأو أن المراد: ذلك الحكم بالهدي والصوم مشروع لمن لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب أقوال أهل العلم عندي للصواب في هذه المسألة: أن أهل مكة لهم أن يتمتعوا، ويقرنوا وليس عليهم هدي؛ لأن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية، عام بلفظه في جميع الناس من أهل مكة، وغيرهم، ولا يجوز تخصيص هذا العموم إلَّا بمخصص يجب الرجوع إليه، وتخصيصه بقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لا يجب الرجوع إليه، لاحتمال رجوع الإِشارة إلى الهدي والصوم، لا إلى التمتع كما","vol":"5","page":358},{"text":"أوضحناه، وأن المكي إذا أراد العمرة خرج إلى الحل فأحرم منه، والدليل على هذا هو ما قدمناه من إرسال النبي  - ﷺ -  عائشة ﵂ مع أخيها لتحرم بعمرتها من التنعيم، وهو نص متفق على صحته. وقول من قال: إن النبي  - ﷺ -  أرسلها مع أخيها لتلك العمرة تطييبًا لخاطرها لا تقوم به حجة البتة، لأن النبي  - ﷺ -  لا يأمرها بعمرة، وهي نسك وعبادة إلَّا على الوجه المشروع لعامة الناس لاستواء جميع الناس في أحكام التكليف، فعمرتها المذكورة نسك قطعًا، والحالة التي أمر النبي  - ﷺ -  بأداء ذلك النسك عليها لا شك أنها مشروعة لجميع الناس إلَّا فيما قام دليل يجب الرجوع إليه بالخصوص، وقصة عمرة عائشة المذكورة لم يثبت فيها دليل على التخصيص. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الرابع: اعلم أن من سلك إلى الحرم طريقًا لا ميقات فيها فميقاته المحل المحاذي لأقرب المواقيت إليه، كما يدل عليه ما قدمناه في صحيح البخاري من توقيت عمر ذات عرق لأهل العراق، لمحاذاتها قرن المنازل. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم.\nالفرع الخامس: قد قدمنا في حديث النسائي أن الجحفة ميقات لأهل مصر، وأهل الشام، وعليه فميقات أهل مصر منصوص، والحديث المذكور قد قدمنا أنه صحيح الإِسناد.\nالفرع السادس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن أهل الشام، ومصر مثلًا إذا قدموا المدينة، فميقاتهم من ذي الحليفة، وليس لهم أن يؤخروا إحرامهم إلى ميقاتهم الأصلي الذي هو الجحفة، أو ما حاذاها، لظاهر حديث ابن عباس المتفق عليه: هن لهن، ولمن أتى عليهن من غير أهلهن. وقس على ذلك.","vol":"5","page":359},{"text":"الفرع السابع: اعلم أن جمهور أهل العلم على أن من جاوز ميقاته من المواقيت المذكورة غير محرم، وهو يريد النسك أن عليه دمًا، ودليله في ذلك أثر ابن عباس الذي قدمناه موضحًا: من نسي من نسكه شيئًا، أو تركه فليهرق دمًا. قالوا: ومن جاوز الميقات غير محرم، وهو يريد النسك فقد ترك من نسكه شيئًا، وهو الإحرام من الميقات، فيلزمه الدم.\nوأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن جاوز الميقات، ثم رجع إلى الميقات، وهو لم يحرم أنه لا شيء عليه، لأنه لم يبتدئ إحرامه إلَّا من الميقات، وأنه إن جاوز الميقات غير محرم، وأحرم في حال مجاوزته الميقات، ثم رجع إلى الميقات محرمًا أن عليه دمًا لإِحرامه بعد الميقات، ولو رجع إلى الميقات فإن ذلك لا يرفع حكم إحرامه مجاوزًا للميقات. واللَّه تعالى أعلم.\nالفرع الثامن: في الكلام على مفهوم قوله  - ﷺ -  في حديث ابن عباس المتفق عليه: ممن أراد النسك. ومفهومه صادق بصورتين:\nإحداهما: أن يمر إنسان على واحد من هذه المواقيت المذكورة وهو لا يريد النسك، ولا دخول مكة أصلًا كالذي يمر بذي الحليفة قاصدًا الشام أو نجدًا مثلًا. وهذه الصورة لا خلاف في أنه لا يلزمه فيها الإِحرام، وأن مفهوم قوله: ممن أراد النسك دال على أنه لا إحرام عليه في هذه الصورة.\nوالثانية: هي أن يمر على واحد من هذه المواقيت وهو لا يريد حجًا، ولا عمرة، ولكنه يريد دخول مكة، لقضاء حاجة أخرى.\nوهذه الصورة اختلف فيها أهل العلم، فقال بعض أهل العلم:","vol":"5","page":360},{"text":"لا يجوز لأحد دخول مكة لغير إحرام، ولو كان دخوله لغرض آخر غير النسك. وقال بعضهم. إذا كان دخوله مكة لغرض غير النسك، فلا مانع من دخوله غير محرم، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين أهل العلم.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام في هذه المسألة: وقد اختلف العلماء في هذا. فالمشهور من مذهب الشافعي عدم الوجوب مطلقًا، وفي قول: يجب مطلقًا، وفيمن يتكرر منه دخولها خلاف، وهو أولى بعدم الوجوب. والمشهور عن الأئمة الثلاثة: الوجوب. وفي رواية عن كل منهم لا يجب، وهو قول ابن عمر، والزهري، والحسن، وأهل الظاهر. وجزم الحنابلة باستثناء ذوي الحاجات المتكررة. واستثنى الحنفية من كان داخل الميقات. وزعم ابن عبد البر أن أكثر الصحابة والتابعين على القول بالوجوب. انتهى كلام ابن حجر. ونقل النووي في شرح مسلم عن القاضي عياض: أن هذا هو قول أكثر العلماء.\nوإذا علمت اختلاف العلماء في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما الذين قالوا: إنه لا يجوز دخول مكة بغير إحرام إلَّا للمتوددين عليها كثيرًا كالحطابين، وذوي الحاجات المتكررة كالمالكية والحنابلة، ومن وافقهم فقد استدلوا بأدلة:\nمنها قول بعضهم: إن من نذر دخول مكة لزمه الإِحرام. قالوا: ولو لم يكن واجبًا لم يجب بنذر الدخول، كسائر البلدان.\nومنها: ما رواه البيهقي في سننه: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن","vol":"5","page":361},{"text":"يوسف الأصباني، أنبأ أبو سعيد بن الأعرابي، ثنا سعدان بن نصر، ثنا إسحاق الأزرق، عن عبد الملك، عن عطاء، عن ابن عباس أنه قال: لا يدخل مكة أحد من أهلها، ولا من غير أهلها إلَّا بإحرام. ورواه إسماعيل بن مسلم، عن عطاء، عن ابن عباس: فواللَّه ما دخلها رسول الله  - ﷺ -  إلَّا حاجًا أو معتمرًا. انتهى من البيهقي.\nوقال ابن حجر في التلخيص: حديث ابن عباس \"لا يدخل أحد مكة إلَّا محرمًا\". رواه البيهقي من حديثه، وإسناده جيد، ورواه ابن عدي مرفوعًا من وجهين ضعيفين. ولابن أبي شيبة من طريق طلحة، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: لا يدخل أحد مكة بغير إحرام إلَّا الحطابين والعمالين، وأصحاب منافعها. وفيه طلحة بن عمرو فيه ضعف. وروى الشافعي عن ابن عيينة، عن عمرو، عن أبي الشعثاء: أنه رأى ابن عباس يرد من جاوز الميقات غير محرم. اهـ منه.\nومنها: أن دخول مكة بغير إحرام مناف للتعظيم اللازم لها.\nوأما الذين قالوا بجواز دخول مكة بلا إحرام لمن لم يرد نسكًا، فاحتجوا بأدلة.\nمنها: ما رواه البخاري في صحيحه، قال: باب دخول الحرم ومكة بغير إحرام، ودخل ابن عمر. وإنما أمر النبي  - ﷺ -  بالإِهلال لمن أراد الحج والعمرة، ولم يذكر الحطابين وغيرهم، ثم ساق بسنده حديث ابن عباس المتفق عليه المذكور سابقًا وفيه \"هن لهن ولكل آت أتى عليهن من غيرهم ممن أراد الحج والعمرة\" الحديث. ومراد البخاري ﵀ أن مفهوم قوله: ممن أراد الحج والعمرة أن من لم يرد الحج والعمرة لا إحرام عليه ولو دخل مكة.","vol":"5","page":362},{"text":"وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث وحاصله: أنه خص الإِحرام بمن أراد الحج والعمرة. واستدل بمفهوم قوله في حديث ابن عباس: ممن أراد إلحج والعمرة. فمفهومه: أن المتردد إلى مكة لغير قصد الحج والعمرة لا يلزمه الإِحرام. انتهى محل الغرض منه.\nثم قال البخاري ﵀؛ حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك ﵁ \"أن رسول الله  - ﷺ -  دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، فلما نزعه جاء رجل فقال: إن ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: اقتلوه\". انتهى منه. فقول أنس في هذا الحديث الصحيح: دخل عام الفتح، وعلى رأسه المغفر، دليل على أنه  - ﷺ -  دخل مكة عام الفتح بغير إحرام، كما هو واضح. وحديث أنس هذا أخرجه مالك في الموطأ، وزاد: ولم يكن رسول الله  - ﷺ -  يومئذ محرمًا. وأخرجه أيضًا مسلم في صحيحه باللفظ الذي ذكره البخاري في باب جواز دخول مكة بغير إحرام.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد الثقفي، قال يحيى: أخبرنا، وقال قتيبة: حدثنا معاوية بن عمار الدهني، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري \"أن رسول الله  - ﷺ -  دخل مكة\" وقال قتيبة \"دخل يوم فتح مكة، وعليه عمامة سوداء بغير إحرام\" وفي رواية قتيبة: حدثنا أبو الزبير، عن جابر، وفي رواية أخرى عند مسلم عن جابر أيضًا \"أن النبي  - ﷺ -  دخل يوم فتح مكة وعليه عمامة سوداء\". وفي رواية عند مسلم من طريق عمرو بن حريث، عن أبيه \"أن رسول الله  - ﷺ -  خطب الناس، وعليه عمامة سوداء\". وفي لفظ لمسلم، عن عمرو بن","vol":"5","page":363},{"text":"حريث، عن أبيه قال: كأني أنظر إلى رسول الله  - ﷺ -  على المنبر، وعليه عمامة سوداء، قد ألقى طرفيها بين كتفيه، ولم يقل أبو بكر على المنبر. انتهى منه.\nفإن قيل: في بعض هذه الأحاديث الصحيحة: أنه دخل مكة، وعلى رأسه المغفر، وفي بعضها: أنه دخل وعليه عمامة سوداء.\nفالجواب: أن العلماء جمعوا بين الروايتين.\nقال القاضي عياض: وجه الجمع بينهما أن أول دخوله كان على رأسه المغفر، ثم بعد ذلك كان على رأسه العمامة بعد إزالة المغفر، بدليل قوله: خطب الناس، وعليه عمامة سوداء؛ لأن الخطبة إنما كانت عند باب الكعبة بعد تمام فتح مكة. وجمع بعض أهل العلم بينهما بأن العمامة السوداء كانت ملفوفة فوق المغفر، وكانت تحت المغفر وقاية لرأسه من صدأ الحديد، فأراد أنس بذكر المغفر كونه دخل متهيئًا للحرب، وأراد جابر بذكر العمامة كونه دخل غير محرم. انتهى محل الغرض منه من فتح الباري.\nوقال ابن حجر في الفتح في قول البخاري: ودخل ابن عمر، وصله مالك ﵀ في الموطأ عن نافع قال: أقبل عبد الله بن عمر من مكة، حتى إذا كان بقديد  - يعني بضم القاف -  جاءه خبر عن الفتنة، فرجع فدخل مكة بغير إحرام. اهـ منه، وقد ذكره مالك في الموطأ في جامع الحج بلفظ: جاءه خبر من المدينة يدل عن الفتنة، وباقي اللفظ كما ذكره ابن حجر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا: أن من أراد دخول مكة حرسها الله لغرض غير الحج والعمرة أنه لا يجب","vol":"5","page":364},{"text":"عليه الإِحرام، ولو أحرم كان خيرًا له، لأن أدلة هذا القول أقوى وأظهر، فحديث ابن عباس المتفق عليه: خص فيه النبي  - ﷺ -  الإِحرام بمن أراد النسك. وظاهره أن من لم يرد نسكًا فلا إحرام عليه. وقد رأيت الروايات الصحيحة بدخول النبي  - ﷺ -  مكة يوم الفتح غير محرم، ودخول ابن عمر غير محرم. والعلم عند الله تعالى.\nوأما قول بعض أهل العلم من المالكية وغيرهم أن دخول مكة بغير إحرام من خصائصه  - ﷺ -، فهو لا تنهض به حجة، لأن المقرر في الأصول وعلم الحديث أن فعله  - ﷺ -  لا يختص حكمه به إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، لأنه هو المشرع لأمته باقواله وأفعاله وتقريره كما هو معلوم.\nالفرع التاسع: في حكم تأخير الإِحرام عن الميقات، وتقديمه عليه قد قدمنا أنه لا يجوز تأخير الإِحرام عن الميقات ممن يريد حجًا أو عمرة، وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم، وقد قدمنا دليله.\nوأما ما رواه مالك ﵀ في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵄ أهل من الفرع. ومعلوم أن الفرع وراء ميقات أهل المدينة الذي هو ذو الحليفة، فهو محمول عند أهل العلم كما ذكره ابن عبد البر وغيره، على أنه وصل الفرع وهو لا يريد النسك، فطرأت عليه نية النسك بالفرع، فأهلَّ منه، وهذا متعين؛ لأن ابن عمر ﵄ ممن روى المواقيت عن النبي  - ﷺ -، فمن المعلوم أنه لا يخالف ما سمعه من رسول الله  - ﷺ - .\nوأما الإِحرام من موضع فوق الميقات، فأكثر أهل العلم على جوازه، وحكى غير واحد عليه الاتفاق.","vol":"5","page":365},{"text":"واختلفوا في الأفضل من الأمرين: وهما الإِحرام من الميقات، أو الإِحرام من بلده إن كان أبعد من الميقات؟\nقال النووي في شرح المهذب: أجمع من يعتد به من السلف والخلف من الصحابة، فمن بعدهم، على أنه يجوز الإِحرام من الميقات، ومما فوقه، وحكى العبدري وغيره عن داود أنه قال: لا يجوز الإِحرام مما فوق الميقات، وأنه لو أحرم مما قبله لم يصح إحرامه، ويلزمه أن يرجع، ويحرم من الميقات. وهذا الذي قاله مردود عليه بإجماع من قبله. انتهى كلام النووي.\nوحجة من قال: إن الإِحرام من الميقات أفضل أن النبي  - ﷺ -  أحرم في حجته وعمرته من الميقات الذي هو ذو الحليفة، وهذا مجمع عليه من أهل العلم، وأحرم معه في حجه وعمرته أصحابه كلهم من الميقات، وكذلك كان يفعل بعده خلفاؤه الراشدون وغيرهم من الصحابة والتابعين، وجماهير العلماء، وأهل الفضل، فترك النبي  - ﷺ -  الإِحرام في مسجده الذي صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام، وإحرامه من الميقات دليل واضح، لا شك فيه أن السنَّة هي الإِحرام من الميقات، لا مما فوقه.\nواحتج من قال: يكون الإِحرام مما فوق الميقات أفضل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا أحمد بن صالح، ثنا ابن أبي فديك، عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يحنس، عن يحيى بن أبي سفيان الأخنسي، عن جدته حكيمة، عن أم سلمة زوج النبي  - ﷺ -: أنها سمعمت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"من أهل بحجة أو عمرة من المسجد الأقصى إلى المسجد الحرام غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر أو وجبت له الجنة\" شك عبد الله أيّهما قال. قال أبو داود: يرحم الله","vol":"5","page":366},{"text":"وكيعًا أحرم من بيت المقدس، يعني إلى مكة. انتهى من سنن أبي داود.\nواحتج أهل هذا القول أيضًا بتفسير عمر، وعلي ﵄ لقوله: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ قالا: إتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك.\nواحتجوا أيضًا بما رواه مالك في الموطأ عن الثقة عنده أن عبد الله بن عمر أهل من إيلياء: وهي بيت المقدس.\nورد المخالفون استدلال هؤلاء بأن حديث أم سلمة ليس بالقوي.\nقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث أم سلمة، فرواه أبو داود، وابن ماجه، والبيهقي، وآخرون. وإسناده ليس بالقوي، وبأن تفسير علي وعمر ﵄ للآية، وفعل ابن عمر كلاهما مخالف لفعل النبي  - ﷺ -، وأفعاله في حجته تفسير لآيات الحج. وقد قال  - ﷺ -: \"خذوا عني مناسككم\" وإحرامه من الميقات مجمع عليه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا هو: الاقتداء بالنبي  - ﷺ -، والإِحرام من الميقات، فلو كان الإِحرام قبله فيه فضل لفعله  - ﷺ -، والخير كله في اتباعه  - ﷺ - .\nوقال النووي في شرح المهذب  - بعد أن بين أن الإِحرام من الميقات أفضل من غيره ما نصه -: فإن قيل: إن النبي  - ﷺ -  أحرم من الميقات لبيان جوازه.\nفالجواب من أوجه:\nأحدها: أنه  - ﷺ -  قد بين الجواز بقوله  - ﷺ -: \"مهل أهل المدينة من ذي الحليفة\".","vol":"5","page":367},{"text":"الثاني: أن بيان الجواز فيما يتكرر فعله، ففعله  - ﷺ -  مرة أو مرات يسيرة على أقل ما يجزئ بيانًا للجواز، ويداوم في عموم الأحوال على أكمل الهيآت، كما توضأ مرة في بعض الأحوال، وداوم على الثلاث. ونظائر هذا كثيرة. ولم ينقل أنه  - ﷺ -  أحرم من المدينة، وإنما أحرم بالحج وعمرة الحديبية من ذي الحليفة.\nالثالث: أن بيان الجواز إنما يكون في شيء اشتهر أكمل أحواله بحيث يخاف أن يظن وجوبه، ولم يوجد ذلك هنا. وهذا كله إنما يحتاج إليه على تقدير دليل صريح صحيح في مقابلته، ولم يوجد ذلك؛ فإن حديث أم سلمة قد سبق أن إسناده ليس بالقوي، فيجاب عنه بأربعة أجوبة.\nالأول: أن إسناده ليس بقوي.\nالثاني: أنه فيه بيان فضيلة الإِحرام من فوق الميقات، وليس فيه أنه أفضل من الميقات. ولا خلاف أن الإِحرام من فوق الميقات فيه فضيلة، وإنما الخلاف أيهما أفضل.\nفإن قيل: هذا الجواب يبطل فائدة تخصيص المسجد الأقصى.\nفالجواب: أن فيه زيادة وهي تبيين قدر الفضيلة فيه.\nوالثالث: أن هذا معارض لفعله  - ﷺ -  المتكرر في حجته وعمرته، فكان فعله المتكرر أفضل.\nالرابع: أن هذه الفضيلة جاءت في المسجد الأقصى؛ لأن له مزايا عديدة معروفة، ولا يوجد ذلك في غيره، فلا يلحق به، واللَّه تعالى أعلم. انتهى كلام النووي.","vol":"5","page":368},{"text":"ولا شك أن مسجد النبي  - ﷺ -  أفضل من المسجد الأقصى، بدليل الحديث المتفق عليه \"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما سواه إلَّا المسجد الحرام\" ولا خلاف بين أهل العلم في دخول المسجد الأقصى في هذا العموم، وتفضيل مسجد النبي  - ﷺ -  عليه في الجملة، فلو كان فضل المكان سببًا للإِحرام فيه قبل الميقات لأحرم النبي  - ﷺ -  في مسجده، لأنه لا يفعل إلَّا ما هو الأفضل والأكمل صلوات الله وسلامه عليه، ولا يخفى أن الاقتداء بالنبي  - ﷺ -  أفضل وأكمل من غيره.\nالفرع العاشر: في حكم تقديم الإِحرام على ميقاته الزماني الذي هو أشهر الحج التي تقدم بيانها.\nاعلم أن جماعة من أهل العلم قالت: لا ينعقد الإِحرام بالحج في غير أشهر الحج، وأكثر من قال بهذا يقولون: إنه إن أحرم بالحج في غير أشهره ينعقد إحرامه بعمرة لا حج. وهذا هو مذهب الشافعي.\nقال النووي في شرح المهذب: وبه قال عطاء، وطاووس، ومجاهد، وأبو ثور. ونقله الماوردي عن عمر، وابن مسعود، وجابر، وابن عباس وأحمد. وقال الأوزاعي: يتحلل بعمرة. وقال ابن عباس: لا يحرم بالحج إلَّا في أشهره. وقال داود: لا ينعقد. وقال النخعي والثوري، ومالك، وأبو حنيفة، وأحمد: يجوز قبل أشهر الحج، ولكن يكره. قالوا: فأما الأعمال فلا تجوز قبل أشهر الحج بلا خلاف. واحتج لهم بقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ فأخبر ﷾ أن الأهلة كلها مواقيت للناس والحج، ولأنها عبادة تدخلها النيابة، وتجب الكفارة","vol":"5","page":369},{"text":"في إفسادها، فلم تخص بوقت كالعمرة؛ ولأن الإِحرام بالحج يصح في زمان لا يمكن إيقاع الأفعال فيه، وهو شوال، فعلم أنه لا يختص بزمان. قالوا: ولأن التوقيت ضربان توقيت مكان وزمان. وقد ثبت أنه لو تقدم إحرامه على ميقات المكان صح، فكذا الزمان. قالوا: وأجمعنا على أنه لو أحرم بالحج قبل أشهره انعقد لكن اختلفنا، هل ينعقد حجًّا أو عمرةً؟ فلولم ينعقد حجًا لما انعقد عمرة. انتهى محل الغرض من كلام النووي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومن العجيب عندي أن يستدل عالم بمثل هذه الأدلة التي هي في غاية السقوط كما ترى؛ لأن الآية ﴿قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ ليس معناها: أن كل شهر منها ميقات للحج، ولكن أشهر الحج إنما تعلم بحساب جميع الأشهر؛ لأنه هو الذي يتميز به وقت الحج من غيره، ولأن هذه الأدلة التي لا يعول عليها في مقابلة آية محكمة من كتاب الله صريحة في توقيت الحج بأشهر معلومات هي قوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ فتجاهل هذا النص القرآني، ومعارضته بما رأيت من الغرائب كما ترى.\nوالتحقيق الذي يدل عليه القرآن هو قول من قال: إن الحج لا ينعقد في غير زمنه، كما أن الصلاة المكتوبة لا ينعقد إحرامها قبل وقتها، وانقلاب إحرامه عمرة له وجه من النظر، ويستأنس له بأن النبي  - ﷺ -  أمر أصحابه المحرمين بالحج الذين لم يسوقوا هديًا أن يقلبوا حجهم الذي أحرموا به عمرة، وبأن من فاته الحج تحلل من إحرامه للحج بعمرة. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":370},{"text":"المسألة الثانية عشرة في التلبية في بيان أول وقتها ووقت انتهائها وفي حكمها وكيفية لفظها ومعناها\nأما لفظها: فقد ثبت في الصحيحين من حديث ابن عمر ﵄، وفي صحيح البخاري من حديث عائشة ﵂، ومسلم من حديث جابر أن النبي  - ﷺ -  كان يقول في تلبيته إذا أهل محرمًا: \"لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك\" ورواية البخاري عن عائشة المذكورة إلى قوله: \"إن الحمد والنعمة لك\" وقد أجمع المسلمون على لفظ التلبية المذكورة في حديث ابن عمر المتفق عليه، وحديث جابر عند مسلم عند الإِحرام بالحج أو العمرة. ولكن اختلفوا في الزيادة عليه بألفاظ فيها تعظيم الله، ودعاؤه، ونحو ذلك، فكره بعضهم الزيادة، على تلبية رسول الله  - ﷺ -، وحكاه ابن عبد البر، عن مالك قال: وهو أحد قولي الشافعي. انتهى منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.\nوقال آخرون: لا بأس بالزيادة المذكورة، واستحب بعضهم الزيادة المذكورة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الأفضل هو الاقتداء بالنبي  - ﷺ -، والاقتصار على لفظ تلبيته الثابت في الصحيحين وغيرهما؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو  - ﷺ -  يقول: \"لتأخذوا عني مناسككم\" وأن الزيادة المذكورة لا بأس بها. والدليل على ذلك من وجهين:","vol":"5","page":371},{"text":"أحدهما: ما رواه مسلم في صحيحه، عن ابن عمر ﵄ بعد أن ساق حديثه بلفظ تلبية النبي  - ﷺ -  المذكورة قال: قال نافع: كان عبد الله ﵁ يزيد مع هذا: لبيك لبيك وسعديك، والخير بيديك لبيك، والرغباء إليك، والعمل.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا بعد أن ساق حديثه بتلبية رسول الله  - ﷺ -، عن ابن عمر، من رواية ابنه سالم ﵁، وكان عبد الله بن عمر ﵄ يقول: كان عمر بن الخطاب ﵁ يهل بإهلال رسول الله  - ﷺ -  من هؤلاء الكلمات ويقول. لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبيك وسعديك، والخير في يديك والرغباء إليك والعمل. اهـ.\nوقال ابن حجر في الفتح بعد أن ذكر الرواية عن عمر وابنه عبد الله، فعرف أن ابن عمر اقتدى في ذلك بأبيه. اهـ.\nومعلوم أن الزيادة على تلبية النبي  - ﷺ -، لو كان فيها محذور، لما فعلها أمير المؤمنين عمر بن الخطاب، وابنه عبد الله ﵄.\nالوجه الثاني: هو ما ثبت في صحيح مسلم في حديث جابر الطويل، فإن فيه ما نصه: \"فأهل بالتوحيد: لبَّيك اللَّهم لبَّيك، لبَّيك لا شريك لك لبَّيك، إن الحمدَ والنعمةَ لكَ والملك، لا شريكَ لك، وأهلَّ الناس بهذا الذي يهلُّون به، فلم يرد رسول الله  - ﷺ -  عليهم شيئًا منه\". انتهى محل الغرض من حديث جابر المذكور. وهو واضح في أنهم يزيدون على تلبيته  - ﷺ -، ويقرهم على ذلك، ولم ينكره عليهم كما ترى.","vol":"5","page":372},{"text":"وأما أول وقتها: فأظهر أقوال أهل العلم فيه: أنه أول الوقت الذي يركب فيه مركوبه عند إرادة ابتداء السير؛ لصحة الأحاديث الواردة بأنه  - ﷺ -  أهلَّ حين استوت به راحلته.\nقال البخاري في صحيحه: باب من أهل حين استوت به راحلته قائمة: حدثنا أبو عاصم، أخبرنا ابن جريج، قال: أخبرني صالح بن كيسان، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ قال: أهلّ رسول الله  - ﷺ -  حين استوت به راحلته قائمًا.\nباب الإِهلال مستقبل القبلة. وقال أبو معمر: حدثنا عبد الوارث، حدثنا أيوب، عن نافع، قال: كان ابن عمر ﵄: إذا صلَّى بالغداة بذي الحليفة، أمر براحلته فرحلت، ثم ركب، فإذا استوت به استقبل القبلة قائمًا، ثم يلبي حتى يبلغ الحرم، ثم يمسك، حتى إذا جاء ذا طوى بات به، حتى يصبح، فإذا صلى الغداة اغتسل، وزعم أن رسول الله  - ﷺ -  فعل ذلك. تابعه إسماعيل عن أيوب في الغسل: حدثنا سليمان بن داود أبو الربيع، حدثنا فليح، عن نافع قال: كان ابن عمر ﵄ إذا أراد الخروج إلى مكة ادَّهن بدهن، ليس له رائحة طيبة، ثم يأتي مسجد الخليفة، فيصلي ثم يركب، وإذا استوت به راحلته قائمة أحرم، ثم قال: هكذا رأيت النبي  - ﷺ -  يفعل. انتهى من صحيح البخاري.\nفهذه الروايات الصحيحة الثابتة عن ابن عمر ﵄: أنه  - ﷺ -  أحرم حين استوت به راحلته قائمة واضحة فيما ذكرنا من أن أول وقت الإِحرام عندما يركب حالة شروعه في السير من الميقات.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن موسى بن عقبة، عن سالم بن عبد الله أنه سمع أباه","vol":"5","page":373},{"text":"﵁ يقول: بيداؤكم هذه التي تكذبون عَلَى رسول الله  - ﷺ -  فيها، ما أهل رسول الله  - ﷺ -  إلَّا من عند المسجد  - يعني ذا الحليفة - . وحدثناه قتيبة بن سعيد، حدثنا حاتم يعني: ابن إسماعيل، عن موسى بن عقبة، عن سالم قال: كان ابن عمر ﵄ إذا قيل له: الإِحرام من البيداء قال: البيداء التي تكذبون فيها على رسول الله  - ﷺ -، ما أهل رسول الله  - ﷺ -  إلَّا من عند الشجرة، حين قام به بعيره. وفي لفظ لابن عمر ﵄ عند مسلم: فإني لم أر رسول الله  - ﷺ -  يهل حتى تنبعث به راحلته، وفي لفظ له أيضًا عند مسلم قال: كان رسول الله  - ﷺ -، إذا وضع رجله في الغرز، وانبعثت به راحلته قائمة أهل من ذي الحليفة، وفي مسلم عنه ألفاظ أخرى متعددة بهذا المعنى، ومراد ابن عمر ﵄ بكذبهم على رسول الله  - ﷺ -  في الإِحرام من البيداء هو ما رواه البخاري من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ: فأصبح بذي الحليفة ركب راحلته، حتى استوى على البيداء أهل هو وأصحابه. . . الحديث، وما رواه البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا، عن أنس بن مالك بلفظ قال: صلَّى رسول الله  - ﷺ -، ونحن معه بالمدينة الظهر أربعًا والعصر بذي الحليفة ركعتين، ثم بات بها، حتى أصبح، ثم ركب حتى استوت به على البيداء: حمد الله وسبح، وكبر، ثم أهل بحج وعمرة، وأهل الناس بهما. . . الحديث. ومراد ابن عمر أن النبي  - ﷺ -  أهل محرمًا حين استوت به راحلته قائمة من منزله بذي الحليفة، قبل أن يصل البيداء. ووجه الجمع بين حديث ابن عمر، وحديث ابن عباس، وأنس معروف عند أهل الحديث، وهو أنه  - ﷺ -  ابتدأ إهلاله حين استوت به راحلته قائمة فسمعه قوم، ثم لما استوت","vol":"5","page":374},{"text":"به على البيداء أعاد تلبيته فسمعه آخرون لم يسمعوا تلبيته الأولى فحدث كل واحد منهم بما سمع.\nوقال بعضهم: أحرم في مصلاه فسمعه بعضهم، ولم يسمعه ابن عمر حتى استوت به راحلته، وجزم ابن عمر أنه ما أهل حتى استوت به راحلته يدل على أنه علم أنه لم يهل حتى استوت به، فالأحاديث متفقة. ومراد ابن عمر بالإِنكار والتكذيب خاص بمن زعم أنه لم يلب قبل وصوله البيداء. وهذا الجمع ذكره ابن حجر، عن أبي داود، والحاكم.\nوقال ابن حجر في الفتح: فائدة البيداء هذه فوق عَلمي ذي الحليفة لمن صعد من الوادي. قاله أبو عبيد البكري وغيره. انتهى منه.\nوإذا عرفت مما ذكرنا أول وقت التلبية؛ وأنه وقت انعقاد الإِحرام فاعلم أن الصحيح الذي قام عليه الدليل: أن الحاج لا يقطع التلبية حتى يشرع في رمي جمرة العقبة، وقال بعض أهل العلم: حتى ينتهي رميه إياها.\nوالدليل على أن هذا القول هو الصواب دون غيره من أقوال أهل العلم هو ما ثبت في صحيح مسلم من حديث الفضل بن العباس ﵄، وكان رديف النبي  - ﷺ -  في حجة الوداع من مزدلفة إلى منى، ففي لفظ لمسلم عن الفضل بن عباس: أن رسول الله  - ﷺ -  لم يزل يلبي حتى بلغ الجمرة، وقوله في هذا الحديث الصحيح: \"حتى بلغ الجمرة\"، هو حجة من قال: يقطع التلبية عند الشروع في الرمي لأن بلوغ الجمرة هو وقت الشروع في الرمي، وفي لفظ لمسلم، عن الفضل أيضًا \"أن النبي  - ﷺ -  لم يزل يلبي، حتى رمى جمرة العقبة\"","vol":"5","page":375},{"text":"وقوله في هذا الحديث: \"حتى رمى جمرة العقبة\" هو حجة من قال يلبي حتى ينتهي رميه. وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن مسعود ﵁، من طريق عبد الرحمن بن يزيد قال: قال عبد الله ونحن بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة، يقول في هذا المقام: \"لبيك اللَّهم لبيك\" وجمع هي المزدلفة. وهذا الحديث الصحيح يدل على تلبية النبي  - ﷺ -  بمزدلفة بعد الرجوع من عرفة، وفي لفظ لابن مسعود عند مسلم أيضًا: قال عبد الله: أنسي الناس أم ضلوا سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة يقول في هذا المكان: \"لبيك اللَّهم لبيك\" وفي لفظ عنه أيضًا عند مسلم، من رواية عبد الرحمن بن يزيد، والأسود بن يزيد قالا: سمعنا عبد الله بن مسعود يقول بجمع: سمعت الذي أنزلت عليه سورة البقرة هاهنا يقول: \"لبيك اللَّهم لبيك\" ثم لبى ولبينا معه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: فهذه النصوص الصحيحة تدل على عدم قطع التلبية بعرفة، والأظهر أنه يقطعها عند الشروع في رمي العقبة، وأن رواية مسلم حتى رمى جمرة العقبة يراد به الشروع في رميها، لا الانتهاء منه.\nومن القرائن الدالة على ذلك: ما ثبت في الروايات الصحيحة من التكبير مع كل حصاة. فظرف الرمي لا يستغرق غير التكبير مع الحصاة؛ لتتابع رمي الحصيات.\nقال الزرقاني في شرح الموطأ: ولابن خزيمة عن الفضل أفضت مع النبي  - ﷺ -، فلم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، يكبر مع كل حصاة، ثم قطع التلبية مع آخر حصاة. قال ابن خزيمة: حديث صحيح مفسر لما أبهم في الرواية الأخرى، وأن المراد بقوله: \"حتى","vol":"5","page":376},{"text":"رمى جمرة العقبة\" أتم رميها. اهـ. وعلى تقدير صحة هذه الرواية لا ينبغي العدول عنها.\nوإذا علمت الصحيح الذي دلت عليه النصوص، فاعلم أن في وقت انتهاء التلبية مذاهب للعلماء غير ما ذكرنا، فقد روي عن سعد بن أبي وقاص، وعائشة: أنه يقطع التلبية إذا راح إلى الموقف، وعن علي، وأم سلمة: أنهما كانا يلبيان حتى تزول الشمس يوم عرفة. وهذا قريب من قول سعد وعائشة. وكان الحسن يقول: يلبي حتى يصلي الغداة يوم عرفة. ومذهب مالك أنه يقطعها إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. وقد روى مالك ﵀ في الموطأ عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن علي بن أبي طالب ﵁ كان يلبي بالحج، حتى إذا زاغت الشمس من يوم عرفة. قطع التلبية. قال مالك: وذلك الأمر الذي لم يزل عليه أهل العلم ببلدنا. اهـ. وروى مالك في الموطأ أيضًا عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة زوج النبي  - ﷺ -: أنها كانت تترك التلبية إذا رجعت إلى الموقف. وروى في الموطأ أيضًا عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي حتى يغدو من منى إلى عرفة، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك في العمرة إذا دخل الحرم. اهـ.\nوالتحقيق أنه لا يقطعها إلَّا إذا رمى جمرة العقبة، لدلالة حديث الفضل ابن عباس الثابت في الصحيح على ذلك دلالة واضحة، ودلالة حديث ابن مسعود الثابت في الصحيح على تلبية النبي بمزدلفة أيضًا، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنَّة نبيه  - ﷺ -  شيء يخالف ذلك. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":377},{"text":"وأما حكم التلبية فقد اختلف فيه أهل العلم اختلافًا معروفًا. قال ابن حجر في فتح الباري: لم يتعرض المصنف لحكم التلبية، وفيها مذاهب أربعة، يمكن توصيلها إلى عشرة.\nالأول: أنها سنَّة من السنن، لا يجب بتركها شيء، وهو قول الشافعي وأحمد.\nثانيها: واجبة، ويجب بتركها دم. حكاه الماوردي عن ابن أبي هريرة من الشافعية، وقال: إنه وجد للشافعي نصًا يدل عليه وحكاه ابن قدامة عن بعض المالكية، والخطابي عن مالك، وأبي حنيفة. وأغرب النووي فحكى عن مالك أنها سنَّة، ويجب بتركها دم، ولا يعرف ذلك عندهم إلَّا أن ابن الجلاب قال: التلبية في الحج مسنونة غير مفروضة، وقال ابن التين: يريد أنها ليست من أركان الحج، وإلَّا فهي واجبة، ولذلك يجب بتركها الدم، ولو لم تكن واجبة لم يجب. وحكى ابن العربي: أنه يجب عندهم بترك تكرارها دم. وهذا قدر زائد على أصل الوجوب.\nثالثها: واجبة لكن يقوم مقامها فعل يتعلق بالحج، كالتوجه على الطريق. وبهذا صدر ابن شاس من المالكية كلامه في الجواهر له، وحكى صاحب الهداية من الحنفية مثله، لكن زاد القول الذي يقوم مقام التلبية من الذكر كما في مذهبهم من أنه لا يجب لفظ معين، وقال ابن المنذر: قال أصحاب الرأي: إن كبر أو هلل أو سبح ينوي بذلك الإِحرام فهو محرم.\nرابعها: أنها ركن في الإِحرام لا ينعقد بدونها. حكاه ابن عبد البر عن الثوري، وأبي حنيفة، وابن حبيب من المالكية، والزبير من الشافعية، وأهل الظاهر قالوا: هي نظيرة تكبيرة الإِحرام للصلاة،","vol":"5","page":378},{"text":"ويقويه ما تقدم من بحث ابن عبد السلام عن حقيقة الإِحرام. وهو قول عطاء، أخرجه سعيد ابن منصور بإسناد صحيح عنه، قال: التلبية فرض الحج، وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وطاوس، وعكرمة. وحكى النووي: عن داود: أنه لا بدَّ من رفع الصوت بها. وهذا قدر زائد على أصل كونها ركنًا. انتهى من فتح الباري.\nوإذا عرفت مذاهب أهل العلم في حكم التلبية، فاعلم أن النبي  - ﷺ -  لبى كما ذكرنا وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" فعلينا أن نأخذ عنه من مناسكنا التلبية، وهذا القدر هو الذي قام عليه الدليل. أما كونها مسنونة، أو مستحبة، أو واجبة يصح الحج بدونها، وتجبر بدم فكل ذلك لم يرد فيه دليل خاص، والخير كله في اتباعه  - ﷺ - . والعلم عند الله تعالى.\nوأما معنى التلبية: فهي من لبى بمعنى: أجاب، فلفظة: لبيك مثناة على قول سيبويه والجمهور، وتثنيتها للتكثير، أي: إجابة لك بعد إجابة، ولزومًا لطاعتك. وقال يونس بن حبيب البصري: لبيك: اسم مفرد لا مثنى. قال: وإنما انقلبت ألفه ياء، لاتصالها بالضمير، كما قلبت ألف لدى، وإلى، وعلى في حالة الاتصال بالضمير فتقول: لديك، وإليك، وعليك بإبدال الألف ياء. والأظهر قول سيبويه، وجمهور أهل اللغة.\nومما يدل على ذلك أنه سمع في كلام العرب ثبوت الياء مع الإِضافة للاسم الظاهر، لا الضمير كما في قول الشاعر، وهو أعرابي من بني أسد:\nدعوتُ لما نابني مِسورَا ... فلبِّي فلبِّي يدي مسور","vol":"5","page":379},{"text":"وقال ابن الأنباري: ثنوا لبيك كما ثنوا حنانيك، أي: تحننًا بعد تحنن. وقال القاضي عياض: اختلفوا في معنى لبيك واشتقاقها، فقيل معناها: اتجاهي وقصدي إليك، مأخوذ من قولهم: داري تلب دارك، أي: تواجهها، وقيل: معناها محبتي لك، مأخوذ من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت محبة لولدها عاطفة عليه، وقيل معناها: إخلاصي لك مأخوذ من قولهم: حب لباب، إذا كان خالصًا محضًا، ومن ذلك لب الطعام ولبابه، وقيل: معناها: أنا مقيم على طاعتك، وإجابتك مأخوذ من قولهم: لبَّ الرجل بالمكان، وألبَّ به إذا أقام فيه.\nقال ابن الأنباري: وبهذا قال الخليل. وقيل في \"لبيك\"، أي: قربًا منك، وطاعة، والإِلباب: القرب. وقال أبو نصر: معناه: أنا ملب بين يديك، أي: خاضع. انتهى كلام عياض، مع تصرف، وحذف يسير بواسطة نقل النووي في شرح مسلم. وما قاله الشيخ عياض ﵀ يدور حوله كلام أهل اللغة في معنى التلبية، وبقية ألفاظ التلبية معانيها ظاهرة.\nواعلم أن لفظة لبيك ملازمة للإِضافة لضمير المخاطب، وشذ إضافتها للظاهر كما تقدم قريبًا، وشذَّ أيضًا إضافتها لضمير الغائب كقول الراجز:\nإنك لو دعوتني ودوني ... زوراء ذات منزع بيون\nلقلت: لبيه لمن يدعوني\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أنه ينبغي للرجال رفع أصواتهم بالتلبية، لما رواه مالك في الموطأ، والشافعي، وأحمد، وأصحاب السنن، وابن حبان، والحاكم من حديث خلاد بن السائب الأنصاري، عن أبيه","vol":"5","page":380},{"text":"السائب بن خلاد بن سويد ﵁: أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية\". اهـ.\nولفظ مالك في موطئه: \"أتاني جبريل فأمرني أن آمر أصحابي، أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإِهلال\" يريد أحدهما. وقال الترمذي في هذا الحديث: حديث حسن صحيح.\nوجمهور أهل العلم على أن هذا الأمر المذكور في الحديث للاستحباب. وذهب الظاهرية إلى أنه للوجوب، والقاعدة المقررة في الأصول مع الظاهرية، وهي أن الأمر يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه.\nوأما النساء فلا ينبغي لهن رفع الصوت بالتلبية كما عليه جماهير أهل العلم.\nقال مالك في موطئه: إنه سمع أهل العلم يقولون: ليس على النساء رفع الصوت بالتلبية، لتسمع المرأة نفسها. وعلل بعض أهل العلم خفض المرأة صوتها بالتلبية بخوف الافتتان بصوتها.\nوقال الرافعي في شرحه الكبير المسمى فتح العزيز في شرح الوجيز: وإنما يستحب الرفع في حق الرجل، ولا يرفع بحيث يجهد ويقطع صوته. والنساء تقتصرن على إسماع أنفسهن، ولا يجهرن كما لا يجهرن بالقراءة في الصلاة.\nقال القاضي الروياني: ولو رفعت صوتها بالتلبية لم يحرم؛ لأن صوتها ليس بعورة خلافًا لبعض أصحابنا. اهـ. وذكر نحوه النووي عن الروياني ثم قال: وكذا قال غيره: لا يحرم، لكن يكره. صرح به","vol":"5","page":381},{"text":"الدارمي، والقاضي أبو الطيب، والبندنيجي. ويخفض الخنثى صوته كالمرأة. ذكره صاحب البيان. وهو ظاهر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما المرأة الشابة الرخيمة الصوت، فلا شك أن صوتها من مفاتن النساء، ولا يجوز لها رفعه بحال. ومن المعلوم أن الصوت الرخيم من محاسن النساء وَمفاتنها، ولأجل ذلك يكثر ذكره في التشبيب بالنساء، كقول غيلان ذي الرمة:\nلها بشر مثل الحرير ومنطق ... رخيم الحواشي لا هراء ولا نزر\nوعينان قال الله: كونا فكانتا ... فعولان بالألباب ما تفعل الخمر\nفتراه جعل الصوت الرخيم من محاسن النساء، كالبشرة الناعمة والعينين الحسنتين. وكقول معنب بن أم صاحب:\nوفي الخدور لو أن الدار جامعة ... بيض أوانس في أصواتها غنن\nفتراه جعل الصوت الأغن من جملة المحاسن. وهذا أمر معروف لا يمكن الخلاف فيه. وقد قال جل وعلا مخاطبًا لنساء النبي  - ﷺ -  وهن خير أسوة لنساء المسلمين: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا (٣٢)﴾ لأن تليين الصوت وترخيمه يدك على الاهتمام بالريبة كإبداء غيره من محاسن المرأة للرجال، كما قال الشاعر:\nيحسبن من الكلام زوانيا ... ويصدهن عن الخنا الإِسلام\nالفرع الثاني: اعلم أنه يستحب الإِكثار من التلبية في دوام الإحرام، ويتأكد استحبابها في كل صعود وهبوط، وحدوث أمر من ركوب، أو نزول، أو اجتماع رفاق، أو فراغ من صلاة، وعند إقبال","vol":"5","page":382},{"text":"الليل والنهار، ووقت السحر، وغير ذلك من تغاير الأحوال. وعلى هذا أكثر أهل العلم.\nقال صاحب المهذب: يستحب أن يكثر من التلبية، ويلبي عند اجتماع الرفاق، وفي كل صعود، وهبوط، وفي أدبار الصلوات، وإقبال الليل والنهار، لما روى جابر ﵁، قال: \"كان رسول الله  - ﷺ -  يلبي إذا رأى ركبًا، أو صعد أكمة، أو هبط واديًا\" وفي أدبار المكتوبة وآخر الليل. انتهى محل الغرض منه.\nولم يتكلم النووي في شرحه للمهذب على حديث جابر المذكور.\nوقال ابن حجر في التلخيص الحبير في حديث جابر المذكور: هذا الحديث ذكره الشيخ في المهذب، وبيض له النووي، والمنذري. وقد رواه ابن عسكر في تخريجه لأحاديث المهذب من طريق عبد الله بن محمد بن ناجية في فوائده بإسناد له إلى جابر قال: \"كان رسول الله  - ﷺ -  يلبي إذا لقي ركبًا\" فذكره. وفي إسناده من لا يعرف. وروى الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن عبد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يلبي راكبًا، ونازلًا، ومضطجعًا.\nوروى ابن أبي شيبة من رواية ابن سابط قال: كان السلف يستحبون التلبية في أربعة مواضع: في دبر الصلاة، وإذا هبطوا واديًا، أو علوه، وعند التقاء الرفاق. وعند خيثمة نحوه. وزاد: وإذا استقلت بالرجل راحلته. انتهى من التلخيص.\nوقال مالك في الموطأ: سمعت بعض أهل العلم يستحب التلبية دبر كل صلاة، وعلى كل شرف من الأرض.","vol":"5","page":383},{"text":"ويستأنس لحديث جابر المذكور بقول البخاري: باب التلبية إذا انحدر في الوادي. ثم ساق بسنده الحديث عن ابن عباس، وفيه قال: \"أما موسى كأني أنظر إليه، إذا انحدر في الوادي يلبي\" وقال في الفتح في شرح هذا الحديث: وفي الحديث أن التلبية في بطون الأودية من سنن المرسلين، وأنها تتأكد عند الهبوط كما تتأكد عند الصعود.\nالفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا في استحباب التلبية في حال طواف القدوم، والسعي بعده. وممن قال: إنه لا يلبي في طواف القدوم، والسعي بعده: مالك وأصحابه، وهو الجديد الصحيح من قولي الشافعي. وقال ابن عيينة: ما رأيت أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وممن أجاز التلبية في طواف القدوم: أحمد.\nوقال ابن قدامة في المغني: وبه يقول ابن عباس، وعطاء بن السائب، وربيعة بن أبي عبد الرحمن، وابن أبي ليلى، والشافعي. وروي عن سالم بن عبد الله أنه قال: لا يلبي حول البيت وقال ابن عيينة: ما رأينا أحدًا يقتدى به يلبي حول البيت إلَّا عطاء بن السائب. وذكر أبو الخطاب: أنه لا يلبي، وهو قول للشافعي؛ لأنه مشتغل بذكر يخصه، فكان أولى. انتهى محل الغرض من المغني. وقد قدمنا لك أن القول الجديد الأصح من مذهب الشافعي: أنه لا يلبي خلافًا لما يوهمه كلام صاحب المغني. وروى مالك في موطئه عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يقطع التلبية في الحج إذا انتهى إلى الحرم حتى يطوف بالبيت، وبين الصفا والمروة، ثم يلبي، حتى يغدوا من منى إلى عرفات، فإذا غدا ترك التلبية، وكان يترك","vol":"5","page":384},{"text":"التلبية في العمرة إذا دخل الحرم. انتهى من الموطأ، وروى مالك في الموطأ أيضًا عن ابن شهاب، أنه كان يقول: كان عبد الله بن عمر لا يلبي، وهو يطوف بالبيت. انتهى منه. وقد روي عن ابن عمر أيضًا خلاف هذا، فقد ذكر ابن حجر في التلخيص: أن ابن أبي شيبة أخرج من طريق ابن سيرين عن ابن عمر أنه كان إذا طاف بالبيت لبى.\nالفرع الرابع: اعلم أنه لا خلاف بين من يعتد به من أهل العلم في أن المحرم يلبي في المسجد الحرام، ومسجد الخيف بمنى، ومسجد نمرة بقرب عرفات؛ لأنها مواضع نسك. واختلفوا في التلبية فيما سوى ذلك من المساجد.\nوأظهر القولين عندي: أنه يلبي في كل مسجد إلَّا أنه لا يرفع صوته رفعًا يشوش على المصلين. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يلبي في كل مكان في الأمصار وفي البراري. ونقل النووي عن العبدري أنه قال به أكثر الفقهاء خلافًا لمن قال: التلبية مسنونة في الصحاري، ولا يعجبني أن يلبي في المصر. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة عشرة فيما يمتنع بسبب الإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه\nفمن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه في قوله: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ والصيغة في قوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ صيغة خبر أريد بها الإِنشاء، أي:","vol":"5","page":385},{"text":"فلا يرفث ولا يفسق، ولا يجادل. وقد تقرر في فن المعاني أن الصيغة قد تكون خبرية، والمراد بها الإِنشاء؛ لأسباب منها التفاؤل كقولك: رحم الله زيدًا، فالصيغة خبرية، والمراد بها إنشاء الدعاء له بالرحمة. ومنها إظهار تأكيد الإِتيان بالفعل، وإلزام ذلك، كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الآية، أي: آمنوا باللَّه بدليل جزم الفعل في قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية، فهو مجزوم بالطلب المراد بالخبر في قوله: ﴿تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي: آمنوا باللَّه، يغفر لكم ذنوبكم كقوله: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ﴾ الآية ﴿تَعَالَوْا أَتْلُ﴾ الآية، ونحو ذلك. فالمسوغ لكون الصيغة في الآية خبرية هو إظهار التأكد، واللزوم في الإِتيان بالإِيمان، فعبر عنه بصيغة الخبر، لإِظهار أنه يتأكد ويلزم أن يكون كالواقع بالفعل المخبر عن وقوعه، وكقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية. المراد الأمر بالإِرضاع، والتربص، وقد عبر عنه بصيغة خبرية؛ لما ذكرنا، كما هو معروف في فن المعاني.\nوالأظهر في معنى الرفث في الآية أنه شامل لأمرين:\nأحدهما: مباشرة النساء بالجماع، ومقدماته.\nوالثاني: الكلام بذلك، كأن يقول المحرم لامرأته: إن أحللنا من إحرامنا فعلنا كذا وكذا. ومن إطلاق الرفث على مباشرة المرأة كجماعها قوله تعالى: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ﴾ فالمراد بالرفث في الآية: المباشرة بالجماع ومقدماته. ومن إطلاق الرفث على الكلام قول العجّاج:\nورب أسراب حجيج كظمِ ... عن اللغا ورفث التكلّم","vol":"5","page":386},{"text":"وقد قدمنا هذا البيت في سورة المائدة. وعن ابن عباس ﵄ أنه لما أنشد وهو محرم قول الراجز:\nوهنَّ يمشين بنا هميسًا ... إن تَصْدق الطيرُ نَنِكْ لَمِيسَا\nفقيل له: أترفث وأنت محرم؟ قال: إنما الرفث ما روجع به النساء، وفي لفظ: ما قيل من ذلك عند النساء.\nوالأظهر في معنى الفسوق في الآية أنه شامل لجميع أنواع الخروج عن طاعة الله تعالى. والفسوق في اللغة: الخروج، ومنه قول العجاج:\nيهوين في نجد وغورًا غائرًا ... فواسقًا عن قصدها جوائرا\nيعني بقوله: فواسقا عن قصدها: خوارج عن جهتها التي كانت تقصدها.\nوالأظهر في الجدال في معنى الآية: أنه المخاصمة والمراء، أي: لا تخاصم صاحبك وتماره حتى تغضبه. وقال بعض أهل العلم: معنى لا جدال في الحج، أي: لم يبق فيه مراء ولا خصومة؛ لأن الله أوضح أحكامه على لسان رسوله  - ﷺ - .\nومن ذلك ما صرح الله بالنهي عنه في كتابه، من حلق شعر الرأس في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nومن ذلك تغطية المحرم الذكر رأسه؛ لما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس ﵄ أن النبي  - ﷺ -  قال في المحرم الذي خر عن راحلته فوقصته فمات: \"لا تخمروا رأسه فإن الله يبعثه يوم القيامة ملبيًا\" وفي رواية في صحيح مسلم: \"ولا تخمروا رأسه ولا وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\". وهذا الحديث في صحيح مسلم","vol":"5","page":387},{"text":"بألفاظ متعددة، في بعضها الاقتصار على النهي عن تخمير الرأس، وفي بعضها النهي عن تخمير الرأس والوجه، وفي بعضها: النهي عن مسه بطيب، وفي بعضها: النهي عن أن يقربوه طيبًا وأن يغطوا وجهه. وكل ذلك ثايت. وهو نص صريح في منع تغطية المحرم الذكر رأسه أو وجهه. أما المرأة فإنها تغطي رأسها، ولا تغطي وجهها إلَّا إذا خافت نظر الرجال الأجانب إليه. كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nومن ذلك لبس كل شيء محيط بالبدن، أوبعضه، وكل شيء يغطي الرأس كما تقدم قريبًا، فلا يجوز للمحرم لبس القميص، ولا العمامة، ولا السراويل، ولا البرنس، ولا القباء، ولا الخف إلَّا إذا لم يجد نعلًا، فإنه يجوز له لبس الخفين، ويلزمه أن يقطعهما أسفل من الكعبين، وكذلك إذا لم يجد إزارًا، فله أن يلبس السراويل على الأصح فيهما.\nوكذلك لا يجوز له أن يلبس ثوبًا مسه ورس أو زعفران. وهذه أدلة منع ما ذكر.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع عن عبد الله بن عمر ﵄: أن رجلًا قال: يا رسول الله  - ﷺ -: ما يلبس المحرم من الثياب؟ قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا يلبس القمص المحرم، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس، ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس خفين وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران أو ورس\". انتهى من صحيح البخاري.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن ابن عمر","vol":"5","page":388},{"text":"﵄: أن رجلًا سأل رسول الله  - ﷺ -  ما يلبس المحرم من الثياب؛ فقال رسول الله  - ﷺ -: \"لا تلبسوا القمص، ولا العمائم، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا الخفاف إلَّا أحد لا يجد نعلين فليلبس الخفين، وليقطعهما أسفل من الكعبين، ولا تلبسوا من الثياب شيئًا مسه الزعفران ولا الورس\" وأخرج مسلم ﵀ هذا الحديث عن ابن عمر أيضًا من طريق ابنه سالم، وأخرج بعضه عنه أيضًا من طريق عبد الله بن دينار. ثم قال مسلم: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو الربيع الزهراني، وقتيبة بن سعيد جميعًا، عن حماد قال يحيى: أخبرنا حماد بن زيد، عن عمرو، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس ﵄ قال: سمعت رسول الله  - ﷺ -  وهو يخطب يقول: \"السراويل لمن لم يجد الإِزار، والخفاف لمن لم يجد النعلين\" يعني المحرم. وقد ذكر مسلم هذا الحديث من طرق، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد، عن ابن عباس، وزاد شعبة في روايته، عن عمرو: يخطب بعرفات. وأخرج البخاري نحوه عن ابن عباس أيضًا. ثم قال مسلم ﵀: وحدثنا أحمد بن عبد الله بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"من لم يجد نعلين فليلبس خفين، ومن لم يجد إزار فليلبس سراويل\". اهـ من صحيح مسلم.\nوهو يدل دلالة واضحة على جواز لبس السراويل للمحرم الذي لم يجد إزارًا، كجواز لبس الخفين لمن لم يجد نعلين. وفي حديث ابن عباس، وجابر المذكورين زيادة على حديث ابن عمر: وهي جواز السراويل لمن لم يجد إزار. وهذه الزيادة يجب قبولها خلافًا لمن منع قبولها. وإطلاق الخفين في حديث ابن عباس، وجابر المذكورين","vol":"5","page":389},{"text":"يجب تقييده بما في حديث ابن عمر من قطعهما أسفل من الكعبين، لوجوب حمل المطلق على المقيد، ولا سيما إذا اتحد حكمهما وسببهما كما هنا، كما هو مقرر في الأصول.\nفأظهر الأقوال دليلًا: أنه لا يجوز لبس الخفين إلَّا في حالة عدم وجود النعلين، وأن قطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين لا بد منه، وأن لبس السراويل جائز للمحرم الذي لم يجد إزارًا خلافًا لمن ذهب إلى غير ذلك.\nوقال النووي في شرح المهذب: وأما حديث ابن عمر أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا يلبس المحرم القميص، ولا السراويلات، ولا البرانس ولا العمامة، ولا الخف إلَّا ألا يجد نعلين، فليلبس الحفين وليقطعهما حتى يكونا أسفل من الكعبين، ولا يلبس من الثياب ما مسه ورس أو زعفران\" فرواه البخاري ومسلم هكذا، وزاد البيهقي وغيره فيه \"ولا يلبس القباء\" وقال البيهقي: هذه الزيادة صحيحة محفوظة. انتهى منه. وهو دليل على منع لبس القباء للمحرم.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث ابن عمر المذكور. زاد الثوري في روايته، عن أيوب، عن نافع في هذا الحديث: ولا القباء. أخرجه عبد الرزاق. ورواه الطبراني من وجه آخر عن الثوري. وأخرجه الدارقطني، والبيهقي من طريق حفص بن غياث، عن عبد الله بن عمر، عن نافع أيضًا. انتهى محل الغرض منه.\nوهذا الذي ذكرنا من تحريم اللباس المذكور إنما هو في حق الرجال. وأما النساء فلهن أن يلبسن ما شئن من أنواع الثياب إلَّا أنهن","vol":"5","page":390},{"text":"لا يجوز لهن أن ينتقبن، ولا أن يلبسن القفازين؛ لأن إحرام المرأة في وجهها وكفيها.\nوقد قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يزيد، حدثنا الليث، حدثنا نافع، عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: قام رجل فقال: يا رسول الله، ماذا تأمرنا أن نلبس من الثياب الحديث وفيه \"ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين\" تابعه موسى بن عقبة، وإسماعيل بن إبراهيم بن عقبة، وجويرية، وابن إسحاق في النقاب والقفازين. وقال عبد الله: ولا ورس. وكان يقول: لا تنتقب المرأة ولا تلبس القفازين، وقال مالك عن نافع، عن ابن عمر: لا تنتقب المحرمة. وتابعه ليث بن أبي سليم. انتهى من صحيح البخاري.\nوقال أبو داود ﵀ في سننه  - بعد أن ساق حديث ابن عمر المتقدم -: حدثنا قتيبة بن سعيد، ثنا الليث، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي  - ﷺ -  بمعناه. وزاد: ولا تنتقب المرأة الحرام، ولا تلبس القفازين. وفي لفظ عن ابن عمر، عن النبي  - ﷺ -  \"المحرمة لا تنتقب ولا تلبس القفازين\".\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وأما حديث ابن عمر أن النبي  - ﷺ -  نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من أنواع الثياب من معصفر، أو خز، أو حرير، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. فرواه أبو داود بإسناد حسن، وهو من رواية محمد بن إسحاق صاحب المغازي إلَّا أنه قال: حدثني نافع عن ابن عمر. وأكثر ما أنكر على ابن إسحاق التدليس، وإذا قال","vol":"5","page":391},{"text":"المدلس: حدثني احتج به على المذهب الصحيح المشهور. انتهى منه.\nوقال ابن حجر في التلخيص: حديث أنه - ﷺ - نهى النساء في إحرامهن عن النقاب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب معصفرًا، أو خزًّا، أو حليًا، أو سراويل، أو قميصًا، أو خفًا. رواه أبو داود، والحاكم، والبيهقي من حديث ابن عمر. واللفظ لأبي داود زاد فيه بعد قوله: عن النقاب: وما مس الزعفران، والورس من الثياب، وليلبسن بعد ذلك. ورواه أحمد إلى قوله من الثياب.\nومن ذلك استعمال المحرم الطيب في بدنه، أو ثيابه. والطيب هو ما يتطيب به، ويتخذ منه الطيب، كالمسك، والكافور، والعنبر، والصندل، والورس، والزعفران، والورد، والياسمين ونحو ذلك. والأصل في منع استعمال الطيب للمحرم هو ما قدمنا في حديث ابن عمر المتفق عليه من نهيه - ﷺ - عن لبس ما مسه الزعفران، والورس من الثياب في الإِحرام. وما قدمنا من حديث مسلم في الذي وقع عن راحلته فأوقصته فمات. ففي لفظ في صحيح مسلم: فأمر النبي - ﷺ - أن يغسل بماء وسدر، وأن يكفن في ثوبين، ولا يمس طيبًا الحديث. وفي لفظ في صحيح مسلم فقال النبي - ﷺ -: \"اغسلوه ولا تقربوه طيبًا ولا تغطوا وجهه فإنه يبعث يوم القيامة يلبي\" فقوله: \"ولا يمس طيبًا\" في الرواية الأولى نكرة في سياق النفي. وقوله: \"ولا تقربوه طيبًا\" في الرواية الثانية نكرة في سياق النهي، وكلتاهما من صيغ العموم، كما هو مقرر في الأصول، فهو يدل على منع جميع أنواع الطيب للمحرم، وترتيبه - ﷺ - على ذلك بالفاء قوله: \"فإنه يبعث يوم القيامة ملبيًا\" دليل","vol":"5","page":392},{"text":"على أن علة منع ذلك الطيب كونه محرمًا ملبيًا. والدلالة على العلة المذكورة: هي من دلالة مسلك الإِيماء والتنبيه. كما هو معروف في الأول.\nومن ذلك عقد النكاح، فإنه لا يجوز للمحرم أن يتزوج، ولا أن يزوج غيره بولاية أو وكالة. وسيأتي الخلاف في تزويج المحرم غيره بالولاية العامة إن شاء الله تعالى. وكون إحرام أحد الزوجين أو الولي مانعًا من عقد النكاح هو الذي عليه أكثر أهل العلم، وعزاه النووي في شرح المهذب لجماهير العلماء من الصحابة والتابعين فمن بعدهم. وقال: وهو مذهب عمر بن الخطاب، وعثمان، وعلي، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، ومالك، وأحمد، والشافعي، وإسحاق، وداود وغيرهم.\nوقال في شرح مسلم: قال مالك والشافعي، وأحمد، وجمهور العلماء من الصحابة، فمن بعدهم: لا يصح نكاح المحرم. اهـ.\nوقال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر وابنه، وزيد بن ثابت ﵃. وبه قال سعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، والزهري، والأوزاعي، ومالك، والشافعي. اهـ.\nوذهبت جماعة أخرى من أهل العلم: إلى أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي، ليس مانعًا من عقد النكاح. وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وهو مروي عن الحكم، والثوري، وعطاء، وعكرمة. وعزاه صاحب المغني لابن عباس. والظاهر أن عزو هذا القول الأخير لابن عباس أصح من عزو النووي له القول الأول، كما ذكرناه عنه آنفًا، كما سترى ما يدل على ذلك إن شاء الله تعالى.","vol":"5","page":393},{"text":"وإذا علمت أقوال أهل العلم في الإِحرام بحج أو عمرة، هل هو مانع من عقد النكاح، أو لا، فهذه أدلتهم.\nأما الجمهور القائلون بأن الإِحرام مانع من النكاح، فاستدلوا بما رواه مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن نبيه بن وهب أن عمر بن عبيد الله أراد أن يزوج طلحة بن عمر بنت شيبة بن جبير، فأرسل إلى أبان بن عثمان يحضر ذلك، وهو أمير الحج، فقال أبان: سمعت عثمان بن عفان ﵁ يقول: قال رسول الله - ﷺ -: \"لا يُنكح المحرم، ولا يَنكح ولا يخطب\".\nوحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن نافع، حدثني نبيه بن وهب، قال: بعثني عمر بن عبيد الله بن معمر، وكان يخطب بنت شيبة بن عثمان على ابنه، فأرسلني إلى أبان بن عثمان، وهو على الموسم فقال: ألا أراه أعرابيًا إن المحرم لا يُنكح ولا يَنكح. أخبرنا بذلك عثمان عن رسول الله - ﷺ -.\nحدثني أبو غسان المسمعي، حدثنا عبد الأعلى (ح) وحدثني أبو الخطاب زياد بن يحيى، حدثنا محمد بن سواء، قالا جميعًا: حدثنا سعيد عن مطر، ويعلى بن حكيم، عن نافع، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان بن عفان ﵁: أن رسول الله - ﷺ - قال: \"لا ينكح المحرم، ولا ينكح ولا يخطب\".\nوحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة قال زهير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن","vol":"5","page":394},{"text":"أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب، عن أبان بن عثمان، عن عثمان يبلغ به النبي  - ﷺ -  قال: \"المحرم لا ينكح ولا يخطب\".\nحدثنا عبد الملك بن شعيب بن الليث، حدثني أبي، عن جدي، حدثني خالد بن يزيد، حدثني سعيد بن أبي هلال، عن نبيه بن وهب: أن عمر بن عبيد الله بن معمر، أراد أن ينكح ابنه طلحة بنت شيبة بن جبير في الحج، وأبان بن عثمان يومئذ أمير الحاج فأرسل إلى أبان: إني أردت أن أنكح طلحة بن عمر فأحب أن تحضر ذلك، فقال له أبان: ألا أراك عراقيًا جافيًا إني سمعت عثمان بن عفان يقول: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا ينكح المحرم\".\nوحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وابن نمير، وإسحاق الحنظلي جميعًا، عن ابن عيينة، قال ابن نمير: حدثنا سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن أبي الشعثاء: أن ابن عباس أخبره \"أن النبي  - ﷺ -  تزوج ميمونة، وهو محرم\" زاد ابن نمير: فحدثت به الزهري فقال: أخبرني يزيد بن الأصم أنه نكحها، وهو حلال. وحدثنا يحيى بن يحيى، أخبرنا داود بن عبد الرحمن، عن عمرو بن دينار، عن جابر بن زيد أبي الشعثاء، عن ابن عباس أنه قال: \"تزوج رسول الله  - ﷺ -  ميمونة، وهو محرم\".\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن آدم، حدثنا جرير بن حازم، حدثنا أبو فزارة، عن يزيد بن الأصم، حدثتني ميمونة بنت الحارث \"أن رسول الله  - ﷺ -  تزوجها وهو حلال\" قال: وكانت خالتي وخالة ابن عباس. انتهى من صحيح مسلم.\nوحديث عثمان المذكور في صحيح مسلم رواه أيضًا مالك وأحمد وأصحاب السنن. وقال أبو عيسى الترمذي  - بعد أن","vol":"5","page":395},{"text":"ساقه -: حديث عثمان حديث حسن صحيح. والعمل على هذا عند بعض أصحاب النبي  - ﷺ -، منهم عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وابن عمر. وهو قول بعض فقهاء التابعين. وبه يقول مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق لا يرون أن يتزوج المحرم. وقالوا: إن نكح فنكاحه باطل.\nوحديث يزيد بن الأصم، عن ميمونة المذكور في صحيح مسلم \"أن النبي  - ﷺ -  نكحها وهو حلال\" رواه أيضًا الترمذي، وأبو داود، وابن ماجه، والإِمام أحمد. وقال الترمذي: حدثنا قتيبة، ثنا حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن سليمان بن يسار، عن أبي رافع قال: \"تزوج رسول الله  - ﷺ -  ميمونة، وهو حلال، وبنى بها وهو حلال، وكنت أنا الرسول فيما بينهما\" قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، لا نعلم أحدًا أسنده غير حماد بن زيد، عن مطر الوراق، عن ربيعة. وروى مالك بن أنس، عن ربيعة، عن سليمان بن يسار \"أن النبي  - ﷺ -  تزوج ميمونة وهو حلال\" رواه مالك مرسلًا، ورواه أيضًا سليمان بن بلال عن ربيعة مرسلًا. انتهى محل الغرض منه. وحديث أبي رافع هذا رواه أيضًا الإِمام أحمد.\nوروى مالك ﵀ في موطئه، عن نافع: أن عبد الله بن عمر ﵄ كان يقول: لا ينكح المحرم، ولا يخطب على نفسه، ولا على غيره. وفي الموطأ أيضًا، عن مالك أنه بلغه: أن سعيد بن المسيب، وسالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار سئلوا عن نكاح المحرم؟ فقالوا: لا ينكح المحرم، ولا يُنكح. وفي الموطأ أيضًا عن مالك، عن داود بن الحصين: أن أبا غطفان بن طريف","vol":"5","page":396},{"text":"المري، أخبره أن أباه طريفًا، تزوج امرأة وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب ﵁ نكاحه. وحديث أبي غطفان بن طريف، هذا رواه أيضًا الدارقطني. وروى الإِمام أحمد عن ابن عمر ﵄، أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر أو يحج؟ فقال: لا تتزوجها، وأنت محرم نهى رسول الله  - ﷺ -  عنه. انتهى منه بواسطة نقل المجد في المنتقى.\nفهذا هو حاصل أدلة من قال: بأن الإِحرام مانع من عقد النكاح.\nوأما الذين قالوا: بأن الإِحرام لا يمنع عقد النكاح، فقد استدلوا بما رواه الشيخان في صحيحيهما، وأصحاب السنن، والإِمام أحمد عن ابن عباس ﵄ \"أن النبي  - ﷺ -  تزوج ميمونة وهو محرم\". وللبخاري \"تزوج النبي  - ﷺ -  ميمونة وهو محرم، وبنى بها وهو حلال، وماتت بسرف\". اهـ.\nقالوا: فهذا الحديث المتفق عليه، عن ابن عباس ﵄ فيه التصريح بأنه  - ﷺ -  تزوج ميمونة وهو محرم، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وهو المشرع لأمته بأقواله، وأفعاله، وتقريره صلوات الله وسلامه عليه، فلو كان تزويج المحرم حرامًا لما فعله  - ﷺ - .\nواحتج الجمهور القائلون بمنع نكاح المحرم بالأحاديث المتقدمة، قالوا: ثبت في صحيح مسلم من حديث عثمان بن عفان ﵁ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب\" وصيغة النفي في قوله: لا ينكح ولا ينكح ولا يخطب يراد بها النهي، كقوله تعالى: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ﴾ أي:","vol":"5","page":397},{"text":"لا ترفثوا، ولا تفسقوا، ولا تجادلوا في الحج. وإيراد الإِنشاء بصيغة الخبر أبلغ من إيراده بصيغة الإنشاء. كما هو مقرر في المعاني.\nوالحديث دليل صحيح من قول النبي  - ﷺ -  على منع نكاح المحرم، وهو معتضد بما ذكرنا معه من الأحاديث والآثار الدالة على منع نكاح المحرم.\nوأجاب الجمهور القائلون بمنع إحرام أحد الزوجين، أو الولي عقد النكاح عن حديث ابن عباس المذكور، بأجوبة.\nواعلم أولًا: أن المقرر في الأصول: أنه إذا اختلف نصان وجب الجمع بينهما إن أمكن، وإن لم يمكن وجب الترجيح.\nوإذا عرفت هذه المقدمة فاعلم أن من أجوبتهم عن حديث ابن عباس المذكور، أنه يمكن الجمع بينه وبين حديث ميمونة، وأبي رافع \"أنه تزوجها وهو حلال\" ووجه الجمع في ذلك، هو أن يفسر قول ابن عباس: أنه تزوجها وهو محرم بان المراد بكونه محرمًا كونه في الشهر الحرام، وقد تزوجها  - ﷺ -  في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة عام سبع في عمرة القضاء، كما ذكره البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب: المغازي في باب عمرة القضاء.\nقال بعد أن ساق حديث ابن عباس المذكور، وزاد ابن إسحاق: حدثني ابن أبي نجيح، وأبان بن صالح، عن عطاء، ومجاهد، عن ابن عباس قال: \"تزوج النبي  - ﷺ -  ميمونة في عمرة القضاء\". اهـ منه. ومعلوم أن عمرة القضاء كانت في الشهر الحرام، وهو ذو القعدة من سنة سبع، ولا خلاف بين أهل اللسان العربي في إطلاق الإحرام على الدخول في حرمة لا تهتك، كالدخول في الشهر الحرام، أو في الحرم، أو غير ذلك.","vol":"5","page":398},{"text":"وقال ابن منظور في اللسان. وأحرم الرجل: إذا دخل في حرمة لا تهتك، ومن إطلاق الإِحرام على الدخول في الشهر الحرام  - وقد أنشده في اللسان شاهدًا لذلك -  قول زهير:\nجعلن القنان عن يمين وحزنه ... وكم بالقنان من محل ومحرم\nوقول الآخر:\nوإذ فتك النعمان بالناس مُحرمًا ... فملئ من عوف بن كعب سلاسل\nوقول الراعي:\nقتلوا ابن عفَّان الخليفَة مُحرما ... ودعَا فلم أر مثله مقتولا\nفتفرقت من بعد ذاك عصاهُم ... شققا وأصبح سيفهم مسلولا\nويروى: فلم أر مثله مخذولًا، فقوله: قتلوا ابن عفان الخليفة محرمًا، أي: في الشهر الحرام، وهو ذو الحجة. وقيل المعنى: أنهم قتلوه في حرم المدينة، لأن المحرم يطلق لغة على كل داخل في حرمة لا تهتك، سواء كانت زمانية، أو مكانية أو غير ذلك.\nوقال بعض أهل اللغة منهم الأصمعي: إن معنى قول الراعي: محرمًا في بيته المذكور كونه في حرمه الإسلام، وذمته التي يجب حفظها، ويحرم انتهاكها، وأنه لم يحل من نفسه شيئًا يستوجب به القتل. ومن إطلاق المحرم على هذا المعنى الأخير قول عدي بن زيد:\nقتلوا كسرى بليل محرما ... غادروه لم يمتع بكفن\nيريد قتل شيرويه أباه أبرويز بن هرمز، مع أنه له حرمة العهد الذي عاهدوه به، حين ملكوه عليهم، وحرمة الأبوة، ولم يفعل لهم شيئًا يستوجب به منهم القتل. وذلك هو مراده بقوله: محرمًا. وعلى","vol":"5","page":399},{"text":"تفسير قول ابن عباس: وهو محرم بما ذكر فلا تعارض بين حديث ابن عباس، وبين حديث ميمونة وأبي رافع، ولو فرضنا أن تفسير حديث ابن عباس بما ذكر ليس بمتعين، وليس بظاهر كل الظهور، وأن التعارض بين الحديثين باق، فالمصير إلى الترجيح إذًا واجب. وحديث ميمونة، وأبي رافع أرجح من حديث ابن عباس؛ لأن ميمونة هي صاحبة القصة، ولا شك أن صاحب القصة أدرى بما جرى له في نفسه من غيره. وقد تقرر في الأصول أن خبر صاحب الواقعة المروية مقدم على خبر غيره؛ لأنه أعرف بالحال من غيره، والأصوليون يمثلون له بحديث ميمونة المذكور، مع حديث ابن عباس.\nوإليه أشار في مواقي السعود مبحث الترجيح، باعتبار حال الراوي بقوله عاطفًا على ما ترجح به رواية أحد الراويين على رواية الآخر:\nأو راويًا باللفظ أو ذا الواقع ... وكون من رواه غير مانع\nومحل الشاهد منه قوله: أو ذا الواقع، أي: يقدم خبر ذي الواقع المروي على خبر غيره كخبر ميمونة، مع خبر ابن عباس. ومما يرجح به حديث أبي رافع على حديث ابن عباس أن أبا رافع هو رسوله إليها يخطبها عليه، فهو مباشر للواقعة، وابن عباس ليس كذلك، وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المباشر لما روي على خبر غيره؛ لأن المباشر لما روى أعرف بحاله من غيره. والأصوليون يمثلون له بخبر أبي رافع المذكور \"أنه  - ﷺ -  تزوج ميمونة وهو حلال\" قال: وكنت الرسول فيما بينهما، مع حديث ابن عباس المذكور \"أنه تزوجها وهو محرم\".","vol":"5","page":400},{"text":"ومما يرجح به حديث ميمونة، وحديث أبي رافع معًا على حديث ابن عباس أن ميمونة، وأبا رافع كانا بالغين وقت تحمل الحديث المذكور، وابن عباس ليس ببالغ وقت التحمل. وقد تقرر في الأصول ترجيح خبر الراوي المتحمل بعد البلوغ على المتحمل قبله، لأن البالغ أضبظ من الصبي لما تحمل، وللاختلاف في قبول خبر المحتمل قبل البلوغ مع الاتفاق على قبول خبر المتحمل بعد البلوغ، وإن كان الراجح قبول خبر المتحمل قبل البلوغ إذا كان الأداء بعد البلوغ؛ لأن المتفق عليه أرجح من المختلف فيه. وإلى تقديم خبر الراوي المباشر على خبر غيره، وتقديم خبر المتحمل بعد البلوغ على خبر المتحمل قبله أشار في مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال الراوي بقوله عاطفًا على ما يرجح أحد الخبرين:\nأو كونه مباشرًا أو كلفا ... أو غير ذي اسمين للأمن من خفا\nفإن قيل: يرجح حديث ابن عباس بأنه اتفق عليه الشيخان في صحيحيهما. ومعلوم أن ما اتفق عليه مسلم والبخاري أرجح مما انفرد به مسلم، وهو حديث ميمونة، وأرجح مما أخرجه الترمذي وأحمد، وهو حديث أبي رافع.\nفالجواب: أن غاية ما يفيده اتفاق الشيخين صحة الحديث إلى ابن عباس، ونحن لو جزمنا بأنه قاله قطعًا لم يمنع ذلك من ترجيح حديث ميمونة وأبي رافع عليه؛ لأنهما أعلم بحال الواقعة منه؛ لأن ميمونة صاحب الواقعة، وأبو رافع هو الرسول المباشر لذلك. فلنفرض أن ابن عباس قال ذلك، وأن أبا رافع، وميمونة خالفاه، وهما أعلم بالحال منه؛ لأن لكل منهما تعلقًا خاصًا بنفس الواقعة ليس لابن عباس مثله.","vol":"5","page":401},{"text":"ومن المرجحات التي رجح بها بعض العلماء حديث تزوجه  - ﷺ -  ميمونة، وهو حلال على حديث تزوجه إياها، وهو محرم أن الأول: رواه أبو رافع، وميمونة. والثاني: رواه ابن عباس وحده، وما رواه الاثنان أرجح مما رواه الواحد، كما هو مقرر في الأصول. وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار حال المروي:\nوكثرة الدليل والرواية ... مرجح لدى ذوي الدراية\nكما في سورة البقرة\nولكن هذا الترجيح المذكور يرده ما ذكره ابن حجر في فتح الباري، ولفظه: فالمشهور عن ابن عباس \"أن النبي  - ﷺ -  تزوجها وهو محرم\" وصح نحوه عن عائشة، وأبي هريرة. اهـ منه.\nوعلى تقدير صحة ما ذكره ابن حجر فمن روى أن تزويجها في حالة الإِحرام أكثر.\nفإن قيل: يرجح حديثهم إذًا بالكثرة.\nفالجواب: أنهم وإن كثروا فميمونة، وأبو رافع أعلم منهم بالواقعة كما تقدم. والمرجحات يرجح بعضها على بعض. وضابط ذلك عند الأصوليين هو قوة الظن. ومعلوم أن ما أخبرت به ميمونة ﵂ عن نفسها، وأخبر به الرسول بينها وبين زوجها  - ﷺ -  الذي هو أبو رافع أقوى في ظن الصدق مما أخبر به غيرها. وأشار في مراقي السعود إلى ما ذكرنا بقوله:\nقطب رحاها قوة المظنة ... فهي لدى تعارض مئنة\nومن أقوى الأدلة الدالة على أن حديث ابن عباس لا تنهض به","vol":"5","page":402},{"text":"الحجة على جواز عقد النكاح في حال الإِحرام هو: أنا لو سلمنا أن النبي  - ﷺ -  تزوج ميمونة، وهو محرم، لم تكن في ذلك حجة على جواز ذلك بالنسبة إلى أمته  - ﷺ -؛ لأنه ثبت عنه في صحيح مسلم وغيره من حديث عثمان بن عفان ﵁ = ما يدل على منع النكاح في حال الإِحرام وهو عام لجميع الأمة. والأظهر دخوله هو  - ﷺ -  في ذلك العموم، فإذا فعل فعلًا يخالف ذلك العموم المنصوص عليه بالقول دل على أن ذلك الفعل خاص به  - ﷺ -؛ لتحتم تخصيص ذلك العموم القولي بذلك الفعل، فيكون خاصًا به  - ﷺ - .\nوقد تقرر في الأصول: أن النص القولي العام الذي يشمل النبي بظاهر عمومه، لا بنص صريح إذا فعل النبي  - ﷺ -  فعلًا يخالفه كان ذلك الفعل مخصصًا لذلك العموم القولي، فيكون ذلك الفعل خاصًا به  - ﷺ - . وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى ذلك في كتاب السنة بقوله:\nفي حقه القول بفعل خصا ... إن يك فيه القول ليس نصا\nفإن قيل: لا حجة في حديث عثمان المذكور في صحيح مسلم على منع عقد النكاح في حال الإِحرام؛ لأن المراد بالنكاح فيه وطء الزوجة، وهو حرام في حال الإِحرام إجماعًا، وليس المراد به العقد.\nفالجواب من أوجه:\nالأول: أن في نفس الحديث قرينتين دالتين على أن المراد به عقد النكاح، لا الوطء.\nالأولى: أنه  - ﷺ -  قال في الحديث المذكور: \"لا ينكح المحرم ولا ينكح\" فقوله: \"ولا ينكح\" بضم الياء، دليل على أن المراد:","vol":"5","page":403},{"text":"لا يزوج، ولا يمكن أن يكون المراد بذلك الوطء؛ لأن الولى إذا زوج قبل الإِحرام، وطلب الزوج وطء زوجته في حال إحرام وليها، فعليه أن يمكنه من ذلك إجماعًا، فدل ذلك على أن المراد بقوله: \"ولا ينكح\" ليس الوطء، بل التزويج كما هو ظاهر.\nالقرينة الثانية: أنه  - ﷺ -  قال أيضًا: \"ولا يخطب\" والمراد خطبة المرأة التي هي طلب تزويجها، وذلك دليل على أن المراد العقد؛ لأنه هو الذي يطلب بالخطبة، وليس من شأن وطء الزوجة أن يطلب بخطبة كما هو معلوم.\nالوجه الثاني: أن أبان بن عثمان راوي الحديث  - وهو من أعلم الناس بمعناه -  فسره بأن المراد بقوله: \"ولا ينكح\"، أي: لا يزوج؛ لأن السبب الذي أورده فيه الحديث هو أنه أرسل له عمر بن عبيد الله حين أراد أن يزوج ابنه طلحة بن عمر ابنة شيبة بن جبير، فأنكر عليه ذلك أشد الإِنكار، وبين له أن حديث عثمان عن النبي  - ﷺ -  دليل على منع عقد النكاح في حال الإِحرام، ولم يعلم أنه أنكر عليه أحد تفسيره الحديث بأن المراد بالنكاح فيه العقد، لا الوطء.\nالوجه الثالث: هو ما قدمنا من الأحاديث، والآثار الدالة على منع التزويج في حال الإِحرام، كحديث ابن عمر، عند أحمد: أنه سئل عن امرأة أراد أن يتزوجها رجل، وهو خارج من مكة، فأراد أن يعتمر، أو يحج فقال: لا تتزوجها وأنت محرم، نهى رسول الله  - ﷺ -  عنه. اهـ. فتراه: صرح بأن النكاح المنهي عنه في الإِحرام: التزويج.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث ابن عمر هذا: في إسناده أيوب ابن عيينة، وهو ضعيف وقد وثق. وكالأثر الذي رواه","vol":"5","page":404},{"text":"مالك، والبيهقي، والدارقطني عن أبي غطفان بن طريف أن أباه طريفًا تزوج امرأة، وهو محرم، فرد عمر بن الخطاب نكاحه. اهـ.\nوذلك دليل على أن عمر يفسر النكاح الممنوع في الإِحرام بالتزويج، ولا يخصه بالوطء.\nوقد روى البيهقي في السنن الكبرى بإسناده عن الحسن، عن علي قال: من تزوج وهو محرم نزعنا منه امرأته. وروى بإسناده أيضًا عن جعفر بن محمد، عن أبيه: أن عليًا ﵁ قال: لا ينكح المحرم، فإن نكح رد نكاحه. وروى بإسناده أيضًا عن شوذب مولي زيد بن ثابت أنه تزوج، وهو محرم، ففرق بينهما زيد بن ثابت.\nقال: وروينا في ذلك عن عبد الله بن عمر بن الخطاب ﵄. وروى بإسناده أيضًا عن قدامة بن موسى قال: تزوجت، وأنا محرم، فسألت سعيد بن المسيب فقال: يفرق بينهما. وروى بإسناده أيضًا عن سعيد بن المسيب: أن رجلًا تزوج، وهو محرم، فأجمع أهل المدينة على أن يفرق بينهما.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل هو أن إحرام أحد الزوجين، أو الولي مانع من عقد النكاح، لحديث عثمان الثابت في صحيح مسلم، ولما قدمنا من الآثار الدالة على ذلك، ولم يثبت في كتاب الله، ولا سنة نبيه  - ﷺ -  شيء يعارض ذلك الحديث. وحديث ابن عباس معارض بحديث ميمونة، وأبي رافع، وقد قدمنا لك أوجه ترجيحهما عليه. ولو فرضنا أن حديث ابن عباس، لم يعارضه معارض، وأن النبي  - ﷺ -  تزوج ميمونة، وهو محرم. فهذا فعل خاص لا يعارض عمومًا قوليًا، لوجوب تخصيص العموم القولي المذكور بذلك الفعل، كما تقدم إيضاحه.","vol":"5","page":405},{"text":"أما ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن بشار، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن رجل، عن سعيد بن المسيب قال: وهم ابن عباس في تزويج ميمونة، وهو محرم. فلا تنهض به حجة على توهيم ابن عباس، لأن الراوي عن سعيد لم تعرف عينه كما ترى.\nوما احتج به كل واحد من المتنازعين في هذه المسألة من الأقيسة، كقياس من أجاز النكاح في الإِحرام، النكاح على شراء الأمة في الإِحرام، لقصد الوطء، وكقياس من منعه النكاح في الإِحرام على نكاح المعتدة بجامع أن كل منهما لا يعقبه جواز التلذذ كالوطء والقبلة تركناه وتركنا مناقشته، لأن هذه المسألة من المسائل المنصوصة فلا حاجة فيها إلى القياس، مع أن كل الأقيسة التي استدل بها الطرفان لا تنهض بها حجة.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالتي هي ما يمتنع بالإِحرام على المحرم حتى يحل من إحرامه:\nالفرع الأول: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرم يجوز له أن يرتجع مطلقته في حال الإِحرام، لأن الرجعة ليست بنكاح مؤتنف؛ لأنها لا يحتاج فيها إلى عقد، ولا صداق، ولا إلى إذن الولي ولا الزوجة، فلا تدخل في قوله  - ﷺ -: \"لا ينكح المحرم ولا ينكح\" وجواز الرجعة في الإِحرام هو قول جمهور أهل العلم منهم: الأئمة الثلاثة، وأصحابهم: مالك، والشافعي، وأبو حنيفة، وهو إحدى الروايتين، عن الإِمام أحمد، وعزاه النووي في شرح المهذب لعامة العلماء إلا رواية عن الإِمام أحمد.","vol":"5","page":406},{"text":"وقال ابن قدامة في المغني في شرحه قول الخرقي: \"وللمحرم أن يتجر، ويصنع الصنائع، ويرتجع امرأته\" ما نصه: فأما الرجعة فالمشهور إباحتها، وهو قول أكثر أهل العلم، وفيه رواية ثانية أنها لا تباح. . . إلى أن قال: وجه الرواية الصحيحة أن الرجعية زوجة، والرجعة إمساك، بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ﴾ فأبيح ذلك كالإِمساك قبل الطلاق. انتهى محل الغرض منه.\nوقال مالك في الموطأ في الرجل المحرم: أنه يراجع امرأته، إذا كانت في عدة منه. وذكر النووي عن الخراسانيين من الشافعية وجهين: أصحهما جواز الرجعة، والثاني: منعها في الإِحرام.\nالفرع الثاني: اعلم أن التحقيق أن الولي إذا وكل وكيلًا على تزويج وليته، فلا يجوز لذلك الوكيل تزويجها بالوكالة في حالة إحرامه؛ لأنه يدخل في عموم الحديث المذكور، وكذلك وكيل الزوج.\nالفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن السلطان لا يجوز له أن يزوج بالولاية العامة في حال إحرامه، لدخوله في عموم قوله  - ﷺ -: \"لا يَنكح المحرم ولا يُنكح\" فلا يجوز إخراج السلطان من هذا العموم، إلا بدليل خاص به من كتاب أو سنة، ولم يرد بذلك دليل. فالتحقيق منع تزويجه في الإِحرام. وهو قول جمهور العلماء خلافًا لبعض الشافعية القائلين: يجوز ذلك للسلطان. ولا دليل معهم من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بأن الولاية العامة أقوى من الولاية الخاصة بدليل أن الولي المسلم الخاص لا يزوج الكافرة بخلاف السلطان، فله عندهم أن يزوج الكافرة بالولاية العامة.\nالفرع الرابع: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن للشاهد","vol":"5","page":407},{"text":"المحرم أن يشهد على عقد نكاح؛ لأن الشاهد لا يتناوله حديث \"لا ينكح المحرم ولا ينكح\" لأن عقد النكاح بالإِيجاب والقبول والشاهد لا صنع له في ذلك، وخالف في ذلك أبو سعيد الإِصطخري من الشافعية قائلًا: إن شهادة الشاهد ركن في العقد، فلم تجز في حال الإِحرام كالولي. وكره بعض أهل العلم للمحرم أن يشهد على النكاح.\nالفرع الخامس: الأظهر عندي: أن المحرم لا يجوز له أن يخطب امرأة، وكذلك المحرمة لا يجوز للرجل خطبتها؛ لما تقدم من حديث عثمان، عند مسلم: \"لا ينكح المحرم ولا ينكح ولا يخطب\" فالظاهر أن حرمة الخطبة كحرمة النكاح؛ لأن الصيغة فيهما متحدة، فالحكم بحرمة أحدهما دون الآخر يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل عليه. والظاهر من الحديث حرمة النكاح، وحرمة وسيلته التي هي الخطبة، كما تحرم خطبة المعتدة.\nوبه تعلم أن ما ذكره كثير من أهل العلم من أن الخطبة لا تحرم في الإِحرام، وإنما تكره أنه خلاف الظاهر من النص ولا دليل عليه. وما استدل به بعض أهل العلم من الشافعية وغيرهم على أن المتعاطفين قد يكون أحدهما مخالفًا لحكم الآخر كقوله تعالى: ﴿كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ الآية. قالوا: الأكل مباح، وإيتاء الحق واجب، لا دليل فيه؛ لأن الأمر بالأكل معلوم أنه ليس للوجوب، بخلاف قوله في الحديث: \"ولا يخطب\" فلا دليل على أنه ليس للتحريم، كقوله قبله: \"لا ينكح المحرم\".\nالفرع السادس: إذا وقع عقد النكاح في حال إحرام أحد الزوجين أو الولي فالعقد فاسد، ولا يحتاج إلى فسخه بطلاق، كما","vol":"5","page":408},{"text":"هو ظاهر الآثار التي قدمنا. ومذهب مالك وأحمد: أنه يفسخ بطلاق مراعاة لقول من أجازه كأبي حنيفة، ومن تقدم ذكرهم.\nالفرع السابع: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا وكل حلال حلالًا في التزويج، ثم أحرم أحدهما، أو المرأة أن الوكالة لا تنفسخ بذلك، بل له أن يزوج بعد التحلّل بالوكالة السابقة خلافًا لمن قال: تنفسخ الوكالة بذلك. والتحقيق أن الوكيل إذا كان حلالًا، والموكل محرمًا فليس للوكيل الحلال عقد النكاح قبل تحلل موكله خلافًا لمن حكى وجهًا بجواز ذلك، ولا شك أن تجويز ذلك غلط.\nالفرع الثامن: اعلم أنا قدمنا في أول الكلام على هذه المسألة: أن الإِحرام يحرم بسببه على المحرم وطء امرأته في الفرج، ومباشرتها فيما دون الفرج، لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ وقد قدمنا أن الرفث شامل للجماع، ومقدماته. وقد أردنا في هذا الفرع أن نبين ما يلزمه لو فعل شيئًا من ذلك. ولا خلاف بين أهل العلم أن المحرم إذا جامع امرأته قبل الوقوف بعرفات أن حجه يفسد بذلك، ولا خلاف بينهم أنه لا يفسد الحج من محظورات الإِحرام إلا الجماع خاصة. وإذا فسد حجه بجماعه قبل الوقوف بعرفات فعليه إتمام حجه هذا الذي أفسده، وعليه قضاء الحج، وعليه الهدي، وهو عند مالك، والشافعي، وأحمد، وجماعات من الصحابة بدنة، وقال أبو حنيفة: علية شاة، وقال داود: هو مخير بين بدنة وبقرة وشاة، فإن كان جماعه بعد الوقوف بعرفات، وقبل رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة فحجه فاسد عند مالك والشافعي وأحمد ﵏. وقال أبو حنيفة ﵀: حجه صحيح، وعليه أن يهدي بدنة متمسكًا بظاهر حديث \"الحج","vol":"5","page":409},{"text":"عرفة\" وإن كان جماعه بعد رمي جمرة العقبة، وقبل طواف الإِفاضة. فحجة صحيح عند الجميع. وعند الشافعي تلزمه فدية، وعند أبي حنيفة إن جامع بعد الحلق فعليه شاة، وإن جامع قبل الحلق، وبعد الوقوف فعليه بدنة. وعن أحمد روايتان فيما يلزمه هل هو شاة، أو بدنة؟ ومذهب مالك أن حجه صحيح، وعليه هدي وعمرة. ووجهه عنده أن الجماع لما كان بعد التحلل الأول برمي جمرة العقبة، لم يفسد به الحج، ولكنه وقع فيه نقص بسبب الجماع قبل التحلل الثاني، فكان هذا النقص عنده يجبر بالعمرة والهدي.\nوفي الموطأ قال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج ما بينه، وبين أن يدفع من عرفة، ويرمي الجمرة: إنه يجب عليه الهدي، وحج قابل. قال: فإن كان أصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر ويهدي، وليس عليه حج قابل. اهـ.\nونقل الباجي عن مالك أن محل فساد الحج بالجماع قبل الرمي والإِفاضة، وبعد الوقوف بعرفة فيما إذا كان الوطء واقعًا يوم النحر، أما إن أخر رمي جمرة العقبة، وطواف الإِفاضة معًا عن يوم النحر، وجامع قبلهما فلا يفسد حجه، وعليه عمرة وهديان: هدي لوطئه، وهدي لتأخير رمي الجمرة. انتهى منه. بواسطة نقل المواق في شرحه لمختصر خليل في الكلام على قوله: والجماع ومقدماته، وأفسد مطلقًا كاستدعاء مني، وإن بنظر إن وقع قبل الوقوف مطلقًا أو لعده، إن وقع قبل إفاضة وعقبةٍ يومَ النحر أو قبله، وإلا فهدي. اهـ.\nفتحصل: أن الجماع قبل الوقوف بعرفات مفسد للحج عند الأئمة الأربعة. وبعد التحلل الأول، وقبل الثاني لا يفسد الحج عند الأربعة.","vol":"5","page":410},{"text":"وقد عرفت مما قدمنا ما يقع به التحلل عند كل واحد منهم، وإن وقع بعد الوقوف بعرفة، وقبل التحلل أفسد عند الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة كما تقدم إيضاحه قريبًا.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في الجماع، فاعلم أنهم متفقون على أن مقدمات الجماع كالقبلة، والمفاخذة، واللمس بقصد اللذة حرام على المحرم.\nولكنهم اختلفوا فيما يلزمه لو فعل شيئًا من ذلك. فمذهب مالك وأصحابه أن كل تلذذ بمباشرة المرأة من قبلة، أو غيرها إذا حصل معه إنزال أفسد الحج. وقد بينا قريبًا ما يلزم من أفسد حجه حتى إنه لو أدام النظر بقصد اللذة فأنزل، فسد  - عند مالك -  حجه ولو أنزل بسبب النظرة الأولى من غير إدامة لم يفسد حجه عند مالك، وعليه الهدي. أما إذا تلذذ بالمرأة بما دون الجماع، ولم ينزل فإن كان بتقبيل الفم فعليه هدي. والقبلة حرام على المحرم مطلقًا عند مالك. وأما إن كان بغير القبلة كاللمس باليد، فهو ممنوع إن قصد به اللذة، وإن لم يقصدها به فليس بممنوع، ولا هدي فيه ولو قصد به اللذة، وإنما عليه الإِثم إلا إذا حصل بسببه مذي، فيلزم فيه الهدي. ومحل هذا عندهم في غير الملاعبة الطويلة، والمباشرة الكثيرة ففيها الهدي.\nفتحصل أن مذهب مالك فساد الحج بمقدمات الجماع إن أنزل، وإن لم ينزل ففي القبلة خاصة مطلقًا هدي، وكذلك كل تلذذ خرج بسببه مذي، وكذلك الملاعبة الطويلة والمباشرة الكثيرة. وما عدا ذلك من التلذذ فليس فيه إلا التوبة والاستغفار، ولا يفسد الحج عنده إلا بالجماع، أو الإِنزال.","vol":"5","page":411},{"text":"ومذهب أبي حنيفة ﵀: أن التلذذ بما دون الجماع كالقبلة، واللمس بشهوة، والمفاخذة ونحو ذلك يلزم بسببه دم، وسواء عنده في ذلك أنزل أو لم ينزل، ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند أبي حنيفة.\nومذهب الشافعي ﵀: هو أنه إن باشر امرأته فيما دون الفرج بشهوة، أو قبلها بشهوة أن عليه فدية الأذي. والاستمناء عنده كالمباشرة فيما دون الفرج. وصحح بعض الشافعية أن عليه شاة. ولو ردد النظر إلى امرأته حتى أمنى، فلا شيء عليه عند الشافعي. ومذهب الإِمام أحمد ﵀ أنه إن وطئ فيما دون الفرج، ولم ينزل، فعليه دم، وإن أنزل فعليه بدنة. وفي فساد حجه روايتان:\nإحداهما: أنه إن أنزل فسد حجه، وعليه بدنة، وبها جزم الخرقي.\nوقال في المغني في هذه الرواية: اختارها الخرقي، وأبو بكر، وهو قول عطاء، والحسن، والقاسم بن محمد، ومالك، وإسحاق.\nوالرواية الثانية: أنه إن أنزل فعليه بدنة، ولا يفسد حجه.\nوقال ابن قدامة في المغني في هذه الرواية: وهي الصحيحة إن شاء الله؛ لأنه استمتاع لا يجب بنوعه حد، فلم يفسد الحج كما لو لم ينزل، ولأنه لا نص فيه ولا إجماع، ولا هو في معنى المنصوص عليه. انتهى محل الغرض منه.\nوما ذكرنا عن أحمد من أنه إن أنزل تلزمه بدنة، أي: سواء قلنا بفساد الحج، أو عدم فساده. وممن قال بلزوم البدنة في ذلك: الحسن، وسعيد بن جبير، والثوري، وأبو ثور، كما نقله","vol":"5","page":412},{"text":"عنهم صاحب المغني. وإن قبل امرأته ولم ينزل، أو أنزل جرى على حكم الوطء فيما دون الفرج، وقد أوضحناه قريبًا.\nوإن نظر إلى امرأته، فصرف بصره فأمنى فعليه دم عند أحمد، وإن كرر النظر حتى أمنى، فعليه بدنة عنده.\nوقد قدمنا عن مالك: أنه إن كرر النظر حتى أمنى فسد حجه، وهو مروي عن الحسن، وعطاء.\nواعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحج الفاسد بالجماع يجب قضاؤه فورًا في العام القابل خلافًا لمن قال: إنه على التراخي. ودليل ذلك الآثار التي ستراها إن شاء الله في الكلام على أدلة هذا المبحث.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي أيضًا: أن الزوجين اللذين أفسدا حجهما يفرق بينهما إذا أحرما بحجة القضاء؛ لئلَّا يفسدا حجة القضاء أيضًا بجماع آخر؛ كما يدل عليه بعض الآثار المروية عن الصحابة.\nوالأظهر أيضًا أن الزوجة إن كانت مطاوعة له في الجماع يلزمها مثل ما يلزم الرجل من الهدي، والمضي في الفاسد، والقضاء في العام القابل خلافًا لمن قال: يكفيهما هدي واحد. والأظهر أنه إن أكرهها لا هدي عليها.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في جماع المحرم، ومباشرته بغير الجماع، فاعلم أن غاية ما دلَّ عليه الدليل أن ذلك لا يجوز في الإِحرام؛ لأن الله تعالى نص على ذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أما أقوالهم في فساد الحج وعدم فساده، وفيما يلزم في ذلك، فليس على شيء من أقوالهم","vol":"5","page":413},{"text":"في ذلك دليل من كتاب ولا سنة، وإنما يحتجون بآثار مروية عن الصحابة، ولم أعلم بشيء مروي في ذلك عن النبي  - ﷺ -  إلا حديثًا منقطعًا لا تقوم بمثله حجة، وهو ما رواه أبو داود في المراسيل، والبيهقي في سننه: أخبرنا أبو بكر محمد بن صالح، أنبأنا أبو الحسن عبد الله بن إبراهيم الفسوي الداودي، حدثنا أبو علي محمد بن أحمد اللؤلؤي، حدثنا أبو داود السجستاني حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية  - يعني ابن سلام -  عن يحيى قال: أخبرني يزيد بن نعيم، أو زيد بن نعيم  - شك أبو توبة -  أن رجلًا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله  - ﷺ -  فقال لهما: \"اقضيا نسككما، واهديا هديًا، ثم ارجعا حتى إذا جئتما المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه، وعليكما حجة أخرى، فتقبلان حتى إذا كنتما في المكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما فأحرما، وأتما نسككما واهديا\" هذا منقطع، وهو يزيد بن نعيم الأسلمي بلا شك. انتهى من البيهقي.\nوتراه صرح بأنه منقطع، وانقطاعه ظاهر، لأن يزيد بن نعيم المذكور من صغار التابعين.\nوقال الزيلعي في نصب الراية بعد أن ذكر الحديث المذكور، عند أبي داود في المراسيل، والبيهقي، وذكر قول البيهقي: إنه منقطع ما نصه: وقال ابن القطان في كتابه: هذا حديث لا يصح، فإن زيد بن نعيم مجهول، ويزيد بن نعيم بن هزال ثقة. وقد شك أبو توبة، ولا يعلم عمن هو منهما، ولا عمن حدثهم به معاوية بن سلام، عن يحيى بن أبي كثير، فهو لا يصح.\nقال ابن القطان: وروى ابن وهب، أخبرني ابن ليهعة، عن","vol":"5","page":414},{"text":"يزيد بن أبي حبيب، عن عبد الرحمن بن حرملة، عن ابن المسيب: أن رجلًا من جذام جامع امرأته، وهما محرمان، فسأل الرجل رسول الله  - ﷺ -  فقال لهما: \"أتما حجكما، ثم ارجعا، وعليكما حجة أخرى، فإذا كنتما بالمكان الذي أصبتما فيه ما أصبتما، فأحرما وتفرقا، ولا يرى واحد منكما صاحبه ثم أتما نسككما واهديا\". انتهى.\nقال ابن القطان: وفي هذا أنه أمرهما بالتفرق في العودة لا في الرجوع. وحديث المراسيل على العكس منه. قال: وهذا ضعيف أيضًا بابن لهيعة. انتهى كلامه محل الغرض منه من نصب الراية للزيلعي.\nوإذا كانت هذه المسألة المذكورة ليس فيها عن النبي  - ﷺ -  إلا هذا الحديث المنقطع سنده، تبين أن عمدة الفقهاء فيها على الآثار المروية عن الصحابة فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ بلاغًا أن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وأبا هريرة ﵃ سئلوا عن رجل أصاب أهله، وهو محرم بالحج؟ فقالوا: ينفذان يمضيان لوجههما حتى يقضيا حجهما، ثم عليهما حج قابل والهدي. قال: وقال علي بن أبي طالب ﵁: وإذا أهلا بالحج من عام قابل تفرقا حتى يقضيا حجهما. اهـ.\nوهذا الأثر عن هؤلاء الصحابة منقطع أيضًا كما ترى.\nوفي الموطأ أيضًا: عن مالك، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: ما ترون في رجل وقع بامرأته وهو محرم؟ فلم يقل له القوم شيئًا. فقال سعيد: إن رجلًا وقع بامرأته، وهو محرم، فبعث إلى المدينة يسأل عن ذلك، فقال بعض الناس: يفرق","vol":"5","page":415},{"text":"بينهما إلى عام قابل، فقال سعيد بن المسيب: لينفذا لوجههما فليتما حجهما الذي أفسداه، فإذا فرغا رجعا، فإن أدركهما حج قابل فعليهما الحج والهدي، ويهلان من حيث أهلا بحجهما الذي أفسداه ويفرقان، حتى يقضيا حجهما. قال مالك: يهديان جميعًا بدنة بدنة.\nقال مالك في رجل وقع بامرأته في الحج: ما بينه وبين أن يدفع من عرفة، ويرمي الجمرة إنه يجب عليه الهدي، وحج قابل. قال: فإن كانت إصابته أهله بعد رمي الجمرة، فإنما عليه أن يعتمر، ويهدي، وليس عليه حج قابل.\nقال مالك: والذي يفسد الحج، أو العمرة التقاء الختانين وإن لم يكن ماء دافق. قال: ويوجب ذلك أيضًا الماء الدافق إذا كان من مباشرة. فأما رجل ذكر شيئًا حتى خرج منه ماء دافق، فلا أرى عليه شيئًا. ولو أن رجلًا قبَّل امرأته، ولم يكن من ذلك ماء دافق لم يكن عليه في القبلة إلا الهدي، وليس على المرأة التي يصيبها زوجها، وهي محرمة مرارًا في الحج أو العمرة، وهي له في ذلك مطاوعة إلا الهدي، وحج قابل إن أصابها في الحج، وإن كان أصابها في العمرة، فإنما عليها قضاء العمرة التي أفسدت والهدي. اهـ.\nوفي الموطأ أيضًا عن مالك عن أبي الزبير المكي، عن عطاء بن أبي رباح، عن عبد الله ابن عباس ﵄: أنه سئل عن رجل وقع بأهله، وهو بمنى قبل أن يفيض، فأمره أن ينحر بدنة. وفي الموطأ أيضًا عن مالك، عن ثور بن زيد الديلي، عن عكرمة مولى ابن عباس أنه قال: الذي يصيب أهله قبل أن يفيض يعتمر ويهدي. وفي الموطأ أيضًا عن مالك: أنه سمع ربيعة بن أبي عبد الرحمن يقول في ذلك مثل قول عكرمة، عن ابن عباس. قال","vol":"5","page":416},{"text":"مالك: وذلك أحب ما سمعت إلى في ذلك. انتهى محل الغرض منه.\nوروى البيهقي بإسناده، عن عطاء: أن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال في محرم بحجة أصاب امرأته  - يعني وهي محرمة -  قال: يقضيان حجهما، وعليهما الحج من قابل من حيث كانا أحرما، ويفترقان حتى يتما حجهما. قال: وقال عطاء: وعليهما بدنة إن أطاعته، أو استكرهها، فإنما عليهما بدنة واحدة. اهـ. وهذا الأثر منقطع أيضًا، لأن عطاء لم يدرك عمر ﵁. وروى البيهقي بإسناده أيضًا: أن مجاهدا سئل عن المحرم، يواقع امرأته؟ فقال: كان ذلك على عهد عمر ﵁، قال: يقضيان حجهما واللَّه أعلم بحجهما، ثم يرجعان حلالًا، كل واحد منهما لصاحبه، فإذا كان من قابل حجا وأهديا، وتفرقا في المكان الذي أصابها فيه.\nوروى البيهقي بإسناده أيضًا عن ابن عباس ﵄: في رجل وقع على امرأته وهو محرم، قال: اقضيا نسككما، وارجعا إلى بلدكما، فإذا كان عام قابل فاخرجا حاجين، فإذا أحرمتما فتفرقا، ولا تلتقيا حتى تقضيا نسككما، وأهديا هديًا. وفي رواية: ثم أهلا من حيث أهللتما أول مرة. اهـ. قال النووي في هذا الأثر الذي رواه البيهقي عن ابن عباس: إسناده صحيح.\nوروى البيهقي بإسناده، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه: أن رجلًا أتى عبد الله بن عمرو يسأله عن محرم، وقع بامرأته؟ فأشار إلى عبد الله بن عمر فقال: اذهب إلى ذلك فسله. قال شعيب: فلم يعرفه الرجل، فذهبت معه، فسأل ابن عمر فقال: بطل حجك. فقال الرجل: فما أصنع؟ قال: اخرج مع الناس واصنع ما يصنعون، فإذا","vol":"5","page":417},{"text":"أدركت قابلًا، فحج واهدِ، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه فأخبره، فقال: اذهب إلى ابن عباس فسله، قال شعيب: فذهبت معه إلى ابن عباس فسأله فقال له كما قال ابن عمر، فرجع إلى عبد الله بن عمرو، وأنا معه، فأخبره بما قال ابن عباس، ثم قال: ما تقول أنت؟ فقال: قولي مثل ما قالا. اهـ. ثم قال البيهقي: هذا إسناد صحيح. وفيه دليل على صحة سماع شعيب بن محمد بن عبد الله، عن جده عبد الله بن عمرو بن العاص. فترى هذا الأثر عن هؤلاء الصحابة الثلاثة فيه ذلك الحكم عنهم بإسناد صحيح.\nوروى البيهقي أيضًا من طرق أخرى، عن ابن عباس مثل ذلك، وفي بعض الروايات عن ابن عباس: أن على كل واحدٍ منهما بدنة، وفي بعضها: أنهما تكفيهما بدنة واحدة. فهذه الآثار عن الصحابة وبعض خيار التابعين هي عمدة الفقهاء في هذه المسألة.\nالفرع التاسع: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إذا جامع مرارًا قبل أن يكفر كفاه هدي واحد، وإن كان كفر لزمته بالجماع الثاني كفارة أخرى، كما أنه إن زنى مرارًا قبل إقامة الحد عليه كفاه حد واحد إجماعًا، وإن زنى بعد إقامة الحد عليه لزمه حد آخر. وهذا هو مذهب الإِمام أحمد، وممن قال بأنه يكفيه هديُ واحدُ مطلقًا: مالك، وإسحاق، وعطاء.\nوالأصح في مذهب الشافعي: أنه يلزمه في الجماع الأول بدنة، وفي كل مرة بعد ذلك شاة. وعن أبي ثور: تلزمه بكل مرة بدنة. وهو رواية عن أحمد. وعن أبي حنيفة: إن كان ذلك في مجلس واحد، فدم واحد وإلَّا فدمان.\nواعلم أنهم اختلفوا فيما إذا جامع ناسيًا لإِحرامه. ومذهب","vol":"5","page":418},{"text":"أبي حنيفة، ومالك، وأحمد: أن العمد والنسيان سواء بالنسبة إلى فساد الحج، وهو قول للشافعي، وهو قوله القديم. وقال في الجديد: إن وطئ ناسيًا، أو جاهلًا لا يفسد حجه ولا شيء عليه. أما إن قبَّل امرأته ناسيًا لإِحرامه، فليس عليه شيء عند الشافعي وأصحابه قولًا واحدًا.\nوقال ابن قدامة في المغني: ينبغي أن يكون الأمر كذلك في المذهب الحنبلي.\nواعلم أن الجماع المفسد للحج هو التقاء الختانين الموجب للحد والغسل كما قدمناه في كلام مالك في الموطإ. والأظهر أن الإِتيان في الدبر كالجماع في إفساد الحج. وكذلك الزنا. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين من فعل كل ما لا يرضي الله تعالى.\nوقد قدمنا أن أظهر قولي أهل العلم عندنا أنه يفرق بين الزوجين اللذين أفسدا حجهما، وذلك التفريق بينهما في حجة القضاء، لا في جميع السنَّة.\nوظاهر الآثار المتقدمة أن ذلك التفريق بينهما إنما يكون من الموضع الذي جامعها فيه. وعن مالك: يفترقان من حيث يحرمان، ولا ينتظر موضع الجماع. وهو رواية عن أحمد، وهو أظهر.\nوعن مالك وأحمد: أن التفريق المذكور واجب، وهو قول أو وجه عند الشافعية. والثاني عندهم: أنه مستحب. وهو وجه أيضًا عند الحنابلة. وممن قال بالتفريق بينهما: عمر بن الخطاب، وعثمان، وابن عباس، وسعيد بن المسيب، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. كما نقله عنهم النووي في شرح المهذب. ونقله","vol":"5","page":419},{"text":"ابن قدامة في المغني، عن عمر وابن عباس، وسعيد بن المسيب، وعطاء، والنخعي والثوري، وأصحاب الرأي وغيرهم. وعن أبي حنيفة وعطاء: لا يفرق بينهما، ولا يفترقان قياسًا على الجماع في نهار رمضان، فإنهما إذا قضيا اليوم الذي أفسداه لا يفرق بينهما.\nواعلم أنا قدمنا خلاف العلماء في الهدي الذي على المفسد حجه بالجماع، وذكرنا أنه عند مالك والشافعي وأحمد: بدنة، وهو قول جماعات من الصحابة وغيرهم منهم ابن عباس، وطاوس، ومجاهد، والثوري، وأبو ثور، وإسحاق، وغيرهم. ولم نتكلم على ما يلزمه إن عجز عن البدنة، وفي ذلك خلاف بين أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنه إن عجز عن البدنة كفته شاة. وممن قال به الثوري، وإسحاق. وذهب بعضهم: إلى أنه إن لم يجد بدنة فبقرة، فإن لم يجد بقرة فسبع من الغنم، فإن لم يجد أخرج بقيمة البدنة طعامًا، فإن لم يجد صام عن كل مد يومًا. وهذا هو مذهب الشافعي. وبه قال جماعة من أهل العلم. وعن أحمد رواية: أنه مخير بين هذه الخمسة المذكورة.\nواعلم أن المفسد حجه بالجماع إذا قضاه على الوجه الذي أحرم به في حجه الفاسد، كأن يكون في حجه الفاسد مفردًا ويقضيه مفردًا، أو قارنًا ويقضيه قارنًا فلا إشكال في ذلك، وكذلك إن كان مفردًا في الحج الذي أفسده وقضاه قارنًا فلا إشكال؛ لأنه جاء بقضاء الحج مع زيادة العمرة. وأما إذا كان قارنًا في الحج الذي أفسده، ثم قضاه مفردًا، فالظاهر أن الدم اللازم له بسبب القران لا يسقط عنه بإفراده في القضاء خلافًا لمن زعم ذلك.\nوقال النووي في شرح المهذب: إذا وطئ القارن فسد حجه","vol":"5","page":420},{"text":"وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما، وتلزمه بدنة للوطء، وشاة بسبب القران، فإذا قضى لزمته أيضًا شاة أخرى، سواء قضى قارنًا، أم مفردًا؛ لأنه توجه عليه القضاء قارنًا، فإذا قضى مفردًا لا يسقط عنه دم القران. قال العبدري: وبهذا كله قال مالك، وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: إن وطئ قبل طواف العمرة، فسد حجه وعمرته، ولزمه المضي في فاسدهما والقضاء، وعليه شاتان: شاة لإِفساد الحج، وشاة لإِفساد العمرة، ويسقط عنه دم القران. فإن وطئ بعد طواف العمرة فسد حجه، وعليه قضاؤه وذبح شاة، ولا تفسد عمرته فتلزمه بدنة بسببها، ويسقط عنه دم القران.\nقال ابن المنذر: وممن قال يلزمه هدي واحد: عطاء وابن جريج، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال الحكم: يلزمه هديان. اهـ. من شرح المهذب.\nوقد قدمنا أن الأظهر عندنا: أن الزوجين المفسدين حجهما بالجماع تلزم كل واحد منهما بدنة إن كانت مطاوعة له، وهو مذهب مالك. وبه قال النخعي، وهو أحد القولين للشافعي.\nقال النووي: قال ابن المنذر: وأوجب ابن عباس، وابن المسيب، والضحاك، والحكم، وحماد، والثوري، وأبو ثور على كل واحد منهما هديًا. وقال النخعي ومالك: على كل واحد منهما بدنة.\nوقال أصحاب الرأي: إن كان قبل عرفة، فعلى كل واحد منهما شاة، وعن أحمد روايتان:\nإحداهما: يجزئهما هدي واحد.\nوالثانية: على كل واحد منهما هدي.","vol":"5","page":421},{"text":"وقال عطاء وإسحاق: لزمهما هدي واحد.\nالفرع العاشر: إذا جامع المحرم بعمرة قبل طوافه فسدت عمرته إجماعًا، وعليه المضي في فاسدها، والقضاء والهدي، فإن كان جماعه بعد الطواف، وقبل السعي فعمرته فاسدة أيضًا عند الشافعي، وأحمد، وأبي ثور، وهو مذهب مالك فعليه إتمامها، والقضاء والدم. وقال عطاء: عليه شاة، ولم يذكر القضاء. وقال أبو حنيفة: إن جامع المعتمر بعد أن طاف بالبيت أربعة أشواط لم تفسد عمرته، وعليه دم، وإن طاف ثلاثة أشواط، فسدت، وعليه إتمامها، والقضاء ودم. وأما إن كان جماعه بعد الطواف والسعي، ولكنه قبل الحلق، فلم يقل بفساد عمرته إلَّا الشافعي.\nقال ابن المنذر: ولا أحفظ هذا عن غير الشافعي. وقال ابن عباس، والثوري، وأبو حنيفة: عليه دم. وقال مالك: عليه الهدي. وعن عطاء: أنه يستغفر الله، ولا شيء عليه. قال ابن المنذر: قول ابن عباس أعلا. انتهى بواسطة نقل النووي.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي: أن المحرمة التي أكرهها زوجها على الوطء حتى أفسد حجها أو عمرتها بذلك أن جميع التكاليف اللازمة لها بسبب حجة القضاء من نفقات سفرها في الحج، كالزاد والراحلة، والهدي اللازم لها كله على الزوج؛ لأنه هو الذي تسبب لها في ذلك وإن كانت بانت منه، ونكحت غيره، وأنه إن كان عاجزًا لفقره صرفت ذلك من مالها، ثم رجعت عليه بذلك، إن أيسر. وهذا مذهب مالك وأصحابه وعطاء، ومن وافقهم خلافًا لمن قال: إن جميع تكاليف حجة القضاء في مالها، لا في مال الزوج. وهو قول بعض أهل العلم.","vol":"5","page":422},{"text":"قال الشيخ شهاب الدين أحمد الشلبي في حاشيته على تبيين الحقائق، شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه: قال في شرح الطحاوي: أما المرأة إذا كانت نائمة، أو جامعها صبي أو مجنون، فذلك كله سواء، ولا ترجع المرأة من ذلك بما لزمها عَلَى المكره؛ لأن ذلك شيء لزمها فيما بينها، وبين الله غير مجبور عليها كرجل أكره على النذر، فإنه يلزمه، فإذا أدى ما لزمه، فإنه لا يرجع على المكره، كذلك هنا. انتهى إتقاني رحمه الله تعالى. انتهى كلام الشلبي في حاشيته.\nوقال في موضع آخر من حاشيته المذكورة: ثم إذا كانت مكرهة حتى فسد حجها ولزمها دم، هل ترجع على الزوج. عن أبي شجاع: لا، وعن القاضي أبي حازم: نعم. اهـ.\nوقد ذكرنا أن الأظهر عندنا لزوم ذلك لزوجها الذي أكرهها، ووجهه ظاهر جدًّا؛ لأن سببه هو جنايته بالجماع الذي لا يجوز له شرعًا. ومن تسبب في غرامة إنسان بفعل حرام، فإلزامه تلك الغرامة لا شك في ظهور وجهه. والعلم عند الله تعالى.\nوقال ابن قدامة في المغني في مذهب أحمد في هذه المسألة ما نصه: وإذا كانت المرأة مكرهة على الجماع، فلا هدي عليها، ولا على الرجل أن يهدي عنها. نص عليه أحمد؛ لأنه جماع يوجب الكفارة، فلم يجب به حال الإِكراه أكثر من كفارة واحدة، كما في الصيام. وهذا قول إسحاق، وأبي ثور، وابن المنذر.\nوعن أحمد رواية أخرى: أن عليه أن يهدي عنها، وهو قول عطاء، ومالك؛ لأن إفساد الحج وجد منه في حقها، فكان عليه لإفساده حجها هدي قياسًا على حجه. وعنه ما يدل على أن الهدي","vol":"5","page":423},{"text":"عليها؛ لأن فساد الحج ثبت بالنسبة إليها، ويحتمل أنه أراد أن الهدي عليها، ويحمله الزوج عنها، فلا يكون رواية ثالثة. انتهى منه.\nوفي مذهب الشافعي في هذه المسألة وجهان: الأصح منهما عند أصحاب الشافعي: وجوب ذلك على الزوج، كما بينه النووي في شرح المهذب.\nأما إن كانت مطاوعة له، فالأظهر أن على كل واحد منهما تكاليف حجة القضاء، وكل ما سببه الوطء المذكور؛ لأنهما سواء فيه، ولا ينبغي العدول عن ذلك.\nالفرع الحادي عشر: اعلم أنا قدمنا أن من أفسد حجه أو عمرته، لزمه القضاء. وقد بينا أن الصحيح وجوبه على الفور لا على التراخي، وسواء في ذلك كان الحج والعمرة فرضًا أو نفلًا؛ لأن النفل منهما يصير فرضًا بالشروع فيه. وقد أردنا أن نبين في هذا الفرع أنه لو أحرم بالقضاء، فأفسده أيضًا بالجماع، لزمته الكفارة ولزمه قضاء واحد، ولو تكرر ذلك منه مائة مرة، ويقع القضاء عن الحج الأول، أي: الذي أفسده أولًا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني عشر: قد قدمنا أن مما يمنع بسبب الإِحرام حلق شعر الرأس، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فإن حلق شعر رأسه لأجل مرض، أو أذى ككثرة القمل في رأسه، فقد نص تعالى على ما يلزمه بقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوهذه الآية الكريمة نزلت في كعب بن عجرة ﵁، والتحقيق الذي لا شك فيه: أن الثلاثة المذكورة في الآية على سبيل","vol":"5","page":424},{"text":"التخيير بينها؛ لأن لفظة \"أو\" في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ حرف تخيير. والتحقيق أن الصيام المذكور ثلاثة أيام، وأن الصدقة المذكورة ثلاثة آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وما سوى هذا فهو خلاف التحقيق.\nوقد روى الشيخان في صحيحيهما، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: كان بي أذى من رأسي، فحملت إلى رسول الله  - ﷺ -، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: \"ما كنت أرى أن الجهد قد بلغ منك ما أرى، أتجد شاة؟ قلت: لا. فنزلت الآية: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قال: هو صوم ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين نصف صاع نصف صاع طعامًا لكل مسكين\" وفي رواية \"أتى عليّ رسول الله  - ﷺ -  زمن الحديبية فقال: كان هوام رأسك تؤذيك؟ فقلت: أجل. قال: فاحلقه، واذبح شاة، أو صم ثلاثة أيام، أو تصدق بثلاثة آصع من تمر بين ستة مساكين\" رواه مسلم، وأحمد، وأبو داود. ولأبي داود في رواية \"فدعاني رسول الله  - ﷺ -  فقال: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين فرقًا من زبيب، أو انسك شاة، فحلقت رأسي ثم نسكت\" وفي رواية عند البخاري، عن كعب بن عجرة \"أن رسول الله  - ﷺ -  قال له: لعلك آذاك هوامك؟ قال: نعم يا رسول الله  - ﷺ -، فقال رسول الله  - ﷺ -: احلق رأسك، وصم ثلاثة أيام، أو اطعم ستة مساكين، أو انسك بشاة\" وفي رواية عند البخاري أيضًا، عن كعب بن عجرة ﵁ قال: \"وقف علي رسول الله  - ﷺ -  بالحديبية، ورأسي يتهافت قملًا فقال: يؤذيك هوامك؟ قلت: نعم. قال: فاحلق رأسك: أو احلق. قال: فيَّ نزلت هذه الآية: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ إلى آخرها، فقال","vol":"5","page":425},{"text":"النبي  - ﷺ -: صم ثلاثة أيام، أو تصدق بفرق بين ستة، أو انسك بما تيسر\" وفي رواية عند البخاري أيضًا: \"فأنزل الله الفدية، فأمره رسول الله  - ﷺ -  أن يطعم فرقًا بين ستة، أو يهدي شاة، أو يصوم ثلاثة أيام\" وبعض هذه الروايات في صحيح مسلم، وفيه غيرها بمعناها. والفرق ثلاثة آصع.\nفهذه النصوص الصحيحة الصريحة مبينة غاية البيان آية الفدية موضحة: أن الصيام المذكور في الآية ثلاثة أيام، وأن الصدقة فيها ثلاث آصع بين ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، وأن النسك فيها ما تيسر شاة فما فوقها، وأن ذلك على سبيل التخيير بين الثلاثة، كما هو نص الآية، والأحاديث المذكورة. وهذا لا ينبغي العدول عنه، لدلالة القرآن، والسنَّة الصحيحة عليه، وهو قول جماهير العلماء.\nوبه تعلم أن قول الحسن، والثوري، وعكرمة، ونافع: أن الصيام عشرة أيام، والصدقة على عشرة مساكين خلاف الصواب؛ لما ذكرنا، وأن ما يقوله أصحاب الرأي: من أنه يجزئ نصف صاع من البر خاصة لكل مسكين، وأما غير البر كالتمر، والشعير مثلًا فلا بد من صاع كامل لكل مسكين = خلاف الصواب أيضًا؛ لمخالفته للروايات الصحيحة عن النبي  - ﷺ -  التي ذكرناها آنفًا، وأن ما رواه الطبري وغيره، عن سعيد بن جبير: من أن الواجب أولًا النسك، فإن لم يجد نسكًا، فهو مخير بين الصوم والصدقة خلاف الصواب أيضًا؛ للأدلة التي ذكرناها، وهي واضحة صريحة في التخيير.\nومن أصرحها في التخيير ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن داود، عن الشعبي، عن","vol":"5","page":426},{"text":"عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة؛ أن رسول الله  - ﷺ -  قال له: \"إن شئت فانسك نسيكة، وإن شئت فصم ثلاثة أيام، وإن شئت فأطعم ثلاثة آصع من تمر لستة مساكين\". اهـ. فصراحة هذا في التخيير بين الثلاثة كما ترى. وما رواه مالك في موطئه، عن عبد الكريم بن مالك الجزري، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عن كعب بن عجرة ﵁، أنه كان مع رسول الله  - ﷺ -  محرمًا، فأذاه القمل في رأسه، فأمره رسول الله  - ﷺ -  أن يحلق رأسه، وقال: \"صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين مدين مدين لكل إنسان، أو انسك بشاة، أي: ذلك فعلت أجزأ عنك\". اهـ من الموطأ.\nوقوله \"أي: ذلك فعلت أجزأ عنك\" صريح في التخيير كما ترى، مع أن الآية الكريمة، والروايات الثابتة في الصحيحين نصوص صريحة في ذلك لصراحة لفظة، \"أو \"في التخيير. والعلم عند الله تعالى.\nوهذا الذي بينا حكمه الآن: هو حلق جميع شعر الرأس. أما حلق بعض شعر الرأس، أو شعر باقي الجسد غير الرأس، فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله.\nواعلم أن ما جاء في بعض الروايات أن النسك المذكور في الآية بقرة، يجاب عنه من وجهين. وسنذكر هنا إن شاء الله بعض الروايات الواردة بذلك، والجواب عنها.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا الليث، عن نافع، أن رجلا من الأنصار أخبره عن كعب بن عجره، وكان قد أصابه في رأسه أذى، فحلق، فأمره النبي  - ﷺ -  أن يهدي هديًا بقرة. اهـ منه.","vol":"5","page":427},{"text":"وقال ابن حجر في الفتح  - بعد أن أَشار لحديث أبي داود هذا -: وللطبراني من طريق عبد الوهاب بن بخت، عن نافع، عن ابن عمر قال: حلق كعب بن عجرة رأسه، فأمره رسول الله  - ﷺ -  أن يفتدي، فافتدى ببقرة.\nولعبد بن حميد من طريق أبي معشر، عن نافع، عن ابن عمر قال: افتدى كعب من أذى كان في رأسه، فحلقه ببقرة قلدها وأشعرها.\nولسعيد بن منصور من طريق ابن أبي ليلي، عن نافع، عن سليمان بن يسار قيل لابن كعب بن عجرة: ما صنع أبوك حين أصابه الأذى في رأسه؟ قال: ذبح بقرة. انتهى من الفتح. ثم قال: فهذه الطرق كلها تدور على نافع.\nوقد اختلف عليه في الواسطة التي بينه وبين كعب، وقد عارضها ما هو أصح منها، من أن الذي أمر به كعب وفعله إنما هو شاة. وروى سعيد بن منصور، وعبد بن حميد من طريق المقبري، عن أبي هريرة: أن كعب بن عجرة ذبح شاة لأذى كان أصابه. وهذا أصوب من الذي قبله. واعتمد ابن بطال على رواية نافع، عن سليمان بن يسار فقال: أخذ كعب بأرفع الكفارات، ولم يخالف النبي  - ﷺ -  فيما أمره به من ذبح الشاة، بل وافقه، وزاد. ففيه: أن من أفتى بأيسر الأشياء فله أن يأخذ بأرفعها، كما فعل كعب.\nقلت: هو فرع ثبوت الحديث ولم يثبت لما قدمته. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر.","vol":"5","page":428},{"text":"وقد علمت منه الروايات المقضية: أن النسك في آية الفدية المذكورة بقرة، وأن الجواب عنها من وجهين:\nالأول: عدم ثبوت الروايات الواردة بالبقرة، ومعارضتها بما هو صحيح ثابت من أن النسك المذكور في الآية شاة كما قدمناه.\nوالجواب الثاني: أنا لو فرضنا أن تلك الروايات ثابتة، فهي لا تعارض الروايات الصحيحة الدالة على أن النسك المذكور شاة، وذلك بأن اللازم هو الشاة، والتطوع بالبقرة تطوع بأكثر من اللازم. ولا مانع من التطوع بأكثر مما يلزم. والعلم عند الله تعالى.\nوهذا الذي ذكرنا حكمه: هو حلق الرأس لعذر كمرض، أو أذى في الرأس ككثرة القمل فيه، كما هو موضوع آية الفدية، والأحاديث التي ذكرنا.\nأما إن حلق رأسه قبل وقت الحلق لغير عذر من مرض، أو أذى من رأسه، فقد اختلف أهل العلم فيما يلزمه، فذهب مالك والشافعي وهو ظاهر مذهب أحمد: إلى أن الفدية في العمد بلا عذر، حكمها حكم الفدية لعذر المرض، أو الأذى في الرأس، ولا فرق بين المعذور وغيره إلَّا في الإِثم، فإن المعذور تلزمه الفدية، ولا إثم عليه، ومن لا عذر له تلزمه الفدية المذكورة مع الإِثم. وهو مروي عن الثوري.\nوعند الحنابلة وجه: أنه لا فدية على من حلق ناسيًا إحرامه، وهو قول إسحاق، وابن المنذر. واحتجوا بالأدلة الدالة على العذر بالنسيان.\nوذهب أبو حنيفة: إلى الفرق بين من حلق لعذر ومن حلق لغير","vol":"5","page":429},{"text":"عذر، فإن حلقه لعذر، فعليه الفدية المذكورة في الآية على سبيل التخيير، وفاقًا للجمهور، وإن كان حلقه لغير عذر تعين عليه الدم دون الصيام والصدقة. ولا أعلم لأقوالهم ﵏ في هذه المسألة نصًا واضحًا يجب الرجوع إليه من كتاب ولا سنَّة ولا إجماع.\nأما الذين قالوا: إن فدية غير المعذور كفدية المعذور. فاحتجوا بأن الحلق إتلاف، فاستوى عمده وخطأه كقتل الصيد. قالوا: ولأن الله تعالى أوجب الفدية على من حلق رأسه لأذى له، وهو معذور، فكان ذلك تنبيهًا على وجوبها على غير المعذور. اهـ. ولا يخفى أن هذا النوع من الاستدلال وأمثاله ليس فيه مقنع.\nوأما الذين فرقوا بين المعذور وغيره، وهم الحنفية فاستدلوا بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ قالوا: فرتب الفدية المذكورة على العذر، فدل ذلك على أن من ليس له عذر لا يكون له هذا الحكم المرتب على العذر خاصة.\nواحتج بعض أجلاء علماء الشافعية على استدلال الحنفية بالآية المذكورة بأنه قول بدليل الخطاب  - يعني مفهوم المخالفة -  والمقرر في أصول الحنفية: عدم الاحتجاج بدليل الخطاب.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يلزم الحنفية احتجاج الشافعية المذكور عليهم؛ لأنهم يقولون: نعم نحن لا نعتبر مفهوم المخالفة، ولكن نرى أن قوله: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ﴾ الآية، ليس فيه تعرض لحكم الحالق لغير عذر، لا بنفي الفدية المذكورة، ولا بإثباتها. وقد ظهر لنا من دليل آخر خارج عن الآية: أنه يلزمه دم. اهـ. ولا خلاف بين أهل العلم: أن صيام الفدية له أن","vol":"5","page":430},{"text":"يصومه حيث شاء، والأظهر عندي في النسك، والصدقة أيضًا أن له أن يفعلهما حيث شاء؛ لأن فدية الأذى أشبه بالكفارة منها بالهدي، ولأن الله لم يذكر للفدية محلًا معينًا، ولم يذكره النبي  - ﷺ -  وسماها نسكًا ولم يسمها هديًا. والظاهر أنه لا مانع من أن ينوي بالنسك المذكور الهدي، فيجري على حكم الهدي، فلا يصح في غير الحرم، إلَّا أنه لا يجوز له الأكل منه؛ لأنه في حكم الكفارة، كما قاله علماء المالكية. وعند الحنفية، ومن وافقهم يختص النسك المذكور بالحرم. والعلم عند الله تعالى.\nأما إذا كان الذي حلقه بعض شعر رأسه لا جميعه، أو كان شعر جسده، أو بعضه لا شعر الرأس، فليس في ذلك نص صريح من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع؛ لأن الله جل وعلا إنما ذكر في آية الفدية: حلق الرأس، وظاهرها حلق جميعه لا بعضه. والعلماء مختلفون في ذلك ولم يظهر لنا في مستندات أقوالهم، ما فيه مقنع، يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله تعالى.\nفذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أن ضابط ما تلزم به فدية الأذى من الحلق هو حصول أحد أمرين:\nأحدهما: أن يحصل له بذلك ترفه.\nوالثاني: أن يزيل عنه به أذى، أما حلق القليل من شعر رأسه، أو غيره مما لا يحصل به ترفه، ولا إماطة أذى، فيلزم فيه التصدق بحفنة: وهي يد واحدة، وكذلك عندهم الظفر الواحد، لا لإِماطة أذى، وقتل القملة أو القملات.\nوقال ابن القاسم في المدونة: ما سمعت بحد فيما دون إماطة","vol":"5","page":431},{"text":"الأذى أكثر من حفنة من شيء من الأشياء. وقد قال في قملة أو قملات حفنة من طعام، والحفنة بيد واحدة. انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره: \"وفي الظفر الواحد، لا لإِماطة الأذى حفنة\". اهـ.\nوذهب الشافعي وأصحابه: إلى أن حلق ثلاث شعرات فصاعدًا تلزم فيه فدية الأذى كاملة. واحتجوا بأن الثلاث: يقع عليها اسم الجمع المطلق، فكان حلقها كحلق الجميع. وهذا القول رواية عن الإِمام أحمد. وقال القاضي: إنها المذهب، وبذلك قال الحسن، وعطاء، وابن عيينة، وأبو ثور، كما نقله عنهم صاحب المغني. أما حلق الشعرة الواحدة، أو الشعرتين فللشافعية فيه أربعة أقوال:\nالأول: وهو أصحها عند محققيهم، وهو نص الشافعي في أكثر كتبه: أنه يجب في الشعرة الواحدة مد، وفي الشعرتين مدان.\nالثاني: يجب في شعرة واحدة درهم، وفي شعرتين درهمان.\nالثالث: يجب في شعرة: ثلث دم، وفي شعرتين: ثلثاه.\nالرابع: أن في الشعرة الواحدة دمًا كاملًا.\nومذهب الإِمام أحمد: وجوب الفدية كاملة في أربع شعرات فصاعدًا. وهذه الرواية اقتصر عليها الخرقي. وقد قدمنا قريبًا الرواية عنه بوجوب الفدية بثلاث شعرات فصاعدًا. أما ما هو أقل من القدر الذي يوجب الفدية، وهو ثلاث شعرات، أو شعرتان بحسب الروايتين المذكورتين ففي الشعرة الواحدة: مد من طعام، وفي الشعرتين: مدان. وعنه أيضًا في كل شعرة: قبضة من طعام. ورُوِي نحوه عن عطاء.","vol":"5","page":432},{"text":"وذهب أبو حنيفة إلى أنه إن حلق ربع رأسه، أو ربع لحيته، أو حلق عضوًا كاملًا كرقبته، أو عانته، أو أحد إبطيه، ونحو ذلك لزمته فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، وإن كان لغير عذر لزمه دم. ويلزم عنده في حلق أقل مما ذكر كحلق أقل من ربع الرأس، أو ربع اللحية، أو أقل من عضو كامل صدقة. والصدقة عندهم: نصف صاع من بر، أو صاع من غيره.\nورُوِي عن أبي حنيفة وأصحابه: أن في كل شعرة قبضة من طعام، كما ذكره عنهم صاحب المغني.\nوأما حلق شعر البدن غير الرأس، فقد علمت مما ذكرنا آنفًا أن مذهب أبي حنيفة فيه: أنه إن حلق عضوًا كاملًا ففيه الفدية، أو الدم، وإن حلق أقل من عضو، ففيه الصدقة، وأن حكم اللحية عنده كحكم الرأس، وحلق الربع فيهما كحلق الجميع.\nومذهب الشافعي أن حلق شعر الجسد غير الرأس كحكم حلق الرأس، فتلزم الفدية في ثلاث شعرات فصاعدًا، سواء كانت من شعر الرأس، أو غيره من الجسد، وفى الشعرة، أو الشعرتين من الجسد عندهم الأقوال الأربعة المتقدمة، وإن حلق شعر رأسه، وشعر بدنه معًا لزمه عند الشافعي، وأصحابه فدية واحدة خلافًا لأبي القاسم الأنماطي القائل: يلزمه فديتان محتجًا بأن شعر الرأس مخالف لشعر البدن، لأن النسك يتعلق بشعر الرأس، فيلزم حلقه، أو تقصيره بخلاف شعر البدن.\nواحتج الشافعية بأنهما وإن اختلف حكمهما في النسك فهما جنس واحد، فأجزأت لهما فدية واحدة.","vol":"5","page":433},{"text":"ومذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة كمذهب الشافعي، فشعر الرأس وشعر البدن حكمهما عنده سواء. وإن حلق شعر رأسه، وبدنه فعليه فدية واحدة. وعنه رواية أخرى: أنه يلزمه دمان إذا حلق من كل من الرأس، والجسد ما تجب به الفدية منفردًا عن الآخر كقول الأنماطي المتقدم.\nقال في المغني: وهو الذي ذكره القاضي، وابن عقيل، لأن الرأس يخالف البدن، بحصول التحلل به دون البدن. ولنا أن الشعر كله جنس واحد في البدن، فلم تتعدد الفدية فيه باختلاف مواضعه كسائر البدن، وكاللباس. ودعوى الاختلاف تبطل باللباس، فإنه يجب كشف الرأس، دون غيره، والجزاء في اللبس فيهما واحد.\nوقال ابن قدامة في المغني أيضًا: وإن حلق من رأسه شعرتين، ومن بدنه شعرتين فعليه دم واحد. هذا ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي الخطاب، ومذهب أكثر الفقهاء.\nومذهب مالك في هذه المسألة: أن شعر البدن كشعر الرأس، فإن حلق من شعر بدنه ما فيه ترفه، أو إماطة أذى لزمته الفدية، وإلَّا فالتصدق بحفنة بيد واحدة.\nوسئل مالك: عن المحرم يتوضأ فيمر يديه على وجهه، أو يخلل لحيته في الوضوء، أو يدخل يده في أنفه لمخاط ينزعه، أو يمسح رأسه، أو يركب دابته، فيحلق ساقه الإِكاف أو السرج؟ قال مالك: ليس عليه في ذلك كله شيء، وهذا خفيف، ولابدَّ للناس منه. انتهى بواسطة نقل الحطاب في كلامه على قول خليل: \"وتساقط شعر لوضوء أو ركوب\". اهـ.","vol":"5","page":434},{"text":"وإذا علمت أقوال الأئمة ﵏ في شعر الجسد، فاعلم أني لا أعلم لشيء منها مستندًا من نص كتاب، أو سنَّة.\nوالأظهر أنهم قاسوا شعر الجسد على شعر الرأس، بجامع أن الكل قد يحصل بحلقه الترفه، والتنظيف. والظاهر أن اجتهادهم في حلق بعض شعر الرأس يشبه بعض أنواع تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث عشر: في حكم قص المحرم أظافره أو بعضها، وقد اختلف أهل العلم في ذلك، فالصحيح من مذهب مالك: أنه إن قلم ظفرين فصاعدًا: لزمته الفدية مطلقًا، وإن قلم ظفرًا واحدًا، لإِماطة أذى: لزمه إطعام حفنة بيد واحدة.\nقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: \"وفي الظفر الواحد، لا لإِماطة الأذى حفنة\"، ما نصه: أما لو قلم ظفرين فلم أر في ابن عبد السلام والتوضيح، وابن فرحون في شرحه، ومناسكه، وابن عرفة، والتادلي، والطراز وغيرهم خلافًا في لزوم الفدية، ولم يفصلوا كما فصَّلوا في الظفر الواحد. واللَّه أعلم. انتهى منه.\nولا ينبغي أن يختلف في أن الظفر إذا انكسر جاز أخذه، ولا شيء فيه؛ لأنه بعد الكسر لا ينمو، فهو كحطب شجر الحرم. واللَّه أعلم.\nومذهب الشافعي وأصحابه: أن حكم الأظفار كَحكم الشعر، فإن قلم ثلاثة أظفار، فصاعدًا، فعليه الفدية كاملة، وأظفار اليد والرجل في ذلك سواء، وإن قلم ظفرًا واحدًا، أو ظفرين ففيه الأقوال","vol":"5","page":435},{"text":"الأربعة فيمن حلق شعرة واحدة، أو شعرتين. وقد قدمنا أن أصحها عندهم أن في الشعرة: مدًا، وفي الشعرتين: مدين، وباقي الأقوال المذكورة موضحة قريبًا.\nومذهب الإِمام أحمد في الأظفار كمذهبه في الشعر، ففي أربعة أظافر، أو ثلاثة على الرواية الأخرى: فدية كاملة، وحكم الظفر الواحد كحكم الشعرة الواحدة، وحكم الظفرين كحكم الشعرتين. وقد تقدم موضحًا قريبًا.\nومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة: أنه لو قص أظفار يديه ورجليه جميعًا بمجلس واحد، أو قص أظفار يد واحدة كاملة في مجلس، أو رجل كذلك لزمه الدم، وإن قطع مثلًا خمسة أظفار، ثلاثة من يد واثنان من رجل، أو يد أخرى، أو عكس ذلك: فعليه الصدقة: وهي نصف صاع من بر عن كل ظفر. والمعروف عند الحنفية في باب الفدية: أن ما كان لعذر ففيه فدية الأذى المذكورة في الآية، وما كان لغير عذر ففيه الدم كما تقدم. أما لو قص أظفار إحدى يديه، أو رجليه في مجلس، والأخرى في مجلس آخر، فعند أبي حنيفة، وأبي يوسف: يتعدد الدم، حتى إنه يمكن أن تلزمه أربعة دماء للرجلين واليدين إذا كانت كل واحدة في مجلس، وعند محمد: لا يلزمه إلا دم واحد، ولو تعددت المجالس إلا إذا تخللت الكفارة بينهما. وقد علمت أنه لو قص أظافر أكثر من خمسة متفرقة من الرجلين واليدين: ليس عليه إلا الصدقة عندهم.\nوقال زفر: يجب الدم بقص ثلاثة أظافر من اليد، أو من الرجل، وهو قول أبي حنيفة الأول، بناء على اعتبار الأكثر، والثلاثة أكثر من الباقي بعدها بالنسبة إلى الخمسة.","vol":"5","page":436},{"text":"وقال ابن قدامة في المغني: قال ابن المنذر: وأجمع أهل العلم على أن المحرم ممنوع من أخذ أظافره، وعليه الفدية بأخذها في قول أكثرهم، وهو قول حماد، ومالك، والشافعي، وأبي ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وعنه لا فدية عليه؛ لأن الشرع لم يرد فيه بفدية، ولم يعتبر ابن المنذر في حكايته الإِجماع قول داود الظاهري: إن المحرم له أن يقص أظفاره، ولا شيء عليه؛ لعدم النص، وفي اعتبار داود في الإِجماع خلاف معروف. والأظهر عند الأصوليين اعتباره في الإِجماع. واللَّه تعالى أعلم.\nثم قال صاحب المغني: ولنا أنه أزال ما منع إزالته؛ لأجل الترفه، فوجبت عليه الفدية كحلق الشعر، وعدم النص فيه لا يمنع قياسه، كشعر البدن مع شعر الرأس. والحكم في فدية الأظفار كالحكم في فدية الشعر سواء، في أربعة منها: دم؛ وعنه في ثلاثة: دم، وفي الظفر الواحد: مد من طعام، وفي الظفرين: مدان على ما ذكرنا من التفصيل والاختلاف فيه. وقول الشافعي وأبي ثور كذلك. انتهى محل الغرض منه.\nوإذا عرفت مذاهب الأئمة في حكم قص المحرم أظافره، وما يلزمه في ذلك فاعلم أني لا أعلم لأقوالهم مستندًا من النصوص إلا ما ذكرنا عن ابن المنذر من الإِجماع على أن المحرم ممنوع من أخذ أظفاره أما لزوم الفدية فلم يدع فيه إجماعًا، إلا ما جاء عن بعض السلف من الصحابة والتابعين، من تفسير آية الحج، فإنه يدل على منع المحرم من أخذ أظفاره، كمنعه من حلق شعره حتى يبلغ الهدي محله. والآية المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ الآية.","vol":"5","page":437},{"text":"قال صاحب الدر المنثور في التفسير بالمأثور: وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس ﵄ في قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ قال: يعني بالتفث: وضع إحرامهم من حلق الرأس، ولبس الثياب، وقص الأظفار، ونحو ذلك.\nوقال أيضًا: وأخرج ابن أبي شيبة، عن محمد بن كعب قال: التفث: حلق العانة، ونتف الإِبط، والأخذ من الشارب، وتقليم الأظفار. اهـ. ونحو هذا كثير في كلام المفسرين وإن فسر بعضهم الآية بغيره.\nوعلى التفسير المذكور فالآية تدل على: أن الأظفار كالشعر بالنسبة إلى المحرم، ولا سيما أنها معطوفة بثم على نحر الهدايا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ والمراد بذكر اسمه على ما رزقهم من بهيمة الأنعام: التسمية عند نحر الهدايا والضحايا، ثم رتب على ذلك قوله: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ فدل على أن الحلق وقص الأظافر، ونحو ذلك، ينبغي أن يكون بعد النحر كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بين النبي - ﷺ -: أن من حلق قبل أن ينحر لا شيء عليه. كما بيناه موضحًا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ويؤيد التفسير المذكور الدال على ما ذكرناه كلام أهل اللغة.\nقال الجوهري في صحاحه: التفث في المناسك: ما كان من نحو قص الأظفار، والشارب، وحلق الرأس، والعانة، ورمي","vol":"5","page":438},{"text":"الجمار، ونحر البدن، وأشباه ذلك. قال أبو عبيدة: ولم يجيء فيه شعر يحتج به. اهـ منه.\nقال صاحب القاموس: التفث محركة في المناسك: الشعث، وما كان من نحو قص الأظفار، والشارب، وحلق العانة، وغير ذلك. وككتف الشعث والمغبر. اهـ.\nوقال صاحب اللسان: التفث: نتف الشعر، وقص الأظفار. إلخ.\nوقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في الكلام على معنى التفث. قال ابن العربي: وهذه اللفظة غريبة لم يجد أهل العربية فيها شعرًا، ولا أحاطوا بها خبرًا، لكني تتبعت التفث لغة فرأيت أبا عبيدة معمر بن المثنى قال: إنه قص الأظفار، وأخذ الشارب، وكل ما يحرم على المحرم إلا النكاح، ولم يجيء فيه شعر يحتج به.\nوقال صاحب العين: التفث: هو الرمي والحلق، والتقصير، والذبح، وقص الأظفار، والشارب، والإِبط. وذكر الزجاج والفراء نحوه، ولا أراهم أخذوه إلا من قول العلماء، وقال قطرب: تفث الرجل: إذا كثر وسخه. قال أمية بن أبي الصلت:\nحقوا رؤوسهم لم يحلقوا تفثا ... ولم يسلوا لهم قملًا وصئبانا\nوما أشار إليه قطرب هو الذي قاله ابن وهب عن مالك، وهو الصحيح في التفث، وهذه صورة إلقاء التفث لغة. . . إلى أن قال: قلت: ما حكاه عن قطرب، وذكر من الشعر قد ذكره في تفسيره الماوردي، وذكر بيتًا آخر فقال:\nقضوا تفثًا ونحبًا ثم ساروا ... إلى نجد وما انتظروا عليا","vol":"5","page":439},{"text":"وقال الثعلبي: وأصل التفث في اللغة: الوسخ، تقول العرب للرجل تستقذره: ما أتفثك، أي: ما أوسخك وأقذرك.\nقال أمية بن أبي الصلت:\nساخين آباطهم لم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملًا وصئبانا\nانتهى من القرطبي.\nوالظاهر أن قول: ساخين آباطهم  - البيت. من قولهم: سخا يسخوا سخوا إذا سكن من حركته. يعني أنهم ساكنون عن الحركة إلى آباطهم بالحلق، بدليل قوله بعده:. . .\nلم يقذفوا تفثا ... وينزعوا عنهم قملًا وصئبانا\nالفرع الرابع عشر: قد قدمنا في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه ما يمنع المحرم من لبسه من أنواع الملبوس، وسنذكر في هذا الفرع ما يلزم في ذلك عند الأئمة.\nفذهب الشافعي، وأصحابه: إلى أنه إن لبس شيئًا مما قدمنا أنه لا يجوز لبسه مختارًا عامدًا، أثم بذلك، ولزمته المبادرة إلى إزالته ولزمته الفدية سواء قصر زمان اللبس أو طال، لا فرق عندهم في ذلك، ولا دليل عندهم للزوم الفدية في ذلك، إلا القياس على حلق الرأس المنصوص عليه في آية الفدية. واللبس الحرام الموجب للفدية عندهم محمول على ما يعتاد في كل ملبوس، فلو التحف بقميص أو قباء، أو ارتدى بهما، أو ائتزر سراويل فلا فدية عليه عندهم؛ لأنه ليس لبسًا له في العادة، فهو عندهم كمن لفق إزارًا من خرق وطبقها وخاطها فلا فدية عليه بلا خلاف، وكذا لو التحف بقميص،","vol":"5","page":440},{"text":"أو بعباءة، أو إزار ونحوها ولفها عليه طاقًا أو طاقين، أو أكثر فلا فدية، وسواء فعل ذلك في النوم أو اليقظة. قاله النووي. ثم قال: قال أصحابنا: وله أن يتقلد المصحف وحمائل السيف، وأن يشد الهميان والمنطقة في وسطه، ويلبس الخاتم، ولا خلاف في جواز هذا كله، وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا، وبه قال العلماء كافة، إلا ابن عمر في أصح الروايتين عنه فكرههما، وبه قال نافع مولاه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ما ذكره النووي ﵀، من كون جواز شد المنطقة والهميان في وسطه هو قول العلماء كافة إلا ابن عمر في أصح الروايتين فيه نظر، فإن مذهب مالك، وأصحابه: منع شد المنطقة والهميان فوق الإِزار مطلقًا، وتجب به الفدية عندهم. أما شد المنطقة مباشرة للجلد تحت الإِزار، فهو جائز عندهم بشرط كونه يريد بذلك حفظ نفقته، فلا يجوز إلا تحت الإزار، لضرورة حفظ النفقة خاصة، وإلا فتجب الفدية، وشد المنطقة لغير النفقة تجب به الفدية أيضًا، عند أحمد.\nوالهميان قريب مما تسميه العامة اليوم بالكمر. قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره عاطفًا على ما يجوز للمحرم: \"وشد منطقة لنفقته على جلده\"، قال ابن فرحون في شرح ابن الحاجب: المنطقة: الهيمان. وهو مثل الكيس تجعل فيه الدراهم. اهـ.\nوروى البيهقي بإسناده عن عائشة: أنه لا بأس بشد المنطقة لحفظ النفقة. وما في المغني من رفع ذلك إلى النبي  - ﷺ -، فيه نظر، والظاهر أنه من قول ابن عباس. والمرفوع عند الطبراني، وفي إسناده","vol":"5","page":441},{"text":"يوسف بن خالد السمتي، وهو ضعيف. قاله في مجمع الزوائد.\nوقال في التقريب في يوسف المذكور: تركوه، وكذبوه.\nوإذا علمت مما مر أن اللبس الحرام على المحرم تجب به الفدية عند الشافعية، وأنه لا فرق عندهم بين اللحظة والزمن الطويل، فاعلم أن الأصح عندهم، وبه جزم الأكثرون أن اللازم في ذلك هو فدية الأذى المذكورة في آية الفدية. ودليلهم القياس كما تقدم. ولهم طريقان غير هذا في المسألة: إحداهما  - وذكرها أبو علي الطبري في الإِيضاح، وآخرون من العراقيين -  أن في المسألة قولين:\nأحدهما: أنه كالمتمتع، فيلزمه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام، كما هو معلوم.\nوالقول الثاني: أنه يلزمه الهدي، فإن لم يجده قومه دراهم، وقوَّم الدراهم طعامًا، ثم يصوم عن كل مد يومًا.\nالطريق الثانية: هي أن في المسألة عندهم أربعة أوجه أصحها: أنه كالحلق؛ لاشتراكهما في الترفه.\nوالثاني: أنه مخير بين شاة، وبين تقويمها، ويخرج قيمتها طعامًا، ويصوم عن كل مدّ يومًا.\nالثالث: تجب شاة، فإن عجز عنها لزمه الطعام بقيمتها.\nوالرابع: أنه كالمتمتع. اهـ. من النووي.\nوقد علمت أن الصحيح عند الشافعية أن اللبس الحرام تلزم فيه فدية الأذى. وهذا حاصل مذهب الشافعي، وأصحابه في المسألة.\nومذهب أحمد وأصحابه أن الفدية تجب بقليل اللبس وكثيره،","vol":"5","page":442},{"text":"كمذهب الشافعي. ويجوز عند الشافعي، وأصحابه للرجل المحرم ستر وجهه، ولا فدية عليه، بخلاف البياض الذي وراء الآذان.\nقال النووي: وبه قال جمهور العلماء. يعني جواز ستر المحرم وجهه. وقال أبو حنيفة ومالك: لا يجوز كرأسه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول الأخير أرجح عندي كما تقدم، لأن في صحيح مسلم في المحرم الذي خر من بعيره، فمات: \"ولا تخمروا وجهه ولا رأسه\" وقد قدمنا أن العلة كونه يبعث ملبيًا. فدل هذا الحديث الصحيح على أن إحرام الرجل مانع من ستر وجهه، وما أوَّل به الشافعية وغيرهم الحديث المذكور ليس بمقنع، فلا يجوز العدول عن ظاهر الحديث إليه، ولا عبرة بالأجلاء الذين خالفوا ظاهره، لأن السئة أولى بالاتباع، والآثار التي رووها عن عثمان، وزيد بن ثابت، ومروان بن الحكم، لا يعارض بها المرفوع الصحيح. واللَّه أعلم.\nوالظاهر لنا: أن ما يروى عن أبي حنيفة، والثوري، وسعد بن أبي وقاص من جواز لبس المحرمة القفازين خلاف الصواب، لما قدمنا من حديث ابن عمر الثابت في الصحيح، وفيه \"ولا تنتقب المرأة المحرمة، ولا تلبس القفازين\" الحديث. ولم يثبت شيء صحيح من كتاب أو سنة يخالفه. وما قاله بعض أهل العلم من الحنابلة وغيرهم من النهي عن لبس المرأة الخلخال، والسوار خلاف الصواب. والظاهر: جواز ذلك، ولا دليل يمنع منه، واللَّه أعلم.\nأما لبس الرجل القفازين فلم يخالف في منعه أحد. وعند الشافعية: إذا طلى المحرم رأسه بطين، أو حناء، أو مرهم ونحو ذلك فإن كان رقيقًا لا يستر فلا فدية، وإن كان ثخينًا ساترًا فوجهان","vol":"5","page":443},{"text":"أصحهما: وجوب الفدية. والثاني: لا تجب؛ لأن ذلك لا يعد ساترًا. ولو توسد وسادة، أو وضع يده على رأسه، أو انغمس في ماء، أو استظل بمحمل، أو هودج، فذلك عند الشافعية جائز، ولا شيء فيه، سواء مس المحمل رأسه أم لا. وفيه قول ضعيف أنه إن مس المحمل رأسه وجبت الفدية.\nوضابط ما تجب به الفدية عندهم هو: أن يستر من رأسه قدرًا يقصد ستره لغرض، كشد عصابة، وإلصاق لصوق لشجة ونحوها. والصحيح عندهم: أنه إن شد خيطًا على رأسه لم يضره، ولا فدية عليه، ولو جرح المحرم فشد على جرحه خرقة، فإن كان الجرح في غير الرأس فلا فدية، وإن كان في الرأس، لزمته الفدية ولا إثم عليه.\nوقد قدمنا أن إحرام المرأة في وجهها فلا يجوز لها ستره بما يعد ساترًا، ولها ستر وجهها عن الرجال. والأظهر في ذلك أن تسدل الثوب على وجهها متجافيًا عنه، لا لاصقًا به. واللَّه أعلم.\nويجوز عند الشافعية: أن يعقد الإِزار ويشد عليه خيطان، وأن يجعل له مثل الحجزة، ويدخل فيها التكة؛ لأن ذلك من مصلحة الإِزار لا يستمسك إلا بنحو ذلك، وقيل: لا يجوز له جعل حجزة في الإِزار، وإدخال التكة فيها؛ لأنه حينئذ يصير كالسراويل، والصحيح عندهم الأول، والأخير ضعيف عندهم. وكذلك القول بمنع عقد الإِزار ضعيف عندهما. أما عقد الرداء فهو حرام عندهم، وكذلك عندهم خله بخلال، وربط طرفه إلى طرفه الآخر بخيط، كل ذلك لا يجوز عندهم، وفيه الفدية، وفيه خلاف ضعيف عندهم. ووجه تفريقهم بين الإِزاء والرداء أن الإِزاء يحتاج إلى العقد، بخلاف الرداء. ولو حمل المحرم على رأسه زنبيلًا، أو حملًا، ففي ذلك عند","vol":"5","page":444},{"text":"الشافعية طريقان، أصحهما: أن ذلك جائز، ولا فدية فيه، لأنا لا يقصد به الستر، كما لا يمنع المحدث من حمل المصحف في متاع. اهـ.\nومذهب الإِمام أحمد في جواز عقد الإِزار، ومنع عقد الرداء كمذهب الشافعي. ويجوز عند الإِمام أحمد أن يشد في وسطه منديلًا أو عمامة أو حبلًا ونحو ذلك إذا لم يعقده، فإن عقده منع ذلك عنده، وإنما يجوز إذا أدخل بعض ذلك الذي شد على وسطه في بعض.\nقال في المغني: قال أحمد في محرم حزم عمامة على وسطه: لا تعقدها، ويدخل بعضها في بعض، ثم قال: قال طاوس: رأيت ابن عمر يطوف بالبيت، وعليه عمامة قد شدها على وسطه، فأدخلها هكذا. وقد قدمنا أن مثل هذا يجوز عند المالكية لضرورة العمل خاصة. ثم قال في المغني: ولا يجوز أن يشق أسفل ردائه نصفين، ويعقد كل نصف على ساق، لأنه يشبه السراويل. انتهى من المغني. وفيه عند الشافعية وجهان أصحهما: المنع، ولزوم الفدية، لأنه كالسراويل، كما قال صاحب المغني.\nوالوجه الثاني: لا فدية في ذلك، وهو ضعيف. اهـ.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي: أن لبس الخف المقطوع مع وجود التحمل تلزم به الفدية. واللَّه أعلم.\nومذهب مالك وأصحابه في هذه المسألة: هو أن المحرم إن لبس ما يحرم عليه لبسه لزمته فدية الأذى، ويستوي عندهم الخياطة والعقد، والتزرر، والتخلل، والنسج على هيئة المحيط، ولكن بشرط أن ينتفع بذلك اللبس، من حر، أو برد، أو يطول زمنه كيوم كامل،","vol":"5","page":445},{"text":"لأن ذلك مظنة انتفاعه به من حر أو برد، أما إذا لبس المحرم ما يحرم عليه لبسه، ولم ينتفع بلبسه من حرٍّ أو برد ولم يدم لبسه له يومًا كاملًا، فلا فدية عليه عندهم. ومشهور مذهب مالك: أن للمحرم أن يشد في وسطه الحزام، لأجل العمل خاصة، ولا يعقده، وأن له أن يستثفر عند الركوب والنزول. وعنه في الاستثفار للركوب والنزول قول بالكراهة ولا فدية فيه على كل حال. والاستثفار: شد الفرج بخرقة عريضة ويوثق طرفاها إلى شيء مشدود إلى الوسط، وهو مأخوذ من ثفر الدابة، الذي يجعل تحت ذنبها، أو من ثفر الدابة بمعنى فرجها، ومنه قول الأخطل:\nجزى الله عنا الأعورين ملامة ... وفروة ثفر الثورة المتضاجم\nفقوله: ثفر الثورة. يعني فرج البقرة، وهو بدل من فروة المتضاجم المائل، وهو مخفوض بالمجاورة، لأنه صفة للثفر، وهو منصوب. وفروة اسم رجل جعله في الخبث، والحقارة كأنه فرج بقرة مائل. وستر المحرم وجهه عند المالكية كستر رأسه: تلزم فيه الفدية إن ستر ذلك بما يعد ساترًا كالمحيط، ويدخل في ذلك ما لو ستره بطين، أو جلد حيوان يسلخ، فيلبس، ولا يمنع عندهم لبس المخيط، إذا استعمل استعمال غير المخيط، كأن يجعل القميص إزارًا، أو رداء، لأنه إذا ارتدى بالقميص مثلًا لم يدخل فيه حتى يحيط به؛ لأنه استعمله استعمال الرداء، ولا بأس عندهم باتقاء الشمس أو الريح باليد يجعلها على رأسه أو وجهه. وله وضع يده على أنفه من غبار، أو جيفة مر بها. ويستحب ذلك له عندهم إن مر على طيب، وتلزم عندهم الفدية بلبس القباء وإن لم يدخل يده في كمه. وحمله بعضهم على ما إذا أدخل فيه منكبيه، وأطلقه بعضهم.","vol":"5","page":446},{"text":"ولا يجوز عندهم أن يظلل المحرم على رأسه، أو وجهه بعصًا فيها ثوب، فإن فعل افتدى. وفيه قول عندهم بعدم لزوم الفدية، وهو لحق. والحديث الذي قدمناه في التظليل على النبي  - ﷺ -  بثوب يقيه الحر، وهو يرمي جمرة العقبة يدل على ذلك، وعلى أنه جائز، فالسنة أولى بالاتباع. وأجاز المالكية للمحرم أن يرفع فوق رأسه شيئًا يقيه من المطر.\nواختلفوا في رفعه فوقه شيئًا يقيه من البرد. والأظهر الجواز، واللَّه أعلم؛ لدخوله في معنى الحديث المذكور؛ إذ لا فرق بين الأذى من البرد والحر والمطر. واللَّه أعلم. وبعضم يقول: إن الفدية المذكورة مندوبة لا واجبة. وما يذكره المالكية من أن من لم يجد الإِزار يكره له لبس السراويل، أو يمنع، وأن ذلك تلزم فيه الفدية خلاف التحقيق؛ للحديث المتقدم الذي قال فيه النبي  - ﷺ -: \"ومن لم يجد إزارًا فليلبس السراويل\" وهو حديث صحيح كما تقدم. وظاهره أن من لم يجد إزارًا فله لبس السراويل من غير إثم ولا فدية، إذ لو كانت الفدية تلزمه لبينه النبي  - ﷺ -؛ لأن البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه، ولا خلاف بين أهل العلم في الاستظلال بالخباء، والقبة المضروبة، والفسطاط، والشجرة، وأن يرمي عليها ثوبًا. وعن مالك منع إلقاء الثوب على الشجرة. وأجازه عبد الملك بن الماجشون قياسًا على الخيمة. وهو الأظهر.\nواعلم: أن الاستظلال بالثوب على العصا عندهم إذا فعله وهو سائر لا خلاف في منعه، ولزوم الفدية فيه، وإن فعله وهو نازل ففيه خلاف عندهم أشرنا له قريبًا. والحق الجواز مطلقًا؛ للحديث المذكور؛ لأن ما ثبتت فيه سنة عن رسول الله  - ﷺ -  لا يجوز العدول","vol":"5","page":447},{"text":"عنه إلى رأي مجتهد من المجتهدين ولو بلغ ما بلغ من العلم والعدالة؛ لأن سنَّته  - ﷺ -  حجة على كل أحد، وليس قول أحد حجة على سنته  - ﷺ - . وقد صح عن الأئمة الأربعة ﵏ أنهم كلهم قالوا: إذا وجدتم قولي يخالف كتابًا أو سنَّة فاضربوا بقولي الحائط، واتبعوا الكتاب والسنَّة.\nوقد قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني سلمة بن شبيب، حدثنا الحسن بن أعين، حدثنا معقل، عن زيد بن أبي أنيسة، عن يحيى بن حصين، عن جدته أم الحصين قال: سمعتها تقول: حججت مع رسول الله  - ﷺ -  حجة الوداع، فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف، وهو على راحلته، ومعه بلال، وأسامة، أحدهما يقود به راحلته، والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله  - ﷺ -  من الشمس. الحديث. وفي لفظ لمسلم، عن أم الحصين: فرأيت أسامة وبلالًا وأحدهما آخذ بخطام ناقة النبي  - ﷺ -، والآخر رافع ثوبه، يستره من الحر، حتى رمى جمرة العقبة. انتهى محل الغرض من صحيح مسلم. وهو نص صحيح صريح في جواز استظلال المحرم الراكب بثوب مرفوع فوقه يقيه حر الشمس. والنازل أحرى بهذا الحكم، عند المالكية من الراكب. وهذا الحديث الصحيح المرفوع لا يعارض بما روي من فعل عمر، وقول ابنه عبد الله ﵄ موقوفًا عليهما، ولا بحديث جابر الضعيف في منع استظلال المحرم. والعلم عند الله تعالى.\nويجوز عند المالكية: حمل المحرم زاده على رأسه في خرج أو جراب إن كان فقيرًا تدعوه الحاجة إلى ذلك، أما إن كان ذلك لبخله بأجرة الحمل، وهو غني، أو لأجل تجارة بالمحمول،","vol":"5","page":448},{"text":"فلا يجوز، وتلزم به الفدية عندهم. ويجوز عندهم إبدال ثوبه الذي أحرم فيه بثوب آخر، ويجوز عندهم بيعه ولو قصد بذلك الاستراحة من الهوام التي فيه، إلَّا أن ينقل الهوام من جسده، أو ثوبه الذي عليه إلى الثوب الذي يريد طرحه، فيكون ذلك كطرحه لها. قاله صاحب الطراز. ويكره للمحرم عند المالكية غسل ثوبه الذي أحرم فيه إلَّا لنجاسة فيه، فيجوز غسله بالماء فقط. وقال بعضهم: يجوز غسله بالماء أيضًا، لأجل الوسخ، فلا يختص الجواز بالنجاسة؛ لأن الوسخ مبيح لغسله بالماء على هذا القول. ولا يجوز للمحرم عندهم أن يغسل ثوب غيره خوف أن يقتل بغسله إياه بعض الدواب التي في الثوب. وقال بعضهم: فإن فعل افتدى. والظاهر أن محل ذلك فيما إذا لم يعلم أن الثوب ليس فيه شيء من الدواب، فإن علم ذلك فلا بأس بغسله، ولا شيء فيه إن كان ذلك لنجاسة، أو وسخ. واللَّه تعالى أعلم.\nويجوز عندهم: أن يعصب المحرم على جرحه خرقًا وتلزمه الفدية بذلك. وقال التونسي: وفي المدونة: صغير خرق التعصيب والربط ككبيرها. وروى محمد: رقعة قدر الدرهم كبيرة فيها الفدية. وظاهر قول خليل في مختصره المالكي: \"أو لصق خرقة كدرهم\" أن الخرقة التي هي أصغر من الدرهم لا شيء فيها. وقال شارحه الحطاب: انظر إذا كان به جروح متعددة، وألصق على كل واحد منها خرقة دون الدرهم، والمجموع كدرهم، أو أكثر. وظاهر ما في التوضيح، وابن الحاجب: أنه لا شيء عليه. انتهى. وسمع ابن القاسم: لا بأس، ولا فدية في جعل فرجه في خرقة عند النوم فإن لفها على ذكره لبول، أو مذي افتدى. انتهى بواسطة نقل المواق.","vol":"5","page":449},{"text":"ولا يجوز للمحرم عندهم: أن يجعل القطن في أذنيه، فإن فعل افتدى، لأن كشف الأذن واجب في الإِحرام، فلا يجوز تغطيتها بالقطن، وكذلك لو جعل على صدغه قرطاسًا تلزمه الفدية عندهم، سواء كان ذلك لعذر، أو لغير عذر. ولا يجوز عندهم عصب رأسه بعصابة، فإن فعل افتدى. ويكره عندهم لبس المصبوغ بغير طيب لمن يقتدى به خاصة دون غيره إذا كان لون الصبغ يشبه لون صبغ الطيب. ويكره عندهم شد نفقته بعضده، أو فخذه، أو ساقه، ولا فدية عليه في ذلك، وإن شد عضده، أو ساقه، أو فخذه بما يحيط به لغير نفقة أو لنفقة غيره افتدى. وإن شد نفقته، وجعل معها نفقة لغيره فلا بأس. فإن فرغت نفقته ألقى المنطقة ونحوها مما كان يشده لحفظها ورد نفقة غيره إلى ربها فورًا، وإن ترك ردها إليه افتدى. وإن ذهب صاحبها، وهو عالم افتدى، وإن لم يعلم فلا شيء عليه. انتهى من المواق. ويكره عند المالكية: كب المحرم وجهه على الوسادة، وبعضهم يقول بكراهة ذلك مطلقًا للمحرم وغيره. وهو الأظهر، ويكره عندهم غمس رأسه في الماء، وإن فعل ذلك أطعم شيئًا. قاله مالك في المدونة. ونقلناه بواسطة نقل المواق والحطاب. وعن بعضهم: أن إطعام الشيء المذكور مستحب لا واجب. وهذا في حق من له شعر يكون فيه القمل. أما من لا شعر له، ولا يكون فيه القمل فلا يكره غمس رأسه في الماء، ولا شيء عليه فيه. قاله اللخمي، وصاحب الطراز. انتهى بواسطة نقل الحطاب. وغسل الرأس لجنابة لا خلاف فيه. أما غسله لغير جنابة، بل للتبرد ونحوه ففيه عندهم قولان: بالجواز، والكراهة، والجواز أظهر. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"5","page":450},{"text":"ومذهب أبي حنيفة في هذه المسألة أنه إن لبس اللبس الحرام، ويدخل فيه تغطية الرأس كما تقدم لا يلزمه بذلك دم إلَّا إذا لبسه يومًا كاملًا؛ لأن اليوم الكامل مظنة الانتفاع باللبس من حر أو برد. وعن أبي يوسف: أنه إذا لبس أكثر من نصف يوم، فعليه دم. وهو قول أبي حنيفة الأول. وعن محمد: أنه إن لبسه في بعض اليوم يجب عليه من الدم بحسابه. اهـ. هذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة وصاحبيه في هذه المسألة.\nوقد قدمنا مرارًا أن مثل ذلك إن كان فعله لعذر ففيه عندهم فدية الأذى، وإن كان لغير عذر ففيه الدم. والعلم عند الله تعالى.\nوالظاهر: أن اختلافهم في القدر الذي تلزم به الفدية في اللبس الحرام من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. واللَّه تعالى أعلم.\nولو ارتدى بالقميص أو اتشح به، أو اتزر بالسراويل، فلا بأس، ولا يلزمه شيء عند الحنفية كما قدمنا عن غيرهم. وكذلك لو أدخل منكبيه في القباء، ولم يدخل يديه في الكمين، فلا شيء عليه عندهم خلافًا لزفر. وقد بينا حكم ذلك عند غيرهم. وعن أبي حنيفة: تغطية ربع الرأس كتغطية جميعه. وعن أبي يوسف: أنه يعتبر في ذلك الأكثر، ودوام لبس المخيط عندهم بعد الإِحرام كابتدائه، وهو كذلك عند غيرهم أيضًا.\nواعلم أن النووي قال في شرح المهذب: وله  - يعني: المحرم -  أن يتقلد المصحف، وحمائل السيف، وأن يشد الهميان، والمنطقة في وسطه، ويلبس الخاتم، ولا خلاف في جواز هذا كله. وهذا الذي ذكرناه في المنطقة والهميان مذهبنا، وبه قال العلماء كافة إلَّا ابن عمر في أصح الروايتين عنه، فكرههما، وبه قال نافع مولاه.","vol":"5","page":451},{"text":"وقد علمت أنا ناقشناه في كلامه وبيَّنا: أن مالكًا وأصحابه لا يجيزون شد المنطقة والهميان إلَّا تحت الإِزار مباشرًا جلده لخصوص النفقة، وأن شد الهميان فوق الإِزار فيه عندهم الفدية مطلقًا، وكذلك تحت الإِزار لغير حفظ النفقة، وأن الإِمام أحمد تلزم عنده الفدية في شد المنطقة لغير حفظ النفقة، أي: ولو كان لوجع بظهره، وسنتمم الكلام هنا. أما ما ذكره من أن لبس الخاتم لا خلاف في جوازه للمحرم، ففيه نظر أيضًا؛ لأن بعض العلماء يقول بمنع لبس المحرم الخاتم. والخلاف في جواز لبسه ومنعه معروف في مذهب مالك.\nقال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل في مختصره: مشبهًا على ما لا يجوز لبسه للمحرم: \"كخاتم\" ما نصه قال ابن الحاجب: وفي الخاتم قولان، فحملهما في التوضيح على الجواز والمنع. وقال اللخمي وابن رشد: المعروف من قول مالك منعه؛ لأنه أشبه بالإِحاطة بالإِصبع المحيط، وفي مختصر ما ليس في المختصر: لا بأس به. . . إلى أن قال: الذي يظهر أن القائل بالمنع يقول بالفدية، والقائل بالجواز يقول بسقوط الفدية. انتهى منه.\nثم قال: تنبيه: وهذا في حق الرجل، وأما المرأة فيجوز لها لبس الخاتم. اهـ.\nوبما ذكرنا تعلم أن قول النووي: \"ولا خلاف في جواز هذا كله\" فيه نظر. وأما تقلد حمائل السيف فعند المالكية إن كان لعذر يلجئه إلى ذلك فهو جائز له، ولا فدية فيه، فإن تقلده لغير حاجة فقد قال ابن المواز عن مالك: ينزعه ولا فدية عليه. انتهى بواسطة نقل المواق في كلامه على قول خليل في مختصره: \"ولا فدية في سيف","vol":"5","page":452},{"text":"ولو بلا عذر\". اهـ. وظاهر قوله: ينزعه أنه لا يجوز تقلد السيف اختيارًا عنده كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nوظاهر مذهب الإِمام أحمد: أنه لا يجوز للمحرم أن يتقلد السيف إلَّا لضرورة. وقال الخرقي: ويتقلد بالسيف عند الضرورة. وقال في المغني في شرحه لكلام الخرقي: فأما من غير خوف، فإن أحمد قال: لا إلَّا من ضرورة. انتهى محل الغرض منه.\nوقال البخاري في صحيحه في كتاب الحج: باب لبس السلاح للمحرم. وقال عكرمة: إذا خشي العدو لبس السلاح وافتدى، ولم يتابع عليه في الفدية.\nحدثنا عبيد الله، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء ﵁ \"اعتمر النبي  - ﷺ -  في ذي القعدة فأبى أهل مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قاضاهم لا يدخل مكة سلاحًا إلَّا في القراب\". اهـ منه.\nوقوله: ولم يتابع عليه في الفدية. يدل على أنه توبع في لبس السلاح للضرورة؛ لأن معنى قاضاهم: لا يدخل مكة سلاحًا إلّا في القراب، أنه صالح كفار مكة صلح الحديبية، أنه إن دخل معتمرًا عام سبع في ذي القعدة لا يدخل مكة السيوف إلَّا في أغمادها، والقراب غمد السيف، فدل ذلك على جواز دخول المحرم متقلدًا سيفه للخوف من العدو.\nوقال البخاري في صحيحه في باب عمرة القضاء: حدثني عبيد الله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق عن البراء ﵁ قال: \"لما اعتمر النبي  - ﷺ -  في ذي القعدة، فأبى أهل","vol":"5","page":453},{"text":"مكة أن يدعوه يدخل مكة، حتى قضاهم على أن يقيم بها ثلاثة أيام\" الحديث بطوله. وفيه فكتب \"هذا ما قاضى محمد بن عبد الله  - ﷺ -  لا يدخل مكة السلاح إلَّا السيف في القراب\" الحديث. وفي لفظ للبخاري في كتاب الصلح: \"لا يدخل قلة سلاح إلَّا في القراب\" وفي لفظ له في كتاب الصلح أيضًا: \"ولا يدخلها إلَّا بجلبان السلاح\" فسألوه ما جلبان السلاح؟ فقال: القراب بما فيه. والجلبان بضم الجيم واللام وتشديد الباء الموحدة بعدها ألف، ثم نون: هو قراب السيف. ويطلق على أوعية السلاح. ويروى بتسكين اللام، وتخفيف الباء، وهو شبه الجراب من الأدم يوضع فيه السيف مغمودًا.\nوقال صاحب اللسان: والقراب غمد السيف والسكين، ونحوهما، وجمعه قرب، أي: بضمتين. وفي صحاح الجوهري: قراب السيف: جفنه، وهو وعاء يكون فيه السيف بغمده، وحمالته. اهـ. والقراب ككتاب. ومن جمعه على قرب بضمتين قوله:\nيا ربّةَ البيت قومي غير صاغرة ... ضُمي إليك رحالَ القوم والقربا\nيعني: ضمي إليك رحالهم وسلاحهم في أوعيته.\nوبهذه الأحاديث: استدل بعض أهل العلم على أن الصحابة دخلوا مكة محرمين عام سبع وهم متقلدو سيوفهم في أغمادها، وأن ذلك لعلة خوفهم من المشركين، لأن الكفار لا يوثق بعهودهم.\nوقد علمت أن بعض أهل العلم قال: إن ذلك لا يجوز إلَّا لضرورة. واللَّه تعالى أعلم.\nوللمخالف أن يقول: إن الأحاديث المذكورة ليس فيها","vol":"5","page":454},{"text":"التصريح بأن النبي  - ﷺ -  وأصحابه تقلدوها. ويمكن أن يكونوا حملوا السلاح معهم في رحالهم في أوعيته من غير أن يتقلدوه. وعلى هذا الاحتمال فلا حجة في الأحاديث على تقلد المحرم حمائل السيف. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس عشر: قد بينا في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه أنه يمنع من الطيب، وسنذكر إن شاء الله في هذا الفرع ما يلزم في ذلك.\nاعلم: أن الأئمة الثلاثة: مالكًا، والشافعي، وأحمد: لا فرق عندهم بين أن يطيب جسده كله، أو عضوًا منه، أو أقل من عضو، فكل ذلك عندهم إن فعله قصدًا يأثم به، وتلزمه الفدية.\nوقال أبو حنيفة: لا تجب عليه الفدية إلَّا إذا طيب عضوًا كاملًا، مثل الرأس، والفخذ، والساق. فإن طيب أقل من عضو فعليه الصدقة، وهي عندهم نصف صاع من بر، أو صاع من غيره، كتمر وشعير. وقد قدمنا مرارًا أن مذهب أبي حنيفة: أنه إن فعل المحظور، كاللباس، والتطيب، لا لعذر، فعليه دم، وتجزئه شاة، وإن فعله لعذر فعليه فدية الأذى المذكورة في آية الفدية على التخيير. وإن أكل المحرم طيبًا كثيرًا لزمه الدم عند أبي حنيفة، وقال صاحباه محمد وأبو يوسف: تجب في ذلك الصدقة. وعن محمد أنه إن طيب أقل من عضو لزمه بحسبه من الدم، فإن طيب ثلث العضو فعليه ثلث دم مثلًا. وهكذا. وعن بعض الحنفية أنه إن طيب ربع عضو لزمه الدم كاملًا، كحلق ربع الرأس، فهو عندهم كحلق جميعه. وهذا خلاف المشهور في تطيب بعض العضو عندهم. وظاهر كلامهم أنه لو جعل طيبًا كثيرًا على بعض عضو فليس عليه إلَّا الصدقة. وصحح بعض","vol":"5","page":455},{"text":"الحنفية أنه إن كان الطيب قليلًا فالعبرة بالعضو، وإن كان كثيرًا فالعبرة بالطيب، وله وجه من النظر. وعن بعض الحنفية أن من مس طيبًا بأصبعه، فأصابها كلها فعليه دم. وعن أبي يوسف إن طيب شاربه كله أو بقدره من لحيته، أو رأسه فعليه دم. وعن بعض الحنفية أنه إن اكتحل بكحل مطيب فعليه صدقة، ومثله الأنف، فإن فعل ذلك مرارًا كثيرة فعليه دم. وفي مناسك الكرماني لو طيب جميع أعضائه فعليه دم واحد، لاتحاد الجنس، ولو كان الطيب في أعضاء متفرقة يجمع ذلك كله، فإن بلغ عضوًا فعليه دمٍ، وإلَّا فصدقة، ولو شم طيبًا فليس عليه شيء، وإن دخل بيتًا مجمرًا فليس عليه شيء، وإن أجمر ثوبه، فإن تعلق به كثيرًا، فعليه دم، وإلَّا فصدقة. اهـ. من تبيين الحقائق.\nوقال بعض الحنفية: إن طيب أعضاءه كلها في مجلس واحد فعليه دم واحد كما تقدم، وإن كان ذلك في مجلسين مختلفين، فعليه لكل واحد دم في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أولم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول، فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد، والاختلاف كالاختلاف في الجماع. اهـ.\nوأظهرها عندي قول محمد. والحناء عندهم طيب، فلو خضب رأسه بالحناء لزمه الدم. واستدلوا بحديث الحناء طيب. قالوا: رواه البيهقي. وسيأتي ما يدل على أن البيهقي رواه في المعرفة. وفي إسناده ابن لهيعة، وهو ضعيف. وقد روى البيهقي عن عائشة مرفوعًا = ما يدل على أن الحناء ليست بطيب. والعلم عند الله تعالى. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة وأصحابه في الطيب للمحرم.\nوأما مذهب مالك في الطيب للمحرم فحاصله: أن الطيب","vol":"5","page":456},{"text":"عندهم نوعان: مذكر ومؤنث، أما المذكر فهو ما يظهر ريحه، ويخفى أثره: كالريحان، والياسمين، والورد، والبنفسج ونحو ذلك.\nوأما المؤنث: فهو ما يظهر ريحه، ويبقى أثره: كالمسك، والورس، والزعفران، والكافور، والعنبر، والعود ونحو ذلك. فأما المذكر فيكره شمه والتطيب به، ولا فدية في مسه، والتطيب به. ولو غسل يديه بماء الورد فلا فدية عليه عندهم في ذلك؛ لأنه من الطيب المذكر، خلافًا لابن فرحون في مناسكه حيث قال: إن ماء الورد فيه الفدية؛ لأن أثره يبقى. وممن قال بأن الطيب المذكر لا فدية في استعماله: عثمان بن عفان، والحسن، ومجاهد، وإسحاق. وأما ما ينبت في الأرض من النبات الطيب الريح ولا يقصد التطيب به، كالشيح، والقيصوم، والزنجبيل، والإِذخر، فلا فدية فيه عندهم، فهو كريح الفواكه الطيبة كالتفاح والليمون، والأترج وسائر الفواكه. وبعض أهل العلم يكره شمه للمحرم، وإن خضب رأسه أو لحيته بحناء، أو خضبت المرأة رأسها، أو رجليها، أو طرف أصابعها بحناء فالفدية عندهم واجبة في ذلك. وأما مؤنث الطيب: كالمسك، والورس، والزعفران، فإن التطيب به عندهم حرام، وفيه الفدية.\nومعنى التطيب بالطيب عنده: إلصاقه بالثوب، أو باليد وغيرها من الأعضاء، ونحو ذلك، فإن علق به ريح الطيب دون عينه بجلوسه في حانوت عطار، أو في بيت تجمر ساكنوه، فلا فدية عليه عندهم مع كراهة تماديه في حانوت العطار، أو البيت الذي تجمر ساكنوه. هذا هو مشهور مذهب مالك. وإن مس الطيب المؤنث افتدى عندهم، وجد ريحه أو لا، لصق به أو لا، ويكره شم الطيب عندهم مطلقًا.","vol":"5","page":457},{"text":"وأظهر أقوال علماء المالكية في الثوب المصبوغ بالورس، والزعفوان إذا تقادم عهده، وطال زمنه حتى ذهبت ريحه بالكلية أنه مكروه للمحرم ما دام لون الصبغ باقيًا، ولكنه لا فدية فيه؛ لانقطاع ريحه بالكلية.\nوأقيس الأقوال أنه يجوز مطلقًا؛ لأن الرائحة الطيبة التي منع من أجلها زالت بالكلية. والعلم عند الله تعالى. وإن اكتحل عندهم بما فيه طيب فالفدية ولو لضرورة مع الجواز للضرورة، وبما لا طيب فيه فهو جائز للضرورة ولغيرها، فثلاثة أقوال مشهورها: وجوب الفدية على الرجل، والمرأة معًا، وقيل: لا تجب عليهما، وقيل: تجب على المرأة دون الرجل.\nوحاصل مذهب الإِمام أحمد في هذه المسألة: أن النبات الذي تستطاب رائحته على ثلاثة أضرب:\nأحدها: ما لا ينبت للطيب ولا يتخذ منه، كنبات الصحراء من الشيح، والقيصوم، والخزامي، والفواكه كلها من الأترج، والتفاح وغيره، وما ينبته الآدميون لغير قضد الطيب، كالحناء والعصفر، وهذا النوع مباح شمه في مذهب الإِمام أحمد، ولا فدية فيه.\nقال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا إلَّا ما روي عن ابن عمر أنه كان يكره للمحرم أن يشم شيئًا من نبات الأرض من الشيح والقيصوم وغيرهما قال: ولا نعلم أحدًا أوجب في ذلك شيئًا، فإنه لا يقصد للطيب، ولا يتخذ منه فأشبه سائر نبات الأرض. وقد روي أن أزواج رسول الله  - ﷺ -  كنّ يحرمن في المعصفرات.\nالنوع الثاني: ما ينبته الآدميون للطيب، ولا يتخذ منه","vol":"5","page":458},{"text":"طيب، كالريحان، والنرجس، ونحو ذلك، وفي هذا النوع للحنابلة وجهان:\nأحدهما: يباح بغير فدية كالذي قبله.\nقال في المغني: وبه قال عثمان بن عفان، وابن عباس، والحسن، ومجاهد، وإسحاق.\nوالوجه الثاني: يحرم شمه، فإن فعل فعليه الفدية.\nقال في المغني: وهو قول جابر، وابن عمر، والشافعي، وأبي ثور؛ لأنه يتخذ للطيب فأشبه الورد. وكرهه مالك، وأصحاب الرأي، ولم يوجبوا فيه شيئًا، وكلام أحمد فيه محتمل لهذا، فإنه قال في الريحان: ليس من آلة المحرم، ولم يذكر فديته، وذلك لأنه لا يتخذ منه طيب، فأشبه العصفر. اهـ من المغني.\nوالنوع الثالث عندهم: هو ما ينبت للطيب، ويتخذ منه طيب كالورد، والبنفسج، والياسمين، ونحو ذلك. وهذا النوع إذا استعمله، وشمه ففيه الفدية عندهم؛ لأن الفدية تجب فيما يتخذ منه، فكذلك في أصله. وعن أحمد رواية أخرى في الورد أنه لا فدية عليه في شمه؛ لأنه زهر كزهر سائر الشجر.\nقال في المغني: وذكر أبو الخطاب في هذا، والذي قبله روايتين والأولى: تحريمه؛ لأنه ينبت للطيب، ويتخذ منه، فأشبه الزعفران والعنبر. قال القاضي يقال: إن العنبر ثمر شجر وكذلك الكافور. اهـ من المغني.\nوفي المغني أيضًا: وإن مس من الطيب ما يعلق بيده كالغالية، وماء الورد، والمسك المسحوق الذي يعلق بأصابعه فعليه الفدية؛","vol":"5","page":459},{"text":"لأنه مستعمل للطيب، وإن مس ما لا يعلق بيده كالمسك غير المسحوق، وقطع الكافور، والعنبر فلا فدية، لأنه غير مستعمل للطيب، فإن شمه فعليه الفدية لأنه يستعمل هكذا، وإن شم العود فلا فدية عليه لأنه لا يتطيب به هكذا. اهـ من المغني.\nوقال في المغني أيضًا: فكل ما صبغ بزعفران، أو ورس، أو غمس في ماء ورد، أو بخر بعود، فليس للمحرم لبسه ولا الجلوس عليه، ولا النوم عليه. نص أحمد عليه، وذلك لأنه استعمال له، فأشبه لبسه، ومتى لبسه أو استعمله فعليه الفدية. وبذلك قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: إن كان رطبًا يلي بدنه أو يابسًا ينفض فعليه الفدية، وإلَّا فلا؛ لأنه ليس بمتطيب. ثم قال صاحب المغني: وإن انقطعت رائحة الثوب، لطول الزمن عليه، أو لكونه صبغ بغيره فغلب عليه بحيث لا يفوح له رائحة إذا رش فيه الماء فلا بأس باستعماله؛ لزوال الطيب منه. وبهذا قال سعيد بن المسيب، والحسن، والنخعي، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن عطاء، وطاوس، وكره ذلك مالك إلَّا أن يغسل، ويذهب. لونه؛ لأن عين الزعفران ونحوه فيه. ثم قال: فأما إن لم يكن له رائحة في الحال لكن كان بحيمسا إذا رش فيه الماء فاح ريحه ففيه الفدية؛ لأنه متطيب بدليل أن رائحته تظهر عند رش الماء فيه. والماء لا رائحة له، وإنما هي من الصبغ الذي فيه. فأما إن فرش فوق الثوب ثوبًا صفيقًا يمنع الرائحة والمباشرة فلا فدية عليه بالجلوس، والنوم عليه، وإن كان الحائل بينهما ثياب بدنه ففيه الفدية، لأنه يمنع من استعمال الطيب في الثوب الذي عليه كمنعه من استعماله في بدنه. اهـ من المغني.","vol":"5","page":460},{"text":"وأما العصفر: فليس عندهم بطيب، ولا بأس باستعماله، وشمه، ولا بما صبغ به.\nقال في المغني: وهذا قول جابر، وابن عمر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل بن أبي طالب. وهو مذهب الشافعي. وعن عائشة وأسماء، وأزواج النبي  - ﷺ -  أنهن كن يحرمن في المعصفرات.\nوكرهه مالك إذا كان ينتفض في بدنه، ولم يوجب فيه فدية. ومنع منه الثوري، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن وشبهوه بالمورس، والمزعفر؛ لأنه صبغ طيب الرائحة فأشبه ذلك. اهـ.\nوالأظهر: أن العصفر ليس بطيب مع أنه لا يجوز لبس المحرم، ولا غيره للمعصفر. وقد قدمنا فيه حديث ابن عمر، عند أبي داود \"أن النبي  - ﷺ -  نهى النساء في إحرامهن عن القفازين، والنقاب، وما مسه الورس، والزعفران من الثياب، وليلبسن بعد ذلك ما أحببن من ألوان الثياب من معصفر أو خز\" الحديث. وهو صريح في أن العصفر ليس بطيب. وقد قدمنا الكلام على هذا الحديث.\nوعن ابن عباس ﵄ قال: كان أزواج النبي  - ﷺ -  يختضبن بالحناء وهن محرمات، ويلبسن المعصفر وهنَّ محرمات.\nقال في مجمع الزوائد: رواه الطبراني في الكبير، وفيه يعقوب بن عطاء. وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة. اهـ. وسيأتي ما يدل على منع لبس المعصفر مطلقًا.\nوقال صاحب المغني أيضًا: ولا بأس بالمصبوغ بالمغرة؛ لأنه مصبوغ بطين لا بطيب، وكذلك المصبوغ بسائر الأصباغ سوى ما ذكرنا؛ لأن الأصل الإِباحة إلّا ما ورد الشرع بتحريمه، وما كان في","vol":"5","page":461},{"text":"معناه، وليس هذا كذلك. وأما المصبوغ بالرياحين فهو مبني على الرياحين في نفسها، فما منع المحرم من استعماله منع من لبس المصبوغ به إذا ظهرت رائحته، وإلَّا فلا. وهذا الذي ذكرنا هو حاصل مذهب الإِمام أحمد في الطيب للمحرم، ولا فرق عنده بين قليل الطيب وكثيره، ولا بين قليل اللبس وكثيره، كما تقدم إلَّا أنه يفرق بين تعمد استعمال الطيب، واللبس وبين استعماله لذلك ناسيًا، فإن فعله متعمدًا أثم وعليه الفدية، وإزالة الطيب، واللباس فورًا، وإن تطيب، أو لبس ناسيًا فلا فدية عليه، ويخلع اللباس، ويغسل الطيب.\nقال ابن قدامة في المغني: المشهور أن المتطيب ناسيًا، أو جاهلًا لا فدية عليه، وهو مذهب عطاء، والثوري، وإسحاق، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه. ثم ذكر أن الذي يستوي عمده ونسيانه في لزوم الكفارة ثلاثة أشياء: وهي الجماع، وقتل الصيد، وحلق الرأس، وأن كل ما سوى هذه الثلاثة يفرق بين العمد والنسيان. وذكر أن الإِمام أحمد نقل عن سفيان أن الثلاثة المذكورة يستوي عمدها ونسيانها في لزوم الكفارة.\nوقال في المغني: ويلزمه غسل الطيب، وخلع اللباس؛ لأنه فعل محظورًا، فيلزمه إزالته، وقطع استدامته كسائر المحظورات، والمستحب أن يستعين في غسل الطيب بحلال؛ لئلا يباشر المحرم الطيب بنفسه. ويجوز أن يليه بنفسه، ولا شيء عليه؛ لأن النبي  - ﷺ -  قال للذي رأى عليه طيبًا أو خلوقًا: \"اغسل عنك الطيب\" ولأنه تارك له، فإن لم يجد ما يغسله به مسحه بخرقة، أو حكه بتراب، أو ورق أو حشيش؛ لأن الذي عليه إزالته بحسب القدرة، وهذا نهاية قدرته ثم قال: وإذا احتاج إلى الوضوء، وغسل الطيب، ومعه ماء لا يكفي","vol":"5","page":462},{"text":"إلَّا أحدهما قدم غسل الطيب، ويتيمم للحدث؛ لأنه لا رخصة في إبقاء الطيب، وفي ترك الوضوء إلى التيمم رخصة. فإن قدر على قطع رائحة الطيب بغير الماء فعل، وتوضأ، فإن المقصود من إزالة الطيب قطع رائحته، فلا يتعين الماء، والوضوء بخلافه. اهـ منه. وهذا خلاصة المذهب الحنبلي في مسألة الطيب للمحرم.\nومذهب الشافعي في هذه المسألة: أنه يحرم على الرجل والمرأة استعمال الطيب، ولا فرق عنده بين القليل والكثير، واستعمال الطيب عنده: هو أن يلصق الطيب ببدنه، أو ملبوسه على الوجه المعتاد في ذلك الطيب. فلو طيب جزءًا من بدنه بغالية، أو مسك مسحوق، أو ماء ورد لزمته الفدية، سواء كان الإِلصاق بظاهر البدن، أو باطنه، فإن أكله أو احتقن به، أو استعط، أو اكتحل أو لطخ به رأسه، أو وجهه أو غير ذلك من بدنه أثم، ولزمته الفدية، ولا خلاف عندهم في شيء من ذلك إلَّا الحقنة والسعوط، ففيهما وجه ضعيف أنه لا فدية فيهما. ومشور مذهب الشافعي: وجوب الفدية فيهما، ولو لبس ثوبًا مبخرًا بالطيب، أو ثوبًا مصبوغًا بالطيب، أو علق بنعله طيب، لزمته الفدية عند الشافعية ولو عبقت رائحة الطيب دون عينه بأن جلس في دكان عطار أو عند الكعبة، وهي تبخر، أو في بيت يبخر ساكنوه فلا فدية عليه بلا خلاف. ثم إن لم يقصد الموضع لاشتمام الرائحة، لم يكره، وإن قصده لاشتمامها ففي كراهته قولان للشافعي: أصحهما: يكره، وبه قطع القاضي أبو الطيب، وآخرون، وهو نصه في الإِملاء. والثاني: لا يكره، وقطع القاضي حسين بالكراهة، وقال: إنما القولان في وجوب الفدية، والمذهب الأول، وبه قطع الأكثرون. قاله النووي، ثم قال:","vol":"5","page":463},{"text":"ولو احتوى على مجمرة فتبخر بالعود بدنه أو ثيابه لزمته الفدية بلا خلاف؛ لأنه يعد استعمالًا للطيب، ولو مس طيبًا يابسًا كالمسك والكافور، فإن علق بيده لونه وريحه وجبت الفدية بلا خلاف؛ لأن استعماله هكذا يكون، وإن لم يعلق بيده شيء من عينه، لكن عبقت به الرائحة، ففي وجوب الفدية قولان: الأصح عند الأكثرين وهو نصه في الأوسط: لا تجب، لأنها عن مجاورة، فأشبه من قعد عند الكعبة، وهو تبخر، والثاني: تجب. وصححه القاضي أبو الطيب. وهو نصه في الأم والإِملاء والقديم؛ لأنها عن مباشرة، وإن ظن أن الطيب يابس فمسه، فعلق بيده ففي الفدية عند الشافعية قولان: أصحهما: لا تجب عليه الفدية، خلافًا لإِمام الحرمين. وأما إن مس الطيب، وهو عالم بأنه رطب وكان قاصدًا مسه، فعلق بيده، فعليه فدية عندهم، ولو شد مسكًا أو كافورًا، أو عنبرًا في طرف ثوبه أو جبته: وجبت الفدية عندهم قطعًا؛ لأنه استعمال له، ولو شد العود فلا فدية؛ لأنه لا يعد تطيبًا، بخلاف شد المسك، ولو شم الورد فقد تطيب عندهم، بخلاف ما لو شم ماء الورد، فإنه لا يكون متطيبًا عندهم، بل استعمال ماء الورد عندهم هو أن يصبه على بدنه أو ثوبه ولو حمل مسكًا، أو طيبًا غيره في كيس، أو خرقة مشدودًا، أو قارورة مصممة الرأس، أو حمل الورد في وعاء فلا فدية عليه. نص عليه في الأم، وقطع به الجمهور. وفيه وجه شاذ: أنه إن كان يشمه قصدًا لزمته الفدية، ولو حمل مسكًا في قارورة غير مشقوقة فلا فدية في أصح الوجهين. ولو كانت القارورة مشقوقة، أو مفتوحة الرأس، فعن جماعة من الأصحاب الشافعيين تجب الفدية. وخالف الرافعي قائلًا: إن ذلك لا يعد تطيبًا. ولو جلس على فراش مطيب","vol":"5","page":464},{"text":"أو أرض مطيبة، أو نام عليها مفضيًا إليها ببدنه، أو ملبوسه لزمته الفدية عندهم. ولو فرش فوقه ثوبًا، ثم جلس عليه، أو نام لم تجب الفدية. نص عليه الشافعي في الأم. واتفق عليه الأصحاب، لكن إن كان الثوب رقيقًا كره، وإلَّا فلا. ولو داس بنعله طيبًا لزمته الفدية، وإن خفيت رائحة الطيب في الثوب لطول الزمان، فإن كانت تفوح عند رشه بالماء حرم استعماله، وإن بقي لون الطيب دون ريحه، لم يحرم على أصح الوجهين. ولو صب ماء ورد في ماء كثير، حتى ذهب ريحه ولونه لم تجب الفدية باستعماله في أصح الوجهين. فلو ذهبت الرائحة وبقي اللون، أو الطعم فحكمه عندهم حكم من أكل طعامًا فيه زعفران أو طيب. وذلك أن الطيب إن استهلك في الطعام، حتى ذهب لونه، وريحه وطعمه فلا فدية. ولا خلاف في ذلك عندهم، وإن ظهر لونه وطعمه وريحه، وجبت الفدية بلا خلاف. وإن بقيت الرائحة فقط وجبت الفدية لأنه يعد طيبًا. وإن بقي اللون وحده، فطريقان مشهوران أصحهما: أن فيه قولين الأصح منهما: أنه لا فدية فيه، وهو نص الشافعي في الأم والإِملاء والقديم. الثاني: تجب الفدية، وهو نصه في الأوسط. والطريق الثاني: أنه لا فدية فيه قطعًا، وإن بقي الطعم وحده ففيه عندهم ثلاث طرق أصحها: وجوب الفدية قطعًا كالرائحة. والثاني: فيه طريقان بلزومها وعدمه، والثالث: لا فدية. وهذا ضعيف أو غلط. وحكى بعض الشافعية طريقًا رابعًا: وهو أنه لا فدية قطعًا. ولو كان المحرم أخشم لا يجد رائحة الطيب، واستعمل الطيب لزمته الفدية عندهم بلا خلاف لأنه وجد منه استعمال الطيب مع علمه بتحريم الطيب على المحرم فوجبت الفدية وإن لم ينتفع به، كما لو نتف شعر لحيته أو غيرها من","vol":"5","page":465},{"text":"شعوره التي لا ينفعه نتفها. قال النووي: وممن صرح بهذا المتولي، وصاحب العدة، والبيان. اهـ.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لزوم الفدية للأخشم الذي لا يجد ريح الطيب إذا استعمل الطيب مبني على قاعدة هي: أن المعلل بالمظان لا يتخلف بتخلف حكمته؛ لأن مناط الحكم مظنة وجود حكمة العلة، فلو تخلفت في صورة لم يمنع ذلك من لزوم الحكم، كمن كان منزله على البحر، وقطع مسافة القصر في لحظة في سفينة، فإنه يباح له قصر الصلاة والفطر في رمضان بسفره هذا الذي لا مشقة فيه؛ لأن الحكم الذي هو الرخصة علق بمظنة المشقة في الغالب، وهو سفر أربعة برد مثلًا، والمعلل بالمظان لا تتخلف أحكامه بتخلف حكمها في بعض الصور، كما عقده بعض أهل العلم بقوله:\nإن علل الحكم بعلة غلب ... وجودها اكتفى بذا عن الطلب\nلها بكل صورة. . . إلخ\nوإيضاحه: أن الغالب كون الإِنسان يجد ريح الطيب، فأنيط الحكم بالأغلب الذي هو وجوده ريح الطيب، فلو خلفت الحكمة في الأخشم الذي لا يجد ريح الطيب لم يتخلف الحكم لإِناطته بالمظنة. وقد أوضحنا هذه المسألة وأكثرنا من أمثلتها في غير هذا الموضع.\nوقد تقرر في الأصول: أن وجود الحكم مع تخلف حكمته من أنواع القادح المسمى بالكسر. وقد أشار إلى ذلك صاحب المراقي بقوله في مبحث القوادح:\nوالكسر قادح ومنه ذكرا ... تخلف الحكمة عنه من درا","vol":"5","page":466},{"text":"وهذا الذي قورنا في مسألة الأخشم مبني على القول بأن الكسر بتخلف الحكمة عن حكمها لا يقدح في المعلل بالمظان، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم: أن الحكمة في اصطلاح أهل الأصول: هي الفائدة التي صار بسببها الوصف علة للحكم، فتحريم الخمر مثلًا حكم، والإِسكار هو علة هذا الحكم، والمحافظة على العقل من الاختلال: هي الحكمة التي من أجلها صار الإِسكار علة لتحريم الخمر. وقد عرف صاحب المراقي الحكمة بقوله:\nوهي التي من أجلها الوصف جرى ... علة حكم عند كل من درى\nوعلة الرخصة بقصر الصلاة والإِفطار في رمضان: هي السفر، والحكمة التي صار السفر علة بسببها: هي تخفيف المشقة على المسافر مثلًا، وهكذا.\nواعلم: أن علماء الشافعية قالوا: إنه يشترط في الطيب الذي يحكم بتحريمه أن يكون معظم الغرض منه التطيب، واتخاذ الطيب منه، أو يظهر فيه هذا الغرض. هذا ضابطه عندهم.\nثم فصلوه فقالوا: الأصل في الطيب: المسك، والعنبر، والكافور، والعود، والصندل، والذريرة. وهذا كله لا خلاف فيه عندهم. قالوا: والكافور صمغ شجر معروف.\nوأما النبات الذي له رائحة فأنواع:\nمنها: ما يطلب للتطيب، واتخاذ الطيب منه كالورد، والياسمين، والخيري، والزعفران، والورس ونحوها، فكل هذا","vol":"5","page":467},{"text":"طيب. وعن الرافعي وجه شاذ في الورد والياسمين والخيري: أنها ليست طيبًا والمذهب الأول.\nومنها: ما يطلب للأكل والتداوي غالبًا، كالقرنفل والدارصيني، والفلفل، والمصطكى، والسنبل وسائر الفواكه، كل هذا وشبهه ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه سواء قليله وكثيره، ولا خلاف عند الشافعية في شيء من هذا إلَّا القرنفل، ففيه وجهان عندهم. والصحيح المشهور أنه ليس بطيب عندهم.\nومنها: ما ينبت بنفسه، ولا يراد للطيب كنور أشجار الفواكه كالتفاح، والمشمش، والكمثرى، والسفرجل، وكالشيح، والقيصوم، وشقائق النعمان، والإِذخر، والخزامى، وسائر أزهار البراري، فكل هذا ليس بطيب، فيجوز أكله وشمه، وصبغ الثوب به، ولا فدية فيه بلا خلاف\nومنها: ما يتطيب به، ولا يتخذ منه الطيب: كالنرجس، والآس، وسائر الرياحين. وفي هذا النوع عند الشافعية طريقان.\nأحدهما: أنه طيب قولًا واحدًا.\nوالطريق الثاني: وهو الصحيح المشهور عندهم: أن فيه قولين مشهورين، الصحيح منهما  - وهو قوله الجديد -  أنه طيب موجب للفدية. القول الثاني وهو القديم: أنه ليس بطيب، ولا فدية فيه. اهـ. والحناء والعصفر ليسا بطيب عند الشافعية بلا خلاف على التحقيق، خلافًا لمن زعم خلافًا عندهم في الحناء.\nواعلم: أن الأدهان عند الشافعية ضربان: أحدهما: دهن ليس","vol":"5","page":468},{"text":"بطيب، ولا فيه طيب، كالزيت، والشيرج، والسمن، والزبد، ودهن الجوز، واللوز ونحوها. فهذا لا يحرم استعماله في جميع البدن، ولا فدية فيه، إلَّا في الرأس، واللحية، فيحرم عندهم استعماله فيهما بلا خلاف، وفيه: الفدية؛ لأنه إزالة للشعث إن كان في الرأس واللحية، فإن كان أصلع لا ينبت الشعر في رأسه فدهن رأسه، أو أمرد فدهن ذقنه فلا فدية عندهم في ذلك بلا خلاف، وإن كان محلوق الرأس فدهنه بما ذكر، ففيه عندهم وجهان: أصحهما: وجوب الفدية بناء على أن الشعر إن نبت جمّله ذلك الدهن، الذي جعل عليه وهو محلوق. والوجه الثاني: لا فدية؛ لأنه لا يزول به شعث. واختاره المزني وغيره. ولو كان برأسه شجة فجعل هذا الدهن في داخلها من غير أن يمس شعر رأسه فلا فدية بلا خلاف. ولو طلى شعر رأسه ولحيته بلبن جاز ولا فدية وإن كان اللبن يستخرج منه السمن؛ لأنه ليس بدهن، ولا يحصل به ترجيل الشعر، والشحم، والشمع عندهم إذا أذيبا كالدهن يحرم على المحرم ترجيل شعره بهما.\nالضرب الثاني: دهن هو طيب، ومنه: دهن الورد، والمذهب عندهم وجوب الفدية فيه. وقيل فيه وجهان. ومنه دهن البنفسج، فعلى القول بأن نفس البنفسج لا فدية فيه، فدهنه أولى، وعلى أن فيه الفدية، فدهنه كدهن الورد. والأدهان كثيرة، وخلاف العلماء فيها من الخلاف في تحقيق المناط كدهن البان والزنبق، وهو دهن الياسمين، والكاذي وهو دهن، ونبت طيب الرائحة، والخيري وهو معرب، وهو نبت طيب الرائحة، ويقال للنحاسي: خيري البر. ومذهب الشافعي: أن الأدهان المذكورة، ونحوها طيب، تجب باستعماله الفدية.","vol":"5","page":469},{"text":"واعلم: أن محل وجوب الفدية عند الشافعية في الطيب: إذا كان استعمله عامدًا، فإن كان ناسيًا أو ألقته الريح عليه لزمته المبادرة بإزالته بما يقطع ريحه. وكون الأولى أن يستعين في غسله بحلال، وتقديمه غسله على الوضوء إن لم يكف الماء إلَّا أحدهما عند الشافعية موافق لما قدمنا عن الحنابلة، بخلاف غسل النجاسة، فهو مقدم عندهم على غسل الطيب. ولو لصق بالمحرم طيب يوجب الفدية لزمه المبادرة إلى إزإلته، فإن أخره عصى. ولا تتكرر به الفدية والاكتحال عندهم بما فيه طيب حرام، فإن احتاج إليه اكتحل به ولزمته الفدية.\nوأما الاكتحال بما لا طيب فيه، فإن كان فيه زينة كره عندهم، كالإِثمد، وإن كان بما لا زينة فيه كالتوتيا الأبيض فلا كراهة.\nوقال النووي بعد أن ذكر الإِجماع على تحريم الطيب للمحرم: ومذهبنا أنه لا فرق بين أن يتبخر، أو يجعله في ثوبه، أو بدنه، وسواء كان الثوب مما ينغض الطيب، أم لم يكن.\nقال العبدري: وبه قال أكثر العلماء.\nوقال أبو حنيفة: يجوز للمحرم أن يتبخر بالعود، والند، ولا يجوز أن يجعل شيئًا من الطيب في بدنه، ويجوز أن يجعله على ظاهر ثوبه، فإن جعله في باطنه، وكان الثوب لا ينغض، فلا شيء عليه، وإن كان ينغض لزمته الفدية. اهـ منه.\nوالظاهر المنع مطلقًا لصريح الحديث الصحيح في النهي عن ثوب مسه ورس، أو زعفران، وكل هذه الصور يصدق فيها: أنه مسه ورس أو زعفران. وغيرهما من أنواع الطيب حكمه كحكمهما، كما","vol":"5","page":470},{"text":"أوضحنا الأحاديث الدالة عليه في أول الكلام في هذه المسألة التي هي مسألة ما يمتنع على المحرم بسبب إحرامه، وكذلك المتبخر بالعود متطيب عرفًا. والأحاديث دالة على اجتناب المحرم للطيب كما تقدم. والعلم عند الله تعالى.\nوقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا: أن الزيت، والشيرج، والسمن، والزبد ونحوها من الأدهان غير المطيبة لا يحرم على المحرم استعمالها في بدنه، ويحرم عليه في شعر رأسه ولحيته.\nوقال الحسن بن صالح: يجوز استعمال ذلك في بدنه وشعر رأسه ولحيته.\nوقال مالك: لا يجوز أن يدهن بها أعضاءه الظاهرة كالوجه، واليدين، والرجلين، ويجوز دهن الباطنة، وهي ما يوارى باللباس.\nوقال أبو حنيفة كقولنا في السمن والزبد، وخالفنا في الزيت والشيرج فقال: يحرم استعمالها في الرأس والبدن.\nوقال أحمد: إن ادهن بزيت أو شيرج فلا فدية في أصح الروايتين، سواء دهن يديه أو رأسه.\nوقال داود: يجوز دهن رأسه، ولحيته، وبدنه بدهن غير مطيب.\nوحجة من قال بهذا حديث جاء بذلك: فقد قال البيهقي في السنن الكبرى: أخبرنا أبو طاهر الفقيه، وأبو سعيد بن أبي عمرو قراءة عليهما، وأبو محمد عبد الله بن يوسف الأصبهاني إملاء قالوا: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، أنبأ","vol":"5","page":471},{"text":"أبو سلمة الخزاعي، أنبأ حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس \"أن النبي  - ﷺ -  ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم\" يعني غير مطيب، لم يذكر ابن يوسف تفسيره.\nقال الإِمام أحمد: ورواه الأسود بن عامر شاذان، عن حماد بن سلمة، عن فرقد، عن سعيد، عن ابن عمر فذكره من غير تفسير. اهـ منه. ثم ذكر بإسناده عن أبي ذر ﵁: أنه مرَّ عليه قوم محرمون، وقد تشققت أرجلهم فقال: ادهنوها. وفرقد المذكور في سند هذا الحديث، وهو فرقد بن يعقوب السبخي بفتح السين المهملة والباء الموحدة وبخاء معجمة: أبو يعقوب البصري، وهو معروف بالزهد والعبادة، ولكنه ضعفه غير واحد. وقال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق عابد، لكنه ليَّن الحديث كثير الخطأ. وقال النووي في شرح المهذب: واحتج أصحابنا بحديث فرقد السبخي الزاهد ﵀، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄ \"أن رسول الله  - ﷺ -  ادهن بزيت غير مقتت وهو محرم\" رواه الترمذي والبيهقي، وهو ضعيف. وفرقد غير قوي عند المحدثين. قال الترمذي: هو ضعيف غريب، لا يعرف إلَّا من حديث فرقد، وقد تكلم فيه يحيى بن سعيد. وقوله: غير مقتت، أي: غير مطيب. انتهى محل الغرض منه.\nوفي القاموس: وزيت مقتت طبخ بالرياحين، أو خلط بأدهان طيبة.\nواحتجاج الشافعية بهذا الحديث الذي ذكرنا على جواز دهن جميع البدن غير الرأس واللحية بالزيت والسمن ونحوهما فيه أمران:","vol":"5","page":472},{"text":"الأول: أن الحديث ضعيف لا يصلح للاحتجاج، لضعف فرقد المذكور.\nوالثاني: أنه على تقدير صحة الاحتجاج به فظاهره عدم الفرق بين الرأس واللحية وبين سائر البدن؛ لأن الادهان فيه مطلق غير مقيد بما سوى الرأس واللحية. اهـ.\nوحجة من منع الادهان بغير الطيب؛ لأنه يزيل الشعث الحديث الذي فيه \"انظروا إلى عبادي جاءوا شعثًا غبرًا\" وهو مشهور، وفيه دليل على أنه لا ينبغي إزالة الشعث، ولا التنظيف. واللَّه أعلم.\nوقال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمع العلماء على أن للمحرم أن يأكل الزيت والشحم والسمن. قال: وأجمع عوام أهل العلم على أنه له دهن بدنه بالزيت والشحم والشيرج والسمن. قال: وأجمعوا على أنه ممنوع من حيث استعمال الطيب في جميع بدنه.\nوقال النووي أيضًا: الحناء ليس بطيب عندنا كما سبق، ولا فدية، وبه قال مالك، وأحمد وداود. وقد قدمنا أن الخضاب بالحناء يوجب الفدية عند المالكية. ثم قال النووي: وقال أبو حنيفة: هو طيب يوجب الفدية، وإذا لبس ثوبًا معصفرًا فلا فدية. والعصفر ليس بطيب. هذا مذهبنا، وبه قال أحمد، وداود. وحكاه ابن المنذر عن ابن عمر، وجابر، وعبد الله بن جعفر، وعقيل ابن أبي طالب، وعائشة، وأسماء، وعطاء. قال: وكرهه عمر بن الخطاب. وممن تبعه الثوري، ومالك، ومحمد بن الحسن، وأبو ثور، وقال أبو حنيفة: إن نفض على البدن: وجبت الفدية، وإلَّا وجبت صدقة. انتهى محل الغرض منه.","vol":"5","page":473},{"text":"وقال النووي أيضًا: ذكرنا أن مذهبنا في تحريم الرياحين قولان: الأصح تحريمها، ووجوب الفدية، وبه قال ابن عمر، وجابر، والثوري، ومالك، وأبو ثور، وأبو حنيفة، إلَّا أن مالكًا، وأبا حنيفة يقولان: يحرم ولا فدية.\nقال ابن المنذر: واختلف في الفدية، عن عطاء، وأحمد. وممن جوزه وقال: هو حلال لا فدية فيه عثمان، وابن عباس، والحسن البصري، ومجاهد، وإسحاق. قال العبدري: وهو قول أكثر الفقهاء.\nوقال النووي أيضًا: قد ذكرنا أن مذهبنا: جواز جلوس المحرم عند العطار، ولا فدية فيه. وبه قال ابن المنذر. قال: وأوجب عطاء فيه الفدية، وكره ذلك مالك. انتهى منه.\nواعلم: أن المحرم عند الشافعية إذا فعل شيئًا من محظورات الإِحرام ناسيًا أو جاهلًا، فإن كان إتلافًا كقتل الصيد والحلق والقلم، فالمذهب وجوب الفدية، وفيه خلاف ضعيف. وإن كان استمتاعًا محضًا كالتطيب، واللباس، ودهن الرأس، واللحية، والقبلة، وسائر مقدمات الجماع فلا فدية، وإن جامع ناسيًا أو جاهلًا فلا فدية في الأصح أيضًا. قال النووي: وبهذا قال عطاء، والثوري، وإسحاق وداود. وقال مالك، وأبو حنيفة، والمزني وأحمد في أصح الروايتين عنه: عليه الفدية، وقاسوه على قتل الصيد.\nوقد قدمنا حكم المجامع ناسيًا وأقوال الأئمة فيه. هذا هو حاصل كلام العلماء من الصحابة ومن بعدهم، ومنهم الأئمة الأربعة في مسألة الطيب. وقد علمت من النقول التي ذكرنا عن الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار ما اتفقوا عليه، وما اختلفوا فيه.","vol":"5","page":474},{"text":"واعلم: أنهم مجمعون على منع الطيب للمحرم في الجملة إلَّا أنهم اختلفوا في أشياء كثيرة اختلافًا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط، فيقول بعضهم مثلًا: الريحان والياسمين، كلاهما طيب فمناط تحريمها على المحرم موجود، وهو كونهما طيبًا، فيخالفه الآخر، ويقول: مناط التحريم ليس موجودًا فيهما؛ لأنهما لا يتخذ منهما الطيب، فليسا بطيب. وهكذا.\nواعلم: أنهم متفقون على لزوم الفدية في استعمال الطيب، ولا دليل من كتاب ولا سنَّة على أن من استعمل الطيب، وهو محرم يلزمه فدية، ولكنهم قاسوا الطيب على حلق الرأس المنصوص على الفدية فيه إن وقع لعذر في آية ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوأظهر أقوال أهل العلم: أن الفدية اللازمة كفدية الأذى، وهي على التخيير المذكور في الآية؛ لأنها هي حكم الأصل المقيس عليه، والمقرر في الأصول أنه لا بدَّ من اتفاق الفرع المقيس، والأصل المقيس عليه في الحكم، وذلك هو مذهب أبي حنيفة إن كان التطيب، أو اللبس لعذر؛ لأن الآية نزلت في العذر وقد قدمنا أنه هو الصحيح من مذهب الشافعي مطلقًا كان لعذر أو غيره، وهو أيضًا مذهب مالك وأحمد.\nفتحصل: أن مذاهب الأئمة الأربعة متفقون على أن فدية الطيب، وتغطية الرأس، واللبس، وتقليم الأظافر، كفدية حلق الرأس المنصوصة في آية الفدية. وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى. وقدمنا الأقوال المخالفة لهذا المذهب الصحيح المشهور عند الأربعة. وقد بينا أنه مقتضى الأصول، لوجوب","vol":"5","page":475},{"text":"اتفاق الأصل والفرع في الحكم. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيهان (^١)\nالأول: في ذكر أشياء مما ذكر وردت فيها نصوص، وتفصيل ذلك.\nفمن ذلك المُعَصفر، وقد رأيت في النقول التي ذكرنا كثرة من قال من أهل العلم بأنه ليس بطيب، وأنه لا بأس بلبس المحرم له. وقد قدمنا فيه حديث أبي داود المصرح بأنه لا بأس بلبس النساء له وهن محرمات، وفيه ابن إسحاق، وقد صرَّح فيه بالسماع، فعلم أنه لم يدلس فيه إلى آخر ما قدمنا فيه. والظاهر بحسب الدليل: أن المعصفر لا يجوز لبسه وإن جوزه كثير من أجلَّاء العلماء من الصحابة، ومن بعدهم؛ لأن السنَّة الثابتة عن النبي  - ﷺ -  أحق بالاتباع.\nوقد قال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا معاذ بن هشام، حدثني أبي، عن يحيى، حدثني محمد بن إبراهيم بن الحارث أن ابن معدان أخبره أن عبد الله بن عمرو بن العاص أخبره قال: \"رأى رسول الله  - ﷺ -  عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: إن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها\". اهـ.\nوابن معدان المذكور: هو خالد كما ثبت في صحيح مسلم بعد الحديث المذكور مباشرةً، وفي لفظ لمسلم بإسنادٍ غير الأول، عن عبد الله بن عمرو قال: \"رأى النبي  - ﷺ -  عليَّ ثوبين معصفرين، فقال: أأمك أمرتك بهذا؟ قلت: أغسلهما؟ قال: بل أحرقهما\".\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا يحيى بن يحيى،\n_________\n(^١) كذا، ولم يذكر إلا التنبيه الأول.","vol":"5","page":476},{"text":"قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب ﵁ \"أن رسول الله  - ﷺ -: نهى عن لبس القسي، والمعصفر، وعن تختم الذهب وعن قراءة القرآن في الركوع\" وفي لفظ لمسلم، عن علي ﵁ \"نهاني النبي  - ﷺ -  عن القراءة، وأنا راكع، وعن لبس الذهب، والمعصفر\" وفي لفظ لمسلم عنه أيضًا ﵁ \"نهاني رسول الله  - ﷺ -  عن التختم بالذهب، وعن لباس القسي، وعن القراءة في الركوع والسجود، وعن لباس المعصفر\". اهـ منه.\nفهذا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وغيره عن صحابيين جليلين، وهما علي، وعبد الله بن عمرو بن العاص ﵃، صريح في منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن قوله  - ﷺ -  في حديث عبد الله بن عمرو \"إنهما من ثياب الكفار فلا تلبسهما\" صريح في منع لبسهما؛ لأن النهي يقتضي التحريم كما تقرر في الأصول، ويؤيد ذلك هنا أنه رتب النهي عنها على أنها من ثياب الكفار. وهذا دليل واضح على منع لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره. وكذلك قوله  - ﷺ -  في حديث عبد الله بن عمرو: \"بل أحرقهما\" فهو دليل واضح على منع لبسهما؛ لأن لبس الجائز لبسه لا يستوجب الإِحراق بحال، فهو نص في منع المعصفر مطلقًا. وقول علي ﵁ \"نهى رسول الله  - ﷺ -  عن لبس القسي والمعصفر، وعن تختم الذهب\" الحديث دليل أيضًا على منع لبس المعصفر مطلقًا؛ لأن النهي يقتضي التحريم إلّا لدليل صارف عنه، وليس موجودًا. ويؤيده أنه قرنه بالتختم بالذهب، وهو ممنوع. وما زعمه بعض أهل العلم من أن رواية علي المذكورة آنفًا في مسلم \"نهاني رسول الله  - ﷺ - \" تدل على","vol":"5","page":477},{"text":"اختصاص هذا الحكم بعلي؛ لأنه قال: نهاني بياء المتكلم في الرواية المذكورة، مردود من ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنه  - ﷺ -  بين في حديث ابن عمرو عموم هذا الحكم، حيث قال لعبد الله: \"إن هذا من ثياب الكفار فلا تلبسها\" وهذا صريح في عدم اختصاص هذا الحكم بعلي ﵁.\nالوجه الثاني: أنه ثبت في صحيح مسلم، عن علي ﵁ \"أن رسول الله  - ﷺ -  نهى عن لبس القسي، والمعصفر وعن تختم الذهب\" بحذف مفعول نهى، وحذف المفعول في ذلك يدل على عموم الحكم على التحقيق، كما حرره القرافي في شرح التنقيح من أن مثل نهى  - ﷺ -  عن كذا صيغة عموم بما لا يدع مجالًا للشك. وممن انتصر لذلك: ابن الحاجب وغيره، واختاره الفهري.\nوالحاصل: أن التحقيق في مثل نهي  - ﷺ -  عن بيع الغرر، وقضى بالشفعة، وقضى بالشاهد واليمين، ونحو ذلك أنه يعم كل غرر، وكل شفعة، وكل شاهد ويمين وإن خالف في ذلك كثير من الأصوليين، كما حررنا أدلة الفريقين، وناقشناها في غير هذا الموضع.\nالوجه الثالث: أن رواية \"نهاني\" التي احتج بها مدعي اختصاص هذا الحكم بعلي تدل أيضًا على عموم الحكم؛ لأن خطاب النبي  - ﷺ -  لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة؛ لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه، وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على عموم الحكم؟ لخلاف في حال، لا لخلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من الشافعية، والمالكية","vol":"5","page":478},{"text":"وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم؛ لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم، ولكن أهل هذا القول موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، لكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس. أما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي والنص، كقوله  - ﷺ -  في مبايعة النساء: \"إني لا أصافح النساء\"، و\"ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة\".\nقالوا: ومن أدلة ذلك الحديث \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\".\nقال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله  - ﷺ -  في مبايعة النساء: \"إني لا أصافح النساء\" وساق الحديث كما ذكرناه.\nوقال صاحب \"كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس\": \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\"، وفي لفظ: \"كحكمي على الجماعة\"، ليس له أصل بهذا اللفظ، كما قال العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي لا يعرف. وسئل عنه المزي، والذهبي فأنكراه. نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي \"ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة\" ولفظ الترمذي \"إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" وهو من","vol":"5","page":479},{"text":"الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها، لثبوتها على شرطهما.\nوقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: \"حكمي على الجماعة\"، لا يعرف له أصل، إلى آخره قريبًا مما ذكرنا عنه. اهـ.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد، وقيل: عمتها. واسم أبيها بجاد  - بموحدة، ثم جيم -  ابن عبد الله بن عمير التيمي تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في المراقي بقوله:\nخطاب واحد لغير الحنبليّ ... من غير رعي النص والقيس الجليّ\nوبهذا كله تعلم أن التحقيق منع لبس المعصفر. وظاهر النصوص الإِطلاق، أي: سواء كان في الإِحرام، أو غيره كما رأيت. وجمع بعض العلماء بين الأحاديث التي ذكرناها في صحيح مسلم، الدالة على منع لبس المعصفر مطلقًا، وبين حديث أبي داود المتقدم الدال على إباحته للنساء في الإِحرام بان أحاديث المنع إنما هي بالنسبة للرجال، وحديث الجواز بالنسبة إلى النساء، فيكون ممنوعًا للرجال جائزًا للنساء، وتتفق الأحاديث.\nوممن اعتمد هذا الجمع الترمذي في سننه حيث قال: باب ما جاء في كراهة المعصفر للرجال: حدثنا قتيبة، ثنا مالك بن أنس، عن نافع، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه، عن علي ﵁ قال: \"نهى رسول الله  - ﷺ -  عن لبس القسي والمعصفر\" وفي الباب عن أنس، وعبد الله بن عمرو. وحديث علي حديث حسن صحيح.","vol":"5","page":480},{"text":"انتهى منه. فتراه في ترجمة الحديث جعله خاصًا بالرجال، وهو عين الجمع الذي ذكرنا. وأشار النووي في شرح مسلم: إلى أن الجمع المذكور يشير إليه الحديث الصحيح عند مسلم، وذلك في قوله  - أعني النووي -: قوله  - ﷺ -: \"أأمك أمرتك بهذا\" معناه: أن هذا من لباس النساء، وزيهن، وأخلاقهن. انتهى محل الغرض منه.\nوتفسيره للحديث: يدل على أن الحديث فيه تحريم المعصفر على الرجال دون النساء.\nويدل لهذا الجمع ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا عيسى بن يونس، ثنا هشام بن الغاز، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده قال: هبطنا مع رسول الله  - ﷺ -  من ثنية فالتفت إلي وعليَّ ريطة مضرجة بالعصفر فقال: \"ما هذه الريطة عليك\" فعرفت ما كره فأتيت أهلي، وهم يسجرون تنورًا لهم فقذفتها فيه، ثم أتيته من الغد فقال: \"يا عبد الله ما فعلت الريطة؟ \" فأخبرته فقال: \"ألا كسوتها بعض أهلك فإنه لا بأس به للنساء\". اهـ من سنن أبي داود، وهو صريح في الجمع المذكور. وهذا الإِسناد لا يقل عن درجة الحسن. وهذا الحديث أخرجه ابن ماجه: حدثنا أبو بكر، ثنا عيسى بن يونس، عن هشام بن الغاز إلى آخر الإِسناد، ثم قال: أقبلنا مع رسول الله  - ﷺ -  من ثنية أذاخر، فالتفت إلي وعليَّ ريطة إلى آخر الحديث. كلفظ أبي داود. اهـ.\nوجمع الخطابي بين الأحاديث بأن النهي فيما صبغ من الثياب بعد النسج، وأن الإِباحة منصرفة إلى ما صبغ غزله، ثم نسج. نقل هذا الجمع النووي في شرح مسلم عن الخطابي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الجمع فيه نظر؛ لأنه","vol":"5","page":481},{"text":"تحكم. والظاهر أن العصفر ليس بطيب، فأبيح للنساء، ومنع للرجال، كالحرير وخاتم الذهب. واللَّه تعالى أعلم.\nفاتضح أن الظاهر بحسب الدليل أن المعصفر لا يحل لبسه للرجال، ويحل للنساء، لأن ظاهر أحاديث النهي عن العموم، وكونه من ثياب الكفار قرينة على التعميم إلَّا أن أحاديث النهي تخصص بالأحاديث المتقدمة المصرحة بجوازه للنساء، كحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده عند أبي داود، وابن ماجه، وحديث الترمذي، وما فسر به النووي حديث مسلم، وحديث أبي داود المتقدم الذي فيه ابن إسحاق، وكونه من ثياب الكفار: لا ينافي أن ذلك بالنسبة للرجال، دون النساء، كما قال في الذهب والفضة والديباج والحرير \"إنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة\" مع إباحتها للنساء.\nوالذين أباحوا لبس المعصفر للرجال والنساء معًا، احتجوا بما ذكره النووي في شرح مسلم قال: ثبت أن النبي  - ﷺ -  لبس حلة حمراء.\nوفي الصحيحين عن ابن عمر ﵄ قال: \"رأيت النبي  - ﷺ -  يصبغ بالصفرة\". اهـ منه فانظره.\nوالذين منعوه للرجال دون النساء استدلوا بالأحاديث المذكورة المصرحة بإباحته للنساء، وعضدوا الأحاديث المذكورة بآثار عن الصحابة ﵃. فمن ذلك ما رواه مالك في الموطأ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أمه أسماء بنت أبي بكر ﵄: أنها كانت تلبس الثياب المعصفرات المشبعات، وهي محرمة ليس فيها زعفران. انتهى محل الغرض منه.","vol":"5","page":482},{"text":"وقال شارحه الزرقاني: وكذلك جاء عن أختها. روي سعيد بن منصور، عن القاسم بن محمد قال: كانت عائشة ﵂، تلبس الثياب المعصفرة، وهي محرمة. إسناده صحيح انتهى منه.\nوروي البيهقي بإسناده، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر نحو رواية مالك في الموطأ عنها ثم قال: هكذا رواه مالك. وخالفه أبو أسامة، وحاتم بن إسماعيل، وابن نمير فرووه عن هشام، عن فاطمة، عن أسماء. قاله مسلم بن الحجاج. انتهى من السنن الكبرى.\nوقال البيهقي: وروينا عن نافع أن نساء ابن عمر كنَّ يلبسن المعصفر، وهن محرمات، ثم ذكر عن أبي داود في المراسيل: أن مكحولًا قال: جاءت امرأة إلى رسول الله  - ﷺ -  بثوب مشبع بعصفر، فقالت: يا رسول الله إني أريد الحج، فأحرم في هذا قال: \"لك غيره؟ قالت: لا. قال: فاحرمي فيه\" ثم ساق سنده به إلى أبي داود، وذكر بسنده عن جابر أنه قال: \"لا تلبس المرأة ثياب الطيب، وتلبس الثياب المعصفرة، لا أرى المعصفر طيبًا\" وروي البيهقي بسنده عن عائشة ﵂ أنها كانت تلبس الثياب الموردة بالعصفر الخفيف وهي محرمة. وقد قدمنا حديث ابن عباس عند الطبراني في الكبير قال: كان أزواج النبي  - ﷺ -  يختضبن بالحناء، وهن محرمات، ويلبسن المعصفر، وهن محرمات. وفي إسناده يعقوب بن عطاء. قال في مجمع الزوائد: وثقه ابن حبان، وضعفه جماعة.\nوقال أبو داود في سننه: حدثنا زهير بن حرب، ثنا يحيى بن أبي بكير، ثنا إبراهيم بن طهمان، حدثني بديل، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة، عن أم سلمة زوج النبي  - ﷺ -، عن","vol":"5","page":483},{"text":"النبي  - ﷺ -، أنه قال: \"المتوفى عنها زوجها لا تلبس المعصفر من الثياب ولا الممشقة ولا الحلي ولا تختضب\". اهـ منه، وهذا الإِسناد صحيح كما ترى.\nوقال صاحب الجوهر النقي في حاشيته على سنن البيهقي لما أشار إلى حديث أبي داود هذا: وفيه دليل على أن العصفر طيب، ولذلك نهيت عن المعصفر، إذ لو كان النهي لكونه زينة نهيت عن ثوب العصب؛ لأنه في الزينة فوق المعصفر، والعصب برود اليمن يعصب غزلها، أي: تطوى، ثم تصنع مصبوغًا، ثم تنسج.\nوفي الصحيحين: أنه  - ﷺ -  استثنى من المنع ثوب العصب، والشافعية خالفت هذا الحديث.\nقال النووي: الأصح عندنا تحريم العصب مطلقًا، والحديث حجة لمن أجازه. وقال أيضًا: الأصح أنه يجوز لها لبس الحرير. انتهى منه.\nوفي صحيح مسلم من حديث أم عطية، في المتوفى عنها زوجها \"ولا تلبس ثوبًا مصنوعًا إلَّا ثوب عصب، ولا تكتحل ولا تمس طيبًا\" الحديث.\nوفي صحيح البخاري من حديث أم عطية قالت: كنا ننهى أن نحد على ميت فوق ثلاث إلَّا على زوج. الحديث. وفيه \"ولا تكتحل ولا تطيب ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلَّا ثوب عصب\" الحديث.\nوالممشقة في حديث أم سلمة المذكور هي المصبوغة بالمشق بالكسر والفتح وهو المغرة. والعصفر بالضم نبات يصبغ به، وبزره هو القرطم.","vol":"5","page":484},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن منع المتوفى عنها زوجها من لبس المعصفر المذكور ليس لكونه طيبًا، كما ظنه صاحب الجوهر النقي، بدليل الأحاديث الدالة على المنع منه في غير الإِحرام، مع جواز الطيب لغير المحرم. والأظهر أن المنع منه للزينة، وهي محرمة على المتوفى عنها زوجها، دون غيرها من النساء. والعلم عند الله تعالى.\nولا يتعين كون العصب فوقه في الزينة؛ لأن المتوفى عنها زوجها ممنوعة في العدة من الطيب، والتزين، فإباحة العصب لها تدل على ضعف مرتبته في الزينة. واللَّه تعالى أعلم.\nومن ذلك الحناء قد قدمنا اختلاف العلماء فيها، هل هي طيب أو لا؟ وقد قدمنا آثارًا تدل على أنها ليست بطيب. وقدمنا حديث ابن عباس عند الطبراني أن أزواج النبي كن يختضبن بالحناء، وهن محرمات. وقد قدمنا أن في إسناده يعقوب بن عطاء. وقد روى البيهقي بإسناده في السنن الكبرى عن عائشة ﵂ أنها قيل لها: ما تقولين في الحناء والخضاب؟ قالت: كان خليلي لا يحب ريحه. ثم قال البيهقي: فيه كالدلالة على أن الحناء ليس بطيب \"فقد كان رسول الله  - ﷺ -  يحب الطيب، ولا يحب ريح الحناء\". اهـ منه.\nوهذا حاصل مستند من قال: إن الحناء ليس بطيب.\nوقال صاحب الجوهر النقي  - بعد أن ذكر كلام البيهقي الذي ذكرنا -: وقد ورد عنه  - ﷺ -  خلاف هذا. قال أبو عمر في التمهيد: ذكر ابن بكير عن ابن لهيعة، عن بكير بن الأشج، عن خولة بنت حكيم، عن أمها أن النبي  - ﷺ -  قال لأم سلمة: \"لا تطيبي، وأنت","vol":"5","page":485},{"text":"محد، ولا تمسي الحناء فإنه طيب\" وأخرجه البيهقي في كتاب المعرفة من هذا الوجه.\nوقد عد أبو حنيفة الدينوري وغيره: من أهل اللغة: الحناء من أنواع الطيب. وقال الهروي في الغريبين: وفي الحديث \"سيد رياحين الجنة الفاغية\" قال الأصمعي: هو نور الحناء. وفي الحديث أيضًا عن أنس: كان النبي  - ﷺ -  يعجبه الفاغية انتهى منه. وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإِلباس: وقال النجم: وعند الطبراني، والبيهقي، وأبي نعيم في الطب عن بريدة \"سيد الإِدام في الدنيا والآخرة اللحم، وسيد الشراب في الدنيا والآخرة الماء، وسيد الرياحين في الدنيا والآخرة الفاغية\". انتهى محل الحاجة منه. وقال ابن الأثير في النهاية فيه: \"سيد رياحين الجنة الفاغية\" هي نور الحناء وقيل: نور الريحان. وقيل: نور كل نبت من أنوار الصحراء التي لا تزرع. وقيل: فاغية كل نبت نوره، ومنه: حديث أنس كان رسول الله  - ﷺ -  تعجبة الفاغية. اهـ.\nوفي القاموس: والفاغية نور الحناء، أو يغرس غصن الحناء مقلوبًا فيثمر زهرًا أطيب من الحناء، فذلك الفاغية. اهـ محل الغرض منه. ولا يخفى أن الحناء لم يثبت فيه شيء مرفوع، وأكثر أنواع الطيب لم تثبت في خصوصها نصوص.\nومنها: ما ثبت بالنص كالزعفران، والورس، كما تقدم إيضاحه، وكالذريرة، والمسك كما سيأتي إن شاء الله. وقد قدمنا أن الذي اختلف فيه أهل العلم من الأنواع: هل هو طيب، أو ليس بطيب؟ أن ذلك من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":486},{"text":"الفرع السادس عشر: اعلم أن العلماء اختلفوا في التطيب عند إرادة الإِحرام قبله بحيث يبقى أثر الطيب، وريحه، أو عينه بعد التلبس بالإِحرام، هل يجوز ذلك؛ لأنه وقت الطيب غير محرم، والدوام على الطيب ليس كابتدائه كالنكاح عند من يمنعه في حال الإِحرام، مع إباحة الدوام على نكاح معقود قبل الإِحرام، أو لا يجوز ذلك؛ لأن وجود ريح الطيب، أو عينه، أو أثره في المحرم بعد إحرامه كابتدائه للتطيب، ولأنه متلبس حال الإِحرام بالطيب، مع أن الطيب منهي عنه في الإِحرام. فقال جماهير من أهل العلم: إن الطيب عند إرادة الإِحرام مستحب.\nقال النووي في شرح المهذب: قد ذكرنا أن مذهبنا استحبابه. وبه قال جمهور العلماء من السلف والخلف والمحدثين والفقهاء، منهم سعد بن أبي وقاص، وابن عباس، وابن الزبير، ومعاوية، وعائشة، وأم حبيبة، وأبو حنيفة، والثوري، وأبو يوسف، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر، وداود وغيرهم. اهـ.\nوقال النووي في شرح مسلم: وبه قال خلائق من الصحابة والتابعين، وجماهير الفقهاء والمحدثين، منهم: سعد بن أبي وقاص، وابن عباس إلى آخره، كما في شرح المهذب.\nوقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: ويتطيب: وجملة ذلك أنه يستحب لمن أراد الإِحرام أن يتطيب في بدنه خاصة، ولا فرق بين ما يبقى عينه كالمسك والغالية، أو أثره كالعود والبخور، وماء الورد هذا قول ابن عباس، وابن الزبير، وسعد بن أبي وقاص وعائشة، وأم حبيبة، ومعاوية. وروي عن محمد بن الحنفية،","vol":"5","page":487},{"text":"وأبي سعيد الخدري، وعروة، والقاسم، والشعبي وابن جريج. اهـ محل الغرض منه.\nوقال جماعة آخرون من أهل العلم: لا يجوز التطيب عند إرادة الإحرام، فإن فعل ذلك لزمه غسله حتى يذهب أثره وريحه. وهذا هو مذهب مالك.\nوقال النووي في شرح مسلم: وقال آخرون بمنعه، منهم: الزهري، ومالك، ومحمد بن الحسن. وحكي أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ.\nوقال في شرح المهذب: وقال عطاء، والزهري، ومحمد بن الحسن: يكره.\nقال القاضي عياض: وحكى أيضًا عن جماعة من الصحابة والتابعين. اهـ.\nوقال ابن قدامة في المغني: وكان عطاء يكره ذلك. وهو قول مالك، وروى ذلك عن عمر، وعثمان، وابن عمر ﵁. اهـ.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، فهذه أدلتهم ومناقشتها وما يظهر رجحانه بالدليل منها.\nأما الذين منعوا ذلك، فقد احتجوا بحديث يعلى بن أمية التميمي ﵁، وهو متفق عليه.\nقال البخاري في صحيحه، قال أبو عاصم: أخبرنا ابن جريج، أخبرني عطاء: أن صفوان بن يعلي أخبره: أن يعلى قال لعمر ﵁: أرني النبي  - ﷺ -  حين يوحي إليه؟ قال: فبينما النبي  - ﷺ -  بالجعرانة، ومعه نفر من أصحابه، جاء رجل فقال: يا رسول الله  - ﷺ -","vol":"5","page":488},{"text":"كيف ترى في رجل أحرم بعمرة، وهو متضمخ بطيب؟ فسكت النبي  - ﷺ -  ساعة، فجاء الوحي فأشار عمر ﵁ إلى يعلى، فجاء يعلى، وعلى رسول الله  - ﷺ -  ثوب، قد أظل به، فأدخل رأسه فإذا رسول الله  - ﷺ -  محمّر الوجه، وهو يغط، ثم سرى عنه فقال: \"أين الذي سأل عن العمرة فأوتي برجل فقال: اغسل الطيب الذي بك ثلاث مرات، وانزع عنك الجبة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك\" قلت لعطاء: أراد الإِنقاء حين أمره أن يغسل ثلاث مرات؟ قال: نعم. اهـ. من صحيح البخاري.\nقالوا: فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي  - ﷺ -  بغسل الطيب الذي تضمح به قبل الإِحرام، وأمر بإنقائه كما قاله عطاء. ولا شك أن هذا الحديث يقتضي أن الطيب في بدنه إذ لو كان في الجبة دون البدن لكفى نزع الجبة كما ترى، خلافًا لما توهمه ترجمة الحديث الذي ترجمه بها البخاري: وهي قوله: باب غسل الخلوق ثلاث مرات من الثياب.\nوقول البخاري في أول هذا الإِسناد: قال أبو عاصم: قد قدمنا الكلام على مثله مستوفى وبيننا أنه صحيح سواء قلنا: إنه موصول كما هو الصحيح، أو معلق؛ لأنه أورده بصيغة الجزم.\nوقال البخاري أيضًا في صحيحه: في أبواب العمرة: حدثنا أبو نعيم، حدثنا همام، حدثنا عطاء قال: حدثني صفوان بن يعلى بن أمية  - يعني عن أبيه -: أن رجلًا أتى النبي  - ﷺ -، وهو بالجعرانة، وعليه جبة، وعليه أثر الخلوق، أو قال: صفرة، فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ فأنزل الله على النبي  - ﷺ -  فستر بثوب، وودت أني رأيت النبي  - ﷺ -، وقد أنزل عليه الوحي فقال عمر: تعال أيسرك","vol":"5","page":489},{"text":"أن تنظر إلى النبي  - ﷺ -، وقد أنزل الله الوحي؟ قلت: نعم، فرفع طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط  - وأحسبه قال: كغطيط البكر -  فلما سري عنه قال: \"أين السائل عن العمرة: اخلع عنك الجبة، واغسل أثر الخلوق عنك، وأنق الصفرة، واصنع في عمرتك كما تصنع في حجتك\". اهـ.\nوقوله في هذا الحديث: \"اخلع عنك الجبة واغسل أثر الخلوق وأنق الصفرة\" صريح في أن غسل ذلك وإنقاءه من بدنه لأن ما في الجبة من الخلوق، والصفرة يزول بخلعها كما ترى.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا همام، حدثنا عطاء ابن أبي رباح، عن صفوان بن يعلى بن أمية، عن أبيه ﵁ قال: \"جاء رجل إلى النبي  - ﷺ -  وهو بالجعرانة عليه جبة، وعليها خلوق، أو قال: أثر صفرة. فقال: كيف تأمرني أن أصنع في عمرتي؟ قال: وأنزل على النبي  - ﷺ -  الوحي، فستر بثوب، وكان يعلى يقول: وددت أن أرى النبي  - ﷺ -، وقد نزل عليه الوحي قال: فقال: أيسرك أن تنظر إلى النبي  - ﷺ -، وقد أنزل عليه الوحي؟ قال: فرفع عمر طرف الثوب، فنظرت إليه له غطيط. قال: وأحسبه قال: كغطيط البكر. قال: فلما سري عنه قال: أين السائل عن العمرة: اغسل عنك أثر الصفرة، أو قال: أثر الخلوق، واخلع عنك جبتك، واصنع في عمرتك ما أنت صانع في حجك\".\nوفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى قال: أتى النبي  - ﷺ -  رجل، وهو بالجعرانة، وأنا عند النبي  - ﷺ -، وعليه مقطعات، يعني جبة، وهو متضمخ بالخلوق فقال: إني أحرمت بالعمرة، وعلى هذا، وأنا متضمخ بخلوق، فقال النبي  - ﷺ -: \"ما كنت صانعًا في حجك؟","vol":"5","page":490},{"text":"قال: أنزع عني هذه الثياب، وأغسل عني هذا الخلوق، فقال له النبي  - ﷺ -: ما كنت صانعًا في حجك فاصنعه في عمرتك\". وفي لفظ في صحيح مسلم، عن يعلى فقال النبي  - ﷺ -: \"أما الطيب الذي بك فاغسله ثلاث مرات، وأما الجبة فانزعها، ثم اصنع في عمرتك ما تصنع في حجك\" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى ﵁ \"أن رجلًا أتى النبي  - ﷺ -  وهو بالجعرانة قد أهل بالعمرة، وهو مصفر لحيته ورأسه، وعليه جبة، فقال: يا رسول الله: إني أحرمت بعمرة، وأنا كما ترى فقال: انزع عنك الجبة، واغسل عنك الصفرة، وما كنت صانعًا في حجك، فاصنعه في عمرتك\" وفي لفظ في صحيح مسلم عن يعلى أيضًا فقال: \"انزع عنك جبتك، واغسل أثر الخلوق الذي بك، وافعل في عمرتك ما كنت فاعلًا في حجك\" انتهى من صحيح مسلم.\nقالوا: فهذه الروايات الصحيحة عن النبي  - ﷺ -  فيها التصريح بأن من تضمخ بالطيب قبل إحرامه لا يجوز له الدوام على ذلك، بل يجب غسله ثلاثًا، وإنقاؤه، ولا شك أن بعض الروايات الصحيحة التي أوردنا صريحة في ذلك. وهذا هو حجة مالك ومن ذكرنا معه من أهل العلم في وجوب إزالة المحرم الطيب الذي تلبس به قبل إحرامه.\nوروى مالك في الموطأ عن حميد بن قيس، عن عطاء بن أبي رباح \"أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله  - ﷺ -، وهو بحنين، وعلى الأعرابي قميص، وبه أثر صفرة فقال: يا رسول الله إني أهللت بعمرة فكيف تأمرني أن أصنع؟ فقال له رسول الله  - ﷺ -: انزع قميصك، واغسل هذه الصفرة عنك، وافعل في عمرتك ما تفعل في حجتك\". اهـ.","vol":"5","page":491},{"text":"والذين قالوا بهذا قالوا: يعتضد حديث يعلى المتفق عليه ببعض الآثار الواردة، عن بعض الصحابة ﵃، كما أشرنا إليه غير بعيد. وقد روى مالك في الموطأ، عن نافع، عن أسلم مولى عمر بن الخطاب أن عمر بن الخطاب ﵁ وجد ريح طيب، وهو بالشجرة، فقال: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال معاوية بن أبي سفيان: مني يا أمير المؤمنين، فقال: منك لعمر الله، فقال معاوية: أن أم حبيبة طيبتني يا أمير المؤمنين، فقال عمر: عزمت عليك لترجعن فلتغسلنه.\nوروى مالك في الموطأ عن الصلت بن زيد عن غير واحد من أهله أن عمر بن الخطاب ﵁، وجد ريح طيب وهو بالشجرة، وإلى جنبه كثير بن الصلت، فقال عمر: ممن ريح هذا الطيب؟ فقال كثير: مني يا أمير المؤمنين، لبدت رأسي، وأردت ألا أحلق فقال عمر: فاذهب إلى شربة فادلك رأسك، حتى تنقيه، ففعل كثير بن الصلت. قال مالك: الشربة حفير تكون عند أصل النخلة. انتهى من الموطأ.\nقالوا: ففعل هذا الخليفة الراشد في زمن خلافته مطابق لما تضمنه حديث يعلى بن أمية المتفق عليه، فتبين بذلك أنه غير منسوخ. وذكر الزرقاني في شرح الموطأ: أن عمر أنكر أيضًا على البراء بن عازب، وقال: إنه رواه ابن أبي شيبة عن بشير بن يسار، كما أنكر على معاوية، وكثير المذكورين. قال: فهذا عمر قد أنكر على صحابيين، وتابعي كبير الطيب بمحضر الجمع الكثير من الناس صحابة وغيرهم، وما أنكر عليه منهم أحد، فهو من أقوى الأدلة على تأويل حديث عائشة. ثم ذكر عن وكيع، عن شعبة، عن سعد","vol":"5","page":492},{"text":"ابن إبراهيم، عن أبيه: أن عثمان رأى رجلًا قد تطيب عند الإِحرام، فأمره أن يغسل رأسه بطين. اهـ.\nوقد ثبت في صحيح مسلم عن ابن عمر: أن محمد بن المنتشر سأله عن الرجل يتطيب، ثم يصبح محرمًا، فقال: ما أحب أن أصبح محرمًا أنضخ طيبًا؛ لأن أطلى بقطران أحب إلي من أن أفعل ذلك. هذا لفظ مسلم في صحيحه. وفيه بعده رد عائشة على ابن عمر كما سيأتي إن شاء الله تعالى.\nفحديث يعلى المتفق عليه، والآثار التي ذكرنا عن بعض الصحابة، ومنها ما لم نذكره هو حجة مالك، ومن ذكرنا معه في منع التطيب قبل الإِحرام، ووجوب غسله، وإنقائه إن فعل ذلك، ولا فدية فيه عندهم مطلقًا. وذكر بعضهم: أن المشهور عن مالك: الكراهة، لا التحريم.\nواحتج الجمهور القائلون باستحباب التطيب عند الإِحرام بما رواه الشيخان وغيرهما عن عائشة ﵂، وبعض الآثار الدالة على ذلك عن بعض الصحابة ﵃.\nقال البخاري في \"صحيحه\": حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂، زوج النبي  - ﷺ -  قالت: \"كنت أُطيِّب رسول الله  - ﷺ -  لإِحرامه، حين يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت\". وفي \"صحيح البخاري\" قبل هذا الحديث متصلًا به من طريق الأسود، عن عائشة ﵂ قالت: \"كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله  - ﷺ -، وهو محرم\". وقد ذكرنا هذا الحديث في الكلام على التحلل الأول.","vol":"5","page":493},{"text":"وقال البخاري ﵀ في \"صحيحه\": حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا عبد الرحمن بن القاسم: أنه سمع أباه وكان أفضل أهل زمانه يقول: سمعت عائشة ﵂ تقول: \"طيبت رسول الله  - ﷺ -  بيدي هاتين، حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف\"، وبسطت يديها. اهـ منه.\nوقال مسلم ﵀ في \"صحيحه\": حدثنا محمد بن عباد أخبرنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: \"طيبت رسول الله  - ﷺ -  لحرمه، حين أحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت\". وفي لفظ لمسلمٍ عنها من طريق القاسم بن محمد قالت: \"طيبت رسول الله  - ﷺ -  بيدي، لحرمه حين أحرم، ولحله حين أحل، قبل أن يطوف بالبيت\". وفي لفظ عند مسلم عنها قالت: \"كنت أطيب رسول الله  - ﷺ -  لإِحرامه قبل أن يحرم، ولحله قبل أن يطوف بالبيت\". وفي لفظ عنها عند مسلم قالت: \"طيبت رسول الله  - ﷺ -  بيدي بذريرة في حجة الوداع، للحل والإِحرام\".\nوفي \"النهاية\": الذريرة نوع من الطيب مجموع من أخلاط. وقال السيوطي في \"تلخيصه للنهاية\": وقيل: هي فتات قصب.\nوقال النووي في \"شرح مسلم\": هي فتات قصب طيب يجاء به من الهند. وقد قدمنا في سورة الأنعام أن الذريرة قصب يجاء به من الهند كقصب النشاب أحمر يتداوى به.\nوفي لفظ عند مسلم أيضًا، عن عروة قال: سألت عائشة ﵂ بأي شيء طيبت رسول الله  - ﷺ -  عند إحرامه؟ قالت: بأطيب الطيب، وفي لفظ: بأطيب ما أقدر عليه، قبل أن يحرم، ثم يحرم. وفي لفظ: بأطيب ما وجدت. وفي لفظ عنها قالت: كأني","vol":"5","page":494},{"text":"أنظر إلى وبيص الطيب في مفرق رسول الله  - ﷺ -، وهو محرم، وفي لفظ عنها قالت: لكأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله  - ﷺ -  وهو يهل. وفي لفظ: وهو يلبّي. والألفاظ المماثلة لهذا متعددة في \"صحيح مسلم\" عنها ﵂، وفي لفظ عنها قالت: \"كان رسول الله  - ﷺ -  إذا أراد أن يحرم، يتطيب بأطيب ما يجد، ثم أرى وبيص الدهن في رأسه ولحيته، وفي لفظ عنها قالت: \"كنت أطيب رسول الله  - ﷺ -  قبل أن يحرم، ويوم النحر، قبل أن يطوف بالبيت بطيب فيه مسك\". وفي \"صحيح مسلم\": أن عائشة لما بلغها قول ابن عمر المتقدم: لأن أطلى بقطران أحب إليَّ من أن أفعل ذلك، قالت: \"أنا طيبت رسول الله  - ﷺ -  عند إحرامه، ثم طاف في نسائه، ثم أصبح محرمًا\". اهـ. كل هذه الألفاظ في \"صحيح مسلم\". قالوا: فهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان، عن أم المؤمنين عائشة ﵂، دليل صحيح صريح في مشروعية الطيب قبل الإحرام، وإن كان أثره باقيًا بعد الإِحرام، بل ولو بقي عينه وريحه؛ لأَن رؤيتها وبيص الطيب في مفارقه  - ﷺ -، وهو محرم صريح في ذلك، قالوا: وقد وردت آثار عن بعض الصحابة بذلك، تدل على عدم خصوصية ذلك برسول الله  - ﷺ - .\nقال صاحب \"نصب الراية\": وقيل: إن ذلك من خواصه  - ﷺ -، وفيه نظر، فقد رئي ابن عباس محرمًا، وعلى رأسه مثل الرب من الغالية. وقال مسلم بن صبيح: رأيت ابن الزبير، وهو محرم، وفي رأسه ولحيته من الطيب ما لو كان لرجل أعد منه رأس مال. انتهى منه.\nفهذا الحديث، وهذه الآثار: حجة من قال بالتطيب قبل الإِحرام ولو كان الطيب يبقى بعد الإِحرام.","vol":"5","page":495},{"text":"وإذا عرفت أقوال أهل العلم وحججهم في هذه المسألة فهذه مناقشة أقوالهم: اعلم أن المالكية، ومن وافقهم أجابوا عن حديث عائشة المذكور، بأجوبة:\nمنها: أنهم حملوه على أنه تطيب، ثم اغتسل بعده، فذهب الطيب قبل الإِحرام قالوا: ويؤيد هذا قولها في الرواية الأخرى: \"طيبت رسول الله - ﷺ - عند إحرامه ثم طاف على نسائه، ثم أصبح محرمًا\"، فظاهره أنه إنما تطيب لمباشرة نسائه، ثم زال بالغسل بعده، ولا سيما وقد نقل أنه كان يتطهر من كل واحدة قبل الأخرى، ولا يبقى مع ذلك طيب، ويكون قولها: \"ثم أصبح ينضح طيبًا\"، أي: قبل غسله. وقد سبق في رواية لمسلم: أن ذلك الطيب كان ذريرة، وهي مما يذهبه الغسل. قالوا: وقولها:، كأني أنظر إلى وبيص الطيب في مفارق رسول الله - ﷺ -، وهو محرم\" المراد به: أثره، لا جرمه. قاله القاضي عياض. وقال ابن العربي: ليس في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت.\nومنها: أن ذلك التطيب خاص به - ﷺ -.\nومنها: أن الدوام على الطيب بعد الإِحرام كابتداء الطيب في الإِحرام، بجامع الاستمتاع بريح الطيب في حال الإِحرام، في كل منهما. قالوا: ومما يؤيد أن ذلك التطيب خاص به - ﷺ - أنه لو كان مشروعًا لعامة الناس لما أنكره عمر، وعثمان، وابن عمر مع علمهم بالمناسك وجلالتهم في الصحابة، ولم ينكر عليهم أحد إلا ما أنكرت عائشة على ابن عمر، ولَمَا أنكره الزهري، وعطاء مع علمهما بالمناسك.\nومنها: أن حديث عائشة المذكور يقتضي إباحة الطيب لمن","vol":"5","page":496},{"text":"أراد الإِحرام، وحديث يعلى بن أمية يقتضي منع ذلك. والمقرر في الأصول: أن الدال على المنع مقدم على الدال على الإِباحة؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.\nومنها: أن حديث يعلى من قول النبي - ﷺ - بلفظه الصريح في الأمر بإزالة الطيب، وإنقائه من البدن. وظاهره العموم؛ لما قدمنا أن خطاب الواحد يعم حكمه الجميع لاستواء الجميع في التكليف. والعموم القولي لا يعارضه فعل النبي - ﷺ -؛ لأنه مخصص له، كما تقرر في الأصول، كما أوضحناه سابقًا، وإليه الإشارة بقول صاحب \"مراقي السعود\":\nفي حقه القول بفعل خصا ... إن يك فيه القول ليس نصا\nفهذا هو حاصل ما أجاب به القائلون بمنع التطيب عند إرادة الإِحرام أو كراهته.\nوأجاب المخالفون بمنع ذلك كله قالوا: دعوي أن التطيب للنساء، لا الإِحرام، يرده صريح الحديث في قولها: \"طيبته لإِحرامه\"، وادعاء أن اللام للتوقيت خلاف الظاهر. قالوا: وادعاء أن الطيب زال بالغسل قبل الإِحرام ترده الروايات الصريحة عن عائشة: \"أنها كأنها تنظر إلى وبيص الطيب في مفرقه - ﷺ - وهو محرم\"؛ لأن الوبيص في اللغة: البريق، واللمعان، وهو وصف وجودي، والوصف الوجودي لا يوصف به المعدوم، وإنما يوصف به الموجود، فدل على أن الطيب الموصوف بالوبيص موجود بعينه، وهو يرد قول ابن العربي: إنه لم يرد في شيء من طرق حديث عائشة أن عين الطيب بقيت.\nويؤيده ما رواه أبو داود في \"سننه\": حدثنا الحسين بن الجنيد","vol":"5","page":497},{"text":"الدامغاني. ثنا أبو أسامة، قال: أخبرني عمر بن سويد الثقفي، قال: حدثتني عائشة بنت طلحة أن عائشة أم المؤمنين ﵂، حدثتها قالت: \"كنا نخرج مع النبي  - ﷺ -  إلى مكة، فنضمد جباهنا بالسك المطيب، عند الإِحرام، فإذا عرقت إحدانا سال على وجهها، فيراه النبي  - ﷺ -، فلا ينهانا\". اهـ منه. والسُّكّ بضم السين، وتشديد الكاف: نوع من الطيب، يضاف إلى غيره من الطيب، ويستعمل.\nوقال الشوكاني في \"نيل الأوطار\" في حديث أبي داود هذا: سكت عنه أبو داود، والمنذري، وإسناده رواته ثقات إلا الحسين بن الجنيد شيخ أبي داود. وقد قال النسائي: لا بأس به، وقال ابن حبان في الثقات: مستقيم الأمر فيما يروي. اهـ. وقال فيه ابن حجر في \"التقريب\": لا بأس به، وقال فيه في \"تهذيب التهذيب\". قال النسائي: لا بأس به. وذكره ابن حبان في \"الثقات\". وقال من أهل سمنان، مستقيم الأمر فيما يروي. قلت: وقال أحمد بن حمدان العابدي: ثنا الحسين بن الجنيد، وكان رجلًا صالحًا. وقال مسلمة بن القاسم: ثقة. اهـ منه.\nوبما ذكرنا تعلم أن حديث عائشة المذكور عند أبي داود أقل درجاته أنه حسن. وقال فيه النووي في شرح المهذب: هذا حديث حسن، رواه أبو داود بإسناد حسن. اهـ. منه، وهو حجة في جواز بقاء عين الطيب في المحرم بعد الإِحرام إن كان استعماله للطيب قبل الإِحرام.\nقال في القاموس: والسك بالضم: طيب يتخذ من الرامك مدقوقًا منخولًا معجونًا بالماء، ويعرك شديدًا، ويمسح بدهن الخيري؛ لئلا يلصق بالإِناء، ويترك ليلة، ثم يسحق المسك ويلقمه","vol":"5","page":498},{"text":"ويعرك شديدًا، ويقرص، ويترك يومين، ثم يثقب بمسلة وينظم في خيط قتب، ويترك سنة، وكلما عتق طابت رائحته. اهـ. وقال أيضًا: والرامك كصاحب: شيء أسود يخلط بالمسك، ويفتح. انتهى منه. ولا يخفى أن أزواج النبي  - ﷺ -  إنما كن يضمدن به جباههن في حال كونه معجونًا، قبل أن يقرص ويجف.\nوقال ابن منظور في اللسان: والسك ضرب من الطيب يركب من مسك ورامك. وقال في اللسان أيضًا: ابن سيده: والرامَك والرامِك، والكسر أعلى، شيء أسود كالقار يخلط بالمسك فيجعل سكًا، قال:\nإن لك الفضل على صحبتي ... والمسك قد يستصحب الرامكا\nوأجابوا عن كون التطيب المذكور خاصًّا به  - ﷺ -: بأن حديث عائشة هذا نص في عدم خصوص ذلك به  - ﷺ -، وعضدوه بالآثار المروية عن بعض الصحابة كما تقدم، عن ابن عباس، وابن الزبير. قالوا: وإنكار عمر وعثمان لا يعارض به الصحيح المرفوع إلى النبي  - ﷺ -، لأن سنته أولى بالاتباع من قول كل صحابي، مع أنهم خالفهم بعض الصحابة. وقد ثبت في صحيح مسلم: أن عائشة أنكرت ذلك على ابن عمر ﵁.\nوأجابوا عن كون حديث يعلى كالعموم القولي، فلا يعارضه فعله  - ﷺ -، بل يخصص به، بما ذكرناه آنفًا من الأدلة، على أن ذلك الفعل الذي هو التطيب قبل الإِحرام ليس خاصًا به، كما دل عليه حديث عائشة المذكور آنفًا. وقولها في الصحيح: \"طيبته بيدي هاتين\" صريح في أنها شاركته في ملابسة ذلك الطيب كما ترى.","vol":"5","page":499},{"text":"وأجابوا عن كون حديث يعلى: دالًّا على المنع، وحديث عائشة: دالًّا على الجواز، والدال على المنع مقدم على الدال على الجواز: بأن محل ذلك فيما إذا جهل المتقدم منهما. أما إذا علم المتقدم، فإنه يجب الأخذ بالمتأخر؛ لأنهم كانوا يأخذون بالأحدث، فالأحدث، وقصة يعلى وقعت بالجعرانة عام ثمان بلا خلاف، وحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، ومن المقرر في الأصول أن النصين إذا تعارضا، وعلم المتأخر منهما فهو ناسخ للأول، كما هو معلوم في محله.\nوأجابوا عن كون الدوام على الطيب كابتدائه بأنه منتقض بالنكاح. فإن ابتداء عقده في حال الإِحرام ممنوع عند الجمهور، كما تقدم إيضاحه خلافًا لأبي حنيفة، مع الإجماع على جواز الدوام على نكاح وقع عقده قبل الإِحرام، ثم أحرم بعد عقده الزوجان، وهو دليل على أنه: ما كل دوام كالابتداء.\nوقد تقرر في الأصول أن المانع بالنسبة إلى الابتداء والدوام ينقسم إلى ثلاثة أقسام:\nالأول: هو المانع للدوام والابتداء معًا كالرضاع، فإن الرضاع مانع من ابتداء عقد النكاح، كما أنه أيضًا مانع من الدوام عليه، فلو تزوج رضيعة غير محرم منه في حال العقد، ثم أرضعتها أمه بعد العقد، فإن الرضاع الطارئ على عقد النكاح مانع من الدوام عليه، لوجوب فسخ ذلك النكاح بذلك الرضاع الطارئ عليه، وكالحدث فإنه مانع من ابتداء الصلاة، مانع من الدوام عليها إذا طرأ في أثنائها.\nوالثاني: هو المانع للدوام فقط دون الابتداء، كالطلاق فإنه","vol":"5","page":500},{"text":"مانع من الدوام على العقد الأول، والاستمتاع بالزوجة بموجبه، وليس مانعًا من ابتداء عقد جديد، والاستمتاع بها بموجبه.\nوالثالث: هو المانع من الابتداء فقط، دون الدوام، كالنكاح بالنسبة إلى الإِحرام، فإن الإِحرام مانع من ابتداء العقد، وليس مانعًا من الدوام على عقد كان قبله، وكالاستبراء، فإنه مانع من النكاح في حال الاستبراء، وليس مانعًا من الدوام على النكاح؛ لأن الزوج إذا وطئت امرأته بشبهة، فلزمها الاستبراء بذلك، فإن ذلك لا يمنع من الدوام على عقد زواجها الأول. قالوا: ومن هذا: الطيب، فإن الإحرام مانع من ابتدائه، وليس مانعًا من الدوام عليه، كالنظائر المذكورة. وإلى تعريف المانع وأقسامه أشار في المراقي بقوله:\nما من وجوده يجيء العدم ... ولا لزوم في انعدام يعلم\nبمانع يمنع للدوام ... والابتدا أو آخر الأقسام\nأو أول فقط على نزاع ... كالطول الاستبراء والرضاع\nهذا هو حاصل أقوال العلماء ومناقشتها.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي في هذه المسألة: أن الطيب جائز عند إرادة الإِحرام ولو بقيت ريحه بعد الإحرام، لحديث عائشة المتفق عليه، ولإِجماع أهل العلم على أنه آخر الأمرين، والأخذ بآخر الأمرين أولى كما هو معلوم.\nوقد علمت الأدلة على أنه ليس من خصائصه  - ﷺ -، فحديث عائشة في حجة الوداع عام عشر، وحديث يعلى عام الفتح، وهو عام ثمان، فحديث عائشة بعد حديث يعلى بسنتين. هذا ما ظهر. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":501},{"text":"تنبيه\nأظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إن طيب ثوبه قبل الإِحرام فله الدوام على لبسه كتطييب بدنه، وأنه إن نزع عنه ذلك الثوب المطيب بعد إحرامه، فليس له أن يعيد لبسه، فإن لبسه صار كالذي ابتدأ الطيب في الإِحرام، فتلزمه الفدية، وكذلك إن نقل الطيب الذي تلبس به قبل الإِحرام، من موضع من بدنه إلى موضع آخر بعد الإِحرام، فهو ابتداء تطيب في ذلك الموضع، الذي نقله إليه، وكذلك إن تعمد مسه بيده، أو نحاه من موضعه، ثم رده إليه، لأن كل تلك الصور فيها ابتداء تلبس جديد بعد الإِحرام بالطيب، وهو لا يجوز. أما إن كان قد عرق فسال الطيب من موضعه إلى موضع آخر فلا شيء عليه في ذلك، لأنه ليس من فعله، ولحديث عائشة عند أبي داود الذي ذكرناه قريبًا.\nوقال بعض علماء المالكية: ولا فرق في ذلك بين أن يكون الطيب في بدنه، أو ثوبه إلا أنه إذا نزع ثوبه لا يعود إلى لبسه، فإن عاد فهل عليه في العود فدية، يحتمل أن نقول: لا فدية، لأن ما فيه قد ثبت له حكم العفو كما لو لم ينزعه.\nوقال أصحاب الشافعي: تجب عليه الفدية؛ لأنه لبس جديد وقع بثوب مطيب. انتهى من الحطاب. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السابع عشر: في أحكام أشياء متفرقة: كالنظر في المرآة للمحرم، وغسل الرأس، والبدن، وما يلزم من قتل بغسله رأسه قملًا، والحجامة، وحك الجسد، والرأس، وتقريد البعير، وتضميد العين بالصبر ونحوه، والسواك.","vol":"5","page":502},{"text":"أما النظر في المرآة: فالظاهر أنه لا بأس به للمحرم، ولم يرد شيء يدل على النهي عنه فيما أعلم.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب الطيب عند الإِحرام، وما يلبس إذا أراد أن يحرم ويترجل، ويدهن. وقال ابن عباس ﵁: يشم المحرم الريحان، وينظر في المرآة، ويتداوى بما يأكل: الزيت والسمن. وقال عطاء: يتختم ويلبس الهميان. وطاف ابن عمر ﵄، وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب. ولم تر عائشة ﵂ بالتبان بأسًا للذين يرحلون هودجها. انتهى منه.\nومحل الشاهد عنه قول ابن عباس: \"وينظر في المرآة\" وهذه المسائل التي ذكرها البخاري قد قدمناه كلها، وأوضحنا مذاهب العلماء فيها إلا النظر في المرآة الذي هو غرضنا منها الآن.\nوكون عائشة لم تر بأسًا بالتبان للذين يرحلون هودجها. والتبان كـ \"رُمَّان\": سراويل صغيرة يستر العورة المغلظة. وإباحة عائشة للتبان للذين يرحلون هودجها قريب من قول المالكية بجواز الاستثفار للركوب والنزول.\nوما ذكره البخاري عن ابن عمر من: \"أنه طاف وهو محرم، وقد حزم على بطنه بثوب\" خصص المالكية جواز شد الحزم على البطن من غير عقد بضرورة العمل خاصة، كما تقدم.\nوالحاصل: أنه لا ينبغي أن يختلف في جواز نظر المحرم في المرآة، إذ لا دليل على النهي عنه. وذكر ابن حجر في الفتح: أنه نقلت كراهته عن القاسم بن محمد. وذلك هو مشهور مذهب مالك.","vol":"5","page":503},{"text":"وفي سماع ابن القاسم: لا أحب نظر المحرم في المرآة، فإن نظر فلا شيء عليه، وليستغفر الله.\nوأصح القولين عند الشافعية: أنه لا كراهة فيه، ونقل ابن المنذر عدم الكراهة عن ابن عباس، وأبي هريرة، وطاوس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق قال: وبه أقول. وكره ذلك عطاء الخراساني. وقال مالك: لا يفعل ذلك إلا عن ضرورة. قال: وعن عطاء في المسألة قولان بالكراهة والجواز، وصح عن ابن عمر أنه نظر في المرآة. انتهى بالمعنى من النووي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن مجرد نظر المحرم في المرآة لا بأس به ما لم يقصد به الاستعانة على أمر من محظورات الإِحرام، كنظر المرأة فيها؛ لتكتحل بما فيه طيب أو زينة، ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nوذكر في الفتح أيضًا: أن سعيد بن منصور روى من طريق عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة: \"أنها حجت، ومعها غلمان لها، وكانوا إذا شدوا رحلها يبدو منهم الشيء، فأمرتهم أن يتخذوا التبابين فيلبسوها، وهم محرمون\" قال: وأخرجه من وجه آخر مختصرًا بلفظ: \"يشدون هودجها\". انتهى محل الغرض منه، وقوله: \"يرحلون هودجها\" هو بفتح الياء المثناة التحتية، وسكون الراء، وفتح الحاء، من قولهم: رحلت البعير أرحله  - بفتح الحاء، في المضارع والماضي -  رحلا، بمعنى: شددت الرحل على ظهره. ومنه قول الأعشى:\nرحلت سميةُ غدوةً أجمالها ... غضْبى عليك فما تقول بدالها","vol":"5","page":504},{"text":"وقول المثقب العبدي وهو عائد بن محصن:\nإذا ما قمتُ أرْحلها بليلٍ ... تأوَّه آهةَ الرَّجل الحزين\nوالهودج: مركب من مراكب النساء معروف. وما ذكر عن عائشة ﵂ ظاهره أنها إنما رخصت في التبان لمن يرحل هودجها، لضرورة انكشاف العورة. وهو يدل على أنه لا يجوز لغير ضرورة. والعلم عند الله تعالى.\nوأما غسل الرأس والبدن بالماء، فإن كان لجنابة كاحتلام، فلا خلاف في وجوبه، وإن كان لغير ذلك فهو جائز على التحقيق، ولكن ينبغي أن يكون برفق لئلا يقتل بعض الدواب في رأسه. واغتسال المحرم، وغسله رأسه، لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لثبوته عن النبي  - ﷺ -، وكلما خالف السنة الثابتة عنه  - ﷺ -  فهو مردود على قائله.\nقال البخاري في \"صحيحه\": باب الاغتسال للمحرم. وقال ابن عباس ﵄: يدخل المحرم الحمام. ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا.\nحدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن زيد بن أسلم، عن إبراهيم بن عبد الله بن حنين، عن أبيه: أن عبد الله بن عباس والمسور بن مخرمة اختلفا بالأبواء، فقال عبد الله بن عباس: يغسل المحرم رأسه. وقال المسور: لا يغسل المحرم رأسه، فأرسلني عبد الله بن العباس إلى أبي أيوب الأنصاري، فوجدته يغتسل بين القرنين، وهو يستر بثوب، فسلمت عليه فقال: من هذا؟ فقلت: أنا عبد الله بن حنين، أرسلني إليك عبد الله بن العباس، أسألك كيف كان رسول الله  - ﷺ -  يغسل رأسه، وهو محرم؟ فوضع أبو أيوب يده على","vol":"5","page":505},{"text":"الثوب، فطأطأه حتى بدا لي رأسه، ثم قال لإِنسان يصب عليه: اصبب، فصب على رأسه، ثم حرك رأسه بيديه، فأقبل بهما، وأدبر وقال: هكذا رأيته  - ﷺ -  يفعل.\nوقال ابن حجر في الكلام على هذا الحديث: وكأنه خص الرأس بالسؤال لأنه موضع الإِشكال في هذه المسألة؛ لأنه محل الشعر الذي يخشى انتتافه، بخلاف سائر البدن غالبًا.\nوحديث أبي أيوب المذكور أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه كلفظ البخاري، وزاد مسلم فقال المسور لابن عباس: لا أماريك أبدًا.\nوقال النووي في شرحه لحديث أبي أيوب: هذا عند مسلم، وفي هذا الحديث فوائد: منها: جواز اغتسال المحرم، وغسله رأسه، وإمرار اليد على شعره بحيث لا ينتف شعرًا. . . إلى آخره.\nوهذا حديث متفق عليه فيه التصريح: بجواز غسل الرأس في الإِحرام، وكذلك غسل البدن. وقال النووي في شرح المهذب: قال الماوردي: أما اغتسال المحرم بالماء والانغماس فيه فجائز لا يعرف بين العلماء خلاف فيه، لحديث أبي أيوب السابق. أما دخول الحمام وإزالة الوسخ عن نفسه فجائز أيضًا عندنا. وبه قال الجمهور. وقال مالك: تجب الفدية بإزالة الوسخ. وقال أبو حنيفة: إن غسل رأسه بخطمي لزمته الفدية.\nدليلنا حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره. قال ابن المنذر: وكره جابر بن عبد الله ومالك: غسل المحرم رأسه بالخطمي. قال مالك: وعليه الفدية، وبه قال أبو حنيفة، وقال","vol":"5","page":506},{"text":"أبو يوسف، ومحمد: عليه صدقة. قال ابن المنذر: هو مباح لحديث ابن عباس. انتهى محل الغرض منه.\nوقد قدمنا جواز غسل الوأس بالماء وحده عن المالكية، وكراهة غيس الرأس في الماء ما لم يتيقن أنه لا يقتل بذلك بعض دواب الرأس.\nوقال صاحب اللسان: والخطمي: ضرب من النبات يغسل به. وفي الصحاح: يغسل به الرأس. قال الأزهري: هو بفتح الخاء، ومن قال: خطمي بكسر الخاء فقد لحن. وفي المدونة عن مالك: لا يدخل المحرم الحمام، فإن دخله، وتدلك، وألقى الوسخ؛ افتدى. وقال اللخمي: أرى أن يفتدى، ولو لم يتدلك، لأن الشأن فيمن دخل الحمام، ثم اغتسل أن الشعث يذهب عنه ولو لم يتدلك. اهـ. بواسطة نقل المواق.\nفتحصل: أن مطلق الغسل الذي لا تنظيف فيه لا خلاف فيه إلَّا ما رواه مالك، عن ابن عمر: \"أنه كان لا يغسل رأسه وهو محرم إلَّا من احتلام\"، وروى مالك في الموطأ، عن عمر بن الخطاب أنه غسل رأسه، وهو محرم، وأمر يعلى بن منية: أن يصب على رأسه، أي: عمر الماء. وقال: اصبب، فلن يزيده الماء إلَّا شعثًا. وقد ثبت في الصحيحين جوازه، وأن إزالة الوسخ بالتدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمي ونحو ذلك: فيه خلاف، كما رأيت أقوال أهل العلم فيه.\nوحجة من قال: إن التدلك وإزالة الوسخ لا شيء فيه حديث ابن عباس في المحرم الذي خر عن بعيره، ومات، ونهاهم النبي  - ﷺ -  أن يخمروا رأسه ووجهه، وعلل ذلك: بأنه يبعث ملبيًا، ومع ذلك","vol":"5","page":507},{"text":"فقد أمرهم أن يغسلوه بماء وسدر، وذلك ثابت في الصحيح، وأن الأصل عدم الوجوب.\nواحتج من منع إزالة الوسخ بأن الوسخ من التفث، وقد دلت آية ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ على أن إزالة التفث: لا تجوز قبل وقت التحلل الأول.\nواحتجوا أيضًا بحديث أبي هريرة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"إن الله تعالى يباهي بأهل عرفات أهل السماء فيقول لهم: انظروا إلى عبادي جاءوني شعثًا غبرًا\" قال النووي في شرح المهذب: رواه البيهقي، بإسناد صحيح.\nوأخرج الترمذي، وابن ماجه، عن ابن عمر أنه  - ﷺ -  قال: \"الحاج الشعث التفل\" وفيه إبراهيم بن يزيد الخوزي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما مجرد الغسل الذي لا يزيده إلَّا شعثًا كما قال عمر ﵁، فلا ينبغي أن يختلف فيه، لحديث أبي أيوب المتفق عليه، وأما التدلك في الحمام، وغسل الرأس بالخطمي، فلا نص فيه. والأحسن تركه احتياطًا. وأما لزوم الفدية فيه فلا أعلم له دليلًا يجب الرجوع إليه، والعلم عند الله تعالى.\nوأما حكم من قتل بغسله رأسه قملًا فلا أعلم في خصوص قتل المحرم القمل نصًّا من كتاب، ولا سنَّة.\nوقد قدمنا أن مذهب مالك: أنه إن قتل قملة أو قملات أطعم ملء يد واحدة من الطعام كفارة لذلك، وإن قتل كثيرًا منه لزمته الفدية. وعن الشافعي أن من قتل قملة أطعم شيئًا. قال: وأي شيء","vol":"5","page":508},{"text":"فداها به فهو خير منها. وعند الشافعي: أنه إن ظهر القمل على بدنه أو ثيابه، لم يكره له أن ينحيه؛ لأنه ألجأه.\nوذهب بعض أهل العلم إلى أن قتل القمل لا فدية فيه، وهو مذهب أحمد وأصحابه مع أن عنه روايتين: إحداهما: إباحة قتله؛ لأنه يؤذي، والأخرى: منع قتله؛ لأن فيه ترفها.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي في ذلك: أن القمل لا يجوز قتله، وأخذه من الرأس، بدليل قصة كعب بن عجرة المتقدمة، فإنه لو كان قتله يجوز لما صبر على أذاه، ولتسبب في التفلي، لإزالته من رأسه، كما هو العادة المعروفة فيمن آذاه القمل، وهو غير محرم إن لم يرد الحلق، وأنه لا شيء على من قتله. والدليل على ذلك أمران:\nأحدهما: أن الأصل عدم الوجوب إلَّا لدليل، ولا دليل على لزوم شيء في قتل القمل، مع أنه يؤذي أشد الإِيذاء.\nالأمر الثاني: أن ظاهر حديث كعب بن عجرة المتفق عليه، وظاهر القرآن العظيم كلاهما: يدل على أن الفدية إنما لزمت بسبب حلق الرأس، مع كثرة ما فيه من القمل، فلو كانت الفدية تلزم من قتل القمل، وإزالته، لبينه  - ﷺ -  فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ ظاهره أن الأذى الذي برأسه من القمل ونحوه: كالمرض في إباحة الحلق، وأن الفدية لزمت بسبب الحلق لا بسبب المرض، ولا بسبب إزالة القمل، وكذلك ظاهر حديث كعب، حيث أمره بالحلق والفدية، فهو يدل على أن الفدية من أجل الحلق لا غيره.","vol":"5","page":509},{"text":"ومما يؤيد ذلك: أن القمل لا قيمة له فهو كالبراغيث والبعوض، وليس القمل بمأكول، وليس بصيد.\nقال صاحب المغني: وحكي عن ابن عمر قال: هي أهون مقتول. وسئل ابن عباس عن محرم ألقى قملة، ثم طلبها فلم يجدها؟ قال: تلك ضالة لا تبتغى. قال: وهذا قول طاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وأبي ثور، وابن المنذر. وعن أحمد فيمن قتل قملة قال: يطعم شيئًا. فعلى هذا أي شيء تصدق به أجزأه، سواء قتل كثيرًا أو قليلًا. وهذا قول أصحاب الرأي. وقال إسحاق: تمرة فما فوقها. وقال مالك: حفنة من طعام. وروي ذلك عن ابن عمر. وقال عطاء: قبضة من طعام.\nوهذه الأقوال كلها راجعة إلى ما قلناه، فإنهم لم يريدوا بذلك التقدير، وإنما هو على التقريب لأقل ما يتصدق به. انتهى من المغني. ولا يخفى أنها أقوال لا دليل على شيء منها.\nوحجة القائلين بها في الجملة أن قتل القمل فيه ترفه للمحرم. والعلم عند الله تعالى.\nوأما الحجامة إن دعت إليها ضرورة، فلا خلاف في جوازها للمحرم، وإنما اختلف أهل العلم في الفدية إن احتجم. أما جوازها لضرورة فهو ثابت عن النبي  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه.\nقال البخاري في صحيحه: باب الحجامة للمحرم. وكوى ابن عمر ابنه، وهو محرم، ويتداوى ما لم يكن فيه طيب.\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، قال: قال عمرو: أول شيء سمعت عطاء يقول: سمعت ابن عباس ﵄ يقول:","vol":"5","page":510},{"text":"احتجم رسول الله  - ﷺ -، وهو محرم، ثم سمعته يقول: حدثني طاوس، عن ابن عباس فقلت: لعله سمعه منهما.\nحدثنا خالد بن مخلد، حدثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن عبد الرحمن الأعرج، عن ابن بحينة ﵁ قال: \"احتجم النبي  - ﷺ -  وهو محرم بلحيى جمل في وسط رأسه\". انتهى من صحيح البخاري.\nوقال البخاري في كتاب الطب: باب الحجم في السفر والإِحرام. قاله ابن بحينة عن النبي  - ﷺ -  به.\nحدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن عمرو، عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس قال: \"احتجم النبي  - ﷺ -، وهو محرم\".\nوقال البخاري في كتاب الطب أيضًا: باب الحجامة على الرأس:\nحدثنا إسماعيل، حدثني سليمان، عن علقمة أنه سمع عبد الرحمن الأعرج أنه سمع عبد الله بن بحينة، يحدث \"أن رسول الله  - ﷺ -  احتجم بلحيى جمل من طريق مكة، وهو محرم في وسط رأسه\" وقال الأنصاري: أخبرنا هشام بن حسان، حدثنا عكرمة، عن ابن عباس ﵄ \"أن رسول الله  - ﷺ -  احتجم في رأسه\" وفي لفظ للبخاري عن ابن عباس قال: \"احتجم النبي  - ﷺ -  في رأسه وهو محرم من وجع كان به، بماء يقال له: لحيي جمل\" وفي لفظ له أيضًا عن ابن عباس ﵄ \"أن رسول الله  - ﷺ -  احتجم وهو محرم في رأسه من شقيقة كانت به\". انتهى منه.\nوحديث ابن عباس الذي ذكره البخاري أخرجه مسلم أيضًا،","vol":"5","page":511},{"text":"عن طاوس، وعطاء، عن ابن عباس ﵄ بلفظ \"أن النبي  - ﷺ -  احتجم وهو محرم\" وأخرج مسلم أيضًا حديث ابن بحينة المذكور بلفظ \"أن النبي  - ﷺ -  احتجم بطريق مكة وهو محرم وسط رأسه\". اهـ.\nفهذا الحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين، وهما: عبد الله بن عباس، وعبد الله بن بحينة صريح في جواز الحجامة للمحرم إن دعت إلى ذلك ضرورة وجع. والحديث المتفق عليه المذكور فيه أن الحجامة المذكورة كانت في الرأس.\nقال ابن حجر في الفتح: وخالف ذلك حديث أنس فأخرج أبو داود والترمذي في الشمائل والنسائي، وصححه ابن خزيمة، وابن حبان من طريق معمر، عن قتادة عنه قال: \"احتجم النبي  - ﷺ -، وهو محرم على ظهر القدم من وجع كان به\" ورجاله رجال الصحيح إلَّا أن أبا دواد حكى عن أحمد أن سعيد بن أبي عروبة رواه عن قتادة، فأرسله، وسعيد أحفظ من معمر. وليست هذه بعلة قادحة. والجمع بين حديث ابن عباس، وحديث أنس واضح بالحمل على التعدد. أشار إلى ذلك الطبري. اهـ منه.\nولا يخفى أن مثل هذا لا تعارض فيه، وأنه احتجم مرة في الرأس، ومرة على ظهر القدم كما لا يخفى. وقوله في الحديث المتفق عليه: \"بلحيي جمل\" هو بفتح اللام، ويجوز كسرها وسكون الحاء وياء مثناة تحتية، وفي بعض رواياته: بياءين بصيغة التثنية، وجمل بفتح الجيم، والميم. وقد جاء في الروايات أنه اسم موضع بين مكة، والمدينة. وقال في الفتح: قال ابن وضاح: هي بقعة معروفة، وهي عقبة الجحفة على سبعة أميال من السقيا. اهـ.","vol":"5","page":512},{"text":"وقال صاحب القاموس: ولحي جمل موضع بين الحرمين، وإلى المدينة أقرب. وزعم صاحب القاموس: أن السقيا بالضم: موضع بين المدينة، ووادي الصفراء. وما ظنه بعضهم: من أن المراد به أحد فكي الجمل الذي هو ذكر الإِبل، وأن فكه كان هو آلة الحجامة، فهو غلط لا شك فيه.\nفهذه النصوص التي ذكرنا لا يبقى معها شك في جواز الحجامة للمحرم الذي به وجع يحتاج إلى الحجامة.\nأما ما يلزم في ذلك فاختلفوا فيه.\nقال النووي في شرح مسلم: وفي هذا الحديث دليل لجواز الحجامة للمحرم. وقد أجمع العلماء على جوازها له في الرأس وغيره إذا كان له عذر في ذلك وإن قطع الشعر حينئذ، لكن عليه الفدية لقطع الشعر، فإن لم يقطع فلا فدية عليه. ودليل المسألة قوله تعالى ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية. وهذا الحديث محمول على أن النبي  - ﷺ -  كان له عذر في الحجامة في وسط الرأس؛ لأنه لا ينفك عن قطع شعر. أما إذا أراد المحرم الحجامة لغير حاجة، فإن تضمنت قلع شعر، فهي حرام لتحريم قطع الشعر، وإن لم تتضمن ذلك، بأن كانت في موضع لا شعر فيه، فهي جائزة عندنا، وعند الجمهور، ولا فدية فيها. ووافق الجمهور سحنون من أصحاب مالك. وعن ابن عمر ومالك: كراهتها. وعن الحسن البصري: فيها الفدية.\nدليلنا: أن إخراج الدم ليس حرامًا في الإِحرام. انتهى منه.\nوما ذكره النووي عن ابن عمر ومالك: من كراهة الحجامة لغير","vol":"5","page":513},{"text":"عذر، ذكره مالك في الموطأ، عن نافع، عن ابن عمر بلفظ: أنه كان يقول: لا يحتجم المحرم إلَّا مما لا بد منه. وفيه قال مالك: لا يحتجم المحرم إلَّا من ضرورة. ولا شك أنها إن أدت إلى قطع شعر من غير حاجة إليها أنها حرام، وإن كانت لا تؤدي إلى قطع شعر، فقد وجه المالكية كراهتها المذكورة عن مالك وابن عمر بأمرين.\nأحدهما: أن إخراج الدم من الحاج قد يؤدي إلى ضعفه، كما كره صوم يوم عرفة للحاج، مع أن الصوم أخف من الحجامة، قالوا: فبطل استدلال المجيز بأنه لم يقم دليل على تحريم إخراج الدم في الإِحرام؛ لأنا لم نقل بالحرمة، بل بالكراهة؛ لعلة أخرى علمت. قاله الزرقاني في شرح الموطأ.\nومرادهم أن ضعفه بإخراج الدم منه قد يؤدي إلى عجزه عن إتمام بعض المناسك.\nالأمر الثاني: هو أن الحجامة إنما تكون في العادة بشد الزجاج ونحوه والمحرم ممنوع من العقد والشد على جسده. قاله الشيخ سند.\nوقال الحطاب في شرحه لقول خليل عاطفًا على ما يكره: \"وحجامة بلا عذر\" ما نصه: وأما مع العذر فتجوز، فإن لم يزل بسببها شعرًا، ولم يقتل قملًا فلا شيء عليه، وإن أزال بسببها شعرًا فعليه الفدية. وذكر ابن بشير قولًا بسقوطها. قال في التوضيح: وهو غريب. وإن قتل قملًا، فإن كان كثيرًا، فالفدية، وإلَّا أطعم حفنة من طعام. واللَّه سبحانه أعلم. انتهى منه.\nوالقول الذي ذكره ابن بشير من المالكية واستغربه خليل في","vol":"5","page":514},{"text":"التوضيح بسقوط الفدية مطلقًا ولو أزال بسبب الحجامة شعرًا، له وجه من النظر. ولا يخلو عندي من قوة. واللَّه تعالى أعلم.\nوإيضاح ذلك أن جميع الروايات المصرحة \"بأن النبي  - ﷺ -  احتجم في رأسه\" لم يرد في شيء منها أنه افتدى لإِزالة ذلك الشعر من أجل الحجامة، ولو وجبت عليه في ذلك الفدية، لبينها للناس؛ لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز.\nوالاستدلال على وجوب الفدية في ذلك بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، لا ينهض كل النهوض؛ لأن الآية واردة في حلق جميع الرأس، لا في حلق بعضه. وقد قدمنا أن حلق بعضه ليس فيه نص صريح.\nولذلك اختلف العلماء فيه، فذهب الشافعي: إلى أن الفدية تلزم بحلق ثلاث شعرات فصاعدًا. وذهب أحمد في إحدى الروايتين إلى ذلك، وفي الأخرى: إلى لزومها بأربع شعرات. وذهب أبو حنيفة: إلى لزومها بحلق الربع. وذهب مالك: إلى لزومها بحلق ما فيه ترفه، أو إماطة أذى. وهذا الاختلاف يدل على عدم النص الصريح في حلق بعض الرأس، فلا تتعين دلالة الآية على لزوم الفدية في من أزال شعرًا قليلًا، لأجل تمكن آلة الحجامة من موضع الوجع. واللَّه تعالى أعلم.\nوممن قال بأن إزالة الشعر عن موضع الحجامة لا فدية فيه: محمد، وأبو يوسف صاحبا أبي حنيفة، بل قالا: في ذلك صدقة. وقد قدمنا مرارًا أن الصدقة عندهم نصف صاع من بر، أو صاع كامل من غيره، كتمر وشعير.","vol":"5","page":515},{"text":"والحاصل: أن أكثر أهل العلم منهم الأئمة الأربعة على أنه إن حلق الشعر لأجل تمكن آلة الحجامة لزمته الفدية على التفصيل المتقدم في قدر ما تلزم به الفدية، من حلق الشعر كما تقدم إيضاحه. وأن عدم لزومها عندنا له وجه من النظر قوي. وحكاه ابن بشير من المالكية. وأما إن لم يحلق بالحجامة شعرًا، فقد قدمنا قريبًا أقوال أهل العلم فيها، وتفصيلهم بين ما تدعو إليه الضرورة، وبين غيره. والعلم عند الله تعالى.\nواستدل أهل العلم بأحاديث الحجامة المذكورة على جواز الفصد، وربط الجرح، والدمل، وقلع الضرس، والختان، وقطع العضو، وغير ذلك من وجوه التداوي إذ لم يكن في ذلك محظور، كالطيب، وقطع الشعر.\nوأما الحك، فإن كان في موضع لا شعر فيه فلا ينبغي أن يختلف في جوازه، وإن كان في موضع فيه شعر كالرأس، وكان برفق بحيث لا يحصل به نتف بعض الشعر فكذلك، وإن كان بقوة بحيث يحصل به نتف بعض الشعر، فالظاهر أنه لا يجوز.\nوهذا هو الصواب إن شاء الله في مسألة الحك. ولم أعلم في ذلك بشيء مرفوع إلى النبي  - ﷺ - . وإنما فيه بعض الآثار عن الصحابة ﵃. وقد قدمنا قول البخاري: ولم ير ابن عمر وعائشة بالحك بأسًا.\nوروى مالك في الموطأ عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه أنها قالت: سمعت عائشة زوج النبي  - ﷺ -  تسأل عن المحرم، أيحك جسده؟ قالت: نعم فليحككه، ويشدد. ولو ربطت يداي، ولم أجد إلَّا رجلي لحككت. اهـ.","vol":"5","page":516},{"text":"وأما نزع القراد والحلمة من بعيره، فقد أجازه عمر بن الخطاب. وكرهه ابن عمر ومالك. وقد روى مالك في الموطأ، عن يحيى بن سعيد، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الله بن الهدير: أنه رأى عمر بن الخطاب ﵁ يقرد بعيرًا له في طين بالسقيا، وهو محرم. قال مالك: وأنا أكرهه. وروى أيضًا في الموطأ عن نافع: أن عبد الله بن عمر كان يكره أن ينزع المحرم حلمة، أو قرادًا عن بعيره. قال مالك: وذلك أحب ما سمعت إليَّ في ذلك. وقوله: يقرد بعيره، أي: ينزع عنه القراد ويرميه.\nوأما تضميد العين بالصبر ونحوه مما لا طيب فيه لضرورة الوجع فلا خلاف فيه بين العلماء، وأنه لا فدية فيه، كما أجمعوا على أنه إن دعته الضرورة إلى تضميد العين ونحوها بما فيه طيب أن ذلك جائز له، وعليه الفدية.\nومن أدلتهم على جواز تضميد العين بالصبر ونحوه: ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا، عن ابن عيينة، قال أبو بكر: حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا أيوب بن موسى، عن نبيه بن وهب قال: خرجنا مع أبان بن عثمان، حتى إذا كنا بملل اشتكى عمر بن عبيد الله عينيه، فلما كنا بالروحاء اشتد وجعه، فأرسل إلى أبان بن عثمان يسأله فأرسل إليه: أن اضمدهما بالصبر، فإن عثمان ﵁ حدث عن رسول الله  - ﷺ -  في الرجل إذا اشتكى عينيه، وهو محرم ضمدهما بالصبر. وفي لفظ عن مسلم: أن عمر بن عبيد الله بن معمر رمدت عينه، فأراد أن يكحلها، فنهاه أبان بن عثمان، وأمره أن يضمدها","vol":"5","page":517},{"text":"بالصبر، وحدث عن عثمان بن عفان ﵁ عن النبي  - ﷺ -: أنه فعل ذلك. انتهى من صحيح مسلم.\nوأما السواك في الإِحرام، فلا خلاف في جوازه بين أهل العلم.\nقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: \"وَربط جرحه\" ما نصه: قال التادلي في مناسك ابن الحاج: وأجمع أهل العلم على أن للمحرم أن يتسوك، وإن دمي فمه. انتهى.\nوقال ابن عرفة الشيخ: روى محمد والعتبي: للمحرم أن يتسوك ولو أدمى فاه. انتهى. ثم قال: قلت: لا يلزم من منع القاضي الزينة منع السواك بالجوزاء ونحوه. انتهى واللَّه أعلم. انتهى كلام الحطاب.\nفصل فيما تتعدد فيه الفدية ونحوها وما لا يتعدد فيه ذلك وأقوال العلماء فيه\nاعلم أولًا أن هذا الفصل يدخل في مسألة كبيرة، يذكرها علماء الأصول في مبحث الأمر، وهي: هل الأمر يقتضي التكرار أو لا؟ وهي ذات واسطة وطرفين، طرف يتعدد فيه اللازم بلا خلاف، وطرف لا يتعدد فيه، بلا خلاف، وواسطة: هي محل الخلاف. وهذا البحث أعم مما نحن بصدده، ولكن إذا تكلمنا عليه على سبيل العموم، رجعنا إلى مسألتنا، فذكرنا فيها كلام أهل العلم، وأدلتهم، وناقشناها.\nوالمسألة المذكورة: هي إذا تعددت الأسباب، واتحد موجبها","vol":"5","page":518},{"text":"بصيغة اسم المفعول، هل يتعدد الموجب نظرًا لتعدد أسبابه أو لا يتعدد نظرًا لاتحاده في نفسه؟ وأشار إلى هذه المسألة في الجملة الشيخ ميارة في التكميل بقوله:\nإن يتعدد سبب والموجب ... متحد كَفى لهن موجب\nكناقض سهو ولوغ والفدا ... حكاية حد تيمم بدا\nوذا الكثير والتعدد ورد ... بخلف أو وفق بنص معتمد\nفقوله: الموجب في الموضعين بصيغة اسم المفعول. وقوله كناقض: يعني أن نواقض الوضوء إن تعددت كمن بال مرات، أو بال ونام وقبل فإنه يكفي لجميعها وضوء واحد، وكذلك الجنابة إن تعددت أسبابها بوطء مرات، وإنزال بلذة، واحتلام، وانقطاع حيض، فإنه يكفي لجميع ذلك غسل واحد.\nوقوله: سهو يعني: أن من سها في صلاته مرات متعددة يكفيه لجميعها سجود سهو واحد.\nوقوله: ولوغ، يعني: أنه إذا تعدد ولوغ الكلب في الإِناء بأن ولغ فيه مرات متعددة، أو ولغت فيه كلاب متعددة، فإنه يكفي لجميع ذلك غسله سبع مرات على نحو ما في الحديث، ولا يتعدد الغسل بتعدد الولوغ.\nوقوله: والفدا: يعني أن من تكرر منه موجب الفدية، كمن لبس ثوبًا مخيطًا مطيبًا تكفيه فدية واحدة.\nقوله: حكاية؛ يعني: أن من سمع أذان جماعة من المؤذنين في وقت واحد، يكفيه حكاية أذان واحد، ولا تتعدد حكاية الأذان لتعدد المؤذنين.","vol":"5","page":519},{"text":"وقوله: حد؛ يعني أن من زنى مرات متعددة قبل أن يقام عليه الحد يكفي حده حدًا واحدًا، ولا يتعدد الحد بتعدد الزنى مثلًا. أما إذا أقيم عليه الحد، ثم زنى بعد إقامة الحد، فإنه يقام عليه الحد لزناه الواقع بعد إقامة الحد.\nوقوله: تيمم؛ يعني: أن الجنب مثلًا الذي حكمه التيمم، إذا أراد حمل المصحف، وقراءة القرآن فيه يكفيه تيمم واحد، ولا يلزمه أن يتيمم لكل واحد منهما.\nوقوله: وذا الكثير؛ يعني أن الكثير في فروع هذه المسألة عدم تعدد الموجب الذي تعددت أسبابه.\nوقوله: والتعدد ورد بخلف، أو وفق. يعني: أن تعدد الموجب لتعدد أسبابه وارد في الشرع، وتارة يكون مجمعًا على تعدده، وتارة يكون مختلفًا فيه. فقوله: أو وفق. يعني: بالوفق الاتفاق، ومراده به الإِجماع.\nوقد نظم العلوي الشنقيطي في نشر البنود شرح مراقي السعود ما يتعدد بتعدد سببه إجماعًا، وما يتعدد بخلاف في شرحه لقوله في المراقي:\nأو التكرر إذا ما علقا ... بشرط أن بصفة تحققا\nفقال ﵀:\nوما تعدد بوفق غره ... أو دية ومهر غصب الحره\nعقيقة ومهر من لم تعلم ... والثلث من بعد الخروج فاعلم\nوالخلف في صاع المصراة وفي ... كفارة الظهار من نسايفي\nوهدي من نذر نحر ولده ... غسل إناء الولغ يرى بعدده","vol":"5","page":520},{"text":"حكاية المؤذنين وسجود ... تلاوة وبعد تكفير يعود\nقذف جماعة وثلث قبل أن ... يخرج ثلثا قاله من قد فطن\nكفارة اليمين باللَّه علا ... لقصد تأسيس من الذي ائتلا\nوحاصل كلامه في نظمه: أن الذي يتعدد إجماعًا خمس مسائل:\nالأولى: أن من ضرب بطن حامل، فأسقطت جنينين مثلًا، يتعدد الواجب فيهما من غرة، أو دية على ما مر تفصيله في سورة بني إسرائيل. وهذا مراده بقوله: وما تعدد بوفق غرة، أو دية.\nالمسألة الثانية: أن من غصب حرة فزنى بها مرات متعددة، يتعدد عليه مهرها بتعدد الزنى بها.\nوالثالثة: أن من ولد له توأمان لزمته عقيقتان.\nالرابعة: أن من وطئت مرات وهي غير عالمة كالنائمة؛ فإنه يتعدد لها المهر بتعدد الوطء.\nالخامسة: أن من نذر ثلث ماله فأخرجه ثم نذر بعد ذلك ثلثه؛ فإنه يلزمه. ومراده بهذا واضح من النظيم. وقد يقال: إن بعض المذكورات لا يخلو من خلاف.\nأما ما ذكر تعدده على خلاف فيه، فهو عشر مسائل:\nالأولى: صاع المصراة، يعني صاع التمر الذي يرده مع المصراة إذا حلبها، هل يتعدد بتعدد الشياه المصراة، أو يكفي عن جميعها صاع واحد، والأظهر في هذه التعدد.\nالثانية: إذا ظاهر من زوجاته الأربع، هل تتعدد كفارة الظهار بتعددهن، أو تكفي كفارة واحدة؟","vol":"5","page":521},{"text":"والثالثة: إذا تكرر منه نذر ذبح ولده، بأن نذر أنه يذبح اثنين، أو ثلاثة من ولده، وقلنا: يلزمه الهدي، هل يتكرر بتكرر الأولاد المنذور ذبحهم، أو يكفي هدي واحد؟\nوالرابعة: تعدد ولوغ الكلاب في الإِناء، هل يتعدد الغسل سبعًا بتعدد الولوغ، أو يكفي غسله سبعًا مرة واحدة؟\nوالخامسة: حكاية أذان المؤذنين.\nوالسادسة: سجود التلاوة، إذا كرر آية السجدة مرارًا في وقت واحد، هل يكفي سجود واحد أو لا؟\nوالسابعة: إذا جامع في نهار رمضان، ثم كفر من حينه، ثم جامع مرة أخرى في نفس اليوم، هل تتعدد الكفارة أو لا؟\nوالثامنة: إذا قذف جماعة، هل يتعدد عليه حد القذف بتعددهم، أو يكفي حد واحد؟\nوالتاسعة: إذا نذر ثلث ماله، ثم نذر ثلثًا آخر قبل أن يخرج الثلث الأول، هل يلزمه النذر في الثلثين، أو يكفي واحد؟\nوالعاشرة: إذا حلف باللَّه مرات متعددة، وقصد بكل يمين التأسيس، لا التأكيد، هل تتعدد الكفارة بتعدد الأيمان، أو تكفي كفارة واحدة، هذا هو حاصل مراده بالأبيات.\nولا شك أن المسائل المتفق على تعددها، والمختلف فيها أكثر مما ذكر بكثير، فمن المسائل المتفق على التعدد فيها، ولم يذكرها من صاد ظبيين مثلًا وهو محرم، فإنه يتكرر عليه الجزاء إجماعًا.\nوما روي عن أحمد من أنه يكفي جزاء واحد لا يصح، كما قاله صاحب المغني؛ لأنه مخالف لصريح قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ لأن الواحد لا يكون مثلًا للاثنين.","vol":"5","page":522},{"text":"والحاصل: أن هذه المسألة، إنما تعرف فروعها بالتتبع، فقد يكفي موجب واحد مع تعدد الأسباب إجماعًا، كتعدد نواقض الوضوء، وأسباب الجنابة، وتعدد سبب الحد كالزنى، وقد يتعدد إجماعًا كالمسائل المذكورة آنفًا، وقد يختلف في تعدده، وعدم تعدده وهذا هو الغالب في فروع هذه المسألة خلافًا لما قاله الشيخ ميارة في التكميل.\nفإذا علمت هذه المسألة في الجملة، وعلمت أنها عند الأصوليين من المسائل المبنية على مسألة الأمر هل يقتضي التكرار، أو لا يقتضيه؟ فهذه أقوال أهل العلم، وأدلتهم في المسألة التي نحن بصددها، وهي ما تعدد فيه الفدية ونحوها بتعدد أسبابها، وما لا تتعدد فيه.\nواعلم أولًا: أن تعدد اللازم في الجماع بتعدد الجماع، وعدم تعدده قد قدمنا أقوال أهل العلم فيه، واستوفينا الكلام عليه.\nأما مذهب مالك ﵀ في هذه المسألة ففيه تفصيل، وحاصله: أن الجماع لا يتعدد الهدي اللازم فيه بتعدده، سواء جامع بعد إخراج الهدي عن الجماع الأول، أو قبله. وأما غير الجماع من محظورات الإِحرام كلبس المخيط، والتطيب، وحلق الرأس، وقلم الأظافر، ونحو ذلك، فتارةً تكفي عنده في ذلك فديةً واحدةً عن الجميع، وتارةً تتعدد بتعدد أسبابها.\nأما موجبات عدم تعدد الفدية فهي في مذهب مالك ثلاثة:\nالأولى: أن يكون فعل أسباب الفدية في وقت واحد، أو بعضها بالقرب من بعض، فإن لبس وتطيب وحلق في وقت واحد،","vol":"5","page":523},{"text":"فعليه فدية واحدة، وكذلك إن فعل بعضها قريبًا من بعض. والقول الذي خرجه اللخمي بالتعدد في ذلك ضعيف، لا يعول عليه.\nالثانية: أن ينوي فعل جميعها، بأن ينوي اللبس والتطيب والحلق فتلزمه فدية واحدة، ولو كان بعضها بعد بعض غير قريب منه.\nالثالثة: أن يكون فعل محظورات الإِحرام ظانًا أنها مباحة، كالذي يطوف على غير وضوء في عمرته، ثم يسعى، ويحل، ويفعل محظورات متعددة، وكالذي يرفض إحرامه ظانًا أن الإِحرام يصح رفضه، ثم يفعل بعد رفضه محظورات متعددة، وكمن أفسد إحرامه بالوطء، ثم فعل موجبات الفدية ظانًا أن الإِحرام تسقط حرمته بالفساد. وجعل بعض المالكية من صور ظن الإِباحة من ظن أن الإِحرام لا يمنعه من محرماته، أو لا يمنعه من بعضها.\nوأما ما يوجب تعدد الفدية عند المالكية، فهو أن يفعل محظورات الإِحرام مترتبة بعضها بعد بعض، غير قريب منه، فإنه تلزمه بكل محظور فدية ولو كثر ذلك سواء كانت المحظورات من نوع واحد، كمن كرر التطيب، أو كرر اللبس، أو كرر الحلق في أوقات غير متقاربة. والظاهر أن القرب بحسب العرف، أو من أنواعٍ، كمن لبس مخيطًا، ثم تطيب، ثم حلق، فإن الفدية تتعدد في جميع ذلك إن لم يكن بعضه قريبًا من بعض، أو في وقت واحد، فإن احتاج إلى لبس قميص، ثم احتاج بعد ذلك إلى لبس سراويل، ففدية واحدة عندهم؛ لأن محل السراويل كان يستره القميص قبل لبس السراويل. أما إن احتاج إلى السراويل أولًا، ثم احتاج بعد ذلك إلى القميص، ففديتان؛ لأن القميص يستر من أعلى بدنه شيئًا ما كان يستره السراويل.","vol":"5","page":524},{"text":"هذا هو حاصل مذهب مالك في تعدد الفدية وعدمه في تعدد محظورات الإِحرام.\nوأما مذهب أبي حنيفة: فهو أنه إن تكرر منه موجب الفدية من نوع واحد في مجلس واحد فعليه كفارة واحدة، وهي فدية الأذى إن كان ذلك لعذر، ودم إن كان لغير عذر، وإن فعل ذلك في مجالس متعددة تعددت الكفارة. وقال محمد: لا تتعدد إلَّا إذا كفر عن الأول قبل فعل الثاني، فلو لبس قميصًا وقباء وسراويل وخفين يومًا كاملًا لزمه دم واحد، أو فدية واحدة؛ لأنها من جنس واحد، فصارت كجناية واحدة، وكذلك لو دام على لبس ذلك أيامًا، وكذا لو كان ينزعه بالليل، ويلبسه بالنهار لا يجب عليه إلَّا دم واحد إلَّا إذا نزعه على عزم الترك، ثم لبسه بعد ذلك، فإنه يجب عليه دم آخر؛ لأن اللبس الأول انفصل عن الثاني بالعزم على الترك، وكذا لو لبس قميصًا للضرورة، ولبس خفين من غير ضرورة فعليه دم وفدية؛ لأن السبب اختلف فلا يمكن التداخل، وكذلك لو طيب جميع أعضائه، فإن كان في مجلس واحد فعليه دم واحد إن كان لغير عذر، وفدية واحدة إن كان ذلك لعذر، وإن كان تطييب أعضائه في مجالس تعددت الفدية، أو الدم بتعدد الأعضاء التي طيبها في قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، سواء ذبح للأول أولم يذبح. وقال محمد: إن ذبح للأول فكذلك، وإن لم يذبح فعليه دم واحد. وإن اختلفت أسباب الفدية، كمن تطيب ولبس مخيطًا، أو تطيب وغطى رأسه يومًا كاملًا مثلًا تعددت الفدية، أو الدم سواء كان ذلك في مجلس واحد، أو في مجلسين. وقد قدمنا أنه لا خلاف في تعدد جزاء الصيد بتعدد","vol":"5","page":525},{"text":"الصيد. وما روي عن أحمد مما يخالف ذلك لم يصح لمخالفته صريح القرآن العظيم.\nهذا هو حاصل مذهب أبي حنيفة في المسألة.\nوأما مذهب أحمد في هذه المسألة فهو: أنه إن فعل محظورات متعددة من جنس واحد، كما لو حلق مرة بعد مرة، أو لبس مرة بعد مرة، أو تطيب مرة بعد مرة فعليه فدية واحدة، ولا تتعدد الفدية بتعدد الأسباب التي هي من نوع واحد، سواء كانت في مجلس واحد، أو مجالس متفرقة. ومحل هذا ما لم يكفر عن الفعل الأول، قبل الفعل الثاني، فلو تطيب مثلًا، ثم افتدى، ثم تطيب بعد الفدية لزمته فدية أخرى، لتطيبه بعد أن افتدى.\nوعن أحمد: أنه إن كرر ذلك لأسباب مختلفة، مثل أن لبس للبرد، ثم لبس للحر، ثم لبس للمرض فكفارات، وإن كان لسبب واحد فكفارة واحدة.\nوقد روى عنه الأثرم فيمن لبس قميصًا وجبة وعمامة وغير ذلك لعلة واحدة. قلت له: فإن اعتل فلبس جبة، ثم برأ ثم اعتل فلبس جبة، قال: هذا الآن عليه كفارتان. قاله في المغني. ثم قال: وعن الشافعي كقولنا، وعنه لا يتداخل. وقال مالك: تتداخل كفارة الوطء دون غيره. وقال أبو حنيفة: إن كرره في مجلس واحد فكفارة واحدة، وإن كان في مجالس فكفارات، لأن حكم المجلس الواحد حكم الفعل الواحد، بخلاف غيره.\nولنا أنما يتداخل إذا كان بعضه عقب بعض، يجب أن يتداخل وإن تفرق، كالحدود وكفارة الأيمان، ولأن الله تعالى أوجب في حلق","vol":"5","page":526},{"text":"الرأس فدية واحدة، ولم يفرق بين ما وقع في دفعة أو دفعات. والقول بأنه لا يتداخل غير صحيح، فإنه إذا حلق رأسه لا يمكن إلَّا شيئًا بعد شيء. انتهى من المغني.\nوأما إن كانت المحظورات من أجناس مختلفة، كأن حلق، ولبس، وتطيب، ووطئ فعليه لكل واحد منها فدية، سواء فعل ذلك مجتمعًا أو متفرقًا. قال في المغني: وهذا مذهب الشافعي.\nوعن أحمد: أن في الطيب واللبس والحلق فدية واحدة، وإن فعل ذلك واحدًا بعد واحد، فعليه لكل واحد دم، وهو قول إسحاق.\nوقال عطاء وعمرو بن دينار. إذا حلق ثم احتاج إلى الطيب أو إلى قلنسوة، أو إليهما، ففعل ذلك فليس عليه إلَّا فدية.\nوقال الحسن: إن لبس القميص، وتعمم، وتطيب فعل ذلك جميعًا فليس عليه إلَّا كفارة واحدة. ونحو ذلك عن مالك.\nولنا أنها محظورات مختلفة الأجناس، فلم تتداخل أجزاؤها كالحدود المختلفة، والأيمان المختلفة، وعكسه ما إذا كان من جنس واحد. اهـ من المغني.\nوهذا هو حاصل مذهب أحمد في المسألة.\nوأما مذهب الشافعي في هذه المسألة: فهو أن المحظورات تنقسم عند الشافعية إلى استهلاك، كالحلق، والقلم، والصيد، وإلى استمتاع وترفه، كالطيب، واللباس، ومقدمات الجماع، فإذا فعل محظورين، فله ثلاثة أحوال:\nأحدها: أن يكون أحدهما: استهلاكًا، والآخر: استمتاعًا، فينظر إن لم يستند إلى سبب واحد، كالحلق، ولبس القميص تعددت","vol":"5","page":527},{"text":"الفدية كالحدود المختلفة، وإن استند إلى سبب واحد، كمن أصابت رأسه شجة، واحتاج إلى حلق جوانبها، وسترها بضماد، وفيه طيب، ففي تعدد الفدية وجهان، والصحيح منهما تعددها.\nالحال الثاني: أن يكون استهلاكًا وهو على ثلاثة أضرب:\nالأول: أن يكون مما يقابل بمثله، وهو الصيد، فتتعدد الفدية بتعدده بلا خلاف عندهم، سواء فدى عن الأول، أم لا، وسواء اتحد الزمان والمكان، أو اختلفا كضمان المتلفات.\nالضرب الثاني: أن يكون أحدهما مما يقابل بمثله، دون الآخر كالصيد والحلق، فتتعدد بلا خلاف.\nالضرب الثالث: أن لا يقابل واحد منهما بمثله، فينظر إن اختلف نوعهما، كحلق، وطيب، أو لباس، وحلق، تعددت الفدية، سواء فرق بينهما، أو والى في مكان، أو مكانين بفعلين، أم بفعل واحد، وإن لبس ثوبًا مطيبًا فوجهان عندهم، الصحيح المنصوص منهما: أن عليه فدية واحدة، والثاني: عليه فديتان. وإن اتحد النوع، فإن كرر الحلق، وكان ذلك في وقت واحد لزمته فدية واحدة، كمن يحلق رأسه شيئًا بعد شيء في وقت واحد، ولو طال الزمان، وهو في أثناء الحلق، فهو كما لو حلف لا يأكل في اليوم إلَّا مرة واحدة، فوضع الطعام، وجعل يأكل لقمة لقمة من بكرة إلى العصر، فإنه لا يحنث عندهم.\nوأما إن كان الحلق في أمكنة متعددة، أو في مكان واحد في أوقات متفرقة ففيه عندهم طريقان:\nأصحهما: تتعدد الفدية، فتفرد كل مرة بحكمها، فإن كان حلق","vol":"5","page":528},{"text":"في كل مرة ثلاث شعرات فصاعدًا وجب لكل مرة فدية، وإن كانت شعرة أو شعرتين، ففيها الأقوال السابقة الأربعة: وهي أنه قيل في الشعرة الواحدة: مد. وقيل: درهم. وقيل: ثلث دم، وقيل: دم كامل وحكم الشعرتين معروف من هذا كما تقدم إيضاحه.\nالطريق الثاني: أن في المسألة قولين: بالتعدد، وعدمه. وعدم التعدد: هو القديم، والتعدد: هو الجديد.\nوإن حلق عندهم ثلاث شعرات في ثلاثة أمكنة، أو ثلاثة أزمنة متفرقة ففي ذلك عندهم طريقان:\nأصحهما: أنه يفرد كل شعرة بحكمها، وفيها الأقوال الأربعة الماضية.\nوالطريق الثاني: هو تفريع ذلك على القول بالتداخل وعدمه. فإن قلنا بالتداخل لزمته فدية كاملة، لأنه كأنه قطع الشعرات الثلاث في وقت واحد، وإن قلنا بعدمه، وهو الصحيح عندهم، فلكل شعرة حكمها، كما تقدم في الطريق الصحيح عندهم.\nولو أخذ ثلاث شعرات في وقت واحد من ثلاثة مواضع من بدنه ففيه عندهم طريقان:\nأصحهما: لزوم الفدية، كما لو أخذها من موضع واحد.\nوالطريق الثاني: فيه وجهان: أحدهما: هذا الذي ذكرناه آنفًا. والثاني: أنه كما لو أزالها في أزمنة متفرقة، أو أمكنة متفرقة، فيجري على الخلاف في ذلك. وقد قدمنا أن حكم الأظفار عندهم كحكم الشعر.\nالحال الثالث: أن يكون استمتاعًا، فإن اتحد النوع بأن تطيب","vol":"5","page":529},{"text":"بأنواع من الطيب، أو لبس أنواعًا من الثياب، كعمامة وقميص وسراويل، وخف، أو استعمل نوعًا واحدًا مرات، فإن فعل ذلك متواليًا من غير أن يتخلله تكفير عن الأول ففدية واحدة تكفي للجميع، وإن تخلله تكفير وجبت الفدية للثاني أيضًا، وإن فعل ذلك في مكانين، أو زمانين متفرقين فإن تخللهما تكفير وجبت الفدية للثاني، وإن لم يتخللهما تكفير فقولان: الأصح عندهم منهما  - وهو الجديد -: تعدد الفدية، والقديم: تتداخل، ولا تتعدد وإن اختلف النوع، بأن لبس وتطيب في مجلس واحد قبل أن يكفر عن الأول منهما، أو فعلهما معًا، ففيه ثلاثة أوجه مشهورة عندهم.\nأصحها: تعدد الفدية لاختلاف نوع السبب.\nالثاني: تجب فدية واحدة؛ لأنهما استمتاع، فيتداخلان، لاتحاد الجنس.\nالثالث: التفصيل، فإن اتحد سببهما بأن أصابته شجة، واحتاج في مداواتها إلى طيب وسترها لزمته فدية واحدة، وإن لم يتحد السبب: ففديتان، وهذا كله في غير الجماع، وقد قدمنا حكم تعدد الجماع، وفيه للشافعية خمسة أقوال:\nأصحها: تجب بالجماع. الأول: بدنة، وبالثاني: شاة.\nوالثاني: تجب بكل جماع بدنة.\nالثالث: تكفي بدنة واحدة عن الجميع.\nالرابع: إن كفر عن الأول قبل الجماع الثاني وجبت الكفارة للثاني، وهي شاة في الأصح، وبدنة في القول الآخر، وإن لم يكن كفر عن الأول كفته بدنة عنهما.","vol":"5","page":530},{"text":"والخامس: إن طال الزمان بين الجماعين، أو اختلف المجلس وجبتا كفارة أخرى لثاني، وفيها القولان، وإلَّا فكفارة واحدة. وإن وطئ مرة ثالثة ورابعة، أو أكثر ففيه الأقوال المذكورة. الأظهر تجب للأول بدنة، ولكل جماع بعد ذلك شاة.\nوالثاني: تجب بكل جماع بدنة إلى آخر الأقوال المذكورة آنفًا. هذا هو حاصل مذهب الشافعي في المسألة.\nولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الحج في الكلام على آية الحج هذه خوف الإِطالة المملة.\nتنبيهان\nالأول: اعلم أن مسألة الإِحصار والفوات قد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة البقرة، ومسألة الصيد وجزائه في الإِحرام، أو أحد الحرمين، وأشجار الحرمين، ونباتهما ونحو ذلك، وصيدهما (^١). وقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة المائدة. وأحكام الهدي سيأتي تفصيلها إن شاء الله في الآيات الدالة عليها من سورة الحج هذه.\nالتنبيه الثاني: اعلم أن جميع ما ذكرنا في هذا الفصل من تعدد الفدية، وعدم تعددها، إذا تعددت أسبابها لا نص فيه من كتاب، ولا سنَّة فيما نعلم، واختلاف أهل العلم فيه كما ذكرنا من نوع الاختلاف في تحقيق المناط. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1071> قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾</span>.\nاللام في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا﴾ هي لام التعليل، وهي متعلقة\n_________\n(^١) في الأصل: وصيد.","vol":"5","page":531},{"text":"بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ الآية، أي: إن تؤذن فيهم يأتوك مشاةً وركبانًا، لأجل أن يشهدوا، أي: يحضروا منافع لهم، والمراد بحضورهم المنافع: حصولها لهم.\nوقوله: ﴿مَنَافِعَ﴾ جمع منفعة. ولم يبين هنا هذه المنافع ما هي؟ وقد جاء بيان بعضها في بعض الآيات القرآنية، وأن منها ما هو دنيوي، وما هو أخروي، أما الدنيوي فكأرباح التجارة إذا خرج الحاج بمال تجارة معه، فإنه يحصل له الربح غالبًا، وذلك نفع دنيوي.\nوقد أطبق علماء التفسير على أن معنى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ أنه ليس على الحاج إثم ولا حرج إذا ابتغى ربحًا بتجارة في أيام الحج، إن كان ذلك لا يشغله عن شيء من أداء مناسكه كما قدمنا إيضاحه.\nفقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فيه بيان لبعض المنافِع المذكورة في آية الحج هذه، وهذا نفع دنيوي.\nومن المنافع الدنيوية ما يصيبونه من البدن والذبائح كما يأتي تفصيله إن شاء الله قريبًا، كقوله في البدن: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أحد التفسيرين، وقوله: ﴿فَكُلُوْا مِنْهَا﴾ في الموضعين. وكل ذلك نفع دنيوي. وفي ذلك بيان أيضًا لبعض المنافع المذكورة في آية الحج هذه.\nوقد بينت آية البقرة  - على ما فسرها به جماعة من الصحابة ومن بعدهم، واختاره أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسيره، ووجه","vol":"5","page":532},{"text":"اختياره له بكثرة الأحاديث الدالة عليه -  أن من المنافع المذكورة في آية الحج: غفران ذنوب الحاج حتى لا يبقى عليه إثم إن كان متقيًا ربه في حجه بامتثال ما أمر به، واجتناب ما نهى عنه.\nوذلك أنه قال: إن معنى قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أن الحاج يرجع مغفورًا له، ولا يبقى عليه إثم سواء تعجل في يومين، أو تأخر إلى الثالث، ولكن غفران ذنوبه هذا مشروط بتقواه وبه في حجه، كما صرح به في قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ الآية، أي: وهذا الغفران للذنوب، وحط الآثام إنما هو لخصوص من اتقى.\nومعلوم أن هذه الآية الكريمة فيها أوجه من التفسير غير هذا.\nوممن نقل عنهم ابن جرير أن معناها: أنه يغفر للحاج جميع ذنوبه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر: علي، وعبد الله بن مسعود، وابن عباس، وابن عمر، ومجاهد، وإبراهيم، وعامر، ومعاوية بن قرة.\nولما ذكر أقوال أهل العلم فيها قال: وأولى هذه الأقوال بالصحة قول من قال: تأويل ذلك: فمن تعجل في يومين من أيام منى الثلاثة، فنفر في اليوم الثاني، فلا إثم عليه؛ يحط الله ذنوبه إن كان قد اتقى في حجه، فاجتنب فيه ما أمر الله باجتنابه، وفعل فيه ما أمر الله بفعله، وأطاعه بأدائه على ما كلفه من حدوده. ومن تأخر إلى اليوم الثالث منهن، فلم ينفر إلا النفر الثاني، حتى نفر من غد النفر الأول، فلا إثم عليه، لتكفير الله له ما سلف من آثامه وأجرامه إن كان اتقى الله في حجه بأدائه بحدوده.","vol":"5","page":533},{"text":"وإنما قلنا: إن ذلك أولى تأويلاته؛ لتظاهر الأخبار عن رسول الله  - ﷺ -  أنه قال: \"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه\" وأنه قال: \"تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة\" وساق ابن جرير ﵀ بأسانيده أحاديث دالة على ذلك، ففي لفظ له أن النبي  - ﷺ -  قال: \"تابعوا بين الحج والعمرة فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب والفضة، وليس للحجة المبرورة ثواب دون الجنة\" وفي لفظ له عن عمر يبلغ به النبي  - ﷺ -  قال: تابعوا بين الحج والعمرة، فإن المتابعة بينهما تنفي الفقر والذنوب كما ينفي الكير الخبث أو خبث الحديد\" وفي لفظ له عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"إذا قضيت حجَّك فأنت مثل ما ولدتك أمك\" وما أشبه ذلك من الأخبار التي يطول بذكر جميعها الكتاب مما ينبيء عن أن من حج، فقضاه بحدوده على ما أمره الله، فهو خارج من ذنوبه، كما قال جل ثناؤه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى﴾ الله في حجه، فكان في ذلك من قول رسول الله  - ﷺ -  = ما يوضح أن معنى قوله ﷿: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ أنه خارج من ذنوبه، محطوطة عنه آثامه، مغفورة أجرامه. . . إلى آخر كلامه الطويل في الموضوع.\nوقد بين فيه أنه لا وجه لقول من قال: إن المعنى لا إثم عليه في تعجله، ولا إثم عليه في تأخره؛ لأن التأخر إلى اليوم الثالث، لا يحتمل أن يكون فيه إثم، حتى يقال فيه ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وأن قول من قال: إن سبب النزول أن بعضهم كان يقول: التعجل لا يجوز، وبعضهم يقول: التأخر لا يجوز. فمعنى الآية: النهي عن تخطئة","vol":"5","page":534},{"text":"المتأخر المتعجل كعكسه، أي: لا يؤثمن أحدهما الآخر، أن هذا القول خطأ؛ لمخالفته لقول جميع أهل التأويل.\nوالحاصل: أنه - أعني الطبري - بين كثيرًا من الأدلة على أن معنى الآية: هو ما ذكر من أن الحاج يخرج مغفورًا له، كيوم ولدته أمه، لا إثم عليه، سواء تعجل في يومين، أو تأخر. وقد يظهر للناظر أن ربط نفي الإِثم في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ بالتعجل والتأخر في الآية ربط الجزاء بشرطه يتبادر منه أن نفي الإِثم إنما هو في التعجل والتأخر، ولكن الأدلة التي أقامها أبو جعفر الطبري على المعنى الذي اختار فيها فيه مقنع، وتشهد لها أحاديث كثيرة، وخير ما يفسر به القرآن بعد القرآن سنة النبي - ﷺ -.\nفقوله في آية البقرة هذه: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ هو معنى قوله - ﷺ -: \"رجع كيوم ولدته أمه\" وقوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ هو معنى قوله - ﷺ -: \"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق\" لأن من لم يرفث، ولم يفسق، هو الذي اتقى.\nومن كلام ابن جرير الطويل الذي أشرنا إليه أنه قال ما نصه: فإن قال قائل: ما الجالب لللام في قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وما معناها؟\nقيل: الجالب لها معنى قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ لأن في قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ معنى: حططنا ذنوبه، وكفرنا آثامه، فكان في ذلك معنى جعلنا تكفير الذنوب لمن اتقى الله في حجه، وترك ذكر جعلنا تكفير الذنوب اكتفاء بدلالة قوله: ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ وقد زعم بعض نحويي البصرة أنه كأنه إذا ذكر هذه الرخصة، فقد أخبر عن أمر فقال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي: هذا لمن اتقى، وأنكر بعضهم ذلك من قوله.","vol":"5","page":535},{"text":"وقد زعم أن الصفة لا بدَّ لها من شيء تتعلق به؛ لأنها لا تقوم بنفسها، ولكنها فيما زعم من صلة قول متروك.\nفكان معنى الكلام عنده ما قلنا من أن من تأخر لا إثم عليه لمن اتقى، وقام قوله: ﴿وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ مقام القول. انتهى محل الغرض من كلام ابن جرير.\nوعلى تفسير هذه الآية الكريمة بأن معنى ﴿فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ في الموضعين أن الحاج يغفر جميع ذنوبه، فلا يبقى عليه إثم، فغفران جميع ذنوبه هذا الذي دل عليه هذا التفسير من أكبر المنافع المذكورة في قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ وعليه فقد بينت آية البقرة هذه بعض ما دلت عليه آية الحج، وقد أوضحت السنَّة هذا البيان بالأحاديث الصحيحة التي ذكرنا كحديث \"من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه\" وحديث \"الحج المبرور ليس له جزاء إلَّا الجنة\".\nومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن حديث \"إن الله يباهي بأهل عرفة أهل السماء\" الحديث كما تقدم.\nومن تلك المنافع التي لم يبينها القرآن تيسر اجتماع المسلمين من أقطار الدنيا في أوقات معينة، في أماكن معينة ليشعروا بالوحدة الإِسلامية، ولتمكن استفادة بعضهم من بعض فيما يهم الجميع من أمور الدنيا والدين، وبدون فريضة الحج لا يمكن أن يتسنى لهم ذلك، فهو تشريع عظيم من حكيم خبير. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1072> قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾</span>.\nقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا﴾ منصوب بحذف النون؛ لأنه معطوف","vol":"5","page":536},{"text":"على المنصوب بأن المضمرة بعد لام التعليل، أعني قوله: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾.\nوإيضاح المعنى: وأذن في الناس بالحج يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يتقربوا إليه بإراقة دماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، مع ذكرهم اسم الله عليها عند النحر والذبح. وظاهر القرآن يدل على أن هذا التقرب بالنحر في هذه الأيام المعلومات إنما هو الهدايا، لا الضحايا؛ لأن الضحايا لا يحتاج فيها إلى الأذان بالحج، حتى يأتي المضحون مشاة وركبانًا، وإنما ذلك في الهدايا على ما يظهر، ومن هنا ذهب مالك، وأصحابه إلى أن الحاج بمنى لا تلزمه الأضحية ولا تسن له، وكل ما يذبح في ذلك المكان والزمان فهو يجعله هديًا، لا أضحية.\nوقوله: ﴿لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ﴾ أي: على نحر وذبح ما رزقهم ﴿مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ليتقربوا إليه بدمائها؛ لأن ذلك تقوى منهم، فهو يصل إلى ربهم كما في قوله تعالى: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ وقد بين في بعض المواضع أنه لا يجوز الأكل مما لم يذكر اسم الله عليه منها، كقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ وقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل الحرم المكي منسكًا تراق فيه الدماء تقربًا إلى الله، ويذكر عليها عند تذكيتها اسم الله، ولم يبين في هذه الآية هل وقع مثل هذا لكل أمة من الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾.\nوإذا علمت أن من حكم الأذان في الناس بالحج، ليأتوا مشاة،","vol":"5","page":537},{"text":"وركبانًا تقربهم إلى ربهم بدماء الأنعام، ذاكرين عليها اسم الله عند تذكيتها، وأن الآية أقرب إلى إرادة الهدي من إرادة الأضحية، فدونك تفصيل أحكام الهدايا التي دعوا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم منها.\nاعلم أولًا: أن الهدي قسمان: هدي واجب، وهدي غير واجب بل تطوع به صاحبه تقربًا للَّه تعالى. والأيام المعلومات التي ذكر الله ﷿ أنه يذبح فيها، ويذكر عليه اسم الله فيها، للعلماء فيها أقوال كثيرة.\nوالتحقيق إن شاء الله تعالى: أن غير اثنين من تلك الأقوال الكثيرة باطل لا يعول عليه، وأن المعول عليه منها اثنان؛ لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي أيام النحر، بدليل قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وذكرهم الله عليها يعني التسمية عند تذكيتها. فاتضح أنها أيام النحر، والقولان المعول عليهما دون سائر الأقوال الأخرى أحدهما: أنها يوم النحر: ويومان بعده، وعليه فلا يذبح الهدي، ولا الأضحية في اليوم الأخير من أيام منى، الذي هو اليوم الثالث عشر من ذي الحجة.\nقال ابن قدامة في المغني: وهذا القول نص عليه أحمد، وقال: وهو عن غير واحد من أصحاب رسول الله  - ﷺ -، ورواه الأثرم عن ابن عمر، وابن عباس، وبه قال مالك والثوري، ويروى عن علي ﵁ أنه قال: أيام النحر: يوم الأضحى، وثلاثة أيام بعده. وبه قال الحسن، وعطاء، والأوزاعي، والشافعي، وابن المنذر. انتهى محل الغرض منه.\nوقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: اختلفوا كم أيام النحر. فقال مالك: ثلاثة، يوم النحر ويومان بعده. وبه قال","vol":"5","page":538},{"text":"أبو حنيفة، والثوري، وأحمد بن حنبل. وروى ذلك عن أبي هريرة، وأنس بن مالك، من غير اختلاف عنهما.\nوقال الشافعي: أربعة أيام، يوم النحر، وثلاثة بعده. وبه قال الأوزاعي، وروي ذلك عن علي ﵁، وابن عباس، وابن عمر ﵃، وروي عنهم أيضًا مثل قول مالك وأحمد. اهـ محل الغرض منه.\nوقال أيضًا: قال أبو عمر بن عبد البر: أجمع العلماء على أن يوم النحر: يوم أضحى. وأجمعوا على ألا أضحي بعد انسلاخ ذي الحجة، ولا يصح عندي في هذه إلَّا قولان:\nأحدهما: قول مالك والكوفيين.\nوالآخر: قول الشافعي، والشاميين، وهذان القولان مرويان عن الصحابة، فلا معنى للاشتغال بما خالفهما؛ لأن ما خالفهما لا أصل له في السنَّة، ولا في قول الصحابة، وما خرج عن هذين فمتروك لهما. اهـ.\nوقال النووي في شرح المهذب: في وقت ذبح الهدي طريقان: أصحهما وبه قطع العراقيون وغيرهم: أنه يختص بيوم النحر وأيام التشريق.\nوالثاني: فيه وجهان أصحهما: هذا، والثاني: لا يختص بزمان كدماء الجبران. فعلى الصحيح لو أخر الذبح حتى مضت هذه الأيام، فإن كان الهدي واجبًا لزمه ذبحه، ويكون قضاء، وإن كان تطوعًا فقد فات الهدي.\nقال الشافعي والأصحاب: فإن ذبحه كان شاة لحم لا نسكًا. اهـ محل الغرض منه.","vol":"5","page":539},{"text":"وذكر النووي عن الرافعي أنه في بعض المواضع من كتابه في باب صفة الحج جزم بأنه لا يختص بيوم النحر، وأيام التشريق، وأنه ذكر المسألة على الصواب في باب الهدي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: القول بعدم الاختصاص بيوم النحر ويومين، أو ثلاثة بعده ظاهر البطلان، لأن عدم الاختصاص يجعل زمن النحر مطلقًا، وليس مقيدًا بزمان، وهذا يرده صريح قوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فجعل ظرفه أيامًا معلومات يرد الإِطلاق في الزمن ردًا لا ينبغي أن يختلف فيه كما ترى.\nوقال النووي أيضًا في شرح المهذب: اتفق العلماء على أن الأيام المعدودات هي: أيام التشريق، وهي ثلاثة بعد يوم النحر. اهـ.\nولا وجه للخلاف في ذلك، مع أنه يدل عليه قوله تعالى متصلًا به: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية. والمراد بذلك: أيام الرمي التي هي أيام التشريق كما ترى. ثم قال النووي: وأما الأيام المعلومات فمذهبنا: أنها العشر الأوائل من ذي الحجة إلى آخر يوم النحر. انتهى محل الغرض منه.\nوعزا ابن كثير هذا القول لابن عباس قال: وعلقه عنه البخاري بصيغة الجزم. ونقله ابن كثير أيضًا عن أبي موسى الأشعري، ومجاهد، وقتادة، وعطاء، وسعيد بن جبير، والحسن، والضحاك، وعطاء الخرساني، وإبراهيم النخعي. قال: وهو مذهب الشافعي، والمشهور عن أحمد بن حنبل، ثم شرع يذكر الأحاديث الدالة على فضل الأيام العشرة الأول من ذي الحجة.","vol":"5","page":540},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: تفسير الأيام المعلومات في آية الحج هذه بأنها العشر الأول من ذي الحجة إلى آخر يوم النحو لا شك في عدم صحته وإن قال به من أجلاء العلماء، وبعض أجلاء الصحابة من ذكرنا.\nوالدليل الواضح على بطلانه أن الله بين أنها أيام النحر بقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وهو ذكره بالتسمية عليها عند ذبحها تقربًا إليه كما لا يخفى. والقول: بأنها العشرة المذكورة يقتضي أن تكون العشرة كلها أيام نحر، وأنه لا نحر بعدها. وكلا الأمرين باطل كما ترى، لأن النحر في التسعة التي قبل يوم النحر لا يجوز، والنحر في اليومين بعده جائز. وكذلك الثالث عند من ذكرنا، فبطلان هذا القول واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه الأول، وقال مالك: هي ثلاثة أيام: يوم النحر، ويومان بعده، فالحادي عشر، والثاني عشر عنده من المعلومات، والمعدودات.\nوقال أبو حنيفة المعلومات: ثلاثة أيام: يوم عرفة، والنحر والحادي عشر. وقال علي ﵁: المعلومات أربعة: يوم عرفة والنحر ويومان بعده.\nوفائدة الخلاف: أن عندنا يجوز ذبح الهدايا والضحايا في أيام التشريق كلها، وعند مالك لا يجوز في اليوم الثالث. هذا كلام صاحب البيان. انتهى من النووي. وقد سكت على كلام صاحب البيان: وهو باطل بطلانًا واضحًا، لأن القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة الأول لا يدل على جواز الذبح فيما بعد يوم النحر لأنه آخرها، وقد يدل على جواز الذبح قبل النحر في جميع التسعة الأول،","vol":"5","page":541},{"text":"لأن القرآن دل على أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح كما بينا مرارًا، فإن كانت هي العشرة، كانت العشرة هي ظرف الذبح، فلا يجوز فيما قبلها ولا بعدها، ولكنه يجوز في جميعها. وبطلان هذا واضح كما ترى. ثم قال النووي متصلًا بكلامه السابق.\nوقال العبدري: فائدة وصفه بأنه معلوم جواز النحر فيه، وفائدة وصفه بأنه معدود انقطاع الرمي فيه. وقال: وبمذهبنا قال أحمد، وداود.\nوقال الإِمام أبو إسحاق الثعلبي في تفسيره: قال أكثر المفسرين: الأيام المعلومات: هي عشر ذي الحجة. قال: وإنما قيل لها: معلومات للحرص على علمها من أجل أن وقت الحج في آخرها.\nقال: وقال مقاتل: المعلومات أيام التشريق. وقال محمد بن كعب: المعلومات والمعدودات واحد.\nقلت: وكذا نقل القاضي أبو الطيب والعبدري، وخلائق إجماع العلماء على أن المعدودات: هي أيام التشريق. وأما ما نقله صاحب البيان عن ابن عباس فخلاف المشهور عنه.\nفالصحيح المعروف عن ابن عباس: أن المعلومات: أيام العشر كلها كمذهبنا، وهو مما احتج به أصحابنا، كما سأذكره قريبًا إن شاء الله.\nواحتج لأبي حنيفة، ومالك بأن الله تعالى قال: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وأراد بذكر اسم الله في الأيام المعلومات: تسمية الله تعالى","vol":"5","page":542},{"text":"على الذبح، فينبغي أن يكون ذكر اسم الله تعالى في جميع المعلومات، وعلى قول الشافعي لا يكون ذلك إلا في يوم واحد منها، وهو يوم النحر.\nواحتج أصحابنا بما رواه سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: الأيام المعلومات: أيام العشر، والمعدودات: أيام التشريق. رواه البيهقي بإسناد صحيح.\nواستدلوا أيضًا بما استدل به المزني في مختصره: وهو أن اختلاف الأسماء يدل على اختلاف المسميات، فلما خولف بين المعدودات والمعلومات في الاسم دل على اختلافهما، وعلى ما يقول المخالفون يتداخلان في بعض الأيام. والجواب عن الآية من وجهين:\nأحدهما: جواب المزني: أنه لا يلزم من سياق الآية وجود الذبح في الأيام المعلومات، بل يكفي وجوده في آخرها، وهو يوم النحر.\nقال المزني والأصحاب: ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ وليس هو نورًا في جميعها، بل في بعضها.\nالثاني: أن المراد بالذكر في الآية الذكر على الهدايا، ونحن نستحب لمن رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر أن يكبر، واللَّه أعلم. انتهى كلام النووي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن مذهب الشافعية في الأيام المعلومات خلاف الصواب وإن قال به من قال من أجلاء العلماء، وأن الأجوبة التي أجابوا بها عن","vol":"5","page":543},{"text":"الاعتراضات الواردة عليه لا ينهض شيء منها؛ لما قدمنا من أن الله بين في كتابه أن الأيام المعلومات هي ظرف الذبح والنحر، فتفسيرها بأنها العشرة الأول يلزمه جواز الذبح في جميعها، وعدم جوازه بعد غروب شمس اليوم العاشر. وهذا كله باطل كما ترى.\nوزعم المزني ﵀: أن الآية كقوله: ﴿وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا﴾ ظاهر السقوط؛ لأنه كون القمر كوكبًا واحدًا، والسموات سبعًا طباقًا قرينة دالة على أنه في واحدة منها دون الست الأخرى.\nوأما قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فظاهره المتبادر منه أن جميع الأيام المعلومات ظرف لذكر الله على الذبائح، وليس هنا قرينة تخصصه ببعضها دون بعض، فلا يجوز التخصيص ببعضها إلا بدليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا هنا. وتفسيرهم ذكر اسم الله عليها بأن معناه: أن من رأى هديًا أو شيئًا من بهيمة الأنعام في العشر استحب له أن يكبر، وأن ذلك التكبير هو ذكر الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام ظاهر السقوط كما ترى؛ لأنه مخالف لتفسير عامة المفسرين للآية الكريمة.\nوالتحقيق في تفسيرها ما هو مشهور عند عامة أهل التفسير، وهو ذكر اسم الله عليها عند التذكية، كما دل عليه قوله بعده مقترنًا به ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ الآية، وتداخل الأيام لا يمنع من مغايرتها؛ لأن الأعمين من وجه متغايران إجماعًا مع تداخله في بعض الصور.\nومما يبطل القول بأن الأيام المعلومات هي العشرة المذكورة أن","vol":"5","page":544},{"text":"كونها العشرة المذكورة يستلزم عدم جواز الذبح بعد غروب شمس اليوم العاشر، وهو خلاف الواقع؛ لجواز الذبح في الحادي عشر والثاني عشر، بل والثالث عشر عند الشافعية.\nوالتحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: أن الأيام المعدودات: هي أيام التشريق التي هي أيام رمي الجمرات. وحكى عليه غير واحد الإِجماع، ويدل عليه قوله تعالى متصلًا به: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ الآية، وأن الأيام المعلومات: هي: أيام النحر، فيدخل فيها يوم النحر واليومان بعده، والخلاف في الثالث عشر، هل هو منها كما مر تفصيله؟ وقد رجح بعض أهل العلم أن الثالث عشر منها. ورجح بعضهم: أنه ليس منها.\nوقد قال ابن قدامة في المغني في ترجيح القول بأنه ليس منها ما نصه: ولنا \"أن النبي  - ﷺ -  نهى عن الأكل من النسك فوق ثلاث\" وغير جائز أن يكون الذبح مشروعًا في وقت يحرم فيه الأكل، ثم نسخ تحريم الأكل، وبقي وقت الذبح بحاله، ولأن اليوم الرابع: لا يجب فيه الرمي، فلم يجز فيه الذبح كالذي بعده.\nومما رجح به بعضهم أن اليوم الرابع منها: أنه يؤدي فيه بعض المناسك: وهو الرمي إذا لم يتعجل، فهو كسابقيه من أيام التشريق. والعلم عند الله تعالى.\nومما يوضح أن الأيام المعلومات هي: أيام النحر، سواء قلنا: إنها ثلاثة، أو أربعة: أن الله نص على أنها هي التي يذكر فيها اسم الله، أي: عند التذكية، على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، كما قدمنا إيضاحه.","vol":"5","page":545},{"text":"وإذا عرفت كلام أهل العلم في الأيام المعلومات التي هي زمن الذبح. فاعلم: أن العلماء اختلفوا في لياليها، هل يجوز فيها الذبح؟ فذهب مالك، وأصحابه: إلى أنه لا يجوز ذبح النسك ليلًا، فإن ذبحه ليلًا لم يجز، وتصير شاة لحم لا نسك، وهو رواية عن أحمد، وهي ظاهر كلام الخرقي. وذهب الشافعي، وأصحابه إلى جواز الذبح ليلًا. قال النووي: وبه قال أبو حنيفة، وإسحاق، وأبو ثور، والجمهور وهو الأصح عن أحمد.\nوحجة من قال: لا يجوز الذبح ليلًا أن الله خصصه بلفظ الأيام في قوله: ﴿فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ﴾ قالوا: وذكر اليوم يدل على أن الليل ليس كذلك.\nوحجة من أجازه: أن الأيام تطلق لغة على ما يشمل الليالي، وتخصيصه بالأيام أحوط؛ لمطابقة لفظ القرآن. والعلم عند الله تعالى.\nوإذا علمت وقت نحر الهدي وأن الهدي نوعان: واجب، وغير واجب، وهو هدي التطوع، فهذه تفاصيل أحكام كل منهما.\nأما الهدي الواجب فهو بالتقسيم الأول نوعان:\nأحدهما: هدي واجب بالنذر، وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾.\nوهدي واجب بغير النذر، وهو أيضًا ينقسم إلى قسمين:\nأحدهما: الهدي المنصوص عليه.\nوالثاني: الهدي المسكوت عنه، ولكن العلماء قاسوه على الهدي المنصوص عليه.","vol":"5","page":546},{"text":"أما المنصوص عليه فهو أربعة أقسام:\nالأول: هدي التمتع، ويدخل فيه القران؛ لأن الصحابة ﵃ جاء عنهم التصريح بأن اسم التمتع في الآية صادق بالقران، كما قدمناه واضحًا عن ابن عمر، وعمران بن حصين، وغيرهما. والصحابة هم أعلم الناس بلغة الرب وبدلالة القرآن.\nوهدي التمتع المذكور منصوص في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nالثاني: دم الإِحصار المنصوص عليه في قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nالثالث: دم جزاء الصيد المنصوص عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ الآية.\nالرابع: دم فدية الأذى المذكور في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾.\nوهذه الدماء الأربعة اثنان منها على التخيير، وهما: دم الفدية في قوله: ﴿فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ﴾ كما قدمنا إيضاحه. والثاني: جزاء الصيد، فهو على التخيير أيضًا كما قدمنا إيضاحه مستوفي في الكلام على قوله: ﴿يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية.\nوقد أوضحنا الكلام على التخيير فيهما غاية الإِيضاح بما أغنى عن إعادته هنا.\nوواحد من الدماء الأربعة المذكورة على الترتيب إجماعًا، وهو","vol":"5","page":547},{"text":"دم التمتع الشامل للقران؛ لأن الله بين أنه على الترتيب بقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ ثم قال مبينًا الترتيب: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ الآية.\nوالرابع: من الدماء المذكورة اختلف فيه فمن قال: له بدل عند العجز عنه قال: هو على الترتيب، ومن قال: لا بدل له فالأمر على قوله واضح؛ لأنه ليس هناك تعدد، يقتضي الترتيب أو عدمه. وهذا القسم هو دم الإِحصار. وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ الآية.\nوالحاصل: أن ثلاثة من الدماء الأربعة المذكورة  - قد قدمنا الكلام على كل واحد منها -  بغاية الإِيضاح والاستيفاء، فدم الفدية قدمناه في مباحث آية الحج التي هي: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ﴾ في جملة مسائل الحج التي ذكرنا في الكلام عليها.\nودم جزاء الصيد قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ الآية.\nودم الإِحصار قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في البقرة في الكلام على قوله: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nوأما هدي التمتع، فلم يتقدم لنا فيه إيضاح، وسنبينه الآن.\nأما التمتع بالعمرة فمعلوم أن كل من اعتمر في أشهر الحج، ثم حل من عمرته، ثم حج من عامه، ولم يكن أهله حاضري المسجد الحرام أنه متمتع.\nوقد بينا أن الصحابة بينوا أنه يشمل القرآن من حيث أن كلًّا","vol":"5","page":548},{"text":"منهما عمرة في أشهر الحج مع الحج وإن كان بين حقيقتيهما اختلاف كما هو واضح.\nاعلم أولًا: أن العلماء اشترطوا لوجوب هدي التمتع شروطًا.\nمنها: ما هو مجمع عليه.\nومنها: ما هو مختلف فيه.\nالأول: أن يعتمر في أشهر الحج، فإن اعتمر في غير أشهر الحج لم يلزمه دم؛ لأنه لم يجمع بين النسكين في أشهر الحج، فلم يلزمه دم كالمفرد، ولا يخفى سقوط قول طاوس: إنه متمتع، كما لا يخفى سقوط قول الحسن: إن من اعتمر بعد النحر فهو متمتع.\nوقال ابن المنذر: لا نعلم أحدًا قال بواحد من هذين القولين. قاله في المغني.\nفإن أحرم بها في غير أشهر الحج، ولكنه أتى بأفعالها في أشهر الحج، ففي ذلك للعلماء قولان:\nأحدهما: يجب عليه الدم نظرًا إلى أفعال العمرة الواقعة في أشهر الحج.\nوالثاني: لا يجب عليه دم نظرًا إلى وقوع الإِحرام قبل أشهر الحج، وهو نسك لا تتم العمرة بدونه.\nولكليهما وجه من النظر، ولا نص فيهما. وممن قال بأنه لا دم عليه، وأنه غير متمتع: الإِمام أحمد.\nقال في المغني: ونقل معنى ذلك عن جابر، وأبي عياض، وهو قول إسحاق، وأحد قولي الشافعي، وقال طاوس: عمرته في","vol":"5","page":549},{"text":"الشهر الذي يدخل فيه الحرم. وقال الحسن، والحكم، وابن شبرمة، والثوري، والشافعي في أحد قوليه: عمرته في الشهر الذي يطوف فيه. وقال عطاء: عمرته في الشهر الذي يحل فيه، وهو قول مالك. وقال أبو حنيفة: إن طاف للعمرة أربعة أشواط قبل أشهر الحج فليس بمتمتع، وإن طاف الأربعة في أشهر الحج، فهو متمتع؛ لأن العمرة صحت في أشهر الحج، بدليل أنه لو وطئ أفسدها، فأشبه إذا أحرم بها في أشهر الحج. قاله في المغني. واللَّه تعالى أعلم.\nالشرط الثاني: أن يحج في نفس تلك السنَّة التي اعتمر في أشهر الحج منها: أما إذا كان حجه في سنة أخرى فلا دم عليه.\nقال صاحب المهذب: وذلك لما روى سعيد بن المسيب قال: كان أصحاب رسول الله  - ﷺ -  يعتمرون في أشهر الحج، فإذا لم يحجوا من عامهم ذلك لم يهدوا. قال: ولأن الدم إنما يجب لترك الإِحرام بالحج من الميقات، وهذا لم يترك الإِحرام بالحج من الميقات، فإنه إن أقام بمكة صارت مكة ميقاته، وإن رجع إلى بلده، وعاد فقد أحرم من الميقات.\nوقال النووي في الأثر المذكور: المروي عن ابن المسيب حسن. رواه البيهقي بإسناد حسن. ولا يخفي سقوط قول الحسن: إنه متمتع وإن لم يحج من عامه.\nالشرط الثالث: أن لا يعود إلى بلده، أو ما يماثله في المسافة. وقال بعضهم: يكفي في هذا الشرط أن يرجع إلى ميقاته فيحرم بالحج منه، وبعضهم يكتفي بمسافة القصر بعد العمرة، ثم يحرم للحج من مسافة القصر.","vol":"5","page":550},{"text":"والحاصل: أن الأئمة الأربعة متفقون على أن السفر بعد العمرة، والإِحرام بالحج من منتهى ذلك السفر مسقط لدم التمتع إلا أنهم مختلفون في قدر المسافة، فمنهم من يقول: لا بد أن يرجع بعد العمرة في أشهر الحج إلى المحل الذي جاء منه، ثم ينشئ سفرًا للحج، ويحرم من الميقات. وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع إلى بلده أو يسافر مسافة مساوية لمسافة بلده، وبعضهم يكفي عنده سفر مسافة القصر، وبعضهم يقول: يكفيه أن يرجع لإِحرام الحج إلى ميقاته وقد قدمنا أقوالهم مفصلة.\nودليلهم في ذلك ما فهموه من قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: لا فرق بين حاضري المسجد الحرام، وبين غيرهم إلا أن غيرهم ترفهوا بإسقاط أحد السفرين الذي هو السفر للحج بعد السفر للعمرة، وإن سافر للحج بعد العمرة زال السبب، فسقط الدم بزواله. وعضدوا ذلك بآثار رووها عن عمر وابنه ﵄. وقد قدمنا قولي العلماء في الشيء الذي ترجع إليه الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ وناقشنا أدلتهما، وبينا أنه على القول الذي يراه البخاري ﵀، ومن وافقه أن الإِشارة راجعة إلى نفس التمتع وأن أهل مكة لا متعة لهم أصلًا، فلا دليل في الآية على أقوال الأئمة التي ذكرنا، وعلى القول الآخر أن الإِشارة راجعة إلى حكم التمتع وهو لزوم ما استيسر من الهدى، والصوم عند العجز عنه، لا نفس التمتع فاستدلال الأئمة بها على الأقوال المذكورة له وجه من النظر كما ترى.\nوالحاصل: أن استدلالهم بها إنما يصح على أحد التفسيرين في مرجع الإشارة في الآية. وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفى.","vol":"5","page":551},{"text":"والأحوط عندي: إراقة دم التمتع ولو سافر؛ لعدم صراحة دلالة الآية في إسقاطه، وللاحتمال الآخر الذي تمسك به البخاري والحنفية كما تقدم إيضاحه. وممن قال بذلك الحسن. واختاره ابن المنذر لعموم الآية. قاله في المغني. والعلم عند الله تعالى.\nالشرط الرابع: أن يكون من غير حاضري المسجد الحرام. فأما إذا كان من حاضري المسجد الحرام فلا دم عليه؛ لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nوأظهر أقوال أهل العلم عندي في المراد بحاضري المسجد الحرام أنهم أهل الحرم، ومن بينه وبينه مسافة لا تقصر فيها الصلاة؛ لأن المسجد الحرام قد يطلق كثيرًا ويراد به الحرم كله، ومن على مسافة دون مسافة القصر، فهو كالحاضر، ولذا تسمى صلاته إن سافر من الحرم إلى تلك المسافة صلاة حاضر، فلا يقصرها، لا صلاة مسافر حتى يشرع له قصرها، فظهر دخوله في اسم حاضري المسجد الحرام بناء على أن المراد به جميع الحرم، وهو الأظهر خلافًا لمن خصه بمكة، ومن خصه بالحرم، ومن عممه في كل ما دون الميقات. وقد علمت أن هذا الشرط إنما يتمشى على أحد القولين في الآية.\nالشرط الخامس: ما قال به بعض أهل العلم من أنه يشترط نية التمتع بالحج إلى العمرة عند الإِحرام بالعمرة. قال: لأنه جمع بين عبادتين في وقت إحداهما، فافتقر إلى نية الجمع، كالجمع بين الصلاتين، وعلى الاشتراط المذكور فمحل نية التمتع هو وقت الإِحرام بالعمرة. وقال بعضهم: له نية التمتع ما لم يفرغ من أعمال العمرة كالخلاف في وقت نية الجمع بين الصلاتين، فقال بعضهم:","vol":"5","page":552},{"text":"ينوي عند ابتداء الأولى منهما، وقال بعضهم: له نية ما لم يفرغ من الصلاة الأولى. هكذا قاله بعض أهل العلم. وعليه فلو اعتمر في أشهر الحج، وهو لا ينوي الحج في تلك السنة، ثم بعد الفراغ من العمرة بدا له أن يحج في تلك السنة، فلا دم تمتع عليه. واشتراط النية المذكور عزاه صاحب الإِنصاف للقاضي، وأكثر الحنابلة، وحكي عدم الاشتراط بقيل، ثم قال: واختاره المصنف، والشارح، وقدمه في المحرر، والفائق. والظاهر سقوط هذا الشرط، وأنه متى حج بعد أن اعتمر في أشهر الحج من تلك السنة فعليه الهدي، لظاهر عموم الآية الكريمة، فتخصيصه بالنية تخصيص للقرآن بلا دليل يجب الرجوع إليه. ويؤيده أنهم يقولون: إن سبب وجوب الدم أنه ترفه بإسقاط سفر الحج، وتلك العلة موجودة في هذه الصورة. والعلم عند الله تعالى.\nالشرط السادس: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كون الحج والعمرة المذكورين عن شخص واحد، كأن يعتمر بنفسه، ويحج بنفسه، وكل ذلك عن نفسه، لا عن غيره، أو يحج شخص، ويعتمر عن شخص واحد. أما إذا حج عن شخص، واعتمر عن شخص آخر، أو اعتمر عن شخص، وحج عن نفسه، أو اعتمر عن نفسه، وحج عن شخص آخر، فهل يلزم دم التمتع نظرًا إلى أن مؤدي النسكين شخص واحد، أو لا يلزم نظرًا إلى أن الحج وقع عن شخص، والعمرة وقعت عن شخص آخر، فهو كما لو فعله شخصان فحج أحدهما، واعتمر الآخر، وإذن فلا تمتع على أحدهما؟ وكلاهما له وجه من النظر، ومذهب الشافعي الذي عليه جمهور الشافعية: هو عدم اشتراط هذا الشرط نظرًا إلى اتحاد فاعل النسك، ومقابله","vol":"5","page":553},{"text":"المرجوح عدم وجوب الدم نظرًا إلى أن الحج عن شخص، والعمرة عن آخر. ومذهب مالك في هذا قريب من مذهب الشافعي في وجود الخلاف. وترجيح عدم الاشتراط.\nقال الشيخ المواق في شرح قول خليل في مختصره في عده شروط وجوب دم التمتع، وفي شرط كونهما عن واحد تردد ما نصه: ذكر ابن شاس من الشروط التي يكون بها متمتعًا أن يقع النسكان عن شخص واحد. ابن عرفة لا أعرف هذا، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع.\nوقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل المذكور ما نصه: أشار بالتردد لتردد المتأخرين في النقل، فالذي نقله صاحب النوادر، وابن يونس، واللخمي عدم اشتراط ذلك.\nوقال ابن الحاجب: الأشهر اشتراط كونهما عن واحد، وحكى ابن شاس في ذلك قولين. قال في التوضيح: لم يعزهما ولم يعين المشهور منهما، ولم يحك صاحب النوادر وابن يونس إلَّا ما وقع في الموازية أنه تمتع. انتهى. وقال في مناسكه بعد أن ذكر كلام ابن الحاجب خليل: ولم أر في ابن يونس وغيره إلَّا القول بوجوب الدم.\nوقال ابن عرفة: وشرط ابن شاس كونهما عن واحد، ونقل ابن الحاجب: لا أعرفه، بل في كتاب محمد من اعتمر عن نفسه، ثم حج من عامه عن غيره متمتع. فما ذكره المصنف من التردد صحيح. لكن المعروف: عدم اشتراط ذلك وعادته أن يشير بالتردد لما ليس فيه ترجيح.","vol":"5","page":554},{"text":"وقال ابن جماعة الشافعي في منسكه الكبير: لا يشترط أن يقع النسكان عن واحد عند جمهور الشافعية، وهو قول الحنفية، ورواية ابن المواز، عن مالك. وعلى ذلك جرى جماعة من أئمة المالكية منهم الباجي، والطرطوشي، ومن الشافعية من شرط ذلك.\nوقال ابن الحاجب: إنه الأشهر من مذهب مالك، وتبع ابن الحاجب في اشتراط ذلك صاحب الجواهر.\nوقوله: إنه الأشهر غير مسلم، فإن القرافي في الذخيرة ذكر ما سوى هذا الشرط، وقال: إن صاحب الجواهر زاد هذا الشرط، ولم يعزه لغيره. انتهى كلام الحطاب، والظاهر من النقول التي نقلها أن عدم اشتراط كون النسكين عن واحد: هو المعروف في مذهب مالك، وهو كذلك، ومذهب أحمد قريب من مذهب مالك، والشافعي، ففيه خلاف أيضًا، هل يشترط كون النسكين عن واحد أو لا يشترط؟ وعدم اشتراطه عليه الأكثر من الحنابلة، وعزاه في الإِنصاف لبعض الأصحاب قال: منهم المصنف، والمجد. قاله الزركشي. واقتصر عليه في الفروع وعزا مقابله لصاحب التلخيص. وقد قدمنا في كلام ابن جماعة الشافعي أن عدم اشتراط كون النسكين عن شخص واحد هو مذهب الحنفية أيضًا، فظهر أن المشهور في المذاهب الأربعة عدم اشتراط هذا الشرط، وقول من اشترطه له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nالشرط السابع: أن يحل من العمرة قبل إحرامه بالحج، فإن أحرم قبل حله منها صار قارنًا، كما وقع لعائشة ﵂ في حجة الوداع على التحقيق كما تقدم إيضاحه.","vol":"5","page":555},{"text":"الشرط الثامن: هو ما اشترطه بعض أهل العلم من كونه لا يعد متمتعًا حتى يحرم بالعمرة من الميقات، فإن أحرم بها من دون الميقات صار غير متمتع؛ لأنه كأنه من حاضري المسجد الحرام، ولا يخفى سقوط هذا الشرط.\nقال صاحب الإِنصاف لما ذكر هذا الشرط: ذكره أبو الفرج والحلواني. وجزم به ابن عقيل في التذكرة، وقدمه في الفروع. وقال القاضي وابن عقيل وجزم به في المستوعب والتلخيص والرعاية وغيرهم: إن بقي بينه وبين مكة مسافة قصر، فأحرم منه لم يلزمه دم المتعة؛ لأنه من حاضري المسجد الحرام، بل دم مجاوزة الميقات. واختار المصنف والشارح وغيرهما أنه إذا أحرم بالعمرة من دون الميقات يلزمه دمان: دم المتعة، ودم الإِحرام من دون الميقات؛ لأنه لم يقم ولم ينوها به، وليس بساكن. وردوا ما قاله القاضي. انتهى منه. وهذا الأخير هو الظاهر. واللَّه تعالى أعلم.\nوقال صاحب الإِنصاف بعد كلامه هذا متصلًا به: قال المصنف والشارح: ولو أحرم الآفاقي بعمرة في غير أشهر الحج ثم أقام بمكة واعتمر من التنعيم، فهو متمتع نص عليه. وفي نصه على هذه الصورة تنبيه على إيجاب الدم في الصورة الأولى بطريق الأولى. اهـ منه. ولا ينبغي أن يختلف في واحدة منهما لدخولهما صريحًا في عموم آية التمتع، كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن من يعتد به من أهل العلم أجمعوا على أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع من الهدي، والصوم عند العجز عن الهدي. وقد قدمنا الروايات الصحيحة الثابتة عن بعض أجلاء الصحابة بأن القرآن داخل في اسم التمتع. وعلى هذا فهو داخل في عموم الآية.","vol":"5","page":556},{"text":"وكلا النسكين فيه تمتع لغة؛ لأن التمتع من المتاع أو المتعة، وهو الانتفاع، أو النفع ومنه قوله:\nوقفت على قبر غريب بقفرة ... متاع قليل من حبيب مفارق\nجعل استئناسه بقبره متاعًا لانتفاعه بذلك الاستئناس، وكل من القارن والمتمتع انتفع بإسقاط أحد السفرين، وانتفع القارن عند الجمهور باندراج أعمال العمرة في الحج.\nوقال جماعة من أهل العلم: إن القرآن لم يدخل في عموم الآية بحسب مدلول لفظها، وهو الأظهر؛ لأن الغاية في قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ تدل على ذلك. والذين قالوا هذا قالوا: هو ملحق به في حكمه؛ لأنه في معناه. وعلى أن القارن يلزمه ما يلزم المتمتع عامة العلماء منهم الأئمة الأربعة إلَّا من شذ شذوذًا لا عبرة به.\nوليس كل خلاف جاء معتبرًا ... إلَّا خلاف له وجه من النظر\nقال في الإِنصاف: وسأله  - يعني الإِمام أحمد -  بن مشيش: القارن يجب عليه الدم وجوبًا؟ فقال: كيف يجب عليه وجوبًا، وإنما شبهوه بالمتمتع. قال في الفروع: فتتوجه منه رواية: لا يلزم دم. اهـ منه.\nولا يخفى أن مذهب أحمد مخالف لما زعموه رواية، وأن القارن كالمتمتع في الحكم.\nوقال ابن قدامة في المغني: ولا نعلم في وجوب الدم على القارن خلافًا إلَّا ما حكي عن داود أنه لا دم عليه. وروي ذلك عن طاوس. وحكى ابن المنذر: أن ابن داود لما دخل مكة سئل عن القارن هل يجب عليه دم؟ فقال: لا، فجرّ برجله، وهذا يدل على شهرة الأمر بينهم. اهـ منه.","vol":"5","page":557},{"text":"وذكر النووي: أن العبدري حكى هذا القول عن الحسن بن علي بن سريج. والتحقيق خلافه، وأنه يلزمه ما يلزم المتمتع.\nومن النصوص الدالة على ذلك: حديث عائشة المتفق عليه، وفيه \"فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ فقيل: نحر رسول الله  - ﷺ -  عن أزواجه\" متفق عليه.\nقال المجد في المنتقى: وفيه دليل على الأكل من دم القرآن؛ لأن عائشة كانت قارنة. اهـ منه. وهو يدل على أن القارن عليه دم. واللَّه أعلم.\nومن أصرح الأدلة في ذلك: ما رواه مسلم في صحيحه عن جابر بلفظ \"ذبح رسول الله  - ﷺ -  عن عائشة بقرة يوم النحر\" ومعلوم أنها كانت قارنة على التحقيق، فتلك البقرة دم قران. وذلك دليل على لزومه. وما ذكره ابن قدامة في المغني من أنه روي عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"من قرن بين حجه وعمرته فليهرق دمًا\" لم أعرف له أصلًا، والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا. واللَّه تعالى أعلم.\nوأكثر أهل العلم على أن القارن إن كان أهله حاضري المسجد الحرام أنه لا دم عليه؛ لأنه متمتع، أو في حكم المتمتع. واللَّه يقول: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.\nوقال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور العلماء. وقال ابن الماجشون: عليه دم؛ لأن الله تعالى أسقط الدم عن المتمتع، وهذا ليس متمتعًا. وليس هذا بصحيح، فإننا ذكرنا أنه متمتع، وإن لم يكن متمتعًا فهو مفرع عليه. ووجوب الدم على القارن إنما كان بمعنى النص على التمتع، فلا يجوز أن يخالف الفرع أصله. انتهى منه.","vol":"5","page":558},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حاصل هذا الكلام: أن القارن كالمتمتع في أن كلًّا منهما إن كان من حاضري المسجد الحرام، لا دم عليه. وذكر صاحب المغني: أن ابن الماجشون خالف في ذلك، وقال: عليه دم، وله وجه قوي من النظر على قول الجمهور: أنه يكفيه طواف واحد وسعي واحد لحجه، وعمرته. فقد انتفع بإسقاط عمل أحد النسكين، ولزوم الدم في مقابل ذلك له وجه من النظر كما ترى.\nوقال النووي في شرح المهذب: قال أصحابنا: ولا يجب على حاضري المسجد الحرام دم القران، كما لا يجب على المتمتع، هذا هو المذهب، وبه قطع الجمهور. وحكى الحناطي والرافعي وجهًا: أنه يلزمه. انتهى محل الغرض منه. وهذا الوجه عند الشافعية هو قول ابن الماجشون من المالكية، كما ذكره صاحب المغني. ومذهب مالك، وأصحابه، كمذهب الشافعي وأحمد في أن القارن إن كان من حاضري المسجد الحرام لا دم عليه، وحاضروا المسجد عند مالك وأصحابه أهل مكة، وذي طوى.\nقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: و\"شرط دمهما عدم إقامته بمكة أو ذي طوى\". . . إلخ ما نصه: وذو طوى هو ما بين الثنية التي يهبط منها إلى مقبرة مكة المسماة بالمعلاة، والثنية الأخرى التي إلى جهة الزاهر وتسمى عند أهل مكة بين الحجونين. اهـ محل الغرض منه.\nوقد قدمنا أن مذهب أبي حنيفة، وأصحابه: أن أهل مكة ونحوهم ممن دون الميقات لا تشرع لهم العمرة أصلًا، فلا تمتع لهم ولا قران، بناء على رجوع الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ","vol":"5","page":559},{"text":"حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لنفس التمتع كما تقدم إيضاحه، مع أنهم يقولون: إنهم إن تمتعوا أو قرنوا أساءوا وانعقد إحرامهم، ولزمهم دم الجبر. وهذا الدم عندهم دم جناية لا يأكل صاحبه منه، بخلاف دم التمتع والقران من غير حاضري المسجد الحرام، فهو عندهم دم نسك، يجوز لصاحبه الأكل منه. ونقل بعض الحنفية عن ابن عمر وابن عباس، وابن الزبير: أن أهل مكة لا متعة لهم. وقد قدمنا أنه رأي البخاري.\nواعلم: أنا قدمنا أن من شروط وجوب دم التمتع: ألا يرجع بعد العمرة إلى بلده أو مسافة مثله، أو يسافر مسافة القصر على ما بينا هناك من أقوال الأئمة في ذلك، وأردنا أن نذكر هنا حكم القارن إذا أتى بأفعال العمرة، ثم رجع إلى بلده، ثم حج من عامه، أو سافر مسافة قصر، ثم أحرم بالحج من الميقات، هل يسقط عنه الدم بذلك كالمتمتع أو لا؟ ومذهب أبي حنيفة: أن الدم لا يسقط عنه برجوعه إلى بلده بعد إتيانه بأفعال العمرة إن رجع، وحج لأنه لم يزل قارنًا.\nوقال صاحب الإِنصاف في الكلام على القارن: لا يلزم الدم حاضري المسجد الحرام، كما قال المصنف. وقاله في الفروع وغيره، وقال: والقياس أنه لا يلزم من سافر سفر قصر أو إلى الميقات إن قلنا به، كظاهر مذهب الشافعي، وكلامهم يقتضي لزومه؛ لأن اسم القرآن باق بعد السفر، بخلاف التمتع. اهـ منه.\nوحاصل كلامه: أن ظاهر كلام الحنابلة: أن السفر بعد وصول مكة لا يسقط دم القران، وأن مقتضى القياس أنه يسقطه إلحاقًا له بالتمتع.\nوقال النووي في شرح المهذب: لو دخل القارن مكة قبل يوم","vol":"5","page":560},{"text":"عرفة، ثم عاد إلى الميقات، فالمذهب: أنه لا دم عليه في الإِملاء، وقطع به كثيرون أو الأكثرون، وصححه الحناطي وآخرون. وقال إمام الحرمين: إن قلنا: المتمتع إذا أحرم بالحج ثم عاد إليه لا يسقط عنه الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. والفرق أن اسم القرآن لا يزول بالعود، بخلاف التمتع، ولو أحرم بالعمرة من الميقات، ودخل مكة، ثم رجع إلى الميقات قبل طوافه فأحرم بالحج، فهو قارن.\nقال الدارمي في آخر باب الفوات: إن قلنا: إذا أحرم بهما جميعًا، ثم رجع سقط الدم فهنا أولى، وإلَّا فوجهان. انتهى منه.\nوظاهر كلام خليل في مختصره المالكي أن السفر لا يسقط دم القران.\nوالحاصل: أنا بينا اختلاف أهل العلم في السفر بعد أفعال العمرة أو بعد دخول مكة، هل يسقط دم القرآن أو لا؟ وبينا قول صاحب الإِنصاف: أن سقوطه بالسفر، هو مقتضى قياسه على التمتع.\nوأقرب الأقوال عندي للصواب أن دم القران لا يسقطه السفر. وقد بينا أن الأحوط عندنا أن دم التمتع لا يسقطه السفر، لتصريح القرآن بوجوب الهدي على المتمتع، وعدم صراحة الآية في سقوطه بالسفر. وقد ذكرنا أن لزوم الدم للقارن الذي هو من حاضري المسجد الحرام له وجه من النظر؛ لأنه اكتفى عن النسكين بعمل أحدهما على قول الجمهور، كما تقدم.\nوأظهر قولي أهل العلم عندنا أن المكي إذا أراد الإِحرام بالقران، أحرم به من مكة؛ لأنه يخرج في حجه إلى عرفة، فيجمع","vol":"5","page":561},{"text":"بين الحل والحرم، خلافًا لمن قال: يلزم المكي القارن إنشاء إحرامه من أدنى الحل، وكذلك الآفاقي إذا كان في مكة، وأراد أن يحرم قارنًا، فالأظهر أنه يحرم بالقران من مكة خلافًا لمن قال: يحرم به من أدنى الحل لما بينا. والعلم عند الله تعالى.\nوإذا عرفت الشروط التي بها يجب دم التمتع والقران، فاعلم أنا أردنا هنا أن نبين ما يجزئ فيه ووقت ذبحه.\nأما ما يجزئ فيه، فالتحقيق أنه ما تيسر من الهدي، وأقله شاة تجزئ ضحية، وأعلاه بدنة، وأوسطه بقرة. والتحقيق: أن سبع بدنة أو بقرة يكفي، فلو اشترك سبعة من المتمتعين في بدنة، أو بقرة وذبحوها أجزأت عنهم، للنصوص الصحيحة الدالة على ذلك، كحديث جابر الثابت في الصحيح قال: \"أمرنا رسول الله  - ﷺ -  أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة\" وفي لفظ لمسلم \"قال: اشتركنا مع النبي  - ﷺ -  في الحج والعمرة كل سبعة منا في بدنة\" فقال رجل لجابر: أيشترك في البقرة ما يشترك في الجزور؟ فقال: ما هي إلَّا من البدن: قال مسلم في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا مالك (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له قال: قرأت على مالك عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"نحرنا مع رسول الله  - ﷺ -  عام الحديبية البدنة عن سبعة والبقرة عن سبعة\" وفي لفظ لمسلم عن جابر قال: \"خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -  مهلين بالحج فأمرنا رسول الله  - ﷺ -  أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة\" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: \"حججنا مع رسول الله  - ﷺ -، فنحرنا البعير عن سبعة، والبقرة عن سبعة\" وفي لفظ له عنه أيضًا قال: \"اشتركنا مع النبي  - ﷺ -  في الحج والعمرة كل سبعة في بدنة\" فقال رجل لجابر:","vol":"5","page":562},{"text":"أيشترك في البدنة ما يشترك في الجزور؟ قال: ما هي إلَّا من البدن\" وحضر جابر الحديبية قال: \"نحرنا يومئذ سبعين بدنة اشتركنا كل سبعة في بدنة\" وفي لفظ له عنه، وهو يحدث عن حجة النبي  - ﷺ -  قال: \"فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية\" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. وفي لفظ له عنه أيضًا قال: \"كنا نتمتع مع رسول الله  - ﷺ -  فنذبح البقرة عن سبعة نشترك فيها\". اهـ. محل الغرض من صحيح مسلم.\nوهذه الروايات الصحيحة تدل: على أن دم التمتع يكفي فيه الاشتراك بالسبع في بدنة، أو بقرة، ويدل على أن ذلك داخل فيما استيسر من الهدي. أما الشاة والبدنة كاملة فإجزاء كل منهما لا إشكال فيه.\nوقال البخاري في صحيحه: حدثنا إسحاق بن منصور، أخبرنا النضر، أخبرنا شعبة، حدثنا أبو جمرة قال: سألت ابن عباس ﵄، عن المتعة؟ فأمرني بها، وسألته عن الهدي فقال: فيها جزور، أو بقرة، أو شاة، أو شرك في دم. الحديث. فقوله: أو شرك في دم: يعني به ما بينته الروايات المذكورة الصحيحة عن جابر: أن البدنة والبقرة كلتاهما تكفي عن سبعة من المتمتعين. وقال ابن حجر في شرح هذا الحديث: وهذا موافق لما رواه مسلم عن جابر قال: \"خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -  مهلين بالحج فأمرنا أن نشترك في الإِبل والبقر كل سبعة منا في بدنة\" ثم قال: وبهذا قال الشافعي والجمهور، سواء كان الهدي تطوعًا أو واجبًا، وسواء كانوا كلهم متقربين بذلك، أو كان بعضهم يريد التقرب، وبعضهم يريد اللحم. وعن أبي حنيفة: يشترط في الاشتراك أن يكونوا كلهم","vol":"5","page":563},{"text":"متقربين بالهدي، وعن زفر مثله بزيادة: أن تكون أسبابهم واحدة، وعن داود وبعض المالكية: يجوز في هدي التطوع، دون الواجب، وعن مالك: لا يجوز مطلقًا. اهـ منه.\nوالتحقيق أن سبع البدنة وسبع البقرة كل واحد منهما يقوم مقام الشاة، ويدخل في عموم: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ والروايات الصحيحة التي ذكرنا حجة على كل من خالف ذلك كمالك، ومن وافقه.\nوما احتج به إسماعيل القاضي لمالك من أن الاشتراك في الهدي، لا يصح من أن حديث جابر، إنما كان بالحديبية، حيث كانوا محصرين، وأن حديث ابن عباس خالف فيه أبو جمرة عنه ثقات أصحابه، رووا عنه أن ما استيسر من الهدي: شاة، ثم ساق ذلك عنهم بأسانيد صحيحة = مردود.\nأما دعوى أن حديث جابر إنما كان بالحديبية حيث كانوا محصرين، فهي مردودة بما ثبت في الروايات الصحيحة في مسلم التي سقناها بألفاظها: أنهم اشتركوا الاشتراك المذكور معه  - ﷺ -  أيضًا في حجه، ولا شك أن المراد بحجه حجة الوداع؛ لأنه لم يحج بعد الهجرة حجة غيرها. وفي بعض الروايات الصحيحة عند مسلم التي سقناها بألفاظها آنفًا التصريح بوقوع الاشتراك في الحجة المذكورة، كما هو واضح من ألفاظ مسلم التي ذكرناها.\nوأما دعوى مخالفة أبي جمرة في ذكره الاشتراك المذكور ثقات أصحاب ابن عباس، فهي مردودة أيضًا بما ذكره ابن حجر في الفتح حيث قال: وليس بين رواية أبي جمرة، ورواية غيره منافاة؛ لأنه زاد عليهم ذكر الاشتراك، ووافقهم على ذكر الشاة، وإنما أراد ابن عباس بالاقتصار على الشاة الرد على من زعم اختصاص الهدي","vol":"5","page":564},{"text":"بالإِبل والبقر. وذلك واضح فيما سنذكره بعد هذا، إلى أن قال: وبهذا تجتمع الأخبار، وهو أولى من الطعن في رواية من أجمع العلماء على توثيقه، وهو أبو جمرة الضبعي. وقد روي عن ابن عمر أنه كان لا يرى التشريك، ثم رجع عن ذلك لما بلغته السنَّة. وذكر ابن حجر رجوع ابن عمر عن ذلك عن أحمد بسنده من طريق الشعبي، عن ابن عمر.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي: أن البدنة لا تجزئ عن أكثر من سبعة. وذكر ابن حجر في الفتح عن سعيد بن المسيب في إحدى الروايتين عنه: أنها تجزئ عن عشرة. قال: وبه قال إسحاق بن راهويه، وابن خزيمة من الشافعية. واحتج لذلك في صحيحه، وقواه واحتج له ابن خزيمة بحديث رافع بن خديج: \"أنه  - ﷺ -  قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير\" الحديث. وهو في الصحيحين.\nوأجمعوا على أن الشاة: لا يصح الاشتراك فيها.\nوقوله: أو شاة هو قول جمهور العلماء. ورواه الطبراني، وابن أبي حاتم بأسانيد صحيحة عنهم، ورويا بإسناد قوي عن القاسم بن محمد، عن عائشة، وابن عمر: أنهما كانا لا يريان ما استيسر من الهدي إلَّا من الإِبل والبقر. ووافقهما القاسم، وطائفة. قال إسماعيل القاضي في الأحكام له: أظن أنهم ذهبوا إلى ذلك لقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فذهبوا إلى تخصيص ما يقع عليه اسم البدن. قال: ويرد هذا قوله تعالى: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾ وأجمع المسلمون على أن في الظبي شاة، فوقع عليهما اسم هدي.\nقلت: قد احتج بذلك ابن عباس، فأخرج الطبري بإسناد صحيح إلى عبد الله بن عبيد بن عمر قال: قال ابن عباس: الهدي","vol":"5","page":565},{"text":"شاة. فقيل له في ذلك، فقال: أنا أقرأ عليكم من كتاب الله ما تقرون به، ما في الظبي؟ قالوا: شاة، قال: فإن الله يقول: ﴿هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ﴾. اهـ من فتح الباري.\nوقد قدمنا في سورة البقرة: أنه ثبت في الصحيحين عن عائشة أنها قالت: \"أهدى  - ﷺ -  مرة غنمًا\" وهو نص صحيح عنها صريح في تسمية الغنم هديًا كما ترى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنه هو الصواب في هدي التمتع الذي نص الله في كتابه على أنه ما استيسر من الهدي: أنه شاة، أو بدنة، أو بقرة. ويكفي في ذلك سبع البدنة، وسبع البقرة عن المتمتع الواحد، وتكفي البدنة عن سبعة متمتعين؛ لثبوت الروايات الصحيحة بذلك. ولم يقم من كتاب الله، ولا سنَّة نبيه  - ﷺ -  نص صريح في محل النزاع يقاومها. ورواية جابر: أن البدنة تكفي في الهدي عن سبعة أخص في محل النزاع من حديث رافع بن خديج \"أنه  - ﷺ -  جعل البعير في القسمة يعدل عشرًا من الغنم\" لأن هذا في القسمة، وحديث جابر في خصوص الهدي، والأخص في محل النزاع مقدم على الأعم. والعلم عند الله تعالى.\nومما يوضح ذلك ما ذكره ابن حجر في الفتح في شرح حديث رافع المذكور. وقد أورده البخاري في كتاب الذبائح عن رافع بن خديج بلفظ قال: \"كنا مع النبي  - ﷺ -  بذي الحليفة فأصبنا إبلًا وغنمًا، وكان النبي  - ﷺ -  في أخريات الناس فعجلوا فنصبوا القدور، فدفع النبي  - ﷺ -  إليهم، فأمر بالقدور فأكفئت، ثم قسم فعدل عشرًا من الغنم ببعير، فند منها بعير\" الحديث.\nونص كلام ابن حجر في هذا الحديث: وهذا محمول على أن","vol":"5","page":566},{"text":"هذا كان قيمة الغنم إذ ذاك، فلعل الإِبل كانت قليلة، أو نفيسة، والغنم كانت كثيرة، أو هزيلة بحيث كانت قيمة البعير عشر شياه. ولا يخالف ذلك القاعدة في الأضاحي من أن البعير يجزئ عن سبع شياه؛ لأن ذلك هو الغالب في قيمة الشاة والبعير المعتدلين. وأما هذه القسمة، فكانت واقعة عين، فيحتمل أن يكون التعديل لما ذكر من نفاسة الإِبل، دون الغنم.\nوحديث جابر عند مسلم صريح في الحكم حيث قال فيه: \"أمرنا رسول الله  - ﷺ -  أن نشترك في الإِبل والبقر، كل سبعة منا في بدنة\" والبدنة تطلق على الناقة، والبقرة.\nوأما حديث ابن عباس \"كنا مع النبي  - ﷺ -  في سفر فحضر الأضحى، فاشتركنا في البقرة تسعة، وفي البدنة عشرة\" فحسنه الترمذي وصححه ابن حبان، وعضده بحديث رافع بن خديج هذا.\nوالذي يتحرر في هذا أن الأصل أن البعير بسبع ما لم يعرض عارض من نفاسة ونحوها، فيتغير الحكم بحسب ذلك، وبهذا تجتمع الأخبار الواردة في ذلك. ثم الذي يظهر من القسمة المذكورة أنها وقعت فيما عدا ما طبخ وأريق من الإِبل والغنم التي كانوا غنموها. ويحتمل إن كانت الواقعة تعددت أن تكون القصة التي ذكرها ابن عباس أتلف فيها اللحم لكونه كان قطع للطبخ، والقصة التي في حديث رافع طبخت الشياه صحاحًا مثلًا، فلما أريق مرقها ضمت إلى الغنم لتقسم، ثم يطبخها من وقعت في سهمه. ولعل هذا هو النكتة في انحطاط قيمة الشياه عن العادة. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر.\nوكون اللحم رد ليطبخه من وقع في سهمه مرة أخرى غير ظاهر عندي. واللَّه أعلم.","vol":"5","page":567},{"text":"وحديث رافع المذكور: أخرجه أيضًا مسلم في كتاب الصيد والذبائح، ولفظ المراد منه عن رافع قال: \"كنا مع رسول الله  - ﷺ -  بذي الحليفة من تهامة فأصبنا غنمًا وإبلًا فعجل القوم فأغلوا بها القدور فأمر بها فكفئت، ثم عدل عشرًا من الغنم بجزور\".\nوالحاصل: أن أخص شيء في محل النزاع وأصرحه فيه، وأوضحه فيه حديث جابر الذي ذكرنا روايته عند مسلم. أما حديث رافع فهو في قسمة الغنيمة، لا في الهدي. وأما حديث ابن عباس فظاهره أنه في الضحايا. وعلى كل حال فحديث جابر أصح منه. فالذي يظهر أن المتمتع يكفيه سبع بدنة، وأن النص الصريح الوارد بذلك ينبغي تقديمه على أنه يكفيه عشر بدنة. وقد رأيت أدلة القولين. والعلم عند الله تعالى.\nفإذا علمت أقوال أهل العلم في تعيين القدر المجزئ في هدي التمتع، والقران، وأن أظهر الأقوال أن أقله شاة، أو سبع بدنة أو بقرة، وأن إجزاء البدنة الكاملة لا نزاع فيه.\nفاعلم: أن أهل العلم اختلفوا في وقت وجوبه، ووقت نحره، وهذه تفاصيل أقوالهم وأدلتها، وما يرجحه الدليل منها.\nأما مذهب مالك فالتحقيق فيه: أن هدي التمتع والقران لا يجب وجوبًا تامًا إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، لأن ذبحه في ذلك الوقت هو الذي فعله  - ﷺ -، وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" ولذا لو مات المتمتع يوم النحر، قبل رمي جمرة العقبة لا يلزم إخراج هدي التمتع من تركته، لأنه لم يتم وجوبه. وهذا هو الصحيح المشهور في مذهب مالك.","vol":"5","page":568},{"text":"وقد كنت قلت في نظمي في فروع مالك، وفي الفرائض على مقتضى مذهبه في الكلام على ما يخرج من تركة الميت قبل ميراث الورثة بعد أن ذكرت قضاء ديونه:\nوأتبعن دينه بهدي ... تمتع إن مات بعد الرمي\nواعلم: أن قول من قال من المالكية: إنه يجب بإحرام الحج، وأنه يجزئ قبله كما هو ظاهر قول خليل في مختصره المالكي. قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى: \"ودم التمتع يجب بإحرام الحج، وأجزأ قبله\" قد اغتر به بعض من لا تحقيق عنده بالمذهب المالكي. والتحقيق أن الوجوب عندهم برمي جمرة العقبة. وبه جزم ابن رشد وابن العربي، وصاحب الطراز، وابن عرفة. قال ابن عرفة: سمع ابن القاسم إن مات  - يعني: المتمتع قبل رمي جمرة العقبة -  فلا دم عليه.\nابن رشد: لأنه إنما يجب في الوقت الذي يتعين فيه نحره، وهو بعد رمي جمرة العقبة، فإن مات قبله لم يجب عليه.\nابن عرفة: قلت: ظاهره لو مات يوم النحر قبل رميه لم يجب، وهو خلاف نقل النوادر عن كتاب محمد، عن ابن القاسم. وعن سماع عيسى: من مات يوم النحر، ولم يرم فقد لزمه الدم. ثم قال ابن عرفة: فقول ابن الحاجب: يجب بإحرام الحج يوهم وجوبه على من مات قبل وقوفه. ولا أعلم في سقوطه خلافًا.\nولعبد الحق، عن ابن الكاتب، عن بعض أصحابنا: من مات بعد وقوفه فعليه الدم. اهـ من الحطاب.\nفأصح الأقوال الثلاثة وهو المشهور أنه لا يجب على من مات","vol":"5","page":569},{"text":"إلَّا إذا كان موته بعد رمي جمرة العقبة. وفيه قول بلزومه إن مات يوم النحر قبل الرمي، وأضعفها أنه يلزمه إن مات بعد الوقوف بعرفة. أما لو مات قبل الوقوف بعرفة، فلم يقل أحد بوجوب الدم عليه من عامة المالكية. وقول من قال منهم: إنه يجب بإحرام الحج لا يتفرع عليه من الأحكام شيء إلَّا جواز إشعاره وتقليده، وعليه فلو أشعره، أو قلده قبل إحرام الحج، كان هدي تطوع، فلا يجزئ عن هدي التمتع، فلو قلده، وأشعره بعد إحرام الحج أجزأه؛ لأنه قلده بعد وجوبه، أي: بعد انعقاد الوجوب في الجملة. وعن ابن القاسم. أنه لو قلده وأشعره قبل إحرام الحج، ثم أخر ذبحه إلى وقته أنه يجزئه عن هدي التمتع، وعليه فالمراد بقول خليل: \"وأجزأ قبله\"، أي: أجزأ الهدي الذي تقدم تقليده، وإشعاره على إحرام الحج. هذا هو المعروف عند عامة علماء المالكية. فمن ظن أن المجزئ هو نحره قبل إحرام الحج، أو بعده قبل وقت النحر، فقد غلط غلطًا فاحشًا.\nقال الشيخ المواق في شرحه قول خليل: \"وأجزأ قبله\" ما نصه: ابن عرفة: يجزئ تقليده، وإشعاره بعد إحرام حجه، ويجوز أيضًا قبله على قول ابن القاسم. اهـ منه.\nوقال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: \"ودم التمتع يجب بإحرام الحج وأجزأ قبله\" ما نصه:\nفإن قلت: إذا كان هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك على ما سيأتي فما فائدة الوجوب هنا؟.\nقلت: يظهر في جواز تقليده، وإشعاره بعد الإِحرام بالحج، وذلك أنه لو لم يجب الهدي حينئذ مع كونه يتعين بالتقليد، لكان تقليده إذ ذاك قبل وجوبه، فلا يجزئ إلَّا إذا قلد بعد كمال الأركان.","vol":"5","page":570},{"text":"وقال الشيخ الحطاب أيضًا: والحاصل: أن دم التمتع والقران، يجوز تقليدهما قبل وجوبهما على قول ابن القاسم، ورواية عن مالك، وهو الذي مشى عليه المصنف.\nفإذا علم ذلك فلم يبق للحكم بوجوب دم التمتع بإحرام الحج فائدة. نعم على القول بأنه لا يجزئه ما قلده قبل الإِحرام بالحج تظهر ثمرة الوجوب في ذلك، ويكون المعنى: أنه يجب بإحرام الحج وجوبًا غير متحتم، لأنه معرض للسقوط بالموت، والفوات، فإذا رمى جمرة العقبة تحتم الوجوب، فلا يسقط بالموت. كما نقول في كفارة الظهار أنها تجب بالعود وجوبًا غير متحتم، بمعنى أنها تسقط بموت الزوجة، وطلاقها، فإن وطئ تحتم الوجوب ولزمت الكفارة ولو ماتت الزوجة، أو طلقها إلى أن قال: بل تقدم في كلام ابن عبد السلام في شرح المسألة الأولى: أن هدي التمتع إنما ينحر بمنى إن وقف به بعرفة، أو بمكة بعد ذلك إلى آخره، وهو يدل: على أنه لا يجزئ نحره قبل ذلك. واللَّه أعلم. ونصوص أهل المذهب شاهدة لذلك.\nقال القاضي عبد الوهاب في المعونة: ولا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر خلافًا للشافعي، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبت أن الحلق لا يجوز قبل يوم النحر، فدل على أن الهدي لم يبلغ محله إلَّا يوم النحر. وله نحو ذلك في شرح الرسالة. وقاله في التلقين: الواجب لكل واحد من التمتع والقران هدي ينحره بمنى، ولا يجوز تقديمه قبل فجر يوم النحر. وله مثله في مختصر عيون المجالس. ثم قال الحطاب ﵀: فلا يجوز الهدي عند مالك حتى يحل، وهو قول أبي حنيفة، وجوزه الشافعي من حين يحرم بالحج.","vol":"5","page":571},{"text":"واختلف قوله فيما بعد التحلل من العمرة قبل الإِحرام بالحج.\nودليلنا أن الهدي متعلق بالتحلل، وهو المفهوم من قوله تعالى. ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾. اهـ منه. وكلام علماء المالكية بنحو هذا كثير معروف.\nوالحاصل: أنه لا يجوز ذبح دم التمتع، والقران عند مالك، وعامة أصحابه قبل يوم النحر، وفيه قول ضعيف بجوازه بعد الوقوف بعرفة، وهو لا يعول عليه، وأن قولهم: إنه يجب بإحرام الحج لا فائدة فيه إلَّا جواز إشعار الهدي وتقليده بعد إحرام الحج، لا شيء آخر، فما نقل عن عياض وغيره من المالكية، مما يدل على جواز نحره قبل يوم النحر كله غلط. إما من تصحيف الإِشعار، والتقليد وجعل النحر بدل ذلك غلطًا، وإما من الغلط في فهم المراد عند علماء المالكية، كما لا يخفى على من عنده علم بالمذهب المالكي، فاعرف هذا التحقيق، ولا تغتر بغيره.\nومذهب الإِمام أحمد في وقت وجوبه فيه خلاف، فقيل: وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج.\nقال في المغني: وهو قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ وهذا قد فعل ذلك، ولأن ما جعل غاية فوجود أوله كاف، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ إلى أن قال: وعنه أنه يجب إذا وقف بعرفة. قال: وهو قول مالك، واختيار القاضي. ووجه في المغني هذا القول بأنه قبل الوقوف لا يعلم أيتم حجه أو لا؛ لأنه قد يعرض له الفوات، فلا يكون متمتعًا، فلا يجب عليه دم، وذكر عن عطاء وجوبه برمي جمرة العقبة.","vol":"5","page":572},{"text":"وعن أبي الخطاب يجب إذا طلع فجر يوم النحر، ثم قال في المغني: فأما وقت إخراجه فيوم النحر، وبه قال مالك، وأبو حنيفة؛ لأن ما قبل يوم النحر لا يجوز فيه ذبح الأضحية، فلا يجوز فيه ذبح هدي التمتع، ثم قال: وقال أبو طالب: سمعت أحمد قال في الرجل يدخل مكة في شوال، ومعه هدي، قال: ينحر بمكة، وإن قدم قبل العشر ينحره لا يضيع أو يموت أو يسرق. وكذلك قال عطاء. وإن قدم في العشر حتى ينحره بمنى؛ لأن النبي - ﷺ - وأصحابه قدموا في العشر، فلم ينحروا حتى نحروا بمنى، ومن جاء قبل ذلك نحره عن عمرته، وأقام على إحرامه، وكان قارنًا. اهـ محل الغرض منه. وسترى ما يرد هذا إن شاء الله تعالى.\nوقال صاحب الإِنصاف: يلزم دم التمتع، والقران بطلوع فجر يوم النحر على الصحيح من المذهب، وجزم به القاضي في الخلاف، ورد ما نقل عنه خلافه إليه وجزم به في البلغة، وقدمه في الهداية والمستوعب والخلاصة، والتلخيص، والفروع، والرعايتين، والحاويين، وعنه يلزم الدم إذا أحرم بالحج، وأطلقهما في المذهب، ومسبوك الذهب. وعنه يلزم الدم بالوقوف. وذكره المصنف والشارح اختيار القاضي.\nقال الزركشي: ولعله في المجرد وأطلقها، والتي قبلها في الكافي، ولم يذكر غيرها، وكذا قال المغني والشرح. وقال ابن الزاغوني في الواضح: يجب دم القران بالإِحرام. قال في الفروع: كذا قال، وعنه يلزم بإحرام العمرة لنية التمتع، إذ قال في الفروع: ويتوجه أن يبني عليهما ما إذا مات بعد سبب الوجوب، يخرج عنه من تركته.","vol":"5","page":573},{"text":"وقال بعض الأصحاب: فائدة الروايات إذا تعذر الدم، وأراد الانتقال إلى الصوم، فمتى يثبت العذر فيه الروايات، ثم قال في الإِنصاف: هذا الحكم المتقدم في لزوم الدم. وأما وقت ذبحه فجزم في الهداية، والمذهب، ومسبوك الذهب، والمستوعب، والخلاصة، والهادي، والتلخيص، والبلغة، والرعايتين، والحاويين وغيرهم. أنه لا يجوز ذبحه قبل وجوبه.\nقال في الفروع: وقال القاضي وأصحابه: لا يجوز قبل فجر يوم النحر، ثم ذكر صاحب الإِنصاف عن بعضهم ما يدل على جواز ذبحه قبل ذلك، وذكر رده، ورده الذي ذكر هو الصحيح.\nومن جملة ما رده به فعل النبي - ﷺ -، وأصحابه، لأنهم لم يذبحوا قبل يوم النحر قارنهم ومتمتعهم جميعًا، ثم قال: وقد جزم في المحرر، والنظم، والحاوي، والفائق وغيرهم: أن وقت دم المتعة والقران: وقت دم الأضحية على ما يأتي في بابه، ثم قال: واختار أبو الخطاب في الانتصار: يجوز له نحره بإحرام العمرة، وأنه أولى من الصوم، لأنه بدل، وحمل رواية ابن منصور بذبحه يوم النحر على وجوبه يوم النحر، ثم قال:\nونقل أبو طالب إن قدم قبل العشر ومعه هدي ينحره لا يضيع، أو يموت، أو يسرق. قال في الفروع وهذا ضعيف.\nقال في الكافي: وإن قدم قبل العشر نحره، وإن قدم به في العشر لم ينحره حتى ينحره بمنى، استدل بهذه الرواية، واقتصر عليه. انتهى محل الغرض من الإِنصاف.\nوقد رأيت في كلامه أن الروايات بتحديد وقت الوجوب يبنى","vol":"5","page":574},{"text":"عليها لزوم الهدي في تركته إن مات بعد الوجوب، وتحقق وقت العذر المبيح للانتقال إلى الصوم إن لم يجد الهدي، لا أن المراد بوقت الوجوب استلزام جواز الذبح؛ لأنهم يفردون وقت الذبح بكلام مستقل عن وقت الوجوب.\nوأن الصحيح المشهور من مذهبه: أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر. واختيار أبي الخطاب: جواز ذبحه بإحرام المتعة.\nورواية أبي طالب: جواز ذبحه إن قدم به قبل العشر كلاهما ضعيف لا يعول عليه، ولا يعضده دليل. والتعليل بخوف الموت والضياع، والسرقة منتقض بما إذا قدم به في العشر، لأن العشر يحتمل أن يموت فيها، أو يضع، أو يسرق كما ترى. والتحديد بنفس العشر لا دليل عليه من نص ولا قياس، فبطلانه واضح؛ لعدم اعتضاده بشيء غير احتمال الموت والضياع والسرقة، وذلك موجود في الهدي الذي قدم به في العشر، مع أن الأصل في كليهما السلامة. والعلم عند الله تعالى.\nومذهب الشافعي في هذه المسألة: هو أن وقت وجوب دم التمتع هو وقت الإِحرام بالحج.\nقال النووي في شرح المهذب: وبه قال أبه حنيفة، وداود، وقال عطاء: لا يجب حتى يقف بعرفات.\nوقال مالك: لا يجب حتى يرمي جمرة العقبة.\nوأما وقت جواز ذبحه عند الشافعية ففيه قولان:\nأحدهما: لا يجوز قبل الإِحرام بالحج، قالوا: لأن الذبح قربة تتعلق بالبدن، فلا تجوز قبل وجوبها، كالصلاة والصوم.","vol":"5","page":575},{"text":"والقول الثاني: يجوز بعد الفراغ من العمرة؛ لأنه حق مالي يجب بسببين، فجاز تقديمه على أحدهما، كالزكاة بعد ملك النصاب، وقبل الحول. أما جواز ذبحه بعد الإِحرام بالحج، فلا خلاف فيه عند الشافعية، كما أن ذبحه قبل الإِحرام بالعمرة لا يجوز عندهم، بلا خلاف.\nوقد قدمنا نقل النووي عن أبي حنيفة: أن وقت وجوبه هو وقت الإِحرام بالحج، أما وقت نحره فهو عند أبي حنيفة، وأصحابه؛ يوم النحر، فلا يجوز تقديمه عليه عند الحنفية، وإن قدمه لم يجزئه. وينبغي تحقيق الفرق بين وقت الوجوب، ووقت النحر؛ لأن وقت الوجوب إنما تظهر فائدته، فيما لو مات المحرم، هل يخرج الهدي من تركته بعد موته؛ ويتعين به وقت ثبوت العذر المجيز للانتقال إلى الصوم، ولا يلزم من دخول وقت الوجوب جواز الذبح.\nومن فوائد ذلك: أنه إن فاته الحج بعد وجوبه بالإِحرام عند من يقول بذلك لا يتعين لزوم الدم؛ لأنه بفوات الحج انتفى عنه اسم المتمتع، فلا دم تمتع عليه، وإنما عليه دم الفوات. كما يأتي إن شاء الله تعالى.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في وقت ذبح دم التمتع، والقران فدونك أدلتهم، ومناقشتها، وبيان الحق الذي يعضده الدليل منها.\nاعلم: أن من قال بجوازه قبل يوم النحر: كالشافعية، وأبي الخطاب من الحنابلة، ورواية ضعيفة عن أحمد إن جاء به صاحبه قبل عشر ذي الحجة فقد احتجوا، واحتج لهم بأشياء.\nأما رواية أبي طالب عن أحمد بجواز تقديم ذبحه إن قدم به","vol":"5","page":576},{"text":"صاحبه قبل العشر، فقد ذكرنا تضعيف صاحب الفروع لها؛ وبينا أنها لا مستند لها لأن مستندها مصلحة مرسلة مخالفة لسنَّة ثابتة.\nوأما قول أبي الخطاب: إنه يجوز بإحرام العمرة، فلا مستند له من كتاب، ولا سنَّة ولا قياس. والظاهر: أنه يرى أن هدي التمتع له سببان، وهما العمرة والحج في تلك السنَّة، فإن أحرم بالعمرة انعقد السبب الأول في الجملة، فجاز الإِتيان بالمسبب، كوجوب قضاء الحائض أيام حيضها من رمضان؛ لأن انعقاد السبب الأول الذي هو وجود شهر رمضان كفى في وجوب الصوم، وإن لم تتوفر الأسباب الأخرى، ولم تنتف الموانع؛ لأن قضاء الصوم فرع عن وجوب سابق في الجملة، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولا يخفى سقوط هذا، كما ترى. وأما الشافعية: فقد ذكروا لمذهبهم أدلة.\nمنها: أن هدي التمتع حق مالي، يجب بسببين: هما الحج، والعمرة، فجاز تقديمه على أحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول.\nومنها: قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قالوا: قوله: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ أي: عليه ما استيسر من الهدي، وبمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فوجب حينئذٍ؛ لأنه معلق على التمتع، وقد وجد. قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فالصيام ينتهي بأول جزء من الليل، فكذلك التمتع يحصل بأول جزء من الحج، وهو الإِحرام.\nومنها: أن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع، وذبح الهدي معلق على التمتع، وإذا حصل المعلق عليه حصل المعلق.","vol":"5","page":577},{"text":"ومنها: أن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ الآية، وتقديم البدل يدل على تقديم المبدل منه.\nومنها: أنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر، كدم فدية الطيب واللباس.\nومنها: ظواهر بعض الأحاديث التي قد يفهم منها الذبح قبل يوم النحر، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه في باب الاشتراك في الهدي.\nوحدثني محمد بن حاتم، حدثنا محمد بن بكر، أخبرنا ابن جريج، أخبرنا أبو الزبير: أنه سمع جابر بن عبد الله يحدث عن حجة النبي  - ﷺ -  قال: \"فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي، ويجتمع النفر منا في الهدية\" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم في هذا الحديث. انتهى بلفظه من صحيح مسلم.\nوقال النووي في شرحه لهذا الحديث: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج. وفي المسألة خلاف، وتفصيل. . . إلى آخر كلام النووي.\nومن ذلك أيضًا ما رواه الحاكم في المستدرك: أخبرنا أبو الحسن علي بن عيسى بن إبراهيم، ثنا أحمد بن النضر بن عبد الوهاب، ثنا يحيى بن أيوب، ثنا وهب بن جرير، ثنا أبي، عن محمد بن إسحاق، ثنا ابن أبي نجيح، عن مجاهد، وعطاء، عن جابر بن عبد الله، قال: كثرت القالة من الناس، فخرجنا حجاجًا،","vol":"5","page":578},{"text":"حتى لم يكن بيننا وبين أن نحل إلَّا ليال قلائل أمرنا بالإِحلال الحديث.\nوفيه: قال عطاء: قال ابن عباس ﵄: \"إن رسول الله  - ﷺ -  قسم يومئذ في أصحابه غنمًا فأصاب سعدَ بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله  - ﷺ -  بعرفة أمر ربيعة بن أمية بن خلف فقام تحت يدي ناقته فقال له النبي  - ﷺ -: اصرخ: أيها الناس، هل تدرون أي شهر هذا\" إلى آخر الحديث، ثم قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه، وفيه ألفاظ من ألفاظ حديث جعفر بن محمد الصادق، عن أبيه، عن جابر أيضًا، وفيه أيضًا زيادة ألفاظ كثيرة. اهـ.\nوأقره الحافظ الذهبي على تصحيح الحديث المذكور، وقوله في هذا الحديث: \"فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه فلما وقف بعرفة\" إلخ. قد يتوهم منه أن ذبخ سعد لتيسه كان قبل الوقوف بعرفة.\nهذا هو حاصل ما استدل به القائلون بجواز ذبح هدي التمتع قبل يوم النحر، وغيره مما زعموه أدلة تركناه لوضوح سقوطه، ولأنه لا يحتاج في سقوطه إلى دليل.\nوأما الجمهور القائلون بأنه لا يجوز ذبح دم التمتع والقران قبل يوم النحر فاستدلوا بأدلة واضحة، وأحاديث كثيرة صحيحة صريحة في أن أول وقت نحر الهدي: هو يوم النحر، وكان  - ﷺ -  قارنًا كما قدمنا ما يدل على الجزم بذلك، سواء قلنا: إنه بدأ إحرامه قارنًا، أو أدخل العمرة على الحج، وأن ذلك خاص به كما تقدم. وكانت أزواجه كلهن متمتعات كما هو ثابت في الأحاديث الصحيحة إلَّا","vol":"5","page":579},{"text":"عائشة، فإنها كانت قارنة على التحقيق، كما قدمنا إيضاحه بالأدلة الصحيحة الصريحة، ولم ينحر عن نفسه  - ﷺ -، ولا أحد عن أحد من أزواجه إلَّا يوم النحر بعد رمي جمرة العقبة، وكذلك كل من كان معه من المتمتعين، وهم أكثر أصحابه، والقارنين الذين ساقوا الهدي، لم ينحر أحد منهم البتة قبل يوم النحر، وعلى ذلك جرى عمل الخلفاء الراشدين، والمهاجرين، والأنصار، وعامة المسلمين فلم يثبت عن أحد من الصحابة، ولا من الخلفاء أنه نحر هدي تمتعه، أو قرانه قبل يوم النحر البتة.\nفإن قيل: فعله  - ﷺ -  لا يتعين به الوجوب، لإِمكان أن يكون سنَّة لا فرضًا؛ لأن الفعل لا يقع في الخارج إلّا شخصيًّا، فلا عموم له، ولذلك كانت أفعال هيئات صلاة الخوف كلها جائزة، ولم ينسخ الأخير منها الأول، وإذًا فلا مانع من أن يكون هو ذبح يوم النحر، مع جواز الذبح قبله.\nفالجواب من وجهين، الأول: هو ما تقرر في الأصول من أن فعله  - ﷺ -  إذا كان بيانًا لنص فهو محمول على الوجوب إن كان الفعل المبين واجبًا، كما أطبق عليه الأصوليون. وقد قدمنا إيضاحه فقطعه السارق من الكوع مبينًا به المراد من اليد في قوله: ﴿فَاقْطَعُوَا أَيْدِيَهُمَا﴾ يقتضي الوجوب، فلا يجوز لأحد القطع من غير الكوع، وأفعاله في جميع مناسك الحج مبينة للآيات الدالة على الحج، ومن ذلك الذبائح، وأوقاتها؛ لأنها من جملة المناسك المذكورة في القرآن المبينة بالسنَّة. ولذا ثبت عنه  - ﷺ -  أنه قال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" وإذًا يجب الاقتداء به في فعله في نوعه وزمانه، ومكانه ما لم يكن هنالك قول منه أعم من الفعل، كبيانه أن عرفة كلها موقف، وأن","vol":"5","page":580},{"text":"مزدلفة كلها موقف، وأن منى كلها منحر، ونحو ذلك، فلا يختص الحكم بنفس محل موقفه أو نحره.\nقال صاحب جمع الجوامع عاطفًا على ما تعرف به جهة فعله  - ﷺ -  من وجوب أو ندب ما نصه: \"ووقوعه بيانًا\". . . إلخ. يعني: أن وقوع الفعل بيانًا لنص مجمل إن كان مدلول النص واجبًا، فالفعل المبين به ذلك النص واجب بلا خلاف، وإن كان مندوبًا فمندوب. سواء كان الفعل المبين للنص دل على كونه بيانًا قرينة، أو قول.\nقال شارحه صاحب الضياء اللامع ما نصه: الثاني: أن يكون فعله بيانًا لمجمل إما بقرينة حال مثل القطع من الكوع، فإن بيانه لقوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ وإما بقول مثل قوله: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" فإن الصلاة فرضت على الجملة، ولم تبين صفاتها فبينها بفعله، وأخبر بقوله أن ذلك الفعل بيان، وكذا قوله: \"خذوا عني مناسككم\" وحكم هذا القسم وجوب الاتباع. اهـ محل الغرض منه، وهو واضح فيما ذكرنا. ولا أعلم فيه خلافًا فجميع أفعال الحج، والصلاة التي بين بها  - ﷺ -  آيات الصلاة، والحج يجب حمل كل شيء منها على الوجوب إلَّا ما أخرجه دليل خاص يجب الرجوع إليه.\nوقال ابن الحاجب في مختصره الأصولي: مسألة فعله  - ﷺ -، ما وضح فيه أمر الجبلة، كالقيام، والقعود، والأكل، والشرب، أو تخصيصه، كالضحى، والوتر، والتهجد، والمشاورة، والتخيير، والوصال والزيادة على أربع فواضح، وما سواهما إن وضح أنه بيان بقول، أو قرينة مثل: صلوا، وخذوا، وكالقطع من الكوع، والغسل إلى المرافق اعتبر اتفاقًا. انتهى محل الغرض منه. ومعنى قوله: اعتبر","vol":"5","page":581},{"text":"اتفاقًا أنه إن كان المبين باسم المفعول واجبًا، فالفعل المبين باسم الفاعل واجب، لأن المبين بحسب المبين.\nوقال شارحه العضد: فإن عرف أنه بيان لنص على جهته من الوجوب، والندب، والإِباحة اعتبر على جهة المبين من كونه خاصًّا وعامًّ اتفاقًا، ومعرفة كونه بيانًا إما بقول، وإما بقرينة، فالقول نحو: \"خذوا عني مناسككم\" و\"صلوا كما رأيتموني أصلي\" والقرينة مثل أن يقع الفعل بعد إجمال، كقطع يد السارق من الكوع، دون المرفق والعضد، بعد ما نزل قوله: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾ والغسل إلى المرافق بإدخال المرافق، أو إخراجها بعد ما نزلت: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾. اهـ محل الغرض منه. وهو واضح فيما ذكرنا من أن الفعل المبين لنص دال على واجب يكون واجبًا؛ لأن البيان به بيان لواجب، كما هو واضح. وإلى ذلك أشار في مراقي السعود بقوله:\nمن غير تخصيص وبالنص يرى ... وبالبيان وامتثال ظهرا\nومحل الشاهد منه قوله: وبالبيان.\nوقال في شرحه نشر البنود في معنى قوله: \"وبالبيان\"، فيكون حكمه حكم المبين. اهـ منه. وهو واضح، والمبين بصيغة اسم المفعول في آيات الحج، وهدي التممع واجب؛ لأن الحج واجب إجماعًا، وهدي التمتع وجب إجماعًا، فالفعل المبين لهما يكون واجبًا على ما قررناه. وعليه عامة أهل الأصول إلَّا ما أخرجه دليل خاص. وبه تعلم أن ذبحه - ﷺ - هديه يوم النحر، وهو قارن، وذبحه عن أزواجه يوم النحر، وهن متمتعات، وعن عائشة، وهي قارنة: فعل مبين لنص واجب، فهو واجب، ولا تجوز مخالفته في نوع","vol":"5","page":582},{"text":"الفعل، ولا في زمانه، ولا في مكانه إلَّا فيما أخرجه دليل خاص، كغير المكان الذي ذبح فيه من منى؛ لأنه بين أن منى كلها منحر، ولم يبين أن الزمن كله وقت نحر.\nومما يؤيد ذلك ما اختاره بعض أهل الأصول من أن فعله - ﷺ - الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم هل فعله على سبيل الوجوب، أو على سبيل الندب أنه يحمل على الوجوب، لأنه أحوط، وأبعد من لحوق الإِثم، إذ على احتمال الندب، والإِباحة لا يقتضي ترك الفعل إثمًا، وعلى احتمال الوجوب يقتضي الترك الإِثم. وإلى هذا أشار في مراقي السعود في مبحث أفعاله - ﷺ - بقوله:\nوكل ما الصفة فيه تجهل ... فللوجوب في الأصح يجعل\nوقال في شرحه لمراقي السعود المسمى: نشر البنود: يعني أن ما كان من أفعاله - ﷺ - مجهول الصفة، أي: مجهول الحكم، فإنه يحمل على الوجوب إلى أن قال: وكونه للوجوب هو الأصح، وهو الذي ذهب إليه الإِمام مالك، والأبهري، وابن القصار، وبعض الشافعية، وأكثر أصحابنا، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة. اهـ محل الغرض منه.\nوقال صاحب الضياء اللامع: وبهذا قال مالك في رواية أبي الفرج، وابن خويز منداد، وقال به الأبهري، وابن القصار، وأكثر أصحابنا، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية، وبعض الحنابلة، وبعض المعتزلة. واستدل أهل هذا القول بأدلة.\nمنها: قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ قالوا: معناه: من كان يؤمن باللَّه واليوم","vol":"5","page":583},{"text":"الآخر، فله فيه أسوة حسنة، ويستلزم أن من ليس له فيه أسوة حسنة، فهو لا يؤمن باللَّه واليوم الآخر، وملزوم الحرام حرام، ولازم الواجب واجب. وقالوا أيضًا: وهو مبالغة في التهديد على عدم الأسوة، فتكون الأسوة واجبة، ولا شك أن من الأسوة اتباعه في أفعاله.\nومنها: قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ قالوا: وما فعله فقد آتاناه، لأنه هو المشرع لنا بأقواله وأفعاله وتقريره.\nومنها: قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية. ومن اتباعه التأسي به في فعله، قالوا: وصيغة الأمر في قوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ للوجوب.\nومنها: أن الصحابة لما اختلفوا في وجوب الغسل من الوطء بدون إنزال سألوا عائشة، فأخبرتهم أنها هي ورسول الله  - ﷺ -  فعلا ذلك، فاغتسلا، فحملوا ذلك الفعل الذي هو الغسل من الوطء، بدون إنزال على الوجوب.\nومنها: أنه  - ﷺ -  لما خلع نعليه في الصلاة، خلعوا نعالهم، فلما سألهم: لم خلعوا نعالهم؟ قالوا: رأيناك خلعت نعليك، فخلعنا نعالنا، فحملوا مطلق فعله على الوجوب، فخلعوا لما خلع، وأقرهم  - ﷺ -  على ذلك. قالوا: فلو كان الفعل الذي لم يعلم حكمه لا يدل على الوجوب لبين لهم أنه لا يلزم من خلعه أن يخلعوا، ولكنه أقرهم على خلع نعالهم، وأخبرهم أن جبريل أخبره أن في باطنهما قذرًا. والقصة في ذلك ثابتة من حديث أبي سعيد الخدري ﵁، عند أحمد، وأبي داود، والحاكم وغيرهم.","vol":"5","page":584},{"text":"وقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسنادٍ صحيحٍ، ورواه الحاكم في المستدرك. وقال: هو صحيح على شرط مسلم.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لحديث أبي سعيد المذكور في المنتقى بعد أن قال المجد في المنتقى: رواه أحمد وأبو داود. اهـ: الحديث أخرجه أيضًا الحاكم، وابن خزيمة، وابن حبان. واختلف في وصله وإرساله. ورجح أبو حاتم في العلل الموصول. ورواه الحاكم من حديث أنس، وابن مسعود إلى آخر كلامه. ومعلوم أن المخالفين القائلين بأن الفعل الذي لم يكن بيانًا لمجمل، ولم يعلم حكمه من وجوب لا يحمل على الوجوب، بل على الندب، أو الإِباحة إلى آخر أقوالهم ناقشوا الأدلة التي ذكرنا مناقشة معروفة في الأصول.\nقالوا قوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ أي: ما أمركم به بدليل قوله: ﴿وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ﴾ فهي في الأمر والنهي، لا في مطلق الفعل.\nولا يخفى أن تخصيص: وما آتاكم بالأمر تخصيص لا دليل عليه، وذكر النهي بعده لا يعينه.\nوقالوا: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ إنما يكون الاتباع واجبًا فيما علم أنه واجب، أما إذا كان فعله مندوبًا فالاتباع فيه مندوب، ولا يتعين أن الفعل واجب على الأمة بالاتباع إلَّا إذا علم أنه  - ﷺ -  فعله على سبيل الوجوب. أما لو كان فعله على سبيل الندب، وفعلته الأمة على سبيل الوجوب، فلم يتحقق الاتباع بذلك.\nقالوا: وكذلك يقال في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ","vol":"5","page":585},{"text":"أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، فلا تتحقق الأسوة إذا كان هو  - ﷺ -  فعله على سبيل الندب، وفعلته أمته على سبيل الوجوب، بل لا بدَّ في الأسوة من علم جهة الفعل الذي فيه التأسي.\nقالوا: وخلعهم نعالهم لا دليل فيه؛ لأنه فعل داخل في نفس الصلاة. وإنما أخذوه من قوله  - ﷺ -: \"صلوا كما رأيتموني أصلي\" لأن خلع النعال كأنه في ذلك الوقت من هيئة أفعال الصلاة.\nقالوا: وإنما أخذوا وجوب الغسل من الفعل الذي أخبرتهم به عائشة؛ لأنه صح عن النبي  - ﷺ -  وجوب الغسل مني التقاء الختانين، أو لأنه فعل مبين لقوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ والفعل المبين لإِجمال النص لا خلاف فيه كما تقدَّم إيضاحه.\nقالوا: والاحتياط في مثل هذا لا يلزم؛ لأن الاحتياط لا يلزم إلَّا فيما ثبت وجوبه، أو كان وجوبه هو الأصل، كليلة الثلاثين من رمضان إن حصل غيم يمنع رؤية الهلال عادةً. أما غير ذلك فلا يلزم فيه الاحتياط، كما لو حصل الغيم المانع من رؤية هلال رمضان ليلة ثلاثين من شعبان فلا يجوز صوم يوم الشك، ولا يحتاط فيه؛ لأنه لم يثبت له وجوب، ولم يكن وجوبه هو الأصل إلى آخر أدلتهم ومناقشاتها، فلم نطل بجميعها الكلام.\nولا شك أن الأدلة التي ذكرها الفريق الأول كقوله: ﴿فَاتَّبِعُونِي﴾ وقوله: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية، وإن لم تكن مقنعة بنفسها في الموضوع، فلا تقل عن أن تكون عاضدة لما قدمنا من وجوب الفعل الواقع به البيان، وما سنذكره من غير ذلك، وهو الوجه الثاني من وجهي الجواب اللذين ذكرنا وهو أن ذلك الفعل الذي هو ذبح هدي","vol":"5","page":586},{"text":"التمتع، والقران يوم النحر = هو الذي مشى عليه سلف هذه الأمة من الصحابة والتابعين، ودلت عليه الأحاديث. ولن يصلح آخر هذه الأمة إلَّا ما أصلح أولها.\nومن أوضح الأدلة الثابتة في ذلك الأحاديث المتفق عليها التي لا مطعن فيها بوجه أنه  - ﷺ -  أمر أصحابه بفسخ حجهم في عمرة، وأن يحلوا منها الحل كله، ثم يحرموا بالحج، وتأسف على أنه لم يفعل مثل فعلهم وقال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة\" وفي تلك النصوص الصحيحة: التصريح بأمرهم بفسخ الحج في العمرة، ومعناه: أنه هو  - ﷺ -  يجوز له أن يفسخ الحج في العمرة، كما أمر أصحابه بذلك. وقد صرح في الأحاديث الصحيحة. بأن الذي منعه من ذلك أنه ساق الهدي، فلو كان هدي التمتع يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لجعل الحج عمرة، وأحل منها، ونحر الهدي بعد الإِحلال منها، ولكن المانع الذي منعه من ذلك هو عدم جواز النحر في ذلك الوقت. والحلق الذي لا يصح الإِحلال دونه معلق على بلوغ الهدي محله، كما قال: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بيَّن  - ﷺ -  بفعله الثابت عنه أن محله منى يوم النحر. وقد قدمنا في سورة البقرة أن القرآن دلَّ في موضعين على أن النحر قبل الحلق.\nأحدهما: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nوالثاني: قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وقد قدمنا أن التسمية عند نحرها تقربًا للَّه، ثم قال بعد النحر الذي هو معنى الآية: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ ومن قضاء تفثهم: الحلق، أو التقصير. وقد ثبت في","vol":"5","page":587},{"text":"الصحيح \"أنه  - ﷺ -  حلق قبل أن ينحر (^١) وأمر بذلك\" كما قدمناه في سورة البقرة مستوفى، ولكنه  - ﷺ -  بيَّن أن من قدم الحلق، على النحر. لا شيء عليه. ولا خلاف أن كل الواقع من ذلك في حجته أنه كان يوم النحر كما هو معروف. وقد دلَّت آية الحج على أن كل هدي له تعلق بالحج  - ويدخل فيه التمتع دخولًا أوليًا -  أن وقت ذبحه مخصص بأيام معلومات، دون غيرها من الأيام، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ لأن معنى الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج، يأتوك مشاة، وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله في أيام معلومات على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: ولأجل أن يتقربوا بدماء الأنعام في خصوص تلك الأيام المعلومات، وهو واضح كما ترى. وقد قدمنا أن هذه الأنعام التي يتقرب بها في هذه الأيام المعلومات، ويسمى عليها الله عند تذكيتها، أنها أظهر في الهدايا من الضحايا؛ لأن الضحايا لا تحتاج أن يؤذن فيها للمضحين، ليأتوا رجالًا وركبانًا، ويذبحوا ضحاياهم كما ترى. والأحاديث الصحيحة الدالة على أنه  - ﷺ -  كان قارنًا، ونحر هديه يوم النحر، وأنه ما منعه من فسح الحج في العمرة إلَّا سوق الهدي، وأن الهدي لو كان يجوز ذبحه بعد الإِحلال من العمرة لأحل بعمرة، وذبح هدي المتمتع عند الإِحلال منها، أو عند الإِحرام بالحج كما يقول من ذكرنا: أنه جائز. وقد قدمنا كثيرًا منها موضحًا بأسانيده، وسنعيد طرفًا منه هنا إن شاء الله تعالى.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعله سبق قلم، وصوابه: \"نحر قبل أن يحلق\".","vol":"5","page":588},{"text":"فمن ذلك حديث حفصة زوج النبي  - ﷺ -  المتفق عليه.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا إسماعيل قال: حدثني مالك، حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن نافع، عن ابن عمر، عن حفصة ﵂ زوج النبي  - ﷺ -  أنها قالت: \"يا رسول الله  - ﷺ -  ما شأن الناس حلوا بعمرة، ولم تتحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي، فلا أحل حتى أنحره\". اهـ من صحيح البخاري. وقوله: حتى أنحر يعني يوم النحر. فلو جاز نحر هدي التمتع قبل ذلك لأحل بعمرة، ونحر.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن نافع، عن عبد الله بن عمر أن حفصة ﵃، زوج النبي  - ﷺ -  قالت: \"يا رسول الله ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر\" وفي لفظ له عنها قالت: قال: \"إني قلدت هديي فلا أحل حتى أحل من الحج\" وفي لفظ له عنها: \"أن النبي  - ﷺ -  أمر أزواجه أن يحللن عام حجة الوداع، قالت حفصة: قلت: ما يمنعك أن تحل؟ قال: إني لبدت رأسي، وقلدت هديي فلا أحل حتى أنحر هديي\". اهـ.\nففي هذه الروايات الصحيحة ما يدل على أن الهدي الذي معه مانع من الحل، ولو كان النحر قبل يوم النحر جائزًا لتحلل بعمرة ثم نحر. وفيه أن أزواجه  - ﷺ -  متمتعات، وقد نحر عنهن البقر يوم النحر.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله بن يوسف، أخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن عمرة بنت عبد الرحمن قالت: سمعت عائشة ﵂ تقول: \"خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -","vol":"5","page":589},{"text":"لخمس بقين من ذي القعدة، لا نرى إلَّا الحج، فلما دنونا من مكة أمر رسول الله  - ﷺ -  من لم يكن معه هدي إذا طاف وسعى بين الصفا والمروة أن يحل. قالت: فدخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله  - ﷺ -  عن أزواجه\" قال يحيى: فذكرته للقاسم بن محمد فقال: أتتك بالحديث على وجهه. انتهى من صحيح البخاري.\nوقال مسلم ﵀ في صحيحه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن زكرياء بن أبي زائدة، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر قال: \"ذبح رسول الله  - ﷺ -، عن عائشة بقرة يوم النحر\" وفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"نحر رسول الله  - ﷺ -  عن نسائه\" وفي حديث أبي بكر عن عائشة بقرة في حجته. انتهى من صحيح مسلم. وقد تركنا ذكر اختلاف الروايات، هل ذبح عن جميعهن بقرة واحدة، أو عن كل واحدة بقرة، كما جاء التصريح به في حديث مسلم هذا بالنسبة إلى عائشة. وعلى كل حال فهذه الروايات الصحيحة، وأمثالها الكثيرة التي قدمنا كثيرًا منها تدل على أنه  - ﷺ -  نحر عن من تمتع من أزواجه ومن قرن في خصوص يوم النحر، وأنه هو  - ﷺ -  كذلك فعل عن نفسه، وكان قارنًا مع أنه كان يتمنى أن يعتمر، ويحل منها، ثم يحرم بالحج، كما أمر أصحابه بفعل ذلك؛ وصرح في الروايات الصحيحة بأن المانع له من ذلك سوق الهدي، فلو كان الهدي يجوز نحره قبل يوم النحر لتحلل ونحر كما أوضحناه. وفعله هذا كالتفسير لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ فبين بفعله أن بلوغه محله يوم النحر بمنى بعد رمي جمرة العقبة، فمن أجاز ذبح هدي التمتع قبل ذلك، فقد","vol":"5","page":590},{"text":"خالف فعله  - ﷺ -  المبين لإِجمال القرآن، وخالف ما كان عليه أصحابه من بعده، وجرى عليه عمل عامة المسلمين. ولا يثبت بنص صحيح عن صحابي واحد أنه نحر هدي تمتع، أو قران قبل يوم النحر، فلا يجوز العدول عن هذا الذي فعله  - ﷺ -  مبينًا به إجمال الآيات القرآنية، وأكده بقوله: \"لتأخذوا عني مناسككم\" كما ترى.\nفإذا عرفت مما ذكرنا أن الحق الذي دل عليه الكتاب والسنَّة، وفعل الخلفاء الراشدين، وغيرهم من كافة علماء المسلمين هو أنه لا يجوز نحر هدي التمتع والقران قبل يوم النحر، فدونك الأجوبة التي أجيب بها عن أدلة المخالفين القائلين بجواز ذبحه عند إحرام الحج، أو عند الإِحلال من العمرة.\nأما استدلالهم بأن هدي التمتع له سببان، فجاز بأحدهما قياسًا على الزكاة بعد ملك النصاب، وقبل حلول الحول، فهو مردود بكونه فاسد الاعتبار، وفساد الاعتبار من القوادح المجمع على القدح بها، وهو بالنسبة إلى القياس أن يكون القياس مخالفًا لنص من كتاب، أو سنة، أو إجماع. وهذا القياس مخالف للسنَّة الثابتة عنه  - ﷺ -  التي هي النحر يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. وعرف في مراقي السعود فساد الاعتبار بقوله في مبحث القوادح:\nوالخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى\nواستدلالهم بأن شروط التمتع وجدت عند الإِحرام بالحج، فوجد التمتع بوجود شروطه، وذبح الهدي معلق على وجود التمتع في الآية. وإذا حصل المعلق عليه، حصل المعلق = مردود من وجهين:\nالأول: أن وجود التمتع لم يحقق بإحرام الحج، لاحتمال أن","vol":"5","page":591},{"text":"يفوته الحج بسبب عائق عن الوقوف بعرفة وقته؛ لأنه لو فاته الحج، لم يوجد منه التمتع، فدل ذلك على أن الإِحرام بالحج لا يتحقق به وجود حقيقة التمتع التي علق على وجودها ما استيسر من الهدي.\nالثاني: أن الهدي الواجب بالتمتع له محل معين، لا بدَّ من بلوغه في زمن معين، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد بيَّن  - ﷺ -  بفعله الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه، وقوله: \"إني لبدت رأسي وقلدت هديي\" الحديث المتقدم أن محله هو منى يوم النحر كما تقدَّم إيضاحه.\nواستدلالهم بأن الصوم الذي هو بدل الهدي عند العجز عنه يجوز تقديم بعضه على يوم النحر، وهو الأيام الثلاثة المذكورة في قوله: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ فجاز تقديم الهدي على يوم النحر، قياسًا على بدله = مردود من وجهين:\nالأول: أنه قياس مخالف لسنة النبي  - ﷺ -  التي فعلها مبينًا بها القرآن. وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" فهو قياس فاسد الاعتبار، كما قدمنا إيضاحه قريبًا.\nالوجه الثاني: أنه قياس مع وجود فوارق تمنع من إلحاق الفرع بالأصل.\nمنها: أن الهدي يترقب على ذبحه قضاء التفث، كما يدل عليه قوله في ذبح الهدايا: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ ثم رتب على ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ وهذا الحكم الموجود في الأصل منتفٍ عن الفرع؛ لأن الصوم لا يترتب عليه قضاء تفث.","vol":"5","page":592},{"text":"ومنها: أن الهدي يختص بمكان، وهذا الوصف منتفٍ عن الفرع، وهو الصوم، فإنه لا يختص بمكان.\nومنها: أن الصوم إنما يؤدى جزؤه الأكبر بعد الرجوع إلى الأهل في قوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وهذا منتفٍ عن الأصل الذي هو الهدي، فلا يفعل منه شيء بعد الرجوع إلى الأهل كما ترى.\nواستدلالهم بأنه دم جبران، فجاز بعد وجوبه قبل يوم النحر قياسًا على فدية الطيب واللباس = مردود من وجهين أيضًا.\nاعلم أولًا: أنا قدمنا أقوال أهل العلم، ومناقشة أدلتهم مناقشةً دقيقة في هدي التمتع هل هو دم جبران، أو دم نسك كالأضحية. فعلى أنه دم نسك فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى أنه دم جبران، فقياسه على فدية الطيب واللباس يمنعه أمران:\nالأول: أنه قياس فاسد الاعتبار؛ لمخالفته السنَّة الثابتة، عنه  - ﷺ - .\nالثاني: أنه لم يثبت نص صحيح من كتاب، ولا سنَّة على وجوب الهدي في الطيب واللباس حتى يقاس عليه هدي التمتع. والعلماء إنما أوجبوا الفدية في الطيب، واللباس قياسًا على الحلق المنصوص في آية الفدية، والقياس على حكم مثبت بالقياس فيه خلاف معروف بين أهل الأصول. فذهبت جماعة منهم إلى أن حكم الأصل المقيس عليه لا بدَّ أن يكون ثابتًا بنص، أو اتفاق الخصمين. وذهب آخرون إلى جواز القياس على الحكم الثابت بالقياس، كأن تقول هنا: من لبس أو تطيب في إحرامه لزمته فدية الأذى، قياسًا على الحلق المنصوص عليه في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ","vol":"5","page":593},{"text":"رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ الآية، بجامع ارتكاب المحظور، ثم تقول: ثبت بهذا القياس أن في الطيب واللباس فدية، فتجعل الطيب واللباس الثابت حكمها بالقياس أصلًا ثانيًا، فتقيس عليهما هدي التمتع في جواز التقديم بجامع أن الكل دم جبران. وكأن تقول: يحرم الربا في الذرة قياسًا على البر بجامع الاقتيات، والادخار، أو الكيل مثلًا، ثم تقول: ثبت تحريم الربا في الذرة بالقياس على البر، فتجعل الذرة أصلًا ثانيًا، فتقيس عليها الأرز، ونحو ذلك. فعلى أن مثل هذا لا يصح به القياس، فسقوط الاستدلال المذكور واضح، وعلى القول بصحة القياس عليه، وهو الذي درج عليه في مراقي السعود بقوله:\nوحكم الأصل قد يكون ملحقا ... لما من اعتبار الأدنى حققا\nفهو قياس مختلف في صحته أصلًا، وهو فاسد الاعتبار أيضًا، لمخالفة لسنته  - ﷺ - .\nواستدلالهم بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ قائلين: إنه بمجرد الإِحرام بالحج يسمى متمتعًا، فيجب الهدي بإحرام الحج؛ لأن اسم التمتع يحصل به، والهدي معلق عليه قالوا: ولأن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ مردود أيضًا.\nأما كون التمتع يوجد بإحرام الحج، والهدي معلق عليه فيلزم وجوده بوجوده، فقد بينا رده من وجهين بإيضاح قريبًا، فأغنى عن إعادته هنا.\nوقولهم: إن ما جعل غاية تعلق الحكم بأوله يعنون أن قوله تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ جعل فيه الحج غاية بحرف الغاية","vol":"5","page":594},{"text":"الذي هو \"إلي\"، فيجب تعلق الحكم الذي هو ذبح الهدي بأول الغاية، وهو الحج، وأوله الإِحرام، فيجب الذبح بالإِحرام، كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ فإن حكم إتمام الصيام ينتهي بأول جزء من الليل، الذي هو الغاية لإِتمامه = مردود من وجهين.\nالأول: أن هذا غير مطرد، فلا يلزم تعلق الحكم بأول ما جعل غاية.\nومن النصوص التي لم يتعلق الحكم فيها بأول ما جعل غاية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ فنكاحها زوجًا غيره جعل غاية لعدم حليتها له، مع أن أول هذه الغاية الذي هو عقد النكاح لا يتعلق به الحكم، بل لا بدَّ من بلوغ آخر الغاية، وهو الجماع، ولذا قال  - ﷺ -: \"لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" فعلم أن التعلق بأول الغاية لا يلزم على كل حال.\nالوجه الثاني: أن سنة النبي الثابتة عنه من فعله، ومفهوم قوله بينت أن هذا الحكم لا يتعلق بأول الغاية، وإنما يتعلق بآخرها وهو الإِحلال الأول، لأنه لم ينحر هدي تمتع، ولا قران إلَّا بعد رمي جمرة العقبة، وفعله فيه البيان الكافي للمراد من الغاية التي يترتب عليها ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾ الآية، ففعلة مبين قوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ لأنه ذبح عن أزواجه المتمتعات يوم النحر، وأمر أصحابه المتمتعين بذلك، وخير ما يبين به القرآن بعد القرآن السنَّة، واللَّه يقول لنبيه  - ﷺ -: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية، وهو  - ﷺ -  يبين المناسك بأفعاله، موضحًا بذلك المراد من القرآن، ويقول: \"لتأخذوا عني مناسككم\".","vol":"5","page":595},{"text":"الثالث: أنه لو جاز له ذبحه قبل يوم النحر لجاز الحلق قبل يوم النحر، وذلك باطل، فالحلق لا يجوز حتى يبلغ الهدي محله؛ كما هو صريح القرآن، والحلق لم يجز قبل يوم النحر، فالهدي لم يبلغه محله قبل يوم النحر، وهو واضح كما ترى، ولذا لم يأذن  - ﷺ -  في حجته لمن ساق هديًا أن يحل ويحلق، وإنما أمر بفسخ الحج في العمرة من لم يسق هديًا، ولا شك أن ذلك عمل منه بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nواستدلالهم بحديث جابر المتقدم عند مسلم قال: \"فأمرنا إذا أحللنا أن نهدي ويجتمع النفر منا في الهدية\" وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم = مردود بالقادح المسمى في اصطلاح أهل الأصول بالقلب؛ لأن حديث جابر المذكور حجة عليهم، لا لهم، وذلك هو عين القلب، وإيضاحه أن لفظ الحديث \"وذلك حين أمرهم أن يحلوا من حجهم\" والإِشارة في قوله: \"وذلك\" راجعة إلى الأمر بالهدية، والاشتراك فيها، والحديث صريح في أن ذلك حين إحلالهم من حجهم؛ وذلك إنما وقع يوم النحر؛ لأنه لا إحلال من حج البتة قبل يوم النحر.\nوالغريب من الشيخ النووي أنه قال في حديث جابر هذا: وفيه دليل لجواز ذبح هدي التمتع بعد التحلل من العمرة، وقبل الإِحرام بالحج؛ لأن لفظ الحديث مصرح بأن ذلك عند الأمر بالإِحلال من الحج. وهو يستدل به على وقوعه قبل الإِحرام بالحج.\nوالظاهر أن هذا سهو منه، أو أنه ذهب ذهنه إلى أنه أمرهم بذلك حين تحللهم من العمرة، وظن أن اسم الحج لا ينافي ذلك؛ لأن أصل الإِحرام بالحج، ففسخوه في عمرة، فلما أحلوا منها صاروا","vol":"5","page":596},{"text":"كأنهم محلون من الحج الذي فسخوه فيها، وهذا محتمل، ولكنه بعيد جدًّا من ظاهر اللفظ؛ لأن الحج الذي أحرموا به لما فسخوه في عمرة زال اسمه بالكلية، وصار الإِحلال من عمرة، لا من حج كما ترى، فحمل لفظ الإِحلال من الحج على الإِحلال من العمرة حمل للفظ الحديث على ما لا يدل عليه بحسب الوضع العربي من غير دليل يجب الرجوع إليه.\nولو سلمنا جدليًّا أن المراد في حديث جابر المذكور بالإِحلال من الحج هو الإِحلال من العمرة التي فسخوا فيها الحج كما هو رأي النووي، فلا دليل في الحديث أيضًا؛ لأن غاية ما دلَّ عليه الحديث على التفسير المذكور أنه أمرهم عند الإِحلال من العمرة بالهدي، وذلك لا يستلزم أنهم ذبحوه في ذلك الوقت، بل الأحاديث الصحيحة الكثيرة دالة على أنهم لم يذبحوا شيئًا من هداياهم قبل يوم النحر، كما تقدم إيضاحه.\nواستدلالهم بحديث ابن عباس المتقدم عند الحاكم \"أنه  - ﷺ -  قسم يومئذٍ في أصحابه غنمًا فأصاب سعد بن أبي وقاص تيس فذبحه عن نفسه، فلما وقف رسول الله  - ﷺ -  بعرفة\" إلى آخر الحديث المتقدم، لا دليل فيه؛ لأنه محمول على أنه لم يذبحه إلَّا يوم النحر، كما فعل جميع الصحابة. وجاء في مسند الإِمام أحمد التصريح بذلك فصارت رواية أحمد المصرحة بأن ذلك وقع يوم النحر مفسرة لرواية الحاكم.\nقال الهيثمي في مجمع الزوائد ما نصه: باب تفرقة الهدي. عن ابن عباس ﵄ \"أن النبي  - ﷺ -  قسم غنمًا يوم النحر في أصحابه وقال: اذبحوا لعمرتكم فإنها تجزئ عنكم، فأصاب","vol":"5","page":597},{"text":"سعد بن أبي وقاص تيس\" رواه أحمد ورجاله رجال الصحيح. اهـ منه.\nوهذه الرواية الصحيحة مبينة أن ذبحهم عن عمرتهم إنما كان يوم النحر، وأن ذلك هو المراد في الرواية التي رواها الحاكم؛ لأن الروايات يفسر بعضها بعضًا، كما هو معلوم في علم الحديث والأصول. ولقد صدق الهيثمي في أن رجاله رجال الصحيح؛ لأن أحمد رواه عن حجاج بن محمد المصيصي الأعور أبي محمد مولى سليمان بن مجالد، وهو ترمذي الأصل سكن بغداد، ثم تحول إلى المصيصة، أخرج له الجميع. وقال فيه ابن حجر في التقريب: ثقة ثبت، لكنه اختلط في آخر عمره لما قدم بغداد قبل موته، وقال فيه في تهذيب التهذيب بعد أن ذكر ثناءً عليه كثيرًا من نقاد رجال الحديث: كان ثقةً صدوقًا إن شاء الله، وكان قد تغير في آخر عمره حين رجع إلى بغداد. والظاهر أن الإِمام أحمد إنما أخذ عنه قبل اختلاطه؛ لأنه كان في بغداد قبل المصيصة، ثم رجع من المصيصة إلى بغداد في حاجة له، فمات بها، واختلاطه في رجوعه الأخير كما يعلمه من نظر ترجمته في كتب الرجال. وحجاج المذكور رواه عن عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج، وقد أخرج له الجميع، وهو ثقة فقيه فاضل معروف، وكان يدلس ويرسل، ولكنه في هذا الحديث صرح بالإِخبار عن عكرمة، عن ابن عباس. وراوي الحديث عن أحمد ابنه، عبد الله، وجلالته معروفة، فظهر صحة الإِسناد المذكور، كما قاله في مجمع الزوائد. والعلم عند الله تعالى.\nوقد رأيت مما ذكرنا أدلة من قال بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، ومن قال بجوازه عند الفراغ من العمرة، وأدلة من قال: لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر ومناقشتها.","vol":"5","page":598},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي - واللَّه أعلم - أنه لا يجوز ذبح هدي التمتع، والقران قبل يوم النحر؛ لأدلة متعددة، أوضحناها غاية الإِيضاح قريبًا.\nمنها: أن النبي - ﷺ - كذلك فعل، فلم يذبح عن أزواجه المتمتعات، ولا عن عائشة القارنة إلَّا يوم النحر، وكذلك فعل هو وجميع أصحابه المتمتعين بأمره، واستمر على ذلك عمل الأمة، ولنا في رسول الله - ﷺ - أسوة حسنة، وقد أمرنا أن نأخذ عنه مناسكنا، ومن مناسكنا وقت ذبح الهدايا، ولا شك أن القرآن العظيم دل على أن كل هدي له تعلق بالحج أن ذبحه في أيام معلومات، لا في أيام مجهولات، كما أوضحناه مرارًا، لأنه تعالى قال: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾، لأن مضمون الآية الكريمة: أذن فيهم بالحج يأتوك حجاجًا مشاةً وركبانًا، لأجل أن يشهدوا منافع لهم، ولأجل أن يذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام، أي: وليقتربوا إلى الله بدماء ما رزقهم من بهيمة الأنعام، ذاكرين اسم الله عليها عند التذكية.\nفقد صرح بأن ذلك التقرب بدماء الأنعام الذي هو من جملة ما دعوا إلى الحج من أجله أنه في أيام معلومات، لا في زمن مطلق مجهول كما ترى.\nوقد بينا الأيام المعلومات في أول هذا البحث، وقد بيَّن - ﷺ - أول وقتها، فذكر اسم الله على ما رزقه من بهيمة الأنعام وقت تذكيتها يوم النحر، ويوضح أن ذكر اسم الله عليها إنما هو عند تذكيتها","vol":"5","page":599},{"text":"تقربًا للَّه تعالى بدمائها قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ أي: ذكوها قائمة صواف على ثلاثة أرجل، كما هو معلوم.\nولا شك أن الله جل وعلا في محكم كتابه بين أن الهدي له محل معروف لا يجوز التحلل بحلق الرأس قبل بلوغه إياه، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبتت الأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن فيها أنه - ﷺ - أمر من لم يسق هديًا من أصحابه بفسخ حجه في عمرة، والإِحلال من العمرة، وتأسف هو - ﷺ - أنه لم يفعل ذلك وقال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة\".\nولا شك أن المانع له من فسخ الحج في العمرة أنه لا يمكنه التحلل، وحلق الرأس، حتى يبلغ الهدي محله.\nومن الضروري البديهي أن هدي التمتع لو كان يجوز ذبحه عند الإِحلال من العمرة، أو الإِحرام بالحج أنه - ﷺ - يتحلل بعمرة، ويذبح هديه عندما تحلل منها، فيكون متمتعًا ذابحًا عند الفراغ من العمرة، أو عند الإِحرام بالحج، فلما صرح بامتناع هذا، وعلله بأنه قلَّد هديه، علم أنه لا يجوز ذبحه قبل يوم النحر كما هو واضح.\nوقد أوضحنا أن جميع أفعاله في الحج - ويدخل فيها الذبح ووقته - كلها بيان لإِجمال آيات القرآن، كقوله: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ كما أنه بيان لقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾ الآية. ولذا قال - ﷺ - مبينًا أن أفعاله في الحج بيان للقرآن: \"لتأخذوا عني مناسككم\". وقد قدمنا اتفاق الأصوليين على أنه فعله - ﷺ - الذي هو","vol":"5","page":600},{"text":"بيان لإِجمال نص يقتضي الوجوب أنه واجب، إلى آخر ما قدمناه من الأدلة.\nوقد علمت مما ذكرنا أن القائلين بجواز ذبح هدي التمتع عند الإِحرام بالحج، أو بعد الفراغ من العمرة، كالشافعية وأبي الخطاب من الحنابلة، ليس معهم حجة واضحة من كتاب الله، ولا من سنة نبيه  - ﷺ -، ولا فعل أحد من الصحابة، وأن تمسكهم بآية: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ وبعض الأحاديث ليس في شيء منه حجة ناهضة يجب الرجوع إليها. هذا ما ظهر لنا في هذه المسألة. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن ما يفعله كثير من الحجاج الذين يزعمون التقرب بالهدي يوم النحر من ذبح الغنم في أماكن متفرقة من منى لا يقدر الفقراء على الوصول إليها، والتمكن منها، وتركها مذبوحة ليس بقربها فقير ينتفع بها، وتضيع تلك الغنم بكثرة، وتنتفخ وينتشر نتن ريحها في أقطار منى، حتى يعم أرجاءها النتن كأنه نتن الجيف = أن كل ذلك لا يجوز، وهو إلى المعصية أقرب منه إلى الطاعة. ولا يجوز لمن بسط الله يده إقرارهم على ذلك؛ لأنه فساد وأذية لسائر الحجاج بالأرواح المنتنة، وإضاعة للمال، وإفساد له باسم التقرب إلى الله. ودواء ذلك الداء المنتشر في منى كل سنة أن يعلم كل مهدٍ وكل مضحٍ أنه يلزمه إيصال لحم ما يتقرب به إلى الفقراء، فعليه إذا ذبحها أن يؤجر من يسلخها طرية حين ذبحها أو يسلخها هو، ويحملها بنفسه أو بأجرة، حتى يوصلها إلى المستحقين؛ لأن الله يقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ ويقول: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا","vol":"5","page":601},{"text":"وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ولا يمكنه إطعام أحد ممن أمره الله بإطعامهم إلَّا بإيصال ذلك إليهم، ولو اجتهد في إيصاله إليهم لأمكنه ذلك لأنه قادر عليه، وعلى من بسط الله يده أن يعين الحجاج المتقربين بالدماء على طريق الإِيصال إلى الفقراء بالطرق الكفيلة بتيسير ذلك، كتهيئة عدد ضخم من العاملين للإِيجار يوم النحر على سلخ الهدايا والضحايا طرية، وحمل لحومها إلى الفقراء في أماكنهم، وكتعدد مواضع الذبح في أرجاء منى، وفجاج مكة، ونحو ذلك من الطرق المعينة على إيصال الحقوق لمستحقيها.\nواعلم: أن التحقيق أن فقراء الحرم هم الموجودون فيه وقت نحر الهدايا من الآفاقيين، وحاضري المسجد الحرام، فإن ذبح في موضع فيه فقراء، وخلي بينهم وبين الذبيحة أجزأه ذلك؛ لأنه يسر لهم الأكل منها بطريق لا كلفة عليهم فيها، فكأنه أطعمهم بالفعل. والعلم عند الله تعالى.\nومعلوم أن المتمتع إذا لم يجد هديًا أنه ينتقل إلى الصوم كما قال تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\nوأظهر قولي أهل العلم عندي أن معنى قوله في الحج، أي: في حالة التلبس بإحرام الحج؛ لأن الظاهر من اسم الحج هو الدخول في نفس الحج، وذلك بالإِحرام. وقال بعض أهل العلم: المراد بالحج أشهره، واستدل بقوله تعالى: ﴿الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ﴾ ولا دليل في الآية عندي؛ لأن الكلام على حذف مضاف، أي: من زمن الحج أشهر معلومات؛ وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه أسلوب عربي كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الإِعراب إذا ما حذفا","vol":"5","page":602},{"text":"وعليه فينبغي أن يحرم بحجه قبل يوم التروية ليتم الثلاثة قبل يوم النحر؛ لأن صومه لا يجوز. وكره بعض أهل العلم للحاج صوم يوم عرفة، واستحب أن يفرغ من صوم الثلاثة قبله، وجزم به صاحب المهذب. والتحقيق: أن السبعة إنما يصومها بعد الرجوع إلى أهله، ووصوله إلى بلده، وأنه ليس المراد أنه يصومها في طريقه في رجوعه. وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن عمر: أن المراد الرجوع إلى أهله، وهو ظاهر القرآن؛ فلا يجوز العدول عنه. والظاهر أن الأيام الثلاثة والأيام السبعة لا يجب التتابع في واحد منهما، لعدم الدليل على ذلك.\nقال في المغني: ولا نعلم فيه خلافًا، وإن فاته صومها قبل يوم النحر، فهل يجوز له أن يصوم أيام التشريق الثلاثة؟ اختلف العلماء في ذلك على قولين:\nأحدهما: أنه لا يجوز صوم أيام التشريق للمتمتع.\nوالثاني: يجوز له صومها.\nوفيها قول ثالث: أنها يجوز صومها مطلقًا. ولا يخفى بُعد هذا القول وسقوطه.\nأما حجة من قال: إنها لا يجوز صومها للمتمتع، ولا غيره فهو ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثنا سريج بن يونس، حدثنا هشيم، أخبرنا خالد، عن أبي المليح، عن نبيشة الهذلي قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"أيام التشريق أيام أكل وشرب\" وفي لفظ عند مسلم عنه زيادة \"وذكر الله\".\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة،","vol":"5","page":603},{"text":"حدثنا محمد بن سابق، حدثنا إبراهيم بن طهمان، عن أبي الزبير، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه حدثه \"أن رسول الله  - ﷺ -  بعثه وأوس بن الحدثان أيام التشريق، فنادى: أنه لا يدخل الجنة إلَّا مؤمن، وأيام منى أيام أكل وشرب\" وفي لفظ عند مسلم: \"فناديا\". اهـ منه. قالوا: فهذا الحديث الصحيح الذي رواه عن النبي  - ﷺ -  صحابيان: هما كعب بن مالك، ونبيشة بن عبد الله الهذلي، فيه التصريح من النبي  - ﷺ -  بأن أيام التشريق أيام أكل وشرب، وذلك يدل على أنها لا يجوز صومها. وظاهر الحديث الإِطلاق في المتمتع وغيره. وفي الحديث المذكور: الرد على من أجاز صومها مطلقًا. ومما يؤيد ذلك حديث عمرو بن العاص أنه قال لابنه عبد الله في أيام التشريق: إنها الأيام التي نهى رسول الله  - ﷺ -  عن صومهن، وأمر بفطرهن. قال ابن حجر في الفتح: أخرجه أبو داود، وابن المنذر، وصححه ابن خزيمة، والحاكم.\nوأما حجة من قال بجواز صوم أيام التشريق الثلاثة للمتمتع الذي فاته صومها قبل يوم النحر، فهي ما رواه البخاري في صحيحه قال: باب صيام أيام التشريق. قال أبو عبد الله: قال لي محمد بن المثنى: حدثنا يحيى، عن هشام قال: أخبرني أبي كانت عائشة ﵂ تصوم أيام منى، وكان أبوه يصومها.\nحدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة سمعت عبد الله بن عيسى، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وعن سالم عن ابن عمر ﵃ قالا: لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلَّا لمن لم يجد الهدي. انتهى منه. قالوا: فهذا الحديث له","vol":"5","page":604},{"text":"حكم الرفع، وفيه التصريح بالترخيص في صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا.\nوالروايات الصحيحة التي رواها الحفاظ من أصحاب شعبة: لم يرخص بضم الياء وفتح الخاء مبنيًا للمفعول.\nقال في الفتح: ووقع في رواية يحيى بن سلام عن شعبة عند الدارقطني  - واللفظ له -  والطحاوي: رخص رسول الله  - ﷺ -  للمتمتع إذا لم يجد الهدي أن يصوم أيام التشريق. وقال: إن يحيى بن سلام ليس بالقوي، ولم يذكر طريق عائشة. وأخرجه من وجه آخر ضعيف عن الزهري، عن عروة، عن عائشة. وإذا لم تصح هذه الطرق المصرحة بالرفع بقي الأمر على الاحتمال.\nوقد اختلف علماء الحديث في قول الصحابي: أمرنا بكذا، ونهينا عن كذا، هل له حكم الرفع؟ على أقوال:\nثالثها: إن أضافه إلى عهد النبي  - ﷺ -  فله حكم الرفع، وإلَّا فلا.\nواختلف في الترجيح فيما إذا لم يضفه. ويلتحق به رخص لنا في كذا، وعزم علينا ألا نفعل كذا، كل في الحكم سواء، فمن يقول: إن له حكم الرفع فغاية ما وقع في رواية يحيى بن سلام أنه روى بالمعنى. لكن قال الطحاوي: إن قول ابن عمر وعائشة أخذاه من عموم قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ لأن قوله: في الحج يعم ما قبل النحر، وما بعده، فتدخل أيام التشريق، فعلى هذا فليس بمرفوع، بل هو بطريق الاستنباط منهما عما فهماه من عموم الآية. وقد ثبت نهيه  - ﷺ -  عن صوم أيام التشريق، وهو عام في حق المتمتع وغيره. وعلى هذا فقد تعارض عموم الآية المشعر بالإِذن،","vol":"5","page":605},{"text":"وعموم الحديث المشعر بالنهي، وفي تخصيص عموم المتواتر بعموم الآحاد نظر لو كان الحديث مرفوعًا، فكيف وفي كونه مرفوعًا نظر؟ فعلى هذا يترجح القول بالجواز. وإلى هذا جنح البخاري. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن حجر في الفتح وتراه فيه يجعل: أمرنا، ونهينا، ورخص لنا، وعزم علينا، كلها سواء في الخلاف المذكور، هل لها حكم الرفع أو الوقف؟ وممن قال بصوم أيام التشريق للمتمتع: ابن عمر، وعائشة، وعروة، وعبيد بن عمير، والزهري، ومالك، والأوزاعي وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه، وأحمد في إحدى الروايتين، وممن روى عنه عدم صوم المتمتع لها: الشافعي في القول الثاني، وأحمد في الرواية الثالثة، وروي نحوه عن علي والحسن، وعطاء وهو قول ابن المنذر. قاله في المغني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: مسألة صوم أيام التشريق للمتمتع يظهر لي فيها أنها بالنسبة إلى النصوص الصريحة يترجح فيها عدم جواز صومها، وبالنظر إلى صناعة علم الحديث يترجح فيها جواز صومها. وإيضاح هذا أن عدم صومها دل عليه حديث نبيشة الهذلي، وكعب بن مالك في صحيح مسلم، كما قدمنا، وكلا الحديثين صريح في أن كونها أيام أكل وشرب. من لفظ النبي  - ﷺ -، وهو نص صحيح صريح في عدم صومها، فظاهره الإِطلاق في المتمتع الذي لم يجد هديًا وفي غيره.\nولم يثبت نص صريح من لفظ النبي  - ﷺ -، ولا من القرآن يدل على جواز صومها للمتمتع الذي لم يجد هديًا.\nوما ذكره ابن حجر عن الطحاوي من أن ابن عمر، وعائشة ﵃ أخذا جواز صومها من ظاهر عموم قوله تعالى:","vol":"5","page":606},{"text":"﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ﴾ ليس بظاهر. والظاهر سقوطه  - واللَّه أعلم -  لإِجماع جميع المسلمين أن الحاج إذا طاف طواف الإِفاضة بعد رمي جمرة العقبة، والحلق أنه يحل له كل شيء حرم عليه بالحج من النساء، والصيد، والطيب، وكل شيء، فقد زال عنه الإِحرام بالحج بالكلية، وصار حلالًا حلًا تامًا كل التمام، وذلك ينافي كونه يطلق عليه أنه في الحج، فإن صام أيام التشريق فقد صامها في غير الحج؛ لأنه تحلل من حجه، وقضى مناسكه.\nومن أصرح الأدلة في ذلك أن الله صرح بأنه لا رفث في الحج، وأيام التشريق يجوز فيها الرفث بالجماع، فما دونه، فدل على أن ذلك الرافث فيها ليس في الحج، وأما الرمي في أيام التشريق فهو من السنن الواقعة بعد تمام الحج تابعة له، وكذلك النحر فيها إن لم ينحر يوم النحر.\nأما كونه في أيام التشريق يصدق عليه أنه في الحج بعد إحلاله منه، وفراغه منه، حتى يتناوله عموم الآية، فليس بظاهر عندي. واللَّه تعالى أعلم.\nوأما بالنظر إلى صناعة علم الحديث فالذي يترجح هو جواز صوم أيام التشريق للمتمتع الذي لم يجد هديًا، لأن المشهور الذي عليه جمهور المحدثين أن قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو رخص لنا في كذا، أو أحل لنا كذا له كله حكم الرفع، فهو موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا.\nقال ابن الصلاح في علوم الحديث الثاني: قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا من نوع المرفوع، والمسند عند أصحاب الحديث، وهو قول أكثر أهل العلم، وخالف في ذلك فريق منهم:","vol":"5","page":607},{"text":"أبو بكر الإِسماعيلي. والأول هو الصحيح، لأن مطلق ذلك ينصرف بظاهره إلى من إليه الأمر والنهي، وهو رسول الله  - ﷺ - . انتهى محل الغرض منه.\nوقد قال بعد هذا: ولا فرق بين أن يقول ذلك في زمان رسول الله  - ﷺ -، أو بعده.\nوقال النووي في تقريبه: الثاني قول الصحابي: أمرنا بكذا، أو نهينا عن كذا، أو من السنَّة كذا، أو أمر بلال أن يشفع الأذان، وما أشبهه، كله مرفوع على الصحيح الذي قاله الجمهور. وقيل: ليس بمرفوع، ولا فرق بين قوله في حياة رسول الله  - ﷺ -، أو بعده. انتهى منه. وعلى هذا درج العراقي في ألفيته في قوله:\nقول الصحابي من السنَّة أو ... نحو أمرنا حكمه الرفع ولو\nبعد النبي قاله بأعصر ... على الصحيح وهو قول الأكثر\nوفي علوم الحديث مناقشات في هذه المسألة معروفة. والصحيح عندهم الذي عليه الأكثر: أن ذلك له حكم الرفع. وبه تعلم أن حديث ابن عمر، وعائشة عند البخاري: \"لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن\" الحديث له حكم الرفع.\nوإذا قلنا: إنه حديث صحيح مرفوع عن صحابيين، فلا إشكال في أنه يخصص به عموم حديث نبيشة، وكعب بن مالك، ولو كان ظاهر الآية يدل على صومها، كما ذكره ابن حجر عن الطحاوي، فلا مانع من تخصيص عمومها بالحديث المرفوع.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن التحقيق جواز تخصيص عموم المتواتر، بأخبار الآحاد كما هو معلوم؛ لأن","vol":"5","page":608},{"text":"التخصيص بيان، والبيان يجوز بكل ما يزيل اللبس. ولذا كان جمهور العلماء على جواز بيان المتواتر بأخبار الآحاد، كتخصيص عموم ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهو متواتر بحديث \"لا تنكح المرأة على عمتها أو خالتها\" وهو خبر آحاد. وقد أكثرنا من أمثلته في هذا الكتاب المبارك. وكذلك أجاز الجمهور تخصيص المنطوق بالمفهوم كتخصيص عموم: \"في أربعين شاة شاة\" وهو منطوق بمفهوم المخالفة في حديث \"في الغنم السائمة زكاة\" عند من يقول بذلك.\nوالحاصل: أن المبين باسم الفاعل يجوز أن يكون دون المبين باسم المفعول في السند، وفي الدلالة. وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nوبين القاصر من حيث السند ... أو الدلالة على ما يعتمد\nوقد أوضحنا هذا، وذكرنا كلام أهل العلم فيه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.\nوقد يترجح عند الناظر عدم صومها للمتمتع من وجهين:\nالأول: أن عدم صومها مرفوع رفعًا صريحًا، وصومها موقوف لفظًا، مرفوع حكمًا على المشهور، والمرفوع صريحًا أولى بالتقديم من المرفوع حكمًا.\nوالثاني: أن الجواز والنهي إذا تعارضا قدم النهي؛ لأن ترك مباح أهون من ارتكاب منهي عنه. وقد يحتج المخالف بأن دليل الجواز خاص بالمتمتع، ودليل النهي عام، والخاص يقضي على العام. والعلم عند الله تعالى.\nفإن أخر صوم الأيام الثلاثة عن يوم عرفة فقد فات وقتها على","vol":"5","page":609},{"text":"القول بأن أيام التشريق لا يصومها المتمتع، وعلى القول بأنه يصومها إنما يخرج وقتها بانتهاء أيام التشريق، وهل عليه قضاؤها بعد ذلك؟ لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب الله ولا من سنَّة رسوله  - ﷺ - .\nوالعلماء مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: يقضيها فيصوم عشرة، ومن قال بهذا القول من أهل العلم اختلفوا، هل يفرقها، فيفصل بين الثلاثة والعشرة، بمقدار ما وجب التفريق بينهما في الأداء لو لم تفت في وقتها بناء على أن تقديم الثلاثة على السبعة لا يتعلق بالوقت، فلم يسقط كترتيب أفعال الصلاة، أو ليس عليه تفريقها، بل يجوز أن يصوم العشرة كلها متوالية بناء على أن التفريق وجب بحكم الوقت المعين، وقد فات، فسقط كالتفريق بين الصلوات التي فاتت أوقاتها، فإنها تقضى متوالية، لا متفرقة على أوقاتها حسب الأداء لو لم تفت؟ والتفريق بين الثلاثة والسبعة في الصوم هو مذهب الشافعي، وعدمه مذهب أحمد، وعلى قول من قالوا بلزوم قضاء الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها.\nفبعضهم يقول: لا دم على المتمتع؛ لأنه قضى ما فات، وهو مذهب الشافعي. وقيل: عليه دم مع القضاء، لأجل التأخير. وجزم الخرقي، وهو مروي عن أحمد. وقال القاضي: إن أخره لعذر فليس عليه إلا القضاء ولا دم. وعن أحمد لا دم مع القضاء بحال.\nوقيل: لا تقضى الأيام الثلاثة بعد خروج وقتها، ويلزم الدم لسقوط قضائها بفوات وقتها، ولا يجوز صوم السبعة بعد ذلك؛ لأنها تابعة للثلاثة التي سقطت، ويتعين الدم. وهذا مذهب أبي حنيفة، وآخر وقت الثلاثة عنده يوم عرفة.\nواعلم: أن أبا حنيفة وأحمد يقولان: إن صوم الثلاثة للعاجز","vol":"5","page":610},{"text":"عن الهدي يجوز قبل التلبس بإحرام الحج، فمذهب أبي حنيفة: أن أول وقت صومها في أشهر الحج بين الإِحرامين، والأفضل عنده: أن يؤخرها إلى آخر وقتها، فيصوم السابع، ويوم التروية، ويوم عرفة. وبعض الحنفية يروى هذا عن علي ﵁. وعند أحمد. يجوز صومها عند الإِحرام بالعمرة، وعنه: إذا حل من العمرة. وهذه الأقوال مبنية على أن قوله: في الحج يراد به: أشهره. وقد بينا عدم ظهوره، وعند مالك والشافعي: لا يجوز صومها إلا بعد التلبس بإحرام الحج، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وهما يقولان: ينبغي تقديمها قبل يوم النحر. والشافعي: يستحب إنهاءها قبل يوم عرفة، فإن لم يصم إلى يوم النحر، أفطر يوم النحر، وصام عند مالك أيام التشريق، فإن لم يصمها حتى رجع إلى بلده وله به مال لزمه أن يبعث بالهدي إلى الحرم، ولا يجزئه الصوم عنده. وليس له أن يؤخر الصيام، ليهدي من بلده. وفي صوم أيام التشريق للمتمتع عند الشافعية: قولان. وعن أحمد: روايتان فيهما. وقد علمت أن أبا حنيفة لا يجيز صومها، وأن مالكًا يجيزه ويكفي عنده في صوم السبعة الرجوع من منى.\nوقد قدمنا أن التحقيق أن صومها بعد الرجوع إلى أهله؛ لحديث ابن عمر الثابت في الصحيح. فما يروى عن مالك وأبي حنيفة، والشافعي، وغيرهم مما يخالف ذلك من الروايات لا ينبغي التعويل عليه، لمخالفته الحديث الصحيح. ولفظه: \"فمن لم يجد هديًا فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله\" الحديث. هذا لفظ مسلم في صحيحه، ولفظ البخاري \"فليصم ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله\" فلفظة: \"إذا رجع إلى أهله\"","vol":"5","page":611},{"text":"في الصحيحين من حديث ابن عمر مرفوعًا إلى النبي  - ﷺ -، وهو تفسير منه لقوله تعالى: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ وإذا ثبت أن النبي  - ﷺ -  في الصحيحين من حديث ابن عمر: تفسير الرجوع في الآية برجوعه إلى أهله، فلا وجه للعدول عنه.\nوفي صحيح البخاري، من حديث ابن عباس بلفظ \"وسبعة إذا رجعتم إلى أمصاركم\" وكل ذلك يدل على أن صوم السبعة بعد رجوعه إلى أهله، لا في رجوعه إلى مكة، ولا في طريقه، كما هو ظاهر النصوص التي ذكرنا، بل صريحها، والعدول عن النص بلا دليل يجب الرجوع إليه لا يجوز. والعلم عند الله تعالى.\nوالأظهر عندي: أنه إن صام السبعة قبل يوم النحر لا يجزئه ذلك، فما قال اللخمي من المالكية من أنه يرى إجزاءها لا وجه له. واللَّه أعلم.\nبل لو قال قائل بمقتضى النصوص، وقال: لا تجزئ قبل رجوعه إلى أهله لكان له وجه من النظر واضح، لأن من قدمها قبل الرجوع إلى أهله، فقد خالف لفظ النبي  - ﷺ -  الثابت في الصحيحين عن ابن عمر، وهو لفظ منه  - ﷺ -  في معرض تفسير آية ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ والعدول عن لفظ الصريح المبين لمعنى القرآن لو قيل بأنه لا يجزئ فاعله، لكان له وجه. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم: أن العاجز عن الهدي في حجه ينتقل إلى الصوم ولو غنيًّا في بلده، هذا هو الظاهر، وإن عجز وابتدأ صوم الثلاثة، ثم وجد الهدي بعد أن صام يومًا منها أو يومين، فالأظهر عندي فيه: أنه لا يلزمه الرجوع إلى الهدي، لأنه دخل في الصوم بوجه جائز، وأنه ينبغي له أن ينتقل إلى الهدي. واستحباب الانتقال إلى الهدي هو","vol":"5","page":612},{"text":"مذهب مالك، ومن وافقه. وممن وافقه الحسن، وقتادة، والشافعي وأحمد. وعن ابن أبي نجيح، وحماد، والثوري، والمزني: إن وجد الهدي قبل أن يكمل صوم الثلاثة، فعليه الهدي. وقيل: متى قدر على الهدي قبل النحر انتقل إليه، صام، أو لم يصم. والأظهر ما قدمنا. واللَّه أعلم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي: أنه إن فاته صوم الثلاثة في وقتها إلى ما بعد أيام التشريق أنه يجري على القاعدة الأصولية التي هي: هل يستلزم الأمر المؤقت القضاء إذا فات وقته، أو لا يستلزمه؟ وقد قدمنا الكلام على تلك المسألة مستوفى في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية.\nفعلى القول بأن الأمر يستلزم القضاء فلا إشكال في قضاء الثلاثة بعد وقتها، وعلى القول: بأنه لا يستلزم القضاء يحتمل أن يقال بوجوب القضاء؛ لعموم حديث: \"فدين الله أحق أن يقضى\" ويحتمل أن يقال بعدمه بناء على أن صوم الثلاثة في الحج ليكون ذلك مسوغًا لقضاء التفث؛ لأن الدم مسوغ لقضاء التفث ممن عنده هدي، فلا يبعد أن يكون بعض الصوم قدم لينوب عن الدم في تسويغ قضاء التفث. وعلى هذا الاحتمال لا يظهر القضاء، ولا يبعد لزوم الدم للإِخلال بالصوم في وقته. والعلم عند الله تعالى.\nأما لزوم صوم السبعة بعد الرجوع إلى أهله، فالذي يظهر لي لزومه لمن لم يجد الهدي مطلقًا، وأنه لا يسقط بحال؛ لأن وجوبه ثابت بالقرآن، فلا يمكن إسقاطه إلا بدليل واضح يجب الرجوع إليه. فجعل الدم بدلًا منه إن فات صوم الثلاثة في وقتها","vol":"5","page":613},{"text":"ليس عليه دليل يوجب ترك العمل بصريح القرآن في قوله: ﴿وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾.\nتنبيه\nإذا أخر الحاج طواف الإِفاضة عن أيام التشريق إلى آخر ذي الحجة مثلًا، فهل يجزئه حينئذ صوم الأيام الثلاثة؛ لأنه لم يزل في الحج، لبقاء ركن منه، ولأنه لا يجوز له الرفث إلى النساء؛ لأنه لم يزل في الحج، أو لا يجوز له صومها نظرًا إلى أن وقت الطواف\" الذي بينه النبي  - ﷺ -  وقال: \"لتأخذوا عني مناسككم\" قد فات؟ وهذا التأخير مخالف للسنة، فلا عبرة به. وهذا أظهر عندي. واللَّه تعالى أعلم. وبنحوه جزم النووي في شرح المهذب قائلًا: إن تأخير الطواف بعيد، فلا يحمل عليه قوله تعالى: ﴿فِي الْحَجِّ﴾ وذكر عن بعض الشافعية وجهًا آخر غير هذا. وإن مات المتمتع العاجز عن الصوم قبل أن يصوم فقال بعض أهل العلم: يتصدق عما أمكنه صومه، عن كل يوم بمد من حنطة. وهو مروي عن الشافعي. وقيل: يهدي عنه. وقيل: لا هدي عنه، ولا إطعام. واللَّه تعالى أعلم.\nواختلف أهل العلم إن وجب عليه الصوم فلم يشرع فيه حتى قدر على الهدي، هل ينتقل إلى الهدي؛ لأن الصوم إنما لزم للعجز عن الهدي، وقد زال بوجوده. وهذا إن وقع قبل يوم النحر لا ينبغي أن يختلف فيه. أما إن وجد الهدي بعد فوات وقت الأيام الثلاثة، فهو محل القولين، وهما روايتان عن أحمد. وقد قدمنا كلام أهل العلم في ذلك، ولا نص فيه.\nوالأظهر: أن صوم السبعة الذي لم يعين له وقت لا ينبغي","vol":"5","page":614},{"text":"العدول عنه إلى غيره، كما تقدم خلافًا لمن قال بغير ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nهذا هو حاصل ما يتعلق بالدماء الواجبة بغير النذر مع كونها منصوصًا عليها في القرآن.\nأما الدماء التي لم يذكر حكمها في القرآن، وقد قاسها العلماء على المذكورة في القرآن، فمنها: دم الفوات. فقد روى مالك في الموطأ عن عمر بن الخطاب ﵁: أنه أمر أبا أيوب الأنصاري، وهبار بن الأسود حين فاتهما الحج، وأتيا يوم النحر أن يحلا بعمرة، ثم يرجعا حلالًا، ثم يحجان عامًا قابلًا، ويهديان، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع إلى أهله. انتهى محل الغرض منه.\nفقد قاس عمر بن الخطاب ﵁ دم الفوات على دم التمتع حيث قال: فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع إلى أهله. وقول عمر ثلاثة في الحج لا يظهر في الفوات؛ لأن الفوات لا يتحقق إلا بانتهاء ليلة النحر، اللهم إلا إن كان عاقه عائق  - وهو بعيد -  بحيث لو سار ثلاثة أيام لم يدرك عرفة ليلة النحر، فحينئذٍ قد يصومها وكأنه في الحج؛ لأنه لم يحصل له الفوات فعلًا، وإن كان الفوات محققًا وقوعه في المستقبل. ووجه قياس دم الفوات على دم التمتع حتى صار بدله من الصوم كبدله. ذكره ابن قدامة في المغني قائلًا: إن هدي التمتع إنما وجب للترفه بترك أحد السفرين وقضائه النسكين في سفر واحد، فيقاس عليه دم من فاته الحج بجامع أنه ترك بعض ما اقتضاه إحرامه، فصار كالتارك لأحد السفرين. انتهى محل الغرض منه. ولا يظهر عندي كل الظهور.","vol":"5","page":615},{"text":"ثم قال في المغني: فإن قيل: فهلا ألحقتموه بهدي الإِحصار فإنه أشبه به، إذ هو حلال من إحرامه قبل إتمامه.\nقلنا: الهدي فيهما سواء. وأما البدل فإن الإحصار ليس بمنصوص على البدل فيه، وإنما ثبت قياسًا، فقياس هذا على الأصل المنصوص عليه أولى من قياسه على فرعه. على أن الصيام هاهنا مثل الصيام عن دم الإِحصار، وهو عشرة أيام أيضًا، إلا أن صيام الإِحصار يجب أن يكون قبل حله، وهذا يجوز فعله قبل حله وبعده. وهو أيضًا مفارق لصوم المتعة، لأن الثلاثة في المتعة يستحب أن يكون آخرها يوم عرفة، وهذا يكون بعد فوات عرفة. والخرقي إنما جعل الصوم عن هدي الفوات مثل الصوم عن جزاء الصيد، عن كل مد يومًا. والمروي عن عمر وابنه مثل ما ذكرنا. ويقاس عليه أيضًا كل دم وجب لترك واجب، كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي، والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. فالواجب فيه ما استيسر من الهدي، فإن لم يجد فصيام عشرة أيام.\nوأما من أفسد حجه بالجماع، فالواجب فيه بدنة بقول الصحابة المنتشر الذي لم يظهر خلافه، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، كصيام المتعة. كذا قال عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمرو رواه عنهم الأثرم، ولم يظهر في الصحابة خلافهم، فيكون إجماعًا، فيكون بدله مقيسًا على بدل دم المتعة.\nوقال أصحابنا: يقوم البدنة بدراهم، ثم يشتري بها طعامًا، فيطعم كل مسكين مدًا، ويصوم عن كل مد يومًا، فتكون ملحقة","vol":"5","page":616},{"text":"بالبدنة الواجبة في جزاء الصيد. ويقاس على فدية الأذى ما وجب بفعل محظور يترفه به كتقليم الأظافر، واللبس، والطيب، وكل استمتاع من النساء: كالوطء في العمرة، أو في الحج بعد رمي جمرة العقبة، فإنه في معنى فدية الأذى من الوجه الذي ذكرنا، فيقاس عليه، ويلحق به، فقد قال ابن عباس لامرأة وقع عليها زوجها قبل أن تقصر: عليك فدية من صيام؛ أو صدقة؛ أو نسك. انتهى بطوله من المغني.\nوهذه الأمور المذكورة لا نص فيها من كتاب ولا سنة.\nوقد قدمنا في سورة البقرة أقوال أهل العلم في المحصر إن عجز عن الهدي هل يلزمه بدله، أو لا يلزمه شيء بدلًا عنه؟ وأقوال من قالوا: يلزمه البدل في البدل؛ هل هو الصوم؛ أو الإِطعام؟ بما أغني عن إعادته هنا.\nوقد علمت من كلام صاحب المغني أن المشهور في مذهب أحمد هو قياس دم الفوات على دم التمتع، كما فعل عمر ﵁، وأن الخرقى من الحنابلة قاسه على دم جزاء الصيد، فجعل الصوم عن دم الفوات، كالصوم عن جزاء الصيد، وأن مذهب أحمد أيضًا، قياس كل دم وجب لترك واجب على دم التمتع، فيصوم عند العجز عنه عشرة أيام، وذلك كدم القران، وترك الإِحرام من الميقات، والوقوف بعرفة إلى غروب الشمس، والمبيت بمزدلفة، والرمي والمبيت ليالي منى بها، وطواف الوداع. وكذلك قياس صوم من عجز عن البدنة في حال إفساد حجة بالجماع، فهو عند أحمد عشرة أيام قياسًا على التمتع. وقد قدمنا نقل صاحب المغني لذلك عن بعض الصحابة، وعدم مخالفة غيرهم لهم.","vol":"5","page":617},{"text":"وعن بعض الحنابلة: تقويم بدنة المجامع العاجز بالدراهم، فيشتري بها طعامًا إلى آخر ما تقدم. وأن مذهب أحمد: قياس كل دم وجب بفعل محظور، كاللبس، والطيب، وتقليم الأظافر، ونحو ذلك على فدية الأذى.\nوقد قدمنا أن قياس تلك الأشياء على فدية الأذى مجمع عليه من الأئمة الأربعة إلا أن أبا حنيفة يخصصه بما فعل للعذر، ويوجب الدم دون غيره فيما فعل من ذلك لا لعذر، كما تقدم إيضاحه.\nوأما مذهب الشافعي في دم الفوات، ففيه طريقان أصحهما: قياسه على دم التمتع في الترتيب، والتقدير، وسائر الأحكام.\nوالطريق الثاني: على قولين أحدهما: أنه كدم التمتع أيضًا. والثاني: أنه كدم الجماع في الأحكام إلا أن هذا شاة، والجماع بدنة لاشتراك الصورتين في وجوب القضاء. وقد قدمنا حكم المجامع العاجز عن البدنة في مذهب الشافعي ماذا يلزمه. ومذهب الشافعي في الدم الواجب بسبب ترك بعض المأمورات كالإِحرام من الميقات، والرمي، والوقوف بعرفة إلى الغروب، والمبيت بمزدلفة ليلة النحر، وبمنى ليالي منى، وطواف الوداع هو أن في ذلك أربعة أوجه أصحها: أنه كدم التمتع أيضًا في الترتيب، والتقدير، فإن عجز عن الهدي صام ثلاثة أيام في الحج وسبعة إذا رجع.\nالوجه الثاني: أنه إن عجز عن الهدي قوّم شاة الهدي دراهم، واشترى بها طعامًا وتصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. والوجهان الآخران عند الشافعية تركناهما لضعفهما وشذوذهما، كما قاله علماء الشافعية. ومذهب الشافعي في الدم اللازم بسبب","vol":"5","page":618},{"text":"الاستمتاع: كالطيب واللباس، ومقدمات الجماع أن فيه عندهم أربعة أوجه، وقد قدمناها.\nوقدمنا أن أصحها أنه كفدية الأذى المنصوصة في آية الفدية. ودم الجماع فيه عند الشافعية طرق واختلاف منتشر، والمذهب المشهور عندهم: أنه بدنة، فإن عجز عنها فبقرة، فإن عجز سبع شياه، فإن عجز قوّم البدنة بدراهم، والدراهم بطعام، ثم تصدق به، فإن عجز صام عن كل مد يومًا. وقيل: إن عجز عن الغنم قوم البدنة وصام، فإن عجز أطعم، فيقدم الصيام على الإِطعام ككفارة الظهار ونحوها. وقيل: لا مدخل للإِطعام والصيام، بل إذا عجز عن الغنم ثبت الفداء في ذمته. وقيل: إنه يتخير بين البدنة، والبقرة، والغنم، فإن عجز عنها، فالإِطعام ثم الصوم. وقيل: يتخير بين البدنة، والبقرة والشياه، والإِطعام والصيام. وكل هذه الأقوال لا دليل على شيء منها من كتاب ولا سنة ولا قياس جلي.\nوقول الظاهرية: إن كل ما لم يثبت من هذه المذكورات من صيام، ودم لا يجب؛ لأن كل ما سكت عنه الوحي فهو عفو = له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nوقد قدمنا أن مذهب مالك هو قياس الطيب واللبس ونحو ذلك على فدية الأذى كغيره من الأئمة.\nوأما دم الفوات، والفساد، وترك الرمي، وتعدي الميقات، وترك المبيت بمزدلفة، فكل ذلك يقيس بدله على بدل التمتع، فإن عجز عن الهدي صام عشرة أيام، وإنما يصوم الثلاثة في الحج عندهم المتمتع، والقارن، ومتعدي الميقات، ومفسد الحج، ومن فاته الحج.","vol":"5","page":619},{"text":"وأما من لزمه ذلك لترك جمرة، أو النزول بمزدلفة، فيصوم متى شاء؛ لأنه يقضي في غير حج، فيصوم في غير حج. اهـ. من المواق.\nوقد قدمنا في مسائل الحج التي ذكرناها في الكلام على آية الحج بعض المسائل التي يتعدد فيها الدم، وبعض المسائل التي لا يتعدد فيها في مواضع متفرقة، مع عدم النص في ذلك من كتاب أو سنة.\nوالأظهر عندي: أن الدماء إن اختلفت أسبابها كمن جاوز الميقات غير محرم، ودفع من عرفة قبل غروب الشمس عند من يقول: حجه صحيح، وعليه دم، وترك المبيت بمزدلفة، وترك المبيت بمنى أيام منى، أنه تتعدد عليه الدماء، بتعدد أسبابها مع اختلافها. أما إن كانت الأسباب المتعددة من نوع واحد، كأن ترك رمي يوم، ثم ترك رمي يوم آخر، أو بات ليلة من ليالي منى في غير منى ثم كرر ذلك، فللتعدد وجه، وللاتحاد وجه. وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك في محله. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم: أن من اعتمر في أشهر الحج، وأحل من عمرته، وهو يريد التمتع، ثم كرر العمرة في أشهر الحج لا يلزمه إلا هدي تمتع واحد، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nوقد قدمنا أن أقل الهدي  - واجبًا كان للمتمتع والقران ونحوهما، أو غير واجب -  شاة تجزئ ضحية، أو شرك في دم، كسبع بدنة، أو بقرة على التحقيق، كما تقدم إيضاحه، ولا عبرة بخلاف من خالف في الاشتراك فيه؛ لثبوته بالنص الصحيح.","vol":"5","page":620},{"text":"واعلم: أن من أحرم بعمرة في أشهر الحج له أن يدخل عليها الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران ما لم يفتتح الطواف بالبيت، وإن افتتح الطواف ففي جواز إدخاله عليها حينئذٍ خلاف بين أهل العلم.\nقال النووي: فجوزه مالك، ومنعه عطاء، والشافعي، وأبو ثور.\nواختلفوا أيضًا في إدخال العمرة على الحج، فيكون قارنًا، وعليه دم القران. وقد قدمنا أن الشافعية والمالكية يقولون: إن ذلك هو الذي فعله النبي  - ﷺ -  في حجة الوداع، وأكثرهم يقول: هو لا يجوز لغيره، بل جوازه خاص به  - ﷺ -  كما قدمنا.\nوقال النووي في شرح المهذب: واختلفوا في إدخال العمرة على الحج، فقال أصحابنا: يجوز، ويصير قارنًا، وعليه دم القران، وهو قول قديم للشافعي، ومنعه الشافعي في مصر. ونقل منعه عن أكثر من لقيه. اهـ. محل الغرض منه.\nوالظاهر: أن المحرم المتمتع إذا أحل من عمرته يستحب له ألا يحرم بالحج إلا يوم التروية؛ لأن ذلك هو الذي فعله أصحاب النبي  - ﷺ -  بأمره في حجة الوداع. ومحل هذا إن كان واجدًا هدي التمتع، فإن كان عاجزًا عنه، ويريد أن يصوم استحب له تقديم الإِحرام، ليصوم الأيام الثلاثة في إحرام الحج. وقد قدمنا أقوال من قال من أهل العلم: إنه ينبغي أن يكون آخرها يوم عرفة، وقول من كره صوم يوم عرفة، واستحب انتهاءها قبل يوم عرفة. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"5","page":621},{"text":"تنبيه\nإذا فرغ المتمتع من عمرته، وكان لم يسق هديًا، فإن له التحلل التام، فله مس الطيب والاستمتاع بالنساء، وكل شيء حرم عليه بإحرامه، فإن كان ساق الهدي ففيه للعلماء قولان.\nأحدهما: أن له التحلل أيضًا، لأن الله يقول في التمتع ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ ولا يمنعه سوق الهدي من ذلك، لأنه متمتع.\nوالقول الثاني: أنه لا يجوز له الإِحلال حتى يبلغ الهدي محله يوم النحر. واستدل من قال بهذا بحديث حفصة ﵂، الذي قدمناه أنها قالت له  - ﷺ -: ما شأن الناس حلوا، ولم تحلل أنت من عمرتك؟ فقال: \"إني لبدت رأسي وقلّدت هدي فلا أحل حتى أنحر\" وكلا القولين قال به جماعة من الأئمة ﵃.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أن له أن يحل من إحرامه، ولكنه يؤخر ذبح هدي تمتعه حتى يرمي جمرة العقبة يوم النحر، كما قدمنا إيضاحه. والاحتجاج بحديث حفصة المذكور لا ينهض كل النهوض لأن النبي  - ﷺ -  كان قارنًا، فحديثها ليس في محل النزاع؛ لأن النزاع فيمن أحرم بعمرة يريد التحلل منها، والإِحرام بالحج بعد ذلك، هل يمنعه سوق الهدي من التحلل؟ وحديث حفصة في القران، والقران ليس محل نزاع. وقولها: ولم تحلل أنت من عمرتك. تعني: عمرته المقرونة مع الحج، لا عمرة مفردة بإحرام، دون الحج كما هو معلوم. وكما تقدم إيضاحه.\nومما يوضحه أنه  - ﷺ -  قال: \"لو استقبلت من أمري ما استدبرت لما سقت الهدي ولجعلتها عمرة\" فدل على أنه لو كانت مفردة لكان","vol":"5","page":622},{"text":"له الإِحلال منها مطلقًا، ولا حجة في قوله: \"لما سقت الهدي\" لأنه ساقه لقران، لا لعمرة مفردة عن الحج.\nوقال النووي: فإن قيل: قد ثبت في صحيح مسلم عن عائشة ﵁ قالت: خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -، في حجة الوداع فمنا من أهلّ بعمرة، ومنا من أهلّ بحجة، حتى قدمنا مكة فقال رسول الله  - ﷺ -: \"من أحرم بعمرة ولم يهد فليحلل، ومن أحرم بعمرة وأهدى فلا يتحلل حتى ينحر هديه، ومن أهل بحجة فليتم حجه\".\nفالجواب: أن هذه الرواية مختصرة من روايتين ذكرهما مسلم قبل هذه الرواية، وبعدها قالت: \"خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -  عام حجة الوداع فأهللنا بعمرة ثم قال رسول الله  - ﷺ -: \"من كان معه هدي فليهلل بالحج مع العمرة، ثم لا يحل حتى يحل منهما جميعًا\" فهذه الرواية مفسرة للأولى. ويتعين هذا التأويل، لأن القصة واحدة فصحت الروايات. انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما يؤيد ما ذكرنا عن النووي أن رواية حديث عائشة المذكورة التي قال: إنها يجب تأويلها بتفسيرها بالروايات الصحيحة الأخرى فيها ما لفظه: \"ومن أهل بحجة فليتم حجه\"؛ لكثرة الروايات الصحيحة المتفق عليها عن جماعة من الصحابة أن النبي  - ﷺ -  أمر كل من أحرم بحج مفردًا، ولم يسق هديًا أن يفسخ حجه في عمرة، ويحل منها الحل كله. فعلم أن قولها: ومن أهل بحجة فليتم حجته: يجب تأويله، وتفسيره بالروايات الأخرى الصحيحة، كما قال النووي.\nوقول من قال: إن سوق الهدي في عمرته يمنعه من الإِحلال منها حتى ينحر يوم النحر له وجه قوي من النظر، لدخوله في ظاهر","vol":"5","page":623},{"text":"عموم قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وهذا المعتمر المتمتع الذي ساق معه هدي التمتع إن حل من عمرته حلق قبل أن يبلغ هديه محله. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام الدماء الواجبة بغير النذر.\nأما الهدي الذي ليس بواجب. وهو هدي التطوع، وهو مستحب، فيستحب لمن قصد مكة حاجًا أو معتمرًا أن يهدي إليها من بهيمة الأنعام، وينحره ويفرقه \"لأن رسول  - ﷺ -  أهدى مائة بدنة وهو قارن\" ويكفيه لدم القران بدنة واحدة، بل شاة واحدة، وبقية المائة تطوع منه  - ﷺ - . ويستحب أن يكون ما يهديه سمينًا حسنًا، لقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. وعن ابن عباس ﵄: \"تعظيمها الاستسمان والاستحسان والاستعظام\" ويؤيده قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية. ومعلوم أن أقل الهدي شاة تجزئ ضحية، أو سبع بدنة، أو بقرة كما تقدم إيضاحه. ولا يكون من الحيوان إلا من بهيمة الأنعام. وقد تقدم إيضاح الأنعام، وأنها الأزواج الثماينة المذكورة في آيات من كتاب الله: وهي الجمل والناقة، والبقرة، والثور، والنعجة، والكبش، والعنز، والتيس.\nواعلم: أن التحقيق أن الهدي والإِطعام يختص بهما فقراء الحرم المكي، وأن الصوم لا يختص به مكان دون مكان، مع اختلاف في الطعام كما تقدم إيضاحه في سورة المائدة.\nوأظهر قولي أهل العلم أنه يلزمه ذبح الهدي في الحرم، وتفريقه في الحرم أيضًا، خلافًا لمن زعم جواز الذبح في الحل إن كان تفريق اللحم في الحرم. والتحقيق أن البدن يسن تقليدها،","vol":"5","page":624},{"text":"وإشعارها فيقلدها نعلين. ومعنى إشعارها: هو جرحها في صفحة سنامها، ويسلت الدم عنها. والجمهور على أن الإِشعار في صفحة السنام اليمنى، كما ثبت في الصحيح من حديث ابن عباس خلافًا لمالك القائل: إنه في الصفحة اليسرى.\nواعلم: أن التحقيق أن الإِشعار المذكور سنة لثبوته  - ﷺ -  خلافًا لأبي حنيفة القائل بالنهي عنه، معللًا بأنه مثلة وهي منهى عنها. وروي مثله عن النخعي، لأن الأحاديث الصحيحة الواردة بالإِشعار تخصص عموم النهي عن المثلة، ولأنه لا يسلم أنه مثلة، فهو جرح لمصلحة كالفصد والختان والحجامة والكي والوسم.\nواعلم: أن الهدي من الغنم يسن تقليده عند عامة أهل العلم. وخالف مالك وأصحابه الجمهور. وقد ثبت في الصحيحين من حديث عائشة \"أنه  - ﷺ -  أهدي غنمًا فقلدها\".\nوقال بعض أهل العلم: لا يقلد بالنعال لضعفها، وإنما تقلد بنحو عرى القرب، ولا تشعر الغنم إجماعًا. والظاهر أن مالكًا لم يبلغه حديث تقليد الغنم، ولو بلغه لعمل به؛ لأنه صحيح متفق عليه، وإشعار البقر إن كان له سنام لا نص فيه. وقاسه جماعة من أهل العلم على إشعار الإِبل. والمقصود من الإِشعار والتقليد وتلطيخ الهدي بالدم، هو أن يعلم كل من رآه أنه هدي؛ لأنه قد يختلط بغيره، فإذا أشعر وقلد تميز عن غيره، وربما شرد فيعرف أنه هدي فيرد، وهذه العلة موجودة في البقر، فمقتضى القياس: إشعاره إن كان له سنام.\nوقال بعض أهل العلم: الحكمة في تقليده النعلين أن المنتعل عندهم كالراكب، لكون النعل تقي صاحبها الأذى من الحر والبرد","vol":"5","page":625},{"text":"والشوك، والقذر ونحو ذلك، فكان المهدي خرج للَّه عن مركوبه الحيواني، وغير الحيواني. وظاهر صنيع البخاري أنهم قلدوا البقر في حجة الوداع حيث قال: باب فتل القلائد للبدن والبقر. ثم ساق حديث حفصة المتقدم. وفيه قال: إني لبدت رأسي وقلدت هديي. الحديث. وحديث عائشة ﵂ قالت: \"كان رسول الله  - ﷺ -  يهدي من المدينة، فأفتل قلائد هديه\" الحديث. فترى البخاري قال في الترجمة هذه: باب فتل القلائد للبدن والبقر.\nوقال ابن حجر: وترجمه البخاري صحيحه؛ لأنه إن كان المراد بالهدي في الحديث الإِبل والبقر معًا فلا كلام، وإن كان المراد الإِبل خاصة، فالبقر في معناها. اهـ. محل الغرض منه، وهو كما قال.\nوالأظهر: أن الصواب إن شاء الله أن البقر والإِبل والغنم كلها تقلد إن كانت هديًا، وأن الغنم لا تشعر قولًا واحدًا، وأن السنَّة الصحيحة ثابتة بإشعار الإِبل، ومقتضى القياس أن البقر كذلك إن كان له سنام. واللَّه أعلم.\nواعلم: أن التحقيق أن من أهدي إلى الحرم هديًا وهو مقيم في بلده ليس بحاج ولا معتمر، لا يحرم عليه شيء بإرسال الهدي، كما هو ثابت في الصحيح عن عائشة ﵂ ثبوتًا لا مطعن فيه، فلا ينبغي أن يعول على ما خالفه. والعلم عند الله تعالى. ولذا ثبت في صحيح البخاري: أن زياد بن أبي سفيان كتب إلى عائشة ﵂ أن عبد الله بن عباس ﵄ قال: من أهدى هديًا حرم عليه ما يحرم على الحاج حتى ينحر هديه قالت عمرة: فقالت عائشة ﵂: ليس كما قال ابن عباس. فتلت قلائد","vol":"5","page":626},{"text":"هدي رسول الله  - ﷺ -  بيدي، ثم قلدها رسول الله  - ﷺ -  بيديه، ثم بعث بها مع أبي، فلم يحرم على رسول الله  - ﷺ -  شيء أحله الله حتى نحر الهدي.\nوحديث عائشة المذكور عند البخاري أخرجه مسلم بألفاظ كثيرة معناها واحد، إلا أن فيه: أن الذي سأل عائشة ابن زياد. والصواب ما في البخاري من أن الذي كتب إليها يسألها هو زياد بن أبي سفيان المعروف بزياد بن أبيه، كما نبه عليه غير واحد، فما في مسلم من كونه ابن زياد وهم من بعض الرواة. وقد قدمنا مرارًا أن السنَّة الثابتة عنه  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه يجب تقديمها على قول كل عالم ولو بلغ ما بلغ من العلم والدين. وبه تعلم أن التحقيق أن من بعث بهدي، وأقام في بلده لا يحرم عليه شيء بإرسال هديه، وأن ما خالفه ذلك لا يلتفت إليه، وإن زعم جماعة أنه مروي عن عمر، وابنه، وعلي، وقيس بن سعد بن عبادة، وسعيد بن جبير، وابن سيرين، وعطاء، والنخعي، ومجاهد؛ لأن السنَّة الصحيحة مقدمة على أقوال كل العلماء، وكذلك ما قاله سعيد بن المسيب من أنه لا يجتنب إلَّا الجماع ليلة جمع، وهي ليلة النحر لا يلتفت إليه، للحديث الصحيح المتفق عليه المذكور آنفًا. والحديث الذي رواه الطحاوي وغيره من طريق عبد الملك بن جابر، عن أبيه الدال على أنه يحرم عليه ما يحرم على الحاج ضعيف، كما ذكره الحافظ في الفتح، فلا يعارض به الحديث المتفق عليه.\nوذكر ابن حجر في الفتح عن الزهري ما يدل على أن الأمر استقر على حديث عائشة لما بينت به سنَّة النبي  - ﷺ -، ورجع الناس عن فتوى ابن عباس. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":627},{"text":"واعلم: أن التحقيق الذي عليه جمهور أهل العلم أن من أراد النسك لا يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، ولا يجب عليه بذلك شيء خلافًا لما حكاه ابن المنذر عن الثوري، وأحمد، وإسحاق من أنه يصير محرمًا بمجرد تقليد الهدي، وخلافًا لأصحاب الرأي في قولهم: إن من ساق الهدي، وأم البيت، ثم قلد وجب عليه الإِحرام؛ لأن إيجاب الإِحرام يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه.\nوقد دلت النصوص: على أنه لا يجب إلا إذا بلغ الميقات وأراد مجاوزته كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nالظاهر: أن التحقيق أنه لا يشترط في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فلو اشتراه من منى ونحره بها من غير أن يخرجه إلى الحل أجزأه.\nقال النووي في شرح المهذب: وهو مذهبنا. وبه قال ابن عباس، وأبو حنيفة، وأبو ثور، والجمهور. قال ابن عمر، وسعيد بن جبير: لا هدي إلَّا ما أحضر عرفات.\nوقال ابن قدامة في المغني: وليس من شرط الهدي أن يجمع فيه بين الحل، والحرم، ولا أن يقفه بعرفة، ولكن يستحب ذلك. وروي هذا عن ابن عباس. وبه قال الشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. وكان ابن عمر لا يرى الهدي إلَّا ما عرف به. ونحوه، عن سعيد بن جبير. اهـ. محل الغرض منه.\nومعلوم أن مذهب مالك أنه لا يذبح هدي التمتع والقران بمنى إلَّا إذا وقف به بعرفة، وإن لم يقف به بعرفة ذبحه في مكة. ولا بد","vol":"5","page":628},{"text":"عنده في الهدي أن يجمع به بين الحل والحرم، فإن اشتراه في الحرم لزمه إخراجه إلى الحل، والرجوع به إلى الحرم وذبحه فيه. وإنما قلنا: إن الظاهر لنا في هذه المسألة عدم اشتراط جمع الهدي بين الحل والحرم لثلاثة أمور:\nالأول: أنه لم يرد نص بذلك يجب الرجوع إليه.\nالثاني: أن المقصود من الهدي نفع فقراء الحرم، ولا فائدة لهم في جمعه بين الحل والحرم.\nالثالث: أنه قول أكثر أهل العلم.\nوقال جماعة من أهل العلم: يستحب أن يكون الهدي معه من بلده، فإن لم يفعل فشراؤه من الطريق أفضل من شرائه من مكة، ثم من مكة، ثم من عرفات، فإن لم يسقه أصلًا، بل اشتراه من منى جاز، وحصل الهدي. اهـ.\nوهذا هو الظاهر. واحتج من قال بأنه لا بد أن يجمع بين الحل والحرم بأن النبي  - ﷺ -  لم يهد هديًا إلا جامعًا بين الحل والحرم؛ لأنه يساق من الحل إلى الحرم، وأن ذلك هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ وقد ثبت في صحيح البخاري وغيره أن ابن عمر اشترى هديه من الطريق. ونحو ذلك من الأدلة. ولا شك أن سوق الهدي من الحل إلى الحرم أفضل، ولا يقل عن درجة الاستحباب، كما ذكرنا عن بعض أهل العلم. أما كونه لا يجزئ بدون ذلك، فإنه يحتاج إلى دليل خاص، ولا دليل يجب الرجوع إليه يقتضي ذلك؛ لأن الذي دل عليه الشرع أن المقصود التقرب إلى الله بما رزقهم من بهيمة الأنعام في مكان معين، في زمن","vol":"5","page":629},{"text":"معين. والغرض المقصود شرعًا حاصل ولو لم يجمع الهدي بين حل وحرم. وجمع هديه  - ﷺ -  بين الحل والحرم محتمل للأمر الجبلي، فلا يتمحض لقصد التشريع؛ لأن تحصيل الهدي أسهل عليه من بلده، ولأن الإِبل التي قدم بها علي من اليمن تيسر له وجودها هناك. واللَّه جل وعلا أعلم. فحصول الهدي في الحل يشبه الوصف الطردي؛ لأنه لم يتضمن مصلحة كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nولا خلاف بين أهل العلم في أن المهدي إن اضطر لركوب البدنة المهداة في الطريق أن له أن يركبها؛ لما ثبت في الصحيحين عن أبي هريرة \"أن رسول الله  - ﷺ -  رأى رجلًا يسوق بدنة، فقال: اركبها. قال: يا رسول الله  - ﷺ -  إنها بدنة، فقال: اركبها ويلك في الثانية، أو في الثالثة\" هذا لفظ مسلم. ولفظ البخاري فقال: \"اركبها فقال: إنها بدنة فقال: اركبها، قال: إنها بدنة فقال: ويلك في الثانية أو في الثالثة\" وروى مسلم نحوه عن أنس، وجابر ﵄.\nواعلم: أن أهل العلم اختلفوا في ركوب الهدي، فذهب بعضهم إلى أنه يجوز للضرورة دون غيرها، وهو مذهب الشافعي. قال النووي: وبه قال ابن المنذر، وهو رواية عن مالك. وقال عروة بن الزبير، ومالك، وأحمد، وإسحاق: له ركوب من غير حاجة بحيث لا يضره. وبه قال أهل الظاهر. وقال أبو حنيفة: لا يركبه إلَّا إن لم يجد منه بدًا. وحكى القاضي عن بعض العلماء أنه أوجب ركوبها لمطلق الأمر، ولمخالفة ما كانت الجاهلية عليه من إهمال السائبة والبحيرة والوصيلة والحام.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال دليلًا عندي في","vol":"5","page":630},{"text":"ركوب الهدي واجبًا أو غير واجب هو أنه إن دعته ضرورة لذلك جاز، وإلَّا فلا؛ لأن أخص النصوص الواردة في ذلك بمحل النزاع، وأصرحها فيه ما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني محمد بن حاتم، حدثنا يحيى بن سعيد، عن ابن جريج: أخبرني أبو الزبير قال: سمعت جابر ابن عبد الله سئل عن ركوب الهدي، فقال: سمعت النبي  - ﷺ -  يقول: \"اركبها بالمعروف إذا ألجئت إليها حتى تجد ظهرًا\". وفي رواية عنه في صحيح مسلم: \"اركبها بالمعروف حتى تجد ظهرًا\". اهـ. فهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه  - ﷺ -  بأن ركوب الهدي إنما يجوز بالمعروف إذا ألجأت إليه الضرورة، فإن زالت الضرورة بوجود ظهر يركبه غير الهدي ترك ركوب الهدي. فهذا القيد الذي في هذا الحديث تقيد به جميع الروايات الخالية عن القيد، لوجوب حمل المطلق على المقيد عند جماهير أهل العلم. ولا سيما إن اتحد الحكم، والسبب كما هنا.\nأما حجة من قال بوجوب ركوب الهدي، فهي ظاهرة السقوط؛ لأن النبي  - ﷺ -  لم يركب هديه كما هو معلوم.\nوأما حجة من أجاز الركوب مطلقًا، فهو قوله  - ﷺ -: \"ويلك اركبها\" وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾ على أحد التفسيرين. ولا تنهض به الحجة فيما يظهر؛ لأنه محمول على كونه تدعوه الضرورة إلى ذلك، بدليل حديث جابر عند مسلم الذي ذكرناه آنفًا، فهو أخص نص في محل النزاع، فلا ينبغي العدول عنه. والعلم عند الله تعالى.\nوالظاهر أن شرب ما فضل من لبنها عن ولدها لا بأس به؛ لأنه لا ضرر فيه عليها ولا على ولدها. وقال بعض أهل العلم: إن ركبها","vol":"5","page":631},{"text":"الركوب المباح للضرورة ونقصها ذلك فعليه قيمة النقص يتصدق بها. وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nوإنما قلنا: إن الظاهر أنه لا فرق في الحكم المذكور بين الهدي الواجب وغيره؛ لأنه  - ﷺ -  قال لصاحب البدنة: \"اركبها\" وهي مقلدة نعلًا، وقد صرح له تصريحًا مكررًا بأنها بدنة، ولم يستفصله النبي  - ﷺ -، هل تلك البدنة من الهدي الواجب أو غيره؟ وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم إيضاحه مرارًا. وقد أشار إليه في مراقي السعود بقوله:\nونزلن ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال\nمسألة في حكم الهدي إذا عطب في الطريق أو بعد بلوغ محله\nاعلم أولًا أن الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه أن من بعث معه هدي إلى الحرم فعطب في الطريق قبل بلوغ محله أنه ينحره ثم يصبغ نعليه في دمه، ويضرب بالنعل المصبوغ بالدم صفحة سنامها، ليعلم من مر بها أنها هدي، ويخلى بينها وبين الناس، ولا يأكل منها هو، ولا أحد من أهل رفقته المرافقين له في سفره.\nوإنما قلنا: إن هذا هو الصواب الذي لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي  - ﷺ -  في الصحيح، فقد روى مسلم في صحيحه عن ابن عباس ﵄ ما لفظه \"بعث رسول الله  - ﷺ -  بست عشرة بدنة، مع رجل وامرأة فيها قال: فمضى ثم رجع فقال: يا رسول الله كيف أصنع بما أبدع علي منها؟ قال: انحرها، ثم اصبغ نعليها في","vol":"5","page":632},{"text":"دمها، ثم اجعله على صفحتها، ولا تأكل منها أنت، ولا أحد من أهل رفقتك\". انتهى من صحيح مسلم.\nوفي رواية في صحيح مسلم عن ابن عباس \"أن ذؤيبًا أبا قبيصة حدثه أن رسول الله  - ﷺ -  كان يبعث معه بالبدن ثم يقول: إن عطب شيء منها فخشيت عليه موتًا فانحرها، ثم اغمس نعلها في دمها، ثم اضرب بها صفحتها، ولا تطعمها أنت ولا أحد من أهل رفقتك\". انتهى منه.\nوقوله: كيف أصنع بما أبدع منها: هو بضم الهمزة، وإسكان الباء، وكسر الدال بصيغة المبني للمفعول، أي: كل وأعيى حتى وقف من الإِعياء. فهذا النص الصحيح لا يلتفت معه إلى قول من قال: إن رفقته لهم الأكل مع جملة المساكين؛ لأنه مخالف للنص الصحيح، ولا قول لأحد مع السنة الثابتة عنه  - ﷺ -، كما أوضحنا مرارًا.\nوالظاهر أن علة منعه ومنع رفقته هو سد الذريعة؛ لئلا يتوصل هو أو بعض رفقته إلى نحره بدعوى أنه عطب، أو بالتسبب له في ذلك؛ للطمع في أكل لحمه؛ لأنه صار للفقراء، وهم يعدون أنفسهم من الفقراء ولو لم يبلغ محله. والظاهر: أنه لا يجوز الأكل منه للأغنياء، بل للفقراء. واللَّه أعلم.\nفإن قيل: روى أصحاب السنن عن ناجية الأسلمي \"أن رسول الله  - ﷺ -  بعث معه بهدي فقال: إن عطب فانحره، ثم اصبغ نعله في دمه، ثم خلِّ بينه وبين الناس\". اهـ. وظاهر قوله \"وبين الناس\" يشمل بعمومه سائق الهدي ورفقته.","vol":"5","page":633},{"text":"فالجواب: أن حديث مسلم أصح وأخص، والخاص يقضي على العام؛ لأن حديث مسلم أخرج السائق ورفقته من عموم حديث أصحاب السنن. ومعلوم أن الخاص يقضي على العام.\nواعلم أن للعلماء تفاصيل في حكم ما عطب من الهدي قبل نحره بمحل النحر، سنذكر أرجحها عندنا إن شاء الله من غير استقصاء للأقوال والحجج؛ لأن مسائل الحج أطلنا عليها الكلام طولًا يقتضي الاختصار في بعضها خوف الإِطالة المملة.\nاعلم أولًا: أن الهدي إما واجب، وإما تطوع، والواجب إما بالنذر، أو بغيره، والواجب بالنذر، إما معين، أو غير معين، فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الهدي الواجب بغير النذر كهدي التمتع، والقران، والدماء الواجبة بترك واجب، أو فعل محظور، والواجب بالنذر في ذمته كأن يقول: علي لله نذر أن أهدي هديًا أن لجميع ذلك حالتين.\nالأولى: أن يكون ساق ما ذكر من الهدي ينوي به الهدي الواجب عليه من غير أن يعينه بالقول، كأن يقول: هذا الهدي سقته أريد به أداء الهدي الواجب علي.\nوالحالة الثانية: هي أن يسوقه ينوي به الهدي المذكور مع تعيينه بالقول. فإن نواه، ولم يعينه بالقول فالظاهر أنه لا يزال في ضمانه، ولا يزول ملكه عنه إلَّا بذبحه، ودفعه إلى مستحقيه، ولذا إن عطب في الطريق فله التصرف فيه بما شاء من أكل وبيع؛ لأنه لم يزل في ملكه، وهو مطالب بأداء الهدي الواجب عليه بشيء آخر غير الذي عطب؛ لأنه عطب في ضمانه، فهو بمنزلة من عليه دين، فحمله إلى مستحقه بقصد دفعه إليه، فتلف قبل أن يوصله إليه فعليه","vol":"5","page":634},{"text":"قضاء الدين بغير التالف؛ لأنه تلف في ذمته. وإن تعيب الهدي المذكور قبل بلوغه محله، فعليه بدله سليمًا ويفعل بالذي تعيب ما شاء؛ لأنه لم يزل في ملكه، وضمانه. والذي يظهر أن له التصرف فيه ولو لم يعطب، ولم يتعيب؛ لأن مجرد نية إهدائه عن الهدي الواجب لا ينقل ملكه عنه، والهدي المذكور لازم له في ذمته، حتى يوصله إلى مستحقه. والظاهر: أن له نماءه.\nوأما الحالة الثانية: وهي ما إذا نواه وعينه بالقول كأن يقول: هذا هو الهدي الواجب علي  - والظاهر أن الإِشعار والتقليد كذلك -  فالظاهر أنه يتعين الوجوب فيه من غير أن تبرأ الذمة، فليس له التصرف فيه ما دام سليمًا، وإن عطب أو سرق أو ضل أو نحو ذلك لم يجزه، وعاد الوجوب إلى ذمته، فيجب عليه هدي آخر؛ لأن الذمة لا تبرأ بمجرد التعيين بالنية والقول، أو التقليد والإِشعار. والظاهر أنه إن عطب فعل به ما شاء؛ لأن الهدي لازم في ذمته، وهذا الذي عطب صار كأنه شيء من ماله، لا حق فيه لفقراء الحرم، لأن حقهم باق في آلذمة، فله بيعه وأكله، وكل ما شاء. وعلى هذا جمهور أهل العلم. وعن مالك يأكل ويطعم من شاء من الأغنياء والفقراء، ولا يبيع منه شيئًا، وإن بلغ الهدي محله فذبحه وسرق فلا شيء عليه عند أحمد.\nقال في المغني: وبهذا قال الثوري وابن القاسم صاحب مالك، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: عليه الإِعادة؛ لأنه لم يوصل الحق إلى مستحقه، فأشبه ما لو لم يذبحه. ولنا أنه أدى الواجب عليه، فبرئ منه كما لو فرقه. ودليل أنه أدى الواجب أنه لم يبق إلَّا التفرقة، وليست واجبة، بدليل أنه لو خلي بينه، وبين الفقراء أجزأه.","vol":"5","page":635},{"text":"ولذلك لما نحر النبي - ﷺ - البدنات قال: من شاء اقتطع. انتهى محل الغرض من المغني.\nوأظهر القولين عندي: أنه لا تبرأ ذمته بذبحه: حتى يوصله إلى المستحقين؛ لأن المستحقين إن لم ينتفعوا به لا فرق عندهم بين ذبحه وبين بقائه حيًا؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ ويقول: ﴿وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرّ﴾ والآيتان تدلان على لزوم التفرقة، والتخلية بينه، وبين الفقراء يقتسمونه تفرقة ضمنية؛ لأن الإِذن لهم في ذلك، وهو متيسر لهم كإعطائهم إياه بالفعل. والعلم عند الله تعالى.\nوقول من قال: إن الهدي المذكور إن تعيب في الطريق فعليه نحره، ونحر هدي آخر غير معيب لا يظهر كل الظهور، إذ لا موجب لتعدد الواجب عليه، وهو لم يجب عليه إلَّا واحد. وحجة من قال بذلك: أنه لما عينه متقربًا به إلى الله لا يحسن انتفاعه به بعد ذلك، ولو لم يجزئه.\nوأما الواجب المعين بالنذر، كأن يقول: نذرت للَّه إهداء هذا الهدي المعين، فالظاهر أنه يتعين بالنذر، ولا يكون في ذمته، فإن عطب أو سرق لم يلزمه بدله؛ لأن حق الفقراء إنما تعلق بعينه، لا بذمة المهدي. والظاهر أنه ليس له الأكل منه، سواء عطب في الطريق أو بلغ محله.\nوحاصل ما ذكرنا: راجع إلى أن ما عطب بالطريق من الهدي إن كان متعلقًا بذمته سليمًا فالظاهر أن له الأكل منه، والتصرف فيه؛ لأنه يلزمه بدله سليمًا. وقيل: يلزم الذي عطب والسليم معًا لفقراء الحرم، وأن ما تعلق الوجوب فيه بعين الهدي كالنذر المعين","vol":"5","page":636},{"text":"للمساكين ليس له تصرف فيه، ولا الأكل منه إذا عطب، ولا بعد نحره إن بلغ محله على الأظهر.\nواعلم أن مالكًا وأصحابه يقولون: إن كل هدي جاز الأكل منه للمهدي، له أن يطعم منه من شاء من الأغنياء والفقراء، وكل هدي لا يجوز له الأكل منه، فلا يجوز إطعامه إلَّا للفقراء الذين لا تلزمه نفقتهم. وكره عندهم إطعام الذميين منه. وستأتي تفاصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز إن شاء الله تعالى في الكلام على آية ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الآية.\nوأما هدي التطوع: فالظاهر أنه إن عطب في الطريق ألقيت قلائده في دمه، وخلي بينه وبين الناس، وإن كان له سائق مرسل معه لم يأكل منه هو ولا أحد من رفقته، كما تقدم إيضاحه، وليس لصاحبه الأكل منه عند مالك وأصحابه. وهو ظاهر مذهب أحمد، وليس عليه بدله؛ لأنه معين لم يتعلق بذمته.\nوأما مذهب الشافعي، وأصحابه: فهو أن هدي التطوع باق على ملك صاحبه، فله ذبحه، وأكله، وبيعه، وسائر التصرفات فيه، ولو قلده؛ لأنه لم يوجد منه إلَّا نية ذبحه، والنية لا تزيل ملكه عنه، حتى يذبحه بمحله، فلو عطب في الطريق فلمهديه أن يفعل به ما شاء من بيع وأكل وإطعام؛ لأنه لم يزل في ملكه، ولا شيء عليه في شيء من ذلك.\nوأما مذهب أبي حنيفة في هدي التطوع إذا عطب في الطريق قبل بلوغ محله فهو أنه لا يجوز لمهديه الأكل منه، ولا لغني من الأغنياء، وإنما يأكله الفقراء. ووجه قول من قال: إن هدي التطوع إذا عطب في الطريق لا يجوز لمهديه أن يأكل منه هو أن الإِذن له في","vol":"5","page":637},{"text":"الأكل جاء النص به بعد بلوغه محله، أما قبل بلوغه محله فلم يأت الإِذن بأكله. ووجه خصوص الفقراء به؛ لأنه حينئذ يصير صدقة؛ لأن كونه صدقة خير من أن يترك للسباع تأكله. هكذا قالوا. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nالأظهر عندي أنه إذا عين هديًا بالقول، أو التقليد، والإِشعار ثم ضل، ثم نحر هديًا آخر مكانه، ثم وجد الهدي الأول الذي كان ضالًا أن عليه أن ينحره أيضًا؛ لأنه صار هديًا للفقراء. فلا ينبغي أن يرده لملكه، مع وجوده، وكذلك إن عين بدلًا عنه، ثم وجد الضال، فإنه ينحرهما معًا.\nقال ابن قدامة في المغني: وروي ذلك عن عمر، وابنه، وابن عباس، وفعلته عائشة ﵃. وبه قال مالك، والشافعي، وإسحاق. ويتخرج على قولنا فيما إذا تعيب الهدي، فأبدله، فإن له أن يصنع به ما شاء أن يرجع إلى ملك أحدهما؛ لأنه قد ذبح ما في الذمة، فلم يلزمه شيء آخر، كما لو عطب المعين. وهذا قول أصحاب الرأي.\nووجه الأول: ما روي عن عائشة ﵂: أنها أهدت هديين، فأضلتهما، فبعث إليها ابن الزبير هديين فنحرتهما، ثم عاد الضالان فنحرتهما، وقالت: هذه سنة الهدي. رواه الدارقطني. وهذا ينصرف إلى سنة رسول الله  - ﷺ -، ولأنه تعلق حق الله بهما بإيجابهما أو ذبح أحدهما، وإيجاب الآخر. انتهى محل الغرض من المغني. وليس في المسألة شيء مرفوع. والأحوط: ذبح الجميع كما ذكرنا أنه الأظهر. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":638},{"text":"واعلم: أن الهدي إن كان معينًا بالنذر من الأصل، بأن قال: نذرت إهداء هذا الهدي بعينه، أو معينًا تطوعًا، إذا رآه صاحبه في حالة يغلب على الظن أنه سيموت، فإنه تلزمه ذكاته، وإن فرط فيها حتى مات كان عليه ضمانه، لأنه كالوديعة عنده.\nأما لو مات بغير تفريطه، أو ضل أو سرق، فليس عليه بدل عنه كما أوضحناه، لأنه لم يتعلق الحق بذمته، بل بعين الهدي.\nوالأظهر عندي إن لزمه بدله بتفريطه أنه يشتري هديًا مثله، وينحره بالحرم بدلًا عن الذي فرط فيه. وإن قيل بأنه يلزمه التصدق بقيمته على مساكين الحرم، فله وجه من النظر. واللَّه أعلم. ولا نص في ذلك.\nولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الهدي، وسيأتي إن شاء الله تفصيل ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز من الهدايا.\nتنبيه\nقد قدمنا في سورة البقرة: أن القرآن دل في موضعين على أن نحر الهدي قبل الحلق، والتقصير يوم النحر، وبينا أنه لو قدم الحلق على النحر لا شيء عليه، وأوضحنا ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.\nوالحاصل: أن الحاج مفردًا كان أو قارنًا أو متمتعًا إن رمي جمرة العقبة ونحر ما معه من الهدي: فعليه الحلق أو التقصير، وقد قدمنا أن التحقيق: أن الحلق نسك، وأنه أفضل من التقصير، لقوله  - ﷺ -: \"رحم الله المحلقين، قالوا: يا رسول الله، والمقصرين. قال: رحم الله المحلقين، قالوا: والمقصرين؟ فقال: والمقصرين\"","vol":"5","page":639},{"text":"في الرابعة، أو الثالثة كما تقدم إيضاحه. فدل دعاؤه للمحلقين بالرحمة مرارًا على أن الحلق نسك؛ لأنه لو لم يكن قربة للَّه تعالى لما استحق فاعله دعاء النبي  - ﷺ -  له بالرحمة. ودل تأخير الدعاء للمقصرين إلى الثالثة أو الرابعة أن التقصير مفضول، وأن الحلق أفضل منه، والتقصير مع كونه مفضولًا يجزئ بدلالة الكتاب، والسنة والإِجماع؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ﴾ وقد روى الشيخان، وغيرهما التقصير عن جماعة من الصحابة ﵃.\nفمن ذلك حديث جابر: أنه حج مع النبي  - ﷺ -  وقد أهلوا بالحج مفردًا. فقال لهم: أحلوا من إحرامكم بطواف البيت، وبين الصفا والمروة، وقصروا. وفي الصحيحين عن ابن عمر قال: \"حلق النبي  - ﷺ -  وحلق طائفة من أصحابه، وقصر بعضهم\" وقد قدمنا حديث معاوية الثابت في الصحيحين، قال: قصرت عن رسول الله  - ﷺ -  بمشقص على المروة، وحديث: \"رحم الله المحلقين\" ثم قال بعد ذلك: \"والمقصرين\" إلى غير ذلك من الأحاديث.\nوقد أجمع جميع علماء الأمة على أن التقصير مجزئ، ولكنهم اختلفوا في القدر الذي يكفي في الحلق والتقصير، فقال الشافعي، وأصحابه: يكفي فيهما حلق ثلاث شعرات فصاعدًا، أو تقصيرها؛ لأن ذلك يصدق عليه أنه حلق أو تقصير؛ لأن الثلاث جمع.\nوقال أبو حنيفة: يكفي حلق ربع الرأس، أو تقصير ربعه بقدر الأنملة.\nوقال مالك، وأحمد وأصحابهما: يجب حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزمه في التقصير تتبع كل شعرة، بل يكفيه أن","vol":"5","page":640},{"text":"يأخذ من جميع جوانب الرأس. وبعضهم يقول: يكفيه قدر الأنملة، والمالكية يقولون: يقصره إلى القرب من أصول الشعر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنه يلزم حلق جميع الرأس، أو تقصير جميعه، ولا يلزم تتبع كل شعرة في التقصير، لأن فيه مشقة كبيرة، بل يكفي تقصير جميع جوانب الرأس مجموعة أو مفرقة، وأنه لا يكفي الربع، ولا ثلاث شعرات خلافًا للحنفية والشافعية، لأن الله تعالى يقول ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ ولم يقل: بعض رؤوسكم ﴿وَمُقَصِّرِينَ﴾ أي: رؤوسكم؛ لدلالة ما ذكر قبله عليه. وظاهره حلق الجميع، أو تقصيره، ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه، ولأن النبي  - ﷺ -  يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" فمن حلق الجميع أو قصره ترك ما يريبه إلى ما لا يريبه. ومن اقتصر على ثلاث شعرات، أو على ربع الرأس لم يدع ما يريبه، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه من كتاب، ولا سنَّة على الاكتفاء بواحد منهما، ولأن النبي  - ﷺ -  لما حلق في حجة الوداع حلق جميع رأسه، وأعطى شعر رأسه لأبي طلحة ليفرقه على الناس. وفعله في الحلق بيان للنصوص الدالة على الحلق، كقوله: ﴿مُحَلِّقِينَ رُءُوسَكُمْ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.\nوقد قدمنا أن فعله  - ﷺ -  إذا كان بيانًا لنص مجمل يقتضي وجوب حكم أن ذلك الفعل المبين لذلك النص المجمل واجب. ولا خلاف في ذلك بين من يعتد به من أهل الأصول.\nتنبيه آخر\nاعلم: أن محل كون الحلق أفضل من التقصير إنما هو بالنسبة إلى الرجال خاصة. أما النساء فليس عليهن حلق، وإنما عليهن التقصير.","vol":"5","page":641},{"text":"والصواب عندنا وجوب تقصير المرأة جميع رأسها، ويكفيها قدر الأنملة، لأنه يصدق عليه أنه تقصير من غير منافاة لظواهر النصوص، ولأن شعر المرأة من جمالها، وحلقه مثلة، وتقصيره جدًّا إلى قرب أصول الشعر نقص في جمالها. وقد جاء عن النبي - ﷺ -: أن النساء لا حلق عليهن، وإنما عليهن التقصير.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن الحسن العتكي، ثنا محمد بن بكر، ثنا ابن جريج، قال: بلغني عن صفية بنت شيبة بن عثمان قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير\".\nحدثنا أبو يعقوب البغدادي - ثقة - ثنا هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن صفية بنت شيبة، قالت: أخبرتني أم عثمان بنت أبي سفيان أن ابن عباس قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"ليس على النساء حلق، إنما على النساء التقصير\" انتهى منه.\nوقال النووي في شرح المهذب في حديث ابن عباس: هذا رواه أبو داود بإسنادٍ حسن.\nوقال صاحب نصب الراية في حديث ابن عباس المذكور: قال ابن القطان في كتابه: هذا ضعيف، ومنقطع.\nأما الأول: فانقطاعه من جهة ابن جريج، وقال: بلغني عن صفية، فلم يعلم من حدَّثه به.\nوأما الثاني: فقول أبي داود: حدثنا رجل ثقة، يكنى","vol":"5","page":642},{"text":"أبا يعقوب، وهذا غير كاف. وإن قيل: إنه أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل، فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه. وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها. انتهى محل الغرض من نصب الراية للزيلعي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: حديث ابن عباس المذكور في أن على النساء التقصير، لا الحلق أقل درجاته الحسن. فقول النووي: إنه حديث رواه أبو داود بإسنادٍ حسن أصوب مما نقله الزيلعي عن ابن القطان في كتابه، وسكت عليه من أن الحديث المذكور ضعيف ومنقطع. فقول ابن القطان: وأما ضعفه فإن أم عثمان بنت أبي سفيان لا يعرف حالها فيه قصور ظاهر جدًّا؛ لأن أم عثمان المذكورة من الصحابيات المبايعات، وقد روت عن النبي  - ﷺ -، وعن ابن عباس، فدعوى أنها لا يعرف حالها ظاهرة السقوط كما ترى.\nوقال ابن عبد البر في الاستيعاب: أم عثمان بنت سفيان القرشية الشيبية العبدرية، أم بني شيبة الأكابر، كانت من المبايعات روت عنها صفية بنت شيبة، وروى عبد الله بن مسافع، عن أمه عنها. انتهى منه.\nوقال ابن حجر في الإِصابة: أم عثمان بنت سفيان، والدة بني شيبة الأكابر، وكانت من المبايعات. قاله أبو عمر إلى آخر كلامه. وقد أورد فيه حديثًا روته عن النبي  - ﷺ -  في السعي بين الصفا والمروة، وقد قدمناه.\nوذكر ابن حجر في الإِصابة عن أبي نعيم حديثًا أخرجه، وفيه:","vol":"5","page":643},{"text":"أن أم عثمان بنت سفيان هي أم بني شيبة الأكابر. وقد بايعت النبي  - ﷺ - . اهـ.\nوقال ابن حجر في تهذيب التهذيب. أم عثمان بنت سفيان. ويقال: بنت أبي سفيان؛ هي أم ولد شيبة بن عثمان. روت عن النبي  - ﷺ -  وعن ابن عباس. وروت عنها صفية بنت شيبة. اهـ.\nومعلوم أن الصحابة كلهم عدول بتزكية الكتاب والسنَّة لهم، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، فتبين أن قول ابن القطان: \"إن الحديث ضعيف؛ لأنها لم يعلم حالها\" قصور منه ﵀ كما ترى. وأما قوله: \"إن توثيق أبي داود لأبي يعقوب غير كافٍ، وأن أبا يعقوب المذكور، إن قيل: إنه إسحاق بن إبراهيم أبي إسرائيل فذاك رجل تركه الناس لسوء رأيه\".\nفجوابه: أن أبا يعقوب المذكور هو إسحاق بن إبراهيم، واسم إبراهيم أبو إسرائيل، وقد وثقه أبو داود، وأثنى عليه غير واحد من أجلاء العلماء بالرجال. وقال فيه الذهبي في الميزان: حافظ شهير. قال: ووثقه يحيى بن معين، والدارقطني. وقال صالح جزرة: صدوق إلَّا أنه كان يقف في القرآن، ولا يقول: غير مخلوق، بل يقول: كلام الله. وقال فيه أيضًا: قال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا لم يكن مثله أحد في الحفظ والورع واتهم بالوقف.\nوقال فيه ابن حجر في تهذيب التهذيب: قال ابن معين: ثقة. وقال أيضًا: من ثقات المسلمين، ما كتب حديثًا قط عن أحد من الناس إلَّا ما خطه هو في ألواحه أو كتابه. وقال أيضًا: ثقة مأمون أثبت من القواريري وأكيس، والقواريري ثقة صدوق، وليس هو مثل","vol":"5","page":644},{"text":"إسحاق، وذكر غير هذا من ثناء ابن معين عليه، وتفضيله على بعض الثقات المعروفين. ثم قال: وقال الدارقطني: ثقة. وقال البغوي: كان ثقة مأمونًا إلَّا أنه كان قليل العقل. وثناء أئمة الرجال عليه في الحفظ، والعدالة كثير مشهور، وإنما نقموا عليه أنه كان يقول: القرآن كلام الله، ويسكت عندها، ولا يقول: غير مخلوق، ومن هنا جعلوه واقفيًا، وتكلموا في حديثه، كما قال فيه صالح جزرة. صدوق في الحديث إلَّا أنه يقول: القرآن كلام الله ويقف.\nوقال الساجي: تركوه لموضع الوقف، وكان صدوقًا. وقال أحمد: إسحاق بن إبي إسرائيل واقفي مشؤوم، إلَّا أنه كان صاحب حديث كيسًا.\nوقال السراج: سمعته يقول: هؤلاء الصبيان يقولون: كلام الله غير مخلوق ألا قالوا كلام الله وسكتوا. وقال عثمان بن سعيد الدارمي: سألت يحيى بن معين فقال: ثقة. قال عثمان: لم يكن أظهر الوقف حين سألت يحيى عنه ويوم كتبنا عنه كان مستورًا. وقال عبدوس النيسابوري: كان حافظًا جدًّا، ولم يكن مثله في الحفظ والورع، وكان لقي المشايخ، فقيل: كان يتهم بالوقف؟ قال: نعم أتهم وليس بمتهم. وقال مصعب الزبيري: ناظرته فقال: لم أقل على الشك، ولكني أسكت كما سكت القوم قبلي.\nوالحاصل: أنهم متفقون على ثقته، وأمانته بالنسبة إلى الحديث إلَّا أنهم كانوا يتهمونه بالوقف، وقد رأيت قول من نفى عنه التهمة، وقول من ناظره أنه قال له: لم أقل على الشك، ولكني سكت كما سكت القوم قبلي. ومعنى كلامه: أنه لا يشك في أن","vol":"5","page":645},{"text":"القرآن غير مخلوق، ولكنه يقتدي بمن لم يخض في ذلك. ولما حكى الذهبي في الميزان قول الساجي: إنهم تركوا الأخذ عنه لمكان الوقف، قال بعده ما نصه: قلت: قل من ترك الأخذ عنه. اهـ، وهو تصريح منه بأن الأكثرين على قبوله، فحديثه لا يقل عن درجة الحسن. وروايته عند أبي داود الذي وثقه تعتضد بالرواية المذكورة قبلها. وقول ابن جريج فيها: بلغني عن صفية بنت شيبة تفسره الرواية الثانية التي بين فيها ابن جريج: أن من بلغه عن صفية المذكورة: هو عبد الحميد بن جبير بن شيبة، وهو ثقة معروف.\nفإن قيل: ابن جريج روى عنه بالعنعنة، وهو مدلس، والرواية بالعنعنة لا تقبل من المدلس، بل لا بدَّ من تصريحه بما يدل على السماع.\nوالجواب: أنا قدمنا أن مشهور مذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد هو الاحتجاج بالمرسل، ومن يحتج بالمرسل يحتج بعنعنة المدلس من باب أولى، كما نبه عليه غير واحد من الأصوليين.\nوقد قدمناه موضحًا مرارًا في هذا الكتاب المبارك مع اعتضاد هذه الرواية بالأخرى، واعتضادها بغيرها.\nقال الزيلعي في نصب الراية  - بعد ذكره كلام ابن القطان في تضعيف حديث ابن عباس المذكور في تقصير النساء، وعدم حلقهن الذي ناقشنا تضعيفه له كما رأيت ما نصه -: وأخرجه الدارقطني في سننه، والطبراني في معجمه، عن أبي بكر بن عياش، عن يعقوب بن عطاء، عن صفية بنت شيبة به. وأخرجه الدارقطني أيضًا، والبزار في مسنده، عن حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير، عن صفية به. وقال البزار: لا نعلمه يروى عن","vol":"5","page":646},{"text":"ابن عباس إلَّا من هذا الوجه. انتهى. وأخرجه الدارقطني في سننه، عن ليث، عن نافع، عن ابن عمر قال في المحرمة: تأخذ من شعرها قدر السبابة. انتهى. وليث هذا الظاهر أنه ابن أبي سليم، وهو ضعيف. انتهى من نصب الراية.\nفتبين من جميع ما ذكر أن حديث ابن عباس في أن على النساء المحرمات إذا أردن قضاء التفث التقصير، لا الحلق أنه لا يقل عن درجة الحسن، كما جزم النووي بأن إسناده عند أبي داود حسن وقد رأيت اعتضاده بما ذكرنا من الروايات المتابعة له بواسطة نقل الزيلعي، عند الطبراني، والدارقطني: والبزار.\nويعتضد عدم حلق النساء رؤوسهن بخمسة أمور غير ما ذكرنا.\nالأول: الإِجماع على عدم حلقهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لشرع في الحج.\nالثاني: أحاديث جاءت بنهي النساء عن الحلق.\nالثالث: أنه ليس من عملنا، ومن عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد.\nالرابع: أنه تشبه بالرجال، وهو حرام.\nالخامس: أنه مثلة، والمثلة لا تجوز.\nأما الإِجماع، فقد قال النووي في شرح المهذب: قال ابن المنذر: أجمعوا على ألا حلق على النساء، وإنما عليهن التقصير. ويكره لهن الحلق لأنه بدعة في حقهن، وفيه مثلة.\nواختلفوا في قدر ما تقصره، فقال ابن عمر، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور: تقصر من كل قرن مثل الأنملة، وقال","vol":"5","page":647},{"text":"قتادة: تقصر الثلث أو الربع، وقالت حفصة بنت سيرين: إن كانت عجوزًا من القواعد أخذت نحو الربع، وإن كانت شابة فلتقلل، وقال مالك: تأخذ من جميع قرونها أقل جزء، ولا يجوز من بعض القرون. انتهى محل الغرض منه، وتراه نقل عن ابن المنذر الإِجماع على أن النساء: لا حلق عليهن في الحج، ولو كان الحلق يجوز لهن لأمرن به في الحج؛ لأن الحلق نسك على التحقيق، كما تقدم إيضاحه.\nوأما الأحاديث الواردة في ذلك فسأنقلها بواسطة نقل الزيلعي في نصب الراية؛ لأنه جمعها فيه في محل واحد. قال: فنهى النساء عن الحلق فيه أحاديث.\nمنها: ما رواه الترمذي في الحج، والنسائي في الزينة، قالا: حدثنا محمد بن موسى الحرشي، عن أبي داود الطيالسي، عن همام، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي قال: \"نهى رسول الله  - ﷺ -  أن تحلق المرأة رأسها\" انتهى. ثم رواه الترمذي، عن محمد بن بشار، عن أبي داود الطيالسي به، عن خلاس عن النبي مرسلًا، وقال: هذا حديث فيه اضطراب. وقد روي عن حماد بن سلمة، عن قتادة، عن عائشة، عن النبي  - ﷺ -  مرسلًا انتهى. وقال عبد الحق في أحكامه: هذا حديث يرويه همام، عن يحيى، عن قتادة، عن خلاس بن عمرو، عن علي. وخالفه هشام الدستوائي، وحماد بن سلمة فروياه عن قتادة، عن النبي مرسلًا.\nحديث آخر أخرجه البزار في مسنده عن معلى بن عبد الرحمن الواسطي، ثنا عبد الحميد بن جعفر، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂: \"أن النبي  - ﷺ -  نهى أن تحلق المرأة رأسها\"","vol":"5","page":648},{"text":"انتهى. قال البزار: ومعلى بن عبد الرحمن الواسطي روى عن عبد الحميد أحاديث لم يتابع عليها، ولا نعلم أحدًا تابعه على هذا الحديث. انتهى. ورواه ابن عدي في الكامل، وقال: أرجو أنه لا بأس به. قال عبد الحق: وضعفه أبو حاتم وقال: إنه متروك الحديث. انتهى. وقال ابن حبان في كتاب الضعفاء: يروي عن عبد الحميد بن جعفر المقلوبات، لا يجوز الاحتجاج به إذا انفرد.\nحديث آخر رواه البزار في مسنده أيضًا: حدثنا عبد الله بن يوسف الثقفي، ثنا روح بن عطاء بن أبي ميمونة، ثنا أبي، عن وهب بن عمير قال: سمعت عثمان يقول: \"نهى رسول الله  - ﷺ -  أن تحلق المرأة رأسها\" انتهى. قال البزار: ووهب بن عمير لا نعلمه روى غير هذا الحديث، ولا نعلم روى عنه إلَّا عطاء بن أبي ميمونة، وروح ليس بالقوي. انتهى كلام الزيلعي في نصب الراية.\nوهذه الروايات التي ذكرنا في نهي المرأة عن حلق رأسها، عن علي، وعثمان، وعائشة يعضد بعضها بعضًا كما تعضد بما تقدم، وبما سيأتي إن شاء الله.\nوأما كون حلق المرأة رأسها ليس من عمل نساء الصحابة، فمن بعدهم، فهو أمر معروف، لا يكاد يخالف فيه إلَّا مكابر، فالقائل بجواز الحلق للمرأة قائل بما ليس من عمل المسلمين المعروف، وفي الحديث الصحيح: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" فالحديث يشمل عمومه الحلق بالنسبة للمحرمة بلا شك، وإذا لم يبح لها حلقه في حال النسك، فغيره من الأحوال أولى.\nوأما كون حلق المرأة رأسها تشبهًا بالرجال، فهو واضح، ولا شك أن الحالقة رأسها متشبهة بالرجال؛ لأن الحلق من صفاتهم","vol":"5","page":649},{"text":"الخاصة بهم دون الإِناث عادةً. وقد قدمنا الحديث الصحيح في لعن المتشبهات من النساء بالرجال في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nوأما كون حلق رأس المرأة مثلة، فواضح؛ لأن شعر رأسها من أحسن أنواع جمالها، وحلقه تقبيح لها وتشويه لخلقتها، كما يدركه الحس السليم. وعامة الذين يذكرون محاسن النساء في أشعارهم وكلامهم مطبقون على أن شعر المرأة الأسود من أحسن زينتها، لا نزاع في ذلك بينهم في جميع طبقاتهم، وهو في أشعارهم مستفيض استفاضة يعلمها كل من له أدنى إلمام. وسنذكر هنا منه أمثلة قليلة تنبيهًا بها على غيرها قال امرؤ القيس في معلقته:\nوفرع يزين المتن أسود فاحم ... أثيث كقنو النخلة المتعثكل\nغدائره مستشزرات إلى العلى ... تضل المداري في مثنى ومرسل\nفتراه جعل كثرة شعر رأسها وسواده وطوله من محاسنها، وهو كذلك.\nوقال الأعشى ميمون بن قيس:\nغراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجى الوحل\nفقوله: فرعاء. يعني أن فرعها، أي: شعر رأسها تام في الطول والسواد والحسن.\nوقال عمر بن أبي ربيعة:\nتقول يا أمتا كفى جوانبه ... ويلي بليت وأبلى جيدي الشعر\nمثل الأساود قد أعيى مواشطه ... تضل فيه مداريها وتنكسر","vol":"5","page":650},{"text":"فلولم تكن كثرة الشعر وسواده من الجمال عندهم لما تعبوا في خدمته هذا التعب الذي ذكره هذا الشاعر. ونظيره قول الآخر:\nوفرع يصير الجيد وحف كأنه ... على الليث قنوان الكروم الدوالح\nقال لأن قوله: يصير الجيد، أي: يميل العنق لكثرته، وقد بالغ من قال:\nبيضاء تسحب من قيام فرعها ... وتغيب فيه وهو وجف أسحم\nفكأنها فيه نهار ساطع ... وكأنه ليل عليها مظلم\nوأمثال هذا أكثر من أن تنحصر، وقصدنا مطلق التمثيل، وهو يدل على أن حلق المرأة شعر رأسها نقص في جمالها، وتشويه لها، فهو مثلة. وبه تعلم أن العرف الذي صار جاريًا في كثير من البلاد بقطع المرأة شعر رأسها إلى قرب أصوله سنة إفرنجية مخالفة لما كان عليه نساء المسلمين، ونساء العرب قبل الإِسلام، فهو من جملة الانحرافات التي عمت البلوى بها في الدين والخلق والسمت، وغير ذلك.\nفإن قيل: جاء عن أزواج النبي  - ﷺ -  ما يدل على حلق المرأة رأسها، وتقصيرها إياه، فما دل على الحلق، فهو ما رواه ابن حبان في صحيحه في النوع الحادي عشر من القسم الخامس، من حديث وهب بن جرير، ثنا أبي، سمعت أبا فزارة، يحدث عن يزيد بن الأصم، عن ميمونة \"أن النبي  - ﷺ -  تزوجها حلالًا، وبنى بها، وماتت بسرف فدفنها في الظلة التي بني بها فيها، فنزلها قبرها أنا وابن عباس، فلما وضعناها في اللحد مال رأسها، فأخذت ردائي فوضعته تحت رأسها فاجتذبه ابن عباس، فألقاه وكانت قد حلقت","vol":"5","page":651},{"text":"رأسها في الحج، فكان رأسها محجمًا\". انتهى بواسطة نقل صاحب نصب الراية. فهذا الحديث يدل على أن ميمونة حلقت رأسها، ولو كان حرامًا ما فعلته.\nوأما التقصير فما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني عبيد الله بن معاذ العنبري قال: حدثنا أبي، قال: حدثنا شعبة، عن أبي بكر بن حفص، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال: دخلت على عائشة أنا وأخوها من الرضاع، فسألها عن غسل النبي  - ﷺ -  من الجنابة فدعت بإناء قدر الصاع، فاغتسلت، وبيننا وبينها ستر، وأفرغت على رأسها ثلاثًا. قال: وكان أزواج النبي  - ﷺ -، يأخذن من رؤوسهن حتى تكون كالوفرة. اهـ من صحيح مسلم.\nفالجواب عن حديث ميمونة على تقدير صحته أن فيه أن رأسها كان محجمًا، وهو يدل على أن الحلق المذكور لضرورة المرض، لتتمكن آلة الحجم من الرأس، والضرورة يباح لها ما لا يباح بدونها. وقد قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾.\nوأما الجواب عن حديث مسلم فعلى القول بأن الوفرة أطول من اللمة التي هي ما ألم بالمنكبين من الشعر، فلا إشكال؛ لأن ما نزل عن المنكبين طويل طولًا يحصل به المقصود.\nقال النووي في شرح مسلم: والوفرة أشبع، وأكثر من اللمة. واللمة ما يلم بالمنكبين من الشعر. قاله الأصمعي. انتهى محل الغرض من النووي.\nوأما على القول الصحيح المعروف عند أهل اللغة من أنها لا تجاوز الأذنين. قال في القاموس: والوفرة: الشعر المجتمع على","vol":"5","page":652},{"text":"الرأس، أو ما سال على الأذنين منه، أو ما جاوز شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة. اهـ منه.\nوقال الجوهري في صحاحه: والوفرة: الشعر إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة: وهي التي ألمت بالمنكبين. وقال ابن منظور في اللسان: والوفرة: الشعر المجتمع على الرأس، وقيل: ما سال على الأذنين من الشعر. والجمع وفار. قال كثير عزة:\nكأن وفار القوم تحت رحالها ... إذا حسرت عنها العمائم عنصل\nوقيل: الوفرة أعظم من الجمة. قال ابن سيده: وهذا غلط، إنما هي وفرة، ثم جمة، ثم لمة، والوفرة: ما جاوز شحمة الأذنين، واللمة: ما ألم بالمنكبين.\nالتهذيب: والوفرة: الجمة من الشعر إذا بلغت الأذنين، وقيل: الوفرة الشعرة إلى شحمة الأذن، ثم الجمة، ثم اللمة، إلى أن قال: والوفرة شعر الرأس إذا وصل شحمة الأذن. انتهى من اللسان.\nفالجواب: أن أزواج النبي  - ﷺ -  إنما قصرن رؤوسهن بعد وفاته  - ﷺ -؛ لأنهن كن يتجملن له في حياته، ومن أجمل زينتهن شعرهن. أما بعد وفاته  - ﷺ -  فلهن حكم خاص بهن، لا تشاركهن فيه امرأة واحدة من نساء جميع أهل الأرض، وهو انقطاع أملهن انقطاعًا كليًا من التزويج، ويأسهن منه اليأس الذي لا يمكن أن يخالطه طمع، فهن كالمعتدات المحبوسات بسببه  - ﷺ -  إلى الموت. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا (٥٣)﴾ واليأس من الرجال بالكلية قد يكون سببًا للترخيص في الإِخلال بأشياء من الزينة، لا تحل لغير ذلك السبب.","vol":"5","page":653},{"text":"وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: قال عياض رحمه الله تعالى: والمعروف أن نساء العرب إنما كن يتخذن القرون، والذوائب، ولعل أزواج النبي  - ﷺ -  فعلن هذا بعد وفاته  - ﷺ -  لتركهن التزين، واستغنائهن عن تطويل الشعر، وتخفيفًا لمؤنة رؤوسهن. وهذا الذي ذكره القاضي عياض من كونهن فعلنه بعد وفاته  - ﷺ -، لا في حياته، كذا قاله أيضًا غيره، وهو متعين، ولا يظن بهن فعله في حياته  - ﷺ - . وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. انتهى كلام النووي.\nوقوله: وفيه دليل على جواز تخفيف الشعور للنساء. فيه عندي نظر؛ لما قدمنا من أن أزواج النبي بعد وفاته  - ﷺ -  لا يقاس عليهن غيرهن؛ لأن قطع طمعهن في الرجال بالكلية خاص بهن دون غيرهن، وقد يباح لهن من الإِخلال ببعض الزينة ما لا يباح لغيرهن (^١)، حتى إن العجوز من غيرهن لتتزين للخطاب، وربما تزوجت؛ لأن كل ساقطة لها لاقطة. وقد يحب بعضهم العجوز كما قال القائل:\nأبى القلب إلَّا أم عمرو وحبها ... عجوزًا ومن يحبب عجوزًا يفند\nكثوب اليماني قد تقادم عهده ... ورقعته ما شئت في العين واليد\nوقال الآخر:\nولو أصبحت ليلى تدب على العصا ... لكان هوى ليلى جديدًا أوائله\nوالعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) كان في الأصل: \"وهو قد يباح له من الإِخلال. . . لغيره\"، ولعل الصواب ما أثبتناه.","vol":"5","page":654},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1073> قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾</span>.\nالضمير في قوله: منها. راجع إلى بهيمة الأنعام المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ وهذا الأكل الذي أمر به هنا منها، وإطعام البائس الفقير منها أمر بنحوه في خصوص البدن أيضًا في قوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ الآية، ففي الآية الأولى الأمر بالأكل من جميع بهيمة الأنعام الصادق بالبدن، وبغيرها. وقد بينت الآية الأخيرة أن البدن داخلة في عموم الآية الأولى.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يرد نص عام، ثم يرد نص آخر يصرح بدخول بعض أفراده في عمومه، ومثلنا لذلك بعض الأمثلة. وفي الآية العامة هنا أمر بالأكل، وإطعام البائس الفقير، وفي الآية الخاصة بالبدن أمر بالأكل، وإطعام القانع والمعتر.\nوفي هاتين الآيتين الكريمتين مبحثان:\nالأول: حكم الأكل المأمور به في الآيتين هل هو الوجوب لظاهر صيغة الأمر، أو الندب والاستحباب؟\nالمبحث الثاني: فيما يجوز الأكل منه لصاحبه، وما لا يجوز له الأكل منه، ومذاهب أهل العلم في ذلك.\nأما المبحث الأول: فجمهور أهل العلم على أن الأمر بالأكل في الآيتين: للاستحباب، والندب، لا للوجوب، والقرينة الصارفة","vol":"5","page":655},{"text":"عن الوجوب في صيغة الأمر: هي ما زعموا من أن المشركين كانوا لا يأكلون هداياهم، فرخص للمسلمين في ذلك.\nوعليه فالمعنى: فكلوا إن شئتم، ولا تحرموا الأكل على أنفسكم كما يفعله المشركون.\nوقال ابن كثير في تفسيره: إن القول بوجوب الأكل غريب، وعزا للأكثرين أن الأمر للاستحباب. قال: وهو اختيار ابن جرير في تفسيره.\nوقال القرطبي في تفسيره: فكلوا منها. أمر معناه: الندب عند الجمهور. ويستحب للرجل أن يأكل من هديه وأضحيته، وأن يتصدق بالأكثر مع تجويزهم الصدقة بالكل، وأكل الكل. وشذت طائفة، فأوجبت الأكل، والإِطعام بظاهر الآية، ولقوله  - ﷺ -: \"فكلوا وادخروا وتصدقوا\".\nقال إلكيا: قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا﴾ يدل على أنه لا يجوز بيع جميعه، ولا التصدق بجميعه. انتهى كلام القرطبي.\nومعلوم: أن بيع جميعه لا وجه لحليته، بل ولا بيع بعضه، كما هو معلوم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى القولين دليلًا: وجوب الأكل والإِطعام من الهدايا والضحايا؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ في موضعين. وقد قدمنا أن الشرع واللغة دلا على أن صيغة أفعل تدل على الوجوب إلَّا لدليل صارف عن الوجوب. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، كقوله: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.","vol":"5","page":656},{"text":"وأوضحنا جميع أدلة ذلك في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، منها آية الحج التي ذكرنا عندها مسائل الحج.\nومما يؤيد أن الأمر في الآية يدل على وجوب الأكل وتأكيده \"أن النبي  - ﷺ -  نحر مائة من الإِبل، فأمر بقطعة لحم من كل واحدة منها، فأكل منها وشرب من مرقها\" وهو دليل واضح على أنه أراد ألا تبقى واحدة من تلك الإِبل الكثيرة إلَّا وقد أكل منها أو شرب من مرقها. وهذا يدل على أن الأمر في قوله: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ ليس لمجرد الاستحباب والتخيير، إذ لو كان كذلك لاكتفى بالأكل من بعضها، وشرب مرقه دون بعض، وكذلك الإِطعام، فالأظهر فيه الوجوب.\nوالحاصل أن المشهور عند الأصوليين: أن صيغة افعل تدل على الوجوب إلَّا لصارف عنه، وقد أمر بالأكل من الذبائح مرتين، ولم يقم دليل يجب الرجوع إليه صارف عن الوجوب، وكذلك الإِطعام. هذا هو الظاهر بحسب الصناعة الأصولية. وقد دلت عليها أدلة الوحي، كما قدمنا إيضاحه.\nوقال أبو حيان في البحر المحيط: والظاهر وجوب الأكل والإِطعام، وقيل باستحبابهما. وقيل باستحباب الأكل، ووجوب الإِطعام. والأظهر أنه لا تحديد للقدر الذي يأكله، والقدر الذي يتصدق به، فيأكل ما شاء، ويتصدق بما شاء. وقد قال بعض أهل العلم يتصدق بالنصف، ويأكل النصف. واستدل لذلك بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ (٢٨)﴾ قال: فجزأها نصفين نصف له، ونصف للفقراء. وقال بعضهم: يجعلها ثلاثة أجزاء، يأكل الثلث ويتصدق بالثلث، ويهدي الثلث. واستدل بقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾ فجزأها ثلاثة أجزاء، ثلث له،","vol":"5","page":657},{"text":"وثلث للقانع، وثلث للمعتر. هكذا قالوا وأظهرها الأول. والعلم عند الله تعالى.\nوالبائس: هو الذي أصابه البؤس، وهو الشدة.\nقال الجوهري في صحاحه: وبئس الرجل يبأس بؤسًا وبئسًا: اشتدت حاجته، فهو بائس. وأنشد أبو عمرو:\nلبيضاء من أهل المدينة لم تذق ... بئيسًا ولم تتبع حمولة مجحد\nوهو اسم وضع موضع المصدر. اهـ منه يعني: أن البئيس في البيت لفظه لفظ الوصف، ومعناه المصدر.\nوالفقير معروف، والقاعدة عند علماء التفسير: أن الفقير والمسكين إذا اجتمعا افترقا، وإذا افترقا اجتمعا، وعلى قولهم: فالفقير هنا يشمل المسكين؛ لأنه غير مذكور معه هنا، وذلك هو مرادهم بأنهما إذا افترقا اجتمعا. ومعلوم خلاف العلماء في الفقير والمسكين في آية الصدقة أيهما أشد فقرًا، وقد ذكرنا حجج الفريقين، وناقشناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة البلد. ومما استدل به القائل: إن الفقير أحوج من المسكين، وأن المسكين من عنده شيء لا يقوم بكفايته قوله تعالى: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، قالوا: فسماهم مساكين، مع أن عندهم سفينة عاملة للإِيجار.\nومما استدل به القائلون بأن المسكين أحوج من الفقير: أن الله قال في المسكين: ﴿أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦)﴾ قالوا: ذا متربة، أي: لا شيء عنده، حتى كأنه قد لصق بالتراب من الفقر، ليس له مأوى إلَّا التراب. قال ابن عباس: هو المطروح على الطريق الذي لا بيت","vol":"5","page":658},{"text":"له. وقال مجاهد: هو الذي لا يقيه من التراب لباس، ولا غيره. انتهى من القرطبي. وعضدوا هذا بأن العرب تطلق الفقير على من عنده مال لا يكفيه، ومنه قول راعي نمير:\nأما الفقير الذي كانت حلوبته ... وفق العيال فلم يترك له سبد\nفسماه فقيرًا مع أن له حلوبة قدر عياله.\nوقد ناقشنا أدلة الفريقين مناقشة تبين الصواب في الكتاب المذكور، فأغنانا ذلك عن إعادته هنا. والعلم عند الله تعالى.\nوأما المبحث الثاني: وهو ما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز فقد اختلف فيه أهل العلم. وهذه مذاهبهم وما يظهر رجحانه بالدليل منها:\nفذهب مالك ﵀، وأصحابه إلى جواز الأكل من جميع الهدي واجبه وتطوعه إذا بلغ محله إلَّا ثلاثة أشياء: جزاء الصيد، وفدية الأذى، والنذر الذي هو للمساكين. وقال اللخمي: كل هدي واجب في الذمة عن حج أو عمرة من فساد، أو متعة، أو قران، أو تعدي ميقات، أو ترك النزول بعرفة نهارًا، أو ترك النزول بمزدلفة، أو ترك رمي الجمار، أو أخر الحلق يجوز الأكل منه قبل بلوغ محله وبعده. أما جزاء الصيد، وفدية الأذى فيؤكل منهما قبل بلوغهما محلهما، ولا يؤكل منهما بعده.\nوأما النذر المضمون إذا لم يسمه للمساكين فإنه يأكل منه بعد بلوغه محله، وإن كان منذورًا معينًا، ولم يسمعه للمساكين، أو قلده، وأشعره من غير نذر أكل منه بعد بلوغه محله، ولم يأكل منه قبله، وإن عين النذر للمساكين، أو نوى ذلك حين التقليد والإِشعار لم يأكل منه قبل ولا بعد.","vol":"5","page":659},{"text":"والحاصل: أن النذر المعين للمساكين لا يجوز له الأكل منه مطلقًا عند مالك، وأن النذر المضمون للمساكين، حكمه عند المالكية حكم جزاء الصيد، وفدية الأذى، فيمتنع الأكل منه بعد بلوغه محله، ويجوز قبله، لأنه باقي في الذمة حتى يبلغ محله.\nوأما النذر المضمون الذي لم يسم للمساكين، كقوله: علي للَّه نذر أن أتقرب إليه بنحر هدي، فله عند المالكية الأكل منه قبل بلوغ محله، وبعده. وقد قدمنا أن هدي التطوع إن عطب في الطريق لا يجوز له الأكل منه عند المالكية، وأوضحنا دليل ذلك. هذا هو حاصل مذهب مالك في الأكل من الهدايا. ولا خلاف في جواز الأكل من الضحايا. وقد قدمنا قول اللخمي من المالكية أن كل هدي جاز أن يأكل منه جاز أن يطعم منه من شاء من غني وفقير، وكل هدي لم يجز له أن يأكل منه، فإنه يطعمه فقيرًا، لا تلزمه نفقته كالكفارة. وكره ابن القاسم من أصحاب مالك إطعام الذمي من الهدايا كما تقدم.\nومذهب أبي حنيفة ﵀: أنه يأكل من هدي التمتع والقران، وهدي التطوع إذا بلغ محله، أما إذا عطب هدي التطوع قبل بلوغ محله، فليس لصاحبه الأكل منه عند أبي حنيفة كما تقدم إيضاحه. ولا يأكل من غير ذلك، هو ولا غيره من الأغنياء، بل يأكله الفقراء. هذا حاصل مذهب أبي حنيفة ﵀.\nوأما مذهب الشافعي ﵀: فهو أن الهدي إن كان تطوعًا، فالأكل منه مستحب. واستدل بعضهم لعدم وجوب الأكل بقوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ قالوا: فجعلها لنا، وما هو للإِنسان فهو مخير بين تركه، وأكله. ولا يخفى ما في هذا الاستدلال.","vol":"5","page":660},{"text":"واعلم: أنا حيث قلنا في هذا المبحث: يجوز الأكل، فإنا نعني. الإِذن في الأكل الصادق بالاستحباب، وبالوجوب؛ لما قدمنا من الخلاف في وجوب الأكل والإِطعام، واستحبابهما، والفرق بينهما بإيجاب الإِطعام دون الأكل. وكل هدي واجب لا يجوز الأكل منه في مذهب الشافعي، كهدي التمتع، والقران، والنذر، وجميع الدماء الواجبة.\nقال النووي: وكذا قال الأوزاعي، وداود الظاهري: لا يجوز الأكل من الواجب. هذا هو حاصل مذهب الشافعي.\nوأما مذهب أحمد ﵁: فهو أنه لا يأكل من هدي واجب إلَّا هدي التمتع والقران، وأنه يستحب له أن يأكل من هدي التطوع، وهو ما أوجبه بالتعيين ابتداءً من غير أن يكون عن واجب في ذمته، وما نحره تطوعًا من غير أن يوجبه. هذا هو مشهور مذهب الإِمام أحمد. وعنه رواية أنه لا يأكل من المنذور، وجزاء الصيد ويأكل مما سواهما.\nقال في المغني: وهو قول ابن عمر، وعطاء، والحسن، وإسحاق؛ لأن جزاء الصيد بدل، والنذر جعله للَّه تعالى بخلاف غيرهما.\nوقال ابن أبي موسى: لا يأكل أيضًا من الكفارة، ويأكل مما سوى هذه الثلاثة. ونحوه مذهب مالك؛ لأن ما سوى ذلك لم يسمه للمساكين، ولا مدخل للإِطعام فيه فأشبه التطوع.\nوقال الشافعي: لا يأكل من واجب؛ لأنه هدي واجب بالإِحرام فلم يجز الأكل منه، كدم الكفارة. انتهى من المغني.","vol":"5","page":661},{"text":"فقد رأيت مذاهب الأربعة فيما يجوز الأكل منه، وما لا يجوز.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يرجحه الدليل في هذه المسألة: هو جواز الأكل من هدي التطوع، وهدي التمتع، والقران دون غير ذلك. والأكل من هدي التطوع لا خلاف فيه بين العلماء بعد بلوغه محله، وإنما خلافهم في استحباب الأكل منه، أو وجوبه. ومعلوم أن النبي  - ﷺ -  ثبت عنه في الأحاديث الصحيحة في حجة الوداع \"أنه أهدى مائة من الإِبل\" ومعلوم أن ما زاد على الواحدة منها تطوع، وقد أكل منها وشرب من مرقها جميعًا.\nوأما الدليل على الأكل من هدي التمتع والقران، فهو ما قدمنا مما ثبت في الصحيح أن أزواج النبي  - ﷺ -  ذبح عنهن  - ﷺ -  بقرًا ودخل عليهم بلحمه وهن متمتعات، وعائشة منهن قارنة، وقد أكلن جميعًا مما ذبح عنهن في تمتعهن، وقرانهن بأمره  - ﷺ - . وهو نص صحيح صريح في جواز الأكل من هدي التمتع والقران. أما غير ما ذكرنا من الدماء فلم يقم دليل يجب الرجوع إليه على الأكل منه، ولا يتحقق دخوله في عموم ﴿فَكُلُوا مِنْهَا﴾ لأنه لترك واجب، أو فعل محظور، فهو بالكفارات أشبه، وعدم الأكل منه أظهر وأحوط. والعلم عند الله تعالى.\nمسألة في الأضحية\nلا يخفى أن كلامنا في الهدي، وأن الآية التي نحن بصددها ظاهرها أنها في الهدي، ولما كان عمومها قد تدخل فيه الأضحية. أردنا هنا أن نشير إلى بعض أحكام الأضحية باختصار.\nاعلم أولًا: أن الأضحية فيها أربع لغات: أضحية بضم الهمزة،","vol":"5","page":662},{"text":"وإضحية بكسرها، وجمعها أضاحي بتشديد الياء، وتخفيفها، وضحية، وجمعها ضحايا، وأضحاة وجمعها: أضحى كأرطأة وأرطى.\nواعلم أنه لا خلاف في مشروعية الأضحية. قال بعض أهل العلم: وقد دل على مشروعيتها الكتاب والسنة والإِجماع.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾ على ما قاله بعض أهل التفسير من أن المراد به: ذبح الأضحية بعد صلاة العيد، ولا يخفى أن صلاة العيد داخلة في عموم ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ﴾ وأن الأضحية داخلة في عموم ﴿وَانْحَرْ (٢)﴾.\nوأما الإِجماع: فقد أجمع جميع المسلمين على مشروعية الأضحية.\nوأما السنة فقد وردت عن النبي  - ﷺ -  أحاديث كثيرة صحيحة في مشروعية الأضحية. وسنذكر طرفًا منها فيه كفاية إن شاء الله.\nقال البخاري في صحيحه: باب أضحية النبي  - ﷺ -  بكبشين أقرنين ويذكر سمينين. وقال يحيى بن سعيد: سمعت أبا أمامة بن سهل قال: كنا نسمن الأضحية بالمدينة، وكان المسلمون يسمنون.\nحدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا عبد العزيز بن صهيب قال: سمعت أنس بن مالك ﵁ قال: \"كان النبي  - ﷺ -  يضحي بكبشين\" وأنا أضحي بكبشين.\nحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد الوهاب، عن أيوب، عن أبي قلابة، عن أنس \"أن رسول الله  - ﷺ -  انكفأ إلى كبشين أقرنين أملحين فذبحهما بيده\" وقال إسماعيل، وحاتم بن وردان، عن","vol":"5","page":663},{"text":"أيوب، عن ابن سيرين، عن أنس. تابعه وهيب، عن أيوب.\nوقال: حدثنا عمرو بن خالد، حدثنا الليث، عن يزيد، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر \"أن النبي  - ﷺ -  أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا فبقي عتود، فذكره للنبي  - ﷺ -  فقال: ضح به أنت\" انتهى من صحيح البخاري. وفي لفظ له من حديث أنس ﵁ قال: \"ضحى النبي  - ﷺ -  بكبشين أملحين، فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده\" وفي لفظ له عن أنس ﵁ أيضًا \"أن النبي  - ﷺ -  كان يضحي بكبشين أملحين أقرنين، ويضع رجله على صفاحهما، ويذبحهما بيده\". انتهى منه.\nوقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا أبو عوانة، عن قتادة، عن أنس قال: \"ضحى النبي  - ﷺ -  بكبشين أملحين أقرنين ذبحهما بيده، وسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما\" وفي لفظ له عن أنس ﵁ قال: \"ضحى رسول الله  - ﷺ -  بكبشين أملحين أقرنين قال: ورأيته يذبحهما بيده ورأيته واضعًا قدمه على صفاحهما قال: وسمى وكبر\" وفي لفظ لمسلم عن أنس عن النبي  - ﷺ -  بمثله غير أنه قال: ويقول: \"بسم الله واللَّه أكبر\".\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا هارون بن معروف، حدثنا عبد الله بن وهب قال: قال حيوة: أخبرني أبو صخر، عن يزيد بن قسيط، عن عروة بن الزبير، عن عائشة ﵂: \"أن رسول الله  - ﷺ -  أمر بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد، فأتى به ليضحي به فقال لها: يا عائشة هلمي المدية، ثم قال: أشحذيها بحجر، ففعلت، ثم أخذها وأخذ الكبش، فأضجعه ثم","vol":"5","page":664},{"text":"ذبحه ثم قال: باسم الله اللهم تقبل من محمد وآل محمد، ومن أمة محمد ثم ضحى به\". انتهى من صحيح مسلم. والأحاديث الواردة في مشروعية الأضحية كثيرة معروفة.\nوقد اختلف أهل العلم في حكمها، فذهب أكثر أهل العلم إلى أنها سنة مؤكدة في حق الموسر، ولا تجب عليه.\nوقال النووي في شرح المهذب: وهذا مذهبنا. وبه قال أكثر العلماء، منهم أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب، وبلال، وأبو مسعود البدري، وسعيد بن المسيب، وعطاء، وعلقمة، والأسود، ومالك، وأحمد، وأبو يوسف، وإسحاق، وأبو ثور، والمزني، وداود وابن المنذر. وقال ربيعة، والليث بن سعد، وأبو حنيفة، والأوزاعي: هي واجبة على الموسر إلا الحاج بمنى. وقال محمد بن الحسن: هي واجبة على المقيم بالأمصار. والمشهور عن أبي حنيفة: أنه إنما يوجبها على مقيم يملك نصابًا. انتهى كلام النووي.\nوقال النووي في شرح مسلم: واختلف العلماء في وجوب الأضحية، على الموسر، فقال جمهورهم: هي سنة في حقه إن تركها بلا عذر لم يأثم، ولم يلزمه القضاء، وممن قال بهذا: أبو بكر الصديق، وعمر بن الخطاب إلى آخر كلامه قريبًا مما ذكرنا عنه في شرح المهذب.\nوقال ابن قدامة في المغني: أكثر أهل العلم على أنها سنة مؤكدة غير واجبة. روي ذلك عن أبي بكر، وعمر، وبلال، وأبي مسعود البدري ﵃. وبه قال سويد بن غفلة وسعيد بن المسيب، وعلقمة، والأسود، وعطاء، والشافعي،","vol":"5","page":665},{"text":"وإسحاق، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال ربيعة، ومالك، والثوري، والأوزاعي، والليث، وأبو حنيفة: هي واجبة. ونقل ابن قدامة في المغني عن مالك وجوب الأضحية خلاف مذهبه، ومذهبه هو ما نقل عنه النووي: من أنها سنة، ولكنها عنده لا تسن على خصوص الحاج بمنى، لأن ما يذبحه هدي، لا أضحية. وقد قدمنا أن آية الحج لا تخلو من دلالة على ما ذهب إليه مالك، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nفإذا رأيت أقوال أهل العلم في حكم الأضحية، فهذه أدلة أقوالهم ومناقشتها، وما يظهر رجحانه بالدليل منها، على سبيل الاختصار.\nأما من قال: إنها واجبة فقد استدل بأدلة منها: \"أنه  - ﷺ -  كان يفعلها\" واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية.\nوقد قدمنا قول من قال من أهل الأصول: إن فعله  - ﷺ -  الذي لم تعلم جهته من وجوب أو غيره يحمل على الوجوب. وأوضحنا أدلة ذلك. وذكرنا أن صاحب مراقي السعود ذكره بقوله في كتاب السنة في مبحث أفعال النبي  - ﷺ -:\nوكل ما الصفة فيه تجهل ... فللوجوب في الأصح يجعل\nوذكرنا مناقشة الأقوال فيه في الحج، وغيره من سور القرآن.\nومن أدلتهم على وجوب الأضحية ما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، حدثنا الأسود بن قيس: سمعت جندب بن سفيان البجلي قال: شهدت النبي  - ﷺ -  يوم النحر فقال: \"من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى، ومن لم يذبح","vol":"5","page":666},{"text":"فليذبح\". اهـ. قالوا: قوله: فليعد، وقوله: فليذبح، كلاهما صيغة أمر.\nوقد قدمنا أن الصحيح عند أهل الأصول أن الأمر المتجرد عن القرائن يدل على الوجوب، وبينا أدلة ذلك من الكتاب والسنة، ورجحناه بالأدلة الكثيرة الواضحة، كقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ فسمى مخالفة الأمر معصية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾ الآية. فجعل أمره وأمر رسوله مانعًا من الاختيار، موجبًا للامتثال، وكقوله  - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" الحديث إلى آخر ما قدمنا.\nوحديث جندب بن سفيان الذي ذكرناه عن البخاري أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه بلفظ \"من كان ذبح أضحيته قبل أن يصلي أو نصلي، فليذبح مكانها أخرى، ومن كان لم يذبح فليذبح باسم الله\" وصيغة الأمر بالذبح في حديثه واضحة كما بينا دلالتها على الوجوب آنفًا.\nومن أدلتهم على وجوب الأضحية: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا مسدد، ثنا يزيد (ح) وثنا حميد بن مسعدة، ثنا بشر، عن عبد الله بن عون، عن عامر أبي رملة قال: أخبرنا مخنف بن سليم قال: ونحن وقوف مع رسول الله  - ﷺ -  بعرفات قال: قال: \"يا أيها الناس إن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة، أتدرون ما العتيرة؟ هي: التي يقول عنها الناس: الرجبية\". اهـ منه.\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود والترمذي، والنسائي وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن.","vol":"5","page":667},{"text":"قال الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج؛ لأن أبا رملة مجهول. وهو كما قال الخطابي مجهول. قال فيه ابن حجر في التقريب: عامر أبو رملة شيخ لابن عون لا يعرف. اهـ منه. وقال فيه الذهبي في الميزان: عامر أبو رملة شيخ لابن عون فيه جهالة، له عن مخنف ابن سليم عن النبي  - ﷺ -  \"يا أيها الناس إن على كل بيت في الإِسلام أضحية، وعتيرة\" قال عبد الحق: إسناده ضعيف  - وصدقه ابن القطان -؛ لجهالة عامر، رواه ابن عون. اهـ منه.\nوبه تعلم أن قول ابن حجر في الفتح في حديث مخنف بن سليم: أخرجه أحمد والأربعة بسند قوي. خلاف التحقيق كما ترى. وقد قال أبو داود بعد أن ساق الحديث بسنده ومتنه كما ذكرناه عنه آنفًا. قال أبو داود: العتيرة: منسوخة، هذا خبر منسوخ. اهـ. ولكنه لم يبين الناسخ، ولا دليل النسخ. وعلى كل حال فالحديث ضعيف لا يحتج به؛ لأن أبا رملة مجهول كما رأيت من قال ذلك.\nومن أدلتهم على وجوبها: ما رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه وصححه الحاكم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا\".\nقال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث: رواه أحمد، وابن ماجه، وصححه الحاكم. ورجح الأئمة غيره وقفه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: وأقرب ما يتمسك به لوجوب الأضحية حديث أبي هريرة، رفعه \"من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا\" أخرجه ابن ماجه، وأحمد. ورجاله ثقات. لكن اختلف في رفعه ووقفه، والموقوف أشبه بالصواب. قاله الطحاوي وغيره. ومع ذلك فليس صريحًا في الإِيجاب. اهـ منه.","vol":"5","page":668},{"text":"وذكر النووي في شرح المهذب من أدلة من أوجبها: ما جاء عن ابن عباس قال: قال رسول الله  - ﷺ -  \"ما أنفقت الورق في شيء أفضل من نحيرة يوم عيد\" ثم قال: رواه البيهقي وقال: تفرد به محمد بن ربيعة، عن إبراهيم بن يزيد الخوزي. وليسا بقويين، ثم قال. وعن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود نفيع بن زيد بن أرقم أنهم قالوا: يا رسول الله (- ﷺ -) ما هذه الأضاحي قال \"سنة أبيكم إبراهيم (صلى الله عليه وعلى نبينا وسلم) قالوا: ما لنا فيها من الأجر؟ قال: بكل قطرة حسنة\" رواه ابن ماجه، والبيهقي.\nقال البيهقي: قال البخاري: عائذ الله المجاشعي عن أبي داود لا يصح حديثه، وأبو داود هذا ضعيف. ثم قال النووي: وعن علي بن أبي طالب ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -  \"نسخ الأضحى كل ذبح، وصوم رمضان كل صوم والغسل من الجنابة كل غسل، والزكاة كل صدقة\" رواه الدارقطني، والبيهقي قال: وهو ضعيف، واتفق الحفاظ على ضعفة. وعن عائشة قالت: قلت: يا رسول الله  - ﷺ -  أستدين وأضحي؟ قال: \"نعم فإنه دين مقضي\" رواه الدارقطني والبيهقي، وضعفاه قالا: وهو مرسل. اهـ. كلام النووي. وما ذكره من تضعيف الأحاديث المذكورة: هو الصواب.\nوقد وردت أحاديث غير ما ذكرنا في الترغيب في الأضحية، وفيها أحاديث متعددة ليست بصحيحة. وهذا الذي ذكرنا هو عمدة من قال بوجوب الأضحية. واستدلال بعض الحنفية على وجوبها بالإِضافة في قولهم: يوم الأضحى قائلًا: إن الإِضافة إلى الوقت لا تحقق إلا إذا كانت موجودة فيه بلا شك، ولا تكون موجودة فيه بيقين إلا إذا كانت واجبة لا يخفي سقوطه؛ لأن","vol":"5","page":669},{"text":"الإِضافة تقع بأدنى ملابسة، فلا تقتضي الوجوب على التحقيق، كما لا يخفى.\nوأقوى أدلة من قال بالوجوب: هو ما قدمنا في الصحيحين من حديث جندب بن سفيان البجلي من أن النبي  - ﷺ -  أمر من ذبح قبل الصلاة بالإِعادة، وأمر من لم يذبح بالذبح. وقد قدمنا دلالة الأمر على الوجوب، والحديث المختلف في وقفه ورفعه الذي قدمنا؛ لأن قوله فيه: \"فلا يقربن مصلانا\" يفهم منه أن ترك الأضحية مخالفة غير هينة، لمنع صاحبها من قرب المصلى، وهو يدل على الوجوب. والفرق بين المسافر والمقيم عند أبي حنيفة لا أعلم له مستندًا من كتاب ولا سنة. وبعض الحنفية يوجهه بأن أداءها له أسباب تشق على المسافر، وهذا وحده لا يكفي دليلًا، لأنه من المعلوم أن كل واجب عجز عنه المكلف يسقط عنه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.\nوأما الذين قالوا بأن الأضحية سنة مؤكدة، وليست بواجبة، فاستدلوا بأدلة منها: ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا ابن أبي عمر المكي، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، سمع سعيد بن المسيب يحدث عن أم سلمة أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إذا دخلت العشر وأراد أحدكم أن يضحي فلا يمس من شعره وبشره شيئًا\" قيل لسفيان: فإن بعضهم لا يرفعه. قال: لكني أرفعه. اهـ. وفي لفظ عنها، عن النبي  - ﷺ -  عند مسلم \"إذا دخل العشر وعنده أضحية يريد أن يضحي فلا يأخذن شعرًا ولا يقلمن ظفرًا\" وفي لفظ له عنها مرفوعًا \"إذا أراد أحدكم أن يضحي فليمسك عن شعره وأظفاره\". اهـ.","vol":"5","page":670},{"text":"كل هذه الألفاظ في صحيح مسلم عن النبي  - ﷺ -  من حديث زوجه أم المؤمنين أم سلمة ﵂. ووجه الاستدلال بها على عدم الوجوب أن ظاهر الرواية: أن الأضحية موكولة إلى إرادة المضحي، ولو كانت واجبة لما كانت كذلك.\nقال النووي في شرح المهذب  - بعد أن ذكر بعض روايات حديث أم سلمة المذكور ما نصه -: قال الشافعي: هذا دليل أن التضحية ليست بواجبة، لقوله  - ﷺ -: وأراد. فجعله مفوضًا إلى إرادته، ولو كانت واجبة لقال: فلا يمس من شعره حتى يضحي. اهـ منه. وقال النووي في شرح المهذب أيضًا: واستدل أصحابنا يعني لعدم الوجوب بحديث ابن عباس أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"هن عليَّ فرائض وهن لكم تطوع: النحر، والوتر، وركعتا الضحى\" رواه البيهقي بإسناد ضعيف. ورواه في موضع آخر وصرح بضعفه. وللحديث المذكور طرق، ولا يخلو شيء منها من الضعف، ولم يذكرها النووي. ثم قال النووي: وصح عن أبي بكر وعمر ﵄ أنهما كانا لا يضحيان مخافة أن يعتقد الناس وجوبها. اهـ. كلام النووي.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: قال ابن حزم: لا يصح عن أحد من الصحابة أنها واجبة، وصح أنها غير واجبة عن الجمهور، ولا خلاف في كونها من شرائع الدين.\nوقد استدل لعدم وجوبها المجد في المنتقى بحديثين، ولا تظهر دلالتها على ذلك عندي كل الظهور. قال في المنتقى: باب ما احتج به في عدم وجوبها، بتضحية رسول الله  - ﷺ -  عن أمته. عن جابر قال: صليت مع رسول الله  - ﷺ -  عيد الأضحى، فلما انصرف \"أتى","vol":"5","page":671},{"text":"بكبش فذبحه فقال: باسم الله، واللَّه أكبر، اللهم هذا عني وعمن لم يضح من أمتي\" وعن علي بن الحسين، عن أبي رافع \"أن رسول الله  - ﷺ -  كان إذا ضحى اشترى كبشين سمينين أقرنين أملحين، فإذا صلى وخطب للناس أوتي بأحدهما وهو قائم في مصلاة فذبحه بنفسه بالمدية، ثم يقول: اللهم هذا عني وعن أمتي جميعًا من شهد لك بالتوحيد، وشهد لي بالبلوغ، ثم يؤتى بالآخر فيذبحه بنفسه ويقول: هذا عن محمد وآل محمد فيطعمهما جميعًا المساكين، ويأكل هو وأهله منهما\" فمكثنا سنين ليس لرجل من بني هاشم يضحي، قد كفاه الله المؤنة برسول الله  - ﷺ -  والغرم. رواه أحمد. اهـ من المنتقى.\nوقال شارحه في نيل الأوطار: ووجه دلالة الحديثين، وما في معناهما على عدم الوجوب: أن تضحيته  - ﷺ -  عن أمته، وعن أهله تجزئ كل من لم يضح، سواء كان متمكنًا من الأضحية، أو غير متمكن. ثم تعقبه بقوله: ويمكن أن يجاب عن ذلك بأن حديث \"على كل أهل بيت أضحية\" يدل على وجوبها على كل أهل بيت يجدونها، فيكون قرينة على أن تضحية رسول الله  - ﷺ -  عن غير الواجدين من أمته ولو سلم الظهور المدعى فلا دلالة له على الوجوب؛ لأن محل النزاع من لم يضح عن نفسه، ولا ضحى عنه غيره، فلا يكون عدم وجوبها على من كان في عصره  - ﷺ -  من الأمة مستلزمًا لعدم وجوبها على من كان في غير عصره  - ﷺ -  منهم. اهـ. من نيل الأوطار. وقد رأيت أدلة القائلين بالوجوب، والقائلين بالسنة. والواقع في نظرنا أنه ليس في شيء من أدلة الطرفين دليل جازم سالم من المعارض على الوجوب، ولا على عدمه؛ لأن صيغة الأمر بالذبح في الحديث","vol":"5","page":672},{"text":"الصحيح، وبإعادة من ذبح قبل الصلاة وإن كان يفهم منه الوجوب على أحد الأقوال، وهو المشهور في صيغة الأمر، فحديث أم سلمة الذي ظاهره تفويض ذلك إلى إرادة المضحي، وهو في صحيح مسلم يمكن أن يكون قرينة صارفة عن الوجوب في صيغة الأمر المذكور. وكلا الدليلين لا يخلو من احتمال. وحديث \"من وجد سعة فلم يضح فلا يقربن مصلانا\" رجح أكثر الأئمة وقفه. وقد قدمنا أن ابن حجر قال: إنه ليس صريحًا في الإِيجاب.\nوأجاب القرطبي في المفهم عن دلالة صيغة الأمر في قوله: فليعد، وقوله: فليذبح، وقال: لا حجة في شيء من ذلك على الوجوب، وإنما المقصود بيان كيفية مشروعية الأضحية لمن أراد أن يفعلها، أو من أوقعها على غير الوجه المشروع خطأ أو جهلًا، فبين له وجه تدارك ما فرط منه. اهـ. محل الغرض منه بواسطة نقل ابن حجر في الفتح.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في مثل هذا الذي لم تتضح فيه دلالة النصوص على شيء معين إيضاحًا بينا أنه يتأكد على الإِنسان: الخروج من الخلاف فيه، فلا يترك الأضحية مع قدرته عليها؛ لأن النبي  - ﷺ -  يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\"، فلا ينبغي تركها لقادر عليها؛ لأن أداءها هو الذي يتيقن به براءة ذمته. والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالأول: قد علمت: أن أكثر أهل العلم من الصحابة فمن بعدهم على أن الأضحية سنة، لا واجبة. والمالكية يقولون: إن وجوبها خاص به  - ﷺ - . وقد علمت أن الأحاديث الواردة في ذلك لا تخلو من","vol":"5","page":673},{"text":"ضعف. وقد استثنى مالك، وأصحابه الحاج بمنى، قالوا: لا تسن له الأضحية؛ لأن ما يذبحه هدي، لا أضحية. وخالفهم جماهير أهل العلم نظرًا لعموم أدلة الأمر بالأضحية في الحاج وغيره، ولبعض النصوص المصرحة بمشروعية الأضحية للحاج بمنى.\nقال البخاري في صحيحه: باب الأضحية للمسافر والنساء: حدثنا مسدد، حدثنا سفيان، عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة ﵂: \"أن النبي  - ﷺ -  دخل عليها وحاضت بسرف قبل أن تدخل مكة، وهي تبكي\" الحديث. وفيه: \"فلما كنا بمنى أتيت بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قالوا: ضحى رسول الله  - ﷺ -  عن أزواجه بالبقر\". اهـ.\nوقال مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى قال: قرأت على مالك، عن أبي الأسود محمد بن عبد الرحمن بن نوفل، عن عروة، عن عائشة ﵂ أنها قالت: \"خرجنا مع رسول الله  - ﷺ -  عام حجة الوداع، فمنا من أهل بعمرة، ومنا من أهل بحج وعمرة، ومنا من أهل بالحج، وأهل رسول الله  - ﷺ -  بالحج\" الحديث بطوله. وفيه فقالت: \"وضحى رسول الله  - ﷺ -  عن نسائه بالبقر\". اهـ. من صحيح مسلم. قالوا: فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة ﵂: \"أن النبي  - ﷺ -  ضحى عن نسائه ببقر يوم النحر بمنى\" وهو دليل صحيح على مشروعية الأضحية للحاج بمنى.\nقال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين دليلًا عندي في هذا الفرع قول مالك وأصحابه وإن خالفهم الجمهور، وأن الأضحية لا تسن للحاج بمنى، وأن ما يذبحه هدي، لا أضحية، وأن","vol":"5","page":674},{"text":"الاستدلال بحديث عائشة المتفق عليه المذكور آنفًا لا تنهض به الحجة على مالك وأصحابه.\nووجه كون مذهب مالك أرجح في نظرنا هنا مما ذهب إليه جمهور أهل العلم هو أن القرآن العظيم دال عليه، ولم يثبت ما يخالف دلالة القرآن عليه سالمًا من المعارض من كتاب أو سنة.\nووجه دلالة القرآن على أن ما يذبحه الحاج بمنى: هدي، لا أضحية هو ما قدمناه موضحًا؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧) لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا﴾ الآية. فيه معنى: أذن في الناس بالحج: يأتوك مشاة وركبانًا لحكم. منها. شهودهم منافع لهم، ومنها: ذكرهم اسم الله: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ عند ذبحها تقربًا إلى الله والذي يكون من حكم التأذين فيهم بالحج حتى يأتوا مشاة وركبانًا، ويشهدوا المنافع ويتقربوا بالذبح إنما هو الهدي خاصة، دون الأضحية؛ لإِجماع العلماء على أن للمضحي أن يذبح أضحيته في أي مكان شاءه من أقطار الدنيا، ولا يحتاج في التقرب بالأضحية إلى إتيانهم مشاة وركبانًا من كل فج عميق. فالآية ظاهرة في الهدي، دون الأضحية، وما كان القرآن أظهر فيه وجب تقديمه على غيره.\nأما الاحتجاج بحديث عائشة المتفق عليه: \"أنه ضحى ببقر عن نسائه يوم النحر صلوات الله وسلامه عليه\" فلا تنهض به الحجة، لكثرة الأحاديث الصحيحة المصرحة بأنهن متمتعات، وأن ذلك البقر هدي واجب، وهو هدي التمتع المنصوص عليه في القرآن، وأن عائشة منهن قارنة، والبقر التي ذبحت عنها هدي قران، سواء قلنا:","vol":"5","page":675},{"text":"إنها استقلت بذبح بقرة عنها وحدها، كما قدمناه في بعض الروايات الصحيحة، أو كان بالاشتراك مع غيرها في بقرة، كما قال به بعضهم. وأكثر الروايات ليس فيها لفظ: ضحى، بل فيها: أهدى. وفيها: ذبح عن نسائه. وفيها: نحر عن نسائه فلفظ ضحى من تصرف بعض الرواة للجزم بأن ما ذبح عنهن من البقر يوم النحر بمنى هدي تمتع بالنسبة لغير عائشة، وهدي قران بالنسبة إليهما، كما هو معلوم بالأحاديث الصحيحة التي لا نزاع فيها. وبهذا الذي ذكرنا تعلم أن ظاهر القرآن مع مالك، والحديث ليس فيه حجة عليه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في باب ذبح الرجل البقر عن نسائه من غير أمرهن بعد ذكره رواية ضحى المذكور ما نصه: والظاهر أن التصرف من الرواة؛ لأنه في الحديث ذكر النحر، فحمله بعضهم على الأضحية، فإن رواية أبي هريرة صريحة في أن ذلك كان عمن اعتمر من نسائه، فقويت رواية من رواه بلفط أهدى، وتبين أنه هدي التمتع، فليس فيه حجة على مالك في قوله: لا ضحايا على أهل منى. اهـ. محل الغرض من فتح الباري. وهو واضح فيما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني: اعلم أن من ذبح أضحية قبل أن يصلي إمام المسلمين صلاة العيد، فإن ذبيحته لا تجزئه عن الأضحية، وإنما شاته التي ذبحها شاة لحم يأكلها هو ومن شاء، وليست بشاة نسك. وهذا ثابت في الصحيح عنه - ﷺ -.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن زبيد اليامي، عن الشعبي، عن البراء ﵁ قال: قال النبي - ﷺ -: \"إن أول ما يبدأ به في يومنا هذا","vol":"5","page":676},{"text":"أن نُصلي، ثم نرجع فننحر، من فعل فقد أصاب سنتنا، ومن ذبح قبل فإنما هو لحم قدمه لأهله ليس من النسك في شيء\". اهـ. محل الغرض منه. وفي لفظ للبخاري من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال النبي  - ﷺ -  \"من ذبح قبل الصلاة، فإنما ذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة؛ فقد تم نسكه وأصاب سنة المسلمين\". اهـ. وفي لفظ للبخاري عن أنس بن مالك أيضًا قال: قال النبي  - ﷺ -  يوم النحر: \"من كان ذبح قبل الصلاة فليعد\" الحديث. وفي لفظ للبخاري من حديث البراء عنه  - ﷺ -  قال: \"من ذبح قبل الصلاة فإنما يذبح لنفسه، ومن ذبح بعد الصلاة فقد تم نسكه، وأصاب سنة المسلمين\". اهـ.\nوقد قدمنا في حديث جندب بن سفيان البجلي أن  - ﷺ -  قال: \"من ذبح قبل أن يصلي فليعد مكانها أخرى\" الحديث. إلى غير هذا من الروايات بمعناه في صحيح البخاري. وكون الأضحية المذبوحة قبل الصلاة لا تجزئ صاحبها الذي ذكرنا في صحيح البخاري، أخرجه مسلم أيضًا من حديث جندب بن سفيان البجلي، والبراء بن عازب، وأنس بن مالك ﵃. فهذه الأحاديث المتفق عليها من جندب، والبراء، وأنس: نصوص صريحة في أن من ذبح أضحيته قبل صلاة الإِمام صلاة العيد أنها لا تجزئه، وإن كان الإِمام الأعظم هو إمام الصلاة فلا إشكال، وإن كان إمام الصلاة غيره، فالظاهر أن المعتبر إمام الصلاة؛ لأن ظاهر الأحاديث أنها يشترط لصحتها أن تكون بعد الصلاة. وظاهرها العموم سواء كان إمام الصلاة الإِمام الأعظم أو غيره. والعلم عند الله تعالى.\nوالأظهر: أن من أراد أن يضحي بمحل لا تقام فيه صلاة العيد","vol":"5","page":677},{"text":"أنه يتحرى بذبح أضحيته قدر ما يصلي فيه الإِمام صلاة العيد عادة، ثم يذبح. واللَّه تعالى أعلم.\nوقد جاء في صحيح مسلم وغيره = ما يدل على عدم إجزاء ما نحر قبل نحره  - ﷺ - . وظاهره أنه لا بد لإِجزاء الأضحية من أن تكون بعد الصلاة، وبعد نحر الإِمام. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث: في سن الأضحية التي تجزئ. والأظهر أن السن التي تجزئ في الأضحية هي التي تكون مسنة، فإن تعسرت المسنة أجزأته جذعة من الضأن.\nقال مسلم بن الحجاج في صحيحه: حدثنا أحمد بن يونس، حدثنا زهير، حدثنا أبو الزبير، عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا تذبحوا إلا مسنة إلا أن يعسر عليكم، فتذبحوا جذعة من الضأن\". اهـ.\nوقال النووي في شرح هذا الحديث ما نصه: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإِبل والبقر والغنم، فما فوقها. وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال. وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض. ونقل العبدري وغيره، من أصحابنا عن الأوزاعي أنه قال: يجزئ الجذع من الإِبل والبقر والمعز والضأن. وحكي هذا عن عطاء. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا، ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ سواء وجد غيره أو لا. وحكوا عن ابن عمر والزهري أنهما قالا: لا يجزئ. وقد يحتج لهما بظاهر هذا الحديث.\nقمال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب","vol":"5","page":678},{"text":"والأفضل، وتقديره: يستحب لكم أن لا تذبحوا إلا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن. وليس فيه تصريح بمنع جذعة ضأن، وأنها لا تجزئ بحال.\nوقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن، مع وجود غيره وعدمه. وابن عمر والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب. واللَّه أعلم. . . إلى أن قال: والجذع من الضأن: ما له سنة تامة. هذا هو الأصح عند أصحابنا، وهو الأشهر عند أهل اللغة وغيرهم، وقيل: ما له ستة أشهر. وقيل: سبعة، وقيل: ثمانية، وقيل: ابن عشرة. حكاه القاضي، وهو غريب.\nوقيل: إن كان متولدًا من بين شابين فستة أشهر، وإن كان من هرمين فثمانية أشهر. اهـ. محل الغرض منه.\nوقال في شرح المهذب: ثم الجذع ما استكمل سنة على أصح الأوجه. . . إلى آخر الأوجه التي ذكرها في شرح مسلم. وتقدم نقلها عنه آنفًا.\nوقال أيضًا: وأما الثني من الإِبل فما استكمل خمس سنين، ودخل في السادسة. وروى حرملة عن الشافعي أنه الذي استكمل ست سنين، ودخل في السابعة.\nقال الروياني: وليس هذا قولًا آخر للشافعي وإن توهمه بعض أصحابنا، ولكنه إخبار عن نهاية سن الثني. وما ذكره الجمهور بيان لابتداء سنه. وأما الثني من البقر فهو ما استكمل سنتين، ودخل في الثالثة.","vol":"5","page":679},{"text":"وروى حرملة عن الشافعي، أنه ما استكمل ثلاث سنين، ودخل في الرابعة. والمشهور من نصوص الشافعي الأول. وبه قطع الأصحاب وغيرهم من أهل اللغة وغيرهم. والثني من المعز فيه وجهان: أصحهما: ما استكمل سنتين. والثاني: ما استكمل سنة. اهـ منه.\nوقد علمت أن الثني هو المسن.\nقال ابن الأثير في النهاية في الجذع: هو من الإِبل ما دخل في السنة الخامسة، ومن البقر والمعز: ما دخل في السنة الثانية، وقيل: البقر في الثالثة، ومن الضأن: ما تمت له سنة، وقيل: أقل منها. ومنهم من يخالف بعض هذا في التقدير. اهـ. منه.\nوقال ابن الأثير في النهاية أيضًا: الثنية من الغنم ما دخلت في السنة الثالثة، ومن البقر كذلك، ومن الإِبل: في السادسة، والذكر ثني. وعلى مذهب أحمد بن حنبل: ما دخل من المعز في الثانية، ومن البقر في الثالثة.\nوقال ابن الأثير في النهاية في المسنة، قال الأزهري: البقرة والشاة يقع عليهما اسم المسن إذا أثنيا، ويثنيان في السنة الثالثة.\nوقال الجوهري في صحاحه: الجذع قبل الثني، والجمع جذعان وجذاع، والأنثى: جذعة، والجمع: جذعات. تقول منه لولد الشاة في السنة الثانية، ولولد البقر والحافر في السنة الثالثة، وللإِبل في السنة الخامسة: أجذع. والجذع اسم له في زمن ليس بسن تنبت ولا تسقط، وقد قيل في ولد النعجة: إنه جذع في ستة أشهر، أو تسعة أشهر. وذلك جائز في الأضحية. انتهى منه.","vol":"5","page":680},{"text":"وفي القاموس: والثنية: الناقة الطاعنة في السادسة، والبعير ثني، والفرس الداخلة في الرابعة، والشاة في الثالثة كالبقرة. اهـ منه.\nوقد علمت مما مر: أن حديث مسلم الثابت فيه دل على أن الأضحية لا تكون إلَّا بمسنة، وأنها إن تعسرت فجذعة من الضأن، فمن ضحى لمسنة، أو بجذعة من الضأن عند تعسرها: فضحيته مجزئة إجماعًا.\nواختلف أهل العلم فيما سوى ذلك، وهذه مذاهبهم وأدلتها.\nفذهب مالك ﵀ وأصحابه إلى أن المجزئ في الضحية جذع الضأن، وثني المعز، والبقر، والإِبل. وجذع الضأن عندهم هو ما أكمل سنة على المشهور، وثني المعز عندهم هو ما أكمل سنة، ودخل في الثانية دخولًا بيّنًا، فالدخول في السنة الثانية، دخولًا بيِّنًا هو الفرق عندهم بين جذع الضأن، وثني المعز.\nودليل مالك وأصحابه على ما ذكرنا عنهم في سن الأضحية: أن جذع الضأن عندهم لا فرق بينه وبين جذعة الضأن المنصوص على إجزائها في صحيح مسلم، وأن الثني ثبت إجزاؤه مطلقًا، وتحديدهم له في المعز بما دخل في الثانية دخولًا بيِّنًا من تحقيق المناط، والثني عندهم من البقر ابن ثلاث سنين، والأنثى والذكر سواء عندهم. والثني عندهم من الإِبل: ابن خمس سنين، والذكر والأنثى سواء.\nومعلوم أن الذكورة، والأنوثة في الضحايا والهدايا، وصفان طرديان، لا أثر لواحد منهما في الحكم فهما سواء.","vol":"5","page":681},{"text":"وقال بعض المالكية: إن الثني من البقر: ابن أربع سنين. والظاهر: أنه غير مخالف للقول الأول، وأن المراد به ابن ثلاث ودخل في الرابعة.\nوقال ابن حبيب من المالكية: والثني من الإِبل ابن ست سنين. والظاهر أيضًا أنه غير مخالف للقول الأول؛ لأن المراد به ابن خمس، ودخل في السادسة.\nفإن قيل: ظاهر (^١). . . سلمنا أن جذعة الضأن المنصوص عليها في حديث جابر عند مسلم لا فرق بينها وبين الجذع الذكر؛ لأن الذكورة والأنوثة في الهدايا والضحايا وصفان طرديان، لا أثر لهما في الحكم، ولكن ظاهر الحديث يدل على أن جذعة الضأن الأنثى المذكورة في الحديث لا يذبحها إلَّا من تعسرت عليه المسنة، التي هي الثنية؛ لأن لفظ الحديث المتقدم \"لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن\".\nفالجواب: أن ظاهر الحديث أن الجذعة من الضأن لا تجزئ إلَّا عند تعسر المسنة وظاهره أن الجذع الذكر من الضأن لا يجزئ سواء عسر وجود المسنة، أو لم يعسر. وجمهور أهل العلم خالفوا ظاهر هذا الحديث من الجهتين المذكورتين إلَّا ما روي عن ابن عمر، والزهري من أن الجذع الذكر من الضأن لا يجزئ مطلقًا؛ لظاهر هذا الحديث.\nقال النووي في شرحه لحديث مسلم هذا ما نصه: قال العلماء: المسنة هي الثنية من كل شيء من الإِبل والبقر والغنم، فما فوقها.\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"5","page":682},{"text":"وهذا تصريح بأنه لا يجوز الجذع من غير الضأن في حال من الأحوال. وهذا مجمع عليه على ما نقله القاضي عياض. ونقل العبدري، وغيره من أصحابنا أنه قال: يجوز الجذع من الإِبل والبقر والمعز والضأن. وحكي هذا عن عطاء. وأما الجذع من الضأن فمذهبنا، ومذهب العلماء كافة أنه يجزئ، سواء وجد غيره أو لا، وحكوا عن ابن عمر، والزهري أنهما قالا: لا يجزئ. وقد يحتج لهما بظاهر الحديث. قال الجمهور: هذا الحديث محمول على الاستحباب، والأفضل، وتقديره: يستحب لكم ألا تذبحوا إلَّا مسنة، فإن عجزتم فجذعة ضأن. وليس فيه تصريح بمنع جذعة الضأن، وأنها لا تجزئ بحال. وقد أجمعت الأمة أنه ليس على ظاهره؛ لأن الجمهور يجوزون الجذع من الضأن مع وجود غيره وعدمه، وابن عمر، والزهري يمنعانه مع وجود غيره وعدمه، فتعين تأويل الحديث على ما ذكرنا من الاستحباب. والله أعلم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث ظاهر في أن جذعة الضأن لا تجزئ إلَّا إذا تعسر وجود المسنة، لأن قوله  - ﷺ -  في هذا الحديث الصحيح: \"لا تذبحوا إلَّا مسنة\" نهي صريح عن ذبح غير المسنة التي هي الثنية. والنهي يقتضي التحريم، كما تقرر في الأصول إلَّا إذا وجد صارف عنه، وهو دليل ظاهر على أن جذعة الضأن لا تجزئ إلَّا عند تعسر المسنة كما ترى. وسيأتي إن شاء الله إيضاح بقية هذا البحث بعد ذكر مذاهب أهل العلم في هذه المسألة، ومناقشة أدلتهم.\nوأما مذهب الشافعي ﵀ في هذه المسألة فهو أن الجذع لا يجزئ إلَّا من الضأن خاصة، والجذع من الضأن والجذعة عنده","vol":"5","page":683},{"text":"سواء. وأما غير الضأن فلا يجزئ عنده منه إلَّا الثنية، أو الثني. وقد قدمنا كلام أهل العلم، واللغة في سن الجذع، والثني، والجذعة والثنية. والوجه الذي حكاه الرافعي أن جذع المعز يجزئ عند الشافعية غلط كما صرح به النووي.\nوأما مذهب أبي حنيفة فهو كمذهب الشافعي، وهو جواز التضحية بالجذع من الضأن خاصة، وبالثني من غير الضأن، وهو المعز والإِبل والبقر.\nوقال صاحب تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي ما نصه: والجذع من الضأن ما تمت له ستة أشهر عند الفقهاء. وذكر الزعفراني أنه ابن سبعة أشهر. والثني من الضأن والمعز ابن سنة، ومن البقر ابن سنتين، ومن الإِبل ابن خمس سنين. وفي القرب: الجذع من البهائم قبل الثني إلَّا أنه من الإِبل قبل السنة الخامسة، ومن البقر والشاة في السنة الثانية، ومن الخيل في الرابعة. وعن الزهري الجذع من المعز لسنة، ومن الضأن لثمانية أشهر. اهـ منه.\nوالأصح: هو ما قدمنا في سن الجذع والثني عن الفقهاء، وأهل اللغة.\nومذهب الإِمام أحمد كمذهب أبي حنيفة والشافعي، فلا يجوز عنده الجذع إلَّا من الضأن خاصة، ولا يجوز من غير الضأن إلَّا الثني. والجذع من الضأن عندهم ما له ستة أشهر، ودخل في السابع، وثني المعز عندهم إذا تمت له سنة، ودخل في الثانية، وثني البقر عندهم إذا تمت له سنتان، ودخل في الثالثة، وثني الإِبل عندهم إذا تمت له خمس سنين، ودخل في السادسة. قاله ابن قدامة في المغني.","vol":"5","page":684},{"text":"وقال أيضًا: قال الأصمعي، وأبو زياد الكلابي، وأبو زيد الأنصاري: إذ مضت السنة الخامسة على البعير، ودخل في السادسة، وألقى ثنيته فهو حينئذٍ ثني، ونرى أنه إنما سمى ثنيًا؛ لأنه ألقى ثنيتيه. وأما البقرة فهي التي لها سنتان؛ لأن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا تذبحوا إلَّا مسنة\" ومسنة البقر التي لها سنتان. وقال وكيع: الجذع من الضأن يكون ابن سبعة أشهر. انتهى كلام المغني.\nوقد عرفت مذاهب الأئمة الأربعة في السن التي تجزئ ضحية من بهيمة الأنعام، وأنهم متفقون على إجزاء جذع الضأن، والثني من غيره مع بعض الاختلاف الذي رأيت في سن الجذع والثني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي. هو ما عليه جمهور أهل العلم منهم الأئمة الأربعة وغيرهم؛ أنه لا يجزئ في الأضحية الجذع إلَّا من الضأن خاصة، ومن غير الضأن وهو المعز، والإِبل والبقر لا يجزئ إلَّا الثني، فما فوقه. والذكر والأنثى سواء في الهدايا والأضاحي، كما تقدم.\nوالتأويل الذي قدمنا عن النووي في حديث جابر في قوله  - ﷺ -  \"لا تذبحوا إلَّا مسنة إلَّا أن يعسر عليكم فتذبحوا جذعة من الضأن\" أنه متعين بحمله على الاستحباب، والأفضل يظهر لي أنه متعين، كما قاله النووي. والقرينة الصارفة عن ظاهر حديث جابر المذكور عند مسلم هي أحاديث أخر جاءت من طرق عن النبي  - ﷺ -  أن الجذع من الضأن يجزئ. وظاهرها ولو كان المضحي قادرًا على المسنة، وسنذكرها هنا بواسطة نقل المجد في المنتقى؛ لأنه ذكرها في محل واحد.\nفمنها: ما رواه الإِمام أحمد والترمذي، عن أبي هريرة","vol":"5","page":685},{"text":"﵁ قال: سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"نعم أو نعمت الأضحية: الجذع من الضأن\".\nومنها: ما رواه الإِمام أحمد، وابن ماجه، عن أم بلال بنت هلال، عن أبيها أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"يجوز الجذع من الضأن ضحية\".\nومنها: ما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن مجاشع بن سليم أن النبي  - ﷺ -  كان يقول: \"إن الجذع يوفي مما توفي منه الثنية\".\nومنها: ما رواه النسائي، عن عقبة بن عامر ﵁ قال: \"ضحينا مع رسول الله  - ﷺ -  بالجذع من الضأن\". اهـ. بواسطة نقل المجد في المنتقى.\nوهذه الأحاديث يقوي بعضها بعضًا، فتصلح بمجموعها للاحتجاج، وتعتضد بأن عامة أهل العلم على العمل بها إلَّا ما نقل عن ابن عمر، والزهري.\nوقد دل حديث جابر المذكور عند مسلم على أن الجذع من غير الضأن لا يجزئ، وهو كذلك، وحديث البراء بن عازب الثابت في الصحيحين أن النبي  - ﷺ -  قال لأبي بردة \"ضح بجذعة من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك\" دليل على أن جذع المعز لا يجزئ في الأضحية.\nقال البخاري في صحيحه: باب قول النبي  - ﷺ -  لأبي بردة: \"ضح بالجذع من المعز، ولن تجزئ عن أحد بعدك\".\nحدثنا مسدد، حدثنا خالد بن عبد الله، حدثنا مطرف، عن عامر، عن البراء بن عازب ﵄، قال: ضحى خال لي","vol":"5","page":686},{"text":"يقال له: أبو بردة قبل الصلاة، فقال له رسول الله  - ﷺ -: \"شاتك شاة لحم، فقال: يا رسول الله إن عندي داجنًا جذعة من المعز. قال: اذبحها ولا تصلح لغيرك\". اهـ منه. وفي لفظ للبخاري من حديث البراء \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" وكذلك هي في بعض ألفاظ مسلم في حديث البراء المذكور \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" وفي لفظ عند مسلم من حديث البراء \"ضح بها ولا تصلح لغيرك\" وفي لفظ له عنه \"ولا تجزئ جذعة عن أحد بعدك\".\nوالروايات بأن النبي  - ﷺ -  رخص لأبي بردة في التضحية بعناق جذعة من المعز. وصرح بأنها لا تجزئ عن أحد بعده معروفة في الصحيحين وغيرهما وهي دليل على أن جذع المعز لا يجزئ. فمن قال من أهل العلم بأنه يجزئ رد قوله بهذا الحديث الصحيح، المصرح بأن جذعة المعز لا تجزئ عن أحد بعد أبي بردة.\nفإن قيل: جاء في الصحيحين من حديث عقبة بن عامر ﵁ \"أن النبي  - ﷺ -  أعطاه غنمًا يقسمها على صحابته ضحايا، فبقي عتود فذكره النبي  - ﷺ -  فقال: ضح به أنت\" وهذا لفظ البخاري في صحيحه، وفي لفظ لمسلم عن عقبة بن عامر الجهنى المذكور ﵁ قال: \"قسم النبي  - ﷺ -  فينا ضحايا فأصابني جذع، فقلت: يا رسول الله أصابني جذع فقال: ضح به\". اهـ منه.\nوروايات هذا الحديث الصحيح عن عقبة بن عامر: أن النبي  - ﷺ -  أمره أن يضحي بجذع المعز؛ لأن العتود لا تطلق إلَّا على ولد المعز، والروايات مصرحة بأن المذكور جذع. وقال ابن الأثير في النهاية: والعتود من ولد المعز إذا قوي ورعى، وأتى عليه حول. وهذا حديث متفق عليه، فيه الدلالة الصريحة على جواز التضحية","vol":"5","page":687},{"text":"بجذع المعز. وذكر ابن حجر في الفتح: أن البيهقي ذكر زيادة في حديث عقبة بن عامر المذكور عن النبي  - ﷺ -  أنه قال لعقبة: \"ولا رخصة فيها لأحد بعدك\" وقال ابن حجر: إن الطريق التي روى بها البيهقي الزيادة المذكورة صحيحة وإن حاول بعضهم تضعيفها.\nفالجواب: أن الجمع بين ما وقع لأبي بردة، وعقبة بن عامر أشكل على كثير من أهل العلم، ويزيده إشكالًا أن الترخيص في الأضحية بجذع المعز ورد عنه  - ﷺ -  لجماعة آخرين.\nقال ابن حجر في الفتح: فقد أخرج أبو داود، وأحمد، وصححه ابن حبان من حديث زيد بن خالد \"أن النبي  - ﷺ -  أعطاه عتودًا جذعًا فقال: ضح به. فقلت: إنه جذع أفأضحي؟ قال: نعم ضح به فضحيت به\" لفظ أحمد. . . إلى أن قال: وفي الطبراني في الأوسط من حديث ابن عباس \"أن النبي  - ﷺ -  أعطى سعد بن أبي وقاص جذعًا من المعز فأمره أن يضحي به\" وأخرجه الحاكم من حديث عائشة. وفي سنده ضعف. ولأبي يعلى، والحاكم من حديث أبي هريرة أن رجلًا قال: يا رسول الله  - ﷺ -  هذا جذع من الضأن مهزول، وهذا جذع من المعز سمين، وهو خيرهما أفأضحي به؟ قال: \"ضح به فإن للَّه الخير\". انتهى بواسطة نقل ابن حجر في فتح الباري.\nوإذا عرفت أن في الأحاديث المذكورة إشكالًا، فاعلم: أن الحافظ في الفتح تصدى لإِزالة ذلك الإِشكال، فقال في موضع بعد سوقه الأحاديث التي ذكرنا: والحق أنه لا منافاة بين هذه الأحاديث، وبين حديثي أبي بردة، وعقبة، لاحتمال أن يكون ذلك في ابتداء","vol":"5","page":688},{"text":"الأمر، ثم تقرر الشرع بأن الجذع من المعز لا يجزئ، واختص أبو بردة وعقبة بالرخصة في ذلك. وإنما قلت ذلك، لأن بعض الناس زعم أن هؤلاء شاركوا أبا بردة وعقبة في ذلك، والمشاركة إنما وقعت في مطلق الإِجزاء، لا في خصوص منع الغير. انتهى محل الغرض منه بلفظه. ومقصوده: أن النبي  - ﷺ -  لم يقل لأحد ممن رخص لهم في التضحية بجذع المعز \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" إلَّا لأبي بردة، وعقبة بن عامر على ما رواه البيهقي، والذين لم يقل لهم: ولن تجزئ عن أحد بعدك. لا إشكال في مسألتهم، لاحتمال أنها قبل تقرر الشرع بعدم إجزاء جذع المعز، فبقي الإِشكال بين حديث أبي بردة، وحديث عقبة. وقد تصدى لحله ابن حجر في الفتح أيضًا فقال في موضع: وأقرب ما يقال فيه: إن ذلك صدر لكل منهما في وقت واحد، أو تكون خصوصية الأول نسخت بثبوت الخصوصية للثاني، ولا مانع من ذلك؛ لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع لغيره صريحًا. اهـ محل الغرض منه. وقال في موضع آخر: وإن تعذر الجمع الذي قدمته، فحديث أبي بردة أصح مخرجًا. اهـ منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الجمع الذي ذكره ابن حجر، فالظاهر عندي: أنه لا يصح. وقوله: لأنه لم يقع في السياق استمرار المنع غلط منه ﵀، بل وقع في السياق التصريح باستمرار المنع؛ لأن قوله  - ﷺ -: \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" صريح في استمرار منع الإِجزاء عن غيره، لأن لفظة \"لن\" تدل على نفي الفعل في المستقبل من الزمن، فهي دليل صريح على استمرار عدم الإِجزاء عن غيره في المستقبل من الزمن. ويؤيد ذلك أن قوله: \"عن","vol":"5","page":689},{"text":"أحد بعدك\" نكرة في سياق النفي، فهي تعم كل أحد في كل وقت، كما ترى.\nوالصواب: الترجيح بين الحديثين، وحديث أبي بردة لا شك أن لفظة \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" فيه أصح سندًا من زيادة نحو ذلك في حديث عقبة، فيجب تقديم حديث أبي بردة على حديث عقبة، كما ذكره ابن حجر في كلامه الأخير. واللَّه تعالى أعلم.\nفإن قيل: ذكر جماعة من علماء العربية أن لفظة. \"لن\"، لا تدل على تأبيد النفي.\nقال ابن هشام في المغني في الكلام على \"لن\" ولا تفيد توكيد النفي، خلافًا للزمخشري في كشافه، ولا تأبيده خلافًا له في أنموذجه، وكلاهما دعوى بلا دليل. قيل: ولو كانت للتأبيد، لم يقيد منفيها باليوم في ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾، ولكان ذكر الأبد في ﴿وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا﴾ تكرارًا والأصل عدمه. اهـ محل الغرض منه.\nفالجواب: أن قول الزمخشري بإفادة \"لن\" التأبيد يجب رده؛ لأنه يقصد به استحالة رؤية الله تعالى يوم القيامة زاعمًا أن قوله لموسى: ﴿لَنْ تَرَانِي﴾ تفيد فيه لفظة \"لن\" تأبيد النفي، فلا يرى الله عنده أبدًا لا في الدنيا، ولا في الآخرة. وهذا مذهب معتزلي معروف باطل ترده النصوص الصحيحة في القرآن، والأحاديث الصحيحة الكثيرة التي لا مطعن في ثبوتها. وقد بينا مرارًا أن رؤية الله تعالى بالأبصار جائزة عقلًا في الدنيا والآخرة، ولو كانت ممنوعة عقلًا في الدنيا لما قال نبي الله موسى: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأنه لا يجهل المحال في حق خالقه تعالى، وأنها ممنوعة شرعًا في الدنيا ثابتة الوقوع في الآخرة، وإفادة \"لن\" التأبيد التي زعمها الزمخشري في","vol":"5","page":690},{"text":"الآية تردها النصوص الصحيحة الصريحة في الرؤية في الآخرة، ولا ينافي ذلك أن تفيد \"لن\" التأبيد في موضع لم يعارضها فيه نص.\nوبالجملة فقد اختلف أهل العربية في إفادة \"لن\" تأبيد النفي حيث لم يصرف عنه صارف، وعدم إفادتها لذلك، فعلى القول بأنها تفيد التأبيد فقوله  - ﷺ -  لأبي بردة: \"ولن تجزئ عن أحد بعدك\" يدل على تأبيد نفي الإجزاء، كما ذكرنا، وعلى عدم اقتضائها التأبيد، فلا تقل عن الظهور فيه، حتى يصرف عنه صارف. وبذلك كله تعلم أن الجمع بين حديث أبي بردة، وحديث عقبة بن عامر كالمتعذر، فيجب الترجيح. وحديث أبي بردة أرجح. والعلم عند الله تعالى.\nوهذا الذي ذكرنا في هذا الفرع هو حاصل كلام أهل العلم في السن التي تجزئ في الضحايا.\nالفرع الرابع: اعلم: أنه لا يجوز في الأضحية إلَّا بهيمة الأنعام، وهي الإِبل، والبقر، والضأن، والمعز بأنواعها، لقوله تعالى: ﴿وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ فلا تشرع التضحية بالظباء، ولا ببقرة الوحش، وحمار الوحش مثلًا.\nوقال النووي في شرح المهذب: ولا تجزئ بالمتولد من الظباء والغنم؛ لأنه ليس من بهيمة الأنعام. اهـ.\nوالظاهر أنه كذلك كما عليه جماهير أهل العلم، فما روي عن الحسن بن صالح من أن بقرة الوحش تجزئ عن سبعة، والظبي عن واحد، خلاف التحقيق. وعن أصحاب الرأي: أن ولد البقرة الإِنسية يجزئ وإن كان أبوه وحشيًا. وعن أبي ثور: يجزئ إن كان منسوبًا","vol":"5","page":691},{"text":"إلى بهيمة الأنعام. والأظهر: أن المتولد من بين ما يجزئ وما لا يجزئ، لا يجزئ بناء على قاعدة تقديم الحاظر على المبيح. ومعلوم أنها خالف فيها بعض أهل الأصول. وعلى كل حال فالأحوط أن لا يضحي إلَّا ببهيمة الأنعام، لظاهر الآية الكريمة.\nالفرع الخامس: اعلم: أن أكثر أهل العلم على أن أفضل أنواع الأضحية: البدنة، ثم البقرة، ثم الشاة. والضأن أفضل من المعز. وسيأتي الكلام على حكم الاشتراك في الأضحية ببدنة، أو بقرة إن شاء الله وكون الأفضل البدنة، ثم البقرة، ثم شاة الضأن، ثم شاة المعز.\nقال النووي في شرح المهذب: هو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة، وأحمد، وداود. وقال مالك: أفضلها الغنم، ثم البقر، ثم الإِبل. قال: والضأن أفضل من المعز، وإناثها أفضل من فحول المعز، وفحول الضأن خير من إناث المعز، وإناث المعز خير من الإِبل، والبقر. وقال بعض أصحاب مالك: الإِبل أفضل من البقر.\nفإذا عرفت أقوال أهل العلم في أفضل ما يضحى به من بهيمة الأنعام فاعلم أن الجمهور الذين قالوا: البدنة أفضل، ثم البقرة، ثم الشاة احتجوا بأدلة:\nمنها: أن البدنة أعظم من البقرة، والبقرة أعظم من الشاة. واللَّه تعالى يقول: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ الآية.\nومنها: ما قدمنا ثابتًا في الصحيح: أن البقرة والبدنة كلتاهما تجزئ عن سبعة في الهدي، فكل واحدة منهما تعدل سبع شياه.","vol":"5","page":692},{"text":"وكونها تعدل سبع شياه دليل واضح على أنها أفضل من شاة واحدة.\nومنها: ما رواه الشيخان، والإِمام أحمد، وأصحاب السنن، غير ابن ماجه من حديث أبي هريرة ﵁، عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"من اغتسل يوم الجمعة غسل الجنابة، ثم راح فكأنما قرب بدنة، ومن راح في الساعة الثانية فكأنما قرب بقرة، ومن راح في الساعة الثالثة، فكأنما قرب كبشًا أقرن، ومن راح في الساعة الرابعة، فكأنما قرب دجاجة، ومن راح في الساعة الخامسة، فكأنما قرب بيضة، فإذا خرج الإِمام حضرت الملائكة يسمعون الذكر\". اهـ. قالوا: ففي هذا الحديث الصحيح الدلالة الواضحة على أن البدنة أفضل، ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، ووجهه ظاهر.\nواحتج مالك وأصحابه على أن التضحية بالغنم أفضل بأنه  - ﷺ -  كان يضحي بالغنم لا بالإِبل ولا بالبقر. وقد قدمنا الأحاديث بتضحيته بكبشين أقرنين أملحين، وتضحيته بكبش أقرن يطأ في سواد، ويبرك في سواد، وينظر في سواد. وكلها ثابتة في الصحيح كما قدمنا أسانيدها ومتونها. قالوا: وهو  - ﷺ -  لا يضحى مكررًا ذلك عامًا بعد عام إلَّا بما هو الأفضل في الأضحية. فلو كانت التضحية بالإِبل، والبقر أفضل لفعل  - ﷺ -  ذلك الأفضل.\nقالوا: فإن قيل: أهدى في حجته الإِبل، ولم يهد الغنم.\nفالجواب: أنه أهدى الغنم أيضًا فبعث بها إلى البيت، ولو سلمنا أن الإِبل أفضل في الهدي، فلا نسلم أنها أفضل في الأضحية. والمالكية لا ينكرون أفضلية الإِبل في الهدي، وإنما يقولون: إن الغنم أفضل في الأضحية، ولكل من الغنم والإِبل فضل من جهة، فالإِبل أفضل من حيث كثرة لحمها، والغنم أفضل من حيث إن لحمها","vol":"5","page":693},{"text":"أطيب، وألذ. وعند المالكية فلا مانع من أن يراعى كل واحد من الوصفين في نوع من أنواع النسك.\nودليل الجمهور ظاهر، لكن دليل المالكية أخص في محل النزاع؛ لأنه  - ﷺ -  لم يضح إلَّا بالغنم، والخير كله في اتباعه في أقواله، وأفعاله. وما جاء عنه من تفضيل البدنة، ثم البقرة، ثم الكبش الأقرن، لم يأت في خصوص الأضحية، ولكن فعله  - ﷺ -  في خصوص الأضحية، واللَّه تعالى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.\nوالحاصل: أن لكل من القولين وجهًا من النظر. واللَّه تعالى أعلم بالصواب.\nواعلم: أن الجمهور أجابوا عن دليل مالك بأن تضحيته  - ﷺ -  بالغنم لبيان الجواز، أو لأنه لم يتيسر له في ذلك الوقت بدنة ولا بقرة، وإنما تيسرت له الغنم. هكذا قالوا. وظاهر الأحاديث تكرر تضحيته  - ﷺ -  بالغنم. وقد يدل ذلك على قصده الغنم دون غيرها؛ لأنه لو لم يتيسر له إلَّا الغنم سنة فقد يتيسر له غيرها في سنة أخرى. واللَّه تعالى أعلم.\nفإن قيل: روى البيهقي عن ابن عمر كان  - ﷺ -  يضحي بالجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجزور.\nفالجواب: أن الزرقاني في شرح الموطأ قال ما نصه: وحديث البيهقي عن ابن عمر كان  - ﷺ -  يضحي بالجزور أحيانًا، وبالكبش إذا لم يجد الجزور. ضعيف. في سنده عبد الله بن نافع، وفيه مقال. اهـ منه. وقد روى البيهقي في السنن الكبرى، عن أبي أمامة، وعبادة بن الصامت ﵄ عن النبي  - ﷺ -  أنه","vol":"5","page":694},{"text":"قال: \"خير الضحايا الكبش الأقرن\". اهـ منه. وقد ذكر النووي أن فيه ضعفًا. ولا شك أنه تقويه الأحاديث الصحيحة الثابتة عنه  - ﷺ -  بالمداومة على التضحية بالكبشين الأقرنين، أو الكبش الأقرن، كما تقدم إيضاحه.\nالفرع السادس: اعلم: أن جمهور أهل العلم: أجازوا اشتراك سبعة مضحين في بدنة، أو بقرة، بأن يشتروها مشتركة بينهم، ثم يهدوا بها، أو يضحوا بها عن كل واحد سبعها.\nوقد قدمنا النصوص الصريحة بذلك في الهدي. والظاهر: عدم الفرق في ذلك بين الهدي، والأضحية.\nوخالف مالك وأصحابه الجمهور، فقالوا: لا يجوز ذبح بدنة مشتركة، ولا بقرة، وإنما يملكها واحد، فيشرك غيره معه في الأجر. أما اشتراكهم في ملكها فلا يجزئ عند مالك لا في الأضحية ولا في الهدي الواجب، وكذلك هدي التطوع خلافًا لأشهب من أصحابه.\nواعلم: أن مالكًا ﵀ حمل أحاديث اشتراك السبعة في البدنة والبقرة على الاشتراك في الأجر، بأن يكون المالك واحدًا، ويشرك غيره معه في الأجر، لا في ملك الرقبة. وظاهر الأحاديث فيه الدلالة الواضحة على الاشتراك في الملك. وأجاز مالك للرجل أن يضحي بالشاة الواحدة، ويشرك معه أهله في الأجر.\nوقد قدمنا في الصحيح أن النبي  - ﷺ -  ذبح كبشًا وقال: \"اللَّهم تقبل من محمد وآل محمد\".\nوالحاصل: أن العلماء مجمعون على أنه لا يجوز اشتراك","vol":"5","page":695},{"text":"مالكين في شاة الأضحية. أما كون المالك واحدًا فيضحي عن نفسه بالشاة، وينوي اشتراك أهل بيته معه في الأجر، وأن ذلك يتأدى به الشعار الإِسلامي عنهم جميعًا، فلا ينبغي أن يختلف فيه؛ لدلالة النصوص الصحيحة عليه، كالحديث المذكور آنفًا وغيره، كحديث أبي أيوب الأنصاري كان الرجل في عهد رسول الله  - ﷺ -  يضحي بالشاة عنه، وعن أهل بيته، فيأكلون ويطعمون، حتى تباهى الناس، فصار كما ترى. قال في المنتقى: رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه. وقال شارحه في النيل: وأخرجه مالك في الموطأ. إلى غير ذلك من الأحاديث. والاشتراك المذكور في الأجر في الشاة الواحدة يصح ولو كانوا أكثر من سبعة، كما هو ظاهر النص، وكما صرح به المالكية وغيرهم. واشترط المالكية لذلك شروطًا ثلاثة: وهي سكناهم مع المضحي، وقرابتهم منه، وإنفاقه عليهم، وإن تبرعا. ولا أعلم لهذه الشروط مستندًا من الوحي إلَّا أن يكون يراد بها تحقيق المناط في مسمى الأهل، وأن أهل الرجل هم ما اجتمع فيهم الأوصاف الثلاثة. ولا تساعد على الشروط المذكورة في جميع النسك الأحاديث المتقدمة باشتراك كل سبعة من الصحابة في بدنة أو بقرة في عمرة الحديبية، وفي الحج؛ لأن ذلك الاشتراك عند مالك في الأجر لا في الرقبة. وظاهر الأحاديث أنهم لم تجتمع فيهم الشروط المذكورة. والعلم عند الله تعالى.\nوما ذكرنا من التضحية بالشاة الواحدة عن المضحي وأهله. قال ابن قدامة في المغني: نص عليه أحمد، وبه قال مالك، والليث والأوزاعي، وإسحاق، وروي ذلك عن ابن عمر، وأبي هريرة، ثم قال: وكره ذلك الثوري، وأبو حنيفة؛ لأن الشاة لا تجزئ عن أكثر","vol":"5","page":696},{"text":"من واحد، فإذا اشترك فيها اثنان لم تجزئ عنهما كالأخبيين. اهـ منه. والحديث المتفق عليه المذكور حجة على من خالفه.\nالفرع السابع: اعلم أنا قدمنا وقت الأضحية والهدي وأقوال أهل العلم في ذلك بما أغنى عن إعادته هنا. وقد قدمنا حديث أم سلمة، عند مسلم المقتضي أن من أراد أن يضحي لا ينبغي له أن يحلق شيئًا من شعره، ولا أن يقلم شيئًا من أظفاره في عشر ذي الحجة، حتى يضحي. وظاهر الحديث تحريم ذلك؛ لأن في لفظ الحديث عند مسلم، عن أم سلمة عنه  - ﷺ -  \"فلا يأخذن شعرًا، ولا يقلمن ظفرًا\" وفي لفظ له عنها عنه  - ﷺ -: \"فلا يمس من شعره وبشره شيئًا\" وفي الألفاظ المذكورة في الحديث الصحيح النهي عن حلق الشعر، وتقليم الأظفار في عشر ذي الحجة لمن أراد أن يضحي، والنهي يقتضي التحريم إلَّا لصارف عنه يجب الرجوع إليه، كما تقرر في الأصول. وقال الشافعية والمالكية، ومن وافقهم: إن الحلق وتقليم الأظفار مكروه كراهة تنزيه لا تحريم؛ لأن المضحي ليس بمحرم.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحريم أظهر لظاهر الحديث، ولأنه  - ﷺ -  يقول: \"وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" والتحريم المذكور لظاهر النص وجه للشافعية. قال النووي: حكاه أبو الحسن العبادي في كتابه الرقم، وحكاه الرافعي عنه لظاهر الحديث، وحكى الشيخ المواق في شرحه لخليل، عن أحمد، وإسحاق: تحريم الحلق، وتقليم الأظافر في عشر ذي الحجة لمريد التضحية. وقال ابن قدامة في المغني: قال بعض أصحابنا بالتحريم، وحكاه ابن المنذر عن أحمد، وإسحاق، وسعيد بن المسيب، وقال القاضي، وجماعة من","vol":"5","page":697},{"text":"أصحابنا: هو مكروه غير محرم، وبه قال مالك، والشافعي لقول عائشة: \"كنت أفتل قلائد هدي رسول الله  - ﷺ -  ثم يقلدها بيده\" ولا يحرم عليه شيء أحله الله له حتى ينحر الهدي متفق عليه، وقال أبو حنيفة: لا يكره ذلك؛ لأنه لا يحرم عليه الوطء واللباس، فلا يكره له حلق الشعر، وتقليم الأظفار، كما لو لم يرد أن يضحي. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوأظهر شيء في محل النزاع وأصرحه وأخصه فيه: حديث أم سلمة، وظاهره التحريم.\nوقال النووي في شرح المهذب: مذهبنا أن إزالة الشعر والظفر في العشر لمن أراد التضحية: مكروه كراهة تنزيه، حتى يضحي، وقال مالك، وأبو حنيفة: لا يكره، وقال سعيد بن المسيب، وأحمد، وربيعة، وإسحاق، وداود: يحرم، وعن مالك أنه يكره، وحكى عنه الدارمي يحرم في التطوع، ولا يحرم في الواجب، ثم ذكر الدليلين المذكورين للقولين.\nوقد ذكرنا آنفًا أن أخصهما في محل النزاع ظاهره التحريم، وهو حديث أم سلمة. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثامن: أجمع العلماء على إجزاء الذكر والأنثى. واختلفوا أيهما أفضل، وظاهر النصوص الصحيحة: أن ذكور الضأن خير من إناثها، لتضحيته بالكبش، دون النعجة، وبعضهم قال بأفضلية الذكور مطلقًا، وبعضهم قال بأفضلية الإِناث مطلقًا. ولم يقم دليل صحيح في غير ذكر الضأن فلا ينبغي أن يختلف في ذكر الضأن أنه أفضل من أنثاه.","vol":"5","page":698},{"text":"الفرع التاسع: اعلم أن منع ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث. منسوخ. فقد دلت الأحاديث الصحيحة على أنه  - ﷺ -  منع ادخار لحم الأضاحي بعد ثلاث، ومنع المضحي أن يأكل من أضحيته بعد ثلاث، ثم نسخ ذلك، وصار الأكل والادخار منها مباحًا مطلقًا. وسنذكر هنا إن شاء الله طرفًا من الأحاديث الصحيحة الدالة على المنع المذكور أولًا، وعلى نسخه وإباحة ذلك مطلقًا.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو عاصم، عن يزيد بن أبي عبيد، عن سلمة بن الأكوع ﵁، قال: قال النبي  - ﷺ -: \"من ضحى منكم فلا يصبحن بعد ثالثة وبقي في بيته منه شيء، فلما كان العام المقبل قالوا: يا رسول الله  - ﷺ -  نفعل كما فعلنا العام الماضي؟ قال: كلوا وأطعموا وادخروا، فإن ذلك العام كان بالناس جهد، فأردت أن تعينوا فيها\" وحديث سلمة بن الأكوع هذا. أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه قريبًا من لفظ البخاري.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عبد الجبار بن العلاء، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري، عن أبي عبيد قال: شهدت العيد مع علي بن أبي طالب ﵁، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة، وقال: \"إن رسول الله  - ﷺ -  نهانا أن نأكل من لحوم نسكنا بعد ثلاث\" وفي لفظ مسلم عن علي أنه قال: \"إنه  - ﷺ -  قد نهاكم أن تأكلوا لحوم نسككم فوق ثلاث ليال فلا تأكلوا\".\nوفي لفظ لمسلم عن ابن عمر ﵄ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا يأكل أحدكم من لحم أضحيته فوق ثلاثة أيام\" وفي لفظ له عنه \"أنه  - ﷺ -  نهى أن تؤكل لحوم الأضاحي بعد ثلاث\" ثم قال: قال","vol":"5","page":699},{"text":"سالم: فكان ابن عمر لا يأكل لحوم الأضاحي فوق ثلاث. وفي لفظ: بعد ثلاث.\nوفي لفظ لمسلم عن عبد الله بن واقد قال: \"نهى رسول الله  - ﷺ -  عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال عبد الله بن أبي بكر: فذكرت ذلك لعمرة فقالت: صدق، سمعت عائشة ﵂ تقول: دف أهل أبيات من أهل البادية صفرة الأضحى زمن رسول الله  - ﷺ -  فقال رسول الله  - ﷺ -: ادخروا ثلاثًا، ثم تصدقوا بما بقي فلما كان بعد ذلك قالوا: يا رسول الله  - ﷺ -  إن الناس يتخذون الأسقية من ضحاياهم، ويجملون منها الودك. فقال رسول الله  - ﷺ -: وما ذاك؟ قالوا: نهيت أن تؤكل لحوم الضحايا بعد ثلاث، فقال: إنما نهيتكم من أجل الدافة التي دفت، فكلوا وادخروا وتصدقوا\".\nوفي لفظ لمسلم عن جابر ﵁، عن النبي  - ﷺ -  \"أنه نهى عن أكل لحوم الضحايا بعد ثلاث ثم قال بعد: كلوا وتزودوا وادخروا\".\nوفي لفظ لمسلم عن عطاء، عن جابر أيضًا أنه قال: كنا لا نأكل من لحوم بدننا فوق ثلاث في منى فأرخص لنا رسول الله  - ﷺ -  فقال: \"كلوا وتزودوا\" قلت لعطاء: قال جابر: حتى جئنا المدينة؟ قال: نعم.\nوفي لفظ لمسلم عن جابر بن عبد الله ﵄، قال: كنا لا نمسك لحوم الأضاحي فوق ثلاث، فأمرنا رسول الله  - ﷺ -  أن نتزود منها ونأكل. يعني: فوق ثلاث. وفي لفظ له عنه: كنا نتزودها إلى المدينة على عهد رسول الله  - ﷺ - .","vol":"5","page":700},{"text":"وفي لفظ لمسلم عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"يا أهل المدينة لا تأكلوا لحوم الأضاحي فوق ثلاث\" وقال ابن المثنى: ثلاثة أيام، فشكوا إلى رسول الله  - ﷺ -  أن لهم عيالًا وحشمًا وخدمًا فقال: \"كلوا وأطعموا واحبسوا وادخروا\" قال ابن المثنى: شك عبد الأعلى.\nوفي لفظ لمسلم عن ثوبان ﵁ قال: \"ذبح رسول الله  - ﷺ -  ضحية ثم قال: يا ثوبان أصلح لهم هذه، فلم أزل أطعمه منها حتى قدم المدينة\".\nوفي بعض ألفاظ حديث ثوبان هذا عند مسلم أن ذلك في حجة الوداع.\nوفي لفظ لمسلم، عن عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها، ونهيتكم عن لحوم الأضاحي فوق ثلاث فأمسكوا ما بدا لكم، ونهيتكم عن النبيذ إلَّا في سقاء فاشربوا في الأسقية كلها ولا تشربوا مسكرًا\". اهـ منه.\nفكل هذه الألفاظ الثابتة بالأسانيد الصحيحة في مسلم، وبعضها في البخاري فيها الدلالة الصحيحة الصريحة: أن تحريم الادخار، والأكل من لحوم الأضاحي فوق ثلاث: أنه منسوخ، وأن ذلك جائز مطلقًا، وفي بعض الروايات: تعليل ذلك النهي الموقت بمجيء بعض الفقراء من البادية، وهم المعبر عنهم في الحديث بالدافة.\nقال ابن الأثير في النهاية: الدافة القوم يسيرون جماعة سيرًا ليس بالشديد. يقال لهم: يدفون دفيفًا، والدافة قوم من الأعراب يردون المصر. يريد أنهم قدموا المدينة عند الأضحى، فنهاهم عن","vol":"5","page":701},{"text":"ادخار لحوم الأضاحي، ليفرقوها ويتصدقوا بها، فينتفع أولئك القادمون بها. انتهى من النهاية.\nتنبيه\nفي هذا الحديث دليل لمن قال من أهل الأصول باشتراط انعكاس العلة في صحتها؛ لأن علة تحريم ادخار لحوم الأضاحي فوق ثلاث: هي وجود دافة فقراء البادية الذين دفوا عليهم. ولما زالت هذه العلة زال الحكم معها، ودوران الحكم مع علته في العدم، هو المعروف في الاصطلاح بانعكاسها. والمقرر في الأصول: أن محل القدح في العلة بعدم انعكاسها فيما إذا كانت علة الحكم واحدة، لا إن كانت له علل متعددة، فلا يقدح في واحدة منها بعدم العكس؛ لأنه إذا انعدمت واحدة منها ثبت الحكم بالعلة الأخرى، كالبول، والغائط، لنقض الوضوء مثلًا، فإن البول يكون معدومًا، وعلة النقض ثابتة بخروج الغائط، وهكذا. وكذلك مع كونها علة واحدة لا بد أيضًا في القدح فيها بعدم العكس من عدم ورود دليل ببقاء الحكم مع ذهاب العلة، فإن دل دليل على بقاء الحكم، مع انتفاء العلة، فلا يقدح فيها بعدم العكس، كالرمل في الأشواط الأول من الطواف، فإن علته هي أن يعلم المشركون: أن الصحابة أقوياء ولم تضعفهم حمى يثرب، وهذه العلة قد زالت مع أن حكمها وهو الرمل في الأشواط المذكورة باق؛ لوجود الدليل على بقائه؛ لأنه  - ﷺ -  رمل في حجة الوداع، والعلة المذكورة معدومة قطعًا زمن حجة الوداع كما قدمنا إيضاحه. وإلى هذه المسألة أشار صاحب مراقي السعود في مبحث القوادح بقوله:\nوعدم العكس مع اتحاد ... يقدح دون النص بالتمادي","vol":"5","page":702},{"text":"الفرع العاشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: هو نسخ الأمر بالفرع والعتيرة. ونقل النووي في شرحه لمسلم عن عياض: أن جماهير العلماء على نسخ الأمر بالفرع، والعتيرة. وذكر النووي أيضًا في شرحه لمسلم: أن الصحيح عند علماء الشافعية: استحباب الفرع والعتيرة قال: وهو نص الشافعي.\nوالدليل عندنا على أن الأظهر هو نسخهما: هو ثبوت ما يدل على ذلك عن النبي  - ﷺ - .\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، وأبو بكر بن أبي شيبة، وعمرو الناقد، وزهير بن حرب. قال يحيى: أخبرنا. وقال الآخرون: حدثنا سفيان بن عيينة، عن الزهري، عن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي  - ﷺ -  (ح) وحدثني محمد بن رافع وعبد بن حميد قال عبد: أخبرنا. وقال ابن رافع: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا معمر، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا فرع ولا عتيرة\". زاد ابن رافع في روايته: والفرع: أول النتاج، كان ينتج لهم فيذبحونه. اهـ من صحيح مسلم. وهذا الإِسناد في غاية الصحة من طريقيه كما ترى. وفيه: تصريح النبي  - ﷺ -  بأنه لا فرع ولا عتيرة. والفرع بالفاء والراء المفتوحتين بعدهما عين مهملة، جاء تفسيره عن ابن رافع كما ذكره عنه مسلم فيما رأيت.\nوقال النووي: قال الشافعي وأصحابه وآخرون: الفرع: هو أول نتاج البهيمة، كانوا يذبحونه، ولا يملكونه رجاء البركة في الأم، وكثرة نسلها. وهكذا فسره كثيرون من أهل اللغة وغيرهم. وقال كثيرون منهم: هو أول النتاج، كانوا يذبحونه لآلهتهم: وهي","vol":"5","page":703},{"text":"طواغيتهم. وكذا جاء هذا التفسير في صحيح البخاري، وسنن أبي داود. وقيل: هو أول النتاج لمن بلغت إبله مائة يذبحونه. وقال شمر: قال أبو مالك: كان الرجل إذا بلغت إبله مائة قدم بكرًا فنحره لصنمه، ويسمونه الفرع. اهـ محل الغرض منه.\nوأما العتيرة بعين مهملة مفتوحة، ثم تاء مثناة من فوق فهي ذبيحة كانوا يذبحونها في العشر الأول من رجب، ويسمونها الرجبية أيضًا. وحديث مسلم هذا الذي ذكرنا صريح في نسخ الأمر بها، لأن قوله: \"لا فرع ولا عتيرة\" نفي أريد به النهي فيما يظهر، كقوله: ﴿فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ﴾ أي: لا ترفثوا ولا تفسقوا. وعليه فيكون المعنى: لا تعملوا عمل الجاهلية في ذبح الفرع والعتيرة. ولو قدرنا أن الصيغة نافية، فالظاهر أن المعنى: لا فرع ولا عتيرة مطلوبان شرعًا. ونسخهما هو الأظهر عندنا، للحديث الصحيح كما رأيت. ومن زعم بقاء مشروعيتهما، واستحبابهما فقد استدل ببعض الأحاديث على ذلك، وسنذكر حاصلها بواسطة نقل النووي، لأنه جمعها في محل واحد، فقال: منها حديث نبيشة ﵁ قال: نادى رجل رسول الله  - ﷺ -  فقال: إنا كنا نعتر عتيرة في الجاهلية في رجب، فقال: \"اذبحوا للَّه في أي شهر كان، وبروا للَّه وأطعموا\" قال: إنا كنا نفرع فرعًا في الجاهلية، فما تأمرنا؟ فقال: \"في كل سائمة فرع تغذوه ماشيتك حتى إذا استحمل ذبحته فتصدقت بلحمه\" رواه أبو داود، وغيره بأسانيد صحيحة. وقال ابن المنذر: هو حديث صحيح. قال أبو قلابة، أحد رواة هذا الحديث: السائمة مائة. ورواه البيهقي بإسناده الصحيح عن عائشة ﵂ قالت: أمرنا رسول الله  - ﷺ -  بالفرعة من كل خمسين","vol":"5","page":704},{"text":"واحدة. وفي رواية: من كل خمسين شاة شاة. قال ابن المنذر: حديث عائشة صحيح.\nوفي سنن أبي داود عن عمرو بن شعيب عن أبيه قال الراوي: أراه عن جده. قال: سئل النبي  - ﷺ -  عن الفرع فقال: \"الفرع حق وإن تركوه حتى يكون بكرًا أو ابن مخاض أو ابن لبون فتعطيه أرملة أو تحمل عليه في سبيل الله خير من أن تذبحه فيلزق لحمه بوبره وتكفأ إناؤك وتوله ناقتك\" قال أبو عبيد في تفسير هذا الحديث: قال النبي  - ﷺ -: \"الفرع حق\" ولكنهم كانوا يذبحونه حين يولد ولا شبع فيه. ولذا قال: \"تذبحه فيلزق لحمه بوبره\" وفيه أن ذهاب ولدها يدفع لبنها، ولهذا قال: \"خير من أن تكفأ\" يعني. أنك إذا فعلت ذلك، فكأنك كفأت إناءك وأرقته. وأشار به إلى ذهاب اللبن، وفيه: أنه يفجعها بولدها ولهذا قال: \"وتوله ناقتك\" فأشار بتركه، حتى يكون ابن مخاض، وهو ابن سنة، ثم يذهب وقد طاب لحمه، واستمتع بلبن أمه، ولا تشق عليها مفارقته، لأنه استغنى عنها. هذا كلام أبي عبيد.\nوروى البيهقي بإسناده عن الحارث بن عمر قال: أتيت النبي  - ﷺ -  بعرفات، أو قال: بمنى، وسأله رجل عن العتيرة؟ فقال: \"من شاء عتر ومن شاء لم يعتر، ومن شاء فرع ومن شاء لم يفرع\" وعن أبي رزين قال: يا رسول الله  - ﷺ -  إنا كنا نذبح في الجاهلية ذبائح في رجب، فنأكل منها، ونطعم فقال رسول الله  - ﷺ -: \"لا بأس بذلك\". وعن أبي رملة، عن مخنف بن سليم قال: كنا وقوفًا مع رسول الله  - ﷺ -  بعرفات فسمعته يقول: \"يا أيها الناس إن على أهل كل بيت في كل عام أضحية وعتيرة هل تدري ما العتيرة؟ هي: التي تسمى","vol":"5","page":705},{"text":"الرجبية\" رواه أبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم. قال الترمذي: حديث حسن.\nوقال الخطابي: هذا الحديث ضعيف المخرج؛ لأن أبا رملة مجهول. هذا مختصر ما جاء من الأحاديث في الفرع والعتيرة. اهـ كلام النووي.\nوقد قدمنا الكلام مستوفى على حديث مخنف بن سليم المقتضى أن على كل أهل بيت في كل عام أضحية وعتيرة. وقد علمت حجج الفريقين في الفرع والعتيرة.\nوقد قدمنا أن الأظهر عندنا فيهما النسخ، ويترجح ذلك بأمور:\nمنها: أن حديث مسلم المصرح بذلك أصح من جميع الأحاديث المذكورة في الباب.\nومنها: أن أكثر أهل العلم على النسخ في ذلك، كما ذكره النووي عن عياض.\nومنها: أن ذلك كان من فعل الجاهلية، وكانوا يتقربون بها لطواغيتهما، وللمخالف أن يقول في هذا الأخير: إن المسلمين يتقربون بهما للَّه ويتصدقون بلحومهما. ولم نستقص أقوال أهل العلم في المسألة لقصد الاختصار، لطول الكلام في موضوع آيات الحج هذه.\nالفرع الحادي عشر: اعلم أن المعيبة لا تجوز التضحية بها، ولا تجزئ. والأصل في ذلك ما رواه الإِمام أحمد، وأصحاب السنن وابن حبان والبيهقي، والحاكم عن البراء بن عازب ﵁، وصححه الترمذي. وقال النووي: في حديث البراء: صحيح رواه","vol":"5","page":706},{"text":"أبو داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجه وغيرهم، بأسانيد حسنة قال أحمد بن حنبل: ما أحسنه من حديث. وقال الترمذي: حديث حسن صحيح. قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"أربع لا تجزئ في الأضاحي: العوراء البين عورها، والمريضة البين مرضها، والعرجاء البين ضلعها، والعجفاء التي لا تنقي\" وفي رواية \"والكسير التي لا تنقي\" والتي لا تنقى هي التي لا مخ فيها؛ لأن النِّقْي بكسر النون المشددة وسكون القاف المخ. فقول العرب: أنقت تنقي إنقاء: إذا كان لها مخ ومنه قول كعب بن سعد الغنوي يرثي أخاه:\nيبيت الندى يا أم عمرو ضجيعه ... إذا لم يكن في المنقيات حلوب\nوقول الآخر:\nولا يسرق الكلب السرو نعالنا ... ولا ينتقي المخ الذي في الجماجم\nوقال ابن الأثير في النهاية: الكسير: التي لا تنقى، أي: التي لا مخ فيها\" لضعفها وهزالها. وقوله في الحديث: البين ضلعها، أي: عرجها كما هو واضح. والضلع بفتح الضاد، واللام، وقد جاء في الحديث عن عليّ ﵁ قال: \"أمرنا رسول الله  - ﷺ -  أن نستشرف العين والأذن، ولا نضحي بمقابلة، ولا مدابرة، ولا شرقاء ولا خرقاء\" قال المجد في المنتقى: ورواه الخمسة، وصححه الترمذي. ومراده بالخمسة الإِمام أحمد، وأصحاب السنن الأربعة. وقال الشوكاني في نيل الأوطار في حديث علي المذكور: أخرجه أيضًا البزار، وابن حبان، والحاكم، والبيهقي. وأعله الدارقطني. والمقابلة والمدابرة: كلتاهما بفتح الباء بصيغة اسم المفعول. والمقابلة: هي التي قطع شيء من مقدم أذنها ولم ينفصل، بل بقي لاصقًا بالأذن متدليًا، والمدابرة: هي التي قطع شيء من مؤخر أذنها","vol":"5","page":707},{"text":"على نحو ما ذكرنا فيما قبلها. والخرقاء: التي في أذنها خرق مستدير. والشرقاء: مشقوق الأذن. اهـ. وضابط ما يمنع الإِجزاء هو ما ينقص اللحم.\nوقال النووي في شرح المهذب: أجمعوا على أن العمياء لا تجزئ، وكذلك العوراء البين عورها، والعرجاء البين عرجها، والمريضة البين مرضها، والعجفاء.\nواختلفوا في ذاهبة القرن ومكسورته فمذهبنا: أنها تجزئ. قال مالك: إن كانت مكسورة القرن، وهو يدمي لم تجزه، وإلَّا فتجزئه. وقال أحمد: إن ذهب أكثر من نصف قرنها لم تجزه، سواء دميت أم لا، وإن كان دون النصف أجزأته. وأما مقطوعة الأذن، فمذهبنا: أنها لا تجزئ، سواء قطع كلها أو بعضها. وبه قال مالك، وداود. وقال أحمد: إن قطع أكثر من النصف لم تجزه، وإلَّا فتجزئه. وقال أبو حنيفة: إن قطع أكثر من الثلث لم تجزه. وقال أبو يوسف، ومحمد: إن بقي أكثر من نصف أذنها أجزأت. وأما مقطوعة بعض الألية فلا تجزئ عندنا. وبه قال مالك وأحمد. وقال أبو حنيفة في رواية: إن بقي الثلث أجزأت، وفي رواية: إن بقي أكثرها أجزأت. وقال داود: تجزئ بكل حال. انتهى محل الغرض من كلام النووي.\nومعلوم أن هناك روايات أخر لم يذكرها عن الأئمة الذين نقل عنهم، ولم نستقص هنا أقوال أهل العلم؛ لأن باب الأضحية جاء في هذا الكتاب استطرادًا، مع أن الكلام في آيات الحج طال كثيرًا، ولذلك اكتفينا هنا بهذه الجمل التي ذكرنا من أحكام الأضاحي.","vol":"5","page":708},{"text":"مسألة\nاعلم أنه لما كانت العمرة قرينة الحج في آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ أردنا أن نذكر هنا حكم العمرة على سبيل الاختصار استطرادًا. والعمرة في اللغة الزيارة، ومنه قول الراجز:\nلقد سما ابن معمر حين اعتمر ... مغزى بعيدًا من بعيد وضبر\nوهي في الشرع: زيارة بيت الله للنسك المعروف المتركب من إحرام، وطواف، وسعي، وحلق، أو تقصير.\nواعلم: أن العلماء أجمعوا على أن من أحرم بالعمرة وجب عليه إتمامها، ولا يجوز له قطعها، وعدم إتمامها: لقوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾.\nأما حكم استئناف فعلها فقد اختلف فيه أهل العلم، فذهب بعضهم إلى أنها واجبة في العمر كالحج، وذهب بعضهم: إلى أنها غير واجبة أصلًا، ولكنها سنة في العمر مرة واحدة، وممن قال بأنها فرض في العمر مرة: الشافعي في الصحيح من مذهبه.\nقال النووي: وبه قال عمر، وابن عباس، وابن عمر، وجابر، وطاوس، وعطاء، وابن المسيب، وسعيد بن جبير، والحسن البصري، وابن سيرين، والشعبي، ومسروق، وأبو بردة بن أبي موسى الحضرمي، وعبد الله بن شداد، والثوري، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد، وداود.\nوممن قال بأنها سنة في العمر ليست بواجبة: مالك وأصحابه،","vol":"5","page":709},{"text":"وأبو حنيفة، وأبو ثور، وحكاه ابن المنذر وغيره عن النخعي. قاله النووي.\nوقال ابن قدامة في المغني: وتجب العمرة على من يجب عليه الحج في إحدى الروايتين. وروي ذلك عن عمر، وابن عباس، وزيد بن ثابت، وابن عمر، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير، وعطاء، وطاوس، ومجاهد، والحسن، وابن سيرين، والشعبي. وبه قال الثوري، وإسحاق، والشافعي في أحد قوليه. والرواية الثانية ليست بواجبة، وروي ذلك عن ابن مسعود وبه قال مالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. اهـ محل الغرض منه.\nوإذا علمت أقوال العلماء في العمرة: هل هي فرض في العمر، أو سنة؟ فدونك أدلتهم، ومناقشتها باختصار مع بيان ما يظهر رجحانه منها.\nأما الذين قالوا: العمرة فرض في العمر، فقد احتجوا بأحاديث:\nمنها: حديث أبي رزين العقيلي. وقد قدمنا الكلام عليه مستوفى، وهو أنه \"أتى النبي  - ﷺ -  فقال: إن أبي شيخ كبير، لا يستطيع الحج، ولا العمرة ولا الظعن، فقال: حج عن أبيك واعتمر\" رواه أحمد، وأصحاب السنن، وصححه الترمذي. ومحل الدليل منه قوله: \"واعتمر\"، لأنه صيغة أمر بالعمرة، مقرونة بالأمر بالحج، فأفادت صيغة الأمر الوجوب، كما أوضحنا توجيه ذلك مرارًا في هذا الكتاب المبارك. وذكر غير واحد عن الإِمام أحمد ﵀ أنه قال: لا أعلم في إيجاب العمرة حديثًا أجود من هذا ولا أصح.\nومن أدلتهم على وجوبها قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾","vol":"5","page":710},{"text":"الآية، بناء على أن المراد بإتمامها في الآية ابتداء فعلها على الوجه الأكمل، لا إتمامها بعد الشروع. وقد قدمنا الكلام في الآية بما أغنى عن إعادته هنا. وأن الظاهر أن المتبادر منها: وجوب الإِتمام بعد الشروع من غير تعرض إلى حكم ابتداء فعلها.\nومن أدلتهم على وجوبها: ما رواه الدارقطني من حديث زيد بن ثابت \"الحج والعمرة فريضتان لا يضرك أيهما بدأت\". اهـ.\nومن أدلتهم على وجوب العمرة: ما جاء في بعض روايات حديث سؤال جبريل. \"وأن تحج وتعتمر\" أخرجه ابن خزيمة، وابن حبان، والدارقطني، وغيرهم. ورواه المجد في المنتقى بلفظ فقال: \"يا محمد ما الإِسلام؟ قال: الإِسلام أن تشهد أن لَا إلهَ إلَّا الله وأن محمدًا رسول الله  - ﷺ -، وأن تقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتحج البيت وتعتمر، وتغتسل من الجنابة، وتتم الوضوء، وتصوم رمضان\" الحديث. وأنه قال: \"هذا جبريل أتاكم يعلمكم دينكم\" ثم قال المجد: رواه الدارقطني وقال: هذا إسناد ثابت صحيح. ورواه أبو بكر الجوزقي في كتابه المخرج على الصحيحين.\nومن أدلتهم على وجوبها: ما أخرجه الإِمام أحمد، وابن ماجه عن عائشة ﵂ قالت: قلت: يا رسول الله  - ﷺ -  هل على النساء من جهاد؟ قال: \"نعم عليهن جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة\". اهـ. قال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وابن ماجه، وإسناده صحيح.\nومن أجوبة المخالفين عن هذه الأدلة الدالة على وجوب العمرة أن الحديث الذي قال أحمد: لا أعلم حديثًا أجود في إيجاب العمرة منه، وهو حديث أبي رزين العقيلي الذي فيه: \"حج عن أبيك","vol":"5","page":711},{"text":"واعتمر\" أن صيغة الأمر في قوله: \"واعتمر\" واردة بعد سؤال أبي رزين، وقد قرر جماعة من أهل الأصول أن صيغة الأمر الواردة بعد المنع أو السؤال: إنما تقتضي الجواز، لا الوجوب، لأن وقوعها في جواب السؤال عن الجواز دليل صارف عن الوجوب، إلى الجواز. والخلاف في هذه المسألة معروف.\nوقد قدمنا الكلام عليه في آيات الحج هذه.\nوأجابوا عن آية ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ﴾ بأن المراد بها: الإِتمام بعد الشروع كما تقدم إيضاحه.\nوأجابوا عن حديث \"الحج والعمرة فريضتان\" الحديث. بأن في إسناده إسماعيل بن مسلم المكي، وهو ضعيف لا يحتج به.\nوقال ابن حجر في التلخيص: ثم هو عن ابن سيرين، عن زيد، وهو منقطع، ورواه البيهقي موقوفًا على زيد من طريق ابن سيرين، وإسناده أصح. وصححه الحاكم، ورواه ابن عدي والبيهقي من حديث ابن لهيعة، عن عطاء، عن جابر، وابن لهيعة ضعيف. وقال ابن عدي: هو غير محفوظ عن عطاء. انتهى محل الغرض منه. وبه تعلم أن حديث زيد بن ثابت المذكور ليس بصالح للاحتجاج.\nوأجابوا عما جاء في حديث جبريل عن عمر مرفوعًا بلفظ \"وأن تحج وتعتمر\" بجوابين.\nأحدهما: أن الروايات الثابتة في صحيح مسلم، وغيره وليس فيها ذكر العمرة وهي أصح. وقد يجاب عن هذا بأن زيادة العدول مقبولة.\nوالجواب الثاني: هو ما ذكر الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في شرحه للحديث المذكور، ونص كلامه:","vol":"5","page":712},{"text":"فإن قيل: إن وقوع العمرة في جواب من سأل عن الإِسلام يدل على الوجوب. فيقال: ليس كل أمر من الإِسلام واجبًا. والدليل على ذلك: حديث شعب الإِسلام، والإِيمان، فإنه اشتمل على أمور ليست بواجبة بالإِجماع. اهـ منه وله وجه من النظر.\nوأجابوا عن حديث عائشة: بأن قوله  - ﷺ -: \"عليهن جهاد لا قتال فيه الحج والعمرة\" بأن لفظة عليهن، ليست صريحة في الوجوب، فقد تطلق على ما هو سنة مؤكدة، وإذا كان محتملًا لإرادة الوجوب والسنَّة المؤكدة لزم طلب الدليل بأمر خارج. وقد دل دليل خارج على وجوب الحج، ولم يدل دليل خارج يجب الرجوع إليه على وجوب العمرة.\nهذا هو حاصل أدلة القائلين بوجوب العمرة مرة في العمر ومناقشة مخالفيهم لهم.\nأما القائلون بأن العمرة سنَّة لا فرض، فقد احتجوا أيضًا بأدلة:\nمنها: ما رواه الإِمام أحمد، والترمذي وصححه، والبيهقي، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، عن جابر ﵁ أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله  - ﷺ -  فقال: يا رسول الله أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ فقال: \"لا، وأن تعتمر خير لك\" وفي رواية: \"أولى لك\".\nوقال صاحب نيل الأوطار: وقد رواه البيهقي من حديث سعيد بن عفير، عن يحيى بن أيوب، عن عبيد الله، عن جابر بنحوه. ورواه ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن جابر.\nوقال ابن حجر في التلخيص: وفي الباب عن أبي صالح، عن أبي هريرة. رواه الدارقطني، وابن حزم والبيهقي. وإسناده ضعيف.","vol":"5","page":713},{"text":"وأبو صالح ليس هو ذكوان السمان، بل هو أبو صالح ماهان الحنفي، كذلك رواه الشافعي، عن سعيد بن سالم، عن الثوري، عن معاوية بن إسحاق، عن أبي صالح الحنفي، أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"الحج جهاد والعمرة تطوع\" ورواه ابن ماجه من حديث طلحة، وإسناده ضعيف. والبيهقي من حديث ابن عباس ولا يصح من ذلك شيء.\nواستدل بعضهم بما رواه الطبراني من طريق يحيى بن الحارث عن القاسم، عن أبي أمامة مرفوعًا: \"من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة تطوع فأجره كعمرة\".\nهذا هو حاصل أدلة من قالوا: بأن العمرة غير واجبة.\nوأجاب مخالفوهم عن أدلتهم، قالوا: أما حديث سؤال الأعرابي النبي  - ﷺ -  عن وجوب العمرة، وأنه أجابه بأنها غير واجبة، وأنه إن اعتمر تطوعًا، فهو خير له بأنه حديث ضعيف، وتصحيح الترمذي له مردود. ووجه ذلك أن في إسناده: الحجاج بن أرطاة، وأكثر أهل الحديث على تضعيف الحجاج المذكور كما قدمناه مرارًا.\nوقال ابن حجر في التلخيص: وفي تصحيحه نظر كثير من أجل الحجاج، فإن الأكثر على تضعيفه، والاتفاق على أنه مدلس.\nوقال النووي: ينبغي ألا يغتر بكلام الترمذي في تصحيحه، فإنه اتفق الحفاظ على تضعيفه. وقد نقل الترمذي، عن الشافعي أنه قال: ليس في العمرة شيء ثابت أنها تطوع. وأفرط ابن حزم فقال: إنه مكذوب باطل. اهـ محل الغرض من كلام ابن حجر. ثم قال بعد هذا في الحديث المذكور: أنه موقوف على جابر، وقال: كذلك رواه ابن جريج، عن ابن المنكدر، عن جابر. اهـ منه.","vol":"5","page":714},{"text":"هذا هو حاصل حجج من قالوا: إن العمرة سنة لا واجبة.\nوقال الشوكاني: في نيل الأوطار  - بعد أن ساق الأحاديث، التي ذكرنا في عدم وجوب العمرة ما نصه -: قال الحافظ: ولا يصح من ذلك شيء، وبهذا تعرف أن الحديث من قسم الحسن لغيره، وهو محتج به عند الجمهور. ويؤيده ما عند الطبراني عن أبي أمامة مرفوعًا \"من مشى إلى صلاة مكتوبة فأجره كحجة، ومن مشى إلى صلاة غير مكتوبة، فأجره كعمرة\" إلى أن قال: والحق عدم وجوب العمرة؛ لأن البراءة الأصلية لا ينتقل عنها إلَّا بدليل يثبت به التكليف، ولا دليل يصلح لذلك، لا سيما مع اعتضاده بما تقدم من الأحاديث القاضية بعدم الوجوب، ويؤيد ذلك اقتصاره  - ﷺ -  على الحج في حديث \"بني الإسلام على خمس\" واقتصار الله ﷻ على الحج في قوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾. انتهى محل الغرض منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن ما احتج به كل واحد من الفريقين لا يقل عن درجة الحسن لغيره، فيجب الترجيح بينهما. وقد رأيت الشوكانى رجح عدم الوجوب بموافقته للبراءة الأصلية. والذي يظهر بمقتضى الصناعة الأصولية ترجيح أدلة الوجوب على أدلة عدم الوجوب، وذلك من ثلاثة أوجه.\nالأول: أن أكثر أهل الأصول يرجحون الخبر الناقل عن الأصل على الخبر المبقي على البراءة الأصلية، وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في مبحث الترجيح باعتبار المدلول:\nوناقل ومثبت والآمر ... بعد النواهي ثم هذا الآخر\nعلى إباحة. . . . . ... . . . . . . . . . . . . . إلخ","vol":"5","page":715},{"text":"لأن معنى قوله: \"وناقل\" أن الخبر الناقل عن البراءة الأصلية مقدم على الخبر المبقي عليها. وعزاه في شرحه المسمى نشر البنود للجمهور، وهو المشهور عند أهل الأصول.\nالثاني: أن جماعة من أهل الأصول رجحوا الخبر الدال على الوجوب على الخبر الدال على عدمه. ووجه ذلك: هو الاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود المذكور آنفًا:\n. . . . . . . . . ... . . . . . . ثم هذا الآخر\nعلى إباحة. . . . . ... . . . . . . . . . . . إلخ\nلأن مراده بالآخر المقدم على الإِباحة: هو الخبر الدال على الأمر، فالأول الدال على النهي؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح، ثم الدال على الأمر للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب، ثم الدال على الإِباحة ويشمل غير الواجب، فيدخل فيه المسنون والمندوب، لاشتراك الجميع في عدم العقاب على ترك الفعل.\nالثالث: أنك إن عملت بقول من أوجبها فأديتها على سبيل الوجوب برئت ذمتك بإجماع أهل العلم من المطالبة بها، ولو مشيت على أنها غير واجبة فلم تؤدها على سبيل الوجوب بقيت مطالبًا بواجب على قول جمع كثير من العلماء. والنبي  - ﷺ -  يقول: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\" ويقول: \"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\" وهذا المرجع راجع في الحقيقة لما قبله. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":716},{"text":"فروع تتعلق بهذه المسألة\nاعلم: أنه لا خلاف بين أهل العلم في أن جميع السَّنة وقت للعمرة إلَّا أيام التشريق. فلا تنبغي العمرة فيها حتى تغرب شمس اليوم الرابع عشر (^١)، على ما قاله جمع من أهل العلم.\nالفرع الثاني: اعلم أنه قد صح عن النبي  - ﷺ -: أن عمرة في رمضان تعدل حجة. وفي بعض روايات الحديث في الصحيح \"حجة معي\".\nالفرع الثالث: اعلم أن التحقيق أن النبي  - ﷺ -  لم يعتمر في رجب بعد الهجرة قطعًا، وأنه لم يعتمر بعد الهجرة إلَّا أربع عمر:\nالأولى: عمرة الحديبية في ذي القعدة، من عام ست، وصده المشركون، وأحل ونحر من غير طواف ولا سعي، كما هو معلوم.\nالثانية: عمرة القضاء في ذي القعدة، عام سبع، وهي التي وقع عليها صلح الحديبية. وقد قدمنا في سورة البقرة وجه تسميتها عمرة القضاء وأوضحناها.\nالثالثة: عمرة الجعرانة في ذي القعدة من عام ثمان، بعد فتح مكة في رمضان عام ثمان.\nالرابعة: العمرة التي قرنها، مع حجة الوداع. هذا هو التحقيق.\nوقد قدمنا الإِشارة إليه. ولنكتف هنا بما ذكرنا من أحكام العمرة؛ لأن غالب أحكامها ذكرناه في أثناء كلامنا على مسائل الحج، والعلم عند الله تعالى.\n_________\n(^١) كذا في الأصل، ولعله سبق قلم، وصوابه: شمس اليوم الثالث عشر.","vol":"5","page":717},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1074> قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾</span>.\nصيغة الأمر في هذه الآية الكريمة تدل على وجوب الإِيفاء بالنذر، كما قدمنا مرارًا أن صيغة الأمر تقتضي الوجوب، على الأصح إلَّا لدليل صارف عنه.\nومما يدل من القرآن على لزوم الإِيفاء بالنذر أنه تعالى أشار إلى أنه هو، والخوف من أهوال يوم القيامة من أسباب الشرب من الكأس الممزوجة بالكافور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾ ثم أشار إلى بعض أسباب ذلك فقال: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ فالوفاء بالنذر ممدوح على كل حال، وإن كانت آية الإِنسان ليست صريحة في وجوبه، وكذلك قوله في سورة البقرة: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ الآية. وقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان بالقرآن إن لم يكن وافيًا بالمقصود أتممناه بالبيان بالسنَّة. ولذلك سنبين هنا ما تقتضيه السنَّة من النذر الذي يجب الإِيفاء به، والذي لا يجب الإِيفاء به.\nاعلم أولًا: أن الأمر المنذور له في الجملة حالتان:\nالأولى: أن يكون فيه طاعة للَّه.\nوالثانية: ألا يكون فيه طاعة للَّه، وهذا الأخير منقسم إلى قسمين:\nأحدهما: ما هو معصية للَّه.\nوالثاني: ما ليس فيه معصية في ذاته، ولكنه ليس من جنس الطاعة، كالمباح الذي لم يؤمر به.","vol":"5","page":718},{"text":"والذي يجب اعتماده بالدليل في الأقسام الثلاثة المذكورة: أن المنذور إن كان طاعة للَّه، وجب الإِيفاء به، سواء كان في ندب كالذي ينذر صدقة بدراهم على الفقراء، أو ينذر ذبح هدي تطوعًا أو صوم أيام تطوعًا، ونحو ذلك، فإن هذا ونحوه يجب بالنذر، ويلزم الوفاء به. وكذلك الواجب إن تعلق النذر بوصف، كالذي ينذر أن يؤدي الصلاة في أول وقتها، فإنه يجب عليه الإِيفاء بذلك.\nأما لو نذر الواجب كالصلوات الخمس، وصوم رمضان، فلا أثر لنذره، لأن إيجاب الله لذلك أعظم من إيجابه بالنذر.\nوإن كان المنذور معصية للَّه، فلا يجوز الوفاء به، وإن كان جائزًا لا نهي فيه ولا أمر، فلا يلزم الوفاء به.\nأما الدليل على وجوب الإِيفاء في نذر الطاعة وعلى منعه في نذر المعصية فهو: أن النبي - ﷺ - ثبت عنه ذلك.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا مالك، عن طلحة بن عبد الملك، عن القاسم، عن عائشة ﵂، عن النبي - ﷺ - قال: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه\". اهـ. وهو ظاهر في وجوب الإِيفاء بنذر الطاعة، ومنع الإِيفاء بنذر المعصية.\nوقال البخاري أيضًا: حدثنا أبو عاصم، عن مالك، عن طلحة بن عبد الملك، إلى آخر الإِسناد والمتن المذكورين آنفًا.\nوإذا علمت أن هذا الحديث الصحيح، قد دل على لزوم الإِيفاء بنذر الطاعة، ومنعه في نذر المعصية.\nفاعلم أن الدليل على عدم الإِيفاء بنذر الأمر الجائز: هو أنه ثبت أيضًا عن النبي - ﷺ -.","vol":"5","page":719},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس قال \"بينا النبي  - ﷺ -  يخطب إذ هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم، ولا يقعد، ولا يستظل، ولا يتكلم، ويصوم. فقال النبي  - ﷺ -: مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه\". اهـ محل الغرض من صحيح البخاري. وفيه التصريح بأن ما كان من نذره من جنس الطاعة، وهو الصوم أمره  - ﷺ -  بإتمامه، وفاء بنذره، وما كان من نذره مباحًا لا طاعة، كترك الكلام، وترك القعود، وترك الاستظلال، أمره بعدم الوفاء به. وهو صريح في أنه لا يجب الوفاء به.\nواعلم أنا لم نذكر أقوال أهل العلم هنا للاختصار، ولوجود الدليل الصحيح من السنَّة على ما ذكرنا.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أنه لا نذر لشخص في التقرب بشيء لا يملكه، وقد ثبت ذلك عن النبي  - ﷺ - .\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وعلي بن حجر السعدي، واللفظ لزهير قالا: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم، حدثنا أيوب، عن أبي قلابة، عن أبي المهلب، عن عمران بن حصين ﵄ قال: كانت ثقيف حلفاء لبني عقيل، فأسرت ثقيف رجلين من أصحاب رسول الله  - ﷺ - . الحديث بطوله. وفيه ما نصه: وأسرت امرأة من الأنصار، وأصيبت العضباء فكانت المرأة في الوثاق، وكان القوم","vol":"5","page":720},{"text":"يريحون نعمهم بين يدي بيوتهم، فانفلتت ذات ليلة من الوثاق، فأتت الإِبل، فجعلت إذا دنت من البعير رغا فتتركه حتى تنتهي إلى العضباء، فلم ترغ قال: وناقة منوقة فقعدت في عجزها، ثم زجرتها فانطلقت ونذروا بها فطلبوها، فأعجزتهم قال: ونذرت للَّه إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فلما قدمت المدينة، رآها الناس فقالوا: العضباء ناقة رسول الله  - ﷺ -، قالت: إنها نذرت إن نجاها الله عليها لتنحرنها، فأتوا رسول الله  - ﷺ -  فذكروا ذلك له فقال: \"سبحان الله بئسما جزتها، نذرت للَّه إن نجاها الله عليها لتنحرنها، لا وفاء لنذر في معصية، ولا فيما لا يملك العبد\". . . الحديث. ومحل الشاهد منه قوله  - ﷺ -  \"ولا فيما لا يملك العبد\" وهذا نص صحيح صريح فيما ذكرنا. ويؤيده حديث ثابت بن الضحاك أنه  - ﷺ -  قال: \"لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا يملك ابن آدم\". اهـ.\nقال الحافظ في بلوغ المرام: رواه أبو داود، والطبراني، واللفظ له، وهو صحيح الإِسناد. وله شاهد من حديث كردم عند أحمد.\nالفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن نذر نذرًا لا يلزم الوفاء به هل تلزمه كفارة يمين، أو لا يلزمه شيء؟ وحجة من قال لا يلزمه شيء: هو حديث نذر أبي إسرائيل، أنه لا يقعد ولا يتكلم، ولا يستظل، وقد أمره النبي  - ﷺ -  في الحديث الصحيح المذكور آنفًا: أنه لا يفي بهذا النذر، ولم يقل له إن عليه كفارة يمين.\nوقد قدمنا هذا في سورة مريم موضحًا. وقد قدمنا أن القرطبي قال في قصة أبي إسرائيل: هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم","vol":"5","page":721},{"text":"وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه. فقد قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله  - ﷺ -  أمره بالكفارة.\nوأما الذين قالوا: إن النذر الذي لا يجب الوفاء به تجب فيه كفارة يمين فقد احتجوا بما رواه مسلم في صحيحه: وحدثني هارون بن سعيد الإِيلي، ويونس بن عبد الأعلى، وأحمد بن عيسى، قال يونس: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا ابن وهب، أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شماسة، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر ﵁، عن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"كفارة النذر كفارة اليمين\". اهـ. وظاهره شموله للنذر الذي لا يجب الوفاء به.\nوقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المراد به، فحمله جمهور أصحابنا على نذر اللجاج، وهو أن يقول إنسان يريد الامتناع من كلام زيد مثلًا: إن كلمت زيدًا مثلًا، فللَّه عليَّ حجة، أو غيرها، فيكلمه، فهو بالخيار بين كفارة يمين، وبين ما التزمه. هذا هو الصحيح في مذهبنا. وحمله مالك وكثيرون أو الأكثرون على النذر المطلق، كقوله: عليّ نذر. وحمله أحمد وبعض أصحابنا على نذر المعصية، كمن نذر أن يشرب الخمر. وحمله جماعة من فقهاء أصحاب الحديث على جميع أنواع النذر، وقالوا: هو مخير في جميع المنذورات بين الوفاء بما التزم، وبين كفارة يمين. واللَّه أعلم. اهـ كلام النووي.\nولا يخفى بعد القول الأخير لقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ فهو أمر جازم مانع للتخيير بين الإِيفاء به، وبين شيء آخر،\nوالأظهر عندي في معنى الحديث: أن من نذر نذرًا مطلقًا كأن","vol":"5","page":722},{"text":"يقول: عليَّ للَّه نذر أنه تلزمه كفارة يمين، لما رواه ابن ماجه، والترمذي، وصححه، عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين\" وروى نحوه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس. وفي الحديثين بيان المراد بحديث مسلم بأن المراد به: النذر المطلق الذي لم يسم صاحبه ما نذره، بل أطلقه، والبيان يجوز بكل ما يزيل الإِيهام، كما قدمناه مرارًا، والمطلق يحمل على المقيد.\nومما يؤيد القول بلزوم الكفارة في نذر اللجاج أن النبي  - ﷺ -  لما حرم شرب العسل على نفسه في قصة ممالأة أزواجه عليه، وأنزل الله في ذلك: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ قال الله بعد ذلك: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ فدل ذلك على لزوم كفارة اليمين. وكذلك قال ابن عباس وغيره بلزوم كفارة اليمين، على القول بأنه حرم جاريته، والأقوال فيمن حرم زوجته، أو جاريته، أو شيئًا من الحلال معروفة عند أهل العلم. فغير الزوجة والأمة لا يحرم بالتحريم قولًا واحدًا والخلاف في لزوم كفارة اليمين، وعدم لزومها، وظاهر الآية لزومها. وبعض العلماء يقول: لا يلزم فيه شيء، وهو مذهب مالك وأصحابه، أما تحريم الرجل امرأته أو جاريته، ففيه لأهل العلم ما يزيد على ثلاثة عشر مذهبًا معروفة في محلها، وأجراها على القياس في تحريم الزوجة لزوم كفارة الظهار؛ لأن من قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي، فهو بمثابة ما لو قال لها: أنت حرام، والظهار نص الله في كتابه على أن فيه كفارته المنصوصة في سورة المجادلة.\nأما نذر اللجاج فقد قدمنا القول بأن فيه كفارة يمين، والمراد بنذر اللجاج النذر الذي يراد به الامتناع من أمر، لا التقرب إلى الله.","vol":"5","page":723},{"text":"قال ابن قدامة في المغني: وجملته أنه إذا أخرج النذر مخرج اليمين، بأن يمنع نفسه أو غيره به شيئًا، أو يحث به على شيء مثل أن يقول: إن كلمت زيدًا، فللَّه عليَّ الحج، أو صدقة مالي، أو صوم سنة، فهذا يمين، حكمه أنه مخير بين الوفاء بما حلف عليه، فلا يلزمه شيء، وبين أن يحنث فيتخير بين فعل المنذور، وبين كفارة يمين، ويسمى نذر اللجاج، والغضب، ولا يتعين الوفاء به، ثم قال: وهذا قول عمر، وابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وحفصة، وزينب بنت أبي سلمة، وبه قال عطاء، وطاوس وعكرمة، والقاسم والحسن، وجابر بن زيد، والنخعي، وقتادة، وعبد الله بن شريك، والشافعي، والعنبري، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر. وقال سعيد بن المسيب: لا شيء في الحلف بالحج. وعن الشعبي، والحارث العكلي، وحماد، والحكم: لا شيء في الحلف بصدقة ماله؛ لأن الكفارة إنما تلزم بالحلف باللَّه لحرمة الاسم، وهذا ما حلف باسم الله، ولا يجب ما سماه؛ لأنه لم يخرجه مخرج القربة، وإنما التزمه على طريق العقوبة، فلم يلزمه. وقال أبو حنيفة ومالك: يلزمه الوفاء بنذره؛ لأنه نذر فيلزم الوفاء به كنذر البر. وروي نحو ذلك عن الشعبي.\nولنا ما روى عمران بن حصين قال: سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين\" رواه سعيد بن منصور والجوزجاني في المترجم. وعن عائشة أن النبي  - ﷺ -  قال: \"من حلف بالمشي والهدي، أو جعل ماله في سبيل الله، أو في المساكين، أو في رتاج الكعبة فكفارته كفارة يمين\". . . إلى أن قال: وعن أحمد رواية ثانية: أنه تتعين الكفارة، ولا يجزئه الوفاء بنذره. وهو قول بعض","vol":"5","page":724},{"text":"أصحاب الشافعي لأنه يمين. اهـ محل الغرض من المغني.\nوروى أبو داود، عن سعيد بن المسيب أن أخوين من الأنصار كان بينهما ميراث، فسأل أحدهما صاحبه القسمة فقال: إن عدت تسألني القسمة، فكل مالي في رتاج الكعبة، فقال له عمر: إن الكعبة غنية عن مالك، كفر عن يمينك، وكلم أخاك، سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"لا يمين عليك ولا نذر في معصية الرب، ولا في قطيعة رحم، ولا فيما لا تملك\". اهـ. رواه أبو داود. وسعيد بن المسيب لم يصح سماعه من عمر. قال بعضهم: وعليه فهو من مراسيل سعيد. وذكر جماعة أنه ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر ﵁. وعن أحمد ما يدل على سماع سعيد من عمر، وأنه قال: إن لم نقبل سعيدًا عن عمر، فمن يقبل. والظاهر سماعه من عمر كما صدر بما يدل عليه صاحب تهذيب التهذيب. وعن مالك وغيره أنه لم يدرك عمر. وحديث سعيد المذكور عن عمر: إما متصل، وإما مرسل من مراسيل سعيد، وقد قدمنا كلام العلماء فيها.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولكن سعيد بن المسيب لم يسمع من عمر بن الخطاب، فهو منقطع، وروي نحوه عن عائشة؛ أنها سُئلت عن رجل جعل ماله في رتاج الكعبة إن كلم ذا قرابة. فقالت: يكفر عن اليمين. أخرجه مالك، والبيهقي بسندٍ صحيح. وصححه ابن السكن. اهـ. ولفظ مالك في الموطأ فقالت عائشة ﵂: يكفره ما يكفر اليمين. وليس في الموطأ أن فتواها هذه في نذر لجاج، بل الذي فيه: أنها سئلت عن رجل قال: مالي في رتاج الكعبة؛ وهو بابها. وهو براء مكسورة، فمثناة فوقية بعدها ألف فجيم.","vol":"5","page":725},{"text":"وهذا الذي ذكرنا هو حاصل حجة من قال: إن نذر اللجاج فيه كفارة يمين. وهو الأقرب عندي لما ذكرنا، خلافًا لمن قال: لا شيء فيه.\nوأما نذر المعصية فلا خلاف في أنه حرام، وأن الوفاء به ممنوع، وإنما الخلاف في لزوم الكفارة به. فذهب جمهور أهل العلم أنه لا كفارة فيه. وعن أحمد والثوري وإسحاق، وبعض الشافعية، وبعض الحنفية: فيه الكفارة. وذكر الترمذي اختلاف الصحابة في ذلك.\nواحتج من قال بأنه ليس فيه كفارة بالأحاديث الصحيحة الواردة بأنه لا نذر في معصية. ونفي نذر المعصية مطلقًا يدل على نفي أثره، فإذا انتفى النذر من أصله انتفت كفارته، لأن التابع ينتفي بانتفاء المتبوع. وإن قلنا: إن الصيغة في قوله: \"لا نذر في معصية\" خبر أريد به الإِنشاء، وهو النهي عن نذر المعصية، فالنهي يقتضي الفساد، وإذا فسد المنذور بالنهي بطل معه تأثيره في الكفارة. قالوا: والأصل براءة الذمة من الكفارة. قالوا: ومما يؤيد ذلك الأحاديث الواردة بأنه لا نذر إلَّا فيما ابتغي به وجه الله.\nقال المجد في المنتقى: رواه أحمد، وأبو داود. وفي لفظ عند أحمد: إنما النذر ما ابتغي به وجه الله، وهو من رواية عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. وفي إسناده مناقشات تركناها اختصارًا.\nواحتج من قال بأن في نذر المعصية كفارة ببعض الأحاديث الواردة بذلك.\nمنها: ما روي عن عائشة ﵂: أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين\".","vol":"5","page":726},{"text":"قال المجد في المنتقى: رواه الخمسة، واحتج به أحمد، وإسحاق. ومعلوم أن مراده بالخمسة: الإِمام أحمد، وأصحاب السنن.\nولفظ أبي داود في هذا الحديث: حدثنا إسماعيل بن إبراهيم أبو معمر، ثنا عبد الله بن المبارك، عن يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين\".\nحدثنا ابن السرح قال: ثنا وهب، عن يونس، عن ابن شهاب بمعناه وإسناده. قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبيويه، يقول: قال ابن المبارك  - يعني في هذا الحديث -: حدث أبو سلمة. فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.\nوقال أحمد بن محمد: وتصديق ذلك: ما حدثنا أيوب  - يعني ابن سليمان -  قال أبو داود: سمعت أحمد بن حنبل يقول: أفسدوا علينا هذا الحديث، قيل له: وصح إفساده عندك، وهل رواه غير ابن أبي أويس؟ قال: أيوب كان أمثل منه، يعني: أيوب بن سليمان بن بلال، وقد رواه أيوب.\nحدثنا أحمد بن محمد المروزي، ثنا أيوب بن سليمان، عن أبي بكر بن أبي أويس، عن سليمان بن بلال، عن ابن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم: أن يحيى بن أبي كثير أخبره، عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا نذر في معصية وكفارته كفارة يمين\" قال أحمد بن محمد المروزي: إنما الحديث حديث علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه،","vol":"5","page":727},{"text":"عن عمران بن حصين، عن النبي  - ﷺ - . أراد أن سليمان بن أرقم وهم فيه، وحمله عنه الزهري، وأرسله عن أبي سلمة، عن عائشة ﵂.\nقال أبو داود: روى بقية عن الأوزاعي، عن يحيى، عن محمد بن الزبير بإسناد علي بن المبارك مثله. اهـ من سنن أبي داود بلفظه. وفيه سوء ظن كثير بالزهري، وهو أنه حذف من إسناد الحديث واسطتين: وهما سليمان بن أرقم، ويحيى بن أبي كثير، وأرسله عن أبي سلمة. وكذلك قال الترمذي بعد إخراجه لحديث عائشة المذكور، لا يصح؛ لأن الزهري لم يسمع هذا الحديث من أبي سلمة. ومما يقوي سوء الظن المذكور بالزهري: أن سليمان بن أرقم الذي حذفه من الإسناد متروك لا يحتج بحديثه، فحذف المتروك، ورواية حديثه عمن فوقه من العدول من تدليس التسوية، وهو شر أنواع التدليس وأقبحها، ولا شك أن هذا النوع من التدليس قادح فيمن تعمده. وما ذكره بعضهم: من أن الثوري والأعمش كانا يفعلان هذا النوع من التدليس مجاب عنه بأنهما لا يدلسان إلَّا عمن هو ثقة عندهما، وإن كان ضعيفًا عند غيرهما. ومن المستبعد أن يكون الزهري يحسن الظن بسليمان بن أرقم مع اتفاق الحفاظ على عدم الاحتجاج به.\nوالحاصل: أن لزوم الكفارة في نذر المعصية جاءت فيه أحاديث متعددة، لا يخلو شيء منها من كلام. وقد يقوي بعضها بعضًا.\nوقال الشوكاني: قال النووي في الروضة: حديث \"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين\" ضعيف باتفاق المحدثين.","vol":"5","page":728},{"text":"قال الحافظ: قلت: قد صححه الطحاوي، وأبو علي بن السكن، فأين الاتفاق. انتهى منه.\nوقد تركنا تتبع الأحاديث الواردة فيه، ومناقشتها اختصارًا. والأحوط لزوم الكفارة؛ لأن الأمر مقدم على الإباحة كما تقرر في الأصول؛ للاحتياط في الخروج من عهدة الطلب. فمن أخرج كفارة عن نذر المعصية، فقد برئ من المطالبة بها باتفاق الجميع ومن لم يخرجها بقي مطالبًا بها على قول أحمد، ومن ذكرنا معه.\nالفرع الثالث: اعلم أن من نذر شيئًا من الطاعة لا يقدر عليه لا يلزمه الوفاء به؛ لعجزه عنه.\nواختلف فيما يلزمه في ذلك المعجوز عنه، فلو نذر مثلًا أن يحج، أو يعتمر ماشيًا على رجليه، وهو عاجز عن المشي جاز له الركوب؛ لعجزه عن المشي، وإن قدر على المشي لزمه.\nوفي حالة ركوبه عند العجز اختلف العلماء فيما يلزمه فقال بعضهم: لا شيء عليه؛ لأنه عاجز واللَّه يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ فقد عجز عما نذر، ولا يلزمه شيء غير ما نذر. وقال بعضهم: تلزمه كفارة يمين. وقال بعضهم: يلزمه صوم ثلاثة أيام. وقال بعضهم: تلزمه بدنة. وقال بعضهم: يلزمه هدي.\nقال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من نذر المشي إلى بيت الله الحرام، لزمه الوفاء بنذره. وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأبو عبيد، وابن المنذر، ولا نعلم فيه خلافًا، وذلك لأن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا تشد الرحال إلَّا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى\" ولا يجزئه المشي إلَّا في","vol":"5","page":729},{"text":"الحج أو العمرة. وبه يقول الشافعي. ولا أعلم فيه خلافًا، وذلك لأن المشي المعهود في الشرع: هو المشي في حج أو عمرة، فإذا أطلق الناذر حمل على المعهود الشرعي، ويلزمه المشي فيه لنذره، فإن عجز عن المشي ركب، وعليه كفارة يمين. وعن أحمد رواية أخرى: أنه يلزمه دم، وهو قول الشافعي. وأفتى به عطاء لما روى ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت المشي إلى بيت الله الحرام، فأمرها النبي  - ﷺ -  أن تركب، وتهدي هديًا. رواه أبو داود، وفيه ضعف، ولأنه أخل بواجب في الإِحرام فلزمه هدي كتارك الإِحرام من الميقات. وعن ابن عمر وابن الزبير قالا: يحج من قابل، ويركب ما مشى، ويمشي ما ركب ونحوه قال ابن عباس وزاد فقال: ويهدي. وعن الحسن مثل الأقوال الثلاثة. وعن النخعي روايتان: إحداهما: كقول ابن عمر، والثانية: كقول ابن عباس. وهذا قول مالك. وقال أبو حنيفة: عليه هدي سواء عجز عن المشي، أو قدر عليه. وأقل الهدي شاة، وقال الشافعي: لا يلزمه مع العجز كفارة بحال إلَّا أن يكون النذر مشيًا إلى بيت الله الحرام، فهل يلزمه هدي؟ فيه قولان. وأما غيره فلا يلزمه مع العجز شيء. اهـ محل الغرض من المغني.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم فيما يلزم من نذر شيئًا، وعجز عنه، فهذه أدلة أقوالهم نقلناها ملخصة بواسطة نقل المجد في المنتقى؛ لأنه جمعها في محل واحد.\nأما من قال: تلزمه كفارة يمين فقد احتج بما رواه أبو داود، وابن ماجه، عن ابن عباس ﵄ عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"من نذر نذرًا ولم يسمه فكفارته كفارة يمين، ومن نذر نذرًا لم يطقه فكفارته كفارة يمين\". اهـ.","vol":"5","page":730},{"text":"قال الحافظ في بلوغ المرام، في حديث ابن عباس هذا: إسناده صحيح إلَّا أن الحفاظ رجحوا وقفه. اهـ كما تقدمت الإِشارة إليه.\nومن أدلة أهل هذا القول ما رواه كريب، عن ابن عباس قال: جاءت امرأة إلى النبي  - ﷺ -  فقالت: يا رسول الله إن أختي نذرت أن تحج ماشية فقال. \"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتخرج راكبة ولتكفر عن يمينها\" رواه أحمد، وأبو داود.\nوقال في نيل الأوطار: في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود، والمنذرى، ورجاله رجال الصحيح. والظاهر المتبادر أن المراد بالتكفير عن اليمين هو كفارة اليمين المعروفة. ولقد صدق الشوكاني في أن رجال حديث أبي داود المذكور رجال الصحيح، لأن أبا داود قال: حدثنا حجاج بن أبي يعقوب، ثنا أبو النضر، ثنا شريك، عن محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس إلى آخر الحديث المذكور، فطبقة إسناده الأولى حجاج بن أبي يعقوب، وهو حجاج بن الشاعر الذي أكثر مسلم في صحيحه من الإِخراج له، وهو ثقة حافظ، وطبقته الثانية: أبو النضر وهو هاشم بن القاسم بن مسلم بن مقسم الليثي البغدادي خراساني الأصل، ولقبه قيصر، وهو ثقة ثبت، أخرج له الجميع، وطبقته الثالثة هي: شريك، وهو ابن عبد الله بن أبي شريك النخعي، أبو عبد الله الكوفي القاضي. أخرج له البخاري تعليقًا، وهو من رجال مسلم. وظاهر كلام ابن حجر في تهذيب التهذيب: أن مسلمًا إنما أخرج له في المتابعات، وكلام أهل العلم فيه كثير بين مثن وذاكر غير ذلك، وطبقته الرابعة: محمد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، وهو من رجال مسلم، وهو ثقة، وطبقته الخامسة: كريب بن أبي مسلم","vol":"5","page":731},{"text":"الهاشمي مولى ابن عباس، ومعلوم أنه ثقة، وأنه أخرج له الجميع.\nهذا هو حاصل حجة من قال: إن على من نذر نذرًا، ولم يطقه كفارة يمين.\nوأما الذين قالوا: عليه صيام ثلاثة أيام، فقد احتجوا بما رواه أحمد، وأصحاب السنن عن عقبة بن عامر ﵁ أن أخته نذرت أن تمشي حافية، غير مختمرة، فسأل النبي  - ﷺ -  فقال: \"إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، مرها فلتختمر ولتركب ولتصم ثلاثة أيام\". اهـ بواسطة نقل المجد في المنتقى.\nقال الشوكاني في هذا الحديث: حسنه الترمذي، ولكن في إسناده عبيد الله بن زحر، وقد تكلم فيه غير واحد من الأئمة. اهـ محل الغرض منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ظاهر كلام أبي داود في عبد الله بن زحر المذكور: أنه ثقة عنده؛ لأنه ذكر تزكيته عن يحيى بن سعيد الأنصاري، ولم يتعقب ذلك بشيء.\nفقد قال أبو داود في هذا الحديث: حدثنا مسدد، ثنا يحيى بن سعيد القطان قال: أخبرني يحيى بن سعيد الأنصاري، أخبرني عبيد الله ابن زحر؛ أن أبا سعيد أخبره أن عبد الله بن مالك أخبره؛ أن عقبة بن عامر أخبره أنه سأل النبي  - ﷺ -  عن أخت له نذرت أن تحج حافية غير مختمرة، فقال: \"مرها فلتختمر، ولتركب، ولتصم ثلاثة أيام\".\nحدثنا مخلد بن خالد، ثنا عبد الرزاق، ثنا ابن جريج قال: كتبت إلى يحيى بن سعيد أخبرني عبيد الله بن ذحر، مولى لبني ضمرة، وكان أيما رجل أن أبا سعيد الرعيني، أخبره. بإسناد يحيى،","vol":"5","page":732},{"text":"ومعناه. اهـ. من سنن أبي داود. فكتابة يحيى بن سعيد الأنصاري إلى ابن جريج في ابن زحر المذكور: \"وكان أيما رجل\" فيه أعظم تزكية؛ لأن قولهم: \"فكان أيما رجل\" يدل على أنه من أفاضل الرجال والتفضيل في هذا المقام إنما هو في الثقة والعدالة، كما ترى. ومن هذا القبيل قول الراعي:\nفأومأت إيماء خفيًا لحبتر ... فللَّه عينا حبتر أيما فتى\nوقال ابن حجر في التقريب في ابن زحر المذكور: صدوق يخطئ، وكلام أئمة الحديث فيه كثير منهم المثني، ومنهم القادح.\nوحجة من قال: إن عليه بدنة هي ما رواه عكرمة، عن ابن عباس؛ أن عقبة بن عامر سأل النبي  - ﷺ -  فقال: إن أخته نذرت أن تمشي إلى البيت وشكا إليه ضعفها، فقال النبي  - ﷺ -: \"إن الله غني عن نذر أختك فلتركب ولتهد بدنة\" رواه أحمد، وأبو داود.\nوقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح. قال الحافظ في التلخيص: إسناده صحيح.\nوحجة من قال: إن عليه هديًا هي ما رواه أبو داود: حدثنا محمد بن المثنى، ثنا أبو الوليد، ثنا همام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تمشي إلى البيت، فأمرها النبي  - ﷺ -  أن تركب، وتهدي هديًا. وقال الشوكاني في هذا الحديث: سكت عنه أبو داود والمنذري.\nولزوم الهدي المذكور مروي عن مالك في الموطأ. وفسر الهدي: ببدنة، أو بقرة، أو شاة، إن لم تجد غيرها.","vol":"5","page":733},{"text":"هذا هو حاصل أدلة أقوال أهل العلم فيما يلزم من نذر شيئًا، وعجز عن فعله. والقول بالهدي والقول بالبدنة يمكن الجمع بينهما؛ لأن البدنة هدي، والخاص يقضي على العام.\nوقد ذكرنا كلام الناس في أسانيد الأحاديث الواردة في ذلك وأحوطها فيمن عجز عن المشي الذي نذره في الحج: البدنة؛ لأنها أعظم ما قيل في ذلك، وليس من المستبعد أن تلزم البدنة، وأنه يجزئ الهدى، والصوم، وكفارة اليمين؛ لأن كل الأحاديث الواردة بذلك ليس فيها التصريح بنفي إجزاء شيء آخر، فحديث لزوم كفارة اليمين لم يصرح بعدم إجزاء البدنة، وحديث الهدي لم يصرح بعدم إجزاء الصوم مثلًا. وهكذا.\nوقد عرفت أقوال أهل العلم في ذلك مع أن الأحاديث لا يخلو شيء منها من كلام. وظاهر النصوص العامة أنه لا شيء عليه؛ لأن الله يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ ويقول النبي  - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" وقد ثبت صحيح مسلم: أن النبي  - ﷺ -  لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية. قال الله: قد فعلت. وفي رواية: نعم. ويدخل في حكم ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الآية.\nالفرع الرابع: في حكم الإِقدام على النذر مع تعريفه لغة وشرعًا.\nاعلم أن الأحاديث الصحيحة دلَّت على أن النذر لا ينبغي وأنه منهي عنه، ولكن إذا وقع وجب الوفاء به إن كان قربة كما تقدم.","vol":"5","page":734},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا فليح بن سليمان، حدثنا سعيد بن الحارث، أنه سمع ابن عمر ﵄ يقول: أو لم ينهوا عن النذر، إن النبي  - ﷺ -  قال: \"إن النذر لا يقدم شيئًا ولا يؤخر شيئًا، وإنما يستخرج بالنذر من البخيل\" وفي البخاري عن ابن عمر قال: نهى النبي  - ﷺ -  عن النذر فقال: \"إنه لا يرد شيئًا، ولكنه يستخرج به من البخيل\" وفي لفظ البخاري من حديث أبي هريرة قال: قال النبي  - ﷺ -  \"لا يأتي ابن آدم النذر بشيء لم أكن قدرته، ولكن يلقيه النذر إلى القدر قد قدر له فيستخرج الله به من البخيل، فيؤتيني عليه ما لم يكن يؤتيني عليه من قبل\". اهـ. من صحيح البخاري. وهو صريح في النهي عن النذر، وأنه ليس ابتداء فعله من الطاعات المرغب فيها.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: وحدثني زهير بن حرب، وإسحاق بن إبراهيم، قال إسحاق: أخبرنا، وقال زهير: حدثنا جرير، عن منصور، عن عبد الله بن مرة، عن عبد الله بن عمر قال: أخذ رسول الله  - ﷺ -  يومًا ينهانا عن النذر ويقول: \"إنه لا يرد شيئًا، وإنما يستخرج به من الشحيح\" وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"النذر لا يقدم شيئًا، ولا يؤخره، وإنما يستخرج به من البخيل، وفي لفظ لمسلم عن ابن عمر عن النبي  - ﷺ -  أنه نهى عن النذر، وقال: \"إنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من البخيل\".\nوقال مسلم في صحيحه أيضًا: حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا عبد العزيز، يعني الدراوردي، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا تنذروا فإن النذر لا يغني من","vol":"5","page":735},{"text":"القدر شيئًا، وإنما يستخرج به من البخيل\" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة، عن النبي  - ﷺ -  أنه نهى عن النذر وقال: \"إنه لا يرد من القدر، وإنما يستخرج به من البخيل\" وفي لفظ لمسلم عن أبي هريرة أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إن النذر لا يقرب من ابن آدم شيئًا لم يكن الله قدره له، ولكن النذر يوافق القدر، فيخرج بذلك من البخيل ما لم يكن البخيل يريد أن يخرج\". اهـ. من صحيح مسلم.\nوهذا الذي ذكرنا من حديث الشيخين عن ابن عمر وأبي هريرة: فيه الدلالة الصريحة على النهي عن الإقدام على النذر، وأنه لا يأتي بخير، وإنما يستخرج به من النخيل.\nوفي الأحاديث المذكورة إشكال معروف؛ لأنه قد دل القرآن على الثناء على الذين يوفون بالنذر، وأنه من أسباب دخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ وقد دل الكتاب والسنة على وجوب الوفاء بنذر الطاعة، كقوله تعالى في هذه الآية التي نحن بصددها: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية. وكقوله  - ﷺ -: \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\" ويؤيد ذلك ما ثبت في الصحيح من ذم الذين لم يوفوا بنذورهم.\nقال البخاري في صحيحه: حدثنا مسدد، عن يحيى، عن شعبة: حدثني أبو جمرة، حدثنا زهدم بن مضرب، قال: سمعت عمران بن حصين ﵄، يحدث عن النبي  - ﷺ -  قال: \"خيركم قرني، ثم الذين يلونهم\" قال عمران: لا أدرى ذكر ثنتين","vol":"5","page":736},{"text":"أو ثلاثًا بعد قرنه \"ثم يجيء قوم ينذرون ولا يوفون، ويخونون ولا يؤتمنون، ويشهدون ولا يستشهدون، ويظهر فيهم السمن\". اهـ. من صحيح البخاري. وهو ظاهر جدًّا في إثم الذين لا يوفون بنذرهم، وأنهم كالذين يخونون، ولا يؤتمنون. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم في صحيحه، عن عمران بن حصين.\nوقال النووي في شرحه لحديث عمران هذا: فيه وجوب الوفاء بالنذر، وهو واجب بلا خلاف، وإن كان ابتداء النذر منهيًا عنه. كما سبق في بابه، اهـ. محل الغرض منه.\nولأجل هذا الإِشكال المذكور اختلف العلماء في حكم الإِقدام على النذر، فذهب المالكية إلى جواز نذر المندوبات إلا الذي يتكرر دائمًا، كصوم يوم من كل أسبوع فهو مكروه عندهم. وذهب أكثر الشافعية إلى أنه مكروه، ونقله بعضهم عن نص الشافعي للأحاديث الدالة على النهي عنه. ونقل نحوه عن المالكية أيضًا، وجزم به عنهم ابن دقيق العيد. وأشار ابن العربي إلى الخلاف عنهم، والجزم عن الشافعية بالكراهة. وجزم الحنابلة بالكراهة. وعندهم رواية في أنها كراهة تحريم، وتوقف بعضهم في صحتها، وكراهته مروية عن بعض الصحابة. اهـ. بواسطة نقل ابن حجر في الفتح. وجزم صاحب المغني: بأن النهي عنه نهي كراهة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في طريق إزالة هذا الإِشكال الذي لا ينبغي العدول عنه: أن نذر القربة على نوعين.\nأحدهما: معلق على حصول نفع، كقوله: إن شفى الله مريضي، فعلي للَّه نذر كذا، أو إن نجاني الله من الأمر الفلاني المخوف، فعلي للَّه نذر كذا، ونحو ذلك.","vol":"5","page":737},{"text":"والثاني: ليس معلقًا على نفع للناذر، كأن يتقرب إلى الله تقربًا خالصًا بنذر كذا من أنواع الطاعة، وأن النهي إنما هو في القسم الأول، لأن النذر فيه لم يقع خالصًا للتقرب إلى الله، بل بشرط حصول نفع للناذر، وذلك النفع الذي يحاوله الناذر هو الذي دلت الأحاديث على أن القدر فيه غالب على النذر، وأن النذر لا يرد فيه شيئًا من القدر.\nأما القسم الثاني: وهو نذر القربة الخالص من اشتراط النفع في النذر، فهو الذي فيه الترغيب والثناء على الموفين به المقتضي أنه من الأفعال الطيبة. وهذا التفصيل قالت به جماعة من أهل العلم.\nوإنما قلنا: إنه لا ينبغي العدول عنه لأمرين.\nالأول: أن نفس الأحاديث الواردة في ذلك فيها قرينة واضحة دالة عليه، وهو ما تكرر فيها من أن النذر لا يرد شيئًا من القدر، ولا يقدم شيئًا، ولا يؤخر شيئًا، ونحو ذلك، فكونه لا يرد شيئًا من القدر قرينة واضحة على أن الناذر أراد بالنذر جلب نفع عاجل، أو دفع ضر عاجل، فبين  - ﷺ -  أن ما قضي الله به في ذلك واقع لا محالة، وأن نذر الناذر لا يرد شيئًا كتبه الله عليه، ولكنه إن قدر الله ما كان يريده الناذر بنذره، فإنه يستخرج بذلك من البخيل الشيء الذي نذر. وهذا واضح جدًّا كما ذكرنا.\nالثاني: أن الجمع واجب إذا أمكن، وهذا جمع ممكن بين الأدلة واضح تنتظم به الأدلة، ولا يكون بينها خلاف. ويؤيده أن الناذر الجاهل قد يظن أن النذر قد يرد عنه ما كتبه الله عليه. هذا هو الظاهر في حل هذا الإِشكال. وقد قال به غير واحد. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":738},{"text":"تنبيه\nفإن قيل: إن النذر المعلق كقوله: إن شفى الله مريضي أو نجاني من كذا، فللَّه علي نذر كذا، قد ذكرتم أنه هو المنهي عنه، وإذا تقرر أنه منهي عنه لم يكن من جنس القربة، فكيف يجب الوفاء بمنهي عنه.\nوالجواب: أن النص الصحيح دل على هذا، فدل على النهي عنه أولًا، كما ذكرنا الأحاديث الدالة على ذلك، ودل على لزوم الوفاء به بعد الوقوع، فقوله - ﷺ -: \"إنما يستخرج به من النخيل\" نص صريح في أن البخيل يلزمه إخراج ما نذر إخراجه، وهو المصرح بالنهي عنه أولًا، ولا غرابة في هذا؛ لأن الواحد بالشخص قد يكون له جهتان. فالنذر المذكور له جهة هو منهي عنه من أجلها ابتداء: وهي شرط حصول النفع فيه، وله جهة أخرى هو قربة بالنظر إليها: وهو إخراج المنذور تقربًا للَّه، وصرفه في طاعة الله. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن النذر في اللغة النحب، وهو ما يجعله الإِنسان نحبًا واجبًا عليه قضاؤه، ومنه قول لبيد:\nألا تسألان المرء ماذا يحاول ... أنحب فيقضي أم ضلالٌ وباطل\nوحاصله: أنه إلزام الإِنسان نفسه بشيء لم يكن لازمًا لها، فيجعله واجبًا عليها. وهو في اصطلاح الشرع: التزام المكلف قربة لم تكن واجبة عليه.\nوقال ابن الأثير في النهاية. يقال: نذرتُ أنذُرُ وأنذِرُ نذرًا إذا أوجبت على نفسي شيئًا تبرعًا من عبادة، أو صدقة أو غير ذلك. وقد","vol":"5","page":739},{"text":"تكرر في أحاديثه ذكر النهي عنه وهو تأكيد لأمره وتحذير عن التهاون به بعد إيجابه، ولو كان معناه الزجر عنه حتى لا يفعل لكان في ذلك إبطال حكمه، وإسقاط لزوم الوفاء به إذ كان بالنهي يصير معصية، فلا يلزم. وإنما وجه الحديث أنه قد أعلمهم أن ذلك أمر لا يجر لهم في العاجل نفعًا، ولا يصرف عنهم ضرًا، ولا يرد قضاء. فقال: لا تنذروا على أنكم قد تدركون بالنذر شيئًا لم يقدره الله لكم، أو تصرفون به عنكم ما جرى به القضاء عليكم، فإذا نذرتم ولم تعتقدوا هذا فاخرجوا عنه بالوفاء فإن الذي نذرتموه لازم لكم. اهـ. الغرض من كلام ابن الأثير. وقد قاله غيره. ولا يساعد عليه ظواهر الأحاديث.\nفالظاهر أن الأرجح الذي لا ينبغي العدول عنه هو ما قدمنا من الجمع. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن تعريف المالكية للنذر شرعًا: بأنه التزام مسلم مكلف، ولو غضبان إلى آخره فيه أمران.\nالأول: أن اشتراط الإِسلام في النذر فيه نظر؛ لأن ما نذره الكافر من فعل الطاعات قد ينعقد نذره له، بدليل أنه يفعله إذا أسلم بعد ذلك، ولو كان لغوًا غير منعقد لما كان له أثر بعد الإِسلام.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا عبد الله؛ أخبرنا عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر أن عمر قال: يا رسول الله  - ﷺ -  إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف ليلة في المسجد الحرام قال: \"أوف بنذرك\". انتهى منه. فقوله  - ﷺ -  لعمر في هذا الحديث الصحيح: \"أوف بنذرك\" مع أن نذره في الجاهلية صريح في ذلك كما ترى. ولا التفات إلى ما أوله به بعض العلماء من المالكية","vol":"5","page":740},{"text":"وغيرهم. وقول المالكية في تعريف النذر: ولو غضبان لا يخفى أن العلماء مختلفون في نذر الغضبان، هل يلزم فيه ما نذر، أو هو من نوع اللجاج، تلزم فيه كفارة يمين؟ كما أوضحنا حكمه سابقًا.\nالفرع الخامس: اعلم أنه قد دل الحديث على أن من نذر أن ينحر تقربًا للَّه في محل معين، فلا بأس بإيفائه بنذره، بأن ينحر في ذلك المحل المعين إذا لم يتقدم عليه أنه كان به وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية. ومفهومه أنه إن كان قد سبق أن فيه وثنًا يعبد، أو عيدًا من أعياد الجاهلية أنه لا يجوز النحر فيه.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا داود بن رشيد، ثنا شعيب بن إسحاق، عن الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير قال: حدثني أبو قلابة، قال: حدثني ثابت بن الضحاك، قال: نذر رجل على عهد رسول الله  - ﷺ -، أن ينحر إبلًا ببوانة، فأتى النبي  - ﷺ -  فقال: إني نذرت أن أنحر إبلًا ببوانة فقال النبي  - ﷺ -: \"هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا: لا، قال: هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا: لا. قال رسول الله  - ﷺ -: أوف بنذرك فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، ولا فيما لا يملك ابن آدم\". اهـ. منه.\nوفيه الدلالة الظاهرة على أن النحر بموضع كان فيه وثن يعبد، أو عيد من أعياد الجاهلية من معصية الله تعالى، وأنه لا يجوز بحال، والعلم عند الله تعالى. وإسناد الحديث صحيح.\nالفرع السادس: اعلم أن الأحاديث الصحيحة دلت على أن من مات وعليه نذر أنه يقضى عنه، وسنقتصر هنا على قليل منها اختصارًا لصحته، وثبوته.","vol":"5","page":741},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب، عن الزهري، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله أن عبد الله بن عباس أخبره أن سعد بن عبادة الأنصاري استفتى النبي  - ﷺ -  في نذر كان على أمه، فتوفيت قبل أن تقضيه، فأفتاه: أن يقضيه عنها فكانت سنة بعد. اهـ من صحيح البخاري.\nوقد قدمنا بعض الأحاديث الدالة على ذلك فيمن مات وعليه نذر الحج أنه يقضى عنه كما تقدم إيضاحه. والأحاديث في هذا الباب كثيرة معروفة.\nتنبيه\nاعلم: أن ابن عمر وابن عباس أفتيا بقضاء الصلاة المنذورة عن الميت إذا مات ولم يصل ما نذر.\nقال البخاري في صحيحه: باب من مات وعليه نذر. وأمر ابن عمر امرأة جعلت أمها على نفسها صلاة بقباء فقال: صلي عنها. وقال ابن عباس نحوه. اهـ. من البخاري. وفي الموطأ عن مالك، عن عبد الله بن أبي بكر، عن عمته: أنها حدثته، عن جدته أنها كانت جعلت على نفسها مشيًا إلى مسجد قباء، فماتت ولم تقضه، فأفتى عبد الله بن عباس ابنتها أن تمشي عنها. قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: لا يمشي أحد عن أحد. اهـ. من الموطأ.\nوقال الزرقاني في شرحه: قال ابن القاسم: أنكر مالك الأحاديث في المشي إلى قباء، ولم يعرف المشي إلا إلى مكة خاصة.\nقال ابن عبد البر: يعني: لا يعرف إيجاب المشي للحالف،","vol":"5","page":742},{"text":"والناذر. وأما المتطوع، فقد روى مالك فيما مر أنه  - ﷺ -  كان يأتي قباء راكبًا وماشيًا، وأن إتيانه مرغب فيه. اهـ. منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي عليه جمهور أهل العلم، وحكى ابن بطال الإِجماع عليه أنه لا يصلي أحد عن أحد. أما الصوم والحج عن الميت فقد قدمنا مشروعيتهما وإن خالف جل أهل العلم في الصوم عن الميت. والعلم عند الله تعالى.\nوفي الموطأ عن مالك بعد أن ذكر حديث \"من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" قال يحيى: وسمعت مالكًا يقول: معنى قول رسول الله  - ﷺ -: \"ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه\" أن ينذر الرجل أن يمشي إلى الشام، أو إلى مصر، أو إلى الربذة، أو ما أشبه ذلك مما ليس للَّه بطاعة، إن كلم فلانًا، أو ما أشبه ذلك فليس عليه في شيء من ذلك شيء إن هو كلمه، أو حنث بما حلف عليه؛ لأنه ليس للَّه في هذه الأشياء طاعة. وإنما يوفي للَّه بما له فيه طاعة. اهـ. من الموطأ.\nالفرع السابع: الأظهر عندي: أن من نذر جميع ماله للَّه ليصرف في سبيل الله أنه يكفيه الثلث، ولا يلزمه صرف الجميع. وهذا قول مالك وأصحابه، وأحمد وأصحابه، والزهري.\nوفي هذه المسألة للعلماء عشرة مذاهب أظهرها عندنا: هو ما ذكرنا، ويليه في الظهور عندنا قول من قال: يلزمه صرفه كله، وهو مروي عن الشافعي، والنخعي. وعن أحمد رواية أخرى: أن عليه كفارة يمين. وعن ربيعة تلزمه الصدقة بقدر الزكاة. وعن جابر بن زيد، وقتادة إن كان كثيرًا، وهو ألفان تصدق بعشرة، وإن كان متوسطًا، وهو ألف تصدق بسبعة، وإن كان قليلًا، وهو خمسمائة","vol":"5","page":743},{"text":"تصدق بخمسة. وعن أبي حنيفة: يتصدق بالمال الزكوي كله، وعنه في غيره روايتان: إحداهما: يتصدق به. والثانية: لا يلزم منه شيء. وعن النخعي، والبتي، والشافعي: يتصدق بماله كله. وعن الليث: إن كان مليًا لزمه، وإن كان فقيرًا فعليه كفارة يمين. ووافقه ابن وهب، وزاد: وإن كان متوسطًا يخرج قدر زكاة ماله. وهذا مروي أيضًا عن أبي حنيفة، وهو قول ربيعة كما تقدم. وعن الشعبي: لا يلزم شيء أصلًا، وقيل: يلزم الكل إلا في نذر اللجاج، فكفارة يمين. وعن سحنون: يلزمه إخراج ما لا يضر به. وعن الثوري والأوزاعي وجماعة: يلزمه كفارة يمين بغير تفصيل.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة:\nفاعلم: أن أكثرها لا يعتضد بدليل، والذي يعتضد بالدليل منها ثلاثة مذاهب:\nالأول: هو ما قدمنا أنه أظهرها عندنا، وهو الاكتفاء بالثلث.\nوالثاني: لزوم الصدقة بالمال كله.\nوالثالث: قول سحنون: أنه يلزمه إخراج ما لا يضر به.\nأما الاكتفاء بالثلث الذي هو أقربها عندنا، فقد يستدل له ببعض الأحاديث الصحيحة التي فيها النهي عن التصدق بالمال كله، وفيها أن الثلث كثير.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب إذا أهدى ماله على وجه النذر والتوبة: حدثنا أحمد بن صالح، حدثنا ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله، عن عبد الله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب من بنيه حين عمي،","vol":"5","page":744},{"text":"قال: سمعت كعب بن مالك يقول في حديثه: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾ فقال في آخر حديثه: إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله ورسوله، فقال النبي - ﷺ -: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\". اهـ.\nفظاهر هذا الحديث الصحيح: أن كعبًا غير مستشير، بل مريد التجرد من جميع ماله على وجه النذر والتوبة، كما في ترجمة الحديث، وقد أمره - ﷺ - بأن يمسك بعض ماله، وصرح له بأن ذلك خير له. وقد جاء في بعض الروايات أنه فسر ذلك البعض الذي يمسكه بالثلثين، وأنه يتصدق بالثلث.\nوقال ابن حجر في شرح هذا الحديث قوله: \"أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك\" زاد أبو داود عن أحمد بن صالح بهذا السند: فقلت: إني أمسك سهمي الذي بخيبر. وهو عند المصنف من وجه آخر عن ابن شهاب. ووقع في رواية ابن إسحاق عن الزهري بهذا السند عند أبي داود \"إن من توبتي أن أخرج من مالي كله للَّه ورسوله صدقة قال: لا. قلت: فنصفه؟ قال: لا. قلت: فثلثه؟ قال: نعم. قلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر\".\nواعلم أن ابن إسحاق في حديثه هذا عند أبي داود صرح بالتحديث عن الزهري، فأمن تدليسه. ثم قال ابن حجر: وأخرج من طريق ابن عيينة، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أنه قال للنبي - ﷺ -. وذكر الحديث وفيه: وإنى أنخلع من مالي كله صدقة. قال: \"يجزئ عنك الثلث\" وفي حديث أبي لبابة عند أحمد وأبي داود مثله. اهـ. محل الغرض من فتح الباري.\nوقد رأيت الروايات المصرحة بأنه يجزئه الثلث عن جميع","vol":"5","page":745},{"text":"المال. وظاهر الحديث أنه جازم غير مستشير، فمن زعم من أهل العلم أنه مستشير فهو مخالف لظاهر اللفظ؛ لأن اللفظ مبدوء بجملة خبرية مؤكدة بحرف التوكيد الذي هو إن المكسورة في قوله: \"إن من توبتي أن أنخلع من مالي\"، واللفظ الذي هذه صفته لا يمكن حمله على التوقف والاستشارة، كما ترى، فقوله  - ﷺ -  لكعب بن مالك وأبي لبابة: \"إن الثلث يكفي عن الصدقة بجميع المال\" هو الدليل الذي ذكرنا بسببه أن أقرب الأقوال عندنا الاكتفاء بالثلث.\nوأما قول من قال: يلزمه التصدق بجميعه، فيستدل له بالحديث الصحيح \"من نذر أن يطيع الله فليطعه\" وهو يدل على إيفائه بنذره ولو أتى على كل المال إلا أن دليل ما قبله أخص منه في محل النزاع، والأخص مقدم على الأعم.\nوأما قول سحنون: يلزمه التصدق بما لا يضر به فيستدل له بقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية؛ لأن العفو في أصح التفسيرين، هو ما لا يضر إنفاقه بالمنفق، ولا يجحف به لإِمساكه ما يسد خلته الضرورية. وهذا قد يرجع إلى الأول؛ لأن الثلث من العفو الذي لا يجحف به إنفاقه. فأظهرها الأول كما ذكرنا. وباقي الأقوال لا أعلم له دليلًا متجهًا من كتاب، ولا سنة. وما وجه به تلك الأقوال بعض أهل العلم لا يتجه عندي. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثامن: اعلم أنه قد دل النص الصحيح على أن من نذر أن يسافر إلى مسجد ليصلي فيه كمسجد البصرة، أو الكوفة، أو نحو ذلك لا يلزمه السفر إلى مسجد من تلك المساجد، وليصل الصلاة التي نذرها به في موضعه الذي هو به.","vol":"5","page":746},{"text":"والنص الصحيح المذكور هو حديث: \"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، ومسجد بيت المقدس\" والجاري على الأصول. أنه لا يخرج من هذا الحصر الذي صرح به النبي  - ﷺ -  في هذا الحديث الصحيح إلا ما أخرجه نص صحيح يحب الرجوع إليه من كتاب أو سنة. والأظهر أن من نذر السفر لصلاة في مسجد إيلياء، وصلاها في مسجد مكة، أو المدينة أجزأته، لأنهما أفضل منه.\nوقد قال أبو داود: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، أخبرنا حبيب المعلم، عن عطاء بن أبي رباح، عن جابر بن عبد الله، أن رجلًا قام يوم الفتح فقال: يا رسول الله إني نذرت إن فتح الله عليك مكة أن أصلي في بيت المقدس ركعتين قال: \"صل ها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: صل ها هنا، ثم أعاد عليه، فقال: شأنك إذًا\".\nقال أبو داود: وروى نحوه عن عبد الرحمن بن عوف، عن النبي  - ﷺ - . وفي لفظ أبي داود عن عمر بن عبد الرحمن بن عوف، عن رجال من أصحاب النبي  - ﷺ -، فقال  - ﷺ -: \"والذي بعث محمدًا بالحق لو صليت هنا لأجزأ عنك صلاة في بيت المقدس\". اهـ. والعلم عند الله تعالى.\nولنكتف بما ذكر هنا من مسائل النذر لكثرة ما كتبنا في آيات سورة الحج من الأحكام الشرعية، وأقوال أهل العلم فيها، والنذر باب مذكور في كتب الفروع، فمن أراد الإِحاطة بجميع مسائله، فلينظرها في كتب فروع المذاهب الأربعة، وقد ذكرنا هنا عيون مسائله المهمة، والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":747},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1075> قوله تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ (٢٩)﴾</span>.\nفي المراد بالعتيق هنا للعلماء ثلاثة أقوال:\nالأول: أن المراد به القديم؛ لأنه أقدم مواضع التعبد.\nالثاني: أن الله أعتقه من الجبابرة.\nالثالث: أن المراد بالعتق فيه الكرم.\nوالعرب تسمي القديم عتيقًا وعاتقًا. ومنه قول حسان ﵁:\nكالمسك تخلطه بماء سحابة ... أو عاتق كدم الذبيح مدام\nلأن مراده بالعاتق الخمر القديمة التي طال مكثها في دنها زمنًا طويلًا، وتسمى الكرم عتقًا. ومنه قول كعب بن زهير:\nقنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل\nفقوله: عتق مبين، أي: كرم ظاهر. ومنه قول المتنبي:\nويبين عتق الخيل في أصواتها\nأي: كرمها، والعتق من الجبابرة كالعتق من الرق، وهو معروف.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أنه قد دلت آية من كتاب الله على أن العتيق في الآية بمعنى القديم الأول، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ الآية، مع أن المعنيين الآخرين كلاهما حق، ولكن القرآن دل على ما ذكرنا. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.","vol":"5","page":748},{"text":"تنبيهان\nالأول: دلت هذه الآية الكريمة على لزوم طواف الإِفاضة، وأنه لا صحة للحج بدونه.\nالثاني: دلت هذه الآية أيضًا على لزوم الطواف من وراء الحجر الذي عليه الجدار القصير شمال البيت؛ لأن أصله من البيت، فهو داخل في اسم البيت العتيق، كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1076> قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾</span>.\nلم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية الأنعام، ولكنه بينه بقوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ﴾ وهذا الذي ذكرنا هو الصواب. أما ما قاله جماعات من أهل التفسير من أن الآية التي بينت الإِجمال في قوله تعالى هنا: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أنها قوله تعالى في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ﴾ الآية، فهو غلط؛ لأن المائدة من آخر ما نزل من القرآن، وآية الحج هذه نازلة قبل نزول المائدة بكثير فلا يصح أن يحال البيان عليها في قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بل المبين لذلك الإِجمال آية الأنعام التي ذكرنا؛ لأنها نازلة بمكة، فيصح أن تكون مبينة لآية الحج المذكورة، كما نبه عليه غير واحد.\nأما قوله تعالى في المائدة: ﴿وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ فيصبح بيانه بقوله في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ","vol":"5","page":749},{"text":"وَالدَّمُ﴾ الآية. كما أوضحنا في أول المائدة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1077> قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾</span>.\n\"من\" في هذه الآية بيانية.\nوالمعنى: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، أي: عبادتها والرجس القذر الذي تعافه النفوس. وفي هذه الآية الكريمة الأمر باجتناب عبادة الأوثان، ويدخل في حكمها، ومعناها عبادة كل معبود من دون الله كائنًا من كان. وهذا الأمر باجتناب عبادة غير الله المذكور هنا جاء مبينًا في آيات، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وبين تعالى أن ذلك شرط في صحة إيمانه باللَّه في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وأثنى الله على مجتنبي عبادة الطاغوت المنيبين للَّه، وبين أن لهم البشرى، وهي ما يسرهم عند ربهم في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى﴾ الآية. وقد سأل إبراهيم ربه أن يرزقه اجتناب عبادة الطاغوت في قوله تعالى: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾ والأصنام تدخل في الطاغوت دخولًا أوليًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1078> قوله تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾</span>.\nأمر في هذه الآية الكريمة باجتناب قول الزور، وهو الكذب والباطل كقولهم: إن الله حرم البحيرة والسائبة، ونحو ذلك، وكادعائهم له الأولاد والشركاء، وكل قول مائل عن الحق فهو زور؛ لأن أصل المادة التي هي الزور من الازورار بمعنى الميل،","vol":"5","page":750},{"text":"والاعوجاج، كما أوضحناه في الكلام على قوله: ﴿تَزَاوَرُ عَنْ كَهْفِهِمْ﴾ الآية.\nواعلم أنا قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، وتقدمت لذلك أمثلة. وسيأتي بعض أمثلته في الآيات القريبة من سورة الحج هذه.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أنه هنا قال: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠)﴾ بصيغة عامة، ثم بين في بعض المواضع بعض أفراد قول الزور المنهي عنه، كقوله تعالى في الكفار الذين كذبوه  - ﷺ -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾ فصرح بأن قولهم هذا من الظلم والزور. وقال في الذين يظاهرون من نسائهم، ويقول الواحد منهم لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ فصرح بأن قولهم ذلك منكر وزور، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي بكرة ﵁ أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يا رسول الله  - ﷺ -، قال: الإِشراك باللَّه، وعقوق الوالدين. وكان متكئًا فجلس فقال: \"ألا وقول الزور، ألا وشهادة الزور، فما زال يكررها حتى قلنا: ليته سكت\". اهـ. وقد جمع تعالى هنا بين قول الزور والإِشراك به تعالى في قوله: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ (٣٠) حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾ وكما أنه جمع بينهما هنا، فقد جمع بينهما أيضًا في غير هذا الموضع كقوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ هو قول","vol":"5","page":751},{"text":"الزور. وقد أتى مقرونًا بقوله: ﴿وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ وذلك يدل على عظمة قول الزور؛ لأن الإِشراك باللَّه قد يدخل في قول الزور، كادعائهم الشركاء، والأولاد للَّه، وكتكذيبه - ﷺ -، فكل ذلك الزور فيه أعظم الكفر والإِشراك باللَّه. نعوذ باللَّه من كل سوء.\nومعنى حنفاء: قد قدمناه مرارًا مع بعض الشواهد العربية، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1079> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (٣١)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن من أشرك باللَّه غيره، أي: ومات ولم يتب من ذلك فقد وقع في هلاك، لا خلاص منه بوجه، ولا نجاة معه بحال؛ لأنه شبهه بالذي خر، أي: سقط من السماء إلى الأرض، فتمزقت أوصاله، وصارت الطير تتخطفها، وتهوي بها الريح فتلقيها في مكان سحيق، أي: محل بعيد؛ لشدة هبوبها بأوصاله المتمزقة، ومن كانت هذه صفته فإنه لا يرجى له خلاص، ولا يطمع له في نجاة، فهو هالك لا محالة؛ لأن من خر من السماء إلى الأرض لا يصل الأرض عادة إلَّا متمزق الأوصال، فإذا خطفت الطير أوصاله وتفرق في حواصلها، أو ألقته الريح في مكان بعيد فهذا هلاك محقق لا محيد عنه.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من هلاك من أشرك باللَّه وأنه لا يرجى له خلاص، جاء موضحًا في مواضع أخر كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾ الآية، وكقوله: ﴿قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ","vol":"5","page":752},{"text":"بِهِ﴾ الآية في الموضعين من سورة النساء. والخطف: الأخذ بسرعة. والسحيق: البعيد. ومنه قوله تعالى: ﴿فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ أي: بعدًا لهم.\nوقد دلت آيات أخر على أن محل هذا الهلاك الذي لا خلاص منه بحال الواقع بمن يشرك باللَّه إنما هو في حق من مات على ذلك الإِشراك، ولم يتب منه قبل حضور الموت. أما من تاب من شركه قبل حضور الموت، فإن الله يغفر له؛ لأن الإِسلام يجبّ ما قبله.\nوالآيات الدالة على ذلك متعددة، كقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ﴾ الآية، وقوله في الذين قالوا: ﴿إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ. . . أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وقوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما إن كانت توبته من شركه عند حضور الموت، فإنها لا تنفعه. وقد دلت على ذلك آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ﴾ فقد دلت الآية على التسوية بين الموت على الكفر، والتوبة منه عند حضور الموت، وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ وكقوله في فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾.","vol":"5","page":753},{"text":"وقرأ هذا الحرف نافع (فتخطفه) بفتح الخاء وتشديد الطاء، أصله فتتخطفه الطير بتاءين، فحذفت إحداهما. وقرأه غيره من السبعة (فتخطفه) الطير بإسكان الخاء وتخفيف الطاء مضارع خطفه بالكسر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1080> قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾</span>.\nقد ذكرنا قريبًا أنا ذكرنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يذكر لفظ عام، ثم يصرح في بعض المواضع بدخول بعض أفراد ذلك العام فيه، فيكون ذلك الفرد قطعي الدخول لا يمكن إخراجه بمخصص، وواعدنا بذكر بعض أمثلته في هذه الآيات. ومرادنا بذلك هذه الآية الكريمة؛ لأن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ عام في جميع شعائر الله، وقد نص تعالى على أن البدن فرد من أفراد هذا العموم داخل فيه قطعًا، وذلك في قوله: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فيدخل في الآية تعظيم البدن واستسمانها واستحسانها، كما قدمنا عن البخاري: أنهم كانوا يسمنون الأضاحي، وكانوا يرون أن ذلك من تعظيم شعائر الله.\nوقد قدمنا أن الله صرح بأن الصفا والمروة داخلان في هذا العموم بقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، وأن تعظيمها المنصوص في هذه الآية يدل على عدم التهاون بالسعي بين الصفا والمروة، كما تقدم إيضاحه في مبحث السعي. وقوله في هذه الآية: ﴿ذَلِكَ﴾ فيه ثلاثة أوجه من الإِعراب:\nالأول: أن يكون في محل رفع بالابتداء، والخبر محذوف، أي: ذلك حكم الله وأمره.","vol":"5","page":754},{"text":"الثاني: أن يكون خبر مبتدأ محذوف، أي: اللازم ذلك أو الواجب ذلك.\nالثالث: أن يكون في محل نصب بفعل محذوف، أي: اتبعوا ذلك، أو امتثلوا ذلك، ومما يشبه هذه الإِشارة في كلام العرب قول زهير:\nهذا وليس كمن يعيى بخطته ... وسط الندى إذا ما قائل نطقا\nقاله القرطبي وأبو حيان.\nوالضمير المؤنث في قوله: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ قال القرطبي: هو عائد إلى الفعلة التي يتضمنها الكلام، ثم قال: وقيل: إنه راجع إلى الشعائر بحذف مضاف، أي: فإن تعظيمها، أي: الشعائر فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه، فرجع الضمير إلى الشعائر. اهـ.\nوقال الزمخشري في الكشاف: ﴿فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ (٣٢)﴾ أي: فإن تعظيمها من أفعال ذوي تقوى القلوب، فحذفت هذه المضافات. ولا يستقيم المعنى إلَّا بتقديرها؛ لأنه لابد من راجع من الجزاء إلى من يرتبط به. اهـ منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1081> قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ (٣٤) الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلَى مَا أَصَابَهُمْ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - أن يبشر المخبتين، أي: المتواضعين للَّه المطمئنين الذين من صفتهم: أنهم إذا سمعوا ذكر الله، وجلت قلوبهم، أي: خافت من الله جل وعلا، وأن يبشر الصابرين على ما أصابهم من الأذى. ومتعلق التبشير محذوف لدلالة","vol":"5","page":755},{"text":"المقام عليه، أي: بشرهم بثواب الله وجنته. وقد بين في موضع آخر: أن الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم: هم المؤمنون حقًا، وكونهم هم المؤمنين حقًا يجعلهم جديرين بالبشارة المذكورة هنا. وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ الآية، وأمره في موضع آخر أن يبشر الصابرين على ما أصابهم مع بيان بعض ما بشروا به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾.\nواعلم أن وجل القلوب عند ذكر الله، أي: خوفها من الله عند سماع ذكره لا ينافي ما ذكره جل وعلا من أن المؤمنين تطمئن قلوبهم بذكر الله، كما في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (٢٨)﴾ ووجه الجمع بين الثناء عليهم بالوجل الذي هو الخوف عند ذكره جل وعلا، مع الثناء عليهم بالطمأنينة بذكره، والخوف والطمأنينة متنافيان هو ما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وهو أن الطمأنينة بذكر الله تكون بانشراح الصدر بمعرفة التوحيد، وصدق ما جاء به الرسول  - ﷺ -، فطمأنينتهم بذلك قوية؛ لأنها لم تتطرقها الشكوك، ولا الشبه. والوجل عند ذكر الله تعالى يكون بسبب خوف الزيغ عن الهدى، وعدم تقبل الأعمال، كما قال تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ (٦٠)﴾ وقال تعالى: ﴿تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ ولهذا كان  - ﷺ -  يقول في دعائه: \"يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك\".","vol":"5","page":756},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1082> قوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ﴾</span>.\nقد قدمنا أنه تعالى أمر بالأكل من بهيمة الأنعام: وهي الإِبل والبقر والغنم بأنواعها الثمانية، وأمر بإطعام البائس الفقير منها، وأمر بالأكل من البدن، وإطعام القانع والمعتر منها، وما كان من الإِبل فهو من البدن بلا خلاف.\nواختلفوا في البقرة، هل هي بدنة وقد قدمنا الحديث الصحيح أن البقرة من البدن. وقدمنا أيضًا ما يدل على أنها غير بدنة، وأظهرها أنها من البدن. وللعلماء في تفسير القانع والمعتر أقوال متعددة متقاربة أظهرها عندي أن القانع هو الطامع الذي يسأل أن يعطى من اللحم. ومنه قول الشماخ:\nلمال المرء يصلحه فيغنى ... مفاقره أعف من القنوع\nيعني أعف من سؤال الناس، والطمع فيهم، وأن المعتر هو الذي يعتري متعرضًا للإِعطاء من غير سؤال وطلب. واللَّه أعلم.\nوقد قدمنا حكم الأكل من أنواع الهدايا والضحايا، وأقوال أهل العلم في ذلك ما أغني عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1083> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾</span>.\nقوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ نعت لمصدر، أي: سخرناها، أي: البدن لكم تسخيرًا كذلك، أي: مثل ذلك التسخير الذي تشاهدون، أي: ذللناها لكم، وجعلناها منقادة لكم تفعلون بها ما شئتم من نحر وركوب، وحلب وغير ذلك من المنافع، ولولا أن الله ذللها لكم لم تقدروا عليها؛ لأنها أقوى منكم، ألا ترى البعير إذا توحش صار صاحبه غير قادر عليه، ولا متمكن من الانتفاع به.","vol":"5","page":757},{"text":"وقوله هنا ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ قد قدمنا مرارًا أن لعل تأتي في القرآن لمعان أقربها اثنان:\nأحدهما: أنها بمعناها الأصلي الذي هو الترجي والتوقع، وعلى هذا فالمراد بذلك خصوص الخلق؛ لأنهم هم الذين يترجى منهم شكر النعم من غير قطع بأنهم يشكرونها، أو لا يشكرونها؛ لعدم علمهم بما تؤول إليه الأمور. وليس هذا المعنى في حق الله تعالى؛ لأنه عالم بما سيكون، فلا يجوز في حقه جل وعلا إطلاق الترجي والتوقع لتنزيهه عن ذلك، وإحاطة علمه بما ينكشف عنه الغيب، وقد قال تعالى لموسى وهارون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ أي: على رجائكما وتوقعكما أنه يتذكر أو يخشى، مع أن الله عالم في سابق أزله أن فرعون لا يتذكر ولا يخشى، فمعنى لعل بالنسبة إلى الخلق، لا إلى الخالق جل وعلا. المعنى الثاني: هو ما قدمنا من أن بعض أهل العلم قال: كل لعل في القرآن فهي للتعليل إلَّا التي في سورة الشعراء: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قال: فهي بمعنى: كأنكم تخلدون. وإتيان لفظة لعل للتعليل معروف في كلام العرب. وقد قدمناه موضحًا مرارًا. وقد قدمنا من شواهده العربية قول الشاعر:\nفقلتم لنا كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق\nيعني كفوا الحروب لأجل أن نكف. وإذا علمت أن هذه الآية الكريمة بين الله فيها أن تسخيره الأنعام لبني آدم نعمة من إنعامه، تستوجب الشكر لقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾.\nفاعلم: أنه بين هذا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ","vol":"5","page":758},{"text":"فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله في آية يس هذه: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ كقوله في آية الحج: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦)﴾ ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى قريبًا: ﴿كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ﴾ الآية. وقد قدمنا معنى شكر العبد لربه، وشكر الرب لعبده مرارًا بما أغنى عن إعادته هنا. والتسخير: التذليل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1084> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يدفع السوء عن عباده الذين آمنوا به إيمانًا حقًا، ويكفيهم شر أهل السوء. وقد أشار إلى هذا المعني في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ (١٤) وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِم﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ بفتح الياء والفاء بينهما دال ساكنة مضارع دفع المجرد، وعلى هذه القراءة فالمفعول محذوف، أي: يدفع عن الذين آمنوا الشر والسوء؛ لأن الإِيمان باللَّه هو أعظم أسباب دفع المكاره. وقرأ الباقون: (يدافع) بضم الياء، وفتح الدال بعدها ألف، وكسر الفاء مضارع دافع المزيد فيه ألف بين الفاء والعين على وزن فاعل. وفي","vol":"5","page":759},{"text":"قراءة الجمهور هذه إشكال معروف، وهو أن المفاعلة تقتضي بحسب الوضع العربي اشتراك فاعلين في المصدر، واللَّه جل وعلا يدفع كل ما شاء من غير أن يكون له مدافع يدفع شيئًا.\nوالجواب: هو ما عرف من أن المفاعلة قد ترد بمعنى المجرد، نحو: جاوزت المكان بمعنى جزته، وعاقبت اللص، وسافرت، وعافاك الله، ونحو ذلك، فإن فاعل في جميع ذلك بمعنى المجرد، وعليه فقوله: يدافع، بمعنى: يدفع، كما دلت عليه قراءة ابن كثير وأبي عمرو.\nوقال الزمخشري: ومن قرأ يدافع فمعناه: يبالغ في الدفع عنهم، كما يبالغ من يغالب فيه؛ لأن فعل المغالب يجيء أقوى وأبلغ. اهـ منه.\nولا يبعد عندي أن يكون وجه المفاعلة أن الكفار يستعملون كل ما في إمكانهم لإِضرارهم بالمؤمنين، وإيذائهم، واللَّه جل وعلا يدفع كيدهم عن المؤمنين، فكان دفعه جل وعلا لقوة عظيمة أهلها في طغيان شديد، يحاولون إلحاق الضرر بالمؤمنين. وبهذا الاعتبار كان التعبير بالمفاعلة في قوله: (يدافع)، وإن كان جل وعلا قادرًا على إهلاكهم، ودفع شرهم عن عباده المؤمنين. ومما يوضح هذا المعنى الذي أشرنا إليه قول كعب بن مالك ﵁:\nزعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب\nوالعلم عند الله تعالى. ومفعول (يدافع) محذوف، فعلى القول بأنه بمعنى: يدفع فقد ذكرنا تقديره، وعلى ما أشرنا إليه أخيرًا فتقدير المفعول: يدافع عنهم أعداءهم، وخصومهم فيرد كيدهم في نحورهم.","vol":"5","page":760},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1085> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ (٣٨)﴾</span>.\nصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة بأنه لا يحب كل خوان كفور. والخوان والكفور كلاهما صيغة مبالغة؛ لأن الفعال بالتضعيف والفعول بفتح الفاء من صيغ المبالغة، والمقرر في علم العربية أن نفي المبالغة في الفعل لا يستلزم نفي أصل الفعل، فلو قلت: زيد ليس بقتال للرجال فقد نفيت مبالغته في قتلهم، ولم يستلزم ذلك أنه لم يحصل منه قتل لبعضهم، ولكنه لم يبالغ في القتل. وعلى هذه القاعدة العربية المعروفة فإن الآية قد صرحت بأن الله لا يحب المبالغين في الكفر والمبالغين في الخيانة، ولم تتعرض لمن يتصف بمطلق الخيانة ومطلق الكفر من غير مبالغة فيهما، ولا شك أن الله يبغض الخائن مطلقًا، والكافر مطلقًا، وقد أوضح جل وعلا ذلك في بعض المواضع، فقال في الخائن: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ (٥٨)﴾ وقال في الكافر: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1086> قوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾</span>.\nمتعلق (أذن) محذوف في هذه الآية الكريمة، أي: أذن لهم في القتال بدليل قوله: (يقاتلون) وقد صرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة؛ أنه أذن للذين يقاتلون، وهم النبي - ﷺ - وأصحابه، ودل قوله: يقاتلون على أن المراد من يصلح للقتال منهم دون من لا يصلح له، كالأعمى، والأعرج، والمريض، والضعيف، والعاجز عن السفر للجهاد لفقره بدليل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ","vol":"5","page":761},{"text":"حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ﴾ الآية. وقوله جل وعلا: ﴿لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلَا عَلَى الْمَرْضَى وَلَا عَلَى الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ﴾.\nوقوله: ﴿بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الباء فيه سببية، وهي من حروف التعليل، كما تقرر في مسلك النص الظاهر من مسالك العلة.\nوهذه الآية هي أول آية نزلت في الجهاد كما قال به جماعات من العلماء، وليس فيها من أحكام الجهاد إلَّا مجرد الإِذن لهم فيه ولكن قد جاءت آيات أخر دالة على أحكام أخر زائدة على مطلق الإِذن، فهي مبينة عدم الاقتصار على الإِذن كما هو ظاهر هذه الآية. وقد قالت جماعة من أهل العلم: إن الله ﵎ لعظم حكمته في التشريع إذا أراد أن يشرع أمرًا شاقًا على النفوس كان تشريعه له على سبيل التدريج؛ لأن إلزامه بغتة في وقت واحد من غير تدريج فيه مشقة عظيمة على الذين كلفوا به. قالوا فمن ذلك الجهاد، فإنه أمر شاق على النفوس؛ لما فيه من تعريضها لأسباب الموت؛ لأن القتال مع العدو الكافر القوي من أعظم أسباب الموت عادة وإن كان الأجل محدودًا عند الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ وقد بين تعالى مشقة إيجاب الجهاد عليهم بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ومع تعريض النفوس فيه لأعظم أسباب الموت، فإنه ينفق فيه المال أيضًا، كما قال تعالى: ﴿وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ﴾ قالوا: ولما كان الجهاد فيه هذا من المشقة، وأراد الله تشريعه شرعه تدريجًا، فأذن فيه أولًا من غير","vol":"5","page":762},{"text":"إيجاب بقوله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ الآية. ثم لما استأنست به نفوسهم بسبب الإِذن فيه أوجب عليهم قتال من قاتلهم دون من لم يقاتلهم بقوله: ﴿وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا﴾ الآية. وهذا تدريج من الإِذن إلى نوع خاص من الإِيجاب، ثم لما استأنست نفوسهم بإيجابه في الجملة أوجبه عليهم إيجابًا عامًا جازمًا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾ وقوله: ﴿تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أن لبعض أهل العلم في بعض الآيات التي ذكرنا أقوالًا غير ما ذكرنا، ولكن هذا التدريج الذي ذكرنا دل عليه استقراء القرآن في تشريع الأحكام الشاقة، ونظيره شرب الخمر، فإن تركه شاق على من اعتاده، فلما أراد الله أن يحرم الخمر حرمها تدريجًا، فذكر أولًا بعض معائبها، كقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا﴾ ثم لما استأنست نفوسهم بأن في الخمر إثمًا أكثر مما فيها من النفع حرمها عليهم في أوقات الصلاة بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾ الآية. فكانوا بعد نزولها لا يشربونها إلَّا في وقت يزول فيه السكر قبل وقت الصلاة، وذلك بعد صلاة العشاء وبعد صلاة الصبح؛ لأن ما بين العشاء والصبح يصحو فيه السكران عادة. وكذلك ما بين الصبح والظهر. وهذا تدريج من عيبها إلى تحريمها في بعض الأوقات، فلما استأنست نفوسهم لتحريمها حرمها","vol":"5","page":763},{"text":"عليهم تحريمًا عامًا جازمًا بقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ وكذلك للصوم، فإنه لما كان الإِمساك عن شهوة الفرج والبطن شاقًا على النفوس،  وأراد تعالى تشريعه شرعه تدريجًا فخير أولًا بين صوم اليوم وإطعام المسكين في قوله: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فلما استأنست النفوس به في الجملة، أوجبه أيضًا إيجابًا عامًا جازمًا بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية. وقال بعض أهل العلم: التدريج في تشريع الصوم على ثلاثة مراحل كما قبله قالوا: أوجب عليهم أولًا صومًا خفيفًا لا مشقة فيه، وهو صوم يوم عاشوراء، وثلاثة من كل شهر، ثم لما أراد فرض صوم رمضان شرعه تدريجًا على المرحلتين اللتين ذكرناهما آنفًا. هكذا قالته جماعات من أهل العلم، وله اتجاه. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩)﴾ يشير إلى معنيين:\nأحدهما: فيه الإِشارة إلى وعده للنبي وأصحابه بالنصر على أعدائهم، كما قال قبله قريبًا ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nوالمعنى الثاني: أن الله قادر على أن ينصر المسلمين على الكافرين من غير قتال؛ لقدرته على إهلاكهم بما شاء، ونصرة المسلمين عليهم بإهلاكه إياهم، ولكنه شرع الجهاد لحكم، منها: اختبار الصادق في إيمانه، وغير الصادق فيه، ومنها: تسهيل نيل فضل الشهادة في سبيل الله بقتل الكفار لشهداء المسلمين، ولولا ذلك لما حصل أحد فضل الشهادة في سبيل الله. كما أشار تعالى إلى","vol":"5","page":764},{"text":"حكمة اختبار الصادق في إيمانه وغيره بالجهاد في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ﴾ وكقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقوله تعالى في حكمة الابتلاء المذكور، وتسهيل الشهادة في سبيله: ﴿إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (١٤٠) وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ (١٤١)﴾.\nوقرأ هذا الحرف نافع، وأبو عمرو، وعاصم: (أُذِنَ) بضم الهمزة، وكسر الذال مبنيًا للمفعول. وقرأ الباقون بفتح الهمزة مبنيًا للفاعل، أي: أذن الله للذين يقاتلون. وقرأ نافع وابن عامر وحفص، عن عاصم: (يقاتلون) بفتح التاء مبنيًا للمفعول. وقرأ الباقون بكسر التاء مبنيًا للفاعل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1087> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾</span>.\nتقدم ما يوضح هذه الآية من الآيات في سورة براءة في الكلام على قوله: ﴿وَمَا نَقَمُوا إِلَّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.","vol":"5","page":765},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1088> قوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أقسم لينصرن من ينصره، ومعلوم أن نصر الله إنما هو باتباع ما شرعه بامتثال أوامره، واجتناب نواهيه، ونصرة رسله وأتباعهم، ونصرة دينه، وجهاد أعدائه وقهرهم حتى تكون كلمته جل وعلا هي العليا، وكلمة أعدائه هي السفلى. ثم إن الله جل وعلا بين صفات الذين وعدهم بنصره ليميزهم عن غيرهم، فقال مبينًا من أقسم أنه ينصره؛ لأنه ينصر الله جل وعلا: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ الآية. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن من نصر الله نصره الله جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧) وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. دليل على أنه لا وعد من الله بالنصر إلَّا مع إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر. فالذين يمكن الله لهم في الأرض ويجعل الكلمة فيها والسلطان لهم، ومع ذلك لا يقيمون الصلاة، ولا يؤتون الزكاة، ولا يأمرون بالمعروف، ولا ينهون عن المنكر فليس لهم وعد من الله بالنصر؛ لأنهم ليسوا من حزبه، ولا من","vol":"5","page":766},{"text":"أوليائه الذين وعدهم بالنصر، بل هم حزب الشيطان وأولياؤه، فلو طلبوا النصر من الله بناء على أنه وعدهم إياه، فمثلهم كمثل الأجير الذي يمتنع من عمل ما أجر عليه، ثم يطلب الأجرة، ومن هذا شأنه فلا عقل له.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾ العزيز الغالب الذي لا يغلبه شيء، كما قدمناه مرارًا بشواهده العربية.\nوهذه الآيات تدل على صحة خلافة الخلفاء الراشدين؛ لأن الله نصرهم على أعدائهم، لأنهم نصروه فأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وقد مكن لهم، واستخلفهم في الأرض، كما قال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nوالحق أن الآيات المذكورة تشمل أصحاب رسول الله - ﷺ -، وكل من قام بنصرة دين الله على الوجه الأكمل. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1089> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَثَمُودُ (٤٢) وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمُ لُوطٍ (٤٣) وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾</span>.\nفي هذه الآيات الكريمة تسلية للنبي - ﷺ - بأن الذي عامله به قومه من التكذيب عومل به غيره مِن الرسل الكرام، وذلك يسليه ويخفف عليه كما قال تعالى: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من","vol":"5","page":767},{"text":"الآيات. وذكر تعالى في هذه الآيات سبع أمم كل واحدة منهم كذبت رسولها.\nالأولى: قوم نوح في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ والآيات الدالة على تكذيب قوم نوح لا تكاد تحصى في القرآن، لكثرتها ولنقتصر على الأمثلة؛ لكثرة الآيات الدالة على تكذيب هذه الأمم رسلها، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾ وقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ فَكَذَّبُوا عَبْدَنَا وَقَالُوا مَجْنُونٌ وَازْدُجِرَ (٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nالثانية: عاد، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع في آيات كثيرة أنهم كذبوا رسولهم هودًا، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاهُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ وَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (٥٣)﴾.\nالثالثة: ثمود، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع تكذيبهم لنبيهم صالح في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ الْمُرْسَلِينَ (١٤١)﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nالرابعة: قوم إبراهيم، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا اقْتُلُوهُ أَوْ حَرِّقُوهُ فَأَنْجَاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ﴾ الآية. وكقوله: ﴿أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَاإِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nالخامسة: قوم لوط، وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أنهم كذبوه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ لُوطٍ الْمُرْسَلِينَ (١٦٠)﴾ وقوله:","vol":"5","page":768},{"text":"﴿فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nالسادسة: أصحاب مدين، وقد بين تعالى أنهم كذبوا نبيهم شعيبًا في غير هذا الموضع في آيات كثيرة، كقوله: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ وقوله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ أَصَلَاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاءُ إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nالسابعة: من كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أن فرعون وقومه كذبوا موسى في آيات كثيرة كقوله: ﴿لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ وقوله: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ (١٨) وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ قد بين تعالى نوع العذاب الذي عذب به كل أمة من تلك الأمم بعد الإِملاء لها والإِمهال، فبين أنه أهلك قوم نوح بالغرق في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وبين في مواضع كثيرة أنه بعد الإِملاء والإِمهال لعاد","vol":"5","page":769},{"text":"أهلكهم بالريح العقيم، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحُوا لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبين أنه أهلك ثمود بصيحة أهلكتهم جميعًا، كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوم إبراهيم الذين كذبوه هم نمروذ، وقومه، وقد ذكر المفسرون أن العذاب الدنيوي الذي أهلكهم الله به هو المذكور في قوله تعالى في سورة النحل: ﴿قَدْ مَكَرَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ فَخَرَّ عَلَيْهِمُ السَّقْفُ مِنْ فَوْقِهِمْ وَأَتَاهُمُ الْعَذَابُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ (٢٦)﴾.\nوقد بين تعالى أنه أهلك قوم لوط بجعل عالي أرضهم سافلها، وأنه أرسل عليهم مطرًا من حجارة السجيل في مواضع متعددة، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقد بين تعالى أنه أهلك أصحاب مدين بالصيحة في مواضع، كقوله فيهم: ﴿وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٩٤) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"5","page":770},{"text":"وقد بين في مواضع كثيرة أنه أهلك الذين كذبوا موسى، وهم فرعون وقومه بالغرق، كقوله: ﴿وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ (٢٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nومعلوم أن الآيات كثيرة في بيان ما أهلكت به هذه الأمم السبع المذكورة، وقد ذكرنا قليلًا منها كالمثال لغيره، وكل ذلك يوضح معنى قوله تعالى بعد أن ذكر تكذيب الأمم السبع لأنبيائهم: ﴿فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ﴾ أي: بالعذاب، وهو ما ذكرته بعض الآيات الدالة على تفاصيله.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾ النكير: اسم مصدر، بمعنى الإِنكار، أي: كيف كان إنكاري عليهم منكرهم، الذي هو كفرهم بي، وتكذيبهم رسلي، وهو ذلك العذاب المستأصل الذي بينا، وبعده عذاب الآخرة الذي لا ينقطع. نرجو الله لنا ولإِخواننا المسلمين العافية من كل ما يسخط خالقنا، ويستوجب عقوبته. والجواب: إنكارك عليهم بذلك العذاب واقع موقعه على أكمل وجه؛ لأن الجزاء من جنس العمل، فجزاء العمل البالغ غاية القبح بالنكال العظيم جزاء وفاق واقع موقعه، فسبحان الحكيم الخبير الذي لا يضع الأمر إلا في موضعه، ولا يوقعه إلا في موقعه.\nوقرأ هذا الحرف ورش وحده عن نافع: ﴿فكيف كان نكيري﴾ بياء المتكلم بعد الراء وصلًا فقط. وقرأ الباقون بحذفها اكتفاء بالكسرة عن الياء.","vol":"5","page":771},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1090> قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه أهلك كثيرًا من القرى في حال كونها ظالمة، أي: بسبب ذلك الظلم، وهو الكفر باللَّه وتكذيب رسله، فصارت بسبب الإِهلاك والتدمير ديارها متهدمة، وآبارها معطلة، لا يسقي منها شيء؛ لإِهلاك أهلها الذين كانوا يسقون منها. وهذا المعنى الذي ذكره تعالى في هذه الآية جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨) فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩) أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ وقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي موسى الأشعري، ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ - ﷺ -: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ العروش السقوف، والخاوية الساقطة. ومنه قول الخنساء:\nكان أبو حسان عرشًا خوى ... مما بناه الدهر دان ظليل\nوالمعنى: أن السقوف سقطت ثم سقطت عليها حيطانها على أظهر التفسيرات. والقصر المشيد المطلي بالشِّيد بكسر","vol":"5","page":772},{"text":"الشين، وهو الجص، وقيل: المشيد الرفيع الحصين، كقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: حصون رفيعة منيعة. والظاهر أن قوله: ﴿وَبِئْرٍ مُعَطَّلَةٍ﴾ معطوف على قرية، أي: وكأين من قرية أهلكناها، وكم من بئر عطلناها بإهلاك أهلها، وكم من قصر مشيد أخليناه من ساكنيه، وأهلكناهم لما كفروا وكذبوا الرسل.\nوفي هذه الآية وأمثالها: تهديد لكفار قريش الذين كذبوه  - ﷺ -، وتحذير لهم من أن ينزل بهم ما نزل بتلك القرى من العذاب لما كذبت رسلها.\nتنبيه\nيظهر لطالب العلم في هذه الآية سؤال: وهو أن قوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يدل على تهدم أبنية أهلها، وسقوطها، وقوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ يدل على بقاء أبنيتها قائمة مشيدة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر لي في جواب هذا السؤال: أن قصور القرى التي أهلكها الله وقت نزول هذه الآية منها ما هو متهدم، كما دل عليه قوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ ومنها ما هو قائم باق على بنائه، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾ وإنما استظهرنا هذا الجمع؛ لأن القرآن دل عليه، وخير ما يفسر به القرآن القرآن، وذلك في قوله جل وعلا في سورة هود: ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ (١٠٠)﴾ فصرح في هذه الآية بأن منها قائمًا، ومنها حصيدًا.\nوأظهر الأقوال وأجراها على ظاهر القرآن: أن القائم هو الذي","vol":"5","page":773},{"text":"لم يتهدم، والحصيد هو الذي تهدم وتفرقت أنقاضه. ونظيره من كلام العرب قوله:\nوالناس في قسم المنية بينهم ... كالزرع منه قائم وحصيد\nوفي معنى القائم والحصيد أقوال أخر غير ما ذكرنا، ولكن ما ذكرنا هو أظهرها.\nوذكر الزمخشري ما يفهم منه وجه آخر للجمع، وهو أن معنى قوله: خاوية: خالية من أهلها، من قوله: خوى المكان إذا خلا من أهله، وأن معنى: على عروشها: أن الأبنية باقية، أي: هي خالية من أهلها مع بقاء عروشها قائمة على حيطانها. وما ذكرناه أولًا هو الصواب إن شاء الله تعالى.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن أن لفظ القرية: يطلق تارة على نفس الأبنية، وتارة على أهلها الساكنين بها، فالإِهلاك في قوله: ﴿أَهْلَكْنَاهَا﴾ والظلم في قوله: ﴿وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: يراد به أهلها الساكنون بها، وقوله: ﴿فَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا﴾ يراد به الأبنية كما قال في آية: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا﴾ وقال في أخرى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا﴾.\nوقد بينا في رسالتنا المسماة منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإِعجاز: أن ما يسميه البلاغيون مجاز النقص، ومجاز الزيادة، ليس بمجاز حتى عند جمهور القائلين بالمجاز من الأصوليين، وأقمنا الدليل على ذلك. وقرأ هذا الحرف ابن كثير (وكائن) بألف بعد الكاف، وبعد الألف همزة مكسورة، فنون ساكنة. وقرأه الباقون: (وكأين) بهمزة مفتوحة بعد الكاف، بعدها ياء مكسورة مشددة، فنون","vol":"5","page":774},{"text":"ساكنة. ومعنى القراءتين واحد، فهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان صحيحتان.\nوأبو عمرو يقف على الياء، والباقون يقفون على النون وقرأ أبو عمرو (أهلكتها) بتاء المتكلم المضمومة بعد الكاف من غير ألف، والباقون بنون مفتوحة بعد الكاف، وبعد النون ألف. والمراد بصيغة الجمع على قراءة الجمهور التعظيم، كما هو واضح. وقرأ ورش والسوسي (وبير) بإبدال الهمزة ياء، والباقون بالهمزة الساكنة.\nمسألة\nاعلم: أن \"كأين\" فيها لغات عديدة أفصحها الاثنتان اللتان ذكرناهما، (وكأين) بفتح الهمزة والياء المكسورة المشددة أكثر في كلام العرب، وهي قراءة الجمهور كما بينا، (وكائن) بالألف والهمزة المكسورة أكثر في شعر العرب، ولم يقرأ بها من السبعة غير ابن كثير كما بينا. ومعنى \"كأين\" كمعنى كم الخبرية، فهي تدل على الإِخبار بعدد كثير، ومميزها له حالتان:\nالأولى: أن يجرّ بمن، وهي لغة القرآن، كقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ وقوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ﴾ الآية ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. ونظير ذلك من كلام العرب في جر مميز كأين بمن قوله:\nوكائن بالأباطح من صديق ... يراني لو أصيب هو المصابا\nالحالة الثانية: أن ينصب ومنه قوله:\nوكائن لنا فضلًا عليكم ومنة ... قديمًا ولا تدرون ما من منعم","vol":"5","page":775},{"text":"وقول الآخر:\nاطرد اليأس بالرجاء فكائن ... آلمًا حم يسره بعد عسر\nقال في الخلاصة:\nككم كأين وكذا وينتصب ... تمييز ذين أو به صل من تصب\nأما الاستفهام بكأين فهو نادر، ولم يثبته إلا ابن مالك، وابن قتيبة، وابن عصفور. واستدل له ابن مالك بما روى عن أبي بن كعب أنه قال لابن مسعود: كأين تقرأ سورة الأحزاب آية؟ فقال: ثلاثًا وسبعين. اهـ.\nواختلف في كأين هل هي بسيطة، أو مركبة؟ وعلى أنها مركبة فهي مركبة من كاف التشبيه، وأي المنونة، قال بعضهم: ولأجل تركيبها جاز الوقف عليها بالنون في قراءة الجمهور؛ لأن التنوين لما دخل في التركيب أشبه النون الأصلية، ولهذا رسم في المصحف نونًا.\nوقراءة أبي عمرو بالوقف على الياء؛ لأجل اعتبار حكم التنوين في الأصل، وهو حذفه في الوقف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي أن \"كأين\" بسيطة، وأنها كلمة وضعتها العرب للإِخبار بعدد كثير، نحو: كم، إذ لا دليل يجب الرجوع إليه على أن أصلها مركبة. ومن الدليل على أنها بسيطة إثبات نونها في الخط؛ لأن الأصل في نون التنوين عدم إثباتها في الخط، ودعوى أن التركيب جعلها كالنون الأصلية دعوى مجردة عن الدليل. واختار أبو حيان أنها غير مركبة، واستدل لذلك بتلاعب العرب بها في تعدد اللغات، فإن فيها خمس لغات، اثنتان","vol":"5","page":776},{"text":"منها قد قدمناهما، وبينا أنهما قراءتان سبعيتان؛ لأن إحداهما قرأ بها ابن كثير والأخرى قرأ بها الجمهور. واللغة الثالثة فيها: \"كأين\" بهمزة ساكنة فياء مكسورة، والرابعة: \"كيئن\" بياء ساكنة وهمزة مكسورة، الخامسة: \"كأن\" بهمزة مفتوحة ونون ساكنة. اهـ. ولقد صدق أبو حيان في أن التلاعب بلفظ هذه الكلمة إلى هذه اللغات يدل على أن أصلها بسيطة لا مركبة. واللَّه أعلم.\nواعلم: أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة من أن البئر المعطلة، والقصر المشيد معروفان، وأنهما بحضر موت، وأن القصر مشرف على قمة جبل لا يرتقى إليه بحال، وأن البئر في سفحه لا تقر الرياح شيئًا سقط فيها إلا أخرجته. وما يذكرونه أيضًا من أن البئر هي: الرس، وأنها كانت بعدن باليمن بحضر موت في بلد يقال له: حضور، وأنها نزل بها أربعة آلاف ممن آمنوا بصالح، ونجوا من العذاب، ومعهم صالح، فمات صالح، فسمي المكان حضر موت؛ لأن صالحًا لما حضره مات فبنوا حضور، وقعدوا على هذه البئر، وأمروا عليهم رجلًا يقال له العلس بن جلاس بن سويد، أو جلهس بن جلاس، وكان حسن السيرة فيهم عاملًا عليهم، وجعلوا وزيره سنجاريب بن سوادة، فأقاموا دهرًا، وتناسلوا حتى كثروا، وكانت البئر تسقي المدينة كلها وباديتها، وجميع ما فيها من الدواب والغنم والبقر وغير ذلك؛ لأنها كانت لها بكرات كثيرة منصوبة عليها، ورجال كثيرون موكلون بها، وحياض كثيرة حولها تملأ للناس وحياض للدواب، وحياض للغنم، وحياض للبقر، ولم يكن لهم ماء غيرها، وآل بهم الأمر إلى أن مات ملكهم وطلوا جثته بدهن يمنعها من التغيير، وأن الشيطان دخل في جثته،","vol":"5","page":777},{"text":"وزعم لهم أنه هو الملك، وأنه لم يمت ولكنه تغيب عنهم؛ ليرى صنيعهم، وأمرهم أن يضربوا بينهم وبين الجثة حجابًا، وكان الشيطان يكلمهم من جثة الملك من وراء حجاب؛ لئلا يطلعوا على الحقيقة أنه ميت، ولم يزل بهم حتى كفروا باللَّه تعالى فبعث الله إليهم نبيًا اسمه: حنظلة بن صفوان يوحى إليه في النوم دون اليقظة، فأعلمهم أن الشيطان أضلهم، وأخبرهم أن ملكهم قد مات، ونهاهم عن الشرك باللَّه، ووعظهم ونصح لهم، وحذرهم عقاب ربهم، فقتلوا نبيهم المذكور في السوق، وطرحوه في بئر، فعند ذلك نزل بهم عقاب الله، فأصبحوا والبئر غار ماؤها، وتعطل رشاؤها، فصاحوا بأجمعهم، وضج النساء والصبيان حتى مات الجميع من العطش، وأن تلك البئر هي البئر المعطلة في هذه الآية = كله لا معول عليه؛ لأنه من جنس الإِسرائيليات، وظاهر القرآن يدل على خلافه؛ لأن قوله: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ﴾ معناه الإِخبار بأن عددًا كبيرًا من القرى أهلكهم الله بظلمهم، وأن كثيرًا من آبارهم بقيت معطلة بهلاك أهلها، وأن كثيرًا من القصور المشيدة بقيت بعد هلاك أهلها بدونهم؛ لأن مميز \"كأين\" وإن كان لفظه مفردًا فمعناه يشمل عددًا كثيرًا، كما هو معلوم في محله.\nوقال أبو حيان في البحر المحيط: وعن الإِمام أبي القاسم الأنصاري قال: رأيت قبر صالح بالشام في بلدة يقال لها: عكا، فكيف يكون بحضرموت. ومعلوم أن ديار قوم صالح التي أهلكوا فيها معروفة يمر بها الذاهب من المدينة إلى الشام. وقد قدمنا في سورة الحجر أن النبي - ﷺ - مر بها في طريقه إلى تبوك في غزوة تبوك. ومن المستبعد أن يقطع صالح، ومن آمن من قومه هذه المسافة الطويلة","vol":"5","page":778},{"text":"البعيدة من أرض الحجر إلى حضرموت من غير داع يدعوه ويضطره إلى ذلك، كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1091> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كفار مكة الذين كذبوا نبينا صلوات الله وسلامه عليه، ينبغي لهم أن يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها، أو آذان يسمعون بها؛ لأنهم إذا سافروا مروا بأماكن قوم صالح، وأماكن قوم لوط، وأماكن قوم هود، فوجدوا بلادهم خالية، وآثارهم منطمسة لم يبق منهم داع ولا مجيب، لتكذيبهم رسلهم، وكفرهم بربهم، فيدركون بعقولهم: أن تكذيبهم نبيهم لا يؤمن أن يسبب لهم من سخط الله مثل ما حل بأولئك الذين مروا بمساكنهم خالية، قد عم أهلها الهلاك، وتكون لهم آذان يسمعون بها ما قص الله في كتابه على نبيه من أخبار تلك الأمم، وما أصابها من الإِهلاك المستأصل والتدمير، فيحذروا أن يحل بهم مثل ما حل بأولئك.\nوالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ثم بين تهديده لكفار مكة بما فعل بالأمم الماضية في قوله: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ وكقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وكقوله فيهم: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ الآية، وكقوله في قوم لوط، وقوم شعيب - أصحاب الأيكة -: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾ لأن معنى الآيتين: أن ديارهم على ظهر الطريق الذي يمرون فيه المعبر عنه بالسبيل والإِمام. والآيات بمثل هذا كثيرة. وقد قدمنا منها جملًا كافية في سورة المائدة وغيرها.","vol":"5","page":779},{"text":"والآية تدل على أن محل العقل في القلب، ومحل السمع في الأذن، فما يزعمه الفلاسفة من أن محل العقل الدماغ باطل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكذلك قول من زعم أن العقل لا مركز له أصلًا في الإِنسان؛ لأنه زماني فقط، لا مكاني فهو في غاية السقوط والبطلان كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1092> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ (٤٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله: ﴿وَمَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى﴾ الآية. مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1093> قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار يطلبون من النبي - ﷺ - تعجيل العذاب الذي يعدهم به طغيانًا وعنادًا.\nوالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾ وقوله: ﴿يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾ وقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ﴾ الآية.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ وفي يونس في الكلام على قوله: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ إلى غير ذلك من المواضع.","vol":"5","page":780},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ الظاهر أن المراد بالوعد هنا: هو ما أوعدهم به من العذاب الذي يستعجلون نزوله.\nوالمعنى: هو منجز ما وعدهم به من العذاب إذا جاء الوقت المحدد لذلك، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَوْمَ يَأْتِيهِمْ لَيْسَ مَصْرُوفًا عَنْهُمْ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ وبه تعلم أن الوعد يطلق في القرآن على الوعد بالشر.\nومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾ فإنه قال في هذه الآية في النار: (وعدها الله) بصيغة الثلاثي الذي مصدره الوعد، ولم يقل: أوعدها.\nوما ذكر في هذه الآية من أن ما وعد به الكفار من العذاب واقع لا محالة، وأنه لا يخلف وعده بذلك جاء مبينا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة ق: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية. والصحيح أن المراد بقوله: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ أن ما أوعده الكفار به من العذاب لا يبدل لديه، بل هو واقع لا محالة، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ أي: وجب وثبت فلا يمكن عدم وقوعه بحال، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ كما أوضحناه في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾ الآية. وأوضحنا أنما أوعد","vol":"5","page":781},{"text":"به الكفار لا يخلف بحال، كما دلت عليه الآيات المذكورة. أما ما أوعد به عصاة المسلمين، فهو الذي يجوز ألا ينفذه وأن يعفو، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.\nوبالتحقيق الذي ذكرنا: تعلم أن الوعد يطلق في الخير والشر كما بينا، وإنما شاع على ألسنة كثير من أهل التفسير من أن الوعد لا يستعمل إلا في الوعد بخير، وأنه هو الذي لا يخلفه الله، وأما إن كان المتوعد به شرًا، فإنه وعيد وإيعاد. قالوا: إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا، وعن الإِيعاد كرمًا، وذكروا عن الأصمعي أنه قال: كنت عند أبي عمرو بن العلاء، فجاءه عمرو بن عبيد فقال: يا أبا عمرو، هل يخلف الله الميعاد؟ فقال: لا، فذكر آية وعيد، فقال له: أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤمًا، وعن الإِيعاد كرمًا، أما سمعت قول الشاعر:\nولا يرهب ابن العم والجار سطوتي ... ولا انثنى عن سطوة المتهدد\nفإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nفيه نظر من وجهين.\nالأول: هو ما بيناه آنفًا من إطلاق الوعد في القرآن على التوعد بالنار، والعذاب، كقوله تعالى: ﴿النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ﴾ لأن ظاهر الآية الذي لا يجوز العدول عنه: ولن يخلف الله وعده في حلول العذاب الذي يستعجلونك به بهم؛ لأنه مقترن بقوله: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ فتعلقه به هو الظاهر.","vol":"5","page":782},{"text":"الثاني: هو ما بينا أن ما وعد الله به الكفار لا يصح أن يخلفه بحال؛ لأن ادعاء جواز إخلافه - لأنه إيعاد، وأن العرب تعد الرجوع عن الإِيعاد كرمًا - يبطله أمران:\nالأول: أنه يلزمه جواز ألا يدخل النار كافر أصلًا؛ لأن إيعادهم بإدخالهم النار مما زعموا أن الرجوع عنه كرم، وهذا لا شك في بطلانه.\nالثاني: ما ذكرنا من الآيات الدالة: على أن الله لا يخلف ما أوعده به الكفار من العذاب، كقوله: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية، وقوله تعالى فيهم: ﴿فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ وقوله فيهم: ﴿فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ ومعنى حق: وجب وثبت، فلا وجه لانتفائه بحال، كما أوضحناه هنا وفي غير هذا الموضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1094> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾</span>.\nبين جل وعلا هذه الآية الكريمة أن اليوم عنده جل وعلا كألف سنة مما يعده خلقه. وما ذكره هنا من كون اليوم عنده كألف سنة، أشار إليه في سورة السجدة بقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾ وذكر في سورة المعارج أن مقدار اليوم خمسون ألف سنة، وذلك في قوله: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ الآية. فآية الحج، وآية السجدة متوافقتان تصدق كل واحدة منهما الأخرى، وتماثلها في المعنى. وآية المعارج تخالف ظاهرهما؛ لزيادتها عليهما بخمسين ضعفًا. وقد ذكرنا وجه الجمع بين هذه الآيات في كتابنا:","vol":"5","page":783},{"text":"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. وسنذكره إن شاء الله هنا ملخصًا مختصرًا. ونزيد عليه بعض ما تدعو الحاجة إليه.\nفقد ذكرنا ما ملخصه: أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلا من ابن عباس، وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات: فلم يدر ما يقوله فيها، ويقول: لا أدري، ثم ذكرنا أن للجمع بينهما وجهين.\nالأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم من طريق سماك، عن عكرمة عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج: هو أحد الأيام الستة التي خلق الله فيها السموات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة، هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفًا، هو يوم القيامة.\nالوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن اختلاف زمن اليوم إنما هو باعتبار حال المؤمن، وحال الكافر؛ لأن يوم القيامة أخف على المؤمن منه على الكافر، كما قال تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾. اهـ. ذكر هذين الوجهين صاحب الإِتقان.\nوذكرنا أيضًا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ ما ملخصه: أن آية الفرقان هذه تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار، لأن المقيل القيلولة أو مكانها، وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة وابن جبير؛ لدلالة هذه الآية على ذلك. كما نقله عنهم ابن كثير وغيره.","vol":"5","page":784},{"text":"وفي تفسير الجلالين ما نصه: وأخذ من ذلك انقضاء الحساب في نصف نهار، كما ورد في حديث. انتهى منه. مع أنه تعالى ذكر أن مقدار يوم القيامة خمسون ألف سنة في قوله: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ وهو يوم القيامة بلا خلاف في ذلك.\nوالظاهر في الجواب: أن يوم القيامة يطول على الكفار، ويقصر على المؤمنين، ويشير لهذا قوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾ فتخصيصه عسر ذلك اليوم بالكافرين: يدل على أن المؤمنين ليسوا كذلك، وقوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ يدل بمفهوم مخالفته على أنه يسير على المؤمنين غير عسير، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.\nوقال ابن جرير: حدثني يونس، أنبأنا ابن وهب، أنبأنا عمرو بن الحارث: أن سعيدًا الصواف حدثه أنه بلغه؛ أن يوم القيامة يقصر على المؤمنين، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وأنهم يتقلبون في رياض الجنة، حتى يفرغ من الناس، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ ونقله عنه ابن كثير في تفسيره.\nوأما على قول من فسر المقيل في الآية بأنه المأوى والمنزل كقتادة ﵀، فلا دلالة في الآية لشيء مما ذكرنا. ومعلوم أن من كان في سرور ونعمة، أنه يقصر عليه الزمن الطويل قصرًا شديدًا، بخلاف من كان في العذاب المهين والبلايا والكروب، فإن الزمن القصير يطول عليه جدًّا، وهذا أمر معروف، وهو كثير في كلام العرب. وقد ذكرنا في كتابنا المذكور بعض الشواهد الدالة عليه،","vol":"5","page":785},{"text":"كقول أبي سفيان بن الحارث ﵁ يرثي رسول الله  - ﷺ -:\nأرقت فبات ليلي لا يزول ... وليل أخي المصيبة فيه طول\nوقول الآخر:\nفقصارهن مع الهموم طويلة ... وطوالهن مع السرور قصار\nوقول الآخر:\nليلي وليلى نفى نومي اختلافهما ... في الطُول والطَول طوبى لي لو اعتدلا\nيجود بالطُول ليلي كلما بخلت ... بالطَول ليلى وإن جادت به بخلا\nونحو هذا كثير جدًّا في كلام العرب. ومن أظرف ما قيل فيه ما روي عن يزيد بن معاوية أنه قال:\nلا أسأل الله تغييرًا لما فعلت ... نامت وقد أسهرت عيني عيناها\nفالليل أطول شيء حين أفقدها ... والليل أقصر شيء حين ألقاها\nوقد ورد بعض الأحاديث بما يدل على ظاهر آية الحج، وآية السجدة.\nوسنذكر هنا طرفًا منه بواسطة نقل ابن كثير في تفسير هذه الآية من سورة الحج.\nقال ابن كثير: قال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن عرفة، حدثني عبدة بن سليمان، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم خمسمائة عام\" ورواه الترمذي، والنسائي من حديث الثوري عن محمد بن عمرو به. وقال الترمذي: حسن صحيح.\nوقد رواه ابن جرير عن أبي هريرة موقوفًا فقال: حدثني","vol":"5","page":786},{"text":"يعقوب، ثنا ابن علية، ثنا سعيد الجريري، عن أبي نضرة، عن سمير بن نهار قال: قال أبو هريرة: يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، قلت: وما مقدار نصف يوم؟ قال: أو ما تقرأ القرآن؟ قلت: بلى قال: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾. وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه: حدثنا عمرو بن عثمان، حدثنا أبو المغيرة، حدثني صفوان، عن شريح بن عبيد، عن سعد بن أبي وقاص، عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها أن يؤخرهم نصف يوم، قيل لسعد: وكم نصف يوم؟ قال: خمسمائة سنة\".\nوقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سفيان، حدثنا عبد الرحمن بن المهدي، عن إسرائيل، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ قال: من الأيام التي خلق الله فيها السموات والأرض. ورواه ابن جرير عن ابن بشار، عن ابن المهدي. وبه قال مجاهد، وعكرمة، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب الرد على الجهمية. وقال مجاهد: هذه الآية كقوله: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾. اهـ. محل الغرض من ابن كثير.\nوظواهر الأحاديث التي ساق يمكن الجمع بينها وبين ما ذكرنا من أن أصل اليوم كألف سنة، ولكنه بالنسبة إلى المؤمنين يقصر ويخف، حتى يكون كنصف نهار. واللَّه تعالى أعلم.\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير، وحمزة، والكسائي: ﴿كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا يَعُدُّونَ﴾ بياء الغيبة، وقرأه الباقون: ﴿تَعُدُّونَ (٥)﴾ بتاء الخطاب. ومعنى القراءتين واضح. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":787},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1095> قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ (٤٨)﴾</span>.\nتقدمت قريبًا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ إلى قوله: ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ (٤٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1096> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية أن يقول للناس: ﴿إِنَّمَا أَنَا لَكُمْ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٤٩)﴾ أي: إني لست بربكم، ولا بيدي هدايتكم، ولا عليَّ عقابكم يوم القيامة، ولكني مخوف لكم من عذاب الله وسخطه.\nوالآيات بهذا المعنى كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ﴾ وقوله: ﴿إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (١١٥)﴾ وقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ وقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾ وقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة جدًّا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (مبين) الظاهر أنه الوصف من أبان الرباعية اللازمة التي بمعنى بان، والعرب تقول: أبان فهو مُبِين بمعنى بان فهو بَيِّن، من اللازم الذي ليس بمتعد إلى المفعول. ومنه قول كعب بن زهير:\nقنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل","vol":"5","page":788},{"text":"فقوله: \"عتق مبين\"، أي: كرم ظاهر.\nومن أبان اللازمة قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nلو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور\nيعني لظهر وبان من آثارهن ورم. ومنه قول جرير:\nإذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب\nأي: ظهر وبان المفرقات من العراب. ويحتمل أن يكون قوله في هذه الآية: (مبين) اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم، أي: مبين لكم في إنذاري كل ما ينفعكم، وما يضركم؛ لتجتلبوا النفع، وتجتنبوا الضر. والأول أظهر. واللَّه أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1097> قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين آمنوا به وبرسله، وكل ما يجب الإِيمان به، وعملوا الفعلات الصالحات من امتثال الأوامر، واجتناب النواهي لهم من الله مغفرة لذنوبهم، ورزق كريم، أي: حسن. وهو ما يرزقهم من أنواع النعيم في جناته، وأن الذين عملوا بخلاف ذلك فهم أصحاب الجحيم، أي: النار الشديد حرها. وفي هذه الآية وعد لمن أطاعه ووعيد لمن عصاه. والآيات بمثل ذلك في القرآن كثيرة، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، وقد أوضحناها في غير هذا الموضع.","vol":"5","page":789},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ قال مجاهد: معاجزين يثبطون الناس من متابعة النبي  - ﷺ - . وكذا قال عبد الله بن الزبير: مثبطين. وقال ابن عباس: (معاجزين) أي: مغالبين ومشاقين. وعن الفراء (معاجزين) معاندين. وعن الأخفش (معاجزين) معاندين مسابقين. وعن الزجاج (معاجزين) أي. ظانين أنهم يعجزوننا؛ لأنهم ظنوا ألا بعث، وأن الله لا يقدر عليهم.\nواعلم: أن في هذا الحرف قراءتين سبعيتين قرأه الجمهور: (معاجزين) بألف بين العين والجيم لصيغة المفاعلة اسم فاعل عاجزه. وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: (معجزين) بلا ألف مع تشديد الجيم المكسورة على صيغة اسم الفاعل من عجزه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر بحسب الوضع العربي في قراءة الجمهور معاجزين: هو اقتضاء طرفين؛ لأن الظاهر لا يعدل عنه إلا لدليل يجب الرجوع إليه، والمفاعلة تقتضي الطرفين إلا لدليل يصرف عن ذلك، واقتضاء المفاعلة الطرفين في الآية من طريقين.\nالأولى: هي ما قاله ابن عرفة من أن معنى (معاجزين) في الآية أنهم يعاجزون الأنبياء وأتباعهم، فيحاول كل واحد منهما إعجاز الآخر، فالأنبياء وأتباعهم يحاولون إعجاز الكفار وإخضاعهم لقبول ما جاء عن الله تعالى، والكفار يقاتلون الأنبياء، وأتباعهم، ويمانعونهم؛ ليصيروهم إلى العجز عن أمر الله. وهذا الوجه ظاهر كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾ وعليه فمفعول (معاجزين) محذوف، أي: معاجزين الأنبياء وأتباعهم، أي: مغالبين لهم، ليعجزوهم عن إقامة الحق.","vol":"5","page":790},{"text":"الطريقة الثانية: هي التي ذكرناها آنفًا عن الزجاج أن معنى (معاجزين) ظانين أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر عليهم؛ لزعمهم أنه لا يقدر على بعثهم بعد الموت، كما قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقال تعالى عنهم إنهم قالوا: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ وعلى هذا القول فالكفار معاجزين الله في زعمهم الباطل.\nوقد بين تعالى في آيات كثيرة أن زعمهم هذا كاذب، وأنهم لا يعجزون ربهم بحال، كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ وقوله: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ وقوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية، وقوله تعالى في الجن: ﴿وَأَنَّا ظَنَنَّا أَنْ لَنْ نُعْجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَنْ نُعْجِزَهُ هَرَبًا (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وقد قدمنا أن مما يوضح هذا الوجه الأخير قول كعب بن مالك ﵁:\nزعمت سخينة أن ستغلب ربها ... وليغلبن مغالب الغلاب\nومراده بسخينة قريش. يعني أنهم يحاولون غلبة ربهم، واللَّه غالبهم بلا شك. والوجه الأول أظهر.\nوأما على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: (معجزين) بكسر الجيم المشددة، بلا ألف، فالأظهر أن المعنى معجزين، أي: مثبطين من أراد الدخول في الإِيمان عن الدخول فيه، وقيل: معجزين من اتبع النبي  - ﷺ -  ومعنى ذلك: أنهم ينسبونهم إلى العجز من قولهم: عجزه بالتضعيف إذا نسبه إلى العجز الذي هو ضد الحزم، يعنون أنهم","vol":"5","page":791},{"text":"يحسبون المسلمين سفهاء لا عقول لهم، حيث ارتكبوا أمرًا غير الحزم والصواب، وهو اتباع دين الإِسلام في زعمهم، كما قال تعالى عن إخوانهم المنافقين: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾.\nاعلم أولًا: أن السعي يطلق على العمل في الأمر لإِفساده وإصلاحه، ومن استعماله في الإِفساد قوله تعالى: ﴿سَعَوْا فِي آيَاتِنَا﴾ أي: سعوا في إبطالها، وتكذيبها بقولهم: إنها سحر وشعر وكهانة وأساطير الأولين، ونحو ذلك. ومن إطلاق السعي في الفساد أيضًا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ الآية. ومن إطلاق السعي في العمل للإِصلاح قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا (٢٢)﴾ وقوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ جَاءَكَ يَسْعَى (٨) وَهُوَ يَخْشَى (٩)﴾ الآية إلى غير ذلك من الآيات.\nومن إطلاق السعي على الخير والشر معًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى (٤)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾.\nوهذه الآية التي ذكرناها هنا في سورة الحج التي هي قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٥٠) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ جاء معناها واضحًا في سورة سبأ في قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ (٤) وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾ فالعذاب من الرجز الأليم المذكور في سبأ هو عذاب الجحيم المذكور في الحج.","vol":"5","page":792},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1098> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آيَاتِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٥٢)﴾</span>.\nمعنى قوله: (تمنى) في هذه الآية الكريمة فيه للعلماء وجهان من التفسير معروفان:\nالأول: أن (تمنى) بمعنى: قرأ وتلا. ومنه قول حسان في عثمان بن عفان ﵁:\nتمنى كتاب الله أول ليله ... وآخرها لاقى حمام المقادر\nوقول الآخر:\nتمنى كتاب الله آخر ليله ... تمني داود الزبور على رسل\nفمعنى (تمنى) في البيتين قرأ وتلا.\nوفي صحيح البخاري عن ابن عباس أنه قال: إذا تمنى ألقى الشيطان في أمنيته: إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وكون تمنى بمعنى: قرأ وتلا هو قول أكثر المفسرين.\nالقول الثاني: أن تمني في الآية من التمني المعروف، وهو تمنيه إسلام أمته، وطاعتهم للَّه ولرسله، ومفعول ألقى محذوف، فعلى أن (تمنى) بمعنى: أحب إيمان أمته، وعلق أمله بذلك، فمفعول ألقى يظهر أنه من جنس الوساوس، والصد من دين الله حتى لا يتم للنبي أو الرسول ما تمنى.\nومعنى كون الإِلقاء في أمنيته على هذا الوجه: أن الشيطان يلقي وساوسه وشبهه ليصدّ بها عما تمناه الرسول أو النبي،","vol":"5","page":793},{"text":"فصار الإِلقاء كأنه واقع فيها بالصد عن تمامها والحيلولة دون ذلك.\nوعلى أن تمنى بمعنى: قرأ ففي مفعول ألقى تقديران:\nأحدهما: من جنس الأول، أي: ألقى الشيطان في قراءة رسول الله  - ﷺ -  أو النبي الشبه والوساوس ليصد الناس عن اتباع ما يقرؤه، ويتلوه الرسول أو النبي، وعلى هذا التقدير فلا إشكال.\nوأما التقدير الثاني: فهو ألقى الشيطان في أمنيته، أي: قراءته ما ليس منها ليظن الكفار أنه منها.\nوقوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يستأنس به لهذا التقدير.\nوقد ذكر كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية قصة الغرانيق قالوا: سبب نزول هذه الآية الكريمة أن النبي  - ﷺ -  قرأ سورة النجم بمكة، فلما بلغ: ﴿أَفَرَأَيْتُمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى (١٩) وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ ألقى الشيطان على لسانه: تلك الغرانيق العلى، وإن شفاعتهن لترتجى، فلما بلغ آخر السورة سجد وسجد معه المشركون والمسلمون. وقال المشركون: ما ذكر آلهتنا بخير قبل اليوم، وشاع في الناس أن أهل مكة أسلموا بسبب سجودهم مع النبي  - ﷺ -، حتى رجع المهاجرون من الحبشة ظنًا منهم أن قومهم أسلموا، فوجدوهم على كفرهم.\nوقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، ومثلنا لذلك بأمثلة متعددة.\nوهذا القول الذي زعمه كثير من المفسرين: وهو أن الشيطان ألقى على لسان النبي  - ﷺ -  هذا الشرك الأكبر، والكفر البواح الذي هو قولهم: تلك الغرانيق العلا، وإن شفاعتهن لترتجى. يعنون: اللات","vol":"5","page":794},{"text":"والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، الذي لا شك في بطلانه في نفس سياق آيات النجم التي تخللها إلقاء الشيطان المزعوم قرينة قرآنية واضحة على بطلان هذا القول؛ لأن النبي  - ﷺ -  قرأ بعد موضع الإِلقاء المزعوم بقليل قوله تعالى في اللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى: ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ وليس من المعقول أن النبي  - ﷺ -  يسب آلهتهم هذا السب العظيم في سورة النجم متأخرًا عن ذكره لها بخير المزعوم إلا وغضبوا، ولم يسجدوا؛ لأن العبرة بالكلام الأخير، مع أنه قد دلت آيات قرآنية على بطلان هذا القول، وهي الآيات الدالة على أن الله لم يجعل للشيطان سلطانًا على النبي  - ﷺ -، وإخوانه من الرسل، وأتباعهم المخلصين، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية. وعلى القول المزعوم أن الشيطان ألقى على لسان  - ﷺ -  ذلك الكفر البواح، فأي سلطان له أكبر من ذلك.\nومن الآيات الدالة على بطلان ذلك القول المزعوم قوله تعالى في النبي  - ﷺ -: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ وقوله: ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ (٢٢١) تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٢٢٢)﴾ وقوله في القرآن العظيم: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ فهذه الآيات القرآنية تدل على بطلان القول المزعوم.","vol":"5","page":795},{"text":"مسألة\nاعلم: أن مسألة الغرانيق مع استحالتها شرعًا، ودلالة القرآن على بطلانها لم تثبت من طريق صالح للاحتجاج، وصرح بعدم ثبوتها خلق كثير من علماء الحديث كما هو الصواب. والمفسرون يروون هذه القصة عن ابن عباس من طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. ومعلوم أن الكلبي متروك، وقد بين البزار ﵀: أنها لا تعرف من طريق يجوز ذكره إلا طريق أبي بشر، عن سعيد بن جبير، مع الشك الذي وقع في وصله. وقد اعترف الحافظ ابن حجر مع انتصاره لثبوت هذه القصة بأن طرقها كلها إما منقطعة أو ضعيفة إلا طريق سعيد بن جبير.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن طريق سعيد بن جبير لم يروها بها أحد متصلة إلا أمية بن خالد، وهو وإن كان ثقة فقد شك في وصلها.\nفقد أخرج البزار، وابن مردويه من طريق أمية بن خالد، عن شعبة عن أبي بشر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس فيما أحسب. ثم ساق حديث القصة المذكورة. وقال البزار: لا يرى متصلًا إلا بهذا الإِسناد، تفرد بوصله أمية بن خالد، وهو ثقة مشهور. وقال البزار: وإنما يروى عن طريق الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس. والكلبي متروك.\nفتحصل أن قصة الغرانيق لم ترد متصلة إلا من هذا الوجه الذي شك راويه في الوصل، ومعلوم أن ما كان كذلك لا يحتج به لظهور ضعفه؛ ولذا قال الحافظ ابن كثير في تفسيره: إنه لم يرها مسندة من وجه صحيح.","vol":"5","page":796},{"text":"وقال الشوكاني في هذه القصة: ولم يصح شيء من هذا، ولا يثبت بوجه من الوجوه، ومع عدم صحته، بل بطلانه فقد دفعه المحققون بكتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤)﴾ فنفى المقاربة للركون فضلًا عن الركون، ثم ذكر الشوكاني عن البزار أنها لا تروى بإسناد متصل، وعن البيهقي أنه قال: هي غير ثابتة من جهة النقل، وذكر عن إمام الأئمة ابن خزيمة: أن هذه القصة من وضع الزنادقة.\nوأبطلها ابن العربي المالكي، والفخر الرازي، وجماعات كثيرة.\nوقراءته  - ﷺ -  سورة النجم وسجود المشركين ثابت في الصحيح، ولم يذكر فيه شيء من قصة الغرانيق. وعلى هذا القول الصحيح وهو أنها باطلة فلا إشكال.\nوأما على ثبوت القصة كما هو رأي الحافظ ابن حجر فإنه قال في فتح الباري: إن هذه القصة ثابتة بثلاثة أسانيد كلها على شرط الصحيح، وهي مراسيل يحتج بمثلها من يحتج بالمرسل، وكذلك من لا يحتج به؛ لاعتضاد بعضها ببعض؛ لأن الطرق إذا كثرت وتباينت مخارجها، دل ذلك على أن لها أصلًا. فللعلماء عن ذلك أجوبة كثيرة أحسنها، وأقربها: أن النبي  - ﷺ -  كان يرتل السورة ترتيلًا تتخلله سكتات، فلما قرأ: ﴿وَمَنَاةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى (٢٠)﴾ قال الشيطان لعنه الله محاكيًا لصوته: تلك الغرانيق العلى. . إلخ. فظن المشركون أن الصوت صوته  - ﷺ -، وهو بريء من ذلك براءة الشمس من اللمس.","vol":"5","page":797},{"text":"وقد أوضحنا هذه المسألة في رحلتنا إيضاحًا وافيًا، واختصرناها هنا، وفي كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.\nوالحاصل: أن القرآن دل على بطلانها، ولم تثبت من جهة النقل، مع استحالة الإِلقاء على لسانه  - ﷺ -  لما ذكر شرعًا. ومن أثبتها نسب التلفظ بذلك الكفر للشيطان، فتبين أن نطق النبي  - ﷺ -  بذلك الكفر ولو سهوًا مستحيل شرعًا، وقد دل القرآن على بطلانه، وهو باطل قطعًا على كل حال.\nوالغرانيق: الطير البيض المعروفة واحدها غرنوق كزنبور وفردوس، وفيه لغات غير ذلك. يزعمون أن الأصنام ترتفع إلى الله كالطير البيض، فتشفع عنده لعابديها، قبحهم الله ما أكفرهم، ونحن وإن ذكرنا أن قوله: ﴿فَيَنْسَخُ اللَّهُ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ يستأنس به لقول من قال: إن مفعول الإِلقاء المحذوف تقديره: ألقى الشيطان في قراءته ما ليس منها؛ لأن النسخ هنا هو النسخ اللغوي، ومعناه الإِبطال والإِزالة، من قولهم: نسخت الشمس الظل، ونسخت الريح الأثر. وهذا كأنه يدل على أن الله ينسخ شيئًا ألقاه الشيطان، ليس مما يقرؤه الرسول أو النبي. فالذي يظهر لنا أنه الصواب، وأن القرآن يدل عليه دلالة واضحة، وإن لم ينتبه له من تكلم على الآية من المفسرين: هو أن ما يلقيه الشيطان في قراءة النبي: الشكوك والوساوس المانعة من تصديقها وقبولها، كإلقائه عليهم أنها سحر أو شعر، أو أساطير الأولين، وأنها مفتراة على الله ليست منزلة من عنده.\nوالدليل على هذا المعنى: أن الله بين أن الحكمة في الإِلقاء المذكور امتحان الخلق؛ لأنه قال: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً","vol":"5","page":798},{"text":"لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ ثم قال الله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَيُؤْمِنُوا بِهِ فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ فقوله: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ الآية. يدل على أن الشيطان يلقي عليهم أن الذي يقرأه النبي ليس بحق فيصدقه الأشقياء، ويكون ذلك فتنة لهم، ويكذبه المؤمنون الذين أوتوا العلم، ويعلمون أنه الحق، لا الكذب كما يزعم لهم الشيطان في إِلقائه. فهذا الامتحان لا يناسب شيئًا زاده الشيطان من نفسه في القراءة. والعلم عند الله تعالى.\nوعلى هذا القول فمعنى نسخ ما يلقي الشيطان: إزالته وإبطاله، وعدم تأثيره في المؤمنين الذين أوتوا العلم.\nومعنى يحكم آياته: يتقنها بالإِحكام، فيظهر أنها وحي منزل منه بحق، ولا يؤثر في ذلك محاولة الشيطان صد الناس عنها بإِلقائه المذكور.\nوما ذكره هنا من أنه يسلط الشيطان فيلقي في قراءة الرسول والنبي فتنة للناس ليظهر مؤمنهم من كافرهم بذلك الامتحان جاء موضحًا في آيات كثيرة قدمناها مرارًا، كقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾ أي: لأنها فتنة، كما قال: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾ الآية. لأنه لما نزلت هذه الآية قالوا: ظهر كذب محمد  - ﷺ -؛ لأن الشجر","vol":"5","page":799},{"text":"لا ينبت في الموضع اليابس، فكيف تنبت شجرة في أصل الجحيم إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه مرارًا، والعلم عند الله تعالى.\nواللام في قوله: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ﴾ الآية الأظهر أنها متعلقة بألقى، أي: ألقى الشيطان في أمنية؛ لرسل والأنبياء، ليجعل الله ذلك الإِلقاء فتنة للذين في قلوبهم مرض، خلافًا للحوفي القائل: إنها متعلقة بيحكم، وابن عطية القائل: إنها متعلقة بينسخ.\nومعنى كونه: فتنة لهم أنه سبب لتماديهم في الضلال والكفر.\nوقد أوضحنا معانى الفتنة في القرآن سابقًا، وبينا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار، ليظهر بسبكه فيها أخالص هو أم زائف، وأنها في القرآن تطلق على معان متعددة:\nمنها: الوضع في النار، ومنه قوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ أي: يحرقون بها، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾ الآية، أي: أحرقوهم بنار الأخذوذ على أظهر التفسيرين.\nومنها: الاختبار وهو أكثر استعمالاتها في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.\nومنها: نتيجة الابتلاء إن كانت سيئة كالكفر والضلال، كقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: شرك بدليل قوله: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وقوله في الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ ومما يوضح هذا المعنى","vol":"5","page":800},{"text":"قوله  - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله\" الحديث. فالغاية في الحديث مبينة للغاية في الآية؛ لأن خير ما يفسر به القرآن بعد القرآن السنة، ومنه بهذا المعنى قوله هنا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ وقد جاءت الفتنة في موضع بمعنى الحجة، وهو قوله تعالى في الأنعام: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: حجتهم كما هو الظاهر.\nواعلم أن مرض القلب في القرآن يطلق على نوعين:\nأحدهما: مرضه بالنفاق والشك والكفر، ومنه قوله تعالى في المنافقين: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية، وقوله هنا: ﴿لِيَجْعَلَ مَا يُلْقِي الشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ أي: كفر وشك.\nوالثاني: منهما إطلاق مرض القلب على ميله للفاحشة والزنى، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ أي: ميل إلى الزنى ونحوه، والعرب تسمى انطواء القلب على الأمور الخبيثة: مرضًا، وذلك معروف في لغتهم. ومنه قول الأعشى:\nحافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض\nوقوله هنا: ﴿وَالْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ﴾ قد بينا في سورة البقرة الآيات القرآنية الدالة على سبب قسوة القلوب في الكلام على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾.\nوآية الحج هذه تبين أن ما اشتهر على ألسنة أهل العلم من أن النبي هو من أوحي إليه وحي، ولم يؤمر بتبليغه، وأن الرسول هو النبي الذي أوحي إليه، وأمر بتبليغ ما أوحي إليه غير صحيح؛ لأن","vol":"5","page":801},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ﴾ الآية، يدل على أن كلًا منهما مرسل، وأنهما مع ذلك بينهما تغاير. واستظهر بعضهم أن النبي الذي هو رسول أنزل إليه كتاب وشرع مستقل مع المعجزة التي ثبتت بها نبوته، وأن النبي المرسل الذي هو غير الرسول هو من لم ينزل عليه كتاب وإنما أوحي إليه أن يدعو الناس إلى شريعة رسول قبله، كأنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يرسلون، ويؤمرون بالعمل بما في التوراة، كما بينه تعالى بقوله: ﴿يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية: ﴿فَتُخْبِتَ لَهُ قُلُوبُهُمْ﴾ أي: تخشع وتخضع وتطمئن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1099> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾</span>\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار لا يزالون في مرية، أي: شك وريب منه، أي: من هذا القرآن العظيم كما هو الظاهر. واختاره ابن جرير، وهو قول ابن جريج، كما نقله عنهم ابن كثير. وقال سعيد بن جبير، وابن زيد: ﴿فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ أي: في شك مما ألقى الشيطان.\nوذكر تعالى في هذه الآية: أنهم لا يزالون كذلك حتى تأتيهم الساعة، أي: القيامة بغتة، أي: فجأة أو يأتيهم عذاب يوم عقيم. قد روى مجاهد عن أبي بن كعب: أن اليوم العقيم المذكور يوم بدر. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وغير واحد. واختاره ابن جرير كما نقله عنهم ابن كثير في تفسيره، ثم قال: وقال مجاهد،","vol":"5","page":802},{"text":"وعكرمة في رواية عنهما: هو يوم القيامة لا ليل له. وكذا قال الضحاك، والحسن البصري، ثم قال: وهذا القول هو الصحيح وإن كان يوم بدر من جملة ما أوعدوا به. اهـ. محل الغرض من ابن كثير.\nوقد ذكرنا مرارًا أنا بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وذكرنا لذلك أمثلة كثيرة. وبه تعلم أن القرينة القرآنية هنا دلت على أن المراد باليوم العقيم: يوم القيامة، لا يوم بدر، وذلك أنه تعالى أتبع ذكر اليوم العقيم، بقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ الآية. وذلك يوم القيامة وقوله: يومئذ، أي: يوم إذ تأتيهم الساعة، أو يأتيهم عذاب عقيم، وكل ذلك يوم القيامة. فظهر أن اليوم العقيم: يوم القيامة، وإن كان يوم بدر عقيمًا على الكفار؛ لأنهم لا خير لهم فيه، وقد أصابهم ما أصابهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1100> قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾</span>.\nذكر جل علا في هذه الآية الكريمة: أن الملك يوم القيامة له، وإن كان الملك في الدنيا له أيضًا، لأن في الدنيا ملوكًا من المخلوقين، ويوم القيامة لا يكون فيه اسم الملك إلَّا للَّه جل وعلا وحده.\nوما ذكره في هذه الآية الكريمة من أن الملك يوم القيامة له، ومعلوم أن الملك هو الذي له الحكم بين الخلق بينه في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ","vol":"5","page":803},{"text":"الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ﴾ الآية، وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1101> قوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٥٦) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾</span>.\nإدخال الذين آمنوا وعملوا الصالحات الجنة المذكور هنا وكون الكفار المكذبين بآيات الله لهم العذاب المهين: يتضمن تفصيل حكم الله بينهم في قوله: ﴿يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ وما ذكره هنا من الوعد والوعيد قد بينا الآيات الدالة على معناه مرارًا بكثرة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1102> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٥٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية: أن المؤمنين الذين هاجروا في سبيل الله، ثم قتلوا بأن قتلهم الكفار في الجهاد؛ لأن هذا هو الأغلب في قتل من قتل منهم، أو ماتوا على فرشهم حتف أنفهم في غير جهاد، أنه تعالى أقسم ليرزقنهم رزقًا حسنًا وأنه خير الرازقين، وما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا جاء مبينًا في غير هذا الموضع.\nأما الذين قتلوا في سبيل الله: فقد بين الله جل وعلا أنه يرزقهم","vol":"5","page":804},{"text":"رزقًا حسنًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (١٦٩)﴾ ولا شك أن ذلك الذي يرزقهم رزق حسن. وأما الذين ماتوا في غير قتال المذكورين في قوله هنا: أو ماتوا، فقد قال الله فيهم: ﴿وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾ ولا شك أن من وقع أجره على الله: أن الله يرزقه الرزق الحسن كما لا يخفى.\nوالأحاديث الدالة على ذلك كثيرة.\nوقد ذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية طرفًا منها والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية \"ثم قتلوا\" قرأه ابن عامر بتشديد التاء، والباقون بتخفيفها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1103> قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٦١) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٦٢)﴾</span>.\nذكر غير واحد من المفسرين: أن الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى نصرة من ظلم من عباده المؤمنين المذكور قبل في قوله: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآية، أي: ذلك النصر المذكور كائن بسبب أنه قادر لا يعجز عن نصرة من شاء نصرته. ومن علامات قدرته الباهرة: أنه يولج الليل في النهار، ويولج النهار في الليل، أو بسبب أنه خالق الليل والنهار، ومصرفهما، فلا يخفى عليه ما يجري فيهما على أيدي عباده من الخير","vol":"5","page":805},{"text":"والشر والبغي والانتصار، وأنه سميع لما يقولون، بصير بما يفعلون، أي: وذلك الوصف بخلق النهار والليل والإِحاطة بما يجري فيهما، والإِحاطة بكل قول وفعل بسب أن الله هو الحق، أي: الثابت الإِلهية والاستحقاق للعبادة وحده، وأن كل ما يدعى إلهًا غيره باطل وكفر، ووبال على صاحبه، وأنه جل وعلا هو العلي الكبير الذي هو أعلا من كل شيء، وأعظم وأكبر ﷾ علوًا كبيرًا.\nوقد أشار تعالى لأول ما ذكرنا بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ﴾ الآية، ولآخره بقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ الآية.\nوالأظهر عندي: أن الإِشارة في قوله (ذلك) راجعة إلى ما هو أعم من نصر المظلوم، وأنها ترجع لقوله: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾ إلى ما ذكره من نصرة المظلوم، أي: ذلك المذكور من كون الملك له وحده يوم القيامة، وأنه الحاكم وحده بين خلقه، وأنه المدخل الصالحين جنات النعيم، والمعذب الذين كفروا العذاب المهين، والناصر من بغي عليه من عباده المؤمنين، بسبب أنه القادر على كل شيء. ومن أدلة ذلك: أنه يولج الليل في النهار إلى آخر ما ذكرنا. وهذا الذي وصف به نفسه هنا من صفات الكمال والجلال ذكره في غير هذا الموضع، كقوله في سورة لقمان مبينًا أن من اتصف بهذه الصفات قادر على إحياء الموتى، وخلق الناس: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ (٢٨)﴾.\nثم استدل على قدرته على الخلق والبعث، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَأَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٩) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ","vol":"5","page":806},{"text":"مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (٣٠)﴾ فهذه الصفات الدالة على كمال قدرته استدل بها على قدرته في الحج، وفي لقمان. وإيلاج كل من الليل والنهار في الآخر فيه معنيان:\nالأول: وهو قول الأكثر: هو أن إيلاج كل واحد منهما في الآخر إنما هو بإدخال جزء منه فيه، وبذلك يطول النهار في الصيف؛ لأنه أولج فيه شيء من الليل، ويطول الليل في الشتاء؛ لأنه أولج فيه شيء من النهار، وهذه من أدلة قدرته الكاملة.\nالمعنى الثاني: هو أن إيلاج أحدهما في الآخر هو تحصيل ظلمة هذا في مكان ضياء ذلك، لغيبوبة الشمس، وضياء ذلك في مكان ظلمة هذا، كما يضيء البيت المغلق بالسراج، ويظلم بفقده. ذكر هذا الوجه الزمخشري، وكأنه يميل إليه، والأول أظهر، وأكثر قائلًا. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ هُوَ الْبَاطِلُ﴾ قرأه حفص وحمزة والكسائي: (يدعون) بالياء التحتية، وقرأه الباقون بتاء الخطاب الفوقية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1104> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَتُصْبِحُ الْأَرْضُ مُخْضَرَّةً إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ (٦٣)﴾</span>.\nالظاهر: أن \"تر\" هنا من رأى بمعنى علم؛ لأن إنزال المطر وإن كان مشاهدًا بالبصر فكون الله هو الذي أنزله، إنما يدرك بالعلم لا بالبصر. فالرؤية هنا علمية عَلَى التحقيق.\nفالمعنى: ألم تعلم الله منزلًا من السماء ماءً فتصبح الأرض مخضرة، أي: ذات خضرة بسبب النبات الذي ينبته الله فيها بسبب","vol":"5","page":807},{"text":"إنزاله الماء من السماء، وهذه آية من آياته وبراهين قدرته عَلَى البعث كما بيناه مرارًا. وهذا المعنى المذكور هنا من كون إنبات نبات الأرض بإنزال الماء من آياته الدالة عَلَى كمال قدرته جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾ وكقوله: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾ وقوله: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا﴾ ثم بين أن ذلك من براهين البعث بقوله: ﴿كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾ أي: خروجكم من قبوركم أحياء بعد الموت، كقوله: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ وقوله: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان:\nالأول: هو ما حكمة عطف المضارع في قوله: (فتصبح) على الماضي الذي هو (أنزل)؟\nالسؤال الثاني: ما وجه الرفع في قوله: (فتصبح) مع أن قبلها استفهامًا؟\nفالجواب عن الأول: أن النكتة في المضارع هي إفادة بقاء أثر المطر زمانًا بعد زمان، كما تقول: أنعم علي فلان عام كذا وكذا،","vol":"5","page":808},{"text":"فأروح وأغدو شاكرًا له، ولو قلت: فغدوت ورحت لم يقع ذلك الموقع. هكذا أجاب به الزمخشري.\nوالذي يظهر لي  - واللَّه أعلم -: أن التعبير بالمضارع يفيد استحضار الهيأة التي اتصفت بها الأرض بعد نزول المطر، والماضي لا يفيد دوام استحضارها؛ لأنه يفيد انقطاع الشيء.\nأما الرفع في قوله: (فتصبح) فلأنه ليس مسببًا عن الرؤية التي هي موضع الاستفهام، وإنما هو مسبب الإِنزال في قوله: (أنزل) والإِنزال الذي هو سبب إصباح الأرض مخضرة ليس فيه استفهام، ومعلوم أن الفاء التي ينصب بعدها المضارع إن حذفت جاز جعل مدخولها جزاء للشرط، ولا يمكن أن تقول هنا: إن تر أن الله أنزل من السماء ماء، تصبح الأرض مخضرة؛ لأن الرؤية لا أثر لها البتة في اخضرار الأرض، بل سببه إنزال الماء، لا رؤية إنزاله.\nوقد قال الزمخشري في الكشاف في الجواب عن هذا السؤال: فإن قلت: فما له رفع ولم ينصب جوابًا للاستفهام.\nقلت: لو نصب لأعطى ما هو عكس الغرض؛ لأن معناه إثبات الاخضرار، فينقلب بالنصب إلى نفي الاخضرار.\nمثاله: أن تقول لصاحبك: ألم تراني أنعمت عليك فتشكر، إن تنصبه فأنت ناف لشكره شاكٍ تفريطه، وإن رفعته فأنت مثبت للشكر، وهذا وأمثاله مما يجب أن يرغب له من اتسم بالعلم في علم الإِعراب، وتوقير أهله. انتهى منه. وذكر نحوه أبو حيان وفسره ظانًا أنه أوضحه، ولا يظهر لي كل الظهور. والعلم عند الله تعالى.\nفإن قيل: كيف قال: فتصبح مع أن اخضرار الأرض قد يتأخر عن صبيحة المطر.","vol":"5","page":809},{"text":"فالجواب: أنه على قول من قال: (فتصبح الأرض مخضرة) أي: تصير مخضرة، فالأمر واضح، والعرب تقول: أصبح فلان غنيًا مثلًا بمعنى صار. وذكر أبو حيان عن بعض أهل العلم: أن بعض البلاد تصبح فيه الأرض مخضرة في نفس صبيحة المطر. ذكره عكرمة وابن عطية. وعلى هذا فلا إشكال. وقال بعضهم: إن الفاء للتعقيب، وتعقيب كل شيء بحسبه، كقوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾ مع أن بين ذلك أربعين يومًا كما في الحديث، قاله ابن كثير.\nوقوله: (لطيف خبير) أي: لطيف بعباده، ومن لطفه بهم إنزاله المطر وإنباته لهم به أقواتهم، خبير بكل شيء، لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السماء ولا في الأرض ﷾ علوًّا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1105> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الله سخر لخلقه ما في الأرض، وسخر لهم السفن تجري في البحر بأمره، وهذا الذي ذكره هنا جاء موضحًا في مواضع كثيرة، كقوله: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقد بينا معنى تسخير ما في السماء بإيضاح في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ وكقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة النحل وغيرها.","vol":"5","page":810},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1106> قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي يمسك السماء ويمنعها من أن تقع على الأرض، فتهلك من فيها، وأنه لو شاء لأذن للسماء فسقطت على الأرض فأهلكت من عليها، كما قال: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية. وقد أشار لهذا المعنى غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ على قول من فسرها بأنه غير غافل عن الخلق، بل حافظ لهم من سقوط السموات المعبر عنها بالطرائق عليهم.\nتنبيه\nهذه الآيات المذكورة وأمثالها في القرآن كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ وقوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، يدل دلالة واضحة على أن ما يزعمه ملاحدة الكفرة، ومن قلدهم من مطموسي البصائر ممن يدعون الإِسلام أن السماء فضاء، لا جرم مبني أنه كفر وإلحاد وزندقة، وتكذيب لنصوص القرآن العظيم. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":811},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٦٥)﴾ أي: ومن رأفته ورحمته بخلقه: أنه أمسك السماء عنهم، ولم يسقطها عليهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1107> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ﴾ أي: بعد أن كنتم أمواتًا في بطون أمهاتكم قبل نفخ الروح فيكم فهما إحياءتان، وإماتتان، كما بينه بقوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية.\nونظير آية الحج المذكورة هذه قوله تعالى في الجاثية: ﴿قُلِ اللَّهُ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يَجْمَعُكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ الآية.\nوكفر الإِنسان المذكور في هذه الآية في قوله: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَكَفُورٌ (٦٦)﴾ مع أن الله أحياه مرتين، وأماته مرتين، هو الذي دل القرآن على استبعاده وإنكاره مع دلالة الإِماتتين والإِحياءتين على وجوب الإِيمان بالمحيي المميت، وعدم الكفر به في قوله: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1108> قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾</span>.\nالأظهر في معنى قوله: ﴿مَنْسَكًا هُمْ نَاسِكُوهُ﴾ أي: متعبدًا هم متعبدون فيه؛ لأن أصل النسك التعبد. وقد بين تعالى أن منسك","vol":"5","page":812},{"text":"كل أمة فيه التقرب إلى الله بالذبح، فهو فرد من أفراد النسك صرح القرآن بدخوله في عمومه. وذلك من أنواع البيان الذي تضمنها هذا الكتاب المبارك.\nوالآية التي بين الله فيها ذلك هي قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ فَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا﴾ في الموضعين قرأه حمزة والكسائي بكسر السين، والباقون بفتحها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1109> قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يدعو الناس إلى ربهم، أي: إلى طاعته، وطاعة رسله، وأخبر فيها أنه على صراط مستقيم، أي: طريق حق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإِسلام الذي أمره أن يدعو الناس إليه.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمرين المذكورين جاء واضحًا في مواضع آخر، كقوله في الأول منهما: ﴿وَلَا يَصُدُّنَّكَ عَنْ آيَاتِ اللَّهِ بَعْدَ إِذْ أُنْزِلَتْ إِلَيْكَ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ وأخبر جل وعلا أنه امتثل الأمر بدعائهم إلى ربهم في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَوَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ وكقوله في الأخير: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ","vol":"5","page":813},{"text":"جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٢)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1110> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَادَلُوكَ فَقُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَعْمَلُونَ (٦٨)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أنه إن جادله الكفار، أي: خاصموه بالباطل وكذبوه، أن يقول لهم: الله أعلم بما تعملون.\nوهذا القول الذي أمر به تهديد لهم فقد تضمنت هذه الآية أمرين:\nأحدهما: أمر الرسول - ﷺ - أن يهددهم بقوله: الله أعلم بما تعملون، أي: من الكفر، فمجازيكم عليه أشد الجزاء.\nالثاني: الإِعراض عنهم، وقد أشار تعالى للأمرين اللذين تضمنتهما هذه الآية في غير هذا الموضع.\nأما إعراضه عنهم عند تكذيبهم له بالجدال الباطل فمن المواضع التي أشير له فيها قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾.\nوأما تهديدهم فقد أشار له في مواضع كقوله: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِمَا تُفِيضُونَ فِيهِ كَفَى بِهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ (١٤٧)﴾ فقوله: ﴿وَلَا يُرَدُّ بَأْسُهُ﴾ الآية، فيه أشد الوعيد للمكذبين، كما قال: ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ في مواضع متعددة، وهم إنما يكذبونه بالجدال، والخصام بالباطل. وقد أمره الله في غير هذا الموضع أن يجادلهم","vol":"5","page":814},{"text":"بالتي هي أحسن، وذلك في قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ وبين له أنهم لا يأتونه بمثل ليحتجوا عليه به بالباطل إلَّا جاءه الله بالحق الذي يدمغ ذلك الباطل، مع كونه أحسن تفسيرًا كشفًا وإيضاحًا للحقائق. وذلك في قوله: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1111> قوله تعالى: ﴿مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ﴾</span>.\nأي: ما عظموه حق عظمته حين عبدوا معه من لا يقدر على خلق ذباب، وهو عاجز أن يسترد من الذباب ما سلبه الذباب منه، كالطيب الذي يجعلونه على أصنامهم، إن سلبها الذباب منه شيئًا لا تقدر على استنقاذه منه. وكونهم لم يعظموا الله حق عظمته، ولم يعرفوه حق معرفته، حيث عبدوا معه من لا يقدر على جلب نفع، ولا دفع ضر. ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله في الأنعام: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾ وكقوله في الزمر: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1112> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يصطفي، أي: يختار رسلًا من الملائكة، ومن الناس، فرسل الناس لإِبلاع الوحي، ورسل الملائكة لذلك أيضًا، وقد يرسلهم لغيره. وهذا الذي ذكره هنا","vol":"5","page":815},{"text":"من اصطفائه الرسل منه ما جاء واضحًا في غير هذا الموضع، كقوله في رسل الملائكة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ الآية، وقوله في جبريل: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠)﴾ ومن ذكره إرسال الملائكة بغير الوحي قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ وكقوله في رسل بني آدم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1113> قوله تعالى: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾</span>.\nأي: اصطفاكم، واختاركم يا أمة محمد.\nومعنى هذه الآية أوضحه بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1114> قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾</span>.\nالحرج: الضيق كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.\nوقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أن هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها سيدنا محمد - ﷺ -، أنها مبنية على التخفيف والتيسير، لا على الضيق والحرج. وقد رفع الله فيها الآصار والأغلال التي كانت على من قبلنا.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ","vol":"5","page":816},{"text":"ضَعِيفًا (٢٨)﴾ وقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة، وابن عباس أن النبي  - ﷺ -  لما قرأ خواتم سورة البقرة \"ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا قال الله: قد فعلت\" في رواية ابن عباس. وفي رواية أبي هريرة قال: نعم. ومن رفع الحرج في هذه الشريعة الرخصة في قصر الصلاة في السفر، والإفطار في رمضان فيه، وصلاة العاجز عن القيام قاعدًا، وإباحة المحظور للضرورة، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من أنواع التخفيف والتيسير. وما تضمنته هذه الآية الكريمة والآيات التي ذكرنا معها من رفع الحرج، والتخفيف في شريعة نبينا  - ﷺ -  هو إحدى القواعد الخمس، والتي بني عليها الفقه الإسلامي، وهي هذه الخمس:\nالأولى: الضرر يزال ومن أدلتها حديث: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nالثانية: المشقة تجلب التيسير: وهي التي دل عليها قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وما ذكرنا في معناها من الآيات.\nالثالثة: لا يرفع يقين بشك، ومن أدلتها حديث من أحس بشيء في دبره في الصلاة وأنه لا يقطع الصلاة حتى يسمع صوتًا أو يشم ريحًا؛ لأن تلك الطهارة المحققة لم تنقض بتلك الريح المشكوك فيها.\nالرابعة: تحكيم عرف الناس المتعارف عندهم في صيغ عقودهم ومعاملاتهم، ونحو ذلك. واستدل لهذه بعضهم بقوله: ﴿وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾ الآية.\nالخامسة: الأمور تبع المقاصد، ودليل هذه حديث \"إنما","vol":"5","page":817},{"text":"الأعمال بالنيات\" الحديث. وقد أشار في مراقي السعود في كتاب الاستدلال إلى هذه الخمس المذكورات بقوله:\nقد أسس الفقه على رفع الضرر ... وأن ما يشق يجلب الوطر\nونفي رفع القطع بالشك وأن ... يحكم العرف وزاد من فطن\nكون الأمور تبع المقاصد ... مع التكلف ببعض وارد\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1115> قوله تعالى: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾</span>.\nقال بعضهم: هو منصوب بنزع الخافض، ومال إليه ابن جرير، أي: ما جعل عليكم في دينكم من ضيق، كملة إبراهيم. وأعربه بعضهم منصوبًا بمحذوف، أي: الزموا ملة أبيكم إبراهيم، ولا يبعد أن يكون قوله: ﴿مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ﴾ شاملًا لما ذكر قبله من الأوامر في قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧) وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ ويوضح هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ والدين القيم الذي هو ملة إبراهيم: شامل لما ذكر كله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1116> قوله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾</span>.\nاختلف في مرجع الضمير الذي هو لفظ هو من قوله: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ﴾ فقال بعضهم: الله هو الذي سماكم المسلمين من قبل، وفي هذا. وهذا القول مروي عن ابن عباس. وبه قال مجاهد، وعطاء، والضحاك، والسدي، ومقاتل بن حيان، وقتادة. كما نقله عنهم ابن كثير. وقال بعضهم: هو، أي: إبراهيم سماكم المسلمين، واستدل لهذا بقول إبراهيم وإسماعيل: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ وبهذا قال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، كما نقله عنه ابن كثير.","vol":"5","page":818},{"text":"وقد قدمنا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول. وجئنا بأمثلة كثيرة في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب، وفي هذه الآيات قرينتان تدلان على أن قول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم غير صواب.\nإحداهما: أن الله قال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا﴾ أي: القرآن، ومعلوم أن إبراهيم لم يسمهم المسلمين في القرآن، لنزوله بعد وفاته بأزمان طويلة كما نبه على هذا ابن جرير.\nالقرينة الثانية: أن الأفعال كلها في السياق المذكور راجعة إلى الله، لا إلى إبراهيم، فقوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ﴾ أي: الله (وما جعل عليكم في الدين من حرج) أي: الله، (هو سماكم المسلمين) أي: الله.\nفإن قيل: الضمير يرجع إلى أقرب مذكور، وأقرب مذكور للضمير المذكور: هو إبراهيم.\nفالجواب: أن محل رجوع الضمير إلى أقرب مذكور محله ما لم يصرف عنه صارف، وهنا قد صرف عنه صارف؛ لأن قوله: (وفي هذا) يعني القرآن دليل على أن المراد بالذي سماهم المسلمين فيه: هو الله، لا إبراهيم، وكذلك سياق الجمل المذكورة قبله، نحو: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ يناسبه أن يكون (هو سماكم) أي: الله المسلمين.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير الآية بعد أن ذكر أن الذي سماهم المسلمين من قبل وفي هذا: هو الله، لا إبراهيم ما نصه:","vol":"5","page":819},{"text":"قلت: وهذا هو الصواب؛ لأنه تعالى قال: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ثم حثهم وأغراهم على ما جاء به الرسول - ﷺ - بأنه ملة إبراهيم أبيهم الخليل، ثم ذكر منته تعالى على هذه الأمة بما نوه به من ذكرها، والثناء عليها في سالف الدهر، وقديم الزمان في كتب الأنبياء، تتلى على الأحبار والرهبان فقال: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ﴾ أي: من قبل هذا القرآن، وفي هذا.\nروى النسائي عند تفسير هذه الآية: أنبأنا هشام بن عمار، حدثنا محمد بن شعيب، أنبأنا معاوية بن سلام، أن أخاه زيد بن سلام أخبره، عن أبي سلام أنه أخبره قال: أخبرني الحارث الأشعري، عن رسول الله - ﷺ - قال: \"من دعا بدعوى الجاهلية فإنه من جثا جهنم، قال رجل: يا رسول الله، وإن صام وإن صلى؟ قال: نعم وإن صام وأن صلى، فادعوا بدعوة الله التي سماكم بها المسلمين المؤمنين عباد الله\" وقد قدمنا هذا الحديث بطوله عند تفسير قوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾. اهـ من تفسير ابن كثير.\nوقال ابن كثير في تفسير سورة البقرة: إن الحديث المذكور فيه أن الله هو الذي سماهم المسلمين المؤمنين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1117> قوله تعالى: ﴿لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾</span>.\nيعني: إنما اجتباكم، وفضلكم ونوه باسمكم المسلمين قبل نزول كتابكم، وزكاكم على ألسنة الرسل المتقدمين، فسماكم فيها","vol":"5","page":820},{"text":"المسلمين، وكذلك سماكم في هذا القرآن. وقد عرف بذلك أنكم أمة وسط عدول خيار مشهود بعدالتكم، لتكونوا شهداء على الناس يوم القيامة أن الرسل بلغتهم رسالات ربهم حين ينكر الكفار ذلك يوم القيامة، ويكون الرسول عليكم شهيدًا أنه بلغكم، وقيل: شهيدًا على صدقكم فيما شهدتم به للرسل على أممهم من التبليغ.\nوهذا المعنى المذكور هنا ذكره الله جل وعلا في قوله: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ وقال فيه - ﷺ -: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"5","page":821},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1118>سورة المؤمنون</span>","vol":"5","page":823},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1119> قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١) الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآيات التي ابتدأ بها أول هذه السورة علامات المؤمنين المفلحين قال: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ أي: فازوا وظفروا بخير الدنيا والآخرة.\nوفلاحِ المؤمنين مذكور ذكرًا كثيرًا في القرآن، كقوله: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾.\nوقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ أصل الخشوع: السكون، والطمأنينة، والانخفاض. ومنه قول نابغة ذبيان:\nرماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤى كجذم الحوض أثلم خاشع\nوهو في الشرع: خشية من الله تكون في القلب، فتظهر آثارها على الجوارح.\nوقد عد الله الخشوع من صفات الذين أعد لهم مغفرة وأجرًا عظيمًا في قوله في الأحزاب: ﴿وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.","vol":"5","page":825},{"text":"وقد عد الخشوع في الصلاة هنا من صفات المؤمنين المفلحين، الذين يرثون الفردوس: وبين أن من لم يتصف بهذا الخشوع تصعب عليه الصلاة في قوله: ﴿وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ وقد استدل جماعة من أهل العلم بقوله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ على أن من خشوع المصلي: أن يكون نظره في صلاته إلى موضع سجوده، قالوا: كان النبي  - ﷺ -  ينظر إلى السماء في الصلاة، فأنزل الله: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فجعل رسول الله  - ﷺ -  ينظر حيث يسجد.\nوقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في سننه، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة \"أن النبي  - ﷺ -  كان إذا صلى رفع بصره إلى السماء، فنزلت: ﴿الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ (٢)﴾ فطأطأ رأسه\". اهـ منه.\nوأكثر أهل العلم على أن المصلي ينظر إلى موضع سجوده، ولا يرفع بصره. وخالف المالكية الجمهور، فقالوا: إن المصلي ينظر أمامه لا إلى موضع سجوده، واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ قالوا: فلو نظر إلى موضع سجوده لاحتاج أن يتكلف ذلك بنوع من الانحناء، وذلك ينافي كمال القيام، وظاهر قوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ لأن المنحني بوجهه إلى موضع سجوده، ليس بمول وجهه شطر المسجد الحرام، والجمهور على خلافهم كما ذكرنا.\nواعلم أن معنى أفلح: نال الفلاح، والفلاح يطلق في لغة العرب على معنيين:","vol":"5","page":826},{"text":"الأول: الفوز بالمطلوب الأكبر، ومنه قول لبيد:\nفاعقلي إن كنت لما تعقلي ... ولقد أفلح من كان عقل\nأي: فاز من رزق العقل بالمطلوب الأكبر.\nوالثاني: هو إطلاق الفلاح على البقاء السرمدي في النعيم، ومنه قول لبيد أيضًا في رجز له:\nلو أن حيا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح\nيعني مدرك البقاء. ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الأضبط ابن قريع:\nلكل هم من الهموم سعة ... والمسى والصبح لا فلاح معه\nأي: لا بقاء معه. ولا شك أن من اتصف بهذه الصفات التي ذكرها الله في أول هذه السورة الكريمة دخل الجنة كما هو مصرح في الآيات المذكورة، وأن من دخل الجنة نال الفلاح بمعنييه المذكورين. والمعنيان اللذان ذكرنا للفلاح بكل واحد منهما فسر بعض العلماء حديث الأذان والإِقامة في لفظه: حي على الفلاح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1120> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين: إعراضهم عن اللغو. وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب، واللهو، والهزل، وما توجب المروءة تركه.\nوقال ابن كثير: ﴿عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾ أي: عن الباطل، وهو يشمل الشرك، كما قاله بعضهم، والمعاصي كما قاله آخرون، وما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال. اهـ منه.","vol":"5","page":827},{"text":"وما أثنى الله به على المؤمنين المفلحين في هذه الآية أشار له في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾ ومن مرورهم به كرامًا إعراضهم عنه، وعدم مشاركتهم أصحابه فيه، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1121> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾</span>.\nفي المراد بالزكاة هنا وجهان من التفسير معروفان عند أهل العلم.\nأحدهما: أن المراد بها زكاة الأموال، وعزاه ابن كثير للأكثرين.\nالثاني: أن المراد بالزكاة هنا: زكاة النفس، أي: تطهيرها من الشرك، والمعاصي بالإِيمان باللَّه، وطاعته وطاعة رسله عليهم الصلاة والسلام. وعلى هذا فالمراد بالزكاة هنا كالمراد بها في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا (١٠)﴾ وقوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾ وقوله: ﴿خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً﴾ الآية. وقوله: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ﴾ على أحد التفسيرين. وقد يستدل لهذا القول الأخير بثلاث قرائن:\nالأول: أن هذه السورة مكية بلا خلاف، والزكاة إنما فرضت بالمدينة كما هو معلوم، فدل على أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ نزل قبل فرض زكاة الأموال المعروفة، فدل على أن المراد به غيرها.\nالقرينة الثانية: هي أن المعروف في زكاة الأموال: أن يعبر عن","vol":"5","page":828},{"text":"أدائها بالإيتاء، كقوله تعالى: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ ونحو ذلك. وهذه الزكاة المذكورة هنا، لم يعبر عنها بالإِيتاء، بل قال تعالى فيها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ (٤)﴾ فدل على أن هذه الزكاة: أفعال المؤمنين المفلحين، وذلك أولى بفعل الطاعات، وترك المعاصي من أداء مال.\nالثالثة: أن زكاة الأموال تكون في القرآن عادة مقرونة بالصلاة، من غير فصل بينهما، كقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ﴾ وقوله: ﴿وَإِقَامَ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءَ الزَّكَاةِ﴾ وهذه الزكاة المذكورة هنا فصل بين ذكرها وبين ذى الصلاة بجملة: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُونَ (٣)﴾.\nوالذين قالوا: المراد بها زكاة الأموال قالوا: إن أصل الزكاة فرض بمكة قبل الهجرة، وأن الزكاة التي فرضت بالمدينة سنة اثنتين هي ذات النصب، والمقادير الخاصة.\nوقد أوضحنا هذا القول في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ وقد يستدل لأن المراد بالزكاة في هذه الآية غير الأعمال التي تزكى بها النفوس من دنس الشرك والمعاصي، بأنا لو حملنا معنى الزكاة على ذلك، كان شاملًا لجميع صفات المؤمنين المذكورة في أول هذه السورة، فيكون كالتكرار معها، والحمل على التأسيس والاستقلال أولى من غيره، كما تقرر في الأصول. وقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية.\nوالذين قالوا: هي زكاة الأموال، قالوا: فاعلون، أي:","vol":"5","page":829},{"text":"مؤدون، قالوا: وهى لغة معروفة فصيحة. ومنها قول أمية بن أبي الصلت:\nالمطعمون الطعام في السنة الأز ... مة والفاعلون للزكوات\nوهو واضح بحمل الزكاة على المعنى المصدري، بمعنى التزكية للمال؛ لأنها فعل المزكى كما هو واضح. ولا شك أن تطهير النفس بأعمال البر، ودفع زكاة المال كلاهما من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الجنة.\nوقد قال ابن كثير ﵀: وقد يحتمل أن المراد بالزكاة ها هنا: زكاة النفس من الشرك، والدنس إلى أن قال: ويحتمل أن يكون كلا الأمرين مرادًا، وهو زكاة النفوس، وزكاة الأموال، فإنه من جملة زكاة النفوس، والمؤمن الكامل هو الذي يفعل هذا وهذا. واللَّه أعلم. اهـ منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1122> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الذين يرثون الفردوس ويخلدون فيها حفظهم لفروجهم، أي: من اللواط والزنى، ونحو ذلك، وبين أن حفظهم فروجهم لا يلزمهم عن نسائهم الذين ملكوا الاستمتاع بهن بعقد الزواج أو بملك اليمين. والمراد به التمتع بالسراري. وبين أن من لم يحفظ فرجه عن زوجه أو سريته لا لوم عليه، وأن من ابتغى تمتعا بفرجه وراء ذلك غير الأزواج والمملوكات فهو من العادين، أي: المعتدين المتعدين حدود الله، المجاوزين ما أحله الله إلى ما حرمه.","vol":"5","page":830},{"text":"وبين معنى العادين في هذه الآية قوله تعالى في قوم لوط: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وهذا الذي ذكره هنا ذكره أيضًا في سورة (سأل سائل) لأنه قال فيها في الثناء على المؤمنين ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦) فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن \"ما\" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ من صيغ العموم، والمراد بها \"من\" وهي من صيغ العموم. فآية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وآية ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾ تدل بعمومها المدلول عليه بلفظة \"ما\" في قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين على جواز جمع الأختين بملك اليمين في التسري بهما معًا؛ لدخولهما في عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبهذا قال داود الظاهري، ومن تبعه. ولكن قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يدل بعمومه على منع جمع الأختين بملك اليمين؛ لأن الألف واللام في الأختين صيغة عموم، تشمل كل أختين، سواء كانتا بعقد، أو ملك يمين. ولذا قال عثمان ﵁ لما سئل عن جمع الأختين بملك اليمين: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. يعني بالآية المحللة ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وبالمحرمة ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾.\nوقد أوضحنا هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب وسنذكر هنا إن شاء الله المهم مما ذكرنا فيه، ونزيد ما تدعو الحاجة إلى زيادته.","vol":"5","page":831},{"text":"وحاصل تحرير المقام في ذلك: أن الآيتين المذكورتين بينهما عموم وخصوص من وجه، يظهر للناظر تعارضهما في الصورة التي يجتمعان فيها كما قال عثمان ﵁ عنهما: أحلتهما آية، وحرمتهما أخرى. وإيضاحه أن آية: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ تنفرد عن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأختين المجموع بينهما، بعقد نكاح، وتنفرد آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الأمة الواحدة، أو الأمتين اللتين ليستا بأختين، ويحتمعان في الجمع بين الأختين، فعموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ يقتضي تحريمه، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يقتضي إباحته. وإذا تعارض الأعمان من وجه في الصورة التي يجتمعان فيها وجب الترجيح بينهما، والراجح منهما، يقدم ويخصص به عموم الآخر، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\nوإن يك العموم من وجه ظهر ... فالحكم بالترجيح حتمًا معتبر\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ مرجح من خمسة أوجه على عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾.\nالأول: منها: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ نص في محل المدرك المقصود بالذات، لأن السورة سورة النساء: وهي التي بين الله فيها من تحل منهن، ومن لا تحل، وآية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ في الموضعين لم تذكر من أجل تحريم النساء، ولا تحليلهن، بل ذكر الله صفات المؤمنين التي يدخلون بها الجنة، فذكر من جملتها حفظ الفرج، فاستطرد أنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والسرية. وقد تقرر في الأصول: أن أخذ الأحكام من مظانها أولى من أخذها، لا من مظانها.","vol":"5","page":832},{"text":"الوجه الثاني: أن آية ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ليس باقية على عمومها بإجماع المسلمين؛ لأن الأخت من الرضاع لا تحل بملك اليمين إجماعًا: للإِجماع على أن عموم (أو ما ملكت أيمانهم) يخصصه عموم ﴿وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ﴾ وموطوءة الأب لا تحل بملك اليمين إجماعًا، للإِجماع على أن عموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ يخصصه عموم ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية. والأصح عند الأصوليين في تعارض العام الذي دخله التخصيص، مع العام الذي لم يدخله التخصيص: هو تقديم الذي لم يدخله التخصيص. وهذا هو قول جمهور أهل الأصول، ولم أعلم أحدًا خالف فيه إلَّا صفي الدين الهندي، والسبكي.\nوحجة الجمهور أن العام المخصص اختلف في كونه حجة في الباقي بعد التخصيص. والذين قالوا: هو حجة في الباقي. قال جماعة منهم: هو مجاز في الباقي، وما اتفق على أنه حجة، وأنه حقيقة، وهو الذي لم يدخله التخصيص أولى مما اختلف في حجيته، وهل هو حقيقة، أو مجاز؟ وإن كان الصحيح: أنه حجة في الباقي، وحقيقة فيه؛ لأن مطلق حصول الخلاف فيه يكفي في ترجيح غيره عليه. وأما حجة صفي الدين الهندي والسبكي على تقديم الذي دخله التخصيص فهي أن الغالب في العام التخصيص، والحمل على الغالب أولى، وأن ما دخله التخصيص يبعد تخصيصه مرة أخرى، بخلاف الباقي على عمومه.\nالوجه الثالث: أن عموم ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ غير وارد في معرض مدح ولا ذم، وعموم ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وارد في معرض مدح المتقين، والعام الوارد في معرض المدح أو الذم اختلف","vol":"5","page":833},{"text":"العلماء في اعتبار عمومه، فأكثر العلماء على أن عمومه معتبر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ (١٣) وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ (١٤)﴾ فإنه يعم كل بر مع أنه للمدح، وكل فاجر مع أنه للذم قال في مراقي السعود:\nوما أتى للمدح أو للذم ... يعم عند جل أهل العلم\nوخالف في ذلك بعض العلماء منهم: الإِمام الشافعي ﵀ قائلًا: إن العام الوارد في معرض المدح، أو الذم لا عموم له، لأن المقصود منه الحث في المدح والزجر في الذم. ولذا لم يأخذ الإِمام الشافعي بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في الحلي المباح؛ لأن الآية سيقت للذم، فلا تعم عنده الحلي المباح.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن العام الذي لم يقترن بما يمنع اعتبار عمومه أولى من المقترن بما يمنع اعتبار عمومه عند بعض العلماء.\nالوجه الرابع: أنا لو سلمنا المعارضة بين الآيتين، فالأصل في الفروج التحريم حتى يدل دليل لا معارض له على الإِباحة.\nالوجه الخامس: أن العموم المقتضي للتحريم أولى من المقتضي للإِباحة، لأن ترك مباح أهون من ارتكاب حرام.\nفهذه الأوجه الخمسة يرد بها استدلال داود الظاهري، ومن تبعه على إباحته جمع الأختين بملك اليمين محتجًا بقوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ ولكن داود يحتج بآية أخرى يعسر التخلص من الاحتجاج بها بحسب المقرر في أصول الفقه المالكي، والشافعي، والحنبلي. وإيضاح ذلك أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين أنه إن ورد استثناء بعد جمل متعاطفة، أو مفردات متعاطفة أن الاستثناء","vol":"5","page":834},{"text":"المذكور يرجع لجميعها خلافًا لأبي حنيفة القائل: يرجع إلى الجملة الأخيرة فقط. قال في مراقي السعود:\nوكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلا يقفو\nدون دليل العقل أو ذي السمع ... . . . . . . إلخ\nوإذا علمت أن المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين رجوع الاستثناء لكل المتعاطفات، وأنه لو قال الواقف في صيغة وقفه: هو وقف على بني تميم، وبني زهرة، والفقراء إلَّا الفاسق منهم، أنه يخرج من الوقف فاسق الجميع، لرجوع الاستثناء إلى الجميع، وأن أبا حنيفة وحده هو القائل برجوعه إلى الجملة الأخيرة فقط. ولذلك لم يقبل شهادة القاذف، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ يرجِع عنده الاستثناء فيه للأخيرة فقط، وهي ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ أي: فقد زال عنهم اسم الفسق، ولا يقبل رجوعه لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: لا تقبلوا لهم شهادة أبدًا مطلقًا بلا استثناء؛ لاختصاص الاستثناء عنده بالجملة الأخيرة. ولم يخالف أبو حنيفة أصوله في قوله: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية. فإن هذا الاستثناء راجع لجميع الجمل المتعاطفة قبله عند أبي حنيفة، وغيره.\nولكن أبا حنيفة لم يخالف فيه أصله؛ لأن الجمل الثلاث المذكورة جمعت في الجملة الأخيرة التي هي ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨)﴾ لأن الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى الشرك، والقتل،","vol":"5","page":835},{"text":"والزنى في الجمل المتعاطفة قبله، فشملت الجملة الأخيرة معاني الجمل قبلها، فصار رجوع الاستثناء لها وحدها عند أبي حنيفة، على أصله المقرر مستلزمًا لرجوعه للجميع.\nوإذا حققت ذلك فاعلم أن داود يحتج لجواز جمع الأختين بملك اليمين أيضًا برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ لقوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ فيقول: قوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ﴾ يرجع لكل منهما الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فيكون المعنى: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم فيه الجمع بينهما، وحرمت عليكم المحصنات من النساء إلَّا ما ملكت أيمانكم، فلا يحرم عليكم.\nوقد أوضحنا معنى الاستثناء من المحصنات في محله من هذا الكتاب المبارك. وبهذا تعلم أن احتجاج داود برجوع الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ جار على أصول المالكية والشافعية والحنابلة، فيصعب عليهم التخلص من احتجاج داود هذا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن الجواب عن استدلال داود المذكور من وجهين:\nالأول منهما: أن في الآية نفسها قرينة مانعة من رجوع الاستثناء إلى قوله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لما قدمنا من أن قوله: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ أي: بالسبي خاصة مع الكفر، وأن المعنى ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ أي: وحرمت","vol":"5","page":836},{"text":"عليكم المتزوجات من النساء، لأن المتزوجة لا تحل لغير زوجها إلَّا ما ملكت أيمانكم بالسبي مع الكفر، فإن السبي يرفع حكم الزوجية عن المسبية، وتحل لسابيها بعد الاستبراء، كما قال الفرزدق:\nوذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق\nوإذ كان ملك اليمين في قوله: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ في السبي خاصة، كما هو مذهب الجمهور كان ذلك مانعًا من رجوعه إلى قوْله: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ﴾ لأن محل النزاع في ملك اليمين مطلقًا. وقد قدمنا في سورة النساء أن قول من قال: ﴿إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ مطلقًا، وأن بيع الأمة طلاقها أنه خلاف التحقيق. وأوضحنا الأدلة على ذلك.\nالوجه الثاني: هو أن استقراء القرآن يدل على أن الصواب في رجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله أو بعضها يحتاج إلى دليل منفصل، لأن الدليل قد يدل على رجوعه للجميع، أو لبعضها، دون بعض. وربما دل الدليل على عدم رجوعه للأخيرة التي تليه. وإذا كان الاستثناء ربما كان راجعًا لغير الجملة الأخيرة التي تليه، تبين أنه لا ينبغي الحكم برجوعه إلى الجميع إلَّا بعد النظر في الأدلة، ومعرفة ذلك منها. وهذا القول الذي هو الوقف عن رجوع الاستثناء إلى الجميع، أو بعضها المعين، دون بعض إلَّا بدليل مروي عن ابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة. واستقراء القرآن يدل على أن هذا القول هو الأصح؛ لأن الله يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، وإذا رددنا هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالًا على صحة هذا القول، وبه يندفع أيضًا استدلال داود.","vol":"5","page":837},{"text":"فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء راجع للدية، فهي تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة قولًا واحدًا؛ لأن تصدق مستحق الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.\nومنها: قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، فالاستثناء لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لأن القاذف إذا تاب لا تسقط توبته حد القذف.\nوما يروى عن الشعبي من أنها تسقطه خلاف التحقيق الذي هو مذهب جماهير العلماء.\nومنها: قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ﴾ الآية، لا يرجع قولًا واحدًا إلى الجملة الأخيرة التي تليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ لأنه لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار أبدًا ولو وصلوا إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، بل الاستثناء راجع للأخذ والقتل في قوله: ﴿فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ والمعنى: فخذوهم بالأسر واقتلوهم إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم، وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي  - ﷺ -، كما ذكروا أن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر، وإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع لأقرب الجمل","vol":"5","page":838},{"text":"إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإِعجاز تبين أنه ليس نصًّا في الرجوع إلى غيرها.\nومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ على ما قاله جماعات من المفسرين؛ لأنه لولا فضل الله ورحمته لاتبعوا الشيطان كلا بدون استثناء، قليل أو كثير كما ترى.\nواختلفوا في مرجع هذا الاستثناء، فقيل: راجع لقوله: ﴿أَذَاعُوا بِهِ﴾ وقيل: راجع لقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وإذا لم يرجع للجملة التي تليه، لم يكن نصا في رجوعه لغيرها.\nوقيل: إن هذا الاستثناء راجع للجملة التي تليه، وأن المعنى: ولولا فضل الله عليكم ورحمته بإرسال محمد  - ﷺ -  لاتبعتم الشيطان في الاستمرار على ملة آبائكم من الكفر، وعبادة الأوثان إلَّا قليلًا كمن كان على ملة إبراهيم في الجاهلية، كزيد بن نفيل، وقس بن ساعدة، وورقة بن نوفل، وأمثالهم.\nوذكر ابن كثير أن عبد الرزاق روى عن معمر، عن قتادة في قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا (٨٣)﴾ معناه: لاتبعتم الشيطان كلكم. قال: والعرب تطلق القلة، وتريد بها العدم. واستدل قائل هذا القول بقول الطرماح بن حكيم يمدح يزيد بن المهلب:\nأشم ندى كثير النوادي ... قليل المثالب والقادحه\nيعني: لا مثلبة فيه، ولا قادحة. وهذا القول ليس بظاهر كل الظهور، وإن كانت العرب تطلق القلة في لغتها، وتريد بها العدم","vol":"5","page":839},{"text":"كَقولهم: مررت بأرض قليل بها الكراث والبصل. يعنون لا كراث فيها ولا بصل. ومنه قول ذي الرمة:\nأنيخت فألقت بلدة فوق بلدة ... قليل بها الأصوات إلَّا بغامها\nويريد: أن تلك الفلاة لا صوت فيها غير بغام ناقته.\nوقول الآخر:\nفما بأس لو ردت علينا تحية ... قليلًا لدى من يعرف الحق عابها\nيعني لا عاب فيها، أي: لا عيب فيها عند من يعرف الحق. وأمثال هذا كثير في كلام العرب.\nوبالآيات التي ذكرنا تعلم أن الوقف عن القطع برجوع الاستثناء لجميع الجمل المتعاطفة قبله إلَّا لدليل هو الذي دل عليه القرآن في آيات متعددة، وبدلالتها يرد استدلال داود المذكور أيضًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية: اعلم أن أهل العلم أجمعوا على أن حكم هذه الآية الكريمة في التمتع بملك اليمين في قوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ خاص بالرجال دون النساء، فلا يحل للمرأة أن تتسرى عبدها، وتتمتع به بملك اليمين. وهذا لا خلاف فيه بين أهل العلم. وهو يؤيد قول الأكثرين أن النساء لا يدخلن في الجموع المذكرة الصحيحة إلَّا بدليل منفصل، كما أوضحنا أدلته في سورة الفاتحة.\nوذكر ابن جرير أن امرأة اتخذت مملوكها، وقالت: تأولت آية من كتاب الله ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ فأتى بها عمر بن الخطاب ﵁، وقال له ناس من أصحاب رسول الله  - ﷺ -: تأولت آية","vol":"5","page":840},{"text":"من كتاب الله ﷿ على غير وجهها، قال: فضرب العبد، وجز رأسه، وقال: أنت بعده حرام على كل مسلم. ثم قال ابن كثير: هذا أثر غريب منقطع. ذكره ابن جرير في تفسير أول سورة المائدة. وهو هنا أليق. وإنما حرمها عَلَى الرجال، معاملة لها بنقيض قصدها. واللَّه أعلم.\nوقال أبو عبد الله القرطبي: قد روى معمر عن قتادة قال: تسررت امرأةٌ غلامها، فذكر ذلك لعمر فسألها ما حملك على ذلك؟ قالت: كنت أراه يحل لي بملك يميني، كما تحل للرجل المرأة بملك اليمين، فاستشار عمر في رجمها أصحاب رسول الله  - ﷺ -، فقالوا: تأولت كتاب الله ﷿ على غير تأويله لا رجم عليها، فقال عمر: لا جرم، واللَّه لا أحلك لحر بعده عاقبها بذلك، ودرأ الحد عنها، وأمر العبد ألا يقربها.\nوعن أبي بكر بن عبد الله أنه سمع أباه يقول: أنا حضرت عمر بن عبد العزيز جاءته امرأة بغلام لها وضيء، فقالت: إني استسررته، فمنعني بنو عمي عن ذلك، وإنما أنا بمنزلة الرجل تكون له الوليدة فيطؤها، فانْهَ عني بني عمي، فقال عمر: أتزوجت قبله؟ قالت: نعم. قال: أما واللَّه لولا منزلتك من الجهالة لرجمتك بالحجارة، ولكن اذهبوا به فبيعوه إلى من يخرج به إلى غير بلدها. اهـ من القرطبي.\nالمسألة الثالثة: اعلم أنه لا شك في أن آية ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ هذه التي هي ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ تدل بعمومها على منع الاستمناء باليد المعروف بجلد عميرة، ويقال له: الخضخضة؛ لأن من تلذذ بيده حتى أنزل منيه","vol":"5","page":841},{"text":"بذلك قد ابتغى وراء ما أحله الله، فهو من العادين بنص هذه الآية الكريمة المذكورة هنا، وفي سورة (سأل سائل) وقد ذكر ابن كثير: أن الشافعي ومن تبعه استدلوا بهذه الآية على منع الاستمناء باليد. وقال القرطبي: قال محمد بن عبد الحكم: سمعت حرملة بن عبد العزيز، قال: سألت مالكًا عن الرجل يجلد عميرة، فتلا هذه الآية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ إلى قوله ﴿الْعَادُونَ (٧)﴾.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن استدلال مالك، والشافعي وغيرهما من أهل العلم بهذه الآية الكريمة على منع جلد عميرة الذي هو الاستمناء باليد استدلال صحيح بكتاب الله، يدل عليه ظاهر القرآن، ولم يرد شيء يعارضه من كتاب ولا سنة.\nوما روي عن الإِمام أحمد مع علمه، وجلالته وورعه من إباحة جلد عميرة مستدلًا على ذلك بالقياس قائلًا: هو إخراج فضلة من البدن تدعو الضرورة إلى إخراجها فجاز، قياسًا على الفصد والحجامة، كما قال في ذلك بعض الشعراء:\nإذا حللت بواد لا أنيس به ... فاجلد عميرة لا عار ولا حرج\nفهو خلاف الصواب وإن كان قائله في المنزلة المعروفة التي هو بها، لأنه قياس يخالف ظاهر عموم القرآن. والقياس إن كان كذلك رد بالقادح المسمى فساد الاعتبار، كما أوضحناه في هذا الكتاب المبارك مرارًا، وذكرنا فيه قول صاحب مراقي السعود:\nوالخلف للنص أو إجماع دعا ... فساد الاعتبار كل من وعى\nفاللَّه جل وعلا قال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ ولم يستثن من ذلك البتة إلَّا النوعين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِلَّا عَلَى","vol":"5","page":842},{"text":"أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ وصرح برفع الملامة في عدم حفظ الفرج عن الزوجة، والمملوكة فقط، ثم جاء بصيغة عامة شاملة لغير النوعين المذكورين دالة على المنع هي قوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وهذا العموم لا شك أنه يتناول بظاهره ناكح يده. وظاهر عموم القرآن لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل من كتاب أو سنَّة يجب الرجوع إليه. أما القياس المخالف له فهو فاسد الاعتبار، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.\nوقال ابن كثير في تفسير هذه الآية  - بعد أن ذكر بعض من حرم جلد عميرة، واستدلالهم بالآية ما نصه -: وقد استأنسوا بحديث رواه الإِمام الحسن بن عرفة في جزئه المشهور، حيث قال: حدثني علي بن ثابت الجزري، عن مسلمة بن جعفر، عن حسان بن حميد، عن أنس بن مالك، عن النبي  - ﷺ -  قال: \"سبعة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم، ولا يجمعهم مع العاملين، ويدخلهم النار أول الداخلين إلَّا أن يتوبوا، ومن تاب تاب الله عليه: الناكح يده، والفاعل والمفعول، ومدمن الخمر، والضارب والديه حتى يستغيثا، والمؤذي جيرانه حتى يلعنوه، والناكح حليلة جاره\". اهـ.\nثم قال ابن كثير: هذا حديث غريب، وإسناده فيه من لا يعرف لجهالته. واللَّه أعلم. انتهى منه. ولكنه على ضعفه يشهد له في نكاح اليد ظاهر القرآن في الجملة، لدلالته على منع ذلك. وإنما قيل للاستمناء باليد: جلد عميرة؛ لأنهم يكنون بعميرة عن الذكر.\nلطيفة: قد ذكر في نوادر المغفلين أن مغفلًا كانت أمه تملك جارية تسمى عميرة فضربتها مرة، فصاحت الجارية، فسمع قوم","vol":"5","page":843},{"text":"صياحها، فجاءوا وقالوا: ما هذا الصياح؟ فقال لهم ذلك المغفل: لا بأس تلك أمي كانت تجلد عميرة.\nالمسألة الرابعة: اعلم أنا قدمنا في سورة النساء أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ تدل بظاهرها على منع نكاح المتعة؛ لأنه جل وعلا صرح فيها بما يعلم منه وجوب حفظ الفرج عن غير الزوجة والسرية، ثم صرح بأن المبتغى وراء ذلك من العادين بقوله: ﴿فَمَنِ ابْتَغَى وَرَاءَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ (٧)﴾ وأن المرأة المستمتع بها في نكاح المتعة ليست زوجة، ولا مملوكة. أما كونها غير مملوكة فواضح. وأما الدليل على كونها غير زوجة فهو انتفاء لوازم الزوجية عنها، كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، ونحو ذلك، فلو كانت زوجة لورثت واعتدت، ووقع عليها الطلاق، ووجبت لها النفقة، فلما انتفت عنها لوازم الزوجية علمنا أنها ليست بزوجة؛ لأن نفي اللازم يقتضي نفي الملزوم بإجماع العقلاء.\nفتبين بذلك أن مبتغى نكاح المتعة من العادين المجاوزين ما أحل الله إلى ما حرم. وقد أوضحنا ذلك في سورة النساء بأدلة الكتاب والسنَّة، وأن نكاح المتعة ممنوع إلى يوم القيامة. وقد يخفى على طالب العلم معنى لفظة \"على\" في هذه الآية، يعني قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ﴾ الآية؛ لأن مادة الحفظ لا تتعدى إلى المعمول الثاني في هذا الموضوع بعلى، فقيل: إن \"على\" بمعنى: \"عن\". والمعنى: أنهم حافظون فروجهم عن كل شيء إلَّا عن أزواجهم، و\"حفظ\" قد تتعدى بعن.\nوحاول الزمخشري الجواب عن الإِتيان بعلى هنا فقال ما نصه:","vol":"5","page":844},{"text":"(على أزواجهم) في موضع الحال، أي: إلَّا والين على أزواجهم، أو قوامين عليهم، من قولك: كان فلان على فلانة، فمات عنها، فخلف عليها فلان. ونظيره. كان زياد على البصرة، أي: واليًا عليها، ومنه قولهم: فلانة تحت فلان، ومن ثمة سميت المرأة فراشًا.\nوالمعنى: أنهم لفروجهم حافظون في كافة الأحوال إلَّا في تزوجهم أو تسريهم، أو تعلق \"على\" بمحذوف يدل عليه غير ملومين، كأنه قيل: يلامون إلَّا على أزواجهم، أي: يلامون على كل مباشرة إلَّا على ما أطلق لهم، فإنهم غير ملومين عليه، أو تجعله صلة لحافظين من قولك: احفظ علي عنان فرسي. على تضمينه معنى النفي، كما ضمن قولهم: نشدتك باللَّه إلَّا فعلت بمعنى: ما طلبت منك إلَّا فعلك. اهـ منه. ولا يخفى ما فيه من عدم الظهور.\nقال أبو حيان: وهذه الوجوه التي تكلفها الزمخشري ظاهر فيها العجمة، وهي متكلفة. ثم استظهر أبو حيان أن يكون الكلام من باب التضمين، ضمن حافظون معنى: ممسكون أو قاصرون، وكلاهما يتعدى بعلى كقوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾.\nوالظاهر أن قوله هنا: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ مع أن المملوكات من جملة العقلاء، والعقلاء يعبر عنهم بـ \"من\" لا بـ \"ما\"، هو أن الإِماء لما كنَّ يتصفن ببعض صفات غير العقلاء، كبيعهن وشرائهن، ونحو ذلك كان ذلك مسوغًا لإِطلاق لفظة \"ما\" عليهن. والعلم عند الله تعالى.\nوقال بعض أهل العلم: إن وراء ذلك هو مفعول ابتغى، أي: ابتغى سوى ذلك. وقال بعضهم: إن المفعول به محذوف، ووراء ظرف، أي: فمن ابتغى مستمتعًا لفرجه وراء ذلك.","vol":"5","page":845},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1123> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم راعون لأماتهم وعهدهم، أي: محافظون على الأمانات. والعهود، والأمانة تشمل: كل ما استودعك الله، وأمرك بحفظه، فيدخل فيها حفظ جوارحك من كل ما لا يرضي الله، وحفظ ما ائتمنت عليه من حقوق الناس. والعهود أيضًا تشمل: كل ما أخذ عليك العهد بحفظه من حقوق الله، وحقوق الناس.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من حفظ الأمانات والعهود جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٧)﴾ وقوله تعالى في (سأل سائل): ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ (٨)﴾ وقوله في العهد: ﴿وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْئُولًا (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ﴾ وقد أوضحنا هذا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.\nوقوله: راعون: جمع تصحيح للراعي، وهو القائم على الشيء بحفظ، أو إصلاح، كراعي الغنم، وراعي الرعية. وفي الحديث \"كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته\" الحديث.\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير وحده: (لأمانتهم) بغير ألف بعد","vol":"5","page":846},{"text":"النون على صيغة الإِفراد. والباقون بألف بعد النون على صيغة الجمع المؤنث السالم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1124> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من صفات المؤمنين المفلحين الوارثين الفردوس: أنهم يحافظون على صلواتهم، والمحافظة عليها تشمل إتمام أركانها، وشروطها، وسننها، وفعلها في أوقاتها في الجماعات في المساجد، ولأجل أن ذلك من أسباب نيل الفردوس أمر تعالى بالمحافظة عليها في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى﴾ الآية. وقال تعالى في سورة المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ (٣٤)﴾ وقال فيها أيضًا: ﴿إِلَّا الْمُصَلِّينَ (٢٢) الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ (٢٣)﴾ وذم وتوعد من لم يحافظ عليها في قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا (٥٩)﴾. وقد أوضحنا ذلك في سورة مريم، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ (٤) الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ (٥)﴾ الآية. وقال تعالى في ذم المنافقين: ﴿وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ﴾ الآية. وفي الصحيح عن ابن مسعود ﵁ أنه سأل رسول الله - ﷺ -، أي: العمل أحبّ إلى الله؟ قال: \"الصلاة على وقتها\" الحديث. وقد قدمناه والأحاديث في فضل الصلاة والمحافظة عليها كثيرة جدًّا، ولكن موضوع كتابنا بيان القرآن بالقرآن، ولا نذكر غالبًا البيان من السنَّة إلَّا إذا كان في القرآن بيان غير واف بالمقصود، فنتمم البيان من السنة كما قدمناه مرارًا، وذكرناه في ترجمة هذا الكتاب المبارك.","vol":"5","page":847},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1125> قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْوَارِثُونَ (١٠) الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين المتصفين بالصفات التي قدمناهم الوارثون، وحذف مفعول اسم الفاعل الذي هو الوارثون، لدلالة قوله: ﴿الَّذِينَ يَرِثُونَ الْفِرْدَوْسَ﴾ عليه. والفردوس: أعلا الجنة، وأوسطها، ومنه تفجر أنهار الجنة، وفوقه عرش الرحمن جل وعلا، وعبر تعالى عن نيل الفردوس هنا باسم الوراثة.\nوقد أوضحنا معنى الوراثة، والآيات الدالة على ذلك المعنى، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾ وقوله: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾ الآية في سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقرأ هذا الحرف: حمزة والكسائي: على (صلاتهم) بغير واو، بصيغة الإِفراد وقرأ الباقون: على (صلواتهم) بالواو المفتوحة بصيغة الجمع المؤنث السالم، والمعنى واحد؛ لأن المفرد الذي هو اسم جنس إذا أضيف إلى معرفة كان صيغة عموم، كما هو معروف في الأصول.\nوقوله هنا: ﴿وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ أي: بلا انقطاع أبدًا، كما قال تعالى: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾ أي: غير مقطوع. وقال تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ قال تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ كما قدمناه مستوفى.","vol":"5","page":848},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1126> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أطوار خلقه الإِنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة، والصحيح من ذلك، وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة، أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى يصلي عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى.\nأما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، إذ استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت:\nخلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود\nوالولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه.\nومنه قول حسان ﵁:\nفجاءت به عضب الأديم غضنفرًا ... سلالة فرج كان غير حصين","vol":"5","page":849},{"text":"وبناء الاسم على الفعالة يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت. والمراد بخلق الإِنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.\nوقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بُلَّ بالماء صار طينًا، ولما خمر صار طينًا لازبًا يلصق باليد، وصار حمأ مسنونًا. قال بعضهم: طينًا أسود منتنًا، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة كان وجود جنس الإِنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. . . إلخ. وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج.\nوقوله هنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ يعني: بدأه خلق نوع الإِنسان بخلق آدم، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ أي: بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإِنسان الذي هو النسل؛ لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر. كما أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ","vol":"5","page":850},{"text":"خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان أمر كل مكلف أن ينظر فيه. والأمر المطلق يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مرارًا. وذلك في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية. وقد أشار في آيات كثيرة إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا، والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة إلخ مع أنه لم يشق بطن أمه، بل هو مستتر بثلاث ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فتأمل معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: عن هذه العجائب والغرائب التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية، واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ","vol":"5","page":851},{"text":"بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذه كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا، فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده.\nوقد بين في آية المؤمنون هذه: أنه يخلق المضغة عظامًا، وبين في موضع آخر: أنه يركب بعض تلك العظام مع بعض، تركيبًا قويًّا، ويشد بعضها مع بعض، علي أكمل الوجوه وأبدعها، وذلك في قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ الآية. والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتآسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد بها، ومنه قول حميد بن ثور:\nوما دخلت في الخدب حتى تنقضت ... تآسير أعلى قده وتحطما\nوفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسرًا شده بالأسار، وهو القد، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد. فقول بعض المفسرين واللغويين: أسرهم، أي: خلقهم فيه قصور في التفسير؛ لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه الذي لم يدبغ. واللَّه جل وعلا يشد بعض العظام ببعض شدًّا محكمًا متماسكًا كما يشد الشيء بالقد، والشد به قوي جدًّا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه. قاله أبو حيان في البحر.\nوقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم،","vol":"5","page":852},{"text":"وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال الزمخشري: أي: خلقًا مباينًا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانًا، وكان جمادًا، وناطقًا وكان أبكَم، وسميعًا وكان أصم وبصيرًا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره، بل كل عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه عجائب فطره، وغرائب حكمه، لا تدرك بوصف الواصف، ولا بشرح الشارح. انتهى منه.\nوقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي وأبو العالية، والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادًا. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره. وقال الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر. وقال مجاهد: كمال شبابه. وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا، وفي غيره من النطق والإِدراك، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. اهـ منه.\nوالظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أنه صار بشرًا سويًا بعد أن كان نطفة، ومضغة، وعلقة، وعظامًا كما هو واضح.\nمسألة\nوقد استدل بهذه الآية الإِمام أبو حنيفة ﵀ على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنده أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ؛ لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة، فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب","vol":"5","page":853},{"text":"ما غضب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس. اهـ منه.\nوقوله في هذه الآية: ﴿أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤)﴾ أي: المقدرين. والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير، ومنه قول زهير:\nولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري\nفقوله: يخلق ثم لا يفري، أي: يقدر الأمر، ثم لا ينفذه؛ لعجزه عنه كما هو معلوم.\nومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي محضة أعرب قوله: ﴿وأَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ نعتًا للفظ الجلالة، ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلًا، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أحسن الخالقين.\nوقرأ هذين الحرفين: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ ابن عامر وشعبة عن عاصم (عَظْمًا) بفتح العين، وإسكان الظاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه الباقون: (عظامًا) بكسر العين، وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن عامر وشعبة. فالمراد بالعظم: العظام.\nوقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس قد تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من","vol":"5","page":854},{"text":"أمثلته في القرآن، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك من إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1127> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾</span>.\nبيَّن جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنهم بعد أن أنشأهم خلقًا آخر، فأخرج الواحد منهم من بطن أمه صغيرًا، ثم يكون محتلمًا، ثم يكون شابًّا، ثم يكون كهلًا، ثم يكون شيخًا، ثم هرمًا أنهم كلهم صائرون إلى الموت، من عمر منهم، ومن لم يعمر، ثم هم بعد الموت يبعثون أحياء يوم القيامة للحساب والجزاء، وهذا الموت والحياة المذكوران هنا كل واحد منهما له نظير آخر؛ لأنهما إماتتان وإحياءتان ذكر من كل منهما واحدة هنا، وذكر الجميع في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ كما قدمنا إيضاحه في سورة الحج والبقرة. وكل ذلك دليل على كمال قدرته، ولزوم الإِيمان به، واستحقاقه للعبادة وحده ﷾ علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1128> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾</span>.\nفي قوله تعالى طرائق، وجهان من التفسير:\nأحدهما: أنها قيل لها: طرائق؛ لأن بعضها فوق بعض من قولهم: طارق النعل إذا صيرها طاقًا فوق طاق، وركب بعضها عَلَى","vol":"5","page":855},{"text":"بعض، ومنه قوله  - ﷺ -: \"كأن وجوههم المجان المطرقة\" أي: التراس التي جعلت لها طبقات بعضها فوق بعض. ومنه قول الشاعر يصف نعلًا له مطارقة:\nوطراق من خلفهن طراق ... ساقطات تلوى بها الصحراء\nيعني: نعال الإِبل. ومنه قولهم: طائر طراق الريش، ومطرقه إذا ركب بعض ريشه بعضًا. ومنه قول زهير يصف بازيًا:\nأهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك\nوقول ذي الرمة يصف بازيًا أيضًا:\nطراق الخوافي واقع فوق ريعه ... ندى ليله في ريشه يترقرق\nوقول الآخر يصف قطاة:\nسكاء مخطومة في ريشها طرق ... سود قوادمها كدر خوافيها\nفعلى هذا القول فقوله: ﴿سَبعَ طَرَائِقَ﴾ يوضح معناه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥)﴾ الآية. وهذا قول الأكثر.\nالوجه الثاني: أنها قيل لها: طرائق؛ لأنها طرق الملائكة في النزول والعروج. وقيل: لأنها طرائق الكواكب في مسيرها. وأما قول من قال: قيل لها: طرائق، لأن لكل سماء طريقة، وهيأة غير هيأة الأخرى، وقول من قال: طرائق، أي: مبسوطات فكلاهما ظاهر البعد.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ قد قدمنا أن معناه كقوله: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾ لأن من يمسك السماء","vol":"5","page":856},{"text":"لو كان يغفل لسقطت فأهلكت الخلق كما تقدم إيضاحه. وقال بعضهم: ﴿وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾ بل نحن القائمون بإصلاح جميع شؤونهم، وتيسير كل ما يحتاجون إليه.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ﴾ يعني السموات برهان على قوله قبله ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ لأن من قدر على خلق السموات، مع عظمها فلا شك أنه قادر على خلق الإِنسان، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ والآيات بمثل هذا متعددة.\nوقد قدمنا براهين البعث التي هذا البرهان من جملتها، وأكثرنا من أمثلتها، وهي مذكورة هنا؛ ولم نوضحها هنا لأنا أوضحناها فيما سبق في النحل والبقرة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1129> قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل من السماء ماء معظمًا نفسه جل وعلا بصيغة الجمع المراد بها التعظيم، وأن ذلك الماء الذي أنزله من السماء أسكنه في الأرض؛ لينتفع به الناس في الآبار، والعيون، ونحو ذلك، وأنه جل وعلا قادر على إذهابه لو شاء","vol":"5","page":857},{"text":"أن يذهبه، فيهلك جميع الخلق بسبب ذهاب الماء من أصله جوعًا وعطشًا، وبين أنه أنزله بقدر، أي: بمقدار معين عنده يحصل به نفع الخلق، ولا يكثره عليهم حتى يكون كطوفان نوح؛ لئلا يهلكهم، فهو ينزله بالقدر الذي به المصلحة، دون المفسدة سبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أعظم لطفه بخلقه. وهذه المسائل الثلاث التي ذكرها في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في غير هذا الموضع.\nالأولى: التي هي كونه أنزله بقدر أشار إليها في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.\nوالثانية: التي هي إسكانه الماء المنزل من السماء في الأرض بينها في قوله جل وعلا: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ والينبوع: الماء الكثير، وقوله: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَيْنَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾ على ما قدمنا في الحجر.\nوالثالثة: التي هي قدرته على إِذهابه أشار لها في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾ ويشبه معناها قوله تعالى: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ لأنه إذا صار ملحًا أجاجًا لا يمكن الشرب منه ولا الانتفاع به صار في حكم المعدوم.\nوقد بين كيفية إنزاله الماء من السماء في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾ فصرح بأن الودق الذي هو المطر يخرج من خلال السحاب الذي هو المزن، وهو الوعاء الذي فيه الماء، وبين أن السحابة تمتلئ من الماء حتى تكون ثقيلة لكثرة ما فيها من الماء في قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية. فقوله: ثقالًا جمع ثقيلة، وثقلها","vol":"5","page":858},{"text":"إنما هو بالماء الذي فيها، وقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَالَ (١٢)﴾ جمع سحابة ثقيلة.\nوهذه الآيات القرآنية تدل على أن الله يجمع الماء في المزن، ثم يخرجه من خلال السحاب، وخلال الشيء ثقوبه وفروجه التي هي غير مسدودة. وبين جل وعلا أنه هو الذي ينزله ويصرفه بين خلقه كيف يشاء، فيكثر المطر في بلاد قوم سنة، حتى يكثر فيها الخصب وتتزايد فيها النعم، ليبتلي أهلها في شكر النعمة، وهل يعتبرون بعظم الآية في إنزال الماء، ويقل المطر عليهم في بعض السنين، فتهلك مواشيهم من الجدب، ولا تنبت زروعهم، ولا تثمر أشجارهم، ليبتليهم بذلك، هل يتوبون إليه، ويرجعون إلى ما يرضيه.\nوبين أنه مع الإِنعام العام على الخلق بإنزال المطر بالقدر المصلح وإسكان مائه في الأرض ليشربوا منه هم، وأنعامهم، وينتفعوا به أبي أكثرهم إلا الكفر به، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩) وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾.\nولا شك أن من جملة من أبى منهم إلا كفورًا الذين يزعمون أن المطر لم ينزل منزل هو فاعل مختار، وإنما نزل بطبيعته، فالمنزل له عندهم هو الطبيعة، وأن طبيعة الماء التبخر إذا تكاثرت عليه درجات الحرارة من الشمس، أو الاحتكاك بالريح، وأن ذلك البخار يرتفع بطبيعته؛ ثم يجتمع، ثم يتقاطر، وأن تقاطره ذلك أمر طبيعي لا فاعل له، وأنه هو المطر. فينكرون نعمة الله في إنزاله المطر وينكرون دلالة إنزاله على قدرة منزله، ووجوب الإِيمان به واستحقاقه للعبادة وحده،","vol":"5","page":859},{"text":"فمثل هؤلاء داخلون في قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾ بعد قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا﴾.\nوقد صرح في قوله: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ﴾ أنه تعالى هو مصرف الماء، ومنزله حيث شاء كيف شاء. ومن قبيل هذا المعنى: ما ثبت في صحيح مسلم من حديث زيد بن خالد الجهني ﵁ قال: \"صلى بنا رسول الله  - ﷺ -  صلاة الصبح بالحديبية في أثر السماء كانت من الليل، فلما انصرف أقبل على الناس فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي، وكافر بي. فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته، فذلك مؤمن بي كافر بالكوكب، وأما من قال: مطرنا بنوء كذا، فذلك كافر بي مؤمن بالكوكب\" هذا لفظ مسلم ﵀ في صحيحه، ولا شك أن من قال: مطرنا ببخار كذا مسندًا ذلك للطبيعة أنه كافر باللَّه، مؤمن بالطبيعة والبخار. والعرب كانوا يزعمون أن بعض المطر أصله من البحر إلا أنهم يسندون فعل ذلك للفاعل المختار جل وعلا. ومن أشعارهم في ذلك قول طرفة بن العبد:\nلا تلمني إنها من نسوة ... رقد الصيف مقاليت نزر\nكبنات البحر يمأدن إذا ... أنبت الصيف عساليج الخضر\nفقوله: بنات البحر يعني: المزن التي أصل مائها من البحر.\nوقول أبي ذؤيب الهذلي:\nسقى أم عمرو كل آخر ليلة ... حناتم غرماؤهن ثجيج\nشربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئيج\nولا شك أن خالق السموات والأرض جل وعلا هو منزل المطر","vol":"5","page":860},{"text":"على القدر الذي يشاء كيف يشاء سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1130> قوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية الكريمة في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ﴾ الآية وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1131> قوله تعالى: ﴿وَشَجَرَةً تَخْرُجُ مِنْ طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ وَصِبْغٍ لِلْآكِلِينَ (٢٠)﴾</span>.\nقوله: (وشجرة) معطوف على جنات من عطف الخاص على العام. وقد قدمنا مسوغه مرارًا، أي: فأنشأنا لكم به جنات، وأنشأنا لكم به شجرة تخرج من طور سيناء، وهي شجرة الزيتون، كما أشار له تعالى بقوله: ﴿يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ الآية. والدهن الذي تنبت به: هو زيتها المذكور في قوله: ﴿يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ﴾ ومع الاستضاءة منها فهي صبغ للآكلين، أي: إدام يأتدمون به.\nوقرأ هذا الحرف: نافع، وابن كثير، وأبو عمرو: (سيناء) بكسر السين، وقرأ الباقون: بفتحها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو: (تُنبِت) بضم التاء، وكسر الباء الموحدة مضارع أنبت الرباعي. وقرأ الباقون: (تَنبُت) بفتح التاء، وضم الباء مضارع نبت الثلاثي، وعلى هذه القراءة فلا إشكال في حرف الباء في قوله: (بالدهن) أي: تنبت مصحوبة بالدهن الذي يستخرج من زيتونها، وعلى قراءة ابن كثير","vol":"5","page":861},{"text":"وأبي عمرو ففي الباء إشكال، وهو أن أنبت الرباعي يتعدى بنفسه، ولا يحتاج إلى الباء، وقد قدمنا النكتة في الإِتيان بمثل هذه الباء في القرآن، وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وفي كلام العرب في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ الآية. ولا يخفي أن أنبت الرباعي، على قراءة ابن كثير، وأبي عمرو هنا لازمة، لا متعدية إلى المفعول، وأنبت تتعدى، وتلزم، فمن تعديها قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩)﴾ ومن لزومها قراءة ابن كثير، وأبي عمرو المذكورة، ونظيرها من كلام العرب قول زهير:\nرأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم ... قطينًا بها حتى إذا أنبت البقل\nفقوله: أنبت البقل لازم بمعنى نبت. وهذا هو الصواب في قراءة: (تنبت) بضم التاء خلافًا لمن قال: إنها مضارع أنبت المتعدي، وأن المفعول محذوف، أي: تنبت زيتونها، وفيه الزيت.\nوقال ابن كثير: الطور: هو الجبل، وقال بعضهم: إنما يسمى طورًا إذا كان فيه شجر، فإن عرى عن الشجر سمي جبلًا لا طورًا. واللَّه أعلم. وطور سيناء: هو طور سنين، وهو الجبل الذي كلم الله عليه موسى بن عمران  - ﵇ -، وما حوله من الجبال التي فيها شجر الزيتون. اهـ. محل الغرض من كلام ابن كثير.\nوفي حديث أبي أسيد مالك بن ربيعة الساعدي الأنصاري ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"كلوا الزيت وادهنوا به، فإنه من شجرة مباركة\" رواه أحمد، ورواه الترمذي وغيره عن عمر. والظاهر أنه لا يخلو من مقال. وقال فيه العجلوني في كشف الخفاء ومزيل الألباس: رواه أحمد، والترمذي، وابن ماجه عن عمر،","vol":"5","page":862},{"text":"وابن ماجه فقط عن أبي هريرة. وصححه الحاكم على شرطهما ثم قال: وفي الباب عن جماعة من الصحابة ﵃. اهـ. منه والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1132> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة معنى هذه الآية، وما يستفاد منها من الأحكام الفقهية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ الآية، مع بيان أوجه القراءة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1133> قوله تعالى: ﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾</span>.\nالضمير في قوله: (عليها) راجع إلى الأنعام المذكورة في قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية أنه يحمل خلقه على الأنعام. والمراد بها هنا الإِبل؛ لأن الحمل عليها هو الأغلب، وعلى الفلك، وهي السفن. ولفظ الفلك يطلق على الواحد والجمع من السفن.\nوما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من الامتنان على خلقه بما يسر لهم من الركوب والحمل على الأنعام والسفن جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾ وقوله في الأنعام: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾ وقوله فيها: ﴿وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا","vol":"5","page":863},{"text":"بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ (٧)﴾، وقوله في الفلك والأنعام معًا: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيْتُمْ عَلَيْهِ وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣) وَإِنَّا إِلَى رَبِّنَا لَمُنْقَلِبُونَ (١٤)﴾ وقوله في السفن: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ وقوله: ﴿سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة، وهذا من نعمه وآياته.\nوقرن الأنعام بالفلك في الآيات المذكورة؛ لأن الإبل سفائن البر، كما قال ذو الرمة:\nألا خيلت مي وقد نام صحبتي ... فما نفر التهويم إلا سلامها\nطروقًا وجلب الرحل مشدودة بها ... سفينة بر تحت خدي زمامها\nفتراه سمى ناقته سفينة بر، وجلب الرحل بالضم والكسر عيدانه أو الرحل بما فيه:\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1134> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا﴾</span> إلى قوله: ﴿وَمَا يَسْتَئْخِرُونَ﴾.\nقد تقدمت الإشارة إلى ما فيه من الآيات التي لها بيان في مواضع متعددة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1135> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾</span>.","vol":"5","page":864},{"text":"بين تعالى في هذه الآية الكريمة: أنه بعد إرسال نوح والرسول المذكور بعده أرسل رسله تترى، أي: متواترين واحدًا بعد واحد، وكل متتابع متتال تسميه العرب متواترًا. ومنه قول لبيد في معلقته:\nيعلو طريقة متنها متواتر ... في ليلة كفر النجوم غمامها\nيعني: مطرًا متتابعًا، أو غبار ريح متتابعًا. وتاء تترى مبدلة من الواو. وأنه كل ما أرسل رسولًا إلى أمة كذبوه فأهلكهم، وأتبع بعضهم بعضًا في الإِهلاك المستأصل بسبب تكذيب الرسل. وهذا المعنى المذكور في هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة. وقد بينت آية استثناء أمة واحدة من هذا الإِهلاك المذكور.\nأما الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية فهي كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً﴾ الآية. والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.\nأما الآية التي بينت استثناء أمة واحدة من هذه الأمم فهي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وظاهر آية الصافات أنهم آمنوا إيمانًا حقًّا، وأن الله عاملهم به معاملة المؤمنين، وذلك في قوله في يونس: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾ لأن ظاهر إطلاق قوله: (فآمنوا) يدل على ذلك. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":865},{"text":"ومن الأمم التي نص على أنه أهلكها وجعلها أحاديث سبأ؛ لأنه تعالى قال فيهم: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ الآية وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ أي: أخبارًا وقصصًا يسمر بها، ويتعجب منها، كما قال ابن دريد في مقصورته:\nوإنما المرء حديث بعده ... فكن حديثًا حسنًا لمن وعى\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: (تترًا) بالتنوين. وهي لغة كنانة، والباقون بألف التأنيث المقصورة من غير تنوين. وهي لغة أكثر العرب. وسهل نافع، وابن كثير، وأبو عمرو الهمزة الثانية من قوله: (جاء أمة)، وقرأها الباقون بالتحقيق، كما هو معلوم.\nوقوله: ﴿فَبُعْدًا لِقَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (٤٤)﴾ مصدر لا يظهر عامله، وقد بعد بعدًا بفتحتين، وبعدًا بضم فسكون، أي: هلك، فقوله: بعدًا، أي: هلاكًا مستأصلًا، كما قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِمَدْيَنَ كَمَا بَعِدَتْ ثَمُودُ (٩٥)﴾ قال الشاعر:\nقل الغناء إذا لاقى الفتى تلفا ... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا\nوقد قال سيبويه: إن بعدًا وسحقًا ودفرًا، أي: نتنًا من المصادر المنصوبة بأفعال لا تظهر. اهـ. ومن هذا القبيل قولهم: سقيًا ورعيًا، كقول نابغة ذبيان:\nنبئت نعمًا على الهجران عاتية ... سقيًا ورعيًا لذلك العاتب الزاري\nوالأحاديث في قوله: (فجعلناهم أحاديث) في مفرده وجهان معروفان.\nأحدهما: أنه جمع حديث كما تقول: هذه أحاديث رسول الله  - ﷺ -، تريد بالأحاديث جمع حديث. وعلى هذا فهو من","vol":"5","page":866},{"text":"الجموع الجارية على غير القياس المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:\nوحائد عن القياس كل ما ... خالف في البابين حكما رسما\nيعني بالبابين: التكسير والتصغير، كتكسير حديث على أحاديث وباطل على أباطيل، وكتصغير مغرب على مغيربان، وعشية على عشيشية. وقال بعضهم: إنها اسم جمع للحديث.\nالوجه الثاني: أن الأحاديث جمع أحدوثة التي هي مثل: أضحوكة، وألعوبة، وأعجوبة بضم الأول، وإسكان الثاني: وهي ما يتحدث به الناس تلهيًا، وتعجبًا. ومنه بهذا المعنى قول توبة بن الحمير:\nمن الخفرات البيض ودَّ جليسها ... إذا ما انقضت أحدوثة لو تعيدها\nوهذا الوجه أنسب هنا لجريان الجمع فيه على القياس. وجزم به الزمخشري. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1136> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾</span>.\nأمر جل وعلا في هذه الآية الكريمة رسله عليهم الصلاة والسلام مع أن الموجود منهم وقت نزولها واحد، وهو نبينا - ﷺ -، بالأكل من الطيبات، وهي الحلال الذي لا شبهة فيه على التحقيق، وأن يعملوا العمل الصالح. وذلك يدل على أن الأكل من الحلال له أثر في العمل الصالح، وهو كذلك، وهذا الذي أمر به الرسل في هذه الآية الكريمة أمر به المؤمنين من هذه الأمة التي هي خير الأمم، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ","vol":"5","page":867},{"text":"وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾. والآية تدل على أن كل رسول أمر في زمنه بالأكل من الحلال، والعمل الصالح. وتأثير الأكل من الحلال في الأعمال معروف. وفي حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"يا أيها الناس إن الله طيب لا يقبل إلا طيبًا، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٥١)﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾ ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام يمد يديه إلى السماء، يا رب يا رب فأنَّى يستجاب له\" وهو يدل بدلالة واضحة أن دعاءه الذي هو من أعظم القرب لم ينفعه؛ لأنه لم يأكل من الحلال ولم يشرب منه، ولم يركب منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1137> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (٥٣)﴾</span>.\nقد أوضحنا معنى هاتين الآيتين، وفسرنا ما يحتاج منهما إلى تفسير، وبينا الآيات الموضحة لمعناها في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ وبينا المراد بالأمة مع بعض الشواهد العربية، وبينا جميع معاني الأمة في القرآن في أول سورة هود في الكلام على قوله: ﴿وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1138> قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾</span>.\nأمر جل وعلا نبيه - ﷺ - أن يذر الكفار، أي: يتركهم في غمرتهم","vol":"5","page":868},{"text":"إلى حين، أي: وقت معين عند الله. والظاهر أنه وقت انقضاء آجالهم بقتل أو موت، وصيرورتهم إلى ما هم صائرون إليه بعد الموت من العذاب البرزخي، والأخروي. وكون المراد بالحين المذكور وقت قتلهم، أو موتهم ذكره الزمخشري عن علي ﵁ بغير سند.\nوأقوال أهل العلم في معنى (غمرتهم) راجعة إلى شيء واحد كقول الكلبي: في غمرتهم، أي: جهالتهم، وقول ابن بحر: في حيرتهم، وقول ابن سلام: في غفلتهم، وقول بعضهم: في ضلالتهم فمعنى كل هذه الأقوال واحد، وهو أنه أمره أن يتركهم فيما هم فيه من الكفر والضلال والغي والمعاصي.\nقال الزمخشري: الغمرة: الماء الذي يغمر القامة، فضربت مثلًا لما هم مغمورون فيه من جهلهم، وعمايتهم، أو شبهوا باللاعبين في غمرة الماء؛ لما هم عليه من الباطل. قال ذو الرمة:\nليالي اللهو يطبيني فأتبعه ... كأنني ضارب في غمرة لعب\nوصيغة الأمر في قوله: ﴿فَذَرهُمْ فِي غَمْرَتهِمْ﴾ للتهديد. وقد تقرر في فن الأصول في مبحث الأمر، وفي فن المعاني في مبحث الإِنشاء أن من المعاني التي تأتي لها صيغة افعل التهديد. وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا نبينا  - ﷺ -  جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا (١٧)﴾ وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ (٣٠)﴾، وقوله: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة الحجر","vol":"5","page":869},{"text":"في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية، وتكلمنا هناك على لفظ (ذرهم).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1139> قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾</span>\nقد أوضحنا الكلام على الآيات الموضحة لهاتين الآيتين في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1140> قوله تعالى: ﴿وَلَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية من التخفيف في هذه الحنيفية السمحة التي جاء بها نبينا - ﷺ - قد ذكرنا طرفًا من الآيات الدالة عليه في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1141> قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا كِتَابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٢)﴾</span>.\nالحق أن المراد بهذا الكتاب: كتاب الأعمال الذي يحصيها الله فيه، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾ الآية، وفي سورة الإِسراء في الكلام على قوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾.\nوالظاهر أن معنى نطق الكتاب بالحق: أن جميع المكتوب فيه","vol":"5","page":870},{"text":"حق، فمن قرأ المكتوب فيه كأنه لا ينطق في قراءته له إلا بالحق. وربما أطلقت العرب اسم الكلام على الخط، كما روي عن عائشة أنها قالت: ما بين دفتي المصحف كلام الله. واللَّه تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1142> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ إِذَا هُمْ يَجْأَرُونَ (٦٤) لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾</span>.\n(حتى) هنا في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، والكلام الجملة الشرطية، والعذاب الذي أخذهم ربهم به قيل: هو عذاب يوم بدر بالقتل والأسر، وقيل: الجوع والقحط الشديد الذي أصابهم لما دعا عليهم رسول الله - ﷺ - فقال: \"اللهم اشدد وطأتك على مضر، اللهم اجعلها عليهم سنين كسني يوسف\" فأصابهم بسبب دعوته - ﷺ - من الجوع الشديد عذاب أليم. وأظهرها عندي أنه أخذهم بالعذاب يوم القيامة.\nوقد بين تعالى في هاتين الآيتين أنه أخذ مترفيهم بالعذاب، والمترفون هم أصحاب النعمة والرفاهية في دار الدنيا. وهذا المعنى أشار له بقوله: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١) إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢) وَطَعَامًا ذَا غُصَّةٍ وَعَذَابًا أَلِيمًا (١٣)﴾ فقوله: (أولي النعمة) يريد بهم: المترفين في الدنيا، وبين أنه سيعذبهم بعد التهديد بقوله: ﴿إِنَّ لَدَيْنَا أَنْكَالًا وَجَحِيمًا (١٢)﴾ الآية.\nوقوله: (يجأرون)، الجؤار: الصراخ باستغاثة، والعرب تقول: جأر الثور يجأر: صاح، فالجؤار كالخوار. وفي بعض القراءات (عجلًا جسدًا له جؤار) بالجيم والهمزة، أي: خوار، وجأر الرجل إلى الله: تضرع بالدعاء.","vol":"5","page":871},{"text":"فمعنى الآية الكريمة: أن المنعمين في الدنيا من الكفار إذا أخذهم الله بالعذاب يوم القيامة صاحوا مستصرخين مستغيثين، يطلبون الخلاص مما هم فيه، وصراخهم واستغاثتهم المشار له هنا جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فقوله: (يصطرخون) يفتعلون من الصراخ مستغيثين يريدون الخروج مما هم فيه، بدليل قوله تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فهذا الصراخ المذكور في هذه الآية العام للمترفين وغيرهم هو الجؤار المذكور عن المترفين هنا.\nومن إطلاق العرب الجؤار على الصراخ والدعاء للاستغاثة قول الأعشى:\nيراوح من صلوات المليك ... فطورًا سجودًا وطورًا جؤارا\nوالجؤار المذكور: هو النداء في قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ لأن نداءهم نداء استغاثة واستصراخ، وكقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ الآية؛ لأن القضاء عليهم من أعظم الأمور التي يطلبونها، فيستغيثون بالموت من دوام ذلك العذاب الشديد، أجارنا الله وإخواننا المسلمين منه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ وذلك الدعاء بالثبور الذي هو أعظم الهلاك والويل من أنواع جؤارهم والعياذ باللَّه.\nوقوله تعالى: ﴿لَا تَجْأَرُوا الْيَوْمَ إِنَّكُمْ مِنَّا لَا تُنْصَرُونَ (٦٥)﴾ يدل على أنهم إن استغاثوا لم يغاثوا، وإن استرحموا لم يرحموا، وقد أشار","vol":"5","page":872},{"text":"تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1143> قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ (٦٦)﴾</span>.\nلما بين أن المترفين من الكفار إذا أخذهم ربهم بالعذاب ضجوا وصاحوا واستغاثوا، وبين أنهم لا يغاثون - كما أوضحنا آنفًا - بين سبب ذلك بقوله: ﴿قَدْ كَانَتْءَايَاتِى﴾ أي: التي أرسلت بها رسلي: ﴿تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ تقرأ عليكم واضحة مفصلة، ﴿فَكُنْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ تَنْكِصُونَ﴾ ترجعون عنها القهقرى. والعقب: مؤخر القدم. والنكوص: الرجوع عن الأمر. ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾ ومنه قول الشاعر:\nزعموا بأنهم على سبل النجا ... ة وإنما نكص على الأعقاب\nوهذا المعنى الذي ذكره هنا أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١) ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ فكفرهم عند ذكر الله وحده من نكوصهم على أعقابهم، وبين في موضع آخر أنهم إذا تتلى عليهم آياته لم يقتصروا على النكوص عنها على أعقابهم، بل يكادون يبطشون بالذي يتلوها عليهم، لشدة بغضهم لها، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وهذا الذي ذكرنا أن العذاب عذاب يوم القيامة أظهر عندنا من قول من قال: إنه يوم بدر،","vol":"5","page":873},{"text":"أو الجوع. ومن قول من زعم أن الذين يجأرون هم الذين لم يقتلوا يوم بدر وأن جؤارهم من قبل إخوانهم. فكل ذلك خلاف الظاهر وإن قاله من قاله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1144> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾</span>.\nيتضمن حضهم على تدبر هذا القول الذي هو القرآن العظيم؛ لأنهم إن تدبروه تدبرًا صادقًا علموا أنه حق، وأن اتباعه واجب وتصديق من جاء به لازم. وقد أشار لهذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ قال القرطبي: فأنكروه، وأعرضوا عنه، وقيل: أم بمعنى: بل جاءهم ما لا عهد لآبائهم به، فلذلك أنكروه، وتركوا التدبر له.\nوقال ابن عباس: وقيل المعنى: أم جاءهم أمان من العذاب، وهو شيء لم يأت آباءهم الأولين.\nقال أبو حيان في تفسير هذه الآية: قرعهم أولًا بترك الانتفاع بالقرآن، ثم ثانيًا بأن ما جاءهم جاء آباءهم الأولين، أي: إرسال الرسل ليس بدعًا، ولا مستغربًا، بل أرسلت الرسل للأمم قبلهم، وعرفوا ذلك بالتواتر ونجاة من آمن، واستئصال من كذب. وآباءهم إسماعيل وأعقابه إلى آخر كلامه. وهذا الوجه من التفسير له وجه من النظر، وعليه فالآية كقوله: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.","vol":"5","page":874},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1145> قوله تعالى: ﴿أَمْ لَمْ يَعْرِفُوا رَسُولَهُمْ فَهُمْ لَهُ مُنْكِرُونَ (٦٩)﴾</span>.\nفقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦)﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1146> قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾</span>.\n\"أم\" المذكورة في هذه الآية هي المعروفة عند النحويين بأم المنقطعة. وضابطها إلا تتقدم عليها همزة تسوية نحو ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ﴾ الآية، أو همزة مغنية عن لفظة، أي: كقولك أزيد عندك، أم عمرو؟ أي: أيهما عندك، فالمسبوقة بإحدى الهمزتين المذكورتين هي المعروفة عندهم بأم المتصلة، والتي لم تسبق بواحدة منهما هي المعروفة بالمنقطعة كما هنا. وأم المنقطعة تأتي لثلاثة معان:\nالأول: أن تكون بمعنى بل الإِضرابية.\nالثاني: أن تكون بمعنى همزة استفهام الإنكار.\nالثالث: أن تكون بمعناهما معًا، فتكون جامعة بين الإِضراب والإِنكار، وهذا الأخير هو الأكثر في معناها خلافًا لابن مالك في الخلاصة في اقتصاره على أنها بمعنى بل في قوله:\nوبانقطاع، وبمعنى بل وفت ... إن تك مما قيدت به خلت\nومراده بخلوها مما قيدت به ألا تسبقها إحدى الهمزتين المذكورتين، فإن سبقتها إحداهما، فهي المتصلة كما تقدم قريبًا.","vol":"5","page":875},{"text":"وعلى ما ذكرنا فيكون المعنى متضمنًا للإِضراب عما قبله إضرابًا انتقاليًا، مع معنى استفهام الإِنكار، فتضمن الآية الإِنكار على الكفار في دعواهم أن نبينا  - ﷺ -  به جنة، أي: جنون، يعنون: أن هذا الحق الذي جاءهم به هذيان مجنون، قبحهم الله، ما أجحدهم للحق؛ وما أكفرهم؛ ودعواهم عليه هذه أنه مجنون كذبها الله هنا بقوله: ﴿بَلْ جَاءَهُم بِالْحَقِّ﴾ فالإِضراب ببل إبطالي. والمعنى: ليس بمجنون، بل هو رسول كريم جاءكم بالحق الواضح المؤيد بالمعجزات الذي يعرف كل عاقل أنه حق، ولكن عاندتم وكفرتم لشدة كراهيتكم للحق.\nوما نفته هذه الآية الكريمة من دعواهم عليه الجنون صرح الله بنفيه في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩)﴾ وهذا الجنون الذي افتري على آخر الأنبياء افتري أيضًا على أولهم، كما قال تعالى في هذه السورة الكريمة عن قوم نوح أنهم قالوا فيه: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ (٢٥)﴾ وقد بين في موضع آخر أن الله لم يرسل رسولًا إلَّا قال قومه: إنه ساحر، أو مجنون، كأنهم اجتمعوا فتواصوا على ذلك؛ لتواطئ أقوالهم لرسلهم عليه، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ فبين أن سبب تواطئهم على ذلك ليس التواصي به؛ لاختلاف أزمنتهم، وأمكنتهم، ولكن الذي جمعهم على ذلك هو مشابهة بعضهم لبعض في الطغيان. وقد أوضح هذا المعنى في سورة البقرة في قوله: ﴿كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ فهذه الآيات تدل على أن سبب تشابه","vol":"5","page":876},{"text":"مقالاتهم لرسلهم هو تشابه قلوبهم في الكفر والطغيان، وكراهية الحق.\nوقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ ذكر نحو معناه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية. وذلك المنكر الذي تعره في وجوههم إنما هو لشدة كراهيتهم للحق. ومن الآيات الموضحة لكراهيتهم للحق أنهم يمتنعون من سماعه، ويستعملون الوسائل التي تمنعهم من أن يسمعوه، كما قال تعالى في قصة أول الرسل الذين أرسلهم بتوحيده والنهي عن الإِشراك به، وهو نوح: ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ وإنما جعلوا أصابعهم في آذانهم، واستغشوا ثيابهم خوف أن يسمعوا ما يقوله لهم نبيهم نوح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام من الحق، والدعوة إليه. وقال تعالى في أمة آخر الأنبياء  - ﷺ -: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية. فترى بعضهم ينهى بعضًا عن سماعه، ويأمرهم باللغو فيه، كالصياح والتصفيق المانع من السماع لكراهتهم للحق، ومحاولتهم أن يغلبوا الحق بالباطل.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف وهو أن يقال: قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ يفهم من مفهوم مخالفته أن قليلًا من الكفار ليسوا كارهين للحق. وهذا السؤال وارد أيضًا على آية الزخرف التي ذكرنا آنفًا، وهي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾.\nوالجواب عن هذا السؤال: هو ما أجاب به بعض أهل العلم","vol":"5","page":877},{"text":"بأن قليلًا من الكفار كانوا لا يكرهون الحق، وسبب امتناعهم عن الإِيمان باللَّه ورسوله ليس هو كراهيتهم للحق، ولكن سببه الأنفة والاستنكاف من توبيخ قومهم، وأن يقولوا: صبأوا وفارقوا دين آبائهم. ومن أمثلة من وقع له هذا أبو طالب فإنه لا يكره الحق الذي جاء به النبي - ﷺ -، وقد كان يشد عضده في تبليغه رسالته كما قدمنا في شعره في قوله:\n\n• اصدع بأمرك ما عليك غضاضة *\nالأبيات، وقال فيها:\nولقد علم بأنّ دين محمد ... من خير أديان البرية دينا\nوقال فيه - ﷺ - أيضًا:\nلقد علموا أن ابننا لا مكذب ... لدينا ولا يعني بقول الأباطل\nوقد بين أبو طالب في شعره أن السبب المانع له من اعتناق الإِسلام ليس كراهية الحق، ولكنه الأنفة والخوف من ملامة قومه أو سبهم له، كما في قوله:\nلولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحًا بذاك يقينا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1147> قوله تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بالحق في هذه الآية، فقال بعضهم: الحق: هو الله تعالى، ومعلوم أن الحق من أسمائه الحسنى، كما في قوله تعالى: ﴿وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾ وكون المراد بالحق في الآية: هو الله عزاه القرطبي","vol":"5","page":878},{"text":"للأكثرين، وممن قال به: مجاهد، وابن جريج، وأبو صالح، والسدي، وروي عن قتادة، وغيرهم.\nوعلى هذا القول فالمعنى: لو أجابهم الله إلى تشريع ما أحبوا تشريعه، وإرسال من اقترحوا إرساله بأن جعل أمر التشريع وإرسال الرسل ونحو ذلك تابعًا لأهوائهم الفاسدة لفسدت السموات والأرض، ومن فيهن؛ لأن أهواءهم الفاسدة وشهواتهم الباطلة، لا يمكن أن تقوم عليها السماء والأرض، وذلك لفساد أهوائهم، واختلافها. فالأهواء الفاسدة المختلفة لا يمكن أن يقوم عليها نظام السماء والأرض ومن فيهن، بل لو كانت هي المتبعة لفسد الجميع.\nومن الآيات الدالة على أن أهواءهم لا تصلح لأن تكون متبعة قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ لأن القرآن لو أنزل على أحد الرجلين المذكورين، وهو كافر يعبد الأوثان فلا فساد أعظم من ذلك. وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾ وقال تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣)﴾ قال ابن كثير ﵀: ففي هذا كله تبيين عجز العباد، واختلاف آرائهم وأهوائهم، وأنه تعالى هو الكامل في جميع صفاته وأقواله وأفعاله وشرعه وقدره وتدبيره لخلقه ﷾ علوًا كبيرًا.\nومما يوضح أن الحق لو اتبع الأهواء الفاسدة المختلفة لفسدت السموات والأرض ومن فيهن قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فسبحان الله رب العرش عما يصفون.\nالقول الثاني: أن المراد بالحق في الآية: الحق الذي هو ضد","vol":"5","page":879},{"text":"الباطل المذكور في قوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾ وهذا القول الأخير اختاره ابن عطية، وأنكر الأول.\nوعلى هذا القول فالمعنى: أنه لو فرض كون الحق متبعًا لأهوائهم التي هي الشرك باللَّه، وادعاء الأولاد، والأنداد له ونحو ذلك لفسد كل شيء، لأن هذا الغرض يصير به الحق، هو أبطل الباطل، ولا يمكن أن يقوم نظام السماء والأرض على شيء، هو أبطل الباطل، لأن استقامة نظام هذا العالم لا تمكن إلَّا بقدرة وإرادة إله هو الحق منفرد بالتشريع، والأمر والنهي، كما لا يخفى على عاقل. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1148> قوله تعالى: ﴿بَلْ أَتَيْنَاهُمْ بِذِكْرِهِمْ فَهُمْ عَنْ ذِكْرِهِمْ مُعْرِضُونَ (٧١)﴾</span>.\nاختلف العلماء في الذكر في الآية، فمنهم من قال: (ذكرهم) فخرهم، وشرفهم؛ لأن نزول هذا الكتاب على رجل منهم فيه لهم أكبر الفخر والشرف، وعلى هذا فالآية كقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ على تفسير الذكر بالفخر والشرف، وقال بعضهم: الذكر في الآية: الوعظ والتوصية، وعليه فالآية كقوله: ﴿ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)﴾ وقال بعضهم: الذكر هو ما كانوا يتمنونه في قولهم: ﴿لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩)﴾ وعليه، فالآية كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾ وعلى هذا القول فقوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤٢)﴾ الآية كقوله هنا، فهم عن ذكرهم معرضون، وكقوله: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ والآيات بمثل هذا على القول الأخير كثيرة والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":880},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1149> قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾</span>.\nالمراد بالخرج والخراج هنا: الأجر والجزاء.\nوالمعنى: أنك لا تسألهم على ما بلغتهم من الرسالة المتضمنة لخيري الدنيا والآخرة أجرة ولا جعلًا. وأصل الخرج والخراج هو ما تخرجه إلى كل عامل في مقابلة أجرة، أو جعل. وهذه الآية الكريمة تتضمن أنه - ﷺ - لا يسألهم أجرًا في مقابلة تبليغ الرسالة.\nوقد أوضحنا الآيات القرآنية الدالة على أن الرسل لا يأخذون الأجرة على التبليغ في سورة هود في الكلام على قوله تعالى عن نوح: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية. وبينا وجه الجمع بين تلك الآيات، مع آية: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ وبينا هناك حكم أخذ الأجرة على تعليم القرآن وغيره، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقرأ هذين الحرفين ابن عامر: (خرْجًا فخرْج ربك) بإسكان الراء فيهما معًا، وحذف الألف فيهما، وقرأ حمزة والكسائي: (خراجًا فخراج ربك) بفتح الراء بعدها ألف فيهما معًا، وقرأ الباقون: (خرجًا فخراج ربك) بإسكان الراء، وحذف الألف في الأول، وفتح الراء وإثبات الألف في الثاني.\nوالتحقيق أن معنى الخرج والخراج واحد، وأنهما لغتان فصيحتان، وقراءتان سبعيتان خلافًا لمن زعم أن بين معناهما فرقًا زاعمًا أن الخرج ما تبرعت به، والخراج ما لزمك أداؤه.","vol":"5","page":881},{"text":"ومعنى الآية لا يساعد على هذا الفرق كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nوصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (٧٢)﴾ نظرًا إلى أن بعض المخلوقين يرزق بعضهم، كقوله تعالى: ﴿وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ﴾ الآية. ولا شك أن فضل رزق الله خلقه على رزق بعض خلقه بعضهم كفضل ذاته، وسائر صفاته على ذوات خلقه، وصفاتهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1150> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى هذه الآية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾ فأغنى عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1151> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين لا يؤمنون بالآخرة لإِنكارهم البعث والجزاء ناكبون عن الصراط، والمراد بالصراط الذي هم ناكبون عنه الصراط المستقيم الموصل إلى الجنة المذكور في قوله قبله: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣)﴾ ومن نكب عن هذا الصراط المستقيم دخل النار بلا شك.\nوالآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى في سورة الروم: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾.","vol":"5","page":882},{"text":"ومعنى قوله: ﴿لَنَاكِبُونَ﴾ عادلون عنه، حائدون غير سالكين إياه، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول نصيب:\nخليلي من كعب ألما هديتما ... بزينب لا تفقد كما أبدًا كعب\nمن اليوم زوراها فإن ركابنا ... غداة غدٍ عنها وعن أهلها نكب\nجمع ناكبة عنها، أي: عادلة عنها متباعدة عنها، وعن أهلها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1152> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَحِمْنَاهُمْ وَكَشَفْنَا مَا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾</span>.\nقد بينا الآيات الموضحة لما دلت عليه هذه الآية من أنه تعالى يعلم المعدوم الذي سبق في علمه أنه لا يوجد أن لو وجد كيف يكون = في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله في هذه الآية: ﴿لَلَجُّوا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٥)﴾ اللجاج هنا: التمادي في الكفر والضلال. والطغيان: مجاوزة الحد، وهو كفرهم باللَّه، وادعاؤهم له الأولاد والشركاء، وقوله: ﴿يَعْمَهُونَ﴾ يترددون متحيرين لا يميزون حقًّا من باطل. وقال بعض أهل العلم: العمه: عمى القلب. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1153> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ الكفار بالعذاب. والظاهر أنه هنا: العذاب الدنيوي كالجوع والقحط والمصائب، والأمراض والشدائد ﴿فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ﴾ أي: ما خضعوا له، ولا ذلوا: ﴿وَمَا يَتَضَرَّعُونَ (٧٦)﴾، أي: ما يبتهلون إليه بالدعاء متضرعين","vol":"5","page":883},{"text":"له، ليكشف عنهم ذلك العذاب؛ لشدة قسوة قلوبهم، وبعدهم من الاتعاظ، ولو كانوا متصفين بما يستوجب ذلك من إصابة عذاب الله لهم.\nوهذا المعنى الذي ذكره هنا جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ (٤٢) فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٤٣)﴾ وقوله في سورة الأعراف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1154> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾</span>.\nقد ذكرنا الآيات التي فيها إيضاح لمعنى هذه الآية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٨)﴾ وبينا هناك وجه إفراد السمع مع الجمع للأبصار والأفئدة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1155> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾</span>.\n﴿ذَرَأَكُمْ﴾ معناه: خلقكم، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ الآية. وقوله: ﴿فِي الأَرْضِ﴾ هو أي: خلقكم","vol":"5","page":884},{"text":"وبثكم في الأرض عن طريق التناسل، كما قال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ الآية، وقال: ﴿إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾.\nوقوله: ﴿وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٧٩)﴾ أي: إليه وحده تجمعون يوم القيامة أحياء بعد البعث للجزاء والحساب.\nوما تضمنته هذه الآية من أنه خلقهم، وبثهم في الأرض، وأنه سيحشرهم إليه يوم القيامة جاء معناه في آيات كثيرة، كقوله في أول هذه السورة: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾ وذكر جل وعلا أيضًا هاتين الآيتين في سورة الملك في قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤) وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٥)﴾ والآيات في هذا المعنى كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1156> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الدالة على الإِماتتين والإِحياءتين، وأن ذلك من أكبر الدواعي للإِيمان به جل وعلا في سورة الحج في الكلام على قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾ الآية. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1157> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٨٠)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن له اختلاف الليل والنهار، يعني: أن ذلك هو الفاعل له وهو الذي يذهب بالليل، ويأتي","vol":"5","page":885},{"text":"بالنهار، ثم يذهب بالنهار ويأتي بالليل، واختلاف الليل والنهار من أعظم آياته الدالة على كمال قدرته، ومن أعظم مننه على خلقه كما بين الأمرين في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية. أي: لتسكنوا في الليل وتطلبوا معايشكم بالنهار. والآيات الدالة على أن اختلاف الليل والنهار من أعظم الآيات الدالة على عظمة الله، واستحقاقه للعبادة وحده كثير جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيْلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿يُغشِى اللَّيلَ النَّهَارَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٣٣)﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا.\nوقوله تعالى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ أي: تدركون بعقولكم أن الذي ينشئ السمع والأبصار والأفئدة، ويذرؤكم في الأرض وإليه تحشرون، وهو الذي يحيي ويميت ويخالف بين الليل والنهار أنه الإِله الحق المعبود وحده جل وعلا الذي لا يصح أن يسوى به غيره ﷾ علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1158> قوله تعالى: ﴿بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ (٨١) قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾</span>.\nلفظة \"بل\" هنا للإِضراب الانتقالي.","vol":"5","page":886},{"text":"والمعنى: أن الكفار الذين كذبوا نبينا  - ﷺ -  قالوا مثل ما قالت الأمم قبلهم، من إنكار البعث؛ لأن الاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ إنكار منهم للبعث.\nوالآيات الدالة على إنكارهم للبعث كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وكقوله عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ وقوله عنهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾ والآيات بمثل هذا في إنكارهم البعث كثيرة. وقد بينا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية. وفي أول سورة النحل، وغيرهما الآيات الدالة على البعث بعد الموت، وأوردنا منها كثيرًا، كقوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات. وأوضحنا أربعة براهين قرآنية دالة على البعث بعد الموت، وأكثرنا من ذكر الآيات الدالة على ذلك. فأغنى ذلك عن التطويل هنا.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَإِذَا مِتنَا﴾ قرأ نافع والكسائي بالاستفهام في: ﴿أَإِذَا مِتنَا﴾، وحذف همزة الاستفهام في ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾، بل قرأ إنا لمبعوثون، بصيغة الخبر لدلالة الاستفهام الأول على الاستفهام الثاني المحذوف. وقرأه ابن عامر بالعكس، فحذف همزة الاستفهام من: أئذا، وقرأ إذا بدون استفهام، وأثبت همزة الاستفهام في قوله: ﴿أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ وقد دل الاستفهام الثاني المثبت في قراءة ابن عامر على الاستفهام الأول المحذوف فيها. وقرأ ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة بالاستفهام فيهما معًا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا","vol":"5","page":887},{"text":"وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ وهم على أصولهم في الهمزتين، فنافع وابن كثير وأبو عمرو، يسهلون الثانية، والباقون يحققونها، وأدخل قالون، وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر ألفًا بين الهمزتين. وقرأ الباقون بالقصر دون الألف. وقرأ نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (متنا) بكسر الميم، والباقون: بضم الميم. وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَتْ يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾ الآية. وجه كسر الميم في إسناد الفعل الذي هو مات إلى تاء الفاعل، وبينا أنه يخفى على كثير من طلبة العلم. وأوضحنا وجهه غاية مع بعض الشواهد العربية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1159> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٨٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار المنكرين للبعث قالوا: إنهم وعدوا بالبعث، ووعد به آباؤهم من قبلهم. والظاهر أنهم يعنون أجدادهم الذين جاءتهم الرسل، وأخبرتهم بأنهم يبعثون بعد الموت للحساب والجزاء، وقالوا: إن البعث الذي وعدوا به هم وآباؤهم كذب لا حقيقة له، وأنه ما هو إلَّا أساطير الأولين، أي: ما سطروه وكتبوه من الأباطيل والترهات. والأساطير: جمع أسطورة، وقيل: جمع أسطارة. وهذا الذي ذكوه عنهم من إنكارهم البعث ذكر مثله في سورة النمل في قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ (٦٧) لَقَدْ وُعِدْنَا هَذَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾ ثم إنه تعالى أقام البرهان على البعث الذي أنكروه في هذه الآية بقوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَنَّى تُسُحَرُونَ﴾ لأن من له الأرض، ومن فيها، ومن هو","vol":"5","page":888},{"text":"رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، ومن بيده ملكوت كل شيء، وهو يجير ولا يجار عليه لا شك أنه قادر على بعث الناس بعد الموت، كما أوضحنا فيما مر البراهين القرآنية القطعية الدالة على ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1160> قوله تعالى: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾</span>.\nقدمنا ما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كماله وجلاله وأوصاف ربوبيته المستلزمة لإِخلاص العبادة له وحده في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ فَقُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٣١)﴾ وفي سورة بني إسرائيل في الكلام عَلَى قوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وأوضحنا دلالة توحيده في ربوبيته على توحيده في عبادته، وقد ذكرنا كثيرًا من الآيات القرآنية الدالة عَلَى ذلك، مع الإِيضاح، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الملكوت: فعلوت من الملك، أي: من بيده ملك كل شيء، بمعنى: من هو مالك كل شيء كائنًا ما كان. وقال بعض أهل العلم: زيادة الواو والتاء في نحو: الملكوت، والرحموت، والرهبوت بمعنى الملك، والرحمة، والرهبة تفيد المبالغة في ذلك. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"5","page":889},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ﴾ أي: هو يمنع من شاء ممن شاء، ولا يمنع أحد منه أحدًا شاء أن يهلكه أو يعذبه؛ لأنه هو القادر وحده عَلَى كل شيء، وهو القاهر فوق عباده، وهو الحكيم الخبير. ومنه قول الشاعر:\nأراك طفقت تظلم من أجرنا ... وظلم الجار إذلال المجير\nوقوله تعالى: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: كيف تخدعون، وتصرفون عن توحيد ربكم، وطاعته مع ظهور براهينه القاطعة وأدلته الساطعة. وقيل: ﴿فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ أي: كيف يخيل إليكم أن تشركوا به ما لا يضر، ولا ينفع، ولا يغني عنكم شيئًا بناء على أن السحر هو التخييل.\nوقد قدمنا الكلام على السحر مستوفى في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى (٦٩)﴾ والظاهر أن معنى تسحرون هنا: تخدعون بالشبه الباطلة فيذهب بعقولكم عن الحق كما يفعل بالمسحور. واللَّه تعالى أعلم.\nوقوله: ﴿أَفَلَا تَذَكَّرُونَ﴾ قرأه حفص عن عاصم، وحمزة، والكسائي بتخفيف الذال بحذف إحدى التاءين، والباقون بالتشديد لإِدغام إحدى التاءين في الذال.\nوقوله تعالى: ﴿سيَقُولُونَ للَّهِ﴾ جاء في هذه الآيات ثلاث مرات.\nالأول: ﴿سيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَدَكَّرُونَ﴾. وهذه اتفق جميع السبعة على قراءتها بلام الجر الداخلة على لفظ الجلالة؛ لأنها جواب","vol":"5","page":890},{"text":"المجرور بلام الجر، وهو قوله: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا﴾ فجواب لمن الأرض، هو أن تقول: للَّه.\nوأما الثاني: الذي هو ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧)﴾.\nوالثالث: الذي هو قوله: ﴿سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ (٨٩)﴾ فقد قرأهما أبو عمرو بحذف لام الجر، ورفع الهاء من اللفظ للجلالة.\nوالمعنى: على قراءة أبي عمرو المذكورة واضح لا إشكال فيه، لأن الظاهر في جواب من رب السموات السبع، ورب العرش العظيم، أن تقول: الله بالرفع، أي: رب ما ذكر هو الله، وكذلك جواب قوله: ﴿مَن بِيَدِهِ ملَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. فالظاهر في جوابه أيضًا أن يقال: الله، بالرفع، أي: الذي بيده ملكوت كل شيء هو الله، فقراءة أبي عمرو جارية على الظاهر الذي لا إشكال فيه. وقرأ الحرفين المذكورين غيره من السبعة بحرف الجر وخفض الهاء من لفظ الجلالة كالأول.\nوفي هذه القراءة التي هي قراءة الجمهور سؤال معروف، وهو أن يقال: ما وجه الإِتيان بلام الجر، مع أن السؤال لا يستوجب الجواب بها، لأن قول: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦)﴾ الظاهر أن يقال في جوابه: ربهما الله، وإذًا يشكل وجه الإِتيان بلام الجر.\nوالجواب عن هذا السؤال معروف واضح، لأن قوله تعالى: ﴿مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ فيه معنى من هو مالك السموات والأرض، والعرش، وكل شيء،","vol":"5","page":891},{"text":"فيحسن الجواب بأن يقال: للَّه، أي: كل ذلك ملك للَّه، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:\nإذا قيل: من رب المزالف والقرى ... ورب الجياد الجرد قلت: لخالد\nلأن قوله: من رب المزالف فيه معنى من هو مالكها، فحسن الجواب باللام، أي: هي لخالد. والمزالف: جمع مزلفة كمرحلة. قال في القاموس: هي كل قرية تكون بين البر والريف، وجمعها مزالف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1161> قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:\nالأولى: أنه لم يتخذ ولدًا ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوالثانية: أنه لم يكن معه إله آخر ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوالثالثة: أنه أقام البرهان على استحالة تعدد الإلهة بقوله: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ أما ادعاؤهم له الأولاد، فقد بينا الآيات الدالة على عظم فريتهم في ذلك، وظهور بطلان دعواهم، ورد الله عليهم في ذلك في مواضع متعددة، فقد أوضحناه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ الآية. وذكرنا طرفًا منه في أول الكهف في الكلام على قوله: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ وفي مواضع غير ما ذكر، فأغنى ذلك عن إعادته.","vol":"5","page":892},{"text":"وأما تفرده تعالى بالألوهية مع إقامة الدليل على ذلك فقد بيناه، وذكرنا ما يدل عليه من الآيات في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ ولم نتعرض لما يسميه المتكلمون دليل التمانع، لكثرة المناقشات الواردة على أهل الكلام فيه، وإنما بينا الآيات بالقرآن على طريق الاستدلال القرآني بها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1162> قوله تعالى: ﴿قُلْ رَبِّ إِمَّا تُرِيَنِّي مَا يُوعَدُونَ (٩٣) رَبِّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾</span>.\nأمر جل وعلا نبيه في هاتين الآيتين الكريمتين أن يقول: رب إما تريني ما يوعدون، أي: إن ترني ما توعدهم من العذاب بأن تنزله بهم، وأنا حاضر شاهد أرى نزوله بهم: ﴿فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٩٤)﴾ أي: لا تجعلني في جملة المعذبين الظالمين، بل أخرجني منهم، ونجني من عذابهم. وقد بين تعالى في مواضع أخر أنه لا ينزل بهم العذاب، وهو فيهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ الآية، وبين هنا أنه قادر على أن يريه العذاب الذي وعدهم به في قوله: ﴿وَإِنَّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ (٩٥)﴾ وبين في سورة الزخرف أنه إن ذهب به قبل تعذيبهم، فإنه معذب لهم ومنتقم منهم لا محالة، وأنه إن عذبهم، وهو حاضر فهو مقتدر عليهم. وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا نَذْهَبَنَّ بِكَ فَإِنَّا مِنْهُمْ مُنْتَقِمُونَ (٤١) أَوْ نُرِيَنَّكَ الَّذِي وَعَدْنَاهُمْ فَإِنَّا عَلَيْهِمْ مُقْتَدِرُونَ (٤٢)﴾.","vol":"5","page":893},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1163> قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ السَّيِّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ (٩٦) وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧) وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾</span>.\nهذا الذي تضمنته هذه الآيات الثلاث مما ينبغي أن يعامل به شياطين الإِنس وشياطين الجن قد قدمنا الآيات الدالة عليه بإيضاح في آخر سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (١٩٩) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية ﴿بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أي: بالخصلة التي هي أحسن الخصال، والسيئة مفعول ادفع. ووزن السيئة، فيعلة أصلها: سيوئة وحروفها الأصلية السين والواو والهمزة، وقد زيدت الياء الساكنة بين الفاء والعين، فوجب إبدال الواو التي هي عين الكلمة ياء وإدغام ياء الفيعلة الزائدة فيها على القاعدة التصريفية المشار لها بقول ابن مالك في الخلاصة:\nإن يسكن السابق من واو ويا ... واتصلا ومن عروض عريا\nفياءًا الواوَ اقلبن مدغما ... وشذ معطى غير ما قد رسما\nكما قدمناه مرارًا. والسيئة في اللغة: الخصلة من خصال السوء.\nوقوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾ أي: بما تصفه ألسنتهم من الكذب في تكذيبهم لك، وادعائهم الأولاد والشركاء للَّه. وقد قدمنا في سورة المائدة أن اللين والصفح المطلوب في آيات القرآن بعد نزول القتال إنما هو بالنسبة إلى المؤمنين، دون الكافرين في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى","vol":"5","page":894},{"text":"الْكَافِرِينَ﴾ وبينا الآيات الدالة على ذلك، كقوله في النبي - ﷺ - وأصحابه: ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾ إلى آخر ما تقدم.\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ (٩٧)﴾ الهمزات: جمع همزة وهي المرة من فعل الهمز، وهو في اللغة: النخس والدفع، وهمزات الشياطين نخساتهم لبني آدم ليحثوهم، ويحضوهم على المعاصي، كما أوضحنا الكلام عليه في قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾ الآية.\nوالظاهر في قوله: ﴿وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ (٩٨)﴾، أن المعنى: أعوذ بك أن يحضرني الشيطان في أمر من أموري كائنًا ما كان، سواء كان ذلك وقت تلاوة القرآن، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٩٨)﴾ أو عند حضور الموت، أو غير ذلك من جميع الشئون في جميع الأوقات. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1164> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا﴾</span>.\nالظاهر عندي: أن \"حتى\" في هذه الآية هي التي يبتدأ بعدها الكلام، ويقال لها: حرف ابتداء، كما قاله ابن عطية، خلافًا للزمخشري القائل: إنها غاية لقوله: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ﴾، وأبي حيان القائل: إن الظاهر له أن قبلها جملة محذوفة هي غاية لها","vol":"5","page":895},{"text":"يدل عليها ما قبلها، وقدر الجملة المذكورة بقوله: فلا أكون كالكفار الذين تهمزهم الشياطين ويحضرونهم، حتى إذا جاء أحدهم الموت قال: رب ارجعون. ونظير حذف هذه الجملة قول الشاعر وهو الفرزدق.\nفواعجبًا حتى كليب تسبني ... كأن أباها نهشل أو مجاشع\nقال: المعنى: يسبني الناس حتى كليب، فدل ما بعد حتى على الجملة المحذوفة. وفي الآية دل ما قبلها عليها. انتهى الغرض من كلام أبي حيان. ولا يظهر عندي كل الظهور.\nبل الأظهر عندي: هو ما قدمته، وهو قول ابن عطية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكافر والمفرط في عمل الخير إذا حضر أحدهما الموت طلبا الرجعة إلى الحياة، ليعملا العمل الصالح الذي يدخلهما الجنة، ويتداركا به ما سلف منهما من الكفر والتفريط، وأنهما لا يجابان لذلك، كما دل عليه حرف الزجر والردع الذي هو \"كلّا\" جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا مِنْ مَا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكما أنهم يطلبون الرجعة عند حضور الموت، ليصلحوا أعمالهم فإنهم يطلبون ذلك يوم القيامة، ومعلوم أنهم لا يجابون إلى ذلك.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ","vol":"5","page":896},{"text":"الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٧) بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ يَقُولُونَ هَلْ إِلَى مَرَدٍّ مِنْ سَبِيلٍ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ (٥١) وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢) وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ﴾ الآية. وقد تضمنت هذه الآيات التي ذكرنا، وأمثالها في القرآن أنهم يسألون الرجعة فلا يجابون عند حضور الموت، ويوم النشور، ووقت عرضهم على الله تعالى، ووقت عرضهم على النار.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف: وهو أن يقال: ما وجه صيغة الجمع في قوله: ﴿رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩)﴾ ولم يقل: رب ارجعني بالإِفراد.\nوقد أوضحنا الجواب عن هذا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وبينا أنه يجاب عنه من ثلاثة أوجه:\nالأول  - وهو أظهرها -: أن صيغة الجمع في قوله: (ارجعون)، لتعظيم المخاطب، وذلك أن النادم السائل الرجعة يظهر في ذلك","vol":"5","page":897},{"text":"الوقت تعظيمه ربه. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر حسان بن ثابت أو غيره:\nألا فارحموني يا إله محمد ... فإن لم أكن أهلًا فأنت له أهل\nوقول الآخر يخاطب امرأة:\nوإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردًا\nوالنقاخ الماء البارد، والبرد: النوم، وقيل: ضد الحر. والأول أظهر.\nالوجه الثاني: قوله: (رب) استغاثة به تعالى، وقوله: (ارجعون) خطاب للملائكة. ويستأنس لهذا الوجه بما ذكره ابن جرير، عن ابن جريج قال: قال رسول الله  - ﷺ -  لعائشة: \"إذا عاين المؤمن الملائكة قالوا: نرجعك إلى دار الدنيا فيقول: إلى دار الهموم والأحزان، فيقول: بل قدموني إلى الله، وأما الكافر فيقولون له: نرجعك؟ فيقول: رب ارجعون\".\nالوجه الثالث: وهو قول المازني: إنه جمع الضمير ليدل على التكرار، فكأنه قال: رب ارجعني، ارجعني، ارجعني. ولا يخفى بعد هذا القول كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا﴾ الظاهر أن لعل فيه التعليل، أي: ارجعون، لأجل أن أعمل صالحًا، وقيل: هي للترجي والتوقع؛ لأنه غير جازم بأنه إذا رد للدنيا عمل صالحًا، والأول أظهر. والعمل الصالح يشمل جميع الأعمال من الشهادتين والحج الذي كان قد فرط فيه، والصلوات، والزكاة ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.","vol":"5","page":898},{"text":"وقوله: ﴿كَلَّا﴾ كلمة زجر؛ وهي دالة على أن الرجعة التي طلبها لا يعطاها كما هو واضح.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1165> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَينَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾</span>\nفي هذه الآية الكريمة سؤالان معروفان يحتاجان إلى جواب مبين للمقصود مزيل للإِشكال.\nالسؤال الأول: أنه تعالى ذكر في هذه الآية: أنه إذا نفخ في الصور - والظاهر أنها النفخة الثانية - أنهم لا أنساب بينهم يومئذ، فيقال: ما وجه نفي الأنساب بينهم، مع أنها باقية كما دل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتِ الصَّاخَّةُ (٣٣) يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥) وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ (٣٦)﴾ ففي الآية ثبوت الأنساب بينهم.\nالسؤال الثاني: أنه قال: ﴿وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾ مع أنه ذكر في آيات أخر أنهم في الآخرة يتساءلون، كقوله في سورة الطور: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾ وقوله في الصافات: ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٥٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد ذكرنا الجواب عن هذين السؤالين في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب بما حاصله.\nأن الجواب عن السؤال الأول: هو أن المراد بنفي الأنساب انقطاع آثارها، التي كانت مترتبة عليها في دار الدنيا، من التفاخر بالآباء، والنفع والعواطف والصلات، فكل ذلك ينقطع يوم القيامة، ويكون الإِنسان لا يهمه إلا نفسه. وليس المراد نفي حقيقة الأنساب، من أصلها بدليل قوله: ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ (٣٤) وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ (٣٥)﴾ الآية.","vol":"5","page":899},{"text":"وأن الجواب عن السؤال الثاني من ثلاثة أوجه:\nالأول: هو قول من قال: إن نفي السؤال بعد النفخة الأولى، وقبل الثانية، وإثباته بعدهما معًا. وهذا الجواب فيما يظهر لا يخلو من نظر.\nالثاني: أن نفي السؤال عند اشتغالهم بالصعق والمحاسبة، والجواز على الصراط، وإثباته فيما عدا ذلك، وهو عن السدي من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس.\nالثالث: أن السؤال المنفي سؤال خاص، وهو سؤال بعضهم العفو من بعض فيما بينهم من الحقوق، لقنوطهم من الإِعطاء، ولو كان المسؤول أبًا، أو ابنًا، أو أمًا، أو زوجة. ذكر هذه الأوجه الثلاثة صاحب الإِتقان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1166> قوله تعالى: ﴿فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٢) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فأولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ (١٠٣)﴾</span>\nقد قدمنا الآيات الموضحة، لمعنى هاتين الآيتين في سورة الأعراف في الكلام على قوله: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ﴾ الآية. وقوله في سورة مريم: ﴿فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا (١٠٥)﴾ وغير ذلك. فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1167> قوله تعالى: ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار تلفح","vol":"5","page":900},{"text":"وجوههم النار، أي: تحرقها إحراقًا شديدًا جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿سَرَابِيلُهُمْ مِنْ قَطِرَانٍ وَتَغْشَى وُجُوهَهُمُ النَّارُ (٥٠)﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَتَّقِي بِوَجْهِهِ سُوءَ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ الكالح: هو الذي تقلصت شفتاه حتى بدت أسنانه، والنار - والعياذ باللَّه - تحرق شفاههم، حتى تتقلص عن أسنانهم، كما يشاهد مثله في رأس الشاة المشوي في نار شديدة الحر، ومنه قول الأعشى:\nوله المقدم لا مثل له ... ساعة الشدق عن الناب كلح\nوعن ابن عباس: ﴿كَالِحُونَ (١٠٤)﴾ عابسون.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1168> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيكُمْ فَكُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٠٥) قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة: من أن أهل النار يسألون يوم القيامة، فيقول لهم ربهم: ﴿أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: في دار الدنيا على ألسنة الرسل فكنتم بها تكذبون، وأنهم اعترفوا بذلك، وأنهم لم يجيبوا الرسل لما دعوهم إليه من الإِيمان؛ لأن الله أراد بهم الشقاء، وهم ميسرون لما خلقوا له، فلذلك كفروا،","vol":"5","page":901},{"text":"وكذبوا الرسل. قد أوضحنا الآيات الدالة عليه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ومَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوقوله هنا ﴿قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ الظاهر أن معنى قولهم: ﴿غَلَبَتْ عَلَينَا شِقْوَتُنَا﴾ أن الرسل بلغتهم، وأنذرتهم، وتلت عليهم آيات ربهم، ولكن ما سبق في علم الله من شقاوتهم الأزلية غلب عليهم، فكذبوا الرسل، ليصيروا إلى ما سبق في علمه جل وعلا من شقاوتهم. ونظير الآية على هذا الوجه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ وقوله عن أهل النار: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ويزيد ذلك إيضاحًا قوله  - ﷺ -: \"كلّ ميسر لما خلق له\" وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ على أصح التفسيرين وقوله عنهم: ﴿وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦)﴾ اعتراف منهم بضلالهم، حيث لا ينفع الاعتراف بالذنب، ولا الندم عليه، كقوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوهذا الذي فسرنا به الآية هو الأظهر الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وبه تعلم أن قول أبي عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: وأحسن ما قيل في معناه: غلبت علينا لذاتنا وأهواؤنا، فسمى اللذات والأهواء شقوة؛ لأنهما يؤديان إليها كما قال الله ﷿: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ لأن ذلك يؤديهم إلى النار. اهـ. تكلف مخالف للتحقيق.","vol":"5","page":902},{"text":"ثم حكى القرطبي ما ذكرنا أنه الصواب بقيل، ثم قال: وقيل حسن الظن بالنفس، وسوء الظن بالخلق. اهـ.\nولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى.\nوقوله هنا: ﴿قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٧)﴾ أي: عن الإِسلام إلى الكفر، عن طريق الجنة إلى طريق النار.\nوقرأ هذا الحرف: حمزة، والكسائي: (شقاوتنا) بفتح الشين، والقاف وألف بعدها، وقرأه الباقون: بكسر الشين، وإسكان القاف وحذف الألف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1169> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧) قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل النار يدعون ربهم فيها، فيقولون: ربنا أخرجنا منها، فإن عدنا إلى ما لا يرضيك بعد إخراجنا منها فإنا ظالمون، وأن الله يجيبهم بقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ أي: امكثوا فيها خاسئين، أي: أذلاء صاغرين حقيرين؛ لأن لفظة اخسأ إنما تقال للحقير الذليل، كالكلب ونحوه. فقوله: ﴿اخْسَئُوا فِيهَا﴾ أي: ذلوا فيها ماكثين في الصغار والهوان.\nوهذا الخروج من النار الذي طلبوه قد بين تعالى أنهم لا ينالونه كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"5","page":903},{"text":"وقد جاء في القرآن أجوبة متعددة لطلب أهل النار، فهنا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا﴾ فأجيبوا: ﴿قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ (١٠٨)﴾ وفي السجدة قالوا: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ فأجيبوا: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ﴾ الآية، وفي سورة المؤمن: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾ فأجيبوا: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وفي الزخرف: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ فأجيبوا: ﴿إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ﴾ وفي سورة إبراهيم: ﴿فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وفي سورة فاطر ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ فيجابون: ﴿أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات الدالة على مثل هذه الأجوبة.\nوعن ابن عباس: أن بين كل طلب منها، وجوابه ألف سنة واللَّه أعلم.\nوقوله في هذه الآية: ولا تكلمون، أي: في رفع العذاب عنكم، ولا إخراجكم من النار أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1170> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩) فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنْتُمْ مِنْهُمْ تَضْحَكُونَ (١١٠)﴾</span>.\nقد تقرر في الأصول في مسلك الإِيماء والتنبيه أن \"إن\"","vol":"5","page":904},{"text":"المكسورة المشددة من حروف التعليل، كقولك: عاقبه إنه مسيء، أي: لأجل إساءته. وقوله في هذه الآية: ﴿إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِنْ عِبَادِي﴾ الآيتين. يدل فيه لفظ \"إن\" المكسورة المشددة على أن من الأسباب التي أدخلتهم النار هو استهزاؤهم، وسخريتهم من هذا الفريق المؤمن الذي يقول: ﴿رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ فالكفار يسخرون من ضعفاء المؤمنين في الدنيا حتى ينسيهم ذلك ذكر الله، والإِيمان به فيدخلون بذلك النار.\nوما ذكره تعالى في هاتين الآيتين الكريمتين أشار له في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية وكل ذلك احتقار منهم لهم، وإنكارهم أن الله يمن عليهم بخير، وكقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ﴾ الآية. وقوله تعالى عنهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وكل ذلك احتقار منهم لهم.\nوقوله: ﴿فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا﴾ والسخري بالضم والكسر: مصدر سخر منه، إذا استهزأ به على سبيل الاحتقار.\nقال الزمخشري في ياء النسب: زيادة في الفعل، كما قيل في الخصوصية بمعنى الخصوص. ومعناه: أن الياء المشددة في آخره تدل على زيادة سخرهم منهم، ومبالغتهم في ذلك.\nوقرأ نافع وحمزة والكسائي (سخريًا) بضم السين، والباقون بكسرها. ومعنى القراءتين واحد، وهو سخرية الكفار واستهزاؤهم بضعفاء المؤمنين، كما بينا. وممن قال بأن معناهما واحد: الخليل، وسيبويه، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وعن الكسائي والفراء: أن","vol":"5","page":905},{"text":"السخري بكسر السين من قبيل ما ذكرناه من الاستهزاء، وأن السخري بضم السين من التسخير، الذي هو التذليل والعبودية.\nوالمعنى: أن الكفار يسخرون ضعفاء المؤمنين، ويستعبدونهم كما كان يفعله أمية بن خلف ببلال، ولا يخفى أن الصواب هو ما ذكرنا إن شاء الله تعالى.\nوحتى في قوله: ﴿حَتَّى أَنْسَوْكُمْ ذِكْرِي﴾ حرف غاية، لاتخاذهم إياهم سخريًا، أي: لم يزالوا كذلك حتى أنساهم ذلك ذكر الله والإِيمان به، فكان مأواهم النار. والعياذ باللَّه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1171> قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ (١١١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جزى أولئك المؤمنين المستضعفين في الدنيا بالفوز بالجنة في الآخرة.\nوقوله ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ أي: بسبب صبرهم في دار الدنيا على أذى الكفار الذين اتخذوهم سخريًّا، وعلى غير ذلك من امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن أولئك المستضعفين الذين كان الكفار يستهزؤون بهم جزاهم الله يوم القيامة الفوز بجنته، ورضوانه جاء مبينًا في مواضع أخر، مع بيان أنهم يوم القيامة يهزؤون بالكفار، ويضحكون منهم، والكفار في النار. والعياذ باللَّه، كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ وقوله: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"5","page":906},{"text":"وقرأ حمزة والكسائي: (إنهم هم الفائزون) بكسر همزة إن، وعلى قراءتهما فمفعول جزيتهم محذوف؛ أي: جزيتهم جنتي إنهم هم الفائزون، وعلى هذه القراءة فإن لاستئناف الكلام. وقرأ الباقون: (أنهم هم الفائزون) بفتح همزة أن. وعلى قراءة الجمهور هذه فالمصدر المنسبك من أن وصلتها مفعول به لجزيتهم؛ أي: جزيتهم فوزهم كما لا يخفى. والفوز نيل المطلوب الأعظم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1172> قوله تعالى: ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ (١١٢) قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾</span>.\nفي هذه الآية سؤال معروف: وهو أنهم لما سئلوا يوم القيامة عن قدر مدة لبثهم في الأرض في الدنيا أجابوا بأنهم لبثوا يومًا أو بعض يوم مع أنه قد دلت آيات أخر على أنهم أجابوا بغير هذا الوجوب، كقوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣)﴾ والعشر أكثر من يوم، أو بعضه، وكقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ والساعة: أقل من يوم أو بعضه، وقوله: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا (٤٦)﴾ وقوله: ﴿كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفَاسِقُونَ (٣٥)﴾.\nوقد بينا الجواب عن هذا السؤال في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على هذه الآية بما حاصله: أن بعضهم يقول: لبثنا يومًا أو بعض يوم، ويقول بعض آخر منهم: لبثنا ساعة، ويقول بعض آخر منهم: لبثنا عشرًا.\nوالدليل على هذا الجواب من القرآن أنه تعالى بين أن أقواهم","vol":"5","page":907},{"text":"إدراكًا، وأرجحهم عقلًا، وأمثلهم طريقة هو من يقول: إنهم ما لبثوا إلا يومًا واحدًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا (١٠٣) نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا (١٠٤)﴾ فالآية صريحة في اختلاف أقوالهم، وعلى ذلك فلا إشكال. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾ أي: الحاسبين الذين يضبطون مدة لبثنا. وقرأ ابن كثير، والكسائي بنقل حركة الهمزة إلى السين، وحذف الهمزة. والباقون: (فاسأل) بغير نقل. وقرأ ابن كثير وحمزة والكسائي: (قل كم لبثتم) بضم القاف وسكون اللام بصيغة الأمر. وقرأ الباقون: (قال كم لبثتم) بفتح القاف بعدها ألف وفتح اللام بصيغة الفعل الماضي.\nوقال الزمخشري ما حاصله: أنه على قراءة (قال) بصيغة الماضي فالفاعل ضمير يعود إلى الله، أو إلى من أمر بسؤالهم من الملائكة، وعلى قراءة (قل) بصيغة الأمر، فالضمير راجع إلى الملك المأمور بسؤالهم، أو بعض رؤساء أهل النار. هكذا قال. واللَّه تعالى أعلم.\nوقد صدقهم الله جل وعلا في قلة لبثهم في الدنيا بقوله: ﴿قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (١١٤)﴾ لأن مدة مكثهم في الدنيا قليلة جدًّا بالنسبة إلى طول مدتهم خالدين في النار، والعياذ باللَّه.\nوقرأ حمزة والكسائي: (قل إن لبثتم إلا قليلًا) بصيغة الأمر، والباقون بصيغة الماضي.","vol":"5","page":908},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1173> قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾</span>.\nالاستفهام في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ﴾ للإِنكار، والحسبان هنا معناه: الظن. يعني: أظننتم أنا خلقناكم عبثًا لا لحكمة، وأنكم لا ترجعون إلينا يوم القيامة، فنجازيكم على أعمالكم، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا شر، ثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون خلقهم عبثًا، وأنهم لا يرجعون إليه للحساب والجزاء.\nوقوله: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ أي: تعاظم وتقدس، وتنزه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، ومنه خلقكم عبثًا ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوما تضمنته هذه الآية من إنكار الظن المذكور جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾ وقوله: ﴿سُدًى﴾ أي: مهملًا لا يحاسب ولا يجازى، وهو محل إنكار ظن ذلك في قوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ وقوله: ﴿عَبَثًا﴾ يجوز إعرابه حالًا؛ لأنه مصدر منكر، أي: إنما خلقناكم في حال كوننا عابثين، ويجوز أن يعرب مفعولًا من أجله؛ أي: إنما خلقناكم لأجل العبث، لا لحكمة اقتضت خلقنا إياكم. وأعربه بعضهم مفعولًا مطلقًا، وليس بظاهر.","vol":"5","page":909},{"text":"قال القرطبي عبثًا، أي: مهملين. والعبث في اللغة اللعب، ويدل على تفسيره في الآية باللعب قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨)﴾ وقوله: ﴿الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ قال بعضهم: أي: الذي يحق له الملك؛ لأن كل شيء منه وإليه. وقال بعضهم: الملك الحق الثابت الذي لا يزول ملكه، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾ وإنما وصف عرشه بالكرم لعظمته وكبر شأنه. والظاهر أن قوله: ﴿وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ معطوف على قوله: ﴿أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ خلافًا لمن قال: إنه معطوف على قوله: ﴿عَبَثًا﴾ لأن الأول أظهر منه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1174> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾</span>.\nالبرهان: الدليل الذي لا يترك في الحق لبسًا.\nوقوله: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ كقوله: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا﴾ الآية. والسلطان: هو الحجة الواضحة، وهو بمعنى: البرهان.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ رَبِّهِ﴾ قد بين أن حسابه الذي عند ربه لا فلاح له فيه بقوله بعده: ﴿إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ (١١٧)﴾ وأعظم الكفارين كفرًا هو من يدعو مع الله إلهًا آخر، لا برهان له به، ونفي الفلاح عنه يدل على هلاكه، وأنه من أهل النار. وقد حذر الله من دعاء إله معه في آيات كثيرة كقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ (٥١)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ","vol":"5","page":910},{"text":"اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا. ولا خلاف بين أهل العلم أن قوله هنا: ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ﴾ لا مفهوم مخالفة له، فلا يصح لأحد أن يقول: أما من عبد معه إلهًا آخر له برهان به فلا مانع من ذلك، لاستحالة وجود برهان على عبادة إله آخر معه، بل البراهين القطعية المتواترة دالة على أنه هو المعبود وحده جل وعلا، ولا يمكن أن يوجد دليل على عبادة غيره البتة.\nوقد تقرر في فن الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون تخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع، فيرد النص ذاكرًا الوصف الموافق للواقع ليطبق عليه الحكم، فتخصيصه بالذكر إذًا ليس لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق، بل لتخصيص الوصف بالذكر لموافقته للواقع.\nومن أمثلته في القرآن هذه الآية؛ لأن قوله ﴿لَا بُرْهَانَ لَهُ﴾ وصف مطابق للواقع؛ لأنهم يدعون معه غيره بلا برهان، فذكر الوصف لموافقته الواقع، لا لإِخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ومن أمثلته في القرآن أيضًا قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ لأنه نزل في قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فقوله: ﴿مِن دُونِ الْمُؤمِنِينَ﴾ ذكر لموافقته للواقع، لا لإخراج المفهوم عن حكم المنطوق. ومعلوم أن اتخاذ المؤمنين الكافرين أولياء ممنوع على كل حال. وإلى هذا أشار في مراقي السعود في ذكره موانع اعتبار مفهوم المخالفة بقوله:\nأو امتنان أو وفاق الواقع ... والجهل والتأكيد عند السامع","vol":"5","page":911},{"text":"• قوله تعالى في خاتمة هذه السورة الكريمة. ﴿وَقُلْ رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١١٨)﴾.\nفيه الدليل على أن ذلك الفريق الذين كانوا يقولون: \"ربنا آمنا، فاغفر لنا، وارحمنا، وأنت خير الراحمين\" موفقون في دعائهم ذلك ولذا أثنى الله عليهم به، وأمر به نبيه - ﷺ - لتقتدي به أمته في ذلك. ومعمول اغفر وارحم حذف هنا، لدلالة ما تقدم عليه في قوله: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا﴾ والمغفرة: ستر الذنوب بعفو الله وحلمه حتى لا يظهر لها أثر يتضرر به صاحبها. والرحمة صفة الله التي اشتق لنفسه منها اسمه الرحمن، واسمه الرحيم، وهي صفة تظهر آثارها في خلقه الذين يرحمهم، وصيغة التفضيل في قوله: ﴿وَأَنْتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ (١٠٩)﴾ لأن المخلوقين قد يرحم بعضهم بعضًا. ولا شك أن رحمة الله تخالف رحمة خلقه، كمخالفة ذاته وسائر صفاته لذواتهم، وصفاتهم كما أوضحنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"5","page":912},{"text":"انتهى الجزء الخامس من هذا الكتاب المبارك، ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السادس وأوله \"سورة النور\". وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم","vol":"5","page":913},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1175>سُورة النور</span>","vol":"6","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1176> قوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة: أن كل زانية وكل زان: يجب جلد كل واحد منهما مائة جلدة؛ لأن الألف واللام في قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ إن قلنا: إنهما موصول وصلتهما الوصف الذي هو اسم الفاعل الذي هو الزانية والزاني، فالموصولات من صيغ العموم.\nوإن قلنا: إنهما للتعريف لتناسي الوصفية، وأن مرتكب تلك الفاحشة يطلق عليه اسم الزاني، كإطلاق أسماء الأجناس، فإن ذلك يفيد الاستغراق، فالعموم الشامل لكل زانية وكل زان هو ظاهر الآية على جميع الاحتمالات.\nوظاهر هذا العموم شموله للعبد، والحر، والأمة، والحرة، والبكر، والمحصن من الرجال والنساء.\nوظاهره أيضًا: أنه لا تغرب الزانية، ولا الزاني عامًا مع الجلد، ولكن بعض الآيات القرآنية دل على أن عموم الزانية يخصص مرتين.\nإحداهما: تخصيص حكم جلدها مائة بكونها حرة. أما إن كانت أمة، فإنها تجلد نصف المائة، وهو خمسون، وذلك في قوله","vol":"6","page":5},{"text":"تعالى في الإماء ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ والمراد بالمحصنات هنا: الحرائر، والعذاب الجلد، وهو بالنسبة إلى الحرة الزانية مائة جلدة، والأمة عليها نصفه بنص آية النساء هذه، وهو خمسون. فآية ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ﴾ مخصصة لعموم قوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾ الآية، بالنسبة إلى الزانية الأنثى.\nوأما التخصيص المرة الثانية لعموم الزانية في آية النور هذه فهو بآية منسوخة التلاوة، باقية الحكم، تقتضي أن عموم الزانية هنا مخصص بكونها بكرًا.\nأما إن كانت محصنة، بمعنى أنا قد تزوجت من قبل الزنى، وجامعها زوجها في نكاح صحيح فإنها ترجم.\nوالآية التي خصصتها بهذا الحكم التي ذكرنا أنها منسوخة التلاوة باقية الحكم هي قوله تعالى: (الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالًا من الله واللَّه عزيز حكيم).\nوهذا التخصيص إنما هو على قول من يقول: لا يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، وإنما يرجم فقط بدون جلد.\nأما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، وإنما في آية الرجم زيادته على الجلد، فكلتا الآيتين أثبتت حكمًا لم تثبته الأخرى. وسيأتي إيضاح هذا إن شاء الله غير بعيد، وأقوال أهل العلم فيه ومناقشة أدلتهم.\nأما الزاني الذكر فقد دلت الآية التي ذكرنا أنها منسوخة التلاوة، باقية الحكم على تخصيص عمومه، وأن الذي يجلد المائة من الذكور","vol":"6","page":6},{"text":"إنما هو الزاني البكر، وأما المحصن فإنه يرجم. وهذا التخصيص في الذكر أيضًا إنما هو على قول من لا يرى الجمع بين الجلد والرجم، كما أوضحناه قريبًا في الأنثى.\nوأما على قول من يرى الجمع بينهما فلا تخصيص، بل كل واحدة من الآيتين أثبتت حكمًا لم تثبته الأخرى.\nوعموم الزاني في آية النور هذه، مخصص عند الجمهور أيضًا مرة أخرى، بكون جلد المائة خاصًّا بالزاني الحر، أما الزاني الذكر العبد فإنه يجلد نصف المائة، وهو الخمسون.\nووجه هذا التخصيص: إلحاق العبد بالأمة في تشطير حد الزنى بالرق؛ لأن مناط التشطير الرق بلا شك؛ لأن الذكورة والأنوثة بالنسبة إلى الحدود وصفان طرديان، لا يترتب عليهما حكم، فدل قوله تعالى في آية النساء في الإِماء ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ أن الرق مناط تشطير حد الزنى، إذ لا فرق بين الذكر والأنثى في الحدود، فالمخصص لعموم الزاني في الحقيقة: هو ما أفادته آية ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وإن سماه الأصوليون تخصيصًا بالقياس، فهو في الحقيقة تخصيص آية بما فهم من آية أخرى.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن رجم الزانيين المحصنين دلت عليه آيتان من كتاب الله:\nإحداهما: نسخت تلاوتها، وبقي حكمها. والثانية: باقية التلاوة والحكم. أما التي نسخت تلاوتها، وبقي حكمها فهي قوله","vol":"6","page":7},{"text":"تعالى: الشيخ والشيخة. . . إلى آخرها كما سيأتي. وكون الرجم ثابتًا بالقرآن ثابت في الصحيح.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه في باب رجم الحبلى من الزنى إذا أحصنت:\nحدثنا عبد العزيز بن عبد الله، حدثني إبراهيم بن سعد، عن صالح، عن ابن شهاب، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: كنت أقرئ رجالًا من المهاجرين، منهم: عبد الرحمن بن عوف، فبينما أنا في منزله بمنى، وهو عند عمر بن الخطاب في آخر حجة حجها إذ رجع إلي عبد الرحمن فقال: لو رأيت رجلًا أتى أمير المؤمنين اليوم، فقال: يا أمير المؤمنين هل لك في فلان؟ يقول: لو قد مات عمر لقد بايعت فلانًا، فواللَّه ما كانت بيعة أبي بكر إلَّا فلتة فتمت، فغضب عمر ثم قال: إني إن شاء الله لقائم العشية في الناس فمحذرهم هؤلاء الذين يريدون أن يغصبوهم أمورهم. الحديث بطوله.\nوفيه: إن الله بعث محمدًا  - ﷺ -  بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل الله آية الرجم، فقرأناها، وعقلناها، ووعيناها، رجم رسول الله  - ﷺ -، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: واللَّه ما نجد آية الرجم في كتاب الله. فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. والرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل أو الاعتراف\" انتهى محل الغرض من صحيح البخاري.\nوفيه أن الرجم نزل في القرآن في آية من كتاب الله، وكونها","vol":"6","page":8},{"text":"لم تقرأ في المصحف يدل على نسخ تلاوتها، مع بقاء حكمها، كما هو ثابت في الحديث المذكور.\nوفي رواية في البخاري من حديث عمر ﵁: \"لقد خشيت أن يطول بالناس زمان حتى يقول قائل: لا نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، ألا وإن الرجم حق على من زنى وقد أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحمل، أو الاعتراف\".\nقال سفيان: كذا حفظت \"ألا وقد رجم رسول الله  - ﷺ -  ورجمنا بعده\".\nوقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لهذه الرواية الأخيرة: وقد أخرجه الإِسماعيلي من رواية جعفر الفريابي، عن علي بن عبد الله شيخ البخاري فيه، فقال بعد قوله: أو الاعتراف: وقد قرأناها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقد رجم رسول الله  - ﷺ -، ورجمنا بعده. فسقط من رواية البخاري من قوله: وقد قرأناها إلى قوله: البتة. ولعل البخاري هو الذي حذف ذلك عمدًا، فقد أخرجه النسائي عن محمد بن منصور، عن سفيان كرواية جعفر. ثم قال: لا أعلم أحدًا ذكر في هذا الحديث: الشيخ والشيخة. . . غير سفيان، وينبغي أن يكون وهم في ذلك.\nقلت: وقد أخرج الأئمة هذا الحديث من رواية مالك، ويونس، ومعمر، وصالح بن كيسان، وعقيل، وغيرهم من الحفاظ عن الزهري.\nوقد وقعت هذه الزيادة في هذا الحديث من رواية الموطأ عن يحيى بن سعيد، عن سعيد بن المسيب قال: لما صدر عمر من","vol":"6","page":9},{"text":"الحج، وقدم المدينة خطب الناس فقال: أيها الناس، قد سنت لكم السنن، وفرضت لكم الفرائض، وتركتم على الواضحة، ثم قال: إياكم أن تهلكوا عن آية الرجم، أن يقول قائل: لا نجد حدّين في كتاب للَّه، فقد رجم رسول الله، ورجمنا، والذي نفسي بيده، لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله لكتبتها بيدي: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجمهوهما البتة. قال مالك: الشيخ والشيخة: الثيب والثيبة.\nووقع في الحلية في ترجمة داود بن أبي هند عن سعيد بن المسيب عن عمر: لكتبتها في آخر القرآن.\nووقعت أيضًا في هذا الحديث في رواية أبي معشر الآتي التنبيه عليها، في الباب الذي يليه فقال متصلًا بقوله: قد رجم رسول الله  - ﷺ -  ورجمنا بعده: ولولا أن يقولوا: كتب عمر ما ليس في كتاب الله، لكتبته، قد قرأنا: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة، نكالًا من الله، واللَّه عزيز حكيم.\nوأخرج هذه الجملة النسائي وصححه الحاكم من حديث أبي بن كعب قال: ولقد كان فيها  - أي: سورة الأحزاب -  آية الرجم: الشيخ. . . فذكر مثله.\nومن حديث زيد بن ثابت سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: الشيخ والشيخة. . . مثله إلى قوله: البتة.\nومن رواية أسامة بن سهل أن خالته أخبرته قالت: لقد أقرأنا رسول الله  - ﷺ -  آية الرجم، فذكره إلى قوله: البتة، وزاد: بما قضيا من اللذة.\nوأخرج النسائي أيضًا أن مروان بن الحكم قال لزيد: ألا تكتبها","vol":"6","page":10},{"text":"في المصحف، قال: لا، ألا ترى أن الشابين الثيبين يرجمان، ولقد ذكرنا ذلك، فقال عمر: أنا أكفيكم، فقال: يا رسول الله  - ﷺ -  اكتبني آية الرجم، فقال: لا أستطيع.\nوروينا في فضائل القرآن لابن الضريس من طريق يعلى  - وهو ابن حكيم -  عن زيد بن أسلم أن عمر خطب الناس فقال: لا تشكوا في الرجم فإنه حق، ولقد هممت أن أكتبه في المصحف، فسألت أبيّ بن كعب، فقال: أليس أتيتني وأنا أستقرئها رسول الله  - ﷺ -، فدفعت في صدري وقلت: أستقرئه آية الرجم، وهم يتسافدون تسافد الحمر. ورجاله ثقات. وفيه: إشارة إلى بيان السبب في رفع تلاوتها، وهو الاختلاف.\nوأخرج الحاكم من طريق كثير بن الصلت قال: كان زيد بن ثابت، وسعيد بن العاص يكتبان في المصحف، فمرا على هذه الآية فقال زيد: سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: الشيخ والشيخة فارجموهما البتة. فقال عمر: لما نزلت أتيت النبي  - ﷺ -  فقلت: أكتبها؟ فكأنه كره ذلك فقال عمر: ألا ترى أن الشيخ إذا زنى ولم يحصن جلد، وأن الشاب إذا زنى وقد أحصن رجم.\nفيستفاد من هذا الحديث السبب في نسخ تلاوتها لكون العمل على غير الظاهر من عمومها. انتهى بطوله من فتح الباري.\nوفيه الدلالة الظاهرة على ما ذكرنا من أن آية الرجم منسوخة التلاوة، باقية الحكم، وأنها مخصصة لآية الجلد على القول بعدم الجمع بين الرجم والجلد، كما تقدم.\nولكن ما أشار إليه ابن حجر من استفادة سبب نسخ تلاوتها من","vol":"6","page":11},{"text":"بعض الأحاديث المذكورة غير ظاهر؛ لأن كثيرًا من الآيات يبين النبي  - ﷺ -  تخصيص عمومه، ويوضح المقصود به وإن كان خلاف الظاهر المتبادر منه، ولم يؤد شيء من ذلك إلى نسخ تلاوته كما هو معلوم.\nوالآية القرآنية عند نزولها تكون لها أحكام متعددة، كالتعبد بتلاوتها، وكالعمل بما تضمنته من الأحكام الشرعية، والقراءة بها في الصلاة، ونحو ذلك من الأحكام. وإذا أراد الله أن ينسخها بحكمته فتارةً ينسخ جميع أحكامها من تلاوة، وتعبد، وعمل بما فيها من الأحكام، كآية عشر رضعات معلومات يحرمن، وتارةً ينسخ بعض أحكامها دون بعض، كنسخ حكم تلاوتها، والتعبد بها مع بقاء ما تضمنته من الأحكام الشرعية، وكسخ حكمها دون تلاوتها، والتعبد بها، كما هو غالب ما في القرآن من النسخ.\nوقد أوضحنا جميع ذلك بأمثلته في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ﴾ الآية. وله الحكمة البالغة في جميع ما يفعله من ذلك.\nفآية الرجم المقصود منها إثبات حكمها، لا التعبد بها، ولا تلاوتها، فأنزلت وقرأها الناس، وفهموا منها حكم الرجم، فلما تقرر ذلك في نفوسهم نسخ الله تلاوتها، والتعبد بها، وأبقى حكمها الذي هو المقصود. واللَّه جلَّ وعلا أعلم. فالرجم ثابت في القرآن.\nوما سيأتي عن علي ﵁ أنه قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله  - ﷺ - . لا ينافي ذلك؛ لأن السنَّة هي التي بينت أن حكم آية الرجم باقٍ بعد نسخ تلاوتها، فصار حكمها من هذه الجهة كأنه ثابت بالسنَّة. واللَّه تعالى أعلم.","vol":"6","page":12},{"text":"وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني أبو الطاهر، وحرملة بن يحيى قالا: حدثنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله بن عتبة: أنه سمع عبد الله بن عباس يقول: قال عمر بن الخطاب، وهو جالس على منبر رسول الله  - ﷺ -: إن الله قد بعث محمدًا  - ﷺ -  بالحق، وأنزل عليه الكتاب، فكان مما أنزل عليه آية الرجم قرأناها ووعيناها، وعقلناها، فرجم رسول الله  - ﷺ -، ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: ما نجد الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله. وإن الرجم في كتاب الله حق على من زنى إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. اهـ منه.\nفهذا الحديث الذي اتفق عليه الشيخان عن هذا الخليفة الراشد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ دليل صريح صحيح على أن الرجم ثابت بآية من كتاب الله، أنزلت على رسول الله  - ﷺ -، وقرأها الصحابة، ووعوها، وعقلوها، وأن حكمها باق؛ لأن النبي  - ﷺ -  فعله، والصحابة ﵃ فعلوه بعده.\nفتحققنا بذلك بقاء حكمها مع أنها لا شك في نسخ تلاوتها مع الروايات التي ذكرنا في كلام ابن حجر. ومن جملة ما فيها لفظ آية الرجم المذكورة. والعلم عند الله تعالى.\nوأما الآية التي هي باقية التلاوة والحكم فهي قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ على القول بأنها نزلت في رجم اليهوديين الزانيين بعد الإِحصان، وقد رجمهما النبي  - ﷺ - . وقصة رجمه لهما","vol":"6","page":13},{"text":"مشهورة، ثابتة في الصحيح. وعليه فقوله: ﴿ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ (٢٣)﴾ أي: عما في التوارة من حكم الرجم. وذم المعرض عن الرجم في هذه الآية يدل على أنه ثابت في شرعنا، فدلت الآية على هذا القول أن الرجم ثابت في شرعنا، وهي باقية التلاوة.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: أجمع العلماء على أن الرجم لا يكون إلَّا على من زنى، وهو محصن.\nومعنى الإِحصان: أن يكون قد جامع في عمره ولو مرة واحدة في نكاح صحيح، وهو بالغ عاقل حر. والرجل والمرأة في هذا سواء، وكذلك المسلم، والكافر، والرشيد، والمحجور عليه لسفه. والدليل على أن الكافر إذا كان محصنًا يرجم الحديث الصحيح الذي ثبت فيه \"أن النبي  - ﷺ -  رجم يهوديين زنيا بعد الإِحصان\" وقصة رجمهما مشهورة مع صحتها كما هو معلوم.\nالفرع الثاني: أجمع أهل العلم على أن من زنى، وهو محصن يرجم، ولم نعلم بأحد من أهل القبلة خالف في رجم الزاني المحصن ذكرًا كان أو أنثى إلَّا ما حكاه القاضي عياض وغيره عن الخوارج وبعض المعتزلة كالنظام وأصحابه، فإنهم لم يقولوا بالرجم. وبطلان مذهب من ذكر من الخوارج وبعض المعتزلة واضح من النصوص الصحيحة الصريحة الثابتة عن رسول الله  - ﷺ -  وأصحابه بعده، كما قدمنا من حديث عمر المتفق عليه، وكما سيأتي إن شاء الله.\nالفرع الثالث: أجمع العلماء على أن الزاني ذكرًا كان أو أنثى إذا قامت عليه البينة أنهم رأوه أدخل فرجه في فرجها كالمرود في","vol":"6","page":14},{"text":"المكحلة أنه يجب رجمه إذا كان محصنًا. وأجمع العلماء أن بينة الزنى لا يقبل فيها أقل من أربعة عدول ذكور، فإن شهد ثلاثة عدول لم تقبل شهادتهم وحُدُّوا؛ لأنهم قذفة كاذبون؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾، ويقول جلَّ وعلا: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ الآية. وكلتا الآيتين المذكورتين صريحة في أن الشهود في الزنى لا يجوز أن يكونوا أقل من أربعة. وقد قال جلَّ وعلا: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ (١٣)﴾ وقد بينت هذه الآية اشتراط الأربعة، كما في الآيتين المذكورتين قبلها، وزادت أن القاذفين إذ لم يأتوا بالشهداء الأربعة هم الكاذبون عند الله.\nومن كذب في دعواه الزنى على محصن، أو محصنة وجب عليه حد القذف، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.\nوما ذكره أبو الخطاب من الحنابلة عن أحمد والشافعي من أن شهود الزنى إذا لم يكملوا لا حد قذف عليهم؛ لأنهم شهود لا قذفة. لا يعول عليه. والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا.\nومما يؤيده قصة عمر مع الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة، فإن رابعهم لما لم يصرح بالشهادة على المغيرة بالزنى جلد عمر الشهود الثلاثة جلد القذف ثمانين، وفيهم أبو بكرة ﵁، والقصة معروفة مشهورة. وقد أوضحناها في غير هذا الموضع.\nوجمهور أهل العلم أن العبيد لا تقبل شهادتهم في الزنى، ولا نعلم خلافًا عن أحد من أهل العلم في عدم قبول شهادة العبيد في الزنى إلَّا رواية عن أحمد ليست هي مذهبه، وإلَّا قول أبي ثور.","vol":"6","page":15},{"text":"ويشترط في شهود الزنى: أن يكونوا ذكورًا، ولا تصح فيه شهادة النساء بحال، ولا نعلم أحدًا من أهل العلم خالف في ذلك إلَّا شيئًا يروى عن عطاء، وحماد أنه يقبل فيه ثلاثة رجال وامرأتان.\nوقال ابن قدامة في المغني: وهو شذوذ لا يعول عليه؛ لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفى فيه بأربعة. ولا خلاف أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزئ خمسة. وهذا خلاف النص، ولأن في شهادتهن شبهة لتطرق الضلال إليهن، قال الله تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ والحدود تدرأ بالشبهات. انتهى منه.\nولا خلاف بين أهل العلم أن شهادة الكفار كالذميين لا تقبل على المسلم بالزنى.\nواختلف هل تقبل على كافر مثله؟ فقيل: لا، والنبي  - ﷺ -  إنما رجم اليهوديين باعترافهما بالزنى، لا بشهادة شهود من اليهود عليهم بالزنى. والذين قالوا هذا القول زعموا أن شهادة الشهود في حديث جابر أنها شهادة شهود مسلمين يشهدون على اعتراف اليهوديين المذكورين بالزنى. وممن قال هذا القول ابن العربي المالكي.\nوقال بعض أهل العلم: تقبل شهادة الكفار بعضهم على بعض إن تحاكموا إلينا.\nوقال القرطبي: الجمهور على أن الكافر لا تقبل شهادته على مسلم، ولا على كافر، لا في حد، ولا في غيره، ولا فرق بين السفر والحضر في ذلك. وقبل شهادتهم جماعة من التابعين، وبعض","vol":"6","page":16},{"text":"الفقهاء إذا لم يوجد مسلم. واستثنى أحمد حالة السفر إذا لم يوجد مسلم.\nوأجاب القرطبي عن الجمهور عن واقعة اليهوديين بأنه  - ﷺ -  نفذ عليهم ما علم أنه حكم التوراة، وألزمهم العمل به ظاهرًا، لتحريفهم كتابهم، وتغييرهم حكمه، أو كان ذلك خاصًّا بهذه الواقعة.\nوقال ابن حجر بعد نقله كلام القرطبي المذكور: كذا قال. والثاني مردود. ثم قال: وقال النووي: الظاهر أنه رجمهما بالاعتراف، فإن ثبت حديث جابر فلعل الشهود كانوا مسلمين، وإلَّا فلا عبرة بشهادتهم، ويتعين أنهما أقرا بالزنى.\nثم قال ابن حجر: قلت: لم يثبت أنهم كانوا مسلمين، ويحتمل أن يكون الشهود أخبروا بذلك بقية اليهود، فسمع النبي  - ﷺ -  كلامهم، ولم يحكم فيهما إلَّا مستندًا لما أطلعة الله تعالى عليه، فحكم بالوحي، وألزمهم الحجة بينهم، كما قال تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾، وأن شهودهم شهدوا عليهما عند إخبارهم بما ذكر، فلما رفعوا الأمر إلى النبي  - ﷺ -  استعلم القصة على وجهها، فذكر كل من حضره من الرواة ما حفظه في ذلك، ولم يكن مستند حكم النبي  - ﷺ -  إلَّا ما أطلعه الله عليه. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر في فتح الباري.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي رجحانه بالدليل هو مذهب الجمهور من عدم قبول شهادة الكفار مطلقًا؛ لأن الله يقول في المسلمين الفاسقين: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ وإذا نص الله جلَّ وعلا في محكم كتابه على عدم قبول شهادة الفاسق، فالكافر أولى بذلك كما لا يخفى. وقد قال","vol":"6","page":17},{"text":"جل وعلا في شهود الزنا  - أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه -: ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ﴾ فخص الأربعة بكونهم منا.\nويمكن أن يجيب المانع بأن أول الآية فيه ﴿مِنْ نِسَائِكُمْ﴾، فلا تتناول نساء أهل الذمة ونحوهم من الكفار، وأنه لا تقبل شهادة كافر في شيء إلَّا بدليل خاص كالوصية في السفر إذا لم يوجد مسلم؛ لأن الله نص على ذلك بقوله: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية.\nوالتحقيق أن حكمها غير منسوخ؛ لأن القرآن لا يثبت نسخ حكمه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه. والآيات التي زعم من ادعى النسخ أنها ناسخة لها، كقوله: ﴿ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ أعم منها.\nوالجمهور على أن الأعم لا ينسخ الأخص خلافًا لأبي حنيفة.\nأما حديث جابر المشار إليه الذي يفهم منه قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض في حد الزنى، فقد قال فيه أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا يحيى بن موسى البلخي، ثنا أبو أسامة، قال مجالد: أخبرنا عن عامر، عن جابر بن عبد الله قال: جاءت اليهود برجل وامرأة منهم زنيا فقال: ائتوني بأعلم رجلين منكم. الحديث. وفيه: فدعا رسول الله  - ﷺ -  بالشهود، فجاءوا بأربعة، فشهدوا بأنهم رأوا ذكره في فرجها مثل الميل في المكحلة، فأمر رسول الله  - ﷺ -  برجمهما. انتهى محل الغرض منه.\nوظاهره المتبادر منه: أن الشهود الذين شهدوا من اليهود كما","vol":"6","page":18},{"text":"لا يخفى، فظاهر الحديث دال دلالة واضحة على قبول شهادة الكفار بعضهم على لعض في حد الزنى إن كان صحيحًا. والسند المذكور الذي أخرجه به أبو داود لا يصح؛ لأن فيه مجالدًا، وهو مجالد بن سعيد بن عمير بن بسطام بن ذي مران بن شرحبيل الهمداني أبو عمرو، ويقال: أبو سعيد الكوفي. وأكثر أهل العلم على ضعفه، وعدم الاحتجاج به. والإِمام مسلم بن الحجاج إنما أخرج حديثه مقرونًا بغيره، فلا عبرة بقول يعقوب بن سفيان: إنه صدوق، ولا بتوثيق النسائي له مرة؛ لأنه ضعفه مرة أخرى، ولا بقول ابن عدي: إن له عن الشعبي، عن جابر أحاديث صالحة؛ لأن أكثر أهل العلم بالرجال على تضعيفه، وعدم الاحتجاج به. أما غير مجالد من رجال سند أبي داود فهم ثقات معروفون؛ لأن يحيى بن موسى البلخي ثقة، وأبو أسامة المذكور فيه هو حماد بن أسامة القرشي مولاهم، وهو ثقة ثبت، ربما دلس، وكان بأخرة يحدث من كتب غيره. وعامر الذي روى عنه مجالد هو الإِمام الشعبي وجلالته معروفة.\nوالحاصل: أن مثل هذا السند الذي فيه مجالد المذكور لا يحب الرجوع إليه عن عموم النصوص الصحيحة المقتضية أن الكفار لا تقبل شهادتهم مطلقًا. واللَّه تعالى أعلم.\nالفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم قد اختلفوا في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنا. وعلى اشتراط ذلك لو شهدوا في مجلسين، أو مجالس متفرقة بطلت شهادتهم، وحدوا حد القذف. وعلى عدم اشتراط اتحاد المجلس تصح شهادتهم ولو جاءوا متفرقين، وأدوا شهادتهم في مجالس متعددة. وممن قال باشتراط","vol":"6","page":19},{"text":"اتحاد المجلس: مالك وأصحابه، وأبو حنيفة وأصحابه، وأحمد وأصحابه. وممن قال بعدم اشتراط اتحاد المجلس: الشافعي، وعثمان البتي، وابن المنذر.\nقال في المغني: وإنما قالوا بعدم اشتراط ذلك؛ لقوله تعالى: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ولم يذكر المجلس. وقال تعالى: ﴿فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ﴾، ولأن كل شهادة مقبولة إن اتفقت تقبل إذا افترقت في مجالس كسائر الشهادات.\nولنا: أن أبا بكرة، ونافعًا، وشبل بن معبد شهدوا عند عمر ﵁ على المغيرة بن شعبة بالزنى، ولم يشهد زياد، فحد الثلاثة. ولو كان المجلس غير مشترط لم يجز أن يحدهم، لجواز أن يكملوا برابع في مجلس آخر، ولأنه لو شهد ثلاثة فحدهم، ثم جاء رابع فشهد لم تقبل شهادته، ولولا اشتراط اتحاد المجلس لكملت شهادتهم، وبهذا فارق سائر الشهادات.\nوأما الآية فإنها لم تتعرض للشروط، ولهذا لم تذكر العدالة، وصفة الزنى.\nولأن قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ﴾ لا يخلو من أن يكون مطلقًا في الزمان كله أو مقيدًا. ولا يجوز أن يكون مطلقًا؛ لأنه يمنع من جواز جلدهم؛ لأنه ما من زمن إلَّا يجوز أن يأتي فيه بأربعة شهداء، أو بكمالهم إن كان قد شهد بعضهم، فيمتنع جلدهم المأمور به، فيكون تناقضًا. وإذا ثبت أنه مقيد فأولى ما قيد به المجلس؛ لأن المجلس كله بمنزلة الحال الواحدة، ولهذا ثبت فيه خيار المجلس، واكتفي فيه بالقبض فيما يعتبر القبض فيه. إذا ثبت هذا، فإنه","vol":"6","page":20},{"text":"لا يشترط اجتماعهم حال مجيئهم، ولو جاءوا متفرقين واحدا بعد واحد في مجلس واحد قبلت شهادتهم.\nوقال مالك وأبو حنيفة: إن جاءوا متفرقين فهم قذفة؛ لأنهم لم يجتمعوا في مجيئهم، فلم تقبل شهادتهم، كالذين لم يشهدوا في مجلس واحد. ولنا: قصة المغيرة، فإن الشهود جاءوا واحدًا بعد واحد وسمعت شهادتهم، وإنما حُدُّوا لعدم كمالها.\nوفي حديثه أن أبا بكرة قال: أرأيت إن جاء آخر يشهد أكنت ترجمه؟ قال عمر: إي والذي نفسي بيده.\nولأنهم اجتمعوا في مجلس واحد أشبه ما لو جاءوا وكانوا مجتمعين، ولأن المجلس كله بمنزلة ابتدائه لما ذكرناه. وإذا تفرقوا في مجالس فعليهم الحد؛ لأن من شهد بالزنى، ولم يكمل الشهادة يلزمه الحد؛ لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ انتهى من المغني لابن قدامة.\nوقد عرفت أقوال أهل العلم في اشتراط اتحاد المجلس لشهادة شهود الزنى، وما احتج به كل واحد من الفريقين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا هو قبول شهادتهم ولو جاءوا متفرقين في مجالس متعددة؛ لأن الله جلَّ وعلا صرح في كتابه بقبول شهادة الأربعة في الزنى، فإبطالها مع كونهم أربعة بدعوى عدم اتحاد المجلس إبطال لشهادة العدول بغير دليل مقنع يجب الرجوع إليه. وما وجَّه من اشترط اتحاد المجلس قوله به لا يتجه كل الاتجاه، فإن قال الشهود: معنا من يشهد مثل شهادتنا، انتظره الإِمام، وقبل شهادته، فإن لم يدعوا زيادة شهود","vol":"6","page":21},{"text":"ولا علم الحاكم بشاهد أقام عليهم الحد، لعدم كمال شهادتهم. هذا هو الظاهر لنا من عموم الأدلة وإن كان مخالفًا لمذهب مالك، وأبي حنيفة، وأحمد. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن مالكًا وأصحابه يشترط عنهم زيادة على أداء شهود الزنى شهادتهم في وقت واحد أن يكونوا شاهدين على فعل واحد، فلو اجتمعوا ونظر واحد بعد واحد، لم تصح شهادتهم على الأصح من مذهب مالك؛ لاحتمال تعدد الوطء، وأن يكون الزاني نزع فرجه من فرجها بعد رؤية الأول، ورأى الثاني إيلاجًا آخر غير الإِيلاج الذي رآه من قبله، لأن الأفعال لا يضم بعضها إلى بعض في الشهادة عندهم، ومتى لم تقبل شهادتهم حُدُّوا حد القذف.\nومشهور مذهب مالك أيضًا: وجوب تفرقتهم  - أعني شهود الزنى خاصة -  دون غيرهم من سائر الشهود.\nومعناه عندهم: أنه لا بد من إتيانهم مجتمعين، فإذا جاءوا مجتمعين فرق بينهم عند أداء الشهادة، فيسأل كل واحد منهم دون حضرة الآخرين، ويشهد كل واحد منهم أنه راه أدخل فرجه في فرجها، أو أولجه فيه، ولا بد عندهم من زيادة كالمرود في المكحلة ونحوه. ويجوز للشهود النظر إلى عورة الزانيين، ليمكنهم أن يؤدوا الشهادة على وجهها، ولا إثم عليهم في ذلك، ولا يقدح في شهادتهم لأنه وسيلة إقامة حد من حدود الله. ومحل هذا إن كانوا أربعة، فإن كانوا أقل من أربعة لم يجز لهم النظر إلى عورة الزاني، إذ لا فائدة في شهادتهم، ولأنهم يجلدون حد القذف.","vol":"6","page":22},{"text":"وقال بعض المالكية: لا يجوز لهم النظر إلى عورات الزناة ولو كانوا أربعة؛ لما نبه عليه الشرع من استحسان الستر. ويندب للحاكم عند المالكية سؤال الشهود في الزنى عما ليس شرطًا في صحة الشهادة، كأن يقول لكل واحد من الشهود بانفراده، دون حضرة الآخرين: على أي حال رأيتهما وقت زناهما؟ وهل كانت المرأة على جنبها الأيمن، أو الأيسر، أو على بطنها، أو على قفاها؟ وفي أي جوانب البيت؟ ونحو ذلك. فإن اختلفوا بأن قال أحدهم: كانت على قفاها، وقال الآخر: كانت على جنبها الأيمن، ونحو ذلك بطلت شهادتهم، لدلالة اختلافهم على كذبهم، وكذلك إن اختلفوا في جانب البيت الذي وقع فيه الزنى.\nولا شك أن مثل هذا السؤال أحوط في الدفع عن أعراض المسلمين؛ لأنهم إن كانوا صادقين لم يختلفوا، وإن كانوا كاذبين علم كذبهم باختلافهم. وقد قدمنا ما يستأنس به لتفرقة شهود الزنى، وسؤالهم متفرقين في قصة سليمان وداود في المرأة التي شهد عليها أربعة، أنها زنت بكلبها، فرجمها داود، فجاء سليمان بالصبيان، وجعل منهم شهودًا، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب الذي زنت به، فأخبر كل واحد منهم بلون غير اللون الذي أخبر به الآخر، فأرسل داود للشهود، وفرقهم وسألهم متفرقين عن لون الكلب الذي زنت به، فاختلفوا في لونه كما تقدم إيضاحه.\nواعلم أن كل ما يثبت به الرجم يثبت به الجلد فطريق ثبوتهما متحدة لا فرق بينهما كما لا يخفى.\nالفرع الخامس: اعلم أنه إذا شهد اثنان أنه زنى بها في هذا البيت، واثنان: أنه زنى بها في بيت آخر، أو شهد كل اثنين عليه","vol":"6","page":23},{"text":"بالزنى في بلد غير البلد الذي شهد عليه فيه صاحباهما، أو اختلفوا في اليوم الذي وقع فيه الزنى. فقد اختلف أهل العلم هل تقبل شهادتهم؟ نظرًا إلى أنهم أربعة شهدوا بالزنى، أو لا تقبل؛ لأنه لم تشهد أربعة على زنى واحد، فكل زنى شهد عليه اثنان، ولا يثبت زنى باثنين؟\nقال ابن قدامة في المغني: الجميع قذفة وعليهم الحد. وبهذا قال مالك، والشافعي. واختار أبو بكر أنه لا حد عليهم. وبه قال النخعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، لأنهم كملوا أربعة.\nولنا أنه لم يكمل أربعة على زنى واحد، فوجب عليهم الحد، كما لو انفرد بالشهادة اثنان وحدهما. فأما المشهود عليه، فلا حد عليه في قولهم جميعًا، وقال أبو بكر: عليه الحد، وحكاه قولًا لأحمد، وهذا بعيد، فإنه لم يثبت زنى واحد بشهادة أربعة، فلم يجب الحد، ولأن جميع ما تعتبر له البينة يعتبر فيه كمالها في حق واحد، فالموجب للحد أولى؛ لأنه مما يحتاط فيه ويدرأ بالشبهات؛ وقد قال أبو بكر: إنه لو شهد اثنان أنه زنى بامرأة بيضاء، وشهد اثنان أنه زنى بسوداء، فهم قذفة. ذكره القاضي عنه، وهذا ينقض قوله. انتهى منه.\nثم قال: وإن شهد اثنان أنه زنى بها في زاوية بيت، وشهد اثنان أنه زنى بها في زاوية منه أخرى، وكانت الزاويتان متباعدتين، فالقول فيهما كالقول في البيتين، وإن كانتا متقاربتين كملت شهادتهم، وحُدَّ المشهود عليه. وبه قال أبو حنيفة. وقال الشافعي: لا حد عليه، لأن شهادتهم لم تكمل، ولأنهم اختلفوا في المكان، فأشبه ما لو اختلفا","vol":"6","page":24},{"text":"في البيتين، وعلى قول أبي بكر تكمل شهادتهم، سواء تقاربت الزاويتان، أو تباعدتا.\nولنا أنهما إذا تقاربتا أمكن صدق الشهود، بأن يكون ابتداء الفعل في إحداهما وتمامه في الأخرى، أو ينسبه كل اثنين إلى إحدى الزاويتين لقربه منها، فيجب قبول شهادتهم كما لو اتفقوا، بخلاف ما إذا كانتا متباعدتين، فإنه لا يمكن كون المشهود به فعلًا واحدًا.\nفإن قيل: فقد يمكن أن يكون المشهود به فعلين، فلم أوجبتم الحد مع الاحتمال، والحد يدرأ بالشبهات؟\nقلنا: ليس هذا بشبهة، بدليل ما لو اتفقوا على موضع واحد، فإن هذا يحتمل فيه، والحد واجب.\nوالقول في الزمان كالقول في هذا، وأنه متى كان بينهما زمن متباعد لا يمكن وجود الفعل الواحد في جميعه، كطرفي النهار، لم تكمل شهادتهم، ومتى تقاربا كملت شهادتهم. انتهى من المغني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت كلام أهل العلم في هذا الفرع. والظاهر أنه لا تكمل شهادة الأربعة إلا إذا شهدوا على فعل واحد في مكان متحد ووقت متحد؛ فإن اختلفوا في الزمان، أو المكان حدوا؛ لأنهما فعلان، ولم يشهد على واحد منهما أربعة عدول، فلم يثبت واحد منهما، والقول بتلفيق شهادتهم، وضم شهادة بعضهم إلى شهادة بعض لا يظهر. وقد علمت أن مالكًا وأصحابه زادوا أن تكون شهادة الأربعة على إيلاج متحد، فلو نظروا واحدًا بعد واحد مع اتحاد الوقت والمكان لم تقبل عنده شهادتهم حتى ينظروا فرجه في فرجها نظرة واحدة في لحظة واحدة. وله وجه.","vol":"6","page":25},{"text":"الفرع السادس: إن شهد اثنان أنه زنى بها في قميص أبيض، وشهد اثنان أنه زنى بها في قميص أحمر، أو شهد اثنان أنه زنى بها في ثوب كتان، وشهد اثنان أنه زنى بها في ثوب خز.\nفقد اختلف أهل العلم هل تكمل شهادتهم أو لا؟ فقال بعضهم: لا تكمل شهادتهم؛ لأن كل اثنين منهما تخالف شهادتهم شهادة الاثنين الآخرين. وممن روي عنه ذلك الشافعي. وقال بعضهم: تكمل شهادتهم، قائلًا: إنه لا تنافي بين الشهادتين، لإِمكان أن يكون عليه قميصان فذكر كل اثنين أحد القميصين، وتركا ذكر الآخر، فيكون الجميع صادقين؛ لأن أحد الثوبين الذي سكت عنه هذان هو الذي ذكره ذانك، كعكسه، فلا تنافي. ويمكن أن يكون عليها هي قميص أحمر؛ وعليه هو قميص أبيض، كعكسه، أو عليه هو ثوب كتان، وعليها هي ثوب خز، كعكسه، فيمكن صدق الجميع؛ وإذا أمكن صدقهم فلا وجه لرد شهادتهم؛ وبهذا جزم صاحب المغني موجهًا له بما ذكرنا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا في هذا الفرع هو وجوب استفسار الشهود؛ فإن جزم اثنان بأن عليه ثوبًا واحدًا أحمر، وجزم الآخران أن عليه ثوبًا واحدًا أبيض لم تكمل شهادتهم لتنافي الشهادتين، وإن اتفقوا على أن عليه ثوبين مثلًا أحدهما أحمر، والثاني أبيض، وذكر كل اثنين أحد الثوبين فلا إشكال في كمال شهادتهم، لاتفاق الشهادتين، وإن لم يمكن استفسار الشهود لموتهم، أو غيبتهم غيبة يتعذر معها سؤالهم، فالذي يظهر لي عدم كمال شهادتهم، لاحتمال تخالف شهادتيهما، ومطلق احتمال اتفاقهما لا يكفي في إقامة الحد؛ لأن الحد يدرأ بالشبهات، فلا يقام","vol":"6","page":26},{"text":"بشهادة محتملة البطلان، بل الظاهر من الصيغة اختلاف الشهادتين، والعمل بالظاهر لازم ما لم يقم دليل صارف عنه يجب الرجوع إليه.\nوالذي يظهر أنهم إن لم تكمل شهادتهم يحدون حد القذف. أما في الشهادة المحتملة فإنه قبل إمكان استفسارهم، فلا إشكال في عدم إمكان حدهم، وإن أمكن استفسارهم، فإن فسروا بما يقتضي كمال شهادتهم حد المشهود عليه بشهادتهم، وإن فسروا بما يوجب بطلان شهادتهم، فالظاهر أنهم يحدون حد القذف كما قدمنا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السابع: إن شهد اثنان أنه زنى بها مكرهة، وشهد اثنان أنه زنى بها مطاوعة، فلا حدّ على المرأة إجماعًا؛ لأن الشهادة عليها لم تكمل على فعل موجب للحد، وإنما الخلاف في حكم الرجل والشهود.\nقال ابن قدامة في المغني: وفي الرجل وجهان:\nأحدهما: لا حدّ عليه، وهو قول أبي بكر، والقاضي، وأكثر الأصحاب، وقول أبي حنيفة، وأحد الوجهين لأصحاب الشافعي؛ لأن البينة لم تكمل على فعل واحد، فإن فعل المطاوعة غير فعل المكرهة، ولم يتم العدد على كل واحد من الفعلين، ولأن كل شاهدين منهما يكذبان الآخرين، وذلك يمنع قبول الشهادة، أو يكون شبهة في درء الحد، ولا يخرج عن أن يكون قول واحد منهما مكذبًا للآخر إلَّا بتقدير فعلين تكون مطاوعة في أحدهما، مكرهة في الآخر، وهذا يمنع كون الشهادة كاملة على فعل واحد، ولأن شاهدي المطاوعة قاذفان لها، ولم تكمل البينة عليها، فلا تقبل شهادتهما على غيرها.","vol":"6","page":27},{"text":"والوجه الثاني: أنه يجب الحد عليه، اختاره أبو الخطاب، وهو قول أبي يوسف، ومحمد، ووجه ثان للشافعي؛ لأن الشهادة كملت على وجود الزنى منه، واختلافهما إنما هو في فعلها لا في فعله، فلا يمنع كمال الشهادة عليه.\nوفي الشهود ثلاثة أوجه:\nأحدهما: لا حدّ عليهم. وهو قول من أوجب الحد على الرجل بشهادتهم.\nوالثاني: عليهم الحد؛ لأنهم شهدوا بالزنى، ولم تكمل شهادتهم، فلزمهم الحد كما لو لم يكمل عددهم.\nوالثالث: يجب الحد على شاهدي المطاوعة؛ لأنهما قذفا المرأة بالزنى، ولم تكمل شهادتهم عليها، ولا تجب على شاهدي الإِكراه؛ لأنهما لم يقذفا المرأة، وقد كملت شهادتهم على الرجل، وإنما انتفى عنه الحد للشبهة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت خلاف أهل العلم في هذا الفرع، وأظهر أقوالهم عندي فيه: أن الرجل والمرأة لا حدّ على واحد منهما، وأن على الشهود الأربعة حد القذف.\nأما نفي الحد عن المرأة، فلا خلاف فيه، ووجهه ظاهر؛ لأنها لم تكمل عليها شهادة بالزنى.\nوأما نفي الحد عن الرجل فلأن الاثنين الشاهدين بالمطاوعة يكذبان الشاهدين بالإِكراه، كعكسه، وإذا كان كل اثنين من الأربعة يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الفعل لم تكمل شهادتهم على فعل واحد، فلم تكمل على الرجل شهادة على حالة زنى واحد؛","vol":"6","page":28},{"text":"لأن الإِكراه والطوع أمران متنافيان، وإذا لم تكمل عليه شهادة بفعل واحد على حالة واحدة فعدم حده هو الأظهر.\nأما وجه حد الشهود، فلأن الشاهدين على المرأة بأنها زنت مطاوعة للرجل قاذفان لها بالزنى، ولم تكمل شهادتهما عليها، فحدهما لقذفهما المرأة ظاهر جدًّا، ولأن الشاهدين بأنه زنى بها مكرهة قاذفان للرجل بأنه أكرهها فزنى بها، ولم تكمل شهادتهم؛ لأن شاهدي الطوع مكذبان لهما في دعواهما الإكراه، فحدهما؛ لقذفهما للرجل، ولم تكمل شهادتهما عليه ظاهر، أَما كون الأربعة قد اتفقت شهادتهم على أنه زنى بها، فيرده أن كل اثنين منهما يكذبان الآخرين في الحالة التي وقع عليها الزنى. هذا هو الأظهر عندنا من كلام أهل العلم في هذا الفرع. والعلم عند الله تعالى.\nومن المعلوم: أن كل ما يثبت به الرجم على المحصن يثبت به الجلد على البكر، فثبوت الأمرين طريقة واحدة.\nالفرع الثامن: اعلم أنه إن شهد أربعة عدول على امرأة أنها زنت وتمت شهادتهم على الوجه المطلوب، فقالت: إنها عذراء لم تزل بكارتها ونظر إليها أربع من النساء معروفات بالعدالة، وشهدن بأنها عذراء لم تزل بكارتها بمزيل. فقد اختلف أهل العلم، هل تدرأ شهادة النساء عنها الحد أو لا؟ فذهب مالك وأصحابه إلى أنها يقام عليها الحد، ولا يلتفت لشهادة النساء. وعبارة المدونة في ذلك: إذا شهد عليها بالزنى أربعة عدول فقالت: إنها عذراء ونظر إليها النساء، وصدقنها، لم ينظر إلى قولهن وأقيم عليها الحد. انتهى بواسطة نقل المواق في شرحه لقول خليل في مختصره: \"وبالبينة فلا يسقط بشهادة أربع نسوة ببكارتها\".","vol":"6","page":29},{"text":"وذهب جماعة من أهل العلم إلى أن شهادة النساء ببكارتها تدرأ عنها الحد، وهو مذهب الإِمام أحمد.\nقال ابن قدامة في المغني: وبه قال الشعبي، والثوري، والشافعي، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. ووجه قول مالك، وأصحابه بأنها يقام عليها الحد هو أن الشهادة على زناها تمت بأربعة عدول، وأن شهادة النساء لا مدخل لها في الحدود، فلا تسقط بشهادتهن شهادة الرجال عليها بالزنى. ووجه قول الآخرين بأنها لا تحدّ هو أن بكارتها ثبتت بشهادة النساء، ووجود البكارة مانع من الزنى ظاهرًا؛ لأن الزنى لا يحصل بدون الإِيلاج في الفرج، ولا يتصور ذلك مع بقاء البكارة؛ لأن البكر هي التي لم توطأ في قبلها، وإذا انتفى الزنى لم يجب الحد، كما لو قامت البينة بأن المشهود عليه بالزنى مجبوب.\nوقال ابن قدامة في المغني: ويجب أن يكتفى بشهادة امرأة واحدة؛ لأنها مقبولة فيما لا يطلع عليه الرجال، يعني البكارة المذكورة، انتهى. وأما الأربعة الذين شهدوا بالزنى فلا حدّ عليهم لتمام شهادتهم، وهي أقوى من شهادة النساء بالبكارة.\nوقال صاحب المغني: وإنما لم يجب الحد عليهم لكمال عدتهم، مع احتمال صدقهم؛ لأنه يحتمل أن يكون وطئها، ثم عادت عذرتها، فيكون ذلك شبهة في درء الحد عنهم.\nوأما إن شهدت بينة على رجل بالزنى فثبت ببينة أخرى أنه مجبوب، أو شهدت بينة على امرأة بالزنى فثبت ببينة أخرى أنها رتقاء، فالظاهر وجوب حد القذف على بينة الزنى، لظهور كذبها؛","vol":"6","page":30},{"text":"لأن المجبوب من الرجال، والرتقاء من النساء لا يمكن حصول الزنى من واحد منهما، كما هو معلوم.\nالمسألة الثانية: اعلم أن العلماء أجمعوا على ثبوت الزنى، ووجوب الحد رجمًا كان، أو جلدًا بإقرار الزاني والزانية، ولكنهم اختلفوا هل يثبت الزنى بإقرار الزاني مرة واحدة، أو لا يكفي ذلك حتى يقرَّ به أربع مرات؟ فذهب الإِمام أحمد، وأبو حنيفة، وابن أبي ليلى، والحكم إلى أنه لا يثبت إلَّا إذا أقر به أربع مرات. وزاد أبو حنيفة، وابن أبي ليلى: أن يكون ذلك في أربع مجالس، ولا تكفي عندهما الإِقرارات الأربعة في مجلس واحد. وذهب مالك، والشافعي، والحسن، وحماد، وأبو ثور، وابن المنذر إلى أن الزنى يثبت بالإِقرار مرة واحدة.\nأما حجج من قال: يكفي الإِقرار به مرة واحدة: فمنها: أن النبي  - ﷺ -  قال لأنيس في الحديث الصحيح المشهور: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" فاعترفت فرجمها. وفي رواية في الصحيح: \"فاعترفت فأمر بها رسول الله  - ﷺ -  فرجمت\". قالوا: فهذا الحديث المتفق عليه من حديث أبي هريرة، وزيد بن خالد الجهني ﵄ ظاهر ظهورًا واضحًا في أن الزنى يثبت بالاعتراف به مرة واحدة؛ لأن قوله  - ﷺ -  فيه: \"فإن اعترفت فارجمها\" ظاهر في الاكتفاء بالاعتراف مرة واحدة، إذ لو كان الاعتراف أربع مرات لا بد منه لقال له  - ﷺ -: فإن اعترفت أربع مرات فارجمها، فلما لم يقل ذلك عرفنا أن المرة الواحدة تكفي؛ لأنه لا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، كما هو معلوم.\nومن أدلتهم على الاكتفاء بالاعتراف بالزنى مرة واحدة ما ثبت","vol":"6","page":31},{"text":"في الصحيح من حديث عمران بن حصين ﵄: \"أن امرأة من جهينة أتت النبي  - ﷺ -  وهي حبلى من الزنى، فقالت: يا نبي الله أصبت حدًّا فأقمه عليّ، فدعا النبي  - ﷺ -  وليها فقال: أحسن إليها، فإذا وضعت فأتني بها، ففعل فأمر بها النبي  - ﷺ -، فشكت عليها ثيابها ثم أمر بها، فرجمت، ثم صلَّى عليها فقال له عمر: تصلِّي عليها يا نبي الله وقد زنت؟ فقال: \"لقد تابت توبة لو قسمت بين سبعين من أهل المدينة لوسعتهم، وهل وجدت توبة أفضل من أن جادت بنفسها للَّه تعالى\" هذا لفظ مسلم في صحيحه. وهو نص صحيح في أنه  - ﷺ -  أمر برجمها بإقرارها مرة واحدة؛ لأنها قالت: إني أصبت حدًا مرة واحدة، وأن النبي  - ﷺ -  أمر برجمها من غير تعدد الإِقرار؛ لأن الحديث لم يذكر فيه إلَّا إقرارها مرة واحدة.\nومن أدلتهم على ذلك أيضًا: ما ثبت في الصحيح من قصة الغامدية التي جاءت النبي  - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله (- ﷺ -) إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله لم تردني لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فواللَّه إني لحبلى، فقال: \"أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة قالت: هذا قد ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا نبي الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها، فسمع النبي  - ﷺ -  سبه إياها فقال: \"مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده، لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له\" ثم أمر بها فصلَّى عليها","vol":"6","page":32},{"text":"ودفنت. هذا لفظ مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن بريدة، عن أبيه. وهو من أصرح الأدلة على الاكتفاء بإقرار الزاني بالزنا مرة واحدة، لأن الغامدية المذكورة لما قالت له  - ﷺ -: لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا. لم ينكر ذلك عليها، ولو كان الإِقرار أربع مرات شرطًا في لزوم الحد لقال لها: إنما رددته، لكونه لم يقر أربعًا.\nوقد قال الشوكاني في نيل الأوطار بعد ذكره لهذه الواقعة: وهذه الواقعة من أعظم الأدلة الدالة على أن تربيع الإِقرار ليس بشرط، للتصريح فيها بأنها متأخرة عن قضية ماعز، وقد اكتفى فيها بدون أربع كما سيأتي. اهـ منه.\nوفي صحيح مسلم أيضًا من حديث سليمان بن بريدة، عن أبيه ما نصه: قال: ثم جاءته امرأة من غامد من الأزد فقالت: يا رسول الله طهرني، فقال: ويحك ارجعي فاستغفري الله وتوبي إليه، فقالت: أراك تريد أن تردني كما رددت ماعز بن مالك! قال: وما ذاك؟ قالت: إنها حبلى من الزنا، فقال: آنت؟ قالت: نعم، فقال لها: حتى تضعي ما في بطنك، قال: فكفلها رجل من الأنصار حتى وضعت، قال: فأتى النبي  - ﷺ -  فقال: قد وضعت الغامدية، فقال: إذًا لا نرجمها وندع ولدها صغيرًا ليس له من يرضعه، فقام رجل من الأنصار فقال: إلي رضاعه يا نبي الله. قال: فرجمها\". اهـ منه.\nوهذه الرواية كالتي قبلها في الدلالة على الاكتفاء بالإِقرار مرة واحدة. إلى غير ذلك من الأدلة الدالة على عدم اشتراط تكرر الإِقرار بالزنا أربعًا.\nوأما حجة من قالوا: يشترط في ثبوت الإِقرار بالزنا أن يقر به أربع مرات، وأنه لا يجب عليه الحد إلَّا بالإِقرار أربعًا، فهي ما ثبت","vol":"6","page":33},{"text":"في الصحيحين من حديث أبي هريرة ﵁ المتفق عليه قال: \"أتى رسول الله - ﷺ - رجل من الناس وهو في المسجد فناداه: يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي - ﷺ -، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي - ﷺ - الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه النبي - ﷺ - فقال: أبك جنون؟ قال: لا يا رسول الله (- ﷺ -) فقال: أحصنت؟ قال: نعم، قال: اذهبوا فارجموه\" الحديث. هذا لفظ البخاري في صحيحه. ولفظ مسلم: فلما شهد على نفسه أربع شهادات دعاه رسول الله فقال: أبك جنون؟ قال: لا. قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم. فقال رسول الله - ﷺ -: اذهبوا به فارجموه\". اهـ.\nقالوا: فهذا الحديث المتفق عليه فيه ترتيب الرجم على أربع شهادات على نفسه، أي: أربع إقرارات، بصيغة ترتيب الجزاء على الشرط؛ لأن (لمَّا) مضمنة معنى الشرط. وترتيب الحدّ على الأربع ترتيب الجزاء على شرطه دليل على اشتراط الأربع المذكورة. والرجل المذكور في هذا الحديث هو ماعز بن مالك. وقصته مشهورة صحيحة. وفي ألفاظ رواياتها ما يدل على أنه لم يرجمه حتى شهد على نفسه أربع شهادات، كما رأيت في الحديث المذكور آنفًا.\nوقد علمت مما ذكرنا ما استدل به كل واحد من الفريقين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم في هذه المسألة عندي: هو الجمع بين الأحاديث الدالة على اشتراط الأربع، والأحاديث الدالة على الاكتفاء بالمرة الواحدة؛ لأن الجمع بين الأدلة","vol":"6","page":34},{"text":"واجب متى ما أمكن؛ لأن إعمال الدليلين أولى من إلغاء أحدهما. ووجه الجمع المذكور هو حمل الأحاديث التي فيها التراخي عن إقامة الحد بعد صدور الإِقرار مرة على من كان أمره ملتبسًا في صحة عقله، واختلاله، وفي سكره، وصحوه من السكر، ونحو ذلك. وحمل أحاديث إقامة الحد بعد الإِقرار مرة واحدة على من عرفت صحة عقله، وصحوه من السكر، وسلامة إقراره من المبطلات. وهذا الجمع رجحه الشوكاني في نيل الأوطار.\nومما يؤيده أن جميع الروايات التي يفهم منها اشتراط الأربع كلها في قصة ماعز. وقد دلت روايات حديثه أن النبي - ﷺ - كان لا يدري أمجنون هو أم لا؟ صاح هو أو سكران؟ بدليل قوله له في الحديث المتفق عليه المذكور آنفًا: أبك جنون، وسؤاله - ﷺ - لقومه عن عقله، وسؤاله - ﷺ - أشرب خمرًا، فقام رجل فاستنكهه فلم يجد منه ريح خمر، وكل ذلك ثابت في الصحيح، وهو دليل قوي على الجمع بين الأحاديث كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن الظاهر اشتراط التصريح بموجب الحد الذي هو الزنى تصريحًا ينفي كل احتمال، لأن بعض الناس قد يطلق اسم الزنى على ما ليس موجبًا للحد.\nويدل لهذا قوله - ﷺ - لماعز لما قال: إنه زنى: لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت؟ قال: لا. قال: أفنكتها، لا يكني، قال: نعم. قال: فعند ذلك أمر برجمه. وهذا ثابت في صحيح البخاري وغيره","vol":"6","page":35},{"text":"من حديث ابن عباس. ويؤخذ منه التعريض للزاني بأن يستر على نفسه، ويستغفر الله، فإنه غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحًا.\nالفرع الثاني: اعلم أنه إذا تمت شهادة الشهود الأربعة بالزنى فصدقهم الزاني المشهود عليه، بأن أقر أنه زنى مرة واحدة فصارت الشهادة تامة، والإِقرار غير تام عند من يشترط أربعًا. فأظهر قولي أهل العلم عندي: أن الحد يقام عليه، لكمال البينة خلافًا لمن زعم أنه لا يقام عليه الحد، لأن شرط صحة البينة الإنكار، وهذا غير منكر.\nوقال ابن قدامة في المغني: إن سقوط الحد بإقراره مرة قول أبي حنيفة. اهـ.\nوكذلك لو تمت عليه شهادة البينة وأقر على نفسه أربع مرات، ثم رجع عن إقراره، فلا ينفعه الرجوع؛ لوجوب الحد عليه بشهادة البينة، فلا حاجة لإِقراره، ولا فائدة في رجوعه عنه. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه إذا أقر بزنى قديم قبل إقراره، ولا يبطل الإِقرار بأنه لم يقر إلَّا بعد زمن طويل؛ لأن الظاهر اعتبار الإِقرار مطلقًا، سواء تقادم عهده، أو لم يتقادم، وكذلك شهادة البينة، فإنها تقبل، ولو لم تشهد إلَّا بعد طول الزمن؛ لأن عموم النصوص يقتضي ذلك؛ لأنها ليس فيها التفريق بين تعجيل الشهادة وتأخيرها، خلافًا لأبي حنيفة ومن وافقه في قولهم: إن الإِقرار يقبل بعد زمن طويل، والشهادة لا تقبل مع التأخير.\nوقال ابن قدامة في المغني: وإن شهدوا بزنى قديم، أو أقر به","vol":"6","page":36},{"text":"وجب الحد، وبهذا قال مالك، والأوزاعي، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور.\nوقال أبو حنيفة: لا أقبل بينة على زنى قديم، وأحده بالإِقرار به. وهذا قول ابن حامد. وذكره ابن أبي موسى مذهبًا لأحمد. اهـ منه.\nأما قبول الإِقرار بالزنا القديم ووجوب الحد به فلا وجه للعدول عنه بحال، لأنه مقر على نفسه، ولا يتهم في نفسه.\nوأما شهادة البينة بزنا قديم، فالأظهر قبولها، لعموم النصوص كما ذكرنا آنفًا. وحجة أبي حنيفة، ومن وافقه في رد شهادة البينة على زنا قديم هو أن تأخير الشهادة يدل على التهمة، فيدرأ ذلك الحد.\nوقال في المغني: ومن حجتهم على ذلك ما روي عن عمر أنه قال: أيما شهود شهدوا بحدّ لم يشهدوا بحضرته فهم شهود ضغن، ثم قال: رواه الحسن مرسلًا، ومراسيل الحسن ليست بالقوية. اهـ منه.\nوقد قدمنا الكلام مستوفى على مراسيل الحسن. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الرابع: اعلم أنه إن أقر بأنه زنى بامرأة وسماها فكذبته وقالت: إنه لم يزن بها. فأظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه يجب عليه حد الزنى بإقراره، وحد القذف أيضًا، لأنه قذف المرأة بالزنا، ولم يأت بأربعة شهود، فوجب عليه حد القذف.\nوقال في المغني: وقال أبو حنيفة، وأبو يوسف: لا حدّ عليه؛ لأنا صدقناها في إنكارها فصار محكومًا بكذبه.","vol":"6","page":37},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: وجوب الحد عليه بإقراره لا ينبغي العدول عنه، ولا يمكن أن يصح خلافه لأمرين:\nالأول: أنه أقر على نفسه بالزنا إقرارًا صحيحًا، وقولهم: إننا صدقناها ليس بصحيح، بل نحن لم نصدقها، ولم نقل: إنها صادقة، ولكن انتفاء الحد عنها إنما وقع؛ لأنها لم تقر، ولم تقم عليها بينة، فعدم حدها لانتفاء مقتضيه؛ لا لأنها صادقة كما ترى.\nالأمر الثاني: ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا طلق بن غنام، ثنا عبد السلام بن حفص، ثنا أبو حازم، عن سهل بن سعد، عن النبي  - ﷺ -: أن رجلًا أتاه، فأقر عنده أنه زنى بامرأة سماها له، فبعث النبي  - ﷺ -  إلى المرأة، فسألها عن ذلك، فأنكرت أن تكون زنت فجلده الحد وتركها. اهـ منه. وعبد السلام المذكور في هذا الإِسناد وثقه ابن معين، وتوثيقه له أولى من قول أبي حاتم الرازي: إنه غير معروف؛ لأن من حفظ حجة على من لم يحفظ.\nوالحديث المذكور نص في أن المقر يقام عليه الحد، وهو واضح؛ لأن من أقر على نفسه بالزنا لا نزاع في وجوب الحد عليه. وأما كونه يحد مع ذلك حد القذف فظاهر أيضًا، ويدل عليه عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية، والأخذ بعموم النصوص واجب إلَّا بدليل مخصص يجب الرجوع إليه. وكون حديث سهل بن سعد الساعدي الذي ذكرناه آنفًا عند أبي داود ليس فيه أن النبي حد الرجل المذكور حد القذف، بل حد الزنا فقط لا يعارض به عموم النصوص.","vol":"6","page":38},{"text":"وقال الشوكاني في نيل الأوطار: وحدُّه للزنا والقذف معًا هو الظاهر، لوجهين:\nالأول: أن غاية ما في حديث سهل: أن النبي  - ﷺ -  لم يحد ذلك الرجل للقذف وذلك لا ينتهض للاستدلال به على المسقوط، لاحتمال أن يكون ذلك لعدم الطلب من المرأة، أو لوجود مسقط. إلى أن قال:\nالوجه الثاني: أن ظاهر القذف العموم فلا يخرج من ذلك إلَّا ما خرج بدليل، وقد صدق على كل من كان كذلك أنه قاذف. اهـ منه. وهو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، وكذلك ما جاء في بعض روايات حديث ماعز بن مالك أنه عين الجارية التي زنا بها، ولم يحده النبي  - ﷺ -  لقذفها، بل حده للزنا فقط، فإن ترك حده له يوجه بما قدمنا قريبًا.\nوعلى كل حال فمن قال: زنيت بفلانة فلا شك أنه مقر على نفسه بالزنا، وقاذف لها هي به، وظاهر النصوص مؤاخذته بإقراره على نفسه، وحده أيضًا حد القذف، لأنه قاذف بلا شك كما ترى.\nومما يؤيد هذا المذهب ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، ثنا موسى بن هارون البردي، ثنا هشام بن يوسف، عن القاسم بن فياض الأبناوي، عن خلاد بن عبد الرحمن، عن ابن المسيب، عن ابن عباس: أن رجلًا من بني بكر بن ليث أتى النبي  - ﷺ -، فأقر أنه زنى بامرأة أربع مرات، فجلده مائة، وكان بكرًا، ثم سأله البينة على المرأة، فقالت: كذب واللَّه يا رسول الله (- ﷺ -) فجلده حد الفرية ثمانين. اهـ منه.","vol":"6","page":39},{"text":"فإن قيل: هذا الحديث ضعيف؛ لأن في إسناده القاسم بن فياض الأبناوي الصنعاني. قال فيه ابن حجر في التقريب: مجهول. وقال فيه الذهبي في الميزان: ضعفه غير واحد، منهم عباس عن ابن معين، فالجواب من وجهين:\nالأول: أن القاسم المذكور قال فيه أبو داود: ثقة، كما نقله عنه الذهبي في الميزان، والتعديل يقبل مجملًا، والتجريح لا يقبل مجملًا كما تقدم.\nالثاني: أن حديث ابن عباس هذا الذي فيه الجمع بين حد القذف وحد الزنا، إن قال: إنه زنى بامرأة عينها فأنكرت، معتضد اعتضادًا قويًا بظواهر النصوص الدالة على مؤاخذته بإقراره، والنصوص الدالة على أن من قذف امرأة بالزنى، فأنكرت، ولم يأت ببينة أنه يحد حد القذف.\nفالحاصل: أن أظهر الأقوال عندنا أنه يحد حد القذف، وحد الزنا، وهو مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة، خلافًا لمن قال: يحد حد الزنا فقط، كأحمد، والشافعي، ولمن قال: يحد حد القذف فقط. ويؤيد هذا المذهب الذي اخترناه في هذه المسألة ما قاله مالك وأصحابه: من أن الرجل لو قال لامرأة: زنيت، فقالت له: زنيت بك، أنها تحد للقذف، وللزنا معًا، ولا يحد الرجل لهما لأنها صدقته. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: اعلم أنه لا يصح إقرار المكره، فلو أكره الرجل بالضرب، أو غيره من أنواع التعذيب ليقر بالزنا فأقر به مكرهًا لم يلزمه إقراره به، فلا يحد ولا يثبت عليه الزنا، ولا نعلم من أهل العلم من خالف في هذا. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":40},{"text":"المسألة الثالثة: اعلم أنا قد قدمنا ثبوت الزنا بالبينة والإِقرار، ولا خلاف في ثبوته بكل واحد منهما إن وقع على الوجه المطلوب.\nأما ظهور الحمل بامرأة، لا يعرف لها زوج، ولا سيد، فقد اختلف العلماء في ثبوت الحد به. فقال بعض أهل العلم: الحبل في التي لا يعرف لها زوج، ولا سيد يثبت عليها به الزنا، ويجب عليها الحد به، وقد ثبت هذا في حديث عمر ﵁ الذي قدمناه في قوله: إذا قامت البينة، أو كان الحبل، أو الاعتراف. والحديث المذكور في الصحيحين، وغيرهما كما تقدم. وقد صرح فيه أمير المؤمنين عمر ﵁ بأن الحبل الذي هو الحمل يثبت به الزنا، كما يثبت بالبينة والإِقرار. وممن ذهب إلى أن الحبل يثبت به الزنا عمر ﵁ كما رأيت، ومالك، وأصحابه.\nوذهب الشافعي، وأحمد، وأبو حنيفة، وجماهير أهل العلم إلى أنه لا يثبت الزنا، ولا يجب الحد بمجرد الحبل ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد. وهذا القول عزاه النووي في شرح مسلم للشافعي، وأبي حنيفة، وجماهير أهل العلم.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم.\nأما الذين قالوا: إن الزنا يثبت بالحمل إن لم يكن لها زوج ولا سيد، فقد احتجوا بحديث عمر المتفق عليه المتقدم. وفيه التصريح من عمر بأن الحبل يثبت به الزنا كالبينة والإِقرار.\nوقال ابن قدامة في المغني: إنما قال من قال بوجوب الحد وثبوت الزنا بالحمل، لقول عمر ﵁: والرجم واجب على كل من زنى من الرجال والنساء إذا كان محصنًا إذا قامت البينة،","vol":"6","page":41},{"text":"أو كان الحبل، أو الاعتراف. وروي أن عثمان أُتِيَ بامرأة ولدت لستة أشهر، فأمر بها عثمان أن ترجم، فقال عليّ: ليس لك عليها سبيل، قال الله: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾. وهذا يدل على أنه كان يرجمها بحملها. وعن عمر نحو من هذا. وروي عن علي ﵁ أنه قال: يا أيها الناس إن الزنا زناآن: زنا سر، وزنا علانية، فزنا السر: أن يشهد الشهود، فيكون الشهود أول من يرمي، وزنا العلانية: أن يظهر الحبل، أو الاعتراف، فيكون الإِمام أول من يرمي. وهذا قول سادة الصحابة ولم يظهر في عصرهم مخالف، فيكون إجماعًا. انتهى محل الغرض من المغني.\nوانظر أسانيد الآثار التي ذكرها عن الصحابة. هذا هو حاصل ما احتج به من قال: إن الزنا يثبت بالحمل.\nوأما الذين قالوا: إن الحمل وحده لا يثبت به الزنا، ولا يجب به الحد، بل لابد من البينة أو الإِقرار، فقد قال في المغني: حجتهم أنه يحتمل أن الحمل من وطء إكراه، أو شبهة، والحد يسقط بالشبهات. وقد قيل: إن المرأة تحمل من غير وطء بأن يدخل ماء الرجل في فرجها، إما بفعلها، أو فعل غيرها، ولهذا تصور حمل البكر فقد وُجِد ذلك.\nوأما قول الصحابة، فقد اختلفت الرواية عنهم فروى سعيد: حدثنا خلف بن خليفة، حدثنا هاشم: أن امرأة رفعت إلى عمر بن الخطاب ﵁، ليس لها زوج، وقد حملت فسألها عمر فقالت: إنني امرأة ثقيلة الرأس وقع عليّ رجل، وأنا نائمة فما استيقظت حتى فرغ، فدرأ عنها الحد. وروى البراء بن صبرة عن عمر","vol":"6","page":42},{"text":"أنه أُتِيَ بامرأة حامل، فادعت أنها أكرهت فقال: خلّ سبيلها، وكتب إلى أمراء الأجناد، ألَّا يقتل أحد إلَّا بإذنه. وروي عن علي وابن عباس أنهما قالا: إذا كان في الحد لعل وعسى فهو معطل. وروى الدارقطني بإسناده عن عبد الله بن مسعود، ومعاذ بن جبل، وعقبة بن عامر ﵃ أنهم قالوا: إذا اشتبه عليك الحد فادرأ ما استطعت. ولا خلاف في أن الحد يدرأ بالشبهات، وهي متحققة هنا. اهـ بلفظه في المغني.\nوانظر أيضًا أسانيد هذه الآثار التي ذكرها عن الصحابة. وهذا الذي ذكر هو حاصل ما احتج به الجمهور الذين قالوا: إن الحبل لا يثبت به الزنا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر قولي أهل العلم عندي: أن الزنا لا يثبت بمجرد الحبل، ولو لم يعرف لها زوج ولا سيد؛ لأن الحمل قد يقع بلا شك من غير وطء في الفرج، بل قد يطأ الرجل المرأة في فخذيها، فتتحرك شهوتها فينزل ماؤها وينزل الرجل، فيسيل ماؤه فيدخل في فرجها، فيلتقي ماؤه بمائها فتحمل من غير وطء. وهذا مشاهد لا يمكن إنكاره.\nولأجل ذلك فالأصح أن الزوج إذا كان يطأ امرأته في الفخذين، ولم يجامعها في الفرج فظهر بها حمل أنه لا يجوز له اللعان لنفي ذلك الحمل؛ لأن ماءه قد يسيل إلى فرجها، فتحمل منه. وقول عمر ﵁: إذا كان الحبل، أو الاعتراف، اجتهاد منه؛ لأنه يظهر له ﵁ أن الحمل يثبت به الزنا كالاعتراف والبينة.\nوإنما قلنا: إن الأظهر لنا خلاف قوله ﵁؛ لأنا نعلم أن وجود الحمل لا يستلزم الوطء في الفرج، بل قد تحبل بدون","vol":"6","page":43},{"text":"ذلك، وإذا كان الحبل لا يستلزم الوطء في الفرج فلا وجه لثبوت الزنا. وإقامة الحد بأمر محتمل غير مستلزم لموجب الحد كما ترى.\nومن المعلوم أن الحدود تدرأ بالشبهات. هذا هو الأظهر عندنا والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بوجوب الحد بالحمل قالوا: إن تلك الحامل إن كانت طارئة من بلاد أخرى، وادعت أن حملها من زوج لها تركته في بلدها فلا حد عليها عندهم، ولا يثبت عليها الزنا بذلك الحمل.\nالفرع الثاني: اعلم أنه إن ظهر بها حمل فادعت أنها مكرهة لا يقبل دعواها الإِكراه عند من يثبت الزنا بالحمل إلَّا إذا اعتضدت دعواها بما يقويها من القرائن، كإتيانها صارخة مستغيثة ممن فعل بها ذلك، وكأن تأتي متعلقة برجل تزعم أنه هو الذي أكرهها، وكأن تشتكي من الذي فعل بها ذلك قبل ظهور الحمل.\nوقال بعض علماء المالكية: إن كانت شكواها من الرجل الذي فعل بها ذلك مشبهة؛ لكون الرجل الذي ادعت عليه غير معروف بالصلاح، فلا حد عليها، وإن كان الذي ادعت عليه معروفًا بالصلاح، والعفاف، والتقوى حدت ولم يقبل قولها عليه.\nوقال بعض المالكية: إن لم تسم الرجل الذي ادعت أنه أكرهها تعزر، ولا تحد إن كانت معروفة بالصلاح والعفاف.\nالفرع الثالث: قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: \"أو مكرهة\" ما نصه: قال الطراز في أواخر الجزء","vol":"6","page":44},{"text":"الثالث في ترجمة تفسير الطلاق، وما يلزم من ألفاظه: قال ابن عبد الغفور: ويقال: إن عبد الله بن عيسى سئل عن جارية بكر زوجها فابتنى بها زوجها فأتت بولد لأربعة أشهر، فذكر ذلك لها فقالت: إني كنت نائمة فانتبهت لبلل بين فخذي، وذكر الزوج أنه وجدها عذراء.\nفأجاب فيها: أنها لا حد عليها إذا كانت معروفة بالعفاف، وحسن الحال، ويفسخ النكاح، ولها المهر كاملًا إلَّا أن تكون علمت الحمل، وغرت فلها قدر ما استحل منها. انتهى من الاستغناء. انتهى كلام الطراز. انتهى ما نقله الحطاب. وهو يؤيد أن الحمل قد يقع من غير وطء يوجب الحد كما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن من ثبت عليه الزنا وهو محصن. اختلف أهل العلم فيه فقال بعضهم: يجلد مائة جلدة أولًا، ثم يرجم بعد ذلك، فيجمع له بين الجلد والرجم، وقال بعضهم: يرجم فقط ولا يجلد، لأن غير القتل يندرج في القتل. وممن قال بالجمع بينهما علي ﵁، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد.\nقال ابن قدامة في المغني: وبه قال ابن عباس، وأبيّ بن كعب، وأبو ذر. ذكر ذلك عبد العزيز عنهما، واختاره، وبه قال الحسن، وإسحاق، وداود، وابن المنذر. وممن قال بأنه يرجم فقط ولا يجلد مع الرجم مالك، وأبو حنيفة، والشافعي، والنخعي، والزهري، والأوزاعي. واختاره أبو إسحاق الجوزجاني، وأبو بكر الأثرم، ونصراه في سننهما، وهو رواية عن الإِمام أحمد، وهو مروي عن عمر، وعثمان، وابن مسعود. قال ذلك كله ابن قدامة في المغني. وهذا القول الأخير الذي هو الاقتصار على الرجم عزاه النووي في شرح مسلم لجماهير العلماء.","vol":"6","page":45},{"text":"وفي المسألة قول ثالث: وهو ما حكاه القاضي عياض عن طائفة من أهل الحديث، وهو أنه يجب الجمع بينهما إذا كان الزاني شيخًا ثيبًا، فإن كان شابًا ثيبًا اقتصر على الرجم.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما الذين قالوا: يجمع للزاني المحصن بين الجلد والرجم، فقد احتجوا بأدلة.\nمنها: أن النبي  - ﷺ -  صرح بالجمع بينهما للزاني المحصن تصريحًا ثابتًا عنه ثبوتًا لا مطعن فيه.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، أخبرنا هشيم، عن منصور، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم\". وهذا تصريح منه  - ﷺ -  بأن الثيب  - وهو المحصن -  يجلد مائة ويرجم. وهذا اللفظ أخرجه مسلم أيضًا بإسناد آخر. وفي لفظ في صحيح مسلم: \"الثيب جلد مائة ثم رجم بالحجارة\" وهو تصريح من النبي  - ﷺ -  بالجمع بينهما. وفي لفظ عند مسلم أيضًا: \"والثيب يجلد ويرجم\". وهذه الروايات الثابتة في الصحيح فيها تصريحه  - ﷺ -  بالجمع بين الجلد والرجم.\nومن أدلتهم على الجمع بينهما أن عليًا ﵁ جلد شراحة الهمدانية يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنَّة رسول الله  - ﷺ - .","vol":"6","page":46},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا آدم، حدثنا شعبة، ثنا سلمة بن كهيل قال: سمعت الشعبي يحدث عن علي ﵁ حين رجم المرأة يوم الجمعة، وقال: قد رجمتها بسنَّة رسول الله  - ﷺ - . انتهى منه.\nوقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث ما نصه: في رواية علي بن الجعد أن عليًا أُتيَ بامرأة زنت فضربها يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، إلى آخر ما ذكره من الروايات بأن عليًا ضربها ورجمها وهي شراحة الهمدانية كما تقدم. وفي رواية: أنها مولاة لسعيد بن قيس.\nومن أدلتهم على الجمع بينهما أن الله تعالى قال: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ واللفظ عام في البكر والمحصن، ثم جاءت السنَّة بالرجم في حق المحصن، والتغريب سنة في حق البكر، فوجب الجمع بينهما عملًا بدلالة الكتاب والسنَّة معًا كما قال علي ﵁. قالوا: وقد شرع في كل من المحصن والثيب عقوبتان: أما عقوبتا الثيب: فهما الجلد والرجم، وأما عقوبتا البكر: فهما الجلد والتغريب.\nهذا هو حاصل ما احتج به الذين قالوا: إنه يجمع للمحصن بين الجلد والرجم.\nوأما الذين قالوا: يرجم فقط، ولا يجلد فاحتجوا بأدلة.\nمنها: أنه  - ﷺ -  رجم ماعزًا، ولم يجلده مع الرجم، لأن جميع الروايات في رجم ماعز بن مالك ليس في شيء منها أنه جلده مع الرجم، بل ألفاظها كلها مقتصرة على الرجم. قالوا: ولو كان الجلد","vol":"6","page":47},{"text":"مع الرجم لم ينسخ لأمر بجلد ماعز مع الرجم، ولو أمر به لنقله بعض رواة القصة، قالوا: وقصة ماعز متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي فيه التصريح بالجمع بينهما.\nوالدليل على أن حديث عبادة متقدم، وأنه أول نص نزل في حد الزنا أن قوله  - ﷺ -  فيه: \"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا\" الحديث. يشير بجعل الله لهن سبيلًا بالحد إلى قوله تعالى ﴿وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾ فالزواني كن محبوسات في البيوت إلى أحد أمرين: وهما الموت، أو جعل الله لهن سبيلًا، فلما قال  - ﷺ -: \"قد جعل الله لهن سبيلًا\" ثم فسر السبيل بحد الزنا علمنا بذلك أن حديث عبادة أول نص في حد الزنا، وأن قصة ماعز متأخرة عن ذلك.\nومن أدلتهم: أنه رجم الغامدية كما تقدم، ولم يقل أحد: إنه جلدها، ولو جلدها مع الرجم لنقل ذلك بعض الرواة.\nومن أدلتهم: أنه قال  - ﷺ -: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\"، ولم يقل: فاجلدها مع الرجم، فدل ذلك على سقوط الجلد؛ لأنه لو وقع لنقله بعض الرواة. وهذه الوقائع كلها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت، كما أشرنا إلى ما يقتضي ذلك آنفًا.\nومن أدلتهم على أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم: الروايات الصحيحة التي قدمناها في رجمه  - ﷺ -  للمرأة الجهنية، والغامدية، فإنها كلها مقتصرة على الرجم، ولم يذكر فيها جلد.","vol":"6","page":48},{"text":"وقال أبو داود: قال الغساني: جهينة وغامد وبارق واحد. انتهى منه. وعليه فالجهنية هي الغامدية.\nوعلى كل حال فجميع الروايات الواردة في رجم الغامدية، ورجم الجهنية ليس في شيء منها ذكر الجلد، وإنما فيها كلها الاقتصار على الرجم، وكذلك قصة اليهوديين الذين رجمهما  - ﷺ -  ليس فيها إلَّا الرجم ولم يذكر فيها جلد.\nهذا هو حاصل ما احتج به أهل هذا القول.\nوأما الذين قالوا: إن الجمع بين الرجم والجلد خاص بالشيخ والشيخة. وأما الشاب فيجلد إن لم يحصن، ويرجم فقط إن أحصن، فقد احتجوا بلفظ الآية التي نسخت تلاوتها، وهي قوله تعالى: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما، إلى آخره. قالوا: فرجم الشيخ والشيخة ثبت بهذه الآية، وإن نسخت تلاوتها فحكمها باق.\nوقال ابن حجر في الفتح: وقال عياض: شذت فرقة من أهل الحديث فقالت: الجمع على الشيخ الثيب دون الشاب. ولا أصل له. وقال النووي: \"هو مذهب باطل\" كذا قاله، ونفى أصله، ووصفه بالبطلان إن أراد به طريقه فليس بجيد؛ لأنه ثابت كما سأبينه في باب البكران يجلدان، وإن كان المراد دليله ففيه نظر أيضًا؛ لأن الآية وردت بلفظ الشيخ، ففهم هؤلاء من تخصيص الشيخ بذلك أن الشاب أعذر منه في الجملة، فهو معنى مناسب، وفيه جمع بين الأدلة، فكيف يوصف بالبطلان. انتهى محل الغرض من فتح الباري.\nوقد قال صاحب فتح الباري: إن هذا القول حكاه ابن المنذر","vol":"6","page":49},{"text":"وابن حزم عن أبي بن كعب. زاد ابن حزم: وأبي ذر. وابن عبد البر: عن مسروق. انتهى.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة وحججهم، فاعلم أن كل طائفة منهم ترجح قولها على قول الأخرى.\nأما الذين قالوا: يجمع بين الجلد والرجم للمحصن، فقد قالوا: هذا القول هو أرجح الأقوال، ولا ينبغي العدول عنه، لأن النبي  - ﷺ -  صرح في حديث عبادة بن الصامت ﵁ أن المحصن يجلد، ويرجم بالحجارة. فهو حديث صحيح صريح في محل النزاع، فلا يعارض بعدم ذكر الجلد في قصة ماعز، والجهنية، والغامدية، واليهوديين. لأن ما صرح به النبي  - ﷺ -  لا يعدل عنه بأمر محتمل، ويجوز أن يكون الجلد وقع لماعز ومن ذكر معه ولم يذكره الرواة؛ لأن عدم ذكره لا يدل دلالة قطعية على عدم وقوعه، لأن الراوي قد يتركه لظهوره، وأنه معروف عند الناس جلد الزاني.\nقالوا: والمحصن داخل قطعًا في عموم ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ وهذا العموم القرآني لا يجوز العدول عنه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وعدم ذكر الجلد مع الرجم لا يعارض الأدلة الصريحة من القرآن، والسنَّة الصحيحة.\nقالوا: وعمل أمير المؤمنين علي ﵁ به بعد وفاته  - ﷺ -  دليل على أنه لم ينسخ، ولم يعلم أن أحدًا من الصحابة أنكر عليه ذلك.\nولا تخفى قوة هذا الاستدلال الذي استدل به أهل هذا القول.\nوأما الذين قالوا بأن المحصن يرجم فقط ولا يجلد، فقد","vol":"6","page":50},{"text":"رجحوا أدلتهم بأنها متأخرة عن حديث عبادة بن الصامت الذي فيه التصريح بالجمع بين الرجم والجلد، والعمل بالمتأخر أولى.\nوالحق أنها متأخرة عن حديث عبادة المذكور، كما يدل عليه قوله  - ﷺ -: \"قد جعل الله لهن سبيلًا\"، فهو دليل على أن حديث عبادة هو أول نص ورد في حد الزنا، كما هو ظاهر من الغاية في قوله تعالى: ﴿حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا (١٥)﴾.\nقالوا: ومن أصرح الأدلة في أن الجمع بين الجلد والرجم منسوخ أن النبي  - ﷺ -  قال في قصة العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله\" وهذا قسم منه  - ﷺ -  أنه يقضي بينهما بكتاب الله، ثم قال في الحديث الذي أقسم على أنه قضاء بكتاب الله: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\"، قالوا: إن قوله: \"فإن اعترفت\" شرط، وقوله: \"فارجمها\" جزاء هذا الشرط، فدل الربط بين الشرط وجزائه على أن جزاء اعترافها هو الرجم وحده، وأن ذلك قضاء بكتاب الله تعالى.\nوهذا دليل من لفظ النبي الصريح على أن جزاء اعترافها بالزنا هو رجمها فقط، فربط هذا الجزاء بهذا الشرط، أقسم النبي  - ﷺ -  أنه قضاء بكتاب الله، وهو متأخر عن حديث عبادة لما قدمنا.\nوهذا الدليل أيضًا قوي جدًّا؛ لأن فيه إقسامه  - ﷺ -  بأن الاعتراف بالزنا من المحصن يترتب عليه الرجم، ولا يخلو هذا الحديث من أحد أمرين: إما أن يكون  - ﷺ -  اقتصر على قوله: فارجمها، أو يكون قال مع ذلك: فاجلدها، وترك الراوي الجلد. فإن كان قد اقتصر على الرجم، فذلك يدل على نسخ الجلد؛ لأنه جعل جزاء الاعتراف","vol":"6","page":51},{"text":"الرجم وحده؛ لأن ربط الجزاء بالشرط يدل على ذلك دلالة لفظية، لا دلالة سكوت، وإن كان قال مع الرجم: واجلدها، وحذف الراوي الجلد، فإن هذا النوع من الحذف ممنوع؛ لأن حذف بعض جزاء الشرط مخل بالمعنى، موهم غير المراد، والحذف إن كان كذلك فهو ممنوع، ولا يجوز للراوي أن يفعله، والراوي عدل فلن يفعله.\nوقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ﴾ الآية. أنه لا تعارض بين نصين، مع اختلاف زمنهما كما هو التحقيق.\nوأما القول الثالث وهو الفرق بين الشيخ والشاب وإن وجهه ابن حجر بما ذكرنا فلا يخفى سقوطه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: دليل كل منهما قوي، وأقربهما عندي: أنه يرجم فقط، ولا يجلد مع الرجم؛ لأمور:\nمنها: أنه قول جمهور أهل العلم.\nومنها: أن روايات الاقتصار على الرجم في قصة ماعز، والجهنية، والغامدية، واليهوديين كلها متأخرة بلا شك عن حديث عبادة. وقد يبعد أن يكون في كل منها الجلد مع الرجم، ولا يذكره أحد من الرواة مع تعدد طرقها.\nومنها: أن قوله الثابت في الصحيح: \"واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها\" تصريح منه  - ﷺ -  بأن جزاء اعترافها رجمها، والذي يوجد بالشرط هو الجزاء، وهو في الحديث الرجم فقط.\nومنها: أن جميع الروايات المذكورة المقتضية لنسخ الجمع بين","vol":"6","page":52},{"text":"الجلد والرجم على أدنى الاحتمالات لا تقل عن شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات.\nومنها: أن الخطأ في ترك عقوبة لازمة أهون من الخطأ في عقوبة غير لازمة. والعلم عند الله تعالى.\nقال بعضهم: ويؤيده من جهة المعنى أن القتل بالرجم أعظم العقوبات، فليس فوقه عقوبة فلا داعي للجلد معه؛ لاندراج الأصغر في الأكبر.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: إذا ثبت الزنا على الزاني فظن الإِمام أنه بكر فجلده مائة، ثم ثبت بعد جلده أنه محصن، فإنه يرجم، ولا ينبغي أن يختلف في هذا.\nوقد قال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا (ح) وثنا ابن السرح المعنى قال: أخبرنا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁: أن رجلًا زنى بامرأة فأمر به النبي  - ﷺ -، فجلد الحد، ثم أخبر أنه محصن، فأمر به فرجم. قال أبو داود: روى هذا الحديث محمد بن بكر البرساني، عن ابن جريج موقوفًا على جابر. ورواه أبو عاصم عن ابن جريج بنحو ابن وهب، لم يذكر النبي  - ﷺ -، قال: إن رجلًا زنى فلم يعلم بإحصانه، فجلد ثم علم بإحصانه فرجم.\nحدثنا محمد بن عبد الرحيم أبو يحيى البزار؛ أخبرنا أبو عاصم، عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن جابر: أن رجلًا زنى بامرأة فلم يعلم بإحصانه فجلد، ثم علم إحصانه فرجم. اهـ من سنن أبي داود.","vol":"6","page":53},{"text":"وقال الشوكاني ﵀ في نيل الأوطار في حديث أبي داود هذا ما نصه: حديث جابر بن عبد الله سكت عنه أبو داود والمنذري، وقدمنا في أول الكتاب أن ما سكتا عنه فهو صالح للاحتجاج به، وقد أخرجه أبو داود عنه من طريقين، ورجال إسناده رجال الصحيح، وأخرجه أيضًا النسائي. اهـ منه.\nالفرع الثاني: قد قدمنا في الروايات الصحيحة: أن الحامل من الزنا لا ترجم حتى تضع حملها وتفطمه، أو يوجد من يقوم برضاعه؛ لأن رجمها وهي حامل فيه إهلاك جنينها الذي في بطنها وهو لا ذنب له، فلا يجوز قتله، وهو واضح مما تقدم.\nالفرع الثالث: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن وجب عليه الرجم، هل يحفر له أو لا يحفر له؟ فقال بعضهم: لا يحفر له مطلقًا، وقال بعضهم: يحفر لمن زنى مطلقًا، وقيل: يحفر للمرأة إن كان الزنا ثابتًا بالبينة دون الإِقرار.\nواحتج من قال بأن المرجوم لا يحفر له بما ثبت في صحيح مسلم، وغيره، عن أبي سعيد الخدري في قصة رجم ماعز، ولفظ مسلم في صحيحه في المراد من الحديث قال: فما أوثقناه، ولا حفرنا له. الحديث. وفيه التصريح من أبي سعيد في هذا الحديث الصحيح أنهم لم يحفروا له.\nوقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قول أبي سعيد: \"فما أوثقناه، ولا حفرنا له\" ما نصه: وفي الرواية الأخرى في صحيح مسلم: فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، وذكر بعده في حديث الغامدية ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها. أما قوله: \"فما أوثقناه\"","vol":"6","page":54},{"text":"فهكذا الحكم عند الفقهاء. وأما الحفر للمرجوم والمرجومة ففيه مذاهب للعلماء.\nقال مالك، وأبو حنيفة، وأحمد ﵃ في المشهور عنهم: لا يحفر لواحد منهما.\nوقال قتادة، وأبو ثور، وأبو يوسف، وأبو حنيفة في رواية: يحفر لهما.\nوقال بعض المالكية: يحفر لمن يرجم بالبينة لا من يرجم بالإِقرار.\nوأما أصحابنا فقالوا: لا يحفر للرجل سواء ثبت زناه بالبينة أم بالإِقرار.\nوأما المرأة ففيها ثلاثة أوجه لأصحابنا.\nأحدها: يستحب الحفر لها إلى صدرها، ليكون أستر لها.\nوالثاني: لا يستحب ولا يكره، بل هو إلى خيرة الإِمام.\nوالثالث وهو الأصح: إن ثبت زناها بالبينة استحب، وإن ثبت بالإِقرار فلا، ليمكنها الهرب إن رجعت.\nفمن قال بالحفر لهما احتج بأنه حفر للغامدية، وكذا لماعز في رواية. ويجيب هؤلاء عن الرواية الأخرى في ماعز أنه لم يحفر له أن المراد حفيرة عظيمة، أو غير ذلك من تخصيص الحفيرة.\nوأما من قال: لا يحفر، فاحتج برواية من روى \"فما أوثقناه، ولا حفرنا له\"، وهذا المذهب ضعيف؛ لأنه منابذ لحديث الغامدية ولرواية الحفر لماعز.","vol":"6","page":55},{"text":"وأما من قال بالتخيير فظاهر. وأما من فرَّق بين الرجل والمرأة، فيحمل رواية الحفر لماعز على أنه لبيان الجواز. وهذا تأويل ضعيف.\nومما احتج به من ترك الحفر حديث اليهوديين المذكور بعد هذا، وقوله: جعل يجنأ عليها. ولو حفر لهما لم يجنأ عليها.\nواحتجوا أيضًا بقوله في حديث ماعز: فلما أذلقته الحجارة هرب. وهذا ظاهر في أنه لم تكن حفرة واللَّه أعلم. انتهى كلام النووي.\nوقد ذكر فيه أقوال أهل العلم في المسألة، وبين حججهم، وناقشها، وقد ذكر في كلامه أن المشهور عن أبي حنيفة عدم الحفر للرجل والمرأة. والظاهر أن المشهور عند الحنفية الحفر للمرأة دون الرجل، وأنه لو ترك الحفر لهما معًا فلا بأس.\nقال صاحب كنز الدقائق في الفقه الحنفي: ويحفر لها في الرجم لا له. وقال شارحه في تبيين الحقائق: ولا بأس بترك الحفر لهما، لأنه ﵊ لم يأمر بذلك. اهـ.\nوقال ابن قدامة في المغني في الفقه الحنبلي: وإن كان الزاني رجلًا أقيم قائمًا، ولم يوثق بشيء، ولم يحفر له سواء ثبت الزنا ببينة أو إقرار، لا نعلم فيه خلافًا، لأن النبي - ﷺ - لم يحفر لماعز.\nقال أبو سعيد: لما أمرنا رسول الله - ﷺ - برجم ماعز، خرجنا به إلى البقيع فواللَّه ما حفرنا له، ولا أوثقناه، ولكنه قام لنا. رواه أبو داود، ولأن الحفر له ودفن بعضه عقوبة لم يرد بها الشرع في حقه، فوجب ألا تثبت. وإن كان امرأة فظاهر كلام أحمد أنها لا يحفر","vol":"6","page":56},{"text":"لها أيضًا، وهو الذي ذكره القاضي في الخلاف، وذكر في المحرر أنه إن ثبت الحد بالإِقرار لم يحفر لها، وإن ثبت بالبينة حفر لها إلى الصدر.\nقال أبو الخطاب: وهذا أصح عندي، وهو قول أصحاب الشافعي؛ لما روى أبو بكر، وبريدة \"أن للنبي  - ﷺ -  رجم امرأة فحفر لها إلى الثندوة\" رواه أبو داود، ولأنه أستر لها، ولا حاجة لتمكينها من الهرب لكون الحد ثبت بالبينة، فلا يسقط بفعل من جهتها، بخلاف الثابت بالإِقرار، فإنها تترك على حال لو أرادت الهرب تمكنت منه؛ لأن رجوعها عن إقرارها مقبول.\nولنا أن أكثر الأحاديث على ترك الحفر، فإن النبي  - ﷺ -  لم يحفر للجهنية، ولا لماعز، ولا لليهوديين. والحديث الذي احتجوا به غير معمول به، ولا يقولون به، فإن التي نقل عنه الحفر لها ثبت حدها بإقرارها، ولا خلاف بيننا فيها، فلا يسوغ لهم الاحتجاج به مع مخالفتهم له. إذا ثبت هذا فإن ثياب المرأة تشد عليها كيلا تنكشف، وقد روى أبو داود بإسناده عن عمران بن حصين قال: فأمر بها النبي  - ﷺ -  فشدت عليها ثيابها، ولأن ذلك أستر لها. اهـ من المغني.\nوقد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم وأدلتهم في مسألة الحفر للمرجوم من الرجال والنساء.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقوى الأقوال المذكورة دليلًا بحسب صناعة أصول الفقه، وعلم الحديث أن المرجوم يحفر له مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى، ثبت زناه ببينة، أو بإقرار. ووجه ذلك أن قول أبي سعيد في صحيح مسلم: فما أوثقناه ولا حفرنا له يقدم عليه ما رواه مسلم في صحيحه من حديث بريدة، بلفظ: فلما كان الرابعة","vol":"6","page":57},{"text":"حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم. اهـ. وهو نص صحيح صريح في أن ماعزًا حفر له.\nوظاهر الحديث أن النبي  - ﷺ -  هو الحافر له، أي: بأمره بذلك، فبريدة مثبت للحفر، وأبو سعيد نافٍ له، والمقرر في الأصول وعلم الحديث أن المثبت مقدم على النافي. وتعتضد رواية بريدة هذه بالحفر لماعز بروايته أيضًا في صحيح مسلم بنفس الإِسناد \"أن النبي  - ﷺ -  أمر بالحفر للغامدية إلى صدرها\" وهذا نص صحيح صريح في الحفر للذكر والأنثى معًا، أما الأنثى فلم يرد ما يعارض هذه الرواية الصحيحة بالحفر لها إلى صدرها، وأما الرجل فرواية الحفر له الثابتة في صحيح مسلم مقدمة على الرواية الأخرى في صحيح مسلم بعدم الحفر؛ لأن المثبت مقدم على النافي.\nوقول ابن قدامة في المغني: والحديث الذي احتجوا به غير معمول به ظاهر السقوط؛ لأنه حديث صحيح وليس بمنسوخ، فلا وجه لترك العمل به مع ثبوته عنه  - ﷺ -  كما ترى. وبالرواية الصحيحة التي في صحيح مسلم من حديث بريدة \"أنه  - ﷺ -  حفر للغامدية\" وزناها ثابت بإقرارها، لا ببينة تعلم أن الذين نفوا الحفر لمن ثبت زناها بإقرارها مخالفون لصريح النص الصحيح بلا مستند كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الرابع: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيمن يبدأ بالرجم فقال بعضهم: إن كان الزنا ثابتًا ببينة، فالسنَّة أن يبدأ الشهود بالرجم، وإن كان ثبت بإقرار بدأ به الإِمام، أو الحاكم إن كان ثبت عنده، ثم يرجم الناس بعده. وهذا مذهب أبي حنيفة، وأحمد، ومن وافقهما. واستدلوا لبداءة الشهود، وبداءة الإِمام بما ذكره ابن قدامة","vol":"6","page":58},{"text":"في الفقه الحنبلي، وصاحب تبيين الحقائق في الفقه الحنفي.\nقال صاحب المغني: وروى سعيد بإسناده عن علي ﵁: أنه قال: الرجم رجمان، فما كان منه بإقرار فأول من يرجم الإِمام ثم الناس، وما كان ببينة؛ فأول من يرجم البينة ثم الناس، ولأن فعل ذلك أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. اهـ منه.\nوحاصل هذا الاستدلال: أثر مروى عن علي، وكون مباشرتهم الرمي بالفعل أبعد لهم من التهمة في الكذب عليه. وهذا كأنه استدلال عقلي لا نقلي.\nوقال صاحب تبيين الحقائق في شرحه لقول صاحب كنز الدقائق: يبدأ الشهود به، فإن أبوا سقط ثم الإِمام ثم الناس، ويبدأ الإِمام، ولو مقرًا ثم الناس. ما نصه، أي: يبدأ الشهود بالرجم. وقال الشافعي: لا تشترط بداءتهم اعتبارًا بالجلد. ولنا ما روي عن علي ﵁ أنه قال حين رجم شراحة الهمدانية: إن الرجم سنَّة سنَّها رسول الله  - ﷺ -، ولو كان شهد على هذه أحد لكان أول من يرمي الشاهد يشهد، ثم يتبع شهادته حجره، ولكنها أقرت فأنا أول من رماها بحجر. قال الراوي: ثم رمى الناس وأنا فيهم. ولأن الشاهد ربما يتجاسر على الشهادة، ثم يستعظم المباشرة فيأبى أو يرجع، فكان في بداءته احتيال للدرء بخلاف الجلد، فإن كل أحد لا يحسنه، فيخاف أن يقع مهلكًا أو متلفًا لعضو، وهو غير مستحق، ولا كذلك الرجم؛ لأن الإِتلاف فيه متعين.\nقال ﵀: فإن أبوا سقط، أي: إن أبى الشهود من البداءة سقط الحد؛ لأنه دلالة الرجوع، وكذلك إن امتنع واحد منهم، أو جنوا، أو فسقوا، أو قذفوا فحدوا، أو أحدهم، أو عمي،","vol":"6","page":59},{"text":"أو خرس، أو ارتد، والعياذ باللَّه تعالى؛ لأن الطارئ على الحد قبل الاستيفاء كالموجود في الابتداء، وكذا إذا غابوا أو بعضهم، أو ماتوا أو بعضهم لما ذكرنا. وهذا عند أبي حنيفة، ومحمد رحمهما الله تعالى، وإحدى الروايتين عن أبي يوسف، وروي عنه أنهم إذا امتنعوا أو ماتوا، أو غابوا، رجم الإِمام، ثم الناس، وإن كان الشهود مرضى لا يستطيعون أن يرموا، أو مقطوعي الأيدي رجم بحضرتهم بخلاف ما إذا قطعت أيديهم بعد الشهادة. ذكره في النهاية.\nقال ﵀: ثم الإِمام ثم الناس؛ لما روينا من أثر علي ﵁، ويقصدون بذلك مقتله إلَّا من كان منهم ذا رحم محرم منه؛ فإنه لا يقصد مقتله لأن بغيره كفاية.\nوروي أن حنظلة استأذن رسول الله  - ﷺ -  في قتل أبيه، وكان كافرًا فمنعه من ذلك، وقال: دعه يكفيك غيرك؛ ولأنه مأمور بصلة الرحم، فلا يجوز القطع من غير حاجة.\nقال ﵀: ويبدأ الإِمام، ولو مقرًا ثم الناس، أي: يبدأ الإِمام بالرجم إن كان الزنى مقرًا؛ لما روينا من أثر علي ﵁؛ ورمى رسول الله  - ﷺ -  الغامدية بحصاة مثل الحمصة؛ ثم قال للناس: ارموا، وكانت أقرت بالزنا. انتهى محل الغرض من تبيين الحقائق ممزوجًا بنص كنز الدقائق.\nهذا حاصل ما استدل به من قال ببداءة الشهود أو الإِمام.\nوذهب مالك وأصحابه ومن وافقهم إلى أنه لا تعيين لمن يبدأ من شهود ولا إمام؛ ولا غيرهم. واحتج مالك لهذا بأنه لم يعلم أحدًا من الأئمة تولى ذلك بنفسه؛ ولا ألزم به البينة.","vol":"6","page":60},{"text":"قال الشيخ المواق في شرحه لقول خليل في مختصره المالكي: ولم يعرف بداءة البينة، ولا الإِمام، ما نصه: قال مالك: مذ أقامت الأئمة الحدود فلم نعلم أحدًا منهم تولى ذلك بنفسه، ولا ألزم ذلك البينة خلافًا لأبي حنيفة القائل: إن ثبت الزنا ببينة بدأ الشهود ثم الإِمام ثم الناس. اهـ منه. واستدل له بأن النبي  - ﷺ -  لم يبدأ برجم ماعز، وأنه قال لأنيس: \"فإن اعترفت فارجمها\" ولم يحضر  - ﷺ -  ليبدأ برجمها، وقول مالك ﵀: إنه لم يعلم أحدًا تولى ذلك بنفسه من الأئمة، ولا ألزم به البينة يدل على أنه لم يبلغه أثر علي، أو بلغه ولم يصح عنده. وكذلك الحديث المرفوع الذي استدل به القائلون ببداءة الشهود والإِمام، وهو أنه  - ﷺ -  رمى الغامدية بحصاة كالحمصة ثم قال للناس: ارموا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما هذا الحديث المرفوع، فليس بثابت، ولا يصح للاحتجاج، لأن في إسناده راويًا مبهمًا.\nقال أبو داود ﵀ في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن زكريا أبي عمران قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة، عن أبيه: \"أن النبي  - ﷺ -  رجم امرأة حفر لها إلى الثندوة\".\nثم قال أبو داود: حدثنا عن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثنا زكرياء بن سليم بإسناده نحوه زاد: ثم رماها بحصاة مثل الحمصة، ثم قال: ارموا واتقوا الوجه. الحديث. وهذا الإِسناد الذي فيه زيادة، ثم رماها بحصاة مثل الحمصة. هو بعينه الإِسناد الذي فيه قال: سمعت شيخًا يحدث عن ابن أبي بكرة. وهذا الشيخ الذي حدث عن ابن أبي بكرة لم يدر أحد من هو، فهو مبهم، والمبهم","vol":"6","page":61},{"text":"مجهول العين والعدالة، فلا يحتج به كما ترى. وقال صاحب نصب الراية في هذا الحديث بعد أن ذكر رواية أبى داود التى سقناها آنفًا: رواه النسائي في الرجم.\nحدثنا محمد بن حاتم، عن حبان بن موسى، عن عبد الله، عن زكريا أبي عمران البصري قال: سمعت شيخًا يحدث عن عبد الرحمن بن أبي بكرة بهذا الحديث بتمامه. ورواه البزار في مسنده، والطبراني في معجمه.\nقال البزار: ولا نعلم أحدًا سمى هذا الشيخ. وتراجع ألفاظهم. وذكره عبد الحق في أحكامه من جهة النسائي، ولم يعله بغير الانقطاع. اهـ منه. وأي علة أعظم من الانقطاع بإبهام الشيخ المذكور.\nفتحصل أن الحديث المرفوع ضعيف ليس بصالح للاحتجاج.\nأما الأثر المروى عن علي ﵁ فقد قال البيهقي في سننه الكبرى، في باب من اعتبر حضور الإِمام والشهود، وبداءة الإِمام بالرجم ما نصه: أخبرنا أبو عبد الله الحافظ، حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، ثنا محمد بن إسحاق الصغاني، ثنا أبو الجواب، ثنا عمار  - هو ابن رزيق -  عن أبي حصين، عن الشعبي قال: أُتي علي ﵁ بشراحة الهمدانية قد فجرت فردها حتى ولدت، فلما ولدت قال: ائتوني بأقرب النساء منها فأعطاها ولدها، ثم جلدها ورجمها، ثم قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بالسنَّة، ثم قال: أيما امرأة نعى عليها ولدها، أو كان اعتراف، فالإِمام أول من يرجم، ثم الناس، فإن نعاها الشهود فالشهود أول من يرجم، ثم الإِمام ثم الناس.","vol":"6","page":62},{"text":"وأخبرنا أبو زكريا ابن أبي إسحاق المزكي، أنبأ أبو عبد الله محمد بن يعقوب الشيباني، ثنا محمد بن عبد الوهاب؛ أنبأنا جعفر بن عون، أنبأ الأجلح عن الشعبي قال: جيء بشراحة الهمدانية إلى عليّ ﵁ فقال لها: ويلك لعل رجلًا وقع عليك وأنت نائمة، قالت: لا، قال: لعلك استكرهك؟ قالت: لا. قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك فأنت تكرهين أن تدلي عليه. يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة فأحاط الناس بها؛ وأخذوا الحجارة فقال: ليس هكذا الرجم، إنما يصيب بعضكم بعضًا، صفوا كصف الصلاة صفًا خلف صف؛ ثم قال: أيها الناس أيما امرأة جيء بها وبها حبل يعني أو اعترفت، فالإِمام أول من يرجم، ثم الناس، وأيما امرأة جيء بها، أو رجل زان فشهد عليه أربعة بالزنا فالشهود أول من يرجم، ثم الإِمام، ثم الناس. ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم.\nقال الشيخ ﵀: قد ذكرنا أن جلد الثيب صار منسوخًا، وأن الأمر صار إلى الرجم فقط. اهـ. من السنن الكبرى بلفظه. وذلك يدل على أن المرجوم يغسل ويكفن ويصلى عليه، وهو كذلك، وقد جاءت النصوص بالصلاة على المرجوم كما هو معلوم.\nوقال صاحب نصب الراية في أثر على هذا ما نصه: قلت: أخرجه البيهقي في سننه عن الأجلح عن الشعبي قال: جيء بشراحة الهمدانية إلى علي ﵁، إلى آخر ما ذكرنا عن البيهقي باللفظ الذي سقناه به. والعجب من صاحب نصب الراية حيث اقتصر","vol":"6","page":63},{"text":"على رواية البيهقي للأثر المذكور من طريق الأجلح عن الشعبي؛ ولم يشر إلى الرواية الأولى التي سقناها التي الراوي فيها عن الشعبي أبو حصين، فاقتصاره على رواي الأجلح من الشعبي وتركه للرواية التي ذكرنا أولًا لا وجه له. والأجلح المذكور في الإِسناد المذكور: هو ابن عبد الله بن حجية بالمهملة والجيم مصغرًا. ويقال: ابن معاوية، يكنى أبا حجية الكندي، ويقال اسمه: يحيى. قال فيه ابن حجر في التقريب: صدوق شيعي. وقال عنه في تهذيب التهذيب. قال القطان: في نفسي منه شيء. وقال أيضًا: ما كان يفصل بين الحسين بن علي وعلي بن الحسين. وقال أحمد: أجلح ومجالد متقاربان في الحديث. وقد روى الأجلح غير حديث منكر. وقال عبد الله بن أحمد عن أبيه: ما أقرب الأجلح من فطر بن خليفة. وقال ابن معين: صالح، وقال مرة: ثقة، وقال مرة: ليس به بأس، وقال العجلي: كوفي ثقة، وقال أبو حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه ولا يحتج به، وقال النسائي: ضعيف ليس بذاك، وكان له رأي سوء، وقال الجوزجاني: مفتر. وقال ابن عدي: له أحاديث صالحة، ويروي عنه الكوفيون وغيرهم، ولم أر حديثًا منكرًا مجاوزًا للحد لا إسنادًا ولا متنًا إلَّا أنه يعد في شيعة الكوفة، وهو عندي مستقيم الحديث صدوق. وقال شريك عن الأجلح: سمعنا أنه ما يسب أبا بكر وعمر أحد إلَّا مات قتلًا أو فقيرًا. وقال عمرو بن علي: مات سنة مائة وخمس وأربعين في أول السنة، وهو رجل من بجيلة مستقيم الحديث صدوق.\nقلت: ليس هو من بجيلة. وقال أبو داود: ضعيف، وقال مرة: زكريا أرفع منه بمائة درجة، وقال ابن سعد: كان ضعيفًا جدًّا. وقال","vol":"6","page":64},{"text":"العقيلي: روى عن الشعبي أحاديث مضطربة لا يتابع عليها. وقال يعقوب بن سفيان: ثقة، حديثه لين. وقال ابن حبان: كان لا يدري ما يقول جعل أبا سفيان أبا الزبير. انتهى منه.\nوقد رأيت كثرة الاختلاف في الأجلح المذكور إلَّا أن روايته لهذا الأثر عن الشعبي عن علي تعتضد برواية أبي الحصين له عن الشعبي، عن علي. وأبو حصين المذكور، هو بفتح الحاء، وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي أخرج له الجميع. وقال فيه في التقريب: ثقة ثبت سني وربما دلس. اهـ.\nوإذا علمت أقوال أهل العلم في بداءة الشهود والإِمام بالرجم وما احتج به كل منهم. فاعلم أن أظهر القولين هو قول من قال ببداءة الشهود أو الإِمام كما ذكرنا. وقول الإِمام مالك ﵀: إنه لم يعلم أحدًا من الأئمة فعله يقتضي أنه لم يبلغه أثر علي ﵁ المذكور، ولو بلغه لعمل به. والظاهر أن له حكم الرفع؛ لأنه لا يظهر أنه يقال من جهة الرأي، وإن كان الكلام الذي قدمنا عن صاحب المغني، وصاحب تبيين الحقائق يقتضي أن مثله يقال بطريق الرأي للتعليل الذي عللوا به القول به.\nوقال صاحب نصب الراية بعد أن ذكر رواية البيهقي للأثر المذكور عن علي من طريق الأجلح، عن الشعبي ما نصه: ورواه أحمد في مسنده، عن يحيى بن سعيد، عن مجالد عن الشعبي ثم ساق متن رواية الإِمام أحمد بنحو ما قدمنا. ثم قال: ورواه ابن أبي شيعة في مصنفه: حدثنا عبد الله ابن إدريس، عن يزيد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى أن عليًّا ﵁. ثم ساق الأثر بنحو ما قدمنا. ثم قال: حدثنا أبو خالد الأحمر، عن حجاج، عن","vol":"6","page":65},{"text":"الحسن بن سعيد، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن علي، ثم ساق الأثر المذكور بنحو ما قدمنا. اهـ.\nوهذه الروايات يعضد بعضها بعضًا، وهي تدل على أن عليًا كان يقول ببداءة الإِمام في الإِقرار وبداءة الشهود في البينة، وإن كان له حكم الرفع فالأمر واضح، وإن كان له حكم الوقف فهي فتوى وفعل من خليفة راشد، ولم يعلم أن أحدًا أنكر عليه. ولهذا استظهرنا بداءة البينة والإِمام في الرجم. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: اعلم أن المرجوم إذا هرب في أثناء الرجم عندما وجد ألم الضرب بالحجارة فإن كان زناه ثابتًا ببينة، فلا خلاف في أنهم يتبعونه، حتى يدركوه، فيرجموه؛ لوجوب إقامة الحد عليه الذي هو الرجم بالبينة، وإن كان زناه ثابتًا بإقرار فقد اختلف أهل العلم فيه.\nقال النووي في شرح مسلم: اختلف العلماء في المحصن: إذا أقر بالزنا فشرعوا في رجمه، ثم هرب، هل يترك أم يتبع ليقام عليه الحد؛ فقال الشافعي وأحمد وغيرهما: يترك، ولا يتبع لكي يقال له بعد ذلك، فإن رجع عن الإِقرار ترك، وإن أعاد رجم.\nوقال مالك في رواية وغيره: إنه يتبع ويرجم. واحتج الشافعي وموافقوه بما جاء في رواية أبي داود أن النبي - ﷺ - قال: \"ألا تركتموه حتى أنظر في شأنه؟ \" وفي رواية \"هلا تركتموه فلعله يتوب فيتوب الله عليه\".\nواحتج الآخرون بأن النبي - ﷺ - لم يلزمهم ذنبه، مع أنهم قتلوه هربه. وأجاب الشافعي وموافقوه عن هذا بأنه لم يصرح","vol":"6","page":66},{"text":"بالرجوع. وقد ثبت إقراره فلا يترك حتى يصرح بالرجوع قالوا: وإنما قلنا: لا يتبع في هربه لعله يريد الرجوع. ولم نقل: إنه سقط الرجم بمجرد الهرب. واللَّه أعلم انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنه إن هرب في أثناء الرجم لا يتبع، بل يمهل حتى ينظر في أمره، فإن صرح بالرجوع ترك، وإن تمادى على إقراره رجم. ويدل لهذا ما في رواية أبي داود التي أشار لها النووي. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: اعلم أن البكر من الرجال والنساء إذا زنا وجب جلده مائة جلدة، كما هو نص الآية الكريمة، ولا خلاف فيه. ولكن العلماء اختلفوا هل يغرب سنة مع جلده مائة، أو لا يغرب؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أن البكر يغرب سنة مع الجلد.\nقال ابن قدامة في المغني: وهو قول جمهور أهل العلم. روي ذلك عن الخلفاء الراشدين، وبه قال أبيّ، وابن مسعود، وابن عمر ﵃. وإليه ذهب عطاء، وطاووس، والثوري، وابن أبي ليلى، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور. وقال مالك والأوزاعي: يغرب الرجل دون المرأة. وقال أبو حنيفة ومحمد: لا يجب التغريب على ذكر ولا أنثى.\nوقال النووي في شرح مسلم: قال الشافعي والجماهير: ينفى سنة رجلًا كان أو امرأة. وقال الحسن: لا يجب النفي. وقال مالك والأوزاعي: لا نفي على النساء، وروي مثله عن علي ﵁، إلى أن قال: وأما العبد والأمة ففيهما ثلاثة أقوال للشافعي.\nأحدها: يغرب كل واحد منهما سنة لظاهر الحديث. وبهذا قال سفيان الثوري، وأبو ثور، وداود، وابن جرير.","vol":"6","page":67},{"text":"والثاني: يغرب نصف سنة؛ لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وهذا أصح الأقوال عند أصحابنا. وهذه الآية مخصصة لعموم الحديث. والصحيح عند الأصوليين جواز تخصيص السنة بالكتاب؛ لأنه إذا جاز تخصيص الكتاب بالكتاب فتخصيص السنة به أولى.\nوالثالث: لا يغرب المملوك أصلًا، وبه قال الحسن البصري، وحماد، ومالك، وأحمد وإسحاق؛ لقوله  - ﷺ -  في الأمة إذا زنت: \"فليجلدها\" ولم يذكر النفي، ولأن نفيه يضر سيده مع أنه لا جناية من سيده.\nوأجاب أصحاب الشافعي عن حديث الأمة إذا زنت أنه ليس فيه تعرض للنفي، والآية ظاهرة في وجوب النفي، فوجب العمل بها، وحمل الحديث على موافقتها. واللَّه أعلم. اهـ كلام النووي، وقوله: إن الآية ظاهرة في وجوب النفي ليس بظاهر فانظره.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذه المسألة، وأن الأئمة الثلاثة: مالكًا، والشافعي، وأحمد متفقون على تغريب الزاني البكر الحر الذكر وإن وقع بينهم خلاف في تغريب الإِناث والعبيد، وعلمت أن أبا حنيفة، ومن ذكرنا معه يقولون بأنه لا يجب التغريب على الزاني مطلقًا ذكرًا كان أو أنثى حرًا أو عبدًا فهذه تفاصيل أدلتهم.\nأما الذين قالوا: يغرب البكر الزاني سنة، فاحتجوا بأن ذلك ثابت عن النبي  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه، ومن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وباقي الجماعة في حديث العسيف الذي زنى بامرأة الرجل الذي كان أجيرًا عنده، وفيه: فقال رسول الله  - ﷺ -: \"والذي نفسي بيده لأقضين بينكما بكتاب الله: الوليدة والغنم رد","vol":"6","page":68},{"text":"عليك، وعلى ابنك جلد مائة وتغريب عام\" الحديث. وفيه التصريح من النبي  - ﷺ -  برواية صحابيين جليلين أنه أقسم ليقضين بينهما بكتاب الله، ثم صرح بأن من ذلك القضاء بكتاب الله جلدُ ذلك الزاني البكر مائة وتغريبه عامًا. وهذا أصح نص وأصرحه في محل النزاع.\nومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه وغيره، وهو حديث عبادة بن الصامت ﵁ الذي قدمناه، وفيه: البكر بالبكر جلد مائة ونفي سنة. وهو أيضًا نص صحيح عن النبي  - ﷺ -  في محل النزاع.\nواحتج الحنفية ومن وافقهم من الكوفيين على عدم التغريب بأدلة:\nمنها: أن التغريب سنة زيادة على قوله تعالى: ﴿فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ والمقرر في أصول الحفنية هو أن الزيادة على النص نسخ له، وإذا كانت زيادة التغريب على الجلد في الآية تعتبر نسخًا للآية فهم يقولون: إن الآية متواترة، وأحاديث التغريب أخبار آحاد. والمتواتر عندهم لا ينسخ بالآحاد، وقد قدمنا في مواضع من هذا الكتاب المبارك أن كلا الأمرين ليس بمسلم.\nأما الأول منهما، وهو أن كل زيادة على النص فهي ناسخة له ليس بصحيح؛ لأن الزيادة على النص لا تكون ناسخة له على التحقيق إلَّا إن كانت مثبتة شيئًا قد نفاه النص، أو نافية شيئًا أثبته النص، أما إذا كانت زيادة شيء سكت عنه النص السابق، ولم يتعرض لنفيه، ولا لإِثباته فالزيادة حينئذ إنما هي رافعة للبراءة الأصلية المعروفة في الأصول بالإباحة العقلية، وهي بعينها استصحاب العدم الأصلي،","vol":"6","page":69},{"text":"حتى يرد دليل ناقل عنه، ورفع البراءة الأصلية ليس بنسخ، وإنما النسخ رفع حكم شرعي كان ثابتًا بدليل شرعي.\nوقد أوضحنا هذا المبحث في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ الآية.\nوفي سورة الحج في مبحث اشتراط الطهارة للطواف في كلامنا الطويل عَلَى آيات الحج، وغير ذلك من مواضع هذا الكتاب المبارك.\nوأما الأمر الثاني: وهو أن المتواتر لا ينسخ بأخبار الآحاد، فقد قدمنا في سورة الأنعام في الكلام على آية الأنعام المذكورة آنفًا أنه غلط فيه جمهور الأصوليين غلطًا لا شك فيه، وأن التحقيق هو جواز نسخ المتواتر بالآحاد إذا ثبت تأخرها عنه، ولا منافاة بينهما أصلًا حتى يرجح المتواتر على الآحاد، لأنه لا تناقض مع اختلاف زمن الدليلين؛ لأن كل منهما حق في وقته؛ فلو قالت لك جماعة من العدول: إن أخاك المسافر لم يصل بيته إلى الآن، ثم بعد ذلك بقليل من الزمن أخبرك إنسان واحد أن أخاك وصل بيته، فإن خبر هذا الإنسان الواحد أحق بالتصديق من خبر جماعة العدول المذكورة؛ لأَن أخاك وقت كونهم في بيته لم يقدم، وبعد ذهابهم بزمن قليل قدم أخوك، فأخبرك ذلك الإِنسان بقدومه، وهو صادق، وخبره لم يعارض خبر الجماعة الآخرين، لاختلاف زمنهما كما أوضحناه في المحل المذكور؛ فالمتواتر في وقته قطعي، ولكن استمرار حكمه إلى الأبد ليس بقطعي؛ فنسخة بالآحاد إنما نفي استمرار حكمه؛ وقد عرفت أنه ليس بقطعي كما ترى.","vol":"6","page":70},{"text":"ومن أدلتهم على عدم التغريب حديث سهل بن سعد الساعدي عند أبي داود وقد قدمناه أن رجلًا أقر عنده  - ﷺ -  أنه زنى بامرأة سماها فأنكرت أن تكون زنت؛ فجلده الحد؛ وتركها. وما رواه أبو داود أيضًا عن ابن عباس: أن رجلًا من بكر بن ليث أقر عند النبي  - ﷺ -  أنه زنى بامرأة أربع مرات؛ وكان بكرًا فجلده النبي  - ﷺ -  مائة، وسأله  - ﷺ -  البينة على المرأة إذا كذبته، فلم يأت بها؛ فجلده حد الفرية ثمانين جلدة؛ قالوا: ولو كان التغريب واجبًا لما أخل به النبي  - ﷺ - .\nومن أدلتهم أيضًا: الحديث الصحيح \"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها\" الحديث، وهو متفق عليه. ولم يذكر فيه التغريب مع الجلد، فدل ذلك على أن التغريب منسوخ. وهذا الاستدلال لا ينهض لمعارضة النصوص الصحيحة الصريحة التي فيها إقسامه  - ﷺ -  أن الجمع بين جلد البكر، ونفيه سنة قضاء منه  - ﷺ -  بكتاب الله.\nوإيضاح ذلك: أن النبي  - ﷺ -  أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله، وهذا النص الصحيح بالغ من الصراحة في محل النزاع ما لم يبلغه شيء آخر يعارض به.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: إن النبي  - ﷺ -  هو المبين، وقد أقسم أن الجمع بين الجلد والتغريب قضاء بكتاب الله. قال: وخطب بذلك عمر ﵁ على رؤوس المنابر؛ وعمل به الخلفاء الراشدون؛ ولم ينكره أحد فكان إجماعًا. اهـ منه.\nوذكر مرجحات أخرى متعددة لوجوب التغريب.\nوالحاصل: أن حديث أبي داود الذي استدلوا به من حديث سهل بن سعد، وابن عباس ليس فيه ذكر التغريب؛ ولا التصريح","vol":"6","page":71},{"text":"بعدمه؛ ولم يعلم هل هو قبل حديث الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله أو بعده؟ فعلى أن المتأخر الإِقسام المذكور فالأمر واضح؛ وعلى تقدير أن الإِقسام هو المتقدم، فذلك التصريح بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله مع الإِقسام على ذلك لا يصح رفعه بمحتمل، ولو تكررت الروايات به تكررًا كثيرًا، وعلى أنه لا يعرف المتقدم منهما كما هو الحق، فالحديث المتفق عليه عن صحابيين جليلين هما: أبو هريرة، وزيد بن خالد الجهني الذي فيه الإِقسام بأن الجمع بينهما قضاء بكتاب الله لا شك في تقديمه على حديث أبي داود الذي هو دونه في السند والمتن، أما كونه في السند: فظاهر، وأما كونه في المتن: فلأن حديث أبي داود ليس فيه التصريح بنفي التغريب، والصريح مقدم على غير الصريح كما هو معروف في الأصول. وبه تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه جمع الجلد والتغريب.\nوأما الاستدلال بحديث الأمة فليس بوجيه؛ لاختلاف الأمة والأحرار في أحكام الحد، فهي تجلد خمسين ولو محصنة، ولا ترجم، والأحرار بخلاف ذلك، فأحكام الأحرار والعبيد في الحدود قد تختلف.\nوقد بينت آية النساء اختلاف الحرة والأمة في حكم حد الزنا من جهتين:\nإحداهما: أنها صرحت بأنها إن كانت محصنة، فعليها الجلد لا الرجم.\nوالثانية: أن عليها نصفه، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾، فتأمل","vol":"6","page":72},{"text":"قوله: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ﴾ وقوله: ﴿فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ يظهر لك ما ذكرنا.\nومما ذكرنا تعلم أن الأصح الذي لا ينبغي العدول عنه: هو وجوب تغريب البكر سنة مع جلده مائة؛ لصراحة الأدلة الصحيحة في ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن الذين قالوا بالتغريب، وهم الجمهور اختلفوا في تغريب المرأة، فقال جماعة من أهل العلم: تغرب المرأة سنة؛ لعموم أدلة التغريب، وممن قال به: الشافعي وأحمد، وقال بعض أهل العلم: لا تغريب على النساء، وممن قال به مالك والأوزاعي، وروي مثله عن علي ﵁.\nأما حجة من قال بتغريب النساء فهي عموم أدلة التغريب، وظاهرها شمول الأنثى.\nوأما الذين قالوا: لا تغريب على النساء، فقد احتجوا بالأحاديث الصحيحة الواردة بنهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم، أو زوج.\nوقد قدمناها في سورة النساء في الكلام على مسافة القصر. قالوا: لا يجوز سفرها دون محرم، ولا يكلف محرمها بالسفر معها؛ لأنه لا ذنب له يكلف السفر بسببه. قالوا: ولأن المرأة عورة، وفي تغربها تضييع لها، وتعريض لها للفتنة، ولذلك نهيت عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج. قالوا: وغاية ما في الأمر أن عموم أحاديث التغريب بالنسبة إلى النساء خصصته أحاديث نهي المرأة عن السفر إلَّا مع محرم أو زوج، وهذا لا إشكال فيه.","vol":"6","page":73},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أنها إن وجد لها محرم متبرع بالسفر معها إلى محل التغريب مع كون محل التغريب محل مأمن لا تخشى فيه فتنة، مع تبرع المحرم المذكور بالوجوع معها إلى محلها بعد انتهاء السنة، فإنها تغرب، لأن العمل بعموم أحاديث التغريب لا معارض له في الحالة المذكورة. وأما إن لم تجد محرمًا متبرعًا بالسفر معها، فلا يجبر، لأنه لا ذنب له، ولا تكلف هي السفر بدون محرم، لنهيه  - ﷺ -  عن ذلك.\nوقد قدمنا مرارًا أن النص الدال على النهي يقدم على الدال على الأمر على الأصح؛ لأن درأ المفاسد مقدم على جلب المصالح. وهذا التفصيل الذي استظهرنا لم نعلم أحدًا ذهب إليه، ولكنه هو الظاهر من الأدلة. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثاني: اعلم أن العلماء اختلفوا في تغريب العبد والأمة، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في ذلك.\nوأظهر أقوالهم عندنا: أن المملوك لا يغرب؛ لأنه مال، وفي تغريبه إضرار بمالكه، وهو لا ذنب له، ويستأنس له بأنه لا يرجم ولو كان محصنًا؛ لأن إهلاكه بالوجم إضرار بمالكه. ويؤيده قوله  - ﷺ -: \"إذا زنت أمة أحدكم فليجلدها\" الحديث. ولم يذكر تغريبًا. وقد فهم البخاري ﵀ عدم نفي الأمة من الحديث المذكور. ولذا قال في ترجمته: باب لا يثرب على الأمة إذا زنت ولا تنفى.\nوقد قدمنا اختلاف الأصوليين في العبيد هل يدخلون في عموم نصوص الشرع؛ لأنهم من جملة المكلفين، أو لا يدخلون في عموم النصوص إلَّا بدليل منفصل لكثرة خروجهم من عموم النصوص، كما تقدم إيضاحه.","vol":"6","page":74},{"text":"وقد قدمنا أن الصحيح هو دخولهم في عموم النصوص إلَّا ما أخرجهم منه دليل، واعتمده صاحب مراقي السعود بقوله:\nوالعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر\nوإخراجهم هنا من نصوص التغريب؛ لأنه  - ﷺ -  أمر بجلد الأمة الزانية وبيعها، ولم يذكر تغريبها؛ ولأنهم مال، وفي تغريبهم إضرار بالمالك. وفي الحديث \"لا ضرر ولا ضرار\" والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nأظهو القولين عندي: أنه لا بد في التغريب من مسافة تقصر فيها الصلاة؛ لأنه فيما دونها له حكم الحاضر بالبلد الذي زنى فيه.\nوأظهر القولين أيضًا عندي أن المغرب لا يسجن في محل تغريبه؛ لأن السجن عقوبة زائدة على التغريب، فتحتاج إلى دليل، ولا دليل عليها. والعلم عند الله تعالى. والأظهر أن الغريب إذا زنى غرب من محل زناه إلى محل آخر غير وطنه الأصلي.\nالمسألة السادسة: اعلم أن من أقر بأنه أصاب أحدًا، ولم يعين ذلك الحد، فإنه لا يجب عليه الحد، لعدم التعيين، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لما ثبت في الصحيحين من حديث أنس ﵁ قال: \"كنت عند النبي  - ﷺ -، فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه عليّ، قال: ولم يسأله عنه، قال: وحضرت الصلاة فصلَّى مع النبي  - ﷺ -  فلما قضى النبي  - ﷺ -  الصلاة، قام إليه الرجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقم فيّ كتاب الله، قال: أليس صليت معنا؟ قال: نعم. قال: فإن الله قد غفر لك ذنبك، أو قال: حدك\" هذا لفظ البخاري في صحيحه. والحديث متفق عليه. ولمسلم","vol":"6","page":75},{"text":"وأحمد من حديث أبي أمامة نحوه. وهو نص صحيح صريح في أن من أقر بحد ولم يسمه لا حد عليه كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: في حكم رجوع الزاني المقر بالزنى، أو رجوع البينة قبل إتمام إقامة الحد عليه.\nأما الزاني المقر بزناه إذا رجع عن إقراره سقط عنه الحد ولو رجع في أثناء إقامة الحد من جلد أو رجم. هذا هو الظاهر.\nقال ابن قدامة: وبه قال عطاء، ويحيى بن يعمر، والزهري، وحماد، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، وأبو حنيفة، وأبو يوسف. وقد حكى ابن قدامة خلاف هذا عن جماعة، وروايته عن مالك ضعيفة.\nوالظاهر لنا هو ما ذكرنا من سقوط الحد عنه برجوعه عن إقراره ولو في أثناء إقامة الحد، لما قدمنا من حديث أبي داود وغيره أن النبي  - ﷺ -  قال لهم لما تبعوا ماعزًا بعد هربه: \"ألا تركتموه؟ \" وفي رواية \"هلا تركتموه؟ فلعله يتوب فيتوب الله عليه\" وفي ذلك دليل على قبول رجوعه، وعليه أكثر أهل العلم، وهو الحق إن شاء الله تعالى. وأما رجوع البينة أو بعضهم فلم أعلم فيه بخصوصه نصًا من كتاب ولا سنَّة، والعلماء مختلفون فيه.\nواعلم أن له حالتين:\nإحداهما: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم قبل إقامة الحد على الزاني بشهادتهم.\nوالثانية: أن يكون رجوعهم، أو رجوع بعضهم بعد إقامة الحد عليه، والحد المذكور قد يكون جلدًا، وقد يكون رجمًا، فإذا رجعوا","vol":"6","page":76},{"text":"كلهم، أو واحد منهم قبل إقامة الحد، فقد قال في ذلك ابن قدامة في المغني: فإن رجعوا عن الشهادة، أو واحد منهم فعلى جميعهم الحد في أصح الروايتين، وهو قول أبي حنيفة. والثانية: يحد الثلاثة دون الراجع، وهو اختيار أبي بكر، وابن حامد؛ لأنه إذا رجع قبل الحد فهو كالتائب قبل تنفيذ الحكم بقوله، فسقط عنه الحد؛ ولأن في درء الحد عنه تمكينًا له من الرجوع الذي يحصل به مصلحة المشهود عليه. وفي إيجاب الحد زجر له عن الرجوع خوفًا من الحد، فتفوت تلك المصلحة، وتحقق المفسدة، فناسب ذلك نفي الحد عنه. وقال الشافعي: يحد الراجع دون الثلاثة؛ لأنه مقر على نفسه بالكذب في قذفه. وأما الثلاثة فقد وجب الحد بشهادتهم، وإنما سقط بعد وجوبه برجوع الراجع، ومن وجب الحد بشهادته لم يكن قاذفًا فلم يحد، كما لو لم يرجع.\nولنا أنه نقص العدد بالرجوع قبل إقامة الحد، فلزمهم الحد، كما لو شهد ثلاثة وامتنع الرابع من الشهادة. وقولهم: وجب الحد بشهادتهم يبطل بما إذا رجعوا كلهم، وبالراجع وحده، فإن الحد وجب، ثم سقط، ووجب الحد عليهم بسقوطه، ولأن الحد إذا وجب على الراجع مع المصلحة في رجوعه، وإسقاط الحد عن المشهود عليه بعد وجوبه، وإحيائه المشهود عليه بعد إشرافه على التلف، فعلى غيره أولى. انتهى من المغني.\nوحاصله: أنهم إن رجعوا كلهم حدوا كلهم، وإن رجع بعضهم، ففي ذلك ثلاثة أقوال:\nالأول: يحدون كلهم.\nوالثاني: يحد من لم يرجع دون من رجع.","vol":"6","page":77},{"text":"والثالث: عكسه كما هو واضح من كلامه.\nوالأظهر: أنهم إن رجعوا بعد الحكم عليه بالرجم أو الجلد بشهادتهم أنه لا يقام عليه الحد، لرجوع الشهود أو بعضهم.\nوقول بعض المالكية: إن الحكم ينفذ عليه ولو رجعوا كلهم أو بعضهم قبل التنفيذ خلاف التحقيق، وإن كان المعروف في مذهب مالك أن الحكم إذا نفذ بشهادة البينة أنه لا ينقض برجوعهم، وإنما ينقض بظهور كذبهم؛ لأن هذا لم يعمموه في الشهادة المفضية إلى القتل لعظم شأنه. والأظهر أنه لا يقتل بشهادة بينة كذبت أنفسها فيما شهدت عليه به كما لا يخفى. وأما إن كان رجوع البينة بعد إقامة الحد، فالأظهر أنه إن لم يظهر تعمدهم الكذب لزمتهم دية المرجوم، وإن ظهر أنهم تعمدوا الكذب فقال بعض أهل العلم: تلزم الدية أيضًا. وقال بعضهم بالقصاص، وهو قول أشهب من أصحاب مالك، وله وجه من النظر؛ لأنهم تسببوا في قتله بشهادة زور، فقتلهم به له وجه. والعلم عند الله تعالى.\nوإن كان رجوعهم أو رجوع بعضهم بعد جلد المشهود عليه بالزنى بشهادتهم، فإن لم يظهر تعمدهم الكذب، فالظاهر أنهم لا شيء عليهم؛ لأنهم لم يقصدوا سوءًا، وإن ظهر تعمدهم الكذب وجب تعزيرهم بقدر ما يراه الإِمام رادعًا لهم ولأمثالهم؛ لأنهم فعلوا معصيتين عظيمتين:\nالأولى: تعمدهم شهادة الزور.\nوالثانية: إضرارهم بالمشهود عليه بالجلد، وهو أذى عظيم أوقعوه به بشهادة زور. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":78},{"text":"تنبيه\nاعلم أنا قدمنا من زنى ببهيمة في سورة الإِسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا﴾ وقدمنا حكم اللواط وأقوال أهل العلم وأدلتهم في ذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وقد قدمنا الكلام أيضًا على أن من زنى مرات متعددة قبل أن يقام عليه الحد، يكفي لجميع ذلك حد واحد في الكلام على آيات الحج.\nوقد أوضحنا أن الأمة تجلد خمسين، سواء كانت محصنة أو غير محصنة؛ لأن جلدها خمسين مع الإِحصان منصوص في القرآن كما تقدم إيضاحه، وجلدها مع عدم الإِحصان ثابت في الصحيح.\nوأظهر الأقوال عندنا أن الأمة غير المحصنة تجلد خمسين، وألحق أكثر أهل العلم العبد بالأمة.\nوالأظهر عندنا: أنه يجلد خمسين مطلقًا أحصن أم لا. وقد تركنا الأقوال المخالفة لما ذكرنا؛ لعدم اتجاهها عندنا مع أنا أوضحناها في سورة النساء على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ﴾ الآية، ولنكتف بما ذكرنا هنا من أحكام الزنى المتعلقة بهذه الآية التي نحن بصددها.\nوعادتنا أن الآية إن كان يتعلق بها باب من أبواب الفقه أنا نذكر عيون مسائل ذلك الباب، والمهم منه، ونبيِّن أقوال أهل العلم في ذلك ونناقشها، ولا نستقصي جميع ما في الباب؛ لأن استقصاء ذلك في كتب فروع المذاهب كما هو معلوم. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":79},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1177> قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾</span>.\nقد قدمنا مرارًا أن من أنواع البيان التي تضمنها هذا الكتاب المبارك أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، ذكرنا هذا في ترجمة الكتاب وذكرنا فيما مضى من الكتاب أمثلة كثيرة لذلك، ومن أمثلة ذلك هذه الآية الكريمة.\nوإيضاح ذلك: أن العلماء اختلفوا في المراد بالنكاح في هذه الآية، فقال جماعة: المراد بالنكاح في هذه الآية: الوطء الذي هو نفس الزنى، وقالت جماعة أخرى من أهل العلم: إن المراد بالنكاح في هذه الآية هو عقد النكاح. قالوا: فلا يجوز لعفيف أن يتزوج زانية كعكسه، وهذا القول الذي هو أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج لا الوطء، في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحته، وتلك القرينة هي ذكر المشرك والمشركة في الآية؛ لأن الزاني المسلم لا يحل له نكاح مشركة؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ وكذلك الزانية المسلمة لا يحل لها نكاح المشرك؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ فنكاح المشركة والمشرك لا يحل بحال. وذلك قرينة على أن المراد بالنكاح في الآية التي نحن بصددها الوطء الذي هو الزنى، لا عقد النكاح، لعدم ملاءمة عقد النكاح لذكر المشرك والمشركة. والقول بأن نكاح الزاني للمشركة والزانية للمشرك منسوخ ظاهر السقوط؛ لأن سورة النور مدنية؛ ولا دليل على أن ذلك أحل","vol":"6","page":80},{"text":"بالمدينة، ثم نسخ. والنسخ لا بد له من دليل يجب الرجوع إليه.\nمسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة\nاعلم أن العلماء اختلفوا في جواز نكاح العفيف الزانية؛ ونكاح العفيفة الزاني، فذهب جماعة من أهل العلم منهم الأئمة الثلاثة إلى جواز نكاح الزانية مع الكراهة التنزيهية عند مالك وأصحابه ومن وافقهم. واحتج أهل هذا القول بأدلة.\nمنها: عموم قوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ وهو شامل بعمومه الزانية والعفيفة، وعموم قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية؛ وهو شامل بعمومه الزانية أيضًا والعفيفة.\nومن أدلتهم على ذلك: حديث ابن عباس ﵄ \"أن رجلًا جاء إلى النبي  - ﷺ -  فقال: إن امرأتي لا تردّ يد لامس. قال: غربها. قال: أخاف أن تتبعها نفسي؟ قال: فاستمتع بها\".\nقال ابن حجر في بلوغ المرام في هذا الحديث بعد أن ساقه باللفظ الذي ذكرنا: رواه أبو داود، والترمذي، والبزار ورجاله ثقات، وأخرجه النسائي من وجه آخر، عن ابن عباس ﵄ بلفظ قال: \"طلقها، قال: لا أصبر عنها، قال: فأمسكها\". اهـ. من بلوغ المرام. وفيه تصريح ابن حجر بأن رجاله ثقات. وبه تعلم أن ذكر ابن الجوزي لهذا الحديث في الموضوعات فيه نظر؛ وقد ذكره في الموضوعات مرسلًا عن أبي الزبير قال: \"أتى رجل النبي  - ﷺ -  فقال: إن امرأتي\". الحديث؛ ورواه أيضًا مرسلًا عن عبيد بن عمير، وحسان بن عطية كلاهما عن رسول الله  - ﷺ -، ثم قال: وقد حمله أبو بكر الخلال على الفجور، ولا يجوز هذا، وإنما يحمل على تفريطها في المال لو صح الحديث.","vol":"6","page":81},{"text":"قال أحمد بن حنبل: هذا الحديث لا يثبت عن رسول الله  - ﷺ -، ليس له أصل. انتهى من موضوعات ابن الجوزي. وكثرة اختلاف العلماء في تصحيح الحديث المذكور وتضعيفه معروفة.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: ولا ريب أن العرب تكني بمثل هذه العبارة عن عدم العفة عن الزنى. يعني بالعبارة المذكورة قول الرجل: إن امرأتي لا تردّ يد لامس. اهـ. وما قاله الشوكاني وغيره هو الظاهر؛ لأن لفظ لا تردّ يد لامس أظهر في عدم الامتناع ممن أراد منها ما لا يحل كما لا يخفى، فحمله على تفريطها في المال غير ظاهر؛ لأن إطلاق لفظ اللامس على أخذ المال ليس بظاهر كما ترى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور في المرأة التي ظهر عدم عفتها، وهي تحت زوج. وكلامنا الآن في ابتداء النكاح لا في الدوام عليه، وبين المسألتين فرق كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nثم اعلم أن الذين قالوا بجواز تزويج الزانية والزاني أجابوا عن الاستدلال بالآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية من وجهين.\nالأول: أن المراد بالنكاح في الآية هو الوطء الذي هو الزنى بعينه، قالوا: والمراد بالآية تقبيح الزنى وشدة التنفير منه؛ لأن الزاني لا يطاوعه في زناه من النساء إلَّا التي هي في غاية الخسة لكونها مشركة لا ترى حرمة الزنى، أو زانية فاجرة خبيثة.\nوعلى هذا القول، فالإِشارة في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى","vol":"6","page":82},{"text":"الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ راجعة إلى الوطء الذي هو الزنى. أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منه، كعكسه. وعلى هذا القول فلا إشكال في ذكر المشركة والمشرك.\nالوجه الثاني: هو قولهم: إن المراد بالنكاح في الآية التزويج، إلَّا أن هذه الآية التي هي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، وممن ذهب إلى نسخها بها: سعيد بن المسيب، والشافعي.\nوقال ابن كثير في تفسير هذه الآية ما نصه: هذا خبر من الله تعالى بأن الزاني لا يطأ إلَّا زانية، أو مشركة، أي: لا يطاوعه على مرأده من الزنا إلَّا زانية عاصية أو مشركة لا ترى حرمة ذلك، وكذلك الزانية لا ينكحها إلَّا زان، أي: عاص بزناه، أو مشرك لا يعتقد تحريمه.\nقال سفيان الثوري عن حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ﵄: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ قال: ليس هذا بالنكاح إنما هو الجماع، لا يزنى بها إلَّا زان أو مشرك. وهذا إسناد صحيح عنه، وقد روي عنه من غير وجه أيضًا، وقد روي عن مجاهد وعكرمة، وسعيد بن جبير، وعروة بن الزبير، والضحاك، ومكحول، ومقاتل بن حيان، وغير واحد نحو ذلك. انتهى محل الغرض منه بلفظة.\nفتراه صدر بأن المراد بالنكاح في الآية: الجماع، لا التزويج. وذكر صحته عن ابن عباس الذي دعا له النبي  - ﷺ -  أن يعلمه تأويل القرآن. وعزاه لمن ذكر معه من أجلاء المفسرين. وابن عباس","vol":"6","page":83},{"text":"﵄ من أعلم الصحابة بتفسير القرآن العظيم، ولا شك في علمه باللغة العربية.\nفقوله في هذه الآية الكريمة بأن النكاح فيها هو الجماع لا العقد يدل على أن ذلك جار على الأسلوب العربي الفصيح. فدعوى أن هذا التفسير لا يصح في العربية، وأنه قبيح يرده قول البحر ابن عباس كما ترى.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية: وقد روي عن ابن عباس، وأصحابه أن النكاح في هذه الآية: الوطء.\nواعلم أن إنكار الزجاج لهذا القول في هذه الآية، أعني القول بأن النكاح فيها الجماع. وقوله: إن النكاح لا يعرف في القرآن إلَّا بمعنى التزويج مردود من وجهين.\nالأول: أن القرآن جاء في النكاح بمعنى الوط، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ وقد صح عن النبي  - ﷺ -  أنه فسر قوله: (حتى تنكح زوجًا غيره) بأن معنى نكاحها له مجامعته لها حيث قال: \"لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عسيلتك\" ومراده بذوق العسيلة: الجماع، كما هو معلوم.\nالوجه الثاني: أن العرب الذين نزل القرآن بلغتهم يطلقون النكاح على الوطء. والتحقيق: أن النكاح في لغتهم الوطء.\nقال الجوهري في صحاحه: النكاح الوطء، وقد يكون العقد. اهـ. وإنما سموا عقد التزويج نكاحًا؛ لأنه سبب النكاح، أي: الوطء، وإطلاق المسبب وإرادة سببه معروف في القرآن، وفي كلام العرب، وهو مما يسميه القائلون بالمجاز المجاز المرسل، كما","vol":"6","page":84},{"text":"هو معلوم عندهم في محله. ومن إطلاق العرب النكاح على الوطء قول الفرزدق:\nوذات حليل أنكحتها رماحنا ... حلال لمن يبني بها لم تطلق\nلأن الإِنكاح في البيت ليس المراد به: عقد التزويج، إذ لا يعقد على المسبيات، وإنَّما المراد به الوطء بملك اليمين، والمسبي مع الكفر. ومنه قوله أيضًا:\nوبنت كريم قد نكحنا ولم يكن ... لها خاطب إلَّا السنان وعامله\nفالمراد بالنكاح في هذا البيت هو الوطء بملك اليمين، لا العقد كما صرح بذلك بقوله: ولم يكن لها خاطب إلَّا السنان وعامله.\nوقوله:\nإذا سقى الله قومًا صوب غادية ... فلا سقى الله أهل الكوفة المطرا\nالتاركين على طهر نساءهم ... والناكحين بشطي دجلة البقرا\nومعلوم أن نكاح البقر ليس معناه التزويج.\nقالوا: ومما يدل على أن النكاح في الآية غير التزويج، أنَّه لو كان معنى النكاح فيها التزويج لوجب حد المتزوج بزانية؛ لأنه زان، والزاني يجب حده. وقد أجمع العلماء على أن من تزوج زانية لا يحد حد الزنى، ولو كان زانيًا لحد حد الزنى فافهم.\nوهذا هو حاصل حجج من قالوا: إن النكاح في الآية الوطء، وأن تزويج العفيف الزانية ليس بحرام كعكسه.\nوقالت جماعة أخرى من أهل العلم: لا يجوز تزويج الزاني لعفيفة، ولا عكسه، وهو مذهب الإِمام أحمد، وقد","vol":"6","page":85},{"text":"روي عن الحسن وقَتَادة. واستدل أهل هذا القول بآيات وأحاديث.\nفمن الآيات التي استدلوا بها هذه الآية التي نحن بصددها، وهي قوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ قالوا: المراد بالنكاح في هذه الآية: التزويج، وقد نص الله على تحريمه في قوله: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمَنِينَ (٣)﴾ قالوا: والإِشارة بقوله: (ذلك) راجعة إلى تزويج الزاني بغير الزانية، أو المشركة، وهو نص قرآني في تحريم نكاح الزاني العفيفة كعكسه.\nومن الآيات التي استدلوا بها قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ﴾ قالوا: فقوله: ﴿مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ﴾ أي: أعفاء غير زناة. ويفهم من مفهوم مُخَالَفَةُ الآية: أنَّه لا يجوز نكاح المسافح الذي هو الزاني لمحصنة مؤمنة، ولا محصنة عفيفة من أهل الكتاب، وقوله تعالى: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفائف غير زانيات. ويفهم من مفهوم مُخَالَفَةُ الآية، أنهن لو كن مسافحات غير محصنات لما جاز تزوجهن.\nومن أدلة أهل هذا القول أن جميع الأحاديث الواردة في سبب نزول آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية. كلها في عقد النكاح، وليس واحد منها في الوطء، والمقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول. وأنه قد جاء في السنَّة ما يؤيد صحة ما قالوا في الآية، من أن النكاح فيها التزويج، وأن الزاني لا يتزوج إلَّا زانية","vol":"6","page":86},{"text":"مثله، فقد روى أَبو هريرة عن رسول الله  - ﷺ -  أنَّه قال: \"الزاني المجلود لا ينكح إلا مثله\".\nوقال ابن حجر في بلوغ المرام في حديث أبي هريرة هذا: رواه أحمد، وأَبو داود، ورجاله ثقات.\nوأما الأحاديث الواردة في سبب نزول الآية:\nفمنها: ما رواه عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلًا من المسلمين استأذن رسول الله  - ﷺ -  في امرأة يقال لها: أم مهزول، كانت تسافح، وتشترط له أن تنفق عليه، قال: فاستاذن النبي  - ﷺ -  أو ذكر له أمرها فقرأ عليه نبي الله: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ رواه أحمد.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار في شرحه لهذا الحديث: وقد عزاه صاحب المنتقى لأحمد وحده، وحديث عبد الله بن عمرو أخرجه أيضًا الطبراني في الكبير والأوسط. قال في مجمع الزوائد: ورجال أحمد ثقات.\nومنها حديث عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده أن مرثد بن أبي مرثد الغنوي كان يحمل الأسارى بمكة، وكانت بمكة بغي يقال لها: عناق، وكانت صديقته، قال: فجئت النبي  - ﷺ -  فقلت: يا رسول أنكح عناقًا؟ قال: فسكت عني، فنزلت: ﴿وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إِلَّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ فدعاني فقرأها علي، وقال: \"لا تنكحها\" رواه أبو داود، والنسائي، والترمذي.\nقال الشوكاني في نيل الأوطار في كلامه على حديث عمرو بن شعيب هذا الذي ذكره صاحب المنتقى، وعزاه لأبي داود، والنسائي والترمذي: وحديث عمرو بن شعيب حسنه الترمذي.","vol":"6","page":87},{"text":"وساق ابن كثير في تفسير هذه الآية الأحاديث التي ذكرنا بأسانيدها، وقال في حديث عمرو بن شعيب هذا: قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب لا نعرفه إلَّا من هذا الوجه، وقد رواه أَبو داود، والنسائي في كتاب النكاح من سننهما من حديث عبيد الله بن الأخنس به.\nقالوا: فهذه الأحاديث وأمثالها تدل على أن النكاح في قوله: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ أنَّه التزويج لا الوطء، وصورة النزول قطعية الدخول، كما تقرر في الأصول. قالوا: وعلى أن المراد به التزويج، فتحريم نكاح الزانية والزاني منصوص في قوله تعالى: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾.\nوقال ابن القيم في زاد المعاد ما نصه: وأما نكاح الزانية فقد صرح الله ﷾ بتحريمه في سورة النور، وأخبر أن من نكحها فهو إما زان أو مشرك، فإنه إما أن يلتزم حكمه سبحانه، ويعتقد وجوبه عليه أو لا، فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك، وإن التزمه واعتقد وجوبه، وخالفه فهو زان، ثم صرح بتحريمه، فقال: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾ ولا يخفى أن دعوة النسخ للآية بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ من أضعف ما يقال، وأضعف منه حمل النكاح على الزنى؛ إذ يصير معنى الآية: الزاني لا يَزْنِي إلَّا بزانية أو مشركة، والزانية لا يزنى بها إلَّا زان أو مشرك، وكلام الله ينبغي أن يصان عن مثل هذا.\nوكذلك حمل الآية على امرأة بغي مشركة، في غاية البعد عن لفظها وسياقها، كيف، وهو سبحانه إنما أباح نكاح الحرائر والإِماء","vol":"6","page":88},{"text":"بشرط الإِحصان، وهو العفة، فقال: ﴿فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ﴾ فإنما أباح نكاحها في هذه الحالة دون غيرها، وليس هذا من دلالة المفهوم، فإن الأبضاع في الأصل على التحريم، فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع، وما عداه في أصل التحريم. انتهى محل الغرض من كلام ابن القيم.\nوهذه الأدلة التي ذكرنا هي حجج القائلين بمنع تزويج الزاني العفيفة كعكسه، وإذا عرفت أقوال أهل العلم، وأدلتهم في مسألة نكاح الزانية والزاني فهذه مناقشة أدلتهم.\nأما قول ابن القيم ﵀: إن حمل الزنا في الآية على الوطء ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله، فيرده أن ابن عباس وهو هو في المعرفة باللغة العربية، وبمعاني القرآن، صح عنه حمل الزنى في الآية على الوطء، ولو كان ذلك ينبغي أن يصان عن مثله كتاب الله لصانه عنه ابن عباس، ولم يقل به ولم يخف عليه أنَّه ينبغي أن يصان عن مثله.\nوقال ابن العربي في تفسير ابن عباس للزنى في الآية بالوطء: هو معنى صحيح. انتهى منه بواسطة نقل القرطبي عنه.\nوقول ابن القيم في كلامه هذا الذي ذكرنا عنه: \"فإن لم يلتزمه، ولم يعتقده فهو مشرك\" يقال فيه: نعم هو مشرك، ولكن المشرك لا يجوز له نكاح الزانية المسلمة، وظاهر كلامك جواز ذلك، وهو ليس بجائز، فيبقى إشكال ذكر المشرك والمشركة واردًا على القول بأن النكاح في الآية التزويج كما ترى.","vol":"6","page":89},{"text":"وقول ابن القيم ﵀ في كلامه هذا: \"وليس هذا من باب دلالة المفهوم فإن الأبضاع في الأصل على التحريم فيقتصر في إباحتها على ما ورد به الشرع وما عداه في أصل التحريم\" يقال فيه: إن تزويج الزانية وردت نصوص عامة تقتضي جوازه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكمُ مَا وَرَاءِ ذَلِكُمْ﴾ وهو شامل بعمومه للزانية والعفيفة والزاني والعفيف، وقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فهو أيضًا شامل بعمومه لجميع من ذكر، ولذا قال سعيد بن المسيب: إن آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ الآية ناسخة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية. وقال الشافعي: القول في ذلك كما قال سعيد من نسخها بها.\nوبما ذكرنا يتضح أن دلالة قوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ على المقصود من البحث من باب دلالة المفهوم كما أوضحناه قريبًا؛ لأن العمومات المذكورة لا يصح تخصيص عمومها إلَّا بدليل منطوقًا كان أو مفهومًا كما تقدم إيضاحه.\nوأما قول سعيد بن المسيب والشافعي بأن آية ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ منسوخة بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ فهو مستبعد؛ لأن المقرر في أصول الشافعي ومالك وأحمد هو أنَّه لا يصح نسخ الخاص بالعام، وأن الخاص يقضي على العام مطلقًا، سواء تقدم نزوله عنه أو تأخر، ومعلوم أن آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، أعم مطلقًا من آية ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية، فالقول بنسخها لها ممنوع على المقرر في أصول الأئمة الثلاثة المذكورين، وإنَّما يجوز ذلك على المقرر في أصول أبي حنيفة ﵀، كما قدمنا إيضاحه في سورة الأنعام.\nوقد يجاب عن قول سعيد، والشافعي بالنسخ بأنهما فهماه من","vol":"6","page":90},{"text":"قرينة في الآية، وهي أنَّه لم يقيد الأيامى الأحرار بالصلاح، وإنَّما قيد بالصلاح في أيامى العبيد والإماء، ولذا قال بعد الآية: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الآية الكريمة من أصعب الآيات تحقيقًا، لأن حمل النكاح فيها على التزويج لا يلائم ذكر المشركة والمشرك، وحمل النكاح فيها على الوطء لا يلائم الأحاديث الواردة المتعلقة بالآية، فإنها تعين أن المراد بالنكاح في الآية: التزويج، ولا أعلم مخرجًا واضحًا من الإِشكال في هذه الآية إلَّا مع بعض تعسف، وهو أن أصح الأقوال عند الأصوليين كما حرره أَبو العباس بن تيمية ﵀ في رسالته في علوم القرآن، وعزاه لأجلاء علماء المذاهب الأربعة هو جواز حمل المشترك على معنييه، أو معانيه، فيجوز أن تقول: عدا اللصوص البارحة على عين زيد، وتعني بذلك أنهم عوروا عينه الباصرة، وغوروا عينه الجارية، وسرقوا عينه التي هي ذهبه أو فضته.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن النكاح مشترك بين الوطء والتزويج خلافًا لمن زعم أنَّه حقيقة في أحدهما، مجاز في الآخر كما أشرنا له سابقًا، وإذا جاز حمل المشترك على معنييه، فيحمل النكاح في الآية على الوطء، وعلى التزويج معًا، ويكون ذكر المشركة والمشرك على تفسير النكاح بالوطء دون العقد، وهذا هو نوع العسف الذي أشرنا له. والعلم عند الله تعالى.\nوأكثر أهل العلم على إباحة تزويج الزانية، والمانعون لذلك أقل، وقد عرفت أدلة الجميع.","vol":"6","page":91},{"text":"فروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: اعلم أن من تزوج امرأة يظنها عفيفة، ثم زنت وهي في عصمته أن أظهر القولين: أن نكاحها لا يفسخ، ولا يحرم عليه الدوام على نكاحها، وقد قال بهذا بعض من منع نكاح الزانية مفرقًا بين الدوام على نكاحها، وبين ابتدائه. واستدل من قال هذا بحديث عمرو بن الأحوص الجشمي ﵁ أنَّه شهد حجة الوداع مع رسول للَّه  - ﷺ -، فحمد الله، وأثنى عليه وذكر ووعظ ثم قال: \"استوصوا بالنساء خيرًا، فإنهن عندكم عوان ليس تملكون منهن شيئًا غير ذلك إلَّا أن يأتين بفاحشة مبينة، فإن فعلن فاهجروهن في المضاجع واضربوهن ضربًا غير مبرح، فإن أطعنكم فلا تبغوا عليهن سبيلًا\".\nقال الشوكاني في حديث عمرو بن الأحوص هذا: أخرجه ابن ماجة، والترمذي وصححه. وقال ابن عبد البر في الاستيعاب في ترجمة عمرو بن الأحوص المذكور: وحديثه في الخطبة صحيح. اهـ. وحديثه في الخطبة هو هذا الحديث بدليل قوله: فحمد الله وأثنى عليه وذكر ووعظ، وهذا التذكير والوعظ هو الخطبة كما هو معروف.\nومن الأدلة على هذا الحديث المتقدم قريبًا الذي فيه: أن الرجل قال للنبي  - ﷺ -: إن امرأتي لا ترد يد لامس فقال: \"طلقها، فقال: نفسي تتبعها فقال: أمسكها\" وبينا الكلام في سنده، وأنه في الدوام على النكاح، لا في ابتداء النكاح، وأن بينهما فرقًا. وبه تعلم أن قول من قال: إن من زنت زوجته فسخ نكاحها، وحرمت عليه، خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":92},{"text":"الفرع الثاني: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أنَّه لا يجوز نكاح المرأة الحامل من الزنا قبل وضع حملها، بل لا يجوز نكاحها، حتَّى تضع حملها، خلافًا لجماعة من أهل العلم. قالوا: يجوز نكاحها وهي حامل، وهو مروي عن الشافعي وغيره، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن نكاح الرجل امرأة حاملًا من غيره فيه سقي الزرع بماء الغير، وهو لا يجوز، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ ولا يخرج من عموم هذه الآية إلَّا ما أخرجه دليل يجب الرجوع إليه، فلا يجوز نكاح حامل حتَّى ينتهي أجل عدتها، وقد صرح الله بأن الحوامل أجلهن أن يضعن حملهن، فيجب استصحاب هذا العموم، ولا يخرج منه إلَّا ما أخرجه دليل من كتاب أو سنَّة.\nالفرع الثالث: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندي أن الزانية والزاني إن تابا من الزنا وندما على ما كان منهما ونويا أن لا يعودا إلى الذنب، فإن نكاحهما جائز، فيجوز له أن ينكحها بعد توبتهما، ويجوز نكاح غيرهما لهما بعد التوبة؛ لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٠)﴾ فقد صرح جلَّ وعلا في هذه الآية أن الذين يزنون ومن ذكر معهم إن تابوا وآمنوا، وعملوا عملًا صالحًا يبدل الله سيئاتهم حسنات، وهو يدل على أن التوبة من الزنا تذهب أثره. فالذين قالوا: إن من زنا بامرأة لا تحل له مطلقًا ولو تابا وأصلحا","vol":"6","page":93},{"text":"فقولهم خلاف التحقيق. وقد وردت آثار عن الصحابة بجواز تزويجه بمن زنى بها إن تابا. وضرب له بعض الصحابة مثلًا برجل سرق شيئًا من بستان رجل آخر، ثم بعد ذلك اشترى البستان، فالذي سرقه منه حرام عليه، والذي اشتراه منه حلال له، فكذلك ما نال من المرأة حرامًا فهو حرام عليه، وما نال منها بعد التوبة، والتزويج حلال له. والعلم عند الله تعالى.\nواعلم أن قول من رد الاستدلال بآية ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. قائلًا: إنها نزلت في الكفار لا في المسلمين، يرد قوله أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما أوضحنا أدلته من السنَّة الصحيحة مرارًا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الرابع: اعلم أن الذين قالوا بجواز نكاح العفيف الزانية، لا يلزم من قولهم أن يكون زوج الزانية العفيف ديوثًا؛ لأنه إنما يتزوجها ليحفظها، ويحرسها ويمنعها من ارتكاب ما لا ينبغي منعًا باتًا بأن يراقبها دائمًا، وإذا خرج ترك الأَبواب مقفلة دونها، وأوصى بها من يحرسها بعده، فهو يستمتع بها، مع شدة الغيرة والمحافظة عليها من الريبة، وإن جرى منها شيء لا علم له به مع اجتهاده في صيانتها وحفظها فلا شيء عليه فيه، ولا يكون ديوثًا كما هو معلوم.\nوقد علمت مما مر أن أكثر أهل العلم على جواز نكاح العفيف الزانية كعكسه، وأن جماعة قالوا بمنع ذلك.\nوالأظهر لنا في هذه المسألة أن المسلم لا ينبغي له أن يتزوج إلَّا عفيفة صينة؛ للآيات التي ذكرنا، والأحاديث. ويؤيده حديث \"فاظفر بذات الدين تربت يداك\" والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":94},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1178> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٥)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية: (يرمون) معناه: يقذفون المحصنات بالزنا صريحًا، أو ما يستلزم الزنا كنفي نسب ولد المحصنة عن أبيه؛ لأنه إن كان من غير أبيه كان من زنى، وهذا القذف هو الذي أوجب الله تعالى فيه ثلاثة أحكام:\nالأول: جلد القاذف ثمانين جلدة.\nوالثاني: عدم قبول شهادته.\nوالثالث: الحكم عليه بالفسق.\nفإن قيل: أين الدليل من القرآن على أن معنى (يرمون المحصنات) في هذه الآية: هو القذف بصريح الزنى، أو بما يستلزمه كنفي النسب؟\nفالجواب: أنَّه دلت عليه قرينتان من القرآن.\nالأولى: قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ بعد قوله: ﴿يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ ومعلوم أنَّه ليس شيء من القذف يتوقف إثباته على أربعة شهداء إلَّا الزنى. ومن قال: إن اللواط حكمه حكم الزنى أجرى أحكام هذه الآية على اللائط.\nوقد قدمنا أحكام اللائط مستوفاة في سورة هود، كما أشرنا له غير بعيد.\nالقرينة الثانية: هي: ذكر المحصنات بعد ذكر الزواني في قوله","vol":"6","page":95},{"text":"تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً﴾ الآية. وقوله: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾ فذكر المحصنات بعد ذكر الزواني يدل على إحصانهن، أي: عفتهن عن الزنى، وأن الذين يرمونهن إنما يرمونهن بالزنى. وقد قدمنا جميع المعاني التي تراد بالمحصنات في القرآن، ومثلنا لها كلها من القرآن في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ فذكرنا أن من المعاني التي تراد بالمحصنات كونهن عفائف غير زانيات، كقوله: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ أي: عفائف غير زانيات، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ أي: العفائف، وإطلاق المحصنات على العفائف معروف في كلام العرب. ومنه قول جرير:\nفلا تأمنن الحي قيسا فإنهم ... بنو محصنات لم تدنس حجورها\nوإطلاق الرمي على رمي الشخص لآخر بلسانه بالكلام القبيح معروف في كلام العرب. ومنه قول عمرو بن أحمر الباهلي:\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطويّ رماني\nفقوله: رماني بأمر: يعني أنَّه رماه بالكلام القبيح.\nوفي شعر امرئ القيس أو غيره:\n\n• وجرح اللسان كجرح اليد *\nواعلم أن هذه الآية الكريمة مبينة في الجملة من ثلاث جهات:\nالجهة الأولى: هي القرينتان القرآنيتان الدالتان على أن المراد بالرمي في قوله: (يرمون المحصنات)، هو الرمي بالزنى، أو ما يستلزمه كنفي النسب، كما أوضحناه قريبًا.\nالجهة الثانية: هي أن عموم هذه الآية ظاهر في شموله لزوج","vol":"6","page":96},{"text":"المرأة إذا رماها بالزنى، ولكن الله جلَّ وعلا بين أن زوج المرأة إذا قذفها بالزنى خارج من عموم هذه الآية، وأنه إن لم يأت بالشهداء تلاعنا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية.\nومضمونها: أن الزوج إذا قذف زوجته بالزنى ولم يكن له شاهد غير نفسه، والمعنى أنَّه لم يقدر على الإِتيان ببينة تشهد له على الزنى الذي رماها به، فإنه يشهد أربع شهادات يقول في كل واحد منها: أشهد باللَّه إني لصادق فيما رميتها به من الزنى، ثم يقول في الخامسة: عليَّ لعنة الله إن كنت كاذبًا عليها فيما رميتها به، ويرتفع عنه الجلد، وعدم قبول الشهادة، والفسق، بهذه الشهادات. وتشهد هي أربع شهادات باللَّه تقول في كل واحد منها: أشهد باللَّه إنه لكاذب فيما رماني به من الزنى، ثم تقول في الخامسة: غضب الله عليّ إن كان صادقًا فيما رماني به من الزنى، كما هو واضح من نص الآية.\nالجهة الثالثة: أن الله بين هنا حكم عقوبة من رمى المحصنات في الدنيا، ولم يبين ما أعد له في الآخرة، ولكنه بين في هذه السورة الكريمة ما أعدَّ له في الدنيا والآخرة من عذاب الله، وذلك في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤) يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ وَيَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ الْمُبِينُ (٢٥)﴾ وقد زاد في هذه الآية الأخيرة كونهن مؤمنات غافلات لإِيضاح صفاتهن الكريمة.\nووصفه تعالى للمحصنات في هذه الآية بكونهن غافلات ثناء عليهن بأنهن سليمات الصدور نقيات القلوب لا تخطر الريبة في قلوبهن؛ لحسن سرائرهن، ليس فيهن دهاء ولا مكر؛ لأنهن","vol":"6","page":97},{"text":"لم يجربن الأمور فلا يفطن لما تفطن له المجربات ذوات المكر والدها. وهذا النوع من سلامة الصدور وصفائها من الريبة من أحسن الثناء، وتطلق العرب على المتصفات به اسم البله مدحًا لها لا ذمًا، ومنه قول حسان ﵁:\nنفخ الحقيبة بوصها متنضد ... بلهاء غير وشيكة الإِقسام\nوقول الآخر:\nولقد لهوت بطفلة ميالة ... بلهاء تطلعني على أسرارها\nوقول الآخر:\nعهدت بها هندًا وهند غريرة ... عن الفحش بلهاء العشاء نؤوم\nردح الضحى ميالة بحترية ... لها منطق يصبي الحليم رخيم\nوالظاهر أن قوله تعالى: ﴿لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٢٣) يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ محله فيما إذا لم يتوبوا ويصلحوا، فإن تابوا وأصلحوا، لم ينلهم شيء من ذلك الوعيد. ويدل له قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ إلى قوله ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية.\nوعمومات نصوص الكتاب والسنَّة دالة على أن من تاب إلى الله من ذنبه توبة نصوحًا تقبلها منه، وكفر عنه ذنبه ولو من الكبائر، وبه تعلم أن قول جماعة من أجلاء المفسرين: إن آية ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ التي جعل الله فيها التوبة بقوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ عامة، وأن آية ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾ الآية. خاصة بالذين رموا عائشة ﵂ أو غيرها من خصوص أزواجه  - ﷺ -، وأن من رماهن لا توبة له، خلاف التحقيق. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":98},{"text":"مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: لا يخفى أن الآية إنما نصت على قذف الذكور للإِناث خاصة؛ لأن ذلك هو صريح قوله: ﴿الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ وقد أجمع جميع المسلمين على أن قذف الذكور للذكور، أو الإِناث للإِناث، أو الإِناث الذكور لا فرق بينه وبين ما نصت عليه الآية من قذف الذكور للإِناث، للجزم بنفي الفارق بين الجميع.\nوقد قدمنا إيضاح هذا، وإبطال قول الظاهرية فيه، مع إيضاح كثير من نظائره في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على آية ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.\nالمسألة الثانية: اعلم أن المقرر في أصول المالكية، والشافعية والحنابلة أن الاستثناء إذا جاء بعد جمل متعاطفات، أو مفردات متعاطفات، أنَّه يرجع لجميعها إلَّا لدليل من نقل أو عقل يخصصه ببعضها، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوع الاستثناء للجملة الأخيرة فقط، وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nوكل ما يكون فيه العطف ... من قبل الاستثنا فكلًّا يقفو\nدون دليل العقل أو ذي السمع ... والحق الافتراق دون الجمع\nولذا لو قال إنسان: هذه الدار وقف على الفقراء والمساكين، وبني زُهرة، وبني تميم، إلَّا الفاسق منهم، فإنه يخرج من الوقف الفاسق من الجميع؛ برجوع الاستثناء للجميع، خلافًا لأبي حنيفة القائل برجوعه للأخيرة، فلا يخرج عنده إلَّا فاسق الأخيرة فقط، ولأجل ذلك لا يرجع عنده الاستثناء في هذه الآية إلَّا للجملة الأخيرة التي هي ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ فقد","vol":"6","page":99},{"text":"زال عنهم الفسق. ولا يقول: ولا تقبلوا لهم شهادة أبدًا إلَّا الذين تابوا فاقبلوا شهادتهم، بل يقول: إن شهادة القاذف لا تقبل أبدًا، ولو تاب وأصلح، وصار أعدل أهل زمانه؛ لرجوع الاستثناء عنده للجملة الأخيرة.\nوممن قال كقول أبي حنيفة من أهل العلم: القاضي شريح، وإبراهيم النخعي، وسعيد بن جبير، ومكحول، وعبد الرحمن بن زيد بن جابر، وقال الشعبي والضحاك: لا تقبل شهادته إلَّا إذا اعترف على نفسه بالكذب. قاله ابن كثير.\nوقال جمهور أهل العلمِ منهما الأئمة الثلاثة: إن الاستثناء في الآية راجع أيضًا لقوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ وأن القاذف إذا تاب وأصلح قبلت شهادته.\nأما قوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ فلا يرجع له الاستثناء؛ لأن القاذف إذا تاب وأصلح لا يسقط عنه حد القذف بالتوبة.\nفتحصل أن الجملة الأخيرة التي هي قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾ يرجع لها الاستثناء بلا خلاف، وأن الجملة الأولى التي هي ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ لا يرجع لها الاستثناء في قول عامة أهل العلم، ولم يخالف إلَّا من شذ، وأن الجملة الوسطى، وهي قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ يرجع لها الاستثناء في قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة، وقد ذكرنا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آية الكتاب، أن الذي يظهر لنا في مسألة الاستثناء بعد جمل متعاطفات أو مفردات متعاطفات هو ما ذكره بعض المتأخرين، كابن الحاجب من المالكية، والغزالي من الشافعية، والآمدي من الحنابلة من أن الحكم في الاستثناء الآتي بعد متعاطفات","vol":"6","page":100},{"text":"هو الوقف، ولا يحكم برجوعه إلى الجميع، ولا إلى الأخيرة إلَّا بدليل.\nوإنَّما قلنا: إن هذا هو الأظهر لأن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\nوإذا رددنا النزاع في هذه المسألة إلى الله وجدنا القرآن دالًا على ما ذكرنا أنَّه الأظهر عندنا، وهو الوقف. وذلك لأن بعض الآيات لم يرجع فيها الاستثناء للأولى، وبعضها لم يرجع فيه الاستثناء للأخيرة، فدل ذلك على أن رجوعه لما قبله ليس شيئًا مطردًا.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا﴾ فالاستثناء في هذه الآية راجع للدية فقط، لأن المطالبة بها تسقط بتصدق مستحقها بها، ولا يرجع لتحرير الرقبة إجماعًا، لأن تصدق مستحقي الدية بها لا يسقط كفارة القتل خطأ.\nومن أمثلة ذلك آية النور هذه؛ لأن الاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ لا يرجع لقوله: ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ كما ذكرناه آنفًا.\nومن أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ فالاستثناء في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ﴾ لا يرجع إلى الجملة الأخيرة التي هي أقرب الجمل المذكورة إليه، أعني قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩)﴾ إذ لا يجوز اتخاذ ولي ولا نصير من الكفار ولو وصلوا إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، وهذا لا خلاف فيه، بل الاستثناء راجع إلى الجملتين","vol":"6","page":101},{"text":"الأوليين، أعني قوله تعالى: ﴿فَحُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ﴾ أي: فخذوهم بالأسر، واقتلوهم، إلَّا الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق، فليس لكم أخذهم بأسر، ولا قتلهم؛ لأن الميثاق الكائن لمن وصلوا إليهم يمنع من أسرهم، وقتلهم، كما اشترطه هلال بن عويمر الأسلمي في صلحه مع النبي  - ﷺ -؛ لأن هذه الآية نزلت فيه، وفي سراقة بن مالك المدلجي، وفي بني جذيمة بن عامر.\nوإذا كان الاستثناء ربما لم يرجع إلى أقرب الجمل إليه في القرآن العظيم الذي هو في الطرف الأعلى من الإعجاز، تبين أنَّه لم يلزم رجوعه للجميع، ولا إلى الأخيرة، وأن الأَظهر الوقف حتَّى يعلم ما يرجع إليه من المتعاطفات قبله بدليل، ولا يبعد أنَّه إن تجرد من القرائن والأدلة، كان ظاهرًا في رجوعه للجميع.\nوقد بسطنا الكلام على هذه المسألة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، ولذلك اختصرناه هنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: اعلم أن من قذف إنسانًا بغير الزنى أو نفي النسب، كأن يقول له: يا فاسق، أو يا آكل الرِّبَا، ونحو ذلك من أنواع السب يلزمه التعزير، وذلك بما يراه الإِمام رادعًا له، ولأمثاله من العقوبة من غير تحديد شيء في ذلك من جهة الشرع.\nوقال بعض أهل العلم: لا يبلغ بالتعزير قدر الحد، وقال بعض العلماء: إن التعزير بحسب اجتهاد الإمام فيما يراه رادعًا مطلقًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن جمهور العلماء على أن العبد إذا قذف حرًا يجلد أربعين؛ لأنه حد يتشطر بالرق كحد الزنى.","vol":"6","page":102},{"text":"قال القرطبي: وروي عن ابن مسعود، وعمر بن عبد العزيز، وقبيصة بن ذؤيب: يجلد ثمانين، وجلد أبو بكر بن محمد عبدًا قذف حرًا ثمانين، وبه قال الأوزاعي. واحتج الجمهور بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ وقال الآخرون: فهمنا هناك أن حد الزنى للَّه، وأنه ربما كان أخف فيمن قَلَّتْ نعم الله عليه، وأفحش فيمن عظمت نعم الله عليه.\nوأما حد القذف فهو حق للآدمي وجب للجناية على عرض المقذوف، والجناية لا تختلف بالرق والحرية، وربما قالوا: لو كان يختلف لذكر كما في الزنى.\nقال ابن المنذر: والذي عليه علماء الأمصار القول الأول. وبه أقول. انتهى كلام القرطبي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي دليلًا: أن العبد إذا قذف حرًّا جلد ثمانين لا أربعين، وإن كان هذا مخالفًا لجمهور أهل العلم، وإنَّما استظهرنا جلده ثمانين، لأن العبد داخل في عموم ﴿فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ولا يمكن إخراجه من هذا العموم إلَّا بدليل، ولم يرد دليل يخرج العبد من هذا العموم، لا من كتاب ولا من سنَّة، ولا من قياس، وإنَّما ورد النص على تشطير الحد عن الأمة في حد الزنى، وألحق العلماء بها العبد بجامع الرق، والزنى غير القذف.\nأما القذف فلم يرد فيه نص ولا قياس في خصوصه.\nوأما قياس القذف على الزنى فهو قياس مع وجود الفارق، لأن القذف جناية على عرض إنسان معين، والردع عن الأعراض حق للآدمي، فيردع العبد كما يردع الحر. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":103},{"text":"تنبيه\nقد قدمنا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. أن الو إذا قذف عبدًا لا يحد به، وذلك ثابت في الصحيحين عنه  - ﷺ -  أنَّه قال: \"من قذف عبده بالزنى أقيم عليه الحد يوم القيامة إلَّا أن يكون كما قال\". اهـ. وقوله  - ﷺ -  في هذا الحديث الصحيح: \"أقيم عليه الحد يوم القيامة\" يدل على أنَّه لا يقام عليه الحد في الدنيا، وهو كذلك، وهذا لا نزاع فيه بين من يعتد به من أهل العلم.\nقال القرطبي: قال العلماء: وإنَّما كان ذلك في الآخرة؛ لارتفاع الملك، واستواء الشريف والوضيع، والحر والعبد، ولم يكن لأحد فضل إلَّا بالتقوى، ولما كان ذلك تكافأ الناس في الحدود والحرمة، واقتص لكل واحد من صاحبه إلَّا أن يعفو المظلوم. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.\nالمسألة الخامسة: اعلم أن العلماء أجمعوا على أنَّه إذا صرح في قذفه له بالزنى كان قذفًا ورميًا موجبًا للحد، وأما إن عرَّض ولم يصرح القذف، وكان تعريضه يفهم منه بالقرائن أنَّه يقصد قذفه، كقوله: أما أنا فلست بزان، ولا أمي بزانية، أو ما أنت بزان، ما يعرفك الناس بالزنى، أو يا حلال بن الحلال، أو نحو ذلك.\nفقد اختلف أهل العلم: هل يلزم حد القذف بالتعريض المفهم للقذف وإن لم يصرح، أو لا يحد حتَّى يصرح بالقذف تصريحًا واضحًا لا احتمال فيه؟ فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن التعريض لا يوجب الحد ولو فهم منه إرادة القذف إلَّا أن يقر أنَّه أراد به القذف.","vol":"6","page":104},{"text":"قال ابن قدامة في المغني: وهذا القول هو رواية حنبل عن الإِمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي، واختيار أبي بكر، وبه قال عطاء، وعمرو بن دينار، وقَتَادة، والثوري، والشافعي، وأَبو ثور، وأصحاب الرأي، وابن المنذر.\nواحتج أهل هذا القول بكتاب وسنَّة.\nأما الكتاب فقوله تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ﴾ ففرق تعالى بين التصريح للمعتدة، والتعريض، قالوا: ولم يفرق الله بينهما في كتابه إلَّا لأن بينهما فرقًا، ولو كانا سواء لم يفرق بينهما في كتابه.\nوأما السنَّة: فالحديث المتفق عليه الذي قدمناه مرارًا في الرجل الذي جاء النبي  - ﷺ -  وقال له: \"إن امرأتي ولدت غلامًا أسود\" وهو تعريض بنفيه، ولم يجعل النبي  - ﷺ -  هذا قذفًا، ولم يدعهما للعان، بل قال للرجل: ألك إبل؟ قال: نعم، قال: فما ألوانها؟ قال: حمر، قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا، قال: ومن أين جاءها ذلك؟ قال: لعل عرقًا نزعه، قال: وهذا الغلام الأسود لعل عرقًا نزعه. قالوا: ولأن التعريض محتمل لمعنى آخر غير القذف، وكل كلام يحتمل معنيين لم يكن قذفًا.\nهذا هو حاصل حجة من قالوا بأن التعريض بالقذف لا يوجب الحد، وإنَّما يجب الحد بالتصريح بالقذف.\nوذهبت جماعة آخرون من أهل العلم إلى أن التعريض بالقذف يجب به الحد، وهو مذهب مالك وأصحابه. وقال ابن قدامة في المغني: وروى الأثرم وغيره عن الإِمام أحمد أن عليه الحد. يعني","vol":"6","page":105},{"text":"المعرض بالقذف. قال: وروي ذلك عن عمر ﵁. وبه قال إسحاق. . . إلى أن قال: وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. أهـ.\nواحتج أهل هذا القول بأدلة:\nمنها: ما ذكره القرطبي قال: والدليل لما قاله مالك هو أن موضوع الحد في القذف إنما هو لإِزالة المعرة التي أوقعها القاذف بالمقذوف، وإذا حصلت المعرة بالتعريض، وجب أن يكون قذفًا، كالتصريح، والمعول على الفهم، وقد قال تعالى: مخبرًا عن قوم شعيب أنهم قالوا له: ﴿إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ (٨٧)﴾ أي: السفيه الضال، فعرضوا له بالسب بكلام ظاهره المدح في أحد التأويلات حسب ما تقدم في سورة هود. وقال تعالى في أبي جهل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾ وقال تعالى في الذين قذفوا مريم أنهم قالوا: ﴿يَاأُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا (٢٨)﴾ فمدحوا أباها، ونفوا عن أمها البغاء، أي: الزنى، وعرضوا لمريم بذلك، ولذلك قال تعالى: كفرهم معروف، والبهتان العظيم هو التعريض لها، أي: ما كان أَبوك امرأ سوء، ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ وما كانت أمك بغيا، أي: أنت بخلافهما وقد أتيت بهذا الولد، وقال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾ فهذا اللفظ قد فهم منه أن المراد به أن الكفار على غير هدى، وأن رسول الله  - ﷺ -  على الهدى، ففهم من هذا التعريض ما يفهم من صريحه. اهـ. محل الغرض من كلام القرطبي مع تصرف قليل لإِيضاح المراد.","vol":"6","page":106},{"text":"وحاصل كلام القرطبي المذكور: أن من أدلة القائلين بوجوب الحد بالتعريض آيات قرآنية، وبين وجه دلالتها على ذلك كما رأيته، وذكر أن من أدلتهم أن المعرة اللاحقة للمقذوف صريحًا تلحقه بالتعريض له بالقذف، ولذلك يلزم استواؤهما، وذكر أن من أدلتهم أن المعول على الفهم، والتعريض يفهم منه القذف، فيلزم أن يكون كالصريح.\nومن أدلتهم على أن التعريض يجب به الحد بعض الآثار المروية عن بعض الخلفاء الراشدين.\nقال ابن قدامة في المغني: لأن عمر ﵁ حين شاورهم في الذي قال لصاحبه: ما أنا بزان، ولا أمي بزانية. فقالوا: قد مدح أباه، وأمه. فقال عمر: قد عرض بصاحبه وجلده الحد. وقال معمر: إن عمر كان يجلد الحد في التعريض. وروى الأثرم أن عثمان ﵁ جلد رجلًا قال لآخر: يا ابن شامة الوذر يعرض له بزنى أمه. والوذر: غدر اللحم، يعرض له بكمر الرجال. وانظر أسانيد هذه الآثار.\nومن أدلة أهل هذا القول أن الكناية مع القرينة الصارفة إلى أحد محتملاتها كالصريح الذي لا يحتمل إلَّا ذلك المعنى، ولذلك وقع الطلاق بالكناية، فإن لم يكن ذلك في حال الخصومة، ولا وجدت قرينة تصرف إلى القذف، فلا شك في أنَّه لا يكون قذفًا. انتهى من المغني.\nثم قال صاحب المغني: وذكر أَبو بكر عبد العزيز: أن أبا عبد الله رجع عن القول بوجوب الحد في التعريض. يعني بأبي عبد الله الإِمام أحمد ﵀.","vol":"6","page":107},{"text":"وقال القرطبي ﵀: وقد حبس عمر ﵁ الحطيئة لما قال:\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\nلأنه شبهه بالنساء في أنهن يطعمن ويسقين ويكسون. ومثل هذا كثير، ومنه قول الحطيئة أو النجاشي:\nقبيلة لا يخفرون بذمة ... ولا يظلمون الناس حبة خردل\nفإنه يروى أن عمر لما سمع هذا الهجاء حمله على المدح، وقال: ليت آل الخطاب كانوا كذلك، ولما قال الشاعر بعد ذلك:\nولا يردون الماء إلَّا عشية ... إذا صدر الوُرَّاد عن كل منهل\nقال عمر أيضًا: ليت آل الخطاب كانوا كذلك. فظاهر هذا الشعر يشبه المدح، ولذا ذكروا أن عمر تمنى ما فيه من الهجاء لأهل بيته، لأنه عنده مدح، وصاحبه يريد الذم بلا نزاع. ويدل على ذلك أول شعره وآخره، لأن أول الأبيات قوله:\nإذا الله عادى أهل لؤم وذلة ... فعادى بني العجلان رهط ابن مقبل\n\n• قبيلة لا يخفرون. . . * البيت\nوفي آخر شعره:\nوما سمي العجلان إلَّا لقوله ... خذا لقعب واحلب أيها العبد واعجل\nوكون مثل هذا من التعريض بالذم لا شك فيه.\nوقول الحطيئة:\n\n• دع المكارم لا ترحل لبغيتها *","vol":"6","page":108},{"text":"يهجو به الزبرقان بن بدر التميمي، كما ذكره بعض المؤرخين. وما ذكره القرطبي ﵀ في الكلال الذي نقلنا عنه من أن البهتان العظيم الذي قالوه على مريم: هو تعريضهم لها بقولهم: ﴿مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ﴾ الآية، لا يتعين بانفراده؛ لأنَّ الله جلَّ وعلا ذكر عنهم أنهم قالوا لها غير ذلك، وهو أقرب للتصريح بالفاحشة مما ذكره القرطبي. وذلك في قوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ فقولهم لها: ﴿جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ في وقت مجيئها بالولد تحملة ظاهر جدًّا في إرادتهم قذفها كما ترى.\nوالكلام الذي ذكره ابن قدامة: أن عثمان جلد الحد فيه، وهو قول الرجل لصاحبه: يابن شامَّة الوذر. قال فيه الجوهري في صحاحه: الوذرة بالتسكين الغدرة، وهي القطعة من اللحم إذا كانت مجتمعة، ومنه قولهم: يابن شامة الوذرة، وهي كلمة قذف، وكانت العرب تتساب بها كما كانت تتساب بقولهم: يابن ملقى أرحل الركبان، أو يابن ذات الرايات ونحوها، والجمع وذر مثل تمرة وتمر. اهـ. من صحاح الجوهري.\nوالشامة بتشديد الميم اسم فاعل شمه.\nوقال صاحب اللسان: وفي حديث عثمان ﵁ أنَّه رفع إليه رجل قال لرجل: يا ابن شامة الوذر، فحده. وهو من سباب العرب وذمهم، وإنَّما أراد بابن شامة المذاكير، يعنون الزنا، كأنها كانت تشم كمرًا مختلفة، فكنى عنه، والذكر قطعة من بدن صاحبه، وقيل: أرادوا بها القلف جمع قلفة الذكر؛ لأنها تقطع. انتهى محل الغرض من لسان العرب.\nوهذا لا يتضح منه قصد الزنا، ولم أر من أوضح معنى شامة","vol":"6","page":109},{"text":"الوذر إيضاحًا شافيًا، لأن شم كمر الرجال ليس من الأمر المعهود الواضح.\nوالذي يظهر لي - واللَّه تعالى أعلم -: أن قائل الكلام المذكور يشبه من يعرض لها بالزنا بسفاد الحيوانات، لأن الذكر من غالب الحيوانات إذا أراد سفاد الأنثى شم فرجها، واستنشق ريحه استنشاقًا شديدًا، ثم بعد ذلك ينزو عليها فيسافدها، فكأنهم يزعمون أن المرأة تشم ذكر الرجل كما يشم الفحل من الحيوانات فرج أنثاه، وشمها لمذاكير الرجال كأنه مقدمة للمواقعة، فكنوا عن المواقعة بشم المذاكير، وعبروا عن ذكر الرجل بالوذرة، لأنه قطعة من بدن صاحبه كقطعة اللحم، ويحتمل أنهم أرادوا كثرة ملابستها لذلك الأمر حتَّى صارت كأنها تشم ريح ذلك الموضع. والعلم عند الله تعالى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد علمت مما ذكرنا أقوال أهل العلم، وحججهم في التعريض بالقذف، هل يلزم به الحد أو لا يلزم به.\nوأظهر القولين عندي: أن التعريض إذا كان يفهم منه معنى القذف فهمًا واضحًا من القرائن أن صاحبه يحد، لأن الجناية على عرض المسلم تتحقق بكل ما يفهم منه ذلك فهمًا واضحًا، ولئلا يتذرع بعض الناس لقذف بعضهم بألفاظ التعريض التي يفهم منها القذف بالزنا. والظاهر أنَّه على قول من قال من أهل العلم: إن التعريض بالقذف لا يوجب الحد أنَّه لا بد من تعزير المعرض بالقذف للأذى الذي صدر منه لصاحبه بالتعريض. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة: قال القرطبي في تفسيره: الجمهور من العلماء على أنَّه لا حد على من قذف رجلًا من أهل الكتاب أو امرأة","vol":"6","page":110},{"text":"منهم. وقال الزهري، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى: عليه الحد إذا كان لها ولد من مسلم، وفيه قول ثالث: وهو أنَّه إذا قذف النصرانية تحت المسلم جلد الحد.\nقال ابن المنذر: وجل العلماء مجمعون وقائلون بالقول الأول، ولم أدرك أحدًا، ولا لقيته يخالف في ذلك. وإذا قذف النصراني المسلم الحر عليه ما على المسلم ثمانون جلدة. لا أعلم في ذلك خلافًا. انتهى منه.\nالمسألة السابعة: اعلم أن أظْهر قولي أهل العلم عندي في مسألة ما لو قذف رجل رجلًا فقال آخر: \"صدقت\" أن المصدق قاذف فتجب إقامة الحد عليه، لأن تصديقه للقاذف قذف، خلافًا لزفر ومن وافقه.\nوقال ابن قدامة في المغني: ولو قال: أخبرني فلان أنك زنيت لم يكن قاذفًا سواء كذبه المخبر عنه أو صدقه، وبه قال الشافعي، وأَبو ثور، وأصحاب الرأي. وقال أَبو الخطاب: فيه وجه آخر أنَّه يكون قاذفًا إذا كذبه الآخر، وبه قال مالك، وعطاء، ونحوه عن الزهري، لأنه أخبر بزناه. اهـ منه.\nوأظهر القولين عندي: أنَّه لا يكون قاذفًا ولا يحد، لأنه حكى عن غيره، ولم يقل من تلقاء نفسه، ويحتمل أن يكون صادقًا، وأن الذي أخبره أنكر بعد إخباره إياه، كما لو شهد على رجل أنَّه قذف رجلًا وأنكر المشهود عليه، فلا يكون الشاهد قاذفًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة: أظهر قولي أهل العلم عندي فيمن قذف رجلًا","vol":"6","page":111},{"text":"بالزنى، ولم يقم عليه الحد حتى زنا المقذوف أن الحد يسقط عن قاذفه؛ لأنه تحقق بزناه أنَّه غير محصن، ولو كان ذلك لم يظهر إلَّا بعد لزوم الحد للقاذف؛ لأنه قد ظهر أنَّه غير عفيف قبل إقامة الحد على من قذفه، فلا يحد لغير عفيف اعتبارًا بالحالة التي يراد أن يقام فيها الحد، فإنه في ذلك الوقت ثبت عليه أنَّه غير عفيف.\nوهذا الذي استظهرنا عزاه ابن قدامة لأبي حنيفة، ومالك، والشافعي.\nوالقول بأنه يحد هو مذهب الإِمام أحمد.\nقال صاحب المغني: وبه قال الثوري، وأَبو ثور، والمزني، وداود. واحتجوا بأن الحد قد وجب وتم بشروطه فلا يسقط بزوال شرط الوجوب.\nوالأظهر عندنا هو ما قدمنا؛ لأنه تحقق أنَّه غير عفيف قبل إقامة الحد على قاذفه، فلا يحد لمن تحقق أنَّه غير عفيف.\nوإنَّما وجب الحد قبل هذا؛ لأن عدم عفته كان مستورًا، ثم ظهر قبل إقامة الحد. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة التاسعة: اعلم أن أظهر قولي أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: يا من وطئ بين الفخذين، أنَّه ليس بقذف، ولا يحد قائله؛ لأنه رماه بفعل لا يعد زنا إجماعًا خلافًا لابن القاسم من أصحاب مالك القائل بوجوب الحد زاعمًا أنَّه تعريض به. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة العاشرة: اعلم أن حد القذف لا يقام إلَّا إذا طلب المقذوف إقامة الحد عليه؛ لأنه حق له، ولم يكن للقاذف بينة على","vol":"6","page":112},{"text":"ما ادعى من زنا المقذوف؛ لأن الله يقول: ﴿ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ ومفهوم الآية: أن القاذف لو جاء بأربعة شهداء على الوجه المقبول شرعًا أنَّه لا حد عليه، وإنَّما يثبت بذلك حد الزنا على المقذوف، لشهادة البينة، ويشترط لذلك أيضًا عدم إقرار المقذوف، فإن أقر بالزنا، فلا حد على القاذف. وإن كان القاذف زوجًا اعتبر في حده حد القذف امتناعه من اللعان. قال ابن قدامة: ولا نعلم خلافًا في هذا كله. ثم قال: وتعتبر استدامة الطلب إلى إقامة الحد، فلو طلب ثم عفا عن الحد سقط، وبهذا قال الشافعي، وأَبو ثور. وقال الحسن وأصحاب الرأي: لا يسقط بعفوه؛ لأنه حد فلم يسقط بالعفو كسائر الحدود.\nولنا أنَّه حد لا يستوفى إلَّا بعد مطالبة الآدمي باستيفائه فسقط بعفوه كالقصاص، وفارق سائر الحدود، فإنه لا يعتبر في إقامتها الطلب باستيفائها، وحد السرقة إنما تعتبر فيه المطالبة بالمسروق، لا باستيفاء الحد، ولأنهم قالوا: تصح دعواه، ويستحلف فيه، ويحكم الحاكم فيه بعلمه، ولا يقبل رجوعه عنه بعد الاعتراف. فدل على أنَّه حق لآدمي. اهـ من المغني، وكونه حقًا لآدمي هو أحد أقوال فيه.\nقال أَبو عبد الله القرطبي: واختلف العلماء في حد القذف، هل هو من حقوق الله، أو من حقوق الآدميين، أو فيه شائبة منهما؟\nالأول: قول أبي حنيفة.\nوالثاني: قول مالك والشافعي.\nوالثالث: قاله بعض المتأخرين.","vol":"6","page":113},{"text":"وفائدة الخلاف أنَّه إن كان حقًا للَّه تعالى وبلغ الإِمام أقامه وإن لم يطلب ذلك المقذوف، ونفعت القاذف التوبة فيما بينه وبين الله تعالى، ويتشطر فيه الحد بالرق كالزنا، وإن كان حقًا للآدمي، فلا يقيمه الإِمام إلَّا بمطالبة المقذوف، ويسقط بعفوه، ولم تنفع القاذف التوبة حتَّى يحلله المقذوف. اهـ كلام القرطبي.\nومذهب مالك وأصحابه كأنه مبني على القول الثالث، وهو أن الحد يسقط بعفو المقذوف قبل بلوغ الإِمام، فإن بلغ الإِمام، فلا يسقطه عفوه إلَّا إذا ادعى أنَّه يريد بالعفو الستر على نفسه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن القذف حق للآدمي وكل حق للآدمي فيه حق للَّه.\nوإيضاحه: أن حد القذف حق للآدمي من حيث كونه شرع للزجر عن عرضه، ولدفع معرة القذف عنه. فإذا تجرأ عليه القاذف انتهك حرمة عرض المسلم، فكان للمسلم عليه حق بانتهاك حرمة عرضه، وانتهك أيضًا حرمة نهي الله عن وقوعه في عرض مسلم، فكان للَّه حق على القاذف بانتهاكه حرمة نهيه، وعدم امتثاله، فهو عاص للَّه مستحق لعقوبته، فحق الله يسقط بالتوبة النصوح، وحق المسلم يسقط لإقامة الحد، أو بالتحلل منه.\nوالذي يظهر على هذا التفصيل أن المقذوف إذا عفا وسقط الحد بعفوه أن للإِمام تعزير القاذف لحق الله. واللَّه جلَّ وعلا أعلم.\nالمسألة الحادية عشرة: قال القرطبي: إن تمت الشهادة على الزاني بالزنا ولكن الشهود لم يعدلوا، فكان الحسن البصري، والشعبي يريان ألا حد على الشهود، ولا على المشهود عليه، وبه قال أحمد، والنعمان، ومحمد بن الحسن.","vol":"6","page":114},{"text":"وقال مالك: وإذا شهد عليه أربعة بالزنا وكان أحدهم مسخوطًا عليه، أو عبدًا يجلدون جميعًا. وقال سفيان الثوري، وأحمد، وإسحاق في أربعة عميان يشهدون على امرأة بالزنى: يضربون.\nفإن رجع أحد الشهود، وقد رجم المشهود عليه في الزنى، فقالت طائفة: يغرم ربع الدية، ولا شيء على الآخرين، وكذلك قال قتادة، وحماد، وعكرمة، وأَبو هاشم، ومالك، وأحمد، وأصحاب الرأي. وقال الشافعي: إن قال: عمدت ليقتل، فالأولياء بالخيار إن شاؤوا قتلوا، وإن شاؤوا عفوا، وأخذوا ربع الدية، وعليه الحد. وقال الحسن البصري: يقتل وعلى الآخرين ثلاثة أرباع الدية. وقال ابن سيرين: إذا قال: أخطأت، وأردت غيره فعليه الدية كاملة، وإن قال: تعمدت، قُتِلَ، وبه قال ابن شبرمة. اهـ كلام القرطبي. وقد قدمنا بعضه.\nوأظهر الأقوال عندي: أنهم إن لم يُعدَّلوا حُدُّوا كلهم؛ لأن من أتى بمجهول غير معروف العدالة كمن لم يأت بشيء، وأنه إن أقر بأنه تعمد الشهادة عليه لأجل أن يقتل يقتص منه. وإن ادعى شبهة في رجوعه يغرم قسطه من الدية. والقول بأنه يغرم الدية كاملة له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية عشرة: قال القرطبي: قال مالك، والشافعي: من قذف من يحسبه عبدًا فإذا هو حر فعليه الحد، وقاله الحسن البصري، واختاره ابن المنذر. ومن قذف أم الولد حُدَّ. وروي عن ابن عمر. وهو قياس قول الشافعي، وقال الحسن البصري: لا حد عليه. انتهى منه.","vol":"6","page":115},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما حده في قذف أم الولد، فالظاهر أنَّه لا يكون إلَّا بعد موت سيدها، وعتقها من رأس مال مستولدها، أما قبل ذلك فلم تتحقق حريتها بالفعل، ولا سيما على قول من يجيز بيعها من العلماء، والقاذف لا يحد بقذف من لم يكن حرًا حرية كاملة فيما يظهر، وكذلك لو قيل: إن من قذف من يظنه عبدًا، فإذا هو حر لا يجب عليه الحد؛ لأنه لم ينو قذف حر، وإنَّما نوى قذف عبد لكان له وجه من النظر؛ لأن الأعمال بالنيات، ولكل امرئ ما نوى، ولأن المعرة تزول عن المقذوف بقول القاذف: ما قصدت قذفك ولا أقول: إنك زان، وإنَّما قصدت بذلك من كنت أعتقده عبدًا فأنت عفيف في نظري، ولا أقول فيك إلَّا خيرًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة عشرة: اعلم أن العلماء اختلفوا فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة، أو بكلمات متعددة، أو قذف واحدًا مرات متعددة. وقد قدمنا خلاف أهل العلم فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة في الكلام على آيات الحج.\nقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإذا قذف الجماعة بكلمة واحدة، فَحَدٌّ واحد إذا طالبوا، أو واحد منهم، ما نصه: وبهذا قال طاووس، والشعبي، والزهري، والنخعي، وقَتَادة، وحماد، ومالك، والثوري، وأَبو حنيفة وصاحباه، وابن أبي ليلى، وإسحاق. وقال الحسن، وأَبو ثور، وابن المنذر: لكل واحد حد كامل، وعن أحمد مثل ذلك، وللشافعي قولان كالروايتين. ووجه هذا أنَّه قذف كل واحد منهم، فلزمه له حد كامل، كما لو قذفهم بكلمات.","vol":"6","page":116},{"text":"ولنا قول الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ولم يفرق بين قذف واحد أو جماعة، ولأن الذين شهدوا على المغيرة قذفوا امرأة، فلم يحدهم عمر إلَّا حدًا واحدًا، ولأنه قذفٌ واحد فلم يجب إلَّا حد واحد، كما لو قذف واحدًا، ولأن الحد إنما وجب بإدخال المعرة على المقذوف بقذفه، وبحد واحد يظهر كذب هذا القاذف، وتزول المعرة، فوجب أن يكتفى به بخلاف ما إذا قذف كل واحد قذفًا منفردًا، فإن كذبه في قذف لا يلزم منه كذبه في آخر، ولا تزول المعرة عن أحد المقذوفين بحده للآخر. فإذا ثبت هذا فإنهم إن طلبوه جملة حدَّ لهم، وإن طلبه واحد أقيم الحد؛ لأن الحق ثابت لهم على سبيل البدل، فأيهم طالب به استوفى، وسقط فلم يكن لغيره الطلب به، كحق المرأة على أوليائها في تزويجها، إذا قام به واحد سقط عن الباقين، وإن أسقطه أحدهم فلغيره المطالبة به، واستيفاؤه؛ لأن المعرة لم تزل عنه بعفو صاحبه، وليس للعافي الطلب به؛ لأنه قد أسقط حقه.\nوروى عن أحمد ﵀ رواية أخرى أنهم إن طلبوه دفعة واحدة فحدَّ واحد، وكذلك إن طلبوه واحدًا بعد واحد إلَّا أنَّه لم يقم حتَّى طلبه الكل فحد واحد، وإن طلبه واحد فأقيم له، ثم طلبه آخر أقيم له، وكذلك جميعهم. وهذا قول عروة؛ لأنهم إذا اجتمعوا على طلبه، وقع استيفاؤه لجميعهم. وإذا طلبه واحد منفردًا كان استيفاؤه له وحده، فلم يسقط حق الباقين بغير استيفائهم، ولا إسقاطهم. وإن قذف الجماعة بكلمات فلكل واحد حد، وبهذا قال عطاء، والشعبي، وقتادة، وابن أبي ليلى، وأَبو حنيفة، والشافعي. وقال حمَّاد ومالك: لا يجب إلَّا حد واحد؛ لأنها جناية توجب حدًا، فإذا","vol":"6","page":117},{"text":"تكررت كفى حد واحد، كما لو سرق من جماعة، أو زنى بنساء، أو شرب أنوعًا من السكر.\nولنا أنَّها حقوق لآدميين فلم تتداخل كالديون والقصاص، وفارق ما قاسوا عليه، فإنه حق للَّه تعالى. . . إلى أن قال: وإن قذف رجلًا مرات فلم يحد فحدٌّ واحد، رواية واحدة، سواء قذفه بزنا واحد أو بزنيات، وإن قذفه فحد ثم أعاد قذفه نظرت، فإن قذفه بذلك الزنا الذي حد من أجله لم يعد عليه الحد في قول عامة أهل العلم، وحكي عن ابن القاسم: أنَّه أوجب حدًا ثانيًا، وهذا يخالف إجماع الصحابة، فإن أبا بكرة لما حد بقذف المغيرة أعاد قذفه فلم يروا عليه حدًا ثانيًا، فروى الأثرم بإسناده عن ظبيان بن عمارة قال: شهد على المغيرة بن شعبة ثلاثة نفر أنَّه زان، فبلغ ذلك عمر فكبُر عليه وقال: شاط ثلاثة أرباع المغيرة بن شعبة، وجاء زياد فقال: ما عندك؟ فلم يثبت، فأمر بجلدهم فجلدوا، وقال: شهود زور. فقال أَبو بكرة: أليس ترضى إن أتاك رجل عندك يشهد رجمتَه؟ قال: نعم، والذي نفسي بيده، فقال أَبو بكرة: وأنا أشهد أنَّه زان، فأراد أن يعيد عليه الحد فقال علي: يا أمير المؤمنين: إنك إن أعدت عليه الحد، أوجبت عليه الرجم. وفي حديث آخر: فلا يعاد في فرية جلد مرتين. قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله: قول علي: إن جلدته فارجم صاحبك؟ قال: كأنه جعل شهادته شهادة رجلين. قال أَبو عبد الله: وكنت أنا أفسره على هذا حتى رأيته في الحديث فأعجبني ثم قال: يقول: إذا جلدته ثانية فكأنك جعلته شاهدًا آخر.\nفأما إن حد له وقذفه بزنا ثان نظرت، فإن قذفه بعد طول الفصل فحدّ ثانٍ؛ لأنه لا يسقط حرمة المقذوف بالنسبة إلى القاذف","vol":"6","page":118},{"text":"أبدًا بحيث يمكن من قذفه بكل حال، وإن قذفه عقيب حده ففيه روايتان.\nإحداهما: يحد أيضًا؛ لأنه قذف لم يظهر كذبه فيه بحد، فيلزم فيه حد، كما لو طال الفصل، ولأن سائر أسباب الحد إذا تكررت بعد أن حد للأول ثبت للثاني حكمه، كالزنا والسرقة وغيرهما من الأسباب.\nوالثانية: لا يحد؛ لأنه قد حُدَّ له مرة فلم يحد له بالقذف عقبه كما لو قذفه بالزنا الأول. انتهى من المغني. وقد رأيت نقله لأقوال أهل العلم فيمن قذف جماعة بكلمة واحدة، أو بكلمات أو قذف واحدًا مرات.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسائل لم نعلم فيها نصًا من كتاب ولا سنَّة.\nوالذي يظهر لنا فيها واللَّه تعالى أعلم: أن من قذف جماعة بكلمة واحدة فعليه حد واحد، لأنه يظهر به كذبه على الجميع، وتزول به المعرة عن الجميع، ويحصل شفاء الغيظ بحده للجميع.\nوالأظهر عندنا فيمن رمى جماعة بكلمات: أنَّه يتعدد عليه الحد بعدد الكلمات التي قذف بها، لأنه قذف كل واحد قذفًا مستقلًا لم يشاركه فيه غيره، وحده لبعضهم لا يظهر به كذبه على الثاني الذي قذفه بلفظ آخر، ولا تزول به عنه المعرة. وهذا إن كان قذف كل واحد منهم قذفًا مفردًا لم يجمع معه غيره لا ينبغي أن يختلف فيه، والأظهر أنَّه إن قذفهم بعبارات مختلفة تكرر عليه الحد بعددهم، كما اختاره صاحب المغني.","vol":"6","page":119},{"text":"والأظهر عندنا: أنَّه إن كرر القذف لرجل واحد قبل إقامة الحد عليه يكفي فيه حد واحد، وأنه إن رماه بالزنا بعد حده للقذف الأول بعد طولٍ حُدَّ أيضًا، وإن رماه قرب زمن حده بعين الزنا الذي حد له لا يعاد عليه الحد، كما حكاه صاحب المغني في قصة أبي بكرة والمغيرة بن شعبة، وإن كان القذف الثاني غير الأول، كأن قال في الأول: زنيت بامرأة بيضاء، وفي الثاني قال: بامرأة سوداء، فالظاهر تكرره. والعلم عند الله تعالى.\nوعن مالك ﵀ في المدونة. إن قذف رجلًا فلما ضرب أسواطًا قذفه ثانيًا، أو آخر، ابتدئ الحد عليه ثمانين من حين يقذفه ولا يعتد بما مضى من السياط.\nالمسألة الرابعة عشرة: الظاهر أن من قال لجماعة: أحدكم زان، أو ابن زانية لا حد عليه؛ لأنه لم يعين واحدًا فلم تلحق المعرة واحدًا منهم، فإن طلبوا إقامة الحد عليه جميعًا لا يحد؛ لأنه لم يرم واحدًا منهم بعينه، ولم يعرف من أراد بكلامه. نقله المواق عن الباجي عن محمد بن المواز، ووجهه ظاهر كما ترى. واقتصر عليه خليل في مختصره في قوله عاطفًا على ما لا حد فيه: أو قال لجماعة: أحدكم زان.\nوقال ابن قدامة في المغني: وإذا قال: من رماني فهو ابن الزانية، فرماه رجل، فلا حد عليه، في قول أحد من أهل العلم. وكذلك إن اختلف رجلان في شيء، فقال أحدهما: الكاذب هو ابن الزانية، فلا حد عليه، نص عليه أحمد؛ لأنه لم يعين أحدًا بالقذف، وكذلك ما أشبه هذا. ولو قذف جماعة لا يتصور صدقه في قذفهم، مثل أن يقذف أهل بلدة كثيرة بالزنى كلهم، لم يكن عليه","vol":"6","page":120},{"text":"حد؛ لأنه لم يلحق العار بأحد غير نفسه للعلم بكذبه. انتهى منه.\nالمسألة الخامسة عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندنا فيمن قال لرجل: أنت أزنى من فلان، فهو قاذف لهما، وعليه حدان؛ لأن قوله: أزنى صيغة تفضيل، وهي تدل على اشتراك المفضل، والمفضل عليه في أصل الفعل إلَّا أن المفضل أفضل فيه من صاحبه المشارك له فيه، فمعنى كلامه بدلالة المطابقة في صيغة التفضيل: أنت وفلان زانيان، ولكنك تفوقه في الزنى. وكون هذا قذفًا لهما واضح كما ترى. وبه تعلم أن أحد الوجهين عند الحنابلة أنَّه يحد للمخاطب فقط، دون فلان المذكور لا ينبغي أن يعول عليه، وكذلك ما عزاه ابن قدامة للشافعي، وأصحاب الرأي من أنَّه ليس بقذف للأول، ولا للثاني إلَّا أن يريد به القذف، كل ذلك لا يصح ولا ينبغي التعويل عليه؛ لأن صيغة أنت أزنى من فلان قذف صريح لهما بعبارة واضحة، لا إشكال فيها.\nوقال ابن قدامة في المغني محتجًا للوجه الذي ذكرنا عن الحنابلة أنَّه لا حد على الثاني ما نصه: والثاني يكون قذفًا للمخاطب خاصة؛ لأن لفظة أفعل قد تستعمل للمنفرد بالفعل، كقول الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي إِلَّا أَنْ يُهْدَى﴾ وقال تعالى: ﴿فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ وقال لوط: ﴿بَنَاتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ﴾ أي: من أدبار الرجال، ولا طهارة فيها = لا ينبغي التعويل عليه، كما أنَّه هو ساقه، ولم يعول عليه.\nوحاصل الاحتجاج المذكور: أن صيغة التفضيل قد ترد مرادًا بها مطلق الوصف، لا حصول التفضيل بين شيئين، ومثل له هو بكلمة: أحق أن يتبع، وكلمة: أحق بالأمن، وكلمة: أطهر لكم؛ لأن","vol":"6","page":121},{"text":"صيغة التفضيل في الآيات المذكورة لمطلق الوصف لا للتفضيل.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا يخفى أن صيغة التفضيل قد ترد لمطلق الوصف، كما هو معلوم، ومن أمثلته الآيات التي ذكرها صاحب المغني، ولكنها لا تحمل على غير التفضيل إلَّا بدليل خارج يقتضي ذلك، والآيات التي ذكر معلوم أنها لا يمكن أن تكون للتفضيل؛ لأن الأصنام لا نصيب لي من أحقية الاتباع أصلًا في قوله: ﴿أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ أَمَّنْ لَا يَهِدِّي﴾ ولأن الكفار لا نصيب لهم في الأحقية بالأمن، ولأن أدبار الرجال لا نصيب لها في الطهارة.\nومن أمثلة ورود صيغة التفضيل لمطلق الوصف أيضًا قوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَهَوَنُ عَلَيْهِ﴾ أي: هين سهل عليه، وقول الشنفرى:\nوإن مدت الأيدي إلى الزاد لم أكن ... بأعجلهم إذْ أجشع القوم أعجل\nأي: لم أكن بالعجل منهم، وقول الفرزدق:\nإن الذي سمك السماء بنى لنا ... بيتًا دعائمه أعز وأطول\nأي: عزيزة طويلة، وقول معن بن أوس:\nلعمرك ما أدري وإني لأوْجَل ... على أيِّنا تعدو المنيَّة أول\nأي: لوجل، وقول الأحوص بن محمد الأنصاري:\nأني لأمنحك الصدد وإنني ... قسمًا إليك مع الصدود لأمْيَلُ\nأي: لمائل، وقول الآخر:\nتمنى رجال أن أموت وإن أمت ... فتلك سبيل لست فيها بأوحد\nأي: بواحد، وقال الآخر:\nلعمرك إن الزبرقان لباذل ... لمعروفه عند السنين وأفضل","vol":"6","page":122},{"text":"أي: وفاضل. إلى غير ذلك من الشواهد، ولكن قدمنا أنَّها لا تحمل على مطلق الوصف إلَّا لدليل خارج، أو قرينة واضحة تدل على ذلك.\nوقوله له: أنت أزنى من فلان ليس هناك قرينة، ولا دليل صارف لصيغة التفضيل عن أصلها، فوجب إبقاؤها على أصلها، وحد القاذف، لكل واحد منهما. والإِتيان بلفظة مِنْ في قوله: أنت أزنى من فلان يوضح صراحة الصيغة في التفضيل. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة عشرة: اعلم أنَّه لا يجوز رمي الملاعنة بالزنى، ولا رمي ولدها بأنه ابن زنى، ومن رمى أحدهما فعليه الحد. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه، لأنه لم يثبت عليها زنى، ولا على ولدها أنَّه ابن زنى، وإنَّما انتفى نسبه عن الزوج بلعانه.\nوفي سنن أبي داود: حدثنا الحسن بن علي، ثنا يزيد بن يرون، ثنا عباد بن منصور، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: جاء هلال بن أمية، وهو أحد الثلاثة الذين تاب الله عليهم، فجاء من أرضه عشيًا، فوجد عند أهله رجلًا فرأى بعينه وسمع بأذنه. . . الحديث وفيه: ففرق رسول الله  - ﷺ -  بينهما، وقضى ألا يدعى ولدها لأب، ولا تُرمى، ولا يُرمى ولدها، ومن رماها، أو رمى ولدها فعليه الحد. . . إلى آخر الحديث. وفي هذا الحديث: التصريح بأن من رماها أو رمى ولدها فعليه الحد.\nواعلم أن ما نقله الشيخ الحطاب عن بعض علماء المالكية من أن من قال لابن ملاعنة: لستَ لأبيك الذي لاعن أمك، فعليه الحد، خلاف التحقيق، لأن الزوج الملاعن ينتفي عنه نسب الولد باللعان، فنفيه عنه حق مطابق للواقع، ولذا لا يتوارثان. ومن قال كلامًا حقًا","vol":"6","page":123},{"text":"فإنه لا يستوجب الحد بذلك، كما لو قال له: يا من نفاه زوج أمه أو يابن ملاعنة، أو يابن من لوعنت. وإنَّما يجب الحد على قاذفه فيما لو قال له: أنت ابن زنى، ونحوها من صريح القذف. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة عشرة: في حكم ما لو قال لرجل. يا زانية بتاء الفرق، أو قال لامرأة: يا زاني بلا تاء. قال ابن قدامة في المغني: هو قذف صريح لكل منهما. قال: واختار هذا أَبو بكر، وهو مذهب الشافعي. واختار ابن حامد أنَّه ليس بقذف إلَّا أن يفسره به، وهو قول أبي حنيفة؛ لأنه يحتمل أن يريد بقوله: يا زانية، أي: يا علامة في الزنا. كما يقال للعالم: علامة، ولكثير الرواية: راوية، ولكثير الحفظ: حُفَظة. ولنا أن ما كان قذفًا لأحد الجنسين كان قذفًا للآخر، كقوله: زنيت بفتح التاء، وكسرها لهما جميعًا، ولأن هذا اللفظ خطاب لهما، وإشارة إليهما بلفظ الزنا، وذلك يغني عن التمييز بتاء التأنيث وحذفها، ولذلك لو قال للمرأة: يا شخصًا زانيًا، وللرجل: يا نسمة زانية، كان قاذفًا. وقولهم: إنه يريد بذلك أنَّه علامة في الزنا لا يصح، فإنما كان اسمًا للفعل إذا دخلته الهاء كانت للمبالغة، كقولهم: حُفَظة للمبالغ في الحفظ، وراوية للمبالغ في الرواية، وكذلك همزة لُمزة وصُرَعة؛ ولأن كثيرًا من الناس يذكر المؤنث ويؤنث المذكر، ولا يخرج بذلك عن كون المخاطب به مرادًا بما يراد باللفظ الصحيح. انتهى كلام صاحب المغني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي فيمن قال لذكر: يا زانية بصيغة التأنيث، أو قال لامرأة: يا زاني بصيغة التذكير، أنَّه يلزمه الحد.","vol":"6","page":124},{"text":"وإيضاحه أن القاذف بالعبارتين المذكورتين لا يخلو من أحد أمرين، إما أن يكون عاميًا، لا يعرف العربية، أو يكون له علم باللغة العربية، فإن كان عاميًا فقد يكون غير عالم بالفرق بين العبارتين. ونداؤه للشخص بلفظ الزنى ظاهر في قصده قذفه، وإن كان عالمًا باللغة، فاللغة يكثر فيها إطلاق وصف الذكر على الأنثى باعتبار كونها شخصًا.\nوقد قدمنا بعض أمثلة ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ ومما ذكرنا من الشواهد هناك قول حسان ﵁:\nمنع النوم بالعشاء الهموم ... وخيال إذا تغار النجوم\nمن حبيب أصاب قلبك منه ... سقم فهو داخل مكتوم\nومراده بالحبيب أنثى بدليل قوله بعده:\nلم تفتها شمس النهار بشيء ... غير أن الشباب ليس يدوم\nوقول كثير:\nلئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلي حبيبًا إنها لحبيب\nومن أمثلة ذلك قول مليح بن الحكم الهذلي:\nولكن ليلى أهلكتني بقولها ... نعم ثم ليلي الماطل المتبلح\nيعني: ليلى الشخص الماطل المتبلح.\nوقول عروة بن حزام العذري:\nوعفراء أرجى الناس عندي مودة ... وعفراء عني المعرض المتواني\nأي: الشخص المعرض.","vol":"6","page":125},{"text":"وإذا كثر في كلام العرب تذكير وصف الأنثى باعتبار الشخص كما رأيت أمثلته، فكذلك لا مانع من تأنيثهم صفة الذكر باعتبار النسمة أو النفس، وورود ذلك لتأنيث اللفظ مع تذكير المعنى معروف، كقوله:\nأَبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال\nالمسألة الثامنة عشرة: اعلم أن من رمى رجلًا قد ثبت عليه الزنى سابقًا، أو امرأة قد ثبت عليها الزنى سابقًا ببينة، أو إقرار، فلا حد عليه، لأنه صادق، ولأن إحصان المقذوف قد زال بالزنى. ويدل لهذا مفهوم المخالفة في قوله: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية. فهو يدل بمفهومه أن من رمى غير محصنة لا حد عليه، وهو كذلك، ولكنه يلزم تعزيره؛ لأنه رماه بفاحشة ولم يثبتها، ولا يترك عرض من ثبت عليه الزنى سابقًا مباحًا لكل من شاء أن يرميه بالزنى دون عقوبة رادعة كما ترى.\nالمسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الإِنسان إذا كان مشركًا وزنى في شركه، أو كان مجوسيًا، ونكح أمه، أو ابنته مثلًا في حال كونه مجوسيًا، ثم أسلم بعد ذلك فرماه أحد بالزنى بعد إسلامه فله ثلاث حالات:\nالأولى: أن يقول له: يا من زنى في أيام شركه، أو يا من نكح أمه مثلًا في أيامه مجوسيًا. وهذه الصورة لا حدّ فيها؛ لأن صاحبها أخبر بحق، والإِسلام يجبّ ما قبله.\nالثانية: أن يقول له: يا من زنى بعد إسلامه، أو نكح أمه بعد إسلامه، فعليه الحد كما لا يخفى.","vol":"6","page":126},{"text":"الثالثة: أن يقول له: يا زاني، ولم يتعرض لكون ذلك قبل إسلامه، أو بعده، فإن فسره بأنه أراد أنَّه زنى بعد إسلامه، فعليه الحد، وإن قال: أردت بذلك زناه في زمن شركه، فهل يقبل منه هذا التفسير، ويسقط عنه الحد، أو لا يقبل ذلك منه، ويقام عليه الحد؟. اختلف العلماء في ذلك، وممن قال بأنه يحد ولا يلتفت إلى تفسيره ذلك: مالك وأصحابه، وصرح به الخرقي من الحنابلة.\nوقال ابن قدامة في المغني: لا حد عليه، وخالف في ذلك الخرقي في شرحه لقول الخرقي: ومن قذف من كان مشركًا وقال: أردت أنَّه زنى وهو مشرك لم يلتفت إلى قوله، وحد القاذف إذا طالب المقذوف، وكذلك من كان عبدًا. انتهى.\nالمسألة العشرون: اعلم أن من قذف بنتًا غير بالغة بالزنى، أو قذف به ذكرًا غير بالغ، فقد اختلف أهل العلم، هل يجب على القاذف الحد، أو لا يجب عليه؟\nوقال أَبو عبد الله القرطبي في تفسير الآية التي نحن بصددها: إذا رمى صبية يمكن وطؤها قبل البلوغ بالزنى كان قذفًا عند مالك. وقال أَبو حنيفة والشافعي وأَبو ثور: ليس بقذف؛ لأنه ليس بزنى إذ لا حد عليها، ويعزر.\nقال ابن العربي: والمسألة محتملة مشكلة لكن مالك غلب حماية عرض المقذوف، وغيره راعى حماية ظهر القاذف، وحماية عرض المقذوف أولى؛ لأن القاذف كشف ستره بطرف لسانه فلزمه الحد.\nقال ابن المنذر: وقال أحمد في الجارية بنت تسع، يحد","vol":"6","page":127},{"text":"قاذفها، وكذلك الصبي إذا بلغ عشرًا ضرب قاذفه. قال إسحاق: إذا قذف غلامًا يطأ مثله؛ فعليه الحد، والجارية إذا جاوزت تسعًا مثل ذلك. قال ابن المنذر: لا يحد من قذف من لم يبلغ؛ لأن ذلك كذب، ويعزر على الأذى. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nوإذا عرفت مما ذكرنا أقوال أهل العلم في المسألة، فاعلم أن أظهرها عندنا قول ابن المنذر: إنه لا يحد ولكن يعزر. ووجه ذلك أن من لم يبلغ من الذكور والإِناث مرفوع عنه القلم، ولا معرة تلحقه بذنب، لأنه غير مؤاخذ، ولو جاء قاذف الصبي بأربعة يشهدون على الصبي بالزنى فلا حد عليه إجماعًا، ولو كان قذفه قذفًا على الحقيقة للزمه الحد بإقامة القاذف البينة على زناه، وإن خالف في هذا جمع من أجلاء العلماء، ولكنه يعزر التعزير البالغ الرادع له ولغيره عن قذف من لم يبلغ. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الحادية والعشرون: اعلم أن الظاهر فيما لو قال رجل لآخر: زنأت  - بالهمزة -  أن القاذف إن كان عاميًا لا يفرق بين المعتل والمهموز أنَّه يحد لظهور قصده لقذفه بالزنى. وإن كان عالمًا بالعربية، وقال: إنما أردت بقولي: زنأت  - بالهمزة -  معناه اللغوي، ومعنى زنأت  - بالهمزة -  لجأت إلى شيء، أو صعدت في جبل. ومنه قول قيس بن عاصم المنقري يرقص ابنه حكيمًا وهو صغير:\nأشبه أبا أمك أو أشبه حمل .... ولا تكونن كهلوف وكل\nيصبح في مضجعه قد انجدل ... وارق إلى الخيرات زنأ في الجبل\nومحل الشاهد منه قوله: زنأ في الجبل، أي: صعودًا فيه. والهلوف الثقيل الجافي العظيم اللحية. والوكل الذي يكل أمره إلى","vol":"6","page":128},{"text":"غيره. وزعم الجوهري أن هذا الرجز لأم الصبي المذكور ترقصه به وهي منفوسة ابنة زيد الفوارس، ورد ذلك على الجوهري أَبو محمد بن بري. ورواه هو وغيره على ما ذكرنا. قال: وقالت أمه ترد على أبيه:\nأشبه أخي أو أشبهن أباكا ... أما أبي فلن تنال ذاكا\n\n• تقصر أن تناله يداكا *\nقاله في اللسان.\nالمسألة الثانية والعشرون: فيمن نفى رجلًا عن جده، أو عن أمه أو نسبه إلى شعب غير شعبه، أو قبيلة غير قبيلته. فذهب مالك: أنَّه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه، لأنه لم يدع عليها الزنا، ولم ينف نسبه عن أبيه، وإن نفاه عن جده لزمه الحد، ولا حد عنده في نسبة جنس لغيره، ولو أبيض لأسود.\nقال في المدونة: إن قال لفارسي: يا رومي أو يا حبشي، أو نحو هذا لم يحد. وقال ابن القاسم: اختلف عن مالك في هذا، وإني أرى ألا حد عليه إلَّا أن يقول: يا ابن الأسود، فإن لم يكن في آبائه أسود فعليه الحد، وأما إن نسبه إلى حبشي كأن قال: يا ابن الحبشي وهو بربري فالحبشي والرومي في هذا سواء إذا كان بربريًا. وقال ابن يونس: وسواء قال: يا حبشي أو يا ابن الحبشي، أو يا رومي أو يا ابن الرومي، فإنه لا يحد، وكذلك عنه في كتاب محمد. قال الشيخ المواق: هذا ما ينبغي أن تكون به الفتوى على طريقة ابن يونس فانظره أنت. اهـ.\nوهذا الذي ذكرنا من عدم حد من نسب جنسًا إلى غيره هو","vol":"6","page":129},{"text":"مشهور مذهب مالك، وقد نص عليه في المدونة. ومحل هذا عنده إن لم يكن من العرب.\nقال مالك في المدونة: من قال لعربي: يا حبشي، أو يا فارسي، أو يا رومي، فعليه الحد، لأن العرب تنسب إلى آبائها، وهذا نفي لها عن آبائي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الفرق بين العربي وغيره المذكور عن مالك لا يتجه كل الاتجاه، ووجه كون من قال لرومي: يا حبشي مثلًا لا يحد أن الظاهر أن مراده أنَّه يشبه الحبشي في بعض أخلاقه أو أفعاله، وهو استعمال معروف في العربية. ومذهب أبي حنيفة أنه إن نفاه عن جده لا حد عليه، بأن قال له: لست ابن جدك أنَّه لا حد عليه؛ لأنه صادق إذ هو ابن أبيه لا جده، وكذلك لو نسب جنسًا إلى غيره كقوله لعربي: يا نبطي، فلا حد عليه عنده على المشهور، وكذلك عنده إذا نسبه لقبيلة أخرى غير قبيلته، أو نفاه عن قبيلته؛ لأنه يراد به التشبيه بتلك القبيلة التي نسبه لها في الأخلاق أو الأفعال، أو عدم الفصاحة، ونحو ذلك، فلا يتعين قصد القذف.\nوقال صاحب تبيين الحقائق: وروي عن ابن عباس أنَّه سئل عن رجل قال لرجل من قريش: يا نبطي، فقال لا حد عليه. اهـ. وكذلك لا يحد عند أبي حنيفة من قال لرجل: يا ابن ماء السماء، أو نسبه إلى عمه أو خاله، خلافًا للمالكية، ومن وافقهم القائلين بحد من نسبه لعمه ونحوه، أو زوج أمه الذي هو ربيبه؛ لأن العم والخال كلاهما كالأب في الشفقة، وقد يريد التشبيه بالأب في المحبة والشفقة. وقوله: ابن ماء السماء، فإنه قد يراد به التشبيه في الجود والسماحة والصفاء. قالوا: وكان عامر بن حارثة يلقب بماء السماء","vol":"6","page":130},{"text":"لكرمه، وأنه يقيم ماله في القحط مقام المطر. قالوا: وسميت أم المنذر بن امرئ القيس بماء السماء لحسنها وجمالها. وقيل لأولادها: بنو ماء السماء وهم ملوك العراق. اهـ. وإن نسبه لجده فلا حد عليه عند أبي حنيفة، ولا ينبغي أن يختلف في ذلك لصحة نسبته إلى جده كما هو واقع بكثرة على مر الأزمنة من غير نكير. اهـ. ومذهب الإِمام أحمد: أنَّه إن نفاه عن أمه فلا حد عليه. واختلف عنه فيمن نفى رجلًا عن قبيلته أو نسب جنسًا لغيره.\nقال ابن قدامة في المغني: وإذا نفى رجلًا عن أبيه، فعليه الحد، نص عليه أحمد، وكذلك إذا نفاه عن قبيلته. وبهذا قال إبراهيم النخعي، وإسحاق. وبه قال أَبو حنيفة، والثوري، وحماد. اهـ.\nوقد علمت الخلاف عن أبي حنيفة. والمشهور عنه ما ذكرناه قريبًا. ثم قال ابن قدامة في المغني: والقياس يقتضي ألا يجب الحد بنفي الرجل عن قبيلته، ولأن ذلك لا يتعين فيه الرمي بالزنا، فأشبه ما لو قال لأعجمي: إنك عربي، ولو قال للعربي. أنت نبطي أو فارسي فلا حد عليه، وعليه التعزير، نص عليه أحمد، لأنه يحتمل أنك نبطي اللسان أو الطبع. وحكي عن أحمد رواية أخرى أن عليه الحد كما لو نفاه عن أبيه. والأول أصح، وبه قال مالك، والشافعي، لأنه يحتمل غير القذف احتمالًا كثيرًا، فلا يتعين صرفه إليه، ومتى فسر شيئًا من ذلك بالقذف فهو قاذف. اهـ من المغني.\nوإذا عرفت أقوال أهل العلم في هذا فاعلم أن المسألة ليست فيها نصوص من الوحي. والظاهر أن ما احتمل غير القذف من ذلك لا يحد صاحبه؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات، واحتمال الكلام غير","vol":"6","page":131},{"text":"القذف لا يقل عن شبهة قوية. وقد ذكر ابن قدامة في المغني أن الأشعث بن قيس روى عن النبي  - ﷺ -  أنَّه كان يقول: \"لا أوتي برجل يقول: إن قريشًا ليست من كنانة إلَّا جلدته\". اهـ. وانظر إسناده.\nالمسألة الثالثة والعشرون: في أحكام كلمات متفرقة، كمن قال لرجل: يا قرنان، أو يا ديوث، أو يا كشخان، أو يا قرطبان، أو يا معفوج، أو يا قواد، أو يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات، أو يا مخنث. أو قال لامرأة: يا قحبة.\nاعلم أن أهل العلم اختلفوا في هذه العبارات المذكورة، فمذهب مالك: هو أن من قال لرجل: يا قرنان لزمه حد القذف لزوجته إن طلبته؛ لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة، وكذلك من قال لامرأة: يا قحبة لزمه الحد عند المالكية، وكذلك من قال: يا ابن منزلة الركبان، أو يا ابن ذات الرايات. كل ذلك فيه حد القذف عند المالكية، كما تقدمت الإِشارة إليه، قالوا: لأن الزانية في الجاهلية كانت تنزل الركبان، وتجعل على بابها راية، وكذلك لو قال له: يا مخنث لزمه الحد، إن لم يحلف أنَّه لم يرد قذفًا، فإن حلف أنَّه لم يرده أُدِّب، ولم يحد. قاله في المدونة. وإن قال له: يا ابن الفاسقة، أو يا ابن الفاجرة، أو يا فاسق، أو يا فاجر، أو يا حمار ابن الحمار، أو يا كلب، أو يا ثور، أو يا خنزير، ونحو ذلك فلا حد عليه، ولكنه يعزر تعزيزًا رادعًا حسبما يراه الإِمام. ومذهب أبي حنيفة: أنَّه لو قال له: يا فاسق، يا كافر، يا خبيث، يا لص، يا فاجر، يا منافق، يا لوطي، يا من يلعب بالصبيان، يا آكل الرِّبَا، يا شارب الخمر، يا ديوث، يا مخنث، يا خائن، يا ابن القحبة،","vol":"6","page":132},{"text":"يا زنديق، يا قرطبان، يا مأوى الزواني أو اللصوص، يا حرام؛ أنَّه لا حد عليه في شيء من هذه الألفاظ، وعليه التعزير. وآكد التعزير عند الحنفية تسعة وثلاثون سوطًا. وأما لو قال له: يا كلب، يا تيس، يا حمار، يا خنزير، يا بقر، يا حية، يا حجام، يا ببغاء، يا مؤاجر، يا ولد الحرام، يا عيار، يا ناكس، يا منكوس، يا سخرة، يا ضحكة، يا كشخان، يا أبله، يا مسوس، فلا شيء عليه في شيء من هذه الألفاظ عند الحنفية، ولا يعزر بها.\nقال صاحب تبيين الحقائق: لا يعزر بهذه الألفاظ كلها لأن من عادتهم إطلاق الحمار ونحوه بمعنى البلادة والحرص أو نحو ذلك، ولا يريدون به الشتيمة، ألا ترى أنهم يسمون به ويقولون: عياض بن حمار، وسفيان الثوري، وأَبو ثور، وجمل، ولأن المقذوف لا يلحقه شين بهذا الكلام، وإنَّما يلحق القاذف. وكل أحد يعلم أنَّه آدمي، وليس بكلب، ولا حمار وأن القاذف كاذب في ذلك. وحكى الهندواني أنَّه يعزر في زماننا في مثل قوله: يا كلب، يا خنزير؛ لأنه يراد به الشتم في عرفنا.\nوقال شمس الأئمة السرخسي: الأصح عندي أنَّه لا يعزر. وقيل: إن كان المنسوب إليه من الأشراف كالفقهاء والعلوية يعزر؛ لأنه يعد شينًا في حقه، وتلحقه الوحشة بذلك، وإن كان من العامة لا يعزر. وهذا أحسن ما قيل فيه. ومن الألفاظ التي لا توجب التعزير قوله: يا رستاقي، ويا ابن الأسود، ويا ابن الحجام، وهو ليس كذلك. اهـ من تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق في الفقه الحنفي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما الألفاظ التي ذكرنا عنهم","vol":"6","page":133},{"text":"أنَّها توجب التعزير فوجوب التعزير بها كما ذكروا واضح لا إشكال فيه.\nوأما الألفاظ التى ذكرنا عنهم أنها لا تعزير فيها، فالأظهر عندنا أنَّها يجب فيها التعزير؛ لأنها كلها شتم وعيب، ولا يخفى أن من قال لإِنسان: يا كلب، يا خنزير، يا حمار، يا تيس، يا بقر إلى آخره، أن هذا شتم واضح لا خفاء به، وليس مراده أن الإِنسان كلب، أو خنزير، ولكن مراده تشبيه الإِنسان بالكلب والخنزير في الخسة والصفات الذمية كما لا يخفى، فهو من نوع التشبيه الذي يسميه البلاغيون تشبيهًا بليغًا، ولا شك أن عاقلًا قيل له: يا كلب، أو يا خنزير مثلًا أن ذلك يؤذيه، ولا يشك أنَّه شتم، فهو أذى ظاهر. وعليه فالظاهر التعزير في الألفاظ المذكورة. وكونهم يسمون الرجل حمارًا أو كلبًا لا ينافي ذلك؛ لأن من الناس من يسم ابنه باسم قبيح لا يرضى غيره أن يعاب به. والظاهر أنَّه إن قال لرجل: يا ابن الأسود، وليس أَبوه، ولا أحد من أجداده بأسود، أنَّه يلزمه الحد لأنه نفي لنسبه، وكذلك قوله: يا ابن الحجام إن لم يكن أَبوه، ولا أحد من أجداده حجامًا فهو قذف؛ لأنه نفي لنسبه، وإلصاق له بأسود، أو حجام ليس بينه وبينه نسب كما هو قول المالكية ومن وافقهم.\nوقال صاحب تبيين الحقائق: وتفسير القرطبان هو الذي يرى مع امرأته، أو محرمه رجلًا، فيدعه خاليًا بها. وقيل: هو السبب للجمع بين اثنين لمعنى غير ممدوح. وقيل: هو الذي يبعث امرأته مع غلام بالغ، أو مع مزارعه إلى الضيعة، أو يأذن لهما بالدخول عليها في غيبته. اهـ منه.","vol":"6","page":134},{"text":"وقال ابن قدامة في المغني: وإن قال لرجل: يا ديوث، أو يا كشخان: فقال أحمد: يعزر. وقال إبراهيم الحربي: الديوث الذي يدخل الرجال على امرأته. وقال ثعلب: القرطبان الذي يرضى أن يدخل الرجال على امرأته. وقال: القرنان، والكشخان لم أرهما في كلام العرب، ومعناه عند العامة مثل معنى الديوث، أو قريب منه. في القاذف به التعزير على قياس قوله في الديوث؛ لأنه قذفه بما لا حد فيه. وقال خالد بن يزيد، عن أبيه في الرجل يقول للرجل: يا قرنان إذا كان له أخوات، أو بنات في الإِسلام ضرب الحد. يعني أنَّه قاذف لهن. وقال خالد، عن أبيه: القرنان عند العامة من له بنات والكشخان: من له أخوات. يعني  - واللَّه أعلم -  إذا كان يدخل الرجال عليهن. والقواد عند العامة السمسار في الزنى، والقذف بذلك كله يوجب التعزير؛ لأنه قذف بما لا يوجب الحد. اهـ. من المغني.\nوقال في المغني أيضًا: المنصوص عن أحمد فيمن قال: يا معفوج أن عليه الحد. وظاهر كلام الخرقي يقتضي أن يرجع إلى تفسيره، فإن فسر بغير الفاحشة مثل أن يقول: أردت يا مفلوج أو يا مصابًا دون الفرج ونحو هذا، فلا حد عليه؛ لأنه فسره بما لا حَدَّ فيه. وإن فسره بعمل قوم لوط فعليه الحد كما لو صرح به.\nوقال صاحب القاموس القرنان: الديوث المشارك في قرينته لزوجته. اهـ منه.\nوقال في القاموس أيضًا: القرطبان بالفتح الديوث، والذي لا غيرة له أو القواد. اهـ منه. وقال في القاموس: والتديث القيادة. وفي القاموس تحت الخط لا بين قوسين الكشخان، ويكسر:","vol":"6","page":135},{"text":"الديوث، وكشخه تكشيخًا وكشخنة. قال له: يا كشخان. اهـ. منه وهو بالخاء المعجمة.\nوقال الجوهري في صحاحه: والديوث القنذع، وهو الذي لا غيرة له. اهـ منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن التحقيق في جميع الألفاظ المذكورة التي ذكرنا كلام العلماء فيها أنها تتبع العرف الجاري في البلد الذي قيلت فيه، فإن كان من عرفهم أن المراد بها الشتم بما لا يوجب الحد وجب التعزيز، لأجل الأذى ولا حد، وإن كان عرفهم أنها يراد بها الشتم بالزنى، أو نفي النسب، وكان ذلك معروفًا أنه هو المقصود عرفًا، وجب الحد؛ لأن العرف متبع في نحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة والعشرون: في حكم من قذف محصنًا بعد موته، ومذهب مالك في ذلك هو قوله في المدونة: من قذف ميتًا فلولده، وإن سفل، وأبيه وإن علا القيام بذلك، ومن قام منهم أخذه بحده وإن كان ثم من هو أقرب منه؛ لأنه عيب، وليس للإِخوة وسائر العصبة مع هؤلاء قيام، فإن لم يكن من هؤلاء واحد فللعصبة القيام. اهـ بواسطة نقل المواق.\nوحاصله: أن الميت المقذوف يحد قاذفه بطلب من وجد من فروعه، وإن سفلوا، أو واحد من أصوله، وإن علوا، ولا كلام في حال وجود الأصول أو الفروع لغيرهم من الإِخوة والعصبة، فإن لم يوجد من الأصول والفروع أحد، فللأخوة والعصبة القيام، ويحد للمقذوف بطلبهم. هذا حاصل مذهب مالك في المسألة. وظاهره عدم الفرق بين كون المقذوف الميت أبًا أو أمًا. وبعض أهل العلم","vol":"6","page":136},{"text":"يفرق بين قذف الأب والأم؛ لأن قذف الأم بالزنى فيه قدح في نسب ولدها؛ لأن ابن الزانية قد يكون لغير أبيه من أجل زنا أمه.\nوقال ابن قدامة في المغني: وإن قذف أمه وهي ميتة مسلمة كانت أو كافرة حرة أو أمة، حد القاذف إذا طلب الابن وكان حرًا مسلمًا، أما إذا قذفت وهي في الحياة، فليس لولدها المطالبة؛ لأن الحق لها، فلا يطالب به غيرها، ولا يقوم غيرها مقامها، سواء كانت محجورًا عليها، أو غير محجور عليها؛ لأنه حق يثبت للتشفي، فلا يقوم فيه غير المستحق مقامه كالقصاص، وتعتبر حصانتها؛ لأن الحق لها، فتعتبر حصانتها كما لو لم يكن لها ولد. وأما إن قذفت وهي ميتة، فإن لولدها المطالبة؛ لأنه قدح في نسبه، ولأنه يقذف أمه بنسبته إلى أنَّه ابن زنى، ولا يستحق ذلك بطريق الإِرث، ولذلك تعتبر الحصانة فيه، ولا تعتبر الحصانة في أمه؛ لأن القذف له.\nوقال أَبو بكر: لا يجب الحد بقذف ميتة بحال، وهو قول أصحاب الرأي؛ لأنه قذف لمن لا تصح منه المطالبة، فأشبه قذف المجنون.\nوقال الشافعي: إن كانت الميتة محصنًا فلوليه المطالبة، وينقسم بانقسام الميراث، وإن لم يكن محصنًا فلا حد على قاذفه؛ لأنه ليس بمحصن، فلا يجب الحد بقذفه كما لو كان حيًا.\nوأكثر أهل العلم لا يرون الحد على من يقذف من ليس محصنًا حيًا ولا ميتًا؛ لأنه إذا لم يحد بقذف غير المحصن إذا كان حيًا فلأن لا يحد بقذفه ميتًا أولى.\nولنا قول النبي  - ﷺ -  في الملاعنة: ومن رمى ولدها فعليه الحد.","vol":"6","page":137},{"text":"يعني من رماه بأنه ولد زنى. وإذا وجب بقذف ولد الملاعنة بذلك، فبقذف غيره أولى، ولأن أصحاب الرأي أوجبوا الحد على من نفى رجلًا عن أبيه إذا كان أَبواه حرين مسلمين، ولو كانا ميتين، والحد إنما وجب للولد؛ لأن الحد لا يورث عندهم. فأما إن قذفت أمه بعد موتها، وهو مشرك أو عبد، فلا حد عليه في ظاهر كلام الخرقي، سواء كانت الأم حرة مسلمة أو لم تكن. وقال أَبو ثور وأصحاب الرأي: إذا قال لكافر أو عبد: لست لأبيك، وأَبواه حران مسلمان فعليه الحد، وإن قال لعبدٍ أمه حرة وأَبوه عبد: لست لأبيك فعليه الحد، وإن كان العبد للقاذف عند أبي ثور.\nوقال أصحاب الرأي: يصح أن يحد المولى لعبده. واحتجوا بأن هذا قذف لأمه فيعتبر إحصانها دون إحصانه؛ لأنها لو كانت حية كان القذف لها، فكذلك إذا كانت ميتة، ولأن معنى هذا: إن أمك زنت فأتت بك من الزنى، فإذا كان من الزنى منسوبًا إليها كانت هي المقذوفة دون ولدها. ولنا ما ذكرناه، ولأنه لو كان القذف لها لم يجب الحد؛ لأن الكافر لا يرث المسلم، والعبد لا يرث الحر، ولأنهم لا يوجبون الحد لقذف ميتة بحال، فيثبت أن القذف له فيعتبر إحصانه دون إحصانها. واللَّه أعلم. اهـ بطوله من المغني.\nوقد رأيت في كلامه أقوال أهل العلم في رمي المرأة الميتة، إن كان لها أولاد، ورمي المرأة الحية التي لها أولاد. وبه تعلم أن الحد يورث عند المالكية والشافعية إلَّا أنَّه عند المالكية لا يطلبه إلَّا الفروع والأصول، ويحد بطلب كل منهم وإن كان يوجد منهم من هو أقرب من طالب الحد، وأنه عند عدم الفروع والأصول يطالب به الإِخوة والحصبة، وكل ذلك يدل على أنهم ورثوا ذلك الحق في","vol":"6","page":138},{"text":"الجملة عن المقذوف الميت، وأن الشافعية يقولون: إنه ينقسم بانقسام الميراث، كما نقله عنهم صاحب المغني في كلامه المذكور، وأن الحنفية يقولون: إن الحد لا يورث، وهو ظاهر المذهب الحنبلي، وأن بعض أهل العلم قال: لا يحد من قذف ميتة بحال.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي  - واللَّه تعالى أعلم -  في هذه المسألة: أن قذف الأم إن كان يستلزم نفي نسب ولدها فلها القيام حية، ولولدها القيام إذا لم تطالب هي؛ لأنه مقذوف بقذفها، خلافًا لما في كلام صاحب المغني، وكذلك إن كانت ميتة فله القيام، ويحد له القاذف. وقول صاحب المغني: تعتبر حصانته هو دون حصانتها هي لم يظهر له معنى، لأن نفي نسب إنسان لا تشترط فيه حصانة المنفي نسبه، لأنا لو فرضنا أنها جاءت به من زنى، فإنه هو لا ذنب له، ولا يعتبر زانيًا كما ترى.\nوالحاصل: أن قذف الأم إن كان يستلزم قذف ولدها، فالأظهر إقامة الحد على القاذف بطلب الأم، وبطلب الولد وإن كانت حية؛ لأنه مقذوف، وأحرى إن كانت ميتة، وإن كانت الأم لا ولد لها أو لها ولد لا يستلزم قذفها قذفه فهي مسألة: هل يحد من قذف ميتًا أو لا؟ وقد رأيت خلاف العلماء فيها، ولكل واحد من القولين وجه من النظر، لأن الظاهر أن حرمة عرض الإِنسان لا تسقط بالموت، وهذا يقتضي حد من قذف ميتة. ووجه الثاني: أن الميتة لا يصح منها الطلب، فلا يحد بدون طلب، ولأن من مات لا يتأذى بكلام القاذف، وإن كان كذبًا، بل يفرح به، لأنه يكون له فيه حسنات، وإن كان حقًا ما رماه به، فلا حاجة له بحده بعد موته، لأنه لم يقل إلَّا الحق وحده وهو صادق لا حاجة للميت فيه. اهـ.","vol":"6","page":139},{"text":"وأقربهما عندي أنَّه يعزر تعزيزًا رادعًا ولا يقام عليه الحد.\nواعلم أن الحي إذا قذفه آخر بالزنا، وهو يعلم في نفسه أن القاذف صادق، فقد قال بعض أهل العلم: إن له المطالبة بحده مع علمه بصدقه فيما رماه به، وهو مذهب مالك، ومن وافقه.\nوالأظهر عندي أنَّه إن كان يعلم أنما قذفه به حق أنَّه لا تنبغي له المطالبة بحده؛ لأنه يتسبب في إيذائه بضرب الحد، وهو يعلم أنَّه محق فيما قال. والعلم عند الله تعالى.\nوذكر غير واحد من أهل العلم أن من قذف أم النبي  - ﷺ -  أو قذفه هو  - ﷺ -  أن ذلك ردة، وخروج من دين الإِسلام، وهو ظاهر لا يخفى، وأن حكمه القتل، ولكنهم اختلفوا إذا تاب هل تقبل توبته؟ فذهبت جماعة من أهل العلم إلى أنَّه لا تقبل توبته، ويقتل على كل حال. وقال بعض أهل العلم: تقبل توبته إن تاب. وهذا الأخير أقرب لكثرة النصوص الدالة على قبول توبته من تاب ولو من أعظم أنواع الكفر. واللَّه تعالى أعلم.\nالمسألة الخامسة والعشرون: في حكم من قذف ولده:\nوقد اختلف أهل العلم في ذلك. قال في المغني: وإذا قذف ولده وإن نزل لم يجب الحد عليه، سواء كان القاذف رجلًا أو امرأة وبهذا قال عطاء، والحسن، والشافعي، وإسحاق، وأصحاب الرأي. وقال مالك، وعمر بن عبد العزيز، وأَبو ثور، وابن المنذر: عليه الحد؛ لعموم الآية، ولأنه حد فلا تمنع من وجوبه قرابة الولادة كالزنى.\nوأظهر القولين دليلًا: أنَّه لا يحد الوالد لولده لعموم قوله:","vol":"6","page":140},{"text":"﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ وقوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ فلا ينبغي للولد أن يطلب حد والده للتشفي منه. وقول المالكية في هذه المسألة في غاية الإشكال؛ لأنهم يقولون: إن الولد يمكن من حد والده القاذف له، وأَنه يعد بحده له فاسقًا بالعقوق، كما قال خليل في مختصره: \"وله حد أبيه وفسق\"، ومعلوم أن الفسق لا يكون إلَّا بارتكاب كبيرة، والشرع لا يمكن أحدًا من ارتكاب كبيرة، كما ترى، مع أن الروايات عن مالك نفسه ظاهرها عدم الحد. وقاله غير واحد من أهل مذهبه.\nالمسألة السادسة والعشرون: في حكم من قتل أو أصاب حدًا خارج الحرم، ثم لجأ إلى الحرم، هل يستوفى منه الحق في الحرم، أو لا يستوى منه حتَّى يخرج من الحرم؟\nاعلم أن هذه المسألة فيها للعلماء ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنَّه يستوفي منه الحق قصاصًا كان أو حدًا قتلًا كان أو غيره.\nالثاني: أنَّه لا يستوفي منه حد ولا قصاص ما دام في الحرم سواء كان قتلًا أو غيره.\nالثالث: أنَّه يستوفى منه كل شيء من الحدود إلَّا القتل، فإنه لا يقتل في الحرم في حد كالرجم، ولا في قصاص.\nوالخلاف في هذه المسألة مشهور عند أهل العلم.\nقال ابن قدامة في المغني: وجملته أن من جنى جناية توجب قتلًا خارج الحرم، ثم لجأ إليه لم يستوف منه فيه، وهذا قول ابن عباس، وعطاء، وعبيد بن عمير، والزهري، وإسحاق ومجاهد، والشعبي، وأبي حنيفة وأصحابه.","vol":"6","page":141},{"text":"وأما غير القتل من الحدود كلها والقصاص فيما دون النفس، فعن أحمد فيه روايتان.\nإحداهما: لا يستوفى من الملتجئ إلى الحرم فيه.\nوالثانية: يستوفى، وهو مذهب أبي حنيفة؛ لأن المروي عن النبي  - ﷺ -  النهي عن القتل لقوله ﵊: \"فلا يسفك فيها دم\" وحرمة النفس أعظم فلا يقاس عليها، ولأن الحد بالجلد جرى مجرى التأديب، فلم يمنع كتأديب السيد عبده. والأولى ظاهر كلال الخرقي، وهي ظاهر المذهب.\nقال أَبو بكر: هذه مسألة وجدتها مفردة لحنبل عن عمه: أن الحدود كلها تقام في الحرم إلَّا القتل. والعمل على أن كل جان دخل الحرم لم يقم عليه حد جنايته حتى يخرج منه، إلى أن قال: وقال مالك، والشافعي، وابن المنذر: يستوفى منه فيه؛ لعموم الأمر بجلد الزاني، وقطع السارق، واستيفاء القصاص من غير تخصيص بمكان دون مكان. اهـ محل الغرض منه.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: وقال أَبو حنيفة: لا يقتل في الحرم حتى يخرج إلى الحل باختياره، ولكن لا يجالس ولا يكلم، ويوعظ، ويذكر حتى يخرج. وقال أَبو يوسف: يخرج مضطرًا إلى الحل. وفعله ابن الزبير.\nوروى ابن أبي شيبة من طريق طاووس عن ابن عباس: من أصحاب حدا ثم دخل الحرم لم يجالس ولم يبايع. وعن مالك والشافعي: يجوز إقامة الحد مطلقًا فيها؛ لأن العاصي هتك حرمة نفسه، فأبطل ما جعل الله له من الأمن. اهـ محل الغرض منه.","vol":"6","page":142},{"text":"وقال الشوكاني في نيل الأوطار مشيرًا إلى إقامة الحدود واستيفاء القصاص في الحرم: وقد ذهب إلى ذلك مالك، والشافعي وهو اختيار ابن المنذر. ويؤيد ذلك عموم الأدلة القاضية باستيفاء الحدود في كل مكان وزمان. وذهب الجمهور من الصحابة، والتابعين، ومن بعدهم، والحنفية، وسائر أهل العراق، وأحمد ومن وافقه من أهل الحديث والعترة: إلى أنَّه لا يحل لأحد أن يسفك بالحرم دمًا، ولا يقيم به حدًا حتى يخرج منه من لجأ إليه. اهـ محل الغرض منه.\nوإذا عرفت من هذه النقول أقوال أهل العلم في هذه المسألة فهذه أدلتهم ومناقشتها.\nأما الذين قالوا: يستوفى منه كل حد في الحرم إن لجأ إليه، كمالك، والشافعي، وابن المنذر، ومن وافقهم، فقد استدلوا بأدلة:\nمنها: أن نصوص الكتاب والسنَّة الدالة على إقامة الحدود واستيفاء القصاص، ليس في شيء منها تخصيص مكان دون مكان، ولا زمان دون زمان، وظاهرها شمول الحرم وغيره. قالوا: والعمل بظواهر النصوص واجب، ولا سيما إذا كثرت.\nومنها: أن استيفاء القصاص وإقامة الحدود حق واجب بتشريع الله على لسان نبيه  - ﷺ -، وفعل الواجب الذي هو عين طاعة الله في الحرم ليس فيه أي انتهاك لحرمة الحرم، لأن أحق البلاد بأن يطاع فيها الله بامتثال أوامره هي حرمه، وطاعة الله في حرمه ليس فيها انتهاك كما ترى.\nأما استدلال هؤلاء بما في الصحيحين بلفظ: إن الحرم لا يعيذ","vol":"6","page":143},{"text":"عاصيًا ولا فارًا بدم ولا فارًا بخربة، فهو استدلال في غاية السقوط؛ لأن من ظن أنَّه حديث عن رسول الله - ﷺ - فقد غلط غلطًا فاحشًا؛ لأنه من كلام عمرو بن سعيد المعروف بالأشدق، كما هو صريح في الصحيحين وغيرهما.\nقال البخاري رحمه للَّه في صحيحه: حدثنا قتيبة، حدثنا الليث، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح العدوي أنَّه قال لعمرو بن سعيد - وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي أيها الأمير أحدثك قولًا قام به رسول الله - ﷺ - في الغد من يوم الفتح، فسمعته أذناي، ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تكلم به أنَّه حمد الله، وأثنى عليه ثم قال: إن مكة حرمها الله، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله - ﷺ - فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنَّما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، وليبلغ الشاهد الغائب. فقيل لأبي شريح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا. . . إلى آخره. وهذا صريح في أنَّه من كلام عمرو بن سعيد الأشدق يعارض به أبا شريح لما ذكر له كلام النبي - ﷺ -. ومعلوم أنَّه لا حجة البتة في كلام الأشدق، ولا سيما في حال معارضته به لحديث رسول الله - ﷺ -، وإن كان كلامه لا يطابق الجواب عن الحديث الذي ذكره أَبو شريح ﵁. وفي صحيح مسلم ﵀ مثل ما في البخاري من حديث أبي شريح إسنادًا ومتنًا.\nوإذا تقرر أن القائل: إن الحرم لا يعيذ عاصيًا. . . إلى آخره هو","vol":"6","page":144},{"text":"الأشدق علمت أنَّه لا دلالة فيه. وكذلك احتجاجهم بما ثبت في الصحيح من أنه - ﷺ - \"أمر بقتل ابن خطل وهو متعلق بأستار الكعبة\" لأن أمره بقتله وهو متعلق بأستار الكعبة في نفس الوقت الذي أحل الله له فيه الحرم، وقد صرح النبي - ﷺ - أن حرمتها عادت كما كانت، ففعله - ﷺ - في وقت إحلال الحرم له ساعة من نهار لا دليل فيه بعد انقضاء وقت الإِحلال ورجوع الحرمة كما ترى.\nوأما الذين منعوا القتل في الحرم دون ما سواه من الحدود التي لا قتل فيها والقصاص في غير النفس، فقد احتجوا بأن الحديث الصحيح الذي هو حديث أبي شريح المتفق عليه فيه \"لا يحل لامرئ يؤمن باللَّه واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا\" الحديث. قالوا تصريحه - ﷺ - بالنهي عن سفك الدم، دون غيره دليل على أنَّه ليس كغيره، ولا يقاس غيره عليه؛ لأن النفس أعظم حرمة مما لا يستوجب القتل من حد أو قصاص في غير النفس، فيبقى غير القتل داخلًا في عموم النصوص المقتضية له في كل مكان وزمان، ويخرج خصوص القتل من تلك العمومات بهذا الحديث الصحيح، ويؤيده أن قوله: \"دمًا\" نكرة في سياق النفي، وهي من صيغ العموم، فيشمل العموم المذكور إراقة الدم في قصاص أو حد أو غير ذلك.\nواستدلوا أيضًا بقول ابن عمر ﵄: لو وجدت قاتل عمر في الحرم ما هجته. قال المجد في المنتقى: حكاه أحمد في رواية الأثرم.\nوأما الذين قالوا بأن الحرم لا يستوفى فيه شيء من الحدود، ولا من القصاص قتلًا كان أو غيره، فقد استدلوا بقوله: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ قالوا: وجملة: (ومن دخله كان آمنًا) خبر أريد به الإِنشاء","vol":"6","page":145},{"text":"فهو أمر عام، يستوجب أمن من دخل الحرم، وعدم التعرض له بسوء، وبعموم النصوص الدالة على تحريم الحرم.\nواستدلوا أيضًا بآثار عن بعض الصحابة، كما روي عن ابن عباس أنَّه قال في الذي يصيب حدًا ثم يلجأ إلى الحرم: يقام عليه الحد إذا خرج من الحرم. قال المجد في المنتقى: حكاه أحمد في رواية الأثرم.\nوهذ ملخص أقوال أهل العلم، وأدلتهم في هذه المسألة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر - واللَّه تعالى أعلم - أن أجري هذه الأقوال على القياس قول من قال: يستوفى من اللاجئ إلى الحرم كل حق وجب عليه شرعًا، قتلًا كان أو غيره، لأن إقامة الحدود واستيفاء القصاص مما أوجبه الله، وفعل ذلك طاعة، وتقرب إليه، وليس في طاعة الله وامتثال أمره انتهاك لحرمة حرمه. وأجراها على الأصول، وهو أولاها هو الجمع بين الأدلة، وذلك بقول من قال: يضيق على الجاني اللاجئ إلى الحرم، فلا يباع له، ولا يشترى منه، ولا يجالس، ولا يكلم حتى يضطر إلى الخروج، فيستوفى منه حق الله إذا خرج من الحرم، لأن هذا القول جامع بين النصوص، فقد جمع بين استيفاء الحق، وكون ذلك ليس في الحرم، وفي هذا خروج من الخلاف. والعلم عند الله تعالى. ولنكتف بما ذكرنا من أحكام هذه الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1179> قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ (٨)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية.","vol":"6","page":146},{"text":"معنى يدرأ: يدفع. والمراد بالعذاب هنا: الحد، والمصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: (أن تشهد) فاعل يدرأ، أي: يدفع عنها الحد شهادتها أربع شهادات. . . الآية.\nوالدليل على أن المراد بالعذاب في قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الحد من أوجه.\nالأول منها: سياق الآية، فهو يدل على أن العذاب الذي تدرؤه عنها شهاداتها هو الحد.\nوالثاني: أنَّه أطلق اسم العذاب في مواضع أخر على الحد مع دلالة السياق فيها على أن المراد بالعذاب فيها الحد، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ فقوله ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا﴾ أي: حدهما بلا نزاع. وكذلك قوله تعالى في الإِماء: ﴿فَعَلَيهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ﴾ أي: نصف ما على الحرائر من الجلد.\nوهذه الآية: تدل على أن الزوج إذا رمى زوجته وشهد شهاداته الخمس المبينة في الآية أن المرأة يتوجه عليها الحد بشهاداته، وأن ذلك الحد المتوجه إليها بشهادات الزوج تدفعه عنها شهاداتها هي الموضحة في الآية.\nومفهوم مخالفة الآية يدل على أنها لو نكلت عن شهاداتها لزمها الحد بسبب نكولها مع شهادات الزوج. وهذا هو الظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه، فشهادات الزوج القاذف تدرأ عنه هو حد القذف، وتوجه إليها هي حد الزنى، وتدفعه عنها شهاداتها.","vol":"6","page":147},{"text":"وظاهر القرآن أيضًا أنَّه لو قذف زوجته وامتنع من اللعان أنَّه يحد حد القذف، فكل من امتنع من الزوجين من الشهادات الخمس وجب عليه الحد. وهذا هو الظاهر من الآيات القرآنية؛ لأن الزوج القاذف داخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ ولكن الله بين خروج الزوج من هذا العموم بشهاداته حيث قال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦) وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (٧)﴾ فلم يجعل له مخرجًا من جلد ثمانين، وعدم قبول الشهادة، والحكم بالفسق إلَّا بشهاداته التي قامت له مقام البينة المبرئة له من الحد. فإن نكل عن شهاداته فالظاهر وجوب الحد عليه؛ لأنه لم تدرأ عنه أربعة عدول يشهدون بصدقه، ولا شهادات تنوب عن الشهود، فتعين أنَّه يحد؛ لأنه قاذف، ولم يأت بما يدفع عنه حد القذف، وكذلك الزوجة إذا نكلت عن أيمانها فعليها الحد؛ لأن الله نص على أن الذي يدرأ عنها الحد هو شهاداتها في قوله تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ﴾ الآية.\nوممن قال: إن الزوج يلزمه الحد إن نكل عن الشهادات الأئمة الثلاثة خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنه يحبس حتى يلاعن، أو يكذب نفسه، فيقام عليه حد القذف. وممن قال بأنها إن شهد هو، ونكلت هي أنها تحد بشهاداته ونكولها: مالك والشافعي، والشعبي، ومكحول، وأَبو عبيد، وأَبو ثور. كما نقله عنهم صاحب المغني.\nوهذا القول أصوب عندنا؛ لأنه ظاهر قوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية. ولا ينبغي العدول عن ظاهر القرآن إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه من كتاب أو سنَّة.","vol":"6","page":148},{"text":"وقال أَبو حنيفة وأحمد: لا حد عليها بنكولها عن الشهادات، وتحبس أيضًا حتى تلاعن أو تقر فيقام عليها الحد.\nقال في المغني: وبهذا قال الحسن، والأوزاعي، وأصحاب الرأي. وروي ذلك عن الحارث العكلي، وعطاء الخراساني.\nواحتج أهل هذا القول بحجج يرجع جميعها إلى أن المانع من حدها أن زناها لم يتحقق ثبوته؛ لأن شهادات الزوج ونكولها هي لا يتحقق بواحد منهما ولا بهما مجتمعين ثبوت الزنى عليها.\nوقول الشافعي ومالك ومن وافقهما في هذه المسألة أظهر عندنا؛ لأن مسألة اللعان أصل مستقل لا يدخله القياس على غيره، فلا يعدل فيه عن ظاهر النص إلى القياس على مسألة أخرى. والعلم عند الله تعالى.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن اللعان لا يلزم بين الزوجين إلَّا بقذف الرجل زوجته قذفًا يوجب عليه الحد لو قاله لغير زوجة، كرميها بالزنى، ونفي ولدها عنه. وقول الجمهور هنا: إنه يكفي في وجوب اللعان قذفها بالزنى من غير اشتراط أن يقول: رأيت بعيني أظهر عندي مما روي عن مالك من أنَّه لا يلزم اللعان حتى يصرح برؤية العين؛ لأن القذف بالزنى كافٍ دون التصريح برؤية العين. وقول الملاعن في زمنه  - ﷺ -: رأت عيني وسمعت أذني لا يدل على أنَّه لو اقتصر على أنها زنت أن ذلك لا يكفي، دون اشتراط رؤية العين، وسماع الأذن كما لا يخفى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في شهادات اللعان","vol":"6","page":149},{"text":"المذكورة في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ إلى آخر الآيات، هل هي شهادات أو أيمان على أربعة أقوال:\nالأول: أنها شهادات لأن الله سماها في الآية شهادات.\nوالثاني: أنها أيمان.\nوالثالث: أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة.\nوالرابع: عكسه. وينبني على الخلاف في ذلك أن من قال: إنها شهادات لا يصح عنده اللعان إلَّا ممن تجوز شهادته. فيشترط في الملاعن والملاعنة العدالة وغيرها من شروط قبول الشهادة. ومن قال: إنها أيمان صح عنده اللعان من كل زوجين ولو كانا لا تصح شهادتهما لفسق أو غيره من مسقطات قبول الشهادة. وينبني على الخلاف المذكور ما لو شهد مع الزوج ثلاثة عدول، في أنها شهادة يكون الزوج رابع الشهود، فيجب عليها حد الزنى، وعلى أنها أيمان يحد الثلاثة ويلاعن الزوج. وقيل: لا يحدون.\nوممن قال بأنها شهادات وأن اللعان لا يصح إلَّا ممن تقبل شهادته، وأنها تحد بشهادة الثلاثة مع الزوج أَبو حنيفة ﵀ ومن تبعه، والأكثرون على أنها أيمان مؤكدة بلفظ الشهادة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي: أنها أيمان مؤكدة بالشهادة، وأن لفظ الشهادة ربما أطلق في القرآن مرادًا بها اليمين، مع دلالة القرائن على ذلك. وإنما استظهرنا أنها أيمان لأمور:\nالأول: التصريح في الآية بصيغة اليمين في قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ لأن لفظة (باللَّه) يمين فدل قوله: (باللَّه) على أن","vol":"6","page":150},{"text":"المراد بالشهادة اليمين؛ للتصريح بنص اليمين، فقوله: أشهد باللَّه في معنى: أقسم باللَّه.\nالثاني: أن القرآن جاء في إطلاق الشهادة وإرادة اليمين في قوله: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ ثم بين أن المراد بتلك الشهادة اليمين في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ فقوله: ﴿أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾ دليل على أن المراد بلفظ الشهادة في الآية اليمين. وهو واضح كما ترى.\nوقال القرطبي: ومنه قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ﴾ الآية؛ لأن قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيْمَانَهُمْ جُنَّةً﴾ يدل على أن المراد بشهادتهم الأيمان. هكذا قال. ولا يتعين عندي ما ذكره من الاستدلال بهذه الآية. والعلم عند الله تعالى.\nالثالث: ما قاله ابن العربي: قال: والفيصل أنها يمين لا شهادة أن الزوج يحلف لنفسه في إثبات دعواه وتخليصه من العذاب، وكيف يجوز لأحد أن يدعي في الشريعة أن شاهدًا يشهد لنفسه بما يوجب حكمًا على غيره. هذا بعيد في الأصل، معدوم في النظر. اهـ منه بواسطة نقل القرطبي.\nوحاصل استدلاله هذا: أن استقراء الشريعة استقراءًا تامًا يدل على أنَّه لم يوجد فيها شهادة إنسان لنفسه بما يوجب حكمًا على غيره. وهو استدلال قوي؛ لأن المقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة كما أوضحناه مرارًا. ودعوى الحنفية ومن وافقهم أن الزوج غير متهم لا يسوغ شهادته لنفسه، لإِطلاق ظواهر النصوص في عدم قبول شهادة الإِنسان لنفسه مطلقًا.","vol":"6","page":151},{"text":"الرابع: ما جاء في بعض روايات حديث اللعان أنَّه  - ﷺ -  قال لما جاءت الملاعنة بالولد شبيهًا بالذي رميت به: \"لولا الأيمان لكان لي ولها شأن\" عند أحمد وأبي داود. وقد سمى  - ﷺ -  في هذه الرواية شهادات اللعان أيمانًا. وفي إسناد الرواية المذكورة عباد بن منصور، تكلم فيه غير واحد، ويقال: إنه كان قدريًا.\nإلى غير ذلك من أدلتهم.\nوأما الذين قالوا: إنها شهادات لا أيمان فاحتجوا: بأن الله سماها شهادات في قوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾ وفي قوله: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ﴾ الآية.\nواستدلوا أيضًا بحديث \"أربعة لا لعان بينهم وبين أزواجهم: اليهودية والنصرانية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك\". اهـ.\nقالوا: إنما منع لعان اليهودية والنصرانية والعبد والأمة، لأنهم ليسوا ممن تقبل شهادتهم، ولو كانت شهادات اللعان أيمانًا لصح لعانهم\" لأنهم ممن تقبل يمينه.\nوقال الزيلعي في نصب الراية في الحديث المذكور: قلت: أخرجه ابن ماجة في سننه عن ابن عطاء، عن أبيه عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"أربع من النساء لا ملاعنة بينهن وبين أزواجهن: النصرانية تحت المسلم، واليهودية تحت المسلم، والمملوكة تحت الحر، والحرة تحت المملوك\" انتهى. وأخرجه الدارقطني في سننه، عن عثمان بن","vol":"6","page":152},{"text":"عبد الرحمن الوقاصي، عن عمرو بن شعيب به. وقال عن جده عبد الله بن عمرو مرفوعًا: \"أربعة ليس بينهم لعان، ليس بين الحر والأمة لعان، وليس بين العبد والحرة لعان، وليس بين المسلم واليهودية لعان، وليس بين المسلم والنصرانية لعان\". انتهى.\nوقال الدارقطني: والوقاصي متروك الحديث. ثم أخرجه عن عثمان بن عطاء الخراساني، عن أبيه، عن عمرو بن شعيب به. قال: وعثمان بن عطاء الخراساني ضعيف الحديث جدًّا، وتابعه يزيد بن زريع عن عطاء وهو ضعيف أيضًا. وروي عن الأوزاعي وابن جريج  - وهما إمامان -  عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قوله. ولم يرفعاه. ثم أخرجه كذلك موقوفًا. ثم أخرجه عن عمار بن مطر، ثنا حماد بن عمرو، عن زيد بن رفيع، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: \"أن رسول الله  - ﷺ -  بعث عتاب بن أسيد: ألا لعان بين أربع\" فذكر نحوه. قال: وعمار بن مطر، وحماد بن عمرو، وزيد بن رفيع ضعفاء، انتهى.\nوقال البيهقي في المعرفة: هذا حديث رواه عثمان بن عطاء، ويزيد بن زريع الرملي، عن عطاء الخراساني، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عن النبي  - ﷺ -: \"أربعة لا ملاعنة بينهم النصرانية تحت المسلم\" إلى آخره. قال: وعطاء الخراساني معروف بكثرة الغلط، وابنه عثمان، وابن زريع ضعيفان، ورواه عثمان بن عبد الرحمن الوقاصي، عن عمرو بن شعيب به. وهو متروك الحديث، ضعفه يحيى بن معين، وغيره من الأئمة. ورواه عمار بن مطر، عن حمَّاد بن عمرو، عن زيد بن رفيع، عن عمرو بن شعيب. وعمار بن مطر، وحماد بن عمرو، وزيد بن رفيع ضعفاء. وروي عن","vol":"6","page":153},{"text":"ابن جريج والأوزاعي  - وهما إمامان -  عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده موقوفًا. وفي ثبوته موقوفًا أيضًا نظر، فإن راويه عن ابن جريج والأوزاعي عمرو بن هارون، وليس بالقوي. ورواه يحيى بن أبي أنيسة أيضًا، عن عمرو ابن شعيب به موقوفًا. وهو متروك، ونحن إنما نحتج بروايات عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده إذا كان الراوي عنه ثقة، وانضم إليه ما يؤكده، ولم نجد لهذا الحديث طريقًا صحيحًا إلى عمرو. واللَّه أعلم. انتهى كلامه. انتهى كلام صاحب نصب الراية.\nوقال صاحب الجوهر النقي: إن الحديث المذكور جيد الإِسناد. ولو فرضنا جودة إسناده كما ذكره لم يلزم من ذلك أن شهادات اللعان شهادات لا أيمان، لاحتمال كون عدم الملاعنة بين من ذكر في الحديث لعدم المكافأة.\nوالأظهر عندنا أنها أيمان أكدت بلفظ الشهادة، للأدلة التي ذكرنا. وهو قول أكثر أهل العلم. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: اعلم أنَّه لا يجوز في اللعان الاعتماد على إتيان المرأة بالولد أسود وإن كانت بيضاء وزوجها أبيض، لقصة الرجل الذي ولدت امرأته غلامًا أسود، وأخبر النبي  - ﷺ -  كأنه يعرض بنفي الولد الأسود باللعان، فقال له النبي  - ﷺ -: هل لك من إبل؟ قال: نعم، قال: ما ألوانها؟ قال: حمر. قال: هل فيها من أورق؟ قال: إن فيها لورقًا. قال: ومن أين جاءتها الورقة؟ قال: لعل عرقًا نزعها. قال: وهذا الغلام الأسود لعل عرقًا نزعه. والقصة مشهورة ثابتة في الصحيحين، وقد قدمناها مرارًا. وفيها الدلالة على أن سواد الولد لا يجوز أن يكون مستندًا للرجل في اللعان كما ترى.","vol":"6","page":154},{"text":"المسألة الرابعة: اعلم أن التحقيق: أن من قذف امرأة بالزنى قبل أن يتزوجها ثم تزوجها أنَّه إن لم يأت بأربعة شهداء على زناها أنَّه يجلد حد القذف، ولا يقبل منه اللعان؛ لأنها وقت القذف أجنبية محصنة داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ الآية، والزواج الواقع بعد ذلك لا يغير الحكم الثابت قبله. فما يروى عن الإِمام أبي حنيفة ﵀ من أنَّه إن قذفها قبل الزواج، ثم تزوجها بعد القذف أنهما يلتعنان خلاف الظاهر عندنا من نص الآية الكريمة. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: اعلم أن التحقيق أن الزوج إن قذف زوجته وأمها بالزنا، ولم يأت بالبينة أنَّه يحد للأم حد القذف؛ لأنه قذفها بالزنى، وهي محصنة غير زوجة، فهي داخلة في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية. وأما البنت فإنه يلاعنها؛ لأنه قذفها، وهي زوجة له، فتدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٦)﴾ إلى آخر آيات اللعان.\nوبما ذكرنا تعلم أن قول بعض الأئمة: إنه إن حد للأم سقط حد البنت، وإن لاعن البنت لم يسقط حد الأم أنَّه خلاف التحقيق الذي دلت عليه آيات القرآن.\nوقد قال ابن العربي في القول المذكور: وهذا باطل جدًّا، فإنه خصص عموم الآية في البنت وهي زوجة بحد الأم من غير أثر ولا أصل قاسه عليه. اهـ. وهو ظاهر.\nالمسألة السادسة: اعلم أن الذي يظهر لنا أنَّه الصواب أن من قذف زوجته بالزنى، ثم زنت قبل لعانه لها أنَّه لا حد عليه ولا لعان؛","vol":"6","page":155},{"text":"لأنه تبين بزناها قبل اللعان أنها غير محصنة، ولا لعان في قذف غير المحصنة، كما قدمنا أنَّه إن قذف أجنبية بالزنى، ثم زنت قبل أن يقام عليه الحد أن الظاهر لنا سقوط الحد، لأنه قد تبين بزناها أنها غير محصنة قبل استيفاء الحد، فلا يحد بقذف من ظهر أنها غير محصنة، وذكرنا الخلاف في ذلك.\nوحجة من قال: يحد إن كانت أجنبية ويلاعن إن كانت زوجة، أن الحد واللعان قد وجبا وقت القذف فلا يسقطان بالزنى الطارئ. وبينا أن الأظهر سقوط الحد واللعان، لتبين عدم الإِحصان قبل الحد وقبل اللعان. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: اعلم أن من رمى زوجته الكبيرة التي لا تحمل لكبر سنها أنهما يلتعنان. هو لدفع الحد، وهي لدرء العذاب. وأما إن رمى زوجته الصغيرة التي لا تحمل لصغرها، فقد قدمنا خلاف العلماء هل يلزمه حد القذف إن كانت صغيرة تطيق الوطء، ولم تبلغ؟ فعلى أنَّه يلزمه الحد يجب عليه أن يلتعن لدفع الحد. وأما على القول: بأنه لا حد في قذف الصغيرة مطلقًا فلا لعان عليه في قذفها. وقد قدمنا الأظهر عندنا في ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة: اعلم أنَّه إن نفى حمل زوجته فقد اختلف أهل العلم، هل له أن يلاعنها، وهي حامل لنفي ما في بطنها عنه، أو لا يجوز له اللعان حتى تضع الولد؟ فذهب جمهور أهل العلم إلى أنَّه يلاعنها وهي حامل، وينتفى عنه حملها باللعان.\nوقال ابن حجر في الفتح بعد أن ساق أحاديث اللعان: وفيه أن الحامل تلاعن قبل الوضع لقوله في الحديث: \"انظروا فإن جاءت\"","vol":"6","page":156},{"text":"إلخ. كما تقدم في حديث سهل، وفي حديث ابن عباس، وعند مسلم من حديث ابن مسعود، فجاء يعني الرجل هو وامرأته فتلاعنا فقال النبي  - ﷺ -: \"لعلها أن تجيء به أسود جعدًا فجاءت به أسود جعدًا\" وبه قال الجمهور خلافًا لمن أَبى ذلك من أهل الرأي معتلًا بأن الحمل لا يعلم؛ لأنه قد يكون نفخة.\nوحجة الجمهور: أن اللعان شرع لدفع حد القذف عن الرجل، ودفع حد الرجم عن المرأة، فلا فرق بين أن تكون حاملًا أو حائلًا، ولذلك شرع اللعان مع الآيسة.\nوقد اختلف في الصغيرة، والجمهور على أن الرجل إذا قذفها فله أن يلتعن لدفع حد القذف عنه، دونها. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر.\nوقد قدمنا أن التعان قاذف الصغيرة مبني على أنَّه يحد لقذفها. وقد قدمنا كلام أهل العلم واختلافهم في حد قاذف الصغيرة المطيقة للوطء، وذكرنا ما يظهر لنا رجحانه من ذلك.\nوأما الذين قالوا: لا تلاعن الحامل حتى تضع ولدها، فقد استدلوا بأمرين:\nالأول: أن الحمل لا يتيقن وجوده قبل الوضع؛ لأنه قد يكون انتفاخًا، وقد يكون ريحًا.\nوالثاني: هو ما جاء في بعض الروايات في أحاديث اللعان مما يدل على أنَّه  - ﷺ -  أخر لعان الحامل حتى وضعت، ففي البخاري من حديث ابن عباس ما نصه: فقال رسول الله  - ﷺ -: \"اللَّهم بيِّن، فوضعت شبيهًا بالرجل الذي ذكر زوجها أنَّه وجده عندها، فلاعن","vol":"6","page":157},{"text":"رسول الله  - ﷺ -  بينهما\" الحديث. قالوا: فترتيبه \"فلاعن\" بالفاء على قوله: فوضعت شبيهًا بالرجل إلخ. دليل على أن اللعان كان بعد الوضع كما هو مدلول الفاء.\nوأجيب من قبل الجمهور عن هذه الرواية بما ذكر ابن حجر في فتح الباري فإنه قال في كلامه على الرواية المذكورة: ظاهره أن الملاعنة تأخرت إلى وضع المرأة، لكن أوضحت أن رواية ابن عباس هذه هي في القصة في حديث سهل بن سعد، وتقدم قبل من حديث سهل أن اللعان وقع بينهما قبل أن تضع، في هذا تكون الفاء في قوله: \"فلاعن\" معقبة لقوله: فأخبره بالذي وجده عليه امرأته. وهذه الجملة التي ذكر ابن حجر أن جملة \"فلاعن\" معطوفة عليها مذكورة في حديث ابن عباس الذي ذكرنا محل الغرض منه.\nوالذي يظهر لنا أن الحامل تلاعن قبل الوضع لتصريح الأحاديث الصحيحة بذلك، ولما ذكره ابن حجر في كلامه الذي نقلناه آنفًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة التاسعة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن طلق امرأته ثم قذفها بعد الطلاق أنَّه إن كان قذفه لها بنفي حمل لم يعلم به إلَّا بعد الطلاق، أنَّه يلاعنها لنفي ذلك الحمل عنه وإن كانت بائنًا، وأنه إن قذفها بالزنى بعد الطلاق حد، ولم يلاعن لأن تأخيره القذف واللعان إلى زمن بعد الطلاق دليل على أنَّه قاذف. والأظهر: ولو كان الطلاق رجعيًا، ولم تنقض العدة وإن كانت الرجعية في حكم الزوجة؛ لأن طلاقه إياها قبل القذف دليل على أنَّه لا يريد اللعان ويجلد. وهو قول ابن عباس. وقيل: يلاعن الرجعية قبل انقضاء العدة؛ لأنها في حكم الزوجة، وهو مذهب أحمد","vol":"6","page":158},{"text":"المشهور، ورواية أبي طالب عنه، وبه قال ابن عمر، وجابر، وزيد، والنخعي، والزهري، والشافعي، وإسحاق، وأَبو عبيد، وأَبو ثور، وأصحاب الرأي. وله وجه من النظر. واللَّه أعلم.\nوقال القرطبي: لا ملاعنة بين الرجل وزوجته بعد انقضاء العدة إلَّا في مسألة واحدة، وهي أن يكون الرجل غائبًا فتأتي امرأته بولد في مغيبه، وهو لا يعلم فيطلقها فتنقضي عدتها ثم يقدم فينفيه، فله أن يلاعنها هنا بعد العدة. وكذلك لو قدم بعد وفاتها ونفى الولد لاعن لنفسه وهي ميتة بعد مدة من العدة، ويرثها؛ لأنها ماتت قبل وقوع الفرقة بينهما. أهـ. منه ولا نص فيه. وله وجه من النظر.\nوقال القرطبي أيضًا: إذا قذفها بعد الطلاق نظرت، فإن كان هناك نسب يريد أن ينفيه، أو حمل يريد أن يتبرأ منه لاعن، وإلَّا لم يلاعن. وقال عثمان البتي: لا يلاعن بحال. وقال أَبو حنيفة: لا يلاعن في الوجهين؛ لأنها ليست بزوجة. وهذا ينتقض عليه بالقذف قبل الزوجية كما ذكرناه آنفًا، بل هذا أولى؛ لأن النكاح قد تقدم، وهو يريد الانتفاء من النسب، وتبرئته من ولد يلحق به، فلا بد من اللعان، وإذا لم يكن هناك حمل يرجى، ولا نسب يخاف تعلقه لم يكن للعان فائدة فلم يحكم به، وكان قذفًا مطلقًا داخلًا تحت عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ الآية، فوجب عليه الحد، وبطل ما قاله البتي لظهور فساده. انتهى كلام القرطبي.\nوقد قدمنا أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من النظر؛ لأنها في حكم الزوجة، وذكرنا ما يظهر لنا أنَّه أظهر الأقوال في ذلك، وأقوال العلماء، وفائدة لعانه أن يدفع عنه حدَّ القذف، وكون الرجعية كالزوجة قبل انقضاء العدة فيتوارثان، ولا يجوز له","vol":"6","page":159},{"text":"تزوج أختها قبل انقضاء العدة، ولا تزويج رابعة غيرها، لأنها تكون كالخامسة نظرًا إلى أن الرجعية كالزوجة يقتضي أن القول بلعان الرجعية قبل انقضاء العدة له وجه من النظر. وقد رأيت كثرة من قال به من أهل العلم. ووجه القول بعدمه أنَّه لما طلقها عالمًا بزناها في زعمه دل ذلك على أنَّه تارك للعان. وينبني على الخلاف المذكور ما لو ادعى أنها زنت بعد الطلاق الرجعي، وقبل انقضاء العدة، هل يحكم عليه بأنه قاذف، لأنه رماها بزنى واقع بعد الفراق، أو له أن يلاعنها لنفي الحد عنه بناء على أن الرجعية في حكم الزوجة؟\nأما إن قذفها قبل أن يطلقها ثم طلقها بعد القذف، فالأظهر أن له لعانها مطلقًا ولو كان الطلاق بائنًا، لأن القذف وقع وهي زوجة غير مطلقة. وروي ذلك عن ابن عباس، وبه قال الحسن، والقاسم بن محمد، ومكحول، ومالك، والشافعي، وأَبو عبيد، وأَبو ثور، وابن المنذر. وقال الحارث العكلي، وجابر بن زيد، وقتادة والحكم: يجلد. وقال حمَّاد بن أبي سليمان وأصحاب الرأي: لا حدّ ولا لعان؛ لأن اللعان إنما يكون بين الزوجين، وليس هذان بزوجين، ولا يحد، لأنه لم يقذف أجنبية.\nالمسألة العاشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن ظهر بامرأته حمل، وهو قائل: إنه ليس منه، إذا سكت عن نفي ذلك الحمل حتى وضعته ثم قال: إنه إنما سكت عن نفيه مدة الحمل رجاء أن يكون ريحًا أو انتفاخًا، فينفش أو يسقط ميتًا، فيستريح بذلك من اللعان أنَّه يمكن من نفيه بلعان بعد الوضع؛ لأن العذر الذي أبدى وجيه جدير بالقبول، فإن بادر بنفيه فورًا عند وضعه، فلا ينبغي أن","vol":"6","page":160},{"text":"يختلف في أن له أن ينفيه بلعان، وإن سكت عن نفيه بعد الوضع، ثم أراد أن ينفيه بعد السكوت، فهل له ذلك أو ليس له، لأن سكوته بعد الوضع يعد رضى منه بالولد، فلا يمكن من اللعان بعده؟ لم أعلم في هذه المسألة نصًا من كتاب، ولا سنَّة. والعلماء مختلفون فيها.\nقال القرطبي: قد اختلف في ذلك، ونحن نقول: إذا لم يكن له عذر في سكوته حتى مضت ثلاثة أيام فهو راضٍ به وليس له نفيه، وبهذا قال الشافعي. وقال أيضًا: متى أمكنه نفيه على ما جرت به العادة من تمكنه من الحاكم، فلم يفعل لم يكن له نفيه من بعد ذلك. وقال أَبو حنيفة: لا أعتبر مدة. وقال أَبو يوسف، ومحمد: يعتبر فيه أربعون يومًا مدة النفاس. قال ابن القصار: والدليل لقولنا هو أن نفي ولده محرم عليه، واستلحاق ولد ليس منه محرم عليه، فلا بد أن يوسع عليه لكي ينظر فيه، ويفكر هل يجوز له نفيه أو لا، وإنما جعلنا الحد ثلاثة؛ لأنه أول حد الكثرة، وآخر حد القلة، وقد جعلت ثلاثة أيام يختبر فيها حال المصراة، وكذلك ينبغي أن يكون هنا.\nوأما أَبو يوسف ومحمد فليس اعتبارهما بأولى من اعتبار مدة الولادة والرضاع، إذ لا شاهد لهما في الشريعة، وقد ذكرنا نحن شاهدًا في الشريعة من مدة المصراة، انتهى كلام القرطبي. ولا يخفى ضعف ما استدل به ابن القصار من علماء المالكية للتحديد بثلاثة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة مبنية على الاختلاف في قاعدة أصولية، وهي هل ينزل السكوت منزلة الإِقرار أو لا؟. وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:\nوجعل من سكت مثل من أقر ... فيه خلاف بينهم قد اشتهر","vol":"6","page":161},{"text":"فالاحتجاج بالسكوتي نمى ... تفريعه عليه من تقدما\nوهو بفقد السخط والضد حري ... مع مضي مهلة للنظر\nفمن قال: إن السكوت لا يعد رضى. قال: لأن الساكت قد يسكت عن الإِنكار مع أنَّه غير راضٍ، ومن قال: إنه يعد رضى، قال: لأن سكوته قرينة دالة على رضاه. واستأنسوا بقوله  - ﷺ -  في البكر: إذنها صماتها، وبعضهم يقول: تخصيص البكر بذلك يدل على أن غيرها ليس كذلك. والخلاف في هذه المسألة معروف في فروع الأئمة وأصولهم. ومن تتبع فروعهم وجدهم في بعض الصور يجعلون السكوت كالرضى؛ كالسكوت عن اللعان زمنًا بعد العلم بموجبه، وكالسكوت عن القيام بالشفعة ونحو ذلك، ويكثر في فروع مذهب مالك جعل السكوت كالرضى.\nومن أمثلة ذلك ما قاله ابن عاصم في رجزه في أحكام القضاء في مذهب مالك:\nوحاضر لواهب من ماله ... ولم يغير ما رأى من حاله\nالحكم منعه القيام بانقضا ... مجلسه إذ صمته عين الرضى\nولكل واحد من القولين وجه من النظر.\nوالذي يظهر لنا في مسألة السكوت عن اللعان أنَّه إن سكت زمنًا يغلب على الظن فيه عادة أنَّه لا يسكت فيه إلَّا راضٍ عُدَّ رضى، وإلَّا فلا؛ لأن العرف محكم. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الحادية عشرة: اعلم أنَّه إن كان النكاح فاسدًا، وقذفها زوجها بالزنى إن كان لنفي نسب يلحق به في ذلك النكاح الفاسد، فلا ينبغي أن يختلف في أنَّه يلاعن لنفي النسب عنه، وإن كان النكاح","vol":"6","page":162},{"text":"الفاسد يلحق فيه الولد ولكنه قذفها بالزنى، وأراد اللعان لنفي الحد عنه، فالأظهر أن له ذلك؛ لأنها لما صارت يلحق به ولدها صارت في الحكم الفراش. قاله مالك في المدونة. وقال القرطبي: يلاعن في النكاح الفاسد زوجته؛ لأنها صارت فراشًا ويلحق النسب فيه مجرى اللعان فيه. اهـ. منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي أن النكاح الفاسد إن كان مجمعًا على فساده ولا يلحق الولد فيه أن الزوج القاذف فيه لا يمكن من اللعان، بل يحد حد القذف إن لم يأت بأربعة شهداء. وهذا ظاهر لا يخفى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية عشرة: اعلم أن أظهر أقوال أهل العلم عندي في الذي يقذف زوجته الحامل بالزنى، ثم يأتي بأربعة شهداء على زناها أن له أن يلاعن لنفي الحمل مع الشهود؛ لأن شهادة البينة لا تفيد الزوج إلَّا درأ الحد عنه. أما رفع الفراش، ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان.\nوقال القرطبي ﵀: اختلفوا أيضًا هل للزوج أن يلاعن مع شهوده؟ فقال مالك والشافعي: يلاعن كان له شهود أو لم يكن؛ لأن الشهود ليس لهم عمل في غير درإ الحد، وأما رفع الفراش ونفي الولد فلا بد فيه من اللعان.\nوقال أَبو حنيفة وأصحابه: إنما جعل اللعان إذا لم يكن له شهود غير نفسه لقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ﴾. اهـ منه.\nالمسألة الثالثة عشرة: قال القرطبي أيضًا في تفسيره: يفتقر اللعان إلى أربعة أشياء: عدد الألفاظ، وهو أربع شهادات على","vol":"6","page":163},{"text":"ما تقدم، والمكان وهو أن يقصد به أشرف البقاع بالبلدان، إن كان بمكة فبين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان ببيت المقدس فعند الصخرة، وإن كان في سائر البلدان ففي مساجدها، وإن كانا كافرين بعث بهما إلى الموضع الذي يعتقدان تعظيمه، إن كانا يهوديين فالكنيسة، وإن كانا مجوسيين ففي بيت النار، وإن كانا لا دين لهما مثل الوثنيين، فإنه يلاعن بينهما في مجلس حكمه، والوقت، وذلك بعد صلاة العصر، وجمع الناس، وذلك أن يكون هناك أربعة أنفس فصاعدًا، فاللفظ وجمع الناس مشروطان، والزمان والمكان مستحبان. اهـ منه. مع أن مشهور مذهب مالك الذي هو مذهب القرطبي أنَّه لا ملاعنة بين كافرين. وبعض ما ذكره لا يخلو من خلاف.\nالمسألة الرابعة عشرة: اعلم أن الزوج لا يجوز له نفي الولد بلعان إلَّا بموجب يقتضي أن ذلك الولد ليس منه، كان تكون الزوجة زنت قبل أن يمسها الزوج أصلًا، أو زنت بعد أن وضعت، ولم يمسها الزوج بعد الوضع حتى زنت، أو زنت في طهر لم يمسها فيه؛ لأن الحيضة قبل الزنى تدل على أن الحمل من الزنى الواقع بعد الحيض، ولا يجوز له الاعتماد في نفي الحمل باللعان على شبه الولد بغيره ولا بسواد الولد كما قدمنا، ولا بعزل؛ لأن الماء قد يسبق نزعه فتحبل منه، ولا بوطء في فخذين؛ لأن الماء يسيل إلى الفرج فتحمل منه كما قدمنا.\nالمسألة الخامسة عشرة: اعلم أن كل ولدين بينهما أقل من ستة أشهر فهما توأمان، فلا يجوز نفي أحدهما، دون الآخر، فإن أقر الزوج بأحدهما لزمه قبول الآخر. والظاهر أنَّه إن نفى أحدهما مع","vol":"6","page":164},{"text":"اعترافه بالثاني حد؛ لقذفه كما قاله مالك وأصحابه، ومن وافقهم.\nوقد أوضحنا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ أن أقل مدة الحمل ستة أشهر، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك، ويعلم منه أن كل ولدين بينهما أقل من ستة أشهر فهما توأمان.\nوقال ابن قدامة في المغني: وإن ولدت امرأته توأمين وهو أن يكون بينهما دون ستة أشهر، فاستلحق أحدهما، ونفى الآخر لحقا به؛ لأن الحمل الواحد لا يجوز أن يكون بعضه منه، وبعضه من غيره، فإذا ثبت نسب أحدهما منه ثبت نسب الآخر ضرورة، فجعلنا ما نفاه تابعًا لما استلحقه، ولم نجعل ما أقر به تابعًا لما نفاه؛ لأن النسب يحتاط لإِثباته لا لنفيه، ولهذا لو أتت امرأته بولد يمكن أن يكون منه، ويمكن أن يكون من غيره ألحقناه به احتياطًا، ولم نقطعه عنه احتياطًا لنفيه، إلى أن قال: وإن استلحق أحد التوأمين، وسكت عن الآخر لحقه؛ لأنه لو نفاه للحقه، فإذا سكت عنه كان أولى، ولأن امرأته متى أتت بولد لحقه ما لم ينفه عنه بلعان، وإن نفى أحدهما، وسكت عن الآخر لحقاه جميعًا.\nفإن قيل: ألا نفيتم المسكوت عنه؛ لأنه قد نفى أخاه، وهما حمل واحد.\nقلنا: لحوق النسب مبني على التغليب، وهو يثبت لمجرد الإِمكان وإن كان لم يثبت الوطء ولا ينتفي الإِمكان للنفي فافترقا. فإن أتت بولد فنفاه ولاعن لنفيه، ثم ولدت آخر لأقل من ستة أشهر لم ينتف الثاني باللعان الأول؛ لأن اللعان تناول الأول وحده، ويحتاج في نفي الثاني إلى لعان ثان، ويحتمل أن ينتفي بنفيه من غير","vol":"6","page":165},{"text":"حاجة إلى لعان ثان؛ لأنهما حمل واحد، وقد لاعن لنفيه موة فلا يحتاج إلى لعان ثان. ذكره القاضي. اهـ.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا الأخير هو الأظهر؛ لأن الحمل الواحد لا يحتاج إلى لعانين. ثم قال في المغني متصلًا بكلامه الأول: فإن أقر بالثاني لحقه هو والأول لما ذكرناه، وإن سكت عن نفيه لحقاه أيضًا. فأما إن نفى الولد باللعان ثم أتت بولد آخر بعد ستة أشهر فهذا من حمل آخر، فإنه لا يجوز أن يكون بين ولدين من حمل واحد مدة الحمل، ولو أمكن لم تكن هذه مدة حمل كامل، فإن نفى هذا الولد باللعان انتفى، ولا ينتفي بغير اللعان؛ لأنه حمل منفرد، وإن استلحقه أو ترك نفيه لحقه، وإن كانت قد بانت باللعان؛ لأنه يمكن أن يكون قد وطئها بعد وضع الأول. وإن لاعنها قبل وضع الأول، فأتت بولد ثم ولدت آخر بعد ستة أشهر لم يلحقه الثاني؛ لأنها بانت باللعان وانقضت عدتها بوضع الأول، وكان حملها الثاني بعد انقضاء العدة في غير نكاح فلم يحتج إلى نفيه. ثم قال في المغني أيضًا: وإن مات أحد التوأمين فله أن يلاعن لنفي نسبهما، وبهذا قال الشافعي. وقال أَبو حنيفة: يلزمه نسب الحي، ولا يلاعن إلَّا لنفي الحد؛ لأن الميت لا يصح نفيه باللعان، فإن نسبه قد انقطع بموته، فلا حاجة إلى نفيه باللعان، كما لو ماتت امرأته فإنه لا يلاعنها بعد موتها؛ لكون النكاح قد انقطع، وإذا لم ينتف الميت لم ينتف الحي؛ لأنهما حمل واحد.\nولنا أن الميت ينسب إليه، ويقال: ابن فلان، ويلزمه تجهيزه وتكفينه، فكان له نفي نسبه وإسقاط مؤنته كالحي، وكما لو كان للميت ولد. اهـ كلام صاحب المغني.","vol":"6","page":166},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر أنَّه إن كان للولد الميت الذي يراد نفيه بعد الموت ولد كان حكمه في اللعان كحكم الحي؛ لأن ولده الحي لا ينتفي إلَّا بنفي أبيه، فله اللعان لنفي نسب الميت لينتفي عنه ولده. وهذا إن قلنا: إن له أن يلاعن بعد هذه المدة الطويلة؛ لأنه لم ينف الولد الميت إلَّا بعد أن عاش عمرًا يولد له فيه، وقد يكون معذورًا بالغيبة زمنًا طويلًا، وكذلك عند من يقول: إن السكوت لا يسقط اللعان مطلقًا كما تقدم. وكذلك إن أريد إلزامه بتكفين الولد الميت وتجهيزه فالأظهر أن له أن ينفيه عنه بلعان ليتخلص من مئونة تجهيزه وتكفينه. والظاهر أنَّه إن نفى ولدًا بعد موته، فإن كانت أمه حية فلا بد من اللعان؛ لأنه قاذف أمه، وإن كانت الأم ميتة جرى على الخلاف في حد من قذف ميتة، في القول بالحد فله اللعان، وعلى القول بعدمه فلا لعان، وقد قدمنا الخلاف في ذلك. ويعتضد ما ذكرنا بما تقدم قريبًا من أن له اللعان لنفي الولد لأنه يجتمع به موجبان للعان، وهما إسقاط الحد، ونفي الولد. وبه تعلم أن الأظهر عدم النظر إلى الولد الميت هل ترك مالًا أو لا؟ والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن أهل العلم اختلفوا في توأمي الملاعنة المنفيين باللعان، هل يتوارثان توارث الشقيقين أو الأخوين لأم؟ وقال ابن الحاجب من الماليكة: هما شقيقان، وقال خليل في التوضيح وهو شرحه لمختصر ابن الحاجب في الفقه المالكي: إن كونهما شقيقين هو مشهور مذهب مالك. وقال المغيرة من المالكية: يتوارثان توارث الأخوين لأم كالمشهور عند المالكية في توأمي الزانية والمغتصبة.","vol":"6","page":167},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لنا أن توأمي الملاعنة يتوارثان توارث الأخوين لأم، وأنهما لا يحكم لهما بحكم الشقيقين؛ لأنهمالا يلحقان باب معروف، وإذا لم يكن لهما أب معروف فلا وجه لكونهما شقيقين. ويوضح ذلك أنهما إنما ينسبان لأمهما. وبه تعلم أن مشهور مذهب مالك في هذه المسألة خلاف الأظهر. وأما قول ابن نافع من المالكية: إن توأمي الزانية شقيقان، فهو خلاف التحقيق؛ لأن الزاني لا يلحق به نسب حتى يكون أبًا لابنه من الزنى، والرواية عن ابن القاسم بنحو قول ابن نافع ظاهرها السقوط كما ترى. وأما ما قاله ابن رشد في البيان من أن توأمي المسبية، والمستأمنة شقيقان، فوجهه ظاهر. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة عشرة: اعلم أنَّه إن تزوجها ثم قذفها بعد النكاح قائلًا: إنها زنت قبل أن يتزوجها، فإن أهل العلم اختلفوا هل له لعانها نظرًا إلى أن القذف وقع وهي زوجته، أو يحد لقذفها، ولا يمكن من اللعان نظرًا إلى أنها وقت الزنى الذي قذفها به أجنبية منه، وليست بزوجة.\nقال ابن قدامة في المغني: وإن قذفها بعد تزوجها بزنى أضافه إلى ما قبل النكاح حد ولم يلاعن، سواء كان ثم ولد، أو لم يكن، وهو قول مالك، وأبي ثور. وروي ذلك عن سعيد بن المسيب والشعبي. وقال الحسن، وزرارة بن أبي أوفى، وأصحاب الرأي: له أن يلاعن؛ لأنه قذف امرأته، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية، ولأنه قذف امرأته فأشبه ما لو قذفها ولم يضفه إلى ما قبل النكاح. وحكى الشريف أَبو جعفر عن أحمد رواية أخرى","vol":"6","page":168},{"text":"كذلك. وقال الشافعي: إن لم يكن ثم ولد لم يلاعن، وإن كان بينهما ولد ففيه وجهان.\nولنا أنَّه قذفها قذفًا مضافًا إلى حال البينونة فأشبه ما لو قذفها وهي بائن، وفارق قذف الزوجة؛ لأنه محتاج إليه؛ لأنها غاظته وخانته، وإن كان بينهما ولد فهو محتاج إلى نفيه، وههنا إذا تزوجها وهو يعلم زناها فهو المفرط في نكاح حامل من الزنى، فلا يشرع له طريق إلى نفيه. اهـ من المغني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي في هذه المسألة أنَّه إن لم يكن ولد، فلا يمكن الزوج من اللعان، ويحد لقذفها إن لم يأت بأربعة شهداء؛ لأنه قذفها وهي أجنبية، فيدخل في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية؛ لأنه قاذف محصنة ليست بزوجة، والنكاح الطارئ لا يغير الحكم الذي تقرر قبله كما ترى. وإن كان هناك ولد يلحق به لو سكت، وهو يعلم أنَّه ليس منه استنادًا إلى بعض الأمور المسوغة لنفي الولد التي قدمناها أن له أن يلاعن لنفي الولد.\nوالحاصل: أنَّه له اللعان لنفي الولد، لا لدفع الحد فيما يظهر لنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة عشرة: فيما لو قال لامرأته: أنت طالق ثلاثًا يا زانية، فقيل: يلاعن، وقيل: لا يلاعن؛ لأن القذف إنما وقع بعد البينونة بالثلاث، على القول بالبينونة بها، وهو قول جمهور أهل العلم، منهم الأئمة الأربعة وأصحابهم.\nقال ابن قدامة في المغني: نقل مهنا قال: سألت أحمد عن","vol":"6","page":169},{"text":"رجل قال لامرأته: أنت طالق يا زانية ثلاثًا. فقال: يلاعن، قلت: إنهم يقولون: يحد، ولا يلزمها إلَّا واحدة، قال: بئس ما يقولون. فهذا يلاعن؛ لأنه قذفها قبل الحكم ببينونتها، فأشبه قذف الرجعية. اهـ منه، وله وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة عشرة: فيما لو جاءت زوجته بولد فنفاه فصدقته الزوجة في أن الولد من غيره، في الزوجة حد الزنى.\nواختلف أهل العلم هل ينتفي نسب الولد بتصادقهما بدون لعان، أو لا ينتفي إلَّا بلعان. وكلا القولين مروي عن مالك. وأكثر الرواة عنه أنَّه لا ينتفي إلَّا بلعان.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي أنَّه لا ينتفي عن الزوج إلَّا بلعانه، ولا يسقط حقه من لحوق نسبه بتصديق أمه للزوج؛ لأن للولد حقًا في لحوق نسبه، فلا يسقط إلَّا بلعان الزوج. وأما الزوجة فلا يصح منها اللعان في هذه الصورة؛ لأنها مقرة بصدق الزوج في دعواه.\nالمسألة الثامنة عشرة: اعلم أن الأظهر عندنا فيمن قذف امرأته فطالبت بحده لقذفها، فأقام شاهدين على إقرارها بالزنى الذي قذفها به أن حكم هذه المسألة مبني على الاختلاف في الإِقرار بالزنى. هل يثبت بشاهدين كغيره من سائر الأقارير، أو لا يثبت إلَّا بأربعة شهود. فمن قال: يثبت بشاهدين يلزم قوله أن الرجل لا يحد لقذفها؛ لأن إقرارها بالزنى ثبت بالشاهدين، وعلى القول الآخر يحد؛ لأن إقرارها لم يثبت. هذا هو الأظهر عندنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة التاسعة عشرة: اعلم أن الأظهر أنهما إن شهدا عليه بأنه قذف امرأته، وقذفهما أعني الشاهدين لم تقبل شهادتهما بقذف","vol":"6","page":170},{"text":"المرأة؛ لأنهما لما ادعيا عليه أنَّه قذفهما صارا له عدوين؛ لأن القذف يستوجب العداوة.\nقال ابن قدامة في المغني: فإن شهد شاهدان أنَّه قذف فلانة وقذفنا لم تقبل شهادتهما؛ لاعترافهما بعداوته لهما، وشهادة العدو لا تقبل على عدوه، فإن أبرآه وزالت العداوة، ثم شهدا عليه بذلك القذف لم تقبل؛ لأنها ردت للتهمة، فلم تقبل بعد كالفاسق إذا شهد فردت شهادته لفسقة، ثم تاب وأعادها. ولو أنهما ادعيا عليه أنَّه قذفهما ثم أبرآه وزالت العداوة، ثم شهدا عليه بقذف زوجته قبلت شهادتهما؛ لأنهما لم يردا في هذه الشهادة. ولو شهدا أنَّه قذف امرأته ثم ادعيا بعد ذلك أنه قذفهما فإن أضافا دعواهما إلى ما قبل شهادتهما، بطلت شهادتهما؛ لاعترافهما أنَّه كان عدوًا لهما حين شهدا عليه، وإن لم يضيفاها إلى ذلك الوقت، وكان ذلك قبل الحكم بشهادتهما لم يحكم بها؛ لأنه لا يحكم عليه بشهادة عدوين، وإن كانت بعد الحكم لم يبطل؛ لأن الحكم تم قبل وجود المانع كظهور الفسق. وإن شهدا أنَّه قذف امرأته وأمنا لم تقبل شهادتهما؛ لأنها ردت في البعض للتهمة، فوجب أن ترد للكل. وإن شهدا على أبيهما أنَّه قذف ضرة أمهما قبل شهادتهما. وبهذا قال مالك، وأَبو حنيفة والشافعي في الجديد، وقال في القديم: لا تقبل؛ لأنهما يجران إلى أمهما نفعًا، وهو أنَّه يلاعنها فتبين ويتوفر على أمهما، وليس بشيء؛ لأن لعانه ينبني على معرفته بزناها، لا على الشهادة عليه بما لا يعترف به. وإن شهدا بطلاق الضرة ففيه وجهان:\nأحدهما: لا تقبل؛ لأنهما يجران إلى أمهما نفعًا، وهو توفُّره على أمهما.","vol":"6","page":171},{"text":"والثاني: تقبل؛ لأنهما لا يجران إلى نفسهما نفعًا. اهـ من المغني.\nوكله لا نص فيه، ولا يخلو بعضه من خلاف. والأظهر عدم قبول شهادتهما بطلاق ضرة أمهما، لأنهما متهمان بجر النفع لأمهما، لأن طلاف الضرة فيه نفع لضرتها، كما لا يخفى، وشهادة الإِنسان بما ينفع أمه لا تخلو من تهمة كما ترى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة العشرون: في اختلاف اللغات، أو الأزمنة في القذف أو الإِقرار به.\nقال ابن قدامة في المغني: ولو شهد شاهد أنَّه أقر بالعربية أنَّه قذفها، وشهد آخر أنَّه أقر بذلك بالعجمية، تمت الشهادة، لأن الاختلاف في العربية والعجمية عائد إلى الإِقرار، دون القذف، ويجوز أن يكون القذف واحدًا، والإِقرار به في مرتين. وكذلك لو شهد أحدهما أنَّه أقر يوم الخميس بقذفها، وشهد آخر أنَّه أقر بذلك يوم الجمعة تمت الشهادة، لما ذكرناه. وإن شهد أحدهما أنَّه قذفها بالعربية وشهد الآخر أنَّه قذفها بالعجمية، أو شهد أحدهما أنَّه قذفها يوم الخميس، وشهد الآخر أنَّه قذفها يوم الجمعة، أو شهد أحدهما أنَّه أقر أنَّه قذفها بالعربية، أو بالعجمية، أو شهد أحدهما أنَّه أقر أنَّه قذفها بالعربية، أو يوم الخميس، وشهد الآخر أنَّه أقر أنَّه قذفها بالعجمية أو يوم الجمعة، أو يوم الخميس، وشهد الآخر أنَّه قذفها يوم الجمعة ففيه وجهان:\nأحدهما: تكمل الشهادة، وهو قول أبي بكر، ومذهب أبي حنيفة، لأن الوقت ليس ذكره شرطًا في الشهادة، وكذلك اللسان فلم يؤثر الاختلاف، كما لو شهد أحدهما أنَّه أقر بقذفها يوم الخميس","vol":"6","page":172},{"text":"بالعربية، وشهد الآخر أنَّه أقر بقذفها يوم الجمعة بالعجمية. والآخر: لا تكمل الشهادة، وهو مذهب الشافعي؛ لأنهما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما فلم يثبت، كما لو شهد أحدهما أنَّه تزوجها يوم الخميس، وشهد الآخر أنَّه تزوجها يوم الجمعة. وفارق الإِقرار بالقذف فإنه يجوز أن يكون المقر به واحدًا أقر به في وقتين بلسانين، انتهى من المغني.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه المسألة هي المعروفة عند العلماء بالشهادة هل تلفق في الأفعال والأقوال، أو لا تلفق؛ وبعضهم يقول: تلفق في الأقوال، دون الأفعال، وبعضهم يقول: تلفق فيهما. والفرق بينهما ليس بظاهر. وقولهم: هما قذفان لم تتم الشهادة على واحد منهما قد يقال فيه: وكذلك الإِقرار المختلف في وقته أو لسانه هما إقراران لم تتم الشهادة على واحد منهما. وهذه المسألة لا نص فيها، وكل من الأقوال فيها له وجه من النظر، والخلاف المذكور، وعدم النص لا يبعد أن يكون شبهة تدرأ الحد. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الواحدة والعشرون: اعلم أن الذي يظهر لنا أنَّه الصواب أن من نفى حمل امرأته بلعان أنَّه ينتفى عنه، ولا يلزمه لعان آخر بعد وضعه. وهذا هو التحقيق إن شاء الله تعالى. وبه تعلم أن قول أبي حنيفة ﵀ ومن وافقه من أهل الكوفة، وقول الخرقي، ومن وافقه من الحنابلة: إن الحمل لا يصح نفيه باللعان، فلا بد من اللعان بعد الوضع؛ لأن الحمل قبل الوضع غير محقق، لاحتمال أن يكون ريحًا، خلاف التحقيق فيما يظهر لنا من انتفاء الحمل باللعان، كما هو قول مالك، والشافعي، ومن وافقهم من أهل الحجاز كما","vol":"6","page":173},{"text":"نقله عنهم ابن قدامة في المغني. وقصة هلال بن أمية ﵁ صريحة في أن النبي  - ﷺ -  نفى عنه حمل امرأته باللعان، ولم يلزمه بإعادة اللعان بعد الوضع. والرواية التي توهم أن لعانه كان بعد الوضع أوضحنا الجواب عنها فيما تقدم بما أجاب به عنها ابن حجر في الفتح. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية والعشرون: في حكم من قذف امرأته باللواط، وقد أوضحنا في سورة هود في الكلام على قصة قوم لوط أقوال أهل العلم في عقوبة اللائط، وبينا أن أقواها دليلًا قتل الفاعل والمفعول به، وعليه فلا حد بالقذف باللواط، وإنما فيه التعزير، وذكرنا قول من قال من أهل العلم: إن اللواط حكمه حكم الزنى، وعلى هذا القول يلاعن القاذف باللواط، وإن امتنع من اللعان حد. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة والعشرون: في حكم من ولدت امرأته ولدًا لا يمكن أن يكون منه فإن الولد لا يلحقه، ولا يحتاج إلى نفيه بلعان، لأنه معلوم أنَّه ليس منه، كما لو تزوج امرأة فجاءت بولد كامل لأقل من ستة أشهر، لأن أقل أمد الحمل ستة أشهر كما أوضحناه في سورة الرعد، ولا خلاف في ذلك بين أهل العلم، وككون الزوج صبيًا لا يولد لمثله عادة لصغره ونحو ذلك.\nواعلم أن الذي يظهر لنا أنَّه هو الصواب أن كل ولد جاءت به امرأة الصغير قبل بلوغه أنَّه لا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان. وبه تعلم أن قول من قال من الحنابلة، ومن وافقهم: إن الزوج إن كان ابن عشر سنين لحقه الولد، وكذلك تسع سنين ونصف، كما قاله","vol":"6","page":174},{"text":"القاضي من الحنابلة، أنَّه خلاف التحقيق. واستدلالهم على لحوق الولد بالزوج الذي هو ابن عشر سنين بحديث: \"واضربوهم على الصلاة لعشر وفرقوا بينهم في المضاجع\" ظاهر السقوط وإن اعتمده ابن قدامة مع علمه وغيره من الحنابلة.\nفالتحقيق إن شاء الله تعالى هو ما قاله أَبو بكر من الحنابلة من أنَّه لا يلحق به الولد حتى يبلغ وهو ظاهر لا يخفى، وكما لو تزوج امرأة في مجلس، ثم طلقها فيه قبل غيبته عنهم، ثم أتت امرأته بولد لستة أشهر من حين العقد، أو تزوج مشرقي مغربية، أو عكسه ثم مضت ستة أشهر وأتت بولد لم يلحقه.\nقال ابن قدامة في المغني: وبذلك قال مالك والشافعي، وقال أَبو حنيفة: يلحقه نسبه؛ لأن الولد إنما يلحقه بالعقد ومدة الحمل، ألا ترى أنكم قلتم: إذا مضى زمان الإِمكان لحق الولد وإن علم أنَّه لم يحصل منه الوطء. انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله عدم لحوق الولد فيما ذكر للعلم بأنه ليس منه ولا حاجة لنفيه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة والعشرون: اعلم أن أظهر الأقوال وأقواها دليلًا أن المتلاعنين يتأبد التحريم بينهما، فلا يجتمعان أبدًا، وقد جاءت بذلك أحاديث:\nمنها: ما رواه أَبو داود من حديث سهل بن سعد، وفيه: فمضت السنة بعد في المتلاعنين أن يفرق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا. انتهى.","vol":"6","page":175},{"text":"وقال في نيل الأوطار في هذا الحديث: سكت عنه أَبو داود، والمنذري، ورجاله رجال الصحيح.\nومنها: ما رواه الدارقطني عن سهل أيضًا، وفيه: \"فرق رسول الله  - ﷺ -  بينهما وقال: لا يجتمعان أبدًا\". انتهى منه، بواسطة نقل المجد في المنتقى.\nوقال فيه صاحب نيل الأوطار: وفي إسناده عياض بن عبد الله، قال في التقريب: فيه لين، ولكنه قد أخرج له مسلم. اهـ.\nومنها: ما رواه الدارقطني عن ابن عباس أن النبي  - ﷺ -  قال: \"المتلاعنان إذا تفرقا لا يجتمعان أبدًا\". انتهى منه بواسطة نقل المجد أيضًا.\nومنها: ما رواه الدارقطني أيضًا، عن علي ﵁ قال: مضت السنة في المتلاعنين أن لا يجتمعا أبدًا. وما رواه الدارقطني أيضًا، عن علي، وابن مسعود قالا: مضت السنة أن لا يجتمع المتلاعنان.\nوقال صاحب نيل الأوطار في حديث ابن عباس: أخرج نحوه أَبو داود في قصة طويلة. وفي إسنادها عباد بن منصور، وفيه مقال. وقال في حديث علي وابن مسعود: أخرجهما أيضًا عبد الرزاق وابن أبي شيبة. انتهى منه.\nوبه تعلم أن تأبيد التحريم أصوب من قول من قال من العلماء: إن أكذب نفسه حد، ولا يتأبد تحريمها عليه، ويكون خاطبًا من الخطاب، وهو مروي عن أبي حنيفة، ومحمد، وسعيد بن المسيب، والحسن، وسعيد بن جبير، وعبد العزيز بن أبي سلمة.","vol":"6","page":176},{"text":"والأظهر أنَّه إن أكذب نفسه لحق به الولد وحد خلافًا لعطاء القائل: إنه لا يحد.\nتنبيه\nاعلم أن أقوال أهل العلم في فرقة اللعان قدمناها مستوفاة في سورة البقرة في كلامنا الطويل على آية ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية. وقد قدمنا كلام أهل العلم واختلافهم في لعان الأخرس في سورة مريم. ولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية، ومن أراد استقصاء مسائل اللعان فلينظر كتب فروع المذاهب الأربعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1180> قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢١)﴾</span>.\nبين جلَّ وعلا في هذه الآية أنَّه لولا فضله ورحمته ما زكا أحد من خلقه، ولكنه بفضله ورحمته يزكي من يشاء تزكيته من خلقه.\nويفهم من الآية أنَّه لا يمكن أحد أن يزكي نفسه بحال من الأحوال. وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾.\nوالزكاة في هذه الآية: هي الطهارة من أنجاس الشرك، والمعاصي.\nوقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يطهره من أدناس الكفر والمعاصي بتوفيقه وهدايته إلى الإِيمان والتوبة النصوح، والأعمال الصالحة.","vol":"6","page":177},{"text":"وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات المذكورة لا يعارضه قوله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾ ولا قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى﴾ على القول بأن معنى تزكى تطهر من أدناس الكفر والمعاصي، لا على أن المراد بها خصوص زكاة الفطر. ووجه ذلك في قوله: (من زكاها) أنَّه لا يزكيها إلَّا بتوفيق الله وهدايته إياه للعمل الصالح، وقبوله منه.\nوكذلك الأمر في قوله: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (١٤)﴾ كما لا يخفى.\nوالأظهر أن قوله: ﴿مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ﴾ الآية. جواب لولا التي تليه، خلافًا لمن زعم أنَّه جواب لولا في قوله: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ اللَّهَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (٢٠)﴾ وقد تكرر في الآيات التي قبل هذه الآية حذف جواب لولا؛ لدلالة القرائن عليه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1181> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾</span>.\nنزلت هذه الآية الكريمة في أبي بكر ﵁، ومسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب، وكان مسطح المذكور من المهاجرين وهو فقير، وكانت أمه ابنة خالة أبي بكر ﵁، وكان أَبو بكر ينفق عليه لفقره وقرابته وهجرته، وكان ممن تكلم في أم المؤمنين عائشة ﵂ بالإفك المذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ الآية، وهو ما رموها به من أنها فجرت مع صفوان بن المعطل السلمي ﵁.\nوقصة الإِفك معروفة مشهورة ثابتة في عشر آيات من هذه السورة الكريمة، وفي الأحاديث الصحاح، فلما نزلت براءة عائشة","vol":"6","page":178},{"text":"﵂ في الآيات المذكورة حلف أَبو بكر ألا ينفق على مسطح، ولا ينفعه بنافعة بعد ما رمى عائشة بالإِفك ظلمًا وافتراه فأنزل الله في ذلك: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَلَا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ﴾ أي: لا يحلف. فقوله: (يأتل) وزنه يفتعل من الألية وهي اليمين، تقول العرب: آلى يؤلي، وائتلى يأتلي إذا حلف. ومنه قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ أي: يحلفون، مضارع آلى يؤلى إذا حلف. ومنه قول امرئ القيس:\nويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... علي وآلت حلفة لم تحلل\nأي: حلفت حلفة. وقول عاتكة بنت زيد العدوية ترثى زوجها عبد الله بن أبي بكر ﵃:\nفآليت لا تنفك عيني حزينة ... عليك ولا ينفك جلدي أغبرا\nوالألية اليمين، ومنه قول الآخر يمدح عمر بن عبد العزيز:\nقليل الألايا حافظ ليمينه ... وإن سبقت منه الألية برت\nأي: لا يحلف أصحاب الفضل والسعة، أي: الغنى كأبي بكر ﵁ أن يؤتوا أولي القربى والمساكين والمهاجرين في سبيل الله كمسطح بن أثاثة.\nوقوله: أن يؤتوا، أي: لا يحلفوا عن أن يؤتوا، أو لا يحلفوا ألا يؤتوا. وحذف حر الجر قبل المصدر المنسبك من أن وأن وصلتهما مطرد. وكذلك حذف لا النافية قبل المضارع بعد القسم، ولا يؤثر في ذلك هنا كون القسم منهيًا عنه.","vol":"6","page":179},{"text":"ومفعول يؤتوا الثاني محذوف، أي: أن يؤتوا أولي القربى النفقة والإِحسان، كما فعل أَبو بكر ﵁.\nوقال بعض أهل العلم قوله: ولا يأتل، أي: لا يقصر أصحاب الفضل، والسعة كأبي بكر في إيتاء أولي القربى كمسطح. وعلى هذا فقوله: (يأتل) يفتعل من ألا يألو في الأمر إذا قصر فيه وأبطأ.\nومنه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ أي: لا يقصرون في مضرتكم. ومنه بهذا المعنى قول الجعدي:\nوأشمط عربان يشد كتافه ... يلام على جهد القتال وما ائتلا\nوقول الآخر:\nوإن كنائني لنساء صدق ... فما آلى بني ولا أساءوا\nفقوله: فما آلى بني: يعني ما قصروا، ولا أبطؤا. والأول هو الأصح؛ لأن حلف أبي بكر ألا ينفع مسطحًا بنافعة، ونزول الآية الكريمة في ذلك الحلف معروف.\nوهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الحلف عن فعل البر من إيتاء أولي القربى والمساكين والمهاجرين، جاء أيضًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ﴾ أي: لا تحلفوا باللَّه عن فعل الخير، فإذا قيل لكم: اتقوا وبروا، وأصلحوا بين الناس قلتم: حلفنا باللَّه لا نفعل ذلك، فتجعلوا الحلف باللَّه سببًا للامتناع من فعل الخير على الأصح في تفسير الآية.\nوقد قدمنا دلالة هاتين الآيتين على المعنى المذكور، وذكرنا","vol":"6","page":180},{"text":"ما يوضحه من الأحاديث الصحيحة في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا﴾ فيه الأمر من الله للمؤمنين إذا أساء إليهم بعض إخوانهم المسلمين أن يعفوا عنه إساءتهم ويصفحوا. وأصل العفو: من عفت الريح الأثر إذا طمسته.\nوالمعنى: فليطمسوا آثار الإِساءة بحلمهم وتجاوزهم. والصفح، قال بعض أهل العلم: مشتق من صفحة العنق، أي: أعرضوا عن مكافأة إساءتهم حتى كأنكم تولونها بصفحة العنق، معرضين عنها.\nوما تضمنته هذه الآية من العفو والصفح جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ (١٣٣) الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٣٤)﴾. وقد دلت هذه الآية على أن كظم الغيظ والعفو عن الناس من صفات أهل الجنة، وكفى بذلك حثًا على ذلك. ودلت أيضًا: على أن ذلك من الإحسان الذي يحب الله المتصفين به، وكقوله تعالى: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾ وقد بين تعالى في هذه الآية أن العفو مع القدرة من صفاته تعالى، وكفى بذلك حثًا عليه. وكقوله تعالى: ﴿فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾ وكقوله: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"6","page":181},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ﴾ دليل على أن العفو والصفح عن المسيء المسلم من موجبات غفران الذنوب، والجزاء من جنس العمل، ولذا لما نزلت قال أَبو بكر: بلى واللَّه نحب أن يغفر لنا ربنا، ورجع للإِنفاق على مسطح، ومفعول (أن يغفر الله) محذوف للعلم به، أي: يغفر لكم ذنوبكم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أُولِي الْقُرْبَى﴾ أي: أصحاب القرابة. ولفظة أولي اسم جمع لا واحد له من لفظه، يعرب إعراب الجمع المذكر السالم.\nفائدة\nفي هذه الآية الكريمة دليل على أن كبائر الذنوب لا تحبط العمل الصالح؛ لأن هجرة مسطح بن أثاثة من عمله الصالح، وقذفه لعائشة من الكبائر، ولم يبطل هجرته؛ لأن الله قال فيه بعد قذفه لها ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فدل ذلك على أن هجرته في سبيل الله، لم يحبطها قذفه لعائشة ﵂.\nقال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن القذف وإن كان كبيرًا لا يحبط الأعمال؛ لأن الله تعالى وصف مسطحًا بعد قوله بالهجرة والإِيمان، وكذلك سائر الكبائر، ولا يحبط الأعمال غير الشرك باللَّه، قال تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾. اهـ.\nوما ذكر من أن في الآية وصف مسطح بالإِيمان لم يظهر من الآية وإن كان معلومًا.\nوقال القرطبي أيضًا: قال عبد الله بن المبارك: هذه أرجى آية في كتاب الله. ثم قال بعد هذا: قال بعض العلماء: هذه أرجى آية في","vol":"6","page":182},{"text":"كتاب الله تعالى من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ. وقيل: أرجى آية في كتاب الله ﷿ قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾ وقد قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾ فشرح الفضل الكبير في هذه الآية، وبشر به المؤمنين في تلك.\nومن آيات الرجاء قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾، وقال بعضهم أرجى آية في كتاب الله ﷿: ﴿وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾ وذلك أن رسول الله  - ﷺ -  لا يرضى ببقاء أحد من أمته في النار. انتهى كلام القرطبي.\nوقال بعض أهل العلم: أرجى آية في كتاب الله ﷿ آية الدين، وهي أطول آية في القرآن العظيم، وقد أوضح الله ﵎ فيها الطرق الكفيلة بصيانة الدَّين من الضياع ولو كان الدَّين حقيرًا، كما يدل عليه قوله تعالى فيها: ﴿وَلَا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ﴾ الآية. قالوا: هذا من المحافظة في آية الدين على صيانة مال المسلم، وعدم ضياعه ولو قليلًا يدل على العناية التامة بمصالح المسلم. وذلك يدل على أن اللطيف الخبير لا يضيعه يوم القيامة عند اشتداد الهول، وشدة حاجته إلى ربه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من أرجى آيات القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٣٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا","vol":"6","page":183},{"text":"وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.\nفقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة أن إيراث هذه الأمة لهذا الكتاب دليل على أن الله اصطفاها في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ وبين أنهم ثلاثة أقسام:\nالأول: الظالم لنفسه، وهو الذي يطيع الله، ولكنه يعصيه أيضًا فهو الذي قال الله فيه: ﴿خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيِّئًا عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ﴾.\nوالثاني: المقتصد وهو الذي يطيع الله، ولا يعصيه، ولكنه لا يتقرب بالنوافل من الطاعات.\nوالثالث: السابق بالخيرات: وهو الذي يأتي بالواجبات ويجتنب المحرمات، ويتقرب إلى الله بالطاعات والقربات التي هي غير واجبة. وهذا على أصح الأقوال في تفسير الظالم لنفسه، والمقتصد والسابق. ثم إنه تعالى بيَّن أن إيراثهم الكتاب هو الفضل الكبير منه عليهم، ثم وعد الجميع بجنات عدن، وهو لا يخلف الميعاد في قوله: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ﴾ والواو يدخلونها شاملة للظالم، والمقتصد، والسابق على التحقيق. ولذا قال بعض أهل العلم: حق لهذه الواو أن تكتب بماء العينين. فوعده الصادق بجنات عدن لجميع أقسام هذه الأمة، وأولهم الظالم لنفسه يدل على أن هذه الآية من أرجى آيات القرآن، ولم يبق من المسلمين؛ أحد خارج عن الأقسام الثلاثة، فالوعد الصادق بالجنة في الآية شامل لجميع المسلمين؛ ولذا قال بعدها","vol":"6","page":184},{"text":"متصلًا بها: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ (٣٧)﴾.\nواختلف أهل العلم في سبب تقديم الظالم في الوعد بالجنة على المقتصد والسابق، فقال بعضهم: قدم الظالم؛ لئلا يقنط، وأخر السابق بالخيرات؛ لئلا يعجب بعمله فيحبط. وقال بعضهم: قدم الظالم لنفسه؛ لأن أكثر أهل الجنة الظالمون لأنفسهم؛ لأن الذين لم تقع منهم معصية أقل من غيرهم، كما قال تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَا هُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1182> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات أنهم ملعونون في الدنيا والآخرة، ولهم عذاب عظيم يوم تشهد عليهم ألسنتهم، وأيديهم، وأرجلهم بما كانوا يعملون. وبين في غير هذا الموضع أن بعض أجزاء الكافر تشهد عليه يوم القيامة غير اللسان، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣)﴾.","vol":"6","page":185},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1183> قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾</span>.\nالمراد بالدين هنا الجزاء، ويدل على ذلك قوله: يوفيهم؛ لأن التوفية تدل على الجزاء، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: دينهم، أي: جزاءهم الذي هو في غاية العدل والإِنصاف. وقال الزمخشري: دينهم الحق، أي: جزاءهم الواجب الذي هم أهله. والأول أصح؛ لأن الله يجازي عباده بإنصاف تام، وعدل كامل، والآيات القرآنية في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ وقوله: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه. ومن إتيان الدين بمعنى الجزاء في القرآن قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1184> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾</span>.\nاعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك من أجل التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى.","vol":"6","page":186},{"text":"وقال ابن حجر في الفتح: وحكى الطحاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان.\nوفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى.\nالوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازمًا للإِذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإِذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف، والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل. وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى بعده: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.\nوقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإِرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإِذن، فوضع موضع الإِذن.\nالوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا أو علمه.\nوالمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنسْ هل ترى أحدًا، واستأنستُ فلم أر","vol":"6","page":187},{"text":"أحدًا، أي: تعرفت واستعلمت. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: علمتم رشدهم وظهر لكم، وقوله تعالى عن موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَي مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ الآية، فمعنى آنس نارًا: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:\nكأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد\nمن وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسَيْفِ الصيقل الفرد\nفقوله: على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته. ومعنى كونه مستأنسًا أنه يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضًا قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته.\nآنست نبأة وأفزعها القنا ... ص عصرًا وقد دنا الإِمساء\nفقوله: آنست نبأة، أي: أحست بصوت خفي.\nوهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم، وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان، أظهر عندي وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول. وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا.\nوبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى تستأذنوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا تستأنسوا غلطًا بدل تستأذنوا لا يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم. ولو فرضنا صحته فهو من","vol":"6","page":188},{"text":"القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة ﵃ أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا. ومضي على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقال فيه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ الآية.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإِنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول.\nالمسألة الثانية: اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ولا يزد على الثلاث. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه ثابت عن النبي  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت في مجلس من مجالس","vol":"6","page":189},{"text":"الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله  - ﷺ -: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع\" فقال: واللَّه لتقيمن عليه بينة؛ أمنكم أحد سمعه من النبي  - ﷺ -؟ فقال أبي بن كعب: واللَّه لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي  - ﷺ -  قال ذلك.\nوقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينة: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت أبا سعيد بهذا. اهـ بلفظه من صحيح البخاري. وهو نص صحيح صريح عن النبي  - ﷺ -  أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة رجع.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا واللَّه يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا فلم يرد عليّ فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا عليّ فرجعت، وقد قال رسول الله  - ﷺ -: \"إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع\" فقال عمر: أقم عليها البينة، وإلَّا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. حدثنا قتيبة بن سعيد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة بهذا","vol":"6","page":190},{"text":"الإِسناد. وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت. اهـ بلفظه من صحيح مسلم. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد قال: فواللَّه لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فواللَّه لا يقوم معك إلَّا أحدثنا سنًا، قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول هذا.\nوفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد فقال: إن كان هذا شيئًا حفظته من رسول الله  - ﷺ -  فها، وإلَّا فلأجعلنك عظة. قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله  - ﷺ -  قال: الاستئذان ثلاث. قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع، تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد.\nوفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا. . . إلى قوله: قال لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن، فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلَّا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله  - ﷺ -، ألهاني عنه الصفق في الأسواق. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لتأتيني على هذا وإلَّا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء العشي وجدوه؛ قال: يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم أبي بن كعب ﵁. قال: عدل، يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت","vol":"6","page":191},{"text":"رسول الله  - ﷺ -  يقول ذلك يابن الخطاب، فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله  - ﷺ -، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت. وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر أنت سمعت من رسول الله  - ﷺ -؟ فقال: نعم، فلا تكن يابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله  - ﷺ - . وليس في هذه الرواية قول عمر سبحان الله، وما بعده.\nفهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد، وأبي موسى، وأبي بن كعب ﵃ تدل دلالة صحيحة صريحة على أن الاستئذان ثلاث.\nوقال النووي في شرح مسلم: وأما قوله: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا، وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله  - ﷺ - . اهـ منه.\nوالظاهر منه كما قال. وهذه الروايات الصحيحة الصريحة تبين أن هذا الاستئذان المعبر عنه في الآية بالاستئناس، والسلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثًا؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله  - ﷺ -  الثابتة عنه. وبذلك تعلم أنما قاله ابن حجر في فتح الباري من أن المراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الاستئذان بتنحنح، ونحوه عند الجمهور خلاف التحقيق. وما استدل به لذلك من رواية الطبري من طريق مجاهد تفسير الآية بما ذكر إلى آخر ما ذكر من الأدلة لا يعول عليه، وأن الحق هو ما جاءت به الروايات الصحيحة من الاستئذان والتسليم ثلاثًا كما رأيت.","vol":"6","page":192},{"text":"وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال. الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثًا. . . إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي  - ﷺ -  أنه قال. الاستئذان ثلاث يؤيدها أنه  - ﷺ -  كذلك كان يفعل.\nقال ابن حجر في الفتح: وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها في الأدب المفرد زيادة مفيدة، وهي أن أبا سعيد، أو أبا مسعود قال لعمر: خرجنا مع النبي  - ﷺ -  وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة، فلم يؤذن له. فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع فأذن له سعد. الحديث. فثبت ذلك من قوله  - ﷺ -  ومن فعله. وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره. كذا فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد. اهـ محل الغرض منه. وقوله: فثبت ذلك من قوله  - ﷺ -، ومن فعله يدل على أن قصة استئذانه  - ﷺ -  على سعد بن عبادة صحيحة ثابتة.\nوقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره \"أن النبي  - ﷺ -  استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي  - ﷺ -  حتى سلم ثلاثًا ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يسمعه فرجع النبي  - ﷺ -  فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله  - ﷺ -  بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلَّا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من","vol":"6","page":193},{"text":"سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل النبي  - ﷺ -، فلما فرغ قال: \"أكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون\" وقد روي أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: \"زارنا رسول الله  - ﷺ -  في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعدًا ردًا خفيًا، فقلت: ألا تأذن لرسول الله  - ﷺ -، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله  - ﷺ -: السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردًا خفيًا. ثم قال رسول الله  - ﷺ -: السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله  - ﷺ -  وأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك ردًا خفيًا؛ لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله  - ﷺ - \" وذكر ابن كثير القصة إلى آخرها ثم قال: وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي. واللَّه أعلم.\nوبما ذكرنا تعلم أن الاستئناس في الآية الاستئذان ثلاثًا، وليس المراد به التنحنح ونحوه، كما عزاه في فتح الباري للجمهور. واختلف هل يقدم السلام أو الاستئذان؟\nوقال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنَّة وإجماع الأمة، والسنَّة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا فيجمع بين السلام، والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام، والصحيح الذي جاءت به السنَّة. وقاله المحققون: إنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟","vol":"6","page":194},{"text":"والثاني: يقدم الاستئذان، والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلَّا قدم الاستئذان، وقد صح عن النبي  - ﷺ -  حديثان في تقديم السلام. انتهي محل الغرض منه بلفظه. ولا يخفي أن ما صح فيه حديثان عن النبي  - ﷺ -  مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس الذي هو الاستئذان على السلام في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، ونوح قبل نبينا  - ﷺ -، وهذا معروف، ولا ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مرادًا بها الترتيب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وقد قال  - ﷺ -: \"أبدأ بما بدأ الله به\" وفي رواية \"ابدأوا بما بدأ الله به\" بصيغة الأمر، وكقول حسان ﵁:\nهجوت محمدًا وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء\nعلى رواية الواو في هذا البيت.\nوإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلَّا مطلق التشريك بين المعطوف، والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف، كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور؛ لأن جواب الهجاء لا يكون إلَّا بعده، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها","vol":"6","page":195},{"text":"لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو.\nوذكر ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية أحاديث عن النبي  - ﷺ -  في السنن وغيرها تدل على أن النبي  - ﷺ -  تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه، بأن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فانظره. وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان عن النبي  - ﷺ - . والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول المستأذن: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، كما دلت عليه الأدلة.\nواعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها تغاير؛ لأن في بعضها: أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه، فرده من حينه، وفي بعضها أنه لم يأته إلَّا في اليوم الثاني، وجمع بينها ابن حجر في الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلَّا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال. . . إلى أن قال: ويجمع بينهما: بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني. اهـ منه. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيهات تتعلق بهذه المسألة\nالأول: اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثالثة؛ لأنهم لما سمعوه، ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإِذن، وقد بينت السنَّة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاثة، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن له أن يزيد على الثلاث مطلقًا،","vol":"6","page":196},{"text":"وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أو لا، فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه بأنهم سمعوه.\nالتنبيه الثاني: اعلم أن الذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة، أنه إن علم أن أهل البيت لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة، بل ينصرف بعدها؛ لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوه خلافًا لمن قال له: الزيادة، ومن فصل في ذلك.\nوقال النووي في شرح مسلم: أما إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب، أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان. والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته قوله  - ﷺ -: \"فلم يؤذن له فليرجع\" ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن. واللَّه أعلم.\nوالصواب إن شاء الله تعالى هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث؛ لأنه ظاهر النصوص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، كما هو مقرر في الأصول.\nالتنبيه الثالث: قال بعض أهل العلم: إن المستأذن ينبغي له ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكنه يقف جاعلًا الباب عن يمينه أو يساره، ويستأذن وهو كذلك.\nقال ابن كثير: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه، أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن","vol":"6","page":197},{"text":"بشر قال: \"كان رسول الله  - ﷺ -  إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم\" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور. انفرد به أبو داود.\nوقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، ح، وثنا أبو بكر بن شيبة، ثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل  - قال عثمان: سعد -  فوقف على باب النبي  - ﷺ -، يستأذن فقام على الباب،  - قال عثمان: مستقبل الباب -  فقال له النبي  - ﷺ -: \"هكذا عنك، أو هكذا فإنما الاستئذان من النظر\" ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي  - ﷺ - . رواه أبو داود من حديثه. انتهى من ابن كثير.\nوالحديثان اللذان ذكرهما عن أبي داود نقلناهما من سنن أبي داود؛ لأن نسخة ابن كثير التي عندنا فيها تحريف فيهما.\nوفيما ذكرنا دلالة على ما ذكرنا من أن المستأذن لا يقف مستقبل الباب خوفًا أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة: اعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت، فلا يجوز له أن يقول له: أنا، بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورًا به؛ لأن لفظة: أنا يعبر بها كل أحد عن نفسه، فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وقد ثبت معنى هذا عن النبي  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه.","vol":"6","page":198},{"text":"قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: \"أتيت النبي  - ﷺ -  في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا، كأنه كرهها\". انتهى منه. وتكريره  - ﷺ -  لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن، فهي جواب له  - ﷺ -  بما لا يطابق سؤاله. وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بأنا لا يجوز؛ لكراهة النبي  - ﷺ -  لذلك وعدم رضاه به خلافًا لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: \"أتيت النبي  - ﷺ -  فدعوت فقال النبي  - ﷺ -: من هذا؟ قلت: أنا، فخرج وهو يقول: أنا أنا\".\nحدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال: قال يحيى، أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: \"استأذنت على النبي  - ﷺ -  فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال النبي  - ﷺ -: أنا أنا\".\nوحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شميل، وأبو عامر العقدي \"ح\" وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير \"ح\" وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بهز، كلهم عن شعبة بهذا الإِسناد. وفي حديثهم: كأنه كره ذلك، انتهى منه. وقول جابر:","vol":"6","page":199},{"text":"\"كأنه كره ذلك\" فيه أنه لا يخفى من تكريره  - ﷺ -  لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه غير الشيخين من باقي الجماعة.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلَّا بإذن. ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال. ما على كل أحيانها تريد أن تراها. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرًا سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري، وقال: تدخل بغير إذن؟، ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري.\nوهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. ويفهم من الحديث الصحيح: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\" فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى.","vol":"6","page":200},{"text":"وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم، أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. وقال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله (- ﷺ -) إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك الحال، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآية.\nوقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال: ويقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتًا. . . إلى أن قال: والأدب كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبي، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن، قال: فراجعته، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت: نعم، قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليَّ أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك. وقال ابن جريج عن الزهري، سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن على أمهاتكم. اهـ محل الغرض منه. وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلَّا امرأته أن الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله","vol":"6","page":201},{"text":"تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته. ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما ولو كان أبًا أو أمًا أو ابنًا كما لا يخفي. ويدل له الأثر الذي ذكرناه آنفًا عن موسى بن طلحة أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن.\nوقال ابن كثير في تفسيره: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلَّا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. ثم نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. قال: وإسناده صحيح. اهـ محل الغرض منه. والأول أظهر، ولا سيما عند من يري إباحة نظر الزوج إلى فرج امرأته كمالك وأصحابه ومن وافقهم. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة: إذا قال أهل المنزل للمستأذن: \"ارجع\" وجب عليه الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ وكان بعض أهل العلم يتمني إذا استأذن على بعض أصدقائه أن يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ لأن ما قال الله: إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيرًا وأجرًا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: اعلم أن أقوى الأقوال دليلًا وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقأوا عينه التي نظر إليهم بها،","vol":"6","page":202},{"text":"ليطلع عل عوراتهم أنه لا حرج عليهم في ذلك من إثم، ولا غرم دية العين ولا قصاص. وهذا لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي  - ﷺ -  ثبوتًا لا مطعن فيه، ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم؛ لسقوطها عندنا؛ لمعارضتها النص الثابت عنه  - ﷺ - .\nقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له، ثم ذكر من أحاديث هذه الترجمة.\nحدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم  - ﷺ -: \"لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح\". اهـ منه. والجناح الحرج. وقوله  - ﷺ -  في هذا الحديث الصحيح: \"لم يكن عليك جناح\" لفظ جناح فيه نكرة في سياق النفي، فهي تعم رفع كل حرج من إثم ودية وقصاص كما تري.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي  - ﷺ -  قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه. اهـ منه.\nوهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه  - ﷺ -  أنهم يحل لهم أن يفقؤوا عينه. وكون ذلك حلالًا لهم مستلزم أنهم ليس عليهم فيه شيء من إثم، ولا دية، ولا قصاص؛ لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه  - ﷺ -  لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة، كما لا يخفي.\nوقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه متصلًا بكلامه هذا الذي نقلنا عنه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن","vol":"6","page":203},{"text":"أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح\". اهـ منه.\nوقد بينا وجه دلالته على أنه لا شيء في عين المذكور، وثبوت هذا عن النبي  - ﷺ -  كما رأيت يدل على أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله  - ﷺ -  في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم. ويزيد ما ذكرنا توكيدًا وإيضاحًا ما جاء عنه  - ﷺ -  من أنه هم أن يفعل ذلك.\nقال البخاري ﵀ في صحيحه تحت الترجمة المذكورة آنفًا وهي قوله: باب من اطلع بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له: حدثنا أبو اليمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁: أن رجلًا اطلع في بعض حجر النبي  - ﷺ -  فقام إليه بمشقص أو مشاقص، وجعل يختله ليطعنه.\nحدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله  - ﷺ -، ومع رسول الله  - ﷺ -  مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله  - ﷺ -  قال: \"لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال رسول الله  - ﷺ -: إنما جعل الإِذن من قبل البصر\". اهـ منه. وقد ذكر البخاري هذه الأحاديث التي ذكرناها عنه هنا في كتاب الديات.\nوقد قال في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان: قال الزهري: حفظته كما أنك هاهنا عن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجر","vol":"6","page":204},{"text":"النبي  - ﷺ -  ومع النبي  - ﷺ -  مدرى يحك بها رأسه فقال: \"لو أعلم أنك تنتظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\".\nحدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي  - ﷺ -، فقام إليه النبي  - ﷺ -  بمشقص أو بمشاقص، فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه. وهذه النصوص الصحيحة تؤيد ما ذكرنا فلا التفات لمن خالفها من أهل العلم، ومن أولها؛ لأن النص لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه.\nواعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. وقوله في الحديث المذكور: من جحر في حجر النبي  - ﷺ - . الجحر الأول: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط. والثاني: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة: وهي ناحية البيت.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو كامل فضيل بن الحسين، وقتيبة بن سعيد، واللفظ ليحيى، وأبي كامل، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيدٍ، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي  - ﷺ -  فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله  - ﷺ -  يختله ليطعنه. وفي لفظ عند مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله  - ﷺ -، ومع رسول الله  - ﷺ -  مدري يحك بها رأسه، فلما رآه رسول الله  - ﷺ -  قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به","vol":"6","page":205},{"text":"في عينك، وقال رسول الله  - ﷺ -: \"إنما جعل الاستئذان من أجل البصر\"، وفي مسلم روايات أخر بهذا المعنى قد اكتفينا منها بما ذكرنا.\nوهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنَّة؛ ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها، وتكون هدرًا، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولًا إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا، هل يكون الإِرسال إليه إذنًا؛ لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإِرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا أتي المنزل استئذانًا جديدًا، ولا يكتفي بالإِرسال؟ وكل من القولين قال به بعض أهل العلم.\nواحتج من قال: إن الإِرسال إليه إذن يكفي عن الاستئذان عند إتيان المنزل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة أن النبي  - ﷺ -  قال: \"رسول الرجل إلى الرجل إذنه\"، حدثنا حسين بن معاذ، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن\" قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا. اهـ من أبي داود.\nقال ابن حجر في فتح الباري: وقد ثبت سماعه منه في","vol":"6","page":206},{"text":"الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع حدثه. اهـ.\nويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقًا: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن. وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي  - ﷺ -  قال: هو إذنه. اهـ. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلَّا ما هو صحيح عنده كما قدمناه مرارًا.\nوقال ابن حجر في الفتح في حديث كون رسول الرجل إلى الرجل إذنه: له متابع أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ \"رسول الرجل إلى الرجل إذنه\" وأخرج له شاهدًا موقوفًا على ابن مسعود قال: \"إذا دعي الرجل فهو إذنه\" وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعًا الآية. انتهى محل الغرض منه.\nفهذه جملة أدلة من قالوا بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم.\nوأما الذين قالوا: يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل، ولا يكتفي بإرسال الرسول، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله  - ﷺ -  فوجد لبنًا في قدح فقال: \"أبا هرير الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا\". اهـ منه. قال: هذا الحديث الصحيح صريح في أنه  - ﷺ -  أرسل أبا هريرة لأهل الصفة، ولم يكتفوا بالإِرسال عن الاستئذان، ولو كان يكفي عنه لبينه  - ﷺ -؛ لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.","vol":"6","page":207},{"text":"ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية؛ لأن ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره. وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة القولين.\nقال ابن حجر في فتح الباري: وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإِذن في العادة، وإلَّا لم يحتج إلى استئناف إذن.\nوقال ابن التين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط. وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول، ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان. وبهذا جمع الطحاوي، واحتج بقوله في الحديث: فأقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم، وإلَّا لقال: فأقبلنا. كذا قال. اهـ كلام ابن حجر. وأقربها عندي الجمع الأخير، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود المتقدم: فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1185> قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠) وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾</span>.\nأمر الله جلَّ وعلا المؤمنين والمؤمنات بغض البصر، وحفظ الفرج، ويدخل في حفظ الفرج: حفظه من الزنى، واللواط،","vol":"6","page":208},{"text":"والمساحقة، وحفظه من الإِبداء للناس والانكشاف لهم. وقد دلت آيات أخري على أن حفظه من المباشرة المدلول عليه بهذه الآية يلزم عن كل شيء إلَّا الزوجة والسرية، وذلك في قوله تعالى في سورة المؤمنون، وسأل سائل: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ (٦)﴾.\nفقد بينت هذه الآية أن حفظ الفرج من الزنى، واللواط لازم، وأنه لا يلزم حفظه عن الزوجة والموطوءة بالملك.\nوقد بينا في سورة البقرة أن الرجل يجبا عليه حفظ فرجه عن وطء زوجته في الدبر، وذكرنا لذلك أدلة كثيرة، وقد أوضحنا الكلام على آية ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾ وقد وعد الله تعالى من امتثل أمره في هذه الآية من الرجال والنساء بالمغفرة والأجر العظيم، إذا عمل معها الخصال المذكورة معها في سورة الأحزاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾ وأوضح تأكيد حفظ الفرج عن الزنى في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا (٦٨) يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا (٦٩) إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، وأوضح لزوم حفظ الفرج عن اللواط، وبين أنه عدوان في آيات متعددة في قصة قوم لوط، كقوله: ﴿أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ (١٦٥) وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ (١٦٦)﴾ وقوله تعالى:","vol":"6","page":209},{"text":"﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (٢٨) أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنْكَرَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أوضحنا كلام أهل العلم وأدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط في سورة هود، وعقوبة الزاني في أول هذه السورة الكريمة.\nواعلم أن الأمر بحفظ الفرج يتناول حفظه من انكشافه للناس. وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وحفظ الفرج تارة يكون بمنعه من الزنى كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥)﴾ الآية، وتارة يكون بحفظه من النظر إليه كما جاء في الحديث في مسند أحمد والسنن: احفظ عورتك إلَّا من زوجتك أو ما ملكت يمينك. اهـ منه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ الآيتين.\nقال الزمخشري في الكشاف: من للتبعيض والمراد غض البصر عما يحرم، والاقتصار به على ما يحل، وجوز الأخفش أن تكون مزيدة وأباه سيبويه. فإن قلت: كيف دخلت في غض البصر دون حفظ الفرج؟ قلت: دلالة على أن أمر النظر أوسع، ألا ترى أن المحارم لا بأس بالنظر إلى شعورهن، وصدورهن، وثديهن، وأعضادهن، وأسوقهن، وأقدامهن، وكذلك الجواري المستعرضات، والأجنبية ينظر إلى وجهها وكفيها، وقدميها في إحدي الروايتين، وأما أمر الفرج فمضيق، وكفاك فرقًا أن أبيح النظر إلَّا ما استثنى منه، وحظر الجماع إلَّا ما استثنى منه، ويجوز أن يراد مع حفظها من الإِفضاء إلى ما لا يحل حفظها عن الإِبداء.","vol":"6","page":210},{"text":"وعن ابن زيد كل ما في القرآن من حفظ الفرج فهو عن الزنى، إلَّا هذا فإنه أراد به الاستتار. اهـ كلام الزمخشري.\nوما نقل عن ابن زيد من أن المراد بحفظ الفرج في هذه الآية الاستتار فيه نظر. بل يدخل فيه دخولًا أوليًا حفظه من الزنى واللواط. ومن الأدلة على ذلك تقديمه الأمر بغض البصر على الأمر بحفظ الفرج، لأن النظر بريد الزنى كما سيأتي إيضاحه قريبًا إن شاء الله تعالى وما ذكر جواز النظر إليه من المحارم لا يخلو بعضه من نظر. وسيأتي تحقيق ذلك إن شاء الله تعالى وتفصيله في سورة الأحزاب، كما وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أنا نوضح مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.\nوقول الزمخشري: إن \"من\" في قوله: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ للتبعيض قاله غيره، وقواه القرطبي بالأحاديث الواردة في أن نظرة الفجاءة لا حرج فيها، وعليه أن يغض بصره بعدها، ولا ينظر نظرًا عمدًا إلى ما لا يحل. وما ذكره الزمخشري عن الأخفش، وذكره القرطبي وغيرهما من أن من زائدة لا يعول عليه.\nوقال القرطبي: وقيل: الغض: النقصان. يقال: غض فلان من فلان، أي: وضع منه، فالبصر إذا لم يمكن من عمله، فهو موضوع منه ومنقوص، فَمِنْ صلة للغض، وليست للتبعيض، ولا للزيادة. اهـ منه.\nوالأظهر عندنا أن مادة الغض تتعدى إلى المفعول بنفسها وتتعدي إليه أيضًا بالحرف الذي هو من، ومثل ذلك كثير في كلام العرب. ومن أمثلة تعدي الغض للمفعول بنفسه قول جرير:\nفغضّ الطّرف إنك من نمير ... فلا كعبًا بلغت ولا كلابا","vol":"6","page":211},{"text":"وقول عنترة:\nوأغض طرفي ما بدت لي جارتي ... حتى يواري جارتي مأواها\nوقول الآخر:\nوما كان غض الطرف منا سجية ... ولكننا في مذحج غربان\nلأن قوله: غض الطرف مصدر مضاف إلى مفعوله بدون حرف.\nومن أمثلة تعدي الغض بمن قوله تعالى: ﴿يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ و﴿يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ﴾ وما ذكره هنا من الأمر بغض البصر قد جاء في آية أخري تهديد من لم يمتثله، ولم يغض بصره عن الحرام، وهي قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾.\nوقد قال البخاري ﵀: وقال سعيد بن أبي الحسن للحسن: إن نساء العجم يكشفن صدورهن ورؤوسهن، قال: اصرف بصرك عنهن. بقول الله ﷿: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ قال قتادة: عما لا يحل لهم ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ خائنة الأعين النظر إلى ما نهى عنه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوبه تعلم أن قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾ فيه الوعيد لمن يخون بعينه بالنظر إلى ما لا يحل له، وهذا الذي دلت عليه الآيتان من الزجر عن النظر إلى ما لا يحل جاء موضحًا في أحاديث كثيرة.\nمنها ما ثبت في الصحيح، عن أبي سعيد الخدري ﵁ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إياكم والجلوس بالطرقات، قالوا: يا رسول الله ما لنا من مجالسنا بد نتحدث فيها، قال: فإذا أبيتم إلَّا المجلس فأعطوا الطريق حقه، قالوا: وما حق الطريق","vol":"6","page":212},{"text":"يا رسول الله  - ﷺ -؟ قال: غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر\" انتهى هذا لفظ البخاري في صحيحه.\nومنها ما ثبت في الصحيح عن عبد الله بن عباس ﵄، قال: \"أردف النبي  - ﷺ -  الفضل بن عباس يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي  - ﷺ -  يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله  - ﷺ -، فطفق الفضل ينظر إليها وأعجبه حسنها، فالتفت النبي  - ﷺ -، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها\" الحديث.\nومحل الشاهد منه: أنه  - ﷺ -  صرف وجه الفضل عن النظر إليها، فدل ذلك على أن نظره إليها لا يجوز. واستدلال من يرى أن للمرأة الكشف عن وجهها بحضرة الرجال الأجانب بكشف الخثعمية وجهها في هذا الحديث، سيأتي إن شاء الله الجواب عنه في الكلام على مسألة الحجاب في سورة الأحزاب.\nومنها ما ثبت في الصحيحين، وغيرهما: من أن نظر العين إلى ما لا يحل لها تكون به زانية، فقد ثبت في الصحيح عن ابن عباس أنه قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي  - ﷺ -: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنى أدرك ذلك لا محالة، فزنى العين: النظر، وزنى اللسان: المنطق، والنفس تتمنى وتشتهي، والفرج يصدق ذلك كله ويكذبه\". اهـ. هذا لفظ البخاري. والحديث متفق عليه، وفي بعض رواياته زيادة على ما ذكرنا هنا.\nومحل الشاهد منه قوله  - ﷺ -: فزنى العين النظر، فإطلاق اسم","vol":"6","page":213},{"text":"الزنى على نظر العين إلى ما لا يحل دليل واضح على تحريمه والتحذير منه. والأحاديث بمثل هذا كثيرة معلومة.\nومعلوم أن النظر سبب الزنى فإن من أكثر من النظر إلى جمال امرأة مثلًا قد يتمكن بسببه حبها من قلبه تمكنًا يكون سبب هلاكه، والعياذ باللَّه، فالنظر بريد الزنى. وقال مسلم بن الوليد الأنصاري:\nكسبت لقلبي نظرة لتسره ... عيني فكانت شقوة ووبالا\nما مر بي شيء أشد من الهوى ... سبحان من خلق الهوى وتعالى\nوقال آخر:\nألم تر أن العين للقلب رائد ... فما تألف العينان فالقلب آلف\nوقال آخر.\nوأنت إذا أرسلت طرفك رائدًا ... لقلبك يومًا أتعبتك المناظر\nرأيت الذي لا كله أنت قادر ... عليه ولا عن بعضه أنت صابر\nوقال أبو الطيب المتنبي:\nوأنا الذي اجتلب المنية طرفه ... فمن المطالب والقتيل القاتل\nوقد ذكر ابن الجوزي ﵀ في كتابه ذم الهوى فصولًا جيدة نافعة أوضح فيها الآفات التي يسببها النظر وحذر فيها منه، وذكر كثيرًا من أشعار الشعراء، والحكم النثرية في ذلك، وكله معلوم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1186> قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾</span>.\nاعلم أولًا أن كلام العلماء في هذه الآية يرجع جميعه إلى ثلاثة أقوال:","vol":"6","page":214},{"text":"الأول: أن الزينة هنا نفس شيء من بدن المرأة كوجهها وكفيها.\nالثاني: أن الزينة هي ما تتزين به خارجًا عن بدنها.\nوعلى هذا القول ففي الزينة المذكورة الخارجة عن بدن المرأة قولان:\nأحدهما: أنها الزينة التي لا يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن: كالملاءة التي تلبسها المرأة فوق القميص والخمار والإِزار.\nوالثاني: أنها الزينة التي يتضمن إبداؤها رؤية شيء من البدن كالكحل في العين، فإنه يتضمن رؤية الوجه أو بعضه، وكالخضاب والخاتم، فإن رؤيتهما تستلزم رؤية اليد، وكالقرط والقلادة والسوار، فإن رؤية ذلك تستلزم رؤية محله من البدن كما لا يخفي.\nوسنذكر بعض كلام أهل العلم في ذلك، ثم نبين ما يفهم من آيات القرآن رجحانه.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أي: لا يظهرن شيئًا من الزينة للأجانب إلَّا ما لا يمكن إخفاؤه. قال ابن مسعود: كالرداء والثياب، يعني على ما كان يتعاطاه نساء العرب من المقنعة التي تجلل ثيابها، وما يبدو من أسافل الثياب، فلا حرج عليها فيه؛ لأن هذا لا يمكنها إخفاؤه. ونظيره في زي النساء ما يظهر من إزارها، وما لا يمكن إخفاؤه. وقال بقول ابن مسعود الحسن، وابن سيرين، وأبو الجوزاء، وإبراهيم النخعي، وغيرهم. وقال الأعمش عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: وجهها","vol":"6","page":215},{"text":"وكفيها والخاتم. وروي عن ابن عمر، وعطاء، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبي الشعثاء، والضحاك، وإبراهيم النخعي وغيرهم نحو ذلك. وهذا يحتمل أن يكون تفسيرًا للزينة التي نهين عن إبدائها، كما قال أبو إسحاق السبيعي، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ الزينة: القرط، والدملوج، والخلخال، والقلادة. وفي رواية عنه بهذا الإِسناد قال: الزينة زينتان، فزينة لا يراها إلَّا الزوج الخاتم والسوار، وزينة يراها الأجانب، وهي الظاهر من الثياب. وقال الزهري: لا يبدو لهؤلاء الذين سمى الله ممن لا تحل له إلَّا الأسورة والأخمرة والأقرطة من غير حسر، وأما عامة الناس فلا يبدو منها إلَّا الخواتم. وقال مالك، عن الزهري: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ الخاتم والخلخال. ويحتمل أن ابن عباس، ومن تابعه أرادوا تفسير ما ظهر منها بالوجه والكفين. وهذا هو المشهور عند الجمهور. ويستأنس له بالحديث الذي رواه أبو داود في سننه.\nحدثنا يعقوب بن كعب الأنطاكي، ومؤمل بن الفضل الحراني، قالا: حدثنا الوليد، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن خالد بن دريك، عن عائشة ﵂: \"أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي  - ﷺ -، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها وقال: يا أسماء إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا. وأشار إلى وجهه وكفيه\" لكن قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، خالد بن دريك لم يسمع من عائشة ﵂. واللَّه أعلم. اهـ كلام ابن كثير.\nوقال القرطبي في تفسيره لقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾","vol":"6","page":216},{"text":"واختلف الناس في قدر ذلك، فقال ابن مسعود: ظاهر الزينة هو الثياب. وزاد ابن جبير: الوجه. وقال سعيد بن جبير أيضًا، وعطاء، والأوزاعي: الوجه، والكفان، والثياب. وقال ابن عباس، وقتادة، والمسور بن مخرمة: ظاهر الزينة هو الكحل، والسوار، والخضاب إلى نصف الذراع والقرطة والفتخ ونحو هذا؛ فمباح أن تبديه المرأة لكل من دخل عليه من الناس. وذكر الطبري عن قتادة في معنى نصف الذراع حديثًا عن النبي  - ﷺ - . وذكر آخر عن عائشة ﵂، عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إذا عركت أن تظهر إلَّا وجهها ويديها إلى هاهنا وقبض على نصف الذراع\".\nقال ابن عطية: ويظهر لي بحكم ألفاظ الآية أن المرأة مأمورة بأن لا تبدي ولا تجتهد في الإِخفاء لكل ما هو زينة، ووقع الاستثناء فيما يظهر بحكم ضرورة حركة فيما لا بد منه، أو إصلاح شأن ونحو ذلك، فما ظهر على هذا الوجه مما تؤدي إليه الضرورة في النساء فهو المعفو عنه.\nقلت: هذا قول حسن إلَّا أنه لما كان الغالب من الوجه والكفين ظهورهما عادة وعبادة وذلك في الصلاة والحج، فيصلح أن يكون الاستثناء راجعًا إليهما. يدل لذلك ما رواه أبو داود عن عائشة ﵂. ثم ذكر القرطبي حديث عائشة المذكور الذي قدمناه قريبًا، ثم قال: وقد قال ابن خويز منداد من علمائنا: إن المرأة إذا كانت جميلة، وخيف من وجهها وكفيها الفتنة، فعليها ستر ذلك، وإن كانت عجوزًا أو مقبحة جاز أن تكشف وجهها وكفيها. اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.","vol":"6","page":217},{"text":"وقال الزمخشري: الزينة ما تزينت به المرأة من حلي أو كحل أو خضاب، فما كان ظاهرًا منها كالخاتم والفتخة والكحل والخضاب فلا بأس به، وما خفي منها كالسوار والخلخال، والدملج، والقلادة، والإِكليل والوشاح، والقرط فلا تبديه إلَّا لهؤلاء المذكورين. وذكر الزينة دون مواقعها للمبالغة في الأمر بالتصون، والتستر؛ لأن هذه الزينة واقعة على مواضع من الجسد لا يحل النظر إليها لغير هؤلاء، وهي الذراع، والساق، والعضد، والعنق، والرأس، والصدر، والأذن، فنهى عن إبداء الزينة نفسها؛ ليعلم أن النظر إذا لم يحل إليها لملابستها تلك المواقع، بدليل أن النظر إليها غير ملابسة لها لا مقال في حله، كان النظر إلى المواقع أنفسها متمكنًا في الحظر، ثابت القدم في الحرمة، شاهدًا على أن النساء حقهن أن يحتطن في سترها ويتقين الله في الكشف عنها. إلى آخر كلامه.\nوقال صاحب الدر المنثور: وأخرج عبد الرزاق، والفريابي، وسعيد بن منصور، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والطبراني، والحاكم وصححه، وابن مردويه، عن ابن مسعود ﵁ في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ قال: الزينة السوار، والدملج، والخلخال، والقرط، والقلادة ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الثياب والجلباب.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر عن ابن مسعود ﵁ قال: الزينة زينتان، زينة ظاهرة، وزينة باطنة لا يراها إلَّا الزوج. فأما الزينة الظاهرة: فالثياب، وأما الزينة الباطنة: فالكحل، والسوار، والخاتم. ولفظ ابن جرير: فالظاهرة منها الثياب، وما يخفي فالخلخالان والقرطان والسواران.","vol":"6","page":218},{"text":"وأخرج ابن المنذر عن أنس في قوله: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم.\nوأخرج سعيد بن منصور، وابن جرير، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن ابن عباس ﵄ ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: الكحل والخاتم والقرط، والقلادة.\nوأخرج عبد الرزاق، وعبد بن حميد عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: هو خضاب الكف، والخاتم.\nوأخرج ابن أبي شيبة وعبد بن حميد وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ﴾ قال: وجهها، وكفاها، والخاتم.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: رقعة الوجه، وباطن الكف.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي في سننه، عن عائشة ﵂: أنها سئلت عن الزينة الظاهرة فقالت: القلب والفتخ، وضمت طرف كمها.\nوأخرج ابن أبي شيبة عن عكرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: الوجه وثغرة النحر.\nوأخرج ابن جرير عن سعيد بن جبير في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الوجه والكف.\nوأخرج ابن جرير عن عطاء في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الكفان والوجه.","vol":"6","page":219},{"text":"وأخرج عبد الرزاق، وابن جرير عن قتادة ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: المسكتان والخاتم والكحل.\nقال قتادة: وبلغني أن النبي  - ﷺ -  قال: \"لا يحل لامرأة تؤمن باللَّه واليوم الآخر إلَّا إلى هاهنا ويقبض نصف الذراع\".\nوأخرج عبد الرزاق وابن جرير، عن المسور بن مخرمة في قوله: ﴿إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾، قال: القلبين يعني السوار، والخاتم، والكحل.\nوأخرج سعيد، وابن جرير عن ابن جريج قال: قال ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال: الخاتم والمسكة. قال ابن جريج: وقالت عائشة ﵂: القلب، والفتخة. قالت عائشة: دخلت عليَّ ابنة أخي لأمي عبد الله بن الطفيل مزيَّنة، فدخلت على النبي  - ﷺ -، وأعرض، فقالت عائشة ﵁: إنها ابنة أخي وجارية، فقال: إذا عركت المرأة لم يحل لها أن تظهر إلَّا وجهها وإلَّا ما دون هذا، وقبض على ذراع نفسه، فترك بين قبضته وبين الكف مثل قبضة أخرى. اهـ محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور.\nوقد رأيت في هذا النقول المذكورة عن السلف أقوال أهل العلم في الزينة الظاهرة والزينة الباطنة، وأن جميع ذلك راجع في الجملة إلى ثلاثة أقوال كما ذكرنا.\nالأول: أن المراد بالزينة ما تتزين به المرأة خارجًا عن أصل خلقتها، ولا يستلزم النظر إليه رؤية شيء من بدنها، كقول ابن مسعود، ومن وافقه: إنها ظاهر الثياب؛ لأن الثياب زينة لها خارجة عن أصل خلقتها، وهي ظاهرة بحكم الاضطرار كما ترى.","vol":"6","page":220},{"text":"وهذا القول هو أظهر الأقوال عندنا، وأحوطها، وأبعدها من الريبة وأسباب الفتنة.\nالقول الثاني: أن المراد بالزينة ما تتزين به، وليس من أصل خلقتها أيضًا، لكن النظر إلى تلك الزينة يستلزم رؤية شيء من بدن المرأة، وذلك كالخضاب والكحل، ونحو ذلك؛ لأن النظر إلى ذلك يستلزم رؤية الموضع الملابس له من البدن كما لا يخفي.\nالقول الثالث: أن المراد بالزينة الظاهرة بعض بدن المرأة الذي هو من أصل خلقتها، كقول من قال: إن المراد بما ظهر منها الوجه، والكفان. وما تقدم ذكره عن بعض أهل العلم.\nوإذا عرفت هذا فاعلم أننا قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة دالة على عدم صحة ذلك القول، وقدمنا أيضًا في ترجمته أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يكون الغالب في القرآن إرادة معنى معين في اللفظ، مع تكرر ذلك اللفظ في القرآن، فكون ذلك المعنى هو المراد من اللفظ في الغالب، يدل على أنه هو المراد في محل النزاع، لدلالة غلبة إرادته في القرآن بذلك اللفظ، وذكرنا له بعض الأمثلة في الترجمة.\nوإذا عرفت ذلك فاعلم أن هذين النوعين من أنواع البيان اللذين ذكرناهما في ترجمة هذا الكتاب المبارك، ومثلنا لهما بأمثلة متعددة كلاهما موجود في هذه الآية التي نحن بصددها.\nأما الأول منهما، فبيانه أن قول من قال في معنى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ أن المراد بالزينة: الوجه والكفان مثلًا،","vol":"6","page":221},{"text":"توجد في الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي أن الزينة في لغة العرب هي ما تتزين به المرأة مما هو خارج عن أصل خلقتها: كالحلي، والحلل، فتفسير الزينة ببعض بدن المرأة خلاف الظاهر، ولا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وبه تعلم أن قول من قال: الزينة الظاهرة: الوجه، والكفان، خلاف ظاهر معنى لفظ الآية، وذلك قرينة على عدم صحة هذا القول، فلا يجوز الحمل عليه إلَّا بدليل منفصل يجب الرجوع إليه.\nوأما نوع البيان الثاني المذكور فإيضاحه: أن لفظ الزينة يكثر تكرره في القرآن العظيم مرادًا به الزينة الخارجة عن أصل المزين بها، ولا يراد بها بعض أجزاء ذلك الشيء المزين بها، كقوله تعالى: ﴿يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَي الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَخَرَجَ عَلَي قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ﴾ وقوله تعالى عن قوم موسى: ﴿وَلَكِنَّا حُمِّلْنَا أَوْزَارًا مِنْ زِينَةِ الْقَوْمِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ فلفظ الزينة في هذه الآيات كلها يراد بها ما يزين به الشيء، وهو ليسي من أصل خلقته كما ترى، وكون هذا المعنى هو الغالب في لفظ الزينة في القرآن يدل على أن لفظ الزينة في محل النزاع يراد به هذا المعنى الذي","vol":"6","page":222},{"text":"غلبت إرادته في القرآن العظيم، وهو المعروف في كلام العرب، كقول الشاعر:\nيأخذن زينتهن أحسن ما ترى ... وإذا عطلن فهن خير عواطل\nوبه تعلم أن تفسير الزينة في الآية بالوجه والكفين فيه نظر.\nوإذا علمت أن المراد بالزينة في القرآن ما يتزين به مما هو خارج عن أصل الخلقة، وأن من فسروها من العلماء بهذا اختلفوا على قولين، فقال بعضهم: هي زينة لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة، كظاهر الثياب. وقال بعضهم: هي زينة يستلزم النظر إليها رؤية موضعها من بدن المرأة، كالكحل، والخضاب، ونحو ذلك.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين المذكورين عندي قول ابن مسعود ﵁: أن الزينة الظاهرة: هي ما لا يستلزم النظر إليها رؤية شيء من بدن المرأة الأجنبية، وإنما قلنا: إن هذا القول هو الأظهر؛ لأنه هو أحوط الأقوال، وأبعدها عن أسباب الفتنة، وأطهرها لقلوب الرجال والنساء. ولا يخفى أن وجه المرأة هو أصل جمالها، ورؤيته من أعظم أسباب الافتتان بها، كما هو معلوم، والجاري على قواعد الشرع الكريم هو تمام المحافظة والابتعاد من الوقوع فيما لا ينبغي.\nواعلم أن مسألة الحجاب وإيضاح كون الرجل لا يجوز له النظر إلى شيء من بدن الأجنبية، سواء كان الوجه والكفين أو غيرهما قد وعدنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك وغيرها من المواضع بأننا سنوضح ذلك في سورة الأحزاب في الكلام على آية الحجاب.","vol":"6","page":223},{"text":"وسنفي إن شاء الله تعالى بالوعد في ذلك بما يظهر به للمنصف ما ذكرنا.\nوأعلم أن الحديث الذي ذكرنا في كلام ابن كثير عند أبي داود، وهو حديث عائشة في دخول أسماء على النبي  - ﷺ -  في ثياب رقاق، وأنه قال لها: \"إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يري منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه\" حديث ضعيف عند أهل العلم بالحديث كما قدمنا عن ابن كثير أنه قال فيه: قال أبو داود، وأبو حاتم الرازي: هو مرسل، وخالد بن دريك، لم يسمع من عائشة، والأمر كما قال. وعلى كل حال فسنبين هذه المسألة إن شاء الله بيانًا شافيًا مع مناقشة أدلة الجميع في سورة الأحزاب، ولذلك لم نطل الكلام فيها ها هنا.\nتنبيه\nقد ذكرنا في كلام أهل العلم في الزينة أسماء كثير من أنواع الزينة، ولعل بعض الناظرين في هذا الكتاب لا يعرف معنى تلك الأنواع من الزينة فأردنا أن نبينها ها هنا تكميلًا للفائدة.\nأما الكحل والخضاب فمعروفان، وأشهر أنواع خضاب النساء الحناء، والقرط ما يعلق في شحمة الأذن، ويجمع على قرطة كقردة، وقراط، وقروط، وأقراط، ومنه قول الشاعر:\nأكلت دمًا إن لم أرعك بضرة ... بعيدة مهوي القرط طيبة النشر\nوالخاتم معروف، وهو حلية الأصابع. والفتخ: جمع فتخة بفتحات، وهي حلقة من فضة لا فص فيها، فإذا كان فيها فص، فهو الخاتم، وقيل: قد يكون للفتخة فص، وعليه فهي نوع من الخواتم،","vol":"6","page":224},{"text":"والفتخة تلبسها النساء في أصابع أيديهن، وربما جعلتها المرأة في أصابع رجليها، ومن ذلك قول الراجزة، وهي الدهناء بنت مسحل زوجة العجاج:\nواللَّه لا تخدعني بضم ... ولا بتقبيل ولا بشم\nإلَّا بزعزاع يسلي همي ... تسقط منه فتخي في كمي\nوالخلخال، ويقال له: الخلخل حلية معروفة تلبسها النساء في أرجلهن كالسوار في المعصم، والمخلخل: موضع الخلخال من الساق، ومنه قول امرئ القيس:\nإذا قلت هاتي نوليني تمايلت ... على هضيم الكشح ريا المخلخل\nوالدملج: ويقال له: الدملوج هو المعضد، وهو ما شد في عضد المرأة من الخرز وغيره، والعضد من المرفق إلى المنكب، ومنه قول الشاعر:\nما مركب وركوب الخيل يعجبني ... كمركب بين دملوج وخلخال\nوالسوار حلية من الذهب، أو الفضة مستديرة كالحلقة تلبسها المرأة في معصمها، وهو ما بين مفصل اليد والمرفق، وهو القلب بضم القاف.\nوقال بعض أهل اللغة: إن القلب هو السوار المفتول من طاق واحد؛ لا من طاقين أو أكثر، ومنه قول خالد بن يزيد بن معاوية في زوجته رملة بنت الزبير بن العوام ﵁:\nتجول خلاخيل النساء ولا أرى ... لرملة خلخالًا يجول ولا قلبا\nأحب بني العوام من أجل حبها ... ومن أجلها أحببت أخوالها كلبا\nوالمسكة بفتحات: السوار من عاج أو ذبل، والعاج سن الفيل،","vol":"6","page":225},{"text":"والذبل بالفتح شيء كالعاج، وهو ظهر السلحفاة البحرية، يتخذ منه السوار، ومنه قول جرير يصف امرأة:\nترى العبس الحولي جونا بكوعها ... لها مسكًا من غير عاج ولا ذبل\nقاله الجوهري في صحاحه. والمسك بفتحتين: جمع مسكة.\nوقال بعض أهل اللغة: المسك أسورة من عاج أو قرون أو ذبل. ومقتضي كلامهم أنها لا تكون من الذهب، ولا الفضة. وقد قدمنا في سورة التوبة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ الآية، في مبحث زكاة الحلي المباح من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، عند أبي داود والنسائي أن امرأة أتت رسول الله - ﷺ - ومعها ابنتها، وفي يد ابنتها مسكتان غليظتان من ذهب. . . الحديث. وهو دليل على أن المسكة تكون من الذهب، كما تكون من العاج، والقرون، والذبل. وهذا هو الأظهر خلافًا لكلام كثير من اللغويين في قولهم: إن المسك لا يكون من الذهب، والفضة، والقلادة معروفة. واللَّه تعالى أعلم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1187> قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾</span>.\nلما أمر الله تعالى بهذه الآداب المذكورة في الآيات المتقدمة، وكان التقصير في امتثال تلك الأوامر قد يحصل علَّم خلقه ما يتداركون به ما وقع منهم من التقصير في امتثال الأمر، واجتناب النهي، وبين لهم أن ذلك إنما يكون بالتوبة، وهي الرجوع عن الذنب والإِنابة إلى الله بالاستغفار منه، وهي ثلاثة أركان:\nالأول: الإِقلاع عن الذنب إن كان متلبسًا به.","vol":"6","page":226},{"text":"والثاني: الندم على ما وقع منه من المعصية.\nوالثالث: النية ألا يعود إلى الذنب أبدًا.\nوالأمر في قوله في هذه الآية: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ الظاهر أنه للوجوب، وهو كذلك، فالتوبة واجبة على كل مكلف، من كل ذنب اقترفه، وتأخيرها لا يجوز فتجب منه التوبة أيضًا.\nوقوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ قد قدمنا مرارًا أن أشهر معاني لعل في القرآن اثنان:\nالأول: أنها على بابها من الترجي، أي. توبوا إلى الله، رجاء أن تفلحوا، وعلى هذا فالرجاء بالنسبة إلى العبد، أمَّا الله جلَّ وعلا فهو عالم بكل شيء، فلا يجوز في حقه إطلاق الرجاء. وعلى هذا فقوله تعالى لموسى وهارون في مخاطبة فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى (٤٤)﴾ وهو جلَّ وعلا عالم بما سبق في الأزل من أنه لا يتذكر ولا يخشى. معناه: فقولا قولًا لينًا رجاء منكما بحسب عدم علمكما بالغيب أن يتذكر أو يخشى.\nوالثاني: هو ما قاله بعض أهل العلم بالتفسير من أن كل لعل في القرآن للتعليل إلَّا التي في سورة الشعراء، وهي في قوله تعالى: ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ (١٢٩)﴾ قالوا: فهي بمعنى كأنكم، وقد قدمنا أن إطلاق لعل للتعليل معلوم في العربية، ومنه قول الشاعر:\nفقلتم لنا: كفوا الحروب لعلنا ... نكف ووثقتم لنا كل موثق\nأي: كفوا الحروب، لأجل أن نكف كما تقدم.\nوعلى هذا القول فالمعنى: وتوبوا إلى الله جميعًا أيها المؤمنون، لأجل أن تفلحوا، أي: تنالوا الفلاح.","vol":"6","page":227},{"text":"والفلاح في اللغة العربية يطلق على معنيين:\nالأول: الفوز بالمطلوب الأعظم، ومن هذا المعنى قول لبيد:\nفاعقلي إن كنت لما تعقلي ... وقد أفلح من كان عقل\nأي: فاز بالمطلوب الأعظم من رزقه الله العقل.\nالمعنى الثاني: هو البقاء الدائم في النعيم والسرور، ومنه قول الأضبط بن قريع، وقيل: كعب بن زهير:\nلكل هم من الهموم سعه ... والمسا والصبح لا فلاح معه\nيعني أنه لا بقاء لأحد في الدنيا مع تعاقب المساء والصباح عليه، وقول لبيد بن ربيعة أيضًا:\nلو أن حيًا مدرك الفلاح ... لناله ملاعب الرماح\nيعني لو كان أحد يدرك البقاء، ولا يموت لناله ملاعب الرماح، وهو عمه عامر بن مالك بن جعفر المعروف بملاعب الأسنة. وقد قال فيه الشاعر يمدحه، ويذم أخاه الطفيل والد عامر بن الطفيل المشهور:\nفررت وأسلمت ابن أمك عامرا ... يلاعب أطراف الوشيج المزعزع\nوبكل من المعنيين اللذين ذكرناهما في الفلاح فسر حديث الأذان والإِقامة: حيّ على الفلاح كما هو معروف.\nومن تاب إلى الله كما أمره الله نال الفلاح بمعنييه، فإنه يفوز بالمطلوب الأعظم وهو الجنة، ورضي الله تعالى، وكذلك ينال البقاء الأبدي في النعيم والسرور.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره جلَّ وعلا لجميع","vol":"6","page":228},{"text":"المسلمين بالتوبة مشيرًا إلى أنها تؤدي إلى فلاحهم في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾ أوضحه في غير هذا الموضع، وبين أن التوبة التي يمحو الله بها الذنوب، ويكفر بها السيئات أنها التوبة النصوح، وبين أنها يترتب عليها تكفير السيئات، ودخول الجنة، ولا سيما عند من يقول من أهل العلم: إن عسى من الله واجبة، وله وجه من النظر؛ لأنه ﷿ جواد كريم، رحيم غفور، فإذا أطمع عبده في شيء من فضله، فجوده وكرمه تعالي، وسعة رحمته يجعل ذلك الإِنسان الذي أطمعه ربه في ذلك الفضل يثق بأنه ما أطمعه فيه إلَّا ليتفضل به عليه.\nومن الآيات التي بينت هذا المعنى المذكور هنا قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ فقوله في آية التحريم هذه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ كقوله في آية النور: ﴿أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وقوله في آية التحريم: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ كقوله في آية النور: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾؛ لأن من كفرت عنه سيئاته وأدخل الجنة، فقد نال الفلاح بمعنييه. وقوله في آية التحريم: ﴿تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا﴾ موضح لقوله في النور: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا﴾ ونداؤه لهم بوصف الإِيمان في الآيتين فيه تهييج لهم، وحث على امتثال الأمر؛ لأن الاتصاف بصفة الإِيمان بمعناه الصحيح يقتضي المسارعة إلى امتثال أمر الله، واجتناب نهيه. والرجاء المفهوم من لفظة عسى في آية التحريم، هو المفهوم من لفظة لعل في آية النور كما لا يخفى.","vol":"6","page":229},{"text":"تنبيهات\nالأول: التوبة النصوح: هي التوبة الصادقة.\nوحاصلها: أن يأتي بأركانها الثلاثة على الوجه الصحيح، بأن يقلع عن الذنب إن كان متلبسًا به، ويندم على ما صدر منه من مخالفة أمر ربه جلَّ وعلا، وينوي نية جازمة ألا يعود إلى معصية الله أبدًا.\nوأظهر أقوال أهل العلم أنه إن تاب توبة نصوحًا وكفر الله عنه سيئاته بتلك التوبة النصوح، ثم عاد إلى الذنب بعد ذلك أن توبته الأولى الواقعة على الوجه المطلوب، لا يبطلها الرجوع إلى الذنب، بل تجب عليه التوبة من جديد لذنبه الجديد، خلافًا لمن قال: إن عوده للذنب نقض لتوبته الأولى.\nالثاني: اعلم أنه لا خلاف بين أهل العلم في أنه لا تصح توبة من ذنب إلَّا بالندم على فعل الذنب، والإِقلاع عنه إن كان متلبسًا به كما قدمنا أنهما من أركان التوبة، وكل واحد منهما فيه إشكال معروف.\nوإيضاحه في الأول الذي هو الندم، أن الندم ليس فعلًا، وإنما هو انفعال، ولا خلاف بين أهل العلم في أن الله لا يكلف أحدًا إلَّا بفعل يقع باختيار المكلف، ولا يكلف أحدًا بشيء إلَّا شيئًا هو في طاقته كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن الندم انفعال ليس داخلًا تحت قدرة العبد، فليس بفعل أصلًا، وليس في وسع المكلف فعله،","vol":"6","page":230},{"text":"والتكليف لا يقع بغير الفعل، ولا بما لا يطلق كما بينا. قال في مراقي السعود:\nولا يكلف بغير الفعل ... باعث الأنبيا ورب الفضل\nوقال أيضًا:\nوالعلم والوسع على المعروف ... شرط يعم كل ذي تكليف\nواعلم أن كلام الأصوليين في مسألة التكليف بما لا يطاق، واختلافهم في ذلك إنما هو بالنسبة إلى الجواز العقلي، والمعنى هل يجيزه العقل أو يمنعه.\nأما وقوعه بالفعل فهم مجمعون على منعه كما دلت عليه آيات القرآن، والأحاديث النبوية وبعض الأصوليين يعبر عن هذه المسألة بالتكليف بالمحال هل يجوز عقلًا أو لا؟ أما وقوع التكليف بالمحال عقلًا، أو عادة، فكلهم مجمعون على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله تعالى بعدم وقوعه أزلًا. ومثال المستحيل عقلًا أن يكلف بالجمع بين الضدين كالبياض، والسواد، أو النقيضين كالعدم والوجود. والمستحيل عادة كتكليف المقعد بالمشي، وتكليف الإِنسان بالطيران ونحو ذلك. فمثل هذا لا يقع التكليف به إجماعًا.\nوأما المستحيل لأجل علم الله في الأزل بأنه لا يقع فهو جائز عقلًا، ولا خلاف في التكليف به، فإيمان أبي لهب مثلًا كان الله عالمًا في الأزل بأنه لا يقع كما قال الله تعالى عنه: ﴿سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣)﴾ فوقوعه محال عقلًا؛ لعلم الله في الأزل بأنه لا يوجد؛ لأنه لو وجد لاستحال العلم بعدمه جهلًا، وذلك مستحيل في حقه تعالى. ولكن هذا المستحيل للعلم بعدم وقوعه جائز عقلًا، إذ لا يمنع العقل","vol":"6","page":231},{"text":"إيمان أبي لهب، ولو كان مستحيلًا لما كلفه الله بالإِيمان على لسان نبيه  - ﷺ -، فالإِمكان عام، والدعوة عامة، والتوفيق خاص.\nوإيضاح مسألة الحكم العقلي أنه عند جمهور النظار ثلاثة أقسام:\nالأول: الواجب عقلًا.\nالثاني: المستحيل عقلًا.\nالثالث: الجائز عقلًا.\nوبرهان حصر الحكم العقلي في الثلاثة المذكورة أن الشيء من حيث هو شيء، لا يخلو من واحدة من ثلاث حالات: إما أن يكون العقل يقبل وجوده، ولا يقبل عدمه بحال، وإما أن يكون يقبل عدمه ولا يقبل وجوده بحال، وإما أن يكون يقبل وجوده وعدمه معًا. فإن كان العقل يقبل وجوده، دون عدمه فهو الواجب عقلًا، وذلك كوجود الله تعالى متصفًا بصفات الكمال والجلال، فإن العقل السليم لو عرض عليه وجود خالق هذه المخلوقات لقبله، ولو عرض عليه عدمه، وأنها خلقت بلا خالق، لم يقبله، فهو واجب عقلًا. وأما إن كان يقبل عدمه، دون وجوده، فهو المستحيل عقلًا، كشريك للَّه ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، فلو عرض على العقل السليم عدم شريك للَّه في ملكه، وعبادته، لقبله، ولو عرض عليه وجوده لم يقبله بحال، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ وقال: ﴿إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١)﴾ فهو مستحيل عقلًا. وأما إن كان العقل يقبل وجوده وعدمه معًا، فهو الجائز العقلي، ويقال له: الجائز الذاتي، وذلك كإيمان أبي لهب، فإنه لو عرض وجوده على العقل السليم لقبله،","vol":"6","page":232},{"text":"ولو عرض عليه عدمه بدل وجوده لقبله أيضًا، كما لا يخفى، فهو جائز عقلًا جوازًا ذاتيًا، ولا خلاف في التكليف بهذا النوع الذي هو الجائز العقلي الذاتي.\nوقالت جماعات من أهل الأهواء: إن الحكم العقلي: قسمان فقط، وهما الواجب عقلًا، والمستحيل عقلًا. قالوا: والجائز عقلًا لا وجود له أصلًا. وزعموا أن دليل الحصر في الواجب والمستحيل أن الأمر إما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه سيوجد فهو واجب الوجود؛ لاستحالة عدم وجوده مع سبق العلم الأزلي بوجوده، كإيمان أبي بكر فهو واجب عندهم عقلًا، لعلم الله بأنه سيقع، إذ لو لم يقع لكان علمه جهلًا ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وذلك محال. وإما أن يكون الله عالمًا في أزله بأنه لا يوجد، كإيمان أبي لهب، فهو مستحيل عقلًا، إذ لو وجد لانقلب العلمُ جهلًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا. وهذا القول لا يخفى بطلانه، ولا يخفى أن إيمان أبي لهب، وأبي بكر كلاهما يجيز العقل وجوده وعدمه، فكلاهما جائز إلَّا أن الله تعالى شاء وجود أحد هذين الجائزين، فأوجده وشاء عدم الآخر فلم يوجده.\nوالحاصل: أن المستحيل لغير علم الله السابق بعدم وجوده؛ لأنه مستحيل استحالة ذاتية، كالجمع بين النقيضين، لا يقع التكليف به إجماعًا، وكذلك المستحيل عادة كما لا يخفى.\nأما الجائز الذاتي فالتكليف به جائز، وواقع إجماعًا، كإيمان أبي لهب فإنه جائز عقلًا، وإن استحال من جهة علم الله بعد وقوعه، وهم يسمون هذا الجائز الذاتي مستحيلًا عرضيًا، ونحن ننزه صفة علم الله عن أن نقول: إن الاستحالة بسببها عرضية.","vol":"6","page":233},{"text":"فإذا علمت هذا فاعلم أن علماء الأصول وجميع أهل العلم مجمعون على وقوع التكليف بالجائز العقلي الذاتي، كإيمان أبي لهب، وإن كان وقوعه مستحيلًا؛ لعلم الله بأنه لا يقع.\nأما المستحيل عقلًا لذاته كالجمع بين النقيضين، والمستحيل عادة كمشي المقعد، وطيران الإِنسان بغير آلة، فلا خلاف بين أهل العلم في منع وقوع التكليف بكل منهما، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ وقال  - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\".\nوإما المستحيل العقلي: فقالت جماعة من أهل الأصول: يجوز التكليف بالمستحيل الذاتي عادة وعقلًا، وبالمستحيل عادة. وقال بعضهم: لا يجوز عقلًا مع إجماعهم على أنه لا يصح وقوعه بالفعل.\nوحجة من يمنعه عقلًا أنه عبث لا فائدة فيه؛ لأن المكلف به لا يمكن أن يقدر عليه بحال، فتكليفه بما هو عاجز عنه عجزًا محققًا عبث لا فائدة فيه، قالوا: فهو مستحيل؛ لأن الله حكيم خبير.\nوحجة من قال بجوازه أن فائدته امتحان المكلف، هل يتأسف على عدم القدرة، ويظهر أنه لو كان قادرًا لامتثل، والامتحان سبب من أسباب التكليف، كما كلف الله إبراهيم بذبح ولده، وهو عالم أنه لا يذبحه، وبين أن حكمة هذا التكليف هي ابتلاء إبراهيم، أي: اختباره، هل يمتثل؟، فلما شرع في الامتثال فداه الله بذبح عظيم، كما قال تعالى عنه: ﴿فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.","vol":"6","page":234},{"text":"وقد أشار صاحب مراقي السعود إلى مسألة التكليف بالمحال وأقوال الأصوليين فيها، وهي اختلافهم في جواز ذلك عقلًا، مع إجماعهم على منعه إن كانت الاستحالة لغير علم الله بعدم الوقوع كالاستحالة الذاتية بقوله:\nوجوز التكليف بالمحال ... في الكل من ثلاثة الأحوال\nوقيل بالمنع لما قد امتنع ... لغير علم الله أن ليس يقع\nوليس واقعًا إذا استحالا ... لغير علم ربنا تعالى\nوقوله: وجوز التكليف يعني الجواز العقلي.\nوقوله: وقيل بالمنع، أي: عقلًا. ومراده بالثلاثة الأحوال: ما استحال عقلًا وعادة، كالجمع بين النقيضين، وما استحال عادة، كمشي المقعد، وطيران الإِنسان، وإبصار الأعمى، وما استحال لعلم الله بعدم وقوعه.\nوإذا عرفت كلام أهل الأصول في هذه المسألة، فاعلم أن التوبة تجب كتابًا وسنَّة وإجماعًا من كل ذنب اقترفه الإِنسان فورًا، وأن الندم ركن من أركانها، وركن الواجب واجب، والندم ليس بفعل، وليس في استطاعة المكلف؛ لأنه انفعال، لا فعل، والانفعالات ليست بالاختيار، فما وجه التكليف بالندم، وهو غير فعل للمكلف، ولا مقدور عليه؟\nوالجواب عن هذا الإِشكال: هو أن المراد بالتكليف بالندم التكليف بأسبابه التي يوجد بها، وهي في طوق المكلف، فلو راجع صاحب المعصية نفسه مراجعة صحيحة، ولم يحابها في معصية الله لعلم أن لذة المعاصي كلذة الشراب الحلو الذي فيه السم القاتل،","vol":"6","page":235},{"text":"والشراب الذي فيه السم القاتل لا يستلذه عاقل؛ لما يتبع لذته من عظيم الضرر، وحلاوة المعاصي فيها ما هو أشد من السم القاتل، وهو ما تستلزمه معصية الله جل وعلا من سخطه على العاصي، وتعذيبه له أشد العذاب، وعقابه على المعاصي قد يأتيه في الدنيا فيهلكه، وينغص عليه لذة الحياة. ولا شك أن من جعل أسباب الندم على المعصية وسيلة إلى الندم، أنه يتوصل إلى حصول الندم على المعصية، بسبب استعماله الأسباب التي يحصل بها.\nفالحاصل: أنه مكلف بالأسباب المستوجبة للندم، وأنه إن استعملها حصل له الندم، وبهذا الاعتبار كان مكلفًا بالندم، مع أنه انفعال لا فعل.\nومن أمثلة استعمال الأسباب المؤدية إلى الندم على المعصية، قول الشاعر وهو الحسين بن مطير:\nفلا تقرب الأمر الحرام فإنه ... حلاوته تفنى ويبقى مريرها\nونقل عن سفيان الثوري ﵀ أنه كان كثيرًا ما يتمثل بقود الشاعر:\nتفنى اللذاذة ممن نال صفوتها ... من الحرام ويبقى الإِثم والعار\nتبقى عواقب سوء في مغبتها ... لا خير في لذة من بعدها النار\nوأما الإِشكال الذي في الإِقلاع عن الذنب، فحاصله: أن من تاب من الذنب الذي هو متلبس به، مع بقاء فساد ذلك الذنب، أي: أثره السيِّئ هل تكون توبته صحيحة، نظرًا إلى أنه فعل في توبته كل ما يستطيعه وإن كان الإِقلاع عن الذنب لم يتحقق؛ للعجز عن إزالة فساده في ذلك الوقت، أو لا تكون توبته صحيحة، لأن الإِقلاع عن الذنب الذي هو ركن التوبة لم يتحقق؟","vol":"6","page":236},{"text":"ومن أمثلة هذا: من كان على بدعة من البدع السيئة المخالفة للشرع المستوجبة للعذاب، إذا بث بدعته، وانتشرت في أقطار الدنيا، ثم تاب من ارتكاب تلك البدعة، فندم على ذلك، ونوى ألا يعود إليه أبدًا، مع أن إقلاعه عن بدعته لا قدرة له عليه، لانتشارها في أقطار الدنيا، ولأن من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة، ففساد بدعته باق.\nومن أمثلته: من غصب أرضًا، ثم سكن في وسطها، ثم تاب من ذلك الغصب نادمًا عليه، ناويًا ألا يعود إليه، وخرج من الأرض المغصوبة بسرعة، وسلك أقرب طريق للخروج منها، فهل تكون توبته صحيحة في وقت سيره في الأرض المغصوبة قبل خروجه منها؛ لأنه فعل في توبته كل ما يقدر عليه، أو لا تكون توبته صحيحة؛ لأن إقلاعه عن الغصب لم يتم ما دام موجودًا في الأرض المغصوبة، ولو كان يسير فيها، ليخرج منها؟\nومن أمثلته: من رمى مسلمًا بسهم، ثم تاب فندم على ذلك، ونوى ألا يعود قبل إصابة السهم للإِنسان الذي رماه به بأن حصلت التوبة والسهم في الهواء في طريقه إلى المرمى، هل تكون توبته صحيحة، لأنه فعل ما يقدر عليه، أو لا تكون صحيحة، لأن إقلاعه عن الذنب، لم يتحقق وقت التوبة، لأن سهمه في طريقه إلى إصابة مسلم؟\nفجمهور أهل الأصول على أن توبته في كل الأمثلة صحيحة؛ لأن التوبة واجبة عليه، وقد فعل من هذا الواجب كل ما يقدر عليه، وما لا قدرة له عليه معذور فيه؛ لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر الأدلة التي قدمناها قريبًا.","vol":"6","page":237},{"text":"وقال أبو هاشم - وهو من أكابر المعتزلة كابنه أبي على الجبائي -: إن التائب الخارج من الأرض المغصوبة آت بحرام؛ لأن ما أتى به من الخروج تصرف في ملك الغير بغير إذن، كالمكث، والتوبة إنما تحقق عند انتهائه، إذ لا إقلاع إلَّا حينئذٍ، والإِقلاع ترك المنهي عنه، فالخروج عنده قبيح؛ لأنه تصرف في ملك الغير بغير إذنه، وهو مناف للإِقلاع، فهو منهي عنه، مع أن الخروج المذكور مأمور به عنده أيضًا؛ لأنه انفصال عن المكث في الأرض المغصوبة. وهذا بناه على أصله الفاسد، وهو القبح العقلي، لكنه أخل بأصل له آخر، وهو منع التكليف بالمحال، فإنه قال: إن خرج عصى، وإن مكث عصى، فقد حرم عليه الضدين كليهما. اهـ قاله في نشر البنود.\nوإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود مقتصرًا على مذهب الجمهور بقوله:\nمن تاب بعد أن تعاطى السببا ... فقد أتى بما عليه وجبا\nوإن بقي فساده كمن رجع ... عن بث بدعة عليها يتبع\nأو تاب خارجًا مكان الغصب ... أو تاب بعد الرمي قبل الضرب\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1188> قوله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>.\nالإِنكاح هنا معناه: التزويج ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ أي: زوجوهم، والأيامى: جمع أيم بفتح الهمزة، وتشديد الياء المكسورة. والأيم: هو من لا زوج له من الرجال والنساء، سواء كان قد تزوج قبل ذلك، أو لم يتزوج قط، يقال: رجل أيم، وامرأة أيم. وقد فسر الشماخ بن","vol":"6","page":238},{"text":"ضرار في شعره الأيم الأنثى بأنها التي لم تتزوج في حالتها الراهنة، وذلك في قوله:\nيقر بعيني أن أنبأ أنها ... وإن لم أنلها أيم لم تزوج\nفقوله: لم تزوج تفسير لقوله إنها أيم. ومن إطلاق الأيم على الذكر الذي لا زوج له قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:\nلله دربني على ... أيم منهم وناكح\nومن إطلاقه على الأنثى قول الشاعر.\nأحب الأيامى إذ بثينة أيم ... وأحببت لما أن غنيت الغوانيا\nوالعرب تقول: آم الرجل يئيم، وآمت المرأة تايم، إذا صار الواحد منهما أيمًا. وكذلك تقول: تأيم إذا كان أيمًا.\nومثاله في الأول قول الشاعر:\nلقد إمت حتى لامني كل صاحب ... رجاء بسلمى أن تئيم كما إمت\nومن الثاني قوله:\nفإن تنكحي أنكح وأن تتأيمي ... وإن كنت أفتى منكم أتايم\nومن الأول أيضًا قول يزيد بن الحكم الثقفي:\nكل امرئ ستئيم منه ... العرس أو منها يئيم\nوقول الآخر:\nنجوت بقوف نفسك غير أني ... إخال بأن سييتم أو تئيم\nيعني: ييتم ابنك وتئيم امرأتك.\nفإذا علمت هذا فاعلم أن قوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى﴾ شامل للذكور والإِناث.","vol":"6","page":239},{"text":"وقوله في هذه الآية ﴿مِنْكُمْ﴾ أي: من المسلمين. ويفهم من دليل الخطاب، أي: مفهوم المخالفة في قوله: منكم. أن الأيامى من غيركم، أي: من غير المسلمين، وهم الكفار ليسوا كذلك.\nوهذا المفهوم الذي فهم من هذه الآية جاء مصرحًا به في آيات أخر، كقوله تعالى في أيامى الكفار الذكور: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ وقوله في أياماهم الإناث: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ وقوله فيهما جميعًا: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾.\nوبهذه النصوص القرآنية الصريحة الموضحة لمفهوم هذه الآية، تعلم أنه لا يجوز تزويج المسلمة للكافر مطلقًا، وأنه لا يجوز تزويج المسلم للكافر، إلَّا أن عموم هذه الآيات خصصته آية المائدة، فأبانت أن المسلم يجوز له تزوج المحصنة الكتابية خاصة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ فقوله تعالى عاطفًا على ما يحل للمسلمين: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ صريح في إباحة تزوج المسلم للمحصنة الكتابية، والظاهر أنها الحرة العفيفة.\nفالحاصل: أن التزويج بين الكفار والمسلمين ممنوع في جميع الصور إلَّا صورة واحدة، وهي تزوج الرجل المسلم بالمرأة المحصنة الكتابية. والنصوص الدالة على ذلك قرآنية كما رأيت.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يدل على لزوم تزويج الأيامى من المملوكين الصالحين، والإِماء المملوكات، وظاهر هذا الأمر الوجوب؛ لما تقرر في الأصول - وقد بيناه مرارًا -: من أن صيغة الأمر المجردة عن","vol":"6","page":240},{"text":"القرائن تقتضي الوجوب، وبذلك تعلم أن الخالية من زوج إذا خطبها كفء ورضيته، وجب على وليها تزويجها إياه، وأنما يقوله بعض أهل العلم من المالكية، ومن وافقهم من أن السيد له منع عبده وأمته من التزويج مطلقًا غير صواب؛ لمخالفته لنص القرآن في هذه الآية الكريمة.\nواعلم أن قوله في هذه الآية الكريمة: وإمائكم، بينت آية النساء أن الأمة لا تزوج للحر إلَّا بالشروط التي أشارت إليها الآية. فآية النساء المذكورة مخصصة لعموم آية النور هذه بالنسبة إلى الإِماء وآية النساء المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فدلت آية النساء هذه على أن الحر لا يجوز له أن يتزوج المملوكة المؤمنة إلَّا إذا كان غيره مستطيع تزويج حرة لعدم الطول عنده، وقد خاف الزنى، فله حينئذٍ تزوج الأمة بإذن أهلها المالكين لها، ويلزمه دفع مهرها، وهي مؤمنة عفيفة ليست من الزانية ولا متخذات الأخدان، ومع هذا كله فصبره عن تزويجها خير له، وإذا كان الصبر عن تزويجها مع ما ذكرنا من الاضطرار خيرًا له فمع عدمه أولى بالمنع. وبما ذكرنا تعلم أن الصواب قول الجمهور من منع تزويج الحرِّ الأمة إلَّا بالشروط المذكورة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ وقوله: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ أي: الزنى، إلى آخر ما ذكر في الآية، خلافًا لأبي حنيفة القائل بجواز نكاحها مطلقًا إلَّا إذا تزوجها على حرة.\nوالحاصل: أن قوله تعالى في آية النور هذه: (وإمائكم)","vol":"6","page":241},{"text":"خصصت عمومه آية النساء كما أوضحناه آنفًا. والعلماء يقولون: إن علة منع تزويج الحر الأمة، أنها إن ولدت منه كان ولدها مملوكًا؛ لأن كل ذات رحم فولدها بمنزلتها، فيلزمه ألا يتسبب في رق أولاده ما استطاع. ووجهه ظاهر كما ترى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فيه وعد من الله للمتزوج الفقير من الأحرار، والعبيد بأن الله يغنيه، واللَّه لا يخلف الميعاد، وقد وعد الله أصحاب رسول الله - ﷺ - الفقراء باليسر بعد ذلك العسر، وأنجز لهم ذلك، وذلكم في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ﴾ أي: ضيق عليه رزقه، إلى قوله تعالى: ﴿سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا (٧)﴾ وهذا الوعد منه جلَّ وعلا وعد به من اتقاه في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ الآية. ووعد بالرزق أيضًا من يأمر أهله بالصلاة، ويصطبر عليها، وذلك في قوله: ﴿وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى (١٣٢)﴾ وقد وعد المستغفرين بالرزق الكثير على لسان نبيه نوح في قوله تعالى: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (١٠) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا (١١) وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَارًا (١٢)﴾ وعلى لسان نبيه هود في قوله تعالى عنه: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ﴾ الآية. وعلى لسان نبينا صلى الله الله عليه وعليهما جميعًا وسلَّم: ﴿وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nومن الآيات الدالة على أن طاعة الله تعالى سبب للرزق قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ","vol":"6","page":242},{"text":"وَالْأَرْضِ﴾ الآية. ومن بركات السماء المطر، ومن بركات الأرض: النبات مما يأكل الناس والأنعام. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ أي: في الدنيا كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، وكما يدل عليه قوله بعده في جزائه في الآخرة: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾ وقد قدمنا أنه جلَّ وعلا وعد بالغنى عند التزويج وعند الطلاق.\nأما التزويج ففي قوله هنا: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾.\nوأما الطلاق ففي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ الآية.\nوالظاهر أن المتزوج الذي وعده الله بالغنى، هو الذي يريد بتزويجه الإِعانة على طاعة الله بغض البصر، وحفظ الفرج كما بينه النبي  - ﷺ -  في الحديث الصحيح: \"يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج فإنه أغض للبصر وأحصن للفرج\" الحديث. وإذا كان قصده بالتزويج طاعة الله، بغض البصر، وحفظ الفرج فالوعد بالغنى إنما هو على طاعة الله بذلك.\nوقد رأيت ما ذكرنا من الآيات الدالة على وعد الله بالرزق من أطاعه، سبحانه جل وعلا ما أكرمه، فإنه يجزي بالعمل الصالح في الدنيا والآخرة، وما قاله أهل الظاهر من أن هذه الآية الكريمة تدل على أن العبد يملك ماله؛ لأن قوله: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ بعد قوله: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ يدل على وصف العبيد بالفقر والغنى، ولا يطلق الغنى إلَّا على من يملك المال الذي","vol":"6","page":243},{"text":"به صار غنيًا. ووجهه قوي. ولا ينافي أن لسيده أن ينتزع منه ذلك المال الذي هو ملك له. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1189> قوله تعالى: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>.\nهذا الاستعفاف المأمور به في هذه الآية الكريمة، هو المذكور في قوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ (٣٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا (٣٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1190> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُكْرِهْهُنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ مِنْ بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣٣)﴾ قيل: غفور لهن. وقيل: غفور لهم. وقيل: غفور لهن ولهم.\nوأظهرها: أن المعنى غفور لهن؛ لأن المكره لا يؤاخذ بما أكره عليه، بل يغفره الله له لعذره بالإِكراه، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية. ويؤيده قراءة ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وابن جبير: فإن الله من بعد إكراههن لهن غفور رحيم. ذكره عنه القرطبي، وذكره الزمخشري عن ابن عباس ﵃ جميعًا.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أنا لا نبين القرآن بقراءة شاذة، وربما ذكرنا القراءة الشاذة استشهادًا بها لقراءة سبعية كما هنا، فزيادة لفظة (لهن) في قراءة من ذكرنا استشهاد بقراءة شاذة","vol":"6","page":244},{"text":"لبيان قراءةٍ غير شاذة، فتبين أن الموعود بالمغفرة والرحمة هو المعذور بالإِكراه دون المكره؛ لأنه غير معذور في فعله القبيح، وذلك البيان المذكور بقوله: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾.\nوقال الزمخشرى في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: لا حاجة إلى تعليق المغفرة بهن؛ لأن المكرهة على الزنى بخلاف المكره عليه في أنها غير آثمة.\nقلت: لعل الإِكراه كان دون ما اعتبرته الشريعة من إكراه بقتل، أو بما يخاف منه التلف، أو ذهاب العضو من ضرب عنيف أو غيره، حتى يسلم من الإِثم، وربما قصرت عن الحد الذي تعذر فيه فتكون آثمة. انتهى منه.\nوالذي يظهر أنه لا حاجة إليه؛ لأن إسقاط المؤاخذة بالإِكراه يصدق عليه أنه غفران ورحمة من الله بعبده. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1191> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾</span>.\nذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أنزل إلينا على لسان نبيه - ﷺ - آيات مبينات، ويدخل فيها دخولًا أوليًا الآيات التي بينت في هذه السورة الكريمة، وأوضحت في معاني الأحكام والحدود. ودليل ما ذكر من القرآن قوله تعالى: ﴿سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ ولا شك أن هذه الآيات المبينات المصرح بنزولها في هذه السورة الكريمة داخلة في قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ الآية.","vol":"6","page":245},{"text":"وبذلك تعلم أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ معناه: أنزلناها إليكم لعلكم تذكرون، أي: تتعظون بما فيها من الأوامر والنواهي، والمواعظ. ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (١)﴾ فقد صرح في هذه الآية الكريمة بأن من حكم إنزالها أن يتذكر الناس، ويتعظوا بما فيها. ويدل لذلك عموم قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ على آيات، أي: أنزلنا إليكم آيات، وأنزلنا إليكم مثلا من الذين خلوا من قبلكم.\nقال أبو حيان في البحر المحيط: ومثلًا معطوف على آيات، فيحتمل أن يكون المعنى ومثلا من أمثال الذين من قبلكم، أي: قصة غريبة من قصصهم، كقصة يوسف، ومريم في براءتهما.\nوقال الزمخشري: ومثلًا من أمثال من قبلكم، أي: قصة عجيبة من قصصهم كقصة يوسف، ومريم يعني قصة عائشة ﵂. وما ذكرنا عن أبي حيان والزمخشري ذكره غيرهما.\nوإيضاحه: أن المعنى: وأنزلنا إليكم مثلًا، أي: قصة عجيبة غريبة في هذه السور الكريمة، وتلك القصة العجيبة من أمثال الذين خلوا من قبلكم، أي من جنس قصصهم العجيبة. وعلى هذا الذي ذكرنا فالمراد بالقصة العجيبة التي أنزلها إلينا، وعبر عنها بقوله: ومثلًا هي براءة عائشة ﵂ مما رماها به أهل الإِفك، وذلك مذكور في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ","vol":"6","page":246},{"text":"مُبَرَّءُونَ مِمَّا يَقُولُونَ﴾ الآية. فقد بين في الآيات العشر المشار إليها أن أهل الإِفك رموا عائشة، وأن الله برأها في كتابه مما رموها به.\nوعلى هذا: فمن الآيات المبينة لبعض أمثال من قبلنا قوله تعالى في رمي امرأة العزيز يوسف بأنه أراد بها سوءًا تعني الفاحشة قالت: ﴿مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَا لَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا رَأَوُا الْآيَاتِ لَيَسْجُنُنَّهُ حَتَّى حِينٍ (٣٥)﴾ لأنهم سجنوه بضع سنين بدعوى أنه كان أراد الفاحشة من امرأة العزيز، وقد برأه الله من تلك الفرية التي افتريت عليه، بإقرار النسوة وامرأة العزيز نفسها، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ إِنَّ رَبِّي بِكَيْدِهِنَّ عَلِيمٌ (٥٠) قَالَ مَا خَطْبُكُنَّ إِذْ رَاوَدْتُنَّ يُوسُفَ عَنْ نَفْسِهِ قُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَالَتِ امْرَأَتُ الْعَزِيزِ الْآنَ حَصْحَصَ الْحَقُّ أَنَا رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ (٥١)﴾ قال تعالى عن امرأة العزيز في كلامها مع النسوة اللاتي قطعن أيديهن: ﴿قَالَتْ فَذَلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ وَلَقَدْ رَاوَدْتُهُ عَنْ نَفْسِهِ فَاسْتَعْصَمَ﴾ الآية.\nفقصة يوسف هذه مثل من أمثال من قبلنا؛ لأنه رمي بإرادة الفاحشة وبرأه الله من ذلك، والمثل الذي أنزله إلينا في هذه السورة، شبيه بقصة يوسف؛ لأنه هو وعائشة كلاهما رُمِيا بما لا يليق، وكلاهما برأه الله تعالى، وبراءة كل منهما نزل بها هذا القرآن العظيم، وإن كانت براءة يوسف وقعت قبل نزول القرآن بإقرار امرأة العزيز، والنسوة كما تقدم قريبًا، وبشهادة الشاهد من أهلها ﴿إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ﴾ الآية.\nومن الآيات المبينة لبعض أمثال الذين من قبلنا ما ذكره تعالى","vol":"6","page":247},{"text":"عن قوم مريم من أنهم رموها بالفاحشة، لما ولدت عيسى من غير زوج، كقوله تعالى: ﴿وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦)﴾ يعني فاحشة الزنى، وقوله تعالى: ﴿فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَامَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا (٢٧)﴾ يعنون الفاحشة، ثم بين الله تعالى براءتها مما رموها به في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩) قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣)﴾ فكلام عيسى وهو رضيع ببراءتها يدل على أنها بريئة. وقد أوضح الله براءتها مع بيان سبب حملها بعيسى من غير زوج، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦) فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا (١٧) قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا (١٨) قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا (١٩) قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا (٢٠) قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا (٢١) فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾ إلى آخر الآيات.\nومن الآيات التي بين الله فيها براءتها قوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (٩١)﴾ وقوله تعالى في التحريم: ﴿وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾.\nفهذه الآيات التي ذكرنا التي دلت على قذف يوسف","vol":"6","page":248},{"text":"وبراءته وقذف مريم وبراءتها من أمثال من قبلنا، فهي مما يبين بعض ما دلَّ عليه قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nوالآيات التي دلت على قذف عائشة وبراءتها بينت المثل الذي أنزل إلينا، وكونه من نوع أمثال من قبلنا واضح؛ لأن كلًا من عائشة، ومريم، ويوسف رمي بما لا يليق، وكل منهم برأه الله، وقصة كل منهم عجيبة، ولذا أطلق عليها اسم المثل في قوله: ﴿وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ (٣٤)﴾.\nقال الزمخشري: ﴿وَمَوْعِظَةً﴾ ما وعظ به الآيات، والمثل من نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ﴾ ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ﴾ ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا﴾. اهـ كلام الزمخشري. والظاهر أن وجه خصوص الموعظة بالمتقين دون غيرهم أنهم هم المنتفعون بها.\nونظيره في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ فخص الإِنذار بمن ذكر في الآيات؛ لأنهم هم المنتفعون به مع أنه  - ﷺ -  في الحقيقة منذر لجميع الناس، كما قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ ونظيره أيضًا قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ ونحوها من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ﴾ قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وشعبة عن عاصم: مبينات بفتح الياء المثناة التحتية المشددة بصيغة اسم المفعول. وقرأه ابن عامر،","vol":"6","page":249},{"text":"وحمزة، والكسائي، وحفص عن عاصم: مبينات بكسر الياء المشددة بصيغة اسم الفاعل. فعلى قراءة من قرأ بفتح الياء فلا إشكال في الآية، لأن الله بينها، وأوضحها، وعلى قراءة من قرأ مبينات بكسر الياء بصيغة اسم الفاعل، ففي معنى الآية وجهان معروفان:\nأحدهما: أن قوله: (مبينات) اسم فاعل بَيَّن المتعدية، وعليه فالمفعول محذوف، أي: مبينات الأحكام والحدود.\nوالثاني: أن قوله: (مبينات) وصف من بَيَّن اللازمة، وهو صفة مشبهة، وعليه فالمعنى: آيات مبينات، أي: بينات واضحات. ويدل لهذا الوجه الأخير قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ مُبِينَاتٍ﴾.\nوذكر الوجهين المذكورين الزمخشري، وأبو حيان وغيرهما، ومثلوا لبيَّن اللازمة بالمثل المعروف، وهو قول العرب: قد بين الصبح لذي عينين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: من المعروف في العربية أن بيَّن مضعفًا، وأبان، كلتاهما تأتي متعدية للمفعول ولازمة، فتعدي بين للمفعول مشهور واضح كقوله تعالى: ﴿قَدْ بَيَّنَّا الْآيَاتِ﴾ وتعدي أبان للمفعول مشهور واضح أيضًا كقولهم: أبان له الطريق، أي: بينها له، وأوضحها. وأما ورود بين لازمة بمعنى تبين ووضح فمنه المثل المذكور: قد بين الصبح لذي عينين، أي: تبين وظهر. ومنه قول جرير:\nوجوه مجاشع طليت بلؤم ... يبين في المقلد والعذار\nفقوله: يبين بكسر الياء بمعنى: يظهر ويتضح، وقول جرير أيضًا:\nرأى الناس البصيرة فاستقاموا ... وبينت المراض من الصحاح","vol":"6","page":250},{"text":"ومنه أيضًا قول قيس بن ذريح:\nوللحب آيات تبين بالفتى ... شحوب وتعري من يديه الأشاجع\nعلى الرواية المشهورة برفع شحوب.\nوالمعنى: للحب علامات تبين بالكسر، أي: تظهر وتتضح بالفتى، وهي شحوب إلخ. وأنشد ثعلب هذا البيت فقال: شحوبًا بالنصب، وعليه فلا شاهد في البيت؛ لأن شحوبًا على هذا مفعول تبين، فهو على هذا من بين المتعدية.\nوأما ورود أبان لازمة بمعنى بان وظهر، فهو كثير في كلام العرب أيضًا. ومنه قول جرير:\nإذا آباؤنا وأبوك عدوا ... أبان المقرفات من العراب\nأي: ظهرت المقرفات وتبينت.\nوقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nلو دب ذر فوق ضاحي جلدها ... لأبان من آثارهن حدور\nأي: لظهر وبان من آثارهن حدور، أي: ورم. وقول كعب بن زهير:\nقنواء في حرتيها للبصير بها ... عتق مبين وفي الخدين تسهيل\nفقوله: مبين وصف من أبان اللازمة، أي: عتق بين واضح، أي: كرم ظاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1192> قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ﴾</span> الآية.\nقرأ هذا الحرف جميع السبعة غير ابن عامر، وشعبة، عن","vol":"6","page":251},{"text":"عاصم: يسبح للَّه فيها بكسر الباء الموحدة المشددة، مبنيًا للفاعل، وفاعله رجال. والمعنى واضح على هذه القراءة. وقرأه ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح له فيها بفتح الباء الموحدة المشددة، مبنيًا للمفعول. وعلى هذه القراءة فالفاعل المحذوف قد دلت القراءة الأولى على أن تقديره: رجال، فكأنه لما قال: يسبح له فيها، قيل: ومن يسبح له فيها؟ قال رجال، أي: يسبح له فيها رجال.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك ما لفظه: وقد التزمنا أنا لا نبين القرآن إلَّا بقراءة سبعية، سواء كانت قراءة أخرى في الآية المبينة نفسها، أو آية أخرى غيرها. . . إلى آخره. وإنما ذكرنا أن الآية يبين بعض القراءات فيها معنى بعض؛ لأن المقرر عند العلماء أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن قراءة الجمهور: يسبح بكسر الباء وفاعله رجال، مبينة أن الفاعل المحذوف في قراءة ابن عامر، وشعبة، عن عاصم: يسبح بفتح الباء مبنيًا للمفعول؛ لحذف الفاعل هو رجال كما لا يخفى. والآية على هذه القراءة حذف فيها الفاعل ليسبح، وحذف أيضًا الفعل الرافع للفاعل الذي هو رجال على حد قوله في الخلاصة:\nويرفع الفاعل فعل أضمرا ... كمثل زيد في جواب من قرا\nونظير ذلك من كلام العرب قول ضرار بن نهشل يرثي أخاه يزيد أو غيره:\nلِيُبكَ يزيد ضارع لخصومة ... ومختبط مما تطيح الطوائح\nفقوله: ليبك يزيد بضم الياء المثناة التحتية، وفتح الكاف مبنيًا","vol":"6","page":252},{"text":"للمفعول، فكأنه قيل: ومن يبكيه؟ فقال: يبكيه ضارع لخصومة إلخ.\nوقراءة ابن عامر، وشعبة هنا كقراءة ابن كثير: كذلك يوحى إليك بفتح الحاء مبنيًا للمفعول، فقوله: (الله) فاعل يوحى المحذوفة.\nووصفه تعالى لهؤلاء الرجال الذين يسبحون له بالغدو والآصال بكونهم لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة على سبيل مدحهم، والثناء عليهم يدل على أن تلك الصفات لا ينبغي التساهل فيها بحال، لأن ثناء الله على المتصف بها يدل على أن من أخل بها يستحق الذم الذي هو ضد الثناء، ويوضح ذلك أن الله نهى عن الإخلال بها نهيًا جازمًا في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أنه على قراءة ابن عامر، وشعبة: يسبح بفتح الباء يحسن الوقف على قوله: بالآصال. وأما على قراءة الجمهور يسبح بالكسر، فلا ينبغي الوقف على قوله: بالآصال، لأن فاعل يسبح رجال، والوقف دون الفاعل لا ينبغي كما لا يخفى.\nالمسألة الثانية: اعلم أن الضمير المؤنث في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا﴾ راجع إلى المساجد المعبر عنها بالبيوت في قوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ والتحقيق: أن البيوت المذكورة هي المساجد.","vol":"6","page":253},{"text":"وإذا علمت ذلك فاعلم أن تخصيصه من يسبح له فيها بالرجال في قوله: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ يدل بمفهومه على أن النساء يسبحن له في بيوتهن لا في المساجد. وقد يظهر للناظر أن مفهوم قوله: رجال مفهوم لقب. والتحقيق عند الأصوليين أنه لا يحتج به.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: لا شك أن مفهوم الرجال مفهوم لقب بالنظر إلى مجرد لفظه، وأن مفهوم اللقب ليس بحجة على التحقيق، كما أوضحناه في غير هذا الموضع. ولكن مفهوم الرجال هنا معتبر، وليس مفهوم لقب على التحقيق، وذلك لأن لفظ الرجال، وإن كان بالنظر إلى مجرده اسم جنس جامد وهو لقب بلا نزاع، فإنه يستلزم من صفات الذكورة ما هو مناسب لإِناطة الحكم به، والفرق بينه وبين النساء؛ لأن الرجال لا تخشى منهم الفتنة، وليسوا بعورة بخلاف النساء، ومعلوم أن وصف الذكورة وصف صالح لإِناطة الحكم به الذي هو التسبيح في المساجد، والخروج إليها دون وصف الأنوثة.\nوالحاصل: أن لفظ الرجال في الآية، وإن كان في الاصطلاح لقبًا فإنما يشتمل عليه من أوصاف الذكورة المناسبة للفرق بين الذكور والإِناث، يقتضي اعتبار مفهوم المخالفة في لفظ رجال، فهو في الحقيقة مفهوم صفة، لا مفهوم لقب؛ لأن لفظ الرجال مستلزم لأوصاف صالحة لإِناطة الحكم به، والفرقِ في ذلك بين الرجال والنساء، كما لا يخفى.\nالمسألة الثالثة: إذا علمت أن التحقيق أن مفهوم قوله: (رجال) مفهوم صفة باعتبار ما يستلزمه من صفات الذكورة المناسبة","vol":"6","page":254},{"text":"للفرق بين الذكور والإِناث في حكم الخروج إلى المساجد، لا مفهوم لقب، وأن مفهوم الصفة معتبر عند الجمهور خلافًا لأبي حنيفة. فاعلم أن مفهوم قوله هنا: (رجال) فيه إجمال، لأن غاية ما يفهم منه أن النساء لسن كالرجال في الخروح للمساجد. وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن البيان القراني إذا كان غير واف بالمقصود من تمام البيان فإنا نتمم البيان من الستة من حيث إنها تفسير للمبيِّن  - باسم الفاعل -، وتقدمت أمثلة لذلك.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن السنَّة النبوية بينت مفهوم المخالفة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: رجال، فبينت أن المفهوم المذكور معتبر، وأن النساء لسن كالرجال في حكم الخروج إلى المساجد، وأوضحت أن صلاتهن في بيوتهن أفضل لهن من الخروج إلى المساجد والصلاة فيها في الجماعة، بخلاف الرجال، وبينت أيضًا أنهن يجوز لهن الخروج إلى المساجد بشروط سيأتي إيضاحها إن شاء الله تعالى، وأنهن إذا استأذن أزواجهن في الخروج إلى المساجد فهم مأمورون شرعًا بالإِذن لهن في ذلك مع التزام الشروط المذكورة.\nأما أمر أزواجهن بالإِذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك فقد صح عن النبي  - ﷺ - .\nقال البخاري ﵀ في صحيحه في كتاب النكاح: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا الزهري عن سالم، عن أبيه، عن النبي  - ﷺ -: \"إذا استأذنت امرأة أحدكم إلى المسجد فلا يمنعها\".\nوقال البخاري أيضًا في صحيحه في كتاب الصلاة: باب استئذان المرأة زوجها بالخروج إلى المسجد: حدثنا مسدد، حدثنا","vol":"6","page":255},{"text":"يزيد بن زريع، عن معمر، عن الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، عن النبي  - ﷺ -: \"إذا استأذنت امرأة أحدكم فلا يمنعها\".\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا عبيد الله بن موسى، عن حنظلة، عن سالم بن عبد الله، عن ابن عمر ﵄، عن النبي  - ﷺ -  قال: \"إذا استأذنكم نساؤكم بالليل إلى المسجد فأذنوا لهن\" تابعه شعبة عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، عن النبي  - ﷺ - .\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو الناقد، وزهير بن حرب جميعًا عن ابن عيينة. قال زهير: حدثنا سفيان ابن عيينة، عن الزهري سمع سالمًا يحدث عن أبيه يبلغ به النبي  - ﷺ -  قال: \"إذا استأذنت أحدكم امرأته إلى المسجد فلا يمنعها\" وفي لفظ عند مسلم، عن ابن عمر قال: سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها\" وفي لفظ عند مسلم أيضًا، عن ابن عمر أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" وفي لفظ له عنه أيضًا سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"إذا استأذنكم نساؤكم إلى المسجد فأذنوا لهن\" وفي لفظ له عنه أيضًا، قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا تمنعوا النساء من الخروج إلى المساجد بالليل\" وفي رواية له عنه أيضًا قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"ائذنوا للنساء بالليل إلى المساجد\" وفي لفظ له عنه أيضًا، قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا تمنعوا النساء حظوظهن من المساجد إذا استأذنكم\" وفي رواية: \"إذا استأذنوكم\". قال النووي في شرح مسلم: وهو صحيح، وعوملن معاملة الذكور لطلبهن الخروج إلى مجلس الذكور. وحديث ابن عمر ﵄ هذا الذي ذكرناه عن","vol":"6","page":256},{"text":"الشيخين بروايات متعددة أخرجه أيضًا غيرهما، وهو صريح في أن أزواج النساء مأمورون على لسانه  - ﷺ -  بالإِذن لهن في الخروج إلى المساجد إذا طلبن ذلك، ومنهيون عن منعهن من الخروج إليها.\nوذكر بعض أهل العلم أن أمر الأزواج بالإِذن لهن في الروايات المذكورة ليس للإِيجاب، وإنما هو للندب، وكذلك نهيه  - ﷺ -  عن منعهن قالوا: هو لكراهة التنزيه، لا للتحريم.\nقال ابن حجر في فتح الباري: وفيه إشارة إلى أن الإِذن المذكور لغير الوجوب؛ لأنه لو كان واجبًا لانتفى معنى الاستئذان؛ لأن ذلك إنما يتحقق إذا كان المستأذن مخيرًا في الإِجابة أو الرد.\nوقال النووي في شرح المهذب: فإن منعها لم يحرم عليه هذا مذهبنا. قال البيهقي: وبه قال عامة العلماء. ويجاب عن حديث: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" بأنه نهي تنزيه؛ لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه لفضيلة. اهـ.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي في هذه المسألة: أن الزوج إذا استأذنته امرأته في الخروج إلى المسجد، وكانت غير متطيبة، ولا متلبسة بشيء يستوجب الفتنة مما سيأتي إيضاحه إن شاء الله، أنه يجب عليها الإِذن لها، ويحرم عليه منعها للنهي الصريح منه  - ﷺ -  عن منعها من ذلك، وللأمر الصريح بالإِذن لها، وصيغة الأمر المجردة عن القرائن تقتضي الوجوب، كما أوضحناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك. وصيغة النهي كذلك تقتضي التحريم. وقد قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾ وقال  - ﷺ -: \"إذا أمرتكم بشيء","vol":"6","page":257},{"text":"فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه\" إلى غير ذلك من الأدلة، كما قدمنا.\nوقول ابن حجر: إن الإِذن لا يتحقق إلَّا إذا كان المستأذن مخيرًا في الإِجابة والرد، غير مسلم، إذ لا مانع عقلًا، ولا شرعًا، ولا عادة من أن يوجب الله عليه الإِذن لامرأته في الخروج إلى المسجد من غير تخيير، فإيجاب الإِذن لا مانع منه، وكذلك تحريم المنع. وقد دل النص الصحيح على إيجابه فلا وجه لرده بأمر محتمل كما ترى.\nوقول النووي. لأن حق الزوج في ملازمة المسكن واجب، فلا تتركه للفضيلة، لا يصلح لأن يرد به النص الصريح منه  - ﷺ -، فأمره  - ﷺ -  الزوج بالإِذن لها يلزمه ذلك، ويوجبه عليه، فلا يعارض بما ذكره النووي كما ترى.\nوما ذكره النووي عن البيهقي: من أن عدم الوجوب قال به عامة العلماء غير مسلم أيضًا، فقد ثبت في صحيح مسلم وغيره عن عبد الله بن عمر ﵄، أنه لما حدث عن النبي  - ﷺ -  بالحديث الذي ذكرنا عنه في أمر الأزواج بالإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد، وقال ابنه: لا ندعهن يخرجن، غضب وشتمه ودفع في صدره منكرًا عليه مخالفته لأمر النبي  - ﷺ - . وذلك دليل واضح على اعتقاده وجوب امتثال ذلك الأمر بالإِذن لهن.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني حرملة بن يحيى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: أخبرني سالم بن عبد الله أن عبد الله بن عمر قال: سمعت رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد إذا استأذنكم إليها\"","vol":"6","page":258},{"text":"فقال بلال بن عبد الله: واللَّه لنمنعهن، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا ما سمعته سبه مثله قط، وقال: أخبرك عن رسول الله - ﷺ -، وتقول: واللَّه لنمنعهن، وفي لفظ عند مسلم: فزبره ابن عمر وقال: أقول: قال رسول الله - ﷺ -، وتقول: لا ندعهن. وفي لفظ لمسلم أيضًا: فضرب في صدره.\nواعلم أن ابن عبد الله بن عمر الذي زعم أنه لم يمتثل أمر النبي - ﷺ - بالإِذن للنساء إلى المساجد جاء في صحيح مسلم أنه بلال بن عبد الله بن عمر. وفي رواية عند مسلم: أنه واقد بن عبد الله بن عمر. والحق تعدد ذلك فقد قاله كل من بلال، وواقد ابني عبد الله بن عمر، وقد أنكر ابن عمر على كل منهما. كما جاءت به الروايات الصحيحة عند مسلم وغيره.\nفكون ابن عمر ﵄ أقبل على ابنه بلال وسبه سبًا سيئًا وقال - منكرًا عليه -: أخبرك عن رسول الله - ﷺ - وتقول: لنمنعهن، فيه دليل واضح أن ابن عمر يرى لزوم الإِذن لهن، وأن منعهن لا يجوز، ولو كان يراه جائزًا ما شدد النكير على ابنيه كما لا يخفى.\nوقال النووي في شرح مسلم: فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا سيئًا، وفي رواية: فزبره. وفي رواية: فضرب في صدره. فيه تعزير المعترض على السنَّة والمعارض لها برأيه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وكلام النووي هذا الذي رأيت اعتراف منه بأن مذهبه وهو مذهب الشافعي ومن قال بقوله - كما نقل عن البيهقي أنه قول عامة العلماء - أن جميع القائلين بذلك مستحقون للتعزير، معترضون على السنَّة، معارضون لها برأيهم. والعجب منه","vol":"6","page":259},{"text":"كيف يقر بأن بلال بن عبد الله بن عمر مستحق للتعزير لاعتراضه على السنَّة، ومعارضته لها برأيه، مع أن مذهبه الذي ينصره وينقل أنه قول عامة العلماء عن البيهقي هو بعينه قول بلال بن عبد الله بن عمر الذي صرح هو بأنه يستحق به التعزير، وأنه اعتراض على السنَّة ومعارضة لها بالرأي.\nوقال النووي: قوله: فزبره، أي: نهره.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: ففي رواية بلال عند مسلم، فأقبل عليه عبد الله فسبه سبًا شديدًا ما سمعته سبه مثله قط. وفسر عبد الله بن هبيرة في رواية الطبراني السب المذكور باللعن ثلاث مرات، وفي رواية زائدة عن الأعمش فانتهره وقال: أف لك، وله عن ابن نمير عن الأعمش: فعل الله بك وفعل، ومثله للترمذي من رواية عيسى بن يونس، ولمسلم من رواية أبي معاوية: فزبره، ولأبي داود من رواية جرير: فسبه وغضب عليه. إلى أن قال: وأخذ من إنكار عبد الله على ولده تأديب المعترض على السنن برأيه. وهو اعتراف منه أيضًا بأن من خالف الحديث المذكور معترض على السنن برأيه، وبه تعلم أن ما قدمنا عنه من كون الأمر بالإِذن لهن إلى المساجد ليس للوجوب اعتراض على السنن بالرأي كما ترى.\nوبما ذكرنا تعلم أن الدليل قد دل من السنَّة الصحيحة على وجوب الإِذن للنساء في الخروج إلى المساجد كما ذكرنا، ويؤيده أن ابن عمر لم ينكر عليه أحد من الصحابة تشنيعه على ولديه كما أوضحناه آنفًا. والعلم عند الله تعالى.\nوإذا علمت أن ما ذكرنا من النصوص الصريحة في الأمر بالإِذن لهن يقتضي جواز خروجهن إلى المساجد، فاعلم أنه ثبت في","vol":"6","page":260},{"text":"الصحيح أنهن كن يخرجن إلى المسجد، فيصلين مع النبي  - ﷺ - .\nقال البخاري ﵀  - ﷺ -  صحيحه: حدثنا يحيى بن بكير قال: أخبرنا الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب قال: أخبرني عروة بن الزبير: أن عائشة ﵂ أخبرته قالت. كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله  - ﷺ -  صلاة الفجر متلفعات بمروطهن، ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من الغلس. اهـ. وهذا الحديث أخرجه أيضًا مسلم وغيره. وقد جاءت أحاديث صحيحة في الصحيحين وغيرهما دالة على ما دلَّ عليه حديث عائشة هذا المتفق عليه من كون النساء كن يشهدن الصلاة في المسجد معه  - ﷺ - .\nتنبيه\nقد علمت مما ذكرنا في روايات حديث ابن عمر المتفق عليه: أن في بعض رواياته المتفق عليها تقييد أمر الرجال بالإِذن للنساء في الخروج إلى المسجد بالليل، وفي بعضها الإِطلاق وعدم التقييد بالليل، وهو أكثر الروايات كما أشار له ابن حجر في الفتح.\nوقد يتبادر للناظر أن الأزواج ليسوا مأمورين بالإِذن للنساء إلَّا في خصوص الليل، لأنه أستر، ويترجح عنده هذا بما هو مقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد، فتحمل روايات الإِطلاق على التقييد بالليل، فيختص الإِذن المذكور بالليل.\nقال مقيده عفا الله وغفر له: الأظهر عندي تقديم روايات الإِطلاق وعدم التقييد بالليل، لكثرة الأحاديث الصحيحة الدالة على حضور النساء الصلاة معه  - ﷺ -  في غير الليل، كحديث عائشة المتفق","vol":"6","page":261},{"text":"عليه المذكور آنفًا الدال على حضورهن معه  - ﷺ -  صلاة الصبح، وهي صلاة نهار لا ليل، ولايكون لها حكم صلاة الليل بسبب كونهن يرجعن لبيوتهن، لا يعوفن من الغلس؛ لأن ذلك الوقت من النهار قطعًا، لا من الليل، وكونه من النهار مانع من التقييد بالليل. والعلم عند الله تعالى.\nوأما ما يشترط في جواز خروج النساء إلى المساجد فهو المسألة الرابعة. اعلم أن خروج المرأة إلى المسجد يشترط فيه عند أهل العلم شروط يرجع جميعها إلى شيء واحد، وهو كون المرأة وقت خروجها للمسجد ليست متلبسة بما يدعو إلى الفتنة مع الأمن من الفساد.\nقال النووي في شرح مسلم في الكلام على قوله  - ﷺ -: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله\" ما نصه: هذا وما أشبهه من أحاديث الباب ظاهر في أنها لا تمنع المسجد، ولكن بشروط ذكرها العلماء مأخوذة من الأحاديث، وهي ألا تكون متطيبة، ولا متزينة، ولا ذات خلاخل يسمع صوتها، ولا ثياب فاخرة، ولا مختلطة بالرجال، ولا شابة ونحوها ممن يفتتن بها، وألا يكون في الطريق ما يخاف منه مفسدة ونحوها. انتهى محل الغرض من كلام النووي.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذه الشروط التي ذكرها النووي وغيره منها ما هو ثابت عن النبي  - ﷺ -، ومنها ما لا نص فيه، ولكنه ملحق بالمنصوص لمشاركته له في علته، وإلحاق بعضها لا يخلو من مناقشة كما سترى إيضاح ذلك كله إن شاء الله تعالى.","vol":"6","page":262},{"text":"أما ما هو ثابت عنه  - ﷺ -  من تلك الشروط، فهو عدم التطيب، فشرط جواز خروج المرأة إلى المسجد ألا تكون متطيبة.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا هارون بن سعيد الأيلي، حدثنا ابن وهب، أخبرني مخرمة، عن أبيه، عن بسر بن سعيد أن زينب الثقفية كانت تحدث عن رسول الله  - ﷺ -  أنه قال: \"إذا شهدت إحداكن العشاء، فلا تطيب تلك الليلة\".\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا يحيى بن سعيد القطان، عن محمد بن عجلان، حدثني بكير بن عبد الله بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن زينب امرأة عبد الله قالت: قال لنا رسول الله  - ﷺ -: \"إذا شهدت إحداكن المسجد فلا تمس طيبًا\".\nحدثنا يحيى بن يحيى وإسحاق بن إبراهيم. قال يحيى: أخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد الله بن أبي فروة، عن يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"أيما امرأة أصابت بخورًا فلا تشهدن معنا العشاء الآخرة\". اهـ.\nفهذا الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن صحابيين، وهما: أبو هريرة، وزينب امرأة عبد الله بن مسعود رضي الله عن الجميع، صريح في أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد. ويؤيد ذلك ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن محمد بن عمرو، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"لا تمنعوا إماء الله مساجد الله ولكن ليخرجن وهن تفلات\". اهـ.","vol":"6","page":263},{"text":"وقوله: وهن تفلات، أي: غير متطيبات.\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط البخاري ومسلم. وتفلات بفتح التاء المثناة فوق وكسر الفاء، أي: تاركات الطيب. اهـ. ومنه قول امرئ القيس:\nإذا ما الضجيع ابتزها من ثيابها ... تميل عليه هونة غير متفالِ\nوهذا الحديث أخرجه أيضًا الإِمام أحمد وابن خزيمة، عن أبي هريرة ﵁، وأخرجه ابن حبان من حديث زيد بن خالد. قاله الشوكانى وغيره.\nوإذا علمت أن هذه الأحاديث دلت على أن المتطيبة ليس لها الخروج إلى المسجد، لأنها تحرك شهوة الرجال بريح طيبها.\nفاعلم أن أهل العلم ألحقوا بالطيب ما في معناه كالزينة الظاهرة، وصوت الخلخال، والثياب الفاخرة، والاختلاط بالرجال، ونحو ذلك بجامع أن الجميع سبب الفتنة بتحريك شهوة الرجال، ووجهه ظاهر كما ترى. وألحق الشافعية بذلك الشابة مطلقًا؛ لأن الشباب مظنة الفتنة، وخصصوا الخروج إلى المساجد بالعجائز. والأظهر أن الشابة إذا خرجت مستترة غير متطيبة، ولا متلبسة بشيء آخر من أسباب الفتنة أن لها الخروج إلى المسجد لعموم النصوص المتقدمة. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة: اعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من الصلاة في المساجد، ولو كان المسجد مسجد النبي  - ﷺ - . وبه تعلم أن قوله  - ﷺ -: \"صلاة في مسجدي هذا خير من ألف صلاة فيما","vol":"6","page":264},{"text":"سواه إلَّا المسجد الحرام\" خاص بالرجال. أما النساء فصلاتهن في بيوتهن خير لهن من الصلاة في الجماعة في المسجد.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يزيد بن هارون، أخبرنا العوام بن حوشب، حدثني حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن\".\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: وحديث ابن عمر صحيح، رواه أبو داود بلفظه هذا، بإسناد صحيح على شرط البخاري. اهـ.\nوهذا الحديث أخرجه أيضًا الإِمام أحمد.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: وقد ورد في بعض روايات هذا الحديث وغيره ما يدل على أن صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في المسجد، وذلك في رواية حبيب بن أبي ثابت، عن ابن عمر بلفظ: \"لا تمنعوا نساءكم المساجد وبيوتهن خير لهن\" أخرجه أبو داود، وصححه ابن خزيمة. ولأحمد والطبراني من حديث أم حميد الساعدية أنها جاءت إلى رسول الله  - ﷺ -، فقالت: يا رسول الله إني أحب الصلاة معك، فقال: \"قد علمت، وصلاتك في بيتك خير لك من صلاتك في حجرتك، وصلاتك في حجرتك خير من صلاتك في دارك، وصلاتك في دارك خير من صلاتك في مسجد قومك، وصلاتك في مسجد قومك خير من صلاتك في مسجد الجماعة\" وإسناد أحمد حسن، وله شاهد من حديث ابن مسعود عند أبي داود.","vol":"6","page":265},{"text":"ووجه كون صلاتها في الإِخفاء أفضل تحقق الأمن فيه من الفتنة. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر.\nوحديث ابن مسعود الذي أشار له هو ما رواه أبو داود في سننه: حدثنا ابن المثنى، أن عمرو بن عاصم حدثهم قال: ثنا همام عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله، عن النبي  - ﷺ -  قال: \"صلاة المرأة في بيتها أفضل من صلاتها في حجرتها، وصلاتها في مخدعها أفضل من صلاتها في بيتها\". اهـ.\nوقال النووي في شرح المهذب في هذا الحديث: رواه أبو داود بإسناد صحيح على شرط مسلم، وقد روى أحمد عن أم سلمة عنه  - ﷺ -: \"خير مساجد النساء قعر بيوتهن\".\nوبما ذكرنا من النصوص تعلم أن صلاة النساء في بيوتهن أفضل لهن من صلاتهن في الجماعة في مسجد النبي  - ﷺ -، وغيره من المساجد لثبوت ذلك عن النبي  - ﷺ - .\nومما يؤكد صلاتهن في بيوتهن ما أحدثنه من دخول المسجد في ثياب قصيرة هي مظنة الفتنة، ومزاحمتهن للرجال في أبواب المسجد عند الدخول والخروج. وقد روى الشيخان في صحيحيهما عن عائشة ﵂ قالت: لو أن رسول الله  - ﷺ -  رأى من النساء ما رأينا، لمنعهن من المسجد كما منعت بنو إسرائيل نساءها.\nوقد علمت مما ذكرنا من الأحاديث أن مفهوم المخالفة في قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦)﴾ الآية. معتبر، وأنه ليس مفهوم لقب. وقد أوضحنا المفهوم المذكور بالسنَّة كما رأيت. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":266},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1193> قوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الرجال الذين يسبحون له في المساجد بالغدو والآصال، إلى آخر ما ذكر من صفاتهم: أنهم يخافون يومًا تتقلب فيه القلوب والأبصار، وهو يوم القيامة؛ لشدة هوله. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من عظم هول ذلك اليوم، وتأثيره في القلوب والأبصار، جاء في آيات كثيرة من كتاب الله العظيم، كقوله تعالى: ﴿قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ (٨) أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات الدالة على عظم ذلك اليوم، كقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُورًا (٩) إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْمًا عَبُوسًا قَمْطَرِيرًا (١٠)﴾ إلى غير من الآيات. وفي معنى تقلب القلوب والأبصار أقوال متعددة. لأهل التفسير، ذكرها القرطبي وغيره.\nوأظهرها عندي: أن تقلب القلوب هو حركتها من أماكنها من شدة الخوف كما قال تعالى: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ﴾ وأن تقلب الأبصار هو زيغوغتها ودورانها بالنظر في جميع الجهات من شدة الخوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيْتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾ الآية. وكقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِر﴾ فالدوران والزيغوغة المذكوران يعلم بهما معنى تقلب الأبصار، وإن كانا مذكورين في الخوف من المكروه في الدنيا.","vol":"6","page":267},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1194> قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾</span>.\nوالظاهر أن اللام في قوله: ليجزيهم متعلقة بقوله: يسبح، أي: يسبحون له، ويخافون يومًا ليجزيهم الله أحسن ما عملوا.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الظاهر أن هذه الزيادة من فضله تعالى هي مضاعفة الحسنات، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.\nوقال بعض أهل العلم: الزيادة هنا كالزيادة في قوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والأصح: أن الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾.\nوقد قدمنا قول بعض أهل العلم: إن قوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ ونحوها من الآيات يدل على أن المباح حسن؛ لأن قوله: (أحسن ما عملوا) صيغة تفضيل، وأحسن ما عملوا هو ما تقربوا به إلى الله من الواجبات والمستحبات، وصيغة التفضيل المذكورة تدل على أن من أعمالهم حسنًا لم يجزوه وهو المباح. قال في مراقي السعود:\nما ربنا لم ينه عنه حسن ... وغيره القبيح والمستهجن","vol":"6","page":268},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1195> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الكريمة: أن أعمال الكفار باطلة، وأنها لا شيء؛ لأنه قال في السراب الذي مثلها به: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من بطلان أعمال الكفار، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لَا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا أن عمل الكافر إذا كان على الوجه الصحيح أنه يجزى به في الدنيا كما أوضحناه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية.\nوقد دلت آيات من كتاب الله على انتفاع الكافر بعمله في الدنيا، دون الآخرة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾ وهذا الذي دلت عليه هذه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا، دون الآخرة ثبت في صحيح مسلم وغيره من حديث أنس ﵁ كما أوضحناه في الكلام على آية النحل المذكورة، وهو أحد التفسيرين في قوله تعالى: ﴿وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ﴾ الآية، أي: وفاه حسابه في الدنيا، على هذا القول. وقد بيّن الله جلَّ وعلا في سورة بني إسرائيل أن","vol":"6","page":269},{"text":"ما دلت عليه الآيات من انتفاع الكافر بعمله الصالح في الدنيا أنه مقيد بمشيئة الله تعالى، وذلك في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾.\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف ذكرناه وذكرنا الجواب عنه في كتابنا؛ دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. وذلك في قولنا فيه: لا يخفى ما يسبق إلى الذهن من أن الضمير في قوله: (جاءه) يدل على شيء موجود واقع عليه المجيء؛ لأن وقوع المجيء على العدم لا يعقل، ومعلوم أن الصفة الإِضافية لا تتقوم إلَّا بين متضائفين، فلا تدرك إلَّا بإدراكهما، فلا يعقل وقوع المجيء بالفعل إلَّا بإدراك فاعل واقع منه المجيء، ومفعول به واقع عليه المجيء. وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ يدل على عدم وجود شيء يقع عليه المجيء في قوله تعالى: ﴿جَاءَهُ﴾.\nوالجواب عن هذا من وجهين ذكرهما ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة.\nقال: فإن قال قائل كيف قيل: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا﴾ لم يكن السراب شيئًا فعلام دخلت الهاء في قوله: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ﴾ قيل: إنه شيء يرى من بعيد كالضباب الذي يرى كثيفًا من بعيد، فإذا قرب منه رق وصار كالهواء، وقد يحتمل أن يكون معناه: حتى إذا جاء موضع السراب لم يجد السراب شيئًا فاكتفى بذكر السراب عن ذكر موضعه. انتهى منه.\nوالوجه الأول أظهر عندي، وعنده، بدليل قوله: وقد يحتمل","vol":"6","page":270},{"text":"أن يكون معناه. . . إلخ. انتهى كلامنا في دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب. وقد رأيت فيه جواب ابن جرير الطبري عن السؤال المذكور.\nوقوله تعالى في هذه الآية: (بقيعة) قيل: جمع قاع كجار وجيرة. وقيل: القيعة والقاع بمعنى، وهو المنبسط المستوي المتسع من الأرض، وعلى هذا فالقاع واحد القيعان كجار وجيران.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1196> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾</span>.\nاعلم أن الضمير المحذوف الذي هو فاعل علم قال بعض أهل العلم: إنه راجع إلى الله في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. وعلى هذا فالمعنى كل من المسبحين والمصلين قد علم الله صلاته وتسبيحه. وقال بعض أهل العلم: إن الضمير المذكور راجع إلى قوله: كل، أي: كل من المصلين والمسبحين قد علم صلاة نفسه وتسبيح نفسه. وقد قدمنا في سورة النحلِ في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، كلام الأصوليين في أن اللفظ إن احتمل التوكيد والتأسيس حمل على التأسيس، وبينا أمثلة متعددة لذلك من القرآن العظيم.\nوإذ علمت ذلك فاعلم أن الأظهر على مقتضى ما ذكرنا عن الأصوليين أن يكون ضمير الفاعل المحذوف في قوله: ﴿كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ راجعًا إلى قوله: كل، أي: كل من المصلين قد علم صلاة نفسه، وكل من المسبحين قد علم تسبيح نفسه. وعلى هذا","vol":"6","page":271},{"text":"القول فقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ تأسيس لا تأكيد. أما على القول بأن الضمير راجع إلى الله، أي: قد علم الله صلاته يكون قوله: ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (٤١)﴾ كالتكرار مع ذلك فيكون من قبيل التوكيد اللفظي.\nوقد علمت أن المقرر هي الأصول أن الحمل على التأسيس أرجح من الحمل على التوكيد كما تقدم إيضاحه. والظاهر أن الطير تسبح وتصلِّي صلاة وتسبيحًا يعلمهما الله، ونحن لا نعلمهما كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾.\nومن الآيات الدالة على أن غير العقلاء من المخلوقات لها إدراك يعلمه الله ونحن لا نعلمه قوله تعالى في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فأثبت خشيته للحجارة، والخشية تكون بإدراك وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾ الآية. والإِباء والإِشفاق إنما يكون بإدراك، والآيات والأحاديث واردة بذلك، وهو الحق. وظاهر الآية أن للطير صلاة وتسبيحًا، ولا مانع من الحمل على الظاهر. ونقل القرطبي عن سفيان: أن للطير صلاة ليس فيها ركوع ولا سجود. اهـ.\nومعلوم أن الصلاة في اللغة الدعاء، ومنه قول الأعشى:\nتقول بنتي وقد قربت مرتحلا ... يارب جنب أبي الأوصاب والوجعا\nعليك مثل الذي صليت فاغتبطي ... نومًا فإن لجنب المرء مضجعًا\nفقوله: مثل الذي صليت، أي: دعوت. يعني قولها: يا رب جنب أبي الأوصاب والوجعا.","vol":"6","page":272},{"text":"وقوله: صافات، أي: صافات أجنحتها في الهواء. وقد بين تعالى في غير هذا الموضع أن إمساكه الطير صافات أجنحتها في الهواء، وقابضات لها من آيات قدرته، واستحقاقه العبادة وحده، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٧٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1197> قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه وعد الذين آمنوا وعملوا الصالحات من هذه الأمة ليستخلفنهم في الأرض، أي: ليجعلنهم خلفاء الأرض، الذين لهم السيطرة فيها، ونفوذ الكلمة. والآيات تدل على أن طاعة الله بالإِيمان به، والعمل الصالح سبب للقوة والاستخلاف في الأرض ونفوذ الكلمة، كقوله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (٤٠) الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: كبني إسرائيل.","vol":"6","page":273},{"text":"ومن الآيات الموضحة لذلك قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (٦)﴾.\nوقوله تعالى عن موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (١٢٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى: ليستخلفنهم، اللام موطئة لقسم محذوف، أي: وعدهم الله، وأقسم في وعده ليستخلفنهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1198> قوله تعالى: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ﴾</span>.\nهذا الدين الذي ارتضاه لهم هو دين الإِسلام، بدليل قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ﴾ قال الزمخشري: تمكينه هو تثبيته وتوطيده.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1199> قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة،","vol":"6","page":274},{"text":"وطاعة الرسول - ﷺ - سبب لرحمة الله تعالى سواء قلنا: إن لعل في قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾ حرف تعليل أو ترج؛ لأنها إن قلنا: إنها حرف تعليل، فإقامة الصلاة وما عطف عليه سبب لرحمة الله؛ لأن العلل أسباب شرعية، وإن قلنا: إن لعل للترجي، أي: أقيموا الصلاة، وآتوا الزكاة على رجائكم أن الله يرحمكم بذلك؛ لأن الله ما أطمعهم بتلك الرحمة عند عملهم بموجبها إلَّا ليرحمهم؛ لما هو معلوم من فضله وكرمه. وكون لعل هنا للترجي إنما هو بحسب علم المخلوقين كما أوضحناه في غير هذا الموضع.\nوهذا الذي دلت عليه هذه الآية من أنهم إن أقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وأطاعوا الرسول ﵏ بذلك جاء موضحًا في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٧١)﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ بعد قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ من عطف العام على الخاص؛ لأن إقام الصلاة وإيتاء الزكاة داخلان في عموم قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وقد قدمنا مرارًا أن عطف العام على الخاص وعكسه كلاهما من الإِطناب المقبول إذا كان في الخاص مزية ليست في غيره من أفراد العام.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1200> قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾</span>.\nنهى الله نبيه محمدًا - ﷺ - أن يحسب، أي: يظن الذين كفروا","vol":"6","page":275},{"text":"معجزين في الأرض. ومفعول معجزين محذوف، أي: لا يظنهم معجزين ربهم، بل قادر على عذابهم لا يعجز عن فعل ما أراد بهم لأنه قادر على كل شيء.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَبَشِّرِ الَّذِينَ كَفَرُوا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَرْحَمُ مَنْ يَشَاءُ وَإِلَيْهِ تُقْلَبُونَ (٢١) وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. وقوله في الشورى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (٢٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قرأه ابن عامر وحمزة: لا يحسبن بالياء المثناة التحتية على الغيبة. وقرأه باقي السبعة: لا تحسبن بالتاء الفوقية. وقرأ ابن عامر، وعاصم، وحمزة بفتح السين، وباقي السبعة بكسرها.\nوالحاصل: أن قراءة ابن عامر وحمزة بالياء التحتية وفتح السين، وقراءة عاصم بالتاء الفوقية وفتح السين، وقراءة الباقين من السبعة بالتاء الفوقية وكسر السين. وعلى قراءة من قرأ بالتاء الفوقية فلا إشكال في الآية مع فتح السين وكسرها؛ لأن الخطاب بقوله: (لا تحسبن) للنبي  - ﷺ - . وقوله: (الذين كفروا) هو المفعول الأول. وقوله: (معجزين) هو المفعول الثاني لتحسبن. وأما على قراءة:","vol":"6","page":276},{"text":"ولا يحسبن بالياء التحتية ففي الآية إشكال معروف. وذكر القرطبي الجواب عنه من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ في محل رفع فاعل يحسبن، والمفعول الأول محذوف تقديره: أنفسهم، ومعجزين: مفعول ثان، أي: لا يحسبن الذين كفروا أنفسهم معجزين الله في الأرض. وعزا هذا القول للزجاج، والمفعول المحذوف قد تدل عليه قراءة من قرأ بالتاء الفوقية كما لا يخفى، ومفعولا الفعل القلبي يجوز حذفهما، أو حذف أحدهما إن قام عليه دليل كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nولا تجز هنا بلا دليل ... سقوط مفعولين أو مفعول\nومثال حذف المفعولين معًا مع قيام الدليل عليهما قوله تعالى: ﴿أَيْنَ شُرَكَائِيَ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٧٤)﴾ أي: تزعمونهم شركائي. وقول الكميت:\nبأي كتاب أم بأية سنَّة ... ترى حبهم عارًا علي وتحسب\nأي: وتحسب حبهم عارًا علي.\nومثال حذف أحد المفعولين قول عنترة:\nولقد نزلت فلا تظني غيره ... منى بمنزلة المحب المكرم\nأي: لا تظني غيره واقعًا.\nالجواب الثاني: أن فاعل (يحسبن) النبي  - ﷺ -؛ لأنه مذكور في قوله قبله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي: لا يحسبن محمد  - ﷺ -  الذين كفروا معجزين. وعلى هذا فالذين كفروا مفعول أول، ومعجزين مفعول ثان. وعزا هذا القول للفراء، وأبي علي.","vol":"6","page":277},{"text":"الجواب الثالث: أن المعنى: لا يحسبن الكافر الذين كفروا معجزين في الأرض. وعزا هذا القول لعلي بن سليمان، وهو كالذي قبله إلَّا أن الفاعل في الأول النبي - ﷺ -، وفي الثاني الكافر.\nوقال الزمخشري: وقرئ لا يحسبن بالياء، وفيه أوجه: أن يكون معجزين في الأرض هما المفعولان. والمعنى: لا يحسبن الذين كفروا أحدًا يعجز الله في الأرض، حتى يطمعوا هم في مثل ذلك. وهذا معنى قوي جيد، وأن يكون فيه ضمير الرسول؛ لتقدم ذكره في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأن يكون الأصل: لا يحسبنهم الذين كفروا معجزين، ثم حذف الضمير الذي هو المفعول الأول. وكأن الذي سوغ ذلك أن الفاعل والمفعولين لما كانت لشيء واحد، اقتنع بذكر اثنين عن ذكر الثالث. اهـ.\nوما ذكره النحاس وأبو حاتم وغيرهما من أن قراءة من قرأ: لا يحسبن بالياء التحتية خطأ أو لحن كلام ساقط لا يلتفت إليه؛ لأنها قراءة سبعية ثابتة ثبوتًا لا يمكن الطعن فيه، وقرأ بها من السبعة: ابن عامر، وحمزة كما تقدم.\nوأظهر الأجوبة عندي: أن معجزين في الأرض هما المفعولان، فالمفعول الأول معجزين، والمفعول الثاني دل عليه قوله: في الأرض، أي: لا تحسبن معجزين الله موجودين أو كائنين في الأرض. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1201> قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾</span>.\nلأهل العلم في هذه الآية أقوال راجعة إلى قولين:","vol":"6","page":278},{"text":"أحدهما: أن المصدر الذي هو دعاء مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول  - ﷺ -، وعلى هذا فالرسول مدعو.\nالثاني: أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله، وهو الرسول  - ﷺ -، وعلى هذا فالرسول داع.\nوإيضاح معنى قول من قال: إن المصدر مضاف إلى مفعوله، أن المعنى: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كدعاء بعضكم بعضكم بعضًا، فلا تقولوا له: يا محمد مصرّحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل قولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع خفض الصوت احترامًا له  - ﷺ - .\nوهذا القول هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية. وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. كما ذكره عنهم القرطبي، وذكره ابن كثير عن الضحاك، عن ابن عباس، وذكره أيضًا عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ونقله أيضًا عن مالك عن زيد بن أسلم، ثم قال: إن هذا القول هو الظاهر، واستدل له بالآيات التي ذكرنا.\nوأما على القول الثاني: وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ففي المعنى وجهان:","vol":"6","page":279},{"text":"الأول: ما ذكره الزمخشري في الكشاف، قال: إذا احتاج رسول الله - ﷺ - إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم، فلا تتفرقوا عنه إلَّا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي.\nوالوجه الثاني: هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال: والقول الثاني في ذلك أن المعنى في: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العوفي. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الوجه الأخير يأباه ظاهر القرآن؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يدل على خلافه، ولو أراد دعاء بعضهم على بعض لقال: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فدعاء بعضهم بعضًا، ودعاء بعضهم على بعض متغايران كما لا يخفى. والظاهر أن قوله: (لا تجعلوا) مِنْ جعل التي بمعنى اعتقد، كما ذكرنا عن ابن كثير آنفًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1202> قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾</span>.\nالضمير في قوله: (عن أمره) راجع إلى الرسول، أو إلى الله، والمعنى واحد؛ لأن الأمر من الله والرسول مبلغ عنه، والعرب تقول: خالف أمره وخالف عن أمره. وقال بعضهم: (يخالفون) مضمن معنى يصدون، أي: يصدون عن أمره.","vol":"6","page":280},{"text":"وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب؛ لأنه جلَّ وعلا توعد المخالفين عن أمره بالفتنة، أو العذاب الأليم وحذرهم من مخالفة الأمر. وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ فإن قوله: (اركعوا) أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: (لا يركعون) يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله تعالى لإِبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فإنكاره تعالى على إبليس موبخًا له بقوله: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، يدل على أنه تارك واجبًا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وكقوله تعالى عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ وكقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيًا إلَّا بترك واجب، أو ارتكاب محرم. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فإنه يدل على أن أمر الله، وأمر رسوله مانع من الاختيار، موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى. وأشار إلى أن مخالفته معصية بقوله بعده: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.","vol":"6","page":281},{"text":"واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب، بدليل أن السيد لو قال لعبده: إسقني ماء مثلًا، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول: عقابك لي ظلم، لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب عليَّ الامتثال، فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني. بل يفهم من نفس الصيغة أن الامتثال يلزمه، وأن العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه.\nوالفتنة في قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قيل: هي القتل، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء. وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله  - ﷺ - . وقال بعض العلماء: فتنة: محنة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد دل استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان:\nالأول: أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، أي: أحرقهم بنار الأخدود، على القول بذلك.\nالثاني وهو أشهرها: إطلاق الفتنة على الاختبار، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.\nوالثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي الأنفال:","vol":"6","page":282},{"text":"﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك، على أصح التفسيرين، ويدل على صحته قوله بعده: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ لأن الدين لا يكون كله للَّه حتى لا يبقى شرك كما ترى، ويوضح ذلك قوله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله\" كما لا يخفى.\nوالرابع: إطلاق الفتن على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم، كما قال له بعض أهل العلم.\nوالأظهر عندي: أن الفتنة في قوله هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة.\nوأن معناه: أن يفتنهم الله، أي: يزيدهم ضلالًا بسبب مخالفتهم عن أمره، وأمر وسوله - ﷺ -.\nوهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله جلَّ وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.\n\n• قوله قعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾.\nبين جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يعلم ما عليه خلقه، أي: من الطاعة والمعصية وغير ذلك.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية مع أنه معلوم بالضرورة","vol":"6","page":283},{"text":"من الدين جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ أي: هو شهيد على عباده بما هم فاعلون من خير وشر. وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩) إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٢٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي هذه الآيات وما في معناها أحسن وعد للمطيعين، وأشد وعيد للعصاة المجرمين، ولفظة قد في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ للتحقيق، وإتيان قد للتحقيق مع المضارع كثير جدًّا في القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.","vol":"6","page":284},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1203> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٦٤)﴾</span>\nقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ﴾ الظاهر أنه ليس بظرف، بل هو معطوف على المفعول به الذي هو ما، من قوله: ﴿قَدْ يَعْلَمُ مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ﴾ أي: ويعلم يوم يرجعون إليه. وقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يوم القيامة ينبئ الخلائق بكل ما عملوا؛ أي. يخبرهم به ثم يجازيهم عليه.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه جل وعلا يخبرهم يوم القيامة بما عملوا جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.\n\n* * *","vol":"6","page":285},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1204>سورة الفرقان</span>","vol":"6","page":287},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1205> قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه نزل الفرقان، وهو هذا القرآن العظيم على عبده، وهو محمد - ﷺ -؛ لأجل أن يكون للعالمين نذيرًا، أي: منذرًا. وقد قدمنا مرارًا أن الإِندار هو الإِعلام المقترن بتهديد وتخويف، وأن كل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا كما أوضحناه في أول سورة الأعراف.\nوهذه الآية الكريمة تدل على عموم رسالته - ﷺ - للأسود والأحمر والجن والإنس لدخول الجميع في قوله تعالى: ﴿لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، أي أرسلناك للناس كافة؛ أي جميعًا، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا","vol":"6","page":289},{"text":"تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ (٣٣) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nوفي معنى قوله تعالى (تبارك) أقوال لأهل العلم. قال القرطبي: (تبارك) اختلف في معناه. فقال الفراء: هو في العربية بمعنى: تقدس وهما للعظمة، وقال الزجاج: تبارك: تفاعل من البركة قال: ومعنى البركة: الكثرة من كل ذي خير، وقيل: تبارك: تعالى، وقيل: تعالى عطاؤه، أي: زاد وكثر. وقيل المعنى: دام وثبت إنعامه. قال النحاس: وهذا أولاها في اللغة والاشتقاق من برك الشيء إذا ثبت، ومنه برك الجمل والطير على الماء، أي: دام وثبت. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.\nوقال أبو حيان في البحر المحيط: قال ابن عباس: تبارك: لم يزل، ولا يزول. وقال الخليل: تمجد وقال الضحاك: تعظم. وحكى الأصمعي تباركت عليكم من قول عربي صعد رابية فقال ذلك لأصحابه، أي: تعاليت وارتفعت. ففي هذه الأقوال تكون صفة ذات. وقال ابن عباس أيضًا، والحسن، والنخعي: هو من البركة، وهو التزايد في الخير من قبله. فالمعنى: زاد خيره وعطاؤه وكثر. وعلى هذا يكون صفة فعل. انتهى محل الغرض من كلام أبي حيان.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر في معنى تبارك حسب اللغة التي نزل بها القرآن أنه تفاعل من البركة، كما جزم به ابن جرير","vol":"6","page":290},{"text":"الطبري. وعليه فمعنى تبارك: تكاثرت البركات والخيرات من قبله، وذلك يستلزم عظمته وتقدسه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله؛ لأن من تأتي من قِبَله البركات والخيرات ويدر الأرزاق على الناس هو وحده المتفرد بالعظمة، واستحقاق إخلاص العبادة له. والذي لا تأتي من قبله بركة ولا خير، ولا رزق، كالأصنام، وسائر المعبودات من دون الله لا يصح أن يعبد، وعبادته كفر مخلد في نار جهنم، وقد أشار تعالى إلى هذا في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧) إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ (٥٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ (١٤)﴾ الآية.\nتنبيه\nاعلم أن قوله: (تبارك) فعل جامد لا يتصرف، فلا يأتي منه مضارع، ولا مصدر، ولا اسم فاعل، ولا غير ذلك، وهو مما يختص به الله تعالى، فلا يقال لغيره: (تبارك) خلافًا لما تقدم عن الأصمعي، وإسناده (تبارك) إلى قوله: ﴿الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ﴾ يدل على أن إنزاله الفرقان على عبده من أعظم البركات والخيرات والنعم التي أنعم بها على خلقه، كما أوضحناه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ. . .﴾ الآية. وذكرنا الآيات الدالة على ذلك. وإطلاق","vol":"6","page":291},{"text":"العرب (تبارك) مسندًا إلى الله تعالى معروف في كلامهم، ومنه قول الطرماح:\nتبارك لا معط لشيء منعته ... وليس لما أعطيت يا رب مانع\nوقول الآخر:\nفليست عشيات الحمى برواجع ... لنا أبدًا ما أورق السلم النضر\nولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر\nوقد قدمنا الشاهد الأخير في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.\nوقوله: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ يعني هذا القرآن العظيم، وهو مصدر زيدت فيه الألف والنون كالكفران والطغيان والرجحان، وهذا المصدر أريد به اسم الفاعل؛ لأن معنى كونه فرقانًا أنه فارق بين الحق والباطل، وبين الرشد والغي. وقال بعض أهل العلم: المصدر الذي هو الفرقان بمعنى اسم المفعول؛ لأنه نزل مفرقًا، ولم ينزل جملة.\nواستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿نَزَّلَ﴾ بالتضعيف يدل على كثرة نزوله أنجمًا منجمًا. قال بعض أهل العلم: ويدل على ذلك قوله في أول سورة آل عمران: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (٣)﴾ الآية. قالوا: عبر في نزول القرآن بنزل بالتضعيف؛ لكثرة نزوله. وأما التوراة والإِنجيل فقد عبر في نزولهما بأنزل التي لا تدل على تكثير؛ لأنهما نزلا جملة في وقت واحد.","vol":"6","page":292},{"text":"وبعض الآيات لم يعتبر فيها كثرة نزول القرآن كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية: ﴿عَلَى عَبْدِهِ﴾. قال فيه بعض العلماء: ذكره صفة العبودية مع تنزيل الفرقان يدل على أن العبودية للَّه هي أشرف الصفات. وقد بينا ذلك في أول سورة بني إسرائيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1206> قوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾</span>.\nقوله: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ بدل من الذي في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ﴾، وقال بعضهم: هو مرفوع على المدح، وقال بعضهم: هو منصوب على المدح. وقد أثنى - جلَّ وعلا - على نفسه في هذه الآية الكريمة بخمسة أمور، هي أدلة قاطعة على عظمته، واستحقاقه وحده لإِخلاص العبادة له:\nالأول منها: أنه هو الذي له ملك السموات والأرض.\nوالثاني: أنه لم يتخذ ولدًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوالثالث: أنه لا شريك له في ملكه.\nوالرابع: أنه هو خالق كل شيء.\nوالخامس: أنه قدر كل شيء خلقه تقديرًا.\nوهذه الأمور الخمسة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في آيات أخر.\nأما الأول منها: وهو أن له ملك السموات والأرض، فقد جاء","vol":"6","page":293},{"text":"موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة المائدة: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله تعالى في سورة النور: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣)﴾ الآية. وجميع الآيات التي ذكر فيها جلَّ وعلا أن له الملك، فالملك فيها شامل لملك السموات والأرض، وما بينهما وغير ذلك. كقوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ والآيات الدالة على أن له ملك كل شيء كثيرة جدًّا معلومة.\nوأما الأمر الثاني: وهو كونه تعالى لم يتخذ ولدًا، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤) مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ وَلَا لِآبَائِهِمْ كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبًا﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ إلى قوله:","vol":"6","page":294},{"text":"﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة وقد قدمنا ذلك في مواضع من هذا الكتاب المبارك في سورة الكهف وغيرها.\nوأما الأمر الثالث، وهو كونه تعالى لم يكن له شريك في الملك، فقد جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ قوله: (الواحد القهار) يدل على تفرده بالملك، والقهر، واستحقاق إخلاص العبادة، كما لا يخفى. إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الأمر الرابع: وهو أنه تعالى خلق كل شيء، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (١٠١) ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ (٦٢) كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الَّذِينَ كَانُوا بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الأمر الخامس: وهو أنه قدَّر كل شيء خلقه تقديرًا، فقد جاء أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقال","vol":"6","page":295},{"text":"ابن عطية: تقدير الأشياء هو حدها بالأمكنة، والأزمان، والمقادير، والمصلحة، والإِتقان. انتهى بواسطة نقل أبي حيان في البحر.\nتنبيه\nفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف، وهو أن يقال: الخلق في اللغة العربية معناه التقدير، ومنه قول زهير:\nولأنت تفري ما خلقت وبعـ ... ـض القوم يخلق ثم لا يفري\nقال بعضهم: ومنه قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ قال: أي: أحسن المقدرين. وعلى هذا فيكون معنى الآية: وخلق كل شيء، أي: قدر كل شيء فقدره تقديرًا. وهذا تكرار كما ترى، وقد أجاب الزمخشري عن هذا السؤال، وذكر أبو حيان جواب في البحر ولم يتعقبه.\nوالجواب المذكور هو قوله: فإن قلت: في الخلق معنى التقدير، فما معنى قوله: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ كأنه قال: وقدر كل شيء فقدره؟\nقلت: المعنى أنه أحدث كل شيء إحداثا مراعى فيه التقدير والتسوية، فقدره وهيأه لما يصلح له.\nمثاله: أنه خلق الإِنسان على هذا الشكل المقدر المسوى، الذي تراه، فقدره للتكاليف والمصالح المنوطة به في بابي الدين والدنيا. وكذلك كل حيوان وجماد جاء به على الجبلة المستوية المقدرة بأمثلة الحكمة والتدبير، فقدره لأمر ما ومصلحة مطابقًا لما قدر له غير متجاف عنه، أو سمي إحداث الله خلقًا؛ لأنه لا يحدث شيئًا لحكمته إلَّا على وجه التقدير غير متفاوت، فإذا قيل: خلق الله","vol":"6","page":296},{"text":"كذا، فهو بمنزلة قولك: أحدث وأوجد، من غير نظر إلى وجه الاشتقاق، فكأنه قيل: وأوجد كل شيء فقدره في إيجاده، لم يوجده متفاوتًا، وقيل: فجعل له غاية ومنتهى، ومعناه: فقدره للبقاء إلى أمد معلوم. انتهى كلام صاحب الكشاف. وبعضه له اتجاه. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1207> قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا وَلَا يَمْلِكُونَ مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا (٣)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن الآلهة التي يعبدها المشركون من دونه متصفة بستة أشياء، كل واحد منها برهان قاطع أن عبادتها مع الله لا وجه لها بحال، بل هي ظلم متناه، وجهل عظيم، وشرك يخلد به صاحبه في نار جهنم. وهذا بعد أن أثنى على نفسه جل وعلا بالأمور الخمسة المذكورة في الآية التي قبلها التي هي براهين قاطعة على أن المتصف بها هو المعبود وحده.\nوالأمور الستة التي هي من صفات المعبودات من دون الله:\nالأول منها: أنها لا تخلق شيئًا، أي: لا تقدر على خلق شيء.\nوالثاني منها: أنها مخلوقة كلها، أي: خلقها خالق كل شيء.\nوالثالث: أنها لا تملك لأنفسها ضرًا ولا نفعًا.\nالرابع والخامس والسادس: أنها لا تملك موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا، أي: بعثا بعد الموت.","vol":"6","page":297},{"text":"وهذه الأمور الستة المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت مبينة في مواضع أخر من كتاب الله تعالى.\nأما الأول منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دون الله لا تخلق شيئًا، فقد جاء مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠) أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٢١)﴾ وقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا إِلَّا غُرُورًا (٤٠)﴾ وقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (١١)﴾ وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾.\nوقد بين تعالى في آيات من كتابه الفرق بين من يخلق، ومن لا يخلق؛ لأن من يخلق هو المعبود، ومن لا يخلق لا تصح عبادته، كقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ الآية. أي: وأما من لم يخلقكم، فليس برب، ولا بمعبود لكم كما لا يخفى. وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾ أي: ومن كان كذلك فهو المعبود وحده جلَّ وعلا، وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾.","vol":"6","page":298},{"text":"وأما الأمر الثاني منها: وهو كون الآلهة المعبودة من دونه مخلوقة، فقد جاء مبينًا في آيات من كتاب الله، كآية النحل والأعراف، المذكورتين آنفًا.\nأما آية النحل فهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾ فقوله: وهم يخلقون صريح في ذلك. وأما آية الأعراف فهي قوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾ الآيات.\nوأما الأمر الثالث منها: وهو كونهم لا يملكون لأنفسهم نفعًا ولا ضرًا، فقد جاء مبينًا أيضًا في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا﴾ وكقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)﴾ ومن لا ينصر نفسه فهو لا يملك لها ضرًا ولا نفعًا، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (١٩٣) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٩٤) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا﴾ الآية.\nوفيها الدلالة الواضحة على أنهم لا يملكون في نفسهم شيئًا، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الرابع والخامس والسادس من الأمور المذكورة: أعني","vol":"6","page":299},{"text":"كونهم لا يملكون موتًا، ولا حياة، ولا نشورًا. فقد جاءت أيضًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾.\nفقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٤٠)﴾، يدل دلالة واضحة على أن شركاءهم ليس واحد منهم يقدر أن يفعل شيئًا من ذلك المذكور في الآية. ومنه الحياة المعبر عنها بخلقكم، والموت المعبر عنه بقوله. (ثم يميتكم)، والنشور المعبر عنه بقوله: (ثم يحييكم)، وبين أنهم لا يملكون نشورًا بقوله: ﴿أَمِ اتَّخَذُوا آلِهَةً مِنَ الْأَرْضِ هُمْ يُنْشِرُونَ (٢١)﴾ وبين أنهم لا يملكون حياة ولا نشورًا في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ قُلِ اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾ الآية. وبين أنه وحده الذي بيده الموت والحياة في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات. وهذا الذي ذكرنا من بيان هذه الآيات بعضها لبعض معلوم بالضرورة من الدين.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾ أظهر الأقوال فيه أن المعنى لا يملكون لأنفسهم دفع ضرر ولا جلب نفع. كما قاله القرطبي وغيره. وغاية ما في هذا التفسير","vol":"6","page":300},{"text":"حذف مضاف دل المقام عليه، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب وقد أشار إليه في الخلاصة بقوله:\nوما يلي المضاف يأتي خلفا ... عنه في الأعراب إذا ما حذفا\nوقيل: المعنى: لا يقدرون أن يضروا أنفسهم، أو ينفعوها بشيء. والأول هو الأظهر. أي: وإذا عجزوا عن دفع ضر عن أنفسهم وجلب نفع لها فهم عن الموت والحياة والنشورة أعجز؛ لأن ذلك لا يقدر عليه إلَّا الله جلَّ وعلا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ولا نشورًا)، اعلم أن النشور يطلق في العربية إطلاقين:\nالأول: أن يكون مصدر نشر الثلاثي المتعدي، تقول: نشر الله الميت ينشره نشرًا ونشورًا.\nوالثاني: أن يكون مصدر نشر الميت ينشر نشورًا، لازمًا، والميت فاعل نشر.\nوالحاصل: أن في المادة ثلاثة لغات: الأولى: أنشره، رباعيًا بالهمزة، ينشره بضم الياء إنشارًا. ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِذَا شَاءَ أَنْشَرَهُ (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ بضم النون وبالراء المهملة في قراءة نافع، وابن كثير، وأبي عمرو. وهو مضارع أنشره.\nوالثانية: نشر الله الميت ينشره بصيغة الثلاثي المتعدي، والمصدر في هذه اللغة النشر والنشور، ومنه قوله هنا: (ولا نشورًا) أي: لا يملكون أن ينشروا أحدًا بفتح الياء، وضم الشين.\nوالثالثة: نشر الميت بصيغة الثلاثي اللازم. ومعنى أنشره،","vol":"6","page":301},{"text":"ونشره متعديًا: أحياه بعد الموت. ومعنى نشر الميت لازمًا: حيي الميت وعاش بعد موته. وإطلاق النشر والنشور على الإِحياء بعد الموت، وإطلاق النشور على الحياة بعد الموت معروف في كلام العوب. ومن إطلاقهم نشر الميت لازمًا، فهو ناشر، أي: عاش بعد الموت قول الأعشى:\nلو أسندت ميتًا إلى نحرها ... عاش ولم لينقل إلى قابر\nحتى يقول الناس مما رأوا ... يا عجبًا للميت الناشر\nومن إطلاق النشور بمعنى الإِحياء بعد الموت، مصدر الثلاثي المتعدى. قوله هنا: (ولا نشورًا) أي: بعثا بعد الموت. ومن إطلاقهم النشور بمعنى الحياة بعد الموت مصدر الثلاثي اللازم قول الآخر:\nإذا قبلتها كرعت بفيها ... كروع العسجدية في الغدير\nفيأخذني العناق وبرد فيها ... بموت في عظامي أو فتور\nفنحيا تارة ونموت أخرى ... ونخلط ما نموت بالنشور\nفقد جعل الغيبوبة من شدة اللذة موتًا، والإِفاقة منها نشورًا، أي حياة بعد الموت.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾ حذف فيه أحد المفعولين، أي: اتخذوا من دونه أصنامًا آلهة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ الآية.\nوالآلهة جمع إله، فهو فعال مجموع على أفعلة؛ لأن الألف التي بعد الهمزة مبدلة من همزة ساكنة هي فاء الكلمة كما قال في الخلاصة:\nومدا ابدل ثاني الهمزين من ... كلمة إن يسكن كآثر وائتمن","vol":"6","page":302},{"text":"والإِله: المعبود، فهو فعال بمعنى مفعول، وإتيان الفعال بمعنى المفعول جاء منه أمثلة في اللغة العربية، كالإِله بمعنى المألوه، أي: المعبود، والكتاب بمعنى المكتوب، واللباس بمعنى الملبوس، والإِمام بمعنى المؤتم به. ومعلوم أن المعبود بحق واحد وغيره من المعبودات أسماء سماها الكفار، ما أنزل الله بها من سلطان ﴿وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ (٦٦)﴾ ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1208> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين كفروا وكذبوا النبي - ﷺ - فقالوا: في هذا القرآن العظيم الذي أوحاه الله إليه: ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ أي: ما هذا القرآن إلَّا كذب اختلقه محمد - ﷺ -، (وأعانه عليه) على الإِفك الذي افتراه قوم آخرون، قيل: اليهود، وقيل: عداس مولى حويطب بن عبد العزي، ويسار مولى العلاء بن الحضرمي، وأبو فكيهة الرومي، قال ذلك النضر بن الحارث العبدري.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار كذبوه وادعوا عليه أن القرآن كذب اختلقه، وأنه أعانه على ذلك قوم آخرون جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا","vol":"6","page":303},{"text":"يَعْلَمُونَ (١٠١)﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ الآية. والآيات في ذلك كثيرة معلومة.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنهم افتروا على النبي  - ﷺ -  أنه أعانه على افتراء القرآن قوم آخرون جاء أيضًا موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ﴾ أي: يرويه محمد  - ﷺ -  عن غيره. ﴿إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلِيَقُولُوا دَرَسْتَ﴾ كما تقدم إيضاحه في الأنعام. وقد كذبهم الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة فيما افتروا عليه من البهتان بقوله: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤)﴾\nقال الزمخشري: ظلمهم أن جعلوا العربي يتلقن من الأعجمي الرومي كلامًا عربيًا أعجز بفصاحته جميع فصحاء العرب. والزور هو أن بهتوه بنسبة ما هو بريء منه إليه، انتهى. وتكذيبه جلَّ وعلا لهم في هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ كما تقدم إيضاحه في سورة النحل، وقوله: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤) إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ (٢٥) سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ (٢٦)﴾ بعد ذكر افترائه على القرآن العظيم يدل على عظم افترائه وأنه سيصلى بسببه عذاب سقر، أعاذنا الله وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل.\nواعلم أن العرب تستعمل جاء وأتى بمعنى: فعل. فقوله:","vol":"6","page":304},{"text":"﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا﴾ أي: فعلوه، وقيل بتقدير الباء، أي: جاءوا بظلم.\nومن إتيان أتى بمعنى فعل قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا﴾ الآية. أي: بما فعلوه. وقول زهير بن أبي سلمى:\nفما يك من خير أتوه فإنما ... توارثه آباء آبائهم قبل\nواعلم بأن الإِفك هو أسوأ الكذب؛ لأنه قلب للكلام عن الحق إلى الباطل، والعرب تقول: أفكه بمعنى قلبه. ومنه قوله تعالى في قوم لوط: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَاتِ أَتَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ وقوله: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾ وإنما قيل لها: مؤتفكات؛ لأن الملك أفكها أي: قلبها، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1209> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥) قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في الأولى في هاتين الآيتين أن الكفار قالوا: إن هذا القرآن أساطير الأولين، أي: مما كتبه، وسطره الأولون كأحاديث رستم واسفنديار، وأن النبي - ﷺ - جمعه، وأخذه من تلك الأساطير، وأنه اكتتب تلك الأساطير.\nقال الزمخشري: أي: كتبها لنفسه وأخذها، كما تقول: استكب الماء واصطبة إذا سكبه وصبه لنفسه وأخذه.\nوقوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ﴾ أي: تلقى إليه، وتقرأ عليه عند إرادته كتابتها ليكتبها. والإِملاء إلقاء الكلام على الكاتب ليكتبه، والهمزة مبدلة من اللام تخفيفًا، والأصل في الإِملاء الإِملال باللام.","vol":"6","page":305},{"text":"ومنه قوله تعالى: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ﴾ الآية. وقوله: ﴿بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ البكرة: أول النهار، والأصيل: آخره.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية من أن الكفار قالوا: إن القرآن أساطير الأولين، وأن النبي  - ﷺ -  تعلمه من غيره، وكتبه جاء موضحًا في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٣١)﴾.\nوقد ذكرنا آنفًا الآيات الدالة على أنهم افتروا عليه أن تعلم القرآن من غيره، وأوضحنا تعنتهم، وكذبهم في ذلك في سورة النحل، ودلالة الآيات على ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ الآية، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nومن الآية الدالة على كذبهم في قوله: ﴿اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى﴾ قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ (٤٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ الآية. والأمي هو الذي لا يقرأ ولا يكتب.\nوما ذكر جلَّ وعلا في الآية الأخيرة من قوله: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. جاء أيضًا موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ","vol":"6","page":306},{"text":"لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله هنا: ﴿الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: ومن يعلم السر فلا شك أنه يعلم الجهر.\nومن الآيات الدالة على ما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونه تعالى يعلم السر في السموات والأرض قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ وَأَنَّ اللَّهَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ قال فيه ابن كثير: هو دعاء لهم إلى التوبة والإِنابة، وإخبار لهم بأن رحمته واسعة، وأن حلمه عظيم، وأن من تاب إليه تاب عليه، فهؤلاء مع كذبهم، وافترائهم، وفجورهم، وبهتانهم، وكفرهم، وعنادهم، وقولهم عن الرسول والقرآن ما قالوا يدعوهم إلى التوبة والإِقلاع عما هم فيه إلى الإِسلام والهدى، كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنْ","vol":"6","page":307},{"text":"لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣) أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (١٠)﴾.\nقال الحسن البصري: انظروا إلى هذا الكرم والجود، قتلوا أولياءه وهو يدعوهم إلى التوبة والرحمة. انتهى كلام ابن كثير رحمه الله تعالى. وما ذكره واضح.\nوالآيات الدالة على مثله كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1210> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار قالوا في نبينا - ﷺ -: ما لهذا الرسول، يعنون ما لهذا الذي يدَّعي أنه رسول، وذلك كقول فرعون في موسى: ﴿قَالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ (٢٧)﴾ أي: ما له يأكل الطعام كما نأكله، فهو محتاج إلى الأكل كاحتياجنا إليه، ويمشي في الأسواق، أي: لاحتياجه إلى البيع والشراء، ليحصل بذلك قوته. يعنون أنه لو كان رسولًا من عند الله، لكان ملكًا من الملائكة لا يحتاج إلى الطعام، ولا إلى المشي في الأسواق.\nوادعاء الكفار أن الذي يأكل كما يأكل الناس، ويحتاج إلى المشي في الأسواق، لقضاء حاجته منها، لا يمكن أن يكون رسولًا،","vol":"6","page":308},{"text":"وأن الله لا يرسل إلَّا ملكًا، لا يحتاج للطعام، ولا للمشي في الأسواق، جاء موضحًا في آيات كثيرة، وجاء في آيات أيضًا تكذيب الكفار في دعواهم هذه الباطلة.\nفمن الآيات الدالة على قولهم مثل ما ذكر عنهم في هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾ وقوله تعالى عنهم: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾.\nومن الآيات التي كذبهم الله بها في دعواهم هذه الباطلة، وبين فيها أن الرسل يأكلون ويمشون في الأسواق ويتزوجون ويولد لهم، وأنهم من جملة البشر إلَّا أنه فضلهم بوحيه ورسالته، وأنه لو أرسل للبشر ملكًا لجعله رجلًا، وأنه لو كانت في الأرض ملائكة يمشون مطمئنين لنزل عليهم ملكًا رسولًا؛ لأن المرسل من جنس المرسل إليهم = قوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ أي: ولم نجعلهم ملائكة؛ لأن كونهم رجالًا وكونهم من أهل القرى، صريح في أنهم ليسوا ملائكة، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ","vol":"6","page":309},{"text":"رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾ وقد أمر الله نبيه - ﷺ - أن يقول للكفار: إنه بشر، وإنه رسول. وذلك لأن البشرية لا تنافي الرسالة في قوله تعالى: ﴿قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرًا رَسُولًا (٩٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ﴾ الآية.\nوبين جلَّ وعلا أن الرسل قالوا مثل ذلك في قوله: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾ جمع سوق وهي مؤنثة، وقد تذكر. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1211> قوله تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧) أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا﴾</span>.\nاعلم أولًا أن لولا في هذه الآية الكريمة حرف تحضيض على التحقيق. والتحضيض هو الطلب بحث، وشدة، وإليه أشار في الخلاصة بقوله:\nوبهما التحضيض مز وهلا ... ألَّا ألا وأولينها الفعلا\nوبه تعلم أن المضارع في قوله: (فيكون معه نذيرًا) منصوب بأن مستترة وجوبًا؛ لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nوبعد فا جواب نفي أو طلب ... محضين أن وسترها حتم نصب","vol":"6","page":310},{"text":"ونظير هذا من النصب بأن المستترة بعد الفاء التي هي جواب التحضيض قوله تعالى: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠)﴾؛ لأن قوله: (لولا أخرتني) طلب منه للتأخير بحث وشدة كما دل عليه حرف التحضيض الذي هو لولا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:\nلولا تعوجين يا سلمى على دنف ... فتخمدي نار وجد كاد يفنيه\nفقوله تعالى في الآية الكريمة: (فأصدقَ) بالنصب، وقول الشاعر: فتخمدي منصوب أيضًا بحذف النون؛ لأن الفاء في جواب الطلب المحض الذي هو التحضيض.\nواعلم أن جزم الفعل المعطوف على الفعل المنصوب أعني قوله: ﴿فَأَصَّدَّقَ وَأَكُنْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾ إنما ساغ فيه الجزم؛ لأنه عطف على المحل؛ لأن الفاء لو حذفت مع قصد جواب التحضيض لجزم الفعل، وجواز الجزم المذكور عند الحذف المذكور هو الذي سوغ عطف المجزوم على المنصوب. وقد أشار إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nوبعد غير النفي جزما اعتمد ... إن تسقط الفا والجزاء قد قصد\nوبما ذكرنا تعلم أن ما ذكره القرطبي وغيره، وأشار له الزمخشري من أن لولا في الآية للاستفهام، ليس بصحيح.\nواعلم أن الكفار في هذه الآية الكريمة اقترحوا بحث وشدة عليه - ﷺ - ثلاثة أمور:\nالأول: أن ينزل إليه ملك، فيكون معه نذيرًا، أي: يشهد له بالصدق، ويعينه على التبليغ.","vol":"6","page":311},{"text":"الثاني: أن يلقى إليه كنز، أي: ينزل عليه كنز من المال ينفق منه، ويستغني به عن المشي في الأسواق.\nالثالث: أن تكون له جنة يأكل منها. والجنة في لغة العرب البستان. ومنه قول زهير:\nكأن عيني في غربي مقتلة ... من النواضح تسقي جنة سُحُقا\nفقوله: تسقي جنة، أي: بستانًا، وقوله. سُحُقًا، يعني أن نخله طوال.\nوهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة التي اقترحها الكفار وطلبوها بشدة وحث تعنتًا منهم وعنادًا، جاءت مبينة في غير هذا الموضع، فبين جلَّ وعلا في سورة هود اقتراحهم لنزول الكنز، ومجيء الملك معه، وأن ذلك العناد والتعنت قد يضيق به صدره  - ﷺ -، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ أَنْ يَقُولُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ﴾ وبين جلَّ وعلا في سورة بني إسرائيل اقتراحهم الجنة، وأوضح أنهم يعنون بها بستانًا من نخيل وعنب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠) أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرًا (٩١)﴾ واقتراحهم هذا شبيه بقول فرعون في موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾ تشابهت قلوبهم فتشابهت أقوالهم.\nوقد قدمنا في الكلام على آية سورة بني إسرائيل هذه الآيات الدالة على كثرة اقتراح الكفار، وشدة تعنتهم وعنادهم، وأن الله","vol":"6","page":312},{"text":"لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ (١٤) لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم.\nوقال الزمخشري في تفسير آية الفرقان هذه: يأكل الطعام كما نأكل، ويتردد في الأسواق كما نتردد. يعنون أنه كان يجب أن يكون ملكًا مستغنيًا عن الأكل والتعيش، ثم نزلوا عن اقتراحهم أن يكون ملكًا إلى اقتراح أن يكون إنسانًا معه ملك، حتى يتساعدا في الإِنذار والتخويف، ثم نزلوا أيضًا فقالوا إن لم يكن مرفودًا بذلك، فليكن مرفودًا بكنز يلقى إليه من السماء، يستظهر به، ولا يحتاج إلى تحصيل المعاش، ثم نزلوا فاقتنعوا بأن يكون له بستان يأكل منه، ويرتزق كالدهاقين، أو يأكلون هم من ذلك البستان، فينتفعون به في دنياهم، ومعاشهم. انتهى منه. وكل تلك الاقتراحات لشدة تعنتهم، وعنادهم.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: يأكل منها بالمثناة التحتية، وقرأ حمزة والكسائي: جنة نأكل منها بالنون، وهذه القراءة هي مراد الزمخشري بقوله: أو يأكلون هم من ذلك البستان.","vol":"6","page":313},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1212> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٩)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الكريمة: أن الظالمين وهم الكفار قالوا للذين اتبعوا النبي - ﷺ -: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾ يعنون: أنه أثر فيه السحر فاختلط عقله فالتبس عليه أمره، قال مجاهد: مسحورًا، أي: مخدوعًا، كقوله: فأنى تسحرون؛ أي: من أين تخدعون، وقال بعضهم: مسحورًا؛ أي: له سحر، أي: رئة فهو لا يستغني عن الطعام والشراب، فهو بشر مثلكم، وليس بملك. وقد قدمنا كلام أهل العلم في قوله: (مسحورًا) بشواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى﴾.\nولما ذكر الله هذا الذي قاله الكفار في نبيه - ﷺ -، من الإفك والبهتان خاطب نبيه - ﷺ - بقوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾ وما قاله الكفار في هذه الآية أعني قولهم: ﴿إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧)﴾ وما قاله الله لنبيه في ذلك، وهو قوله: ﴿انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ﴾ الآية. جاء كله مصرحًا به في سورة بني إسرائيل في قوله تعالى: ﴿نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَسْتَمِعُونَ بِهِ إِذْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ وَإِذْ هُمْ نَجْوَى إِذْ يَقُولُ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٤٧) انْظُرْ كَيْفَ ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثَالَ فَضَلُّوا فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا (٤٨)﴾.\nقال الزمخشري: ضربوا لك الأمثال؛ قالوا فيك تلك الأقوال، واقترحوا لك تلك الصفات والأحوال النادرة، من نبوة مشتركة بين إنسان وملك، وإلقاء كنز عليك من السماء، وغير ذلك، فبقوا","vol":"6","page":314},{"text":"متحيرين ضلالًا لا يجدون قولًا يستقرون عليه، أو فضلوا عن الحق فلا يجدون طريقًا إليه. اهـ.\nوالأظهر عندي في معنى الآية ما قاله غير واحد من أن معنى: ضربوا لك الأمثال: أنهم تارة يقولون: إنك ساحر، وتارة مسحور، وتارة مجنون، وتارة شاعر، وتارة كاهن، وتارة كذاب. ومن ذلك ما ذكر الله عنهم من قوله هنا: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ الظَّالِمُونَ إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُورًا (٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فُضِّلُوا﴾ أي: عن طريق الحق، لأن الأقوال التي قالوها، والأمثال التي ضربوها كلها كذب وافتراء، وكفر مخلد في نار جهنم، فالذين قالوها هم أضل الضالين.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا﴾ فيه أقوال كثيرة متقاربة.\nوأظهرها أن معنى: فلا يستطيعون سبيلًا، أي: طريقًا إلى الحق والصواب. ونفي الاستطاعة المذكور هنا، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ وقد قدمنا أيضًا معنى الظلم والضلال وما فيهما من الإِطلاقات في اللغة مع الشواهد العربية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.","vol":"6","page":315},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1213> قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار كذبوا بالساعة أي: أنكروا القيامة من أصلها؛ لإِنكارهم البعث بعد الموت والجزاء، وأنه جلَّ وعلا أعتد؛ أي: هيأ وأعد لمن كذب بالساعة، أي: أنكر يوم القيامة، سعيرًا، أي: نارًا شديدة الحر يعذبه بها يوم القيامة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ يدل على أن التكذيب بالساعة كفر مستوجب لنار جهنم، كما سترى الآيات الدالة على ذلك قريبًا إن شاء الله تعالى. وهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة - وهما تكذيبهم بالساعة، ووعيد الله لمن كذب بها بالسعير - جاءا موضحين في آيات أخر.\nأما تكذبيهم بيوم القيامة لإِنكارهم البعث، والجزاء بعد الموت، فقد جاء في آيات كثيرة عن طوائف الكفار، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ لَيَقُولُونَ (٣٤) إِنْ هِيَ إِلَّا مَوْتَتُنَا الْأُولَى وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما كفر من كذب بيوم القيامة ووعيده بالنار، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾ فقوله: (ومأواكم النار) بعد قوله: ﴿مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ الآية، يدل على أن قولهم: ما ندري ما الساعة هو سبب كون النار مأواهم. وقوله بعده: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾","vol":"6","page":316},{"text":"لا ينافي ذلك؛ لأن من اتخاذهم آيات الله هزوًا تكذيبهم بالساعة، وإنكارهم البعث كما لا يخفى، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ فقد بين جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الرعد أن إنكارهم البعث الذي عبروا عنه باستفهام الإِنكار في قوله تعالى عنهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ جامع بين أمرين:\nالأول منهما: أنه عجب من العجب؛ لكثرة البراهين القطعية الواضحة الدالة على ما أنكروه.\nوالثاني منهما، وهو محل الشاهد من الآية: أن إنكارهم البعث المذكور كفر مستوجب للنار وأغلالها والخلود فيها، وذلك في قوله تعالى مشيرًا إلى الذين أنكروا البعث ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾ ومعلوم أن إنكار البعث إنكار للساعة، وكقوله تعالى: ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى (١٦)﴾ أي: لا يصدنك من لا يؤمن بالساعة عن الإِيمان بها، ﴿فَتَرْدَى (١٦)﴾ أي: تهلك لعدم إيمانك بها. والردى الهلاك، وهو هنا عذاب النار بسبب التكذيب بالساعة. وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾. وقوله تعالى في آية طه هذه: ﴿تَرَدَّى (١١)﴾ يدل دلالة واضحة على أنه إن صده من لا يؤمن بالساعة من التصديق بها، أن ذلك يكون سببًا لرداه، أي: هلاكه بعذاب النار كما لا يخفى، وكقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ فآية الروم هذه تدل على أن الذين كذبوا بلقاء الآخرة، وهم الذين كذبوا بالساعة","vol":"6","page":317},{"text":"معدودون مع الذين كفروا وكذبوا بآيات الله، وأنهم في العذاب محضرون. وهو عذاب النار. والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ﴾ أظهر الأقوال فيه عندي أنه متصل بما يليه، وأن بل فيه للإِضراب الانتقالي. وقد أوضحنا معنى السعير مع بعض الشواهد العربية في أول سورة الحج. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1214> قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن النار يوم القيامة إذا رأت الكفار من مكان بعيد، أي: في عرصات المحشر اشتد غيظها على من كفر بربها، وعلا زفيرها فسمع الكفار صوتها من شدة غيظها، وسمعوا زفيرها.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة بين بعضه في سورة الملك، فأوضح فيها شدة غيظها من كفر بربها، وأنهم يسمعون لها أيضًا شهيقًا مع الزفير الذي ذكره في آية الفرقان هذه، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذَا أُلْقُوا فِيهَا سَمِعُوا لَهَا شَهِيقًا وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكَادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ﴾ أي: يكاد بعضها ينفصل عن بعض من شدة غيظها على من كفر باللَّه تعالى.\nوللعلماء أقوال في معنى الزفير والشهيق. وأقربها أنهما يمثلهما معًا صوت الحمار في نهيقه، فأوله زفير، وآخره الذي يردده في صدره شهيق.\nوالأظهر أن معنى قوله تعالى: ﴿سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا﴾ أي: سمعوا","vol":"6","page":318},{"text":"غليانها من شدة غيظها. ولما كان سبب الغليان التغيظ أطلقه عليه. وذلك أسلوب عربي معروف. وقال بعض أهل العلم: سمعوا لها تغيظًا، أي: أدركوه، والإِدراك يشمل الرؤية والسمع. وعلى هذا فالسمع مضمن معنى الإِدراك. وما ذكرنا أظهر.\nوقال القرطبي: قيل: المعنى إذا رأتهم جهنم سمعوا لها صوت التغيظ عليهم، ثم ذكر في آخر كلامه أن هذا القول هو الأصح.\nمسألة\nاعلم أن التحقيق أن النار تبصر الكفار يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في قوله هنا: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ﴾ ورؤيتها إياهم من مكان بعيد تدل على حدة بصرها كما لا يخفى، كما أن النار تتكلم كما صرح الله به في قوله: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾ والأحاديث الدالة على ذلك كثيرة، كحديث محاجة النار مع الجنة، وكحديث اشتكائها إلى ربها، فأذن لها في نفسين، ونحو ذلك. ويكفي في ذلك أن الله جلَّ وعلا صرح في هذه الآية أنها تراهم، وأن لها تغيظًا على الكفار، وأنها تقول: هل من مزيد.\nواعلم أن ما يزعمه كثير من المفسرين وغيرهم من المنتسبين للعلم من أن النار لا تبصر، ولا تتكلم، ولا تغتاظ، وأن ذلك كله من قبيل المجاز، أو أن الذي يفعل ذلك خزنتها كله باطل ولا معول عليه؛ لمخالفته نصوص الوحي الصحيحة بلا مستند، والحق هو ما ذكرنا.\nوقد أجمع من يعتد به من أهل العلم على أن النصوص من","vol":"6","page":319},{"text":"الكتاب والسنَّة لا يجوز صرفها عن ظاهرها إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: إن القول بأن النار تراهم هو الأصح، ثم قال: لما روي مرفوعًا أن رسول الله  - ﷺ -  قال: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ بين عيني جهنم مقعدًا. قيل: يا رسول الله أو لها عينان؟ قال: أو ما سمعتم الله ﷿ يقول: إذا رأتهم من مكان بعيد سمعوا لها تغيظًا وزفيرًا، يخرج عنق من النار له عينان تبصران ولسان ينطق فيقول: وكلت بكل من جعل مع الله إلهًا آخر، فهو أبصر بهم من الطير بحب السمسم فيلتقطه\" وفي رواية \"يخرج عنق من النار فيلتقط الكفار لقط الطائر حب السمسم\" ذكره رزين في كتابه، وصححه ابن العربي في قبسه. وقال: أي: تفصلهم عن الخلق في المعرفة، كما يفصل الطائر حب السمسم عن التربة. وخرجه الترمذي من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"يخرج عنق من النار يوم القيامة له عينان تبصران، وأذنان تسمعان ولسان ينطق فيقول: إني وكلت بثلاث: بكل جبار عنيد، وبكل من دعا مع الله إلهًا آخر، وبالمصورين\" وفي الباب عن أبي سعيد. قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب صحيح. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.\nوقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطبراني، وابن مردويه من طريق مكحول، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"من كذب علي متعمدًا فليتبوأ مقعدًا من بين عيني جهنم. قالوا يا رسول الله: وهل لجهنم من عين؟ قال: نعم، أما سمعتم الله يقول: إذا رأتهم من مكان بعيد. فهل تراهم إلَّا بعينين\" وأخرج عبد بن حميد،","vol":"6","page":320},{"text":"وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم من طريق خالد بن دريك، عن رجل من الصحابة قال: قال رسول الله - ﷺ -: \"من يقل عليّ ما لم أقل، أو ادعى إلى غير والديه، أو انتمى إلى غير مواليه، فليتبوأ بين عيني جنهم مقعدًا قيل: يا رسول الله - ﷺ - وهل لها من عينين؟ قال: نعم، أما سمعتم الله يقول: إذا رأتهم من مكان بعيد\" إلى آخر كلامه. وفيه شدة هول النار، وأنها تزفر زفرة يخاف منها جميع الخلائق.\nنرجو الله جلَّ وعلا أن يعيذنا وإخواننا المسلمين منها، ومن كل ما قرب إليها من قول وعمل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1215> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن أهل النار إذا ألقوا، أي: طرحوا في مكان ضيق من النار، في حال كونهم مقرنين، دعوا هنالك، أي: في ذلك المكان الضيق ثبورًا، فيقال لهم: لا تدعوا ثبورًا واحدًا، وادعوا ثبورًا كثيرًا، فقوله: مكانًا منصوب على الظرف، كما قال أبو حيان في البحر المحيط.\nوما ذكره هنا من أنهم يلقون في مكان ضيق من النار، جاء مذكورًا أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهَا عَلَيْهِمْ مُؤْصَدَةٌ (٨) فِي عَمَدٍ مُمَدَّدَةٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيْهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾ ومعنى مؤصدة في الموضعين بهمز، وبغير همز: مطبقة أبوابها، مغلقة عليهم كما أوضحناه بشواهده العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى:","vol":"6","page":321},{"text":"﴿وَكَلْبُهُمْ بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ﴾ ومن كان في مكان مطبق مغلق عليه، فهو في مكان ضيق. والعياذ باللَّه. وقد ذكر أن الواحد منهم يجعل في محله من النار بشدة كما يدق الوتد في الحائط. وعن ابن مسعود: أن جهنم تضيق على الكافر كتضييق الزج على الرمح. والزج بالضم: الحديدة التي في أسفل الرمح.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: مقرنين، أي: في الأصفاد بدليل قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَتَرَى الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ (٤٩)﴾ والأصفاد القيود. والأظهر أن معنى مقرنين: أن الكفار يقرن بعضهم إلى بعض في الأصفاد والسلاسل. وقال بعض أهل العلم: كل كافو يقرن هو وشيطانه، وقد قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾.\nوهذا أظهر من قول من قال: مقرنين مكتفين، ومن قول من قال: مقرنين، أي: قرنت أيديهم إلى أعناقهم في الأغلال. والثبور: الهلاك والويل والخسران.\nوقال ابن كثير: والأظهر أن الثبور يجمع الخسار والهلاك والويل والدمار. كما قال موسى لفرعون: ﴿وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ أي: هالكًا، قال عبد الله بن الزبعري السهمي:\nإذ أجاري الشيطان في سنن الغـ ... ـيِّ ومن مال ميله مثبور. اهـ\nوقال الجوهري في صحاحه: والثبور الهلاك والخسران أيضًا، قال الكميت:\nورأت قضاعة في الأيا ... من رأي مثبور وثابر\nأي: مخسور وخاسر، يعني في انتسابها لليمن. اهـ منه.","vol":"6","page":322},{"text":"وقوله تعالى: ﴿دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣)﴾، معنى دعائهم الثبور هو قولهم: واثبوراه. يعنون: يا ويل، ويا هلاك تعال، فهذا حينك وزمانك.\nوقال الزمخشري: ومعنى وادعوا ثبورًا كثيرًا أنكم وقعتم فيما ليس ثبوركم فيه واحدًا، إنما هو ثبور كثير، إما لأن العذاب أنواع وألوان، كل نوع منها ثبور، لشدته وفظاعته، أو لأنهم كلما نضجت جلودهم بدلوا غيرها، فلا غاية لهلاكهم. اهـ.\nتنبيه\nاعلم أنه تعالى في هذه الآية الكريمة قال: ﴿مَكَانًا ضَيِّقًا﴾ وكذلك في الأنعام في قوله تعالى: ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا﴾ وقال في هود: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ فما وجه التعبير في سورة هود، بقوله: ضائق على وزن فاعل، وفي الفرقان والأنعام بقوله: ضيقًا على وزن فيعل مع أنه في المواضع الثلاثة هو الوصف من ضاق يضيق، فهو ضيق.\nوالجواب عن هذا هو أنه تقرر في فن الصرف أن جميع أوزان الصفة المشبهة باسم الفاعل إن قصد بها الحدوث والتجدد جاءت على وزن فاعل مطلقًا، كما أشار له ابن مالك في لاميته بقول:\nوفاعل صالح للكل إن قصد الـ ... ـحدوث نحو غدا ذا جاذل جذلا\nوإن لم يقصد به الحدوث والتجدد بقي على أصله.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَعَلَّكَ تَارِكٌ بَعْضَ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ أريد به أنه يحدث له ضيق الصدر، ويتجدد له بسبب عنادهم وتعنتهم في قولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ","vol":"6","page":323},{"text":"عَلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ جَاءَ مَعَهُ مَلَكٌ﴾ ولما كان كذلك، قيل فيه: ضائق بصيغة اسم الفاعل. أما قوله: ضيقًا في الفرقان والأنعام فلم يُرد به حدوث، ولذلك بقي على أصله.\nومن أمثلة إتيان الفيعل على فاعل إن قصد به الحدوث قوله تعالى: ﴿وَضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ﴾ وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:\nأبلغ خداشا أنني ميت ... كل امرئ ذي حسب مائت\nفلما أراد حدوث الموت قال: مائت بوزن فاعل، وأصله ميت على وزن فيعل.\nومن أمثلته في فَعِل بفتح فكسر قول أبي عمرو أشجع بن عمرو السلمي يرثي قتيبة بن مسلم:\nفما أنا من رزء وإن جل جازع ... ولا بسرور بعد موتك فارح\nفلما نفى أن يحدث له في المستقبل فرح ولا جزع قال: جازع وفارخ، والأصل: جزع وفرح.\nومثاله في فعيل قول لبيد:\nحسبت التقى والجود خير تجارة ... رباحًا إذا ما المرء أصبح ثاقلا\nفلما أراد حدوث الثقل قال: ثاقلًا، والأصل ثقيل، وقول السمهري العكلي:\nبمنزلة أما اللئيم فسامن ... بها وكرام الناس باد شحوبها\nفلما أراد حدوث السمن قال: \"فسامن\"، والأصل: سمين.\nواعلم أن قراءة ابن كثير ضيقًا بسكون الياء في الموضعين","vol":"6","page":324},{"text":"راجعة في المعنى إلى قراءة الجمهور بتشديد الياء؛ لأن إسكان الياء تخفيف كهين ولين، في هين ولين. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1216> قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥) لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ خَالِدِينَ كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾</span>.\nالتحقيق أن الإِشارة في قوله: (أذلك) راجعة إلى النار، وما يلقاه الكفار فيها من أنواع العذاب كما ذكره جلَّ وعلا بقوله: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ وغير هذا من الأقوال لا يعول عليه، كقول من قال: إن الإِشارة راجعة إلى الكنز والجنة في قوله تعالى: ﴿أَوْ يُلْقَى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ﴾ الآية، وكقول من قال: إنها راجعة إلى الجنات والقصور المعلقة على المشيئة في قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (١٠)﴾ والتحقيق إن شاء الله أنه لما ذكر شدة عذاب النار وفظاعته قال: أذلك العذاب خير أم جنة الخلد؟ الآية.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، جاء أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الصافات: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (٦٠) لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١) أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢) إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤) طَلْعُهَا كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٦٥) فَإِنَّهُمْ لَآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦)﴾ إلى قوله: ﴿يُهْرَعُونَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.","vol":"6","page":325},{"text":"وفي هذه الآيات وأمثالها في القرآن إشكال معروف، وهو أن يقال: لفظ خير في الآيات المذكورة صيغة تفضيل كما قال في الكافية:\nوغالبًا أغناهم خير وشر ... عن قولهم: أخير منه وأشر\nكما قدمناه موضحًا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَلَدَارُ الْآخِرَةِ خَيْرٌ﴾ الآية.\nوالمعروف في علم العربية أن صيغة التفضيل تقتضي المشاركة بين المفضل والمفضل عليه فيما فيه التفضيل إلَّا أن المفضل أكثر فيه وأفضل من المفضل عليه، ومعلوم أن المفضل عليه في الآيات المذكورة الذي هو عذاب النار لا خير فيه البتة، وإذن فصيغة التفضيل فيها إشكال.\nوالجواب عن هذا الإِشكال من وجهين:\nالأول: أن صيغة التفضيل قد تطلق في القرآن، وفي اللغة مرادًا بها مطلق الاتصاف، لا تفضيل شيء على شيء. وقدمناه مرارًا وأكثرنا من شواهده العربية في سورة النور وغيرها.\nالثاني: أن من أساليب اللغة العربية أنهم إذا أردوا تخصيص شيء بالفضيلة، دون غيره جاءوا بصيغة التفضيل، يريدون بها خصوص ذلك الشيء بالفضل، كقول حسان بن ثابت ﵁:\nأتهجوه ولست له بكفء ... فشرّكما لخيركما الفداء\nوكقول العرب: الشقاء أحب إليك، أم السعادة؟ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ﴾ الآية.\nقال أبو حيان في البحر المحيط في قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ﴾","vol":"6","page":326},{"text":"الآية. وخير هنا ليست تدل على الأفضلية، بل هي على ما جرت به عادة العرب في بيان فضل الشيء، وخصوصيته بالفضل دون مقابلة كقوله:\n\n• فشركما لخيركما الفداء *\nوكقول العرب: الشقاء أحب إليك أم السعادة، وكقوله: ﴿السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ﴾ وهذا الاستفهام على سبيل التوقيف والتوبيخ. اهـ الغرض من كلام أبي حيان.\nوعلى كل حال فعذاب النار شر محض لا يخالطه خير البتة كما لا يخفى، والوجهان المذكوران في الجواب متقاربان.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ العائد محذوف، أي: وعدها المتقون. والآية تدل على أن الوعد الصادق بالجنة يحصل بسبب التقوى.\nوقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ العائد أَيضًا محذوف كالذي قبله، أي: ما يشاؤونه، وحذف العائد المنصوب بالفعل أو الوصف كثير، كما قال في الخلاصة:\n\n• والحذفُ عندهم كثير منجلي *\nفي عائد متصل إن انتصب ... بفعل أو وصف كمن نرجو يهب\nوهذه الآية الكريمة تدل على أن أهل الجنة يجدون كل ما يشاؤونه من أنواع النعيم.","vol":"6","page":327},{"text":"وقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ والآيات المذكورة تدل على أن حصول كل ما يشاءه الإِنسان لا يكون إلَّا في الجنة.\nوقوله: ﴿كَانَتْ لَهُمْ جَزَاءً وَمَصِيرًا (١٥)﴾ المصير مكان الصيرورة. وقد مدح الله جزاءهم ومحله، كقوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾ لأن حسن المكان وجودته من أنواع النعيم.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ فيه وجهان معروفان:\nأحدهما: أن معنى كونه مسؤولًا أن المؤمنين كانوا يسألونه، وكانت الملائكة أيضًا تسأله لهم. أما سؤال المسلمين له فقد ذكره تعالى بقوله عنهم: ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ (١٩٤)﴾ وسؤال الملائكة لهم إياه ذكره تعالى أيضًا في قوله: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ الآية.\nوقال بعض العلماء: مسؤولًا، أي: واجبًا؛ لأن ما وعد الله به فهو واجب الوقوع؛ لأنه لا يخلف الميعاد، وهو جلَّ وعلا يوجب على نفسه بوعده الصادق ما شاء، لا معقب لحكمه. ويستأنس لهذا القول بلفظة (على) في قوله ﴿كَانَ عَلَى رَبِّكَ وَعْدًا مَسْئُولًا (١٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.\nوقال بعض أهل العلم: إن المسلمين يوم القيامة يقولون: قد فعلنا في دار الدنيا كل ما أمرتنا به فانجز لنا ما وعدتنا.\nوالقولان الأولان أقرب من هذا. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":328},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1217> قوله تعالى: ﴿مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرب عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: نحشرهم، بالنون الدالة على العظمة. وقرأ ابن كثير، وحفص، عن عاصم: يحشرهم بالياء المثناة التحتية. وقرأ عامة السبعة غير ابن عامر: فيقول بالياء المثناة التحتية. وقرأ ابن عامر: فنقول بنون العظمة.\nفتحصل أن ابن كثير وحفصًا يقرآن بالياء التحتية فيهما، وأن ابن عامر يقرأ بالنون فيهما، وأن باقي السبعة يقرؤون: نحشرهم بالنون، فيقول بالياء.\nوقد ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يحشر الكفار يوم القيامة، وما كانوا يعبدون من دونه؛ أي: يجمعهم جميعًا فيقول للمعبودين: أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء فزينتم لهم أن يعبدوكم من دوني، أم هم ضلوا السبيل؛ أي: كفروا وأشركوا بعبادتهم إياكم من دوني من تلقاء أنفسهم من غير أن تأمروهم بذلك، ولا أن تزينوه لهم، وأن المعبودين يقولون: سبحانك، أي: تنزيهًا لك عن الشركاء، وكل ما لا يليق بجلالك وعظمتك، ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك أولياء، أي: ليس للخلائق كلهم أن يعبدوا أحدًا سواك لا نحن ولا هم، فنحن ما دعوناهم إلى ذلك، بل فعلوا ذلك من تلقاء أنفسهم، من غير أمرنا، ونحن براء منهم، ومن عبادتهم، ثم","vol":"6","page":329},{"text":"قال: ﴿وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ وَآبَاءَهُمْ﴾ أي: طال عليهم العمر، حتى نسوا الذكر أي: نسوا ما أنزله عليهم على ألسنة رسلك من الدعوة إلى عبادتك وحدك، لا شريك لك، وكانوا قومًا بورًا. قال ابن عباس: أي: هلكى، وقال الحسن ومالك عن الزهري: أي: لا خير فيهم. اهـ. الغرض من كلام ابن كثير.\nوقال أبو حيان في البحر: ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياء، أي: ما كان يصح لنا ولا يستقيم. إلى آخر كلامه.\nوإذا عرفت ما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية من سؤاله للمعبودين وجوابهم له، فاعلم أن العلماء اختلفوا في المعبودين. فقال بعضهم: المراد بهم الملائكة وعيسى وعزير. قالوا: هذا القول يشهد له القرآن، لأن فيه سؤال عيسى والملائكة عن عبادة من عبدهم، كما قال في الملائكة: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ وقال في عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ (١١٦)﴾ وجواب الملائكة وجواب عيسى كلاهما شبيه بجواب المعبودين في آية الفرقان هذه؛ ولذلك اختار غير واحد من العلماء أن المعبودين الذين يسألهم الله في سورة الفرقان هذه هم خصوص العقلاء، دون الأصنام.\nوقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي شمول المعبودين المذكورين للأصنام، مع الملائكة وعيسى، وعزير، لأن ذلك تدل عليه قرينتان قرآنيتان.","vol":"6","page":330},{"text":"الأولى: أنه عبر عن المعبودين المذكورين بما التي هي لغير العاقل في قوله: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية. فلفظة ما تدل على شمول غير العقلاء، وأنه غلب غير العاقل لكثرته.\nالقرينة الثانية: هي دلالة آيات من كتاب الله على أن المعبودين غافلون عن عبادة من عبدهم، أي: لا يعلمون بها، لكونهم غير عقلاء، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨) فَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ إِنْ كُنَّا عَنْ عِبَادَتِكُمْ لَغَافِلِينَ (٢٩)﴾، وإنما كانوا غافلين عنها لأنهم جماد لا يعقلون. وإطلاق اللفظ المختص بالعقلاء عليهم نظرًا إلى أن المشركين نزلوهم منزلة العقلاء كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وكقوله تعالى في الأحقاف: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ فقد دل قوله تعالى ﴿وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ على أنهم لا يعقلون، ومع ذلك قال: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وكقوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية. فصرح بأنهم أوثان، ثم ذكر أنهم هم وعبدتهم يلعن بعضهم بعضًا، وكقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى نَسُوا الذِّكْرَ﴾ الظاهر أن معنى نسوا تركوا. والأظهر أن الذكر هو ما جاءت به الرسل من التوحيد، وقيل: ذكر الله بشكر نعمه. والأصح أن قوله: (بورًا) معناه","vol":"6","page":331},{"text":"هلكى، وأصله اسم مصدر يقع على الواحد وعلى الجماعة. فمن إطلاقه على الجماعة. قوله هنا: ﴿وَكَانُوا قَوْمًا بُورًا (١٨)﴾ وقوله في سورة الفتح: ﴿وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا (١٢)﴾ ومن إطلاقه على المفرد قول عبد الله بن الزبعري السهمي ﵁:\nيا رسول المليك إن لساني ... راتق ما فتقت إذ أنا بور\nويطلق البور على الهلاك. وعن ابن عباس أنها لغة أهل عمان، وهم من أهل اليمن، ومنه قول الشاعر:\nفلا تكفروا ما قد صنعنا إليكم ... وكافوا به فالكفر بور لصانعه\nواعلم أن ما ذكره الزمخشري في هذه الآية، وأطنب فيه من أن الله لا يضل أحدًا مذهب المعتزلة، وهو مذهب باطل وبطلانه في غاية الوضوح من كتاب الله وسنَّة نبيه - ﷺ -، فإياك أن تغتر به. وما ذكر عن الحسن البصري، ومالك عن الزهري، من أن معنى بورًا لا خير فيهم له وجه في اللغة العربية، ولكن التحقيق أنه ليس معنى الآية، وأن معنى بورًا هلكى كما تقدم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1218> قوله تعالى: ﴿فَقَدْ كَذَّبُوكُمْ بِمَا تَقُولُونَ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية: أن المعبودين كذبوا العابدين وذلك في قوله عنهم: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ﴾.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تكذيب المعبودين للعابدين جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ (٦)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَى الَّذِينَ أَشْرَكُوا شُرَكَاءَهُمْ قَالُوا رَبَّنَا هَؤُلَاءِ شُرَكَاؤُنَا الَّذِينَ كُنَّا نَدْعُو مِنْ دُونِكَ فَأَلْقَوْا","vol":"6","page":332},{"text":"إِلَيْهِمُ الْقَوْلَ إِنَّكُمْ لَكَاذِبُونَ (٨٦)﴾ وقوله: ﴿فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ شُرَكَاؤُهُمْ مَا كُنْتُمْ إِيَّانَا تَعْبُدُونَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1219> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَظْلِمْ مِنْكُمْ نُذِقْهُ عَذَابًا كَبِيرًا (١٩)﴾</span>.\nقال ابن كثير: ومن يظلم منكم، أي: يشرك باللَّه، وذكره القرطبي عن ابن عباس ﵄. وهذا التفسير تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - فسر الظلم في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ قال: أي: بشرك، كما قدمناه موضحًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1220> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه جعل بعض الناس فتنة لبعض.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه الآية ذكره في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا﴾ الآية.\nوقال القرطبي في تفسير قوله: ﴿وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً﴾ ومعنى هذا: أن كل واحد مختبر بصاحبه، فالغني ممتحن بالفقير، عليه أن يواسيه، ولا يسخر منه، والفقير ممتحن بالغني،","vol":"6","page":333},{"text":"عليه أن لا يحسده، ولا يأخذ منه إلَّا ما أعطاه، وأن يصبر كل واحد منهما على الحق، كما قال الضحاك في معنى: أتصبرون، أي: على الحق، وأصحاب البلايا يقولون: لِمَ لَمْ نعاف، والأعمى يقول: لم لم أجعل كالبصير؟ وهكذا صاحب كل آفة، والرسول المخصوص بكرامة النبوة فتنة لأشراف الناس من الكفار في عصره، وكذلك العلماء، وحكام العدل، ألا ترى إلى قولهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ فالفتنة أن يحسد المبتلى المعافى، ويحقر المعافى المبتلى، والصبر أن يحبس كلاهما نفسه، هذا عن البطر، وذلك عن الضجر. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي.\nوإذا علمت معنى كون بعضهم فتنة لبعض. فاعلم أن قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾ الآية. فيه فتنة أغنياء الكفار بفقراء المسلمين، حيث احتقروهم وازدروهم، وأنكروا أن يكون الله من عليهم دونهم، لأنهم في زعمهم لفقرهم، ورثاثة حالهم لا يمكن أن يرحمهم الله ويعطيهم من فضله الواسع، كما قال تعالى عنهم أنهم قالوا فيهم: ﴿لَوْ كَانَ خَيْرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيْهِ﴾ وقال: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات. وسيوبخهم الله يوم القيامة على احتقارهم لهم في الدنيا، كما قال تعالى: ﴿أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠). . .﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.","vol":"6","page":334},{"text":"وقوله تعالى: أتصبرون، أي: على الحق أم لا تصبرون؟ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1221> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين لا يرجون لقاء الله قالوا: لولا أنزل علينا الملائكة، أو نرى ربنا. ولولا في هذه الآية للتحضيض.\nوالمعنى أنهم طلبوا بحث وشدة أن تنزل عليهم الملائكة أو يرون ربهم. وهذا التعنت الذي ذكره الله عنهم هنا من طلبهم إنزال الملائكة عليهم، أو رؤيتهم ربهم ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ وقولهم: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ﴾ قيل: فتوحي إلينا كما أوحت إليك. وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ الآية، وقيل: لولا أنزل علينا الملائكة فنراهم عيانًا. وهذا يدل له قوله تعالى: ﴿أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلًا (٩٢)﴾ أي: معاينة، على القول بذلك. وقد قدمنا الأقوال في ذلك في سورة بني إسرائيل.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يرجون. قال بعض العلماء: لا يرجون، أي: لا يخافون لقاءنا؛ لعدم إيمانهم بالبعث. والرجاء يطلق على الخوف كما يطلق على الطمع. قال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣)﴾ قال: أي: لا تخافون للَّه عظمة، ومنه قول أبي ذؤيب الهذلي:\nإذا لسعته النحل لم يرج لسعها ... وخالفها في بيت نوب عواسل","vol":"6","page":335},{"text":"فقوله: لم يرج لسعها: أي: لم يخف لسعها.\nوقال بعض أهل العلم: إطلاق الرجاء على الخوف لغة تهامة، وقال بعض العلماء: لا يرجون لقاءنا لا يأملون، وعزاه القرطبي لابن شجرة، وقال: ومنه قول الشاعر:\nأترجو أمة قتلت حسينا ... شفاعة جده يوم الحساب\nأي: أتأمل أمة إلخ.\nوالذي لا يؤمن بالبعث لا يخاف لقاء الله؛ لأنه لا يصدق بالعذاب، ولا يأمل الخير من تلقائه؛ لأنه لا يؤمن بالثواب.\nوقوله جلَّ وعلا: ﴿لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: أضمروا التكبر عن الحق في قلوبهم، واعتقدوه عنادًا وكفرًا. ويوضح هذا المعنى قوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١)﴾ أي: تجاوزوا الحد في الظلم والطغيان، يقال: عتا علينا فلان، أي: تجاوز الحد في ظلمنا، ووصفه تعالى عتوهم المذكور بالكبر يدل على أنه بالغ في إفراطه، وأنهم بلغوا غاية الاستكبار، وأقصى العتو. وهذه الآية الكريمة تدل على أن تكذيب الرسل بعد دلالة المعجزات، ووضوح الحق وعنادهم والتعنت عليهم بطلب إنزال الملائكة، أو رؤية الله، استكبارٌ عن الحق عظيم وعتو كبير يستحق صاحبه النكال، والتقريع، ولذا شدد الله النكير على من تعنت ذلك التعنت واستكبر عن قبول الحق، كما في قوله تعالى: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ﴾","vol":"6","page":336},{"text":"الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْتُمْ يَامُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥)﴾.\nواستدلال المعتزلة بهذه الآية، وأمثالها على أن رؤية الله مستحيلة استدلال باطل ومذهبهم والعياذ باللَّه من أكبر الضلال، وأعظم الباطل. وقول الزمخشري في كلامه على هذه الآية: إن الله لا يرى، قول باطل، وكلام فاسد.\nوالحق الذي لا شك فيه: أن المؤمنين يرون الله بأبصارهم يوم القيامة كما تواترت به الأحاديث، عن الصادق المصدوق - ﷺ -، ودلت عليه الآيات القرآنية منطوقًا ومفهومًا. كما أوضحناه في غير هذا الموضع.\nوقد قدمنا في هذه السورة وفي سورة بني إسرائيل الآيات الدالة على أن الله لو فعل لهم كل ما اقترحوا لما آمنوا، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1222> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار الذين طلبوا إنزال الملائكة عليهم، أنهم يوم يرون الملائكة لا بشرى لهم، أي: لا تسرهم رؤيتهم، ولا تكون لهم في ذلك الوقت بشارة بخير، ورؤيتهم للملائكة تكون عند احتضارهم، وتكون يوم القيامة، ولا بشرى لهم في رؤيتهم في كلا الوقتين.\nأما رؤيتهم الملائكة عند حضور الموت فقد دلت آيات من كتاب الله أنهم لا بشارة لهم فيها؛ لما يلاقون من العذاب من الملائكة","vol":"6","page":337},{"text":"عند الموت، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (٩٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\nوأما رؤيتهم الملائكة يوم القيامة فلا بشرى لهم فيها أيضًا، ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ يدل بدليل خطابه، أي: مفهوم مخالفته أن غير المجرمين يوم يرون الملائكة تكون لهم البشرى، وهذا المفهوم من هذه الآية جاء مصرحًا به في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أظهر القولين فيه عندي أنه من كلام الكفار يوم يرون الملائكة، لا من كلام الملائكة. وإيضاحه: أن الكفار الذين اقترحوا إنزال الملائكة إذا رأوا الملائكة توقعوا العذاب من قبلهم، فيقولون حينئذ للملائكة. حجرًا محجورًا، أي: حرامًا محرمًا عليكم أن تمسونا بسوء، أي لأننا لم نرتكب ذنبًا نستوجب به العذاب، كما أوضحه تعالى بقوله عنهم: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى إِنَّ","vol":"6","page":338},{"text":"اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ فقولهم: ما كنا نعمل من سوء، أي: لم نستوجب عذابًا فتعذيبنا حرام محرم. وقد كذبهم الله في دعواهم هذه بقوله: ﴿بَلَى إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨)﴾ وعادة العرب الذين نزل القرآن بلغتهم أنهم يقولون هذا الكلام: أي: حجرًا محجورًا عند لقاء عدو موتور، أو هجوم نازلة أو نحو ذلك.\nوقد ذكر سيبويه هذه الكلمة أعني: حجرًا محجورًا في باب المصادر غير المتصرفة المنصوبة بأفعال متروك إظهارها نحو: معاذ الله، وعمرك الله، ونحو ذلك.\nوقوله: ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا (٢٢)﴾ أصله من حجره بمعنى منعه، والحجر الحرام، لأنه ممنوع، ومنه قوله: ﴿وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ﴾ أي حرام ﴿لَا يَطْعَمُهَا إِلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ﴾ ومنه قول المتلمس:\nحنت إلى النخلة القصوى فقلت لها ... حجر حرام ألا تلك الدهاريس\nفقوله: حرام تأكيد لقوله: حجر؛ لأن معناه حرام، وقول الآخر:\nألا أصبحت أسماء حجرًا محرمًا ... وأصبحت من أدنى حموتها حما\nوقول الآخر:\nقالت وفيها حيرة وذعر ... عوذ بربي منكم وحجر\nوقوله: محجورًا توكيد لمعنى الحجر.\nقال الزمخشري: كقول العرب: ذيل ذائل. والذيل الهوان. وموت مائت. وأما على القول بأن حجرًا محجورًا من قول الملائكة فمعناه: أنهم يقولون للكفار: حجرًا محجورًا؛ أي: حرامًا محرمًا أن","vol":"6","page":339},{"text":"تكون للكفار اليوم بشرى، أو أن يغفر لهم، أو يدخلون الجنة. وهذا القول اختاره ابن جرير، وابن كثير وغير واحد.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ﴾ قال الزمخشري: يوم منصوب بأحد شيئين: إما بما دل عليه لا بشرى، أي: يوم يرون الملائكة يمنعون البشرى، أو يعدمونها، ويومئذ للتكرير، وإما بإضمار اذكر، أي: اذكر يوم يرون الملائكة، ثم قال: لا بشرى يومئذ للمجرمين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1223> قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية. وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية. وغير ذلك، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1224> قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾</span>.\nاستنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن حساب أهل الجنة يسير، وأنه ينتهي في نصف نهار. ووجه ذلك أن قوله: مقيلًا، أي: مكان قيلولة، وهي الاستراحة في نصف النهار، قالوا: وهذا الذي فهم من هذه الآية الكريمة جاء بيانه في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾.","vol":"6","page":340},{"text":"ويفهم من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا﴾ الآية. أن أصحاب النار ليسوا كذلك، وأن حسابهم غير يسير.\nوهذا المفهوم دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى قريبًا من هذه الآية: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾، فقوله: (على الكافرين) يدل على أنه على المؤمنين غير عسير، كما قال تعالى: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ (٨) فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾ وإذا علمت مما ذكرنا ما جاء من الآيات فيه بيان لقوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ فهذه أقوال بعض المفسرين في المعنى الذي ذكرنا في الآية.\nقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس في قوله: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ قال: في الغرف من الجنة، وكان حسابهم أن عرضوا على ربهم عرضة واحدة، وذلك الحساب اليسير، وذلك مثل قوله: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ (٧) فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَابًا يَسِيرًا (٨) وَيَنْقَلِبُ إِلَى أَهْلِهِ مَسْرُورًا (٩)﴾ وأخرج ابن المبارك في الزهد، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه عن ابن مسعود قال: لا ينتصف النهار من يوم القيامة حتى يقيل هؤلاء وهؤلاء ثم قرأ: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ وقرأ: ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾ وأخرج ابن أبي حاتم عن ابن عباس قال: إنما هي ضحوة، فيقيل أولياء الله","vol":"6","page":341},{"text":"على الأسرة مع الحور العين، ويقيل أعداء الله مع الشياطين مقرنين.\nوأخرج ابن المبارك، وسعيد بن منصور، وابن جرير، وابن المنذر، وأبو نعيم في الحلية، عن إبراهيم النخعي: كانوا يرون أنه يفرغ من حساب الناس يوم القيامة، نصف النهار، فيقيل أهل الجنة في الجنة، وأهل النار في النار، فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.\nوأخرج ابن جرير عن سعيد بن الصواف قال: بلغني أن يوم القيامة يقصر على المؤمن، حتى يكون كما بين العصر إلى غروب الشمس، وإنهم ليقيلون في رياض الجنة، حتى يفرغ الناس من الحساب، وذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ إلى أن قال: وأخرج ابن أبي حاتم عن عكرمة قال: إني لأعرف الساعة التي يدخل فيها أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، الساعة التي يكون فيها ارتفاع الضحى الأكبر إذا انقلب الناس إلى أهليهم للقيلولة، فينصرف أهل النار إلى النار، وأما أهل الجنة فينطلق بهم إلى الجنة، فكانت قيلولتهم في الجنة، وأطعموا كبد الحوت فأشبعهم كلهم فذلك قوله: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ انتهى منه.\nوذكر نحوه القرطبي مرفوعًا وقال: ذكره المهدوي. والظاهر أنه لا يصح مرفوعًا.\nوقال القرطبي أيضًا: وذكر قاسم بن أصبغ من حديث أبي سعيد الخدري، قال: قال رسول الله  - ﷺ -: في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، فقلت: ما أطول هذا اليوم. فقال  - ﷺ -: والذي","vol":"6","page":342},{"text":"نفسي بيده إنه ليخفف على المؤمن حتى يكون أخف عليه من صلاة المكتوبة. وهو ضعيف أيضًا.\nوما ذكره ابن مسعود من أنه قرأ ثم: (إن مقيلهم لإِلى الجحيم) معلوم أن ذلك شاذ لا تجوز القراءة به، وأن القراءة الحق ﴿ثُمَّ إِنَّ مَرْجِعَهُمْ لَإِلَى الْجَحِيمِ (٦٨)﴾.\nواعلم أن قول قتادة في هذه الآية معروف مشهور، وعليه فلا دليل في الآية لما ذكرنا، وقول قتادة هو أن معنى قوله: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ أي: منزلًا ومأوى، وهذا التفسير لا دليل فيه على القيلولة في نصف النهار كما ترى.\nوقد بينا في كتابنا: دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب: وجه الجمع بين ما دل عليه قوله هنا: ﴿وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾، من انقضاء الحساب في نصف نهار، وبين ما دل عليه قوله تعالى: ﴿فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ وذكرنا الآيات المشيرة إلى الجمع، وبعض الشواهد العربية.\nواعلم أن المشهور في كلام العرب أن المقيل القيلولة أو مكانها وهي الاستراحة نصف النهار زمن الحر مثلًا وإن لم يكن معها نوم، ومنه قوله:\nجزى الله خير الناس خير جزائه ... رفيقين قالا خيمتي أم معبد\nأي: نزلا فيها وقت القائلة، كما قاله صاحب اللسان. وما فسر به قتادة الآية من أن المقيل المنزل والمأوى معروف أيضًا في كلام العرب، ومنه قول ابن رواحة:\nاليوم نضربكم على تنزيله ... ضربًا يزيل الهام عن مقيله","vol":"6","page":343},{"text":"فقوله: يزيل الهام عن مقيله. يعني: يزيل الرؤوس عن مواضعها من الأعناق. ومعلوم أن المقيل فيه المحل الذي تسكن فيه الرؤوس. والظاهر أن من هذا القبيل قول أحيحة بن الجلاح الأنصاري:\nوما تدري وإن أجمعت أمرًا ... بأي الأرض يدركك المقيل\nوعليه فالمعنى: بأي الأرض يدركك الثواء والإِقامة بسبب الموت أو غيره من الأسباب.\nوصيغة التفضيل في قوله هنا: ﴿خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ تكلمنا على مثلها قريبًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1225> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء تتشقق يوم القيامة بالغمام، وأن الملائكة تنزل تنزيلًا. وقال القرطبي: تتشقق السماء بالغمام، أي: عن الغمام. قال: والباء وعن يتعاقبان كقولك: رميت بالقوس، وعن القوس. انتهى. ويستأنس لمعنى عن بقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ الآية.\nوهذه الأمور الثلاثة المذكورة في هذه الآية الكريمة من تشقق السماء يوم القيامة ووجود الغمام، وتنزيل الملائكة كلها جاءت موضحة في غير هذا الموضع.\nأما تشقق السماء يوم القيامة فقد بينه جل وعلا في آيات كثيرة","vol":"6","page":344},{"text":"من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾ وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨)﴾ وَإِذَا ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾ الآية، فقوله: فرجت، أي: شقت، فكان فيها فروج، أي: شقوق، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ وقوله: ﴿وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (١٩)﴾.\nوأما الغمام ونزول الملائكة، فقد ذكرهما معًا في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقد ذكر جلَّ وعلا نزول الملائكة في آيات أخرى كقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ أَمْرُ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾.\nقال الزمخشري: والمعنى: أن السماء تنفتح بغمام يخرج منها، وفي الغمام الملائكة ينزلون، وفي أيديهم صحف أعمال العباد. انتهى منه.\nوقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر تشقق بتشديد الشين، والباقون بتخفيفها بحذف إحدى التاءين. وقرأ ابن كثير: وننزل الملائكة بنونين الأولى مضمومة، والثانية ساكنة مع تخفيف الزاي، وضم اللام، مضارع أنزل، والملائكة بالنصب مفعول به، والباقون بنون واحدة وكسر الزاي المشددة ماضيًا مبنيًا للمفعول، والملائكة مرفوعًا نائب فاعل نزل. والأظهر أن يوم منصوب بـ \"اذكر\" مقدرًا، كما قاله القرطبي. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":345},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1226> قوله تعالى: ﴿الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا (٢٦)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الملك الحق يوم القيامة له جلَّ وعلا دون غيره، وأن يوم القيامة كان عسيرًا على الكافرين.\nوهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله. أما كون الملك له يوم القيامة، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله جلَّ وعلا: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ (٤)﴾ وقوله: ﴿لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما كون يوم القيامة عسيرًا على الكافرين، فقد قدمنا الآيات الدالة عليه قريبًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1227> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧) يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا (٢٨) لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾</span>.\nمن المشهور عند علماء التفسير أن الظالم الذي نزلت فيه هذه الآية هو عقبة بن أبي معيط، وأن فلانًا الذي أضله عن الذكر أمية بن خلف، أو أخوه أبي بن خلف. وذكر بعضهم أن في قراءة بعض","vol":"6","page":346},{"text":"الصحابة: ليتني لم أتخذ أبيًا خليلًا، وهو على تقدير ثبوته من قبيل التفسير، لا القراءة، وعلى كل حال فالعبرة بعموم الألفاظ، لا بخصوص الأسباب، فكل ظالم أطاع خليله في الكفر، حتى مات على ذلك يجرى له مثل ما جرى لابن أبي معيط.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآيات الكريمة جاء موضحًا في غيرها، فقوله: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ﴾ كناية عن شدة الندم والحسرة؛ لأن النادم ندمًا شديدًا يعض على يديه، وندم الكافر يوم القيامة وحسرته الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة يونس: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ الآية. وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَأَسَرُّوا النَّدَامَةَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾ الآية. والحسرة أشد الندامة. وقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكره هنا من أن الكافر يتمنى أن يكون آمن بالرسول في دار الدنيا، واتخذ معه سبيلا، أي: طريقًا إلى الجنة في قوله هنا: ﴿يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾ جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا اللَّهَ وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا (٦٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَقُولُ يَالَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي (٢٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالسبيل التي يتمنى الكافر أن يتخذها مع الرسول المذكورة في هذه الآية، ذكرت أيضًا في آيات أخر، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة سورة الفرقان: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ","vol":"6","page":347},{"text":"إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (١٩)﴾ في المزمل والإِنسان، ويقرب من معناه المآب المذكور في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْيَوْمُ الْحَقُّ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ مَآبًا (٣٩)﴾ وما ذكره هنا من أن الكافر ينادي بالويل، ويتمنى أنه لم يتخذ من أضله خليلًا، ذكره في غير هذا الموضع.\nأما دعاء الكفار بالويل: فقد تقدم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَانًا ضَيِّقًا مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُورًا (١٣) لَا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُورًا وَاحِدًا وَادْعُوا ثُبُورًا كَثِيرًا (١٤)﴾ وأما تمنيهم لعدم طاعة من أضلهم، فقد ذكره أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾ فلفظة لو في قوله: ﴿لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً﴾ للتمني، ولذلك نصب الفعل المضارع بعد الفاء في قوله: ﴿فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ﴾ الآية. وهو دليل واضح على ندمهم على موالاتهم، وطاعتهم في الدنيا. وما ذكره جلَّ وعلا هنا من أن أخلاء الضلال من شياطين الإِنس والجن، يضلون أخلاءهم عن الذكر بعد إذ جاءهم ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١)﴾ الآيات. إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"6","page":348},{"text":"وقوله تعالى هنا: ﴿وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنْسَانِ خَذُولًا (٢٩)﴾ الأظهر أنه من كلام الله، وليس من كلام الكافر النادم يوم القيامة، والخذول صيغة مبالغة، والعرب تقول: خذله إذا ترك نصره مع كونه يترقب النصر منه، ومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾ وقول الشاعر:\nإن المرء ميتًا بانقضاء حياته ... ولكن بأن يبغى عليه فيخذلا\nوقول الآخر:\nإن الألى وصفوا قومي لهم فبهم ... هذا اعتصم تلق من عاداك مخذولا\nومن الآيات الدالة على أن الشيطان يخذل الإِنسان قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ﴾ الأظهر أن الذكر القرآن، وقوله: ﴿لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا﴾ العرب تطلق لفظة فلان كناية عن العلم، أي: لم أتخذ أُبيًا، أو أمية خليلًا، ويكنون عن علم الأنثى بفلانة، ومنه قول عروة بن حزام العذري:\nألا قاتل الله الوشاة وقولهم ... فلانة أضحت خلة لفلان\nوقوله: ﴿يَعَضُّ الظَّالِمُ﴾ من عضض بكسر العين في الماضي،","vol":"6","page":349},{"text":"يعض بفتحها في المضارع على القياس، ومنه قول الحارث بن وعلة الذهلي:\nالآن لما ابيض مسربتي ... وعضضت من نابي على جذم\nفإن الرواية المشهورة في البيت عضضت بكسر الضاد الأولى وفيها لغة بفتح العين في الماضي، والكسر أشهر. وعض تتعدى بعلى كما في الآية، وبيت الحارث بن وعلة المذكورين، وربما عديت بالباء، ومنه قول ابن أبي ربيعة:\nفقالت وعضت بالبنان: فضحتني ... وأنت امرؤ ميسور أمرك أعسر\nوهذه الآية الكريمة تدل على أن قرين السوء قد يدخل قرينه النار، والتحذير من قرين السوء مشهور معروف. وقد بين جل وعلا في سورة الصافات أن رجلًا من أهل الجنة أقسم باللَّه أن قرينه كاد يرديه، أي: يهلكه بعذاب النار، ولكن لطف الله به فتداركه برحمته وإنعامه فهداه وأنقذه من النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ إِنِّي كَانَ لِي قَرِينٌ (٥١) يَقُولُ أَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُصَدِّقِينَ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿فَاطَّلَعَ فَرَآهُ فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٥٥) قَالَ تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ لَتُرْدِينِ (٥٦) وَلَوْلَا نِعْمَةُ رَبِّي لَكُنْتُ مِنَ الْمُحْضَرِينَ (٥٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1228> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾</span>.\nمعنى هذه الآية الكريمة ظاهر، وهو أن نبينا - ﷺ - شكا إلى ربه هجر قومه - وهم كفار قريش - لهذا القرآن العظيم، أي: تركهم لتصديقه، والعمل به، وهذه شكوى عظيمة، وفيها أعظم تخويف لمن هجر هذا القرآن العظيم، فلم يعمل بما فيه من الحلال والحرام","vol":"6","page":350},{"text":"والآداب والمكارم، ولم يعتقد ما فيه من العقائد، ويعتبر بما فيه من الزواجر والقصص والأمثال.\nواعلم أن السبكي قال: إنه استنبط من هذه الآية الكريمة من سورة الفرقان مسألة أصولية، وهى أن الكف عن الفعل فعل، والمراد بالكف الترك. قال في طبقاته: لقد وقفت على ثلاثة أدلة تدل على أن الكف فعل لم أر أحدًا عثر عليها.\nأحدها: قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ فإن الأخذ التناول، والمهجور المتروك، فصار المعنى تناولوه متروكًا، أي: فعلوا تركه. انتهى محل الغرض منه بواسطة نقل صاحب نشر البنود، شرح مراقي السعود في الكلام على قوله:\n\n• فكفنا بالنهي مطلوب النبي *\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: استنباط السبكي من هذه الآية أن الكف فعل وتفسيره لها بما يدل على ذلك لم يظهر لي كل الظهور، ولكن هذا المعنى الذي زعم أن هذه الآية الكريمة دلت عليه، وهو كون الكف فعلًا دلت عليه آيتان كريمتان من سورة المائدة، دلالة واضحة لا لبس فيها، ولا نزاع. فعلى تقدير صحة ما فهمه السبكي من آية الفرقان هذه فإنه قد بينته بإيضاح الآيتان المذكورتان من سورة المائدة:\nأما الأولى منهما فهي قوله تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ فترك الربانيين والأحبار نهيهم عن قول الإِثم وأكل السحت سماه الله","vol":"6","page":351},{"text":"جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة صنعًا في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (٦٣)﴾ أي: وهو تركهم النهي المذكور، والصنع أخص من مطلق الفعل، فصراحة دلالة هذه الآية الكريمة على أن الترك فعل في غاية الوضوح كما ترى.\nوأما الآية الثانية فهي قوله تعالى: ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ فقد سمى جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: تركهم التناهي عن المنكر فعلًا، وأنشأ له الذم بلفظة بئس التي هي فعل جامد لإِنشاء الذم في قوله: ﴿لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩)﴾ أي: وهو تركهم التناهي عن كل منكر فعلوه. وصراحة دلالة هذه الآية أيضًا على ما ذكروا واضحة كما ترى.\nوقد دلت أحاديث نبوية على ذلك، كقوله  - ﷺ -: \"المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده\" فقد سمى  - ﷺ -  في هذا الحديث ترك أذى المسلمين إسلامًا.\nومما يدل من كلام العرب على أن الترك فعل قول بعض الصحابة في وقت بنائه  - ﷺ -  لمسجده بالمدينة:\nلئن قعدنا والنبي يعمل ... لذاك منا العمل المضلل\nفسمى قعودهم عن العمل، وتركهم له عملًا مضللًا.\nوقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الكف فعل على المذهب، أي: وهو الحق. وبين فروعًا مبنية على ذلك نظمها الشيخ الزقاق في نظمه المسمى بالمنهج المنتخب، وأورد أبيات الزقاق في ذلك وقال: وجلبتها هنا على سبيل التضمين، وهذا النوع يسمى استعانة، وهو تضمين بيت فأكثر بقوله:\nفكفنا بالنهي مطلوب النبي ... والكف فعل في صحيح المذهب","vol":"6","page":352},{"text":"له فروع ذكرت في المنهج ... وسردها من بعد ذا البيت يجي\nمن شرب أو خيطٍ ذكاةٍ فضلِ ما ... وعمدٍ رسمٍ شهادة وما\nعَطَّل ناظرٌ وذو الرهن كذا ... مفرط في العلف فادر المأخذا\nوكالتي ردت بعيب وعدم ... وليها وشبهها مما علم\nفالأبيات الثلاثة الأخيرة من نظم الشيخ الزقاق المسمى بالمنهج المنتخب، وفيها بعض الفروع المبنية على الخلاف في الكف، هل هو فعل  - وهو الحق -  أو لا؟ وقول الزقاق في الأول من أبياته من شرب متعلق بقوله قبله:\nوهل كمن فعل تارك كمن ... له بنفع قدرة لكن كمن\nمِنْ شربٍ. . . . . . . . ... . . . . . . . . . . . . . . . إلخ\nفقوله: من شرب بيانٌ للنفع الكامن في قوله: له بنفع قدرة، لكن كمن، أي: لكنه ترك النفع مع قدرته عليه، فتركه له كفعله؛ لما حصل بسبب تركه من الضرر على القول بأن الترك فعل. ومراده بقوله: من شرب أن من عنده فضل شراب، وترك إعطاءه لمضطر حتى مات عطشًا، فعلى أن الترك فعل يضمن ديته، وعلى أنه ليس بفعل، فلا ضمان عليه، وفضل الطعام كفضل الشراب في ذلك.\nوقوله: أو خيط يعني أن من منع خيطًا عنده ممن شق بطنه، أو كانت به جائفة حتى مات ضمن الدية على القول بأن الترك فعل، وعلى عكسه فلا ضمان.\nوقوله: ذكاة: يعني أن من مر بصيد لم ينفذ مقتله وأمكنته تذكيته فلم يذكه حتى مات، هل يضمنه، أو لا؟ على الخلاف المذكور","vol":"6","page":353},{"text":"وقوله: فضل ما: يعني أن من عنده ماء فيه فضل عن سقي زرعه، ولجاره زرع ولا ماء له إذ منع منه الماء حتى هلك زرعه، هل يضمنه، أو لا؟ على الخلاف المذكور.\nوقوله: وعمد: يعني أنه إذا كانت عنده عُمُد  - جمع عمود -  فمنعها من جار له جدار يخاف سقوطه حتى سقط، هل يضمن، أو لا؟\nوقوله: رسم شهادة: يعني أن من منع وثيقة فيها الشهادة بحق حتى ضاع الحق، هل يضمنه، أو لا؟\nوقوله: وما عطل ناظر: يعني أن الناظر على مال اليتيم مثلًا إذا عطل دوره، فلم يكرها حتى فات الانتفاع بكرائها زمنًا، أو ترك الأرض حتى تبورت هل يضمن، أو لا؟\nوقوله: وذو الرهن: يعني إذا عطل المرتهن كراء الرهن حتى فات الانتفاع به زمنًا، وكان كراؤه له أهمية، هل يضمن، أو لا؟\nوقوله: كذا مفرط في العلف: يعني أن من ترك دابة عند أحد، ومعها علفها، وقال له: قدم لها العلف، فترك تقديمه لها حتى ماتت، هل يضمن، أو لا؟ والعلف في البيت بسكون الثاني، وهو تقديم العلف بفتح الثاني.\nوقوله: وكالتي ردت بعيب وعدم وليها: يعني أن الولي القريب إذا زوج وليته، وفيها عيب يوجب رد النكاح، وسكتت الزوجة، ولم تبين عيب نفسها، وفلس الولي هل يرجع الزوج على الزوجة بالصداق، أو لا؟\nفهذه الفروع وما شابهها مبنية على الخلاف في الكف هل هو","vol":"6","page":354},{"text":"فعل أو لا؟ والصحيح أن الكف فعل، كما دل عليه الكتاب والسنَّة واللغة، كما تقدم إيضاحه، وعليه فالصحيح لزوم الضمان فيما ذكر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1229> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾</span>.\nلما شكا النبي - ﷺ - إلى ربه في قوله: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾ أنزل الله قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية. تسلية له - ﷺ -، أي: كما جعلنا الكفار أعداء لك، يكذبونك، ويتخذون القرآن الذي أنزل إليك مهجورًا، كذلك الجعل جعلنا لكل نبي عدوًا، أي: جعلنا لك أعداء، كما جعلنا لكل نبي عدوًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا﴾ الآية. قد قدمنا إيضاحه في الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا (٣١)﴾، قد قدمنا الكلام مستوفى على كفى اللازمة، والمتعدية بشواهده العربية في سورة الإسراء في الكلام على قوله: ﴿كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.\nوقوله: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا﴾ جاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾.\nوقوله: ونصيرًا، أي: وكفى بربك نصيرًا، جاء معناه أيضًا في","vol":"6","page":355},{"text":"آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1230> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا (٣٢)﴾</span>.\nتقدمت الآيات التي بمعناها في آخر سورة الإِسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: كذلك الإِنزال مفرقًا بحسب الوقائع أنزلناه لا جملة كما اقترحوا.\nوقوله: ﴿لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ أي: أنزلناه مفرقًا؛ لنثبت فؤادك بإنزاله مفرقًا.\nقال بعضهم: معناه لنقوي بتفريقه فؤادك على حفظه؛ لأن حفظه شيئًا فشيئًا أسهل من حفظه مرة واحدة لو نزل جملة واحدة.\nوقال بعضهم: ومما يؤكد ذلك أنه صلوات الله وسلامه عليه أمي لا يقرأ ولا يكتب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1231> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُحْشَرُونَ عَلَى وُجُوهِهِمْ إِلَى جَهَنَّمَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يحشرون على وجوههم إلى جهنم يوم القيامة، وأنهم شر مكانًا، وأضل سبيلًا. وبين في مواضع أخر أنهم تكب وجوههم في النار، ويسحبون على","vol":"6","page":356},{"text":"وجوههم فيها، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النَّار﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾ وبين جلَّ وعلا في سورة بني إسرائيل أنهم يحشرون على وجوههم، وزاد مع ذلك أنهم يحشرون عميًا وبكمًا وصمًا، وذكر في سوره طه أن الكافر يحشر أعمى. قال في سورة بنى إسرائيل: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ وقال في سووة طه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (١٢٥) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا﴾ الآية.\nوقد بينا وجه الجمع بين آية بني إسرائيل وآية طه المذكورتين مع الآيات الدالة على أن الكفار يوم القيامة يبصرون ويتكلمون ويسمعون، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (١٢٤)﴾ وكذلك بينا أوجه الجمع بين الآيات المذكورة في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في الكلام على آية بني إسرائيل المذكورة.\nوصيغة التفضيل في قوله: ﴿أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ سَبِيلًا (٣٤)﴾ قد قدمنا الكلام في مثلها في الكلام على قوله: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾ والمكان محل الكينونة. والظاهر أنه يكون حسيًا، ومعنويًا. فالحسي ظاهر، والمعنوي كقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي","vol":"6","page":357},{"text":"نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا﴾ الآية. والسبيل الطريق وتذكر وتؤنث كما تقدم. ومن تذكير السبيل قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا﴾ ومن تأنيثها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1232> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَا مَعَهُ أَخَاهُ هَارُونَ وَزِيرًا (٣٥) فَقُلْنَا اذْهَبَا إِلَى الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَدَمَّرْنَاهُمْ تَدْمِيرًا (٣٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1233> قوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾</span>.\nقد قدمنا بعض الآيات الدالة على كيفيِة إغراقهم في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1234> قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾</span>.\nالأظهر عندي أن قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ﴾ معطوف على قوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ﴾، الآية. وأن قوم نوح مفعول به لأغرقنا محذوفة دل عليها قوله بعده: ﴿أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ على حد قوله في الخلاصة:\nفالسابق انصبه بفعل أضمرا ... حتمًا موافق لما قد ذكرا","vol":"6","page":358},{"text":"أي: أهلكنا قوم نوح بالغرق، وأهلكنا عادًا وثمودًا وأصحاب الرس، وقرونًا بين ذلك كثيرًا؛ أي: وأهلكنا قرونًا كثيرة بين ذلك المذكور من قوم نوح، وعاد، وثمود.\nوالأظهر أن القرون الكثير المذكور: بعد قوم نوح، وعاد، وثمود، وقبل أصحاب الرس، وقد دلت آية من سورة إبراهيم على أن بعد عاد، وثمود خلقًا كفروا وكذبوا الرسل، وأنهم لا يعلمهم إلَّا الله جلَّ وعلا.\nوتصريحه بأنهم بعد عاد وثمود يوضح ما ذكرنا، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾.\nوقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى قوله: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾ والإِشارة في قوله: ﴿بَيْنَ ذَلِكَ﴾ راجعة إلى عاد، وثمود، وأصحاب الرس، أي: بين ذلك المذكور. ورجوع الإِشارة، أو الضمير بالإِفراد مع رجوعهما إلى متعدد باعتبار المذكور أسلوب عربي معروف، ومنه في الإِشارة قوله تعالى: ﴿قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ أي: ذلك المذكور من الفارض والبكر، وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ أي: بين ذلك المذكور من الإِسراف والقتر، وقول عبد الله بن الزبعري السهمي:\nإن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل","vol":"6","page":359},{"text":"أي: وكلا ذلك المذكور من الخير والشر، ومنه في الضمير قول رؤبة:\nفيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق\nأي: كأنه، أي: ما ذكر من خطوط السواد والبلق. وقد قدمنا هذا البيت.\nأما عاد وثمود فقد جاءت قصة كل منهما مفصلة في آيات متعددة، وأما أصحاب الرس فلم يأت في القرآن تفصيل قصتهم ولا أسم نبيهم. وللمفسرين فيهم أقوال كثيرة تركناها؛ لأنها لا دليل على شيء منها.\nوالرس في لغة العرب البئر التي ليست بمطوية. وقال الجوهري في صحاحه: إنها البئر المطوية بالحجارة، ومن إطلاقها على البئر قول الشاعر:\nوهم سائرون إلى أرضهم ... فيا ليتهم يحفرون الرساسا\nوقول النابغة الجعدي:\nسبقت إلى فرط ناهل ... تنابلة يحفرون الرساسا\nوالرساس في البيتين جمع رس، وهي البئر. والرس واد في قول زهير في معلقته:\nبكرن بكورًا واستحرن بسحرة ... فهن لوادي الرس كاليد للفم\nوقوله في هذه الآية: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، جمع قرن. وهو هنا الجيل من الناس الذين اقترنوا في الوجود في زمان من الأزمنة.","vol":"6","page":360},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1235> قوله تعالى: ﴿وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن كلًا من الماضين المهلكين من قوم نوح، وعاد، وثمود، وأصحاب الرس، والقرون الكثيرة بين ذلك، أنه ضرب لكل منهم الأمثال؛ ليبين لهم الحق بضرب المثل؛ لأنه يصير به المعقول كالمحسوس، وأنه جلَّ وعلا تبر كلًا منهم تتبيرًا، أي: أهلكهم جميعًا إهلاكًا مستأصلًا. والتتبير الإِهلاك والتكسير، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا (٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ أي: باطل، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا تَبَارًا (٢٨)﴾ أي: هلاكًا.\nوهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أنه جلَّ وعلا ضرب لكل منهم الأمثال، وأنه تبرهم كلهم تتبيرًا جاءا مذكورين في غير هذا الموضع.\nأما ضربه الأمثال للكفار، فقد ذكره جلَّ وعلا في غير هذا الموضع، كقوله في سورة إبراهيم: ﴿أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤) وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَالَ (٤٥)﴾.\nوأما تتبيره جميع الأمم؛ لتكذيبها رسلها، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (٩٤) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ وقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ","vol":"6","page":361},{"text":"إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله في الزخرف: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ فَأَتْبَعْنَا بَعْضَهُمْ بَعْضًا وَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن جميع الأمم كذبوا رسلهم، وأن الله أهلكهم بسبب ذلك.\nوقد بين جلَّ وعلا في آية أخرى أن هذا العموم لم يخرج منه إلَّا قوم يونس دون غيرهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.\nويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه ضرب الأمثال لكل منهم، لم يبين فيه هنا هل ضرب الأمثال أيضًا لهذه الأمة الكريمة التي هي آخر الأمم في هذا القرآن، كما ضربها لغيرهم من الأمم، ولكنه تعالى بين في آيات كثيرة أنه ضرب لهذه الأمة الأمثال في هذا القرآن العظيم، ليتفكروا بسببها، وبين أنها لا يعقلها إلَّا أهل العلم، وأن الله يهدي بها قومًا، ويضل بها آخرين.\nوهذه الآيات الدالة على ذلك كله، فمنها قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ","vol":"6","page":362},{"text":"مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٢١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ﴾ الآية. والآيات الدالة على ذلك كثيرة معلومة، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1236> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾</span>.\nأقسم جلَّ وعلا في هذه الآية أن الكفار الذين كذبوا نبينا - ﷺ - قد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء، وهو أن الله أمطر عليها حجارة من سجيل، وهي سدوم قرية قوم لوط.\nوهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة، وهما أن الله أمطر هذه القرية مطر السوء الذي هو حجارة السجيل، وأن الكفار أتوا عليها، ومروا بها جاء موضحًا في آيات أخرى.\nأما كون الله أمطر عليها الحجارة المذكورة، فقد ذكره جلَّ وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ وبين في سورة الذاريات أن السجيل المذكور نوع من الطين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمٍ مُجْرِمِينَ (٣٢) لِنُرْسِلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ طِينٍ (٣٣)﴾ ولا شك أن هذا الطين وقعه أليم، شديد مهلك، وكقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ (٧٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾ الآية.\nوأما كونهم قد أتوا على تلك القرية المذكورة فقد جاء موضحًا","vol":"6","page":363},{"text":"أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ والمراد بأنهم مروا على قرية قوم لوط، أن مرورهم عليها، ورؤيتهم لها خالية من أهلها ليس فيها داع، ولا مجيب؛ لأن الله أهلك أهلها جميعًا لكفرهم وتكذيبهم رسوله لوطًا فيه أكبر واعظ، وأعظم زاجر عن تكذيب نبينا محمد - ﷺ -، لئلا ينزل بالذين كذبوه مثل ما نزل بقوم لوط من العذاب والهلاك، ولذا وبخهم على عدم الاعتبار بما أنزل بها من العذاب، كقوله في آية الصافات المذكورة: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ وكقوله تعالى في آية الفرقان هذه: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ فقوله: ﴿أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا﴾ توبيخ لهم على عدم الاعتبار، كقوله في الآية الأخرى: ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾ ومعلوم أنهم يمرون عليها مصبحين، وبالليل، وأنهم يرونها، وكقوله تعالى: ﴿وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ (٧٥) وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ يعني: أن ديار قوم لوط بسبيل مقيم، أي: بطريق مقيم، يمرون فيه عليها في سفرهم إلى الشام، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾ أي: لا يخافون بعثًا، ولا جزاء، أو لا يرجون بعثًا وثوابًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1237> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا (٤١) إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾</span>.\nتقدم إيضاحه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَآكَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَذَا الَّذِي يَذْكُرُ آلِهَتَكُمْ وَهُمْ بِذِكْرِ الرَّحْمَنِ هُمْ كَافِرُونَ (٣٦)﴾ وما قالوه هنا: من","vol":"6","page":364},{"text":"أنهم صبروا على آلهتهم، بين في سورة (ص) أن بعضهم أمر به بعضًا في قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1238> قوله تعالى: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾</span>.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: أرأيت من اتخذ إلهه هواه، أي: مهما استحسن من شيء ورآه حسنًا في هوى نفسه كان دينه، ومذهبه، إلى أن قال: قال ابن عباس. كان الرجل في الجاهلية يعبد الحجر الأبيض زمانًا، فإذا رأى غيره أحسن منه عبد الثاني، وترك الأول. اهـ منه.\nوذكر صاحب الدر المنثور: أن ابن أبي حاتم، وابن مردويه أخرجا عن ابن عباس أن عبادة الكافر للحجر الثاني مكان الأول هي سبب نزول هذه الآية، ثم قال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن مردويه عن أبي رجاء العطاردي، قال: كانوا في الجاهلية يأكلون الدم بالعلهز ويعبدون الحجر، فإذا وجدوا ما هو أحسن منه، رموا به وعبدوا الآخر، فإذا فقدوا الآخر أمروا مناديًا فنادى: أيها الناس إن إلهكم قد ضل فالتمسوه، فأنزل الله هذه الآية: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم عن ابن عباس في قوله: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: ذلك الكافر اتخذ دينه بغير هدى من الله ولا برهان.\nوأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن الحسن: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: لا يهوى شيئًا إلَّا تبعه.\nوأخرج عبد بن حميد وابن أبي حاتم عن قتادة: ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ","vol":"6","page":365},{"text":"اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾ قال: كل ما هوي شيئًا ركبه، وكل ما اشتهى شيئًا أتاه، لا يحجزه عن ذلك ورع، ولا تقوى.\nوأخرج عبد بن حميد عن الحسن أنه قيل له: أفي أهل القبلة شرك؟ قال: نعم، المنافق مشرك، إن المشرك يسجد للشمس والقمر من دون الله، وإن المنافق عبد هواه، ثم تلا هذه الآية ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾.\nوأخرج الطبراني عن أبي أمامة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"ما تحت ظل السماء من إله يعبد من دون الله أعظم عند الله من هوى متبع\" انتهى محل الغرض من كلام صاحب الدر المنثور.\nوإيضاح أقوال العلماء المذكورة في هذه الآية: أن الواجب الذي يلزم العمل به، هو أن يكون جميع أفعال المكلف مطابقة لما أمره به معبوده جلَّ وعلا، فإذا كانت جميع أفعاله تابعة لما يهواه، فقد صرف جميع ما يستحقه عليه خالفه من العبادة والطاعة إلى هواه، وإذن فكونه اتخذ إلهه هواه في غاية الوضوح.\nوإذا علمت هذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله جلَّ وعلا بينه في غير هذا الموضع في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾: استفهام إنكار فيه معنى النفي.\nوالمعنى: أن من أضله الله فاتخذ إلهه هواه، لا تكون أنت","vol":"6","page":366},{"text":"عليه وكيلًا، أي: حفيظًا تهديه، وتصرف عنه الضلال الذي قدره الله عليه؛ لأن الهدى بيد الله وحده لا بيدك، والذي عليك إنما هو البلاغ، وقد بلغت.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله في آية فاطر المذكورة آنفًا: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية، وقوله تعالى في آية الجاثية المذكورة آنفًا أيضًا: ﴿فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1239> قوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾</span>.\nأم في هذه الآية الكريمة هي المنقطعة، وأشهر معانيها أنها جامعة بين معنى بل الإِضرابية، واستفهام الإِنكار معًا. والإِضراب المدلول عليه بها هنا إضراب انتقالي:\nوالمعنى: بل أتحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون، أي: لا تعتقد ذلك ولا تظنه، فإنهم لا يسمعون الحق ولا يعقلونه، أي: لا يدركونه بعقولهم، إن هم إلَّا كالأنعام، أي: ما هم إلَّا كالأنعام التي هي الإِبل والبقر والغنم في عدم سماع الحق وإدراكه، بل هم أضل من الأنعام، أي: أبعد عن فهم الحق وإدراكه.","vol":"6","page":367},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ قال الزمخشري: فإن قلت: كيف جعلوا أضل من الأنعام؟\nقلت: لأن الأنعام تنقاد لأربابها التي تعلفها وتتعهدها، وتعرف من يحسن إليها ممن يسيء إليها، وتطلب ما ينفعها، وتجتنب ما يضرها، وتهتدي لمراعيها ومشاربها، وهؤلاء لا ينقادون لربهم ولايعرفون إحسانه إليهم من إساءة الشيطان الذي هو عدوهم، ولا يطلبون الثواب الذي هو أعظم المنافع، ولا يتقون العقاب الذي هو أشد المضار والمهالك، ولا يهتدون للحق الذي هو المشرع الهني والعذب الروى. اهـ منه.\nوإذا علمت ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فاعلم أن الله بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1240> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه هو الذي جعل لخلقه الليل لباسًا، والنوم سباتًا، وجعل لهم النهار نشورًا. أما جعله لهم الليل لباسًا، فالظاهر أنه لما جعل الليل يغطي جميع من في الأرض بظلامه، صار لباسًا لهم، يسترهم كما يستر اللباس عورة صاحبه، وربما انتفعوا بلباس الليل كهروب الأسير المسلم من الكفار","vol":"6","page":368},{"text":"في ظلام الليل، واستتاره به حتى ينجو منهم، ونحو ذلك من الفوائد التي تحصل بسبب لباس الليل، كما قال أبو الطيب المتنبي:\nوكم لظلام الليل عندي من يد ... تخبر أن المانوية تكذب\nوقاك ردى الأعداء تسري إليهم ... وزارك فيه ذو الدلال المحجب\nوأما جعله لهم النوم سباتًا فأكثر المفسرين على أن المراد بالسبات: الراحة من تعب العمل بالنهار؛ لأن النوم يقطع العمل النهاري، فينقطع به التعب، وتحصل الاستراحة، كما هو معروف.\nوقال الجوهري في صحاحه: السبات النوم وأصله الراحة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩)﴾.\nوقال الزمخشري في الكشاف: والسبات: الموت، والمسبوت: الميت؛ لأنه مقطوع الحياة، وهذا كقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ﴾.\nفإن قلت: هلَّا فسرته بالراحة؟\nقلت: النشور في مقابلته يأباه إباء العَيُوفِ الوِرْدَ وهو مُرَنَّق. اهـ محل الغرض منه.\nوإيضاح كلامه: أن النشور هو الحياة بعد الموت كما تقدم إيضاحه، وعليه فقوله: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ أي حياة بعد الموت. وعليه فالموت هو المعبر عنه بالسبات في قوله: ﴿وَالنَّوْمَ سُبَاتًا﴾ وإطلاق الموت على النوم معروف في القرآن العظيم، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ﴾ فيه دليل على ما ذكره الزمخشري؛ لأن كلًا من البعث والنشور يطلق على الحياة بعد الموت، وكقوله","vol":"6","page":369},{"text":"تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nوقال الجوهري في صحاحه: والمسبوت الميت والمغشي عليه. اهـ.\nوالذين قالوا: إن السبات في الآية الراحة بسب النوم من تعب العمل بالنهار، قالوا: إن معنى قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾ أنهم ينشرون فيه لمعايشهم، ومكاسبهم، وأسبابهم. والظاهر أن هذا التفسير فيه حذف مضاف، أو هو من النعت بالمصدر. وهذا التفسير يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ وقوله تعالى في القصص: ﴿وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ أي: لتسكنوا في الليل، ولتبتغوا من فضله بالنهار في السعي للمعاش.\nوإذا علمت هذا فاعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا نَوْمَكُمْ سُبَاتًا (٩) وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ لِبَاسًا (١٠) وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا (١١)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ اللَّيْلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيْكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾ الآية.\nوقد أوضحنا هذا في الكلام على هذه الآية.","vol":"6","page":370},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا (٣) وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي الآيات المذكورة بيان أن الليل والنهار آيتان من آياته ونعمتان من نعمه جلَّ وعلا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1241> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآية الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ على قراءة من قرأ بشرًا بالباء.\nوآية الأعراف وآية الفرقان المذكورتان تدلان على أن المطر رحمة من الله لخلقه.\nوقد بين ذلك في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1242> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٥٠)﴾</span>\nلتحقيق أن الضمير في قوله: ولقد صرفناه راجع إلى ماء المطر المذكور في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨)﴾ كما روي عن ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، ومجاهد، وقتادة، وغير واحد خلافًا لمن قال: إن الضمير المذكور راجع إلى القرآن كما روي عن عطاء الخراساني. وصدر به القرطبي، وصدر الزمخشري بما يقرب منه.","vol":"6","page":371},{"text":"وإذا علمت أن التحقيق أن الضمير في: صرفناه عائد إلى ماء المطر.\nفاعلم أن المعنى: ولقد صرفنا ماء المطر بين الناس فأنزلنا مطرًا كثيرًا في بعض السنين على بعض البلاد، ومنعنا المطر في بعض السنين عن بعض البلاد، فيكثر الخصب في بعضها، والجدب في بعضها الآخر.\nوقوله: ﴿لِيَذَّكَّرُوا﴾ أي: صرفناه بينهم؛ لأجل أن يتذكروا، أي: يتذكر الذين أخصبت أرضهم؛ لكثرة المطر نعمة الله عليهم، فيشكروا له، ويتذكر الذين أجدبت أرضهم ما نزل بهم من البلاء، فيبادروا بالتوبة إلى الله جلَّ وعلا، ليرحمهم ويسقيهم.\nوقوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ أي: كفرًا لنعمة من أنزل عليهم المطر، وذلك بقولهم: مطرنا بنوء كذا.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أشار له جلَّ وعلا في سورة الواقعة في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ فقوله: رزقكم، أي: المطر، كما قال تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله: ﴿أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ أي: بقولكم: مطرنا بنوء كذا. ويزيد هذا إيضاحًا الحديث الثابت في صحيح مسلم، وقد قدمناه بسنده ومتنه مستوفى، وهو أنه  - ﷺ -  قال لأصحابه يومًا على أثر سماء أصابتهم من الليل: \"أتدرون ماذا قال ربكم؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر، فأما من قال: مطرنا بفضل الله ورحمته فذاك مؤمن بي كافر بالكوكب. وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا فذاك كافر بي مؤمن بالكوكب\".","vol":"6","page":372},{"text":"وقد قدمنا أن قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا (٨٩)﴾ يدخل فيه من قال: مطرنا بنوء كذا، ومن قال: مطرنا بالبخار. يعني أن البحر يتصاعد منه بخار الماء، ثم يتجمع ثم ينزل على الأرض بمقتضى الطبيعة لا بفعل فاعل، وأن المطر منه، كما تقدم إيضاحه. فسبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1243> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا (٥١) فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا (٥٢)﴾</span>.\nالمعنى: لو شئنا لخففنا عنك أعباء الرسالة، وبعثنا في كل قرية نذيرًا يتولى مشقة إنذارها عنك، أي: ولكننا اصطفيناك، وخصصناك بعموم الرسالة لجميع الناس؛ تعظيمًا لشأنك، ورفعًا من منزلتك، فقابل ذلك بالاجتهاد والتشدد التام في إبلاغ الرسالة، ولا تطع الكافرين. . . الآية.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من اصطفائه - ﷺ - بالرسالة لجميع الناس، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ وقوله: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ﴾ الآية.\nوقد قدمنا إيضاح هذا في أول هذه السورة الكريمة في الكلام على قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nوقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ ذكره أيضًا في غير هذا","vol":"6","page":373},{"text":"الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَهِينٍ (١٠)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: وجاهدهم به، أي: بالقرآن كما روي عن ابن عباس.\nوالجهاد الكبير المذكور في هذه الآية هو المصحوب بالغلظة عليهم، كما قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾ من المعلوم أنه - ﷺ - لا يطيع الكافرين، ولكنه يُؤمر، ويُنهى؛ ليشرع لأمته على لسانه، كما أوضحناه في سورة بني إسرائيل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1244> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾</span>.\nاعلم أن لفظة مرج تطلق في اللغة إطلاقين.\nالأول: مرج بمعنى أرسل وخلى. من قولهم: مرج دابته إذا أرسلها إلى المرج، وهو الموضع الذي ترعى فيه الدواب، كما قال حسان بن ثابت ﵁:\nوكانت لا يزال بها أنيس ... خلال مروجها نعم وشاء\nوعلى هذا فالمعنى: أرسل البحرين وخلاهما لا يختلط أحدهما بالآخر.","vol":"6","page":374},{"text":"والإطلاق الثاني: مرج بمعنى: خلط، ومنه قوله تعالى: ﴿فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي: مختلط.\nفعلى القول الأول: فالمراد بالبحرين الماء العذب في جميع الدنيا، والماء الملح في جميعها، وقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ يعني به ماء الآبار والأنهار والعيون في أقطار الدنيا، وقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ أي: البحر الملح، كالبحر المحيط، وغيره من البحار التي هي ملح أجاج، وعلى هذا التفسير فلا إشكال.\nوأما على القول الثاني بأن مرج بمعنى خلط، فالمعنى: أنه يوجد في بعض المواضع اختلاط الماء الملح والماء العذب في مجرى واحد، ولا يختلط أحدهما بالآخر، بل يكون بينهما حاجز من قدرة الله تعالى. وهذا محقق الوجود في بعض البلاد. ومن المواضع التي هو واقع فيها المحل الذي يختلط فيه نهر السنغال بالمحيط الأطلسي بجنب مدينة سانلويس، وقد زرت مدينا سانلويس عام ست وستين وثلاثمائة وألف هجرية، واغتسلت مرة في نهر السنغال، ومرة في المحيط، ولم آت محل اختلاطهما، ولكن أخبرني بعض المرافقين الثقات أنه جاء إلى محل اختلاطهما، وأنه جالس يغرف بإحدى يديه عذبًا فراتًا، وبالأخرى ملحًا أجاجًا، والجميع في مجرى واحد، لا يختلط أحدهما بالآخر. فسبحانه جل وعلا ما أعظمه، وما أكمل قلم قدرته.\nوهذا الذي ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سور فاطر: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾ أي: لا يبغي أحدهما على الآخر","vol":"6","page":375},{"text":"فيمتزج به. وهذا البرزخ الفاصل بين البحرين المذكور في سورة الفرقان، وسورة الرحمن قد بين تعالى في سورة النمل أنه حاجز حجز به بينهما، وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾ وهذا الحاجز هو اليبس من الأرض الفاصل بين الماء العذب، والماء الملح على التفسير الأول.\nوأما على التفسير الثاني فهو حاجز من قدرة الله غير مرئي للبشر، وأكد شدة حجزه بينهما بقوله هنا: ﴿وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾ والظاهر أن قوله هنا: حجرًا أي. منعًا، وحرامًا قدريًا، وأن محجورًا توكيد له، أي: منعًا شديدًا للاختلاط بينهما.\nوقوله: ﴿هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ﴾ صفة مشبهة من قولهم: عذب الماء بالضم فهو عذب.\nوقوله: ﴿فُرَاتٌ﴾ صفة مشبهة أيضًا، من فرت الماء بالضم، فهو فرات، إذا كان شديد العذوبة.\nوقوله: ﴿وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾ صفة مشبهة أيضًا من قولهم: ملح الماء بالضم والفتح فهو ملح.\nقال الجوهري في صحاحه: ولا يقال: مالح إلَّا في لغة ردية. اهـ.\nوقد أجاز ذلك بعضهم، واستدل له بقول القائل:\nولو تفلت في البحر والبحر مالح ... لأصبح ماء البحر من ريقها عذبا\nوقوله: أجاج: صفت مشبهة أيضًا من قولهم: أج الماء يؤج","vol":"6","page":376},{"text":"أجوجًا فهو أجاج، أي: ملح مر، فالوصف بكونه أجاجًا يدل على زيادة المرارة على كونه ملحًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1245> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾</span>.\nقال الزمخشري في الكشاف في تفسير هذه الآية الكريمة: فقسم البشر قسمين، ذوي نسب، أي: ذكورًا ينسب إليهم فيقال: فلان بن فلان وفلانة بنت فلان، وذوات صهر، أي: إناثًا يصاهر بهن كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾. ﴿وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾ حيث خلق من النطفة الواحدة بشرًا نوعين ذكر وأنثى. انتهى منه.\nوهذا التفسير الذي فسر به الآية يدل له ما استدل عليه به وهو قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾ وهو دليل على أن آية الفرقان هذه بينتها آية القيامة المذكورة. وفي هذه الآية الكريمة أقوال أخر غير ما ذكره الزمخشري.\nمنها: ما ذكر ابن كثير قال: فجعله نسبًا وصهرًا، فهو في ابتداء أمره ولد نسيب، ثم يتزوج فيصهر صهرًا. وانظر بقية الأقوال في الآية في تفسير القرطبي، والدر المنثور للسيوطي.\nمسألة\nاستنبط بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن بنت الرجل من الزنى لا يحرم عليه نكاحها.\nقال ابن العربي المالكي في هذه الآية: والنسب عبارة عن","vol":"6","page":377},{"text":"خلط الماء بين الذكر والأنثى، على وجه الشرع، فإن كان بمعصية كان خلقًا مطلقًا، ولم يكن نسبًا محققًا، ولذلك لم يدخل تحت قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾ بنته من الزنى؛ لأنها ليست ببنت له في أصح القولين لعلمائنا، وأصح القولين في الدين، وإذا لم يكن نسب شرعًا فلا صهر شرعًا، فلا يحرم الزنى بنت أم ولا أم بنت، وما يحرم من الحلال، لا يحرم من الحرام؛ لأن الله امتن بالنسب والصهر على عباده، ورفع قدرهما، وعلق الأحكام في الحل والحرمة عليهما، فلا يلحق الباطل بهما، ولا يساويهما. انتهى منه. بواسطة نقل القرطبي عنه.\nوقال القرطبي: اختلف الفقهاء في نكاح الرجل ابنته من زنى، أو أخته، أو بنت ابنه من زنى: فحرم ذلك قوم، منهم ابن القاسم، وهو قول أبي حنيفة، وأصحابه، وأجاز ذلك آخرون منهم: عبد الملك بن الماجشون، وهو قول الشافعي، وقد مضى هذا في النساء مجودًا. انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الخلاف في هذه المسألة مشهور معروف، وأرجح القولين دليلًا فيما يظهر أن الزنى لا يحرم به حلال، فبنته من الزنى ليست بنتًا له شرعًا، وقد أجمع أهل العلم أنها لا تدخل في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ فالإِجماع على أنها لا ترث، ولا تدخل في آيات المواريث دليل صريح على أنها أجنبية منه، وليست بنتًا شرعًا. ولكن الذي يظهر لنا أنه لا ينبغي له أن يتزوجها بحال. وذلك لأمرين:\nالأول: أن كونها مخلوقة من مائه، يجعلها شبيهة شبهًا صوريًا بابنته شرعًا، وهذا الشبه القوي بينهما ينبغى أن يزعه عن تزوجها.","vol":"6","page":378},{"text":"الأمر الثاني: أنه لا ينبغي له أن يتلذذ بشيء سبب وجوده معصيته لخالقه جلَّ وعلا، فالندم على فعل الذنب الذي هو ركن من أركان التوبة لا يلائم التلذذ بما هو ناشئ عن نفس الذنب. وما ذكره عن الشافعي من أنه يقول: إن البنت من الزنى لا تحرم هو مراد الزمخشري بقوله:\nوإن شافعيًا قلت قالوا بأنني ... أبيح نكاح البنت والبنت تحرم\nتنبيه\nاعلم أنَّ ما ذكره صاحب الدر المنثور عن قتادة مما يقتضي أنه استنبط من قوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا﴾ أن الصهر كالنسب في التحريم، وأن كل واحد منهما تحرم به سبع نساء، لم يظهر لي وجهه. ومما يزيد عدم ظهوره ضعف دلالة الاقتران عند أهل الأصول، كما تقدم إيضاحه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1246> قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُهُمْ وَلَا يَضُرُّهُمْ﴾</span>.\nتقدم إيضاحه في سورة الحج وغيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1247> قوله تعالى: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ ظَهِيرًا (٥٥)﴾</span>.\nالظهير في اللغة: المعين، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِلْمُجْرِمِينَ (١٧)﴾.\nومعنى قوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَانَ الْكَافِرُ عَلَى رَبِّهِ","vol":"6","page":379},{"text":"ظَهِيرًا﴾ على أظهر الأقوال: وكان الكافر معينًا للشيطان، وحزبه من الكفرة على عداوة الله ورسله، فالكافر من حزب الشيطان يقاتل في سبيله أولياء الله الذين يقاتلون في سبيل الله، فالكافر يعين الشيطان وحزبه في سعيهم لأن تكون كلمة الله ليست هي العليا. وهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية. ومعلوم أن الذي يقاتل في سبيل الطاغوت المقاتلين في سبيل الله، أنه على ربه ظهير.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لَعَلَّهُمْ يُنْصَرُونَ (٧٤) لَا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَهُمْ وَهُمْ لَهُمْ جُنْدٌ مُحْضَرُونَ (٧٥)﴾ على قول من قال: إن الجند المحضرون هم الكفار، يقاتلون عن آلهتهم ويدافعون عنها، ومن قاتل عن الأصنام مدافعًا عن عبادتها، فهو على ربه ظهير.\nوكونه ظهيرًا على ربه، أي: معينًا للشيطان، وحزبه على عداوة الله ورسله، ككونه عدوًا له المذكور في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ ومعلوم بالضرورة أن جميع الخلق لو تعاونوا على عداوة الله لا يمكن أن يضروه بشيء، وإنما يضرون بذلك أنفسهم: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1248> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٥٦)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الأعراف، وأول سورة الكهف.","vol":"6","page":380},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1249> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا (٥٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1250> قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1251> قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِهِ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا (٥٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِرَبِّكَ بِذُنُوبِ عِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا (١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1252> قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآية التي فيها تفصيل ذلك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1253> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية.","vol":"6","page":381},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1254> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ أَنَسْجُدُ لِمَا تَأْمُرُنَا وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا قيل لهم: اسجدوا للرحمن، أي: قال لهم ذلك رسول الله - ﷺ - والمسلمون، تجاهلوا الرحمن، وقالوا: وما الرحمن، وأنكروا السجود له تعالى، وزادهم ذلك نفورًا عن الإِيمان والسجود للرحمن.\nوما ذكره هنا من أنهم أمروا بالسجود له وحده جلَّ وعلا جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾. وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾ وقد وبخهم تعالى على عدم امتثال ذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ (٢١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾.\nوتجاهلهم للرحمن هنا أجابهم عنه تعالى بقوله: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢) خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا اللَّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾ وقد قدمنا طرفًا من هذا في الكلام على هذه الآية؛ وقد قدمنا أيضًا أنهم يعلمون أن الرحمن هو الله، وأن تجاهلهم له تجاهل عارف، وأدلة ذلك.\nوقوله هنا: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا (٦٠)﴾ جاء معناه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"6","page":382},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1255> قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾</span>.\nقد قدمنا كلام أهل العلم في معنى تبارك في أول هذه السورة الكريمة.\nوالبروج في اللغة: القصور العالية، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾.\nواختلف العلماء في المراد بالبروج في الآية، فقال بعضهم: هي الكواكب العظام. قال ابن كثير: وهو قول مجاهد، وسعيد بن جبير، وأبي صالح، والحسن، وقتادة، ثم قال: وقيل: هي قصور في السماء للحرس. ويروى هذا عن علي، وابن عباس، ومحمد بن كعب، وإبراهيم النخعي، وسليمان بن مهران الأعمش، وهو رواية عن أبي صالح أيضًا. والقول الأول أظهر، اللَّهم إلَّا أن تكون الكواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾ اهـ. محل الغرض من كلام ابن كثير.\nوقال الزمخشري في الكشاف: البروج منازل الكواكب السبعة السيارة: الحمل، والثور، والجوزاء، والسرطان، والأسد، والسنبلة، والميزان، والعقرب، والقوس، والجدي، والدلو، والحوت، سميت بالبروج التي هي القصور العالية؛ لأنها لهذه الكواكب كالمنازل لسكانها. واشتقاق البرج من التبرج لظهوره. اهـ منه.\nوما ذكره جلَّ وعلا هنا من أنه جعل في السماء بروجًا وجعل فيها سراجًا، وهو الشمس، وقمرًا منيرًا، بينه في غير هذا الموضع","vol":"6","page":383},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾ وقوله تعالى ﴿وَجَعَلْنَا سِرَاجًا وَهَّاجًا (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا (١٥) وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُورًا وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا﴾.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: وجعل فيها سراجًا بكسر السين وفتح الراء بعدها ألف على الإِفراد، وقرأه حمزة والكسائي: سرجًا بضم السين والراء جمع سراج، فعلى قراءة الجمهور بإفراد السراج، فالمراد به الشمس، بدليل قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ الشَّمْسَ سِرَاجًا (١٦)﴾ وعلى قراءة حمزة والكسائي بالجمع. فالمراد بالسرج الشمس، والكواكب العظام.\nوقد قدمنا في سورة الحجر أن ظاهر القرآن أن القمر في السماء المبنية، لا السماء التي هي مطلق ما علاك؛ لأن الله بين في سورة الحجر أن السماء التي جعل فيها البروج هي المحفوظة، والمحفوظة هي المبنية في قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَبَنَيْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾ وليست مطلق ما علاك، والبيان المذكور في سورة الحجر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية. فآية الحجر هذه دالة على أن ذات البروج هي المبنية المحفوظة، لا مطلق ما علاك.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أنه جلَّ وعلا في آية الفرقان هذه، بين أن القمر في السماء التي جعل فيها البروج؛ لأنه قال هنا: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وذلك دليل على أنها ليست مطلق ما علاك. وهذا الظاهر لا ينبغي للمسلم العدول عنه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه مما جاء به محمد  - ﷺ - .","vol":"6","page":384},{"text":"فإن قيل: يوجد في كلام بعض السلف أن القمر في فضاء بعيد من السماء، وأن علم الهيئة دل على ذلك، وأن الأرصاد الحديثة بينت ذلك.\nقلنا: ترك النظر في علم الهيئة عمل بهدى القرآن العظيم؛ لأن الصحابة ﵃ لما تاقت نفوسهم إلى تعلم هيئة القمر منه  - ﷺ -، وقالوا له: يا نبي الله: ما بال الهلال يبدو دقيقًا، ثم لم يزل يكبر حتى يستدير بدرًا؟ نزل القرآن بالجواب بما فيه فائدة للبشر وترك ما لا فائدة فيه، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ وهذا الباب الذي أرشد القرآن العظيم إلى سده لما فتحه الكفرة كانت نتيجة فتحه الكفر والإِلحاد وتكذيب الله ورسوله من غير فائدة دنيوية. والذي أرشد الله إليه في كتابه هو النظر في غرائب صنعه، وعجائبه في السماوات والأرض؛ ليستدل بذلك على كمال قدرته تعالى، واستحقاقه للعبادة وحده. وهذا المقصد الأساسي لم يحصل للناظرين في الهيئة من الكفار.\nوعلى كل حال فلا يجوز لأحد ترك ظاهر القرآن العظيم إلَّا لدليل مقنع يجب الرجوع إليه، كما هو معلوم في محله.\nولا شك أن الذين يحاولون الصعود إلى القمر بآلاتهم ويزعمون أنهم نزلوا على سطحه سينتهي أمرهم إلى ظهور حقارتهم، وضعفهم، وعجزهم، وذلهم أمام قدرة خالق السماوات والأرض جلَّ وعلا.\nوقد قدمنا في سورة الحجر أن ذلك يدل عليه قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ (١٠) جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ (١١)﴾.","vol":"6","page":385},{"text":"فإن قيل: الآيات التي استدللت بها على أن القمر في السماء المحفوظة فيها احتمال على أسلوب عربي معروف، يقتضي عدم دلالتها على ما ذكرت، وهو عود الضمير إلى اللفظ وحده دون المعنى.\nوإيضاحه أن يقال في قوله: ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ هي السماء المحفوظة، ولكن الضمير في قوله: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ راجع إلى مطلق لفظ السماء الصادق بمطلق ما علاك في اللغة، وهذا أسلوب عربي معروف، وهو المعبر عنه عند علماء العربية بمسألة: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر. ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾ أي: ولا ينقص من عمر معمر آخر.\nقلنا: نعم هذا محتمل، ولكنه لم يقم عليه عندنا دليل يجب الرجوع إليه، والعدول عن ظاهر القرآن العظيم لا يجوز إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه. وظاهر القرآن أولى بالاتباع والتصديق من أقوال الكفرة ومقلديهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1256> قوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحات له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1257> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية.","vol":"6","page":386},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1258> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا (٦٤)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن عباده الصالحين يبيتون لربهم سجدًا وقيامًا، يعبدون الله، ويصلون له، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ (١٦) كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ (١٧) وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ (١٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يَبِيتُونَ﴾ قال الزجاج: بات الرجل يبيت: إذا أدركه الليل، نام أو لم ينم، قال زهير:\nفبتنا قيامًا عند رأس جوادنا ... يزاولنا عن نفسه ونزاوله\nانتهى بواسطة نقل القرطبي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1259> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾</span>.\nالأظهر أن معنى قوله: ﴿كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ أي: كان لازمًا دائمًا غير مفارق، ومنه سمي الغريم لملازمته، ويقال: فلان مغرم بكذا، أي: لازم له، مولع به.\nوهذا المعنى دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾ وقوله: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾ وقوله: ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾ وقوله:","vol":"6","page":387},{"text":"﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾ وقوله: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال الزجاج: الغرام أشد العذاب. وقال ابن زيد: الغرام الشر. وقال أبو عبيدة: الهلاك. قاله القرطبي. وقول الأعشى:\nإن يعاقب يكن غرامًا وإن يعـ ... ـط جزيلًا فإنه لا يبال\nيعني: يكن عذابه دائمًا لازمًا. وكذلك قول بشر بن أبي حازم:\nويوم النسار ويوم الجفا ... وكانا عذابًا وكانا غراما\nوذلك هو الأظهر أيضًا في قول الآخر:\nوما أكلة إن نلتها بغنيمة ... ولا جوعة إن جعتها بغرام\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1260> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: ولم يقتروا بضم الياء المثناة التحتية، وكسر التاء، مضارع أقتر الرباعى، وقرأه ابن كثير وأبو عمرو: ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وكسر المثناة الفوقية مضارع قتر الثلاثي كضرب، وقرأه عاصم وحمزة، والكسائي، ولم يقتروا بفتح المثناة التحتية، وضم المثناة الفوقية، مضارع قتر الثلاثي كنصر، والإِقتار على قراءة نافع وابن عامر، والقتر على قراءة الباقين معناهما واحد، وهو التضييق المخل بسد الخلة اللازم. والإِسراف في قوله تعالى: لم يسرفوا، مجاوزة الحد في النفقة.","vol":"6","page":388},{"text":"واعلم أن أظهر الأقوال في هذه الآية الكريمة أن الله مدح عباده الصالحين بتوسطهم في إنفاقهم، فلا يجاوزون الحد بالإِسراف في الإِنفاق، ولا يقترون، أي: لا يضيقون فيبخلون بإنفاق القدر اللازم.\nوقال بعض أهل العلم: الإِسراف في الآية: الإِنفاق في الحرام والباطل، والإِقتار منع الحق الواجب، وهذا المعنى وإن كان حقًا فالأظهر في الآية هو القول الأول.\nقال ابن كثير ﵀: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية، أي: ليسوا مبذرين في إنفاقهم، فيصرفوا فوق الحاجة، ولا بخلاء على أهليهم، فيقصروا في حقهم فلا يكفوهم، بل عدلًا خيارًا، وخير الأمور أوسطها، لا هذا، ولا هذا. انتهى محل الغرض منه.\nوقوله تعالى: ﴿وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا (٦٧)﴾ أي: بين ذلك المذكور من الإِسراف والقتر قوامًا، أي: عدلًا وسطًا سالمًا من عيب الإِسراف والقتر.\nوأظهر أوجه الإِعراب عندي في الآية هو ما ذكره القرطبي. قال: وقوامًا خبر كان واسمها مقدر فيها، أي: كان الإِنفاق بين الإِسراف والقتر قوامًا، ثم قال: قاله الفراء. وباقي أوجه الإِعراب في الآية ليس بوجيه عندي، كقول من قال: إن لفظة بين هي اسم كان، وأنها لم ترفع لبنائها بسبب إضافتها إلى مبني، وقول من قال: إن بين هي خبر كان، وقوامًا حال مؤكدة له، ومن قال: إنهما خبران، كل ذلك ليس بوجيه عندي، والأظهر الأول. والظاهر أن التوسط في الإِنفاق الذي مدحهم به شامل لإِنفاقهم على أهليهم، وإنفاقهم المال في أوجه الخير.","vol":"6","page":389},{"text":"وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فمن ذلك أن الله أوصى نبيه  - ﷺ -  بالعمل بمقتضاه في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ الآية، فقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ أي: ممسكة عن الإنفاق إمساكًا كليًا، يؤدي معنى قوله هنا (ولم يقتروا). وقوله: ﴿وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ﴾ يؤدي معنى قوله هنا: (لم يسرفوا). وأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا (٢٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ﴾ الآية. على أصح التفسيرين.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (٣)﴾.\nمسألة\nهذه الآية الكريمة التي هي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا﴾ الآية، والآيات التي ذكرناها معها، قد بينت أحد ركني ما يسمى الآن بالاقتصاد.\nوإيضاح ذلك أنه لا خلاف بين العقلاء أن جميع مسائل الاقتصاد على كثرتها واختلاف أنواعها راجعة بالتقسيم الأول إلى أصلين لا ثالث لهما.\nالأول منهما: اكتساب المال.\nوالثاني منهما: صرفه في مصارفه، وبه تعلم أن الاقتصاد عمل مزدوج، ولا فائدة في واحد من الأصلين المذكورين إلَّا بوجود الآخر، فلو كان الإِنسان أحسن الناس نظرًا في أوجه اكتساب المال","vol":"6","page":390},{"text":"إلَّا أنه أخرق جاهل بأوجه صرفه، فإن جميع ما حصَّل من المال يضيع عليه بدون فائدة، وكذلك إذا كان الإِنسان أحسن الناس نظرًا في صرف المال في مصارفه المنتجة إلَّا أنه أخرق جاهل بأوجه اكتسابه فإنه لا ينفعه حسن نظره في الصرف مع أنه لم يقدر على تحصيل شيء يصرفه. والآيات المذكورة أرشدت الناس ونبهتهم على الاقتصاد في الصرف.\nوإذا علمت أن مسائل الاقتصاد كلها راجعة إلى الأصلين المذكورين، وأن الآيات المذكورة دلت على أحدهما فاعلم أن الآخر منهما  - وهو اكتساب المال -  أرشدت إليه آيات أخر دلت على فتح الله الأبواب إلى اكتساب المال بالأوجه اللائقة، كالتجارات، وغيرها، كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الْأَرْضِ يَبْتَغُونَ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾ والمراد بفضل الله في الآيات المذكورة ربح التجارة، وكقوله تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ وقد قدمنا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية. أنواع الشركات، وأسماءها، وبينا ما يجوز منها، وما لا يجوز عند الأئمة الأربعة، وأوضحنا ما اتفقوا على منعه، وما اتفقوا على جوازه، وما اختلفوا فيه، وبه تعلم كثرة الطرق التي فتحها الله لاكتساب المال بالأوجه الشرعية اللائقة.\nوإذا علمت مما ذكرنا أن جميع مسائل الاقتصاد راجعة إلى أصلين: هما اكتساب المال وصرفه في مصارفه، فاعلم أن كل واحد","vol":"6","page":391},{"text":"من هذين الأصلين، لا بد له من أمرين ضروريين له:\nالأول منهما: معرفة حكم الله فيه؛ لأن الله جلَّ وعلا لم يبح اكتساب المال بجميع الطرق التي يكتسب بها المال، بل أباح بعض الطرق، وحرم بعضها، كما قال تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ ولم يبح الله جلَّ وعلا صرف المال في كل شيء، بل أباح بعض الصرف وحرم بعضه، كما قال تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ﴾ الآية. وقال تعالى في الصرف الحرام: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً﴾ الآية، فمعرفة حكم الله في اكتساب المال، وفي صرفه في مصارفه أمر ضروري لا بد منه؛ لأن من لم يعلم ذلك قد يكتسب المال من وجه حرام، والمال المكتسب من وجه حرام لا خير فيه ألبتة، وقد يصرف المال في وجه حرام، وصرفه في ذلك حسرة على صاحبه.\nالأمر الثاني: هو معرفة الطريق الكفيلة باكتساب المال، فقد يعلم الإِنسان مثلًا أن التجارة في النوع الفلاني مباحة شرعًا، ولكنه لا يعلم أوجه التصرف بالمصلحة الكفيلة بتحصيل المال من ذلك الوجه الشرعي، وكم من متصرف يريد الربح، فيعود عليه تصرفه بالخسران، لعدم معرفته بالأوجه التي يحصل بها الربح. وكذلك قد يعلم الإِنسان أن الصرف في الشيء الفلاني مباح، وفيه مصلحة، ولكنه لا يهتدي إلى معرفة الصرف المذكور، كما هو مشاهد في المشاريع الكثيرة النفع إن صرف فيها المال بالحكمة والمصلحة، فإن جواز الصرف فيها معلوم، وإيقاع الصرف على وجه المصلحة لا يعلمه كل الناس.","vol":"6","page":392},{"text":"وبهذا تعلم أن أصول الاقتصاد الكبار أربعة:\nالأول: معرفة حكم الله في الوجه الذي يكتسب به المال، واجتناب الاكتساب به إن كان محرمًا شرعًا.\nالثاني: حسن النظر في اكتساب المال بعد معرفة ما يبيحه خالق السماوات والأرض، وما لا يبيحه.\nالثالث: معرفة حكم الله في الأوجه التي يصرف فيها المال، واجتناب المحرم منها.\nالرابع: حسن النظر في أوجه الصرف، واجتناب ما لا يفيد منها.\nفكل من بنى اقتصاده على هذه الأسس الأربعة كان اقتصاده كفيلًا بمصلحته، وكان مرضيًا للَّه جلَّ وعلا، ومن أخل بواحد من هذه الأسس الأربعة كان بخلاف ذلك؛ لأن من جمع المال بالطرق التي لا يبيحها الله جلَّ وعلا فلا خير في ماله ولا بركة، كما قال تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ﴾ الآية.\nوقد تكلمنا على مسائل الربا في آية الربا في سورة البقرة وتكلمنا على أنواع الشركات وأسمائها، وبينا ما يجوز منها وما لا يجوز في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا أَحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إِلَى الْمَدِينَةِ﴾ الآية.\nولا شك أنه يلزم المسلمين في أقطار الدنيا التعاون على اقتصاد يجيزه خالق السماوات والأرض على لسان رسوله  - ﷺ -، ويكون كفيلًا بمعرفة طرق تحصيل المال بالأوجه الشرعية، وصرفه في مصارفه","vol":"6","page":393},{"text":"المنتجة الجائزة شرعًا؛ لأن الاقتصاد الموجود الآن في أقطار الدنيا لا يبيحه الشرع الكريم؛ لأن الذين نظموا طرقه ليسوا بمسلمين، فمعاملات البنوك والشركات لا تجد شيئًا منها يجوز شرعًا، لأنها إما مشتملة على زيادات ربوية، أو على غرر لا تجوز معه المعاملة، كأنواع التأمين المتعارفة عند الشركات اليوم في أقطار الدنيا، فإنك لا تكاد تجد شيئا منها سالمًا من الغرر، وتحريم بيع الغرر ثابت عن النبي - ﷺ -. ومن المعلوم أن من يدعي إباحة أنواع التأمين المعروفة عند الشركات من المعاصرين أنه مخطئ في ذلك، وأنه لا دليل معه، بل الأدلة الصحيحة على خلاف ما يقول. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1261> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا (٧٢)﴾</span>\nأي: إذا مروا بأهل اللغو والمشتغلين به مروا معرضين عنهم كرامًا مكرمين أنفسهم عن الخوض معهم في لغوهم، وهو كل كلام لا خير فيه، كما تقدم.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة أوضحه جلَّ وعلا بقوله: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾ وقد قدمنا الآيات الدالة على معاملة عباد الرحمن للجاهلين في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1262> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا (٧٣)﴾</span>.\nقال الزمخشري: ﴿لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا﴾ ليس بنفي للخرور، وإنما","vol":"6","page":394},{"text":"هو إثبات له، ونفي للصمم والعمى، كما تقول: لا يلقاني زيد مسلِّمًا، هو نفي للسلام، لا للقاء.\nوالمعنى: أنهم إذا ذكروا بها أكبوا عليها حرصًا على استماعها وأقبلوا على المذكر بها، وهم في إكبابهم عليها سامعون بآذان واعية، مبصرون بعيون راعية. انتهى محل الغرض منه.\nولا يخفى أن لهذه الآية الكريمة دلالتين: دلالة بالمنطوق، ودلالة بالمفهوم، فقد دلت بمنطوقها على أن من صفات عباد الرحمن أنهم إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها، أي: لم يكبوا عليها في حال كونهم صمًا عن سماع ما فيها من الحق، وعميانًا عن إبصاره، بل هم يكبون عليها سامعين ما فيها من الحق مبصرين له.\nوهذا المعنى دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية. ومعلوم أن من تليت عليه آيات هذا القرآن، فزادته إيمانًا أنه لم يخر عليها أصم أعمى، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد دلت الآية المذكورة أيضًا بمفهومها: أن الكفرة المخالفين لعباد الرحمن الموصوفين في هذه الآيات إذا ذكروا بآيات ربهم خروا عليهما صمًا وعميانًا، أي؛ لا يسمعون ما فيها من الحق، ولا يبصرونه، حتى كأنهم لم يسمعوها أصلًا.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة بمفهومها","vol":"6","page":395},{"text":"جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة لقمان: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾ وقوله تعالى في الجاثية: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nالظاهر أن معنى خرور الكفار على الآيات في حال كونهم صمًا وعميانًا هو إكبابهم على إنكارها، والتكذيب بها، خلافًا لما ذكره الزمخشري في الكشاف. والصم في الآية جمع أصم، والعميان جمع أعمى. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1263> قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾</span>.\nالظاهر أن المراد بالغرفة في هذه الآية الكريمة جنسها الصادق بغرف كثيرة، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية.\nوقد أوضحنا هذا في أول سورة الحج وفي غيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1264> قوله تعالى: ﴿وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا (٧٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾.","vol":"6","page":396},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1265> قوله تعالى: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا (٧٦)﴾</span>\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا (٣١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1266> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ فَقَدْ كَذَّبْتُمْ فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾</span>.\nالعرب الذين نزل القرآن بلغتهم يقولون: ما عبأت بفلان، أي: ما باليت به، ولا اكترثت به، أي. ما كان له عندي وزن ولا قدر يستوجب الاكتراث والمبالاة به، وأصله من العبء وهو الثقل، ومنه قول أبي زيد يصف أسدًا:\nكأنَّ بنحره وبمنكبيه ... عبيرًا بات يعبؤه عروس\nوقوله: يعبؤه، أي: يجعل بعضه فوق بعض، لمبالاته به واكتراثه به.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن كلام أهل التفسير في هذه الآية الكريمة يدور على أربعة أقوال.\nواعلم أولًا أن العلماء اختلفوا في المصدر في قوله: ﴿لَوْلَا دُعَاؤُكُمْ﴾ هل هو مضاف إلى فاعله، أو إلى مفعوله، وعلى أنه مضاف إلى فاعله فالمخاطبون بالآية داعون، لا مدعوون؛ أي: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم، أي: عبادتكم له. وأما على أن المصدر مضاف إلى مفعوله فالمخاطبون بالآية مدعوون، لا داعون، أي: ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم إلى توحيده، وعبادته على ألسنة رسله عليهم الصلاة والسلام.","vol":"6","page":397},{"text":"واعلم أيضًا أن ثلاثة من الأقوال الأربعة المذكورة في الآية مبنية على كون المصدر فيها مضافًا إلى فاعله، والرابع: مبني على كونه مضافًا إلى مفعوله.\nأما الأقوال الثلاثة المبنية على كونه مضافًا إلى فاعله.\nفالأول منها أن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤكم، أي عبادتكم له وحده جلَّ وعلا، وعلى هذا القول فالخطاب عام للكافرين والمؤمنين، ثم أفرد الكافرين دون المؤمنين بقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ الآية.\nوالثاني منها: أن المعنى: لولا دعاؤكم أيها الكفار له وحده عند الشدائد والكروب، أي: ولو كنتم ترجعون إلى شرككم إذا كشف الضر عنكم.\nوالثالث: أن المعنى. ما يعبأ بكم ربي، أي: ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى. ولا يخفى بعد هذا القول، وأن فيه تقدير ما لا دليل عليه، ولا حاجة إليه.\nأما القول الرابع المبني على أن المصدر في الآية مضاف إلى مفعوله فهو ظاهر، أي: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم على ألسنة رسله.\nوإذا عرفت هذه الأقوال فاعلم أن كل واحد منها قد دل عليه قرآن، وسنبين هنا إن شاء الله تعالى دليل كل قول منها من القرآن مع ذكر ما يظهر لنا أنه أرجحها.\nأما هذا القول الأخير المبني على أن المصدر في الآية مضاف","vol":"6","page":398},{"text":"إلى مفعوله، وأن المعنى: ما يعبؤ بكم ربي لولا دعاؤه إياكم إلى الإِيمان به، وتوحيده، وعبادته على ألسنة رسله، فقد دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقوله تعالى: في أول سورة الكهف ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ وقوله في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nفهذه الآيات قد أوضحت أن الحكمة في خلقه السماوات والأرض، وجميع ما على الأرض والموت والحياة، هي أن يدعوهم على ألسنة رسله، ويبتليهم، أي: أن يختبرهم أيهم أحسن عملًا.\nوهذه الآيات تبين معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.\nوفي هذه الآيات إيضاح لأن معنى قوله: لولا دعاؤكم؛ أي: دعاؤه إياكم على ألسنة رسله، وابتلاؤكم أيكم أحسن عملًا. وعلى هذا فلا إشكال في قوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: ما يعبؤ بكم لولا دعاؤه إياكم؛ أي: وقد دعاكم فكذبتم. وهذا القول هو وحده الذي لا إشكال فيه، فهو قوي بدلالة الآيات المذكورة عليه.\nوأما القول بأن معنى: لولا دعاؤكم؛ أي: إخلاصكم الدعاء له أيها الكفار عند الشدائد، والكروب، فقد دلت على معناه آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.","vol":"6","page":399},{"text":"وقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا المعنى في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية. وهذا القول وإن دلت عليه آيات كثيرة، فلا يظهر كونه هو معنى آية الفرقان هذه.\nوأما القول بأن المعنى: ما يصنع بعذابكم، لولا دعاؤكم معه آلهة أخرى، فقد دل على معناه قوله تعالى: ﴿مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ﴾ الآية.\nوالقول الأول الذي هو أشهر الأقوال وأكثرها قائلًا، وهو أن المعنى: لولا دعاؤكم؛ أي: عبادتكم له وحده، قد دل عليه جميع الآيات الدالة على ما يعطيه الله لمن أطاعه، وما أعده لمن عصاه، وكثرتها معلومة لا خفاء بها.\nواعلم أن لفظة ما في قوله: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي﴾ قال بعض أهل العلم: هي استفهامية، وقال بعضهم: هي نافية، وكلاهما له وجه من النظر.\nواعلم أن قول من قال: لولا دعاؤكم؛ أي: دعاؤكم إياي لأغفر لكم، وأعطيكم ما سألتم راجع إلى القول الأول؛ لأن دعاء المسألة داخل في العبادة كما هو معلوم.\nوقوله: ﴿فَقَدْ كَذَّبْتُمْ﴾ أي: بما جاءكم به رسول الله  - ﷺ - .\nوقد قدمنا في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾ أن معنى قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ أي: سوف يكون العذاب ملازمًا لهم غير مفارق، كما تقدم إيضاحه.\nوقال جماعة من أهل العلم: إن المراد بالعذاب اللازم لهم","vol":"6","page":400},{"text":"المعبر عن لزومه لهم بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ أنه ما وقع من العذاب يوم بدر، لأنهم قتل منهم سبعون، وأسر سبعون، والذين قتلوا منهم أصابهم عذاب القتل، واتصل به عذاب البرزخ والآخرة فهو ملازم لا يفارقهم بحال. وكون اللزام المذكور في هذه الآية: العذاب الواقع يوم بدر. نقله ابن كثير عن عبد الله بن مسعود، وأبيّ بن كعب، ومحمد بن كعب القرظي، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي، وغيرهم. ثم قال: وقال الحسن البصري ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ أي: يوم القيامة. ولا منافاة بينهما. انتهى من ابن كثير، ونقله صاحب الدر المنثور عن أكثر المذكورين وغيرهم.\nوقال جماعة من أهل العلم: إن يوم بدر ذكره الله تعالى في آيات من كتابه، قالوا: هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى﴾ أي: يوم بدر ﴿دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ أي: يوم القيامة، وأنه هو المراد بقوله: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ وأنه هو المراد بالبطش والانتقام في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ (١٦)﴾ وأنه هو الفرقان الفارق بين الحق والباطل في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾ وهو يوم بدر، وأنه هو الذي فيه النصر في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ﴾ الآية. وكون المراد بهذه الآيات المذكورة يوم بدر ثبت بعضه في الصحيح عن ابن مسعود. وهو المراد بقول الشيخ أحمد البدوي الشنقيطي في نظمه للمغازي في الكلام على بدر:\n\n• وقد أتى منوها في الذكر *","vol":"6","page":401},{"text":"لأنه العذاب واللزام ... وأنه البطش والانتقام\nوأنه الفرقان بين الكفر ... والحق والنصر سجيس الدهر\nومعنى سجيس الدهر، أي: مدته.\nوأظهر الأقوال في الآية عندي هو القول بأن المصدر فيها مضاف إلى مفعوله؛ لجريانه على اللغة الفصيحة من غير إشكال ولا تقدير، وممن قال به قتادة. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"6","page":402},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1267>سورة الشعراء</span>","vol":"6","page":403},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1268> قوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وفي آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1269> قوله تعالى ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الْأَرْضِ كَمْ أَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (٧) إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾</span>.\nأشار جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة إلى أن كثرة ما أنبت في الأرض من كل زوج كريم، أي: صنف حسن من أصناف النبات فيه آية دالة على كمال قدرته.\nوقد أوضحنا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك أن إحياء الأرض بعد موتها، وإنبات الثبات فيها بعد عدمه من البراهين القاطعة على بعث الناس بعد الموت.\nوقد أوضحنا دلالة الآيات القرآنية على ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ إلى","vol":"6","page":405},{"text":"قوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفي أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1270> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ نَادَى رَبُّكَ مُوسَى أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠) قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلَا يَتَّقُونَ (١١)﴾</span>\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَيْنَاهُ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ الْأَيْمَنِ وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا (٥٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1271> قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢) وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ (١٢)﴾ أي: بسبب أني قتلت منهم نفسًا، وفررت منهم لما خفت أن يقتلوني بالقتل الذي قتلته منهم. ويوضح هذا المعنى الترتيب بالفاء في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾؛ لأن من يخاف القتل فهو يتوقع التكذيب.\nوقوله: ﴿وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي﴾ أي: من أجل العقدة المذكورة في قوله تعالى عن موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧) يَفْقَهُوا قَوْلِي (٢٨)﴾ وقد قدمنا في الكلام على آية طه هذه الآيات الدالة على ما يتعلق بهذا المبحث.","vol":"6","page":406},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1272> قوله تعالى: ﴿فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ (١٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ مِنْ رَحْمَتِنَا أَخَاهُ هَارُونَ نَبِيًّا (٥٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1273> قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾</span>.\nلم يبين هنا هذا الذنب الذي لهم عليه الذي يخاف منهم أن يقتلوه بسببه، وقد بين في غير هذا الموضع أن الذنب المذكور هو قتله لصاحبهم القبطي، فقد صرح تعالى بالقتل المذكور في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (٣٣)﴾ فقوله: ﴿قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ مفسر لقوله: ﴿وَلَهُمْ عَلَيَّ ذَنْبٌ﴾ ولذا رتب بالفاء على كل واحد منهما قوله: ﴿فَأَخَافُ أَنْ يَقْتُلُونِ (١٤)﴾.\nوقد أوضح تعالى قصة قتل موسى له بقوله في القصص: ﴿وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِهَا فَوَجَدَ فِيهَا رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلَانِ هَذَا مِنْ شِيعَتِهِ وَهَذَا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغَاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ وقوله: ﴿فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ أي: قتله، وذلك هو الذنب المذكور في آية الشعراء هذه.\nوقد بين تعالى أنه غفر لنبيه موسى ذلك الذنب المذكور، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1274> قوله تعالى: ﴿قَالَ كَلَّا فَاذْهَبَا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾</span>.\nصيغة الجمع في قوله: ﴿إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ (١٥)﴾ للتعظيم. وما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية من رده على موسى خوفه القتل من","vol":"6","page":407},{"text":"فرعون وقومه بحرف الزجر الذي هو كلا، وأمره أن يذهب هو وأخوه بآياته مبينًا لهما أن الله معهم، أي: وهي معية خاصة بالنصر والتأييد، وأنه مستمع لكل ما يقول لهم فرعون أوضحه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى (٤٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1275> قوله تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم وطه، وبينا في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ﴾ وجه تثنيته الرسول في طه، وإفراده هنا في الشعراء مع شواهده العربية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1276> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا﴾</span>.\nتربية فرعون لموسى هذه التي ذكرها له هي التي ذكر مبدؤها في قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي (٣٩)﴾ الآية.\n\n• قوله تعالى في كلام فرعون لموسى: ﴿وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكَافِرِينَ (١٩)﴾.\nأبهم جلَّ وعلا هذه الفعلة التي فعلها؛ لتعبيره عنها بالاسم المبهم الذي هو الموصول في قوله: ﴿الَّتِي فَعَلْتَ﴾، وقد أوضحها في آيات أخر، وبين أن الفعلة المذكورة هي قتله نفسًا منهم، كقوله","vol":"6","page":408},{"text":"تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي قَتَلْتُ مِنْهُمْ نَفْسًا﴾ الآية. وقوله عن الإسرائيلي الذي استغاث بموسى مرتين: ﴿قَالَ يَامُوسَى أَتُرِيدُ أَنْ تَقْتُلَنِي كَمَا قَتَلْتَ نَفْسًا بِالْأَمْسِ إِنْ تُرِيدُ إِلَّا أَنْ تَكُونَ جَبَّارًا فِي الْأَرْضِ وَمَا تُرِيدُ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْمُصْلِحِينَ (١٩)﴾.\nوأظهر الأقوال عندي في معنى قوله: (وأنت من الكافرين) أن المراد به كفر النعمة، يعني أنعمنا عليك بتربيتنا إياك صغيرًا، وإحساننا إليك تتقلب في نعمتنا، فكفرت نعمتنا، وقابلت إحساننا بالإساءة؛ لقتلك نفسًا منا. وباقي الأقوال تركناه؛ لأن هذا أظهرها عندنا.\nوقال بعض أهل العلم: رد موسى على فرعون امتنانه عليه بالتربية بقوله ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾ يعني تعبيدك لقومي، وإهانتك لهم لا يعتبر معه إحسانك إلى؛ لأني رجل واحد منهم. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1277> قوله تعالى: ﴿قَالَ فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾</span>.\nأي: قال موسى مجيبًا لفرعون: فعلتها إذًا، أي: إذ فعلتها وأنا في ذلك الحين من الضالين، أي: قبل أن يوحي الله إلي، ويبعثني رسولًا. وهذا هو التحقيق إن شاء الله في معنى الآية.\nوقول من قال من أهل العلم: وأنا من الضالين، أي: من الجاهلين، راجع إلى ما ذكرنا؛ لأنه بالنسبة إلى ما علمه الله من الوحي يعتبر قبله جاهلًا، أي: غير عالم بما أوحى الله إليه.\nوقد بينا مرارًا أن في هذا الكتاب المبارك أن لفظ الضلال يطلق في القرآن وفي اللغة العربية ثلاثة إطلاقات.","vol":"6","page":409},{"text":"الإطلاق الأول: يطلق الضلال مرادًا به الذهاب عن حقيقة الشيء، فتقول العرب في كل من ذهب عن علم حقيقة شيء: ضل عنه، وهذا الضلال ذهاب عن علم شيء ما، وليس من الضلال في الدين.\nومن هذا المعنى قوله هنا: وأنا من الضالين، أي: من الذاهبين عن علم حقيقة العلوم والأسرار التي لا تعلم إلَّا عن طريق الوحي؛ لأني في ذلك الوقت لم يوح إليّ. ومنه على التحقيق: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ أي: ذاهبًا عما علمك من العلوم التي لا تدرك إلَّا بالوحي.\nومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى (٥٢)﴾ فقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي﴾ أي: لا يذهب عنه علم شيء كائنًا ما كان، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ فقوله: أن تضل إحداهما؛ أي: تذهب عن علم حقيقة المشهود به، بدليل قوله بعده: فتذكر إحداهما الأخرى، وقوله تعالى عن أولاد يعقوب: ﴿إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٨)﴾ وقوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ على التحقيق في ذلك كله. ومن هذا المعنى قول الشاعر:\nوتظن سلمى أنني أبغي بها ... بدلًا أراها في الضلال تهيم\nوالإطلاق الثاني وهو المشهور في اللغة، وفي القرآن: هو إطلاق الضلال على الذهاب عن طريق الإِيمان إلى الكفر، وعن طريق الحق إلى الباطل، وعن طريق الجنة إلى النار. ومنه قوله تعالى: ﴿غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.","vol":"6","page":410},{"text":"والإِطلاق الثالث: هو إطلاق الضلال على الغيبوبة والاضمحلال، تقول العرب: ضل الشيء إذا غاب واضمحل، ومنه قولهم: ضل السمن في الطعام إذا غاب فيه واضمحل، ولأجل هذا سمت العرب الدفن في القبر إضلالًا؛ لأن المدفون تأكله الأرض فيغيب فيها ويضمحل.\nومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، يعنون إذا دفنوا وأكلتهم الأرض، فضلوا فيها، أي: غابوا فيها واضمحلوا.\nومن إطلاقهم الإِضلال على الدفن قول نابغة ذبيان يرثي النعمان بن الحارث بن أبي شمر الغساني:\nفإن تحيى لا أملك حياتي وإن تمت ... فما في حياة بعد موتك طائل\nفآب مضلوه بعين جلية ... وغودر بالجولان حزم ونائل\nوقول المخبل السعدي يرثي قيس بن عاصم:\nأضلت بنو قيس بن سعد عميدها ... وفارسها في الدهر قيس بن عاصم\nفقول الذبياني: فآب مضلوه: يعني فرجع دافنوه، وقول السعدي: أضلت، أي: دفنت.\nومن إطلاق الضلال أيضًا على الغيبة والاضمحلال قول الأخطل.\nكنت القذى في موج أكدر مزبد ... قذف الأتي به فضل ضلالا\nوقول الآخر:\nألم تسأل فتخبرك الديار ... على الحي المضلل أين ساروا","vol":"6","page":411},{"text":"وزعم بعض أهل العلم أن للضلال إطلاقًا رابعًا. قال: ويطلق أيضًا على المحبة، قال: ومنه قوله: ﴿قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ (٩٥)﴾ قال: أي: في حبك القديم ليوسف، قال: ومنه قول الشاعر:\nهذا الضلال أشاب منى المفرقا ... والعارضين ولم أكن متحققا\nعجبا لعزة في اختيار قطيعتي ... بعد الضلال فحبلها قد أخلقا\nوزعم أيضًا أن منه قوله: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا﴾ قال: أي محبًا للهداية فهداك. ولا يخفى سقوط هذا القول. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1278> قوله تعالى: ﴿فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ﴾</span>.\nخوفه منهم هذا الذي ذكر هنا أنه سبب لفراره منهم، قد أوضحه تعالى وبين سببه في قوله: ﴿وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ يَسْعَى قَالَ يَامُوسَى إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ إِنِّي لَكَ مِنَ النَّاصِحِينَ (٢٠) فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٢١)﴾ وبين خوفه المذكور بقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفًا يَتَرَقَّبُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1279> قوله تعالى: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لابتداء رسالته المذكورة هنا في سورة مريم وغيرها.\nوقوله: ﴿فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْمًا﴾ قال بعضهم: الحكم هنا هو النبوة، وممن روي عنه ذلك السدي.","vol":"6","page":412},{"text":"والأظهر عندي: أن الحكم هو العلم النافع الذي علمه الله إياه بالوحي. والعلم عند الله.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1280> قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة: أن فرعون لا يعلم شيئًا عن رب العالمين، وكذلك قوله تعالى عنه: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ وقوله: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾ وقوله: ﴿قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ (٢٩)﴾ ولكن الله جلَّ وعلا بين أن سؤال فرعون في قوله: ﴿وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾ تجاهل عارف أنه عبد مربوب لرب العالمين بقوله تعالى: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾ وقوله تعالى في فرعون وقومه: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾.\nوقد أوضحنا هذا في سورة بني إِسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وفي سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَمَنْ رَبُّكُمَا يَامُوسَى (٤٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1281> قوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكَ بِشَيْءٍ مُبِينٍ (٣٠) قَالَ فَأْتِ بِهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٣١) فَأَلْقَى عَصَاهُ</span>. . .﴾.\nإلى آخر القصة. قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة طه، والأعراف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1282> قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ إِبْرَاهِيمَ (٦٩) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا تَعْبُدُونَ (٧٠) قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ (٧١)﴾</span> إلى قوله: ﴿إِلَّا رَبَّ الْعَالَمِينَ (٧٧)﴾:","vol":"6","page":413},{"text":"قد قدمنا الآيات الموضحة في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ﴾ الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1283> قوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع من هذا الكتاب المبارك، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا (٦٣)﴾ وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1284> قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَهُمْ فِيهَا يَخْتَصِمُونَ (٩٦) تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾</span>.\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أهل النار يختصمون فيها جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩) قَالُوا بَلْ أَنْتُمْ لَا مَرْحَبًا بِكُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾\nوقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ﴾ وفي سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧) إِذْ نُسَوِّيكُمْ بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٩٨)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في","vol":"6","page":414},{"text":"أول سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1285> قوله تعالى: ﴿فَمَا لَنَا مِنْ شَافِعِينَ (١٠٠)﴾</span>.\nقدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية. وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1286> قوله تعالى: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١٠٢)﴾</span>.\nدلت هذه الآية الكريمة على أمرين:\nالأول منهما: أن الكفار يوم القيامة يتمنون الرد إلى الدنيا؛ لأن لو في قوله هنا: ﴿فَلَوْ أَنَّ لَنَا﴾. والكرة هنا: الرجعة إلى الدنيا، وأنهم زعموا أنهم إذ ردوا إلى الدنيا كانوا من المؤمنين المصدقين للرسل فيما جاءت به، وهذان الأمران قد قدمنا الآيات الموضحة لكل واحد منهما.\nأما تمنيهم الرجوع إلى الدنيا فقد أوضحناه بالآيات القرآنية في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ وأما زعمهم أنهم إن ردوا إلى الدنيا آمنوا، فقد بينا الآيات الموضحة له في الأعراف في الكلام على الآية المذكورة، وفي الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1287> قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾</span> الآيات.\nقد قدمنا الكلام عليها في سورة الحج، وفي غيرها، وتكلمنا","vol":"6","page":415},{"text":"على قوله تعالى: ﴿وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠٩)﴾ في قصة نوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب. وبينا الآيات الموضحة لذلك في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1288> قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ (١١١)﴾</span>\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى عن قوم نوح: ﴿وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1289> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الْمُؤْمِنِينَ (١١٤)﴾</span>.\nقد قدمنا ما يدل عليه من القرآن في سورة هود في الكلام على قوله تعالى عن نوح: ﴿وَمَا أَنَا بِطَارِدِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَلَكِنِّي أَرَاكُمْ قَوْمًا تَجْهَلُونَ (٢٩) وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية.\nوأوضحناه بالآيات القرآنية في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ إلى قوله: ﴿فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ (٥٢)﴾ وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1290> قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨) فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾</span>.\nقوله تعالى هنا عن نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)﴾ أوضحه","vol":"6","page":416},{"text":"في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿قَالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾ وقوله هنا: ﴿فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا﴾ أي: احكم بيني وبينهم حكمًا. وهذا الحكم الذي سأل ربه إياه هو إهلاك الكفار، وإنجاؤه هو ومن آمن معه، كما أوضحه تعالى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله هنا عن نوح: ﴿وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ قد بين في آيات كثيرة أنه أجاب دعاءه هذا، كقوله هنا: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله هنا: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠)﴾ جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٣٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. والمشحون المملوء. ومنه قول عبيد بن الأبرص:\nشحنا أرضهم بالخيل حتى ... تركناهم أذل من الصراط\nوالفلك: يطلق على الواحد والجمع، فإن أطلق على الواحد جاز تذكيره، كقوله هنا: ﴿فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩)﴾ وإن جمع أنث. والمراد بالفلك هنا السفينة، كما صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَة﴾ الآية.","vol":"6","page":417},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1291> قوله تعالى: ﴿كَذَّبَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ الْمُرْسَلِينَ (١٧٦)﴾</span>.\nقال أكثر أهل العلم: إن أصحاب الأيكة هم مدين.\nقال ابن كثير: وهو الصحيح. وعليه فتكون هذه الآية بينتها الآيات الموضحة قصة شعيب مع مدين. ومما استدل به أهل هذا القول أنه قال هنا لأصحاب الأيكة: ﴿أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (١٨٣)﴾ ذكر الله عنه أنه قاله لمدين في مواضع متعددة، كقوله في هود: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّي أَرَاكُمْ بِخَيْرٍ وَإِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُحِيطٍ (٨٤) وَيَاقَوْمِ أَوْفُوا الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٨٥) بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا في سورة الأعراف قولنا: فإن قيل: الهلاك الذي أصاب قوم شعيب ذكر الله جلَّ وعلا في الأعراف أنه رجفة، وذكر في هود أنه صيحة، وذكر في الشعراء أنه عذاب يوم الظلة؟\nفالجواب ما قاله ابن كثير ﵀ في تفسيره قال: وقد اجتمع عليهم ذلك كله؛ أصابهم عذاب يوم الظلة، وهي سحابة أظلتهم فيها شرر من نار ولهب ووهج عظيم، ثم جاءتهم صيحة من السماء، ورجفة من الأرض شديدة من أسفل منهم فزهقت الأرواح، وفاضت النفوس، وخمدت الأجسام. انتهى.\nوعلى القول بأن شعيبًا أرسل إلى أمتين: مدين، وأصحاب","vol":"6","page":418},{"text":"الأيكة، وأن مدين ليسوا هم أصحاب الأيكة فلا إشكال. وقد جاء ذلك في حديث ضعيف عن عبد الله بن عمرو. وممن روي عنه هذا القول قتادة، وعكرمة، وإسحاق بن بشر.\nوقد قدمنا بعض الآيات الموضحة لهذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ أَصْحَابُ الْأَيْكَةِ لَظَالِمِينَ (٧٨) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾ وأوضحنا هنالك أن نافعًا، وابن عامر، وابن كثير قرأوا: (ليكة) في سورة الشعراء، وسورة (ص) بلام مفتوحة أول الكلمة، وتاء مفتوحة آخرها من غير همز ولا تعريف، على أنه اسم للقرية غير منصرف، وأن الباقين قرأوا: (الأيكة) بالتعريف والهمز وكسر التاء، وأن الجميع اتفقوا على ذلك في (ق والحجر) وأوضحنا هنالك توجيه القراءتين في الشعراء و(ص)، ومعنى الأيكة في اللغة مع بعض الشواهد العربية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1292> قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾</span>.\nالجبلة الخلق، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ وقد استدل بآية (يس) المذكورة على آية الشعراء هذه ابن زيد، نقله عنه ابن كثير. ومن ذلك قول الشاعر:\nوالموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1293> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾</span>.\nأكد جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن هذا القرآن العظيم تنزيل رب العالمين، وأنه نزل به الروح الأمين الذي هو جبريل على","vol":"6","page":419},{"text":"قلب نبينا  - ﷺ -، ليكون من المنذرين به، وأنه نزل عليه بلسان عربي مبين.\nوما ذكره جلَّ وعلا هنا أوضحه في غير هذا الموضع.\nأما كون هذا القرآن تنزيل رب العالمين فقد أوضحه جلَّ وعلا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨) لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (٧٩) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٨٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾ وقوله: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقوله: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ بينه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾ أي: نزل به عليك؛ لأجل أن تكون من المنذرين به، جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآية، أي: أنزل إليك لتنذر به، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ الآية.","vol":"6","page":420},{"text":"وقوله: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾ ذكره أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ الآية\nوقد بينا معنى اللسان العربي بشواهده في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾ وقد أوضحنا معنى إنزال جبريل القرآن على قلبه - ﷺ - بالآيات القرآنية في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1294> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَاهُ عَلَى بَعْضِ الْأَعْجَمِينَ (١٩٨) فَقَرَأَهُ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾</span>.\nقد قدمنا هذه الآية الكريمة، مع ما يوضحها من الآيات في النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ﴾ الآية.\nواعلم أن كل صوت غير عربي تسميه العرب أعجم ولو من غير عاقل. ومنه قول حميد بن ثور يذكر صوت حمامة:\nفلم أر مثلي شاقه صوت مثلها ... ولا عربيًا شاقه صوت أعجما\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1295> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ فِي قُلُوبِ الْمُجْرِمِينَ (٢٠٠) لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾</span>.\nقوله: سلكناه؛ أي: أدخلناه، كما قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية والشواهد العربية في سورة هود في الكلام على قوله تعالى:","vol":"6","page":421},{"text":"﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية. والضمير في سلكناه قيل: للقرآن، وهو الأظهر، وقيل: للتكذيب والكفر المذكور في قوله: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ وهؤلاء الكفار الذين ذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يروا العذاب الأليم: هم الذين حقت عليهم كلمة العذاب، وسبق في علم الله أنهم أشقياء، كما يدل لذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ وقد أوضحنا شدة تعنت هؤلاء، وأنهم لا يؤمنون بالآيات، في سورة الفرقان، وفي سورة بني إسرائيل وغيرهما.\nوقوله: ﴿كَذَلِكَ سَلَكْنَاهُ﴾ نعت لمصدر محذوف، أي: كذلك السلك أي: الإدخال. سلكناه، أي: أدخلناه في قلوب المجرمين. وإيضاحه على أَنه القرآن: أن الله أنزله على رجل عربي فصيح بلسان عربي مبين، فسمعوه وفهموه لأنه بلغتهم، ودخلت معانيه في قلوبهم، ولكنهم لم يؤمنوا به؛ لأن كلمة العذاب حقت عليهم. وعلى أن الضمير في سلكناه للكفر والتكذيب فقوله عنهم: ﴿مَا كَانُوا بِهِ مُؤْمِنِينَ (١٩٩)﴾ يدل على إدخال الكفر والتكذيب في قلوبهم، أي: كذلك السلك سلكناه. . . إلخ.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1296> قوله تعالى: ﴿فَيَقُولُوا هَلْ نَحْنُ مُنْظَرُونَ (٢٠٣)﴾</span>.\nلفظة هل هنا يراد بها التمني، والآية تدل على أنهم تمنوا التأخير والإِنظار، أي: الإِمهال. وقد دلت آيات أخر على طلبهم ذلك صريحًا، وأنهم لم يجابوا إلى ما طلبوا، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ","vol":"6","page":422},{"text":"وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ (٤٤)﴾ وأوضح أنهم لا ينظرون في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَلَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1297> قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (٢٠٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا منه في سورة (يونس) في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُهُ بَيَاتًا أَوْ نَهَارًا مَاذَا يَسْتَعْجِلُ مِنْهُ الْمُجْرِمُونَ (٥٠) أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1298> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ (٢٠٥) ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ (٢٠٦) مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ (٢٠٧)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1299> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ (٢٠٨)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1300> قوله تعالى: ﴿ذِكْرَى وَمَا كُنَّا ظَالِمِينَ (٢٠٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الدالة عليه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا","vol":"6","page":423},{"text":"يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿ذِكْرَى﴾ أعربه بعضهم مرفوعًا، على أنه خبر مبتدأ محذوف، أي: هذه ذكرى، وأعربه بعضهم منصوبًا. وفي إعرابه على أنه منصوب أوجه.\nمنها: أنه ما ناب عن المطلق من قوله: منذرون؛ لأن أنذر وذكر متقاربان.\nومنها: أنه مفعول من أجله، أي: منذرون من أجل الذكرى بمعنى التذكرة.\nومنها: أنها حال من الضمير في منذرون، أي: ينذرونهم في حال كونهم ذوي تذكرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1301> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ (٢١٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1302> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ (٢١٣)﴾</span>.\nقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ بالدليل القرآني أن النبي - ﷺ - يخاطب بمثل هذا الخطاب، والمراد التشريع لأمته مع بعض الشواهد العربية.","vol":"6","page":424},{"text":"وقوله هنا: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. جاء معناه في آيات كثيرة، كقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1303> قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾</span>.\nهذا الأمر في هذه الآية الكريمة بإنذاره خصوص عشيرته الأقربين لا ينافي الأمر بالإِنذار العام، كما دلت على ذلك الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1304> قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ وفي الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقد وعدنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بأنا نوضح معنى خفض الجناح، وإضافته إلى الذل في سورة الشعراء في هذا الموضع، وهذا وفاؤنا بذلك الوعد، ويكفينا في الوفاء به أن ننقل كلامنا في رسالتنا المسماة: منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإِعجاز.","vol":"6","page":425},{"text":"فقد قلنا فيها ما نصه: والجواب عن قوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلّ﴾ أن الجناح هنا مستعمل في حقيقته؛ لأن الجناح يطلق لغة حقيقة على يد الإِنسان وعضده وإبطه. قال تعالى: ﴿وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَنَاحَكَ مِنَ الرَّهْبِ﴾ والخفض مستعمل في معناه الحقيقي الذي هو ضد الرفع؛ لأن مريد البطش يرفع جناحيه، ومظهر الذل والتواضع يخفض حناجيه، فالأمر بخفض الجناح للوالدين كناية عن لين الجانب لهما، والتواضع لهما، كما قال لنبيه  - ﷺ -: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ وإطلاق العرب خفض الجناح كناية عن التواضع، ولين الجانب أسلوب معروف. ومنه قول الشاعر:\nوأنت الشهير بخفض الجنا ... ح فلا تك في رفعه أجدلا\nوأما إضافة الجناح إلى الذل، فلا تستلزم المجاز كما يظنه كثير؛ لأن الإِضافة فيه كالإِضافة في قولك: حاتم الجود.\nفيكون المعنى: واخفض لهما الجناح الذليل من الرحمة، أو الذلول على قراءة الذل بالكسر.\nوما يذكر عن أبي تمام من أنه لما قال:\nلا تسقني ماء الملام فإنني ... صب قد استعذبت ماء بكائي\nجاءه رجل فقال له: صب لي في هذا الإِناء شيئًا من ماء الملام، فقال له: إن أتيتني بريشة من جناح الذل صببت لك شيئًا من ماء الملام، فلا حجة فيه؛ لأن الآية لا يراد بها أن للذل جناحًا، وإنما يراد بها خفض الجناح المتصف بالذل للوالدين من الرحمة بهما. وغاية ما في ذلك إضافة الموصوف إلى صفته، كحاتم الجود، ونظيره","vol":"6","page":426},{"text":"في القرآن الإِضافة في قوله: ﴿مَطَرَ السَّوْءِ﴾ ﴿عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي: مطر حجارة السجيل الموصوف بسوئه من وقع عليه، وعذاب أهل النار الموصوف بهون من وقع عليه. والمسوغ لإِضافة خصوص الجناح إلى الذل مع أن الذل من صفة الإِنسان، لا من صفة خصوص الجناح، أن خفض الجناح كني به عن ذل الإِنسان، وتواضعه ولين جانبه لوالديه رحمة بهما، وإسناد صفات الذات لبعض أجزائها من أساليب اللغة العربية، كإسناد الكذب، والخطيئة إلى الناصية في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾ وكإسناد الخشوع، والعمل والنصب إلى الوجوه في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، وفي كلام العرب. وهذا هو الظاهر في معنى الآية، ويدل عليه كلام السلف من المفسرين.\nوقال العلامة ابن القيم ﵀ في الصواعق: إن معنى إضافة الجناح إلى الذل أن للذل جناحًا معنويًا يناسبه، لا جناح ريش. واللَّه تعالى أعلم. انتهى. وفيه إيضاح معنى خفض الجناح.\nوالتحقيق: أن إضافة الجناح إلى الذل من إضافة الموصوف إلى صفته كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.\nوقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ فإن قلت: المتبعون للرسول هم المؤمنون، والمؤمنون هم المتبعون للرسول، فما قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾؟\nقلت: فيه وجهان: أن يسميهم قبل الدخول في الإِيمان مؤمنين، لمشارفتهم ذلك، وأن يريد بالمؤمنين المصدقين بألسنتهم، وهم صنفان: صنف صدق واتبع رسول الله  - ﷺ -  فيما جاء به، وصنف","vol":"6","page":427},{"text":"لم يوجد منهم إلَّا التصديق فحسب، ثم إما أن يكونوا منافقين أو فاسقين، والمنافق والفاسق لا يخفض لهما الجناح.\nوالمعنى: من المؤمنين من عشيرتك وغيرهم، أي: أنذر قومك فإن اتبعوك، وأطاعوك فاخفض لهم جناحك، وإن عصوك ولم يتبعوك فتبرأ منهم، ومن أعمالهم من الشرك باللَّه وغيره. انتهى منه.\nوالأظهر عندي في قوله: ﴿لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ أنه نوع من التوكيد يكثر مثله في القرآن العظيم، كقوله: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ﴾ الآية. ومعلوم أنهم إنما يقولون بأفواههم، وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ﴾ ومعلوم أنهم إنما يكتبونه بأيديهم، وقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1305> قوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨) وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في الآية قرينة تدل على عدم صحته، وذكرنا أمثلة متعددة لذلك في الترجمة، وفيما مضى من الكتاب.\nوإذا علمت ذلك فاعلم أن قوله هنا: ﴿وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ (٢١٩)﴾ قال فيه بعض أهل العلم: المعنى: وتقلبك في أصلاب آبائك الساجدين، أي: المؤمنين باللَّه كآدم، ونوح، وإبراهيم، وإسماعيل.","vol":"6","page":428},{"text":"واستدل بعضهم لهذا القول فيمن بعد إبراهيم من آبائه بقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وممن روي عنه هذا القول ابن عباس نقلا عنه القرطبي. وفي الآية قرينة تدل على عدم صحة هذا القول، وهي قوله تعالى قبله مقترنًا به ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ فإنه لم يقصد به أنه يقوم في أصلاب الآباء إجماعًا، وأول الآية مرتبط بآخرها، أي: الذي يراك حين تقوم إلى صلاتك، وحين تقوم من فراشك، ومجلسك ويرى تقلُّبك في السَّاجدين، أي: المصلين، على أظهر الأقوال؛ لأنه  - ﷺ -  يتقلب في المصلين قائمًا، وساجدًا، وراكعًا. وقال بعضهم: الذي يراك حين تقوم، أي: إلى الصلاة وحدك، وتقلبك في الساجدين، أي: المصلين إذا صليت بالناس.\nوقوله هنا: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (٢١٨)﴾ الآية. يدل على الاعتناء به  - ﷺ -، ويوضح ذلك قوله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ الآية.\nوقوله: (وتوكل) قرأه عامة السبعة غير نافع وابن عامر: وتوكل بالواو، وقرأه نافع وابن عامر فتوكل بالفاء، وبعض نسخ المصحف العثماني فيها الواو، وبعضها فيها الفاء.\nوقوله هنا: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٢١٧)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفاتحة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾ وبسطنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع بيان معنى التوكل في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.","vol":"6","page":429},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1306> قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾</span>.\nالشعراء: جمع شاعر كجاهل وجهلاء، وعالم وعلماء.\nوالغاوون: جمع غاو، وهو الضال.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ يدل على أن أتباع الشعراء من أتباع الشيطان، بدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾ وقرأ هذا الحرف نافع وحده: يتبعهم بسكون التاء المثناة، وفتح الباء الموحدة، وقرأه الباقون يتبعهم بتشديد المثناة، وكسر الموحدة. ومعناهما واحد.\nوما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة في قوله: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ يدل على تكذيب الكفار في دعواهم أن النبي - ﷺ - شاعر؛ لأن الذين يتبعهم الغاوون لا يمكن أن يكون النبي - ﷺ - منهم.\nويوضح هذا المعنى ما جاء من الآيات مبينًا أنهم ادعوا عليه - ﷺ - أنه شاعر، وتكذيب الله لهم في ذلك. أما دعواهم أنه - ﷺ - شاعر، فقد ذكره تعالى في قوله عنهم: ﴿بَلْ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ بَلِ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ شَاعِرٌ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ وأما تكذيب الله لهم في ذلك، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ (٦٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦) بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ (٣٧)﴾؛ لأن قوله تعالى: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقّ﴾ الآية. تكذيب لهم في قولهم: إنه شاعر مجنون.","vol":"6","page":430},{"text":"مسألتان تتعلقان بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن النبي  - ﷺ -  ثبت عنه أنه قال: \"لأن يمتلئ جوف رجل قيحًا يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا\" رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة ﵁. وقوله في الحديث: يريه بفتح المثناة التحتية وكسر الراء بعدها ياء مضارع ورى القيح جوفه، يريه، وريا إذا أكله وأفسده. والأظهر أن أصل وراه أصاب رئته بالإِفساد.\nواعلم أن التحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه أن الشعر كلام حسنه حسن، وقبيحه قبيح.\nومن الأدلة القرآنية على ذلك أنه تعالى لما ذم الشعراء بقوله: ﴿يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤) أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ (٢٢٥) وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ استثنى من ذلك الذين آمنوا وعملوا الصالحات في قوله: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ الآية.\nوبما ذكرنا تعلم أن التحقيق أن الحديث الصحيح المصرح بأن امتلاء الجوف من القيح المفسد له خير من امتلائه من الشعر، محمول على من أقبل على الشعر، واشتغل به عن الذكر، وتلاوة القرآن، وطاعة الله تعالى، وعلى الشعر القبيح المتضمن للكذب، والباطل، كذكر الخمر ومحاسن النساء الأجنبيات ونحو ذلك.\nالمسألة الثانية: اعلم أن العلماء اختلفوا في الشاعر إذا اعترف في شعره بما يستوجب حدًا، هل يقام عليه الحد؟ على قولين:\nأحدهما: أنه يقام عليه؛ لأنه أقر به والإِقرار تثبت به الحدود.\nوالثاني: أنه لا يحد بإقراره في الشعر؛ لأن كذب الشاعر في شعره أمر معروف معتاد واقع لا نزاع فيه.","vol":"6","page":431},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر القولين عندي: أن الشاعر إذا أقر في شعره بما يستوجب الحد لا يقام عليه الحد؛ لأن الله جل وعلا صرح هنا بكذبهم في شعرهم في قوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ فهذه الآية الكريمة تدرأ عنهم الحد، ولكن الأظهر أنه إن أقر بذلك استوجب بإقراره به الملام والتأديب وإن كان لا يحد به، كما ذكره جماعة من أهل الأخبار في قصة عمر بن الخطاب ﵁ المشهورة مع النعمان بن عدي بن نضلة.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: وقد ذكر محمد بن إسحاق، ومحمد بن سعد في الطبقات، والزبير بن بكار في كتاب الفكاهة: أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ استعمل النعمان بن عدي بن نضلة على ميسان من أرض البصرة، وكان يقول الشعر فقال:\nألا هل أتى الحسناء أن حليلها ... بميسان يُسقى في زجاج وحنتم\nإذا شئت غنتني دهاقين قرية ... ورقاصة تجذو على كل منسم\nفإن كنت ندماني فبالأكبر اسقني ... ولا تسقني بالأصغر المتثلم\nلعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم\nفلما بلغ ذلك عمر بن الخطاب ﵁ قال: إي واللَّه إنه ليسوءني ذلك، ومن لقيه فليخبره أني قد عزلته، وكتب إليه عمر: بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾ أما بعد: فقد بلغني قولك:\nلعل أمير المؤمنين يسوءه ... تنادمنا بالجوسق المتهدم\nوايم الله إنه ليسوءني، وقد عزلتك، فلما قدم على عمر بكته","vol":"6","page":432},{"text":"بهذا الشعر، فقال: واللَّه يا أمير المؤمنين ما شربتها قط، وما ذلك الشعر إلَّا شيء طفح على لساني، فقال عمر: أظن ذلك، ولكن واللَّه لا تعمل لي عملًا أبدًا، وقد قلت ما قلت، فلم يذكر أنه حده على الشراب، وقد ضمنه شعره؛ لأنهم يقولون ما لا يفعلون، ولكنه ذمه عمر ولامه على ذلك وعزله به. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير. وهذه القصة يستأنس بها لما ذكرنا.\nوقد ذكر غير واحد من المؤرخين أن سليمان بن عبد الملك لما سمع قول الفرزذق:\nفبتن بجانبي مصرعات ... وبت أفض أغلاق الختام\nقال له: قد وجب عليك الحد، فقال الفرزدق: يا أمير المؤمنين قد درأ الله عني الحد بقوله: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾ فلم يحده مع إقراره بموجب الحد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1307> قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ (٢٢٦)﴾</span>.\nهذا الذي ذكره هنا عن الشعراء من أنهم يقولون ما لا يفعلون، بين في آية أخرى أنه من أسباب المقت عنده جلَّ وعلا، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ (٢) كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ (٣)﴾ والمقت في لغة العرب: البغض الشديد، فقول الإِنسان ما لا يفعل كما ذكر عن الشعراء يبغضه الله وإن كان قوله ما لا يفعل فيه تفاوت. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1308> قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام","vol":"6","page":433},{"text":"على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢)﴾ الآية. مع شواهده العربية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1309> قوله تعالى: ﴿وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾</span>.\nأثنى الله تعالى في هذه الآية الكريمة على الذين آمنوا وعملوا الصالحات بذكرهم الله كثيرًا. وهذا الذي أثنى عليهم به هنا من كثرة ذكر الله أمر به في آيات أخر، وبين جزاءه قال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٠)﴾ وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ الآية. وقال تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا (٣٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1310> قوله تعالى: ﴿وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، كقوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١) إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾ في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1311> قوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ (٢٢٧)﴾</span>.\nالمنقلب هنا المرجع والمصير. والأظهر أنه هنا مصدر ميمي، وقد تقرر في فن الصرف أن الفعل إذا زاد على ثلاثة أحرف كان كل من مصدره الميمي، واسم مكانه، واسم زمانه على صيغة المفعول.","vol":"6","page":434},{"text":"والمعنى: وسيعلم الذين ظلموا أي مرجع يرجعون. وأي مصير يصيرون. وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الظالمين سيعلمون يوم القيامة المرجع الذي يرجعون، أي: يعلمون العاقبة السيئة التي هي مآلهم، ومصيرهم ومرجعهم جاء في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤) كَلَّا لَوْ تَعْلَمُونَ عِلْمَ الْيَقِينِ (٥) لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَيْنَ الْيَقِينِ (٧)﴾ ووقوله تعالى: ﴿وَسَوْفَ يَعْلَمُونَ حِينَ يَرَوْنَ الْعَذَابَ مَنْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَيَعْلَمُ الْكُفَّارُ لِمَنْ عُقْبَى الدَّارِ (٤٢)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.\nوقوله: ﴿أَيَّ مُنْقَلَبٍ﴾ ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿يَنْقَلِبُونَ﴾ وليس مفعولًا به لقوله: ﴿وَسَيَعْلَمُ﴾.\nقال القرطبي ﵀: وأي منصوب بينقلبون؛ وهو بمعنى المصدر، ولا يجوز أن يكون منصوبًا بسيعلم؛ لأن أيًا وسائر أسماء الاستفهام لا يعمل فيها ما قبلها فيما ذكره النحويون. قال النحاس: وحقيقة القول في ذلك أن الاستفهام معنى وما قبله معنى آخر، فلو عمل فيه ما قبله لدخل بعض المعاني في بعض. انتهى منه. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"6","page":435},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1312>سورة النمل</span>","vol":"6","page":437},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1313> قوله تعالى: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾</span>.\nتقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1314> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ مُوسَى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾</span>.\nإلى آخر القصة تقدم إيضاحه في مريم وطه والأعراف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1315> قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾</span>.\nقد قدمنا أنها وراثة علم ودين، لا وراثة مال في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآية. وبينا هناك الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم لا يورث عنهم المال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1316> قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾</span>.\nتقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.","vol":"6","page":439},{"text":"وقوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ﴾ الآية. كقوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا (٦٢)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ قال بعض أهل العلم: الخبأ في السموات: المطر، والخبأ في الأرض: النبات، والمعادن، والكنوز، وهذا المعنى ملائم لقوله: ﴿يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾ وقال بعض أهل العلم: الخبأ: السر والغيب، أي: يعلم ما غاب في السموات والأرض، كما يدل عليه قوله بعده: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ وكقوله في هذه السورة الكريمة: ﴿وَمَا مِنْ غَائِبَةٍ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٧٥)﴾ وقوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ كما أوضحناه في سورة هود.\nوقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير الكسائي: ألا يَسجدوا للَّه بتشديد اللام في لفظة ألا، ولا خلاف على هذه القراءة أن يسجدوا فعل مضارع منصوب بأن المدغمة في لفظة لا، فالفعل المضارع على هذه القراءة، وأن المصدرية المدغمة في لا ينسبك منهما مصدر في محل نصب على الأظهر، وقيل: في محل جر. وفي إعرابه أوجه.\nالأول: أنه منصوب على أنه مفعول من أجله، أي: وزين لهم الشيطان أعمالهم من أجل ألا يسجدوا للَّه، أي: من أجل عدم سجودهم للَّه، أو فصدهم عن السبيل لأجل ألا يسجدوا للَّه، وبالأول قال الأخفش، وبالثاني قال الكسائي. وقال اليزيدي وغيره: هو منصوب على أنه بدل من أعمالهم، أي: وزين لهم الشيطان","vol":"6","page":440},{"text":"أعمالهم، ألا يسجدوا، أي: عدم سجودهم. وعلى هذا فأعمالهم هي عدم سجودهم للَّه. وهذا الإِعراب يدل على أن الترك عمل كما أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾.\nوقال بعضهم: إن المصدر المذكور في محل خفض على أنه بدل من السبيل، أو على أن العامل فيه فهم لا يهتدون، وعلى هذين الوجهين فلفظة لا صلة، فعلى الأول منهما فالمعنى: فصدهم عن السبيل سجودهم للَّه، وعلى هذا فسبيل الحق الذي صدوا عنه هو السجود للَّه، ولا زائدة للتوكيد. وعلى الثاني فالمعنى: فهم لا يهتدون لأن يسجدوا للَّه، أي: للسجود له، ولا زائدة أيضًا للتوكيد. ومعلوم في علم العربية أن المصدر المنسبك من فعل، وموصول حرفي إن كان الفعل فيه منفيًا ذكرت لفظة عدم قبل المصدر؛ ليؤدى بها معنى النفي الداخل على الفعل، فقولك مثلًا: عجبت من أن لا تقوم. إذا سبكت مصدره لزم أن تقول: عجبت من عدم قيامك، وإذا كان الفعل مثبتًا لم تذكر مع المصدر لفظة عدم، فلو قلت: عجبتُ من أن تقوم، فإنك تقول في سبك مصدره: عجبت من قيامك، كما لا يخفى. وعليه فالمصدر المنسبك من قوله: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا﴾ يلزم أن يقال فيه: عدم السجود، إلَّا إذا اعتبرت لفظة \"لا\" زائدة. وقد أشرنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ إلى أنا أوضحنا الكلام على زيادة لا لتوكيد الكلام في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في أول سورة البلد في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ (١)﴾ وسنذكر طرفًا من كلامنا فيه هنا.","vol":"6","page":441},{"text":"فقد قلنا فيه: الأول وعليه الجمهور؛ أن لا هنا صلة على عادة العرب، فإنها ربما لفظت بلفظة لا، من غير قصد معناها الأصلي، بل لمجرد تقوية الكلام وتوكيده، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا (٩٢) أَلَّا تَتَّبِعَنِ﴾ يعني: أن تتبعني، وقوله تعالى ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾ أي: أن تسجد على أحد القولين. ويدل له قوله تعالى في سورة ص: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، أي: فوربك، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ﴾ أي: والسيئة، وقوله تعالى: ﴿وَحَرَامٌ عَلَى قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (٩٥)﴾ على أحد القولين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٩)﴾ على أحد القولين، وقوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا﴾ الآية، على أحد الأقوال الماضية، وكقول أبي النجم:\nفما ألوم البيض ألا تسخرا ... لما رأين الشمط القفندرا\nيعني أن تسخر، وقول الآخر:\nوتلحينني في اللهو ألا أحبه ... وللهو داع دائب غير غافل\nيعني أن أحبه، ولا زائدة، وقول الآخر:\nأبى جوده لا البخل واستعجلت به ... نعم من فتى لا يمنع الجود قاتله\nيعني أبى جوده البخل، ولا زائدة  - على خلاف في زيادتها في هذا البيت الأخير -  ولا سيما على رواية البخل بالجر؛ لأن لا عليها مضاف بمعنى لفظة لا، فليست زائدة على رواية الجر، وقول امرئ القيس:\nفلا وأبيك ابنة العامري ... لا يدعي القوم أني أفر","vol":"6","page":442},{"text":"يعني وأبيك، وأنشد الفراء لزيادة لا في الكلام الذي فيه معنى الجحد قول الشاعر:\nما كان يرضى رسول الله دينهم ... والأطيبان أبو بكر ولا عمر\nيعني وعمر، ولا صلة. وأنشد الجوهري لزيادتها قول العجاج:\nفي بئر لا حور سرى وما شعر ... بإفكه حتى رأى الصبح جشر\nوالحور الهلكة، يعني في بئر هلكة، ولا صلة. قاله أبو عبيدة وغيره. وأنشد الأصمعي لزيادتها قول ساعدة الهذلي.\nأفعنك لا برق كأن وميضه ... غاب تسنمه ضرام مثقب\nويروي أفمنك، وتشيمه، بدل أفعنك وتسنمه، يعني أفعنك برق، ولا صلة. ومن شواهد زيادتها قول الشاعر:\nتذكرت ليلى فاعترتني صبابة ... وكاد صميم القلب لا يتقطع\nيعني كاد يتقطع. وأما استدلال أبي عبيدة لزيادتها بقول الشماخ:\nأعائش ما لقومك لا أراهم ... يضيعون الهجان مع المضيع\nفغلط منه؛ لأن لا في بيت الشماخ هذا نافية، لا زائدة، ومقصوده أنها تنهاه عن حفظ ماله، مع أن أهلها يحفظون مالهم، أي: لا أرى قومك يضيعون مالهم، وأنت تعاتبينني في حفظ مالى. وما ذكره الفراء من أن لفظة لا، لا تكون صلة إلَّا في الكلام الذي فيه معنى الجحد، فهو أغلبي لا يصح على الإِطلاق، بدليل بعض الأمثلة المتقدمة التي لا جحد فيها كهذه الآية، على ألقول بأن لا فيها صلة، وكبيت ساعدة الهذلي. وما ذكره الزمخشري من زيادة لا في","vol":"6","page":443},{"text":"أول الكلام دون غيره، فلا دليل عليه. انتهى محل الغرض من كتابنا: [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].\nوقرأ هذا الحرف الكسائي وحده من السبعة: ألا يسجدوا بتخفيف اللام من قوله ألا، وعلى قراءة الكسائي هذه، فلفظة ألا حرف استفتاح، وتنبيه، ويا حرف نداء، والمنادى محذوف تقديره ألا يا هؤلاء اسجدوا، واسجدوا فعل أمر. ومعلوم في علم القراءات أنك إذا قيل لك. قف على كل كلمة بانفرادها في قراءة الكسائي أنك تقف في قوله: ألا يسجدوا ثلاث وقفات الأولى: أن تقف على ألا، والثانية: أن تقف على يا، والثالثة: أن تقف على اسجدوا. وهذا الوقف وقف اختبار، لا وقف اختيار. وأما على قراءة الجمهور، فإنك تقف وقفتين فقط. الأولى: على ألا، ولا تقف على أن لأنها مدغمة في لا، والثانية: أنك تقف على يسجدوا.\nواعلم أنه على قراءة الكسائي قد حذف في الخط ألفان، الأولى: الألف المتصلة بياء النداء، والثانية: ألف الوصل في قوله: اسجدوا. ووجه بعض أهل العلم إسقاطهما في الخط بأنهما لما سقطتا في اللفظ، سقطتا في الكتابة قالوا: ومثل ذلك في القرآن كثير.\nواعلم أن جمهور أهل العلم على ما ذكرنا في قراءة الكسائي من أن لفظة ألا للاستفتاح والتنبيه، وأن يا حرف نداء، حذف منه الألف في الخط، واسجدوا فعل أمر، قالوا: وحذف المنادى مع ذكر أداة النداء أسلوب عربي معروف، ومنه قول الأخطل:\nألا يا اسلمي يا هند هند بني بكر ... وإن كان حيانا عدى آخر الدهر","vol":"6","page":444},{"text":"وقول ذي الرمة:\nألا يا اسلمي يا دارمي على البلا ... ولا زال منهلًا بجرعائك القطر\nفقوله له في البيتين ألا يا أسلمى، أي: يا هذه اسلمي، وقول الآخر.\n\n• ألا يا أسلمي ذات الدماليج والعقد *\nوقول الشماخ:\nألا يا اصبحاني قبل غارة سنجالي ... وقبل منايا قد حضرن وآجالي\nيعني ألا يا صحبي اصبحاني، ونظيره قول الآخر:\n\n• ألا يا اسقياني قبل خيل أبي بكر *\nومنه قول الآخر:\nفقالت ألا يا اسمع أعظك بخطبة ... فقلت سمعنا فانطقي وأصيبي\nيعني ألا يا هذا اسمع، وأنشد سيبويه لحذف المنادى مع ذكر أداته قول الشاعر:\nيا لعنة الله والأقوام كلهم ... والصالحين على سمعان من جار\nبضم التاء من قوله: لعنة الله، ثم قال: فيا لغير اللعنة. يعني أن المراد: يا قوم لعنة الله إلى آخره. وأنشد صاحب اللسان لحذف المنادى، مع ذكر أداته مستشهدًا لقراءة الكسائي المذكورة قول الشاعر:\nيا قاتل الله صبيانًا تجيء بهم ... أم الهنينين من زند لها وأري\nثم قال: كأنه أراد يا قوم قاتل الله صبيانًا، وقول الآخر:\nيا من رأى بارقًا أكفكفه ... بين ذراعي وجبهة الأسد","vol":"6","page":445},{"text":"ثم قال: كأنه دعا يا قوم، يا إخوتي، فلما أقبلوا عليه قال: من رأى. وأنشد بعضهم لحذف المنادى مع ذكر أداته قول عنترة في معلقته:\nيا شاة ما قنص لمن حلت له ... حرمت علي وليتها لم تحرم\nقالوا: التقدير: يا قوم انظروا شاة ما قنص.\nواعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن يا على قراءة الكسائي، وفي جميع الشواهد التي ذكرنا ليست للنداء، وإنما هي للتنبيه فكل من ألا، ويا: حرف تنبيه، كرر للتوكيد. وممن روي عنه هذا القول أبو الحسن بن عصفور. وهذا القول اختاره أبو حيان في البحر المحيط. قال فيه: والذي أذهب إليه أن مثل هذا التركيب الوارد عن العرب ليست يا فيه للنداء، وحذف المنادى؛ لأن المنادى عندي لا يجوز حذفه؛ لأنه قد حذف الفعل العامل في النداء، وانحذف فاعله لحذفه، ولو حذف المنادى لكان في ذلك حذف جملة النداء، وحذف متعلقه، وهو المنادى، فكان ذلك إخلالًا كبيرًا، وإذا أبقينا المنادى ولم نحذفه كان ذلك دليلًا على العامل فيه جملة النداء، وليس حرف النداء حرف جواب، كنعم، ولا، وبلى، وأجل، فيجوز حذف الجمل بعدهن؛ لدلالة ما سبق من السؤال على الجمل المحذوفة، فيا عندي في تلك التراكيب حرف تنبيه أكد به ألا التي للتنبيه، وجاز ذلك لاختلاف الحرفين، ولقصد المبالغة في التوكيد. وإذا كان قد وجد التوكيد في اجتماع الحرفين المختلفي اللفظ العاملين في قوله:\n\n• فأصبحن لا يسألنني عن بما به *","vol":"6","page":446},{"text":"والمتفقي اللفظ العاملين في قوله:\n\n• ولا للما بهم أبدا في واء *\nوجاز ذلك، وإن عدوه ضرورة، أو قليلًا فاجتماع غير العالمين، وهما مختلفا اللفظ يكون جائزًا، وليس يا في قوله:\n\n• يا لعنة الله والأقوام كلهم *\nحرف نداء عندي، بل حرف تنبيه جاء بعده المبتدأ، وليس مما حذف منه المنادى لما ذكرناه. انتهى الغرض من كلام أبي حيان، وما اختاره له وجه من النظر.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ومما له وجه من النظر عندي في قراءة الكسائي أن يكون قوله: يا اسجدوا فعل مضارع حذفت منه نون الرفع، بلا ناصب، ولا جازم، ولا نون توكيد، ولا نون وقاية.\nوقد قال بعض أهل العلم: إن حذفها لا لموجب مما ذكر لغة صحيحة.\nقال النووي في شرح مسلم في الجزء السابع عشر في صفحة ٢٠٧ ما نصه: قوله: يا رسول الله كيف يسمعوا وأنى يجيبوا وقد جيفوا. كذا هو في عامة النسخ، كيف يسمعوا، وأني يجيبوا من غير نون، وهي لغة صحيحة، وإن كانت قليلة الاستعمال، وسبق بيانها مرات. ومنها الحديث السابق في كتاب الإِيمان \"لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا\" انتهى منه. وعلى أن حذف نون الرفع لغة صحيحة فلا مانع من أن يكون قوله تعالى: ﴿يَسْجُدُوا﴾ في قراءة الكسائي فعل مضارع، ولا شك أن هذا له وجه من النظر، وقد اقتصرنا في","vol":"6","page":447},{"text":"سورة الحجر على أن حذفها مقصور على السماع، وذكرنا بعض شواهده. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيهان\nالأول: اعلم أن التحقيق أن آية النمل هذه محل سجدة على كلتا القراءتين؛ لأن قراءة الكسائي فيها الأمر بالسجود، وقراءة الجمهور فيها ذم تارك السجود، وتوبيخه. وبه تعلم أن قول الزجاج، ومن وافقه: إنها ليست محل سجدة على قراءة الجمهور، وإنما هي محل سجود على قراءة الكسائي خلاف التحقيق، وقد نبه على هذا الزمخشري وغيره.\nالتنبيه الثاني: اعلم أنه على قراءة الجمهور لا يحسن الوقف على قوله: لا يهتدون، وعلى قراءة الكسائي يحسن الوقف عليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَعْلَمُ مَا تُخْفُونَ وَمَا تُعْلِنُونَ (٢٥)﴾ قرأه حفص والكسائي بالتاء الفوقية على الخطاب، وقرأه الباقون: يخفون، ويعلنون بالتحتية على الغيبة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1317> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"6","page":448},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1318> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (٤٠)﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا أيضًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ (٣٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1319> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أرسل نبيه صالحًا إلى ثمود، فإذا هم فريقان يختصمون، ولم يبين هنا خصومة الفريقين، ولكنه بين ذلك في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿قَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (٧٥) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٧٦)﴾ فهذه خصومتهم، وأعظم أنواع الخصومة الخصومة في الكفر والإِيمان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1320> قوله تعالى: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾.","vol":"6","page":449},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1321> قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾</span>.\nقوله اطيرنا بك، أي: تشاءمنا بك. وكان قوم صالح إذا نزل بهم قحط أو بلاء أو مصائب قالوا: ما جاءنا هذا إلَّا من شؤم صالح، ومن آمن به والتطير: التشاؤم، وأصل اشتقاقه من التشاؤم بزجر الطير.\nوقد بينا كيفية التشاؤم والتيامن بالطير في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾ قال بعض أهل العلم: أي: سببكم الذي يجيء منه خيركم وشركم عند الله، فالشر الذي أصابكم بذنوبكم، لا بشؤم صالح، ومن آمن به من قومه.\nوقد قدمنا معنى طائر الإِنسان في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من تشاؤم الكفار بصالح، ومن معه من المؤمنين جاء مثله موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في تشاؤم فرعون وقومه بموسى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٣١)﴾، وقوله تعالى في تطير كفار قريش بنبينا - ﷺ -: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨)﴾ والحسنة في الآيتين النعمة كالرزق والخصب، والعافية. والسيئة المصيبة بالجدب والقحط، ونقص الأموال، والأنفس، والثمرات،","vol":"6","page":450},{"text":"وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: بليتكم جاءتكم من ذنوبكم، وكفركم.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ (٤٧)﴾ قال بعض العلماء: تختبرون. وقال بعضهم: تعذبون، كقوله: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقد قدمنا أن أصل الفتنة في اللغة وضع الذهب في النار؛ ليختبر بالسبك أزائف هو أم خالص؟ وأنها أطلقت في القرآن على أربعة معان:\nالأول: إطلاقها على الإِحراق بالنار، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ أي: حرقوهم بنار الأخدود على أحد التفسيرين. وقد اختاره بعض المحققين.\nالمعنى الثاني: إطلاق الفتنة على الاختبار، وهذا هو أكثرها استعمالًا، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nالثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختبار إن كانت سيئة خاصة. ومن هنا أطلقت الفتنة على الكفر والضلال، كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك. وهذا التفسير الصحيح دل عليه الكتاب والسنَّة.\nأما الكتاب فقد دل عليه في قوله بعده في البقرة: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي الأنفال: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ فإنه يوضح أن","vol":"6","page":451},{"text":"معنى: لا تكون فتنة، أي: لا يبقى مشرك؛ لأن الدين لا يكون كله للَّه ما دام في الأرض مشرك كما ترى.\nوأما السنَّة ففي قوله - ﷺ -: \"أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله\" الحديث. فقد جعل - ﷺ - الغاية التي ينتهي إليها قتاله للناس هي شهادة ألا إله إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله - ﷺ -. وهو وأضح في أن معنى: لا تكون فتنة: لا يبقى شرك، فالآية والحديث كلاهما دال على أن الغاية التي ينتهي إليها قتال الكفار هي ألا يبقى في الأرض شرك، إلَّا أنه تعالى في الآية عبر عن هذا المعنى بقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ وقد عبر - ﷺ - بقوله: \"حتى يشهدوا ألا إله إلَّا الله\" فالغاية في الآية والحديث واحدة في المعنى، كما ترى.\nالرابع: هو إطلاق الفتنة على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم، كما قاله غير واحد. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1322> قوله تعالى: ﴿قَالُوا تَقَاسَمُوا بِاللَّهِ لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ (٤٩)﴾</span>.\nقد دلت هذه الآية الكريمة على أن نبي الله صالحًا عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام نفعه الله بنصرة وليه، أي: أوليائه؛ لأنه مضاف إلى معرفة، ووجه نصرتهم له أن التسعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ (٤٨) قَالُوا تَقَاسَمُوا﴾ أي: تحالفوا باللَّه (لنبيتنه) أي: لنباغتنه بياتًا، أي: ليلًا فنقتله ونقتل أهله معه ﴿ثُمَّ لَنَقُولَنَّ لِوَلِيِّهِ﴾ أي: أوليائه وعصبته ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ أي: ولا مهلكه هو. وهذا يدل على أنهم","vol":"6","page":452},{"text":"لا يقدرون أن يقتلوه علنًا، لنصرة أوليائه له، وإنكارهم شهود مهلك أهله دليل على خوفهم من أوليائه. والظاهر أن هذه النصرة عصبية نسبية، لا تمت إلى الدين بصلة، وأن أولياءه ليسوا مسلمين.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاشُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ﴾ الآية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وقوله تعالى في هذه الآية: تقاسموا. التحقيق أنه فعل أمر محكي بالقول. وأجاز الزمخشري، وابن عطية أن يكون ماضيًا في موضع الحال. والأول هو الصواب إن شاء الله. ونسبه أبو حيان للجمهور.\nوقوله في هذه الآية: وإنا لصادقون. التحقيق فيه أنهم كاذبون في قولهم: وإنا لصادقون كما لا يخفى، وبه تعلم أن ما تكلفه الزمخشري في الكشاف من كونهم صادقين لا وجه له، كما نبه عليه أبو حيان وأوضحه.\nوقرأ عامة السبعة غير حمزة والكسائي لنبيتنه بالنون المضمومة بعد اللام، وفتح الفوقية المثناة التي بعد التحتية المثناة، وقرأ حمزة والكسائي: لتبيتنه بالتاء الفوقية المضمومة بعد اللام، وضم التاء الفوقية التي بعد الياء التحتية، وقرأ عامة السبعة أيضًا غير حمزة والكسائي: ثم لنقولن بالنون المفتوحة موضع التاء، وفتح اللام الثانية، وقرأ حمزة والكسائي ثم لتقولن بفتح التاء الفوقية بعد اللام الأولى، وضم اللام الثانية، وقرأ عاصم: مهلك أهله بفتح الميم، والباقون بضمها، وقرأ حفص عن عاصم: مهلك بكسر اللام والباقون بفتحها.","vol":"6","page":453},{"text":"فتحصل أن حفصًا عن عاصم قرأ مهلك بفتح الميم وكسر اللام، وأن أبا بكر أعني شعبة قرأ عن عاصم: مهلك بفتح الميم واللام، وأن غير عاصم قرأ مهلك أهله بضم الميم وفتح اللام، فعلى قراءة من قرأ مهلك بفتح الميم، فهو مصدر ميمي من هلك الثلاثي، ويحتمل أن يكون اسم زمان أو مكان. وعلى قراءة من قرأ مهلك بضم الميم، فهو مصدر ميمي من أهلك الرباعي، ويحتمل أن يكون أيضًا اسم مكان أو زمان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1323> قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١) فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآيات الكريمة ثلاثة أمور:\nالأول: أنه دمر جميع قوم صالح، ومن جملتهم تسعة رهط الذين يفسدون في الأرض، ولا يصلحون، وذلك في قوله: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾ أي: وهم قوم صالح ثمود ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً﴾ أي: خالية من السكان؛ لهلاك جميع أهلها ﴿بِمَا ظَلَمُوا﴾ أي: بسبب ظلمهم الذي هو كفرهم وتمردهم وقتلهم ناقة الله التي جعلها آية لهم. وقال بعضهم: خاوية: أي: ساقطًا أعلاها على أسفلها.\nالثاني: أنه جلَّ وعلا جعل إهلاكه قوم صالح آية، أي: عبرة يتعظ بها من بعدهم، فيحذر من الكفر، وتكذيب الرسل، لئلا ينزل به","vol":"6","page":454},{"text":"ما نزل بهم من التدمير. وذلك في قوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢)﴾.\nالثالث: أنه تعالى أنجى الذين آمنوا وكانوا يتقون من الهلاك والعذاب، وهم نبي الله صالح ومن آمن به من قومه، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ وهذه الأمور الثلاثة التي ذكرها جل وعلا هنا جاءت موضحة في آيات أخر.\nأما إنجاؤه نبيه صالحًا، ومن آمن به وإهلاكه ثمود، فقد أوضحه جلَّ وعلا في مواضع من كتابه، كقوله في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ وآية هود هذه قد بينت أيضًا التدمير المجمل في آية النمل هذه فالتدمير المذكور في قوله تعالى: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾، بينت آية هود أنه الإهلاك بالصيحة في قوله تعالى: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧)﴾ أي: وهم موتى.\nوأما كونه جعل إهلاكه إياهم آية، فقد أوضحه أيضًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى فيهم: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٥٨) وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (١٥٩)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ","vol":"6","page":455},{"text":"أَجْمَعِينَ (٥١)﴾. قرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو. وابن عامر: إنا دمرناهم بكسر همزة إنا على الاستئناف، وقرأه الكوفيون وهم: عاصم وحمزة والكسائي: أنا دمرناهم بفتح همزة أنا. وفي إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها على قراءة الكوفيين أوجه: منها: أنه بدل من عاقبة مكرهم، ومنها: أنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره هي، أي: عاقبة مكرهم تدميرنا إياهم.\nوهذان الوجهان هما أقرب الأوجه عندي للصواب، ولذا تركنا غيرهما من الأوجه. والضمير في قوله: مكرهم، وفي قوله: دمرناهم راجع إلى التسعة المذكورين في قوله تعالى: ﴿وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ تِسْعَةُ رَهْطٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿خَاوِيَةٌ﴾ حال من بيوتهم، والعامل فيه الإِشارة الكامنة في معنى تلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1324> قوله تعالى: ﴿وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٥٤)﴾</span> إلى قوله تعالى: ﴿فَسَاءَ مَطَرُ الْمُنْذَرِينَ (٥٨)﴾.\nقد قدمنا الآيات التي فيها إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود في الكلام على قصة لوط وقومه، وبينا هناك كلام أهل العلم ومناقشة أدلتهم في عقوبة فاعل فاحشة اللواط، وذكرنا الآيات المبينة لها أيضًا في سورة الحجر في الكلام على قصة لوط وقومه، وذكرنا بعض ذلك في سورة الفرقان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1325> قوله تعالى: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ﴾</span>.","vol":"6","page":456},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1326> وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا﴾</span> الآيات.\nقد أوضحنا ما تضمنته من البراهين على البعث في أول سورة البقرة، وأول سورة النحل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1327> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ (٦٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ الآية، وفي مواضع أخر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1328> قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾</span>.\nأظهر أقوال أهل العلم عندي في هذه الآية الكريمة أن المعنى: بل إدراك علمهم، أي: تكامل علمهم في الآخرة، حين يعاينونها، أي: يعلمون في الآخرة علما كاملًا ما كانوا يجهلونه في الدنيا.\nوقوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ أي: في دار الدنيا، فهذا الذي كانوا يشكون فيه في دار الدنيا، ويعمون عنه مما جاءتهم به الرسل يعلمونه في الآخرة علمًا كاملًا لا يخالجه شك عند معاينتهم لما كانوا ينكرونه من البعث، والجزاء.\nوإنما اخترنا هذا القول دون غيره من أقوال المفسرين في الآية لأن القرآن دل عليه دلالة واضحة في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ فقوله:","vol":"6","page":457},{"text":"أسمع بهم، وأبصر يوم يأتوننا بمعنى ما أسمعهم وما أبصرهم للحق الذي كانوا ينكرونه يوم يأتوننا، أي: يوم القيامة. وهذا يوضح معنى قوله: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ أي: تكامل فيها لمبالغتهم في سمع الحق وإبصاره في ذلك الوقت. وقوله: ﴿لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ يوضح معنى قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾؛ لأن ضلالهم المبين اليوم، أي: في دار الدنيا، هو شكهم في الآخرة، وعماهم عنها. وكقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ أي: علمك اليوم بما كنت تنكره في الدنيا مما جاءتك به الرسل حديد، أي: قوي كامل.\nوقد بينا في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب] في سورة الشورى في الجواب عما يتوهم من التعارض بين قوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ أن المراد بحدة البصر في ذلك اليوم: كمال العلم وقوة المعرفة. وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ فقوله: إنا موقنون، أي: يوم القيامة، يوضح معنى قوله هنا: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ فعرضهم على ربهم صفًا يتدارك به علمهم لما كانوا ينكرونه. وقوله: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا (٤٨)﴾ صريح في أنهم في الدنيا كانوا في شك وعمى عن البعث والجزاء، كما ترى إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أن قوله: بل ادارك فيه اثنتا عشرة قراءة، اثنتان منها فقط سبعيتان، فقد قرأه عامة السبعة غير ابن كثير وأبي عمرو: بل ادارك","vol":"6","page":458},{"text":"بكسر اللام من بل وتشديد الدال بعدها ألف والألف التي قبل الدال همزة وصل، وأصله تدارك بوزن: تفاعل: وقد قدمنا وجه الإِدغام، واستجلاب همزة الوصل في تفاعل وتفعل وأمثلة ذلك في القرآن، وبعض شواهده العربية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ وقرأه ابن كثير، وأبو عمرو: بل أدرك بسكون اللام من بل، وهمزة قطع مفتوحة، مع سكون الدال على وزن: أفعل.\nوالمعنى على قراءة الجمهور: بل ادارك علمهم، أي: تدارك بمعنى: تكامل، كقوله: ﴿إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾.\nوعلى قراءة ابن كثير، وأبي عمرو: بل أدرك. قال البغوي أي: بلغ ولحق، كما يقال: أدركه علمي إذا لحقه وبلغه. والإِضراب في قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ إضراب انتقالي، والظاهر أن من في قوله تعالى: ﴿بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾ بمعنى عن، وعمون جمع عم، وهو الوصف من عمي يعمى فهو أعمى وعم، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (٦٤)﴾ وقول زهير في معلقته:\nوأعلم علم اليوم والأمس قبله ... ولكنني عن علم ما في غد عم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1329> قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾</span>.\nومن ذلك اختلافهم في عيسى، فقد قدمنا في سورة مريم ادعاءهم على أمه الفاحشة، مع أن طائفة منهم آمنت به، كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصَارَ اللَّهِ كَمَا قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ","vol":"6","page":459},{"text":"مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ فَآمَنَتْ طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَكَفَرَتْ طَائِفَةٌ﴾ والطائفة التي آمنت قالت الحق في عيسى، والتي كفرت أفترت عليه، وعلى أمه. كما تقدم إيضاح في سورة مريم.\nوقد قص الله عليهم في سورة مريم وسورة النساء وغيرهما حقيقة عيسى بن مريم، وهي: أنه عبد الله ورسوله وكلمته ألقاها إلى مريم، وروح منه، ولما بين لهم حقيقة أمره مفصلة في سورة مريم، قال: ﴿ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾، وذلك يبين بعض ما دل عليه قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (٧٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1330> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ (٧٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1331> قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾</span>.\nأعلم أن التحقيق الذي دلت عليه القرائن القرآنية واستقراء القرآن أن معنى قوله هنا: إنك لا تسمع الموتى، لا يصح فيه من أقوال العلماء إلَّا تفسيران:\nالأول أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: لا تسمع الكفار، الذين أمات الله قلوبهم، وكتب عليهم الشقاء في سابق علمه إسماع هدى وانتفاع؛ لأن الله كتب عليهم الشقاء، فختم على قلوبهم، وعلى سمعهم، وجعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم","vol":"6","page":460},{"text":"الوقر، وعلى أبصارهم الغشاوة، فلا يسمعون الحق سماع اهتداء وانتفاع. ومن القرائن القرآنية الدالة على ما ذكرنا أنه جل وعلا قال بعده: ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾.\nفاتضح بهذه القرينة أن المعنى: إنك لا تسمع الموتى، أي: الكفار الذين هم أشقياء في علم الله إسماع هدى وقبول للحق، ما تسمع ذلك الإِسماع إلَّا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون، فمقابلته جل وعلا بالإسماع المنفي في الآية عن الموتى بالإِسماع المثبت فيها لمن يؤمن بآياته فهو مسلم، دليل واضح على أن المراد بالموت في الآية: موت الكفر والشقاء، لا موت مفارقة الروح للبدن، ولو كان المراد بالموت في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ مفارقة الروح للبدن لما قابل قوله: إنك لا تسمع الموتى بقوله: إن تسمع إلَّا من يؤمن بآياتنا، بل لقابله بما يناسبه، كأن يقال: إن تسمع إلَّا من لم يمت أي: يفارق روحه بدنه كما هو واضح.\nوإذا علمت أن هذه القرينة القرآنية دلت على أن المراد بالموتى هنا الأشقياء الذين لا يسمعون الحق سماع هدى وقبول.\nفاعلم أن استقراء القرآن العظيم يدل على هذا المعنى كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٣٦)﴾ وقد أجمع من يعتد به من أهل العلم أن المراد بالموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ الكفار، ويدل له مقابلة الموتى في قوله: ﴿وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ بالذين يسمعون في قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ ويوضح ذلك قوله تعالى قبله ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ﴾ أي: فافعل، ثم قال: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ","vol":"6","page":461},{"text":"مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥) إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ﴾ الآية، وهذا واضح فيما ذكرنا. ولو كان يراد بالموتى من فارقت أرواحهم أبدانهم لقابل الموتى بما يناسبهم، كأن يقال: إنما يستجيب الأحياء، أي: الذين لم تفارق أرواحهم أبدانهم، وكقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْكَافِرِينَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٢٢)﴾.\nفقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: أو من كان ميتًا، أي: كافرا، فأحييناه، أي: بالإِيمان والهدى. وهذا لا نزاع فيه. وفيه إطلاق الموت، وإرادة الكفر بلا خلاف. وكقوله: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ أي: لا يستوي المؤمنون والكافرون.\nومن أوضح الأدلة على هذا المعنى أن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية. وما في معناها من الآيات كلها تسلية له  - ﷺ -؛ لأنه يحزنه عدم إيمانهم، كما بينه تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧)﴾ الآية. وقوله: ﴿وَلَا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾ وكقوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿لَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ أَلَّا يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه. ولما كان يحزنه كفرهم، وعدم إيمانهم أنزل الله آيات كثيرة تسلية له  - ﷺ -  بين له فيها: أنه لا قدرة له  - ﷺ -  على هدي من أضله الله، فإن الهدى والإِضلال بيده جلَّ وعلا وحده، وأوضح له أنه نذير، وقد","vol":"6","page":462},{"text":"أتى بما عليه، فأنذرهم على أكمل الوجوه وأبلغها وأن هداهم وإضلالهم بيد من خلقهم.\nومن الآيات النازلة تسلية له  - ﷺ -  قوله هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ أي: لا تسمع من أضله الله إسماع هدى وقبول، إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا، يعني ما تسمع إسماع هدى وقبول إلا من هديناهم للإِيمان بآياتنا فهم مسلمون.\nوالآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات. ولو كان معنى الآية، وما شابهها: إنك لا تسمع الموتى، أي: الذين فارقت أرواحهم أبدانهم لما كان في ذلك تسلية له  - ﷺ -  كما ترى.\nواعلم أن آية النمل هذه جاءت آيتان أخريان بمعناها:\nالأولى منهما: قوله تعالى في سورة الروم: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٥٢) وَمَا أَنْتَ بِهَادِ الْعُمْيِ عَنْ ضَلَالَتِهِمْ إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾ ولفظ آية الروم هذه كلفظ آية النمل التي نحن بصددها، فيكفي في بيان آية الروم ما ذكرنا في آية النمل.","vol":"6","page":463},{"text":"والثانية منهما: قوله تعالى في آية فاطر: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ وآية فاطر هذه كآية النمل والروم المتقدمتين؛ لأن المراد بقوله فيها: (من في القبور) المِوتى، فلا فرق بين قوله ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وبين قوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ لأن المراد بالموتى ومن في القبور واحد، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾ أي يبعث جميع الموتى: من قبر منهم ومن لم يقبر. وقد دلت قرائن قرآنية أيضًا على أن معنى آية فاطر هذه كمعنى آية الروم، منها قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية؛ لأن معناها: لا ينفع إنذارك إلَّا من هداه الله ووفقه فصار ممن يخشى ربه بالغيب، ويقيم الصلاة، وما أنت بمسمع من في القبور، أي: الموتى، أي: الكفار الذين سبق لهم الشقاء كما تقدم. ومنها قوله تعالى أيضًا: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾ أي: المؤمن والكافر، وقوله تعالى قبلها: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾ أي: المؤمنون والكفار، ومنها قوله تعالى بعده: ﴿إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (٢٣)﴾ أي: ليس الإضلال والهدى بيدك ما أنت إلَّا نذير، أي: وقد بلغت.\nالتفسير الثاني: هو أن المراد بالموتى الذين ماتوا بالفعل، ولكن المراد بالسماع المنفى في قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ خصوص السماع المعتاد الذي ينتفع صاحبه به، وأن هذا مثل ضرب للكفار، والكفار يسمعون الصوت، لكن لا يسمعون سماع قبول بفقه واتباع كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل قد انتفى عنهم","vol":"6","page":464},{"text":"السماع المعتاد الذي ينتفعون به، وأما سماع آخر فلا. وهذا التفسير الثاني جزم به واقتصر عليه العلامة أبو العباس بن تيمية ﵀، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله في هذا المبحث.\nوهذا التفسير الأخير دلت عليه أيضًا آيات من كتاب الله جاء فيها التصريح بالبكم والصمم والعمى مسندًا إلى قوم يتكلمون ويسمعون ويبصرون، والمراد بصممهم صممهم عن سماع ما ينفعهم، دون غيره، فهم يسمعون غيره، وكذلك في البصر والكلام، وذلك كقوله تعالى في المنافقين: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ (١٨)﴾ فقد قال فيهم صم بكم مع شدة فصاحتهم، وحلاوة ألسنتهم كما صرح به في قوله تعالى فيهم. ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ أي: لفصاحتهم، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا ذَهَبَ الْخَوْفُ سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ فهؤلاء الذين إن يقولوا تسمع لقولهم، وإذا ذهب الخوف سلقوا المسلمين بألسنة حداد هم الذين قال الله فيهم: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ وما ذلك إلَّا أن صممهم وبكمهم وعماهم بالنسبة إلى شيء خاص، وهو ما ينتفع به من الحق، فهذا وحده هو الذي صموا عنه، فلم يسمعوه، وبكموا عنه فلم ينطقوا به، وعموا عنه فلم يروه مع أنهم يسمعون غيره ويبصرونه، وينطقون به، كما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ سَمْعًا وَأَبْصَارًا وَأَفْئِدَةً فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ سَمْعُهُمْ وَلَا أَبْصَارُهُمْ وَلَا أَفْئِدَتُهُمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية، وهذا واضح كما ترى.\nوقد أوضحنا هذا غاية الإِيضاح مع شواهده العربية في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، في سورة البقرة في الكلام على وجه الجمع بين قوله في المنافقين ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ مع قوله فيهم: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ﴾ وقوله فيهم:","vol":"6","page":465},{"text":"﴿سَلَقُوكُمْ بِأَلْسِنَةٍ حِدَادٍ﴾ وقوله فيهم أيضًا: ﴿وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ﴾ وقد أوضحنا هناك أن العرب تطلق الصمم وعدم السماع على السماع الذي لا فائدة فيه، وذكرنا بعض الشواهد العربية على ذلك.\nمسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة\nأعلم أن الذي يقتضي الدليل رجحانه هو أن الموتى في قبورهم يسمعون كلام من كلمهم، وأن قول عائشة ﵂ ومن تبعها: إنهم لا يسمعون استدلالا بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ وما جاء بمعناها من الآيات غلط منها ﵂، وممن تبعها.\nوإيضاح كون الدليل يقتضي رجحان ذلك مبني على مقدمتين:\nالأولى منها: أن سماع الموتى ثبت عن النبي  - ﷺ -  في أحاديث متعددة ثبوتًا لا مطعن فيه. ولم يذكر  - ﷺ -  أن ذلك خاص بإنسان ولا بوقت.\nوالمقدمة الثانية: هي أن النصوص الصحيحة عنه  - ﷺ -  في سماع الموتى لم يثبت في الكتاب ولا في السنَّة لشيء يخالفها، وتأويل عائشة ﵂ بعض الآيات على معنى يخالف الأحاديث المذكورة لا يجب الرجوع إليه، لأن غيره في معنى الآيات أولى بالصواب منه، فلا ترد النصوص الصحيحة عن النبي  - ﷺ -  بتأول بعض الصحابة بعض الآيات. وسنوضح هنا إن شاء الله صحة المقدمتين المذكورتين. وإذا ثبت بذلك أن سماع الموتى ثابت عنه  - ﷺ -  من غير معارض صريح علم بذلك رجحان ما ذكرنا أن الدليل يقتضي رجحانه.\nأما المقدمة الأولى وهي ثبوت سماع الموتى عن النبي  - ﷺ -،","vol":"6","page":466},{"text":"فقد قال البخاري في صحيحه: حدثني عبد الله بن محمد، سمع روح بن عبادة، حدثنا سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة قال: ذكر لنا أنس بن مالك عن طلحة: \"أن نبي الله  - ﷺ -  أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوي من أطواء بدر خبيث مخبث، وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعرصة ثلاث ليال، فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها رحلها، ثم مشى واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفة الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء آبائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان: أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا، فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ قال: فقال عمر: يا رسول الله  - ﷺ -  ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، فقال رسول الله  - ﷺ -: والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" قال قتادة: أحياهم الله له، حتى أسمعهم قوله توبيخًا وتصغيرًا ونقمة وحسرة، وندمًا. فهذا الحديث الصحيح أقسم فيه النبي  - ﷺ -: أن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع لما يقول  - ﷺ -  من أولئك الموتى بعد ثلاث. وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر  - ﷺ -  في ذلك تخصيصًا، وكلام قتادة الذي ذكره عنه البخاري اجتهاد منه فيما يظهر.\nوقال البخاري في صحيحه أيضًا: حدثني عثمان، حدثنا عبدة عن هشام، عن أبيه، عن ابن عمر ﵄ قال: \"وقف النبي  - ﷺ -  على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعد ربكم حقًا؟ ثم قال: إنهم الآن يسمعون ما أقول. فذكر لعائشة فقالت: إنما قال النبي  - ﷺ -: إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم هو الحق ثم","vol":"6","page":467},{"text":"قرأت: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية. انتهى من صحيح البخاري. وقد رأيته أخرج عن صحابيين جليلين، هما ابن عمر، وأبو طلحة تصريح النبي  - ﷺ -  بأن أولئك الموتى يسمعون ما يقول لهم، ورد عائشة لرواية ابن عمر بما فهمت من القرآن مردود، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nوقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ أن ردها على ابن عمر أيضًا روايته عن النبي  - ﷺ -  أن الميت يعذب ببكاء أهله بما فهمت من الآية مردود أيضًا، وأوضحنا أن الحق مع ابن عمر في روايته، لا معها فيما فهمت من القرآن.\nوقال البخاري في صحيحه أيضًا: حدثنا عياش، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا سعيد. قال: وقال لي خليفة: حدثنا ابن زريع، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن أنس ﵁، عن النبي  - ﷺ -  قال: \"العبد إذا وضع في قبره وتولى وذهب أصحابه حتى إنه ليسمع قرع نعالهم أتاه ملكان فأقعداه فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل محمد  - ﷺ -؟ فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله، فيقال: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعدًا في الجنة\" الحديث. وقد رأيت في هذا الحديث الصحيح تصريح النبي  - ﷺ -  بأن الميت في قبره يسمع قرع نعال من دفنوه إذا رجعوا. وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى، ولم يذكر  - ﷺ -  فيه تخصيصًا.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني إسحاق بن عمر بن سليط الهذلي، حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت قال: قال أنس: كنت مع عمر (ح) وحدثنا شيبان بن فروخ","vol":"6","page":468},{"text":"واللفظ له: حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس بن مالك قال: كنا مع عمر بين مكة والمدينة فتراءينا الهلال. الحديث. وفيه: فقال: إن رسول الله  - ﷺ -  كان يرينا مصارع أهل بدر بالأمس. يقول: هذا مصرع فلان غدا إن شاء الله. قال: فقال عمر: فوالذي بعثه بالحق ما أخطأوا الحدود التي حد رسول الله  - ﷺ -، فجعلوا في بئر بعضهم على بعض، فانطلق رسول الله  - ﷺ -  حتى انتهى إليهم، فقال: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن فلان هل وجدتم ما وعدكم الله ورسوله حقًا فإني قد وجدت ما وعدني الله حقًا. قال عمر: يا رسول الله  - ﷺ -  كيف تكلم أجسادًا لا أرواح فيها؟ قال: ما أنتم بأسمع لما أقول منهم غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا عليَّ شيئًا\".\nحدثنا هداب بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت البناني، عن أنس بن مالك: \"أن رسول الله  - ﷺ -  ترك قتلى بدر ثلاثًا ثم أتاهم فقام عليهم فناداهم فقال: يا أبا جهل بن هشام، يا أمية بن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة أليس قد وجدتم ما وعدكم الله حقًا، فإني قد وجدت ما وعدني ربي حقًا، فسمع عمر قول النبي  - ﷺ -  فقال: يا رسول الله كيف يسمعوا، وأنى يجيبوا وقد جيفوا؟ قال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا. ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر\" ثم ذكر مسلم بعد هذا رواية أنس عن أبي طلحة التي ذكرناها عن البخاري. فترى هذه الأحاديث الثابتة في الصحيح عن عمر، وابنه وأنس، وأبي طلحة ﵃ فيها التصريح من النبي  - ﷺ -  بأن الأحياء الحاضرين ليسوا بأسمع من أولئك الموتى لما يقوله  - ﷺ -، وقد أقسم  - ﷺ -  على ذلك ولم يذكر تخصيصًا.","vol":"6","page":469},{"text":"وقال مسلم ﵀ في صحيحه أيضًا: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا يونس بن محمد، حدثنا شيبان بن عبد الرحمن، عن قتادة، حدثنا أنس بن مالك قال: قال نبي الله  - ﷺ -: \"إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم قال: يأتيه ملكان فيقعدانه\" الحديث. وفيه تصريح النبي  - ﷺ -  بسماع الميت في قبره قرع النعال، وهو نص صحيح صريح في سماع الموتى. وظاهره العموم في كل من دفن وتولى عنه قومه، كما ترى.\nومن الأحاديث الدالة على عموم سماع الموتى ما رواه مسلم في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى التميمي، ويحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد قال يحيى بن يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا إسماعيل بن جعفر عن شريك  - وهو ابن أبي نمر -  عن عطاء بن يسار، عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله  - ﷺ -  كلما كان ليلتها من رسول الله  - ﷺ -  يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وأتاكم ما توعدون، غدًا مؤجلون، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، اللَّهم اغفر لأهل بقيع الغرقد\" ولم يقل قتيبة قوله: وأتاكم ما توعدون. وفي رواية في صحيح مسلم عنها قالت: كيف أقول لهم يا رسول الله  - ﷺ -  قال: قولي: \"السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون\".\nثم قال مسلم ﵀: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، وزهير بن حرب قالا: حدثنا محمد بن عبد الله الأسدي عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه قال: كان رسول الله  - ﷺ -  يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر فكان قائلهم يقول  - في","vol":"6","page":470},{"text":"رواية أبي بكر -: السلام على أهل الديار، وفي رواية زهير: السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم للاحقون، نسأل الله لنا ولكم العافية\". انتهى من صحيح مسلم. وخطابه  - ﷺ -  لأهل القبور بقوله: \"السلام عليكم\" وقوله: \"وإنا إن شاء الله بكم\" ونحو ذلك يدل دلالة واضحة على أنهم يسمعون سلامه؛ لأنهم لو كانوا لا يسمعون سلامه وكلامه لكان خطابه لهم من جنس خطاب المعدوم، ولا شك أن ذلك ليس من شأن العقلاء، فمن البعيد جدًّا صدوره منه  - ﷺ -  وسيأتي إن شاء الله ذكر حديث عمرو بن العاص الدال على أن الميت في قبره يستأنس بوجود الحي عنده.\nوإذا رأيت هذ الأدلة الصحيحة الدالة على سماع الموتى، فاعلم أن الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾ لا تخالفها. وقد أوضحنا الصحيح من أوجه تفسيرها، وذكرنا دلالة القرائن القرآنية عليه، وأن استقراء القرآن يدل عليه.\nوممن جزم بأن الآيات المذكورة لا تنافي الأحاديث الصحيحة التي ذكرنا أبو العباس بن تيمية ﵀ فقد قال في الجزء الرابع من مجموع الفتاوى من صحيفة خمس وتسعين ومائتين إلى صحيفة تسع وتسعين ومائتين ما نصه: وقد تعاد الروح إلى البدن في غير وقت المسألة كما في الحديث الذي صححه ابن عبد البر عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"ما من رجل يمر بقبر الرجل الذي كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلَّا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇\" وفي سنن أبي داود وغيره، عن أوس بن أبي أوس الثقفي عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"إن خير أيامكم يوم الجمعة فأكثروا عليّ من الصلاة يوم الجمعة وليلة","vol":"6","page":471},{"text":"الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي، قالوا: يا رسول الله كيف تعرض صلاتنا عليك وقد أرمت؟ فقال: إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء\" وهذا الباب فيه من الأحاديث والآثار، ما يضيق هذا الوقت عن استقصائه، مما يبين أن الأبدان التي في القبور تنعم وتعذب إذا شاء الله ذلك كما يشاء، وأن الأرواح باقية بعد مفارقة البدن ومنعمة أو معذبة، ولذا أمر النبي  - ﷺ -  بالسلام على الموتى، كما ثبت في الصحيح والسنن: أنه كان يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: \"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللَّهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم\" وقد انكشف لكثير من الناس ذلك حتى سمعوا صوت المعذبين في قبورهم، ورأوهم بعيونهم يعذبون في قبورهم، في آثار كثيرة معروفة، ولكن لا يجب أن يكون دائمًا على البدن في كل وقت، بل يجوز أن يكون في حال.\nوفي الصحيحين عن أنس بن مالك ﵁ أن النبي  - ﷺ -  ترك قتلى بدر ثلاثًا، ثم أتاهم فقام عليهم فقال: \"يا أبا جهل بن هشام، يا أمية ابن خلف، يا عتبة بن ربيعة، يا شيبة بن ربيعة: أليس قد وجدتم ما وعدكم ربكم حقّا؟ فإنني وجدت ما وعدني ربي حقًا. فسمع عمر ﵁ قول النبي  - ﷺ -  فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وقد جيفوا؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا، ثم أمر بهم فسحبوا فألقوا في قليب بدر\" وقد أخرجاه في الصحيحين عن ابن عمر ﵄ أن النبي  - ﷺ -  وقف على قليب بدر، فقال: \"هل وجدتم ما وعدكم","vol":"6","page":472},{"text":"ربكم حقًا؟ وقال: إنهم ليسمعون الآن ما أقول. فذكر ذلك لعائشة فقالت: وهم ابن عمر، إنما قال رسول الله  - ﷺ -: إنهم ليعلمون الآن أن الذي قلت لهم هو الحق، فم قرأت قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ حتى قرأت الآية\".\nوأهل العلم بالحديث اتفقوا على صحة ما رواه أنس، وابن عمر وإن كانا لم يشهدا بدرًا، فإن أنسًا روى ذلك عن أبي طلحة، وأبو طلحة شهد بدرًا، كما روى أبو حاتم في صحيحه، عن أنس، عن أبي طلحة ﵁ \"أن النبي  - ﷺ -  أمر يوم بدر بأربعة وعشرين رجلًا من صناديد قريش، فقذفوا في طوى من أطواء بدر، وكان إذا ظهر على قوم أحب أن يقيم في عرصتهم ثلاث ليال، فلما كان اليوم الثالث أمر براحلته فشد عليها فحركها، ثم مشى وتبعه أصحابه، وقالوا: ما نراه ينطلق إلَّا لبعض حاجته، حتى قام على شفاء الركي، فجعل يناديهم بأسمائهم، وأسماء آبائهم: يا فلان بن فلان أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا، قال عمر بن الخطاب: يا رسول الله  - ﷺ -  ما تكلم من أجساد ولا أرواح فيها، فقال النبي  - ﷺ -: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" قال قتادة: أحياهم الله حتى أسمعهم توبيخًا، وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة، وتنديمًا. وعائشة قالت فيما ذكرته كما تأولت.\nوالنص الصحيح عن النبي  - ﷺ -  مقدم على تأويل من تأول من أصحابه وغيره، وليس في القرآن ما ينفي ذلك، فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ إنما أراد به السماع المعتاد الذي ينفع صاحبه، فإن هذا مثل ضربه الله للكفار، والكفار تسمع الصوت، لكن لا تسمع","vol":"6","page":473},{"text":"سماع قبول بفقه واتباع، كما قال تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً﴾ فهكذا الموتى الذين ضرب بهم المثل لا يجب أن ينفى عنهم جميع أنواع السماع، بل السماع المعتاد كما لم ينف ذلك عن الكفار، بل انتفى عنهم السماع المعتاد الذي ينتفعون به. وأما سماع آخر فلا ينفى عنهم. وقد ثبت في الصحيحين وغيرهما أن الميت يسمع خفق نعالهم، إذا ولوا مدبرين، فهذا موافق لهذا، فكيف يرفع ذلك. انتهى محل الغرض من كلام أبي العباس بن تيمية ﵀. وقد تراه صرح فيه بأن تأول عائشة لا يرد به النص الصحيح عنه  - ﷺ -، وأنه ليس في القرآن ما ينفي السماع الثابت للموتى في الأحاديث الصحيحة.\nوإذا علمت به أن القرآن ليس فيه ما ينفي السماع المذكور، علمت أنه ثابت بالنص الصحيح من غير معارض.\nوالحاصل: أن تأول عائشة ﵂ بعض آيات القرآن لا ترد به روايات الصحابة العدول الصحيحة الصريحة عنه  - ﷺ -، ويتأكد ذلك بثلاث أمور:\nالأول: هو ما ذكرناه الآن من أن رواية العدل لا ترد بالتأويل.\nالثاني: أن عائشة ﵂ لما أنكرت رواية ابن عمر عن النبي  - ﷺ -  إنهم ليسمعون الآن ما أقول. قالت: إن الذي قاله  - ﷺ -: إنهم ليعلمون الآن أن الذي كنت أقول لهم هو الحق، فأنكرت السماع ونفته عنهم، وأثبتت لهم العلم، ومعلوم أن من ثبت له العلم صح منه السماع كما نبه عليه بعضهم.\nالثالث: هو ما جاء عنها مما يقتضي رجوعها عن تأويلها المذكور إلى الروايات الصحيحة.","vol":"6","page":474},{"text":"قال ابن حجر في فتح الباري: ومن الغريب أن في المغازي لابن إسحاق  - رواية يونس بن بكير -  بإسناد جيد، عن عائشة مثل حديث أبي طلحة وفيه: \"ما أنتم بأسمع لما أقول منهم\" وأخرجه أحمد بإسناد حسن. فإن كان محفوظًا فكأنها رجعت عن الإِنكار لما ثبت عندها من رواية هؤلاء الصحابة، لكونها لم تشهد القصة. انتهى منه.\nواحتمال رجوعها لما ذكر قوي، لأن ما يقتضي رجوعها ثبت بإسنادين. قال ابن حجر: إن أحدهما جيد، والآخر حسن، ثم قال ابن حجر: قال الإِسماعيلي: كان عند عائشة من الفهم والذكاء وكثرة الرواية والغوص على غوامض العلم ما لا مزيد عليه، لكن لا سبيل إلى رد رواية الثقة إلا بنص مثله يدل على نسخه أو تخصيصه، أو استحالته. انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر.\nوقال ابن القيم في أول كتاب الروح: المسألة الأولى: وهي هل تعرف الأموات زيارة الأحياء وسلامهم أم لا؟ قال ابن عبد البر: ثبت عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"ما من مسلم يمر على قبر أخيه كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلَّا رد الله عليه روحه حتى يرد ﵇\" فهذا نص في أنه يعرفه بعينه، ويرد ﵇.\nوفي الصحيحين عنه  - ﷺ -  من وجوه متعددة أنه أمر بقتلى بدر، فألقوا في قليب، ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم بأسمائهم \"يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا فإني وجدت ما وعدني ربي حقًا، فقال له عمر: يا رسول الله ما تخاطب من أقوام قد جيفوا، فقال: والذي بعثني بالحق ما أنتم باسمع لما أقول منهم، ولكنهم لا يستطيعون جوابًا\" وثبت عنه  - ﷺ -:","vol":"6","page":475},{"text":"أن الميت يسمع قرع نعال المشيعين له إذا انصرفوا عنه، وقد شرع النبي  - ﷺ -  لأمته إذا سلموا على أهل القبور أن يسلموا عليهم سلام من يخاطبونه، فيقول: السلام عليكم دار قوم مؤمنين. وهذا خطاب لمن يسمع ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون على هذا. وقد تواترت الآثار عنهم أن الميت يعرف زيارة الحي له، ويستبشر له. قال أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبيد بن أبي الدنيا في كتاب القبور: \"باب في معرفة الموتى بزيارة الأحياء\": حدثنا محمد بن عون، حدثنا يحيى بن يمان، عن عبد الله بن سمعان، عن زيد بن أسلم، عن عائشة ﵂ قالت: قال رسول الله  - ﷺ -: \"ما من رجل يزور قبر أخيه ويجلس عنده إلَّا استأنس به ورد عليه حتى يقوم\".\nحدثنا محمد بن قدامة الجوهري، حدثنا معن بن عيسى القزاز، أخبرنا هشام بن سعد، حدثنا زيد بن أسلم، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: \"إذا مر الرجل بقبر أخيه يعرفه، فسلم عليه رد ﵇ وعرفه، وإذا مر بقبر لا يعرفه فسلم عليه رد ﵇\".\nوذكر ابن القيم ﵀ في كلام أبي الدنيا وغيره آثارًا تقتضي سماع الموتى، ومعرفتهم لمن يزورهم، وذكر في ذلك مرائي كثيرة جدًّا، ثم قال: وهذه المرائي وإن لم تصلح بمجردها لإِثبات مثل ذلك، فهي على كثرتها، وأنها لا يحصيها إلَّا الله قد تواطأت على هذا المعنى، وقد قال النبي  - ﷺ -: \"أرى رؤياكم قد تواطأت على أنها في العشر الأواخر\" يعني ليلة القدر، فإذا تواطأت رؤيا المؤمنين على شيء كان كتواطئ روايتهم له.\nومما قاله ابن القيم ﵀ في كلامه الطويل المذكور: وقد","vol":"6","page":476},{"text":"ثبت في الصحيح: أن الميت يستأنس بالمشيعين لجنازته بعد دفنه، فروى مسلم في صحيحه من حديث عبد الرحمن بن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياق الموت، فبكى طويلًا وحول وجهه إلى الجدار الحديث. وفيه: فإذا أنا متُّ فلا تصحبني نائحة ولا نار، فإذا دفنتموني فسنوا عليَّ التراب سنًا، ثم أقيموا حول قبري قدر ما تنحر الجزور، ويقسم لحمها، حتى أستأنس بكم وأنظر ماذا أراجع به رسل ربي. فدل على أن الميت يستأنس بالحاضرين عند قبره ويسر بهم. اهـ.\nومعلوم أن هذا الحديث له حكم الرفع، لأن استئناس المقبور بوجود الأحياء عند قبره لا مجال للرأي فيه.\nومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل المذكور: ويكفي في هذا تسمية المسلم عليهم زائرًا، ولولا أنهم يشعرون به لما صح تسميته زائرًا، فإن المزور إن لم يعلم بزيارة من زاره لم يصح أن يقال: زاره. وهذا هو المعقول من الزيارة عند جميع الأمم، وكذلك السلام عليهم أيضًا، فإن السلام على من لا يشعر، ولا يعلم بالمسلم محال، وقد علم النبي  - ﷺ -  أمته إذا زاروا القبور أن يقولوا: \"السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية\" وهذا السلام، والخطاب، والنداء لموجود يسمع، ويخاطب، ويعقل، ويرد، وإن لم يسمع المسلم الرد.\nومما قاله ابن القيم في كلامه الطويل قوله: وقد ترجم الحافظ أبو محمد عبد الحق الأشبيلي على هذا فقال: ذكر ما جاء أن الموتى يسألون عن الأحياء، ويعرفون أقوالهم، وأعمالهم ثم قال: ذكر","vol":"6","page":477},{"text":"أبو عمر بن عبد البر من حديث ابن عباس، عن النبي  - ﷺ -: \"ما من رجل يمر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه فيسلم عليه إلَّا عرفه ورد ﵇\".\nويروى من حديث أبي هريرة مرفوعًا قال: \"فإن لم يعرفه وسلم عليه رد ﵇\" قال: ويروى من حديث عائشة ﵂ أنها قالت: قال رسول الله  - ﷺ -: \"ما من رجل يزور قبر أخيه فيجلس عنده إلَّا استأنس به حتى يقوم\" واحتج الحافظ أبو محمد في هذا الباب بما رواه أبو داود في سننه من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"ما من أحد يسلم على إلا رد الله عليَّ روحي حتى أرد ﵇\" ثم ذكر ابن القيم عن عبد الحق وغيره مرائي، وآثارًا في الموضوع، ثم قال في كلامه الطويل: ويدل على هذا أيضًا ما جرى عليه عمل الناس قديمًا، وإلى الآن من تلقين الميت في قبره، ولولا أنه يسمع ذلك وينتفع به لم يكن فيه فائدة، وكان عبثًا، وقد سئل عنه الإِمام أحمد ﵀ فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل.\nويروى فيه حديث ضعيف: ذكر الطبراني في معجمه من حديث أبي أمامة قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"إذا مات أحدكم فسويتم عليه التراب فليقم أحدكم على رأس قبره فيقول: يا فلان ابن فلانة\" الحديث. وفيه: اذكر ما خرجت عليه من الدنيا شهادة ألا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأنك رضيت باللَّه ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد نبيًا، وبالقرآن إمامًا\" الحديث.\nثم قال ابن القيم ﵀: فهذا الحديث وإن لم يثبت فاتصال العمل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار كاف في العمل","vol":"6","page":478},{"text":"به. وما أجرى الله سبحانه العادة قط بأن أمة طبقت مشارق الأرض ومغاربها، وهي أكمل الأمم عقولًا، وأوفرها معارف تطبق على مخاطبة من لا يسمع، وتستحسن ذلك، لا ينكره منها منكر، بل سنه الأول للآخر، ويقتدى فيه الآخر بالأول، فلولا أن الخطاب يسمع لكان ذلك بمنزلة الخطاب للتراب والخشب والحجر والمعدوم. وهذا وإن استحسنه واحد فالعلماء قاطبة على استقباحه واستهجانه.\nوقد روى أبو داود في سننه بإسناد لا بأس به: \"أن النبي  - ﷺ -  حضر جنازة رجل فلما دفن قال: سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل\"، فأخبر أنه يسأل حينئذ، وإذا كان يسأل فإنه يسمع التلقين. وقد صح عن النبي  - ﷺ -  أن الميت يسمع قرع نعالهم إذا ولوا مدبرين. ثم ذكر ابن القيم ﵀ قصة الصعب بن جثامة، وعوف بن مالك، وتنفيذ عوف لوصية الصعب له في المنام بعد موته، وأثنى على عوف بن مالك بالفقه في تنفيذه وصية الصعب بعد موته لما علم صحة ذلك بالقرائن، وكان في الوصية التي نفذها عوف إعطاء عشرة دنانير ليهودي من تركة الصعب كانتا دينًا له عليه، ومات قبل قضائها.\nقال ابن القيم: وهذا من فقه عوف بن مالك ﵁، وكان من الصحابة حيث نفذ وصية الصعب بن جثامة بعد موته، وعلم صحة قوله بالقرائن التي أخبره بها من أن الدنانير عشرة، وهي في القرن، ثم سأل اليهودي فطابق قوله ما في الرؤيا، فجزم عوف بصحة الأمر، فأعطى اليهودي الدنانير. وهذا فقه إنما يليق بأفقه الناس وأعلمهم، وهم أصحاب رسول الله  - ﷺ -، ولعل أكثر المتأخرين ينكر ذلك، ويقول: كيف جاز لعوف أن ينقل الدنانير من تركة صعب،","vol":"6","page":479},{"text":"وهي لأيتامه وورثته إلى يهودي بمنام. ثم ذكر ابن القيم ﵀ تنفيذ خالد وأبي بكر الصديق ﵄ وصية ثابت بن قيس بن شماس ﵁ بعد موته، وفي وصيته المذكورة قضاء دين عينه لرجل في المنام، وعتق بعض رقيقه، وقد وصف للرجل الذي رآه في منامه الموضع الذي جعل فيه درعه الرجل الذي سرقها، فوجدوا الأمر كما قال، وقصته مشهورة.\nوإذا كانت وصية الميت بعد موته قد نفذها في بعض الصور أصحاب رسول الله  - ﷺ -، فإن ذلك يدل على أنه يدرك ويعقل ويسمع. ثم قال ابن القيم ﵀ في خاتمة كلامه الطويل: والمقصود جواب السائل، وأن الميت إذا عرف مثل هذه الجزئيات وتفاصيلها، فمعرفته بزيارة الحي له، وسلامه عليه، ودعائه له أولى وأحرى. اهـ.\nفكلام ابن القيم هذا الطويل الذي ذكرنا بعضه جملة، وبعضه تفصيلًا فيه من الأدلة المقنعة ما يكفي في الدلالة على سماع الأموات، وكذلك الكلام الذي نقلنا عن شيخه أبي العباس بن تيمية رحمهما الله تعالى. وفي كلامهما الذي نقلنا عنهما أحاديث صحيحة، وآثار كثيرة، ومرائي متواترة وغير ذلك. ومعلوم أن ما ذكرنا في كلام ابن القيم من تلقين الميت بعد الدفن أنكره بعض أهل العلم، وقال: إنه بدعة، وأنه لا دليل عليه، ونقل ذلك عن الإِمام أحمد وأنه لم يعمل به إلَّا أهل الشام. وقد رأيت ابن القيم ﵀ استدل له بأدلة:\nمنها: أن الإِمام أحمد ﵀ سئل عنه، فاستحسنه، واحتج عليه بالعمل.","vol":"6","page":480},{"text":"ومنها: أن عمل المسلمين اتصل به في سائر الأمصار والأعصار من غير إنكار.\nومنها: أن الميت يسمع قرع نعال الدافنين، إذا ولوا مدبرين. واستدلاله ﵀ بهذا الحديث الصحيح استدلال قوي جدًّا؛ لأنه إذا كان في ذلك الوقت يسمع قرع النعال، فلأن يسمع الكلام الواضح بالتلقين من أصحاب النعال أولى وأحرى. واستدلاله لذلك بحديث أبي داود: \"سلوا لأخيكم التثبيت فإنه الآن يسأل\" له وجه من النظر؛ لأنه إذا كان يسمع سؤال السائل فإنه يسمع تلقين الملقن. واللَّه أعلم.\nوالفرق بين سماعه سؤال الملك وسماعه التلقين من الدافنين محتمل احتمالًا قويًا.\nوما ذكره بعضهم من أن التلقين بعد الموت لم يفعله إلَّا أهل الشام، يقال فيه: إنهم هم أول من فعله، ولكن الناس تبعوهم في ذلك كما هو معلوم عند المالكية، والشافعية. قال الشيخ الحطاب في كلامه على قول خليل بن إسحاق المالكي في مختصره: وتلقينه الشهادة: وجزم النووي باستحباب التلقين بعد الدفن. وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة والإِرشاد: وقد سئل عنه أبو بكر بن الطلاع من المالكية، فقال: هو الذي نختاره، ونعمل به، وقد روينا فيه حديثًا عن أبي أمامة ليس بالقوي، ولكنه اعتضد بالشواهد، وعمل أهل الشام قديمًا إلى أن قال: وقال في المدخل: ينبغي أن يتفقده بعد انصراف الناس عنه من كان من أهل الفضل والدين، ويقف عند قبره تلقاء وجهه ويلقنه؛ لأن الملكين ﵉ إذ ذاك يسألانه وهو يسمع قرع نعال المنصرفين.\nوقد روى أبو داود في سننه عن عثمان ﵁ قال: كان","vol":"6","page":481},{"text":"رسول الله  - ﷺ -  إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه وقال: \"استغفروا لأخيكم واسألوا له التثبيب فإنه الآن يسأل\" إلى أن قال: وقد كان سيدي أبو حامد بن البقال، وكان من كبار العلماء والصلحاء، إذا حضر جنازة عزى وليها بعد الدفن، وانصرف مع من ينصرف، فيتوارى هنيهة حتى ينصرف الناس، ثم يأتي إلى القبر، فيذكر الميت بما يجاوب به الملكين ﵉. انتهى محل الغرض من كلام الحطاب.\nوما ذكره من كلام أبي بكر بن الطلاع المالكي له وجه قوي من النظر، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى. ثم قال الحطاب: واستحب التلقين بعد الدفن أيضًا القرطبي، والثعالبي وغيرهما، ويظهر من كلام الأبي في أول كتاب الجنائز يعني من صحيح مسلم، وفي حديث عمرو بن العاص في كتاب الإِيمان ميل إليه. انتهى من الحطاب.\nوحديث عمرو بن العاص المشار إليه هو الذي ذكرنا محل الغرض منه في كلام ابن القيم الطويل المتقدم.\nقال مسلم في صحيحه: حدثنا محمد بن المثنى العنزي، وأبو معن الرقاشي، وإسحاق بن منصور، كلهم عن أبي عاصم واللفظ لابن المثنى: حدثنا الضحاك، يعني أبا عاصم قال: أخبرنا حيوة بن شريح، قال: حدثني يزيد بن أبي حبيب، عن ابن شماسة المهري قال: حضرنا عمرو بن العاص، وهو في سياقة الموت، فبكى طويلًا، وحول وجهه إلى الجدار. الحديث. وقد قدمنا محل الغرض منه بلفظه في كلام ابن القيم المذكور، وقدمنا أن حديث عمرو هذا له حكم الرفع، وأنه دليل صحيح على استئناس الميت بوجود الأحياء عند قبره.","vol":"6","page":482},{"text":"وقال النووي في روضة الطالبين ما نصه: ويستحب أن يلقن الميت بعد الدفن فيقال: يا عبد الله ابن أمة الله اذكر ما خرجت عليه من الدنيا: شهادة لَا إلهَ إلَّا الله، وأن محمدًا رسول الله، وأن الجنة حق، وأن النار حق، وأن البعث حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأنت رضيت باللَّه ربًا، وبالإِسلام دينًا، وبمحمد  - ﷺ -  نبيًا، وبالقرآن إمامًا، وبالكعبة قبلة، وبالمؤمنين إخوانًا. ورد به الخبر عن النبي  - ﷺ - .\nقلت: هذا التلقين استحبه جماعات من أصحابنا، منهم القاضي حسين، وصاحب التتمة، والشيخ نصر المقدسي في كتابه التهذيب، وغيرهم، ونقله القاضي حسين عن أصحابنا مطلقًا. والحديث الوارد فيه ضعيف، لكن أحاديث الفضائل يتسامح فيها عند أهل العلم من المحدثين وغيرهم، وقد اعتضد هذا الحديث بشواهد من الأحاديث الصحيحة، كحديث \"اسألوا له التثبيت\" ووصية عمرو بن العاص: أقيموا عند قبري قدر ما تنحر جزور، ويقسم لحمها حتى استأنس بكم، وأعلم ماذا أراجع به رسل ربي. رواه مسلم في صحيحه. ولم يزل أهل الشام على العمل بهذا التلقين من العصر الأول، وفي زمن من يقتدى به. اهـ محل الغرض من كلام النووي.\nوبما ذكر العلامة ابن القيم وابن الطلاع، وصاحب المدخل من المالكية، والنووي من الشافعية، كما أوضحنا كلامهم تعلم أن التلقين بعد الدفن له وجه قوي من النظر؛ لأنه جاء فيه حديث ضعيف، واعتضد بشواهد صحيحة، وبعمل أهل الشام قديمًا، ومتابعة غيرهم لهم.","vol":"6","page":483},{"text":"وبما علم في علم الحديث من التساهل في العمل بالضعيف، في أحاديث الفضائل، ولا سيما المعتضد منها بصحيح. وإيضاح شهادة الشواهد له أن حقيقة التلقين بعد الدفن مركبة من شيئين:\nأحدهما: سماع الميت كلام ملقنه بعد دفنه.\nوالثاني: انتفاعه بذلك التلقين، وكلاهما ثابت في الجملة.\nأما سماعه لكلام الملقن فيشهد له سماعه لقرع نعل الملقن الثابت في الصحيحين، وليس سماع كلامه بأبعد من سماع قرع نعله كما ترى. وأما انتفاعه بكلام الملقن فيشهد له انتفاعه بدعاء الحي وقت السؤال في حديث: \"سلوا لأخيكم التثبيت فإنه يسأل الآن\" واحتمال الفرق (^١) بين الدعاء والتلقين قوي جدًّا كما ترى، فإذا كان وقت السؤال ينتفع بكلام الحي الذي هو دعاؤه له، فإن ذلك يشهد لانتفاعه بكلام الحي الذي هو تلقينه إياه، وإرشاده إلى جواب الملكين، فالجميع في الأول سماع من الميت لكلام الحي، وفي الثاني انتفاع من الميت بكلام الحي وقت السؤال، وقد علمت قوة احتمال الفرق بين الدعاء والتلقين.\nوفي ذلك كله: دليل على سماع الميت كلام الحي، ومن أوضح الشواهد للتلقين بعد الدفن السلام عليه، وخطابه خطاب من يسمع، ويعلم عند زيارته كما تقدم إيضاحه، لأن كلًا منهما خطاب له في قبره، وقد انتصر ابن كثير ﵀ في تفسير سورة الروم في\n_________\n(^١) كذا في الأصل، وفي العبارة شيء، إذ المؤلف يقرر عدم الفرق بين الدعاء والتلقين.","vol":"6","page":484},{"text":"كلامه على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٨١)﴾ لسماع الموتى، وأورد في ذلك كثيرًا من الأدلة التي قدمنا في كلام ابن القيم، وابن أبي الدنيا، وغيرهما وكثيرًا من المرائي الدالة على ذلك. وقد قدمنا الحديث الدال على أن المرائي إذا تواترت أفادت الحجة.\nومما قال في كلامه المذكور: وقد استدلت أم المؤمنين عائشة ﵂ بهذه الآية: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ على توهيم عبد الله بن عمر ﵄ في روايته مخاطبة النبي  - ﷺ -  القتلى الذين ألقوا في قليب بدر بعد ثلاثة أيام، إلى أن قال: والصحيح عند العلماء رواية عبد الله بن عمر ﵄؛ لما لها من الشواهد على صحتها، من أشهر ذلك ما رواه ابن عبد البر مصححًا له عن ابن عباس موفوعًا \"ما من أحد يمر بقبر أخيه المسلم كان يعرفه\" الحديث. وقد قدمناه في هذا المبحث مرارًا.\nوبجميع ما ذكرنا في هذا المبحث في الكلام على آية النمل هذه تعلم أن الذي يرجحه الدليل: أن الموتى يسمعون سلام الأحياء وخطابهم سواء قلنا: إن الله يرد عليهم أرواحهم حتى يسمعوا الخطاب ويردوا الجواب، أو قلنا: إن الأرواح أيضًا تسمع وترد بعد فناء الأجسام؛ لأنا قد قدمنا أن هذا ينبني على مقدمتين: ثبوت سماع الموتى بالسنَّة الصحيحة، وأن القرآن لا يعارضها على التفسير الصحيح الذي تشهد له القرائن القرآنية، واستقراء القرآن، وإذا ثبت ذلك بالسنَّة الصحيحة من غير معارض من كتاب، ولا سنَّة ظهر بذلك رجحانه على تأول عائشة ﵂، ومن تبعها بعض آيات القرآن كما تقدم إيضاحه. وفي الأدلة التي ذكرها العلامة ابن القيم في","vol":"6","page":485},{"text":"كتاب الروح على ذلك مقنع للمنصف. وقد زدنا عليها ما رأيت. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1332> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا مِمَّنْ يُكَذِّبُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ يُوزَعُونَ (٨٣)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة خصوص الحشر بهذه الأفواج المكذبة بآيات الله، ولكنه قد دلت آيات كثيرة على عموم الحشر لجميع الخلائق، كقوله تعالى بعد هذا بقليل: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾ وقوله: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أوضحنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في آية النمل هذه في الكلام على وجه الجمع بين قوله تعالى فيها: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية، وبين قوله تعالى: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ ونحوها من الآيات، وذكرنا قول الألوسي في تفسيره أن قوله: ﴿وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ (٨٧)﴾ في الحشر العام لجميع الناس للحساب والجزاء. وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ فَوْجًا﴾ الآية. في الحشر الخاص بهذه الأفواج المكذبة، لأجل التوبيخ المنصوص عليه في قوله هنا: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا﴾ الآية. وهذا يدل عليه القرآن كما ترى. وقال بعضهم: هذه الأفواج التي تحشر حشرًا خاصًا هي رؤساء أهل الضلال وقادتهم، وعليه فالآية كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ","vol":"6","page":486},{"text":"جَهَنَّمَ جِثِيًّا (٦٨) ثُمَّ لَنَنْزِعَنَّ مِنْ كُلِّ شِيعَةٍ أَيُّهُمْ أَشَدُّ عَلَى الرَّحْمَنِ عِتِيًّا (٦٩)﴾ والفوج: الجماعة من الناس. ومنه قوله تعالى: ﴿يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾ أي: يرد أولهم على آخرهم حتى يجتمعوا، ثم يدفعون جميعًا كما قاله غير واحد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1333> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾</span>.\nقال ابن كثير في تفسير الآية الكريمة، أي: يسألون عن اعتقادهم وأعمالهم، ومقصوده بسؤالهم عن اعتقادهم قولهه تعالى: ﴿أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي﴾؛ لأن التصديق بآيات الله التي هي هذا القرآن من عقائد الإيمان التي لا بد منها، كما هو معلوم في حديث جبريل وغيره، ومقصوده بسؤالهم عن أعمالهم قوله تعالى: ﴿أَمَّاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ والسؤال المذكور سؤال توبيخ وتقريع، فقد وبخهم تعالى فيه على فساد الاعتقاد، وفساد الأعمال، والتوبيخ عليهما معًا المذكور هنا جاء مثله في قوله تعالى: ﴿فَلَا صَدَّقَ وَلَا صَلَّى (٣١) وَلَكِنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٣٢)﴾ كما أشار له ابن كثير ﵀ فقوله تعالى: فلا صدق، وقوله: ولكن كذب توبيخ على فساد الاعتقاد. وقوله: ولا صلى: توبيخ على إضاعة العمل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1334> قوله تعالى: ﴿وَوَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ بِمَا ظَلَمُوا فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾</span>.\nالظاهر أن القول الذي وقع عليهم هو كلمة العذاب، كما","vol":"6","page":487},{"text":"يوضحه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ لَا يَنْطِقُونَ (٨٥)﴾ ظاهره أن الكفار لا ينطقون يوم القيامة، كما يفهم ذلك من قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥) وَلَا يُؤْذَنُ لَهُمْ فَيَعْتَذِرُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى وُجُوهِهِمْ عُمْيًا وَبُكْمًا وَصُمًّا﴾ الآية، مع أنه بينت آيات أخر من كتاب الله أنهم ينطقون يوم القيامة، ويعتذرون، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى عنهم: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا﴾ الآية. وقوله تعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ (١٠٦) رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ (١٠٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كلامهم يوم القيامة.\nوقد بينا الجواب عن هذا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة المرسلات في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ لَا يَنْطِقُونَ (٣٥)﴾ وما ذكرنا من الآيات، فذكرنا أن من أوجه الجواب عن ذلك أن القيامة مواطن، ففي بعضها ينطقون، وفي بعضها لا ينطقون، فإثبات النطق لهم ونفيه عنهم كلاهما منزل على حال ووقت غير حال الآخر ووقته. ومنها أن نطقهم المثبت لهم خاص بما لا فائد لهم فيه، والنطق المنفي عنهم خاص بمالهم فيه فائدة. ومنها غير ذلك، وقد ذكرنا شيئًا من أجوبة ذلك في الفرقان، وطه والإسراء.","vol":"6","page":488},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1335> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا اللَّيْلَ لِيَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٨٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1336> قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في الآية قرينة تدل على بطلان ذلك القول، وذكرنا في ترجمته أيضًا أن من أنواع البيان التي تضمنها الاستدلال على المعنى بكونه هو الغالب في القرآن؛ لأن غلبته فيه تدل على عدم خروجه من معنى الآية، ومثلنا لجميع ذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، والأمران المذكوران من أنواع البيان قد اشتملت عليهما معًا آية النمل هذه.\nوإيضاح ذلك: أن بعض الناس قد زعم أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ يدل على أن الجبال الآن في دار الدنيا يحسبها رائيها جامدة، أي: واقفة ساكنة غير متحركة، وهي تمر مر السحاب، ونحوه قول النابغة يصف جيشًا:\nبأرعن مثل الطود تحسب أنهم ... وقوف لحاج والركاب تهملج\nوالنوعان المذكوران من أنواع البيان، يبينان عدم صحة هذا القول.","vol":"6","page":489},{"text":"أما الأول منهما: وهو وجود القرينة الدالة على عدم صحته، فهو أن قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ﴾ معطوف على قوله: ففزع، وذلك المعطوف عليه مرتب بالفاء على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ﴾ الآية. أي: ويوم ينفخ في الصور، فيفزع من في السماوات، وترى الجبال. فدلت هذه القرينة القرآنية الواضحة على أن مر الجبال مر السحاب كائن يوم ينفخ في الصور لا الآن.\nوأما الثاني: وهو كون هذا المعنى هو الغالب في القرآن فواضح؛ لأن جميع الآيات التي فيها حركة الجبال كلها في يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩) وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيْرًا (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَالَ وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ (٣)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ جاء نحوه في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ وتسيير الجبال وإيجادها ونصبها قبل تسييرها كل ذلك صنع متقن.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ (٨٨)﴾ قد قدمنا الآيات التي بمعناه في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.","vol":"6","page":490},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1337> قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾</span>.\nاعلم أن الحسنة في هذه الآية الكريمة تشمل نوعين من الحسنات:\nالأول: حسنة هي فعل خير من أفعال العبد، كالإنفاق في سبيل الله، وبذل النفس والمال في إعلاء كلمة الله، ونحو ذلك. ومعنى قوله تعالى: ﴿فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا﴾ بالنسبة إلى هذا النوع من الحسنات، أن الثواب مضاعف، فهو خير من نفس العمل؛ لأن من أنفق درهمًا واحدًا في سبيل الله، فأعطاه الله ثواب سبعمائة درهم، فله عند الله ثواب هو سبعمائة درهم مثلًا، خير من الحسنة التي قدمها التي هي إنفاق درهم واحد، وهذا لا إشكال فيه كما ترى.\nوهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ومعلوم أن عشر أمثال الحسنة خير منها، هي وحدها، وكقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٢٦١)﴾ الآية.\nوأما النوع الثاني من الحسنة: فكقول من قال من أهل العلم: إن المراد بالحسنة في هذه الآية: لَا إلهَ إلَّا الله، ولا يوجد شيء خير من لَا إلهَ إلَّا الله، بل هي أساس الخير كله. والذي يظهر على هذا المعنى أن لفظة خير ليست صيغة تفضيل، وأن المعنى فله خير عظيم عند الله حاصل له منها: منها أي: من قبلها، ومن أجلها، وعليه","vol":"6","page":491},{"text":"فلفظة \"من\" في الآية كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي: من أجل خطيآتهم أغرقوا، فأدخلوا نارًا. وأما على الأول فخير صيغة تفضيل. ويحتمل عندي أن لفظة خير على الوجه الثاني صيغة تفضيل أيضًا، ولا يراد بها تفضيل شيء على لَا إلهَ إلَّا الله، بل المراد أن كلمة لَا إلهَ إلَّا الله تعبد بها العبد في دار الدنيا، وتعبده بها فعله المحض، وقد أثابه الله في الآخرة على تعبده بها، وإثابة الله فعله جلَّ وعلا، ولا شك أن فعل الله خير من فعل عبده. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1338> قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ (٨٩)﴾</span>.\nدلت على معناه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في أمنهم من الفزع: ﴿لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ وَتَتَلَقَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. وقوله تعالى في أمنهم: ﴿فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ﴾ قرأه عاصم، وحمزة، والكسائي بتنوين فزع، وفتح ميم يومئذ، وقرأه الباقون بغير تنوين، بل بالإضافة إلى يومئذ، إلَّا أن نافعًا قرأ بفتح ميم يومئذ مع إضافة فزع إليه، وقرأ ابن كثير، وابن عامر، وأبو عمرو بإضافة فزع إلى يومئذ، مع كسر ميم يومئذ. وفتح الميم وكسرها من نحو يومئذ قد أوضحناه بلغاته وشواهده العربية مع بيان المختار من اللغات في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ﴾ الآية.","vol":"6","page":492},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1339> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾</span>.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: وقال ابن مسعود، وابن عباس، وأبو هريرة، وأنس بن مالك ﵃، وعطاء، وسعيد بن جبير، وعكرمة، ومجاهد، وإبراهيم النخعي، وأبو وائل، وأبو صالح، ومحمد بن كعب، وزيد بن أسلم، والزهري، والسدي، والضحاك، والحسن، وقتادة، وابن زيد في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ﴾ يعني: الشرك.\nوهذه الآية الكريمة تضمنت أمرين:\nالأول: أن من جاء ربه يوم القيامة بالسيئة كالشرك يكب وجهه في النار.\nوالثاني: أن السيئة إنما تجزى بمثلها من غير زيادة، وهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأول منهما: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾ وكقوله تعالى في الثاني منهما: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿جَزَاءً وِفَاقًا (٢٦)﴾.\nوإذا علمت أن السيئات لا تضاعف، فاعلم أن السيئة قد تعظم فيعظم جزاؤها بسبب حرمة المكان، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٥)﴾ أو حرمة الزمان، كقوله تعالى في الأشهر الحرم: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾.\nوقد دلت آيات من كتاب الله أن العذاب يعظم بسبب عظم","vol":"6","page":493},{"text":"الإنسان المخالف، كقوله تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا (٧٤) إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦)﴾ الآية، وكقوله تعالى في أزواجه - ﷺ -: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ الآية، وقد قدمنا طرفًا من الكلام على هذا في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ مع تفسير الآية، ومضاعفة السيئة المشار إليها في هاتين الآيتين، إن كانت بسبب عظم الذنب، حتى صار في عظمه كذنبين، فلا إشكال، وإن كانت مضاعفة جزاء السيئة كانت هاتان الآيتان مخصصتين للآيات المصرحة بأن السيئة لا تجزى إلَّا بمثلها، والجميع محتمل. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1340> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلَا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1341> قوله تعالى: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١) وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي فيها زيادة إيضاح لقوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩١)﴾ في سيرة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ﴾ الآية.","vol":"6","page":494},{"text":"وقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله تعالى هنا: ﴿وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ﴾ في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1342> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ ضَلَّ فَقُلْ إِنَّمَا أَنَا مِنَ الْمُنْذِرِينَ (٩٢)﴾</span>.\nجاء معناه مبينًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ (٤٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1343> قوله تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾</span>.\nجاء معناه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1344> قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٣)﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّمَا يُؤَخِّرُهُمْ لِيَوْمٍ تَشْخَصُ فِيهِ الْأَبْصَارُ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقرأ نافع وابن عامر وحفص عن عاصم: عما تعملون بتاء الخطاب، وقرأ الباقون عما يعملون بياء الغيبة.\n\n* * *","vol":"6","page":495},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1345>سورة القصص</span>","vol":"6","page":497},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1346> قوله تعالى: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (٥)﴾</span>.\nقد قدمنا أن قوله هنا: ﴿وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا﴾ هو الكلمة في قوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. ولم يبين هنا السبب الذي جعلهم به أئمة جمع إمام، أي: قادة في الخير، دعاة إليه على أظهر القولين. ولم يبين هنا أيضًا الشيء الذي جعلهم وارثيه، ولكنه تعالى بين جميع ذلك في غير هذا الموضع، فبين السبب الذي جعلهم به أئمة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ (٢٤)﴾ فالصبر واليقين، هما السبب في ذلك، وبين الشيء الذي جعلهم له وارثين بقوله: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾.","vol":"6","page":499},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1347> قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾</span>.\nاعلم أن التحقيق - إن شاء الله - أن اللام في قوله: ﴿لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا﴾ لام التعليل المعروفة بلام كي، وذلك على سبيل الحقيقة، لا المجاز، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوإيضاح ذلك أن قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ صريح في أن الله تعالى يصرف مشيئة العبد وقدرته بمشيئته جلَّ وعلا إلى ما سبق به علمه، وقد صرف مشيئة فرعون، وقومه بمشيئته جلَّ وعلا إلى التقاطهم موسى؛ ليجعله لهم عدوًا وحزنًا، فكأنه يقول: قدرنا عليهم التقاطه بمشيئتنا؛ ليكون لهم عدوًا وحزنًا. وهذا معنى واضح، لا لبس فيه ولا إشكال كما ترى.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ولكن إذا نظر إلى معنى السياق، فإنه تبقى اللام للتعليل؛ لأن معناه: أن الله تعالى قيضهم لالتقاطه؛ ليجعله عدوًا لهم وحزنًا، فيكون أبلغ في إبطال حذرهم منه. انتهى محل الغرض من كلامه. وهذا المعنى هو التحقيق في الآية إن شاء الله تعالى، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ كما بينا وجهه آنفًا.\nوبهذا التحقيق تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين، وينشدون له الشواهد من أن اللام في قوله: ليكون: لام العاقبة، والصيرورة خلاف الصواب، وأن ما يقوله البيانيون من أن اللام في قوله: ليكون فيها استعارة تبعية في متعلق معنى الحرف، خلاف الصواب أيضًا.","vol":"6","page":500},{"text":"وإيضاح مراد البيانيين بذلك هو أن من أنواع تقسيمهم لما يسمونه الاستعارة التي هي عندهم مجاز، علاقته المشابهة أنهم يقسمونها إلى استعارة أصلية، واستعارة تبعية، ومرادهم بالاستعارة الأصلية: الاستعارة في أسماء الأجناس الجامدة والمصادر، ومرادهم بالاستعارة التبعية قسمان:\nأحدهما: الاستعارة في المشتقات كاسم الفاعل والفعل.\nوالثاني: الاستعارة في متعلق معنى الحرف، وهو المقصود بالبيان.\nفمثال الاستعارة الأصلية عندهم: رأيت أسدًا على فرسه، ففي لفظة أسد في هذا المثال: استعارة أصلية تصريحية عندهم، فإنه أراد تشبيه الرجل الشجاع بالأسد؛ لعلاقة الشجاعة، فحذف المشبه الذي هو الرجل الشجاع، وصرح بالمشبه به الذي هو الأسد، على سبيل الاستعارة التصريحية، وصارت أصلية؛ لأن الأسد اسم جنس جامد.\nومثال الاستعارة التبعية في المشتق عندهم قولك: الحال ناطقة بكذا، فالمراد عندهم: تشبيه دلالة الحال بالنطق بجامع اللهم، والإدراك بسبب كل منهما، فحذف الدلالة التي هي المشبه، وصرح بالنطق الذي هو المشبه به على سبيل الاستعارة التصريحية، واشتق من النطق اسم الفاعل الذي هو ناطقة، فجرت الاستعارة التبعية في اسم الفاعل الذي هو ناطقة، وإنما قيل لها: تبعية؛ لأنها إنما جرت فيه تبعًا لجريانها في المصدر الذي هو النطق؛ لأن المشتق تابع للمشتق منه، ولا يمكن فهمه بدون فهمه، وهذا التوجيه أقرب من غيره مما يذكرونه من توجيه ما ذكر.","vol":"6","page":501},{"text":"ومثال الاستعارة التبعية عندهم في متعلق معنى الحرف في زعمهم هذه الآية الكريمة، قالوا: اللام فيها كلفظ الأسد في المثال الأول، فإنه أطلق على غير الأسد؛ لمشابهة بينهما، قالوا: وكذلك اللام أصلها موضوعة للدلالة على العلة الغائية، وعلة الشيء الغائية: هي ما يحمل على تحصيله؛ ليحصل بعد حصوله، قالوا: والعلة الغائية للالتقاط في قوله تعالى: فالتقطه هي المحبة والنفع والتبني، أي: اتخاذهم موسى ولدًا، كما صرحوا بأن هذا هو الباعث لهم على التقاطه وتربيته في قوله تعالى عنهم: ﴿قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَنْ يَنْفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا﴾ فهذه العلة الغائية عندهم هي التي حملتهم على التقاطه، لتحصل لهم هذه العلة بعد الالتقاط.\nقالوا: ولما كان الحاصل في نفس الأمر بعد الالتقاط، هو ضد ما رجوه وأملوه، وهو العداوة، والحزن، شبهت العداوة والحزن الحاصلات بالالتقاط بالمحبة والتبني والنفع، التي هي علة الالتقاط الغائية بجامع الترتب في كل منهما، فالعلة الغائية: تترتب على معلولها دائمًا ترتب رجاء للحصول، فتبنيهم لموسى ومحبتة كانوا يرجون ترتبهما على التقاطهم له، ولما كان المترتب في نفس الأمر على التقاطهم له، هو كونه عدوًا لهم وحزنًا، صار هذا الترتيب الفعلي شبيهًا بالترتب الرجائي، فاستعيرت اللام الدالة على العلة الغائية المشعرة بالترتب الرجائي للترتب الحصولي الفعلي الذي لا رجاء فيه.\nوإيضاحه: أن ترتب الحزن والعداوة على الالتقاط أشبه ترتب المحبة والتبني على الالتقاط، فأطلقت لام العلة الغائية في الحزن والعداوة، لمشابهتهما للتبني والمحبة في الترتيب، كما أطلق الأسد على الرجل الشجاع؛ لمشابهتهما في الشجاعة.","vol":"6","page":502},{"text":"وبعض البلاغيين يقول في هذا: جرت الاستعارة الأصلية أولًا بين المحبة والتبني، وبين العداوة والحزن اللذين حصولهما هو المجرور، فكانت الاستعارة في اللام تبعًا للاستعارة في المجرور؛ لأن اللام لا تستقل، فيكون ما اعتبر فيها تبعًا للمجرور، الذي هو متعلق معنى الحرف، وبعضهم يقول: فجرت الاستعارة أولًا في العلية والغرضية، وتبعيتها في اللام، وهناك مناقشات في التبعية في معنى الحرف تركناها؛ لأن غرضنا بيان مرادهم بالاستعارة التبعية في هذه الآية بإيجاز.\nوإذا علمت مرادهم بما ذكر، فاعلم أن التحقيق إن شاء الله هو ما قدمنا، وقد أوضحنا في رسالتنا المسماة (منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإعجاز) أن التحقيق: أن القرآن لا مجاز فيه، وأوضحنا ذلك بالأدلة الواضحة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا كَانُوا خَاطِئِينَ (٨)﴾ أي: مرتكبين الخطيئة التي هي الذنب العظيم، كقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ وقوله تعالى: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾ الآية.\nومن إطلاق الخاطئ على المذنب العاصي قوله تعالى: ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦) لَا يَأْكُلُهُ إِلَّا الْخَاطِئُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ﴾ وقوله: ﴿إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ﴾ والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1348> قوله تعالى: ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة مريم.\nواعلم أنا ربما تركنا كثيرًا من الآيات التي تقدم إيضاحها من غير إحالة عليها؛ لكثرة ما تقدم إيضاحه.","vol":"6","page":503},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1349> قوله تعالى: ﴿وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾</span>.\nما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من إتباعه اللعنة لفرعون وجنوده، بينه أيضًا في سورة هود بقوله فيهم: ﴿وَأُتْبِعُوا فِي هَذِهِ لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ (٩٩)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ (٤٢)﴾ قال الزمخشري: أي: من المطرودين المبعدين، ولا يخفى أن المقبوحين اسم مفعول قبحه إذا صيره قبيحًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1350> قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾</span>.\nذكر جلّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن نبيه - ﷺ - لا يهدي من أحب هدايته، ولكنه جلَّ وعلا هو الذي يهدي من يشاء هداه، وهو أعلم بالمهتدين.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.\nوقوله: ﴿وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (٥٦)﴾ جاء معناه موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى (٣٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ مَنْ يَضِلُّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ","vol":"6","page":504},{"text":"بِالْمُهْتَدِينَ (١١٧)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد أوضحنا سابقًا أن الهدى المنفى عنه - ﷺ - في قوله تعالى هنا: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هو هدى التوفيق؛ لأن التوفيق بيد الله وحده، وأن الهدى المثبت له - ﷺ - في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ هو هدى الدلالة على الحق والإرشاد إليه، ونزول قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ في أبي طالب مشهور معروف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1351> قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1352> قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾</span>.\nكقوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾ والوجه من الصفات التي يجب الإِيمان بها مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق، كما أوضحناه في سورة الأعراف وفي غيرها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1353> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ وقد تركنا ذكر إحالات كثيرة في سورة القصص هذه.\n\n* * *","vol":"6","page":505},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1354>سورة العنكبوت</span>","vol":"6","page":507},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1355> قوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة مستوفًى في أول سورة هود. والاستفهام في قوله: أحسب الناس: للإنكار.\nوالمعنى: أن الناس لا يتركون دون فتنة، أي: ابتلاء واختبار، لأجل قولهم: آمنا، بل إذا قالوا: آمنا فتنوا، أي: امتحنوا واختبروا بأنواع الابتلاء، حتى يتبين بذلك الابتلاء الصادقُ في قوله: آمنا من غير الصادق.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ وقوله: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ","vol":"6","page":509},{"text":"اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وقد أشار تعالى إلى ذلك بقوله هنا: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا﴾ الآية.\nوقد بينت السنَّة الثابتة أن هذا الابتلاء المذكور في هذه الآية يبتلى به المؤمنون على قدر ما عندهم من الإيمان، كقوله - ﷺ -: \"أشد الناس بلاءً الأنبياء ثم الصالحون ثم الأمثل فالأمثل\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1356> قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1357> قوله تعالى: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1358> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللَّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النَّاسِ كَعَذَابِ اللَّهِ﴾</span>.\nيعني أن من الناس من يقول: آمنا باللَّه بلسانه، فإذا أوذي في الله، أي: آذاه الكفار إيذاءهم للمسلمين جعل فتنة الناس صارفة له عن الدين إلى الردة - والعياذ باللَّه - كعذاب الله، فإنه صارف رادع","vol":"6","page":510},{"text":"عن الكفر والمعاصي. ومعنى فتنتة الناس: الأذى الذي يصيبه من الكفار. وإيذاء الكفار للمؤمنين من أنواع الابتلاء الذي هو الفتنة، وهذا قال به غير واحد.\nوعليه فمعنى الآية الكريمة كقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1359> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبِّكَ لَيَقُولُنَّ إِنَّا كُنَّا مَعَكُمْ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين الذين يقولون: آمنا بألسنتهم ولم تؤمن قلوبهم إذا حصل للمسلمين من الكفار أذى، وهم معهم جعلوا فتنة الناس، أي: أذاهم كعذاب الله وأنه إن جاء نصر من الله لعباده المؤمنين، فنصرهم على الكفار، وهزموهم وغنموا منهم الغنائم قال أولئك المنافقون: ألم نكن معكم، يعنون أنهم مع المؤمنين ومن جملتهم، يريدون أخذ نصيبهم من الغنائم.\nوهذا المعنى جاء في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَالَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)﴾ وقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة النساء.","vol":"6","page":511},{"text":"وقد بين تعالى أنهم كاذبون في قولهم: إنا كنا معكم، وبين أنه عالم بما تخفي صدورهم من الكفر والنفاق بقوله: ﴿أَوَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1360> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ﴾</span> إلى قوله: ﴿وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وزيادة إيضاحها من السنَّة الصحيحة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1361> قوله تعالى: ﴿فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾</span>. تقدم إيضاحه في هود وغيرها.\nوقوله تعالى هنا: ﴿وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ (١٥)﴾ يعني سفينة نوح، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1362> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقًا فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئًا وَلَا يَسْتَطِيعُونَ (٧٣)﴾ وفي سورة الفرقان.","vol":"6","page":512},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1363> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾</span> إلى قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا﴾ الآية. وفي سورة الفرقان وغير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1364> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾</span>.\nالضمير في قوله: ذريته راجع إلى إبراهيم.\nوالمعنى: أن الأنبياء والمرسلين الذين أنزلت عليهم الكتب بعد إبراهيم كلهم من ذرية إبراهيم. وما ذكره هنا عن إبراهيم ذكر في سورة الحديد: أن نوحًا مشترك معه فيه، وذلك واضح؛ لأن إبراهيم من ذرية نوح مع أن بعض الأنبياء من ذرية نوح دون إبراهيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1365> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (٢٧)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى إبراهيم أجره، أي: جزاء عمله في الدنيا، وإنه في الآخرة أيضًا من الصالحين.\nوقال بعض أهل العلم: المراد بأجره في الدنيا: الثناء الحسن عليه في دار الدنيا من جميع أهل الملل على اختلافهم إلى كفار ومؤمنين. والثناء الحسن المذكور هو لسان الصدق في قوله: ﴿وَاجْعَلْ","vol":"6","page":513},{"text":"لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ (٨٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيًّا (٥٠)﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠)﴾ لا يخفى أن الصلاح في الدنيا يظهر بالأعمال الحسنة وسائر الطاعات، وأنه في الآخرة يظهر بالجزاء الحسن وقد أثنى الله في هذه الآية الكريمة على نبيه إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقد أثنى على إبراهيم أيضًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧)﴾ وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٢٠) شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٢١) وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٢٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1366> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ (٧٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1367> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا لُوطًا﴾</span> إلى قوله ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له مع بعض الشواهد في سورة هود في الكلام على قصة لوط، وفي سورة الحجر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1368> قوله تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾</span> إلى قوله ﴿فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٣٧)﴾.\nتقدم إيضاحه في سورة الأعراف في الكلام على قصته مع قومه وفي الشعراء أيضًا.","vol":"6","page":514},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1369> قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨) وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩) فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾</span>.\nالظاهر أن قوله: وعادا مفعول به لأهلكنا مقدرة، ويدل على ذلك قوله قبله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ أي: أهلكنا مدين بالرجفة، وأهلكنا عادًا. ويدل للإهلاك المذكور قوله بعده: ﴿وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ أي: هي خالية منهم لإهلاكهم.\nوقوله بعده أيضًا: ﴿فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ﴾.\nوقد أشار جلَّ وعلا في هذه الآيات الكريمة إلى إهلاك عاد، وثمود، وقارون، وفرعون، وهامان، ثم صرح بأنه أخذ كلًا منهم بذنبه، ثم فصل على سبيل ما يسمى في البديع باللف والنشر المرتب أسباب إهلاكهم فقال: ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا﴾ وهي الريح؛ يعني: عادًا، بدليل قوله: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾ وقوله: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾ ونحو ذلك من الآيات، وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني ثمود بدليل قوله تعالى فيهم: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾ وقوله: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ﴾ يعني قارون بدليل قوله تعالى فيه: ﴿فَخَسَفْنَا","vol":"6","page":515},{"text":"بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا﴾ يعني فرعون وهامان بدليل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوالأظهر في قوله في هذه الآية: وكانوا مستبصرين، أن استبصارهم المذكور هنا بالنسبة إلى الحياة الدنيا خاصة، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ (٣٩)﴾ كقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1370> قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (٤١) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٤٢) وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ﴾ الآية، وفي مواضع أخر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1371> قوله تعالى: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾ الآية.","vol":"6","page":516},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1372> قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1373> قوله تعالى: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه، وتفسير إلَّا الذين ظلموا منهم في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1374> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الكهف، وفي آخر سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٣٣)﴾ وغير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1375> قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُسَمًّى لَجَاءَهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٣) يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ (٥٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾ وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ","vol":"6","page":517},{"text":"تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾ وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1376> قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾</span>.\nنادى الله جلَّ وعلا عباده المؤمنين، وأكد لهم أن أرضه واسعة، وأمرهم أن يعبدوه وحده دون غيره، كما دل عليه تقديم المعمول الذي هو إياي، كما بيناه في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ (٥)﴾.\nوالمعنى: أنهم إن كانوا في أرض لا يقدرون فيه على إقامة دينهم، أو يصيبهم فيها أذى الكفار، فإن أرض ربهم واسعة فليهاجروا إلى موضع منها يقدرون فيه على إقامة دينهم، ويسلمون فيه من أذى الكفار، كما فعل رسول الله - ﷺ - والمسلمون.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1377> قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ (٢٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾.","vol":"6","page":518},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1378> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَنُبَوِّئَنَّهُمْ مِنَ الْجَنَّةِ غُرَفًا﴾</span>.\nقد قدمنا معنى وعملوا الصالحات موضحًا في أول سورة الكهف، وقدمنا معنى لنبوئنهم في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ﴾ الآية. وذكرنا الآيات التي ذكرت فيها الغرف في آخر الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1379> قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ دَابَّةٍ لَا تَحْمِلُ رِزْقَهَا اللَّهُ يَرْزُقُهَا﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن كثيرًا من الدواب التي لا تحمل وزقها لضعفها، أنه هو جلَّ وعلا يرزقها، وأوضح هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1380> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ﴾</span> إلى قوله ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٦٣)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له غاية الإيضاح في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.","vol":"6","page":519},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1381> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى قوله: ﴿تَبِيعًا (٦٩)﴾ وفي مواضع أخر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1382> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾</span> الآية.\nامتن الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة، على قريش بأنه جعل لهم حرمًا آمنا يعني حرم مكة، فهم آمنون فيه على أموالهم ودمائهم، والناس الخارجون عن الحرم يتخطفون قتلًا وأسرًا.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى في القصص: ﴿وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1383> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين جاهدوا فيه، أنه يهديهم إلى سبل الخير والرشاد، وأقسم على ذلك بدليل اللام في قوله: لنهدينهم.\nوهذا المعنى جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ","vol":"6","page":520},{"text":"اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ الآية. كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1384> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ (٦٩)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.\n\n* * *","vol":"6","page":521},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1385>سورة الروم</span>","vol":"6","page":523},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1386> قوله تعالى: ﴿وَعْدَ اللَّهِ لَا يُخْلِفُ اللَّهُ وَعْدَهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٦) يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الْآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ (٧)﴾</span>.\nقوله تعالى: وعد الله مصدر مؤكد لنفسه؛ لأن قوله قبله: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (٤) بِنَصْرِ اللَّهِ﴾ هو نفس الوعد كما لا يخفى، أي وعد الله ذلك وعدًا.\nوقد ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أمور:\nالأول: أنه لا يخلف وعده.\nوالثاني: أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون.\nوالثالث: أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا.\nوالرابع: أنهم غافلون عن الآخرة.\nوهذه الأمور الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.\nأما الأول منها: وهو كونه لا يخلف وعده، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)﴾ وقد بين تعالى","vol":"6","page":525},{"text":"أن وعيده للكفار لا يخلف أيضًا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قَالَ لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية.\nوالتحقيق: أن القول الذي لا يبدل لديه في هذه الآية الكريمة، هو وعيده للكفار.\nوكقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾ وقوله: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾ فقوله: (حق) في هاتين الآيتين، أي: وجب وثبت، فلا يمكن تخلفه بحال.\nوأما الثاني منها: وهو أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، فقد بين تعالى في آيات أن أكثر الناس هم الكافرون، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد بين جلَّ وعلا أيضًا في آيات من كتابه أن الكفار لا يعلمون كقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا (٤٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ","vol":"6","page":526},{"text":"هُمُ الْغَافِلُونَ (١٧٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ (١٠﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الثالث منها: وهو كونهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، فقد جاء أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَكَانُوا مُسْتَبْصِرِينَ (٣٨)﴾ أي: في الدنيا، وقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (٢٩) ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾ الآية.\nوأما الرابع منها: وهو كونهم غافلين عن الآخرة فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾، ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾، ﴿مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ والآيات في ذلك كثيرة معلومة.\nتنبيه\nاعلم أنه يجب على كل مسلم في هذا الزمان: أن يتدبر آية الروم هذه تدبرًا كثيرًا، ويبين ما دلت عليه لكل من استطاع بيانه له من الناس.\nوإيضاح ذلك أن من أعظم فتن آخر الزمان التي ابتلى الله بها ضعاف العقول من المسلمين شدة إتقان الإفرنج لأعمال الحياة الدنيا، ومهارتهم فيها على كثرتها، واختلاف أنواعها مع عجز المسلمين عن ذلك، فظنوا أن من قدر على تلك الأعمال أنه على الحق، وأن من عجز عنها متخلف وليس على الحق، وهذا جهل","vol":"6","page":527},{"text":"فاحش، وغلط مادح. وفي هذه الآية الكريمة إيضاح لهذه الفتنة وتخفيف لشأنها أنزله الله في كتابه قبل وقوعها بأزمان كثيرة، فسبحان الحكيم الخبير ما أعلمه، وما أعظمه، وما أحسن تعليمه.\nفقد أوضح جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن أكثر الناس لا يعلمون، ويدخل فيهم أصحاب هذه العلوم الدنيوية دخولًا أوليًا، فقد نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل؛ لأنهم لا يعلمون شيئًا عمن خلقهم، فأبرزهم من العدم إلى الوجود، ورزقهم، وسوف يميتهم، ثم يحييهم، ثم يجازيهم على أعمالهم، ولم يعلموا شيئًا عن مصيرهم الأخير الذي يقيمون فيه إقامة أبدية في عذاب فظيع دائم، ومن غفل عن جميع هذا فليس معدودًا من جنس من يعلم كما دلت عليه الآيات القرآنية المذكورة، ثم لما نفى عنهم جلَّ وعلا اسم العلم بمعناه الصحيح الكامل أثبت لهم نوعًا من العلم في غاية الحقارة بالنسبة إلى غيره.\nوعاب ذلك النوع المذكور من العلم بعيبين عظيمين:\nأحدهما: قلته وضيق مجاله؛ لأنه لا يجاوز ظاهرًا من الحياة الدنيا، والعلم المقصور على ظاهر من الحياة الدنيا في غاية الحقارة، وضيق المجال بالنسبة إلى العلم بخالق السماوات والأرض جلَّ وعلا، والعلم بأوامره ونواهيه، وبما يقرب عبده منه، وما يبعده منه، وما يخلد في النعيم الأبدي والعذاب الأبدي من أعمال الخير والشر.\nوالثاني منهما: هو دناءة هدف ذلك العلم، وعدم نبل غايته، لأنه لا يتجاوز الحياة الدنيا، وهي سريعة الانقطاع والزوال. ويكفيك من تحقير هذا العلم الدنيوي أن أجود أوجه الإعراب في قوله:","vol":"6","page":528},{"text":"﴿يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا﴾ أنه بدل من قوله قبله لا يعلمون، فهذا العلم كلا علم لحقارته.\nقال الزمخشري في الكشاف: وقوله: يعلمون بدل من قوله: لا يعلمون، وفي هذا الإبدال من النكتة أنه أبدله منه، وجعله بحيث يقوم مقامه، ويسد مسده؛ ليعلمك أنه لا فرق بين عدم العلم الذي هو الجهل، وبين وجود العلم الذي لا يتجاوز الدنيا.\nوقوله: ﴿ظَاهِرًا مِنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفيد أن للدنيا ظاهرًا وباطنًا فظاهرها ما يعرفه الجهال من التمتع بزخارفها، والتنعم بملاذها، وباطنها وحقيتها أنها مجاز إلى الآخرة، يتزود منها إليها بالطاعة والأعمال الصالحة. وفي تنكير الظاهر أنهم لا يعلمون إلَّا ظاهرًا واحدًا من ظواهرها. و﴿هُمْ﴾ الثانية يجوز أن يكون مبتدأ، وغافلون خبره، والجملة خبر ﴿هُمْ﴾ الأولى، وأن يكون تكريرًا للأولى، وغافلون خبر الأولى. وأية كانت فذكرها مناد على أنهم معدن الغفلة عن الآخرة وَمقرها ومحلها، وأنها منهم تنبع وإليهم ترجع. انتهى كلام صاحب الكشاف.\nوقال غيره: وفي تنكير قوله: ظاهرًا تقليل لمعلومهم، وتقليله يقربه من النفي حتى يطابق المبدل منه. اهـ. ووجهه ظاهر.\nواعلم أن المسلمين يجب عليهم تعلم هذه العلوم الدنيوية، كما أوضحنا ذلك غاية الإِيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾ وهذه العلوم الدنيوية التي بينا حقارتها بالنسبة إلى ما غفل عنه أصحابها الكفار، إذا تعلمها المسلمون، وكان كل من تعليمها واستعمالها مطابقًا لما أمر الله به على لسان نبيه  - ﷺ -: كانت من أشرف العلوم وأنفعها؛ لأنها يستعان","vol":"6","page":529},{"text":"بها على إعلاء كلمة الله ومرضاته جلَّ وعلا، وإصلاح الدنيا والآخرة، فلا عيب فيها إذن كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ فالعمل في إعداد المستطاع من القوة امتثالًا لأمر الله تعالى وسعيًا في مرضاته، وإعلاء كلمته ليس من جنس علم الكفار الغافلين عن الآخرة، كما ترى. والآيات بمثل ذلك كثيرة. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1387> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ مَا خَلَقَ اللَّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ لَكَافِرُونَ (٨)﴾</span>.\nلما بين جلَّ وعلا أن أكثر الناس وهم الكفار لا يعلمون، ثم ذكر أنهم يعلمون ظاهرًا من الحياة الدنيا، وهم غافلون، أنكر عليهم غفلتهم عن الآخرة، مع شدة وضوح أدلتها بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية. والتفكر التأمل والنظر العقلي، وأصله إعمال الفكر. والمتأخرون يقولون: الفكر في الاصطلاح حركة النفس في المعقولات. وأما حركتها في المحسوسات فهو في الاصطلاح تخييل.\nوقال الزمخشري في الكشاف: في أنفسهم يحتمل أن يكون ظرفًا، كأنه قيل: أولم يحدثوا التفكر في أنفسهم، أي: في قلوبهم الفارغة من الفكر، والفكر لا يكون إلَّا في القلوب، ولكنه زيادة تصوير لحال المتفكرين، كقولك: اعتقده في قلبك، وأضمره في نفسك، وأن يكون صلة للتفكر كقولك: تفكر في الأمر أجال فيه فكره. وما خلق متعلق بالقول المحذوف، ومعناه: أولم يتفكروا","vol":"6","page":530},{"text":"فيقولوا هذا القول. وقيل: معناه: فيعلموا؛ لأن في الكلام دليلًا عليه ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ أي: ما خلقها باطلًا وعبثًا بغير غرض صحيح، وحكمة بالغة، ولا لتبقى خالدة، وإنما خلقها مقرونة بالحق، مصحوبة بالحكمة، وبتقدير أجل مسمى لا بد لها أن تنتهي إليه، وهو قيام الساعة، ووقت الحساب، والثواب والعقاب.\nألا ترى إلى قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾ كيف سمى تركهم غير راجعين إليه عبثًا. والباء في قوله: ﴿إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ مثلها في قولك: دخلت عليه بثياب السفر، واشترى الفرس بسرجه ولجامه، تريد: اشتراه وهو متلبس بالسرج واللجام غير منفك عنهما، وكذلك المعنى: ما خلقها إلَّا وهي متلبسة بالحق مقترنة به.\nفإن قلت: إذا جعلت في أنفسهم صلة للتفكر فما معناه؟\nقلت: معناه أولم يتفكروا في أنفسهم التي هي أقرب إليهم من غيرها من المخلوقات، وهم أعلم، وأخبر بأحوالها منهم بأحوال ما عداها فتدبروا ما أودعها الله ظاهرًا، وباطنًا من غرائب الحكم الدالة على التدبير دون الإهمال، وأنه لا بد لها من انتهاء إلى وقت يجازيها فيه الحَكَم الذي دبر أمرها على الإحسان إحسانًا، وعلى الإساءة مثلها، حتى يعلموا عند ذلك أن سائر الخلائق كذلك أمرها جار على الحكمة والتدبير، وأنه لا بد لها من الانتهاء إلى ذلك الوقت. والمراد بلقاء ربهم الأجل المسمى. انتهى كلام صاحب الكشاف في تفسير هذه الآية.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة: من أن خلقه تعالى للسماوات والأرض، وما بينهما لا يصح أن يكون باطلًا، ولا عبثًا،","vol":"6","page":531},{"text":"بل ما خلقهما إلَّا بالحق؛ لأنه لو كان خلقهما عبثًا لكان ذلك العبث باطلًا ولعبًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، بل ما خلقهما وخلق جميع ما فيهما وما بينهما إلَّا بالحق، وذلك أنه يخلق فيهما الخلائق، ويكلفهم فيأمرهم وينهاهم ويعدهم ويوعدهم، حتى إذا انتهى الأجل المسمى لذلك بعث الخلائق، وجازاهم فيظهر في المؤمنين صفات رحمته ولطفه وجوده وكرمه وسعة رحمته ومغفرته، وتظهر في الكافرين صفات عظمته، وشدة بطشه، وعظم نكاله، وشدة عدله، وإنصافه. دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٣٩) إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٠)﴾ فقوله تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ﴾ الآية بعد قوله: ﴿مَا خَلَقْنَاهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يبين ما ذكرنا. وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ الآية.\nفقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ﴾ بعد قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ يوضح ذلك، وقد أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾.\nوقد بين جلَّ وعلا أن الذين يظنون أنه خلقهما باطلًا، لا لحكمةٍ الكفار، وهددهم على ذلك الظن الكاذب بالويل من النار، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ وبين جلَّ وعلا أنه لو لم يبعث الخلائق ويجازهم لكان خلقه لهم أولًا عبثًا، ونزه نفسه عن ذلك العبث ﷾ عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله علوًا كبيرًا،","vol":"6","page":532},{"text":"وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.\nفهذه الآيات القرآنية تدل على أنه تعالى ما خلق الخلق إلَّا بالحق، وأنه لا بد باعثهم، ومجازيهم على أعمالهم، وإن كان أكثر الناس لا يعلمون هذا، فكانوا غافلين عن الآخرة كافرين بلقاء ربهم.\nوقوله تعالى في الآيات المذكورة: (وما بينهما) أي: ما بين السماوات والأرض يدخل فيه السحاب المسخر بين السماء: والأرض، والطير صافات ويقبضن بين السماء والأرض، والهواء الذي لا غنى للحيوان عن استنشاقه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1388> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span> إلى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٩)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الآية. وفي هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ وفي الإسراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾ الآية وفي غير ذلك.\nوقوله تعالى في آية الروم هذه: ﴿كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ","vol":"6","page":533},{"text":"مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾ ونحو ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1389> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَى أَنْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ (١٠)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأبو عمرو: كان عاقبة: بضم التاء اسم كان، وخبرها السوأى، وقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: ثم كان عاقبة الذين بفتح التاء، خبر كان قدم على اسمها على حد قوله في الخلاصة:\nوفي جميعها توسط الخبر ... أجز. . . . . . . . .\nوعلى هذه القراءة فالسوأى اسم كان، وإنما جرد الفعل من التاء مع أن السوأى مؤنثة لأمرين:\nالأول: أن تأنيثها غير حقيقي.\nوالثاني: الفصل بينها وبين الفعل كما هو معلوم.\nوأما على قراءة ضم التاء فوجه تجريد الفعل من التاء هو كون تأنيث العاقبة غير حقيقي فقط.\nوأظهر الأقوال في معنى الآية عندي أن المعنى على قراءة ضم التاء كانت عاقبة المسيئين السوأى، وهي تأنيث الأسوإ، بمعنى الذي هو أكثر سوءًا، أي: كانت عاقبتهم العقوبة، التي هي أسوأ العقوبات، أي: أكثرها سوءًا، وهي النار. أعاذنا الله، وإخواننا المسلمين منها.\nوأما على قراءة فتح التاء، فالمعنى: كانت السوأى عاقبة الذين أساءوا، ومعناه واضح مما تقدم، وأن معنى قوله. أن كذبوا، أي: كانت عاقبتهم أسوأ العقوبات؛ لأجل أن كذبوا.","vol":"6","page":534},{"text":"وهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة توضح أن الكفر والتكذيب قد يؤدي شؤمه إلى شقاء صاحبه، وسوء عاقبته، والعياذ باللَّه، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ وقوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا بِمَا كَذَّبُوا مِنْ قَبْلُ﴾ وفي غير ذلك.\nوبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن السوأى منصوب بأساءوا: أي: اقترفوا الجريمة السوأى خلاف الصواب. وكذلك قول من قال: إن أن في قوله: أن كذبوا تفسيرية، فهو خلاف الصواب أيضًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1390> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في البقرة، والنحل، والحج، وغير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1391> قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مِنْ شُرَكَائِهِمْ شُفَعَاءُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وفي غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1392> قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا بِشُرَكَائِهِمْ كَافِرِينَ (١٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وفي غير ذلك.","vol":"6","page":535},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1393> قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ (١٧) وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ (١٨)﴾</span>\nقد قدمنا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (١٠٣)﴾ أن قوله هنا: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ﴾ الآيتين من الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس، وأوضحنا وجه ذلك مع إيضاح جميع الآيات التي أشير فيها إلى أوقات الصلوات الخمس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1394> قوله تعالى: ﴿وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في ذكرنا براهين البعث في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ﴾ الآية، وفي غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1395> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ الآية، وفي غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1396> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ الآية.","vol":"6","page":536},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1397> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾</span>.\nقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ قد أوضح تعالى في غير هذا الموضع: أن اختلاف ألوان الآدميين واختلاف ألوان الجبال، والثمار، والدواب، والأنعام كل ذلك من آياته الدالة على كمالِ قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده. قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾ واختلاف الألوان المذكورة من غرائب صنعه تعالى وعجائبه، ومن البراهين القاطعة على أنه هو المؤثر جلَّ وعلا، وأن إسناد التأثير للطبيعة من أعظم الكفر والضلال.\nوقد أوضح تعالى إبطال تأثير الطبيعة غاية الإِيضاح بقوله في سورة الرعد: ﴿وَفِي الْأَرْضِ قِطَعٌ مُتَجَاوِرَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.\nوقرأ هذا الحرف حفص وحده عن عاصم ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْعَالِمِينَ (٢٢)﴾ بكسر اللام: جمع عالم الذي هو ضد الجاهل. وقرأه الباقون: للعالمين بفتح اللام كقوله: (رب العالمين).","vol":"6","page":537},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1398> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ مَنَامُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَابْتِغَاؤُكُمْ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ (٢٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية. وفي سورة الفرقان. وغير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1399> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا ما يوضحه من الآيات مع تفسير قوله: ﴿خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمُ الْبَرْقَ خَوْفًا وَطَمَعًا﴾ الآية، وسنحذف هنا بعض الإحالات لكثرتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1400> قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1401> قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا يَرْبُو عِنْدَ اللَّهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ الآية.","vol":"6","page":538},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1402> قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصَّدَّعُونَ (٤٣)﴾</span>.\nأي: يتفرقون فريقين: أحدهما في الجنة، والثاني: في النار.\nوقد دلت على هذه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في السورة الكريمة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَتَفَرَّقُونَ (١٤) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَهُمْ فِي رَوْضَةٍ يُحْبَرُونَ (١٥) وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ فَأُولَئِكَ فِي الْعَذَابِ مُحْضَرُونَ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾ ويدل لهذا قوله بعده: ﴿مَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤) لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْ فَضْلِهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٤٥)﴾ وقد أشار تعالى أيضًا للتفرق المذكور هنا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1403> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾</span> إلى قوله ﴿إِنْ تُسْمِعُ إِلَّا مَنْ يُؤْمِنُ بِآيَاتِنَا فَهُمْ مُسْلِمُونَ (٥٣)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1404> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾</span>.\nقد بين تعالى الضعف الأول الذي خلقهم منه في آيات من كتابه، وبين الضعف الأخير في آيات أخر، قال في الأول: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٢٠)﴾ وقال: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية.","vol":"6","page":539},{"text":"وقال: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ وقال: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال في الضعف الثاني: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾ وقال: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأشار إلى القوة بين الضعفين في آيات من كتابه، كقوله: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ وإطلاقه نفس الضعف على ما خلق الإنسان منه قد أوضحنا وجهه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ الآية.\nوقرأ عاصم وحمزة من ضعف في المواضع الثلاثة: المخفوضَيْن، والمنصوب بفتح الضاد في جميعها، وقرأ الباقون بالضم.\nواختار حفص القراءة بالضم وفاقًا للجمهور؛ للحديث الوارد عن ابن عمر عن النبي - ﷺ - من طريق عطية العوفي أنه أعنى ابن عمر قرأ عليه - ﷺ -: من ضعف بفتح الضاد، فرد عليه - ﷺ -، وأمره أن يقرأها بضم الضاد. والحديث رواه أبو داود والترمذي وحسنه، ورواه غيرهما. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1405> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ (٥٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ﴾ وفي غير ذلك.","vol":"6","page":540},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1406> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٥٦)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار إذا بعثوا يوم القيامة وأقسموا أنهم ما لبثوا غير ساعة يقول لهم الذين أوتوا العلم والإِيمان، ويدخل فيهم الملائكة، والرسل، والأنبياء، والصالحون: واللَّه لقد لبثتم في كتاب الله إلى يوم البعث، فهذا يوم البعث، ولكنكم كنتم لا تعلمون.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في سورة يس على أصح التفسيرين، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا﴾.\nوالتحقيق أن هذا قول الكفار عند البعث، والآية تدل دلالة لا لبس فيها على أنهم ينامون نومة قبل البعث كما قاله غير واحد، وعند بعثهم أحياء من تلك النومة التي هي نومة موت يقول لهم الذين أوتوا العلم والإِيمان: هذا ما وعد الرحمن وصدق المرسلون، أي: هذا البعث بعد الموت الذي وعدكم الرحمن على ألسنة رسله، وصدق المرسلون في ذلك، كما شاهدتموه عيانًا فقوله في يس: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ قول الذين أوتوا العلم والإِيمان، على التحقيق، وقد اختاره ابن جرير، وهو مطابق لمعنى قوله: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ﴾ الآية.\nوالتحقيق أن قوله: هذا إشارة إلى ما وعد الرحمن، وأنها من كلام المؤمنين، وليست إشارة إلى المرقد في قول الكفار: ﴿مَنْ بَعَثَنَا","vol":"6","page":541},{"text":"مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا﴾ وقوله: في كتاب الله، أي: فيما كتبه وقدره وقضاه. وقال بعض العلماء: إن قوله: ﴿هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ﴾ الآية. من قول الكفار، ويدل له قوله في الصافات: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1407> قوله تعالى: ﴿وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٥٧)﴾</span>.\nقد قدمنا ما فيه من اللغات، والشواهد العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1408> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ جِئْتَهُمْ بِآيَةٍ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا مُبْطِلُونَ (٥٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾ وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا (٩٠)﴾ وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦)﴾ الآية، وفي غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1409> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾</span>.\nقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ إن الله تعالى قد بين في بعض الآيات القرآنية أنه يخاطب النبي - ﷺ - بخطاب لا يريد به نفس رسول الله - ﷺ -، وإنما يريد به التشريع.","vol":"6","page":542},{"text":"وبينا أن من أصرح الآيات في ذلك قوله تعالى مخاطبًا له - ﷺ -: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية، ومعلوم أن والديه قد ماتا قبل نزول إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما بزمن طويل، فلا وجه البتة لاشتراط بلوغهما، أو بلوغ أحدهما الكبر عنده، بل المراد تشريع بر الوالدين لأمته بخطابه - ﷺ -.\nواعلم أن قول من يقول: إن الخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ لمن يصح خطابه من المكلفين، وأنه كقول طرفة بن العبد:\n\n• ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا *\nخلاف الصواب.\nوالدليل على ذلك قوله بعد ذكر المعطوفات على قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ الآية. ومعلوم أن قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ﴾ خطاب له - ﷺ - كما ترى، وذكرنا هناك بعض الشواهد العربية على خطاب الإِنسان، مع أن المراد بالخطاب في الحقيقة غيره.\nوبهذا تعلم أن مثل قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾ وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ يراد به التشريع لأمته؛ لأنه - ﷺ - معصوم من ذلك الكفر الذي نهي عنه.","vol":"6","page":543},{"text":"فائدة\nروي من غير وجه: أن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب ﵁ ناداه رجل من الخوارج في صلاة الفجر، فقال: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٦٥)﴾ فأجابه عليّ ﵁ وهو في الصلاة: ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ (٦٠)﴾.\n\n * * *","vol":"6","page":544},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1410>سورة لقمان</span>","vol":"6","page":545},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيْمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1411> قوله تعالى: ﴿الم (١) تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (٢) هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ (٣)﴾ في أول سورة البقرةِ في الكلام على قوله تعالى: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1412> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكافر إذا تتلى عليه آيات الله، وهي هذا القرآن العظيم، ولى مستكبرًا، أي: متكبرًا عن قبولها، كأنه لم يسمعها، كأن في أذنيه وقرا، أي: صممًا وثقلًا مانعًا له من سماعها، ثم أمر نبيه - ﷺ - أن يبشره بالعذاب الأليم.\nوقد أوضح جلَّ وعلا هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَيْلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨) وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيْئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩) مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيْئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾ قال تعالى هنا: ﴿كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْرًا﴾ على","vol":"6","page":547},{"text":"سبيل التشبيه، وصرح في غير هذا الموضع أنه جعل في أذنيه الوقر بالفعل في قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾. والظاهر أن الوقر المذكور على سبيل التشبيه بالوقر الحسي؛ لأن الوقر المعنوي يشبه الوقر الحسي. والوقر المجعول على آذانهم بالفعل، هو الوقر المعنوي المانع من سماع الحق فقط، دون سماع غيره. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1413> قوله تعالى: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1414> قوله تعالى: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ﴾ الآية. وفي أول سورة الفرقان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1415> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لابْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾</span>\nدلت هذه الآية الكريمة: على أن الشرك ظلم عظيم.\nوقد بين تعالى ذلك في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقد ثبت في الصحيح عن","vol":"6","page":548},{"text":"النبي - ﷺ - أنه فسر الظلم في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بأنه الشرك، وبين ذلك بقوله هنا: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقد أوضحنا هذا سابقًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1416> قوله تعالى: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾</span>.\nمعناه لا تتكبر على الناس. ففي الآية نهى عن التكبر على الناس. والصعر الميل. والمتكبر يميل وجهه عن الناس متكبرًا عليهم، معرضًا عنهم. والصعر الميل، وأصله: داء يصيب البعير يلوي منه عنقه، ويطلق على المتكبر يلوي عنقه، ويميل خده عن الناس تكبرًا عليهم، ومنه قول عمرو بن حنى التغلبي:\nوكنا إذا الجبار صعّر خده ... أقمنا له من ميله فتقوّما\nوقول أبي طالب:\nوكنا قديمًا لا نقر ظلامة ... إذا ما ثنوا صعر الرؤوس نقيمها\nومن إطلاق الصعر على الميل قول النمر بن تولب العلكي:\nإنا أتيناك وقد طال السفر ... نقود خيلًا ضمرًا فيها صعر\nوإذا علمت أن معنى قوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ لا تتكبر عليهم.\nفاعلم أنا قدمنا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾ الآيات القرآنية الدالة على التحذير من الكبر المبينة لكثرة عواقبه السيئة، وأوضحنا ذلك مع بعض الآيات الدالة على حسن التواضع، وثناء الله على المتواضعين.","vol":"6","page":549},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1417> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه وتفسير الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا (٣٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1418> قوله تعالى: ﴿وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ﴾</span>\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع، كقوله تعالى: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1419> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في أول سورة الحج.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1420> قوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾</span>.\nقدمنا الآيات الموضحة له أيضًا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1421> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٢٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.","vol":"6","page":550},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1422> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِنْ بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1423> قوله تعالى: ﴿مَا خَلْقُكُمْ وَلَا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1424> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ﴾ الآية، وفي الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ﴾ الآية، وفي غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1425> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (٣٤)﴾</span>.\nقد قدمنا في سورة الأنعام أن هذه الخمسة المذكورة في خاتمة","vol":"6","page":551},{"text":"سورة لقمان: أنها هي مفاتح الغيب المذكورة في قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وأن النبي - ﷺ - أوضح ذلك بالسنَّة الصحيحة.\n\n * * *","vol":"6","page":552},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1426>سورة السجدة</span>","vol":"6","page":553},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1427> قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ بَلْ هُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أَتَاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1428> قوله تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أنه يدبر الأمر من السماء، إلى الأرض، وأنه يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة.\nوأشار تعالى إلى هذا المعنى في قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ﴾ وقد بين في سورة الحج أن اليوم عنده تعالى كألف سنة مما يعده الناس، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾ وقد قال تعالى في سورة سأل سائل: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾.","vol":"6","page":555},{"text":"وقد ذكرنا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) الجمع بين هذه الآيات من وجهين:\nالأول: هو ما أخرجه ابن أبي حاتم، من طريق سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس من أن يوم الألف في سورة الحج، هو أحد الأيام السنة التي خلق الله فيها السموات والأرض، ويوم الألف في سورة السجدة هو مقدار سير الأمر وعروجه إليه تعالى، ويوم الخمسين ألفًا هو يوم القيامة.\nالوجه الثاني: أن المراد بجميعها يوم القيامة، وأن الاختلاف باعتبار حال المؤمن والكافر، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى: ﴿فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ (٩) عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ (١٠)﴾ قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾.\nوقد أوضحنا هذا الوجه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾ وقد ذكرنا في (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) أن أبا عبيدة روى عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيوب، عن ابن أبي مليكة أنه حضر كلًا من ابن عباس وسعيد بن المسيب سئل عن هذه الآيات فلم يدر ما يقول فيها، ويقول: لا أدري.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1429> قوله تعالى: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة أن الذي يقبض أرواح الناس ملك واحد معين، وهذا هو المشهور، وقد جاء في بعض الآثار أن اسمه عزرائيل.","vol":"6","page":556},{"text":"وقد بين تعالى في آيات أخر أن الناس تتوفاهم ملائكة لا ملك واحد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا وَهُمْ لَا يُفَرِّطُونَ (٦١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوإيضاح هذا عند أهل العلم أن الموكل بقبض الأرواح ملك واحد، هو المذكور هنا، ولكن له أعوان يعملون بأمره ينتزعون الروح إلى الحلقوم، فيأخذها ملك الموت، أو يعينونه إعانة غير ذلك.\nوقد جاء في حديث البراء بن عازب الطويل المشهور أن النبي  - ﷺ -  ذكر فيه أن ملك الموت إذا أخذ روح الميت أخذها من يده بسرعة ملائكة فصعدوا بها إلى السماء. وقد بين فيه  - ﷺ -  ما تعامل به روح المؤمن وروح الكافر بعد أخذ الملائكة له من ملك الموت حين يأخذها من البدن. وحديث البراء المذكور صححه غير واحد، وأوضح ابن القيم في (كتاب الروح) بطلان تضعيف ابن حزم له.\nوالحاصل: أن حديث البراء المذكور دل على أن مع ملك الموت ملائكة آخرين يأخذون من يده الروح حين يأخذه من بدن الميت. وأما قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ فلا إشكال فيه؛ لأن الملائكة لا يقدرون أن يتوفوا أحدًا إلَّا بمشيئته جلَّ وعلا: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾.\nفتحصل: أن إسناد التوفي إلى ملك الموت في قوله هنا: ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ﴾ لأنه هو المأمور بقبض الأرواح، وأن إسناده لملائكة في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ","vol":"6","page":557},{"text":"الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية. ونحوها من الآيات؛ لأن لملك الموت أعوانًا يعملون بأمره، وأن إسناده إلى الله في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا﴾ لأن كل شيء كائنًا ما كان لا يكون إلَّا بقضاء الله وقدره. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1430> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ﴾ الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1431> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1432> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ (٢٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان الآيات الدالة على العواقب السيئة الناشئة عن الإِعراض عن التذكير بآيات الله في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾.","vol":"6","page":558},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1433> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَسَاكِنِهِمْ﴾</span>.\nقد قدمنا بعض الآيات الموضحة له في آخر سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هَلْ تُحِسُّ مِنْهُمْ مِنْ أَحَدٍ أَوْ تَسْمَعُ لَهُمْ رِكْزًا (٩٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1434> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِأُولِي النُّهَى (٥٤)﴾ وقد أوضحنا تفسير الأرض الجرز مع بعض الشواهد العربية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1435> قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْفَتْحُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٢٨) قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٢٩)﴾</span>.\nأظهر أقوال أهل العلم عندي هو أن الفتح في هذه الآية الكريمة هو الحكم والقضاء. وقد قدمنا أن الفتاح القاضي، وهي لغة حميرية قديمة. والفتاحة الحكم والقضاء، ومنه قوله:\nألا من مبلغ عمرًا رسولا ... يأتي عن فتاحتكم غنى\nوقد جاءت آيات تدل على أن الفتح الحكم، كقوله تعالى عن","vol":"6","page":559},{"text":"نبيه شعيب: ﴿عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (٨٩)﴾ أي: احكم بيننا بالحق، وأنت خير الحاكمين.\nوقوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿قَالَ رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧) فَافْتَحْ بَيْنِي وَبَيْنَهُمْ فَتْحًا وَنَجِّنِي وَمَنْ مَعِيَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (١١٨)﴾ الآية. أي: أحكم بيني وبينهم حكمًا، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَجْمَعُ بَيْنَنَا رَبُّنَا ثُمَّ يَفْتَحُ بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَهُوَ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ﴾ أي: إن تطلبوا الحكم بهلاك الظالم منكم، وهو هلاكهم يوم بدر، كما قاله غير واحد. وقد ذكروا أنهم لما أرادوا الخروج إلى بدر جاء أبو جهل، وتعلق بأستار الكعبة وقال: اللهم إنا قطان بيتك نسقي الحجيج، ونفعل ونفعل، وأن محمدًا قطع الرحم وفرق الجماعة، وعاب الدين، وشتم الآلهة، وسفه أحلام الآباء، اللهم أهلك الظالم منا ومنه فطلب الحكم على الظالم، فجاءهم الحكم على الظالم فقتلوا ببدر، وصاروا إلى الخلود في النار، إلى غير ذلك من الآيات.\nوعلى قول من قال من أهل العلم: إن المراد بالفتح في الآية الحكم والقضاء بينهم يوم القيامة فلا إشكال في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ وعلى القول بأن المراد بالفتح في الآية الحكم بينهم في الدنيا بهلاك الكفار، كما وقع يوم بدر، فالظاهر أن معنى قوله: ﴿يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ أي: إذا عاينوا الموت؛ وشاهدوا القتل، بدليل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ﴾ الآية. وقوله تعالى في","vol":"6","page":560},{"text":"فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٩٠) آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٩١)﴾ ولا يخفى أن قول من قال من أهل العلم: إن الفتح في هذه الآية: فتح مكة أنه غير صواب، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَوْمَ الْفَتْحِ لَا يَنْفَعُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِيمَانُهُمْ﴾ ومعلوم أن فتح مكة لا يمنع انتفاع المؤمن في وقته بإيمانه كما لا يخفى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1436> قوله تعالى: ﴿وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ (٣٠)﴾</span>.\nجاء معناه موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ (٣٠) قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُتَرَبِّصِينَ (٣١)﴾ ومعلوم أن التربص هو الانتظار. وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (١٥٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n* * *","vol":"6","page":561},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1437>سورة الأحزاب</span>","vol":"6","page":563},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1438> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لمثله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية. وما دلت عليه آية الأحزاب هذه من أن الخطاب الخاص لفظه بالنبي - ﷺ - يشمل حكمه جميع الأمة، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1439> قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾</span>.\nفي هذا الحرف أربع قراءات سبعية: قرأه عاصم وحده: تظاهرون بضم التاء وتخفيف الظاء بعدها ألف فهاء مكسورة مخففة، وقرأه حمزة والكسائي: تظاهرون بفتح التاء بعدها ظاء مفتوحة مخففة، فألف فهاء مفتوحة مخففة، وقرأه ابن عامر وحده كقراءة حمزة والكسائي: إلَّا أن ابن عامر يشدد الظاء، وهما يخففانها، وقرأه نافع وابن كثير، وأبو عمرو: تظهرون بفتح التاء بعدها ظاء فهاء","vol":"6","page":565},{"text":"مفتوحتان مشددتان بدون ألف. فقوله تعالى: تظاهرون، على قراءة عاصم مضارع ظاهر بوزن فاعل، وعلى قراءة حمزة، والكسائي فهو مضارع تظاهر بوزن تفاعل حذفت فيه إحدى التاءين على حد قوله في الخلاصة:\nوما بتاءين ابتدى قد يقتصر ... فيه على تا كتبينُ العبر\nفالأصل على قراءة الأخوين تتظاهرون، فحذفت إحدى التاءين وعلى قراءة ابن عامر، فهو مضارع تظاهر أيضًا، كقراءة حمزة والكسائي، إلَّا أن إحدى التاءين أدغمت في الظاء، ولم تحذف، وماضيه اظاهر كادارك، واثاقلتم، وادارأتم، بمعنى تدارك. إلخ.\nوعلى قراءة نافع وابن كثير وأبي عمرو فهو مضارع تظهر على وزن تفعل، وأصله تتظهرون بتاءين، فأدغمت إحدى التاءين في الظاء، وماضيه اظهر نحو اطيرنا وازينت بمعنى: تطيرنا، وتزينت، كما قدمنا إيضاحه في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (١١٧)﴾ فعلم مما ذكرنا أن قولهم: ظاهر من امرأته، وتظاهر منها، وتظهر منها كلها بمعنى واحد، وهو أن يقول لها: أنت علي كظهر أمي، يعني أنها حرام عليه، وكانوا يطلقون بهذه الصيغة في الجاهلية.\nوقد بين الله جلَّ وعلا في قوله هنا: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ أن من قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي: لا تكون أمًا له بذلك، ولم يزد هنا على ذلك، ولكنه جلَّ وعلا أوضح هذا في سورة المجادلة، فبين أن أزواجهم اللائي ظاهروا منهن لسن أمهاتهم، وأن أمهاتهم من النساء التي ولدنهم خاصة دون غيرهن، وأن قولهم: أنت علي كظهر أمي منكر من القول وزور.","vol":"6","page":566},{"text":"وقد بين الكفارة اللازمة في ذلك عند العود وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢) وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا ذَلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٣) فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا ذَلِكَ لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٤)﴾.\nفقوله تعالى في آية الأحزاب هذه: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾ كقوله تعالى في سورة المجادلة: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ وقد رأيت ما في سورة المجادلة من الزيادة والإِيضاح لما تضمنته آية الأحزاب هذه.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: قد علمت من القرآن أن الإِقدام على الظهار من الزوجة حرام حرمة شديدة كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ فما صرح الله تعالى بأنه منكر وزور فحرمته شديدة كما ترى. وبين كونه كذبًا وزورًا بقوله: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا جَعَلَ اللَّهُ لِرَجُلٍ مِنْ قَلْبَيْنِ فِي جَوْفِهِ وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾.\nوأشار بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ (٢)﴾ أن من صدر منه منكر الظهار وزوره إن تاب إلى الله من ذلك توبة نصوحًا غفر له ذلك المنكر الزور، وعفا عنه، فسبحانه ما أكرمه، وما أحلمه.","vol":"6","page":567},{"text":"المسألة الثانية: في بيان العود الذي رتب الله عليه الكفارة في قوله: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وإزالة إشكال في الآية.\nاعلم أن هذه المسألة قد بيناها في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) وسنذكر هنا كلامنا المذكور فيه تتميمًا للفائدة.\nففي دفع إيهام الاضطراب ما نصه: قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾. لا يخفى أن ترتيبه تعالى الكفارة بالعتق على الظهار والعود معًا يفهم منه أن الكفارة لا تلزم إلَّا بالظهار والعود معًا. وقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ صريح في أن التكفير يلزم كونه من قبل العود إلى المسيس.\nاعلم أولًا: أن ما رجحه ابن حرم من قول داود الظاهري، وحكاه ابن عبد البر عن بكير بن الأشج، والفراء، وفرقة من أهل الكلام، وقال به شعبة (^١) من أن معنى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾ هو عودهم إلى لفظ الظهار، فيكررونه مرة أخرى قول باطل، بدليل أن النبي  - ﷺ -  لم يستفصل المرأة التي نزلت فيها آية الظهار، هل كرر زوجها صيغة الظهار أو لا، وترك الاستفصال ينزل منزلة العموم في الأقوال كما تقدم مرارًا.\nوالتحقيق أن الكفارة ومنع الجماع قبلها لا يشترط فيها تكرير صيغة الظهار. وما زعمه بعضهم أيضًا من أن الكلام فيه تقديم\n_________\n(^١) كذا في المطبوعة، و\"دفع إيهام الاضطراب\"!","vol":"6","page":568},{"text":"وتأخير، وتقديره: (والذين يظاهرون من نسائهم فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا ثم يعودون لما قالوا) سالمين من الإِثم بسبب الكفارة غير صحيح أيضًا؛ لما تقرر في الأصول من وجوب الحمل على بقاء الترتيب، إلَّا لدليل. وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود:\nكذاك ترتيب لإِيجاب العمل ... بما له الرجحان مما يحتمل\nوسنذكر إن شاء الله الجواب عن هذا الإِشكال على مذاهب الأئمة الأربعة ﵃ وأرضاهم.\nفنقول وباللَّه تعالى نستعين: معنى العود عند مالك فيه قولان، تؤولت المدونة على كل واحد منهما، وكلاهما مرجح.\nالأول: أنه العزم على الجماع فقط.\nالثاني: أنه العزم على الجماع وإمساك الزوجة معًا، وعلى كلا القولين فلا إشكال في الآية.\nلأن المعنى حينئذ: والذين يظاهرون من نسائهم، ثم يعزمون على الجماع، أو عليه مع الإِمساك، فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا فلا منافاة بين العزم على الجماع، أو عليه مع الإِمساك، وبين الإِعتاق قبل المسيس.\nوغاية ما يلزم على هذا القول حذف الإِرادة، وهو واقع في القرآن، كقوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: أردتم القيام إليها، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ﴾ أي: أردت قراءته: ﴿فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ الآية.\nومعنى العود عند الشافعي: أن يمسكها بعد المظاهرة زمانًا يمكنه أن يطلقها فيه فلا يطلق، وعليه فلا إشكال في الآية أيضًا؛ لأن","vol":"6","page":569},{"text":"إمساكه إياها الزمن المذكور لا ينافي التكفير قبل المسيس، كما هو واضح.\nومعنى العود عند أحمد: هو أن يعود إلى الجماع، أو يعزم عليه. أما العزم فقد بينا أنه لا إشكال في الآية على القول به، وأما على القول بأنه الجماع فالجواب: أنه إن ظاهر وجامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى، حتى يكفر، ولا يلزم من هذا جواز الجماع الأول قبل التكفير؛ لأن الآية على هذا القول إنما بينت حكم ما إذا وقع الجماع قبل التكفير، وأنه وجوب التكفير قبل مسيس آخر، وأما الإِقدام على المسيس الأول فحرمته معلومة من عموم قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾.\nومعنى العود عند أبي حنيفة رحمه الله تعالى: هو العزم على الوطء، وعليه فلا إشكال كما تقدم.\nوما حكاه الحافظ ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسيره عن مالك من أنه حكي عنه أن العود الجماع فهو خلاف المعروف من مذهبه، وكذلك ما حكاه عن أبي حنيفة من أن العود هو العود إلى الظهار بعد تحريمه، ورفع ما كان عليه أمر الجاهلية، فهو خلاف المقرر في فروع الحنفية من أنه العزم على الوطء كما ذكرنا، وغالب ما قيل في معنى العود راجع إلى ما ذكرنا من أقوال الأئمة ﵏.\nوقال بعض العلماء: المراد بالعود الرجوع إلى الاستمتاع بغير الجماع، والمراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ خصوص الجماع، وعليه فلا إشكال، ولا يخفى عدم ظهور هذا القول.\nوالتحقيق عدم جواز الاستمتاع بوطء أو غيره قبل التكفير؛","vol":"6","page":570},{"text":"لعموم قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ وأجاز بعضهم الاستمتاع بغير الوطء قائلًا: إن المراد بالمسيس في قوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ نفس الجماع لا مقدماته، وممن قال بذلك: الحسن البصري، والثوري، وروى عن الشافعي في أحد القولين.\nوقال بعض العلماء: اللام في قوله: لما قالوا بمعنى في، أي يعودون فيما قالوا، بمعنى يرجعون فيه، كقوله  - ﷺ -: \"الواهب العائد في هبته\" الحديث. وقيل: اللام بمعنى عن، أي: يعودون عما قالوا: أي: يرجعون عنه، وهو قريب مما قبله.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي واللَّه تعالى أعلم: أن العود له مبدأ ومنتهى، فمبدؤه العزم على الوطء، ومنتهاه الوطء بالفعل، فمن عزم على الوطء فقد عاد بالنية، فتلزمه الكفارة لإِباحة الوطء، ومن وطئي بالفعل تحتم في حقه اللزوم، وخالف بالإِقدام على الوطء قبل التكفير.\nويدل لهذا قوله  - ﷺ -: لما قال: \"إذا التقا المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار. وقالوا: يا رسول الله قد عرفنا القاتل فما بال المقتول، قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه\" فبين أن العزم على الفعل عمل يؤخذ به الإِنسان.\nفإن قيل: ظاهر الآية المتبادر منها يوافق قول الظاهرية الذي قدمنا بطلانه؛ لأن الظاهر المتبادر من قوله: لما قالوا أنه صيغة الظهار، فيكون العود لها تكريرها مرة أخرى.\nفالجواب: أن المعنى: لما قالوا إنه حرام عليهم، وهو الجماع، ويدل لذلك وجود نظيره في القرآن في قوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ","vol":"6","page":571},{"text":"مَا يَقُولُ﴾ أي: ما يقول: إنه يؤتاه من مال وولد في قوله: ﴿لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾.\nوما ذكرنا من أن من جامع قبل التكفير يلزمه الكف عن المسيس مرة أخرى حتى يكفر، هو التحقيق خلافًا لمن قال: تسقط الكفارة بالجماع قبل المسيس، كما روى عن الزهري، وسعيد بن جبير، وأبي يوسف، ولمن قال: تلزم به كفارتان كما روي عن عبد الله بن عمرو بن العاص، وذكره بعضهم عن عمرو بن العاص، وعبد الرحمن بن مهدي. ولمن قال: تلزمه ثلاث كفارات، كما رواه سعيد بن منصور، عن الحسن، وإبراهيم. والعلم عند الله تعالى. انتهى بطوله من (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب).\nالمسألة الثالثة: أظهر قولي أهل العلم عندي أنه لو قال لها: أنت علي كظهر ابنتي، أو أختي، أو جدتي، أو عمتي، أو أمي من الرضاع، أو أختي من الرضاع، أو شبهها بعضو آخر غير الظهر، كأن يقول: أنت علي كرأس ابنتي أو أختي، إلخ، أو كبطن من ذكر، أو فرجها، أو فخذها أن ذلك كله ظهار، إذ لا فرق في المعنى بينه، وبين أنت علي كظهر أمي، لأنه في جميع ذلك شبه امرأته بمن هي في تأبيد الحرمة كأمه، فمعنى الظهار محقق الحصول في ذلك.\nقال ابن قدامة في المغني: وهذا قول أكثر أهل العلم منهم: الحسن، وعطاء، وجابر بن زيد، والشعبي، والنخعي، والزهري، والثوري، والأوزاعي، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وأصحاب الرأي، وهو جديد قول الشافعي. وقال في القديم: لا يكون الظهار إلَّا بأم أو جدة، لأنها أم أيضًا، لأن اللفظ الذي ورد","vol":"6","page":572},{"text":"به القرآن مختص بالأم، فإذا عدل عنه لم يتعلق به ما أوجبه الله تعالى فيه.\nولنا أنهن محرمات بالقرابة، فأشبهن الأم، فأما الآية فقد قال فيها: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ وهذا موجود في مسألتنا، فجرى مجراه، وتعليق الحكم بالأم لا يمنع ثبوت الحكم في غيرها إذا كانت مثلها.\nالضرب الثالث: أن يشبهها بظهر من تحرم عليه على التأبيد سوى الأقارب، كالأمهات المرضعات، والأخوات من الرضاعة، وحلائل الآباء والأبناء، وأمهات النساء، والربائب اللاتي دخل بأمهن فهو ظهار أيضًا، والخلاف فيها كالتي قبلها، ووجه المذهبين ما تقدم، ويزيد في الأمهات المرضعات دخولها في عموم الأمهات فتكون داخلة في النص، وسائرهن في معناها، فثبت فيهن حكمها. انتهى من المغني. وهو واضح كما ترى.\nفرعان يتعلقان بهذه المسألة\nالأول: اعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا شبه امرأته بظهر من تحرم عليه تحريمًا موقتًا، كأخت امرأته، وعمتها، وكالأجنبية، فقال بعض أهل العلم: هو ظهار، وهو قول أصحاب مالك، وهو عندهم من نوع الكناية الظاهرة، وهو إحدى الروايتين عن أحمد، واختارها الخرقي، والرواية الأخرى عن أحمد: أنه ليس بظهار، وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي.\nوحجة القول الأول: أنه شبه امرأته بمحرمة، فأشبه ما لو شبهها بالأم، لاشتراك الجميع في التحريم؛ لأنه مجرد قوله: أنت","vol":"6","page":573},{"text":"علي حرام، إذا نوى به الظهار يكون ظهارًا على الأظهر، والتشبيه بالمحرمة تحريم، فيكون ظهارًا.\nوحجة القول الثاني: أن التي شبه لها امرأته ليست محرمة على التأبيد، فلا يكون لها حكم ظهر الأم إلَّا إن كان تحريمها مؤبدًا كالأم، ولما كان تحريمها غير مؤبد كان التشبيه بها ليس بظهار كما لو شبهها بظهر حائض، أو محرمة من نسائه.\nوأجاب المخالفون عن هذا بأن مجرد التشبيه بالمحرمة يكفي في الظهار لدخوله في عموم قوله: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنَ الْقَوْلِ وَزُورًا﴾ قالوا: وأما الحائض، فيباح الاستمتاع بها في غير الفرج، والمحرمة يحل له النظر إليها ولمسها من غير شهوة، وليس في وطء واحدة منهما حد، بخلاف مسألتنا. انتهى من المغني منع تصرف يسير لا يخل بالمعنى.\nوقال صاحب المغني: واختار أبو بكر أن الظهار لا يكون إلَّا من ذوات المحرم من النساء، قال: فبهذا أقول.\nوقال بعض العلماء: إن شبه امرأته بظهر الأجنبية كان طلاقًا. قاله بعض المالكية. اهـ.\nقال مقيده عما الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على الأصول هو قول من قال: إنه يكون مظاهرًا، ولو كانت التي شبه امرأته بظهرها غير مؤبدة التحريم، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم؛ لأن مدار الظهار على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة، وذلك حاصل بتشبيهها بامرأة محرمة في الحال ولو تحريمًا مؤقتًا؛ لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل. والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":574},{"text":"الفرع الثاني: في حكم ما لو قال لها: أنت علي كظهر أبي أو ابني، أو غيرهما من الرجال. لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب، ولا سنَّة، والعلماء مختلفون فيه. فقال بعضهم: لا يكون مظاهرًا بذلك، قال ابن قدامة في المغني: وهو قول أكثر العلماء؛ لأنه تشبيه بما ليس بمحل للاستمتاع، فأشبه ما لو قال: أنت علي كمال زيد. وهل فيه كفارة؟ على روايتين: إحدهما: فيه كفارة؛ لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله.\nوالثانية: ليس فيه شيء. ونقل ابن القاسم عن أحمد فيمن شبه امرأته بظهر الرجل، لا يكون ظهارًا، ولم أره يلزم فيه شيء، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستمتاع أشبه التشبيه بمال غيره. وقال بعضهم: يكون مظاهرًا بالتشبيه بظهر الرجل. وعزاه في المغني لابن القاسم صاحب مالك، وجابر بن زيد. وعن أحمد روايتان، كالمذهبين المذكورين، وكون ذلك ظهارًا هو المعروف عند متأخري المالكية.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية، والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل. والصحيح عند جماعات من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولًا إن كانت له حقيقة شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية، ثم اللغوية. وعن أبي حنيفة: أنه يحمل على اللغوية قبل العرفية، قال: لأن العرفية وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع.\nوالقول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى، بل","vol":"6","page":575},{"text":"يحكم باستوائهما، فيكون اللفظ مجملًا لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بنية أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:\nواللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفى\nفاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب\nومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإِجمال فيه مرتضى\nوإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي كظهر أبي مثلًا لا ينصرف في الحقيقة العرفية إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته؛ لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا يقتضي التحريم، فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار. والظاهر أن قوله: أنت علي كالميتة والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلك كقوله: أنت علي كظهر أبي فيجرى على حكمه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علي حرام، أو إن دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها، فيها للعلماء نحو عشرين قولًا كما هو معروف في محله.\nوقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق.\nوإيضاح ذلك: أن قوله: أنت علي كظهر أمي معناه: أنت علي حرام. وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: أنت علي كظهر","vol":"6","page":576},{"text":"أمي، ولا يخفى أن أنت علي حرام مثلها في المعنى كما ترى.\nوقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي أنهم قالوا: التحريم ظهار. اهـ. وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن القول بكفارة اليمين، والاستغفار لقوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ بعد قوله: (لِمَ تُحَرِّم) الآية.\nالمسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي، أو مني، أو معي كظهر أمي لا فرق بينه وبين قوله: أنت علي كظهر أمي، فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو واضح كما ترى.\nالمسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليّ كأمي، أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارًا إلَّا أن ينوي به الظهار؛ لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها مشهورًا، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء. قاله في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير، أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار، والقول قوله في نيته. قاله في المغني.\nوأما إن لم ينو شيئًا فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر: هو صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة، والشافعي؛ لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه.","vol":"6","page":577},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي؛ لأن اللفظ المذكور لا يتعين للظهار لا عرفًا ولا لغة إلَّا لقرينة تدل على قصده الظهار.\nقال ابن قدامة في المغني: ووجه الأول يعني القول بأن ذلك ظهار أنه شبه امرأته بجملة أمه، فكان مشبهًا لها بظهرها، فيثبت الظهار كما لو شبهها به منفردًا.\nوالذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا فأنت عليَّ مثل أمي، أو قال ذلك حال الخصومة، والغضب فهو ظهار؛ لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد للامتناع من شيء أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه؛ ولأن كونها مثل أمه في صفتها، أو كرامتها لا يتعلق على شرط، فيدل على أنه إنما أراد الظهار، ووقوع ذلك في حال الخصومة والغضب دليل على أنه أراد به ما يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها وهو الظهار، وإن عدم هذا فليس بظهار؛ لأنه محتمل لغير الظهار احتمالًا كثيرًا، فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. انتهى محل الغرض من المغني، وهو الأظهر فلا ينبغي العدول عنه والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي أنه إن قال: الحل علي حرام، أو ما أحل الله علي حرام، أو ما أنقلب إليه حرام وكانت له امرأة أنه يكون مظاهرًا، وذلك لدخول الزوجة في عموم الصيغ المذكورة.\nقال في المغني: نص على ذلك أحمد في الصور الثلاث. اهـ. وهو ظاهر.","vol":"6","page":578},{"text":"وهذا على أقيس الأقوال، وهو كون التحريم ظهارًا. وأظهر القولين عندي فيمن قال: ما أحل الله من أهل ومال حرام عليَّ أنه يلزمه الظهار، مع لزوم ما يلزم في تحريم ما أحل الله من مال، وهو كفارة يمين عند من يقول بذلك، وعليه فتلزمه كفارة ظهار، وكفارة يمين.\nوهذا الذي استظهرنا هو الذي اختاره ابن عقيل خلافًا لما نقله في المغني عن أحمد ونصره من أنه يكفي فيه كفارة الظهار عن كفارة اليمين، والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثامنة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليّ حرام كظهر أمي، أو أنت عليّ كظهر أمي حرام: أنه يكون مظاهرًا مطلقًا، ولا ينصرف للطلاق ولو نواه؛ لأن الصيغة صريحة في الظهار.\nالمسألة التاسعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت طالق كظهر أمي، أن الطلاق إن كان بائنًا بانت به، ولا يقع ظهار بقوله: كظهر أمي؛ لأن تلفظه بذلك وقع وهي أجنبية فهو كالظهار من الأجنبية، وإن كان الطلاق رجعيًا، ونوى بقوله كظهر أمي الظهار كان مظاهرًا؛ لأن الرجعية زوجة يلحقها الظهار والطلاق، وإن لم ينو به الظهار، فلا يكون ظهارًا؟ لأنه أتى بصريح الطلاق أولًا، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له، وصريح الطلاق لا ينصرف إلى الظهار. ونقل في المغني هذا الذي استظهرنا عن القاضي. وقال: وهو مذهب الشافعي. وأما لو قدم الظهار على الطلاق فقال: أنت علي كظهر أمي طالق، فالأظهر وقوع الظهار والطلاق معًا سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا؛ لأن الظهار لا يرفع الزوجية، ولا تحصل","vol":"6","page":579},{"text":"به البينونة؛ لأن الكفارة ترفع حكمه، فلا يمنع وقوع الطلاق على المظاهر منها. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة العاشرة: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن شبه أي عضو من امرأته بظهر أمه، أو بأي عضو من أعضائها، فهو مظاهر؛ لحصول معنى تحريم الزوجة بذلك. وسواء كان عضو الأم يجوز له النظر إليه كرأسها ويدها أو لا يجوز له كفرجها وفخذها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ورواية أخرى: أنه لا يكون مظاهرًا حتى يشبه جملة امرأته؛ لأنه لو حلف باللَّه لا يمس عضوًا معينًا منها لم يسر إلى غيره من أعضائها، فكذلك المظاهرة؛ ولأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص. وعن أبي حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والفرج هو ظهار، وإن شبهها بما يجوز النظر إليه، كاليد والرأس فليس بظهار؛ لأن التشبيه بعضو يحل النظر إليه كالتشبيه بعضو زوجة له أخرى، فلا يحصل به الظهار. وإنما استظهرنا أنه ظهار مطلقًا؛ لأن معنى التحريم حاصل به، فهو في معنى صريح الظهار، فقولهم: ولا هو في معنى المنصوص ليس بمسلم، بل هو في معناه. وقياسه على حلفه باللَّه لا يمس عضوًا معينًا منها ظاهر السقوط؛ لأن معنى التحريم يحصل ببعض، والحلف عن بعض لا يسري إلى بعض آخر، كما ترى. وقول أبي حنيفة: إن العضو الذي يحل النظر إليه لا يحصل الظهار بالتشبيه به غير مسلم أيضًا؛ لأنه وإن جاز النظر إليه فإن التلذذ به حرام، والتلذذ هو المستفاد من عقد النكاح، فالتشبيه به مستلزم للتحريم، والظهار هو نفس التحريم بواسطة التشبيه بعضو الأم المحرم.","vol":"6","page":580},{"text":"واعلم أن القول بأن الظهار يحصل بقوله: شعرك، أو ريقك، أو كلامك علي كظهر أمي، له وجه قوي من النظر؛ لأن الشعر من محاسن النساء التي يتلذذ بها الأزواج كما بيناه في سورة الحج، وكذلك الريق فإن الزوج يمصه ويتلذذ به من امرأته، وكذلك الكلام كما هو معروف. وأما لو قال لها: سعالك أو بصاقك، أو نحو ذلك علي كظهر أمي، فالظاهر أن ليس ذلك بشيء، لأن السعال والبصاق وما يجري مجراهما، كالدمع ليس مما يتمتع به عادة. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيمن قال لأمته: أنت علي كظهر أمي، أو قال ذلك لأم ولده، فقال بعض أهل العلم: لا يصح الظهار من المملوكة، وهو مروى عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وقال بعضهم: يصح الظهار من الأمة أم ولد كانت أو غيرها، وهو مذهب مالك، وهو مروى أيضًا عن الحسن، وعكرمة، والنخعي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن يسار، والزهري، والحكم، والثوري، وقتادة، وهو رواية عن أحمد. وعن الحسن، والأوزاعي: إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلَّا فلا. وعن عطاء: إن ظاهر من أمته، فعليه نصف كفارة الظهار من الحرة.\nواحتج الذين قالوا: إن الأمة لا يصح الظهار منها بأدلة:\nمنها: أنهم زعموا أن قوله: يظاهرون من نسائهم يختص بالأزواج دون الإِماء.","vol":"6","page":581},{"text":"ومنها: أن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تدخل فيه الأمة قياسًا على الطلاق.\nومنها: أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، ومحل الطلاق الأزواج دون الإِماء.\nومنها: أن تحريم الأمة تحريم لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين، كتحريم سائر ماله عند من يقول بأن تحريم المال فيه كفارة يمين، كما تقدم في سورة الحج.\nقالوا: ومنها أن النبي  - ﷺ -  حرم جاريته مارية، فلم يلزمه ظهار بل كفارة يمين، كما قال تعالى في تحريمه إياها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ ثم قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ الآية.\nواحتج القائلون بصحة الظهار من الأمة بدخولها في عموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قالوا: وإماؤهم من نسائهم؛ لأن تمتعهم بإمائهم من تمتعهم بنسائهم، قالوا: ولأن الأمة يباح وطؤها، كالزوجة، فصح الظهار منها كالزوجة، قالوا: وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ﴾ نزلت في تحريمه  - ﷺ -  شرب العسل في القصة المشهورة لا في تحريم الجارية.\nوحجة الحسن والأوزاعي وحجة عطاء كلتاهما واضحة مما تتقدم.\nوقال ابن العربي المالكي في قول مالك وأصحابه بصحة الظهار من الأمة: وهي مسألة عسيرة علينا؛ لأن مالكًا يقول: إذا قال لأمته: أنت علي حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم، وتصح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم قوله: من نسائهم؛ لأنه أراد من محللاتهم.","vol":"6","page":582},{"text":"والمعنى فيه: أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد، فصح في الأمة أصله الحلف باللَّه تعالى. اهـ منه. بواسطة نقل القرطبي.\nقاله مقيده عما الله عنه وغفر له: لا يبعد بمقتضى الصناعة الأصولية، والمقرر في علوم القرآن: أن يكون هناك فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة.\nوإيضاح ذلك: أن قوله تعالى: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ جاء في بعض الروايات الصحيحة في السنن وغيرها، أنه نزل في تحريم النبي - ﷺ - جاريته مارية أم إبراهيم، وإن كان جاء في الروايات الثابتة في الصحيحين: أنه نزل في تحريمه العسل الذي كان شربه عند بعض نسائه. وقصة ذلك مشهورة صحيحة؛ لأن المقرر في علوم القرآن أنه إذا ثبت نزول الآية في شيء معين، ثم ثبت بسند آخر صحيح أنها نزلت في شيء آخر معين غير الأول، وجب حملها على أنها نزلت فيهما معًا، فيكون لنزولها سببان، كنزول آية اللعان في عويمر، وهلال معًا.\nوبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية، نزل في تحريمه - ﷺ - العسل على نفسه، وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا منها، وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، وقد قال ابن عباس لما بين أن فيه كفارة يمين: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ ومعناه: أن النبي - ﷺ - كفر عن تحريمه جاريته كفارة يمين؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ","vol":"6","page":583},{"text":"أَيْمَانِكُمْ﴾ بعد تحريمه - ﷺ - جاريته المذكورة في قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.\nومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٢)﴾ بعد قوله: لم تحرم، وقال: إن النبي - ﷺ - لما حرم جاريته قال مع ذلك: \"واللَّه لا أعود إليها\" وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية. واليمين المذكورة، مع التحريم في قصة الجارية. قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم التابعي المشهور، لكنه أرسله. اهـ. وكذلك رواه عنه ابن جرير.\nوقال ابن كثير في تفسيره: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح، وساق السند المذكور عن عمر ﵁، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ نزلت في تحريمه - ﷺ - جاريته، فالفرق بين تحريم الجارية، والزوجة ظاهر؛ لأن آية (لم تحرم) دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا، وآية: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة؛ لأن معنى: ﴿يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت علي كظهر أمي. وهذا لا خلاف فيه، وقوله: أنت علي كظهر أمي معناه أنت علي حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن","vol":"6","page":584},{"text":"ابن عباس ﵄ لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار؛ لأنَّ أنت علي كظهر أمي، وأنت علي حرام معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين، أو الاستغفار كما تقدم. وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه.\nوقد قدمنا أن تحريم الرجل امرأته فيه للعلماء عشرون قولًا، وسنذكرها هنا باختصار، ونبين ما يظهر لنا رجحانه بالدليل منها إن شاء الله تعالى.\nالقول الأول: هو أن تحريم الرجل امرأته لغو باطل، لا يترتب عليه شيء. قال ابن القيِّم في إعلام الموقعين: وهو إحدى الروايتين، عن ابن عباس، وبه قال مسروق، وأبو سلمة بن عبد الرحمن، وعطاء، والشعبي، وداود وجميع أهل الظاهر، وأكثر أصحاب الحديث، وهو أحد قولي المالكية. اختاره أصبغ بن الفرج. وفي الصَّحيح عن سعيد بن جبير أنَّه سمع ابن عباس يقول: إذا حرم الرجل امرأته، فليس بشيء ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وصح عن مسروق أنَّه قال: ما أبالي أحرمت امرأتي أو قصعة من ثريد، وصح عن الشعبي في تحريم المرأة: لهو أهون علي من نعلي. وقال أبو سلمة: ما أبالي أحرمت امرأتي أو حرمت ماء النهر. وقال الحجاج ابن منهال: إن رجلًا جعل امرأته عليه حرامًا، فسأل عن ذلك حميد بن عبد الرحمن، فقال حميد: قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ","vol":"6","page":585},{"text":"فَانْصَبْ (٧) وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ (٨)﴾ وأنت رجل تلعب فاذهب فالعب. اهـ منه.\nواستدل أهل هذا القول بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾ وقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ﴾ وعموم قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ وعموم قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآية. وعموم قوله  - ﷺ -: \"من عمل عملًا ليس عليه أمرنا فهو رد\" ومعلوم أن تحريم ما أحل الله ليس من أمرنا.\nالقول الثاني: أن التحريم ثلاث تطليقات، قال في إعلام الموقعين: وبه قال علي بن أبي طالب ﵁، يزيد بن ثابت، وابن عمر، والحسن البصري، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى. وقضى فيها أمير المؤمنين علي ﵁ بالثلاث في عدي بن قيس الكلابي، وقال: والذي نفسي بيده لئن مسستها قبل أن تتزوج غيرك لأرجمنك. وقال في زاد المعاد: وروي عن الحكم بن عتيبة ثم قال: قلت: الثابت عن زيد بن ثابت وابن عمر: أن في ذلك كفارة يمين، وذكر في الزاد أيضًا: أن ابن حزم نقل عن علي الوقف في ذلك. وحجة هذا القول بثلاث أنها لا تحرم عليه إلَّا بالثلاث، فكان وقوع الثلاث من ضرورة كونها حرامًا عليه.\nالقول الثالث: أنها حرام عليه بتحريمه إياها. قال في إعلام الموقعين: وصح هذا أيضًا عن أبي هريرة، والحسن، وخلاس بن عمرو، وجابر بن زيد وقتادة، ولم يذكر هؤلاء طلاقًا، بل أمروه","vol":"6","page":586},{"text":"باجتنابها فقط. وصح ذلك أيضًا عن علي ﵁، فإما أن يكون عنه روايتان، وإما أن يكون أراد تحريم الثلاث. وحجة هذا القول أن لفظه إنَّما اقتضى التحريم، ولم يتعرض لعدد الطلاق فحرمت عليه بمقتضى تحريمه.\nالقول الرابع: الوقف. قال في إعلام الموقعين: صح ذلك أيضًا عن أمير المؤمنين علي ﵁، وهو قول الشعبي. وحجة هذا القول: أن التحريم ليس بطلاق، وهو لا يملك تحريم الحلال، إنَّما يملك إنشاء السبب الذي يحرم به، وهو الطلاق، وهذا ليس بصريح في الطلاق، ولا هو مما ثبت له عرف الشرع في تحريم الزوجة، فاشتبه الأمر فيه، فوجب الوقف للاشتباه.\nالقول الخامس: إن نوى به الطلاق فهو طلاق، وإلَّا فهو يمين. قال في الأعلام: وهذا قول طاووس، والزهري، والشافعي، ورواية عن الحسن. اهـ.\nوحكي هذا القول أيضًا عن النخعي، وإسحاق، وابن مسعود وابن عمر. وحجة هذا القول أن التحريم كناية في الطلاق، فإن نواه به كان طلاقًا، وإن لم ينوه كان يمينًا؛ لقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.\nالقول السادس: أنَّه إن نوى به الثلاث فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة بائنة، وإن نوى يمينًا فهو يمين، وإن لم ينو شيئًا فهو كذبة لا شيء فيها قاله سفيان، وحكاه النخعي عن أصحابه. وحجة هذا القول أن اللفظ محتمل لما نواه من ذلك، فيتبع نيته.\nالقول السابع: مثل هذا إلَّا أنَّه إن لم ينو شيئًا فهو يمين","vol":"6","page":587},{"text":"يكفرها، وهو قول الأوزاعي. وحجة هذا القول ظاهر قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾.\nالقول الثامن: مثل هذا أيضًا إلَّا أنَّه إن لم ينو شيئًا فواحدة بائنة إعمالًا للفظ التحريم. هكذا ذكر هذا القول في: إعلام الموقعين ولم يعزه لأحد.\nوقال صاحب نيل الأوطار: وقد حكاه ابن حزم عن إبراهيم النخعي.\nالقول التاسع: أن فيه كفارة الظهار. قال في إعلام الموقعين: وصح ذلك عن ابن عباس أيضًا، وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، ووهب بن منبه، وعثمان البتي، وهو إحدى الروايات عن الإِمام أحمد. وحجة هذا القول أن الله تعالى جعل تشبيه المرأة بأمه المحرمة عليه ظهارًا، وجعله منكرًا من القول وزورًا، فإذا كان التشبيه بالمحرمة يجعله مظاهرًا، فإذا صرح بتحريمها كان أولى بالظهار. وهذا أقيس الأقوال وأفقهها. ويؤيده أن الله لم يجعل للمكلف التحريم والتحليل، وإنما ذلك إليه تعالى، وإنما جعل له مباشرة الأفعال والأقوال التي يترتب عليها التحريم والتحليل، فالسبب إلى العبد، وحكمه إلى الله تعالى، فإذا قال: أنت علي كظهر أمي، أو قال: أنت علي حرام، فقد قال المنكر من القول والزور، وقد كذب، فإن الله لم يجعلها كظهر أمه، ولا جعلها عليه حرامًا، فأوجب عليه بهذا القول من المنكر والزور أغلظ الكفارتين وهي كفار الظهار.\nالقول العاشر: أنَّه تطليقة واحدة. وهي إحدى الروايتين عن عمر بن الخطاب ﵁، وقول حماد بن أبي سليمان شيخ أبي حنيفة. وحجة هذا القول أن تطليق التحريم لا يقتضي التحريم","vol":"6","page":588},{"text":"بالثلاث، بل يصدق بأقله، والواحدة متيقنة، فحمل اللفظ عليها؛ لأنَّها اليقين فهو نظير التحريم بانقضاء العدة.\nالقول الحادي عشر: أنَّه ينوي فيما أراد من ذلك، فيكون له نيته في أصل الطلاق وعدده، وإن نوى تحريمًا بغير طلاق فيمين مكفرة. قال ابن القيم: وهو قول الشافعي.\nوحجة هذا القول: أن اللفظ صالح لذلك كله، فلا يتعين واحد منها إلَّا بالنية، فإن نوى تحريمًا مجردًا كان امتناعًا منها بالتحريم كامتناعه باليمين، ولا تحرم عليه في الموضعين. اهـ. وقد تقدم أن مذهب الشافعي هو القول الخامس.\nقال في نيل الأوطار: وهو الذي حكاه عنه في فتح الباري، بل حكاه عنه ابن القيم نفسه.\nالقول الثاني عشر: أنَّه ينوي في أصل الطلاق وعدده، إلَّا أنَّه إن نوى واحدة كانت بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهو مُؤْلٍ، وإن نوى الكذب فليس بشيء، وهو قول أبي حنيفة وأصحابه.\nوحجة هذا القول احتمال اللفظ لما ذكره، إلَّا أنَّه إن نوى واحدة كانت بائنة، لاقتضاء التحريم للبينونة، وهي صغرى وكبرى، والصغرى هي المتحققة، فاعتبرت دون الكبرى. وعنه رواية أخرى: إن نوى الكذب دُيِّن، ولم يقبل في الحكم، بل يكون مؤليًا، ولا يكون ظهارًا عنده، نواه، أولم ينوه، ولو صرح به فقال: أعني بها الظهار لم يكن مظاهرًا. انتهى من أعلام الموقعين.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار، بعد أن ذكر كلام ابن القيم الذي ذكرناه آنفًا إلى قوله: وهو قول أبي حنيفة وأصحابه: هكذا قال","vol":"6","page":589},{"text":"ابن القيم. وفي الفتح عن الحنفية: أنَّه إذا نوى اثنتين فهي واحدة بائنة، وإن لم ينو طلاقًا فهي يمين ويصير مؤليًا. اهـ.\nالقول الثالث عشر: أنَّه يمين يكفره ما يكفر اليمين.\nقال ابن القيم في أعلام الموقعين: صح ذلك عن أبي بكر الصِّديق، وعمر بن الخطاب، وابن عباس، وعائشة، يزيد بن ثابت، وابن مسعود، وعبد الله بن عمر، وعكرمة، وعطاء، ومكحول، وقتادة، والحسن، والشعبي، وسعيد بن المسيب، وسليمان بن يسار، وجابر بن زيد، وسعيد بن جبير، ونافع، والأوزاعي، وأبي ثور، وخلق سواهم ﵃.\nوحجة هذا القول ظاهر القرآن العظيم، فإن الله تعالى ذكر فرض تحلة الإيمان عقب تحريم الحلال، فلا بد أن يتناوله يقينًا فلا يجوز جعل تحلة الإيمان لغير المذكور قبلها، ويخرج المذكور عن حكم التحلة التي قصد ذكرها لأجله. اهـ منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الظاهر أن ابن القيم أراد بكلامه هذا أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وأن قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ نازل في تحريم الحلال المذكور في قوله تعالى. ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ وما ذكره من شمول قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ لقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ على سبيل اليقين والجزم لا يخلو عندي من نظر؛ لما قدمنا عن بعض أهل العلم من أن قوله: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ نازل في حلف النبي  - ﷺ -  لا يعود لِما حَرَّم على نفسه، لا في أصل التحريم، وقد أشرنا للروايات الدالة على ذلك في أول هذا البحث.","vol":"6","page":590},{"text":"القول الرابع عشر: أنَّه يمين مغلظة يتعين فيها عتق رقبة.\nقال ابن القيم: وصح ذلك أيضًا عن ابن عباس، وأبي بكر، وعمر، وابن مسعود، وجماعة من التابعين.\nوحجة هذا القول أنَّه لما كان يمينًا مغلظة غلظت كفارتها بتحتم العتق، ووجه تغليظها تضمنها تحريم ما أحل الله، وليس إلى العبد، وقول المنكر والزور. وإن أراد الخبر فهو كاذب في إخباره معتد في إقسامه، فغلظت كفارته بتحتم العتق، كما غلظت كفارة الظهار به أو بصيام شهرين، أو بإطعام ستين مسكينًا.\nالقول الخامس عشر: أنَّه طلاق، ثم إنَّها إن كانت غير مدخول بها فهو ما نواه من الواحدة وما فوقها، وإن كانت مدخولًا بها فثلاث وإن نوى أقل منها، وهو إحدى الروايتين عن مالك.\nوحجة هذا القول: أن اللفظ لما اقتضى التحريم وجب أن يرتب عليه حكمه، وغير المدخول بها تحرم بواحدة، والمدخول بها لا تحرم إلَّا بالثلاث.\nوبعد: ففي مذهب مالك خمسة أقوال هذا أحدها: وهو مشهورها، والثاني أنها ثلاث بكل حال نوى الثلاث، أو م ينوها اختاره عبد الملك في مبسوطه. والثالث: أنها واحدة بائنة مطلقًا. حكاه ابن خويز منداد رواية عن مالك. والرابع: أنها واحدة رجعية، وهو قول عبد العزيز بن أبي سلمة. والخامس: أنَّه ما نواه من ذلك مطلقًا، سواء قبل الدخول أو بعده، وقد عرفت توجيه هذه الأقوال. انتهى من أعلام الموقعين.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: المعروف أن المعتمد من هذه الأقوال عند المالكية: اثنان، وهما القول بالثلاث، وبالواحدة","vol":"6","page":591},{"text":"البائنة، وقد جرى العمل في مدينة فاس بلزوم الواحدة البائنة في التحريم. قال ناظم عمل فاس:\nوطلقة بائنة في التحريم ... وحلف به لعرف الإِقليم\nثم قال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين: وأما تحرير مذهب الشافعي فإنَّه إن نوى به الظهار كان ظهارًا، وإن نوى التحريم كان تحريمًا لا يترتب عليه إلَّا تقديم الكفارة، وإن نوى الطلاق كان طلاقًا، وكان ما نواه. وإن أطلق فلأصحابه فيه ثلاثة أوجه:\nأحدها: أنَّه صريح في إيجاب الكفارة.\nوالثاني: لا يتعلق به شيء.\nوالثالث: أنَّه في حق الأمة صريح في التحريم الموجب للكفارة، وفي حق الحرة كناية. قالوا: إن أصل الآية إنَّما ورد في الأمة. قالوا: فلو قال: أنت علي حرام، وقال: أردت بها الظهار والطلاق فقال ابن الحداد: يقال له: عين أحد الأمرين؛ لأنَّ اللفظة الواحدة لا تصلح للظهار والطلاق معًا، وقيل: يلزمه ما بدأ به منهما. قالوا: ولو ادعى رجل على رجل حقًا أنكره فقال: الحل عليك حرام والنية نيتي لا نيتك ما لي عليك شيء فقال: الحل علي حرام والنية في ذلك نيتك ما ك عندي شيء كانت النيَّة نيَّة الحالف لا المحلف؛ لأنَّ النيَّة إنَّما تكون ممن إليه الإِيقاع. ثم قال: وأما تحرير مذهب الإِمام أحمد فهو أنَّه ظهار بمطلقه، وإن لم ينوه إلَّا أن ينوي به الطلاق أو اليمين، فيلزمه ما نواه، وعنه رواية اثنية أنَّه يمين بمطلقه، إلَّا أن ينوي به الطلاق، أو الظهار فيلزمه ما نواه، وعنه رواية ثالثة: أنَّه ظهار بكلِّ حال، ولو نوى به الطلاق أو اليمين لم يكن يمينًا، ولا طلاقًا كما لو نوى الطلاق أو اليمين بقوله: أنت علي كظهر أمي، فإن","vol":"6","page":592},{"text":"اللفظين صريحان في الظهار، فعلى هذه الرِّواية لو وصله بقوله: أعني به الطلاق، فهل يكون طلاقًا أو ظهارًا؟ على روايتين: إحداهما: يكون ظهارًا كما لو قال: أنت علي كظهر أمي أعني به الطلاق، أو التحريم، إذ التحريم صريح في الظهار. والثانية: أنَّه طلاق؛ لأنَّه قد صرح بإرادته بلفظ يحتمله، وغايته أنَّه كناية فيه، فعلى هذه الرِّواية إن قال: أعني به طلاقًا طلقت واحدة، وإن قال: أعني به الطلاق، فهل تطلق ثلاثًا أو واحدة؟ على روايتين، مأخذهما هل اللام على الجنس أو العموم. وهذا تحرير مذهبه وتقريره، وفي المسألة مذهب آخر وراء هذا كله، وهو أنَّه إن أوقع التحريم، كان ظهارًا ولو نوى به الطلاق، وإن حلف به كان يمينًا مكفرة، وهذا اختيار شيخ الإِسلام ابن تيمية، وعليه يدل النص والقياس، فإنَّه إذا أوقعه كان قد أتى منكرًا من القول وزورًا، وكان أولى بكفارة الظهار ممن شبه امرأته بالمحرمة، وإذا حلف به كان يمينًا من الإيمان كما لو حلف بالتزام الحج والعتق والصدقة، وهذا محض القياس والفقه، ألا ترى أنَّه إذا قال: للَّه عليَّ أن أعتق، أو أحج، أو أصوم لزمه، ولو قال: إن كلمت فلانًا فللَّه عليَّ ذلك، على وجه اليمين، فهو يمين، وكذلك لو قال: هو يهودي، أو نصراني كفر بذلك. ولو قال: إن فعل كذا فهو يهودي أو نصراني كان يمينًا، وطرد هذا، بل نظيره من كل وجه أنَّه إذا قال: أنت علي كظهر أمي كان ظهارًا، فلو قال: إن فعلت كذا، فأنت علي كظهر أمي كان يمينًا، وطرد هذا أيضًا إذا قال: أنت طالق كان طلاقًا، ولو قال: إن فعلت كذا فأنت طالق كان يمينًا، فهذه هي الأصول الصحيحة المطردة المأخوذة من الكتاب والسنَّة والميزان. وباللَّه التوفيق، انتهى كلام ابن القيم رحمه الله تعالى.","vol":"6","page":593},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي مع كثرتها وانتشارها: أن التحريم ظهار، سواء كانت منجزًا أو معلقًا؛ لأنَّ المعلق على شرط من طلاق، أو ظهار يجب بوجود الشرط المعلق عليه، ولا ينصرف إلى اليمين المكفرة على الأظهر عندي، وهو قول أكثر أهل العلم.\nوقال مالك في الموطأ: فقال القاسم بن محمد: إن رجلًا جعل امرأة عليه كظهر أمه إن هو تزوجها فأمره عمر بن الخطاب إذ هو تزوجها ألا يقربها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ.\nثم قال: وحدثني عن مالك: أنَّه بلغه أن رجلًا سأل القاسم بن محمد، وسليمان بن يسار عن رجل تظاهر من امرأة قبل أن ينكحها، فقالا: إن نكحها فلا يمسها حتى يكفر كفارة المتظاهر. اهـ.\nوالمعروف عن جماهير أهل العلم أن الطلاق المعلق يقع بوقوع المعلق عليه، وكذلك الظهار.\nوأما الأمة فالأظهر أن في تحريمها كفارة اليمين أو الاستغفار، كما دلت عليه آية سورة التحريم كما تقدم إيضاحه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثانية عشرة: أعلم أن العلماء اختلفوا في العبد والذمي هل يصح منهما ظهار؟ وأظهر أقوالهم عندي في ذلك: أن العبد يصح منه الظهار؛ لأنَّ الصَّحيح دخوله في عموم النصوص العامة إلّا ما أخرجه منه دليل خاص، كما تقدم، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:\nوالعبد والموجود والذي كفر ... مشمولة له لدى ذوي النظر","vol":"6","page":594},{"text":"وعليه فهو داخل في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ ولا يقدح في هذا أن قوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ لا يتناوله؛ لأنَّه مملوك لا يقدر على العتق؛ لدخوله في قوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ فالأظهر صحة ظهار العبد، وانحصار كفارته في الصوم، لعدم قدرته على العتق والإِطعام، وأن الذمي لا يصح ظهاره، لأنَّ الظهار منكر من القول وزور يكفره الله بالعتق أو الصوم، أو الإِطعام، والذمي كافر، والكافر لا يكفر عنه العتق، أو الصوم، أو الإِطعام ما ارتكبه من المنكر والزور لكفره؛ لأنَّ الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الثالثة عشرة: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في الظهار الموقت كأن يقول: أنت علي كظهر أمي شهرًا، أو حتى ينسلخ شهر رمضان مثلًا، فقال بعض أهل العلم: يصح الظهار المؤقت، وإذا مضى الوقت زال الظهار وحلت المرأة بلا كفارة، ولا يكون عائدًا بالوطء بعد انقضاء الوقت.\nقال في المغني: وهذا قول أحمد، وبه قال ابن عباس، وعطاء، وقتادة، والثوري، وإسحاق، وأبو ثور، وأحد قولي الشافعي. وقوله الأخير لا يكون ظهارًا، وبه قال ابن أبي ليلى، والليث، لأنَّ الشرع ورد بلفظ الظهار مطلقًا، وهذا لم يطلق فأشبه ما لو شبهها بمن تحرم عليه في وقت دون وقت. وقال طاووس: إذا ظاهر في وقت فعليه الكفارة وإن بر، وقال مالك: يسقط التوقيت ويكون ظهارًا مطلقًا؛ لأنَّ هذا لفظ يوجب تحريم الزوجة، فإذا وقته لم يتوقف كالطلاق.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقرب الأقوال عندي للصواب","vol":"6","page":595},{"text":"في هذه المسألة قول من قال: إن الظاهر الموقت يصح، ويزول بانقضاء الوقت؛ لأنَّه جاء ما يدل عليه عن النبي  - ﷺ -  في حديث حسنه الترمذي، وصححه ابن خزيمة، وابن الجارود، وبعض طرقه لا يقل عن درجة الحسن وإن أعل عبد الحق وغيره بعض طرقه بالإِرسال؛ لأنَّ حديثًا صحَّحه بعض أهل العلم أقرب للصواب مما لم يرد فيه شيء أصلًا.\nقال أبو داود في سننه: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ومحمد بن العلاء المعنى قالا: ثنا ابن إدريس، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن عمرو بن عطاء، قال ابن العلاء بن علقمة بن عياش، عن سليمان بن يسار، عن سلمة بن صخر  - قال ابن العلاء -: البياضي قال: كنت أمرأ أصيب من النساء ما لا يصيب غيره، فلما دخل شهر رمضان خفت أن أصيب من امرأتي شيئًا يتابع بي، حتى أصبح، فظاهرت منها حتى ينسلخ شهر رمضان، فبينا هي تخدمني ذات ليلة إذ تكشف لي منها شيء، فلم ألبث أن نزوت عليها، فلما أصبحت خرجت إلى قومي، فأخبرتهم الخبر. الحديث بطوله. وفيه أن النبي  - ﷺ -  أمره بعتق رقبة، فذكر أنَّه لا يجد رقبة، فأمره بصيام شهرين، فذكر أنَّه لا يقدر، فأمر بإطعام ستين مسكينًا، فذكر كذلك فأعطاه  - ﷺ -  صدقة قومه بني زريق من التمر، وأمره أن يطعم وسقا منها ستين مسكينًا ويستعين بالباقي. ومحل الشاهد من الحديث: أنَّه ظاهر من امرأته ظهارًا مؤقتًا بشهر رمضان، وجامع في نفس الشهر الذي جعله وقتًا لظهاره، فدل ذلك على أن الظهار يصح ويلزم، ولو كان توقيته لا يصح لبين  - ﷺ -  ذلك، ولو كان يتأبد ويسقط حكم التوقيت لبينه  - ﷺ -؛ لأنَّ البيان لا يجوز تأخيره عن وقت الحاجة إليه.","vol":"6","page":596},{"text":"وقال أبو عيسى الترمذي في جامعه: حدثنا إسحاق بن منصور، ثنا هارون بن إسماعيل الخزاز، ثنا علي بن المبارك، ثنا يحيى بن أبي كثير، ثنا أبو سلمة، ومحمد بن عبد الرحمن أن سلمان بن صخر الأنصاري أحد بني بياضة، جعل امرأته عليه كظهر أمه، حتى يمضي رمضان الحديث. ثم قال الترمذي بعد أن ساقه: هذا حديث حسن، يقال: سلمان بن صخر، ويقال: سلمة بن صخر البياضي. والعمل على هذا الحديث عند أهل العلم في كفارة الظهار. اهـ.\nوهذه الطريق التي أخرج بها الترمذي هذا الحديث غير طريق أبي داود التي أخرجه بها، وكلتاهما تقوي الأخرى، والظاهر أن إسناد الترمذي هذا لا يقل عن درجة الحسن. وما ذكروه من أن علي بن المبارك المذكور فيه كان له عن يحيى بن أبي كثير كتابان أحدهما سماع، والآخر إرسال، وأن حديث الكوفيين عنه فيه شيء لا يضر الإِسناد المذكور؛ لأنَّ الراوي عنه فيه وهو هارون بن إسماعيل الخزاز بصري لا كوفي، ولما ساق المجد في المنتقى حديث سلمة بن صخر المذكور قال: رواه أحمد، وأبو داود، والترمذي. وقال: حديث حسن.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار: وأخرجه أيضًا الحاكم، وصححة ابن خزيمة، وابن الجارود، وقد أعله عبد الحق بالانقطاع، وأن سليمان بن يسار لم يدرك سلمه، وقد حكى ذلك الترمذي عن البخاري. وفي إسناده أيضًا محمد بن إسحاق. أهـ كلام الشوكاني.\nوقد علمت أن الإِسناد الذي ذكرنا عن الترمذي ليس فيه سليمان ابن يسار، ولا ابن إسحاق، فالظاهر صلاحية الحديث للاحتجاج، كما ذكره الترمذي وغيره.","vol":"6","page":597},{"text":"وبذلك تعلم أن الصواب في هذه المسألة إن شاء الله هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الرابعة عشرة: الأظهر عندي أنَّه لو قال: أنت علي كظهر أمي إن شاء الله أساء الأدب، ولا تلزمه الكفارة، وأن الاستثناء بالمشيئة يرفع عنه حكم الكفارة، كما يرفع كفارة اليمين باللَّه. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة الخامسة عشرة: الأظهر أنَّه إن مات أو ماتت، أو طلقها قبل التكفير لم يلزمه شيء، وأنَّه إن عاد فتزوجها بعد الطلاق لا يجوز له مسيسها حتى يكفر؛ لأنَّ الله أوجب الكفارة على المظاهر قبل الحنث بالعود، فلا يعود إلَّا بعد التكفير، ولا وجه لسقوط الكفارة بالطلاق فيما يظهر، مع أن بعض أهل العلم يقول: إن كان الطلاق بعد الظهار بائنا، ثم تزوجها لم تلزمه كفارة، وهو مروي عن قتادة. وبعضهم يقول: إن كانت البينونة بالثلاث، ثم تزوجها بعد زوج لم تلزمه الكفارة؛ لسقوطها بالبينونة الكبرى، كما أسقطها صاحب القول الذي قبله بالبينونة الصغرى. والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السادسة عشرة: إذا ظاهر من نسائه الأربع بكلمة واحدة، كأن يقول لهن: أنتن على كظهر أمي، فقال بعض أهل العلم: تكفي في ذلك كفارة واحدة.\nقال في المغني: ولا خلاف في هذا في مذهب أحمد، وهو قول علي، وعمر، وعروة، وطاووس، وعطاء، وربيعة، ومالك، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، والشافعي في القديم. وقال الحسن، والنخعي، والزهري، ويحيى الأنصاري، والحكم،","vol":"6","page":598},{"text":"والثوري، وأصحاب الرأي، والشافعي في الجديد: عليه لكل امرأة كفارة؛ لأنَّه وجد الظهار والعود في حق كل امرأة منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة، كما لو أفردها به.\nولنا عموم قول عمر، وعلي ﵄، رواه عنهما الأثرم، ولا يعرف لهما مخالف، فكان إجماعًا ولأن الظهار كلمة تجب بمخالفتها الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة واحدة، كاليمين باللَّه تعالى. وفارق ما إذا ظاهر منها بكلمات، فإن كل كلمة تقتضي كفارة ترفعها، وتكفر إثمها، وهاهنا الكلمة واحدة، فالكفارة واحدة ترفع حكمها، وتمحو إثمها، فلا يبقى لها حكم. انتهى منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أقيس القولين الاكتفاء بكفارة واحدة، وأحوطهما التكفير عن كل واحدة منهن. وأما إن ظاهر منهن بكلمات متعددة بأن قال لكل واحدة منهن بانفرادها: أنت علي كظهر أمي، فالأظهر تعدد الكفارة، لأنَّ كل كلمة من تلك الكلمات منكر من القول وزور، فكل واحدة منها تقتضي كفارة.\nقال في المغني: وهذا قول عروة، وعطاء، وقال أبو عبد الله بن حامد: المذهب رواية واحدة في هذا. قال القاضي: المذهب عندي ما ذكره الشيخ أبو عبد الله، قال أبو بكر: فيه رواية أخرى أنَّه تجزئه كفارة واحدة، واختار ذلك، وقال: هذا الذي قلناه اتباعًا لعمر بن الخطاب، والحسن، وعطاء، وإبراهيم، وربيعة، وقبيصة، وإسحاق؛ لأنَّ كفارة الظهار حق للَّه تعالى، فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد، وعليه يخرج الطلاق.\nولنا أنها أيمان متكررة على أعيان متفرقة، فكان لكل واحدة","vol":"6","page":599},{"text":"كفارة، كما لو كفر ثم ظاهر؛ ولأنها أيمان لا يحنث في إحداها بالحنث في الأخرى، فلا تكفرها كفارة واحدة، ولأن الظهار معنى يوجب الكفارة، فتتعدد الكفارة بتعدده في المحال المختلفة كالقتل، ويفارق الحد، فإنه عقوبة تدرأ بالشبهات. انتهى منه.\nوقد علمت أن أظهر الأقوال عندنا تعدد الكفارة في هذه المسألة. وأما إن كرر الظهار من زوجته الواحدة فالظاهر الذي لا ينبغي العدول عنه أنَّه إن كان كرره قبل أن يكفر عن الظهار الأول، فكفارة واحدة تكفي، وإن كان كفر عن ظهاره الأول، ثم ظاهر بعد التكفير، فعليه كفارة أخرى لظهاره الواقع بعد التكفير والعلم عند الله تعالى.\nالمسألة السابعة عشرة: أعلم أن كفارة الظهار هي التي أوضحها الله تعالى بقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\nفروع تتعلق بهذه المسألة\nالفرع الأول: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في الرقبة، في كفارة الظهار، هل يشترط فيها الإِيمان أو لا يشترط فيها؟ فقال بعضهم؛ لا يشترط فيها الإِيمان، فلو أعتق المظاهر عبدًا ذميًّا مثلًا أجزأه، وممن قال بهذا القول: أبو حنيفة، وأصحابه، وعطاء، والثوري، والنخعي، وأبو ثور، وابن المنذر، وهو إحدى الروايتين عن أحمد قاله في المغني.\nوحجة أهل هذا القول أن الله تعالى قال في هذه الآية الكريمة: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ ولم يقيدها بالإِيمان، فوجب أن يجزئ ما تناوله","vol":"6","page":600},{"text":"إطلاق الآية، قالوا: وليس لأحد أن يقيد ما أطلقه الله في كتابه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه.\nوممن قال باشتراط الإِيمان في رقبة كفارة الظهار: مالك، والشافعي، والحسن، وإسحاق، وأبو عبيدة، وهو ظاهر مذهب الإِمام أحمد. قاله في المغني.\nواحتج لأهل هذا القول بما تقرر في الأصول من حمل المطلق على المقيد.\nوقد بينا مسألة حمل المطلق على المقيد في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى في كفارة القتل الخطأ ﴿وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية. بقولنا فيه: وحاصل تحرير المقام في مسألة تعارض المطلق والمقيد: أن لها أربع حالات:\nالأولى: أن يتحد حكمهما وسببهما معًا كتحريم الدم، فإن الله قيده في سورة الأنعام بكونه مسفوحًا في قوله تعالى: ﴿طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ وأطلقه عن القيد بكونه مسفوحًا في سورة النحل والبقرة والمائدة، قال في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ﴾ وقال في البقرة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ. . .﴾، وقال في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ. . .﴾ الآية. وجمهور العلماء يقولون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة التي هي اتحاد السبب والحكم معًا، ولذلك كانوا لا يرون بالحمرة التي تعلو القدر من أثر تقطيع اللحم بأسًا؛ لأنه دم غير مسفوح. قالوا: وحمله عليه أسلوب من أساليب اللغة","vol":"6","page":601},{"text":"العربية؛ لأنهم يثبتون ثم يحذفون اتكالًا على المثبت، ومنه قول قيس بن الخطيم الأنصاري:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف\nفحذف راضون؛ لدلالة راض عليه. وقول ضابئ بن الحارث البرجمي:\nمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب\nوالأصل: فإني غريب وقيار أيضًا غريب، فحذف إحدى الكلمتين؛ لدلالة الأخرى عليها، وقول عمرو بن أحمر الباهلي:\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن أجل الطوي رماني\nيعني كنت بريئًا منه، وكان والدي بريئًا منه أيضًا، وقول النابغة الجعدي:\nوقد زعمت بنو سعد بأني ... وما كذبوا كبير السن فاني\nيعني زعمت بنو سعد أني فإن وما كذبوا إلخ.\nوقالت جماعة من أهل الأصول: إن حمل المطلق على المقيد بالقياس، لا بدلالة اللفظ، وهو أظهرها. وقيل بالعقل، وهو أضعفها وأبعدها.\nالحالة الثانية: هي أن يتحد الحكم، ويختلف السبب، كالمسألة التي نحن بصددها، فإن الحكم في آية المقيد، وآية المطلق واحد، وهو عتق رقبة في كفارة، ولكن السبب فيهما مختلف؛ لأن سبب المقيد قتل خطأ، وسبب المطلق ظهار، ومثل هذا المطلق يحمل على المقيد عند الشافعية، والحنابلة، وكثير من المالكية. ولذا","vol":"6","page":602},{"text":"شرطوا الإِيمان في كفارة الظهار حملًا لهذا المطلق على المقيد، خلافًا لأبي حنيفة، ومن وافقه قالوا: ويعتضد حمل هذا المطلق على المقيد بقوله  - ﷺ -  في قصة معاوية بن الحكم السلمي ﵁: \"اعتقها فإنها مؤمنة\" ولم يستفصله عنها، هل هي في كفارة أو لا؟ وترك الاستفصال في مقام الاحتمال ينزل منزلة العموم في الأقوال. قال في مراقي السعود:\nونزلنَّ ترك الاستفصال ... منزلة العموم في الأقوال\nالحالة الثالثة: عكس هذه: وهي الاتحاد في السبب مع الاختلاف في الحكم، فقيل: يحمل فيها المطلق على المقيد، وقيل: لا، وهو قول أكثر العلماء، ومثلوا له بصوم الظهار، وإطعامه، فسببهما واحد وهو الظهار، وحكمهما مختلف، لأن أحدهما تكفير بصوم، والآخر تكفير بإطعام، وأحدهما مقيد بالتتابع، وهو الصوم، والثاني مطلق عن قيد التتابع، وهو الإِطعام، فلا يحمل هذا المطلق على هذا المقيد. والقائلون بحمل المطلق على المقيد في هذه الحالة مثلوا لذلك بإطعام الظهار، فإنه لم يقيد بكونه من قبل أن يتماسا مع أن عتقه وصومه قد قيدا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيجب كون الإِطعام قبل المسيس، ومثل له اللخمي بالإطعام في كفارة اليمين حيث قيد بقوله: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ مع إطلاق الكسوة عن القيد بذلك في قوله: (أو كسوتهم)، فيحمل هذا المطلق على المقيد، فيشترط في الكسوة أن تكون من أوسط ما تكسون أهليكم.\nالحالة الرابعة: أن يختلفا في الحكم والسبب معًا، ولا حمل في هذه إجماعًا وهو واضح، وهذا فيما إذا كان المقيد واحدًا، أما إذا","vol":"6","page":603},{"text":"ورد مقيدان بقيدين مختلفين، فلا يمكن حمل المطلق على كليهما لتنافي قيديهما، ولكنه ينظر فيهما، فإن كان أحدهما أقرب للمطلق من الآخر حمل المطلق على الأقرب له منهما عند جماعة من العلماء فيقيد بقيده، وإن لم يكن أحدهما أقرب له، كلا يقيد بقيد واحد منهما، ويبقى على إطلاقه؛ إذ لا ترجيح بلا مرجح.\nومثال كون أحدهما أقرب للمطلق من الآخر صوم كفارة اليمين، فإنه مطلق عن قيد التتابع والتفريق، مع أن صوم الظهار مقيد بالتتابع في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وصوم التمتع مقيد بالتفريق في قوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ﴾ واليمين أقرب إلى الظهار من التمتع؛ لأن كلًا من صوم الظهار واليمين صوم كفارة بخلاف صوم التمتع، فيقيد صوم كفارة اليمين بالتتابع عند من يقول بذلك، ولا يقيد بالتفريق الذي في صوم التمتع. وقراءة ابن مسعود: \"فصيام ثلاثة أيام متتابعات\" لم تثبت؛ لإِجماع الصحابة على عدم كتب متتابعات في المصاحف العثمانية.\nومثال كونهما ليس أحدهما أقرب للمطلق من الآخر: صوم قضاء رمضان، فإن الله تعالى قال فيه: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ ولم يقيده بتتابع ولا تفريق، مع أنه تعالى قيد صوم الظهار بالتتابع، وصوم التمتع بالتفريق، وليس أحدهما أقرب إلى صوم قضاء رمضان من الآخر، فلا يقيد بقيد واحد منهما، بل يبقى على الاختيار إن شاء تابعه، وإن شاء فرقه والعلم عند الله تعالى. انتهى من (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب) مع زيادة يسيرة للإِيضاح.\nالفرع الثاني: أعلم أن أهل العلم اختلفوا في رقبة كفارة","vol":"6","page":604},{"text":"الظهارة، هل يشترط فيها سلامتها من العيوب أو لا. فحكي عن داود الظاهري أنه جوز كل رقبة يقع عليها الاسم ولو كانت معيبة بكل العيوب، تمسكًا بإطلاق الرقبة في قوله تعالى: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ﴾ قال: ظاهره ولو معيبة؛ لأن الله لم يقيد الرقبة بشيء.\nوذهب أكثر أهل العلم إلى اشتراط السلامة من العيوب القوية مع اختلافهم في بعض العيوب. قالوا: يشترط سلامتها من العيوب المضرة بالعمل ضررًا بيِّنًا؛ لأن المقصود تمليك العبد منافعه، وتمكينه من التصرف لنفسه، ولا يحصل هذا مع ما يضر بالعمل ضررًا بينا، فلا يجزئ الأعمى؛ لأنه لا يمكنه العمل في أكثر الصنائع، ولا المقعد، ولا المقطوع اليدين، أو الرجلين؛ لأن اليدين آلة البطش فلا يمكنه العمل مع فقدهما، والرجلان آلة المشي فلا يتهيأ له كثير من العمل مع تلفهما، والشلل كالقطع في هذا.\nقالوا: ولا يجوز المجنون جنونًا مطبقًا؛ لأنه وجد فيه المعنيان: ذهاب منفعة الجنس، وحصول الضرر بالعمل. قاله في المغني. ثم قال: وبهذا كله قال الشافعي، ومالك، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. انتهى محل الغرض منه.\nوبه تعلم إجماع الأئمة الأربعة على اشتراط السلامة من مثل العيوب المذكورة.\nوقال ابن قدامة في المغني: ولا يجزئ مقطوع اليد أو الرجل، ولا أشلهما، ولا مقطوع إبهام اليد، أو سبابتها، أو الوسطى؛ لأن نفع اليد يذهب بذهاب هؤلاء، ولا يجزئ مقطوع الخنصر والبنصر من يد واحدة، لأن نفع اليدين يزول أكثره بذلك. وإن قطعت كل واحدة من يد جاز؛ لأن نفع الكفين باق. وقطع أنملة الإِبهام كقطع","vol":"6","page":605},{"text":"جميعها، فإن نفعها يذهب بذلك؛ لكونها أنملتين، وإن كان من غير الإِبهام لم يمنع؛ لأن منفعتها لا تذهب، فإنها تفسير كالأصابع القصار، حتى لو كانت أصابعه كلها غير الإِبهام قد قطعت من كل واحد منها أنملة لم يمنع، وإن قطع من الإِصبع أنملتان فهو كقطعها؛ لأنه يذهب بمنفعتها، وهذا جميعه مذهب الشافعي؛ أي وأحمد.\nوقال أبو حنيفة: يجزئ مقطوع إحدى الرجلين، أو إحدى اليدين، ولو قطعت رجله ويده جميعًا من خلاف أجزأت؛ لأن منفعة الجنس بقية، فأجزأت في الكفارة كالأعور، فأما إن قطعتا من وفاق، أي: من جانب واحد لم يجز؛ لأن منفعة المشي تذهب.\nولنا أن هذا يؤثر في العمل، ويضر ضررًا بيننا، فوجب أن يمنع إجزاءها، كما لو قطعتا من وفاق، ويخالف العور فإنه لا يضر ضررًا بيننا، والاعتبار بالضرر أولى من الاعتبار بمنفعة الجنس، فإنه لو ذهب شمه أو وقطعت أذناه معًا أجزأ مع ذهاب منفعة الجنس. ولا يجزئ الأعرج إذا كان عرجًا كثيرًا فاحشًا؛ لأنه يضر بالعمل، فهو كقطع الرجل، إلى أن قال: ويجزئ الأعور في قولهم جميعًا.\nوقال أبو بكر: فيه قول آخر: إنه لا يجزئ؛ لأنه نقص يمنع التضحية والإِجزاء في الهدي، فأشبه العمى. والصحيح ما ذكرناه. فإن المقصود تكميل الأحكام، وتمليك العبد المنافع، والعور لا يمنع ذلك؛ ولأنَّه لا يضر بالعمل فأشبه قطع إحدى الأذنين، ويفارق العمى فإنه يضر بالعمل ضررًا بينًا، ويمنع كثيرًا من الصنائع، ويذهب بمنفعة الجنس ويفارق قطع إحدى اليدين والرجلين، فإنه لا يعمل بإحداهما ما يعمل بهما، والأعور يدرك بإحدى العينين ما يدرك بهما.\nوأما الأضحية والهدي فإنه لا يمنع منهما مجرد العور، وإنما","vol":"6","page":606},{"text":"يمنع انخساف العين، وذهاب العضو المستطاب؛ ولأن الأضحية يمنع فيها قطع الأذن والقرن، والعتق لا يمنع فيه إلَّا ما يضر بالعمل ويجزئ المقطوع الأذنين. وبذلك قال أبو حنيفة والشافعي.\nوقال مالك وزفر: لا يجزئ؛ لأنهما عضوان فيهما الدية، فأشبها اليدين.\nولنا أن قطعهما لا يضر بالعمل الضرر البين، فلم يمنع كنقص السمع، بخلاف اليدين، ويجزئ مقطوع الأنف لذلك، ويجزئ الأصم إذا فهم بالإِشارة، والأخرس إذا فهمت إشارته وفهم الإِشارة، وهذا مذهب الشافعي وأبي ثور.\nوقال أصحاب الرأي: لا يجزئ؛ لأن منفعة الجنس ذاهبة، فأشبه زائل العقل. وهذا المنصوص عليه عن أحمد؛ لأن الخرس نقص كثير يمنع كثيرًا من الأحكام مثل القضاء والشهادة. وأكثر الناس لا يفهم إشارته فيتضرر في ترك استعماله، وإن اجتمع الخرس والصمم. فقال القاضي: لا يجزئ، وهو قول بعض الشافعية لاجتماع النقصين فيه، وذهاب منفعتي الجنس، ووجه الإِجزاء أن الإِشارة تقوم مقام الكلام في الإِفهام، ويثبت في حقه أكثر الأحكام، فيجزئ؛ لأنه لا يضر بالعمل ولا بغيره.\nوأما المريض فإن كان مرجو البرء كالحمى وما أشبهها أجزأ في الكفارة، وإن كان غير مرجو الزوال لم يجز.\nوأما نضو الخلق  - يعني النحيف المهزول خلقة -  فإن كان يتمكن من العمل أجزأ وإلَّا فلا. ويجزئ الأحمق وهو الذي يصنع الأشياء لغير فائدة، ويرى الخطأ صوابًا. وكذلك يجزئ من يخنق في","vol":"6","page":607},{"text":"بعض الأحيان. والخصي والمجبوب، والرتقاء والكبير الذي قدر على العمل، لأن ما لا يضر بالعمل لا يمنع تمليك العبد منافعه، وتكميل أحكامه، فيحصل الإِجزاء به، كالسالم من العيوب. انتهى من المغني مع حذف يسير لا يضر بالمعنى.\nثم قال صاحب المغني: ويجزئ عتق الجاني والمرهون وعتق المفلس عبده، إذا قلنا بصحة عتقهم، وعتق المدبر والخصي وولد الزنا؛ لكمال العتق فيهم. ولا يجزئ عتق المغصوب؛ لأنه لا يقدر على تمكينه منافعه، ولا غائب غيبة منقطعة لا يعلم خبره؛ لأنه لا تعلم حياته، فلا تعلم صحة عتقه، وإن لم ينقطع خبره أجزأه عتقه؛ لأنه عتق صحيح.\nولا يجزئ عتق الحمل؛ لأنه لم تثبت له أحكام الدنيا، ولذلك لم تجب فطرته، ولا يتيقن أيضًا وجوده وحياته، ولا عتق أم الولد؛ لأن عتقها مستحق بسبب غير الكفارة والملك فيها غير كامل، ولهذا لم يجز بيعها.\nوقال طاووس والبتي: يجزئ عتقها؛ لأنه عتق صحيح. ولا يجزئ عتق مكاتب أدى من كتابته شيئًا. انتهى كلام صاحب المغني، وقد ذكر فيه غالب ما في مذاهب الأئمة الأربعة في المسألة.\nومعلوم أن مذهب مالك ﵀: اشتراط الإِيمان في رقبة الظهار، واشتراط سلامتها من العيوب المضرة، فلا يجوز عنده عتق جنين في بطن أمه، وإن وضعته عتق من غير إجزاء عن الكفارة.\nولا يجزئ عنده مقطوع اليد الواحدة، أو الأصبعين، أو الأصابع، أو الإبهام، أو الأذنين، أو أشل، أو أجذم، أو أبرص،","vol":"6","page":608},{"text":"أو أصم، أو مجنون وإن أفاق أحيانًا، ولا أخرس، ولا أعمى ولا مقعد، ولا مفلوج، ولا يابس الشق، ولا غائب منقطع خبره، ولا المريض مرضًا يشرف به على الموت، ولا الهرم هرمًا شديدًا، ولا الأعرج عرجًا شديدًا، ولا رقيق مشترى بشرط العتق؛ لما يوضع من ثمنه في مقابلة شرط العتق، ولا من يعتق عليه بالملك كأبيه، ولا عبد قال: إن اشتريته فهو حر فلو قال: إن اشتريته فهو حر عن ظهاري، ففيه لهم تأويلان بالإِجزاء، وعدمه.\nولا يجزئ عنده المدبر، ولا المكاتب، ولو أعتق شركًا له في عبد، ثم قوم عليه نصيب شريكه لم يجزه عن ظهاره عنده؛ لأن عتق نصيب الشريك وجب عليه بحكم سراية العتق، وكذلك لو أعتق نصفه عن ظهاره، ثم بعد ذلك اشترى نصفه الآخر فأعتقه تكميلًا لرقبة الظهار لم يجزه على ظاهر المدونة؛ لتبعيض العتق إن كان معسرًا وقت عتق النصف الأول؛ ولأن عتق النصف الباقي يلزمه بالحكم إن كان موسرًا وقت عتق النصف الأول. ولو أعتق ثلاث رقاب من أربع زوجات ظاهر منهن لم يجزه من ذلك شيء؛ لأنه لم تتعين رقبة كاملة عن واحدة منهن.\nويجزئ عند المالكية عتق المعضوب والمريض مرضًا خفيفًا، والأعرج عرجًا خفيفًا، ولا يضر عندهم قطع أنملة واحدة، أو أذن واحدة، ويجزئ عندهم الأعور، ويكره عندهم الخصي، ويجوز عندهم عتق المرهون والجاني إن افتديا. انتهى.\nومعلوم أن أبا حنيفة لا يشترط الإِيمان في كفارة الظهار كما تقدم، ولم يجزئ عنده الأعمى، ولا مقطوع اليدين معًا، أو الرجلين معًا، ولا مقطوع إبهامي اليدين، ولا الأخرس، ولا المجنون، ولا أم","vol":"6","page":609},{"text":"الولد، ولا المدبر، ولا المكاتب إن أدى شيئًا من كتابته، فإن لم يؤد منها شيئًا أجزأ عنده، وكذلك يجزئ عنده قريبه الذي يعتق عليه بالملك إن نوى بشرائه إعتاقه عن الكفارة، وكذلك لو أعتق نصف عبده عن الكفارة، ثم حرر باقيه عنها أجزأه ذلك، ويجزئ عنده الأصم والأعور، ومقطوع إحدى الرجلين وإحدى اليدين من خلاف، ويجزئ عنده الخصي، والمجبوب، ومقطوع الأذنين. اهـ.\nوقد قدمنا أكثر العيوب المانعة من الإِجزاء، وغير المانعة عند الشافعي في كلام صاحب المغني ناقلًا عنه، وكذلك ما يمنع وما لا يمنع عند أحمد فاكتفينا بذلك خشية كثرة الإِطالة.\nالفرع الثالث: أعلم أنه قد دل الكتاب والسنَّة والإِجماع على أن الصوم لا يجزئ في الظهار إلَّا عند العجز عن تحرير الرقبة، فإن عجز عن ذلك انتقل إلى الصوم، وقد صرح تعالى بأنه صيام شهرين متتابعين، ولا خلاف في ذلك.\nالفرع الرابع: اختلف العلماء في تحقيق مناط العجز عن الرقبة الموجب للانتقال إلى الصوم، وقد أجمعوا على أنه إن قدر على عتق رقبة فاضلة عن حاجته أنه يجب عليه العتق، ولا يجوز له الانتقال إلى الصوم، وإن كانت له رقبة يحتاج إليها؛ لكونه زمنًا أو هرمًا أو مريضًا، أو نحو ذلك من الأسباب التي تؤدي إلى عجزه عن خدمة نفسه. قال بعضهم: وكونه ممن لا يخدم نفسه عادة، فقال بعضهم: لا يلزمه الإِعتاق، ويجوز له الانتقال إلى الصوم؛ نظرًا لحاجته إلى الرقبة الموجودة عنده.\nقال في المغني: وبهذا قال الشافعي؛ أي وأحمد.","vol":"6","page":610},{"text":"وقال أبو حنيفة، ومالك، والأوزاعي: متى وجد رقبة لزمه إعتاقها، ولم يجز له الانتقال إلى الصيام، سواء كان محتاجًا إليها أولم يكن؛ لأن الله تعالى شرط في الانتقال إلى الصيام ألا يجد رقبة بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ وهذا واجد، وإن وجد ثمنها، وهو محتاج إليه كوجدانها. ولنا أن ما استغرقته حاجة الإِنسان، فهو كالمعدوم في جواز الانتقال إلى الصيام، كمن وجد ماء يحتاج إليه للعطش يجوز له الانتقال إلى التيمم. انتهى محل الغرض منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذه المسألة: أن الرقبة إن كان يحتاج إليها حاجة قوية، ككونه زمنًا أو هرمًا لا يستغني عن خدمتها، أو كان عنده مال يمكن شراء الرقبة منه، لكنه محتاج إليه في معيشته الضرورية أنه يجوز له الانتقال إلى الصوم، وتعتبر الرقبة كالمعدومة، وأن المدار في ذلك على ما يمنعه استحقاق الزكاة من اليسار. فإن كانت الرقبة فاضلة عن ذلك لزم إعتاقها، وإلَّا فلا. والأدلة العامة المقتضية عدم الحرج في الدين تدل على ذلك كقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ ونحو ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس: إن كان المظاهر حين وجوب الكفارة غنيًا إلَّا أن ماله غائب. فالأظهر عندي أنه إن كان مرجو الحضور قريبًا لم يجز الانتقال إلى الصوم؛ لأن ذلك بمنزلة الانتظار لشراء الرقبة، وإن كان بعيدًا جاز الانتقال إلى الصوم؛ لأن المسيس حرام عليه قبل التكفير، ومنعه من التمتع بزوجته زمنًا طويلًا فيه إضرار بكلِّ من الزوجين، وفي الحديث \"لا ضرر ولا ضرار\" خلافًا لبعض أهل العلم في ذلك.\nالفرع السادس: إن كان عنده مال يشتري به الرقبة، ولكنه","vol":"6","page":611},{"text":"لم يجد رقبة يشتريها فله الانتقال إلى الصيام، لدخوله في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ﴾ الآية، وهذا واضح، وأما إن وجد رقبة تباع بزيادة على ثمن مثلها، ولم يجد رقبة بثمن مثلها، فلأهل العلم في ذلك خلاف، هل يلزمه شراؤها بأكثر من ثمن المثل أو لا يلزمه؟ وأظهر أقوالهم في ذلك عندي: هو أن الزيادة المذكورة على ثمن المثل إن كانت تجحف بماله، حتى يصير بها من مصارف الزكاة، فله الانتقال إلى الصوم. وإلَّا فلا، والعلم عند الله تعالى.\nالفرع السابع: أجمع أهل العلم على أن صوم شهري الظهار يجب تتابعه؛ أي: موالاة صيام أيامه من غير فصل بينها. ولا خلاف بينهم في أن من قطع تتابعه لغير عذر: أن عليه استئناف الشهرين من جديد، وهل يفتقر التتابع إلى نية فيه، لأهل العلم ثلاثة أقوال:\nأحدها: لا يفتقر لنية؛ لأنه تتابع واجب في العبادة، فلم يفتقر لنية تخصه كالمتابعة بين ركعات الصلاة.\nوالثاني: يفتقر لنية التتابع وتجدد النية كل ليلة؛ لأن ضم العبادة إلى عبادة أخرى إذا كان شرطًا وجبت فيه النية، كالجمع بين الصلاتين.\nوالثالث: تكفي نية التتابع في الليلة الأولى عن تجديد النية كل ليلة وهذا أقربها؛ لأنا لا نسلم أن صوم كل يوم عبادة مستقلة، بل الأظهر أن صوم الشهرين جميعًا عبادة واحدة؛ لأنه كفارة واحدة، فإذا نوى هذا الصوم أول ليلة فاللازم أن ينويه على وجهه المنصوص في الكتاب والسنة، وهو شهران متتابعان، وهذا يكفيه عن تجديد النية كل ليلة. وهذا ظاهر مذهب مالك، ومذهب أحمد عدم","vol":"6","page":612},{"text":"الاحتياج إلى نية التتابع مطلقًا، وللشافعية وجهان أحدهما: كمذهب أحمد، والثاني: يفتقر إلى النية كل ليلة.\nالفرع الثامن: اختلف أهل العلم فيما إذا كان قطع تتابع الصوم لعذر كمرض ونحوه، فقال بعض أهل العلم: إن كان قطع التتابع لعذر فإنه لا يقطع حكم التتابع، وله أن يبني على ما صام قبل حصول العذر. وهذا مذهب أحمد.\nقال في المغني: وروى ذلك عن ابن عباس، وبه قال ابن المسيب، والحسن، وعطاء، والشعبي، وطاووس، ومجاهد، ومالك، وإسحاق، وأبو عبيد، وأبو ثور، وابن المنذر، والشافعي في القديم. وقال في الجديد: ينقطع التتابع، وهذا قول سعيد بن جبير والنخعي، والحكم، والثوري، وأصحاب الرأي قالوا: لأنه أفطر بفعله فلزمه الاستئناف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في هذا الفرع أن قطع تتابع صوم كفارة الظهار بالإِفطار في أثناء الشهرين إن كان لسبب لا قدرة له على التحرز عنه، كالمرض الشديد الذي لا يقدر معه على الصوم أنه يعذر في ذلك، ولا ينقطع حكم التتابع؛ لأنه لا قدرة له على التحرز عن ذلك واللَّه جلَّ وعلا يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ ويقول: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ والنبي  - ﷺ -  يقول: \"إذ أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم\" وإن كان يمكنه التحرز عن الإِفطار الذي قطع به التتابع كالإِفطار للسفر في أثناء صوم الكفارة، وكما لو كان ابتداء صومه الكفارة من شعبان؛ لأن شهره الثاني رمضان، وهو لا يمكن صومه عن الكفارة، وكما لو ابتدأ الصوم في مدة يدخل فيها يوم النحر أو يوم الفطر أو أيام التشريق، فإن التتابع","vol":"6","page":613},{"text":"ينقطع بذلك؛ لأنه قادر على التحرز عن قطعه بما ذكر؛ لقدرته على تأخير السفر من الصوم كعكسه، ولقدرته أيضًا على الصوم في مدة لا يتخللها رمضان، ولا العيدان، ولا أيام التشريق كما لا يخفى. وإذا قطع التتابع بإفطار هو قادر على التحرز عنه بما ذكر، فكونه يستأنف صوم الشهرين من جديد ظاهر؛ لقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وقد ترك التتابع مع قدرته عليه، هذا هو الأظهر عندنا. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nالأظهر: أنه إن وجب على النساء صوم يجب تتابعه لسبب اقتضى ذلك أن حكمهم في ذلك كما ذكرنا، فيعذرن في كل ما لا قدرة لهن على التحرز عنه كالحيض، والمرض دون غيره، كالإِفطار للسفر والنفاس؛ لأن النفاس يمكن التحرز عنه بالصوم قبله أو بعده، أما الحيض فلا يمكن التحرز عنه في صوم شهرين، أو شهر؛ لأن المرأة تحيض عادة في كل شهر. واللَّه تعالى أعلم.\nالفرع التاسع: في حكم ما لو جامع المظاهر منها أو غيرها ليلًا في أثناء صيام شهري الكفارة، وفي هذا الفرع تفصيل لأهل العلم.\nأعلم أنه إن جامع في نهار صوم الكفارة عمدًا انقطع تتابع صومه إجماعًا، ولزمه استئناف الشهرين من جديد، وسواء في ذلك كانت الموطوءة هي المظاهر منها، أو غيرها. وهذا لا نزاع فيه. وكذلك لو أكل أو شرب عمدًا في نهار الصوم المذكور.\nوأما إن كان جماعه ليلًا في زمن صوم الكفارة، فإن كانت المرأة التي جامعها زوجة أخرى غير المظاهر منها، فإن ذلك لا يقطع","vol":"6","page":614},{"text":"التتابع؛ لأن وطء غير المظاهر منها ليلًا زمن الصوم مباح له شرعًا، ولا يخل بتتابع الصوم في أيام الشهرين كما ترى، وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه.\nوقال في المغني: وليس في هذا اختلاف نعلمه.\nوأما إن كان التي وطئها ليلًا زمن الصوم هي الزوجة المظاهر منها، فقد اختلف في ذلك أهل العلم: فقال بعضهم: ينقطع التتابع بذلك، ويلزمه استئناف الشهرين. وبه قال أبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وهو مذهب مالك، وأحمد في المشهور عنهما.\nوقال ابن قدامة في المغني في شرحه لقول الخرقي: وإن أصابها في ليال الصوم أفسد ما مضى من صيامه وابتدأ الشهرين، ما نصه: وبهذا قال مالك، والثوري، وأبو عبيد، وأصحاب الرأي، لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فأمر بهما خاليين عن وطء، ولم يأت بهما على ما أمر، فلم يجزئه، كما لو وطئ نهارًا، ولأنه تحريم للوطء لا يختص بالنهار، فاستوى فيه الليل والنهار، كالاعتكاف.\nوروى الأثرم عن أحمد أن التتابع لا ينقطع بهذا ويبني، وهو مذهب الشافعي، وأبي ثور، وابن المنذر؛ لأنه وطء لا يبطل الصوم، فلا يوجب الاستئناف كوطء غيرها، ولأن التتابع في الصيام عبارة عن اتباع صوم يوم للذي قبله من غير فارق، وهذا متحقق وإن وطء ليلًا، وارتكاب النهي في الوطء قبل إتمامه إذا لم يخل بالتتابع المشترط لا يمنع صحته وإجزاءه كما لو وطئ قبل الشهرين، أو وطئ ليلة أول الشهرين، وأصبح صائمًا، والإتيان بالصوم قبل التماس في حق هذا لا سبيل إليه، سواء بنى أو استأنف. انتهى محل","vol":"6","page":615},{"text":"الغرض من كلام صاحب المغني. وممن قال بهذا القول: أبو يوسف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا القول الأخير الذي هو عدم انقطاع التتابع بجماعه للمظاهر منها في ليال الصوم هو الأظهر عندي، لأن الصوم فيه مطابق لمنطوق الآية في التتابع؛ لأن الله تعالى قال: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ وهذا قد صام شهرين متتابعين، ولم يفصل بين يومين منهما بفاصل، فالتتابع المنصوص عليه واقع قطعًا كما ترى، وكون صومهما متتابعين قبل المسيس واجب بقوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ لا يظهر أنه يبطل حكم التتابع الواقع بالفعل. ومما يوضحه ما ذكرنا آنفًا في كلام صاحب المغني من أنه لو جامعها قبل شروعه في صوم الشهرين، ثم صامهما متتابعين بعد ذلك، فلا يبطل حكم التتابع بالوطء قبل الشروع في الصوم، ولا يقتضي قوله تعالى: من قبل أن يتماسا بطلانه. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع العاشر: أعلم أنه إن جامع المظاهر منها في نهار صوم الكفارة ناسيًا. فقد اختلف أهل العلم هل يعذر بالنسيان فلا ينقطع حكم التتابع، أو لا يعذر به، ويلزمه الاستئناف، فقال بعضهم: لا يعذر بالنسيان، وينقطع التتابع بوطئه ناسيًا، وهذا مذهب مالك، وأبي حنيفة، وإحدى الروايتين عند أحمد. ومن حجتهم: أن الوطء لا يعذر فيه بالنسيان. وقال بعضهم: يعذر بالنسيان، ولا ينقطع حكم التتابع بوطئه ناسيًا، وهو قول الشافعي، وأبي ثور وابن المنذر، قالوا: لأنه فعل المفطر ناسيًا فأشبه ما لو أكل ناسيًا. اهـ.\nوهذا القول له وجه قوي من النظر؛ لأن الله تعالى يقول:","vol":"6","page":616},{"text":"﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ الآية. وقد قدمنا من حديث ابن عباس، وأبي هريرة في صحيح مسلم \"أن النبي  - ﷺ -  لما قرأ: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال الله تعالى: نعم. قد فعلت\".\nالفرع الحادي عشر: إن أبيح له الفطر لعذر يقتضي ذلك، وقلنا إن فطر العذر لا يقطع حكم التتابع فوطئ غيرها نهارًا لم ينقطع التتابع؛ لأن الوطء لا أثر له في قطع التتابع؛ لأن أصل الإِفطار لسبب غيره. وإن كانت الموطوءة نهارًا هي المظاهر منها جرى على حكم وطئها ليلًا. وقد تكلمنا عليه قريبًا. قال ذلك صاحب المغني. ووجهه ظاهر. وقال أيضًا: وإن لمس المظاهر منها، أو باشرها فيما دون الفرج على وجه يفطر به قطع التتابع؛ لإِخلاله بموالاة الصيام، وإلَّا فلا يقطع واللَّه تعالى أعلم. اهـ ووجهه ظاهر أيضًا.\nالفرع الثاني عشر: أجمع العلماء على أن المظاهر إن لم يستطع الصوم انتقل إلى الإطعام، وهو إطعام ستين مسكينًا، وقد نص الله تعالى ذلك بقوله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\nومن الأسباب المؤدية إلى العجز عن الصوم الهرم، وشدة الشبق، وهو شهوة الجماع التي لا يستطيع الصبر عنه. ومما يدل على أن الهرم من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم ما جاء في قصة أوس بن الصامت الذي نزلت في ظهاره من امرأته آية الظهار، ففي القصة من حديث خولة بنت مالك بن ثعلبة التي ظاهر منها زوجها أوس بن الصامت، ونزل في ذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي","vol":"6","page":617},{"text":"تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾ الآيات، قال لها رسول الله  - ﷺ -: \"يعتق رقبة يعني زوجها أوسًا قالت: لا يجد، قال: يصوم شهرين متتابعين؟ قالت: يا رسول الله إنه شيخ كبير ما به من صيام، قال: فليطعم ستين مسكينًا\" الحديث. ومحل الشاهد منه أنها لما قالت له: إنه شيخ كبير أقتنع  - ﷺ -  بأن ذلك عذر في الانتقال عن الصوم إلى الإِطعام، فدل على أنه سبب من أسباب العجز عنه. والحديث وإن تكلم فيه، فإنه لا يقل بشواهده عن درجة الاحتجاج.\nوأما الدليل على أن شدة الشبق عذر كذلك هو ما جاء في حديث سلمة بن صخر الذي تكلمنا عليه سابقًا في هذا المبحث، أنه قال: كنت امرءًا قد أوتيت من جماع النساء ما لم يؤت غيري، فلما دخل رمضان ظاهرت من امرأتي حتى ينسلخ رمضان فرقًا من أن أصيب في ليلتي شيئًا فأتتابع في ذلك إلى أن يدركني النهار. الحديث. وفيه قال: \"فصم شهرين متتابعين، قال: قلت: يا رسول الله  - ﷺ -  وهل أصابني ما أصابني إلَّا في الصوم. قال: فتصدق\" ومحل الشاهد منه أنه لما قال له: ثم شهرين أخبره أن جماعة في زمن الظهار إنما جاءه من عدم صبره عن الجماع؛ لأنه ظاهر من امرأته خوفًا من أن تغلبه الشهوة، فيجامع في النهار، فلما ظاهر غلبته الشهوة، فجامع في زمن الظهار، فاقتنع  - ﷺ -  بعذره، وأباح له الانتقال إلى الإِطعام. وهذا ظاهر.\nوقال ابن قدامة في المغني بعد أن ذكر أن الهرم، والشبق كلاهما من الأسباب المؤدية للعجز عن الصوم للدليل الذي ذكرنا آنفًا: وقسنا عليهما ما يشبههما في معناهما.\nالفرع الثالث عشر: أظهر قولي أهل العلم عندي: أنه","vol":"6","page":618},{"text":"لا يجزئ في الإِطعام أقل من إطعام ستين مسكينًا، وهو مذهب مالك، والشافعي، والمشهور من مذهب أحمد خلافًا لأبي حنيفة القائل بأنه هو أطعم مسكينًا واحدًا ستين يومًا أجزأه، وهو رواية عن أحمد، وعلى هذا يكون المسكين في الآية مأولًا بالمد، والمعنى فإطعام ستين مدًا، ولو دفعت لمسكين واحد في ستين يومًا.\nوإنما قلنا: إن القول بعدم إجزاء أقل من الستين هو الأظهر؛ لأن قوله تعالى: مسكينًا تمييز لعدد هو الستون، فحمله على مسكين واحد خروج بالقرآن عن ظاهره المتبادر منه بغير دليل يجب الرجوع إليه، وهو لا يصح. ولا يخفى أن نفع ستين مسكينًا أكثر فائدة من نفع مسكين واحد في ستين يومًا، لفضل الجماعة، وتضافر قلوبهم على الدعاء للمحسن إليهم بالإِطعام، فيكون ذلك أقرب إلى الإِجابة من دعاء واحد. وستون جمع كثير من المسلمين لا يخلو غالبًا من صالح مستجاب الدعوة فرجاء الاستجابة فيهم أقوى منه في الواحد كما لا يخفى. وعلى كل حال فقوله تعالى في محكم كتابه: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ لا يخفى فيه أن قوله: فإطعام ستين مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ: ستين الذي أضيف إليه المصدر، هو عين المفعول به الواقع عليه الإِطعام، وهذا العدد الذي هو المفعول به للإِطعام، مبين بالتمييز الذي هو قوله تعالى: مسكينًا، وبذلك يتحقق أن الإِطعام في الآية واقع على نفس العدد الذي هو ستون، فالاقتصار به على واحد خروج بنص القرآن عن ظاهره المتبادر منه بلا دليل يجب الرجوع إليه كما ترى. وحمل المسكين في هذه الآية الكريمة على المد من أمثلة المالكية والشافعية في","vol":"6","page":619},{"text":"أصولهم كما يسمونه التأويل البعيد، والتأويل الفاسد، وقد أشار إلى ذلك صاحب مراقي السعود بقوله:\nفجعل مسكين بمعنى المد ... عليه لائح سمات البعد\nالفرع الرابع عشر: في كلام أهل العلم في القدر الذي يعطاه كل مسكين من الطعام: أعلم أن العلماء اختلفوا في ذلك، فمذهب مالك أنه يعطي كل مسكين من البر الذي هو القمح مدًا وثلثي مد، وإن كان إطعامه من غير البر كالتمر والشعير لزمه منه ما يقابل المد والثلثين من البر. قال خليل المالكي في مختصره في إطعام كفارة الظهار: لكل مد وثلثان برًا، وإن اقتاتوا تمرًا أو مخرجًا في الفطر فعدله. انتهى محل الغرض منه.\nوقال شارحه المواق: ابن يونس: ينبغي أن يكون الشبع مدين، إلَّا ثلثًا بمد النبي  - ﷺ -، وهي عيار مد هشام، فمن أخرج به أجزأه، قاله مالك. قال ابن القاسم: فإن كان عيش بلدهم تمرًا أو شعيرًا أطعم منه المظاهر عدل مد هشام من البر. انتهى محل الغرض منه. ومذهب أبي حنيفة: أنه يعطي كل مسكين نصف صاع من بر أو صاعًا كاملًا من تمر أو شعير. ومذهب الشافعي: أنه يعطي كل مسكين مدًا مطلًا. ومعلوم: أن المد النبوي ربع الصاع. قال في المغني: وقال أبو هريرة: ويطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال عطاء، والأوزاعي، والشافعي. اهـ. ومذهب أحمد: أنه يعطى كل مسكين مدًا من بر، أو نصف صاع من تمر أو شعير. اهـ.\nوإذا عرفت مذاهب الأئمة في هذا الفرع، فاعلم أنا أردنا هنا أن نذكر كلام ابن قدامة في المغني في أدلتهم، وأقوالهم، قال: وجملة الأمر أن قدر الطعام في الكفارات كلها مد من بر لكل مسكين،","vol":"6","page":620},{"text":"ونصف صاع من تمر أو شعير، وممن قال: مد بر زيد بن ثابت، وابن عباس، وابن عمر، حكاه عنهم الإِمام أحمد، ورواه عنهم الأثرم، وعن عطاء، وسليمان بن موسى. وقال سليمان بن يسار: أدركت الناس إذا أعطوا في كفارة اليمين أعطوا مدًا من حنطة بالمد الأصغر مد النبي  - ﷺ - . وقال أبو هريرة: يطعم مدًا من أي الأنواع كان، وبهذا قال الأوزاعي، وعطاء، والشافعي؛ لما روى أبو داود بإسناده عن عطاء، عن أوس أخي عبادة بن الصامت أن النبي  - ﷺ -  أعطاه  - يعني المظاهر -  خمسة عشر صاعًا من شعير إطعام ستين مسكينًا.\nوروى الأثرم بإسناده عن أبي هريرة في حديث المجامع في رمضان: أن النبي  - ﷺ -  أوتي بعرق فيه خمسة عشر صاعًا فقال: \"خذه وتصدق به\" وإذا ثبت في المجامع في رمضان بالخبر ثبت في المظاهر بالقياس عليه؛ ولأنه إطعام واجب، فلم يختلف باختلاف أنواع المخرج، كالفطرة وفدية الأذى. وقال مالك: لكل مسكين مدان من جميع الأنواع، وممن قال: مدان من قمح: مجاهد، وعكرمة والشعبي، والنخعي؛ لأنها كفارة تشتمل على صيام، وإطعام فكان لكل مسكين نصف صاع، كفدية الأذى. وقال الثوري وأصحاب الرأي: من القمح مدان، ومن التمر والشعير صاع لكل مسكين؛ لقول النبي  - ﷺ -  في حديث سلمة بن صخر ﵁: \"فأطعم وسقا من تمر\" رواه الإِمام أحمد في المسند، وأبو داود وغيرهما.\nوروى الخلال بإسناده عن يوسف بن عبد الله بن سلام، عن خويلة فقال لي رسول الله  - ﷺ -: \"فليطعم ستين مسكينًا وسقًا من تمر\" وفي رواية أبي داود: والعرق ستون صاعًا. وروى ابن ماجة بإسناده","vol":"6","page":621},{"text":"عن ابن عباس قال: \"كفر رسول الله  - ﷺ -  بصاع من تمر، وأمر الناس من لم يجد فنصف صاع من بر\".\nوروى الأثرم بإسناده عن عمر ﵁ قال: أطعم عني صاعًا من تمر، أو شعير أو نصف صاع من بر. ولأنه إطعام للمساكين، فكان صاعًا من تمر أو شعير، أو نصف صاع من بر كصدقة الفطر.\nولنا ما روى الإِمام أحمد: حدثنا إسماعيل، حدثنا أيوب، عن أبي يزيد المدني، قال. جاءت امرأة من بني بياضة بنصف وسق شعير، فقال النبي  - ﷺ -  للمظاهر: \"أطعم هذا فإن مدي شعير مكان مد بر\" وهذا نص. ويدل على أنه مدّ بر أنه قول زيد، وابن عباس، وابن عمر، وأبي هريرة. ولم نعرف لهم في الصحابة مخالفًا، فكان إجماعًا.\nويدل على أنه نصف صاع من التمر والشعير ما روى عطاء بن يسار أن رسول الله  - ﷺ -  قال لخولة امرأة أوس بن الصامت: \"اذهبي إلى فلان الأنصاري، فإن عنده شطر وسق من تمر أخبرني أنه يريد أن يتصدق به فلتأخذيه فليتصدق به على ستين مسكينًا\".\nوفي حديث أوس بن الصامت أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إنى سأعينه بعرق من تمر، قلت: يا رسول الله فإني سأعينه بعرق آخر، قال: قد أحسنت اذهبي فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا وارجعي إلى ابن عمك\".\nوروى أبو داود بإسناده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن أنه قال: العرق: زنبيل يأخذ خمسة عشر صاعًا، فعرقان يكونان ثلاثين صاعًا،","vol":"6","page":622},{"text":"لكل مسكين نصف صاع؛ ولأنها كفارة تشتمل على صيام وإطعام، فكان لكل مسكين نصف صاع من التمر والشعير، كفدية الأذى.\nفأما رواية أبي داود: أن العرق ستون صاعًا فقد ضعفها، وقال: غيرها أصح منها. وفي الحديث ما يدل على الضعف؛ لأن ذلك في سياق قوله: إني سأعينه بعرق، فقالت امرأته: إني سأعينه بعرق آخر، فأطعمي بهما عنه ستين مسكينًا، فلو كان العرق ستين صاعًا لكانت الكفارة مائة وعشرين صاعًا، ولا قائل به. وأما حديث المجامع الذي أعطاه خمسة عشر صاعًا، فقال: تصدق به. فيحتمل أنه اقتصر عليه إذ لم يجد سوه، ولذلك لما أخبره بحاجته إليه أمره بأكله.\nوفي الحديث المتفق عليه قريب من عشرين صاعًا، وليس ذلك مذهبًا لأحد، فيدل على أنه اقتصر على البعض الذي لم يجد سواه. وحديث أوس أخي عبادة بن الصامت مرسل يرويه عنه عطاء، ولم يدركه، على أنه حجة لنا، لأن النبي  - ﷺ -  أعطاه عرقًا، وأعانته امرأته بآخر، فصارا جميعًا ثلاثين صاعًا، وسائر الأخبار يجمع بينها وبين أخبارنا، بحملها على الجواز، وحمل أخبارنا على الإِجزاء، وقد عضد هذا أن ابن عباس راوي بعضها، ومذهبه أن المد من البر يجزئ. وكذلك أبو هريرة. وسائر ما ذكرنا من الأخبار مع الإِجماع الذي نقله سليمان بن يسار واللَّه أعلم. انتهى بطوله من المغني لابن قدامة. وقد جمع فيه أقوال أهل العلم وأدلتهم، وما نقل عن مالك في هذا المبحث أصح منه عنه ما ذكرناه قبله في هذا المبحث.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار في رواية والعرق ستون صاعًا: هذه الرِّواية تفرد بها معمر بن عبد الله بن حنظلة. قال الذهبي:","vol":"6","page":623},{"text":"لا يعرف، ووثقه ابن حبان، وفيها أيضًا محمد بن إسحاق، وقد عنعن، والمشهور عرفًا أن العرق يسع خمسة عشر صاعًا، كما روى ذلك الترمذي بإسناد صحيح من حديث سلمة نفسه. اهـ منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد رأيت أقوال أهل العلم في قدر ما يعطى المسكين من إطعام كفارة الظهار واختلافها وأدلتهم واختلافها.\nوأحوط أقوالهم في ذلك قول أبي حنيفة، ومن وافقه؛ لأنه أحوطها في الخروج من عهدة الكفارة. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الخامس عشر: في كيفية الإِطعام وجنس الطعام ومستحقه.\nأما مستحقه فقد نص الله تعالى على أنه المسكين في قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ والمقرر عند أهل العلم أن المسكين إن ذكر وحده شمل الفقير، كعكسه.\nوأما كيفيته: فظاهر النصوص أنه يملك كل مسكين قدر ما يجب له من الطعام، وهو مذهب مالك، والشافعي، والرواية المشهورة من أحمد، وعلى هذا القول لو غدى المساكين، وعشاهم بالقدر الواجب في الكفارة لم يجزئه حتى يملكهم إياه.\nوأظهر القولين عندي: أنه إن غدى كل مسكين وعشاه، ولم يكن ذلك الغداء والعشاء أقل من القدر الواجب له أنه يجزئه؛ لأنه داخل في معنى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ وهذا مروي عن أبي حنيفة، والنخعي، وهو رواية عن أحمد. وقصة إطعام أنس لما كبر، وعجز عن الصوم عن فدية الصيام مشهورة.","vol":"6","page":624},{"text":"وأما جنس الطعام الذي يدفعه للمساكين، فقد تقدم في الأحاديث ذكر البر والتمر والشعير، ولا ينبغي أن يختلف في هذه الثلاثة.\nومعلوم أن أهل العلم اختلفوا في طعام كفارة الظهار فقال بعضهم: المجزئ في ذلك هو ما يجزئ في صدقة الفطر، سواء كان هو قوت المكفر أو لا؟ ولا يجزئه غير ذلك ولو كان قوتًا له.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أن جميع الحبوب التي هي قوت بلد المظاهر يجزئه الإِخراج منها؛ لأنها هي طعام بلده، فيصدق على من أطعم منها المساكين أنه أطعم ستين مسكينًا، فيدخل ذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾ ويؤيد ذلك أن القرآن أشار إلى اعتبار أوسط قوت أهله في كفارة اليمين في قوله تعالى: ﴿فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾ وهذا مذهب الشافعي، واختيار أبي الخطاب في الحنابلة.\nالفرع السادس عشر: أعلم أن أكثر أهل العلم على أن الإِطعام لا يجب فيه التتابع؛ لأن الله تعالى أطلقه عن قيد التتابع؛ ولأن أكثر أهل الأصول على أن المطلق لا يحمل على المقيد إن اتحد سببهما واختلف حكمهما، كما في هذه المسألة. ولا سيما على القول الأصح في حمل المطلق على المقيد أنه من قبيل القياس، لامتناع قياس فرع على أصل مع اختلافهما في الحكم، كما هو معروف في محله.\nالفرع السابع عشر: أعلم أن أهل العلم اختلفوا فيما إذا جامع المظاهر زوجته التي ظاهر منها في أثناء الإِطعام، هل يلزمه إعادة","vol":"6","page":625},{"text":"ما مضى من الإِطعام، لبطلانه بالجماع قبل إتمام الإِطعام، أو لا يلزمه ذلك؟ فقال بعض أهل العلم: لا يلزمه ذلك، لأن جماعه في أثناء ما لا يشترط فيه التتابع، فلم يوجب الاستئناف. وهذا مذهب أبي حنيفة والشافعي وأحمد. وأما مذهب مالك: فهو أنه يستأنف الإِطعام؛ لأنه جامع في أثناء كفارة الظهار، فوجب الاستئناف كالصيام. والأول أظهر، لأن الواقع من الإِطعام قبل جماعه يحتاج بطلانه وإلغاؤه إلى دليل يجب الرجوع إليه، وليس موجودًا. والعلم عند الله تعالى.\nالفرع الثامن عشر: إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي، وقالت: إن تزوجت فلانًا، فهو علي كظهر أبي، فهل يكون ذلك ظهارًا منها أو لا؟ فقال أكثر أهل العلم: لا يكون ظهارًا. وهو قول الأئمة الأربعة، وأصحابهم، وإسحاق، وأبي ثور وغيرهم، وقال بعض أهل العلم: تكون مظاهرة، وبه قال الزهري، والأوزاعي وروى عن الحسن والنخعي إلَّا أن النخعي قال: إذا قالت ذلك بعد ما تزوج، فليس بشيء. اهـ. والتحقيق أن المرأة لا تكون مظاهرة، لأن الله جلَّ وعلا لم يجعل لها شيئًا من الأسباب المؤدية لتحريم زوجها عليها، كما لا يخفى.\nتنبيه\nأعلم أن الجمهور القائلين: إن المرأة لا تكون مظاهرة اختلفوا فيما يلزمها إذا قالت ذلك، إلى ثلاثة مذاهب.\nالأول: أن عليها كفارة ظهار، وإن كانت غير مظاهرة.\nوالثاني: أن عليها كفارة يمين.","vol":"6","page":626},{"text":"والثالث: لا شيء عليها.\nواحتج من قال بأن عليها كفارة ظهار، وهو رواية عن أحمد: بأنها قالت منكرًا من القول وزورًا، فلزمها أن تكفر عنه كالرجل، وبما روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم، عن عائشة بنت طلحة قالت: إذ تزوجت مصعب بن الزبير فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل المدينة، فرأوا أن عليها الكفارة، وبما روى علي بن مسهر عن الشيباني، قال: كنت جالسًا في المسجد، أنا وعبد الله بن معقل المزني، فجاء رجل حتى جلس إلينا فسألته من أنت؟ فقال: أنا مولى عائشة بنت طلحة التي أعتقتني عن ظهارها، خطبها مصعب بن الزبير، فقالت: هو علي كظهر أبي إن تزوجته، ثم رغبت فيه، فاستفتت أصحاب رسول الله  - ﷺ -، وهم يومئذٍ كثير. أمروها أن تعتق رقبة، وتتزوجه، فأعتقتني وتزوجته. وروى سعيد هذين الأثرين مختصرين اهـ من المغني. وانظر إسناد الأثرين المذكورين.\nوأما الذين قالوا: تلزمها كفارة يمين، وهو قول عطاء، فقد احتجوا بأنها حرمت على نفسها زوجها، وهو حلال لها، فلزمتها كفارة اليمين اللازمة في تحريم الحلال المذكورة في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَرَضَ اللَّهُ لَكُمْ تَحِلَّةَ أَيْمَانِكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾.\nوأما الذين قالوا: لا شيء عليها، ومنهم الشافعي، ومالك، وإسحاق، وأبو ثور وغيرهم، فقد احتجوا بأنها قالت منكرًا من القول وزورًا، فلم يوجب عليها كفارة، كالسب والقذف ونحوهما من الأقوال المحرمة الكاذبة.\nوأظهر أقوالهم عندنا: أن من يرى في تحريم الحلال كفارة يمين يلزمها على قوله كفارة يمين، ومن يرى أنه لا شيء فيه،","vol":"6","page":627},{"text":"فلا شيء عليها على قوله، وقد قدمنا أقوال أهل العلم في تحريم الحلال في الحج، وفي هذا المبحث.\nوأعلم أن الذين قالوا: تجب عليها كفارة الظهار قالوا: لا تجب عليها حتى يجامعها وهي مطاوعة له، فإن طلقها أو مات أحدهما قبل الوطء، أو أكرهها على الوطء فلا كفارة عليها؛ لأنها يمين، فلا تجب كفارتها قبل الحنث كسائر الأيمان، وعليها تمكين زوجها من وطئها قبل التكفير؛ لأنه حق له عليها، فلا يسقط بيمينها؛ ولأنه ليس بظهار. انتهى من المغني، وهو ظاهر.\nولنكتف بما ذكرنا من الأحكام المتعلقة بهذه الآية الكريمة، ومن أراد استقصاء ذلك فهو في كتب فروع المذاهب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1440> قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾</span>.\nقال ابن كثير: أي في الحرمة والاحترام والتوقير والإِكرام، والإِعظام، ولكن لا يجوز الخلوة بهن، ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإِجماع. اهـ. محل الغرض منه، وما ذكر من أن المراد يكون أزواجه - ﷺ - أمهات المؤمنين هو حرمتهن عليهم، كحرمة الأم، واحترامهم لهن، كاحترام الأم. إلخ. واضح لا إشكال فيه، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾؛ لأن الإنسان لا يسأل أمه الحقيقية من وراء حجاب، وقوله تعالى: ﴿إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ﴾ ومعلوم أنهن ﵅ لم يلدن جميع المؤمنين الذين هن أمهاتهم، ويفهم من قوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ﴾ أنه هو - ﷺ - أب لهم. وقد روي عن أبيّ بن كعب، وابن عباس أنهما قرءا: وأزواجه أمهاتهم، وهو أب لهم. وهذه الأبوة","vol":"6","page":628},{"text":"أبوة دينية، وهو  - ﷺ -  أرأف بأمته من الوالد الشفيق بأولاده، وقد قال جلَّ وعلا في رأفته ورحمته بهم. ﴿عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ (١٢٨)﴾ وليست الأبوة أبوة نسب كما بينه تعالى بقوله: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ ويدل لذلك أيضًا حديث أبي هريرة عند أبي داود، والنسائي، وابن ماجة أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد أعلمكم فإذا أتى أحدكم الغائط فلا يستقبل القبلة ولا يستدبرها ولا يستطب بيمينه\" وكان يأمر بثلاثة أحجار وينهى عن الروث، والرمة. فقوله  - ﷺ -  في هذا الحديث: \"إنما أنا لكم بمنزلة الوالد\" يبين معنى أبوته المذكورة كما لا يخفى.\nمسألة\nأعلم أن أهل العلم اختلفوا هل يقال لبنات أزواج النبي  - ﷺ -: أخوات المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لإِخوانهن كمعاوية، وعبد الله بن أبي أمية أخوال المؤمنين أو لا؟ وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات؟ قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ولا ينتشر التحريم إلى بناتهن، وأخواتهن بالإِجماع، وإن سمى بعض العلماء بناتهن أخوات المسلمين، كما هو منصوص الشافعي ﵁ في المختصر. وهو من باب إطلاق العبارة لا إثبات الحكم، وهل يقال لمعاوية، وأمثاله: خال المؤمنين، فيه قولان للعلماء ﵃؟ ونص الشافعي ﵁ على أنه لا يقال ذلك. وهل يقال لهن: أمهات المؤمنات، فيدخل النساء في الجمع المذكر السالم تغليبًا؟ فيه قولان. صح عن عائشة ﵂ أنها قالت: لا يقال ذلك، وهذا أصح الوجهين في مذهب الشافعي ﵁. انتهى محل الغرض من كلام ابن كثير.","vol":"6","page":629},{"text":"قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الأظهر عندي في ذلك أنه لا يطلق منه إلَّا ما ورد النص بإطلاقه، لأن الإِطلاق المراد به غير الظاهر المتبادر يحتاج إلى دليل صارف إليه، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1441> قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه وكلام أهل العلم فيما يتعلق به من الأحكام في آخر الأنفال في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1442> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُمْ مِيثَاقًا غَلِيظًا (٧)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه أخذ من النبيين ميثاقهم، ثم خص منهم بذلك خمسة: هم أولوا العزم من الرسل، وهم محمد - ﷺ -، ونوح، وإبراهيم، وموسى، وعيسى. ولم يبين هنا الميثاق الذي أخذه عليهم، ولكنه جل وعلا بين ذلك في غير هذا الموضع، فبين الميثاق المأخوذ على جميع النبيين بقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)﴾ وقد قدمنا الكلام على هذه الآية في سورة مريم (^١) في الكلام على قصة الخضر، وقد بين\n_________\n(^١) كذا بالأصل، وصوابه: في سورة الكهف.","vol":"6","page":630},{"text":"جل وعلا الميثاق الذي أخذه على خصوص الخمسة الذين هم أولوا العزم من الرسل في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾.\nوبما ذكرنا تعلم: أن آية آل عمران وآية الشورى فيهما بيان لآية الأحزاب هذه.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (ومنك ومن نوح) من عطف الخاص على العام، وقد تكلمنا عليه مرارًا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1443> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾</span>.\nأمر الله جلَّ وعلا المؤمنين في هذه الآية الكريمة: أن يذكروا نعمته عليهم حين جاءتهم جنود، وهم جيش الأحزاب، فأرسل جلَّ وعلا عليهم ريحًا وجنودًا لم يرها المسلمون. وهذه الجنود التي لم يروها التي امتن عليهم بها هنا في سورة الأحزاب بين أنه من عليهم بها أيضًا في غزوة حنين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ (٢٥) ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية، وهذه الجنود هي الملائكة، وقد بيّن جل وعلا ذلك في الأنفال في الكلام على غزوة بدر، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ","vol":"6","page":631},{"text":"وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ الآية، وهذه الجنود التي لم يروها التي هي الملائكة قد بين الله جل وعلا في براءة أنه أيد بها نبيه - ﷺ - وهو في الغار، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1444> قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا (٢٢)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المؤمنين لما رأوا الأحزاب يعني جنود الكفار الذين جاؤوهم من فوقهم، ومن أسفل منهم في غزوة الخندق قالوا: هذا ما وعدنا الله ورسوله وصدق الله ورسوله، ولم يبين هنا الآية التي وعدهم إياه فيها، ولكنه بين ذلك في سورة البقرة في قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)﴾ وممن قال: إن آية البقرة المذكورة مبينة لآية الأحزاب هذه: ابن عباس، وقتادة، وغير واحد. وهو ظاهر.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا﴾ الآية، صريح في أن الإِيمان يزيد، وقد صرح الله بذلك في آيات من كتابه، فلا وجه للاختلاف فيه مع تصريح الله جل وعلا به في كتابه في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"6","page":632},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1445> قوله تعالى: ﴿وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه رد الذين كفروا بغيظهم، لم ينالوا خيرًا، وأنَّه كفى المؤمنين القتال، وهم النبي - ﷺ -، وأصحابه. ولم يبين هنا السبب الذي رد به الذين كفروا وكفى به المؤمنين القتال، ولكنه جلَّ وعلا بين ذلك بقوله: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا﴾ أي: وبسبب تلك الرِّيح، وتلك الجنود ردهم بغيظهم وكفاكم القتال كما هو ظاهر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1446> قوله تعالى: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآية الموضحة له في آخر سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾ وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1447> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾</span>.\nذكر الله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أن من قنت من نساء نبيه - ﷺ - للَّه ولرسوله، وعمل عملًا صالحًا: أن الله جلَّ وعلا يؤتيها أجرها مرتين. والقنوت: الطاعة. وما وعبد الله به جلَّ وعلا من أطاع منهن بإيتائها أجرها مرتين في هذه الآية الكريمة جاء الوعد بنظيره لغيرهن، في غير هذا الموضع، فمن ذلك وعده لمن آمن من أهل","vol":"6","page":633},{"text":"الكتاب بنبيه، ثم آمن بمحمد  - ﷺ -  بإيتائه أجره مرتين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمُ الْقَوْلَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥١) الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ﴾ الآية.\nومن ذلك وعده لجميع المطيعين من أمته  - ﷺ -  بإيتائهم كفلين من رحمته تعالى، وذلك في قوله جلَّ وعلا: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ الآية.\nواعلم أن ظاهر هذه الآية الكريمة من سورة الحديد الذي لا ينبغي العدول عنه أن الخطاب بقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ﴾ الآية. عام لجميع هذه الأمة كما ترى، وليس في خصوص مؤمني أهل الكتاب، كما في آية القصص المذكورة آنفًا، وكونه عامًا هو التحقيق إن شاء الله؛ لظاهر القرآن المتبادر الذي لم يصرف عنه صارف، فما رواه النسائي عن ابن عباس ﵄ من حمله آية الحديد هذه على خصوص أهل الكتاب كما في آية القصص خلاف ظاهر القرآن، فلا يصح الحمل عليه إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، وإن وافق ابن عباس في ذلك الضحاك، وعتبة بن أبي حكيم، وغيرهما. واختاره ابن جرير الطبري.\nوالصواب في ذلك إن شاء الله هو ما ذكرنا؛ لأن المعروف عند أهل العلم: أن ظاهر القرآن المتبادر منه لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه.\nوقال ابن كثير: وقال سعيد بن جبير: لما افتخر أهل الكتاب بأنهم يؤتون أجرهم مرتين أنزل الله تعالى على نبيه هذه الآية في حق","vol":"6","page":634},{"text":"هذه الأمة: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ﴾، أي ضعفين ﴿مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وزادهم ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾ ففضلهم بالنور والمغفرة. اهـ نقله عنه ابن جرير، وابن كثير. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1448> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، ويكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في الترجمة، وفي مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك.\nومما ذكرنا من أمثلة ذلك في الترجمة قولنا فيها: ومن أمثلته قول بعض أهل العلم: إن أزواجه - ﷺ - لا يدخلن في أهل بيته في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ فإن قرينة السياق صريحة في دخولهن؛ لأن الله تعالى قال: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ﴾ ثم قال في نفس خطابه لهن: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ ثم قال بعده: ﴿وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ الآية.\nوقد أجمع جمهور علماء الأصول على أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، فلا يصح إخراجها بمخصص، وروى عن مالك أنها ظنية الدخول، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nواجزم بإدخال ذوات السبب ... وارو عن الإِمام ظنًا تصب","vol":"6","page":635},{"text":"فالحق أنهن داخلات في الآية. اهـ من ترجمة هذا الكتاب المبارك.\nوالتحقيق إن شاء الله: أنهن داخلات في الآية كان كانت الآية تتناول غيرهن من أهل البيت.\nأما الدليل على دخولهن في الآية، فهو ما ذكرناه آنفًا من أن سياق الآية صريح في أنها نازلة فيهن.\nوالتحقيق: أن سورة سبب النزول قطعية الدخول كما هو مقرر في الأصول.\nونظير ذلك من دخول الزوجات في اسم أهل البيت قوله تعالى في زوجة إبراهيم: ﴿قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَتُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾\nوأما الدليل على دخول غيرهن في الآية، فهو أحاديث جاءت عن النبي  - ﷺ -  أنه قال في علي وفاطمة والحسن والحسين ﵃: \"إنهم أهل البيت\" ودعا لهم الله أن يذهب عنهم الرجس ويطهرهم تطهيرًا، وقد روى ذلك جماعة من الصحابة عن النبي  - ﷺ -، منهم أم المؤمنين أم سلمة ﵂، وأبو سعيد، وأنس، وواثلة بن الأسقع، وأم المؤمنين عائشة، وغيرهم ﵃.\nوبما ذكرنا من دلالة القرآن والسنَّة: تعلم أن الصواب شمول الآية الكريمة لأزواج النبي  - ﷺ -، ولعلي وفاطمة والحسن والحسين ﵃ كلهم.","vol":"6","page":636},{"text":"تنبيه\nفإن قيل: إن الضمير في قوله: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ وفي قوله: ﴿وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا (٣٣)﴾ ضمير الذكور، فلو كان المراد نساء النبي  - ﷺ -  لقيل: ليذهب عنكن ويطهركن.\nفالجواب من وجهين: الأول: هو ما ذكرنا من أن الآية الكريمة شاملة لهن ولعلي والحسن والحسين وفاطمة، وقد أجمع أهل اللسان العربي على تغليب الذكور على الإِناث في الجموع ونحوها، كما هو معلوم في محله.\nالوجه الثاني: هو أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن أن زوجة الرجل يطلق عليها اسم الأهل، وباعتبار لفظ الأهل تخاطب مخاطبة الجمع المذكر، ومنه قوله تعالى في موسى ﴿فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا﴾ وقوله: ﴿سَآتِيكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَعَلِّي آتِيكُم﴾ والمخاطب امرأته كما قاله غير واحد، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:\nفإن شئت حرمت النساء سواكم ... وإن شئت لم أطعم نقاخًا ولا بردا\nوبما ذكرنا تعلم أن قول من قال: إن نساء النبي  - ﷺ -  لسن داخلات في الآية يرد عليه صريح سياق القرآن، وأن من قال: إن فاطمة وعليًا والحسن والحسين ليسوا داخلين فيها ترد عليه الأحاديث المشار إليها.\nوقال بعض أهل العلم: إن أهل البيت في الآية هم من تحرم عليهم الصدقة. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ﴾ الآية. يعني أنه يذهب الرجس عنهم،","vol":"6","page":637},{"text":"ويطهرهم بما يأمر به من طاعة الله، وينهى عنه من معصيته؛ لأن من أطاع الله أذهب عنه الرجس، وطهره من الذنوب تطهيرًا.\nوقال الزمخشري في الكشاف: ثم بين أنه إنما نهاهن وأمرهن ووعظهن؛ لئلا يقارف أهل بيت رسول الله  - ﷺ -  المآثم، وليتصونوا عنها بالتقوى. واستعار للذنوب الرجس، وللتقوى الطهر؛ لأن عرض المقترف للمقبحات يتلوث بها ويتدنس كما يتلوث بدنه بالأرجاس. وأما الحسنات فالعرض منها نقي مصون كالثوب الطاهر. وفي هذه الاستعارة ما ينفر أولي الألباب عما كرهه الله لعباده، ونهاهم عنه، ويرغبهم فيما يرضاه لهم، وأمرهم به. وأهل البيت نصب على النداء أو على المدح. وفي هذا دليل بين على أن نساء النبي  - ﷺ -  من أهل بيته.\nتنبيه\nاعلم أنه يكثر في القرآن العظيم، وفي اللغة إتيان اللام المكسورة منصوبًا بعدها المضارع بعد فعل الإِرادة، كقوله هنا: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ الآية. وقوله: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ وقوله: ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وكقول الشاعر:\nأريد لأنسى ذكرها فكأنما ... تمثل في ليلى بكل سبيل\nوللعلماء في اللام المذكورة أقوال: منها أنها مصدرية بمعنى أن، وهو قول غريب.\nومنها: أنها لام كي، ومفعول الإِرادة محذوف، والتقدير: إنما","vol":"6","page":638},{"text":"يريد الله أن يأمركم وينهاكم لأجل أن يذهب عنكم الرجس. والرجس كل مستقذر تعافه النفوس، ومن أقذر المستقذرات معصية الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1449> قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي تضمنها بيان الإِجمال الواقع بسبب الإِبهام في صلة موصول، وذكرنا أن من أمثلة ذلك قوله تعالى: ﴿وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾؛ لأن جملة: الله مبديه صلة الموصول الذي هو ما. وقد قلنا في الترجمة المذكورة: فإنه هنا أبهم هذا الذي أخفاه - ﷺ - في نفسه وأبداه الله، ولكنه أشار إلى أن المراد به زواجه - ﷺ - زينب بنت جحش ﵂ حيث أوحى إليه ذلك، وهي في ذلك الوقت تحت زيد بن حارثة، لأن زواجه إياها هو الذي أبداه الله بقوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ وهذا هو التحقيق في معنى الآية الذي دل عليه القرآن، وهو اللائق بجنابه - ﷺ -.\nوبه تعلم أن ما يقوله كثير من المفسرين من أن ما أخفاه في نفسه - ﷺ - وأبداه الله وقوع زينب في قلبه ومحبته لها، وهي تحت زيد، وأنها سمعته، قال: سبحان مقلب القلوب إلى آخر القصة، كله لا صحة له. والدليل عليه أن الله لم يبد من ذلك شيئًا، مع أنه صرح بأنه مبدي ما أخفاه رسول الله - ﷺ -. انتهى محل الغرض من كلامنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك.\nوقال القرطبي ﵀ في تفسير هذه الآية: واختلف الناس في تأويل هذه الآية: فذهب قتادة، وابن زيد، وجماعة من المفسرين منهم: الطبري، وغيره: إلى أن النبي - ﷺ - وقع منه استحسان لزينب","vol":"6","page":639},{"text":"بنت جحش وهي في عصمة زيد، وكان حريصًا على أن يطلقها زيد، فيتزوجها هو، إلى أن قال: وهذا الذي كان يخفي في نفسه، ولكنه لزم ما يجب من الأمر بالمعروف، يعني قوله: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾. اهـ. ولا شك أن هذا القول غير صحيح، وأنه غير لائق به  - ﷺ - .\nونقل القرطبي نحوه عن مقاتل، وابن عباس أيضًا. وذكر القرطبي عن علي بن الحسين أن الله أوحى إلى نبيه  - ﷺ -  أن زيدًا سيطلق زينب، وأن الله يزوجها رسوله  - ﷺ -، وبعد أن علم هذا بالوحي قال لزيد: أمسك عليك زوجك، وأن الذي أخفاه في نفسه: هو أن الله سيزوجه زينب ﵂، ثم قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول: قال علماؤنا رحمة الله عليهم: وهذا القول أحسن ما قيل في تأويل هذه الآية. وهو الذي عليه أهل التحقيق من المفسرين، والعلماء الراسخين كالزهري، والقاضي بكر بن العلاء القشيري، والقاضي أبي بكر بن العربي وغيرهم، إلى أن قال: فأما ما روي أن النبي  - ﷺ -  هوي زينب امرأة زيد، وربما أطلق بعض المجان لفظ عشق، فهذا إنما يصدر عن جاهل بعصمة النبي  - ﷺ -  عن مثل هذا أو مستخف بحرمته.\nقال الترمذي الحكيم في نوادر الأصول، وأسند إلى علي بن الحسين قوله: فعلي بن الحسين جاء بهذا من خزانة العلم جوهرًا من الجواهر ودرًا من الدرر أنه إنما عتب الله عليه في أنه قد أعلمه أن ستكون هذه من أزواجك، فكيف قال بعد ذلك لزيد: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ﴾ وأخذتك خشية الناس أن يقولوا: تزوج امرأة ابنه، واللَّه أحق أن تخشاه. انتهى محل الغرض منه.","vol":"6","page":640},{"text":"وقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: ذكر ابن أبي حاتم، وابن جرير هاهنا آثارًا عن بعض السلف ﵃، أحببنا أن نضرب عنها صفًا لعدم صحتها، فلا نوردها إلى آخر كلامه، وفيه كلام علي بن الحسين الذي ذكرنا آنفًا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في هذه المسألة: هو ما ذكرنا أن القرآن دل عليه، وهو أن الله أعلم نبيه  - ﷺ -  بأن زيدًا يطلق زينب، وأنه يزوجها إياه  - ﷺ -، وهي في ذلك الوقت تحت زيد، فلما شكاها زيد إليه  - ﷺ -  قال له: ﴿أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتَّقِ اللَّهَ﴾ فعاتبه الله على قوله: أمسك عليك زوجك بعد علمه أنها ستصير زوجته هو  - ﷺ -، وخشي مقالة الناس أن يقولوا: لو أظهر ما علم من تزويجه إياها أنه يريد تزويج زوجة ابنه في الوقت الذي هي فيه في عصمة زيد.\nوالدليل على هذا أمران:\nالأول: هو ما قدمنا من أن الله جلَّ وعلا قال: ﴿تُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللَّهُ مُبْدِيهِ﴾ وهذا الذي أبداه الله جلَّ وعلا هو زواجه إياها في قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا﴾ ولم يبد جلَّ وعلا شيئًا مما زعموه أنه أحبها، ولو كان ذلك هو المراد لأبداه الله تعالى كما ترى.\nالأمر الثاني: أن الله جلَّ وعلا صرح بأنه هو الذي زوجه إياها، وأن الحكمة الإِلهية في ذلك التزويج هي قطع تحريم أزواج الأدعياء في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ فِي أَزْوَاجِ أَدْعِيَائِهِمْ﴾ الآية، فقوله تعالى: ﴿لِكَيْ لَا يَكُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حَرَجٌ﴾ تعليل صريح لتزويجه إياها لما ذكرنا. وكون الله هو","vol":"6","page":641},{"text":"الذي زوجه إياها لهذه الحكمة العظيمة صريح في أن سبب زواجه إياها ليس هو محبته لها التي كانت سببًا في طلاق زيد لها كما زعموا، ويوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾ الآية؛ لأنه يدل على أن زيدًا قضى وطره منها، ولم تبق له بها حاجة، فطلقها باختياره. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1450> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (٤١)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من الأمر بالإِكثار من الذكر جاء معناه في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1451> قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾</span>.\nلم يبين هنا المراد بالفضل الكبير في هذه الآية الكريمة، ولكنه بينه في سورة الشورى في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (٢٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1452> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي","vol":"6","page":642},{"text":"تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة.\nومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ خاصة بأزواج النبي  - ﷺ -، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي  - ﷺ -  لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nوقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم\nانتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة.\nوبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه  - ﷺ -، وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه. ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإِيماء والتنبيه وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم","vol":"6","page":643},{"text":"لكان الكلام معيبًا عند العارفين. وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإِيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه بقوله:\nدلالة الإِيماء والتنيه ... في الفن تقصد لدى ذويه\nأن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن\nوعرف أيضًا الإِيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله:\nوالثالث الإِيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف\nوذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير\nفقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ لو لم يكن علة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف.\nوإذا علمت أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وعلمت أن حكم العلة عام.\nفاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية.\nفاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.\nواعلم أنا في هذا المبحث يزيد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلة من السنَّة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب على غير أزواجه  - ﷺ -، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ الآية. قرينة على عموم حكم آية الحجاب.","vol":"6","page":644},{"text":"ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلَّا عين واحدة تبصر بها. وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم.\nفإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه معارض يقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.\nفالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها. والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى.\nومن الأدلة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى (إلَّا ما ظهر منها) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إلَّا ما ظهر منها) بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه.\nواعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله","vol":"6","page":645},{"text":"تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ قال: وقد دل قوله: (أن يعرفن) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف = باطل. وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًا؛ لأن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ صريح في منع ذلك.\nوإيضاحه: أن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.\nوقوله في الآية الكريمة (لأزواجك) دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.\nوالحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة:\nالأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفًا.\nالثاني: قوله: (لأزواجك) كما أوضحناه أيضًا.\nالثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإِماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإِماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق","vol":"6","page":646},{"text":"بالأذى ظنًا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه  - ﷺ -  أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإِماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك وراهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر، لا إماء هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى. فقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإِماء. وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح. وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإِماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.\nومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية. وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:\nحافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض\nوفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإِماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب.","vol":"6","page":647},{"text":"تنبيه\nقد قدما في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة:\nالمصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن\nوأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة.\nوإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.\nفمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين.\nومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ، أي: ذلك الزمن يوم الوعيد.\nومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب. وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك: لأن خطاب النبي  - ﷺ -  لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه. وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على","vol":"6","page":648},{"text":"عموم الحكم؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القوله موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس.\nوأما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي.\nوالنص كقوله  - ﷺ -  في مبايعة النساء: \"إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة\".\nقالوا: ومن أدلة ذلك حديث: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\".\nقال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله  - ﷺ -  في مبايعة النساء: \"إني لا أصافح النساء\" وساق الحديث كما ذكرناه.\nوقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: \"حكمي على الواحد حكمي على الجماعة\" وفي لفظ: \"كحكمي على الجماعة\" ليس له أصل بهذا اللفظ. كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي: لا يعرف، وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه.","vol":"6","page":649},{"text":"نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي: \"ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة\" ولفظ الترمذي: \"إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة\" وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها؛ لثبوتها على شرطهما.\nوقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل. إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه. انتهى.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد. وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله ابن عمير التيمي، تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله:\nخطاب واحد لغير الحنبلي ... من غير رعي النص والقيس الجلي\nانتهى محل الغرض منه.\nوبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام كان كان لفظها خاصًا بأزواجه  - ﷺ -؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبًا.\nومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾؛ لأن الله جلَّ وعلا بين في هذه الآية الكريمة أن القواعد، أي: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطمعن في النكاح؛ لكبر السن وعدم حاجة","vol":"6","page":650},{"text":"الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن بشرط كونهن غير متبرجات بزينة، ثم إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرجات بزينة خير لهن.\nوأظهر الأقوال في قوله: أن يضعن ثيابهن، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب التي تكون فوق الخمار والثياب.\nفقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها، ولا الإِخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب.\nوإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دل على الحجاب. ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه  - ﷺ -، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة، وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض، والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد  - ﷺ -، مريض القلب كما ترى.\nواعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية: فمن ذلك","vol":"6","page":651},{"text":"ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي  - ﷺ -  قال: \"إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله  - ﷺ -  أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت\" أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح في باب: لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ذو محرم. إلخ. ومسلم في كتاب السلام في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها. فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي  - ﷺ -  بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن، وسؤالهن متاعًا إلَّا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبي  - ﷺ -  حذَّره من الدخول عليها، ولما سألته الأنصارى عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته كأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه ونحو ذلك قال له  - ﷺ -: الحمو الموت. فسمى  - ﷺ -  دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت. ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإِنسان في الدنيا كما قال الشاعر:\nوالموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة\nوالجبلة: الخلق. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾، فتحذيره  - ﷺ -  هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ عام في جميع النساء كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه  - ﷺ -  لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.","vol":"6","page":652},{"text":"وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدمنا أن مسلمًا ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام.\nوقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: إياكم والدخول بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور؛ ليتحرز عنه، كما قيل: إياك والأسد. وقوله: إياكم: مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا.\nوتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب بلفظ لا تدخلوا على النساء. وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. انتهى محل الغرض منه.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن. وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها.\nحدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة ﵂ كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري.","vol":"6","page":653},{"text":"وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري.\nوهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن، فاختمرن، أي: ستون وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن. وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلَّا من النبي - ﷺ - لأنه موجود، وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.\nوقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك: ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى","vol":"6","page":654},{"text":"جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلَّا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. ومعنى معتجرات مختمرات كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا. فترى عائشة ﵂ مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله. ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقال البزار أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عمرو بن عاصم: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، عن النبي  - ﷺ -  قال: \"إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها\" ورواه الترمذي عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه. اهـ منه.\nوقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال: رواه","vol":"6","page":655},{"text":"الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة. وما جاء فيه من كون المرأة عورة يدل على الحجاب؛ للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة.\nومما يؤيد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد عن ابن مسعود، قال: إنما النساء سورة، كان المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلَّا أعجبتيه. كان المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها. ثم قال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. أهـ منه. ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه.\nومن الأدلة الدالة على ذلك الأحاديث التي قدمناها الدالة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ الآية. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًّا. وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحق.\nفقد ذكرنا الآيات القرآنية الدالة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالة على الحجاب، وبينا أن من أصرحها في ذلك آية النور مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبي  - ﷺ -  موجود بينهم ينزل عليه الوحي بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن كما قالته عائشة ﵂.\nوإذا علمت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي","vol":"6","page":656},{"text":"المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهه ويديها بحضرة الأجانب.\nفمن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي  - ﷺ -، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: \"يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه\" وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين.\nالأولى: هي كونه مرسلًا؛ لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور.\nالجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في التقريب: ضعيف. مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب.\nومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح قال: شهدت مع رسول الله  - ﷺ -  الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: \"تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. ققامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن\". اهـ. هذا لفظ مسلم في صحيحه.","vol":"6","page":657},{"text":"قالوا: وقوله جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين.\nوأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي  - ﷺ -  رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان:\nسقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد\nفعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه  - ﷺ -  رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك.\nوقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في صحيحه ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر: إنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور.\nوقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: وقوله: فقامت امرأة من سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن صوابه من","vol":"6","page":658},{"text":"سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء. وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي. وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة: أي توسطتهم. اهـ منه. وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة. ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين، أي: فيها تغير وسواد. وقال الجوهري في صحاحه: والسفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة. سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور:\nمن الورق سفعاء العلاطين باكرت ... فروع أشاء مطلع الشمس أسحما\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: السفعة في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغير في الوجه، من مرض أو مصيبة، أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكًا:\nتقول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك خضيبًا ناعم البال أروعا\nفقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة وجد تترك الخد أسفعا\nومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور،","vol":"6","page":659},{"text":"فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:\nأهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك\nوالمقصود: أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا.\nومن الأحاديث بها التي استدلوا على ذلك حديث ابن عباس الذي قدمناه قال: أردف رسول الله  - ﷺ -  الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي  - ﷺ -  للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله  - ﷺ -، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبي  - ﷺ -، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا. . . الحديث. قالوا: فالإِخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها.\nوأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:\nالأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي  - ﷺ -  رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه  - ﷺ -  أقرها على","vol":"6","page":660},{"text":"ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها. ومما يوضح هذا أن عبد الله بن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه؛ لما قدمنا من أن النبي  - ﷺ -  قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، وإطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا؛ لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.\nفإن قيل: قوله: إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإِعجابه بحسنه.\nفالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي  - ﷺ -  رآها كذلك، وأقرها، لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف، وينظر إليها؛ لجمالها وهي مختمرة، وذلك الحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هم معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر:\nطافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا","vol":"6","page":661},{"text":"فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا.\nالوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإِحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي  - ﷺ -، وغيرهن. ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس ﵄، والفضل منعه النبي  - ﷺ -  من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذًا لإِحرامها، لا لجواز السفور.\nفإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.\nفالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي  - ﷺ -  الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا، ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها. ويفهم من صرف النبي  - ﷺ -  بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى. وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.\nوبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة","vol":"6","page":662},{"text":"البشرية، وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي. ألم تسمع بعضهم يقول:\nقلت اسمحوا في أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم\nأترضى أيها الإِنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:\nوما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجاب\nمسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه\nاعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه.\nولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها.\nوالدليل على ذلك أمور:\nالأول: أن النبي  - ﷺ -  ثبت عنه أنه قال: \"إني لا أصافح النساء\" الحديث. واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به  - ﷺ - . والحديث المذكور قد قدمناه موضحًا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره للرجال. وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه.\nوكونه  - ﷺ -  لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها  - ﷺ -  في الوقت الذي يقتضيها، وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز،","vol":"6","page":663},{"text":"وليس لأحد مخالفته - ﷺ -؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره.\nالأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك.\nالأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية، لقلة تقوى الله في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الربية، وقد أخبرنا مرارًا أن بعض الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل الحرام بالإِجماع سلامًا، فيقولون: سلم عليها يعنون قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب، وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإِشارة يقول صاحب مراقي السعود:\nسد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1453> قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾</span>.\nأمر الله تعالى نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يقول الذين يسألونه عن الساعة ﴿إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ﴾ ومعلوم أن إنما صيغة حصر.\nفمعنى الآية: أن الساعة لا يعلمها إلَّا الله وحده.","vol":"6","page":664},{"text":"وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء واضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية.\nوقد بين - ﷺ - أن الخمس المذكورة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ الآية. هي المراد بقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾ وكقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا (٤٢) فِيمَ أَنْتَ مِنْ ذِكْرَاهَا (٤٣) إِلَى رَبِّكَ مُنْتَهَاهَا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ الآية. وفي الحديث: \"ما المسؤول عنها بأعلم من السائل\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1454> قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الساعة التي هي القيامة لعلها تكون قريبًا، وذكر نحوه في قوله في الشورى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾ وقد أوضح جلَّ وعلا اقترابها في آيات أخر، كقوله: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ الآية. وقوله: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (١)﴾. وقوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1455> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيرًا (٦٤)﴾</span> إلى قوله: ﴿لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.\nتقدمت الآيات الموضحة له مرارًا.","vol":"6","page":665},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1456> قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه عرض الأمانة - وهي التكاليف، مع ما يتبعها من ثواب وعقاب - على السماوات والأرض والجبال، وأنهن أبين أن يحملنها، وأشفقن منها، أي: خفن من عواقب حملها أن ينشأ لهن من ذلك عذاب الله وسخطه، وهذا العرض والإِباء، والإِشفاق كله حق، وقد خلق الله للسماوات والأرض والجبال إدراكًا يعلمه هو جل وعلا، ونحن لا نعلمه، وبذلك الإِدراك أدركت عرض الأمانة عليها، وأبت وأشفقت، أي: خافت.\nومثل هذا تدل عليه آيات وأحاديث كثيرة، فمن الآيات الدالة على إدراك الجمادات المذكور قوله تعالى في سورة البقرة في الحجارة: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ فصرح بأن من الحجارة ما يهبط من خشية الله، وهذه الخشية التي نسبها الله لبعض الحجارة بإدراك يعلمه هو تعالى.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ الآية. ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الأحاديث الصحيحة الدالة على ذلك قصة حنين الجذع الذي كان يخطب عليه النبي - ﷺ - لما انتقل بالخطبة إلى المنبر، وهي في صحيح البخاري وغيره.","vol":"6","page":666},{"text":"ومنها: ما ثبت في صحيح مسلم عن النبي  - ﷺ -  أنه قال: \"إني لأعرف حجرًا كان يسلم علي في مكة\" وأمثال هذا كثيرة، فكل ذلك المذكور في الكتاب والسنَّة إنما يكون بإدراك يعلمه الله، ونحن لا نعلمه. كما قال تعالى: ﴿لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ ولو كان المراد بتسبيح الجمادات دلالتها على خالقها لكنا نفقهه، كما هو معلوم، وقد دلت عليه آيات كثيرة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ الظاهر أن المراد بالإنسان آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وأن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ راجع للفظ الإِنسان مجردًا عن إرادة المذكور منه الذي هو آدم.\nوالمعنى: (إنه) أي: الإِنسان الذي لا يحفظ الأمانة كان ظلومًا جهولًا، أي: كثير الظلم والجهل، والدليل على هذا أمران:\nأحدهما: قريبة قرآنية دالة على انقسام الإِنسان في حمل الأمانة المذكورة إلى معذب ومرحوم في قوله تعالى بعده متصلًا به: ﴿لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾ فدل هذا على أن الظلوم الجهول من الإِنسان، هو المعذب والعياذ باللَّه، وهم المنافقون، والمنافقات، والمشركون، والمشركات، دون المؤمنين والمؤمنات. واللام في قوله: ليعذب؛ لام التعليه، وهي متعلقة بقوله: وحملها الإِنسان.\nالأمر الثاني: أن الأسلوب المذكور الذي هو رجوع الضمير إلى مجود اللفظ دون اعتبار المعنى التفصيلي معروف في اللغة التي نزل بها القرآن، وقد جاء فعلًا في آية من كتاب الله، وهي قوله تعالى:","vol":"6","page":667},{"text":"﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾؛ لأن الضمير في قوله: ولا ينقص من عمره: راجع إلى لفظ المعمر دون معناه التفصيلي. كما هو ظاهر. وقد أوضحناه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾ وبينا هناك أن هذه المسألة هي المعروفة عند علماء العربية بمسألة عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر كما ترى. وبعض من قال من أهل العلم إن الضمير في قوله: ﴿إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ عائد إلى آدم، قال: المعنى: إنه كان ظلومًا لنفسه، جهولًا؛ أي: غرًا بعواقب الأمور، وما يتبع الأمانة من الصعوبات. والأظهر هو ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"6","page":668},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1457>سورة سبأ</span>","vol":"6","page":669},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1458> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ﴾</span>.\nقد ذكرنا ما هو بمعناه من الآيات في أول سورة الفاتحة في الكلام على قوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1459> قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾</span>.\nبيّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه يعلم ما يلج في الأرض، أي: ما يدخل فيها، كالماء النازل من السماء الذي يلج في الأرض، كما أوضحه بقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ الآية، فهو جلَّ وعلا يعلم عدد القطر النازل من السماء إلى الأرض، وكيف لا يعلمه من خلقه ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤)﴾ ويعلم أيضًا ما يلج في الأرض من الموتى الذين يدفنون فيها، كما قال جلَّ وعلا: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ وقال: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ كِفَاتًا (٢٥) أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا (٢٦)﴾ والكفات من الكفت: وهو الضم، لأنها تضمهم أحياء على ظهرها، وأمواتًا في بطنها، ويعلم أيضًا ما يلج في الأرض من","vol":"6","page":671},{"text":"البذر كما قال تعالى: ﴿وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ وكذلك ما في بطنها من المعادن وغير ذلك.\nقوله: ﴿وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ أي: من الأرض كالنبات، والحبوب، والمعادن، والكنوز، والدفائن وغير ذلك، ويعلم ما ينزل من السماء من المطر، والثلج، والبرد، والرزق وغير ذلك، وما يعرج؛ أي يصعد فيها، أي: السماء كالأعمال الصالحة، كما بينه بقوله: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ وكأرواح المؤمنين وغير ذلك كما قال تعالى: ﴿تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ (٤)﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٥)﴾.\nوما ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه يعلم جميع ما ذكر ذكره في سورة الحديد في قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)﴾.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على كمال إحاطة علم الله بكل شيء في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية، وفي مواضع أخر متعددة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1460> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار أنكروا البعث، وقالوا: لا تأتينا الساعة، أي: القيامة، وأنه جلَّ وعلا أمر نبيه أن","vol":"6","page":672},{"text":"يقسم لهم بربه العظيم أن الساعة سوف تأتيهم مؤكدًا ذلك توكيدًا متعددًا.\nوما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكار الكفار للبعث جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦)﴾ وقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٢٩)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا.\nوما ذكره جلَّ وعلا من أنه أمر نبيه بالإِقسام لهم على أنهم يبعثون جاء موضحًا في مواضع أخر.\nقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه إحدى الآيات الثلاث التي لا رابعة لهن مما أمر الله رسوله  - ﷺ -  أن يقسم بربه العظيم على وقوع المعاد لما أنكره من أنكره من أهل الكفر والعناد، فإحداهن في سورة يونس ﵇، وهي قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥٣)﴾ والثانية هذه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ والثالثة في سورة التغابن، وهي قوله تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ﴾ الآية.\nوقد قدمنا البراهين الدالة على البعث بعد الموت من القرآن في سورة البقرة، وسورة النحل وغيرهما.\nوقد قدمنا الآيات الدالة على إنكار الكفار البعث، وما أعد الله لمنكري البعث من العذاب في الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾ وفي مواضع أخر.","vol":"6","page":673},{"text":"وقوله: (قل بلى) لفظة بلى قد قدمنا معانيها في اللغة العربية بإيضاح في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَلْقَوُا السَّلَمَ مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ بَلَى﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1461> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَلَا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٣)﴾</span>.\nما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه لا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك، ولا أكبر، جاء موضحًا في آيات أخر كقوله تعالى: ﴿وَمَا تَكُونُ فِي شَأْنٍ وَمَا تَتْلُو مِنْهُ مِنْ قُرْآنٍ وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ وَلَا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٦١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (٥٩)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: لا يعزب، أي: لا يغيب عنه مثقال ذرة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:\nأخي كان أما حلمه فمروح ... عليه وأما جهله فعزيب\nيعني أن الجهل غائب عنه ليس متصفًا به.\nوقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر: عالم الغيب بألف بعد العين، وتخفيف اللام المكسورة، وضم الميم على وزن فاعل. وقرأه حمزة والكسائي: علَّام الغيب بتشديد اللام وألف بعد اللام المشددة","vol":"6","page":674},{"text":"وخفض الميم على وزن فعال. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم عالم الغيب كقراءة نافع وابن عامر إلَّا أنهم يخفضون الميم، وعلى قراءة نافع، وابن عامر: بضم الميم من قوله: عالم الغيب، فهو مبتدأ خبره جملة ﴿لَا يَعْزُبُ﴾ الآية. أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هو عالم الغيب.\nوعلى قراءة ابن كثير وأبي عمرو وعاصم عالم الغيب بخفض الميم، فهو نعت لقوله ربي، أي: قل: بلى وربي عالم الغيب لتأتينكم، وكذلك على قراءة حمزة، والكسائي: علَّام الغيب، وقرأ هذا الحرف عامة القراء غير الكسائي: لا يعزُب عنه بضم الزاي من يعزب، وقرأه الكسائي بكسر الزاي.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1462> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (٥)﴾</span>.\nلم يبين هنا نوع هذا العذاب، ولكنه بينه بقوله في الحج: ﴿وَالَّذِينَ سَعَوْا فِي آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ (٥١)﴾ وقوله: معاجزين، أي: مغالبين، ومسابقين يظنون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعذابهم. والرجز العذاب كما قال: ﴿فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا﴾ الآية.\nوقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو: معجزين بلا ألف بعد العين مع تشديد الجيم المكسورة. وقرأه الباقون بألف بعد العين، وتخفيف الجيم. ومعنى قراءة التشديد أنهم يحسبون أنهم يعجزون ربهم، فلا يقدر على بعثهم وعقابهم.\nوقال بعضهم: إن معنى معجزين بالتشديد، أي: مثبطين الناس عن الإِيمان.","vol":"6","page":675},{"text":"وقرأ ابن كثير، وحفص: من رجز أليم: بضم الميم من قوله: أليم على أنه نعت لقوله: عذاب، وقرأ الباقون: أليم بالخفض على أنه نعت لقوله: رجز.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1463> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا هَلْ نَدُلُّكُمْ عَلَى رَجُلٍ يُنَبِّئُكُمْ إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧) أَفْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَمْ بِهِ جِنَّةٌ بَلِ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ فِي الْعَذَابِ وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾</span> إلى قوله: ﴿وَالضَّلَالِ الْبَعِيدِ (٨)﴾.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من إنكار البعث، وتكذيب الله لهم في ذلك تقدم موضحًا في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في البقرة والنحل وغيرهما.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ﴾ أي: تمزقت أجسادكم وتفرقت وبليت عظامكم، واختلطت بالأرض، وتلاشت فيها.\nوقوله عنهم: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ (٧)﴾ أي: البعث بعد الموت، وهو مصب إنكارهم قبحهم الله، وهو جلَّ وعلا يعلم ما تلاشى في الأرض من أجسادهم، وعظامهم كما قال تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1464> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾</span>\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من توبيخ الكفار، وتقريعهم على عدم تفكرهم ونظرهم إلى ما بين أيديهم، وما خلفهم من السماء والأرض، ليستدلوا بذلك على كمال قدرة الله على البعث، وعلى كل","vol":"6","page":676},{"text":"شيء، وأنه هو المبعود وحده جاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية: قال عبد بن حميد: أخبرنا عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ قال: إنك إن نظرت عن يمينك، أو عن شمالك، أو من بين يديك، أو من خلفك رأيت السماء والأرض.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1465> قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الْأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أمرين:\nأحدهما: أنه إن شاء خسف الأرض بالكفار، خسفها بهم لقدرته على ذلك.\nوالثاني: أنه إن شاء أن يسقط عليهم كسفًا من السماء فعل ذلك أيضًا لقدرته عليه.\nأما الأول الذي هو أنه لو شاء أن يخسف بهم الأرض لفعل، فقد ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ (١٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ","vol":"6","page":677},{"text":"يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا أَنْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا﴾ وقوله تعالى في الأنعام: ﴿أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ﴾ الآية.\nوقوله هنا: ﴿أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ﴾ قد بينا في سورة بني إسرائيل أنه هو المراد بقوله تعالى عن الكفار: ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾ الآية.\nوقرأه حمزة والكسائي: (إن يشأ يخسف بهم الأرض أو يسقط عليهم كسفًا من السماء) بالياء المثناة التحتية في الأفعال الثلاثة. أعني: يشأ، ويخسف، ويسقط. وعلى هذه القراءة فالفاعل ضمير يعود إلى الله تعالى، أي: إن يشأ هو، أي: الله يخسف بهم الأرض، وقرأ الباقون بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة، أي: إن نشأ نحن. . . إلخ. وقرأ حفص عن عاصم: كسفًا بفتح السين، والباقون بسكونها. والكسف بفتح السين القطع، والكسف بسكون السين واحدها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1466> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ مِنَّا فَضْلًا﴾</span>.\nذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه آتى داود منه فضلًا تفضَّل به عليه، وبين هذا الفضل الذي تفضل به على داود في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ (٣٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِنْدَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى","vol":"6","page":678},{"text":"كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ (١٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (٥٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1467> قوله تعالى: ﴿يَاجِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ وَالطَّيْر﴾</span>.\nقد بينا الآيات الموضحة له مع إيضاح معنى أوِّبي معه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ (٧٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1468> قوله تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي فيها إيضاحه، مع بعض الشواهد وتفسير قوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ وفي النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1469> قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾</span>.\nقد بينا الآيات التي فيها إيضاح له في سورة الأنبياء في الكلام على قوله: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ﴾ الآية. مع الأجوبة عن بعض الأسئلة الواردة على الآيات المذكورة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1470> قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ﴾</span> إلى قوله تعالى: ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنبياء في الكلام على","vol":"6","page":679},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1471> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى عنه: ﴿لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٣٩)﴾ الآية، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (١٧)﴾.\nوقوله: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ﴾ قرأه عاصم، وحمزة والكسائي بتشديد الدال، والباقون بالتخفيف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1472> قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يُؤْمِنُ بِالْآخِرَةِ﴾</span> الآية.\nقد بينا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾ وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1473> قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾.","vol":"6","page":680},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1474> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ عِنْدَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ﴾</span>\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1475> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه محمدًا - ﷺ - أن يقول للكفار: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: يرزقكم من السماوات بإنزال المطر مثلًا، والأرض بإنبات الزروع والثمار ونحو ذلك. ثم أمره أن يقول: الله؛ أي: الذي يرزقكم من السماوات والأرض هو الله، وأمره تعالى له - ﷺ - بأن يجيب بأن رازقهم هو الله يفهم منه أنهم مقرون بذلك، وأنه ليس محل نزاع.\nوقد صرح تعالى بذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّنْ يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَنْ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ﴾ الآية. وإقرارهم بربوبيته تعالى يلزمه الاعتراف بعبادته وحده، والعمل بذلك.\nوقد قدمنا كثيرًا من الآيات الموضحة لذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1476> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا وَلَا نُسْأَلُ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٢٥)﴾</span>.\nأمر الله جلَّ وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يقول","vol":"6","page":681},{"text":"للكفار: إنهم وإياهم ليس أحد منهم مسؤولًا عما يعمله الآخر، بل كل منهم مؤاخذ بعمله، والآخر بريء منه.\nوأوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ (٤١)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢)﴾ إلى قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ (٦)﴾ وفي معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: ﴿تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤١)﴾ وكقوله تعالى عن نبيه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام: ﴿قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1477> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرُونِيَ الَّذِينَ أَلْحَقْتُمْ بِهِ شُرَكَاءَ كَلَّا بَلْ هُوَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾</span>\nأمر الله جلَّ وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يقول لعبدة الأوثان: أروني أوثانكم التي ألحقتموها باللَّه شركاء له في عبادته، كفرًا منكم، وشركًا وافتراء. وقوله: أروني الذين ألحقتم به شركاء؛ لأنهم إن أروه إياها تبين برؤيتها أنها جماد لا ينفع ولا يضر، واتضح بعدها عن صفات الألوهية، فظهر لكل عاقل برؤيتها بطلان عبادة ما لا ينفع ولا يضر، فإحضارها والكلام فيها وهي مشاهدة أبلغ من الكلام فيها غائبة، مع أنه - ﷺ - يعرفها. وكما أنه في هذه الآية الكريمة أمرهم أن يروه إياها ليتبين بذلك بطلان عبادتها، فقد أمرهم في آية أخرى أن يسموها بأسمائها؛ لأن تسميتها بأسمائها يظهر بها بعدها عن صفات الألوهية، وبطلان عبادتها؛ لأنها أسماء إناث حقيرة،","vol":"6","page":682},{"text":"كاللات والعزى، ومناة الثالثة الأخرى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا﴾ الآية، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ قُلْ سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي الْأَرْضِ أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٣)﴾.\nوالأظهر في قوله: (أروني الذين ألحقتم به) في هذه الآية: هو ما ذكرنا من أن الرؤية بصرية، وعليه فقوله: (شركاء) حال. وقال بعض أهل العلم: إنها من رأى العلمية، وعليه فشركاء مفعول ثالث لأروني. قال القرطبي: يكون أروني هنا من رؤية القلب، فيكون شركاء مفعولًا ثالثًا، أي: عرفوني الأصنام والأوثان التي جعلتموها شركاء للَّه ﷿، وهل شاركت في خلق شيء، فبينوا ما هو وإلَّا فلم تعبدونها. اهـ محل الغرض منه. واختار هذا أبو حيان في البحر المحيط.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (كلا) ردع لهم وزجر عن إلحاق الشركاء به. وقوله: بل هو الله العزيز الحكيم، أي: المتصف بذلك هو المستحق للعبادة. وقد قدمنا معنى العزيز الحكيم بشواهده مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1478> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ وفي غير ذلك من المواضع. وقوله تعالى: إلَّا كافة للناس، استشهد به بعض علماء العربية على جواز تقدم الحال على صاحبها المجرور","vol":"6","page":683},{"text":"بالحرف، كما أشار له ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nوسبق حال ما بحرف جر قد ... أبوا ولا أمنعه فقد ورد\nقالوا: لأن المعنى: وما أرسلناك إلَّا للناس كافة، أي: جميعًا، أي: أرسلناك للناس في حال كونهم مجتمعين في رسالتك. وممن أجاز ذلك أبو علي الفارسي، وابن كيسان، وابن برهان، ولذلك شواهد في شعر العرب، كقول طليحة بن خويلد الأسدي:\nفإن تك أذواد أصبن ونسوة ... فلن يذهبوا فرغًا بقتل حبال\nوكقول كثير:\nلئن كان برد الماء هيمان صاديا ... إلى حبيبًا إنها لحبيب\nوقول الآخر:\nتسليت طرا عنكم بعد بينكم ... بذكراكم حتى كأنكم عندي\nوقول الآخر:\nغافلًا تعرض المنية للمر ... ء فيدعى ولات حين إباء\nوقوله:\nمشغوفة بك قد شغفت وإنما ... حم الفراق فما إليك سبيل\nوقوله:\nإذا المرء أعيته المروءة ناشئا ... فمطلبها كهلًا عليه شديد\nفقوله في البيت الأول فرغًا، أي: هدرًا حال، وصاحبه المجرور بالباء الذي هو بقتل، وحبال اسم رجل. وقوله في البيت الثاني: هيمان صاديا حالان من ياء المتكلم المجرورة بإلى في قوله: إليَّ حبيبًا. وقوله في البيت الثالث: طرا حال من الضمير المجرور","vol":"6","page":684},{"text":"بعن في قوله: عنكم. وهكذا، وتقدم الحال على صاحبها المجرور بالحرف منعه أغلب النحويين.\nوقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ إلَّا رسالة عامة لهم محيطة بهم؛ لأنها إذا شملتهم فإنها قد كفتهم أن يخرج منها أحد منهم.\nوقال الزجاج: المعنى: أرسلناك جامعًا للناس في الإِنذار والإِبلاغ، فجعله حالًا من الكاف، وحق التاء على هذا أن تكون للمبالغة كتاء الراوية، والعلَّامة. ومن جعله حالًا من المجرور متقدمًا عليه فقد أخطأ؛ لأن تقدم حال المجرور عليه في الإحالة بمنزلة تقدم المجرور على الجار. وكم ترى ممن يرتكب هذا الخطأ ثم لا يقنع به حتى يضم إليه أن يجعل اللام بمعنى إلى، لأنه لا يستوي له الخطأ الأول إلَّا بالخطأ الثاني، فلا بد له من ارتكاب الخطأين. اهـ منه.\nوقال الشيخ الصبان في حاشيته على الأشموني: جعل الزمخشري كافة صفة لمصدر محذوف، أي: رسالة كافة للناس، ولكن اعترض بأن كافة مختصة بمن يعقل، وبالنصب على الحال كطرا، وقاطبة. انتهى محل الغرض منه. وما ذكره الصبان في كافة هو المشهور المتداول في كلام العرب، وأوضح ذلك أبو حيان في البحر، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1479> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٢٨)﴾</span>.\nقد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ﴾ الآية. وغير ذلك من المواضع.","vol":"6","page":685},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1480> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لَا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلَا تَسْتَقْدِمُونَ (٣٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٤٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1481> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾</span> إلى قوله: ﴿إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾.\nذكرنا بعض الآيات التي فيها بيان له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ وبيناه في مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1482> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا الْأَغْلَالَ فِي أَعْنَاقِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾</span>.\nجاء موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ﴾ وقوله: ﴿ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ (٣٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1483> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾</span>.\nقد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ وأوضحنا ذلك في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ الآية.","vol":"6","page":686},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1484> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾</span>.\n• وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1485> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَقُولُ أَأَنْتُمْ أَضْلَلْتُمْ عِبَادِي هَؤُلَاءِ أَمْ هُمْ ضَلُّوا السَّبِيلَ (١٧) قَالُوا سُبْحَانَكَ مَا كَانَ يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نَتَّخِذَ مِنْ دُونِكَ مِنْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنْ مَتَّعْتَهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1486> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.","vol":"6","page":687},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1487> قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْنَاهُمْ مِنْ كُتُبٍ يَدْرُسُونَهَا وَمَا أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ قَبْلَكَ مِنْ نَذِيرٍ (٤٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1488> قوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَيْنَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾</span>.\nما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه أهلك الأمم الماضية لما كذبت رسله، وأن الأمم الماضية أقوى، وأكثر أموالًا وأولادًا، وأن كفار مكة عليهم أن يخافوا من إهلاك الله لهم بسبب تكذيب رسوله - ﷺ -، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، ولم يؤتوا، أي: كفار مكة معشار ما آتى الله الأمم التي أهلكها من قبل من القوة جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1489> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ لَكُمْ بَيْنَ يَدَيْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٤٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾.","vol":"6","page":688},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1490> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1491> قوله تعالى: ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا (٨١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1492> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ في معرض بيان حجج الظاهرية في دعواهم منع الاجتهاد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1493> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون باللَّه، وأن ذلك الإيمان لا ينفعهم؛ لفوات وقت نفعه الذي هو مدة دار الدنيا جاء موضحًا في آيات كثيرة.\nوقد قدمنا الآيات الدالة عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ الآية. وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ","vol":"6","page":689},{"text":"وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا لَكِنِ الظَّالِمُونَ الْيَوْمَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ وفي غير ذلك من المواضع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾ أنى تدل على كمال الاستبعاد هنا. والتناوش: التناول، وقال بعضهم: هو خصوص التناول السهل للشيء القريب.\nوالمعنى: أنه يستبعد كل الاستبعاد ويبعد كل البعد أن يتناول الكفار الإيمان النافع في الآخرة بعد ما ضيعوا ذلك في وقت إمكانه في دار الدنيا، وقيل: الاستبعاد لردهم إلى الدنيا مرة أخرى ليؤمنوا، والأول أظهر. ويدل عليه قوله قبله: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ﴾ ومن أراد تناول شيء من مكان بعيد لا يمكنه ذلك. والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"6","page":690},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1494>سورة فاطر</span>","vol":"6","page":691},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1495> قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾</span> الآية.\nالألف واللام في قوله: الحمد للَّه للاستغراق، أي: جميع المحامد ثابت للَّه جلَّ وعلا. وقد أثنى جلَّ وعلا على نفسه بهذا الحمد العظيم، معلمًا خلقه في كتابه: أن يثنوا عليه بذلك، مقترنًا بكونه فاطر السموات والأرض، جاعل الملائكة رسلًا، وذلك يدل على أن خلقه للسماوات والأرض، وما ذكر معه يدل على عظمته، وكمال قدرته، واستحقاقه للحمد لذاته؛ لعظمته وجلاله وكمال قدرته مع ما في خلق السماوات والأرض من النعم على بني آدم، فهو بخلقهما مستحق للحمد لذاته، ولإِنعامه على الخلق بهما. وكون خلقهما جامعًا بين استحقاق الحمدين المذكورين جاءت آيات من كتاب الله تدل عليه.\nأما كون ذلك يستوجب حمد الله لعظمته وكماله، واستحقاقه لكل ثناء جميل فقد جاء في آيات من كتاب الله تعالى كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ الآية. وقوله في أول سورة سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله تعالى في أول سورة الفاتحة:","vol":"6","page":693},{"text":"﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢)﴾ وقد قدمنا أن قوله: رب العالمين بينه قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ (٢٣) قَالَ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ (٢٤)﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ وقوله: ﴿وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٧٥)﴾.\nوأما استحقاقه للحمد على خلقه بخلق السماوات والأرض، لما في ذلك من إنعامه علي بني آدم فقد جاء في آيات من كتاب الله، فقد بين تعالى أنه أنعم على خلقه بأن سخر لهم ما في السماوات وما في الأرض في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٥٤)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لمعنى تسخير ما في السماوات لأهل الأرض في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿جَاعِلِ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلَائِكَةِ رُسُلًا وَمِنَ النَّاسِ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي: خالق السماوات والأرض، ومبدعهما على غير مثال سابق.\nوقال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية الكريمة: قال سفيان الثوري، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عباس","vol":"6","page":694},{"text":"﵄ قال: كنت لا أدري ما فاطر السماوات والأرض: حتى أتانى أعرابيان يختصمان في بئر، فقال أحدهما لصاحبه: أنا فطرتها، أي: بدأتها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1496> قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾</span> الآية.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ما يفتحه للناس من رحمته وإنعامه عليهم بجميع أنواع النعم، لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يمسكه عنهم، وما يمسكه عنهم من رحمته وإنعامه لا يقدر أحد كائنًا من كان أن يرسله إليهم. وهذا معلوم بالضرورة من الدين. والرحمة المذكورة في الآية عامة في كل ما يرحم الله به خلقه من الإِنعام الدنيوي والأخروي، كفتحه لهم رحمة المطر، كما قال تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ الآية. ومن رحمته إرسال الرسل، وإنزال الكتب، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ كما تقدم إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الآية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ","vol":"6","page":695},{"text":"مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾ و(ما) في قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ﴾ وقوله: ﴿وَمَا يُمْسِكْ﴾ شرطية. وفتح الشيء التمكين منه وإزالة الحواجز دونه، والإِمساك بخلاف ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1497> قوله تعالى: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾</span>.\nالاستفهام في قوله: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ﴾ إنكاري فهو مضمن معنى النفي.\nوالمعنى: لا خالق إلَّا الله وحده، والخالق هو المستحق للعبادة وحده.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وفي غير ذلك من المواضع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ يدل على أنه تعالى هو الرازق وحده، وأن الخلق في غاية الاضطرار إليه تعالى.\nوالآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾ وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ﴾.","vol":"6","page":696},{"text":"وقد قدمنا كثيرًا من الآيات الدالة على ذلك في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1498> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٤)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسليته - ﷺ - بأن ما لاقاه من قومه من التكذيب لاقاه الرسل الكرام من قومهم قبله صلوات الله وسلام عليهم جميعًا جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1499> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي بمعناه في مواضع من هذا الكتاب المبارك كقوله تعالى في الكهف: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1500> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.","vol":"6","page":697},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1501> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ﴾ وفي الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ الآية. وغير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1502> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ (٩)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن إحياءه تعالى الأرض بعد موتها المشاهد في دار الدنيا برهان قاطع على قدرته على البعث قد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والأنبياء وغير ذلك، وقد تقدمت الإِحالة عليه مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1503> قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾</span>.\nبيَّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن من كان يريد العزة فإنها جميعها للَّه وحده، فليطلبها منه، وليتسبب لنيلها بطاعته جلَّ وعلا، فإن من أطاعه أعطاه العزة في الدنيا والآخرة. أما الذين يعبدون الأصنام لينالوا العزة بعبادتها، والذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يبتغون عندهم العزة، فإنهم في ضلال وعمى عن الحق؛ لأنهم يطلبون العزة من محل الذل.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات من كتب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وقوله","vol":"6","page":698},{"text":"تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا (١٣٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْزُنْكَ قَوْلُهُمْ إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٦٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (١٨٠)﴾ والعزة: الغلبة والقوة، ومنه قول الخنساء:\nكأن لم يكونوا حمى يختشى ... إذ الناس إذ ذاك من عزَّ بزا\nأي: من غلب استلب، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي: غلبني وقوي علي في الخصومة.\nوقول من قال من أهل العلم: إن معنى الآية: من كان يريد العزة، أي: يريد أن يعلم لمن العزة أصوب منه ما ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1504> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾</span> الآية.\nقد تقدم بعض الكلام عليه في سورة النحل مع إعراب السيئات.\nوقد قدمنا في مواضع أخر أن من مكرهم السيئات كفرهم باللَّه وأمرهم أتباعهم به، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾ وكقوله تعالى: ﴿وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢) وَقَالُوا لَا تَذَرُنَّ آلِهَتَكُمْ وَلَا تَذَرُنَّ وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا (٢٣)﴾ والعلم عند الله تعالى.","vol":"6","page":699},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1505> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾</span>.\nقد تقدم إيضاحه بالآيات القرآنية في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1506> قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ مع بيان الأحكام المتعلقة بالآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1507> قوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ﴾</span>.\nقد قدمنا بعض الكلام عليه في آخر سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢)﴾ وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا سِرَاجًا وَقَمَرًا مُنِيرًا (٦١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1508> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾</span>.\nتقدم إيضاحه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1509> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾</span>.\nقد تقدم الكلام عليه مع بسط أحكام فقهية تتعلق بذلك في","vol":"6","page":700},{"text":"سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.\nوتقدم في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ أن قوله في آية فاطر هذه: ﴿وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ دليل قرآني واضح على بطلان دعوى من ادعى من العلماء أن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلَّا من البحر الملح خاصة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1510> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾ وفي غيره من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1511> قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾</span>.\nبيَّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أنه غني عن خلقه، وأن خلقه مفتقر إليه، أي: فهو يأمرهم وينهاهم، لا لينتفع بطاعتهم، ولا ليدفع الضر بمعصيتهم، بل النفع في ذلك كله لهم، وهو جلَّ وعلا الغني لذاته الغنى المطلق.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة مع كونه معلومًا من الدين بالضرورة جاء في مواضع كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ","vol":"6","page":701},{"text":"تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوبذلك تعلم عظم افتراء الذين قالوا: إن الله فقير ونحن أغنياء، وقد هددهم الله على ذلك بقوله: ﴿سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ (١٨١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1512> قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٦) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (١٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1513> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له مع الجواب عن بعض الأسئلة الواردة على الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1514> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾ ووجه الجمع بين أمثال هذه الآية وبين قوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ ونحوها من الآيات.","vol":"6","page":702},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1515> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن إنذاره - ﷺ - محصور في الذين يخشون ربهم بالغيب، وأقاموا الصلاة، وهذا الحصر الإِضافي؛ لأنهم المنتفعون بالإِنذار، وغير المنتفع بالإِنذار كأنه هو والذي لم ينذر سواء بجامع عدم النفع في كل منهما.\nوهذا المعنى جاء موضحًا في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠) إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ الآية. وقوله: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾ ويشبه معنى ذلك في الجملة قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾ وقد قدمنا معنى الإِنذار وأنواعه موضحًا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1516> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1517> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾</span>.\nالأحياء هنا المؤمنون، والأموات الكفار، فالحياة هنا حياة إيمان، والموت موت كفر.\nوهذا المعنى جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى:","vol":"6","page":703},{"text":"﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ فقوله: أو من كان ميتًا، أي: موت كفر فأحييناه حياة إيمان، وكقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ فيفهم من قوله: من كان حيًا، أي: وهي حياة إيمان أن الكافرين الذين حق عليهم القول ليسوا كذلك. وقد أطبق العلماء على أن معنى قوله: ﴿إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ﴾ أن المعنى والكفار يبعثهم الله.\nوقد قدمنا هذا موضحًا بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1518> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٢٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له وما جاء في سماع الموتى في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1519> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ (٢٧) وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالْأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾ الآية، وبينا هناك دلالة الآيات على أنه جلَّ وعلا هو المؤثر وحده، وأن الطبائع لا تأثير لها إلَّا بمشيئته تعالى.","vol":"6","page":704},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1520> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا﴾</span> إلى قوله: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٢٣)﴾.\nقد قدمنا الكلام على هذه الآية، مع نظائرها من آيات الرجاء استطرادًا، وذكرنا معنى الظالم والمقتصد والسابق، ووجه تقديم الظالم عليهما بالوعد في الجنات في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣)﴾ قد قدمناه مع الآيات المماثلة والمشابهة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1521> قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1522> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية.","vol":"6","page":705},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1523> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولَا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1524> قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَهُمْ نَذِيرٌ لَيَكُونُنَّ أَهْدَى مِنْ إِحْدَى الْأُمَمِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1525> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له وشواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ﴾ الآية.\n\n* * *","vol":"6","page":706},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1526>سورة يس</span>","vol":"6","page":707},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1527> قوله تعالى: ﴿يس (١)﴾</span>.\nالتحقيق أنه من جملة الحروف المقطعة في أوائل السور. والياء المذكورة فيه ذكرت في فاتحة سورة مريم في قوله تعالى: كهيعص، والسين المذكورة فيه ذكرت في أول الشعراء والقصص في قوله: طسم، وفي أول النمل في قوله: طس، وفي أول الشورى في قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢)﴾.\nوقد قدمنا الكلام مستوفى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1528> قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾</span>.\nقد بينا أن موجب التوكيد لكونه من المرسلين هو إنكار الكفار لذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾ في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾.","vol":"6","page":709},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1529> قوله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ (٦)﴾</span>.\nلفظة ما في قوله تعالى: ما أنذر آباؤهم، قيل: نافية وهو الصحيح، وقيل: موصولة، وعليه فهو المفعول الثاني لتنذر، وقيل: مصدرية.\nوقد قدمنا دلالة الآيات على أنها نافية، وأن مما يدل على ذلك ترتيبه بالفاء عليه قوله بعده: فهم غافلون؛ لأن كونهم غافلين يناسب عدم الإِنذار، لا الإِنذار، وهذا هو الظاهر مع آيات أخر دالة على ذلك كما أوضحنا ذلك كله في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1530> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾</span>.\nالظاهر أن القول في قوله: لقد حق القول على أكثرهم، وفي قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ الآية، وفي قوله تعالى: ﴿وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ والكلمة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٩٧)﴾ وفي قوله تعالى: ﴿قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾ أن المراد بالقول والكلمة، أو الكلمات على قراءة حقت عليهم كلمات ربك بصيغة الجمع = هو قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ","vol":"6","page":710},{"text":"جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ كما دلت على ذلك آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى في آخر سورة هود: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ وقوله تعالى في السجدة: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾ وقوله تعالى في أخريات ص: ﴿قَالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.\nوقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ يدل على أن أكثر الناس من أهل جهنم، كما دلت على ذلك آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾ ﴿وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ (١٠٣)﴾ ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾ ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (٨)﴾.\nوقد قدمنا الكلام على هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوبينا بالسنَّة الصحيحة في أول سورة الحج: أن نصيب النار من الألف تسعة وتسعون وتسعمائة، وأن نصيب الجنة منها واحد.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1531> قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ (٨) وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ (٩)﴾</span>.\nالأغلال: جمع غل، وهو الذي يجمع الأيدي إلى الأعناق. والأذقان: جمع ذقن، وهو ملتقى اللحيين. والمقمح بصيغة اسم","vol":"6","page":711},{"text":"المفعول هو الرافع رأسه. والسد بالفتح والضم: هو الحاجز الذي يسد طريق الوصول إلى ما وراءه.\nوقوله: ﴿فَأَغْشَيْنَاهُمْ﴾ أي: جعلنا على أبصارهم الغشاوة، وهي الغطاء الذي يكون على العين يمنعها من الإبصار، ومنه قوله تعالى: ﴿وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾. وقول الشاعر وهو الحارث بن خالد بن العاص:\nهويتك إذ عيني عليها غشاوة ... فلما انجلت قطعت نفسي ألومها\nوالمراد بالآية الكريمة: أن هؤلاء الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علم الله المذكورين في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ صرفهم الله عن الإِيمان صرفًا عظيمًا مانعًا من وصوله إليهم؛ لأن من جعل في عنقه غل، وصار الغل إلى ذقنه، حتى صار رأسه مرفوعًا لا يقدر أن يطأطئه، وجعل أمامه سد، وخلفه سد، وجعل على بصره الغشاوة لا حيلة له في التصرف، ولا في جلب نفع لنفسه، ولا في دفع ضر عنها، فالذين أشقاهم الله بهذه المثابة لا يصل إليهم خير.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية من كونه جلَّ وعلا يصرف الأشقياء الذين سبقت لهم الشقاوة في علمه عن الحق ويحول بينهم وبينه جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ﴾ وقوله تعالى: ﴿مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ﴾ وقوله تعالى:","vol":"6","page":712},{"text":"﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٤١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (١٠٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ يُضَاعَفُ لَهُمُ الْعَذَابُ مَا كَانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وَمَا كَانُوا يُبْصِرُونَ (٢٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكَانُوا لَا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعًا (١٠١)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد قدمنا أن هذا الطبع والختم على القلوب، وكذلك الأغلال في الأعناق، والسد من بين أيديهم ومن خلفهم أن جميع تلك الموانع المانعة من الإيمان، ووصول الخير إلى القلوب أن الله إنما جعلها عليهم بسبب مسارعتهم لتكذيب الرسل، والتمادي على الكفر، فعاقبهم الله على ذلك، بطمس البصائر، والختم على القلوب والطبع عليها، والغشاوة على الأبصار؛ لأن من شؤم السيئات أن الله جلَّ وعلا يعاقب صاحبها عليها بتماديه على الشر، والحيلولة بينه وبين الخير، جزاه بذلك على كفره جزاء وفاقًا.\nوالآيات الدالة على ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾ فالباء سببية، وفي الآية، تصريح منه تعالى أن سبب ذلك الطبع على قلوبهم هو كفرهم، وكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ ومعلوم أن الفاء من حروف التعليل، أي: فطبع على قلوبهم بسبب كفرهم ذلك، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (١١٠)﴾ وقوله تعالى:","vol":"6","page":713},{"text":"﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ إلى غير ذلك من الآيات كما تقدم إيضاحه.\nوقد دلت هذه الآيات على أن شؤم السيئات يجر صاحبه إلى التمادي في السيئات. ويفهم من مفهوم مخالفة ذلك أن فعل الخير يؤدي إلى التمادي في فعل الخير، وهو كذلك، كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ (١٧)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nواعلم أن قول من قال من أهل العلم: إن معنى قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا﴾ أن المراد بذلك الأغلال التي يعذبون بها في الآخرة، كقوله تعالى: ﴿إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾ خلاف التحقيق، بل المراد بجعل الأغلال في أعناقهم وما ذكر معه في الآية هو صرفهم عن الإِيمان والهدى في دار الدنيا، كما أوضحنا. وقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي، وحفص عن عاصم: سدًا بالفتح في الموضعين، وقرأه الباقون بضم السين. ومعناهما واحد على الصواب. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1532> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾</span>.\nتقدم إيضاحه مع نظائره من الآيات في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾.","vol":"6","page":714},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1533> قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء:\nالأول: أنه يحيى الموتى مؤكدًا ذلك متكلمًا عن نفسه بصيغة التعظيم.\nالثاني: أنه يكتب ما قدموا في دار الدنيا.\nالثالث: أنه يكتب آثارهم.\nالرابع: أنه أحصى كل شيء في إمام مبين، أي: في كتاب بين واضح. وهذه الأشياء الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.\nأما الأول منها: وهو كونه يحيى الموتى بالبعث فقد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى.\nكقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد قدمنا بكثرة في سورة البقرة وسورة النحل في الكلام على براهين البعث وقدمنا الإِحالة على ذلك مرارًا.\nوأما الثاني منها: وهو كونه يكتب ما قدموا في دار الدنيا فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيْهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ","vol":"6","page":715},{"text":"طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.\nوقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الكهف.\nوأما الثالث منها: وهو كونهم تكتب آثارهم فقد ذكر في بعض الآيات أيضًا.\nواعلم أن قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء.\nالأول منهما: أن معنى ما قدموا ما باشروا فعله في حياتهم، وأن معنى آثارهم: هو ما سنوه في الإِسلام من سنة حسنة أو سيئة، فهو من آثارهم التي يعمل بها بعدهم.\nالثاني: أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه  - ﷺ -  أنه قال: \"يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم\" يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده  - ﷺ - .\nأما على القول الأول فاللَّه جلَّ وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم، وسنَّوا لهم السنن السيئة، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.\nوقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:","vol":"6","page":716},{"text":"﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية. وذكرنا حديث جرير، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك.\nومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنَّه من هدى أو ضلالة قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ بناء على أن المعنى: بما قدم مباشرًا له، وأخر مما عمل به بعده مما سنَّه من هدى أو ضلال، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ على القول بذلك.\nوأما على التفسير الثاني: وهو أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها، فقد جاء بعض الآيات دالًا على ذلك المعنى كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم.\nوأما الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ فقد تدل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال.\nوأما على فرض كونه عامًا فقد دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وهو أصح القولين. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1534> قوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام","vol":"6","page":717},{"text":"على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة عن الكفار: ﴿وَمَا أَنْزَلَ الرَّحْمَنُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَكْذِبُونَ (١٥)﴾ قد بين أنهم قد قالوا ذلك في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قَالُوا بَلَى قَدْ جَاءَنَا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنَا وَقُلْنَا مَا نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية.\nوقد بين تعالى أن الذين أنكروا إنزال الله الوحي كهؤلاء أنهم لم يقدروه حق قدره، أي: لم يعظموه حق عظمته، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1535> قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٨) قَالُوا طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ وذكرنا بعض الكلام عليه في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1536> قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾.","vol":"6","page":718},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1537> قوله تعالى: ﴿وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٢)﴾</span>.\nقوله: ﴿فَطَرَنِي﴾ معناه: خلقني وابتدعني، كما تقدم إيضاحه في أول سورة فاطر.\nوالمعنى: أي شيء ثبت لي يمنعني من أن أعبد الذي خلقني، وابتدعني، وأبرزني من العدم إلى الوجود، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الذي يخلق هو وحده الذي يستحق أن يعبد وحده، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله.\nوقد قدمنا إيضاح ذلك في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1538> قوله تعالى: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً إِنْ يُرِدْنِ الرَّحْمَنُ بِضُرٍّ لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنْقِذُونِ (٢٣) إِنِّي إِذًا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٢٤)﴾</span>.\nالاستفهام في قوله تعالى: أأتخذ: للإِنكار، وهو مضمن معنى النفي، أي: لا أعبد من دون الله معبودات، إن أرادني الله بضر لا تقدر على دفعه عني، ولا تقدر أن تنقذني من كرب.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم فائدة المعبودات من دون الله جاء موضحًا في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ","vol":"6","page":719},{"text":"أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا (٥٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا﴾ أي: لا شفاعة لهم أصلًا حتى تغني شيئًا، ونحو هذا أسلوب عربي معروف، ومنه قول امرئ القيس:\nعلى لا حب لا يهتدى بمناره ... إذا سافه العود النباطي جرجرا\nفقوله: لا يهتدى بمناره، أي: لا منار له أصلًا حتى يهتدى به، وقول الآخر:\nلا تفزع الأرنب أهوالها ... ولا ترى الضب بها ينجحر\nأي: لا أرنب فيها حتى تفزعها أهوالها، ولا ضب فيها حتى ينجحر، أي: يتخذ جحرًا.\nوهذا المعنى هو المعروف عند المنطقيين بقولهم: السالبة لا تقتضي وجود الموضوع. كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1539> قوله تعالى: ﴿يَاحَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٣٠)﴾</span>.\nبيَّن جلَّ وعلا أن العباد ما يأتيهم من رسول إلَّا كانوا به","vol":"6","page":720},{"text":"يستهزؤون غير مكتفين بتكذيبه، بل جامعين معه الاستهزاء.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ﴾ نص صريح في تكذيب الأمم لجميع الرسل لما تقرر في الأصول من أن النكرة في سياق النفي إذا زيدت قبلها من، فهي نص صريح في عموم النفي، كما هو معروف في محله.\nوهذا العموم الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر، وجاء في بعض الآيات إخراج أمة واحدة عن حكم هذا العموم بمخصص متصل، وهو الاستثناء.\nفمن الآيات الموضحة لهذا العموم قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (٣٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾.\nوقد قدمنا الكلام على هذا في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ الآية.\nوقدمنا طرفًا من الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾ الآية.\nوأما الأمة التي أخرجت من هذا العموم فهي أمة يونس، والآية التي بينت ذلك هي قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى","vol":"6","page":721},{"text":"حِينٍ (٩٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾.\nوالحسرة أشد الندامة. وهو منصوب على أنه منادى عامل في المجرور بعده، فأشبه المنادى المضاف.\nوالمعنى: يا حسرة على العباد تعالي واحضري فإن الاستهزاء بالرسل هو أعظم الموجبات لحضورك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1540> قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ﴾</span> إلى قوله: ﴿أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٣٥)﴾.\nقد قدمنا أن إحياء الأرض المذكور في هذه الآية برهان قاطع على البعث في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع، وأوضحنا في المواضع المذكورة بقية براهين البعث بعد الموت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1541> قوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية.","vol":"6","page":722},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1542> قوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾</span>.\nذم جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة الكفار بإعراضهم عن آيات الله.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية جاء في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في أول سورة الأنعام: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤) فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾ الآية. وقوله تعالى في آخر يوسف: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١) وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِّرُوا لَا يَذْكُرُونَ (١٣) وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾ وأصل الإِعراض مشتق من العرض بالضم، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه صادًا عنه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1543> قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة النفخة الأخيرة. والصور قرن من نور ينفخ فيه الملك نفخة البعث، وهي النفخة الأخيرة، وإذا نفخها قام جميع أهل القبور من قبورهم أحياء إلى الحساب والجزاء.\nوقوله: ﴿فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ﴾ جمع جدث بفتحتين، وهو القبر. وقوله: ينسلون، أي: يسرعون في المشي من القبور إلى المحشر، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ","vol":"6","page":723},{"text":"يُوفِضُونَ (٤٣)﴾ وقال تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ مسرعين مادي أعناقهم على أشهر التفسيرين.\nومن إطلاق نسل بمعنى أسرع. قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ (٩٦)﴾ وقول لبيد:\nعسلان الذئب أمسى قاربا ... برد الليل عليه فنسل\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن أهل القبور يقومون أحياء عند النفخة الثانية جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَدَيْنَا مُحْضَرُونَ (٥٣)﴾ وهذه الصيحة هي النفخة الثانية، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيْحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾ أي: الخروج من القبور، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) فَإِذَا هُمْ بِالسَّاهِرَةِ (١٤)﴾ والزجرة: هي النفخة الثانية. والساهرة: وجه الأرض، والفلاة الواسعة، ومنه قول أبي كبير الهذلي:\nيرتدن ساهرة كأن جميمها ... وعميمها أسداف ليل مظلم\nوقول الأشعث بن قيس:\nوساهرة يضحي السراب مجللا ... لأقطارها قد حببتها متلثما\nوكقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ تَقُومَ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ بِأَمْرِهِ ثُمَّ إِذَا دَعَاكُمْ دَعْوَةً مِنَ الْأَرْضِ","vol":"6","page":724},{"text":"إِذَا أَنْتُمْ تَخْرُجُونَ (٢٥)﴾ وهذه الدعوة بالنفخة الثانية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَدْعُوكُمْ فَتَسْتَجِيبُونَ بِحَمْدِهِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1544> قوله تعالى: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا مَنْ بَعَثَنَا مِنْ مَرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ (٥٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1545> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ وأوضحنا فيه التفصيل بين النظم الوضعية، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1546> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾</span>.\nقوله: جبلًا كثيرًا؛ أي: خلقًا كثيرًا، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾ وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الشيطان أضل خلقًا كثيرًا من بني آدم جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي: قد استكثرتم أيها الشياطين من إضلال","vol":"6","page":725},{"text":"الإنس. وقد قال إبليس: لئن أخرتن إلى يوم القيامة لأحتنكن ذريته إلَّا قليلًا. وقد بين تعالى أن هذا الظن الذي ظنه بهم من أنه يضلهم جميعًا إلَّا القليل صدقه عليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢٠)﴾ كما تقدم إيضاحه.\nوقرأ هذا الحرف نافع وعاصم: جبلًا بكسر الجيم والباء، وتشديد اللام، وقرأه ابن كثير وحمزة والكسائي. جبلًا بضم الجيم، والباء وتخفيف اللام، وقرأه أبو عمرو وابن عامر: جبلًا بضم الجيم وتسكين الباء مع تخفيف اللام، وجميع القراءات بمعنى واحد، أي: خلقًا كثيرًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1547> قوله تعالى: ﴿وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾</span>.\nما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من شهادة بعض جوارح الكفار عليهم يوم القيامة جاء موضحًا في غير هذا الموضع كقوله تعالى في سورة النور: ﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ الآية. وقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.\nوبينا هناك أن آية يس هذه توضح الجمع بين الآيات، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ مع قوله عنهم: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ ونحو ذلك من الآيات.","vol":"6","page":726},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1548> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ (٦٨)﴾</span>.\nقوله تعالى: ننكسه في الخلق، أي: نقلبه فيه، فنخلقه على عكس ما خلقناه من قبل، وذلك أنا خلقناه على ضعف في جسده، وخلو من عقل وعلم، ثم جعلناه يتزايد وينتقل من حال إلى حال، ويرتقي من درجة إلى درجة إلى أن يبلغ أشده، ويستكمل قوته، ويعقل ويعلم ما له وما عليه، فإذا انتهى نكسناه في الخلق، فجعلناه يتناقص حتى يرجع في حال شبيهة بحال الصبي في ضعف جسده وقلة عقله وخلوه من العلم. وأصل معنى التنكيس: جعل أعلا الشيء أسفله.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (٤) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (٥)﴾ الآية. على أحد التفسيرين، وقوله تعالى في الحج: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلَا يَعْلَمَ مِنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وقوله تعالى في سورة النحل: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾ وقوله تعالى في سورة المؤمن: ﴿ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾.\nوقد قدمنا الكلام على هذا في سورة النحل.\nوقرأ هذا الحرف عاصم، وحمزة: ننكسه بضم النون الأولى، وفتح الثانية وتشديد الكاف المكسورة من التنكيس، وقرأه الباقون بفتح النون الأولى، وإسكان الثانية، وضم الكاف مخففة مضارع","vol":"6","page":727},{"text":"نكسه المجرد. وهما بمعنى واحد. وقرأ نافع وابن ذكوان عن ابن عامر: أفلا تعقلون بتاء الخطاب، وقرأه الباقون: أفلا يعقلون بياء الغيبة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1549> قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنْبَغِي لَهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾ وذكرنا الأحكام المتعلقة بذلك هناك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1550> قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ الآية. وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَحْيَاءُ وَلَا الْأَمْوَاتُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1551> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1552> قوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ﴾</span> إلى قوله: ﴿وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾.\nقد بينا الآيات الموضحة له في سورة البقرة والنحل مع بيان براهين البعث.","vol":"6","page":728},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1553> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٨٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ وبينا هناك أن الآيات المذكورة لا تنافي مذهب أهل السنة في إطلاق اسم الشيء على الموجود دون المعدوم، وقد قدمنا القراءتين وتوجيههما في قوله: (كن فيكون) هناك.\n\n* * *","vol":"6","page":729},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1554>سورة الصافات</span>","vol":"6","page":731},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1555> قوله تعالى: ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤) رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾</span>.\nأكثر أهل العلم على أن المراد بالصافات هنا، والزاجرات، والتاليات: جماعات الملائكة. وقد جاء وصف الملائكة بأنهم صافون، وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ (١٦٥) وَإِنَّا لَنَحْنُ الْمُسَبِّحُونَ (١٦٦)﴾ ومعنى كونهم صافين: أن يكونوا صفوفًا متراصين بعضهم جنب بعض في طاعة الله تعالى من صلاة وغيرها. وقيل: لأنهم يصفون أجنحتهم في السماء ينتظرون أمر الله. ويؤيد القول الأول حديث حذيفة الذي قدمنا في أول سورة المائدة في صحيح مسلم: وهو قوله - ﷺ -: \"فضلنا على الناس بثلاث: جعلت صفوفنا كصفوف الملائكة، وجعلت لنا الأرض كلها مسجدًا، وجعلت لنا تربتها طهورًا إذا لم نجد الماء\" وهو دليل صحيح على أن الملائكة يصفون كصفوف المصلين في صلاتهم. وقد جاء في بعض الآيات ما يدل على أنهم يلقون الذكر على الأنبياء؛ لأجل الإِعذار والإِنذار به كقوله تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾ فقوله: فالملقيات ذكرًا كقوله هنا: فالتاليات ذكرًا؛ لأن الذكر الذي تتلوه تلقيه إلى","vol":"6","page":733},{"text":"الأنبياء كما كان جبريل ينزل بالوحي على نبينا وغيره من الأنبياء صلوات الله وسلامه على الجميع. وقوله: عذرًا أو نذرًا، أي: لأجل الإِعذار والإِنذار، أي: بذلك الذكر الذي تتلوه وتلقيه. والإِعذار: قطع العذر بالتبليغ. والإِنذار قد قدمنا إيضاحه وبينا أنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.\nوقوله في هذه الآية: ﴿فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢)﴾ الملائكة تزجر السحاب، وقيل: تزجر الخلائق عن معاصي الله بالذكر الذي تتلوه، وتلقيه إلى الأنبياء.\nوممن قال بأن الصافات والزاجرات والتاليات في أول هذه السورة الكريمة هي جماعات الملائكة: ابن عباس، وابن مسعود، وعكرمة، وسعيد بن جبير، ومجاهد وقتادة. كما قاله القرطبي وابن كثير وغيرهما. وزاد ابن كثير وغيره ممن قال به: مسروقًا والسدي، والربيع بن أنس. وقد قدمنا أنه قول أكثر أهل العلم.\nوقال بعض أهل العلم: الصافات في الآية الطير تصف أجنحتها في الهواء، واستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صَافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الرَّحْمَنُ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ﴾ الآية.\nوقال بعض العلماء: المراد بالصافات جماعات المسلمين يصفون في مساجدهم للصلاة، ويصفون في غزوهم عند لقاء العدو، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ (٤)﴾.","vol":"6","page":734},{"text":"وقال بعض العلماء أيضًا: المراد بالزاجرات زجرًا، والتاليات ذكرًا: جماعات العلماء العاملين يلقون آيات الله على الناس، ويزجرون عن معاصي الله بآياته، ومواعظه التي أنزلها على رسله.\nوقال بعضهم: المراد بالزاجرات زجرًا: جماعات الغزاة يزجرون الخيل، لتسرع إلى الأعداء. والقول الأول أظهر وأكثر قائلًا.\nووجه توكيده تعالى قوله: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ بهذه الأقسام، وبإن واللام هو أن الكفار أنكروا كون الإله واحدًا إنكارًا شديدًا، وتعجبوا من ذلك تعجبًا شديدًا، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾ ولما قال تعالى: ﴿إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ أقام الدليل على ذلك بقوله: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ فكونه خالق السماوات والأرض الذي جعل فيها المشارق والمغارب برهان قاطع على أنه المعبود وحده.\nوهذا البرهان القاطع الذي أقامه هنا على أنه هو الإله المعبود وحده أقامه على ذلك أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ فقد أقام البرهان على ذلك بقوله بعده متصلًا به: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.\nوقال الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة: فإن قلت: ما حكم الفاء إذا جاءت عاطفة في الصفات؟ قلت: إما أن تدل على","vol":"6","page":735},{"text":"ترتب معانيها في الوجود، كقوله:\nيا لهف زيابة للحارث الـ ... ـصابح فالغانم فالآئب\nكأنه قيل: الذي صبح فغنم فآب، وإما على ترتبها في التفاوت من بعض الوجوه، كقولك: خذ الأفضل، فالأكمل، واعمل الأحسن فالأجمل، وإما على ترتب موصوفاتها في ذلك، كقوله: رحم الله المحلقين، فالمقصرين، فعلى هذه القوانين الثلاثة ينساق أمر الفاء العاطفة في الصفات.\nفإن قلت: فعلى أي هذه القوانين هي فيما أنت بصدده؟\nقلت: إن وحدت الموصوف كانت للدلالة على ترتب الصفات في التفاضل، وإن ثلثته فهي للدلالة على ترتب الموصوفات فيه.\nبيان ذلك: أنك إذا أجريت هذه الأوصاف على الملائكة، وجعلتهم جامعين لها فعطفها بالفاء يفيد ترتبًا لها في الفضل، إما أن يكون الفضل للصف، ثم للزجر، ثم للتلاوة، وإما على العكس، وكذلك إن أردت العلماء وقواد الغزاة. وإن أجريت الصفة الأولى على طوائف، والثانية والثالثة على أخر فقد أفادت ترتب الموصوفات في الفضل، أعني أن الطوائف الصافات ذوات فضل، والزاجرات أفضل، والتاليات أكبر فضلًا، أو على العكس، وكذلك إذا أردت بالصافات الطير، وبالزاجرات كل ما يزجر عن معصية، وبالتاليات كل نفس تتلو الذكر، فإن الموصوفات مختلفة. انتهى كلام الزمخشري في الكشاف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: كلام صاحب الكشاف هذا نقله عنه أبو حيان، والقرطبي وغيرهما، ولم يتعقبوه. والظاهر أنه كلام","vol":"6","page":736},{"text":"لا تحقيق فيه. ويوضح ذلك اعتراف الزمخشري نفسه بأنه لا يدري ما ذكره: هل هو كذا، أو على العكس؟ وذلك صريح في أنه ليس على علم مما يقوله؛ لأن من جزم بشيء، ثم جوز فيه النقيضين دل ذلك على أنه ليس على علم مما جزم به.\nوالأظهر الذي لا يلزمه إشكال أن الترتيب بالفاء لمجرد الترتيب الذكري، والإِتيان بأداة الترتيب لمجرد الترتيب الذكري فقط، دون إرادة ترتيب الصفات، أو الموصوفات أسلوب عربي معروف جاء في القرآن في مواضع، وهو كثير في كلام العرب.\nومن أمثلته في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ (١١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ (١٢) فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥) أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ (١٦) ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، فلا يخفى أن ثم حرف ترتيب، وأن المرتب به الذي هو كونه من الذين آمنوا لا ترتب له على ما قبله إلَّا مطلق الترتيب الذكري. ومن ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣) ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية، كما لا يخفى أن الترتيب فيه ذكري.\nوقد قدمنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ﴾ ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قوله:\nإن من ساد ثم ساد أبوه ... ثم قد ساد قبل ذلك جده\nوقوله تعالى: في هذه الآية الكريمة: ﴿وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾","vol":"6","page":737},{"text":"لم يذكر في هذه الآية إلَّا المشارق وحدها، ولم يذكر فيها المغارب.\nوقد بينا في كتابنا (دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب): وجه اختلاف ألفاظ الآيات في ذلك. فقلنا فيه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾ ما لفظه: أفرد في هذه الآية الكريمة المشرق والمغرب، وثناهما في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ وجمعهما في سورة سأل سائل في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ وجمع المشارق في سورة الصافات في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.\nوالجواب: أن قوله هنا: وللَّه المشرق والمغرب المراد به جنس المشرق والمغرب، فهو صادق بكل مشرق من مشارق الشمس التي هي ثلاثمائة وستون، وكل مغرب من مغاربها التي هي كذلك كما روي عن ابن عباس وغيره.\nقال ابن جرير في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وإنما معنى ذلك: وللَّه المشرق الذي تشرق منه الشمس كل يوم، والمغرب الذي تغرب فيه كل يوم.\nفتأويله إذا كان ذلك معناه: وللَّه ما بين قطري المشرق وقطري المغرب إذا كان شروق الشمس كل يوم من موضع منه لا تعود لشروقها منه إلى الحول الذي بعده، وكذلك غروبها. انتهى منه بلفظه.\nوقوله: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ (١٧)﴾ يعني مشرق الشتاء، ومشرق الصيف، ومغربهما كما عليه الجمهور، وقيل: مشرق الشمس والقمر ومغربهما.","vol":"6","page":738},{"text":"وقوله: ﴿بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ﴾ أي: مشارق الشمس ومغاربها كما تقدم. وقيل: مشارق الشمس والقمر والكواكب ومغاربها. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1556> قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ الآية. وقرأ هذا الحرف السبعة غير عاصم وحمزة، بإضافة زينة إلى الكواكب، أي: بلا تنوين في زينة، مع خفض الباء في الكواكب. وقرأه حمزة وحفص عن عاصم بتنوين زينة، وخفض الكواكب على أنه بدل من زينة، وقرأه أبو بكر عن عاصم: بزينة الكواكب بتنوين زينة، ونصب الكواكب، وأعرب أبو حيان الكواكب على قراءة النصب إعرابين.\nأحدهما: أن الكواكب بدل من السماء في قوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ﴾.\nوالثاني: أنه مفعول به لزينة بناء على أنه مصدر منكر، كقوله تعالى: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا﴾ الآية.\nوالأظهر عندي: أنه مفعول فعل محذوف تقديره، أعني الكواكب على حد قوله في الخلاصة:\nويحذف الناصبها إن علما ... وقد يكون حذفه ملتزما\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1557> قوله تعالى: ﴿وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾</span> إلى قوله: ﴿شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على قوله تعالى:","vol":"6","page":739},{"text":"﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ﴾ الآية في سورة الحجر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1558> قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾</span>.\nذكر في هذه الآية الكريمة برهانين من براهين البعث التي قدمنا أنها يكثر في القرآن الاستدلال بها على البعث.\nالأول: هو المراد بقوله: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ لأن معنى فاستفتهم: استخبرهم. والأصل في معناه: اطلب منهم الفتوى: وهي الإخبار بالواقع فيما تسألهم عنه أهم أشد خلقًا، أي: أصعب إيجادًا واختراعًا، أم من خلقنا من المخلوقات التي هي أعظم وأكبر منهم؟ وهي ما تقدم ذكره من الملائكة المعبر عن جماعاتهم بالصافات، والزاجرات، والتاليات، والسماوات والأرض، والشمس، والقمر، ومردة الشياطين، كما ذكر ذلك كله في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥) إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ (٦) وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ (٧)﴾.\nوجواب الاستفتاء المذكور الذي لا جواب له غيره هو أن يقال: من خلقت يا ربنا من الملائكة، ومردة الجن، والسماوات، والأرض، والمشارق، والمغارب، والكواكب، أشد خلقًا منا؛ لأنها مخلوقات عظام أكبر وأعظم منا، فيتضح بذلك البرهان القاطع على قدرته جلَّ وعلا على البعث بعد الموت؛ لأن من المعلوم بالضرورة أن من خلق الأعظم الأكبر كالسماوات والأرض، وما ذكر معهما قادر على أن يخلق الأصغر الأقل، كما قال تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ","vol":"6","page":740},{"text":"وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي: ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، كخلق الإنسان خلقًا جديدًا بعد الموت. وقال تعالى: ﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ وقال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ وقال تعالى في النازعات موضحًا الاستفتاء المذكور في آية الصافات هذه: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.\nوقد علمت أن وجه العبارة بمن التي هي للعالم في قوله تعالى: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ عن السماوات والأرض والكواكب هو تغليب ما ذكر معها من العالم كالملائكة على غير العالم، وذلك أسلوب عربي معروف.\nوأما البرهان الثاني: فهو في قوله: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ لأن من خلقهم أولًا من طين، وأصله التراب المبلول بالماء لا يشك عاقل في قدرته على خلقهم مرة أخرى بعد أن صاروا ترابًا؛ لأن الإعادة لا يعقل أن تكون أصعب من البدء. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾.","vol":"6","page":741},{"text":"وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذين البرهانين وغيرهما من براهين البعث في سورة البقرة والنحل والحج وغير ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾ اللازب: هو ما يلزق باليد مثلًا إذا لاقته وعبارات المفسرين فيه تدور حول ما ذكرنا. والعرب تطلق اللازب واللاتب واللازم بمعنى واحد، ومنه في اللازب قول علي ﵁:\nتعلم فإن الله زادك بسطة ... وأخلاق خير كلها لك لازب\nوقول نابغة ذبيان:\nولا يحسبون الخير لا شر بعده ... ولا يحسبون الشر ضربة لازب\nفقوله: ضربة لازب؛ أي: شيئًا ملازمًا لا يفارق، ومنه في اللاتب قوله:\nفإن يك هذا من نبيذ شربته ... فإني من شرب النبيذ لتائب\nصداع وتوصيم العظام وفترة ... وغم مع الإشراق في الجوف لاتب\nوالبرهانان المذكوران على البعث يلقمان الكفار حجرًا في إنكارهم البعث المذكور بعدهما قريبًا منهما في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٥) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1559> قوله تعالى: ﴿بَلْ عَجِبْتَ وَيَسْخَرُونَ (١٢)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة والكسائي: عجبت بالتاء المفتوحة وهي تاء الخطاب المخاطب بها النبي - ﷺ -. وقرأ حمزة والكسائي: بل عجبت بضم التاء وهي تاء المتكلم، وهو الله جلَّ وعلا.","vol":"6","page":742},{"text":"وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن القراءتين المختلفتين يحكم لهما بحكم الآيتين.\nوبذلك تعلم أن هذه الآية الكريمة على قراءة حمزة والكسائي فيها إثبات العجب للَّه تعالى، فهي إذًا من آيات الصفات على هذه القراءة.\nوقد أوضحنا طريق الحق التي هي مذهب السلف في آيات الصفات، وأحاديثها في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1560> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاوَيْلَنَا هَذَا يَوْمُ الدِّينِ (٢٠) هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1561> قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ (٢٣)﴾</span>.\nالمراد بالذين ظلموا الكفار كما يدل عليه قوله بعده: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nوقد قدمنا إطلاق الظلم على الشرك في آيات متعددة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾.","vol":"6","page":743},{"text":"وقد ثبت في صحيح البخاري عن النبي  - ﷺ -  أنه فسر الظلم بالشرك في قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَزْوَاجُهُمْ﴾ جمهور أهل العلم منهم: عمر، وابن عباس على أن المراد به أشباههم ونظراؤهم، فعابد الوثن مع عابد الوثن، والسارق مع السارق، والزاني مع الزاني، واليهودي مع اليهودي، والنصراني مع النصراني، وهكذا. وإطلاق الأزواج على الأصناف مشهور في القرآن، وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nفقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ أي: اجمعوا الظالمين وأشباههم ونظراءهم فاهدوهم إلى النار ليدخلها جميعهم. وبذلك تعلم أن قول من قال: المراد بأزواجهم نساؤهم اللاتي على دينهم خلاف الصواب.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ (٢٢) مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي: احشروا مع الكفار الشركاء التي كانوا يعبدونها من دون الله ليدخل العابدون والمعبودات جميعًا النار، كما أوضح ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨) لَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ آلِهَةً مَا وَرَدُوهَا وَكُلٌّ فِيهَا خَالِدُونَ (٩٩)﴾ وقد بين تعالى أن الذين عبدوا من دون الله من الأنبياء، والملائكة، والصالحين كعيسى وعزير خارجون عن هذا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١)﴾ إلى قوله: ﴿هَذَا","vol":"6","page":744},{"text":"يَوْمُكُمُ الَّذِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (١٠٣)﴾ وأشار إلى ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨) إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاهْدُوهُمْ﴾ من الهدى العام، أي: دلوهم وأرشدوهم إلى صراط الجحيم، أي: طريق النار ليسلكوها إليها. والضمير في قوله تعالى: (فاهدوهم) راجع إلى الثلاثة؛ أعني الذين ظلموا، وأزواجهم، وما كانوا يعبدون من دون الله.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة أن الهدى يستعمل في الإرشاد والدلالة على الشر، ونظير ذلك في القرآن قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾ ولذلك كان للشر أئمة يؤتم بهم فيه كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1562> قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾ وبينا هناك وجه الجمع بين الآيات في نحو قوله تعالى: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ مع قوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا","vol":"6","page":745},{"text":"يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية. وقوله هنا: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1563> قوله تعالى: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ (٢٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له مع التعرض لإزالة إشكالين في بعض الآيات المتعلقة بذلك في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ (١٠١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1564> قوله تعالى: ﴿فَحَقَّ عَلَيْنَا قَوْلُ رَبِّنَا إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١) فَأَغْوَيْنَاكُمْ إِنَّا كُنَّا غَاوِينَ (٣٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات المبينة للمراد بالقول الذي حق عليهم في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية. وما ذكره جلَّ وعلا عنهم من أنهم قالوا: إنه لما حق عليهم القول الذي هو: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾ فكانوا غاوين أغووا أتباعهم؛ لأن متبع الغاوي في غيه لا بد أن يكون غاويًا مثله ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة القصص: ﴿قَالَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ الآية. والإغواء الإضلال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1565> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية أن الضالين والمضلين مشتركون في العذاب يوم القيامة، وبين في سورة الزخرف أن ذلك الاشتراك ليس بنافعهم شيئًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ","vol":"6","page":746},{"text":"أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾ وبين في مواضع أخر أن الأتباع يسألون الله أن يعذب المتبوعين عذابًا مضاعفًا؛ لإضلالهم إياهم، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧) رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا (٦٨)﴾.\nوقد قدمنا الكلام على تخاصم أهل النار. وسيأتي إن شاء الله له زيادة إيضاح في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1566> قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾</span> الآية.\nبيَّن جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: أن ذلك العذاب الذي فعله بهؤلاء المعذبين المذكورين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَذَائِقُونَ (٣١)﴾ أي: (العذاب الأليم) وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾ أنه يفعل مثله من التعذيب والتنكيل بالمجرمين. والمجرمون جمع مجرم، وهو مرتكب الجريمة، وهي الذنب الذي يستحق صاحبه عليه التنكيل الشديد، ثم بين العلة لذلك التعذيب؛ بأنها هي امتناعهم من كلمة التوحيد التي هي لا إله إلَّا الله إذا طلب منهم الأنبياء وأتباعهم أن يقولوا ذلك في دار الدنيا. فلفظة إن في قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ من حروف التعليل، كما تقرر في الأصول في مسلك الإيماء والتنبيه.\nوعليه فالمعنى: كذلك نفعل بالمجرمين؛ لأجل أنهم كانوا في","vol":"6","page":747},{"text":"دار الدنيا إذا قيل لهم: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ أي: يتكبرون عن قبولها، ولا يرضون أن يكونوا أتباعًا للرسل.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون ذلك هو سبب تعذيبهم بالنار دلت عليه آيات، كقوله تعالى مبينًا دخلوهم النار: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾ وقوله تعالى في ذكر صفات الكفار وهم أهل النار: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1567> قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ (٣٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالشُّعَرَاءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ (٢٢٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1568> قوله تعالى: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾</span>.\nقد قدمنا تفسيره مع ذكر الآيات على معناه في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠)﴾ وبينا هنا كلام أهل العلم في نجاسة عين خمر الدنيا دون خمر الآخرة، وأن ذلك يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا (٢١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1569> قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨) كَأَنَّهُنَّ بَيْضٌ مَكْنُونٌ (٤٩)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث صفات من صفات نساء أهل الجنة.","vol":"6","page":748},{"text":"الأولى: أنهن قاصرات الطرف، وهو العين، أي: عيونهن قاصرات على أزواجهن، لا ينظرن إلى غيرهم؛ لشدة اقتناعهن واكتفائهن بهم.\nالثانية: أنهن عِين، والعِين جمع عيناء، وهي واسعة دار العين، وهي النجلاء.\nالثالثة: أن ألوانهن بيض بياضًا مشربًا بصفرة؛ لأن ذلك هو لون بيض النعام الذي شبههن به، ومنه قول امرئ القيس في نحو ذلك:\nكبكر المقانات البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\nلأن معنى قوله: كبكر المقانات البياض بصفرة أن لون المرأة المذكورة كلون البيضة المخالط بياضها بصفرة. وهذه الصفات الثلاث المذكورة هنا جاءت موضحة في غير هذا الموضع مع غيرها من صفاتهن الجميلة، فبين كونهن قاصرات الطرف على أزواجهن بقوله تعالى في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾ وكون المرأة قاصرة الطرف من صفاتها الجميلة، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس:\nمن القاصرات الطرف لو دب محمول ... من الذر فوق الأتب منها لأثرا\nوذكر كونهن عينا في قوله تعالى فيهن: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢)﴾، وذكر صفاء ألوانهن وبياضها في قوله تعالى: ﴿كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾. وقوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ وَالْمَرْجَانُ (٥٨)﴾ وصفاتهن كثيرة معروفة في الآيات القرآنية.\nواعلم أن الله أثنى عليهن بنوعين من أنواع القصر:\nأحدهما: أنهن قاصرات الطرف، والطرف العين، وهو","vol":"6","page":749},{"text":"لا يجمع ولا يثنى؛ لأن أصله مصدر، ولم يأت في القرآن إلَّا مفردًا كقوله تعالى: ﴿لَا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ (٤٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ ومعنى كونهن قاصرات الطرف هو ما قدمنا من أنهن لا ينظرن إلى غير أزواجهن بخلاف نساء الدنيا.\nوالثاني من نوعي القصر: كونهن مقصورات في خيامهن، لا يخرجن منها، كما قال تعالى لأزواج نبيه - ﷺ -: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ وذلك في قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾ وكون المرأة مقصورة في بيتها لا تخرج منه من صفاتها الجميلة، وذلك معروف في كلام العرب، ومنه قوله:\nمن كان حربًا للنسا ... ء فإنني سلم لهنه\nفإذا عثرن دعونني ... وإذا عثرت دعوتهنه\nوإذا برزن لمحفل ... فقصارهن ملاحهنه\nفقوله: قصارهن يعني المقصورات منهن في بيوتهن اللاتي لا يخرجن إلَّا نادرًا، كما أوضح ذلك كثير عزة في قوله:\nوأنت التي حبب كل قصيرة ... إلى وما تدري بذاك القصائر\nعنيت قصيرات الحجال ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر\nوالحجال: جمع حجلة: وهي البيت الذي يزين للعروس. فمعنى قصيرات الحجال: المقصورات في حجالهن. وذكر بعضهم أن رجلًا سمع آخر قال: لقد أجاد الأعشى في قوله:\nغراء فرعاء مصقول عوارضها ... تمشي الهوينا كما يمشي الوجي الوحل\nكأن مشيتها من بيت جارتها ... مر السحابة لا ريث ولا عجل\nليست كمن يكره الجيران طلعتها ... ولا تراها لسر الجار تختتل","vol":"6","page":750},{"text":"فقال له: قاتلك الله، تستحسن غير الحسن، هذه الموصوفة خراجة ولاجة، والخراجة الولاجة لا خير فيها، ولا ملاحة لها، فهلَّا قال كما قال أبو قيس بن الأسلت:\nوتكسل عن جاراتها فيزرنها ... وتعتل من إتيانهن فتعذر\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1570> قوله تعالى: ﴿أَذَلِكَ خَيْرٌ نُزُلًا أَمْ شَجَرَةُ الزَّقُّومِ (٦٢)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالقرآن في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1571> قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهَا فِتْنَةً لِلظَّالِمِينَ (٦٣) إِنَّهَا شَجَرَةٌ تَخْرُجُ فِي أَصْلِ الْجَحِيمِ (٦٤)﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1572> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ لآكِلُونَ مِنْهَا فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٦٦) ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيْهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾</span>.\nما ذكره جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار في النار يأكلون من شجرة الزقوم، فيملئون منها بطونهم، ويجمعون معها شوبًا من حميم، أي: خلطًا من الماء البالغ غاية الحرارة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الواقعة: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ وقوله: شرب الهيم، الهيم: جمع أهيم، وهيماء وهي الناقة مثلًا التي أصابها الهيام، وهو شدة العطش","vol":"6","page":751},{"text":"بحيث لا يرويها كثرة شراب الماء، فهي تشرب كثيرًا من الماء، ولا تزال مع ذلك في شدة العطش، ومنه قول غيلان ذي الرمة:\nفأصبحت كالهيماء لا الماء مبرد ... صداها ولا يقضي عليها هيامها\nوقوله تعالى في الواقعة: ﴿فَشَارِبُونَ عَلَيْهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾ يدل على أن الشوب، أي: الخلط من الحميم المخلوط لهم بشجرة الزقوم المذكور هنا في الصافات أنه شوب كثير من الحميم لا قليل.\nوقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير هذه الآية: ﴿لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾. الشوب: الخلط، والشَوب والشُوب لغتان، كالفَقر والفُقر، والفتح أشهر. قال الفراء: شاب طعامه وشرابه إذا خلطهما بشيء يشوبهما شوبًا وشيابة. انتهى منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1573> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾</span>.\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الكفار الذين أرسل إليهم نبينا - ﷺ - ألفوا آباءهم ضالين، أي: وجدوهم على الكفر، وعبادة الأوثان، فهم على آثارهم يهرعون، أي: يتبعونهم في ذلك الضلال والكفر مسرعين فيه، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى عنهم: ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وقوله عنهم: ﴿قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ وقوله عنهم: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾ وقوله عنهم: ﴿إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا﴾ الآية. ورد الله عليهم في الآيات القرآنية معروف، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا","vol":"6","page":752},{"text":"يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾ وقوله: ﴿أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ﴾ أي: فهم على اتباعهم، والاقتداء بهم في الكفر والضلال، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: يهرعون قد قدمنا في سورة هود أن معنى يهرعون: يسرعون ويهرولون، وأن منه قول مهلهل:\nفجاءوا يهرعون وهم أسارى ... تقودهم على رغم الأنوف\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1574> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الْأَوَّلِينَ (٧١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات التي بمعناه في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾ وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1575> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ (٧٧)﴾</span>.\nتقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، وتفسيره في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1576> قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَاذَا تَعْبُدُونَ (٨٥) أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ (٨٦)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية بكثرة في سورة مريم في","vol":"6","page":753},{"text":"الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١) إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَاأَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1577> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١)﴾</span> إلى قوله تعالى: ﴿وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾.\nاعلم أولًا أن العلماء اختلفوا في هذا الغلام الذي أمر إبراهيم في المنام بذبحه، ومعلوم أن رؤيا الأنبياء وحي، ثم لما باشر عمل ذبحه امتثالًا للأمر فداه الله بذبح عظيم، هل هو إسماعيل أو إسحاق؟ وقد وعدنا في سورة الحجر بأنا نوضح ذلك بالقرآن في سورة الصافات، وهذا وقت إنجار الوعد.\nاعلم وفقني الله وإياك أن القرآن العظيم قد دل في موضعين على أن الذبيح هو إسماعيل، لا إسحاق: أحدهما: في الصافات، والثانى: في هود.\nأما دلالة آيات الصافات على ذلك فهي واضحة جدًّا من سياق الآيات، وإيضاح ذلك أنه تعالى قال عن نبيه إبراهيم: ﴿وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩) رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ (١٠٠) فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ (١٠١) فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَابُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَاأَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧) وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ (١٠٨) سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ (١٠٩) كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١١٠)﴾ قال بعد ذلك عاطفًا على البشارة الأولى: ﴿وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيًّا مِنَ الصَّالِحِينَ (١١٢)﴾، فدل ذلك على أن","vol":"6","page":754},{"text":"البشارة الأولى شيء غير المبشر به في الثانية؛ لأنه لا يجوز حمل كتاب الله على أن معناه: فبشرناه بإسحاق، ثم بعد انتهاء قصة ذبحه يقول أيضًا: وبشرناه بإسحاق، فهو تكرار لا فائدة فيه ينزه عنه كلام الله. وهو واضح في أن الغلام المبشر به أولًا الذي فدي بالذبح العظيم هو إسماعيل، وأن البشارة بإسحق نص الله عليها مستقلة بعد ذلك.\nوقد أوضحنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية. أن المقرر في الأصول أن النص من كتاب الله وسنَّة رسوله  - ﷺ -  إذا احتمل التأسيس والتأكيد معًا وجب حمله على التأسيس، ولا يجوز حمله على التأكيد إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه.\nومعلوم في اللغة العربية أن العطف يقتضي المغايرة، فآية الصافات هذه دليل واضح للمنصف على أن الذبيح إسماعيل لا إسحاق، ويستأنس لهذا بأن المواضع التي ذكر فيها إسحاق يقينًا عبر عنه في كلها بالعلم لا الحلم، وهذا الغلام الذبيح وصفه بالحلم لا العلم.\nوأما الموضع الثاني الدال على ذلك الذي ذكرنا أنه في سورة هود فهو قوله تعالى: ﴿وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ (٧١)﴾؛ لأن رسل الله من الملائكة بشرتها بإسحاق، وأن إسحاق يلد يعقوب، فكيف يعقل أن يؤمر إبراهيم بذبحه، وهو صغير، وهو عنده علم يقين بأنه يعيش حتى يلد يعقوب.\nفهذه الآية أيضًا دليل واضح على ما ذكرنا، فلا ينبغي للمنصف","vol":"6","page":755},{"text":"الخلاف في ذلك بعد دلالة هذه الأدلة القرآنية على ذلك. والعلم عند الله تعالى.\nتنبيه\nاعلم أن قصة الذبيح هذه تؤيد أحد القولين المشهورين عند أهل الأصول في حكمة التكليف، هل هي للامتثال فقط، أو هي مترددة بين الامتثال والابتلاء؛ لأنه بين في هذه الآية الكريمة أن حكمة تكليفه لإبراهيم بذبحه ولده ليست هي امتثاله ذلك بالفعل؛ لأنه لم يرد ذبحه كونًا وقدرًا، وإنما حكمة تكليفه بذلك مجرد الابتلاء والاختبار، هل يصمم على امتثال ذلك أو لا؟ كما صرح بذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾ فتبين بهذا أن التحقيق أن حكمة التكليف مترددة بين الامتثال، والابتلاء. وإلى الخلاف المذكور أشار في مراقي السعود بقوله:\nللامتثال كلف الرقيب ... فموجب تمكنا مصيب\nأو بينه والابتلا ترددا ... شرط تمكن عليه انفقدا\nوقد أشار بقوله: فموجب تمكنًا مصيب. وقوله: شرط تمكن عليه انفقدا. إلى أن شرط التمكن من الفعل في التكليف مبني على الخلاف المذكور، فمن قال: إن الحكمة في التكليف هي الامتثال فقط اشترط في التكليف التمكن من الفعل؛ لأنه لا امتثال إلَّا مع التمكن من الفعل، ومن قال: إن الحكمة مترددة بين الامتثال والابتلاء لم يشترط التمكن من الفعل؛ لأن حكمة الابتلاء تتحقق مع عدم التمكن من الفعل كما لا يخفى.\nومن الفروع المبنية على هذا الخلاف أن تعلم المرأة بالعادة المطردة أنها تحيض بعد الظهر غدًا من نهار رمضان، ثم حصل لها","vol":"6","page":756},{"text":"الحيض بالفعل، فتصبح مفطرة قبل إتيان الحيض، فعلى أن حكمة التكليف الامتثال فقط، فلا كفارة عليها، ولها أن تفطر؛ لأنها عالمة بأنها لا تتمكن من الامتثال، وعلى أن الحكمة تارة تكون الامتثال، وتارة تكون الابتلاء، فإنها يجب عليها تبييت الصوم، ولا يجوز لها الإفطار إلَّا بعد مجيء الحيض بالفعل، وإن أفطرت قبله كفَّرت. وكذلك من أفطر لحمى تصيبه غدًا، وقد علم ذلك بالعادة، فهو أيضًا ينبني على الخلاف المذكور.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1578> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1579> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ (١١٤)﴾</span>.\nذكر جلَّ وعلا منته عليهما في غير هذا الموضع، كقوله في طه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَامُوسَى (٣٦) وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَى (٣٧)﴾ لأن من سؤله الذي أوتيه إجابة دعوته في رسالة أخيه هارون معه، ومعلوم أن الرسالة من أعظم المنن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1580> قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَاهُمَا وَقَوْمَهُمَا مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (١١٥)﴾</span>.\nقوله: (وقومهما) يعني بني إسرائيل.\nوالمعنى: أنه نجى موسى وهارون وقومهما من الكرب","vol":"6","page":757},{"text":"العظيم، وهو ما كان يسومهم فرعون وقومه من العذاب، كذبح الذكور من أبنائهم، وإهانة الإناث، وكيفية إنجائه لهم مبينة في انفلاق البحر لهم حتى خاضوه سالمين، وإغراق فرعون وقومه وهم ينظرون.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾ وقدمنا تفسير الكرب العظيم في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى في قصة نوح: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1581> قوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُمْ فَكَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ (١١٦)﴾</span>.\nبيَّن جلَّ وعلا أنه نصر موسى وهارون وقومهما على فرعون، وجنوده، فكانوا هم الغالبين، أي: وفرعون وجنوده هم المغلوبون، وذلك بأن الله أهلكهم جميعًا بالغرق، وأنجى موسى وهارون وقومهما من ذلك الهلاك، وفي ذلك نصر عظيم لهم عليهم. وقد بين جلَّ وعلا ذلك في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قَالَ سَنَشُدُّ عَضُدَكَ بِأَخِيكَ وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانًا فَلَا يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا أَنْتُمَا وَمَنِ اتَّبَعَكُمَا الْغَالِبُونَ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1582> قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ (١١٧)﴾</span>.\nالكتاب هو التوراة كما ذكره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ لَعَلَّهُمْ","vol":"6","page":758},{"text":"يَهْتَدُونَ (٤٩)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ (٤٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا بعض الكلام على ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1583> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾ وفي سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ وغير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1584> قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤)﴾</span>.\nتسبيح يونس هذا، عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام المذكور في الصافات جاء موضحًا في الأنبياء في قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.\nوقد قدمنا تفسير هذه الآية وإيضاحها في سورة الأنبياء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1585> قوله تعالى: ﴿فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾</span>.\nما ذكره في هذه الآية الكريمة من إيمان قوم يونس، وأن الله","vol":"6","page":759},{"text":"متعهم إلى حين ذكره أيضًا في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1586> قوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩)﴾</span> إلى قوله: ﴿مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٥٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1587> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانُوا لَيَقُولُونَ (١٦٧) لَوْ أَنَّ عِنْدَنَا ذِكْرًا مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٦٨) لَكُنَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ (١٦٩) فَكَفَرُوا بِهِ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (١٧٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على ما في معناه من الآيات في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1588> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن الرسل صلوات الله وسلامه عليهم وأتباعهم منصورون دائمًا على الأعداء بالحجة والبيان، ومن أمر منهم بالجهاد منصور أيضًا بالسيف والسنان. والآيات الدالة على هذا كثيرة كقوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾ وقوله تعالى:","vol":"6","page":760},{"text":"﴿فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ (١٣) وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ﴾.\nوقد قدمنا إيضاح هذا بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية. وسيأتي إن شاء الله زيادة إيضاح في آخر سورة المجادلة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1589> قوله تعالى: ﴿أَفَبِعَذَابِنَا يَسْتَعْجِلُونَ (١٧٦) فَإِذَا نَزَلَ بِسَاحَتِهِمْ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ (١٧٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾ وذكرنا بعض الكلام على ذلك في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1590> قوله تعالى: ﴿وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (١٨١) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾</span>.\nختم هذه السورة الكريمة بالسلام على عباده المرسلين، ولا شك أنهم من عباده الذين اصطفى، مع ثنائه على نفسه بقوله تعالى: ﴿وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٨٢)﴾ معلمًا خلقه أن يثنوا عليه بذلك، وما ذكره هنا من حمده هذا الحمد العظيم، والسلام على رسله الكرام ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة النمل: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ الآية. ويشبه ذلك قوله تعالى: ﴿دَعْوَاهُمْ فِيهَا سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ وَتَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٠)﴾.\n\n* * *","vol":"6","page":761},{"text":"انتهى الجزء السادس من هذا الكتاب المبارك ويليه إن شاء الله تعالى الجزء السابع، وأوله سورة ص وصلَّى الله على سيِّدنا محمد وآله وصحبه وسلَّم","vol":"6","page":762},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1591>سورة ص</span>","vol":"7","page":4},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1592> قوله تعالى: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾</span>.\nقرأه الجمهور: (ص) بالسكون، منهم القراء السبعة، والتحقيق أن ص من الحروف المقطعة في أوائل السور كص في قوله تعالى ﴿المص (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿كهيعص (١)﴾.\nوقد قدمنا الكلام مستوفًى على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوبذلك التحقيق المذكور، تعلم أن قراءة من قرأ (ص) بكسر الدال غير منونة، ومن قرأها بكسر الدال منونة، ومن قرأها بفتح الدال، ومن قرأها بضمها غير منونة، كلها قراءات شاذة لا يعول عليها.\nوكذلك تفاسير بعض العلماء المبنية على تلك القراءات، فإنها لا يعوّل عليها أيضًا.\nكما روي عن الحسن البصري ﵀ أنه قال: إن (ص) بكسر الدال فعل أمر من صادى يصادي مصاداة إذا عارض، ومنه الصدى، وهو ما يعارض الصوت في الأماكن الصلبة الخالية من الأجسام، أي عارض بعملك القرآن وقابله به، يعني امتثل أوامره واخنب نواهيه واعتقد عقائده واعتبر بأمثاله واتعظ بمواعظه.","vol":"7","page":5},{"text":"وعن الحسن أيضًا: أن ص بمعنى حادث، وهو قريب من الأول.\nوقراءة ص بكسر الدال غير منونة: مروية عن أبي بن كعب، والحسن وابن أبي إسحاق وأبي السمال وابن أبي عبلة ونصر بن عاصم.\nوالأظهر في هذه القراءة الشاذة، أن كسر الدال سببه التخفيف؛ لالتقاء الساكنين، وهو حرف هجاء لا فعل أمر من صادى.\nوفي رواية عن ابن أبي إسحاق، أنه قرأ ﴿ص﴾ بكسر الدال مع التنوين على أنه مجرور بحرف قسم محذوف، وهو كما ترى، فسقوطه ظاهر.\nوكذلك قراءة من قرأ ﴿ص﴾ بفتح القال من غير تنوين، فهي قراءة شاذة والتفاسير المبنية عليها ساقطة.\nكقول من قال: صاد محمد قلوب الناس واستمالهم حتى آمنوا به، وقول من قال: هو منصوب على الإغراء. أي الزموا صاد، أي هذه السورة، وقول من قال: معناه اتل، وقول من قال: إنه منصوب بنزع الخافض، الذي هو حرف القسم المحذوف.\nوأقرب الأقوال - على هذه القراءة الشاذة -: أن الدال فتحت تخفيفًا لالتقاء الساكنين، واختير فيها الفتح إتْباعًا للصاد، ولأن الفتح أخف الحركات، وهذه القراءة المذكورة قراءة عيسى بن عمر، وتروى عن محبوب عن أبي عمر.\nوكذلك قراءة من قرأ صاد بضم الدال من غير تنوين، على أنه","vol":"7","page":6},{"text":"علم للسورة، وأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هذه صاد، وأنه منع من الصرف للعلمية والتأنيث؛ لأن السورة مؤنثة لفظًا.\nوهذه القراءة مروية عن الحسن البصري، وابن السميقع، وهارون الأعور.\nومن قرأ صاد بفتح الدال قرأ: (ق)، و(ن)، كذلك، وكذلك من قرأها ﴿ص﴾ بضم الدال فإنه قرأ ﴿ق﴾ و﴿ن﴾ بضم الفاء والنون.\nوالحاصل أن جميع هذه القراءات، وجميع هذه التفاسير المبنية عليها، كلها ساقطة، لا معوَّل عليها.\nوإنما ذكرناها لأجل التنبيه على ذلك.\nولا شك أن التحقيق هو ما قدمنا من أن ﴿ص﴾ من الحروف المقطعة في أوائل السور، وأن القراءة التي لا يجوز العدول عنها هي قراءة الجمهور التي ذكرناها.\nوقد قال بعض العلماء: إن (ص) مفتاح بعض أسماء الله تعالى كالصبور والصمد.\nوقال بعضهم: معناه صدق رسول الله  - ﷺ -  فيما يبلغ عن الله.\nإلى غير ذلك من الأقوال.\nوقد ذكرنا أنا قدمنا الكلام على ذلك مستوفًى في أول سورة هود.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، قد قدمنا أن أصل القرآن مصدر، زيد فيه الألف والنون، كما زيدتا","vol":"7","page":7},{"text":"في الطغيان، والرجحان، والكفران، والخسران، وأن هذا المصدر أريد به الوصف.\nوأكثر أهل العلم يقولون: إن هذا الوصف المعبر عنه بالمصدر هو اسم المفعول.\nوعليه، فالقرآن بمعنى المقروء، من قول العرب: قرأت الشيء إذا أظهرته وأبرزته، ومنه قرأت الناقة السلا والجنين إذا أظهرته وأبرزته من بطنها، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته:\nتريك إذا دخلت على خلاء ... وقد أمنت عيون الكاشحينا\nذراعي عيطل أدماء بكر ... هجان اللون لم تقرأ جنينا\nعلى إحدى الروايتين في البيت.\nومعنى القرآن على هذا: المقروء الذي يظهره القارئ، ويبرزه من فِيه، بعباراته الواضحة.\nوقال بعض أهل العلم: إن الوصف المعبر عنه بالمصدر، هو اسم الفاعل.\nوعليه، فالقرآن بمعنى القارئ، وهو اسم فاعل قرأت، بمعنى جمعت.\nومنه قول العرب: قرأت الماء في الحوض أي جمعته فيه.\nوعلى هذا، فالقرآن بمعنى القارئ أي الجامع، لأن الله جمع فيه جميع ما في الكتب المنزلة.\nوقوله تعالى في هذه الكريمة: ﴿ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء:","vol":"7","page":8},{"text":"أحدهما: أن الذكر بمعنى الشرف، والعرب تقول: فلان مذكور، يعنون له ذِكْر، أي شرف.\nومنه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ﴾ أي شرف لكم، على أحد القولين.\nالوجه الثاني: أن الذكر اسم مصدر بمعنى التذكير؛ لأن القرآن العظيم فيه التذكير والمواعظ، وهذا قول الجمهور واختاره ابن جرير.\nتنبيه\nاعلم أن العلماء اختلفوا في تعيين الشيء الذي أقسم الله عليه في قوله تعالى: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، فقال بعضهم: إن المقسم عليه مذكور، والذين قالوا إنه مذكور، اختلفوا في تعيينه، وأقوالهم في ذلك كلها ظاهرة السقوط.\nفمنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله تعالى ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾.\nومنهم من قال: هو قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾.\nومنهم من قال: هو قوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، كقوله: ﴿تَاللَّهِ إِنْ كُنَّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٩٧)﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ (١) وَمَا أَدْرَاكَ مَا الطَّارِقُ (٢) النَّجْمُ الثَّاقِبُ (٣) إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْهَا حَافِظٌ (٤)﴾.\nومنهم من قال: هو قوله: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، ومن قال هذا قال: إن الأصل: لكم أهلكنا. ولما طال الكلام، حذفت لام القسم، فقال: كم أهلكنا، بدون لام.\nقالوا: ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا (١)﴾، لما طال","vol":"7","page":9},{"text":"الكلام بين القسم والمقسم عليه، الذي هو ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (٩)﴾، حذفت منه لام القسم.\nومنهم من قال: إن المقسم عليه هو قوله: (ص)، قالوا: معنى (ص) صدق رسول الله والقرآن ذي الذكر. وعلى هذا فالمقسم عليه هو صدقه  - ﷺ - .\nومنهم من قال: المعنى: هذه ص أي السورة التي أعجزت العرب، ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾.\nإلى غير ذلك من الأقوال التي لا يخفى سقوطها.\nوقال بعض العلماء: إن المقسم عليه محذوف. واختلفوا في تقديره، فقال الزمخشري في الكشاف: التقدير ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾. إنه لمعجز. وقدره ابن عطية وغيره فقال: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ ما الأمر كما يقوله الكفار.\nإلى غير ذلك من الأقوال.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر صوابه بدليل استقراء القرآن: أن جواب القسم محذوف وأن تقديره: ﴿وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، ما الأمر كما يقوله الكفار، وأن قولهم المقسم على نفيه شامل لثلاثة أشياء متلازمة:\nالأول منها: أن النبي  - ﷺ -  مرسل من الله حقًا، وأن الأمر ليس كما يقول الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا﴾.\nوالثاني: أن الإله المعبود جل وعلا واحد، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾.","vol":"7","page":10},{"text":"والثالث: أن الله جل وعلا يبعث من يموت، وأن الأمر ليس كما يقوله الكفار في قوله تعالى عنهم: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾، وقوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾.\nأما الدليل من القرآن على أن المقسم عليه محذوف فهو قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾؛ لأن الإضراب بقوله (بل) دليل واضح على المقسم عليه المحذوف. أي ما الأمر كما يقوله الذين كفروا، بل الذين كفروا في عزة، أي في حمية وأنفة واستكبار عن الحق، وشقاق، أي مخالفة ومعاندة.\nوأما دلالة استقراء القرآن على أن المنفي المحذوف شامل للأمور الثلاثة المذكورة، فلدلالة آيات كثيرة: أما صحة رسالة الرسول الله  - ﷺ -، وكون الإله المعبود واحدًا لا شريك له، فقد أشار لهما هنا.\nأما كون الرسول مرسلًا حقًا ففي قوله تعالى هنا: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ يعني: أي لا وجه للعجب المذكور، لأن يجيء المنذر الكائن منهم، ولا شك في أنه بإرسال من الله حقًا.\nوقولهم: ﴿هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٤)﴾ إنما ذكره تعالى إنكارًا عليهم وتكذيبًا لهم، فعرف بذلك أن في ضمن المعنى: والقرآن ذي الذكر إنك مرسل حقًا، ولو عجبوا من مجيئك منذرًا، وزعموا أنك ساحر كذاب، أي فهم الذين عجبوا من الحق الذي لا شك فيه، وزعموا أن خاتم الرسل، وأكرمهم على الله، ساحر كذاب.","vol":"7","page":11},{"text":"وأما كون الإله المعبود واحدًا لا شريك له، ففي قوله هنا: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ (٥)﴾؛ لأن الهمزة في قوله: (أجعل) للإنكار المشتمل على معنى النفي، فهي تدل على نفي سبب تعجبهم من قوله  - ﷺ -: إن الإله المعبود واحد.\nوهذان الأمران قد دلت آيات أخر من القرآن العظيم على أن الله أقسم على تكذيبهم فيهما وإثباتهما بالقسم صريحًا، كقوله تعالى مقسمًا على أن الرسول مرسل حقًا: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣)﴾ فهي توضح معنى ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾ إنك لمن المرسلين.\nوقد جاء تأكيد صحة تلك الرسالة في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾. وأما كونه تعالى هو المعبود الحق لا شريك له، فقد أقسم تعالى عليه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى ﴿وَالصَّافَّاتِ صَفًّا (١) فَالزَّاجِرَاتِ زَجْرًا (٢) فَالتَّالِيَاتِ ذِكْرًا (٣) إِنَّ إِلَهَكُمْ لَوَاحِدٌ (٤)﴾ ونحو ذلك من الآيات. فدل ذلك على أن المعنى تضمن ما ذُكِر، أي: والقرآن ذي الذكر، إن إلهكم لواحد، كما أشار إليه بقوله: ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ﴾ الآية.\nوأما كون البعث حقًا، فقد أقسم عليه إقسامًا صحيحًا صريحًا، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ أي الساعة، وقوله: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾.\nوأقسم على اثنين من الثلاثة المذكورة وحذف المقسم عليه الذي هو الاثنان المذكوران، وهي كون الرسول مرسلًا، والبعث حقًا، وأشار إلى ذلك إشارة واضحة، وذلك في قوله تعالى: ﴿ق","vol":"7","page":12},{"text":"وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾. فاتضح بذلك أن المعنى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ إن المنذر الكائن منكم الذي عجبتم من مجيئه لكم منذرًا رسولٌ منذر لكم من الله حقًا، وإن البعث الذي أنكرتموه واستبعدتموه غاية الإِنكار والاستبعاد في قوله تعالى عنكم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ أي ذلك الرجع الذي هو البعث، رجع بعيد في زعمكم، واقع لا محالة، وإنه حق لا شك فيه، كما أشار له في قوله تعالى: ﴿قَدْ عَلِمْنَا مَا تَنْقُصُ الْأَرْضُ مِنْهُمْ وَعِنْدَنَا كِتَابٌ حَفِيظٌ (٤)﴾ إذ المعنى أن ما أكلته الأرض من لحومهم، ومزقته من أجسامهم وعظامهم، يعلمه جل وعلا، لا يخفى عليه منه شيء، فهو قادر على رده كما كان.\nوإحياء تلك الأجساد البالية، والشعور المتمزقة، والعظام النخرة كما قدمنا موضحًا بالآيات القرآنية، في سورة يس في الكلام على قوله تعالى ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.\nوكونه  - ﷺ -  مرسل من الله حقًا، يستلزم استلزامًا لا شك فيه، أن القرآن العظيم منزل من الله حقًا وأنه ليس بسحر ولا شعر ولا كهانة ولا أساطير الأولين.\nولذلك أقسم تعالى في مواضع كثيرة، على أن القرآن أيضًا منزل من الله، كقوله تعالى في أول سورة الدخان: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى في أول سورة الزخرف ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾.","vol":"7","page":13},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1593> قوله تعالى: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ (٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام قريبًا على الإضراب بِـ (بل) في هذه الآية.\nوقوله تعالى هنا: ﴿فِي عِزَّةٍ﴾ أي في حمية واستكبار عن قبول الحق، وقد بين جل وعلا في سورة البقرة أن من أسباب أخذ العزة المذكورة بالإثم للكفار أمرُهم بتقوى الله، وبين أن تلك العزة التي هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق من أسباب دخولهم جهنم، وذلك في قوله عن بعض الكفار الذين يظهرون غير ما يبطنون: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)﴾.\nوالظاهر أن وجه إطلاق العزة على الحمية والاستكبار: أن من اتصف بذلك كأنه ينزل نفسه منزلة الغالب القاهر، وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن أصل العزة في لغة العرب الغلبة والقهر، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، والعرب يقولون: من عَزَّ بَزَّ، يعنون من غلب استلب، ومنه قول الخنساء:\nكأن لم يكونوا حمى يختشى ... إذا الناس إذ ذاك من عَزَّ بَزَّا\nوقوله تعالى عن الخصم الذين تسوروا على داود: ﴿وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ (٢٣)﴾ أي غلبني وقهرني في الخصومة.\nوالدليل من القرآن على أن العزة التي أثبتها الله للكفار في قوله: ﴿بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ﴾ الآية، ليست هي العزة التي يراد بها القهر والغلبة بالفعل، أن الله خص بهذه العزة المؤمنين دون الكافرين والمنافقين، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ لْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ﴾.","vol":"7","page":14},{"text":"ولذلك فسرها علماء التفسير، بأنها هي الحمية والاستكبار عن قبول الحق.\nوالشقاق: هي المخالفة والمعاندة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ﴾ الآية. قال بعض العلماء: وأصله من الشق الذي هو الجانب؛ لأن المخالف المعاند، يكون في الشق، أي في الجانب الذي ليس فيه من هو مخالف له ومعاند.\nوقال بعض أهل العلم: أصل الشقاق من المشقة، لأن المخالف المعاند يجتهد في إيصال المشقة إلى من هو مخالف [له] معاند.\nوقال بعضهم: أصل الشقاق من شق العصا، وهو الخلاف والتفرق.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1594> قوله تعالى: ﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾</span>.\n(كم) هنا هي الخبرية، ومعناها الإخبار عن عدد كثير، وهي في محل نصب، على أنها مفعول به لأهلكنا، وصيغة الجمع في أهلكنا للتعظيم، ومن في قوله: (من قرن)، مميزة لِـ (كم)، والقرن يطلق على الأمة وعلى بعض من الزمن، وأشهر الأقوال فيه أنه مائة سنة، والمعنى: أهلكنا كثيرًا من الأمم السالفة من أجل الكفر وتكذيب الرسل، فعليكم أن تحذروا يا كفار مكة من تكذيب نبينا محمد - ﷺ - والكفر بما جاء به، لئلا نهلككم بسبب ذلك، كما أهلكنا به القرون الكثيرة الماضية.","vol":"7","page":15},{"text":"وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:\nالأولى: أنه أهلك كثيرًا من القرون الماضية، يهدد كفار مكة بذلك.\nالثانية: أنهم نادوا، أي عند معاينة أوائل الهلاك.\nالثالثة: أن ذلك الوقت الذي هو وقت معاينة العذاب ليس وقت نداء، أي فهو وقت لا ملجأ فيه ولا مفر من الهلاك بعد معاينته.\nوقد ذكر جل وعلا هذه المسائل الثلاث المذكورة هنا موضحة في آيات كثيرة من كتابه.\nأما المسألة الأولى، وهي كونه أهلك كثيرًا من الأمم، فقد ذكرها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية، وقوله تعالى ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد ذكر جل وعلا في آيات كثيرة أن سبب إهلاك تلك الأمم الكفر باللَّه وتكذيب رسله، كقوله في هذه الآية الأخيرة مبينًا سبب إهلاك تلك الأمم التي صرح بأنها ﴿لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ﴾: ﴿جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ (٩)﴾، وقد قدمنا في الكلام على هذه الآية من سورة إبراهيم، أقوال أهل العلم في قوله تعالى: ﴿فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ﴾، وبينا دلالة القرآن على بعضها، وكقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا (٨)","vol":"7","page":16},{"text":"فَذَاقَتْ وَبَالَ أَمْرِهَا وَكَانَ عَاقِبَةُ أَمْرِهَا خُسْرًا (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾ إلى قوله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨) وَكُلًّا ضَرَبْنَا لَهُ الْأَمْثَالَ وَكُلًّا تَبَّرْنَا تَتْبِيرًا (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد بين تعالى أن المراد بذكر إهلاك الأمم الماضية بسبب الكفر وتكذيب الرسل تهديد كفار مكة، وتخويفهم من أن ينزل بهم مثل ما أنزل بأولئك إن تمادوا على الكفر وتكذيبه  - ﷺ - .\nذكر تعالى ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾، لأن قوله تعالى: ﴿وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾ تهديد عظيم بذلك.\nوقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ مَنْضُودٍ (٨٢) مُسَوَّمَةً عِنْدَ رَبِّكَ وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، فقوله: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾ فيه تهديد عظيم لمن يعمل عمل قوم لوط من الكفر وتكذيب نبيهم، وفواحشهم المعروفة، وقد وبخ تعالى من لم يعتبر بهم، ولم يَحْذَرْ أن ينزل به مثل ما نزل بهم، كقوله في قوم لوط: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ (١٣٧) وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (٤٠)﴾، وقوله فيهم: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾، وقوله فيهم: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾، وقوله فيهم وفي قوم شعيب: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ (٧٩)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة.","vol":"7","page":17},{"text":"وأما المسألة الثانية: وهي نداؤهم إذا أحسوا بأوائل العذاب، فقد ذكر تعالى في آيات من كتابه نوعين من أنواع ذلك النداء:\nأحدهما: نداؤهم باعترافهم أنهم كانوا ظالمين، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَمْ قَصَمْنَا مِنْ قَرْيَةٍ كَانَتْ ظَالِمَةً وَأَنْشَأْنَا بَعْدَهَا قَوْمًا آخَرِينَ (١١) فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢)﴾ إلى قوله: ﴿قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (٤) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (٥)﴾.\nالثاني من نوعي النداء المذكور: نداؤهم بالإيمان باللَّه، مستغيثين من ذلك العذاب الذي أحسوا أوائله، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾.\nوهذا النوع الأخير هو الأنسب والأليق بالمقام، لدلالة قوله: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ عليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾ الذي هو المسألة الثالثة، معناه: ليس الحين الذي نادوا فيه، وهو وقت معاينة العذاب، ﴿حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾، أي ليس حين فرار ولا ملجأ من ذلك العذاب الذي عاينوه.\nفقوله: ﴿وَلَاتَ﴾ هي لا النافية زيدت بعدها تاء التأنيث اللفظية، كما زيدت في ثم، فقيل فيها ثمت، وفي رُبَّ، فقيل فيها ربت.\nوأشهر أقوال النحويين فيها، أنها تعمل عمل ليس، وأنها لا تعمل إلا في الحين خاصة، أو في لفظ الحين ونحوه من الأزمنة،","vol":"7","page":18},{"text":"كالساعة والأوان، وأنها لا بد أن يحذف اسمها أو خبرها، والأكثر حذف المرفوع منهما وإثبات المنصوب، وربما عكس، وهذا قول سيبويه، وأشار إليه ابن مالك في الخلاصة بقوله:\nفي النكرات أعملت كليس \"لا\" ... وقد تلي \"لات\" و\"إن\" ذا العملا\nوما للات في سوى حين عمل ... وحذف ذي الرفع فشا والعكس قل\nوالمناص مفعل من النوص، والعرب تقول: ناصه ينوصه إذا فاته وعجز عن إدراكه، ويطلق المناص على التأخر؛ لأن من تأخر ومال إلى ملجإ ينقذه مما كان يخافه فقد وجد المناص.\nوالمناص والملجأ والمفر والموئل معناها واحد، والعرب تقول: استناص إذا طلب المناص، أي السلامة والمفر مما يخافه، ومنه قول حارثة بن بدر:\nغمر الجراء إذا قصرت عنانه ... بيدي استناص ورام جري المسحل\nوالأظهر أن إطلاق النوص على الفوت والتقدم، وإطلاقه على التأخر والروغان كلاهما راجع إلى شيء واحد؛ لأن المناص مصدر ميمي معناه المنطبق على جزئياته: أن يكون صاحبه في كرب وضيق، فيعمل عملًا يكون به خلاصه ونجاته من ذلك.\nفتارة يكون ذلك العمل بالجري والإِسراع أمام من يريده بالسوء، وتارة يكون بالتأخر والروغان حتى ينجو من ذلك.\nوالعرب تطلق النوص على التأخر، والبوص  - بالباء الموحدة التحتية -  على التقدم، ومنه قول امرئ القيس:\nأمن ذكر سلمى إذ نأتك تنوص ... فتقصر عنها خطوة وتبوص\nوأصوب الأقوال في لات أن التاء منفصلة عن حين، وأنها","vol":"7","page":19},{"text":"تعمل عمل ليس، خلافًا لمن قال: إنها تعمل عمل إن، ولمن قال: إن التاء متصلة بحين، وأنه رآها في الإمام وهو مصحف أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁ متصلة بها.\nوعلى قول الجمهور، منهم القراء السبعة: أن التاء ليست موصولة بحين؛ فالوقف على لات بالتاء عند جميعهم، إلا الكسائي فإنه يقف عليها بالهاء.\nأما قراءة كسر التاء وضمها فكلتاهما شاذة لا تجوز القراءة بها، وكذلك قراءة كسر النون من حين، فهي شاذة لا تجوز، مع أن تخريج المعنى عليها مشكل.\nوتعسف له الزمخشري وجهًا لا يخفى سقوطه، ورده عليه أبو حيان في البحر المحيط، واختار أبو حيان أن تخريج قراءة الكسر أن حين مجرورة بمن محذوفة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَنَادَوْا﴾، أصل النداء: رفع الصوت، والعرب تقول: فلان أندى صوتًا من فلان، أي أرفع، ومنه قوله:\nفقلت ادعي وأدعو إن أندى ... لصوت أن ينادي داعيان\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الأمم الماضية المهلكة ينادون عند معاينة العذاب، وأن ذلك الوقت ليس وقت نداء إذ لا ملجأ فيه ولا مفر ولا مناص، ذكره في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَحَسُّوا بَأْسَنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَرْكُضُونَ (١٢) لَا تَرْكُضُوا وَارْجِعُوا إِلَى مَا أُتْرِفْتُمْ فِيهِ","vol":"7","page":20},{"text":"وَمَسَاكِنِكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْأَلُونَ (١٣) قَالُوا يَاوَيْلَنَا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (١٤) فَمَا زَالَتْ تِلْكَ دَعْوَاهُمْ حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد بين تعالى وقوع مثل ذلك في يوم القيامة في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿اسْتَجِيبُوا لِرَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا مَرَدَّ لَهُ مِنَ اللَّهِ مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ (٧) وَخَسَفَ الْقَمَرُ (٨) وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩) يَقُولُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ (١٠) كَلَّا لَا وَزَرَ (١١)﴾ والوزر: الملجأ، ومنه قوله حسان بن ثابت ﵁:\nوالناس إلب علينا فيك ليس لنا ... إلا الرماح وأطراف القنا وزر\nوكقوله تعالى: ﴿بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلًا (٥٨)﴾، والموئل اسم مكان من وأل يئل، إذا وجد ملجأ يعتصم به، ومنه قوله الأعشى ميمون بن قيس:\nوقد أخالس رب البيت غفلته ... وقد يحاذر مني ثم ما يئل\nأي ثم ما ينجو.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1595> قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار قريش عجبوا من أجل أن جاءهم رسول منذر منهم، وما ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من عجبهم المذكور، ذكره في غير هذا الموضع، وأنكره عليهم وأوضح تعالى سببه ورده عليهم في آيات أخر، فقال في عجبهم المذكور: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١) بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.\nوقال تعالى في إنكاره عليهم في أول سورة يونس: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ (١) أَكَانَ لِلنَّاسِ عَجَبًا أَنْ أَوْحَيْنَا إِلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ أَنْ أَنْذِرِ","vol":"7","page":21},{"text":"النَّاسَ﴾، وذكر مثل عجبهم المذكور في سورة الأعراف عن قوم نوح وقوم هود، فقال عن نوح مخاطبًا لقومه: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٦٣)﴾، وقال عن هود مخاطبًا لعاد: ﴿أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ الآية.\nوبين أن سبب عجبهم من كون المنذر منهم أنه بشر مثلهم، زاعمين أن الله لا يرسل إليهم أحدًا من جنسهم، وأنه لو أراد أن يرسل إليهم أحدًا لأرسل إليهم ملكًا، لأنه ليس بشرًا مثلهم وأنه لا يأكل ولا يشرب ولا يمشي في الأسواق.\nوالآيات في ذلك كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى إِلَّا أَنْ قَالُوا أَبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولًا (٩٤) قُلْ لَوْ كَانَ فِي الْأَرْضِ مَلَائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِنْ قَوْمِهِ الَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِلِقَاءِ الْآخِرَةِ وَأَتْرَفْنَاهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ (٣٣) وَلَئِنْ أَطَعْتُمْ بَشَرًا مِثْلَكُمْ إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالُوا أَبَشَرٌ يَهْدُونَنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِالنُّذُرِ (٢٣) فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ إِنَّا إِذًا لَفِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (٨) وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا وَلَلَبَسْنَا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ","vol":"7","page":22},{"text":"أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللَّهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقَالَ الْمَلأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا هَذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الْأَوَّلِينَ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ (٦) لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧) مَا نُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَا كَانُوا إِذًا مُنْظَرِينَ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَالِ هَذَا الرَّسُولِ يَأْكُلُ الطَّعَامَ وَيَمْشِي فِي الْأَسْوَاقِ لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (٢١) يَوْمَ يَرَوْنَ الْمَلَائِكَةَ لَا بُشْرَى يَوْمَئِذٍ لِلْمُجْرِمِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى عن فرعون مع موسى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾.\nوقد رد الله تعالى على الكفار عجبهم من إرسال الرسل من البشر، في آيات من كتابه.\nكقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْوَاقِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلَّا رِجَالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧) وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي بالرسالة والوحي، ولو كان بشرًا مثلكم.\nإلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":23},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1596> قوله تعالى: ﴿وَانْطَلَقَ الْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ كَادَ لَيُضِلُّنَا عَنْ آلِهَتِنَا لَوْلَا أَنْ صَبَرْنَا عَلَيْهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1597> قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾</span> الآية.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن كفار مكة أنكروا أن الله خص نبيه محمدًا - ﷺ - بإنزال القرآن عليه وحده، ولم ينزله على أحد آخر منهم، وما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء في آيات أخر، مع الرد على الكفار في إنكارهم خصوصه - ﷺ - بالوحي، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ (٣١)﴾ يعنون بالقريتين مكة والطائف، وبالرجلين من القريتين الوليد بن المغيرة في مكة، وعروة بن مسعود في الطائف، زاعمين أنهما أحق بالنبوة منه.\nوقد رد جل وعلا ذلك عليهم في قوله تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾؛ لأن الهمزة في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ﴾ للإنكار المشتمل على معنى النفي، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾.\nوقد رد الله تعالى ذلك عليهم في قوله: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾، وأشار إلى رد ذلك عليهم في آية ص هذه في قوله: ﴿بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي بَلْ لَمَّا يَذُوقُوا عَذَابِ (٨) أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩) أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ الآية؛ لأنه لا يجعل","vol":"7","page":24},{"text":"الرسالة حيث يشاء، ويخص بها من يشاء، إلَّا من عنده خزائن الرحمة، وله ملك السموات والأرض.\nوقوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنَا﴾ قد بين في موضع آخر أن ثمود قالوا مثله لنبي الله صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله تعالى عنهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيْهِ مِنْ بَيْنِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾، وقد ورد الله تعالى عليهم ذلك في قوله: ﴿سَيَعْلَمُونَ غَدًا مَنِ الْكَذَّابُ الْأَشِرُ (٢٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1598> قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا بعض الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1599> قوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ ذُو الْأَوْتَادِ (١٢) وَثَمُودُ وَقَوْمُ لُوطٍ وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ أُولَئِكَ الْأَحْزَابُ (١٣) إِنْ كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُكَذِّبُوكَ فَقَدْ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1600> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا عَجِّلْ لَنَا قِطَّنَا قَبْلَ يَوْمِ الْحِسَابِ (١٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا","vol":"7","page":25},{"text":"الكتاب المبارك، في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ﴾، وفي سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ﴾ الآية، وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ﴾ الآية.\nوقد قدمنا أن القط، النصيب من الشيء، أي عجل لنا نصيبنا من العذاب الذي توعدنا به.\nوأن أصل القط كتاب الجائزة؛ لأن الملك يكتب فيه النصيب الذي يعطيه لذلك الإِنسان، وجمعه قطوط، ومنه قول الأعشى:\nولا الملك النعمان حين لقيته ... بغبطته يعطي القطوط ويأفق\nوقوله: ويأفق، أي يفضل بعضهم على بعض في العطاء المكتوب في القطوط.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1601> قوله تعالى: ﴿إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ﴾</span> إلى قوله ﴿أَوَّابٌ (١٩)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1602> قوله تعالى ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ (٢٤) فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام على مثل هذه الآية من الآيات القرآنية التي يفهم منها صدور بعض الشيء من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم،","vol":"7","page":26},{"text":"وبينا كلام أهل الأصول في ذلك في سورة طه، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى (١٢١)﴾.\nوأعلم أن ما يذكره كثير من المفسرين في تفسير هذه الآية الكريمة، مما لا يليق بمنصب داود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كله راجع إلى الإسرائيليات، فلا ثقة به، ولا معوَّل عليه، وما جاء منه مرفوعًا إلى النبي - ﷺ - لا يصح منه شيء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1603> قوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾</span> الآية.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾، قد بينا الحكم الذي دل عليه، في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قد أمر نبيه داود فيه بالحكم بين الناس بالحق، ونهاه فيه عن اتباع الهوى، وأن اتباع الهوى علة للضلال عن سبيل الله؛ لأن الفاء في قوله: ﴿فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ تدل على العِلِّيَّة.\nوقد تقرر في الأصول، في مسلك الإِيماء والتنبيه، أن الفاء من حروف التعليل، كقوله: سهى فسجد، وسرق فقطعت يده، لعلة السهو في الأول، ولعلة السرقة في الثاني.\nوأتبع ذلك بالتهديد الشديد لمن اتبع الهوى، فأضله ربنا عن سبيل الله، في قوله تعالى بعده يليه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ (٢٦)﴾.","vol":"7","page":27},{"text":"ومعلوم أن نبي الله داود لا يحكم بغير الحق، ولا يتبع الهوى فيضله عن سبيل الله، ولكن الله تعالى يأمر أنبياءه عليهم الصلاة والسلام، وينهاهم، ليشرع لأممهم.\nولذلك أمر نبينا  - ﷺ -  بمثل ما أمر به داود، ونهاه أيضًا عن مثل ذلك، في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ﴾ الآية.\nوقد قدمنا الكلام على هذا، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾.\nوبيَّنا أن من أصرح الأدلة القرآنية الدالة على أن النبي  - ﷺ -  يخاطب بخطاب، والمراد بذلك الخطاب غيره، يقينًا، قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ الآية، ومن المعلوم أن أباه  - ﷺ -  توفي قبل ولادته، وأن أمه ماتت وهو صغير، ومع ذلك فإن الله يخاطبه بقوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾، ومعلوم أنه لا يبلغ عنده الكبر أحدهما، ولا كلاهما؛ لأنهما قد ماتا قبل ذلك بزمان.\nفتبين أن أمره تعالى لنبيه ونهيه له في قوله: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا (٢٣) وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ﴾ الآية، إنما يراد به التشريع على لسانه لأمته، ولا يراد به هو نفسه  - ﷺ -، وقد قدمنا هناك أن من أمثال العرب: إياك أعني واسمعي يا جارة، وذكرنا في ذلك رجز سهل بن مالك الفزاري الذي خاطب به امرأة،","vol":"7","page":28},{"text":"وهو يقصد أخرى، وهي أخت حارثة بن لأم الطائي، وهو قوله:\nيا أخت خير البدو والحضارة ... كيف ترين في فتى فزارة\nأصبح يهوى حرة معطارة ... إياك أعني واسمعي يا جارة\nوذكرنا هناك الرجز الذي أجابته به المرأة.\nوقول بعض أهل العلم: إن الخطاب في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ الآية، هو الخطاب بصيغة المفرد، الذي يراد به عموم كل من يصح خطابه، كقول طرفة بن العبد في معلقته:\nستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا ... ويأتيك بالأخبار من لم تزود\nأي ستبدي لك ويأتيك أيها الإِنسان الذي يصح خطابك؛ وعلى هذا فلا دليل في الآية = غير صحيح، وفي سياق الآيات قرينة قرآنية واضحة دالة على أن المخاطب بذلك هو النبي - ﷺ -، وعليه فالاستدلال بالآية استدلال قرآني صحيح، والقرينة القرآنية المذكورة، هي أنه تعالى قال في تلك الأوامر والنواهي التي خاطب بها رسوله - ﷺ -، التي أولها ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ الآية، ما هو صريح في أن المخاطب بذلك هو النبي - ﷺ -، لا عموم كل من يصح منه الخطاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتُلْقَى فِي جَهَنَّمَ مَلُومًا مَدْحُورًا (٣٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1604> قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾</span>.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾، وفي آخر سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا﴾ الآية.","vol":"7","page":29},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1605> قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾</span>\nالإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، (ذلك) أي خلقنا السماوات والأرض باطلًا هو ظن الذين كفروا بنا. والنفي في قوله: (ما خلقنا) منصب على الحال لا على عاملها الذي هو (خلقنا)؛ لأن المنفي بأداة النفي التي هي (ما) ليس خلقه للسماوات والأرض، بل هو ثابت، وإنما المنفي بها هو كونه باطلًا، فهي حال شبه العمدة وليست فضلة صريحة؛ لأن النفي منصب عليها هي خاصة، والكلام لا يصح دونها. والكلام في هذا معلوم في محله.\nونفي كون خلقه تعالى للسماوات والأرض باطلًا، نزه عنه نفسه ونزهه عنه عباده الصالحون؛ لأنه لا يليق بكماله وجلاله تعالى.\nأما تنزيهه نفسه عنه ففي قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥)﴾.\nثم نزه نفسه عن كونه خلقهم عبثًا بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾ أي تعالى وتقدس وتنزه عن كونه خلقهم عبثًا.\nوأما تنزيه عباده الصالِحين له عن ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾ فقوله تعالى عنهم: (سبحانك) أي تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت السماوات والأرض باطلًا. فقولهم: (سبحانك) تنزيه له، كما نزه نفسه عن ذلك بقوله تعالى: ﴿فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ﴾ الآية.","vol":"7","page":30},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾ يدل على أن من ظن باللَّه ما لا يليق به جل وعلا، فله النار.\nوقد بين تعالى في موضع آخر أن من ظن باللَّه ما لا يليق به أرداه وجعله من الخاسرين، وجعل النار مثواه. وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ الآية.\nوقولنا في أول هذا المبحث: الإِشارة في قوله: (ذلك) راجعة إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، قد قدمنا إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وبينا هناك أن الفعل نوعان: أحدهما الفعل الحقيقي، والثاني الفعل الصناعي، أما الفعل الحقيقي، فهو الحدث المتجدد، المعروف عند النحويين بالمصدر.\nوأما الفعل الصناعي، فهو المعروف في صناعة علم النحو بالفعل الماضي، والفعل المضارع، وفعل الأمر على القول بأنه مستقل عن المضارع.\nومعلوم أن الفعل الصناعي ينحل عند النحويين عن مصدر وزمن، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nالمصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمْنٍ من أَمِن\nوعند جماعات من البلاغيين، أنه ينحل عن مصدر وزمن ونسبة، وهو الأقرب، كما حرره بعض علماء البلاغة في حظ الاستعارة التبعية، وبذلك تعلم أنه لا خلاف بينهم في أن المصدر والزمن كامنان في الفعل الصناعي، فيصح رجوع الإِشارة","vol":"7","page":31},{"text":"والضمير إلى كل من المصدر والزمن الكامنين في الفعل الصناعي.\nفمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن في الفعل، قوله هنا: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية؛ فإن المصدر الذي هو الخلق، كامن في الفعل الصناعي، الذي هو الفعل الماضي في قوله: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلًا﴾ أي خلقُ السماوات المذكور الكامن في مفهوم (خلقنا) ظنُّ الذين كفروا.\nومثال رجوع الإشارة إلى الزمن الكامن في مفهوم الفعل الصناعي، قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ أي ذلك الزمن الكامن في الفعل هو يوم الوعيد.\nومثال رجوع الضمير للمصدر الكامن في مفهوم الفعل قوله تعالى: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ فقوله: (هو)، أي العدل الكامن في مفهوم (اعدلوا)، كما تقدم إيضاحه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1606> قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾</span>.\nأم في قوله: (أم نجعل الذين)، وقوله: (أم نجعل المتقين) كلتاهما منقطعة. و(أم) المنقطعة، فيها لعلماء العربية ثلاثة مذاهب:\nالأول: أنها بمعنى همزة استفهام الإنكار.\nالثاني: أنها بمعنى بل الإضرابية.\nوالثالث: أنها تشمل معنى الإِنكار والإِضراب معًا، وهو الذي اختاره بعض المحققين.\nوعليه فالإِضراب بها هنا انتقالي لا إبطالي، ووجه الإِنكار بها عليهم واضح؛ لأن من ظن باللَّه الحكيم الخبير، أنه يساوي بين","vol":"7","page":32},{"text":"الصالح المصلح، والمفسد الفاجر، فقد ظن ظنًا قبيحًا جديرًا بالإِنكار.\nوقد بين جل وعلا هذا المعنى، في غير هذا الموضع، وذم حكم من يحكم به، وذلك في قوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1607> قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾</span>.\nقوله تعالى: (كتاب) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، وقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل هذا الكتاب، معظمًا نفسه جل وعلا، بصيغة الجمع، وأنه كتاب مبارك، وأن مِنْ حِكَم إنزاله أن يتدبر الناس آياته، أي يتفهموها ويتعقلوها ويمعنوا النظر فيها، حتى يفهموا ما فيها من أنواع الهدى، وأن يتذكر أولوا الألباب، أي يتعظ أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال.\nوكل ما ذكره في هذه الآية الكريمة جاء واضحًا في آيات أخر.\nأما كونه جل وعلا، هو الذي أنزل هذا القرآن، فقد ذكره في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوأما كون هذا الكتاب مباركًا، فقد ذكره في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الآية،","vol":"7","page":33},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾. والمبارك كثير البركات، من خير الدنيا والآخرة.\nونرجو الله القريب المجيب، إذ وفقنا لخدمة هذا الكتاب المبارك، أن يجعلنا مباركين أينما كنا، وأن يبارك لنا وعلينا، وأن يشملنا لبركاته العظيمة في الدنيا والآخرة، وأن يعم جميع إخواننا المسلمين الذين يأتمرون بأوامره بالبركات والخيرات، في الدنيا والآخرة، إنه قريب مجيب.\nوأما كون تدبر آياته، من حِكَم إنزاله، فقد أشار إليه في بعض الآيات، بالتحضيض على تدبره، وتوبيخ من لم يتدبره، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾.\nوأما كونُ تذكُّر أولي الألباب، مِنْ حِكَم إنزاله، فقد ذكره في غير هذا الموضع، مقترنًا ببعض الحكم الأخرى، التي لم تذكر في آية ص هذه، كقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾. فقد بين في هذه الآية الكريمة أن تذكر أولي الألباب من حكم إنزاله، مبينًا منها حكمتين أخريين من حكم إنزاله، وهما إنذار الناس به، وتحقيق معنى لا إله إلا الله.\nوكون إنذار الناس وتذكر أولي الألباب، من حكم إنزاله، ذكره في قوله تعالى: ﴿المص (١) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾ لأن اللام في قوله: (لتنذر)، متعلقة بقوله: (أنزل)، والذكرى اسم مصدر بمعنى التذكير، والمؤمنون في الآية لا يخفى أنهم هم أولوا الألباب.","vol":"7","page":34},{"text":"وذكر حكمة الإِنذار في آيات كثيرة، كقوله: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا﴾ الآية.\nوذكر في آيات أخر، أن من حكم إنزاله الإِنذار والتبشير معًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية.\nوبين جل وعلا أن من حكم إنزاله أن يبين  - ﷺ -  للناس ما أنزل إليهم، ولأجل أن يتفكروا، وذلك قوله تعالى: ﴿بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (٤٤)﴾.\nوقد قدمنا مرارًا كون لعلّ من حروف التعليل.\nوذكر حكمة التبيين المذكورة مع حكمة الهدى والرحمة، في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٦٤)﴾.\nوبين أن من حكم إنزاله تثبيت المؤمنين، والهدى والبشرى للمسلمين، في قوله تعالى: ﴿قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (١٠٢)﴾.\nوبين أن من حكم إنزاله إلى النبي  - ﷺ -  أن يحكم بين الناس بما أراه الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الآية.","vol":"7","page":35},{"text":"والظاهر أن معنى قوله: ﴿بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ أي بما علمك من العلوم في هذا القرآن العظيم، بدليل قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.\nوبين جل وعلا أن من حكم إنزاله إخراج الناس من الظلمات إلى النور، وذلك في قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ﴾ الآية.\nوبيّن أن من حِكَم إنزاله التذكرة لمن يخشى، في قوله تعالى: ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (٢) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (٣)﴾ أي ما أنزلناه إلا تذكرة لمن يخشى.\nوهذا القصر على التذكرة إضافي، وكذلك القصر في قوله تعالى الذي ذكرناه قبل هذا ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ الآية، بدليل الحِكَم الأخرى التي ذكرناها.\nوبين أن من حكم إنزاله قرآنًا عربيًا وتصريف الله فيه من أنواع الوعيد أن يتقي الناس الله، أو يحدث لهم هذا الكتاب ذكرًا، أي موعظة وتذكرًا يهديهم إلى الحق، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1608> قوله تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ﴾</span> الآية.\nذكر في هذه الآية الكريمة، أنه وهب سليمان لداود، وقد بين","vol":"7","page":36},{"text":"في سورة النمل أن الموهوب ورث الموهوب له، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾.\nوقد بينا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى عن زكريا ﴿فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا (٥) يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ الآية، أنها وراثة علم ودين لا وراثة مال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1609> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام على هذه الآية، وعلى ما يذكره المفسرون فيها، من الروايات التي لا يخفى سقوطها، وأنها لا تليق بمنصب النبوة، في سورة الكهف في الكلام علىى قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوما روي عن السلف من جملة تلك الروايات، أن الشيطان أخذ خاتم سليمان، وجلس على كرسيه وطرد سليمان، إلى آخره، يوضح بطلانَه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (٤٢)﴾، واعترافُ الشيطان بذلك في قوله: ﴿إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (٤٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1610> قوله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه موضحًا بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ الآية.","vol":"7","page":37},{"text":"وفسرنا هناك قوله هنا: (حيث أصاب) وذكرنا هناك أوجه الجمع بين قوله هنا: ﴿رُخَاءً﴾، وقوله هناك: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً﴾، ووجه الجمع أيضًا بين عموم الجهات المفهوم من قوله هنا: ﴿حَيْثُ أَصَابَ (٣٦)﴾ أي حيث أراد، وبين خصوص الأرض المباركة المذكور هناك في قوله ﴿تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1611> قوله تعالى: ﴿وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاءٍ وَغَوَّاصٍ (٣٧)﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ (٨٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1612> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ (٤١) ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ (٤٢) وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنَّا وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٤٣)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية مع التعرض لإزالة ما فيه من الإِشكال في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ (٨٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1613> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ﴾</span> الآية.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يذكر عبده إبراهيم، ولم يقيد ذلك الذكر بكونه في الكتاب، مع أنه قيده بذلك في سورة مريم، في قوله تعالى ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا (٤١)﴾ الآية.","vol":"7","page":38},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1614> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ إِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ﴾</span> الآية.\nأطلق هنا أيضًا الأمر بذكر إسماعيل، وقيَّده في سورة مريم بكونه في الكتاب، في قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ﴾ الآية، وفي ذلك إشارة إلى أنه - ﷺ - مأمور أيضًا بذكر جميع المذكورين في الكتاب؛ ولذلك جاء ذكرهم كلهم في القرآن العظيم كما لا يخفى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1615> قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه، في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1616> قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن نعيم الجنة لا نفاد له، أي لا انقطاع له ولا زوال، ذكره جل وعلا في آيات أخر، كقوله تعالى فيه: ﴿عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1617> قوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ النَّارِ (٦٤)﴾</span>.\nقد قدمنا ما يوضحه من الآيات القرآنية في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، ذكرنا بعضها في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا﴾ الآية، وذكرنا بعضه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا﴾ الآية، وغير ذلك من المواضع.","vol":"7","page":39},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1618> قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾</span>\nقد تقدم إيضاحه، مع بعض المباحث في سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1619> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة هود، وذكرنا الأحكام المتعلقة بالآيات في الكلام على قوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1620> قوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾</span>.\nالحين المذكور هنا، قال بعض العلماء: المراد به بعد الموت. ويدل له ما قدمنا في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ (٩٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: الحين المذكور هنا، هو يوم القيامة.\nولا منافاة بين القولين؛ لأن الإِنسان بعد الموت تتبين له حقائق الهدى والضلال.\nواللام في لتعلمن موطئة للقسم، وقد أكد في هذه الآية الكريمة أنهم سيعلمون نبأ القرآن، أي صدقه وصحة جميع ما فيه، بعد حين، بالقسم ونون التوكيد.\nوما تضمنته هذ الآية الكريمة من تهديد الكفار بأنهم سيعلمون نبأه بعد حين، قد أشار إليه تعالى في سورة الأنعام، في قوله تعالى:","vol":"7","page":40},{"text":"﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾.\nقال غير واحد من العلماء: (لكل نبأ مستقر) أي لكل خبر حقيقة ووقوع، فإن كان حقًا تبين صدقه ولو بعد حين، وإن كان كذبًا تبين كذبه، وستعلمون صدق هذا القرآن ولو بعد حين.\n\n * * *","vol":"7","page":41},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1621>سورة الزمر</span>","vol":"7","page":43},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1622> قوله تعالى: ﴿تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾</span>.\nقد دل استقراء القرآن العظيم، على أن الله جل وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه، أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى، المتضمنة صفاته العليا.\nففي أول هذه السورة الكريمة، لما ذكر تنزيله كتابه، بين أنّ مبدأ تنزيله كائن منه جل وعلا، وذكر اسمه الله، واسمه العزيز، واسمه الحكيم، وذكر مثل ذلك في أول سورة الجاثية، في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، وفي أول سورة الأحقاف في قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢) مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ الآية.\nوقد تكرر كثيرًا في القرآن ذكره بعض أسمائه وصفاته، بعد ذكر تنزيل القرآن العظيم، كقوله في أول سورة المؤمن: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (٢) غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ (٣)﴾، وقوله تعالى في أول فصلت ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾، وقوله تعالى في أول هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾، وقوله في","vol":"7","page":45},{"text":"فصلت: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (٤١) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾، وقوله تعالى في صدر يس: ﴿تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥) لِتُنْذِرَ قَوْمًا مَا أُنْذِرَ آبَاؤُهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤)﴾ الآية.\nولا يخفى أن ذكره جل وعلا هذه الأسماء الحسنى العظيمة، بعد ذكره تنزيل هذا القرآن، يدل بإيضاح على عظمة القرآن العظيم، وجلالة شأنه وأهمية نزوله، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1623> قوله تعالى: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يعبده في حال كونه مخلصًا له الدين، أي مخلصًا له في عبادته من جميع أنواع الشرك صغيرها وكبيرها، كما هو واضح من لفظ الآية.\nوالإِخلاص: إفراد المعبود بالقصد في كل ما أمر بالتقرب به إليه، وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الإِخلاص في العبادة للَّه وحده، لا بد منه، جاء في آيات متعددة.\nوقد بين جل وعلا أنه ما أمر بعبادة إلا عبادة يخلص له العابد فيها، أما غير المخلص، فكل ما أتى به من ذلك جاء به من تلقاء نفسه، لا بأمر ربه. قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ الآية، وقال جل وعلا: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١) وَأُمِرْتُ لِأَنْ أَكُونَ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ (١٢)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.","vol":"7","page":46},{"text":"وقد قدمنا الكلام على العمل الصالح، وأنه لابد فيه من الإخلاص، في أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ أي التوحيد الصافي من شوائب الشرك، أي هو المستحق لذلك وحده، وهو الذي أمر به.\nوقول من قال من العلماء: إن المراد بالدين الخالص كلمة لا إله إلا الله، موافق لما ذكرناه. والعلم عند الله تعالى.\nثم لما ذكر جل وعلا إخلاص العبادة له وحده، بين شبهة الكفار التي احتجوا بها للإِشراك به تعالى، في قوله تعالى هنا: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾.\nفبين أنهم يزعمون أنهم ما عبدوا الأصنام إلا لأجل أن تقربهم من الله زلفى، والزلفى القرابة.\nفقوله: (زلفى)، ما ناب عن المطلق من قوله: (ليقربونا) أي: ليقربونا إليه قرابة تنفعنا بشفاعتهم، في زعمهم.\nولذا كانوا يقولون في تلبيتهم: لبيك لا شريك لك، إلا شريكًا هو لك، تملكه وما ملك.\nوقد قدمنا في سورة المائدة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ﴾ أن هذا النوع من ادعاء الشفعاء، واتخاذ المعبودات من دون الله وسائط، من أصول كفر الكفار.","vol":"7","page":47},{"text":"وقد صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله جل وعلا: ﴿وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنْفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾.\nفصرح تعالى بأن هذا النوع من ادعاء الشفعاء شرك باللَّه، ونزه نفسه الكريمة عنه بقوله جل وعلا: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ (١٨)﴾، وأشار إلى ذلك في آية الزمر هذه؛ لأنه جل وعلا لما قال عنهم: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ أتبع ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾.\nوقوله: (كفار)، صيغة مبالغة، فدل ذلك على أن الذين قالوا: (ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى) جامعون بذلك بين الكذب والمبالغة في الكفر بقولهم ذلك، وسيأتي إن شاء الله لهذا زيادة إيضاح في سورة الناس.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1624> قوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1625> قوله تعالى: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه خلق بني آدم من نفس واحدة هي أبوهم آدم، ثم جعل من تلك النفس زوجها، يعني حواء.","vol":"7","page":48},{"text":"أي وبث جميع بني آدم منهما. وأوضح هذا في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في أول سورة النساء: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، وقوله في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا﴾ الآية. وتأنيث الوصف، بقوله: (واحدة) مع أن الموصوف به مذكر، وهو آدم، نظرًا إلى تأنيث لفظ النفس، وإن كان المراد بها مذكرًا، ونظير ذلك في كلام العرب قوله:\nأبوك خليفة ولدته أخرى ... وأنت خليفة ذاك الكمال\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1626> قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاح هذه الأزواج الثمانية بنص القرآن العظيم، في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1627> قوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وبينا هناك المراد بالظلمات الثلاث المذكورة هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1628> قوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾</span>\nقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه غني عن خلقه الغنى المطلق، وأنه لا يضره كفرهم به، والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا","vol":"7","page":49},{"text":"فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾، وقد أوضحنا هذا بالآيات في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1629> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه، مع إزالة الإشكال، والجواب عن الأسئلة الواردة على تلك الآيات في سورة بن إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وأوضحنا ذلك، مع إزالة الإِشكال في بعض الآيات، في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1630> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَنْدَادًا لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1631> قوله تعالى: ﴿قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ (٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، مع الإِشارة إلى بحث أصوليّ،","vol":"7","page":50},{"text":"في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1632> قوله تعالى: ﴿وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ﴾</span>.\nالظاهر أن معنى الآية: أن الإِنسان إذا كان في محل لا يتمكن فيه من إقامة دينه على الوجه المطلوب، فعليه أن يهاجر منه، في مناكب أرض الله الواسعة، حتى يجد محلًا تمكنه فيه إقامة دينه.\nوقد أوضح تعالى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾، ولا يخفى أن الترتيب بالفاء في قوله: ﴿فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ (٥٦)﴾ على قوله: ﴿إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ﴾ دليل واضح على ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1633> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (١٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له من أوجه، في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1634> قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنَ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَلٌ ذَلِكَ يُخَوِّفُ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الأنبياء، في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لَا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ","vol":"7","page":51},{"text":"النَّارَ وَلَا عَنْ ظُهُورِهِمْ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا من ذلك في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1635> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ﴾</span> الآية.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة، من تحقيق معنى لا إله إلا الله، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفاتحة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1636> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾</span>.\nأظهر الأقوال في الآية الكريمة، أن المراد بالقول: ما جاء به النبي - ﷺ - من وحي الكتاب والسنة. ومن إطلاق القول على القرآن قولُه تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ (١٣) وَمَا هُوَ بِالْهَزْلِ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ أي يقدمون الأحسن الذي هو أشد حُسنًا، على الأحْسَن الذي هو دونه في الحُسن، ويقدمون الأحسن مطلقًا على الحسن. ويدل لهذا آيات من كتاب الله.\nأما الدليل على أن القول الأحسن المتبع ما أنزل عليه - ﷺ - من الوحي، فهو في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقوله تعالى لموسى يأمره بالأخذ بأحسن ما في التوراة: ﴿فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا﴾.\nوأما كون القرآن فيه الأحسن والحسن، فقد دلت عليه آيات من كتابه.","vol":"7","page":52},{"text":"واعلم أولًا أنه لا شك في أن الواجب أحسن من المندوب، وأن المندوب أحسن من مطلق الحسن، فإذا سمعوا مثلًا قوله تعالى: ﴿وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٧٧)﴾ قدموا فعل الخير الواجب على فعل الخير المندوب، وقدموا هذا الأخير على مطلق الحسن الذي هو الجائز، ولذا كان الجزاء بخصوص الأحسن الذي هو الواجب والمندوب، لا على مطلق الحسن، كما قال تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾، كما قدمنا إيضاحه في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾، وبينا هناك دلالة الآيات على أن المباح حسن، كما قال صاحب المراقي:\nما ربنا لم ينه عنه حسن ... وغيره القبيح والمستهجن\nومن أمثلة الترغيب في الأخذ بالأحسن وأفضليته، مع جواز الأخذ بالحسن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾ فالأمر في قوله: ﴿فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾، واللَّه لا يأمر إلا بحسن؛ فدل ذلك على أن الانتقام حسن، ولكن الله بين أن العفو والصبر خير منه وأحسن في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ (١٢٦)﴾. وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، كقوله تعالى في إباحة الانتقام: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾، مع أنه بين أن الصبر والغفران خير منه، في قوله بعده: ﴿وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (٤٣)﴾، وكقوله في جواز الانتقام: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ مع أنه","vol":"7","page":53},{"text":"أشار إلى أن العفو خير منه، وأنه من صفاته جل وعلا مع كمال قدرته، وذلك في قوله بعده: ﴿إِنْ تُبْدُوا خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)﴾، وكقوله جل وعلا مثنيًا على من تصدق فأبدى صدقته: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ﴾، ثم بين أن إخفاءها وإيتاءها الفقراء خير من إبدائها الذي مدحه بالفعل الجامد، الذي هو لإنشاء المدح، الذي هو نعم، في قوله: ﴿إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾.\nوكقوله في نصف الصداق اللازم للزوجة بالطلاق قبل الدخول: (فنصف ما فرضتم)، ولا شك أن أخذ كل واحد من الزوجين النصف حسن؛ لأن الله شرعه في كتابه في قوله: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾، مع أنه رغب كل واحد منهما أن يعفو للآخر عن نصفه، وبين أن ذلك أقرب للتقوى، وذلك في قوله بعده: ﴿وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾.\nوقد قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾، ثم أرشد إلى الأحسن بقوله: ﴿فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾، ثم أرشد إلى الأحسن في قوله: ﴿فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ﴾.\nواعلم أن في هذه الآية الكريمة أقوالًا غير الذي اخترنا.\nمنها ما روي عن ابن عباس في معنى ﴿فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، قال: \"هو الرجل يسمع الحسن والقبيح، فيتحدث بالحسن، وينكف عن القبيح فلا يتحدث به\".\nوقيل: يستمعون القرآن وغيره، فيتبعون القرآن.","vol":"7","page":54},{"text":"وقيل: إن المراد بأحسن القول: لا إله إلا الله. وبعض من يقول بهذا يقول: إن الآية نزلت فيمن كان يؤمن باللَّه قبل بما الرسول الله - ﷺ -، كزيد بن عمرو بن نفيل العدوي، وأبي ذر الغفاري، وسلمان الفارسي.\nإلى غير ذلك من الأقوال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1637> قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ عَلَيْهِ كَلِمَةُ الْعَذَابِ أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾</span>.\nأظهر القولين في الآية الكريمة، أنهما جملتان مستقلتان، فقوله: (أفمن حق عليه كلمة العذاب) جملة مستقلة، لكن فيها حذفًا، وحذف ما دل المقام عليه واضح لا إشكال فيه.\nوالتقدير: أفمن حق عليه كلمة العذاب، تخلصه أنت منه؟ والاستفهام مضمن معنى النفي، أي لا تخلص أنت يا نبي الله أحدًا سبق في علم الله أنه يعذبه من ذلك العذاب، وهذا المحذوف دل عليه قوله بعده ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ مَنْ فِي النَّارِ (١٩)﴾.\nوقد قدمنا مرارًا قولي المفسرين في أداة الاستفهام المقترنة بأداة عطف كالفاء والواو وثم، كقوله هنا: ﴿أَفَمَنْ حَقَّ﴾، وقوله: ﴿أَفَأَنْتَ تُنْقِذُ﴾.\nأما القول بأن الكلام جملة واحدة شرطية، كما قال الزمخشري: أصل الكلام: أمن حق عليه كلمة العذاب فأنت تنقذه، جملة شرطية، دخل عليها همزة لإِنكار، والفاء فاء الجزاء، ثم دخلت الفاء التي في أولها للعطف على محذوف يدل عليه الخطاب، تقديره: أأنت مالك أمرهم، فمن حق عليه العذاب فأنت تنقذه؟ والهمزة الثانية هي الأولى كررت لتوكيد معنى الإِنكار والاستبعاد،","vol":"7","page":55},{"text":"ووضع (من في النار) موضع الضمير، فالآية على هذا جملة واحدة = فإنه لا يظهر كل الظهور.\nواعلم أن ما دلت عليه هذه الآية الكريمة قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرانية في أول سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية، وبينا دلالة الآيات على المراد بكلمة العذاب.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1638> قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ لَهُمْ غُرَفٌ مِنْ فَوْقِهَا غُرَفٌ مَبْنِيَّةٌ﴾</span> الآية.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وعد أهل الجنة بالغرف المبنية، ذكره جل وعلا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة سبأ: ﴿إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى في سورة التوبة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة الصف: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾؛ لأن المساكن الطيبة المذكورة في التوبة والصف صادقة بالغرف المذكورة في الزمر وسبأ، وقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1639> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾</span>.\nالينابيع: جمع ينبوع، وهو الماء الكثير.","vol":"7","page":56},{"text":"وقوله: (فسلكه) أي أدخله، كما قدمنا إيضاحه بشواهده العربية والآيات القرآنية في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ﴾ الآية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من سورة الزمر، قد أوضحناه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1640> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على ما يماثله من الآيات في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾، وأحلنا عليه في سورة فاطر، في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوَانُهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1641> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٢١)﴾</span>.\nقوله: (ثم يهيج) أي ثم بعد نضارة ذلك الزرع وخضرته ييبس، ويتم جفافه، ويثور من منابته، فتراه أيها الناظر مصفرًا يابسًا، قد زالت خضرته ونضارته، (ثم يجعله حطامًا) أي فتاتًا، متكسرًا، هشيمًا، تذروه الرياح، (إن في ذلك) المذكور من حالات ذلك الزرع، المختلف الألوان، (لذكرى) أي عبرة وموعظة وتذكيرًا (لأولي الألباب) أي لأصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال.\nفقد ذكر جل وعلا مصير هذا الزرع على سبيل الموعظة والتذكير، وبين في موضع آخر أن ما وعظ به خلقه هنا من حالات هذا الزرع شبيه أيضًا بالدنيا، فوعظ به في موضع، وشبه به حالة","vol":"7","page":57},{"text":"الدنيا في موضع آخر، وذلك في قوله تعالى في سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾. ويبين في سورة الروم أن من أسباب اصفراره المذكور إرسال الريح عليه، وذلك في قوله: ﴿وَلَئِنْ أَرْسَلْنَا رِيحًا فَرَأَوْهُ مُصْفَرًّا لَظَلُّوا مِنْ بَعْدِهِ يَكْفُرُونَ (٥١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1642> قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ﴾</span>.\nقد تقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1643> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (٣٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1644> قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١) قَيِّمًا﴾ الآية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (قرآنًا) انتصب على الحال، وهي حال مؤكدة، والحال في الحقيقة هو (عربيًا)، و(قرآنًا) توطئة له، وقيل: انتصب على المدح.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (عربيًا)، أي لأنه بلسان عربي، كما قال تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا","vol":"7","page":58},{"text":"لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، وقال تعالى في أول سورة يوسف: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢)﴾، وقال في أول الزخرف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣)﴾، وقال في طه: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾، وقال تعالى في فصلت: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ﴾، وقال تعالى في الشعراء: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وقال تعالى في سورة الشورى؛ ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ الآية، وقال تعالى في الرعد: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا وَاقٍ (٣٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوهذه الآيات القرآنية تدل على شرف اللغة العربية وعظمها دلالة لا ينكرها إلا مكابر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1645> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾</span> الآية.\nأوضح جل وعلا أن الذي في هذه الآية بمعنى الذين، بدليل قوله بعده: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣) لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾.\nوقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن الذي تأتي بمعنى الذين، في القرآن وفي كلام العرب، فمن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى في آية الزمر هذه: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ أي الذين استوقدوا؛ بدليل قوله بعده: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾،","vol":"7","page":59},{"text":"وقوله فيها أيضًا: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي كالذين ينفقون؛ بدليل قوله بعده: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ الآية، وقوله تعالى في التوبة: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ على القول بأن الذي موصولة لا مصدرية، ونظيره من كلام العرب قول أشهب بن رميلة:\nوإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد\nوقول عديل بن الفرخ العجلي:\nفبت أساقي القوم إخوتي الذي ... غوايتهم غيٌّ ورشدهم رشد\nوقول الراجز:\nيا رب عبس لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا فيمن قعد\nإلا الذي قاموا بأطراف المسد\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1646> قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ (٣٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1647> قوله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٣٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٧)﴾.","vol":"7","page":60},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1648> قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنفال، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ وعلى قراءة الجمهور (بكاف عبده) بفتح العين وسكون الباء، بإفراد العبد، والمراد به النبي - ﷺ -، كقوله: ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ﴾ الآية.\nوأما على قراءة حمزة والكسائي (عِبادَهُ) بكسر العين وفتح الباء بعدها ألف، على أنه جمع عبد، فالظاهر أنه يشمل عباده الصالحين من الأنبياء وأتباعهم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1649> قوله تعالى: ﴿وَيُخَوِّفُونَكَ بِالَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار عبدة الأوثان، يخوفون النبي - ﷺ - بالأوثان التي يعبدونها من دون الله؛ لأنهم يقولون له: إنها ستضره وتخبله، وهذه عادة عبدة الأوثان لعنهم الله، يخوفون الرسل بالأوثان، ويزعمون أنها ستضرهم وتصل إليهم بالسوء.\nومعلوم أن أنبياء الله عليهم صلوات الله وسلامه لا يخافون غير الله، ولا سيما الأوثان التي لا تسمع ولا تبصر، ولا تضر ولا تنفع، ولذا قال تعالى عن نبيه إبراهيم لما خوّفوه بها: ﴿وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ﴾ الآية.\nوقال عن نبيه هود وما ذكره له قومه من ذلك: ﴿إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ قَالَ إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٥٤) مِنْ","vol":"7","page":61},{"text":"دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمَّ لَا تُنْظِرُونِ (٥٥) إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٦)﴾.\nوقال تعالى في هذه السورة الكريمة، مخاطبًا نبينا - ﷺ -، بعد أن ذكر تخويفهم له بأصنامهم: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ (٣٨)﴾.\nومعلوم أن الخوف من تلك الأصنام من أشنع أنواع الكفر والإِشراك باللَّه.\nوقد بين جل وعلا في موضع آخر، أن الشيطان يخوف المؤمنين - أيضًا - الذين هم أتباع الرسل، من أتباعه وأوليائه من الكفار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١٧٥)﴾.\nوالأظهر أن قوله: ﴿يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ حذف فيه المفعول الأول، أي يخوفكم أولياءه، بدليل قوله بعده: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1650> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ﴾</span> الآية.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن المعبودات من دونه، لا تقدر أن تكشف ضرًا أراد الله به أحدًا، أو تمسك رحمة أراد بها أحدًا، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ هَلْ","vol":"7","page":62},{"text":"يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ (٧٢) أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ (٧٣) قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1651> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (٤٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1652> قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ مِنْ سُوءِ الْعَذَابِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الذين ظلموا وهم الكفار، لو كان لهم في الآخرة ما في الأرض جميعًا ومثله معه، لفدوا أنفسهم به من سوء العذاب الذي عاينوه يوم القيامة، وبين هذا المعنى في مواضع أخر، وصرح فيها بأنه لا فداء البتة يوم القيامة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٣٦)","vol":"7","page":63},{"text":"يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لَا يُؤْخَذْ مِنْهَا أُولَئِكَ الَّذِينَ أُبْسِلُوا بِمَا كَسَبُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، فقوله: ﴿وَإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ﴾ أي وإن تفتد كل فداء، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ﴾ الآية، والعدل الفداء، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُ لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لَافْتَدَوْا بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ سُوءُ الْحِسَابِ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٨)﴾.\nوقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة آل عمران، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1653> قوله تعالى: ﴿وَبَدَا لَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا﴾</span>.\nقوله: (وبدا لهم) أي ظهر لهم (سيئات ما كسبوا)، أي جزاء سيئاتهم التي اكتسبوها في الدنيا، فالظاهر أنه أطلق السيئات هنا مرادًا بها جزاؤها، ونظيره من القرآن قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ﴾، ونظير ذلك أيضًا إطلاق العقاب، على جزاء العقاب، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾ الآية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنهم يبدوا لهم يوم القيامة حقيقة ما كانوا يعملونه في الدنيا، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ","vol":"7","page":64},{"text":"يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا (١٤)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1654> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ ضُرٌّ دَعَانَا ثُمَّ إِذَا خَوَّلْنَاهُ نِعْمَةً مِنَّا قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1655> قوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾، وقدمنا طرفًا منه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1656> قوله تعالى: ﴿أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (٥٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له من جهات في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.","vol":"7","page":65},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1657> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه وعلى ما يماثله من الآيات في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1658> قوله تعالى: ﴿أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ (٦٠)﴾</span>.\nتقدم إيضاحه بالآيات القرآنية، مع بيان جملة من آثار الكِبْر السيئة، في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1659> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾</span>.\nتقدم الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٨٨)﴾.\nوقد ذكرنا في الآية المتضمنة للقيد الذي لم يذكر في هذه الآيات، على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1660> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ (٦٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.","vol":"7","page":66},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1661> قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1662> قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٦٩) وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ﴾</span>. الآية.\nاختلف العلماء في المراد بالشهداء في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: هم الحفظة من الملائكة الذين كانوا يحصون أعمالهم في الدنيا، واستدل من قال هذا بقوله تعالى: ﴿وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١)﴾.\nوقال بعض العلماء: الشهداء أمة محمد - ﷺ -، يشهدون على الأمم، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾.\nوقيل: الشهداء الذين قتلوا في سبيل الله.\nوأظهر الأقوال في الآية عندي: أن الشهداء هم الرسل من البشر، الذين أرسلوا إلى الأمم؛ لأنه لا يقضى بين الأمة حتى يأتي رسولها، كما صرح تعالى بذلك في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٤٧)﴾، فصرح جل وعلا بأنه يسأل الرسل عما أجابتهم به أممهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾،","vol":"7","page":67},{"text":"وقد يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾؛ لأن كونه  - ﷺ -  الشهيد على هؤلاء الذين هم أمته، يدل على أن الشهيد على كل أمة هو رسولها.\nوقد بين تعالى أن الشهيد على كل أمة من أنفس الأمة، فدل على أنه ليس من الملائكة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. والرسل من أنفس الأمم، كما قال تعالى في نبينا محمد  - ﷺ -: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nوالمسوغ للإِيجاز بحذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ﴾ هو أنه من المعلوم الذي لا نزاع فيه، أنه لا يقدر على المجيء بهم إلا الله وحده جل وعلا.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير الكسائي وهشام عن ابن عامر: (وجيء) بكسر الجيم كسرة خالصة.\nوقرأه الكسائي وهشام عن ابن عامر بإشمام الكسر والضم.\nوإنما كان الإِشمام هنا جائزًا، والكسر جائزًا؛ لأنه لا يحصل في الآية البتة لَبْسٌ بين المبني للفاعل والمبني للمفعول، إذ من الفعلوم أن قوله هنا: (وجيء) مبني للمفعول ولا يحتمل البناء للفاعل بوجه، وما كان كذلك جاز فيه الكسر الخالص وإشمام الكسرة الضم، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nواكسر أو اشمم فا ثلاثي أعل ... عينًا وضم جا كبوع فاحتمل\nأما إذا أسند ذلك الفعل إلى ضمير الرفع المتصل، فإن ذلك قد","vol":"7","page":68},{"text":"يؤدي إلى اللبس، فيشتبه المبني للمفعول بالمبني للفاعل، فيجب حينئذ اجتناب الشكل الذي يوجب اللبس، والإِتيان بما يزيل اللبس من شكل أو إشمام، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\n\n• وإن بشكل خيف لبس يجتنب *\nومن أمثلة ذلك قول الشاعر، وقد أنشده صاحب اللسان:\nوإني على المولى وإن قل نفعه ... دفوع إذا ما صمت غير صبور\nفقوله: صمت، أصله: صيمت، بالبناء للمفعول، فيجب الإِشمام أو الضم؛ لأن الكسر الخالص يجعله محتملًا للبناء للفاعل كبعت وسرت.\nوقول جرير يرثي المرار بن عبد الرحمن بن أبي بكرة:\nوأقول من جزع وقد فتنا به ... ودموع عيني في الرداء غزار\nللدافنين أخا المكارم والندا ... للَّه ما ضمنت بك الأحجار\nأصله فوتنا بالبناء للمفعول، فيجب الكسر أو الإِشمام؛ لأن الضم الخالص يجعله محتملًا للفاعل، كقلنا وقمنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1663> قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾</span>.\nالزمر: الأفواج المتفرقة، واحده زمرة، وقد عبر تعالى عنها هنا بالزمر، وعبر عنها في \"الملك\" بالأفواج في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا أُلْقِيَ فِيهَا فَوْجٌ﴾ الآية، وعبر عنها في الأعراف بالأمم في قوله تعالى: ﴿قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ﴾ الآية، وقال في فصلت: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ","vol":"7","page":69},{"text":"إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥)﴾، وقال تعالى: ﴿هَذَا فَوْجٌ مُقْتَحِمٌ مَعَكُمْ لَا مَرْحَبًا بِهِمْ إِنَّهُمْ صَالُو النَّارِ (٥٩)﴾.\nومن إطلاق الزمر على ما ذكرنا قوله:\nوترى الناس إلى منزله ... زمرًا تنتابه بعد زمر\nوقول الراجز:\nإن العفاة بالسيوب قد غمر ... حتى احزألت زمرًا بعد زمر\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1664> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءُوهَا وَفُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾</span>.\nلم يبين جل وعلا هنا عدد أبوابها المذكورة، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر في قوله: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فُتِحَتْ أَبْوَابُهَا﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر: (فُتِّحَت) بتشديد التاء دلالة على التكثير. وقرأه عاصم وحمزة والكسائي (فُتِحَت) بتخفيف التاء.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1665> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَتْلُونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِ رَبِّكُمْ وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا بَلَى وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٧١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1666> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ لَهُمْ خَزَنَتُهَا سَلَامٌ عَلَيْكُمْ طِبْتُمْ فَادْخُلُوهَا خَالِدِينَ (٧٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة النحل، في الكلام","vol":"7","page":70},{"text":"على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَامٌ عَلَيْكُمُ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٣٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1667> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي صَدَقَنَا وَعْدَهُ وَأَوْرَثَنَا الْأَرْضَ نَتَبَوَّأُ مِنَ الْجَنَّةِ حَيْثُ نَشَاءُ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنة إذا دخلوها وعاينوا ما فيها من النعيم، حمدوا ربهم وأثنوا عليه، ونوهوا بصدق وعده لهم، وذكر هذا المعنى في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ (٣٣) وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤) الَّذِي أَحَلَّنَا دَارَ الْمُقَامَةِ مِنْ فَضْلِهِ لَا يَمَسُّنَا فِيهَا نَصَبٌ وَلَا يَمَسُّنَا فِيهَا لُغُوبٌ (٣٥)﴾.\n\n* * *","vol":"7","page":71},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1668>سورة غافر</span>","vol":"7","page":73},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1669> قوله تعالى: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ﴾</span>.\nجمع جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بين الترغيب والترهيب والوعد والوعيد؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين، هما جلب النفع ودفع الضر، وهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٤٩) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ عَذَابِي أُصِيبُ بِهِ مَنْ أَشَاءُ وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى في آخر الأنعام: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾، وقوله في الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (١٦٥)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة معروفة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1670> قوله تعالى: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه لا يجادل في آيات الله، أي لا يخاصم فيها محاولًا ردها، وإبطال ما جاء فيها، إلا الكفار.","vol":"7","page":75},{"text":"وقد بين تعالي في غير هذا الموضع الغرض الحامل لهم علي الجدال فيها مع بعض صفاتهم، وذلك في قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦)﴾، وأوضح ذلك الغرض في هذه السورة الكريمة، في قوله: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ﴾.\nوقد قدمنا في سورة الحج أن الذين يجادلون الله، منهم أتباع يتبعون رؤساءهم المضلين، من شياطين الإِنس والجن، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ (٣) كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَنْ تَوَلَّاهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّهُ وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.\nوأن منهم قادة، هم رؤساؤهم المتبوعون، وهم المذكورون في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨) ثَانِيَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوبين تعالى في موضع آخر أن من أنواع جدال الكفار، جدالهم للمؤمنين الذين استجابوا الله وآمنوا به وبرسوله، ليردوهم إلى الكفر بعد الإِيمان، وبين بطلان حجة هؤلاء، وتوعدهم بغضبه عليهم وعذابه الشديد، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ (١٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1671> قوله تعالى: ﴿فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾</span>.\nنهي الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة، ليشرع لأمته، عن أن يغره تقلب الذين كفروا في بلاد الله، بالتجارات والأرباح، والعافية وسعة الرزق، كما كانت قريش تفيض عليها الأموال من","vol":"7","page":76},{"text":"أرباح التجارات وغيرها من رحلة الشتاء والصيف المذكورة في قوله تعالى: ﴿إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢)﴾ أي إلى اليمن والشام، وهم مع ذلك كفرة فجرة، يكذبون نبي الله ويعادونه.\nوالمعنى: لا تغتر بإنعام الله عليهم، وتقلبهم في بلاده في إنعام وعافية، فإن الله جل وعلا يستدرجهم بذلك الإِنعام، فيمتعهم به قليلًا، ثم يهلكهم فيجعل مصيرهم إلى النار.\nوقد أوضح هذا المعنى في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلَا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٢٣) نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَي عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَي عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَي اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالفاء في قوله: (فلا يغررك) سببية، أي لا يكن تقلبهم في بلاد الله، متنعمين بالأموال والأرزاق، سببًا لاغترارك بهم، فتظن بهم ظنًا حسنًا؛ لأن ذلك التنعم تنعم استدراج، وهو زائل عن قريب، وهم صائرون إلى الهلاك والعذاب الدائم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1672> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ عَلَي الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٦)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر (كلمات) بصيغة الجمع المؤنث السالم، وقرأه الباقون ﴿كَلِمَتُ رَبِّكَ﴾ بالإِفراد.","vol":"7","page":77},{"text":"وقد أوضحنا معنى الكلمة والكلمات فيما يماثل هذه الآية في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1673> قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ﴾</span>.\nلم يبين هنا الآية المتضمنة لوعدهم بالجنات، هم ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم.\nولكنه جل وعلا أوضح وعده إياهم بذلك في سورة الرعد في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ أُولَئِكَ لَهُمْ عُقْبَى الدَّارِ (٢٢) جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَزْوَاجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ (٢٣)﴾ الآية (^١).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1674> قوله تعالى: ﴿قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ﴾</span>.\nالتحقيق الذي لا ينبغي العدول عنه، أن المراد بالإِماتتين في هذه الآية الكريمة: الإِماتة الأولى، التي هي كونهم في بطون أمهاتهم نطفًا وعلقًا ومضغًا، قبل نفخ الروح فيهم، فهم قبل نفخ الروح فيهم لا حياة لهم، فأطلق عليهم بذلك الاعتبار اسم الموت.\nوالإِماتة الثانية هي إماتتهم وصيرورتهم إلى قبورهم عند انقضاء آجالهم في دار الدنيا.\n_________\n(^١) من قوله: \"لم يبين. . . \" إلى هنا ليس من كلام المؤلف، كما هو واضح، وهو من إضافات متمم الكتاب، فأبقيناه كما هو.","vol":"7","page":78},{"text":"وأن المراد بالإِحياءتين: الإِحياءة الأولى في دار الدنيا، والإِحياءة الثانية، التي هي البعث من القبور إلى الحساب، والجزاء، والخلود الأبدي الذي لا موت فيه، إما في الجنة وإما في النار.\nوالدليل من القرآن على أن هذا القول في الآية هو التحقيق، أن الله صرح به واضحًا في قوله جل وعلا: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)﴾، وبذلك تعلم أن ما سواه من الأقوال في الآية لا معوّل عليه.\nوالأظهر عندي أن المسوغ الذي سوغ إطلاق اسم الموت علي العلقة والمضغة مثلًا، في بطون الأمهات، أن عين ذلك الشيء الذي هو نفس العلقة والمضغة، له أطوار، كما قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾، ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ﴾، ولما كان ذلك الشيء تكون فيه الحياة في بعض الأطوار، وفي بعضها لا حياة له، صح إطلاق الموت والحياة عليه من حيث إنه شيء واحد، ترتفع عنه الحياة تارة وتكون فيه أخري.\nوقد ذكر له الزمخشري مسوغًا غير هذا، فانظره إن شئت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1675> قوله تعالى: ﴿فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ (١١)﴾</span>.\nقد بين جل وعلا في غير هذا الموضع، أن الاعتراف بالذنب في ذلك الوقت لا ينفع، كما قال تعالى: ﴿فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقًا لِأَصْحَابِ السَّعِيرِ (١١)﴾، وقال تعالى: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":79},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فهل إلى خروج من سبيل)، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1676> قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا﴾</span> الآية.\nقد تقدم الكلام عليه في سورة الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ (٣٤) إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ (٣٥)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1677> قوله تعالى: ﴿فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1678> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جل وعلا هو الذي يري خلقه آياته، أي الكونية القدرية، ليجعلها علامات لهم على ربوبيته، واستحقاقه العبادة وحده.\nومن تلك الآيات: الليل والنهار، والشمس والقمر، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية.\nومنها: السماوات والأرضون، وما فيهما، والنجوم، والرياح والسحاب، والبحار والأنهار، والعيون والجبال والأشجار، وآثار قوم","vol":"7","page":80},{"text":"هلكوا، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي اخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَّقُونَ (٦)﴾.\nوما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من أنه هو الذي يُرِي خلقه آياته، بينه وزاده إيضاحًا في غير هذا الموضع، فبين أنه يريهم آياته في الآفاق وفي أنفسهم، وأن مراده بذلك البيان أن يتبين لهم أن ما جاء به محمد  - ﷺ -  حق، كما قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾.\nوالآفاق جمع أفق وهو الناحية، واللَّه جل وعلا قد بين من غرائب صنعه وعجائبه، في نواحي سماواته وأرضه، ما يتبين به لكل عاقل أنه هو الرب المعبود وحده، كما أشرنا إليه، من الشمس، والقمر، والنجوم، والأشجار، والجبال، والدواب، والبحار، إلى غير ذلك.\nوبين أيضًا أن من آياته التي يريهم ولا يمكنهم أن ينكروا شيئًا منها: تسخيره لهم الأنعام ليركبوها ويأكلوا من لحومها، وينتفعوا بألبانها وزبدها وسمنها وأقطها، ويلبسوا من جلودها وأصوافها وأوبارها وأشعارها، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي","vol":"7","page":81},{"text":"صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَي الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠) وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ اللَّهِ تُنْكِرُونَ (٨١)﴾.\nوبين في بعض المواضع، أن من آياته التي يريها بعض خلقه: معجزات رسله؛ لأن المعجزات آيات، أي دلالات وعلامات علي صدق الرسل، كما قال تعالى في فرعون: ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَي (٥٦)﴾.\nوبين في موضع آخر، أن من آياته التي يريها خلقه: عقوبته المكذبين رسله، كما قال تعالى في قصة إهلاكه قوم لوط: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَا مِنْهَا آيَةً بَيِّنَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٣٥)﴾.\nوقال في عقوبته فرعون وقومه بالطوفان والجراد والقمل إلخ: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1679> قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾</span>.\nأطلق جل وعلا في هذه الآية الكريمة الرزق، وأراد المطر؛ لأن المطر سبب الرزق، وإطلاق المسبب وإرادة سببه لشدة الملابسة بينهما أسلوب عربي معروف، وكذلك عكسه الذي هو إطلاق السبب وإرادة المسبب، كقوله:\nأكلت دمًا إن لم أرُعْكِ بضرَّةٍ ... بعيدة مهوى القرط طيبة النشر\nفأطلق الدم وأراد الدية؛ لأنه سببها.\nوقد أوضحنا في رسالتنا المسماة \"منع جواز المجاز في المنزل للتعبد والإِعجاز\" أن أمثال هذا أساليب عربية، نطقت بها العرب في لغتها، ونزل بها القرآن، وأن ما يقوله علماء البلاغة من أن في الآية","vol":"7","page":82},{"text":"ما يسمونه المجاز المرسل الذي يعدون من علاقاته السببية والمسببية، لا داعي إليه، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه.\nوإطلاق الرزق في آية المؤمن هذه على المطر جاء مثله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في أول سورة الجاثية: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فأوضح بقوله: ﴿فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ أن مراده بالرزق المطر؛ لأن المطر هو الذي يحيى الله به الأرض بعد موتها.\nوقد أوضح جل وعلا أنه إنما سمى المطر رزقًا لأن المطر سبب الرزق، في آيات كثيرة من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ الآية، والباء في قوله: (فأخرج به) سببية كما ترى، وكقوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة ق: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ (٩) وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾.\nوبين في آيات أخر أن الرزق المذكور شامل لما يأكله الناس، وما تأكله الأنعام، لأن ما تأكله الأنعام يحصل بسببه للناس الانتفاع بلحومها، وجلودها، وألبانها، وأصوافها وأوبارها وأشعارها، كما تقدم، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَسُوقُ الْمَاءَ إِلَى الْأَرْضِ الْجُرُزِ فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ أَفَلَا يُبْصِرُونَ (٢٧)﴾، وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخِيلَ وَالْأَعْنَابَ وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية، فقوله: (فيه تسيمون) أي تتركون أنعامكم سائمة فيه تأكل منه من غير","vol":"7","page":83},{"text":"أن تتكلفوا لها مؤونة العلف، كما تقدم إيضاحه بشواهده العربية في سورة النحل، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1680> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن الناس ما يتذكر منهم، أي ما يتعظ بهذه الآيات المشار إليها في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾.\n﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ أي من رزقه الله الإِنابة إليه.\nوالإِنابة: الرجوع عن الكفر والمعاصي إلى الإِيمان والطاعة.\nوهؤلاء المنيبون، المتذكرون، المتعظون، هم أصحاب العقول السليمة من شوائب الاختلال، المذكورون في قوله تعالى في أول سورة آل عمران: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٦٩)﴾، وفي قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿وَلِيَعْلَمُوا أَنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَلِيَذَّكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٥٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد دلت آية المؤمن هذه، وما في معناها من الآيات، على أن غير أولي الألباب المتذكرين المذكورين آنفًا، لا يتذكر ولا يتعظ بالآيات، بل يعرض عنها أشد الإِعراض.\nوقد جاء هذا المعنى موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ (١٠٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا وَيَقُولُوا سِحْرٌ","vol":"7","page":84},{"text":"مُسْتَمِرٌّ (٢)﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا رَأَوْا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾، وقوله: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إِلَّا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤)﴾ في الأنعام ويس، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1681> قوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام علي نحوه من الآيات في أول سورة الزمر، في الكلام على قوله: ﴿فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (٢) أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1682> قوله تعالى: ﴿يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ (١٥) يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في أول سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ (٢)﴾.\nوقوله تعالى في آية المؤمن هذه: ﴿يَوْمَ هُمْ بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ﴾ جاء مثله في آيات كثير، كقوله في بروزهم ذلك اليوم: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا﴾ الآية، وكقوله في كونهم لا يخفي على الله منهم شيء ذلك اليوم: ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمَئِذٍ لَخَبِيرٌ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (٥)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا من ذلك في أول سورة سبأ، في","vol":"7","page":85},{"text":"الكلام على قوله تعالى: ﴿عَالِمِ الْغَيْبِ لَا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾ للآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1683> قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾</span>\nالإِنذار: هو الإِعلام المقتون بتهديد خاصة، فكل إنذار إعلام، وليس كل إعلام إنذارًا.\nوقد أوضحنا معنى الإنذار وأنواعه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآية.\nوالظاهر أن قوله هنا: ﴿يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ المفعول الثاني للإِنذار لا ظرف له، لأن الإِنذار والتخويف من يوم القيامة واقع في دار الدنيا.\nوالآزفة: القيامة. أي أنذرهم يوم القيامة، بمعنى خوفهم إياه وهددهم بما فيه من الأهوال العظام، ليستعدوا لذلك في الدنيا بالإِيمان والطاعة.\nوإنما عبر عن القيامة بالآزفة، لأجل أزوفها أي قربها، والعرب تقول: أزِف الترحل، لكسر الزاي، يأزَف، بفتحها، أزَفًا، بفتحتين، علي القياس، وأزوفًا فهو آزف، على غير قياس، في المصدر الأخير والوصف = بمعنى قرب وقته وحان وقوعه، ومنه قول نابغة ذبيان:\nأزف الترحل غير أن ركابنا ... لما تزل برحالنا وكأن قد","vol":"7","page":86},{"text":"ويروي: أفد الترحل، ومعناها واحد.\nوالمعنى ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ أي يوم القيامة القريب مجيؤها ووقوعها.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من اقتراب قيام الساعة، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧) لَيْسَ لَهَا مِنْ دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ (٥٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى في الأحزاب: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾، وقوله تعالى في الشوري: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾.\nوقد قدمنا هذا في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذِ الْقُلُوبُ لَدَى الْحَنَاجِرِ كَاظِمِينَ﴾ الظاهر فيه، أن (إذ) بدل من يوم، وعليه فهو من قبيل المفعول به، لا المفعول فيه، كما بينا آنفًا.\nوالقلوب: جمع قلب، وهو معروف.\nولدى: ظرف بمعنى عند.\nوالحناجر: جمع حنجرة، وهي معروفة.\nومعني كون القلوب لدى الحناجر في ذلك الوقت، فيه لعلماء التفسير وجهان معروفان:\nأحدهما: ما قاله قتادة وغيره، من أن قلوبهم يومئذ، ترتفع من أماكنها في الصدور، حتى تلتصق بالحلوق، فتكون لدى الحناجر، فلا هي تخرج من أفواههم فيموتوا، ولا هي ترجع إلى","vol":"7","page":87},{"text":"أماكنها في الصدور فيتنفسوا. وهذا القول هو ظاهر القرآن.\nوالوجه الثاني: هو أن المراد بكونِ القلوب لدي الحناجر، بيان شدة الهول، وفظاعة الأمر، وعليه فالآية كقوله تعالى: ﴿وَإِذْ زَاغَتِ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (١٠) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا (١١)﴾، وهو زلزال خوف وفزع لا زلزال حركة الأرض.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَاظِمِينَ﴾ معناه مكروبين ممتلئين خوفًا وغمًا وحزنًا.\nوالكظم: تردد الخوف والغيظ والحزن في القلب، حتى يمتلئ منه، ويضيق به.\nوالعرب تقول: كظمت السقاء، إذا ملأته ماء وشددته عليه.\nوقول بعضهم: (كاظمين) أي ساكتين. لا ينافي ما ذكرنا؛ لأن الخوف والغم الذي ملأ قلوبهم يمنعهم من الكلام، فلا يقدرون عليه، ومن إطلاق الكظم على السكوت قول العجاج:\nوربَّ أسراب حجيج كُظَّم ... عن اللَّغا ورفَثِ التكلُّمِ\nويرجع إلى هذا القول معنى قول من قال: (كاظمين) أي لا يتكلمون إلا من أذن له الله وقال الصواب، كما قال تعالى: ﴿لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا (٣٨)﴾.\nوقوله: ﴿كَاظِمِينَ﴾ حال من أصحاب القلوب على المعنى. والتقدير: إذ القلوب لدي الحناجر، أي إذ قلوبهم لدي حناجرهم في حال كونهم كاظمين، أي ممتلئين خوفًا وغمًّا وحزنًا.\nولا يبعد أن يكون حالًا من نفس القلوب؛ لأنها وصفت بالكظم","vol":"7","page":88},{"text":"الذي هو صفة أصحابها. ونظير ذلك في القرآن: ﴿إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾ فإنه أطلق في هذه الآية الكريمة على الكواكب والشمس والقمر صفة العقلاء في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ (٤)﴾، والمسوغ لذلك وصفه الكواكب والشمس والقمر بصفة العقلاء التي هي السجود.\nونظير ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنْ نَشَأْ نُنَزِّلْ عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ آيَةً فَظَلَّتْ أَعْنَاقُهُمْ لَهَا خَاضِعِينَ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1684> قوله تعالى: ﴿مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ (١٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة البقرة وسورة الأعراف، وأحلنا عليه مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1685> قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام علي ما يماثله من الآيات في أول سورة هود، وفي غيرها، وأحلنا عليه أيضًا مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1686> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٢٣) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (٢٤)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، بآياته وحججه الواضحة، كالعصا واليد البيضاء، إلى فرعون وهامان وقارون، فكذبوه وزعموا أنه ساحر.","vol":"7","page":89},{"text":"وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، كقوله تعالى عن فرعون وقومه: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا﴾، وقوله تعالى عن فرعون: ﴿إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ لِلْمَلَإِ حَوْلَهُ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (٣٤)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة، وقد بيناها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1687> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، عاذ بربه، أي اعتصم به وتمنَّع، (من كل متكبر)، أي متصف بالكبر، (لا يؤمن بيوم الحساب) أي لا يصدق بالبعث والجزاء.\nوسبب عياذ موسى بربه المذكور، أن فرعون قال لقومه: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ (٢٦)﴾.\nفعياذ موسى المذكور باللَّه إنما هو في الحقيقة من فرعون، وإن كانت العبارة أعم من خصوص فرعون؛ لأن فرعون لا شك أنه متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، فهو داخل في الكلام دخولًا أوليًا، وهو المقصود بالكلام.\nوما ذكره جل وعلا في آية المؤمن هذه، من عياذ موسى باللَّه من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، كفرعون وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى مخاطبًا فرعون وقومه: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ (٢٠)﴾ الآية.","vol":"7","page":90},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1688> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آل فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن رجلًا مؤمنًا من آل فرعون (يكتم إيمانه) أي يخفي عنهم أنه مؤمن، أنكر علي فرعون وقومه إرادتهم قتل نبي الله موسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، حين قال فرعون: ﴿ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ﴾ الآية، مع أنه لا ذنب له يستحق به القتل، إلا أنه يقول: ربي الله.\nوقد بين في آيات أخر أن من عادة المشركين قتل المسلمين، والتنكيل بهم، وإخراجهم من ديارهم من غير ذنب، إلا أنهم يؤمنون باللَّه ويقولون: ربنا الله، كقوله تعالى في أصحاب الأخدود، الذين حرقوا المؤمنين: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (٣٩) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقوله تعالى عن الذين كانوا سحرة لفرعون، وصاروا من خيار المؤمنين، لما هددهم فرعون قائلًا: ﴿لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (١٢٤)﴾ أنهم أجابوه بما ذكره الله عنهم في قوله: ﴿قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (١٢٥) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوالتحقيق أن الرجل المؤمن المذكور في هذه الآية من جماعة فرعون، كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿مِنْ آل فِرْعَوْنَ﴾.\nفدعوى أنه إسرائيلي، وأن في الكلام تقديمًا وتأخيرًا، وأن (من","vol":"7","page":91},{"text":"آل فرعون) متعلق بِـ (يكتم)، أي وقال رجل مؤمن يكتم إيمانه من آل فرعون، أي يخفي إيمانه عن فرعون وقومه = خلاف التحقيق، كما لا يخفى.\nوقيل: إن هذا الرجل المؤمن هو الذي قال لموسى: ﴿إِنَّ الْمَلأَ يَأْتَمِرُونَ بِكَ لِيَقْتُلُوكَ فَاخْرُجْ﴾. وقيل غيره.\nواختلف العلماء في اسمه اختلافًا كثيرًا، فقيل: اسمه حبيب، وقيل اسمه شمعان، وقيل اسمه حزقيل، وقيل غير ذلك، ولا دليل على شيء من ذلك.\nوالظاهر في إعراب المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (أن يقول ربي الله) أنه مفعول من أجله.\nوقال البخاري ﵀ في صحيحه في تفسير هذه الآية الكريمة: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا الوليد بن مسلم، حدثنا الأوزاعي، قال: حدثني يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التيمي، حدثني عروة بن الزبير قال: قلت لعبد الله بن عمرو بن العاص: أخبرني بأشد ما صنع المشركون برسول الله - ﷺ -. قال: بينا رسول الله - ﷺ - يصلي بفناء الكعبة إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فأخذ بمنكب رسول الله - ﷺ - ولوي ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر فأخذ بمنكبه ودفع عن رسول الله - ﷺ -، وقال: \"أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم\".\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1689> قوله تعالى: ﴿قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَي وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾</span>.\nالظاهر أن (أرى) في هذه الآية الكريمة علمية، عرفانية،","vol":"7","page":92},{"text":"تتعدى لمفعول واحد، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nلعلم عرفان وظَنِّ تُهَمةْ ... تعديةٌ لواحد ملتزمة\nوعليه فالمعنى: قال فرعون: ما أعلمكم وأعرفكم من حقيقة موسى، وأنه ينبغي أن يقتل، خوف أن يبدل دينكم، ويظهر الفساد في أرضكم، (إلا ما أري) أي أعلم وأعرف أنه الحق والصواب، فما أخفي عنكم خلاف ما أظهره لكم، وما أهديكم بهذا إلا سبيل الرشاد، أي طريق السداد والصواب.\nوهذان الأمران اللذان ذكر تعالى عن فرعون إنه قالهما في هذه الآية الكريمة قد بين في آيات أخر أن فرعون كاذب في كل واحد منهما.\nأما الأول منهما وهو قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَي﴾ فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه، وأوضح فيها أنه يعلم ويتيقن أن الآيات التي جاءه بها موسى حق، وأنها ما أنزلها إلا الله، وأنه جحدها هو ومن استيقنها معه من قومه ليستخفوا بها عقول الجهلة منهم، كقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾.\nفقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾ دليل واضح على أن فرعون كاذب في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾.\nوكقوله تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿قَالَ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ","vol":"7","page":93},{"text":"هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ بَصَائِرَ وَإِنِّي لأَظُنُّكَ يَافِرْعَوْنُ مَثْبُورًا (١٠٢)﴾، فقول نبي الله موسى لفرعون: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنْزَلَ هَؤُلَاءِ إِلَّا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ مؤكدًا إخباره بأن فرعون عالم بذلك بالقسم، قد دل أيضًا على أنه كاذب في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾.\nوكان غرض فرعون بهذا الكذب التدليسُ والتمويه؛ ليظن جهلة قومه أن معه الحق، كما أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (٥٤)﴾.\nوأما الأمر الثاني وهو قوله: ﴿وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ (٢٩)﴾، فقد بين تعالى كذبه فيه في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ (٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى (٧٩)﴾.\nوقال بعض العلماء في قوله: ﴿مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى﴾: أي ما أشير عليكم إلا بما أرى لنفسي، من قتل موسى. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1690> قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات الدالة على أن السيئات لا تضاعف، ولا تجزى إلا بمثلها، بَيْنها وبين الآيات الأخرى الدالة على أن السيئات ربما ضوعفت في بعض الأحوال، كقوله تعالى في نبينا - ﷺ -: ﴿إِذًا لأَذَقْنَاكَ ضِعْفَ الْحَيَاةِ وَضِعْفَ الْمَمَاتِ﴾، وقوله تعالى في نسائه ﵅: ﴿يَانِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ معروف. وقد قدمنا الجواب عنه موضحًا في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَن جَآءَ","vol":"7","page":94},{"text":"بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٩٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1691> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (٤٠)﴾</span>.\nقد أضحنا معنى هذه الآية الكريمة، وبينا العمل الصالح بالآيات القرآنية، وأوضحنا الآيات المبينة لمفهوم المخالفة في قوله: ﴿وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في سورة النحل، في الكلام قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَي وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية، وفي أول سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا حَسَنًا (٢) مَاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا (٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1692> قوله تعالى: ﴿وَتَدْعُونَنِي إِلَي النَّارِ (٤١) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ﴾</span>.\nالظاهر أن جملة قوله: (تدعونني لأكفر باللَّه) بدل من قوله: (وتدعونني إلى النار)؛ لأن الدعوة إلى الكفر باللَّه والإِشراك به دعوة إلى النار.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفر والإِشراك باللَّه مستوجب لدخول النار، بينه تعالى في آيات كثيرة من كتابه، كقوله: ﴿إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، وقد قدمنا ما فيه كفاية من ذلك في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِ﴾ الآية.","vol":"7","page":95},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1693> قوله تعالى: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾</span>.\nالتحقيق الذي لا شك فيه، أن هذا الكلام من كلام مؤمن آل فرعون الذي ذكر الله عنه، وليس لموسى فيه دخل.\nوقوله: ﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ﴾، يعني أنهم يوم القيامة يعلمون صحة ما كان يقول لهم، ويذكرون نصيحته، فيندمون حيث لا ينفع الندم، والآيات الدالة علي مثل هذا من أن الكفار تنكشف لهم يوم القيامة حقائق ما كانوا يكذبون به في الدنيا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ قُلْ لَسْتُ عَلَيْكُمْ بِوَكِيلٍ (٦٦) لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٤٤) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ دليل واضح علي أن التوكل الصادق علي الله، وتفويض الأمور إليه، سبب للحفظ والوقاية من كل سوء. وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، كقولهم: سها فسجد، أي سجد لعلة سهوه، وسرق فقطعت يده، أي لعلة سرقته، كما قدمناه مرارًا.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون التوكل على الله سببًا للحفظ، والوقاية من السوء، جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى:","vol":"7","page":96},{"text":"﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ (١٧٣) فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ﴾.\nوقد ذكرنا الآيات الدالة على ذلك بكثرة في أول سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾.\nوالظاهر أن (ما) في قوله: ﴿فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا﴾ مصدرية، أي فوقاه الله سيئات مكرهم، أي أضرار مكرهم وشدائده، والمكر: الكيد.\nفقد دلت هذه الآية الكريمة، علي أن فرعون وقومه أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن الكريم، وأن الله وقاه، أي حفظه ونجاه من أضرار مكرهم وشدائده، بسبب توكله على الله، وتفويضه أمره إليه.\nوبعض العلماء يقول: نجاه الله منهم مع موسى وقومه وبعضهم يقول: صعد جبلًا فأعجزهم الله عنه ونجاه منهم. وكل هذا لا دليل عليه، وغاية ما دل عليه القرآن أن الله وقاه سيئات مكرهم، أي حفظه ونجاه منها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (٤٥)﴾ معناه أنهم كما أرادوا أن يمكروا بهذا المؤمن، وقاه الله مكرهم، ورد العاقبة السيئة عليهم، فرد سوء مكرهم إليهم، فكان المؤمن المذكور ناجيًا في الدنيا والآخرة، وكان فرعون وقومه هالكين في الدنيا والآخرة والبرزخ.","vol":"7","page":97},{"text":"فقال في هلاكهم في الدنيا: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ﴾ الآية، وأمثالها من الآيات.\nوقال في مصيرهم في البرزخ: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾.\nوقال في عذابهم في الآخرة: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (٤٦)﴾.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة، من حيق المكر السَّيِّء، بالماكر، أوضحه تعالى في قوله: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾.\nوالعرب تقول: حاق به المكروه يحيق به حيقًا وحيوقًا، إذا نزل به وأحاط به. ولا يطلق إلا على إحاطة المكروه خاصة، يقال: حاق به السوء والمكروه، ولا يقال: حاق به الخير، فمادة الحيق من الأجوف الذي هو يائي العين، والوصف منه حائق، على القياس، ومنه قول الشاعر:\nفأوطأ جُرْد الخيل عقر دِيارِهم ... وحاقَ بهمْ من يأس ضبَّة حائقُ\nوقد قدمنا أن وزن السيئة بالميزان الصرفي \"فيعلة\"، من السوء، فأدغمت ياء الفيعلة الزائدة في الواو التي هي عين الكلمة، بعد إبدال الواو ياء، على القاعدة التصريفية المشار إليها في الخلاصة بقوله:\nإن يسكن السابق من وَاوٍ وَيَا ... واتصلا ومن عروض عَرِيا\nفياءً الواو اقلِبَنَّ مدغمًا ... وشذَّ معطًى غير ما قدر رسما","vol":"7","page":98},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1694> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (٤٧) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (٤٨)﴾</span>\nقوله تعالى: ﴿يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ﴾ أصله يتفاعلون، من الحجة، أي يختصمون ويحتج بعضهم على بعض.\nوما تضمنته هذا الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلَا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ (٣١) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ (٣٢) وَقَالَ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ إِذْ تَأْمُرُونَنَا أَنْ نَكْفُرَ بِاللَّهِ وَنَجْعَلَ لَهُ أَنْدَادًا﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (٣٨) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَرَزُوا لِلَّهِ جَمِيعًا فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْنَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١) وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ","vol":"7","page":99},{"text":"وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا الكلام عليها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1695> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل النار طلبوا من خزنة جهنم أن يدعوا لهم الله أن يخفف عنهم من شدة عذاب النار.\nوقد بين في سورة الزخرف أنهم نادوا مالكًا خاصة، من خزنة أهل النار، ليقضي الله عليهم، أي ليميتهم فيستريحوا بالموت من عذاب النار.\nوقد أوضح جل وعلا في آيات من كتابه، أنهم لا يجابون في واحد من الأمرين، فلا يخفف عنهم العذاب، الذي سألوا تخفيفه في سورة المؤمن هذه، ولا يحصل لهم الموت الذي سألوه في سورة الزخرف.\nفقال تعالى في عدم تخفيف العذاب عنهم في هذه الآية: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (٥٠)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (٣٦)﴾، وقال تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إِلَّا عَذَابًا (٣٠)﴾، وقال تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُونَ (٧٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾، وقال تعالى: ﴿فَسَوْفَ","vol":"7","page":100},{"text":"يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾، وقال تعالى ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾.\nوقال تعالى في عدم موتهم في النار: ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُ مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾، ولما قالوا: ﴿لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ﴾ أجابهم بقوله: ﴿قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1696> قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه مع الآيات التي بمعناه في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1697> قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (٥١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا من ذلك في الصافات، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢)﴾، وستأتي له زيادة إيضاح إن شاء الله في سورة المجادلة.","vol":"7","page":101},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1698> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى وَأَوْرَثْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ الْكِتَابَ (٥٣) هُدًى وَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ (٥٤)﴾</span>.\nاللام في قوله: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْهُدَى﴾ موطئة للقسم، وصيغة الجمع في (آتينا) (وأورثنا) للتعظيم.\nوالمراد بالهدى ما تضمنته التوراة من الهدى في العقائد والأعمال، (وأورثنا بني إسرائيل الكتاب) وهو التوراة، وقوله: (هدى وذكرى لأولي الألباب) مفعول من أجله، أي لأجل الهدى والتذكير.\nوقال بعضهم: (هدى) حال، وورود المصدر المنكر حالًا معروف، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nومصدر منكر حالًا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع\nوقال القرطبي: (هدى) بدل من الكتاب، أو خبر مبتدأ محذوف.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله أنزل التوراة على موسى، وأنزل فيها الهدى لبني إسرائيل، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ أَلَّا تَتَّخِذُوا مِنْ دُونِي وَكِيلًا (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ آتَيْنَا","vol":"7","page":102},{"text":"مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (١٥٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1699> قوله تعالى: ﴿إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾، وذكرنا هناك بعض النتائج السيئة الناشئة عن الكبر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1700> قوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾</span>.\nقد قدمنا أن هذه الآية من البراهين الدالة على البعث، وأوضحنا كل البراهين الدالة على البعث بالآيات القرآنية بكثرة في سورة البقرة، وسورة النحل، وأحلنا على مواضع ذلك مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1701> قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾</span> الآية.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ﴾ قد قدمنا الكلام عليه في سورة هود، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ﴾ الآية.","vol":"7","page":103},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَلَا الْمُسِيءُ﴾ قد قدمنا إيضاح معناه بالآيات القرآنية، في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1702> قوله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (٥٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1703> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾</span>.\nقال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾: اعبدوني أثبكم عن عبادتكم، ويدل لهذا قوله بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ (٦٠)﴾.\nوقال بعض العلماء: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ أي اسألوني أعطكم.\nولا منافاة بين القولين؛ لأن دعاء الله من أنواع عبادته.\nوقد أوضحنا هذا المعنى، وبينا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ مع قوله تعالى: ﴿بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ﴾، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.","vol":"7","page":104},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1704> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٦١)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّوْمَ سُبَاتًا وَجَعَلَ النَّهَارَ نُشُورًا (٤٧)﴾، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام علي قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيْلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1705> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1706> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٦٨)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (٤٠)﴾ وبينا أوجه القراءة في قوله: (فيكون) هناك.","vol":"7","page":105},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1707> قوله تعالى: ﴿قِيلَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِينَ (٧٢)﴾</span>.\nلم يبين هنا جل وعلا عدد أبواب جهنم، ولكنه بين ذلك في سورة الحجر، في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمَوْعِدُهُمْ أَجْمَعِينَ (٤٣) لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ لِكُلِّ بَابٍ مِنْهُمْ جُزْءٌ مَقْسُومٌ (٤٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1708> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الله ﵎ قص على نبيه - ﷺ - أنباء بعض الرسل، أي كنوح، وهود، وصالح، وإبراهيم، ولوط، وشعيب، وموسى، وأنه لم يقصص عليه أنباء رسل آخرين، بينه في غير هذا الموضع، كقوله في سورة النساء: ﴿وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤)﴾، وأشار إلى ذلك في سورة إبراهيم في قوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية، وفي سورة الفرقان في قوله تعالى: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَأَصْحَابَ الرَّسِّ وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا (٣٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1709> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾</span>.\nقوله هنا: (فإذا جاء أمر الله) أي قامت القيامة، كما قدمنا إيضاحه في قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ أي فإذا قامت القيامة قضي بين الناس بالحق الذي لا يخالطه حيف ولا جور، كما","vol":"7","page":106},{"text":"قال تعالى: ﴿وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْمَلَائِكَةَ حَافِّينَ مِنْ حَوْلِ الْعَرْشِ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ﴾.\nوالحق المذكور في هذه الآيات: هو المراد بالقسط المذكور في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ فَإِذَا جَاءَ رَسُولُهُمْ قُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه إذا قامت القيامة يخسر المبطلون، أوضحه جل وعلا في سورة الجاثية في قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾.\nوالمبطل: هو من مات مصرًا على الباطل.\nوخسران المبطلين المذكور هنا، قد قدمنا بيانه في سورة يونس، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ (٤٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1710> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٩) وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَلِتَبْلُغُوا عَلَيْهَا حَاجَةً فِي صُدُورِكُمْ وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٨٠)﴾</span>.\nقد قدمنا أن لفظة \"جَعَل\"، تأتي في اللغة العربية لأربعة معانٍ، ثلاثة منها في القرآن:\nالأول: إتيان \"جَعَل\" بمعنى اعتقد، ومنه قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾ أي اعتقدوهم إناثًا، ومعلوم أن هذه تنصب المبتدأ والخبر.","vol":"7","page":107},{"text":"الثاني: \"جَعَل\" بمعنى صيَّر، كقوله: ﴿حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ (١٥)﴾، وهذه تنصب المبتدأ والخبر أيضًا.\nالثالث: \"جَعَل\" بمعنى خلق، كقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ﴾ أي خلق السماوات والأرض وخلق الظلمات والنور.\nوالظاهر أن منه قوله هنا: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ﴾ أي خلق لكم الأنعام، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ﴾، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ﴾ الآية.\nوالرابع، وهو الذي ليس في القرآن: \"جَعَل\" بمعنى شرع، ومنه قوله:\nوقد جعلت إذا ما قمت يثقلني ... ثوبي فأنهض نهض الشارب السَّكِرِ\nوما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من الامتنان بهذه النعم الكثيرة التي أنعم عليهم بها، بسبب خلقه لهم الأنعام، وهي الذكور والإِناث من الإِبل والبقر والضأن والمعز، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله: (والأنعام والحرث) = بينه أيضًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٥) وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ (٦) وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ﴾، والدفء ما يتدفئون به في الثياب المصنوعة","vol":"7","page":108},{"text":"من جلود الأنعام وأوبارها وأشعارها وأصوافها، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١) وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ (٧٢) وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ (٦٦)﴾، وقوله تعالى ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (٢١) وَعَلَيْهَا وَعَلَى الْفُلْكِ تُحْمَلُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (١٤٢) ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ﴾ إلى قوله: ﴿أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1711> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾</span> الآية.\nقد ذكرنا الآيات الموضحة له في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، وبينا مواضعها في سورة الروم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية.","vol":"7","page":109},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1712> قوله تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ آلْآنَ وَقَدْ كُنْتُمْ بِهِ تَسْتَعْجِلُونَ (٥١)﴾، وفي سورة ص في الكلام على قوله تعالى ﴿فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ (٣)﴾.\n\n* * *","vol":"7","page":110},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1713>سورة فصلت</span>","vol":"7","page":111},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1714> قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه وعلى نظائره من الآيات، في أول سورة الزمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1715> قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾</span>.\n(كتاب) خبر مبتدأ محذوف، أي هذا كتاب، والكتاب: فِعَال بمعنى مفعول، أي مكتوب.\nوإنما قيل له كتاب؛ لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ، كما قال تعالى: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ (٢١) فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ (٢٢)﴾، ومكتوب أيضًا في صحف عند الملائكة، كما قال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ (١١) فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ (١٢) فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ (١٣) مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ (١٤) بِأَيْدِي سَفَرَةٍ (١٥) كِرَامٍ بَرَرَةٍ (١٦)﴾.\nوقال تعالى في قراءة النبي - ﷺ - لما تضمنته الصحف المكتوب فيها القرآن: ﴿رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُطَهَّرَةً (٢) فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ (٣)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾.\nالتفصيل ضد الإِجمال، أي فصل الله آيات هذا القرآن، أي بينها","vol":"7","page":113},{"text":"وأوضح فيها ما يحتاج إليه الخلق من أمور دينهم ودنياهم.\nوالمسوغ لحذف الفاعل في قوله تعالى: ﴿فُصِّلَتْ آيَاتُهُ﴾ هو العلم بأن تفصيل آيات هذا القرآن لا يكون إلا من الله وحده.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من تفصيل آيات هذا الكتاب، جاء موضحًا في آيات أخر، مبينًا فيها أن الله فصله على علم منه، وأن الذي فصله حكيم خبير، وأنه فصَّله ليهدي به الناس ويرحمهم، وأن تفصيله شامل لكل شيء، وأنه لا شك أنه منزل من الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (١١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1716> قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤)﴾</span>.\nقوله: (قرآنًا عربيًا) قد تكلمنا عليه وعلى الآيات التي بمعناه في القرآن في سورة الزمر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣)﴾، أي فصلت آياته، في حال كونه قرآنًا عربيًا، لقوم يعلمون.\nوإنما خصهم بذلك؛ لأنهم هم المنتفعون بتفصيله، كما","vol":"7","page":114},{"text":"خصهم بتفصيل الآيات في سورة يونس في قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾، وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٩٧) وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ (٩٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أوضحنا وجه تخصيص المنتفعين بالأمر المشترك دون غيرهم في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾، وبينا هناك أن تخصيصهم بالإنذار دون غيرهم، في آية فاطر هذه، وفي قوله تعالى في يس ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾، وقوله في النازعات: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا (٤٥)﴾، وقوله في الأنعام: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ الآية، مع أن أصل الإِنذار عام شامل للمذكورين وغيرهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾.\nوإنما خص المذكورين بالإِنذار؛ لأنهم هم المنتفعون به؛ لأن من لم ينتفع بالإِنذار، ومن لم ينذر أصلًا، سواء في عدم الانتفاع، كما قال الله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ حال بعد حال. وقد قدمنا الكلام عليه وبعض شواهده العربية في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، وبسطنا الكلام عليه في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٢)﴾.","vol":"7","page":115},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾، وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا يَسْمَعُونَ﴾ أي لا يسمعون سماع قبول وانتفاع.\nوقد أوضحنا ذلك بالآيات القرآنية في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1717> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار صرحوا للنبي - ﷺ - بأنهم لا يستجيبون له ولا يؤمنون به، ولا يقبلون منه ما جاءهم به، فقالوا له: قلوبنا التي نعقل بها ونفهم في أكنة، أي أغطية.\nوالأكنة، جمع كنان، وهو الغطاء والغلاف الذي يغطي الشيء ويمنعه من الوصول إليه.\nويعنون: أن تلك الأغطية مانعة لهم من فهم ما يدعوهم إليه - ﷺ -، وقالوا: إن في آذانهم التي يسمعون بها وقرًا، أي: ثقلًا، وهو الصمم.\nوأن ذلك الصمم مانع لهم من أن يسمعوا من النبي - ﷺ - شيئًا مما يقول، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾.","vol":"7","page":116},{"text":"وأن من بينهم وبينه حجابًا مانعًا لهم من الاتصال والاتفاق؛ لأن ذلك الحجاب يحجب كلًا منهما عن الآخر، ويحول بينهم وبين رؤية ما يبديه  - ﷺ -  الحق.\nواللَّه جل وعلا ذكر عنهم هذا الكلام في معرض الذم، مع أنه تعالى صرح بأنه جعل على قلوبهم الأكنة، وفي آذانهم الوقر، وجعل بينهم وبين رسوله حجابًا عند قراءته القرآن، قال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥) وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾، وقال تعالى في الأنعام: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا﴾، وقال تعالى في الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾.\nوهذا الإِشكال الذي أشرنا إليه في هذه الآيات قوي، ووجه كونه مشكلًا ظاهر؛ لأنه تعالى ذمهم على دعواهم الأكنة والوقر والحجاب في هذه الآية الكريمة من فصلت، وبين في الآيات الأخرى أن ما ذمهم على ادعائه واقع بهم فعلًا، وأنه تعالى هو الذي جعله فيهم.\nفيقال: فكيف يذمون على قول شيء، هو حق في نفس الأمر؟\nوالتحقيق في الجواب عن هذا الإِشكال، هو ما ذكرنا مرارًا من أن الله إنما جعل على قلوبهم الأكنة، وطبع عليها وختم عليها، وجعل الوقر في آذانهم، ونحو ذلك من الموانع من الهدى، بسبب أنهم بادروا إلى الكفر وتكذيب الرسل طائعين مختارين، فجزاهم الله","vol":"7","page":117},{"text":"على ذلك الذنب الأعظم، طمس البصيرة، والعمى عن الهدى، جزاء وفاقًا.\nفالأكنة والوقر والحجاب المذكورة إنما جعلها الله عليهم مجازاة لكفرهم الأول.\nومن جزاء السيئة تمادي صاحبها في الضلال، وللَّه الحكمة البالغة في ذلك.\nوالآيات المصرحة بمعنى هذا كثيرة في القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾.\nفقول اليهود في الآية: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ كقول كفار مكة: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ﴾؛ لأن الغُلْف جمع أغلف وهو الذي عليه غلاف، والأكنة جمع كِنان، والغلاف والكنان كلاهما بمعنى الغطاء الساتر.\nوقد رد الله علي اليهود دعواهم بـ (بل) التي هي للإِضراب الإِبطالي، في قوله: ﴿بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾.\nفالباء في قوله: (بكفرهم) سببية، وهي دالة على أن سبب الطبع على قلوبهم هو كفرهم، والأكنة والوقر والطبع كلها من باب واحد.\nوكقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾، والفاء في قوله: (فطبع) سببية، أي ثم كفروا فطبع على قلوبهم بصبب ذلك الكفر.\nوقد قدمنا مرارًا أنه تقرر في الأصول أن الفاء من حروف التعليل، ومن المعلوم أن العلة الشرعية سبب شرعي.\nوكذلك الفاء في قوله: ﴿فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾ فهي سببية أيضًا،","vol":"7","page":118},{"text":"أي فطبع على قلوبهم، فهم بسبب ذلك الطبع (لا يفقهون) أي لا يفهمون من براهين الله وحججه شيئًا.\nوذلك ما يبين أن الطبع والأكنة يؤول معناهما إلى شيء واحد، وهو ما ينشأ عن كل منهما من عدم الفهم؛ لأنه قال في الطبع: ﴿فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٣)﴾، وقال في الأكنة: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ﴾ أي كراهة أن يفقهوه، أو لأجل ألا يفقهوه، كما قدمنا إيضاحه.\nوكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ فبين أن زيغهم الأول كان سببًا لإِزاغة الله قلوبهم، وتلك الإِزاغة قد تكون بالأكنة والطبع والختم على القلوب.\nوكقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية.\nوإيضاح هذا الجواب: أن الكفار قالوا للنبي  - ﷺ -: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ يقصدون بذلك إخباره  - ﷺ -  بأنهم لا يؤمنون به بوجه، ولا يتبعونه بحال، ولا يقرون بالحق الذي هو كون كفرهم هذا هو الجريمة والذنب الذي كان سببًا في الأكنة والوقر والحجاب.\nفدعواهم كاذبة؛ لأن الله جعل لهم قلوبًا يفهمون بها، وآذانًا يسمعون بها، خلافًا لما زعموا، ولكنه سبَّب لهم الأكنة والوقر والحجاب، بسبب مبادرتهم إلى الكفر وتكذيب الرسول  - ﷺ - .","vol":"7","page":119},{"text":"وهذا المعنى أوضحه رده تعالى على اليهود في قوله عنهم: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ﴾.\nوقد حاول الفخر الرازي في تفسير هذه الآية الكريمة الجواب على الإِشكال المذكور، فقال: فإن قيل: إنه تعالى حكى هذا المعنى عن الكفار في معرض الذم، وذكر أيضًا ما يقرب منه في معرض الذم، فقال: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ﴾، ثم إنه تعالى ذكر هذه الأشياء الثلاثة بعينها في معنى التقرير والإِثبات في سورة الأنعام، فقال: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ فكيف الجمع بينهما؟\nقلنا: إنه لم يقل ها هنا: إنهم كَذَبوا في ذلك، إنما الذي ذمهم عليه أنهم قالوا: إنا إذا كنا كذلك، لم يجز تكليفنا وتوجيه الأمر والنهي علينا.\nوهذا الثاني باطل، أما الأول: فلأنه ليس في الآية ما يدل على أنهم كذبوا فيه. اهـ منه. والأظهر هو ما ذكرنا.\nقال صاحب الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾:\nفإن قلت: هل لزيادة (من) في قوله: (ومن بيننا وبينك حجاب) فائدة؟ قلت: نعم؛ لأنه لو قيل: وبيننا وبينك حجاب، لكان المعنى أن حجابًا حاصل وسط الجهتين.\nوأما بزيادة (مِنْ) فالمعنى: أن حجابًا ابتدأ منا وابتدأ منك؛ فالمسافة المتوسطة لجهتنا وجهتك مستوعَبة بالحجاب، لا فراغ فيها. انتهى منه.","vol":"7","page":120},{"text":"واستحسن كلامه هذا الفخر الرازي، وتعقبه ابن المنير على الزمخشري، فأوضح سقوطه، والحق معه في تعقبه عليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ﴾ قد قدمنا تفسيره وإيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا (٤٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1718> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة نبيه - ﷺ - أن يقول للناس: ﴿أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾.\nوالقصر في قوله: ﴿إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ﴾ ضافي، أي لا أقول لكم: إني ملك، وإنما أنا رجل من البشر.\nوقوله: ﴿مِثْلُكُمْ﴾ في الصفات البشرية، ولكن الله فضلني بما أوحى إلى من توحيده.\nكما قال تعالى عن الرسل في سورة إبراهيم: ﴿قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ أي كما منَّ علينا بالوحي والرسالة.\nوما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في آخر سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا﴾ الآية.","vol":"7","page":121},{"text":"وقد أوضحنا وجه حصر ما أوحي إليه - ﷺ - في مضمون \"لا إله إلا الله\" في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَهَلْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (١٠٨)﴾ في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nوبينا في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك إنكار المشركين كون الرسل من البشر، وأنهم ينبغي أن يكونوا من الملائكة، وما رد الله عليهم به ذلك من الآيات القرآنية، أوضحنا ذلك في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾ وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا﴾ إلى قوله: ﴿لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِمْ مِنَ السَّمَاءِ مَلَكًا رَسُولًا (٩٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1719> قوله تعالى: ﴿وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧)﴾</span>.\nقد استدل بعض علماء الأصول بهذه الآية الكريمة علي أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة؛ لأنه تعالى صرح في هذه الآية الكريمة بأنهم مشركون، وأنهم كافرون بالآخرة، وقد توعدهم بالويل على شركهم وكفرهم بالآخرة، وعدم إيتائهم الزكاة، سواء قلنا إن الزكاة في الآية هي زكاة المال المعروفة، أو زكاة الأبدان بفعل الطاعات واجتناب المعاصي.\nورجح بعضهم القول الأخير؛ لأن سورة فصلت هذه من القرآن النازل بمكة قبل الهجرة، وزكاة المال المعروفة إنما فرضت بعد الهجرة سنة اثنتين، كما قدمناه في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.","vol":"7","page":122},{"text":"وعلى كل حال، فالآية تدل على خطاب الكفار بفروع الإِسلام. أعني امتثال أوامره واجتناب نواهيه.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كونهم مخاطبين بذلك، وأنهم يعذبون على الكفر، ويعذبون على المعاصي، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى عنهم مقررًا له: ﴿مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ (٤٢) قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ (٤٣) وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ (٤٤) وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ (٤٥) وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (٤٦) حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ (٤٧)﴾.\nفصرح تعالى عنهم، مقررًا له، أن من الأسباب التي سلكتهم في سقر، أي أدخلتهم النار، عدم الصلاة، وعدم إطعام المسكين، وعَدَّ ذلك مع الكفر بسبب التكذيب بيوم الدين.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَغُلُّوهُ (٣٠) ثُمَّ الْجَحِيمَ صَلُّوهُ (٣١) ثُمَّ فِي سِلْسِلَةٍ ذَرْعُهَا سَبْعُونَ ذِرَاعًا فَاسْلُكُوهُ﴾، ثم بين سبب ذلك فقال: ﴿إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ (٣٣) وَلَا يَحُضُّ عَلَى طَعَامِ الْمِسْكِينِ (٣٤) فَلَيْسَ لَهُ الْيَوْمَ هَاهُنَا حَمِيمٌ (٣٥) وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ (٣٦)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1720> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨)﴾</span>.\nالأجر جزاء العمل، وجزاء عمل الذين آمنوا وعملوا الصالحات هو نعيم الجنة، وذلك الجزاء (غير ممنون) أي غير مقطوع، فالممنون اسم مفعول مَنَّهُ بمعنى قطعه، ومنه قول لبيد بن ربيعة في معلقته:\nلمعفر فهدٍ تنازع شِلْوَهُ ... غُبْسٌ كواسِبُ ما يمن طعامها\nفقوله: ما يمن طعامها، أي ما يقطع.","vol":"7","page":123},{"text":"وقول ذي الأصبع:\nإني لعمرك ما بابي بذي غلق ... على الصديق ولا خيري بممْنونِ\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن أجرهم غير ممنون، نص الله تعالى عليه في آيات أخر من كتابه، كقوله تعالى في آخر سورة الانشقاق: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٢٥)﴾، وقوله تعالى في سورة التين: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٦)﴾، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ سُعِدُوا فَفِي الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ عَطَاءً غَيْرَ مَجْذُوذٍ (١٠٨)﴾.\nفقوله: (غير مجذوذ) أي مقطوع؛ وبه تعلم أن (غير مجذوذ) و(غير ممنون) معناهما واحد.\nوقوله تعالى في ص: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ (٥٤)﴾ أي ما له من انتهاء ولا انقطاع، وقوله في النحل: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.\nوهذا الذي ذكرنا هو الذي عليه الجمهور، خلافًا لمن قال: إن معنى (غير ممنون) غير ممنون عليهم به، وعليه، فالمن في الآية من جنس المن المذكور في قوله تعالى: ﴿لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى﴾.\nومن قال: إن معنى (غير ممنون) غير منقوص، محتجًا بأن العرب تطلق الممنون على المنقوص، قالوا: ومنه قول زهير:\nفضل الجياد على الخيل البِطاء فلا ... يعطي بذلك مَمْنونًا ولا نَزِقَا\nفقوله: \"ممنونًا\" أي منقوصًا.\nوهذا وإن صح لغة، فالأظهر أنه ليس معنى الآية، بل معناها هو ما قدمنا. والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":124},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1721> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾</span>.\nالظاهر أن معنى قوله هنا: (في أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام.\nوتتمة الأربعة حاصلة بيومين فقط؛ لأنه تعالى قال: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ ثم قال: (في أربعة أيام) أي في تتمة أربعة أيام، ثم قال: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، فتضم اليومين إلى الأربعة السابقة، فيكون مجموع الأيام التي خلق فيها السماوات والأرض وما بينهما، ستة أيام.\nوهذا التفسير الذي ذكرنا في الآية لا يصح غيره بحال؛ لأن الله تعالى صرح في آيات متعددة من كتابه بأنه خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام، كقوله في الفرقان: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾، وقوله تعالى في السجدة: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍّ﴾ الآية، وقوله تعالى في ق: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾، وقوله تعالى في الأعراف: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nفلو لم يفسر قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ بأن معناه: في تتمة أربعة أيام، لكان المعنى أنه تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ثمانية أيام؛ لأن قوله تعالى: ﴿فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ إذا فسر بأنها أربعة","vol":"7","page":125},{"text":"كاملة، ثم جمعت مع اليومين الذين خلقت فيهما الأرض المذكورين في قوله: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، واليومين الذين خلقت فيهما السماوات المذكورين في قوله تعالى: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، لكان المجموع ثمانية أيام.\nوذلك لم يقل به أحد من المسلمين.\nوالنصوص القرآنية مصرحة بأنها ستة أيام، فعلم بذلك صحة التفسير الذي ذكرنا، وصحة دلالة الآيات القرآنية عليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا﴾ قد قدمنا الكلام على أمثاله من الآيات في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَبَارَكَ فِيهَا﴾ أي أكثر فيها البركات، والبركة الخير.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ التقدير والخلق في لغة العرب معناهما واحد، والأقوات جمع قوت، والمراد بالأقوات أرزاق أهل الأرض ومعايشهم وما يصلحهم.\nوقد ذكرنا في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" أن آية فصلت هذه، أعني قوله تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾ يفهم منها الجيع بين الآيات الدالة على أن الأرض خلقت قبل السماء، كقوله هنا: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾، ثم رتب على ذلك بِـ (ثم) قولَه: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾، مع بعض الآيات الدالة على أن","vol":"7","page":126},{"text":"السماء خلقت قبل الأرض، كقوله تعالى في النازعات: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾.\nفقلنا في كتابنا المذكور ما نصه: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية، هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء، بدليل لفظة (ثم) التي هي للترتيب والانفصال.\nوكذلك آية حم السجدة، تدل أيضًا على خلق الأرض قبل السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾ إلى أن قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية.\nمع أن آية النازعات تدل على أن دحو الأرض بعد خلق السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧)﴾، ثم قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾.\nاعلم أولًا أن ابن عباس ﵄ سئل عن الجمع بين آية السجدة وآية النازعات، فأجاب بأن الله تعالى خلق الأرض أولًا قبل السماء غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعًا في يومين، ثم دحا الأرض بعد ذلك، وجعل فيها الرواسي والأنهار وغير ذلك.\nفأصل خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بجبالها وأشجارها ونحو ذلك بعد خلق السماء.\nويدل لهذا أنه قال: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾، ولم يقل: خلقها، ثم فسر دحوه إياها بقوله: ﴿أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١)﴾.\nوهذا الجمع الذي جمع به ابن عباس بين هاتين الآيتين واضح","vol":"7","page":127},{"text":"لا إشكال فيه، مفهوم من ظاهر القرآن العظيم، إلا أنه يرد عليه إشكال من آية البقرة هذه.\nوإيضاحه: أن ابن عباس جمع بأن خلق الأرض قبل خلق السماء، ودحوها بما فيها بعد خلق السماء، وفي هذه الآية التصريح بأن جميع ما في الأرض مخلوق قبل خلق السماء؛ لأنه قال فيها: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ الآية.\nوقد مكثت زمنًا طويلًا أفكر في حل هذا الإِشكال، حتى هدأني الله إليه ذات يوم ففهمته من القرآن العظيم.\nوإيضاحه: أن هذا الإِشكال مرفوع من وجهين، كل منهما تدل عليه آية من القرآن:\nالأول: أن المراد بخلق ما في الأرض جميعًا قبل خلق السماء: الخلق اللغوي الذي هو التقدير، لا الخلق بالفعل الذي هو الإِبراز من العدم إلى الوجود. والعرب تسمي التقدير خلقًا، ومنه قول زهير:\nولأنت تَفْري ما خلقت ... وبعض القوم يخلُقُ ثم لا يَفْري\nوالدليل على أن المراد بهذا الخلق التقدير: أنه تعالى نص على ذلك في سورة فصلت، حيث قال: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا﴾، ثم قال: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ الآية.\nالوجه الثاني: أنه لما خلق الأوض غير مدحوة، وهي أصل لكل ما فيها، كان كل ما فيها كأنه خلق بالفعل؛ لوجود أصله فعلًا.\nوالدليل من القرآن على أن وجود الأصل يمكن به إطلاق الخلق على الفرع وإن لم يكن موجودًا بالفعل، قولُه تعالى: ﴿وَلَقَدْ","vol":"7","page":128},{"text":"خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ﴾ الآية؛ فقوله: ﴿خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ﴾ أي بخلقنا وتصويرنا لأبيكم آدم الذي هو أصلكم.\nوجمع بعض العلماء بأن معنى قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠)﴾ أي مع ذلك، فلفظة (بعد) بمعنى مع. ونظيره قوله تعالى: ﴿عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ (١٣)﴾، وعليه فلا إشكال في الآية.\nويستأنس لهذا القول بالقراءة الشاذة، وبها قرأ مجاهد: والأرض مع ذلك دحاها.\nوجمع بعضهم بأوجه ضعيفة؛ لأنها مبنية على أن خلق السماء قبل الأرض، وهو خلاف التحقيق.\nمنها: أن (ثم) بمعنى الواو.\nومنها: أنها للترتيب الذكري، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1722> قوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾</span>.\nالمصابيح: النجوم.\nوما تضمنته هذه الآية من تزيين السماء الدنيا بالنجوم، قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية، في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَحِفْظًا﴾ قد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة الحجر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾ الآية.","vol":"7","page":129},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1723> قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه بالآيات القرآنية في سورة ص، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1724> قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾</span>.\nالصرصر: وزنه بالميزان الصرفي \"فعفل\"، وفي معنى الصرصر لعلماء التفسير وجهان معروفان:\nأحدهما: أن الريح الصرصر هي الريح العاصفة الشديدة الهبوب، التي يسمع لهبوبها صوت شديد، وعلى هذا، فالصرصر من الصرة، التي هي الصيحة المزعجة.\nومنه قوله تعالى: ﴿فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ﴾ أي في صيحة، ومن هذا المعنى: صرير الباب والقلم، أي صوتهما.\nالوجه الثاني: أن الصرصر من الصر الذي هو البرد الشديد المحرق، ومنه على أصح التفسيرين قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ﴾ الآية. أي فيها برد شديد محرق، ومنه قول حاتم الطائي:\nأوقد فإن الليل ليل قر ... والريح يا واقد ريح صرُّ\nعلَّ يرى نارك من يمر ... إن جلبت ضيفًا فأنت حرُّ\nفقوله: ريح صر، أي باردة شديدة البرد.","vol":"7","page":130},{"text":"والأظهر أن كلا القولين صحيح، وأن الريح المذكورة جامعة بين الأمرين، فهي عاصفة شديدة الهبوب، باردة شديد البرد.\nوما ذكره جل وعلا من إهلاكه عادًا بهذه الريح الصرصر، في تلك الأيام النحسات، أي المشؤومات النكدات؛ لأن النحس ضد السعد، وهو الشؤم = جاء موضحًا في آيات من كتاب الله.\nوقد بين تعالى في بعضها عدد الأيام والليالي التي أرسل عليهم الريح فيها، كقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦) سَخَّرَهَا عَلَيْهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ حُسُومًا فَتَرَى الْقَوْمَ فِيهَا صَرْعَى كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧) فَهَلْ تَرَى لَهُمْ مِنْ بَاقِيَةٍ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١) مَا تَذَرُ مِنْ شَيْءٍ أَتَتْ عَلَيْهِ إِلَّا جَعَلَتْهُ كَالرَّمِيمِ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩) تَنْزِعُ النَّاسَ كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾ الآية.\nوهذه الريح الصرصر هي المراد بصاعقة عاد في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ﴾ الآية.\nوقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وأبو عمر: (نَحْسات) بسكون الحاء. وعليه، فالنحس وصف أو مصدر نزل منزلة الوصف.\nوقرأه ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (نَحِسات) بكسر الحاء، ووجهه ظاهر.\nوقد قدمنا أن معنى النحسات: المشؤومات النكدات.","vol":"7","page":131},{"text":"وقال صاحب الدر المنثور: وأخرج الطستي عن ابن عباس ﵄، أن نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله ﷿: ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ﴾. قال: النحس، البلاء والشدة. قال: وهل تعرف العرب ذلك؟ قال: نعم، أما سمعت زهير بن أبي سلمى يقول:\nسواء عليه أي يوم أتيته ... أساعة نحس تتقى أم بأسعد\nوتفسير النحس بالبلاء والشدة تفسير بالمعنى؛ لأن الشؤم بلاء وشدة. ومقابلة زهير النحس بالأسعد في بيته يوضح ذلك، وهو معلوم.\nويزعم بعض أهل العلم، أنها من آخر شوال، وأن أولها يوم الأربعاء وآخرها يوم الأربعاء، ولا دليل على شيء من ذلك.\nوما يذكره بعض أهل العلم من أن يوم النحس المستمر، هو يوم الأربعاء الأخير من الشهر، أو يوم الأربعاء مطلقًا، حتى إن بعض المنتسبين لطلب العلم وكثيرًا من العوام صاروا يتشائمون بيوم الأربعاء الأخير من كل شهر، حتى إنهم لا يقدمون على السفر والتزوج ونحو ذلك فيه، ظانين أنه يوم نحس وشؤم، وأن نحسه مستمر على جميع الخلق في جميع الزمن، لا أصل له ولا معول عليه، ولا يلتفت إليه من عنده علم؛ لأن نحس ذلك اليوم مستمر على عاد فقط الذين أهلكهم الله فيه، فاتصل لهم عذاب البرزخ والآخرة بعذاب الدنيا، فصار ذلك الشؤم مستمرًا عليهم استمرارًا لا انقطاع له، أما غير عاد فليس مؤاخذًا بذنب عاد؛ لأنه لا تزر وازرة وزر أخرى.","vol":"7","page":132},{"text":"وقد أردنا هنا أن نذكر بعض الروايات التي اغتر بها من ظن استمرار نحس ذلك اليوم، لنبين أنها لا معول عليها.\nقال صاحب الدر المنثور: وأخرج ابن أبي حاتم عن زر بن حبيش ﴿فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾ قال: \"يوم الأربعاء\".\nوأخرج ابن المنذر وابن مردويه، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"قال لي جبريل: اقض باليمين مع الشاهد. وقال: يوم الأربعاء يوم نحس مستمر\".\nوأخرج ابن مردويه عن علي قال: \"نزل جبريل على النبي  - ﷺ -  باليمين مع الشاهد، والحجامة، ويوم الأربعاء يوم نحس مستمر\".\nوأخرج ابن مردويه عن عائشة قالت: كان رسول الله  - ﷺ -  يقول: \"يوم نحس: يوم الأربعاء\".\nوأخرج ابن مردويه عن أنس قال: \"سئل رسول الله  - ﷺ -  عن الأيام، وسئل عن يوم الأربعاء، قال: يوم نحس. قالوا: كيف ذلك يا رسول الله؟ قال: أغرق فيه الله فرعون وقومه، وأهلك عادًا وثمود\".\nوأخرج وكيع في الغرر وابن مردويه والخطيب بسند ضعيف عن ابن عباس قال: قال رسول الله  - ﷺ -: \"آخر أربعاء في الشهر يوم نحس مستمر\".\nفهذه الروايات وأمثالها لا تدل على شؤم يوم الأربعاء على من لم يكفر باللَّه ولم يعصه؛ لأن أغلبها ضعيف، وما صح معناه منها فالمراد بنحسه شؤمه على أولئك الكفرة العصاة الذين أهلكهم الله بسبب كفرهم ومعاصيهم.","vol":"7","page":133},{"text":"فالحاصل أن النحس والشؤم إنما منشؤه وسببه الكفر والمعاصي، أما من كان متقيًا للَّه مطيعًا له في يوم الأربعاء المذكور، فلا نحس ولا شؤم فيه عليه، فمن أراد أن يعرف النحس والشؤم والنكد والبلاء والشقاء على الحقيقة، فليتحقق أن ذلك كله في معصية الله وعدم امتثال أمره، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1725> قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ المراد بالهدى فيه هدى الدلالة والبيان والإِرشاد، لا هدى التوفيق والاصطفاء.\nوالدليل على ذلك قوله تعالى بعده: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ لأنها لو كانت هداية توفيق لما انتقل صاحبها عن الهدى إلى العمى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي اختاروا الكفر على الإِيمان، وآثروه عليه، وتعوضوه منه.\nوهذا المعنى الذي ذكرنا يوضحه قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ فقوله في آية التوبة هذه: ﴿إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ﴾ موافق في المعنى لقوله هنا: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾.\nونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: ﴿يَسْتَحِبُّونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية.","vol":"7","page":134},{"text":"فلفظة \"استحب\" في القرآن كثيرًا ما تتعدى بِـ (على)؛ لأنها في معنى اختار وآثر.\nوقد قدمنا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى﴾ الآية، أن العمى الكفر، وأن المراد بالأعمى في آيات عديدة الكافر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الهدى يأتي في القرآن بمعناه العام، الذي هو البيان والدلالة والإِرشاد، لا ينافي أن الهدى قد يطلق في القرآن في بعض المواضع على الهدى الخاص الذي هو التوفيق والاصطفاء، كقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾.\nفمن إطلاق القرآن الهدى على معناه العام قوله هنا: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أي بينا لهم طريق الحق وأمرناهم بسلوكها، وطرق الشر ونهيناهم عن سلوكها، على لسان نبينا صالح عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ أي اختاروا الكفر على الإِيمان بعد إيضاح الحق لهم.\nومن إطلاقه على معناه العام قوله تعالى: ﴿إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ﴾ بدليل قوله بعده: ﴿إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾؛ لأنه لو كان هدى توفيق لما قال: ﴿وَإِمَّا كَفُورًا (٣)﴾.\nومن إطلاقه على معناه الخاص قوله تعالى: ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ﴾.\nوبمعرفة هذين الإِطلاقين تتيسر إزالة إشكال قرآني، وهو أنه","vol":"7","page":135},{"text":"تعالى أثبت الهدى لنبينا - ﷺ - في آية، وهي قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾، ونفاه عنه في آية أخرى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.\nفيعلم مما ذكرنا: أن الهدى المثبت له - ﷺ - هو الهدى العام الذي هو البيان والدلالة والإِرشاد، وقد فعل ذلك - ﷺ -، فبين المحجة البيضاء، حتى تركها ليلها كنهارها لا يزيغ عنها هالك.\nوالهدى المنفي عنه في آية: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾ هو الهدى الخاص الذي هو التفضل بالتوفيق؛ لأن ذلك بيد الله وحده، وليس بيده - ﷺ -، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ الآيه وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ الآية، لا منافاة فيه بين عموم الناس في هذه الآية وخصوص المتقين في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾؛ لأن الهدى العام للناس هو الهدى العام، والهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، كما لا يخفى.\nوقد بينا هذا في غير هذا الموضع. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1726> قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾</span> الآية.\nالفاء في قوله: (فأخذتهم) سببية، أي فاستحبوا العمى على الهدى، وبسبب ذلك أخذتهم صاعقة العذاب الهون.\nواعلم أن الله جل وعلا عبر عن الهلاك الذي أهلك به ثمود","vol":"7","page":136},{"text":"بعبارات مختلفة، فذكره هنا باسم الصاعقة في قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾، وقوله: ﴿فَقُلْ أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣)﴾.\nوعبر عنه أيضًا بالصاعقة في سورة الذاريات في قوله تعالى: ﴿وَفِي ثَمُودَ إِذْ قِيلَ لَهُمْ تَمَتَّعُوا حَتَّى حِينٍ (٤٣) فَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾.\nوعبر عنه بالصيحة في آيات من كتابه، كقوله تعالى في سورة هود، في إهلاكه ثمود: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٦٧) كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا أَلَا إِنَّ ثَمُودَ كَفَرُوا رَبَّهُمْ أَلَا بُعْدًا لِثَمُودَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى في الحجر: ﴿وَكَانُوا يَنْحِتُونَ مِنَ الْجِبَالِ بُيُوتًا آمِنِينَ (٨٢) فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُصْبِحِينَ (٨٣)﴾، وقوله تعالى في القمر: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ صَيْحَةً وَاحِدَةً فَكَانُوا كَهَشِيمِ الْمُحْتَظِرِ (٣١)﴾، وقوله تعالى في العنكبوت: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ﴾ يعني ثمودًا المذكورين في قوله قبله: ﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ﴾ الآية.\nوعبر عنه بالرجفة في سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (٧٧) فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ﴾ الآية.\nوعبر عنه بالتدمير في سورة النمل في قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ (٥١)﴾.\nوعبر عنه بالطاغية في الحاقة في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾.\nوعبر عنه بالدمدمة في الشمس في قوله تعالى: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾.","vol":"7","page":137},{"text":"وعبر عنه بالعذاب في سورة الشعراء في قوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً﴾ الآية.\nومعنى هذه العبارات كلها راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله أرسل عليهم صيحة أهلكتهم، والصيحة الصوت المزعج المهلك.\nوالصاعقة تطلق أيضًا على الصوت المزعج المهلك، وعلى النار المحرقة، وعليهما معًا، ولشدة عظم الصيحة وهولها من فوقهم، رجفت بهم الأرض من تحتهم، أي تحركت حركة قوية، فاجتمع فيها أنها صيحة وصاعقة ورجفة، وكون ذلك تدميرًا واضح. وقيل لها طاغية؛ لأنها واقعة مجاوزة للحد في القوة وشدة الإِهلاك.\nوالطغيان في لغة العرب: مجاوزة الحد.\nومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ﴾ الآية، أي جاوز الحطدود التي يبلغها الماء عادة.\nواعلم أن التحقيق أن المراد بالطاغية في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا ثَمُودُ فَأُهْلِكُوا بِالطَّاغِيَةِ (٥)﴾ أنها الصيحة التي أهلكهم الله بها، كما يوضحه قوله بعده: ﴿وَأَمَّا عَادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ (٦)﴾.\nخلافًا لمن زعم أن الطاغية مصدر، كالعاقبة والعافية، وأن المعنى أنهم أهلكوا بطغيانهم، أي بكفرهم وتكذيبهم نبيهم، كقوله: ﴿كَذَّبَتْ ثَمُودُ بِطَغْوَاهَا (١١)﴾.\nوخلافًا لمن زعم أن الطاغية هي أشقاهم، الذي انبعث فعقر الناقة، وأنهم أهلكوا بسبب فعله وهو عقره الناقة.","vol":"7","page":138},{"text":"وكل هذا خلاف التحقيق، والصواب إن شاء الله هو ما ذكرنا، والسياق يدل عليه، واختاره غير واحد.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ﴾ فإنه لا يخالف ما ذكرنا؛ لأن معنى دمدم عليهم ربهم بذنبهم، أي أطلق عليهم العذاب وألبسهم إياه، بسبب ذنبهم.\nقال الزمخشري في معنى دمدم: وهو من تكرير قولهم: ناقة مدمومة، إذا ألبسها الشحم.\nوأما إطلاق العذاب عليه في سورة الشعراء فواضح، فاتضح رجوع معنى الآيات المذكورة إلى شيء واحد.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ من النعت بالمصدر؛ لأن الهون مصدر بمعنى الهوان، والنعت بالمصدر أسلوب عربي معروف، أشار إليه في الخلاصة بقوله:\nونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإِفراد والتذكيرا\nوهو موجه بأحد أمرين:\nأحدهما: أن يكون على حذف مضاف. أي العذاب ذي الهون.\nوالثاني: أنه على سبيل المبالغة، فكأن العذاب لشدة اتصافه بالهوان اللاحق بمن وقع عليه، صار كأنه نفس الهوان، كما هو معروف في محله.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾ كالتوكيد في المعنى لقوله: ﴿فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾؛ لأن كلا منهما سبب لأخذ الصاعقة إياهم، فالفاء في قوله: (فأخذتهم) سببية، والباء في قوله: (بما كانوا) سببية، والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":139},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1727> قوله تعالى: ﴿وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أهلك ثمود بالصاعقة، ونجى من ذلك الإِهلاك الذين آمنوا وكانوا يتقون الله، والمراد بهم صالح ومن آمن معه من قومه.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء مبينًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا صَالِحًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَمِنْ خِزْيِ يَوْمِئِذٍ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْقَوِيُّ الْعَزِيزُ (٦٦) وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ الآية، وقوله تعالى في النمل: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ فَإِذَا هُمْ فَرِيقَانِ يَخْتَصِمُونَ (٤٥)﴾ إلى قوله تعالى في ثمود: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥٢) وَأَنْجَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٥٣)﴾ أي وهم صالح ومن آمن معه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1728> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة القراء غير نافع ﴿يُحْشَر﴾ بضم الياء وفتح الشين مبنيًا للمفعول ﴿أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ بالرفع على أنه نائب الفاعل.\nوقرأه نافع وحمزة من السبعة ﴿نَحشُرُ أَعْدَاءُ اللَّهِ﴾ بالنون المفتوحة الدالة على العظمة، وضم الشين مبنيًا للفاعل، ﴿أَعْدَاءَ اللَّهِ﴾ بالنصب على أنه مفعول به.\nأي واذكر يوم يُحْشرَ أعداء الله، أي يجمعون إلى النار.\nوما دلت عليه هذه الآية، من أن للَّه أعداء، وأنهم يحشرون يوم القيامة إلى النار، جاء مذكورًا في آيات أخر.","vol":"7","page":140},{"text":"فبين في بعضها أن له أعداء، وأن أعداءه هم أعداء المؤمنين، وأن جزاءهم النار، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ (٩٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللَّهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٧)﴾ أي يرد أولهم إلى آخرهم، ويلحق آخرهم بأولهم، حتى يجتمعوا جميعًا، ثم يدفعون في النار، وهو من قول العرب: وزعت الجيش، إذا حبست أوله على آخره حتى يجتمع.\nوأصل الوزع الكف، تقول العرب: وزعه يزعه وزعًا، فهو وازع له، إذا كفه عن الأمر، ومنه قول نابغة ذبيان:\nعلى حين عاتبت المشيب على الصبا ... فقلت ألما أصح والشيب وازع\nوقول الآخر:\nولن يزع النفس اللجوج عن الهوى ... من الناس إلا وافر العقل كامله\nوبما ذكرنا تعلم أن أصل معنى (يوزعون) أي يكف أولهم عن التقدم، وآخرهم عن التأخر، حتى يجتمعوا جميعًا.\nوذلك يدل على أنهم يساقون سوقًا عنيفًا، يجمع به أولهم مع آخرهم.\nوقد بين تعالى أنهم يساقون إلى النار في حال كونهم عطاشًا، في قوله تعالى: ﴿وَنَسُوقُ الْمُجْرِمِينَ إِلَى جَهَنَّمَ وِرْدًا (٨٦)﴾.","vol":"7","page":141},{"text":"ولعل الوزع المذكور في الآية يكون في الزمرة الواحدة من زمر أهل النار؛ لأنهم يساقون إلى النار زمرًا زمرًا، كما قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ زُمَرًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1729> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ﴾ الآية، وفي سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾.\nوبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)﴾ مع قوله: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1730> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة ص في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1731> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤)﴾</span>.\nقد بينا معناه مع شواهده العربية في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.","vol":"7","page":142},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1732> قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾</span>.\nلعلماء التفسير في تفسير قوله: ﴿وَقَيَّضْنَا﴾ عبارات يرجع بعضها في المعنى إلى بعض.\nكقول بعضهم: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ أي جئناهم بهم، وأتحناهم لهم.\nوكقول بعضهم: (قيضنا) أي هيأنا.\nوقول بعضهم: (قيضنا) أي سلَّطنا.\nوقول بعضهم: أي بعثنا ووكلنا.\nوقول بعضهم: (قيضنا) أي سبَّبنا.\nوقول بعضهم: قدَّرنا.\nونحو ذلك من العبارات، فإن جميع تلك العبارات راجع إلى شيء واحد، وهو أن الله ﵎ هيأ للكافرين قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى، ويزينون لهم الكفر والمعاصي، وقدَّرهم عليهم.\nوالقرناء: جمع قرين، وهم قرناؤهم من الشياطين، على التحقيق.\nوقوله ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ﴾ أي من أمر الدنيا، حتى آثروه على الآخرة ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ أي من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به، وإنكار البعث.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه تعالى قيض للكفار قرناء من الشياطين يضلونهم عن الهدى، بينه في مواضع أخر من كتابه.\nوزاد في بعضها سبب تقييضهم لهم، وأنهم مع إضلالهم لهم","vol":"7","page":143},{"text":"يظنون أنهم مهتدون، وأن الكافر يوم القيامة يتمنى أن يكون بينه وبين قرينه من الشياطين بعد عظيم، وأنه يذمه ذلك اليوم، كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَالَ يَالَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾.\nفترتيبه قوله: (نقيّض له شيطانًا)، على قوله: (ومن يعش عن ذكر الرحمن) ترتيب الجزاء على الشرط، يدل على أن سبب تقييضه له هو غفلته عن ذكر الرحمن.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ (٤)﴾؛ لأن الوسواس هو كثير الوسوسة، ليضل بها الناس، والخناس هو كثير التأخر والرجوع عن إضلال الناس، من قولهم: خَنَس، بالفتح، يخنُس، بالضم، إذا تأخر.\nفهو وسواس عند الغفلة عن ذكر الرحمن، خناس عند ذكر الرحمن، كما دلت عليه آية الزخرف المذكورة، ودل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٩٩) إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾؛ لأن الذين يتولونه والذين هم به مشركون، غافلون عن ذكر الرحمن، وبسبب ذلك قيضه الله لهم فأضلهم.\nومن الآيات الدالة على تقييض الشياطين للكفار ليضلوهم، قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا (٨٣)﴾، وقد أوضحنا الآيات الدالة على ذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية، وبينا هناك أقوال أهل العلم في معنى (تؤزهم أزًا).","vol":"7","page":144},{"text":"وبينا أيضًا هناك أن من الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ﴾ أي استكثرتم من إضلال الإِنس في دار الدنيا، وقوله: ﴿وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (٢٠٢)﴾، ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد دل قوله في آية الزخرف: ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾ على أن قرناء الشياطين المذكورين في آية فصلت وآية الزخرف وغيرهما، جديرون بالذم الشديد، وقد صرح تعالى بذلك في سورة النساء في قوله: ﴿وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾؛ لأن قوله: ﴿فَسَاءَ قَرِينًا (٣٨)﴾ بمعنى ﴿فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾؛ لأن كلا من ساء وبئس فعل جامد لإِنشاء الذم، كما ذكره في الخلاصة بقوله:\nواجعل كبئس ساء واجعل فَعُلا ... من ذي ثلاثة كنعم مسجلا\nواعلم أن الله تعالى بين أن الكفار الذين أضلهم قرناؤهم من الشياطين يظنون أنهم على هدى، فهم يحسبون أشد الضلال أحسن الهدى، كما قال تعالى عنهم: ﴿وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾.\nوبين تعالى أنهم بسبب ذلك الظن الفاسد هم أخسر الناس أعمالًا، في قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (١٠٤)﴾.\nوقوله تعالى في آية الزخرف: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ﴾ من","vol":"7","page":145},{"text":"قولهم: عشا - بالفتح - عن الشيء، يعشو - بالضم -، إذا ضعف بصره عن إدراكه؛ لأن الكافر أعمى القلب، فبصيرته تضعف عن الاستنارة بذكر الرحمن، وبسب ذلك يقيض الله له قرناء الشياطين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1733> قوله تعالى: ﴿وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1734> قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة مما أعده الله في الآخرة للذين الله ثم استقاموا، ذكره الله تعالى في الجملة، في قوله في الأحقاف ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣) أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٤)﴾؛","vol":"7","page":146},{"text":"لأن انتفاء الخوف والحزن، والوعدَ الصادق بالخلود في الجنة المذكور في آية الأحقاف هذه، يستلزم جميع ما ذكر في هذه الآية الكريمة من سورة فصلت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1735> قوله تعالى: ﴿ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦)﴾</span>.\nقد أوضحناه مع الآيات التي بمعناه في آخر سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ﴾، إلى قوله: ﴿إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1736> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ آيَتَيْنِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1737> قوله تعالى: ﴿لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة النمل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَّا يَسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1738> قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ أي فإن تكبر الكفار عن","vol":"7","page":147},{"text":"توحيد الله، والسجود له وحده، وإخلاص العبادة له، (فالذين عند ربك) وهم الملائكة، (يسبحون له بالليل) أي يعبدونه وينزهونه دائمًا ليلًا ونهارًا، (وهم لا يسأمون) أي لا يملون من عبادة ربهم، لاستلذاذهم لها، وحلاوتها عندهم، مع خوفهم منه جل وعلا كما قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة من سورة فصلت على أمرين:\nأحدهما: أن الله جل وعلا إن كفر به بعض خلقه، فإن بعضًا آخر من خلقه يؤمنون به، ويطيعونه كما ينبغي، ويلازمون طاعته دائمًا بالليل والنهار.\nوالثاني منهما: أن الملائكة يسبحون الله ويطيعونه دائمًا لا يفترون عن ذلك.\nوهذان الأمران اللذان دلت عليهما هذه الآية الكريمة، قد جاء كل منهما موضحًا في غير هذا الموضع.\nأما الأول منهما: فقد ذكره جل وعلا في قوله: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nوأما الثاني منهما: فقد أوضحه تعالى في آيات من كتابه، كقوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٩) يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ (٢٠)﴾، وقوله تعالى في آخر الأعراف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (٢٠٦)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ أي","vol":"7","page":148},{"text":"لا يملون. والسآمة الملل، ومنه قول زهير:\nسئمت تكاليف الحياة ومن يعش ... ثمانين حولًا، لا أبا لك، يسأم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1739> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ﴾</span> الآية.\nهذه الآية الكريمة قد أوضحنا الكلام عليها، مع ما في معناها من الآيات، وبينا أن تلك الآيات فيها البرهان القاطع على البعث بعد الموت، وذكرنا معها الآيات التي يكثر الاستدلال بها في القرآن على البعث بعد الموت، وهي أربعة براهين قرآنية.\nذكرنا ذلك في سورة البقرة، وفي سورة النحل، وغيرهما، وأحلنا عليه مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1740> قوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ خَيْرٌ أَمْ مَنْ يَأْتِي آمِنًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه، مع ما يماثله من الآيات، في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَذَلِكَ خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الْخُلْدِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1741> قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة البقرة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وفي سورة بني إسرائيل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.","vol":"7","page":149},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1742> قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وفي سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1743> قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في الآية الكريمة من كونه ليس بظلام للعبيد، ذكره في مواضع أخر، كقوله تعالى في سورة آل عمران: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٨٢) الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا﴾ الآية، وقوله في الأنفال: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٥١) كَدَأْبِ آل فِرْعَوْنَ﴾ الآية، وقوله في الحج: ﴿ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (١٠) وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ﴾ الآية، وقوله في سورة ق: ﴿مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٢٩)﴾.\nوفي هذه الآيات سؤال معروف، وهو أن لفظة \"ظلَّام\" فيها صيغة مبالغة، ومعلوم أن نفي المبالغة لا يستلزم نفي الفعل من أصله؛ فقولك مثلًا: زيد ليس بِقَتَّالٍ للرجال، لا ينفي إلا مبالغته في قتلهم، فلا ينافي أنه ربما قتل بعض الرجال.\nومعلوم أن المراد بنفي المبالغة في الآيات المذكورة هو نفي الظلم من أصله.","vol":"7","page":150},{"text":"والجواب عن هذا الإِشكال من أربعة أوجه:\nالأول: أن نفي صيغة المبالغة في الآيات المذكورة، قد بينت آيات كثيرة أن المراد به نفي الظلم من أصله.\nونفي صيغة المبالغة إذا دلت أدلة منفصلة على أنه يراد به نفي أصل الفعل، فلا إشكال؛ لقيام الدليل على المراد.\nوالآيات الدالة على ذلك كثيرة معروفة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٤٤)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا (٤٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات، كما قدمنا إيضاحه في سورة الكهف والأنبياء.\nالوجه الثاني: أن الله جل وعلا نفى ظلمه للعبيد، والعبيد في غاية الكثرة، والظلم المنفي عنهم تستلزم كثرتهم كثرته، فناسب ذلك الإِتيان بصيغة المبالغة للدلالة على كثرة المنفي التابعة لكثرة العبيد المنفي عنهم الظلم، إذ لو وقع على كل عبد ظلم ولو قليلًا، كان مجموع ذلك الظلم في غاية الكثرة، كما ترى.\nوبذلك تعلم اتجاه التعبير بصيغة المبالغة، وأن المراد بذلك نفي أصل الظلم عن كل عبد من أولئك العبيد، الذين هم في غاية الكثرة، ﷾ عن أن يظلم أحدًا شيئًا، كما بينته الآيات القرآنية المذكورة.\nوفي الحديث: \"يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي\" الحديث.","vol":"7","page":151},{"text":"الوجه الثالث: أن المسوغ لصيغة المبالغة، أن عذابه تعالى بالغ من العظم والشدة أنه لولا استحقاق المعذبين لذلك العذاب بكفرهم ومعاصيهم، لكان مُعَذَّبهمٍ به ظلَّامًا بليغ الظلم متفاقِمَه، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nوهذا الوجه والذي قبله أشار لهما الزمخشري في سورة الأنفال.\nالوجه الرابع: ما ذكره بعض علماء العربية وبعض المفسرين، من أن المراد بالنفي في قوله ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ نفي نسبة الظلم إليه؛ لأن صيغة فعَّال تستعمل مرادًا بها النسبة فتغني عن ياء النسب، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nومعَ فاعل وفعَّال فَعِلْ ... في نَسَب أغنى عَنِ اليا فَقُبِلْ\nومعنى البيت المذكور: أن الصيِغ الثلاثة المذكورة فيه التي هي فاعل كظالم، وفعَّال كظلَّام، وفَعِل كفرِح، كل منها قد تستعمل مرادًا بها النسبة، فيستغنى بها عن ياء النسب، ومثاله في \"فاعل\" قول الحطيئة في هجوه الزبرقان بن بدر التميمي:\nدع المكارم لا ترحل لبغيتها ... واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي\nفالمراد بقوله \"الطاعم الكاسي\" النسبة، أي ذو طعام وكسوة. وقول الآخر، وهو من شواهد سيبويه:\nوغررتني وزعمت أنك ... لَابِنٌ في الصيف تامر\nأي ذو لبن وذو تمر. وقول نابغة ذبيان:\nكِليني لِهَمٍّ يا أميمة ناصب ... وليل أقاسيه بطيء الكواكبِ","vol":"7","page":152},{"text":"فقوله: \"ناصب\" أي ذو نصب.\nومثاله في \"فعَّال\" قول امرئ القيس:\nوليس بذي رمح فيطعنني به ... وليس بذي سيف وليس بنبَّال\nفقوله: \"وليس بنبَّال\" أي ليس بذي نبل، ويدل عليه قوله قبله:\nوليس بذي رمح، وليس بذي سيف.\nوقال الأشموني بعد الاستشهاد بالبجت المذكور: قال المصنف - يعني ابن مالك -: وعلى هذا حمل المحققون قوله تعالى: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (٤٦)﴾ أي بذي ظلم. اهـ.\nوما عزاه لابن مالك جزم به غير واحد من النحويين والمفسرين.\nومثاله في \"فَعِل\" قول الراجز، وهو من شواهد سيبويه:\nلست بليليٍّ ولكني نَهِر ... لا أدلج الليل ولكن أبتكر\nفقوله: \"نَهِر\" بمعنى نهاريّ.\nوقد قدمنا إيضاح معنى الظلم بشواهده العربية، في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1744> قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يُرَدُّ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾</span>.\nتقدم الكلام على نحوه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، وفي الأنعام عند قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾.","vol":"7","page":153},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1745> قوله تعالى: ﴿وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنْثَى وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1746> قوله تعالى: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾</span>.\nالظن هنا بمعنى اليقين؛ لأن الكفار يوم القيامة إذا عاينوا العذاب، وشاهدوا الحقائق، علموا في ذلك الوقت أنهم ليس لهم من محيص، أي ليس لهم مفر ولا ملجأ.\nوالظاهر أن المحيص مصدر ميمي، من حاص يحيص بمعنى حاد وعدل وهرب.\nوما ذكرنا من أن الظن في هذه الآية الكريمة بمعنى اليقين والعلم، هو التحقيق إن شاء الله؛ لأن يوم القيامة تنكشف فيه الحقائق، فيحصل للكفار العلم بها لا يخالجهم في ذلك شك، كما قال تعالى عنهم، إنهم يقولون يوم القيامة: ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾ الآية.\nومعلوم أن الظن يطلق في لغة العرب، التي نزل بها القرآن على معنيين:\nأحدهما: الشك، كقوله: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾، وقوله تعالى عن الكفار: ﴿إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ (٣٢)﴾.","vol":"7","page":154},{"text":"والثاني: هو إطلاق الظن مرادًا به العلم واليقين، ومنه قوله تعالى هنا: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ أي أيقنوا، أنهم ليس لهم يوم القيامة محيص، أي لا مفر ولا مهرب من عذاب ربهم، ومنه بهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا﴾ أي أيقنوا ذلك وعلموه، وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ فَيَقُولُ هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ (١٩) إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (٢٠)﴾، فالظن في الآيات المذكورة كلها بمعنى اليقين.\nونظير ذلك من كلام العرب قول دريد بن الصمة:\nفقلت لهم ظنوا بألفي مدجج ... سراتهم في الفارسي المسرد\nوقول عميرة بن طارق:\nبأن تغتزوا قومي وأقعد فيكم ... وأجعل مني الظن غيبًا مرجما\nوالظن في البيتين المذكورين بمعنى اليقين.\nوالفعل القلبي في الآية المذكورة التي هي قوله: ﴿وَظَنُّوا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ معلق عن العمل في المفعولين بسبب النفي بلفظة (ما) في قوله: ﴿مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ (٤٨)﴾ كما أشار له في الخلاصة بقوله:\n\n• والتزم التعليق قبل نفي \"ما\" *\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1747> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام","vol":"7","page":155},{"text":"على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1748> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاءٍ عَرِيضٍ (٥١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وبعض الأحاديث الصحيحة الموافقة لها في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1749> قوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1750> قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ﴾</span>.\nالمرية: الشك.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من شك الكفار في البعث والجزاء، قد قدمنا الآيات الموضحة له، ولما يترتب عليه من الخلود في النار، في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\n\n* * *","vol":"7","page":156},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1751>سورة الشورى</span>","vol":"7","page":157},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1752> قوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود.\nوقول الزمخشري في تفسير هذه الآية ﴿كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ﴾ أي مثل ذلك الوحي، أو مثل ذلك الكتاب، يوحي إليك وإلى الرسل من قبلك الله. يعني أن ما تضمنته هذه السورة من المعاني، قد أوحى الله إليك مثله، وفي غيرها من السور، وأوحاه من قبلك إلى رسله، على معنى أن الله تعالى كرر هذه المعاني في القرآن وفي جميع الكتب السماوية، لما فيها من التنبيه البليغ، واللطف العظيم، لعباده من الأولين والآخرين. اهـ منه.\nوظاهر كلامه أن التشبيه في قوله: (كذلك يوحي) بالنسبة إلى الموحَى باسم المفعول.\nوالأظهر أن التشبيه في المعنى المصدري الذي هو الإِيحاء.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لم يصرح هنا بشيء من أسماء الذين من قبله الذين أوحي إليهم، كما أوحي إليه، ولكنه قد بين أسماء جماعة منهم في سورة النساء، وبين فيها أن","vol":"7","page":159},{"text":"بعضهم لم يقصص خبرهم عليه، وأنه أوحى إليهم وأرسلهم لقطع حجج الخلق في دار الدنيا، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلًا قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِنْ قَبْلُ وَرُسُلًا لَمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ﴾ ذكر جل وعلا فيه الثناء على نفسه باسمه العزيز، واسمه الحكيم، بعد ذكره إنزاله وحيه على أنبيائه، كما قال في آية النساء المذكورة: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)﴾ بعد ذكره إيحاءه إلى رسله.\nوقد قدمنا في أول سورة الزمر أن استقراء القرآن قد دل على أن الله جل وعلا إذا ذكر تنزيله لكتابه أتبع ذلك ببعض أسمائه الحسنى وصفاته العليا، وذكرنا كثيرًا من أمثلة ذلك.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير ﴿يُوحِى﴾ بكسر الحاء بالبناء للفاعل، وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: (الله العزيز الحكيم) فاعل يوحي.\nوقرأه ابن كثير (يُوحَى إليك) بفتح الحاء بالبناء للمفعول، وعلى هذه القراءة، فقوله: (الله العزيز الحكيم) فاعل لفعلٍ محذوف تقديره يوحي، كما قدمنا إيضاحه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ الآية.\nوقد قدمنا معاني الوحي مع الشواهد العربية في سورة النحل","vol":"7","page":160},{"text":"في الكلام على قوله تعالى ﴿وَأَوْحَى رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ﴾، وغير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1753> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾</span>.\nوصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بالعلو والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمنا في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين المتضمنتين لكل كمال وجلال، جاء مثله في آيات أحْر، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1754> قوله تعالى: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع والكسائي ﴿تَكَادُ﴾ بالتاء الفوقية؛ لأن السماوات مؤنثة، وقرأه نافع والكسائي ﴿يَكَادُ﴾ بالياء التحتية، لأن تأنيث السماوات غير حقيقي.\nوقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو، وشعبة عن عاصم ﴿يَتَفَطَّرْنَ﴾ بتاء مثناة فوقية مفتوحة بعد الياء وفتح الطاء المشددة، مضارع تفطر، أي تشقق.\nوقرأه أبو عمرو وشعبة عن عاصم (ينفطرن) بنون ساكنة بعد","vol":"7","page":161},{"text":"الياء وكسر الطاء المخففة، مضارع انفطرت، كقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾ أي انشقت.\nوقوله: (تكاد) مضارع كاد، التي هي فعل مقاربة، ومعلوم أنها تعمل في المبتدأ والخبر، ومعنى كونها فعل مقاربة أنها تدل على قرب اتصاف المبتدأ بالخبر.\nوإذًا، فمعنى الآية: أن السماوات قاربت أن تتصف بالتفطر، على القراءة الأولى، والانفطار، على القراءة الثانية.\nواعلم أن سبب مقاربة السماوات للتفطر في هذه الآية الكريمة، فيه للعلماء وجهان كلاهما يدل له قرآن:\nالوجه الأول: أن المعنى تكاد السماوات يتفطرن خوفًا من الله، وهيبة وإجلالًا، ويدل لهذا الوجه قوله تعالى قبله: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾؛ لأن علوه وعظمته سبَّب للسماوات ذلك الخوف والهيبة والإِجلال، حتى كادت تتفطر.\nوعلى هذا الوجه فقوله بعده: ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ مناسبته لما قبله واضحة؛ لأن المعنى: أن السماوات في غاية الخوف منه تعالى والهيبة والإِجلال له، وكذلك سكانها من الملائكة فهم يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، مع إثباتهم له كل كمال وجلال، خوفًا منه وهيبة وإجلالًا، كما قال تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ وَالْمَلَائِكَةُ مِنْ خِيفَتِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مِنْ دَابَّةٍ وَالْمَلَائِكَةُ وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ (٤٩) يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٥٠)﴾.","vol":"7","page":162},{"text":"فهم لشدة خوفهم من الله، وإجلالهم له يسبحون بحمد ربهم، ويخافون على أهل الأرض، ولذا يستغفرون لهم خوفًا عليهم من سخط الله وعقابه.\nويستأنس لهذا الوجه بقوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾؛ لأن الإِشفاق الخوف.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾ يعني لخصوص الذين آمنوا وتابوا إلى الله واتبعوا سبيله، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾.\nفقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾ يوضح المراد من قوله: ﴿لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾.\nويزيد ذلك إيضاحًا قوله تعالى عنهم، إنهم يقولون في استغفارهم للمؤمنين: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ﴾؛ لأن ذلك يدل دلالة واضحة على عدم استغفارهم للكفار.\nالوجه الثاني: أن المعنى ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾ من شدة عظم الفرية التي افتراها الكفار على خالق السماوات والأرض جل وعلا، من كونه اتخذ ولدًا، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وهذا الوجه جاء موضحًا في سورة مريم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئًا إِدًّا (٨٩) تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنْشَقُّ الْأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدًّا (٩٠) أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَدًا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا (٩٢) إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا (٩٣)﴾ كما قدمنا إيضاحه.","vol":"7","page":163},{"text":"وغاية ما في هذا الوجه أن آية الشورى هذه فيها إجمال في سبب تفطر السماوات، وقد جاء ذلك موضحًا في آية مريم المذكورة.\nوكلا الوجهين حق.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ فيه للعلماء أوجه:\nقيل: (يتفطرن)، أي السماوات، (من فوقهن) أي الأرضين. ولا يخفى بعد هذا القول، كما ترى.\nوقال بعضهم: (من فوقهن) أي كل سماء تتفطر فوق التي تليها.\nوقال الزمخشري في الكشاف: فإن قلت لم قال: ﴿مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ قلت: لأن أعظم الآيات وأدلها على الجلال والعظمة فوق السماوات، وهي العرش والكرسي، وصفوف الملائكة المرتجة بالتسبيح والتقديس حول العرش، وما لا يعلم كنهه إلا الله تعالى من آثار ملكوته العظمى، فلذلك قال: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ أي يبتدئ الانفطار من جهتهن الفوقانية.\nأو لأن كلمة الكفر جاءت من الذي تحت السموات، فكان القياس أن يقال: يتفطرن من تحتهن من الجهة التي جاءت منها الكلمة، ولكنه بولغ في ذلك فجعلت مؤثرة في جهة الفوق، كأنه قيل: يكدن يتفطرن من الجهة التي فوقهن، دع الجهة التي تحتهن.\nونظيره في المبالغة قوله ﷿: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ فجعل الحميم مؤثرًا في أجزائهم الباطنة. اهـ. محل الغرض منه.","vol":"7","page":164},{"text":"وهذا إنما يتمشى على القول بأن سبب التفطر المذكور هو افتراؤهم على الله في قولهم: ﴿اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨)﴾، وقد قدمنا آنفًا أنه دلت عليه آية مريم المذكورة، وعليه فمناسبة قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ لما قبله: أن الكفار وإن قالوا أعظم الكفر وأشنعه، فإن الملائكة بخلافهم، فإنهم يداومون ذكر الله وطاعته.\nويوضع ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾، كما قدمنا إيضاحه في آخر سورة فصلت.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1755> قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾</span>.\nأكد جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه هو الغفور الرحيم، وبيَّن فيها أنه وحده المختص بذلك.\nوهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد جاءا موضحين في غير هذا الموضع.\nأما اختصاصه هو جل وعلا بغفران الذنوب، فقد ذكره في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، والمعنى: لا يغفر الذنوب إلا الله، وفي الحديث: \"رب إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا، ولا يغفر الذنوب إلا أنت\" الحديث، وفي حديث سيد الاستغفار: \"اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني\" الحديث، وفيه \"وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت\".\nووجه دلالة هذه الآية على أن الله وحده هو الذي يغفر","vol":"7","page":165},{"text":"الذنوب، هو أن ضمير الفصل بين المسند والمسند إليه في قوله: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥)﴾ يدل على ذلك كما هو معلوم في محله.\nوأما الأمر الثاني، وهو توكيده تعالى أنه هو الغفور الرحيم، فإنه أكد ذلك هنا بحرف الاستفتاح الذي هو (ألا)، وحرف التوكيد الذي هو (إنَّ).\nوقد أوضح ذلك في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (٥٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾، وقوله في الكفار: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقوله في الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة: ﴿أَفَلَا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٧٤)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nفنرجو الله جلا وعلا الكريم الرؤوف الغفور الرحيم، أن يغفر لنا جميع ذنوبنا، ويتجاوز عن جميع سيئاتنا، ويدخلنا جنته على ما كان منا، ويغفر لإِخواننا المسلمين. إنه غفور رحيم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1756> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ﴾ أي أشركوا معه شركاء يعبدونهم من دونه، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ فِي مَا هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ كَاذِبٌ كَفَّارٌ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ","vol":"7","page":166},{"text":"الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥٧)﴾، وقو له تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ أي يخوفكم أولياءه، وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية.\nوقد وبخهم تعالى على اتخاذهم الشيطان وذريته أولياء من دونه تعالى في قوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا (٥٠)﴾.\nوقد أمر جل وعلا باتباع هذا القرآن العظيم، ناهيًا عن اتباع الأولياء المُتَّخَذين من دونه تعالى، في أول سورة الأعراف في قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.\nوقد علمت من الآيات المذكورة أن أولياء الكفار الذين اتخذوهم وعبدوهم من دون الله نوعان:\nالأول منهما: الشياطين، ومعنى عبادتهم للشيطان طاعتهم له فيما يزين لهم من الكفر والمعاصي، فشركهم به شرك طاعة، والآيات الدالة على عبادتهم للشياطين بالمعنى المذكور كثيرة كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ﴾ الآية، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾ أي وما يعبدون إلَّا شيطانًا مريدًا، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، وقوله","vol":"7","page":167},{"text":"تعالى: ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالنوع الثاني: هو الأوثان، كما بين ذلك تعالى بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ﴾ أي رقيب عليهم، حافظ عليهم كل ما يعملونه من الكفر والمعاصي، وفي أوله اتخاذهم الأولياء يعبدونهم من دون الله.\nوفي الآية تهديد لكل مشرك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾.\nأي لست يا محمد بموكل عليهم تهدي من شئت هدايته منهم، بل إنما أنت نذير فحسب، وقد بلغت ونصحت، والوكيلُ عليهم هو الله الذي يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ نَذِيرٌ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩) وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (١٠٠)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكَ إِعْرَاضُهُمْ فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الْأَرْضِ أَوْ سُلَّمًا فِي السَّمَاءِ فَتَأْتِيَهُمْ بِآيَةٍ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوبما ذكرنا تعلم أن التحقيق في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (١٠٧)﴾، وما جرى مجراه من الآيات، ليس منسوخًا بآية السيف، والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":168},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1757> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وفي المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1758> قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾</span>.\nخص الله ﵎ في هذه الآية الكريمة إنذاره - ﷺ - بأم القرى ومن حولها، والمراد بأم القرى مكة حرسها الله.\nولكنه أوضح في آيات أخر أن إنذاره عام لجميع الثقلين، كقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ﴾ الآية، كما أوضحنا ذلك مرارًا في هذا الكتاب المبارك.\nوقد ذكرنا الجواب عن تخصيص أم القرى ومن حولها هنا وفي سورة الأنعام في قوله تعالى: ﴿وَلِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ﴾ الآية، في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\"، فقلنا فيه: والجواب من وجهين:\nالأول: أن المراد بقوله: ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ شامل لجميع الأرض، كما رواه ابن جرير وغيره، عن ابن عباس.\nالوجه الثاني: أنا لو سلمنا تسليمًا جدليًا أن قوله ﴿وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ لا يتناول إلا القريب من مكة المكرمة حرسها الله، كجزيرة العرب","vol":"7","page":169},{"text":"مثلًا، فإن الآيات الأخر نصت على العموم، كقوله: ﴿لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا (١)﴾، وذِكْرُ بعض أفراد العام بحكم العام لا يخصصه عند عامة العلماء، ولم يخالف فيه إلا أبو ثور، وقد قدمنا ذلك واضحًا بأدلته في سورة المائدة.\nفالآية على هذا القول كقوله: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾، فإنه لا يدل على عدم إنذار غيرهم، كما هو واضح. والعلم عند الله تعالى. اهـ منه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1759> قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾</span>.\nتضمنت هذه الآية الكريمة أمرين:\nأحدهما: أن من حكم إيحائه تعالى إلى نبينا هذا القرآن العربي إنذار يوم الجمع، فقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ﴾ معطوف على قوله: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى﴾ أي لأجل أن تنذر أم القرى وأن تنذر يوم الجمع، فحذف في الأول أحد المفعولين وحذف في الثاني أحدهما، فكان ما أثبت في كل منهما دليلًا على ما حذف في الثاني، ففي الأول حذف المفعول الثاني، والتقدير: لتنذر أم القرى أي أهل مكة ومن حولها، عذابًا شديدًا إن لم يؤمنوا، وفي الثاني حذف المفعول الأول، أي وتنذر الناس يوم الجمع وهو يوم القيامة، أي تخوفهم مما فيه من الأهوال والأوجال ليستعدوا لذلك في دار الدنيا.\nوالثاني: أن يوم الجمع المذكور لا ريب فيه، أي لا شك في وقوعه.\nوهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، جاءا موضحين في آيات أخر.","vol":"7","page":170},{"text":"أما تخويفه الناس يوم القيامة، فقد ذكر في مواضع من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْمًا يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيبًا (١٧) السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ (٤) لِيَوْمٍ عَظِيمٍ (٥) يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوأما الثاني منهما: وهو كون يوم القيامة لا ريب فيه، فقد جاء في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَالسَّاعَةُ لَا رَيْبَ فِيهَا قُلْتُمْ مَا نَدْرِي مَا السَّاعَةُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوإنما سمي يوم القيامة يوم الجمع؛ لأن الله يجمع فيه جميع الخلائق. والآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ وَذَلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ (١٠٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.\nوقد بين تعالى شمول ذلك الجمع لجميع الدواب والطير في قوله تعالى: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا","vol":"7","page":171},{"text":"فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (٣٨)﴾، والآيات الدالة على الجمع المذكور كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1760> قوله تعالى: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾</span>.\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله خلق الخلق، وجعل منهم فريقًا سعداء وهم أهل الجنة، وفريقًا أشقياء وهم أصحاب السعير، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ (١١٨) إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي ولذلك الاختلاف إلى مؤمن وكافر وشقي وسعيد خلقهم، على الصحيح، ونصوص الوحي الدالة على ذلك كثيرة جدًّا.\nوقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ على التفسير المذكور، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة الذاريات.\nوقد قدمنا معنى السعير بشواهده العربية في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيهِ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٤)﴾.\nوالجنة في لغة العرب: البستان. ومنه قول زهير بن أبي سلمى:\nكأن عينيَّ في غَرْبَيْ مُقَتَلَةٍ ... من النواضح تسقي جنة سُحُقا\nفقوله: جنة سحقًا، يعني بستانًا طويل النخل.\nوفي اصطلاح الشرع: هي دار الكرامة التي أعد الله لأوليائه يوم القيامة.","vol":"7","page":172},{"text":"والفريق: الطائفة من الناس، ويجوز تعدده إلى أكثر من اثنين، ومنه قول نصيب:\nفقال فريق القوم لا، وفريقهم ... نعم، وفريق قال ويحك ما ندري\nوالمسوغ للابتداء بالنكرة في قوله: (فريق في الجنة) أنه في معرض التفصيل.\nونظيره من كلام العرب قول امرئ القيس:\nفلما دنوت تسديتها ... فثوب نسيت وثوب أَجُرّ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1761> قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾</span>.\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن ما اختلف فيه الناس من الأحكام فحكمه إلى الله وحده، لا إلى غيره، جاء موضحًا في آيات كثيرة.\nفالإشراك بالله في حكمه كالإشراك به في عبادته، قال في حكمه: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾، وفي قراءة ابن عامر من السبعة: ﴿وَلَا تُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾ بصيغة النهي.\nوقال في الإِشراك به في عبادته: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا (١١٠)﴾، فالأمران سواء كما ترى إيضاحه إن شاء الله.\nوبذلك تعلم أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، فكل تشريع من غيره باطل، والعمل به بدل تشريع الله عند من يعتقد أنه مثله أو خير منه، كفر بواح لا نزاع فيه.","vol":"7","page":173},{"text":"وقد دل القرآن في آيات كثيرة، على أنه لا حكم لغير الله، وأن اتباع تشريع غيره كفر به، فمن الآيات الدالة على أن الحكم لله وحده قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٧٠)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد قدمنا إيضاحها في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.\nوأما الآيات الدالة على أن اتباع تشريع غير الله المذكور كفر فهي كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، كما تقدم إيضاحه في الكهف.\nمسألة\nاعلم أن الله جل وعلا بين في آيات كثيرة صفات من يستحق أن يكون الحكم له، فعلى كل عاقل أن يتأمل الصفات المذكورة، التي سنوضحها الآن إن شاء الله، ويقابلها مع صفات البشر المشرعين للقوانين الوضعية، فينظر هل تنطبق عليهم صفات من له التشريع.","vol":"7","page":174},{"text":"سبحان الله وتعالى عن ذلك.\nفإن كانت تنطبق عليهم ولن تكون، فليتبع تشريعهم، وإن ظهر يقينًا أنهم أحقر وأخس وأذل وأصغر من ذلك، فليقف بهم عند حدهم، ولا يجاوزه بهم إلى مقام الربوبية.\n﷾ أن يكون له شريك في عبادته، أو حكمه أو ملكه.\nفمن الآيات القرآنية التي أوضح بها تعالى صفات من له الحكم والتشريع قوله هنا: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، ثم قال مبينًا صفات من له الحكم: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيهِ أُنِيبُ (١٠) فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٢)﴾.\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين للنظم الشيطانية، من يستحق أن يوصف بأنه الرب الذي تفوض إليه الأمور، ويتوكل عليه، وأنه فاطر السماوات والأرض، أي خالقهما ومخترعهما على غير مثال سابق، وأنه هو الذي خلق للبشر أزواجًا، وخلق لهم أزواج الأنعام الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ﴾ الآية، وأنه ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾، وأنه ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وأنه هو الذي ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي يضيقه على من يشاء، ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٢٩)﴾؟!\nفعليكم أيها المسلمون أن تتفهموا صفات من يستحق أن يشرع ويحلل ويحرم، ولا تقبلوا تشريعًا من كافر خسيس حقير جاهل.","vol":"7","page":175},{"text":"ونظير هذه الآية الكريمة قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٥٩)﴾.\nفقوله فيها: ﴿إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ كقوله في هذه: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾.\nوقد عجب نبيه  -  ﷺ  -  بعد قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ من الذين يدعون الإِيمان، مع أنهم يريدون المحاكمة إلى من لم يتصف بصفات من له الحكم، المعبر عنه في الآية بالطاغوت، وكل تحاكم إلى غير شرع الله فهو تحاكم إلى الطاغوت، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا (٦٠)﴾.\nفالكفر بالطاغوت، الذي صرح الله بأنه أمرهم به في هذه الآية، شرط في الإِيمان، كما بينه تعالى في قوله: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾.\nفيفهم منه أن من لم يكفر بالطاغوت لم يتمسك بالعروة الوثقى، ومن لم يتمسك بها فهو مترد مع الهالكين.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿لَهُ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَبْصِرْ بِهِ وَأَسْمِعْ مَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾.\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأن له غيب السماوات والأرض؟! وأن يبالغ في سمعه وبصره لإحاطة سمعه بكل المسموعات وبصره بكل المبصرات؟! وأنه ليس لأَحد دونه من ولي؟!","vol":"7","page":176},{"text":"﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٨٨)﴾.\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين من يستحق أن يوصف بأنه الإِله الواحد؟! وأن كل شيء هالك إلا وجهه؟! وأن الخلائق يرجعون إليه؟!\nتبارك ربنا وتعاظم وتقدس أن يوصف أخس خلقه بصفاته.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ (١٢)﴾.\nفهل في الكفرة الفجرة المشرعين النظم الشيطانية من يستحق أن يوصف في أعظم كتاب سماوي بأنه العلي الكبير؟!\nسبحانك ربنا وتعاليت عن كل ما لا يليق بكمالك وجلالك.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيهِ تُرْجَعُونَ (٧٠) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣﴾.\nفهل في مشرعي القوانين الوضعية، من يستحق أن يوصف بأن له الحمد في الأولى والآخرة؟! وأنه هو الذي يصرف الليل والنهار، مبينًا بذلك كمال قدرته، وعظمة إنعامه على خلقه؟!","vol":"7","page":177},{"text":"سبحان خالق السماوات والأرض، جل وعلا، أن يكون له شريك في حكمه، أو عبادته، أو ملكه.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٤٠)﴾.\nفهل في أولئك من يستحق أن يوصف بأنه هو الإِله المعبود وحده، وأن عبادته وحده هي الدين القيم؟!\nسبحان الله وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾.\nفهل فيهم من يستحق أن يتوكل عليه، وتفوض الأمور إليه؟!\nومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَينَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ (٤٩) أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٥٠)﴾.\nفهل في أولئك المشرعين من يستحق أن يوصف بأن حكمه بما أنزل الله وأنه مخالف لاتباع الهوى؟! وأن من تولى عنه أصابه الله ببعض ذنوبه؟! لأن الذنوب لا يؤاخذ بجميعها إلا في الآخرة، وأنه لا حكم أحسن من حكمه لقوم يوقنون؟!\nسبحان ربنا وتعالى عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.\nومنها قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيرُ الْفَاصِلِينَ (٥٧)﴾.","vol":"7","page":178},{"text":"فهل فيهم من يستحق أن يوصف بأنه يقص الحق، وأنه خير الفاصلين؟!\nومنها قوله تعالى: ﴿أَفَغَيرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا وَالَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١١٤) وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا﴾ الآية.\nفهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي أنزل هذا الكتاب مفصلًا، الذي يشهد أهل الكتاب أنه منزل من ربك بالحق، وبأنه تمت كلماته صدقًا وعدلًا، أي صدقًا في الأخبار وعدلًا في الأحكام، وأنه لا مبدل لكلماته وهو السميع العليم؟!\nسبحان ربنا ما أعظمه وما أجل شأنه.\nومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾.\nفهل في أولئك المذكورين من يستحق أن يوصف بأنه هو الذي ينزل الرزق للخلائق، وأنه لا يمكن أن يكون تحليل ولا تحريم إلا بإذنه؟! لأن من الضروري أن من خلق الرزق وأنزله هو الذي له التصرف فيه بالتحليل والتحريم.\nسبحانه جل وعلا أن يكون له شريك في التحليل والتحريم.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ (٤٤)﴾.\nفهل فيهم من يستحق الوصف بذلك؟!\nسبحان ربنا وتعالى عن ذلك.\nومنها قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا","vol":"7","page":179},{"text":"حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١١٧)﴾.\nفقد أوضحت الآية أن المشرعين غير ما شرعه الله إنما تصف ألسنتهم الكذب، لأجل أن يفتروه على الله، وأنهم لا يفلحون، وأنهم يمتعون قليلًا ثم يعذبون العذاب الأليم، وذلك واضح في بُعْدِ صفاتهم من صفات من له أن يحلل ويحرم.\nومنها قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ﴾ الآية.\nفقوله: ﴿هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ﴾ صيغة تعجيز، فهم عاجزون عن بيان مستند التحريم، وذلك واضح في أن غير الله لا يتصف بصفات التحليل ولا التحريم، ولما كان التشريع وجميع الأحكام، شرعية كانت أو كونية قدرية، من خصائص الربوبية، كما دلت عليه الآيات المذكورة = كان كل من اتبع تشريعًا غير تشريع الله قد اتخذ ذلك المشرع ربًا، وأشركه مع الله.\nوالآيات الدالة على هذا كثيرة، وقد قدمناها مرارًا، وسنعيد منها ما فيه كفاية.\nفمن ذلك، وهو من أوضحه وأصرحه: أنه في زمن النبي  -  ﷺ  -  وقعت مناظرة بين حزب الرحمن، وحزب الشيطان، في حكم من أحكام التحريم والتحليل، وحزب الرحمن يتبعون تشريع الرحمن في وحيه في تحريمه، وحزب الشيطان يتبعون وحي الشيطان في تحليله.\nوقد حكم الله بينهما وأفتى فيما تنازعوا فيه فتوى سماوية قرآنية تتلى في سورة الأنعام.","vol":"7","page":180},{"text":"وذلك أن الشيطان لما أوحى إلى أوليائه، فقال لهم في وحيه: سلوا محمدًا عن الشاة تصبح ميتة من هو الذي قتلها؟ فأجابوهم أن الله هو الذي قتلها.\nفقالوا: الميتة إذًا ذبيحة الله، وما ذبحه الله كيف تقولون إنه حرام، مع أنكم تقولون: إنما ذبحتموه بأيديكم حلال، فأنتم إذًا أحسن من الله وأحَلُّ ذبيحة؟!\nفأنزل الله  - بإجماع من يعتد به من أهل العلم -  قوله تعالى: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ﴾ يعني الميتة، أي وإن زعم الكفار أن الله ذكاها بيده الكريمة بسكين من ذهب، ﴿وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ والضمير عائد إلى الأكل المفهوم من قوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا﴾، وقوله: ﴿لَفِسْقٌ﴾ أي خروج عن طاعة الله، واتباع لتشريع الشيطان، ﴿وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ﴾ أي بقولهم: ما ذبحتموه حلال وما ذبحه الله حرام، فأنتم إذًا أحسن من الله، وأَحَلُّ تذكية.\nثم بين الفتوى السماوية من رب العالمين، في الحكم بين الفريقين في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.\nفهي فتوى سماوية من الخالق جل وعلا صرح فيها بأن متبع تشريع الشيطان المخالف لتشريع الرحمن مشرك بالله.\nوهذه الآية الكريمة مثل بها بعض علماء العربية لحذف اللام الموطئة للقسم، والدليل على اللام الموطئة المحذوفة عدم اقتران جملة (إنكم لمشركون) بالفاء؛ لأنه لو كان شرطًا لم يسبقه قسم لقيل: فإنكم لمشركون، على حد قوله في الخلاصة:\nواقرن بفا حتمًا جوابًا لو جُعِل ... شرطًا لإِنْ أو غيرها لم ينجعل","vol":"7","page":181},{"text":"وهو مذهب سيبويه، وهو الصحيح، وحذف الفاء في مثل ذلك من ضرورة الشعر.\nوما زعمه بعضهم من أنه يجوز مطلقًا، وأن ذلك دلت عليه آيتان من كتاب الله:\nإحداهما: قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾.\nوالثانية: قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ بحذف الفاء في قراءة نافع وابن عامر من السبعة = خلاف التحقيق.\nبل المسوغ لحذف الفاء في آية: ﴿إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ (١٢١)﴾ تقدير القسم المحذوف قبل الشرط المدلول عليه بحذف الفاء، على حد قوله في الخلاصة:\nواحذف لدى اجتماع شرط وقسم ... جواب ما أحرت فهو ملتزم\nوعليه، فجملة (إنكم لمشركون) جواب القسم المقدر، وجواب الشرط محذوف، فلا دليل في الآية لحذف الفاء المذكور.\nوالمسوغ له في آية ﴿فَبِمَا كَسَبَتْ أَيدِيكُمْ﴾ أن (ما) في قراءة نافع وابن عامر موصولة كما جزم به غير واحد من المحققين، أي والذي أصابكم من مصيبة كائن وواقع بسبب ما كسبت أيديكم.\nوأما على قراءة الجمهور، فما موصولة أيضًا، ودخول الفاء في خبر الموصول جائز كما أن عدمه جائز، فكلتا القراءتين جارية على أمر جائز.\nومثال دخول الفاء في خبر الموصول قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالهُمْ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ","vol":"7","page":182},{"text":"وَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٢٧٤)﴾، وهو كثير في القرآن.\nوقال بعضهم: إن (ما) في قراءة الجمهور شرطية، وعليه فاقتران الجزاء بالفاء واجب. أما على قراءة نافع وابن عامر، فهي موصولة ليس إلا، كما هو التحقيق إن شاء الله.\nوكون (ما) شرطية على قراءة، وموصولة على قراءة، لا إشكال فيه؛ لما قدمنا من أن القراءتين في الآية الواحدة كالآيتين.\nومن الآيات الدالة على نحو ما دلت عليه آية الأنعام المذكورة قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، فصرح بتوليهم للشيطان، أي باتباع ما يزين لهم من الكفر والمعاصي مخالفًا لما جاءت به الرسل، ثم صرح بأن ذلك إشراك به في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (١٠٠)﴾، وصرح أن الطاعة في ذلك الذي يشرعه الشيطان لهم ويزينه عبادةٌ للشيطان.\nومعلوم أن من عبد الشيطان فقد أشرك بالرحمن، قال تعالى: ﴿أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيكُمْ يَابَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٠) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (٦١) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا﴾ ويدخل فيهم متبعو نظام الشيطان دخولًا أوليًّا ﴿أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (٦٢)﴾.\nثم بين المصير الأخير لمن كان يعبد الشيطان في دار الدنيا، في قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٦٣) اصْلَوْهَا الْيَوْمَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٦٤) الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٦٥)﴾.\nوقال تعالى عن نبيه إبراهيم: ﴿يَاأَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيطَانَ إِنَّ الشَّيطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا (٤٤)﴾. فقوله: (لا تعبد الشيطان) أي باتباع ما يشرعه من الكفر والمعاصي، مخالفًا لما شرعه الله.","vol":"7","page":183},{"text":"وقال تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا مَرِيدًا (١١٧)﴾، فقوله: ﴿وَإِنْ يَدْعُونَ إلا شَيطَانًا﴾ يعني ما يعبدون إلا شيطانًا مريدًا.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلَائِكَةِ أَهَؤُلَاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ (٤٠) قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ (٤١)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ﴾ أي يتبعون الشياطين ويطيعونهم فيما يشرعون ويزينون لهم من الكفر والمعاصي، على أصح التفسيرين.\nوالشيطان عالم بأن طاعتهم له المذكورة إشراك به، كما صرح بذلك وتبرأ منهم في الآخرة، كما نص الله عليه في سورة إبراهيم في قوله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾، إلى قوله: ﴿إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ﴾ فقد اعترف بأنهم كانوا مشركين به من قبل أي في دار الدنيا، ولم يكفر بشركهم ذلك إلا يوم القيامة.\nوقد أوضح النبي  -  ﷺ  -  هذا المعنى الذي بينا، في الحديث لما سأله عدي بن حاتم ﵁ عن قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا﴾ كيف اتخذوهم أربابًا؟ وأجابه أنهم أحلوا لهم ما حرم الله وحرموا عليهم ما أحل الله، فاتبعوهم، وبذلك الاتباع اتخذوهم أربابًا.\nومن أصرح الأدلة في هذا: أن الكفار إذا أحلوا شيئًا يعلمون أن الله حرمه، وحرموا شيئًا يعلمون أن الله أحله، فإنهم يزدادون كفرًا","vol":"7","page":184},{"text":"جديدًا بذلك، مع كفرهم الأول، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٣٧)﴾.\nوعلى كل حال، فلا شك أن كل من أطاع غير الله في تشريع مخالف لما شرعه الله، فقد أشرك به مع الله، كما يدل لذلك قوله: ﴿وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ﴾ فسماهم شركاء لما أطاعوهم في قتل الأولاد، وقوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ شُرَكَاءُ شَرَعُوا لَهُمْ مِنَ الدِّينِ مَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللَّهُ﴾، فقد سمى تعالى الذين يشرعون من الدين ما لم يأذن به الله شركاء.\nومما يزيد ذلك إيضاحًا، أن ما ذكره الله عن الشيطان يوم القيامة، من أنه يقول للذين كانوا يشركون به في دار الدنيا: (إني كفرت بما أشركتمون من قبل) أن ذلك الإِشراك المذكور ليس فيه شيء زائد على أنه دعاهم إلى طاعته فاستجابوا له، كما صرح بذلك في قوله تعالى عنه: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إلا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ الآية، وهو واضح كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1762> قوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ تقدم تفسيره في أول سورة فاطر.\nوقوله: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا﴾ أي خلق لكم أزواجًا من أنفسكم، كما قدمنا الكلام عليه في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً﴾، وبينا أن المراد بالأزواج الإِناث، كما يوضحه قوله","vol":"7","page":185},{"text":"تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيهَا وَجَعَلَ بَينَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾، وقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغْشَى (١) وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى (٢) وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣)﴾ الآية. وقوله في آدم: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية، وقوله تعالى فيه أيضًا: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى فيه أيضًا: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ هي الثمانية المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَينِ﴾ الآية، وفي قوله: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، وهي ذكور الضأن والمعز والإِبل والبقر وإناثها، كما قدمنا إيضاحه في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ الظاهر أن ضمير الخطاب في قوله: (يذرؤكم) شامل للآدميين والأنعام، وتغليب الآدميين على الأنعام في ضمير المخاطبين في قوله: (يذرؤكم) واضح لا إشكال فيه.\nوالتحقيق إن شاء الله أن الضمير في قوله: (فيه) راجع إلى ما ذكر من الذكور والإِناث من بني آدم والأنعام في قوله تعالى: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجًا﴾ سواء قلنا إن المعنى: أنه جعل للآدميين إناثًا من أنفسهم أي من جنسهم، وجعل للأنعام أيضًا إناثًا كذلك، أو قلنا إن المراد بالأزواج الذكور والإِناث منهما معًا.","vol":"7","page":186},{"text":"وإذا كان ذلك كذلك، فمعنى الآية الكريمة: (يذرؤكم) أي يخلقكم ويبثكم وينشركم (فيه)، أي فيما ذكر من الذكور والإِناث، أي في ضمنه، عن طريق التناسل كما هو معروف.\nويوضح ذلك في قوله تعالى: ﴿اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، فقوله تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ يوضح معنى قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾.\nفإن قيل: ما وجه إفراد الضمير المجرور في قوله: (يذرؤكم فيه) مع أنه على ما ذكرتم، عائد إلى الذكور والإِناث من الآدميين والأنعام؟\nفالجواب: أن من أساليب اللغة العربية التي نزل بها القرآن، رجوع الضمير أو الإِشارة بصيغة الإِفراد إلى مثنى أو مجموع باعتبار ما ذكر مثلًا.\nومثاله في الضمير: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ الآية، فالضمير في قوله: (به) مفرد، مع أنه راجع إلى السمع والأبصار والقلوب.\nفقوله: ﴿يَأْتِيكُمْ بِهِ﴾ أي بما ذكر من سمعكم وأبصاركم وقلوبكم، ومن هذا المعنى قول رؤبة بن العجاج:\nفيها خطوط من سواد وبلق ... كأنه في الجلد توليع البهق\nفقوله: \"كأنه\" أي ما ذكر من خطوط من سواد وبلق.\nومثاله في الإِشارة: ﴿لَا فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَينَ ذَلِكَ﴾ أي بين ذلك المذكور من فارض وبكر، وقول عبد الله بن الزبعرى السهمي:\nإن للخير وللشر مدى ... وكلا ذلك وجه وقبل\nأي كلا ذلك المذكور من الخير والشر.","vol":"7","page":187},{"text":"وقول من قال: إن الضمير في قوله: (فيه) راجع إلى الرحم، وقول من قال: راجع إلى البطن، ومن قال: راجع إلى الجعل المفهوم مِنْ جَعَل، وقول من قال: راجع إلى التدبير، ونحو ذلك من الأقوال؛ خلاف الصواب.\nوالتحقيق إن شاء الله هو ما ذكرنا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1763> قوله تعالى: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (١١)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1764> قوله تعالى: ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾</span>.\n(مقاليد السموات والأرض) هي مفاتيحهما.\nوهو جمع لا واحد له مر، لفظه، فمفردها إقليد، وجمعها مقاليد على غير قياس. والإِقليد المفتاح. وقيل: واحدها مقليد، وهو قول غير معروف في اللغة.\nوكونه جل وعلا ﴿لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مفاتيحهما، كناية عن كونه جل وعلا هو وحده المالك لخزائن السماوات والأرض؛ لأن ملك مفاتيحها يستلزم ملكها.\nوقد ذكر جل وعلا مثل هذا في سورة الزمر في قوله تعالى:","vol":"7","page":188},{"text":"﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ وَكِيلٌ (٦٢) لَهُ مَقَالِيدُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية.\nوما دلت عليه آية الشورى هذه، وآية الزمر المذكورتان، من أنه جل وعلا هو مالك خزائن السماوات والأرض، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَفْقَهُونَ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾.\nوبين في مواضع أخر أن خزائن رحمته لا يمكن أن تكون لغيره، كقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ الْعَزِيزِ الْوَهَّابِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيطِرُونَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا (١٠٠)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ جاء معناه موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ لَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ﴾ أي ضيق عليه رزقه؛ لقلته، وكذلك قوله ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ في الآيات المذكورة، أي يبسط الرزق لمن يشاء بسطه له،","vol":"7","page":189},{"text":"ويقدر أي يضيق الرزق على من يشاء تضييقه عليه، كما أوضحناه في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾.\nوقد بين جل وعلا في بعض الآيات حكمة تضييقه للرزق على من ضيقه عليه.\nوذَكَر أن من حِكَم ذلك أن بسط الرزق للإنسان قد يحمله على البغي والطغيان، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى (٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1765> قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَينَا إِلَيكَ وَمَا وَصَّينَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1766> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾</span>.\nالضمير في قوله: (فيه)، راجع إلى (الدين) في قوله: (أن أقيموا الدين).\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن الافتراق في الدين، جاء مبينًا في غير هذا الموضع، وقد بين تعالى أنه وصى خلقه بذلك، فمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٥٣)﴾.","vol":"7","page":190},{"text":"وقد بين تعالى في بعض المواضع أن بعض الناس لا يجتنبون هذا النهي، وهددهم على ذلك، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (١٥٩)﴾؛ لأن قوله: ﴿لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيءٍ﴾ إلى قوله: ﴿يَفْعَلُونَ﴾ فيه تهديد عظيم لهم.\nوقوله تعالى في سورة قد أفلح المؤمنون: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (٥٢) فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيهِمْ فَرِحُونَ (٥٣) فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾.\nفقوله: ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي إن هذه شريعتكم شريعة واحدة، ودينكم دين واحد، وربكم واحد؛ فلا تتفرقوا في الدين.\nوقوله جل وعلا: ﴿فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ زُبُرًا﴾ دليل على أنهم لم يجتنبوا ما نهوا عنه من ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ فِي غَمْرَتِهِمْ حَتَّى حِينٍ (٥٤)﴾ فيه تهديد لهم ووعيد عظيم على ذلك.\nونظير ذلك قوله تعالى في سورة الأنبياء: ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ (٩٢) وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَينَهُمْ كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾، فقوله تعالى: ﴿كُلٌّ إِلَينَا رَاجِعُونَ (٩٣)﴾ فيه أيضًا تهديد لهم ووعيد على ذلك، وقد أوضحنا تفسير هذه الآيات في آخر سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية.\nوقد جاء في الحديث المشهور افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة، وافتراق النصارى إلى اثنتين وسبعين فرقة، وافتراق","vol":"7","page":191},{"text":"هذه الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة، وأن الناجية منها واحدة، وهي التي كانت على ما كان عليه النبي - ﷺ - وأصحابه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1767> قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾</span>.\nبين جل وعلا أنه (كبر على المشركين) أي شق عليهم وعظم ما يدعوهم إليه - ﷺ - من عبادة الله تعالى وحده، وطاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه، ولعظم ذلك ومشقته عليهم كانوا يكرهون ما أنزل الله، ويجتهدون في عدم سماعه لشدة كراهتهم له، بل يكادون يبطشون بمن يتلو عليهم آيات ربهم لشدة بغضهم وكراهتهم لها.\nوالآيات الموضحة لهذا المعنى كثيرة في كتاب الله، وفيها بيان أن ذلك هو عادة الكافرين مع جميع الرسل من عهد نوح إلى عهد محمد - ﷺ -.\nفقد بين تعالى مشقة ذلك على قوم نوح وكبره عليهم في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَاتْلُ عَلَيهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَال لِقَوْمِهِ يَاقَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نوح ﴿وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ﴾ يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهتهم لما يدعوهم إليه نوح، فهو واضح في أنهم كبر عليهم ما يدعوهم إليه من توحيد الله والإِيمان به.\nوقد بين الله تعالى مثل ذلك في الكفار الذين كذبوا نبينا محمدًا - ﷺ - في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ","vol":"7","page":192},{"text":"وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا﴾، فقوله تعالى: ﴿تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ﴾ الآية، يدل دلالة واضحة على شدة بغضهم وكراهيتهم لسماع تلك الآيات.\nوكقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى في الزخرف: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾، وقوله تعالى في قد أفلح المؤمنون: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ وَأَكْثَرُهُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٠)﴾، وقوله تعالى في القتال: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾ الآية. والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nواعلم أن هؤلاء الذين يكرهون ما أنزل الله، يجب على كل مسلم أن يحذر كل الحذر من أن يطيعهم في بعض أمرهم؛ لأن ذلك يستلزم نتائج سيئة متناهية في السوء، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤) إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾ فعلى كل مسلم أن يحذر ثم يحذر ثم يحذر كل الحذر","vol":"7","page":193},{"text":"من أن يقول للذين كفروا الذين يكرهون ما أنزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر؛ لأن ذلك يسبب له ما ذكره الله في الآيات المذكورة، ويكفيه زجرًا وردعًا عن ذلك قول ربه تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1768> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾</span>.\nالاجتباء في اللغة العربية معناه الاختيار والاصطفاء.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة على أنه تعالى يجتبي من خلقه من يشاء اجتباءه.\nوقد بين في مواضع أخر بعض من شاء اجتباءه من خلقه، فبين أن منهم المؤمنين من هذه الأمة، في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيرَ﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية.\nوبين في موضع آخر أن منهم آدم، وهو قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيهِ وَهَدَى (١٢٢)﴾، وذكر أن منهم إبراهيم في قوله: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً﴾ إلى قوله: ﴿شَاكِرًا لِأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات الدالة على اجتباء بعض الخلق بالتعيين.\nوقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ يُنِيبُ (١٣)﴾ أي من سبق في","vol":"7","page":194},{"text":"علمه أنه ينيب إلى الله، أي يرجع إلى ما يرضيه من الإِيمان والطاعة.\nونظير هذه الآية قوله تعالى في سورة الرعد: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيهِ مَنْ أَنَابَ (٢٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1769> قوله تعالى: ﴿وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَينَكُمُ﴾</span>.\nتقدمت الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1770> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي أنزل الكتاب في حال كونه متلبسًا بالحق الذي هو ضد الباطل، وقوله: ﴿الْكِتَابَ﴾ اسم جنس مراد به جميع الكتب السماوية.\nوقد أوضحنا في سورة الحج أن المفرد الذي هو اسم جنس يطلق مرادًا به الجمع، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك مع الشواهد العربية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَالْمِيزَانَ﴾ يعني أن الله جل وعلا هو الذي أنزل الميزان، والمراد به العدل والإِنصاف.\nوقال بعض أهل العلم: الميزان في الآية: هو آلة الوزن المعروفة.\nومما يؤيد ذلك أن الميزان مفعال، والمفعال قياسي في اسم الآلة.","vol":"7","page":195},{"text":"وعلى التفسير الأول وهو أن الميزان: العدل والإِنصاف، فالميزان الذي هو آلة الوزن المعروفة داخل فيه، لأن إقامة الوزن بالقسط من العدل والإِنصاف.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله تعالى هو الذي أنزل الكتاب والميزان أوضحه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في سورة الحديد: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾.\nفصرح تعالى لأنه أنزل مع رسله الكتاب والميزان لأجل أن يقوم الناس بالقسط، وهو العدل والإنصاف، وكقوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧) أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ (٨) وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي والله تعالى أعلم: أن الميزان في سورة الشورى وسورة الحديد هو العدل والإِنصاف، كما قاله غير واحد من المفسرين.\nوأن الميزان في سورة الرحمن هو الميزان المعروف، أعني آلة الوزن التي يوزن بها بعض المبيعات.\nومما يدل على ذلك أنه في سورة الشورى وسورة الحديد عبر بإنزال الميزان لا بوضعه، وقال في سورة الشورى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾، وقال في الحديد: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾.\nوأما في سورة الرحمن فقد عبر بالوضع لا الإِنزال، قال:","vol":"7","page":196},{"text":"﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾ ثم أتبع ذلك بما يدل على أن المراد به آلة الوزن المعروفة، وذلك في قوله: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾؛ لأن الميزان الذي نهوا عن إخساره هو أخو المكيال، كما قال تعالى: ﴿أَوْفُوا الْكَيلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ (١٨١) وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ (١٨٢) وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿وَيلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ (٢) وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ (٣)﴾، وقال تعالى عن نبيه شعيب: ﴿وَلَا تَنْقُصُوا الْمِكْيَال وَالْمِيزَانَ﴾ الآية، وقال تعالى عنه أيضًا: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ﴾ الآية، وقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾، وقال تعالى في سورة بني إسرائيل: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٣٥)﴾.\nفإن قيل: قد اخترتم أن المراد بالميزان في سورة الشورى وسورة الحديد، هو العدل والإِنصاف، وأن المراد بالميزان في سورة الرحمن هو آلة الوزن المعروفة، وذكرتم نظائر ذلك من الآيات القرآنية، وعلى هذا الذي اخترتم يشكل الفرق بين الكتاب والميزان؛ لأن الكتب السماوية كلها عدل وإنصاف.\nفالجواب من وجهين:\nالأول منهما: هو ما قدمنا مرارًا من أن الشيء الواحد إذا عبر عنه بصفتين مختلفتين جاز عطفه على نفسه، تنزيلًا للتغاير بين الصفات منزلة التغاير في الذوات، ومن أمثلة ذلك في القرآن قوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣) وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى (٤)﴾ فالموصوف واحد والصفات مختلفة، وقد ساغ","vol":"7","page":197},{"text":"العطف لتغاير الصفات. ونظير ذلك من كلام العرب قول الشاعر:\nإلى الملك القرم وابن الهما ... م وليث الكتيبة في المزدحم\nوأما الوجه الثاني: فهو ما أشار إليه العلامة ابن القيم ﵀ في \"إعلام الموقعين\" من المغايرة في الجملة بين الكتاب والميزان.\nوإيضاح ذلك: أن المراد بالكتاب هو العدل والإِنصاف المصرح به في الكتب السماوية.\nوأما الميزان، فيصدق بالعدل والإِنصاف الذي لم يصرح به في الكتب السماوية، ولكنه معلوم مما صُرِّح به فيها.\nفالتأفيف في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ من الكتاب؛ لأنه مصرح به في الكتاب، ومنع ضرب الوالدين مثلًا المدلول عليه بالنهي عن التأفيف، من الميزان، أي من العدل والإِنصاف الذي أنزله الله مع رسله.\nوقبول شهادة العدلين في الرجعة والطلاق، المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ من الكتاب الذي أنزله الله؛ لأنه مصرح به فيه.\nوقبول شهادة أربعة عدول في ذلك، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله.\nوتحريم أكل مال اليتيم المذكور في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَال الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا﴾ الآية، من الكتاب.\nوتحريم إغراق مال اليتيم وإحراقه، المعروف (^١) من ذلك، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله.\n_________\n(^١) كذا في الأصل.","vol":"7","page":198},{"text":"وجلد القاذف الذكر للمحصنة الأنثى ثمانين جلدة، ورد شهادته، والحكم بفسقه، المنصوص في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً﴾ إلى قوله: ﴿إلا الَّذِينَ تَابُوا﴾ الآية، من الكتاب الذي أنزله الله.\nوعقوبة القاذف الذكر لذكر مثله، والأنثى القاذفة لذكر أو لأنثى، بمثل تلك العقوبة المنصوصة في القرآن، من الميزان المذكور.\nوحلِّية المرأة التي كانت مبتوتة، بسبب نكاح زوجٍ ثانٍ وطلاقه لها بعد الدخول، المنصوص في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا﴾، أي فإن طلقها الزوج الثاني بعد الدخول وذوق العسيلة، (فلا جناح عليهما) أي لا جناح على المرأة التي كانت مبتوتة، والزوج الذي كانت حرامًا عليه، أن يتراجعا بعد نكاح الثاني وطلاقه لها = من الكتاب الذي أنزل الله.\nوأما إن مات الزوج الثاني بعد أن دخل بها وكان موته قبل أن يطلقها، فحلِّيتها للأول الذي كانت حرامًا عليه، من الميزان الذي أنزله الله مع رسله.\nوقد أشرنا إلى كلام ابن القيم المذكور، وأكثرنا من الأمثلة لذلك في سورة الأنبياء في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1771> قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ قَرِيبٌ (١٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ فَلَا تَسْتَعْجِلُوهُ﴾ الآية، وفي سورة","vol":"7","page":199},{"text":"الأحزاب في الكلام على قوله: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا (٦٣)﴾، وفي سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1772> قوله تعالى: ﴿يَسْتَعْجِلُ بِهَا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِهَا وَالَّذِينَ آمَنُوا مُشْفِقُونَ مِنْهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهَا الْحَقُّ﴾</span>.\nذكر تعالى في هذه الآية الكريمة ثلاث مسائل:\nالأولى: أن الكفار الذين لا يؤمنون بالساعة، يستعجلون بها أي يطلبون تعجيلها عليهم، لشدة إنكارهم لها.\nوالثانية: أن المؤمنين مشفقون منها، أي خائفون منها.\nوالثالثة: أنهم يعلمون أنها الحق، أي أن قيامها ووقوعها حق لا شك فيه.\nوكل هذه المسائل الثلاث المذكورة في هذه الآية الكريمة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.\nأما استعجالهم لها، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\nوأما المسألة الثانية، التي هي إشفاق المؤمنين وخوفهم من الساعة، فقد ذكره في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ (٤٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ يَوْمًا تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ (٣٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا (٧)﴾.","vol":"7","page":200},{"text":"وأما المسألة الثالثة، وهي علمهم أن الساعة حق، فقد دلت عليه الآيات المصرحة بأنها لاريب فيها؛ لأنها تتضمن نفي الريب فيها عن المؤمنين، والريب: الشك، كقوله تعالى عن الراسخين في العلم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1773> قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يُمَارُونَ﴾، مضارع مارى، يماري مراء ومماراة، إذا خاصم وجادل.\nومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تُمَارِ فِيهِمْ إلا مِرَاءً ظَاهِرًا﴾.\nوقوله: ﴿لَفِي ضَلَالٍ بَعِيدٍ (١٨)﴾ أي بعيد عن الحق والصواب.\nوقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة العربية، مع الشواهد، في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، وفي مواضع أخر من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1774> قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾</span>.\nقد بينا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا","vol":"7","page":201},{"text":"أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا﴾ الآية، أن جميع الرسل عليهم الصلوات والسلام لا يأخذون أجرًا على التبليغ، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.\nوقد ذكرنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب، وجه الجمع بين تلك الآيات، وآية الشورى هذه، فقلنا فيه:\nاعلم أولًا أن في قوله تعالى ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أربعة أقوال:\nالأول: ورواه الشعبي وغيره عن ابن عباس، وبه قال مجاهد وقتادة وعكرمة وأبو مالك والسدي والضحاك وابن زيد وغيرهم، كما نقله عنهم ابني جرير وغيره، أن معنى الآية ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي إلا أن تودوني في قرابتي التي بيني وبينكم، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما تمنعون كل من بينكم وبينه مثل قرابتي منكم، وكان  -  ﷺ  -  له في كل بطن من قريش رحم، فهذا الذي سألهم ليس بأجر على التبليغ؛ لأنه مبذول لكل أحد؛ لأن كل أحد يوده أهل قرابته وينتصرون له من أذى الناس.\nوقد فعل له ذلك أبو طالب، ولم يكن أجرًا على التبليغ؛ لأنه لم يؤمن.\nوإذا كان لا يسأل أجرًا إلا هذا الذي ليس بأجر، تحقق أنه لا يسأل أجرًا، كقول النابغة:\nولا عيب فيهم غير أن سيوفهم ... بهن فلول من قراع الكتائب\nومثل هذا يسميه البلاغيون تأكيد المدح بما يشبه الذم.\nوهذا القول هو الصحيح في الآية، واختاره ابن جرير، وعليه فلا إشكال.","vol":"7","page":202},{"text":"الثاني: أن معنى الآية ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي لا تؤذوا قرابتي وعترتي واحفظوني فيهم، ويروى هذا القول عن سعيد بن جبير وعمرو بن شعيب وعلي بن الحسين، وعليه فلا إشكال أيضًا؛ لأن المودة بين المسلمين واجبة فيما بينهم، وأحرى قرابة النبي  -  ﷺ  -، قال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، وفي الحديث \"مثل المؤمنين في تراحمهم وتوادهم كالجسد الواحد، إذا أصيب منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى\"، وقال  -  ﷺ  -: \"لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه\"، والأحاديث في مثل هذا كثيرة جدًّا.\nوإذا كان نفس الدين يوجب هذا بين المسلمين، تبين أنه غير عوض عن التبليغ.\nوقال بعض العلماء: الاستثناء منقطع على كلا القولين، وعليه فلا إشكال.\nفمعناه على القول الأول: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا﴾ لكن أذكركم قرابتي فيكم.\nوعلى الثاني: لكن أذكركم الله في قرابتي، فاحفظوني فيهم.\nالقول الثالث، وبه قال الحسن: (إلا المودة في القربى) أي إلا أن تتوددوا إلى الله وتتقربوا إليه بالطاعة والعمل الصالح. وعليه فلا إشكال؛ لأن التقرب إلى الله ليس أجرًا على التبليغ.\nالقول الرابع: (إلا المودة في القربى)، أي إلا أن تتوددوا إلى قراباتكم وتصلوا أرحامكم. ذكر ابن جرير هذا القول عن عبد الله بن","vol":"7","page":203},{"text":"القاسم، وعليه أيضًا فلا إشكال؛ لأن صلة الإِنسان رحمه ليست أجرًا على التبليغ.\nفقد علمت الصحيح في تفسير الآية، وظهر لك رفع الإِشكال على جميع الأقوال.\nوأما القول بأن قوله تعالى: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ منسوخ بقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ﴾، فهو ضعيف، والعلم عند الله تعالى. انتهى منه.\nوقد علمت مما ذكرنا فيه أن القول الأول هو الصحيح في معنى الآية، مع أن كثيرًا من الناس يظنون أن القول الثاني هو معنى الآية، فيحسبون أن معنى ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ إلا أن تودوني في أهل قرابتي.\nوممن ظن ذلك محمد السجاد، حيث قال لقاتله يوم الجمل: أذكِّرك حم، يعني سورة الشورى هذه، ومراده أنه من أهل قرابة رسول الله  -  ﷺ  -  فيلزم حفظه فيهم؛ لأن الله تعالى قال في حم هذه: ﴿إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾، فهو يريد المعنى المذكور، يظنه هو المراد بالآية، ولذا قال قاتله في ذلك:\nيذكرني حاميم والرمح شاجر ... فهلَّا تلا حاميم قبل التقدم\nوقد ذكرنا هذا البيت والأبيات التي قبله في أول سورة هود، وذكرنا أن البخاري ذكر البيت المذكور في سورة المؤمن، وذكرنا الخلاف في قائل الأبيات الذي قتل محمدًا السجاد بن طلحة بن عبيد الله يوم الجمل، هل هو شريح بن أبي أوفى العبسي كما قال البخاري، أو الأشتر النخعي، أو عصام بن مقشعر، أو مدلج بن كعب السعدي، أو كعب بن مدلج.","vol":"7","page":204},{"text":"وممن ظن أن معنى الآية هو ما ظنه محمد السجاد المذكور، الكميت، في قوله في أهل قرابة رسول الله - ﷺ -:\nوجدنا لكم في آل حاميم آية ... تأولها منا تقيٌّ ومُعْرِبُ\nوالتحقيق إن شاء الله أن معنى الآية هو القول الأول: ﴿إلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ أي إلا أن تودوني في قرابتي فيكم وتحفظوني فيها، فتكفوا عني أذاكم وتمنعوني من أذى الناس، كما هو شأن أهل القرابات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1775> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَقْتَرِفْ حَسَنَةً نَزِدْ لَهُ فِيهَا حُسْنًا﴾</span>.\nالاقتراف معناه الاكتساب، أي من يعمل حسنة من الحسنات ويكسبها نزد له فيها حسنًا، أي نضاعفها له.\nفمضاعفة الحسنات هي الزيادة في حسنها، وهذا المعنى توضحه آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ فكونه خيرًا وأعظم أجرًا زيادة في حسنه، كما لا يخفى، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1776> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ﴾</span>.\nبين تعالى في هذه الآية الكريمة أنه هو وحده الذي يقبل التوبة","vol":"7","page":205},{"text":"عن عباده ويعفو عن السيئات. وقد جاء ذلك موضحًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا اللَّهُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا معنى التوبة وأركانها، وإزالة ما في أركانها من الإِشكال، في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٣١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1777> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه ينزل ما يشاء تنزيله من الأرزاق وغيرها بقدر، أي بمقدار معلوم عنده جل وعلا، وهو جل وعلا أعلم بالحكمة والمصلحة في مقدار كل ما ينزله. وقد أوضح هذا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ (٨)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1778> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مُعْجِزِينَ فِي الْأَرْضِ وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1779> قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾</span>.\nقوله: (ومن آياته) أي من علاماته الدالة على قدرته واستحقاقه للعبادة وحده، (الجوار) وهي السفن، واحدتها جارية، ومنه قوله","vol":"7","page":206},{"text":"تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ يعني سفينة نوح، وسميت جارية لأنها تجري في البحر.\nوقوله: ﴿كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾ أي كالجبال، شبه السفن بالجبال؛ لعظمها. وعن مجاهد أن الأعلام القصور، وعن الخليل: أن كل مرتفع تسميه العرب علمًا، وجمع العلم أعلام.\nوهذا الذي ذكره الخليل معروف في اللغة، ومنه قول الخنساء ترثي أخاها صخرًا:\nوإن صخرًا لتأتم الهداة به ... كأنه علم في رأسه نار\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن جريان السفن في البحر، من آياته تعالى الدالة على كمال قدرته، جاء موضحًا في غير هذا الموضح، كقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢) وَإِنْ نَشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنْقَذُونَ (٤٣) إلا رَحْمَةً مِنَّا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى في سورة النمل: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وقوله في فاطر: ﴿وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو (الجواري) بياء لساكنة بعد الراء في الوصل فقط دون الوقف، وقرأه ابن كثير بالياء المذكورة في","vol":"7","page":207},{"text":"الوصل والوقف معًا، وقرأه الباقون (الجوار) بحذف الياء في الوصل والوقف معًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1780> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ﴾</span> الآية.\nقرأ هذا الحرف حمزة والكسائي (كبير الإِثم)، بكسر الباء بعدها ياء ساكنة وراء، على صيغة الإِفراد.\nوقرأه الباقون بفتح الباء بعدها ألف فهمزة مكسورة قبل الراء، على صيغة الجمع.\nوقوله: ﴿وَالَّذِينَ﴾ في محل جر عطفًا على قوله: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (٣٦)﴾ أي وخير وأبقى أيضًا للذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش.\nوالفواحش جمع فاحشة. والتحقيق إن شاء الله أن الفواحش من جملة الكبائر، والأظهر أنها من أشنعها؛ لأن الفاحشة في اللغة هي الخصلة المتناهية في القبح، وكل متشدد في شيء مبالغ فيه فهو فاحش فيه.\nومنه قول طرفة بن العبد في معلقته:\nأرى الموت يعتام الكرام ويصطفي ... عقيلة مال الفاحش المتشدد\nفقوله: \"الفاحش\" أي المبالغ في البخل المتناهي فيه.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من وعده تعالى الصادق للذين يجتنبون كبائر الإِثم والفواحش بما عنده لهم من الثواب الذي هو خير وأبقى، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فبين تعالى في سورة","vol":"7","page":208},{"text":"النساء أن من ذلك تكفيره تعالى عنهم سيئاتهم، وإدخالهم المدخل الكريم وهو الجنة، في قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا (٣١)﴾، وبين في سورة النجم أنهم باجتنابهم كبائر الإِثم والفواحش يصدق عليهم اسم المحسنين، ووعدهم على ذلك بالحسنى، والأظهر أنها الجنة، ويدل له حديث: \"الحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجه الله الكريم\" في تفسير قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ كما قدمناه.\nوآية النجم المذكورة هي قوله تعالى: ﴿وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾، ثم بين المراد بالذين أحسنوا في قوله: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾.\nوأظهر الأقوال في قوله: (إلا اللمم)، أن المراد باللمم صغائر الذنوب، ومن أوضح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية؛ فدلت على أن اجتناب الكبائر سبب لغفران الصغائر، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nويدل لهذا حديث ابن عباس الثابت في الصحيح، قال: ما رأيت شيئًا أشبه باللمم مما قال أبو هريرة عن النبي  -  ﷺ  -، قال: \"إن الله كتب على ابن آدم حظه من الزنا، أدرك ذلك لا محالة، فزنا العين النظر، وزنا اللسان النطق، والنفس تمني وتشتهي، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه\".\nوعلى هذا القول فالاستثناء في قوله: (إلا اللمم) منقطع؛ لأن اللمم الذي هو الصغائر على هذا القول لا يدخل في الكبائر","vol":"7","page":209},{"text":"والفواحش، وقد قدمنا تحقيق المقام في الاستثناء المنقطع في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا﴾.\nوقالت جماعة من أهل العلم: الاستثناء متصل، قالوا: وعليه فمعنى (إلا اللمم) إلا أن يلم بفاحشة مرة ثم يجتنبها ولا يعود لها بعد ذلك.\nواستدلوا لذلك بقول الراجز:\nإن تغفر اللَّهمَّ تغفر جَمَّا ... وأي عبد لك ما ألمَّا\nوروى هذا البيت ابن جرير والترمذي وغيرهما مرفوعًا، وفي صحته مرفوعًا نظر.\nوقال بعض العلماء: المراد باللمم ما سلف منهم من الكفر والمعاصي، قبل الدخول في الإِسلام. ولا يخفى بُعْدُه.\nوأظهر الأقوال هو ما قدمنا؛ لدلالة آية النساء المذكورة عليه، وحديث ابن عباس المتفق عليه.\nواعلم أن كبائر الإِثم ليست محدودة في عدد معين، وقد جاء تعيين بعضها، كالسبع الموبقات أي المهلكات؛ لعظمها، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة أنها \"الإِشراك بالله، وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق، والسحر، وأكل الربا، وأكل مال اليتيم، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات\".\nوقد جاءت روايات كثيرة عن النبي  -  ﷺ  -  في تعيين بعض الكبائر، كعقوق الوالدين، واستحلال حرمة بيت الله الحرام، والرجوع إلى البادية بعد الهجرة، وشرب الخمر، واليمين الغموس، والسرقة، ومنع فضل الماء، ومنع فضل الكلأ، وشهادة الزور.","vol":"7","page":210},{"text":"وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح عن ابن مسعود: أن أكبر الكبائر الإِشراك بالله الذي خلق الخلق، ثم قتل الرجل ولده خشية أن يطعم معه، ثم زناه بحليلة جاره. وفي بعضها أيضًا: أن من الكبائر تسبب الرجل في سب والديه، وفي بعضها أيضًا: أن سباب المسلم فسوق وقتاله كفر، وذلك يدل على أنهما من الكبائر.\nوفي بعض الروايات: أن من الكبائر الوقوع في عرض المسلم، والسبتين بالسبة.\nوفي بعض الروايات: أن منها جمع الصلاتين من غير عذر.\nوفي بعضها: أن منها اليأس من روح الله، والأمن من مكر الله، ويدل عليهما قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَا يَيأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ (٨٧)﴾، وقوله: ﴿فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (٩٩)﴾.\nوفي بعضها: أن منها سوء الظن بالله، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾.\nوفي بعضها: أن منها الإِضرار في الوصية.\nوفي بعضها: أن منها الغلول، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾. وقدمنا معنى الغلول في سورة الأنفال، وذكرنا حكم الغال.\nوفي بعضها: أن من أهل الكبائر الذين يشترون بعهد الله وأيمانهم ثمنًا قليلًا، ويدل له قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي","vol":"7","page":211},{"text":"الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)﴾.\nولم نذكر أسانيد هذه الروايات ونصوص متونها خوف الإِطالة، وأسانيد بعضها لا تخلو من نظر، لكنها لا يكاد يخلو شيء منها عن بعض الشواهد الصحيحة، من كتاب الله أو سنة رسوله  -  ﷺ  - .\nواعلم أن أهل العلم اختلفوا في حد الكبيرة.\nفقال بعضهم: هي كل ذنب استوجب حدًّا من حدود الله.\nوقال بعضهم: هي كل ذنب جاء الوعيد عليه بنار أو لعنة أو غضب أو عذاب.\nواختار بعض المتأخرين حد الكبيرة بأنها هي كل ذنب دل على عدم اكتراث صاحبه بالدين.\nوعن ابن عباس أن الكبائر أقرب إلى السبعين منها إلى السبع، وعنه أيضًا أنها أقرب إلى سبعمائة منها إلى سبع.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق أنها لا تنحصر في سبع، وأن ما دل عليه من الأحاديث على أنها سبع لا يقتضي انحصارها في ذلك العدد؛ لأنه إنما دل على نفي غير السبع بالمفهوم، وهو مفهوم لقب، والحق عدم اعتباره.\nولو قلنا إنه مفهوم عدد لكان غير معتبر أيضًا؛ لأن زيادة الكبائر على السبع مدلول عليها بالمنطوق.\nوقد جاء منها في الصحيح عدد أكثر من سبع، والمنطوق مقدم على المفهوم، مع أن مفهوم العدد ليس من أقوى المفاهيم.","vol":"7","page":212},{"text":"والأظهر عندي في ضابط الكبيرة أنها كل ذنب اقترن بما يدل على أنه أعظم من مطلق المعصية، سواء كان ذلك الوعيد عليه بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب، أو كان وجوب الحد فيه، أو غير ذلك مما يدل على تغليط التحريم وتوكيده.\nمع أن بعض أهل العلم قال: إن كل ذنب كبيرة. وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿إلا اللَّمَمَ﴾ يدل على عدم المساواة، وأن بعض المعاصي كبائر وبعضها صغائر، والمعروف عند أهل العلم: أنه لا صغيرة مع الإِصرار ولا كبيرة مع الاستغفار، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1781> قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ الآية، وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْ عِبَادِ (١٧) الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1782> قوله تعالى: ﴿وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيهِمْ مِنْ سَبِيلٍ (٤١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في الكلام على آية النحل وآية الزمر المذكورتين آنفًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1783> قوله تعالى: ﴿وَتَرَى الظَّالِمِينَ لَمَّا رَأَوُا الْعَذَابَ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.","vol":"7","page":213},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1784> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1785> قوله تعالى: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾ يبين الله جل وعلا فيه منته على هذا النبي الكريم، بأنه علمه هذا القرآن العظيم ولم يكن يعلمه قبل ذلك، وعلمه تفاصيل دين الإِسلام ولم يكن يعلمها قبل ذلك.\nفقوله: (ما كنت تدري ما الكتاب) أي ما كنت تعلم ما هو هذا الكتاب الذي هو القرآن العظيم، حتى علمتكه، وما كنت تدري ما الإِيمان الذي هو تفاصيل هذا الدين الإِسلامي، حتى علمتكه.\nومعلوم أن الحق الذي لا شك فيه الذي هو مذهب أهل السنة والجماعة أن الإِيمان شامل للقول والعمل مع الاعتقاد.\nوذلك ثابت في أحاديث صحيحة كثيرة، منها: حديث وفد عبد القيس المشهور، ومنها حديث: \"من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا\" الحديث، فسمي فيه قيام رمضان إيمانًا، وحديث: \"الإِيمان بضع وسبعون شعبة\"، وفي بعض رواياته: \"بضع وستون شعبة أعلاها شهادة ألا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\".","vol":"7","page":214},{"text":"والأحاديث بمثل ذلك كثيرة، ويكفي في ذلك ما أورده البيهقي في \"شعب الإِيمان\".\nفهو صلوات الله وسلامه عليه ما كان يعرف تفاصيل الصلوات المكتوبة وأوقاتها، ولا صوم رمضان، وما يجوز فيه وما لا يجوز، ولم يكن يعرف تفاصيل الزكاة ولا ما تجب فيه ولا قدر النصاب وقدر الواجب فيه، ولا تفاصيل الحج، ونحو ذلك، وهذا هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَلَا الْإِيمَانُ﴾.\nوما ذكره هنا من أنه لم يكن يعلم هذه الأمور حتى علمه إياها بأن أوحى إليه هذا النور العظيم الذي هو كتاب الله، جاء في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ الآية، وقوله جل وعلا: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾.\nفقوله في آية يوسف هذه: ﴿وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾ كقوله هنا: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَوَجَدَكَ ضَالًّا فَهَدَى (٧)﴾ على أصح التفسيرات، كما قدمناه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ﴾، الضمير في قوله: (جعلناه) راجع إلى القرآن العظيم المذكور في قوله: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾، وقولُه: ﴿مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ﴾ أي ولكن جعلنا هذا القرآن العظيم نورًا نهدي به من نشاء هدايته من عبادنا.","vol":"7","page":215},{"text":"وسمي القرآن نورًا؛ لأنه يضيء الحق ويزيل ظلمات الجهل والشك والشرك.\nوما ذكره هنا من أن هذا القرآن نور، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾.\nوما دلت عليه هذه الآيات الكريمة من كون هذا القرآن نورًا يدل على أنه هو الذي يكشف ظلمات الجهل، ويظهر في ضوئه الحق، ويتميز عن الباطل، ويميز به بين الهدى والضلال والحسن والقبيح.\nفيجب على كل مسلم أن يستضيء بنوره، فيعتقد عقائده، ويحل حلاله، ويحرم حرامه، ويمتثل أوامره، وجتنب ما نهى عنه، ويعتبر بقصصه وأمثاله.\nوالسنة كلها داخلة في العمل به، لقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1786> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٣)﴾</span>.\nالصراط المستقيم، قد بينه تعالى في قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ (٦) صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيهِمْ غَيرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ (٧)﴾.","vol":"7","page":216},{"text":"وقوله في هذه الآية الكريمة ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي﴾ الآية، قد بينا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ﴾ الآية، وبينا هناك وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾ مع قوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ﴾.\nوالصراط في لغة العرب: الطريق الواضح، والمستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ومنه قول جرير:\nأمير المؤمنين على صراط ... إذا اعوج الموارد مستقيم\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1787> قوله تعالى: ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ (٥٣)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الأمور كلها تصير إلى الله، أي ترجع إليه وحده لا إلى غيره، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ غَيبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (١٠٩) كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":217},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1788>سورة الزخرف</span>","vol":"7","page":219},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1789> قوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أوائل السور في أول سورة هود.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا﴾ قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾، وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1790> قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾</span>.\nالضمير في قوله: (منهم) عائد إلى القوم المسرفين، المخاطبين بقوله: ﴿أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (٥)﴾، وفيه ما يسميه علماء البلاغة بالالتفات من الخطاب إلى الغيبة.\nوقوله: ﴿أَشَدُّ مِنْهُمْ﴾ مفعول به لأهلكنا، وأصله نعت لمحذوف، والتقدير: فأهلكنا قومًا أشد منهم بطشًا، على حد قوله في الخلاصة:\nوما من المنعوت والنعت عُقِلْ ... يجوز حذفه وفي النعت يَقِلّ","vol":"7","page":221},{"text":"وقوله: (بطشًا) تمييز محول من الفاعل، على حد قوله في الخلاصة:\nوالفاعل المعنى انصبن بأفعَلا ... مفضِّلًا كانت أعلا منزِلا\nوالبطش: أصله الأخذ بعنف وشدة.\nوالمعنى: فأهلكنا قومًا أشد بطشًا من كفار مكة الذين كذبوا نبينا، بسبب تكذيبهم رسلهم، فليحذر الكفار الذين كذبوك أن نهلكهم بسبب ذلك كما أهلكنا الذين كانوا أشد منهم بطشًا، أي أكثر منهم عَددًا وعُددًا وجلدًا.\nفعلى الأضعف الأقل أن يتعظ بإهلاك الأقوى الأكثر.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ أي صفتهم التي هي إهلاكهم المستأصل، بسبب تكذيبهم الرسل.\nوقول من قال: ﴿مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾ أي عقوبتهم وسنتهم، راجع في المعنى إلى ذلك.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار الذين كذبوا محمدًا  -  ﷺ  -، بأن الله أهلك من هم أقوى منهم، ليحذروا أن يفعل بهم مثل ما فعل بأولئك، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيهِمْ مِدْرَارًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية، وقوله تعالى:","vol":"7","page":222},{"text":"﴿وَكَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَمَا بَلَغُوا مِعْشَارَ مَا آتَينَاهُمْ فَكَذَّبُوا رُسُلِي فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٥)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَكَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا (٤٤)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ﴾: ما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد كفار مكة الذين كذبوا محمدًا - ﷺ -، بصفة إهلاكهم وسنته فيهم التي هي العقوبة وعذاب الاستئصال، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ نَذِيرٌ مَا زَادَهُمْ إلا نُفُورًا (٤٢) اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (٨٣) فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ (٨٤) فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ (٨٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جَاءَهُمُ الْهُدَى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إلا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٥٥) فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾.\nوقد قدمنا بعض الآيات الدالة على هذا في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1791> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ (٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة بني إسرائيل، في","vol":"7","page":223},{"text":"الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1792> قوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَجَعَلَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عاصم وحمزة والكسائي ﴿مَهْدًا﴾ بفتح الميم وسكون الهاء، وقرأه باقي السبعة ﴿مِهْدًا﴾ بكسر الميم وفتح الهاء بعدها ألف، ومعناهما واحد وهو الفراش.\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه جعل الأرض لبني آدم مهدًا أي فراشًا، وأنه جعل لهم سبلًا أي طرقًا ليمشوا فيها ويسلكوها، فيصلوا بها من قطر إلى قطر. وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، من كونه تعالى جعل الأرض فراشًا لبني آدم، وجعل لهم فيها الطرق لينفذوا من قطر إلى قطر، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ بِسَاطًا (١٩) لِتَسْلُكُوا مِنْهَا سُبُلًا فِجَاجًا (٢٠)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِهِمْ وَجَعَلْنَا فِيهَا فِجَاجًا سُبُلًا لَعَلَّهُمْ يَهْتَدُونَ (٣١)﴾.\nوذكر كون الأرض فراشًا لبني آدم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَأَنْهَارًا وَسُبُلًا لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥)﴾.","vol":"7","page":224},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1793> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من دلالة إحياء الأرض بعد موتها على خروج الناس من قبورهم أحياء بعد الموت، في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١١)﴾ جاء موضحًا في آيات كثيرة قد قدمناها في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ مع بقية براهين البعث في القرآن. وأوضحنا ذلك أيضًا في سوق النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾، وفي غير ذلك من المواضع، وأحلنا على ذلك مرارًا كثيرة في هذا الكتاب المبارك.\nوقد قدمنا في سورة الفرقان معنى الإِنشاء والنشور وما في ذلك من اللغات مع الشواهد العربية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بِقَدَرٍ﴾.\nقال بعض العلماء: أي بقدر سابق وقضاء.\nوقال بعض العلماء: أي بمقدار يكون به إصلاح البشر، فلم يكثر الماء جدًّا فيكون طوفانًا فيهلكهم، ولم يجعله قليلًا دون قدر الكفاية، بل نزله بقدر الكفاية من غير مضرة، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إلا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ (٢١)﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ﴾.","vol":"7","page":225},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1794> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا﴾</span>.\nالأزواج الأصناف، والزوج تطلقه العرب على المصنف.\nوقد بين تعالى أن الأزواج المذكورة هنا تشمل أصناف النبات وبني آدم وما لا يعلمه إلا الله.\nقال تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الْأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لَا يَعْلَمُونَ (٣٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠)﴾.\nومن إطلاق الأزواج على الأصناف في القرآن قوله تعالى: ﴿وَآخَرُ مِنْ شَكْلِهِ أَزْوَاجٌ (٥٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تَمُدَّنَّ عَينَيكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ﴾.\nوقد قدمنا طرفًا من ذلك في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1795> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢) لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ ثُمَّ تَذْكُرُوا نِعْمَةَ رَبِّكُمْ إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة المؤمن، في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَنْعَامَ لِتَرْكَبُوا مِنْهَا﴾ الآية.\nوضمير المفرد المذكر الغائب في قوله: ﴿لِتَسْتَوُوا عَلَى ظُهُورِهِ﴾، وقوله: ﴿إِذَا اسْتَوَيتُمْ عَلَيهِ﴾ راجع إلى لفظ (ما) في قوله: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْفُلْكِ وَالْأَنْعَامِ مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾.","vol":"7","page":226},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1796> قوله تعالى: ﴿وَتَقُولُوا سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾</span>.\nيعني جل وعلا أنه جعل لبني آدم ما يركبونه من الفلك التي هي السفن، ومن الأنعام؛ ليستووا، أي يرتفعوا معتدلين على ظهوره، ثم يذكروا في قلوبهم نعمة ربهم عليهم بتلك المركوبات، ثم يقولوا بألسنتهم مع تفهم معنى ما يقولون: ﴿سُبْحَانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾.\nوقوله: ﴿سُبْحَانَ﴾ قد قدمنا في أول سورة بني إسرائيل معناه بإيضاح، وأنه يدل على تنزيه الله جل وعلا أكمل التنزيه وأتمه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، والإشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ راجعة إلى لفظ (ما) من قوله: ﴿مَا تَرْكَبُونَ (١٢)﴾ وجمع الظهور نظرًا إلى معنى (ما)؛ لأن معناها عام شامل لكل ما تشمله صلتها، ولفظها مفرد فالجمع في الآية باعتبار معناها، والإفراد باعتبار لفظها.\nوقوله: ﴿الَّذِي سَخَّرَ لَنَا هَذَا﴾ أي الذي ذلل لنا هذا الذي هو ما نركبه من الأنعام والسفن؛ لأن الأنعام لو لم يذللها الله لهم لما قدروا عليها، ولا يخفى أن الجمل أقوى من الرجل، وكذلك البحر لو لم يذلله لهم ويسخر لهم إجراء السفن فيه لما قدروا على شيء من ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِينَ (١٣)﴾ أي مطيقين. والعرب تقول: أقرن الرجل للأمر وأقرنه، إذا كان مطيقًا له كفؤًا للقيام به، من قولهم: أقرنت الدابة للدابة، بمعنى أنك إذا قرنتهما في حبل قدرت على مقاومتها، ولم تكن أضعف منها، فتجرها؛ لأن الضعيف إذا لُزَّ","vol":"7","page":227},{"text":"في القَرَن أي الحبل مع القوي جَرَّه ولم يقدر على مقاومته، كما قال جرير:\nوابن اللبون إذا ما لز في قرن ... لم يستطع صولة البزل القناعيس\nوهذا المعنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب، وقد أنشده قطرب لهذا المعنى:\nلقد علم القبائل ما عقيل ... لنا في النائبات بمقرنينا\nوقول ابن هرمة:\nوأقرنت ما حملتني ولقلما ... يطاق احتمال الصدِّ يا دَعْدُ والهجر\nوقول الآخر:\nركبتم صعبتي أشرًا وحيفًا ... ولستم للصعاب بمقرنينا\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن ما ذكر من السفن والأنعام لو لم يذلله الله لهم لما أقرنوا له ولما أطاقوه، جاء مبينًا في آيات أخر، قال تعالى في ركوب الفلك: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْأَنْهَارَ (٣٢)﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إلا بِإِذْنِهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقال تعالى في تسخير الأنعام: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا","vol":"7","page":228},{"text":"يَأْكُلُونَ (٧٢)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَال اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1797> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾</span>.\nقال بعض العلماء: ﴿جُزْءًا﴾ أي عدلًا ونظيرًا، يعني الأصنام وغيرها من المعبودات من دون الله.\nوقال بعض العلماء: ﴿جُزْءًا﴾ أي ولدًا.\nوقال بعض العلماء: ﴿جُزْءًا﴾ يعني البنات.\nوذكر ابن كثير في تفسير هذه الآية: أن الجزء النصيب، واستشهد على ذلك بآية الأنعام، أعني قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا﴾ الآية.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر أن قول ابن كثير هذا ﵀ غير صواب في الآية؛ لأن المجعول لله في آية الأنعام، هو النصيب مما ذرأ من الحرث والأنعام، والمجعول له في آية الزخرف هذه، جزء من عباده لا مما ذرأ من الحرث والأنعام.\nوبين الأمرين فرق واضح كما ترى.\nوأن قول قتادة ومن وافقه: إن المراد بالجزء العدل والنظير الذي هو الشريك، غير صواب أيضًا؛ لأن إطلاق الجزء على النظير ليس بمعروف في كلام العرب.","vol":"7","page":229},{"text":"أما كون المراد بالجزء في الآية الولد، وكون المراد بالولد خصوص الإِناث، فهذا هو التحقيق في الآية.\nوإطلاق الجزء على الولد يوجه بأمرين:\nأحدهما: ما ذكره بعض علماء العربية من أن العرب تطلق الجزء مرادًا به البنات، ويقولون: أجزأت المرأة إذا ولدت البنات، وأمرأة مجزئة أي تلد البنات، قالوا ومنه قول الشاعر:\nإن أجزأت حرة يومًا فلا عجب ... قد تجزئ الحرة المذكار أحيانًا\nوقول الآخر:\nزوجتها من بنات الأوس مجزئة ... للعوسج اللدن في أبياتها زجل\nوأنكر الزمخشري هذه اللغة قائلًا: إنها كذب وافتراء على العرب.\nقال في الكشاف في الكلام على هذه الآية الكريمة: ومن بدع التفاسير، تفسير الجزء بالإِناث، وادعاءُ أن الجزء في لغة العرب اسم للإِناث، وما هو إلا كذب على العرب ووضع مستحدث منحول، ولم يقنعهم ذلك حتى اشتقوا منه: أجزأت المرأة، ثم صنعوا بيتًا وبيتًا:\n\n• إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب *\n\n• زوجتها من بنات الأوس مجزئة *. اهـ منه بلفظه.\nوقال ابن منظور في اللسان: وفي التنزيل العزيز: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾، قال أبو إسحاق: يعني به الذين جعلوا الملائكة بنات الله تعالى وتقدس عما افتروا، قال: وقد أنشدت بيتًا يدل على","vol":"7","page":230},{"text":"أن معنى جزءًا معنى الإِناث، قال: ولا أدري البيت هو قديم أم مصنوع؟\n\n• إن أجزأت حرة يومًا فلا عجب * البيت.\nوالمعنى في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لَهُ مِنْ عِبَادِهِ جُزْءًا﴾ أي جعلوا نصيب الله من الولد الإِناث. قال: ولم أجده في شعر قديم ولا رواه عن العرب الثقات، وأجزأت المرأة ولدت الإِناث، وأنشد أبو حنيفة:\n\n• زوجتها من بنات الأوس مجزئة * البيت\nانتهى الغرض من كلام صاحب اللسان.\nوظاهر كلامه هذا الذي نقله عن الزجاج أن قولهم: أجزأت المرأة إذا ولدت الإِناث، معروف، ولذا ذكره وذكر البيت الذي أنشده له أبو حنيفة كالمسلم له.\nوالوجه الثاني - وهو التحقيق إن شاء الله -: أن المراد بالجزء في الآية الولد، وأنه أطلق عليه اسم الجزء؛ لأن الفرع كأنه جزء من أصله، والولد كأنه بضعة من الوالد كما لا يخفى.\nوأما كون المراد بالولد المعبر عنه بالجزء في الآية خصوص الإِناث فقرينة السياق دالة عليه دلالة واضحة؛ لأن جعل الجزء المذكور لله من عباده هو بعينه الذي أنكره الله إنكارًا شديدًا، وقرَّع مرتكبه تقريعًا شديدًا في قوله تعالى بعده: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦) وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا﴾ إلى قوله: ﴿وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ (١٨)﴾.","vol":"7","page":231},{"text":"وقرأ هذا الحرف شعبة عن عاصم (جزُءًا) بضم الزاي، وباقي السبعة بإسكانها، وحمزة عند الوقف يسقط الهمزة بنقل حركتها إلى الزاي مع حذف التنوين للوقف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1798> قوله تعالى: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ وَأَصْفَاكُمْ بِالْبَنِينَ (١٦)﴾</span>.\n(أم) هنا بمعنى استفهام الإِنكار، فالكفار لما قالوا: الملائكة بنات الله، أنكر الله عليهم أشد الإِنكار، موبخًا لهم أشد التوبيخ، حيث افتروا عليه الولد، ثم جعلوا له أنقص الولدين وأحقرهما وهو الأنثى، كما قال هنا: ﴿أَمِ اتَّخَذَ مِمَّا يَخْلُقُ بَنَاتٍ﴾ وهي النصيب الأدنى من الأولاد، (وأصفاكم) أنتم، أي خصكم وآثركم بالبنين الذين هم النصيب الأعلى من الأولاد؟\nوإنكار هذا عليهم وتوبيخهم عليه جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ يعني الأنثى، كما أوضحه بقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًّا وَهُوَ كَظِيمٌ (٥٨)﴾ يعني: فكيف تجعلون لله الإِناث وأنتم لو بشر الواحد منكم بأن امرأته ولدت أنثى (لظل وجهه مسودًا) يعني من الكآبة (وهو كظيم) أي ممتلئ حزنًا وغمًّا؟، وكقوله تعالى هنا: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ (١٨)﴾ ففيه إنكار شديد وتقريع عظيم لهم بأنهم مع افترائهم عليه جل وعلا الولد جعلوا له أنقص الولدين، الذي لنقصه الخلقي (ينشأ في الحلية) من الحلي والحلل وأنواع الزينة، من صغره إلى كبره، ليجبر بتلك الزينة نقصه الخلقي الطبيعي، (وهو في الخصام غير مبين)؛ لأن الأنثى غالبًا لا تقدر على القيام بحجتها","vol":"7","page":232},{"text":"ولا الدفاع عن نفسها، وقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية غاية الإِيضاح في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠) أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١) وَلَدَ اللَّهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٥٢) أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤) أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٥٥) أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾.\nوقد قدمنا كثيرًا من الآيات الموضحة لهذا المعنى في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾.\nووجه التعبير عن الأنثى بما ضرب مثلًا لله في قوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِمَا ضَرَبَ لِلرَّحْمَنِ مَثَلًا﴾ الآية، ظاهر؛ لأن البنات المزعومة يلزم ادعاؤها أن تكون من جنس من نُسِبَتْ إليه؛ لأن الوالد والولد من جنس واحد، وكلاهما يشبه الآخر في صفاته.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1799> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: (عند الرحمن) بسكون النون وفتح الدال، ظرف، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ﴾، وقرأه أبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿الَّذِينَ هُمْ","vol":"7","page":233},{"text":"عِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ بكسر العين وباء موحدة بعدها ألف وضم الدال، جمع عبد، كقوله: ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾، قرأه عامة السبعة غير نافع ﴿أَشَهِدُوا﴾ بهمزة واحدة مع فتح الشين، وقرأه نافع (أَأُشهدوا) بهمزتين الأولى مفتوحة محققة، والثانية مضمومة مسهلة بين بين، وقالون يجعل بين الهمزتين ألف الإِدخال على إحدى الروايتين.\nوقد ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أربع مسائل:\nالأولى: أن الكفار افتروا على الملائكة أنهم إناث زاعمين أنهم بنات الله.\nالثانية: أنه وبخهم على ذلك توبيخًا شديدًا وأنكر عليهم ذلك في قوله: ﴿أَشَهِدُوا خَلْقَهُمْ﴾ يعني هل حضروا خلق الله لهم فعاينوهم إناثًا؟\nالثالثة: أن شهادتهم الكاذبة بذلك ستكتب عليهم.\nالرابعة: أنهم يسألون عنها يوم القيامة.\nوهذه المسائل الأربع التي تضمنتها هذه الآية الكريمة، جاءت موضحة في غير هذا الموضع.\nأما الأولى منها، وهي كونهم أعتقدوا الملائكة إناثًا، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَلِرَبِّكَ الْبَنَاتُ وَلَهُمُ الْبَنُونَ (١٤٩) أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":234},{"text":"وأما المسألة الثانية، وهي سؤاله تعالى لهم على وجه الإِنكار والتوبيخ والتقريع: هل شهدوا خلق الملائكة وحضروه، حتى علموا أنهم خلقوا إناثًا، فقد ذكرها في قوله تعالى: ﴿أَمْ خَلَقْنَا الْمَلَائِكَةَ إِنَاثًا وَهُمْ شَاهِدُونَ (١٥٠)﴾ وبين تعالى أنه لم يشهد الكفار خلق شيء في قوله: ﴿مَا أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية.\nوأما المسألة الثالثة التي هي كون شهادتهم بذلك الكفر ستكتب عليهم، فقد ذكرها تعالى في مواضع من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾.\nوأما المسألة الرابعة: وهي كونهم يسألون عن ذلك الافتراء والكفر، فقد ذكرها تعالى في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ تَاللَّهِ لَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَفْتَرُونَ (٥٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":235},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1800> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إلا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة إشكال معروف، ووجهه: أن قول الكفار الذي ذكره الله عنهم هنا، أعني قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، هو بالنظر إلى ظاهره كلام صحيح؛ لأن الله لو شاء أن يعبدوهم ما عبدوهم، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكُوا﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٣٥)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شِئْنَا لآتَينَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾.\nوهذا الإِشكال المذكور في آية الزخرف هو بعينه واقع في آية الأنعام، وآية النحل.\nأما آية الأنعام، فهي قوله: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ﴾.\nوأما آية النحل، فهي قوله: ﴿وَقَال الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا﴾ الآية.\nفإذا عرفت أن ظاهر آية الزخرف وآية الأنعام وآية النحل: أن ما قاله الكفار حق، وأن الله لو شاء ما عبدوا من دونه من شيء ولا أشركوا به شيئًا، كما ذكرنا في الآيات الموضحة قريبًا.\nفاعلم أن وجه الإِشكال، أن الله صرح بكذبهم في هذه الدعوى التي ظاهرها حق، قال في آية الزخرف: ﴿مَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ","vol":"7","page":236},{"text":"إلا يَخْرُصُونَ (٢٠)﴾ أي يكذبون، وقال في آية الأنعام: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾ وقال في آية النحل: ﴿كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٣٥)﴾.\nومعلوم أن الذي فعله الذين من قبلهم، هو الكفر بالله والكذب على الله، في جعل الشركاء له وأنه حرم ما لم يحرمه.\nوالجواب عن هذا: أن مراد الكفار بقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، وقولهم: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا﴾ مرادهم به أن الله لما كان قادرًا على منعهم من الشرك وهدايتهم إلى الإِيمان، ولم يمنعهم من الشرك، دل ذلك على أنه راض منهم بالشرك في زعمهم.\nقالوا: لأنه لو لم يكن راضيًا به، لصرفنا عنه؛ فتكذيب الله لهم في الآيات المذكورة منصب على دعواهم أنه راض به، والله جل وعلا يكذب هذه الدعوى في الآيات المذكورة، وفي قوله: ﴿وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾.\nفالكفار زعموا أن الإِرادة الكونية القدرية تستلزم الرضى، وهو زعم باطل، وهو الذي كذبهم الله فيه في الآيات المذكورة.\nوقد أشار تعالى إلى هذه الآيات المذكورة، حيث قال في آية الزخرف: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾ أي آتيناهم كتابًا يدل على أنا راضون منهم بذلك الكفر، ثم أضرب عن هذا إضراب إبطال مبينًا أن مستندهم في تلك الدعوى الكاذبة هو تقليد آبائهم التقليد الأعمى، وذلك في قوله: ﴿بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ أي شريعة وملة وهي الكفر وعبادة الأوثان ﴿وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ (٢٢)﴾.","vol":"7","page":237},{"text":"فقوله عنهم: (مهتدون) هو مصب التكذيب؛ لأن الله إنما يرضى بالاهتداء لا بالضلال.\nفالاهتداء المزعوم أساسه تقليد الآباء الأعمى، وسيأتي إيضاح رده عليهم قريبًا إن شاء الله.\nوقال تعالى في آية النحل بعد ذكره دعواهم المذكورة: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيهِ الضَّلَالةُ﴾.\nفأوضح في هذه الآية الكريمة أنه لم يكن راضيًا بكفرهم، وأنه بعث في كل أمة رسولًا، وأمرهم على لسانه أن يعبدوا الله وحده، ويجتنبوا الطاغوت، أي يتباعدوا عن عبادة كل معبود سواه.\nوأن الله هدى بعضهم إلى عبادته وحده، وأن بعضهم حقت عليه الضلالة، أي ثبت عليه الكفر والشقاء.\nوقال تعالى في آية الأنعام: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾.\nفملكه تعالى وحده للتوفيق والهداية، هو الحجة البالغة على خلقه، يعني فمن هديناه وتفضلنا عليه بالتوفيق فهو فضل منا ورحمة، ومن لم نفعل له ذلك فهو عدل منا وحكمة؛ لأنه لم يكن له ذلك دَينًا علينا ولا واجبًا مستحقًا يستحقه علينا، بل إن أعطينا ذلك ففضل، وإن لم نعطه فعدل.\nوحاصل هذا: أن الله ﵎ قدر مقادير الخلق قبل أن","vol":"7","page":238},{"text":"يخلق الخلق، وعلم أن قومًا صائرون إلى الشقاء وقومًا صائرون إلى السعادة، فريق في الجنة وفريق في السعير، وأقام الحجة على الجميِع ببعث الرسل وتأييدهم بالمعجزات التي لا تترك في الحق لبسًا، فقامت عليهم حجة الله في أرضه بذلك.\nثم إنه تعالى وفق من شاء توفيقه، ولم يوفق من سبق لهم في علمه الشقاء الأزلي، وخلق لكل واحد منهم قدرة وإرادة يقدر بها على تحصيل الخير والشر، وصرف قُدَرهم وإرادتهم بقدرته وإرادته إلى ما سبق لهم في علمه من أعمال الخير المستوجبة للسعادة وأعمال الشر المستوجبة للشقاء.\nفأتوا كل ما أتوا وفعلوا كل ما فعلوا، طائعين مختارين، غير مجبورين ولا مقهورين، ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾.\nوادعاء أن العبد مجبور لا إرادة له، ضروريُّ السقوط عند عامة العقلاء.\nومن أعظم الضروريات الدالة عليه: أن كل عاقل يعلم أن بين الحركة الاختيارية والحركة الاضطرارية كحركة المرتعش، فرقًا ضروريًا لا ينكره عاقل.\nوأنك لو ضربت من يدعي أن الخلق مجبورون، وفقأت عينه مثلًا، وقتلت ولده، واعتذرت له بالجبر، فقلت له: أنا مجبور ولا إرادة لي في هذا السوء الذي فعلته بك، بل هو فعل الله، وأنا لا دخل لي فيه، فإنه لا يقبل منك هذه الدعوى بلا شك، بل يبالغ في إرادة الانتقام منك، قائلًا: إن هذا بإرادتك ومشيئتك.","vol":"7","page":239},{"text":"ومن أعظم الأدلة القطعية الدالة على بطلان مذهب القدرية، وأن العبد لا يستقل بأفعاله دون قدرة الله ومشيئته، أنه لا يمكن أحدًا أن ينكر علم الله بكل شيء قبل وقوعه، والآيات والأحاديث الدالة على هذا لا ينكرها إلا مكابر.\nوسَبْقُ علم الله بما يقع من العبد قبل وقوعه برهان قاطع على بطلان تلك الدعوى.\nوإيضاح ذلك، أنك لو قلت للقدري: إذا كان علم الله في سابق أزله تعلق بأنك تقع منك السرقة أو الزنا في محل كذا في وقت كذا، وأردت أنت بإرادتك المستقلة في زعمك دون إرادة الله ألا تفعل تلك السرقة أو الزنا الذي سبق بعلم الله وقوعه، فهل يمكنك أن تستقل بذلك؟ وتُصيِّر علم الله جهلًا، بحيث لا يقع ما سبق في علمه وقوعه في وقته المحدد له؟\nوالجواب بلا شك: هو أن ذلك لا يمكن بحال، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾، وقال الله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩)﴾.\nولا إشكال البتة في أن الله يخلق للعبد قدرة وإرادة يقدر بها على الفعل والترك، ثم يصرف الله بقدرته وإرادته قدرة العبد وإرادته إلى ما سبق به علمه فيأتيه العبد طائعًا مختارًا غير مقهور ولا مجبور، وغير مستقل به دون قدرة الله وإرادته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوالمناظرة التي ذكرها بعضهم بين أبي إسحاق الإِسفراييني وعبد الجبار المعتزلي توضح هذا.","vol":"7","page":240},{"text":"وهي: أن عبد الجبار قال: سبحان من تنزه عن الفحشاء، يعني أن السرقة والزنا ليسا بمشيئة الله؛ لأنه في زعمه أنزه من أن تكون هذه الرذائل بمشيئته.\nفقال أبو إسحاق: كلمة حق أريد بها باطل.\nثم قال: سبحان من لا يقع في ملكه إلَّا ما يشاء.\nفقال عبد الجبار: أتراه يشاؤه ويعاقبني عليه؟\nفقال أبو إسحاق: أتراك تفعله جبرًا عليه، أأنت الرب وهو العبد؟\nفقال عبد الجبار: أرأيت إن دعاني إلى الهدى، وقضى علي بالردى، دعاني وسد الباب دوني؟ أتراه أحسن أم أساء؟\nفقال أبو إسحاق: أرى أن هذا الذي منعك إن كان حقًّا واجبًا لك عليه فقد ظلمك وقد أساء، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، وإن كان ملكه المحض فإن أعطاك ففضل وإن منعك فعدل.\nفبهت عبد الجبار، وقال الحاضرون: والله ما لهذا جواب.\nومضمون جواب أبي إسحاق هذا الذي أفحم به عبد الجبار، هو معنى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ (١٤٩﴾.\nوذكر بعضهم أن عمرو بن عبيد جاءه أعرابي فشكا إليه أن دابته سرقت وطلب منه أن يدعو الله ليردها إليه، فقال عمرو ما معناه: اللهم إنها سرقت ولم ترد سرقتها؛ لأنك أنزه وأجل من أن تدبر هذا الخنا.","vol":"7","page":241},{"text":"فقال الأعرابي: ناشدتك الله يا هذا إلا ما كففت عني من دعائك هذا الخبيث، إن كانت سرقت ولم يرد سرقتها فقد يريد ردها ولا تُرَدّ، ولا ثقة لي برب يقع في ملكه ما لا يشاؤه.\nفألقمه حجرًا.\nوقد ذكرنا هذه المسألة في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في الكلام عن آية الأنعام المذكورة في هذا البحث، وفي سورة الشمس في الكلام عن قوله تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1801> قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ (٢١)﴾</span>.\n(أم) هنا تتضمن معنى استفهام الإِنكار، يعني جل وعلا أن هذا الذي يزعم الكفار من أنهم على حق في عبادتهم الأوثان، وجعلهم الملائكة بنات الله، لا دليل لهم عليه. ولذا أنكر أن يكون آتاهم كتابًا يحل فيه ذلك، وأن يكونوا مستمسكين في ذلك بكتاب من الله، فأنكر عليهم هذا هنا إنكارًا دالًّا على النفي للتمسك بالكتاب المذكور، مع التوبيخ والتقريع.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن كفرهم المذكور لم يكن عن هدى من الله، ولا كتاب أنزله الله بذلك، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سورة فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ","vol":"7","page":242},{"text":"هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾، وقوله تعالى في الروم: ﴿أَمْ أَنْزَلْنَا عَلَيهِمْ سُلْطَانًا فَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِمَا كَانُوا بِهِ يُشْرِكُونَ (٣٥)﴾، وقوله تعالى في الصافات: ﴿أَمْ لَكُمْ سُلْطَانٌ مُبِينٌ (١٥٦) فَأْتُوا بِكِتَابِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٥٧)﴾، وقوله تعالى في النمل: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾، وقوله تعالى في الحج ولقمان: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٨)﴾، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إلا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إلا تَخْرُصُونَ (١٤٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1802> قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة قد أفلح المؤمنون، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَى كُلَّ مَا جَاءَ أُمَّةً رَسُولُهَا كَذَّبُوهُ﴾ الآية، وفي سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا فِي كُلِّ قَرْيَةٍ أَكَابِرَ مُجْرِمِيهَا﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾.\nقرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (قُلْ أولو جئتكم) بضم القاف وسكون اللام، بصيغة الأمر.\nوقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم: ﴿قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ﴾ بفتح","vol":"7","page":243},{"text":"القاف واللام بينهما ألف، بصيغة الفعل الماضي.\nفعلى قراءة الجمهور فالمعنى: قل لهم يا نبي الله أتقتدون بآبائكم في الكفر والضلال، ولو جئتكم بأهدى، أي بدين أهدى مما وجدتم عليه آبائكم؟ وصيغة التفضيل هنا لمطلق الوصف؛ لأن آباؤهم لا شيء عندهم من الهداية أصلًا.\nوعلى قراءة ابن عامر وحفص، فالمعنى: (قال) هو، أي رسول الله  -  ﷺ  - .\nوقد أوضحنا هذا المعنى بشواهده العربية مرارًا في هذا الكتاب المبارك.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من تسفيه رأي الكفار وبيان شدة ضلالهم في تقليدهم آباءهم هذا التقليد الأعمى، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَينَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠)﴾، وكقوله تعالى في المائدة: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (١٠٤)﴾.\nوأوضح تعالى في آية لقمان أن ما وجدوا عليه آباءهم من الكفر والضلال طريق من طرق الشيطان يدعوهم بسلوكها إلى عذاب السعير، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءَهُمْ ضَالِّينَ (٦٩) فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ (٧٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ (٥١) إِذْ","vol":"7","page":244},{"text":"قَال لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣) قَال لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٥٤)﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1803> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَال إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن إبراهيم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام قال لأبيه وقومه: إنه (براء) أي بريء، من جميع معبوداتهم التي يعبودونها من دون الله، أي يعني أنه بريء من عبادة كل معبود، إلا المعبود الذي خلقه وأوجده فهو وحده معبوده.\nوقد أوضح تعالى هذا المعنى الذي ذكره عن إبراهيم في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قَال أَفَرَأَيتُمْ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ (٧٥) أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمُ الْأَقْدَمُونَ (٧٦) فَإِنَّهُمْ عَدُوٌّ لِي إلا رَبَّ الْعَالمِينَ (٧٧) الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾ الآية، وكقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَال هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَال يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾.\nوزاد جل وعلا في سورة الممتحنة براءته أيضًا من العابدين وعداوته لهم وبغضه لهم في الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾.","vol":"7","page":245},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾ ذكر نحوه في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ (٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَال إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ (٩٩)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَال هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَال لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾ أي خلقني، يدل على أنه لا يستحق العبادة إلا الخالق وحده جل وعلا.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لَا يَمْلِكُونَ لِأَنْفُسِهِمْ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا قُلْ هَلْ يَسْتَوي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1804> قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّى جَاءَهُمُ الْحَقُّ وَرَسُولٌ مُبِينٌ (٢٩) وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾</span>.\nالضمير المنصوب في (جعلها) على التحقيق راجع إلى كلمة الإِيمان المشتملة على معنى لا إله إلا الله، المذكورة في قوله: ﴿إِنَّنِي","vol":"7","page":246},{"text":"بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦) إلا الَّذِي فَطَرَنِي﴾؛ لأن لا إله إلا الله نفي وإثبات، فمعنى النفي منها هو البراءة من جميع المعبودات غير الله في جميع أنواع العبادات، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ (٢٦)﴾.\nومعنى الإِثبات منها هو إفراد الله وحده بجميع أنواع العبادات على الوجه الذي شرعه على ألسنة رسله، وهذا المعنى جاء موضحًا في قوله: ﴿إلا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ (٢٧)﴾.\nوضمير الفاعل المستتر في قوله: ﴿وَجَعَلَهَا﴾.\nقال بعضهم: هو راجع إلى إبراهيم، وهو ظاهر السياق.\nوقال بعضهم: هو راجع إلى الله تعالى.\nفعلى القول الأول، فالمعنى: صيَّر إبراهيم تلك الكلمة باقية في عقبه، أي ولده وولد ولده.\nوإنما جعلها إبراهيم باقية فيهم لأنه تسبب لذلك بأمرين:\nأحدهما: وصيته لأولاده بذلك، وصاروا يتوارثون الوصية بذلك عنه، فيوصي به السلف منهم الخلف، كما أشار تعالى إلى ذلك بقوله ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إلا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَينَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَال لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَال أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَابَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ﴾ الآية.\nوالأمر الثاني: هو سؤاله ربه تعالى لذريته الإِيمان والصلاح، كقوله تعالى: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَال إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، أي واجعل من ذريتي أيضًا أئمة، وقوله تعالى","vol":"7","page":247},{"text":"عنه: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وقوله عنه: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾، وقوله عنه هو وإسماعيل: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَينِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ﴾.\nوقد أجاب الله دعاءه في بعث الرسول المذكور، ببعثه محمدًا  -  ﷺ  -، ولذا جاء في الحديث عنه  -  ﷺ  -  أنه قال: \"أنا دعوة إبراهيم\".\nوقد جعل الله الأنبياء بعد إبراهيم من ذريته، كما قال تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وقال عنه وعن نوح في سورة الحديد: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ الآية.\nوعلى القول الثاني، أن الضمير عائد إلى الله تعالى، فلا إشكال.\nوقد بين تعالى في آية الزخرف هذه، أن الله لم يجب دعوة إبراهيم في جميع ذريته، ولم يجعل الكلمة باقية في جميع عقبه؛ لأن كفار مكة الذين كذبوا بنبينا  -  ﷺ  -  من عقبه بإجماع العلماء، وقد كذبوه  -  ﷺ  -، وقالوا: إنه ساحر. وكثير منهم مات على ذلك. وذلك في قوله تعالى: ﴿بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ يعني كفار مكة (وآباءهم حتى جاءهم الحق ورسول مبين)، هو محمد  -  ﷺ  -  ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾.\nوما دلت عليه آية الزخرف هذه من أن بعض عقب إبراهيم لم يجعل الله الكلمة المذكورة باقية فيهم، دلت عليه آيات أخر من","vol":"7","page":248},{"text":"كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَال لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ أي الظالمين من ذرية إبراهيم، وقوله تعالى في الصافات: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾، فالمحسن منهم هو الذي الكلمة باقية فيه، والظالم لنفسه المبين منهم ليس كذلك، وقوله تعالى في النساء: ﴿فَقَدْ آتَينَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَينَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)﴾.\nوقد بين تعالى في الحديد أن غير المهتدين منهم كثيرون، وذلك في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾ أي جعل الكلمة باقية فيهم لعل الزائغين الضالين منهم يرجعون إلى الحق بإرشاد المؤمنين المهتدين منهم؛ لأن الحق ما دام قائمًا في جملتهم فرجوع الزائغين عنه إليه مرجو مأمول، كما دل عليه قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾.\nوالرجاء المذكور، بالنسبة إلى بني آدم؛ لأنهم لا يعرفون من يصير إلى الهدى ومن يصير إلى الضلال.\nوقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فإنه سيهدين لعلهم يرجعون، (وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون) أي قال لهم، يتوبون عن عبادة غير الله. اهـ منه.\nوإيضاح كلامه: أن المعنى: أن إبراهيم قال لأبيه وقومه: إنني","vol":"7","page":249},{"text":"براء مما تعبدون؛ لأجل أن يرجعوا عن الكفر إلى الحق، والضمير في قوله: (لعلهم يرجعون) على هذا راجع إلى أبيه وقومه.\nوعلى ما ذكرناه أولًا فالضمير راجع إلى من ضل من عقبه؛ لأن الضالين منهم داخلون في لفظ العقب، فرجوع ضمير (هم) إلى العقب لا إشكال فيه، وهذا القول هو ظاهر السياق، والعلم عند الله تعالى.\nمسألة\nظاهر هذه الآية الكريمة التي ذكرنا يدل على اتحاد معنى العقب والذرية والبنين؛ لأنه قال في بعضها عن إبراهيم: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ (٣٥)﴾، وقال عنه في بعضها: ﴿رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفي بعضها: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ الآية، وفي بعضها: ﴿قَال وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾، وفي بعضها: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾، وفي بعضها: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾.\nفالظاهر المتبادر من الآيات أن المراد بالبنين والذرية والعقب شيء واحد؛ لأن جميعها في شيء واحد، وبذلك تعلم أن ظاهر القرآن يدل على أن من وقف وقفًا أو تصدق صدقة على بنيه أو ذريته أو عقبه أن حكم ذلك واحد.\nوقد دل بعض الآيات القرآنية على أن أولاد البنات يدخلون في اسم الذرية واسم البنين.\nوإذا دل القرآن على دخول ولد البنت في اسم الذرية والبنين،","vol":"7","page":250},{"text":"والفرض أن العقب بمعناهما، دل ذلك على دخول أولاد البنات في العقب أيضًا.\nفمن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم الذرية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيمَانَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ﴾، وهذا نص قرآني صريح في دخول ولد البنت في اسم الذرية؛ لأن عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ولد بنت إذ لا أب له.\nومن الآيات الدالة على دخول ولد البنت في اسم البنين قوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾؛ لأن لفظ \"البنات\" في الألفاظ الثلاثة شامل لبنات البنات وبنات بناتهن، وهذا لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص قرآني صحيح في استواء بنات بنيهن وبنات بناتهن.\nفتحصل أن دخول أولاد البنات في الوقف على الذرية والبنين والعقب، هو ظاهر القرآن ولا ينبغي العدول عنه.\nوكلام فقهاء الأمصار من الأئمة الأربعة وغيرهم في الألفاظ المذكورة معروف، ومن أراد الاطلاع عليه فلينظر كتب فروع المذاهب، ولم نبسط على ذلك الكلام هنا لأننا نريد أن نذكر هنا ما يدل ظاهر القرآن على ترجيحه من ذلك فقط.\nأما لفظ الولد فإن القرآن يدل على أن أولاد البنات لا يدخلون فيه.\nوذلك في قوله تعالى: ﴿يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلَادِكُمْ﴾ الآية،","vol":"7","page":251},{"text":"فإن قوله: (في أولادكم) لا يدخل فيه أولاد البنات، وذلك لا نزاع فيه بين المسلمين، وهو نص صريح قرآني على عدم دخول أولاد البنات في اسم الولد، وإن كان جماهير العلماء على أن العقب والولد سواء، ولا شك أن اتباع القرآن هو المتعين على كل مسلم.\nأما لفظ النسل فظاهر القرآن شموله لأولاد البنات؛ لأن قوله تعالى ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨)﴾ ظاهر في أن لفظة النسل في الآية شاملة لأولاد البنات كما لا يخفى.\nوالألفاظ التي يتكلم عليها العلماء في هذا المبحث هي أحد عشر لفظًا، ذكرنا خمسة منها وهي: الذرية والبنون والعقب والولد والنسل. وذكرنا أن أربعة منها يدل ظاهر القرآن على أنها يدخل فيها أولاد البنات، وواحد بخلاف ذلك وهو الولد.\nوأما الستة الباقية منها فهي: الآل والأهل ومعناهما واحد، والقرابة، والعشيرة، والقوم، والموالي. وكلام العلماء فيها مضطرب، ولم يحضرني الآن تحديد يتميز به ما يدخل في كل واحد منها وما يخرج عنه إلا على سبيل التقريب، إلا لفظين منها، وهما القرابة والعشيرة.\nأما القرابة فقد ثبت في الصحيح عنه  -  ﷺ  -  أنه أعطى من خمس خيبر بني هاشم وبني المطلب دون بني عبد شمس وبني نوفل، مبينًا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي","vol":"7","page":252},{"text":"الْقُرْبَى﴾ كما تقدم إيضاحه في سورة الأنفال في الكلام على آية الخمس هذه.\nوأما العشيرة فقد ثبت في الصحيح عنه  -  ﷺ  -  من حديث ابن عباس أنه لما نزلت ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ صعد النبي  -  ﷺ  -  على الصفا فجعل ينادي \"يا بني فهر، يا بني عدي\"، لبطون قريش، حتى اجتمعوا. الحديث. وفيه تحديد العشيرة الأقربين بجميع بني فهر بن مالك وهو الجد العاشر له  -  ﷺ  - .\nوفي رواية أبي هريرة في الصحيح: أنه لما نزلت الآية المذكورة قال: \"يا معشر قريش أو كلمة نحوها\" الحديث، وقريش هم أولاد فهر بن مالك، وقيل: أولاد النضر بن كنانة، والأول هو الأظهر، لحديث ابن عباس المذكور، وعليه الأكثر.\nتنبيه\nفإن قيل: ذكرتم أن ظاهر القرآن يدل على دخول أولاد البنات في لفظ البنين، والشاعر يقول في خلاف ذلك:\nبَنُونَا بَنُو أبْنَائِنا وَبَنَاتُنا ... بَنُوهُنَّ أبناء الرِّجال الأباعِدِ\nوكثير من أهل الفقه يذكرون البيت المذكور، على سبيل التسليم له، قالوا: ومما يوضح صدقه أنهم ينسبون إلى رجال آخرين ربما كانوا أعداء لأهل أمهاتهم، وكثيرًا ما يتبع الولد أباه وعصبته في عداوة أخواله وبغضهم كما هو معلوم.\nفالجواب: أن الواحد بالشخص له جهتان، فمعنى لفظ الابن له جهة خاصة هي معنى كونه خلق من ماء هذا الرجل على وجه يلحق فيه نسبه به، وهذا المعنى منفي عن والد أُمِّه، فلا يقال له \"ابن\" بهذا الاعتبار، وثابت لأبيه الذي خلق من مائه، وله جهة أخرى هي كونه","vol":"7","page":253},{"text":"خارجًا في الجملة من هذا الشخص، سواء كان بالمباشرة، أو بواسطة ابنه أو بنته وإن سفل، فالبنوة بهذا المعنى ثابتة لولد البنت، وهذا المعنى هو الذي عناه  -  ﷺ  -  في قوله في الحسن بن علي ﵄: \"وإن ابني هذا سيد\" الحديث، وهو المراد في الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾، وكقوله تعالى: ﴿لَا جُنَاحَ عَلَيهِنَّ فِي آبَائِهِنَّ وَلَا أَبْنَائِهِنَّ وَلَا إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ إِخْوَانِهِنَّ وَلَا أَبْنَاءِ أَخَوَاتِهِنَّ﴾ الآية.\nفلفظ البنات والأبناء في جميع الآيات المذكورة شامل لجميع أولاد البنين والبنات وإن سفلوا، وإنما شملهم من الجهة المذكورة بالاعتبار المذكور، وهو إطلاق لفظ الابن علي كل من خرج من الشخص في الجملة، ولو بواسطة بناته.\nوأما البيت المذكور فالمراد به الجهة الأولى والاعتبار الأول؛ فإن بني البنات ليسوا أبناء لآباء أمهاتهم من تلك الجهة، ولا بذلك الاعتبار؛ لأنهم لم يخلقوا من مائهم وإنما خلقوا من ماء رجال آخرين، ربما كانوا أباعد وربما كانوا أعداء.\nفصح بهذا الاعتبار نفي البنوة عن ابن البنت، وصح بالاعتبار الأول إثبات البنوة له، ولا تناقض مع انفكاك الجهة.\nوإذا عرفت معنى الجهتين المذكورتين وأنه بالنظر إلى إحداهما تثبت البنوة لابن البنت وبالنظر إلى الأخرى تنتفي عنه.\nفاعلم أن قوله  -  ﷺ  -: \"إن ابني هذا سيد\" وقوله تعالى: ﴿وَبَنَاتُ الْأَخِ وَبَنَاتُ الْأُخْتِ﴾ ونحوها من الآيات ينزل على إحدى الجهتين،","vol":"7","page":254},{"text":"وقوله تعالى ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ يتنزل على الجهة الأخرى. وتلك الجهة هي التي يعني الشاعر بقوله:\n\n• وبناتنا بنوهن أبناء الرجال الأباعد *\nويزيد ذلك إيضاحًا: أن قبائل العرب قد تكون بينهم حروب ومقاتلات، فيكون ذلك القتال بين أعمام الرجال وأخواله، فيكون مع عصبته دائمًا على أخواله، كما في البيت المذكور.\nوقد يكون الرجل منهم في أخواله فيعاملونه معاملة دون معاملتهم لأبنائهم، كما أوضح ذلك غسان بن وعلة في شعره حيث يقول:\nإذا كنت في سعد وأمك منهم ... شطيرًا فلا يغررك خالك من سعد\nفإن ابن أخت القوم مصغى إناؤه ... إذا لم يزاحم خاله بأب جلد\nفقوله: \"مصغى إناؤه\" من الإِصغاء وهو الإِمالة؛ لأن الإِناء إذا أميل ولم يترك معتدلًا لم يتسع إلا للقليل، فهو كناية عن نقص نصيبه فيهم وقلته.\nوعلى الجهتين المذكورتين يتنزل اختلاف الصحابة في ميراث الجدّ والإِخوة.\nفمن رأى منهم أنه أب يحجب الإِخوة فقد راعى في الجد إحدى الجهتين.\nومن رأى منهم أنه ليس بأب وأنه لا يحجب الإِخوة فقد لاحظ الجهة الأخرى.\nولم نطل الكلام هنا في جميع الألفاظ المذكورة التي هي أحد","vol":"7","page":255},{"text":"عشر لفظًا خوف الإِطالة، ولأننا لم نجد نصوصًا من الوحي تحدد شيئًا منها تحديدًا دقيقًا.\nومعلوم أن لفظ القوم منها قد دل القرآن على أنه يختص بالذكور دون الإِناث، وأن الإِناث قد يدخلن فيه بحكيم التبع إذا اقترن بما يدل على ذلك؛ لأن الله تعالى قال: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ﴾ الآية. فعطفه النساء على القوم يدل على عدم دخولهن في لفظ القوم.\nونظيره من كلام العرب قول زهير:\nوما أدري وسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن أم نساء\nوأما دخول النساء في القوم بحكم التبع عند الاقتران بما يدل ذلك، فقد بينه قوله تعالى في ملكة سبأ: ﴿وَصَدَّهَا مَا كَانَتْ تَعْبُدُ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنَّهَا كَانَتْ مِنْ قَوْمٍ كَافِرِينَ (٤٣)﴾.\nوأما الموالي فقد دل القرآن واللغة على أن المولى يطلق على كل من له سبب يوالي ويوالى به.\nولذا أطلق على الله أنه مولى المؤمنين لأنهم يوالونه بالطاعة ويواليهم بالجزاء، ونفى ولاية الطاعة عن الكافرين، في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لَا مَوْلَى لَهُمْ (١١)﴾.\nوأثبت له عليهم ولاية الملك والقهر في قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٣٠)﴾، كما أثبت لهم ولاية النار في قوله: ﴿مَأْوَاكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلَاكُمْ﴾ الآية.\nوأطلق تعالى اسم الموالي على العصبة في قوله تعالى:","vol":"7","page":256},{"text":"﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾.\nوأطلق اسم المولى على الأقارب ونحوهم في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيئًا﴾.\nويكثر في كلام العرب إطلاق الموالي على العصبة وابن العم، ومنه قول الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب:\nمهلًا بني عمنا مهلًا موالينا ... لا تظهرن لنا ما كان مدفونا\nوقول طرفة بن العبد:\nوأعلم علمًا ليس بالظن أنه ... إذا ذل مولى المرء فهو ذليل\nوالحاصل أن من قال: هذا وقفٌ، أو صدقةٌ على قومي، أو مواليَّ، أنه إن كان هناك عرف خاص وجب اتباعه في ذلك، وإن لم يكن هناك عرف فلا تعلم نصًّا من كتاب ولا سنة يحدد ذلك تحديدًا دقيقًا.\nوكلام أهل العلم فيه معروف في محالِّه.\nوالعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1805> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَينِ عَظِيمٍ (٣١) أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾</span>.\n(وقالوا) أي كفار مكة: (لولا) أي هلا (نزل هذا القرآن على","vol":"7","page":257},{"text":"رجل من القريتين) أي من إحدى القريتين، وهما مكة والطائف (عظيم) يعنون بعظمه كثرة ماله وعظم جاهه، وعلو منزلته في قومه، وعظيم مكة الذي يريدون هو الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بن يقظة بن مرة بن كعب، وفي مرة بن كعب يجتمع نسبه بالنبي  -  ﷺ  - .\nوقيل: هو عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف.\nوعظيم الطائف: هو عروة بن مسعود، وقيل: حبيب بن عمرو بن عمير، وقيل: هو كنانة بن عبد ياليل، وقيل غير ذلك.\nوإيضاح الآية أن الكفار أنكروا أولًا أن يبعث الله رسولًا من البشر، كما أوضحناه مرارًا.\nثم لما سمعوا الأدلة على أن الله لم يبعث إلى البشر رسولًا إلا من البشر تنازلوا عن اقتراحهم إرسال رسل من الملائكة إلى اقتراح آخر، وهو اقتراح تنزيل هذا القرآن على أحد الرجلين المذكورين.\nوهذا الاقتراح يدل على شدة جهلهم، وسخافة عقولهم، حيث يجعلون كثرة المال والجاه في الدنيا، موجبًا لاستحقاق النبوة وتنزيل الوحي.\nولذا زعموا أن محمدًا  -  ﷺ  -  ليس أهلًا لإِنزال هذا القرآن عليه، لقلة ماله، وأن أحد الرجلين المذكورين أحق أن ينزل عليه القرآن منه  -  ﷺ  - .\nوقد بين تعالى في هذه الآية الكريمة، شدة جهلهم، وسخافة عقولهم بقوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، والظاهر المتبادر أن المراد برحمة ربك النبوة وإنزال الوحي.","vol":"7","page":258},{"text":"وإطلاق الرحمة على ذلك متعدد في القرآن، كقوله تعالى في الدخان: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله في آخر القصص: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية، وقوله في آخر الأنبياء: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الدالة على إطلاق الرحمة والعلم على النبوة في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الآية.\nوقدمنا معاني إطلاق الرحمة في القرآن في سورة فاطر، في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ﴾ يعني أنه تعالى لم يفوض إليهم أمر معايشهم وحظوظهم في الدنيا، بل تولى هو جل وعلا قسمة ذلك بينهم، فجعل هذا غنيًّا وهذا فقيرًا، وهذا رفيعًا وهذا وضيعًا، وهذا خادمًا وهذا مخدومًا، ونحو ذلك، فإذا لم يفوض إليهم حظوظهم في الدنيا، ولم يحكمهم فيها، بل كان تعالى هو المتصرف فيها بما شاء كيف شاء، فكيف يفوض إليهم أمر إنزال الوحي حتى يتحكموا في من ينزل إليه الوحي؟\nفهذا مما لا يعقل، ولا يظنه إلا غبي جاهل كالكفار المذكورين.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ التحقيق إن شاء الله أنه من التسخير، ومعنى تسخير بعضهم","vol":"7","page":259},{"text":"لبعض: خدمة بعضهم لبعض وعمل بعضهم لبعض؛ لأن نظام العالم في الدنيا يتوقف قيامه على ذلك، فمن حكمته جل وعلا أن يجعل هذا فقيرًا مع كونه قويًّا قادرًا على العمل، ويجعل هذا ضعيفًا لا يقدر على العمل بنفسه ولكنه تعالى يهيئ له دراهم يؤجر بها ذلك الفقير القوي، فينتفع القوي بدراهم الضعيف والضعيف بعمل القوي، فتنتظم المعيشة لكل منهما، وهكذا.\nوهذه المسائل التي ذكرها الله جل وعلا في هذه السورة الكريمة جاءت كلها موضحة في آيات أخر من كتاب الله.\nأما زعمهم أن محمدًا  -  ﷺ  -  أنقص شرفًا وقدرًا من أن ينزل عليه الوحي، فقد ذكره الله عنهم في (ص) في قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ الآية.\nفقول كفار مكة: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا﴾ معناه إنكارهم أن يخصه الله بإنزال الوحي من بينهم، لزعمهم أن فيهم من هو أحق بالوحي منه، لكثرة ماله وجاهه وشرفه فيهم.\nوقد قال قوم صالح مثل ذلك لصالح، كما قال تعالى عنهم: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُوَ كَذَّابٌ أَشِرٌ (٢٥)﴾.\nفقلوب الكفار متشابهة، فكانت أعمالهم متشابهة، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾، وقال تعالى: ﴿أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾.\nوأما اقتراحهم إنزال الوحي على غيره منهم، وأنهم لا يرضون خصوصيته بذلك دونهم، فقد ذكره تعالى في سورة الأنعام","vol":"7","page":260},{"text":"في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى في المدثر: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾، أي تنزل عليه صحف بالوحي من السماء، كما قاله مجاهد وغير واحد، وهو ظاهر القرآن. وفي الآية قول آخر معروف.\nوأما إنكاره تعالى عليهم اقتراح إنزال الوحي على غير محمد  -  ﷺ  -، الذي دلت عليه همزة الإِنكار المتضمنة مع الإِنكار لتجهيلهم وتسفيه عقولهم، في قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾، فقد أشار تعالى إليه مع الوعيد الشديد في الأنعام؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ﴾ بقوله، ردًّا عليهم وإنكارًا لمقالتهم: ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيثُ يَجْعَلُ رِسَالتَهُ﴾، ثم أوعدهم على ذلك بقوله: ﴿سَيُصِيبُ الَّذِينَ أَجْرَمُوا صَغَارٌ عِنْدَ اللَّهِ وَعَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا كَانُوا يَمْكُرُونَ (١٢٤)﴾.\nوأما كونه تعالى هو الذي تولى قسمة معيشتهم بينهم، فقد جاء في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿انْظُرْ كَيفَ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ الآية.\nوقد أوضح تعالى حكمة هذا التفاضل والتفاوت في الأرزاق والحظوظ والقوة والضعف، ونحو ذلك، بقوله هنا: ﴿لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾، كما تقدم.","vol":"7","page":261},{"text":"وقوله تعالى هنا: ﴿وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٣٢)﴾ يعني أن النبوة، والاهتداء بهدي الأنبياء، وما يناله المهتدون يوم القيامة، خير مما يجمعه الناس في الدنيا من حطامها.\nوقد أشار الله تعالى إلى هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله في سورة يونس: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (٥٨)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ لَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾.\nمسألة\nدلت هذه الآيات الكريمة المذكورة هنا، كقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَينَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ﴾ الآية، ونحو ذلك من الآيات، على أن تفاوت الناس في الأرزاق والحظوظ سنة من سنن الله السماوية الكونية القدرية، لا يستطيع أحد من أهل الأرض البتة تبديلها ولا تحويلها بوجه من الوجوه، ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْويلًا (٤٣)﴾.\nوبذلك تحقق أن ما يتذرع به الآن الملاحدة المنكرون لوجود الله، ولجميع النبوات والرسائل السماوية، إلى ابتزاز ثروات الناس، ونزع ملكهم الخاص عن أملاكهم، بدعوى المساواة بين الناس في معايشهم، أمر باطل لا يمكن بحال من الأحوال.\nمع أنهم لا يقصدون ذلك الذي يزعمون، وإنما يقصدون استئثارهم بأملاك جميع الناس، ليتمتعوا بها ويتصرفوا فيها كيف شاؤوا، تحت ستار كثير من أنواع الكذب والغرور والخداع، كما","vol":"7","page":262},{"text":"يتحققه كل عاقل مطلع على سيرتهم وأحوالهم مع المجتمع في بلادهم.\nفالطغمة القليلة الحاكمة، ومن ينضم إليها، هم المتمتعون بجميع خيرات البلاد، وغيرهم من عامة الشعب محرومون من كل خير، مظلومون في كل شيء، حتى ما كسبوه بأيديهم، يعلفون ببطاقة كما تعلف البغال والحمير.\nوقد علم الله جل وعلا في سابق علمه أنه يأتي ناس يغتصبون أموال الناس بدعوى أن هذا فقير وهذا غني. وقد نهى جل وعلا عن اتباع الهوى بتلك الدعوى، وأوعد من لم ينته عن ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾.\nوقوله: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)﴾ فيه وعيد شديد لمن فعل ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1806> قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيهَا يَظْهَرُونَ (٣٣) وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيهَا يَتَّكِئُونَ (٣٤) وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾</span>.\nقوله: (لبيوتهم)، في الموضعين، قرأه ورش وأبو عمرو وحفص عن عاصم بضم الباء، على الأصل.\nوقرأه قالون عن نافع وابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي وشعبة عن عاصم: (لِبيوتهم) بكسر الباء، لمجانسة الكسرة للياء.","vol":"7","page":263},{"text":"وقوله: (سقفا) قرأه نافع، وابن عامر، وحمزة، والكسائي، وعاصم: (سقفًا) بضمتين، على الجمع.\nوقرأه ابن كثير وأبو عمرو: (سَقْفًا) بفتح السين وإسكان القاف، على الإِفراد المراد به الجمع.\nوقوله: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قرأه نافع وابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وإحدى الروايتين عن هشام، وأبو عمرو والكسائي: (لمَا متاع الحياة الدنيا) بتخفيف الميم من (لَمَّا).\nوقرأه عاصم وحمزة، وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين: (لمَّا متاع الحياة الدنيا) بتشديد الميم من (لَمَّا).\nومعنى الآية الكريمة: أن الله لما بين حقارة الدنيا، وعظم شأن الآخرة في قوله: ﴿وَرَحْمَةٌ خَيرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (١٥٧)﴾ أتبع ذلك ببيان شدة حقارتها، وأنه جعلها مشتركة بين المؤمنين والكافرين، وجعل ما في الآخرة من النعيم خاصًّا بالمؤمنين دون الكافرين، وبين حكمته في اشتراك المؤمن مع الكافر في نعيم الدنيا بقوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ أي لولا كراهتنا لكون جميع الناس أمة واحدة متفقة على الكفر لأعطينا زخارف الدنيا كلها للكفار، ولكننا لعلمنا بشدة ميل القلوب إلى زهرة الحياة الدنيا، وحبها لها، لو أعطينا ذلك كله للكفار لحملت الرغبة في الدنيا جميع الناس على أن يكونوا كفارًا، فجعلنا في كل من الكافرين والمؤمنين غنيًّا وفقيرًا، وأشركنا بينهم في الحياة الدنيا.\nثم بين جل وعلا اختصاص نعيم الآخرة بالمؤمنين في قوله:","vol":"7","page":264},{"text":"﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾ أي خالصة لهم دون غيرهم.\nوهذا المعنى جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.\nفقوله: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي خاصة بهم، دون الكفار، يوم القيامة؛ إذ لا نصيب للكفار البتة في طيبات الآخرة.\nفقوله في آية الأعراف هذه: ﴿قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ صريح في اشتراك المؤمنين مع الكفار في متاع الحياة الدنيا، وذلك الاشتراك المذكور، دل عليه حرف الامتناع للوجود الذي هو (لولا)، في قوله هنا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.\nوخصوص طيبات الآخرة بالمؤمنين، المنصوص عليه في آية الأعراف بقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ هو الذي أوضحه تعالى في آية الزخرف هذه بقوله: ﴿وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ (٣٥)﴾.\nوجميع المؤمنين يدخلون في الجملة في لفظ (المتقين) لأن كل مؤمن اتقى الشرك بالله.\nوما دلت عليه هذه الآيات من أنه تعالى يعطي الكفار من متاع الحياة الدنيا، دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾، وقوله: ﴿نُمَتِّعُهُمْ","vol":"7","page":265},{"text":"قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا أَنْجَاهُمْ إِذَا هُمْ يَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ مَتَاعَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُكُمْ فَنُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٣)﴾، وقوله: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة.\nوقد بين تعالى في آيات من كتابه، أن إنعامه على الكافرين ليس لكرامتهم عليه، ولكنه للاستدراج، كقوله تعالى: ﴿فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (٤٤) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤) فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾ على أظهر التفسيرين، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ مَدْيَنَ وَكُذِّبَ مُوسَى فَأَمْلَيتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيفَ كَانَ نَكِيرِ (٤٤)﴾.\nودعوى الكفار أن الله ما أعطاهم المال ونعيم الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأنه إن كان البعث حقًّا أعطاهم خيرًا منه في الآخرة، قد ردها الله عليهم في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إلا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا","vol":"7","page":266},{"text":"كَسَبَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا طرفًا من هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\nولنرجع إلى تفسير ألفاظ الآية الكريمة.\nفقوله: ﴿جَعَلْنَا﴾ أي صيرنا، وقوله: (لبيوتهم) بدل اشتمال مع إعادة العامل من قوله: (لمن يكفر).\nوعلى قراءة (سُقُفًا) بضمتين فهو جمع سقف، وسقف البيت معروف.\nوعلى قراءة (سَقْفًا) بفتح السين وسكون القاف، فهو مفرد أريد به الجمع.\nوقد قدمنا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أن المفرد إذا كان اسم جنس يجوز إطلاقه مرادًا به الجمع، وأكثرنا من أمثلة ذلك في القرآن، ومن الشواهد العربية (^١).\nوقوله: ﴿وَمَعَارِجَ﴾ الظاهر أنه جمع معرج بلا ألف بعد الراء.\nوالمعرج والمعراج بمعنى واحد، وهو الآلة التي يعرج بها، أي يصعد بها إلى العلو.\nوقوله: (يظهرون) أي يصعدون ويرتفعون، حتى يصيروا على ظهور البيوت. ومن ذلك المعنى قوله تعالى: ﴿فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (٩٧)﴾.\nوالسرر جمع سرير، والاتكاء معروف.\n_________\n(^١) كان بعده في المطبوعة: \"على ذلك\"!","vol":"7","page":267},{"text":"والأبواب جمع باب وهو معروف، والزخرف الذهب.\nقال الزمخشري: إن المعارج التي هي المصاعد والأبواب والسرر كل ذلك من فضة، كأنه يرى اشتراك المعطوف والمعطوف عليه في ذلك، وعلى هذا المعنى فقوله: (زخرفًا) مفعولٌ عامله محذوف، والتقدير: وجعلنا لهم مع ذلك زخرفًا.\nوقال بعض العلماء: إن جميع ذلك بعضه من فضة، وبعضه من زخرف، أي ذهب.\nوقد ذكر القرطبي أن إعراب قوله: (وزخرفا) على هذا القول أنه منصوب بنزع الخافض، وأن المعنى: من فضة ومن زخرف، فحذف حرف الجر فانتصب زخرفًا.\nوأكثر علماء النحو على أن النصب بنزع الخافض ليس مطردًا ولا قياسيًا، وما سمع منه يحفظ ولا يقاس عليه.\nوعليه درج ابن مالك في الخلاصة في قوله:\nوإن حذف فالنصب للمنجرِّ ... نقلًا .................... إلخ\nوعلي بن سليمان وهو الأخفش الصغير يرى اطراده في كل شيء أمن فيه اللبس، كما أشار في الكافية بقوله:\nوابن سليمان اطراده رأى ... إن لم يخف لبس كمن زيد نأى\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ على قراءة الجمهور بتخفيف الميم من (لما)، فَـ (إن) هي المخففة من الثقيلة، واللام هي الفارقة بين (إن) المخففة من الثقيلة، و(إن) النافية المشار إليها بقوله في الخلاصة:\nوخففت إن فقَلَّ العمل ... وتلزم اللام إذا ما تهمل","vol":"7","page":268},{"text":"و(ما) مزيدة للتوكيد.\nوأما على قراءة عاصم وحمزة وابن عامر في إحدى الروايتين عن هشام (لَمَّا) بتشديد الميم، فـ (إن) نافية، و(لما) حرف إثبات بمعنى إلا، والمعنى: وما كل ذلك إلا متاع الحياة الدنيا.\nوذكر بعضهم أن تشديد ميم (لما) على بعض القراءات في هذه الآية وآية الطارق ﴿إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيهَا حَافِظٌ (٤)﴾ لغة بني هذيل بن مدركة، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1807> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (٣٦) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (٣٧) حَتَّى إِذَا جَاءَنَا قَال يَاليتَ بَينِي وَبَينَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَينِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ (٣٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1808> قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ (٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1809> قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ وَمَنْ كَانَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٤٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النمل في الكلام","vol":"7","page":269},{"text":"على قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (٨٠)﴾\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1810> قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يتمسك بهدي هذا القرآن العظيم، وبين له أنه على صراط مستقيم أي طريق واضح لا اعوجاج فيه، وهو دين الإِسلام الذي تضمنه هذا القرآن العظيم الذي أوحي إليه.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، قد جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله.\nأما أمره بالتمسك بالقرآن العظيم، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ﴾.\nوأما إخباره له - ﷺ - بأنه على صراط مستقيم، فمن الآيات التي أوضح ذلك فيها قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢) صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَدْعُوهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٧٣) وَإِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":270},{"text":"وآية الزخرف هذه تدل على أن المتمسك بهذا القرآن على هدى من الله، وهذا معلوم بالضرورة.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن جميع الرسل جاؤوا بإخلاص التوحيد لله، الذي تضمنته كلمة لا إله إلا الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾.\nوذلك التوحيد هو أول ما يأمر به كل نبي أمته.\nقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيبًا قَال يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ﴾ الآية، إلى غير من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1811> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام على قصة موسى وفرعون في سورة الأعراف وسورة طه.","vol":"7","page":271},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1812> قوله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٤٨)﴾</span>.\nلم يبين هنا نوع العذاب الذي أخذهم به، ولكنه أوضحه في الأعراف في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (١٣٢) فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1813> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا يَاأَيُّهَ السَّاحِرُ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنَا لَمُهْتَدُونَ (٤٩) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (٥٠)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أوضحه في الأعراف بقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٣٤) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (١٣٥)﴾.\nوالرجز المذكور في الأعراف هو بعينه العذاب المذكور في آية الزخرف هذه.\n\n• قوله تعالى عن فرعون: ﴿وَلَا يَكَادُ يُبِينُ (٥٢)﴾.\nقد تقدم الكلام عليه في طه في الكلام على قوله تعالى عن موسى: ﴿وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي (٢٧)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1814> قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيهِ أَسْورَةٌ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ جَاءَ مَعَهُ الْمَلَائِكَةُ مُقْتَرِنِينَ (٥٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الفرقان في الكلام على قوله","vol":"7","page":272},{"text":"تعالى: ﴿لَوْلَا أُنْزِلَ إِلَيهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيرًا (٧)﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1815> قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا آسَفُونَا انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ﴾</span>.\n(آسفونا) معناه أغضبونا وأسخطونا، وكون المراد بالأسف الغضب، يدل عليه إطلاق الأسف على أشد الغضب في قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا﴾ على أصح التفسيرين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1816> قوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُمْ سَلَفًا وَمَثَلًا لِلْآخِرِينَ (٥٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1817> قوله تعالى ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا إِذَا قَوْمُكَ مِنْهُ يَصِدُّونَ (٥٧) وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر والكسائي (يصُدون) بضم الصاد. وقرأه ابن كثير وأبو عمرو وعاصم وحمزة (يصِدون) بكسر الصاد.\nفعلى قراءة الكسر فمعنى (يصِدون) يضجون ويصيحون، وقيل: يضحكون، وقيل: معنى القراءتين واحد، كيعرُشون ويعرِشون، ويعكُفون ويعكِفون.\nوعلى قراءة الضم فهو من الصدود، والفاعل المحذوف في قوله: ﴿ضُرِبَ﴾ قال جمهور المفسرين هو عبد الله بن الزبعرى","vol":"7","page":273},{"text":"السهمي قبل إسلامه. أي ولما ضرب ابن الزبعرى المذكور عيسى ابن مريم مثلًا فاجأك قومك بالضجيج والصياح والضحك، فرحًا منهم وزعمًا منهم أن ابن الزبعري خَصَمك، أو فاجأك صدودهم عن الإِيمان بسبب ذلك المثل.\nوالظاهر أن لفظة (مِن) هنا سببية، ومعلوم أن أهل العربية يذكرون أن من معاني (من) السببية، ومنه قوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ أي بسبب خطيئاتهم أغرقوا. ومن ذلك قول الحالفين في أيمان القسامة: أقسم بالله لَمِن ضربه مات.\nوإيضاح معنى ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، أن الله لما أنزل قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)﴾، قال ابن الزبعرى: إن محمدًا  -  ﷺ  -  يقول: إن كل معبود من دون الله في النار، وأننا وأصنامنا جميعًا في النار، وهذا عيسى ابن مريم قد عبده النصارى من دون الله، فإن كان ابن مريم مع النصارى الذين عبدوه في النار فقد رضينا أن نكون نحن وآلهتنا معه.\nوقالوا مثل ذلك في عزير والملائكة؛ لأن عزيرًا عبده اليهود، والملائكة عبدهم بعض العرب.\nفاتضح أن ضربه عيسى مثلًا، يعني أنه على ما يزعم أن محمدًا  -  ﷺ  -  قاله من أن كل معبود وعابده في النار يقتضي أن يكون عيسى مثلًا لأصنامهم في كون الجميع في النار، مع أن النبي  -  ﷺ  -  يثني على عيسى الثناء الجميل، ويبين للناس أنه","vol":"7","page":274},{"text":"عبد الله ورسوله، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه.\nفزعم ابن الزبعرى أن كلام النبي  -  ﷺ  -  لما اقتضى مساواة الأصنام مع عيسى في دخول النار مع أنه  -  ﷺ  -  يعترف بأن عيسى رسول الله وأنه ليس في النار، دل ذلك على بطلان كلامه عنده.\nوعند ذلك أنزل الله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى أُولَئِكَ عَنْهَا مُبْعَدُونَ (١٠١) لَا يَسْمَعُونَ حَسِيسَهَا وَهُمْ فِي مَا اشْتَهَتْ أَنْفُسُهُمْ خَالِدُونَ (١٠٢) لَا يَحْزُنُهُمُ الْفَزَعُ الْأَكْبَرُ﴾ الآية، وأنزل الله أيضًا قوله تعالى: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية.\nوعلى هذا القول فمعنى قوله تعالى: (ما ضربوه لك إلا جدلًا)، أي ما ضربوا عيسى مثلًا إلا من أجل الجدل والخصومة بالباطل.\nوقيل: إن (جدلًا) حال، وإتيان المصدر المنكر حالًا كثير، وقد أوضحنا توجيهه مرارًا.\nوالمراد بالجدل هنا الخصومة بالباطل لقصد الغلبة بغير حق.\nقال جماعة من العلماء: والدليل على أنهم قصدوا الجدل بشيء يعلمون في أنفسهم أنه باطل، أن الآية التي تذرعوا بها إلى الجدل، لا تدل البتة على ما زعموه، وهم أهل اللسان، ولا تخفى عليهم معاني الكلمات.\nوالآية المذكورة إنما عبر الله فيها بلفظة (ما) التي هي في الوضع العربي لغير العقلاء، لأنه قال: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ﴾ ولم يقل: (وَمَن تعبدون) وذلك صريح في أن المراد الأصنام، وأنه","vol":"7","page":275},{"text":"لا يتناول عيسى ولا عزيرًا ولا الملائكة، كما أوضح تعالى أنه لم يرد ذلك بقوله تعالى بعده: ﴿إِنَّ الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَّا الْحُسْنَى﴾ الآية.\nوإذا كانوا يعلمون من لغتهم أن الآية الكريمة لم تتناول عيسى بمقتضى لسانهم العربي الذي نزل به القرآن، تحققنا أنهم ما ضربوا عيسى مثلًا إلا لأجل الجدل والخصومة بالباطل.\nووجه التعبير في صيغة الجمع في قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، مع أن ضارب المثل واحد وهو ابن الزبعرى يرجع إلى أمرين:\nأحدهما: أن من أساليب اللغة العربية إسناد فعل الرجل الواحد من القبيلة إلى جميع القبيلة، ومن أصرح الشواهد العربية في ذلك قوله:\nفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\nفإنه نسب الضرب إلى جميع بني عبس، مع تصريحه بأن السيف في يد رجل واحد منهم، وهو ورقاء بن زهير، والشاعر يشير بذلك إلى قتل خالد بن جعفر الكلابي لزهير بن جذيمة العبسي، وأن ورقاء بن زهير ضرب بسيف بني عبس رأس خالد بن جعفر الكلابي الذي قتل أباه، ونبا عنه، أي لم يؤثر في رأسه؛ فإن معنى \"نبا السيف\" ارتفع عن الضريبة ولم يقطع.\nوالشاعر يهجو بني عبس بذلك.\nوالحروب التي نشأت عن هذه القصة، وقتل الحارث بن ظالم المري لخالد المذكور، كل ذلك معروف في محله.\nوالأمر الثاني: أن جميع كفار قريش، صوبوا ضرب ابن الزبعرى عيسى مثلًا، وفرحوا بذلك، ووافقوه عليه، فصاروا كالمتمالئين عليه.","vol":"7","page":276},{"text":"وبهذين الأمرين المذكورين جمع المفسرون بين صيغة الجمع في قوله: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ﴾ وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ وبين صيغة الإِفراد في قوله: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: الفاعل المحذوف في قوله: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ هو عامة قريش الذين قالوا  - أي كفار قريش (^١)  -  لما سمعوا النبي  -  ﷺ  -  يذكر عيسى، وسمعوا قول الله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾ قالوا للنبي  -  ﷺ  -: ما تريد بذكر عيسى إلا أن نعبدك كما عبد النصارى عيسى.\nوعلى هذا فالمعنى أنهم ضربوا عيسى مثلًا للنبي  -  ﷺ  -، في عبادة الناس لكل منهما، زاعمين أنه يريد أن يعبد كما عبد عيسى.\nوعلى هذا القول فمعنى قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾، أي ما ضربوا لك هذا المثل إلا لأجل الخصومة بالباطل، مع أنهم يعلمون أنك لا ترضى أن تعبد بوجه من الوجوه.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وإن كان من القرآن المدني النازل بعد الهجرة، فمعناه يكرره عليهم النبي  -  ﷺ  -  كثيرًا قبل الهجرة كما هو معلوم، وكذلك قوله: ﴿وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.\nولا شك أن كفار قريش متيقنون في جميع المدة التي أقامها  -  ﷺ  -\n_________\n(^١) العبارة في المطبوعة: \"والذين قالوا إن كفار قريش ...\".","vol":"7","page":277},{"text":"في مكة قبل الهجرة بعد الرسالة، وهي ثلاث عشرة سنة، أنه لا يدعو إلا إلى عبادة الله وحده لا شريك له.\nفادعاؤهم أنه يريد أن يعبدوه، افتراء منهم، وهم يعلمون أنهم مفترون في ذلك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَآلِهَتُنَا خَيرٌ أَمْ هُوَ﴾.\nالتحقيق أن الضمير في قوله: ﴿هُوَ﴾ راجع إلى عيسى، لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.\nقال بعض العلماء: ومرادهم بالاستفهام تفضيل معبوداتهم على عيسى.\nقيل: لأنهم يتخذون الملائكة آلهة، والملائكة أفضل عندهم من عيسى.\nوعلى هذا فمرادهم أن عيسى عُبِدَ من دون الله، ولم يكن ذلك سببًا لكونه في النار، ومعبوداتنا خير من عيسى، فكيف تزعم أنهم في النار.\nوقال بعض العلماء: أرادوا تفضيل عيسى على آلهتهم.\nوالمعنى على هذا أنهم يقولون: عيسى خير من آلهتنا، أي في زعمك، وأنت تزعم أنه في النار بمقتضى عموم ما تتلوه من قوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وعيسى عبده النصارى من دون الله، فدلالة قولك على أن عيسى في النار، مع اعترافك بخلاف ذلك، يدل على أن ما تقوله من أنَّا وآلهتنا في النار ليس بحق أيضًا.","vol":"7","page":278},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ (٥٨)﴾ أي لُدٌّ، مبالغون في الخصومة بالباطل، كما قال تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾ أي شديدي الخصومة، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤)﴾؛ لأن الفعل بفتح فكسر كخَصِم، من صيغ المبالغة، كما هو معلوم في محله.\nوقد علمت مما ذكرنا أن قوله تعالى هنا: ﴿وَلَمَّا ضُرِبَ ابْنُ مَرْيَمَ مَثَلًا﴾ الآية، إنما بينته الآيات التي ذكرنا ببيان سببه.\nومعلوم أن الآية قد يتضح معناها ببيان سببها.\nفعلى القول الأول، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لأصنامهم في دخول النار، فإن ذلك المثل يفهم من أن سبب نزول الآية نزول قوله تعالى قبلها: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾؛ لأنها لما نزلت قالوا: إن عيسى عُبِدَ من دون الله كآلهتهم، فهم بالنسبة لما دلت عليه سواء.\nوقد علمت بطلان هذا مما ذكرناه آنفًا.\nوعلى القول الثاني، أنهم ضربوا عيسى مثلًا لمحمد  -  ﷺ  -، في أن عيسى قد عبد، وأنه  -  ﷺ  -  يريد أن يعبد كما عبد عيسى، فكون سبب ذلك سماعُهم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، وسماعُهم للآيات المكية النازلة في شأن عيسى، يوضح المراد بالمثل.\nوأما الآيات التي بينت قوله: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إلا جَدَلًا﴾ فبيانها له واضح على كلا القولين. والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":279},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1818> قوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾</span>.\nوالتحقيق أن الضمير في قوله: (هو) عائد إلى عيسى أيضًا لا إلى محمد عليهما الصلاة والسلام.\nوقوله هنا: ﴿عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيهِ﴾ لم يبين هنا شيئًا من الإِنعام الذي أنعم به على عبده عيسى، ولكنه بين ذلك في المائدة، في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيكَ وَعَلَى وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيئَةِ الطَّيرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيرًا بِإِذْنِي وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى بِإِذْنِي وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾، وفي آل عمران، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾ إلى قوله: ﴿وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1819> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾</span>.\nالتحقيق أن الضمير في قوله: (وإنه) راجع إلى عيسى لا إلى القرآن، ولا إلى النبي - ﷺ -.\nومعنى قوله: ﴿لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ على القول الحق الصحيح الذي يشهد له القرآن العظيم، والسنة المتواترة، هو أن نزول عيسى في آخر الزمان حيًّا عِلْمٌ للساعة، أي علامة لقرب مجيئها؛ لأنها من أشراطها الدالة على قربها.\nوإطلاق عِلْم الساعة على نفس عيسى، جارٍ على أمرين، كلاهما أسلوب عربي معروف:","vol":"7","page":280},{"text":"أحدهما: أن نزول عيسى المذكور، لما كان علامة لقربها، كانت تلك العلامة سببًا لعلم قربها، فأطلق في الآية المسبب وأريد السبب.\nوإطلاق المسبب وإرادة السبب، أسلوب عربي معروف في القرآن، وفي كلام العرب.\nومن أمثلته في القرآن قوله تعالى: ﴿وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾. فالرزق مسبب عن المطر والمطر سببه، فأطلق المسبب الذي هو الرزق وأريد سببه الذي هو المطر للملابسة القوية التي بين السبب والمسبب.\nومعلوم أن البلاغيين ومن وافقهم، يزعمون أن مثل ذلك من نوع ما يسمونه المجاز المرسل، وأن الملابسة بين السبب والمسبب من علاقات المجاز المرسل عندهم.\nوالثاني من الأمرين: أن غاية ما في ذلك أن الكلام على حذف مضاف، والتقدير: وإنه لذو علم للساعة، أي وإنه لصاحب إعلام الناس بقرب مجيئها، لكونه علامة لذلك، وحذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه كثير في القرآن وفي كلام العرب، وإليه أشار في الخلاصة بقوله:\nوما يلي المضاف يأت خلفا ... عنه في الإعراب إذا ما حذفا\nوهذا الأخير أحد الوجهين اللذين وجه بهما علماء العربية النعت بالمصدر، كقولك: زيد كَرَمٌ وعمرو عَدْلٌ، أي ذو كرم وذو عدل، كما قال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾، وقد أشار","vol":"7","page":281},{"text":"إلى ذلك في الخلاصة بقوله:\nونعتوا بمصدر كثيرا ... فالتزموا الإِفراد والتذكيرا\nأما دلالة القرآن الكريم على هذا القول الصحيح، ففي قوله تعالى في سورة النساء: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك صريح في أن عيسى حي وقت نزول آية النساء هذه، وأنه لا يموت حتى يؤمن به أهل الكتاب، ومعلوم أنهم لا يؤمنون به إلا بعد نزوله إلى الأرض.\nفإن قيل: قد ذهبت جماعة من المفسرين، من الصحابة فمن بعدهم، إلى أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى الكتابي، أي إلا ليؤمنن به الكتابي قبل موت الكتابي.\nفالجواب: أن كون الضمير راجعًا إلى عيسى، يجب المصير إليه، دون القول الآخر؛ لأنه أرجح منه من أربعة أوجه:\nالأول: أنه هو ظاهر القرآن المتبادر منه، وعليه تنسجم الضمائر بعضها مع بعض، والقول الآخر بخلاف ذلك.\nوإيضاح هذا أن الله تعالى قال: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾، ثم قال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَمَا صَلَبُوهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ﴾ أي عيسى، ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أي عيسى، ﴿لَفِي شَكٍّ مِنْهُ﴾ أي عيسى، ﴿مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ﴾ أي عيسى، ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧)﴾ أي عيسى، ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ﴾ أي عيسى، ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ﴾ أي عيسى، ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ أي عيسى، ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ أي يكون هو، أي عيسى شهيدًا.","vol":"7","page":282},{"text":"فهذا السياق القرآني الذي ترى ظاهر ظهورًا لا ينبغي العدول عنه، في أن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى.\nالوجه الثاني: من مرجحات هذا القول، أنه على هذا القول الصحيح، فمفسر الضمير ملفوظ مصرح به في قوله تعالى: ﴿وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ﴾.\nوأما على القول الآخر فمفسر الضمير ليس مذكورًا في الآية أصلًا، بل هو مقدر تقديره: ما من أهل الكتاب أحد إلا ليؤمنن به قبل موته، أي موت أحد أهل الكتاب المقدر.\nومما لا شك فيه أن ما لا يحتاج إلى تقدير أرجح وأولى مما يحتاج إلى تقدير.\nالوجه الثالث من مرجحات هذا القول الصحيح: أنه تشهد له السنة النبوية المتواترة، لأن النبي  -  ﷺ  -  قد تواترت عنه الأحاديث بأن عيسى حي الآن، وأنه سينزل في آخر الزمان حكمًا مقسطًا.\nولا ينكر تواتر السنة بذلك إلا مكابر.\nقال ابن كثير في تفسيره، بعد أن ذكر هذا القول الصحيح ونسبه إلى جماعة من المفسرين ما نصه: وهذا القول هو الحق كما سنبينه بعد بالدليل القاطع إن شاء الله تعالى. اهـ.\nوقوله: \"بالدليل القاطع\" يعني السنة المتواترة، لأنها قطعية، وهو صادق في ذلك.\nوقال ابن كثير في تفسير آية الزخرف هذه ما نصه:\n\"وقد تواترت الأحاديث عن رسول الله  -  ﷺ  -  أنه أخبر بنزول","vol":"7","page":283},{"text":"عيسى  -  ﵇  -  قبل يوم القيامة إمامًا عادلًا وحكمًا مقسطًا\". اهـ منه.\nوهو صادق في تواتر الأحاديث بذلك.\nوأما القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى الكتاب فهو خلاف ظاهر القرآن، ولم يقم عليه دليل من كتاب ولا سنة.\nالوجه الرابع: هو أن القول الأول الصحيح، واضح لا إشكال فيه، ولا يحتاج إلى تأويل ولا تخصيص، بخلاف القول الآخر، فهو مشكل لا يكاد يَصْدُق إلا مع تخصيص، والتأويلات التي يروونها فيه عن ابن عباس، وغيره، ظاهرة البعد والسقوط، لأنه على القول بأن الضمير في قوله: (قبل موته) راجع إلى عيسى، فلا إشكال ولا خفاء، ولا حاجة إلى تأويل، ولا إلى تخصيص، وأما على القول بأنه راجع إلى الكتابي فإنه مشكل جدًّا بالنسبة لكل من فاجأه الموت من أهل الكتاب، كالذي يسقط من عالٍ إلى أسفل، والذي يقطع رأسه بالسيف وهو غافل، والذي يموت في نومه، ونحو ذلك، فلا يَصْدُقُ هذا العموم المذكور في الآية على هذا النوع من أهل الكتاب، إلا إذا ادُّعِي إخراجهم منه بمخصص، ولا سبيل إلى تخصيص عمومات القرآن إلا بدليل جب الرجوع إليه من المخصصات المتصلة أو المنفصلة.\nوما يذكر عن ابن عباس من أنه سئل عن الذي يقطع رأسه من أهل الكتاب فقال: إن رأسه يتكلم بالإِيمان بعيسى، وأن الذي يهوي من عالٍ إلى أسفل يؤمن به وهو يهوي، لا يخفى بعده وسقوطه، وأنه لا دليل البتة عليه، كما ترى.","vol":"7","page":284},{"text":"وبهذا كله تعلم أن الضمير في قوله: ﴿قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ راجع إلى عيسى، وأن تلك الآية من سورة النساء تبين قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ كما ذكرنا.\nفإن قيل: إن كثيرًا ممن لا تحقيق عندهم يزعمون أن عيسى قد توفي، ويعتقدون مثل ما يعتقده ضلال اليهود والنصارى، ويستدلون على ذلك بقوله تعالى: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾، وقوله: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيهِمْ﴾.\nفالجواب: أنه لا دلالة في إحدى الآيتين البتة على أن عيسى قد توفي فعلًا.\nأما قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فإن دلالته المزعومة على ذلك منفية من أربعة أوجه:\nالأول: أن قوله: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ حقيقة لغوية في أخذ الشيء كاملًا غير ناقص، والعرب تقول: توفى فلان دينه يتوفاه فهو متوف له، إذا قبضه وحازه إليه كاملًا من غير نقص.\nفمعنى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ في الوضع اللغوي: أي حائزك إليَّ كاملًا بروحك وجسمك، ولكن الحقيقة العرفية خصصت المتوفي المذكور بقبض الروح دون الجسم.\nونحو هذا مما دار بين الحقيقة اللغوية والحقيقة العرفية فيه لعلماء الأصول ثلاثة مذاهب:\nالأول: هو تقديم الحقيقة العرفية، وتخصيص عموم الحقيقة اللغوية بها.","vol":"7","page":285},{"text":"وهذا هو المقرر في أصول الشافعي وأحمد، وهو المقرر في أصول مالك، إلا أنهم في الفروع ربما لم يعتمدوه في بعض المسائل.\nوإلى تقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية أشار في مراقي السعود بقوله:\nواللفظ محمول على الشرعي ... إن لم يكن فمطلق العرفي\nفاللغوي على الجلي ولم يجب ... بحث عن المجاز في الذي انتخب\nالمذهب الثاني: هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، بناء على أن العرفية وإن ترجحت بعرف الاستعمال، فإن اللغوية مترجحة بأصل الوضع.\nوهذا القول مذهب أبي حنيفة ﵀.\nالمذهب الثالث: أنه لا تقدم العرفية على اللغوية، ولا اللغوية على العرفية، بل يحكم باستوائهما ومعادلة الاحتمالين فيهما، فيحكم على اللفظ بأنه مجمل، لاحتمال هذه واحتمال تلك.\nوهذا اختيار ابن السبكي، ومن وافقه.\nوإلى هذين المذهبين الأخيرين أشار في مراقي السعود بقوله:\nومذهب النعمان عكس ما مضى ... والقول بالإِجمال فيه مرتضى\nوإذا علمت هذا، فاعلم أنه على المذهب الثاني، الذي هو تقديم الحقيقة اللغوية على العرفية، فإن قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل إلا على أنه قبضه إليه بروحه وجسمه، ولا يدل على الموت أصلًا، كما أن توفي الغريم لِدَينه لا يدل على موت دَينه.\nوأما على المذهب الأول: وهو تقديم الحقيقة العرفية على","vol":"7","page":286},{"text":"اللغوية، فإن لفظ المتوفي حينئذٍ يدل في الجملة على الموت، ولكن سترى إن شاء الله أنه وإن دل على ذلك في الجملة، لا يدل على أن عيسى قد توفي فعلًا.\nوقد ذكرنا في كتابنا: \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة آل عمران، وجه عدم دلالة الآية على موت عيسى فعلًا، أعني قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، فقلنا ما نصه:\nوالجواب عن هذا من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على تعيين الوقت، ولا يدل على كونه قد مضى، وهو متوفيه قطعًا يومًا ما، ولكن لا دليل على أن ذلك اليوم قد مضى.\nوأما عطفه (ورافعك إلي) على قوله: (متوفيك) فلا دليل فيه؛ لإِطباق جمهور أهل اللسان العربي على أن الواو لا تقتضي الترتيب ولا الجمع، وإنما تقتضي مطلق التشريك.\nوقد ادعى السيرافي والسهيلي إجماع النحاة على ذلك، وعزاه الأكثر للمحققين، وهو الحق، خلافًا لما قاله قطرب والفراء وثعلب وأبو عمرو الزاهد وهشام والشافعي من أنها تفيد الترتيب لكثرة استعمالها فيه.\nوقد أنكر السيرافي ثبوت هذا القول عن الفراء، وقال لم أجده في كتابه، وقال ولي الدين: أنكر أصحابنا نسبة هذا القول إلى الشافعي. حكاه عنه صاحب الضياء اللامع.\nوقوله  -  ﷺ  -: \"أبدأ بما بدأ الله به\" يعني الصفا، لا دليل فيه على اقتضائها الترتيب.","vol":"7","page":287},{"text":"وبيان ذلك هو ما قاله الفهري كما ذكره عنه صاحب الضياء اللامع، وهو أنها كما أنها لا تقتضي الترتيب ولا المعية، فكذلك لا تقتضي المنع منهما.\nفقد يكون العطف بها مع قصد الاهتمام بالأول، كقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ الآية، بدليل الحديث المتقدم.\nوقد يكون المعطوف بها مرتبًا، كقول حسان:\n\n• هجوت محمدًا وأجبت عنه *\nعلى رواية الواو.\nوقد يراد بها المعية، كقوله: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، وقوله: ﴿وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ (٩)﴾، ولكن لا تحمل على الترتيب ولا على المعية إلَّا بدليل منفصل.\nالوجه الثاني: أن معنى ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ أي مُنِيمك ورافعك إلي، أي في تلك النومة.\nوقد جاء في القرآن إطلاق الوفاة على النوم في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾، وعزى ابن كثير هذا القول للأكثرين، واستدل بالآيتين المذكورتين.\nالوجه الثالث: أن (متوفيك) اسم فاعل توفاه، إذا قبضه وحازه إليه، ومنه قولهم: توفى فلان دينه إذا قبضه إليه، فيكون معنى متوفيك على هذا: قابضك منهم إلي حيًّا، وهذا القول هو اختيار ابن جرير.","vol":"7","page":288},{"text":"وأما الجمع بأنه توفاه ساعات أو أيامًا، ثم أحياه، فلا معول عليه، إذ لا دليل عليه. اهـ. من دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.\nوقد قدمنا في هذا البحث أن دلالة قوله تعالى: ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ على موت عيسى فعلًا، منفية من أربعة أوجه، وقد ذكرنا منها ثلاثة، من غير تنظيم:\nأولها: أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ حقيقة لغوية في أخذه بروحه وجسمه.\nالثاني: أن ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ وصف محتمل للحال والاستقبال والماضي، ولا دليل في الآية على أن ذلك المتوفي قد وقع ومضى، بل السنة المتواترة والقرآن دالان على خلاف ذلك، كما أوضحنا في هذا المبحث.\nالثالث: أنه تَوَفِّي نوم، وقد ذكرنا الآيات الدالة على أن النوم يطلق عليه الوفاة، فكل من النوم والموت يصدق عليه اسم التوفِّي، وهما مشتركان في الاستعمال العرفي.\nفهذه الأوجه الثلاثة ذكرناها كلها في الكلام الذي نقلنا من كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب.\nوذكرنا الأول منها بانفراده؛ لنبين مذاهب الأصوليين فيه.\nوأما قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي﴾ الآية، فدلالته على أن عيسى مات، منفية من وجهين:\nالأول منهما: أن عيسى يقول ذلك يوم القيامة، ولا شك أنه يموت قبل يوم القيامة، فإخباره يوم القيامة بموته لا يدل على أنه الآن قد مات، كما لا يخفى.","vol":"7","page":289},{"text":"والثاني منهما: أن ظاهر الآية أنه توفِّي رفع وقبض للروح والجسد، لا توفي موت.\nوإيضاح ذلك أن مقابلته لذلك المتوفي بالديمومة فيهم، في قوله: ﴿وَكُنْتُ عَلَيهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيتَنِي﴾ الآية، تدل على ذلك؛ لأنه لو كان تَوَفِّي موت، لقال: ما دمت حيًّا فلما توفيتني، لأن الذي يقابل بالموت هو الحياة، كما في قوله: ﴿وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١)﴾، أما المتوفي المقابَل بالديمومة فيهم، فالظاهر أنه توفي انتقال عنهم إلى موضع آخر.\nوغاية ما في ذلك هو حمل اللفظ على حقيقته اللغوية مع قرينة صارفة عن قصد العرفية، وهذا لا إشكال فيه.\nوأما الوجه الرابع، من الأوجه المذكورة سابقًا: أن الذين زعموا أن عيسى قد مات، قالوا: إنه لا سبب لذلك الموت إلا أن اليهود قتلوه وصلبوه، فإذا تحقق نفي هذا السبب وقطعهم أنه لم يمت بسبب غيره، تحققنا أنه لم يمت أصلًا، وذلك السبب الذي زعموه منفي يقينًا بلا شك؛ لأن الله جل وعلا قال: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾.\nوضمير (رفعه) ظاهر في الجسم والروح معًا كما لا يخفى.\nوقد بين الله جل وعلا مستند اليهود في اعتقادهم أنهم قتلوه، بأن الله ألقى شبهه على إنسان آخر فصار من يراه يعتقد اعتقادًا جازمًا أنه عيسى، فرآه اليهود لما أجمعوا على قتل عيسى، فاعتقدوا لأجل ذلك الشبه الذي أُلْقِي عليه اعتقادًا جازمًا أنه عيسى، فقتلوه.","vol":"7","page":290},{"text":"فهم يعتقدون صدقهم في أنهم قتلوه وصدبوه، ولكن العليم اللطيف الخبير، أوحى إلى نبيه في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه أنهم لم يقتلوه ولم يصلبوه.\nفمحمد  -  ﷺ  -  والذين أتبعوه عندهم علم من الله بأمر عيسى، لم يكن عند اليهود ولا النصارى، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إلا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾.\nوالحاصل أن القرآن العظيم على التفسير الصحيح والسنة المتواترة عن النبي  -  ﷺ  -  كلاهما دال على أن عيسى حي، وأنه سينزل في آخر الزمان، وأن نزوله من علامات الساعة، وأن معتمد الذين زعموا أنهم قتلوه ومن تبعهم هو إلقاء شبهه على غيره، واعتقادهم الكاذب أن ذلك المقتول الذي شبه بعيسى هو عيسى.\nوقد عرفت دلالة الوحي على بطلان ذلك، وأن قوله ﴿مُتَوَفِّيكَ﴾ لا يدل على موته فعلًا، وقد رأيت توجيه ذلك من أربعة أوجه، وأنه على المقرر في الأصول في المذاهب الثلاثة التي ذكرنا عنهم لا إشكال في أنه لم يمت فعلًا:\nأما على القول بتقديم الحقيقة اللغوية فالأمر واضح؛ لأن الآية على ذلك لا تدل على الموت.\nوأما على القول بالإِجمال، فالمقرر في الأصول أن المجمل لا يحمل على واحد من معنييه ولا معانيه، بل يطلب بيان المراد منه بدليل منفصل، وقد دل الكتاب هنا والسنة المتواترة على أنه لم يمت وأنه حي.","vol":"7","page":291},{"text":"وأما على القول بتقديم الحقيقة العرفية على الحقيقة اللغوية، فإنه يجاب عنه من أوجه:\nالأول: أن المتوفي محمول على النوم، وحمله عليه يدخل في اسم الحقيقة العرفية.\nوالثاني: أنا وإن سلمنا أنه توفي موت، فالصيغة لا تدل على أنه قد وقع فعلًا.\nالثالث: أن القول المذكور بتقديم العرفية، محله فيما إذا لم يوجد دليل صارف عن إرادة العرفية إلى اللغوية، فإن دل على ذلك دليل وجب تقديم اللغوية قولًا واحدًا.\nوقد قدمنا مرارًا دلالة الكتاب والسنة المتواترة على إرادة اللغوية هنا دون العرفية.\nواعلم بأن القول بتقديم اللغوية على العرفية، محله فيما إذا لم تتناس اللغوية بالكلية، فإن أميتت الحقيقة اللغوية بالكلية، وجب المصير إلى العرفية إجماعًا، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:\nأجمعَ إن حقيقة تمات ... على التقدم له الأثباتُ\nفمن حلف ليأكلن من هذه النخلة، فمقتضى الحقيقة اللغوية أنه لا يبر يمينه حتى يأكل من نفس النخلة لا من ثمرتها، ومقتضى الحقيقة العرفية أنه يأكل من ثمرتها لا من نفس جذعها.\nوالمصير إلى العرفية هنا واجب إجماعًا؛ لأن اللغوية في","vol":"7","page":292},{"text":"مثل هذا أميتت بالكلية؛ فلا يقصد عاقل البتة الأكل من جذع النخلة.\nأما الحقيقة اللغوية في قوله تعالى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾ فإنها ليست من الحقيقة المماتة كما لا يخفى.\nومن المعلوم في الأصول أن العرفية تسمى حقيقة عرفية ومجازًا لغويًّا، وأن اللغوية تسمى عندهم حقيقة لغوية ومجازًا عرفيًّا.\nوقد قدمنا مرارًا أنا أوضحنا أن القرآن الكريم لا مجاز فيه على التحقيق، في رسالتنا المسماة \"منع جواز المجاز، في المنزل للتعبد والإِعجاز\".\nفاتضح مما ذكرنا كله أن آية الزخرف هذه تبينها آية النساء المذكورة، وأن عيسى لم يمت، وأنه ينزل في آخر الزمان، وإنما قلنا: إن قوله تعالى هنا: ﴿وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ﴾ أي علامة ودليل على قرب مجيئها؛ لأن وقت مجيئها بالفعل لا يعلمه إلا الله.\nوقد قدمنا الآيات الدالة على ذلك مرارًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا تَمْتَرُنَّ بِهَا﴾ أي لا تشكن في قيام الساعة فإنه لا شك فيه.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة له مرارًا كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، وقوله: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾، وقوله: ﴿لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقوله: ﴿فَكَيفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":293},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1820> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (٦٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة مرارًا، كقوله: ﴿إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1821> قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾</span>.\nقوله هنا: ﴿ظَلَمُوا﴾ أي كفروا، بدليل قوله في مريم، في القصة بعينها: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾.\nوقوله: ﴿مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٣٧)﴾ يوضحه قوله هنا: ﴿مِنْ عَذَابِ يَوْمٍ أَلِيمٍ (٦٥)﴾.\nوقد قدمنا مرارًا الآيات الدالة على إطلاق الظلم على الكفر، كقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وقوله: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ أي بشرك، كما فسره به النبي - ﷺ - في الحديث الثابت في صحيح البخاري.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1822> قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾</span>.\nالاستفهام بِـ (هل) هنا بمعنى النفي، و(ينظرون) بمعنى ينتظرون، أي ما ينتظر الكفار إلا الساعة، أي القيامة، (أن تأتيهم بغتة) أي في حال كونها مباغتة لهم، أي مفاجئة لهم، (وهم","vol":"7","page":294},{"text":"لا يشعرون) أي بمفاجأتها في حال غفلتهم وعدم شعورهم بمجيئها.\nوالظاهر أن المصدر المنسبك من أن وصلتها في قوله: ﴿أَنْ تَأْتِيَهُمْ﴾ في محل نصب، على أنه بدل اشتمال من (الساعة)، وكون (ينظرون) بمعنى ينتظرون، معروف في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس:\nفإنكما إن تنظراني ساعة ... من الدهر تنفعني لدى أم جندب\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن الساعة تأتيهم بغتة، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إلا بَغْتَةً﴾، وقوله تعالى في الققال: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَنْظُرُونَ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية.\nفالمراد بالصيحة: القيامة.\nوقوله: ﴿وَهُمْ يَخِصِّمُونَ (٤٩) فَلَا يَسْتَطِيعُونَ تَوْصِيَةً﴾ الآية، يدل على أنها تأتيهم وهم في غفلة وعدم شعور بإتيانها. إلى غير ذلك من الآيات، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1823> قوله تعالى: ﴿يَاعِبَادِ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمُ الْيَوْمَ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٦٨) الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة بعض صفات الذين ينتفي عنهم الخوف والحزن يوم القيامة.\nفذكر منها هنا الإِيمان بآيات الله والإِسلام، وذكر بعضًا منها في غير هذا الموضع.","vol":"7","page":295},{"text":"فمن ذلك: الإيمان والتقوى، وذلك في قوله تعالى في سورة يونس: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾.\nومن ذلك الاستقامة، وقولهم: ربنا الله، وذلك في قوله في فصلت: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا﴾ الآية، وقوله تعالى في الأحقاف: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالخوف في لغة العرب: الغم من أمر مستقبل. والحزن: الغم من أمر ماض. وربما استعمل كل منهما في موضع الآخر.\nوإطلاق الخوف على العلم أسلوب عربي معروف.\nقال بعض العلماء: ومنه قوله تعالى ﴿إلا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ﴾. قال معناه: إلا أن يعلما.\nومنه قول أبي محجن الثقفي:\nإذا مت فادفني إلى جنب كرمة ... تروي عظامي في الممات عروقها\nولا تدفنني في الفلاة فإنني ... أخاف إذا ما مت ألا أذوقها\nفقوله: (أخاف) أي أعلم؛ لأنه لا يشك في أنه لا يشربها بعد موته.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا مُسْلِمِينَ (٦٩)﴾ ظاهره المغايرة بين الإِيمان والإِسلام.\nوقد دل بعض الآيات على اتحادهما، كقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.","vol":"7","page":296},{"text":"ولا منافاة في ذلك، فإن الإيمان يطلق تارةً على جميع ما يطلق عليه الإِسلام من الاعتقاد والعمل، كما ثبت في الصحيح في حديث وفد عبد القيس، والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًّا.\nومن أصرحها في ذلك قوله  -  ﷺ  -: \"الإيمان بضع وسبعون\"، وفي بعض الروايات الثابتة في الصحيح: \"وستون شعبة، أعلاها شهادة ألا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق\".\nفقد سمى  -  ﷺ  -  \"إماطة الأذى عن الطريق\" إيمانًا.\nوقد أطال البيهقي ﵀ في \"شعب الإِيمان\" في ذكر الأعمال التي جاء الكتاب والسنة بتسميتها إيمانًا.\nفالإِيمان الشرعي التام والإِسلام الشرعي التام معناهما واحد.\nوقد يطلق الإِيمان إطلاقًا آخر على خصوص ركنه الأكبر الذي هو الإيمان بالقلب، كما في حديث جبريل الثابت في الصحيح.\nوالقلب مضغة في الجسد إذا صلحت صلح الجسد كله، فغيره تابع له. وعلى هذا تحصل المغايرة في الجملة بين الإِيمان والإِسلام.\nفالإِيمان، على هذا الإِطلاق اعتقاد، والإِسلام شامل للعمل.\nواعلم أن مغايرته تعالى بين الإِيمان والإِسلام في قوله تعالى:","vol":"7","page":297},{"text":"﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.\nقال بعض العلماء: المراد بالإِيمان هنا، معناه الشرعي، والمراد بالإِسلام معناه اللغوي؛ لأن إذعان الجوارح وانقيادها دون إيمان القلب إسلام لغةً لا شرعًا.\nوقال بعض العلماء: المراد بكل منهما معناه الشرعي، ولكن نفي الإِيمان في قوله: (ولما يدخل الإِيمان) يراد به عند من قال هذا نفي كمال الإِيمان لا نفي أصله، ولكن ظاهر الآية لا يساعد على هذا؛ لأن قوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ﴾ فعل في سياق النفي، وهو صيغة عموم على التحقيق، وإن لم يؤكد بمصدر، ووجهه واضح جدًّا، كما قدمناه مرارًا، وهو أن الفعل الصناعي ينحل عن مصدر وزمن عند النحويين، وعن مصدر وزمن ونسبة عند البلاغيين، كما حرروه في مبحث الاستعارة التبعية، وهو أصوب.\nفالمصدر كامن في مفهوم الفعل الصناعي إجماعًا، وهو نكرة لم تتعرف بشيء، فيئول إلى معنى النكرة في سياق النفي.\nوقد أشار صاحب مراقي السعود إلى أن الفعل في سياق النفي أو الشرط من صيغ العموم بقوله:\nونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا\nووجه إهمال (لا) في هذه الآية في قوله تعالى: ﴿لَا خَوْفٌ﴾ أن (لا) الثانية التي هي ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾ بعدها معرفة وهي الضمير، وهي لا تعمل في المعارف، بل في النكرات، فلما وجب","vol":"7","page":298},{"text":"إهمال الثانية أهملت الأولى؛ لينسجم الحرفان بعضهما مع بعض في إهمالهما معًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1824> قوله تعالى: ﴿ادْخُلُوا الْجَنَّةَ أَنْتُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية: ﴿وَأَزْوَاجُكُمْ﴾ فيه لعلماء التفسير وجهان:\nأحدهما: أن المراد بأزواجهم نظراؤهم وأشباههم في الطاعة وتقوى الله. واقتصر على هذا القول ابن كثير.\nوالثاني: أن المراد بأزواجهم، نساؤهم في الجنة، لأن هذا الأخير أبلغ في التنعم والتلذذ من الأول، ولذا يكثر في القرآن ذكر إكرام أهل الجنة بكونهم مع نسائهم، دون الامتنان عليهم بكونهم مع نظرائهم وأشباههم في الطاعة.\nقال تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ (٥٥) هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾، وقال كثير من أهل العلم: إن المراد بالشغل المذكور في الآية، هو افتضاض الأبكار، وقال تعالى: ﴿وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ (٥٤)﴾، وقال تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾، وقال تعالى: ﴿فِيهِنَّ خَيرَاتٌ حِسَانٌ (٧٠)﴾، إلى قوله: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾، وقال: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا: أن مفرد الأزواج زوج، بلا هاء، وأن الزوجة بالتاء لغة لا لحن، خلافًا لمن زعم أن الزوجة لحن من لحن الفقهاء وأن ذلك لا أصل له في اللغة.","vol":"7","page":299},{"text":"والحق أن ذلك لغة عربية، ومنه قول الفرزدق:\nوإن الذي يسعى ليفسد زوجتي ... كساع إلى أسد الشرى يستبيلها\nوقول الحماسي:\nفبكى بناتي شجوهن وزوجتي ... والظاعنون إليَّ ثم تصدعوا\nوفي صحيح مسلم من حديث أنس أن النبي - ﷺ - قال في صفية: \"إنها زوجتي\".\nوقوله: ﴿تُحْبَرُونَ (٧٠)﴾ أقوال العلماء فيه راجعة إلى شيء واحد، وهو أنهم يكرمون بأعظم أنواع الإِكرام وأتمها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1825> قوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وجميع الآيات التي فيها الإِنعام على أهل الجنة بأواني الذهب والفضة، والتحلي بهما، ولبس الحرير، ومنه السندس والإِستبرق، في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1826> قوله تعالى: ﴿وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن في الجنة كل ما تشتهيه الأنفس، وتلذ الأعين، أي تلتذ به الأعين، أي برؤيته لحسنه، كما قال تعالى: ﴿صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩)﴾.\nوأسند اللذة إلى العين، وهي في الحقيقة مسندة لصاحب العين، كإسناد الكذب والخطيئة إلى الناصية، وهي مقدم شعر الرأس، في قوله تعالى: ﴿نَاصِيَةٍ كَاذِبَةٍ خَاطِئَةٍ (١٦)﴾، وكإسناد الخشوع والعمل والنصب إلى الوجوه، في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ","vol":"7","page":300},{"text":"يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (٢) عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ (٣)﴾ الآية.\nومعلوم أن الكذب والخطيئة مسندان في الحقيقة لصاحب الناصية، كما أن الخشوع والعمل والنصب مسندات إلى أصحاب الوجوه.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الجنة فيها كل مشتهى، وكل مستلذ، جاء مبسوطًا موضحة أنواعه في آيات كثيرة من كتاب الله، وجاء مجملًا أيضًا إجمالًا شاملًا لكل شيء من النعيم.\nأما إجمال ذلك، ففي قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nوأما بسط ذلك وتفصيله، فقد بين القرآن أن من ذلك النعيم المذكور في الآية: المشارب والمآكل، والمناكح، والفرش والسرر، والأواني، وأنواع الحلي والملابس، والخدم، إلى غير ذلك، وسنذكر بعض الآيات الدالة على كل شيء من ذلك.\nأما المآكل، فقد قال تعالى: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ مِنْهَا تَأْكُلُونَ (٧٣)﴾، وقال: ﴿وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾، وقال تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾، وقال تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nأما المشارب، فقد قال تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا (٥) عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا (١٧) عَينًا فِيهَا تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا (١٨)﴾","vol":"7","page":301},{"text":"الآية، وقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقال تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الملابس والأواني والحلي، فقد قدمنا الكلام عليها مستوفى في سورة النحل.\nوأما المناكح فقد قدمنا بعض الآيات الدالة عليها قريبًا، وهي كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآية. ويكفي ما قدمنا من ذلك قريبًا.\nوأما ما يتكئون عليه من الفرش والسرر ونحو ذلك، ففيه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾، والسرر الموضونة هي المنسوجة بقضبان الذهب، وقوله تعالى: ﴿إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى رَفْرَفٍ خُضْرٍ وَعَبْقَرِيٍّ حِسَانٍ (٧٦)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما خدمهم، فقد قال تعالى في ذلك: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾ الآية، وقال تعالى في سورة الإنسان في صفة هؤلاء الغلمان: ﴿إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾.","vol":"7","page":302},{"text":"وذكر نعيم أهل الجنة بأبلغ صيغة في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيتَ ثَمَّ رَأَيتَ نَعِيمًا وَمُلْكًا كَبِيرًا (٢٠)﴾.\nوالآيات الدالة على أنواع نعيم الجنة وحسنها وكمالها، كالظلال والعيون والأنهار وغير ذلك، كثيرة جدًّا، ولنكتف منها بما ذكرنا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٧١)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة لأن خلودهم المذكور لا انقطاع له البتة، كقوله تعالى: ﴿عَطَاءً غَيرَ مَجْذُوذٍ﴾ أي غير مقطوع، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَرِزْقُنَا مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1827> قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على هذه الآية الكريمة، ونحوها من الآيات الدالة على أن العمل سبب لدخول الجنة، كقوله تعالى: ﴿وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٧)﴾.\nوبينا أقرب أوجه الجمع بين هذه الآيات الكريمة وما بمعناها، مع قوله - ﷺ -: \"لن يدخل أحدكم عيله الجنة، قالوا: ولا أنت يا رسول الله، قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمة منه وفضل\".\nوذكرنا في ذلك أن العمل الذي بينت الآيات كونه سببَ دخولِ الجنة هو العمل الذي تقبله الله برحمة منه وفضل، وأن العمل الذي لا يدخل الجنة هو الذي لم يتقبله الله، والله يقول: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (٢٧)﴾.","vol":"7","page":303},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1828> قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾</span>.\nاللام في قوله: ﴿لِيَقْضِ﴾ لام الدعاء.\nوالظاهر أن المعنى: أن مرادهم بذلك سؤال مالك خازن النار، أن يدعو الله لهم بالموت.\nوالدليل على ذلك أمران:\nالأول: أنهم لو أرادوا دعاء الله بأنفسهم أن يميتهم لما نادوا: (يا مالك) ولما خاطبوه في قولهم: ﴿رَبُّكَ﴾.\nوالثاني: أن الله بين في سورة المؤمن أن أهل النار يطلبون خزنة النار أن يدعوا الله لهم ليخفف عنهم العذاب، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (٤٩)﴾.\nوقوله: ﴿لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ﴾ أي ليمتنا فنستريح بالموت من العذاب. ونظيره قوله تعالى: ﴿فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيهِ﴾ أي أماته.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ دليل على أنهم لا يجابون إلى الموت، بل يمكثون في النار معذبين إلى غير نهاية.\nوقد دل القرآن العظيم على أنهم لا يموتون فيها فيستريحوا بالموت، ولا تغني هي عنهم، ولا يخفف عنهم عذابها، ولا يخرجون منها.\nأما كونهم لا يموتون فيها الذي دل عليه قوله هنا: ﴿قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾ فقد دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنَّهُ","vol":"7","page":304},{"text":"مَنْ يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى (١١) الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى (١٢) ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لَا يُقْضَى عَلَيهِمْ فَيَمُوتُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ﴾ الآية.\nوأما كون النار لا تغني عنهم، فقد بينه تعالى بقوله: ﴿كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيرًا (٩٧)﴾، فمن يدعي أن للنار خبوة نهائية وفناء رد عليه بهذه الآية الكريمة.\nوأما كون العذاب لا يخفف عنه، فقد دلت عليه آيات كثيرة جدًّا، كقوله: ﴿وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَنْ نَزِيدَكُمْ إلا عَذَابًا (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا (٦٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا (٧٧)﴾ على الأصح في الأخيرين.\nوأما كونهم لا يخرجون منها، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)﴾، وقوله تعالى في المائدة: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ (٣٧)﴾، وقوله تعالى في الحج: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا مِنْ غَمٍّ أُعِيدُوا فِيهَا﴾ الآية، وقوله تعالى في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا﴾، وقوله تعالى في الجاثية: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أوضحنا هذا المبحث إيضاحًا شافيًا في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة الأنعام في الكلام على","vol":"7","page":305},{"text":"قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾، وفي سورة النبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَابِثِينَ فِيهَا أَحْقَابًا (٢٣)﴾، وسنوضحه أيضًا إن شاء الله في هذا الكتاب المبارك في الكلام على آية النبأ المذكورة، ونوضح هناك إن شاء الله إزالة إشكال يورده الملحدون على الآيات التي فيها إيضاح هذا المبحث.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1829> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ (٧٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1830> قوله تعالى: ﴿بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾، وأكثرنا من الآيات الموضحة لذلك في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1831> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾</span>.\nاختلف العلماء في معنى ﴿إِنْ﴾ في هذه الآية.\nفقالت جماعة من أهل العلم: إنها شرطية، واختاره غير واحد، وممن اختاره ابن جرير الطبري.\nوالذين قالوا إنها شرطية، اختلفوا في المراد بقوله: (فأنا أول العابدين).","vol":"7","page":306},{"text":"فقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لذلك الولد.\nوقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لله على فرض أن له ولدًا.\nوقال بعضهم: (فأنا أول العابدين) لله، جازمين بأنه لا يمكن أن يكون له ولد.\nوقالت جماعة آخرون: إن لفظة ﴿إِنْ﴾ في الآية نافية، والمعنى: ما كان لله ولد.\nوعلى القول بأنها نافية ففي معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ ثلاثة أوجه:\nالأول، وهو أقربها: أن المعنى: ما كان لله ولد، فأنا أول العابدين لله، المنزهين له عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.\nوالثاني: أن معنى قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾: أي الآنفين المستنكفين من ذلك، يعني القول الباطل المفترى على ربنا، الذي هو ادعاء الولد له.\nوالعرب تقول: عَبِدَ، بكسر الباء، يَعْبَد، بفتحها، فهو عَبِد، بفتح فكسر، على القياس، وعابد أيضًا، سماعًا، إذا اشتدت أنفته واستنكافه وغضبه، ومنه قول الفرزدق:\nأولئك قومي إن هجوني هجوتهم ... وأَعْبَدُ أن أهجو كليبًا بدارم\nفقوله: \"وأَعْبَدُ\" يعني آنف وأستنكف.\nومنه أيضًا قول الآخر:\nمتى ما يشأ ذو الود يصرم خليله ... وَيَعْبَدْ عليه لا محالة ظالما\nوفي قصة عثمان بن عفان ﵁ المشهورة: أنه جيء","vol":"7","page":307},{"text":"بامرأة من جهينة تزوجت، فولدت لستة أشهر، فبعث بها عثمان لِتُرجَم، اعتقادًا منه أنها كانت حاملًا قبل العقد، لولادتها قبل تسعة أشهر، فقال له علي ﵄: إن الله يقول: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾، ويقول جل وعلا: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَينِ﴾ فلم يبق عن الفصال من المدة إلا ستة أشهر.\nفما عبد عثمان ﵁ أن بعث إليها لِتُرَدَّ ولا ترجم.\nومحل الشاهد من القصة: \"فوالله ما عبد عثمان\"، أي ما أنف ولا استنكف من الرجوع إلى الحق.\nالوجه الثالث: أن المعنى ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ أي الجاحدين النافين أن يكون لله ولد، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له:\nالذي يظهر لي في معنى هذه الآية الكريمة: أنه يتعين المصير إلى القول بأن (إن) نافية، وأن القول بكونها شرطية لا يمكن أن يصح له معنى بحسب وضع اللغة العربية التي نزل بها القرآن، وإن قال به جماعة من أجلاء العلماء.\nوإنما اخترنا أن ﴿إِنْ﴾ هي النافية لا الشرطية، وقلنا إن المصير إلى ذلك متعين في نظرنا؛ لأربعة أمور:\nالأول: أن هذا القول جار على الأسلوب العربي، جريانًا واضحًا لا إشكال فيه، فكون (إن كان) بمعنى ما كان، كثير في القرآن وفي كلام العرب، كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَتْ إلا صَيحَةً وَاحِدَةً﴾ أي ما كانت إلا صيحة واحدة.\nفقولك مثلًا: معنى الآية الكريمة: ما كان لله ولد، فأنا أول العابدين الخاضعين للعظيم الأعظم المنزه عن الولد، أو الآنفين","vol":"7","page":308},{"text":"المستنكفين من أن يوصف ربنا بما لا يليق بكماله وجلاله من نسبة الولد إليه، أو الجاحدين النافين أن يكون لربنا ولد، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا = لا إشكال فيه؛ لأنه جار على اللغة العربية التي نزل بها القرآن، دال على تنزيه الله تنزيهًا تامًّا عن الولد، من غير إيهامٍ البتة لخلاف ذلك.\nالأمر الثاني: أن تنزيه الله عن الولد، بالعبارات التي لا إيهام فيها، هو الذي جاءت به الآيات الكثيرة في القرآن، كما قدمنا إيضاحه في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُنْذِرَ الَّذِينَ قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا (٤)﴾ الآية، وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا (٨٨) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيئًا إِدًّا (٨٩)﴾، والآيات الكثيرة التي ذكرناها في ذلك تبين أن ﴿إِنْ﴾ نافية.\nفالنفي الصريح الذي لا نزاع فيه يبين أن المراد في محل النزاع النفي الصريح.\nوخير ما يفسر به القرآن القرآن، فكون المعبَّر في الآية: ما كان للرحمن ولد، بصيغة النفي الصريِح، مطابق لقوله تعالى في آخر سورة بني إسرائيل: ﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾ الآية، وقوله تعالى في أول الفرقان: ﴿وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ الآية، وقوله تعالى؛ ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ مِنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ (١٥١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما على القول بأن (إن) شرطية، وأن قوله تعالى: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ","vol":"7","page":309},{"text":"الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ جزاء لذلك الشرط، فإن ذلك لا نظير له البتة في كتاب الله، ولا توجد فيه آية تدل على مثل هذا المعنى.\nالأمر الثالث: هو أن القول بأن ﴿إِنْ﴾ شرطية لا يمكن أن يصح له معنى في اللغة العربية، إلا معنى محذور لا يجوز القول به بحال، وكتاب الله جل وعلا يجب تنزيهه عن حمله على معان محذورة لا يجوز القول بها.\nوإيضاح هذا أنه على القول بأن ﴿إِنْ﴾ شرطية، وقوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ جزاء الشرط، لا معنى لصدقه البتة إلا بصحة الربط بين الشرط والجزاء.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه أن مدار الصدق والكذب في الشرطية المتصلة، منصب على صحة الربط بين مقدمها الذي هو الشرط وتاليها الذي هو الجزاء، والبرهان القاطع على صحة هذا هو كون الشرطية المتصلة تكون في غاية الصدق مع كذب طرفيها معًا أو أحدهما، لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها، فمثال كذبهما معًا مع صدقها قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ فهذه قضية في غاية الصدق كما ترى، مع أنها لو أزيلت أداة الربط بين طرفيها كان كل واحد من طرفيها قضية كاذبة بلا شك، ونعني بأداة الربط لفظة (لو) من الطرف الأول، واللام من الطرف الثاني، فإنهما لو أزيلا وحذفا صار الطرف الأول: (كان فيهما آلهة إلا الله)، وهذه قضية في منتهى الكذب، وصار الطرف الثاني: (فسدتا) أي السماوات والأرض، وهذه قضية في غاية الكذب كما ترى.\nفاتضح بهذا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على","vol":"7","page":310},{"text":"صحة الربط بين الطرفين وعدم صحته، فإن كان الربط صحيحًا فهي صادقة ولو كذب طرفاها أو أحدهما عند إزالة الربط، وإن كان الربط بينهما كاذبًا كانت كاذبة، كما لو قلت: لو كان هذا إنسانًا لكان حجرًا، فكذب الربط بينهما وكذب القضية بسببه كلاهما واضح.\nوأمثلة صدق الشرطية مع كذب طرفيها كثيرة جدًّا، كالآية التي ذكرنا، وكقولك: لو كان الإِنسان حجرًا لكان جمادًا، ولو كان الفرس ياقوتًا لكان حجرًا، فكل هذه القضايا ونحوها صادقة مع كذب طرفيها لو أزيلت أداة الربط.\nومثال صدقها مع كذب أحدهما قولك: لو كان زيد في السماء ما نجا من الموت، فإنها شرطية صادقة لصدق الربط بين طرفيها، مع أنها كاذبة أحد الطرفين دون الآخر، لأن عدم النجاة من الموت صدق، وكون زيد في السماء كذب. هكذا مثل بهذا المثال البناني، وفيه عندي أن هذه الشرطية التي مثل بها اتفاقية لا لزومية، ولا دخل للاتفاقيات في هذا البحث، والمثال الصحيح: لو كان الإِنسان حجرًا لكان جسمًا.\nواعلم أن قومًا زعموا أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات منصب على خصوص التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك، وزعموا أن هذا المعنى هو المراد عند أهل اللسان العربي.\nوالتحقيق الأول، ولم يقل أحد البتة بقول ثالث في مدار الصدق والكذب في الشرطيات.","vol":"7","page":311},{"text":"فإذا حققت هذا، فاعلم أن الآية الكريمة على القول بأنها جملة شرط وجزاء، لا يصح الربط بين طرفيها البتة بحال، على واحد من القولين اللذين لا ثالث لهما، إلا على وجه محذور لا يصح القول به بحال.\nوإيضاح ذلك: أنه على القول الأخير، أن مصب الصدق والكذب في الشرطيات إنما هو التالي الذي هو الجزاء، وأن المقدم الذي هو الشرط قيد في ذلك، فمعنى الآية عليه باطل، بل هو كفر، لأن معناه أن كونه أول العابدين يشترط فيه أن يكون للرحمن ولد، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا؛ لأن مفهوم الشرط أنه إن لم يكن له ولد لم يكن أول العابدين، وفساد هذا المعنى كما ترى.\nوأما على القول الأول الذي هو الصحيح، أن مدار الصدق والكذب في الشرطيات على صحة الربط بين طرفي الشرطية، فإنه على القول بأن الآية الكريمة جملة شرط وجزاء، لا يصح الربط بين طرفيها البتة أيضًا إلا على وجه محذور لا يجوز المصير إليه بحال، لأن كون المعبود ذا ولد، واستحقاقه هو أو ولده العبادة، لا يصح الربط بينهما البتة إلا على معنى هو كفر بالله؛ لأن المستحق للعبادة لا يعقل بحال أن يكون ولدًا أو والدًا.\nوبه تعلم أن الشرط المزعوم في قوله: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ إنما يعلق به محال، لاستحالة كون الرحمن ذا ولد، ومعلوم أن المحال لا يعلق عليه إلا المحال.\nفتعليق عبادة الله التي هي أصل الدين على كونه ذا ولد ظهور","vol":"7","page":312},{"text":"فساده كما ترى، وإنما تصدد، الشرطية في مثل هذا لو كان المعلق عليه مستحيلًا، فادعاء أن ﴿إِنْ﴾ هو في الآية شرطية مثل ما لو قيل: لو كان معه آلهة لكنت أول العابدين له، وهذا لا يصدق بحال؛ لأن واحدًا من آلهة متعددة لا يمكن أن يعبد، فالربط بين طرفيها مثل هذه القضية لا يصح بحال.\nويتضح لك ذلك بمعنى قوله: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذًا لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلَا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية.\nفإن قوله (إذًا) أي لو كان معه غيره من الآلهة، لذهب كل واحد منهم بما خلق واستقل به، وغَالبَ بعضُهم بعضًا، ولم ينتظم للسماوات والأرض نظام، ولفسد كل شيء، كما قال تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢)﴾ على الصحيح الذي هو الحق من التفسيرين.\nومعنى ابتغائهم إليه تعالى سبيلًا هو طلبهم طريقًا إلى مغالبته، كما يفعله بعض الملوك مع بعضهم.\nوالحاصل: أن الشرط إن علق به مستحيل فلا يمكن أن يصح الربط بينه وبين الجزاء، إلا إذا كان الجزاء مستحيلًا أيضًا؛ لأن الشرط المستحيل لا يمكن أن يوجد به إلا الجزاء المستحيل.\nأما كون الشرط مستحيلًا والجزاء هو أساس الدين وعماد الأمر؛ فهذا مما لا يصح بحال، ومن ذهب إليه من أهل العلم والدين لا شك في غلطه.","vol":"7","page":313},{"text":"ولا شك في أن كل شرطية صدقت مع بطلان مقدمها الذي هو الشرط وصحة تاليها الذي هو الجزاء، لا يصح التمثيل بها لهذه الآية بوجه من الوجوه، وأن ما ظنه الفخر الرازي من صحة التمثيل لها بذلك غلط فاحش منه بلا شك.\nوإيضاح ذلك: أن كل شرطية كاذبة الشرط صادقة الجزاء عند إزالة الربط، لا بد أن يكون موجب ذلك فيها أحد أمرين لا ثالث لهما البتة، وكلاهما يكون الصدق به من أجل أمر خاص لا يمكن وجود مثله في الآية الكريمة التي نحن بصددها، بل هو مناقض لمعنى الآية، والاستدلال بوجود أحد المتناقضين على وجود الآخر ضروري البطلان.\nونعني بأول الأمرين المذكورين كون الشرطية اتفاقية لا لزومية أصلًا، وبالثاني منهما كون الصدق المذكور من أجل خصوص المادة.\nومعلوم أن الصدق من أجل خصوص المادة لا عبرة به في العقليات، وأنه في حكم الكذب لعدم اضطراده؛ لأنه يصدق في مادة ويكذب في أخرى، والمعتبر إنما هو الصدق اللازم المضطرد، الذي لا يختلف باختلاف المادة بحال.\nولا شك أن كل قضية شرطها محال لا يضطرد صدقها إلا إذا كان جزاؤها محالًا خاصة.\nفإن وجدت قضية باطلة الشرط صحيحة الجزاء، فلا بدَّ أن يكون ذلك لكونها اتفاقية أو لأجل خصوص المادة فقط.","vol":"7","page":314},{"text":"فمثال وقوع ذلك لكونها اتفاقية قولك: إن كان زيد في السماء لم ينج من الموت.\nفالشرط الذي هو كونه في السماء باطل، والجزاء الذي هو كونه لم ينج من الموت صحيح.\nوإنما صح هذا لكون هذه الشرطية اتفاقية.\nومعلوم أن الاتفاقية لا علاقة بين طرفيها أصلًا، فلا يقتضي ثبوت أحدهما ولا نفيه ثبوت الآخر ولا نفيه، فلا ارتباط بين طرفيها في المعنى أصلًا وإنما هو في اللفظ فقط.\nفكون زيد في السماء لا علاقة له بعدم نجاته من الموت أصلًا، ولا ارتباط بينهما إلا في اللفظ.\nفهو كقولك: إن كان الإنسان ناطقًا فالفرس صاهل.\nوقد قدمنا إيضاح الفرق بين الشرطية اللزومية والشرطية الاتفاقية في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدَى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذًا أَبَدًا (٥٧)﴾ فراجعه.\nومعلوم أن قوله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ لم يقل أحد إنها شرطية اتفاقية، ولم يدع أحد أنها لا علاقة بين طرفيها أصلًا.\nومثال وقوع ذلك لأجل خصوص المادة فقط، ما مثل به الفخر الرازي لهذه الآية الكريمة، مع عدم انتباهه لشدة المنافاة بين الآية الكريمة وبين ما مثل لها به، فإنه لما قال: إن الشرط الذي هو: ﴿إِنْ","vol":"7","page":315},{"text":"كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ باطل، والجزاء الذي هو: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ صحيح، مثل لذلك بقوله: إن كان الإِنسان حجرًا فهو جسم، يعني أن قوله: إن كان الإنسان حجرًا، شرط باطل، فهو كقوله تعالى: ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، فكون الإِنسان حجرًا وكون الرحمن ذا ولد كلاهما شرط باطل.\nفلما صح الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإنسان حجرًا فهو جسم، دل ذلك على أن الجزاء الصحيح في قوله: ﴿فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ يصح ترتيبه على الشرط الباطل الذي هو ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾.\nوهذا غلط فاحش جدًّا، وتسوية بين المتنافيين غاية المنافاة؛ لأن الجزاء المرتب على الشرط الباطل في قوله: إن كان الإِنسان حجرًا فهو جسم، إنما صدق لأجل خصوص المادة لا لمعنى اقتضاه الربط البتة.\nوإيضاح ذلك: أن النسبة بين الجسم والحجر، والنسبة بين الإِنسان والجسم، هي العموم والخصوص المطلق في كليهما.\nفالجسم أعم مطلقًا من الحجر، والحجر أخص مطلقًا من الجسم، كما أن الجسم أعم من الإِنسان أيضًا عمومًا مطلقًا، والإِنسان أخص من الجسم أيضًا خصوصًا مطلقًا، فالجسم جنس قريب للحجر، وجنس بعيد للإِنسان، وإن شئت قلت: جنس متوسط له.\nوإيضاح ذلك أن تقول في التقسيم الأول:","vol":"7","page":316},{"text":"الجسم إما نام، أي يكبر تدريجًا، أو غير نام، فغير النامي كالحجر مثلًا.\nثم تقسم النامي تقسيمًا ثانيًا فتقول:\nالنامي إما حساس أو غير حساس، فغير الحساس منه كالنبات.\nثم تقسم الحساس تقسيمًا ثالثًا فتقول:\nالحساس إما ناطق أو غير ناطق، والناطق منه هو الإِنسان.\nفاتضح أن كلًّا من الإنسان والحجر يدخل في عموم الجسم، والحكم بالأعم على الأَخص صادق في الإِيجاب بلا نزاع ولا تفصيل.\nفقولك: \"الإِنسان جسم\" صادق في كل تركيب، ولا يمكن أن يكذب بوجه، وذلك للملابسة الخاصة بينهما من كون الجسم جنسًا للإِنسان، وكون الإِنسان فردًا من أفراد أنواع الجسم، فلأجل خصوص هذه الملابسة بينهما كان الحكم على الإِنسان بأنه جسم صادقًا على كل حال، سواء كان الحكم بذلك غير معلق على شيء، أو كان معلقًا على باطل أو حق.\nفالاستدلال بصدق هذا المثال على صدق الربط بين الشرط والجزاء في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ بطلانُه كالشمس في رابعة النهار، والعجب كل العجب من عاقل يقوله؛ لأن المثال المذكور إنما صدق لأن الإِنسان يشمله مسمى الجسم، أما من كان له ولد فالنسبة بينه وبين المعبود الحق هي تباين","vol":"7","page":317},{"text":"المقابلة؛ لأن المقابلة بين المعبود بحق وبين والد أو ولد هي المقابلة بين الشيء ومساوي نقيضه؛ لأن من يولد أو يولد له لا يمكن أن يكون معبودًا بحق بحال.\nوإيضاح المنافاة بين الأمرين أنك لو قلت: الإِنسان جسم، لقلت الحق، ولو قلت: المولود له معبود، أو المولود معبود، قلت الباطل الذي هو الكفر البواح.\nومما يوضح ما ذكرنا إجماع جميع النظار على أنه إن كانت إحدى مقدمتي الدليل باطلة، وكانت النتيجة صحيحة، أن ذلك لا يكون إلا لأجل خصوص المادة فقط، وأن ذلك الصدق لا عبرة به، فحكمه حكم الكذب، ولا يعتبر إلا الصدق اللازم المضطرد في جميع الأحوال.\nفلو قلت مثلًا: كل إنسان حجر، وكل حجر جسم؛ لأنتج من الشكل الأول: كل إنسان جسم، وهذه النتيجة في غاية الصدق كما ترى، مع أن المقدمة الصغرى من الدليل التي هي قولك: كل إنسان حجر، في غاية الكذب كما ترى.\nوإنما صدقت النتيجة لخصوص المادة كما أوضحنا، ولولا ذلك لكانت كاذبة، لأن النتيجة لازم الدليل، والحق لا يكون لازمًا للباطل، فإن وقع شيء من ذلك فلخصوص المادة كما أوضحنا.\nوبهذا التحقيق تعلم أن الشرط الباطل لا يلزم وتطرد صحة ربطه إلا بجزاء باطل مثله.\nوما يظنه بعض أهل العلم من أن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ","vol":"7","page":318},{"text":"مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ فهو غلط فاحش، والفرق بين معنى الآيتين شاسع، فَظَنُّ استوائها في المعنى باطل.\nوإيضاح ذلك: أن قوله تعالى ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ الآية، معناه المقصود منه جار على الأسلوب العربي، ولا إيهام فيه؛ لأنا أوضحنا سابقًا أن مدار صدق الشرطية على صحة الربط بين شرطها وجزائها، فهي صادقة ولو كذب طرفاها عند إزالة الربط كما تقدم إيضاحه قريبًا.\nفربط قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ بقوله: ﴿فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ﴾ صحيح لا إشكال فيه؛ لأن الشاك في الأمر شأنه أن يسأل العالم به عنه كما لا يخفى، فهي قضية صادقة، مع أن شرطها وجزاءها كلاهما باطل بانفراده، فهي كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، فهي شرطية صادقة لصحة الربط بين طرفيها، وإن كان الطرفان باطلين عند إزالة الربط.\nأما قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ على القول بأن (إن) شرطية لا تمكن صحة الربط بين شرطها وجزائها البتة؛ لأن الربط بين المعبود وبين كونه والدًا أو ولدًا لا يصح بحال.\nولذا جاء عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب\"، فنفى الطرفين مع أن الربط صحيح، ولا يمكن أن ينفي  -  ﷺ  -  هو ولا غيره الطرفين في الآية الأخرى، فلا يقول هو ولا غيره: ليس له ولد ولا أعبده.\nوعلى كل حال، فالربط بين الشك وسؤال الشاك للعالم أمر","vol":"7","page":319},{"text":"صحيح، بخلاف الربط بين العبادة وكون المعبود والدًا أو ولدًا فلا يصح.\nفاتضح الفرق بين الآيتين.\nوحديثُ: \"لا أشك ولا أسأل أهل الكتاب\" رواه قتادة بن دعامة مرسلًا، وبنحوه قال بعض الصحابة، فمن بعدهم، ومعناه صحيح بلا شك.\nوما قاله الزمخشري في تفسير هذه الآية الكريمة يستغربه كل من رآه، لقبحه وشناعته، ولم أعلم أحدًا من الكفار في ما قص الله في كتابه عنهم يتجرأ على مثله أو قريب منه، وهذا مع عدم فهمه لما يقول وتناقض كلامه.\nوسنذكر هنا كلامه القبيح، للتنبيه على شناعة غلطه الديني واللغوي.\nقال في الكشاف ما نصه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ وصح ذلك وثبت ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها، فأنا أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه.\nوهذا كلام وارد على سبيل الفرض والتمثيل لغرض، وهو المبالغة في نفي الولد والإِطناب فيه، وألا يترك للناطق به شبهة إلا مضمحلة، مع الترجمة عن نفسه بإثبات القدم في باب التوحيد، وذلك أنه علق العبادة بكينونة الولد وهي محال في نفسها، فكان المعلق بها محالًا مثلها، فهو في صورة إثبات الكينونة والعبادة، وفي معنى نفيهما على أبلغ الوجوه وأقواها.","vol":"7","page":320},{"text":"ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا فأنا أول من يقول: هو شيطان وليس بإله.\nفمعنى هذا الكلام وما وضع له أسلوبه ونظمه نفي أن يكون الله تعالى خالقًا للكفر، وتنزيهه عن ذلك وتقديسه، ولكن على طريق المبالغة فيه من الوجه الذي ذكرنا، مع الدلالة على سماجة المذهب، وضلالة الذاهب إليه، والشهادة القاطعة بإحالته، والإِفصاح عن نفسه بالبراءة منه، وغاية النفار والاشمئزاز من ارتكابه.\nونحو هذه الطريقة قول سعيد بن جبير ﵀ للحجاج حين قال له: أما والله لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى: \"لو عرفتُ أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك\".\nوقد تمحل الناس بما أخرجوه به من هذا الأسلوب الشريف المليء بالنكت والفوائد، المستقل بإثبات التوحيد على أبلغ وجوهه، فقيل: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين الموحدين لله، المكذبين قولكم لإِضافة الولد إليه. اهـ. الغرض من كلام الزمخشري.\nوفي كلامه هذا من الجهل بالله، وشدة الجراءة عليه، والتخبط والتناقض في المعاني اللغوية ما الله عالم به، ولا أظن أن ذلك يخفى على عاقل تأمله.\nوسنبين لك ما يتضح به ذلك، فإنه أولًا قال: \"إن كان للرحمن ولد وصحَّ ذلك ببرهان صحيح توردونه وحجة واضحة تدلون بها فأنا","vol":"7","page":321},{"text":"أول من يعظم ذلك الولد وأسبقكم إلى طاعته والانقياد له، كما يعظم الرجل ولد الملك لتعظيم أبيه\".\nفكلامه هذا لا يخفى بطلانه على عاقل؛ لأنه على فرض صحة نسبة الولد إليه، وقيام البرهان الصحيح والحجة الواضحة على أنه له ولد، فلا شك أن ذلك يقتضي أن ذلك الولد لا يستحق العبادة بحال، ولو كان في ذلك تعظيم لأبيه؛ لأن أباه مثله في عدم استحقاق العبادة، والكفر بعبادة كل والد وكل مولود شرط في إيمان كل موحد، فمن أي وجه يكون هذا الكلام صحيحًا؟!\nأما في اللغة العربية فلا يكون صحيحًا لبتة.\nوما أظنه يصح في لغة من لغات العجم، فالربط بين هذا الشرط وهذا الجزاء لا يصح بوجه.\nفمعنى الآية عليه لا يصح بوجه؛ لأن المعلق على المحال لا بد أن يكون محالًا مثله.\nوالزمخشري في كلامه كلما أراد أن يأتي بمثال في الآية خارج عنها اضطر إلى أن لا يعلق على المحال في زعمه إلا محالًا.\nفضربه للآية المثل بقصة ابن جبير مع الحجاج، دليل واضح على ما ذكرنا وعلى تناقضه وتخبطه.\nفإنه قال فيها: إن الحجاج قال لسعيد بن جبير: لأبدلنك بالدنيا نارًا تلظى. قال سعيد للحجاج: لو علمت أن ذلك إليك ما عبدت إلهًا غيرك.\nفهو يدل على أنه علق المحال على المحال، ولو كان غير","vol":"7","page":322},{"text":"متناقض للمعنى الذي مثل له به الزمخشري لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.\nفقوله: لو علمت أن ذلك إليك، في معنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾، فنسبة الولد والشريك إليه معناهما في الاستحالة وادعاء النقص واحد.\nفلو كان سعيد يفهم الآية كفهمك الباطل لقال: لو علمت أن ذلك إليك لكنت أول العابدين لله.\nولكنه لم يقل هذا، لأنه ليس له معنى صحيح يجوز المصير إليه.\nوكذلك تمثيل الزمخشري للآية الكريمة في كلامه القبيح البشع الشنيع الذي يتقاصر عن التلفظ به كل كافر.\nفقد اضطر فيه أيضًا إلى ألا يعلق على المحال في زعمه إلا محالًا شنيعًا، فإنه قال فيه:\n\"ونظيره أن يقول العدلي للمجبر: إن كان الله تعالى خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه عذابًا سرمدًا فأنا أول من يقول هو شيطان وليس بإله\".\nفانظر قول هذا الضال في ضربه المثل في معنى هذه الآية الكريمة بقول الضال الذي يسميه العدلي: إن كان الله خالقًا للكفر في القلوب ... إلخ.\nفخلق الله للكفر في القلوب وتعذيبه الكفار على كفرهم، مستحيل عنده كاستحالة نسبة الولد لله، وهذا المستحيل في زعمه الباطل، إنما علق عليه أفظع أنواع المستحيل، وهو زعمه الخبيث","vol":"7","page":323},{"text":"أن الله إن كان خالقًا للكفر في القلوب ومعذبًا عليه فهو شيطان لا إله، سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.\nفانظر رحمك الله فظاعة جهل هذا الإِنسان بالله، وشدة تناقضه في المعنى العربي للآية.\nلأنه جعل قوله: \"إن كان الله خالقًا للكفر ومعذبًا عليه\" بمعنى ﴿إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ في أن الشرط فيهما مستحيل، وجعل قوله في الله: \"إنه شيطان لا إله\" سبحانه وتعالى عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا، كقول النبي  -  ﷺ  -: أنا أول العابدين.\nفاللازم لكلامه أن يقول: لو كان خالقًا للكفر فأنا أول العابدين له، ولا يخفى أن الادعاء على الله أنه شيطان مناقض لقوله: (فأنا أول العابدين).\nوقد أعرضت عن الإِطالة في بيان بطلان كلامه، وشدة ضلاله وتناقضه، لشناعته ووضوح بطلانه، فهي عبارات مزخرفة، وشقشقة لا طائل تحتها، وهي تحمل في طياتها الكفر والجهل بالمعنى العربي للآية، والتناقض الواضح، وكم من كلام ملئ بزخرف القول، وهو عقيم لا فائدة فيه، ولا طائل تحته، كما قيل:\nوإني وإني ثم إني وإنني ... إذا انقطعت نعلي جعلت لها شسعا\nفظل يعمل أيامًا رويته ... وشبه الماء بعد الجهد بالماء\nواعلم أن الكلام على القَدَر، وخلق أفعال العباد، قدمنا منه جملًا كافية في هذه السورة الكريمة، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَنُ مَا عَبَدْنَاهُمْ﴾، ولا يخفى تصريح القرآن بأن الله","vol":"7","page":324},{"text":"خالق كل شيء، كما قال تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾، وقال: ﴿هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيرُ اللَّهِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾.\nفالإِيمان بالقدر خيره وشره الذي هو من عقائد المسلمين جعله الزمخشري يقتضي أن الله شيطان، سبحان الله وتعالى عما يقوله الزمخشري علوًا كبيرًا، وجزى الزمخشري بما هو أهله.\nالأمر الرابع: هو دلالة استقراء القرآن العظيم، أن الله تعالى إذا أراد أن يفرض المستحيل ليبين الحق بفرضه، عَلَّقه أولًا بالأداة التي تدل على عدم وجوده وهي لفظة \"لو\"، ولم يعلق عليه البتة إلا محالًا مثله، كقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَدْنَا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْوًا لَاتَّخَذْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا﴾ الآية.\nوأما تعليق ذلك بأداة لا تقتضي عدم وجوده، كلفظة (إن)، مع كون الجزاء غير مستحيل، فليس معهودًا في القرآن.\nومما يوضح هذا المعنى الذي ذكرنا، المحاورة التي ذكرها جماعة من المفسرين، التي وقعت بين النضر بن الحارث والوليد بن المغيرة، وهي وإن كانت أسانيدها غير قائمة فإن معناها اللغوي صحيح.\nوهي أن النضر بن الحارث كان يقول: الملائكة بنات الله، فأنزل الله قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية.\nفقال النضر للوليد بن المغيرة: ألا ترى أنه قد صدقني؟","vol":"7","page":325},{"text":"فقال الوليد: لا ما صدقك ولكنه يقول: ما كان للرحمن ولد فأنا أول العابدين، أي الموحدين من أهل مكة، المنزهين له عن الولد.\nفمحاورة هذين الكافرين، العالمين بالعربية، مطابقة لما قررنا؛ لأن النضر قال: إن معنى الآية على أن (إن) شرطية مطابق لما يعتقده الكفار من نسبة الولد إلى الله، وهو معنى محذور، وأن الوليد قال: إن ﴿إِنْ﴾ نافية، وأن معنى الآية على ذلك هو مخالفة الكفار وتنزيه الله عن الولد.\nوبجميع ما ذكرنا يتضح أن (إن) في الآية الكريمة نافية.\nوذلك مروي عن ابن عباس والحسن والسدي وقتادة وابن زيد وزهير بن محمد وغيرهم.\nتنبيه\nاعلم أن ما قاله ابن جرير وغير واحد من أن القول بأن (إن) نافية يلزمه إيهام المحذور الذي لا يجوز في حق الله.\nقالوا: لأنه إن كان المعنى: ما كان لله ولد، فإنه لا يدل على نفي الولد إلا في الماضي، فللكفار أن يقولوا: إذا صدقت لم يكن له في الماضي ولد، ولكن الولد طرأ عليه بعد ذلك لما صاهر الجن، وولدت له بناته التي هي الملائكة.\nوأن هذا المحذور يمنع من الحمل على النفي = لا شك في عدم صحته؛ لدلالة الآيات القرآنية بكثرة على أن هذا الإِيهام لا أثر له، ولو كان له أثر لما كان الله يمدح نفسه بالثناء عليه بلفظة (كان) الدالة على خصوص الزمن في الماضي في نحو قوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا","vol":"7","page":326},{"text":"حَكِيمًا (١٥٨)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٧)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٩٦)﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرًا (٢٧)﴾، ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات التي يصعب حصرها.\nفإن معنى كل تلك الآيات: أنه كان ولم يزل.\nفلو كان الكفار يقولون ذلك الذي زعموه، الذي هو قولهم: صدقت، ما كان له ولد في الماضي ولكنه طرأ له، لقالوا مثله في الآيات التي ذكرنا، كأن يقولوا: كان عليمًا حكيمًا في الماضي ولكنه طرأ عليه عدم ذلك، وهكذا في جميع الآيات المذكورة ونحوها.\nوأيضًا، فإن المحذور الذي زعموه لم يمنع من إطلاق نفي الكون الماضي في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا (٦٤)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنْتُ مُتَّخِذَ الْمُضِلِّينَ عَضُدًا (٥١)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة، ومن أوضحها في محل النزاع قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾ الآية.\nولم يمنع من نفي القرآن للولد في الزمن الماضي في قوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ فإن الكفار لم يقولوا يومًا ما: صدقت، ما اتخذه في الماضي ولكنه طرأ عليه اتخاذه.\nوكذلك في قوله: ﴿لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ﴾، لأن ﴿لَمْ﴾ تنقل المضارع إلى معنى الماضي.\nوالكفار لم يقولوا يومًا: صدقت، لم يتخذ ولدًا في الماضي","vol":"7","page":327},{"text":"ولكنه طرأ عليه اتخاذه، ولم يقولوا: لم يلد في الماضي ولكنه ولد أخيرًا.\nوالحاصل أن الكفار لم يقروا أن الله منزه عن الولد لا في الماضي ولا في الحال ولا في الاستقبال.\nومعلوم أن الولادة المزعومة حدث متجدد.\nوبذلك تعلم أنما زعموه من إيهام المحذور في كون (إن) في الآية نافية، لا أساس له ولا معول عليه، وأن ما ادعوه من كونها شرطية ليس له معنى في اللغة العربية إلا المعنى المحذور الذي لا يجوز في حق الله بحال.\nواعلم أن كلام الفخر الرازي في هذه الآية الكريمة الذي يقتضي إمكان صحة الربط بين طرفيها على أنها شرطية، لا شك في غلطه فيه.\nوأما إبطاله لقول من قال: إن المعنى: إن كان للرحمن ولد في زعمكم فأنا أول العابدين له والمكذبين لكم في ذلك، فهو إبطال صحيح، وكلامه فيه في غاية الحسن والدقة، وهو يقتضي إبطاله بنفسه لجميع ما كان يقرره في الآية الكريمة.\nوالحاصل أن كون معنى (إن) في الآية الكريمة هو النفي، لا إشكال فيه ولا محذور ولا إيهام، وأن الآيات القرآنية تشهد له لكثرة الآيات المطابقة لهذا المعنى في القرآن.\nوأما كون معنى الآية الشرط والجزاء فلا يصح له معنى غير محذور في اللغة، وليس له في كتاب الله نظير، لإِجماع أهل اللسان العربي على اختلاف المعنى في التعليق بإن، والتعليق بلو.","vol":"7","page":328},{"text":"لأن التعليق بلو يدل على عدم الشرط، وعدم الشرط استلزم عدم المشروط، بخلاف إن، فالتعليق بها يدل على الشك في وجود الشرط، بلا نزاع، وما خرج عن ذلك من التعليق بها مع العلم بوجود الشرط أو العلم بنفيه، فأسباب أخر، وأدلة خارجة، ولا يجوز حملها على أحد الأمرين المذكورين إلا بدليل منفصل، كما أوضحناه في غير هذا الموضع.\nتنبيه\nاعلم أن ما ذكرنا من أن (لو) تقتضي عدم وجود الشرط، وأن (إن) تقتضي الشك فيه، لا يرد عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ﴾ الآية، كما أشرنا له قريبًا؛ لأن التحقيق أن الخطاب في قوله: ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ﴾ خطاب للنبي  -  ﷺ  -، والمراد به من يمكن أن يشك في ذلك من أمته.\nوقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ الآية، دلالة القرآن الصريحة على أنه  -  ﷺ  -  يتوجه إليه الخطاب من الله والمراد به التشريع لأمته، ولا يراد هو  -  ﷺ  -  البتة بذلك الخطاب.\nوقدمنا هناك أن من أصرح الآيات القرآنية في ذلك قوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية، فالتحقيق أن الخطاب له  -  ﷺ  -  والمراد أمته لا هو نفسه؛ لأنه هو المشرع لهم بأمر الله.\nوإيضاح ذلك أن معنى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ﴾ أي إن يبلغ عندك الكبر يا نبي الله والداك أو أحدهما فلا تقل لهما أفٍّ.","vol":"7","page":329},{"text":"ومعلوم أن أباه مات وهو حمل، وأمة ماتت وهو في صباه، فلا يمكن أن يكون المراد: إن يبلغ الكبر عندك هما أو أحدهما، والواقع أنهما قد ماتا قبل ذلك بأزمان.\nوبذلك يتحقق أن المراد بالخطاب غيره من أمته الذي يمكن إدراك والديه أو أحدهما الكبر عنده.\nوقد قدمنا أن مثل هذا أسلوب عربي معروف، وأوردنا شاهدًا لذلك رجز سهل بن مالك الفزاري في قوله:\nيا أخت خير البدو والحضارة ... كيف ترين في فتى فزارة\nأصبح يهوى حرة معطارة ... إياك أعني واسمعي يا جارة\nوقد بسطنا القصة هناك، وبينا أن قول من قال: إن الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا﴾ الآية، لكل من يصح خطابه من أمته  -  ﷺ  -  لا له هو نفسه، باطل، بدليل قوله تعالى بعده في سياق الآيات: ﴿ذَلِكَ مِمَّا أَوْحَى إِلَيكَ رَبُّكَ مِنَ الْحِكْمَةِ﴾ الآية.\nوالحاصل أن آية ﴿فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكٍّ مِمَّا أَنْزَلْنَا إِلَيكَ﴾ الآية، لا ينقض بها الضابط الذي ذكرنا؛ لأنها كقوله: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾، ﴿فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)﴾، ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾، ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nومعلوم أنه هو  -  ﷺ  -  لا يفعل شيئًا من ذلك البتة، ولكنه يؤمر وينهى ليشرع لأمته على لسانه.\nوبذلك تعلم اطراد الضابط الذي ذكرنا في لفظة (لو)، ولفظة (إن)، وأنه لا ينتقض بهذه الآية.","vol":"7","page":330},{"text":"هذا ما ظهر لنا في هذه الآية الكريمة، ولا شك أنه لا محذور فيه ولا غرر ولا إيهام، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1832> قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٨٢)﴾</span>.\nقد قدمنا معنى لفظة (سبحان) وما تدل عليه من تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وإعراب لفظة (سبحان) مع بعض الشواهد العربية، في أول سورة بني إسرائيل.\nولما قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ﴾ الآية، نزه نفسه تنزيهًا تامًّا عما يصفونه به من نسبة الولد إليه، مبينًا أن رب السماوات والأرض ورب العرش جدير بالتنزيه عن الولد، وعن كل ما لا يليق بكماله وجلاله.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أنه لما ذكر وصف الكفار له بما لا يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلمًا خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء مثله موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ (٩١) عَالِمِ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ فَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٩٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذًا لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا (٤٢) سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (١٧١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":331},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1833> قوله تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٨٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1834> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1835> قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾</span>.\nقد بينا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيبِ لَا يَعْلَمُهَا إلا هُوَ﴾ الآية، وفي الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلا هُوَ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1836> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الشَّفَاعَةَ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.","vol":"7","page":332},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1837> قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ (٨٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1838> قوله تعالى: ﴿وَقِيلِهِ يَا رَبِّ إِنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبو عمر، والكسائي: (وقيلَهُ) بفتح اللام وضم الهاء، وقرأه عاصم وحمزة: (وقيلِهِ) بكسر اللام والهاء.\nقال بعض العلماء: إعرابه بأنه عطف محل على (الساعة)؛ لأن قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ مصدر مضاف إلى مفعوله، فلفظ (الساعة) مجرور لفظًا بالإِضافة، منصوب محلًّا بالمفعولية، وما كان كذلك جاز في تابعه النصب نظرًا إلى المحل، والخفض نظرًا إلى اللفظ، كما قال في الخلاصة:\nوجر ما يتبع ما جر ومن ... راعى في الاتباع المحل فحسن\nوقال في نظيره في الوصف:\nواخفض أو انصب تابع الذي انخفض ... كمبتغي جاه ومالًا من نهض\nوقال بعضهم: هو معطوف على (سرهم).\nوعليه فالمعنى: أم يحسبون أنا لا نسمع سرهم ونجواهم، وقيله يا رب، الآية.\nوقال بعضهم: هو منصوب على أنه مفعول مطلق.","vol":"7","page":333},{"text":"أي: وقال قيله، وهو بمعنى قوله، إلا أن القاف لما كسرت أبدلت الواو ياء لمجانسة الكسرة.\nقالوا: ونظير هذا الإِعراب قول كعب بن زهير:\nتمشي الوشاة جنابيها وقيلهم ... إنك يا بن أبي سلمى لمقتول\nأي ويقولون قيلهم.\nوقال بعضهم: هو منصوب بِـ (يعلم) محذوفة؛ لأن العطف الذي ذكرنا على قوله: (سرهم)، والعطف على (الساعة) يقال فيه: إنه يقتضي الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه بما لا يصلح، لكونه اعتراضًا، وتقدير الناصب إذا دل المقام عليه لا إشكال فيه، كما قال في الخلاصة:\nويحذف الناصبها إنْ عُلِما ... وقد يكون حذفه ملتزما\nوأما على قراءة الخفض، فهو معطوف على (الساعة)، أي وعنده علم الساعة، وعلم قيله يا رب.\nواختار الزمخشري أنه مخفوض بالقسم، ولا يخفى بعده كما نبه عليه أبو حيان.\nوالتحقيق أن الضمير في (قيله) للنبي  -  ﷺ  - .\nوالدليل على ذلك أن قوله بعد: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ﴾ خطاب له  -  ﷺ  -  بلا نزاع، فادعاء أن الضمير في (قيله) لعيسى لا دليل عليه ولا وجه له.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من شكواه  -  ﷺ  -  إلى ربه عدم إيمان قومه، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾، وذكر مثله","vol":"7","page":334},{"text":"عن موسى في قوله تعالى في الدخان: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ (٢٢)﴾، وعن نوح في قوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا (٦)﴾ إلى آخر الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1839> قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف ابن كثير، وأبو عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي: (فسوف يعلمون) بياء الغيبة، وقرأ نافع وابن عامر (فسوف تعلمون) بتاء الخطاب.\nوهذه الآية الكريمة تضمنت ثلاثة أمور:\nالأول: أمره - ﷺ - بالصفح عن الكفار.\nوالثاني: أن يقول لهم سلام.\nوالثالث: تهدد الكفار بأنهم سيعلمون حقيقة الأمر وصحة ما يوعد به الكافر من عذاب النار.\nوهذه الأمور الثلاثة جاءت موضحة في غير هذا الموضع:\nكقوله تعالى في الأول: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ (٨٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ﴾.\nوالصفح: الإِعراض عن المؤاخذة بالذنب.\nقال بعضهم: وهو أبلغ من العفو.\nقالوا: لأن الصفح أصله مشتق من صفحة العنق، فكأنه يولي المذنب بصفحة عنقه، معرضًا عن عتابه، فما فوقه.","vol":"7","page":335},{"text":"وأما الأمر الثاني، فقد بين تعالى أنه هو شأن عباده الطيبين، ومعلوم أنه  -  ﷺ  -  سيدهم، كما قال تعالى ﴿وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا (٦٣)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ (٥٥)﴾، وقال عن إبراهيم أنه لمَّا قال له أبوه: ﴿لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا (٤٦)﴾، قال له: ﴿سَلَامٌ عَلَيكَ﴾.\nومعنى السلام في الآيات المذكورة، إخبارهم بسلامة الكفار من أذاهم، ومن مجازاتهم لهم بالسوء، أي سلمتم منا، لا نسافهكم ولا نعاملكم بمثل ما تعاملوننا.\nوأما الأمر الثالث الذي هو تهديد الكفار بأنهم سيعلمون الحقيقة، فقد جاء موضحًا في آيات كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ (٨٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لِكُلِّ نَبَإ مُسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (٦٧)﴾، وقوله: ﴿كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٤) ثُمَّ كَلَّا سَيَعْلَمُونَ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٣) ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَتَرَوُنَّ الْجَحِيمَ (٦) ثُمَّ لَتَرَوُنَّهَا عَينَ الْيَقِينِ (٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوكثير من أهل العلم يقول: إن قوله تعالى: ﴿فَاصْفَحْ عَنْهُمْ﴾ وما في معناه، منسوخ بآيات السيف، وجماعات من المحققين يقولون: هو ليس بمنسوخ.\nوالقتال في المحل الذي يجب فيه القتال، والصفح عن الجهلة والإِعراض عنهم، وصف كريم، وأدب سماوي، لا يتعارض مع ذلك، والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":336},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1840>سورة الدخان</span>","vol":"7","page":337},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1841> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾</span>.\nأبهم تعالى هذه الليلة المباركة هنا، ولكنه بين أنها هي ليلة القدر في قوله تعالى ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾، وبين كونها ﴿مُبَارَكَةٍ﴾ المذكورة هنا في قوله تعالى: ﴿لَيلَةُ الْقَدْرِ خَيرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ (٣)﴾ إلى آخر السورة.\nفقوله: ﴿فِي لَيلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ أي كثيرة البركات والخيرات.\nولا شك أن ليلة هي خير من ألف شهر، إلى آخر الصفات التي وصفت بها في سورة القدر، كثيرة البركات والخيرات جدًّا.\nوقد بين تعالى أن هذه الليلة المباركة هي ليلة القدر التي أنزل فيها القرآن من شهر رمضان، في قوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾.\nفدعوى أنها ليلة النصف من شعبان، كما روي عن عكرمة وغيره، لا شك في أنها دعوى باطلة؛ لمخالفتها لنص القرآن الصريح.\nولا شك، كل ما خالف الحق فهو باطل.\nوالأحاديث التي يوردها بعضهم في أنها من شعبان، المخالفة","vol":"7","page":339},{"text":"لصريح القرآن، لا أساس لها، ولا يصح سند شيء منها، كما جزم به ابن العربي وغير واحد من المحققين.\nفالعجب كل العجب من مسلم يخالف نص القرآن الصريح بلا مستند كتاب ولا سنة صحيحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1842> قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤) أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾</span>.\nمعنى قوله: (يفرق) أي يفصل ويبين، ويكتب في الليلة المباركة، التي هي ليلة القدر، ﴿كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ أي ذي حكمة بالغة؛ لأن كل ما يفعله الله مشتمل على أنواع الحكم الباهرة.\nوقال بعضهم: ﴿حَكِيمٍ﴾ أي محكم، لا تغيير فيه ولا تبديل.\nوكلا الأمرين حق؛ لأن ما سبق في علم الله لا يتغير ولا يتبدل؛ ولأن جميع أفعاله في غاية الحكمة، وهي في الاصطلاح: وضع الأمور في مواضعها وإيقاعها في مواقعها.\nوإيضاح معنى الآية أن الله ﵎ في كل ليلة قدر من السنة يبين للملائكة ويكتب لهم بالتفصيل والإِيضاح جميع ما يقع في تلك السنة، إلى ليلة القدر من السنة الجديدة.\nفتبين في ذلك الآجال والأرزاق، والفقر والغنى، والخصب والجدب، والصحة والمرض، والحروب والزلازل، وجميع ما يقع في تلك السنة كائنًا ما كان.\nقال الزمخشري في الكشاف: ومعنى (يفرق): يفصل ويكتب","vol":"7","page":340},{"text":"كل أمر حكيم من أرزاق العباد وآجالهم، وجميع أمورهم فيها، إلى الأخرى القابلة، إلى أن قال: فتدفع نسخة الأرزاق إلى ميكائيل، ونسخة الحروب إلى جبرائيل، وكذلك الزلازل والصواعق والخسف، ونسخة الأعمال إلى إسماعيل صاحب سماء الدنيا وهو ملك عظيم، ونسخة المصائب إلى ملك الموت. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nومرادنا بيان معنى الآية، لا التزام صحة دفع النسخ المذكورة للملائكة المذكورين؛ لأنا لم نعلم له مستندًا.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، يدل أيضًا على أن الليلة المباركة هي ليلة القدر، فهو بيان قرآني آخر.\nوإيضاح ذلك أن معنى قوله: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيلَةِ الْقَدْرِ (١)﴾ أي في ليلة التقدير لجميع أمور السنة، من رزق، وموت وحياة وولادة، ومرض وصحة، وخصب وجدب، وغير ذلك من جميع أمور السنة.\nقال بعضهم: حتى إن الرجل لينكح ويتصرف في أموره ويولد له، وقد خرج اسمه في الموتى في تلك السنة.\nوعلى هذا التفسير الصحيح لليلة القدر، فالتقدير المذكور هو بعينه المراد بقوله: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾.\nوقد قدمنا في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أن قَدَر، بفتحِ الدال مخففًا، يقدُر ويقدِر، بالكسر والضم، كيضرِب وينصُر، قدرًا، بمعنى قدَّر تقديرًا، وأن ثعلبًا أنشد لذلك قول الشاعر:\nفليست عشيات الحمى برواجع ... لنا أبدًا ما أورق السلم النضر","vol":"7","page":341},{"text":"ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركت ما تقدر يقع ولك الشكر\nوبينا هناك، أن ذلك هو معنى ليلة القدر؛ لأن الله يقدر فيها وقائع السنة.\nوبينا أن ذلك هو معنى قوله تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾، وأوضحنا هناك أن القَدَر بفتح الدال، والقَدْر بسكونها، هما ما يقدره الله من قضائه، ومنه قول هدبة بن الخشرم:\nألا يا لقومي للنوائب والقدر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدرى\nواعلم أن قول من قال: إنما سميت ليلة القدر لعظمها وشرفها على غيرها من الليالي، من قولهم: فلان ذو قدر، أي ذو شرف ومكانة رفيعة، لا ينافي القول الأول؛ لاتصافها بالأمرين معًا، وصحةِ وصفها بكل منهما، كما أوضحنا مثله مرارًا.\nواختلف العلماء في إعراب قوله: ﴿أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا﴾:\nقال بعضهم: هو مصدر منكر في موضع الحال، أي أنزلناه في حال كوننا آمرين به.\nوممن قال بهذا الأخفش.\nوقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من قوله: ﴿أَنْزَلْنَاهُ﴾، وجعل (أمرًا) بمعنى: إنزالًا.\nوممن قال به المبرد.\nوقال بعضهم: هو ما ناب عن المطلق من (يفرق)، فجعل (أمرًا) بمعنى فرقًا، أو فرقًا بمعنى (أمرًا).\nوممن قال بهذا الفراء والزجاج.","vol":"7","page":342},{"text":"وقال بعضهم هو حال من (أمر) أي: يفرق فيها بين كل أمر حكيم، في حال كونه أمرًا من عندنا.\nوهذا الوجه جيد ظاهر، وإنما ساغ إتيان الحال من النكرة وهي متأخرة عنها؛ لأن النكرة التي هي (أمر) وصفت بقوله: ﴿حَكِيمٍ (٤)﴾ كما لا يخفى.\nوقال بعضهم: (أمرًا) مفعول به لقوله: ﴿مُنْذِرِينَ (٣)﴾.\nوقيل غير ذلك.\nواختار الزمخشري أنه منصوب بالاختصاص، فقال: جعل كل أمر جزلًا فخمًا بأن وصفه بالحكيمِ، ثم زاده جزالة وأكسبه فخامة بأن قال: أعني بهذا الأمر أمرًا حاصلًا من عندنا، كائنًا من لدنا، وكما اقتضاه علمنا وتدبيرنا.\nوهذا الوجه أيضًا ممكن، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1843> قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾ الآية، وفي سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1844> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ (١٤)﴾</span>.\nهذا الذي ادعوه على النبي - ﷺ - افتراء، من أنه معلَّم، يعنون أن القرآن علمه إياه بشر، وأنه - ﷺ - مجنون، قد بينا الآيات الموضحة لإِبطاله.","vol":"7","page":343},{"text":"أما دعواهم أنه معلَّم فقد قدمنا الآيات الدالة على تلك الدعوى في سورة النحل، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وفي سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.\nوبينا الآيات الموضحة لافترائهم وتعنتهم في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ (١٠٣)﴾، وفي الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا﴾ الآية.\nوأما دعواهم أنه مجنون، فقد قدمنا الآيات الموضحة لها ولإِبطالها في سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1845> قوله تعالى: ﴿وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ (١٧) أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ﴾</span>.\nالرسول الكريم هو موسى، والآيات الدالة على أن موسى هو الذي أرسل لفرعون وقومه كثيرة ومعروفة.\nوقوله: ﴿أَدُّوا إِلَيَّ﴾ أي سلموا إليَّ ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ يعني بني إسرائيل، وأرسلوهم معي.\nفقوله: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به لقوله: ﴿أَدُّوا﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن موسى طلب فرعون أن","vol":"7","page":344},{"text":"يسلم له بني إسرائيل ويرسلهم معه جاء موضحًا في آيات أخر، مصرح فيها بأن عباد الله هم بنو إسرائيل، كقوله تعالى في طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ﴾، وقوله تعالى في الشعراء: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦) أَنْ أَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (١٧)﴾ الآية.\nوالتحقيق أن (أنْ) في قوله: ﴿أَنْ أَدُّوا﴾ هي المفسرة، لأن مجيء الرسول يتضمن معنى القول، لا المخففة من الثقيلة، وأن قوله: ﴿عِبَادَ اللَّهِ﴾ مفعول به كما ذكرنا وكما أوضحته آية طه وآية الشعراء، لا منادى مضاف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1846> قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلامِ على قوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ (٢٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1847> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ (٢٨)﴾</span>.\nلم يبين هنا من هؤلاء القوم الذين أورثهم ما ذكره هنا، ولكنه بين في سورة الشعراء أنهم بنو إسرائيل، وذلك في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ (٥٩)﴾ الآية، كما تقدم في الترجمة، وفي الأعراف.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1848> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَجَّينَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه نجى","vol":"7","page":345},{"text":"بني إسرائيل من العذاب المهين الذي كان يعذبهم به فرعون وقومه، جاء موضحًا في آيات أخر، مصرح فيها بأنواع العذاب المذكور، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَإِذْ نَجَّينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩)﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾، وقوله في الأعراف: ﴿وَإِذْ أَنْجَينَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى في المؤمن: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ مِنْ عِنْدِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في إبراهيم: ﴿وَإِذْ قَال مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ﴾ الآية، وقوله في الشعراء: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (٢٢)﴾، فتعبيده إياهم من أنواع عذابه لهم، إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن فرعون كان عاليًا من المسرفين، أوضحه أيضًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في يونس: ﴿وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ (٨٣)﴾، وقوله تعالى في أول القصص: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1849> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ صُبُّوا فَوْقَ رَأْسِهِ مِنْ عَذَابِ الْحَمِيمِ (٤٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩)﴾.","vol":"7","page":346},{"text":"وقد تركنا إحالات متعددة بينا فيها بعض آيات سورة الدخان هذه خشية الإِطالة بكثرة الإِحالة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1850> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ﴾ الآية.\n\n* * *","vol":"7","page":347},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1851>سورة الجاثية</span>","vol":"7","page":349},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1852> قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣) وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤) وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآيات الكريمة من أول سورة الجاثية ستة براهين من براهين التوحيد الدالة على عظمته وجلاله، وكمال قدرته، وأنه المستحق للعبادة وحده تعالى.\nالأول منها: خلقه السماوات والأرض.\nالثاني: خلقه الناس.\nالثالث: خلقه الدواب.\nالرابع: اختلاف الليل والنهار.\nالخامس: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به.\nالسادس: تصريف الرياح.\nوذكر أن هذه الآيات والبراهين، إنما ينتفع بها المؤمنون","vol":"7","page":351},{"text":"الموقنون، الذين يعقلون عن الله حججه وآياته، فكأنهم هم المختصون بها دون غيرهم.\nولذا قال: ﴿لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٤)﴾، ثم قال: ﴿آيَاتٌ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٥)﴾.\nوهذه البراهين الستة المذكورة في أول هذه السورة الكريمة، جاءت موضحة في آيات كثيرة جدًّا كما هو معلوم.\nأما الأول منها: وهو خلقه السماوات والأرض، المذكور في قوله: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾، فقد جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠١)﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ في الروم والشورى، وقوله: ﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧) وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا (٦)﴾، إلى قوله: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا معروفة.\nوأما الثاني منها: وهو خلقه الناس، المذكور في قوله: ﴿وَفِي خَلْقِكُمْ﴾، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾، وقوله:","vol":"7","page":352},{"text":"﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نبيه نوح: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾، وقوله: ﴿وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة.\nوأما الثالث منها: وهو خلقه الدواب، المذكور في قوله: ﴿وَمَا يَبُثُّ مِنْ دَابَّةٍ﴾، فقد جاء أيضًا موضحًا في آيات كثيرة أيضًا من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة الشورى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَثَّ فِيهِمَا مِنْ دَابَّةٍ وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ (٢٩)﴾، وقوله تعالى في البقرة: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَينِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٤٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعَامِ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة ومعلومة.\nوأما الرابع منها: وهو اختلاف الليل والنهار، المذكور في قوله: ﴿وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾، فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾، وقوله تعالى في فصلت: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ اللَّيلُ نَسْلَخُ مِنْهُ النَّهَارَ فَإِذَا هُمْ مُظْلِمُونَ (٣٧) وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ الآية، وقوله","vol":"7","page":353},{"text":"تعالى: ﴿يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (٤٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ اللَّيلَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِضِيَاءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ (٧١) قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ جَعَلَ اللَّهُ عَلَيكُمُ النَّهَارَ سَرْمَدًا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ إِلَهٌ غَيرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِلَيلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٧٢) وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ وَلَهُ اخْتِلَافُ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوأما الخامس منها وهو: إنزال الماء من السماء وإحياء الأرض به وإنبات الرزق فيها، المذكور في قوله: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾ إلى قوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nوإيضاح هذا البرهان باختصار أن قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ﴾ أمر من الله تعالى لكل إنسان مكلف أن ينظر ويتأمل في طعامه، كالخبز الذي يأكله ويعيش به: من خلق الماء الذي كان سببًا لنباته؟\nهل يقدر أحد غير الله أن يخلقه؟\nالجواب: لا.\nثم هب أن الماء قد خلق بالفعل، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله إلى الأرض، على هذا الوجه الذي يحصل به النفع من غير","vol":"7","page":354},{"text":"ضرر، بإنزاله على الأرض رشًا صغيرًا، حتى تروى به الأرض تدريجًا، من غير أن يحصل به هدم ولا غرق، كما قال تعالى: ﴿فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ﴾؟\nالجواب: لا.\nثم هب أن الماء قد خلق فعلًا، وأنزل في الأرض على ذلك الوجه الأتم الأكمل، هل يقدر أحد غير الله أن يشق الأرض، ويخرج منها مسار (^١) النبات؟\nالجواب: لا.\nثم هب أن النبات خرج من الأرض، وانشقت عنه، فهل يقدر أحد غير الله أن يخرج السنبل من ذلك النبات؟\nالجواب: لا.\nثم هب أن السنبل خرج من النبات فهل يقدر أحد غير الله أن ينمي حبه وينقله من طور إلى طور حتى يدرك ويكون صالحًا للغذاء والقوت؟\nالجواب: لا.\nوقد قال تعالى: ﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا (١٤) لِنُخْرِجَ بِهِ حَبًّا وَنَبَاتًا (١٥) وَجَنَّاتٍ أَلْفَافًا (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيتَةُ أَحْيَينَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ (٣٣)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nواعلم أن إطلاقه تعالى الرزق على الماء، في آية الجاثية هذه،\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"مسمار\"، وانظر ما سيأتي ص ٨٤٦.","vol":"7","page":355},{"text":"قد أوضحنا وجهه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾ الآية.\nوأما السادس منها: وهو تصريف الرياح، المذكور في قوله: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ﴾ فقد جاء موضحًا أيضًا في آيات من كتاب الله كقوله في البقرة: ﴿وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ يُرْسِلَ الرِّيَاحَ مُبَشِّرَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾. إلى غير ذلك من الآيات.\nتنبيه\nاعلم أن هذه البراهين العظيمة المذكورة في أول سورة الجاثية هذه، ثلاثة منها من براهين البعث التي يكثر في القرآن العظيم الاستدلال بها على البعث كثرة مستفيضة.\nوقد أوضحناها في مواضع من هذا الكتاب المبارك، في سورة البقرة وسورة النحل وغيرهما، وأحلنا عليها مرارًا كثيرة في هذا الكتاب المبارك، وسنعيد طرفًا منها هنا لأهميتها إن شاء الله تعالى.\nوالأول من البراهين المذكورة: هو خلق السماوات والأرض المذكور هنا في سورة الجاثية هذه: ﴿إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ (٣)﴾؛ لأن خلقه جل وعلا للسماوات والأرض، من أعظم البراهين على بعث الناس بعد الموت؛ لأن من خلق الأعظم الأكبر لا شك في قدرته على خلق الأضعف الأصغر.\nوالآيات الدالة على هذا كثيرة، كقوله تعالى: ﴿لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ﴾ أي ومن قدر على خلق الأكبر فلا شك أنه قادر على خلق الأصغر، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَيسَ الَّذِي خَلَقَ","vol":"7","page":356},{"text":"السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ (٨١)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨) وَأَغْطَشَ لَيلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا (٢٩) وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾.\nونظير آية النازعات هذه قوله تعالى في أول الصافات: ﴿فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ الآية؛ لأن قوله: ﴿أَمْ مَنْ خَلَقْنَا﴾ يشير به إلى خلق السماوات والأرض وما ذكر معهما، المذكور في قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ ثَاقِبٌ (١٠)﴾.\nوأما الثاني من البراهين المذكورة: فهو خلقه تعالى للناس المرة الأولى؛ لأن من ابتدع خلقهم على غير مثال سابق، لا شك في قدرته على إعادة خلقهم مرة أخرى، كما لا يخفى.\nوالاستدلال بهذا البرهان على البعث كثير جدًّا في كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ إلى آخر الآيات، وقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨) قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا (٦٦) أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيئًا (٦٧) فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ","vol":"7","page":357},{"text":"أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ النَّشْأَةَ الْأُولَى فَلَوْلَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦) وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢) وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ (٣) لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْويمٍ (٤)﴾ إلى قوله: ﴿فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (٧)﴾ يعني أي شيء يحملك على التكذيب بالدين أي بالبعث والجزاء، وقد علمت أني خلقتك الخلق الأول في أحسن تقويم، وأنت تعلم أنه لا يخفى على عاقل أن من ابتدع الإِيجاد الأول لا شك في قدرته على إعادته مرة أخرى، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما البرهان الثالث منها: وهو إحياء الأرض بعد موتها، المذكور في قوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا﴾، فإنه يكثر الاستدلال به أيضًا على البعث في القرآن العظيم، لأن من أحيا الأرض بعد موتها قادر على إحياء الناس بعد موتهم؛ لأن الجميع إحياء بعد موت.\nفمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِ الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٦) وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا وَأَنَّ","vol":"7","page":358},{"text":"اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى﴾ أي نبعثهم من قبورهم أحياء كما أخرجنا تلك الثمرات بعد عدمها، وأحيينا بإخراجها ذلك البلد الميت، وقوله تعالى: ﴿يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَيُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَكَذَلِكَ تُخْرَجُونَ (١٩)﴾ يعني تخرجون من قبوركم أحياء بعد الموت، وقوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1853> قوله تعالى: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾</span>.\nأشار جل وعلا لنبيه - ﷺ - إلى آيات هذا القرآن العظيم، وبين لنبيه أنه يتلوها عليه متلبسة بالحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.\nوما ذكره جل وعلا في آية الجاثية هذه، ذكره في آيات أخر بلفظه، كقوله تعالى في البقرة: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٢٥١) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٢٥٢)﴾، وقوله تعالى في آل عمران: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١٠٧) تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالمِينَ (١٠٨)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تِلْكَ﴾ بمعنى هذه.","vol":"7","page":359},{"text":"ومن أساليب اللغة العربية إطلاق الإشارة إلى البعيد على الإِشارة إلى القريب، كقوله: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ بمعنى هذا الكتاب، كما حكاه البخاري عن أبي عبيدة معمر بن المثنى، ومن شواهده قول خفاف بن ندبة السلمي:\nفإن تك خيلي قد أصيب صميمها ... فعمدًا على عيني تيممت مالكا\nأقول له والرمح يأطر متنه ... تأمل خفافًا إنني أنا ذالكا\nيعني أنا هذا.\nوقد أوضحنا هذا المبحث وذكرنا أوجهه في كتابنا (دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب) في أول سورة البقرة.\nوقوله تعالى: ﴿نَتْلُوهَا﴾ أي نقرؤها عليك.\nوأسند جل وعلا تلاوتها إلى نفسه؛ لأنها كلامه الذي أنزله على رسوله بواسطة الملك، وأمر الملك أن يتلوه عليه مبلغًا عنه جل وعلا.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾.\nفقوله: (فإذا قرأناه) أي قرأه عليك الملك المرسل به من قبلنا مبلغًا عنا، وسمعته منه، (فاتبع قرآنه) أي فاتبع قراءته واقرأه كما سمعته يقرؤه.\nوقد أشار تعالى إلى ذلك في قوله: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾.\nوسماعه  -  ﷺ  -  القرآن من الملك المبلغ عن الله كلام الله وفهمه له هو معنى تنزله إياه على قلبه في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ","vol":"7","page":360},{"text":"الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤) بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾ يعني آياته الشرعية الدينية.\nواعلم أن لفظ \"الآية\" يطلق في اللغة العربية إطلاقين، وفي القرآن العظيم إطلاقين أيضًا.\nأما إطلاقاه في اللغة العربية:\nفالأول منهما وهو المشهور في كلام العرب: فهو إطلاق الآية بمعنى العلامة، وهذا مستفيض في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان:\nتوهمت آيات لها فعرفتها ... لستة أعوام وذا العام سابع\nثم بين أن مراده بالآيات علامات الدار في قوله بعده:\nرماد ككحل العين لأْيًا أُبِينُه ... وَنُؤْيٌ كجِذْمِ الحوض أثلم خاشع\nوأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية بمعنى الجماعة، يقولون: جاء القوم بآيتهم أي بجماعتهم.\nومنه قول برج بن مسهر:\nخرجنا من النقبين لاحي مثلنا ... بآيتنا نزجي اللقاح المطافلا\nوقوله: \"بآيتنا\" يعني بجماعتنا.\nوأما إطلاقاه في القرآن العظيم:\nفالأول منهما: إطلاق الآية على الآية الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم، ومنه قوله هنا: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيكَ بِالْحَقِّ﴾ الآية.","vol":"7","page":361},{"text":"وأما الثاني منهما: فهو إطلاق الآية على الآية الكونية القدرية، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠)﴾.\nأما الآية الكونية القدرية فهي بمعنى الآية اللغوية التي هي العلامة؛ لأن الآيات الكونية علامات قاطعة على أن خالقها هو الرب المعبود وحده.\nوأما الآية الشرعية الدينية، فقال بعض العلماء: إنها أيضًا من الآية التي هي العلامة؛ لأن آيات هذا القرآن العظيم علامات على صدق من جاء بها، لما تضمنته من برهان الإِعجاز، أو لأن فيها علامات يعرف بها مبدأ الآيات ومنتهاها.\nوقال بعض العلماء: إنها من الآية بمعنى الجماعة، لتضمنها جملة وجماعة من كلمات القرآن وحروفه.\nواختار غير واحد أن أصل الآية أيَيَة، بفتح الهمزة وفتح الياءين بعدها، فاجتمع في الياءين موجبا إعلال؛ لأن كلًّا منهما متحركة حركة أصلية بعد فتح متصل، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nمن ياءٍ أو واوٍ بتحريك أُصِلْ ... ألفًا ابدل بعد فتح متصل\nإن حرك التالي ... إلخ.\nوالمعروف في علم التصريف، أنه إن اجتمع موجبا إعلال في كلمة واحدة، فالأكثر في اللغة العربية تصحيح الأول منهما وإعلال الثاني بإبداله ألفًا، كالهوى والنوى والطوى والشوى، وربما صحح الثاني وأعل الأول، كغاية وراية وآية، على الأصح من أقوال عديدة،","vol":"7","page":362},{"text":"ومعلوم أن إعلالهما لا يصح، ولهذا أشار في الخلاصة بقوله:\nوإن لحرفين ذا الاعلال استحق ... صحح أولٌ وعكس قد يحق\n\n• قول تعالى: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦) وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧) يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن من كفر بالله وبآيات الله ولم يؤمن بذلك مع ظهور الأدلة والبراهين على لزوم الإِيمان بالله وآياته، أنه يستبعد أن يؤمن بشيء آخر، لأنه لو كان يؤمن بحديث لآمن بالله وبآياته لظهور الأدلة على ذلك، وأن من لم يؤمن بآيات الله متوعد بالويل، وأنه أفاك أثيم، والأفاك: كثير الإِفك وهو أسوأ الكذب، والأثيم: هو مرتكب الإِثم بقلبه وجوارحه، فهو مجرم بقلبه ولسانه وجوارحه = قد ذكره تعالى في غير هذا الموضع، فتوعد المكذبين لهذا القرآن بالويل يوم القيامة، وبين استبعاد إيمانهم بأي حديث بعد أن لم يؤمنوا بهذا القرآن، وذلك بقوله في آخر المرسلات: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨) وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (٤٩) فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾ كقوله هنا: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾.\nوقد كرر تعالى وعيد المكذبين بالويل في سورة المرسلات كما هو معلوم، وقوله في آخر المرسلات: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (٥٠)﴾ كقوله هنا في الجاثية: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nومعلوم أن الإيمان بالله على الوجه الصحيح يستلزم الإِيمان بآياته، وأن الإِيمان بآياته كذلك يستلزم الإِيمان به تعالى.","vol":"7","page":363},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٨)﴾ يدل على أن من يسمع القرآن يتلى ثم يصر على الكفر والمعاصي في حالة كونه متكبرًا عن الانقياد إلى الحق الذي تضمنته آيات القرآن كأنه لم يسمع آيات الله، له البشارة يوم القيامة بالعذاب الأليم وهو الخلود في النار.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في لقمان: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِرًا كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيهِ وَقْرًا فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (٧)﴾، وقوله تعالى في الحج: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ تَعْرِفُ فِي وُجُوهِ الَّذِينَ كَفَرُوا الْمُنْكَرَ يَكَادُونَ يَسْطُونَ بِالَّذِينَ يَتْلُونَ عَلَيهِمْ آيَاتِنَا قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ وَعَدَهَا اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَال آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ (١٦)﴾، فقوله تعالى عنهم: ﴿مَاذَا قَال آنِفًا﴾ يدل على أنهم ما كانوا يبالون بما يتلو عليهم النبي  -  ﷺ  -  من الآيات والهدى.\nوقد ذكرنا كثيرًا من الآيات المتعلقة بهذا المبحث في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية: ﴿كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا﴾ خففت فيه لفظة (كأن)، ومعلوم أن (كأن) إذا خففت كان اسمها مقدرًا وهو ضمير الشأن والجملة خبرها، كما قال في الخلاصة:\nوخففت كأن أيضًا فَنُوي ... منصوبها وثابتًا أيضًا رُوي","vol":"7","page":364},{"text":"وقد قدمنا في أول سورة الكهف، أن البشارة تطلق غالبًا على الإِخبار بما يسر، وأنها ربما أطلقت في القرآن وفي كلام العرب على الإِخبار بما يسوء أيضًا، وأوضحنا ذلك بشواهده العربية.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ (٧)﴾.\nقال بعض العلماء: (ويل) واد في جهنم.\nوالأظهر أن لفظة (ويل) كلمة عذاب وهلاك، وأنها مصدر لا لفظ له من فعله (^١)، وأن المسوغ للابتداء بها مع أنها نكرة كونها في معرض الدعاء عليهم بالهلاك.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ يُؤْمِنُونَ (٦)﴾.\nقرأه نافع، وابن كثير، وأبو عمرو، وحمص عن عاصم: (يؤمنون) بياء الغيبة.\nوقرأه ابن عامر، وحمزة، والكسائي، وشعبة عن عاصم: (تؤمنون) بتاء الخطاب.\nوقرأه ورش عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو: (يومنون) بإبدال الهمزة واوًا وصلًا ووقفًا.\nوقرأه حمزة بإبدال الهمزة واوًا في الوقف دون الوصل.\nوالباقون بتحقيق الهمزة مطلقًا.\n_________\n(^١) هذا سبق قلم من الشيخ، صوابه: لا فعل له من لفظه.","vol":"7","page":365},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1854> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا اتَّخَذَهَا هُزُوًا أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة توعد الأفاك الأثيم بالويل، والبشارة بالعذاب الأليم.\nوقد قدمنا قريبًا أن من صفاته أنه إذا سمع آيات الله تتلى عليه أصر مستكبرًا كأن لم يسمعها، وذكر في هذه الآية الكريمة أنه إذا علم من آيات الله شيئًا اتخذها هزوًا أي مهزوءًا بها، مستخفًا بها، ثم توعده على ذلك بالعذاب المهين.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الكفار يتخذون آيات الله هزوًا، وأنهم سيعذبون على ذلك يوم القيامة، قد بينه تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾، وقوله تعالى في الكهف أيضًا: ﴿وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَمَا أُنْذِرُوا هُزُوًا (٥٦) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا وَنَسِيَ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة الجاثية هذه: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٣٤) ذَلِكُمْ بِأَنَّكُمُ اتَّخَذْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا﴾ الآية.\nوقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير حمزة وحفص عن عاصم: (هُزُؤًا) بضم الزاي بعدها همزة محققة.\nوقرأه حفص عن عاصم بضم الزاي وإبدال الهمزة واوًا.\nوقرأه حمزة (هُزْءًا) بسكون الزاي بعدها همزة محققة في حالة الوصل، وأما في حالة الوقف، فعن حمزة نقل حركة الهمزة إلى","vol":"7","page":366},{"text":"الزاي فتكون الزاي مفتوحة بعدها ألف، وعنه إبدالها واوًا محركة بحركة الهمزة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (٥٧)﴾ أي لأن عذاب الكفار الذين كانوا يستهزؤون بآيات الله لا يراد به إلا إهانتهم وخزيهم وشدة إيلامهم بأنواع العذاب، وليس فيه تطهير ولا تمحيص لهم، بخلاف عصاة المسلمين فإنهم وإن عذبوا فسيصيرون إلى الجنة بعد ذلك العذاب، فليس المقصود بعذابهم مجرد الإِهانة بل ليؤولوا بعده إلى الرحمة ودار الكرامة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1855> قوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له مع الشواهد العربية في سورة إبراهيم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاسْتَفْتَحُوا وَخَابَ كُلُّ جَبَّارٍ عَنِيدٍ (١٥) مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ الآية، وبينا هناك أن أصح الوجهين أن وراء بمعنى أمام.\nفمعنى ﴿مِنْ وَرَائِهِ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامه جهنم يصلاها يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي أمامهم ملك.\nوذكرنا هناك الشواهد العربية على إطلاق وراء بمعنى أمام، وبينا أن هذا هو التحقيق في معنى الآية، وكذلك آية الجاثية هذه، فقوله تعالى: ﴿مِنْ وَرَائِهِمْ جَهَنَّمُ﴾ أي أمامهم جهنم يصلونها يوم القيامة.","vol":"7","page":367},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾.\nأوضح فيه أن ما كسبه الكفار في دار الدنيا من الأموال والأولاد لا يغني عنهم شيئًا يوم القيامة، أي لا ينفعهم بشيء، فلا يجلب لهم بسببه نفع ولا يدفع عنهم بسببه ضر، وإنما اتخذوه من الأولياء في دار الدنيا من دون الله، كالمعبودات التي كانوا يعبدونها ويزعمون أنها شركاء لله، لا ينفعهم يوم القيامة أيضًا بشيء.\nوهاتان المسألتان اللتان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، قد أوضحهما الله في آيات كثيرة من كتابه.\nأما الأولى منهما: وهي كونهم لا يغني عنهم ما كسبوا شيئًا، فقد أوضحها في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ (٢) يَحْسَبُ أَنَّ مَالهُ أَخْلَدَهُ (٣) كَلَّا لَيُنْبَذَنَّ فِي الْحُطَمَةِ (٤)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاليتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (٢٧) مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ (٢٨)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى عن إبراهيم: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ (٨٧) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (٨٨)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (١١٦)﴾، وقوله تعالى في المجادلة: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ","vol":"7","page":368},{"text":"عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦) لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ الآية.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة جدًّا، وقد قدمنا كثيرًا منها في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\nوأما الثانية منهما: وهي كونهم لا تنفعهم المعبودات التي اتخذوها أولياء من دون الله، فقد أوضحها تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هود: ﴿وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَمَا أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ لَمَّا جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَمَا زَادُوهُمْ غَيرَ تَتْبِيبٍ (١٠١)﴾، وقوله تعالى ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقِيلَ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَرَأَوُا الْعَذَابَ لَوْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَهْتَدُونَ (٦٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَجَعَلْنَا بَينَهُمْ مَوْبِقًا (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ (١٣) إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١) كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيهِمْ ضِدًّا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَال إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَانًا مَوَدَّةَ بَينِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٢٥)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾، الأولياء: جمع ولي، والمراد بالأولياء هنا: المعبودات","vol":"7","page":369},{"text":"التي يوالونها بالعبادة من دون الله، (وما) في قوله: ﴿مَا كَسَبُوا﴾ و﴿مَا اتَّخَذُوا﴾ موصولة، وهي في محل رفع في الموضعين؛ لأن (ما) الأولى فاعل (يغني)، و(ما) الثانية معطوفة عليها، وزيادة (لا) قبل المعطوف على منفي معروفة.\nوقوله: ﴿وَلَا يُغْنِي﴾ أي لا ينفع. والظاهر أن أصله من الغناء، بالفتح والمد، وهو النفع.\nومنه قول الشاعر:\nوقل غناء عنك مال جمعته ... إذا صار ميراثًا وواراك لاحدُ\nفقوله: \"قل غناء\" أي قل نفعًا. وقول الآخر:\nقل الغناء إذا لاقى الفتى تلفًا ... قول الأحبة لا تبعد وقد بعدا\nفقوله: \"الغناء\" أي النفع.\nوالبيت من شواهد إعمال المصدر المعرف بالألف واللام؛ لأن قوله: \"قول الأحبة\"، فاعل قوله \"الغَناء\".\nوأما الغِناء، بالكسر والمد، فهو الألحان المطربة.\nوأما الغِنى، بالكسر والقصر، فهو ضد الفقر.\nوأما الغَنَى، بالفتح والقصر، فهو الإِقامة، من قولهم: غَنِي بالمكان، بكسر النون، يَغنَى، بفتحها، غَنًى، بفتحتين، إذا أقام به.\nومنه قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا﴾ كأنهم لم يقيموا فيها.\nوأما الغُنَى، بالضم والقصر، فهو جمع غُنْيَة وهي ما يستغني به الإِنسان.","vol":"7","page":370},{"text":"وأما الغُنَاء، بالمد والضم، فلا أعلمه في العربية.\nوهذه اللغات التي ذكرنا في مادة \"غني\" كنت تلقيتها في أول شبابي في درس من دروس الفقه، لقننيها شيخي الكبير أحمد الأفرم بن محمد المختار الجكني، وذكر لي بيتي رجز في ذلك لبعض أفاضل علماء القطر وهما قوله:\nوضد فقر كإلى، وكسحاب ... النفع، والمطرب أيضًا ككتاب\nوكفتى إقامة، وكهنا ... جمع لغنية لما به الغنى\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1856> قوله تعالى: ﴿هَذَا هُدًى وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَهُمْ عَذَابٌ مِنْ رِجْزٍ أَلِيمٌ (١١)﴾</span>.\nالإِشارة في قوله: ﴿هَذَا هُدًى﴾ راجعة للقرآن العظيم المعبر عنه بآيات الله في قوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَ اللَّهِ وَآيَاتِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَسْمَعُ آيَاتِ اللَّهِ تُتْلَى عَلَيهِ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا عَلِمَ مِنْ آيَاتِنَا شَيئًا﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن هذا القرآن هدى، وأن من كفر بآياته له العذاب الأليم، جاء موضحًا في غير هذا الموضع.\nأما كون القرآن هدى، فقد ذكره تعالى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَزَّلْنَا عَلَيكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ (٨٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾، وقوله: ﴿الم (١) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيبَ","vol":"7","page":371},{"text":"فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوأما كون من كفر بالقرآن يحصل له بسبب ذلك العذاب الأليم، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَدْ آتَينَاكَ مِنْ لَدُنَّا ذِكْرًا (٩٩) مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وزْرًا (١٠٠) خَالِدِينَ فِيهِ وَسَاءَ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حِمْلًا (١٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِي هُزُوًا (١٠٦)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nوقد قدمنا في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ﴾ الآية، وغير ذلك من المواضع، أن الهدى يطلق في القرآن إطلاقًا عامًّا بمعنى أن الهدى هو البيان والإِرشاد وإيضاح الحق، كقوله: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ﴾ أي بينا لهم الحق وأوضحناه وأرشدناهم إليه وإن لم يتبعوه، وكقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وقوله هنا: ﴿هَذَا هُدًى﴾، وأنه يطلق أيضًا في القرآن بمعناه الخاص وهو التفضل بالتوفيق إلى طريق الحق والاصطفاء، كقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (٢)﴾، وقوله: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾ وقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد أوضحنا في سورة فصلت أن معرفة إطلاقي الهدى المذكورَين، يزول بها الإِشكال الواقع في آيات من كتاب الله.\nوالهدى مصدر هداه، على غير قياس، وهو هنا من جنس النعت بالمصدر، وبينا فيما مضى مرارًا أن تنزيل المصدر منزلة الوصف إما على حذف مضاف، وإما على المبالغة.","vol":"7","page":372},{"text":"وعلى الأول، فالمعنى: هذا القرآن ذو هدى، أي يحصل بسببه الهدى لمن اتبعه، كقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nوعلى الثاني، فالمعنى: أن المراد المبالغة في اتصاف القرآن بالهدى حتَّى أطلق عليه أنَّه هو نفس الهدى.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (لهم عذاب من رجز أليم)، أصح القولين فيه أن المراد بالرجز العذاب، ولا تكرار في الآية؛ لأن العذاب أنواع متفاوتة، والمعنى: لهم عذاب من جنس العذاب الأليم، والأليم معناه المؤلم، أي الموصوف بشدة الألم وفظاعته.\nوالتحقيق إن شاء الله: أن العرب تطلق الفعيل وصفًا بمعنى المُفْعِل، فما يذكر عن الأصمعي من أنَّه أنكر ذلك إن صح عنه فهو غلط منه، لأن إطلاق الفعيل بمعنى المُفْعِل معروف في القرآن العظيم وفي كلام العرب، ومن إطلاقه في القرآن العظيم قوله تعالى: ﴿عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ أي مؤلم، وقوله تعالى: ﴿بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ أي مبدعهما، وقوله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إلا نَذِيرٌ لَكُمْ﴾ الآية، أي منذر لكم، ونظير ذلك من كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب:\nأمن ريحانة الداعي السميع ... يؤرقني وأصحابي هجوع\nفقوله: \"الداعي السميع\" يعني الداعي المُسْمِع. وقوله أيضًا:\nوخيل قد دلفت لها بِخَيلٍ ... تحية بينهم ضرب وجيع\nأي موجع. وقول غيلان بن عقبة:\nويرفع من صدور شمردلات ... يصك وجوهها وهج أليم\nأي مؤلم.","vol":"7","page":373},{"text":"وقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير وحفص عن عاصم: (من رجز أليمٍ) بخفض (أليم) على أنَّه نعت لِـ (رجز).\nوقرأه ابن كثير وحفص عن عاصم: (من رجز أليمٌ)، برفع (أليم) على أنَّه نعت لِـ (عذاب).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1857> قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ﴾ إلى قوله: ﴿وَمَا كُنَّا لَهُ مُقْرِنِيِنَ (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1858> قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة بنى إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1859> قوله تعالى: ﴿وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه فضل بني إسرائيل على العالمين.\nوذكر هذا المعنى في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى","vol":"7","page":374},{"text":"الْعَالمِينَ (٤٧)﴾ في الموضعين، وقوله في الدخان: ﴿وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالمِينَ (٣٢)﴾، وقوله في الأعراف: ﴿قَال أَغَيرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالمِينَ (١٤٠)﴾.\nولكن الله جل وعلا بين أن أمة محمد  -  ﷺ  -  خير من بني إسرائيل وأكرم على الله، كما صرح بذلك في قوله: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية. فَـ (خير) صيغة تفضيل، والآية نص صريح في أنهم خير من جميع الأمم، بني إسرائيل وغيرهم.\nومما يزيد ذلك إيضاحًا حديث معاوية بن حيدة القشيري ﵁ أن النبي  -  ﷺ  -  قال في أمته: \"أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله\"، وقد رواه عنه الإِمام أحمد والتِّرمِذي وابن ماجة والحاكم، وهو حديث مشهور.\nوقال ابن كثير: حسنه التِّرمِذي، ويروى من حديث معاذ بن جبل وأبي سعيد نحوه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: ولا شك في صحة معنى حديث معاوية بن حيدة المذكور ﵁؛ لأنه يشهد له النص المعصوم المتواتر في قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾. وقوله: ﴿وَسَطًا﴾ أي خيارًا عدولًا.\nواعلم أن ما ذكرنا من كون أمة محمد  -  ﷺ  -  أفضل من بني إسرائيل كما دلت عليه الآية والحديث المذكوران وغيرهما من الأدلة لا يعارض الآيات المذكورات آنفًا في تفضيل بني إسرائيل؛ لأن ذلك التفضيل الوارد في بني إسرائيل ذكر فيهم حال عدم وجود أمة محمد  -  ﷺ  -، والمعدوم في حال عدمه ليس بشيء حتَّى يفضل","vol":"7","page":375},{"text":"أو يفضل عليه، ولكنه تعالى بعد وجود أمة محمد - ﷺ - صرح بأنها خير\nالأمم.\nوهذا واضح؛ لأن كل ما جاء في القرآن من تفضيل بني إسرائيل، إنما يراد به ذكر أحوال سابقة؛ لأنهم في وقت نزول القرآن كفروا به وكذبوا كما قال تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾.\nومعلوم أن الله لم يذكر لهم في القرآن فضلًا إلَّا ما يراد به أنَّه كان في زمنهم السابق لا في وقت نزول القرآن.\nومعلوم أن أمة محمد - ﷺ - لم تكن موجودة في ذلك الزمن السابق الذي هو ظرف تفضيل بني إسرائيل، وأنها بعد وجودها صرح الله بأنها هي خير الأمم، كما أوضحنا. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1860> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1861> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾</span>.\nنهى الله جل وعلا نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة عن اتباع أهواء الذين لا يعلمون.\nوقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ فَتَقْعُدَ مَذْمُومًا مَخْذُولًا (٢٢)﴾ أنَّه جل وعلا يأمر نبيه محمدًا - ﷺ - وينهاه، ليشرع بذلك الأمر والنهي لأمته، كقوله هنا: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ (١٨)﴾.","vol":"7","page":376},{"text":"ومعلوم أنه - ﷺ - لا يتبع أهواء الذين لا يعلمون، ولكن النهي المذكور فيه التشريع لأمته، كقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ (٨)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِعْ كُلَّ حَلَّافٍ مَّهِينٍ (١٠)﴾، وقوله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾، وقوله: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nوقد بينا الأدلة القرآنية على أنه - ﷺ - يخاطب، والمراد به التشريع لأمته، في آية بني إسرائيل المذكورة.\nوما تضمنته آية الجاثية هذه، من النهي عن اتباع أهوائهم، جد موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في الشورى: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ﴾، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ (١٥٠)﴾، وقوله تعالى في القصص: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقد بين تعالى في قد أفلح المؤمنون أن الحق لو اتبع أهواءهم لفسد العالم، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَو اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ﴾.\nوالأهواء: جمع هَوَى بفتحتين، وأصله مصدر، والهمزة فيه مبدلة من ياء كما هو معلوم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1862> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّالِمِينَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾</span>.\nقد قدمنا في هذا الكتاب المبارك مرارًا أن الظلم في لغة العرب أصله وضع الشيء في غير موضعه.","vol":"7","page":377},{"text":"وأن أعظم أنواعه الشرك بالله؛ لأن وضع العبادة في غير من خلق ورزق هو أشنع أنواع وضع الشيء في غير موضعه.\nولذا كثر في القرآن العظيم، إطلاق الظلم بمعنى الشرك، كقوله تعالى: ﴿وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٥٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُكَ وَلَا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذًا مِنَ الظَّالِمِينَ (١٠٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيهِ يَقُولُ يَاليتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا (٢٧)﴾، وقوله تعالى عن لقمان: ﴿يَابُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ (١٣)﴾، وقد ثبت في صحيح البخاري أن النبي - ﷺ - فسر قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ بأن معناه: ولم يلبسوا إيمانهم بشرك.\nوما تضمنته آية الجاثية هذه من أن الظالمين بعضهم أولياء بعض، جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في آخر الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ إلا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ (٧٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُوَلِّي بَعْضَ الظَّالِمِينَ بَعْضًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٢٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيطَانِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ﴾ وقوله ﴿إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1863> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنَّه ولي المتقين، وهم الذين يمتثلون أمره ويجتنبون نهيه.","vol":"7","page":378},{"text":"وذكر في موضع آخر أن المتقين أولياؤه، فهو وليهم وهم أولياؤه؛ لأنهم يوالونه بالطاعة والإِيمان، وهو يواليهم بالرحمة والجزاء، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾.\nثم بين المراد بأوليائه في قوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (٦٣)﴾، فقوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَتَّقُونَ﴾ كقوله في آية الجاثية هذه: ﴿وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ (١٩)﴾.\nوقد بين تعالى في آيات من كتابه أنَّه ولي المؤمنين، وأنهم أولياؤه، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (١٩٦)﴾، وقوله تعالى في الملائكة: ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات، كما تقدم إيضاحه بأبسط من هذا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1864> قوله تعالى: ﴿هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾</span>.\nالإِشارة في قوله: ﴿هَذَا﴾ للقرآن العظيم.\nوالبصائر جمع بصيرة، والمراد بها البرهان القاطع الذي لا يترك في الحق لبسًا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللَّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ﴾ أي على علم ودليل واضح.\nوالمعنى: أن هذا القرآن براهين قاطعة، وأدلة ساطعة، على أن الله هو المعبود وحده، وأن ما جاء به محمد - ﷺ - حق.","vol":"7","page":379},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن القرآن بصائر للناس، جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في أخريات الأعراف: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾، وقوله تعالى في الأنعام: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيهَا وَمَا أَنَا عَلَيكُمْ بِحَفِيظٍ (١٠٤)﴾.\nوما تضمنته آية الجاثية من أن القرآن بصائر وهدى ورحمة، ذكر تعالى مثله في سورة القصص عن كتاب موسى الذي هو التوراة في قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَينَا مُوسَى الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِ مَا أَهْلَكْنَا الْقُرُونَ الْأُولَى بَصَائِرَ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٤٣)﴾.\nوما تضمنته آية الجاثية هذه من كون القرآن هدى ورحمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع.\nأما كونه هدى فقد ذكرنا الآيات الموضحة له قريبًا.\nوأما كونه رحمة فقد ذكرنا الآيات الموضحة له في الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَينَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا﴾، وفي أولها في الكلام على قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾، وفي فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾، وفي الزخرف في الكلام على قوله: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (٢٠)﴾، أي لأنهم هم المنتفعون به.\nوفي هذه الآية الكريمة سؤال عربي معروف.\nوهو أن المبتدأ الذي هو قوله: ﴿هَذَا﴾ اسم إشارة إلى مذكر","vol":"7","page":380},{"text":"مفرد، والخبر الذي هو (بصائر) جمع مكسر مؤنث.\nفيقال: كيف يسند الجمع المؤنث المكسر إلى المفرد المذكر؟\nوالجواب: أن مجموع القرآن كتاب واحد، تصح الإِشارة إليه بهذا، وهذا الكتاب الواحد يشتمل على براهين كثيرة، فصح إسناد البصائر إليه لاشتماله عليها كما لا يخفى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1865> قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة (ص) في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1866> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ﴾</span>.\nقد أوضحنا معناه في سورة الفرقان، في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَرَأَيتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيهِ وَكِيلًا (٤٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1867> قوله تعالى: ﴿وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾</span>.\nقد أوضحنا معناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَعَلَى سَمْعِهِمْ وَعَلَى أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1868> قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَا هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إنكار الكفار للبعث بعد الموت، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى عنهم: ﴿وَمَا نَحْنُ","vol":"7","page":381},{"text":"بِمُنْشَرِينَ (٣٥)﴾، وقوله: ﴿أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ (٣٥) هَيهَاتَ هَيهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ (٣٦) إِنْ هِيَ إلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ (٣٧)﴾، وقوله تعالى عنهم: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾، وقوله تعالى عنهم: ﴿يَقُولُونَ أَإِنَّا لَمَرْدُودُونَ فِي الْحَافِرَةِ (١٠) أَإِذَا كُنَّا عِظَامًا نَخِرَةً (١١) قَالُوا تِلْكَ إِذًا كَرَّةٌ خَاسِرَةٌ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال مَنْ يُحْيِ الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ (٧٨)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقد قدمنا البراهين القاطعة القرآنية على تكذيبهم في إنكارهم البعث، وبينا دلالتها على أن البعث واقع لا محالة، في سورة البقرة، وسورة النحل، وسورة الحج، وأول سورة الجاثية هذه، وأحلنا على ذلك مرارًا.\nوبينا في سورة الفرقان الآيات الموضحة أن إنكار البعث كفر بالله، والآيات التي فيها وعيد منكري البعث بالنار، في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1869> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يَوْمَئِذٍ يَخْسَرُ الْمُبْطِلُونَ (٢٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة المؤمن في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ (٧٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1870> قوله تعالى: ﴿كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة الكهف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾.","vol":"7","page":382},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1871> قوله تعالى: ﴿هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم، في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1872> قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ كَمَا نَسِيتُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1873> قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُخْرَجُونَ مِنْهَا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٣٥)﴾</span>.\nقد أوضحنا معنى قوله: (يستعتبون) في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلَا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ (٨٤)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فاليوم لا يخرجون منها)، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَادَوْا يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَينَا رَبُّكَ قَال إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ (٧٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1874> قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْحَمْدُ رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٣٦)﴾</span>.\nأتبع الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة حمده جل وعلا بوصفه بأنه رب السماوات والأرض ورب العالمين، وفي ذلك دلالة على أن","vol":"7","page":383},{"text":"رب السماوات والأرض ورب العالمين، مستحق لكل حمد ولكل ثناء جميل.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٢)﴾، وقوله تعالى في آخر الزمر: ﴿وَقُضِيَ بَينَهُمْ بِالْحَقِّ وَقِيلَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٧٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالمِينَ (٤٥)﴾، وقوله تعالى في أول الأنعام: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّور﴾ وقوله تعالى في أول سبأ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (١)﴾، وقوله في أول فاطر: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ هو الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1875> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن له الكبرياء في السماوات والأرض، يعني أنَّه المختص بالعظمة والكمال والجلال والسلطان، في السماوات والأرض؛ لأنه هو معبود أهل السماوات والأرض، الذي يلزمهم تكبيره وتعظيمه، وتمجيده والخضوع والذل له.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْعَلِيمُ (٨٤) وَتَبَارَكَ الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا﴾.\nفقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي فِي السَّمَاءِ إِلَهٌ وَفِي الْأَرْضِ إِلَهٌ﴾ معناه أنَّه هو وحده الذي يعظم ويعبد في السماوات والأرض، ويُكَبَّر ويخضع له ويذل.","vol":"7","page":384},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢٧)﴾.\nفقوله: ﴿وَلَهُ الْمَثَلُ الْأَعْلَى فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ معناه أن له الوصف الأكمل، الذي هو أعظم الأوصاف وأكملها وأجلها في السماوات والأرض.\nوفي حديث أبي هريرة وأبي سعيد عن النبي - ﷺ - \"أن الله يقول: العظمة إزاري والكبرياء ردائي، فمن نازعني في واحد منهما أسكنته ناري\".\n\n * * *","vol":"7","page":385},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1876>سورة الأحقاف</span>","vol":"7","page":387},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1877> قوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام على الحروف المقطعة في أول سورة هود، وقدمنا الكلام على قوله: (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم) في أول سورة الزمر.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1878> قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾</span>.\nصيغة الجمع في قوله: (خلقنا) للتعظيم.\nوقوله: (إلَّا بالحق) أي إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.\nوالحق ضد الباطل، ومعنى كون خلقه للسماوات والأرض متلبسًا بالحق: أنَّه خلقهما لحكم باهرة، ولم يخلقهما باطلًا، ولا عبثًا، ولا لعبًا.\nفمن الحق الذي كان خلقهما متلبسًا به: إقامة البرهان على أنَّه هو الواحد المعبود وحده جل وعلا، كما أوضح ذلك في آيات كثيرة لا تكاد تحصيها في المصحف الكريم، كقوله تعالى في البقرة:","vol":"7","page":389},{"text":"﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾ ثم أقام البرهان على أنَّه هو الإِله الواحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَينَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾.\nفتلبس خلقه للسماوات والأرض بالحق واضح جدًّا من قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾ بعد قوله: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، لأن إقامة البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله هو أعظم الحق.\nوكقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ لأن قوله: ﴿اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ فيه معنى الإِثبات من لا إله إلَّا الله، وقوله: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٢٢)﴾ يتضمن معنى النفي منها على أكمل وجه وأتمه.\nوقد أقام الله جل وعلا البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله، نفيًا وإثباتًا، بخلقه للسماوات والأرض وما بينهما، في قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١) الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً﴾ الآية.\nوبذلك تعلم أنَّه ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بأعظم الحق، الذي هو إقامة البرهان القاطع على توحيده جل","vol":"7","page":390},{"text":"وعلا، ومن كثرة الآيات القرآنية الدالة على إقامة هذا البرهان القاطع المذكور على توحيده جل وعلا، علم من استقراء القرآن أن العلامة الفارقة بين من يستحق العبادة وبين من لا يستحقها، هي كونه خالقًا لغيره، فمن كان خالقًا لغيره فهو المعبود بحق، ومن كان لا يقدر على خلق شيء فهو مخلوق محتاج، لا يصح أن يعبد بحال.\nفالآيات الدالة على ذلك كثيرة جدًّا، كقوله تعالى في آية البقرة المذكورة آنفًا: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية، فقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ مهو يدل على أن المعبود هو الخالق وحده، وقوله تعالى: ﴿جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية. يعني: وخالق كل شيء هو المعبود وحده.\nوقد أوضح تعالى هذا في سورة النحل؛ لأنه تعالى لما ذكر فيها البراهين القاطعة على توحيده جل وعلا، في قوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٣)﴾ إلى قوله: ﴿وَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ (١٦)﴾ أتبع ذلك بقوله: ﴿أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لَا يَخْلُقُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (١٧)﴾.\nوذلك واضح جدًّا في أن من يخلق غيره هو المعبود، وأن من لا يخلق شيئًا لا يصح أن يعبد.\nولهذا قال تعالى بعده قريبًا منه: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (٢٠)﴾، وقال تعالى في الأعراف: ﴿أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١)﴾، وقال تعالى في الحج: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا","vol":"7","page":391},{"text":"﴿وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ﴾ أي ومن لا يقدر أن يخلق شيئًا لا يصح أن يكون معبودًا بحال، وقال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢)﴾ الآية.\nولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد، ومن لا يستحق ذلك، قال في صفات من يستحق العبادة: ﴿الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢)﴾ وقال في صفات من لا يصح أن يعبد: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ﴾ الآية.\nوالآيات بمثل ذلك كثيرة جدًّا، وكل تلك الآيات تدل دلالةً واضحةً على أنَّه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.\nوقد بيَّن جل وعلا أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما، خلقًا متلبسًا به، تعليمه خلقه أنَّه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علمًا، وذلك في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nفلام التعليل في قوله: (لتعلموا) متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ﴾ الآية، وبه تعلم أنَّه ما خلق السماوات السبع، والأرضين السبع، وجعل الأمر يتنزل بينهن، إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.\nومن الحق الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما خلقًا متلبسًا به، هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ","vol":"7","page":392},{"text":"الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nفلام التعليل في قوله: (ليبلوكم) متعلقة بقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾، وبه تعلم أنَّه ما خلقهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق.\nونظير ذلك قوله تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾، وقوله تعالى في أول الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nومما يوضح أنَّه ما خلق السماوات والأرض إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق، قوله تعالى في آخر الذاريات: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦) مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾.\nسواء قلنا: إن معنى (إلَّا ليعبدون) أي لآمرهم بعبادتي فيعبدني السعداء منهم؛ لأن عبادتهم يحصل لهم بها تعظيم الله وطاعته والخضوع له، كما قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾.\nأو قلنا: إن معنى (إلَّا ليعبدون) أي إلَّا ليقروا لي بالعبودية، ويخضعوا ويذعنوا لعظمتي،؛ لأن المؤمنين يفعلون ذلك طوعًا، والكفار يذعنون لقهره وسلطانه تعالى كرهًا.\nومعلوم أن حكمة الابتلاء والتكليف لا تتم إلَّا بالجزاء على الأعمال.\nوقد بين تعالى أن من الحق الذي خلق السماوات والأرض","vol":"7","page":393},{"text":"خلقًا متلبسًا به، جزاء الناس بأعمالهم، كقوله تعالى في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ أي هو خالقهما ومن فيهما ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا﴾ الآية.\nويوضح ذلك قوله تعالى في يونس: ﴿إِلَيهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾.\nولما ظن الكفار أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما باطلًا، لا لحكمة تكليف وحساب وجزاء، هددهم بالويل من النار، بسبب ذلك الظن السيء، في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾.\nوقد نزه تعالى نفسه عن كونه خلق الخلق عبثًا، لا لتكليف وحساب وجزاء، وأنكر ذلك على من ظنه، في قوله تعالى: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.\nفقوله تعالى: ﴿فَتَعَالى اللَّهُ﴾ أي تنزه وتعاظم وتقدس عن أن يكون خلقهم لا لحكمة تكليف وبعث، وحساب وجزاء.\nوهذا الذي نزه تعالى عنه نفسه، نزهه عنه أولو الألباب، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٠) الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (١٩١)﴾، فقوله","vol":"7","page":394},{"text":"عنهم: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ أي تنزيهًا لك عن أن تكون خلقت هذا الخلق باطلًا، لا لحكمة تكليف وبعث وحساب وجزاء.\nوقوله جل وعلا في آية الأحقاف هذه: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ﴾، يفهم منه أنَّه لم يخلق ذلك باطلًا، ولا لعبًا ولا عبثًا.\nوهذا المفهوم جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا لَاعِبِينَ (٣٨) مَا خَلَقْنَاهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾.\nوقوله تعالى في آية الأحقاف هذه: ﴿وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ معطوف على قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي ما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلَّا خلقًا متلبسًا بالحق، وبتقدير أجل مسمى، أي وقت معين محدد ينتهي إليه أمد السماوات والأرض، وهو يوم القيامة، كما صرح الله بذلك في أخريات الحجر في قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ الآية.\nفقوله في الحجر: ﴿وَإِنَّ السَّاعَةَ لآتِيَةٌ﴾ بعد قوله: ﴿إلَّا بِالْحَقِّ﴾ يوضح معنى قوله في الأحقاف: ﴿إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\nوقد بين تعالى في آيات من كتابه أن للسماوات والأرض أمدًا ينتهي إليه أمرهما؛ كما قال تعالى: ﴿وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمَ نَطْوي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ﴾، وقوله: ﴿وَإِذَا السَّمَاءُ كُشِطَتْ (١١)﴾، وقوله تعالى:","vol":"7","page":395},{"text":"﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1879> قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا عَمَّا أُنْذِرُوا مُعْرِضُونَ (٣)﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أن الكفار معرضون عما أنذرتهم به الرسل، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في البقرة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٦)﴾، وقوله في يس: ﴿وَسَوَاءٌ عَلَيهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَأْتِيهِمْ مِنْ آيَةٍ مِنْ آيَاتِ رَبِّهِمْ إلا كَانُوا عَنْهَا مُعْرِضِينَ (٤٦)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوالإِعراض عن الشيء الصدود عنه، وعدم الإِقبال إليه.\nقال بعض العلماء: وأصله من العُرض، بالضم، وهو الجانب؛ لأن المعرض عن الشيء يوليه بجانب عنقه، صادًّا عنه.\nوالإِنذار: الإِعلام المقترن بتهديد؛ فكل إنذار إعلام وليس كل إعلام إنذارًا.\nوقد أوضحنا معاني الإِنذار في أول سورة الأعراف.\nو(ما) في قوله: ﴿عَمَّا أُنْذِرُوْا﴾ قال بعض العلماء: هي موصولة والعائد محذوف، أي الذين كفروا معرضون عن الذي أنذروه، أي خوفوه من عذاب يوم القيامة، وحذف العائد المنصوب بفعل أو وصف مضطرد كما هو معلوم.\nوقال بعض العلماء: هي مصدرية، أي والذين كفروا معرضون عن الإِنذار.\nولكليهما وجه.","vol":"7","page":396},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1880> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤)﴾</span>.\nقد ذكرنا قريبًا أن قوله: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ﴾ يتضمن البرهان القاطع على صحة معنى لا إله إلَّا الله، وأن العلامة الفارقة بين المعبود بحق وبين غيره هي كونه خالقًا، وأول سورة الأحقاف هذه يزيد ذلك إيضاحًا؛ لأنه ذكر من صفات المعبود بحق أنَّه خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق، وذكر من صفات المعبودات المعبودات الأخرى التي عبادتها كفر مُخَلِّدٌ في النار أنَّها لا تخلق شيئًا.\nفقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ أي هذه المعبودات التي تعبدونها من دون الله (أروني ماذا خلقوا من الأرض)، فقوله: (أروني)؛ يراد بها التعجيز والمبالغة في عدم خلقهم شيئًا.\nوعلى أن ﴿مَا﴾ استفهامية، ﴿وَذَا﴾ موصولة، فالمعنى: أروني ما الذي خلقوه من الأرض، وعلى أن ﴿مَا﴾ و﴿وَذَا﴾ بمنزلة كلمة واحدة يراد بها الاستفهام، فالمعنى: أروني أي شيء خلقوه من الأرض.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من لم يخلق شيئًا في الأرض ولم يكن له شرك في السماوات، لا يصح أن يكون معبودًا بحال، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في فاطر: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي","vol":"7","page":397},{"text":"السَّمَاوَاتِ ائْتُونِي بِكِتَابٍ﴾ الآية، وقوله في لقمان: ﴿هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾، وقوله في سبأ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَال ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِنْ شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُمْ مِنْ ظَهِيرٍ (٢٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقد قدمنا طرفًا منها قريبًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ائْتُونِي بِكِتَابٍ مِنْ قَبْلِ هَذَا﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ آتَينَاهُمْ كِتَابًا مِنْ قَبْلِهِ فَهُمْ بِهِ مُسْتَمْسِكُونَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1881> قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ (٥) وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، وفي سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا (٨١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1882> قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار إذا قرئت عليهم آيات هذا القرآن العظيم الذي هو الحق ادعوا أنَّها سحر مبين واضح.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من افترائهم على القرآن أنَّه","vol":"7","page":398},{"text":"سحر، وعلى النبي - ﷺ - أنَّه ساحر، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في سبأ: ﴿وَقَالُوا مَا هَذَا إلا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٤٣)﴾، وقوله تعالى في الزخرف: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمُ الْحَقُّ قَالُوا هَذَا سِحْرٌ وَإِنَّا بِهِ كَافِرُونَ (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إلا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (٢) لَاهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.\nوالآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1883> قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾</span>.\n(أم) هذه هي المنقطعة، وقد قدمنا أنَّها تأتي بمعنى الإِضراب، وتأتي بمعنى همزة الإِنكار، وتأتي بمعناهما معًا وهو الظاهر في هذه الآية الكريمة.\nفَـ (أم) فيها على ذلك تفيد معنى الإِضراب والإِنكار معًا، فهو بمعنى: دع هذا، واسمع قولهم المستنكر، لظهور كذبهم فيه، أن محمدًا افترى هذا القرآن.\nوقد كذبهم الله في هذه الدعوى في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.","vol":"7","page":399},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي إن كنت افتريت هذا القرآن، على سبيل الفرض.\nوالتقدير: عاجلني الله بعقوبته الشديدة، وأنتم لا تملكون لي منه شيئًا، أي لا تقدرون أن تدفعوا عني عذابه إن أراد أن يعذبني على الافتراء، فكيف أفتريه لكم، وأنتم لا تقدرون على دفع عذاب الله عني؟\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤) لأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾.\nفقوله تعالى في آية الحاقة هذه: ﴿وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَينَا بَعْضَ الْأَقَاويلِ (٤٤)﴾ كقوله في آية الأحقاف: ﴿قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ﴾.\nوقوله في الحاقة: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ يوضح معنى قوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾؛ لأن معنى قوله: ﴿فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ (٤٧)﴾ أنهم لا يقدرون على أن يحجزوا عنه أي يدفعوا عنه عقاب الله له بالقتل، لو تقول عليه بعض الأقاويل، وذلك هو معنى قوله: ﴿فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ أي لا تقدرون على دفع عذابه عني.\nونظير ذلك في المعنى قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ وما تضمنته آية الأحقاف هذه وآية الحاقة المبينة لها من أنَّه","vol":"7","page":400},{"text":"لو افترى على الله أو تقول عليه عاجله بالعذاب، وأنه لا يقدر أحد على دفعه عنه، جاء معناه في بعض الآيات، كقوله تعالى في يونس: ﴿قَال الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾ أي إني أخاف إن عصيت ربي بالافتراء عليه بتبديل قرآنه أو الإِتيان بقرآن غيره، عذاب يوم عظيم.\nوذكر الله تعالى مثل هذا عن بعض الرسل في آيات أخر، كقوله عن صالح: ﴿قَال يَاقَوْمِ أَرَأَيتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي مِنْهُ رَحْمَةً فَمَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ عَصَيتُهُ﴾ الآية، وقوله تعالى عن نوح: ﴿وَيَاقَوْمِ مَنْ يَنْصُرُنِي مِنَ اللَّهِ إِنْ طَرَدْتُهُمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1884> قوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ﴾</span>.\nالأظهر في قوله: ﴿بِدْعًا﴾ أنَّه فعل بمعنى المفعول، فهو بمعنى مبتدع، والمبتدع هو الذي أبدع على غير مثال سابق.\nومعنى الآية: قل لهم يا نبي الله: ما كنت أول رسول أرسل إلى البشر، بل قد أرسل الله قبلي جميع الرسل إلى البشر، فلا وجه لاستبعادكم رسالتي، واستنكاركم إياها؛ لأن الله أرسل قبلي رسلًا كثيرة.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجًا وَذُرِّيَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا أَوْحَينَا إِلَيكَ كَمَا أَوْحَينَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿حم (١) عسق (٢) كَذَلِكَ يُوحِي","vol":"7","page":401},{"text":"إِلَيكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٣)، وقوله تعالى: ﴿مَا يُقَالُ لَكَ إلا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1885> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾</span>.\nالتحقيق إن شاء الله، أن معنى الآية الكريمة: ما أدري ما يفعل بي ولا بكم في دار الدنيا، فما أدري أأخرج من مسقط رأسي أو أقتل كما فعل ببعض الأنبياء، وما أدري ما ينالني من الحوادث والأمور في تحمل أعباء الرسالة، وما أدري ما يفعل بكم، أيخسف بكم، أو تنزل عليكم حجارة من السماء، ونحو ذلك.\nوهذا هو اختيار ابن جرير وغير واحد من المحققين.\nوهذا المعنى في هذه الآية دلت عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾ الآية، وقوله تعالى أمرًا له - ﷺ -: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ﴾ الآية.\nوبهذا تعلم أن ما يروى عن ابن عبَّاس وأنس وغيرهما من أن المراد: ﴿مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ أي في الآخرة، فهو خلاف التحقيق، كما سترى إيضاحه إن شاء الله.\nفقد روي عن ابن عبَّاس وأنس وقَتَادة والضحاك وعكرمة والحسن في أحد قوليه أنَّه لما نزل قوله تعالى: ﴿مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا","vol":"7","page":402},{"text":"بِكُمْ﴾ هو فرح المشركون واليهود والمنافقون، وقالوا: كيف نتبع نبيًّا لا يدري ما يفعل به ولا بنا، وأنه لا فضل له علينا، ولولا أنَّه ابتدع الذي يقوله من عند نفسه، لأخبره الذي بعثه بما يفعل به، فنزلت: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ﴾ فنسخت هذه الآية، وقالت الصحابة: هنيئًا لك يا رسول الله  -  ﷺ  -، لقد بين لك الله ما يفعل بك فليت شعرنا ما هو فاعل بنا، فنزلت: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ الآية، ونزلت: ﴿وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنَّ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ فَضْلًا كَبِيرًا (٤٧)﴾.\nفالظاهر أن هذا كله خلاف التحقيق، وأن النبي  -  ﷺ  -  لا يجهل مصيره يوم القيامة؛ لعصمته صلوات الله وسلامه عليه، وقد قال له الله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى (٤) وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ رَبُّكَ فَتَرْضَى (٥)﴾، وأن قوله: ﴿وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ﴾ في أمور الدنيا كما قدمنا.\nفإن قيل: قد صح عن النبي  -  ﷺ  -  من حديث أم العلاء الأنصارية ما يدل على أن قوله: ﴿مَا يُفْعَلُ بِي﴾ أي في الآخرة، فإن حديثها في قصة وفاة عثمان بن مظعون ﵁ عندهم، ودخول رسول الله  -  ﷺ  -، فيه أنَّها قالت: رحمة الله عليك أبا السائب، شهادتي عليك لقد أكرمك الله ﷿، تعني عثمان بن مظعون، فقال رسول الله  -  ﷺ  -: وما يدريك أن الله أكرمه؟ فقلت: لا أدري بأبي أنت وأمي، فقال رسول الله  -  ﷺ  -: \"أما هو فقد جاءه اليقين من ربه، وإني لأرجو له الخير، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي\" الحديث.","vol":"7","page":403},{"text":"فالجواب هو ما ذكره الحافظ ابن كثير ﵀، فقد قال في تفسير هذه الآية الكريمة، بعد أن ساق حديث أم العلاء المذكور بالسند الذي رواه به أحمد ﵀: انفرد به البخاري دون مسلم، وفي لفظ له. \"ما أدري وأنا رسول الله - ﷺ - ما يفعل به\"، وهذا أشبه أن يكون هو المحفوظ، بدليل قولها: فأحزنني ذلك. اهـ. محل الغرض منه، وهو الصواب إن شاء الله، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1886> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَفَرْتُمْ بِهِ﴾</span>.\nجواب الشرط في هذه الآية محذوف، وأظهر الأقوال في تقديره: إن كان هذا القرآن من عند الله وكفرتم به وجحدتموه، فأنتم ضلال ظالمون.\nوكون جزاء الشرط في هذه الآية كونهم ضالين ظالمين، يبينه قوله تعالى في آخر فصلت: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾، وقوله في آية الأحقاف هذه: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (١٠)﴾.\nوقال أَبو حيان في البحر: مفعولا (أرأيتم) محذوفان لدلالة المعنى عليهما، والتقدير: أرأيتم حالكم إن كان كذا، ألستم ظالمين.\nفالأول: حالكم، والثاني: ألستم ظالمين، وجواب الشرط محذوف أي فقد ظلمتم، ولذلك جاء فعل الشرط ماضيًا.","vol":"7","page":404},{"text":"وبعض العلماء يقول: إن ﴿أَرَأَيتُمْ﴾ بمعنى أخبروني.\nوالعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1887> قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ﴾</span>.\nالتحقيق إن شاء الله، أن هذه الآية الكريمة جارية على أسلوب عربي معروف، وهو إطلاق المِثْل على الذات نفسها، كقولهم: مثلك لا يفعل هذا، يعنون لا ينبغي لك أنت أن تفعله.\nوعلى هذا المعنى: وشهد شاهد من بني إسرائيل على أن هذا القرآن وحي منزلٌ حقًّا من عند الله، لا أنَّه شهد على شيء آخر مماثل له، ولذا قال تعالى: ﴿فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ﴾.\nومما يوضح هذا، تكرر إطلاق المثل في القرآن مرادًا به الذات، كقوله تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيتًا فَأَحْيَينَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ﴾ الآية، فقوله: (كمن مثله في الظلمات)، أي كمن هو نفسه في الظلمات، وقوله تعالى: ﴿فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي فإن آمنوا بما آمنتم به، لا بشيء آخر مماثل له، على التحقيق.\nويستأنس له بالقراءة المروية عن ابن عباس وابن مسعود: (فإن آمنوا بما آمنتم به) الآية.\nوالقول بأن لفظة (ما) في الآية مصدرية، وأن المراد تشبيه الإِيمان بالإِيمان، أي: فإن آمنوا مثل إيمانكم فقد اهتدوا، لا يخفى بُعْدُه.","vol":"7","page":405},{"text":"والشاهد في الآية هو عبد الله بن سلام ﵁ كما قال الجمهور، وعليه فهذه الآية مدنية في سورة مكية.\nوقيل: إن الشاهد موسى بن عمران عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وقيل غير ذلك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1888> قوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا لَوْ كَانَ خَيرًا مَا سَبَقُونَا إِلَيهِ﴾</span>.\nأظهر أقوال العلماء في هذه الآية الكريمة، أن الكافرين الذين قالوا للمؤمنين لو كان خيرًا ما سبقونا إليه، أنهم كفار مكة، وأن مرادهم أن فقراء المسلمين وضعفاءهم كبلال وعمار وصهيب وخباب ونحوهم، أحقر عند الله من أن يختار لهم الطَّرِيق التي فيها الخير.\nوأنهم هم الذين لهم عند الله عظمة وجاه واستحقاق السبق لكل خير، لزعمهم أن الله أكرمهم في الدنيا بالمال والجاه، وأن أولئك الفقراء لا مال لهم ولا جاه، وأن ذلك التفضيل في الدنيا يستلزم التفضيل في الآخرة.\nوهذا المعنى الذي استظهرناه في هذه الآية الكريمة تدل له آيات كثيرة من كتاب الله، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nأما ادعاؤهم أن ما أعطوا من المال والأولاد والجاه في الدنيا دليل على أنهم سيعطون مثله في الآخرة، وتكذيب الله لهم في ذلك، فقد جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَال لأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧) أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ","vol":"7","page":406},{"text":"الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨) كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ وَنَمُدُّ لَهُ مِنَ الْعَذَابِ مَدًّا (٧٩)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ مع قوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ (٥٠)﴾.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على هذا في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\nوأما احتقار الكفار لضعفاء المؤمنين وفقرائهم، وزعمهم أنهم أحقر عند الله من أن يصيبهم بخير، وأن ما هم عليه لو كان خيرًا لسبقهم إليه أصحاب الغنى والجاه والولد من الكفار، فقد دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى في الأنعام: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيهِمْ مِنْ بَينِنَا﴾.\nفهمزة الإِنكار في قوله: (أهؤلاء من الله عليهم من بيننا)، تدل على إنكارهم أن الله يمن على أولئك الضعفاء بخير، وقد رد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَيسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ (٥٣) وَإِذَا جَاءَكَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِآيَاتِنَا فَقُلْ سَلَامٌ عَلَيكُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في الأعراف: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨)﴾ [الأعراف: ٤٨] ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (٤٨) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (٤٩)﴾.\nوقوله تعالى في ص: ﴿وَقَالُوا مَا لَنَا لَا نَرَى رِجَالًا كُنَّا نَعُدُّهُمْ مِنَ الْأَشْرَارِ (٦٢) أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا أَمْ زَاغَتْ عَنْهُمُ الْأَبْصَارُ (٦٣)﴾؛ فقد قال غير","vol":"7","page":407},{"text":"واحد: إن الرجال الذين كانوا يعدونهم من الأشرار هم ضعفاء المسلمين الذين كانوا يسخرون منهم في دار الدنيا ويزعمون أنهم أحقر من أن ينالهم الله بخير، ويدل له قوله: ﴿أَتَّخَذْنَاهُمْ سِخْرِيًّا﴾، وسيسخر ضعفاء المسلمين في الجنَّة من الكفار الذين كانوا يسخرون منهم في الدنيا وهم في النار، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1889> قوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ مُصَدِّقٌ لِسَانًا عَرَبِيًّا لِيُنْذِرَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ (١٩٥) وَإِنَّهُ لَفِي زُبُرِ الْأَوَّلِينَ (١٩٦)﴾ وفي سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيرَ ذِي عِوَجٍ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1890> قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَبُشْرَى لِلْمُحْسِنِينَ (١٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له مع بيان أنواع الإِنذار في القرآن في أول سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ﴾ الآية، وفي أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿لِيُنْذِرَ بَأْسًا شَدِيدًا مِنْ لَدُنْهُ وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1891> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة فصلت في الكلام على","vol":"7","page":408},{"text":"قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1892> قوله تعالى: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ إِحْسَانًا﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر وأَبو عمرو: (حُسْنًا) بضم الحاء وسكون السين، وكذلك هو في مصاحفهم.\nوقرأه عاصم وحمزة والكسائي: (إحسانًا) بهمزة مكسورة وإسكان الحاء وألف بعد السين.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَينِ إِحْسَانًا﴾.\nوقال أَبو حيان في البحر: قيل: ضَمَّنَ ﴿وَوَصَّينَا﴾ معنى ألزمنا، فيتعدى لاثنين، فانتصب (حسنًا) و(إحسانًا) على المفعول الثاني لوصينا.\nوقيل: التقدير: إيصاء ذا حسن أو ذا إحسان، ويجوز أن يكون حسنًا بمعنى إحسان، فيكون مفعولًا له، أي ووصيناه بها لإِحساننا إليهما، فيكون الإِحسان من الله تعالى.\nوقيل: النصب على المصدر على تضمين معنى أحسنا بالوصية للإنسان بوالديه إحسانًا. اهـ. وكلها له وجه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1893> قوله تعالى: ﴿حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وأَبو عمرو وهشام عن ابن عامر: (كَرْهًا) بفتح الكاف في الموضعين.","vol":"7","page":409},{"text":"وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر: (كُرهًا) بضم الكاف في الموضعين.\nوهما لغتان، كالضُّعف والضَّعف.\nومعنى حملته كرهًا: أنَّها في حال حملها به تلاقي مشقة شديدة.\nومن المعلوم ما تلاقيه الحامل من المشقة والضعف إذا أثقلت وكبر الجنين في بطنها.\nومعنى وضعته كرهًا: أنَّها في حالة وضع الولد، تلاقي من ألم الطلق وكربه مشقة شديدة، كما هو معلوم.\nوهذه المشاق العظيمة التي تلاقيها الأم في حمل الولد ووضعه، لا شك أنَّها يعظم حقها بها، ويتحتم برها والإِحسان إليها، كما لا يخفى.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من المشقة التي تعانيها الحامل، دلت عليه آية أخرى، وهي قوله تعالى في لقمان: ﴿وَوَصَّينَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا﴾ أي تهن به وهنًا على وهن، أي ضعفًا على ضعف؛ لأن الحمل كلما تزايد وعظم في بطنها ازدادت ضعفًا على ضعف.\nوقوله في آية الأحقاف هذه: (كرهًا) في الموضعين، مصدر منكَّر، وهو حال، أي حملته ذات كره ووضعته ذات كره، وإتيان المصدر المنكَّر حالًا كثير، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\nومصدر منكر حالًا يقع ... بكثرة كبغتة زيد طلع","vol":"7","page":410},{"text":"وقال بعضهم: (كرهًا) في الموضعين نعت لمصدر، أي حملته حملًا ذا كره، ووضعته وضعًا ذا كره، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1894> قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة ليس فيها بانفرادها تعرض لبيان أقل مدة الحمل، ولكنها بضميمة بعض الآيات الأخرى إليها يعلم أقل أمد الحمل؛ لأن هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف صرحت بأن أمد الحمل والفصال معًا ثلاثون شهرًا، وقوله تعالى في لقمان: ﴿وَفِصَالُهُ فِي عَامَيَنِ﴾، وقوله في البقرة: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ يبين أن أمد الفصال عامان وهما أربعة وعشرون شهرًا، فإذا طرحتها من الثلاثين بقيت ستة أشهر، فتعين كونها أمدًا للحمل، وهي أقله، ولا خلاف في ذلك بين العلماء.\nودلالة هذه الآيات على أن ستة أشهر أمد للحمل هي المعروفة عند علماء الأصول بدلالة الإِشارة.\nوقد أوضحنا الكلام عليها في مباحث الحج، في سورة الحج، في مبحث أقوال أهل العلم في حكم المبيت بمزدلفة، وأشرنا بهذا النوع من البيان في ترجمة هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1895> قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ﴾، وفي ترجمة هذا الكتاب المبارك.\n\n• قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ","vol":"7","page":411},{"text":"حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (١٧) أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية.\nالتحقيق إن شاء الله أن (الذي) في قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيهِ﴾ لمعنى الذين، وأن الآية عامة في كل عاق لوالديه مكذب بالبعث.\nوالدليل من القرآن على أن (الذي)، بمعنى الذين، وأن المراد به العموم، أن (الذي) في قوله: ﴿وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيهِ﴾ مبتدأ خبره قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ﴾ الآية.\nوالإِخبار عن لفظة (الذي) في قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ الْقَوْلُ﴾ بصيغة الجمع، صريح في أن المراد بِـ (الذي)، العموم لا الإِفراد. وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوبهذا الدليل القرآني تعلم أن قول من قال في هذه الآية الكريمة إنها نازلة في عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄، ليس صحيح، كما جزمت عائشة ﵂ ببطلانه.\nوفي نفس آية الأحقاف هذه دليل آخر واضح على بطلانه، وهو أن الله صرح بأن الذين قالوا تلك المقالة حق عليهم القول، وهو قوله: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾.\nومعلوم أن عبد الرحمن بن أبي بكر ﵄ أسلم وحسن إسلامه، وهو من خيار المسلمين وأفاضل الصحابة، ﵃.\nوغاية ما في هذه الآية الكريمة هو إطلاق الذي وإرادة الذين، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب؛ لأن لفظ الذي مفرد ومعناها","vol":"7","page":412},{"text":"عام لكل ما تشمله صلتها، وقد تقرر في علم الأصول أن الموصولات كالذي والتي وفروعهما من صيغ العموم، كما أشار له في مراقي السعود لقوله:\nصِيَغُه كل أو الجميع ... وقد تلا الذي التي الفروع\nفمن إطلاق الذي وإرادة الذين، في القرآن: هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف، وقوله تعالى في سورة البقرة: ﴿مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا﴾ الآية، أي كمثل الذين استوقدوا، بدليل قوله: ﴿ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ (١٧)﴾ بصيغة الجمع في الضمائر الثلاثة التي هي: ﴿بِنُورِهِمْ﴾، ﴿وَتَرَكَهُمْ﴾، والواو في: ﴿لَا يُبْصِرُونَ﴾، وقوله تعالى في البقرة أيضًا: ﴿كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالهُ رِئَاءَ النَّاسِ﴾ أي كالذين ينفقون، بدليل قوله: ﴿لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيءٍ مِمَّا كَسَبُوا﴾، وقوله في الزمر: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (٣٣)﴾ وقوله في التوبة: ﴿وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا﴾ أي كالذين خاضوا، بناء على أنَّها موصولة لا مصدرية.\nونظير ذلك من كلام العرب قول أشهب بن رميلة:\nفإن الذي حانت بفلج دماؤهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد\nوقول عديل بن الفرخ العجلي:\nوبت أساقي القوم إخوتي الذي ... غوايتهم غيي ورشدهم رشدي\nوقول الراجز:\nيا رب عبس لا تبارك في أحد ... في قائم منهم ولا في من قعد\n\n• إلَّا الذي قاموا بأطراف المسد *\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أُفٍّ لَكُمَا﴾ كلمة تضجر.","vol":"7","page":413},{"text":"وقائل ذلك عاق لوالديه، غير مجتنب نهي الله في قوله: ﴿إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ﴾ الآية.\nوقوله: ﴿أَتعِدَانِنِي﴾ فعل مضارع وعد، وحَذْفُ وأوه في المضارع مطرد، كما ذكره في الخلاصة بقوله:\nفا أمرٍ أو مضارع مِنْ كَوَعَدْ ... احذف وفي كعدة ذاك اطرد\nوالنون الأولى نون الرفع، والثانية نون الوقاية كما لا يخفى.\nوقرأ هذا الحرف أَبو عمرو وابن عامر في رواية ابن ذكوان وعاصم وحمزة والكسائي: (أتعدانني) بنونين مكسورتين مخففتين وياء ساكنة.\nوقرأه هشام عن ابن عامر بنون مشددة مكسورة وبياء ساكنة.\nوقرأه نافع وابن كثير بنونين مكسورتين مخففتين وياء مفتوحة، والهمزة للإِنكار.\nوقوله: ﴿أَنْ أَخْرَجَ﴾ أي أبعث من قبري حيًّا بعد الموت.\nوالمصدر المنسبك من أن وصلتها هو المفعول الثاني لتعدانني، يعني أتعدانني الخروج من قبري حيًّا بعد الموت، والحال قد مضت القرون، أي هلكت الأمم الأولى ولم يحي منهم أحد ولم يرجع بعد أن مات.\n(وهما) أي والداه (يستغيثان الله) أي يطلبانه أن يغيثهما بأن يهدي ولدهما إلى الحق والإِقرار بالبعث، ويقولان لولدهما: (ويلك آمن) أي بالله وبالبعث بعد الموت.\nوالمراد بقولهما: (ويلك) حثه على الإِيمان إن وعد الله حق، أي وعده بالبعث بعد الموت حق لا شك فيه، فيقول ذلك الولد العاق","vol":"7","page":414},{"text":"المنكر للبعث: ﴿مَا هَذَا﴾ أي الذي تعدانني إياه من البعث بعد الموت ﴿إِنْ هَذَا إلا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (٢٥)﴾.\nوالأساطير جمع أسطورة. وقيل: جمع إسطارة، ومراده بها ما سطره الأولون، أي كتبوه من الأشياء التي لا حقيقة لها.\nوقوله: ﴿أُوْلَئِكَ﴾ ترجع الإِشارة فيه إلى العاقين المكذبين بالبعث، المذكورين في قوله: ﴿وَالَّذِي قَال لِوَالِدَيهِ أُفٍّ لَكُمَا﴾ الآية.\nوقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيهِمُ﴾ أي وجبت عليهم كلمة العذاب.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (٧)﴾.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن منكري البعث يحق عليهم القول لكفرهم، قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1896> قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾</span>.\nمعنى الآية الكريمة أنَّه يقال للكفار يوم يعرضون على النار: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾.\nفقوله يعرضون على النار: قال بعض العلماء: معناه يباشرون حرها، كقول العرب: عرضهم على السيف، إذا قتلهم به، وهو معنى معروف في كلام العرب.","vol":"7","page":415},{"text":"وقد ذكر تعالى مثل ما ذكر هنا في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَلَيسَ هَذَا بِالْحَقِّ﴾، وهذا يدل على أن المراد بالعرض مباشرة العذاب؛ لقوله: ﴿قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَال فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِـ (٤٥) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، لأنه عرض عذاب.\nوقال بعض العلماء: معنى عرضهم على النار هو تقريبهم منها، والكشف لهم عنها حتَّى يروها، قال تعالى: ﴿وَرَءا الْمُجْرِمُونَ النَّارَ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ﴾.\nوقال بعض العلماء: في الكلام قلب. وهو مروي عن ابن عبَّاس وغيره.\nقالوا: والمعنى: ويوم تعرض النار على الذين كفروا، قالوا: وهو كقول العرب: عرضت الناقة على الحوض، يعنون عرضت الحوض على الناقة، ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿وَعَرَضْنَا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكَافِرِينَ عَرْضًا (١٠٠)﴾.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له:\nهذا النوع الذي ذكروه من القلب في الآية، كقلب الفاعل مفعولًا، والمفعول فاعلًا، ونحو ذلك، اختلف فيه علماء العربية، فمنعه البلاغيون إلَّا في التشبيه، فأجازوا قلب المشبه مشبهًا به والمشبه به مشبهًا بشرط أن يتضمن ذلك نكتة وسرًا لطيفًا، كما هو المعروف عندهم في مبحث التشبيه المقلوب.\nوأجازه كثير من علماء العربية.\nوالذي يظهر لنا أنَّه أسلوب عربي نطقت به العرب في لغتها،","vol":"7","page":416},{"text":"إلَّا أنَّه يحفظ ما سمع منه ولا يقاس عليه، ومن أمثلته في التشبيه قول الراجز:\nومنهل مغبرة أرجاؤه ... كأن لون أرضه سماؤه\nأي كأن سماءه لون أرضه، وقول الآخر:\nوبدا الصباح كأن غرته ... وجه الخليفة حين يمتدح\nلأن أصل المراد تشبيه وجه الخليفة بغرة الصباح، فقلب التشبيه ليوهم أن الفرع أقوى من الأصل في وجه الشبه.\nقالوا: ومن أمثلته في القرآن: ﴿وَآتَينَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ﴾ لأن العصبة من الرجال هي التي تنوء بالمفاتيح أي تنهض بها بمشقة وجهد لكثرتها وثقلها، وقوله تعالى: ﴿فَعَمِيَتَ عَلَيهُمُ الأَنْبَاءُ﴾ أي عموا عنها.\nومن أمثلته في كلام العرب قول كعب بن زهير:\nكأن أوب ذراعيها إذا عرقت ... وقد تلفع بالقور العساقيل\nلأن معنى قوله: \"تلفع\" لبس اللفاع وهو اللحاف، والقور: الحجارة العظام، والعساقيل: السراب.\nوالكلام مقلوب؛ لأن القور هي التي تلتحف بالعساقيل لا العكس، كما أوضحه لبيد في معلقته بقوله:\nفبتلك إذ رقص اللوامع بالضحى ... واجتاب أردية السراب إكامها\nفصرح بأن الإِكام التي هي الحجارة اجتابت أي لبست أردية السراب، والأردية جمع رداء.","vol":"7","page":417},{"text":"وهذا النوع من القلب وإن أجازه بعضهم فلا ينبغي حمل الآية عليه؛ لأنه خلاف الظاهر، ولا دليل عليه يجب الرجوع إليه.\nوظاهر الآية جار على الأسلوب العربي الفصيح، كما أوضحه أَبو حيان في البحر المحيط.\nوقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ قرأه ابن كثير وابن عامر: (أأذهبتم) بهمزتين، وهما على أصولهما في ذلك، فابن كثير يسهل الثانية بدون ألف إدخال بين الهمزتين، وهشام يحققها ويسهلها مع ألف الإِدخال، وابن ذكوان يحققها من غير إدخال.\nوقرأه نافع وأَبو عمرو وعاصم وحمزة والكسائي: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ بهمزة واحدة على الخبر من غير استفهام.\nواعلم أن للعلماء كلامًا كثيرًا في هذه الآية، قائلين إنها تدل على أنَّه ينبغي التقشف والإِقلال من التمتع بالمآكل والمشارب والملابس ونحو ذلك، وأن عمر بن الخطاب ﵁ كان يفعل ذلك خوفًا منه أن يدخل في عموم من يقال لهم يوم القيامة: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا﴾ الآية.\nوالمفسرون يذكرون هنا آثارًا كثيرة في ذلك، وأحوال أهل الصفة وما لاقوه من شدة العيش.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له:\nالتحقيق  -  إن شاء الله  -  في معنى هذه الآية هو أنَّها في الكفار وليست في المؤمنين الذين يتمتعون باللذات التي أباحها الله لهم؛ لأنه تعالى ما أباحها لهم ليذهب بها حسناتهم.","vol":"7","page":418},{"text":"وإنَّما قلنا: إن هذا هو التحقيق؛ لأن الكتاب والسنة الصحيحة دالان عليه، والله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية.\nأما كون الآية في الكفار فقد صرح الله تعالى به في قوله: ﴿وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ﴾ الآية.\nوالقرآن والسنة الصحيحة قد دلا على أن الكافر إن عمل عملًا صالحًا مطابقًا للشرع، مخلصًا فيه لله، كالكافر الذي يبر والديه، ويصل الرحم، ويقري الضيف، وينفس عن المكروب، ويعين المظلوم، يبتغي بذلك وجه الله؛ يثاب بعمله في دار الدنيا خاصة بالرزق والعافية، ونحو ذلك، ولا نصيب له في الآخرة.\nفمن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾.\nوقد قيد تعالى هذا الثواب الدنيوي المذكور في الآيات بمشيئته وإرادته، في قوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَدْحُورًا (١٨)﴾.\nوقد ثبت في صحيح مسلم من حديث أَنس أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"إن الله لا يظلم مؤمنًا حسنة، يعطى بها في الدنيا ويجزى بها في الآخرة، وأما الكافر فيطعم بحسناته، ما عمل بها لله، في الدنيا، حتَّى","vol":"7","page":419},{"text":"إذا أفضى إلى الآخرة لم تكن له حسنة يجزى بها\" هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوفي لفظ له عن رسول الله  -  ﷺ  -: \"إن الكافر إذا عمل حسنة أطعم بها طعمة في الدنيا، وأما المؤمن فإن الله يدخر له حسناته في الآخرة ويعقبه رزقًا في الدنيا على طاعته\". اهـ.\nفهذا الحديث الثابت عن النبي  -  ﷺ  -  فيه التصريح بأن الكافر يجازى بحسناته في الدنيا فقط، وأن المؤمن يجازى بحسناته في الدنيا والآخرة معًا، وبمقتضى ذلك يتعين تعيينًا لا محيص عنه أن الذي أذهب طيباته في الدنيا واستمتع بها هو الكافر؛ لأنه لا يجزى بحسناته إلَّا في الدنيا خاصة.\nوأما المؤمن الذي يجزى بحسناته في الدنيا والآخرة معًا، فلم يذهب طيباته في الدنيا؛ لأن حسناته مدخرة له في الآخرة، مع أن الله تعالى يثيبه بها في الدنيا كما قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا (٢) وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ فجعل المخرج من الضيق له ورزقه من حيث لا يحتسب ثوابًا في الدنيا، وليس ينقص أجر تقواه في الآخرة.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وعلى كل حال، فالله جل وعلا أباح لعباده على لسان نبيه  -  ﷺ  -  الطيبات في الحياة الدنيا، وأجاز لهم التمتع بها، ومع ذلك جعلها خاصة بهم في الآخرة، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣٢)﴾.\nفدل هذا النص القرآني أن تمتع المؤمنين بالزينة والطيبات من","vol":"7","page":420},{"text":"الرزق في الحياة الدنيا لم يمنعهم من اختصاصهم بالتنعم بذلك يوم القيامة، وهو صريح في أنهم لم يذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا.\nولا ينافي هذا أن من كان يعاني شدة الفقر في الدنيا كأصحاب الصفة، يكون لهم أجر زائد على ذلك؛ لأن المؤمنين يؤجرون بما يصيبهم في الدنيا من المصائب والشدائد، كما هو معلوم.\nوالنصوص الدالة على أن الكافر هو الذي يذهب طيباته في الحياة الدنيا؛ لأنه يجزى في الدنيا فقط، كالآيات المذكورة، وحديث أَنس المذكور عند مسلم، قد قدمناها موضحة في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾ وذكرنا هناك أسانيد الحديث المذكور وألفاظه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ أي عذاب الهوان وهو الذل والصغار.\nوقوله تعالى: ﴿بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ (٢٠)﴾، الباء في قوله: (بما كنتم) سببية، و(ما) مصدرية، أي تجزون عذاب الهون بسبب كونكم مستكبرين في الأرض، وكونكم فاسقين.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون الاستكبار في الأرض والفسق من أسباب عذاب الهون، وهو عذاب النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿أَلَيسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْمُتَكَبِّرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ﴾ الآية.\nوقد قدمنا النتائج الوخيمة الناشئة عن التكبر في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ الآية.","vol":"7","page":421},{"text":"وقوله تعالى: ﴿بِغَيرِ الْحَقِّ﴾ مع أنَّه من المعلوم أنهم لا يستكبرون في الأرض إلَّا استكبارًا متلبسًا بغير الحق، كقوله تعالى: ﴿وَلَا طَائِرٍ يَطِيُر بِجَنَاحَيهِ﴾ ومعلوم أنَّه لا يطير إلَّا بجناحيه، وقوله: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيدِيهِمْ﴾ ومعلوم أنهم لا يكتبونه إلَّا بأيديهم، ونحو ذلك من الآيات، وهو أسلوب عربي نزل به القرآن.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1897> قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ أَخَا عَادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقَافِ﴾</span>.\nأبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة أخا عاد ولم يعينه، ولكنه بين في آيات أخرى أنَّه هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا﴾ في سورة الأعراف، وسورة هود، وغير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1898> قوله تعالى: ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (٢١)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن النبي هودًا نهى قومه أن يعبدوا غير الله، وأمرهم بعبادته تعالى وحده، وأنه خوفهم من عذاب الله إن تمادوا في شركهم به.\nوهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية جاءا موضحين في آيات أخر.\nأما الأول منهما، ففي قوله تعالى: ﴿وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيرُهُ﴾ في سورة الأعراف، وسورة هود، ونحو ذلك من الآيات.\nوأما خوفه عليهم العذاب العظيم، فقد ذكره في الشعراء في","vol":"7","page":422},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي أَمَدَّكُمْ بِمَا تَعْلَمُونَ (١٣٢) أَمَدَّكُمْ بِأَنْعَامٍ وَبَنِينَ (١٣٣) وَجَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٣٤) إِنِّي أَخَافُ عَلَيكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٣٥)﴾ وهو يوم القيامة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1899> قوله تعالى: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَأْفِكَنَا عَنْ آلِهَتِنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٢٢)﴾</span>.\nومعنى قوله تعالى: (لتأفكنا عن آلهتنا) أي لتصرفنا عن عبادتها إلى عبادة الله وحده.\nوقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين:\nأحدهما: إنكار عاد على هود أنه جاءهم ليتركوا عبادة الأوثان، ويعبدوا الله وحده.\nوالثاني: أنهم قالوا له: ائتنا بما تعدنا من العذاب وعجله لنا إن كنت صادقًا فيما تقول، عنادًا منهم وعتوًا.\nوهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (٧٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1900> قوله تعالى: ﴿وَأُبَلِّغُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبي الله هودًا قال لقومه: إنه يبلغهم ما أرسل به إليهم؛ لأنه ليس عليه إلا البلاغ، وهذا المعنى جاء مذكورًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿قَال يَاقَوْمِ لَيسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٦٧) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (٦٨)﴾، وقوله تعالى في سورة هود: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ مَا أُرْسِلْتُ بِهِ إِلَيكُمْ﴾ الآية.","vol":"7","page":423},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1901> قوله تعالى: ﴿بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيهَا عَذَابٌ أَلِيمٌ (٢٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1902> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾</span>.\nلفظة (إن) في هذه الآية الكريمة فيها للمفسرين ثلاثة أوجه، يدل استقراء القرآن على أن واحدًا منها هو الحق، دون الاثنين الآخرين.\nقال بعض العلماء: (إن) شرطية وجزاء الشرط محذوف، والتقدير: إن مكناكم فيه طغيتم وبغيتم.\nوقال بعضهم: (إن) زائدة بعد (ما) الموصولة، حملًا لـ (ما) الموصولة على (ما) النافية؛ لأن (ما) النافية تزاد بعدها لفظة (إن) كما هو معلوم.\nكقول قتيلة بنت الحارث - أو النضر - العبدرية:\nأبلغ بها ميتًا بأن تحية ... ما إن تزال بها النجائب تخفق\nوقول دريد بن الصمة في الخنساء:\nما إن رأيت ولا سمعت به ... كاليوم طالي أينق جرب\nفـ (إن) زائدة بعد (ما) النافية في البيتين، وهو كثير، وقد حملوا على ذلك (ما) الموصولة فقالوا: تزاد بعدها (إن) كآية الأحقاف هذه، وأنشد لذلك الأخفش:\nيرجي المرء ما إن لا يراه ... وتعرض دون أدناه الخطوب","vol":"7","page":424},{"text":"أي يرجي المرء الشيء الذي لا يراه؛ و(إن) زائدة.\nوهذان هما الوجهان اللذان لا تظهر صحة واحدٍ منهما.\nلأن الأول منهما فيه حذف وتقدير.\nوالثاني منهما فيه زيادة كلمة.\nوكل ذلك لا يصار إليه إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nأما الوجه الثالث الذي هو الصواب إن شاء الله، فهو أن لفظة (إن) نافية بعد (ما) الموصولة، أي ولقد مكناهم في الذي ما مكناكم فيه، من القوة في الأجسام، وكثرة الأموال والأولاد والعدد.\nوإنما قلنا: إن القرآن يشهد لهذا القول؛ لكثرة الآيات الدالة عليه؛ فإن الله جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه يهدد كفار مكة بأن الأمم الماضية كانت أشد منهم بطشًا وقوة، وأكثر منهم عددًا، وأموالًا، وأولادًا، فلما كذبوا الرسل أهلكهم الله؛ ليخافوا من تكذيب النبي  -  ﷺ  -  أن يهلكهم الله بسببه، كما أهلك الأمم التي هي أقوى منهم، كقوله تعالى في المؤمن: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢)﴾.\nوقوله فيها أيضًا: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَآثَارًا فِي الْأَرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في الرومِ: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا﴾ الآية.","vol":"7","page":425},{"text":"وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1903> قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الجاثية في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُغْنِي عَنْهُمْ مَا كَسَبُوا شَيئًا وَلَا مَا اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١٠)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1904> قوله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَاقَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة من سورة الأحقاف أنه صرف إلى النبي - ﷺ - ﴿نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ﴾، والنفر دون العشرة ﴿يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ﴾ وأنهم لما حضروه قال بعضهم لبعض: ﴿أَنْصِتُوا﴾ أي اسكتوا مستمعين، وأنه لما قضي، أي انتهى النبي - ﷺ - من قراءته ﴿وَلَّوْا﴾ أي رجعوا ﴿إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ﴾ من الجن في حال كونهم ﴿مُنْذِرِينَ﴾ أي مخوفين لهم من عذاب الله إن لم يؤمنوا بالله، ويجيبوا داعيه محمدًا - ﷺ -. وأخبروا قومهم أن هذا الكتاب الذي سمعوه يتلى، المنزل من بعد موسى، ﴿يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ﴾ وهو ضد الباطل، ﴿وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠)﴾ أي لا اعوجاج فيه.\nوقد دل القرآن العظيم أن استماع هؤلاء النفر من الجن،","vol":"7","page":426},{"text":"وقولهم ما قالوا عن القرآن، كله وقع ولم يعلم به النبي - ﷺ - حتى أوحى الله ذلك إليه، كما قال تعالى في القصة بعينها، مع بيانها وبسطها، بتفصيل الأقوال التي قالتها الجن بعد استماعهم القرآن العظيم: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعْنَا قُرْآنًا عَجَبًا (١) يَهْدِي إِلَى الرُّشْدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَنْ نُشْرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا (٢)﴾ إلى آخر الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1905> قوله تعالى: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾</span>.\nمنطوق هذه الآية أن من أجاب داعي الله محمدًا - ﷺ - وآمن به، وبما جاء به من الحق غفر الله له ذنوبه، وأجاره من العذاب الأليم، ومفهومها، أعني مفهوم مخالفتها، المعروف بدليل الخطاب، أن من لم يجب داعي الله عن الجن ولم يؤمن به لم يغفر له، ولم يجره من عذاب أليم، بل يعذبه ويدخله النار، وهذا المفهوم جاء مصرحًا به مبينًا في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nأما دخول المؤمنين المجيبين داعي الله من الجن الجنة، فلم تتعرض له الآية الكريمة بإثبات ولا نفي، وقد دلت آية أخرى على أن المؤمنين من الجن يدخلون الجنة، وهي قوله تعالى في سورة الرحمن: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾، وبه","vol":"7","page":427},{"text":"تعلم أن ما ذهب إليه بعض أهل العلم، قائلين إنه يفهم من هذه الآية، من أن المؤمنين من الجن لا يدخلون الجنة، وأن جزاء إيمانهم وإجابتهم داعي الله هو الغفران وإجارتهم من العذاب الأليم فقط، كما هو نص الآية، كله خلاف التحقيق.\nوقد أوضحنا ذلك في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب، عن آيات الكتاب\" في الكلام على هذه الآية من سورة الأحقاف، فقلنا فيه ما نصه:\nهذه الآية يفهم من ظاهرها، أن جزاء المطيع من الجن غفران ذنوبه، وإجارته من عذاب أليم، لا دخوله الجنة.\nوقد تمسك جماعة من العلماء منهم الإِمام أبو حنيفة رحمه الله تعالى بظاهر هذه الآية، فقالوا إن المؤمنين المطيعين من الجن لا يدخلون الجنة، مع أنه جاء في آية أخرى ما يدل على أن مؤمنيهم في الجنة، وهي قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾؛ لأنه تعالى بين شموله للجن والإنس، بقوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾.\nويستأنس لهذا بقوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ﴾، فإنه يشير إلى أن في الجنة جنًا يطمثون النساء كالإِنس.\nوالجواب عن هذا: أن آية الأحقاف نُصَّ فيها على الغفران والإِجارة من العذاب، ولم يُتَعَرَّض فيها لدخول الجنة بنفي ولا إثبات، وآية الرحمن نص فيها على دخولهم الجنة؛ لأنه تعالى قال فيها: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾.\nوقد تقرر في الأصول أن الموصولات من صيغ العموم،","vol":"7","page":428},{"text":"فقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ﴾، يعم كل خائف مقام ربه، ثم صرح بشمول ذلك للجن والإِنس معًا بقوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾.\nفبين أن الوعد بالجنتين لمن خاف مقام ربه من آلائه، أي نعمه على الإِنس والجن، فلا تعارض بين الآيتين؛ لأن إحداهما بينت ما لم تعرض له الأخرى.\nولو سلمنا أن قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١)﴾ يفهم منه عدم دخولهم الجنة، فإنه إنما يدل عليه بالمفهوم، وقوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦) فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (٤٧)﴾ يدل على دخولهم الجنة بعموم المنطوق.\nوالمنطوق مقدم على المفهوم كما تقرر في الأصول.\nولا يخفى أنا إذا أردنا تحقيق هذا المفهوم المدعى وجدناه معدومًا من أصله؛ للإِجماع على أن قسمة المفهوم ثنائية، إما أن يكون مفهوم موافقة أو مخالفة ولا ثالث.\nولا يدخل هذا المفهوم المدعى في شيء من أقسام المفهومين.\nأما عدم دخوله في مفهوم الموافقة بقسميه فواضح.\nوأما عدم دخوله في شيء من أنواع مفهوم المخالفة؛ فلأن عدم دخوله في مفهوم الحصر أو الغاية أو العدد أو الصفة أو الظرف، واضح.\nفلم يبق من أنواع مفهوم المخالفة يتوهم دخوله فيه إلا مفهوم الشرط أو اللقب، وليس داخلًا في واحد منهما.\nفظهر عدم دخوله فيه أصلًا.","vol":"7","page":429},{"text":"أما وجه توهم دخوله في مفهوم الشرط؛ فلأن قوله: ﴿يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ فعل مضارع مجزوم بكونه جزاء الطلب.\nوجمهور علماء العربية على أن الفعل إذا كان كذلك فهو مجزوم بشرط مقدر، لا بالجملة قبله، كما قيل به.\nوعلى الصحيح الذي هو مذهب الجمهور، فتقرير المعنى: ﴿أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ﴾ إن تفعلوا ذلك يغفر لكم، فيتوهم في الآية مفهوم هذا الشرط المقدر.\nوالجواب عن هذا: أن مفهوم الشرط عند القائل به، إنما هو في فعل الشرط لا في جزائه، وهو معتبر هنا في فعل الشرط على عادته، فمفهوم أن تجيبوا داعي الله وتؤمنوا به يغفر لكم، أنهم إن لم يجيبوا داعي الله ولم يؤمنوا به لم يغفر لهم، وهو كذلك.\nأما جزاء الشرط فلا مفهوم له؛ لاحتمال أن تترتب على الشرط الواحد مشروطات كثيرة، فيذكر بعضها جزاء له فلا يدل على نفي غيره، كما لو قلت لشخص مثلًا: إن تسرق يجب عليك غرم ما سرقت. فهذا الكلام حق، ولا يدل على نفي غير الغرم كالقطع؛ لأن قطع اليد مرتب أيضًا على السرقة كالغرم.\nوكذلك الغفران، والإِجارة من العذاب، ودخول الجنة، كلها مرتبة على إجابة داعي الله والإِيمان به، فذكر في الآية بعضها وسكت فيها عن بعض، ثم بين في موضع آخر، وهذا لا إشكال فيه.\nوأما وجه توهم دخوله في مفهوم اللقب؛ فلأن اللقب في","vol":"7","page":430},{"text":"اصطلاح الأصوليين هو ما لم يمكن انتظام الكلام العربي دونه، أعني المسند إليه، سواء كان لقبًا أو كنية أو اسمًا أو اسم جنس أو غير ذلك.\nوقد أوضحنا اللقب غاية في المائدة.\nوالجواب عن عدم دخوله في مفهوم اللقب: أن الغفران والإِجارة من العذاب، المدعى بالفرض أنهما لقبان لجنس مصدريهما، وأن تخصيصهما بالذكر يدل على نفي غيرهما في الآية، سندان لا مسند إليهما؛ بدليل. أن المصدر فيهما كامن في الفعل، ولا يستند إلى الفعل إجماعًا ما لم يرد مجرد لفظه على سبيل الحكاية.\nومفهوم اللقب عند القائل به إنما هو فيما إذا كان اللقب مسندًا إليه؛ لأن تخصيصه بالذكر عند القائل به يدل على اختصاص الحكم به دون غيره، وإلا لما كان للتخصيص بالذكر فائدة، كما عللوا به مفهوم الصفة.\nوأجيب من جهة الجمهور: بأن اللقب ذكر ليمكن الحكم لا لتخصيصه بالحكم، إذ لا يمكن الإِسناد بدون مسند إليه.\nومما يوضح ذلك: أن مفهوم الصفة الذي حمل عليه اللقب عند القائل به إنما هو في المسند إليه لا في المسند؛ لأن المسند إليه هو الذي تراعى أفراده وصفاتها، فيقصد بعضها بالذكر دون بعض، فيختص الحكم بالمذكور.\nأما المسند، فإنه لا يراعى فيه شيء من الأفراد والأوصاف أصلًا، وإنما يراعى فيه مجرد الماهية التي هي الحقيقة الذهنية.","vol":"7","page":431},{"text":"ولو حكمت مثلًا على الإِنسان بأنه حيوان، فإن المسند إليه الذي هو الإِنسان في هذا المثال يقصد به جميع أفراده؛ لأن كل فرد منها حيوان، بخلاف المسند الذي هو الحيوان في هذا المثال فلا يقصد به إلا مطلق ماهيته وحقيقته الذهنية من غير مراعاة الأفراد؛ لأنه لو روعيت أفراده لاستلزم الحكم على الإِنسان بأنه فرد آخر من أفراد الحيوان كالفرس مثلًا.\nوالحكم بالمباين على المباين باطل إذا كان إيجابيًّا، باتفاق العقلاء.\nوعامة النظار على أن موضوع القضية إذا كانت غير طبيعية يراعى فيه ما يصدق عليه عنوانها من الأفراد باعتبار الوجود الخارجي إن كانت خارجية أو الذهني إن كانت حقيقية، وأما المحمول من حيث هو فلا تراعى فيه الأفراد البتة، وإنما يراعى فيه مطلق الماهية.\nولو سلمنا تسليمًا جدليًّا أن مثل هذه الآية يدخل في مفهوم اللقب، فجماهير العلماء على أن مفهوم اللقب لا عبرة به، وربما كان اعتباره كفرًا، كما لو اعتبر معتبر مفهوم اللقب في قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ﴾ فقال: يفهم من مفهوم لقبه أن غير محمد  -  ﷺ  -  لم يكن رسول الله، فهذا كفر بإجماع المسلمين.\nفالتحقيق أن اعتبار مفهوم اللقب لا دليل عليه شرعًا ولا لغة ولا عقلًا، سواء كان اسم جنس، أو اسم عين، أو اسم جمع، أو غير ذلك.\nفقولك: جاء زيد، لا يفهم منه عدم مجيء عمرو.","vol":"7","page":432},{"text":"وقولك: رأيت أسدًا، لا يفهم منه عدم رؤيتك لغير الأسد.\nوالقول بالفرق بين اسم الجنس فيعتبر، واسم العين فلا يعتبر، لا يظهر.\nفلا عبرة بقول الصيرفي وأبي بكر الدقاق وغيرهما من الشافعية، ولا بقول ابن خويز منداد وابن القصار من المالكية، ولا بقول بعض الحنابلة، باعتبار مفهوم اللقب؛ لأنه لا دليل على اعتباره عند القائل به، إلا أنه يقول: لو لم يكن اللقب مختصًّا بالحكم لما كان لتخصيصه بالذكر فائدة، كما علل به مفهوم الصفة؛ لأن الجمهور يقولون: ذُكِرَ اللقبُ لِيُسْنَدَ إليه، وهو واضح لا إشكال فيه.\nوأشار صاحب مراقي السعود إلى تعريف اللقب بالاصطلاح الأصولي وأنه أضعف المفاهيم بقوله:\nأضعفها اللقب وهو ما أُبِي ... من دونه نظم الكلام العربي\nوحاصل فقه هذه المسألة: أن الجن مكلفون على لسان نبينا  -  ﷺ  -، بدلالة الكتاب والسنة وإجماع المسلمين، وأن كافرهم في النار بإجماع المسلمين، وهو صريح قوله تعالى: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَكُبْكِبُوا فِيهَا هُمْ وَالْغَاوُونَ (٩٤) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ (٩٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات، وأن مؤمنيهم اختلف في دخولهم الجنة، ومنشأ الخلاف الاختلاف في فهم الآيتين المذكورتين، والظاهر دخولهم الجنة كما بينا، والعلم عند الله تعالى. اهـ. بلفظه.","vol":"7","page":433},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1906> قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٣٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لهذه الآية، وأنها من الآيات الدالة على البعث، في البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا على ذلك مرارًا.\nوالباء في قوله: ﴿بِقَادِرٍ﴾ يسوغه أن النفي متناول لأن فما بعدها، فهو في معنى: أليس الله بقادر؟\nويوضح ذلك قوله بعد: (بلى) مقررًا لقدرته على البعث وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1907> قوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بأولي العزم من الرسل في هذه الآية الكريمة اختلافًا كثيرًا.\nوأشهر الأقوال في ذلك أنهم خمسة، وهم الذين قدمنا ذكرهم في الأحزاب والشورى، وهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام.\nوعلى هذا القول فالرسل الذين أمر رسول الله - ﷺ - أن يصبر كما صبروا أربعة فصار هو - ﷺ - خامسهم.\nواعلم أن القول بأن المراد بأولي العزم جميع الرسل عليهم الصلاة والسلام، وأن لفظة (من) في قوله: (من الرسل) بيانية يظهر","vol":"7","page":434},{"text":"أنه خلاف التحقيق، كما دل على ذلك بعض الآيات القرآنية، كقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية، فأمر الله جل وعلا نبيه في آية القلم هذه بالصبر، ونهاه عن أن يكون مثل يونس؛ لأنه هو صاحب الحوت، وكقوله: ﴿وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (١١٥)﴾، فآية القلم وآية طه المذكورتان كلتاهما تدل على أن أولي العزم من الرسل الذين أمر النبي - ﷺ - بأن يصبر كصبرهم ليسوا جميع الرسل، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1908> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾</span>.\nنهى الله نبيه - ﷺ - في هذه الآية الكريمة أن يستعجل العذاب لقومه، أي يدعو الله عليهم بتعجيله لهم، فمفعول (تستعجل) محذوف تقديره: العذاب، كما قاله القرطبي، وهو الظاهر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن طلب تعجيل العذاب لهم جاء موضحًا في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿وَذَرْنِي وَالْمُكَذِّبِينَ أُولِي النَّعْمَةِ وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾.\nفإن قوله: ﴿وَمَهِّلْهُمْ قَلِيلًا (١١)﴾ وقوله: ﴿فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيدًا (١٧)﴾ موضح لمعنى قوله: وَلَا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ﴾.\nوالمراد بالآيات: نهيه - ﷺ - عن طلب تعجيل العذاب لهم؛ لأنهم معذبون لا محالة عند انتهاء المدة المحددة للإِمهال، كما يوضحه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾، وقوله تعالى ﴿نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلًا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ (٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾ الآية،","vol":"7","page":435},{"text":"وقوله تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ (١٩٦) مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٩٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (٦٩) مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَينَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٧٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1909> قوله تعالى: ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إلا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَينَهُمْ﴾ وفي سورة قد أفلح المؤمنون في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ (١١٣)﴾.\nوبينا في الكلام على آية قد أفلح المؤمنون وجه إزالة إشكال معروف في الآيات المذكورة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1910> قوله تعالى: ﴿بَلَاغٌ﴾</span>.\nالتحقيق إن شاء الله أن أصوب القولين في قوله: ﴿بَلَاغٌ﴾ خبر مبتدأ محذوف تقديره: هذا بلاغ، أي هذا القرآن بلاغ من الله إلى خلقه.\nويدل لهذا قوله تعالى في سورة إبراهيم: ﴿هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ وَلِيُنْذَرُوا بِهِ﴾، وقوله في الأنبياء: ﴿إِنَّ فِي هَذَا لَبَلَاغًا لِقَوْمٍ عَابِدِينَ (١٠٦)﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوالبلاغ اسم مصدر، بمعنى التبليغ، وقد علم باستقراء اللغة","vol":"7","page":436},{"text":"العربية أن الفَعال يأتي كثيرًا بمعنى التفعيل، كبلغه بلاغًا، أي تبليغًا، وكلمه كلامًا، أي تكليمًا، وطلقها طلاقًا، وسرحها سراحًا، وبينه بيانًا.\nكل ذلك بمعنى التفعيل؛ لأن فَعَّلَ مضعفة العين، غير معتلة اللام ولا مهموزته، قياسٌ مصدرِها التفعيلُ.\nوما جاء منه على خلاف ذلك، يحفظ ولا يقاس عليه، كما هو معلوم فِي محله.\nأما القول بأن المعنى: وذلك اللبث بلاغ، فهو خلاف الظاهر كما ترى، والعلم عند الله تعالى.\n\n * * *","vol":"7","page":437},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1911>سورة محمد</span>","vol":"7","page":439},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\nسُورَةُ القِتَالِ وَهِيَ سُورَةُ محمد - ﷺ -\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1912> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢) ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾</span>.\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال بعضهم: هو من الصدود، لأن صد في الآية لازمة.\nوقال بعضهم: هو من الصد؛ لأن صد في الآية متعدية، وعليه فالمفعول محذوف، أي: صدوا غيرهم عن سبيل الله، أي: عن الدخول في الإِسلام.\nوهذا القول الأخير هو الصواب، لأنه على القول بأن صد لازمة؛ فإن ذلك يكون تكرارًا مع قوله ﴿كَفَرُوا﴾، لأن الكفر هو أعظم أنواع الصدود عن سبيل الله.\nوأما على القول: بأن صد متعدية فلا تكرار؛ لأن المعنى أنهم ضالون في أنفسهم، مضلون لغيرهم بصدهم إياهم عن سبيل الله،","vol":"7","page":441},{"text":"وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية، أن اللفظ إذا دار بين التأكيد والتأسيس وجب حمله على التأسيس، إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١)﴾ أي أبطل ثوابها، فما عمله الكافر من حسن في الدنيا، كقرى الضيف، وبر الوالدين، وحمى الجار، وصلة الرحم، والتنفيس عن المكروب، يبطل يوم القيامة، ويضمحل ويكون لا أثر له، كما قال تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾، وهذا هو الصواب في معنى الآية.\nوقيل: (أضل أعمالهم) أي أبطل كيدهم، الذي أرادوا أن يكيدوا به النبي  -  ﷺ  -  وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ أي غفر لهم ذنوبهم وتجاوز لهم عن أعمالهم السيئة ﴿وَأَصْلَحَ بَالهُمْ (٢)﴾ أي أصلح لهم شأنهم وحالهم إصلاحًا لا فساد معه، وما ذكره جل وعلا هنا في أول هذه السورة الكريمة، من أنه يبطل أعمال الكافرين، ويُبقي أعمال المؤمنين، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيهِمْ أَعْمَالهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ (١٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣) أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾.","vol":"7","page":442},{"text":"وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا مع بعض الأحاديث الصحيحة فيه، مع زيادة إيضاح مهمة، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا منه في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَضَلَّ أَعْمَالهُمْ (١)﴾ أصله من الضلال بمعنى الغَيبة، والاضمحلال، لا من الضالة، كما زعمه الزمخشري، فهو كقوله: ﴿وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (٢٤)﴾.\nوقد قدمنا معاني الضلال في القرآن واللغة، في سورة الشعراء في الكلام على قوله: ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، وفي آخر الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾ قد قدمنا إيضاحه في أول سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيُبَشِّرَ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ﴾ الآية، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾.\nقال فيه ابن كثير: هو عطف خاص على عام، وهو دليل على أنه شرط في صحة الإِيمان، بعد بعثته  -  ﷺ  - . اهـ منه.","vol":"7","page":443},{"text":"ويدل لذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الْأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ فَلَا تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ (١٧)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُوَ الْحَقُّ﴾ جملة اعتراضية تتضمن شهادة الله بأن هذا القرآن المنزل على هذا النبي الكريم  -  ﷺ  -  هو الحق من الله، كما قال تعالى: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ أي ذلك المذكور من إضلال أعمال الكفار، أي إبطالها واضمحلالها، وبقاء ثواب أعمال المؤمنين، وتكفير سيئاتهم وإصلاح حالهم، كله واقع بسبب أن الكفار اتبعوا الباطل، ومن اتبع الباطل فعمله باطل.\nوالزائل المضمحل تسميه العرب باطلًا، وضده الحق.\nوبسبب أن الذين آمنوا اتبعوا الحق، ومتبع الحق أعماله حق، فهي ثابتة باقية، لا زائلة مضمحلة.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من أن اختلاف الأعمال يستلزم اختلاف الثواب، لا يتوهم استواءهما إلا الكافر الجاهل الذي يستوجب الإِنكار عليه، جاء موضحًا في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (٣٥) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (٣٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ","vol":"7","page":444},{"text":"كَالْفُجَّارِ (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (٢١)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ لِلنَّاسِ أَمْثَالهُمْ (٣)﴾.\nقال فيه الزمخشري: فإن قلت: أين ضرب الأمثال؟\nقلت: في جعل اتباع الباطل مثلًا لعمل الكفار، واتباع الحق مثلًا لعمل المؤمنين.\nأو في أن جعل الإِضلال مثلًا لخيبة الكفار، وتكفير السيئات مثلًا لفوز المؤمنين. اهـ. منه.\nوأصل ضرب الأمثال يراد منه بيان الشيء بذكر نظيره الذي هو مِثْلٌ له.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1913> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾</span>.\nقوله تعالى: (فضرب الرقاب) مصدر نائب عن فعله، وهو بمعنى فعل الأمر، ومعلوم أن صيغ الأمر في اللغة العربية أربع:\nوهي فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ الآية.\nواسم فعل الأمر، كقوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.\nوالفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية.","vol":"7","page":445},{"text":"والمصدر النائب عن فعله، كقوله تعالى: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾ أي: فاضربوا رقابهم.\nوقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ أي: أوجعتم فيهم قتلًا.\nفالإِثخان هو الإِكثار من قتل العدو حتى يضعف ويثقل عن النهوض.\nوقوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ أي: فأسروهم، والوثاق، بالفتح والكسر، اسم لما يؤسر به الأسير من قَدٍّ ونحوه.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من الأمر بقتل الكفار حتى يثخنهم المسلمون، ثم بعد ذلك يأسرونهم، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقد أمر تعالى بقتلهم في آيات آخر، كقوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً﴾ أي فإما تمنون عليهم مَنًّا، أو تفادونهم فداء.\nومعلوم أن المصدر إذا سيق لتفصيل وجب حذف عامله، كما قال في الخلاصة:\nوما لتفصيل كإمَّا مَنَّا ... عامله يحذف حيث عَنَّا\nومنه قول الشاعر:\nلأجهدن فإما درء واقعة ... تخشى وإما بلوغ السؤل والأمل","vol":"7","page":446},{"text":"وقال بعض العلماء: هذه الآية منسوخة بالآيات التي ذكرنا قبلها، وممن يروى عنه هذا القول: ابن عباس والسدي وقتادة والضحاك وابن جريج.\nوذكر ابن جرير عن أبي بكر ﵁ ما يؤيده.\nونسخ هذه الآية هو مذهب أبي حنيفة ﵀، فإنه لا يجوز عنده المن ولا الفداء، لأن الآية منسوخة عنده، بل يخير عنده الإِمام بين القتل والاسترقاق.\nومعلوم أن آيات السيف النازلة في براءة نزلت بعد سورة القتال هذه.\nوأكثر أهل العلم يقولون: إن الآية ليست منسوخة، وأن جميع الآيات المذكورة محكمة، فالإِمام مخير وله أن يفعل ما رآه مصلحة للمسلمين من منٍّ وفداء وقتل واسترقاق.\nقالوا: قتل النبي  -  ﷺ  -  عقبة بن أبي معيط، والنضر بن الحارث، أسيرين يوم بدر، وأخذ فداء غيرهما من الأسارى.\nومَنَّ على ثمامة بن أثال سيد بني حنيفة، وكان يسترق السبي من العرب وغيرهم.\nوقال الشوكاني في نيل الأوطار:\nوالحاصل أنه قد ثبت في جنس أسارى الكفار جواز القتل والمن والفداء والاسترقاق، فمن ادعى أن بعض هذه الأمور تختص ببعض الكفار دون بعض لم يقبل منه ذلك إلا بدليل ناهض يخصص العمومات، والمجوز قائم في مقام المنع، وقول علي وفعله عند بعض المانعين من استرقاق ذكور العرب حجة، وقد استرق","vol":"7","page":447},{"text":"بني ناجية ذكورهم وإناثهم، وباعهم، كما هو مشهور في كتب السير والتواريخ. اهـ محل الغرض منه.\nومعلوم أن بني ناجية من العرب.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له:\nلم يختلف المسلمون في جواز الملك بالرق.\nومعلوم أن سببه أسر المسلمين الكفار في الجهاد، والله ﵎ في كتابه يعبر عن الملك بالرق بعبارة هي أبلغ العبارات في توكيد ثبوت ملك الرقيق، وهي ملك اليمين؛ لأن ما ملكته يمين الإنسان، فهو مملوك له تمامًا، وتحت تصرفه تمامًا، كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ (٥) إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ (٦)﴾ في سورة ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ (١)﴾، ﴿سَأَلَ سَائِلٌ﴾، وقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيكُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ﴾ الآية، وقوله: ﴿لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ وَلَوْ أَعْجَبَكَ حُسْنُهُنَّ إلا مَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيكَ﴾ الآية، وقوله: ﴿أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾، وقوله: ﴿فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾، وقوله: ﴿هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾ الآية.","vol":"7","page":448},{"text":"فالمراد بملك اليمين في جميع هذه الآيات كلها الملك بالرق، والأحاديث والآيات بمثل ذلك يتعذر حصرها، وهي معلومة، فلا ينكر الرق في الإِسلام إلا مكابر أو ملحد، أو من لا يؤمن بكتاب الله ولا بسنة رسوله.\nوقد قدمنا حكمة الملك بالرق وإزالة الإِشكال في ملك الرقيق المسلم في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nومن المعلوم أن كثيرًا من أجلاء علماء المسلمين ومحدثيهم الكبار كانوا أرقاء مملوكين، أو أبناء أرقاء مملوكين.\nفهذا محمد بن سيرين كان أبوه سيرين عبدًا لأنس بن مالك.\nوهذا مكحول كان عبدًا لامرأة من هذيل فأعتقته.\nومثل هذا أكثر من أن يحصى كما هو معلوم.\nواعلم أن ما يدعيه بعض من المتعصبين لنفي الرق في الإِسلام من أن آية القتال هذه دلت على نفي الرق من أصله؛ لأنها أوجبت واحدًا من أمرين لا ثالث لهما، وهما المن والفداء فقط، فهو استدلال ساقط من وجهين:\nأحدهما: أن فيه استدلالًا بالآية على شيء لم يدخل فيها، ولم تتناوله أصلًا، والاستدلال إن كان كذلك فسقوطه كما ترى.\nوإيضاح ذلك أن هذه الآية التي فيها تقسيم حكم الأسارى إلى من وفداء، لم تتناول قطعًا إلا الرجال المقاتلين من الكفار؛ لأن قوله: ﴿فَضَرْبَ الرِّقَابِ﴾، وقوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ صريح في ذلك كما ترى.","vol":"7","page":449},{"text":"وعلى إثخان هؤلاء المقاتلين رتب بالفاء قوله: ﴿فَشُدُّوا الْوَثَاقَ﴾ الآية.\nفظهر أن الآية لم تتناول أنثى ولا صغيرًا ألبتة.\nويزيد ذلك إيضاحًا أن النهي عن قتل نساء الكفار وصبيانهم ثابت عن النبي  -  ﷺ  -، وأكثر أهل الرق في أقطار الدنيا إنما هو من النساء والصبيان.\nولو كان الذي يدعي نفي الرق من أصله يعترف بأن الآية لا يمكن أن يستدل بها على شيء غير الرجال المقاتلين، لقصر نفي الرق الذي زعمه على الرجال الذين أسروا في حال كونهم مقاتلين، ولو قصره على هؤلاء لم يمكنه أن يقول بنفي الرق من أصله كما ترى.\nالوجه الثاني: هو ما قدمنا من الأدلة على ثبوت الرق في الإِسلام.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: إذا لقيتم الكفار فاضربوا أعناقهم، ﴿حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ﴾ قتلًا فأسروهم، ﴿حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا﴾ أي: حتى تنتهي الحرب.\nوأظهر الأقوال في معنى وضع الحرب أوزارها أنه وضع السلاح، والعرب تسمي السلاح وزرًا، وتطلق العرب الأوزار على آلات الحرب وما يساعد فيها كالخيل، ومنه قول الأعشى:\nوأعددت للحرب أوزارها ... رماحًا طوالًا وخيلًا ذكورا\nوفي معنى أوزار الحرب أقوال آخر معروفة، تركناها؛ لأن هذا أظهرها عندنا. والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":450},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1914> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ (٧)﴾</span>.\nذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن المؤمنين إن نصروا ربهم نصرهم على أعداءهم، وثبت أقدامهم، أي عصمهم من الفرار والهزيمة.\nوقد أوضح هذا المعنى في آيات كثيرة، وبين في بعضها صفات الذين وعدهم بهذا النصر، كقوله تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَويٌّ عَزِيزٌ (٤٠)﴾، ثم بين صفات الموعودين بهذا النصر في قوله تعالى بعده: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ (٤١)﴾، وكقوله تعالى: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في بيان صفات من وعدهم بالنصر في الآيات المذكورة: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ﴾ الآية، يدل على أن الذين لا يقيمون الصلاة ولا يؤتون الزكاة ولا يأمرون بالمعروف ولا ينهون عن المنكر، ليس لهم وعد من الله بالنصر البتة.\nفمثلهم كمثل الأجير الذي لم يعمل لمستأجره شيئًا ثم جاءه يطلب منه الأجرة.\nفالذين يرتكبون جميع المعاصي ممن يتسمون باسم المسلمين،","vol":"7","page":451},{"text":"ثم يقولون: إن الله سينصرنا، مغررون؛ لأنهم ليسوا من حزب الله الموعودين بنصره كما لا يخفى.\nومعنى نصر المؤمنين لله: نصرهم لدينه ولكتابه، وسعيهم وجهادهم في أن تكون كلمته هي العليا، وأن تقام حدوده في أرضه، وتمتثل أوامره وتجتنب نواهيه، ويحكم في عباده بما أنزل على رسوله - ﷺ -.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1915> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا (١٠)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا هِيَ مِنَ الظَّالِمِينَ بِبَعِيدٍ (٨٣)﴾، وأحلنا على الآيات الموضحة لذلك في سورة الروم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ﴾ الآية، وأوضحناها في الزخرف في الكلام على قوله: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾ الآية، وفي الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاهُمْ فِيمَا إِنْ مَكَّنَّاكُمْ فِيهِ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1916> قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلَا نَاصِرَ لَهُمْ (١٣)﴾</span>.\nالآيات التي توضح معنى هذه الآية هي المشار إليها في نفس الآية التي ذكرنا قبلها.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من إخراج كفار مكة للنبي - ﷺ -","vol":"7","page":452},{"text":"منها، بينه في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ﴾.\nوقد أخرجوه فعلًا بمكرهم المذكور، وبين جل وعلا أن النبي - ﷺ - وأصحابه الذين أخرجوا من ديارهم لا ذنب لهم يستوجبون به الإِخراج إلا الإِيمان بالله، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيرِ حَقٍّ إلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ﴾ أي يخرجون الرسول وإياكم لأجل إيمانكم بربكم، وقال تعالى في إخراجهم له: ﴿أَلَا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير ابن كثير بهمزة مفتوحة بعد الكاف وياء مشددة مكسورة ونون ساكنة.\nوقرأه ابن كثير: (وكائن)، بألف بعد الكاف، وهمزة مكسورة.\nوكلهم عند الوقف يقفون على النون الساكنة، كحال الصلة، إلا أبا عمرو فإنه يقف على الياء.\nوقد قدمنا أوجه القراءة في (كأين) ومعناها، وما فيها من اللغات، مع بعض الشواهد العربية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1917> قوله تعالى: ﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾</span> الآية.","vol":"7","page":453},{"text":"أنهار الماء وأنهار الخمر التي ذكرها الله في هذه الآية بين بعض صفاتها في آيات أخرى، كقوله تعالى: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ في آيات كثيرة، وقوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ (٤١)﴾، وقوله: ﴿فِيهَا عَينٌ جَارِيَةٌ (١٢)﴾، وقد بين تعالى من صفات خمر الجنة أنها لا تسكر شاربها، ولا تسبب له الصداع الذي هو وجع الرأس في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقوله: ﴿لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾.\nوقد قدمنا معنى هذه الآيات بإيضاح فِي سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿غَيرِ آسِنٍ﴾ أي غير متغير اللون ولا الطعم. والآسن والآجن معناهما واحد، ومنه قول ذي الرمة:\nومنهل آجن قفر محاضره ... تذروا الرياح على جماته البعرا\nوقول الراجز:\nومنهل فيه الغراب ميت ... كأنه من الأجون زيت\n\n• سقيت منها القوم واستقيت *\nوبما ذكرنا تعلم أن قوله: (غير آسن) كقوله: (من لبن لم يتغير طعمه).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1918> قوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾</span>.\nقد بين تعالى في سورة البقرة أن الثمار التي يرزقها أهل الجنة يشبه بعضها بعضًا في الجودة والحسن والكمال، ليس فيها شيء","vol":"7","page":454},{"text":"رديء، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1919> قوله تعالى: ﴿وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ (١٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج، في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1920> قوله تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، في سورة الزخرف، في الكلام على قولهه تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٦٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1921> قوله تعالى: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾</span>.\nالتحقيق إن شاء الله تعالى في معنى الآية الكريمة، أن الكفار يوم القيامة، إذا جاءتهم الساعة، يتذكرون ويؤمنون بالله ورسله، وأن الإيمان في ذلك الوقت لا ينفعهم؛ لفوات وقته، فقوله: ﴿ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ مبتدأ خبره ﴿أَنَّى لَهُمْ﴾، أي كيف تنفعهم ذكراهم وإيمانهم بالله، وقد فات الوقت الذي يقبل فيه الإِيمان.\nوالضمير المرفوع في ﴿جَاءَتْهُمْ﴾ عائد إلى (الساعة) التي هي القيامة.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، من أن الكفار يوم القيامة يؤمنون ولا ينفعهم إيمانهم، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ (٥٢)﴾،","vol":"7","page":455},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إلا تَأْويلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ﴾.\nفظهر أن قوله: ﴿فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ (١٨)﴾ على حذف مضاف، أي أنى لهم نفع ذكراهم.\nوالذكرى اسم مصدر بمعنى الاتعاظ الحامل على الإِيمان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1922> قوله تعالى: ﴿وَفَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه إذا أنزل سورة محكمة، أي متقنة الألفاظ والمعاني، واضحة الدلالة لا نسخ فيها، وذكر فيها وجوب قتال الكفار، تسبب عن ذلك كون الذين في قلوبهم مرض، أي شك ونفاق، ينظرون كنظر الإِنسان الذي يغشى عليه لأنه في سياق الموت؛ لأن نظر من كان كذلك تدور فيه عينه ويزيغ بصره.\nوهذا إنما وقع لهم من شدة الخوف من بأس الكفار المأمور بقتالهم.\nوقد صرح جل وعلا بأن ذلك من الخوف المذكور في قوله: ﴿فَإِذَا جَاءَ الْخَوْفُ رَأَيتَهُمْ يَنْظُرُونَ إِلَيكَ تَدُورُ أَعْيُنُهُمْ كَالَّذِي يُغْشَى عَلَيهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾.\nوقد بين تعالى أن الأغنياء من هؤلاء المنافقين، إذا أنزل الله","vol":"7","page":456},{"text":"سورة فيها الأمر بالجهاد، استأذنوا النبي - ﷺ - في التخلف عن الجهاد، وذمهم الله على ذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ أَنْ آمِنُوا بِاللَّهِ وَجَاهِدُوا مَعَ رَسُولِهِ اسْتَأْذَنَكَ أُولُو الطَّوْلِ مِنْهُمْ وَقَالُوا ذَرْنَا نَكُنْ مَعَ الْقَاعِدِينَ (٨٦) رَضُوا بِأَنْ يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِفِ وَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ (٨٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1923> قوله تعالى ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾</span>.\nالهمزة في قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ﴾ للإِنكار، والفاء عاطفة على جملة محذوفة، على أصح القولين، والتقدير: أيعرضون عن كتاب الله فلا يتدبرون القرآن، كما أشار له في الخلاصة بقوله:\n\n• وحذف متبوع بدا هنا استبح *\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1924>وقوله تعالى: ﴿أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾</span> (أم) فيه منقطعة بمعنى بل، فقد أنكر تعالى عليهم إعراضهم عن تدبر القرآن، بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وبين أن قلوبهم عليها أقفال لا تنفتح لخير، ولا لفهم قرآن.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من التوبيخ والإِنكار على من أعرض عن تدبر كتاب الله، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.\nوقد ذم جل وعلا المعرض عن هذا القرآن العظيم في آيات","vol":"7","page":457},{"text":"كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ فَأَعْرَضَ عَنْهَا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا﴾.\nومعلوم أن كل من لم يشتغل بتدبر آيات القرآن العظيم، أي تصفحها وتفهمها، وإدراك معانيها، والعمل بها؛ فإنه معرض عنها، غير متدبر لها، فيستحق الإِنكار والتوبيخ المذكور في الآيات، إن كان الله أعطاه فهمًا يقدر به على التدبر، وقد شكا النبي  -  ﷺ  -  إلى ربه من هجر قومه هذا القرآن، كما قال تعالى: ﴿وَقَال الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا (٣٠)﴾.\nوهذه الآيات المذكورة تدل على أن تدبر القرآن وتفهمه وتعلمه والعمل به، أمر لا بدَّ منه للمسلمين.\nوقد بين النبي  -  ﷺ  -  أن المشتغلين بذلك هم خير الناس، كما ثبت عنه  -  ﷺ  -  في الصحيح من حديث عثمان بن عفان ﵁ أنه قال: \"خيركم من تعلم القرآن وعلمه\"، وقال تعالى: ﴿وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩)﴾.\nفإعراض كثير من الأقطار عن النظر في كتاب الله وتفهمه والعمل به وبالسنة الثابتة المبينة له، من أعظم المناكر وأشنعها، وإن ظن فاعلوه أنهم على هدى.\nولا يخفى على عاقل أن القول بمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، اكتفاء عنهما بالمذاهب المدونة، وانتفاءِ الحاجة إلى تعلمهما لوجود ما يكفي عنهما من مذاهب الأئمة، من أعظم الباطل، وهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله وإجماع الصحابة، ومخالف لأقوال الأئمة الأربعة.","vol":"7","page":458},{"text":"فمرتكبه مخالف لله ولرسوله ولأصحاب رسوله جميعًا، وللأئمة ﵏، كما سترى إيضاحه إن شاء الله تعالى.\nمسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة\nالمسألة الأولى: اعلم أن قول بعض متأخري الأصوليين: إن تدبر هذا القرآن العظيم وتفهمه والعمل به، لا يجوز إلا للمجتهدين خاصة، وأن كل من لم يبلغ درجة الاجتهاد المطلق بشروطه المقررة عندهم التي لم يستند اشتراط كثير منها إلى دليل من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قياس جلي ولا أثر عن الصحابة= قول لا مستند له من دليل شرعي أصلًا.\nبل الحق الذي لا شك فيه: أن كل من له قدرة من المسلمين على التعلم والتفهم، وإدراك معاني الكتاب والسنة، يجب عليه تعلمها، والعمل بما علم منهما.\nأما العمل بهما مع الجهل بما يعمل به منهما فممنوع إجماعًا.\nوأما ما علمه منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح، فله أن يعمل به، ولو آية واحدة أو حديثًا واحدًا.\nومعلوم أن هذا الذم والإِنكار على من لم يتدبر كتاب الله عام لجميع الناس.\nومما يوضح ذلك: أن المخاطبين الأولين به الذين نزل فيهم هم المنافقون والكفار، ليس أحد منهم مستكملًا لشروط الاجتهاد المقررة عند أهل الأصول، بل ليس عندهم شيء منها أصلًا. فلو كان القرآن لا يجوز أن ينتفع بالعمل به، والاهتداء بهديه، إلا المجتهدون  - بالاصطلاح الأصولي -، لما وبخ الله الكفار وأنكر عليهم عدم","vol":"7","page":459},{"text":"الاهتداء بهداه، ولما أقام عليهم الحجة به حتى يحصلوا شروط الاجتهاد المقررة عند متأخري الأصوليين، كما ترى.\nومعلوم أن من المقرر في الأصول أن صورة سبب النزول قطعية الدخول، وإذًا فدخول الكفار والمنافقين في الآيات المذكورة قطعي، ولو كان لا يصح الانتفاع بهدى القرآن إلا لخصوص المجتهدين، لما أنكر الله على الكفار عدم تدبرهم كتاب الله، وعدم عملهم به.\nوقد علمت أن الواقع خلاف ذلك قطعًا، ولا يخفى أن شروط الاجتهاد لا تشترط إلا فيما فيه مجال للاجتهاد، والأمور المنصوصة في نصوص صحيحة من الكتاب والسنة، لا يجوز الاجتهاد فيها لأحد، حتى تشترط فيها شروط الاجتهاد، بل ليس فيها إلا الاتباع، وبذلك تعلم أنما ذكره صاحب مراقي السعود تبعًا للقرافي من قوله:\nمن لم يكن مجتهدًا فالعمل ... منه بمعنى النص مما يحظل\nلا يصح على إطلاقه بحال؛ لمعارضته لآيات وأحاديث كثيرة من غير استناد إلى دليل.\nومن المعلوم أنه لا يصح تخصيص عمومات الكتاب والسنة إلا بدليل يجب الرجوع إليه.\nومن المعلوم أيضًا، أن عمومات الآيات والأحاديث الدالة على حث جميع الناس على العمل بكتاب الله وسنة رسوله أكثر من أن تحصى، كقوله  -  ﷺ  -: \"تركت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي\"، وقوله  -  ﷺ  -  \"عليكم بسنتي\" الحديث. ونحو ذلك مما لا يحصى.","vol":"7","page":460},{"text":"فتخصيص جميع تلك النصوص بخصوص المجتهدين، وتحريم الانتفاع بهدى الكتاب والسنة على غيرهم تحريمًا باتًا، يحتاج إلى دليل من كتاب الله أو سنة رسوله  -  ﷺ  -، ولا يصح تخصيص تلك النصوص بآراء جماعات من المتأخرين المقرين على أنفسهم بأنهم من المقلدين.\nومعلوم أن المقلد الصرف لا يجوز عده من العلماء ولا من ورثة الأنبياء، كما سترى إيضاحه إن شاء الله.\nوقال صاحب \"مراقي السعود\" في \"نشر البنود\" في شرحه لبيته المذكور آنفًا، ما نصه: يعني أن غير المجتهد يحظل له، أي يمنع أن يعمل بمعنى نص من كتاب أو سنة وإن صح سندها، لاحتمال عوارضه، من نسخ، وتقييد، وتخصيص، وغير ذلك من العوارض التي لا يضبطها إلا المجتهد، فلا يخلصه من الله إلا تقليد مجتهد. قاله القرافي. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوبه تعلم أنه لا مستند له، ولا للقرافي الذي تبعه، في منع جميع المسلمين غير المجتهدين من العمل بكتاب الله وسنة رسوله، إلا مطلق احتمال العوارض التي تعرض لنصوص الكتاب والسنة، من نسخ أو تخصيص أو تقييد ونحو ذلك، وهو مردود من وجهين:\nالأول: أن الأصل السلامة من النسخ حتى يثبت ورود الناسخ، والعام ظاهر في العموم حتى يثبت ورود المخصص، والمطلق ظاهر في الإِطلاق حتى يثبت ورود المقيد، والنص يجب العمل به حتى يثبت النسخ بدليل شرعي، والظاهر يجب العمل به عمومًا كان أو إطلاقًا أو غيرهما حتى يرد دليل صارف عنه إلى المحتمل المرجوح، كما هو معروف في محله.","vol":"7","page":461},{"text":"وأول من زعم أنه لا يجوز العمل بالعام حتى يبحث عن المخصص فلا يوجد ونحو ذلك، أبو العباس بن سريج، وتبعه جماعات من المتأخرين، حتى حكوا على ذلك الإِجماع حكاية لا أساس لها.\nوقد أوضح ابن القاسم العبادي في \"الآيات البينات\" غلطهم في ذلك، في كلامه على شرح المحلى لقول ابن السبكي في \"جمع الجوامع: ويتمسك بالعام في حياة النبي  -  ﷺ  -  قبل البحث عن المخصص، وكذا بعد الوفاة، خلافًا لابن سريج اهـ.\nوعلى كل حال فظواهر النصوص، من عموم وإطلاق، ونحو ذلك، لا يجوز تركها إلا لدليل يجب الرجوع إليه، من مخصص أو مقيد، لا لمجرد مطلق الاحتمال، كما هو معلوم في محله.\nفادعاء كثير من المتأخرين أنه يجب ترك العمل به حتى يبحث عن المخصص والمقيد مثلًا، خلاف التحقيق.\nالوجه الثاني: أن غير المجتهد إذا تعلم بعض آيات القرآن، أو بعض أحاديث النبي  -  ﷺ  -، ليعمل بها، تعلم ذلك النص العام أو المطلق، وتعلم معه مخصصه ومقيده إن كان مخصصًا أو مقيدًا، وتعلم ناسخه إن كان منسوخًا، وتعلم ذلك سهل جدًّا بسؤال العلماء العارفين به، ومراجعة كتب التفسير والحديث المعتد بها في ذلك، والصحابة كانوا في العصر الأول يتعلم أحدهم آية فيعمل بها، وحديثًا فيعمل به، ولا يمتنع من العمل بذلك حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، وربما عمل الإِنسان بما علم فعلمه ما لم يكن يعلم، كما يشير له قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾ على القول بأن","vol":"7","page":462},{"text":"الفرقان هو العلم النافع الذي يفرق به بين الحق والباطل، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ﴾ الآية.\nوهذه التقوى التي دلت الآيات على أن الله يعلم صاحبها لسببها ما لم يكن يعلم، لا تزيد على عمله بما علم من أمر الله، وعليه فهي عمل ببعض ما علم، زاده الله به علم ما لم يكن يعلم.\nفالقول بمنع العمل بما علم من الكتاب والسنة حتى يحصل رتبة الاجتهاد المطلق، هو عين السعي في حرمان جميع المسلمين من الانتفاع بنور القرآن، حتى يحصلوا شرطًا مفقودًا في اعتقاد القائلين بذلك، وادعاء مثل هذا على الله وعلى كتابه وعلى سنة رسوله هو كما ترى.\n\nتنبيه مهم\nيجب على كل مسلم يخاف العرض على ربه يوم القيامة أن يتأمل فيه، ليرى لنفسه المخرج من هذه الورطة العظمى، والطامة الكبرى، التي عمت جل بلاد المسلمين من المعمورة.\nوهي ادعاء الاستغناء عن كتاب الله وسنة رسونه، استغناءً تامًّا، في جميع الأحكام من عبادات ومعاملات وحدود وغير ذلك، بالمذاهب المدونة.\nوبناء هذا على مقدمتين:\nإحداهما: أن العمل بالكتاب والسنة لا يجوز إلا للمجتهدين.\nوالثانية: أن المجتهدين معدومون عدمًا كليًّا، لا وجود لأحد منهم، في الدنيا.","vol":"7","page":463},{"text":"وأنه بناءً على هاتين المقدمتين، يمنع العمل بكتاب الله وسنة رسوله منعًا باتًا على جميع أهل الأرض، ويستغنى عنهما بالمذاهب المدونة.\nوزاد كثير منهم على هذا منع تقليد غير المذاهب الأربعة، وأن ذلك يلزم استمراره إلى آخر الزمان.\nفتأمل يا أخي رحمك الله: كيف يسوغ لمسلم أن يقول بمنع الاهتداء بكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، وعدم وجوب تعلمهما والعمل بهما، استغناء عنهما بكلام رجال غير معصومين، ولا خلاف في أنهم يخطئون؟!\nفإن كان قصدهم أن الكتاب والسنة لا حاجة إلى تعلمهما، وأنهما يغني غيرهما، فهذا بهتان عظيم ومنكر من القول وزور.\nوإن كان قصدهم أن تعلمهما صعب لا يقدر عليه، فهو أيضًا زعم باطل؛ لأن تعلم الكتاب والسنة أيسر من تعلم مسائل الآراء والاجتهاد المنتشرة، مع كونها في غاية التعقيد والكثرة، والله جل وعلا يقول في سورة القمر مرات متعددة: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾، ويقوله تعالى في الدخان: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾، ويقول في مريم: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾.\nفهو كتاب ميسر بتيسير الله لمن وفقه الله للعمل به، والله جل وعلا يقول: ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾، ويقول: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾.\nفلا شك أن الذي يتباعد عن هداه، يحاول التباعد عن هدى الله ورحمته.","vol":"7","page":464},{"text":"ولا شك أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله إلى أرضه، ليستضاء به، فيعلم في ضوئه الحق من الباطل، والحسن من القبيح، والنافع من الضار، والرشد من الغي.\nقال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقال تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَينَا إِلَيكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ وقال تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقال تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾.\nفإذا علمت أيها المسلم أن هذا القرآن العظيم هو النور الذي أنزله الله ليستضاء به، ويهتدى بهداه في أرضه، فكيف ترضى لبصيرتك أن تعمى عن النور؟!\nفلا تكن خفاشي البصيرة، واحذر أن تكون ممن قيل فيهم:\nخفافيش أعماها النهار بضوئه ... ووافقها قطع من الليل مظلم\nمثل النهار يزيد أبصار الورى ... نورًا ويعمي أعين الخفاش\n﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾، ﴿أَفَمَنْ يَعْلَمُ أَنَّمَا أُنْزِلَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ الْحَقُّ كَمَنْ هُوَ أَعْمَى إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٩)﴾.\nولا شك أن من عميت بصيرته عن النور، تخبط في الظلام، ومن لم يجعل الله له نورًا فما له من نور.","vol":"7","page":465},{"text":"وبهذا تعلم أيها المسلم المصنف، أنه يجب عليك الجد والاجتهاد في تعلم كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، وبالوسائل النافعة المنتجة، والعمل بكل ما علمك الله منهما علمًا صحيحًا.\nولتعلم أن تعلم كتاب الله وسنة رسوله في هذا الزمان، أيسر منه بكثير في القرون الأولى، لسهولة معرفة جميع ما يتعلق بذلك، من ناسخ ومنسوخ، وعام وخاص، ومطلق ومقيد، ومجمل ومبين، وأحوال الرجال من رواة الحديث، والتمييز بين الصحيح والضعيف؛ لأن الجميع ضبط وأتقن ودُوِّن، فالجميع سهل التناول اليوم.\nفكل آية من كتاب الله قد علم ما جاء فيها عن النبي  -  ﷺ  -  ثم عن الصحابة والتابعين وكبار المفسرين.\nوجميع الأحاديث الواردة عنه  -  ﷺ  -  حفظت ودونت، وعلمت أحوال متونها وأسانيدها وما يتطرق إليها من العلل والضعف.\nفجميع الشروط التي اشترطوها في الاجتهاد يسهل تحصيلها جدًّا على كل من رزقه الله فهمًا وعلمًا.\nوالناسخ والمنسوخ، والخاص والعام، والمطلق والمقيد، ونحو ذلك، تسهل معرفته اليوم على مناظر في الكتاب والسنة ممن رزقه الله فهمًا ووفقه لتعلم كتاب الله وسنة رسوله.\nواعلم أيها المسلم المنصف، أن من أشنع الباطل وأعظم القول بغير الحق على الله وكتابه وعلى النبي وسنته المطهرة، ما قاله الشيخ أحمد الصاوي في حاشيته على الجلالين، في سورة الكهف وآل عمران، واغتر بقوله في ذلك خلق لا يحصى من المتسمين باسم طلبة العلم، لكونهم لا يميزون بين حق وباطل.","vol":"7","page":466},{"text":"فقد قال الصاوي أحمد المذكور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣)﴾ الآية، بعد أن ذكر الأقوال في انفصال الاستثناء عن المستثنى منه بزمان، ما نصه: وعامة المذاهب الأربعة على خلاف ذلك كله، فإن شرط حل الإيمان بالمشيئة أن تتصل، وأن يقصد بها حل اليمين، ولا يضر الفصل بتنفس أو سعال أو عطاس، ولا يجوز تقليدها ما عدا المذاهب الأربعة، ولو وافق قول الصحابة والحديث الصحيح والآية، فالخارج عن المذاهب الأربعة ضال مضل وربما أداه ذلك للكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر. اهـ. منه بلفظه.\nفانظر يا أخي رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على الله وكتابه، وعلى النبي  -  ﷺ  -  وسنته وأصحابه، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nأما قوله بأنه لا يجوز الخروج عن المذاهب الأربعة، ولو كانت أقوالهم مخالفة للكتاب والسنة وأقوال الصحابة، فهو قول باطل بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة ﵃ وإجماع الأئمة الأربعة أنفسهم، كما سترى إيضاحه إن شاء الله بما لا مزيد عليه في المسائل الآتية بعد هذه المسألة؛ فالذي ينصره هو الضال المضل.\nوأما قوله: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، فهذا أيضًا من أشنع الباطل وأعظمه، وقائله من أعظم الناس انتهاكًا لحرمة كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، سبحانك هذا بهتان عظيم.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه، وهو الذي كان عليه أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  وعامة علماء المسلمين: أنه لا يجوز العدول عن ظاهر كتاب الله وسنة رسول الله  -  ﷺ  -  في حال من الأحوال بوجه من الوجوه،","vol":"7","page":467},{"text":"حتى يقوم دليل صحيح شرعي صارف عن الظاهر إلى المحتمل المرجوح.\nوالقول بأن العمل بظاهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يصدر البتة عن عالم بكتاب الله وسنة رسوله، وإنما يصدر عمن لا علم له بالكتاب والسنة أصلًا؛ لأنه لجهله بهما يعتقد ظاهرهما كفرًا، والواقع في نفس الأمر أن ظاهرهما بعيد مما ظنه أشد من بعد الشمس من اللمس.\nومما يوضح لك ذلك: أن آية الكهف هذه التي ظن الصاوي أن ظاهرها حل الإيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وأن ذلك مخالف للمذاهب الأربعة، وبنى على ذلك أن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؛ كله باطل لا أساس له.\nوظاهر الآية بعيد مما ظن، بل الظن الذي ظنه والزعم الذي زعمه لا تشير الآية إليه أصلًا، ولا تدل عليه لا بدلالة المطابقة ولا التضمن ولا الالتزام، فضلًا عن أن تكون ظاهرة فيه.\nوسبب نزولها يزيد ذلك إيضاحًا، لأن سبب نزول الآية أن الكفار سألوا النبي  -  ﷺ  -  عن الروح وأصحاب الكهف وذي القرنين، فقال لهم: سأخبركم غدًا، ولم يقل: إن شاء الله، فعاتبه ربه بعدم تفويض الأمر إليه، وعدم تعليقه بمشيئته جل وعلا، فتأخر عنه الوحي.\nثم علمه الله في الآية الأدب معه في قوله: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nثم قال لنبيه: ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ يعني إن قلت سأفعل كذا","vol":"7","page":468},{"text":"غدًا، ثم نسيت أن تقول إن شاء الله، ثم تذكرت بعد ذلك، فاذكر ربك، أي قل إن شاء الله، أي لتتدارك بذلك الأدب مع الله الذي فاتك عند وقته بسبب النسيان، وتخرج من عهدة النهي في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nوالتعليق بهذه المشيئة المتأخرة لأجل المعنى المذكور، الذي هو ظاهر الآية الصحيح، لا يخالف مذهبًا من المذاهب الأربعة ولا غيرهم، وهو التحقيق في مراد ابن عباس بما ينقل عنه من جواز تأخير الاستثناء، كما أوضحه كبير المفسرين أبو جعفر بن جرير الطبري ﵀، وقد قدمنا إيضاحه في الكلام على آية الكهف هذه.\nفيا أتباع الصاوي المقلدين له تقليدًا أعمى على جهالة عمياء: أين دل ظاهر آية الكهف هذه، على اليمين بالله أو بالطلاق أو بالعتق أو بغير ذلك من الأيمان؟\nهل النبي  -  ﷺ  -  حلف لما قال للكفار: سأخبركم غدًا؟\nوهل قال الله: ولا تقولن لشيء إني حالف سأفعل ذلك غدًا؟\nومن أين جئتم باليمين، حتى قلتم إن ظاهر القرآن هو حل الأيمان بالمشيئة المتأخرة عنها، وبنيتم على ذلك أن ظاهر الآية مخالف لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن العمل بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟\nومما يزيد ما ذكرنا إيضاحًا: ما قاله الصاوي أيضًا في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ﴾، فإنه قال على كلام الجلال","vol":"7","page":469},{"text":"ما نصه: (زيغ) أي ميل عن الحق للباطل، قوله: بوقوعهم في الشبهات واللبس، أي كنصارى نجران، ومن هذا حذوهم ممن أخذ بظاهر القرآن، فإن العلماء ذكروا أن من أصول الكفر الأخذ بظواهر الكتاب والسنة اهـ.\nفانظر رحمك الله، ما أشنع هذا الكلام وما أبطله، وما أجرأ قائله على انتهاك حرمات الله وكتابه ونبيه وسنته  -  ﷺ  -، وما أدله على أن صاحبه لا يدري ما يتكلم به، فإنه جعل ما قاله نصارى نجران هو ظاهر كتاب الله، ولذا جعل مثلهم من هذا حذوهم فأخذ بظاهر القرآن.\nوذكر أن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، مع أنه لا يدري وجه ادعاء نصارى نجران على ظاهر القرآن أنه كفر، مع أنه مسلِّم أن ادعاءهم على ظاهر القرآن أنه كفرهم ومن هذا حذوهم ادعاء صحيح، إلا أن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر (^١).\nوقد قال قبل هذا: قيل: سبب نزولها أن وفد نجران قالوا للنبي  -  ﷺ  -: ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته؟ فقال: نعم، فقالوا: حسبنا، أي كفانا ذلك في كونه ابن الله. فنزلت الآية.\nفاتضح أن الصاوي يعتقد أن ادعاء نصارى نجران أن ظاهر قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هو أن عيسى ابن الله، ادعاء صحيح، وبنى على ذلك أن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر.\n_________\n(^١) كذا في المطبوعة، وفي العبارة اضطراب ظاهر.","vol":"7","page":470},{"text":"وهذا كله من أشنع الباطل وأعظمه، فالآية لا يفهم من ظاهرها البتة، بوجه من الوجوه، ولا بدلالة من الدلالات، أن عيسى ابن الله، وادعاء نصارى نجران ذلك كذب بحت.\nفقول الصاوي: كنصارى نجران ومن هذا حذوهم ممن أخذ بظواهر القرآن، صريح في أنه يعتقد أن ما ادعاه وفد نجران من كون عيسى ابن الله هو ظاهر القرآن، اعتقاد باطل باطل باطل، حاشا القرآن العظيم من أن يكون هذا الكفر البواح ظاهره، بل هو لا يدل عليه البتة فضلًا عن أن يكون ظاهره، وقوله: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا مِنْهُ﴾ أي كل ذلك، من عيسى ومن تسخير السماوات والأرض، مبدؤه ومنشؤه منه جل وعلا.\nفلفظة (مِنْ) في الآيتين لابتداء الغاية، وذلك هو ظاهر القرآن، وهو الحق، خلافًا لما زعمه الصاوي وحكاه عن نصارى نجران.\nوقد اتضح بما ذكرنا أن الذين يقولون: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، لا يعلمون ما هي الظواهر، وأنهم يعتقدون شيئًا ظاهر النص، والواقع أن النص لا يدل عليه بحال من الأحوال فضلًا عن أن يكون ظاهره.\nفبنوا باطلًا على باطل، ولا شك أن الباطل لا يبنى عليه إلا الباطل.\nولو تصوروا معاني ظواهر الكتاب والسنة على حقيقتها لمنعهم ذلك من أن يقولوا ما قالوا.\nفتصور الصاوي أن ظاهر آية الكهف المتقدمة هو حل الأيمان بالتعليق بالمشيئة المتأخر زمنها عن اليمين، وبناؤه على ذلك مخالفة ظاهر الآية لمذاهب الأئمة الأربعة، وأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة","vol":"7","page":471},{"text":"من أصول الكفر، مع أن الآية لا تشير أصلًا إلى ما اعتقد أنه ظاهرها.\nوكذلك اعتقاده أن ظاهر آية آل عمران المذكورة هو ما زعمه نصارى نجران، من أن عيسى ابن الله؛ فإنه كله باطل وليس شيء مما زعم ظاهر القرآن مطلقًا، كما لا يخفى على عاقل.\nوقول الصاوي فِي كلامه المذكور في سورة آل عمران: إن العلماء قالوا: إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر، قول باطل لا يشك في بطلانه من عنده أدنى معرفة.\nومن هم العلماء الذين قالوا إن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر؟\nسموهم لنا، وبينوا لنا من هم.\nوالحق الذي لا شك فيه: أن هذا القول لا يقوله عالم ولا متعلم؛ لأن ظواهر الكتاب والسنة هي نور الله الذي أنزله على رسوله، ليستضاء به في أرضه، وتقام به حدوده، وتنفذ به أوامره، وينصف به بين عباده في أرضه.\nوالنصوص القطعية التي لا احتمال فيها قليلة جدًّا لا يكاد يوجد منها إلا أمثلة قليلة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾.\nوالغالب الذي هو الأكثر هو كون نصوص الكتاب والسنة ظواهر.\nوقد أجمع جميع المسلمين على أن العمل بالظاهر واجب حتى يرد دليل شرعي صارف عنه إلى المحتمل المرجوح، وعلى هذا كل من تكلم في الأصول.","vol":"7","page":472},{"text":"فتنفير الناس وإبعادها عن كتاب الله وسنة رسوله، بدعوى أن الأخذ بظواهرهما من أصول الكفر، هو من أشنع الباطل وأعظمه كما ترى.\nوأصول الكفر يجب على كل مسلم أن يحذر منها كل الحذر، ويتباعد منها كل التباعد، ويتجنب أسبابها كل الاجتناب، فيلزم على هذا القول المنكر الشنيع وجوب التباعد من الأخذ بظواهر الوحي، وهذا كما ترى.\nوبما ذكرنا يتبين أن من أعظم أسباب الضلال، ادعاء أن ظواهر الكتاب والسنة دالة على معان قبيحة ليست بلائقة، والواقع في نفس الأمر بُعْدها وبراءتها من ذلك.\nوسبب تلك الدعوى الشنيعة على ظواهر كتاب الله وسنة رسوله، هو عدم معرفة مدعيها.\nولأجل هذه البلية العظمى، والطامة الكبرى، زعم كثير من النظار الذين عندهم فهم (^١)، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها غير لائقة بالله، لأن ظواهرها المتبادرة منها هو تشبيه صفات الله بصفات خلقه، وعقد ذلك المقري في إضاءته في قوله:\nوالنص إن أوهم غير اللائق ... بالله كالتشبيه بالخلائق\nفاصرفه عن ظاهره إجماعًا ... واقطع عن الممتنع الأطماعا\nوهذه الدعوى الباطلة، من أعظم الافتراء على آيات الله تعالى وأحاديث رسوله  -  ﷺ  - .\n_________\n(^١) كذا، ولعل صوابها: \"الذين ليس عندهم فهم\".","vol":"7","page":473},{"text":"والواقع في نفس الأمر أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها المتبادرة منها لكل مسلم رَاجَع عقله، هي مخالفة صفات الله لصفات خلقه.\nولا بد أن نتساءل هنا فنقول:\nأليس الظاهر المتبادر مخالفة الخالق للمخلوق في الذات والصفات والأفعال؟\nوالجواب الذي لا جواب غيره: بلى.\nوهل تشابهت صفات الله مع صفات خلقه حتى يقال إن اللفظ الدال على صفته تعالى ظاهره المتبادر منه تشبيهه بصفة الخلق؟\nوالجواب الذي لا جواب غيره: لا.\nفبأي وجه يتصور عاقل أن لفظًا أنزله الله في كتابه مثلًا، دالًّا على صفة من صفات الله، أثنى بها تعالى على نفسه، يكون ظاهره المتبادر منه مشابهته لصفة الخلق؟ سبحانك هذا بهتان عظيم.\nفالخالق والمخلوق متخالفان كل التخالف، وصفاتهما متخالفة كل التخالف.\nفبأي وجه يعقل دخول صفة المخلوق في اللفظ الدال على صفة الخالق؟ أو دخول صفة الخالق في اللفظ الدال على صفة المخلوق، مع كمال المنافاة بين الخالق والمخلوق؟\nفكل لفظ دل على صفة الخالق ظاهره المتبادر منه أن يكون لائقًا بالخالق منزهًا عن مشابهة صفات المخلوق.\nوكذلك اللفظ الدال على صفة المخلوق لا يعقل أن تدخل فيه صفة الخالق.","vol":"7","page":474},{"text":"فالظاهر المتبادر من لفظ اليد بالنسبة للمخلوق، هو كونها جارحة هي عظم ولحم ودم، وهذا هو الذي يتبادر إلى الذهن في نحو قوله تعالى: ﴿فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾.\nوالظاهر المتبادر من اليد بالنسبة للخالق في نحو قوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنها صفة كمال وجلال، لائقة بالله جل وعلا، ثابتة له على الوجه اللائق بكماله وجلاله.\nوقد بين جل وعلا عظم هذه الصفة وما هي عليه من الكمال والجلال، وبين أنها من صفات التأثير كالقدرة، قال تعالى في تعظيم شأنها: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالى عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٧)﴾.\nوبين أنها صفة تأثير كالقدرة في قوله تعالى: ﴿قَال يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فتصريحه تعالى بأنه خلق نبيه آدم بهذه الصفة العظيمة التي هي من صفات كماله وجلاله يدل على أنها من صفات التأثير كما ترى.\nولا يصح هنا تأويل اليد بالقدرة البتة، لإِجماع أهل الحق والباطل كلهم على أنه لا يجوز تثنية القدرة.\nولا يخطر في ذهن المسلم المراجع عقله، دخول الجارحة التي هي عظم ولحم ودم في معنى هذا اللفظ الدال على هذه الصفة العظيمة من صفات خالق السماوات والأرض.\nفاعلم أيها المدعي أن ظاهر لفظ اليد في الآية المذكورة وأمثالها لا يليق بالله، لأن ظاهرها التشبيه بجارحة الإِنسان، وأنها يجب صرفها عن هذا الظاهر الخبيث، ولم تكتف بهذا حتى ادعيت","vol":"7","page":475},{"text":"الإِجماع على صرفها عن ظاهرها = أن قولك هذا كله افتراء عظيم على الله تعالى، وعلى كتابه العظيم، وأنك بسببه كنت أعظم المشبهين والمجسمين، وقد جرك شؤم هذا التشبيه إلى ورطة التعطيل، فنفيت الوصف الذي أثبته الله في كتابه لنفسه بدعوى أنه لايليق به، وأولته بمعنى آخر من تلقاء نفسك بلا مستند من كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا قول أحد من السلف.\nوماذا عليك لو صدقت الله وآمنت بما مدح به نفسه على الوجه اللائق بكماله وجلاله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل؟\nوبأي موجب سوغت لذهنك أن يخطر فيه صفة المخلوق عند ذكر صفة الخالق؟\nهل تلتبس صفة الخالق بصفة المخلوق عند أحد، حتى يفهم صفة المخلوق من اللفظ الدال على صفة الخالق؟\nفاخش الله يا إنسان، واحذر من التقول على الله بلا علم، وآمن بما جاء في كتاب الله مع تنزيه الله عن مشابهة خلقه.\nواعلم أن الله الذي أحاط علمه بكل شيء، لا يخفى عليه الفرق بين الوصف اللائق به والوصف غير اللائق به، حتى يأتي إنسان فيتحكم في ذلك فيقول: هذا الذي وصفت به نفسك غير لائق بك، وأنا أنفيه عنك بلا مستند منك ولا من رسولك، وآتيك بدله بالوصف اللائق بك.\nفاليد مثلًا التي وصفت بها نفسك لا تليق بك لدلالتها على التشبيه بالجارحة، وأنا أنفيها عنك نفيًا باتًّا، وأبدلها لك بوصف لائق بك وهو النعمة أو القدرة مثلًا أو الجود.","vol":"7","page":476},{"text":"سبحانك هذا بهتان عظيم.\n﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.\nومن الغريب أن بعض الجاحدين لصفات الله، المؤولين لها بمعان لم ترد عن الله ولا عن رسوله، يؤمنون فيها ببعض الكتاب دون بعض.\nفيقرون بأن الصفات (^١) السبع التي تشتق منها أوصاف ثابتة لله مع التنزيه، ونعني بها القدرة والإِرادة والعلم والحياة والسمع والبصر والكلام، لأنها يشتق منها قادر حي عليم ... إلخ، وكذلك في بعض الصفات الجامعة كالعظمة والكبرياء والملك والجلال مثلًا؛ لأنها يشتق منها العظيم والمتكبر والجليل والملك، وهكذا، ويجحدون كل صفة ثبتت في كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  لم يشتق منها غيرها كصفة اليد والوجه ونحو ذلك، ولا شك أن هذا التفريق بين صفات الله التي أثبتها لنفسه أو أثبتها له رسوله  -  ﷺ  -  لا وجه له البتة بوجه من الوجوه.\nولم يرد عن الله ولا عن رسوله  -  ﷺ  -  الإِذن في الإِيمان ببعض صفاته، وجحد بعضها وتأويله لأنها لا يشتق منها.\nوهل يتصور عاقل أن يكون عدم الاشتقاق مسوغًا لجحد ما وصف الله به نفسه؟\nولا شك عند كل مسلم راجع عقله، أن عدم الاشتقاق لا يرد به كلام الله فيما أثنى به على نفسه، ولا كلام رسوله فيما وصف به ربه.\n_________\n(^١) كذا، ولعلها: \"فيقرون بالصفات\".","vol":"7","page":477},{"text":"والسبب الموجب للإِيمان إيجابًا حتمًا كليًّا هو كونه من عند الله، وهذا السبب هو الذي علم الراسخون في العلم أنه الموجب للإِيمان بكل ما جاء عن الله، سواء استأثر الله بعلمه كالمتشابه، أو كان مما يعلمه الراسخون في العلم، كما قال الله عنهم: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\nفلا شك أن قوله تعالى: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ من عند ربنا، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾ من عند ربنا أيضًا، فيجب علينا الإِيمان بالجميع؛ لأنه كله من عند ربنا.\nأما الذي يفرق بينه، وهو عالم بأن كله من عند ربه، بأن هذا يشتق منه وهذا لا يشتق منه، فقد آمن ببعض الكتاب دون بعض.\nوالمقصود أن كلما جاء من عند الله يجب الإِيمان به، سواء كان من المتشابه أو من غير المتشابه، وسواء كان يشتق منه أو لا.\nومعلوم أن مالكًا ﵀ سئل كيف استوى، فقال: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب.\nوما يزعمه بعضهم من أن القدرة والإِرادة مثلًا ونحوهما ليست كاليد والوجه، بدعوى أن القدرة والإِرادة مثلًا ظهرت آثارهما في العالم العلوي والسفلي بخلاف غيرهما كصفة اليد ونحوها، فهو من أعظم الباطل.\nومما يوضح ذلك أن الذي يقوله، هو وأبوه وجده من آثار صفة اليد التي خلق الله بها نبيه آدم.\nونحن نرجو أن يغفر الله تعالى للذين ماتوا على هذا الاعتقاد؛ لأنهم لا يقصدون تشبيه الله بخلقه، وإنما يحاولون تنزيهه عن مشابهة","vol":"7","page":478},{"text":"خلقه، فقصدهم حسن، ولكن طريقهم إلى ذلك القصد سيئة.\nوإنما نشأ لهم ذلك السوء بسبب أنهم ظنوا لفظ الصفة التي مدح الله بها نفسه يدل ظاهره على مشابهة صفة الخلق، فنفوا الصفة التي ظنوا أنها لا تليق قصدًا منهم لتنزيه الله، وأولوها بمعنى آخر يقتضي التنزيه في ظنهم، فهم كما قال الشافعي ﵀:\nرام نفعًا فضر من غير قصد ... ومن البر ما يكون عقوقًا\nونحن نرجو أن يغفر الله لهم خطأهم، وأن يكونوا داخلين في قوله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٥)﴾.\nوخطؤهم المذكور لا شك فيه، ولو وفقهم الله لتطهير قلوبهم من التشبيه أولًا، وجزموا بأن ظاهر صفة الخالق هو التنزيه عن مشابهة صفة المخلوق، لسلموا مما وقعوا فيه.\nولا شك أن النبي  -  ﷺ  -  عالم كل العلم بأن الظاهر المتبادر مما مدح الله به نفسه في آيات الصفات هو التنزيه التام عن صفات الخلق، ولو كان يخطر في ذهنه أن ظاهره لا يليق، لأنه تشبيه بصفات الخلق، لبادر كل المبادرة إلى بيان ذلك؛ لأنه لا يجوز في حقه تأخير البيان عن وقت الحاجة إليه، ولا سيما في العقائد، ولا سيما فيما ظاهره الكفر والتشبيه.\nفسكوت النبي  -  ﷺ  -  عن بيان هذا يدل على أن ما زعمه المؤلون لا أساس له كما ترى.\nفإن قيل: إن هذا القرآن العظيم، نزل بلسان عربي مبين، والعرب لا تعرف في لغتها كيفية لليد مثلًا إلا كيفية المعاني المعروفة","vol":"7","page":479},{"text":"عندها، كالجارحة وغيرها من معاني اليد المعروفة في اللغة، فبينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما ذكرتم.\nفالجواب من وجهين:\nالوجه الأول: أن العرب لا تدرك كيفيات صفات الله من لغتها، لشدة منافاة صفة الله لصفة الخلق.\nوالعرب لا تعرف عقولهم كيفيات إلا لصفات الخلق، فلا تعرف العرب كيفية للسمع والبصر إلا هذه المشاهدة في حاسة الأذن والعين، أما سمع لا يقوم بأذن وبصر لا يقوم بحدقة، فهذا لا يعرفون له كيفية البتة.\nفلا فرق بين السمع والبصر، وبين اليد والاستواء، فالذي تعرف كيفيته العرب من لغتها من جميع ذلك هو المشاهد في المخلوقات.\nوأما الذي اتصف الله به من ذلك، فلا تعرف له العرب كيفية ولا حدًّا، لمخالفة صفاته لصفات الخلق، إلا أنهم يعرفون من لغتهم أصل المعنى، كما قال الإِمام مالك ﵀: الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإِيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة.\nكما يعرفون من لغتهم، أن بين الخالق والمخلوق، والرزق والمرزوق، والمحيي والمُحْيَا، والمميت والمُمَات، فوارق عظيمة لا حد لها، تستلزم المخالفة التامة بين صفات الخالق والمخلوق.\nالوجه الثاني: أن نقول لمن قال: بينوا لنا كيفية لليد ملائمة لما","vol":"7","page":480},{"text":"ذكرتم، من كونها صفة كمال وجلال، منزهة عن مشابهة جارحة المخلوق:\nهل عرفت كيفية الذات المقدسة المتصفة باليد؟ فلا بد أن يقول: لا.\nفإن قال ذلك، قلنا: معرفة كيفية الصفات تتوقف على معرفة كيفية الذات، فالذات والصفات من باب واحد، فكما أن ذاته جل وعلا تخالف جميع الذوات، فإن صفاته تخالف جميع الصفات.\nومعلوم أن الصفات تختلف وتتباين باختلاف موصوفاتها.\nألا ترى مثلًا أن لفظة \"رأس\" كلمة واحدة، إن أضفتها إلى الإِنسان فقلت: رأس الإِنسان، وإلى الوادي فقلت: رأس الوادي، وإلى المال فقلت: رأس المال، وإلى الجبل فقلت: رأس الجبل، فإن كلمة الرأس اختلفت معانيها، وتباينت تباينًا شديدًا بحسب اختلاف إضافتها، مع أنها في مخلوقات حقيرة.\nفما بالك بما أضيف من الصفات إلى الله وما أضيف منها إلى خلقه، فإنه يتباين كتباين الخالق والمخلوق، كما لا يخفى.\nفاتضح بما ذكر أن الشرط في قول المقري في إضاءته:\n\n• والنص إن أوهم غير اللائق *\nشرط مفقود قطعًا؛ لأن نصوص الوحي الواردة في صفات الله، لا تدل ظواهرها البتة إلا على تنزيه الله، ومخالفته لخلقه في الذات والصفات والأفعال.\nفكل المسلمين الذين يراجعون عقولهم، لا يشك أحد منهم في أن الظاهر المتبادر السابق إلى ذهن المسلم، هو مخالفة الله لخلقه،","vol":"7","page":481},{"text":"كما نص عليه بقوله: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾، ونحو ذلك من الآيات.\nوبذلك تعلم أن الإِجماع الذي بناه على ذلك في قوله:\n\n• فاصرفه عن ظاهره إجماعًا *\nإجماع مفقود أصلًا، ولا وجود له البتة؛ لأنه مبني على شرط مفقود لا وجود له البتة.\nفالإِجماع المعدوم المزعوم لم يرد في كتاب الله ولا في سنة رسوله، ولم يقله أحد من أصحاب رسول الله، ولا من تابعيهم، ولم يقله أحد من الأئمة الأربعة ولا من فقهاء الأمصار المعروفين.\nوإنما لم يقولوا بذلك؛ لأنهم يعلمون أن ظواهر نصوص الوحي لا تدل إلا على تنزيه الله عن مشابهة خلقه، وهذا الظاهر الذي هو تنزيه الله لا داعي لصرفها عنه كما ترى.\nولأجل هذا كله قلنا في مقدمة هذا الكتاب المبارك: إن الله ﵎ موصوف بتلك الصفات حقيقة لا مجازًا؛ لأنا نعتقد اعتقادًا جازمًا لا يتطرق إليه شك، أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تدل البتة إلا على التنزيه عن مشابهة الخلق واتصافه تعالى بالكمال والجلال.\nوإثبات التنزيه والكمال والجلال لله حقيقة لا مجازًا لا ينكره مسلم.\nومما يدعو إلى التصريح بلفظ الحقيقة، ونفي المجاز، كثرة الجاهلين الزاعمين أن تلك الصفات لا حقائق لها، وأنها كلها","vol":"7","page":482},{"text":"مجازات، وجعلوا ذلك طريقًا إلى نفيها؛ لأن المجاز يجوز نفيه، والحقيقة لا يجوز نفيها.\nفقالوا مثلًا: اليد مجاز يراد به القدرة والنعمة أو الجود، فنفوا صفة اليد؛ لأنها مجاز.\nوقالوا: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ مجاز، فنفوا الاستواء؛ لأنه مجاز.\nوقالوا: معنى (استوى) استولى، وشبهوا استيلاءه باستيلاء بشر بن مروان على العراق.\nولو تدبروا كتاب الله لمنعهم ذلك من تبديل الاستواء بالاستيلاء، وتبديل اليد بالقدرة أو النعمة؛ لأن الله جل وعلا يقول في محكم كتابه في سورة البقرة: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)﴾، ويقول في الأعراف: ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (١٦٢)﴾، فالقول الذي قاله الله لهم: هو قوله: (حطة) وهي فِعْلة، من الحط بمعنى الوضع، خبر مبتدأ محذوف، أي دعاؤنا ومسألتنا لك حطة لذنوبنا، أي حطٌّ ووضعٌ لها عنَّا، فهي بمعنى طلب المغفرة.\nوفي بعض روايات الحديث في شأنهم: أنهم بدلوا هذا القول بأن زادوا نونًا فقط فقالوا: \"حنطة\" وهي القمح.\nوأهل التأويل قيل لهم: (على العرش استوى)، فزادوا لامًا فقالوا: استولى.","vol":"7","page":483},{"text":"وهذه اللام التي زادوها أشبه شيء بالنون التي زادها اليهود في قوله تعالى: ﴿وَقُولُوا حِطَّةٌ﴾.\nويقول الله جل وعلا في منع تبديل القرآن بغيره: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.\nولا شك أن من بدل (استوى) باستولى مثلًا لم يتبع ما أوحي إلى النبي  -  ﷺ  - .\nفعليه أن يجتنب التبديل، ويخاف العذاب العظيم الذي خافه رسول الله  -  ﷺ  -  لو عصا الله فبدل قرآنًا بغيره، المذكور في قوله: ﴿إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.\nواليهود لم ينكروا أن اللفظ الذي قاله الله لهم هو لفظة (حطة) ولكنهم حرفوه بالزيادة المذكورة.\nوأهل هذه المقالة لم ينكروا أن كلمة القرآن هي (استوى)، ولكن حرفوها وقالوا في معناها: استولى، وإنما أبدلوها بها؛ لأنها أصلح في زعمهم من لفظ كلمة القرآن؛ لأن كلمة القرآن توهم غير اللائق، وكلمة استولى في زعمهم هي المنزهة اللائقة بالله، مع أنه لا يعقل تشبيه أشنع من تشبيه استيلاء الله على عرشه المزعوم باستيلاء بشر على العراق.\nوهل كان أحد يغالب الله على عرشه حتى غلبه على العرش، واستولى عليه؟!\nوهل يوجد شيء إلا والله مستول عليه؟ فالله مستول على كل شيء.","vol":"7","page":484},{"text":"وهل يجوز أن يقال: إنه تعالى استوى على كل شيء غير العرش؟\nفافهم.\nوعلى كل حال، فإن المؤول زعم أن الاستواء يوهم غير اللائق بالله لاستلزامه مشابهة استواء الخلق، وجاء بدله بالاستيلاء؛ لأنه هو اللائق به في زعمه، ولم ينتبه لأن تشبيه استيلاء الله على عرشه باستيلاء بشر بن مروان على العراق هو أفظع أنواع التشبيه، وليس بلائق قطعًا، إلا أنه يقول: إن الاستيلاء المزعوم منزه عن مشابهة استيلاء الخلق، مع أنه ضرب له المثل باستيلاء بشر على العراق، والله يقول: ﴿فَلَا تَضْرِبُوا لِلَّهِ الْأَمْثَال إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٧٤)﴾.\nونحن نقول: أيها المؤول هذا التأويل، نحن نسألك: إذا علمت أنه لا بد من تنزيه أحد اللفظين، أعني لفظ ﴿اسْتَوَى (٥)﴾ الذي أنزل الله به الملك على النبي  -  ﷺ  -  قرآنًا يتلى، كل حرف منه عشر حسنات، ومن أنكر أنه من كتاب الله كفر.\nولفظة استولى التي جاء بها قوم من تلقاء أنفسهم من غير استناد إلى نص من كتاب الله ولا سنة رسوله ولا قول أحد من السلف.\nفأي الكلمتين أحق بالتنزيه في رأيك؟ الأحق بالتنزيه كلمة القرآن المنزلة من الله على رسوله، أم كلمتكم التي جئتم بها من تلقاء أنفسكم من غير مستند أصلًا؟\nونحن لا يخفى علينا الجواب الصحيح عن هذا السؤال إن كنت لا تعرفه.","vol":"7","page":485},{"text":"واعلم أنما ذكرنا من أن ما وصف الله به نفسه من الصفات فهو موصوف به حقيقة لا مجازًا، على الوجه اللائق بكماله وجلاله، وأنه لا فرق البتة بين صفة يشتق منها وصف، كالسمع والبصر والحياة، وبين صفة لا يشتق منها كالوجه واليد، وأن تأويل الصفات، كتأويل الاستواء بالاستيلاء، لا يجوز ولا يصح = هو معتقد أبي الحسن الأشعري ﵀، وهو معتقد عامة السلف، وهو الذي كان عليه النبي  -  ﷺ  -  وأصحابه.\nفمن ادعى على أبي الحسن الأشعري أنه يؤول صفة من الصفات، كالوجه واليد والاستواء ونحو ذلك، فقد افترى عليه افتراء عظيمًا.\nبل الأشعري ﵀ مصرح في كتبه العظيمة التي صنفها بعد رجوعه عن الاعتزال، كالموجز، ومقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين، والإِبانة عن أصول الديانة: أن معتقده الذين يدين الله به هو ما كان عليه السلف الصالح من الإِيمان بكل ما وصف الله به نفسه أو وصفه به رسوله  -  ﷺ  -، وإثبات ذلك كله من غير كيف ولا تشبيه ولا تعطيل، وأن ذلك لا يصح تأويله ولا القول بالمجاز فيه، وأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو مذهب المعتزلة ومن ضاهاهم.\nوهو أعلم الناس بأقوال المعتزلة؛ لأنه كان أعظم إمام في مذهبهم، قبل أن يهديه الله إلى الحق، وسنذكر لك هنا بعض نصوص أبي الحسن الأشعري ﵀ لتعلم صحة ما ذكرنا عنه.\nقال ﵀ في كتاب الإِبانة عن أصول الديانة، الذي قال غير واحد إنه آخر كتاب صنفه، ما نصه:","vol":"7","page":486},{"text":"فإن قال لنا قائل: قد أنكرتم قول المعتزلة والقدرية والجهمية والحرورية والرافضة والمرجئة، فعرفونا قولكم الذي به تقولون وديانتكم التي بها تدينون، قيل له:\nقولنا الذي نقول به، وديانتنا التي ندين بها: التمسك بكتاب ربنا ﷿ وسنة نبينا  -  ﷺ  -، وما روي عن الصحابة والتابعين وأئمة الحديث.\nونحن بذلك معتصمون، وبما كان يقول به أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل نضر الله وجهه ورفع درجته وأجزل مثوبته قائلون، ولمن خالف قوله مجانبون؛ لأنه الإِمام الفاضل، والرئيس الكامل، الذي أبان به الحق ورفع به الضلال، وأوضح به المنهاج، وقمع به بدع المبتدعين، وزيغ الزائغين، وشك الشاكين، فرحمة الله عليه من إمام مقدم وخليل معظم مفخم، وعلى جميع أئمة المسلمين.\nوجملة قولنا: أنا نقر بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله، وما رواه الثقات عن رسول الله  -  ﷺ  -، لا نرد من ذلك شيئًا.\nوأن الله ﷿ إله واحد لا إله إلا هو فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، أرسله بالهدى ودين الحق، وأن الجنة حق، وأن النار حق، والساعة آتية لا ريب فيها وأن الله يبعث من في القبور.\nوأن الله استوى على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وأن له وجهًا كما قال: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وأن له يدين بلا كيف كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ وكما","vol":"7","page":487},{"text":"قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وأن له عينان بلا كيف كما قال: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوبه تعلم أن من يفتري على الأشعري أنه من المؤولين المدعين أن ظاهر آيات الصفات وأحاديثها لا يليق بالله كاذب عليه كذبًا شنيعًا.\nوقال الشيخ أبو الحسن الأشعري في كتاب الإِبانة أيضًا في إثبات الاستواء لله تعالى، ما نصه:\nإن قال قائل: ما تقولون في الاستواء؟\nقيل له: نقول: إن الله ﷿ مستوٍ على عرشه كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقد قال الله ﷿: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وقد قال: ﴿بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيهِ﴾، وقال ﷿: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾، وقال حكاية عن فرعون: ﴿يَاهَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ (٣٦) أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَه مُوسَى وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِبًا﴾، فكذب فرعونُ نبي الله موسى ﵇ في قوله: إن الله ﷿ فوق السموات، وقال ﷿: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾.\nفالسماوات فوقها العرش، فلما كان العرش فوق السماوات قال ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ﴾؛ لأنه مستوٍ على العرش الذي فوق السماوات، وكل ما علا فهو سماء، فالعرش أعلى السماوات.\nهذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإِبانة المذكور.\nوقد أطال ﵀ في الكلام بذكر الأدلة القرآنية، في إثبات صفة الاستواء، وصفة العلو لله جل وعلا.","vol":"7","page":488},{"text":"ومن جملة كلامه المشار إليه ما نصه:\nوقد قال قائلون من المعتزلة والجهمية والحرورية: إن قول الله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾ أنه استولى وملك وقهر، وأن الله ﷿ في كل مكان، وجحدوا أن يكون الله ﷿ على عرشه كما قال أهل الحق، وذهبوا في الاستواء إلى القدرة.\nولو كان هذا كما ذكروه كان لا فرق بين العرش والأرض، فالله سبحانه قادر عليها وعلى الحشوش، وعلى كل ما في العالم.\nفلو كان الله مستويًا على العرش بمعنى الاستيلاء، وهو ﷿ مستول على الأشياء كلها، لكان مستويًا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأفراد؛ لأنه قادر على الأشياء مستول عليها.\nوإذا كان قادرًا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقول: إن الله ﷿ مستو على الحشوش والأخلية، لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها، ووجب أن يكون معناه استواء يختص العرش دون الأشياء كلها.\nوزعمت المعتزلة والحرورية والجهمية أن الله ﷿ في كل مكان، فلزمهم أنه في بطن مريم، وفي الحشوش والأخلية.\nوهذا خلاف الدين، تعالى الله عن قولهم. اهـ.\nهذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في آخر مصنفاته، وهو كتاب الإِبانة عن أصول الديانة.\nوتراه صرح ﵀ بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول","vol":"7","page":489},{"text":"المعتزلة والجهمية والحرورية، لا قول أحد من أهل السنة، وأقام البراهين الواضحة على بطلان ذلك.\nفليعلم مؤولو الاستواء بالاستيلاء أن سلفهم في ذلك المعتزلة والجهمية والحرورية، لا أبو الحسن الأشعري ﵀ ولا أحد من السلف.\nوقد أوضحنا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّمَاوَاتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ﴾ الآية، أن قول الجهمية ومن تبعهم: إن الله في كل مكان، قول باطل؛ لأن جميع الأمكنة الموجودة، أحقر وأقل وأصغر من أن يسع شيء منها خالق السماوات والأرض، الذي هو أعظم وأكبر من كل شيء، وهو محيط بكل شيء، ولا يحيط به شيء.\nفانظر إيضاح ذلك في الأنعام.\nواعلم أن ما يزعمه كثير من الجهلة، من أن ما في القرآن العظيم، من صفة الاستواء والعلو والفوقية، يستلزم الجهة، وأن ذلك محال على الله، وأنه يجب نفي الاستواء والعلو والفوقية، وتأويلها بما لا دليل عليه من المعاني = كله باطل، وسببه سوء الظن بالله وبكتابه.\nوعلى كل حال، فمدعي لزوم الجهة لظواهر نصوص القرآن العظيم، واستلزام ذلك للنقص الموجب للتأويل، يقال له:\nما مرادك بالجهة؟\nإن كنت تريد بالجهة مكانًا موجودًا، انحصر فيه الله، فهذا ليس بظاهر القرآن، ولم يقله أحد من المسلمين.","vol":"7","page":490},{"text":"وإن كنت تريد بالجهة العدم المحض، فالعدم عبارة عن لا شيء، فميز أولًا بين الشيء الموجود وبين اللاشيء.\nوقد قال أيضًا أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإِبانة أيضًا ما نصه:\nفإن سئلنا: أتقولون: إن لله يدين؟ قيل: نقول ذلك، وقد دل عليه قوله ﷿: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيدِيهِمْ﴾، وقوله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾.\nوأطال ﵀ الكلام في ذكر الأدلة من الكتاب والسنة على إثبات صفة اليدين لله.\nومن جملة ما قال، ما نصه:\nويقال لهم: لم أنكرتم أن يكون الله ﷿ عنى بقوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يدين ليستا نعمتين؟\nفإن قالوا: لأن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة.\nقيل لهم: ولم قضيتم أن اليد إذا لم تكن نعمة لم تكن إلا جارحة؟\nفإن أرجعونا إلى شاهدنا، وإلى ما نجده فيما بيننا من الخلق، فقالوا: اليد إذا لم تكن نعمة في الشاهد لم تكن إلا جارحة، قيل لهم: إن عملتم على الشاهد وقضيتم به على الله ﷿، فكذلك لم نجد حيًّا من الخلق إلا جسمًا لحمًا ودمًا، فاقضوا بذلك على الله ﷿، وإلا فأنتم لقولكم متأولون ولاعتلالكم ناقضون.\nوإن أثبتم حيًّا لا كالأحياء منا، فلم أنكرتم أن تكون اليدان","vol":"7","page":491},{"text":"اللتان أخبر الله ﷿ عنهما يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين ولا كالأيدي؟\nوكذلك يقال لهم:\nلم تجدوا مدبرًا حكيمًا إلا إنسانًا، ثم أثبتم أن للدنيا مدبرًا حكيمًا، ليس كالإِنسان، وخالفتم الشاهد ونقضتم اعتلالكم.\nفلا تمنعوا من إثبات يدين ليستا نعمتين ولا جارحتين، من أجل أن ذلك خلاف الشاهد. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nوبه تعلم أن الأشعري ﵀ يعتقد أن الصفات التي أنكرها المؤولون، كصفة اليد، من جملة صفات المعاني كالحياة ونحوها، وأنه لا فرق البتة بين صفة اليد وصفة الحياة، فما اتصف الله به من جميع ذلك فهو منزه عن مشابهة ما اتصف به الخلق منه.\nواللازم لمن شبه في بعض الصفات ونزه في بعضها أن يشبِّه في جميعها أو ينزه في جميعها، كما قاله الأشعري.\nأما ادعاء ظهور التشبيه في بعضها دون بعض، فلا وجه له بحال من الأحوال؛ لأن الموصوف بها واحد، وهو منزه عن مشابهة صفات خلقه.\nومن جملة كلام أبي الحسن الأشعري ﵀ المشار إليها آنفًا في إثبات الصفات، ما نصه:\nفإن قال قائل: لم أنكرتم أن يكون قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على المجاز؟\nقيل له: حكم كلام الله ﷿ أن يكون على ظاهره وحقيقته، ولا يخرج الشيء عن ظاهره إلى المجاز إلا لحجة.","vol":"7","page":492},{"text":"ألا ترون أنه إذا كان ظاهر الكلام العموم، فإذا ورد بلفظ العموم والمراد به الخصوص، فليس هو على حقيقة الظاهر، وليس يجوز أن يعدل بما ظاهره العموم عن العموم بغير حجة؟\nكذلك قول الله ﷿: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على ظاهره وحقيقته من إثبات اليدين، ولا يجوز أن يعدل به عن ظاهر اليدين إلى ما ادعاه خصومنا إلا بحجة.\nولو جاز ذلك لجاز لمدع أن يدعي أن ما ظاهره العموم فهو على الخصوص، وما ظاهره الخصوص فهو على العموم، بغير حجة.\nوإذا لم يجز هذا لمدعيه بغير برهان، لم يجز لكم ما ادعيتموه أنه مجاز بغير حجة.\nبل واجب أن يكون قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ إثبات يدين لله تعالى في الحقيقة، غير نعمتين، إذ كانت النعمتان لا يجوز عند أهل اللسان أن يقول قائلهم: فعلت بيدي، وهو يعني النعمتين. اهـ.\nمحل الغرض منه بلفظه.\nوفيه تصريح أبي الحسن الأشعري ﵀ بأن صفات الله كصفة اليد، ثابتة له حقيقة لا مجازًا، وأن المدعين أنها مجاز هم خصومه وهو خصمهم كما ترى.\nوإنما قال ﵀: إنه تعالى متصف بها حقيقة لا مجازًا؛ لأنه لا يشك في أن ظاهر صفة الله هو مخالفة صفة الخلق، وتنزيهها عن مشابهتها، كما هو شأن السلف الصالح كلهم.\nفإثبات الحقيقة ونفي المجاز في صفات الله، هو اعتقاد كل","vol":"7","page":493},{"text":"مسلم طاهر القلب من أقذار التشبيه؛ لأنه لا يسبق إلى ذهنه من اللفظ الدال على الصفة كصفة اليد والوجه إلا أنها صفة كمال منزهة عن مشابهة صفات الخلق.\nفلا يخطر في ذهنه التشبيه الذي هو سبب نفي الصفة وتأويلها بمعنى لا أصل له.\n\nتنبيه مهم\nفإن قيل: دل الكتاب والسنة وإجماع السلف على أن الله وصف نفسه بصفة اليدين، كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْويَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ الآية.\nوالأحاديث الدالة على مثل ما دلت عليه الآيات المذكورة كثيرة، كما هو معلوم، وأجمع المسلمون على أنه جل وعلا لا يجوز أن يوصف بصفة الأيدي، مع أنه تعالى قال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ (٧١)﴾، فلم أجمع المسلمون على تقديم آية ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ على آية ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾؟\nفالجواب: أنه لا خلاف بين أهل اللسان العربي ولا بين المسلمين أن صيغ الجموع تأتي لمعنيين:\nأحدهما: إرادة التعظيم فقط، فلا يدخل في صيغة الجمع تعدد أصلًا؛ لأن صيغة الجمع المراد بها التعظيم إنما يراد بها واحد.\nوالثاني: أن يراد بصيغة الجمع معنى الجمع المعروف.","vol":"7","page":494},{"text":"وإذا علمت ذلك، فاعلم أن القرآن العظيم يكثر فيه جدًّا إطلاق الله جل وعلا على نفسه صيغة الجمع، يريد بذلك تعظيم نفسه، ولا يريد بذلك تعددًا ولا أن معه غيره، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، كقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾.\nفصيغة الجمع في قوله: ﴿إِنَّا﴾، وفي قوله: ﴿نَحْنُ﴾، وفي قوله: ﴿نَزَّلْنَا﴾، وقوله: ﴿حَافِظُونَ (٥)﴾، لا يراد بها أن معه منزلًا للذكر، وحافظًا له غيره تعالى، بل هو وحده المنزل له والحافظ له.\nوكذلك قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، وقوله: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، ونحو هذا كثير في القرآن جدًّا.\nوبه تعلم أن صيغة الجمع في قوله: ﴿أَنَّا﴾، وفي قوله: ﴿خَلَقْنَا﴾، وفي قوله: ﴿عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾ إنما يراد بها التعظيم، ولا يراد بها التعدد أصلًا.\nوإذا كان يراد بها التعظيم لا التعدد، علم بذلك أنها لا تصح بها معارضة قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ لأنها دلت على صفة اليدين، والجمع في قوله: ﴿أَيدِينَا﴾ لمجرد التعظيم.\nوما كان كذلك لا يدل على التعدد، فيطلب الدليل من غيره، فإن دل على أن المراد بالتعظيم واحد حُكِم بذلك، كالآيات المتقدمة، وإن دل على معنى آخر حُكِم به.\nفقوله مثلًا: ﴿وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ قام فيه البرهان القطعي أنه حافظ واحد، وكذلك قوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ","vol":"7","page":495},{"text":"الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، فإنه قد قام في كل ذلك البرهان القطعي على أنه خالق واحد، ومنزل واحد، ومنشئ واحد.\nوأما قوله: ﴿مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾ فقد دل البرهان القطعي على أن الله موصوف بصفة اليدين، كما صرح به في قوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ كما تقدم إيضاحه قريبًا.\nوقد علمت أن صيغة الجمع في قوله: ﴿لَحَافِظُونَ (٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾، وقوله: ﴿أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢)﴾، وقوله: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا﴾، لا يراد بشيء منه معنى الجمع، وإنما يراد به التعظيم فقط.\nوقد أجاب أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتاب الإبانة بما يقرب من هذا في المعنى.\nواعلم أن لفظ اليدين قد يستعمل في اللغة العربية استعمالًا خاصًّا، بلفظ خاص، لا تقصد به في ذلك النعمة ولا الجارحة ولا القدرة، وإنما يراد به معنى أمام.\nواللفظ المختص بهذا المعنى هو لفظة اليدين التي أضيفت إليها لفظة \"بين\" خاصة، أعني لفظة \"بين يديه\"، فإن المراد بهذه اللفظة: أمامه. وهو استعمال عربي معروف مشهور في لغة العرب، لا يقصد فيه معنى الجارحة ولا النعمة ولا القدرة، ولا أي صفة كائنة ما كانت، وإنما يراد به أمام فقط، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ نُؤْمِنَ بِهَذَا الْقُرْآنِ وَلَا بِالَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ أي ولا بالذي كان أمامه سابقًا عليه من الكتب.\nوكقوله: ﴿وَمُصَدِّقًا لِمَا بَينَ يَدَيهِ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾ أي مصدقًا لما كان أمامه متقدمًا عليه من التوراة.","vol":"7","page":496},{"text":"وكقوله: ﴿فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَينَ أَيدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾، فالمراد بلفظ ﴿مَا بَينَ أَيدِيهِمْ﴾ ما أمامهم.\nوكقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ﴾، أي يرسل الرياح مبشرات أمام رحمته التي هي المطر.\nإلى غير ذلك من الآيات.\nومما يوضح لك ذلك: أنه لا يمكن تأويل اليدين في ذلك بنعمتين ولا قدرتين ولا جارحتين، ولا غير ذلك من الصفات، فهذا أسلوب خاص، دال على معنى خاص، بلفظ خاص، مشهور في كلام العرب، فلا صلة له باللفظ الدال على الجارحة بالنسبة إلى الإِنسان، ولا باللفظ الدال على صفة الكمال والجلال الثابتة لله تعالى. فافهم.\nوقال أبو الحسن الأشعري ﵀ في كتابه \"مقالات الإِسلاميين واختلاف المصلين\"، الذي ذكر فيه أقوال جميع أهل الأهواء والبدع والمؤولين والنافين لصفات الله أو بعضها، ما نصه:\nجملة ما عليه أهل الحديث والسنة: الإِقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله  -  ﷺ  -، لا يردون من ذلك شيئًا.\nوأن الله سبحانه إله واحد فرد صمد لا إله غيره لم يتخذ صاحبه ولا ولدًا، وأن محمدًا عبده ورسوله، وأن الجنة حق وأن النار حق وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله سبحانه على عرشه، كما قال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، وكما قال: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾.","vol":"7","page":497},{"text":"إلى أن قال في كلامه هذا، بعد أن سرد مذهب أهل السنة والجماعة، ما نصه:\nفهذه جملة ما يأمرون به ويستعملونه ويرونه، وبكل ما ذكرنا من قولهم نقول، وإليه نذهب، وما توفيقنا إلا بالله، وهو حسبنا ونعم الوكيل، وبه نستعين، وعليه نتوكل، وإليه المصير.\nهذا لفظ أبي الحسن الأشعري ﵀ في كتاب المقالات المذكور.\nوبه تعلم أنه يؤمن بكل ما جاء عن الله في كتابه، وما ثبت عن رسوله  -  ﷺ  -، لا يرد من ذلك شيئًا ولا ينفيه، بل يؤمن به ويثبته لله، بلا كيف ولا تشبيه، كما هو مذهب أهل السنة.\nوقال أبو الحسن الأشعري أيضًا في كتاب المقالات المذكور، ما نصه:\nوقال أهل السنة وأصحاب الحديث: ليس بجسم، ولا يشبه الأشياء، وأنه على العرش كما قاله ﷿: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، ولا نقدم بين يدي الله في القول، بل نقول: استوى بلا كيف.\nثم أطال الكلام ﵀ في إثبات الصفات، كما قدمنا عنه، ثم قال ما نصه: وقالت المعتزلة: إن الله استوى على عرشه بمعنى استولى. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nفتراه صرح في كتاب المقالات المذكور بأن تأويل الاستواء بالاستيلاء هو قول المعتزلة، لا قوله هو ولا قول أحد من أهل السنة.","vol":"7","page":498},{"text":"وزاد في كتاب \"الإِبانة\" مع المعتزلة: الجهمية والحرورية، كما قدمنا.\nوبكل ما ذكرنا تعلم أن الأشعري رجع عن الاعتزال إلى مذهب السلف في آيات الصفات وأحاديثها.\nوقد قدمنا إيضاح الحق في آيات الصفات بالأدلة القرآنية بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ الآية.\nواعلم أن أئمة القائلين بالتأويل، رجعوا قبل موتهم عنه؛ لأنه مذهب غير مأمون العاقبة؛ لأن مبناه على ادعاء أن ظواهر آيات الصفات وأحاديثها لا تليق بالله، لظهورها وتبادرها في مشابهة صفات الخلق، ثم نَفْي تلك الصفات الواردة في الآيات والأحاديث، لأجل تلك الدعوى الكاذبة المشؤومة، ثم تأويلها بأشياء أخر، دون مستند من كتاب أو سنة، أو قول صحابي أو أحد من السلف.\nوكل مذهب هذه حاله، فإنه جدير بالعاقل المفكر أن يرجع عنه إلى مذهب السلف.\nوقد أشار تعالى في سورة الفرقان أن وصف الله بالاستواء صادر عن خبير بالله وبصفاته، عالم بما يليق به وبما لا يليق، وذلك في قوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا (٥٩)﴾.\nفتأمل قوله: (فاسأل به خبيرًا) بعد قوله: (ثم استوى على العرش الرحمن) تعلم أن من وصف الرحمن بالاستواء على العرش خبير بالرحمن وبصفاته، لا يخفى عليه اللائق من الصفات وغير اللائق.","vol":"7","page":499},{"text":"فالذي نبأنا بأنه استوى على عرشه هو العليم الخبير الذي هو الرحمن.\nوقد قال تعالى: ﴿وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ (١٤)﴾.\nوبذلك تعلم أن من يدعي أن الاستواء يستلزم التشبيه وأنه غير لائق، غير خبير، نعم والله هو غير خبير!\nوسنذكر هنا إن شاء الله أن أئمة المتكلمين المشهورين رجعوا كلهم عن تأويل الصفات.\nأما كبيرهم الذي هو أفضل المتكلمين المنتسبين إلى أبي الحسن الأشعري، وهو القاضي محمد بن الطيب المعروف بأبي بكر الباقلاني، فإنه كان يؤمن بالصفات على مذهب السلف ويمنع تأويلها منعًا باتًا، ويقول فيها بمثل ما قدمنا عن الأشعري.\nوسنذكر لك هنا بعض كلامه.\nقال الباقلاني المذكور في كتاب التمهيد، ما نصه:\nباب في أن لله وجهًا ويدين، فإن قال قائل فما الحجة في أن لله ﷿ وجهًا ويدين؟ قيل له: قوله: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾، وقوله: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، فأثبت لنفسه وجهًا ويدين.\nفإن قالوا: فما أنكرتم أن يكون المعنى في قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ أنه خلقه بقدرته أو بنعمته؛ لأن اليد في اللغة قد تكون بمعنى النعمة، وبمعنى القدرة، كما يقال: لي عند فلان يد بيضاء، يراد به نعمة، وكما يقال: هذا الشيء في يد فلان وتحت يد فلان، يراد به أنه تحت قدرته وفي ملكه، ويقال: رجل أيدٌ، إذا كان قادرًا،","vol":"7","page":500},{"text":"وكما قال تعالى: ﴿خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيدِينَا أَنْعَامًا﴾ يريد عملنا بقدرتنا، وقال الشاعر:\nإذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين\nفكذلك قوله: ﴿خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ يعني بقدرتي أو بنعمتي؟\nيقال لهم: هذا باطل؛ لأن قوله: ﴿بِيَدَيَّ﴾ يقتضي إثبات يدين هما صفة له.\nفلو كان المراد بهما القدرة لوجب أن يكون له قدرتان.\nوأنتم لا تزعمون أن للباري سبحانه قدرة واحدة، فكيف يجوز أن تثبتوا له قدرتين؟\nوقد أجمع المسلمون من مثبتي الصفات والنافين لها على أنه لا يجوز أن يكون له تعالى قدرتان، فبطل ما قلتم.\nوكذلك لا يجوز أن يكون الله تعالى خلق آدم بنعمتين؛ لأن نعم الله تعالى على آدم وعلى غيره لا تحصى.\nولأن القائل لا يجوز أن يقول: رفعت الشيء بيديَّ أو وضعته بيديَّ أو توليته بيديَّ، وهو يعني نعمته.\nوكذلك لا يجوز أن يقال: لي عند فلان يدان، يعني نعمتين.\nوإنما يقال: لي عنده يدان بيضاوان؛ لأن القول: \"يديَّ\"، لا يستعمل إلا في اليد التي هي صفة الذات.\nويدل على فساد تأويلهم أيضًا أنه لو كان الأمر على ما قالوه لم يغفل عن ذلك إبليس، وعن أن يقول: وأي فضل لآدم عليَّ يقتضي أن أسجد له، وأنا أيضًا بيدك خلقتني، التي هي قدرتك، وبنعمتك خلقتني؟","vol":"7","page":501},{"text":"وفي العلم بأن الله تعالى فَضَّلَ آدم عليه بخلقه بيديه، دليل على فساد ما قالوه.\nفإن قال قائل: فما أنكرتم أن يكون وجهه ويده جارحة، إذ كنتم لم تعقلوا يد صفة ووجه صفة لا جارحة؟\nيقال له: لا يجب ذلك، كما لا يجب إذا لم نعقل حيًّا عالمًا قادرًا إلا جسمًا أن نقضي نحن وأنتم على الله تعالى بذلك.\nوكما لا يجب متى كان قائمًا بذاته أن يكون جوهرًا أو جسمًا، لأنا وإياكم لم نجد قائمًا بنفسه في شاهدنا إلا كذلك. اهـ. محل الغرض منه بلفظه.\nوهو صريح في أنه يرى أن صفة الوجه وصفة اليد وصفة العلم والحياة والقدرة كلها من صفات المعاني، ولا وجه للفرق بينها، وجميع صفات الله مخالفة لجميع صفات خلقه.\nوقال الباقلاني أيضًا في كتاب التمهيد ما نصه:\nفإن قالوا: فهل تقولون: إنه في كل مكان؟\nقيل: معاذ الله، بل هو مستو على العرش كما أخبر في كتابه، فقال: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، وقال تعالى: ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وقال: ﴿أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ﴾.\nولو كان في كل مكان، لكان في جوف الإِنسان وفمه، وفي الحشوش والمواضع التي يرغب عن ذكرها، تعالى عن ذلك، ولوجب أن يزيد بزيادة الأماكن إذا خلق منها ما لم يكن خلقه، وينقص بنقصانها إذا بطل منها ما كان.","vol":"7","page":502},{"text":"ولصح أن يرغب إليه إلى نحو الأرض وإلى وراء ظهورنا وعن أيماننا وشمائلنا، وهذا ما قد أجمع المسلمون على خلافه وتخطئة قائله.\nإلى إن قال ﵀: ولا يجوز أن يكون معنى استوائه على العرش هو استيلاؤه عليه كما قال الشاعر:\nقد استوى بشر على العراق ... من غير سيف ودم مهراق\nلأن الاستيلاء هو القدرة والقهر، والله تعالى لم يزل قادرًا قاهرًا عزيزًا مقتدرًا.\nوقوله: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يقتضي استفتاح هذا الوصف بعد أن لم يكن، فيبطل ما قالوه.\nفإن قال قائل: ففصلوا لي صفات ذاته من صفات أفعاله، لأعرف ذلك.\nقيل له: صفات ذاته هي التي لم يزل ولا يزال موصوفًا بها.\nوهي الحياة والعلم والقدرة والسمع والبصر والكلام والإِرادة والبقاء والوجه والعينان واليدان. أهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوقد نقلناه من نسخة هي أجود نسخة موجودة لكتاب التمهيد للباقلاني المذكور.\nوترى تصريحه فيها بأن صفة الوجه واليد من صفات المعاني، كالحياة والعلم والقدرة والإِرادة، كما هو قول أبي الحسن الأشعري الذي قدمنا إيضاحه.\nواعلم أن إمام الحرمين أبا المعالي الجويني، كان في زمانه من","vol":"7","page":503},{"text":"أعظم أئمة القائلين بالتأويل، وقد قرر التأويل وانتصر له في كتابه \"الإِرشاد\".\nولكنه رجع عن ذلك في رسالته العقيدة النظامية، فإنه قال فيها:\nاختلفت مسالك العلماء في الظواهر التي وردت في الكتاب والسُّنَّة، وامتنع على أهل الحق فحواها وإجراؤها على موجب ما تبرزه أفهام أرباب اللسان منها.\nفرأى بعضهم تأويلها، والتزام هذا المنهج في آي الكتاب وفيما صح من سنن النبي  -  ﷺ  - .\nوذهب أئمة السلف إلى الانكفاف عن التأويل، وإجراء الظواهر على مواردها، وتفويض معانيها إلى الرب سبحانه.\nوالذي نرتضيه رأيًا وندين الله به عقدًا، اتباع سلف الأمة، فالأولى الاتباع وترك الابتداع، والدليل السمعي القاطع في ذلك أن إجماع الأمة حجة متبعة، وهو مستند معظم الشريعة.\nوقد درج صحب الرسول  -  ﷺ  -  على ترك التعرض لمعانيها ودرك ما فيها، وهم صفوة الإِسلام والمشتغلون بأعباء الشريعة.\nوكانوا لا يألون جهدًا في ضبط قواعد الملة، والتواصي بحفظها، وتعليم الناس ما يحتاجون إليه منها.\nفلو كان تأويل هذه الظواهر مسوغًا أو محتومًا لأوشك أن يكون اهتمامهم بها فوق اهتمامهم بفروع الشريعة.\nفإذا انصرم عصرهم وعصر التابعين على الإِضراب عن التأويل كان ذلك قاطعًا بأنه الوجه المتبع بحق.","vol":"7","page":504},{"text":"فعلى ذي الدين أن يعتقد تنزه الرب تعالى عن صفات المحدثات، ولا يخوض في تأويل المشكلات، ويكل معناها إلى الرب.\nومما استحسن من إمام دار الهجرة مالك بن أنس أنه سئل عن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، فقال: الاستواء معلوم، والكيف مجهول، والسؤال عنه بدعة.\nفلتجر آية الاستواء، والمجيء، وقوله: ﴿لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾، ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وما صحَّ عن الرسول ﵇ كخبر النزول وغيره، على ما ذكرنا، فهذا بيان ما يجب لله تعالى. اهـ. كلامه بلفظه من الرسالة النظامية المذكورة، مع أن رجوع الجويني فيها إلى أن الحق هو مذهب السلف أمر معلوم.\nوكذلك أبو حامد الغزالي، كان في زمانه من أعظم القائلين بالتأويل، ثم رجع عن ذلك، وبين أن الحق الذي لا شك فيه هو مذهب السلف.\nوقال في كتابه: \"إلجام العوام عن علم الكلام\":\nاعلم أن الحق الصريح الذي لا مراء فيه عند أهل البصائر، هو مذهب السلف أعني الصحابة والتابعين.\nثم قال: إن البرهان الكلي على أن الحق في مذهب السلف وحده ينكشف بتسليم أربعة أصول مسلمة عند كل عاقل.\nثم بين أن الأول من تلك الأصول المذكورة: أن النبي  -  ﷺ  - هو أعرف الخلق بصلاح أحوال العباد في دينهم ودنياهم.","vol":"7","page":505},{"text":"الأصل الثاني: أنه بلغ كل ما أوحي إليه من صلاح العباد في معادهم ومعاشهم، ولم يكتم منه شيئًا.\nالأصل الثالث: أن أعرف الناس بمعاني كلام الله وأحراهم بالوقوف على أسراره هم أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  الذين لازموه وحضروا التنزيل وعرفوا التأويل.\nوالأصل الرابع: أن الصحابة ﵃ في طول عصرهم إلى آخر أعمارهم ما دعوا الخلق إلى التأويل، ولو كان التأويل من الدين أو علم الدين لأقبلوا عليه ليلًا ونهارًا ودعوا إليه أولادهم وأهلهم.\nثم قال الغزالي: وبهذه الأصول الأربعة المسلَّمة عند كل مسلم نعلم بالقطع أن الحق ما قالوه والصواب ما رأوه. اهـ باختصار.\nولا شك أن استدلال الغزالي هذا لأن مذهب السلف هو الحق استدلال لا شك في صحته ووضوح وجه الدليل فيه، وأن التأويل لو كان سائغًا أو لازمًا لبين النبي  -  ﷺ  -  ذلك، وقال به أصحابه وتابعوهم كما لا يخفى.\nوذكر غير واحد عن الغزالي أنه رجع في آخر حياته إلى تلاوة كتاب الله وحفظ الأحاديث الصحيحة، والاعتراف بأن الحق هو ما في كتاب الله وسنة رسوله.\nوذكر بعضهم أنه مات وعلى صدره صحيح البخاري ﵀.\nواعلم أيضًا أن الفخر الرازي الذي كان في زمانه أعظم أئمة التأويل رجع عن ذلك المذهب إلى مذهب السلف، معترفًا بأن طريق الحق هي اتباع القرآن في صفات الله.","vol":"7","page":506},{"text":"وقد قال في ذلك في كتابه: \"أقسام اللذات\":\nلقد اختبرت الطرق الكلامية، والمناهج الفلسفية، فلم أجدها تروي غليلًا ولا تشفي عليلًا، ورأيت أقرب الطرق طريقة القرآن، أقرأ في الإِثباب: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى (٥)﴾، ﴿إِلَيهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ﴾، وفي النفي: ﴿لَيسَ كَمِثْلِهِ شَيءٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا (٦٥)﴾، ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي. اهـ.\nوقد بين هذا المعنى في أبياته المشهورة التي يقول فيها:\nنهاية إقدام العقول عقال ... وغاية سعي العالمين ضلال\nوأرواحنا في وحشة من جسومنا ... وحاصل دنيانا أذى ووبال\nولم نستفد من بحثنا طول عمرنا ... سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا\nإلى آخر الأبيات.\nوكذلك غالب أكابر الذين كانوا يخوضون في الفلسفة والكلام، فإنه ينتهي بهم أمرهم إلى الحيرة وعدم الثقة بما كانوا يقررون.\nوقد ذكر عن الحفيد ابن رشد وهو من أعلم الناس بالفلسفة أنه قال: ومن الذي قال في الإِلهيات شيئًا يعتد به؟\nوذكروا عن الشهرستاني أنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم، وقد قال في ذلك:\nلعمري لقد طفت المعاهد كلها ... وسيرت طرفي بين تلك المعالم\nفلم أر إلا واضعًا كف حائر ... على ذقن أو قارعًا سن نادم\nوأمثال هذا كثيرة.\nفيا أيها المعاصرون المتعصبون لدعوى أن ظواهر آيات","vol":"7","page":507},{"text":"الصفات وأحاديثها خبيث لا يليق بالله، لاستلزامه التشبيه بصفات الخلق، وأنها يجب نفيها وتأويلها بمعان ما أنزل الله بها من سلطان، ولم يقلها رسول الله  -  ﷺ  -  ولا أحد من أصحابه ولا من التابعين:\nفمن هو سلفكم في هذه الدعوى الباطلة المخالفة لإِجماع السلف؟\nإن كنتم تزعمون أن الأشعري يقول مثل قولكم، وأنه سلفكم في ذلك، فهو بريء منكم ومن دعواكم، وهو مصرح في كتبه التي صنفها بعد الرجوع عن الاعتزال أن القائلين بالتأويل هم المعتزلة، وهم خصومه وهو خصمهم، كما أوضحنا كلامه في \"الإِبانة\" و\"المقالات\".\nوقد بينا أن أساطين القول بالتأويل قد اعترفوا بأن التأويل لا مستند له، وأن الحق هو اتباع مذهب السلف، كما أوضحنا ذلك عن أبي بكر الباقلاني، وأبي المعالي الجويني، وأبي حامد الغزالي، وأبي عبد الله الفخر الرازي، وغيرهم ممن ذكرنا.\nفنوصيكم وأنفسنا بتقوى الله، وألا تجادلوا في آيات الله بغير سلطان أتاكم، والله جل وعلا يقول في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إلا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ (٥٦)﴾.\nويقول تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ (٢٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ (٢١)﴾.","vol":"7","page":508},{"text":"المسألة الثانية: في الكلام على الاجتهاد\nاعلم أولًا أنا قدمنا بطلان قول الظاهرية بمنع الاجتهاد مطلقًا، وأن من الاجتهاد ما هو صحيح موافق للشرع الكريم، وبسطنا أدلة ذلك بإيضاح في سورة الأنبياء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ﴾ الآية.\nوبينا طرفًا منه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\nوغرضنا في هذه المسألة هو أن نبين أن تدبر القرآن وانتفاع متدبره بالعمل بما علم منه، الذي دل عليه قوله تعالى في هذه الآية الكريمة التي نحن بصددها، التي هي قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾، لا يتوقف على تحصيل الاجتهاد المطلق بشروطه المعروفة عند متأخري الأصوليين.\nاعلم أولًا: أن المتأخرين من أهل الأصول الذين يقولون بمنع العمل بالكتاب والسنة مطلقًا إلا للمجتهدين، يقولون:\nإن شروط الاجتهاد: هي كون المجتهد بالغًا، عاقلًا، شديد الفهم طبعًا، عارفًا بالدليل العقلي، الذي هو استصحاب العدم الأصلي حتى يرد نقل صارف عنه.\nعارفًا باللغة العربية، وبالنحو، من صرف وبلاغة، مع معرفة الحقائق الشرعية والعرفية.\nوبعضهم يزيد: المحتاج إليه من فن المنطق، كشرائط الحدود والرسوم، وشرائط البرهان.\nعارفًا بالأصول، عارفًا بأدلة الأحكام من الكتاب والسنة.","vol":"7","page":509},{"text":"ولا يشترط عندهم حفظ النصوص، بل يكفي عندهم علمه بمداركها في المصحف وكتب الحديث.\nعارفًا بمواقع الإِجماع والخلاف.\nعارفًا بشروط المتواتر والآحاد، والصحيح والضعيف.\nعارفًا بالناسخ والمنسوخ.\nعارفًا بأسباب النزول.\nعارفًا بأحوال الصحابة، وأحوال رواة الحديث.\nواختلفوا في شرط عدم إنكاره للقياس. اهـ.\nولا يخفى أن مستندهم في اشتراطهم لهذه الشروط ليس نصًّا من كتاب ولا سنة يصرح بأن هذه الشروط كلها لا يصح دونها عمل بكتاب ولا سنة، ولا إجماعًا دالًا على ذلك.\nوإنما مستندهم في ذلك هو تحقيق المناط في ظنهم.\nوإيضاح ذلك: هو أن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  وإجماع المسلمين كلها دال على العمل بكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، لا يشترط له إلا شرط واحد، وهو العلم بحكم ما يعمل به منهما.\nولا يشترط في العمل بالوحي شرط زائد على العلم بحكمه البتة.\nوهذا مما لا يكاد ينازع فيه أحد.\nومراد متأخري الأصوليين بجميع الشروط التي اشترطوها هو تحقيق المناط.\nلأن العلم بالوحي لما كان هو مناط العمل به، أرادوا أن","vol":"7","page":510},{"text":"يحققوا هذا المناط، أي يبينوا الطرق التي يتحقق بها حصول العلم الذي هو مناط العمل.\nفاشترطوا جميع الشروط المذكورة، ظنًّا منهم أنه لا يمكن تحقيق حصول العلم بالوحي دونها.\nوهذا الظن فيه نظر.\nلأن كل إنسان له فهم إذا أراد العمل بنص من كتاب أو سنة فلا يمتنع عليه ولا يستحيل أن يتعلم معناه، ويبحث عنه هل هو منسوخ أو مخصص أو مقيد، حتى يعلم ذلك فيعمل به، وسؤال أهل العلم: هل لهذا النص ناسخ أو مخصص أو مقيد مثلًا، وإخبارهم بذلك، ليس من نوع التقليد، بل هو من نوع الاتباع.\nوسنبين إن شاء الله الفرق بين التقليد والاتباع في مسألة التقليد الآتية.\nوالحاصل أن نصوص الكتاب والسنة التي لا تحصى واردة بإلزام جميع المكلفين بالعمل بكتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -.\nوليس في شيء منها التخصيص بمن حصل شروط الاجتهاد المذكورة.\nوسنذكر طرفًا منها لنبين أنه لا يجوز تخصيصها بتحصيل الشروط المذكورة.\nقال الله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾، والمراد بما أنزل إليكم هو القرآن والسنة المبينة له لا آراء الرجال.","vol":"7","page":511},{"text":"وقال تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا (٦١)﴾.\nفدلت هذه الآية الكريمة أن من دعي إلى العمل بالقرآن والسنة وصد عن ذلك، أنه من جملة المنافقين؛ لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية، والرد إلى الله والرسول هو الرد إلى كتابه، والرد إلى الرسول بعد وفاته - ﷺ - هو الرد إلى سنته.\nوتعليقه الإِيمان في قوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ على رد التنازع إلى كتاب الله وسنة رسوله، يفهم منه أن من يرد التنازع إلى غيرهما لم يكن يؤمن بالله.\nوقال تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.\nولا شك أن القرآن أحسن ما أنزل إلينا من ربنا، والسنة مبينة له، وقد هدد من لم يتبع أحسن ما أنزل إلينا من ربنا بقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٥٥)﴾.\nوقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ (١٨)﴾، ولا شك أن كتاب الله وسنة رسوله أحسن من آراء الرجال.\nوقال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾ فيه تهديد شديد لمن لم يعمل بسنة رسول الله - ﷺ -، ولا سيما إن كان يظن أن أقوال الرجال تكفي عنها.","vol":"7","page":512},{"text":"وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ﴾، والأسوة: الاقتداء.\nفيلزم المسلم أن يجعل قدوته رسول الله  -  ﷺ  -  وذلك باتباع سنته.\nوقال تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَينَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا (٦٥)﴾، وقد أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا النبي  -  ﷺ  -  في كل ما اختلفوا فيه.\nوقال تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٥٠)﴾.\nوالاستجابة له  -  ﷺ  -  بعد وفاته هي الرجوع إلى سنته  -  ﷺ  -، وهي مبينة لكتاب الله.\nوقد جاء في القرآن العظيم أن النبي  -  ﷺ  -  لا يتبع شيئًا إلا الوحي، وأن من أطاعه  -  ﷺ  -  فقد أطاع الله.\nقال تعالى في سورة يونس: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.\nوقال تعالى في الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾.\nوقال تعالى في الأحقاف: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.","vol":"7","page":513},{"text":"وقال تعالى في الأنبياء: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾ الآية، فحصر الإِنذار في الوحي دون غيره.\nوقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾، فبين أن الاهتداء إنما هو بالوحي.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة.\nوإذا علمت منها أن طريقه  -  ﷺ  -  هي اتباع الوحي، فاعلم أن القرآن دل على أن من أطاعه  -  ﷺ  -  فهو مطيع لله، كما قال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ الآية.\nولم يضمن الله لأحد ألا يكون ضالًا في الدنيا ولا شقيًّا في الآخرة إلا لمتبعي الوحي وحده.\nقال تعالى في طه: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (١٢٣)﴾، وقد دلت آية طه هذه على انتفاء الضلال والشقاوة عن متبعي الوحي.\nودلت آية البقرة على انتفاء الخوف والحزن عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨)﴾.\nولا شك أن انتفاء الضلال والشقاوة والخوف والحزن عن متبعي الوحي، المصرح به في القرآن، لا يتحقق فيمن يقلد عالمًا ليس بمعصوم، لا يدري أصواب ما قلده فيه أم خطأ، في حال كونه معرضًا عن التدبر في كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .","vol":"7","page":514},{"text":"ولا سيما إن كان يظن أن آراء العالم الذي قلده كافية مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .\nوالآيات القرآنية الدالة على لزوم اتباع الوحي، والعمل له، لا تكاد تحصى، وكذلك الأحاديث النبوية الدالة على لزوم العمل لكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، لا تكاد تحصى؛ لأن طاعة الرسول طاعة الله.\nوقد قال تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٣٢)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)﴾، وقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧١)﴾، وقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيهِمْ حَفِيظًا (٨٠)﴾، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٤)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٩٢)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (١)﴾.","vol":"7","page":515},{"text":"وقال تعالى: ﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إلا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ (٥٤)﴾.\nوقال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (٥٦)﴾.\nوقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالكُمْ (٣٣)﴾.\nوقال تعالى: ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَينَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٥١) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (٥٢)﴾.\nوقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ الآية.\nوقال تعالى: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ﴾ الآية.\nولا شك عند أحد من أهل العلم أن طاعة الله ورسوله المذكورة في هذه الآيات ونحوها من نصوص الوحي، محصورة في العمل بكتاب الله وسنَّة رسوله  -  ﷺ  - .\nفنصوص القرآن والسنة كلها دالة على لزوم تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل به.\nفتخصيص تلك النصوص كلها، بدعوى أن تدبر الوحي وتفهمه والعمل به لا يصح شيء منه إلا لخصوص المجتهدين، الجامعين","vol":"7","page":516},{"text":"لشروط الاجتهاد المعروفة عند متأخري الأصوليين، يحتاج إلى دليل يجب الرجوع إليه. ولا دليل على ذلك البتة.\nبل أدلة الكتاب والسنة، دالة على وجوب تدبر الوحي، وتفهمه وتعلمه والعمل بكل ما علم منه علمًا صحيحًا، قليلًا كان أو كثيرًا.\nوهذه المسألة الثانية يتداخل بعض الكلام فيها مع بعض الكلام في المسألة الأولى، فهما شبه المسألة الواحدة.\nالمسألة الثالثة في التقليد، في بيان معناه لغةً واصطلاحًا، وأقسامه، وبيان ما يصح منها وما لا يصح\nاعلم أن التقليد في اللغة: هو جعل القلادة في العنق.\nوتقليد الولاة هو جعل الولايات قلائد في أعناقهم.\nومنه قول لقيط الأيادي:\nوقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مضطلعًا\nوأما التقليد في اصطلاح الفقهاء: فهو الأخذ بمذهب الغير من غير معرفة دليله.\nوالمراد بالمذهب هو ما يصح فيه الاجتهاد خاصة.\nولا يصح الاجتهاد البتة في شيء يخالف نصًّا من كتابٍ أو سنة ثابتة، سالمًا من المعارض.\nلأن الكتاب والسنة حجة على كل أحد كائنًا من كان، لا تسوغ مخالفتهما البتة لأحد كائنًا من كان، فيجب التفطن لأن المذهب الذي فيه التقليد يختص بالأمور الاجتهادية، ولا يتناول ما جاء فيه نص صحيح من الوحي سالم من المعارض.","vol":"7","page":517},{"text":"قال الشيخ الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره: \"مختصرًا على مذهب الإِمام مالك بن أنس\" ما نصه:\n\"والمذهب لغة الطريق ومكان الذهاب، ثم صار عند الفقهاء حقيقة عرفية فيما ذهب إليه إمام من الأئمة من الأحكام الاجتهادية\". اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nفقوله: من الأحكام الاجتهادية تدل على أن اسم المذهب لم يتناول مواقع النصوص الشرعية السالمة من المعارض.\nوذلك أمر لا خلاف فيه؛ لإِجماع العلماء على أن المجتهد المطلق إذا أقام باجتهاده دليلًا مخالفًا لنص من كتاب أو سنة أو إجماع، أن دليله ذلك باطل بلا خلاف.\nوأنه يرد بالقادح المسمى في الأصول بفساد الاعتبار.\nوفساد الاعتبار الذي هو مخالفة الدليل لنص أو إجماع، من القوادح التي لا نزاع في إبطال الدليل بها. وإليه الإِشارة بقول صاحب مراقي السعود في القوادح:\nوالخلف للنص أو إجماعٍ دعا ... فساد الاعتبار كلُّ من وعى\nوبما ذكرنا تعلم أنه لا اجتهاد أصلًا ولا تقليد أصلًا في شيء يخالف نصًّا من كتاب أو سنة أو إجماع.\nوإذا عرفت ذلك، فاعلم أن بعض الناس من المتأخرين أجاز التقليد ولو كان فيه مخالفة نصوص الوحي، كما ذكرنا عن الصاوي وأضرابه.\nوعليه أكثر المقلدين للمذاهب في هذا الزمان وأزمان قبله.","vol":"7","page":518},{"text":"وبعض العلماء منع التقليد مطلقًا، وممن ذهب إلى ذلك ابن خويز منداد من المالكية، والشوكاني في القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد.\nوالتحقيق: أن التقليد منه ما هو جائز، ومنه ما ليس بجائز.\nومنه ما خالف فيه المتأخرون المتقدمين من الصحابة وغيرهم من القرون الثلاثة المفضلة.\nوسنذكر كل الأقسام هنا إن شاء الله مع بيان الأدلة.\nأما التقليد الجائز الذي لا يكاد يخالف فيه أحد من المسلمين، فهو تقليد العامي عالمًا أهلًا للفتيا في نازلة نزلت به، وهذا النوع من التقليد كان شائعًا في زمن النبي  -  ﷺ  -، ولا خلاف فيه.\nفقد كان العامي يسأل من شاء من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -، عن حكم النازلة تنزل به فيفتيه فيعمل بفتياه.\nوإذا نزلت به نازلة أخرى لم يرتبط بالصحابي الذي أفتاه أولًا بل يسأل عنها من شاء من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  ثم يعمل بفتياه.\nقال صاحب نشر البنود في شرحه لقوله في مراقي السعود:\nرجوعه لغيره في آخر ... يجوز للإِجماع عند الأكثر\nما نصه: يعني أن العامي يجوز له عند الأكثر، الرجوع إلى قول غير المجتهد الذي استفتاه أولًا في حكم آخر؛ لإِجماع الصحابة ﵃ على أنه يسوغ العامي السؤال لكل عالم، ولأن كل مسألة لها حكم نفسها.\nفكما لم يتعين الأول للاتباع في المسألة الأولى إلا بعد سؤاله،","vol":"7","page":519},{"text":"فكذلك في المسألة الأخرى. قاله الحطاب شارح مختصر خليل.\nقال القرافي: انعقد الإِجماع على أن من أسلم فله أن يقلد من شاء من العلماء من غير حجر.\nوأجمع الصحابة على أن من استفتى أبا بكر وعمر وقلدهما فله أن يستفتي أبا هريرة ومعاذ بن جبل وغيرهما، ويعمل بقولهم بغير نكير.\nفمن ادعى رفع هذين الإِجماعين فعليه الدليل. اهـ محل الغرض منه.\nوما ذكره من انعقاد الإِجماعين صحيح كما لا يخفى، فالأقوال المخالفة لهما من متأخري الأصوليين كلها مخالفة للإِجماع.\nوبعض العلماء يقول: إن تقليد العامي المذكور للعالم وعمله بفتياه، من الاتباع لا من التقليد.\nوالصواب: أن ذلك تقليد مشروع مجمع على مشروعيته.\nوأما ما ليس من التقليد بجائز بلا خلاف، فهو تقليد المجتهد الذي ظهر له الحكم باجتهاده، مجتهدًا آخر يرى خلاف ما ظهر له هو، للإِجماع على أن المجتهد إذا ظهر له الحكم باجتهاده لا يجوز له أن يقلد غيره المخالف لرأيه.\nوأما نوع التقليد الذي خالف فيه المتأخرون الصحابةَ وغيرهم من القرون المشهود لهم بالخير، فهو تقليد رجل واحد معين دون غيره من جميع العلماء.\nفإن هذا النوع من التقليد، لم يرد به نص من كتاب ولا سنة،","vol":"7","page":520},{"text":"ولم يقل به أحد من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -، ولا أحد من القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير.\nوهو مخالف لأقوال الأئمة الأربعة ﵏، فلم يقل أحد منهم بالجمود على قول رجل واحد معين دون غيره، من جميع علماء المسلمين.\nفتقليد العالم المعين من بدع القرن الرابع، ومن يدعي خلاف ذلك، فليعين لنا رجلًا واحدًا من القرون الثلاثة الأول، التزم مذهب رجل واحد معين، ولن يستطيع ذلك أبدًا؛ لأنه لم يقع البتة.\nوسنذكر هنا إن شاء الله جملًا من كلام أهل العلم في فساد هذا النوع من التقليد وحجج القائلين به، ومناقشتها. وبعد إيضاح ذلك كله نبين ما يظهر لنا بالدليل أنه هو الحق والصواب إن شاء الله.\nقال الإِمام أبو عمر بن عبد البر ﵀، في كتابه جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله، ما نصه:\nباب فساد التقليد ونفيه، والفرق بين التقليد والاتباع.\nقد ذم الله ﵎ التقليد في غير موضع من كتابه، فقال: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾.\nوروي عن حذيفة وغيره قالوا: \"لم يعبدوهم من دون الله، ولكنهم أحلوا لهم وحرموا عليهم، فاتبعوهم\".\nوقال عدي بن حاتم: أتيت رسول الله  -  ﷺ  -، وفي عنقي الصليب فقال لي: \"يا عدي، ألق هذا الوثن من عنقك\"، فانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى على هذه الآية: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ قال: قلت يا رسول الله: إنا لم","vol":"7","page":521},{"text":"نتخذهم أربابًا. قال: بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟ فقلت: بلى، فقال: تلك عبادتهم.\nحدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثم ساق السند إلى أن قال: عن أبي البختري في قوله ﷿: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أما إنهم لو أمروهم أن يعبدوهم من دون الله ما أطاعوهم، ولكنهم أمروهم، فجعلوا حلال الله حرامه، وحرامه حلاله، فأطاعوهم، فكانت تلك الربوبية.\nقال: وحدثنا ابن وضاح، ثم ساق السند إلى أن قال عن أبي البختري قال: قيل لحذيفة في قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾: أكانوا يعبدونهم؟ فقال: لا، ولكن كانوا يحلون لهم الحرام فيحلونه، ويحرمون عليهم الحلال فيحرمونه.\nوقال جل وعز: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إلا قَال مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (٢٣) قَال أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيهِ آبَاءَكُمْ﴾، فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء، فقالوا: ﴿إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ﴾.\nوفي هؤلاء ومثلهم قال الله ﷿: ﴿إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ (٢٢)﴾.\nوقال: ﴿إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَال الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيهِمْ﴾.","vol":"7","page":522},{"text":"وقال ﷿ عائبًا لأهل الكفر وذامًّا لهم: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ (٥٢) قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ (٥٣)﴾.\nوقال: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا (٦٧)﴾.\nومثل هذا في القرآن كثير، من ذم تقليد الآباء والرؤساء.\nوقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد، ولم يمنعهم كفر أولئك من الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر، وإنما وقع التشبيه بين التقليدَين بغير حجة للمقلد، كما لو قلد رجل فكفر، وقلد آخر فأذنب، وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملومًا على التقليد بغير حجة.\nلأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضًا، وإن اختلفت الآثام فيه.\nوقال الله ﷿: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾.\nوقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا، وفي ثبوته إبطال التقليد أيضًا.\nفإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها، وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك.\nأخبرنا عبد الوارث، ثم ساق السند إلى أن قال: حدثنا كثير بن عبد الله بن عمرو بن عوف المزني عن أبيه عن جده قال: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"إني لأخاف على أمتي من بعدي من أعمال ثلاثة\"، قال: وما هي يا رسول الله؟ قال: \"أخاف عليهم من زلة العالم، ومن حكم جائر، ومن هوى متبع\".","vol":"7","page":523},{"text":"وبهذا الإِسناد عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما كتاب الله وسنة رسوله\". هذا لفظ أبي عمر في جامعه.\nوكثير بن عبد الله المذكور في الإِسناد ضعيف، وأبوه عبد الله مقبول.\nولكن المتنين المرويين بالإِسناد المذكور كلاهما له شواهد كثيرة تدل على أن أصله صحيح.\nثم ذكر أبو عمر بن عبد البر في جامعه بإسناده عن زياد بن حدير عن عمر بن الخطاب ﵁ أنه قال: ثلاث يهدمن الدين: زلة عالم، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون.\nثم ذكر بالإِسناد المذكور عن ابن مهدي عن جعفر بن حيان، عن الحسن قال: قال أبو الدرداء: إن فيما أخشى عليكم زلة العالم، وجدال المنافق بالقرآن. والقرآن حق، وعلى القرآن منار كأعلام الطريق.\nثم أخرج بإسناده عن معاذ بن جبل ﵁ أنه كان يقول في مجلسه كل يوم، قلما يخطئه أن يقول ذلك: \"الله حكم قسط، هلك المرتابون، إن وراءكم فتنًا يكثر فيها المال، ويفتح فيها القرآن حتى يقرأه المؤمن والمنافق، والمرأة والصبي، والأسود والأحمر، فيوشك أحدهم أن يقول: قرأتُ القرآن، فما أظن أن يتبعوني حتى أبتدع لهم غيره، فإياكم وما ابتدع، فإن كل بدعة ضلالة، وإياكم وزيغة الحكيم\".\nإلى آخر ما ذكره ﵀ من الآثار الدالة على نحو ما تقدم، من أن زلة العالم من أخوف المخاوف على هذه الأمة.","vol":"7","page":524},{"text":"وإنما كانت كذلك؛ لأن من يقلد العالم تقليدًا أعمى، يقلده فيما زل فيه، فيتقول على الله أن تلك الزلة التي قلد فيها العالم من دين الله، وأنها مما أمر الله بها ورسوله، وهذا كما ترى، والتنبيه عليه هو مراد ابن عبد البر، ومرادنا أيضًا بإيراد الآثار المذكورة.\nثم قال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه ما نصه: وشبه الحكماء زلة العالم بانكسار السفينة؛ لأنها إذا غرقت غرق معها خلق كثير.\nوإذا صح وثبت أن العالم يزل ويخطئ، لم يجز لأحد أن يفتي ويدين بقول لا يعرف وجهه.\nحدثنا عبد الرحمن بن يحيى، ثم ساق السند إلى أن قال: عن ابن مسعود أنه كان يقول: \"اغد عالمًا أو متعلمًا ولا تغد إمعة فيما بين ذلك\".\nثم ساق الروايات في تفسيرهم الإِمعة.\nومعنى الإِمعة معروف.\nقال الجوهري في صحاحه: يقال الإِمع والإِمعة أيضًا للذي يكون لضعف رأيه مع كل أحد، ومنه قول ابن مسعود: لا يكونن أحدكم إمعة. اهـ منه.\nولقد أصاب من قال:\nشمر وكن في أمور الدين مجتهدًا ... ولا تكن مثل عَيْرٍ قِيد فانقادا\nوذكر ابن عبد البر بإسناده عن ابن مسعود في تفسير الإِمعة أنه قال: كنا ندعو الإِمعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه بغيره، وهو فيكم اليوم المُحْقِبُ دينه الرجال.","vol":"7","page":525},{"text":"ثم ذكر أبو عمر بإسناده عن ابن عباس ﵄ أنه قال: ويل للأتباع من عثرات العالم، قيل: كيف ذلك؟ قال: يقول العالم شيئًا برأيه، ثم يجد من هو أعلم برسول الله  -  ﷺ  -  منه، فيترك قوله ذلك، ثم تمضي الأتباع.\nوقال علي بن أبي طالب ﵁ لكميل بن زياد النخعي، وهو حديث مشهور عند أهل العلم، يستغني عن الإِسناد لشهرته عندهم:\nيا كميل، إن هذه القلوب أوعية، فخيرها أوعاها للخير، والناس ثلاثة: فعالم رباني، ومتعلم على سبيل نجاة، وهمج رعاع أتباع كل ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم ولم يلجئوا إلى ركن وثيق. إلى آخر الحديث.\nوفيه: أفّ لحامل حق لا بصيرة له، ينقدح الشك في قلبه بأول عارض من شبهة، لا يدري أين الحق، إن قال أخطأ، وإن أخطأ لم يدر، مشغوف بما لا يدري حقيقته، فهو فتنة لمن افتتن به، وإن من الخير كله من عرَّفه الله دينه، وكفى بالمرء جهلًا أن لا يعرف دينه.\nولا شك أن المقلد غيره تقليدًا أعمى يدخل فيما ذكره علي ﵁ في هذا الحديث؛ لأنه لا يدري عن دين الله شيئًا إلا أن الإِمام الفلاني عمل بهذا.\nفعلمه محصور في أن من يقلده من الأئمة ذهب إلى كذا ولا يدري أمصيب هو فيه أم مخطئ.\nومثل هذا لم يستضئ بنور العلم ولم يلجأ إلى ركن وثيق؛ لجواز الخطأ على متبوعه، وعدم ميزه هو بين الخطأ والصواب.","vol":"7","page":526},{"text":"ثم ذكر أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه بإسناده عن ابن مسعود ﵁ أنه قال:\nألا لا يقلدن أحدكم دينه رجلًا إن آمن آمن وإن كفر كفر، فإنه لا أسوة في الشر.\nوقال في جامعه أيضًا ﵀: وثبت عن النبي  -  ﷺ  -  مما قد ذكرناه في كتابنا هذا أنه قال: \"تذهب العلماء، ثم تتخذ الناس رؤساء جهالًا يسألون فيفتون بغير علم، فيَضلون ويُضلون\".\nوهذا كله نفي للتقليد، وإبطال له، لمن فهمه وهدي لرشده.\nثم ذكر ﵀ آثارًا نحو ما تقدم ثم قال:\nوقال عبيد الله بن المعتمر: لا فرق بين بهيمة تُقاد وإنسان يقلِّد.\nوهذا كله لغير العامة، فإن العامة لا بد لها من تقليد علمائها عند النازلة تنزل بها؛ لأنها لا تتبين موقع الحجة ولا تصل لعدم الفهم إلى علم ذلك؛ لأن العلم درجات لا سبيل منها إلى أعلاها إلا بنيل أسفلها.\nوهذا هو الحائل بين العامة وبين طلب الحجة، والله أعلم.\nولم تختلف العلماء أن العامة عليها تقليد علمائها، وأنهم المرادون بقول الله ﷿: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.\nوأجمعوا على أن الأعمى لا بد له من تقليد غيره ممن يثق بميزه في القبلة إذا أشكلت عليه.","vol":"7","page":527},{"text":"فكذلك من لا علم له ولا بصر بمعنى ما يدين به، لا بد من تقليد عالمه.\nوكذلك لم يختلف العلماء أن العامة لا يجوز لها الفتيا؛ وذلك والله أعلم لجهلها بالمعاني التي منها يجوز التحريم والتحليل، والقول في العلم.\nثم ذكر أبو عمر بإسناده عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: \"من قال عليَّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار، ومن استشار أخاه فأشار عليه بغير رشده فقد خانه، ومن أفتى بفتيا عن غير ثبت فإنما إثمها على من أفتاه\".\nثم ذكر بسنده أيضًا عن ابن عباس ﵄ أنه قال:\nمن أفتى بفتيا وهو يعمى عنها كان إثمها عليه. اهـ.\nولا شك أن المقلد أعمى عما يفتي به؛ لأن علمه به محصور في أن فلانًا قاله، مع علمه بأن فلانًا ليس بمعصوم من الخطأ والزلل.\nثم قال أبو عمر ﵀: وقال أهل العلم والنظر: حد العلم التبيين، وإدراك المعلوم على ما هو به، فمن بان له الشيء فقد علمه.\nقالوا: والمقلد لا علم له. ولم يختلفوا في ذلك.\nإلى أن قال ﵀: وقال أبو عبد الله بن خويز منداد البصري المالكي:\nالتقليد معناه في الشرع: الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.\nوقال في موضع آخر من كتابه: كل من اتبعتَ قوله من غير أن","vol":"7","page":528},{"text":"يجب عليك قبوله لدليل يوجب عليك ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح، وكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع.\nوقال أبو عمر في آخر كلامه في الباب ما نصه:\nولا خلاف بين أئمة الأمصار في فساد التقليد فأغنى ذلك عن الإِكثار.\nوقال أبو عمر بن عبد البر ﵀، في كلامه عن التقليد ما نصه:\nوقد احتج جماعة من الفقهاء وأهل النظر على من أجاز التقليد بحجج نظرية عقلية بعد ما تقدم.\nفأحسن ما رأيت من ذلك قول المزني ﵀، وأنا أورده، قال:\nيقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟\nفإن قال: نعم، أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد.\nوإن قال: حكمت به بغير حجة.\nقيل له: فلم أرقت الدماء، وأبحت الفروج، وأتلفت الأموال، وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟\nقال الله ﷿ ﴿إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا﴾ أي من حجة بهذا؟","vol":"7","page":529},{"text":"فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأني قلدت كبيرًا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة خفيت علي.\nقيل: إذا جاز تقليد معلمك؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك، فتقليد معلم معلمك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك.\nفإن قال: \"نعم\"، ترك تقليد معلمه إلى تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى، حتى ينتهي الأمر إلى أصحاب رسول الله  -  ﷺ  - .\nوإن أبى ذلك نقض قوله، وقيل له: كيف تجوِّز تقليد من هو أصغر وأقل علمًا؟ ولا تجوِّز تقليد من هو أكبر وأكثر علمًا، وهذا تناقض؟\nفإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك.\nقيل له: كذلك من تعلم من معلمك، فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه، فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك.\nوكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك.\nفإن قلَّد قولَه جعل الأصغر ومن يَحْدَثُ من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله ﵌.\nوكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله، والأعلى للأدنى أبدًا.\nوكفى بقول يؤول إلى هذا تناقضًا وفسادًا. اهـ.","vol":"7","page":530},{"text":"ثم قال أبو عمر ﵀ بعد هذا ما نصه:\nيقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به، وخالفت السلف في ذلك فإنهم لم يقلدوا؟\nفإن قال: قلدت؛ لأن كتاب الله لا علم لي بتأويله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  لم أحصها، والذي قلدته قد علم ذلك، فقلدت من هو أعلم مني.\nقيل له: أما العلماء، إذا أجمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية عن سنة رسوله  -  ﷺ  -، أو اجتمع رأيهم على شيء، فهو الحق لا شك فيه.\nولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعضهم دون بعض، وكلهم عالم، والعالم الذي رغبت عن قوله، أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه؟\nفإن قال: قلدته؛ لأني أعلم أنه صواب.\nقيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب الله أو سنة أو إجماع؟\nفإن قال: \"نعم\". أبطل التقليد، وطولب بما ادعاه من الدليل.\nوإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم مني.\nقيل له: فقلِّدْ كل من هو أعلم منك، فإنك تجد من ذلك خلقًا كثيرًا، ولا تَخُصَّ من قلدته؛ إذ عِلَّتك فيه أنه أعلم منك.\nفإن قال: قلدته؛ لأنه أعلم الناس.\nقيل له: فإنه إذًا أعلم من الصحابة، وكفى بقول مثل هذا قبحًا.","vol":"7","page":531},{"text":"فإن قال: إنما قلدتُ بعض الصحابة.\nقيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم، ولعل من تركت قوله منهم أفضل ممن أخذت بقوله؟\nعلى أن القول لا يصح لفضل قائله، وإنما يصح بدلالة الدليل عليه.\nوقد ذكر ابن مزين عن عيسى بن دينار، عن ابن القاسم عن مالك، قال: ليس كل ما قال رجل قولًا وإن كان له فضل، يُتَّبَعُ عليه؛ لقول الله ﷿: ﴿الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ﴾.\nفإن قال: قصري وقلة علمي يحملني على التقليد.\nقيل له: أما من قلد فيما ينزل من أحكام شريعته عالمًا يتفق له على علمه، فيصدر في ذلك عما يخبره فمعذور؛ لأنه قد أدى ما عليه وأدى ما لزمه فيما نزل به، لجهله، ولا بدله من تقليد عالم فيما جهله، لإِجماع المسلمين أن المكفوف يقلد من يثق بخبره في القبلة؛ لأنه لا يقدر على أكثر من ذلك.\nولكن من كانت هذه حاله، هل تجوز له الفتيا في شرائع دين الله، فيحمل غيره على إباحة الفروج وإراقة الدماء واسترقاق الرقاب وإزالة الأملاك ويصيرها إلى غير من كانت في يديه، بقول لا يعرف صحته ولا قام له الدليل عليه، وهو مقر أن قائله يخطئ ويصيب، وأن مخالفه في ذلك ربما كان المصيب فيما خالفه فيه؟\nفإن أجاز الفتوى لمن جهل الأصل والمعنى، لحفظه الفروع، لزمه أن يجيزه للعامة. وكفى بهذا جهلًا وردًا للقرآن، قال الله تعالى:","vol":"7","page":532},{"text":"﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾، وقال: ﴿أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٢٨)﴾.\nوقد أجمع العلماء على أن ما لم يتبين ويتيقن فليس بعلم، وإنما هو ظن، والظن لا يغني من الحق شيئًا. اهـ. كله من جامع ابن عبد البر ﵀.\nواعلم أن حاصل جميع حجج المقلدين منحصر في قولهم: نحن معاشر المقلدين ممتثلون قول الله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾.\nفأمر سبحانه من لا علم له أن يسأل من هو أعلم منه، وهذا نص قولنا.\nوقد أرشد النبي  -  ﷺ  -  من لا يعلم إلى سؤال من يعلم، فقال في حديث صاحب الشجة: \"ألا سألوا إذا لم يعلموا، إنما شفاء العيِّ السؤال\".\nوقال أبو العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره:\n\"وإني سألت أهل العلم فأخبروني أن ما على ابني جلد مائة وتغريب عام، وأن على امرأة هذا الرجم\"، فلم ينكر عليه تقليد من هو أعلم منه.\nوهذا عالم الأرض عمر قد قلد أبا بكر.\nفروى شعبة عن عاصم الأحول، عن الشعبي أن أبا بكر قال في الكلالة: أقضي فيها فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء: هو ما دون الولد والوالد. فقال عمر بن الخطاب: إنني لأستحي من الله أن أخالف أبا بكر.","vol":"7","page":533},{"text":"وصح عنه أنه قال له: رأينا لرأيك تبع. وصح عن ابن مسعود. أنه كان يأخذ بقول عمر.\nوقال الشعبي عن مسروق: كان ستة من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  يفتون الناس: ابن مسعود وعمر بن الخطاب وعلي وزيد بن ثابت وأبي بن كعب وأبو موسى.\nوكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة.\nكان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبي بن كعب.\nوقال جندب: ما كنت أدع قول ابن مسعود لقول أحد من الناس.\nوقد قال النبي  -  ﷺ  -: \"إن معاذًا قد سنَّ لكم سنة فكذلك فافعلوا\"، في شأن الصلاة، حيث تأخر فصلى ما فاته من الصلاة مع الإِمام بعد الفراغ، وكانوا يصلون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإِمام.\nقال المقلدة:\nوقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله وأولي الأمر، وهم العلماء أو العلماء والأمراء، وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به.\nفإنه لولا التقليد لم يكن هناك طاعة تختص بهم.\nوقال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾.\nوتقليدهم اتباع لهم، ففاعله ممن ﵃، ويكفي","vol":"7","page":534},{"text":"ذلك الحديث المشهور: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\".\nوقال عبد الله بن مسعود: من كان منكم مستنًا فليستن بمن قد مات، فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة، أولئك أصحاب محمد أبر هذه الأمة قلوبًا، وأعمقها علمًا، وأقلها تكلفًا، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه، وإقامة دينه، فاعرفوا لهم حقهم وتمسكوا بهديهم، فإنهم كانوا على الهدي المستقيم.\nوقد صح عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\".\nوقال: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\"، \"واهتدوا بهدي عمار، وتمسكوا بعهد ابن أم عبد\".\nوقد كتب عمر إلى شريح: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله  -  ﷺ  -، فإن لم يكن في سنة رسول الله فاقض بما قضى به الصالحون.\nوقد منع عمر عن بيع أمهات الأولاد، وتبعه الصحابة.\nوألزم بالطلاق الثلاث، فتبعوه أيضًا.\nواحتلم مرة، فقال له عمرو بن العاص: خذ ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلتها صارت سنة.\nوقال أبي كعب وغيره من الصحابة: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه.\nوقد كان الصحابة يفتون ورسول الله  -  ﷺ  -  حي بين أظهرهم، وهذا تقليد لهم قطعًا؛ إذ قولهم لا يكون حجة في حياة النبي  -  ﷺ  - .","vol":"7","page":535},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ فأوجب عليهم قبول ما أنذروهم به إذا رجعوا إليهم، وهذا تقليد منهم للعلماء.\nوصح عن ابن الزبير، أنه سئل عن الجد والإِخوة، فقال:\nأما الذي قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"لو كنت متخذًا من أهل الأرض خليلًا لاتخذته خليلًا، فإنه أنزله أبًا.\nوهذا ظاهر في تقليده له.\nوقد أمر الله سبحانه بقبول شهادة الشاهد، وذلك تقليد له.\nوجاءت الشريعة بقبول قول القائف، والخارص، والقاسم، والمقوم للمتلفات وغيرها، والحاكمَيْن بالمثل في جزاء الصيد، وذلك تقليد محض.\nوأجمعت الأمة على قبول قول المترجم والرسول والمعرف والمعدِّل، وإن اختلفوا في جواز الاكتفاء بواحد، وذلك تقليد محض لهؤلاء.\nوأجمعوا على جواز شراء اللحمان والثياب والأطعمة وغيرها، من غير سؤال عن أسباب حلها وتحريمها، اكتفاء بتقليد أربابها.\nولو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء فضلاء، لضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وكان الناس كلهم علماء مجتهدين.\nوهذا مما لا سبيل إليه شرعًا، والقدر قد منع من وقوعه.\nوقد أجمع الناس على تقليد الزوج للنساء اللاتي يهدين إليه زوجته، وجواز وطئها تقليدًا لهن في كونها هي زوجته.","vol":"7","page":536},{"text":"وأجمعوا على أن الأعمى يقلد في القبلة، وعلى تقليد الأئمة في الطهارة، وقراءة الفاتحة، وما يصح به الاقتداء، وعلى تقليد الزوجة مسلمة كانت أو ذمية أن حيضها قد انقطع فيباح للزوج وطؤها بالتقليد.\nويباح للولي تزويجها بالتقليد لها في انقضاء عدتها.\nوعلى جواز تقليد الناس للمؤذنين في دخول أوقات الصلوات، ولا يجب عليهم الاجتهاد ومعرفة ذلك بالدليل.\nوقد قالت الأمة السوداء لعقبة بن الحارث: أرضعتك وأرضعت امرأتك، فأمره  -  ﷺ  -  بفراقها، وتقليدها فيما أخبرته به من ذلك.\nوقد صرح الأئمة بجواز التقليد، فقال حفص بن غياث: سمعت سفيان يقول: إذا رأيت الرجل يعمل العمل الذي قد اختلف فيه وأنت ترى تحريمه فلا تنهه.\nوقال محمد بن الحسن: يجوز للعالم تقليد من هو أعلم منه، ولا يجوز له تقليد من هو مثله.\nوقد صرح الشافعي بالتقليد فقال: في الضبع بعير، قلته تقليدًا لعمر.\nوقال في مسألة بيع الحيوان بالبراءة من العيوب: قلته تقليدًا لعثمان.\nوقال في مسألة الجد مع الإِخوة: إنه يقاسمهم. ثم قال: وإنما قلت بقول زيد، وعنه قبلنا أكثر الفرائض.\nقال في موضع آخر من كتابه الجديد: قلته تقليدًا لعطاء.","vol":"7","page":537},{"text":"وهذا أبو حنيفة ﵀ قال في مسائل الآبار، ليس معه فيها إلا تقليد من تقدمه من التابعين فيها.\nوهذا مالك لا يخرج عن عمل أهل المدينة، ويصرح في موطئه بأنه أدرك العمل على هذا، وهو الذي عليه أهل العلم ببلدنا.\nويقول في غير موضع: ما رأيت أحدًا أقتدي به يفعله.\nولو جمعنا ذلك من كلامه لطال.\nوقد قال الشافعي في الصحابة: رأيهم لنا خير من رأينا لأنفسنا.\nونحن نقول ونصدق أن رأي الشافعي والأئمة معه لنا خير من رأينا لأنفسنا.\nوقد جعل الله سبحانه في فطر العباد تقليد المتعلمين للأستاذين والمعلمين، ولا تقوم مصالح الخلق إلا بهذا.\nوذلك عام في كل علم وصناعة.\nوقد فاوت الله سبحانه بين قوى الأذهان، كما فاوت بين الأبدان، فلا يحسن في حكمته وعدله ورحمته أن يفرض على جميع خلقه معرفة الحق بدليله، والجواب عن معارضه، في جميع مسائل الدين دقيقها وجليلها.\nولو كان كذلك لتساوت أقدام الخلائق في كونهم علماء، بل جعل سبحانه تعالى هذا عالمًا وهذا متعلمًا، وهذا متبعًا للعالم مؤتمًا به بمنزلة المأموم مع الإِمام والتابع مع المتبوع.\nوأين حرم الله تعالى على الجاهل أن يكون متبعًا للعالم مؤتمًا به مقلدًا له يسير بسيره وينزل بنزوله؟","vol":"7","page":538},{"text":"وقد علم الله سبحانه أن الحوادث والنوازل كل وقت نازلة بالخلق، فهل فرض على كل منهم فرض عين، أن يأخذ حكم نازلة من الأدلة الشرعية بشروطها ولوازمها؟\nوهل ذلك في إمكان أحد، فضلًا عن كونه مشروعًا؟\nوهؤلاء أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  فتحوا البلاد، وكان الحديث العهد بالإِسلام يسألهم فيفتونه، ولا يقولون له: عليك أن تطلب معرفة الحق في هذه الفتوى بالدليل. ولا يعرف ذلك عن أحد منهم البتة.\nوهل التقليد إلا من لوازم التكليف ولوازم الوجود؟ فهو من لوازم الشرع والقدر، والمنكرون له مضطرون إليه ولا بد، وذلك فيما تقدم بيانه من الأحكام وغيرها.\nونقول لمن احتج على إبطاله: كل حجة أثرية ذكرتها فأنت مقلد لحملتها ورواتها، إذ لم يقم دليل قطعي على صدقهم، فليس بيدك إلا تقليد الراوي.\nوليس بيد الحاكم إلا تقليد الشاهد، وكذلك ليس بيد العامي إلا تقليد العالم.\nفما الذي سوغ لك تقليد الراوي والشاهد ومنعنا من تقليد العالم، وهذا سمع بأذنه ما رواه، وهذا عقل بقلبه ما سمعه، فأدى هذا مسموعه، وأدى هذا معقوله. وفرض على هذا تأدية ما سمعه، وعلى هذا تأدية ما عقله، وعلى من لم يبلغ منزلتهما القبول منهما؟\nثم يقال للمانعين من التقليد: أنتم منعتموه خشية وقوع المقلد","vol":"7","page":539},{"text":"في الخطأ، بأن يكون مقلده مخطئًا في فتواه، ثم أوجبتم عليه النظر والاستدلال في طلب الحق.\nولا ريب أن صوابه في تقليده للعالم أقرب من صوابه في اجتهاده هو لنفسه.\nوهذا كمن أراد شراء سلعة لا خبرة له بها، فإنه إذا قلد عالمًا بتلك السلعة، خبيرًا بها، أمينًا ناصحًا، كان صوابه وحصول غرضه أقرب من اجتهاده لنفسه، وهذا متفق عليه بين العقلاء. اهـ.\nهذا هو غاية ما يحتج به المقلدون، وقد ذكره ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين، وبين بطلانه من واحد وثمانين وجهًا.\nوسنذكر هنا إن شاء الله جملًا مختصرة من كلامه الطويل تكفي المنصف، وتزيد المسألة إن شاء الله إيضاحًا وإقناعًا.\nقال في إعلام الموقعين بعد ذكره حجج المقلدين التي ذكرناها آنفًا ما نصه: قال أصحاب الحجة:\nعجبًا لكم معاشر المقلدين، الشاهدين على أنفسهم مع شهادة أهل العلم بأنهم ليسوا من أهله، ولا معدودين في زمرة أهله.\nكيف أبطلتم مذهبكم، بنفس دليلكم، فما للمقلد وما للاستدلال؟ وأين منصب المقلد من منصب المستدل؟\nوهل ما ذكرتم من الأدلة إلا ثيابًا استعرتموها من صاحب الحجة فتجملتم بها بين الناس، وكنتم في ذلك متشبعين بما لم تعطوه، ناطقين من العلم بما شهدتم على أنفسكم أنكم لم تؤتوه، وذلك ثوب زور لبستموه، ومنصب لستم من أهله غصبتموه.\nفأخبرونا، هل صرتم إلى التقليد لدليل قادكم إليه، وبرهان","vol":"7","page":540},{"text":"دلكم عليه، فنزلتم به من الاستدلال أقرب منزل، وكنتم به عن التقليد بمعزل، أم سلكتم سبيله اتفاقًا وتخمينًا من غير دليل؟\nوليس إلى خروجكم عن أحد هذين القسمين سبيل، وأيهما كان فهو بفساد مذهب التقليد حاكم، والرجوع إلى مذهب الحجة منه لازم.\nونحن إن خاطبناكم بلسان الحجة، قلتم: لسنا من أهل هذه السبيل، وإن خاطبناكم بحكم التقليد، فلا معنى لما أقمتوه من الدليل.\nوالعجب أن كل طائفة من الطوائف، وكل أمة من الأمم، تدعي أنها على حق، حاشا فرقة التقليد، فإنهم لا يدعون ذلك، ولو ادعوه لكانوا مبطلين، فإنهم شاهدون على أنفسهم بأنهم لم يعتقدوا تلك الأقوال لدليل قادهم إليها، وبرهان دلهم عليها، وإنما سبيلهم محض التقليد.\nوالمقلد لا يعرف الحق من الباطل، ولا الحالي من العاطل.\nوأعجب من هذا أن أئمتهم نهوهم عن تقليدهم فعصوهم وخالفوهم، وقالوا: نحن على مذاهبهم، وقد دانوا بخلافهم في أصل المذهب الذي بنوا عليه.\nفإنهم بنوا على الحجة ونهوا عن التقليد، وأوصوهم إذا ظهر الدليل أن يتركوا أقوالهم ويتبعوه، فخالفوهم في ذلك كله، وقالوا: نحن من أتباعهم، تلك أمانيهم، وما أتباعهم إلا من سلك سبيلهم، واقتفى آثارهم في أصولهم وفروعهم.\nوأعجب من هذا أنهم مصرحون كتبهم ببطلان التقليد وتحريمه، وأنه لا يحل القول به في دين الله.","vol":"7","page":541},{"text":"ولو اشترط الإِمام على الحاكم أن يحكم بمذهب معين لم يصح شرطه ولا توليته، ومنهم من صحح التولية وأبطل الشرط.\nوكذلك المفتي يحرم عليه الإِفتاء بما لا يعلم صحته باتفاق الناس.\nوالمقلد لا علم له بصحة القول وفساده، إذ طريق ذلك مسدودة عليه.\nثم كل منهم يعرف من نفسه أنه مقلد لمتبوعه لا يفارق قوله، ويترك له كل ما خالفه من كتاب أو سنة أو قول صاحب، أو قول من هو أعلم من متبوعه أو نظيره.\nوهذا من أعجب العجب.\nوأيضًا فإنا نعلم بالضرورة، أنه لم يكن في عصر الصحابة، رجل واحد اتخذ رجلًا منهم يقلده في جميع أقواله، فلم يسقط منها شيئًا، وأسقط أقوال غيره، فلم يأخذ منها شيئًا.\nونعلم بالضرورة، أن هذا لم يكن في عصر التابعين، ولا تابعي التابعين.\nفليكذبنا المقلدون برجل واحد، سلك سبيلهم الوخيمة، في القرون الفضيلة على لسان رسول الله  -  ﷺ  - .\nوإنما حدثت هذه البدعة في القرن الرابع المذموم على لسانه  -  ﷺ  - .\nفالمقلدون لمتبوعهم في جميع ما قالوه، يبيحون به الفروج والدماء والأموال، ويحرمونها، ولا يدرون أذلك صواب أم خطأ، على خطر عظيم، ولهم بين يدي الله موقف شديد يعلم فيه من قال","vol":"7","page":542},{"text":"على الله ما لا يعلم أنه لم يكن على شيء. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nوعلى كل حال فأنتم أيها المقلدون تقولون: إنه لا يجوز العمل بالوحي إلا لخصوص المجتهدين، فلم سوغتم لأنفكسم الاستدلال على التقليد بآية. ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾، وآية ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ﴾ الآية؟\nهل رجعتم عن قولكم بأن الاستدلال بالوحي لا يجوز لغير المجتهد، أو ارتكبتم ما تعتقدون أنه محرم من استدلالكم بالقرآن، مع شدة بعدكم عن رتبة الاجتهاد؟\nوفي هذا رد إجمالي لجميع ما استدللتم به على التقليد الذي أنتم عليه.\nثم يقال: أليست هذه الآيات التي استدللتم بها في زعمكم، من ظواهر الكتاب، التي سن لكم الصاوي وأمثاله أن العمل بها من أصول الكفر؟\nفإنه لم يستثن شيئًا من ظواهر القرآن يكون العمل به ليس من أصول الكفر.\nفلم تجرأتم على شيء هو من أصول الكفر، وسوغتم لأنفسكم الاستدلال بالقرآن، مع أنه لا يجوز عندكم إلا للمجتهدين؟\nوسنذكر رد استدلال المقلدين تفصيلًا، بإيجاز إن شاء الله تعالى.\nأما استدلالهم بآية: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٤٣)﴾ فهو استدلال في غير محله.","vol":"7","page":543},{"text":"فإن الآية لا تدل على هذا النوع من التقليد الأعمى الذي هم عليه، من التزام جميع أقوال رجل واحد وترك جميع ما سواها.\nولا شك أن المراد بأهل الذكر أهل الوحي الذين يعلمون ما جاء من عند الله كعلماء الكتاب والسنة.\nفقد أمروا أن يسألوا أهل الذكر، ليفتوهم بمقتضى ذلك الذكر الذي هو الوحي.\nومن سأل عن الوحي، وأُعْلِمَ به، وبُيِّن له، كان عمله به اتباعًا للوحي لا تقليدًا، واتباع الوحي لا نزاع في صحته.\nوإن كانت الآية تدل على نوع تقليد في الجملة، فهي لا تدل إلا على التقليد الذي قدمنا أنه لا خلاف فيه بين المسلمين، وهو تقليد العامي الذي تنزل به النازلة عالمًا من العلماء، وعمله بما أفتاه به، من غير التزام منه لجميع ما يقوله ذلك العالم، ولا تركه لجميع ما يقوله غيره.\nوأما استدلالهم بالحديث الوارد في الرجل الذي أصابته شجة في رأسه، ثم احتلم، فسأل أصحابه: هل يعلمون له رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نرى لك رخصة وأنت قادر على الماء، فاغتسلَ فمات، فبلغ النبي  -  ﷺ  -  ذلك فقال: \"قتلوه قتلهم الله، ألا سألوا إذ لم يعلموا؟ فإنما شفاء العي السؤال\".\nفهو استدلال أيضًا في غير محله، وهو حجة أيضًا على المقلدين لا لهم.\nقال في إعلام الموقعين في بيان وجه ذلك ما نصه: إن النبي  -  ﷺ  -  إنما أرشد المستفتين، كصاحب الشجة، بالسؤال","vol":"7","page":544},{"text":"عن حُكمه وسنته، فقال: \"قتلوه قتلهم الله\"، فدعا عليهم حين أفتوا بغير علم.\nوفي هذا تحريم الإِفتاء بالتقليد، فإنه ليس علمًا باتفاق الناس.\nفإنما دعا رسول الله  -  ﷺ  -  على فاعله، فهو حرام، وذلك أحد أدلة التحريم.\nفما احتج به المقلدون هو من أكبر الحجج عليهم.\nوكذلك سؤال أبي العسيف الذي زنى بامرأة مستأجره لأهل العلم.\nفإنه لما أخبروه بسنة رسول الله  -  ﷺ  -  في البكر الزاني أقره على ذلك، ولم ينكره، فلم يكن سؤالهم عن رأيهم ومذاهبهم.\nوأما استدلالهم بأن عمر قال في الكلالة: إني لأستحيي من الله أن أخالف أبا بكر، وأن ذلك تقليد منه له. فلا حجة لهم فيه أيضًا.\nوخلاف عمر لأبي بكر ﵄ أشهر من أن يذكر.\nكما خالفه في سبي أهل الردة، فسباهم أبو بكر، وخالفه عمر، وبلغ خلافه إلى أن ردهن حرائر إلى أهلهن إلا لمن ولدت لسيدها منهن، ونقض حكمه، ومن جملتهن خولة الحنفية أم محمد بن علي.\nوخالفه في أرض العنوة، فقسمها أبو بكر ووقفها عمر.\nوخالفه في المفاضلة في العطاء، فرأى أبو بكر التسوية، ورأى عمر المفاضلة.\nوخالفه في الاستخلاف، فاستخلف أبو بكر عمر على","vol":"7","page":545},{"text":"المسلمين، ولم يستخلف عليهم عمر أحدًا، إيثارًا لفعل رسول الله  -  ﷺ  -  على فعل أبي بكر ﵃.\nوخالفه في الجد والإِخوة، مع أن خلاف أبي بكر الذي استحيى منه عمر هو خلافه في قوله: إن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكن خطأ فمني ومن الشيطان، والله منه بريء، هو ما دون الولد والوالد، فاستحيى عمر من مخالفة أبي بكر في اعترافه بجواز الخطأ عليه، وأنه ليس كلامه كله صوابًا مأمونًا عليه الخطأ.\nويدل على ذلك أن عمر بن الخطاب ﵁ أقر عند موته أنه لم يقضِ في الكلالة بشيء، وقد اعترف أنه لم يفهمها. قاله في إعلام الموقعين.\nومن العجب استدلال المقلدين على تقليدهم، باستحياء عمر من مخالفة أبي بكر، مع أنهم لم يستحيوا من مخالفة أبي بكر وعمر، وجميع الصحابة، ومخالفة الكتاب والسنة، إذا كان ذلك لا يوافق مذهب إمامهم، كما هو معلوم من عادتهم، وكما أوضحه الصاوي في الكلام الذي قدمنا على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا (٢٣) إلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾.\nفقد قدمنا هناك أنه قال: إن من خرج عن المذاهب الأربعة فهو ضال مضل، ولو وافق الصحابة، والحديث الصحيح والآية، وربما أداه ذلك إلى الكفر؛ لأن الأخذ بظواهر الكتاب والسنة من أصول الكفر!\nفمن هذا مذهبه ودينه، كيف يستدل باستحياء عمر من مخالفة أبي بكر؟","vol":"7","page":546},{"text":"بل كيف يستدل بنص من نصوص الوحي، أو قول أحد من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -؟\nمع أن أبا بكر خليفة راشد، أمر النبي بالاقتداء به في قوله: \"عليكم بسنتي، وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\" الحديث.\nفليس الاقتداء بالخلفاء كالاقتداء بغيرهم.\nوأما استدلالهم على تقليدهم بقول عمر لأبي بكر ﵄: رأينا لرأيك تبع.\nفيكفي في رده ما قدمنا قريبًا، من مخالفة عمر لأبي بكر، مع القصة التي قال له فيها: رأينا لرأيك تبع، رد فيها على أبي بكر بعض ما قاله.\nوأيد الصحابة ما قال عمر في رده على أبي بكر ﵄.\nلأن الحديث المذكور في وفد بزاخة من أسد وغطفان حين قدموا على أبي بكر يسألونه الصلح، فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية.\nفقالوا: هذه المُجْلِيَة قد عرفناها، فما المُخْزِيَة؟\nقال: تنزع منكم الحلقة والكراع، ونغنم ما أصبنا لكم وتردون لنا ما أصبتم منا، وتدون لنا قتلانا. إلى آخر كلامه.\nوفيه: فقام عمر بن الخطاب فقال: قد رأيت رأيًا سنشير عليك، أما ما ذكرت من الحرب المجلية والسلم المخزية فنعم ما","vol":"7","page":547},{"text":"ذكرت، وما ذكرت من أن نغنم ما أصبنا منكم، وتردون ما أصبتم منا، فنعم ما ذكرت، وأما ما ذكرت من أن تدون قتلانا وتكون قتلاكم في النار، فإن قتلانا قد قاتلت فقتلت على ما أمر الله، أجورها على الله، ليس لها ديات.\nفتتابع القوم على ما قال عمر ﵁.\nفهذه القصة الثابتة، هي التي في بعض ألفاظها: ورأينا لرأينا لرأيك تبع.\nوأنت ترى عمر ﵁ لم يقلد فيها أبا بكر ﵁، إلا فيما يعتقد صوابه؛ فإنما ظهر له أنه صواب، قال له فيه: نعم ما ذكرت.\nوما ظهر له أنه ليس بصواب رده على أبي بكر، وهو قول أبي بكر بدفع ديات الشهداء؛ لأن عمر يعتقد أن الشهيد في سبيل الله لا دية له؛ لأن الله يقول: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١١١)﴾.\nوذلك يوضح لك أن الصحابة ﵃ لا يعدلون عن الكتاب والسنة إلى قول أحد.\nوأما احتجاجهم بتقليد ابن مسعود لعمر فهو ظاهر السقوط، ولو وافق عمر في بعض المسائل فهو من قبيل موافقة بعض العلماء لبعض، لاتفاق رأيهم لا لتقليد بعضهم لبعض.\nوقد خالف ابن مسعود عمر ﵄ في مسائل كثيرة","vol":"7","page":548},{"text":"جدًّا، كمخالفته له في أم الولد؛ لأن ابن مسعود يقول فيها: إنها تعتق من نصيب ولدها.\nومن ذلك أن ابن مسعود كان يطبق في ركوعه إلى أن مات، وعمر كان يضع يديه على ركبتيه.\nوكان ابن مسعود يقول في الحرام: هي يمين، وعمر يقول: إنه طلقة واحدة.\nوكان ابن مسعود يحرم النكاح بين الزانيين، وعمر يُتَوِّبُهما وينكح أحدهما الآخر.\nوكان ابن مسعود يرى بيع الأمة طلاقها، وعمر يرى عدم ذلك.\nوأمثال هذا كثير معلومة.\nمع أن ابن مسعود يقول: إنه أعلم الصحابة بكتاب الله، وإنه لو كان يعلم أحدًا أعلم منه به لرحل إليه.\nولم ينكر عليه أحد من الصحابة.\nوقد قدمنا عنه قوله: كن عالمًا أو متعلمًا ولا تكن إمعة.\nفليس ابن مسعود من أهل التقليد، مع أن المقلدين المحتجين بتقليد ابن مسعود لعمر، لا يقلدون ابن مسعود، ولا عمر، ولا غيرهما من أصحاب رسول الله  -  ﷺ  - .\nولا يأخذون بقول الله ولا رسوله، وإنما يفضلون على ذلك كله تقليد أحد الأئمة أصحاب المذاهب ﵏.\nوأما استدلالهم على التقليد بأن عبد الله كان يدع قوله لقول عمر، وأبو موسى كان يدع قوله لقول علي، وزيد يدع قوله لقول أبي بن كعب، فهو ظاهر السقوط أيضًا.","vol":"7","page":549},{"text":"لأنه من المعلوم أن الصحابة المذكورين ﵃ لا يدعون سنة رسول الله  -  ﷺ  -  لقول أحد، وهذا لا شك فيه.\nوكان ابن عمر يدع قول عمر، إذا ظهرت له السنة.\nوكان ابن عباس يقول: يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول: قال رسول الله  -  ﷺ  -، وتقولون: قال أبو بكر وعمر.\nوأما استدلالهم على التقليد بأن معاذًا ﵁ صلى مسبوقًا فصلى ما أدرك مع الإِمام أولًا، ثم قضى ما فاته بعد سلام الإِمام، وكانوا قبل ذلك يصلون ما فاتهم أولًا ثم يدخلون مع الإِمام في الباقي، وأن النبي  -  ﷺ  -  قال في ذلك: \"إن معاذًا قد سن لكم سنة، فكذلك فافعلوا\"، فهو ظاهر السقوط أيضًا؛ لأن ذلك لم يكن سنة إلا بأمر رسول الله  -  ﷺ  -  كما لا يخفى.\nفلا حجة قطعًا في قول أحد كائنًا من كان، ورسول الله  -  ﷺ  -  موجود، وإنما العبرة بقوله  -  ﷺ  -  وفعله وتقريره.\nوهذا معلوم بالضرورة من الدين.\nوأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾.\nقائلين: إن المراد بأولي الأمر العلماء، وأن طاعتهم المأمور بها في الآية هي تقليدهم، فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأنه لا يجوز طاعة أولي الأمر إجماعًا فيما خالف كتابًا أو سنة، ولا طاعة لهم إلا في المعروف كما جاءت به الأحاديث الصحيحة عنه  -  ﷺ  - .","vol":"7","page":550},{"text":"ولا نزاع بين المسلمين في أنه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.\nوالتحقيق في معنى الآية الكريمة أن المراد بأولي الأمر: ما يشمل الأمراء والعلماء.\nلأن العلماء مبلغون عن الله وعن رسوله، والأمراء منفذون، ولا تجوز طاعة أحد منهم إلا فيما أذن الله فيه.\nلأن ما أمر به أولو الأمر لا يخلو من أحد أمرين:\nأحدهما: أن يكون طاعة لله ولرسوله من غير نزاع، وطاعة أولي الأمر في مثل هذا من طاعة الله ورسوله.\nوالثاني: أن يحصل فيه نزاع هل هو من طاعة الله ورسوله أو لا؟\nوفي هذه الحالة لا تجوز الطاعة العمياء لأولي الأمر ولا التقليد الأعمى كما صرح الله تعالى بذلك في نفس الآية.\nلأنه تعالى لما قال: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أتبع ذلك بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيرٌ وَأَحْسَنُ تَأْويلًا (٥٩)﴾.\nفالآية صريحة في رد كل نزاع إلى الله ورسوله.\nوالرد إلى الله هو الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله  -  ﷺ  -  هو الرد إليه في حياته، والرد إلى سنته بعد وفاته  -  ﷺ  - .\nوقد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ بعض الأحاديث الصحيحة الدالة على أنه","vol":"7","page":551},{"text":"لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق، كحديث ابن عمر أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة\".\nوحديث علي ﵁ عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: \"لو دخلوها ما خرجوا منها أبدًا، إنما الطاعة في المعروف\".\nوفي الكتاب العزيز: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾.\nولا يخفى أن طاعة الله وطاعة رسوله المأمور بها في الآية لا يتحقق وجودها إلا بمعرفة أمر الله ورسوله ونهي الله ورسوله.\nوالمقلدون مقرون على أنفسهم بأنهم لا يعلمون أمر الله ولا نهيه، ولا أمر رسوله ولا نهيه.\nوغاية ما يدعون علمه هو أن الإِمام الذي قلدوه قال كذا، مع عجزهم عن التمييز بين ما هو خطأ وما هو صواب، بل أكثرهم لا يميزون بين قول الإِمام وبين ما ألحقه أتباعه بعده مما قاسوه على أصول مذهبه.\nولا شك أن طاعة العلماء هي اقتفاء ما كانوا عليه من النظر في كتاب الله وسنة رسوله وتقديمها على كل قول وعلى كل رأي كائنًا ما كان.\nفمن قلدهم التقليد الأعمى وترك الكتاب والسنة لأقوالهم، فهو المخالف لهم المتباعد عن طاعتهم كما تقدم، وكما سيأتي إن شاء الله.\nوأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ","vol":"7","page":552},{"text":"الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، قائلين: إن تقليدهم من جملة اتباعهم بإحسان، فمقلدهم ممن ﵁ بنص الآية، فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأن الذين اتبعوهم بإحسان هم الذين ساروا على مثل ما كانوا عليه من العمل بكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .\nفلم يكن أحد منهم يقلد رجلًا ويترك الكتاب والسنة لقوله.\nفالمقلدون التقليد الأعمى ليسوا ممن اتبعهم البتة، بل هم أعظم الناس مخالفة لهم، وأبعدهم عن اتباعهم. فأتبع الناس لمالك مثلًا ابن وهب ونظراؤه، ممن يعرضون أقواله على الكتاب والسنة، فيأخذون منها ما وافقهما دون غيره.\nوأتبع الناس لأبي حنيفة أبو يوسف ومحمد مع كثرة مخالفتهما له، لأجل الدليل من كتاب أو سنة.\nوأتبع أصحاب أحمد بن حنبل له البخاري ومسلم وأبو داود والأثرم لتقديمهم الدليل على قوله وقول غيره، وهكذا.\nوأما استدلالهم على تقليدهم: بحديث \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nاعلم أولًا أن الحديث لا يصح عن النبي  -  ﷺ  -، فهو حديث ضعيف لا يصح الاحتجاج به، فجميع طرقه ليس فيها شيء قائم.\nقال في إعلام الموقعين:\nروي هذا الحديث من طريق الأعمش عن أبي سفيان عن جابر، ومن حديث سعيد بن المسيب عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري عن نافع عن ابن عمر، ولا يثبت شيء منها.","vol":"7","page":553},{"text":"قال ابن عبد البر: حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الله بن مفرح حدثهم ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي  -  ﷺ  -: \"أصحابي كالنجوم بأيهم اقتديتم اهتديتم\" فهذا الكلام لا يصح عن النبي  -  ﷺ  - . اهـ منه.\nوضعفُ الحديث المذكور معروف عند أهل العلم.\nمع أن المقلدين المحتجين به يمنعون تقليد الصحابة، ويحرمون الاهتداء بتلك النجوم.\nوهو تناقض عجيب؛ لأنهم تركوا نفس ما دل عليه الحديث واستدلوا بالحديث على ما لم يتعرض له الحديث، وهو تقديمهم تقليد أئمتهم على تقليد الصحابة، مع أن قياسهم على الصحابة لا يصح، لعظم الفارق.\nوبما ذكرنا تعلم سقوط استدلالهم بما ذكروا عن ابن مسعود من قوله: \"من كان مستنًا منكم فليستن بمن قد مات أولئك أصحاب محمد\".\nوالله جل وعلا يقول: ﴿أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.\nوأما استدلالهم بقوله  -  ﷺ  -: \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي\".\nوقوله  -  ﷺ  -: \"اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر\" فهو حجة عليهم لا لهم.\nلأن سنة الخلفاء الراشدين التي حث عليها رسول الله  -  ﷺ  -","vol":"7","page":554},{"text":"مقرونة بسنته، ليس فيها البتة تقليد أعمى، ولا التزام قول جل بعينه.\nبل سنتهم هي اتباع كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  وتقديمها على كل شيء.\nلأنهم هم أتبع الناس لرسول الله  -  ﷺ  -  وأشدهم حرصًا على العمل بما جاء به.\nفالذي يقدم آراء الرجال على كتاب الله وسنة رسوله ويستدل على ذلك بحديث \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين\" الحديث، هو كما ترى.\nوأقوال الخلفاء ﵃ وأفعالهم كلها معروفة مدونة إلى الآن، ليس فيها تقليد أعمى ولا جمود على قول رجل واحد.\nوإنما هي عمل بكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، ومشاورة لأصحابه فيما نزل من النوازل، واستنباط ما لم يكن منصوصًا من نصوص الكتاب والسنة على أحسن الوجوه وأتقنها، وأقربها لرضى الله والاحتياط في طاعته.\nوكانوا إذا بلغهم شيء عن رسول الله  -  ﷺ  -  رجعوا إليه ولو كان مخالفًا لرأيهم.\nفقد رجع أبو بكر الصديق ﵁ إلى قول المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي  -  ﷺ  -  فرض للجدة السدس.\nوكان أبو بكر يرى أنها لا ميراث لها، وقد قال لها لما جاءته: \"لا أرى لك شيئًا في كتاب الله، ولا أعلم لك شيئًا في سنة رسول الله  -  ﷺ  - \".","vol":"7","page":555},{"text":"وقد رجع عمر إلى قول المذكورين في دية الجنين أن النبي  -  ﷺ  -  جعل فيها غرة عبد أو وليدة.\nورجع عمر أيضًا إلى حديث عبد الرحمن بن عوف أن النبي  -  ﷺ  -  أخذ الجزية من مجوس هجر.\nورجع عمر أيضًا إلى قول الضحاك بن سفيان أن النبي  -  ﷺ  -  كتب إليه أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.\nورجع عثمان بن عفان إلى حديث فريعة بنت مالك أخت أبي سعيد الخدري أن النبي  -  ﷺ  -  أمرها بالسكنى في البيت الذي توفي عنها زوجها وهي فيه حتى تنقضي عدتها.\nوكان عثمان بعد ذلك يفتي بوجوب السكنى للمتوفى عنها حتى تنقضي عدتها.\nوأمثال هذا أكثر من أن تحصى، وفي ذلك بيان واضح لأن سنة الخلفاء الراشدين هي المتابعة لرسول الله  -  ﷺ  -، وتقديم سنته على كل شيء، فعلينا جميعًا أن نعمل بمثل ما كانوا يعملون، لنكون متبعين لسنة رسول الله  -  ﷺ  -  وسنتهم.\nأما المقلد المعرض عن سنتهم، وعن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، مفضلًا على ذلك تقليد أبي حنيفة أو مالك أو الشافعي أو أحمد ﵏، فما كان يحق له أن يستدل بحديث \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... \" الحديث؛ لأنه مقر بمقتضى تقليده، بأنه أبعد الناس عن العمل بحديث \"عليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين ... \" الحديث.\nوأما استدلالهم، بأن عمر  كتب إلى شريح: أن اقض بما في","vol":"7","page":556},{"text":"كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبما في سنة رسول الله  -  ﷺ  -، فإن لم يكن في سنة رسول الله، فبما قضى به الصالحون، فهو حجة عليهم أيضًا لا لهم؛ لأن فيه تقديم كتاب الله، ثم سنة رسوله  -  ﷺ  -، ثم العمل بما قضى به الصالحون، وخيرهم أصحاب رسول الله  -  ﷺ  - .\nولو كان المقلدون يمتثلون هذا، لما أنكر عليهم أهل العلم، ولكن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون العمل بكتاب الله وسنة رسوله، والعمل بفتاوى أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -، ويوجبون الجمود على قول الإِمام الذي قلدوه والتزموا بمذهبه.\nومن كانت هذه حاله، فلا يحق له أن يستدل بشيء من هذه الأدلة.\nوأما استدلالهم بأن عمر ﵁ منع بيع أمهات الأولاد فتبعه الصحابة، وألزم الطلاق الثلاث بكلمة واحدة، وتبعه الصحابة؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nوقد قدمنا أن متابعة بعض الصحابة لبعض إنما هي لاتفاقهم فيما رأوه، لا لأن بعضهم مقلد بعضًا تقليدًا أعمى.\nوقد قدمنا إيضاح ذلك بما يكفي.\nمع أن المقلدين المحتجين بهذا يمنعون تقليد عمر، وسائر الصحابة، فمن عجائبهم أنهم يستدلون بما يعتقدون أن العمل به ممنوع.\nوأما استدلالهم بأن عمرو بن العاص قال لعمر لما احتلم: خذ","vol":"7","page":557},{"text":"ثوبًا غير ثوبك، فقال: لو فعلت صارت سنة. فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأن عمر بن الخطاب خاف أن يفعل شيئًا فيعتقد من لاعلم عنده أنه إنما فعله لكونه سنة، فامتنع من فعله لأجل هذا المحذور.\nمع أن المقلد يرى منع تقليد عمر ﵁،\nوأما استدلالهم بما ذكروه عن أبي وغيره أنه قال: ما استبان لك فاعمل به، وما اشتبه عليك فكله إلى عالمه؛ فهو حجة عليهم أيضًا لا لهم.\nلأن قوله: ما استبان لك فاعمل به، صريح في أن ما استبان من كتاب الله وسنة رسوله، يجب العمل به ولا يجوز العدول عنه لقول أحد.\nوهذا نقيض ما عليه المقلدون، فهم دائمًا يستدلون على مذهبهم بما يناقضه.\nوالأظهر أن مراد أبي بن كعب بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكل علمه إلى الله.\nفمراده بما اشتبه المتشابه، ومراده بعالمه: الله.\nفهو يشير إلى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْويلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْويلَهُ إلا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.\nفالذين قالوا: آمنا به كل من عند ربنا، فقد وكلوا ما اشتبه عليهم إلى عالمه وهو الله.","vol":"7","page":558},{"text":"ويحتمل أن يكون مراد أُبي بقوله: فكله إلى عالمه، أي فكله إلى من هو أعلم به منك من العلماء.\nوهذا هو الذي فهمه ابن القيم في إعلام الموقعين من كلام أُبي.\nوعلى هذا الاحتمال فلا حجة فيه أيضًا للمقلدين؛ لأن من خفي عليه شيء من العلم فوكله إلى من هو أعلم به منه، فقد أصاب.\nولا يلزم من ذلك الإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله، بل هو عمل بالقرآن، لقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾.\nوأما استدلالهم على تقليدهم بأن الصحابة كانوا يفتون ورسول الله  -  ﷺ  -  موجود بين أظهرهم، وأن ذلك تقليد لهم فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأنهم ما كانوا يفتونهم في حالة وجود رسول الله  -  ﷺ  -  بين أظهرهم إلا بما علمهم من الكتاب والسنة كما لا يخفى.\nومن أفتى منهم وغلط في فتواه أنكر عليه النبي  -  ﷺ  -  فتواه التي ليست مطابقة للحق، وردها عليه، كإنكاره على أبي السنابل بن بعكك قوله لسبيعة الأسلمية لما مات زوجها ووضعت حملها بعد ذلك بأيام: إنها لا تنقضي عدتها إلا بعد أربعة أشهر وعشر ليال.\nوقد استدل أبو السنابل على ما أفتى به بعموم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.\nوقد رد عليه النبي  -  ﷺ  -  فتواه مبينًا أن عموم قوله تعالى:\n﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ الآية، مخصص بقوله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.","vol":"7","page":559},{"text":"وكإنكاره  -  ﷺ  -  على الذين أفتوا صاحب الشجة بأنهم لم يجدوا له رخصة وهو يقدر على الماء.\nوقد قدمنا قصته، وأن النبي  -  ﷺ  -  قال فيهم: \"قتلوه قتلهم الله\" الحديث.\nوالظاهر أنهم استندوا في فتواهم لما فهموه من قوله تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾، وغفلوا عن قوله: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى﴾ الآية، وأمثال هذا كثيرة.\nوأما استدلالهم على التقليد بقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ قائلين: إن الآية أوجبت قبول إنذارهم، وأن ذلك تقليد لهم، فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأن الإِنذار في قوله ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ لا يكون برأي، وإنما يكون بالوحي خاصة، وقد حصر تعالى الإِنذار في الوحي بأداة الحصر التي هي (إنما) في قوله: ﴿قُلْ إِنَّمَا أُنْذِرُكُمْ بِالْوَحْيِ﴾.\nوبه تعلم أن الإِنذار لا يقوم إلا بالحجة، فمن لم تقم عليه الحجة لم يكن قد أُنذر، كما أن النذير من أقام الحجة، فمن لم يأت بحجة فليس بنذير.\nفمما لا شك فيه أن هذا الإِنذار المذكور في قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا﴾، والتحذير من مخالفته في قوله: ﴿لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ (١٢٢)﴾ ليس برأي ولا اجتهاد، وإنما هو إنذار بالوحي ممن تفقه في الدين، وصار ينذر بما علمه من الدين، كما يدل عليه قوله تعالى قبله: ﴿لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾، فهو يدل على أن قوله: ﴿وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ﴾ أي بما تفقهوا فيه من الدين.","vol":"7","page":560},{"text":"وليس التفقه في الدين إلا علم كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .\nفتبين أن الآية لا دليل فيها البتة لطائفة التقليد، الذين يوجبون تقليد إمام بعينه، من غير أن يُرَد من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء، وتجعل أقواله عيارًا لكتاب الله وسنة رسوله، فما وافق أقواله منهما قبل وما لم يوافقها منهما رُدّ.\nوهذا النوع من التقليد لا شك في بطلانه، وعدم جوازه.\nفالآية الكريمة بعيدة كل البعد من الدلالة عليه، مع أن استدلال المقلدين بها على تقليدهم استدلال بشيء يعتقدون أن الاستدلال به ممنوع منعًا باتًا؛ لأنه استدلال بقرآن.\nوأما قبول إنذارهم فهو من الاتباع لا من التقليد، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.\nوأما استدلالهم بأن ابن الزبير قال ما يدل على تقليده لأبي بكر الصديق ﵁، في أن الجد يحجب الإِخوة، فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nوقد قدمنا مرارًا في رد استدلالهم بتقليد الصحابة بعضهم بعضًا ما يكفي، فأغنى عن إعادته هنا.\nوأما استدلالهم بقبول شهادة الشاهد في الحقوق، قائلين: إن قبول شهادته فيما شهد به تقليد له، فهو ظاهر السقوط، لظهور الفرق بينه وبين ما استدلوا عليه به، من تقليد رجل واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء ولا يؤخذ مما خالفها شيء، ولو كان كتابًا أو سنة.","vol":"7","page":561},{"text":"وذلك من وجهين:\nأحدهما: أن العمل بشهادة الشاهد أخذ بكتاب الله وسنة رسوله، لأن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَي عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ ويقول: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد صح عن النبي  -  ﷺ  -  القضاء بالشاهد واليمين في الأموال.\nوفي الحديث: \"شاهداك أو يمينه\"، وهو حديث صحيح.\nفالأخذ بشهادة الشاهد إذًا من العمل بكتاب الله وسنة رسوله، لا من التقليد لرجل واحد بعينه تقليدًا أعمى.\nالوجه الثاني: أن الشاهد إنما يخبر عما أدركه بإحدى حواسه، والمدرك بالحاسة يحصل به القطع لمن أدركه، بخلاف الرأي، فإن صاحبه لا يقطع بصحة ما ظهر له من الرأي.\nولذا أجمع العلماء على الفرق بين خبر التواتر المستند إلى حس، وبين خبر التواتر المستند إلى عقل.\nفأجمعوا على أن الأول يوجب العلم المفيد للقطع لاستناده إلى الحس.\nوأن الثاني لا يوجبه، ولو كان خبر التواتر يفيد العلم في المعقولات لكان قدم العالم مقطوعًا به؛ لأنه تواتر عليه من الفلاسفة خلق لا يحصيهم إلا الله.\nمع أن حدوث العالم أمر قطعي لا شك فيه.\nفالذين تواتروا من الفلاسفة على قدم العالم، الذي هو من","vol":"7","page":562},{"text":"المعقولات لا من المحسوسات، لو تواتر عشرهم على أمر محسوس لأفاد العلم اليقيني فيه.\nفالشاهد إن أخبر عن محسوس، وكان عدلًا، فهو عدل مخبر عما قطع به قطعًا لا يتطرق إليه الشك، بخلاف المجتهد، فإنه عدل أخبر عما ظنه، فوضوح الفرق بين الأمرين كما ترى.\nوأما استدلالهم على تقليدهم بقبول قول القائف والخارص والمقوم والحاكمين بالمثل في جزاء الصيد، وتقليد الأعمى في القبلة، وتقليد المؤذنين في الوقت والمترجمين والمعرفين، والمعدلين والمجرحين، وتقليد المرأة في طهرها؛ فهو كله ظاهر السقوط أيضًا.\nلأن جميع ذلك لا يقبل منه إلا ما قام عليه دليل من كتاب أو سنة، فالمعمل به من العمل بالدليل الشرعي لا من التقليد الأعمى.\nوذلك كله من قبيل الشهادة، والإِخبار بما عرفه القائف والخارص إلى آخره، لا من قبيل الفتوى في الدين.\nوقد استدل العلماء على قبول قول القائف بسرور النبي  -  ﷺ  -  من قول مجزز بن الأعور المدلجي في أسامة وزيد: \"هذه الأقدام بعضها من بعض\".\nفلو كان قول القائف لا يقبل، لما أقره النبي  -  ﷺ  -، ولما برقت أسارير وجهه سرورًا به.\nفقبوله لذلك، فهو اتباع لرسول الله  -  ﷺ  - .\nوقد قدمنا الأحاديث النبوية الدالة على قبول قول الخارص، وبينا أن بعضها ثابت في الصحيح، ورد قول من منع ذلك، في سورة","vol":"7","page":563},{"text":"الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾.\nفهذا مثال ما ثبت بالسنة من قبول قول المذكورين.\nومثال ما دل عليه القرآن من ذلك قبول قول الحكمين في المثل في جزاء الصيد؟ لأن الله نص عليه في قوله تعالى: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية.\nوهكذا كل من ذكروا، فإن قبول قولهم إنما صح بدليل شرعي يدل على قبوله، من كتاب أو سنة أو إجماع.\nمع أن الإِخبار عن جميع ما ذكر إخبار عن محسوس، والتقليد الذي استدلوا به عليه إخبار عن معقول مظنون.\nوالفرق بين الأمرين قدمناه قريبًا، فليس شيء من ذلك تقليدًا أعمى بدون حجة.\nوأما استدلالهم على التقليد المذكور بجواز شراء اللحوم والثياب والأطعمة وغيرها من غير سؤال عن أسباب حلها، اكتفاء بتقليد أربابها؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nلأن الاكتفاء بقول الذابح والبائع ليس بتقليد أعمى في حكم ديني لهما، وإنما هو عمل بالأدلة الشرعية؛ لأنها دلت على أن ما في أسواق المسلمين من اللحوم والسلع محمول على الجواز والصحة، حتى يظهر ما يخالف ذلك.\nومما يدل على ذلك، ما صح عنه  -  ﷺ  -  من حديث عائشة ﵂ قالت: إن قومًا قالوا: يا رسول الله، إن قومًا يأتوننا باللحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا؟ فقال: سموا عليه أنتم وكلوا، قال: وكانوا حديثي عهد بالكفر.","vol":"7","page":564},{"text":"قال المجد في المنتقى بعد أن ساق الحديث: رواه البخاري والنسائي وابن ماجه، وهو دليل على أن التصرفات والأفعال تحمل على حال الصحة والسلامة إلى أن يقوم دليل الفساد. اهـ منه.\nوقد أجمع العلماء على هذا، فالعمل به عمل بالدليل الشرعي، لأن الله لو كلف الناس ألا يشتري أحد منهم شيئًا حتى يعلم حِلِّيَّته لوقعوا في حرج عظيم تتعطل به المعيشة ويختل به نظامها.\nفأجاز الله تعالى ذلك برفع الحرج، كما قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، فالاستدلال به على التقليد الأعمى فاسد؛ لأنه أخذ بالحجة والدليل، وليس من التقليد.\nوأما استدلالهم على التقليد بأن الله لو كلف الناس كلهم الاجتهاد، وأن يكونوا علماء، ضاعت مصالح العباد، وتعطلت الصنائع والمتاجر، وهذا مما لا سبيل إليه شرعا وقدرًا؛ فهو ظاهر السقوط أيضًا.\nومن أوضح الأدلة على سقوطه أن القرون الثلاثة المشهود لهم بالخير، لم يكن فيهم تقليد رجل واحد بعينه هذا التقليد الأعمى، ولم تتعطل متاجرهم ولا صنائعهم، ولم يرتكبوا ما يمنعه الشرع ولا القدر.\nبل كانوا كلهم لا يقدمون شيئًا على كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .\nوكان فيهم علماء مجتهدون يعملون بالكتاب والسنة ويفتون بهما.\nوكان فيهم قوم دون رتبتهم في العلم، يتعلمون من كتاب الله وسنة رسوله ما يحتاجون للعمل به في أنفسهم، وهم متبعون لا مقلدون.","vol":"7","page":565},{"text":"وفيهم طائفة أخرى، هي العوام لا قدرة لها على التعلُّم، وكانوا يستفتون فيما نزل بهم من النوازل من شاؤوا من العلماء، وتارةً يسألونه عن الدليل فيما أفتاهم به، وتارةً يكتفون بفتواه ولا يسألون، ولم يتقيدوا بنفس ذلك العالم الذي استفتوه، فإذا نزلت بهم نازلة أخرى، سألوا عنها غيره من العلماء إن شاؤوا.\nولا إشكال في هذا الذي مضت عليه الصحابة والتابعون وتابعوهم، ولا يلزمه تعطيل صنائع ولا متاجر، ولا يمنعه شرع ولا قدر.\nفكيف يستدل منصف للتقليد الأعمى، بأن الناس لو لم ترتكبه لوقعوا في المحذور المذكور؟\nوعلى كل حال، فكل عاقل لم يعمه التعصب، يعلم أن تقليد إمام واحد بعينه، بحيث لا يترك من أقواله شيء، ولا يؤخذ من أقوال غيره شيء، وجعل أقواله عيارًا لكتاب الله وسنة رسوله، فما وافق أقواله منهما جاز العمل به، وما خالفها منهما وجب اطراحه وترك العمل به، لا وجه له البتة.\nوهو مخالف لكتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  وإجماع الصحابة والتابعين وتابعيهم وإجماع الأئمة الأربعة.\nفالواجب على المسلمين تعلم كتاب الله وسنة رسوله، والعمل بما علموا منهما.\nوالواجب على العوام الذين لا قدرة لهم على التعلم سؤال أهل العلم، والعمل بما أفتوهم به.\nوسيأتي لهذا زيادة إيضاح وإقناع للمنصف في التنبيهات الآتية إن شاء الله تعالى.","vol":"7","page":566},{"text":"وقد بينا هنا بطلان جميع الحجج التي يحتج بها المقلدودن التقليد المذكور، وما لم نذكر من حججهم قد أوضحنا رده وإبطاله فيما ذكرنا.\nتنبيهات مهمة تتعلق بهذه المسألة:\nالتنبيه الأول\nاعلم أن المقلدين، اغتروا بقضيتين ظنوهما صادقتين، وهما بعيدتان من الصدق، وظنُّ صدقهما يدخل أوليًّا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيئًا﴾، وقوله  -  ﷺ  -: \"إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث\".\nأما الأولى منهما فهي: ظنهم أن الإِمام الذي قلدوه لا بد أن يكون قد اطلع على جميع معاني كتاب الله ولم يفته منها شيء، وعلى جميع سنة رسول الله  -  ﷺ  -  ولم يفته منها شيء.\nولذلك، فإن كل آية وكل حديث قد خالفا قوله فلا شك عندهم أن ذلك الإِمام اطلع على تلك الآية وعلم معناها، وعلى ذلك الحديث وعلم معناه، وأنه ما ترك العمل بهما إلا لأنه اطَّلع على ما هو أقوى منهما وأرجح.\nولذلك يجب تقديم ذلك الأرجح الذي تخيلوه على نص الوحي الموجود بين أيديهم.\nوهذا الظن كذب باطل بلا شك.\nوالأئمة كلهم معترفون بأنهم ما أحاطوا بجميع نصوص الوحي، كما سيأتي إيضاحه إن شاء الله.","vol":"7","page":567},{"text":"ومن أصرح ذلك أن الإِمام مالكًا ﵀، إمام دار الهجرة، المجمع على علمه وفضله وجلالته، لما أراد أبو جعفر المنصور أن يحمل الناس على العمل بما جمعه في موطئه لم يقبل ذلك من أبي جعفر ورده عليه، وأخبره أن أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  تفرقوا في أقطار الدنيا، كلهم عنده علم ليس عند الآخر.\nولم يجمع الحديث جمعًا تامًّا بحيث أمكن جمع جميع السنة إلا بعد الأئمة الأربعة.\nلأن أصحاب رسول الله  -  ﷺ  -  الذين تفرقوا في أقطار الدنيا، روي عنهم كثير من الأحاديث لم يكن عند غيرهم، ولم يتيسر الاطلاع عليه إلا بعد أزمان.\nوكثرة علم العالم لا تستلزم اطلاعه على جميع النصوص.\nفهذا عمر بن الخطاب ﵁، وهو عجز عن أن يفهم معنى الكلالة حتى مات ﵁، وقد سأل النبي  -  ﷺ  -  عنها كثيرًا، فبينها له ولم يفهم.\nفقد ثبت عنه ﵁ أنه قال: ما سألت رسول الله  -  ﷺ  -  عن شيء أكثر مما سألته عن الكلالة، حتى طعن بأصبعه في صدري، وقال: \"يكفيك آية الصيف في آخر سورة النساء\".\nفهذا من أوضح البيان؛ لأن مراد النبي  -  ﷺ  -  بآية الصيف ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالةِ﴾، والآية تبين معنى الكلالة بيانًا شافيًا؛ لأنها أوضحت أنها: ما دون الولد والوالد.\nفبينت نفي الولد بدلالة المطابقة في قوله تعالى: ﴿إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيسَ لَهُ وَلَدٌ﴾، وبينت نفي الوالد بدلالة الالتزام في قوله تعالى: ﴿وَلَهُ","vol":"7","page":568},{"text":"أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ﴾؛ لأن ميراث الأخت يستلزم نفي الولد.\nومع هذا البيان النبوي الواضح لهذه الآية الكريمة، فإن عمر ﵁ لم يفهم.\nوقد صح أن الكلالة لم تزل مشكلة عليه.\nوقد خفي معنى هذا أيضًا على أبي بكر الصديق ﵁، فقال في الكلالة: أقول فيها برأيي، فإن كان صوابًا فمن الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان، هو ما دون الولد والوالد.\nفوافق رأيه معنى الآية، والظاهر أنه لو كان فاهمًا للآية لكفته عن الرأي، كما قال النبي  -  ﷺ  -  لعمر ﵁: \"تكفيك آية الصيف\"، وهو تصريح منه  -  ﷺ  -  بأن في الآية كفاية عن كل ما سواها في الحكم المسؤول عنه.\nومما يوضح ذلك أن عمر طلب من النبي  -  ﷺ  -  بيان الآية، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز في حقه  -  ﷺ  -، فما أحال عمر على الآية إلا لأن فيها من البيان ما يشفي ويكفي.\nوقد خفي على أبي بكر الصديق ﵁ أن النبي  -  ﷺ  -  أعطى الجدة السدس، حتى أخبره المغيرة بن شعبة ومحمد بن مسلمة أن النبي  -  ﷺ  -  أعطاها السدس، فرجع إلى قولهما.\nولم يعلم ﵁ بأن النبي  -  ﷺ  -  قضى في دية الجنين بغرة عبد أو وليدة، حتى أخبره المذكوران قبل.\nولم يعلم عمر ﵁ بأن المرأة ترث من دية زوجها، حتى أخبره الضحاك بن سفيان أن النبي  -  ﷺ  -  كتب إليه: أن يورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها.","vol":"7","page":569},{"text":"ولم يعلم أيضًا بأخذ الجزية من المجوسي، حتى أخبره عبد الرحمن بن عوف بأن النبي  -  ﷺ  -  أخذ الجزية من مجوس هجر.\nولم يعلم بحكم الاستئذان ثلاثًا، حتى أخبره أبو موسى الأشعري وأبو سعيد الخدري ﵁.\nولم يعلم عثمان ﵁ بوجوب السكنى للمتوفى عنها، حتى أخبرته فريعة بنت مالك أن النبي  -  ﷺ  -  ألزمها بالسكنى في المحل الذي مات عنها زوجها فيه حتى تنقضي عدتها.\nوأمثال هذا أكثر من أن تحصر.\nفهؤلاء الخلفاء الراشدون وهم هم، خفي عليهم كثير من قضايا رسول الله  -  ﷺ  -  وأحاديثه، مع ملازمتهم له، وشدة حرصهم على الأخذ منه، فتعلموه ممن هو دونهم في الفضل والعلم.\nفما ظنك بغيرهم من الأئمة الذين نشؤوا وتعلموا بعد تفرق الصحابة في أقطار الدنيا؟ وروى عنهم الأحاديث عدول من الأقطار التي ذهبوا إليها؟\nوالحاصل أن ظن إحاطة الإِمام بجميع نصوص الشرع ومعانيها ظن لا يغني من الحق شيئًا، وليس بصحيح قطعًا.\nلأنه لا شك أنه يفوته بعض الأحاديث، فلم يطلع عليها، ويرويه بعض العدول عن الصحابة فيثبت عند غيره.\nوهو معذور في ترك العمل به، بعدم اطلاعه عليه مع أنه بذل المجهود في البحث، ولذا كان له أجر الاجتهاد والعذر في الخطأ.\nوقد يكون الإِمام اطلع على الحديث، ولكن السند الذي بلغه به ضعيف فيتركه لضعف السند.","vol":"7","page":570},{"text":"ويكون غيره اطلع على رواية أخرى صحيحة يثبت بها الحديث، فهو معذور في تركه؛ لأنه لم يطلع إلا على السند الضعيف ولم تبلغه الطريق الصحيحة الأخرى.\nوقد يترك الحديث لشيء يظنه أرجح منه، ويكون الواقع أن الحديث أرجح من ذلك الشيء الذي ظنه، لقيام أدلة أخرى على ذلك لم يطلع عليها.\nإلى أسباب أخر كثيرة لترك الأئمة للعمل ببعض النصوص.\nوبهذا كله تعلم أن ظن اطلاع الإِمام على كل شيء من أحكام الشرع وإصابته في معانيها كلها ظن باطل.\nوكل واحد من الأئمة يصرح ببطلان هذا الظن كما سترى إيضاحه إن شاء الله.\nفاللازم هو ما قاله الأئمة أنفسهم ﵏، من أنهم قد يخطئون، ونهوا عن اتباعهم في كل شيء يخالف نصًّا من كتاب أو سنة.\nفالمتبع لهم حقيقة، هو من لا يقدم على كتاب الله وسنة رسوله شيئًا.\nأما الذي يقدم أقوال الرجال على الكتاب وصحيح السنة، فهو مخالف لهم لا متبع لهم، ودعواه اتباعهم كذب محض.\nوأما القضية الثانية: فهي ظن المقلدين أن لهم مثل ما للإِمام من العذر في الخطأ.\nوإيضاحه: أنهم يظنون أن الإِمام لو أخطأ في بعض الأحكام وقلدوه في ذلك الخطأ يكون لهم من العذر في الخطأ والأجر مثل","vol":"7","page":571},{"text":"ما لذلك الإِمام الذي قلدوه؛ لأنهم متبعون له، فيجري عليهم ما جرى عليه.\nوهذا ظن كاذب باطل بلا شك؛ لأن الإِمام الذي قلدوه بذل جهده في تعلم كتابًا الله وسنة رسوله وأقوال أصحابه وفتاويهم.\nفقد شمر وما قصر فيما يلزم من تعلم الوحي والعمل به وطاعة الله على ضوء الوحي المنزل.\nومن كان هذا شأنه فهو جدير بالعذر في خطئه والأجر في اجتهاده.\nوأما مقلدوه، فقد تركوا النظر في كتاب الله وسنة رسوله، وأعرضوا عن تعلمهما إعراضًا كليًّا مع يسره وسهولته، ونزلوا أقوال الرجال الذين يخطئون ويصيبون منزلة الوحي المنزل من الله.\nفأين هؤلاء من الأئمة الذين قلدوهم؟!\nوهذا الفرق العظيم بينهم وبينهم، يدل دلالة واضحة على أنهم ليسوا مأجورين في الخطأ في تقليد أعمى؛ إذ لا اقتداء ولا أسوة في غير الحق.\nوليسوا معذورين؛ لأنهم تركوا ما يلزمهم تعلمه من أمر الله ونهيه على ضوء وحيه المنزل.\nوالذي يجب عليهم من تعلم ذلك، هو ما تدعوهم الحاجة للعمل به، كأحكام عباداتهم ومعاملاتهم، وأغلب ذلك تدل عليه نصوص واضحة، سهلة التناول من الكتاب والسنة.\nوالحاصل أن المعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، المفرط في تعلم دينه، مما أنزل الله وما سنه رسوله، المقدم كلام الناس على","vol":"7","page":572},{"text":"كتاب الله وسنة رسوله، لا يكون له البتة ما للإِمام الذي لم يُعرض عن كتاب الله وسنة رسوله، ولم يقدم عليهما شيئًا، ولم يفرط في تعلم الأمر والنهي من الكتاب والسنة.\nفأين هذا من هذا؟!\nسارت مشرقة وسرت مغربًا ... شتان بين مُشرِّق ومُغرِّب\nالتنبيه الثاني\nاعلم أن الأئمة الأربعة ﵏، متفقون على منع تقليدهم التقليد الأعمى الذي يتعصب له من يدعون أنهم أتباعهم.\nولو كانوا أتباعهم حقًّا لما خالفوهم في تقليدهم الذي منعوا منه ونهوا عنه.\nقال الإِمام أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه:\nأخبرنا عبد الله بن محمد بن عبد المؤمن، قال: حدثنا أبو عبد الله محمد بن أحمد القاضي المالكي، قال: حدثنا موسى بن إسحاق، قال: حدثنا إبراهيم بن المنذر، قال: حدثنا معن بن عيسى، قال: سمعت مالك بن أنس يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب، فانظروا في رأيي، فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به، وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nفمالك ﵀ مع علمه وجلالته وفضله، يعترف بالخطأ وينهى عن القول بما خالف الوحي من رأيه.\nفمن كان مالكيًّا فليمتثل قول مالك ولا يخالفه بلا مستند.\nوقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه أيضًا:\nأخبرني أحمد بن عبد الله بن محمد بن علي، حدثني أبي،","vol":"7","page":573},{"text":"حدثنا محمد بن عمر بن لبابة قال: حدثنا مالك بن علي القرشي، قال: أنبأنا عبد الله بن مسلمة القعنبي قال:\nدخلت على مالك، فوجدته باكيًا، فسلمت عليه، فرد علي ثم سكت عني يبكي، فقلت له:\nيا أبا عبد الله ما الذي يبكيك؟ فقال لي: يا ابن قعنب، إنا لله على ما فرط مني، ليتني جُلدت بكل كلمة تكلمت بها في هذا الأمر بسوط، ولم يكن فرط مني ما فرط من هذا الرأي، وهذه المسائل قد كانت لي سعة فيما سبقت إليه. اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nومن المعلوم بالضرورة أن مالكًا ﵀ لا يسره ولا يرضيه تقديم رأيه هذا الذي يسترجع ويبكي ندمًا عليه، ويتمنى لو ضرب بالسياط ولم يكن صدر منه، على كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  - .\nفليتق الله وليستحي من الله من يقدم مثل هذا الرأي على الكتاب والسنة زاعمًا أنه متبع مالكًا في ذلك، وهو مخالف فيه لمالك، ومخالف فيه لله ورسوله، ولأصحابه، ولكل من يعتد به من أهل العلم.\nوقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين:\nوقد نهى الأئمة الأربعة عن تقليدهم وذموا من أخذ أقوالهم بغير حجة.\nفقال الشافعي: مثل الذي يطلب العلم بلا حجة، كمثل حاطب ليل يحمل حزمة حطب وفيه أفعى تلدغه وهو لا يدري. ذكره البيهقي.\nوقال إسماعيل بن عيسى المزني في أول مختصره: اختصرت","vol":"7","page":574},{"text":"هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله؛ لأقربه على من أراده، مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه، ويحتاط فيه لنفسه.\nإلى أن قال:\nوقال أحمد بن حنبل: لا تقلدني، ولا تقلد مالكًا، ولا الثوري، ولا الأوزاعي، وخذ من حيث أخذوا.\nوقال: من قلة فقه الرجل أن يقلد دينه الرجال.\nوقال بشر بن الوليد: قال أبو يوسف: لا يحل لأحد أن يقول مقالتنا حتى يعلم من أين قلنا.\nوقد صرح مالك بأن من ترك قول عمر بن الخطاب لقول\nإبراهيم النخعي أنه يستتاب، فكيف بمن ترك قول الله ورسوله لقول من هو دون إبراهيم أو مثله. اهـ محل الغرض منه.\nومما لا شك فيه أن الأئمة الأربعة ﵏ نهوا عن تقليدهم في كل ما خالف كتابًا أو سنة، كما نقله عنهم أصحابهم.\nكما هو مقرر في كتب الحنفية عن أبي حنيفة، وكتب الشافعية عن الشافعي القائل: إذا صح الحديث فهو مذهبي، وكتب المالكية، والحنابلة، عن مالك وأحمد ﵏ جميعًا.\nوكذلك كان غيرهم من أفاضل العلماء يمنعون من تقليدهم فيما لم يوافق الكتاب والسنة، وقد يتحفظون منه ولا يرضون.\nقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه:\nوذكر محمد بن حارث في أخبار سحنون بن سعيد عن","vol":"7","page":575},{"text":"سحنون، قال: كان مالك بن أنس وعبد العزيز بن أبي سلمة ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، فكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما، وإذا سأله محمد بن إبراهيم بن دينار وذووه لم يجبهما.\nفقال له: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما، وأسألك أنا وذوي ملا تجيبنا؟\nفقال: أوقع ذلك يا ابن أخي في قلبك؟\nقال: نعم.\nفقال له: إني قد كبرت سني ورقَّ عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان، إذا سمعا مني حقًّا قبلاه، وإذا سمعا خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه.\nقال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل، والعقل الراجح، لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن. اهـ منه.\nالتنبيه الثالث\nاعلم أن المقلدين للأئمة هذا التقليد الأعمى قد دل كتاب الله وسنة رسوله، وإجماع من يعتد به من أهل العلم، أنه لا يجوز لأحد منهم أن يقول: هذا حلال وهذا حرام.\nلأن الحلال ما أحله الله على لسان رسوله - ﷺ - في كتابه أو سنة رسوله، والحرام ما حرمه الله على لسان رسوله - ﷺ - في كتابه أو سنة رسوله.","vol":"7","page":576},{"text":"ولا يجوز البتة للمقلد أن يزيد على قوله: هذا الحكم قاله الإِمام الذي قلدته أو أفتى به.\nأما دلالة القرآن على منع ذلك، فقد قال تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (١١٦)﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا﴾ الآية.\nومعلوم أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب، كما بيناه مرارًا، وأوضحنا أدلته من السنة الصحيحة.\nومما يوضح هذا أن المقلد الذي يقول: هذا حلال وهذا حرام، من غير علم بأن الله حرمه على لسان رسوله  -  ﷺ  -، يقول: على الله بغير علم قطعا.\nفهو داخل بلا شك في عموم قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾.\nفدخوله في قوله: ﴿وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٣)﴾ كما ترى.\nوهو داخل أيضًا في عموم قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)﴾.\nوأما السنة، فقد قال مسلم بن الحجاج في صحيحه:\nحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا وكيع بن الجراح، عن سفيان، ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، أخبرنا يحيى بن آدم، حدثنا","vol":"7","page":577},{"text":"سفيان قال: أملاه علينا إملاء، ح وحدثني عبد الله بن هاشم واللفظ له، حدثني عبد الرحمن يعني ابن مهدي، حدثنا سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة عن أبيه قال:\nكان رسول الله  -  ﷺ  -  إذا أمر أميرًا على جيش أو سرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرًا، ثم قال:\n\"اغزوا باسم الله، في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله\" الحديث.\nوفيه: \"وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله، ولكن أنزلهم على حكمك؛ فإنك لا تدري، أتصيب حكم الله فيهم أم لا\".\nهذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوفيه النهي الصريح من النبي  -  ﷺ  -  عن نسبة حكم إلى الله، حتى يعلم بأن هذا حكم الله الذي شرعه على لسان رسوله  -  ﷺ  - .\nولأجل هذا كان أهل العلم لا يتجرؤون على القول بالتحريم والتحليل إلا بنص من كتاب الله أو سنة رسوله  -  ﷺ  - .\nقال أبو عمر بن عبد البر ﵀ في جامعه:\nحدثنا عبد الوارث بن سفيان، قال: حدثنا قاسم بن أصبغ، قال: حدثنا ابن وضاح، قال: حدثنا يوسف بن عدي، قال: حدثنا عبيدة بن حميد، عن عطاء بن السائب قال: قال الربيع بن خثيم: إياكم أن يقول: الرجل في شيء: إن الله حرم هذا أو نهى عنه، فيقول: الله: كذبت، لم أحرمه ولم أنه عنه.\nقال: أو يقول: إن الله أحل هذا وأمر به، فيقول: كذبت، لم أحله ولم آمر به.","vol":"7","page":578},{"text":"وذكر ابن وهب وعتيق بن يعقوب أنهما سمعا مالك بن أنس يقول: لم يكن من أمر الناس ولا من مضى من سلفنا ولا أدركت أحدًا أقتدي به يقول في شيء: هذا حلال وهذا حرام.\nما كانوا يجترئون على ذلك، وإنما كانوا يقولون: نكره هذا، ونرى هذا حسنًا، ونتقي هذا، ولا نرى هذا.\nوزاد عتيق بن يعقوب: ولا يقولون حلال ولا حرام.\nأما سمعت قول الله ﷿: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، الحلال ما أحله الله ورسوله، والحرام ما حرمه الله ورسوله.\nقال أبو عمر: معنى قول مالك هذا: أن ما أخذ من العلم رأيًا واستحسانًا لم يقل فيه حلال ولا حرام، والله أعلم. اهـ محل الغرض منه.\nوقال أبو عبد الله القرطبي ﵀ في تفسيره، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ﴾ الآية، ما نصه:\nأسند الدارمي أبو محمد في مسنده: أخبرنا هارون، عن حفص، عن الأعمش قال: ما سمعت إبراهيم قط يقول: حلال، ولا حرام، ولكن كان يقول: كانوا يكرهون وكانوا يستحبون.\nوقال ابن وهب: قال مالك: لم يكن من فتيا الناس أن يقولوا هذا حلال وهذا حرام. ولكن يقولون: إياكم وكذا وكذا، ولم أكن لأصنع هذا.\nومعنى هذا أن التحليل والتحريم إنما هو لله ﷿، وليس","vol":"7","page":579},{"text":"لأحد أن يقول أو يصرح بهذا في عين من الأعيان، إلا أن يكون البارئ تعالى مخبرًا بذلك عنه.\nوما يؤدي إليه الاجتهاد في أنه حرام يقول: إني أكره كذا.\nوكذلك كان مالك يفعل اقتداء بمن تقدم من أهل الفتوى. اهـ محل الغرض منه.\nوإذا كان مالك وإبراهيم النخعي وغيرهما من أكابر أهل العلم لا يتجرؤون أن يقولوا في شيء من مسائل الاجتهاد والرأي: هذا حلال أو حرام. فما ظنك بغيرهم من المقلدين الذين لم يستضيئوا بشيء من نور الوحي؟\nفتجرؤهم على التحريم والتحليل بلا مستند من الكتاب، إنما نشأ لهم من الجهل بكتاب الله وسنة رسوله، وآثار السلف الصالح.\nوآية يونس المتقدمة صريحة فيما ذكرنا صراحة تغني عن كل ما سواها؛ لأنه تعالى لما قال: ﴿فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا﴾، أتبع ذلك بقوله: ﴿قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ (٥٩)﴾، ولم يجعل واسطة بين إذنه في ذلك وبين الافتراء عليه.\nفمن كان عنده إذن من الله بتحريم هذا أو تحليله فليعتمد على إذن الله في ذلك.\nومن لم يكن عنده إذن من الله في ذلك فليحذر من الافتراء على الله، إذ لا واسطة بين الأمرين.\nومعلوم أن العبرة بعموم لفظ الآية لا بخصوص سببها، فالذين يقولون من الجهلة المقلدين: هذا حلال وهذا حرام، وهذا حكم الله، ظنًّا منهم أن أقوال الإِمام الذي قلدوه تقوم مقام الكتاب والسنة وتغني","vol":"7","page":580},{"text":"عنهما، وأن ترك الكتاب والسنة والاكتفاء بأقوال من قلدوه أسلم لدينهم، أعمتهم ظلمات الجهل المتراكمة عن الحقائق، حتى صاروا يقولون هذا.\nفهم كما ترى، مع أن الإِمام الذي قلدوه ما كان يتجرأ على مثل الذين تجرؤوا عليه؛ لأن علمه يمنعه من ذلك.\nوالله جل وعلا يقول: ﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ (٩)﴾.\nالتنبيه الرابع\nاعلم أن مما لا بد منه معرفة الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن محل الاتباع لا يجوز التقليد فيه بحال.\nوإيضاح ذلك: أن كل حكم ظهر دليله من كتاب الله، أو سنة رسوله  -  ﷺ  -، أو إجماع المسلمين، لا يجوز فيه التقليد بحال.\nلأن كل اجتهاد يخالف النص، فهو اجتهاد باطل، ولا تقليد إلا في محل الاجتهاد. لأن نصوص الكتاب والسنة، حاكمة على كل المجتهدين،\nفليس لأحد منهم مخالفتها كائنًا من كان.\nولا يجوز التقليد فيما خالف كتابًا أو سنة أو إجماعًا، إذ لا أسوة في غير الحق.\nفليس فيما دلت عليه النصوص إلا الاتباع فقط، ولا اجتهاد ولا تقليد فيما دلت عليه نص، من كتاب أو سنة، سالم من المعارض.\nوالفرق بين التقليد والاتباع أمر معروف عند أهل العلم، لا يكاد ينازع في صحة معناه أحد من أهل العلم.","vol":"7","page":581},{"text":"وقد قدمنا كلام ابن خويز منداد الذي نقله عنه ابن عبد البر في جامعه.\nوهو قوله: التقليد معناه في الشرع الرجوع إلى قول لا حجة لقائله عليه، وذلك ممنوع منه في الشريعة، والاتباع ما ثبت عليه حجة.\nوقال في موضع آخر من كتابه:\nكل من اتبعت قوله من غير أن يجب عليك قوله لدليل يوجب ذلك فأنت مقلده، والتقليد في دين الله غير صحيح.\nوكل من أوجب عليك الدليل اتباع قوله فأنت متبعه، والاتباع في الدين مسوغ والتقليد ممنوع. اهـ.\nوقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين:\nوقد فرق الإِمام أحمد ﵀ بين التقليد والاتباع.\nفقال أبو داود:\nسمعته يقول: الاتباع أن يتبع الرجل ما جاء عن النبي  -  ﷺ  -  وعن أصحابه، ثم هو من بعد في التابعين مخير. انتهى محل الغرض منه.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أما كون العمل بالوحي اتباعًا لا تقليدًا فهو أمر قطعي.\nوالآيات الدالة على تسميته اتباعًا كثيرة جدًّا:\nكقوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ الآية.","vol":"7","page":582},{"text":"وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٢٠٣)﴾.\nوقوله: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (١٥٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيكَ مِنْ رَبِّكَ لَا إِلَهَ إلا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ (١٠٦)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا كُنْتُ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إلا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إلا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٩)﴾.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nفالعمل بالوحي هو الاتباع، كما دلت عليه الآيات.\nومن المعلوم الذي لا شك فيه، أن اتباع الوحي المأمور به في الآيات لا يصح اجتهاد يخالفه بوجهٍ من الوجوه، ولا يجوز التقليد في شيء يخالفه.\nفاتضح من هذا الفرق بين الاتباع والتقليد، وأن مواضع الاتباع ليست محلا أصلًا للاجتهاد ولا للتقليد.\nفنصوص الوحي الصحيحة، الواضحة الدلالة السالمة من المعارض، لا اجتهاد ولا تقليد معها البتة.\nلأن اتباعها والإِذعان لها فرض على كل أحد كائنًا من كان كما لا يخفى.","vol":"7","page":583},{"text":"وبهذا تعلم أن شروط المجتهد التي يشترطها الأصوليون إنما تشترط في الاجتهاد.\nوموضع الاتباع ليس محل اجتهاد.\nفجعل شروط المجتهد في المتبع، مع تباين الاجتهاد والاتباع وتباين مواضعهما، خلط وخبط، كما ترى.\nوالتحقيق أن اتباع الوحي لا يشترط فيه إلا علمه بما يعمل به من ذلك الوحي الذي يتبعه.\nوأنه يصح علم حديث والعمل به، وعلم آية والعمل بها، ولا يتوقف ذلك على تحصيل جميع شروط الاجتهاد.\nفيلزم المكلف أن يتعلم ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة، ويعمل بكل ما علم من ذلك، كما كان عليه أول هذه الأمة، من القرون المشهود لها بالخير.\nالتنبيه الخامس\nاعلم أنه لا يخفى علينا أن المقلدين التقليد الأعمى المذكور، يقولون: هذا الذي تدعوننا إليه وتأمروننا به من العمل بالكتاب والسنة، وتقديمهما على آراء الرجال، من التكليف بما لا يطاق، لأنا لا قدرة لنا على معرفة الكتاب والسنة حتى نعمل بهما، ولا يمكننا معرفة شيء من الشرع إلا عن طريق الإِمام الذي نقلده، لأنا لم نتعلم نحن ولا آباؤنا شيئًا غير ذلك.\nفإذا لم نقلد إمامنا بقينا في حيرة، لا نعلم شيئًا من أحكام عباداتنا ولا معاملاتنا، وتعطلت بيننا الأحكام، إذ لا نعرف قضاء","vol":"7","page":584},{"text":"ولا فتوى ولا غير ذلك من الأحكام إلا عن طريق مذهب إمامنا؛ لأن أحكامه مدونة عندنا، وهي التي نتعلمها ونتدارسها دون غيرها من الكتاب أو السنة وأقوال الصحابة ومذاهب الأئمة الآخرين.\nونحن نقول: والله لقد ضيقتم واسعًا، وادعيتم العجز وعدم القدرة في أمر سهل.\nولا شك أن الأحوال الراهنة للمقلدين التقليد الأعمى للمذاهب المدونة، تقتضي صعوبة شديدة جدًّا في طريق التحول من التقليد الأعمى إلى الاستضاءة بنور الوحي.\nوذلك إنما نشأ من شدة التفريط في تعلم الكتاب والسنة، والإِعراض عنهما إعراضًا كليًّا يتوارثه الأبناء عن الآباء عن الأجداد.\nفالداء المستحكم من مئات السنين لا بد لعلاجه من زمن طويل.\nونحن لا نقول: إن الجاهل بالكتاب والسنة يعمل بهما باجتهاده، بل نعوذ بالله من أن نقول ذلك.\nولكنا نقول: إن الكتاب والسنة يجب تعلمهما، ولا يجوز الإِعراض عنهما، وأن كل ما علمه المكلف منهما علمًا صحيحًا ناشئًا عن تعلم صحيح وجب عليه العمل به.\nفالبلية العظمى إنما نشأت من توارث الإِعراض عنهما إعراضًا كليًّا اكتفاء عنهما بغيرهما.\nوهذا من أعظم المنكر وأشنع الباطل.\nفالذي ندعو إليه هو المبادرة بالرجوع إليهما بتعلمهما أولًا، ثم العمل بهما، والتوبة إلى الله من الإِعراض عنهما.","vol":"7","page":585},{"text":"ودعوى أن تعلمهما غير مقدور عليه، لا يشك في بطلانها عاقل، ونعيذ أنفسنا وإخواننا بالله أن يدعوا على أنفسهم أن على قلوبهم أكنة، وفي آذانهم وقرًا يمنعهم من فهم كتاب الله؛ لأن ذلك قول الكفار لا قول المسلمين، قال الله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَينِنَا وَبَينِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥)﴾.\nفاحذر يا أخي وارحم نفسك أن تقول مثل قول هؤلاء الكفرة، وأنت تسمع ربك يقول: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾، ويقول: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٥٨)﴾، ويقول: ﴿كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ (٢٩)﴾.\nفلا تخرج نفسك من عموم أولي الألباب الذين هم أصحاب العقول؛ لأنك إن فعلت ذلك اعترفت على نفسك أنك لست من جملة العقلاء.\nوعلى كل حال فلا يخلو المقلدون، التقليد الأعمى، من أحد أمرين:\nأحدهما: ألا يلتفتوا إلى نصح ناصح، بل يستمرون على تقليدهم الأعمى، والإِعراض عن نور الوحي عمدًا، وتقديم رأي الرجال عليه.\nوهذا القسم منهم لا نعلم له عذرًا في كتاب الله ولا سنة رسوله، ولا في قول أحد من الصحابة، ولا أحد من القرون المشهود لهم بالخير.","vol":"7","page":586},{"text":"لأن حقيقة ما هم عليه، هو الإِعراض عما أنزل الله عمدًا، مع سهولة تعلم القدر المحتاج إليه منه، والاستغناء عنه بأقوال الأئمة.\nومن كان هذا شأنه وهو تام العقل والفهم قادر على التعلم فعدم عذره كما ترى.\nالأمر الثاني: هو أن يندم المقلدون على ما كانوا عليه من التفريط في تعلم الوحي، والإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، ويبادروا إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة، ويشرعوا في ذلك بجد، تائبين مما كانوا عليه من التفريط قبل ذلك، وهذا القسم على هدى من الله، وهو الذي ندعو إخواننا إليه.\nالتنبيه السادس\nلا خلاف بين أهل العلم، في أن الضرورة لها أحوال خاصة تستوجب أحكامًا غير أحكام الاختيار.\nفكل مسلم ألجأته الضرورة إلى شيء إلجاء صحيحًا حقيقيًّا، فهو في سعة من أمره فيه.\nوقد استثنى الله جل وعلا حالة الاضطرار في خمس آيات من كتابه، ذكر فيها المحرمات الأربع التي هي من أغلظ المحرمات تحريمًا، وهي الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلّ لغير الله به.\nفإن الله تعالى كلما ذكر تحريمها استثنى منها حالة الضرورة، فأخرجها من حكم التحريم.\nقال تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ","vol":"7","page":587},{"text":"أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤٥)﴾.\nوقال في الأنعام أيضًا: ﴿وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيكُمْ إلا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيهِ﴾.\nوقال تعالى في النحل: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١١٥)﴾.\nوقال تعالى في البقرة: ﴿إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيكُمُ الْمَيتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٧٣)﴾.\nوقال تعالى في المائدة: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيرِ اللَّهِ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٣)﴾.\nوبهذا تعلم أن المضطر للتقليد الأعمى اضطرارًا حقيقيًّا، بحيث يكون لا قدرة له البتة على غيره، مع عدم التفريط، لكونه لا قدرة له أصلًا على الفهم، أو له قدرة على الفهم وقد عاقته عوائق قاهرة عن التعلم، أو هو في أثناء التعلم ولكنه يتعلم تدريجًا؛ لأنه لا يقدر على تعلم كل ما يحتاجه في وقت واحد، أولم يجد كفؤًا يتعلم منه، ونحو ذلك؛ فهو معذور في التقليد المذكور، للضرورة، لأنه لا مندوحة له عنه.\nأما القادر على التعلم المفرط فيه، والمقدم آراء الرجال على ما علم من الوحي، فهذا الذي ليس بمعذور.","vol":"7","page":588},{"text":"التنبيه السابع\nاعلم أن موقفنا من الأئمة ﵏، من الأربعة وغيرهم، هو موقف سائر المسلمين المنصفين منهم.\nوهو موالاتهم، ومحبتهم، وتعظيمهم، وإجلالهم، والثناء عليهم، بما هم عليه من العلم والتقوى، واتباعهم في العمل بالكتاب والسنة وتقديمهما على رأيهم، وتعلم أقوالهم للاستعانة بها على الحق، وترك ما خالف الكتاب والسنة منها.\nوأما المسائل التي لا نص فيها فالصواب النظر في اجتهادهم فيها.\nوقد يكون اتباع اجتهادهم أصوب من اجتهادنا لأنفسنا؛ لأنهم أكثر علمًا وتقوى منا.\nولكن علينا أن ننظر ونحتاط لأنفسنا في أقرب الأقوال إلى رضي الله وأحوطها وأبعدها من الاشتباه، كما قال  -  ﷺ  -: \"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك\"، وقال: \"فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه\".\nوحقيقة القول الفصل في الأئمة ﵏ أنهم من خيار علماء المسلمين، وأنهم ليسوا معصومين من الخطأ، فكل ما أصابوا فيه فلهم فيه أجر الاجتهاد وأجر الإِصابة، وما أخطأوا فيه فهم مأجورين فيه باجتهادهم، معذورون في خطئهم، فهم مأجورون على كل حال، لا يلحقهم ذم ولا عيب ولا نقص في ذلك.\nولكن كتاب الله وسنة نبيه  -  ﷺ  -  حاكمان عليهم وعلى أقوالهم كما لا يخفى.","vol":"7","page":589},{"text":"فلا تغل في شيء من الأمر واقتصد ... كلا طرفي قصد الأمور ذميم\nفلا تك ممن يذمهم وينتقصهم، ولا ممن يعتقد أقوالهم مغنية عن كتاب الله وسنة رسوله أو مقدمة عليهما.\nالتنبيه الثامن\nاعلم أن كلًّا من الأئمة أخذت عليه مسائل، قال بعض العلماء: إنه خالف فيها السنة.\nوسنذكر طرفًا من ذلك هنا إن شاء الله.\nأما الإِمام أبو حنيفة ﵀ فهو أكثر الأئمة في ذلك؛ لأنه أكثرهم رأيًا.\nولكثرة المسائل التي حصل فيها القيل والقال من ذلك لا نحتاج إلى بسط تفصيلها.\nوبعض المسائل التي قيل فيها ذلك يظهر أنه لم تبلغه السنة فيها، وبعضها قد بلغته السنة فيها، ولكنه تركها لشيء آخر ظنه أرجح منها، كتركه العمل بحديث القضاء بالشاهد واليمين في الأموال، وحديث \"تغريب الزاني البكر\"؛ لأنه ترك العمل بذلك ونحوه احترامًا للنصوص القرآنية في ظنه.\nلأنه يعتقد أن الزيادة على النص نسخ، وأن القضاء بالشاهد واليمين نسخ لقوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَينِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾.\nفاحترمَ النص القرآني المتواتر، فلم يرض نسخه بخبر آحاد سنده دون سنده؛ لأن نسخ المتواتر بالآحاد عنده، رفع للأقوى بالأضعف، وذلك لا يصح.","vol":"7","page":590},{"text":"كذلك حديث تغريب الزاني البكر، فهو عنده زيادة ناسخة لقوله تعالى: ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ﴾، والمتواتر لا ينسخ بالآحاد.\nفتركه العمل بهذا النوع من الأحاديث بناه على مقدمتين:\nإحداهما: أن الزيادة على النص نسخ.\nوالثانية: أن المتواتر لا ينسخ بالآحاد.\nوخالفه في المقدمة الأولى جمهور العلماء.\nووافقوه في الثانية.\nوالذي يظهر لنا ونعتقده اعتقادًا جازمًا أن كلتا المقدمتين ليست بصحيحة.\nأما الزيادة فيجب فيها التفصيل، فإن كانت أثبتت حكمًا نفاه النص أو نفت حكمًا أثبته النص فهي نسخ.\nوإن كانت لم تتعرض للنص بنفي ولا إثبات، بل زادت شيئًا سكت عنه النص، فلا يمكن أن تكون نسخًا؛ لأنها إنما رفعت الإِباحة العقلية التي هي البراءة الأصلية، ورفعها ليس نسخًا إجماعًا.\nوأما نسخ المتواتر بالآحاد، فالتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا مانع منه ولا محذور فيه، ولا وجه لمنعه البتة، وإن خالف في ذلك جمهور أهل الأصول.\nلأن أخبار الآحاد الصحيحة الثابت تأخرها عن المتواتر لا وجه لردها، ولا تعارض البتة بينها وبين المتواتر، إذ لا تناقض بين خبرين اختلف زمنهما، لجواز صدق كل منهما في وقته.","vol":"7","page":591},{"text":"فلو أخبرك مثلًا عدد يستحيل تواطؤهم على الكذب، بأن أخاك الغائب لم يزل غائبًا ولم يأت منزله، لأنهم كانوا بمنزله وليس بموجود، ثم أخبرك بعد ذلك رجل واحد بأن أخاك موجود في منزله الآن. فهل يسوغ لك أن تقول له: كذبت؛ لأني أخبرني عدد كثير قبلك أنه لم يأت؟\nولو قلت له ذلك، لقال لك: هم في وقت إخبارهم لك صادقون، ولكن أخاك جاء بعد ذلك.\nفالمتواتر في وقت نزوله صادق، وخبر الآحاد الوارد بعده صادق أيضًا، لأنه أفاد تجدد شيء لم يكن.\nفحصر المحرمات مثلًا في الأربع المذكورة في قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً﴾ الآية، صادق ذلك الوقت، لا يوجد محرم على طاعم يطعمه إلا تلك المحرمات الأربع.\nفلا تحرم في ذلك الوقت الحمر الأهلية ولا ذو الناب من السباع ولا الخمر ولا غير ذلك.\nفإذا جاء بعدُ خبر آحاد صحيح أن النبي  -  ﷺ  -  حرم لحوم الحمر\nالأهلية بخيبر، فهل يسوغ لقائل أن يقول: هذا الخبر الصحيح مردود، لأنه يعارض حصر المحرمات في الأربع المذكورة في آية: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ الآية؟\nولو قال ذلك لقيل له:\nهذا الخبر الصحيح لا تناقضه الآية، لأنه أفاد حكمًا جديدًا طارئًا لم يكن مشروعًا من قبل، وأحكام الشريعة تتجدد شيئًا فشيئًا.","vol":"7","page":592},{"text":"والآية لم تدل على استمرار الحصر المذكور فيها، فتبين أن زيادة حكم طارئ لا تناقض بينها وبين ما كان قبلها.\nوإيضاح هذا أن نسخ المتواتر بالآحاد إنما رفع استمرار حكم المتواتر، ودلالة المتواتر على استمرار حكمه ليست قطعية حتى يمنع نسخها بأخبار الآحاد الصحيحة.\nوقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الأنعام.\nوقصدنا مطلق المثال لما يقال: إن الإِمام أبا حنيفة ﵀ خالف فيه السنة برأيه، وغرضنا أن نبين أنه ﵀ لم يخالف شيئًا من ذلك، إلا لشيء اعتقده مسوغًا لذلك، وأنه لا يترك السنة إلا لشيء يراه مستوجبًا لذلك شرعًا.\nومما يبين ذلك أنه كان يقدم ضعيف الحديث على الرأي.\nقال ابن القيم ﵀ في إعلام الموقعين ما نصه:\nوأصحاب أبي حنيفة ﵀ مجمعون على أن مذهب أبي حنيفة أن ضعيف الحديث عنده أولى من القياس والرأي، وعلى ذلك بنى مذهبه.\nكما قدم حديث القهقهة مع ضعفه على القياس والرأي.\nوقدم حديث الوضوء بنبيذ التمر في السفر مع ضعفه على الرأي والقياس.\nومنع قطع يد السارق لسرقة أقل من عشرة دراهم، والحديث فيه ضعيف.\nوجعل أكثر الحيض عشرة أيام، والحديث فيه ضعيف.","vol":"7","page":593},{"text":"وشرط في إقامة الجمعة المِصْر، والحديث فيه كذلك.\nوترك القياس المحض في مسائل الآبار لآثار فيها غير مرفوعة.\nفتقديم الحديث الضعيف وآثار الصحابة قوله، وقول الإِمام أحمد.\nوليس المراد بالحديث الضعيف في اصطلاح السلف هو الضعيف في اصطلاح المتأخرين، بل ما يسميه المتأخرون حسنًا قد يسميه المتقدمون ضعيفًا. اهـ محل الغرض منه.\nومن أمثلة ما ذكر أن أبا حنيفة ﵀ خالف فيها السنة: لزوم الطمأنينة في الصلاة، وتعين تكبيرة الإِحرام في الدخول فيها، والسلام للخروج منها، وقراءة الفاتحة فيها، والنية في الوضوء والغسل، إلى غير ذلك من مسائل كثيرة.\nولا يتسع المقام هنا لذكر ما استدل به أبو حنيفة لذلك، ومناقشة الأدلة. بل المقصود بيان أن الأئمة لا يخلو أحد منهم من أن يؤخذ عليه شيء خالف فيه سنة، وأنهم لم يخالفوها إلا لشيء سوغ لهم ذلك.\nوعند المناقشة الدقيقة قد يظهر أن الحق قد يكون معهم، وقد يكون الأمر بخلاف ذلك.\nوعلى كل حال فهم مؤجورون ومعذورون كما تقدم إيضاحه.\nوقد أخذ بعض العلماء على مالك ﵀ أشياء، قال: إنه خالف فيها السنة.\nقال أبو عمر بن البر ﵀ في جامعه: وقد ذكر يحيى بن سلام قال: سمعت عبد الله بن غانم في مجلس إبراهيم بن الأغلب","vol":"7","page":594},{"text":"يحدث عن الليث بن سعد أنه قال: أحصيت على مالك بن أنس سبعين مسألة كلها مخالفة لسنة النبي  -  ﷺ  -، مما قال مالك فيها برأيه، قال: ولقد كتبت إليه في ذلك. انتهى محل الغرض منه.\nومعلوم أن مثل كلام الليث هذا عن مالك لا أثر له؛ لأنه لم يعين المسائل المذكورة ولا أدلتها.\nفيجوز أن يكون الصواب فيها مع مالك، لأدلة خفيت على الليث، فليس خفاؤها على مالك بأولى من خفائها على الليث.\nولا شك أن مذهب مالك المدون، فيه فروع تخالف بعض نصوص الوحي، والظاهر أن بعضها لم يبلغه ﵀، ولو بلغه لعمل به، وأن بعضها بلغه وترك العمل به لشيء آخر يعتقده دليلًا أقوى منه.\nومن أمثلة ما لم يبلغه النص فيه: صيام ست من شوال بعد صوم رمضان.\nقال ﵀ في الموطأ ما نصه: إني لم أر أحدًا من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وأن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء، لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم، ورأوهم يعملون ذلك. اهـ منه بلفظه.\nوفيه تصريح مالك ﵀ بأنه لم يبلغه صيام ستة من شوال عن أحد من السلف، وهو صريح في أنه لم يبلغه عن النبي  -  ﷺ  - .\nولا شك أنه لو بلغه الترغيب فيه عن النبي  -  ﷺ  -  لكان يصومها ويأمر بصومها، فضلًا عن أن يقول بكراهتها.","vol":"7","page":595},{"text":"وهو لا يشك أن النبي  -  ﷺ  -  أرأف وأرحم بالأمة منه؛ لأن الله وصفه  -  ﷺ  -  في القرآن بأنه رؤوف رحيم.\nفلو كان صوم الستة يلزمه المحذور الذي كرهها مالك من أجله، لما رغب فيها النبي  -  ﷺ  -، ولراعى المحذور الذي راعاه مالك.\nولكنه  -  ﷺ  -  ألغى المحذور المذكور وأهدره، لعلمه بأن شهر رمضان أشهر من أن يلتبس بشيء من شوال.\nكما أن النوافل المرغب فيها قبل الصلوات المكتوبة وبعدها لم يكرهها أحد من أهل العلم خشية أن يلحقها الجهلة بالمكتوبات؛ لشهرة المكتوبات الخمس وعدم التباسها بغيرها.\nوعلى كل حال، فإنه ليس لإِمام من الأئمة أن يقول: هذا الأمر الذي شرعه رسول الله  -  ﷺ  -  مكروه، لخشية أن يظنه الجهال من جنس الواجب.\nوصيام الستة المذكورة، وترغيب النبي  -  ﷺ  -  ثابت عنه.\nقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد وعلي بن حجر جميعًا، عن إسماعيل، قال ابن أيوب: حدثنا إسماعيل بن جعفر، أخبرني سعد بن سعيد بن قيس، عن عمر بن ثابت بن الحارث الخزرجي، عن أبي أيوب الأنصاري ﵁ أنه حدثه أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: \"من صام رمضان ثم أتبعه ستًّا من شوال كان كصيام الدهر\". انتهى منه بلفظه.\nوفيه التصريح من النبي  -  ﷺ  -  بالترغيب في صوم الستة المذكورة، فالقول بكراهتها من غير مستند من أدلة الوحي خشية","vol":"7","page":596},{"text":"إلحاق الجهال لها برمضان، لا يليق بجلالة مالك وعلمه وورعه، لكن الحديث لم يبلغه، كما هو صريح كلامه نفسه ﵀ في قوله: لم يبلغني ذلك عن أحد من السلف. ولو بلغه الحديث لعمل به؛ لأنه ﵀ من أكثر الناس اتباعا لرسول الله  -  ﷺ  -، وأحرصهم على العمل بسنته.\nوالحديث المذكور رواه أحمد وأصحاب السنن إلا النسائي، وصوم الستة المذكورة رواه أيضًا عن النبي  -  ﷺ  -  جماعة من أصحابه، منهم ثوبان وجابر وابن عباس وأبو هريرة والبراء بن عازب، كما بينه صاحب نيل الأوطار.\nوعلى كل حال، فالحديث صحيح، ويكفي في ذلك إسناد مسلم المذكور، ولا عبرة بكلام من تكلم في سعد بن سعيد، لتوثيق بعض أهل العلم له واعتماد مسلم عليه في صحيحه.\nومن أمثلة ما لم تبلغ مالكًا ﵀ فيه السنة عن رسول الله  -  ﷺ  -: إفراد صوم يوم الجمعة، فقد قال ﵀ في الموطأ ما نصه: لم أسمع أحدا من أهل العلم والفقه، ومن يقتدى به، ينهى عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه. انتهى منه بلفظه.\nوفيه تصريحه ﵀ بأنه لم يسمع أحدًا من أهل العلم ينهى عن صوم الجمعة، وأن ذلك حسن عنده، وأنه رأى بعض أهل العلم يتحرى يوم الجمعة ليصومه.\nوهذا تصريح منه ﵀ بأنه لم يبلغه نهي النبي  -  ﷺ  -  عن صوم يوم الجمعة وحده، وأمره من صامه أن يصوم معه يوما غيره، وإلا أفطر إن ابتدأ صيامه ناويا إفراده.","vol":"7","page":597},{"text":"ولو بلغته السنة في ذلك عن رسول الله  -  ﷺ  -  لعمل بها وترك العمل بغيرها؛ لأن النهي عن صوم يوم الجمعة وحده ثابت عن رسول الله  -  ﷺ  -\nقال البخاري ﵀ في صحيحه:\nحدثنا أبو عاصم، عن ابن جريج، عن عبد الحميد بن جبير بن شيبة، عن محمد بن عباد، قال: سألت جابرًا ﵁، أنهى النبي  -  ﷺ  -  عن صوم الجمعة؟ قال: نعم.\nزاد غير أبي عاصم: يعني أن ينفرد بصومه.\nحدثنا عمر بن حفص بن غياث، حدثنا أبي، حدثنا الأعمش، حدثنا أبو صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله  -  ﷺ  -  يقول: \"لا يصومنَّ أحدكم يوم الجمعة إلا يومًا قبله أو بعد\".\nحدثنا مسدد، حدثنا يحيى، عن شعبة (ح) وحدثني محمد، حدثنا غندر، حدثنا شعبة، عن قتادة، عن أبي أيوب، عن جويرية بنت الحارث ﵂ أن النبي  -  ﷺ  -  دخل عليها يوم الجمعة وهي صائمة فقال: أصمت أمس؟ قالت: لا، قال: تريدين أن تصومي غدًا؟ قالت: لا. قال: فأفطري.\nوقال حماد بن الجعد: سمع قتادة، حدثني أبو أيوب، أن جويرية حدثته فأمرها، فأفطرت. انتهى من صحيح البخاري بلفظه.\nوقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه:\nحدثنا عمرو الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، عن عبد الحميد بن جبير، عن محمد بن عباد بن جعفر: سألت جابر بن عبد الله رضي الله","vol":"7","page":598},{"text":"عنهما وهو يطوف بالبيت: أنهى رسول الله  -  ﷺ  -  عن صيام يوم الجمعة؟ فقال: نعم، ورب هذا البيت.\nوقال مسلم أيضًا: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص وأبو معاوية، عن الأعمش (ح) وحدثنا يحيى بن يحيى واللفظ له، أخبرنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله  -  ﷺ  -: \"لا يصم أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم قبله أو يصوم بعده\".\nوفي لفظ في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة: أن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"لا تختصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا تخصوا يوم الجمعة بصيام من بين الأيام، إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم\" هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nولا شك أن هذه الأحاديث لو بلغت مالكًا ما خالفها، فهو معذور في كونها لم تبلغه.\nوقال النووي في شرح مسلم: وأما قول مالك في الموطأ: لم أسمع أحدًا من أهل العلم والفقه ومن به يقتدى نهى عن صيام يوم الجمعة وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه كان يتحراه.\nفهذا الذي قاله هو الذي رآه، وقد رأى غيره خلاف ما رأى هو، والسنة مقدمة على ما رآه هو وغيره، وقد ثبت النهي عن صوم يوم الجمعة، فيتعين القول به، ومالك معذور، فإنه لم يبلغه.\nقال الداودي من أصحاب مالك: لم يبلغ مالكًا هذا الحديث، ولو بلغه لم يخالفه. انتهى منه.","vol":"7","page":599},{"text":"وهذا هو الحق الذي لا شك فيه؛ لأن مالكًا من أورع العلماء وأكثر الناس اتباعا لسنة رسول الله  -  ﷺ  -، فلا يدعها وهو عالم بها.\nوقوله في هذا الحديث: إلا أن يكون في صوم يصومه أحدكم. أي كأن ينذر أحد صوم اليوم الذي يشفي الله فيه مريضه، فوافق ذلك يوم الجمعة؛ لأن صومه له لأجل النذر، الذي لم يقصد بأصله تعيين يوم الجمعة.\nوإنما النهي فيمن قصد بصومه نفس يوم الجمعة دون غيره.\nوالغرض عندنا إنما هو المثال لبعض الأحكام التي لم تبلغ مالكًا فيها السنة عن رسول الله  -  ﷺ  -  ولو بلغته لعمل بها.\nومعلوم أن هنالك بعضًا من النصوص ترك مالك العمل به مع أنه بلغه؛ لأنه يعتقد أن ما ترك النص من أجله أرجح من النص.\nوهذا يحتاج فيه إلى مناقشات دقيقة بين الأدلة، فقد يكون الحق في ذلك مع هذا الإِمام تارة ومع غيره أخرى.\nفقد ترك مالك العمل بحديث خيار المجلس مع أنه حديث متفق عليه، وقد بلغ مالكًا.\nوقد حلف عبد الحميد الصائغ من المالكية بالمشي إلى مكة على أنه لا يفتي بثلاث قالها مالك.\nومراده بالثلاث المذكورة: عدم القول بخيار المجلس هذا مع صحة الحديث فيه، وجنسية القمح والشعير مع صحة الأحاديث الدالة على أنهما جنسان، والتدمية البيضاء.\nولا شك أن مالكًا بلغه حديث خيار المجلس هذا.","vol":"7","page":600},{"text":"فقد روى في الموطأ عن نافع عن عبد الله بن عمر أن رسول الله  -  ﷺ  -  قال: المتبايعان كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا، إلا بيع الخيار).\nقال مالك: وليس لهذا عندنا حد معروف، ولا أمر معمول به فيه. انتهى منه بلفظه.\nمع أن مالكًا لم يعمل بهذا الحديث الصحيح، وأشار في الموطأ إلى بعض الأسباب التي منعته من العمل به في قوله: وليس لهذا عندنا حد معروف ولا أمر معمول به فيه؛ لأن خيار المجلس لم يحدد بحد معروف، فصار القول به مانعًا من انعقاد البيع إلى حد غير معروف.\nوقد يكون المتعاقدان في سفينة في البحر لا يمكنهم التفرق بالأبدان، وقد يكونان مسجونين في محل لا يمكنهما التفرق فيه.\nوقد حمل مالك التفرق المذكور في الحديث على التفرق في الكلام، وصيغة العقد، قال:\nوقد أطلق التفرق على التفرق في الكلام دون الأبدان في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾، فالتفرق في الآية إنما هو بالتكلم بصيغة الطلاق لا بالأبدان.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إلا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ (٤)﴾ فالتفرق في الآية تفرق بالكلام والاعتقاد، فلا يشترط أن يكون بالأبدان.\nوحجج من احتج لمالك في عدم أخذه بحديث خيار المجلس هذا كثيرة معروفة.","vol":"7","page":601},{"text":"منها ما هو في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾، وقوله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وقوله: ﴿إلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾.\nومنها ما هو بغير ذلك.\nوليس غرضنا هنا بسط الحجج ومناقشتها، وإنما غرضنا المثال لأن الإِمام قد يترك نصًّا بلغه لاعتقاده أن ما ترك من أجله النص أرجح من نفس النص، وأنه يجب على المسلم مراعاة المخرج والنجاة لنفسه، فينظر في الأدلة، ويعمل بأقواها وأقربها إلى رضي الله.\nكما حلف عبد الحميد الصائغ بالمشي إلى مكة، لا يفتي بقول مالك في هذا، مع أنه عالم مالكي؛ لأنه رأى الأدلة واضحة وضوحًا لا ليس فيه في أن المراد بالتفرق التفرق بالأبدان.\nوقد صرح بذلك جماعة من الصحابة، منهم ابن عمر راوي الحديث، ولم يعلم لهم مخالف من الصحابة.\nولا شك أن المنصف إذا تأمل تأملًا صادقًا خاليًا من التعصب، عرف أن الحق هو ثبوت خيار المجلس، وأن المراد بالتفرق التفرق في الأبدان لا بالكلام؛ لأن معنى التفرق بالكلام هو حصول الإِيجاب من البائع والقبول من المشتري.\nوكل عاقل يعلم أن الخيار حاصل لكل من البائع والمشتري ضرورة قبل حصول الإِيجاب والقبول، فحمل كلام النبي  -  ﷺ  -  على هذا، حمل له على تحصيل حاصل، وهو كما ترى.\nمع أن حمل الكلام على هذا المعنى يستلزم أن المراد بالمتبايعين في الحديث المتساومان؛ لأنه لا يصدق عليهما اسم المتبايعين حقيقة إلا بعد حصول الإِيجاب والقبول.","vol":"7","page":602},{"text":"وحمل المتبايعين في كلام النبي  -  ﷺ  -  على المتساومين اللذين لم ينعقد بينهما بيع، خلاف الظاهر أيضًا كما ترى.\nوأما كون القمح والشعير جنسًا واحدًا، فقد استدل له مالك ببعض الآثار التي ليس فيها شيء مرفوع إلى النبي  -  ﷺ  - .\nقال في الموطأ: إنه بلغه أن سليمان بن يسار قال: فَنِيَ علف حمار سعد بن أبي وقاص، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله. اهـ منه بلفظه.\nوفي الموطأ أيضًا عن نافع عن سليمان بن يسار أنه أخبره أن عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث فني علف دابته، فقال لغلامه: خذ من حنطة أهلك فابتع بها شعيرًا، ولا تأخذ إلا مثله. اهـ منه بلفظه.\nوفي الموطأ أيضًا: أن مالكًا بلغه عن القاسم بن محمد بن معيقيب الدوسي مثل ذلك. قال مالك: وهو الأمر عندنا. اهـ منه بلفظه.\nفهذه الآثار هي عمدة مالك ﵀ في كون القمح والشعير جنسًا واحدًا، وعضد ذلك بتقارب منفعتهما.\nوالتحقيق الذي لا شك فيه أن القمح والشعير جنسان، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة عن النبي  -  ﷺ  -، ولا تصح معارضتها البتة بمثل هذه الآثار المروية عمن ذكر.\nوقد روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي  -  ﷺ  -  قال: \"التمر بالتمر، والحنطة بالحنطة، والشعير بالشعير، والملح بالملح، مثلًا بمثل، يدًا بيد، فمن زاد أو استزاد فقد أربى إلا ما اختلفت ألوانه\" انتهى منه بلفظه.","vol":"7","page":603},{"text":"وهو صريح بأن القمح والشعير جنسان مختلفان، كاختلافهما مع التمر والملح، وأن التفاضل جائز مع اختلاف الجنس إن كان يدًا بيد.\nوروى مسلم في صحيحه والإِمام أحمد عن عبادة بن الصامت عن النبي  -  ﷺ  -  أنه قال: \"الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر، والملح بالملح، مثلًا بمثل، سواءً بسواء، يدًا بيد\". اهـ منه بلفظه.\nوللنسائي وابن ماجه وأبي داود نحوه، وفي آخره: وأمرنا أن نبيع البر بالشعير والشعير بالبر، يدًا بيد، كيف شئنا.\nقال المجد في المنتقى لما ساق هذا الحديث ما نصه: وهو صريح في كون البر والشعير جنسين. وما قاله صحيح كما ترى.\nوالأحاديث بمثل هذا كثيرة، وقد قدمنا طرفًا منها في سورة البقرة، والمقصود هنا بيان صراحة الأحاديث الثابتة عن النبي  -  ﷺ  -  في أن القمح والشعير جنسان لا جنس واحد، وأنها لا يجوز ترك العمل بها مع صحتها ووضوحها، ولا أن يقدم عليها أثر موقوف على سعد بن أبي وقاص، ولا أثر موقوف على عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، ولا أثر موقوف على ابن معيقيب.\nواعلم أنه لا يصح الاستدلال لكون القمح والشعير جنسًا واحدًا بحديث معمر بن عبد الله الثابت في صحيح مسلم وغيره، قال: كنت أسمع النبي  -  ﷺ  -  يقول: \"الطعام بالطعام مثلًا بمثل\" الحديث.\nوذلك لأمرين: أحدهما: أن معمر المذكور قال في آخر الحديث: وكان طعامهم يومئذٍ الشعير. فقد عين أن عرفهم المقارن للخطاب يخصص الطعام المذكور بالشعير.","vol":"7","page":604},{"text":"والمقرر في أصول مالك: أن العرف المقارن للخطاب من المخصصات المنفصلة التي يخصص بها العام. قال في مراقي السعود في ذلك:\nوالعرف حيث قارن الخطابا ... ودع ضمير البعض والأسبابا\nالأمر الثاني: أن الاستدلال بالحديث المذكور على فرض اعتبار عمومه، وعدم تخصيصه بالعرف المذكور، يقتضي أن الطعام كله جنس واحد، فيدخل التمر والملح، لصدق الطعام عليهما، وهذا لا قائل به كما ترى.\nفالظاهر أن الإمام مالكًا ﵀ ومن وافقه من أهل العلم، لم تبلغهم هذه الأحاديث الصحيحة المصرحة بأن القمح والشعير والتمر والملح أجناس، وأن القمح يباع بالشعير كيف شاء المتبايعان إن كان يدًا بيد.\nوأما التدمية البيضاء فقول مالك فيها يظهر لنا قوته واتجاهه، وإن خالف في ذلك بعض أصحابه وأكثر أهل العلم.\nوقد بين وجه قول مالك فيها ابن عبد البر وابن العربي وغيرهما.\nوالمسائل التي قال بعض أهل العلم إن مالكًا خالف فيها السنة معروفة، منها ما ذكرنا، ومنها مسألة سجود الشكر، وسجدات التلاوة في المفصل، وعدم الجهر بآمين، وعدم رفع اليدين عند الركوع والرفع منه، وعدم قول الإمام: ربنا ولك الحمد، وعدم ضفر رأس المرأة الميتة ثلاث ضفائر، وترك السجدة الثانية في الحج، وغير ذلك من المسائل.","vol":"7","page":605},{"text":"وقد قدمنا أن بعض ما ترك مالك من النصوص قد بلغته فيه السنة ولكنه رأى غيرها أرجح منها، وأن بعضها لم يبلغه، وأن الحق قد يكون معه في بعض المسائل التي أخذت عليه، وقد يكون مع غيره، كما قال مالك نفسه ﵀: كل كلام فيه مقبول ومردود، إلا كلام صاحب هذا القبر.\nوهو تارة يقدم دليل القرآن المطلق أو العام على السنة التي هي أخبار آحاد، لأن القرآن أقوى سندًا وإن كانت السنة أظهر دلالة، ولأجل هذا لم يبح ميتة الجراد بدون ذكاة؛ لأنه يقدم عموم ﴿حُرِّمَتْ عَلَيكُمُ الْمَيتَةُ﴾ الآية على حديث \"أحلت لنا ميتتان ودمان\" الحديث.\nوقدم عموم قوله تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ الآية على الأحاديث الواردة بالجهر بآمين\" لأن التأمين دعاء، والدعاء مأمور بإخفائه في الآية المذكورة، فالآية أقوى سندًا، وأحاديث الجهر بالتأمين أظهر دلالة في محل النزاع. ومن المعلوم أن أكثر أهل العلم يقدمون السنة في نحو هذا.\nوقد قدم مالك ﵀ دليل القرآن فيما ذكرنا، كما قدمه أيضًا في الثانية من سجدتي الحج؛ لأن نص الآية الكريمة فيها كالصريح في أن المراد سجود الصلاة؛ لأن الله يقول فيها: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ﴾.\nفذكر الركوع مع السجود يدل على أن المراد سجود الصلاة، والأمر بالصلاة في القرآن لا يستلزم سجود التلاوة، كقوله: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ (٢)﴾، ولذلك لا يسجد عند قوله تعالى في آخر الحجر: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾، قالوا: لأن معنى قوله:","vol":"7","page":606},{"text":"﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ أي صل لربك متلبسًا بحمده، وكن من الساجدين له في صلاتك.\nولا شك أن قوله تعالى في ثانية الحج: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا﴾ الآية، أصرح في إرادة سجود الصلاة من قوله تعالى: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾.\nثم بعد هذا كله فإننا نكرر أن الأئمة ﵏ لا يلحقهم نقص ولا عيب فيما أخذ عليهم؛ لأنهم ﵏ بذلوا وسعهم في تعلم ما جاء عن الله على لسان رسوله  -  ﷺ  -، ثم اجتهدوا بحسب طاقتهم، فالمصيب منهم له أجر اجتهاده وإصابته، والمخطئ منهم مأجور في اجتهاده معذور في خطئه، ولا يسعنا هنا مناقشة الأدلة فيما أخذ عليهم ﵏، وإنما قصدنا مع الاعتراف بعظم منزلتهم أن نبين أن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -  يجب تقديمهما على أقوالهم، لأنهم غير معصومين من الخطأ، وأن مذاهبهم المدونة لا يصح ولا يجوز الاستغناء بها عن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، وأن على كل مسلم قادر على التعليم أن يتعلم الكتاب والسنة، ومعرفةُ مذاهب الأئمة تُعِينُه على ذلك، والنظرُ فيما استدل به كل منهم يعينه على معرفة أرجح الأقوال وأقربها إلى رضى الله.\nوكذلك الشافعي وأحمد رحمهما الله، فإن كل واحد منهما لا يخلو من شيء قد أخذ عليه، ومرادنا هنا التمثيل لذلك، وأن الوحي مقدم على أقوالهم جميعًا، وليس قصدنا الإِكثار من ذلك.\nوهذه (^١) أمثلة بالمطلوب، وكان الشيخ ﵀ أرجأ إيرادها،\n_________\n(^١) من هنا إلى آخر المبحث من إضافات مُتمم الكتاب.","vol":"7","page":607},{"text":"فنذكرها على ما هو ظاهر من المذهبين، ونرجو أن تكون موافقة لما أراد، وبالله التوفيق.\nفمما هو في مذهب أحمد ﵀: صوم يوم الشك، وهو يوم الثلاثين من شعبان حينما يشك فيه هل هو تمام شعبان أو أول رمضان، وذلك حينما تكون السماء مغيمة، خشية أن يظهر الهلال خلف الغيم أو القتر.\nولا يكون يوم شك إذا كانت السماء صحوًا؛ لأنه إذا رؤي الهلال فهو من رمضان وإلا فهو من شعبان.\nفمذهب أحمد هو صوم هذا اليوم المشكوك فيه احتياطًا لرمضان، وهو نص المُغني إلا أنه ذكر عن أحمد روايات أخر. ولكن صومه هو المقدم في المذهب. ولكنه مخالف لصريح النص في قوله  -  ﷺ  -  في ذلك: \"من صام اليوم الذي يشك فيه فقد عصى أبا القاسم  -  ﷺ  - \".\nقال في بلوغ المرام: ذكره البخاري تعليقًا ووصله. قال في سبل السلام: واعلم أن يوم الشك هو يوم الثلاثين من شعبان إذا لم ير الهلال في ليلة بغيم ساتر، أو نحوه، فيجوز كونه من رمضان وكونه من شعبان.\nوالحديث وما في معناه يدل على تحريم صومه. اهـ. يعني بما في معناه قوله  -  ﷺ  -  \"صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين\". متفق، عليه، ولمسلم: \"فإن غم عليكم فاقدروا له ثلاثين\"، وللبخاري: \"فأكملوا العدة ثلاثين\".\nوشبهة أحمد في قوله  -  ﷺ  -: \"فاقدروا له\" بمعنى \"فضيقوا","vol":"7","page":608},{"text":"عليه\"، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾، ولكن هذا معارض للنص الصريح في معنى \"فاقدروا له ثلاثين\"، وقوله: \"فأكملوا العدة ثلاثين\"، أي سواء في شعبان أو في تمام رمضان عند الفطر.\nولم يقل بصومه من الأئمة إلا أحمد ﵀.\nومما هو عند الشافعي: قوله بنقض الوضوء من مجرد لمس المرأة الأجنبية بدون حائل، مع ما جاء عنه  -  ﷺ  -  في حديث عائشة ﵂: \"كنت أنام معترضة في القبلة ورسول الله  -  ﷺ  -  قائم يصلي فإذا سجد غمزني في رجالي فأقبضها فإذا قام مددتها\".\nوقد أجابوا عن ذلك باحتمال سترها بحائل، فجاء قولها: \"افتقدت رسول الله  -  ﷺ  -  ذات ليلة، فقمت أطلبه والحجرات ليس فيه آنذاك السرج، حتى وقعت كفي على بطن قدمه وهو ساجد يقول: سبوح قدوس رب الملائكة والروح، فقلت: والله إنك لفي واد وأنا في واد.\nفلما قام للركعة الثانية ظنته ذهب عند بعض نسائه فاغتسل ثم جاء يصلي عندها، فقامت وأدخلت يدها في شعر رأسه تتحسس هل اغتسل أم لا .. إلخ.\nولهم أجوبة على كل ذلك ولكنها لا تنهض مع هذه النصوص الصريحة.\nوشبهة الشافعي في ذلك في معنى: (لامستم النساء) من قوله تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ الآية.","vol":"7","page":609},{"text":"ولم يقل بنقض الوضوء به من الأئمة إلا الشافعي ﵀.\nومما ينبغي التنبيه عليه في هذا المقام أنه لا يتأتى من أحد أئمة المسلمين أن يخالف نصًّا صريحًا من كتاب أو سنة، بدون أن تكون لديه شبهة معارضة بنص آخر، أو عدم بلوغ النص إليه، أو عدم صحته عنده، أو غير ذلك مما هو معروف في هذا المقام.\nوإنما أوردنا هذين المثالين تتمة للبحث ولمجرد المثال.\nالتنبيه التاسع\nاعلم أن كل من يرى أنه لا بد له من تقليد الإمام في كل شيء، بدعوى أنه لا يقدر على الاستدلال بكتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة ولا التابعين، ولا أحد غير ذلك الإمام، يجب عليه أن يتنبه تنبهًا تامًّا للفرق بين أقوال ذلك الإمام التي قالها حقًّا، وبين ما ألحق بعده على قواعد مذهبه، وما زاده المتأخرون وقتًا بعد وقت من أنواع الاستحسان التي لا أساس لها في كتاب الله ولا في سنة رسول  -  ﷺ  - .\nولو علم الإمام بإلحاقهم بمذهبه، لتبرأ منها، وأنكر على ملحقها، فنسبة جميع ذلك للإِمام من الباطل الواضح.\nويزيده بطلانًا نسبته إلى الله ورسوله، بدعوى أنه شرع ذلك على لسان رسوله، ونحو هذا كثير في المختصرات في المذاهب وكتب المتأخرين منهم.\nومن أمثلته في مذهب مالك: قول خليل المالكي في مختصره الذي قال فيه مبينًا لما به الفتوى: كأقل الطهر، يعني أن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.","vol":"7","page":610},{"text":"والذين يعتنقون مذهب مالك يعتقدون أن مالكًا يقول بأن أقل الطهر بين الحيضتين خمسة عشر يومًا.\nوهذا لم يقله مالك أبدًا ولم يفت به ولم يروه عنه أحد من أصحابه.\nوالذي كان يقوله مالك: إن أقل الطهر ثمانية أيام أو عشرة أيام.\nوهو الذي نقله عنه أجلاء أهل مذهبه كأبي محمد بن أبي زيد في رسالته ﵀.\nوالقول بأن أقل الطهر خمسة عشر هو قول ابن مسلمة، واعتمده صاحب التلقين، وجعله ابن شاس المشهور أي مشهور مذهب مالك، مع أن مالكًا لم يقله ولم يعلم به، وأمثال هذا كثيرة جدًّا في مذهب مالك وغيره.\nومثال استحسان المتأخرين ما لم يقله الإمام مما لا شك أنه لو بلغ الإمام لم يقبله: قول الحطاب في شرحه لقول خليل في مختصره في الصوم: \"وعاشوراء وتاسوعاء\" ما نصه: قال الشيخ زروق في شرح القرطبية: صيام المولد كرهه بعض من قرب عصره ممن صلح علمه وورعه، قال: إنه من أعياد المسلمين فينبغي ألا يصام فيه، وكان شيخنا أبو عبد الله القوري يذكر ذلك كثيرًا ويستحسنه. انتهى.\nقلت: لعله يعني ابن عباد، فقد قال في رسائله الكبرى ما نصه: وأما المولد فالذي يظهر لي أنه عيد من أعياد المسلمين وموسم من مواسمهم، وكل ما يفعل فيه مما يقتضيه وجود الفرح","vol":"7","page":611},{"text":"والسرور بذلك المولد المبارك من إيقاد الشمع وإمتاع البصر والسمع والتزين بلبس فاخر الثياب وركوب فاره الدواب، أمر مباح لا ينكر على أحد، قياسًا على غيره من أوقات الفرح.\nوالحكم بكون هذه الأشياء بدعة في هذا الوقت الذي ظهر فيه سر الوجود، وارتفع فيه علم الشهود، وانقشع فيه ظلام الكفر والجحود، وادعاء أن هذا الزمان ليس من المواسم المشروعة لأهل الإِيمان، ومقارنة ذلك بالنيروز والمهرجان، أمر مستثقل تشمئز منه القلوب السليمة وتدفعه الآراء المستقيمة.\nولقد كنت فيما خلا من الزمان خرجت في يوم مولد إلى ساحل البحر، فاتفق أن وجدت هناك سيدي الحاج بن عاشر ﵀ وجماعة من أصحابه، وقد أخرج بعضهم طعامًا مختلفًا ليأكلوا هنالك، فلما قدموه لذلك أرادوا مني مشاركتهم في الأكل، وكنت إذ ذاك صائمًا فقلت لهم: إني صائم، نظر إليَّ سيدي الحاج نظرة منكرة، وقال لي ما معناه: إن هذا اليوم يوم فرح وسرور يستقبح في مثله الصيام، بمنزلة العيد. فتأملت كلامه فوجدته حقًّا، وكأنني كنت نائما فأيقظني. انتهى بلفظه.\nفهذا الكلام الذي يقتضي قبح صوم يوم المولد وجعله كيوم العيد، من غير استناد إلى كتاب الله ولا سنة رسوله  -  ﷺ  -، ولا قول أحد من أصحابه ولا من تابعيه، ولم يقل به أحد من الأئمة الأربعة، ولا من فقهاء الأمصار المعروفين، الذي أدخله بعض المتأخرين في مذهب مالك، ومالك بريء منه براءة الشمس من اللمس، ولم يجر على أصول مذهبه؛ لأن علة تحريم صوم يوم العيد والفطر عنده أن الله تعالى يكلف عباده في كل سنة عبادتين عظيمتين، والأمر بهما","vol":"7","page":612},{"text":"عام لكل من يستطيعهما، وإحداهما تجب في العمرة مرة واحدة وهي الحج، والثانية تجب كل سنة في شهر رمضان منها، وهي الصوم، فإذا انتهت عبادة الحج أو عبادة الصوم ألزم الله الناس كلهم أن يكونوا في ضيافته يوم النحر ويوم عيد الفطر.\nفمن صام في أحد اليومين أعرض عن ضيافة الله، والإِعراض عن ضيافته تعالى لا يجوز.\nفإلحاق يوم المولد بيوم العيد إلحاقٌ لا أساس له؛ لأنه إلحاق ليس بجامع بينهما ولا نفي فارق، ولا إلحاق البتة إلا بجامع أو نفي فارق.\nوكل من لم يطمس الله بصيرته يعلم أن الحق الذي لا شك فيه هو اتباع النبي  -  ﷺ  -  وأصحابه.\nومعلوم أن جعل يوم المولد كيوم العيد في منع الصوم لم يقله رسول الله  -  ﷺ  -  ولا أصحابه ولا أحد من الأئمة الأربعة.\nفهو تشريع لاستقباح قربة الصوم ومنعها في يوم المولد، من غير استناد إلى وحي ولا قياس صحيح ولا قول أحد ممن يقتدى به.\nومما لا نزاع فيه أن النبي  -  ﷺ  -  أرسله الله رحمةً للعالمين، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إلا رَحْمَةً لِلْعَالمِينَ (١٠٧)﴾، ورسالته  -  ﷺ  -  هي أعظم نعمة على الخلق، كما بينه علماء التفسير في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا﴾ الآية، والخير كل الخير في اتباعه صلوات الله وسلامه عليه، والشر كل الشر في تشريع ما لم يشرعه والتقول عليه بما لم يقله.\nفالمقلدون لمالك مثل هذا التقليد الأعمى يعتقدون أن هذا","vol":"7","page":613},{"text":"الكلام الذي ذكره الحطاب عن زروق وابن عباد وابن عاشر، أنه هو مذهب مالك وأنه من شرع الله ودينه، وأنه ما دام من مذهب مالك فاللازم تقديمه على الكتاب والسنة؛ لأنهما لا يجوز العمل بهما إلا للمجتهد المطلق.\nوهذا مثال من بلايا التقليد الأعمى وعظائمه.\nولا يخفى أن ادعاء أن وجود نعم الله كمولد النبي  -  ﷺ  -  يدل على استقباح طاعة الله بالصوم في أوقات وجود تلك النعم، ظاهر الفساد؛ لأن المناسب لنعم الله هو طاعته بأنواع الطاعات كالصوم.\nولذا تجد الناس ينذرون لله صوم اليوم الذي ينعم الله عليهم فيه بشفاء المريض أو إتيان الغائب، وهذا أمر معروف، وهو المعقول لا عكسه.\nومما يوضح هذا أن إنزال القرآن العظيم هو أعظم نعمة على البشر.\nولأجل ذلك علمهم الله حمده تعالى على هذه النعمة العظمى في أول سورة الكهف في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ الآية.\nوقد بين تعالى أنه أنزل هذه النعمة في شهر رمضان، فكان نزول هذه النعمة في شهر رمضان مقتضيًا لصومه، لا لجعل أيامه أعيادًا يستقبح صومها؛ لأن الله تعالى قال: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.\nوهذا هو أعظم النعم، وقد رتب على هذا بالفاء قوله بعده: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ الآية، فافهم.","vol":"7","page":614},{"text":"والمقصود بهذا المثال النصيحة للذين لم يقدروا على غير هذا التقليد الأعمى، ليبحثوا في كتب المذهب وأمهاته عن أقوال الإمام وكبار أصحابه، ليفرقوا بينها وبين أنواع الاستحسان التي لا مستند لها، التي يدخلها المتأخرون وقتا بعد وقت، وهي ظاهرة الفساد عند من رزقه الله علمًا بكتاب الله وسنة رسوله.\nومما لا شك فيه أن أقوال مالك وكبراء أصحابه مثلًا، أحرى بالصواب في الجملة من استحسان ابن عباد وابن عاشر وأمثالهما.\nالتنبيه العاشر\nاعلم أن الدعوى التي اتفق عليها متأخرو الأصوليين التي تتضمن حكمهم على خالق السماوات والأرض جل وعلا، لا يجوز لمسلم يريد الحق والإِنصاف أن يعتقدها، ولا أن يصدقهم فيها، لظهور عدم صحتها ومخالفتها للنص، والحكم فيها على الله بلا مستند، وهو جل وعلا الذي يحكم لا معقب لحكمه، وهو سريع الحساب.\nوهذه الدعوى المذكورة هي المتركبة مما يأتي، وهو أن الاجتهاد قد انقرض في الدنيا وانسد بابه، وأن الله تعالى محكوم عليه بأن لا يخلق مجتهدًا، ولا يعلم أحدا من خلقه علمًا يمكن أن يكون له مجتهدا إلى ظهور المهدي المنتظر، وأنه لا يجوز لأحد أن يعمل لكتاب ولا سنة ولا أن يقلد أحدًا كائنًا من كان غير الأئمة الأربعة أصحاب المذاهب المدونة.\nكما نص على هذه الدعوى حاكيًا إجماعهم عليها صاحب مراقي السعود في قوله:\nوالمجمع اليوم عليه الأربعة ... وقفو غيرها الجميع منعه","vol":"7","page":615},{"text":"حتى يجيء الفاطمي المجدد ... دين الهدى لأنه مجتهد\nومراده بالفاطمي المهدي المنتظر؛ لأنه شريف.\nوقوله: حتى يجيء، حرف غاية، والمغيَّا به: منع تقليد أجد غير الأربعة المذكور في قوله: وقفو غيرها الجميع منعه.\nوهذا صريح في أنهم حاكمون على الله القدير العليم، بأنه لا يخلق مجتهدًا قبل وجود المهدي المنتظر، وهذا الذي قاله صاحب مراقي السعود هو المقرر في كتب المتأخرين من الأصوليين من أهل المذاهب المدونة.\nوهذا الحكم على الله الذي كل يوم هو في شأن بأنه لا يخلق مجتهدًا قبل المهدي من مدة انقراض الاجتهاد المزعوم، هو يا أخي كما ترى.\nولا شك أنك إن لم يعمك التعصب المذهبي تقطع أنه لا مستند له، وهذا الذي ذكره صاحب مراقي السعود قد صرح بما يناقضه في قوله قبله:\nوالأرض لا عن قائم مجتهد ... تخلو إلى تزلزل القواعد\nوهذا النقيض الأخير هو الصحيح الموافق للحق.\nلأن النبي  -  ﷺ  -  قد ثبت عنه في الصحيحين وغيرهما أنه قال: \"لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق لا يضرهم من خذلهم حتى يأتي أمر الله\" الحديث. وهو حديث مشهور متفق عليه لا نزاع في صحته.\nولا شك في أن هذه الطائفة التي صرح النبي  -  ﷺ  -  بأنها لا تزال ظاهرة على الحق حتى يأتي أمر الله أنها طائفة على كتاب الله، وسنة","vol":"7","page":616},{"text":"رسوله، وليست البتة من المقلدين التقليد الأعمى.\nلأن الحق هو ما جاء به محمد  -  ﷺ  -  من الكتاب والسنة، كما قال تعالى في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، وقال في الأنعام: ﴿وَكَذَّبَ بِهِ قَوْمُكَ وَهُوَ الْحَقُّ﴾، وقال في النمل: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾، وقال في يونس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة.\nفدعوى أن الأرض لم يبق فيها مجتهد البتة، وأن ذلك مستمر إلى ظهور المهدي المنتظر، مناقضة لهذا الحديث الثابت ثبوتًا لا مطعن فيه عن النبي  -  ﷺ  - .\nومما لا نزاع فيه أن كل ما يناقض الحق فهو ضلال؛ لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إلا الضَّلَالُ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٣٢)﴾. والعلم عند الله تعالى.\nالتنبيه الحادي عشر\nاعلم يا أخي أن هذا الإِعراض عن كتاب الله وسنة رسوله  -  ﷺ  -، واعتقاد الاستغناء عنهما بالمذاهب المدونة الذي عم جُلَّ مَنْ في المعمورة من المسلمين، من أعظم الماسي والمصائب والدواهي التي دهت المسلمين من مدة قرون عديدة.\nولا شك أن النتائج الوخيمة الناشئة عن الإِعراض عن الكتاب والسنة من جملتها ما عليه المسلمون في واقعهم الآن من تحكيم القوانين الوضعية المنافي لأصل الإِسلام.\nلأن الكفار إنما اجتاحوهم بفصلهم عن دينهم، بالغزو الفكري، عن طريق الثقافة وإدخال الشبه والشكوك في دين الإِسلام.","vol":"7","page":617},{"text":"ولو كان المسلمون يتعلمون كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ - ويعملون بما فيهما لكان ذلك حصنًا منيعًا لهم من تأثير الغزو الفكري في عقائدهم ودينهم.\nولكن لما تركوا الوحي ونبذوه وراء ظهورهم واستبدلوا به أقوال الرجال، لم تقم لهم أقوال الرجال ومذاهب الأئمة ﵏ مقام كلام الله والاعتصام بالقرآن، وكلام النبي - ﷺ - والتحصن بسنته.\nولذلك وجد الغزو الفكري طريقًا إلى قلوب الناشئة من المسلمين.\nولو كان سلاحهم المضاد هو القرآن والسنة، لم يجد إليهم سبيلا.\nولا شك أن كل منصف يعلم أن كلام الناس، ولو بلغوا ما بلغوا من العلم والفضل، لا يمكن أن يقوم مقام كلام الله وكلام رسوله - ﷺ -.\nوبالجملة، فمما لا شك فيه أن هذا الغزو الفكري الذي قضى على كيان المسلمين ووحدتهم، وفصلهم من دينهم، لو صادفهم وهم متمسكون بكتاب الله وسنة رسوله لرجع مدحورا في غاية الفشل، لوضوح أدلة الكتاب والسنة، وكونِ الغزو الفكري المذكور لم يستند إلا على الباطل والتمويه كما هو معلوم.\n\n• قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ وَاللَّهُ","vol":"7","page":618},{"text":"يَعْلَمُ إِسْرَارَهُمْ (٢٦) فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ (٢٨)﴾.\nالظاهر أن الذين ارتدوا على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى، قوم كفروا بعد إيمانهم.\nوقال بعض العلماء: هم اليهود الذين كانوا يؤمنون بنبينا محمد - ﷺ -، فلما بعث وتحققوا أنه هو النبي الموصوف في كتبهم كفروا به.\nوعلى هذا القول فارتدادهم على أدبارهم هو كفرهم به بعد أن عرفوه وتيقنوه، وعلى هذا فالهدى الذي تبين لهم هو صحة نبوته - ﷺ - ومعرفته بالعلامات الموجودة في كتبهم.\nوعلى هذا القول فهذه الآية يوضحها قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩)﴾ لأن قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا﴾ مبين معنى قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾، وقوله: ﴿كَفَرُوا بِهِ﴾ مبين معنى قوله: ﴿ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ﴾.\nوقال بعض العلماء: نزلت الآية المذكورة في المنافقين.\nوقد بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن سبب ارتداد هؤلاء القوم من بعد ما تبين لهم الهدى، هو إغواء الشيطان لهم، كما قال تعالى مشيرًا إلى علة ذلك: ﴿الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي زين لهم الكفر","vol":"7","page":619},{"text":"والارتداد عن الدين، (وأملى لهم) أي مد لهم في الأمل ووعدهم طول العمر.\nقال الزمخشري: (سول) سهل لهم ركوب العظائم، من السول، وهو الاسترخاء، وقد اشتقه من السؤل من لا علم له بالتصريف والاشتقاق جميعًا، (وأملى لهم) ومد لهم في الآمال والأماني. انتهى.\nوإيضاح هذا أن هؤلاء المرتدين على أدبارهم من بعد ما تبين لهم الهدى وقع لهم ذلك بسبب أن الشيطان سول لهم ذلك، أي سهله لهم وزينه لهم وحسنه لهم ومناهم بطول الأعمار، لأن طول الأمل من أعظم أسباب ارتكاب الكفر والمعاصي.\nوفي هذا الحرف قراءتان سبعيتان:\nقرأه عامة السبعة غير أبي عمرو: (وأَمْلَى لهم) بفتح الهمزة واللام بعدها ألف، وهو فعل ماضٍ مبني للفاعل، وفاعله ضمير يعود إلى الشيطان.\nوأصل الإملاء الإمهال والمد في الأجل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا﴾ الآية.\nومعنى إملاء الشيطان لهم وعده إياهم بطول الأعمار، كما قال تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾.\nوقال تعالى: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (٦٤)﴾.","vol":"7","page":620},{"text":"وقال بعض العلماء: ضمير الفاعل في قوله: (وأَمْلَى لهم) على قراءة الجمهور راجع إلى الله تعالى.\nوالمعنى: الشيطان ﴿سَوَّلَ لَهُمْ﴾ أي سهل لهم الكفر والمعاصي، وزين ذلك وحسنه لهم، والله جل وعلا أملى لهم: أي أمهلهم إمهال استدراج.\nوكون التسويل من الشيطان والإِمهال من الله، قد تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله في تزيين الشيطان لهم: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيطَانُ أَعْمَالهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَقَال الشَّيطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوكقوله تعالى في إملاء الله لهم استدراجًا: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيرٌ لِأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدَادُوا إِثْمًا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ فِي الضَّلَالةِ فَلْيَمْدُدْ لَهُ الرَّحْمَنُ مَدًّا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ (٤٤)﴾، وقوله تعالى ﴿ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (٩٥)﴾، وقوله تعالى ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيرَاتِ بَلْ لَا يَشْعُرُونَ (٥٦)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقرأ هذا الحرف أبو عمرو وحده من السبعة: ﴿وَأُمْلِيَ لَهُمْ﴾ بضم الهمزة وكسر اللام بعدها ياء مفتوحة، بصيغة الماضي المبني","vol":"7","page":621},{"text":"للمفعول، والفاعل المحذوف فيه الوجهان المذكوران آنفًا في فاعل ﴿وَأَمْلَى لَهُمْ﴾ على قراءة الجمهور بالبناء للفاعل.\nوقد ذكرنا قريبًا ما يشهد لكل منهما من القرآن، كقوله تعالى في إملاء الشيطان لهم: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا (١٢٠)﴾، وقوله في إملاء الله لهم: ﴿وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، كما تقدم قريبًا.\nوالإِشارة في قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾ راجعة إلى قوله تعالى: ﴿الشَّيطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ (٢٥)﴾.\nأي ذلك التسويل والإِملاء المفضي إلى الكفر بسبب أنهم ﴿قَالُوا لِلَّذِينَ كَرِهُوا مَا نَزَّلَ اللَّهُ سَنُطِيعُكُمْ فِي بَعْضِ الْأَمْرِ﴾.\nوظاهر الآية يدل على أن بعض الأمر الذي قالوا لهم سنطيعكم فيه، مما نزل الله وكرهه أولئك المطاعون.\nوالآية الكريمة تدل على أن كل من أطاع من كره ما نزل الله في معاونته له على كراهته ومؤازرته له على ذلك الباطل، أنه كافر بالله، بدليل قوله تعالى فيمن كان كذلك: ﴿فَكَيْفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ (٢٧) ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (٢٨)﴾.\nوقد قدمنا ما يوضح ذلك من القرآن في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾، وفي مواضع عديدة من هذا الكتاب المبارك.\nوبينا في سورة الشورى أيضًا شدة كراهة الكفار لما نزل الله،","vol":"7","page":622},{"text":"وبينا ذلك بالآيات القرآنية في الكلام على قوله تعالى: ﴿كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيهِ﴾.\nوقد قدمنا مرارًا أن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (والله يعلم إسرارهم) قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وابن عامر وشعبة عن عاصم: (أسرارهم) بفتح الهمزة، جمع سر.\nوقرأه حمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (إسرارهم) بكسر الهمزة، مصدر أسرَّ كقوله: (وأسررت لهم إسرارًا)، وقد قالوا لهم ذلك سرًّا فأفشاه الله العالِم بكل ما يسرون وما يعلنون.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَيفَ إِذَا تَوَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾ أي: فكيف يكون حال هؤلاء إذا توفتهم الملائكة؟ أي قبض ملك الموت وأعوانه أرواحهم، في حال كونهم ضاربين وجوههم وأدبارهم.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الملائكة يتوفون الكفار وهم يضربون وجوههم وأدبارهم، جاء موضحًا في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في الأنفال: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلَائِكَةُ يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ وَأَدْبَارَهُمْ﴾، وقوله في الأنعام: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ﴾ الآية، فقوله: ﴿بَاسِطُو أَيدِيهِمْ﴾ أي بالضرب المذكور.\nوالإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾","vol":"7","page":623},{"text":"راجعةٌ إلى المصدر الكامن في الفعل الصناعي، أعني قوله: ﴿يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ﴾، أي ذلك الضرب وقت الموت واقع بسبب أَنَّهُم ﴿اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ﴾، أي أغضبه من الكفر به، وطاعة الكفار الكارهين لما نزله.\nوالإِسخاط استجلاب السخط، وهو الغضب هنا.\nوقوله: ﴿وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ﴾ لأن من أطاع من كره ما نزل الله فقد كره رضوان الله؛ لأن رضوانه تعالى ليس إلا في العمل بما نزل، فاستلزمت كراهة ما نزل كراهة رضوانه؛ لأن رضوانه فيما نزل، ومن أطاع كارهه فهو ككارهه.\nوقوله: ﴿فَأَحْبَطَ أَعْمَالهُمْ﴾ أي أبطلها؛ لأن الكفر سيئة لا تنفع معها حسنة.\nوقد أوضحنا المقام في ذلك إيضاحًا تامًّا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا (١٩)﴾، وفي سورة النحل في الكلام على قوله تعالى ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً﴾ الآية.\nواعلم أن هذه الآية الكريم، قد قال بعض العلماء: إنها نزلت في المنافقين.\nوقال بعضهم: إنها نزلت في اليهود، وأن المنافقين أو اليهود قالوا للكفار الذين كرهوا ما نزل الله: سنطيعكم في بعض الأمر، وهو عداوة النبي  -  ﷺ  -  والتعويق عن الجهاد، ونحو ذلك.","vol":"7","page":624},{"text":"وبعضهم يقول: إن الذين اتبعوا ما أسخط الله، هم اليهود حين كفروا بالنبي  -  ﷺ  -  لما عرفوه، وكرهوا رضوانه وهو الإِيمان به  -  ﷺ  - .\nوالتحقيق الذي لا شك فيه أن هذه الآيات عامة في كل ما يتناوله لفظها، وأن كل ما فيها من الوعيد عام لمن أطاع من كره ما نزل الله.\n\nمسألة\nاعلم أن كل مسلم يجب عليه في هذا الزمان، تأمل هذه الآيات من سورة محمد وتدبرها، والحذر التام مما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن كثيرًا ممن ينتسبون للمسلمين داخلون بلا شك فيما تضمنته من الوعيد الشديد؛ لأن عامة الكفار من شرقيين وغربيين كارهون لما نزل الله على رسوله محمد  -  ﷺ  -، وهو هذا القرآن وما يبينه به النبي  -  ﷺ  -  من السنن.\nفكل من قال لهؤلاء الكفار الكارهين لما نزله الله: سنطيعكم في بعض الأمر، فهو داخل في وعيد الآية.\nوأحرى من ذلك من يقول لهم: سنطيعكم في كل الأمر، كالذين يتبعون القوانين الوضعية، مطيعين بذلك للذين كرهوا ما نزل الله، فإن هؤلاء لا شك أنهم ممن تتوفاهم الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم، وأنهم اتبعوا ما أسخط الله وكرهوا رضوانه، وأنه محبط أعمالهم.\nفاحذر كل الحذر من الدخول في الذين قالوا: سنطيعكم في بعض الأمر.","vol":"7","page":625},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1925> قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ (٣١)﴾</span>.\nاللام في قوله: (ولنبلونكم) موطئة لقسم محذوف.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير شعبة عن عاصم، بالنون الدالة على العظمة في الأفعال الثلاثة، أعني: لنبلونكم، ونعلم، ونبلو.\nوقرأه شعبة عن عاصم بالمثناة التحتية، وضمير الفاعل يعود إلى الله.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الله جل وعلا يبلو الناس أي يختبرهم بالتكاليف، كبذل الأنفس والأموال في الجهاد، ليتميز بذلك صادقهم من كاذبهم، ومؤمنهم من كافرهم، جاء موضحًا في آيات أخر.\nكقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ (١٤٢)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَا رَسُولِهِ وَلَا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٦)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا","vol":"7","page":626},{"text":"يُفْتَنُونَ (٢) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ﴾ الآية. قد قدمنا إزالة الإِشكال في نحوه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيهَا إلا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيهِ﴾ الآية.\nفقلنا في ذلك ما نصه:\nظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه، ﷾ عن ذلك علوًا كبيرًا، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون.\nوقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علمًا لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا: ﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٥٤)﴾.\nفقوله: (والله عليم بذات الصدور) بعد قوله: (وليبتلي) دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئًا لم يكن عالمًا به ﷾ عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأن العليم بذات الصدور غني عن الاختبار.\nوفي هذه الآية بيان عظيم لجميع الآيات التي يذكر الله فيها اختباره لخلقه.\nومعنى (إلا لنعلم) أي علمًا يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا","vol":"7","page":627},{"text":"ينافي أنه كان عالمًا به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس، أما عالِمُ السر والنجوى، فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى. اهـ.\nقال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: وهذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء؛ لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم، فتأويله: حتى نعلم المجاهدين علم شهادة؛ لأنهم إذا أمروا بالعمل يشهد منهم ما عملوا، فالجزاء بالثواب والعقاب يقع على علم الشهادة، (ونبلو أخباركم) نختبرها ونظهرها. انتهى محل الغرض منه.\nوقال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: (ولنبلونكم) أيها المؤمنين بالقتل وجهاد أعداء الله (حتى نعلم المجاهدين منكم) يقول: حتى يعلم حزبي وأوليائي أهل الجهاد في الله منكم، وأهل الصبر على قتال أعدائه، فيظهر ذلك لهم ويعرف ذوو البصائر منكم في دينه من ذوي الشك والحيرة فيه، وأهل الإِيمان من أهل النفاق (ونبلو أخباركم) فنعرف الصادق منكم من الكاذب. انتهى محل الغرض منه بلفظه.\nوما ذكره من أن المراد بقوله: (حتى نعلم المجاهدين) الآية، حتى يعلم حزبنا وأولياؤنا المجاهدين منكم والصابرين؛ له وجه، وقد يرشد له قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوَا أَخْبَارَكُمْ﴾ أي نظهرها ونبرزها للناس، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾؛ لأن المراد بميز الخبيث من الطيب ظهور ذلك للناس، ولذا قال: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾ فتعلموا ما ينطوي","vol":"7","page":628},{"text":"عليه الخبيث والطيب، ولكن الله عرفكم بذلك بالاختبار والابتلاء الذي تظهر بسببه طوايا الناس من خبث وطيب.\nوالقول الأول وجيه أيضًا، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1926> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾</span>.\nالظاهر أن (صدوا) في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فهم ضالون مضلون.\nوقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية، أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول.\nو(صدوا) هنا، إن قُدِّرَتْ لازمة فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله: (كفروا).\nوإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسًا؛ لأن قوله: (كفروا) يدل على كفرهم في أنفسهم، وقوله: (وصدوا) على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق. وهذا أرجح مما قبله.\nوقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أي خالفوا محمدًا - ﷺ - مخالفة شديدة.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين:\nأحدهما: أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه - ﷺ - لن يضروا الله بكفرهم شيئًا، لأنه غني لذاته الغنى المطلق.","vol":"7","page":629},{"text":"والثاني: أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم، لأن ذلك الكفر سبب لإِحباط أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾.\nوهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله.\nفمن الآيات الدالة على الأول، الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره بمعصيتهم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَقَال مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ (٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ (٦)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (١٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nومن الآيات الدالة على الثاني، وهو إحباط أعمالهم بالكفر أي إبطالها به: قوله تعالى: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا (٢٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.","vol":"7","page":630},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَيسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلا النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٦)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1927> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾</span> الآية.\nقد قدمنا كثيرًا جدًّا من الآيات المماثلة له قريبًا في جملة كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1928> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن من مات على الكفر لن يغفر الله له؛ لأن النار وجبت له بموته على الكفر، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله.\nكقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ (٩١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (١٦٢)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ","vol":"7","page":631},{"text":"فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1929> قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (إلى السلم) بفتح السين.\nوقرأ حمزة وشعبة. (إلى السِّلم) بكسر السين.\nوقوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا﴾ أي لا تضعفوا وتذلوا، ومنه قول تعالى: ﴿فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيدِ الْكَافِرِينَ (١٨)﴾، أي مضعف كيدهم، وقول زهير بن أبي سلمى:\nوأخلفتك ابنة البكري ما وعدت ... فأصبح الحبل منها واهنًا خلقًا\nوقوله تعالى: ﴿وَأَنتُمْ الأَعْلَوْنَ﴾ جملة حالية، أي فلا تضعفوا عن قتال الكفار (وتدعوا إلى السلم) أي تبدءوا بطلب السلم، أي الصلح والمهادنة (وأنتم الأعلون) أي والحال أنكم أنتم الأعلون، أي الأقهرون والأغلبون لأعدائكم؛ ولأنكم ترجون من الله من النصر والثواب ما لا يرجون.\nوهذا التفسير في قوله: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ هو الصواب.\nوتدل عليه آيات من كتاب الله، كقوله تعالى بعده: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾؛ لأن من كان الله معه هو الأعلى وهو الغالب، وهو القاهر المنصور الموعود بالثواب.","vol":"7","page":632},{"text":"فهو جدير بأن لا يضعف عن مقاومة الكفار ولا يبدأهم بطلب الصلح والمهادنة.\nوكقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَينَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ﴾ الآية.\nومما يوضح معنى آية القتال هذه قوله تعالى: ﴿وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ الآية، لأن قوله تعالى: ﴿وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ﴾ من النصر الذي وعدكم الله به والغلبة وجزيل الثواب، وذلك كقوله هنا: ﴿وَأَنتُمُ الْأَعلَوْنَ﴾، وقوله: ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ أي بالنصر والإِعانة والثواب.\nواعلم أن آية القتال هذه لا تعارض بينها وبين آية الأنفال، حتى يقال: إن إحداهما ناسخة للأخرى، بل هما محكمتان، وكل واحدة منهما منزلة على حال غير الحال التي نزلت عليه الأخرى.\nفالنهي في آية القتال هذه في قوله تعالى: ﴿فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلِمِ﴾ إنما هو عن الابتداء بطلب السلم.\nوالأمر بالجنوح إلى السلم في آية الأنفال محله فيما إذا ابتدأ الكفار بطلب السلم والجنوح لها، كما هو صريح قوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿وَاللَّهُ مَعَكُمْ﴾ قد قدمنا","vol":"7","page":633},{"text":"الآيات الموضحة له في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.\nوهذا الذي ذكرنا في معنى هذه الآية أولى وأصوب مما فسرها به ابن كثير ﵀، وهو أن المعنى: لا تدعوا إلى الصلح والمهادنة وأنتم الأعلون، أي في حال قوتكم وقدرتكم على الجهاد.\nأي، وأما إن كنتم في ضعف وعدم قوة فلا مانع من أن تدعوا إلى السلم أي الصلح والمهادنة، ومنه قول العباس بن مرداس السلمي:\nالسلم تأخذ منها ما رضيت به ... والحرب تكفيك من أنفاسها جرع\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالكُمْ (٣٥)﴾ أي لن ينقصكم شيئًا من ثواب أعمالكم.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة من عدم نقصه تعالى شيئًا من ثواب الأعمال، جاء موضحًا في آيات أخر، قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيئًا﴾ أي لا ينقصكم من ثوابها شيئًا، وقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.\nوالآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَن يَتِرَكُمْ﴾ أصله من الوتر، وهو الفرد.","vol":"7","page":634},{"text":"فأصل قوله: (لن يتركم) لن يفردكم ويجردكم من أعمالكم بل يوفيكم إياها.\nفي قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ﴾.\nهذه الأجور التي وعد الله بها من آمن واتقى، جاءت مبينة في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1930> قوله تعالى: ﴿وَلَا يَسْأَلْكُمْ أَمْوَالكُمْ﴾</span>.\nفي هذه الآية الكريمة أوجه معلومة عند أهل التفسير، منها أن المعنى: ولا يسألكم النبي - ﷺ - أموالكم أجرًا على ما بلغكم من الوحي المتضمن لخير الدنيا والآخرة.\nوهذا الوجه تشهد له آيات كثيرة من كتاب الله كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ (٨٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إلا عَلَى اللَّهِ﴾، وذكرنا بعض ذلك في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ أَجْرًا إلا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1931> قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ الْغَنِيُّ وَأَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له قريبًا في الكلام على قوله تعالى:","vol":"7","page":635},{"text":"﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1932> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾.\n\n* * *","vol":"7","page":636},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1933>سورة الفتح</span>","vol":"7","page":637},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1934> قوله تعالى: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾</span>.\nالتحقيق الذي عليه الجمهور أن المراد بهذا الفتح صلح الحديبية؛ لأنه فتح عظيم.\nوإيضاح ذلك: أن الصلح المذكور هو السبب الذي تهيأ به للمسلمين أن يجتمعوا بالكفار فيدعوهم إلى الإِسلام ويبينوا لهم محاسنه، فدخل كثير من قبائل العرب بسبب ذلك في الإِسلام.\nومما يوضح ذلك: أن الذين شهدوا صدح الحديبية مع النبي - ﷺ - في ذي القعدة عام ست كانوا ألفًا وأربعمائة، ولما أراد النبي - ﷺ - غزو مكة حين نقض الكفار العهد، كان خروجه إلى مكة في رمضان عام ثمان، وكان معه عشرة آلاف مقاتل.\nوذلك يوضح أن الصلح المذكور من أعظم الفتوح؛ لكونه سببًا لقوة المسلمين وكثرة عددهم.\nوليس المراد بالفتح المذكور فتح مكة، وإن قال بذلك جماعة من أهل العلم.\nوإنما قلنا ذلك؛ لأن أكثر أهل العلم على ما قلنا؛ ولأن ظاهر","vol":"7","page":639},{"text":"القرآن يدل عليه؛ لأن سورة الفتح هذه نزلت بعد صلح الحديبية في طريقه - ﷺ - راجعًا إلى المدينة.\nولفظ الماضي في قوله: ﴿إنَّا فتَحْنَا﴾ يدل على أن ذلك الفتح قد مضى، فدعوى أنه فتح مكة ولم يقع إلا بعد ذلك بقرب سنتين، خلاف الظاهر.\nوالآية التي في فتح مكة دلت على الاستقبال لا على المضي، وهي قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتحُ﴾ الآية.\nوقد أوضحنا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب معنى اللام في قوله: ﴿لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1935> قوله تعالى: ﴿لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾</span>.\nما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الإِيمان يزيد، دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (١٢٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿لِيَسْتَيقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات. وقد أوضحناه مرارًا.\nوالحق الذي لا شك فيه: أن الإِيمان يزيد وينقص، كما عليه أهل السنة والجماعة، وقد دل عليه الوحي من الكتاب والسنة كما تقدم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1936> قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له جنود السماوات والأرض، وبين في المدثر أن جنوده هذه لا يعلمها إلا هو، وذلك في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إلا هُوَ﴾.","vol":"7","page":640},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1937> قوله تعالى: ﴿لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَيُكَفِّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَكَانَ ذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ فَوْزًا عَظِيمًا (٥) وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾</span>.\nأظهر الأقوال وأصحها في الآية أن اللام في قوله: ﴿لِيُدْخِلَ﴾ متعلقة بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ﴾.\nوإيضاح المعنى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ﴾ أي السكون والطمأنينة إلى الحق، (في قلوب المؤمنين) (ليزدادوا) بذلك (إيمانًا) لأجل أن يدخلهم بالطمأنينة إلى الحق وازدياد الإِيمان (جنات تجري من تحتها الأنهار).\nومفهوم المخالفة في قوله: ﴿فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أن قلوب غير المؤمنين ليست كذلك. وهو كذلك، ولذا كان جزاؤهم مخالفًا لجزاء المؤمنين، كما صرح تعالى بذلك في قوله: ﴿وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظَّانِّينَ بِاللَّهِ ظَنَّ السَّوْءِ﴾.\nوإيضاح المعنى: أنه تعالى وفق المؤمنين بإنزال السكينة وازدياد الإِيمان، وأشقى غيرهم من المشركين والمنافقين فلم يوفقهم بذلك، ليجازي كلًّا بمقتضى عمله.\nوهذه الآية شبيهة في المعنى بقوله تعالى في آخر الأحزاب: ﴿وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا (٧٢) لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (٧٣)﴾.","vol":"7","page":641},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1938> قوله تعالى: ﴿وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا (٦)﴾</span>.\nبين جل وعلا في الآية الكريمة، أنه يجازي المشركين والمشركات والمنافقين والمنافقات بثلاث عقوباب: وهي غضبه، ولعنته، ونار جهنم.\nوقد بين في بعض الآيات بعض نتائِج هذه الأشياء الثلاثة، كقوله في الغضب: ﴿وَمَنْ يَحْلِلْ عَلَيهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَى (٨١)﴾، وقوله في اللعنة: ﴿وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)﴾، وقوله في نار جهنم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ مَنْ تُدْخِلِ النَّارَ فَقَدْ أَخْزَيتَهُ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1939> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٨)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أنه أرسل نبيه محمدًا - ﷺ - شاهدًا ومبشرًا ونذيرًا.\nوقد بين تعالى أنه يبعثه - ﷺ - يوم القيامة شاهدًا على أمته، وأنه مبشر للمؤمنين ومنذر للكافرين.\nقال تعالى في شهادته - ﷺ - يوم القيامة على أمته: ﴿فَكَيفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا (٤١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نَبْعَثُ فِي كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيدًا عَلَيهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَجِئْنَا بِكَ شَهِيدًا عَلَى هَؤُلَاءِ﴾.\nفآية النساء وآية النحل المذكورتان الدالتان على شهادته - ﷺ - يوم القيامة على أمته تبينان آية الفتح هذه.\nوما ذكرنا من أنه مبشر للمؤمنين ونذير للكافرين، أوضحه في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا يَسَّرْنَاهُ بِلِسَانِكَ لِتُبَشِّرَ بِهِ الْمُتَّقِينَ وَتُنْذِرَ بِهِ قَوْمًا لُدًّا (٩٧)﴾. وقد أوضحنا هذا في أول سورة الكهف.","vol":"7","page":642},{"text":"وما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، ذكره وزيادة في سورة الأحزاب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا (٤٥) وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ وَسِرَاجًا مُنِيرًا (٤٦)﴾.\nوقوله هنا: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا﴾ حال مقدرة. وقوله: (ومبشرًا ونذيرًا) كلاهما حال معطوف على حال.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1940> قوله تعالى: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾</span>.\nأمر الله جل وعلا نبيه أن يقول للمنافقين الذين تخلفوا عنه واعتذروا بأعذار كاذبة: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ لَكُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ بِكُمْ ضَرًّا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ نَفْعًا﴾ أي لا أحد يملك دفع الضر الذي أراد الله إنزاله بكم ولا منع النفع الذي أراد نفعكم له، فلا نافع إلا هو ولا ضار إلا هو تعالى، ولا يقدر أحد على دفع ضر أراده ولا منع نفع أراده.\nوهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في الأحزاب: ﴿قُلْ مَنْ ذَا الَّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللَّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٧)﴾، وقوله تعالى في آخر يونس: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾ الآية، وقوله في الأنعام: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾، وقوله تعالى في النساء: ﴿قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ مِنَ اللَّهِ شَيئًا إِنْ أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله تعالى في فاطر: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ﴾ الآية، وقوله تعالى في الملك: ﴿قُلْ","vol":"7","page":643},{"text":"أَرَأَيتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٢٨)﴾.\nوقد ذكرنا بعض الآيات الدالة على هذا في أول سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ﴾ الآية، وفي سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ إِنِ افْتَرَيتُهُ فَلَا تَمْلِكُونَ لِي مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1941> قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه أنزل السكينة على رسوله وعلى المؤمنين. والسكينة تشمل الطمأنينة والسكون إلى الحق والثبات والشجاعة عند البأس.\nوقد ذكر جل وعلا إنزاله السكينة على رسوله وعلى المؤمنين في براءة، في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وذكر إنزال سكينته على رسوله في قوله في براءة: ﴿إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيهِ﴾ الآية، وذكر إنزاله سكينته على المؤمنين في قوله: ﴿فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيهِمْ﴾ الآية.\nوهذه الآيات كلها لم يبين فيها موضع إنزال السكينة، وقد بين في هذه السورة الكريمة أن محل إنزال السكينة هو القلوب، وذلك في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة ذكره في سورة التوبة","vol":"7","page":644},{"text":"وسورة الصف، وزاد فيهما أنه فاعل ذلك ولو كان المشركون يكرهونه، فقال في الموضعين: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ (٣٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1942> قوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1943> قوله تعالى: ﴿وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف ابن كثير وابن ذكوان عن ابن عامر: (شَطَأه) بفتح الطاء، والباقون من السبعة بسكون الطاء.\nوقرأ عامة السبعة غير ابن ذكوان: (فآزره) بألف بعد الهمزة، وقرأه ابن ذكوان عن ابن عامر: (فأزره) بلا ألف بعد الهمزة مجردًا.\nوقرأ عامة السبعة غير قنبل: (على سوقه) بواو ساكنة بعد السين، وقرأه قنبل عن ابن كثير بهمزة ساكنة بدلًا من الواو، وعنه ضم الهمزة بعد السين، بعدها واو ساكنة.\nوهذه الآية الكريمة قد بين الله فيها أنه ضرب المثل في الإِنجيل للنبي - ﷺ - وأصحابه بأنهم كالزرع يظهر في أول نباته رقيقًا ضعيفًا متفرقًا، ثم ينبت بعضه حول بعض، ويغلظ ويتكامل، حتى يقوى ويشتد وتعجب جودته أصحاب الزراعة العارفين بها، فكذلك","vol":"7","page":645},{"text":"النبي  -  ﷺ  -  وأصحابه كانوا في أول الإِسلام في قلة وضعف، ثم لم يزالوا يكثرون ويزدادون قوة حتى بلغوا ما بلغوا.\nوقوله تعالى: ﴿كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ﴾ أي فراخه فنبت في جوانبه. وقوله ﴿فَآزَرَهُ﴾ على قراءة الجمهور من المؤازرة، بمعنى المعاونة والتقوية، وقال بعض العلماء: ﴿فَآزَرَهُ﴾ هو أي ساواه في الطول.\nوبكل واحد من المعنيين فسر قول امرئ القيس:\nبمحنيَّةٍ قد آزر الضَّالُ نبتها ... مجرَّ جيوشٍ غانمين وخُيَّبِ\nوأما على قراءة ابن ذكوان (فأزره) بلا ألف، فالمعنى شد أزره، أي قوَّاه. ومنه قوله تعالى عن موسى: ﴿وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي (٢٩) هَارُونَ أَخِي (٣٠) اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي﴾ الآية.\nوقوله: ﴿فَاسْتَغلَظَ﴾ أي صار ذلك الزرع غليظًا بعد أن كان رقيقًا، وقوله: ﴿فَاسْتَوَى﴾ أي استتم وكامل (على سوقه) أي على قصبه.\nوما تضمنته الآية الكريمة من المثل المذكور في الإِنجيل المضروب للنبي  -  ﷺ  -  وأصحابه بأنهم يكونون في مبدأ أمرهم في قلة وضعف، ثم بعد ذلك يكثرون ويقوون، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":646},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1944>سورة الحجرات</span>","vol":"7","page":647},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1945> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَينَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١)﴾</span>.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (لا تقدموا) فيه لعلماء التفسير ثلاثة أوجه: الأول منها وهو أصحها وأظهرها: أنه مضارع قَدَّمَ، اللازمة بمعنى تقدم، ومنه مقدِّمة الجيش ومقدِّمة الكتاب، بكسر الدال فيهما، وهو اسم فاعل قَدَّم بمعنى تقدم.\nويدل لهذا الوجه قراءة يعقوب من الثلاثة الذين هم تمام العشرة: (لا تَقَدَّموا) بفتح التاء والدال المشددة، وأصله: لا تتقدموا، فحذفت إحدى التاءين.\nالوجه الثاني: أنه مضارع قَدَّمَ، المتعدي، والمفعول محذوف لإرادة التعميم، أي لا تقدموا قولًا ولا فعلًا بين يدي الله ورسوله، بل أمسكوا عن ذلك حتى تصدروا فيه عن أمر الله ورسوله.\nالوجه الثالث: أنه مضارع قَدَّمَ، المتعدية، ولكنها أجريت مجرى اللازم، وقطع النظر عن وقوعها على مفعولها؛ لأن المراد هو أصل الفعل دون وقوعه على مفعوله.\nونظير ذلك قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ﴾ أي هو","vol":"7","page":649},{"text":"المتصف بالإِحياء والإِماتة، ولا يراد في ذلك وقوعهما على مفعول.\nوكقوله تعالى: ﴿رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾، لأن المراد: أن المتصفين بالعلم لا يستوون مع غير المتصفين به، ولا يراد هنا وقوع العلم على مفعول.\nوكذلك على هذا القول: (لا تقدموا) لا تكونوا من المتصفين بالتقديم.\nوقد قدمنا في كلامنا الطويل على آية: ﴿أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾ أن لفظة \"بين يديه\" معناها أمامه، وذكرنا الآيات الدالة على ذلك.\nوالمعنى: لا تتقدموا أمام الله ورسوله، فتقولوا في شيء بغير علم ولا إذن من الله.\nوهذه الآية الكريمة فيها التصريح بالنهي عن التقديم بين يدي الله ورسوله، ويدخل في ذلك دخولًا أوليًّا تشريع ما لم يأذن به الله، وتحريم ما لم يحرمه، وتحليل ما لم يحلله؛ لأنه لا حرام إلا\nما حرمه الله ولا حلال إلا ما أحله الله، ولا دين إلا ما شرعه الله.\nوقد أوضحنا هذه بالآيات القرآنية لكثرة في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ﴾، وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا (٢٦)﴾، وفي سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿واتَّقُوا الله﴾ أي بامتثال أمره واجتناب نهيه.\nوقوله: ﴿إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ فهو سميع لكل ما تقولون من","vol":"7","page":650},{"text":"التقديم بين يديه وغيره، عليم بكل ما تفعلون من التقديم بين يديه وغيره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1946> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾</span>.\nسبب نزول هذه الآية الكريمة: أنه لما قدم على النبي - ﷺ - وفد تميم، أشار عليه أبو بكر ﵁ أن يؤمر عليهم القعقاع بن معبد بن زرارة بن عبدس، وأشار عليه عمر أن يؤمر عليهم الأقرع بن حابس بن عقال. فقال له أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، فقال عمر: ما أردت خلافك، فارتفعت أصواتهما، فأنزل الله: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾، ذكره البخاري في صحيحه وغيره.\nوهذه الآية الكريمة علَّم الله فيها المؤمنين أن يعظموا النبي - ﷺ - ويحترموه ويوقروه، فنهاهم عن رفع أصواتهم فوق صوته، وعن أن يجهروا له بالقول كجهر بعضهم لبعض، أي ينادونه باسمه: يا محمد، يا أحمد، كما ينادي بعضهم بعضًا.\nوإنما أمروا أن يخاطبوه خطابًا يليق بمقامه، ليس كخطاب بعضهم لبعض، كأن يقولوا: يا نبي الله، أو يا رسول الله، ونحو ذلك.\nوقوله: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ﴾ أي لا تفعلوا ذلك لئلا تحبط أعمالكم، أو ينهاكم عن ذلك كراهة أن تحبط أعمالكم (وأنتم لا تشعرون) أي لا تعلمون بذلك.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من لزوم توقير النبي - ﷺ -","vol":"7","page":651},{"text":"وتعظيمه واحترامه جاء مبينًا في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ﴾ على القول بأن الضمير في تعزروه وتوقروه للنبي  -  ﷺ  -، وقوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَينَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ كما تقدم، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ﴾ الآية.\nوقوله هنا: (ولا تجهروا له بالقول) أي لا تنادوه باسمه: كَـ \"يا محمد\".\nوقد دلت آيات من كتاب الله على أن الله تعالى لا يخاطبه في كتابه باسمه، وإنما يخاطبه بما يدل على التعظيم والتوقير، كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النبيُّ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (١)﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١)﴾، مع أنه ينادي غيره من الأنبياء بأسمائهم، كقوله: ﴿وَقُلْنَا يَاآدَمُ﴾، وقوله: ﴿وَنَادَينَاهُ أَنْ يَاإِبْرَاهِيمُ (١٠٤)﴾، وقوله: ﴿قَال يَانُوحُ إِنَّهُ لَيسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾، ﴿قِيلَ يَانُوحُ اهْبِطْ بِسَلَامٍ﴾، وقوله: ﴿قَال يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾، وقوله: ﴿إِذْ قَال اللَّهُ يَاعِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ﴾، وقوله: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً﴾.\nأما النبي  -  ﷺ  -  فلم يذكر اسمه في القرآن في خطاب، وإنما يذكر في غير ذلك، كقوله: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إلا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾، وقوله: ﴿وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ عَلَى مُحَمَّدٍ﴾، وقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾.\nوقد بين تعالى أن توقيره واحترامه  -  ﷺ  -  بغض الصوت عنده لا يكون إلا من الذين امتحن الله قلوبهم للتقوى، أي أخلصها لها، وأن لهم بذلك عند الله المغفرة والأجر العظيم، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ (٣)﴾.","vol":"7","page":652},{"text":"وقال بعض العلماء في قوله: ﴿وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ﴾ أي لا ترفعوا عنده الصوت كرفع بعضكم صوته عند بعض.\nقال القرطبي ﵀ في تفسير الآية ما نصه: وفي هذا دليل على أنهم لم ينهوا عن الجهر مطلقًا، حتى لا يسوغ لهم إلا أن يكلموه بالهمس والمخافتة، وإنما نهوا عن جهر مخصوص مقيد بصفة، أعني الجهر المنعوت بمماثلة ما قد اعتادوه منهم فيما بينهم، وهو الخلو من مراعاة أبهة النبوة، وجلالة مقدارها، وانحطاط سائر الرتب وإن جلت عن رتبتها. انتهى محل الغرض منه.\nوظاهر هذه الآية الكريمة أن الإِنسان قد يحبط عمله وهو لا يشعر، وقد قال القرطبي: إنه لا يحبط عمله بغير شعوره. وظاهر الآية يرد عليه.\nوقد قال ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية، ما نصه: وقوله ﷿: ﴿أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢)﴾ أي إنما نهيناكم عن رفع الصوت عنده خشية أن يغضب من ذلك فيغضب الله تعالى لغضبه، فيحبط عمل من أغضبه وهو لا يدري، كما جاء في الصحيح: \"إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى لا يلقي لها بالًا يكتب له بها الجنة، وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله تعالى لا يلقي لها بالًا يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض\". اهـ محل الغرض منه بلفظه.\nومعلوم أن حرمة النبي  -  ﷺ  -  بعد وفاته كحرمته في أيام حياته، وبه تعلم أن ما جرت به العادة اليوم من اجتماع الناس قرب قبره  -  ﷺ  -  وهم في صخب ولغط وأصواتهم مرتفعة ارتفاعًا مزعجًا، كله لا يجوز ولا يليق، وإقرارهم عليه من المنكر.","vol":"7","page":653},{"text":"وقد شدد عمر ﵁ النكير على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده  -  ﷺ  -، وقال: لو كنتما من أهل المدينة لأوجعتكما ضربًا.\n\nمسألتان\nالأولى: اعلم أن عدم احترام النبي  -  ﷺ  -  المشعر بالغض منه أو تنقيصه  -  ﷺ  -  والاستخفاف به أو الاستهزاء به ردة عن الإِسلام وكفر بالله.\nوقد قال تعالى في الذين استهزؤوا بالنبي  -  ﷺ  -  وسخروا منه في غزوة تبوك لما ضلت راحلته: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ (٦٥) لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ (٦٦)﴾.\nالمسألة الثانية: وهي من أهم المسائل: اعلم أنه يجب على كل إنسان أن يميز بين حقوق الله تعالى التي هي من خصائص ربوبيته، التي لا يجوز صرفها لغيره، وبين حقوق خلقه، كحق النبي  -  ﷺ  -، ليضع كل شيء في موضعه، على ضوء ما جاء به النبي  -  ﷺ  -  في هذا القرآن العظيم والسنة الصحيحة.\nوإذا عرفت ذلك، فاعلم أن من الحقوق الخاصة بالله التي هي من خصائص ربوبيته: التجاء عبده إليه إذا دهمته الكروب التي لا يقدر على كشفها إلا الله.\nفالتجاء المضطر الذي أحاطت به الكروب ودهمته الدواهي لا يجوز إلا لله وحده؛ لأنه من خصائص الربوبية، فصرف ذلك الحق لله وإخلاصه له هو عين طاعة الله ومرضاته وطاعة رسوله  -  ﷺ  -  ومرضاته، وهو عين التوقير والتعظيم للنبي  -  ﷺ  -؛ لأن أعظم أنواع","vol":"7","page":654},{"text":"توقيره وتعظيمه هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص التوحيد والعبادة له وحده جل وعلا.\nوقد بين جل وعلا في آيات كثيرة من كتابه، أن التجاء المضطر من عباده إليه وحده في أوقات الشدة والكرب، من خصائص ربوبيته تعالى.\nمن أصرح ذلك الآيات التي في سورة النمل أعني قوله تعالى: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١١١)﴾.\nفإنه جل وعلا قال في هذه الآيات الكريمات العظيمات: ﴿قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ (٥٩)﴾.\nثم بين خصائص ربوبيته الدالة على أنه المعبود وحده، فقال: ﴿أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا بِهِ حَدَائِقَ ذَاتَ بَهْجَةٍ مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُنْبِتُوا شَجَرَهَا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ يَعْدِلُونَ (٦٠)﴾.\nفهذه المذكورات التي هي خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء من السماء، وإنبات الحدائق ذات البهجة، التي لا يقدر على إنبات شجرها إلا الله، من خصائص ربوبية الله، ولذا قال تعالى بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ يقدر على خلق السماوات والأرض وإنزال الماء من السماء وإنبات الحدائق به، والجواب: لا؛ لأنه لا إله إلا الله وحده.\nثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَينَ الْبَحْرَينِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٦١)﴾.","vol":"7","page":655},{"text":"فهذه المذكورات أيضًا، التي هي جعل الأرض قرارًا، وجعل الأنهار خلالها، وجعل الجبال الرواسي فيها، وجعل الحاجز بين البحرين، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعد ذكرها: (أإله مع الله)؟ الجواب: لا.\nفالاعتراف لله جل وعلا بأن خلق السماوات والأرض وإنزال الماء وإنبات النبات ونحو ذلك مما ذكر في الآيات من خصائص ربوبيته جل وعلا هو الحق، وهو من طاعة الله ورسوله، ومن تعظيم الله وتعظيم رسوله بالاقتداء به  -  ﷺ  -  في تعظيم الله.\nثم قال تعالى  - وهو محل الشاهد -: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٦٢)﴾.\nفهذه المذكورات التي هي إجابة المضطر إذا دعا، وكشف السوء، وجعل الناس خلفاء في الأرض، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: (أإله مع الله قليلًا ما تذكرون).\nفتأمل قوله تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ مع قوله: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ﴾ تعلم أن إجابة المضطرين إذا التجؤوا ودعوا، وكشف السوء عن المكروبين، لا فرق في كونه من خصائص الربوبية بينه وبين خلق السماوات والأرض، وإنزال الماء وإنبات النبات، ونصب الجبال وإجراء الأنهار؛ لأنه جل وعلا ذكر الجميع بنسق واحد في سياق واحد، وأتبع جميعه بقوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.\nفمن صرف شيئًا من ذلك غير الله توجه إليه الإِنكار السماوي","vol":"7","page":656},{"text":"الذي هو في ضمن قوله: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾، فلا فرق البتة بين تلك المذكورات في كونها كلها من خصائص الربوبية.\nثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَهْدِيكُمْ فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَنْ يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (٦٣)﴾.\nفهذه المذكورات التي هي هدى الناس في ظلمات البر والبحر، وإرسال الرياح بشرًا، أي مبشرات، بين يدي رحمته التي هي المطر، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال تعالى: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.\nثم نزه جل وعلا نفسه عن أن يكون معه إله يستحق شيئًا مما ذكر فقال جل وعلا: ﴿تَعَالى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾.\nثم قال تعالى: ﴿أَمَّنْ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَمَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٦٤)﴾.\nفهذه المذكورات التي هي بدء خلق الناس وإعادته يوم البعث، ورزقه للناس من السماء بإنزال المطر، ومن الأرض بإنبات النبات، من خصائص ربوبيته جل وعلا، ولذا قال بعدها: ﴿أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾.\nثم عجَّز جل وعلا كل من يدعي شيئًا من ذلك كله لغير الله، فقال آمرًا نبيه ﷺ بأن يخاطبهم بصيغة التعحيز: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.\nوقد اتضح من هذه الآيات القرآنية، أن إجابة المضطرين الداعين، وكشف السوء عن المكروبين، من خصائص الربوبية، كخلق السماوات والأرض وإنزال الماء، وإنبات النبات، والحجز بين البحرين، إلى آخر ما ذكر.\nوكون إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين من","vol":"7","page":657},{"text":"خصائص الربوبية، كما أوضحه تعالى في هذه الآيات من سورة النمل، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى مخاطبًا نبيه  -  ﷺ  -: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إلا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١٧)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٢)﴾ الآية.\nفعلينا معاشر المسلمين أن نتأمل هذه الآيات القرآنية ونعتقد ما تضمنته ونعمل به لنكون بذلك مطيعين لله تعالى ولرسوله  -  ﷺ  -، معظمين لله ولرسوله؛ لأن أعظم أنواع تعظيم رسول الله  -  ﷺ  -  هو اتباعه والاقتداء به في إخلاص العبادة لله جل وعلا وحده.\nفإخلاص العبادة له جل وعلا وحده، هو الذي كان يفعله ﷺ ويأمر به، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصًا لَهُ الدِّينَ (١١)﴾ إلى قوله: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَهُ دِينِي (١٤) فَاعْبُدُوا مَا شِئْتُمْ مِنْ دُونِهِ﴾.\nواعلم أن الكفار في زمن النبي  -  ﷺ  -  كانوا يعلمون علمًا يقينًا أن ما ذكر من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، من خصائص الربوبية، وكانوا إذا دهمتهم الكروب، كإحاطة الأمواج بهم في البحر في وقت العواصف، يخلصون الدعاء لله وحده، لعلمهم أن كشف ذلك من خصائصه، فإذا أنجاهم من الكرب رجعوا إلى الإشراك.","vol":"7","page":658},{"text":"وقد بين الله جل وعلا هذا في آيات من كتابه كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَينَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٢٢)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً لَئِنْ أَنْجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (٦٣) قُلِ اللَّهُ يُنَجِّيكُمْ مِنْهَا وَمِنْ كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ (٦٤) قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٤٠) بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ (٤١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنْسَانُ كَفُورًا (٦٧) أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمْ جَانِبَ الْبَرِّ أَوْ يُرْسِلَ عَلَيكُمْ حَاصِبًا ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ وَكِيلًا (٦٨) أَمْ أَمِنْتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيكُمْ قَاصِفًا مِنَ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لَا تَجِدُوا لَكُمْ عَلَينَا بِهِ تَبِيعًا (٦٩)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ (٦٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ﴾.\nوقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إلا إِيَّاهُ﴾ أن سبب إسلام عكرمة بن أبي جهل ﵁ أنه لما فتح النبي  -  ﷺ  -  مكة ذهب","vol":"7","page":659},{"text":"فارًا منه إلى بلاد الحبشة، فركب في البحر متوجهًا إلى الحبشة فجاءتهم ريح عاصف، فقال القوم بعضهم لبعض: إنه لا يغني عنكم إلا أن تدعوا الله وحده، فقال عكرمة في نفسه: والله إن كان لا ينفع في البحر غيره، فإنه لا ينفع في البر غيره، اللهم لك عليَّ عهد لئن أخرجتني منه لأذهبن فلأضعن يدي في يد محمد  -  ﷺ  -  فلأجدنه رؤوفًا رحيمًا، فخرجوا من البحر، فخرج إلى رسول الله  -  ﷺ  -  فأسلم وحسن إسلامه ﵁. انتهى.\nوقد قدمنا هناك أن بعض المتسمين باسم الإِسلام أسوأ حالًا من هؤلاء الكفار المذكورين؛ لأنهم في وقت الشدائد يلجؤون لغير الله طالبين منه ما يطلب المؤمنون من الله، وبما ذكر تعلم أن ما انتشر في أقطار الدنيا من الالتجاء في أوقات الكروب والشدائد إلى غير الله جل وعلا، كما يفعلون ذلك قرب قبر النبي  -  ﷺ  -  وعند قبور من يعتقدون فيهم الصلاح زاعمين أن ذلك من دين الله ومحبة الرسول  -  ﷺ  -  وتعظيمه ومحبة الصالحين، كله من أعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمات الله وحرمات رسوله.\nلأن صرف الحقوق الخاصة بالخالق التي هي من خصائص ربوبيته إلى النبي  -  ﷺ  -  أو غيره ممن يعتقد فيهم الصلاح، مستوجب سخط الله وسخط النبي  -  ﷺ  -  وسخط كل متبع له بالحق.\nومعلوم أنه صلوات الله وسلامه عليه لم يأمر بذلك هو ولا أحد من أصحابه، وهو ممنوع في شريعة كل نبي من الأنبياء، والله جل وعلا يقول: ﴿مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ","vol":"7","page":660},{"text":"الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (٨٠)﴾.\nبل الذي كان يأمر به  -  ﷺ  -  هو ما يأمره الله بالأمر به في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَاأَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَينَنَا وَبَينَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إلا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)﴾.\nواعلم أن كل عاقل إذا رأى رجلًا متدينًا في زعمه، مدعيًا حب النبي ﷺ وتعظيمه، وهو يعظم النبي ﷺ ويمدحه بأنه هو الذي خلق السماوات والأرض وأنزل الماء من السماء وأنبت به الحدائق ذات البهجة، وأنه ﷺ هو الذي جعل الأرض قرارًا وجعل خلالها أنهارًا وجعل لها رواسي وجعل بين البحرين حاجزًا، إلى آخر ما تضمنته الآيات المتقدمة، فإن ذلك العاقل لا يشك في أن ذلك المادح المعظم في زعمه من أعداء الله ورسوله المتعدين لحدود الله.\nوقد علمت من الآيات المحكمات أنه لا فرق بين ذلك وبين إجابة المضطرين وكشف السوء عن المكروبين.\nفعلينا معاشر المسلمين أن ننتبه من نومة الجهل، وأن نعظم ربنا بامتثال أمره واجتناب نهيه، وإخلاص العبادة له، وتعظيم نبينا  -  ﷺ  -  باتباعه والاقتداء به في تعظيم الله والإِخلاص له والاقتداء به في كل ما جاء به، وألا نخالفه ﷺ ولا نعصيه، وألا نفعل شيئًا يشعر بعدم التعظيم والاحترام، كرفع الأصوات قرب قبره  -  ﷺ  - .\nوقصدنا النصيحة والشفقة لإِخواننا المسلمين، ليعملوا بكتاب الله، ويعظموا نبيه ﷺ تعظيم الموافق لما جاء به  -  ﷺ  -، ويتركوا","vol":"7","page":661},{"text":"ما يسميه الجهلة محبة وتعظيمًا وهو في الحقيقة احتقار وازدراء وانتهاك لحرمات الله ورسوله  -  ﷺ  -، ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣) وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.\nواعلم أيضًا رحمك الله: أنه لا فرق بين ما ذكرنا من إجابة المضطر وكشف السوء عن المكروب، وبين تحصيل المطالب التي لا يقدر عليها إلا الله، كالحصول على الأولاد والأموال وسائر أنواع الخير.\nفإن التجاء العبد إلى ربه في ذلك أيضًا من خصائص ربوبيته جل وعلا، كما قال تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ﴾، وقال تعالى: ﴿يَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ إِنَاثًا وَيَهَبُ لِمَنْ يَشَاءُ الذُّكُورَ (٤٩)﴾، الآية، وقال تعالى: ﴿وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ وَحَفَدَةً وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوفي الحديث: \"إذا سألت فاسأل الله\".\nوقد أثنى الله جل وعلا على نبيه  -  ﷺ  -  وأصحابه بالتجائهم إليه وقت الكرب يوم بدر في قوله: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ﴾ الآية. فنبينا  -  ﷺ  -  كان هو وأصحابه إذا أصابهم أمر أو كرب التجؤوا إلى الله وأخلصوا له الدعاء. فعلينا أن نتبع ولا نبتدع.\nتنبيه\nاعلم أنه يجب على كل مسلم أن يتأمل في معنى العبادة، وهي","vol":"7","page":662},{"text":"تشمل جميع ما أمر الله أن يتقرب إليه به من جميع القربات، فيخلص تقربه بذلك إلى الله ولا يصرف شيئًا منه لغير الله كائنًا ما كان.\nوالظاهر أن ذلك يشمل هيئات العبادة، فلا ينبغي للمسلِّم عليه - ﷺ - أن يضع يده اليمنى على اليسرى كهيأة المصلي؛ لأن هيأة الصلاة داخلة في جملتها، فينبغي أن تكون خالصة لله، كما كان - ﷺ - هو وأصحابه يخلصون العبادات وهيئاتها لله وحده.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1947> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ (٦)﴾</span>.\nنزلت هذه الآية الكريمة في الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وقد أرسله النبي - ﷺ - إلى بني المصطلق من خزاعة ليأتيه بصدقات أموالهم، فلما سمعوا به تلقوه فرحًا به، فخاف منهم وظن أنهم يريدون قتله، فرجع إلى نبي الله ﷺ وزعم له أنهم منعوا الصدقة وأرادوا قتله، فقدم وفد منهم إلى النبي - ﷺ - فأخبروه بكذب الوليد فأنزل الله هذه الآية.\nوهي تدل على عدم تصديق الفاسق في خبره.\nوصرح تعالى في موضع آخر بالنهي عن قبول شهادة الفاسق، وذلك في قوله: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٤)﴾، ولا خلاف بين العلماء في رد شهادة الفاسق وعدم قبول خبره.\nوقد دلت هذه الآية من سورة الحجرات على أمرين:\nالأول منهما: أن الفاسق إن جاء بنبأ ممكن معرفة حقيقته، وهل ما قاله فيه الفاسق حق أو كذب، فإنه يجب فيه التثبت.","vol":"7","page":663},{"text":"والثاني: هو ما استدل عليه بها أهل الأصول من قبول خبر العدل؛ لأن قوله تعالى: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإ فَتَبَيَّنُوا﴾ يدلُّ بدليل خطابه، أعني مفهوم مخالفته، أن الجائي بنبإ إن كان غير فاسق بل عدلًا، لا يلزم التبين في نبئه، على قراءة: فتبينوا، ولا التثبت على قراءة: فتثبتوا. وهو كذلك.\nوأما شهادة الفاسق فهي مردودة كما دلت عليه آية النور المذكورة آنفًا.\nوقد قدمنا معنى الفسق وأنواعه في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\nوقوله ﴿أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا﴾ أي لئلا تصيبوا قومًا، أو كراهة أن تصيبوا قومًا بجهالة، أي لظنكم النبأ الذي جاء به الفاسق حقًّا، (فتصبحوا على ما فعلتم) من إصابتكم للقوم المذكورين (نادمين) لظهور كذب الفاسق فيما أنبأ به عنهم؛ لأنهم لو لم يتبينوا في نبإ الوليد عن بني المصطلق لعاملوهم معاملة المرتدين، ولو فعلوا ذلك لندموا.\nوقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير حمزة والكسائي: (فتبينوا) بالباء التحتية الموحدة بعدها مثناة تحتية مشددة ثم نون. وقرأه حمزة والكسائي: (فتثبتوا) بالثاء المثلثة بعدها باء تحتية موحدة مشددة ثم تاء مثناة فوقية.\nوالأول من التبين، والثاني من التثبت.\nومعنى القراءتين واحد، وهو الأمر بالتأني وعدم العجلة حتى تظهر الحقيقة فيما أنبأ به الفاسق.","vol":"7","page":664},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1948> قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ﴾</span>.\nما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من أنه هو الذي حبب إليهم الإِيمان وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، جاء موضحًا في آيات كثيرة مصرح فيها بأنه تعالى يهدي من يشاء ويضل من يشاء، كقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا (١٧)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٧٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (٧) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (٨)﴾.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، نرجو الله الرحيم الكريم أن يهدينا وألا يضلنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1949> قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾</span>.\nهذه الأخوة التي أثبت الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة للمؤمنين بعضهم لبعض هي أخوة الدين لا النسب.\nوقد بين تعالى أن الأخوة تكون في الدين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ الآية.\nوقد قدمنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، أن الأخوة الدينية أعظم وأقوى","vol":"7","page":665},{"text":"من الأخوة النسبية، وبينا أدلة ذلك من الكتاب والسنة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1950> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيرًا مِنْهُنَّ﴾</span>.\nقوله: ﴿لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ﴾ أي لا يستخفوا ولا يستهزؤوا بهم، والعرب تقول: سَخِر منه، بكسر الخاء، يَسْخر، بفتح الخاء على القياس، إذا استهزأ به واستخف.\nوقد نهى الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة عن السخرية من الناس، مبينًا أن المسخور منه قد يكون خيرًا من الساخر.\nومن أقبح القبيح استخفاف الدنيء الأرذل بالأكرم الأفضل، واستهزاؤه به.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي عن السخرية، جاء ذم فاعله وعقوبته عند الله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إلا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٩)﴾.\nوقد بين تعالى أن الكفار المترفين في الدنيا كانوا يسخرون من ضعاف المؤمنين في دار الدنيا، وأن أولئك يسخرون من الكفار يوم القيامة، كما قال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥) هَلْ ثُوِّبَ الْكُفَّارُ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٣٦)﴾.","vol":"7","page":666},{"text":"فلا ينبغي لمن رأى مسلمًا في حالة رثة تظهر بها عليه آثار الفقر والضعف أن يسخر منه، لهذه الآيات التي ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1951> قوله تعالى: ﴿وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ﴾</span>.\nأي لا يلمز أحدكم أخاه، كما تقدم إيضاحه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nوقد أوعد الله جل وعلا الذين يلمزون الناس في قوله تعالى: ﴿وَيلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ (١)﴾، والهمزة كثير الهمز للناس، واللمزة كثير اللمز.\nقال بعض العلماء: الهمز يكون بالفعل، كالغمز بالعين احتقارًا وازدراءً، واللمز باللسان، وتدخل فيه الغيبة.\nوقد صرح الله تعالى بالنهي عن ذلك في قوله: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾، ونفر عنه غاية التنفير في قوله تعالى: ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيتًا فَكَرِهْتُمُوهُ﴾، فيجب على المسلم أن يتباعد كل التباعد من الوقوع في عرض أخيه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1952> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه خلق الناس من ذكر وأنثى، ولم يبين هنا كيفية خلقه للذكر والأنثى المذكورين، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتاب الله.\nفبين أنه خلق ذلك الذكر الذي هو آدم من تراب، وقد بين الأطوار التي مرَّ بها ذلك التراب، كصيرورته طينًا لازبًا وحمأ مسنونًا وصلصالًا كالفخار.","vol":"7","page":667},{"text":"وبين أنه خلق تلك الأنثى التي هي حواء من ذلك الذكر الذي هو آدم، فقال في سورة النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾، وقال تعالى في الأعراف: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيهَا﴾، وقال تعالى في الزمر: ﴿خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾.\nوقد قدمنا أنه خلق نوع الإِنسان على أربعة أنواع مختلفة:\nالأول منها: خلقه لا من أنثى ولا من ذكر، وهو آدم ﵇.\nوالثاني: خلقه من ذكر بدون أنثى، وهو حواء.\nوالثالث: خلقه من أنثى بدون ذكر، وهو عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام.\nوالرابع: خلقه من ذكر وأنثى، وهو سائر الآدميين.\nوهذا يدل على كمال قدرته جل وعلا.\n\nمسألة\nقد دلت هذه الآيات القرآنية المذكورة على أن المرأة الأولى كان وجودها الأول مستندًا إلى وجود الرجل وفرعًا عنه.\nوهذا أمر كوني قدري من الله، أنشأ المرأة في إيجادها الأول عليه.\nوقد جاء الشرع الكريم المنزل من الله ليعمل به في أرضه، بمراعاة هذا الأمر الكوني القدري في حياة المرأة في جميع النواحي.","vol":"7","page":668},{"text":"جعل الرجل قائمًا عليها، وجعلها مستندة إليه في جميع شؤونها، كما قال تعالى: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية.\nفمحاولة استواء المرأة مع الرجل في جميع نواحي الحياة لا يمكن أن تتحقق؛ لأن الفوارق بين النوعين كونًا وقدرًا أولًا، وشرعًا منزلًا ثانيًا، تمنع من ذلك منعًا باتًّا.\nولقوة الفوارق الكونية والقدرية والشرعية بين الذكر والأنثى، صح عن النبي  -  ﷺ  -  أنه لعن المتشبه من النوعين بالآخر.\nولا شك أن سبب هذا اللعن هو محاولة من أراد التشبه منهم بالآخر، لتحطيم هذه الفوارق التي لا يمكن أن تتحطم.\nوقد ثبت في صحيح البخاري من حديث ابن عباس ﵄ قال: \"لعن رسول الله ﷺ المتشبهين من الرجال بالنساء والمتشبهات من النساء بالرجال\".\nوقد قدمنا هذا الحديث بسنده في سورة بني إسرائيل، وبينا هناك أن من لعنه رسول الله  -  ﷺ  -  فهو ملعون في كتاب الله، فلو كانت الفوارق بين الذكر والأنثى يمكن تحطيمها وإزالتها لم يستوجب من أراد ذلك اللعن من الله ورسوله.\nولأجل تلك الفوارق العظيمة الكونية القدرية بين الذكر والأنثى، فرق الله جل وعلا بينهما في الطلاق، فجعله بيد الرجل دون المرأة، وفي الميراث، وفي نسبة الأولاد إليه، وفي تعدد الزوجات دون الأزواج، وصرح بأن شهادة امرأتين بمنزلة شهادة رجل واحد في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَينِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ الآية، فالله الذي خلقهما لا شك أنه أعلم بحقيقتهما، وقد صرح في كتابه بقيام الرجل مقام امرأتين في الشهادة.","vol":"7","page":669},{"text":"وقد قال تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾ أي غير عادلة، لعدم استواء النصيبين، لفضل الذكر على الأنثى.\nوذلك وقعت امرأة عمران في مشكلة لما ولدت مريم، كما قال تعالى عنها: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾ الآية.\nفامرأة عمران تقول: ﴿وَلَيسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى﴾، وهي صادقة في ذلك بلا شك.\nوالكفرة وأتباعهم يقولون: إن الذكر والأنثى سواء.\nولا شك عند كل عاقل في صدق هذه السالبة وكذب هذه الموجبة.\nوقد أوضحنا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ وجه الحكمة في جعل الطلاق بيد الرجل، وتفضيل الذكر على الأنثى في الميراث، وتعدد الزوجات، وكون الولد ينسب إلى الرجل، وذكرنا طرفًا من ذلك في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلرِّجَالِ عَلَيهِنَّ دَرَجَةٌ﴾، وبينا أن الفوارق الطبيعية بينهما كون الذكورة شرفًا وكمالًا وقوة طبيعية خلقية، وكون الأنوثة بعكس ذلك.\nوبينا أن العقلاء جميعًا مطبقون على الاعتراف بذلك، وأن من أوضح الأدلة التي بينها القرآن على ذلك اتفاق العقلاء على أن الأنثى من حين نشأتها تجلى بأنواع الزينة من حلي وحلل، وذلك لجبر النقص الجبلي الخلقي الذي هو الأنوثة، كما قال الشاعر:\nوما الحلي إلا زينة من نقيصةٍ ... يتمم من حُسْنٍ إذا الحسن قصَّرا","vol":"7","page":670},{"text":"وقد بينا أن الله أوضح هذا بقوله: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيرُ مُبِينٍ (١٨)﴾، فأنكر على الكفار أنهم مع ادعاء الولد له تعالى جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما خلقة وجبلة وهو الأنثى، ولذلك نشأت في الحلية من صغرها، لتغطية النقص الذي هو الأنوثة وجبره بالزينة، فهو في الخصام غير مبين؛ لأن الأنثى لضعفها الخلقي الطبيعي لا تقدر أن تبير في الخصام إبانة الفحول الذكور، إذا اهتضمت وظلمت، لضعفها الطبيعي.\nوإنكار الله تعالى على الكفار أنهم مع ادعائهم له الولد جعلوا له أنقص الولدين وأضعفهما، كثير في القرآن، كقوله تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى الْبَنِينَ (١٥٣) مَا لَكُمْ كَيفَ تَحْكُمُونَ (١٥٤)﴾، وقوله: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُمْ بِالْبَنِينَ وَاتَّخَذَ مِنَ الْمَلَائِكَةِ إِنَاثًا إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلًا عَظِيمًا (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوأما الذكر فإنه لا ينشأ في الحلية؛ لأن كمال ذكورته وشرفها وقوتها الطبيعية التي لا يحتاج معه إلى التزين بالحلية التي تحتاج إليه الأنثى، لكماله بذكورته ونقصها بأنوثتها.\nومما لا نزاع فيه بين العقلاء أن الذكر والأنثى إذا تعاشرا المعاشرة البشرية الطبيعية التي لا بقاء للبشر دونها، فإن المرأة تتأثر بذلك تأثرًا طبعيًّا كونيًّا قدريًّا مانعًا لها من مزاولة الأعمال، كالحمل والنفاس وما ينشأ عن ذلك من الضعف والمرض والألم، بخلاف الرجل فإنه لا يتأثر بشيء من ذلك.\nومع هذه الفوارق لا يتجرأ على القول بمساواتهما في جميع","vol":"7","page":671},{"text":"الميادين إلا مكابر في المحسوس، فلا يدعو إلى المساواة بينهما إلا من أعمى الله بصيرته.\nوقد قدمنا في الموضعين اللذين أشرنا لهما من هذا الكتاب المبارك ما يكفي المنصف، فأغنى عن إعادته هنا.\n\n• قول تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾.\nلما كان قوله تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ يدل على استواء الناس في الأصل؛ لأن أباهم واحد وأمهم واحدة، وكان في ذلك أكبر زاجر عن التفاخر بالأنساب وتطاول بعض الناس على بعض، بين تعالى أنه جعلهم شعوبًا وقبائل لأجل أن يتعارفوا، أي يعرف بعضهم بعضًا، ويتميز بعضهم عن بعض، لا لأجل أن يفتخر بعضهم على بعض ويتطاول عليه.\nوذلك يدل على أن كون بعضهم أفضل من بعض وأكرم منه إنما يكون بسبب آخر غير الأنساب، وقد بين الله ذلك هنا بقوله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾.\nفاتضح من هذا أن الفضل والكرم إنما هو بتقوى الله لا بغيره من الانتساب إلى القبائل، ولقد صدق من قال:\nفقد رفع الإِسلام سلمان فارس ... وقد وضع الكفر الشريف أبا لهب\nوقد ذكروا أن سلمان ﵁ كان يقول:\nأبي الإِسلام لا أب لي سواه ... إذا افتخروا بقيس أو تميم\nوهذه الآيات القرآنية، تدل على أن دين الإِسلام دين سماوي صحيح، لا نظر فيه إلى الألوان ولا إلى العناصر، ولا إلى الجهات،","vol":"7","page":672},{"text":"وإنما المعتبر فيه تقوى الله جل وعلا وطاعته، فأكرم الناس وأفضلهم أتقاهم لله، ولا كرم ولا فضل لغير المتقي ولو كان رفيع النسب.\nوالشعوب جمع شعب، وهو الطبقة الأولى من الطبقات الست التي عليها العرب وهي: الشعب، والقبيلة، والعمارة، والبطن، والفخذ، والفصيلة.\nفالشعب يجمع القبائل، والقبيلة تجمع العمائر، والعمارة تجمع البطون، والبطن يجمع الأفخاذ، والفخذ يجمع الفصائل.\nخزيمة شعب، وكنانة قبيلة، وقريش عمارة، وقصي بطن، وهاشم فخذ، والعباس فصيلة.\nوسميت الشعوب؛ لأن القبائل تتشعب منها.\nولم يذكر من هذه الست في القرآن إلا ثلاث: الشعوب، والقبائل، كما في هذه الآية، والفصيلة، في المعارج، في قوله: ﴿وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْويهِ (١٣)﴾.\nوقد قدمنا ما دلت عليه هذه الآيات موضحًا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nواعلم أن العرب قد تطلق بعض هذه الست على بعض، كإطلاق البطن على القبيلة في قول الشاعر:\nوإن كلابًا هذه عشر أبطن ... وأنت بريء من قبائلها العشر\nكما قدمناه في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.","vol":"7","page":673},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1953> قوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية من العرب قالوا آمنا، وأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم.\nوذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.\nوقد قدمنا مرارًا أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي الصحيح، هو استسلام القل بالاعتقاد، واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل، فمؤداهما واحد، كما يدل له قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.\nوإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام، ولذلك وجهان معروفان عند العلماء، أظهرهما عندي: أن الإيمان المنفي عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب.\nوإنما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية على الصحيح؛ لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر، وأن توكل السرائر إلى الله.","vol":"7","page":674},{"text":"فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفى به شرعا، وإن كان القلب منطويًا على الكفر.\nولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعا عن التنقيب عن القلب.\nوكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلامًا لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل العدوي مسلم الجاهلية:\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالًا\nدحاها فلما استوت شدها ... جميعا وأرسى عليها الجبالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا\nإذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا\nوأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تصرف حالًا فحالا\nفالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد.\nوإذا حمل الإسلام في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ انقدنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح. فلا إشكال في الآية.\nوعلى هذا القول، فالأعراب المذكورون منافقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهر، وهم كفار في الباطن.\nالوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفي كمال الإيمان، لا نفيه من أصله.\nوعليه فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص.","vol":"7","page":675},{"text":"وإنما استظهرنا الوجه الأول، وهو أن المراد بالإسلام معناه اللغوي دون الشرعي، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يدل على ذلك دلالة كما ترى؛ لأن قوله: ﴿يَدْخُلِ﴾ فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم، كما أوضحنا مرارًا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:\nونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا\nفقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في معنى: لا دخول للإيمان في قلوبكم.\nوالذين قالوا بالثاني قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله. والأول أظهر كما ترى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ﴾ المراد به بعض الأعراب، وقد استظهرنا أنهم منافقون، لدلالة القرآن على ذلك، وهم من جنس الأعراب الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية؛ لأن الله بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1954> قوله تعالى: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (١٦)﴾</span>.\nلما قال هؤلاء الأعراب: آمنا، وأمر الله نبيه أن يكذبهم في","vol":"7","page":676},{"text":"قوله: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾، وقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾، أمر نبيهم أن يقول لهم بصيغة الإنكار: ﴿قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ﴾، وذلك بادعائكم أنكم مؤمنون، والله لا يخفى عليه شيء من حالكم، وهو عالم بأنكم لم تؤمنوا وعالم بكل ما في السموات والأرض وعالم بكل شيء.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من تقبيح تزكية النفس بالكذب جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (٣٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1955> قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.\n\n* * *","vol":"7","page":677},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1956>سورة ق</span>","vol":"7","page":679},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1957> قوله تعالى: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾</span>.\nالمقسم عليه في الآية محذوف، والظاهر أنه المقسم عليه المحذوف في سورة ص، وقد أوضحناه في الكلام عليها.\n\n• وقوله تعالى هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾.\nقد قدمنا في سورة ص أن من المقسم عليه أن النبي - ﷺ - صادق وأن رسالته حق، كما دل عليه قوله في ص: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وقد دل على ذلك قوله هنا: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وقد قدمنا في ص أنه يدخل في المقسم عليه تكذيب الكفار في إنكارهم البعث، ويدل عليه قوله هنا: ﴿فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢) أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ (٣)﴾ الآية، والحاصل أن المقسم عليه في ص بقوله: ﴿ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ (١)﴾، وفي ق بقوله: ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ (١)﴾ محذوف، وهو تكذيب الكفار في إنكارهم رسالة النبي - ﷺ - وإنكارهم البعث، وإنكارهم كون المعبود واحدًا.\nوقد بينا الآيات الدالة على ذلك في سورة ص، وذكرنا هناك أن","vol":"7","page":681},{"text":"كون المقسم عليه في سورة ق هذه المحذوف يدخل في إنكارهم لرسالة النبي - ﷺ -، بدليل قوله: ﴿بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وتكذيبهم في إنكارهم للبعث، بدليل قوله: ﴿فَقَال الْكَافِرُونَ هَذَا شَيءٌ عَجِيبٌ (٢)﴾، وبينا وجه إيضاح ذلك بالآيات المذكورة هناك وغيرها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1958> قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾</span>.\nالهمزة في قوله: ﴿أَفَلَمْ﴾ تتعلق بمحذوف، والفاء عاطفة عليه، كما قدمنا مرارًا أنه أظهر الوجهين، وأنه أشار إليه في الخلاصة بقوله:\n\n• وحذف متبوع بدا هنا استبح *\nوالتقدير: أأعرضوا عن آيات الله فلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج؛ أي ليس فيها من شقوق ولا تصدع ولا تفطر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من تعظيم شأن كيفية بنائه تعالى للسماء وتزيينه لها وكونها لا تصدع ولا شقوق فيها، جاء كله موضحًا في آيات أخر، كقوله جل وعلا في بنائه للسماء: ﴿أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا (٢٧) رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا (٢٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ (١٧)﴾، وقوله تعالى في أول الرعد: ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ","vol":"7","page":682},{"text":"عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾، وقوله تعالى في لقمان: ﴿بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوكقوله تعالى في تزيينه للسماء: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَجَعَلْنَاهَا رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِـ (٦)﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦)﴾.\nوكقوله تعالى في حفظه للسماء من أن يكون فيها فروج أي شقوق: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾، والفطور والفروج بمعنى واحد، وهو الشقوق والصدوع، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفًا مَحْفُوظًا وَهُمْ عَنْ آيَاتِهَا مُعْرِضُونَ (٣٢)﴾. أما إذا كان يوم القيامة فإن السماء تتشقق وتتفطر، وتكون فيها الفروج، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١) وَأَذِنَتْ لِرَبِّهَا وَحُقَّتْ﴾، وقال تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، وقال تعالى: ﴿يَوْمًا يَجْعَلُ الْولْدَانَ شِيبًا (١٧)﴾، وقال تعالى: ﴿فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1959> قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه مد الأرض وألقى فيها الجبال الرواسي وأنبت فيها من كل زوج بهيج، تبصرة وذكرى لكل عبد منيب.","vol":"7","page":683},{"text":"وهذا الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾ إلى قوله: ﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وكقوله: ﴿خَلَقَ السَّمَاوَاتِ بِغَيرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِي الْأَرْضِ رَوَاسِيَ أَنْ تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ كَرِيمٍ (١٠) هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ﴾ والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٥)﴾ أي من كل صنف حسن من أصناف النبات، وقوله: ﴿تَبْصِرَةً﴾ أي قدرنا الأرض وألقينا فيها الرواسي وأنبتنا فيها أصناف النبات الحسنة، لأجل أن نبصر عبادنا كمال قدرتنا على البعث وعلى كل شيء وعلى استحقاقنا للعبادة دون غيرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1960> قوله تعالى: ﴿وَأَحْيَينَا بِهِ بَلْدَةً مَيتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ (١١)﴾</span>.\nقوله: (كذلك الخروج): معناه أن الله ﵎ يبين أن إحياء الأرض بعد موتها بإنبات النبات فيها بعد انعدامه واضمحلاله، دليل على بعث الناس بعد الموت بعد كونهم ترابًا وعظامًا. فقوله: (كذلك الخروج) يعني أن خروج الناس أحياء من قبورهم بعد الموت كخروج النبات من الأرض بعد عدمه، بجامع استواء الجميع في أنه جاء بعد عدم، وهذا أحد براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في صدر سورة البقرة وأول النحل وأول الجاثية، وغير ذلك من المواضع.","vol":"7","page":684},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1961> قوله تعالى: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة تدل على أن من كذب الرسل يحق عليه العذاب، أي يتحتم ويثبت في حقه ثبوتًا لا يصح معه تخلفه عنه، وهو دليل واضح على أن ما قاله بعض أهل العلم من أن الله يصح أن يخلف وعيده؛ لأنه قال: إنه لا يخلف وعده، ولم يقل إنه لا يخلف وعيده، وأن إخلاف الوعيد حسن لا قبيح، وإنما القبيح هو إخلاف الوعد، وأن الشاعر قال:\nوإني وإن أوعدته أو وعدته ... لمخلف إيعادي ومنجز موعدي\nلا يصح بحال؛ لأن وعيده تعالى للكفار حق، ووجب عليهم بتكذيبهم للرسل، كما دل عليه قوله هنا: ﴿كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ (١٤)﴾. وقد تقرر في الأصول أن الفاء من حروف العلة كقوله: سها فسجد، أي لعله سهوه، وسروا فقطعت يده، أي لعلة سرقته، ومنه قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيدِيَهُمَا﴾، فتكذيبهم الرسل علة صحيحة لكون الوعيد بالعذاب حَقَّ ووجب عليهم، فدعوى جواز تخلفه باطلة بلا شك.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحا في آيات أخر، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿قَال لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيكُمْ بِالْوَعِيدِ (٢٨) مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ﴾ الآية، والتحقيق: أن المراد بالقول الذي لا يبدل لديه هو الوعيد الذي قدم به إليهم، وقوله تعالى في سورة ص: ﴿إِنْ كُلٌّ إلا كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ (١٤)﴾.\nوبهذا تعلم أن الوعيد الذي لا يمتنع إخلافه هو وعيد عصاة المسلمين بتعذيبهم على كبائر الذنوب؛ لأن الله تعالى أوضح ذلك في","vol":"7","page":685},{"text":"قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ وهذا في الحقيقة تجاوز من الله عن ذنوب عباده المؤمنين العاصين، ولا إشكال في ذلك، وقد أوضحنا هذا في كتابنا دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1962> قوله تعالى: ﴿أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ (١٥)﴾</span>.\nهذه الآية الكريمة من براهين البعث، لأن من لم يعي بخلق الناس ولم يعجز عن إيجادهم الأول لا شك في قدرته على إعادتهم وخلقهم مرة أخرى؛ لأن الإعادة لا يمكن أن تكون أصعب من البدء.\nوالآيات الدالة على هذا كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nوقد أوضحنا الآيات الدالة على براهين البعث التي يكثر الاستدلال عليه بها في القرآن، كخلق الناس أولًا، وخلق السماوات والأرض وما فيهما، وإحياء الأرض بعد موتها، وغير ذلك، في مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك، في البقرة والنحل والحج والجاثية وغير ذلك، وأحلنا على ذلك مرارًا كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1963> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة هود في الكلام","vol":"7","page":686},{"text":"على قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّهُمْ يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ أَلَا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1964> قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾</span>.\nقوله: (إذ) منصوب بقوله: (أقرب) أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد: أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى، كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الذي هو المتلقيان، محذوف تقديره: إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه.\nقال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة. اهـ منه، والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما اليلكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله.\nوالقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد.\nوالأظهر أن معناه: المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل","vol":"7","page":687},{"text":"وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المُآكل، والنديم بمعنى المنادم.\nوقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائمًا أو غالبًا يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي:\nقعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا\nوالمعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول بدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:\nرماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن جَوْلِ الطويِّ رماني\nوقول قيس بن الخطيم الأنصاري:\nنحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف\nوقول ضابئ بن الحارث البرجمي:\nفمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب\nفقول ابن أحمر: \"كنت منه ووالدي بريئًا\" أي كنت بريئًا منه وكان والدي بريئًا منه.\nوقول ابن الخطيم: \"نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض\" أي نحن راضون وأنت راض.\nوقول ضابئ بن الحارث: \"فإني وقيار بها لغريب\" يعني إني لغريب وقيار غريب.\nوهذا أسلوب عربي معروف.\nودعوى أن قوله في الآية: (قعيد) هي الأولى أُخِّرت وحذفت","vol":"7","page":688},{"text":"الثانية لدلالتها عليها، لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخيرة فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ما يلفظ من قول) أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام (إلا لديه) أي إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي ملكًا مراقبًا لأعماله حافظًا لها شاهدًا عليها لا يفوته منها شيء.\n(عتيد) أي حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.\nوقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر. وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":689},{"text":"تنبيه\nاعلم أن العلماء اختلفوا في عمل الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾؛ لأنه قوله: (من قول) نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة مِنْ، فهي نص صريح في العموم.\nوقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب.\nوكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب، فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون: يكتب الجميع، متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب، هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية.\nوالذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتًا محذوفًا سوَّغ حذفه العلم به؛ لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء.\nوقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه في أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها، بدليل قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي قرية ظالمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا","vol":"7","page":690},{"text":"مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر:\nورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد\nأي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص:\nمن قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل\nأي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1965> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1966> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلِ امْتَلأْتِ وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ (٣٠)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة السبعة غير نافع وشعبة عن عاصم: (يوم نقول) بالنون الدالة على العظمة. وقرأه نافع وشعبة: (يوم يقول) بالياء، وعلى قراءتهما فالفاعل ضمير يعود إلى الله.\nواعلم أن الاستفهام في قوله: (هل من مزيد) فيه للعلماء قولان معروفان:\nالأول: أن الاستفهام إنكاري، كقوله تعالى: ﴿هَلْ يُهْلَكُ إلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ (٤٧)﴾ أي ما يهلك إلا القوم الظالمون. وعلى هذا، فمعنى (هل من مزيد) لا محل للزيادة، لشدة امتلاء النار.","vol":"7","page":691},{"text":"واستدل بعضهم لها الوجه بآيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١١٩)﴾، ﴿قَال فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ (٨٤) لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ (٨٥)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ﴾ الآية؛ لأن إقسامه تعالى في هذه الآية المدلول عليه بلام التوطئة في (لأملأن) على أنه يملأ جهنم من الجنة والناس، دليل على أنها لا بد أن تمتلئ.\nولذا قالوا: إن معنى (هل من مزيد) لا مزيد؛ لأني قد امتلأت فليس فِيَّ محل للمزيد.\nوأما القول الآخر، فهو أن المراد بالاستفهام في قول النار: (هل من مزيد) هو طلبها للزيادة، وأنها لا تزال كذلك حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول: قط قط، أي كفاني قد أمتلأت.\nوهذا الأخير هو الأصح، لما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن النبي  -  ﷺ  -  أن جهنم لا تزال تقول: هل من مزيد، حتى يضع رب العزة فيها قدمه فينزوي بعضها إلى بعض وتقول قط قط؛ لأن في هذا الحديث المتفق عليه التصريح بقولها: قط قط، أي كفاني قد امتلأت، وأن قولها قبل ذلك: هل من مزيد، لطلب الزيادة، وهذا الحديث الصحيح من أحاديث الصفات، وقد قدمنا الكلام عليها مستوفًى في سورة الأعراف والقتال.","vol":"7","page":692},{"text":"واعلم أن قول النار في هذه الآية: (هل من مزيد) قول حقيقي ينطقها الله، فزعم بعض أهل العلم أنه كقول الحوض:\nامتلأ الحوض فقال قطني ... مهلًا رويدًا قد ملأت بطني\nوأن المراد بقولها ذلك هو ما يفهم من حالها؛ خلاف التحقيق. وقد أوضحنا ذلك بأدلته في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا (١٢)﴾. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1967> قوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيرَ بَعِيدٍ (٣١)﴾</span>.\nقوله: (أزلفت) أي قربت. وقوله: (غير بعيد) فيه معنى التوكيد لقوله: (أزلفت) سواء أعربت (غير بعيد) بأنها حال أو ظرف.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من إزلاف الجنة للمتقين، جاء في مواضع أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ (١٢) وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ (١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ (٩٠) وَبُرِّزَتِ الْجَحِيمُ لِلْغَاوينَ (٩١)﴾.\nقال البغوي ﵀ في تفسير هذه الآية: (غير بعيد) ينظرون إليها قبل أن يدخلوها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1968> قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا وَلَدَينَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾</span>.\nقوله: (لهم ما يشاؤون فيها) قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلَدَينَا مَزِيدٌ﴾ قال","vol":"7","page":693},{"text":"بعض العلماء: المزيد النظر إلى وجه الله الكريم. ويستأنس لذلك بقوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾؛ لأن الحسنى الجنة، والزيادة النظر، والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1969> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْنٍ هُمْ أَشَدُّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا وَمَضَى مَثَلُ الْأَوَّلِينَ (٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1970> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَمَا مَسَّنَا مِنْ لُغُوبٍ (٣٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، وبينا هناك أن الله أوضح ذلك في فصلت في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾، وأوضحنا ذلك في سورة فصلت.\nواللغوب: التعب والإعياء من العمل.\nقوله تعالى: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ (٣٩)﴾.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أمره تعالى لنبيه - ﷺ - بالصبر على ما يقوله الكفار والتسبيح بحمده جل وعلا أطراف النهار، قد ذكره الله في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في أخريات طه: ﴿فَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ","vol":"7","page":694},{"text":"اللَّيلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ لَعَلَّكَ تَرْضَى (١٣٠)﴾، وأمره له بالتسبيح لعد أمره له بالصبر على أذى الكفار فيه دليل على أن التسبيح يعينه الله به على الصبر المأمور به، والصلاة داخلة في التسبيح المذكور كما قدمنا إيضاح ذلك، وذكرنا فيه حديث نعيم بن همار، في آخر الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ (٩٧) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (٩٨)﴾، وبينا هنالك أن الله أمر بالاستعانة بالصبر وبالصلاة كما قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1971> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَسْمَعُونَ الصَّيحَةَ بِالْحَقِّ ذَلِكَ يَوْمُ الْخُرُوجِ (٤٢)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1972> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا ذَلِكَ حَشْرٌ عَلَينَا يَسِيرٌ (٤٤)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وابن كثير وابن عامر: (تشقق) بتشديد الشين بإدغام إحدى التاءين فيها، وقرأ الباقون بتخفيف الشين لحذف إحدى التاءين.\nوقوله تعالى: (سراعًا) جمع سريع، وهو حال من الضمير المجرور في قوله: (عنهم) أي تشقق الأرض عنهم في حال كونهم مسرعين إلى الداعي، وهو الملك الذي ينفخ في الصور ويدعو الناس إلى الحساب والجزاء.","vol":"7","page":695},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الناس يوم البعث يخرجون من قبورهم مسرعين إلى المحشر قاصدين نحو الداعي، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوه تعالى: ﴿يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ (٤٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾، وقوله: (ينسلون) أي يسرعون، وقوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾ الآية، فقوله: (مهطعين) أي مسرعين مادي أعناقهم، على الأصح، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة يس في الكلام على قوله: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1973> قوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْتَ عَلَيهِمْ بِجَبَّارٍ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يونس في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ (٩٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1974> قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ (٤٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ الآية.\n\n* * *","vol":"7","page":696},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1975>سورة الذاريات</span>","vol":"7","page":697},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1976> قوله تعالى: ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا (١) فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا (٢) فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣) فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾</span>.\nأكثر أهل العلم على أن المراد بالذاريات الرياح. وهو الحق إن شاء الله، ويدل عليه أن الذرو صفة مشهورة من صفات الرياح.\nومنه قوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ﴾، ومعنى (تذروه) ترفعه وتفرقه، فهي تذرو التراب والمطر وغيرهما، ومنه قول ذي الرمة:\nومنهل آجن قفر محاضره ... تذرو الرياح على جماته البعرا\nولا يخفى سقوط قول من قال: إلى الذاريات النساء.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْحَامِلَاتِ وقْرًا﴾ أكثر أهل العلم على أن المراد بالحاملات وقرًا: السحاب. أي المزن تحمل وقرًا ثقيلًا من الماء.\nويدل لهذا القول تصريح الله جل وعلا بوصف السحاب بالثقال، وهو جمع ثقيلة، وذلك لثقل السحابة بوقر الماء الذي تحمله، كقوله تعالى: ﴿وَيُنْشِئُ السَّحَابَ الثِّقَال (١٢)﴾، وهو جمع","vol":"7","page":699},{"text":"سحابة ثقيلة، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾.\nوقال بعضهم: المراد بالحاملات وقرًا: السفن تحمل الأثقال من الناس وأمتعتهم.\nولو قال قائل: إن الحاملات وقرًا الرياح أيضًا لكان وجهه طاهرًا، ودلالة بعض الآيات عليه واضحة؛ لأن الله تعالى صرح بأن الرياح تحمل السحاب الثقال بالماء، وإذا كانت الرياح هي التي تحمل السحاب إلى حيث شاء الله، فنسبة حمل ذلك الوقر إليها أظهر من نسبته إلى السحاب التي هي محمولة للرياح، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَينَ يَدَي رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ﴾ الآية.\nفقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا﴾ أي حتى إذا حملت الرياح سحابًا ثقالًا، فالإقلال الحمل، وهو مسند إلى الريح. ودلالة هذا على أن الحاملات وقرًا هي الرياح ظاهرة كما ترى.\nويصح شمول الآية لجميع ذلك، وقد قدمنا مرارًا أنه هو الأجود في مثل ذلك، وبينا كلام أهل الأصول فيه، وكلامهم في حمل المشترك على معنييه أو معانيه، في أول سورة النور وغيرها.\nوالقول بأن الحاملات وقرًا: هي حوامل الأجنة من الإناث، ظاهر السقوط.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَالْجَارِيَاتِ يُسْرًا (٣)﴾ أكثر أهل العلم على أن المراد بالجاريات يسرًا: السفن تجري في البحر يسرًا، أي جريًا ذا يسر أي سهولة.","vol":"7","page":700},{"text":"والأظهر أن هذا المصدر المنكر حال كما قدمنا نحوه مرارًا، أي فالجاريات في حال كونها ميسرة مسخرًا لها البحر.\nويدل لهذا القول كثرة إطلاق الوصف بالجري على السفن، كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقيل: الجاريات الرياح. وقيل غير ذلك.\nوقوله تعالى: ﴿فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْرًا (٤)﴾: هي الملائكة يرسلها الله في شؤون وأمور مختلفة، ولذا عبر عنها بالمقسمات. ويدل لهذا قوله تعالى: ﴿فَالْمُدَبِّرَاتِ أَمْرًا (٥)﴾، فمنهم من يرسل لتسخير المطر والريح، ومنهم من يرسل لكتابة الأعمال، ومنهم من يرسل لقبض الأرواح، ومنهم من يرسل لإهلاك الأمم، كما وقع لقوم صالح.\nوالتحقيق أن قوله: (أمرًا) مفعول به للوصف الذي هو المقسمات، وهو مفرد أريد به الجمع، وقد أوضحنا أمثلة ذلك في القرآن العظيم وفي كلام العرب، مع تنكير المفرد كما هنا، وتعريفه وإضافته في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾.\nوالمقسم عليه بهذه الأقسام هو قوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ (٥) وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ (٦)﴾، والموجب لهذا التوكيد هو شدة إنكار الكفار للبعث والجزاء.\nوقوله: ﴿إِنَّمَا تُوعَدُونَ﴾ (ما)، فيه موصولة والعائد إلى الصلة","vol":"7","page":701},{"text":"محذوف، والوصف بمعنى المصدر، أي إن الذي توعدونه من الجزاء والحساب لصدق لا كذب فيه.\nوقال بعض العلماء: (ما) مصدرية، أي إن الوعد بالبعث والجزاء والحساب لصادق.\nوقال بعضهم: إن صيغة اسم الفاعل في (لصادق) بمعنى اسم المفعول، أي إن الوعد أو الموعود به لمصدوق فيه لا مكذوب به، ونظير ذلك قوله تعالى: ﴿فِي عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي مرضية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من صدق ما يوعدونه جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ لآتٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوالمراد بالدين هنا الجزاء، وإن الجزاء يوم القيامة لواقع لا محالة، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ﴾ أي جزاءهم بالعدل والإنصاف، وكقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى﴾.\nوقد نزه الله نفسه عن كونه خلق الخلق لا لبعث وجزاء، وبين أن ذلك ظن الكفار، وهددهم على ذلك الظن السيء بالويل من النار، قال تعالى منكرًا على من ظن عدم البعث والجزاء، ومنزهًا نفسه عن أنه خلقهم عبثًا لا لبعث وجزاء: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا بَاطِلًا ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ﴾، في قوله في آية ص هذه: (باطلًا) أي عبثًا لا لبعث وجزاء.","vol":"7","page":702},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1977> قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧) إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨) يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿ذَاتِ الْحُبُكِ﴾ فيه للعلماء أقوال متقاربة لا يكذب بعضها بعضًا، فذهب بعض أهل العلم إلى أن الحبك جمع حبيكة أو حباك، وعليه فالمعنى: (ذات الحبك) أي ذات الطرائق، فما يبدو على سطح الماء الساكن أو الرمل من الطرائق إذا ضربته الريح هو الحبك، وهو جمع حبيكة أو حباك، قالوا: ولبعد السماء لا ترى طرائقها المعبر عنها بالحبك، ومن هذا المعنى قول زهير:\nمكلل بأصول النجم تنسجه ... ريح خريق بضاحي مائه حبك\nوقول الراجز:\nكأنما جللها الحواك ... طنفسة في وشيها حباك\nوممن نقل عنه هذا القول الكلبي والضحاك.\nوقال بعض أهل العلم: (ذات الحبك) أي ذات الخلق الحسن المحكم. وممن قال به ابن عباس وعكرمة وقتادة.\nوهذا الوجه يدل عليه قوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَينِ يَنْقَلِبْ إِلَيكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوعلى هذا القول، فالحبك مصدر؛ لأن كل عمل أتقنه عامله وأحسن صنعه تقول فيه العرب: حبكه حَبكًا بالفتح على القياس. والحبك بضمتين بمعناه.\nوقال بعض العلماء: (ذات الحبك) أي الزينة. وممن روي عنه","vol":"7","page":703},{"text":"هذا سعيد بن جبير والحسن، وعلى هذا القول، فالآية كقوله: ﴿وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في ق في الكلام على قوله: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا وَزَيَّنَّاهَا﴾ الآية.\nوقال بعض العلماء: (ذات الحبك) أي ذات الشدة، وهذا القول يدل له قوله تعالى: ﴿وَبَنَينَا فَوْقَكُمْ سَبْعًا شِدَادًا (١٢)﴾.\nوالعرب تسمي شدة الخلق حبكًا، ومنه قيل للفرس الشديد الخلق: محبوك.\nومنه قول امرئ القيس:\nقد غدا يحملني في أنفه ... لاحق الأطلين محبوك ممر\nوالآية تشمل الجميع، فكل الأقوال حق.\nوالمقسم عليه في هذه الآية قوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَفِي قَوْلٍ مُخْتَلِفٍ (٨)﴾، أي إنكم أيها الكفار لفي قول مختلف في شأن النبي  -  ﷺ  -  وشأن القرآن؛ لأن بعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: سحر، وبعضهم يقول: كهانة، وبعضهم يقول: أساطير الأولين.\nوقول من قال: (في قول مختلف) أي لأن بعضهم مصدق وبعضهم مكذب، خلاف التحقيق.\nويدل على أن الاختلاف إنما هو بين المكذبين دون المصدقين قوله تعالى في ق: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَهُمْ فِي أَمْرٍ مَرِيجٍ (٥)﴾ أي مختلط. وقال بعضهم: مختلف. والمعنى واحد.\nوقوله تعالى: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ مَنْ أُفِكَ (٩)﴾ أظهر الأقوال فيه عندي ولا ينبغي العدول عنه في نظري: أن لفظة (عن) في الآية سببية كقوله","vol":"7","page":704},{"text":"تعالى: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ﴾ أي بسبب قولك ومن أجله، والضمير المجرور بعن راجع إلى القول المختلف، والمعنى: (يؤفك) أي يصرف عن الإيمان بالله ورسوله (عنه) أي عن ذلك القول المختلف أي بسببه (من أفك) أي من سبقت له الشقاوة في الأزل، فحرم الهدي وأفك عنه؛ لأن هذا القول المختلف يكذب بعضه بعضًا ويناقضه.\nومن أوضح الأدلة على كذب القول وبطلانه اختلافُه وتناقضه كما لا يخفى؛ فهذا القول المختلف الذي يحاول كفار مكة أن يصدوا به الناس عن الإسلام، الذي يقول فيه بعضهم: إن الرسول ساحر، وبعضهم يقول: شاعر، وبعضهم يقول: كذاب. ظاهر البطلان لتناقضه وتكذيب بعضه لبعض، فلا يصرف عن الإسلام بسببه إلا من صرف، أي صرفه الله عن الحق لشقاوته في الأزل، فمن لم يكتب عليه في سابق علم الله الشقاوة والكفر لا يصرفه عن الحق قولٌ ظاهر الكذب والبطلان لتناقضه.\nوهذا المعنى جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿فَإِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ (١٦١) مَا أَنْتُمْ عَلَيهِ بِفَاتِنِينَ (١٦٢) إلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ (١٦٣)﴾.\nومعنى هذه الآية: أن دين الكفار، الذي هو الشرك بالله وعبادة الأوثان، مع حرصهم على صد الناس عن دين الإسلام إليه، ما هم بفاتنين، أي ليسوا بمضلين عليه أحدا لظهور فساده وبطلانه، (إلا من هو صال الجحيم)، أي إلا من قدر الله عليه الشقاوة وأنه من أهل النار في سابق علمه.\nهذا هو الظاهر لنا في معنى هذه الآية الكريمة.","vol":"7","page":705},{"text":"وأكثر المفسرين على أن الضمير في قوله: ﴿يُؤْفَكُ عَنْهُ﴾ راجح إلى النبي - ﷺ - أو القرآن، أي يصرف عن الإيمان بالنبي أو القرآن، (من أفك) أي صرف عن الحق، وحرم الهدى؛ لشدة ظهور الحق في صدق النبي - ﷺ -، وأن القرآن منزل من الله.\nوهذا خلاف ظاهر السياق كما ترى.\nوقول من قال: (يؤفك عنه) أي يصرف عن القول المختلف الباطل (من أفك) أي من صرف عق الباطل إلى الحق؛ لا يخفى بعده وسقوطه، والذين قالوا هذا القول يزعمون أن الإفك يطلق على الصرف عن الحق إلى الباطل، وعن الباطل إلى الحق. ويبعد هذا أن القرآن لم يرد فيه الإفك مراد به إلا الصرف عن الخير إلى الشر، دون عكسه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1978> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (١٥)﴾</span>.\nلا يخفى على من عنده علم بأصول الفقه أن هذه الآية الكريمة فيها الدلالة المعروفة عند أهل الأصول بدلالة الإيماء والتنبيه على أن سبب نيل هذه الجنات والعيون هو تقوى الله، والسبب الشرعي هو العلة الشرعية على الأصح.\nوكون التقوى سبب دخول الجنات الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة، جاء موضحًا في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿تِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَنْ كَانَ تَقِيًّا (٦٣)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ كَذَلِكَ يَجْزِي اللَّهُ الْمُتَّقِينَ (٣١)﴾.","vol":"7","page":706},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1979> قوله تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ (٢٠) وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ (٢١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة الجاثية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1980> قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بكون رزق الناس في السماء.\nفذهبت جماعة من أهل العلم إلى أن المراد أن جميع أرزاقهم منشؤها من المطر، وهو نازلٌ من السماء، ويكثر في القرآن إطلاق اسم الرزق على المطر لهذا المعنى، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ﴾ الآية، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة المؤمن.\nوإنزاله تعالى الرزق من السماء بإنزال المطر من أعظم آياته الدالة على عظمته وأنه المعبود وحده، ومن أعظم نعمه على خلقه في الدنيا، ولذلك كثر الامتنان به في القرآن على الخلق.\nوقال بعض أهل العلم: معنى قوله: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ أن أرزاقكم مقدرة مكتوبة، والله جل وعلا يدبر أمر الأرض من السماء، كما قال تعالى: ﴿يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيهِ﴾ الآية.\nقوله تعالى: ﴿وَمَا تُوعَدُونَ﴾ (ما) في محل رفع عطف على قوله: ﴿رِزْقُكُمْ﴾، والمراد بما يوعدون: قال بعض أهل العلم: الجنة؛ لأن الجنة فوق السماوات، فإطلاق كونها في السماء إطلاق","vol":"7","page":707},{"text":"عربي صحيح؛ لأن العرب تطلق السماء على كل ما علاك، كما قيل:\nوقد يسمى سماء كل مرتفع ... وإنما الفضل حيث الشمس والقمر\nولما حكى النابغة الجعدي شعره المشهور، قال فيه:\nبلغنا السماء مجدنا وسناؤنا ... وإنا لنرجو فوق ذلك مظهرا\nقال له  -  ﷺ  -: إلى أين يا أبا ليلى؟ قال: إلى الجنة. قال: نعم إن شاء الله.\nقال بعص أهل العلم. (وما توعدون) من الخير والشر كله مقدر في السماء، كما بيناه في القول الثاني في المراد بالرزق في الآية، وهذا المعنى فيما يوعدون به أنسب لهذا القول الثاني في معنى الرزق.\nوقد وردت قصص تدل على أنه هو الذي يتبادر إلى ذهن السامع، فمن ذلك ما ذكره غير واحد عن سفيان الثوري أنه قال: قرأ واصل الأحدب هذه الآية ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ وَمَا تُوعَدُونَ (٢٢)﴾ فقال: ألا أرى رزقي في السماء وأنا أطلبه في الأرض، فدخل خربة يمكث ثلاثًا لا يصيب شيئًا، فلما أن كان في اليوم الثالث إذا هو بدوخلة من رطب، وكان له أخ أحسن منه نية، فدخل معه فصارتا دوخلتين، فلم يزل ذلك دأبهما حتى فرق بينهما الموت.\nومن ذلك أيضًا: ما ذكره الزمخشري في تفسير هذه الآية قال: وعن الأصمعي قال: أقبلت من جامع البصرة فطلع أعرابي على قعود له، فقال: ممن الرجل؟ قلت: من بني أصمع. قال: من أين أقبلت؟ قلت: من موضع يتلى فيه كلام الرحمن. فقال: اتل علي، فتلوت:","vol":"7","page":708},{"text":"والذاريات، فلما بلغت قوله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكُمْ﴾ قال: حسبك. فقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى، فلما حججت مع الرشيد طفقت أطوف فإذا أنا بمن يهتف بي بصوت رقيق، فالتفت، فإذا أنا بالأعرابي قد نحل واصفرَّ، فسلَّم علي واستقرأ السورة، فلما بلغت الآية صاح، وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًّا، ثم قال: وهل غير هذا؟ فقرأت ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنْطِقُونَ (٢٣)﴾، فصاح وقال: يا سبحان الله! من ذا الذي أغضب الجليل حتى حلف؟! لم يصدقوه بقوله حتى ألجئوه إلى اليمين. قالها ثلاثًا، وخرجت معها نفسه. انتهى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1981> قوله تعالى: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ (٢٤) إِذْ دَخَلُوا عَلَيهِ فَقَالُوا سَلَامًا﴾</span>. إلى آخر القصة.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيفِ إِبْرَاهِيمَ (٥١)﴾ الآيات، وفي سورة هود في القصة المذكورة، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1982> قوله تعالى: ﴿وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٣٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ (٧٦)﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1983> قوله تعالى: ﴿وَفِي عَادٍ إِذْ أَرْسَلْنَا عَلَيهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ (٤١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لذلك في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآية.","vol":"7","page":709},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1984> قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ وَهُمْ يَنْظُرُونَ (٤٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَينَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1985> قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَينَاهَا بِأَيدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (٤٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا﴾ الآية.\n\nتنبيه\nقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (بنيناها بأيد) ليس من آيات الصفات المعروفة بهذا الاسم؛ لأن قوله: (بأيد) ليس جمع يد، وإنما الأيد القوة، فوزن قوله هنا: (بأيد) فَعْل، ووزن الأيدي أفعل، فالهمزة في قوله: (بأيد) في مكان الفاء، والياء في مكان العين، والدال في مكان اللام. ولو كان قوله تعالى: (بأيد) جمع يد لكان وزنه أفعلا، فتكون الهمزة زائدة، والياء في مكان الفاء، والدال في مكان العين، والياء المحذوفة لكونه منقوصًا هي اللام.\nوالأيد، والآد في لغة العرب بمعنى القوة، ورجل أيد قوي، ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ﴾ أي قوَّيناه به.\nفمن ظن أنها جمع يد في هذه الآية فقد غلط غلطًا فاحشًا.\nوالمعنى: والسماء بنيناها بقوة.","vol":"7","page":710},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1986> قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إلا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ (٥٢) أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه ما أتى نبيٌّ قومًا إلا قالوا ساحر أو مجنون، ثم قال: (أتواصوا به) ثم أضرب عن تواصيهم بذلك إضراب إبطال؛ لأنهم لم يجمعوا في زمن حتى يتواصوا فقال: ﴿بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ (٥٣)﴾ أي الموجب الذي جمعهم على اتفاقهم جميعًا على تكذيب الرسل ونسبتهم للسحر والجنون هو اتحاد الطغيان الذي هو مجاوزة الحد في الكفر.\nوهذا يدل على أنهم إنما اتفقوا لأن قلوب بعضهم تشبه قلوب بعض في الكفر والطغيان، فتشابهت مقالاتهم للرسل لأجل تشابه قلوبهم.\nوقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة البقرة: ﴿كَذَلِكَ قَال الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1987> قوله تعالى: ﴿فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ (٥٤)﴾</span>.\nنفيه جل وعلا في هذه الآية الكريمة للَّوم عن نبيه - ﷺ -، يدل على أنه أدى الأمانة ونصح للأمة.\nوقد أوضح هذا المعنى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)﴾، والآيات الدالة على هذا المعنى كثيرة معلومة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1988> قوله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾</span>.\nقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن من أنواع البيان","vol":"7","page":711},{"text":"التي تضمنها أن يجعل الله شيئًا لحكم متعددة، فيذكر بعض حكمه في بعض المواضع، فإنا نذكر بقية حكمه، والآيات الدالة عليها، وقد قدمنا أمثلة ذلك.\nومن ذلك القبيل هذه الآية الكريمة، فإنها تضمنت واحدة من حكم التذكير، وهي رجاء انتفاع المذكَّر، لأنه تعالى قال هنا: ﴿فَذَكِّرْ﴾، ورتب عليه قوله: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ (٥٥)﴾.\nومن حكم ذلك أيضًا: خروج المذكِّر من عهدة التكليف بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد جمع الله هاتين الحكمتين في قوله: ﴿قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٦٤)﴾.\nومن حكم ذلك أيضًا: النيابة عن الرسل في إقامة حجة الله على خلقه في أرضه؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾.\nوقد بين هذه الحجة في آخر طه في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ﴾ الآية.\nوأشار لها في القصص في قوله: ﴿وَلَوْلَا أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَينَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٤٧)﴾.\nوقد قدمنا هذه الحكم في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿عَلَيكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيتُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1989> قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾</span>.\nاختلف العلماء في معنى قوله: (ليعبدون)، فقال بعضهم:","vol":"7","page":712},{"text":"المعنى ما خلقتهم إلا ليعبدني السعداء منهم ويعصيني الأشقياء، فالحكمة المقصودة من إيجاد الخلق التي هي عبادة الله حاصلة بفعل السعداء منهم، كما يدل عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ (٨٩)﴾. وهذا القول نقله ابن جرير عن زيد بن أسلم وسفيان.\nوغاية ما يلزم على هذا القول أنه أطلق فيها المجموع وأراد بعضهم، وأمثال ذلك كثيرة في القرآن، ومن أوضحها قراءة حمزة والكسائي: (فإن قتلوكم فاقتلوهم) من القتل لا من القتال، وقد بينا هذا في مواضع متعددة، وذكرنا أن من شواهده العربية قول الشاعر:\nفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا من يَدَي ورقاء عن رأس خالد\nفتراه نسب الضرب لبني عبس مع تصريحه أن الضارب الذي نبا بيده السيف عن رأس خالد يعني ابن جعفر الكلابي، هو ورقاء يعني ابن زهير العبسي.\nوقد قدمنا في الحجرات أن من ذلك قوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ الآية، بدليل قوله: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\nوقال بعض العلماء: معنى قوله: (إلا ليعبدون) أي إلا ليقروا لي بالعبودية طوعًا أو كرهًا؛ لأن المؤمن يطيع باختياره والكافر مذعن منقاد لقضاء ربه جبرًا عليه. وهذا القول رواه ابن جرير عن ابن عباس، واختاره، ويدل له قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا﴾ الآية، والسجود والعبادة كلاهما خضوع وتذلل لله","vol":"7","page":713},{"text":"جل وعلا، وقد دلت الآية على أن بعضهم يفعل ذلك طوعًا وبعضهم يفعله كرهًا.\nوعن مجاهد أنه قال: (إلا ليعبدون) أي إلا ليعرفوني. واستدل بعضهم لهذا القول بقوله: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ ونحو ذلك من الآيات، وهو كثير في القرآن، وقد أوضحنا كثرته فيه في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾.\nوقال بعض أهل العلم، وهو مروي عن مجاهد أيضًا: معنى قوله: (إلا ليعبدون) أي إلا لآمرهم بعبادتي فيعبدني من وفقته منهم لعبادتي دون غيره. وعلى هذا القول: فإرادة عبادتهم المدلول عليها باللام في قوله: (ليعبدون) إرادة دينية شرعية وهي الملازمة للأمر، وهي عامة لجميع من أمرتهم الرسل بطاعة الله، لا إرادة كونية قدرية؛ لأنها لو كانت كذلك لعبده جميع الإنس والجن، والواقع خلاف ذلك، بدليل قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ (١) لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ (٢) وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ (٣)﴾ إلى آخر السورة.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق إن شاء الله في معنى هذه الآية الكريمة ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾: أي إلا لآمرهم بعبادتي، وأبتليهم، أي أختبرهم بالتكاليف، ثم أجازيهم على أعمالهم، إن خيرًا فخير وإن شرًّا فشر.\nوإنما قلنا إن هذا هو التحقيق في معنى الآية، لأنه تدل عليه آيات محكمات من كتاب الله، فقد صرح تعالى في آيات من كتابه أنه خلقهم ليبتليهم أيهم أحسن عملًا، وأنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم.","vol":"7","page":714},{"text":"قال تعالى في أول سورة هود: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾، ثم بين الحكمة في ذلك فقال: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ (٧)﴾.\nوقال تعالى في أول سورة الملك: ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nوقال تعالى في أول الكهف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا (٧)﴾ الآية.\nفتصريحه جل وعلا في هذه الآيات المذكورة بأن حكمة خلقه للخلق هي ابتلاؤهم أيهم أحسن عملًا، يفسر قوله ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nومعلوم أن نتيجة العمل المقصود منه لا يتم إلا بجزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، ولذا صرح تعالى بأن حكمة خلقهم أولًا وبعثهم ثانيًا، هو جزاء المحسن بإحسانه والمسيء بإساءته، وذلك في قوله تعالى في أول يونس: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (٤)﴾، وقوله في النجم: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾.\nوقد أنكر تعالى على الإنسان حسبانه وظنه أنه يترك سدى، أي مهملًا، لم يؤمر ولم يُنْهَ، وبين أنه ما نقله من طور إلى طور حتى أوجده إلا ليبعثه بعد الموت، أي ويجازيه على عمله، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾ إلى قوله: ﴿أَلَيسَ","vol":"7","page":715},{"text":"ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾. والبراهين على البعث دالة على الجزاء.\nوقد نزه تعالى نفسه عن هذا الظن الذي ظنه الكفار به تعالى، وهو أنه لا يبعث الخلق ولا يجازيهم، منكرًا ذلك عليهم، في قوله: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَينَا لَا تُرْجَعُونَ (١١٥) فَتَعَالى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَهَ إلا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ (١١٦)﴾.\nوقده قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾.\n\nتنبيه\nاعلم أن الآيات الدالة على حكمة خلق الله للسماوات والأرض وأهلهما وما بينهما قد يظن غير المتأمل أن بينهما اختلافًا، والواقع خلاف ذلك؛ لأن كلام الله لا يخالف بعضه بعضًا، وإيضاح ذلك: أن الله ﵎ ذكر في بعض الآيات أن حكمة خلقه للسماوات والأرض هي إعلام خلقه بأنه قادر على كل شيء، وأنه محيط بكل شيء علمًا، وذلك في قوله تعالى في آخر الطلاق: ﴿اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَينَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيءٍ عِلْمًا (١٢)﴾.\nوذكر في مواضع كثيرة من كتابه أنه خلق الخلق ليبين للناس كونه هو المعبود وحده، كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)﴾، ثم أقام البرهان على أنه إله واحد بقوله بعده: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، ولما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ﴾ بين أن","vol":"7","page":716},{"text":"خلقهم برهان على أنه المعبود وحده بقوله بعده: ﴿الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (٢١)﴾ الآية.\nوالاستدلال على أن المعبود واحد بكونه هو الخالق كثير جدًّا في القرآن، وقد أوضحنا الآيات الدالة عليه في أول سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا (٢) وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً لَا يَخْلُقُونَ شَيئًا﴾ الآية، وفي سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيءٍ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\nوذكر في بعص الآيات أنه خلق السماوات والأرض ليبتلي الناس، وذلك في قوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾.\nوذكر في بعض الآيات أنه خلقهم ليجزيهم بأعمالهم وذلك في قوله: ﴿إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ﴾ الآية، وذكر في آية الذاريات هذه أنه ما خلق الجن والإنس إلا ليعبدوه.\nفقد يظن غير العالم أن بين هذه الآيات اختلافًا، مع أنها لا اختلاف بينها؛ لأن الحكم المذكور فيها كلها راجع إلى شيء واحد، وهو معرفة الله وطاعته ومعرفة وعده ووعيده، فقوله: ﴿لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ﴾ قوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ﴾ راجع إلى شيء واحد هو العلم بالله؛ لأن من عرف الله أطاعه ووحده.\nوهذا العلم يعلمهم الله إياه، ويرسل لهم الرسل بمقتضاه، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حيي عن بينة، فالتكليف بعد","vol":"7","page":717},{"text":"العلم، والجزاء بعد التكليف، فظهر بهذا اتفاق الآيات؛ لأن الجزاء لا بد له من تكليف، وهو الابتلاء المذور في الآيات، والتكليف لا بد له من علم، ولذا دل بعض الآيات على أن حكمة الخلق للمخلوقات هي العلم بالخالق، ودل بعضها على أنها الابتلاء، ودل بعضها على أنها الجزاء، وكل ذلك حق لا اختلاف فيه، وبعضه مرت على بعض.\nوقد بينا معنى (إلا يعبدون) في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبينا هناك أن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾ أي ولأجل الاختلاف إلى شقي وسعيد خلقهم، وفي قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾ إرادة كونية قدرية، وأن الإرادة المدلول عليها باللام في قوله: ﴿إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾ إرادة دينية شرعية.\nوبينا هناك أيضًا الأحاديث الدالة على أن الله خلق الخلق منقسمًا إلى شقي وسعيد، وأنه كتب ذلك وقدره قبل أن يخلقهم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ﴾، وقال: ﴿فَرِيقٌ فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقٌ فِي السَّعِيرِ (٧)﴾.\nوالحاصل: أن الله دعا جميع الناس على ألسنة رسله إلى الإيمان به وعبادته وحده، وأمرهم بذلك، وأمره بذلك مستلزم للإرادة الدينية الشرعية، ثم إن الله جل وعلا يهدي من يشاء منهم ويضل من يشاء بإرادته الكونية القدرية، فيصيرون إلى ما سبق به العلم من شقاوة وسعادة.\nوبهذا تعلم وجه الجمع بين قوله: ﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ","vol":"7","page":718},{"text":"الْجِنِّ وَالْإِنْسِ﴾، وقوله: ﴿وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ﴾، وبين قوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.\nوإنما ذكرنا أن الإرادة قد تكون دينية شرعية، وهي ملازمة للأمر والرضا، وقد تكون كونية قدرية، وليست ملازمة لهما؛ لأن الله يأمر الجميع بالأفعال المرادة منهم دينا، ويريد ذلك كونًا وقدرًا من بعضهم دون بعض، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إلا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فقوله: (إلا ليطاع) أي فيما جاء به من عندنا؛ لأنه مطلوب مراد من المكلفين شرعًا ودينًا، وقوله: (بإذن الله) يدل على أنه لا يقع من دلك إلا ما أراده الله كونًا وقدرًا، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾، والنبي - ﷺ - يقول: \"كل ميسر لما خلق له\". والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1990> قوله تعالى: ﴿مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ (٥٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1991> قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوبًا مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحَابِهِمْ فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾</span>.\nأصل الذَّنوب في لغة العرب الدلو، وعادة العرب أنهم يقتسمون ماء الآبار والقلب بالدلو، فيأخذ هذا منه ملء دلو، ويأخذ الآخر كذلك، ومن هنا أطلقوا اسم الذنوب التي هي الدلو على النصيب. قال الراجز في اقتسامهم الماء بالدلو:\nلنا ذنوب ولكم ذنوب ... فإن أبيتم فلنا القليب","vol":"7","page":719},{"text":"ويروى:\nإنا إذا شاربنا شريب ... له ذنوب ولنا ذنوب\n\n• فإن أبى كان لنا القليب *\nومن إطلاق الذنوب على مطلق النصيب قول علقمة بن عبدة التميمي، وقيل عبيد:\nوفي كل حي قد خبطت بنعمة ... فحق لشأس من نداك ذنوب\nوقول أبي ذؤيب:\nلعمرك والمنايا طارقات ... لكل بني أب منها ذنوب\nالذَّنوب في البيتين النصيب.\nومعنى الآية الكريمة: (فإن للذين ظلموا) بتكذيب النبي - ﷺ - (ذَنوبًا) أي نصيبًا من عذاب الله، (مثل ذنوب أصحابهم) من الأمم الماضية من العذاب لما كذبوا رسلهم.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قَدْ قَالهَا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَمَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٥٠) فَأَصَابَهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَالَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْ هَؤُلَاءِ سَيُصِيبُهُمْ سَيِّئَاتُ مَا كَسَبُوا وَمَا هُمْ بِمُعْجِزِينَ (٥١)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَا يَسْتَعْجِلُونِ (٥٩)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالي: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ وَقَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمُ الْمَثُلَاتُ﴾، وفي سورة مريم في الكلام على قوله: ﴿فَلَا تَعْجَلْ عَلَيهِمْ إِنَّمَا نَعُدُّ لَهُمْ عَدًّا (٨٤)﴾، وغير ذلك من المواضع.","vol":"7","page":720},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-1992> قوله تعالى: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ يَوْمِهِمُ الَّذِي يُوعَدُونَ (٦٠)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من تهديد الكفار بالويل من يوم القيامة لما ينالهم فيه من عذاب النار، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في ص: ﴿فَوَيلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ (٢٧)﴾، وقوله في إبراهيم: ﴿وَوَيلٌ لِلْكَافِرِينَ مِنْ عَذَابٍ شَدِيدٍ (٢)﴾، وقوله في المرسلات: ﴿وَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١٥)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقد قدمنا أن كلمة ﴿وَيلٌ﴾، قال فيها بعض أهل العلم: إنها مصدر لا فعل له من لفظه، ومعناه الهلاك الشديد وقيل: هو واد في جهنم تستعيذ من حره.\nوالذي سوغ الابتداء بهذه النكرة أن فيها معنى الدعاء.\n\n* * *","vol":"7","page":721},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-1993>سورة الطور</span>","vol":"7","page":723},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1994> قوله تعالى: ﴿وَالطُّورِ (١) وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ (٢) فِي رَقٍّ مَنْشُورٍ (٣) وَالْبَيتِ الْمَعْمُورِ (٤) وَالسَّقْفِ الْمَرْفُوعِ (٥) وَالْبَحْرِ الْمَسْجُورِ (٦) إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧) مَا لَهُ مِنْ دَافِعٍ (٨)﴾</span>.\nهذه الأقسام التي أقسم الله بها تعالى في أول هذه السورة الكريمة، أقسم ببعضها بخصوصه، وأقسم بجميعها في آية عامة لها ولغيرها.\nأما الذي أقسم به منها إقسامًا خاصًّا، فهو الطور، والكتاب المسطور، والسقف المرفوع.\nوالأظهر أن الطور: الجبل الذي كلم الله عليه موسى، وقد أقسم الله تعالى بالطور في قوله: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيتُونِ (١) وَطُورِ سِينِينَ (٢)﴾.\nوالأظهر أن الكتاب المسطور هو القرآن العظيم، وقد أكثر الله من الإِقسام به في كتابه، كقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢)﴾.\nوقيل: هو كتاب الأعمال. وقيل غير ذلك.\nوالسقف المرفوع: هو السماء، وقد أقسم الله بها في كتابه في","vol":"7","page":725},{"text":"آيات متعددة، كقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ (٧)﴾، وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا (٥)﴾.\nوالوَّق، بفتح الراء: كل ما يكتب فيه من صحيفة وغيرها. وقيل: هو الجلد المرقق ليكتب فيه. وقوله: (منشور) أي مبسوط، ومنه قوله: ﴿كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣)﴾، وقوله: ﴿بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (٥٢)﴾.\nوالبيت المعمور: هو البيت المعروف في السماء المسمى بالضراح، بضم الضاد، وقيل فيه: (معمور) لكثرة ما يغشاه من الملائكة المتعبدين، فقد جاء الحديث أنَّه يزوره كل يوم سبعون ألف ملك، ولا يعودون إليه بعدها.\nوقوله: (والبحر المسجور) فيه وجهان من التفسير للعلماء: أحدهما: أن المسجور هو الموقد نارًا. قالوا: وسيضطرم البحر يوم القيامة نارًا، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾.\nوالوجه الثاني: هو أن المسجور بمعنى المملوء؛ لأنه مملوء ماء، ومن إطلاق المسجور على المملوء قول لبيد بن ربيعة في معلقته:\nفتوسطا عرض السرى وصدعا ... مسجورة متجاورًا قلامها\nفقوله: \"مسجورة\" أي عينًا مملوءة ماء.\nوقول النمر بن تولب العكلي:\nإذا شاء طالع مسجورة ... ترى حولها النبع والساسما","vol":"7","page":726},{"text":"وهذان الوجهان المذكوران في معنى المسجور هما أيضًا في قوله: ﴿وَإِذَا الْبِحَارُ سُجِّرَتْ (٦)﴾.\nوأما الآية العامة التي أقسم فيها تعالى بما يشمل جميع هذه الأقسام وغيرها، فهي قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ (٣٨) وَمَا لَا تُبْصِرُونَ (٣٩)﴾؛ لأن الإِقسام في هذه الآية عام في كل شيء.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ لَوَاقِعٌ (٧)﴾، قد قدمنا الآيات الموضحة له في أول الذاريات، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1995> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾</span>.\nالدعُّ في لغة العرب: الدفع بقوة وعنف، ومنه قوله تعالى ﴿فَذَلِكَ الَّذِي يَدُعُّ الْيَتِيمَ (٢)﴾ أي يدفعه عن حقه بقوة وعنف.\nوقد تضمنت هذه الآية الكريمة أمرين:\nأحدهما: أن الكفار يدفعون إلى النار بقوة وعنف يوم القيامة.\nوالثاني: أنهم يقال لهم يوم القيامة توبيخًا وتقريعًا: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.\nوهذان الأمران المذكوران في هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات أخر، أما الأخير منهما، وهو كونهم يقال لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾، فقد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله في السجدة: ﴿كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٠)﴾، وقوله في سبأ: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ","vol":"7","page":727},{"text":"بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ نَفْعًا وَلَا ضَرًّا وَنَقُولُ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى في المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ (٢٩) انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١) إِنَّهَا تَرْمِي بِشَرَرٍ كَالْقَصْرِ (٣٢) كَأَنَّهُ جِمَالتٌ صُفْرٌ (٣٣)﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوأما الأول منهما، وهو كونهم يدفعون إلى النار بقوة، فقد ذكره الله جل وعلا في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿خُذُوهُ فَاعْتِلُوهُ إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ (٤٧)﴾ أي جروه بقوة وعنف إلى وسط النار. والعَتْل في لغة العرب: الجر بعنف وقوة، ومنه قول الفرزدق:\nليس الكرام بناحليك أباهم ... حتَّى ترد إلى عطية تعتل\nوقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ أي تجمع الزبانية بين ناصية الواحدة منهم - أي مقدم شعر رأسه - وقدمه، ثم تدفعه في النار بقوة وشدة.\nوقد بين جل وعلا أنهم أيضًا يسحبون في النار على وجوههم في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿لَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (٧٠) إِذِ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَالسَّلَاسِلُ يُسْحَبُونَ (٧١) فِي الْحَمِيمِ ثُمَّ فِي النَّارِ يُسْجَرُونَ (٧٢)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ﴾ بدل من قوله: ﴿يَؤْمَئِذٍ﴾ في قوله تعالى قبله: ﴿فَوَيلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (١١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1996> قوله تعالى: ﴿اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاءٌ عَلَيكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (١٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن الكفار معذبون في النار","vol":"7","page":728},{"text":"لا محالة، سواء صبروا أو لم يصبروا، فلا ينفعهم في ذلك صبر ولا جزع، وقد أوضح هذا المعنى في قوله: ﴿قَالُوا لَوْ هَدَانَا اللَّهُ لَهَدَينَاكُمْ سَوَاءٌ عَلَينَا أَجَزِعْنَا أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِنْ مَحِيصٍ (٢١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1997> قوله تعالى: ﴿كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ (٢١)﴾</span>.\nظاهر هذه الآية الكريمة العموم في جميع الناس، وقد بين تعالى في آيات أخر أن أصحاب اليمين خارجون من هذا العموم، وذلك في قوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ (٣٨) إلا أَصْحَابَ الْيَمِينِ (٣٩) فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ (٤٠) عَنِ الْمُجْرِمِينَ (٤١)﴾.\nومن المعلوم أن التخصيص بيان، كما تقرر في الأصول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1998> قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾</span>.\nلم يذكر هنا شيء من صفات هذه الفاكهة ولا هذا اللحم إلَّا أنَّه مما يشتهون. وقد بين صفات هذه الفاكهة في مواضع أخر، كقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾، وبين أنَّها أنواع في مواضع أخر، كقوله: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقًا قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢)﴾ إلى غير ذلك من الآيات، ووصف اللحم المذكور بأنه من الطير، والفاكهة بأنها مما يتخيرونه على غيره، وذلك في قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-1999> قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾</span>.\nقرأه ابن كثير وأَبو عمرو: (لا لغوَ) بالبناء على الفتح،","vol":"7","page":729},{"text":"(ولا تأثيمَ) كذلك؛ لأنها (لا) التي نفي الجنس، فبنيت معها، وهي إن كانت كذلك نص في العموم.\nوقرأه الباقون من السبعة: (لا لغوٌ فيها ولا تأثيم) بالرفع والتنوين؛ لأن لا النافية للجنس إذا تكررت كما هنا جاز إعمالها وإهمالها، والقراءتان في الآية فيهما المثال للوجهين، وإعمالها كثير، ومن شواهد إهمالها قراءة الجمهور في هذه الآية، وقول الشاعر:\nوما هجرت حتَّى قلت معلنة ... لا ناقة ليَ في هذا ولا جمل\nوقوله: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا﴾ أي يتعاطون، ويتناول بعضهم من بعض (كأسًا) أي خمرًا، فالتنازع يطلق لغة على كل تعاط وتناول، فكل قوم يعطي بعضهم بعضًا شيئًا ويناوله إياه فهم يتنازعونه، كتنازع كؤوس الشراب والكلام، وهذا المعنى معروف في كلام العرب.\nومنه في الشراب قول الأخطل:\nوشارب مربح بالكأس نادمني ... لا بالحصور ولا فيها بسوار\nنازعتُه طيِّب الراح الشمول وقد ... صاح الدجاج وحانت وقعة السار\nفقوله: \"نازعته طيِّب الراح\" أي ناولته كؤوس الخمر وناولنيها.\nومنه في الكلام قول امرئ القيس:\nولما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميال\nوالكأس تطلق على إناء الخمر، ولا تكاد العرب تطلق الكأس إلَّا على الإِناء المملوء، وهي مؤنثة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾ يعني أن خمر الجنَّة التي يتعاطاها المؤمنون فيها، مُخَالفَة في جميع","vol":"7","page":730},{"text":"الصفات لخمر الدنيا، فخمر الآخرة لا لغو فيها، واللغو كل كلام ساقط لا خير فيه، فخمر الآخرة لا تحمل شاربيها على الكلام الخبيث والهذيان؛ لأنها لا تؤثر في عقولهم، بخلاف خمر الدنيا، فإنهم إن يشربوها سكروا وطاشت عقولهم، فتكلموا بالكلام الخبيث والهذيان، وكل ذلك من اللغو.\nوالتأثيم: هو ما ينسب به فاعله إلى الإِثم، فخمر الآخرة لا يأثم شاربها بشربها؛ لأنها مباحة له، فينعم بلذتها، كما قال تعالى: ﴿وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ﴾، ولا تحمل شاربها على أن يفعل إثمًا، بخلاف خمر الدنيا، فشاربها يأثم بشربها ويحمله السكر على الوقوع في المحرمات كالقتل والزنا والقذف.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من مُخَالفَة خمر الآخرة لخمر الدنيا، جاء موضحًا في آيات آخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (٤٥) بَيضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ (٤٦) لَا فِيهَا غَوْلٌ وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ وقوله (لا فيها غول) أي ليس فيها غول يغتال العقول، فيذهبها كخمر الدنيا، ﴿وَلَا هُمْ عَنْهَا يُنْزَفُونَ (٤٧)﴾ لا يسكرون، وكقوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾، وقوله: (لا يصدعون) أي لا يصيبهم الصداع الذي هو وجع الرأس بسببها.\nوقد أوضحنا معنى هذه الآيات في صفة خمر الآخرة، وبينا أنَّها مُخَالفَة في جميع الصفات لخمر الدنيا، وذكرنا الشواهد العربية في ذلك في سورة المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾.","vol":"7","page":731},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2000> قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾</span>\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن أهل الجنَّةَ يطوف عليهم غلمان، جمع غلام، أي خدم لهم، وقد قدمنا إطلاقات الغلام وشواهدها العربية في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ (٥٣)﴾.\nولم يبين هنا ما يطوفون عليهم به، وذكر هنا حسنهم بقوله: (كأنهم لؤلؤ مكنون) في أصدافه، لأن ذلك أبلغ في صفائه وحسنه، وقيل: (مكنون) أي مخزون لنفاسته، لأن النفيس هو الذي يخزن ويُكَنّ.\nوبين تعالى في الواقعة بعض ما يطوفون عليهم به في قوله: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧) بِأَكْوَابٍ وَأَبَارِيقَ وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨)﴾، وزاد في هذه الآية كونهم مخلدين، وذكر بعض ما يطاف عليهم به في قوله: ﴿يُطَافُ عَلَيهِمْ بِصِحَافٍ مِنْ ذَهَبٍ وَأَكْوَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَيُطَافُ عَلَيهِمْ بِآنِيَةٍ مِنْ فِضَّةٍ وَأَكْوَابٍ كَانَتْ قَوَارِيرَا (١٥) قَوَارِيرَ مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا (١٦)﴾.\nوالظاهر أن الفاعل المحذوف في قوله: (يطاف عليهم) في آية الزخرف والإِنسان المذكورتين هو الغلمان المذكورون في الطور والواقعة.\nوذكر بعض صفات هؤلاء الغلمان في الإنسان في قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيتَهُمْ حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤًا مَنْثُورًا (١٩)﴾.","vol":"7","page":732},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2001> قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾</span>.\nذكر جلا وعلا في هذه الآية الكريمة، أن أهل الجنَّةِ يسأل بعضهم بعضًا، وأن المسؤول منهم يقول للسائل: (إنا كنا قبل) أي في دار الدنيا (في أهلنا مشفقين) أي خائفين من عذاب الله، ونحن بين أهلنا أحياء (فمنَّ الله علينا) أي أكرمنا وتفضل علينا بسبب الخوف منه في دار الدنيا، فهدانا ووفقنا في الدنيا (ووقانا) في الآخرة (عذاب السموم) والسموم: النار ولفحها ووهجها، وأصله الريح الحارة التي تدخل المسام، والجمع سمائم. ومنه قول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nأنامل لم تضرب على البهم بالضحى ... بهن ووجه لم تلحه السمائم\nوقد يطلق السموم على الريح الشديدة البرد، ومنه قول الراجز:\nاليوم يوم بارد سمومه ... من جزع اليوم فلا ألومه\nالفاء في قوله: (فمن الله علينا) تدل على أن علة ذلك هي الخوف من الله في دار الدنيا.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإِشفاق الذي هو الخوف الشديد من عذاب الله في دار الدنيا، سبب للسلامة منه في الآخرة، يفهم من دليل خطابه - أعني مفهوم مخالفته - أن من لم يخف من عذاب الله في الدنيا لم ينج منه في الآخرة.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة بمنطوقها ومفهومها جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فذكر تعالى أن السرور في الدنيا وعدم الخوف من الله سبب العذاب يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿وَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ","vol":"7","page":733},{"text":"وَرَاءَ ظَهْرِهِ (١٠) فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣) إِنَّهُ ظَنَّ أَنْ لَنْ يَحُورَ (١٤)﴾ الآية.\nوقد تقرر في مسلك الإِيماء والتنبيه أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله: (إنه كان في أهله مسرورًا) علة لقوله: (فسوف يدعوا ثبورًا ويصلى سعيرًا).\nوالمسرور في أهله في دار الدنيا ليس بمشفق ولا خائف، ويؤيد ذلك قوله بعده: (إنه ظن أن لن يحور)؛ لأن معناه: ظن أن لن يرجع إلى الله حيًّا يوم القيامة، ولا شك أن من ظن أنَّه لا يبعث بعد الموت لا يكون مشفقًا في أهله خوفًا من العذال؛ لأنه لا يؤمن بالحساب والجزأء، وكون (لن يحور) بمعنى \"لن يرجع\" معروف في كلام العرب، ومنه قول مهلهل بن ربيعة التغلبي:\nأليلتنا بذي حسم أنيري ... إذا أنت انقضيت فلا تحوري\nفقوله: فلا تحوري، أي فلا ترجعي.\nوقول لبيد بن ربيعة العامري:\nوما المرء إلَّا كالشهاب وضوئه ... يحور رمادًا بعد ما هو ساطع\nأي يرجع رمادًا، وقيل: يصير. والمعنى واحد.\nوقوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤) إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾ الآية؛ لأن تنعمهم في الدنيا المذكورة في قوله: ﴿مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾، وإنكارهم للبعث المذكور في قوله: ﴿قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا﴾ الآية، دليل على عدم إشفاقهم في الدنيا، وهو علة كونهم في سموم وحميم.","vol":"7","page":734},{"text":"وقد قدمنا قريبًا أن (إنَّ) المكسورة المشددة من حروف التعليل، فقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥)﴾ الآية، علة لقوله: ﴿فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢)﴾ الآية.\nوقد ذكر جل وعلا أن الإِشفاق من عذاب الله من أسباب دخول الجنَّة والنجاة من العذاب يوم القيامة، كما دل عليه منطوق آية الطور هذه، قال تعالى في المعارج: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٢٧) إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيرُ مَأْمُونٍ (٢٨)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُكْرَمُونَ (٣٥)﴾، وذكر ذلك من صفات أهل الجنَّة في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ (٥٧)﴾ إلى قوله: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ (٦١)﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾.\nوقوله في آية الواقعة المذكورة: (وكانوا يصرون على الحنث العظيم) أي يديمون ويعزمون على الذنب الكبير، كالشرك وإنكار البعث، وقيل: المراد بالحنث: حنثهم في اليمين الفاجرة، كما في قوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2002> قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ (٢٩) أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾</span>.\nنفى الله جل وعلا عن نبيه - ﷺ - في هاتين الآيتين الكريمتين ثلاث صفات قبيحة رماه بها الكفار، وهي الكهانة والجنون والشعر، أما دعواهم أنَّه كاهن أو مجنون، فقد نفاها صريحًا بحرف النفي الذي هو (ما) في قوله: (فما أنث)، وأكد النفي بالباء في قوله: (بكاهن). وأما كونه شاعرًا فقد نفاه ضمنا بأم المنقطعة في قوله: (أم يقولون","vol":"7","page":735},{"text":"شاعر)، لأنها تدل على الإِضراب والإِنكار المتضمن معنى النفي.\nوقد جاءت آيات أخر بنفي هذه الصفات عنه  -  ﷺ  -، كقوله تعالى في نفي الجنون عنه في أول القلم: ﴿مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ (٢)﴾، وقوله في التكوير: ﴿وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ (٢٢)﴾، وكقوله في نفي الصفتين الأخيرتين أعني الكهانة والشعر: ﴿وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ (٤١) وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢)﴾، وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الشعراء وغيرها.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيبَ الْمَنُونِ (٣٠)﴾ أي ننتظر به حوادث الدهر، حتَّى يحدث له منها الموت، فالمنون: الدهر، وريبه: حوادثه التي يطرأ فيها الهلاك والتغيير.\nوالتحقيق أن الدهر هو المراد في قول أبي ذؤيب الهذلي:\nأمن المنون وريبه تتوجع ... والدهر ليس بمعتب من يجزع\nلأن الضمير في قوله: \"وريبه\" يدل على أن المنون الدهر.\nومن ذلك أيضًا قول الآخر:\nتربص بها ريب المنون لعلها ... تطلق يومًا أو يموت حليلها\nوقال بعض العلماء: المنون في الآية: الموت. وإطلاق المنون على الموت معروف في كلام العرب، ومنه قول أبي الغول الطهوي:\nهمُ منعوا حمى الوَقَبى بضرب ... يؤلف بين أشتات المنون\nلأن الذين ماتوا عند ذلك الماء المسمى بالوقبى، جاؤوا من جهات مختلفة، فجمع الموت بينهم في محل واحد، ولو ماتوا في بلادهم لكانت مناياهم في بلاد شتى.","vol":"7","page":736},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2003> قوله تعالى: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كَانُوا صَادِقِينَ (٣٤)﴾</span>.\nقد قدمنا أن الله تحداهم بسورة واحدة من هذا القرآن في سورة البقرة في قوله: ﴿فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية، وفي سورة يونس في قوله تعالى: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوتحداهم في سورة هود بعشر سور منه في قوله: ﴿قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ الآية.\nوتحداهم في سورة الطور - هذه - به كله، في قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآية.\nوبين في سورة بني إسرائيل أنهم لا يقدرون على شيء من ذلك، في قوله: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لَا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ﴾ الآية.\nوقد أطلق جل وعلا اسم الحديث على القرآن في قوله هنا: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ﴾، كما أطلق عليه ذلك في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَينَ يَدَيهِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2004> قوله تعالى: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيرِ شَيءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ (٣٥)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾.","vol":"7","page":737},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2005> قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيه﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الكلام عليه وعلى الآيات المشابهة له في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (١٦) وَحَفِظْنَاهَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2006> قوله تعالى: ﴿أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ (٣٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾، وفي مواضع أخر متعددة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2007> قوله تعالى: ﴿أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْرًا فَهُمْ مِنْ مَغْرَمٍ مُثْقَلُونَ (٤٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له وما يتعلق بها من الأحكام في سورة هود في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيهِ مَالًا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2008> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا كِسْفًا مِنَ السَّمَاءِ سَاقِطًا يَقُولُوا سَحَابٌ مَرْكُومٌ (٤٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2009> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُغْنِي عَنْهُمْ كَيدُهُمْ شَيئًا﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية أن كيد الكفار لا يغني عنهم شيئًا في الآخرة، في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨) فَإِنْ كَانَ لَكُمْ كَيدٌ فَكِيدُونِ (٣٩)﴾.","vol":"7","page":738},{"text":"وبين أنَّه لا ينفعهم في الدنيا أيضًا، كقوله تعالى في هذه السورة الكريمة: ﴿أَمْ يُرِيدُونَ كَيدًا فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ (٤٢)﴾، وقوله: ﴿إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيدًا (١٥) وَأَكِيدُ كَيدًا (١٦)﴾ الآية، وقوله ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيثُ لَا يَعْلَمُونَ (١٨٢) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيدِي مَتِينٌ (١٨٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2010> قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُوا عَذَابًا دُونَ ذَلِكَ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (٤٧)﴾</span>.\nالظاهر أن قوله: (عذابًا دون ذلك) هو ما عذبوا به في دار الدنيا من القتل وغيره، كما دل على ذلك قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات، ولا مانع من دخول عذاب القبر في ذلك؛ لأنه قد يدخل في ظاهر الآية.\nوما قيل في معنى الآية غير هذا لا يتجه عندي. والعلم عند الله تعالى.\n\n* * *","vol":"7","page":739},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2011>سورة النجم</span>","vol":"7","page":741},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2012> قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى (١) مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢) وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بهذا النجم الذي أقسم الله به في هذه الآية الكريمة، فقال بعضهم: المراد به النجم إذا رجمت به الشياطين.\nوقال بعضهم: إن المراد به الثريا. وهو مروي عن ابن عبَّاس وغيره.\nولفظة النجم علم للثريا بالغلبة، فلا تكاد العرب تطلق لفظ النجم مجرَّدًا إلَّا عليها، ومنه قول نابغة ذبيان:\nأقول والنجم قد مالت أواخره ... إلى المغيب تثبت نظرة حار\nفقوله: \"والنجم\": يعني الثريا.\nوقوله تعالى: (إذا هوى) أي سقط مع الصبح. وهذا اختيار ابن جرير. وقيل: النجم: الزهرة.\nوقيل: المراد بالنجم نجوم السماء، وعليه فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع، كقوله: ﴿وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾ يعني الأدبار،","vol":"7","page":743},{"text":"وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢)﴾ أي والملائكة، وقوله: ﴿أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ أي الغرف. وقد قدمنا أمثلة كثيرة لهذا في القرآن، وفي كلام العرب في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾.\nوإطلاق النجم مرادًا به النجوم معروف في اللغة، ومنه قول عمر بن أبي ربيعة:\nثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصى والتراب\nوقول الراعي:\nفباتت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها\nوعلى هذا القول، فمعنى هُويّ النجوم سقوطُها إذا غربت، أو انتثارها يوم القيامة.\nوقيل: النجم: النبات الذي لا ساق له.\nوقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم الجملة النازلة من القرآن، فإنه نزل على النبي  -  ﷺ  -  أنجمًا منجمًا في ثلاث وعشرين سنة، وكل جملة منه وقت نزولها يصدق عليها اسم النجم صدقًا عربيًّا صحيحًا، كما يطلق على ما حان وقته من الدية المنجمة على العاقلة، والكتابة المنجمة على العبد المكاتب.\nوعلى هذا فقوله: (إذا هوى) أي نزل به الملك من السماء إلى النبي  -  ﷺ  - . وقوله: هوى يهوي هُويًّا إذا اخترق الهواء (^١) نازلًا من أعلا إلى أسفل.\n_________\n(^١) في المطبوعة: \"الهوي\".","vol":"7","page":744},{"text":"اعلم أولًا أن القول بأنه الثريا وأن المراد بالنجم خصوصها، وإن اختاره ابن جرير وروي عن ابن عبَّاس وغير واحد، ليس بوجيه عندي.\nوالأظهر أن النجم يراد به النجوم، وإن قال ابن جرير لأنه لا يصح، والدليل على ذلك جمعه تعالى للنجوم في القسم في قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥)﴾، لأن الظاهر أن المراد بالنجم إذا هوى  -  هنا -، كالمراد بمواقع النجوم في الواقعة.\nوقد اختلف العلماء أيضًا في المراد بمواقع النجوم، فقال بعضهم: هي مساقطها إذا غابت. وقال بعضهم: انتثارها يوم القيامة. وقال بعضهم: منازلها في السماء، لأن النازل في محل واقع فيه. وقال بعضهم: هي مواقع نجوم القرآن النازل بها الملك إلى النبي  -  ﷺ  - .\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر الأقوال عندي وأقربها للصواب في نظري، أن المراد بالنجم إذا هوى هنا في هذه السورة، وبمواقع النجوم في الواقعة، هو نجوم القرآن التي نزل بها الملك نجمًا فنجمًا، وذلك لأمرين.\nأحدهما: أن هذا الذي أقسم الله عليه بالنجم إذا هوى، الذي هو أن النبي ﷺ على حق، وأنه ما ضل وما غوى، وما ينطق عن الهوى، إن هو إلَّا وحي يوحى، موافق في المعنى لما أقسم عليه بمواقع النجوم، وهو قوله: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ (٧٧) فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ (٧٨)﴾ إلى قوله: ﴿تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالمِينَ (٨٠)﴾.","vol":"7","page":745},{"text":"والإِقسام بالقرآن على صحة رسالة النبي  -  ﷺ  -  وعلى صدق القرآن العظيم وأنه منزل من الله، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يس (١) وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ (٢) إِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (٣) عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤) تَنْزِيلَ الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٣) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَينَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (٤)﴾، وخير ما يفسر به القرآن القرآن.\nوالثاني: أن كون المقسم به المعبر عنه بالنجوم، هو القرآن العظيم، أنسب لقوله بعده: ﴿وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾؛ لأن هذا التعظيم من الله يدل على أن هذا المقسم به في غاية العظمة، ولا شك أن القرآن الذي هو كلام الله أنسب لذلك من نجوم السماء ونجم الأرض. والعلم عند الله تعالى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى (٢)﴾، قال بعض العلماء؛ الضلال يقع من الجهل بالحق، والغي هو العدول عن الحق مع معرفته، أي ما جهل الحق وما عدل عنه، بل هو عالم بالحق متبع له.\nوقد قدمنا إطلاقات الضلال في القرآن بشواهدها العربية في سورة الشعراء في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ (٢٠)﴾، وفي سورة الكهف في الكلال على قوله تعالى: ﴿قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (١٠٣) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ﴾ الآية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه  -  ﷺ  -  على هدى مستقيم، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ (٧٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُنَازِعُنَّكَ","vol":"7","page":746},{"text":"فِي الْأَمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبِّكَ إِنَّكَ لَعَلَى هُدًى مُسْتَقِيمٍ (٦٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٥٢)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَاسْتَمْسِكْ بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيكَ إِنَّكَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٤٣)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنْ هُوَ إلا وَحْيٌ يُوحَى (٤)﴾ استدل به علماء الأصول على أن النبي - ﷺ - لم يكن يجتهد، والذين قالوا: إنه قد يقع منه الاجتهاد، استدلوا بقوله تعالى: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ﴾ الآية.\nقالوا: فلو لم يكن هذا عن اجتهاد، لما قال: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ الآية، ولما قال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾.\nولا منافاة بين الآيات؛ لأن قوله: (إن هو إلَّا وحي يوحى) معناه أن النبي - ﷺ - لا يبلغ عن الله إلَّا شيئًا أوحى الله إليه أن يبلغه، فمن يقول: إنه شعر أو سحر أو كهانة، أو أساطير الأولين، هو أكذب خلق الله وأكفرهم، ولا ينافي ذلك أنَّه أذن للمتخلفين عن غزوة تبوك، وأسر الأسارى يوم بدر، واستغفر لعمه أبي طالب، من غير أن ينزل عليه وحي خاص في ذلك، وقد أوضحنا هذا في غير هذا الموضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2013> قوله تعالى: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾</span>.\nالمراد بشديد القوى في هذه الآية: هو جبريل - ﵇ -، والمعنى أنَّه - ﷺ - علمه هذا الوحي ملك شديد القوى هو جبريل.","vol":"7","page":747},{"text":"وهذه الآية الكريمة قد تضمنت أمرين:\nأحدهما: أن هذا الوحي الذي من أعظمه هذا القرآن العظيم، علمه جبريل النبيَّ  -  ﷺ  -  بأمر من الله.\nوالثاني: أن جبريل شديد القوة.\nوهذان الأمران جاءا موضحين في غير هذا الموضع.\nأما الأول منهما، وهو كون جبريل نزل عليه بهذا الوحي وعلمه إياه، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنْزِيلُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٩٢) نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣) عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ (١٩٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضَى إِلَيكَ وَحْيُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨)﴾ أي إذا قرأه عليك الملك المرسل به إليك منا مبلغًا له عنا فاتبع قرآنه، أي اقرأ كما سمعته يقرأ.\nوأما الأمر الثاني، وهو شدة قوة جبريل النازل بهذا الوحي، فقد ذكره في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾، وقوله في آية التكوير هذه: ﴿لَقَوْلُ رَسُولٍ﴾ أي لقوله المبلغ له عن الله، فقرينة ذكر الرسول تدل على أنَّه إنما يبلغ شيئًا أرسل به، فالكلام كلام الله بألفاظه ومعانيه، وجبريل مبلغ عن الله، وبهذا الاعتبار نسب القول له؛ لأن النبي  -  ﷺ  -  ما سمعه إلَّا منه، فهو القول الذي أرسله الله به؛ وأمره بتبليغه، كما تدل عليه قرينة ذكر الرسول. وسيأتي إيضاح هذه المسألة إن شاء الله في سورة التكوير. والعلم عن الله تعالى.","vol":"7","page":748},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2014> قوله تعالى: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧)﴾</span>.\nقد قدمنا بعض الكلام عليه في أول سورة الإِسراء.\nقوله تعالى: ﴿أَلَكُمُ الذَّكَرُ وَلَهُ الْأُنْثَى (٢١) تِلْكَ إِذًا قِسْمَةٌ ضِيزَى (٢٢)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ الآية، وفي مواضع متعددة من هذا الكتاب المبارك.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2015> قوله تعالى: ﴿فَلِلَّهِ الْآخِرَةُ وَالْأُولَى (٢٥)﴾</span>.\nبين جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن له الآخرة والأولى وهي الدنيا، وبيَّن هذا في غير هذا الموضع، كقوله: ﴿إِنَّ عَلَينَا لَلْهُدَى (١٢) وَإِنَّ لَنَا لَلْآخِرَةَ وَالْأُولَى (١٣)﴾، وبين في موضع آخر أن له كل شيء، وذلك في قوله: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيءٍ﴾، وهذا من المعلوم من الدين بالضرورة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2016> قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيئًا إلا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى (٢٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيئًا وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ﴾ الآية، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2017> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ لَيُسَمُّونَ الْمَلَائِكَةَ تَسْمِيَةَ الْأُنْثَى (٢٧)﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على","vol":"7","page":749},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَجَعَلُوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2018> قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى (٣١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَينَهُمَا إلا بِالْحَقِّ وَأَجَلٍ مُسَمًّى﴾ وفي سورة الذاريات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ (٥٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2019> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلا اللَّمَمَ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ (٣٧)﴾.\nقوله تعالى: ﴿إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n• قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتَ الَّذِي تَوَلَّى (٣٣) وَأَعْطَى قَلِيلًا وَأَكْدَى (٣٤) أَعِنْدَهُ عِلْمُ الْغَيبِ فَهُوَ يَرَى (٣٥) أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى (٣٦)","vol":"7","page":750},{"text":"وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى (٣٧) أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى (٣٨) وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩) وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى (٤٠) ثُمَّ يُجْزَاهُ الْجَزَاءَ الْأَوْفَى (٤١)﴾.\nقوله: (تولى) أي رجع وأدبر عن الحق. وقوله: (أعطى قليلًا) قال بعضهم: قليلًا من المال وقال بعضهم: أعطى قليلًا من الكلام الطيب. وقوله: (وأكدى) أي قطع ذلك العطاء ولم يتمه، وأصله من أكدى صاحب الكفر، إذا انتهى في حفره إلى صخرة لا يقدر على الحفر فيها، وأصله من الكدية وهي الحجارة تعترض حافر البئر ونحوه فتمنعه الحفر.\nوهذا الذي أعطى قليلًا وأكدى، اختلف فيه العلماء، فقيل: هو الوليد بن المغيرة، قارب أن يؤمن بالنبي  -  ﷺ  -، فعيَّره بعض المشركين فقال: أتركت دين الأشياخ وضللتهم؟ قال: إني خشيت عذاب الله. فضمن له الذي عاتبه إن هو أعطاه كذا من ماله ورجع إلى شركه أن يتحمل عنه عذاب الله، فرجع الوليد إلى الشرك وأعطى الذي عيَّره بعض المال الذي ضمن ومنعه تمامه. فأنزل الله ﷿ الآية.\nوعلى هذا فقوله: (تولى) أي الوليد عن الإِسلام بعد أن قارب، (وأعطى قليلًا) من المال لذي ضمن له أن يتحمل عنه ذنوبه، (وأكدى) أي بخل عليه بالباقي.\nوقيل: (وأعطى قليلًا) من الكلام الطيب، كمدحه للقرآن واعترافه بصدق النبي  -  ﷺ  -، (وأكدى) أي انقطع عن ذلك ورجع عنه.\nوقيل: هو العاص بن وائل السهمي، كان ربما وافق النبي  -  ﷺ  -  في بعض الأمور، وذلك هو معنى إعطائه القليل، ثم انقطع عن ذلك،","vol":"7","page":751},{"text":"وهو معنى إكدائه. وهذا قول السدي، ولم ينسجم مع قوله بعده: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمِ الْغَيبِ﴾ الآية.\nوعن محمد بن كعب القرظي: أنَّه أَبو جهل، قال: والله ما يأمرنا محمد  -  ﷺ  -  إلَّا بمكارم الأخلاق، وذلك معنى إعطائه قليلًا، وقطعه لذلك معروف.\nواقتصر الزمخشري على أنَّه عثمان بن عفان ﵁، قال: روي أن عثمان بن عفان كان يعطي ماله في الخير، فقال له عبد الله بن سعد بن أبي سرح، وهو أخوه من الرضاعة: يوشك ألا يبقى لك شيء. فقال عثمان: إن لي ذنوبًا وخطايا، وإني أطلب بما أصنع رضا الله تعالى، وأرجو عفوه. فقالا عبد الله: أعطني ناقتك برحلها، وأنا أتحمل عنك ذنوبك كلها، فأعطاه وأشهد عليه، وأمسك عن العطاء، فنزلت الآية، ومعنى (تولى): ترك المركز يوم أحد. فعاد عثمان إلى أحسن من ذلك وأجمل. انتهى منه.\nولا يخفى سقوط هذا القول وبطلانه، وأنه غير لائق بمنصب أمير المؤمنين عثمان بن عفان ﵁.\nوقد تضمنت هذه الآيات الكريمة سبعة أمور:\nالأول: إنكار علم الغيب، المدلول عليه بالهمزة في قوله: ﴿أَعِنْدَهُ عِلْمِ الْغَيبِ﴾ والمراد نفي علمه للغيب.\nالثاني: أن لكل من إبراهيم وموسى صحفًا لم ينبأ بما فيها هذا الكافر.\nالثالث: أن إبراهيم وفَّى، أي أتم القيام بالتكاليف التي كلفه ربه بها.","vol":"7","page":752},{"text":"الرابع: أن في تلك الصحف: أنَّه لا تزر وازرة وزر أخرى.\nالخامس: أن فيها أيضًا أنَّه ليس للإِنسان إلَّا ما سعى.\nالسادس: أن سعيه سوف يُرى.\nالسابع: أنَّه يجزاه الجزاء الأوفى، أي الأكمل الأتم.\nوهذه الأمور السبعة قد جاءت كلها موضحة في غير هذا الموضع.\nأما الأول منها، وهو عدم علمهم الغيب، فقد ذكره تعالى في مواضع كثيرة، كقوله تعالى: ﴿أَعِنْدَهُمْ الْغَيبِ فَهُمْ يَكْتُبُوُنَ﴾، وقوله: ﴿أَطَّلَعَ الْغَيبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا (٧٨)﴾، وقوله: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيبِ﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيبِهِ أَحَدًا (٢٦) إلا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيبَ إلا اللَّهُ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مرارًا.\nوالثاني، الذي هو أن لإِبراهيم وموسى صحفًا لم يكن هذا المتولي المعطي قليلًا المكدي عالمًا بها، ذكره تعالى في قوله: ﴿إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى (١٨) صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى (١٩)﴾.\nوالثالث منها، وهو أن إبراهيم وفي تكاليفه، فقد ذكره تعالى في قوله: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾، وقد قدمنا أن الأصح في الكلمات التي ابتلى بها أنَّها التكاليف.\nوأما الرابع منها، وهو أنَّه لا تزر وازرة وزر أخرى، قد ذكره تعالى في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا اتَّبِعُوا سَبِيلَنَا وَلْنَحْمِلْ خَطَايَاكُمْ وَمَا هُمْ بِحَامِلِينَ مِنْ خَطَايَاهُمْ مِنْ شَيءٍ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾.","vol":"7","page":753},{"text":"وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا، والجواب عما يرد عليها من الإِشكال، في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وزْرَ أُخْرَى وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وذكرنا وجه الجمع بين الآيات الواردة في ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيرِ عِلْمٍ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ (٢٥)﴾.\nوأما الخامس منها، وهو أنَّه ليس للإِنسان إلَّا ما سعى، فقد جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِأَنْفُسِهِمْ يَمْهَدُونَ (٤٤)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ يدل على أن الإِنسان لا يستحق أجرًا إلَّا على سعيه بنفسه، ولم تتعوض هذه الآية لانتفاعه بسعي غيره بنفي ولا إثبات؛ لأن قوله: (وأن ليس للإِنسان إلَّا ما سعى) قد دلت اللام فيه على أنَّه لا يستحق ولا يملك شيئًا إلَّا بسعيه، ولم تتعوض لنفي الانتفاع بما ليس ملكًا له ولا مستحقًا له.\nوقد جاءت آية من كتاب الله تدل على أن الإِنسان قد يُنْتَفَعُ بسعي غيره، وهي قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيءٍ﴾.\nوقد أوضحنا وجه الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾ وبين قوله: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾ الآية، في","vol":"7","page":754},{"text":"كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في سورة النجم، وقلنا فيه ما نصه: والجواب من ثلاثة أوجه:\nالأول: أن الآية إنما دلت على نفي ملك الإِنسان لغير سعيه، ولم تدل على نفي انتفاعه بسعي غيره؛ لأنه لم يقل: وأن لن يُنْتَفَع الإِنسان إلَّا بما سعى، وإنَّما قال: (وأن ليس للإِنسان)، وبين الأمرين فردا ظاهر؛ لأن سعي الغير ملك لساعيه، إن شاء بذله لغيره فانتفع به ذلك الغير، وإن شاء أبقاه لنفسه.\nوقد أجمع العلماء على انتفاع الميت بالصلاة عليه والدعاء له والحج عنه ونحو ذلك مما ثبت الانتفاع بعمل الغير فيه.\nالثاني: أن إيمان الذرية هو السبب الأكبر في رفع درجاتهم، إذ لو كانوا كفارًا لما حصل لهم ذلك، فإيمان العبد وطاعته سعي منه في انتفاعه بعمل غيره من المسلمين، كما وقع في الصلاة في الجماعة، فإن صلاة بعضهم مع بعض يتضاعف بها الأجر زيادة على صلاته منفردًا، وتلك المضاعفة انتفاع بعمل الغير سعى فيه المصلي بإيمانه وصلاته في الجماعة، وهذا الوجه يشير إليه قوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ﴾.\nالثالث: أن السعي الذي حصل به رفع درجات الأولاد ليس للأولاد، كما هو نص قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيسَ لِلْإِنْسَانِ إلا مَا سَعَى (٣٩)﴾، ولكن من سعي الآباء، فهو سعي للآباء أقر الله عيونهم بسببه بأن رفع إليهم أولادهم ليتمتعوا في الجنَّة برؤيتهم.\nفالآية تصدق الأخرى ولا تنافيها؛ لأن المقصود بالرفع إكرام الآباء لا الأولاد، فانتفاع الأولاد تبع، فهو بالنسبة إليهم تفضل من الله","vol":"7","page":755},{"text":"عليهم بما ليس لهم، كما تفضل بذلك على الولدان والحور العين والخلق الذين ينشؤهم للجنة. والعلم عند الله تعالى. اهـ منه.\nوالأمر السادس والسابع، وهما أن عمله سوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى، فقد جاءا موضحين في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (٨) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية.\nوقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (٧) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (٨)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيئًا وَإِنْ كَانَ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَينَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ (٤٧)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾.\nوالآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (فهو يرى) أي يعلم ذلك الغيب، والآية تدل على أن سبب النزول لا يخلو من إعطاء شيء في مقابلة تحمل الذنوب عمن أعطى؛ لأن فاعل ذلك ليس عنده علم الغيب فيعلم به أن الذي ضمن له تحمُّلَ ذنوبه يفعل ذلك، ولم ينبأ بما في الصحف الأولى، من أنَّه لا تزر وازرة وزر أخص ى، أي لا تتحمل نفس ذنب نفس أخرى.\nوقد قدمنا تفسيره موضحًا في سورة بني إسرائيل، وأنه لا يملك الإِنسان ولا يستحق إلَّا سعي نفسه، وقد اتضح بذلك أنَّه لا يمكن أن يتحمل إنسان ذنوب غيره، وقد دلت على ذلك آيات كثيرة معلومة.","vol":"7","page":756},{"text":"وقال أَبو حيان في البحر: (أفرأيت) بمعنى أخبرني، والمفعول الأول هو الموصول وصلته، والمفعول الثاني هو جملة (أعنده علم الغيب فهو يرى).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2020> قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٤٥) مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنَّه (خلق الزوجين) أي النوعين (الذكر والأنثى) (من نطفة)، وهي نطفة المني (إذا تمنى) أي تصب وتراق في الرحم، على أصح القولين، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧)﴾.\nوالعرب تقول: أمنى الرجل ومني؛ إذا أراق المني وصبه.\nوقال بعض العلماء: (من نطفة إذا تمنى) أي تقدر بأن يكون الله قدر أن ينشأ منها حمل، من قول العرب: مني الماني إذا قدر. ومن هذا المعنى قول أبي قلابة الهذلي، وقيل سويد بن عامر المصطلقي:\nلا تأمن الموت في حل وفي حرم ... إن المنايا توافي كل إنسان\nواسلك سبيلك فيها غير محتشم ... حتَّى تلاقي ما يمني لك الماني\nوقد قدمنا الكلام على النطفة مستوفىً من جهات في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ﴾ الآية، وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ﴾، وفي كل من الموضعين زيادة ليست في الآخر.","vol":"7","page":757},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة من الاستدلال بخلق النوعين، أعني الذكر والأنثى من النطفة، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، وأنه يستدل به على أمرين، هما: قدرة الله على البعث، وأنه ما خلق الإنسان إلَّا ليكلفه ويجازيه، وقد جمع الأمرين قوله تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، فذكر دلالة ذلك على البعث في قوله: ﴿أَلَيسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾، وذكر أنه ما خلقه ليهمله من التكليف والجزاء، منكرًا على من ظن ذلك بقوله: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦)﴾ أي مهملًا من التكليف والجزاء.\nوقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ مِنَ الْمَاءِ بَشَرًا فَجَعَلَهُ نَسَبًا وَصِهْرًا وَكَانَ رَبُّكَ قَدِيرًا (٥٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2021> قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ عَلَيهِ النَّشْأَةَ الْأُخْرَى (٤٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وأحلنا عليها مرارًا كثيرة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2022> قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠) وَثَمُودَ فَمَا أَبْقَى (٥١)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لما أهلك به عادًا، والآيات الموضحة لما أهلك به ثمود، في سورة فصلت في قوله تعالى في الكلام في شأن عاد: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا﴾ الآية، وقوله في شأن ثمود: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ﴾ الآية.","vol":"7","page":758},{"text":"• تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغَى (٥٢)﴾.\nقوله: (وقوم نوح) معطوف على قوله: ﴿وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عَادًا الْأُولَى (٥٠)﴾ أي: وأهلك قوم نوح، ولم يبين هنا كيفية إهلاكهم، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر من كتابه، كقوله تعالى: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿مِمَّا خَطِيئَاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ (٢٧)﴾. والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون قوم نوح أظلم وأطغى، أي أشد ظلمًا وطغيانًا من غيرهم، قد بينه تعالى في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قَال رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيلًا وَنَهَارًا (٥) فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إلا فِرَارًا (٦) وَإِنِّي كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصَابِعَهُمْ فِي آذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْا ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا اسْتِكْبَارًا (٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إلا خَسَارًا (٢١) وَمَكَرُوا مَكْرًا كُبَّارًا (٢٢)﴾ إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَضَلُّوأ كَثِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾، وقوله: ﴿وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيهِ مَلأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ﴾.\nومن أعظم الأدلة على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إلا خَمْسِينَ عَامًا﴾؛ لأن قومًا لم يتأثروا بدعوة نبي كريم ناصح في هذا الزمن الطويل، لا شك أنهم أظلم الناس وأطغاهم.","vol":"7","page":759},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2023> قوله تعالى: ﴿وَالْمُؤْتَفِكَةَ أَهْوَى (٥٣)﴾</span>.\nالمؤتفكة: مفتعلة من الإِفك، وهو القلب والصرف، والمراد بها قرى قوم لوط؛ بدليل قوله في غير هذا الموضع: (والمؤتفكات) بالجمع؛ فهو من إطلاق المفرد وإرادة الجمع كما أوضحناه مرارًا، وأكثرنا من أمثلته في القرآن وفي كلام العرب، وأحلنا عليه مرارًا. وإنما قيل لها: مؤتفكة؛ لأن جبريل أفكها فأتفكت، ومعنى أفكها أنَّه رفعي نحو السماء ثم قلبها جاعلًا أعلاها أسفلها، وجَعْلُ عاليها أسفلها هو ائتفاكها وإفكها.\nوقد أوضح تعالى هذا المعنى في سورة هود في قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهَا حِجَارَةً﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة الحجر: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيحَةُ مُشْرِقِينَ (٧٣) فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ (٧٤)﴾.\nوقد بينا قصة قوم لوط في هود والحجر.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (أهوى) تقول العرب: هوى الشيء إذا انحدر من عال إلى أسفل. وأهواه غيرُه: إذا ألقاه من العلو إلى السفل؛ لأن الملك رفع قراهم ثم أهواها أي ألقاها، تهوي إلى الأرض، منقلبة أعلاها أسفلها.\nثم قوله تعالى: ﴿أَزِفَتِ الْآزِفَةُ (٥٧)﴾.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وفي سورة المؤمن في قوله تعالى: ﴿وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْآزِفَةِ﴾ الآية.","vol":"7","page":760},{"text":"قوله تعالى: ﴿أَفَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْجَبُونَ (٥٩)﴾.\nقد قدمنا الآيات التي فيها إطلاق اسم الحديث على القرآن في سورة الطور في الكلام على قوله: ﴿فَلْيَأْتُوا بِحدِيثٍ مِثْلِهِ﴾ الآية.\n\n * * *","vol":"7","page":761},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2024>سورة القمر</span>","vol":"7","page":763},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2025> قوله تعالى: ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَتَى أَمْرُ اللَّهِ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2026> قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيدِيهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2027> قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُنْتَشِرٌ (٧) مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة يس في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُمْ مِنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنْسِلُونَ (٥١)﴾، وفي سورة ق في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ الْأَرْضُ عَنْهُمْ سِرَاعًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2028> قوله تعالى: ﴿يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ (٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان، في الكلام","vol":"7","page":765},{"text":"على قوله تعالى: ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا (٢٤)﴾، وفي سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ يَوْمًا عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (٤٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2029> قوله تعالى: ﴿فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (١٠) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (١١) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف ابن عامر: (ففتَّحنا) بتشديد التاء، للتكثير، باقي السبعة بتخفيفها.\nوقد ذكر جلا وعلا في هذه الآية الكريمة أن نبيه نوحًا دعاه قائلًا: إن قومه غلبوه، سائلًا ربه أن ينتصر له منهم، وأن الله انتصر له منهم، فأهلكهم بالغرق؛ لأنه تعالى فتح أَبواب السماء بماء منهمر، أي متدفق منصب بكثرة، وأنه تعالى فجر الأرض عيونًا.\nوقوله: (عيونًا) تمييز محول عن المفعول، والأصل: فجرنا عيون الأرض. والتفجير: إخراج الماء منها بكثرة، و(أل) في قوله: (فالتقى الماء) للجنس، ومعناه: التقى ماء السماء وماء الأرض (على أمر قد قدر) أي قدره الله وقضاه.\nوقيل: إن معناه أن الماء النازل من السماء والمتفجر من الأرض جعلهم الله بمقدار ليس أحدهما أكثر من الآخر.\nوالأول أظهر.","vol":"7","page":766},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة من دعاء نوح ربه جل وعلا أن ينتصر له من قومه فينتقم منهم، وأن الله أجابه فانتصر له منهم فأهلكهم جميعًا بالغرق في هذا الماء المتلقى من السماء والأرض، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في الأنبياء: ﴿وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦) وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ (٧٧)﴾.\nوقوله تعالى في الصافات: ﴿وَلَقَدْ نَادَانَا نُوحٌ فَلَنِعْمَ الْمُجِيبُونَ (٧٥) وَنَجَّينَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ (٧٦)﴾ إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ (٦٦)﴾.\nوقد بين جل وعلا أن دعاء نوح فيه سؤاله الله أن يهلكهم إهلاكًا مستأصلًا، وتلك الآيات فيها بيان لقوله هنا: (فانتصر)، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَقَال نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا (٢٦) إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إلا فَاجِرًا كَفَّارًا (٢٧)﴾.\nوما دعا نوح على قومه إلَّا بعد أن أوحى الله إليه أنَّه لا يؤمن منهم أحد غير القليل الذي آمن، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إلا مَنْ قَدْ آمَنَ﴾، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إلا قَلِيلٌ (٤٠)﴾.\nوقوله تعالى ﴿عُيُونًا﴾ قرأه ابن كثير وابن عامر في رواية ابن ذكوان، وعاصم في رواية شعبة، وحمزة والكسائي: (عِيونًا) بكسر العين، لمجانسة الياء.","vol":"7","page":767},{"text":"وقرأه نافع وأَبو عمرو وابن عامر في رواية هشام، وعاصم في رواية حفص: (عيُونًا) بضم العين، على الأصل.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2030> قوله تعالى: ﴿وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (١٣)﴾</span>.\nلم يبين هنا ذات الألواح والدسر، ولكنه بين في مواضع أخر أن المراد: وحملناه على سفينة ذات ألواح، أي من الخشب، ودسر، أي مسامير تربط بعض الخشب ببعض، وواحد الدسر دسار ككتاب وكتب. وعلى هذا القول أكثر المفسرين.\nوقال بعض العلماء وبعض أهل اللغة: الدسور الخيوط التي تشد بها ألواح السفينة.\nوقال بعض العلماء: الدسور جؤجؤ السفينة، أي صدرها ومقدمها الذي تدسر به الماء أي تدفعه وتمخره به، قالوا: هو من الدسر وهو الدفع.\nفمن الآيات الدالة على أن ذات الألواح والدسر السفينة: قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَمَّا طَغَى الْمَاءُ حَمَلْنَاكُمْ فِي الْجَارِيَةِ (١١)﴾ أي السفينة، كما أوضحنا في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2031> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٥)﴾</span>.\nالضمير في قوله تعالى: (تركناها) قال بعض العلماء: إنه عائد إلى هذه الفعلة العظيمة التي فعل بقوم نوح.","vol":"7","page":768},{"text":"والمعنى: ولقد تركنا فعلتنا بقوم نوح وإهلاكنا لهم آية لمن بعدهم، لينزجروا ويكفوا عن تكذيب الرسل، لئلا نفعل بهم مثل ما فعلنا بقوم نوح. وكون هذه الفعلة آية نص عليه تعالى بقوله: ﴿وَقَوْمَ نُوحٍ لَمَّا كَذَّبُوا الرُّسُلَ أَغْرَقْنَاهُمْ وَجَعَلْنَاهُمْ لِلنَّاسِ آيَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١١٩) ثُمَّ أَغْرَقْنَا بَعْدُ الْبَاقِينَ (١٢٠) إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ (١٢١)﴾.\nوقال بعض العلماء: الضمير في (تركناها) عائد إلى السفينة، وكون سفينة نوح آية بينه الله تعالى في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْجَينَاهُ وَأَصْحَابَ السَّفِينَةِ وَجَعَلْنَاهَا آيَةً لِلْعَالمِينَ (١٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (٤١) وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ (٤٢)﴾.\nقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ (١٧)﴾.\nقد قدمنا إيضاحه في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2032> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي يَوْمِ نَحْسٍ مُسْتَمِرٍّ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له، وكلام أهل العلم في يوم النحس المستمر، في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ﴾.","vol":"7","page":769},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2033> قوله تعالى: ﴿فَقَالُوا أَبَشَرًا مِنَّا وَاحِدًا نَتَّبِعُهُ﴾</span> الآية.\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2034> وقوله تعالى: ﴿أَأُلْقِيَ الذِّكْرُ عَلَيهِ مِنْ بَينِنَا﴾</span> الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة لهما في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ عَلَيهِ الذِّكْرُ مِنْ بَينِنَا بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْ ذِكْرِي﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2035> قوله تعالى: ﴿إِنَّا مُرْسِلُو النَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ﴾</span>.\nقوله: (مرسلوا الناقة) أي مخرجوها من الهضبة، (فتنة لهم) أي ابتلاء واختبارًا، وهو مفعول من أجله؛ لأنهم اقترحوا على صالح إخراج ناقة من صخرة، وأنها إن خرجت لهم منها آمنوا به واتبعوه، فأخرج الله الناقة من تلك الصخرة معجزة لصالح، وفتنة لهم، أي ابتلاء واختبارًا، وذلك أن تلك الناقة معجزة عاينوها، وأن الله حذرهم على لسان نبيه صالح من أن يمسوها بسوء وأنهم إن تعرضوا لها بأذى أخذهم الله بعذابه.\nوالمفسرون يقولون: إنهم قالوا له: إن أخرجت لنا من هذه الصخرة ناقة وبراء عشراء اتبعناك.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أن الله أرسل لهم هذه الناقة امتحانًا واختبارًا، وإنهم إن تعرضوا لآية الله هذه، التي هي الناقة بسوء أهلكهم، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة الأعراف: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٣)﴾، وقوله تعالى في سورة هود عن صالح: ﴿وَيَاقَوْمِ","vol":"7","page":770},{"text":"هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ (٦٤) فَعَقَرُوهَا فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيرُ مَكْذُوبٍ (٦٥)﴾، وقوله تعالى في الشعراء: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥) وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَظِيمٍ (١٥٦)﴾.\nوقد بين تعالى أنهم عقروا الناقة فجاءهم العذاب المستأصل، في آيات من كتابه، كقوله تعالى في الأعراف: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧) فَأَخَذَهُمُ الْعَذَابُ﴾، وقوله: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيهِمْ رَبُّهُمْ بِذَنْبِهِمْ فَسَوَّاهَا (١٤)﴾ الآية.\nوقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2036> قوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿وَنَبِّئْهُمْ أَنَّ الْمَاءَ قِسْمَةٌ بَينَهُمْ كُلُّ شِرْبٍ مُحْتَضَرٌ (٢٨)﴾ أي أخبر يا صالح ثمود أن الماء - وهو ماء البئر التي كانت تشرب منها الناقة - قسمة بينهم، فيوم للناقة ويوم لثمود. فقوله: (بينهم) أي بين الناقة وثمود، وغلب العقلاء على الناقة. (كل شرب محتضر) أي يحضره صاحبه، فتحضر الناقة شرب يومها وتحضر ثمود شرب يومها.","vol":"7","page":771},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آية أخرى، وهي قوله تعالى في الشعراء: ﴿قَال هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (١٥٥)﴾، وشرب الناقة هو الذي حذرهم منه صالح لئلا يتعرضوا له في قوله تعالى: ﴿فَقَال لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2037> قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾</span>.\nقوله: (فتعاطى)، قال أَبو حيان في البحر: (فتعاطى) هو مطاوع عاطا، وكأن هذه الفعلة تدافعها الناس وعاطاها بعضهم بعضًا، فتعاطاها قدار وتناول العقر بيده. انتهى محل الغرض منه.\nوالعرب تقول: تعاطى كذا إذا فعله أو تناوله، وعاطاه إذا ناوله، ومنه قول حسان ﵁:\nكلتاهما حلب العصير فعاطني ... بزجاجة أرخاهما للمفصل\nوقوله: (فعقر) أي تعاطى عقر الناقة فعقوها، فمفعولا الفعلين محذوفان تقديرهما كما ذكرنا، وعبر عن عاقر الناقة هنا بأنه صاحبهم، وعبر عنه في الشمس بأنه أشقاهم وذلك في قوله: ﴿إِذِ انْبَعَثَ أَشْقَاهَا (١٢)﴾.\nوهذه الآية الكريمة تشير إلى إزالة إشكال معروف في الآية، وإيضاح ذلك أن الله تعالى فيها نسب العقر لواحد لا لجماعة؛ لأنه قال: (فتعاطى فعقر)، بالإِفراد، مع أنَّه أسند عقر الناقة في آيات أخر إلى ثمود كلهم، كقوله في سورة الأعراف: ﴿فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ","vol":"7","page":772},{"text":"أَمْرِ رَبِّهِمْ﴾ الآية وقوله تعالى في هود: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَال تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ﴾، وقوله في الشعراء: ﴿فَعَقَرُوهَا فَأَصْبَحُوا نَادِمِينَ (١٥٧)﴾، وقوله في الشمس: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾.\nووجه إشارة الآية إلى إزالة هذا الإشكال هو أن قوله تعالى: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ (٢٩)﴾ يدل على أن ثمود اتفقوا كلهم على عقر الناقة، فنادوا واحدًا منهم لينفذ ما اتفقوا عليه، أصالة عن نفسه ونيابة عن غيره، ومعلوم أن المتمالئين على العقر كلهم عاقرون، وصحت نسمة العقر إلى المنفذ المباشر للعقر، وصحت نسبته أيضًا إلى الجميع؛ لأنهم متمالئون، كما دل عليه ترتيب تعاطي العقر بالفاء في قوله: (فتعاطى فعقر) على ندائهم صاحبهم لينوب عنهم في مباشرة العقر في قوله تعالى: (فنادوا صاحبهم) أي نادوه ليعقرها.\nوجمع بعض العلماء بين هذه الآيات بوجه آخر، وهو أن إطلاق المجموع مرادًا به بعضه أسلوب عربي مشهور، وهو كثير في القرآن وفي كلام العرب.\nوقد قدمنا في سورة الحجرات أن منه قراءة حمزة في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ﴾ بصيغة المجرد في الفعلين؛ لأن من قتل ومات لا يمكن أن يؤمر بقتل قاتله، بل المراد: فإن قتلوا بعضكم فليقتلهم بعضكم الآخر. ونظيره قول ابن مطيع:\nفإن تقتلونا عند حرة واقم ... فإنا على الإسلام أول من قتل\nأي فإن تقتلوا بعضنا.\nوأن منه أيضًا: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾؛ لأن هذا في","vol":"7","page":773},{"text":"بعضهم دون البعض، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ إلى قوله: ﴿سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٩٩)﴾.\nوقد قدمنا في الحجرات وغيرها، أن من أصرح الشواهد العربية في ذلك قول الشاعر:\nفسيف بني عبس وقد ضربوا به ... نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد\nوقوله تعالى: (فعقر) أي: قتلها. والعرب تطلق العقر\nعلى القتل والنحر والجرح. ومنه قول امرئ القيس:\nتقول وقد مال الغبيط بنا معًا ... عقرت بعيري يا امرأ القيس فأنزل\nومن إطلاق العقر على نحو الإبل لقرى الضيف قول جرير:\nتعدون عقر النِّيب أفضل مجدكم ... بني ضوطرا لولا الكمي المقنعا\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2038> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ صَيحَةً وَاحِدَةً﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة فصلت، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2039> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَا عَلَيهِمْ حَاصِبًا إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾</span>.\nقوله: (إنا أرسلنا عليهم حاصبًا) قد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ﴾.","vol":"7","page":774},{"text":"وقوله: ﴿إلا آلَ لُوطٍ نَجَّينَاهُمْ بِسَحَرٍ (٣٤)﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له إيضاحًا شافيًا بكثرة.\nوقد تضمنت إيضاح قصة لوط وقومه في سورة هود وسورة الحجر في الكلام على القصة المذكورة في السورتين.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2040> قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١) كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كُلِّهَا فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾</span>.\nتضمنت هاتان الآيتان ثلاثة أمور:\nالأول: أن آل فرعون جاءتهم النذر.\nالثاني: أنهم كذبوا بآيات الله.\nالثالث: أن الله أخذهم أخذ عزيز مقتدر.\nوهذه الأمور الثلاثة المذكورة هنا جاءت موضحة في آيات أخر من كتاب الله، أما الأول منها وهو أن آل فرعون وقومه جاءهم النذر، فقد أوضحه تعالى في آيات كثيرة من كتابه.\nاعلم أولًا أن قوله: ﴿جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾، قيل: هو جمع نذير وهو الرسول. وقيل: هو مصدر بمعنى الإنذار.\nفعلى أنه مصدر، فقد بينت الآيات القرآنية بكثرة أن الذي جاءهم بذلك الإنذار هو موسى وهارون، وعلى أنه جمع نذير أي منذر، فالمراد به موسى وهارون، وقد جاء في آيات كثيرة إرسال موسى وهارون لفرعون، كقوله تعالى في طه: ﴿فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ﴾، ثم بين","vol":"7","page":775},{"text":"تعالى إنذارهما له في قوله: ﴿إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَينَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَنْ كَذَّبَ وَتَوَلَّى (٤٨)﴾ ونحوها من الآيات.\nوفي هذه الآية سؤال معروف، وهو أن الله ﵎ أرسل لفرعون نبيين هما موسى وهارون، كما قال تعالى: ﴿فَأْتِيَا فِرْعَوْنَ فَقُولَا إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالمِينَ (١٦)﴾ وهنا جمع النذر في قوله: ﴿وَلَقَدْ جَاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ (٤١)﴾.\nوللعلماء عن هذا أجوبة، أحدها: أن أقل الجمع اثنان كما هو المقرر في أصول مالك بن أنس ﵀، وعقده صاحب مراقي السعود بقوله:\nأقل معنى الجمع في المشتهر ... الاثنان في رأي الإمام الحميري\nقالوا: ومنه قوله تعالى: ﴿فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا﴾ ولهما قلبان فقط، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ﴾ والمراد بالإخوة اثنان فصاعدًا كما عليه الصحابة فمن بعدهم خلافًا لابن عباس، وقوله: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وله طرفان.\nومنها: ما ذكره الزمخشري وغيره من أن المراد بالنذر موسى وهارون وغيرهما من الأنبياء؛ لأنهما عرضا عليهم ما أنذر به المرسلون.\nومنها: أن النذر مصدر بمعنى الإنذار.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: التحقيق في الجواب: أن من كذب رسولًا واحدًا فقد كذب جميع المرسلين، ومن كذب نذيرًا واحدًا فقد كذب جميع النذر؛ لأن أصل دعوة جميع الرسل واحدة، وهي مضمون لا إله إلا الله، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي","vol":"7","page":776},{"text":"كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إلا نُوحِي إِلَيهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إلا أَنَا فَاعْبُدُونِ (٢٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ (٤٥)﴾.\nوأوضح تعالى أن من كذب بعضهم فقد كذب جميعهم في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَينَ ذَلِكَ سَبِيلًا (١٥٠) أُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا﴾ الآية، وأشار إلى ذلك في قوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، وقوله: ﴿لَا نُفَرِّقُ بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَينَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ﴾ الآية.\nوقد أوضح تعالى في سورة الشعراء أن تكذيب رسول واحد تكذيب لجميع الرسل، وذلك في قوله: ﴿كَذَّبَتْ قَوْمُ نُوحٍ الْمُرْسَلِينَ (١٠٥)﴾، ثم بين أن تكذيبهم للمرسلين إنما وقع بتكذيبهم نوحًا وحده، حيث أفرده بذلك بقوله: ﴿إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٠٦)﴾ إلى قوله: ﴿قَال رَبِّ إِنَّ قَوْمِي كَذَّبُونِ (١١٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿كَذَّبَتْ عَادٌ الْمُرْسَلِينَ (١٢٣)﴾، ثم بين أن ذلك بتكذيب هود وحده، حيثما أفرده بقوله: ﴿إِذْ قَال لَهُمْ أَخُوهُمْ هُودٌ أَلَا تَتَّقُونَ (١٢٤)﴾، ونحو ذلك في قوله تعالى في قصة صالح وقومه، ولوط وقومه، وشعيب وأصحاب الأيكة، كما هو معلوم، وهو واضح لا خفاء فيه، ويزيده إيضاحًا قوله  -  ﷺ  -: \"إنا معاشر الأنبياء أولاد علات ديننا واحد\" يعني أنهم كلهم متفقون في الأصول وإن اختلفت شرائعهم في بعض الفروع.\nوأما الأمر الثاني: وهو كون فرعون وقومه كذبوا بآيات الله، فقد جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ","vol":"7","page":777},{"text":"آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرَينَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى (٥٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى (٢٠) فَكَذَّبَ وَعَصَى (٢١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيبِكَ تَخْرُجْ بَيضَاءَ مِنْ غَيرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ (١٢) فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ (١٣) وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (١٤)﴾.\nوأما الأمر الثالث، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾،\nفقد جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَفِي مُوسَى إِذْ أَرْسَلْنَاهُ إِلَى فِرْعَوْنَ بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ (٣٨)﴾ إلى قوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ وَهُوَ مُلِيمٌ (٤٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ (٧٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله: ﴿أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ (٤٢)﴾ يوضحه قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ (١٠٢)﴾.\nوقد روى الشيخان في صحيحيهما عن أبي موسى الأشعري ﵁ أن النبي - ﷺ - قال: \"إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته\"، ثم تلا قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى﴾ الآية.\nوالعزيز: الغالب، والمقتدر: شديد القدرة عظيمها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2041> قوله تعالى: ﴿أَكُفَّارُكُمْ خَيرٌ مِنْ أُولَئِكُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف، في الكلام","vol":"7","page":778},{"text":"على قوله تعالى: ﴿فَأَهْلَكْنَا أَشَدَّ مِنْهُمْ بَطْشًا﴾، وفي صدر سورة الروم، وغير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2042> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ (٤٨)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2043> قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (٤٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الزخرف في بعض المناقشات التي ذكرناها في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2044> قوله تعالى: ﴿وَكُلُّ شَيءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ (٥٢) وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ (٥٣)﴾:</span>\nالصحيح في معنى الآية أن كل شيء فعله الناس مكتوب عليهم في الزبر، التي هي صحف الأعمال، (وكل صغير وكبير مستطر)، أي مكتوب عليهم لا يترك منه شيء.\nوهذا المعنى جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ يَاوَيلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَينَهَا وَبَينَهُ أَمَدًا بَعِيدًا﴾.\nوالزبر: جمع زبور، وهو الكتاب. والمستطر: معناه المسطور، أي المكتوب. والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.","vol":"7","page":779},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2045> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾</span>.\nأي في جناتٍ وأنهار، كما أوضح تعالى ذلك في قوله: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى﴾.\nوقد ذكرنا كثيرًا من أمثلة إطلاق المفرد وإرادة الجمع - كما هنا - في القرآن العظيم، مع تنكير المفرد وتعريفه وإضافته، وأكثرنا أيضًا من الشواهد العربية على ذلك في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\nوالعلم عند الله تعالى.\n\n* * *","vol":"7","page":780},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2046>سورة الرحمن</span>","vol":"7","page":781},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2047> قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: نزلت هذه الآية لما تجاهل الكفار الرحمن جل وعلا، كما ذكره الله عنهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اسْجُدُوا لِلرَّحْمَنِ قَالُوا وَمَا الرَّحْمَنُ﴾ كما تقدم في الفرقان.\nوقد قدمنا معنى الرحمن وأدلته من الآيات في أول سورة الفاتحة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2048> قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾</span>.\nأي علم نبيه - ﷺ - القرآن فتلقته أمته عنه. وهذه الآية الكريمة تتضمن رد الله على الكفار في قولهم: إنه تعلم هذا القرآن من بشر، كما تقدم في قوله: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَقَال إِنْ هَذَا إلا سِحْرٌ يُؤْثَرُ (٢٤)﴾ أي يرويه محمد عن غيره، وقوله تعالى: ﴿وَقَال الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إلا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاءُوا ظُلْمًا وَزُورًا (٤) وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٥)﴾.\nفقوله تعالى هنا: ﴿الرَّحْمَنُ (١) عَلَّمَ الْقُرْآنَ﴾ أي ليس الأمر كما ذكرتم من أنه تعلم القرآن من بشر، بل الرحمن جل وعلا هو الذي علمه إياه.","vol":"7","page":783},{"text":"والآيات الدالة على هذا كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٥٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا (١١٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إلا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيرًا (٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧) فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ (١٨) ثُمَّ إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَينَا إِلَيكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ (٣)﴾، وقوله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيكَ عَظِيمًا (١١٣)﴾، ومن أعظم ذلك هذا القرآن العظيم، وقوله تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾.\nوتعليمه جل وعلا هذا القرآن العظيم، قد بين في مواضع أخر أنه من أعظم نعمه، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَينَا﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ﴾.\nوقد علم الله تعالى الناس أن يحمدوه على هذه النعمة العظمى التي هي إنزال القرآن، وذلك في قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا (١)﴾.\nوبين أن إنزاله رحمة منه لخلقه جل وعلا في آيات من كتابه،","vol":"7","page":784},{"text":"كقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيكَ الْكِتَابُ إلا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (٥) رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، وقد بينا الآيات الموضحة لذلك في الكهف والزخرف.\n﴿عَلَّمَ الْقُرْآنَ (٢)﴾ حذف فيه أحد المفعولين، والتحقيق أن المحذوف هو الأول لا الثاني كما ظنه الفخر الرازي، وقد رده عليه أبو حيان، والصواب هو ما ذكره من أن المحذوف الأول، وتقديره: علم النبيَّ القرآنَ. وقيل: جبريل. وقيل: الإنسان.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2049> قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾</span>.\nاعلم أولًا أن خلق الإنسان وتعليمه البيان من أعظم آيات الله الباهرة، كما أشار تعالى بذلك بقوله في أول النحل: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾، وقوله في آخر يس: ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٧٧)﴾.\nفالإنسان بالأمس نطفة واليوم هو في غاية البيان وشدة الخصام، يجادل في ربه وينكر قدرته على البعث، فالمنافاة العظيمة التي بين النطفة وبين الإبانة في الخصام، مع أن الله خلقه من نطفة وجعله خصيمًا مبينًا، آيةٌ من آياته جل وعلا دالة على أنه المعبود وحده، وأن البعث من القبور حق.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣)﴾ لم يبين هنا أطوار خلقه للإنسان، ولكنه بينها في آيات أخر، كقوله تعالى في الفلاح: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾.","vol":"7","page":785},{"text":"والآيات المبينة أطوار خلق الإنسان كثيرة معلومة.\nوقد بينا ما يتعلق بالإنسان من الأحكام في جميع أطواره قبل ولادته، في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية، وبينا هناك معنى النطفة والعلقة والمضغة في اللغة.\nوقوله جل وعلا في هذه الآية الكريمة ﴿عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ التحقيق فيه أن المراد بالبيان: الإفصاح عما في الضمير.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من أنه علم الإنسان البيان قد جاء موضحًا في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ (٤)﴾ في سورة النحل ويس. وقوله: ﴿مُبِينٌ (٤)﴾ على أنه اسم فاعل أبان المتعدية، والمفعول محذوف للتعميم، أي مبين كل ما يريد بيانه وإظهاره بلسانه مما في ضميره؛ وذلك لأنه ربه علمه البيان. وعلى أنه صفة مشبهة من أبان اللازمة، وأن المعنى: فإذا هو خصيم مبين، أي بيِّن الخصومة ظاهرها، فكذلك أيضًا؛ لأنه ما كان بيِّن الخصومة إلا لأن الله علمه البيان.\nوقد امتن الله جل وعلا على الإنسان بأنه جعل له آلة البيان التي هي اللسان والشفتان، وذلك في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَينَينِ (٨) وَلِسَانًا وَشَفَتَينِ (٩)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2050> قوله تعالى: ﴿الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ بِحُسْبَانٍ (٥)﴾</span>.\nالحسبان: مصدر زيدت فيه الألف والنون، كما زيدت في الطغيان والرجحان والكفران، فمعنى (بحسبان) أي بحساب وتقدير من العزيز العليم، وذلك من آيات الله ونعمه أيضًا على بني آدم؛","vol":"7","page":786},{"text":"لأنهم يعرفون به الشهور والسنين والأيام، ويعرفون شهر الصوم وأشهر الحج ويوم الجمعة وعِدد النساء اللاتي تعتد بالشهور، كاليائسة والصغيرة والمتوفى عنها.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً وَالْقَمَرَ نُورًا وَقَدَّرَهُ مَنَازِلَ لِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ مَا خَلَقَ اللَّهُ ذَلِكَ إلا بِالْحَقِّ يُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٥)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة بني إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَحَوْنَا آيَةَ اللَّيلِ وَجَعَلْنَا آيَةَ النَّهَارِ مُبْصِرَةً لِتَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ وَلِتَعْلَمُوا عَدَدَ السِّنِينَ وَالْحِسَابَ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2051> قوله تعالى: ﴿وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ (٦)﴾</span>.\nاختلف العلماء في المراد بالنجم في هذه الآية، فقال بعض العلماء: النجم هو ما لا ساق له من النبات كالبقول، والشجر هو ما له ساق. وقال بعض أهل العلم: المراد بالنجم نجوم السماء.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه أن المراد بالنجم هو نجوم السماء، والدليل على ذلك أن الله جل وعلا في سورة الحج صرح بسجود نجوم السماء والشجر، ولم يذكر في آية من كتابه سجود ما ليس له ساق من النبات بخصوصه. ونعني بآية الحج قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ﴾ الآية.\nفدلت هذه الآية أن الساجد مع الشجر في آية الرحمن هو النجوم السماوية المذكورة مع الشمس والقمر في سورة الحج، وخير","vol":"7","page":787},{"text":"ما يفسر به القرآن القرآن، وعلى هذا الذي اخترناه فالمراد بالنجم النجوم، وقد قدمنا الكلام عليه في أول سورة النجم وأول سورة الحج، وذكرنا أن من الشواهد العربية لإطلاق النجم وإرادة النجوم قول الراعي:\nفباتت تعد النجم في مستحيرة ... سريع بأيدي الآكلين جمودها\nوقول عمر بن أبي ربيعة المخزومي:\nأبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب\nثم قالوا تحبها قلت بهرًا ... عدد النجم والحصا والتراب\nوقوله في هذه الآية الكريمة: (يسجدان) قد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2052> قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ (٧)﴾</span>.\nقوله: (والسماء رفعها) قد بينا الآيات الموضحة له في سورة ق في الكلام على قوله تعالى: ﴿أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيفَ بَنَينَاهَا﴾ الآية.\nوقوله: (ووضع الميزان) قد قدمنا الكلام عليه في سورة الشوري في الكلام على قوله تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2053> قوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ (٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الأنعام في الكلام على","vol":"7","page":788},{"text":"قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلا وُسْعَهَا﴾، وذكرنا بعضه في سورة الشورى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2054> قوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠) فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيحَانُ (١٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية أنه وضع الأرض للأنام وهو الخلق؛ لأن وضع الأرض لهم على هذا الشكل العظيم، القابل لجميع أنواع الانتفاع من إجراء الأنهار وحفر الآبار وزرع الحبوب والثمار ودفن الأموات وغير ذلك من أنواع المنافع، من أعظم الآيات وأكبر الآلاء التي هي النعم، ولذا قال تعالى بعده: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من امتنانه جل وعلا على خلقه بوضع الأرض لهم بما فيها من المنافع، وجعلها آية لهم، دالة على كمال قدرة ربهم واستحقاقه للعبادة وحده، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَدَّ الْأَرْضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْهَارًا وَمِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ جَعَلَ فِيهَا زَوْجَينِ اثْنَينِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا (٣٠) أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا (٣١) وَالْجِبَال أَرْسَاهَا (٣٢) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ (٤٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَينَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ (٧) تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ (٨) وَنَزَّلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً مُبَارَكًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.","vol":"7","page":789},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، أي فواكه كثيرة. وقد قدمنا أن هذا أسلوب عربي معروف، وأوضحنا ذلك بالآيات وكلام العرب.\nوقوله: ﴿وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ (١١)﴾ ذات أي صاحبة، والأكمام جمع كِم، بكسر الكاف، وهو ما يظهر من النخلة في ابتداء إثمارها، شبه اللسان ثم ينفخ عن النَّوْر. وقيل: هو ليفها. واختار ابن جرير شموله للأمرين.\nوقوله: ﴿وَالْحَبُّ﴾ كالقمح ونحوه.\nوقوله: ﴿ذُو الْعَصْفِ﴾، قال أكثر العلماء: العصف ورق الزرع، ومنه قوله تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ (٥)﴾. وقيل العصف: التبن.\nوقوله: ﴿وَالرَّيحَانُ﴾ اختلف العلماء في معناه، فقال بعض أهل العلم: هو كل ما طاب ريحه من النبت وصار يشم للتمتع بريحه. وقال بعض العلماء: الريحان: الرزق، ومنه قول النجم بن تولب العكلي:\nفروح الإله وريحانه ... ورحمته وسماء درر\nغمام ينزل رزق العباد ... فأحيا البلاد وطاب الشجر\nويتعين كون الريحان بمعنى الرزق على قراءة حمزة والكسائي، وأما على قراءة غيرهما فهو محتمل للأمرين المذكورين.\nوإيضاح ذلك أن هذه الآية قرأها نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم: (والحبُّ ذو العصف والريحان) بضم الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وهو عطف على (فاكهةٌ) أي فيها فاكهة وفيها الحب ... إلخ.","vol":"7","page":790},{"text":"وقرأه ابن عامر. (والحبَّ ذا العصف والريحان) بفتح الباء والذال والنون من الكلمات الثلاث، وفي رسم المصحف الشامي: (ذا العصف) بألف بعد الذال، مكان الواو. والمعنى على قراءته: وخلق الحب ذا العصف والريحان.\nوعلى هاتين القراءتين، فالريحان محتمل لكلا المعنيين المذكورين.\nوقراءة حمزة والكسائي بضم الباء في (الحبُّ) وضم الذال في (ذو العصف) وكسر نون (الريحانِ) عطفًا على العصف، وعلى هذا فالريحان لا يحتمل المشموم؛ لأن الحب الذي هو القمح ونحوه صاحب عصف وهو الورق أو التبن، وليس صاحب مشموم طيب ريح.\nفيتعين على هذه القراءة أن المراد بالعصف ما تأكله الأنعام من ورق وتبن، والمراد بالريحان ما يأكله الناس من نفس الحب، فالآية على هذا المعنى كقوله: ﴿مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَنُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ أَنْعَامُهُمْ وَأَنْفُسُهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْ نَبَاتٍ شَتَّى (٥٣) كُلُوا وَارْعَوْا أَنْعَامَكُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠) يُنْبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ وَالزَّيتُونَ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ﴾، ما ذكره تعالى فيه من الامتنان بالفاكهة التي هي أنواع، جاء موضحًا في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى في سورة الفلاح: ﴿لَكُمْ فِيهَا فَوَاكِهُ كَثِيرَةٌ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ (١٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":791},{"text":"وما ذكره هنا من الامتنان بالحب جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبًّا فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوما ذكره تعالى هنا من الامتنان بالنخل، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَالنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ (١٠) رِزْقًا لِلْعِبَادِ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَأَنْشَأْنَا لَكُمْ بِهِ جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوما ذكره هنا من الامتنان بالريحان، على أنه الرزق كما في قراءة حمزة والكسائي، جاء موضحًا في آيات كثيرة أيضًا، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آيَاتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّمَاءِ رِزْقًا﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿أَمَّنْ هَذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ﴾ الآية، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\n\nمسألة\nأخذ بعض علماء الأصول من هذه الآية الكريمة وأمثالها من الآيات، كقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ أن الأصل فيما على الأرض الإباحة حتى يرد دليل خاص بالمنع؛ لأن الله امتن على الأنام بأنه وضع لهم الأرض، وجعل لهم فيها أرزاقهم من القوت والتفكه، في آية الرحمن هذه، وامتن عليهم بأنه خلق لهم","vol":"7","page":792},{"text":"ما في الأرض جميعًا في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، ومعلوم أنه جل وعلا لا يمتن بحرام، إذ لا منة في شيء محرم.\nواستدلوا لذلك أيضًا بحصر المحرسات في أشياء معينة في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلا أَنْ يَكُونَ مَيتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ﴾ الآية، وقوله تعالى. ﴿قُلْ تَعَالوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيكُمْ﴾ الآية.\nوفي هذه المسألة قولان آخران:\nأحدهما: أن الأصل فيما على الأرض التحريم حتى يدل دليل على الإباحة، واحتجوا لهذا بأن جميع الأشياء مملوكة لله جل وعلا، والأصل في ملك الغير منع التصرف فيه إلَّا بإذنه، وفي هذا مناقشات معروفة في الأصول، ليس هذا محل بسطها.\nالقول الثاني: هو الوقف وعدم الحكم فيها بمنع ولا إباحة حتى يقوم الدليل.\nفتحصل أن في المسألة ثلاثة مذاهب: المنع، والإباحة، والوقف.\nقال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر لي صوابه في هذه المسألة هو التفصيل؛ لأن الأعيان التي خلقها الله في الأرض للناس بها ثلاث حالات:\nالأولى: أن يكون فيها نفع لا يشوبه ضرر، كأنواع الفواكه وغيرها.","vol":"7","page":793},{"text":"الثانية: أن يكون فيها ضرر لا يشوبه نفع، كأكل الأعشاب السامة القاتلة.\nالثالثة: أن يكون فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى.\nفإن كان فيها نفع لا يشوبه ضرر، فالتحقيق حملها على الإباحة حتى يقوم دليل على خلاف ذلك؛ لعموم قوله: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾، وقوله: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ (١٠)﴾ الآية.\nوإن كان فيها ضرر لا يشوبه نفع، فهي على التحريم؛ لقوله - ﷺ -: \"لا ضرر ولا ضرار\".\nوإن كان فيها نفع من جهة وضرر من جهة أخرى، فلها ثلاث حالات.\nالأولى: أن يكون النفع أرجح من الضرر.\nوالثانية: عكس هذا.\nوالثالثة: أن يتساوى الأمران.\nفإن كان الضرر أرجح من النفع أو مساويًا له، فالمنع؛ لحديث \"لا ضرر ولا ضرار\"، ولأن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح. وإن كان النفع أرجح، فالأظهر الجواز؛ لأن المقرر في الأصول أن المصلحة الراجحة تقدم على المفسدة المرجوحة، كما أشار له في مراقي السعود بقوله:\n\n• وألغ إن يك الفساد أبعدا *\nأو رجح الإصلاح كالأسارى ... تفدى بما ينفع للنصارى\nوانظر تدليَ دوالي العنب ... في كل مشرق وكل مغرب","vol":"7","page":794},{"text":"ومراده تقديم المصلحة الراجحة على المفسدة المرجوحة، أو البعيدة، ممثلًا له بمثالين:\nالأول منهما: أن تخليص أسارى المسلمين من أيدي العدو بالفداء مصلحة راجحة، قدمت على المفسدة المرجوحة التي هي انتفاع العدو بالمال المدفوع لهم فداء للأسارى.\nالثاني: أن انتفاع الناس بالعنب والزبيب، مصلحة راجحة على مفسدة عصر الخمر من العنب، فلم يقل أحد بإزالة العنب من الدنيا لدفع ضرر عصر الخمر منه؛ لأن الانتفاع بالعنب والزبيب مصلحة راجحة على تلك المفسدة.\nوهذا التفصيل الذي اخترنا، قد أشار له صاحب مراقي السعود بقوله:\nوالحكم ما به يجيء الشرع ... وأصل كل ما يضر المنع\n\nتنبيه\nاعلم أن علماء الأصول يقولون: إن الإنسان لا يحرم عليه فعل شيء إلا بدليل من الشرع، ويقولون: إن الدليل على ذلك عقلي، وهو البراءة الأصلية المعروفة بالإباحة العقلية، وهي استصحاب العدم الأصلي حتى يرد دليل ناقل عنه.\nونحن نقول: إنه قد دلت آيات من كتاب الله على أن استصحاب العدم الأصلي قبل ورود الدليل الناقل عنه حجة في الإباحة، ومن ذلك أن الله لما أنزل تشديده في تحريم الربا في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، وكانت وقت نزولها","vol":"7","page":795},{"text":"عندهم أموال مكتسبة من الربا، اكتسبوها قبل نزول التحريم، بين الله تعالى لهم أن ما فعلوه من الربا، على البراءة الأصلية قبل نزول التحريم، لا حرج عليهم فيه، إذ لا تحريم إلا ببيان، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ﴾، وقولُه: (ما سلف) أي ما مضى قبل نزول التحريم.\nومن الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَينَ الْأُخْتَينِ إلا مَا قَدْ سَلَفَ﴾، والأظهر أن الاستثناء فيهما في قوله: (إلا ما قد سلف) منقطع، أي لكن ما سلف من ذلك قبل نزول التحريم فهو عفو؛ لأنه على البراءة الأصلية.\nومن أصرح الآيات الدالة على ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾؛ لأن النبي - ﷺ - لما استغفر لعمه أبي طالب بعد موته على الشرك، واستغفر المسلمون لموتاهم المشركين، عاتبهم الله في قوله: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ وَلَوْ كَانُوا أُولِي قُرْبَى﴾ الآية، فندموا على الاستغفار لهم، فبين الله لهم أن استغفارهم لهم لا مؤاخذة به؛ لأنه وقع قبل بيان منعه.\nوهذا صريح فيما ذكرنا.\nوقد قدمنا أن الأخذ بالبراءة الأصلية يعذر به في الأصول أيضًا، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا (١٥)﴾، وبينا هناك كلام أهل العلم في ذلك، وأوضحنا ما جاء في ذلك من الآيات القرآنية. والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":796},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2055> قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ (١٥)﴾</span>.\nالصلصال: الطين اليابس الذي تسمع له صلصة، أي صوت إذا قرع بشيء، وقيل: الصلصال: المنتن، والفخار: الطين المطبوخ، وهذه الآية بين الله فيها طورًا من أطوار التراب الذي خلق منه آدم، فبين في آيات أنه خلقه من تراب، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾.\nوقد بينا في قوله تعالى: ﴿فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ وقوله: ﴿مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ﴾ أن المراد بخلقهم منها هو خلق أبيهم آدم منها؛ لأنه أصلهم وهم فروعه.\nثم إن الله تعالى عجن هذا التراب بالماء فصار طينًا، ولذا قال: ﴿أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِينًا﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧)﴾، وقال: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ (١١)﴾، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١)﴾.\nثم خمر هذا الطين فصار حمأً مسنونًا، أي طينًا أسود متغير الريح، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٨)﴾،","vol":"7","page":797},{"text":"وقال عن إبليس: ﴿قَال لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٣٣)﴾. والمسنون قيل: المتغير، وقيل: المصور، وقيل: الأملس.\nثم يبس هذا الطين فصار صلصالًا، كما قال هنا: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾، وقال: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾.\nفالآيات يصدق بعضها بعضًا، ويتبين فيها أطوار ذلك التراب كما لا يخفى.\nقوله ﴿وَالْجَانَّ﴾ أي وخلق الجان وهو أبو الجن، وقيل: هو إبليس، وقيل: هو الواحد من الجن.\nوعليه فالألف واللام للجنس، والمارج: اللهب الذي لا دخان فيه، وقوله: (من نار) بيان لمارج. أي من لهب صافٍ كائن من النار.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه تعالى خلق الجان من النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإ مَسْنُونٍ (٢٦) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَال مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَال أَنَا خَيرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.\nوقد أوضحنا الكلام على هذا في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ (٣٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2056> قوله تعالى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقَينِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَينِ (١٧)﴾</span>.\nقد أوضحنا الكلام عليه في أول الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَينَهُمَا وَرَبُّ الْمَشَارِقِ (٥)﴾.","vol":"7","page":798},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2057> قوله تعالى: ﴿مَرَجَ الْبَحْرَينِ يَلْتَقِيَانِ (١٩) بَينَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ (٢٠)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَينِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَينَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا (٥٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2058> قوله تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف نافع وأبو عمرو: (يُخْرَج) بضم الياء وفتح الراء مبينًا للمفعول، وعليه فاللؤلؤ نائب فاعل يُخْرَج.\nوقرأه باقي السبعة: (يَخْرُج) بفتح الياء وضم الراء مبينًا للفاعل، وعليه فاللؤلؤ فاعل يَخْرُج.\nأعلم أن جماعة من أهل العلم قالوا: إن المراد بقوله في هذه الآية: (يخرج منهما) أي من مجموعهما الصادق بالبحر الملح، وأن الآية من إطلاق المجموع وإرادة بعضه، وأن اللؤلؤ والمرجان لا يخرجان إلا من البحر الملح وحده دون العذب.\nوهذا القول الذي قالوه في هذه الآية مع كثرتهم وجلالتهم لا شك في بطلانه؛ لأن الله صرح بنقيضه في سورة فاطر، ولا شك أن كل ما ناقض القرآن فهو باطل، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَسْتَوي الْبَحْرَانِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ سَائِغٌ شَرَابُهُ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَمِنْ كُلٍّ تَأْكُلُونَ لَحْمًا طَرِيًّا وَتَسْتَخْرِجُونَ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ فالتنوين في قوله: (من كل) تنوين عوض، أي من كل واحد من العذب والملح تأكلون لحمًا طريًّا وتستخرجون حلية تلبسونها، وهي اللؤلؤ والمرجان، وهذا مما","vol":"7","page":799},{"text":"لا نزاع فيه (^١).\nوقد أوضحنا هذا في سورة الأنعام في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾ الآية.\nواللؤلؤ: الدر، والمرجان: الخرز الأحمر. وقال بعضهم: المرجان صغار الدر واللؤلؤ كباره.\n_________\n(^١) هذا الاستنتاج الذي توصل إليه فضيلة الوالد ﵀، يعتبر فتحًا من الله؛ لأنه توصل إليه استنتاجًا، فجاء الواقع يشهد بذلك، وإن لم يطلع عليه ﵀، مما يلزم التعليق والتنبيه عليه.\nوذلك أنه قد ثبت وجود اللؤلؤ في الماء العذب كما ذهب إليه ﵀، كما جاء في دائرة معارف الشعب المصرية عدد ٧٣ صحيفة ٥٣٧ تكلمت عن اللؤلؤ إلى أن جاء فيها ما نصه:\nوأنواع المحار جميعها قد تنتج اللؤلؤ ولكنه يوجد غالبًا في أنواع معينة منها. فلقد عثر مثلًا على لآلئ رائعة الجمال في محار المياه العذبة الذي يعيش في بريطانيا وخاصة أنهار ويلز واسكتلندا ...\nوأشهر لؤلؤة منها عثر عليها في نهر كونواي في القرن السابع عشر، وأهداها أحد نبلاء الإنجليز إلى الملكة كاترين زوجة شارل الثاني، وما زالت محفوظة ضمن مجوهرات التاج البريطاني في برج لندن، ولا يزال الأهالي يقتنون المحار عند مصب هذا النهر ... إلخ.\nفكان إثبات الشيخ ﵀ وجزمه باستخراج اللؤلؤ من الماء العذب مغايرًا لما عليه جميع المفسرين إثباتًا مؤيدًا بنور الله، شهد له الواقع وصدقه الحس، وفي ذلك تأييد لكل مجتهد وجد مستندًا صريحًا لما ذهب إليه، ولما فهمه من كتاب الله، وإن غاير أقوال الآخرين، ما دام له مستند ظاهر كهذه المسألة. وهذا مصداق ما جاء عن علي ﵁ وما نطق به من مشكاة النبوة حينما سئل: هل خصكم رسول الله  -  ﷺ  -  آل البيت بشيء من الوحي؟ فقال: لا. إلا بما في هذه الصحيفة أو فهمًا من كتاب الله، يعطيه من شاء من عباده.\nوهذا هو الفهم الصحيح المستند إلى نص صريح، يعطيه الله تعالى له، ﵀ رحمة واسعة.","vol":"7","page":800},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2059> قوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٢٤)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلَامِ (٣٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2060> قوله تعالى: ﴿كُلُّ مَنْ عَلَيهَا فَانٍ (٢٦) وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ (٢٧)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من فناء كل من على الأرض وبقاء وجهه جل وعلا المتصف بالجلال والإكرام، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالوجه صفة من صفات الله العلي وصف بها نفسه، فعلينا أن نصدق ربنا ونؤمن بما وصف به نفسه مع التنزيه التام عن مشابهة صفات الخلق.\nوقد أوضحنا هذا غاية الإيضاح بالآيات القرآنية في سورة الأعراف، وفي سورة القتال. والعلم عند الله تعالى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2061> قوله تعالى: ﴿يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إلا بِسُلْطَانٍ (٣٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾، وتكلمنا أيضًا هناك على غيرها من الآيات التي يفسرها الجاهلون بكتاب الله بغير معانيها، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.","vol":"7","page":801},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2062> قوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ وَرْدَةً كَالدِّهَانِ (٣٧)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن السماء ستنشق يوم القيامة، وأنها إذا انشقت صارت وردة كالدهان، وقوله: (وردة) أي حمراء كلون الورد، وقوله: (كالدهان) فيه قولان معروفان للعلماء:\nالأول منهما: أن الدهان هو الجلد الأحمر. وعليه فالمعنى: أنها تصير وردة متصفة بلون الورد مشابهة للجلد الأحمر في لونه.\nوالثاني: أن الدهان هو ما يدهن به، وعليه، فالدهان قيل: هو جمع دهن، وقيل: هو مفرد؛ لأن العرب تسمى ما يدهن به دهانًا، وهو مفرد، ومنه قول امرئ القيس:\nكأنهما مزادتا متعجل ... فرِيَّان لما تدهني بدهان\nوحقيقة الفرق بين القولين أنه على القول بأن الدهان هو الجلد الأحمر، يكون الله وصف السماء عند انشقاقها يوم القيامة بوصف واحد وهو الحمرة، فشبهها بحمرة الورد، وحمرة الأديم الأحمر.\nقال بعض أهل العلم: إنها يصل إليها حر النار فتحمر من شدة الحرارة. وقال بعض أهل العلم: أصل السماء حمراء إلا أنها لشدة بعدها وما دونها من الحواجز لم تصل العيون إلى إدراك لونها الأحمر على حقيقته، وأنها يوم القيامة ترى على حقيقة لونها.\nوأما على القول بأن الدهان هو ما يدهن به، فإن الله يكون قد وصف السماء عند انشقاقها بوصفين: أحدهما: حمرة لونها، والثاني: أنها تذوب وتصير مائعة كالدهن.","vol":"7","page":802},{"text":"أما على القول الأول، فلم نعلم آية من كتاب الله تبين هذه الآية، بأن السماء ستحمر يوم القيامة حتى تكون كلون الجلد الأحمر.\nوأما على القول الثاني الذي هو أنها تذوب وتصير مائعة، فقد أوضحه الله في غير هذا الموضع، وذلك في قوله تعالى في المعارج: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (٦) وَنَرَاهُ قَرِيبًا (٧) يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨)﴾، والمهل شيء ذائب على كلا القولين، سواء قلنا: إنه دردي الزيت وهو عكره، أو قلنا: إنه الذائب من حديد أو نحاس أو نحوهما.\nوقد أوضح تعالى في الكهف أن المهل شيء ذائب يشبه الماء شديد الحرارة، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقًا (٢٩)﴾.\nوالقول بأن الوردة تشبيه بالفرس الكميت وهو الأحمر؛ لأن حمرته تتلون باختلاف الفصول، فتشتد حمرتها في فصل، وتميل إلى الصفرة في فصل، وإلى الغبرة في فصل، وأن المراد بالتشبيه كون السماء عند انشقاقها تتلون بألوان مختلفة، واضح البعد عن ظاهر الآية.\nوقول من قال: إنها تذهب وتجيء، معناه له شاهد في كتاب الله، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا (٩)﴾ الآية، ولكنه لا يخلو عندي من بعد.\nوما ذكره تعالى في هذه الآية الكريمة من انشقاق السماء يوم القيامة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ (١)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ﴾،","vol":"7","page":803},{"text":"وقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ (١)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2063> قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة؛ أنه يوم القيامة لا يسأل إنسًا ولا جانًا عن ذنبه، وبين هذا المعنى في قوله تعالى في القصص: ﴿وَلَا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾.\nوقد ذكر جل وعلا في آيات أخر أنه يسأل جميع الناس يوم القيامة الرسل والمرسل إليهم، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾، وقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾.\nوقد جاءت آيات من كتاب الله مبينة لوجه الجمع بين هذه الآيات التي قد يظن غير العالم أن بينها اختلافًا.\nاعلم أولًا أن السؤال المنفي في قوله هنا: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾، وقوله: ﴿يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ (٧٨)﴾ أخص من السؤال المثبت في قوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾؛ لأن هذه فيها تعميم السؤال في كل عمل، والآيتان قبلها ليس فيهما نفي السؤال إلا عن الذنوب خاصة.\nوللجمع بين هذه الآيات أوجه معروفة عند العلماء:\nالأول منها، وهو الذي دل عليه القرآن، وهو محل الشاهد عندنا من بيان القرآن بالقرآن هنا: هو أن السؤال نوعان: أحدهما","vol":"7","page":804},{"text":"سؤال التوبيخ والتقريع وهو من أنواع العذاب، والثاني هو سؤال الاستخبار والاستعلام.\nفالسؤال المنفي في بعض الآيات هو سؤال الاستخبار والاستعلام؛ لأن الله أعلم بأفعالهم منهم أنفسهم، كما قال تعالى: ﴿أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ﴾.\nوعليه فالمعنى: (لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان) سؤال استخبار واستعلام؛ لأن الله أعلم بذنبه منه.\nوالسؤال المثبت في الآيات الأخرى هو سؤال التوبيخ والتقريع، سواء كان من ذنب أو غير ذنب، ومثال سؤالهم عن الذنوب سؤال توبيخ وتقريع قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ (١٠٦)﴾، ومثاله عن غير ذنب قوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ (٢٤) مَا لَكُمْ لَا تَنَاصَرُونَ (٢٥) بَلْ هُمُ الْيَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ (٢٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣) هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤) أَفَسِحْرٌ هَذَا﴾ الآية، وقوله: ﴿أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ﴾.\nأما سؤال الموؤودة في قوله: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ (٨)﴾ فلا يعارض الآيات النافية السؤال عن الذنب؛ لأنها سئلت عن أبي ذنب قتلت، وهذا ليس من ذنبها، والمراد بسؤالها توبيخ قاتلها وتقريعه؛ لأنها هي تقول: لا ذنب لي، فيرجع اللوم على من قتلها ظلمًا.\nوكذلك سؤال الرسل، فإن المراد به توبيخ من كذبهم وتقريعه، مع إقامة الحجة عليه بأن الرسل قد بلغته.\nوباقي أوجه الجمع بين الآيات لا يدل عليه قرآن، وموضوع","vol":"7","page":805},{"text":"هذا الكتاب بيان القرآن بالقرآن، وقد بينا بقيتها في كتابنا \"دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" في أول سورة الأعراف.\nوقد قدمنا طرفًا من هذا في هذا الكتاب المبارك في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2064> قوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾</span>.\nقوله: (بسيماهم) أي بعلامتهم المميزة لهم، وقد دل القرآن على أنها هي سواد وجوههم وزرقة عيونهم، كما قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَتَسْوَدُّ وُجُوهٌ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ مَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ وُجُوهُهُمْ قِطَعًا مِنَ اللَّيلِ مُظْلِمًا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٧)﴾، وقال تعالى: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ (٤١) أُولَئِكَ هُمُ الْكَفَرَةُ الْفَجَرَةُ (٤٢)﴾؛ لأن معنى قوله: (ترهقها قترة) أي يعلوها ويغشاها سواد كالدخان الأسود، وقال تعالى في زرقة عيونهم: ﴿وَنَحْشُرُ الْمُجْرِمِينَ يَوْمَئِذٍ زُرْقًا﴾، ولا شيء أقبح وأشوه من سواد الوجوه وزرقة العيون، ولذا لما أراد الشاعر أن يقبح علل البخيل بأسوأ الأوصاف وأقبحها، فوصفها بسواد الوجوه وزرقة العيون حيث قال:\nوللبخيل على أمواله علل ... زرق العيون عليها أوجه سود\nولا سيما إذا اجتمع مع سواد الوجه اغبراره، كما في قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيهَا غَبَرَةٌ (٤٠) تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾ فإن ذلك يزيده قبحًا على قبح.","vol":"7","page":806},{"text":"وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالْأَقْدَامِ (٤١)﴾ قد قدمنا تفسيره والآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعًّا (١٣)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2065> قوله تعالى: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣) يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾</span>.\nأما قوله: ﴿هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي يُكَذِّبُ بِهَا الْمُجْرِمُونَ (٤٣)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور أيضًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِهَا تُكَذِّبُونَ (١٤)﴾.\nوأما قوله تعالى: ﴿يَطُوفُونَ بَينَهَا وَبَينَ حَمِيمٍ آنٍ (٤٤)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الحج في الكلام على قوله: ﴿يُصَبُّ مِنْ فَوْقِ رُءُوسِهِمُ الْحَمِيمُ (١٩) يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2066> قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾</span>.\nقد بينا في ترجمة هذا الكتاب المبارك، أن الآية قد يكون فيها وجهان صحيحان كلاهما يشهد له القرآن، فنذكر ذلك كله مبينين أنه كله حق، وذكرنا لذلك أمثلة متعددة في هذا الكتاب المبارك، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.\nوإيضاح ذلك: أن هذه الآية الكريمة فيها وجهان معروفان عند العلماء، كلاهما يشهد له قرآن:\nأحدهما: أن المراد بقوله: (مقام ربه) أي قيامه بين يدي ربه، فالمقام اسم مصدر بمعنى القيام، وفاعله على هذا الوجه هو العبد الخائف، وإنما أضيف إلى الرب لوقوعه بين يديه، وهذا الوجه يشهد","vol":"7","page":807},{"text":"له قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى (٤٠) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى (٤١)﴾، فإن قوله: (ونهى النفس عن الهوى) قرينة دالة على أنه خاف عاقبة الذنب حين يقوم بين يدي ربه، فنهى نفسه عن هواها.\nوالوجه الثاني: أن فاعل المصدر الميمي الذي هو المقام، هو الله تعالى، أي خاف هذا العبد قيام الله عليه ومراقبته لأعماله وإحصائها عليه، ويدل لهذا الوجه الآيات الدالة على قيام الله على جميع خلقه وإحصائه عليهم أعمالهم، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ (٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إلا كُنَّا عَلَيكُمْ شُهُودًا إِذْ تُفِيضُونَ فِيهِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.\nوقد قدمنا في سورة الأحقاف في الكلام على قوله تعالى في شأن الجن: ﴿يَاقَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ﴾ الآية، أن قوله: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ (٤٦)﴾ وتصريحه بالامتنان بذلك على الإنس والجن في قوله: ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ (١٣)﴾، نص قرآني على أن المؤمنين الخائفين مقام ربهم من الجن يدخلون الجنة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2067> قوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى فُرُشٍ بَطَائِنُهَا مِنْ إِسْتَبْرَقٍ﴾</span>.\nقد بينا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا﴾ جميع الآيات القرآنية الدالة على تنعم أهل الجنة بالسندس والإستبرق، والحلية بالذهب والفضة، وبينا أن جميع ذلك يحرم على ذكور هذه الأمة في دار الدنيا.","vol":"7","page":808},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2068> قوله تعالى: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه مستوفى في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2069> قوله تعالى: ﴿حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ (٧٢)﴾</span>.\nقد قدمنا معنى القصر في الخيام، وقصر الطرف على الأزواج، في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾، وقدمنا الآيات الدالة على صفات نساء أهل الجنة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب في سورة البقرة والصافات، وغير ذلك.\n\n* * *","vol":"7","page":809},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2070>سورة الواقعة</span>","vol":"7","page":811},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2071> قوله تعالى: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١) لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾</span>.\nالذي يظهر لي صوابه أن (إذا) هنا هي الظرفية المضمنة معنى الشرط، وأن قوله الآتي: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤)﴾ بدل من قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ وأن جواب (إذا) هو قوله: (فأصحاب الميمنة). وهذا هو اختيار أبي حيان، خلافًا لمن زعم أنها مسلوبة معنى الشرط هنا، وأنها منصوبة بـ \"اذكر\" مقدرة أو أنها مبتدأ، وخلافًا لمن زعم أنها منصوبة بِـ \"ليسَ\" المذكورة بعدها.\nوالمعروف عند جمهور النحويين أن إذا ظرف مضمن معنى الشرط منصوب بجزائه، وعليه فالمعنى: إذا قامت القيامة وحصلت هذه الأحوال العظيمة ظهرت منزلة أصحاب الميمنة وأصحاب المشأمة.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ أي قامت القيامة، فالواقعة من أسماء القيامة، كالطامة والصاخة والآزفة والقارعة.\nوقد بين جل وعلا أن الواقعة هي القيامة في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي","vol":"7","page":813},{"text":"الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً (١٤) فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١٥) وَانْشَقَّتِ السَّمَاءُ فَهِيَ يَوْمَئِذٍ وَاهِيَةٌ (١٦)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَيسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ (٢)﴾ فيه أوجه من التفسير معروفة عند العلماء كلها حق، وبعضها يشهد له قرآن.\nالوجه الأول: أن قوله: (كاذبة) مصدر جاء بصفة اسم الفاعل، فالكاذبة بمعنى الكذب، كالعافية بمعنى المعافاة، والعاقبة بمعنى العقبى، ومنه قوله تعالى عند جماعات من العلماء: ﴿لَا تَسْمَعُ فِيهَا لَاغِيَةً (١١)﴾، قالوا: معناه لا تسمع فيها لغوًا. وعلى هذا القول، فالمعنى: ليس لقيام القيامة كذب ولا تخلُّف، بل هو أمر واقع يقينًا لا محالة.\nومن هذا المعنى قولهم: حمل الفارس على قرنه فما كذب، أي ما تأخر ولا تخلف ولا جبن.\nومنه قول زهير:\nليث بِعَثَّرَ يصطاد الرجال إذا ... ما كذب الليث عن أقرانه صدقا\nوهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيبَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيبَ فِيهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الشورى في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَتُنْذِرَ يَوْمَ الْجَمْعِ لَا رَيبَ فِيهِ﴾.\nالوجه الثاني: أن اللام في قوله: (لوقعتها) ظرفية، و(كاذبة)","vol":"7","page":814},{"text":"اسم فاعل صفة لمحذوف، أي ليس في وقعة الواقعة نفس كاذبة، بل جميع الناس يوم القيامة صادقون بالاعتراف بالقيامة مصدقون بها ليس فيهم نفس كاذبة بإنكارها ولا مكذبة بها.\nوهذا المعنى تشهد له في الجملة آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ بِهِ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ (٢٠١)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ (٥٥)﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله تعالى: ﴿بَلِ ادَّارَكَ عِلْمُهُمْ فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ مِنْهَا بَلْ هُمْ مِنْهَا عَمُونَ (٦٦)﴾.\nوباقي الأوجه قد يدل على معناه قرآن ولكنه لا يخلو من بعد عندي، ولذا لم أذكره، وأقربها عندي الأول.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2072> قوله تعالى: ﴿خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ (٣)﴾</span>.\nخبر مبتدأ محذوف، أي هي خافضة رافعة، ومفعول كل من الوصفين محذوف.\nقال بعض العلماء: تقديره: هي خافضة أقوامًا في دركات النار، رافعة أقوامًا إلى الدرجات العلى إلى الجنة. وهذا المعنى قد دلت عليه آيات كثيرة، كقوله: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى (٧٥) جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَلْآخِرَةُ أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا (٢١)﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة.","vol":"7","page":815},{"text":"وقال بعض العلماء: تقديره: خافضة أقوامًا كانوا مرتفعين في الدنيا، رافعة أقوامًا كانوا منخفضين في الدنيا. وهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله تعالى، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ (٢٩) وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله: ﴿فَالْيَوْمَ الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الْكُفَّارِ يَضْحَكُونَ (٣٤) عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ (٣٥)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقال بعض العلماء: تقديره: خافضة بعض الأجرام التي كانت مرتفعة، كالنجوم التي تسقط وتتناثر يوم القيامة، وذلك خفض لها بعد أن كانت مرتفعة، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ (٢)﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ (٢)﴾. رافعة: أي رافعة بعض الأجرام التي كانت منخفضة، كالجبال التي ترفع من أماكنها وتسير بين السماء والأرض، كما قال تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾، فقوله: ﴿وَتَرَى الْأَرْضَ بَارِزَةً﴾؛ لأنها لم يبق على ظهرها شيء من الجبال، وقال تعالى: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.\nوقد قدمنا أن التحقيق الذي دل عليه القرآن، أن ذلك يوم القيامة، وأنها تسير بين السماء والأرض كسير السحاب الذي هو المزن.\nوقد صرح تعالى بأن الجبال تحمل هي والأرض أيضًا يوم القيامة، وذلك في قوله: ﴿فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ (١٣) وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ الآية.\nوعلى هذا القول، فالمراد تعظيم شأن يوم القيامة، وأنه يختل فيه نظام العالم، وعلى القولين الأولين، فالمراد الترغيب والترهيب، ليخاف الناس في الدنيا من أسباب الخفض في الآخرة فيطيعوا الله","vol":"7","page":816},{"text":"ويرغبوا في أسباب الرفع فيطيعوه أيضًا، وقد قدمنا مرارًا أن الصواب في مثل هذا حمل الآية على شمولها للجميع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2073> قوله تعالى: ﴿إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجًّا (٤) وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥) فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾</span>.\nقد قدمنا أن الأظهر عندنا أن قوله: (إذا رجت) بدل من قوله: (إذا وقعت الواقعة)، والرج: التحريك الشديد.\nوما دلت عليه هذه الآية من أن الأرض يوم القيامة تحرك تحريكًا شديدًا جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالهَا (١)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في أول سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيءٌ عَظِيمٌ (١)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ في معناه لأهل العلم أوجه متقاربة، لا يكذب بعضها بعضًا، وكلها حق، وكلها يشهد له قرآن.\nوقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها أوجه كلها حق وكلها يشهد له قرآن، فنذكر جميع الأوجه وأدلتها القرآنية.\nقال أكثر المفسرين: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي فتت تفتيتًا حتى صارت كالبسيسة، وهي دقيق ملتوت بسمن، ومنه قول لص من غطفان أراد أن يخبز دقيقًا عنده فخاف أن يعجل عنه، فأمر صاحبيه أن يلتاه ليأكلوه دقيقًا ملتوتًا، وهو البسيسة:\nلا تخبزا خبزًا وبُسَّا بَسًّا ... ولا تطيلا بمناخ حبسا","vol":"7","page":817},{"text":"وهذا الوجه يشهد له قرآن، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾، فقوله: ﴿كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ أي رملًا متهايلًا، ومنه قول امرئ القيس:\nويومًا على ظهر الكثيب تعذرت ... عليَّ وآلت حلفة لم تحلل\nومشابهة الدقيق المبسوس بالرمل المتهايل واضحة، فقوله: ﴿وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا (١٤)﴾ مطابق في المعنى لتفسير ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ بأن بسها هو تفتيتها وطحنها كما ترى.\nوما دلت عليه هذه الآيات من أنها تسلب عنها قوة الحجرية وتتصف بعد الصلابة والقوة باللين الشديد الذي هو كلين الدقيق والرمل المتهايل، يشهد له في الجملة تشبيهها في بعض الآيات بالصوف المنفوش الذي هو العهن، كقوله تعالى: ﴿وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ (٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاءُ كَالْمُهْلِ (٨) وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ (٩)﴾، وأصل العهن أخص من مطلق الصوف؛ لأنه الصوف المصبوغ خاصة؛ ومنه قول زهير بن أبي سلمى في معلقته:\nكأن فتاة العهن في كل منزل ... نزلن به حب الفنا لم يحطم\nوقال بعضهم: الجبال منها جدد بيض وحمر ومختلف ألوانها وغرابيب سود، فإذا بست وفتتت يوم القيامة وطيرت في الجو أشبهت العهن إذا طيرته الريح في الهواء، وهذا الوجه يدل عليه ترتيب كينونتها هباء منبثًا بالفاء على قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾؛ لأن الهباء هو ما ينزل من الكوة من شعاع الشمس إذا قابلتها، ﴿مُنْبَثًّا (٦)﴾ أي متفرقًا، ووصفها بالهباء المنبث أنسب لكون البَسِّ بمعنى التفتيت والطحن.","vol":"7","page":818},{"text":"الوجه الثاني: أن معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ أي سيرت بين السماء والأرض، وعلى هذا فالمراد ببسها سوقها وتسييرها، من قول العرب: بسست الإبل أبُسها، بضم الباء، وأبسستها أُبسها بضم الهمزة وكسر الباء، لغتان بمعنى سقتها، ومنه حديث: \"يخرج أقوام من المدينة إلى اليمن والشام والعراق يبسون، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون\".\nوهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَيَوْمَ نُسَيِّرُ الْجِبَال﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتَسِيرُ الْجِبَالُ سَيرًا (١٠)﴾. وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة النمل في الكلام على قوله: ﴿وَتَرَى الْجِبَال تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾.\nالوجه الثالث: أن معنى قوله: ﴿وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسًّا (٥)﴾ نزعت من أماكنها وقلعت، وقد أوضحنا أن هذا الوجه راجع للوجه الأول مع الإيضاح التام لأحوال الجبال يوم القيامة وأطوارها، بالآيات القرآنية في سورة طه في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبِّي نَسْفًا (١٠٥)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ كقوله تعالى: ﴿وَسُيِّرَتِ الْجِبَالُ فَكَانَتْ سَرَابًا (٢٠)﴾، والهباء إذا انبث، أي تفرق واضمحل: صار لا شيء، والسراب قد قال الله تعالى فيه: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيئًا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2074> قوله تعالى: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾</span>.\nأي صرتم أزواجًا ثلاثة، والعرب تطلق كان بمعنى صار، ومنه: ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥)﴾ أي فتصيرا من الظالمين.","vol":"7","page":819},{"text":"ومنه قول الشاعر:\nبتيهاء قفر والمطي كأنها ... قطا الحزن قد كانت فراخًا بيوضها\nوقوله: (أزواجًا) أي أصنافًا ثلاثة، ثم بين هذه الأزواج الثلاثة بقوله: ﴿فَأَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (٨) وَأَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ مَا أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (٩) وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾، أما أصحاب الميمنة فهم أصحاب اليمين، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الْيَمِينِ مَا أَصْحَابُ الْيَمِينِ (٢٧) فِي سِدْرٍ مَخْضُودٍ (٢٨)﴾ الآيات، وأصحاب المشأمة هم أصحاب الشمال، كما أوضحه تعالى بقوله: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ﴾ الآيات.\nقال بعض العلماء: قيل لهم: أصحاب اليمين؛ لأنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم.\nوقيل: لأنهم يذهب بهم ذات اليمين إلى الجنة.\nوقيل: لأنهم عن يمين أبيهم آدم، كما رآهم النبي  -  ﷺ  -  كذلك ليلة الإسراء.\nوقيل: سموا أصحاب اليمين، وأصحاب الميمنة؛ لأنهم ميامين، أي مباركون على أنفسهم؛ لأنهم أطاعوا ربهم فدخلوا الجنة، واليُمْن البركة.\nوسمي الآخرون أصحاب الشمال، قيل: لأنهم يؤتون كتبهم بشمائلهم.\nوقيل: لأنهم يذهب بهم ذات الشمال إلى النار، والعرب تسمي الشمال شؤمًا، كما تسمي اليمين يمينًا، ومن هنا قيل لهم: أصحاب المشأمة، أو لأنهم مشائيم على أنفسهم، فعصوا الله فأدخلهم النار،","vol":"7","page":820},{"text":"والمشائيم ضد الميامين، ومنه قول الشاعر:\nمشائيم ليسوا مصلحين عشيرة ... ولا ناعب إلا ببين غرابها\nوبين جل وعلا أن السابقين هم المقربون، وذلك في قوله: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١)﴾، وهذه الأزواج الثلاثة المذكورة هي وجزاؤها في أول هذه السورة الكريمة جاءت هي وجزاؤها أيضًا في آخرها، وذلك في قوله: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٨٨) فَرَوْحٌ وَرَيحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ (٨٩) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩٠) فَسَلَامٌ لَكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ (٩١) وَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُكَذِّبِينَ الضَّالِّينَ (٩٢) فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾.\nوالمكذبون هم أصحاب المشأمة وهم أصحاب الشمال.\nوذكر تعالى بعض صفات أصحاب الميمنة والمشأمة في البلد في قوله تعالى: ﴿فَكُّ رَقَبَةٍ (١٣) أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ (١٤) يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ (١٥)﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْمَيمَنَةِ (١٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا هُمْ أَصْحَابُ الْمَشْأَمَةِ (١٩) عَلَيهِمْ نَارٌ مُؤْصَدَةٌ (٢٠)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ما أصحاب الميمنة)، وقوله: (ما أصحاب المشأمة) استفهام أريد به التعجب من شأن هؤلاء في السعادة، وشأن هؤلاء في الشقاوة، والجملة فيهما مبتدأ وخبر، وهي خبر المبتدأ قبله، وهو أصحاب الميمنة في الأول وأصحاب المشأمة في الثاني.\nوهذا الأسلوب يكثر في القرآن نحو: (الحاقة ما الحاقة)، و(القارعة ما القارعة)، والرابط في جملة الخبر في جميع الآيات المذكورة هو إعادة لفظ المبتدأ في جملة الخبر كما لا يخفى،","vol":"7","page":821},{"text":"والسابقون لم يذكر فيه استفهام تعجب كما ذكره فيما قبله، ولكنه ذكر في مقابلة تكرير لفظ السابقين.\nوالأظهر في إعرابه أنه مبتدأ وخبر، على عادة العرب في تكريرهم اللفظ وقصدهم الإخبار بالثاني عن الأول، يعنون أن اللفظ المخبر عنه هو المعروف خبره الذي لا يحتاج إلى تعريف. ومنه قول أبي النجم:\nأنا أبو النجم وشعري شعري ... لله دري ما أجن صدري\nفقوله: \"وشعري شعري\" يعني شعري هو الذي بلغك خبره، وانتهى إليك وصفه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2075> قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾</span>.\nوقوله: (ثلة) خبر مبتدأ محذوف، والتقدير: هم ثلة، والثلة الجماعة من الناس، وأصلها القطعة من الشيء وهي الثل، وهو الكسر.\nوقال الزمخشري: والثلة من الثل، وهو الكسر، كما أن الأمة من الأَمّ وهو الشَّجّ، كأنها جماعة كسرت من الناس، وقطعت منهم. اهـ منه.\nواعلم أن الثلة تشمل الجماعة الكثيرة، ومنه قول الشاعر:\nفجاءت إليهم ثلة خندقية ... بجيش كتيار من السيل مزبد\nلأن قوله: \"تيار من السيل\" يدل على كثرة هذا الجيش المعبر عنه بالثلة.\nوقد اختلف أهل العلم في المراد بهذه الثلة من الأولين، وهذا","vol":"7","page":822},{"text":"القليل من الآخرين المذكورين هنا، كما اختلفوا في الثلتين المذكورتين في قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾.\nفقال بعض أهل العلم: كل هؤلاء المذكورين من هذه الأمة، وأن المراد بالأولين منهم الصحابة.\nوبعض العلماء يذكر معهم القرون المشهود لهم بالخير في قوله  -  ﷺ  -: \"خير القرون قرني ثم الذين يلونهم\" الحديث.\nوالذين قالوا: هم كلهم من هذه الأمة، قالوا: إنما المراد بالقليل وثلةٍ من الآخرين، هم من بعد ذلك إلى قيام الساعة.\nوقال بعض العلماء: المراد بالأولين في الموضعين الأمم الماضية قبل هذه الأمة، والمراد بالآخرين فيهما هو هذه الأمة.\nقال مقيده عفا الله عنه، وغفر له: ظاهر القرآن في هذا المقام: أن الأولين في الموضعين من الأمم الماضية، والآخرين فيهما من هذه الأمة، وأن قوله تعالى: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ في السابقين خاصة، وأن قوله: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾ في أصحاب اليمين خاصة.\nوإنما قلنا: إن هذا هو ظاهر القرآن في الأمور الثلاثة، التي هي شمول الآيات لجميع الأمم، وكون قليل من الآخرين في خصوص السابقين، وكون ثلة من الآخرين في خصوص أصحاب اليمين؛ لأنه واضح من سياق الآيات.\nأما شمول الآيات لجميع الأمم فقد دل عليه أول السورة؛ لأن قوله: ﴿إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ (١)﴾ إلى قوله: ﴿فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثًّا (٦)﴾ لا شك أنه لا يخص أمة دون أمة، وأن الجميع مستوون في الأهوال والحساب والجزاء.","vol":"7","page":823},{"text":"فدل ذلك على أن قوله: ﴿وَكُنْتُمْ أَزْوَاجًا ثَلَاثَةً (٧)﴾ عام في جميع أهل المحشر، فظهر أن السابقين وأصحاب اليمين منهم من هو من الأمم السابقة، ومنهم من هو من هذه الأمة.\nوعلى هذا، فظاهر القرآن أن السابقين من الأمم الماضية أكثر من السابقين من هذه الأمة، وأن أصحاب اليمين من الأمم السابقة ليست أكثر من أصحاب اليمين من هذه الأمة؛ لأنه عبر في السابقين من هذه الأمة بقوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ وعبر عن أصحاب اليمين من هذه الأمة ﴿وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾.\nولا غرابة في هذا؛ لأن الأمم الماضية أمم كثيرة، وفيها أنبياء كثيرة ورسل، فلا مانع من أن يجتمع من سابقيها من لدن آدم إلى محمد  -  ﷺ  -  أكثر من سابقي هذه الأمة وحدها.\nأما أصحاب اليمين من هذه الأمة فيحتمل أن يكونوا أكثر من أصحاب اليمين من جميع الأمم؛ لأن الثلة تتناول العدد الكثير، وقد يكون أحد العددين الكثيرين أكثر من الآخر، مع أنهما كلاهما كثير.\nوبهذا تعلم أن ما دل عليه ظاهر القرآن واختاره ابن جرير، لا ينافي ما جاء من أن نصف أهل الجنة من هذه الأمة.\nفأما كون قوله: ﴿وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾ دل ظاهر القرآن على أنه في خصوص السابقين؛ فلأن الله قال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ (١٠) أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ (١١) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (١٢)﴾، ثم قال تعالى مخبرًا عن هؤلاء السابقين المقربين: ﴿ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (١٣) وَقَلِيلٌ مِنَ الْآخِرِينَ (١٤)﴾.\nوأما كون قوله: (وثلة من الآخرين) في خصوص أصحاب اليمين؛ فلأن الله تعالى قال ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ","vol":"7","page":824},{"text":"الْيَمِينِ (٣٨) ثُلَّةٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ (٣٩) وَثُلَّةٌ مِنَ الْآخِرِينَ (٤٠)﴾، والمعنى: هم أي أصحاب اليمين: ثلة من الأولين وثلة من الآخرين. وهذا واضح كما ترى.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2076> قوله تعالى: ﴿عَلَى سُرُرٍ مَوْضُونَةٍ (١٥) مُتَّكِئِينَ عَلَيهَا مُتَقَابِلِينَ (١٦)﴾</span> السرر جمع سرير، وقد بين تعالى أن سررهم مرفوعة في قوله في الغاشية: ﴿سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ (١٣)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿مَوْضُونَةٍ (١٥)﴾ منسوجة بالذهب. وبعضهم يقول: بقضبان الذهب مشبكة بالدر والياقوت، وكل نسج أُحْكِم ودُوخِل بعضه في بعض، تسميه العرب وضنًا، وتسمي المنسوج به موضونًا ووضينًا، ومنه الدرع الموضونة إذا أحكم نسجها ودوخل بعض حلقاتها في بعض.\nومنه قول الأعشى:\nومن نسج داود موضونة ... تساق مع الحي عيرًا فعيرا\nوقوله أيضًا:\nوبيضاء كالنهي موضونة ... لها قونس فوق جيب البدن\nومن هذا القبيل تسمية البطان الذي ينسج من السيور، مع إدخالها بعضها في بعض: وضينًا.\nومنه قول الراجز:\nإلَيْك تعدو قلقًا وضينها ... معترضًا في بطنها جنينها\n\n• مخالفًا دين النصارى دينها *","vol":"7","page":825},{"text":"وهذه السرر المزينة، هي المعبر عنها بالأرائك في قوله: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ﴾ وقوله: ﴿هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ (٥٦)﴾.\nوقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُتَّكِئِينَ﴾ حال من الضمير في قوله: ﴿عَلَى سُرُرٍ﴾، والتقدير: استقروا على سرر في حال كونهم متكئين عليها.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من كونهم على سرر متقابلين، أي ينظر بعضهم إلى وجه بعض، كلهم يقابل الآخر بوجهه، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى في الحجر: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ إِخْوَانًا عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٧)﴾، وقوله في الصافات: ﴿أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ (٤١) فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ (٤٢) فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (٤٣) عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ (٤٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2077> قوله تعالى: ﴿يَطُوفُ عَلَيهِمْ ولْدَانٌ مُخَلَّدُونَ (١٧)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَيَطُوفُ عَلَيهِمْ غِلْمَانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ (٢٤)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2078> قوله تعالى: ﴿وَكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ (١٨) لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ (١٩)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْسًا لَا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ (٢٣)﴾، وفي المائدة في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾ الآية.","vol":"7","page":826},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2079> قوله تعالى: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ (٢٠) وَلَحْمِ طَيرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢١)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2080> قوله تعالى: ﴿وَحُورٌ عِينٌ (٢٢) كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ (٢٣)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة البقرة في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ الآية، وفي الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2081> قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا تَأْثِيمًا (٢٥) إلا قِيلًا سَلَامًا سَلَامًا (٢٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه بإيضاح في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا (٦٢)﴾، وتكلمنا هناك على الاستثناء المنقطع، وذكرنا شواهده من القرآن وكلام العرب، وبينا كلام أهل العلم في حكمه شرعًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2082> قوله تعالى: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠) وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١) وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢) لَا مَقْطُوعَةٍ وَلَا مَمْنُوعَةٍ (٣٣)﴾</span>.\nأما قوله: ﴿وَظِلٍّ مَمْدُودٍ (٣٠)﴾ فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾، وأما قوله: ﴿وَمَاءٍ مَسْكُوبٍ (٣١)﴾ فقد دلت عليه آيات كثيرة من","vol":"7","page":827},{"text":"كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيرِ آسِنٍ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥)﴾، وقوله: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَينَا مِنَ الْمَاءِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.\nوالمسكوب اسم مفعول سكب الماء ونحوه، إذا صبه بكثرة، والمفسرون يقولون: إن أنهار الجنة تجري في غير أخدود، وإن الماء يصل إليهم أينما كانوا كيف شاؤوا، كما قال تعالى: ﴿عَينًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا (٦)﴾.\nوأما قوله: ﴿وَفَاكِهَةٍ كَثِيرَةٍ (٣٢)﴾ الآية، فقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ (٢٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2083> قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧) لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾</span>.\nالضمير في (أنشأناهن) قال بعض أهل العلم: هو راجع إلى مذكور. وقال بعض العلماء: هو راجع إلى غير مذكور، إلا أنه دل عليه المقام.\nفمن قال: إنه راجع إلى مذكور، قال: هو راجع إلى قوله: ﴿وَفُرُشٍ مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾، قال: لأن المراد بالفرش النساء، والعرب تسمي المرأة لباسًا وإزارًا وفراشًا ونعلًا، وعلى هذا فالمراد بالرفع في قوله: ﴿مَرْفُوعَةٍ (٣٤)﴾ رفع المنزلة والمكانة.\nومن قال: إنه راجع إلى غير مذكور، قال: إنه راجع إلى نساء لم يذكرن، ولكن ذكر الفرش دل عليهن؛ لأنهن يتكئن عليها مع أزواجهن.","vol":"7","page":828},{"text":"وقال بعض العلماء: المراد بهن الحور العين، واستدل من قال ذلك بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)﴾؛ لأن الإِنشاء هو الاختراع والابتداع.\nوقالت جماعة من أهل العلم: إن المراد بهن بنات آدم اللاتي كن في الدنيا عجائز شمطًا رمصًا، وجاءت في ذلك آثار مرفوعة عنه  -  ﷺ  -، وعلى هذا القول، فمعنى (أنشأناهن إنشاء) أي خلقناهن خلقًا جديدًا.\nوقوله تعالى: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦)﴾ أي فصيرناهن أبكارًا، وهو جمع بِكْر، وهو ضد الثيب.\nوقوله: ﴿عُرُبًا﴾ قرأه عامة القراء السبعة غير حمزة وشعبة عن عاصم: (عرُبًا) بضم العين والراء، وقرأه حمزة وشعبة: (عُرْبًا) بسكون الراء، وهي لغة تميم، ومعنى القراءتين واحد، وهو جمع عروب، وهي المتحببة إلى زوجها الحسنة التبعل، وهذا هو قول الجمهور، وهو الصواب إن شاء الله.\nومنه قول لبيد:\nوفي الخباء عروب غير فاحشة ... ريا الروادف يعشى دونها البصر\nوقوله تعالى: ﴿أَتْرَابًا (٣٧)﴾ جمع تِرْب بكسر التاء، والترب اللِّدة. وإيضاحه: أن تِرْب الإِنسان ما وُلِد معه في وقت واحد، ومعناه في الآية: أن نساء أهل الجنة على سن واحدة ليس فيهن شابة وعجوز، ولكنهن كلهن على سن واحدة في غاية الشباب.\nوبعض العلماء يقول: إنهن ينشأن مستويات في السن على قدر بنات ثلاث وثلاثين سنة، وجاءت بذلك آثار مروية عن النبي  -  ﷺ  - .","vol":"7","page":829},{"text":"وكون الأتراب بمعنى المستويات في السن مشهور في كلام العرب.\nومنه قول عمر بن أبي ربيعة:\nأبرزوها مثل المهاة تهادى ... بين خمس كواعب أتراب\nوهذه الأوصاف الثلاثة التي تضمنتها هذه الآية الكريمة من صفات نساء أهل الجنة، جاءت موضحة في آيات أخر.\nأما كونهن يوم القيامة أبكارًا، فقد أوضحه في سورة الرحمن في قوله تعالى: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ في الموضعين؛ لأن قوله: ﴿لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾ نص في عدم زوال بكارتهن.\nوأما كونهن عُربًا أي متحببات إلى أزواجهن، فقد دل عليه قوله في الصافات: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ عِينٌ (٤٨)﴾ لأن معناه أنهن قاصرات العيون على أزواجهن لا ينظرن إلى غيرهم لشدة محبتهن لهم واقتناعهن بهم، كما قدمنا إيضاحه، ولا شك أن المرأة التي لا تنظر إلى غير زوجها متحببة إليه حسنة التبعل معه، وقوله في ص: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وقوله في الرحمن: ﴿فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ (٥٦)﴾.\nوأما كونهن أترابًا فقد بينه تعالى في قوله في آية ص هذه: ﴿وَعِنْدَهُمْ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ أَتْرَابٌ (٥٢)﴾، وفي سورة النبأ في قوله تعالى: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا (٣١) حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا (٣٢) وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا (٣٣)﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لِأَصْحَابِ الْيَمِينِ (٣٨)﴾ يتعلق بقوله: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ﴾، وقوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُنَّ﴾ أي: أنشأناهن وصيرناهن أبكارًا لأصحاب اليمين.","vol":"7","page":830},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2084> قوله تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ (٤١) فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ (٤٢) وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾</span>.\nقد قدمنا معنى أصحاب الشمال في هذه السورة الكريمة، وأوضحنا معنى السموم في الآيات القرآنية التي يذكر فيها في سورة الطور، في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ (٢٧)﴾.\nوقد قدمنا صفات ظل أهل النار وظل أهل الجنة في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا (٥٧)﴾، وبينا هناك أن صفات ظل أهل النار هي المذكورة في قوله هنا: ﴿وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣) لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ (٤٤)﴾، وقوله في المرسلات: ﴿انْطَلِقُوا إِلَى ظِلٍّ ذِي ثَلَاثِ شُعَبٍ (٣٠) لَا ظَلِيلٍ وَلَا يُغْنِي مِنَ اللَّهَبِ (٣١)﴾.\nوقوله: ﴿مِنْ يَحْمُومٍ (٤٣)﴾ أي من دخان أسود شديد السواد، ووزن اليحموم يفعول، وأصله من الحمم وهو الفحم، وقيل: من الحم، وهو الشحم المسود لاحتراقه بالنار.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2085> قوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ (٤٥) وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ (٤٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الطور في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ (٢٦) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَينَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2086> قوله تعالى: ﴿وَكَانُوا يَقُولُونَ أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٤٧)﴾</span>.\nلما ذكر جل وعلا ما أعد لأصحاب الشمال من العذاب، بين","vol":"7","page":831},{"text":"بعض أسبابه، فذكر منها أنهم كانوا قبل ذلك في دار الدنيا مترفين أي متنعمين، وقد قدمنا أن القرآن دل على أن الإِتراف والتنعم والسرور في الدنيا من أسباب العذاب يوم القيامة؛ لأن صاحبه معرض عن الله لا يؤمن به ولا برسله، كما دلت عليه هذه الآية الكريمة، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَدْعُو ثُبُورًا (١١) وَيَصْلَى سَعِيرًا (١٢) إِنَّهُ كَانَ فِي أَهْلِهِ مَسْرُورًا (١٣)﴾، وقد أوضحنا هذا في الكلام على آية الطور المذكورة آنفًا.\nوما دلت عليه هذه الآية الكريمة من كون إنكار البعث سببًا لدخول النار؛ لأن قوله تعالى لما ذكر أنهم في سموم وحميم وظل من يحموم، بين أن من أسباب ذلك أنهم قالوا: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا﴾ الآية، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٥)﴾، وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة الفرقان في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَأَعْتَدْنَا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيرًا (١١)﴾.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة من إنكارهم بعث آبائهم الأولين في قوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾، وأنه تعالى بين لهم الأولين والآخرين في قوله: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، فبين فيه أن البعث الذي أنكروا، سيتحقق في حال كونهم أذلاء صاغرين وذلك في قوله تعالى في الصافات: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (١٦) أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧) قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ (١٨) فَإِنَّمَا هِيَ زَجْرَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِذَا هُمْ يَنْظُرُونَ (١٩)﴾.","vol":"7","page":832},{"text":"وقوله: ﴿أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ (١٧)﴾ قرأه عامة القراء السبعة، غير ابن عامر وقالون عن نافعٍ: (أوَآباؤنا) بفتح الواو على الاستفهام والعطف. وقد قدمنا مرارا أن همزة الاستفهام إذا جاءت بعدها أداة عطف كالواو والفاء وثم نحو: (أو آباؤنا)، (أفأمن أهل القرى)، (أثم إذا ما وقع)، أن في ذلك وجهين لعلماء العربية والمفسرين:\nالأول منهما: أن أداة العطف عاطفة للجملة المصدرة بالاستفهام على ما قبلها، وهمزة الاستفهام متأخرة رتبة عن حرف العطف، ولكنها قدمت عليه لفظًا لا معنى، لأن الأصل في الاستفهام التصدير به كما هو معلوم في محله.\nوالمعنى على هذا واضح، وهو أنهم أنكروا بعثهم أنفسهم بأداة الإِنكار التي هي الهمزة، وعطفوا على ذلك بالواو إنكارهم بعث آبائهم الأولين بأداة الإِنكار التي هي الهمزة المقدمة عن محلها لفظًا لا رتبة.\nوهذا القول هو قول الأقدمين من علماء العربية، واختاره أبو حيان في البحر المحيط وابن هشام في مغنى اللبيب، وهو الذي صرنا نميل إليه أخيرًا بعد أن كنا نميل إلى غيره.\nالوجه الثاني: هو أن همزة الاستفهام في محلها الأصلي، وأنها متعلقة بجملة محذوفة، والجملة المصدرة بالاستفهام معطوفة على المحذوفة بحرف العطف الذي بعد الهمزة، وهذا الوجه يميل إليه الزمخشري في أكثر المواضع من كشافه، وربما مال إلى غيره.\nوعلى هذا القول، فالتقدير: أمبعوثون نحن وآباؤنا الأولون؟\nوما ذكره الزمخشري هنا من أن قوله: (وآباؤنا)، معطوف على","vol":"7","page":833},{"text":"واو الرفع في قوله: (لمبعوثون)، وأنه ساغ العطف على ضمير رفع متصل من غير توكيد بالضمير المنفصل لأجل الفصل بالهمزة، لا يصح، وقد رده عليه أبو حيان وابن هشام وغيرهما.\nوهذا الوجه الأخير مال إليه ابن مالك في الخلاصة في قوله:\nوحذف متبوع بدا هنا استبح ... وعطفك الفعل على الفعل يصح\nوقرأ هذا الحرف قالون وابن عامر (أوْ آباؤنا) بسكون الواو، والذي يظهر لي على قراءتهما (أو) بمعنى الواو العاطفة، وأن قوله: (آباؤنا) معطوف على محل المنصوب الذي هو إسم إن؛ لأن عطف المرفوع على منصوب إن بعد ذكر خبرها جائز بلا نزاع؛ لأن اسمها وإن كان منصوبًا فأصله الرفع؛ لأنه مبتدأ في الأصل، كما قال ابن مالك في الخلاصة:\nوجائز رفعك معطوفًا على ... منصوب إنّ بعد أن تستكملا\nوإنما قلنا إن (أو) بمعنى الواو؛ لأن إتيانها بمعنى الواو معروف في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦)﴾؛ لأن الذكر الملقى للعذر والنذر معًا لا لأحدهما؛ لأن المعنى أنها ألقت الذكر إعذارًا وإنذارًا، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِمًا أَوْ كَفُورًا (٢٤)﴾ أي ولا كفورًا، وهو كثير في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن معد يكرب.\nقوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم ... ما بين ملجم مهره أو سافع\nفالمعنى: ما بين الملجم مهره وسافع، أي آخذ بناصيته ليلجمه.","vol":"7","page":834},{"text":"وقول نابغة ذبيان:\nقالت ألا ليتما هذا الحمام لنا ... إلى حمامتنا أو نصفه فقد\nفحسبوه فألفوه كما زعمت ... ستًّا وستين لم تنقص ولم تزد\nفقوله: \"أو نصفه\" بمعنى ونصفه، كما هو ظاهر من معنى البيتين المذكورين؛ لأن مرادها أنها تمنت أن يكون الحمام المار بها هو ونصفه معه لها مع حمامتها التي معها، ليكون الجميع مائة حمامة. فوجده ستًّا وستين ونصفها ثلاث وثلاثون، فيكون المجموع تسعًا وتسعين، والمروي في ذلك عنها أنها قالت:\nليت الحمام ليه ... إلى حمامتيه\nونصفه قديه ... تم الحمام مِايَه\nوقول توبة بن الحمير:\nقد زعمت ليلى بأني فاجر ... لنفسي تُقاها أو عليها فجورها\nوقوله تعالى: ﴿أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ (٨٢)﴾ أجمع عامة القراء على إثبات همزة الاستفهام في قوله: (أإذا متنا)، وأثبتها أيضًا عامة السبعة غير نافع والكسائي في قوله: (أإنا)، وقرأه نافع والكسائي: (إنا لمبعوثون)، بهمزة واحدة مكسورة على الخبر، كما عقده صاحب الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإِمام نافع بقوله:\nفصلٌ والاستفهامُ إن تكررا ... فصير الثاني منه خبرا\nواعكسه في النمل وفوق الروم ... إلخ .........\nوالقراءات في الهمزتين في (أإذا) و(أإنا) معروفة، فنافع يسهل الهمزة الثانية بين بين، ورواية قالون عنه هي إدخال ألف بين الهمزتين الأولى المحققة والثانية المسهلة.","vol":"7","page":835},{"text":"ورواية قالون هذه عن نافع بالتسهيل والإِدخال مطابقة لقراءة أبي عمرو، فأبو عمرو وقالون عن نافع يسهلان ويدخلان، ورواية ورش عن نافع هي تسهيل الأخيرة منهما بين بين من غير إدخال ألف. وهذه هي قراءة ابن كثير وورش فابن كثير وورش يسهلان ولا يدخلان.\nوقرأ هشام عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين، وبينهما ألف الإِدخال.\nوقرأ عاصم وحمزة والكسائي وابن ذكوان عن ابن عامر بتحقيق الهمزتين من غير ألف الإِدخال.\nهذه القراءات الصحيحة في مثل (أإذا) و(أإنا)، ونحو ذلك في القرآن.\n\nتنبيه\nاعلم وفقني الله وإياك أن ما جرى في الأقطار الإِفريقية من إبدال الأخيرة من هذه الهمزة المذكورة وأمثالها في القرآن هاء خالصة، من أشنع المنكر وأعظم الباطل، وهو انتهاك لحرمة القرآن العظيم وتعد لحدود الله، ولا يعذر فيه إلا الجاهل الذي لا يدري، الذي يظن أن القراءة بالهاء الخالصة صحيحة،  وإنما قلنا هذا؛ لأن إبدال الهمزة فيما ذكر هاء خالصة لم يروه أحد عن رسول الله  -  ﷺ  -، ولم ينزل عليه به جبريل البتة، ولم يرو عن صحابي، ولم يقرأ به أحد من القراء، ولا يجوز بحال من الأحوال، فالتجرؤ على الله بزيادة حرف في كتابه، وهو هذه الهاء التي لم ينزل بها الملك من السماء البتة، هو كما ترى، وكون اللغة العربية قد سمع فيها إبدال الهمزة هاء","vol":"7","page":836},{"text":"لا يسوغ التجرؤ على الله بإدخال حرف في كتابه لم يأذن بإدخاله الله ولا رسوله.\nودعوى أن العمل جرى بالقراءة بالهاء لا يعول عليها؛ لأن جريان العمل بالباطل باطل، ولا أسوة في الباطل بإجماع المسلمين، وإنما الأسوة في الحق، والقراءة سنة متبعة مروية عن رسول الله - ﷺ -، وهذا لا خلاف فيه.\nوقوله تعالى: ﴿مِتْنَا﴾، قرأه ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو وشعبة عن عاصم: (مُتنا) بضم الميم، وقرأه نافع وحمزة والكسائي وحفص عن عاصم: (مِتْنا) بكسر الميم، وقد قدمنا مسوغ كسر الميم لغة في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَاليتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2087> قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ (٤٩) لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ (٥٠)﴾</span>.\nلما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين في الآية المتقدمة، أمر الله نبيه - ﷺ - أن يخبرهم خبرًا مؤكدًا بأن الأولين والآخرين كلهم مجموعون يوم القيامة للحساب والجزاء بعد بعثهم.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من بعث الأولين والآخرين وجمعهم يوم القيامة، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ﴾، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إلا هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيبَ فِيهِ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ﴾، وقوله تعالى: ﴿هَذَا يَوْمُ الْفَصْلِ جَمَعْنَاكُمْ وَالْأَوَّلِينَ (٣٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا (٤٧)﴾.","vol":"7","page":837},{"text":"وقد قدمنا هذا موضحًا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيطَانٍ رَجِيمٍ (١٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2088> قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ أَيُّهَا الضَّالُّونَ الْمُكَذِّبُونَ (٥١) لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢) فَمَالِئُونَ مِنْهَا الْبُطُونَ (٥٣) فَشَارِبُونَ عَلَيهِ مِنَ الْحَمِيمِ (٥٤) فَشَارِبُونَ شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥)﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاح هذا وتفسيره في سورة الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ إِنَّ لَهُمْ عَلَيهَا لَشَوْبًا مِنْ حَمِيمٍ (٦٧)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2089> قوله تعالى: ﴿هَذَا نُزُلُهُمْ يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾</span>.\nالنُزُل بضمتين: هو رزق الضيف الذي يقدم له عند نزوله إكرامًا له، ومنه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلًا (١٠٧)﴾. وربما استعملت العرب النُّزُل في ضد ذلك على سبيل التهكم والاحتقار، وجاء القرآن باستعمال النزل فيما يقدم لأهل النار من العذاب، كقوله هنا في عذابهم المذكور في قولهم: ﴿لآكِلُونَ مِنْ شَجَرٍ مِنْ زَقُّومٍ (٥٢)﴾ إلى قوله: ﴿شُرْبَ الْهِيمِ (٥٥) هَذَا نُزُلُهُمْ﴾ أي هذا العذاب المذكور هو ضيافتهم ورزقهم المقدم لهم عند نزولهم في دارهم التي هي النار، كقوله تعالى للكافر الحقير الذليل: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ (٤٩)﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من إطلاق النزل على عذاب أهل النار، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله في آخر هذه السورة الكريمة: ﴿فَنُزُلٌ مِنْ حَمِيمٍ (٩٣) وَتَصْلِيَةُ جَحِيمٍ (٩٤)﴾، وقوله تعالى في آخر الكهف: ﴿إِنَّا أَعْتَدْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ نُزُلًا (١٠٢)﴾، ونظير ذلك","vol":"7","page":838},{"text":"من كلام العرب قول أبي السعد الضبي:\nوكنا إذا الجبار بالجيش ضافنا ... جعلنا القنا والمرهفات له نُزلا\nوقوله: ﴿يَوْمَ الدِّينِ (٥٦)﴾ أي يوم الجزاء، كما تقدم مرارًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2090> قوله تعالى: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاكُمْ فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾</span>.\nلما أنكر الكفار بعثهم وآباءهم الأولين، وأمر الله رسوله أن يخبرهم أنه تعالى باعث جميع الأولين والآخرين، وذكر جزاء منكري البعث بأكل الزقوم وشرب الحميم، أتبع ذلك بالبراهين القاطعة الدالة على البعث فقال: (نحن خلقناكم) هذا الخلق الأول (فلولا تصدقون) أي فهلَّا تصدقون بالبعث الذي هو الخلق الثاني؛ لأن إعادة الخلق لا يمكن أن تكون أصعب من ابتدائه كما لا يخفى.\nوهذا البرهان على البعث بدلالة الخلق الأول على الخلق الثاني، جاء موضحًا في آيات كثيرة جدًّا، كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيهِ﴾، وقوله: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَينَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ (١٠٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَيَقُولُونَ مَنْ يُعِيدُنَا قُلِ الَّذِي فَطَرَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾، والآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد ذكرناها بإيضاح وكثرة في مواضع كثيرة من هذا الكتاب المبارك في سورة البقرة والنحل والحج والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها كثيرًا.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا تُصَدِّقُونَ (٥٧)﴾، (لولا) حرف تحضيض، ومعناه الطلب بِحَثٍّ وشدة، فالآية تدل على","vol":"7","page":839},{"text":"شدة حث الله للكفار وحضه لهم على التصديق بالبعث لظهور برهانه القاطع الذي هو خلقه لهم أولًا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2091> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾</span>.\nقد قدمنا قريبًا كلام أهل العلم في همزة الاستفهام المتبوعة بأداة عطف، وذكرناه قبل هذا مرارًا، وقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تُمْنُونَ (٥٨)﴾ يعني أفرأيتم ما تصبونه من المني في أرحام النساء، فلفظة (ما) موصولة، والجملة الفعلية صلة الموصول، والعائد إلى الصفة محذوف؛ لأنه منصوب بفعل، والتقدير: أفرأيتم ما تمنونه. والعرب تقول: أمنى النطفة، بصيغة الرباعي، يمنيها، بضم حرف المضارعة، إذا أراقها في رحم المرأة، ومنه قوله تعالى: ﴿مِنْ نُطْفَةٍ إِذَا تُمْنَى (٤٦)﴾ ومنى يمنى بصيغة الثلاثي لغة صحيحة، إلا أن القراءة بها شاذة.\nوممن قرأ (تَمْنون) بفتح التاء مضارع في الثلاثي المجرد، أبو السمال وابن السميقع.\nوقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ (٥٩)﴾ هو استفهام تقرير، فإنهم لا بد أن يقولوا: أنتم الخالقون، فيقال لهم: إذا كنا خلقنا هذا الإِنسان الخصيم المبين من تلك النطفة التي تمنى في الرحم، فكيف تكذبون بقدرتنا على خلقه مرة أخرى، وأنتم تعلمون أن الإِعادة لا يمكن أن تكون أصعب من الابتداء؟!\nوالضمير المنصوب في (تخلقونه) عائد إلى الموصول، أي تخلقون ما تمنونه من النطف علقًا، ثم مضغًا، إلى آخر أطواره.\nوهذا الذي تضمنته هذه الآية من البراهين القاطعة على كمال","vol":"7","page":840},{"text":"قدرة الله على البعث وغيره، وعلى أنه المعبود وحده، ببيان أطوار خلق الإِنسان، جاء موضحًا في آيات آخر، وقد قدمنا الكلام على ذلك مستوفىً بالآيات القرآنية، وبينا ما يتعلق بكل طور من أطواره من الأحكام الشرعية في سورة الحج في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآية.\nوذكرنا أطوار خلق الإنسان في سورة الرحمن أيضًا في الكلام على قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ (٣) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (٤)﴾ وفي غير ذلك من المواضع.\nوبينا الآيات الدالة على أطوار خلقه جملةً وتفصيلًا في الحج.\n\nتنبيه\nهذا البرهان الدال على البعث الذي هو خلق الإِنسان من نطفة مني يمنى، يجب على كل إنسان النظر فيه؛ لأن الله جل وعلا وجه صيغة الأمر بالنظر فيه إلى مني الإِنسان، والأصل في صيغة الأمر على التحقيق الوجوب إلا لدليل صارف عنه، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية، وقد قدمنا شرحها في أول سورة النحل.\nوقرأ هذا الحرف نافع: (أفرأيتم) بتسهيل الهمزة بعد الراء بين بين.\nوالرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عنه، إبدال الهمزة ألفًا وإشباعها لسكون الياء بعدها.\nوقرأه الكسائي: (أفريتم) بحذف الهمزة، وقرأه باقي السبعة بتحقيق الهمزة.","vol":"7","page":841},{"text":"وقوله تعالى: ﴿أَأَنْتُمْ﴾ قرأه نافع وابن كثير وأبو عمرو وهشام عن ابن عامر في إحدى الروايتين بتسهيل الهمزة الثانية، والرواية المشهورة التي بها الأداء عن ورش عن نافع إبدال الثانية ألفًا مشبعًا مدها لسكون النون بعدها، وقرأه عاصم وحمزة والكسائي وهشام عن ابن عامر في الرواية الأخرى بتحقيق الهمزتين، وقالون وأبو عمرو وهشام بألف الإِدخال بين الهمزتين، والباقون بدونها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2092> قوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠) عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾</span>.\nقرأ هذا الحرف عامة القراء السبعة غير ابن كثير: (قدَّرنا) بتشديد الدال، وقرأه ابن كثير بتخفيفها، وقد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن الآية الكريمة قد يكون فيها وجهان أو أكثر من التفسير، ويكون كل ذلك صحيحًا، وكله يشهد له قرآن، فنذكر الجميع وأدلته من القرآن، ومن ذلك هذه الآية الكريمة.\nوإيضاح ذلك أن في قوله: ﴿قَدَّرْنَا﴾ وجهين من التفسير، وفيما تتعلق به ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ وجهان أيضًا.\nفقال بعض العلماء، وهو اختيار ابن جرير: إن قوله: ﴿قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾ أي قدرنا لموتكم آجالًا مختلفة وأعمارًا متفاوتة، فمنكم من يموت صغيرًا ومنكم من يموت شابًّا ومنكم من يموت شيخًا.\nوهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى مِنْ قَبْلُ وَلِتَبْلُغُوا أَجَلًا مُسَمًّى وَلَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٦٧)﴾،","vol":"7","page":842},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلَا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إلا فِي كِتَابٍ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَنْ يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا﴾.\nوقوله: ﴿وَمَا نَحْنُ بِمَسْبُوقِينَ (٦٠)﴾ أي ما نحن بمغلوبين، والعرب تقول: سبقه على كذا أي غلبه عليه وأعجزه عن إدراكه، أي وما نحن بمغلوبين على ما قدرنا من آجالكم وحددناه من أعماركم، فلا يقدر أحد أن يقدم أجلًا أخرناه ولا يؤخر أجلًا قدمناه.\nوهذا المعنى دلت عليه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَجَلَ اللَّهِ إِذَا جَاءَ لَا يُؤَخَّرُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا﴾، إلى غير من الآيات.\nوعلى هذا القول، فقوله تعالى: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ أَمْثَالكُمْ﴾ ليس متعلقًا بِـ \"مسبوقين\"، بل بقوله تعالى: ﴿نَحْنُ قَدَّرْنَا بَينَكُمُ الْمَوْتَ﴾، والمعنى: نحن قدرنا بينكم الموت (على أن نبدل أمثالكم) أي نبدل من الذين ماتوا أمثالًا لهم نوجدهم، وعلى هذا، فمعنى تبديل أمثالهم إيجاد آخرين من ذرية أولئك الذين ماتوا.\nوهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ كَمَا أَنْشَأَكُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ (١٣٣)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوهذا التفسير هو اختيار ابن جرير، وقراءة (قدَّرنا) بالتشديد مناسبة لهذا الوجه، وكذلك لفظة (بينكم).\nالوجه الثاني: أن (قدَّرنا) بمعنى قضينا وكتبنا، أي كتبنا الموت وقدرناه على جميع الخلق.","vol":"7","page":843},{"text":"وهذا الوجه تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيءٍ هَالِكٌ إلا وَجْهَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ﴾.\nوعلى هذا القول، فقوله: ﴿عَلَى أَنْ نُبَدِّلَ﴾ متعلق بِـ \"مسبوقين\"، أي ما نحن بمغلوبين، والمعنى: وما نحن بمغلوبين على أن نبدل أمثالكم إن أهلكناكم لو شئنا، فنحن قادرون على إهلاككم، ولا يوجد أحد يغلبنا ويمنعنا من خلق أمثالكم بدلًا منكم.\nوهذا المعنى تشهد له آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِنْ بَعْدِكُمْ مَا يَشَاءُ﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ (١٩) وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (٢٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيرَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالكُمْ (٣٨)﴾، وقد قدمنا هذا في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ (٦١)﴾، فيه للعلماء أقوال متقاربة.\nقال بعضهم: ننشئكم بعد إهلاككم فيما لا تعلمونه من الصور والهيئات، كأن ننشئكم قردة وخنازير، كما فعلنا ببعض المجرمين قبلكم.\nوقال بعضهم: ننشئكم فيما لا تعلمونه من الصفات، فنغير صفاتكم، ونجمِّل المؤمنين ببياض الوجوه، ونقبِّح الكافرين بسواد الوجوه، وزرقة العيون.\nإلى غير ذلك من الأقوال.","vol":"7","page":844},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2093> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ (٦٤) لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾</span>.\nتضمنت هذه الآية الكريمة برهانًا قاطعًا ثانيًا على البعث وامتنانًا عظيمًا على الخلق بخلق أرزاقهم لهم.\nفقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (٦٣)﴾، يعني: أفرأيتم البذر الذي تجعلونه في الأرض بعد حرثها، أي تحريكها وتسويتها، (أأنتم تزرعونه) أي تجعلونه زرعًا، ثم تنمونه إلى أن يصير مدركًا صالحًا للأكل (أم نحن الزارعون) له؟! ولا شك أن الجواب الذي لا جواب غيره هو أن يقال: أنت يا ربنا هو الزارع المنبت، ونحن لا قدرة لنا على ذلك، فيقال لهم: كل عاقل يعلم أن من أنبت هذا السنبل من هذا البذر الذي تعفن في باطن الأرض قادر على أن يبعثكم بعد موتكم.\nوكون إنبات النبات بعد عدمه من براهين البعث، جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِ الْمَوْتَى﴾، وقوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيفَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِ الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (٥٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٥٧)﴾.\nوالآيات بمثل هذا كثيرة معلومة، وقد قدمناها مستوفاة مع سائر آيات براهين البعث في مواضع كثيرة في سورة البقرة والنحل والجاثية، وغير ذلك من المواضع، وأحلنا عليها مرارًا.","vol":"7","page":845},{"text":"تنبيه\nأعلم أنه يجب على كل إنسان أن ينظر في هذا البرهان الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة؛ لأن الله جل وعلا وجه في كتابه صيغة أمر صريحة عامة في كل ما يصدق عليه مسمى الإِنسان، بالنظر في هذا البرهان العظيم المتضمن للامتنان لأعظم النعم على الخلق، وللدلالة على عظم الله وقدرته على البعث وغيره، وشدة حاجة خلقه إليه مع غناه عنهم، وذلك قوله تعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ (٢٤) أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا (٢٦) فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا (٢٧) وَعِنَبًا وَقَضْبًا (٢٨) وَزَيتُونًا وَنَخْلًا (٢٩) وَحَدَائِقَ غُلْبًا (٣٠) وَفَاكِهَةً وَأَبًّا (٣١) مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ (٣٢)﴾.\nوالمعنى: انظر أيها الإِنسان الضعيف إلى طعامك، كالخبز الذي تأكله ولا غنى لك عنه، من هو الذي خلق الماء الذي صار سببًا لإِنباته، هل يقدر أحد غير الله على خلق الماء؟ أي إبرازه من أصل العدم إلى الوجود.\nثم هب أن الماء خلق، هل يقدر أحد غير الله أن ينزله على هذا الأسلوب الهائل العظيم الذي يسقي به الأرض من غير هدم ولا غرق؟\nثم هب أن الماء نزل في الأرض، من هو الذي يقدر على شق الأرض عن مسار (^١) الزرع؟\nثم هب أن الزرع طلع، فمن هو الذي يقدر على إخراج السنبل منه؟\nثم هب أن السنبل خرج منه، فمن هو الذي يقدر على إنبات الحب فيه وتنميته حتى يدرك صالحًا للأكل؟\n_________\n(^١) انظر ما سبق ص ٣٥٥.","vol":"7","page":846},{"text":"﴿انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾، والمعنى: انظروا إلى الثمر وقت طلوعه ضعيفًا لا يصلح للأكل، وانظروا إلى ينعه، أي انظروا إليه بعد أن صار يانعًا مدركًا صالحًا للأكل، تعلموا أن الذي رباه ونماه حتى صار كما ترونه وقت ينعه قادر على كل شيء منعم عليكم عظيم الإِنعام، ولذا قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (٩٩)﴾.\nفاللازم أن يتأمل الإِنسان وينظر في طعامه ويتدبر قوله تعالى: ﴿أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا (٢٥) ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ﴾ أي عن النبات شقًّا، إلى آخر ما بيناه.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ يعني لو نشاء تحطيم ذلك الزرع لجعلناه حطامًا، أي فتاتًا وهشيمًا، ولكنا لم نفعل ذلك رحمة بكم، ومفعول فعل المشيئة محذوف للاكتفاء عنه بجزاء الشرط، وتقديره كما ذكرنا.\nوقوله: ﴿فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ (٦٥)﴾. قال بعض العلماء: المعنى: فظلتم تعجبون من تحطيم زرعكم.\nوقال بعض العلماء: (تفكهون) بمعنى تندمون على ما خسرتم من الإِنفاق عليه، كقوله تعالى: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا﴾.\nوقال بعض العلماء: تندمون على معصية الله التي كانت سببًا لتحطيم زرعكم.\nوالأول من الوجهين في سبب الندم هو الأظهر.","vol":"7","page":847},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2094> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (٦٨) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩) لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾</span>.\nتضمنت هذه الآية الكريمة امتنانًا عظيمًا على خلقه بالماء الذي يشربونه، وذلك أيضًا آية من آياته الدالة على عظمته وكمال قدرته وشدة حاجة خلقه إليه، والمعنى: (أفرأيتم الماء الذي تشربون) الذي لا غنى لكم عنه لحظة، ولو أعدمناه لهلكتم جميعًا في أقرب وقت: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ (٦٩)﴾.\nوالجواب الذي لا جواب غيره هو: أنت يا ربنا هو منزله من المزن، ونحن لا قدرة لنا على ذلك. فيقال لهم: إذا كنتم في هذا القدر من شدة الحاجة إليه تعالى فلم تكفرون به وتشربون ماءه وتأكلون رزقه وتعبدون غيره؟!\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من الامتنان على الخلق بالماء وأنهم يلزمهم الإيمان بالله وطاعته، شكرًا لنعمة هذا الماء، كما أشار له هنا بقوله: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ جاء في آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ (١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا (٤٨) لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً مَيتًا وَنُسْقِيَهُ مِمَّا خَلَقْنَا أَنْعَامًا وَأَنَاسِيَّ كَثِيرًا (٤٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَسْقَينَاكُمْ مَاءً فُرَاتًا (٢٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله هنا: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ أي لو نشاء جعله أجاجًا لفعلنا، ولكن جعلناه عذبًا فراتًا سائغًا شرابه، وقد قدمنا في سورة الفرقان أن الماء الأجاج هو الجامع بين الملوحة والمرارة الشديدتين.","vol":"7","page":848},{"text":"وما تضمنته هذه الآية الكريمة من كونه تعالى لو شاء لجعل الماء غير صالح للشراب، جاء معناه في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْرًا فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِمَاءٍ مَعِينٍ (٣٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّا عَلَى ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ (١٨)﴾ لأن الذهاب بالماء، وجعله غورًا لم يصل إليه، وجعله أجاجًا، كل ذلك في المعنى سواء، بجامع عدم تأتي شرب الماء.\nوهذه الآيات المذكورة تدل على شدة حاجة الخلق إلى خالقهم كما ترى.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ﴾ يدل على أن جميع الماء الساكن في الأرض النابع من العيون والآبار ونحو ذلك، أن أصله كله نازل من المزن، وأن الله أسكنه في الأرض وخزنه فيها لخلقه.\nوهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ﴾، وقد قدمنا هذا في سورة الحجر في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَسْقَينَاكُمُوهُ وَمَا أَنْتُمْ لَهُ بِخَازِنِينَ (٢٢)﴾، وفي سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا﴾ الآية.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾ (فلولا) بمعنى هلَّا، وهي حرف تحضيض، وهو الطلب بحث وحض. والمعنى أنهم يطلب منهم شكر هذا المنعم العظيم بِحَثّ وحض.","vol":"7","page":849},{"text":"واعلم أن الشكر يطلق من العبد لربه، ومن الرب لعبده.\nفشكر العبد لربه، ينحصر معناه في استعماله جميع نعمه فيما يرضيه تعالى، فشكر نعمة العين ألا ينظر بها إلا إلى ما يرضي مَنْ خلقها، وهكذا في جميع الجوارح، وشكر نعمة المال أن يقيم فيه أوامر ربه ويكون مع ذلك شاكر القلب واللسان، وشكر العبد لربه جاء في آيات كثيرة، كقوله تعالى هنا: ﴿فَلَوْلَا تَشْكُرُونَ (٧٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾، والآيات بمثل ذلك كثيرة معلومة.\nوأما شكر الرب لعبده فهو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، ومنه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ (٣٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\nتنبيه لغوي\nاعلم أن مادة الشكر تتعدى إلى النعمة تارةً، وإلى المنعم أخرى، فإن عديت إلى النعمة تعدت إليها بنفسها دون حرف الجر، كقوله تعالى: ﴿رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ﴾ الآية، وإن عديت إلى المنعم تعدت إليه بحرف الجر الذي هو اللام، كقوله: نحمد الله ونشكر له.\nولم تأت في القرآن معداة إلا باللام، كقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)﴾، وقوله: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيكَ﴾، وقوله: ﴿وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢)﴾، وقوله: ﴿فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ وَاعْبُدُوهُ وَاشْكُرُوا لَهُ إِلَيهِ تُرْجَعُونَ (١٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":850},{"text":"وهذه هي اللغة الفصحى، وتعديتها للمفعول بدون اللام لغة لا لحن، ومن ذلك قول أبي نخيلة:\nشكرتك إن الشكر حبل من اتقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي\nوقول جميل بن معمر:\nخليلي عوجا اليوم حتى تسلما ... على عذبة الأنياب طيبة النشر\nفإنكما إن عجتما لي ساعة ... شكرتكما حتى أغيَّب في قبري\nوهذه الآيات من سورة الواقعة قد دلت على أن اقتران جواب (لو) باللام، وعدم اقترانه بها، كلاهما سائغ؛ لأنه تعالى قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا﴾ باللام، ثم قال: ﴿لَوْ نَشَاءُ جَعَلْنَاهُ أُجَاجًا﴾ بدونها.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2095> قوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيتُمُ النَّارَ الَّتِي تُورُونَ (٧١) أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا أَمْ نَحْنُ الْمُنْشِئُونَ (٧٢) نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣)﴾</span>.\nقوله تعالى: ﴿الَّتِي تُورُونَ (٧١)﴾ أي توقدونها، من قولهم: أورى النار إذا قدحها وأوقدها، والمعنى: أفرأيتم النار التي توقدونها من الشجر أأنتم أنشأتم شجرتها التي توقد منها، أي أوجدتموها من العدم؟\nوالجواب الذي لا جواب غيره: أنت يا ربنا هو الذي أنشأ شجرتها، ونحن لا قدرة لنا بذلك. فيقال: كيف تنكرون البعث وأنتم تعلمون أن من أنشأ شجرة النار وأخرجها منها قادر على كل شيء؟!\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون خلق النار من أدلة البعث، جاء موضحًا في يس في قوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا","vol":"7","page":851},{"text":"أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ (٧٩) الَّذِي جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا فَإِذَا أَنْتُمْ مِنْهُ تُوقِدُونَ (٨٠)﴾، فقوله في آخر يس: ﴿تُوقِدُونَ (٨٠)﴾، معنى قوله في الواقعة: ﴿تُورُونَ (٧١)﴾ وقوله في آية يس: ﴿جَعَلَ لَكُمْ مِنَ الشَّجَرِ الْأَخْضَرِ نَارًا﴾ بعد قوله: ﴿يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ دليل واضح على أن خلق النار من أدلة البعث.\nوقوله هنا: ﴿أَأَنْتُمْ أَنْشَأْتُمْ شَجَرَتَهَا﴾ أي الشجرة التي توقد منها كالمرخ والعفار، ومن أمثال العرب: \"في كل شجر نار، واستمجد المرخ والعفار\"؛ لأن المرخ والعفار هما أكثر الشجر نصيبًا في استخراج النار منهما، يأخذون قضيبًا من المرخ ويحكّون له عودًا من العفار فتخرج من بينهما النار. ويقال: كل شجر فيه نار إلا العناب.\nوقوله: ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً﴾ أي نذكر الناس بها في دار الدنيا إذا أحسوا شدة حرارتها نار الآخرة التي هي أشد منها حرًّا، لينزجروا عن الأعمال المقتضية لدخول النار، وقد صح عنه  -  ﷺ  -  أن حرارة نار الآخرة مضاعفة على حرارة نار الدنيا سبعين مرة. فهي تفوقها بتسع وستين ضعفًا كل واحد منها مثل حرارة نار الدنيا.\nوقوله تعالى: ﴿وَمَتَاعًا لِلْمُقْوينَ (٧٣)﴾ أي منفعة للنازلين بالقواء من الأرض، وهو الخلاء والفلاة التي ليس بها أحد، وهم المسافرون؛ لأنهم ينتفعون بالنار انتفاعًا عظيمًا في الاستدفاء بها والاستضاءة وإصلاح الزاد.\nوقد تقرر في الأصول أن من موانع اعتبار مفهوم المخالفة كون اللفظ واردًا للامتنان. وبه تعلم أنه لا يعتبر مفهومًا للمقوين؛ لأنه جيء به للامتنان، أي وهي متاع أيضًا غير المقوين من الحاضرين بالعمران.","vol":"7","page":852},{"text":"وكل شيء خلا من الناس يقال له أقوى، فالرجل إذا كان في الخلاء قيل له: أقوى. والدار إذا خلت من أهلها قيل لها: أقوت.\nومنه قول نابغة ذبيان:\nيا دار مية بالعلياء فالسند ... أقوت وطال عليها سالف الأبد\nوقول عنترة:\nحُيِّيت من طلل تقادم عهده ... أقوى وأقفر بعد أم الهيثم\nوقيل: (للمقوين): أي للجائعين. وقيل غير ذلك، والذي عليه الجمهور هو ما ذكرنا.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2096> قوله تعالى: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ (٧٥) وَإِنَّهُ لَقَسَمٌ لَوْ تَعْلَمُونَ عَظِيمٌ (٧٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في أول سورة النجم.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2097> قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ حَقُّ الْيَقِينِ (٩٥) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٩٦)﴾</span>.\nأخبر الله تعالى في هذه الآية الكريمة، وأكد إخباره بأن هذا القرآن العظيم هو حق اليقين، وأمر نبيه بعد ذلك بأن يسبح باسم ربه العظيم.\nوهذا الذي تضمنته هذه الآية ذكره الله جل علا في آخر سورة الحاقة في قوله في وصفه للقرآن: ﴿وَإِنَّهُ لَحَسْرَةٌ عَلَى الْكَافِرِينَ (٥٠) وَإِنَّهُ لَحَقُّ الْيَقِينِ (٥١) فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٥٢)﴾، والحق هو اليقين.\nوقد قدمنا أن إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين","vol":"7","page":853},{"text":"أسلوب عربي، وذكرنا كثرة وروده في القرآن وفي كلام العرب، ومنه في القرآن قوله تعالى: ﴿وَلَدَارُ الْآخِرَةِ﴾ والدار هي الآخرة، وقوله ﴿وَمَكْرَ السَّيِّئِ﴾ والمكر هو السيء، بدليل قوله بعده: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إلا بِأَهْلِهِ﴾، وقوله: ﴿مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦)﴾ والحبل هو الوريد، وقوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾ والشهر هو رمضان.\nونظير ذلك من كلام العرب قول امرئ القيس:\nكبكر المقاناة البياض بصفرة ... غذاها نمير الماء غير المحلل\nوالبكر هي المقاناة.\nوقول عنترة:\nومشك سابغة هتكت فروجها ... بالسيف عن حامي الحقيقة معلم\nلأن مراده بالمشك هنا الدرع نفسها، بدليل قوله: هتكت فروجها، يعني الدرع، وإن كان أصل المشك لغة السير الذي تشد به الدرع؛ لأن السير لا تمكن إرادته في بيت عنترة هذا، خلافًا لما ظنه صاحب تاج العروس، بل مراد عنترة بالمشك: الدرع، وأضافه إلى السابغة التي هي الدرع كما ذكرنا، وإلى هذا يشير ما ذكروه في باب العَلَم، وعقده في الخلاصة بقوله:\nوإن يكونا مفردين فأضف ... حتمًا وإلا أتبع الذي ردف\nلأن الإِضافة المذكورة من إضافة الشيء إلى نفسه مع اختلاف اللفظين، وقد بينا في كتابنا \"دفع إبهام الاضطراب عن آيات الكتاب\" أن قوله في الخلاصة:\nولا يضاف اسم لما به اتحد ... معنى وأول موهمًا إذا ورد","vol":"7","page":854},{"text":"أن الذي يظهر لنا من استقراء القرآن والعربية أن ذلك أسلوب عربي، وأن الاختلاف بين اللفظين كاف في المغايرة بين المضاف والمضاف إليه، وأنه لا حاجة إلى التأويل مع كثرة ورود ذلك في القرآن والعربية.\nويدل له تصريحهم بلزوم إضافة الاسم إلى اللقب إن كانا مفردين نحو سعيد كرز؛ لأن ما لا بد له من تأويل لا يمكن أن يكون هو اللازم كما ترى، فكونه أسلوبًا أظهر.\nوقوله: ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ الْعَظِيمِ (٧٤)﴾ التسبيح: أصله الإِبعاد عن السوء، وتسبيح الله تنزيهه عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وذلك التنزيه واجب له في ذاته وأسمائه وصفاته وأفعاله.\nوالظاهر أن الباء في قوله ﴿بِاسْمِ رَبِّكَ﴾ داخلة على المفعول، وقد قدمنا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ أدلة كثيرة من القرآن وغيره على دخول الباء على المفعول الذي يتعدى إليه الفعل بنفسه، كقوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾، والمعنى: وهزي جذع النخلة، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ﴾ أي إلحادًا، إلى آخر ما قدمنا من الآدلة الكثيرة.\nوعليه، فالمعنى: سبح اسم ربك العظيم، كما يوضحه قوله في الأعلى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾.\nوقال القرطبي: الاسم هنا بمعنى المسمى، أي سبح ربك، وإطلاق الاسم بمعنى المسمى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد:\nإلى الحول ثم اسم السلام عليكما ... ومن يبك حولًا كاملًا فقد اعتذر","vol":"7","page":855},{"text":"ولا يلزم في نظري أن الاسم بمعنى المسمى هنا؛ لإِمكان كون المراد نفس الاسم؛ لأن أسماء الله ألحد فيها قوم ونزهها آخرون عن كل ما لا يليق، ووصفها الله بأنها بالغة غاية الحسن، وفي ذلك أكمل تنزيه لها؛ لأنها مشتملة على صفاته الكريمة، وذلك في قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿أَيًّا مَا تَدْعُوا فَلَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾.\nولسنا نريد أن نذكر كلام المتكلمين في الاسم والمسمى، هل الاسم هو المسمى أو لا؟ لأن مرادنا هنا بيان معنى الآية، والعلم عند الله تعالى.","vol":"7","page":856},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2098>سورة الحديد</span>","vol":"7","page":857},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2099> قوله تعالى: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾</span>.\nقد قدمنا مرارًا أن التسبيح هو تنزيه الله عن كل ما لا يليق بكماله وجلاله، وأصله في اللغة الإِبعاد عن السوء، من قولهم: سبح، إذا صار بعيدًا، ومنه قيل للفرس: سابح؛ لأنه إذا جرى يبعد بسرعة، ومن ذلك قول عنترة في معلقته:\nإذ لا أزال على رحالة سابح ... نهد تعاوره الكماة مكلم\nوقول عباس بن مرداس السلمي:\nلا يغرسون فسيل النخل حولهم ... ولا تخاور في مشتاهم البقر\nإلا سوابح كالعقبان مقربة ... في دارة حولها الأخطار والعكر\nوهذا الفعل الذي هو (سبح) قد يتعدى بنفسه بدون اللام، كقوله تعالى: ﴿وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيلِ فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ لَيلًا طَويلًا (٢٦)﴾، وقد يتعدى باللام كقوله هنا: (سبح لله)، وعلى هذا، فسبحه وسبح له لغتان، كنصحه ونصح له، وشكره وشكر له.","vol":"7","page":859},{"text":"وذكر بعضهم في الآية وجهًا آخر، وهو أن المعنى: سبح ما في السماوات والأرض، أي أحدث التسبيح لأجل الله، أي ابتغاء وجهه تعالى. ذكره الزمخشري وأبو حيان.\nوقيل: (سبح لله) أي صلى له. وقد قدمنا أن التسبيح يطلق على الصلاة.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن أهل السماوات والأرض يسبحون لله، أي ينزهونه عما لا يليق، بينه الله جل وعلا في آيات أخر من كتابه، كقوله تعالى في سورة الحشر: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾، وقوله في الصف: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ أيضًا، وقوله في الجمعة: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِ الْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ (١)﴾، وقوله في التغابن: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيءٍ قَدِيرٌ (١)﴾.\nوزاد في سورة بني إسرائيل أن السماوات السبع والأرض يسبحن لله مع ما فيهما من الخلق، وأن تسبيح السماوات ونحوها من الجمادات يعلمه الله ونحن لا نفقهه أي لا نفهمه، وذلك في قوله تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيءٍ إلا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾، وهذه الآية الكريمة تدل دلالة واضحة على أن تسبيح الجمادات المذكور فيها وفي قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَال يُسَبِّحْنَ﴾ ونحو ذلك، تسبيح حقيقي يعلمه الله ونحن لا نعلمه.\nوالآية الكريمة فيها الرد الصريح، على من زعم من أهل العلم أن تسبيح الجمادات هو دلالة إيجادها على قدرة خالقها؛ لأن دلالة","vol":"7","page":860},{"text":"الكائنات على عظمة خالقها يفهمها كل العقلاء، كما صرح الله تعالى بذلك في قوله ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ﴾ إلى قوله: ﴿لآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)﴾، وأمثال ذلك من الآيات كثيرة في القرآن.\nوقد قدمنا إيضاح هذا في سورة الرعد في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾، وفي سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ الآية، وفي سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَينَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\nوقد عبر تعالى هنا في أول الحديد بصيغة الماضي في قوله: ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ﴾، وكذلك هو في الحشر والصف، وعبر في الجمعة والتغابن وغيرهما بقوله: (يسبح)، بصيغة المضارع.\nقال بعض أهل العلم: إنما عبر بالماضي تارة وبالمضارع أخرى ليبين أن ذلك التسبيح لله هو شأن أهل السماوات وأهل الأرض، ودأبهم في الماضي والمستقبل. ذكر معناه الزمخشري وأبو حيان.\nوقوله: ﴿وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)﴾ هو قد قدمنا مرارًا وذكرنا أن العزيز هو الغالب الذي لا يغلبه شيء، وأن العزة هي الغلبة، ومنه قوله: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ﴾، وقوله: (وعزنى في الخطاب) أي غلبني في الخصام، ومن أمثال العرب: من عزّ بزّ. يعنون: من غلب استلب. ومنه قول الخنساء:\nكأن لم يكونوا حمى يُختشى ... إذ الناس إذ ذاك من عز بزا","vol":"7","page":861},{"text":"والحكيم، هو من يضع الأمور في مواضعها، ويوقعها في مواقعها.\nوقوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ غلَّب فيه غير العاقل، وقد قدمنا في غير هذا الموضع أنه تعالى تارة يغلب غير العاقل في نحو: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ لكثرته، وتارة يغلب العاقل لأهميته، وقد جمع المثال للأمرين قوله تعالى في البقرة: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾ فغلب غير العاقل في قوله: ﴿مَا فِي السَّمَاوَاتِ﴾، وغلب العاقل في قوله: (قانتون).\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2100> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾</span>.\nقوله: ﴿فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾، قد قدمنا إيضاحه في سورة فصلت في الكلام على قوله تعالى: ﴿قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَينِ﴾ إلى قوله: ﴿فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَينِ﴾، وفي سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾.\nوقوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ قد قدمنا الآيات الموضحة له بكثرة في سورة الأعراف في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيلَ النَّهَارَ﴾ الآية، وذكرنا طرفًا صالحًا من ذلك في سورة القتال في كلامنا الطويل على قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا (٢٤)﴾.","vol":"7","page":862},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2101> قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه في أول سورة سبأ في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ (٢)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2102> قوله تعالى: ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَينَ مَا كُنْتُمْ﴾</span>.\nقد قدمنا إيضاحه وبينا الآيات القرآنية الدالة على المعية العامة والمعية الخاصة، مع بيان معنى المعية في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2103> قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أنه هو الذي ينزل على عبده محمد - ﷺ - آيات بينات، أي واضحات، وهي هذا القرآن العظيم، ليخرج الناس بهذا القرآن العظيم المعبر عنه بالآيات البينات من الظلمات، أي من ظلمات الكفر والمعاصي إلى نور التوحيد والهدى.\nوهذا المعنى الذي تضمنته هذه الآية الكريمة جاء مبينًا في قوله تعالى في الطلاق: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ يَاأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ آمَنُوا قَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيكُمْ ذِكْرًا (١٠) رَسُولًا يَتْلُو عَلَيكُمْ آيَاتِ اللَّهِ مُبَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾.","vol":"7","page":863},{"text":"وآية الطلاق هذه بينت أن آية الحديد من العام المخصوص، وأنه لا يخرج بهذا القرآن العظيم من الظلمات إلى النور إلا من وفقهم الله للإيمان والعمل الصالح، فقوله في الحديد: ﴿لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ أي بشرط الإيمان والعمل الصالح، بدليل قوله: ﴿لِيُخْرِجَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنَ الظُّلُمَاتِ﴾ الآية.\nفالدعوة إلى الإِيمان بالقرآن والخروج بنوره من ظلمات الكفر عامة، ولكن التوفيق إلى الخروجِ به من الظلمات إلى النور خاص بمن وفقهم الله، كما دلت عليه آيات الطلاق المذكورة، والله جل وعلا يقول: ﴿وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلَامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٥)﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون القرآن نورًا يخرج الله به المؤمنين من الظلمات إلى النور، جاء موضحًا في آيات من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيكُمْ نُورًا مُبِينًا (١٧٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ (١٥) يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (١٦)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالنُّورِ الَّذِي أَنْزَلْنَا﴾، وقوله تعالى: ﴿فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2104> قوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ مِيرَاثُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيهَا﴾ الآية.","vol":"7","page":864},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2105> قوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المؤمنين يوم القيامة يسعى نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، وهو جمع يمين، وأنهم يقال لهم: ﴿بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة مما ذكرنا، جاء موضحًا في آيات أخر: أما سعي نورهم بين أيديهم وبأيمانهم، فقد بينه تعالى في سورة التحريم، وزاد فيها بيان دعائهم الذي يدعون به في ذلك الوقت، وذلك في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَينَ أَيدِيهِمْ وَبِأَيمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا﴾ الآية.\nوأما تبشيرهم بالجنات، فقد جاء موضحًا في مواضع أخر، وبين الله فيها أن الملائكة تبشرهم وأن ربهم أيضًا يبشرهم، كقوله تعالى: ﴿يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ (٢١) خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ (٢٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠)﴾ إلى قوله: ﴿نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.","vol":"7","page":865},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2106> قوله تعالى: ﴿يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾</span>.\nالضمير المرفوع في (ينادونهم) راجع إلى المنافقين والمنافقات، والضمير المنصوب راجع إلى المؤمنين والمؤمنات.\nوقد ذكر الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن المنافقين والمنافقات إذا رأوا نور المؤمنين يوم القيامة يسعى بين أيديهم وبأيمانهم، قالوا لهم: انظرونا نقتبس من نوركم، وقيل لهم جوابا لذلك: ارجعوا وراءكم فالتمسوا نورًا، وضرب بينهم بالسور المذكور، أنهم ينادون المؤمنين: ألم نكن معكم، أي في دار الدنيا، كنا نشهد معكم الصلوات ونسير معكم في الغزوات وندين بدينكم؟ قالوا: بلى، أي كنتم معنا في دار الدنيا، ولكنكم فتنتم أنفسكم.\nوقد قدمنا مرارًا معاني الفتنة وإطلاقاتها في القرآن، وبينا أن من معاني إطلاقاتها في القرآن الضلال، كالكفر والمعاصي، وهو المراد هنا، أي فتنتم أنفسكم: أي أضللتموها بالنفاق الذي هو كفر باطن، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي لا يبقى شرك، كما تقدم إيضاحه.\nوقوله: ﴿وَتَرَبَّصْتُمْ﴾ التربص: الانتظار، والأظهر أن المراد به هنا تربص المنافقين بالمؤمنين الدوائر، أي انتظارهم بهم نوائب الدهر أن تهلكهم، كقوله تعالى في منافقي الأعراب المذكورين في قوله: ﴿وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ﴾: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ عَلَيهِمْ دَائِرَةُ السَّوْءِ﴾.","vol":"7","page":866},{"text":"وقوله تعالى: ﴿وَارْتَبْتُمْ﴾ أي شككتم في دين الإِسلام، وشكهم المذكور هنا وكفرهم بسببه بينه الله تعالى في قوله عنهم: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ فِي رَيبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ (٤٥)﴾.\nوقوله تعالى: ﴿وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الأماني جمع أمنية، وهي ما يمنون به أنفسهم من الباطل، كزعمهم أنهم مصلحون في نفاقهم، وأن المؤمنين حقًّا سفهاء في صدقهم، أي في إيمانهم، كما بين تعالى ذلك في قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ (١١) أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ﴾ الآية.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة، من كون الأماني المذكورة من الغرور الذي اغتروا به، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى ﴿لَيسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)﴾.\nوقوله: ﴿حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ﴾ الأظهر أنه الموت؛ لأنه ينقطع به العمل.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)﴾ هو الشيطان، وعبر عنه بصيغة المبالغة، التي هي الفعول، لكثرة غروره لبني آدم، كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيطَانُ إلا غُرُورًا ﴿(٦٤)﴾.\nوما ذكره جل وعلا في هذه الآية الكريمة، من أن الشيطان الكثيرَ الغرور غرهم بالله، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى","vol":"7","page":867},{"text":"في آخر السجدة: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٣٣)﴾، وقوله في أول فاطر: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (٥) إِنَّ الشَّيطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (٦)﴾.\nوقوله تعالى في آية السجدة وآية فاطر المذكورتين: ﴿إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ﴾ وترتيبه على ذلك النهي عن أن يغرهم بالله الغرور، دليل واضح على أن مما يغرهم به الشيطان أن وعد الله بالبعث ليس بحق، وأنه غير واقع. والغُرور بالضم الخديعة.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2107> قوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَو افْتَدَى بِهِ﴾، وفي غير ذلك من المواضع.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2108> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (١٦)﴾</span>.\nقد قدمنا مرارًا أن كل فعل مضارع في القرآن مجزوم بلم، إذا تقدمتها همزة الاستفهام كما هنا، فيه وجهان من التفسير معروفان:\nالأول منهما: هو أن تقلب مضارعته ماضوية، ونفيه إثباتًا، فيكون بمعنى الماضي المثبت؛ لأن (لم) حرف قلب تقلب المضارع من معنى الاستقبال إلى معنى المضي، وهمزة الاستفهام إنكارية فيها","vol":"7","page":868},{"text":"معنى النفي، فيتسلط النفي الكامن فيها على النفي الصريح في (لم) فينفيه، ونفي النفي إثبات، فيرجع المعنى إلى الماضي المثبت. وعليه، فالمعنى: (ألم يأن للذين) أي آن للذين آمنوا.\nوالوجه الثاني: أن الاستفهام في جميع ذلك التقرير، وهو حمل المخاطب على أن يقر فيقول: بلى.\nوقوله: (يأن) هو مضارع أنى يأنى إذا جاء إناه أي وقته، ومنه قول كعب بن مالك ﵁:\nولقد أنى لك أن تناهى طائعًا ... أو تستفيق إذا نهاك المرشد\nفقوله: \"أنى لك أن تناهي طائعًا\" أي جاء الإِناه الذي هو الوقت الذي تتناهى فيه طائعًا، أي حضر وقت تناهيك.\nويقال في العربية: آن يئين، كباع يبيع، وأنى يأني كرمى يرمي، وقد جمع اللغتين قول الشاعر:\nألما يئن لي أن تجلى عمايتي ... وأقصر عن ليلى بلى قد أنى ليا\nوالمعنى على كلا القولين: أنه حان للمؤمنين، وأَنَى لهم أن تخشع قلوبهم لذكر الله، أي جاء الحين والأوان لذلك، لكثرة ما تردد عليهم من زواجر القرآن ومواعظه.\nوقوله تعالى: ﴿أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ﴾ المصدر المنسبك من أن وصلتها في محل رفع فاعل بأن.\nوالخشوع أصله في اللغة السكون والطمأنينة والانخفاض، ومنه قول نابغة ذبيان:\nرماد ككحل العين لأيا أبينه ... ونؤي كجذم الحوض أثلم خاشع\nفقوله: \"خاشع\" أي منخفض مطمئن.","vol":"7","page":869},{"text":"والخشوع في الشرع: خشية من الله تداخل القلوب، فتظهر آثارها على الجوارح بالانخفاض والسكون، كما هو شأن الخائف.\nوقوله: (لذكر الله)، الأظهر منه أن المراد خشوع قلوبهم لأجل ذكر الله، وهذا المعنى دل عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ أي خافت عند ذكر الله، فالوجل المذكور في آية الأنفال هذه، والخشية المذكورة هنا معناهما واحد.\nوقال بعض العلماء: المراد بذكر الله: القرآن، وعليه فقوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ﴾ من عطف الشيء على نفسه مع اختلاف اللفظين، كقوله تعالى: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١) الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى (٢) وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى (٣)﴾، كما أوضحناه مرارًا.\nوعلى هذا القول، فالآية كقوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾، فالاقشعرار المذكور، ولين الجلود والقلوب عند سماع هذا القرآن العظيم المعبر عنه بأحسن الحديث، يفسر معنى الخشوع لذكر الله وما نزل من الحق هنا، كما ذكر.\nوقوله تعالى: ﴿وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَال عَلَيهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ قد قدمنا في سورة البقرة في الكلام على قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ بعض أسباب قسوة قلوبهم، فذكرنا منها طول الأمد المذكور هنا في آية الحديد هذه، وغير ذلك في بعض الآيات الأخر.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كثرة الفاسقين من أهل","vol":"7","page":870},{"text":"الكتاب، جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ (١١٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَآتَينَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٧)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2109> قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ غَيثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الزمر في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَامًا﴾، وبينا هناك الآية الدالة على سبب اصفراره.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2110> قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة، أن كل ما أصاب من المصائب في الأرض كالقحط والجدب والجوائح في الزراعة والثمار، وفي الأنفس من الأمراض والموت، كله مكتوب في كتاب قبل خلق الناس، وقبل وجود المصائب، فقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا﴾، الضمير فيه عائد على الخليقة المفهومة في ضمن قوله: ﴿فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أو إلى المصيبة، واختار بعضهم رجوعه لذلك كله.\nوقوله تعالى: ﴿إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢)﴾ أي سهل هين؛ لإِحاطة علمه وكمال قدرته.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من أنه لا يصيب الناس شيء من","vol":"7","page":871},{"text":"المصائب إلا وهو مكتوب عند الله قبل ذلك، أوضحه الله تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إلا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا هُوَ مَوْلَانَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ (٥١)﴾، وقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إلا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥)﴾؛ لأن قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ قبل وقوع ذلك دليل على أن هذه المصائب معلومة له جل وعلا قبل وقوعها، ولذا أخبرهم تعالى بأنها ستقع، ليكونوا مستعدين لها وقت نزولها بهم؛ لأن ذلك يعينهم على الصبر عليها.\nونقصُ الأموال والثمرات مما أصاب من مصيبة، ونقص الأنفس في قوله: (والأنفس) مما أصاب من مصيبة في الأنفس.\nوقوله في آية الحديد هذه: ﴿لِكَيلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ هو أي بينا لكم أن الأشياء مقدرة مكتوبة قبل وجود الخلق، وأن ما كتب واقع لا محالة؛ لأجل ألا تحزنوا على شيء فاتكم؛ لأن فواته لكم مقدر، وما لا طمع فيه قل الأسى عليه، ولا تفرحوا بما آتاكم؛ لأنكم إذا علمتم أن ما كتب لكم من الرزق والخير لا بد أن يأتيكم قل فرحكم به.\nوقوله: (تأسوا)، مضارع أسِيَ بكسر السين، يأسَى، بفتحها، أسىً، بفتحتين على القياس، بمعنى حزن، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (٦٨)﴾.\nوقوله: (من مصيبة) مجرور في محل رفع؛ لأنه فاعل (أصاب) وَجُرَّ بمن المزيدة لتوكيد النفي، وما نافية.","vol":"7","page":872},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2111> قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه في سورة الشورى في الكلام على قوله: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾، وقدمنا هناك كلام أهل العلم في معناه.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2112> قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾</span>.\nبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة والتي قبلها، أن إقامة دين الإِسلام تنبني على أمرين:\nأحدهما هو ما ذكره بقوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ﴾ لأن في ذلك إقامة البراهين على الحق، وبيان الحجة، وإيضاح الأمر والنهي والثواب والعقاب، فإذا أصر الكفار على الكفر وتكذيب الرسل مع ذلك البيان والإِيضاح، فإن الله ﵎ أنزل الحديد، أي خلقه لبني آدم؛ ليردع به المؤمنون الكافرين المعاندين، وهو قتلهم إياهم بالسيوف والرماح والسهام.\nوعلى هذا، فقوله هنا: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ توضحه آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢)﴾ والآيات في مثل ذلك كثيرة معلومة.\nوقوله: ﴿وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لا يخفى ما في الحديد من المنافع للناس، وقد أشار الله إلى ذلك في قوله: ﴿وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ﴾ لأن مما يوقد عليه في النار ابتغاءَ المتاعِ الحديدُ.","vol":"7","page":873},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2113> قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ (٢٦)﴾</span>.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٢٨) بَلْ مَتَّعْتُ هَؤُلَاءِ﴾ الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2114> قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)﴾</span>.\nقد قدمنا أن التحقيق أن هذه الآية الكريمة من سورة الحديد في المؤمنين من هذه الأمة، وأن سياقها واضح في ذلك، وأن من زعم من أهل العلم أنها في أهل الكتاب فقد غلط، وأن ما وعد الله به المؤمنين من هذه الأمة أعظم مما وعد به مؤمني أهل الكتاب وإتيانهم أجرهم مرتين، كما قال تعالى فيهم: ﴿الَّذِينَ آتَينَاهُمُ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِهِ هُمْ بِهِ يُؤْمِنُونَ (٥٢) وَإِذَا يُتْلَى عَلَيهِمْ قَالُوا آمَنَّا بِهِ إِنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّنَا إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلِهِ مُسْلِمِينَ (٥٣) أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَينِ﴾ الآية.\nوكون ما وعد به المؤمنين من هذه الأمة أعظم من إيتاء أهل الكتاب أجرهم مرتين؛ لأنه أعطى المؤمنين من هذه الأمة مثله، كما بينه بقوله: ﴿يُؤْتِكُمْ كِفْلَينِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾، وزادهم بقوله: ﴿وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2115> قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الفضل بيد الله وحده وأنه","vol":"7","page":874},{"text":"يؤتيه من يشاء جاء موضحًا في آيات كثيرة، كقوله تعالى: ﴿وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ﴾.\nوقد قدمنا الآيات الموضحة له في أول سورة فاطر في الكلام على قوله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ﴾.\n\n * * *","vol":"7","page":875},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n<span data-type=\"title\" id=toc-2116>سورة المجادلة</span>","vol":"7","page":877},{"text":"بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2117> قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾</span> إلى قوله: ﴿فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا﴾.\nقد قدمنا الكلام عليه موضحًا في سورة الأحزاب في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ أَزْوَاجَكُمُ اللَّائِي تُظَاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهَاتِكُمْ﴾، وبينا هناك كلام أهل العلم وأدلتهم ومناقشتها في مسائل الظهار، ومسائل أحكام الكفارة بالعتق، والصيام، والإِطعام، وأوجه القراءة في الآية.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2118> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إلا هُوَ رَابِعُهُمْ﴾</span> إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيءٍ عَلِيمٌ (٧)﴾.\nقد قدمنا الكلام عليه في آخر سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ (١٢٨)﴾، وذكرنا هناك معنى المعية الخاصة، والمعية العامة، والآيات القرآنية الدالة على كل واحدة منهما.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2119> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾</span>.\nقد قدمنا الكلام عليه، مع بيان الفرق بين النجوى بالخير","vol":"7","page":879},{"text":"والنجوى بالإِثم والعدوان، في سورة النساء في الكلام على قوله تعالى: ﴿لَا خَيرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَينَ النَّاسِ﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2120> قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ تَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾</span>.\nقال بعض أهل العلم: معنى (ألم تر إلى الذين تولوا): ألم ينته علمك إلى الذين تولوا.\nوقد قدمنا الرد على من قال: إن لفظة (ألم تر) لا تعدى إلا بحرف الجر الذي هو (إلى)، ولا تتعدى بنفسها إلى المفعول، وبينا أن ذلك وإن كان هو الذي في القرآن في جميع المواضع فإن تعديتها إلى المفعول بنفسها صحيحة.\nومن شواهد ذلك قول امرئ القيس:\nألم ترياني كلما جئت طارقًا ... وجدت بها طيبًا وإن لم تطيب\nوالمراد: إنكار الله على المنافقين توليهم القوم الذي غضب الله عليهم، وهم اليهود والكفار. وهذا الإِنكار يدل على شدة منع ذلك التولي، وقد صرح الله بالنهي عن ذلك في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَوَلَّوْا قَوْمًا غَضِبَ اللَّهُ عَلَيهِمْ﴾.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون المنافقين ليسوا من المؤمنين، ولا من القوم الذين تولوهم وهم الذين غضب الله عليهم من اليهود، جاء موضحًا في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿مُذَبْذَبِينَ بَينَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلَاءِ وَلَا إِلَى هَؤُلَاءِ﴾.","vol":"7","page":880},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2121> قوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن المنافقين اتخذوا أيمانهم جنة، والأيمان جمع يمين، وهي الحلف، والجُنة هي الترس الذي يتقي به المقاتل وقع السلاح، والمعنى: أنهم جعلوا الأَيمان الكاذبة، وهي حلفهم للمسلمين أنهم معهم وأنهم مخلصون في باطن الأمر، ترسًا لهم يتقون به الشر الذي ينزل بهم لو صرحوا بكفرهم.\nوقوله تعالى: ﴿فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الظاهر أنه من صَدَّ المتعدية، وأن المفعول محذوف، أي فصدوا غيرهم ممن أطاعهم؛ لأن صدودهم في أنفسهم دل عليه قوله: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً﴾، والحمل على التأسيس أولى من الحمل على التأكيد، كما أوضحناه مرارًا.\nوهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة، وهما كون المنافقين يحلفون الأيمان الكاذبة لتكون لهم جنة، وأنهم يصدون غيرهم عن سبيل الله، جاءا موضحين في آيات أخر من كتاب الله:\nأما أيمانهم الكاذبة فقد بينها الله جل وعلا في آيات كثيرة، كقوله تعالى في هذه السورة: ﴿وَيَحْلِفُونَ عَلَى الْكَذِبِ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿وَسَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَو اسْتَطَعْنَا لَخَرَجْنَا مَعَكُمْ يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ (٤٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿اتَّخَذُوا أَيمَانَهُمْ جُنَّةً فَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢)﴾.","vol":"7","page":881},{"text":"وأما صدهم من أطاعهم عن سبيل الله، فقد بينه الله في آيات من كتابه، كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَينَا﴾، وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقَالُوا لإِخْوَانِهِمْ إِذَا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كَانُوا غُزًّى لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ وقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ قَالُوا لإِخْوَانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة ﴿فَلَهُمْ عَذَابٌ مُهِينٌ (١٦)﴾، أي لأجل نفاقهم، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾ الآية.\nفي قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيئًا﴾ الآية.\nقد قدمنا الآيات الموضحة له في سورة الكهف في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ إلى قوله: ﴿خَيرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2122> قوله تعالى: ﴿اسْتَحْوَذَ عَلَيهِمُ الشَّيطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ﴾</span>.\nما تضمنته هذه الآية الكريمة من إسناد إنساء ذكر الله إلى الشيطان، ذكره تعالى في غير هذا الموضع، كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (٦٨)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَأَنْسَاهُ الشَّيطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ﴾، وفي معناه قول فتى موسى: ﴿وَمَا أَنْسَانِيهُ إلا الشَّيطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾.","vol":"7","page":882},{"text":"•<span data-type=\"title\" id=toc-2123> قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ (٢٠)﴾</span>.\nذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الذين يحادون الله ورسوله داخلون في جملة الأذلين، لا يوجد أحد أذل منهم.\nوقوله: ﴿إِيُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ أي: يعادون ويحالفون ويشاقون، وأصله مخالفة حدود الله التي حدها.\nوقوله: ﴿فِي الْأَذَلِّينَ﴾ أي الذين هم أعظم الناس ذلًّا.\nوالذل: الصغار والهوان والحَقارة.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من كون الذين يحادون الله ورسوله هم أذل خلق الله، بينه جل وعلا في غير هذا الموضع، وذلك بذكره أنواع عقوبتهم المفضية إلى الذل والخزي والهوان، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّهُ مَنْ يُحَادِدِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدًا فِيهَا ذَلِكَ الْخِزْيُ الْعَظِيمُ (٦٣)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ كُبِتُوا كَمَا كُبِتَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ (٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿فَاضْرِبُوا فَوْقَ الْأَعْنَاقِ وَاضْرِبُوا مِنْهُمْ كُلَّ بَنَانٍ (١٢) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٣) ذَلِكُمْ فَذُوقُوهُ وَأَنَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابَ النَّارِ (١٤)﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2124> قوله تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَويٌّ عَزِيزٌ (٢١)﴾</span>.\nقد دلت هذه الآية الكريمة على أن رسل الله غالبون لكل من","vol":"7","page":883},{"text":"غالبهم، والغلبة نوعان: غلبة بالحجة والبيان، وهي ثابتة لجميع الرسل، وغلبة بالسيف والسنان، وهي ثابتة لمن أمر بالقتال منهم دون من لم يؤمر به.\nوقد دلت هذه الآية الكريمة، وأمثالها من الآيات كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ (١٧٢) وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (١٧٣)﴾ أنه لن يقتل نبي في جهاد قط؛ لأن المقتول ليس بغالب؛ لأن القتل قِسْم مقابل للغلبة، كما بينه تعالى في قوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ الآية، وقال تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا﴾ الآية، وقد نفى عن المنصور كونه مغلوبًا نفيًا باتًا في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾.\nوبهذا تعلم أن الرسل الذين جاء في القرآن أنهم قتلوا، كقوله تعالى: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ (٨٧)﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ﴾ ليسوا مقتولين في جهاد، وأن نائب الفاعل في قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ﴾، على قراءة (قُتِل) بالبناء للمفعول، هو (ربيون) لا ضمير النبي.\nوقد أوضحنا هذا غاية الإِيضاح بالآيات القرآنية في سورة آل عمران في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ﴾، وذكرنا بعضه في الصافات في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (١٧١)﴾.\n\n•<span data-type=\"title\" id=toc-2125> قوله تعالى: ﴿لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ﴾</span>.","vol":"7","page":884},{"text":"وردت هذه الآية الكريمة بلفظ الخبر، والمراد بها الإِنشاء، وهذا النهي البليغ، والزجر العظيم، عن موالاة أعداء الله، وإيراد الإِنشاء بلفظ الخبر أقوى وأوكد من إيراده بلفظ الإِنشاء، كما هو معلوم في محله.\nومعنى قوله: ﴿يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾: أي: يحبون ويوالون أعداء الله ورسوله.\nوما تضمنته هذه الآية الكريمة من النهي والزجر العظيم عن موالاة أعداء الله جاء موضحًا في آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَينَنَا وَبَينَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ﴾، وقوله تعالى: (﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَينَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾ الآية، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيهِمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات.\nوقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿لَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ﴾ زعم بعضهم أنها نزلت في أبي عبيدة بن الجراح، قائلًا: إنه قتل أباه كافرًا يوم بدر أو يوم أُحد. وقيل: نزلت في عبد الله بن عبد الله بن أُبي المنافق المشهور، وزعم من قاله: أن عبد الله استأذن النبي  -  ﷺ  -  في قتل أبيه عبد الله بن أبي فنهاه. وقيل: نزلت في أبي بكر، وزعم من قاله: أن أباه أبا قحافة سب النبي  -  ﷺ  -  قبل إسلامه فضربه ابنه أبو بكر حتى سقط.","vol":"7","page":885},{"text":"لا يستحق السلب إلا بقول الإمام: إنه له، إذ لو كان استحقاقه له بمجرد القتل لما كان لمنع معاذ بن عفراء وجه، مع أن النبي صرح بأنه قتله مع معاذ بن عمرو، ولجعله بينهما.\nومنها: ما رواه الإمام أحمد، ومسلم، وأبو داود، عن عوف بن مالك قال: قتل رجل من حمير رجلًا من العدو، فأراد سلبه، فمنعة خالد بن الوليد، وكان واليًا عليهم، فأتى رسول الله ﷺ عوف بن مالك فأخبره؛ فقال لخالد: ما منعك أن تعطيه سلبه؟ قال: استكثرته يا رسول الله. قال: ادفعه إليه، فمر خالد بعوف فجر بردائه، ثم قال: هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله  - ﷺ -؟ فاستغضب فقال: لا تعطه يا خالد، لا تعطه يا خالد، هل أنتم تاركون لي أمرائي، إنما مثلكم ومثلهم، كمثل رجل استرعى إبلًا، أو غنمًا فرعاها، ثم تحين سقيها فأودرها حوضًا فشرعت فيه، فشربت صفوه، وتركت كدره، فصفوه لكم، وكدره عليهم.\nوفي رواية عند مسلم أيضًا: عن عوف بن مالك الأشجعي، قال: خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من اليمن، وساق الحديث عن النبي ﷺ بنحوه، غير أنه قال في الحديث: قال عوف بن مالك: فقلت: يا خالد، أما علمت أن رسول الله ﷺ قضى بالسلب للقاتل، قال: بلى، ولكني استكثرته، هذا لفظ مسلم في صحيحه.\nوفي رواية عن عوف أيضًا، عند الإمام أحمد وأبي داود قال: خرجت مع زيد بن حارثة في غزوة مؤتة، ورافقني مددي من أهل اليمن، ومضينا فلقينا جموع الروم، وفيهم رجل على فرس له،","vol":"7","page":886}]}